######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007003 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الله بن العباس، أبو الحسن، ابن الوراق (المتوفى: 381هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 381 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: علل النحو #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: النحو والصرف #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007003 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7003 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7003 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمود جاسم محمد الدرويش #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1420 هـ - 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الرشد - الرياض / السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # (بسم الله الرحمن الرحيم) # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # قال أبو الحسن محمد بن عبد الله الوراق، رحمه الله، وغفر له: # إن قال قائل: من أين علمتم أن الكلام ينقسم ثلاثة أقسام؟ # قيل: لأن المعاني التي يحتاج إليها الكلام ثلاثة، وذلك أن من الكلام ما ~~يكون خبرا ويخبر عنه، فسمى النحويون هذا النوع اسما. # ومن الكلام ما لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فسمى النحويون هذا النوع فعلا. # ومن الكلام ما لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فسمى النحويون هذا النوع حرفا. # وليس هاهنا معنى يتوهم سوى هذه الأقسام الثلاثة، فلهذا لا إشكال فيما عدا ~~هذه الأقسام، إذ لا معنى يتوهم سواها. # ووجه آخر: أن المعاني قد أحطنا بعلم جميعها، والألفاظ يحتاج إليها من أجل ~~المعاني، فإذا كان كل معنى لا يمكن أن يعبر عنه إلا بأحد هذه الأقسام ~~الثلاثة، دل ذلك على أن جميع الأقسام ثلاثة. # فإن قال قائل: فلم خصصتم القسم الأول بتلقيبه بالاسم، والثاني بالفعل، ~~والثالث بالحرف؟ # فالجواب في ذلك من وجهين: # PageV01P137 # أحدهما: أن غرض النحويين بهذا التلقيب الفصل بين هذه الأقسام، إذ كانت ~~معانيها مختلفة، فإذا كان القصد باللقب إلى الفصل، فليس لأحد أن يقول: لم ~~لقبتم هذا القسم بهذا اللقب دون غيره؟ إذ لا لقب يلقب به إلا ويمكن أن ~~يعترض بهذا السؤال، وقد وجب بحالة أن يخص بلقب، فإذا وجب الشيء لم يجب ~~الإعتراض عليه. # والوجه الثاني: أنه يمكن أن يجعل لكل لقب معنى من أجله لقب به. # والوجه في تلقيب ما صح أن يكون خبرا ويخبر عنه ب (الاسم) ، لأن الاسم ~~مشتق من سما يسمو، أي: ارتفع، فلما كان هذا له مزية على النوعين الآخرين، ~~من أجل أنه شارك النوع الذي يكون خبرا في هذا المعنى، ويفضله في أن الخبر ~~يصح عنه، وجب أن يلقب بما ينبئ عن هذه المزية، فلقب بالاسم، ليدل بذلك على ~~علوه وارتفاعه على النوعين الآخرين. # وأما النوع الثاني فلقب ب (الفعل) ، وذلك أن ms001 قولك: ضرب، يدل على الضرب ~~والزمان، والضرب هو فعل في الحقيقة، فلما كان (ضرب) يدل عليه لقب بما دل ~~عليه. # فإن قيل: فلم صار تلقيبه بالفعل الدال عليه دون الزمان، وهو أيضا دال ~~عليه؟ # قيل: لأنه مشتق من لفظ المصدر، وليس مشتقا من لفظ الزمان، فلما اجتمع فيه ~~الدلالة على المصدر واشتقاق اللفظ كان أخص به من الزمان، لوجود لفظه فيه. # PageV01P138 # فإن قيل: فلم اشتق الفعل من المصدر دون الزمان؟ # قيل: لأن الزمان دائم الوجود، والمصادر أفعال تنقضي، وإنما الغرض في ~~اشتقاق الفعل من أحدهما ليدل عليهما، فلما كانت الأفعال منقضية، والزمان ~~موجودا، وجب أن يقع الاشتقاق من المصادر، ليدل لفظ (2 / أ) الفعل عليهما من ~~غير تذكار، ولم يحتج في الزمان إلى ذلك لوجوده، فلهذا وجب الاشتقاق من ~~المصدر دون الزمان. # ووجه آخر: أن أسماء الأزمنة قليلة، وأسماء الأنفس كثيرة، فلو اشتق من ~~الزمان لفظ الفعل ضاق الكلام، ولم يكن فيه مع ذلك دلالة على المصدر، فاشتق ~~من لفظ الأفعال المصدر، لأنها لا تفارقه، وإن لم يكن لها اسم يحصرها. # وأما تسمية النوع الثالث بالحرف في اللغة، فموضوع لطرف الشيء، وكان هذا ~~النوع إنما يقع طرفا للاسم والفعل معا، خص بهذا اللقب، لقولك: أزيد ترى في ~~الدار؟ فالألف إنما دخلت للاستفهام عن كون زيد، ولم تدخل هي لمعنى يختصها، ~~وهي في اللفظ طرف مع ذلك، فاعرفه. # واعلم أن للاسم حدا وخواص، فحده: كل ما دل على معنى مفرد تحته، غير مقترن ~~بزمان محصل فهو اسم، كقوله: رجل، وفرس، وما أشبه ذلك، ألا ترى أن هذه ~~اللفظة دالة على شخص مجرد من شيء سواه! # PageV01P139 # وأما الخواص: فجواز دخول الألف واللام عليه، والتنوين، وحرف من حروف ~~الجر، ووقوعه فاعلا ومفعولا، والإضافة، والإضمار وما أشبه ذلك، وأن يحسن ~~معه ضر ونفع. # وبعض النحويين لا يجعل علامة الاسم جواز دخول هذه الأشياء، فرارا من أن ~~تلزمهم معارضة، لقولهم: (أتت الناقة على مضربها) ، أي على الزمان الذي ~~يضربها فيه الفحل، وذلك أنه يقول: إن ms002 المضرب قد دل على زمان وضرب، وهو مع ~~ذلك اسم، وهذا ينقض حد الاسم. # فالجواب عن هذا السؤال أن يقال: إن المضرب وضع لدلالة على زمان فقط، وإن ~~كنا نفهم مع ذلك الضرب، لاشتقاق اللفظ من الضرب، وإذا كان المفهوم من دلالة ~~وضع الاسم معنى واحدا، فقد سلم لفظ الحد. ونظير ما ذكرنا أن الأفعال إنما ~~وضعت للدلالة على الزمان، وإن كنا نفهم أن الفاعل منها يحتاج إلى مكان، إلا ~~أن ذلك نفهمه بالتأمل دون اللفظ، فكذلك (المضرب) يجري في هذا المجرى، يدل ~~على صحة ذلك أن العرب إذا أرادت الدلالة على المصدر فقط قالت: (المضرب) ، ~~ففتحوا الراء، فلو كان (المضرب) يدل على المصدر، لم يحتاجون إلى بناء آخر؟ # فإن قيل: فما قولكم في (ضارب) وما أشبهه من أسماء الفاعلين؟ # PageV01P140 # قيل: دالة على الفاعل للضرب من جهة اللفظ، وإنما يفهم معنى الزمان فيها ~~بالنية. وجاز ذلك لأن اسم الفاعل مشتق من الفعل، فجاز أن ينوى به الزمان، ~~لاشتقاقه من لفظ يدل على الزمان. # فإن قيل: أليس (كان وأخواتها) تدل على الزمان فقط، فهلا جعلت اسما، ~~لدلالتها على معنى مفرد، كدلالة (يوم وليلة) وما أشبههما؟ # قيل: إنها وإن كانت تدل على الزمان فقط، فقد صرفت تصريف الأفعال، ومع ذلك ~~فالغرض في ذكرها العبارة عن المعاني التي تقع في خبر المبتدإ، فصارت كأنها ~~دالة على ذلك المعنى والزمان جميعا. ألا ترى أنك إذا قلت: كان زيد قائما، ~~دللت ب (كان) على قيام في زمان ماض، فلذلك وجب أن تجعل أفعالا. # وأما الفعل: فحده أن يقال: (2 / ب) كل كلمة تدل على معنى وزمان محصل فهو ~~فعل، كقولك: ضرب، وانطلق، يدل على انطلاق في زمان. # وله أيضا خواص، فمن خواصه التصرف، نحو: ضرب يضرب، وذهب يذهب، وما أشبهه. ~~ومنه صحة الأمر، نحو: اضرب، واقتل، وما أشبهه. # PageV01P141 # وأما الحرف: فحده: ما دل على معنى في غيره، نحو قولك: أخذت درهما من مال ~~زيد، ف (من) تدخل للتبعيض للمال، والبعض هو الدرهم من المال. وإن ms003 شئت ~~اعتبرته بامتناع حد الاسم والفعل منه، أو بامتناع خواصهما منه. # وأما إدخال الهاء في العربية، فلأن المراد بالعربية اللغة العربية، ~~واللغة مؤنثة، فدخلت الهاء على هذا المراد. # وإنما قسمت العربية على أربعة أضرب، لأن أصل الإعراب هو الإبانة، ~~والإعراب إنما يدخل في الكلام للإبانة عن المعاني، فكأنا أردنا أن نقسم ~~العربية من حيث كانت مبنية عليه، لا من وجوه تصاريفها، وإذا كان كذلك ~~فالإعراب إنما هو بحركة وسكون، والحركة إما أن تكون ضمة أو فتحة أو كسرة، ~~لا يمكن أن توجد حركة مخالفة لهذه الثلاثة، والسكون الرابع، فلهذا انقسمت ~~أربعة أقسام. # فإن قال قائل: فلم صار الرفع والنصب يدخلان على الأسماء والأفعال، واختص ~~الجر بالأسماء، والجزم بالأفعال؟ # قيل: لأن أصل الإعراب إنما هو في الأسماء دون الأفعال، والدلالة على ذلك ~~أن الأسماء لو لم تعرب لأشكل معناها، ألا ترى أنك لو قلت: ما أحسن # PageV01P142 # زيد. لكنت ذاما له. ولو قلت: ما احسن زيد؟ لكنت مستفهما عن أبعاضه أيها ~~أحسن. ولو قلت: ما أحسن زيدا! لكنت متعجبا. # فلو أسقط الإعراب في هذه الوجوه، لاختلطت هذه المعاني، فوجب أن تعرب ~~الأسماء ليزول الإشكال. # وأما الأفعال فإنها لو لم تعرب لم يشكل معناها، لأنها بنيت لأزمنة ~~مخصوصة، فإعرابها أو تركها لا يخل بمعناها، والإعراب زيادة، ومن شرط الحكيم ~~ألا يزيد لغير فائدة، فكان حق الأفعال كلها أن تكون سواكن، إلا أن الفعل ~~الذي في أوله الزوائد الأربع أشبه الاسم من أربع جهات: # أحدها: أن يكون صفة كما يكون الاسم، كقولك: مررت برجل يضرب، كما تقول: ~~مررت برجل ضارب. # والثاني: أنه يصلح لزمانين، أحدهما الحال، والآخر الاستقبال، ثم تدخل ~~(السين وسوف) فتبينه إلى الاستقبال، كما أن قولك: ضارب، لا يدل على شخص ~~بعينه، كما اختص الفعل بزمان بعينه. # والثالث: أن اللام التي تدخل في خبر (إن) تدخل على الاسم، وعلى هذا ~~الفعل، كقولك: إن زيدا لقائم، وإن زيدا ليقوم، ويقبح دخولها على # PageV01P143 # الماضي، نحو: إن زيدا لقام. فلما شرك الفعل المضارع الاسم في ms004 حسن دخول ~~اللام عليه، علمنا أن بينهما مشابهة. # وإنما قبح دخول اللام على الماضي، لأن هذه اللام أصل دخولها على المبتدإ، ~~ونقلت عن موضعها لدخول (إن) عليها، وحق خبر المبتدأ أن يكون هو المبتدأ في ~~المعنى، فلما كان الفعل المضارع مشبها للاسم حسن دخول اللام عليه، ولما بعد ~~الماضي من شبه الاسم، قبح دخولها عليه. # والرابع: أن قولك: ضارب، يصلح لزمانين، وكذلك: يضرب، يصلح لزمانين. وإنما ~~صارت هذه (3 / أ) المشابهة لها تأثير، لأن الاسم الواحد قد يقع لمسميات ~~كثيرة، فلما وقع المضارع لزمانين، صار كالاسم الواقع لمسميين، فلذلك صار ~~هذا الوجه معتدا به في شبهه للاسم، ولم يجز أن يعتد بكون (ضرب) دالا على ~~الزمان الماضي، فيجعل الماضي مشبها له في هذه الوجوه، لأن دلالة الفعل على ~~معنى واحد لا يوجب شبها بالأسماء، لأن الاتساع إنما وقع في الأسماء، لكون ~~الاسم الواحد لمسميات، لضيق الأسماء، وكثرة المسمين بها، فما أشبهها من هذا ~~الوجه يجري مجراها، وما دل على معنى واحد فهو على أصله، فلما أشبه الفعل ~~المضارع الاسم من هذه الجهات، وجب أن يحمل على الاسم فيما يستحقه الاسم، ~~وهو الإعراب. # وإنما حمل على الاسم في الإعراب دون ما يستحقه الاسم من الجمع # PageV01P144 # والتصغير، وغير ذلك مما يختص بالأسماء دون الأفعال، لأن الإعراب لا يغير ~~معنى الفعل بدخوله عليه، وصار ما ذكرته يوجب تغيير معنى الفعل وإخراجه إلى ~~أن يكون اسما، إذ كانت المعاني التي اختص بها الاسم مما لا يصح دخولها على ~~الفعل، وإنما اختص بها من حيث كان اسما، فلذلك وجب أن يحمل الفعل على الاسم ~~من أجل ما أشبهه في حكم لا يغير معناه، ويلحقه بمعنى الأسماء، وهو الإعراب، ~~إلا أن الجزم لم يجز دخوله على الاسم، لأنه لو دخل عليه لأوجب حذف شيئين، ~~وهما: التنوين والحركة، والاسم في نهاية الخفة، فكان ذلك يؤدي إلى الإجحاف ~~به، فسقط الجزم من الأسماء، وأدخل في الأفعال، إذ كان الفعل ثقيلا يحتمل ~~الحذف والتخفيف، فاستقر الجزم للفعل لما ذكرنا. ms005 # وبقي من الإعراب ثلاثة أضرب، وهو: الرفع والنصب والجر، فالجر امتنع من ~~الفعل، لأن الجر إنما يكون بالإضافة، والفضل بالإضافة تخصيص المضاف، والفعل ~~لو أضفت إليه لم تخص ما قبله، ألا ترى أنك لو قلت: هذا غلام، لكن مبهما، ~~فإذا قلت: غلام زيد، اختص بملك زيد، فلو قلت: جاءني غلام يقوم، لم يختص ~~الغلام بإضافته إلى (يقوم) لأن القيام يكون من زيد، ومن عمرو، وسائر الناس، ~~فلهذا أسقط الجر من الفعل. # ووجه آخر: وهو أن المجرور يقوم مقام التنوين، والفعل لا يخلو من # PageV01P145 # فاعل، فكان يؤدي إلى أن يقوم مقام التنوين - وهو وجه واحد ضعيف - شيئان ~~قويان، وهما الفعل والفاعل، فسقط الجر من الفعل، وجعل في الاسم، إذ كان ~~محلا للإعراب. # وبقي من الإعراب الرفع والنصب، ولم يعرض فيها ما يوجب اختصاصهما أو ~~أحدهما بالفعل والاسم، فوجب أن يدخلا عليهما. # وجازت إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال لأنها تضاف إلى المصادر، والفعل ~~يدل على مصدره، كقولك: (من كذب كان شرا له) ، أي: كان الكذب شرا له، فلما ~~جاز أن نقول: أعجبني يوم خروجك. جاز أن تقول: أعجبني يوم تخرج. # ووجه آخر: أن الفعل يدل على مصدر وزمان، والزمان جزء من الفعل، فلما جازت ~~إضافة البعض إلى الكل (3 / ب) جازت إضافة الزمان إلى الفعل، كما يجوز أن ~~تقول: (ثوب خز) . # وقال الأخفش في ذلك: إن جميع ظروف الزمان يتعدى الفعل إليها بغير # PageV01P146 # توسط حرف الجر. # وظروف المكان إنما يتعدى الفعل إلى المبهم منها بغير توسط حرف الجر، ~~فجعلت إضافة ظروف الزمان إلى الفعل عوضا من ذلك. # فأما (حيث) من ظروف المكان فيجوز إضافتها إلى الفعل، تشبيها ب (حين) ، ~~لأنها مبهمة في المكان كإبهام (حين) في الزمان، فلذلك جاز إضافتها إلى ~~الفعل. # فاستقر بما ذكرنا أن الجر للأسماء، والجزم للأفعال، وبقي الرفع والنصب ~~مشتركين للأسماء والأفعال. # فإن قال قائل: قد قلتم إن أصل الأفعال السكون، ثم بينتم وجوب الإعراب ~~للمضارع، فمن أين اختلف فعل الأمر والفعل الماضي، فبنيتم الماضي على الفتح، ~~والأمر ms006 على السكون؟ فالجواب في ذلك: أن الفعل الماضي قد حصلت له مشابهة ~~بالاسم من وجه، وذلك في الصفة، نحو قولك: مررت برجل قام، كما تقول: مررت # PageV01P147 # برجل قائم، ويقع موقع المضارع في الشرط، كقولك: إن ضربت ضربت، فهو ~~بمنزلة: إن تضرب أضرب. وفعل الأمر لا يقع هذا الموقع، فجعل للماضي مزية على ~~فعل الأمر، ولم تبلغ هذه المزية أن توجب له الإعراب، فوجب أن يجعل الماضي ~~حكمه بين حكم المضارع وبين فعل الأمر، فمنع الإعراب، لنقصه عن المضارع، ~~وفضل بحركة لمزيته على فعل الأمر. # فإن قال قائل: فلم جعلت تلك الحركة الفتحة؟ # قيل: لأن الغرض بتحريكه أن تحصل له مزية على فعل الأمر، وبالفتح نصل إلى ~~غرضنا، كما نصل بالضم والكسر، إلا ان الفتح أخف الحركات، فوجب استعماله ~~لخفته. # ووجه آخر: وهو أن الجر لما منع الفعل، وهو كسر عارض، والكسر اللازم أولى ~~أن يمنع الفعل، فلهذا لم يجز أن يبنى على الكسر، ولم يجز أن يبنى على الضم، ~~لأن بعض العرب تجتزئ بالضمة عن الواو، فتقول في قاموا: قام، قال الشاعر: # PageV01P148 # (فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة) # فلو بني على الضم لالتبس بالجمع في بعض اللغات، فأسقط للالتباس، وأسقط ~~الكسر لما ذكرناه، فلم يبق إلا الفتح فبني عليه. # فإن قال قائل: ما تنكرون أن يكون الأمر مجزوما بلام محذوفة، لأن الأصل في ~~قم: لتقم، والدلالة في ذلك قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~ -: " فبذلك فلتفرحوا "، فحذفت اللام والتاء، وبقي الفعل مجزوما كما كان؟ # قيل له: هذا يفسر من وجوه: # أحدها: أن حروف الجزم أضعف من حروف الجر، لأن الفعل أضعف من الاسم، والجر ~~على هذا يجوز أن يكون أقوى من الجزم، وعوامل الجر يجوز حذفها، # وما هو أضعف منها أولى ألا يحذف. # ووجه آخر: وهو أن هذه الزوائد أوجبت للفعل المضارعة للاسم، فوجب أن يزول ~~الإعراب الذي وجب من أجلها. # ووجه آخر: وهو أن شرط المعرب أن تعتقب في آخره الحركات باختلاف العوامل، ~~وشرط المبني أن ms007 يلزم طريقة واحدة. فلما وجدنا فعل الأمر لا يزول عن السكون ~~(4 / أ) وجب أن يلحق بحكم المبنيات دون المعرب، وليس معني دخول (اللام) ~~معنى الأمر. والأسماء لا يصح دخول الجزم عليها، نحو: # PageV01P149 # صه ومه، وما أشبه ذلك، فقد بان بما ذكرنا أن فعل الأمر يوجب أن يكون ~~مبنيا على السكون. # فإن قال قائل: لم صارت هذه الأسماء الستة تختلف أواخرها، نحو قولك: جاءني ~~أخوك، ورأيت أخاك، ومررت بأخيك، وغيرها من الأسماء إنما تختلف أواخرها ~~بالحركات؟ # فالجواب في ذلك من وجهين: # أحدهما: أن يكون جعلوا هذه الأسماء مختلفة الأواخر، توطئة لما يأتي من ~~التثنية والجمع، وصارت هذه الأسماء أولى بالتوطئة من غيرها، لأنها أسماء لا ~~تنفك من إضافة المعنى، والإضافة فرع على الأصل، كما أن التثنية والجمع فرع ~~على الواحد، فلما شابهت هذه الأسماء التثنية والجمع في هذا الحكم، كانت ~~أولى من غيرها التي لا مشاركة بينها وبين التثنية والجمع في هذا الحكم. # والوجه الثاني: أن هذه الأسماء تفرد في اللفظ، فيصير إعرابها بالحركات، ~~نحو قولك: هذا أب، ورأيت أبا، ومررت بأب. فقد لزمت أوساطها الحركات، فلما ~~ردوها إلى أصلها في الإضافة، وقد كانت أوساطها تدخلها # PageV01P150 # حركات الإعراب، أرادوا أن يبقوا هذا الحكم فيها، ليدل بذلك على أنها مما ~~يصح أن يعرب بالحركات في حال الانفراد، فوجب أن يضموا أوساطها في الرفع، ~~فلما ضموا وسطها انقلب آخرها واوا، لأن أصلها (فعل) ، فحق أواخرها أن تقلب ~~ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، والألف متى انضم ما قبلها صارت واوا، ~~وكذلك إذا انكسر ما قبلها صارت ياءا، فلهذا وجب أن تختلف أواخر هذه الأسماء ~~بالحروف. # واعلم أن الإعراب في الحقيقة مقدر في هذه الحروف، إذ شرط الإعراب أن يكون ~~زيادة على بناء الاسم، ولا يجوز أن يكون ما تفتقر إليه الكلمة من بنائها ~~إعرابا، وإذا كان كذلك، فالإعراب مقدر كما يقدر في الأسماء المقصورة وسنبين ~~لم وجب تقديره، ولم يستحق اللفظ، في موضعه. # فإن قال قائل: فلم وجب أن يكون الإعراب في آخر ms008 الكلمة دون أولها ووسطها؟ # فالجواب في ذلك: أن الأوائل لا يصح أن تكون مواضع الإعراب لوجهين: # أحدهما: أن بعض الإعراب سكون، فلو أعربت الأوائل لأدى ذلك أن يبتدأ ~~بالساكن، وهذا محال، لأن الابتداء مهيج للنطق، فلا يجوز أن يثير تهيجه حركة ~~مع الحرف، ولو جاز الابتداء بالساكن، لكان ذلك شائعا في # PageV01P151 # أكثر الحروف، لأن الحركة غير الحروف، فإذا جاز أن يجرد بعض الحروف من ~~الحركة، جاز ذلك في سائر الحروف، فلما امتنع هذا الحكم عند من يخالف في هذا ~~الموضع - إلا في حرف أو حرفين يقدر أنها ساكنة، وإنما هو اختلاس الحركة - ~~صح ما ذكرناه، لأن الابتداء بالساكن ممتنع. # والوجه الثاني: أن الابتداء لا بد له من حركة تختصه، لما ذكرناه، فلو ~~أعرب الأول لم تعرف حركة الإعراب من حركة البناء، فلهذا لم يجز أن تدخل في ~~الأول، ولم يجز أن تدخل في الأوسط لوجهين: # أحدهما: أن الوسط به (4 / ب) يعرف وزن الكلمة، هل هو على (فعل) أو (فعل) ~~أو (فعل) فلو أعرب الوسط اختلطت أيضا حركة الإعراب بحركة البناء. # والوجه الثاني: أن من الأسماء ما لا وسط له، وهو ما كان عدده زوجا، نحو ~~ما كان على حرفين، ك (يد، ودم) ، وما كان على أربعة أحرف، نحو: جعفر، وما ~~كان على ستة أحرف، نحو: عضرفوط، فلو أعرب الوسط لأدى ذلك إلى أن يختلف موضع ~~الإعراب، إذا كان ما ذكرناه من الأسماء لا وسط له، فسقط أن تعرب الأوساط، ~~فلم يبق إلا الأواخر، فلهذا صارت محلا للإعراب. # PageV01P152 # ووجه آخر في الأصل: وهو أن الإعراب قد بينا أنه دخل لإفادة المعنى، وهو ~~زيادة على الاسم، وإنما يعرف الشخص عند الفراغ من ذكر اسمه، فيجب أن يكون ~~إذا فهم معنى الشخص أن يزداد عليه معنى الإعراب، فإذا كانت معرفته إنما تقع ~~عند الفراغ من الاسم، فلا سبيل أن يكون الإعراب فهم الشخص ومعناه، ولو كان ~~على غير هذا لأشكل معناه. # فإن قال قائل: لم خصوا التنوين من بين سائر الحروف فجعلوه ms009 علامة ~~للانصراف؟ # فالجواب في ذلك: أن أولى ما يزاد من الحروف للعلامة حروف المد أو اللين، ~~وإنما صارت أولى لكثرة دورها في الكلام، إذ لا كلمة تخلو منها أو من بعضها، ~~فكرهوا أن يزيدوا حرفا منها علامة للانصراف، إذ كانت هذه الحروف تدل على ~~التثنية والجمع، فكانت زيادتها تؤدي إلى أحد أمرين: إما اللبس بالتثنية ~~والجمع، أو يؤدي ذلك إلى ثقل اللفظ، فسقطت زيادتها، ولم يكن للحروف شيء ~~أقرب إليها من التنوين، لأن التنوين نون خفيفة، وإنما لقب بهذا اللقب ليفصل ~~بين النون التي يوقف عليها وبين هذه النون - أعني التنوين الذي لا يوقف ~~عليه - وشبهت بحروف المد واللين أنها غنة في الخيشوم، فليس على المتكلم فيه ~~كلفة، إذ لا يعتمد له في الفم فجرى مجرى الألف في الخفة، إذ كانت هواء في ~~الحلق، فلهذا وجب أن يزداد التنوين علامة للانصراف. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى إدخال التنوين إلى الفصل # PageV01P153 # الذي ذكرتموه؟ # قيل له: لأن الأسماء كلها نوع واحد، ثم دخل على بعضها ما أوجب له الشبه ~~بالحروف، فهذا القسم يبنى على حركة أو سكون، لأنه أشبه المبني، وهو الحرف، ~~وذلك نحو: أين، وكيف، وما أشبه ذلك. # ووجه شبهه بالحروف أنه ناب عنها، وذلك قول القائل: أين زيد؟ ينوب عنه ~~قوله: أفي الدار زيد؟ وما أشبه ذلك من الأماكن، نحو: السوق وغيره، فلما ناب ~~عن حرف الاستفهام وجب أن يبنى لبنائه. ومن الأسماء ما دخلت عليه أوجبت له ~~الشبه بالفعل، فهذا القسم يعرب، إلا أنه لا يدخله الجر والتنوين، كما لا ~~يدخل الفعل الذي أشبهه. # ومن الأسماء لم تعرض له علة تخرجه عن أصله، وهو الإعراب، فلو لم يدخل ~~التنوين عليه لالتبس بالمعرب الذي يشبه الفعل، فلم يكن بد من علامة تفصل ~~بينهما، فهذا الذي أوجب أن يفصل بالتنوين بين المنصرف وغيره. # (5 / أ) فإن قال قائل: فلم أسقطتم التنوين في الوقف؟ # قيل له: لأن التنوين تابع للإعراب، ألا ترى أنه يدخل في المرفوع والمنصوب ~~والمجرور، فلما كان ms010 تابعا له، والإعراب لا يوقف عليه، وجب أن يسقط في ~~اللفظ، إذ كان تبعه من جهة اللفظ، ألا ترى أن التنوين لا يوجد إلا بعد ~~حركة، فإذا وجب إسقاط حركة ما قبلها تبعه في السقوط. # PageV01P154 # ووجه آخر قد ذكرناه، وهو _ أي التنوين _ قد بينا أنه زيادة على الكلمة، ~~وحكم الزائد أنقص من حكم الأصلي، فأسقطوه في الوقف ليدلوا بذلك على نقصه. # فإن قيل لك: هلا أسقط في الدرج، وأثبت في الوقف؟ فالجواب في ذلك من ~~وجهين: # أحدهما: أن السؤال يرجع على السائل لو صرنا إلى ما قال، فلما لم يفدنا ~~إلا ما نحن عليه من الفرق، لم يكن لأحد أن يعترض بهذا الاعتراض، إذ لو ~~فعلوا ما سألنا السائل لكان جائزا. # والوجه الثاني: أن ما فعلوه أولى مما سألناه، وذلك أن الإعراب قد استقر ~~أن ثبت حكمه في درج الكلام، وهو زيادة على الاسم، ويسقط في الوقف، فحمل ~~التنوين عليه، لاشتراكهما في أنهما علامتان زائدتان على الاسم، فلما وجب في ~~الإعراب كان ما ذكرناه، لأنه عند الفراغ من الكلمة يجب أن تقع راحة ~~المتكلم، إذ كان آخر نشاطه آخر كلامه، فأرادوا أن يكون لفظه في هذه الحال ~~أخف من لفظه في حال النشاط، فجعل حال الدرج بالحركة والتنوين، لأنه موضع ~~لاستراحته. / # فإن قيل لكم: فلم أبدلتم من التنوين ألفا في الوقف، وهذا قد أدى إلى ~~التسوية بين الزائد والأصلي على ما عللتم لأنه قد ثبت في الوقف والوصل؟ # [قيل] : لأن القصد في الفصل بين الزائد والأصلي أن يحصل للزيادة حال نقص ~~في حال الوقف والدرج، ولا يثبت في حال واحدة، كثبات الأصلي، والألف التي هي ~~بدل من التنوين تسقط في الدرج، كما يسقط التنوين في الوقف، فقد فارق حكم ~~الحرف الأصلي، وإنما أبدلوا من التنوين ألفا لأن الألف خفيفة، # PageV01P155 # وأن الإشارة إلى الفتح متعذرة لخفائه، فكان البدل من التنوين ألفا يجتمع ~~فيه أمران: # أحدهما: بيان الإعراب فيما قبله. # والآخر: أن تكون هذه العلامة لها حال تثبت في الوصل ms011 والوقف حتى لا يسقط ~~حكمها في الوقف بحال. وإنما احتيج إلى ذلك لأن شرط العلامة أن تثبت في كل ~~حال. # فلما عرض في ثباتها في جميع الأحوال اللبس بالحرف الأصلي، والتسوية بينها ~~وبينه، أسقط التنوين فيما ذكرناه، وأثبت ها هنا لئلا يخل بحكمه. # فإن قال قائل: لم يجب الوقف على السكون وعلى الإشارة إلى الضم والكسر؟ # قيل له: قد بينا أن الأصل إنما يجب أن يكون بالسكون، والذي يشير إلى الضم ~~والكسر فإنما غرضه أن يبين أن لهذا الحرف حال حركة في الدرج، وبعضهم يروم ~~الحركة. والفصل بين الروم والإشمام أن الإشمام إنما يفهمه البصير دون ~~الضرير، لأنه عمل بالشفة بعد الفراغ من الحرف. فأما الروم فهو الاختلاس ~~للحركة، وهو (5 / ب) مما يدركه البصير والضرير. # وهذه الثلاثة الوجوه تجوز في كل اسم قبل آخره ساكن، فإن كان قبل آخره ~~متحرك جازت الوجوه الثلاثة فيه. # PageV01P156 # وجاز وجه رابع: وهو تشديد آخره، كقولهم في عمر عمر. وفي خالد: خالد. ~~وإنما شددوا لأن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنا، وقد علموا أن الجمع بين ~~ساكنين لا يجوز في درج الكلام، فإذا شددوا علم بالتشديد أن الحرف الآخر لا ~~بد أن يتحرك في الوصل، لسكون ما قبله، وهو التشديد، والتشديد أبين من روم ~~الحركة، فإذا وصلت سقط التشديد، وهو إنما يجوز في المرفوع، ويجوز أيضا في ~~المجرور، إلا الإشمام فأنه لا يستعمل في المجرور، لأن ذلك لا يؤدي إلى ~~التسوية في الصورة، فلهذا رفض. وأما المنصوب فإنه لا يستعمل في شيء من هذا، ~~لأنه يبدل فيه من التنوين ألف، فتظهر حركة الإعراب في الوقف، ويصير هذا ~~المعني عوضا مما تدخله الألف من التنوين، وذلك إذا كان في المنصوب ألف ~~ولام، أو كان لا ينصرف. # فإن قال قائل: فلم وقع الجزم في الأفعال على ضربين: مرة بحذف حرف، ومرة ~~بحذف حركة؟ # قيل له: أصل الجزم القطع، ولا بد للمجزوم أن يحذف من آخره علامة الرفع. ~~وإذا كان الفعل معتلا سكن آخره علامة للرفع، ولا ms012 بد أن يكون للجزم علامة ~~وتأثير، فلما لم يصادف في آخر الفعل إلا حرفا ساكنا حذفه، ليكون بينه وبين ~~المرفوع فصل، وجاز حذف الحرف لضعفه، إذ كان ساكنا، فجرى مجرى الحركة في ~~جواز الحذف عليه. # فإن قال قائل: فلم وجب حذف الواو من قولك: لم يقم، دون حذف الميم، ولم ~~وجب الحذف في الجملة؟ # PageV01P157 # فالجواب في ذلك: أنه ليس من كلام العرب الجمع بين ساكنين في الوصل، لأن ~~الجمع بينهما في الوصل محال، ولكنه ليس بموجود، فلم يكن بد من حذف أحد ~~الساكنين، أو تحريكه، ليخرج إلى كلامهم. # وقد يمكن تعليل امتناع الجمع بين ساكنين، بأن يقال: إن الحرف الساكن إذا ~~تكلم به، أن المتكلم في حكم الواقف عليه والمبتدئ بما بعده، وقد بينا أن ~~الابتداء بالساكن محال، فكان الجمع بينهما يشبه الابتداء بالساكن، فلهذا ~~امتنعوا، وإنما وجب الحذف في الواو دون الميم لوجهين: # أحدهما: أن الميم لو حذفت وبقيت الواو لجاز أن يلقاها ساكن، ولا بد من ~~حذف الواو أو تحريكها، فلو حذفت أدى ذلك إلى الإجحاف بالفعل، ولو حركتها ~~لأدى إلى الاستثقال، إذ كانت الحركات على حروف مستثقلة، فوجب أن تحذف ~~الواو، وتبقى الميم التي لا يستثقل عليها الحركة، ولا يجب حذفها. # والوجه الثاني: أن حروف المد أضعف من غيرها، فلما وجب حذف أحد الحرفين، ~~وجب حذف الأضعف، وهو الواو. # فإن قال قائل: فلم لم يحركوا أحدهما؟ # قيل: لو حركنا الآخر، وجب تحريكه بالفتح أو الضم، إذ الكسر ممنوع من ~~الفعل، وأن الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين الكسر، ولو حركنا الآخر ~~بالضم أو بالفتح لم تعلم علامة الجزم، لأنه أدى اللفظ إلى لفظ النصب ~~والرفع. ولو حركنا الأول لأدى (6 / أ) إلى الاستثقال، إذ الحركات في هذه ~~الحروف مستثقلة. # فإن قال: أليس قد حركتم إذا لقيها ساكن من كلمة أخرى بالكسر، لسكونها ~~وسكون الواو؟ # PageV01P158 # فالجواب في ذلك: أنها لو حركت بالكسر من أجل الواو التي قبلها، لصار ~~الكسر لازما لها، إذ كانت الواو لازمة، فلما صار الكسر لازما، ms013 والجر عارض ~~لا يدخل الفعل، كان الكسر اللازم أولى بالمنع. # وأما الكسر لأجل الساكن من كلمة أخرى، فجاز لأجل أن الكسر لا يلزم الحرف، ~~لأن الكلمة الثانية لا تلزم الفعل، فلما كان الكسر عارضا استعملوه، لأنه ~~الأصل، وليس مما يلزم وأما اللازم فتجنبوه، فهذا الفصل بينهما. # ووجه آخر في أصل المسألة: وهو أن تقول: إن أصل الساكنين إذا التقيا أن ~~يحذف أحدهما، إلا أن يكون الحذف يوجب لبسا أو إجحافا بالكلمة، فحينئذ ~~تحركه. # فأما إذا خلا من هذين الوجهين، فالحذف أولى به، لأنه إذا كان الجمع ~~بينهما ممتنعا، وليس في حذف أحدهما ضرر، كان الحذف أولى من زيادة حركة ~~مستغنى عنها. # فإن قال قائل: قد قلت: إن الواو لا ترجع عند تحرك الميم، إذا قلت: لم يقم ~~القاسم. لأن حركة الميم عارضة. فلم رجعت في قولك: لم يقوما. والتثنية ~~عارضة؟ # فالجواب في ذلك: أن الجزم إنما هو داخل على الرفع، وإذا كان كذلك ~~فالتثنية إنما يجب أن تعتبر حالها في الرفع قبل الجزم، فلما وجب أن تقول: ~~فلما يقومان، فتظهر الواو، لأنه لا شيء يوجب إسقاطها، ودخل الجزم، حذفت ~~النون، وبقي الفعل على صورته في حال الرفع. # وأما قولهم: لم يقم القاسم، فالواو قد وجب إسقاطها قبل مجيء ما يوجب # PageV01P159 # تحرك الميم، لأن ما يدخل على أول الكلمة أسبق مما يجيء بعد الفراغ منها، ~~وإذا كان كذلك صارت حركة الميم عارضة، إذ دخلت على ما استقر له السكون ~~والحذف، وليس حكم التثنية كذلك لما ذكرناه. # فإن قال قائل: لم اختلفت التثنية والجمع هذا الاختلاف؟ # فالجواب في ذلك: أنه لضرورة أدت إليه، وذلك أن الاسم المرفوع كان حقه أن ~~يثنى بالواو، لأن الضمير بالواو، فيقال: جاءني الزيدون، بفتح ما قبل الواو، ~~وفي الجمع: الزيدون، بضم ما قبل الواو، وكان يجب في الجر أن يقال مررت ~~بالزيدين، بفتح ما قبل الياء في التثنية، وبكسره في الجمع، فيقع الفصل بين ~~تثنية المرفوع وجمعه، وبين تثنية المجرور وجمعه، باختلاف الحركات. فإذا ~~بنينا المنصوب على ms014 هذا القياس لزم أن نقول: رأيت الزيدان، لأن الفتحة من ~~الألف، ولو فعلنا هذا وأردنا الجمع، لزم أن ترجع الألف في الجمع، كما رجعت ~~الواو والياء في جمع المرفوع والمجرور، ولو فعلنا هذا لم يقع فصل بين تثنية ~~المنصوب وجمعه، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، فلما كان هذا يؤدي ~~إلى اللبس بين التثنية والجمع أسقطت علامة المنصوب، ولم يكن بد من حمله - ~~إذا ثني أو جمع - على المرفوع أو المجرور، فكان حمله على المجرور أولى من ~~أربع جهات: أحدها: أن (6 / ب) المنصوب والمجرور قد يشتركان في المعنى، ~~كقولك: مررت بزيد، معناه: جزت زيدا، فلاشتراكهما في المعنى حمل النصب على ~~الجر. # والجهة الثانية: أنهما يشتركان في الكناية، نحو قولك: مررت بك، ورأيتك. # والجهة الثالثة: أن الجر ألزم للأسماء من الرفع، لأن الرفع ينتقل إلى ~~الفعل، # PageV01P160 # فكان حمل النصب على الألزم أولى من حمله على المنتقل. # والجهة الرابعة: أن الجر أخف من الرفع، فلما أردنا حمل المنصوب، وهو ~~خفيف، كان حمله على المخفوض أولى. # فإن قال قائل: فلم أدخلتم في تثنية المرفوع الألف، ولم تبقوه على أصله؟ ~~قيل له: لأنهم أرادوا أن يستعملوا الحروف الثلاثة في التثنية والجمع، كما ~~استعملوا حركاتها في الواحد، فلما وجب إسقاط الألف من المنصوب، لما ذكرناه، ~~لم يبق موضع يدخل عليه سوى المرفوع والمجرور، فأدخلوها في تثنية المرفوع، ~~لما ذكرناه. # فإن قال قائل: فهلا أدخلوها في تثنية المجرور؟ # قيل له: إدخالها في تثنية المرفوع أولى، لأن الواو أثقل من الياء، فلما ~~كان لا بد من إسقاط الواو والياء، وجب إسقاط الأثقل. # فإن قال قائل: لم وجب فتح واو التثنية، وياء التثنية في الأصل؟ # قيل له: لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، والتثنية قبل الجمع، فقد ~~استحقت التثنية الفتح في النصب لأصل الألف، وحملت الياء والواو على الألف ~~وضم ما قبل الواو في الجمع وكسر ما قبل الياء لوجهين: # أحدهما: أن الكسر من الياء، والضم من الواو، فكان أولى ما يجر به ms015 ما هو ~~من جنسها. # والوجه الثاني: أن الفتح قد فات باستحقاق التثنية له، فلم يبق إلا الضم، ~~وكذلك لو ضم ما قبل ياء الجمع انقلبت واوا، فكان يختلط الجر بالرفع، والرفع ~~بالجر ولم يبق إلا الكسر. # PageV01P161 ### | (باب) # واعلم أن الألف في التثنية، والواو في الجمع، والياء في [التثنية] والجمع ~~من حروف الإعراب عند سيبويه بمنزلة الدال في زيد، والإعراب فيها مقدر، كما ~~يقدر في أواخر المقصور، نحو: عصا ورحى. # وإنما وجب أن تكون هذه الحروف حروف إعراب، لأن معنى الكلمة إنما يكمل ~~بها، وصارت آخر حرف في الاسم، وقد بينا أن حكم الإعراب، إنما يكون زيادة ~~على بناء الاسم، فلهذا وجب أن تكون حروف الإعراب، وإنما امتنع من الإعراب ~~استثقالا للحركات، فحذف استخفافا، وقدر في النية. # فإن قال قائل: فهلا لزمت التثنية والجمع لقبا واحدا ولم تتغير هذا ~~التغيير، كما أن المقصور لما قدر في آخره لزم وجها واحدا فلم يتغير؟ # فالجواب في ذلك: أن التغيير إنما لزم في التثنية والجمع، ولم يلزم في ~~المقصور، وإن استويا فيما ذكره السائل، لأن المقصور يستدل على إعرابه ~~بنظيره من الصحيح وبنعته، فصار ما في النعت والنظير من علامة الإعراب يغني ~~عن تغير آخر المقصور، ألا ترى أنك إذا قلت: هذه عصا معوجة، بان الرفع في ~~(معوجة) وكذلك لو وضعت في مكانها اسما غير معتل، لبان الإعراب فيه، # PageV01P162 # نحو: هذا جمل (7 / أ) وأما التثنية والجمع فلا نعت لهما إلا بتثنية أو ~~جمع، ولا نظير لهما إلا كذلك، فلو لزمت وجها واحدا، لم يكن على إعرابها ~~دليل، فجعل بغيرها عوضا من عدم النظير. # فإن قال قائل: فلم دخلت النون في التثنية والجمع؟ قيل له: عوضا من الحركة ~~والتنوين. # فإن قال قائل: فلم وجب أن يعوض من الحركة والتنوين؟ قيل له: لأن من شرط ~~التثنية وهذا الجمع أن يكون له علامة مزيدة على لفظ الواحد، فكان يجب أن ~~تلحقه الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين والحركة التثنية والجمع، ~~وعوض ما يمتنع من دخولهما، ms016 وجب أن يعوض منهما، لئلا يخل بما يوجبه ترتيب ~~اللفظ، وقد بينا أن الحركة إنما سقطت استثقالا. # وأما التنوين فوجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذه الحروف سواكن، فلم يكن يخلو من ~~أحد أمرين: أما إسقاط هذه الحروف لسكونها وسكون التنوين، فتزول علامة ~~التثنية والجمع، فيؤول إلى الاستثقال، أو تحرك التنوين، فيصير نونا لازمة، ~~وتخرج عن حكم العلامة التي وضع لها، فلم يبق غير حذفها، فلهذا وجب إسقاط ~~التنوين، فلما دخلت النون - عوضا لما ذكرناه - دخلت ساكنة لأن الحرف إنما ~~تحرك لزيادة الحركة عليه، وهي غيره، فإذا زدناه مجردا من الحركة بقي ساكنا، ~~وقبله علامة التثنية والجمع، وهي ساكنة، فالتقى ساكنان، فحركت النون ~~لالتقاء الساكنين. # فإن قال قائل: فلم كسرت في التثنية، وفتحت في الجمع؟ # PageV01P163 # ففي ذلك وجوه: # أحدها: أن التثنية قبل الجمع، وحق الساكن إذا حرك حرك بالكسر، فقد استحقت ~~نون التثنية الكسر على الأصل، لأنها سابقة للجمع، وجازت نون الجمع، وقد فات ~~كسرها، ففتحت لئلا تلتبس بنون التثنية، فلم يبق لها من الحركات إلا الضم ~~والفتح، والضم مستثقل، فسقط وبقي الفتح. # ووجه ثان: وهو أن الجمع يقع قبل النون فيه واو قبلها ضمة، أو ياء قبلها ~~كسرة، فكرهوا كسرة النون، لئلا يثقل بتوالي الكسرات، أو يخرجوا من ضم إلى ~~كسر، فسقط الكسر، وهو بالإسقاط أولى، فلم يبق إلا الفتح، فجعل الكسر للأخف، ~~والفتح للأثقل ليعتدلا , # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى الفصل بين نون التثنية ونون الجمع، ~~وصيغة التثنية مباينة لصيغة الجمع، وإن سقطت النون، فما الحاجة إلى الفصل؟ # قيل: قد يشكل جمع المقصور في النصب والجر بتثنية الصحيح، كقولك: # رأيت المصطفين، فيقع ما قبل ياء الجمع مفتوحا، كما تقول في تثنية زيد: ~~رأيت الزيدين، ومررت بالزيدين، فلو لم يكسروا نون التثنية، ويفتحوا نون ~~الجمع، لالتبس جمع المقصور بتثنية الصحيح، فلما وجب الفصل بين هذين أجروا ~~كل تثنية وكل جمع على هذا، لئلا تختلف طريقتهما. # فإن قال قائل: لم كانت النون بالزيادة أولى من سائر الحروف؟ # قيل له: لم ms017 يمكن زيادة بعض حروف المد في التثنية والجمع استثقالا (7 / ب) ~~لاجتماعهما، ومع هذا فكان يجب إذا وقع حرف المد بعد ألف التثنية أن يهمز ~~ولأن كل حرف مد وقع طرفا قبله ألف زائدة، فلا بد من همزه، فكان ذلك يؤدي ~~إلى # PageV01P164 # تغيير الحرف عن أصله، فوجب أن تزاد النون من بين سائر الحروف، لما ذكرناه ~~في الجمع من مذهب سيبويه، وهو الصحيح عندنا، وأما أبو الحسن الأخفش وأبو ~~العباس المبرد، ومن تابعهما، فيقولون: هذه الحروف دلائل على الإعراب، وليست ~~بإعراب، ولا حروف إعراب، وهذا القول فاسد، لأنه يقال لقائله: خبرنا عن ~~قولك: إن هذه الحروف دلائل إعراب، وليست بإعراب، ولا حروف إعراب، هل يدل ~~على إعراب في الكلمة، أو في غيرها؟ # فإن قال قائل: تدل على إعراب في الكلمة، فلا بد له من أن يقدر الإعراب ~~فيها، إذ كانت هي أواخر الكلم، فيرجع قوله إلى سيبويه، وتسقط هذه العبارة. ~~أو يقول: تدل على إعراب في غير الكلمة. # فيقال له: فإذا الإعراب لا في الكلمة، وما عدم إعرابه فهو مبني. ومن ~~مذهبه أن التثنية والجمع معربان، فيناقض قوله، ولو لم يعترف بإعراب التثنية ~~والجمع، لكان لقوله مساغ، وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج. # PageV01P165 # وأما الجرمي فجعل انقلاب هذه الحروف هو الإعراب، وقوله أيضا مختل، لأن ~~أول أحوال الاسم الرفع فإذا هو في حال الرفع غير منقلب، وإذا لم يكن منقلبا ~~وجب أن يكون الاسم غير معرب، فيؤدي إلى أن يكون بعض التثنية والجمع معربا، ~~وبعضه مبنيا. # وقد روي عن غير هؤلاء أنهم جعلوا هذه الحروف هي الإعراب، كالضمة والفتحة ~~والكسرة، وهذا القول هو أضعف الأقاويل، لأن شرط الإعراب ألا يخل سقوطه ~~بمعنى الكلمة، إذا كان زائدا على بنائها، ونحن لو أسقطنا هذه الحروف التي ~~تدخل على التثنية والجمع، لزال معنى الكلمة، فلهذا لم يجز أن تكون أعرابا. # واعلم أن المذكر والمؤنث يستويان في التثنية، لأن طريقة التثنية واحدة، ~~إذ كان معناها لا يختلف، وإذا كان الاثنان لا يكونان أكثر من اثنين، ms018 فجعل ~~لفظهما أيضا غير مختلف. # وأما الجمع وإن كان فرعا على الواحد كالتثنية فإنه غير محصور، فلم # PageV01P166 # يجب أن يكون لفظه محصورا، فلهذا جاء مختلفا، وفارق التثنية، وإن استويا ~~في أنهما فرعان على الواحد. # وأما الواحد فلم يجب أن يلزم لفظا واحدا، لأنه أصل مبتدأ به، موضوع على ~~أشخاص يفصل بينهما بحدود وخواص، فلا بد أن تكون ألفاظه مختلفة، والتثنية ~~والجمع يراد بهما الشيئين، يضم بهما الشيء إلى مثله، فلهذا كان يجب أن تكون ~~ألفاظها متفقة، ولكن وجب الفصل بين التثنية والجمع لما ذكرنا. # فإذا أردت جمع المؤنث جمع السلامة زدت في آخره ألفا وتاء، وإنما وجب ~~زيادة هذين الحرفين لما ذكرناه. # إن حروف المد أولى بالزيادة، وكانت الألف أولى في هذه المواضع، لأنها أخف ~~حروف المد، والمؤنث ثقيل، والجمع أيضا ثقيل، فوجب أن يدخل أخف الحروف، ~~فكانت الألف أحق بذلك لخفتها، ولم يجز أن تزاد معها من حروف المد واللين ~~لما ذكرناه من وجوه قبله إلى غير جنسه، ولم يجز الاقتصار على الألف وحدها ~~لئلا يلتبس بالتثنية، فطلبوا حرفا يكون بدلا من الواو التي هي حروف مد، ~~فجاؤوا بالتاء. # (8 / أ) ألا ترى أنها تبدل من الواو في (تخمة وتجاه) ، والأصل: (وخمة ~~ووجاه) . وكان أيضا إدخال التاء أولى، لأنها - مع مقاربتها للواو - توجب ~~حذف التاء التي في الواحدة، فنقول في مسلمة: مسلمات، والأصل: مسلمتات، ~~فأسقطوا التاء الأولى اكتفاء بالثانية، وكانت أولى بالإسقاط، لأن # PageV01P167 # الثانية تفيد معنى التأنيث ومعنى الجمع، فلهذا كانت أولى بالإسقاط من ~~الثانية، وإنما أسقطوها لئلا يجتمع تأنيثان. # فإن قال قائل: ألست تقول في حبلى: حبليات، والألف في حبلى للتأنيث، فقد ~~أثبتها في الجمع وجمعت بين تأنيثين، فهلا جعلت ذلك في التاءين؟ فالجواب في ~~ذلك من وجهين: # أحدهما: أن علامة التأنيث في حبلى الألف، فإذا جمعت انقلبت الألف، فزالت ~~علامة التأنيث فعلى هذا الوجه لم يجمع بين تأنيثين. # والوجه الثاني: أن علامة التأنيث في (حبلى) مخالفة لعلامة التأنيث في ~~الجمع، ونحن في (مسلمات) لو أقررنا اللفظ على ms019 هذا، لكنا قد جمعنا بين ~~تأنيثين صورتهما واحدة، فلهذا حذفنا إحداهما. فإذا أقررنا علامة التأنيث في ~~(حبلى) مع علامة الجمع، لم نكن قد جمعنا بين صورتي تأنيث، فيجوز الجمع ~~بينهما لاختلافهما. وهذا الوجه أيضا ذكرناه لنبين أن بين ما يجتمع فيه ~~صورتا تأنيث وبين ما تختلف فيه الصورتان فرقا، والعلة الأولى كافية. # فإن قال قائل: قد ادعيت أن التاء علامة التأنيث، ونحن نراها في الواحدة ~~هاء في الوقف؟ # قيل له: أصله التاء، وإنما وقف عليها بالهاء ليفصل بين تأنيث الاسم ~~وتأنيث الفعل. # فإن قيل: فما الدلالة على ذلك؟ # PageV01P168 # قيل: من وجوه: # أحدها: أنا نصل بالتاء، كقولك: مسلمة يا هذا، فأصل الكلام الدرج، فوجب أن ~~تكون التاء الأصل لثباتها. # ألا ترى أنك تقول: رأيت زيدا يا هذا، فثبت التنوين في الدرج، وتبدل منه ~~في الوقف ألفا، وكذلك فعلت بالتاء، أبدلت منها هاء في الوقف. # ووجه ثان: وذلك أن بعض العرب يقف على التاء فيقول في مسلمة: مسلمت، وفي ~~صالحت: صالت، قال الراجز: # (الله نجاك بكفي مسلمت ... من بعد ما وبعد ما وبعد مت) # (صارت بنات النفس عند الغلصمت ... وكادت الحرة أن تدعى أمت) # فلما ثبتت التاء في الوصل والوقف، ولم نجد أحدا يصلها بالهاء، إلا في ~~موضع لا يعتد به، إذ كانت فيه علة توجب ذلك، علمنا بذلك أن التاء هي الأصل. # ووجه ثالث: وهو أنا وجدنا التاء في الفعل قد أدخلت علامة للتأنيث، ووجدنا ~~الاسم يدخله الهاء والتاء للتأنيث في الوصل والوقف، فوجب أن يحكم على # PageV01P169 # التاء أنها الأصل في التأنيث، إذ لم نجد الهاء للتأنيث. # فإن قال قائل: قد وجدنا الهاء تستعمل للتأنيث في قوله: هذه أنثى؟ # قيل له: ليست الهاء علامة للتأنيث، وإنما هي بدل من ياء، لأنهم يقولون: ~~(هذي أمة الله) فالهاء بدل من الياء التي في (هذي) ، فدل أن الهاء ليست ~~علامة (8 / ب) للتأنيث. # فإن قيل: فما الدليل على أنها بدل من الياء؟ # قيل له: الدليل على ذلك أنك تقول في تثنية هذه: تان، فلو ms020 كانت الهاء أصلا ~~في نفسها لم يجز حذفها في التثنية، ولوجب أن تقول: هان، فلما وجدناهم قد ~~أسقطوا الهاء في التثنية، ورجعوا إلى أن قالوا: تان، كما قالوا في الذي: ~~اللذان، وفي ذا: ذان، علمنا أن التاء هي الأصل. # ووجه آخر: وهو أن الكلمة لما استعمل فيها الهاء والتاء، ووجدنا التاء ~~أثقل من الهاء، ولم نجد الهاء في غير هذا الموضع تحتمل أن تكون للتأنيث، ~~وجب أن نقدر الهاء بدلا من التاء، وذلك جائز، لأنه عدول من الأثقل إلى ~~الأخف، فإذا كان ذلك محتملا وجب حمله على ما ذكرنا، لئلا يخرج عما في ~~كلامهم. # فإن قيل: فما الحاجة في الفصل بين تأنيث الاسم وتأنيث الفعل. # قيل: لأن الفعل قد تسمي به، فإن سمي بفعل فيه علامة التأنيث لزم أن يوقف ~~عليه بالهاء، كرجل سمي ب (قامت) فيقال: جاءني قامه، فيوقف بالهاء، فصار من ~~الفصل بينهما بيان ودلالة على الاسم والفعل. # فإذا قال: فلم كان الاسم بالتغيير أولى من الفعل؟ # PageV01P170 # قيل له: لأن التاء إنما تلحق من الأفعال الفعل الماضي، والفعل الماضي ~~مبني على الفتح، فلزم طريقة واحدة، والاسم يلحقه الإعراب فيتغير آخره، فلما ~~احتجنا إلى تغيير أحدهما، غيرنا ما يلحقه التغيير، وهو الاسم. # فإن قال قائل: فلم كانت هذه الهاء أولى بالبدل من سائر الحروف؟ قيل: لأن ~~الهاء حرف خفي، وهو من مخرج الألف، فكرهوا أن يبدلوا التاء ألفا، فيلتبس ~~بالألف التي هي بدل من التنوين، فكانت الهاء أولى لذلك. # واعلم أن التاء في جمع المؤنث حرف الإعراب، فتضم في حال الرفع، وتكسر في ~~حال النصب والجر. وقد بينا أن الكسر إنما دخلها في حال النصب حملا على ~~المذكر، وقد اشتركا في جمع السلامة، فلما سوي بين النصب والجر في الأسماء ~~المذكورة، سوي أيضا بينهما في جمع المؤنث. # فإن قال قائل: قد قلتم: إن الجمع السالم: ما سلم فيه بناء الواحد، وإن ~~المكسر ما تغير فيه بناء الواحد. ثم قلتم في (بنت وأخت) في حال الجمع: بنات ~~وأخوات. ففتحتم أولهما ms021 وكان مكسورا أو مضموما، وجعلتم هذا الجمع جمع ~~السلامة؟ # قيل: لأن الأصل في بنت وأخت، بنوة وأخوة، ولكنهما غيرا في الواحد، ووجه ~~التغيير أنهم حذفوا من (أخوة وبنوة) الواو استثقالا، ثم ألحقوا (بنتا) ب ~~(جدع) و (أختا) ب (قفل) . # PageV01P171 # وإنما دعاهم إلى هذا الإلحاق لتحصل التاء على لفظة الحروف الأصلية، فيصير ~~هذا الحكم لهما كالعوض من حذف الواو. # فإن قال قائل: فما الدليل على أصل (بنت وأخت) ما ادعيته؟ # قيل له: إن الدليل فيما ذكر أن المؤنث إذا كان على لفظ المذكر وجب أن ~~تكون علامة التأنيث لاحقة للفظة المذكر، كما تقول: قائم وقائمة، فلما كان ~~لفظ (بنت وأخت) على طريق لفظ (الأخ والابن) وجب أن تكون علامة التأنيث ~~لاحقة على لفظ المذكر، فلما كان الأخ يقال في تثنيته: أخوان، علمنا أن أصله ~~(أخو) وأن حق التأنيث أن يدخل على هذا اللفظ، فلهذا (9 / أ) وجب أن تكون ~~أخت: أخوة. # وأما (بنت) فكما أنا نقول في المذكر: بنون، علمنا أن الأصل الفتح، وأن ~~(بنتا) كان حقها أن تجيء مفتوحة الياء على حد الفتح في (بنين) ولكنها غيرت ~~لما ذكرناه من الإلحاق، فإذا جمعت لم يكن بد من حذف التاء في الواحد، لأنها ~~لم تخرج بالكلمة عن حكم علامة التأنيث، بل فيهما حكم العلامة، وإن كانت قد ~~أجريت مجرى الحذف الأصلي، وليست بتاء مجردة زيدت للإلحاق المجرد، لأن ما ~~زيد للإلحاق المجرد لم يتغير، لا في تثنية ولا في جمع، لأنه قد أجرى مجرى ~~الأصلي، ألا ترى أن الياء زائدة للإلحاق ب (قنديل) ولا يتغير، فلما كانت ~~تاء (بنت وأخت) ليست خالصة للإلحاق، ثم جمعوا الاسم بالألف والتاء، لم يكن ~~بد من حذف التاء في الواحد، إذ فيها حكم التأنيث، فلم يجز الجمع بين ~~تأنيثين، فلما وجب حذفها بطل حكم الإلحاق، فوجب أن ترد الكلمة إلى # PageV01P172 # أصلها، فلهذا وجب أن يكون الجمع فيها جمع سلامة، وإن تغير الأول منه. # فإن قال قائل: فلم وجب في الجمع المكسر أن يجري بوجوه الإعراب؟ ms022 قيل له: ~~لأن هذا الجمع استؤنف له البناء، كما استؤنف الواحد، فلما أشبه الواحد في ~~هذا الحكم، وجب أن يجري حكمه في الإعراب بحكم الواحد. # وأما ما يمتحنه بعض النحويين بتصغير الواحد، فإن ثبتت التاء أجروا الاسم ~~بجميع الإعراب، فليس بشيء، لأنك تقول: هذه بيوتات العرب، ومررت ببيوتات ~~العرب، ورأيت بيوتات العرب، فتكسر التاء، ولو صغرت البيت لثبتت التاء، ~~فعلمت أن هذه العلامة ليست بأصل، وأن الموجب لكسر التاء في النصب جمع ~~السلامة. # قال أبو الحسن: قد بينا أن من الأسماء ما أشبه الفعل فمنع التنوين والجر، ~~ومنها ما أشبه الحرف فاستحق البناء، ومنها ما لم يعرض له علة، فجرى بوجوه ~~الإعراب ونون. # فإن قال قائل: فلم كان ما أشبه الفعل يمنع من التنوين والجر؟ # قيل له: لأن الفعل لا يدخله تنوين ولا جر فوجب أن يكون ما أشبهه حكمه ~~كحكمه. وقد بينا لم امتنع الفعل من الجر، فأما التنوين فإنما امتنع من ~~الفعل لأنه زيادة، والفعل ثقيل، فلم يحتمل الزيادة، ومع هذا فالذي من أجله ~~دخل التنوين في الاسم ليس بموجود في الفعل، فلم يجز أن يدخل الفعل التنوين، ~~ولما حمل النصب على الجر في تثنية الأسماء وجمعها لما بينهما من المشابهة، ~~حمل الجر فيما # PageV01P173 # لا ينصرف على النصب. # وأما من أي وجه أشبهت بعض الأسماء الأفعال حتى منع الصرف فله (باب) يبين ~~فيه إن شاء الله. # وإنما وجب فيما لا ينصرف الانصراف، إذا دخلت الألف واللام أو أضيف، ~~لوجهين: # أحدهما: أن الألف واللام والإضافة تقوم مقام التنوين، وقد بينا أن وجود ~~التنوين يوجب للاسم الانصراف، فما قام مقامه أيضا يوجب الانصراف، فلهذا ~~انصرف كل ما تدخله الألف واللام أو أضيف. # والوجه الثاني: أن الذي منع الاسم من الانصراف شبهه بالفعل، والفعل لا ~~يدخله الألف واللام ولا يضاف، وأصل الأسماء الصرف، فلما دخلها (9 / ب) ما ~~يخرجها من شبه الفعل، ردت إلى أصلها من الانصراف. # فإن قال قائل: حروف الجر تمنع من الدخول على الفعل، ومع هذا إذا دخلت ms023 على ~~ما لا ينصرف بقي على حاله من الامتناع من الصرف، فهلا صرفته في هذه الحال، ~~إذ قد خرج من شبه الفعل كما خرج بدخول الألف واللام عليه والإضافة؟ # قيل له: هذا يفسر من وجهين: # أحدهما: أن حروف الجر هي أحد عوامل الأسماء كالناصب والرافع، فلو صرفناه ~~بدخول حروف الجر عليه، لوجب أيضا أن نصرفه بدخول النواصب # PageV01P174 # والروافع عليه، إذ كانت هذه العوامل لا يجوز دخولها على الفعل، ولو فعل ~~هذا لم يحصل فصل بين المنصرف وغيره، فسقط الاعتراض بهذا السؤال. # والوجه الثاني: أن حروف الجر تجري فيما بعدها مجرى الأسماء التي تخفض ما ~~بعدها، والأفعال قد تقع في مواضع الجر بإضافة ظروف الزمان إليها، كقولك: ~~هذا يوم يقوم زيد، فصار وقوع الاسم بعد حرف الجر لا يخلص للاسم، إذ كان مثل ~~هذا الموقع قد تقع فيها الأفعال. # فأما الألف واللام والإضافة: فلا يجوز بحال أن تدخل على الأفعال، فلما ~~صار هذا الموقع يخلص للاسم دون الفعل وجب أن ينصرف. # فإن قال قائل: فلم صار التنوين يعاقب الألف واللام والإضافة؟ # قيل له: لأن التنوين إنما يدخل على الاسم ليعلم أنه منصرف، وقد بينا أن ~~جميع ما تدخله الألف واللام والإضافة ينصرف، فلما كان جميع الأسماء إذا ~~دخلها ما ذكرنا انصرف، لم يحتج إلى فرق، فسقط التنوين للاستغناء عنه. # واعلم أنك إذا قلت: جاءني قاض، فالأصل أن تضم الياء في الرفع، وتجرها في ~~الجر، ولكن الضمة تستثقل في هذه الياء والكسرة، فحذفتا فسكنت الياء، فالتقى ~~ساكنان: الياء والتنوين، فتسقط الياء لالتقاء الساكنين، وكانت أولى من ~~التنوين، لأن التنوين علامة، والياء ليست بعلامة، فكان تبقية العلامة أولى، ~~فإذا وقفت على الاسم، فقلت: هذا قاض، فالاختيار حذف الياء أيضا في الوقف. # PageV01P175 # فإن قيل: فهلا ردت الياء قبل التنوين؟ # قيل له: التنوين - وإن سقط في الوقف - فهو مراعى الحكم في الدرج، وكرهوا ~~رد الياء في الوقف، لما يلزمهم من حذفها في الدرج، فكان ذلك يؤدي إلى تعب ~~ألسنتهم، وهم يقدرون على إزالة التعب بهذا ms024 التأويل. ومن أثبت الياء اعتل ~~بالسؤال الذي ذكرناه، فإذا جررت الاسم، فقلت: مررت بقاض. فحكمه حكم ~~المرفوع، والعلة واحدة. # فإذا نصبت فقلت: رأيت قاضيا، أثبت الياء لتحركها بالفتح، فأبدلت من ~~التنوين ألفا، كما تعمل في سائر الأسماء المنصرفة. فإذا أدخلت الألف واللام ~~على هذه الأسماء فالاختيار إثبات الياء، لأن التنوين قد سقط مراعاته، لأنه ~~لا يجوز إثباته مع الألف واللام بحال، فلما سقط حكمه ردت الياء. وبعض العرب ~~يحذفها، ووجه ذلك أنه قدر إدخال الألف واللام على الاسم في حال الوقف، وقد ~~حذف منه، فبقي الحذف على حاله (10 / أ) فحكم الألف كقولك: هذا قاضي البدو، ~~وحذف الياء مع الألف واللام والإضافة ضعيف، وإنما يحسن مثله في الشعر. # فإن قال قائل: فلم صارت (الواو) لا تقع في أواخر الأسماء، إلا وقبلها ~~ساكن، ولم تجر مجرى الياء؟ # قيل له: لأنه لا يخلو أن تقع قبلها ضمة أو كسرة أو فتحة، فلم يجز أن تثبت ~~وقبلها فتحة، لأن كل واو تحركت وقبلها فتحة يجب أن تقلب ألفا، ولم يجز # PageV01P176 # أن تقع قبلها كسرة، لأن ذلك أيضا يوجب قلبها ياء، ولم يجز أن تقع قبلها ~~ضمة، لأنهم أرادوا الفصل بين الاسم والفعل في هذا الحكم، فقلبوا كل واو تقع ~~طرفا وقبلها ضمة إلى الياء، ليفصلوا بين الاسم والفعل، نحو: يغزو ويدعو، ~~والدليل على ذلك أنهم يقولون في جمع دلو: أدل، بهذا، والأصل: أدلو، كما ~~يقال في جمع فلس: أفلس، فبان بما ذكرناه أنهم يقلبون كل واو تقع طرفا في ~~الاسم وقبلها ضمة إلى الياء لما ذكرنا، ولا بد من كسر ما قبلها لتسلم، لأنه ~~لو بقي ما قبل الياء مضموما عادت واوا، فبان أنهم قصدوا الفصل بين الاسم ~~والفعل بهذا التغيير. # فإن قال قائل: فلم صار التغيير بالاسم أولى من الفعل؟ # قيل له: إن الاسم يلحقه في آخره علامة الإضافة والنسبة، ويدخله التصغير ~~والجمع المكسر والترخيم مع الإعراب، فصارت تغييرات تلحق الاسم دون الفعل، ~~فلما احتاجوا إلى تغيير أحدهما، كان التغيير لما يلزمه ms025 التغيير في كثير من ~~أحواله ألزم وأولى مما لا يلزمه التغيير. # قال أبو الحسن الأخفش: اعلم أن الأسماء المقصورة إنما ألزمت وجها واحدا، ~~لأن أواخرها لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون منقلبة من واو أو ياء، أو ~~تكون للتأنيث غير منقلبة. # PageV01P177 # والذي أوجب قلبها ألفات تحركها وانفتاح ما قبلها، فلو حركتها رجعت همزات، ~~فلما كان الإعراب لا يسلم منها كراهية إدخاله مع ما يوجب إسقاطه، فيؤدي ذلك ~~إلى التعب، فلم يجز تحرك المقصور، وقدر فيه الإعراب. # فأما ألف التأنيث فلو حركت لم تخل من أحد أمرين: # إما أن تقلب إلى الياء، أو إلى الواو، أو إلى الهمزة، ولو قلبت واوا، أو ~~ياء لوجب أن ترجع إلى الألف، لما ذكرنا من أن الواو والياء متى تحركتا ~~وانفتح ما قبلهما وجب أن تقلب ألفا، فلا يسلم الإعراب، فلهذا وجب أن تقر ~~على حالها، ومع هذا فقلبها يبطل علامة التأنيث، فكان بقاء العلامة أولى من ~~إدخال الإعراب، لأن الإعراب قد يسقط من جميع الأسماء في الوقف، فكان أولى ~~هنا بالإسقاط. # واعلم أن ما ينصرف من الأسماء المقصورة فعلامة انصرافه إثبات التنوين فيه ~~في الوصل، فإذا أثبت التنوين وهو ساكن، والألف في آخر المقصور ساكنة، التقى ~~ساكنان، فلم يكن بد من حذف أحدهما، فكان حذف الأول أولى، لأن التنوين ~~علامة، والألف ليست بعلامة، فكان تبقية العلامة أولى، فإن وقعت سقط التنوين ~~ورجعت الألف المحذوفة. # وإنما قلنا: إن هذه الألف الثانية في الوقف هي الألف الأصلية، وليست بدلا ~~من التنوين لوجوه: # أحدها: جواز الإمالة فيها وحسنها، ولو كانت بدلا من التنوين لقبح ~~إمالتها. # ووجه آخر: أن التنوين أصله أن يسقط (10 / ب) في الوقف على ما ذكرناه، ~~فإذا سقط ردت الألف الذاهبة. # PageV01P178 # فإن قيل: كيف خالف المقصور باب (قاض) وقد زعمت أن التنوين إذا سقط في ~~الوقف لم ترجع الياء، فهلا وجب ذلك في المقصور متى سقط التنوين ألا ترجع ~~الألف؟ # قيل له: الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن باب (قاض) قد ثبتت ms026 الياء في حال النصب، فلم يكن إسقاطها في ~~حال الرفع والجر إخلالا بها شديدا، ولو أسقطنا الألف من المقصور في الوقف ~~لم يكن لها حال رجوع، فكان ذلك يؤدي إلى الإخلال بها، فوجب أن يردوها، إذا ~~وجب ردها في موضع من الإعراب، وجب أن يرجع في جميع الأحوال، لأن لفظه واحد، ~~وحكم إعراب المقصور واحد. # والوجه الثاني: أن الألف خفيفة، والياء ثقيلة، فمن حيث جاز أن يبدل من ~~التنوين ألفا في حال النصب، وقبح البدل من التنوين ياء في حال الجر، لثقل ~~الياء وخفة الألف، فكذلك ها هنا قبح رد الياء في (قاض) لثقلها، وحسن رد ~~الألف في المقصور لخفتها. # فإن قال قائل: ما الدليل على أن الأزمان ثلاثة حتى رتبتم الأفعال؟ # قيل له: الدليل على ذلك أن الشيء قد تقع العدة به فيكون متوقعا، وهذا ~~لزمان الاستقبال، فإذا وجد فهذا الزمان هو زمان الحال، فإذا مضى عليه وقتان ~~أو أكثر صار ماضياه فقد حصلت لنا بما ذكرناه أزمان ثلاثة. # فإن قال قائل: فأي هذه الأزمنة أسبق؟ ففيه جوابات: # PageV01P179 # أحدها: أن يكون زمان الحال هو السابق، لأن الشيء أقوى أحواله حال وجوده، ~~فيجب أن يكون وجوده أولى، ثم تقع العدة به فيكون متوقعا، ثم يوجد الموعود ~~ويقضى فيصير ماضيا. # وذلك أن الأزمنة إنما احتجنا إليها لأمر الموجودات، والأمر فيما بينا، ~~فلهذا وجب ترتيبها على ما ذكرناه. # والجواب الثاني: أن المستقبل قبل الحال والماضي، لأنه بعد أن يقع بما ليس ~~بموجود، ثم يصير موجودا، ثم يمضي. # فقد بان بما ذكرناه أن الماضي من الزمان بعد المستقبل والحال، والمستقبل ~~يجوز أن يكون بعد الحال، ويجوز أن يكون الحال بعد المستقبل. # والوجه الثالث، وهو أقوى عندنا: فأما من جهة اللفظ فالماضي قبل المستقبل، ~~لأن قولك: (ضرب) ثلاثة أحرف، فإذا قلت: (يضرب) فقد زدت عليه حرفا مما لا ~~زيادة فيه قبل ما فيه الزيادة؟ # فإن قال قائل: فلم جعلتم المستقبل والحال عبارة واحدة تدل عليهما، ولم ~~تشركوا بين الماضي والحال بعبارة واحدة؟ # ففي ذلك ms027 جوابان: # أحدهما: أن المستقبل قد حصل مضارعا للأسماء دون الماضي، ووجدنا الأسماء ~~قد تستعمل اللفظة الواحدة منها لأشياء مختلفة، ألا ترى أنهم قالوا العين ~~لعين الإنسان، ولعين الماء، ولعين الميزان، ولحقيقة الشيء، وللطليعة، وغير ~~ذلك، فكذلك أيضا جعلوا عبارة واحدة تدل على معنيين في الأفعال المضارعة، # PageV01P180 # كما جعلوا ذلك في الأسماء. وأما الماضي فإنه لم يجب له هذا الحكم. # والوجه الثاني: أن الحال لما كان وقته قصيرا، لم يستحق لفظا يخص به لقصر ~~مدته، فجعل تبعا في العبارة للزمان المستقبل، لاشتراكهما في تقدمهم للماضي، ~~فلهذا وجب أن ترتب الأفعال على الأزمنة (11 / أ) الثلاثة، وقد بينا حكم ~~الأفعال في الإعراب والبناء، فلهذا لم نعده. # فإن قال قائل: فلم خص الفعل المضارع بهذه الزوائد من بين سائر الحروف؟ # فالجواب في ذلك: أنا قد بينا أن أول ما تزاد حروف المد، إلا أن الواو لم ~~يجز أن تزاد لأنها تستثقل، وتبدل إذا كانت أصلية، نحو قوله تعالى: {وإذا ~~الرسل أقتت} ، و (أرخ الكتاب) ، والأصل: وقتت، وورخ الكتاب، فإذا كانوا ~~يفرون منها إذا كانت أصلية، وجب ألا يزيدوا ما يفرون منه، فلما بطل أن تزاد ~~الواو في أول المضارع، جعلوا في موضعها حرفا يبدل منه، وهي التاء، لأنها ~~تبدل من الواو مواضع منها: (تجاه وتخمة) . ولم تجعل الهمزة بدلا من الواو، ~~وإن كانت تبدل منها، لأنا نحتاج إلى أن نبدلها مكان الألف، وهي أقرب إلى ~~الألف منها إلى الواو، والألف لا يجوز أن تزاد أولا، لأنها ساكنة، ~~والابتداء بالساكن لا يجوز، فجعلت الهمزة بدلا من الألف لقربها منها، وبقيت ~~الياء على أصلها، واحتجنا إلى حرف رابع، فكانت النون أولى من سائر الحروف، ~~لما ذكرناه من شبهها بحروف المد. # فإن قال قائل: فلم سكنتم الحرف الذي يلي حرف المضارعة في الأفعال ~~الثلاثية، وحركتموه في الرباعية، قلتم: هو يضرب، فسكنتم الضاد وكانت # PageV01P181 # متحركة في (ضرب) وقلتم: يدحرج، فجئتم بالدال على أصلها؟ # فالجواب في ذلك: أنهم لو أبقوا الضاد على حركتها لتوالى أربع حركات ~~لوازم، وهذا ms028 ليس في كلامهم، إلا أن تكون الكلمة محذوفة، نحو: علبط وهدبد، ~~والأصل: علابط وهدابد، لأنهم يستعملون الوجهين جميعا بمعنى واحد، فعلم أنهم ~~خففوا اللفظة لطولها حتى صارت: علبط وهدبد. # وكذلك (ضربني) جاز أن يجتمع فيه أربع حركات متواليات، لأن المفعول لا ~~يلزم بالفعل، فلم يعتدوا بتوالي الحركات، إذ كانت غير لوازم، فإذا صح أنه ~~ليس في كلامهم ما ذكرنا لم يجز تبقية الضاد في (يضرب) على حركتها. # فإن قال قائل: لم صارت أولى بالإسكان؟ # قيل له: لأن الأول لا يجوز إسكانه، لأنه ابتداء بساكن، ولا يجوز بإسكان ~~آخر الفعل، لأن ذلك يوجب بناءه، وقد حصل مستحقا للإعراب بالمضارعة للاسم، ~~فلم يبق إلا الضاد، والراء عين الفعل، وبها يعرف اختلاف الأفعال مما هو على ~~(فعل، أو فعل، أو فعل) فلما كان الإسكان في الراء يوجب لبسا لم تسكن، ولم ~~يبق إلا الضاد، فلهذا صارت بالإسكان أولى. # فأما (يدحرج) فلم يعرض فيه توالي أربع حركات، وجاء على الأصل. # فإن قال قائل: أليس (أكرم) على وزن (دحرج) والمضارع بإسكان الثاني من ~~(أكرم) خلافا ل (لدحرج) فما وجه ذلك؟ # قيل له: الأصل في يكرم: يؤكرم، كما تقول: يدحرج، ولكن الهمزة حذفت، ~~والسبب في حذفها أن المتكلم لو أخبر عن نفسه لزمه أن يقول: أنا # PageV01P182 # أأكرم، فتلتقي همزتان زائدتان، وذلك مستثقل، وقد وجدناهم يحذفون الهمزة ~~الأصلية استثقالا لها، كقولك: خذ وكل، والأصل: اؤخذ واؤكل، لأنه من: أخذ ~~وأكل، فكان حذف الزائد أولى مع ما فيه من الاستثقال، فوجب أن تحذف الهمزة ~~(11 / ب) ثم أتبعوا سائر حروف المضارعة الحذف، لئلا يختلف طريق الفعل، ~~والهمزة المحذوفة هي الثانية، لأن الأولى دخلت لمعنى، فكان حذف التي لا ~~معنى لها أولى، وأيضا فإن الثانية هي الموجبة لثقل الكلمة، إذ كانت الأولى ~~لا تثقل بها الكلمة، فكان الموجب للثقل أولى بالحذف. # فإن قال قائل: فلم اختلف أول أفعال المضارعة، وكان الرباعي منها مضموم ~~الأول وعداه مفتوح الأول؟ # فالجواب في ذلك: أن الأصل الفتح في جميع ذلك، وإنما وجب الفتح ms029 لأنه أخف ~~الحركات، ونحن نتوصل به إلى الابتداء، كما نتوصل بالضم والكسر، فكان ~~استعمال الفتح أخف وأولى، إلا أن المضارع من الفعل الرباعي إذا كان أول ~~الماضي همزة، وقد بينا أنه يجب إسقاطها فيصير لفظ المضارع على أربعة أحرف ~~في الرباعي، فيصير كمضارع الفعل الثلاثي، فلو بقيناه مفتوحا التبس ~~بالثلاثي، فضم أول مضارع الرباعي، ليفصل بينه وبين مضارع الثلاثي، ثم أتبع # PageV01P183 # سائر مضارع الرباعي لهذا القسم، لئلا يختلف طريقه، ويجري الفعل على طريق ~~واحد. فإن قيل: فلم كان الفصل بالضم أولى؟ # قيل له: لأن الضم هو الأصل، والكسر مستثقل، إذ كان الجر قد منع من الفعل، ~~فلم يبق إلا الضم. ووجه آخر: أن الضم أقوى الحركات، فأدخل على أول مضارع ~~الرباعي، ليكون عوضا من الحرف المحذوف. # فإن قيل: فلم صار الرباعي أولى من ضم الثلاثي؟ قيل: لأن الرباعي أقل في ~~كلامهم من الثلاثي، وكرهوا ضم الثلاثي لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون. # ووجه آخر: وهو أن الضم أقوى من الفتح، وكان الرباعي قد حذف منه حرف، فوجب ~~أن يعطى الرباعي الحركة القوية، ليكون فيه مع الفصل عوضا من المحذوف. # فإن سئل: لم ضممتم أول (يدحرج) وهو خمسة أحرف، وليس يلتبس بالثلاثي؟ # قيل: لئلا يختلف طريق الفعل الرباعي، فلما لزم الضم في بعضه لعلة، أجري ~~سائر تصاريفها عليها، لئلا يختلف. # فإن قال قائل: فلم استوى لفظ المتكلم، مؤنثا كان أو مذكرا، وفصل ما بين ~~المخاطب والغائب؟ # قيل لأن المتكلم لا يختلط بغيره، فلما لم يقع فيه التباس، لم يحتج إلى ~~فصل، فتقول: أنا أقوم، وإن كان مؤنثا وكذلك: نحن نقوم، للمذكر والمؤنث، ~~وسنبين لم استوى لفظ التثنية والجمع للمتكلم في (باب الضمير) ، إن شاء ~~الله. # PageV01P184 # فأما المخاطب: فيفصل بينه وبين المذكر، فقيل: أنت تقوم، للمذكر، وأنت ~~تقومين، للمؤنث، لأن المخاطب قد يشترك فيه المذكر والمؤنث، فلا يعلم المراد ~~منهما إلا بالفصل والتمييز، فاحتيج إلى الفصل والتمييز فزيد على لفظ المؤنث ~~ياء ونون، فأما الياء فهي إظهار الفاعل، وفيها علامة التأنيث، وإنما ms030 اختص ~~المؤنث بالعلامة لأنه فرع على المذكر، فاحتاج إلى زيادة لفظ على لفظ ~~المذكر، كما تقول / قائم وقائمة، ولم تجعل العلامة بالنقص من اللفظ الذي هو ~~الأصل، لئلا يزول معناه، وإنما خص المؤنث بالياء علامة، لأن علامة التأنيث ~~قد تكون بالكسر وبالياء في نحو: هذي أمة الله، ورأيتك ذاهبة. # فإن قال قائل: (12 / أ) من أين زعمتم أن الياء في (تضربين) ضمير الفاعل، ~~دون أن تكون علامة محضة؟ # قيل: إذ ثنينا أسقطنا الياء، فقلنا: أنتما تضربان، فلو كانت الياء علامة ~~محضة، لم يجز إسقاطها، ألا ترى أنك تقول: قامتا، وذهبتا، فثبتت التاء مع ~~إدخال الضمير، فلما سقطت الياء علمنا أنها ضمير الفاعل، لأن الألف تكتفي ~~منها، وليست بعلامة محضة، ولكنها علامة وضمير، وإنما زيدت عليها النون، لأن ~~الفعل لما ظهر فاعله، والفعل والفاعل يمنزلة شيء واحد، لم يخرج الفعل ~~بإظهار الفاعل عما يوجب له الإعراب، إذ كانت المضارعة ثانية له، وقد بطل أن ~~يكون آخر الفعل حرف الإعراب، لأنه قد لزمه اللين من أجل الياء، فوجب أن ~~تجعل علامة الإعراب، وقد بينا أن النون تشبه حروف المد، وهي أولى # PageV01P185 # بالزيادة بعدها، فزيدت النون، وجعلت علامة للرفع بمنزلة الضمة، فلهذا ~~زيدت النون , # وأما الغائب فجعل لفظ المذكر المخاطب للمؤنث الغائب، كقولهم: هي تقوم، ~~وإنما وجب ذلك، لأن صيغة الفعل يكتفي بها في العلامة من غير زيادة لفظ آخر، ~~وجعلوا للمذكر الغائب الياء فرفع الفصل بينهما بالياء والنون، كقولك: ~~يضربن، لجماعة المؤنث، وهم يضربون، لجماعة المذكر. # PageV01P186 ### | (2 - باب ارتفاع الفعل المضارع) # واعلم أن الفعل المضارع إنما يرتفع عند أهل البصرة بوقوعه موقع الاسم، ~~وسواء كان الاسم مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، كقولك في المرفوع: زيد يقوم، ~~وهو في موقع: زيد قائم. # فأما المنصوب فنحو قولك: كان زيد يقوم، في موضع: كان زيد قائما. # وأما المجرور فنحو قولك: مررت برجل يقوم، فهو في موضع: مررت برجل قائم. # وإنما استحق الرفع لوقوعه موقع الاسم لوجهين: # أحدهما: بأن وقوعه موقع الاسم معنى ليس بلفظ، وهو ms031 مع ذلك متجرد من ~~العوامل اللفظية، فمن حيث استحق المبتدأ الرفع، أعطي الفعل في هذا الموضع ~~الرفع. # والوجه الثاني: هو أن الفعل له ثلاثة أحوال: # أحدها: أنه يقع موقع الاسم وحده، كقولك: زيد يقوم، وهو في موضع (قائم) . # والثاني: أنه يقع موقع الاسم مع غيره، كقولك: أريد أن تذهب، فهو بمنزلة: ~~أريد ذهابك. # والحالة الثالثة: ألا يقع موقع الاسم بنفسه، ولامع غيره، كقولك: إن تأتني ~~آتك، وكذلك: لم يقم زيد، لا يصح أن يقع الاسم موقع ما ذكرناه، ويكون # PageV01P187 # بمعناه، فلما كان الفعل قد حصل على الأشياء الثلاثة، وكان الاسم هو الأصل ~~في الإعراب، كان وقوع الفعل في موضعه أقوى أحواله، فوجب أن يعطى أقوى ~~الحركات، وهو الرفع، ولما كان وقوعه مع غيره موقع الاسم دون ذلك في الرتبة، ~~جعل له النصب، ولما كان وقوعه في موضع لا يصح وقوع الاسم فيه، فبعد بذلك من ~~شبه الاسم بعدا شديدا، أعطي من الإعراب ما لا يصح دخوله على الاسم، لبعد ~~شبهه منه، وهو الجزم. # والفراء يقول: إن الفعل المضارع يرتفع بسلامته من النواصب والجوازم. # وعند الكسائي: (12 / ب) إنه يرتفع بما في أوله من الزوائد. # فأما قول الكسائي فظاهر الفساد، لأن هذه الزوائد لو كانت عاملة رفعا، لم ~~يجز أن يقع الفعل منصوبا ولا مجزوما، وهي موجودة فيه، لأن عوامل النصب لا ~~يجوز أن تدخل على عوامل الرفع، لأنه لو دخل عليه لكان يجب أن يبقى حكمها، ~~فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشيء مرفوعا منصوبا في حال، وهذا محال، فلما وجدنا ~~هذا الفعل ينصب ويجزم، والحروف في أوله موجودة، علمنا أنها ليست علة في ~~رفعه. # PageV01P188 # وأما الفراء فقوله أقرب إلى الصواب، وفساده مع ذلك، وهو أنه جعل النصب ~~والجزم قبل الرفع، لأنه يرتفع بسلامته من النواصب والجوازم، وأول أحوال ~~الإعراب الرفع، وقوله يوجب أن يكون الرفع بعد النصب والجزم، فلهذا فسد، ~~فاعلمه. # PageV01P189 ### | (3 - باب حروف النصب) # واعلم أن حروف النصب على ما ذكرنا تنقسم قسمين: # قسم [يعمل] بنفسه، وقسم يعمل بإضمار ms032 (أن) . # وإنما وجب النصب ب (أن) وأخواتها، لأن (أن) الخفيفة مشابهة ل (أن) ~~الثقيلة في الصورة والمعنى، فمن حيث وجب أن تنصب تلك الاسم، نصبت هذه ~~الفعل، وما ذكرناه من أخواتها محمول عليها، ووجه الحمل: أن هذه الحروف - ~~أعني (أن وكي وإذن) - تقع للمستقبل كوقوع (أن) له، فلما كانت مشابهة ل (أن) ~~في إيجابها لكون الفعل المستقبل، نصبت لا غير، كنصب (أن) . # وقد ذكرنا في الفصل المقدم علة أخرى في نصب (أن) ، فأغنى عن إعادته. ~~واعلم أن ل (إذن) ثلاثة أحوال: # أحدها: أن تنصب لا غير. # والثانية: أن يجوز إلغاؤها وإعمالها. # والثالثة: ألا يجوز إعمالها. # والحال الأولى: أن تقع مبتدأة، كقولك: إذن أكرمك. # والحال الثانية: أن تقع وقبلها الواو والفاء، كقولك: أنا أحبك وإذن ~~أكرمك، فإن شئت رفعت وإن شئت نصبت # PageV01P190 # فمن نصب قدر الواو عاطفة جملة على جملة، فصارت (إذن) في الحكم كالمبتدأة، ~~فلهذا نصب. # ومن رفع جعل الواو عاطفة على الفعل الذي قبله، وألغى (إذن) . وإنما ساغ ~~إلغاؤها لشبهها ب (ظننت) ، إذ توسطت بين الاسم والخبر، وهذا التشبيه إنما ~~ساغ، لأن العرب قد ألغت (إذن) في العمل كقوله تعالى: {وإذا لا يلبثون خلفك ~~إلا قليلا} . # ويجوز إنما حملهم على إلغائها ليكون في الحروف التي هي أضعف من الأفعال ~~ما يجوز فيه الإعمال والإلغاء، كما جاز في الأفعال التي هي أقوى، فلهذا جاز ~~إلغاؤها وإعمالها. # والحالة الثالثة: لا يجوز أن تعمل فيها، وهي تقع بين كلامين لا بد ~~لأحدهما من الآخر، كالمبتدإ والخبر، والشرط والجزاء، كقولك: زيد إذا يكرمك، ~~وإن تأتني إذن آتك وأكرمك. # وكذلك إن وقعت بين القسم والمقسم به، كقولك: والله إذن لأقوم. # وإنما ألغيت في هذه المواضع، لاحتياج ما قبلها إلى ما بعدها، فجاز أن ~~يطرح حكمها، لاعتماد ما قبلها على ما بعدها. # وأما (كي) : فللعرب فيها مذهبان: # PageV01P191 # أحدها: أن يعملوها في الفعل كعمل (أن) ، لما ذكرناه من التشبيه. # والمذهب الثاني: أن يجروها مجرى لام الجر، فيكون النصب بعدها بإضمار (أن) ~~، وذلك (13 / أ) أن بعض ms033 العرب يقولون: كيمه، كما يقولون: لمه، فلما أجريت ~~مجرى لام الجر، لم يجز أن تعمل في الفعل، فوجب أن تضمر (أن) بعدها. # واعلم أنه قد حكى الخليل - رحمه الله - أن أصل (لن) : لا أن، ولكنها ~~حذفت، فبقيت (لن) تخفيفا، فردوا ذلك عليه بأن قالوا: إن ما بعد (أن) لا ~~يعمل فيما قبلها، ولو كانت (لن) على ما زعم الخليل لم يجز: زيدا لن أضرب، ~~فتقدم ما بعد (لن) عليها. # وللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: وجدت الحروف متى ركبت خرجت عما كانت ~~عليه، فمن ذلك (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما ~~قبلها، لو قلت: زيدا هل ضربت، لم يجز، فإذا زيد على (هل) (لا) ودخلها معنى ~~التحضيض، جاز أن يتقدم ما بعدها عليها، قولك: زيدا هلا ضربت. # PageV01P192 # فإذا كان تركيب الحروف يخرجها عن حكم ما كانت عليه قبل التركيب، لم يلزم ~~الخليل في (لا أن) الذي ذكرناه. # إلا أن قول الخليل والجملة ضعيف من وجه آخر: # هو أن اللفظ متى جاءنا على صفة ما، وأمكن استعمال معناه، لم يجز أن يعدل ~~عن ظاهره إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فلما وجدنا أن معناها مفهوم ~~بنفس لفظها لم يجز أن ندعي أن أصلها شيء آخر من غير حجة قاطعة، ولا ضرورة. # ويدل أيضا على ضعف قول الخليل: انه يجوز أن يليها الماضي، وأن (أن) لا ~~يليها إلا المستقبل، فعلمنا أن حكم (أن) ساقط، وأن (لن) حرف قائم بنفسه وضع ~~للفعل المستقبل. فإن قال قائل: من أين زعمتم أن (أن) تضمر بعد (حتى واللام ~~والفاء والواو وأو) ، ولم تجعلها مقدرة بعد (إذن وكي ولن) ؟ # فالجواب في ذلك: أن (لن وإذن وكي) تلزم الأفعال، ويحدث فيها معنى، وإن ~~كان بعض العوامل قد يقع عمله بالتشبيه باللفظ دون المعنى، فإذا كان كذلك ~~وجب أن يكون حكم هذه الحروف في أنها عاملة فيما بعدها كحكم (أن ولن) ~~لاشتراكهما في لزوم الفعل، وأما (حتى والفاء والواو) فالدلالة قد دلت ms034 على ~~أن (أن) مضمرة بعدها. # وذلك أن (حتى) قد ثبت حكمها أن تخفض الأسماء، ولا يجوز لعامل الاسم أن ~~يعمل في الفعل، فلما وجدنا الفعل بعد (حتى) منصوبا وقد استقر لها الخفض، ~~وأمكن أن تجعل في هذا الموضع على بابها، بأن تقدر بعدها (أن) ؛ # PageV01P193 # لأن (أن) والفعل بمنزلة المصدر، فتصير (حتى) في المعنى خافضة ل (أن) وما ~~تعلق بها، وجب أن تقدر (أن) بعدها، لئلا يخرجها عن أصلها وعن أحكام ~~العوامل. # فإن قال قائل: فهلا جعلتم أصلها النصب للفعل إذا كان إظهار (أن) لا يجوز، ~~إذ صار أصلها النصب للفعل، احتجتم إلى إضمار حرف يخفض الاسم إذا وليها، كما ~~فعلتم في إضمار ما ينصب الفعل؟ # فالجواب في ذلك: أن حروف الجر من شأنها أن تقوم بنفسها، ومن شرط المحذوف ~~ألا يحذف حتى تقوم دلالة على حذفه، فلما وجدناهم يقولون: ضربت القوم حتى ~~زيد، ويخفضون، علمنا أنها خافض. # فإن قال: أليس (13 / ب) يحسن أن تقول: ضربت القوم حتى انتهيت إلى زيد؟ # قيل له: هذا لا يجوز، لأنا نكون قد أضمرنا فعلا وحرفا، والأفعال التي تصل ~~بحرف الجر لا يجوز إضمارها، فلهذا سقط أن نقدر الخفض بعد (حتى) بحرف سواها. # وأما إضمار (أن) فله نظير، لأنه تخفيف بعض الاسم، وبعض الاسم موجود في ~~كلامهم، فلهذا كان جعل (حتى) خافضة للاسم أولى من جعلها ناصبة للفعل. # ووجه آخر: أن (حتى) معناها ومعنى (إلى) متقارب، وقد ثبت أن (إلى) خافضة، ~~فيجب أن تكون خافضة لقربها من (إلى) في المعنى. # وأما اللام: فوجب إضمار (أن) بعدها لأنها خافضة، وقد بينا أن # PageV01P194 # عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، ويمنع هذا أن إضمار (أن) بعدها حسن، ~~كقولك جئت لأن تقوم، فدل على أن النصب بإضمار (أن) لا باللام. # واعلم أن هذه اللام إذا كان قبلها نفي، لا يحسن إظهار (أن) بعدها، كقولك: ~~ما كان زيد ليقوم، ولا يحسن: ما كان زيد لأن يقوم. وإنما لم يحسن ذلك، لأنه ~~جواب لقولك: كان زيد سيقوم، فتقول: ما كان ms035 زيد ليقوم، فلما كانت جوابا ~~لشيئين، و (ما) حرف لا يعمل، أرادوا أن يكون الجواب أيضا بحرف لا يعمل في ~~الفعل، ليشاكل كل الجواب ما هو جواب له، فلهذا لم يحسن إظهار (أن) . # فأما (الفاء والواو وأو) : فحروف عطف، وحروف العطف لا تعمل شيئا، لأنها ~~لا تختص بالدخول على الفعل دون الاسم، ولا بالدخول على الاسم دون الفعل، ~~وكل حرف كان على هذا السبيل لم يعمل شيئا، فلما وجدنا الفعل بعد هذه الحروف ~~منصوبا، علمنا أنه انتصب بغيرها، وهو (أن) . # فإن قال قائل: فلم صارت (أن) بالإضمار أولى من أخواتها؟ # ففي ذلك وجهان: # أحدهما: أن (أن) هي الأصل لهذه الحروف في العمل لما ذكرناه، فوجب أن يكون ~~المضمر (أن) لقوتها في بابها، وأن يكون ما حمل عليها يلزم موضعا واحدا ولا ~~يتصرف. # والوجه الثاني: أن (أن) يليها الماضي والمستقبل، فصارت أشد تصرفا من ~~أخواتها، لأنه لا يليها إلا المستقبل، فلما حصلت لها مزية على أخواتها في ~~الإظهار # PageV01P195 # كانت أولى بالإضمار. # وأيضا فإن (أن) ليس لها معنى في نفسها، كمعنى (لن وإذن وكي) ، ولأجل أن ~~نضعها في معناها جاز أن تحذف، ولم يجز إضمار أخواتها، لكثرة فائدتها. # فإن قال قائل: فهل يجوز القياس على هذا حتى يجوز إضمار (أن) بكل موضع؟ # قيل له: لا. # فإن قال: فلم خصت هذه المواضع بهذا؟ # قيل له: إنما لم يجز إضمار (أن) في كل موضع، لأنه عامل ضعيف، وليس من شرط ~~العامل الضعيف أن يعمل مضمرا، وإنما جاز إضماره في هذه المواضع لأن هذه ~~الحروف والعوامل - أعني (اللام وحتى وأخواتهما) - صارت عوضا منها، فجرت في ~~العوض مجرى (الواو) التي تقع عوضا من (رب) ، كقوله: # وبلد عامية أعماؤه [وكقوله] : # (وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس) # PageV01P196 # وكقوله: # وبلدة قطعت # أي: رب بلدة قطعت، فلما صارت عوضا من (أن) حسن حذفها. # PageV01P197 ### | (4 - باب حروف الجزم) # فإن قال قائل: لم (14 / أ) صارت (لم) وأخواتها وحروف الشرط تختص بالجزم ~~دون غيرها من الإعراب؟ # قيل له: قد بينا ms036 أن الجزم لا بد من دخوله على الفعل، ليكون بإزاء الجر في ~~الاسم، ووجب أن تكون هذه العوامل عاملة، لأنها قد لزمت الفعل وأحدثت فيه ~~معنى، وإنما خصت بالجزم لأن الشرط والجزاء يقتضي جملتين، كقولك: إن تضرب ~~أضرب، فلطول ما يقتضيه الشرط والجزاء اختير له الجزم، لأنه حذف وتخفيف. # وأما لم اختير الجزم بها: فلأنها ضارعت حروف الجزاء من أجل أن الفعل ~~المضارع يقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حروف الجزاء بمعنى ~~الاستقبال، فلما تشابها من هذا الوجه جعل عملهما الجزم. # وأما (لا) في النهي: فإنما اختصت بالجزم، لأن النهي نقيض الأمر، والأمر ~~مبني على السكون، إذ لم يكن في أوله اللام، فجعل النهي نظيرا له في اللفظ، ~~فلهذا خص بالجزم. # وأما (لام الأمر) : فجعلت لازمة للجزم، لاشتراك الأمر باللام وغير # PageV01P198 # اللام في المعنى، وخصت (اللام) بذلك، لأنها تدخل على الغائب، فشابهت لام ~~التعريف، لأنها لا تستعمل للعهد ولمن هو غائب، فأدخلت اللام من بين سائر ~~الحروف لهذا المعنى. # وأما قولنا في الكتاب: (أفلم وأفلما) ، فالأصل (لم) ، تدخل عليها فاء ~~العطف، وواو العطف، وألف الاستفهام، والجزم إنما هو ب (لم) إذ كان ما دخل ~~عليها لا تأثير له. # وأما (لما) : فالجزم يقع بها، وبينها وبين (لم) فرق، وذلك أن (لم) نفي ~~لقولك: قام زيد، ثم تقول: لم يقم زيد، فإذا قلت: قد قام، فنفيه: لما يقم، ~~وذلك أن (قد) فيها معنى التوقع، فزيدت (ما) على (لم) يإزاء (قد) الداخلة ~~على الفعل في أول الكلام. # والدليل على أن (لما) مخالفة في الحكم ل (لم) : أنه يجوز السكوت عليها، ~~فيقال في الجواب: لما، ولا يذكر بعدها شيء، ولا يجوز ذلك في (لم) فعلم ~~الفرق بينهما. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى إمالة لفظ الماضي بعد (لم) إلى لفظ ~~المستقبل؟ # قيل له: لما وجب ل (لم) عمل للفعل بما ذكرناه، فلو ألزموه الماضي لما بان ~~عمله، فوجب أن ينقل لفظ الماضي إلى لفظ المستقبل حتى يتبين الجزم. # فإن قيل: أليس ms037 أصل حروف الشرط أن يليها المستقبل، كقولك: إن تضرب # PageV01P199 # أضرب، ثم جوزوا أن يليها الماضي، فهلا استقام مثل هذا في (لم) وأوقعتم من ~~بعدها الماضي والمستقبل جميعا؟ # قيل له: الفصل بينهما أن أصل حروف الجزاء أن يليها المستقبل، لأن الجزاء ~~إنما يكون في المستقبل، والفعل المضارع أثقل من الماضي، إذ كان أخف منه. # وأما (لم) : فالأصل أن يليها الماضي، وقد أوجبت العلة إسقاط الأصل ~~واستعمال الثقيل - أعني المضارع - فلم يجز أن يرجع إليه، لأنهم لو استعملوا ~~الأصل الذي هو الخفيف، وقع الجازم على غير ما بني له، والمعنى لا يشكل ~~المضارع، فوجب إسقاط الأصل رأسا، واستعمال المضارع في موضعه، فلذلك افترقا، ~~فاعرفه. # واعلم أن الأمثلة التي تعلم نحو: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون، وأنت ~~تفعلين، فإنما وجب أن يكون إعرابها بالنون، لأن هذه الأفعال لما لحقتها ~~ضمائر الفاعلين (14 / ب) وكان الفعل والفاعل كالشيء الواحد، وجب أن يظهر ~~الضمير معها كبعض حروفها، وهذه الضمائر - أعني: الألف والواو، والياء في ~~تضربين - إنما لا يكون ما قبلها من حروف الإعراب، لأنه لو جعل ما قبلها من ~~حروف الإعراب لجاز أن يسكن في الجزم، فيلتقي ساكنان، فكان يؤدي ذلك إلى حذف ~~الضمير لالتقاء الساكنين، وكان أيضا يجب أن تنقلب الألف واوا إذا انضم ما ~~قبلها، وكذلك الياء، فتختلط العلامات. # فلما كان يؤدي إعراب ما قبل هذه المضمرات إلى ما ذكرنا، بطل أن يكون ما ~~قبلها حرف الإعراب، ولم يكن لحاق هذه الضمائر بمزيل للفعل عن استحقاق ~~الإعراب، لأن مضارعته لم تزل، ولا بد من إعراب، وقد فات حرف إعرابه أن # PageV01P200 # يعرب، فجعلوا النون بمنزلة الضمة، وجعلت بعد هذه الضمائر، ولم يجز أن ~~تجعل هذه الضمائر حروف الإعراب، كما جعلت (الألف والواو والياء) في تثنية ~~الأسماء وجمعها، لأن هذه الضمائر ليست بجزء من الفعل في الحقيقة، وإنما هي ~~أسماء في نفسها، ولم يجز أن يكون إعراب الفعل في غيره، لأنها من جهة اللفظ ~~قد جعلت كجزء من الفعل، فوجب أن يكون الإعراب بعدها، وكانت النون ms038 من سائر ~~الحروف لما ذكرناه من شبهها بحرف المد، وجعل تثنيتها علامة للرفع بمنزلة ~~الضمة، وأسقطت في الجزم كما تسقط الضمة، وحمل النصب على الجزم، # إذ كان لفظ هذه الأفعال قد صار كألف تثنية الأسماء وجمعها، وحمل النصب ~~على الجزم في هذه الأفعال، لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء. # فإن قال قائل: (أنت تذهبين) ، إنما هو خطاب للواحدة، فلم استوى نصبه ~~وجزمه، وليس في الأسماء المفردة ما حمل نصبه على جزمه؟ # قيل له: إن قولنا: (أنت تضربين) ، وإن كان خطابا للواحدة، فهو مشبه للفظ ~~الجمع، ألا ترى أن الجمع في حال النصب والجر يكون آخره ياء قبلها كسرة، كما ~~أن في (الزيدين) قبل الياء كسرة، والنون بعدها كما هي بعد الياء في الجمع، ~~فلما شابه لفظ الجمع أجري مجراه لهذه العلة، وفتحت النون تشبيها بنون الجمع ~~في اللفظ. # فأما كسر النون في (تضربان) ، وفتحها في (تضربين) : فالعلة فيها كالعلة ~~في تثنية الأسماء وجمعها، واعلم أن الأفعال لا تثنى ولا تجمع، وإنما تلحقها ~~علامة التثنية والجمع على وجهين: # أحدهما: أن تكون الألف والواو ضمير الأسماء إذا تقدمت، نحو قوله: # PageV01P201 # الزيدان يقومان، والزيدون يقومون. # والوجه الثاني: أن تكون الأسماء الظاهرة بعد الفعل، فتصير الألف والياء ~~لاحقتين للفعل علامة للتثنية والجمع، وليست بضمير، وإنما زادوها ليدلوا أن ~~الفعل لاثنين وجماعة، كما يلحقون الفعل علامة التأنيث، كقولك: قامت هند، ~~ليدلوا أن الفعل لمؤنث، فتقول على هذا: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وليس ~~ذلك بالكثير في كلام العرب. # فإن قال قائل: فلم لم يلزموا الفعل علامة للتثنية والجمع، كما ألزموا ~~الفعل علامة التأنيث؟ # قيل له: الفصل بينهما أن التثنية ليست بلازمة في جميع الأحوال، فلم تلزم ~~(15 / أ) علامتها كما تلزم هي في نفسها. فأما التأنيث فلازم في الاسم لا ~~يفارقه، فلهذا لزمت علامة التأنيث الفعل. # فإن قال قائل: فلم زعمتم أن الفعل لا يثنى ولا يجمع؟ # قيل له: في ذلك وجوه: # أحدها: أنه لو جازت تثنيته مع الاسمين لجاز تثنيته مع الواحد، لأن ms039 الواحد ~~يفعل من الجنس الواحد من الأفعال ما يفعله الاثنان والثلاثة، ولو كان ذلك ~~شائعا لوجد في كلامهم جمع الفعل مع الاسم الواحد، فكان يقال: زيد قاموا، ~~فلما خلا ذلك من كلامهم، علمنا [أنه] لا يثنى ولا يجمع، وما لحقه من علامة ~~التثنية والجمع إنما هو على ما شرحناه. # ووجه آخر: أن الفعل يدل على مصدر، وليس هو في نفسه بذات يقصد إليها حتى ~~يضم إليها مثلها، كما يجب ذلك في الأسماء، فلذلك لم يثن ولا يجمع. # ووجه ثالث: وهو أن الفعل على مصدره، والمصدر لا يثنى ولا # PageV01P202 # يجمع، لأنه اسم للجنس يقع على الواحد فما فوقه، كقولك: ضرب وأكل وشرب، ~~إلا أن يختلف، فحينئذ يجوز جمعه، كقولك: ضربت ضروبا، إذا كان ضربا مختلفا، ~~فلما كان الفعل إنما دل على مصدر واحد، والواحد من المصادر جنس واحد، بينا ~~أنه لا يثنى على هذا الوجه، فكذلك لا يثنى ما يدل عليه. # ووجه آخر: وهو أن الفعل لما كان دالا على الزمان والمصدر، علم في المعنى ~~أنه اثنان، فاستغني عن تثنيته. # واعلم أن الفعل لجماعة المؤنث تلحقه النون على وجهين، كما لحقت الواو ~~المذكر على وجهين: # أحدهما: أن يكون اسما مضمرا يرجع إلى ما قبله، كقولك: الهندات يضربن. # والثاني: أن يكون علامة الجمع، فيكون على هذا الوجه حرفا، كقولك: يضربن ~~الهندات. # واعلم أن هذه النون إذا دخلت على الفعل أوجبت بناءه على السكون، وإنما ~~وجب ذلك لأنه اسم، ومن شرط الأسماء المضمرات أن تبنى على حركة، لأنها على ~~حرف واحد، وكرهوا أن يبنوها على السكون فيكون إجحافا بها، فإذا أدخلناها ~~على الفعل الماضي، نحو قولك: الهندات ضربن، وجب إسكان حرف من الفعل؛ كراهية ~~أن يجتمع في كلمة واحدة أربع متحركات متواليات لوازم، لأن الفعل والفاعل ~~كالشيء الواحد، إذ كان لا يستغني أحدهما عن الآخر، وليس في كلامهم نظير ~~هذا، وقد بيناه قبل هذا، فلم يكن بد من إسكان حرف من جملة هذه الكلمة. # وإنما كانت الباء بالسكون أولى من وجهين: # أحدهما: أن ms040 الأول لا يجوز إسكانه، لأنه لا يبتدأ بساكن، ولا يجوز # PageV01P203 # إسكان الثاني، لأنه به يعرف اختلاف الأبنية، ولا يجوز إسكان النون لما ~~ذكرناه من الإجحاف، فلم يبق غير الباء، فوجب إسكانها. # والوجه الثاني: أن أصل الفعل السكون، فلما احتجنا إلى تسكين حرف، كان ما ~~أصله السكون أولى، لأن ذلك رد إلى أصله، فلهذا وجب إسكان الباء. # وأما (تضربن) : فحمل على (ضربن) ، وإن لم تكن فيه علة (ضربن) إلا من وجه ~~النسبة أن (يضربن) من جنس (ضربن) ، والباء التي سكنت في (يضربن) هي الباء ~~التي سكنت في (ضربن) ، فحملوا المستقبل على الماضي من الوجه الذي ذكرناه، ~~لئلا يختلف طريق الفعل، فإذا ثبت أن الفعل (15 / ب) المضارع إذا لحقته نون ~~جماعة النساء بني على السكون، وجب أن يلزم طريقة واحدة في حال الرفع والنصب ~~والجزم، لأن ذلك شرط المبنيات، وما ذكرنا في الشرح من أن النون لو حذفت ~~لالتبس بفعل المذكر، وأيضا فإن حذف النون لا يجوز بحال، فإنها اسم مضمر، ~~ولا يجوز حذف الاسم للجزم، كما لا يجوز حذف الياء من قولك: (لم تضربي) ، ~~إذا خاطبت مؤنثا، لأنها اسم وعلامة تأنيث. # واعلم أن الفعل المعتل إنما خالف ما آخره واو أو ياء لما آخره الألف، لأن ~~الألف قد بينا في علة المقصور أنها لا تحرك في حال الإعراب، فذاك يغني عن ~~الاعتلال ها هنا، لأن حكمها سواء. # فإن قال قائل: للاسم أن يخفض اسما مثله، ومن شرط العامل ألا يكون من نوع ~~المعمول فيه، لأنه لو كان من نوعه لم أجدهما بأن يعمل في الآخر أولى من ~~الآخر أن يعمل فيه. # PageV01P204 # قيل له: أصل الجر إنما هو بالحروف دون الأسماء، والإضافة في الأسماء على ~~معنيين: # أحدهما: بمعنى اللام. # والآخر: بمعنى (من) . # فإذا قال القائل: (جاءني غلام زيد) ، فالأصل: غلام لزيد، فزيد جر باللام، ~~وإذا حذفت اللام قام الغلام مقامها، فيبقى جر زيد على ما كان عليه، إذ كان ~~قد قام مقام ما يخفضه شيء، وهو الغلام. # وكذلك إذا قلت: (ثوب ms041 خز) ، فالأصل: ثوب من خز، فلما حذفت (من) قام الثوب ~~مقامها. # فإن قال قائل: ما الفائدة في حذف اللام و (من) ؟ # قيل له: الفائدة في ذلك أنك إذا قلت: جاءني غلام لزيد، فإنما تخبر أن ~~واحدا من غلمان زيد جاءك، وليس معروفا بعينه، فإذا أرادوا غلاما بعينه ~~حذفوا اللام، ووصلوا بين الغلام وزيد، وجعلوا هذا الاتصال من جهة اللفظ ~~دلالة على اختصاصه من سائر غلمانه، فإذا قلت: جاءني غلام زيد، فمعناه: ~~جاءني الغلام المعروف لزيد. # وأما قولهم: (ثوب خز) فإنما حذفت (من) تخفيفا. # PageV01P205 ### | (5 - باب حروف الخفض) # فإن قال قائل: لم صارت هذه (اللام ومن) وسائر ما يجر من الحروف يعمل الجر ~~دون النصب والرفع؟ # فالجواب في ذلك: أن حروف الجر تكون موصلة للأفعال إلى ما بعدها، فتدخل ~~مرة على الفاعل، ومرة على المفعول به، كقولك في الفاعل: ما جاءني من أحد، ~~والأصل: ما جاءني أحد، وتدخل على المفعول، كقولك: ما رأيت من أحد، ومعناه: ~~ما رأيت أحدا، فلما كانت هذه الحروف تدخل على الفاعل والمفعول، جعل حركتها ~~بين حركة الفاعل والمفعول متوسطا، وهو الكسر، لأنه وسط اللسان، والضم من ~~الشفة، والفتح من أقصى الحلق، فلهذا خص بالجر. # واعلم أن (عن) تكون اسما وحرفا، إذا كانت اسما دخل عليها حرف الجر وصارت ~~بمنزلة الناحية، كقولك: زيد من عن يمين عمرو، قال الشاعر: ( ... فقلت: ~~اجعلي ضوء الفراقد كلها ... يمينا ومهوى النجم من عن شمالك ... ) # وإذا كانت حرفا لم يحسن دخول حرف الجر عليها، كقولك: رميت عن القوس، وما ~~أشبه ذلك. # PageV01P206 # وأما (على) فتكون (16 / أ) اسما وحرفا وفعلا. # فالفعل نحو قولك: علا يعلو، والاسم نحو قولك: جاء النظر من عليه، كما قال ~~الشاعر: ( ... أتت من عليه تنفض الطل بعد ما ... رأت حاجب الشمس استوى ~~وترفعا ... ) # (من عليه) : أي: من فوقه. # وإذا كانت حرفا لم يحسن شيئا مما ذكرناه فيها، نحو قولك: على زيد مال. # وأما (حاشى) فلا تكون إلا حرفا عند سيبويه، وتكون حرفا وفعلا عند المبرد، ~~وسنستقصي الحجج في ذلك ms042 إذا انتهينا إليه إن شاء الله. # وأما (خلا) فتكون حرفا وفعلا بلا اختلاف، وإذا قدرتها حرفا خفضت بعدها، ~~وإذا قدرتها فعلا نصبت بعدها. # وأما (الكاف) التي للتشبيه فتكون حرفا واسما، فإذا كانت اسما قدرتها ~~تقدير (مثل) ، وجاز أن يدخل عليها حرف الجر، كقول الشاعر: # PageV01P207 # ( ... وصاليات ككما يؤثفين ... ) # فالكاف الأولى حرف الجر، والثانية اسم. واعلم أن كل حرف من حروف الجر له ~~معنى. # فأما (من) فتقع في أربعة مواضع: # أحدها: أن تكون لابتداء الغاية، كقولك: مررت من الكوفة إلى البصرة، أي: ~~ابتداء سيري كان من الكوفة. # والثاني: أن تكون للتبيين، كقوله عز وجل: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ~~لأن سائر الأرجاس يجب أن يجتنب، فدخلت (من) لتبين المقصود بالاجتناب من ~~الأرجاس. # والثالث: أن تدخل مع النكرات لنفي الجنس، كقولك: ما جاءني من رجل، نفيت ~~جميع جنسه. فإذا قلت: ما جاءني من أحد، ف (من) أيضا مفيدة، وإن كان (أحد) ~~لا يستعمل إلا في النفي، فإنه قد استعمل في بعض المواضع بمنزلة (الواحد) ، ~~فلو قلت: ما جاءني أحد، جاز أن يتوهم: ما جاءني واحد، فإذا قلت: من أحد، ~~جاز هذا التوهم. # PageV01P208 # والوجه الرابع من وجوه (من) : أن تكون للتبعيض، كقولك: أخذت درهما من مال ~~زيد. # وبعض الناس يعتقد في الوجه الثالث أن (من) فيه زائدة، في نحو قولك: # ما جاءني من أحد، وقد بينا أن له فائدة. # واعلم أن (من) مع هذه الأوجه الأربعة يجوز أن تجعل كلها للتبعيض، وإن شئت ~~جعلتها لابتداء الغاية إلا الموضع الذي تدخل فيه الأجناس، ولأجل تقديرها ~~زائدة لم يثبت حكمها كالأوجه الثلاثة، فاعرفه. # وأما (إلى) : فمعناه الغاية، كقولك: سرت إلى البصرة / أي انتهيت إليها. # وأما (اللام) : فمعناها الملك والاستحقاق، كقولك: المال لزيد. أي: هو ~~يملكه ويستحقه. # وأما (الباء) : فمعناه للإلصاق، وقد تكون باستعانة وغير استعانة، كقولك ~~مررت بزيد. أي: ألصقت مروري به والاستعانة: كتبت بالقلم. أي: ألصقت كتابي ~~به وفيه استعانة مع ذلك. # وأما (الكاف) : فتكون للتشبيه، نحو قولك: زيد كعمرو. أي: شبهه. # وأما (عن) : فلما عدا ms043 الشيء، كقولك: أخذت عنه حديثا. أي: عدا إلي منه ~~حديثا. # PageV01P209 # وأما (على) : فمعناها الاستعلاء، كقولك: زيد على الجبل. أي: قد علا، ~~وكذلك: على زيد دين. أي: قد علاه، وهذا التمثيل بالأول. # وأما (حاشى وخلا) فنفسرهما في باب (الاستثناء) إن شاء الله. # PageV01P210 ### | (6 - باب حروف القسم) # إن سأل سائل فقال: لم زعمتم أن أصل حروف القسم (الباء) ؟ # قيل له: في ذلك جوابان: # أحدهما: أن المقسم به معلق بفعل محذوف، وذلك أن قولك: بالله لأفعلن، ~~معناه: أحلف بالله، وهذا الفعل إذا ظهر لا يجوز أن يستعمل معه إلا الباء، ~~فدل ذلك على أن الأصل الباء. # فإن قال قائل: لم لا يجوز: أحلف والله؟ # قيل له: لأنه يلتبس، أنك قد حلفت بيمينين، وذلك أن القائل قد يكتفي ~~بقوله: أحلف، ويجري مجري القسم، فيقول: أحلف لأفعلن، فلو قال: أحلف والله، ~~لجاز أن يتوهم أنه يمينان، فلذلك لم يستعمل، وأما إذا قلت: أحلف بالله، لم ~~يتوهم في ذلك إلا يمين واحدة، لأن من شأن الباء أن يلصق ما بعدها بحكم ما ~~قبلها، ولا يصح الابتداء بها. # فإن قيل: أيضا قالوا: ولا يبتدأ بها؟ # قيل له: لو كانت الواو غير مبدلة من الباء، لصارت في القسم قائمة بنفسها، ~~لأنها ليست من الحروف التي تكون موصلة الأفعال إلى ما بعدها، كحروف الجر، ~~فلهذا وجب أن يقع اللبس بالواو، ولا يقع مثله في الباء. وهذا الفصل الذي ~~ذكرناه يجوز أن يجعل دلالة على أن الباء هي الأصل للواو. # فإن قال قائل: فلم لا يجوز: أحلف والله، إذا ثبت أن الواو بدل من الباء، # PageV01P211 # وقد علم أنها إذا اتصلت بالفعل الذي قبلها أنها ليست بمبتدأة؟ # قيل: إنما ذكرنا ذلك على الوجه الذي قدرناها فيه أنها أصل في نفسها، فأما ~~الذي منع من استعمالها مع الفعل على هذا الوجه أيضا فلأجل أنها فرع، فكرهوا ~~أن يستعملوها مع إظهار الفعل، فيصير بمنزلة الأصل، ولا يكون على إبدالها ~~دليل، فأسقطوها مع إظهار الفعل، ليدلوا على أنها فرع. # فإن قيل: فلم صار إبدالها ms044 مع حذف الفعل أولى من إبدالها مع إظهارها؟ # قيل له: يجوز أن يكونوا خصوا البدل عند إضمار الفعل، لأن حروف الجر لا ~~يبدأ بها، وقد تقع الواو في الابتداء في بعض المواضع، كقولك: ضربت زيدا ~~وأبوه قائم، فهذه الواو تسمى واو الحال، وما بعدها مبتدأ، فلما كانت الواو ~~تقع للمبتدإ حسن إبدالها عند حذف الفعل لما ذكرناه. # ودلالة أخرى في أصل المسألة، وهو مأخوذ من استبراء كلام العرب، وهو أنا ~~وجدنا العرب تستعمل الاسم المضمر والمظهر بعد الباء، كقولك: بالله، وبه، ~~ولا يستعمل المضمر بعد الواو، فلولا أن الواو فرع لما منعت ما يستعمل في ~~غيرها، فلما منعت ذلك دل على أنها فرع. # فإن قال قائل: فمن أي وجه جاز أن تبدل الواو من الباء دون غيرها؟ # فالجواب في ذلك أن الواو من مخرج الباء، وهي مع ذلك كثيرة الدور في ~~الكلام، وتزاد في مواضع كثيرة، فلقربها من الباء، وما فيها مما ذكرناها، # PageV01P212 # كانت أولى من غيرها. # فإن قال: أليس عندكم أنه لا يجوز حذف الفعل إذا كان يتعدى بحرف جر، فكيف ~~جاز في القسم أن تقول: بالله، وأنت تقدر فعلا يتعدى بالباء، ولا يجوز أن ~~تقول: بزيد، وأنت تريد: مررت بزيد؟ # قيل له: إنما ساغ ذلك في القسم لأنه كثير الدور في كلامهم، ومع ذلك فإنه ~~يحتاج إلى جواب، فصار افتقاره إلى الجواب كالعوض من حذف الفعل مع كثرة ~~الاستعمال. # فإن قال قائل: فهل الواو التي هي بدل من الباء في القسم تجري مجرى الواو ~~التي هي عوض من (رب) ، هي واو العطف، فالخفض بعدها بإضمار (رب) ؟ # قيل له أما الواو في القسم فهي بدل من الباء، والخفض يقع بالواو دون ~~الباء، والدليل على ذلك أنه يحسن أن تدخل على واو العطف، كم تدخل على ~~الباء، فتقول: ووالله لأفعلن، كما تقول: وبالله، فدل على أنها بمنزلة ~~الباء. # فأما الواو التي هي عوض من (رب) فلا يصلح دخول واو العطف عليها، فدل ذلك ~~على أنها واو العطف، وإنما عوض وليست ms045 ببدل. # وأما (التاء) فهي بدل من الواو، والدليل على ذلك أن الحرف لا يجوز أن ~~يبدل من الحروف، إلا أن تكون بينهما مناسبة، ولا مناسبة بينها وبين الباء، ~~لأنها ليست من مخرحها، ولا قريبة منها، فلا يشتركان في شيء، فلم تجعل بدلا ~~منها. # PageV01P213 # وأما الواو فهي تشابه التاء، لأنها من حروف الزوائد والبدل، والتاء أقرب ~~حروف البدل إلى الواو، فلهذا كانت بدلا من الواو دون الباء، وكانت أولى من ~~سائر الحروف أيضا، والذي يدل على أنها ليست بأصل ما ذكرناه في الواو، وإنما ~~خصت باسم واحد، لأنها لو استعملت في اسمين لم يكن بينهما وبين ما عداهما ~~حرف، فوجب أن يلزم اسما واحدا، ليدل بذلك على أنها بدل من بدل، وأنها أضعف ~~حكما من الواو، ومع هذا فالتاء أنقص حكما منها، لأنها تدخل على اسم الله ~~تعالى فقط، فدل على أنها ليست بأصل، وقد بينا في الشرح لم صار اختصاصها ~~باسم الله تعالى أولى من سائر الأسماء، ولم منعت الدخول على غيره، بما يغني ~~عن إعادته. # وأما (أيمن الله) فاشتقاقها من أحد أمرين: # إما أن يكون من اليمن، لأن العرب قد تختلف بلفظ اليمين، فتقول: يمين الله ~~لأفعلن، ثم غير إلى لفظ (ايمن) وقد بينا حكمه أيضا. # فإن قيل: فكيف جاز أن يقال: ايم الله لأفعلن، فتدخل ألف الوصل على الميم ~~وهي متحركة؟ # قيل: في ذلك جوابان: # أحدهما: أن الأصل في الكلمة (ايمن الله) فالألف داخلة على الياء وهي ~~ساكنة، فلما حذفت ولم يكن حذفها لازما بقي حكمها، ولم تحذف ألف الوصل # PageV01P214 # لتحرك ما بعدها، إذ لم يكن لازما. # والوجه الثاني: أن حركة الميم حركة العرض، تسقط في الأصل، فلم تصر الحركة ~~لازمة، فلذلك بقيت ألف الوصل، والدليل على ذلك أن العرب تقول في (الأحمر) ~~إذا حذفوا همزة أحمر: (الاحمر) ، فلا يحذفون الألف، لأن حركة اللام ليست ~~بلازمة، وبعضهم يقول (لحمر) فيحذف ألف الوصل لتحرك ما قبلها، ولم يجز ذلك ~~في (ايمن الله) عوضا مما حذف. # وأما قولهم: (ها) ، في ms046 قولك: (لاها الله) ، فهي بدل من الباء، وليس طريق ~~بدلها من الباء كطريق بدل الواو منها، ولكن (ها) التي للتنبيه تضارع الباء ~~من جهة أن (ها) يتوصل بها في التنبيه إلى المنبه، والباء موصلة أيضا ~~بالإلصاق، فلما تضارعا من هذا الوجه أبدلت منها، فاعرفه. # PageV01P215 ### | (7 - باب الحروف التي ترفع الأسماء والنعوت والأخبار) # اعلم أنا ذكرنا تفسير هذا الباب في الشرح، وتسامح الجرمي فيه، ولكننا ~~نذكر هاهنا ما فات منها وعذر أبي عمر الجرمي، فأما جواز إطلاقه على ما ذكر ~~في الباب من تسمية ذلك بالحروف، فلأن الأسماء المذكورة في هذا الباب مبنية ~~لمضارعتها الحروف، فجاز أن يسميها باسم ما ضارعته. # وأما جواز قوله: لأنها ترفع، فإنه لما رأى أن الأسماء أكثر ما تستعمل ~~مبتدأة بعد هذه الحروف نسب الرفع إليها للمجاورة، فهذا تخريج قوله، فاعرفه. # واعلم أن الحروف تنقسم ثلاثة أقسام: # قسم يختص بالاسم. # وقسم يختص بالفعل. # وقسم يدخل عليهما. # فأما ما يختص بالاسم ولا يكون كجزء منه، ولا بد أيضا من عمله أن يعمل ~~فيه، فنحو: إن وأخواتها، وحروف الجر، وما أشبه ذلك. # وأما ما يختص بالفعل ولا يكون كجزء منه، ولا بد أيضا من عمله فيه، فنحو: ~~(أن ولن) وما أشبه ذلك. # وأما ما يدخل عليهما ولا يعمل شيئا، فنحو: حروف الاستفهام، # PageV01P216 # وحروف العطف وما أشبهها. # فإن قال قائل: فالألف واللام يختص بالاسم ولا يعمل فيه، وكذلك (السين ~~وسوف) قد يختص بالفعل ولا يعمل فيه؟ # قيل له: قد أخبرنا في الأصل بأن قلنا: إن العامل من الحروف ما لزم الاسم ~~والفعل، ولم يكن كجزء منه، ألا ترى أنها تحدث في الاسم النكرة تعريفا، ~~والتعريف قد يصح في النكرات لمواطآت المخاطبين، فدل أنه ليس لها زيادة حكم ~~الاسم، لأنها إنما تدخل لتعيينه، وكذلك (السين وسوف) تعين الأفعال التي كان ~~منها تحتمل الحال والاستقبال، وإنما عينت بهما ذات الفعل الذي كان يصح أن ~~يفهم تخصيصه بغيرهما. # وكذلك (قد) إنما هي لتوقع ذات الفعل، فلم تدل على أكثر ما تحتمله نفس ms047 ~~الفعل، فجرت مجرى بعض حروفه، فلهذا لم تعمل شيئا، وفارقت سائر العوامل. # وإنما وجب أن يكون ما دخل على الاسم مرة، وعلى الفعل مرة لا يعمل شيئا، ~~لأن الأفعال نوع مخالف لنوع الأسماء، فيجب أن يكون عاملها مختلفا، فإذا ~~اتفق دخول الحرف عليها، ولم يختص أحدهما دون الآخر لم يجز أن يعمل فيها، ~~لأن ذلك يؤدي أن يصير ما يعمل فيها شيئا واحدا، وقد بينا أن اختلاف نوعيهما ~~يوجب اختلاف عواملهما، فلهذا لم يعمل هذا النوع من الحروف. # فإن قال قائل: لم شرط في (هل) أن يكون بعدها اسمان؟ # PageV01P217 # قيل له: لأن اصل حروف الاستفهام أن يليها الفعل، وقبيح أن تليها الأسماء ~~إذا كان بعدها سوى ألف الاستفهام نحو قولك: زيد قائم، فلهذا شرطنا ما ~~ذكرناه. وسنفسر أحكام الاستفهام في بابه إن شاء الله. # فإن قال قائل: لم صارت (ليت) إذا دخلتها (ما) أكثر في العمل من أخواتها؟ # قيل له: إن (ليت) استعملتها بعض العرب بمنزلة وددت، فعداها إلى مفعولين، ~~وأجراها مجرى الأفعال كقولك: ليتما زيدا شاخصا، فبدخول هذا المعنى فيها ~~صارت أقوى من أخواتها. # واعلم أن سيبويه لم يجز في (إن ولكن) العمل إذا دخلتهما (ما) ، وأجاز ذلك ~~أبو بكر بن السراج في (كتاب الأصول) وأظن ذلك # PageV01P218 # سهوا منه على مذهب أصحابنا. # والوجه في إبطالها ومخالفتها لأخواتها: أن (إن ولكن) لهما معان في ~~أنفسهما أكثر من الإيجاب الذي يستحقه المبتدأ، وإنما يدخلان لتوكيد ~~الإيجاب. وكان حقهما ألا يعملا شيئا ولكن شبها بالفعل من جهة لفظهما دون ~~معناهما، فصار عملهما ضعيفا، فإذا أدخلت عليهما (ما) حالت بينهما وبين ما ~~يعملان فيه فضعفا عن العمل، وأما أخواتها ففيها معاني الأفعال، نحو: ~~التشبيه والترجي والتمني، وتزيل أيضا معنى الابتداء فقويت، فجاز أن تعمل مع ~~وجود الحائل بينها وبين ما تعمل فيه. # فإن قال قائل: فلم صار عمل هذه الحروف - إذا دخلت بينها وبين ما تعمل فيه ~~- أضعف من حروف الجر إذا دخلت بينها وبين ما تعمل فيه؟ # قيل له: إن حروف الجر ms048 تعمل على أنها أصل في العمل، وليست مشبهة بغيرها. ~~فأما هذه الحروف فإنها تعمل تشبيها بالفعل، فما هو أصل في نفسه أقوى مما هو ~~مشبه بغيره. # فإن قال قائل: فلم صارت (ما) بالزيادة أولى من سائر الحروف؟ # قيل له: لأنها تصرف على جهات كثيرة، وليس مع هذا لها معنى في نفسها إذا ~~كانت زائدة، فحسن إلغاؤها من بين سائر الحروف، لكثرة تصرفها وزوال معناها، ~~وقد يمكن أن تجعل (ما) في قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} غير زائدة، ~~وتكون اسما بنفسها مبهما، ونقضهم: بدل منها. # PageV01P219 # فعلى هذا الوجه لا تكون قد فصلت بين الباء وما تعمل فيه، فإذا صح هذا ~~الوجه لم يلزم الانفصال الأول بين (ليت) وأخواتها، وبين حروف الجر، وإن ~~كانت أصلا في العمل، فهي وما تعمل فيه كالشيء الواحد، ولا يجوز تقديم ما ~~تعمل فيه، ولا تأخيره، فضعف الفصل بينها وبين ما تعمل فيه، كما ضعف التقديم ~~والتأخير. # وأما حروف النصب وإن كانت مشبهة بالأفعال، فيجوز أن يتأخر ما تعمل فيه ~~عنها، كقولك: ليت في الدار زيدا، فلهذا لم يقبح ولم يضر الفصل فيها، كما لم ~~يقبح التأخير فيها. # واعلم أن بعض النحويين يعتقد أن (ما) في قولك: إنما زيد قائم، وما أشبهها ~~من أخواتها اسم، وموضعه نصب، والجملة التي بعدها في موضع الخبر، وشبه ذلك ~~بالهاء التي هي ضمير الأمر والشأن، نحو قولك: إنه زيد قائم. # وقول هذا الرجل باطل من جهات: # [أحدها] : أنه لو كانت في هذا الموضع اسما وما بعدها خبر، لوجب أن يرجع ~~من الجملة ذكر إلى (ما) ، فلما لم يرجع إليها ضمير، علمنا أنها زائدة، ~~وليست باسم. # ووجه آخر: أن ضمير الأمر والشأن لا يضمر إلا بعد تقدم الذكر، وتصير ~~الجملة التي بعدها مفسرة له. إن هذا الضمير إنما يعتمد على الذكر الذي قد ~~جرى، فلهذا احتاجوا إلى تفسير، وليس كضمير يختص اسما بعينه. # PageV01P220 # وقولك: إنما زيد قائم، لا يصح الكلام به من غير تقدمة خبر بوجه من ~~الوجوه، على أن (ما) نصب ms049 ب (إن) . فعلم بذلك أن (ما) لا تشبه ضمير الأمر ~~والشأن، لأنه لا يضمر إلا بعد تقدمة الذكر، وتصير الجملة التي بعده مفسرة ~~له. # (18 / ب) ووجه ثالث: أن (ما) إذا أدخلت على (إن) غيرت معناها، ويدخلها ~~معنى التقليل، كقولك: إنما زيد قائم، وهذا أن (ما) تستعمل إذا ذكرت لزيد ~~أحوال، فتخص أنت بعضها، وتقصد بذلك إلى بعض أحواله، فلما كانت (ما) إذا ~~دخلت على (إن) تزيل معناها، علمنا أنها ليست باسم، لأن شرط الاسم أن يغير ~~معنى عمله عن معناه. # فهذا الوجه يقوي ما ذكرناه عن سيبويه في إبطال عمل (ما) ، ويضعف قول ابن ~~السراج. # فإن قال قائل: قد حصل في هذا الباب أسماء مبنية نحو: (متى وكيف وحيث) وما ~~أشبهها، وهي أبنية مختلفة البناء، فما الوجه في بنائها واختلافها؟ # فالوجه في ذلك: أنا قد بينا أن أصل الأسماء الإعراب، وإنما البناء منها ~~فيما أشبه الحرف. # فأما (متى) : فالذي أوجب لها البناء أنها نائبة عن حرف الاستفهام في ~~الاستفهام، وعن حرف الجزاء في الجزاء، وذلك قول القائل: متى تخرج؟ هو نائب ~~عن قولك: أتخرج يوم الخميس أو يوم السبت؟ ونحو ذلك، فلما تضمنت [معنى] حرف ~~الاستفهام والجزاء، والحروف مبنية، وجب أن يبنى # PageV01P221 # ما قام مقامه، وناب منابه. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى إقامة (متى) مقام حرف الاستفهام، وهلا ~~استغني بحرف عنها؟ # قيل له: في استعمال ذلك حكمة عظيمة واختصار، وذلك أن القائل لو قال: ~~أتخرج يوم السبت؟ لجاز ألا يريد المخاطب الخروج إلا في اليوم الثاني، ~~فيقول: لا، فيلزم السائل تكرير السؤال مرارا كثيرة. # ووجدوا (متى) تستثقل على الأوقات، فأقاموها مقامها، ليلزموا المسؤول ~~الإجابة بوقت خروجه، وينحذف هذا التطويل، فلهذا دخلت (متى) في الاستفهام. # وكذلك حكمها في الجزاء، إذا قلت: متى تخرج أخرج، فهذا اللفظ يوجب التعيين ~~عن خروجك للذي تخاطبه. # فإن قلت: إن تخرج يوم السبت أخرج معك، فقد يجوز أن تخرج في غيره من ~~الأيام، ولا يجب عليك الخروج، فلما صارت (متى) فيها عموم للأوقات ms050 استعملت ~~في الجزاء، وتضمنت معنى حروف الشرط، فلهذا بنيت، والله أعلم. # واعلم أن المبنيات على قسمين: # أحدهما: أن يبنى الاسم على حركة. # والآخر: أن يبنى على السكون. # فالذي يستحق أن يبنى على حركة: كل اسم كان معربا قبل استحقاق البناء، # PageV01P222 # نحو: قبل وبعد، ألا ترى أنهما كانا ينصبان ويخفضان قبل حال البناء، نحو: ~~جئت قبلك وبعدك. # والذي يستحق أن يبنى على السكون: كل اسم لم تكن له حال إعراب، ولم يقع ~~إلا مستحقا للبناء، وإنما وجب ذلك، لأن ما كان له حال تمكن أقوى في اللفظ ~~مما لا تمكن له، والتمكين يستحق الإعراب، فيجب أن يكون ما قرب (الاسم) منه ~~أقوى في اللفظ مما بعد منه، والحركة أقوى من السكون، فلهذا وجب ما ذكرناه. # وأما (ما) : فبنيت على السكون لأنها لم تقع متضمنة [لمعنى] الحرف الذي ~~يوجب له البناء، فلهذا لم يزد على السكون. # وأما (أين) : فسؤال عن المكان، بمنزلة (متى) في السؤال عن الزمان، وهي ~~متضمنة لحرف الاستفهام والجزاء على ما شرحنا في (متى) ، فاستحقت البناء ~~لأنها لم تقع إلا متضمنة [لمعنى] الحرف، وجب أن تبنى على السكون، إلا أنه ~~التقى في آخرها ساكنان، وهي الياء (19 / أ) والنون، ولا يجوز الجمع بينهما، ~~فحركت النون بالفتح، فكان الفتح أولى، وإن كان الكسر الأصل، لأن الكسر بعد ~~الياء مستثقل، فسقط لاستثقاله، والضم أثقل منه، فلم يبق إلا الفتح، وهو مع ~~ذلك أخف الحركات، ولم يجز تحريك الياء، لأنها لو حركت انقلبت ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، وذلك يؤدي إلى الجمع بين ساكنين، لأن الألف # PageV01P223 # لا تكون إلا ساكنة، فلما كان تحريك الياء لا يسلم لها سقط حكمه، ووجب ~~تحريك ما ذكرناه. # وأما (كيف) : فسؤال عن حال، وهو ينوب عن حرف الاستفهام، ويتضمن معنى حرف ~~الشرط، وإن لم تجزم ك (متى وأين) لعلة سنذكرها. # فلما تضمن معنى الحرف، وجب أن يبنى على السكون ك (أين) ، وعلة تحريكه ~~كعلة (أين) . # فإن قال قائل: فلم صارت (متى وأين) تدخل عليهما حروف الجر ولا ms051 تدخل على ~~(كيف) ، وقد تشاركت فيما ذكرتم؟ # فالجواب في ذلك: أن (كيف) هي الاسم الذي بعدها، وذلك أن قول القائل: كيف ~~زيد؟ معناه: أصحيح زيد؟ معناه: أصحيح زيد أم سقيم؟ والصحيح والسقيم هو زيد، ~~فلما كان دخول حرف الجر على ما نابت عنه (كيف) لا يجوز، فكذلك لا يجوز دخول ~~حرف الجر على (كيف) . ألا ترى أنك لا تقول: أمن صحيح زيد، وكذلك لا تقول: ~~من كيف زيد. # فأما (أين ومتى) : فإنهما نائبان عن قولك: أفي الدار زيد؟ وفي أي وقت ~~يخرج زيد؟ فلما نابتا عما يدخل عليه حرف الجر، دخل عليهما. # فإن قال قائل: فلم صار قولك: من صحيح زيد، لا يجوز، وجاز فيما نابت عنه ~~(أين ومتى) ؟ # قيل له: لأن (كيف) هي الاسم الذي بعدها على ما ذكرناه. وكان خبر المبتدإ ~~- إذا كان هو المبتدأ - لا يحتاج إلى واصل يصل بينه وبين المبتدإ، لم يحتج ~~إلى حرف. # PageV01P224 # وأما (أين ومتى) : فهما غير الاسم الذي بعدهما، ولا بد لخبر المبتدإ - ~~إذا كان غير المبتدإ - من واصلة توصل بينه وبين المبتدإ، ألا ترى أنك لو ~~قلت: زيد عمرو قائم، فعمرو قائم غير زيد، وليس بينه وبين الجملة علقة، فلم ~~يحسن الكلام حتى تقول: من أجله، أو: في داره، فتعلق الجملة التي هي غير زيد ~~بما ذكرناه من الضمير، لأنها غير الأول. وكذلك لما كانتا (متى وأين) غير ~~الاسم الذي بعدهما احتاجا إلى حرف، فاعلمه. # فإن قال قائل: كيف جاز الجزم ب (متى وأين) ولم يجز الجزم ب (كيف) ، ~~كقولك: أين تكن أكن، ومتى تقم أقم، ولم يجز: كيف تكن أكن؟ # فالجواب في ذلك من وجوه: # أحدها: أن قول القائل: كيف تكن أكن، إنما شرط له، متى كان في بعض البقاع ~~أن يكون هو أيضا في تلك البقعة، وكذلك شرط في (متى) في أي زمان قام أن يقوم ~~هو فيه، وهذا غير متعذر. # فأما (كيف) : فهي سؤال عن حال، فظاهر الشرط لو شرط بها يقتضي في أي حال ~~كان المخاطب أن ms052 يكون السائل هو المستفهم فيها، وهذا لا يجوز، لأنه قد يكون ~~المخاطب المسؤول عن أحوال كثيرة، يتعذر أن يتفق للمجازي أن يكون عليها، ~~فلما كان متعذرا ذلك عليه سقط الجزاء ب (كيف) ، وجاز في (متى وأين) . # فإن قال قائل: أليس قد أجزتم: كيف تكون أكون، فظاهر هذا يقتضي ما ~~منعتموه، إذ جزتموه؟ # فقيل: الفرق بينهما أنا إذا رفعنا (19 / ب) الفعل بعد (كيف) ، فإنا نقدر ~~أن هذا الكلام قد خرج عن حال عرفها المجازي فانصرف اللفظ إليها، فلهذا صح ~~الكلام. # PageV01P225 # فإن قيل: فهلا كان أيضا التقدير في الجزم هذا التقدير، حتى يخرج عن حاله؟ # قيل له: الأصل في الجزاء ب (إن) ، وأنت إذا قلت: إن تأتني آتك، فوقت ~~الإتيان غير معلوم، فلما كان أصل الجزاء أن يقع مبهما، وكذلك (متى وأين) ، ~~قدرنا (كيف) أنها واقعة على حال معلومة عند المجازي، خرجت من الإبهام، ~~وباينت حروف الجزاء، فلهذا لم يجز الجزم بها على تقدير حال معلومة. # ووجه ثان في أصل المسألة: أن الجزاء أصله يقع بالحروف إلا أن يضطر إلى ~~الأسماء، لما ذكرناه من الفائدة، فإذا لم يضطر إلى استعمال الأسماء، لم يجز ~~أن يجازى بالأسماء. # ووجدنا (أيا) تنوب عن معنى (كيف) ، فاستغني بها عن (كيف) . ألا ترى أن ~~القائل إذا قال: في أي حال تكن أكن، فهو في معنى: كيف تكن أكن، فلما كانت ~~(أي) تتضمن الأحوال وغيرها، استغني بها عن (كيف) . # ووجه ثالث: أن الجزاء إنما هو ب (إن) ، وسنبين ذلك في بابه، و (إن) لم ~~يختص بالمعرفة دون النكرة، ألا ترى أنك تقول: إن يقم زيد أقم، وإن يقم رجل ~~من الناس أقم. وكانت (متى وأين) يصح أن يقع جوابهما معرفة ونكرة، كقولك: ~~أين زيد؟ فيقول: في الدار، وإن شئت قلت: في دار، في موضع كذا وكذا، وكذلك ~~حكم (متى) في الأوقات. # وأما (كيف) : فلا يقع جوابها إلا نكرة، فخالفت حروف الجزاء. # PageV01P226 # وأما (حيث) : فالذي أوجب لها البناء أنها مبهمة لا تختص بمكان دون مكان، ~~فوجب أن تحتاج ms053 إلى ما يوضحها، كما أن (الذي) اسم مبهم يحتاج إلى ما يوضحه، ~~فمن حيث وجب أن يبنى (الذي) وجب أن يبني (حيث) والذي أوجب ل (الذي) أن يبنى ~~أنه اسم لا يتم إلا بما يوضحه، فجري ما بعده مجرى بعض اسم مبني، فوجب أن ~~يبنى (الذي وحيث) لما فيهما من الشبه لبعض الأسماء. # وكذلك حكم (إذ) لأنها للزمان كله، بوقت دون وقت، فاحتاج إلى إيضاح. # فأما (إذا) : ففيها من الإبهام ما في (إذ) ، لأنها للزمان المستقبل كله، ~~وفيها مع ذلك شبه ب (إن)) التي للجزاء من جهة المعنى، ألا ترى أن (إذا) ~~تحتاج إلى الجواب كاحتياج (إن) إلى ذلك، فوجب لما ذكرناه أن يبنى. # فإن قال قائل: فهلا أضفتم (حيث) إلى اسم مفرد، نحو زيد وعمرو، فقلتم: زيد ~~حيث عمرو، كما تضيفون أسماء الأماكن إلى اسم مفرد، نحو: خلف عمرو؟ # قيل: قد بينا أن (حيث) مبهمة لا تختص بجهة دون جهة، كاختصاص غيرها من ~~أسماء الأماكن، والأسماء الدالة على الشخص لا تخص الجهات، وإنما يعرف بما ~~يضاف إليها، فإذا قلتم: زيد خلف عمرو، عرفت هذه الجهة # PageV01P227 # المخصوصة بعمرو، فاختصت به دون سائر الأشخاص، فإذا قلت: زيد حيث عمرو، ~~تخبر عنه أنه في مكان عمرو، ومكان عمرو مبهم، يجوز أن يكون خلفه وقدامه، ~~وفي جميع أقطاره، فلم يخرج بهذه الإضافة إلى أن يختص جهة دون جهة، فوجب ~~بهذا المعنى أن يضاف إلى جملة، لأن الجمل تتضمن معنى الفعل، فتصير (حيث) ~~مختصة بالفعل فتتعين، ألا ترى أنك لو قلت: رأيتك حيث قام زيد، اختصت (حيث) ~~موضع القيام، فلما صارت الجملة تفيد فيها تخصيصا أضيف (20 / أ) إليها، ولم ~~تضف إلى اسم مفرد، إذ كان لا يختص. # وإن شئت قلت: إن (حيث) لما كانت مبهمة في المكان كإبهام (إذ) في الزمان، ~~فمن حيث جاز إضافة (إذ) إلى الجملة، جاز إضافة (حيث) إليها، لاشتراكهما في ~~الإبهام. # فإن قال قائل: فلم جاز الضم في (حيث) ، وخالفت (أين وكيف) ، وقبل آخر كل ~~حرف منها ياء؟ # قيل ms054 له: إن (حيث) قد أشبهت (قبل وبعد) من جهة، وهو ما بيناه، وهو أن أصل ~~(حيث) أن تضاف إلى اسم مفرد كإضافة أخواتها من الظروف، فلما منعت ما تستحقه ~~من الإضافة، وأضيفت إلى الجمل أشبهت (قبل وبعد) من حيث حذف منهما المضاف ~~إليه، فمن هذا الوجه حرك آخر (حيث) بالضم، وإن كان الضم في (حيث) لالتقاء ~~الساكنين، وفي (قبل وبعد) لاستحقاق ذلك. ومن كسر في (حيث) فعلى أصل ما يجب ~~من التقاء الساكنين، ولم يجعل بالياء. # PageV01P228 # فإن قال قائل: ممن حيث استحقت (قبل وبعد) البناء؟ # فالجواب في ذلك: أن (قبل وبعد) يضافان إلى الأسماء، والمضاف والمضاف إليه ~~كالشيء الواحد، فلما حذف ما أضيف إليه ودلا عليه جرى مجرى بعض الاسم، وبعض ~~الاسم مبني، فلهذا وجب أن يبنى. # فإن قال قائل: فلم استحقا أن يبنيا على حركة، ولم يبنيا على السكون ك ~~(أين وكيف) ؟ # (فالجواب في ذلك) : لما بينا أن ما بني من الأسماء، وله حال تمكن يجب أن ~~يبنى على حركة، وجب أن يبنيا على حركة. فإذا قيل: لم كانت الحركة الضم دون ~~الفتح والكسر؟ # ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أن (قبل وبعد) يدخلهما في حال الإعراب النصب والجر، فلو بنيا على ~~الفتح والكسر، لجاز أن يتوهم أن حركتهما حركة إعراب، فعدلا إلى الضم بهما، ~~ليزول هذا اللبس. # والجواب الثاني: أن الضم أقوى الحركات، فلما كانت (قبل وبعد) قد حذف ~~منهما المضاف، حركا بأقوى الحركات، ليكون ذلك عوضا من المحذوف. # فأما (من وما والذي) : فإنما وجب بناؤها، لأن (الذي) لا يتم إلا بصلة، ~~فصارت كبعض اسم. # PageV01P229 # ومن وما: إذا كانا استفهاما أو جزاء فبناؤهما أيضا واجب، لتضمنهما معنى ~~حرف الاستفهام ومعنى حرف الجزاء، وبنيا على السكون لأنهما لم يكن لهما ولا ~~ل (الذي) حال تمكن. # فأما (أي) : فهي معربة في جميع الوجوه، إلا في موضع سنبينه، وإنما استحقت ~~الإعراب لأنها متضمنة للإضافة، وهي مع هذا متمكنة مستعملة في موضع الرفع ~~والنصب والجر، فلتمكنها في الإخبار عنها، وتضمنها للإضافة استحقت الإعراب، ~~لأن ms055 الإضافة تقوم مقام التنوين، وما تلحقه على هذا السبيل الإضافة، فلا بد ~~من أن يكون معربا، فلهذا خالفت (من وما والذي) . # وأما الموضع الذي تبنى فيه (أي) : فهو أن تجريها مجرى (الذي) وتصلها باسم ~~مفرد، كقولك: لأضربن أيهم قائم، وكان الأصل: لأضربن أيهم هو قائم، فيكون ~~(هو) المبتدأ، و (قائم) الخبر، والجملة صلة (أي) ، كما تكون صلة (الذي) ، ~~وحذف (هو) وهو قبيح، وإنما قبح لأنه يجوز أن يقع موقعه أخوه وأبوه، وما ~~أشبه ذلك، فيقع لبس في الكلام، ومع هذا فإن المبتدأ لا بد منه، وإنما يجب ~~الحذف للفضلات لما لا بد منه، إلا أن العرب قلما تستعمل حذف المبتدإ مع ~~(الذي) ، وقد استعملوا حذفه مع (أي) . (20 / ب) قال سيبويه: لما جاءت (أي) ~~في هذا الموضع الذي ذكرناه مخالفة لما تجيء عليه أخواتها بنيت على الضم ~~لمخالفتها أخواتها - أعني: # PageV01P230 # (الذي ومن وما) . # وقال الخليل، رحمه الله: هي معربة في هذا الموضع، وإنما رفعت على المعنى ~~للحكاية، والتقدير عنده: لأضربن الذي يقال له: أيهم قائم. # وقال يونس: الفعل ملغى، وشبهه بأفعال القلوب التي يجوز إلغاؤها. # وقول يونس ضعيف جدا، لن (ضربت) فعل مؤثر، ومحال أن يلغى ما له تأثير. # وقول الخليل أقرب، وإن كان فيه بعض البعد؛ لأن تقدير الحكاية إنما يسوغ ~~فيما جرى له ذكر، ونحن نبتدئ الكلام بالمسألة التي ذكرناها، ولم يبق ما ~~يعمل عليه إلا قول يونس، وقد طعن عليه أبو بكر بن السراج، فإن قال: وجدت ~~المفرد مما يستحق البناء فإذا أضيف أعرب، نحو: (قبل وبعد) فصارت الإضافة ~~توجب إعراب الاسم، ووجدنا (أيا) إذا أفردت أعربت، وهذا نقض الأصول، وهذا ~~الذي حكيناه معنى قوله. # قال أبو الحسن: والذي قدره أبو بكر ليس بصحيح، وذلك أن الإضافة ترد الاسم ~~إلى حال الإعراب، إذا استحق البناء في حال الإفراد، فإذا كان الموجب للبناء ~~في حال الإضافة ذلك الشيء، كان حال الاسم مفردا أشد افتقارا إلى البناء، ~~ألا ترى أن (لدن) مبنية، وهي مع هذا مضافة؛ لأنها استحقت البناء ms056 في حال ~~إضافتها، # PageV01P231 # وإذا كان ذلك على ما ذكرناه سقط ما اعتمد عليه أبو بكر، وصح ما قال ~~سيبويه. وإنما وجب أن تعرب (أي) في حال الإفراد؛ لأن الإضافة تعاقب التنوين ~~وهي متضمنة للإضافة، فلما زال لفظ الإضافة رجع التنوين، ومتى حصل التنوين ~~الذي هو علامة الانصراف في الاسم، وجب أن يعرب. # فإن قال قائل: أليس الإضافة تقوم مقام التنوين فقد استويا، فلم صار في ~~حال الإضافة أولى من حال الإفراد؟ # قيل له: لأنها إذا بنيت في حال الإضافة، فإنما دخلها نقص واحد بالبناء، ~~فيحمل بناؤها في هذه الإضافة لخفة حكمه، فإذا أفردت كرهوا ان يجمعوا عليها ~~حذف المضاف والبناء، فإذا تمت بصلتها فلا بد من إعرابها، وهذا يقوي ما قال ~~سيبويه، لأن معنى الحكاية لا يتغير بإظهار المبتدإ بعد (أي) ، فلما جدنا ~~العرب تنصب (أيا) إذا تمت بصلتها، وتضمها إذا حذفت منها المبتدأ، علمنا أن ~~الضم بناؤها دون ما سواه، وتمامها أن تقول: لأضربن أيهم هو قائم. وبعض ~~العرب يعربها، وإن حذفت منها المبتدأ، وهي لغة جيدة، ووجهها: أن (أيا) قد ~~بينا تمكنها واستحقاقها للإعراب، وسبب الحذف بعدها للاستخفاف، ولا ينبغي أن ~~يكون ما حذف للاستخفاف يؤثر في إزالة تمكن الاسم. # فإن قيل: فلم قبح استعمال (الذي) إذا حذف من صلته المبتدأ، ولم يقبح ذلك ~~مع (أي) ؟ # قيل: يجوز أن يكون ذلك؛ لأن (أيا) لا تنفك من الإضافة، فيصير # PageV01P232 # المضاف إليه كالعوض من حذف المبتدإ، فلهذا كثر في (أي) الحذف من بين سائر ~~أخواتها. # فإن قال قائل: قد ذكرت في الباب أن (إذا) لا بد أن يذكر بعدها فعل، وقد ~~وجدنا العرب تقول: خرجت فإذا زيد قائم، وقائما؟ # قيل له: إن (إذا) تستعمل على (21 / أ) ضربين: # أحدهما: أن تكون للزمان المستقبل، ويدخل فيها معنى الشرط والجزاء، فهذه ~~التي لا بد أن يذكر بعدها الفعل. # والضرب الثاني: أن تكون (إذا) بمعنى المفاجأة، وظاهرها أن تكون ظرفا من ~~المكان، فهذه لا تحتاج إلى الفعل، إذ ليس فيها معنى الشرط والجزاء، ms057 فإذا ~~قلت: خرجت فإذا زيد قائم، فزيد: رفع بالابتداء، وإذا: في موضع خبره، ونصبت ~~(قائما) على الحال، والعامل في الحال فعل تقديره: خرجت فحضرني زيد في حال ~~قيامه، أو فاجأني زيد، فتكون (إذا) في موضع نصب بهذا الفعل. # فإن قال قائل: فلم لا تكون ظروف الزمان خبرا عن الجثث؟ # قيل له: لأن المراد بالخبر فائدة المخاطب وإعلامه ما يجوز أن يجهله، فإذا ~~قيل: القتال اليوم، فقد يجوز أن يخلو اليوم من القتال، فإذا أخبرت المخاطب ~~بوقوعه في اليوم، فقد أخبرته ما كان يجوز أن يجهله، وإذا قلت: زيد اليوم، ~~فالمعنى: أن زيدا في اليوم، ونحن نعلم والمخاطب أن زيدا لا يخلو من اليوم ~~حيا كان أو ميتا، وكذلك سائر الناس، فلم يصر في الخبر فائدة، وما لا فائدة ~~فيه لا يجوز استعمال الكلام به، فلهذا لم يجز أن تكون ظروف الزمان خبرا ~~للجثث. # PageV01P233 # فإن قال قائل: فقد يقال: الهلال الليلة، والهلال جثة، والليلة ظرف من ~~ظروف الزمان فقد جاز ذلك؟ # قيل: إنما يقع هذا الكلام عند توقع حدوث الهلال، فالتقدير: الليلة حدوث ~~الهلال، والحدوث مصدر، فحذف وأقيم الهلال مقامه توقيعا واختصارا، وكذلك ~~يجوز أن تقول: اليوم زيد، إذا كنت تتوقع قدومه، أي: اليوم قدوم زيد، ~~والدليل على أن المراد ما ذكرناه أنه لا يجوز أن تقول: الليلة القمر، ولا: ~~اليوم الشمس، لأنهما لا يتوقعان، ولا بد من طلوعهما. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج أن تجعل العرب في الأسماء أسماء نواقص؟ # قيل له: يجوز أن يكون الذي أحوج إلى ذلك الأسماء النكرات تنعت بالجمل، ~~فجاؤوا باسم يحتاج أن يوصل بالجمل، وهو في نفسه معرفة بالألف واللام، أي ~~(الذي) والجملة توضحه فتوصلها بالذي إلى أن صارت الجملة في المعنى كالنعت ~~للمعرفة، فهذا الذي أحوج إلى ما ذكرناه، وحملت (من وما وأي) على (الذي) ولم ~~يصح الوصف بها؛ لأنها لا معنى لها في نفسها ولا فيها ما يدل على العهد ~~كالألف واللام في (الذي) ، فجرت مجرى الأسماء الأعلام، وسنبين أحكام النعوت ~~في ms058 بابها، وانه لا ينبغي أن ينعت إلا بفعل أو باسم فيه معنى الفعل، ~~والأسماء الأعلام خالية من ذلك، فلهذا لم ينعت بها ولا بما جرى مجراها. # PageV01P234 ### | (8 - باب الحروف التي تنصب الأسماء والنعوت وترفع الأخبار) # فإن قال قائل: لم وجب أن تنصب هذه الحروف الاسم وترفع الخبر، هلا رفعت ~~الاسم ونصبت الخبر؟ وبالجملة لم وجب أن تعمل؟ # فالجواب في وجوب عملها: أنها حروف تختص بالاسم، ولا تدخل على الفعل، ~~وبعضها يحدث معنى في الاسم، وأواخرها كأواخر الفعل الماضي، فلما شاركت ~~الفعل في لفظها ولزومها (21 / ب) الاسم، وجب أن تعمل عمله، والذي أوجب لها ~~أن تعمل عملين: الرفع والنصب، انها عبارة عن الجمل، وليس لها معنى في ~~العبارة عن الاسم المفرد، فلما اقتضت اسمين، وجب أن تعمل - لما ذكرناه - ~~فيهما، ولا يخلو عملها فيهما من أحد ثلاثة أشياء: إما أن ترفعهما جميعا، أو ~~تنصبهما جميعا، أو ترفع أحدهما وتنصب الآخر، فم يجز رفعهما جميعا؛ لأنها قد ~~جرت مجرى الفعل في العمل، والفعل لا يجوز أن يرفع فاعلين بغير اشتراك ولا ~~تثنية، فلو رفعت الاسمين لخالفت ما شبهته به، وهو الفعل، ولم يجز أن ~~تنصبهما جميعا؛ لأن الفعل الذي شبهت به لا يجوز أن ينصب بغير فاعل يكون ~~معه، فلو نصبنا بها الاسمين لصارت بمنزلة فعل نصب مفعوله بغير فاعل، وهذا ~~لا يوجد في الأصل والفرع، وأولى ألا يوجد فيه، فلم يبق من الأقسام إلا أن ~~تعمل في أحدهما رفعا، وفي الآخر نصبا، ليكون المرفوع كالفاعل ويكون المنصوب ~~كالمفعول، وإنما وجب أن يكون المرفوع مؤخرا والمنصوب مقدما، وإن كان الأصل ~~في الفعل أن يكون فاعله قبل مفعوله لوجهين: # أحدهما: أنا لو رفعنا الأول ونصبنا الخبر، لجرى المفعول مجرى الفاعل فكان # PageV01P235 # يجوز إضماره، ولو أضمرناه لم يخل من أن يكون المضمر غائبا أو متكلما أو ~~مخاطبا، وإضمار الغائب مستتر فيما عمل فيه، كقولك: قام زيد، فلو قيل لك: ~~أضمر زيدا، لقلت: قام، فلو جاز أن ترفع (إن وأخواتها) الاسم الذي يليها ~~لوجب ms059 أن يستتر ضميره فيها، إذا كان غائبا، ويظهر تاء المتكلم، نحو قولك: ~~إنت، لو تكلم به، فلكان ذلك يؤدى إلى اللبس ب (أنت) وإلى إضمار في الحروف، ~~والحروف لا يجوز الإضمار فيها؛ لأنها جوامد لا تتصرف، وإنما جاز الإضمار في ~~الأفعال، لأن في أوائلها حروفا تدل على الضمير، وحمل ما لا دلالة فيه على ~~ما فيه الدلالة، لاشتراكها في الفعلية. فهذا الذي يجوز في الأفعال دون ~~الحروف والأسماء. # فإن قال قائل: أليست قد شبهت بالفعل وهي حرف، ومع هذا فقد رفعت الاسم ~~ونصبت الخبر، فلم يجب من حيث رفعت أن تضمر فيها مرفوعا، فهلا عملت (إن) ~~الرفع فيما يليها؟ # قيل: لم يكن على كونها حرفا دلالة، إذ كان لفظها لفظ الفعل، وعملها عمله، ~~وترك التصرف في الشيء لا يدل على أنه حرف؛ لأن من الأفعال ما لا تتصرف، ~~نحو: نعم وبئس، فلو رفعت (إن) الاسم لم يعلم أنا حرف، فجعل عملها فيها ~~بعدها مخالفا لعمل الفعل، ليدل بذلك على أنها حرف، ولولا ما ذكرناه لكان ~~حقها أن ترفع الاسم وتنصب الخبر، لتجري مجرى الفعل الذي شبهت به. # وأما (ما) فلم تشبه الفعل من جهة اللفظ، وإنما أشبهته من جهة المعنى، # PageV01P236 # فأعطيت عمله، لأن اللبس يرتفع، فأما ما ذكرناه في (إن) من الإضمار فليس ~~يعرض في (ما) ، لأن الضمير إذا اتصل به لا يوجب لبسا في اللفظ، كما يوجبه ~~في (إن) ، وإنما لم يلزم في (ما) ولزم في (إن) من الإضمار فيها لأن (إن) ~~تعمل في جميع اللغات عمل الفعل، فكان يجب أن يقع الإضمار فيها كوقوعه في ~~الفعل، ولم يجز أن يستتر الضمير في (ما) ، ولا يتصل بها وإن عملت الرفع، ~~لأنه قد يبطل عملها في جميع اللغات، إذا تقدم خبرها، فلم يعتد بها وجرت ~~مجرى ما لا يعمل (22 / أ) من الحروف، فلهذا لم يجب فيها من الحكم ما وجب في ~~(إن وأخواتها) وقد دخل في هذا الفعل من علة مخالفة عملها لعمل الفعل في ~~نصبها لما يليها ورفعها ms060 للخبر. # فإن قال قائل: أليس إذا نصبت الاسم ورفعت الخبر فقد عملت في الخبر، وقد ~~قلت: إن ما تعمل في الاسم رفعا يجب أن يستتر فيها ضميره، وهذا الشرط غير ~~موجود فيها وإن رفعت؟ # فالجواب في ذلك: أن الذي منع من استتار ضمير ما رفعته إذا كان مؤخرا، أنه ~~لا يجوز تقديمه إذا كان مظهرا، فلما كان الظاهر لم يجز تقديمه إذا كان ~~مظهرا، لم يجز أيضا تقديم ضميره، فلهذا لم يجز أن يستتر ضمير ما رفعته إذا ~~كان مؤخرا، ويجب استتاره لو وقع مقدما، إذ لا مانع يمنع من ذلك. # فإن قيل: فهلا كان المانع مما رفعته (إن) لو وقع متقدما هو أنها حروف لا ~~يصح الإضمار فيها؟ # قيل له: إنما يجب ما ذكرته لو كان لا طريق إلى إعمالها إلا على هذا ~~الوجه، فأما إذا جاز أن تعمل عمل الفعل على طريق يشبه عمل الفعل، كان أولى ~~من أن تعمل عمله، ولا تجري مجراه. # PageV01P237 # فإن قيل: فما الذي منع من التقديم والتأخير؟ قيل له: ضعفها في أنفسها إذ ~~كانت حروفا لا تتصرف في أنفسها، فإنما عملت بالتشبيه به فألزمت وجها واحدا. # فإن قال: فلم خصت الظروف وحروف الجر بالفصل بينها وبين ما تعمل فيه؟ # فالجواب في ذلك: أن الظروف وحروف الجر ليست مما تعمل فيها (إن) وذلك أنك ~~إذا قلت: إن زيدا عندك، فعندك: منصوب بإضمار فعل تقديره استقر عندك، فاستقر ~~في التحقيق هو موضع الخبر، والظروف مفعولة فيها، فإذا قدمت فلم نقدم شيئا ~~قد عملت فيه (إن) ، وإنما لم يجز تقديم ما عملت فيه (إن) لضعفها فأما تقديم ~~ما عمل فيه غيرها فليس بمنكر، إذا كان ذلك العامل فعلا، والفعل يعمل في ~~مفعوله مقدما ومؤخرا. # فإن قال قائل: أليس عندكم أنه لا يجوز: كانت زيدا الحمى تأخذ، لأن (زيدا) ~~منصوب ب (تأخذ) ، وتأخذ: الخبر، كما أن الظرف منصوب ب (استقر) ، واستقر: هو ~~الخبر، فمنعتم من وقوع (زيد) بين (كان) واسمها، لأنه بمنزلة الأجنبي، فلم ~~يجز الفصل بين ms061 (كان) واسمها، إذا كان الفعل والفاعل كالشيء الواحد، فهلا ~~منعتم من جواز الفصل بين (إن) واسمها بالظرف، إذ قد صار كالأجنبي، وحكم اسم ~~(إن) كحكم اسم (كان) ، وإن كان أحدهما منصوبا والآخر مرفوعا، لاشتراكهما في ~~أنهما كانا مبتدأين دخلت عليهما (إن وكان) ؟ # PageV01P238 # فالجواب في ذلك: أن (كان وإن) حكمهما واحد فيما سألت عنه، ونظير مسألتنا ~~أنه يفصل بين (كان) واسمها بظرف قد عمل فيه الخبر، كما جوزنا الفصل بين ~~(إن) واسمها بظرف قد عمل فيه خبرها، فلو قلت: كان خلفك زيد قائما، لجاز، ~~ولو قلت: إن زيدا عمرا ضارب، لم يجز في (كان) . # فإن قال قائل: من أين خالفت الظروف لسائر الأسماء حتى جاز الفصل بها؟ ~~فالجواب في ذلك من وجهين: # أحدهما: أن الظروف قد تقوم مقام الأخبار، نحو قولك: إن زيدا خلفك، فلما ~~(22 / ب) كفت عن الخبر وقامت مقامه لم يصر كالأجنبي من الاسم، وإن كانت في ~~تقدير مفعول الخبر، فجاز الفصل بها، لأنها قد صارت كالخبر، فأما غيرها من ~~الأسماء فلا تقوم مقام الخبر فصار أجنبيا محضا، فلم يجز أن تتخلل بين ~~شيئين، أحدهما مع الآخر كالشيء الواحد. # والوجه الثاني: أن الظروف فيها اشتمال على الجملة التي تتعلق بها، فقدمت ~~الظروف وأخرت، فقد صارت بهذا الاشتمال على الجملة والتعلق بها والاحتواء ~~عليها بمنزلة بعض الجملة، وما ليس بأجنبي من الاسم والخبر، فجاز لك أن تفصل ~~به، فجاز الفصل بها، ولم يجز بغيرها تقدير هذا المعنى والفصل به؛ لأنه ليس ~~له هذا المعنى الذي في الظروف. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى تقدير فعل مع الظروف غير الاسم المتقدم، ~~نحو قولك: إن زيدا خلفك، والخلف غير زيد، وهو في موضع خبره؟ # PageV01P239 # قيل له: لا يجوز أن يكون ضمير فاعله، وذلك الضمير يرجع إلى المخبر عنه، ~~فبان بما ذكرنا أن الخبر في الحقيقة (استقر) ، وأنه لابد من تقديره لما ~~ذكرناه. # فأما الفعل الماضي والمستقبل إذا وقعا في خبر (إن) لم يتغيرا عن حالهما؛ ~~لأن (إن) قد بينا أنها ms062 من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء لا تعمل في ~~الأفعال، فسلمت الأفعال من عامل فيها، فبقي الماضي على فتحه، وارتفع ~~المستقبل لوقوعه موقع الاسم. # فإن قال قائل: إذا كانت (إن) لا يجوز أن تعمل في الماضي والمستقبل، كما ~~لم تعمل في الظروف، وقد جوزتم تقديم الظروف، فهلا جوزتم تقديم الفعل؟ # فالجواب في ذلك: أن الفعل - وإن لم تعمل فيه (إن) - فقد عملت في موضعه ~~رفعا، ويصير في المعنى كأنا قدمنا ما عملت فيه. # وأما الظروف فقد بينا أن العامل فيها (استقر) وليس ل (إن) عمل فيها، ولا ~~في موضعها، فلذلك جاز تقديمها. وكذلك حكم الجملة إذا حلت محل الخبر لا يجوز ~~تقديمها. فهذه هي العلة في المنع من تقديم الفعل. # ووجه آخر: وهو أن (إن) مشبهة بالفعل، فكما لا يجوز أن يلي فعل فعلا، ~~فكذلك لا يجوز أن يلي ما شبه به. # فإن قال قائل: فلم جاز العطف على موضع (إن ولكن) ولم يجز العطف على موضع ~~باقي الحروف - أعني أخواتها؟ # فالجواب في ذلك: أن (إن ولكن) لا يغيران معنى الابتداء، و (كأن وليت ~~ولعل) تحدث معاني من التشبيه والتمني والترجي، فيزول معنى الابتداء. # PageV01P240 # وجاز العطف على موضع (إن ولكن) لبقاء المعنى مع دخولهما، ولم يجز في ~~(كأن) وأختيها لزوال المعنى معها واستيلاء المعاني المذكورة قبل هذا مع ~~دخولها. # فإن قال قائل: هل العطف وقع على موضع (إن) وحدها، أو على موضع (زيد) ، أو ~~على موضعهما جميعا؟ # قيل له: بل على موضعهما جميعا، والدليل على ذلك أن (إن) عاملة فيما بعدها ~~غير منفصلة منه، وليس لها في نفسها حكم فيجوز العطف عليها. # فأما زيد في نفسه فلا يصح أن يقال: موضعه رفع، لأنا إنما نقول: موضع ~~الشيء رفع أو نصب، إذا لم يبن فيه أثر العامل، نحو قولك: إن هذا زيد، ف ~~(هذا) تقول: إن موضعه نصب، لأن (إن) لم تؤثر في لفظ (هذا) ، ولو جاز أن ~~تقول: إن موضع (زيد) رفع (23 / أ) لأدى ذلك إلى تناقض، وذلك أنه لو ms063 جاز أن ~~تقول: موضع (زيد) رفع، لكنا إذا قلنا: إن هذا زيد، يجب أن تقول: إن (هذا) ~~موضعه نصب ورفع، لحلوله محل (زيد) في اللفظ والمعنى، فقد بان بما ذكرناه ~~أنه لا يصلح أن يكون موضع (إن) رفعا وحدها، ولا موضع (زيد) ، وإنما استحقا ~~هذا الحكم باجتماعهما. # وقد امتنع بعض النحويين من جواز العطف على موضع (لكن) ، لدخول معنى ~~الاستدراك في إبطال حكم الابتداء، كدخوله معنى التشبيه في (كأن) والتمني في ~~(ليت) وهذا الذي قاله ليس بشيء، وذلك أن (لكن) يستدرك بها بعد النفي، فتصير ~~الجملة المستدركة بمنزلة الابتداء والخبر، ألا ترى أن القائل إذا قال: ما ~~زيد ذاهبا لكن عمرو شاخص، فأدى ما يستفيد لو قال: عمرو شاخص، فصار # PageV01P241 # حكم الاستدراك لا تأثير له في رفع حكم المبتدأ، وإذا خففنا (لكن) كان ~~رفعا ما بعدها بالابتداء والخبر، وحكم الاستدراك باق، فثبت بما ذكرناه أن ~~دخول هذا المعنى في (لكن) لا يؤثر في حكم المبتدأ. # فإن قال قائل: لم صار العطف على موضع (إن) أجود من العطف على الضمير ~~المرفوع من غير توكيد؟ # قيل: هو ضعيف في كل موضع، وإنما ضعف لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد، ~~وربما يستتر الضمير الفاعل في الفعل، فلو عطفنا على الضمير من غير توكيد، ~~لصرنا قد عطفنا على بعض الفعل، أو على نفس الفعل، فقبح العطف لهذا المعنى، ~~فإذا أكد الضمير صار التوكيد عوضا من اتصال الضمير بالفعل واختلاطه به، ~~فكأنا قد عطفنا على ظاهر. # وأما العطف على موضع (إن ولكن) فحسن في نفسه، لأنه لا مانع منه، فلما كان ~~العطف على الموضع يعرض فيه ما ذكرنا من القبح، وكان العطف على موضع الضمير ~~المرفوع في كل موضع قبيحا من غير توكيد، فاجتمع مع شيء غير مستقبح، وجب أن ~~يكون العطف على الموضع أقوى من العطف على الضمير، لسلامته من القبح، وحصول ~~القبح في العطف على الضمير يدل على صحة ما ذكرناه، أنه لا فرق بين أن تقول: ~~جاءني هذا وعمرو، وبين قولنا: جاءني زيد ms064 وعمرو، وإن كان (زيد) يتبين فيه ~~الإعراب، و (هذا) لا يتبين فيه الإعراب، فكذلك حكم (إن) وما بعدها، لا فرق ~~بين العطف على الموضع وبين العطف على المبتدأ لو تجرد من (إن) . # فإن قال قائل: فهل يجوز أن تعطف على الموضع قبل تمام الخبر، نحو قولك: إن ~~زيدا وعمرو قائمان؟ # PageV01P242 # قيل له: لا، فإن قال: فما الفصل بين جوازه بعد تمام الخبر وامتناعه قبل ~~الخبر؟ # فالجواب في ذلك: أن الذي منع من المسألة الأولى، أن شرط ما يعمل في الاسم ~~أن يعمل في الخبر، فإذا قلنا: إن زيدا قائم، ف (زيد) : نصب ب (إن) ، وقائم: ~~رفع ب (إن) . وإذا قلنا: إن زيدا وعمرو قائمان، وجب أن يرفع (عمرو) ~~بالابتداء، لأنه عطف على موضع الابتداء، ووجب أن يعمل في خبر عمرو ~~الابتداء، وفي خبر زيد (إن) ، وقد اجتمعا في لفظة واحدة، وهو قوله: قائمان، ~~فكان يؤدي إلى أن يعمل في اسم واحد عاملان، وهذا فساد، فلهذا صحت المسألة. # والفراء (23 / ب) يجيز مثل المسألة الأولى إذا كان اسمان، أحدهما مكني، ~~أو مبهم لا يتبين فيهما الإعراب، نحو: إنك وزيد ذاهبان، وإن هذا وعمرو ~~منطلقان. وما ذكرناه من الحجة فيما يتبين فيه الإعراب، لا يغير حكم العامل ~~عن عمله، بل حكمه فيها وفيما يتبين فيه الإعراب سواء. فإن قلت: إن زيدا ~~وعمرو قائم، فأردت الخبر، جازت المسألة، والأجود في تقديرها أن يكون ~~المحذوف خبر الاسم الثاني، وإنما اخترنا الوجه الأول، لأن الخبر يلي الاسم ~~الثاني، فلا يبقى علينا من التوسع في المسألة إلا حذف خبر الأول، ولو قدرنا ~~حذف الثاني، لأوجب ذلك اتساعين في المسألة، وهما حذف الأول والتقدير في ~~الخبر المذكور المتقدم، وقد جاء في الشعر كقول الشاعر: # PageV01P243 # (فمن يك أمس بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب) # فأتى بخبر واحد اكتفاء بما ظهر، وإنما جوزنا الوجه الثاني لأنه صحيح ~~المعنى، وهذا التقدير الذي جوزناه ليس بممتنع مثله في الكلام إن شاء الله، ~~ويدل على حسن الوجه الثاني إدخال اللام في قوله: ms065 لغريب، وإنما يحسن دخول ~~هذه اللام في خبر (إن) ، فأما دخولها في خبر المبتدأ فضعيف، وإنما يجوز ذلك ~~على تقدير مبتدأ محذوف: كأنك وقيار لهو غريب، لأن حق هذه اللام ألا تدخل ~~على المبتدأ، فلما رأيناها في هذا البيت داخلة على الخبر، دل ذلك على أن ~~الخبر للأول. # PageV01P244 ### | (باب الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار) # إن قال قائل: لم وجب لهذه الأفعال أن ترفع الأسماء وتنصب الأخبار، وليست ~~بأفعال مؤثرة، وإنما يخبر عنه بها عما مضى، ويخبر عما يستقبل، ولا يخبر أنه ~~قد وقع فعل على مفعول، نحو قولك: كان زيد قائما؟ # فالجواب في ذلك: أن هذه الأفعال لما كانت عبارة عن الجمل، وجب من حيث ~~كانت أفعالا أن يجري حكم ما بعدها كحكمه بعد الأفعال، ولو أبطلنا عملها ~~لحصل بعدها اسمان مرفوعان من غير عطف ولا تثنية، وهذا لا يوجد له نظير في ~~الأفعال الحقيقية، فوجب أن ترفع أحد الاسمين، ليكون المرفوع كالفاعل، وتنصب ~~الثاني ليكون كالمفعول، فلهذا وجب أن ترفع الأسماء وتنصب الأخبار. # والدليل على أنها أفعال وجود التصرف فيها، واتصال الضمير بها الذي لا ~~يتصل إلا بالأفعال، كقولك: كان يكون فهو كائن ومكون، كما تقول: ضرب يضرب ~~فهو ضارب، وتقول: كنت، كما تقول: ضربت. # فهذا دليل قاطع على أنها أفعال. وكذلك أيضا (ليس) فعل، لأنك تقول: لست، ~~كما تقول: ضربت. # فإن قال قائل: فما الذي منع (ليس) من التصرف؟ # PageV01P245 # فالجواب في ذلك: أنه لما دخلها معنى النفي، ضارعت (ما) التي للنفي، حتى ~~أن بعض العرب يجري (ليس) مجرى (ما) ، فلما دخلها شبه الحروف - والحروف لا ~~تتصرف - لم تتصرف هي أيضا، وألزمت وجها واحدا. # فإن قال قائل: فلأي زمان تستعمل؟ # قيل له: لنفي الحال والاستقبال (24 / أ) كقولك: ليس زيد قائما أمس. # فإن قيل: لم خصت بنفي الحال دون الماضي؟ # قيل: لما كان الأصل فيها أن تتصرف في جميع الأزمنة الثلاثة وضعت ما ~~تستحقه من التصرف، لشبه الحرف، وجب أن يبقى لها أكثر حكمها، ولا يزيلها ~~الشبه من ms066 أكثر حكمها، فجعلت لنفي زمانين ومنعت زمانا واحدا، وهو الماضي، ~~لأن لفظ زمان الحال والاستقبال واحد، لما تضمن من كثرة الفائدة، ويجوز أن ~~تكون لما بقيت لنفي الحال والاستقبال اللذين يدل عليهما لفظ الماضي، استغني ~~عن أن يستعمل منها لفظ المضارع. # فإن قال قائل: فهلا استعمل لفظ المضارع وأسقط لفظ الماضي؟ ففي ذلك ثلاثة ~~أجوبة: # أحدها: أن الحروف أشبه بالفعل الماضي من المضارع، لأن الماضي مبني ~~كبنائها، وقد بينا أن بدخول النفي أشبهت الحروف، فوجب أن يستعمل اللفظ الذي ~~أشبه الحروف دون ما لا يشبهها، فلهذا خصت بالماضي. # والوجه الثاني: أن الماضي أخف في اللفظ من المستقبل، فوجب أن يستعمل ~~الأخف، لأنا نصل به إلى ما لا نصل بالأثقل. # والوجه الثالث: أن المضارع فرع على الماضي من جهة اللفظ، ألا ترى أن # PageV01P246 # لفظ الماضي ليس فيه زائد، ولفظ المضارع يتضمن لفظ الماضي وزيادة حرف، ~~فكان استعمال لفظ الأصل أولى من استعمال لفظ الفرع. # ويحتمل وجها رابعا، وهو: أن هذا الفعل لما خولف به عن طريق أخواته من ~~الأفعال، جعل لفظه مخالفا لحكم ما ينفيه، ليدل به الخلاف في الأصل على أنه ~~قد ألزم وجها واحدا، ولو استعملوا من (ليس) المضارع لم يكن في المستقبل على ~~خروجه من الأصل، وجاز أن يشك في استعمال لفظ الماضي فعدل به إلى جهة ترفع ~~الشك من هنا. # فإن قال قائل: فلم لزمت بعض هذه الأفعال (ما) نحو: ما زال، وما انفك، وما ~~برح، وما فتئ، وما دام، وهل ل (ما) فيها حكم واحد؟ # فالجواب في ذلك: أن (ما) في (دام) وحدها مخالفة ل (ما) في باقي الأفعال، ~~وذلك أن (ما) في (مازال) نفي من سائر الأفعال للنفي، وهي في (ما دام) لغير ~~النفي، وأن (ما) مع ذلك بمنزلة المصدر النائب عن الفعل، والدليل على ذلك ~~أنه لا يصح الابتداء بها، وإنما تستعمل متعلقة بفعل، كقولك: إني أنتظرك ما ~~دمت قائما، والمعنى: وقت دوام قيامك، فموضوع الوقت نصب بانتظارك، فلما حذفت ~~الوقت صار موضع (ما ms067 دام) نصبا، لقيامه مقام الوقت، كما تقول: أنتظرك خفوق ~~النجم، ولو كانت في (ما دام) للنفي لوجب أن يبتدأ بها، كما يبتدأ بأخواتها ~~من الأفعال التي معها، كقولك: ما زال زيد قائما، وما انفك عمرو ذاهبا، فبان ~~بذلك اختلاف حكم ما ذكرناه. وإنما لزمت هذه الأفعال (ما) سوى (دام) لأن ~~فيها معنى النفي، وذلك أن قول القائل: زال زيد وبرح، أي: انتفى من هذه ~~المواضع، وفتئ بمنزلة زال في المعنى، وانفك # PageV01P247 # معناه: افترق، والافتراق (24 / ب) بمعنى الانتفاء، لأنه زوال عن حال ~~الاجتماع. # فلما كانت هذه الأفعال متضمنة لمعنى النفي، ومن شرط النفي إذا دخل عليه ~~نفي صار إيجابا، ألا ترى أن قول القائل: ما زال زيد ذاهبا، معناه: أنه ~~ذاهب، فلهذا خصت بالنفي، وغيرها من الأفعال لا تتضمن النفي، وإنما هي ~~للإيجاب المحض، نحو، كان وأصبح وما أشبههما، فإن أردت الإيجاب جردتهما من ~~حروف النفي، فإن أردت النفي أدخلت (ما) ، فاعلمه. # واعلم أن (كان) تستعمل على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ترفع الاسم وتنصب الخبر، على ما ذكرناه، فهذه إنما هي عبارة عن ~~الزمان فقط. # والوجه الثاني: أن تقع ملغاة من العمل والمعنى، وقد تكون ملغاة من العمل ~~دون المعنى، وأحسن ذلك فيها إذا أردت الإلغاء أن تؤخرها أو توسطها. # فمما جاءت فيه ملغاة في المعنى واللفظ: الإلغاء بعد التوكيد، وتحسين ~~اللفظ قوله تعالى: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} ، والمعنى: كيف نكلم من ~~صار في المهد صبيا، ف (صبيا) : نصب على الحال، والعامل فيه: نكلم، # PageV01P248 # والتقدير: كيف نكلم من هو في المهد في حال الصبا، ولو جعلت (كان) معنى ~~الماضي لخرج عيسى عليه السلام من أن يكون له اختصاص بهذا الحكم من بين سائر ~~الناس، ألا ترى أن جميع الناس قد كانوا صبيانا في المهود، فدل بعجب القوم ~~من قول مريم أن عيسى عليه السلام يتكلم في حال الصبا. # فأما ما تدخل فيه ملغاة في العمل دون المعنى، فنحو قولك: زيد كان قائم، ~~والمعنى: زيد قائم كان، فقد ms068 أفادت (كان) معنى المضي، وإن لم تعمل. # واعلم أن كان متى ألغيت فلا بد لها من فاعل في المعنى، لأن الفعل لا يخلو ~~من الفاعل، فإذا قلت: زيد قائم كان، فالمعنى: كان الكون، فالكون هو الفاعل ~~ل (كان) ، وهو بمعنى الجملة المتقدمة، ومثله قول الشاعر: # (سراة بني أبي بكر تساموا ... على - كان - المسومة العراب) # أي: على المسومة العراب كان تساميهم. # والوجه الثالث من أحكام (كان) : أن تكون بمعنى (وقع، وحدث) فتكون فعلا ~~حقيقيا، فيرتفع الاسم بعد (كان) كارتفاعه بعد قام بقام، ولا تحتاج إلى خبر، ~~ومتى ذكرت بعدها اسما صفة نكرة كانت منصوبة على الحال، كقولك: كان الأمر، ~~أي: حدث ووقع، فإن قلت: كان الأمر معجبا، نصبت (معجبا) على الحال، ومثله ~~قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض} # PageV01P249 # في قراءة من رفع (التجارة) ، أي: إلا أن تقع التجارة، ومثله قول الشاعر: # (فدى لبنى ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب) # أي: إذا وقع يوم. # واعلم أن (زال) التي تحتاج إلى اسم وخبر أصلها (فعل يفعل) كعلم يعلم، ~~تقول من ذلك: زال يزال، كما تقول: خاف يخاف، فأما التي تقول فيها: زال ~~يزول، فليست من هذا الباب في شيء، ولكنها تستعمل في غيرها من الأفعال، ~~كقولك: زال زيد عن المكان يزول عنه، وأما الأولى فلا تستعمل إلا (25 / أ) ~~بحرف النفي لما ذكرناه. # وأما (ما دام) فقد تستعمل بغير (ما) ، وإذا لم ترد المصدر والدلالة على ~~الوقت، كقولك: دام زيد على الشرب يدوم. # واعلم أن (دام) التي تستعمل مع (ما) لا يستعمل منها المستقبل، فلا يجوز ~~أن تقول: ما يدوم زيد قائما، وإنما ألزموه الماضي، لأن القائل إذا قال: أنا ~~أنتظرك ما دمت قائما، فإنما يخبر عن حال وقت دوامه، فلما كان هذا المعنى ~~المقصود لا يحتمل إلا معنى واحدا لزم لفظا واحدا. # فإن قال قائل: فلم اخترتم أن يكون الاسم في هذه الأفعال معرفة؟ # قيل له: لأن هذه الأفعال وباب (إن) إنما تدخل على المبتدإ والخبر، ms069 ومن # PageV01P250 # شرط الخطاب أن يكون مبنيا على المعادلة بين المتخاطبين، فإذا أردت أن ~~تخبر غيرك عن اسم بخبر لا يعرفه جاز أن ينصرف عن استماع خبره، لأن الإنسان ~~لا يتوهم بخبر من لا يعرفه، ومع هذا فيكون المتكلم لم يعدل في المخاطبة، إذ ~~لم يستو علم من يخاطبه في معرفة المخبر عنه مع علمه، فإذا كان المخبر عنه ~~معرفة اهتم المخاطب بخبره، وتساويا في المخاطبة، فلهذا اختير أن يكون ~~المتبدأ معرفة، وإنما جوزوا في الشعر أن يكون الاسم نكرة، لأن الاسم والخبر ~~يرجعان إلى شخص واحد، ولا تشبه هذه الأفعال الأفعال المؤثرة، نحو قولك: ضرب ~~زيد عمرا، وإنما افترقت لدخول هذه الأفعال على المبتدإ والخبر، فوجب أن ~~يكون ترتيب ما تعمل فيه كترتيب المبتدإ والخبر، وأما ضرب وأخواته من ~~الأفعال فليست داخلة على شيء مستغنى قبل دخولها عليه، وإنما يخبر بها عن ~~سبب ما يقع عليه، وليس ذلك أبدا يوجب أن يكون الفاعل أبدا معرفة للمتكلم ~~ولا للمخاطب، لأنه لا يحتاج أن يكون الفاعل معرفة، لأنه لا يتوهم بالفاعل ~~أصلا، ويكون اهتمامه وعنايته بالمفعول، فإذا كل واحد من الفعل والمفعول له ~~حكم وفائدة تختص دون صاحبه لم يجب اعتبار معادلة الفاعل مع المفعول، بل يجب ~~أن يختبر اهتمام المخبر بالفاعل والمفعول، فيقدم له ما يعلم أنه أهم عنده، ~~فاعلا كان أو مفعولا، فلهذا اختلف حكم باب (كان) وحكم ما ذكرناه من الأفعال ~~المؤثرة، ومما جاء في الشعر في جعل الاسم نكرة، والخبر معرفة قول الشاعر: # PageV01P251 # (كأن سلافة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء) # العسل نكرة، وهي اسم (كان) ، والمزاج معرفة، وهو الخبر، وإنما حسن مثل ~~هذا لأن العسل اسم جنس، فتعريفه كتنكيره في المعنى، وقلما يوجد في أشعارهم ~~أن يكون الخبر معرفة محضة، والاسم نكرة محضة، لما ذكرناه من قبح ذلك. # فإن قال قائل: فلم يحسن في النفي أن تخبر بالنكرة، نحو قولك: ما كان أحد ~~مثلك، و (أحد) نكرة، ومن أي وجه كان في النفي، ولم يجز في ms070 الإيجاب؟ # فالجواب في ذلك: أن موضع (كان) موضع الإخبار للفائدة، فمتى حصل فيها ~~فائدة للمخاطب جاز استعمالها، فلو قال قائل: كان رجل قائما، لم يكن في هذا ~~الكلام فائدة للمخاطب، لأن المخاطب يعلم أن الدنيا لم تخل من رجل قائم، ولو ~~قال له: كان رجل في الدار قائما، لكانت له في ذلك فائدة، لأن المخاطب قد ~~يجهل أن يكون في الدار رجل قائم، فإذا كانت الدار معينة، فقد بان بما ~~ذكرناه أنه لا تختلف المعرفة والنكرة في الإخبار عنها، إذا كان في الخبر ~~فائدة، إلا من جهة الحسن والقبح، وجاز أن يخبر عن النكرة، لأن المخاطب ~~مستفيد ما قد كان يجوز أن يجهله، ألا ترى أنك إذا تقول: ما كان أحد مثلك، ~~فقد يجوز أن يكون يعتقد أن له مثلا، ثم يستفيد بخبرك عنه خلاف ما كان ~~يعتقده، فقد بان أن في هذا الخبر - وإن كان نكرة - فائدة، وإن لم يجز ~~استعمال عكس هذا في الواجب، نحو: كان أحد مثلك، لأن (أحدا) اسم عام، والنفي ~~يصح أن يقع # PageV01P252 # على عموم الأشياء، ولا يصح إيجابها، ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني أحد، ~~لصح الكلام، ولو قلت: جاءني أحد، كان محالا، إذا أردت ب (أحد) الناس ~~أجمعين، وإنما اختص النفي بهذا، لأنه قد يصح نفي الضدين، ولا يصح إثباتهما، ~~نحو قولك: زيد ليس بالأبيض ولا الأسود، ولا يجوز أن تقول: زيد أبيض أسود، ~~فجاز أن يختص النفي ببعض العبارات التي للعموم، لأن في العموم اجتماع ~~الأضداد، كما جاز أن يختص بجواز نفي الضدين، ولم يجز وقوع العموم المختص ~~بالنفي في الإيجاب، كما لا يجوز اجتماع الضدين في جوهر واحد. # فإن قال قائل: فلم جاز تقديم الخبر على هذه الأفعال، ولم يجز تقديم ~~الاسم؟ # قيل له: إن الاسم المرفوع في هذه الأفعال مشبه بالفاعل، والخبر مشبه ~~بالمفعول، ومن شرط المفعول أنه يجوز أن يتقدم على الفاعل والفعل، ولا يجوز ~~تقديم الفاعل على الفعل لما سنبينه في باب (الفاعل والمفعول به) ، فجوزنا ~~تقديم ms071 الخبر على الفعل تشبيها بالمفعولات، وامتنعنا من تقديم الاسم، كما ~~امتنعنا من تقديم الفاعل، فاعلمه. # واعلم أن سيبويه قد نص على جواز تقديم خبر (ليس) في مسألة، وإن كان فيها ~~معنى النفي، ووجه جوازه: أن (ليس) فعل في نفسها، وإنما منعت من التصرف ~~للاستغناء عن نفي الزمان الماضي بغيرها، ولما ذكرناه من العلل، وهذا المعنى ~~ليس تنقص به في ذاتها، وهي مع ذلك تعمل في جميع الأسماء، المعرفة # PageV01P253 # والنكرة، والمضمرة والظاهرة، فوجب أن يجوز تقديم خبرها عليها، كما يجوز ~~في غيرها من الأفعال. ولا يلزم جواز ما تعمل فيه (نعم وبئس) وفعل التعجب، ~~لأن (نعم وبئس) لا يعملان في المعارف غير الأجناس، فقد نقصتا من درجة (ليس) ~~، فجاز أن يمتنع تقديم المفعول عليها، وأما فعل التعجب فقد أجروه - وإن كان ~~فعلا - مجرى الأسماء، فصغروه كما يصغرون الأسماء، فبعد عن حكم الأفعال ~~الحقيقية، ومع هذا فلا يتصل بضمير الفاعل، وإنما يضمر فيه الفاعل بعد نقص ~~بما ذكرناه عن رتبة (ليس) ، ومع هذا لا يؤنث، وهذا مما يوجب نقص فعل التعجب ~~عن حكم (ليس) فقد افترقا في (26 / أ) جواز تقديم المفعول. # فإن قال قائل: ف (عسى) يصل به ضمير الفاعلين ويؤنث، ومع هذا فلا يجوز ~~تقديم مفعوله عليه، نحو قولك: عسى زيد أن يقوم، ف (أن يقوم) في موضع نصب ب ~~(عسى) ، ولا يجوز أن يتقدم المفعول نحو: أن يقوم عسى زيد؟ # فالجواب في ذلك: أن (عسى) - وإن كانت على ما ذكره السائل - فليست مما ~~تعمل في جميع الأسماء، لأنه لا يجوز أن يكون مفعولها إلا (أن) مع الفعل، ~~ولو قلت: عسى زيد القيام أو قياما، لم يجز لأنها جعلت لتقريب الفعل، وإن ~~أدخلت على الفعل المضارع كان مستقبلا محضا، فوجب أن يؤتى بلفظ الاستقبال ~~المحض، ليصح تقريبه، ولم يجز اللفظ بنفس المصدر، لأنه لا يدل على زمان ~~بعينه، فلما صارت (عسى) تختص بالعمل في بعض الأسماء دون بعض، نقصت عن رتبة ~~(ليس) فمنعت من تقديم مفعولها. # PageV01P254 # فإن قال قائل: فهل ms072 يجوز تقديم الخبر على (ما دام وما زال) ؟ # قيل له: لا يجوز ذلك عندي، فأما امتناعه في (ما دام) فلأنه بمنزلة ~~المصدر، وما تعلق بالمصدر فمن صلته، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ~~لأنه يجري منه مجرى بعض الاسم، وبعض الاسم لا يتقدم على بعض، فلم يجز تقديم ~~خبر (ما دام وما زال) ، ف (ما) الداخلة على (زال) للنفي، وما دخل في حكم ~~النفي لا يتقدم عليه، لأن الموجب للنفي حرف، والحروف ضعاف، وليست لها قوة ~~الفعل، فلم يجز تقديم ما أوجبه حكمها عليها لضعفها، فلهذا لم يتقدم الخبر ~~على (ما زال) ، ولا على ما في أوله (ما) للنفي من سائر الأفعال. # فإن قال قائل: فلو كانت (ما) في (ما زال) للنفي، لجاز أن تقول: ما زيد ~~إلا قائما، فلما امتنعت هذه المسألة في ذلك، علمنا أنها مخالفة لحكم (ما) ~~الداخلة على (كان) في قولك: ما كان زيد الا قائما؟ # فالجواب في ذلك: أن هذه المسألة إنما امتنعت من (ما زال) لأن حكم ~~الاستثناء أن يبطل حكم النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: ما كان زيد قائما، نفيت ~~القيام، وإذا قلت: ما كان زيد إلا قائما، أثبت القيام، فصار بمنزلة قولك: ~~كان زيد قائما، وكذلك لو جوزنا الاستثناء بعد (ما زال) ، لصار التقدير: زال ~~زيد قائما، وقد بينا أن ذلك لا يستعمل إلا بحرف النفي، وإدخال حروف ~~الاستثناء يبطل ما وضعت عليه، فلهذا منعناها الاستثناء، وليس امتناعها عن ~~جواز الاستثناء لما ذكرناه يخرج عن أن تكون للنفي، لأن (ليس) لا تخلو إذا ~~أدخلت على (زال) # PageV01P255 # من أن تكون للنفي أو لغيره، فلو كانت لغير النفي لم يجز أن تخرج (زال) عن ~~موضعها في المعنى، فلما وجدنا معناها ينقلب بدخول (ما) عليها، علمنا أنها ~~للنفي، فوجب أن يجري عليها حكم النفي، وإن كانت جملة الكلام في معنى ~~الإيجاب. # وقد أجاز بعض النحويين تقديم خبر (ما زال) عليها لما ذكرناه من الشبه، ~~وشبهها بالإيجاب. # واعلم أن (أمسى وأصبح وأضحى) قد تستعمل ms073 على وجه آخر، فيقال: صار زيد إلى ~~عمرو، فليست هاهنا الداخلة على المبتدأ والخبر، لأنك لو أسقطتها من الكلام، ~~لم يجز أن تقول: عمرو إلى زيد، دون صار (26 / ب) فعلمنا بهذا التقدير أنها ~~ليست الداخلة على الابتداء والخبر، ولكنها داخلة لمعنى الانتقال والصيرورة، ~~ولذلك جاز فيها هذا الاستعمال، وصار زيد إلى عمرو، وكذلك قد تقول: أمسى ~~زيد، وأصبح عمرو، وأضحى عبد الله، وتسكت، ويكون المعنى: دخل زيد في وقت ~~المساء، ودخل عمرو في وقت الصباح، ودخل عبد الله في وقت الضحاء، كما تقول: ~~أظهر الرجل، إذا دخل في وقت الظهيرة، و (بات) تستعمل لليل، و (أضحى) ~~للنهار، و (ظل) تستعمل فيهما جميعا، وإن كان الأشهر أن تستعمل في النهار. # PageV01P256 ### | (10 - باب (ما)) # إن قال قائل: ما الذي منع من تقديم خبر (ما) عليها؟ # قيل له: لأنها حرف مشبه بالفعل، فلم تبلغ قوتها أن تتصرف في معمولها، إذ ~~كانت هي في نفسها لا تتصرف. # فإن قال قائل: فما الذي أوجب إبطال عملها إذا فصلت بين الاسم والخبر ب ~~(إلا) ؟ # قيل له: لأن (إلا) توجب الخبر، فبطل معنى (ما) ، فإنما هي مشبهة ب (ليس) ~~من جهة المعنى لا اللفظ، فإذا زال المعنى بطل عملها، لأن الشبه قد زال ~~فرجعت إلى أصلها، واعلم أن الأقيس في (ما) إلا تعمل شيئا، وإنما كان الأقيس ~~فيها هذا، لأنها تدخل على الاسم والفعل، كما تدخل حروف الاستفهام عليها، ~~وإنما يعمل العامل في الجنس إذا استبد به دون غيره، وهذا أصل في العوامل، و ~~(ما) في هذا ليست بالأسماء أولى منها بالأفعال، ولكن أهل الحجاز لما رأوها ~~بمعنى (ليس) ، تنفي ما في الحال والمستقبل أجروها مجراها في العمل، وأصل ~~موضع عمل الأفعال أن يكون فاعلها قبل مفعولها، فرفع ما عملت فيه، فقدم على ~~منصوبها تشبيها ب (ليس) على أصل موضع عمل الأفعال، فإذا زالت (ما) عن ترتيب ~~الأصل بطل عملها، ورجعت إلى ما تستحقه من القياس، وهذه العلة # PageV01P257 # كافية في (ما) وانصرافها عن العمل. # واعلم أن ms074 (إن) الخفيفة المكسورة الألف قد تدخل على (ما) زائدة، إلا أنها ~~متى دخلت عليها بطل عملها، للفصل بينها وبين ما تعمل فيه، إذ كانت حرفا ~~ضعيفا، وجرت في بطلان عملها إذا دخلت (إن) عليها مجرى (إن) إذا دخلت (ما) ~~عليها، نحو: إنما زيد قائم، فصارت (إن) مع (ما) كما مع (إن) في قولك: إنما ~~زيد قائم. # فإن قال قائل: أيجوز إدخال الباء على خبر (ما) إذا تقدم، وما الفائدة في ~~إدخالها؟ # فالجواب في ذلك: أنه غير ممتنع إذا أدخل الباء على خبر (ما) إذا تقدم ~~كقولك: ما بقائم زيد، والأحسن تأخيرها، وأما فائدة دخول الباء فلوجهين: # أحدهما: التوكيد للنفي، والثاني: أن تقدر أنها جواب لمن قال: إن زيدا ~~لقائم، فالباء أدخلت بإزاء اللام في خبر (إن) . # فإن قال قائل: فلم كانت الباء أولى بالزيادة من بين سائر الحروف؟ # فالجواب في ذلك: أنها حرف واحد لا تفيد إلا الإلصاق، فلما أرادوا نفي ~~الخبر ل (ما) أدخلوا الباء على الخبر للإلزاق، والمعنى بالباء، فلهذا كانت ~~أولى من سائر الحروف بالزيادة في هذا الموضع على ما بيناه. # وإنما قبح أن تلي الباء (ما) لما كان قبح أن تلي لام التوكيد ل (إن) . # وأما السبب في قبح الموضعين أن اللام للتوكيد و (إن) للتوكيد، فاستقبح # PageV01P258 # الجمع بين توكيدين، والباء (27 / أ) قد بينا أنها لتوكيد النفي، فقبح ~~أيضا أن يجمع بينهما لاشتراكهما في المعنى. # فإن قال قائل: فقد جوزت أن تلي الباء (ما) في قولك: ما بقائم زيد، واللام ~~لا يجوز أن تدخل على (إن) بحال، فما الفصل بينهما؟ # فالجواب في ذلك: أن اللام مجردها يفيد التوكيد للجملة التي تدخل عليها ~~كما تفيد (إن) ، وهما جوابان للقسم، فقبح الجمع بينهما لاشتراكهما في معنى ~~واحد، وأما الباء فليست في نفسها للنفي، وإنما هي مؤكدة لمعناها، ولأجل ~~مخالفتها في المعنى لحكم النفي جاز أن تليه، فلهذا خالفت اللام الباء لما ~~ذكرناه. # فإن قال قائل: أليس تقول: جاءني القوم كلهم أجمعون، فتجمع بين توكيدين، ~~فهلا جاز الجمع ms075 بين اللام وإن؟ # فالجواب في ذلك: أن (أجمعين) يفيد ما لا يفيده (كلهم) ، وذلك أن قول ~~القائل: جاءني القوم كلهم، يفيد مجيئهم، والدليل على أنه لم يبق بعضهم، و ~~(أجمعون) يفيد ما أفاد (كلهم) ويزيد اجتماعهم في حال المجيء، فلما اختلف ~~معنى التوكيدين، جاز الجمع بينهما، وقبح الجمع بين (اللام وإن) لاتفاقهما ~~في المعنى. # فإن قال قائل: أليس قد تقول: جاءني القوم أجمعون أكتعون أبصعون، وكل هذه ~~الألفاظ التي بعد (أجمعين) لا تفيد إلا ما تفيد (أجمعون) وقد جمعت # PageV01P259 # بين توكيدين بمعنى واحد؟ # فالجواب في ذلك: أن الأسماء التي بعد (أجمعين) لا معنى لها في نفسها، ولا ~~تستعمل بحال مفردة، وإنما أتبع (أجمعين) بها لتحسين المعنى وتوكيده، فلهذا ~~جاز الجمع بينهما، وتقول: ما زيد قائما ولا قاعدا أبوه، فلك في (قاعد) ~~الرفع والنصب، فالنصب على أن تعطف (قاعدا) على (قائم) ، وترفع (الأب) ~~بقاعد. فعلى هذا الوجه إذا ثبتت المسألة قلت: ما الزيدان قائمين ولا قاعدا ~~أبواهما، أفردت الفعل، لأنه فعل الأبوين، ومن شرط الفعل إذا ظهر فاعله بعده ~~ألا يثنى ولا يجمع، وإن كان اسما أجروه مجرى الفعل في هذا الموضع، فلهذا ~~أفردته. وأما (قائم) فإنما تثنيته في المسألة لأن فيه فاعلا مضمرا يرجع إلى ~~زيد. # وأما الرفع في (قاعد) فعلى أن تجعل (الأب) مبتدأ، و (قاعدا) خبره، فإذا ~~قدرته هذا التقدير صار ابتداء وخبرا، لأنك إذا أفردت ما بعد حرف العطف - ~~فالخبر مقدم - قبح الرفع، وإن لم تقدر ما بعد حرف العطف، فالرفع واجب، لأنه ~~ابتداء وخبر، وعلى هذا الوجه ثني (قاعدا) ، فتقول: ما الزيدان قائمان # ولا قاعدان أبواهما، لأن النية في (قاعدين) التأخير، ففيهما ضمير فاعل، ~~وفي النية، فلهذا وجب. # وتقول: (ما كل إبراهيم أبو إسحاق) ، تنون (إبراهيم) ولا تنون (إسحاق) وإن ~~كانا معرفتين أعجميين، والفصل بينهما أن كل اسم مفرد فلا بد من أن يكون ~~نكرة يدل على جنسه، أعني المسمى باسمه إذا نحي به هذا النحو، و (كل) إحاطة، ~~فإذا وقعت على علم نكرته، ودلت بالواحد ms076 الذي تقع عليه على جنسه، فلما جاء ~~(إبراهيم) بعد (كل) صار نكرة، أي أحد أمة، كل واحد # PageV01P260 # يقال له إبراهيم انصرف ولحقه التنوين، وأما إسحاق فلم يدخل عليه ما يزيله ~~عن تعريفه، فبقي على امتناعه (27 / ب) من الصرف، ولو قلت: ما كل أبي إسحاق ~~إبراهيم، لصرفنا (إسحاق) لوقوعه بعد (كل) ، ولم نصرف إبراهيم لبقاء تعريفه. ~~[ما كل] سوداء [تمرة] ولا بيضاء [شحمة] ، في الكتاب، وإن وقعت بعد (كل) ، ~~لأن (كل) اسم علم ممتنع من الصرف في المعرفة، ينصرف في النكرة لخفة النكرة، ~~وكل صفة على (فعلاء) لا تنصرف في معرفة ولا نكرة، فلهذا امتنع (سوداء ~~وبيضاء) من الصرف، ولم تؤثر فيه (كل) فاعرفه. # وتقول: ما زيد قائما بل قاعد، ترفع (قاعدا) لأنه وقع بعد (بل) ، وبل فيها ~~معنى الإضراب عن الأول، والإثبات لما بعدها، فصارت بمنزلة (إلا) ، فلهذا ~~وجب الرفع في (قاعد) . # وتقول: ما زيد قائما ولا أبوه، فترفع (الأب) بقيامه. وأبو العباس يقدر ~~هذه المسألة على تقدير: ما زيد آكلا شيئا إلا الخبز، وكذلك: ما زيد قائما ~~أحدا إلا أبوه، والذي دعاه إلى هذا التقدير أن الاستثناء يجب أن يكون من ~~الجملة، و (إلا) بابها الاستثناء، فيجب أن تقدر فيها ما يصح أن يكون الذي ~~بعدها # PageV01P261 # مستثنى منه، وليس أحد وشيء، وإن كانا مقدمين في المعنى من جهة اللفظ، بل ~~(الأب) مرتفع ب (قائم) والخبر منتصب بالأكل لا على طريق البدل، وإنما قال ~~أبو العباس ذلك من جهة المعنى، يدلك على صحة ذلك أن (أحدا) لم يجر له ذكر ~~فيجوز إضماره، وكذلك الشيء يقبح إضماره لأنه مفعول لا يستتر في الفعل، فعلم ~~أن التقدير إنما هو من جهة المعنى لا اللفظ. # PageV01P262 ### | (11 - باب الابتداء وخبره) # فإن قال قائل: لم استحق المبتدأ الرفع، وبأي شيء يرتفع؟ # فالجواب في ذلك: أن الرافع له التعرية من العوامل، وليست بلفظ. # فالجواب في ذلك: أن العوامل اللفظية إنما جعلت علامات للعمل، إلا أنها ~~تعمل شيئا، فإذا كان معنى العامل اللفظي إنما هو علامة، ms077 فالعلامة قد تكون ~~حدوث الشيء وعدمه، ألا ترى أن ثوبين أبيضين متساويين لو أردنا أن نفصل ~~بينهما، فسودنا أحدهما، لكان المسود منفصلا من الآخر، والآخر منفصلا منه، ~~وإن لم تكن فيه علامة، فكذلك عدم العامل علامة أيضا، فإذا قد ثبت أن ~~التعرية من العوامل عامل، فالذي يجب أن يبين: لم خص بعمل الرفع دون غيره؟ ~~وإنما خص بالرفع لأن المبتدأ أول الكلام، فوجب لما استحق الإعراب أن يعطى ~~أول حركة الحروف مخرجا، وهو الضم. # ووجه آخر: وهو أن المبتدأ محدث عنه، كما أن الفاعل محدث عنه، فلما استحق ~~الفاعل الرفع - لعله سنذكرها في بابه - حمل المبتدأ عليه. # PageV01P263 # وأما أبو إسحاق الزجاج فكان يجعل العامل في المبتدإ ما في نفس المتكلم من ~~معنى الإخبار، قال: لأن الاسم لما كان لا بد له من حديث يحدث عنه، صار هذا ~~المعنى هو الرافع للمبتدإ، والصحيح ما بدأنا به، لأنه لو كان الأمر كما ~~رتبه أبو إسحاق لما جاز أن ينتصب الاسم بدخول عامل عليه، لأن دخول العامل ~~لا يغير معنى الحديث عن الاسم، فلو كان ذلك المعنى عاملا، لما جاز أن يدخل ~~عامل وهو باق، وأما العلة الأولى فلا يلزم عليها هذا السؤال، لأن العامل في ~~(28 / أ) المبتدإ - على ما رأيناه - تعريته من العوامل اللفظية، فمتى دخل ~~عامل لفظي على المبتدإ زال العامل الذي هو التعرية، فلم يدخل عامل على ~~عامل. # فإن قال قائل: من أين وجب الرفع لخبر المبتدإ؟ # فالجواب في ذلك: أن المبتدأ لما كان لا بد له من خبر، كما أن الفعل لا بد ~~له من فاعل، صار الخبر مع المبتدإ كالفاعل مع الفعل، فكما وجب رفع الفاعل ~~وجب رفع الخبر. # ووجه آخر: أن المبتدأ لما كان العامل فيه التعرية من العوامل، وليست ~~بلفظ، وكان الخبر هو المبتدأ، وجب أن يحمل عليه في الإعراب، كما يحمل النعت ~~على المنعوت. # فإن قال قائل: قد رأينا المبتدأ ينصب، والخبر مرفوع، كقولك: إن زيدا ~~أخوك، فلو كانت علة رفعه أنه هو المبتدأ ms078 في المعنى - وقد جرى النعت - لوجب ~~أن ينتصب كما ينصب المبتدأ؟ # فالجواب في ذلك: أنا قد احترزنا من هذا السؤال، وذلك أنا جعلنا العلة في # PageV01P264 # جواز حمل الخبر على المبتدإ، أن العامل في المبتدإ غير لفظي، وإذا كان ~~العامل لفظيا في هذا - أعني: إن زيدا أخوك - لم يلزم هذا السؤال، وإنما ~~انفصل العامل اللفظي في هذا الحكم لأن العامل مشبه بالفعل، والفعل يقتضي ~~فاعلا ومفعولا، فلم يجز أن يتبع في مثل هذا الخبر المبتدأ إذا كان منصوبا، ~~لأنه لا يجوز أن يخلو الفعل من فاعل أو ما يقوم مقامه، ولا يجوز أن يتبعه ~~بعامل لفظي، نحو: كان زيدا أخاك، لأنه لا يكون للفعل فاعلان، فلهذا لم يلزم ~~السؤال عن العلة الأولى، وجاز أن يجعل الخبر كالمبتدإ في الإعراب، ويشبه ~~بالنعت من حيث كان العامل غير لفظي. # فإن قيل: قد علمنا بما ذكرت العامل في المبتدإ، فما العامل في الخبر؟ # ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أن الابتداء وحده عامل في الخبر، كما كان في المبتدإ، وإنما وجب ~~أن يعمل في الخبر قياسا على العوامل اللفظية، نحو: (إن وكان وظننت) فكل هذه ~~عاملة في المبتدإ والخبر، لأن نظير الابتداء (ظننت) لأن (ظننت) قد عملت في ~~المبتدإ والخبر عملا واحدا، وهو الرفع. # والوجه الثاني: أن يكون العامل في الخبر المبتدأ والابتداء جميعا، وإنما ~~وجب ذلك، لأن المبتدأ لا ينفك من الابتداء، فلا يصح للخبر معنى إلا ~~بمقدمتهما جميعا، فوجب أن يكونا جميعا العاملين. وكلا القولين جيد. # واعلم أن المبتدأ إذا كان خبره ظرفا، أو اسما متعلقا بحرف جر، فتقديمه ~~وتأخيره سواء، كقولك: زيد عندك، وعندك زيد، فزيد مرتفع بالابتداء في ~~الوجهين جميعا، وكذلك: المال لزيد، ولزيد المال. # PageV01P265 # فإن قال قائل: أليس إذا قلنا: زيد عندك، فعندك: منصوب بإضمار فعل تقديره: ~~زيد استقر عندك، فإذا قدمت (عندك) على (زيد) فكيف يصلح أن ترفع (زيدا) ~~بالابتداء وقد تقدمه (استقر) وهو فعل؟ # فالجواب في ذلك: أن (استقر) لو كان تقديره على ما سألت عنه لم يجز أن ms079 ~~ترفع (زيدا) بالابتداء، وإنما (استقر) مؤخر بعد ذكر الابتداء وخبره. # فإن قيل: (28 / ب) فمن أين لك أن التقدير يجب على ما ذكرت دون أن يكون ~~على ما سألنا عنه؟ # قيل له: الدليل على ذلك أنا نقول: إن عندك زيدا، فتنصب (زيدا) ب (إن) ، ~~ولو كان (استقر) مقدرا بين (عندك، وزيدا) لم يجز أن تتخطاه (إن) فتعمل في ~~(زيد) ، فقد بان بما ذكرنا أن الظرف تقدم أو تأخر فلا يمنع الاسم من ~~الابتداء. # وأما أبو الحسن الأخفش: فكان يجيز أن يرفع (زيدا) بتقدير (استقر) إذا ~~تقدمت الظروف، ويجيز ما ذكرناه عن سيبويه، فإذا لزم الأخفش ما ذكرناه من ~~قولك: إن عندك زيدا، لم يلزمه على هذا المذهب الذي يرفع (زيدا) ب (استقر) ، ~~وتبطل المسألة، وهذا القول ضعيف، لأنه ليس أحد من العرب حكي عنه الامتناع ~~من قولك: إن عندك زيدا، وما أشبه هذا من المسائل، فلو كان ما ذهب إليه ~~الأخفش من أحد الوجهين صحيحا لوجب أن يحكى ذلك عن العرب، ولو أسقطنا عنه ~~الإلزام من جهة العرب لكان القياس يؤيد قول سيبويه، ويضعف قول الأخفش فيما ~~يقدره به، وذلك أنه لا خلاف في جواز تقديم خبر المبتدإ، على # PageV01P266 # المبتدإ نحو قولك: عمرا زيد ضارب، فإذا ثبت جواز هذا، فيرجع إلى قولنا: ~~زيد عندك، زيد: مبتدأ بلا خلاف، وعندك: نائب عن الخبر، وهو (استقر) ، ~~والظرف مفعول فيه، فإذا قدمنا الظرف فيجب أن يبقى المبتدأ على ما كان عليه، ~~لأن تقديم مفعول الخبر لا يوجب تقديم الخبر، ألا ترى أنك تقول: زيد ضارب ~~عمرا، فإذا قدمت (عمرا) على (زيد) لم تخرج (زيدا) من أن يكون مبتدأ، ولم ~~يجب تقديم (ضارب) مع تقديم (عمرا) ، وكذلك إذا قدمنا الذي يعمل فيه الخبر، ~~لم يجب تقديم الخبر، فاعلمه. # واعلم أن المبتدأ إذا كان جثة لم يجز أن يكون خبره ظرفا لزمان، كقولك: ~~زيد يوم الجمعة، وإنما امتنع من ذلك لأن الغرض في الخبر إفادة المخاطب، فلا ~~يجوز أن يجهله، وقد علمنا أن زيدا وغيره ms080 من الأشخاص لا يخلو من الزمان، حيا ~~كان أو ميتا، فلما كان هذا الخبر يعلمه المخاطب، لم يستفد به ( ... . .) ~~فوجب أن يسقط التكلم به، إذ لا فائدة فيه، وأما إذا كان المبتدأ غير جثة ~~فظرف الزمان يكون خبرا، كقولك: القتال يوم الجمعة، وإنما صح ظرف الزمان أن ~~يكون خبرا لما ليس بجثة - أعني المصادر - للفائدة الواقعة في الخبر، إذ كان ~~القتال قد يخلو من يوم الجمعة، فصار المخاطب مستقبلا للخبر، فلهذا صح ~~الكلام. # فإن قال قائل: أليس قد قالوا: الهلال الليلة، والهلال جثة، فما وجه ذلك؟ # قيل له: إنما استعمل هذا الكلام عند توقع رؤية الهلال، فإن كان جائزا أن ~~يحدث، وجائزا أن يظهر حسن الكلام معنى الحدوث، فصار التقدير: الليلة # PageV01P267 # حدوث الهلال، ثم حذفت (الحدوث) وأقمت (الهلال) مقامه، فلم يخرج ظرف ~~الزمان في هذه المسألة من أن يكون خبرا لمصدر دون جثة، وعلى هذا الوجه يجوز ~~أن تقول: اليوم زيد، إذا كنت متوقعا لقدومه، فيصير التقدير: اليوم قدوم ~~زيد، والدليل على أن المراد عند العرب ما ذكرناه، أنهم لا يقولون: القمر ~~الليلة، ولا الشمس اليوم، لأنهما كائنان لا محالة. # PageV01P268 ### | (12 - باب الفاعل والمفعول به) # إن قال قائل: لم وجب (29 / أ) أن يرفع الفاعل، وينصب المفعول به؟ # ففي ذلك أوجه: # أحدها: أنهم فصلوا هذا الفصل بين الفاعل والمفعول به بالنصب، لأن الفاعل ~~أقل من المفعول في الكلام، وذلك أن الفعل الذي يتعدى يجوز أن تعديه إلى ~~أربعة أشياء، فلما كان الفاعل أقل في الكلام من المفعول، جعلت له الحركة ~~الثقيلة، وجعل لما تقدم في كلامهم الحركة الخفيفة ليعتدلا. # ووجه آخر: وهو أن الفاعل قد بينا أنه مشبه للمبتدإ، إذ كان هو والفعل ~~جملة، فحسن عليها السكوت، كما أن المبتدأ والخبر جملة يحسن عليها السكوت، ~~فلما وجب للمبتدإ أن يكون مرفوعا، حمل الفاعل عليه. # ووجه آخر: وهو أن الفاعل لما كان في الترتيب أسبق من المفعول وجب أن يعطى ~~حركة أول الحرف مخرجا، كما أنه قبل المفعول، وإنما وجب الابتداء ms081 بالفاعل ~~على المفعول، لأنه الفعل منه يحدث، فصار أحق بالتقديم من المفعول، فوجب ~~لهذه العلة أن يرتب قبله، وأيضا فإن الفعل يستغني بالفاعل عن المفعول، نحو: ~~قام زيد، فصار المفعول فضلة يذكر بعد الفاعل، فلهذا وجب تقديم الفاعل عليه. # ووجه آخر في استحقاق الفاعل الرفع: أن الفاعل أقوى من المفعول، لأنه يحدث ~~الفعل، فوجب أن يعطى أقوى الحركات، وهو الضم، والمفعول لما كان # PageV01P269 # أنقص أعطي أضعف الحركات، وهو الفتح. # فإن قال قائل: بأي شيء يرتفع الاسم وينتصب؟ # فالجواب في ذلك: أن الاسم إنما يرتفع بالإخبار عنه، فلهذا لم يختلف حاله ~~في النفي والإثبات، لأنه في كلا الحالين مخبر عنه، والفعل هو العامل فيه ~~وفي المفعول. # وبعض النحويين يجعل العامل في المفعول الفعل والفاعل معا، وهذا خطأ، لأن ~~الفعل قد استقر أنه عامل في الفاعل، فيجب أيضا أن يكون هو عاملا في ~~المفعول، لأن الفعل بمجرده لا يصح أن يعمل في المفعول، فإذا استقر للفعل ~~العمل لم يجز أن يضيف إليه في العمل ما لا تأثير له في هذا الباب، إذ كان ~~زيد وعمرو وما أشبههما لا يصح أن يعملا في غيرهما من الأسماء، لأنه لو جاز ~~للاسم أن يعمل في الاسم، لم يكن المفعول فيه أولى بالعمل من العامل فيه، إذ ~~هما مشتركان في الاسمية. # فإن قال قائل: فهلا اقتصروا على أن يكون الفاعل مقدما على المفعول، ~~واستغنوا عن الإعراب؟ # قيل له: لو فعلوا هذا لضاق الكلام عليهم، وفي كلامهم الشعر الموزون، ولا ~~بد أن يقع فيه تقديم وتأخير لينتظم وزنه، فجعلوا للفاعل علامة يعرف بها أين ~~وقع، وكذلك المفعول. # PageV01P270 # فأما إذ كانت الأسماء لا يتبين فيها الإعراب، فالواجب أن يكون الفاعل ~~المقدم، والمفعول المؤخر، كقولك: ضرب موسى عيسى، فإن نعت أحدهما بما يتبين ~~فيه الإعراب جاز التقديم والتأخير، لزوال اللبس، نحو: ضرب عيسى الظريف ~~موسى، وكذلك إن كان أحد الاسمين لا يصح أن يكون إلا فاعلا أو مفعولا، جاز ~~التقديم والتأخير، لأن هذا المعنى بين في الإعراب، نحو: كسر ms082 الحبلى العصا، ~~فالكسر إنما يقع على العصا (29 / ب) دون المرأة، فيجوز التقديم والتأخير. # فإن قال قائل: المفعول إذا تقدم على الفعل بقي مفعولا، والفاعل إذا تقدم ~~على الفعل خرج من أن يكون فاعلا وارتفع بالابتداء؟ # فالجواب في ذلك: أن المفعول إذا تقدم على الفعل فليس ثم عامل آخر يوجب ~~نصب المفعول، فيجب ألا يخرج عما كان عليه في حال التأخير، وأما الفاعل فإنه ~~إذا تقدم على الفعل أمكن أن يقدر له عامل غير الفعل، وهو الابتداء وعمله ~~رفع، كعمل الفعل في الفاعل، فلما كان الابتداء سابقا لذكر الفعل، وجب أن ~~يعمل فيه، وأما المفعول إذا تقدم على الفعل فليس ثم قبله عامل لفظي ولا ~~وهمي غير الفعل الذي قدم قبله، إذ خلا ذلك الفعل من ضمير، ولا سبيل إلى ~~ضمير حتى يرجع إلى مذكور قبله، فرتبة المفعول باقية مع التقديم لما ذكرناه، ~~ورتبة الفاعل ذاهبة مع التقديم من أجل الابتداء الذي لا يظهر له عامل لفظي. # فإن قال قائل: فهلا نوي بالفاعل التأخير، وإذا نوي به التأخير لم يجز ~~كونه مبتدأ؟ # فالجواب في ذلك: أن هذا لا يصح، وذلك أن شرط الفاعل إذا كان بعد الفعل أن ~~يقوم مقامه غيره وهو موجود، نحو: قام زيد، فمحال أن تذكر فاعلا # PageV01P271 # للقيام من غير عطف ولا تثنية مع وجود زيد، فلما كان زيد إذا تقدم على ~~الفعل بهذه المنزلة استحال وجود فاعل سواه، فإذا جاز أن يكون لهذا الفعل ~~فاعل سوى زيد، علمنا بهذه الدلالة أن زيدا قد خرج من أن يكون فاعلا، نحو ~~قولك: زيد قام أبوه، فالقيام للأب لا محالة، فوجب أن يكون (زيد) مرتفعا ~~بغير هذا الفعل، وهو الابتداء. # ووجه آخر: وهو أن الفاعل لو كان مرتفعا بفعله إذا تقدم، لم يختلف حال ~~الفعل، فلما وجدناه مختلفا، علمنا أنه ليس مرتفعا بفعله إذا تقدم على ~~الفعل، وذلك ظهور علامة التثنية والجمع، كقولك: الزيدان قاما، والزيدون ~~قاموا. # فإن قال قائل: قد قالت العرب: (أكلوني البراغيث) فأظهروا علامة الجمع في ms083 ~~الفعل، وإن كان الفاعل كما يظهرونها إذا تقدم على الفعل؟ # قيل له: إنما يحكى مثل هذا على طريق الشذوذ، وليس بمستقيم في كلامهم، ولو ~~كان لا فرق بين تقديم الفاعل وتأخيره، لوجب أن يستوي استعمال الفعل في ~~كلامهم، فلما اختلف - على ما ذكرناه - حال الفعل لم يصح الاعتراض بما يجري ~~مجرى الشذوذ. # فإن قال قائل: فما السبب في إظهار علامة التثنية والجمع في الفعل إذا ~~تقدمه الفاعل، ولم يحسن إذا تأخر الفاعل؟ # PageV01P272 # فالجواب في ذلك: أن الفاعل إذا تقدم الفعل ارتفع بالابتداء، ولابد للفاعل ~~من فعل، فإذا لم يظهر الفاعل بعده استتر فيه ضمير الفاعل، كقولك: زيد قام، ~~والتقدير: زيد قام هو، وإذا ثنيت ضميره، فقلت: الزيدان قاما، وإذا جمعت ~~زيدا جمعت الضمير، فقلت: الزيدون قاموا، وإذا تقدم الفعل لم يجعل فيه ضمير، ~~والأفعال لا تثني في أنفسها ولا تجمع، فلهذا أفردت لفظها فقلت: قام ~~الزيدان، وقام الزيدون. # فإن قال قائل: فلم استتر ضمير الواحد إذا كان لواحد، ولم يستتر إذا كان ~~لاثنين فصاعدا؟ # فالجواب في ذلك: أن الفعل لا يخلو من أن يكون له فاعل واحد، وقد يخلو من ~~اثنين فصاعدا، فإذا قدمنا اسما مفردا قبل المفعول، لم نحتج إلى إظهار ~~الفاعل لدلالة تقدم الأسماء عليه وإحاطة العلم به، فإنه لا بد للفعل من هذا ~~الفاعل، وأما إذا ثنيت الاسم فلو أفردت فعلهما لم يعلم أن الفعل للاثنين، ~~إذ قد يخلو من ذلك فوجب أن تظهر علامة التثنية، لئلا يدخل الكلام لبس، ~~ولئلا يعتقد المخاطب انقطاع الفعل عن الاسمين المتقدمين، وأنه خبر مبتدأ. # فإن قال قائل: فما وجه قول العرب: (أكلوني البراغيث) ؟ # قيل له: في ذلك وجوه. # أحدها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، أي: البراغيث أكلوني، وهذا ~~الأشبه به. # ووجه آخر: أنه يجوز أن يكون الإضمار وقع على شريطة التفسير، فيكون # PageV01P273 # (البراغيث) بدلا من الواو. # ووجه ثالث:: وهو الذي قصده سيبويه، أن تكون الواو علامة للجمع، كما التاء ~~في الفعل علامة للتأنيث ويراد بها أن الفعل لمؤنث، فكذلك ms084 يراد بالواو أن ~~الفعل لجماعة. # فلو قال قائل: إذا كان الفعل قد يكون لواحد، وقد يكون لجماعة، كما يكون ~~للمذكر والمؤنث، فهلا لزمت علامة التثنية والجمع في الفعل، كما لزمت علامة ~~التأنيث؟ # فالفصل بينهما أن التأنيث لازم للاسم، لأنه معنى لا ينفك عنه المؤنث، ~~فوجب أن تلزم علامته، وأما التثنية والجمع فليست بلازمة، لأن ما يثنى ويجمع ~~يجوز عليه الإفراد، فلهذا لم تلزم علامتهما كما تلزم في الاسم، فاعرفه. # واعلم أن الواو التي تكون علامة للجمع هي حرف وليست باسم، والتي هي ضمير ~~أسماء الفاعلين هي اسم لا حرف، وإنما وجب أن تكون الأولى حرفنا لأنها دخلت ~~علامة، كما تدخل تاء التأنيث علامة، والعلامة حقها أن تكون بالحروف لا ~~بالأسماء، فلهذا افترقا. # فإن قال قائل: ما الدليل على أن لفظ التثنية والجمع اللاحقين للفعل هما ~~علامة على ما ذكرتم وليستا بتثنية الفعل ولا جمعه؟ # فالجواب في ذلك: أن الأفعال لا تصح تثنيتها ولا جمعها من وجوه: # أحدها: أن الفعل لو ثني وجمع من أجل أنه من اثنين أو جماعة، لجاز أيضا أن ~~يثنى ويجمع مع فاعل واحد، إذ كان الفعل قد يتكرر من الفاعل الواحد، كما ~~يتكرر من الفاعلين، فكان أولى بتثنيته وجمعه مع الواحد، لأن الفاعل إذا كان ~~أكثر من واحد، جاز أن يقتصر بما ظهر من تثنية الفاعل وجمعه عن تثنية الفعل ~~وجمعه، # PageV01P274 # فلما كان هكذا سقط تثنية الفعل وجمعه من كلامهم، علمنا أن الفعل في نفسه ~~لا يثنى ولا يجمع. # ووجه آخر: أن الفعل يدل على معنى وزمان، وليس هما دون الآخر، وصار في ~~المعنى كأنه اثنان، ومحال أن تدخل تثنية على تثنية، فلهذا لم يثن. # ووجه آخر، وهو ثالث: أن الفعل يدل على مصدر مبهم، والمصدر المبهم لا يثنى ~~ولا يجمع، فكذلك ما يدل عليه، وإنما سقطت (30 / ب) تثنية المصدر لأنه اسم ~~لجنس الضرب والأكل وما أشبهها، والجنس يدل على الواحد فما فوقه، فلا معنى ~~للتثنية والجمع إلا أن تختلف أنواعه، كقولك: ضربت زيدا ضربتين، ms085 إذا كان ~~أحدهما شديدا، والآخر خفيفا، وعلى هذا قوله تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} ~~أي: ظنونا مختلفة. # فإن قال قائل: هلا غيرت أوائل الأفعال المستعارة نحو: مات زيد، ورخص ~~السعر، لأن فاعلها لم يذكر، كما يغير أول الفعل إذا لم يسم فاعله، نحو: ضرب ~~زيد؟ # فالجواب في ذلك: أن أفعال الاستعارة ينبغي أن يكون ما ارتفع بها فاعلا، ~~لأن المعنى قد علم، وذلك أن الموت والرخص لا يصح أن يفعلهما غير الله تعالى ~~عز وجل، وكذلك إذا قلت: سقط الحائط، لم يكن للحائط فعل في الحقيقية، وإنما ~~الفعل في ذلك لله تبارك وتعالى، وعلم هذا غير خفي على أحد من الأمم، فلما ~~أمن اللبس في هذه الأفعال لم يحتج إلى فاعل. وأما قولك: ضرب زيد عمرا، فزيد ~~" # PageV01P275 # فاعل للضرب، وعمرو: مفعول، وقد يتأتى من عمرو الضرب، فإن حذفت زيدا أقمت ~~عمرا مقامه، فلو علم تغير الفعل، لم يعلم أعمرو فاعل أم مفعول، فلهذا وجب ~~تغيير الفعل. # PageV01P276 ### | (13 - باب ما لم يسم فاعله) # إن قال قائل: لم وجب إذا حذف الفاعل أن يقام مقامه اسم مرفوع؟ # فالجواب في ذلك: أن الفعل لا يخلو من فاعل، فلما حذف فاعله على الحقيقة ~~استقبح أن يخلو من لفظ الفاعل، فلهذا وجب أن يقيم مقام اسم الفاعل اسما ~~مرفوعا، ألا ترى أنهم قالوا: مات زيد، وسقط الحائط، فرفعوا هذه الأسماء وإن ~~لم تكن فاعلة في الحقيقة، وإن شئنا جعلنا الرفع في المفعول الذي قام مقام ~~الفاعل بعلة أخرى، وهو حمله على الفاعل، فمن جهة اشتراكهما في الفعل صار ~~خبرا عن المفعول الذي يتعدى الفعل إليه مفعولا آخر، كما أقيم مقام الفاعل؟ # قيل: لا يجب ذلك لأن الفعل ليس يفتقر إلى المفعول، كافتقاره إلى الفاعل، ~~ألا ترى أنك قد تقتصر على الفاعل وحده في الفعل المتعدي فلا تذكر المفعول، ~~كقولك: ضربت وأكرمت، فإذا جاز إسقاطه في هذا الموضع من غير إقامة شيء ~~مقامه، فكذلك أيضا إذا أقيم مقام الفاعل لم يجب أن يقيم غيره مقامه. # فإن قال ms086 قائل: لم وجب ضم أول الفعل وكسر ثانيه، إذا لم يسم فاعله، وهلا ~~ترك الفعل على حاله؟ # قيل له: إنما يحب تغيير الفعل إذا حذفت الفاعل، لأن المفعول يصح أن يكون ~~فاعلا للفعل، هل المفعول فاعل في الحقيقة؟ وقد قام مقام الفاعل، فلهذا وجب ~~تغيير الفعل، وإنما غير أوله بالضم، لأن الضم من علامات الفاعل، # PageV01P277 # وكان هذا الفعل دالا على فاعله، فوجب أن يحرك بحركة ما يدل عليه، وقد ~~بينا في (شرح كتاب سيبويه) الكلام في هذا والخلاف فيه، وإنما نذكر هنا ~~النكت التي لا بد منها ولا يلزم عليها سؤال. # فإن قال قائل قائل: فلم كسر ثانيه؟ # قيل: لما حذف فاعله الذي لا يخلوا منه، جعل لفظ الفعل على بناء لا يشركه ~~فيه بناء من أبنية الأسماء، ولا من أبنية الفعل الذي (31 / أ) قد سمي ~~فاعله، فبني على هذه الصيغة لهذه العلة، ولو فتح ثانيه أو حرك بالضم لم ~~تخرج عن الأمثلة التي في الأسماء. # فإن قال قائل: فلم كانت الأفعال المعتلة مكسورة الأوائل، نحو: سير وقيل؟ # فالجواب في ذلك: أن أصل أوائلها الضم، وفيها ثلاث لغات للعرب، أجودها: ~~كسر أوائلها، والثانية: الإشارة إلى الضم من غير تحقيق، والثالثة وهي ~~أضعفها: ضمها على الأصل، وقلب ما يليها واوا، نحو قولك: سور، وقول، وبوع ~~وصوغ الخاتم، إلا أن الكسر يستثقل في الواو والياء، فقلبت إلى أول الكلمة، ~~وسكنت الواو والياء. فأما الياء فتسلم لانكسار ما قبلها، وأما الواو فتنقلب ~~لسكونها وانكسار ما قبلها ياء، وأما من أشار إلى الضم فأرادوا الدلالة على ~~أن أصل أوائل هذه الأفعال الضم، وأما الذي لا يضم فيحذف الحركة من الواو ~~والياء، ولا ينقلها إلى ما قبلها، فتسكن الواو والياء، وقبل كل واحد منهما ~~ضمة، فأما الواو فتسلم لانضمام ما قبلها، وأما الياء فتنقلب واوا لانضمام ~~ما قبلها، وكذلك تنقلب إذا كان ما قبلها مضموما في سائر الكلام، نحو قولك: ~~موقن، # PageV01P278 # وأصله الياء، لأنه من أيقنت، وكذلك حكم الواو إذا سكنت وانكسر ما قبلها ms087 ~~أن تنقلب ياء في جميع الكلام، كقولك: ميزان، وميعاد، فأصل الياء الواو، ~~لأنها من الوعد والوزن، وإنما اخترنا الوجه الأول، وهو نقل الحركة إلى أول ~~الكلمة، لأنه أخف في اللفظ، إذ كان ذوات الواو كذوات الياء، ويكون بعض ~~الحروف المنقلب حاصلا في الكلمة، فلهذا كان الوجه الأول مختارا، والوجه ~~الثاني يقرب من الأول، ولفظ الوجه الأول موجود فيه، وإنما فيه زيادة في ~~الدلالة على أصل الكلمة، وإنما لم تكن هذه الزيادة أقوى من الوجه الأول، ~~لأن على المتكلم مشقة في الإشارة إلى الضم مع حصول الكسر في الحرف، فيصير ~~كأنه جامع بين كسرة وضمة في حال واحدة، وهذا محال، فلما قارب في هذا الحكم ~~لهذه الزيادة المحال، وهو مع هذا فيه تكلف، كان الأول السالم مما ذكرنا ~~أجود، إن شاء الله. # فإن قال قائل: كيف ساغت العبارة في قولكم: إن الأفعال تنقسم قسمين: ~~أحدهما متعد، ثم قلتم مع هذا ما لا يتعدى يتعدى إلى أربعة أشياء، وهذا في ~~الظاهر متناقض؟ # فالجواب في ذلك: أن هذه الأربعة الأشياء لا يقصر فعل من الأفعال أن يتعدى ~~إليها، فلما كانت هذه الأفعال كلها متساوية في التعدي إليها، وكان بعضها ~~يتعدى إلى زيادة عليها، وبعضها لا يتعدى إلى هذه الزيادة، صار ما جاز ~~تعديته إلى زيادة عليها متعديا، إذ زاد حكمه على الفعل الذي لا يجاوز هذه ~~الأشياء الأربعة، فلهذا ساغت العبارة بما سألت عنه. # فإن قال قائل: فمن أين وجب أن يكون كل فعل لا يقصر عن المتعدي إلى هذه ~~الأشياء الأربعة؟ # PageV01P279 # قيل له: لأن كل فعل إنما يتعدى على حسب دلالته على ما يتعدى إليه، ومتى ~~لم يدل الفعل (31 / ب) على ما يتعدى إليه لم يصح تعديه إليه، فإذا كان ~~الأمر على ما ذكرنا، وقد علمنا أن المصدر يدل على المصدر وعلى الزمان، فقد ~~حصل فيه دلالة على المصدر فيتعدى إليه وهو المفعول المطلق، وتعدى أيضا إلى ~~الزمان، وهو مفعول فيه، لدلالته عليه، وقد أحاط العلم أن الفعل لا بد له ms088 من ~~مكان يعمل فيه، فصار في الفعل أيضا دلالة على المكان، إلا أن الفعل دلالته ~~على الزمان وعلى المصدر من جهة لفظه، ودلالته على المكان من جهة المعنى، ~~ولأن الفعل لا يخلو من فاعل، ولا بد للفاعل من هيئة يكون عليها، وهو الحال ~~نحو قولك: قام زيد ضاحكا، فصار من الفعل أيضا دلالة على [الهيئة] فلهذا ~~نعدي كل فعل إلى هذه الأشياء الأربعة، لاشتراك الأفعال في الحكم الذي ~~ذكرناه. # فإن قال قائل: فلم منعتم أن تقوم الحال مقام الفاعل؟ # قيل: لأن كل فاعل يجوز أن يضمر، فلو أقمت الحال مقام الفاعل لجاز ~~إضمارها، وكل مضمر بعد ذكره يجب أن يكون معرفة، وهي لا تكون إلا نكره، ~~فلهذا لم يجز أن تقوم مقام الفاعل. # وأما الظروف والمصادر فتكون معرفة ونكرة، فلهذا جاز أن نقيمها مقام ~~الفاعل، وإذا لم تسم الفاعل في الأفعال غير المتعدية أقمت المصدر والظرف من ~~الزمان أو المكان مقام الفاعل، والأحسن إذا أقمت هذه الأشياء مقام الفاعل ~~أن تكون # PageV01P280 # معرفة أو منعوتة، كقولك: ذهب ذهاب حسن، وذهب يوم الجمعة، ولو قلت: ذهب ~~ذهاب، أو ذهب وقت، لم يحسن، لأنه (لا) فائدة في ذلك، إذ كان الفعل يدل على ~~وقوع ذهاب في وقت. # واعلم أن الظروف متى أردت أن تقيمها مقام الفاعل فلا بد من أن تخرجها من ~~حكم الظرف وتجعلها مفعولات، كزيد وعمرو، على سعة الكلام. فإن قال قائل: فما ~~الفصل بين جعلها منصوبة على الظرف وبين أن تجعل مفعولات كزيد؟ # قيل له: الفصل بينهما أنها إذا كانت منصوبة على الظرف تضمنت (في) استغناء ~~بدلالة الظرف عليه، ألا ترى أن قولك: قمت اليوم، إنما معناه: قمت في اليوم، ~~فحذف (في) فوصل الفعل إلى اليوم، وإنما ينفصل حكم الظرف وغيره من المفعولين ~~في الإضمار، إذا قيل لك: أضمر اليوم، قلت: قمت فيه، فأظهرت حرف الجر، وإذا ~~قيل لك: أضمر زيدا، في قولك: ضربت زيدا، قلت: ضربته، فانفصل الإضمار في ~~اللفظ، وإنما أظهرت المضمر لأن لفظ المضمر يدل على اللفظ ms089 دون غيره، فأظهرت ~~(في) لتدل بها على أن المضمر ظرف، فكما كان الظرف يتضمن (في) وهو مفعول، ~~شبه بالمفعول الذي لا يتضمن حرف الجر، لاشتراكهما في كونهما مفعولين، فصار ~~حمل الظرف على المفعول يفيدنا تخفيف اللفظ وإسقاط حرف الجر من تقديرنا، ولم ~~يجز حمل المفعول على الظرف لأن تلك توجب فعلا في النية واللفظ، وإنما حمل ~~المفعول على الظرف لما ذكرناه من # PageV01P281 # الخفة، فإذا جعلت الظرف مفعولا على سعة الكلام أضمرته، كما تضمر المفعول ~~(32 / أ) فقلت: اليوم قمته، كما تقول: زيد ضربته، قال الشاعر: # (ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطعن النهال نوافله) # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى نقل هذه الظروف إذا أقيمت مقام الفاعل؟ # قيل له: لأن الفعل لا يتعلق به الفاعل بواسطة بينه وبين الفعل، فلو لم ~~تنقل هذه الظروف إلى باب المفعول، كما قد أقمناها مقام الفاعل، وهي مع ذلك ~~متضمنة لحرف الجر، وليس ذلك حد الفاعل، وكذلك ينبغي أن يكون ما قام مقامه ~~لا يحتاج إلى حرف الجر، فهذا سبب نقل هذه الظروف. # فإن قال قائل: فالمصدر لا يتضمن حرف الجر فهل يحتاج إلى نقل؟ # قيل له: نعم، وإنما وجب نقله لأن الفعل يدل عليه، وإنما نذكره بعد الفعل ~~توكيدا، كقولك: ضربت ضربا، والذي أوجب لها النقل شيئان: # أحدهما: أن النقل لا بد له من فاعل، فصار اعتماد الكلام على الفاعل، ~~والمصدر لو لم يذكر لدل عليه الفعل، فلم يجز أن نقيمه مقام الفاعل على ~~أصله، لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير الفاعل لا يحتاج إليه، فوجب أن تنقله إلى ~~حكم المفعول الذي يدل الفعل عليه، لتحصل الفائدة، ولا يجوز إسقاطه. # والوجه الثاني: أن المصدر لما كان يذكر لتوكيد الفعل جرى مجرى الفعل، ~~فصار قولك: قمت قياما، فلما كان الفعل لا يقوم مقام الفاعل، وكذلك ما # PageV01P282 # يقوم مقامه - وهو المصدر - لا يجوز أن تقيمه مقام الفاعل حتى تغيره ~~وتنقله إلى حكم المفعول. # واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى يجوز أن تعديه بإدخال الهمزة ms090 على أوله، ~~كقولك: ذهب زيد، ثم تقول: أذهب زيد، ويجوز أن تعديه بحرف الجر، فتقول: ذهب ~~زيد بعمرو، وهذان القسمان يطردان، ويجوز أن تعديه بتشديد عين الفعل، كقولك: ~~عرف زيد عمرا، وتقول: عرفت زيدا عمرا، فإذا عديت الفعل بحرف جر فلك أن تقيم ~~الاسم المجرور مع الحرف مقام الفاعل، كقولك: ذهبت بزيد، فإن ذكرت بعده ظرفا ~~أو مصدرا فأنت بالخيار، إن شئت أقمت الظرف والمصدر مقام الفاعل، فصار موضع ~~حرف الجر مع المجرور نصبا، وإن شئت أقمت حرف الجر مع الاسم مقام الفاعل ~~ونصبت الظرف والمصدر، وإنما كنت بالخيار لأن الاسم المجرور إنما يحسن أن ~~تقيمه مقام الفاعل بأن تقدره تقدير اسم غير مجرور، كأنك قلت: أذهب زيد، إذا ~~كانت الباء والهمزة تقومان مقاما واحدا، فلما كان المجرور يحتاج إلى تقدير ~~فعل، كما تحتاج الظروف والمصادر، استوى حكمها، فلهذا صارت بالخيار، وإن كان ~~مع المجرور اسم ليس بظرف ولا مصدر، لم يجز أن تقيم المجرور مع حرف الجر ~~مقام الفاعل، كقولك: أعطي لزيد درهم، فإنما لم يجز ذلك لأن الدرهم مفعول ~~يحتاج إلى ضرب من النقل، فوجب إذا ذكر الفاعل أن يستعمل ما لا يحتاج إلى ~~نقل، إذ كان أسبق في الحكم مما يحتاج إلى نقل، فلهذه العلة لم يجز أن تقيم ~~الظروف والمصادر مقام الفاعل، إذ كان معها مفعولا غير مستعمل بحرف جر، إذ ~~كانت المصادر والظروف (32 / ب) تحتاج إلى نقل، والمفعول به لا يحتاج إلى ~~نقل. # PageV01P283 # واعلم أن المتعدي إلى مفعولين ينقسم قسمين: # أحدهما: أن تدخل على المبتدإ والخبر، نحو: (ظننت وأخواتها) . # والآخر: ألا يدخل على المبتدإ والخبر، نحو: أعطيت وكسوت، وامتحانها بأن ~~تسقط الفعل وإن كان ما بقي من المفعولين يصح منه كلام فهو القسم الأول، ألا ~~ترى أنك إذا تقول: ظننت زيدا أخاك، فحذفت (ظننت) وجاز أن تقول: زيد أخوك، ~~فإذا قلت: أعطيت زيدا درهما، ثم حذفت (أعطيت) فالوجه أن تقيم مقام الفاعل ~~المفعول الأول، كقولك: أعطي زيد درهما، وإنما كان الاختيار هذا، لأن ~~المفعول ms091 الأول فاعل في المعنى لأجل المفعول الثاني، لأنه أخذه، فوجب أن ~~تقيم مقام الفاعل من هو فاعل في الحقيقة، إلا أنه يجوز أن تقيم الثاني مقام ~~الفاعل وإذا لم يشكل أنه مأخوذ، كقولك: أعطي درهم زيدا، وإنما جاز ذلك ~~لاشتراكهما في الفائدة، وأن الفعل تعدى إليهما على طريقة واحدة، ألا ترى ~~أنك إذا قلت: أعطيت، فليس في الكلام دلالة على أن المعطي زيد وعمرو، حتى ~~تقول: زيدا وعمرا، فتبينه، وكذلك ليس في اللفظ دلالة على ما أعطي زيد، حتى ~~تبينه، فتقول: درهما أو دينارا، فلهذا جاز إقامة الثاني مقام الفاعل، فأما ~~إذا كان الثاني مما يصح أن يكون آخذا للأول، فلا يجوز أن تقيم مقام الفاعل ~~إلا الأول لئلا ينقلب المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: أعطيت زيدا عمرا، فإنما ~~يعلم أن زيدا أخذ عمرا، بترتيب اللفظ لأنك لو قدمت عمرا، وأخرت زيدا لصار ~~عمرو هو الآخذ لزيد، فقد بان لك أن الفاعل منهما يعلم بترتيب اللفظ دون ~~الإعراب، فلهذا وجب أن تقيم الأول مقام الفاعل، وأما قولك: أعطيت زيدا # PageV01P284 # درهما، فقد علم أن الدرهم مأخوذ ولا يجوز أن يكون آخذا لزيد، فلم يشكل ~~رفعه، إذ كان معناه يدل على المراد. وأما (ظننت) فالوجه أن تقيم المفعول ~~الأول أيضا مقام الفاعل، كقولك: ظننت زيدا أخاك، فإذا لم تسم الفاعل قلت: ~~ظن زيد أخاك، وإنما اختير هذا الوجه لأن قولك: ظننت أخاك، يدل على أن زيدا ~~معروف، والأخوة مشكوك فيها، لأن الشك إنما يقع في الخبر، فلو قدمت (الأخ) ~~وأخرت (زيدا) لصار ترتيب اللفظ يدل على هذا المعنى، فلو جوزت التقديم ~~والتأخير، انقلب المعنى فلهذا لم يجز إلا أن تقول: ظننت زيدا أخاك، فيكون ~~الأول معرفة، والثاني نكرة، فيجوز على هذا الوجه أن تقيم المفعول الثاني ~~مقام الفاعل، إلا أن المبتدأ حقه أن يكون معرفة، والخبر نكرة، فصار من أجل ~~هذه الدلالة ظاهر الكلام يدل على أن الشك وقع في خبر زيد لا في زيد. # وأما ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، ms092 فإنه وجب أن يقوم الأول منهم مقام ~~الفاعل لأنه الفاعل في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: علم زيد عمرا خير ~~الناس، وجب أن يكون (زيدا) فاعلا، فإن قلت: أعلم الله زيدا عمرا خير الناس. ~~صار (زيد) مفعولا، فإذا لم تسم الفاعل وجب أن تقيم مقام الفاعل من كان ~~فاعلا في الأصل، واعلم أن الاسم إذا قام مقام الفاعل جرى (33 / أ) مجرى ~~الفاعل في الإضمار والإظهار، فتقول على هذا، إذا أقمت نفسك مقام الفاعل: ~~ضربت، كما تقول: قمت، إذا كنت فاعلا على الحقيقة، وكذلك تقول: زيد ضرب، ~~فترفع (زيدا) بالابتداء، ويستتر ضميره في الفعل، كما تقول: زيد قام، وإنما ~~وجب ذلك لأنه قام مقام الفاعل في اللفظ في حال الإضمار، كما وجب أن يساويه ~~في حال الإظهار. # PageV01P285 ### | (14 - باب ظننت وحسبت وعلمت وخلت وأخواتها) # إن قال قائل: لم وجب أن تتعدى هذه الأفعال إلى مفعولين؟ # قيل له: لأن أصلها أن تدخل على المبتدأ والخبر، والمبتدأ لا بد له من ~~خبر، فوجب لدخولها عليهما أن ينتصبا. # فإن قال قائل: أنت إذا قلت: ظننت زيدا خارجا، فالشك إنما وقع في خروجه لا ~~في زيد، فلم وجب أن ينتصب زيد؟ # فأما الفائدة من ذكره فليعلم من الذي وقع الشك في خروجه، فلو لم يذكر زيد ~~لم يعلم صاحب الخروج، فلهذا وجب ذكر زيد. وإنما عمل فيه الفعل نصبا إذ كان ~~هو والخبر شيئا واحدا، والفعل قد استغنى بفاعله، فوجب نصبه، إذ قد جرى مجرى ~~المفعول المحض. # فإن قال قائل: فلم جاز التعدي في هذه الأفعال في الجملة، وليست بمؤثرة في ~~المفعول، إذ كان الفاعل يخبر عما استقر في قلبه من علم أو شك؟ # قيل له: هي وإن لم تكن مؤثرة فقد تعلق الظن بمظنون، وليس كل فعل يعمل ~~يكون مؤثرا، ألا ترى أنك تقول: ذكرت زيدا، وإن كان ميتا، فإذا حصل الفعل ~~تعلق بمفعول تعدى إليه، فلهذا جاز أن تتعدى هذه الأفعال. # فإن قال قائل: فلم جاز إلغاؤها إذا توسطت بين المفعولين ms093 أو تأخرت؟ # قيل له: لأنك إذا ابتدأت بالاسم، فقد حصل على لفظ اليقين، كانت هذه # PageV01P286 # الأفعال ضعيفة في العمل، ووجب أن يحمل الخبر على ما اعتقد عليه الكلام، ~~وهو اليقين، وجعل الفعل في هذا الموضع في تقدير الظرف، وإن أوجب شكا في ~~الجملة، كقولك: زيد منطلق في ظني فلما كان قولك: (في ظني) لا يعمل فيما ~~قبله، جعل أيضا: زيد منطلق ظننت، كأنك قلت: في ظني. # وأما من أعمل الفعل إذا توسط أو تأخر، فلأنه حمل الكلام على ما في نيته ~~من الشك، فصار الفعل - وإن تأخر - مقدما في المعنى، فلهذا جاز إعماله. # فإن قال قائل: فقد وجدنا العرب تقول: حسبت ذاك، فتكتفي باسم واحد، وكذلك ~~تقول: حسبت أن زيدا منطلق، ف (أن) وما بعدها في تقدير اسم، لأنها بمنزلة ~~المصدر، كأنك قلت: حسبت انطلاق زيد، ولما تكلم بهذا التقدير لم يصح؟ # قيل: أما قولهم: حسبت ذاك. ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون ذاك إشارة إلى المصدر، كأنك قلت: حسبت ذاك الحسبان، وكل ~~فعل يجوز أن يقتصر على فاعله، إن شئت عديته إلى المصدر أو الظرف أو الحال، ~~فلما كان ليس يراد به المبتدأ حتى يحتاج إلى خبر، جاز قولك: حسبت ذاك، فجرى ~~مجرى (حسبت) فقط. # والوجه الثاني: أن (ذاك) يعبر به عن الجملة، فلما صار عبارة عن الجملة # PageV01P287 # جاز أن يكتفى به عن المفعولين، ألا ترى أن القائل يقول: زيد منطلق (33 / ~~ب) فتقول له: قد بلغني ذاك، تريد به ما تقدم من الجملة، وأما اقتصارهم ب ~~(أن) وما بعدها عن المفعولين، فلأن (أن) تدخل على المبتدأ والخبر، كدخول ~~(ظننت) عليهما، فلما حصل بعد (أن) ما تقتضيه هذه الأفعال استغنى الكلام ~~بذلك، لأن الفائدة قد حصلت، وصار دخول (أن) لتوكيد الظن، وأما إذا أسقطت ~~لفظ الجملة بعد (أن) وجئت بلفظ المصدر لم يجز الاقتصار على ذاك، إذ كانت ~~ليس في لفظ الجملة، وإنما هو اسم مفرد، وقد بينا أن هذه الأفعال لدخولها ~~على المبتدأ والخبر لا يقتصر بها على مفعول ms094 واحد. # وفي إيجاب المفعولين بعد هذه الأفعال علة أخرى، وهو أن قولك: حسبت زيدا ~~منطلقا، قد بينا أن الحسبان قد وقع في الانطلاق، فلو اقتصرت على ذكر ~~الانطلاق لم يعلم لمن هو، ولو ذكرت (زيدا) وحده كنت قد أتيت باسم لم يقع ~~فيه شك، فاقتصرت عليه، ولا يجوز أن تأتي بلفظ لا فائدة به، فصار كل واحد من ~~المفعولين لا بد له من الآخر، فاعرفه. # فإن قال قائل: فلم صار بعض هذه الأفعال قد يجوز أن يتعدى إلى واحد مرة، ~~وإلى اثنين، وهو: (ظننت ورأيت وعلمت ووجدت) والقسم الثاني ليس له إلا طريقة ~~واحدة؟ # قيل له: لأن (حسبت وخلت) قد علمت أن بابها الشك، وهو التعدي إلى مفعولين، ~~وحولت (ظننت) من باب الشك إلى باب التهمة، إذ كان ذلك إخراجا لها عن أصلها، ~~وجواز هذا المعنى في واحدها يغني عن سائرها، فلهذا خالفت (ظننت) أخواتها. # PageV01P288 # فأما (علمت ورأيت ووجدت) فاستعملت على المعنيين اللذين ذكرناهما في ~~الشرح، فجاز أن يختلف عملها لاختلاف معناها. # وأما الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين إذا لم يسم فاعلها، نحو: أعلمت ~~وأريت وأنبئت، ونبئت، فالأصل: علم ورأى ونبأ وأنبأ، فلما دخلت عليها ~~الهمزة، وشددوا عين الفعل، صارت متعدية إلى ثلاثة مفعولين، وقد بينا أن ~~المفعول كان في الأصل مصدرا، فلم يجز إلا تعديتها، وكان أبو عثمان المازني ~~يجيز الاقتصار على المفعول الأول، كقولك: أعلمت زيدا، وتسكت، وعلى هذا ~~القياس يجوز ذلك في ثاني الأفعال، ليجري الأمر فيها مجرى واحدا، واعلم أن ~~(أعلمت) إذا لم تسم الفاعل فيها، ثم وسطتها بين المفعولين، فالقياس فيها ~~ألا تلغى كإلغاء (ظننت) لأنها قد صارت بالنقل الذي دخل فيها بمنزلة الفعل ~~المتعدي في الحقيقة، ألا ترى أنك إذا قلت: أعلمت زيدا عمرا خير الناس، فقد ~~أوصلت إلى زيد علما، كما أنك إذا قلت: أعطيت زيدا درهما، فقد أوصلت إلى زيد ~~درهما، فلهذا خالفت باب (ظننت وأخواته) فاعلمه. # PageV01P289 ### | (15 - باب نعم وبئس) # إن قال قائل: لم وجب أن يلزم (نعم وبئس) الجنس؟ # ففي ms095 ذلك وجهان: # أحدهما: يحكى عن الزجاج أنهما لما وضعا للمدح والذم العام خصا بأن يليهما ~~لفظ عام. # والوجه الآخر: أن لفظ الجنس إنما وجب تقديره إلى جنب (نعم وبئس) ليدل ~~بذلك على أن الممدوح قد حصل له من الفضل ما في الجنس، فإذا قلت: نعم الرجل ~~زيد، دللت بلفظ (الرجل) أنه فاضل في الرجال، وكذلك إذا قلت: نعم الظريف ~~زيد، دللت بذلك أن زيدا (34 / أ) ممدوح في الظراف، فلهذا وجب تقدير الجنس. # فإن قال قائل: من أين جاز في (نعم وبئس) أربع لغات، وكذلك جميع ما ثانيه ~~حرف حلقي، مما هو على ثلاثة أحرف، اسما كان أو فعلا، نحو: فخذ، وحروف الحلق ~~ستة، وهي الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين؟ # PageV01P290 # فالجواب في ذلك: أن حروف الحلق لما كان بعضها مستعليا، وبعضها قريب من ~~الألف، فالهمزة مقاربة الألف، والفتح قريب من الكسرة، أتبع الفتح الكسر، ~~ليكون الكلام على طريقة واحدة، كما يتبع الفتح الألف الممالة، فلما جاز ~~إتباع الكسرة تتابع في الفعل كسرتان، فسكن الثاني للاستثقال. # فإن قال قائل: إذا كان الإسكان جائزا في أصل الفعل قبل إتباعه، ففيم ~~الإسكان بعد ذلك؟ # قيل له: لأن الإسكان بعد الاتباع أقوى، لأن إسكان فتحة بعدها كسرة أقوى ~~من إسكان كسرة قبلها فتحة، لثقل الكسرتين، فيجوز أن يكون أتبعوا ليكون أعلى ~~في الإسكان. # فإن قال قائل: فمن أين زعمتم أن أصل هذين الفعلين (فعل) ، وهلا كان على ~~(فعل) أو (فعول) ؟ # قيل له: الدليل على أن (فعل) لا يجوز إسكانه لخفة الفتح، فيسقط أن يكون ~~على (فعل) ، وجواز كسر أولهما دلالة (فعل) دون (فعل) ، لأن الثاني لو كان ~~مضموما فيهما لم يجز كسر الأول، لأنه لا كسر بعده، فتكسر الأول للكسرة التي ~~بعده، ولا يجوز أن يكون الأصل فيهما كسر الأول وضم الثاني، لأنه ليس في ~~أبنيتهم، ولا يوجد في كلامهم كسرة بعدها ضمة لازمة، فوجب أن يكونا (فعل) ~~لما ذكرناه. # PageV01P291 # فإن قال قائل: فلم زعمتم أنهما فعلان، وقد وجدنا العرب تدخل عليهما حرف ms096 ~~الجر كقول الشاعر: # (ألست بنعم الجار يؤلف بيته ... ) # وروي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولدة مولودتك، فقال: والله ~~ما هي بنعم المولودة، نصرها بكاء، وبرها سرقة؟ # قيل له: أما الدليل على أنهما فعلان ثبات علامة التأنيث فيهما على حد ~~ثباتهما في الفعل، نحو: نعمت وبئست، كما تقول قامت وقعدت، فلو كانا اسمين، ~~لكان الوقف عليهما بالهاء، فلما وقف عليهما بالتاء، علم أنهما فعلان، وليسا ~~باسمين. # وأما كونهما حرفين فلا شبهة في بطلانه، لاستتار الضمير فيهما، ولا يستتر ~~ضمير الفاعل إلا في الأفعال. وأما جواز دخول الباء عليهما فإن ذلك عندنا ~~على معنى الحكاية، كأنه حكى ما قال له، وحروف الجر تدخل على الفعل الذي # PageV01P292 # لا شبهة فيه على هذا الوجه، كما قال: # (والله ما زيد بنام صاحبه ... ) # فإذا جاز دخول الباء على طريق الحكاية، فليس بمنكور دخول الباء على (نعم) ~~التي فيها بعض الإشكال، فقد ثبت بما أوردناه أنها فعل لا اسم، والله أعلم. # فإن قال قائل: إذا نصبتم النكرة بعد (نعم وبئس) على التشبيه بالمفعول به، ~~لأن فيهما إضمار الفاعل، فهل يجوز إظهار ذلك الفاعل مع بقاء المنصوب؟ # فالجواب في ذلك: أن سيبويه يمنع منه، وأما أبو العباس المبرد فقد اختاره، ~~وهو قولك: نعم الرجل رجلا زيد. فأما امتناع جوازه فلأن أحد الرجلين يكفى عن ~~الآخر، لأن كل واحد منهما اسم للجنس، فلا وجه للجمع بينهما، (34 / ب) وأبو ~~العباس أجازه على طريق التوكيد. # فإن قال قائل: فلم خصت بجواز الإضمار قبل الذكر؟ # قيل له: لأن المضمر قبل الذكر على شريطة التفسير فيه شبهة من النكرة، إذ ~~كان لا يفهم إلى من يرجع حتى تفسره، وقد بينا أن (نعم وبئس) لا يجوز أن ~~يليهما معرفة محضة، فصار الضمير على شريطة التفسير لما فيه الألف واللام من ~~أسماء الجنس. # PageV01P293 # فإن قال قائل: فما الفائدة في هذا الإضمار، وهلا اقتصروا على قولهم: نعم ~~الرجل زيد؟ # قيل له: الفائدة تخفيف اللفظ، وذلك أنهم إذا أضمروا فيها، احتاجوا إلى ~~مفسر نكرة ms097 منصوبة وهي أخف من معرفة فيها الألف واللام، فلما كان المضمر لا ~~يظهر، وكان ما يفسره خفيفا، أضمروا فيها، ليخف اللفظ عليهم، ولو اقتصروا ~~على إضمار الفاعل، لكان ذلك شائعا. # فإن قال قائل: فهلا ثنوا الضمير وجمعوه، كما يثنون الاسم الظاهر، نحو: ~~نعم الرجلان الزيدان؟ # فالجواب في ذلك: أنهم إنما أضمروا على شريطة التفسير، ليخف اللفظ، فلما ~~كان المفسر يثنى ويجمع، وفيه دلالة على أن المضمر يجري مجراه، استغنوا عن ~~تثنية الضمير بما أظهروا من تثنية المفسر وجمعه، فلو ثنوا الضمير وجمعوه، ~~لولي (نعم وبئس) اسمان ليس في لفظهما دلالة على الجنس، فلهذا لم يثن ويجمع ~~المضمر فيهما. # إذا قلت نعم الرجل زيد، فزيد رفع بالابتداء، ونعم الرجل: خبره، وليس في ~~الجملة ضمير يرجع إلى المبتدإ، ومثل هذا لا يجوز في غير هذين الفعلين؟ # قيل له: لم يجز في غيرهما من الأفعال لوجهين: # أحدهما: أن قولك: زيد قام الرجل، لو جوزناه لالتبس الكلام، لأن قولك: قام ~~الرجل، يجوز أن يكون كلاما تاما قائما بنفسه، فلا يعلم هل هو خبر الابتداء، ~~أو هو استئناف جملة أخرى منقطعة مما قبلها، وأما (نعم الرجل) فلا # PageV01P294 # يتوهم فيه لأنه لا يقتصر عليه، فصار تعلقه بما قبله كتعلق الضمير بما ~~قبله، كقولك: زيد قام، فجرى المظهر بعد (نعم وبئس) مجرى المضمر في غيرهما ~~من الأفعال. # والوجه الثاني: أن قولك: زيد نعم الرجل، محمول على معناه، إذ كان قولك: ~~نعم الرجل، يقوم مقام (زيد) الممدوح في الرجال، فلما قام مقامه في المعنى ~~اكتفي به، ولم يكن في غيره من الأفعال هذا المعنى، فلهذا اختلفا. # فإن قال قائل: من أين حسن إسقاط علامة التأنيث من (نعم وبئس) إذا وليهما ~~مؤنث، ولم يجز في غيرهما من الأفعال؟ # قيل له: قد ذكرنا في الشرح وجها آخر أجود منه، وهو أن المؤنث الذي يلي ~~(نعم وبئس) يجب أن يكون اسم جنس يجري مجرى الجمع، والفعل إذا كان للجماعة - ~~وإن كانوا مؤنثين - ذكر فعلهم، كقولك: قام النسوة، فلهذا حسن التذكير في ms098 ~~هذين الفعلين. # PageV01P295 ### | (16 - باب حبذا) # إن قال قائل: ما الأصل في (حب) ؟ # قيل له: الأصل فيه (فعل) على وزن (كرم) ، فحذفت الضمة من الباء الأولى ~~وأدغمت في الباء الثانية. # وإنما حكمنا عليها ب (فعل) من وجهين: # أحدهما: أن اسم الفاعل منها (حبيب) ، و (فعيل) أكثر ما يكون (35 / أ) لما ~~ماضيه على (فعل) ، نحو: كرم فهو كريم، ولأن الأفعال إذا أريد منها على ما ~~يراد في (نعم وبئس) ، فأكثر ما يستعمل على (فعل) كقولك: حسن رجلا زيد، فلما ~~استعملت (حبذا) استعمال (نعم) - وإن كانت نعم على وزن (فعل) - وجب أن يحمل ~~(حبذا) على (فعل) ، لكثرة (فعل) في هذا الباب. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج أن يجعل (حب) مع (ذا) اسما واحدا؟ # قيل: يجوز أن يكون الغرض تخفيف اللفظ، لأنهم إذا قدروها بمنزلة شيء ~~استغنوا عن تثنية (ذا) وتأنيثه، فلهذا جعلا شيئا واحدا. # فإن قال قائل: فلم صار لفظ التذكير أولى من لفظ التأنيث؟ # قيل له: لأن المذكر قبل المؤنث، وهو كالأصل له، فلما أرادوا تركيب حرف ~~اسم، كان تركيبه مع المذكر السابق للمؤنث أولى من المؤنث. # فإن قال قائل: فلم خص بالتركيب مع (ذا) من بين سائر الأسماء؟ # PageV01P296 # قيل له: لأن (ذا) اسم مبهم ينعت بأسماء الأجناس، وقد بينا أن لفظ الجنس ~~يستحق أن يقع بعد (نعم وبئس) ، فوجب أن يجري مجراها، فركبوها مع اسم يقتضي ~~النعت بالجنس. # فإن قال قائل: فلم غلبتم على (حبذا) الاسمية، وقلتم: إنهما صارا بمنزلة ~~اسم واحد؟ # قيل: وجدنا في الأسماء اسمين جعلا بمنزلة اسم واحد، فوجب أن يحمل (حبذا) ~~على حكم الاسمية، لوجود النظير في الأسماء، ولم يجز حملها على الفعل لعدم ~~النظير. # والوجه الثاني: أن الاسم أقوى من الفعل، فلو جعلا شيئا واحدا، وجب أن ~~يغلب عليهما حكم الاسمية، لقوة الاسم وضعف الفعل، فإذا وجب هذا، جاز أن ~~تقول: حبذا زيد، فتجعل (حبذا) اسما مبتدأ، وزيد: خبره، فاعرفه. # PageV01P297 ### | (17 - باب الإضمار) # إن قال قائل: ما وجه تكرير العرب: الأسد الأسد، والطريق الطريق، ms099 إذا ~~أرادوا التحذير؟ # قيل له: وجه ذلك أنهم جعلوا أحد الاسمين عوضا من الفعل المحذوف، والدليل ~~على ذلك أنهم إذا أسقطوا أحد الاسمين جوزوا إظهار الفعل، كقولك: احذر ~~الأسد، فإذا كرروا لم يظهروا الفعل، فدل ذلك على أنهم جعلوا [أحد] الاسمين ~~عوضا من الفعل، والوجه أن يكون العوض هو الأول، كما أن الفعل يجب أن يكون ~~مقدما على المفعول. # فإن قال قائل: فلم قدرتم الفعل في (إياك) بغير تكرير، كقولك: إياك، ~~تريدون: إياك احذر؟ # قيل له: لأن (إياك) لا يجوز أن يقع فعل قبلها، لأنك لا تقدر الكاف ولا ~~يجوز أن تقول: ضربت إياك، لأنك تقدر أن تقول: ضربتك، فلهذا وجب تقدير الفعل ~~بعد (إياك) . # فإن قال قائل: فلم لا تضمر الفعل إذا كان يتعدى بحرف جر؟ # قيل له: لو أضمرنا لوجب أن يبقى الاسم مجرورا، لتقدير حرف الجر، ولو # PageV01P298 # فعلنا هذا لكنا قد أضمرنا حرف الجر، وهذا لا يجوز، لأن حرف الجر يجري في ~~الضعف مجرى حروف الجزم، وحروف الجزم لا تضمر، وكذلك حروف الجر، وجملة الأمر ~~أن جميع الحروف لا يجوز إضمارها لضعفها، وإنما جاز إضمار الفعل لقوته، إذ ~~كان متصرفا فيعمل في التقديم والتأخير، فلما كانت هذه الحروف ناقصة عن حكم ~~الفعل، لم يجز أن تعمل مضمرة، وأيضا فإن (35 / ب) المصدر إذا كان يمكن أن ~~يقدر فعلا ينصب بنفسه، وأمكن أن يقدر فعلا يصل بحرف جر، وجب تقدير شيء ~~واحد، إذ كان تقديره ينوب عن شيئين، وصار بذلك أولى لخفة حكمه. # واعلم أن إضمار الفعل يقع في كلام العرب على ثلاثة أوجه: # أحدها: لا يجوز إظهاره. # والآخر: يجوز أن يضمر ويظهر. # والثالث: لا يجوز إضماره فأما ما لا يجوز إظهاره: فنحو ما ذكرناه من: ~~إياك وزيدا، وكذلك ما تكرر من الأسماء، نحو: الطريق الطريق، وكذلك إن كان ~~أحد الاسمين معطوفا على الآخر لم يجز إظهار الفعل، كقولك: رأسك والجدار. # وأما ما يجوز إظهاره وإضماره فإنه يجري ذكر الفعل، أو يكون الاسمان في ~~حال الفعل، كقولك: زيدا، ms100 إذا سمعت ذكر ضرب، أو رأيت إنسانا يريد أن يضرب، ~~فأنت بالخيار إن شئت قلت: اضرب زيدا، وإن شئت حذفت الفعل لدلالة الحال ~~عليه. # فأما الوجه الثالث: فأن تقول: زيدا، فتضمر الفعل، وهو لم يجر له ذكر، ~~فهذا لا يجوز، لأنه لا يدري أنك تريد: اضرب زيدا، أو أكرمه، فلما لم يكن # PageV01P299 # على الضمير دليل لم يجز. # فإن قال قائل: فلم خصت العرب (إياك) وحدها من بين سائر أخواتها، فلم ~~يستعملوا معها الفعل - وإن أفردت - كقولك: إياك، إذا أردت: احذر؟ # فالجواب في ذلك: أن (إياك) أقاموها مقام فعل الأمر، فلم يجز إظهار الفعل ~~معها، أما غيرها من الأسماء فلم يقم مقام الفعل معه، فجاز إظهار الفعل معه، ~~وإنما خص (إياك) بهذا، لأنه اسم لا يقع إلا علامة للمنصوب، فصار لفظه يدل ~~على كونه مفعولا، وأما غيره من الأسماء فيصح أن يقع منصوبا أو مرفوعا أو ~~مجرورا، فلما لم يختص من الأسماء اختصاص النصب الذي يقتضيه الفعل الناصب، ~~لم يقم مقامه، ولما اختصت (إياك) بهذا المعنى، جاز أن تقوم مقام الفعل، ~~فاعرفه. # PageV01P300 ### | (18 - باب اسم الفاعل) # إن قال قائل: لم وجب لاسم الفاعل أن يجري مجرى الفعل، إذا أريد به الحال ~~والاستقبال، ولم يجز هذا المعنى فيه، إذا أريد به المضي، ولزم وجها واحدا، ~~وهو الجر؟ # قيل له: لأن أصل الأسماء ألا تعمل إلا الجر، وأصل الأفعال أن تعمل في ~~المفعول إلا أن الفعل المضارع قد أشبه الاسم من وجوه، قد ذكرناها في صدر ~~الكتاب، أوجبت له الإعراب بعد أن كان مستحقا للبناء على السكون، فكذلك ~~الاسم أيضا حمل على الفعل المضارع فعمل عمله، وأما الفعل الماضي فلم يشابه ~~الاسم مشابهة قوية، فلهذا لم يزد على البناء على الفتح، وكذلك يجب في الاسم ~~الذي معناه ألا يزال عن أصله، والأصل في الأسماء ألا تعمل إلا الجر، لما ~~ذكرناه أيضا في (باب الجر) فبقي اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، ~~وجاز في اسم الفاعل أن ينصب إذا أريد به الحال ms101 والاستقبال، حملا على ~~المضارع لما بينهما من الشبه. # فإن قال قائل: فلم جاز في اسم الفاعل - إذا أريد به الحال والاستقبال - ~~الجر، وقد استقرت مشابهته للفعل، وهلا امتنع من الجر، كما امتنع (36 / أ) ~~الفعل المضارع من البناء، إذ كان بحصول شبهه بالأسماء يستحق الإعراب؟ # PageV01P301 # قيل له: لأن اسم الفاعل - وإن أجري مجرى الفعل - لم يخرج عن حكم الاسمية، ~~ولأجل كونه اسما، جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من ~~الشبه، جاز أن ينصب، وأما الفعل المضارع فقد جاز فيه أيضا الرد إلى أصله، ~~وهو السكون، وذلك إذا لحقته علامة جماعة النساء، كقولك: الهندات يضربن، فقد ~~استوى حكم نون الفاعل والفعل المضارع، فيما سألت عنه، وأيضا فإن بين حمل ~~اسم الفاعل على الفعل المضارع، وبين حمل الفعل على الاسم فرقا، وذلك أن ~~الفعل حمل في التثنية بما يختص الاسم، حمل على الفعل بهذا المعنى أيضا، ~~فصار حمل الاسم على الفعل أنقص حكما من حمل الفعل على الاسم، فإذا كان ~~كذلك، وجب ألا يزول عن الاسم ما كان يستحقه من جواز الجر به، ولم يجز في ~~الفعل السكون، لأنه قد انتقل عن أصله، لحصول الشبه فيه. # فإن قال قائل: فلم جاز في اسم الفاعل إذا أريد به المضي أن يتعدى إلى ~~المفعول الثاني، نحو قولك: زيد معطى عمرو درهما أمس؟ # قيل له: في ذلك وجهان: # أحدهما: أن يكون الاسم منصوبا بفعل مقدر، تقديره: أخذ درهما أمس. # والوجه الثاني، وهو أجودهما: أن الفعل الماضي لما كان قد بني على حركة ~~لما بينه وبين الاسم من الشبه، وجب أن يكون لهذا الشبه تأثير في الاسم، ~~فجعل هذا في المعنى يجوز أن يتعدى إلى المفعول الثاني. # فإن قال قائل: فلم جاز أن تقول: هذان الضاربان زيدا، وأنت تريد الماضي ~~بهذا القول؟ # PageV01P302 # فالجواب في ذلك: أن أصل الكلام: هذان اللذان ضربا زيدا، فانتصب (زيد) ~~بالفعل، لأن العرب تختصر بعض كلامها فتنقل لفظ (اللذين) إلى الألف واللام، ~~لأن الفعل لا يصح دخول الألف ms102 واللام عليه، فلا بد أن ينقل إلى لفظ الاسم ~~وهو (ضارب) ، ليصح دخول الألف واللام عليه، وصار لفظ (الضاربان زيدا) ~~منصوبا بمعنى الفعل المقدر، فلهذا جازت المسألة، فاعلمه. # واعلم أن المفعول لا يتقدم على اسم الفاعل إذا كان فيه الألف واللام، نحو # قولك، هذا الضارب زيدا، فلو قلت: زيدا هذا الضارب، لم يجز، وإنما لم يجز ~~لأن الألف واللام بمعنى (الذي) فما بعدها في صلة (الذي) ، وما في الصلة لا ~~يتقدم على الموصول، فلهذا لم يجز. # فإن قال قائل: فمن أين جازت الإضافة مع الألف واللام، مع التثنية والجمع ~~في هذا الباب، كقولك: هذان الضاربا زيد، والضاربو عمرو، ولم يجز ذلك في ~~المفرد، نحو قولك: الضارب زيد؟ # قيل: أما جواز الإضافة في التثنية والجمع، فلأن النون إذا ثبتت وجب نصب ~~الاسم بعدها، كما يجب نصبه إذا نونت الاسم في قولك: ضارب عمرا، فكما أنه ~~إذا حذفت النون خفضت الاسم، وجب أيضا إذا حذفت النون من التثنية والجمع أن # PageV01P303 # تخفض الاسم. وأما قولك: هذا الضارب زيدا، فالألف واللام قد قامت مقام ~~التنوين، فلم يكن في الاسم شيء يحذف منه لأجل الإضافة، فلهذا لم يجز الجر ~~فيه. # فإن قال قائل: فقد قالوا: زيد الضارب (36 / ب) الرجل، فأضافوا إلى ما فيه ~~الألف واللام، وإن لم يكن فيه تنوين؟ # قيل له: جازت الإضافة تشبيها من جهة اللفظ، كقولك: زيد الحسن الوجه، وكما ~~قالوا: الحسن الوجه، تشبيها بقولك: الضارب الرجل، وسنبين وجه الشبه بينهما ~~في (باب الصفة) ، فصار جواز إضافة (الضارب) إلى ما فيه الألف واللام من ~~الأسماء، نحو قولك: هذان الغلاما زيد، كما قلت: الضاربا زيد. # قيل له: الفصل بينهما أن جواز الإضافة فيما بعد (الضارب) لما ذكرناه من ~~جواز وقوعه منصوبا بعدها بحال، فلهذا لم تجز إضافتها، ألا ترى أنك لو قلت: ~~هذان الغلامان زيد، لم يجز، فلهذا لم تجز الإضافة. # فإن قال قائل: فهلا جوزت الإضافة في هذا من غير هذا التقدير؟ # قيل له: إنما لم تجز، لأن الفصل في الإضافة ms103 تخصيص المضاف وتعريفه، فإذا ~~كانت في المضاف الألف واللام تعرف بهما، ولم يحتج إلى تعريف آخر من جهة ~~الإضافة، فلهذا لم يجز، فاعرفه. # PageV01P304 ### | (19 - باب ما يعمل من المصادر) # إن قال قائل: من أين جاز أن يعمل المصدر - وهو أصل الفعل - عمل الفعل؟ # قيل له: من وجهين: # أحدهما: أن الفعل لما كان مشتقا منه، وكان في المصدر لفظ الفعل جاز أن ~~يعمل عمله، إذ كل واحد منهما يدل على الآخر. # والوجه الثاني: أنك إذا قلت: أعجبني ضرب زيد عمرا، فالمعنى: [أعجبني] أن ~~ضرب زيد عمرا، فلما كان المصدر مقدرا ب (أن والفعل) ، صار العمل في المعنى ~~للفعل، فلما حذف لفظ الفعل بقي حكمه، فلهذا جاز أن يقع بعد الاسم مرفوعا ~~ومنصوبا، إذا نونته أو أدخلت فيه ألفا ولاما، وإذا أسقطت الألف واللام أو ~~التنوين وجبت الإضافة، لأن المصدر اسم، ما لم يحل بينه وبين ما يعمل فيه ~~الحائل - أعني التنوين - وجب خفض ما بعده. # فإن قال قائل: قد ادعيت أن المصدر اسم للفعل، فمن أين وجب له ذلك؟ # قيل له: في ذلك وجوه: # أحدها: إجماع النحويين على تسميته مصدرا، والمصدر في اللغة: هو الموضع ~~الذي تصدر منه الإبل وترده، فلما استحق هذا الاسم، وجب أن يكون الفعل هو ~~الصادر عنه. # ووجه آخر: وهو أن الفعل يدل على مصدر وزمان، والمصدر يدل على نفسه فقط، ~~فلما كان المصدر أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل بالواحد من # PageV01P305 # الاثنين، فلهذا وجب أن يكون المصدر أصلا للفعل. # ووجه ثالث: وهو أن المصدر اسم، والاسم يقوم بنفسه، كقولك: ضربك وجيع، كما ~~تقول: والدك عالم، فقد لحق المصدر بالأسماء بالقيام بنفسه، والفعل لا ~~يستغني عن الاسم، فإذا كان كذلك وجب أن ما لا يحتاج إلى غيره أصلا في نفسه، ~~وهو الاسم، وما افتقر إلى غيره فرعا، وهو الفعل، وهذا الدليل على أن الفعل ~~مأخوذ من المصدر، لا أن المصدر مأخوذ من الفعل. # فإن قال قائل: فقد وجدنا المصدر يؤكد به الفعل، كقولك: ضربت ضربا، ~~والتأكيد بعد ms104 المؤكد؟ # قيل: هذا غلط، (37 / أ) وذلك أن المصدر - وإن أطلقنا عليه أنه توكيد - ~~فإنما يقتضي أنه بعد المؤكد في اللفظ، كما أنك لو قلت: ضربت ضربت، وجاءني ~~زيد زيد، وكررت الاسم والفعل، لكان المكرر توكيدا للأول، وليس الأول أصلا ~~له، من سبب أنه جاء قبله، وأيضا فإن قولك: ضربت ضربا، معناه: أنك أوقعت ~~فعلا، فالمصدر مفعول، كقولك: ضربت زيدا، فلو اعتبرنا ترتيب اللفظ، وكون ~~الفعل عاملا فيما بعده، وجعلناه أصلا لهذه العلة، لوجب أن يكون الفعل قبل ~~الاسم - أعني: قبل (زيد) في قولك: ضربت زيدا، وكذلك سائر الأسماء - ووجب ما ~~هو أقبح من هذا، وهو أن تكون الحروف أصلا للفعل والاسم، إذا كانت عوامل ~~فيهما، فلما بطل هذا سقط الإلزام. # PageV01P306 # فإن قال قائل: قد وجدنا المصدر يعتل باعتلال الفعل، ويصح بصحته، كقولك: ~~قام قياما، والأصل: قواما، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وجرى المصدر ~~على فعل وقد اعتل، فإذا قلت: قاوم، فصحت الواو، قلت في المصدر: قواما، فلم ~~تقلب الواو لصحة الفعل، فلما كان المصدر يتبع الفعل في اعتلاله وصحته، وجب ~~أن يكون الفعل أصلا له؟ # قيل له: هذا غلط بين، وذلك أن الشيء يحمل على الشيء، لأنهما من نوع واحد، ~~لأن أحدهما أصل للآخر يحمل عليه، لئلا يختلف طريق تصاريف الكلمة، ألا ترى ~~أنك تقول: وعد يعد، فتحذف الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة، [وقالوا: أعد ونعد ~~وتعد. والأصل فيه: أوعد ونوعد وتوعد، فحذفوا الواو وإن لم تقع بين ياء ~~وكسرة] وليس (يعد) أصلا في (عد) ولكنه من نوعه، فحمل عليه، لئلا يختلف ~~تصريف الفعل، وكذلك المصدر لما كان مشتقا من لفظه، صار بينهما مناسبة من ~~جهة اللفظ فحمل عليه، ومما يدل أيضا على فساد ما ألزمنا المخالف أنه من ~~مذهبه في الفعل الماضي في القبح على أن التثنية فرع على الواحد، فإذا جاز ~~للفراء أن يحمل الأصل على الفرع، # PageV01P307 # وهو المخالف لنا في هذه المسألة، جاز لنا أن نحمل المصدر وإن كان أصلا ~~للفعل في باب الإعلال، وقد ms105 استقصينا هذه المسألة بأكثر من هذا الشرح في ~~(شرح كتاب سيبويه) . # واعلم أن المصدر يقدر ب (أن والفعل) متى لم يعمل فيه فعله المشتق منه، ~~فإن عمل فيه فعله لم يقدر ب (أن) ، مثال قولك: أعجبني ضرب زيد عمرا، فلو ~~قلت: ضربت زيدا ضربا، لم يجز أن تقدره ب (أن) فتقول: ضربت زيدا، وإنما وجب ~~ما ذكرناه، لأن لفظ المصدر لا يدل على معنى معين، فإذا قلت: أعجبني ضرب ~~زيد، لم يعلم أنه ضرب ماض أو مستقبل أو حال، فتفصل ب (أن والفعل) لأن لفظ ~~الفعل يدل على زمان مخصوص، فلهذا قدر ب (أن) إذا عمل فيه غير فعله، وأما ~~إذا عمل فيه فعله فلا حاجة بنا إلى تقديره، لأن الفعل المتقدم قد دل على ~~الزمان الذي وقع فيه. وأما قوله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا ~~مقربة} إن قيل: أين فاعل (الإطعام) ؟ # قيل: هو محذوف من الكلام، للدلالة عليه. # فإن قيل: فما الذي يدل عليه؟ # قيل: قوله تعالى: {وما أدراك ما العقبة} {37 / ب} هذا خطاب للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم دل ذلك على أن الفاعل هو المخاطب، والتقدير: أو إطعام أنت يتيما. # PageV01P308 # فإن قيل: فهلا كان الفاعل مضمرا في (الإطعام) كما يضمر في اسم الفاعل، ~~كقولنا: أنت مطعم، ففي (مطعم) ضمير مستتر، كما استتر في الفعل، إذا قلت: ~~تطعم؟ # فالجواب في ذلك: أن المصادر لا تقبل الضمير، وإن عملت عمل الفعل، وإنما ~~لم يصح فيها هذا لأنها أصل الأفعال، فجرت مجرى أسماء الأجناس، نحو: رجل ~~وفرس، فلما كانت هذه الأسماء لا تقبل الضمير، وجب أن يكون المصدر كذلك، ~~فإذا لم يظهر الفاعل بعدها، فإنما ذلك لأجل حذفه للدلالة عليه لا لاستتاره. # فإن قيل: ألستم تزعمون أن الفعل لا يخلو من فاعل مظهر أو مضمر، فالمصادر ~~أجريتموها في العمل مجرى الفعل، فكيف جاز أن يخلو من لفظ الفاعل؟ # قيل له: إن المصدر، وإن عمل عمل الفعل فيظهر في نفسه اسم، وهو متعلق ~~بالفاعل والمفعول، فهو في ms106 نفسه اسم، وهو متعلق بالفاعل والمفعول، كما قلت، ~~إذا كان الفاعل أحدثه، والمفعول به وقع به، فصار ما تعلق به معه كالشيء ~~الواحد، وكما يجوز أن يحذف في بعض الكلام للدلالة عليه، جاز أيضا حذف ~~الفاعل. # فإن قيل: فهلا أجري اسم الفاعل مجرى المصدر لأنه اسم من المصدر، وكيف جاز ~~أن يقبل الضمير ولم يقبله المصدر؟ # قيل له: لأن اسم الفاعل والفعل جميعا فرعان للمصدر، فلما جاز استتار ~~الفاعل في الفعل جاز استتاره أيضا في اسم الفاعل، لاشتراكهما في الفرعية، ~~إلا أن بين استتار الفاعل في الفعل وبين استتاره في اسم الفاعل فرقا، وهو ~~أن ضمير الفاعل المستتر في الفعل يظهر في التثنية والجمع، كقولك: الزيدان ~~يضربان، والزيدون يضربون، وفي اسم الفاعل يستتر في النية ولا يظهر في، ~~اللفظ فإنما وجب ذلك في اسم الفاعل، لأنه اسم في نفسه، فلا بد أن تلحقه ~~تثنية تخصه لنفسه، فلم يجز إظهار تثنية الضمير مع تثنية الاسم، لأن ذلك ~~يوجب الجمع بين تثنيتين، وهذا محال. # فإن قال قائل: كيف تقدرون قولهم: أعجبني أكل الخبز، والخبز مفعول؟ # PageV01P309 # قيل له: في ذلك تقديران: # أحدهما: أن يكون المصدر مقدرا ب (أن) وفعل لم يسم فاعله، فالتقدير: ~~أعجبني أن أكل الخبز. # والثاني: أن المصدر اسم متعلق بالفاعل والمفعول، وقد بينا أنه يجوز أن ~~يكتفى بالفاعل مع المصدر وحده، وكذلك يكتفى بالمفعول مع المصدر، فجاز إضافة ~~المصدر إلى المفعول، إذ ليس مفتقرا إليه من جهة اللفظ، فاعرفه. # PageV01P310 ### | (20 - باب ما يشتغل عنه الفعل) # اعلم أنك إذا قلت: زيد ضربته، فالاختيار الرفع في (زيد) ، والنصب جائز، ~~وإنما اختير الرفع لأن الرفع بغير إضمار، والنصب بإضمار، فكان ترك الإضمار ~~أولى، لأنه أخف مؤونة من النصب، وليس أيضا في الكلام ما يقتضي إضمار فعل، ~~فهذا كان الرفع أولى، وأما إذا قلت: ضربت زيدا وعمرا كلمته، فالاختيار نصب ~~عمرو (38 / أ) ، والرفع جائز، وإنما اختير النصب في (عمرو) لأن واو العطف ~~حقها أن يكون ما بعدها مشاكلا لما قبلها، فلما بدأت بالفعل، ms107 كان إضمار ~~الفعل بعد الواو أولى، لتكون قد عطفت فعلا على فعل، فلهذا اختير النصب، ~~والرفع جائز على أن يجعل ما بعد الواو النصب، متى كان الفعل الذي بعد الواو ~~ابتداء وخبرا، فتصير عاطفا جملة على جملة. # واعلم أنه متى كان المبتدأ به الفعل فلاختيار فيما بعد الواو النصب، متى ~~كان الفعل الذي بعد الواو ناصبا لضمير الاسم الذي يلي الواو عاملا في سببه، ~~وسواء كان الفعل المبتدأ به مما ينصب أو يرفع أو يتعدى بحرف جر، كقولك فيما ~~يرفع: جاء زيد وعمرا كلمته، وكذلك لو قلت: جاءني زيد وعمرا كلمت أباه، لأنك ~~بدأت في جميع هذه المسائل بالفعل، فإن قلت: # PageV01P311 # إن زيد قائما وعمرا كلمته، فالاختيار في (عمرو) الرفع، لأنك لم تبتدئ ~~بفعل، إذ كانت (إن) حرفا، وهي وإن غيرت اللفظ فما بعدها في حكم المبتدإ، ~~فلهذا اختير الرفع في (عمرو) ، ويجوز النصب، كما جاز في الابتداء بإضمار ~~فعل مثل الفعل الذي قد عمل في الضمير، فإن قلت: ضربت زيدا وعمرو قائم، أو ~~يقوم، لم يجز في (عمرو) إلا الرفع، لأنك لم تذكر بعد الواو فعلا يجوز أن ~~يعمل في (عمرو) وليس بمعطوف على الاسم الأول فيدخل في حكمه، ولكنه عطف جملة ~~قائمة بنفسها على جملة مثلها، فلهذا لم يجز نصب ما بعد الواو، لأنك لو نصبت ~~بقي الفعل أو الاسم الذي بعده متعلقا إذ لا يتعلق بما قبله من الكلام. # فإن قلت: زيد ضربته وعمرو كلمته، كنت في (عمرو) بالخيار، إن شئت نصبته، ~~وإن شئت رفعته، وإنما اعتدل النصب والرفع هاهنا، لأنك بدأت بالاسم في أول ~~الكلام وشغلت الفعل بالضم، وإن قدرت ما بعد الواو كأنه معطوف على الهاء، ~~اختير النصب في (عمرو) ، ليكون ما بعد الواو الفعل، كما أن المضمر محمول ~~على الفعل، فإن قدرت ما بعد الواو اسما مبتدأ بمنزلة المعطوف عليه رفعت، ~~واختير الرفع، فإن دخلت ألف الاستفهام على الاسم وقد اشتغل الفعل، اختير ~~النصب، كقولك: أزيدا ضربته؟ وإنما اختير النصب، لأن الاستفهام وقع على ms108 ~~الفعل فصار حرف الاستفهام يطلب الفعل، فيجب أن يضمر الفعل ويكون الموضع ~~الذي يقتضي الفعل أولى بالإضمار، فإذا وجب إضمار الفعل قبل الاسم وجب ~~النصب، والرفع جائز على المبتدإ والخبر، وإنما جاز الرفع لأن الاستفهام قد ~~يقع بعده المبتدأ والخبر، كقولك: أزيد قائم؟ فكما جاز الابتداء بعد حرف # PageV01P312 # الاستفهام، وإن كان خبر المبتدإ اسما، فكذلك يجوز الرفع في الاسم، وإن ~~كان خبر المبتدإ فعلا، إذ الفعل المشتغل بالضمير لا تسلط له على المبتدإ، ~~فجرى مجرى الاسم، فلهذا جاز، فاعرفه. وكذلك إذا أدخلت عليه (38 / ب) حرف ~~النفي، كقولك: ما زيد ضربته عمرا كلمته، وإنما اختير النصب، لأن النفي لما ~~كان غير واجب ضارع الاستفهام، فاختير فيه النصب، كما يختار في الاستفهام، ~~والرفع أحسن في الاستفهام، لأن النفي تقديره أن يدخل على الموجب، كأنك ~~أدخلت (ما) على قولك: زيد ضربته، فلما دخل النفي على شيء قد استقر فيه ~~الرفع، كان بقاؤه على ما كان عليه حسنا. # فإن قيل: فهلا كان الرفع المختار لأجل هذه العلة؟ # قيل له: إنما ذكرنا أن النفي يدخل على لفظ الإيجاب على طريق التقدير، ~~وليس ذلك بواجب، ألا ترى أنك تقول: ما جاءني أحد، ولو قدرت الكلام موجبا لم ~~يجز، فبان أن النفي قائم بنفسه، وربما دخل على الكلام الموجب، فإذا كان ~~كذلك يدخل النفي بطل الإيجاب، وصار الحكم للنفي، وحصل مضارعا للاستفهام، ~~واختير النصب بحصول مضارعته للاستفهام في اللفظ، وحسن الرفع لما ذكرناه من ~~التقدير. واعلم أنك إذا جئت فيه بالأمر والنهي والمجازاة، فالرفع فيها ~~بعيد، كقولك: زيد اضربه وزيد لا تضربه، وإن زيد تكرمه يأتك، والنصب هو ~~المختار، والرفع قبح، وإنما قبح الرفع، لأنها أشياء لا تكون إلا بالفعل، ~~فبعدت من الرفع، وإنما جاز الرفع، لأنك بدأت ب (زيد) وشغلت # PageV01P313 # الفعل عنه بضميره، فامتنع من العمل في (زيد) فشبه بقولك: زيد ضربته، إذ ~~كان الرفع لا يغير المعنى، واستخف إذ كان فيه إسقاط تقدير فعل مضمر، وهذا ~~الذي ذكرناه يجوز في الأمر والنهي. # فإن قال ms109 قائل: من شرط خبر المبتدإ أنه يجوز فيه الصدق والكذب، والأمر ~~والنهي لا يجوز أن يكون فيهما، فكيف جاز أن يقعا خبرا للمبتدإ؟ # قيل: جاز ذلك بحمل الكلام على معناه، وذلك أن الأصل: اضرب زيدا، فإذا ~~قدمت (زيدا) مرفوعا، وشغلت الكلام بضميره، فمعنى الكلام باق، وإنما رفع ~~بشبه لفظه بالمبتدإ والخبر، فلما وجدنا مساغ جواز رفعه، لأن فيه تقدير ~~إسقاط تقدير الفعل المضمر، جوزنا رفعه، وحمل في الحكم على معناه، وأما إذا ~~رفعت الاسم بعد حرف الجزاء، فلا يجوز أن ترفعه بالابتداء، لأن حروف الشرط ~~ألفاظ تقتضي الفعل، فلا يجوز أن يخلو منه، ومع ذلك فلو رفعت الاسم ~~بالابتداء، لم يجز جزم الفعل بعده، لفصلها بين حرف الشرط وما قد عمل فيه ~~الاسم، لأن الجازم مع المجزوم، كالجار مع المجرور، وأضعف حالا، فلهذا جاء ~~في الجزاء الأمر والنهي، وإن اشتركا في قبح الرفع فيهما # فإن قال قائل: فبأي شيء يرفع الاسم بعد حرف الجزاء، وقد شغلت الفعل ~~بضميره، وهو مفعول في المعنى؟ # قيل له: يرفع على إضمار فعل ما لم يسم فاعله، كأنك قلت: إن يكرم زيد ~~تكرمه يأتك، وإنما جاز ذلك لأن الفعل إذا لم يسم فاعله لا يتغير معنى، ولو ~~سميت فاعلا لم يكن ينقض عمله، فجريا مجرى واحدا، فوجب إضمار فعل ما لم يسم ~~فاعله، ليصح رفع (زيد) . # فإن قال قائل: أليس (39 / أ) إذا رفعت (زيدا) بالفعل المضمر فقد جزمت ~~الفعل الظاهر ب (إن) ، وقد فصلت بينهما، فكيف جاز ذلك وقد امتنعت منه، إذ ~~لم يظهر الفعل؟ # PageV01P314 # فالجواب في ذلك: أن (إن) عملت في الفعل المضمر، والفعل الظاهر تبيين له ~~وتوكيد، والفصل بين التوكيد والمؤكد، والبيان والمبين، بشيء يتعلق بالأول ~~جائز، فلهذا حسن جزم الثاني إذا أضمرت الفعل. # واعلم أن حكم (هلا، وألا، ولولا، ولوما) في اختيار النصب بينها كحكم حروف ~~الجزاء، كقولك: هلا زيدا ضربته، فإن رفعت فعلى إضمار فعل ما لم يسم فاعله، ~~ولا يجوز رفعه بالابتداء، لأنها حروف تقتضي الفعل، إذ كان فيها ms110 معنى الأمر ~~والتحضيض، فجرت مجرى الجزاء. # واعلم أن الفعل إذا كان لا يصل إلا بحرف جر لم يضمر، ولكن يضمر فعل في ~~معناه، لأن حرف الجر لا يجوز إضماره، وحرف الجر مع المجرور كالشيء الواحد، ~~وعمل حروف الجر كعمل حروف الجزم، فكما لا يجوز إضمار الجازم، فكذلك لا يجوز ~~إضمار الجار، وعلة ذلك أجمع أنها عوامل ضعاف، إذ كانت حروفا، وإنما يحذف ~~العامل لقوته، كالفعل لجواز عمله مقدما ومؤخرا، فلما كانت هذه الحروف لا ~~يعمل فيها ما قبلها، وهي جوامد في أنفسها، لم يجز إضمارها، إذ كان عملها ~~مؤخرة أضعف من عملها فيما قبلها، فاعرفه # فإن قال قائل: فقد أجزتم إضمار (رب) في قوله: # وبلدة ليس بها أنيس؟ # قيل له: إنما جاز ذلك لأن الواو صارت عوضا. # فإن قال قائل: فلم جوزتم إضمار (من) باتفاق النحويين في قولهم: # PageV01P315 # بكم درهم اشتريت ثوبك؟ # قيل له: إنما جاز إضمار (من) هنا لدخول الباء في (كم) ، لأنهم استثقلوا ~~إحاطة حرفين خافضين باسم، والمعنى لا يشكل، وقوي (من) في هذا الكلام، فكان ~~قوة معناها في قولهم: بكم درهما، عوضا منها. # PageV01P316 ### | (21 - باب حتى) # إن قال قائل: ما الأصل في (حتى) ، أن تكون عاطفة أم جارة؟ # قيل له: الأصل فيها أن تكون جارة، ودخولها في باب العطف حملا على الواو، ~~والدليل على أن أصلها الجر أنها إذا جعلت عاطفة لم تخرج من معنى الغاية، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني القوم حتى زيد، ومررت بالقوم حتى زيد، ف (زيد) ~~بعض القوم، وإذا رفعت أيضا على العطف، فهو بعض القوم، ولو كان أصلها العطف ~~لوجب أن يكون ما بعدها من غير جنس ما قبلها، إذا كانت حروف العطف هكذا ~~حكمها، نحو قولك،: جاءني زيد وعمرو، ولا يجوز جاءني زيد حتى عمرو، وكذلك لا ~~يجوز الخفض على الغاية، فهذا دليل على أنها أصل الغاية. # فإن قال قائل: فمن أين أشبهت الواو؟ # قيل: لأن أصل الغاية أن تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، ألا ترى أن قولك: ms111 ~~ضربت القوم حتى زيد، معناه: أن الضرب وقع على زيد، كما أنك لو قلت: ضربت ~~القوم وزيدا، لكان (زيد) مضروبا، فلما اشتركا في المعنى حملت (حتى) على ~~الواو. # فإن قال قائل: فلم وجب أن يكون ما بعد (حتى) جزءا مما قبلها؟ # قيل له: لأن معناها أن تأتي لاختصاص ما يقع عليه، إما لرفعته أو لدناءته، # PageV01P317 # وذلك إذا قلت: ضربت القوم، فلا بد أن يكون القوم عند المخاطب (39 / ب) ~~مخصوصين معروفين، وفيهم دنيء ورفيع، فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيد، فلا بد ~~أن يكون زيد إما أرفعهم أو دونهم، ليدل بذكره أن الضرب قد انتهى إلى ~~الرفعاء أو إلى الخبثاء، ولو لم يكن (زيد) بهذه الصفة، لم يكن لذكره إياه ~~فائدة، إذ كان قولك: ضربت القوم، يشتمل على (زيد) ، فلما كان لا بد من ذكر ~~(زيد) على الوجه الذي ذكرناه، وجب أن يكون بعضا مما قبله، ليدل على هذا ~~المعنى، ولهذه العلة لا يجوز أن تقول: ضربت الرجال حتى النساء، لأن النساء ~~ليس من نوع الرجال، ولا يتوهم دخولهن مع الرجال، فلهذا لم يجز، وإذا قلت: ~~ضربت القوم حتى زيدا ضربته، فذكرت بعد (حتى) اسما وفعلا من جنس الفعل ~~المتقدم، وكان ناصبا لضمير الاسم، فلك فيه ثلاثة أوجه: # الخفض على الغاية، وإذا خفضت الاسم صار الفعل الذي بعد الاسم مؤكدا للفعل ~~المتقدم، ولا موضع له، وإن نصبته أضمرت فعلا ينصبه، وصار الفعل الظاهر ~~تفسيرا للفعل المضمر، ولا موضع لهما من الإعراب، لأن الفعل المضمر معطوف ~~على المبتدأ به، فلما كان الفعل المبتدأ به لا موضع له من الإعراب، فكذلك ~~حكم ما عطف عليه، والمفسر له يجري مجراه، فإذا رفعت الاسم صار مبتدأ، ~~والفعل الذي بعده في موضع خبره، وعلى هذا الوجه يصير موضع الفعل رفعا، لأنه ~~في موضع خبر المبتدأ. وأما إذا كان بعد (حتى) اسمان فلا يجوز الرفع على ~~الابتداء والخبر، وذلك أن حرف الجر لا يجوز أن يخفض أكثر من اسم واحد إلا ~~على طريق الاشتراك # PageV01P318 # والنعت، فلو ms112 خفضت الاسم الأول في قولك: ضربت القوم حتى زيد غضبان، بقي ~~(غضبان) بلا شيء يخفضه ولا يرفعه ولا ينصبه، وهذا يستحيل أن يكون مفرد معرب ~~بغير شيء يعربه، فلهذا بطل الجر، وصار (حتى) ها هنا بمنزلة الواو. وأما بيت ~~الفرزدق: # (فواعجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع) # فلو ذكرنا قبل (حتى) لفظ السب، كقولك: يا عجبا يسبني الناس حتى كليب ~~تسبني، لجاز في (كليب) الرفع والجر، فالرفع على الابتداء والخبر، والجر على ~~الغاية، ويكون (تسبني) توكيدا للسب المتقدم، وإذا رفعت فعلى الابتداء ~~والخبر، إلا أن البيت لما لم يذكر في أوله السب، لم يجز أن تخفض (كليبا) ، ~~لأنه يبقى معلقا بغير شيء، فلهذا لم يجز عندنا إلا الرفع، وقد أجاز الخفض ~~فيه أهل الكوفة وحملوا الكلام على المعنى، والأجود قولنا، لأن اللفظ له ~~حكم، وليس كل ما جاز على المعنى يجوز على العطف، فاعرفه. # PageV01P319 # - صلى الله عليه وسلم ### | (22 - باب ما تنصبه العرب وترفعه) # إن قال قائل: بأي شيء تنصب (وراءك) في قولك: (وراءك أوسع لك) ؟ المعنى ~~المقدر هو: تأخر وراءك. # فإن قال قائل: فلم حسن النصب في قولك: ما صنعت وأباك؟ # قيل له: لأن ضمير المرفوع لا يحسن العطف عليه إلا أن يؤكد، فعدل به إلى # النصب، لقبح العطف على الضمير المرفوع، فإن أكدت الضمير، قلت: ما صنعت ~~أنت وأبوك، حسن الرفع، والنصب (40 / أ) جائز، فاعرفه. # واعلم أنه ليس كل فعل يحسن فيه هذا، لو قلت: قمت وعمرا، لم يحسن، ويجوز ~~مع ذلك، والأحسن أن يستعمل هذا الباب في كل فعل بمعنى (مع) ، ألا ترى أن ~~قولك: ما صنعت، يقتضي (مع) ، إذ كان قولك: ما صنعت، يقتضي مصنوعا معه، ~~فلهذا حسن تقدير (مع) في هذه الأفعال. # فإن قال قائل: فمن أين جاز أن تنوب الواو عن معنى (مع) ؟ # قيل له: لأن (مع) تقتضي مشاركة ما بعدها مع ما قبلها، كقولك: جاءني زيد ~~مع عمرو، فعمرو قد شارك زيدا في المجيء، كما شاركه لو قلت: جاءني زيد ms113 ~~وعمرو، فلهذا قامت مقامه. # واعلم أن المفعولات التي ذكرناها إنما نسبت إلى ما ذكرناه من أجل المعنى، ~~فسمي المصدر مفعولا مطلقا، لأن العامل أحدثه. وسمي (زيد) وما جرى مجراه من ~~المفعولات مفعولا به، لأن الفاعل لم يفعل زيدا، وإنما هي أفعال تحل بزيد، # PageV01P320 # فلأجل تقديرنا أن الفاعل حل به، سمي مفعولا به، وكذلك سمي الظرف مفعولا ~~فيه، لأن معنى الفعل أنه حل فيه. # وكذلك الحال إذا كان معنى قولنا: أقمت ضاحكا، أي: إقامتي في هذه الحال. # وكذلك قولنا: جئتك مخافة الشر، فسمي أيضا من أجله، لأن اللام مقدرة. # PageV01P321 ### | (23 - باب وهو ما كان من الأفعال يتعدى بحرف جر) # اعلم أن الأصل في هذا الباب أن يتعدى الفعل بحرف الجر، وإنما حذف حرف ~~الجر استخفافا، ولا يقاس عليه، وأكثر ما يحذف منه حرف الجر إذا كان في ~~الفعل دليل عليه، ألا ترى أن قولك: اخترت الرجال زيدا، أن لفظ الاختيار ~~يقتضي تبعيضا، فلهذا جاز حذف (من) لدلالة الفعل عليها، ومنه ما يحذف ~~استخفافا لكثرته في كلامهم، كقولهم: نصحت زيدا، وسميتك زيدا، وكنيتك أبا ~~عبد الله، لأن هذه الأشياء قد كثرت في كلامهم فاستخفوها، فحذفوا حرف الجر. # وكلتك ووعدتك، حذفوا حرف الجر، إذ لا يشكل معناهما. فأما الباء في قولك: ~~لست بمنطلق، فليست ما تقتضيه منها (ليس) اقتضاء الأفعال لحرف الجر، إذ كانت ~~(ليس) تعمل في الخبر، كعمل (كان) في خبرها، وإنما تدخل في خبر (ليس) على ~~طريق التوكيد للنفي، لما ذكرناه في باب (ما) ، فاعرفه، وقد تحتمل أن تجعل ~~من قولك: من أحد، مفيدة، وذلك أن (أحدا) تستعمل بمعنى العموم، فإذا قلت: ما ~~جاءني أحد، جاز أن يتوهم إيجاب، و (أحد) قد دخلت من جهة المعنى، وصار اللفظ ~~مختصا لنفي الجنس # PageV01P322 ### | (24 - باب التعجب) # إن قال قائل: لم خصت (ما) من بين سائر الأسماء بالتعجب؟ # قيل له: لإبهامها، والشيء إذا أبهم كانت النفس مشرفة إليه، والدليل على ~~أن (ما) أشد إبهاما من (من وأي) ، أنها تقع على ما لا يعقل، وعلى ms114 صفة من ~~يعقل، و (من) تختص بمن يعقل، فصارت (ما) أعم، ومع ذلك فإن (ما) واقعة على ~~الشيء الذي يتعجب منه، وذلك أن الشيء ليس مما يعقل، فلم يجز إدخال (من) ~~هنا. وأما (أي) فهي متضمنة للإضافة، والإضافة توضحها، فلذلك لم تقع هذا ~~الموقع. # فإن قال قائل: فهلا استعملوا (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟ # قيل له: إن (الشيء) ربما يستعمل للتقليل (40 / ب) ، ولو قلت: شيء أحسن ~~زيدا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدا، فتجنبوه لهذا الوجه، ~~وأيضا فإن الغالب على قولك: شيء حسن زيدا، أنه إخبار عن معنى مستقر، وما ~~تتعجب منه ينبغي أن يسرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف، فلا يجوز التعجب ~~منه، فلهذا خصت من بين سائر الأسماء بالتعجب. # فإن قال قائل: فلم خص فعل التعجب بأن يكون منقولا من الثاني؟ # قيل له: إن النقل لا يكون إلا بالأفعال الثلاثية، كقولك: قام زيد، ثم ~~تقول: أقمته، وكذلك تقول: حسن زيد، فتخبر عنه، ثم تقول: أحسنته، إذا # PageV01P323 # أردت أنك حسنته، نقلت هذه الأفعال إلى لفظ الرباعي، فصار: ما أحسن زيدا، ~~بمنزلة: شيء أحسن هو زيدا، فصار (زيد) مفعولا يجعل الفعل لغيره. # فإن قال قائل: فلم لا يجوز في الأفعال الرباعية في غير التعجب؟ # قيل له: في ذلك وجوه: # أحدها: أنه لو جاز النقل في الرباعي، لجاز في الخماسي والسداسي، ولو جاز ~~ذلك أيضا لصار السداسي سباعيا، وليس في الأفعال ما هو على سبعة أحرف، فلما ~~كان نقل الرباعي يؤدي إلى الخروج عن الكلام، لم يجز. # ووجه آخر: أن الأفعال الأصول تقع على ضربين: ثلاثي ورباعي، فجاز نقل ~~الثلاثي ليحمل على الرباعي الذي هو الأصل، فلو نقل الرباعي لم يكن لنا أصل ~~يرد إليه، فلهذا لم يجز. # ووجه ثالث: وهو أن الثلاثي أخف الأبنية، فلخفته جاز أن تزاد عليه الهمزة ~~للنقل، وما زاد على الثلاثي فهو ثقيل، فلم تجز الزيادة فيه. # فإن قال قائل: فلم خصت الهمزة من بين سائر الحروف؟ # قيل له: لأنها ms115 أقرب إلى حروف المد، إذ كانت من مخرج الألف، والألف لا ~~تكون الابتداء بها، وكانت أولى من الهاء، لأنها قد كثر زيادتها في هذا ~~الموضع، نحو: أصفر وأحمر، وما أشبه ذلك، فلما كثر زيادتها أولا كانت # PageV01P324 # أولى من سائر الحروف. # فإن قال قائل: فمن أين زعمتم أن (أحسن) في التعجب فعل، وما تنكرون أن ~~يكون اسما لوجهين: أحدهما: أن التصغير يدخله، كقولك: ما أحيسن زيدا. ~~والثاني: أنه يصح الأسماء، كقولك: ما أقوم زيدا، والفعل معتل، فيقال: أقام ~~زيد عمرا، ولا يقال: أقوم زيد عمرا؟ # قيل له: الدليل على أنه فعل لزوم الفتح لآخره، ولو كان اسما لوجب أن يرفع ~~إذا كان المبتدأ، ألا ترى أنك تقول: زيد أحسن من عمرو، ترفع، وإن فتحتها ~~قلت ما أحسن زيدا، فتفتح، ولو كان الذي بعدها اسما لارتفع، فلما لزمه الفتح ~~دل على أنه فعل ماض. # فإن قال قائل: فمن أين دل عليه قول الفراء: إنما يفتح آخره، ليفرق بينه ~~وبين الاستفهام، والأصل فيه الاستفهام؟ # قيل له: هذا لا يجوز، وذلك أن للاستفهام معنى مباينا لمعنى التعجب، وإذا ~~تباينت المعاني لم يجز أن يجعل أحدهما أصلا للآخر، فإذا كان قد فسد أن يجعل ~~الاستفهام أصلا للتعجب ثبت ما ذكرناه. وأما احتجاجهم بالتصغير فساقط، وذلك ~~أن فعل التعجب قد لزم طريقة واحدة، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا ~~عليه التصغير تشبيها بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على # PageV01P325 # غيره لشبه بينهما (41 / أ) أن يخرج من جنسه، إلا أن اسم الفاعل قد عمل ~~عمل الفعل، ولم يخرجه ذلك إلى أن يكون اسما، وكذلك فعل التعجب - وإن صغر ~~تشبيها بالاسم - فلا يجب أن يكون اسما. # ووجه آخر: وهو أن الفعل يدل على مصدره، وإذا زادوا ياء التصغير أرادوا ~~تحقير الجنس الذي وقع فيه التعجب، وهو المصدر بعينه، فلم يمكنهم لعدم لفظ ~~المصدر، فأدخلوا التصغير على الفعل، وهم يريدون به المصدر، لأنه شبيه به ~~ودال عليه، فإذا كان التصغير دخل على الفعل على طريق العارية ms116 لا على طريق ~~التحقيق، لم يكن تصغيره دلالة على أنه اسم، وأما تصحيحه فلما ذكرناه من ~~تشبيهه بالاسم، إذ قد لزم طريقة واحدة، كما يصح الاسم. # فإن قال قائل: فما أوجه تصحيح الاسم؟ # قيل له: ليفصل بينه وبين الفعل، وذلك أن ما كان على (أفعل) - وهو صفة - ~~لا ينصرف، فإذا لم ينصرف، لم يدخله الجر ولا التنوين، كما أن الفعل لا ~~يدخله جر ولا تنوين، فلو أعللنا الاسم كما يعل الفعل لم يقع بينهما فصل، ~~فجعل التصحيح فصلا بينه وبين الفعل، وإنما كان الاسم الصحيح أولى من الفعل، ~~لأن الفعل يتصرف فتدخل الحركات على حروف المد في تصاريف الفعل، وذلك ~~مستثقل، والاسم يلزم طريقة واحدة، والحركة إنما تدخل على حروف المد في ~~الاسم في موضع واحد، فكان أولى بالتصحيح من الفعل لما ذكرناه. # وأما (دار، وباب) فإنما أعلا لأن الجر والتنوين يدخلهما، فيقع بهما # PageV01P326 # الفصل بين الاسم والفعل، فلم يجب تصحيحهما، فحملا على الفعل في الإعلال ~~لأنه أخف. # واعلم أنك إذا قلت: ما أحسن ما قام زيد، ف (ما) الثانية مع الفعل مصدر، ~~وزيد: فاعل القيام، ولا تحتاج (ما) إلى ضمير يرجع إليها عند سيبويه، لأنها ~~بمنزلة (أن) في هذا الموضع، وإن كانت بمنزلة (الذي) لم تجز المسألة، لأنها ~~في صلتها ضمير يرجع إليها، فإن أردت أن تجعلها بمنزلة (الذي) قبح، وكان ~~لفظه: ما أحسن ما قام زيد إليه، وكذلك تقول: ما أحسن ما كان زيد، إذا جعلت ~~(كان) بمنزلة (وقع) وجعلت (ما) والفعل مصدرا، فإن نصبت زيدا ب (كان) جعلتها ~~بمنزلة (الذي) ، وجعلت في (كان) ضميرا يرجع إليها، ونصبت زيدا على خبر ~~(كان) ( ... . .) قبح أن تجعل (ما) بمنزلة (الذي) في هذا الموضع، لأن (ما) ~~إنما تقع على ذات ما لا يعقل، وأحسن لا يعقل، ولا يحسن أن تقع على ذات ما ~~يعقل، ألا ترى أنك إذا قلت: ما كان في الدار؟ لكان الجواب: حمار أو ثور، ~~ولا يجوز أن يكون الجواب: زيد # PageV01P327 # ولا عمرو، إلا أنه جاز ما ذكرناه، ms117 لأن الصفة هو الموصوف، فإن قلت: ما ~~أظرف ما كان زيد، وما أعلم ما كان زيد، كان محالا، لأن (ما) مع الفعل ~~بمنزلة المصدر، فيصير التقدير: ما أظرف كون زيد، وما أعلم كون زيد، والكون ~~لا يوصف بالظرف والعلم. # فإن نصبت (زيدا) على أن تجعل (ما) بمنزلة (الذي) جاز ذلك، فاعرفه. # واعلم أن الألوان والخلق إنما لم يشتق منهما فعل للتعجب لوجهين: # أحدهما: أن أصل أفعالها أن يستعمل على أكثر من ثلاثة أحرف، وذلك أن (عور) ~~أصله في الاستعمال (اعور) ، وكذلك (حول) (41 / ب) أصله (احول) . # وما زاد على الثلاثي من الأفعال في باب الاستعمال لم يجب أن يبنى منها ~~فعل التعجب، لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الزوائد منه حتى يرجع إلى ثلاثة أحرف، ~~ثم تدخل عليه همزة التعدي، وإسقاط الزوائد منه يبطل معناه، فلهذا لم يجز أن ~~يبنى من الألوان، ولا مما زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال، وإن كان زيدا، ~~إلا أن تكون الزوائد لو حذفت لم يخل بمعنى، فقولك: ما أفقر زيدا، وإن كان ~~المستعمل: افتقر زيد، لأنك رددت (افتقر) إلى (أفقر) ، فكان اللفظ لا يغير ~~من معنى الكلمة، فلهذا جاز، وكذلك تقول: ما أعطاه للدرهم، وأولاه # PageV01P328 # بالجميل، لأنك رددت (أولى وأعطى) إلى أصلهما، ثم نقلتهما بالهمزة، ~~فأصلهما واحد، فلهذا جاز نقل (أعطى وأولى) . # فإن قال قائل: فمن أين زعمتم أن الأصل في (عور) : اعور، وما تنكرون أن ~~أصله (عور) لا (اعور) ؟ # قيل: الدليل على ما ذكرناه من وجهين: # أحدهما: أنه قد اطرد في هذه الألوان والخلق أن يجيء على (افعل) ، كقولك: ~~اصفر واخضر، ولا يجيء على (فعل) نحوا، فدل امتناع فعل التعجب من جميعها أنه ~~مرفوع في الاستعمال، فإن الأصل في الاستعمال الفعل المطرد في جميع الباب. # والوجه الثاني: أن (أفعل) أثقل من (فعل) ، ومن كلامهم جواز التخفيف من ~~الثقيل، أعني أنهم ينتقلون من الثقيل إلى الخفيف، وإنما نقل (عور) من ~~(اعور) ، و (حول) من (احول) ، وليس من كلامهم أن ينقلوا الخفيف إلى الثقيل، ~~إذا اتفقا ms118 في المعنى، اعني الخفيف والثقيل، لأن نقل الخفيف يوجب تكلفا لا ~~فائدة فيه، إذا كانا في هذا الموضع قد اتفقا في المعنى، ومثل هذا لا يقع من ~~حكيم، فدل استعمالهم (عور واعور) بمعنى واحد، أن (عور) مخفف من (اعور) ، ~~ويجوز أن يعتل في امتناع اشتقاق الفعل من الألوان والخلق بما يحكى عن ~~الخليل، وهذه الأشياء لما كانت مستقرة في الشخص ولا تكاد تتغير، جرت مجرى ( ~~... .) الثلاثة التي لا يعنى للفعل فيها ك (اليد والرجل) ، فكما لا تقول: ~~ما أيداه، ولا: ما أرجله، # PageV01P329 # إذ كانا اسمين ليس بجاريين على فعل، فكذلك لا يجوز في الألوان والخلق ~~اشتقاق فعل التعجب حملا على (اليد والرجل) . # واعلم أنك إذا قلت: أحسن بزيد، وأظرف بعمرو، فالباء يجوز أن يكون موضعها ~~رفعا ونصبا، والأظهر أن يكون موضع الباء وما بعدها رفعا، لأن (أحسن) فعل، ~~ولا بد للفعل من فاعل، ووجب أن تكون الباء مع الاسم في موضع الفاعل، فهذا ~~هو الظاهر. # وأما من جوز أن يكون موضعها رفعا ونصبا، فإنه يقول: في الفعل الفاعل، وهو ~~(أحسن) ، كما أضمر فيه، إذا كان بعد (ما) فاعل قدر الثاني مضمرا، صار حرف ~~الجر مع ما تعلق به في موضع المفعول، وهذا القول ضعيف، وإنما ضعف وفارق: ما ~~أحسن زيدا، وإنما جاز الإضمار في: ما أحسن، لتقدم (ما) عليه، وما: اسم ~~مبتدأ، وأحسن: في موضع خبره، فلم يكن بد من تقدير ضمير يرجع إلى المبتدأ. # وأما قوله: أحسن بزيد، فلم يتقدم قبله ما يدل على الإضمار (42 / أ) ، ~~فإذا أمكننا أن نحمل الكلام على ظاهره، كان ذلك أولى من التأويل البعيد. # فإن قال قائل: فما وجه استعمال فعل التعجب على لفظ الأمر، وإدخال الباء ~~معه؟ # قيل له: يجوز أن يكون أرادوا بذلك المبالغة في المدح، فأدخلوا الباء ~~لأنهم قدروه بأحسن: اثبت بزيد، فلما أرادوا هذا المعنى أدخلوا الباء، إذ ~~كان (اثبت) يتعدى بحرف الجر، ودخلة معنى: حسن جدا، لأن لفظ الأمر فيه طرف ~~من # PageV01P330 # المبالغة، فلهذا أجازوه. ويجوز في إدخال ms119 الباء وجه آخر، وهو أنهم أرادوا ~~أن يفصلوا بين لفظ الأمر الذي هو يراد به التعجب وبينه، إذ كان أمرا في ~~الحقيقة. # واعلم أن لفظ: أحسن بزيد، لا يتغير لواحد خاطبت أو لاثنين أو لجماعة، أو ~~لمؤنث أو لمذكر، كقولك: يا زيد أحسن بعمرو، ويا هند أحسن بعمرو، وإنما لم ~~يختلف لفظه لأنك لست تأمره أن يفعل شيئا، وإنما هذا اللفظ بمنزلة قولك: ما ~~أحسن عمرا، فكما أن: ما أحسن عمرا، لا يتغير، فكذلك ما قام مقامه. # واعلم أن الفصل بين فعل التعجب وما عمل فيه لا يجوز، هكذا ذكر سيبويه، ~~وقد أجاز بعضهم الفصل بينهما بالظروف وحروف الجر. فأما امتناع الفصل فلأن ~~(احسن) قد لزم طريقة واحدة، فقد شابه من هذا الوجه الحروف في العمل، وكان ~~المنصوب بعده - وإن كان معرفة - يشبه التمييز، وإن كان ليس بتمييز في ~~الحقيقة، ووجه شبهه بالتمييز أنك إذا قلت: ما أحسن، فقد أبهمت، فإذا ذكرت ~~زيدا أو عمرا، بينت من الذي قصد بالإخبار عنه بهذا المعنى، وإن لم تجعل ~~نصبه على هذا المعنى، لأن فعله مقول عنه، فجرى مجرى المفعول الذي يتعدى ~~إليه الفعل، وخرج من حكم التمييز، وهو مع ذلك: يجري مجرى المثل، # PageV01P331 # لا يفارقه لفظه في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، والأمثال حقها ألا ~~تغير عما سمعت، فلما اجتمع في فعل التعجب هذه الجهات التي ذكرناها منع ~~الفصل بينه وبين مفعوله، إذ كانت الأشياء حقها ألا يفصل بينها وبين ما تعمل ~~فيه. # فأما من أجاز الفصل بينه وبين معموله بالظرف وحروف الجر، فقال: إن فعل ~~التعجب وإن لم يتصرف، فليس يكون أضعف من الحروف، لأنه لم يخرج من الفعل إذ ~~لم يتصرف , وقد وجدنا الحروف الناصبة يفصل بينا وبين ما تعمل فيه بالظروف، ~~فكان فعل التعجب أولى بجواز الفصل، وهذا لا يدخل على ما ذكرناه، لأن اجتماع ~~الأمور التي ذكرناها مجموعها منع الفعل، وأما إذا انفرد بعض أوصافه، فليس ~~يجب أن يجري حكمه مجرى مجموع الأوصاف. # فإن قال قائل: قد قالت العرب: ms120 ما أحسن بالرجل أن يفعل الجميل، والتعجب ~~وما عمل فيه لحرف الجر؟ # قيل له: لا يلزم، وذلك إن كان أوقع التعجب، فإن وقع بها فهي وما بعدها ~~مصدر، والمصدر الرجل المخصوص، لأن معنى الكلام: ما أحسن فعل إلا جميل ~~بالرجل، فالمدح والذم إنما يقعان بأسماء الأفعال، فصار (بالرجل) - وإن كان ~~مخصوصا - يرجع التعجب إليه، فلم يقع الفصل، لأنه في المعنى هو المتعجب منه، ~~فأما ما كان من حروف الجر والظروف التي لا تجري هذا المجرى فيما تعلقت به، ~~فلا يجوز الفصل بينهما لما ذكرناه من الفصل بينهما. # واعلم أنك إذا رججت فعل التعجب إلى نفسك قلت: ما أحسنني، زدت # PageV01P332 # نونا قبل ياء المتكلم، ليسلم الفعل، وأنت بالخيار إن شئت سكنت النون ~~الأولى وأدغمتها في النون الثانية، وإن شئت أظهرت النونين، وهذا أجود، لأن ~~المفعول منفصل مما قبله، وكذلك إذا جمعت. فأما إذا رددت إلى نفسك في حال ~~الاستفهام زدت ياء مجردة على النون وكسرتها، لأن ياء المتكلم لا يكون ما ~~قبلها إلا مكسورا فإن ثنيت أو جمعت قلت: ما أحسننا، فرجعة الفتحة إلى النون ~~لزوال الياء، ويجوز أيضا الإدغام، فأما إذا رددت الفعل في النفي إلى نفسك، ~~قلت: ما أحسنت، سكنت النون، لمجيء تاء المتكلم، وقد بينا ذلك فيما مضى، فإن ~~جمعت قلت: ما أحسنا، بالإدغام، لا غير لأن النون في (أحسن) تسكن، ولا يجوز ~~تحريكها، فلما لقيتها النون الثانية، وهي متحركة، التقى حرفان من جنس واحد، ~~وهما في تقدير كلمة واحدة، وإذا كان الفعل والفاعل كالشيء الواحد فلهذا، ~~وجب الإدغام. # PageV01P333 ### | (25 - باب النداء) # إن قال قائل: ما بال الاسم المفرد مبنيا، والمضاف معربا، وإذ مثلت ما ~~انتصب عليه المضاف، كان هو المفرد في ذلك سواء، كقولك: دعوت زيدا، ودعوت ~~عبد الله، فإذا جئت ب (يا) اختلفا؟ # قيل: هذا الذي ذكرت إنما هو عبارة الكلمة، وأنت إذا قلت: يا زيد، فلست ~~مقبلا على مخاطب بهذا الحديث عن زيد، إنما خطابك فيه لزيد، وإذا قلت: دعوت ~~زيدا، فأنت مخاطب غير زيد ms121 بهذا، ولو خاطبت بهذا زيدا، لقلت: دعوتك، ولم ~~تقل: دعوت زيدا، والتأويل تأويل فعل، والمعنى معنى خطاب، فوقع (زيد) بين ~~حالتين، بين المخبر عنه - وهو غائب، لأنه معرض عنك - وبين المخاطب، لأنك ~~تريد غيره. فضارع المكني، لأنك إذا خاطبت فإنما تقول: أنت فعلت، وإياك ~~أردت، وهما اسمان مبنيان، فلما خوطب المنادى باسمه الذي يقع فيه الحديث عنه ~~عند من يخاطب، صار غير متمكن في هذا الموضع، فعدل عن الإعراب إلى البناء، ~~لأنه وقع موقع اسم مبني. # فإن قال قائل: ما بال هذا المفرد كان بناؤه على حركة؟ # قيل له: لأن المنادى من قبل كان مستحقا للإعراب، وكل اسم كان معربا ثم ~~أزيل عنه الإعراب لعلة عرضت فيه، وجب أن يبنى على حركة، ليكون بينه وبين ~~غيره من الأسماء التي لم تقع قط معربة فرق، نحو: (من وكم وما) فلهذا وجب أن ~~يبنى المنادى على حركة. # فإن قيل: فلم صار الضم أولى من سائر الحركات؟ # PageV01P334 # قيل له: لأن الفتح مبني على أصل لو بني عليه لم يعلم أمعرب هذا أم مبني، ~~إذ كان في الأسماء ما لا ينصرف، فلو ناديته وفتحته لم يعلم أنه منصوب على ~~أصل ما يستحقه المنادى أو مبني، فسقط الفتح لما ذكرناه، ولم يجز الكسر، (43 ~~/ أ) لأن المضاف إلى المتكلم الاختيار فيه حذف الياء والاجتزاء بالكسرة ~~عنها، نحو: يا غلام أقبل، فلو كسرت المنادى، لم يعلم أنه مفرد أو مضاف، ~~فسقط الكسر أيضا، فلم يبق إلا الضم، فلهذا خص بالضم. # فإن قال قائل: أليس النكرة (و) المضاف مخاطبين كالمفرد، فهلا يبنيا ~~لوقوعهما موقع المكني، كما يبنى المفرد؟ # قيل له: الفصل بينهما من وجهين: # أحدهما: أن المفرد وقع بنفسه موقع المكني، ألا ترى أنه يتعرف بنفسه كما ~~يتعرف المكني، وأما المضاف فيتعرف بالمضاف إليه، فلم يقم مقام المكني في ~~جميع أحكامه، كما رفع المفرد، وأما النكرة فبعيدة الشبه بالمكني، فلم يجز ~~بناؤها. # والوجه (الثاني) : أنا لو سلمنا أن المضاف والنكرة وقعا موقع المكني، ~~كوقوع المفرد لم يلزم ms122 بناؤهما، لأنه عرض في المضاف ما يمنع البناء، وكذلك ~~ما يقوم مقامه، وأما النكرة فنصبت للفصل بينها وبين النكرة المقصود قصدها، ~~فبنيت النكرة المحضة على أصل البناء، وبنيت النكرة المقصود قصدها، إذ كانت ~~هي المخرجة # PageV01P335 # عن بابها، وكانت أولى بالتغيير. # فإن قال قائل: فقد وجدنا مضافا مبنيا، كقوله تعالى: {من لدن حكيم عليم} ؟ # قيل له: إنما ترد الإضافة الاسم إلى الإعراب، إذا لم يكن المضاف مستحقا ~~للبناء في حال الإضافة، وهو متضمن للإضافة كالمنادى، ألا ترى أنه لا تلزمه ~~الإضافة في جميع أحواله، وأما (لدن) ليس لها حال تنفك بها من الإضافة، فلما ~~كان البناء يلزمه في حال إضافته، لم يجز إعرابه. # فإن قال قائل: أليس إذا خاطبت إنسانا، فقلت له: أنت تفعل، فقد يجوز أن ~~يشكل عليه خطابك له، إذ كان هذا اللفظ يصلح أن يكون له ولغيره، فهلا جعل ~~المنادى كالمضمر، إذ كان مخاطبا، وإن وقع فيه اللبس الذي ذكرته؟ # قيل: الفصل بينهما أن المنادى معرض عمن يناديه، وليس يعلم أنه المقصود ~~إلا بنفس اللفظ فقط، واللفظ لا يدل عليه دون غيره، فاحتجنا إلى ذكر اسمه. # وأما المخاطب غير المنادى فثم إشارة بيد أو عين مع اللفظ، فصار هذا ~~المعنى يضطر المخاطب إلى العلم بأنه مقصود بالخطاب، فلهذا استغني بالمضمرات ~~عن الأسماء الظاهرة. # واعلم أن المنادى المعرفة فيه اختلاف، فمن النحويين من يقول: إن تعريفه ~~الذي كان فيه قبل النداء قد بطل، وحدث فيه تعريف آخر بالنداء، وأما ابن ~~السراج # PageV01P336 # فيقول: تعريفه باق فيه، والأجود القول الأول، وإنما كان أجود لأن الاسم ~~العلم تعريفه من جهة القصد، وإذا اجتمع القصد إلى النداء تعرف المنادى، ألا ~~ترى أن قولك: يا رجل، معرفة بالقصد و (يا) ، فوجب إذا نادينا زيدا وما ~~أشبهه أن يبطل تعريفه من جهة النية، ويصير ما حصل له من التعريف و (يا) ، ~~إذا كان هذا التأويل ممكنا في (زيد) وما أشبهه، فحمل الشيء على معناه، وما ~~هو حاصل له في الحال أولى. # وأما ما ذهب إليه ms123 ابن السراج فإنه رأى أن بعض الأسماء لا يقع فيها ~~اشتراك، نحو: الفرزدق، (43 / ب) قال: والتنكير إنما هو باشتراك الأسماء، ~~وهذه شبهة ضعيفة، لأنه لا يمتنع أن يسمى بالفرزدق أشخاص كثيرة، إذ كانت ~~التسمية ليست بمحظورة، وإذا كان كذلك، صار حكم جميع الأسماء واحدا في جواز ~~الاشتراك فيها، فوجب أن يكون الأمر على ما ذكرنا أولى، ولا يجوز وجه آخر في ~~إيجاب تنكير الأسماء، أن يقال لما كان المكني لا يختص بشخص دون شخص في حال ~~النداء، ثم ذكرنا أن الاسم العلم وقع في موضعه، وجب أن يحصل في موضعه ~~جهالة، حتى يتبين بالقصد إليه، كما حصل ذلك في المضمر الذي قام مقامه. # واعلم أن المفرد المعرفة إذا نعته بمفرد معرفة، فلك في النعت وجهان: ~~الرفع والنصب، فأما الرفع: فبالحمل على اللفظ، وأما النصب: فبالحمل على ~~الموضع. # فإن قال قائل: أما الحمل على الموضع فمسلم، لأن الموضع نصب، فمن أين # PageV01P337 # حمل النعت على اللفظ، وهذه الحركة ليست بحركة إعراب، فإذا جاز الحمل على ~~اللفظ، فهلا جاز أيضا النعت على لفظ ما لا ينصرف، كقولك: مررت بعثمان ~~الظريف؟ # قيل له: إنما جاز حمل النعت على اللفظ في المنادى، لأن الضم قد اطرد في ~~كل مفرد، فصار اطراده يجري مجرى عامل أوجب له ذلك، فشبهت الضمة في المنادى ~~بحركة الفاعل، لما ذكرناه من الاطراد، وإنما يجب ذلك في عامل الرفع، وإنما ~~قبح فيما لا ينصرف في حال الجر، فليس ذلك بمطرد في اسم، فصارت الفتحة ~~عارضة، فلم تبلغ من قوتها أن تشبه بالحركة التي تجب من أجل عامل، فإذا كان ~~كذلك، فإن حمل النعت على الموضع الذي قد عمل فيه عامل واحد، ولم يجز حمل ~~النعت على حركة عارضة لما ذكرناه. # فإن قال قائل: كيف جاز أن يكون النعت معربا والمنعوت مبنيا؟ # قيل له: لأن المنعوت استحق البناء لعلة فيه، وهو كونه منادى، وأما النعت ~~فليس بمنادى، فلم تعرض له علة البناء، فوجب أن يكون معربا، رفعته أو نصبته ~~ألا ترى ms124 أن ما لا ينصرف ينعت بالمنصرف، إذا لم تعرض فيه علة تمنع الصرف، ~~فقد بان لك أن المنادى وإن كان مبنيا فنعته معرب. # فإن قال قائل: فلم لا يجوز الرفع في نعت المضاف، حملا على لفظ المنادى، ~~كما يجوز الرفع فيه إذا كان مفردا؟ # قيل له: لأن نعت المفرد كان حقه أن يحمل على الموضع، لأنه الأصل، وإنما ~~تحمله على اللفظ، لاجتماع علتين: إحداهما: ما ذكرناه من اطراد الضم في كل ~~مفرد، والثانية: أنه يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فلما كانت # PageV01P338 # الصفة المفردة لو حلت محل المنادى ضمت جاز فيها الرفع، كما يجوز فيها ~~الضم، وأما الصفة المضافة فليس لها هذا الحكم، ألا ترى أنها لو قامت مقام ~~الموصوف لم تكن إلا المنصوبة، فلم يكن لدخول الضم وجه، فلزمت وجها واحدا، ~~وهو النصب. # فأما ما لزمه النصب إذا كان منادى، فليس له إلا طريقة واحدة، ونعته أيضا ~~لا يجوز فيه إلا وجه واحد، وهو النصب، كقولك: يا عبد الله الظريف، ويا رجلا ~~صالحا، ويا خيرا من زيد. # واعلم أن حكم المعطوف أن يجري حكمه (44 / أ) على ما يستحقه لو وليه عامل ~~المعطوف عليه، إذ كان شريكا له، فإذا عطفت على المنادى فاعتبره في نفسك، ~~فإن كان مفردا وجب له الضم، وكان المعطوف مثله أيضا مضموما، وإن كان مضافا ~~أو نكرة أو مضارعا للمضاف نصب، كقولك: يا زيد، ويا عبد الله، ويا زيد ورجلا ~~صالحا، ويا زيد وخيرا من عمرو، وكذلك لو قدمت هذه الأسماء التي تستحق النصب ~~ثم عطفت عليها بمفرد معرفة ضممته، إذ كان حكم كل واحد منهما كأنه منادى في ~~نفسه، إلا أن يكون المنادى معرفة مفردة، فعطفت عليها باسم فيه ألف ولام، ~~فإنه يجوز ذلك - فيما فيه الألف واللام - الرفع والنصب، كقولك: يا زيد ~~والحارث، وإن شئت نصبت (الحارث) ، وقد قرىء بالوجهين جميعا: {يا جبال أوبي ~~معه والطير} . وقرأ الأعرج # PageV01P339 # بالرفع، فأما الرفع فعلى العطف على اللفظ، وأما النصب فبالعطف على ~~الموضع، وإنما جاز فيه ms125 الوجهان لأن (يا) لا يصح أن تدخل (على) ما فيه الألف ~~واللام، فلما لم يجز لما فيه الألف واللام أن يليه حرف النداء، لم يكن له ~~حكم يختص به كما كان ذلك لما ذكرناه من الأسماء المضافة والمفردة، فلما لم ~~يكن له حكم يختص به، وكان الاسم الذي قبله له لفظ ومعنى، حمل ما فيه الألف ~~واللام على اللفظ مرة، إذ كان اللفظ قد يجري مجرى لفظ المرفوع، وحمل مرة ~~على الموضع إذ كان نصبا، واعلم أن الرفع عند سيبويه ومن تابعه الوجه، وأما ~~أبو عمر الجرمي وأبو عثمان ومن تابعهما فإنهم يختارون النصب، والحجة لمن ~~اختار الرفع قوية، وذلك أن ما فيه الألف واللام لفظه لفظ # PageV01P340 # المفرد، وهو معرفة، فصار التعريف فيه بالألف واللام كالتعريف مع (يا) ، ~~ألا ترى أن قولك: يا رجل، إذا قصدت قصده يجري في التعريف مجرى ما فيه الألف ~~واللام بمنزلة المفرد المعرفة العلم، ولو عطفت على الأول - أعني الذي فيه ~~الألف واللام - لم يجز فيه إلا الضم، ووجب أن يختار ما يشاكله، وهو الرفع. # وأما من اختار النصب فقد جعل الألف واللام مقام التنوين والإضافة، فلو ~~كان الاسم مضافا آمنوا بالنصب، فكذلك مقام مقامهما يوجب لهما النصب، وهذه ~~العلة فيها إدخال، وذلك أن التقدير لو كان صحيحا لوجب النصب في النعت، إذ ~~كانت فيه الألف واللام، ولم يجز رفعه كما لم يجز رفع المضاف، فلما كانت ~~الألف واللام في النعت لم توجب نصبه، علمنا أنهما لا يجعلان الاسم كالمضاف، ~~وإذا كان كذلك جرى ما فيه الألف واللام مجرى المفرد العلم المعرفة، فكان ~~الأولى فيه أن يكون مرفوعا ليشاكل لفظ ما قبله. # واعلم أن ما فيه الألف واللام لا يجوز أن تدخل عليه (يا) إلا اسم الله ~~تعالى، وإنما لم يجز ذلك لأن الألف واللام تعريفهما من جنس تعريف (يا) مع ~~القصد، وهما لفظ ممكن إسقاطه من الكلمة، فلما نابت (يا) مع القصد عنهما لم ~~يحتج إليها، والدليل (44 / ب) على أن تعريف الألف واللام ms126 من جنس تعريف (يا) ~~مع القصد، لأنك لو قلت في ضرورة الشعر: يا الرجل، لكان كمعنى: يا رجل، لأن ~~الألف واللام تبطل مع العهد، ويصير تعريفها للجنس فقط، والدليل على أن ~~العهد ساقط - أعني مع العهد - أنه يجوز للشاعر أن يقول: # PageV01P341 # يا الرجل، من غير تقديمه ذكر، فإذا كانت (يا) تنوب عنها، لم يحتج إليها، ~~فهذا هو الأصل، وإن اضطر شاعر فأدخل (يا) على الألف واللام جاز، كما قال: # (فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسبانا شرا) # فوجه ذلك أنه أراد: يا أيها الغلامان، فحذف المنادى وهو (أي) ، وأقام ~~الصفة مقامه. # وأما اختصاص (يا) باسم الله تعالى فجواز دخول (يا) عليها فلاجتماع أشياء ~~فيه ليست موجودة في غيره، أحدها كثرة الاستعمال. ومنها: أنه جرى مجرى ~~الأسماء الأعلام. ومنها: أن الألف واللام لا يفارقانه. # ومنها: أن الأصل فيه (إلاه) فلما أدخلت فيه الألف واللام أسقطت همزة ~~(إلاه) ، فأدغمت لام التعريف في اللام التي بعدها، فصارت الألف واللام عوضا ~~من الهمزة الساقطة، فجرى الألف واللام فيه مجرى بعض حروفه، فلاجتماع هذه ~~الجهات جاز دخول (يا) عليه. # فأما (الذي والتي) : فلا يجوز دخول (يا) عليهما، وإن كانت الألف # PageV01P342 # واللام لا يفارقانهما، لأنهما صفتان، ولم يكثر استعمالهما، ففارقتا اسم ~~الله تعالى، وكذلك لو سميت رجلا بالحارث والعباس، لم يجز إدخال (يا) عليهما ~~لما ذكرناه في قلة استعمالهما، ولأن الألف واللام ليستا فيه بعوض من حرف، ~~فقد بان لك اسم الله تعالى لم اختص بما لا يشاركه فيه اسم، فلهذا جاز أن ~~يختص بدخول (يا) عليه، واعلم أنك إذا ناديته تعالى قطعت ألفه: يا ألله اغفر ~~لي، وإنما قطعت الألف لتدل بقطعها أنها في هذا الموضع قد خالفت سائر ما فيه ~~الألف واللام، لأن هذا اسم قد نودي نداء ما فيه الألف واللام أصلية، فوجب ~~أن يؤتى بلفظها على لفظ الألف واللام الأصلية، ليطابق لفظها الحكم الذي قد ~~اختصت به، إن شاء الله. # واعلم أنه يجوز أن تدخل ميما مشددة آخر هذا الاسم بدلا من ms127 (يا) ، فلهذه ~~العلة شددت ليكون التشديد بمنزلة (يا) إذ كانت حرفين، فتقول: اللهم اغفر ~~لي، فتجري مجرى: يا ألله اغفر لي، ولا يحسن الجمع بينهما إلا في ضرورة ~~الشعر، وإنما فتحت الميم لأن الحروف أصلها السكون، فإذا زيدت الميمان، وهما ~~ساكنان، لم يجز الجمع بين ساكنين، فحركت الميم الثانية بالفتح لالتقاء ~~الساكنين، وصار الفتح أولى لخفته وثقل التشديد. # PageV01P343 # وقد حكي عن الفراء: أن الميم عوض من قولك: يا ألله أمنا منك بخير، فحذفت ~~الياء وبقيت الميم التي في (أمنا) مشددة مفتوحة. # وهذا القول ليس بشيء من وجهين: # أحدهما: أنه يستحسن أن يقال: يا ألله أمنا منك بخير، فتأتي ب (يا) في أول ~~الكلام و (أمنا) في آخره، ولو كان على ما قال لحسن: يا اللهم اغفر لي، فلما ~~قبح الجمع بين الميم و (يا) علمنا أن الأمر فيها على ما ذكرناه دون ما ~~ذكره. # والوجه الثاني: أنه مستحسن: (45 / أ) اللهم أمنا منك بخير، فلو كانت ~~الميم المراد بها ما ذكر، لحصل في الكلام الذي ذكرناه تكرار، والتكرار ~~مستقبح، وحسن استعماله دليل على فساد ما قال، إن شاء الله، فقد ثبت بما ~~ذكرناه أن (يا) لا تدخل على ما فيه الألف واللام، فإن أردت أن تذكر اسما ~~فيه الألف واللام جئت ب (أي) وأوقعت حرف النداء عليها، كقولك: يا أيها ~~الرجل أقبل، ف (أي) هنا مبنية على الضم ك (زيد) وموضعها نصب، لأن لفظ ~~النداء وقع عليها، والرجل: مرفوع وهو نعت ل (أي) ، بمنزلة قولك: يا زيد ~~الظريف، # PageV01P344 # إلا أن (الرجل) لا يجوز فيه النصب، كما يجوز في (الظريف) ، والفصل بينهما ~~أن (يا) إنما تدخل وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، فصارت معه كالشيء ~~الواحد، فجرى (يا) مجرى المفرد، فأرادوا أن يكون لفظه كلفظ المفرد، فلهذا ~~لم يجز النصب في نعت (أي) . # وقد أجاز المازني النصب فيه تشبيها بنعت (زيد) ، والوجه ما بدأنا به لما ~~ذكرنا من العلة. وأيضا فإن حق اللفظ أن يكون اللفظ أخذا من المعنى، والضم ms128 ~~في المنادى قد اطرد حتى جرى مجرى المفعول، فلما كان المنادى في المفرد له ~~لفظ ومعنى، (صار) حمل النعت على اللفظ أكثر، وقد يجوز أن يحمل على المعنى، ~~إذ كان المنادى يصح السكوت عليه، فيقع التصرف في النعت، فإذا كان المنادى ~~لا يصح السكوت عليه، لم يجز التصرف في نعته، وحمل على لفظه. # فإن قال قائل: فمن أين خصت (أي) من بين سائر الأسماء المبهمة بأن جعلت ~~وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام؟ # قيل له: لأن (أيا) لا معنى لها في نفسها، وإنما يحسن معناها لما يضاف ~~إليها. وأما (هذا وذاك) وما أشبههما فلها معان في أنفسها، فلما أرادوا ~~إدخال اسم لغير فائدة في نفسه، بل للوصلة إلى غيره، كان (أيا) ، إذ لا معنى ~~له في نفسه، فكان أولى بالزيادة مما له معنى في نفسه. # فإن قيل: فلم زيدت (ها) على أصلها؟ # PageV01P345 # قيل: في ذلك أقوال: # أحدها: أن (أيا) تستعمل مضافة ولا تنفصل من الإضافة إلا في النداء فلما ~~حذف منها المضاف عوضت (أي) ها. # وقول آخر: أنهم أدخلوها توكيدا للنداء. # ووجه ثالث: أن ما فيه الألف واللام هو المنادى في المعنى، فلما لم يصح ~~دخول (يا) عليه، لما ذكرناه، أدخلوا على (أي) ها للتنبيه، فليكن قائما مقام ~~حرف النداء الذي يستحقه الألف واللام. # واعلم أنك إذا قلت: يا هذا الرجل، فلك فيه وجهان: # أحدهما: أن تقدره تقدير (أي) أعني وصلة إلى ما فيه الألف واللام، فإذا ~~قدرت هذا التقدير، لم يجز في (الرجل) إلا الرفع. # والوجه الثاني: أن تجعل (هذا) بمنزلة (زيد) ، لأن في السكوت عليه فائدة، ~~فإذا قدرت هذا التقدير صار (الرجل) بعده بمنزلة (الظريف) بعد (زيد) ، فيجوز ~~لك حينئذ الرفع والنصب، فإن قلت: يا أيها الرجل ذو المال، فلك في (ذي ~~المال) الرفع والنصب، فالرفع بالنعت ل (الرجل) ، والنصب على البدل من (أي) ~~، ولا يجوز أن تقول: لأنه نعت، لأن المبهمة لا تنعت بالمضاف، وإنما لم يجز ~~أن يكون المضاف نعتا ل (أي) في النداء، لأن ms129 المضاف يمكن أن # PageV01P346 # (45 / ب) تدخل عليه (يا) ، وقد بينا أن (أيا) إنما احتيج إليها وصلة إلى ~~نداء ما فيه الألف واللام، لامتناع دخول (يا) عليه، فإن كان المضاف يصح ~~دخول (يا) عليه، لم يحتج إلى (أي) ، فلهذا لم يجز أن تنعت (أيا) بالمضاف، ~~وأما إذا قلت: يا زيد الطويل ذو الجمة، فلك في (ذي الجمة) الرفع والنصب، ~~فالرفع على النعت ل (زيد) ، والنصب على وجهين: # أحدهما: أن تجعله بدلا من (زيد) ، كأنك قلت: يا ذا الجمة. # والوجه الثاني: أن يكون نعتا ل (زيد) . # واعلم أن الحروف التي ينادى بها خمسة وهي: (يا، وأيا، وهيا، وأي، والألف) ~~. # فأما الألف فلا تستعمل إلا للقريب منك، كقولك: أزيد أقبل، فإن كان بعيدا ~~استعملت له (يا) وسائر الحروف، وإنما وجب ذلك لأن البعيد منك يحتاج إلى مد ~~الصوت، وسائر الحروف - سوى الألف - فيها حرف مد يمكنك مد الصوت به، فلهذا ~~وجب استعمالها للبعيد، وأما القريب منك فلا يحتاج إلى مد الصوت، فاختيرت له ~~الهمزة لأنه لا مد فيها، وهي همزة الاستفهام، وإنما كانت الهمزة أولى، ~~لكثرة زيادتها أولا، وأما (يا) فقد تستعمل للقريب والبعيد، وإنما جاز ذلك ~~فيها خاصة لكثرة استعمالهم للبعيد، بحصول مد الصوت فيها، واستعمالهم (أيا، ~~هيا) للقريب على طريق التوكيد والحرص على البيان. # واعلم أن حروف النداء قد تحذف، إذا كان المنادى منك قريبا، # PageV01P347 # كقولك: زيد أقبل، وغلام عمرو تعال، فهذا مطرد في جميع الأسماء إلا النكرة ~~والمبهم فإنه لا يجوز إسقاط حرف النداء منهما، لأن المبهم هو من نعت (أي) ، ~~لأنك تقول: يا هذا أقبل، الأصل فيه: أي هذا فيصير (هذا) نعتا ل (أي) كالألف ~~واللام، فلو قلت: هذا أقبل، لأجحفت بالاسم، إذا حذفت الموصوف وحذفت النداء، ~~لا يجوز أن تقول: رجل أقبل، مما يكون نعتا ل (أي) ، والأصل: يا أيها الرجل، ~~فلو أسقطت (يا) منه، لكنت قد أجحفت به، لحذف الموصوف وحرف النداء، وقد كثر ~~حذف حرف النداء في القرآن كقوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا} ، و {ربنا ms130 لا ~~تزغ قلوبنا} ، ويجوز أن يكون الحذف كثيرا في القرآن، لأن الله تعالى قريب ~~ممن يدعوه، فلهذا حذف النداء. فأما: # يا تيم تيم عدي # ففيه وجهان: # أحدهما يختاره المبرد: وهو أن يكون الأول مضافا إلى (عدي) ، كإضافة ~~الثاني إليه ثم حذفه، فبقي منصوبا على نية الإضافة، وأما قول # PageV01P348 # سيبويه فيجعل الاسم الأول هو المضاف إلى (عدي) لاعتماد الكلام عليه، ~~ويصير (تيم) الثاني حشو الكلام، فكأنه مع الأول مضافا إلى الثاني، وانتصب ~~الثاني بوجود لفظ الإضافة فيه، والأول مضاف في الحقيقة. # وأما (ابن أم، وابن عم) فمن فتحهما بناهما، والذي أوجب لهما البناء ~~تضمنهما لحرف الجر وكثرة استعمالهما، ووقوعهما موقع ما يجب له البناء، نحو: ~~يا زيد، ويا عمرو، فلاجتماع هذه المعاني يبنى، واكتفى بالمعنى على إضافة ~~اللفظ، وهو أن اللام تقتضي ذلك لا محالة، فأغنى هذا المعنى عن إضافتها في ~~اللفظ. # وأما من كسر فالوجه فيه ما ذكرناه من جعل الاسمين اسما واحدا، فلما صارا ~~بهذه المنزلة جريا مجرى (غلام وصاحب) ، وتجتزئ بالكسرة، وكذلك يحذف: يا ابن ~~أم، ويا ابن عم. # PageV01P349 ### | (26 - باب الترخيم) # اعلم أن الترخيم لا يستعمل إلا في النداء، لأنه باب حذف، (46 / أ) ألا ~~ترى أن المنادى المفرد قد حذف منه التنوين والإعراب، فلما جاز حذف التنوين ~~منه والإعراب، جاز أيضا حذف بعض حروفه استخفافا لدلالة ما بقي عليه. # ولا يرخم من الأسماء إلا ما يستحق البناء، أما ما جرى في النداء على أصله ~~في النصب، فلا يجوز ترخيمه، لأنه في النداء بمنزلته في غير النداء، فإن ~~اضطر شاعر، جاز أن يرخم الاسم في غير النداء، ويحمل ذلك في غير النداء على ~~طريق التشبيه، وإنما صار في الترخيم المختار أن يحذف آخره ويبقى ما قبله ~~على حركته وسكونه، لأن الاسم في الحقيقة موضع الحروف، وإنما يحذف هذا ~~الموضع فقط، فوجب أن يبقى ما قبله على أصله، ليدل ذلك على المحذوف، وإنما ~~لم يجز ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف، مما ليس في آخره الهاء، لأن الغرض ms131 في ~~الترخيم تخفيف، وفي الأسماء ما هو على سبعة أحرف، وهو نهاية بنائها، وأقلها ~~ما كان على ثلاثة أحرف، وإنما نحط السبعة حتى نبلغ بها إلى الثلاثة، فلما ~~كانت الثلاثة نهايتها في الحقيقة لم ترخم. وأما ما كان ثالثه الهاء، فإنما ~~جاز ترخيمها، لأن الهاء # PageV01P350 # ليست من بناء الاسم، وإنما هي بمنزلة اسم ضم إلى اسم، فلما كانت في ~~المعنى منفصلة جاز حذفها. # وأما المبهم فلا يجوز ترخيمه، لأنه وإن كان معرفة فهو في الأصل من نعت ~~(أي) ، فلما كان في المعنى نعتا صار غير منادى، فلهذا لم يرخم، وإن شئت ~~قلت: إنه لما كان نعتا للاسم ثم حذفت المنعوت قبح ترخيمه، لأن ذلك يكون ~~إجحافا به. # وأما الجمل فلا يجوز ترخيمها لأنها تحكى، وذلك أنك لو رخمتها بطلت ~~حكايتها. # وأما ما كان في آخره ألف ونون زائدتان فإنما حذفا معا في الترخيم لأنهما ~~زيدا معا فجريا مجرى زيادة واحدة. # وأما ما كان في آخره حرف مد زائد فإنما حذف مع حذف الآخر تشبيها بألف ~~(عثمان) ، وذلك أن الألف في (عثمان) ساكنة، وهي قبل آخره، وهي حرف مد ~~بمنزلة الألف واللام، فحذفت مع الألف من (عمار) . # وحكم ألفي التأنيث كحكم الألف والنون لأنهما زيدتا أيضا معا. فأما إذا ~~حذفت الزائدتان، وهي في الأسماء أقل من ثلاثة أحرف، لم يجز إلا حذف الآخر، ~~لما ذكرناه من الإجحاف بالاسم، وكرهوا أن يبقى الاسم على حرفين. # وأما الهاء فإنما وجب حذفها وحدها، طال الاسم أو قصر، لأنها ليست من # PageV01P351 # بناء الاسم الأول، وهي كالمنفصل منه، وإذا حذفت لم يجز أن يحذف معها ~~غيرها، إذ كانت غير متعلقة بالاسم تعلقا شديدا، فلهذا حذفت وحدها. # فإن قال قائل: لم لم يعمل ما قبل الاستفهام فيه وفيما بعده؟ # قيل له: لأن الاستفهام إذا دخل على الجمل كان استفهاما عن جميعها، مثل ~~قولك: أضربت زيدا؟ فلو قدمت (ضربت) على الألف لم يبق معنى الاستفهام فيه، ~~وهو مقدم، والمعاني ليس لها قوة تصرف فيما قبلها وفيما بعدها، فلذلك ms132 لم يجز ~~أن يعمل: ضربت زيدا، وبينها ألف الاستفهام. # وأما الأسماء نحو: (أي، ومن، وما) فلا يجوز أيضا أن يعمل فيها ما قبلها، ~~لهذا لو قلت: علمت أيهم في الدار، بنصب (أيهم) ، لم يجز، وإنما لم يجز ذلك ~~لأن الأصل أن يدخل ألف الاستفهام على هذه الأسماء، وإنما حذفت ألف ~~الاستفهام (46 / ب) استغناء، لأن هذا الكلام لا يكون إلا استفهاما، فصارت ~~الألف محذوفة وحكمها باق، فلهذا منعت الفعل من العمل في هذه الأسماء. # فإن قال قائل: فكيف جاز أن تعمل فيها حروف الجر، كقولك: بأيهم مررت؟ # قيل له: الضرورة دعت إلى ذلك، وذلك أن حروف الجر لا يجوز أن تقوم ~~بأنفسها، ولا بد أن تتعلق بما يدخل عليه، وقد بينا أن الأسماء التي يستفهم ~~بها تنوب عن شيئين: عن ألف الاستفهام، وعن الاسم، فيصير قولنا: أيهم في ~~الدار؟ بمنزلة: أزيد في الدار؟ فإذا قلت: بأيهم مررت؟ صار التقدير: أبزيد ~~مررت؟ لأن الباء موصلة للفعل الذي بعد الاستفهام أن يعمل فيه، لأنهما ~~مقدران بعد ألف الاستفهام، فلهذا خصت حروف الجر بجواز العمل من بين سائر ~~العوامل، ولهذه # PageV01P352 # العلة أيضا جاز لما بعد الاستفهام أن يعمل فيه. واعلم أن الأفعال التي ~~تدخل على الاستفهام لو قلت: ضربت أيهم عندك، وأنت تريد الاستفهام، كان ~~محالا، وإنما فسد ذلك، لأن (ضربت) وما جرى مجراها لا يصح إلغاؤه، لأنه فعل ~~مؤثر، فإذا تقدم قبل الاستفهام لم يخل من أحد أمرين: إما أن يعمل، وإما أن ~~يلغى. وقد بينا أن عمل ما قبل الاستفهام باطل، وإلغاء هذا الفعل أيضا محال، ~~فلذلك لم يجز هذا الكلام. # فأما أفعال القلوب فهي إذا توسطت بين مفعولين تلغى، وقد بينا فيما مضى لم ~~جاز الغاؤها، وتقول: قد علمت زيدا أبو من هو، ف (هو) خبر (الأب) ، والراجع ~~إلى زيد (هو) ، ولما كان هو الأب، لم يحتج الأب إلى راجع إليه، وإنما صار ~~النصب في (زيد) أقوى من الرفع، لأن (زيدا) ليس بمستفهم عنه في اللفظ، وإنما ~~هو مستفهم عنه ms133 في المعنى، واللفظ أقوى من المعنى، لأن الحاسة تقع عليه مع ~~العقل، والمعنى إنما يقع عليه العقل فقط، فلذلك كان النصب أقوى. # وأما قولهم: (كل رجل وقرينه) فهو إضمار: ليكن كل رجل مع قرينه، والأحسن ~~إظهار الفعل، إلا أن العطف جعل كالعوض منه، وكذلك ما ينصب في هذا الباب فهو ~~معطوف أو مكرر، ولا يجوز إظهار الفعل، نحو قولك: رأسك والحائط، والأسد ~~الأسد، وما أشبه ذلك، لما ذكرناه من التكرار، والعطف عوض من الفعل، فلم يجز ~~إظهاره مع وجود العوض منه. # وأما قولهم: (المرء مجزي بعمله، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا) . # PageV01P353 # فإنما اختير النصب في الأول بإضمار (كان) لكثرة دورها في الكلام، لأنها ~~عبارة عن جميع الأفعال، ألا ترى أنك تقول: قام زيد، فيقول القائل: قد كان ~~ذلك، فلهذا وجب أن تضمر (كان) ، وإنما كان إضمارها مع اسمها أولى من ~~إضمارها مع خبرها، لأن الخبر متمكن من الاسم، والاسم متمكن في الفعل، فهو ~~معه كالشيء الواحد، فصار إضمارها مع اسمها أولى من إضمارها مع خبرها، وكلما ~~خف الإضمار كان أولى من كثرته، وإنما لم نقدر (كان) بمعنى (وقع وحدث) - وإن ~~كان جائزا - لأن (كان) التي بمعنى (وقع وحدث) فعل حقيقي بمنزلة: ذهب وضرب، ~~وليس ككثرة (كان) التي للعبارة عن الجمل، فلهذا كان الاختيار في الأول ~~النصب. # فأما الذي بعد الفاء فإنما اختير فيه الرفع، لأن الفاء (47 / أ) التي تقع ~~جوابا للجزاء إنما تدخل ليليها المبتدأ والخبر، وإنما وجب ذلك، لأن جواب ~~الجزاء إذا كان فعلا لم يحتج إلى الفاء، لأن (إن) تعمل فيه، فإذا كان خبرا ~~ومبتدأ لم يجز، لأن (إن) تعمل في الأسماء، فلو جئنا بالمبتدإ والخبر، ~~فجعلنا جوابا للشرط، لم يعلم تعلقه به، لأن الجمل قائمة بنفسها، فاحتاجوا ~~إلى حرف يعلق الجملة بالشرط، فأتوا بالفاء، فقد بان بما ذكرناه أن الفاء ~~تطلب الاسم، فوجب أن يضمر بعدها المبتدأ، فيصير خبرا له، فلهذا اختير الرفع ~~في الثاني. # وأما الوجه الثاني: فإنه صار أقرب إلى الأول، لأنك تضمر ms134 أيضا بعد (إن) ~~فعلا، فأنت مخير إن شئت كانت (كان) التي بمعنى (وقع) ، وإن شئت أضمرت (كان) ~~التي هي عبارة في خبرها. # والوجه الثالث: أضعف من هذا، لأنك تضمر بعد الفاء شيئين، وهو الفعل ~~والمبتدأ، وذلك أنك إذا قدرت الكلام على شيء يجيء مؤخرا، لم يكن بد للفاء ~~من مبتدإ، لما # PageV01P354 # ذكرناه من أنها تطلب المبتدأ، فضعف لكثرة الإضمار من غير ضرورة تدعو ~~إليه. # وأما الوجه الرابع: فأضعفها لأنه عكس المختار، لأنك ترفع الأول وتنصب ~~الثاني، فلهذا ضعف جدا. # وأما قولهم: (قد كان ذلك إن صالحا وإن فاسدا) فإنما وجب نصبه لأن قولك: ~~(قد كان ذلك) ، إشارة إلى أمر ما، فالصالح والفاسد هو ذلك الأمر بعينه، ~~فإنما يرتفع مثل هذا على أنك تقدره اسم (إن) ، وتجعل الخبر في تقدير الظرف ~~له، ومحال أن تكون جملة الشرط ظرفا لجميعه، فلهذا استحال أن تقدره بقولك: ~~إن كان فيه صالح، فأما إذا قلت: إن كان فيه صلاح أو فساد، فجائز، لأن ~~الصلاح والفساد غير الشيء المذكور، فجاز أن تقدر في تقديره الظرف للصلاح ~~والفساد، فلهذا حسن رفعه. # وأما قول الشاعر: # (لا تقربن الدهر آل مطرف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما) # فإنما وجب نصبه لأن المخاطب مضمر في الفعل، فانتصب (ظالما) على الخبر، ~~ولا يمكن غير ذلك، لما يقتضيه البيت. # PageV01P355 ### | (27 - باب الإغراء) # إن قال قائل: لم خصت العرب (عندك وعليك ودونك) بإقامتها مقام الأفعال من ~~بين سائر الظروف؟ # قيل له: لأن الفعل لا يجوز أن يضمر إلا أن يكون عليه دليل من مشاهدة حال ~~أو غير ذلك، فلما كان (على) للاستعلاء، والمستعلي يرى ما تحته، وكذلك ~~(عندك) للحضرة، ومن بحضرتك تراه، وكذلك (دون) للقرب، فلما كانت هذه الظروف ~~أخص من غيرها، جاز فيها ذلك. # فإن قال قائل: لم خص المخاطب بهذا دون غيره؟ # قيل: لأن المخاطب لا يحتاج إلى حرف سوى الفعل، والغائب والمتكلم الأمر ~~لهما باللام، كقولك: ليقم زيد، ولأقم معه، فلما أقمت هذه الظروف مقام ~~الفعل، كرهوا أن يستعملوها للغائب والمتكلم، ms135 فتصير نائبة عن شيئين، وهما ~~الفعل واللام، فوجب أن تختص بالمخاطب، لتقوم مقام شيء واحد، وقد سمع من ~~العرب: (عليه رجلا ليسني) ، فأمر ب (على) وحدها للغائب، ولا يقاس عليه، وقد ~~تستعمل (على) بمنزلة فعل يتعدى إلى مفعولين إذا أمرت # PageV01P356 # نفسك، (47 / ب) ولا يقاس عليه، كقولك: على زيدا، معناه: أعطني زيدا، ولا ~~تقول: عندي زيدا، ولا دوني عمرا، لما بيناه أن هذه الظروف أقيمت مقام الفعل ~~والفاعل اتساعا، فليس يجب أن تتصرف تصرفه - أعني تصرف الفعل - فما اتسعت ~~فيه العرب قلناه وما تركته على أصله لم نجاوزه إلى غير ذلك. # واعلم أنك إذا قلت: عليك زيدا، فللمخاطب ضميران، مجرور ومرفوع، فالمجرور ~~الكاف الظاهرة، والمرفوع مستتر في النية، فإذا أردت أن تؤكد المرفوع أو ~~تعطف عليه، جاز ذلك، كقولك: عليك أنت نفسك زيدا، وعليك أنت وعمرو زيدا، ولا ~~يحسن إذا أردت العطف على المضمر المرفوع أن تسقط توكيده، وقد بينا ذلك، فإن ~~أردت أن تعطف على الكاف لم يجز، لأن المضمر المجرور لا يعطف عليه الظاهر، ~~إلا بإعادة حرف الجر، ومع هذا أنك لو أردت أن تعيد حرف الجر لم يجز، لأنه ~~يصير اللفظ: عليك وعلى زيد عمرا، فيصير: أمر الغائب المخاطب، وقد بينا أن ~~هذا لا يجوز في هذه الحروف، فإن أردت أن تؤكد الكاف جاز ذلك، نحو: عليك ~~نفسك زيدا، وقد يجوز أن تجعل النفس مفعولة، كما قال الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي: اتقوا أنفسكم، وما أشبه ذلك على ما ذكرناه، ~~أو تقول: عليك نفسك نفسك نفسك، فترفع الأول على التوكيد للضمير المرفوع ~~المتوهم الفاعل، وتجر الثانية على التوكيد للكاف، وتنصب الثالثة على ~~الإغراء، إلا أن # PageV01P357 # الأحسن إذا أردت التوكيد بالنفس للمرفوع أن تقدم (أنت) ، لما بيناه من ~~اختلاط الفعل للفاعل، وأن النفس قد تستعمل غير مؤكدة، كقولك: خرجت نفسه، ~~فلما جرى مجرى ما لا يكون تابعا، استقبحوا أن يتبعوها ما قد جرى مجرى بعض ~~الفعل حتى يؤكدوا ذلك، فيقوى بالتوكيد، كما ذكرنا ms136 في العطف. # PageV01P358 ### | (28 - باب المصدر) # اعلم أن المصدر إنما ينصب لأنه مفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت ضربا، ~~فقيل لك: ما فعلت؟ فقلت: أحدثت ضربا، فقد بان لك أن المصدر مفعول، فلهذا ~~انتصب. # فإن قال قائل: فهل المصدر أصل للفعل، أو الفعل أصل للمصدر؟ # قيل له: بل المصدر أصل للفعل، والدليل على ذلك من وجوه: # أحدها: أن المصدر يدل على نفسه فقط، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت، دل على ~~الضرب، وهو الألم الذي يوجد منه، فصار (ضرب) يدل على جوهر الضرب، كأنه مصوغ ~~من جوهر ما يدل إذا أضفته إلى ما صيغ منه دل أنه منه، وإن كانت صورته ~~مخالفة لصيغة آخر صيغ من ذلك الجوهر وآخر كذلك، وكلها تدل على ذلك الجوهر، ~~فقد صار الجوهر أصلا لها، وكذلك كل فعل يدل على مصدره الذي أخذ منه، لأن ~~المصدر جوهره الذي يوجد فيه ذلك الفعل. # ووجه آخر: وذلك أن الفعل يدل على شيئين، وهو الزمان والمصدر، والمصدر يدل ~~على نفسه فقط، فصار الفعل بمنزلة المركب، إذ كان يدل على المصدر وعلى ~~الزمان فلما صار في تقدير اثنين، وأحد الاثنين المصدر، والواحد قبل ~~الاثنين، وجب أن يكون قبل الفعل. # PageV01P359 # ووجه ثالث: أن المصدر يقوم بنفسه، ألا ترى أنك تقول: (48 / أ) ضربك حسن، ~~ولا تحتاج إلى ذكر الفاعل، والفعل لا يجوز أن تذكره خاليا من الاسم، فوجب ~~أن يكون المصدر - لاستغنائه عن الفاعل - أصلا للفعل، لافتقار الفعل إليه. # ووجه رابع: وهو أن المصدر في اللغة هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل وترده، ~~فلما استحق هذا الاسم وجب أن يكون الفعل صادرا عنه، وإذا كان صادرا وجب أن ~~يكون فرعا. # فإن قال قائل: ما تنكرون أن يكون المصدر لا يراد به الموضع وإنما يراد به ~~المفعول، أي: المصدور به عن الفعل، كما تقول: (مركب فاره) ، وكما يقال: ~~(مشرب عذب) ، أي: مشروب عذب؟ # قيل له: هذا يفسر من وجهين: # أحدهما: أن الألفاظ إذا أمكن تأويلها على ظاهرها، فليس ينبغي أن تعدل ms137 عن ~~الظاهر إلا بدلالة، فإذا كان ظاهر المصدر يوجب أن يكون اسما للموضع هاهنا ~~ما يمنع من ذلك، وجب أن يحمل على ظاهره، وإذا كان كذلك فيجب أن يكون اسما ~~للموضع على ما ذكرناه. # والوجه الثاني: أن قولهم: (مركب فاره، ومشرب عذب) يجوز أن يكون موضع ~~المركوب والمشروب، وإنما ينسب إلى الفراهة والعذوبة للمجاورة، كما يقال: ~~جرى النهر، وإنما يجري الماء في النهر. # فإن قال قائل: قد رأينا المصدر يصح بصحة الفعل ويعتل باعتلاله، فيجب أن # PageV01P360 # يكون فرعا له، إذ تبعه في الاعتلال والصحة، كقولك: قاومته قواما؟ # قيل له: هذا لا يدل على ما ذكرت، وذلك أن الفراء الذي يخالفنا في هذه ~~العلة قد حمل الأصل على الفرع، وذلك أنه قال: بني (قام) لدخول التثنية ~~عليه، والتثنية فرع على الواحد، وقوله: يمتنع أن يبنى المصدر على الفعل - ~~وإن كان أصلا للفعل - وأيضا فإن الشيء قد يحمل على الشيء في الاعتلال، ~~للمشاركة بينهما، ولئلا يختلف طريق الكلمة، وليس أحدهما أصلا للآخر، ألا ~~ترى أنهم يقولون: وعد يعد، فيحذفون الواو من (يعد) لوقوعها بين ياء وكسرة، ~~ويحذفونها أيضا من: نعد وأعد، وإن لم تكن قد وقعت بين ياء وكسرة، فحملا على ~~(يعد) لئلا يختلف طريق الفعل، فإذا ثبت أن الحمل في باب الاعتلال لا يدل ~~على أن المحمول على غيره فرع على المحمول عليه، لم يجب أن يكون المصدر فرعا ~~للفعل، وإن حمل عليه في باب الاعتلال. # فإن قال قائل: الفعل يعمل في المصدر، ومن شرط العامل أن يكون قبل المعمول ~~فيه، فإذا كان كذلك يجب أن يكون الفعل قبل المصدر؟ # قيل له: هذا ساقط، لأن الحرف يعمل في الأسماء والأفعال، فلو جب ما قلت ~~لصارت الحروف أصلا للأسماء والأفعال، وهذا بين الفساد. # فإن قال قائل: أليس قلتم: إن المصدر مؤكد، والتأكيد بعد المؤكد، فيجب أن ~~يكون الفعل أصلا للمصدر لأنه المؤكد؟ # قيل: هذا يفسر من وجهين: # أحدهما: أن المصدر في المعنى مفعول، وقد بينا أنه من هذا الوجه لا يجب أن ms138 # PageV01P361 # يكون فرعا، وليس ذكر المصدر بأكثر من كونه مفعولا. # والوجه الثاني: أن المصدر إنما أقيم (48 / ب) مقام تكرير الفعل، فكما أن ~~الشيء لا يجوز أن يكون أصلا لنفسه، فكذلك لا يجوز أن يكون ما قام فرعا ~~عليه. # واعلم أن إقامة الآلة مقام المصدر جائز، وإنما الغرض فيه الاختصار، فإذا ~~قلت: (ضربت) زيدا سوطا واحدا، دل ذكر السوط على أن الضرب به وقع، ويثنى ~~ويجمع، فتكون تثنيته وجمعه دلالة على الضرب، فإذا قلت: ضربت زيدا مائة سوط، ~~فالمعنى: مائة ضربة بسوط واحد. # واعلم أنك إذا قلت: أنت سيرا سيرا، فإنما المعنى: أنت تسير سيرا، فحذفت ~~الفعل لدلالة المصدر عليه، إذ كان مشتقا من لفظ المصدر، ومع هذا فإنهم ~~جعلوا أحد المصدرين بدلا من الفعل، ويجوز أن يكون حذفوا الفعل هاهنا، لأن ~~المبتدأ يجب أن يكون خبره هو والسير غير أنت، فدل ذلك على المحذوف، وهو: ~~يسير، وقد يجوز الرفع، فتقول: أنت سير سير، فالرفع من وجهين: # أحدهما: أن يكون التقدير: أنت صاحب سير، فحذف الصاحب وأقيم (السير) ~~مقامه، ومثل هذا قول الخنساء: # PageV01P362 # (ترتع ما علفت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار) # أي: صاحبة إقبال وإدبار. # والوجه الثاني: أن تجعل المبتدأ هو على سعة الكلام، ويكون المعنى فيه: أن ~~السير كثر منه فجرى مجراه. # وأما (مرحبا وأهلا) فإنما حذف الفعل منه لوجهين: # أحدهما: أن يكون مصدرا للفعل من لفظه، فكأنه بدل من: رحبت مرحبا، وأهلت ~~أهلا، وإن لم يستعمل. # والوجه الثاني: أن يكون مفعولا لفعل من غير لفظه، كأنه قال: أصبت أهلا، ~~وأصبت مرحبا. # وأما: (لقيته فجاءة) وما أشبهه، فنصبه على وجهين: # أحدهما: أن تضمر فعلا بعد (لقيته) من لفظ (فجاءة) ينصبها، لأن اللقاء قد ~~يكون على ضروب، ففيه دلالة (فجيء) فلهذا جاز إضماره. # والوجه الثاني: أن تجعل نفس (لقيته) عاملا فيه، لن اللقاء لما كان قد يقع ~~على هذه الصفة، صار (لقيته) بمنزلة (فاجأته) . # وكذلك: (أخذته عنه سماعا) . # وأما قولهم: (مررت بهم الجماء الغفير) فإنما قدر في موضع الحال، ms139 كقولهم: ~~(أرسلها العراك) ، ولم تجيء الأسماء غير المصادر في موضع الحال # PageV01P363 # بالألف واللام، وإنما قدرناه حالا، لأن الفعل الذي قبله ليس من لفظه، ولا ~~يرجع إلى معناه، إذ كان (الغفير) في المعنى إنما يراد بهم: القوم، والحال ~~هو الاسم الذي قبلها، فلهذا قدر في موضع الحال. # فإن قال قائل: فلم جاز في المصادر أن تقع موقع الحال وفيها الألف واللام؟ # ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أن يكون المصدر منصوبا بفعل من لفظه، وذلك الفعل في موضع الحال، ~~فلما حذف الفعل قام المصدر مقامه، فجاز أن يقال: إنه في موضع الحال، ~~كقولهم: (أرسلها العراك) ، فالتقدير: أرسلها تعترك العراك، فالعراك نصب على ~~المصدر، والمصادر تكون معرفة ونكرة، وتعترك: هو الحال، فأقيم (العراك) ~~مقامه. # والوجه الثاني: أن المصادر التي فيها الألف واللام، قد تقوم مقام فعل ~~الأمر، كقولهم: الحذر الحذر، والأفعال مع فاعلها جمل، والجمل نكرات، فلما ~~جاز أن يقوم المصدر الذي فيه الألف واللام مقام الفعل في الأمر (49 / أ) ، ~~جاز أن يقوم مقام الحال لما ذكرناه. # واشتقاق الجماء: من الجمة وهو الشعر المجتمع على الرأس، فمثل كثرة الناس ~~بالشعر. # وإنما أنث فقيل: الجماء، لأن المصادر قد تؤنث، كقولهم: ضربته ضربة. # وإنما قيل: الغفير، بغير لفظ التأنيث لأنه (فعيل) في معنى (مفعول) ، كأنه ~~غفر بعضهم بعضا، أي: غطى، فلهذا لم يؤنث الغفير، كما يقال: # PageV01P364 # (كف خضيب) . # وأما قولهم: (هذا زيد حقا، والحق لا الباطل) ، فالنصب على المصدر، كأنك ~~قلت: أحق الحق وأحق حقا، لا أتوهم الباطل، وإنما تذكر هذه المصادر بعد ~~الجمل توكيدا، لأن الخبر قد يكون حقا وباطلا، فصار في الجملة دليل على ~~(أحق) . # واعلم أنك إذا وسطت هذه المصادر بين المبتدإ وخبره جاز، كقولك: زيد حقا ~~أخوك، فإن قلت: حقا زيد أخوك، لم يجز، وإنما جاز توسيطها، ولم يجز تقديمها، ~~لأنا قد بينا أن هذه المصادر توكيد للجواز، فلو قدمناها قبل الجمل لبدأنا ~~بالتوكيد قبل المؤكد، فهذا فاسد، لأن التوكيد تابع، والتابع حقه أن يكون ~~بعد المتبوع، فأما إذا توسطت فقد ms140 تقدم قبلها ما يكون توكيدا له، فلهذا ~~افترق حال التقديم والتوسيط، إن شاء الله. # فأما قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} فالرفع ~~فيه من وجهين: # أحدهما: أن يكون على خبر ابتداء محذوف. # PageV01P365 # والثاني: أن يكون (قول الحق) نعتا ل (عيسى) ، وإنما جاز أن ينعت بالقول، ~~لأن الله تعالى قد سماه كلمته، فجاءت من معنى القول، فلذلك جاز أن ينعت به، ~~وأما قول رؤبة بن العجاج: # (إن نزارا أصبحت نزارا ... دعوة أبرار دعوا أبرارا) # ففي قوله: إن نزارا أصبحت نزارا، دلالة على أنهم قد كانوا مختلفين، ثم ~~اجتمعوا وصاروا على دعوة واحدة، فدل على قوله: دعوا دعوة أبرار. # PageV01P366 ### | (29 - باب الظروف) # إن قال قائل: لم تعدى الفعل إلى ظروف الزمان خاصيا وعاميا من غير توسط ~~حرف الجر، نحو قولك: قمت وقتا، وقمت يوم الجمعة؟ # فالجواب في ذلك: أن الفعل يدل بصيغته على الزمان، وهو مضارع للزمان ~~بنفسه، فلما صار الزمان مشاركا للفعل هذه المشاركة، استحق طرح حرف الجر ~~منه، إذ كان حذفه لا يشكل، وهو أخف في اللفظ. # وأما ظروف المكان فالفعل لا يدل عليها من لفظه، وإنما يدل عليها بالمعنى، ~~كما يدل على الفعل والمفعول، إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر، لا يجوز حذف حرف ~~الجر منه، إلا أن يسمع ذلك من العرب، ألا ترى أنك تقول: " مررت بريد، ولا ~~يجوز أن تقول: مررت زيدا، وكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى ~~الفعل إليها بحرف الجر، كقولك: قمت في الدار، وقمت في خلفك، إلا أن الظروف ~~المبهمة يجوز حذف حرف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس ~~لها خلق، كما أن الزمان لا خلقة له، يباين بعضها بعضا، وكذلك الخلف ~~والقدام، وما أشبه ذلك من هذه الظروف المبهمة، يجوز أن تنقلب كلها، فيصير ~~الخلف قداما، والقدام خلفا، ألا ترى أن الجهة التي هي خلف - إن تقدمها ~~الشخص - صارت قداما له، وكذلك (49 / ب) حكم القدام له، فلما كانت هذه ~~الظروف ms141 شبيهة بظروف الزمان عدوا الفعل إليها من غير توسط حرف الجر، ومع ذلك ~~فإن هذه الظروف ليس يتعلق الفعل بها إلا على طريق # PageV01P367 # الاستقرار، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: هدمت خلفك ولا قدامك، كما تقول: ~~هدمت الدار، ولهذه العلة جاز حذف حرف الجر منها، فأما ما كان من ظروف ~~المكان مخصوصا، نحو: الدار، والمسجد وما أشبه ذلك، فلهذه خلف، كزيد وعمرو، ~~ألا ترى أنه لا تسمى كل بقعة بمسجد، ولا دار، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد ~~وعمرو، وجب ألا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر. # فإن قال قائل: من أين زعمتم أن الأصل في جميع هذه الظروف أن يكون الفعل ~~متعديا إليها بتوسط حرف الجر؟ # قيل له: لأن الأفعال التي تتعلق بها وتنصبها غير متعدية، كقولك: قمت يوم ~~الجمعة، وقمت لا يتعدى، ولما كانت الأفعال لا تتعدى، تعدت بحرف الجر، فكانت ~~هذه الظروف مفعولا فيها في الحقيقة، وجب أن يكون الأصل: قمت في يوم الجمعة، ~~فحذف حرف الجر - لما ذكرناه - ووصل الفعل. # فإن قال قائل: أليس الحال مفعولا فيها، فهل تقدر تقدير حرف الجر فيها ~~كتقديره في الظروف؟ # قيل له: الحال وإن كانت في معنى المفعول فليس حرف الجر مقدرا فيها ~~كتقديره في الظرف، فتحل الأفعال فيه فتنصبه، والحال هي الاسم التي هي منه، ~~فاعلا كان أو مفعولا أو مجرورا، كقولك: جاء زيد مسرعا، فالمسرع هو زيد، ~~وليس بظرف، فوجب أن يكون (مسرع) ليس بظرف له، ولكنه مشبه بالظروف، إذ كانت ~~الحال تذكر على طريق توقيف الفعل وتبيينه، وكيف وقع، كما يبين الظرف إن ~~وقع، فشابهت الحال للظروف، فقيل: مفعولا فيها على # PageV01P368 # التشبيه بالظروف، لأن حروف الجر مقدرة فيها، ألا ترى أنه لا يجوز إظهاره ~~بحال، والظروف إذا كني عنها ظهر حرف الجر مع المضمر، كقولك: قمت يوم ~~الجمعة، فإذا أضمرت، قلت: قمت فيه، والحال لا يصح فيها هذا، فجرت مجرى ~~قولنا: إن زيدا مفعول به، ليس قولنا: ضربت زيدا، مقدرا معه حرف الجر، ولكنه ~~مجهول على ms142 هذا المعنى، وكذلك الحال لما شبهت بالظروف، قيل: مفعول فيها، لأن ~~حرف الجر مقدر فيها، وإذا قلت: زيد خلفك، فإنما وجب تقدير الاستقرار، لأن ~~(زيدا) مبتدأ، فلا بد له من خبر، والخبر يحتاج أن يتعلق بالمخبر عنه، فلو ~~لم نقدر الاستقرار لم يتعلق الخبر ب (زيد) . # وأما: (القتال اليوم) ، فلا يجوز أن يكون (اليوم) منصوبا ب (القتال) ، ~~لأنه لو انتصب به لصار من صلته، فيبقى المبتدأ بلا خبر، وإذا كان كذلك، وجب ~~أن نقدر في (القتال) فعلا ينتصب (اليوم) به. # فإن قال قائل: فمن أين جاز أن تقوم المصادر مقام الظروف في قولهم: (زيد ~~منى مزجر الكلب، وأتيتك مقدم الحاج) ؟ # قيل له: لأن الفعل لما كان دالا على المصدر والزمان دلالة واحدة اشتركا ~~من هذا الوجه، وأن الأفعال تقتضي الزمان، فجرت المصادر مجرى الزمان، فجاز ~~أن تخلفها. # (50 / أ) فإن قال قائل: فهل يجوز القياس على ما سمع من العرب، فيقال: ~~مكان السارية؟ # PageV01P369 # قيل له: لا يجوز ذلك، والسبب فيه أن هذه المصادر لما كانت معلومة المواضع ~~في القرب والبعد، جعلت تمثيلا للقرب والبعد، فإذا قلت: (زيد مني مقعد ~~القابلة) دل ذلك على قربه مني، إذ كانت القابلة قد استقر قربها ممن تقبله ~~في النفوس، فإذا قلت: (هو مني مزجر الكلب) دل على إبعاده وإهانته. # فأما: (مكان السارية، ومربط الفرس) فليس لها مواضع مخصوصة، وقد تكون ~~قريبة وبعيدة، فلما لم يستقر حكمها على قرب مخصوص ولا على بعد مخصوص، لم ~~يجز أن تجعل تمثيلا لأحدهما لاحتمال أمرين، فاعرفه. # PageV01P370 ### | (30 - باب الحال) # إنما وجب أن تكون الحال نكرة لأمرين: # أحدهما: أنها زائدة لا فائدة فيها للمخاطب، فلو كانت معرفة لم يستفدها ~~المخاطب، ومع ذلك فلو جعلت معرفة لجرت مجرى النعت لما قبلها من المعرفة، ~~والنكرة أعم من المعرفة. # والوجه الثاني: وهو أجود الوجهين، أن الحال هي مضارعة للتمييز، لأنك تبين ~~بها، كما تبين بالتمييز نوع المميز، فلما اشتركا فيما ذكرناه، وكان التمييز ~~نكرة، وجب أن تكون الحال نكرة. وإنما قبح الحال ms143 من النكرة، إذا قلت: جاءني ~~رجل ضاحك، فأجريت (ضاحكا) نعتا ل (الرجل) ، ثم لو قلت: جاءني رجل ضاحكا، ~~فنصبت (ضاحكا) على الحال، كان معنى الحال ومعنى الصفة واحدا، لأنك إذا قلت: ~~جاءني رجل ضاحك، فليس يجب أن يكون في حال الخبر ضاحكا، وكذلك إذا نصبته على ~~الحال، فلما استوى معناهما كان النعت أولى من الحال لاتفاق اللفظ، وليس ~~كذلك حكم نعت المعرفة، لأنك إذا قلت: جاءني زيد الظريف، وجب ألا يكون ~~(الظريف) حالا له وقت الخبر، لأنك ذكرته لتبين به زيدا، وزيد معرفة قد كان ~~مستغنيا بنفسه، فلما خفت اختلاطه بغيره من الزيدين بينته بالنعت. وأما ~~النكرة فليس عينا بائنا، فالصفة إنما تفيد فيها تخصيصا، وليس يجب بقاء ذلك ~~التخصيص في حال الخبر فلهذا حسن الحال من المعرفة، وقبح من النكرة، ووجب ~~جوازه فيها على التشبيه بالمعرفة، وإنما وجب أن نقدم الحال على العامل فيها ~~إذا كان فعلا متصرفا، لأن الحال مفعولة، فإذا كان العامل فيه فعلا # PageV01P371 # متصرفا جاز تقديمها عليه، كما يجوز تقديم المفعول على الفعل لقوة الفعل، ~~سواء كانت من اسم مضمر أو مظهر، والفراء يمنع من تقديم الحال إذا كانت من ~~اسم ظاهر، نحو: ضاحكا جاء زيد، قال: لأن في (ضاحك) ضميرا يرجع إلى (زيد) لا ~~يجوز تقديمه عليه، وهذا ليس بشيء عندنا، لأن الضمير إذا تعلق باسم، وكان ~~ذلك الاسم مقدما على شريطة التأخير، جاز تقديمه، كقولك: ضرب غلامه زيد، لأن ~~المفعول شرطه أن يقع بعد الفاعل، فكذلك حكم الحال. # وأما إذا كان العامل معنى فعل، لم يجز تقديم الحال عليه، كقولك: (المال ~~لك خالصا) فلو قلت: خالصا المال لك، لم يجز لأن الفعل ليس بملفوظ به (50 / ~~ب) وإنما اللام بتأويل الفعل، لأنها تفيد الملك، فلما كان العامل ضعيفا لم ~~يجز تصريفه، ألا ترى أن (إن وأخواتها) لا تعمل فيما قبلها لضعفها. # فإن قيل: أليس إذا قلت: زيد خلفك ضاحكا، فالعامل في (خلف) فعل مقدر، وهو ~~استقر، والمضمر من الأفعال يجري مجرى المظهر في عمله، ms144 فهلا جاز تقديم الحال ~~على الظرف، لأن العامل في الحقيقة ليس هو الظرف؟ . # قيل له: لأن هذا الفعل لا يجوز أن يجري مجرى غيره من الأفعال في جواز ~~التصرف، لأنه قد خلفه الظرف، ومع هذا فإن هذا الفعل حكمه مسقطا بأن لا يجوز ~~إظهاره، فلما صار في حكم المسقط، وأقيم مقامه ما ليس بفعل، فضعف علمه. # فإن قال قائل: فكيف جاز أن تقول: (يوم الجمعة المال لك) فتنصب (يوم ~~الجمعة) بمعنى اللام، والظرف مفعول فيه، كما أن الحال مفعول فيها، فمن أين ~~اختلفا؟ # PageV01P372 # قيل له: إنما جاز ذلك في الظرف لاحتوائه على الجملة المتعلق بها، فصار في ~~هذا المعنى تقديمه وتأخيره سواء، وأما الحال فهي بمنزلة المفعول، وليس فيها ~~معنى الاحتواء، فوجب أن يراعى فيها قوة العامل وضعفه. واعلم أنما قبح من ~~النكرة لأن معناها ومعنى الصفة سواء، وذلك إذا قلت: جاءني رجل ضاحك، فإنما ~~أخبرتنا عن مجيء رجل ضاحك، ولم يجب أن يكون ضاحكا في حال خبرك، فلما اتفق ~~معنى الحال والصفة كان إجراء الصفة على ما قبلها أولى، لأن اختلاف اللفظ لا ~~يوجب اختلاف المعنى، فإذا وجب أن يوفق بين اللفظين، ويكون المعنى كمعنى ~~المختلف كان أولى. # فأما المعرفة فالحال فيها مختلف كحكم الصفة، وذلك أنك إذا قلت: جاءني زيد ~~الظريف، وجب أن يكون (الظريف) حالا له في حال خبرك، ولولا ذلك لم يحتج ~~إليها، لأن زيدا معروف، وأما الحال فلا يجب أن تكون في الخبر فاصلة، ولهذا ~~حسنت الحال من المعرفة، وقبحت من النكرة. # وقوله: أحسن ما يكون زيد قائما، فأحسن: رفع بالابتداء، و (ما) مع (يكون) ~~: في موضع خبره، لأنها مع الفعل مصدر، ولا تحتاج إلى عائد يعود عليها، إذا ~~كانت مصدرا، لأنها قد جرت في هذا الموضع مجرى (أن) ، فكما لا تحتاج (أن) ~~إلى عائد في قولك: أن يكون قائما أحسن فكذلك (ما) في هذا الموضع، وعند ~~الأخفش لا بد لها من عائد، لأنها أبدا عنده اسم، وإذا كانت اسما فلا بد لها ~~من عائد ms145 إليها، ففي هذه المسألة لا عائد عليها، إذ هي بمعنى # PageV01P373 # (أن) ، وهذا يدل على صحة قول سيبويه، ونصب (قائم) على الحال، والعامل ~~فيها فعل تقديره: إذا كان قائما، وإذ كان قائما، وإنما وجب إضمار (إذ وإذا) ~~لأنهما يدلان على الزمان الماضي والمستقبل، وليس تخلو حال الإنسان من أن ~~تكون ماضية أو مستقبلة، فلهذا وجب إضمار (إذ وإذا) لدلالة الكلام عليها. # واعلم أن الفعل إذا أضيف إلى جنس كان من جنس ما أضيف إليه، فلما أضيف ~~(أحسن) إلى المصدر وجب أن يكون مصدرا، والمصادر يكون خبرها ظروف الزمان، ~~فلهذا (51 / أ) احتجنا إلى إضمار (إذ وإذا) ، إذ كانا ظرفين من الزمان، ~~وموضعها نصب بإضمار (استقر) ، كما تقول: (القتال اليوم) ، ولا يجوز أن ~~تنصبهما ب (كان) ، لأنهما في موضع جر ب (إذ وإذا) ، والمجرور لا يجوز أن ~~يعمل في الجار. # فإن قال قائل: فهلا جعلت (قائما) نصبا على خبر (كان) أو (يكون) التي تلي ~~(ما) ؟ # قيل له: لا يجوز ذلك، لأنا لو نصبنا (قائما) على خبر (يكون) لكان مع ~~(يكون) من صلة (ما) ، وبقي (أحسن) بغير خبر، فلهذا بطل أن يكون خبر (يكون) ~~. # ووجه آخر: أنه لو كان خبرا لجاز أن يقع معرفة، والعرب لا تستعمل هذا إلا ~~نكرة، فدل ذلك على أنه حال، وليس بخبر، ولهذه العلة لم يجز أن يكون خبرا ل ~~(كان) المضمرة. # واعلم أن الحال إنما تجوز في هذا الجنس من المسائل متى كانت راجعة إلى ~~غير المصدر، كقولك: ضربي زيدا قائما، إنما هو راجع إلى زيد وإلى المتكلم، ~~وإذا كانت الحال راجعة إلى نفس المصدر، لم يكن فيها إلا الرفع، كقولك: ضربي ~~زيدا شديد، وإنما وجب الرفع، لأن الأول هو الثاني، فصار قولك: زيد قائم. # PageV01P374 # واعلم أنه إذا جاز أن تقول: (أرخص ما يكون السمن منوان) ، فتحذف خبر ~~(المنوين) الراجع إلى المبتدإ الأول، لأن السعر في نفوس الناس مستقر معلوم ~~بدلالة الكلام عليه، وأما الراجع إلى المبتدإ فإنما حسن حذفه هاهنا، لأن في ~~الكلام أيضا دليلا، أنه ms146 قد أحاط العلم أن (المنوين) ليسا جميع السمن، إذ ~~كان السمن اسم الجنس، فصار ذكره بعد السمن يدل على أنهما بعض له، والمحذوف ~~منه (من) التي للتبعيض، فلما كان في الكلام ما يدل عليه حسن حذفه. # وأما قوله: (أخذته بدرهم فصاعدا) فمعنى هذا الكلام: أنك أشرت إلى عدل ~~متاع وقع سعر ثوب منه بدرهم، ثم غلا السعر فزاد على الدرهم، فيكون التقدير: ~~أخذته بدرهم فزاد الثمن صاعدا، ونصب (صاعدا) على الحال، والعامل فيه (زاد) ~~، ولا يجوز أن تجعل بدل (الفاء) الواو، كما تقول: (أخذته وزيادة) ، لأن ~~قولهم: (أخذته بدرهم وزيادة) أنها إخبار عن شيء واحد وقع ثمنه الدرهم مع ~~زيادة، وأما أخذته بدرهم فصاعدا، فلست تريد أن تجعل (صاعدا) مع الدرهم ثمنا ~~لشيء واحد، وإنما الدرهم كان ثمنا لبعض # PageV01P375 # الجملة، ثم زاد السعر، وإذا كان كذلك صار إدخال الواو يبطل هذا المعنى، ~~ولو جئت ب (ثم) في موضع الحال، لجاز ذلك، إلا أن الفاء أحسن، وإنما كانت ~~الفاء أحسن للاستئناف الذي في معنى دخولها هنا. # PageV01P376 ### | (31 - باب حروف العطف) # اعلم أن (الواو) أصل حروف العطف، والدليل على ذلك أنها لا توجب إلا ~~الاشتراك بين الشيئين فقط في حكم واحد، وسائر حروف العطف توجب زيادة حكم ~~على هذا ألا ترى أن (الفاء) توجب الترتيب، و (أو) للشك، و (بل) للإضراب، ~~فلما كانت في هذه الحروف زيادة معنى على حكم العطف صارت في المعنى ~~كالمركبة، والواو مفردة، فصارت كالبسيط، والمركب بعد المفرد البسيط، فلهذا ~~صارت (الواو) أصلا. # واعلم أن (إما) (51 / ب) في العطف أصلها: (إن ما) فأدغمت النون في الميم، ~~والدليل على أن الأصل ما ذكرناه قول الشاعر: # (لقد كذبتك نفسك فاصدقنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر) # أراد: إما، والدليل على ذلك أنه لم يأت ل (إن) بجواب بعد البيت # PageV01P377 # ولا قبله، وذلك أن (الفاء) إذا دخلت على حرف الشرط، لم يجز أن يكون ما ~~قبلها جوابا لها، كقولك: أنا أحبك فإن أتيتني، ولو أسقطت (الفاء) صار ما ~~قبلها جوابا، فدل ms147 ما ذكرناه أن البيت لا يحتمل إلا معنى (إما) ، وإذا كان ~~كذلك صح أن أصلها من (إن وما) . # فإن قال قائل: (إما) هذه التي تكون للشك هي التي تكون للجزاء أو غيرها؟ # قيل له: هي هي، إلا أنها في الشك يلزم تكريرها، وإنما انتقلت للجزاء، لأن ~~الشرط يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون. # ومعنى (إما) في العطف إيجاب أحد الشيئين، لما تضارعا من هذا الوجه أدخلت ~~في العطف، أعني التي للجزاء مع (ما) . # واعلم أن (إما) في العطف إذا تكررت فإن العاطفة منها الثانية لا الأولى، ~~وإنما أدخلت الأولى لوجهين: # أحدهما: أن يكون الابتداء بالشك والتخيير، وإنما احتاجوا إلى ذلك، لئلا ~~يتوهم أن ما قبل (إما) منقطع مما بعدها، لأنه قد يستأنف بعدها الكلام، ~~فأدخلوا (إما) في الكلام ليعادلوا بين الاسمين، إن شاء الله. # وأما (بل) فتستعمل على ضربين: # أحدهما: بعد النفي. # والآخر: بعد الإيجاب. # وإذا استعملت بعد النفي كان خبرا بعد خبر، والثاني موجب، والأول منفي، ~~كقولك: ما جاء زيد بل عمرو. وإن استعملت بعد الواجب فما قبلها يذكر # PageV01P378 # على وجهين: إما على طريق الغلط، وإما على طريق النسيان كقولك: جاء زيد بل ~~عمرو، وإنما صار الأول غلطا أو نسيانا، لأنك أثبت للذي أتيت به بعد الأول ~~المجيء، وأضربت عنه عن الأول، فعلم أنه مرجوع فيه، وما جاء في القرآن من ~~كلام الله تعالى و (بل) مستعملة فيه بعد إيجاب، فهو على تقدير خبر واجب، ~~لأن الله عز وجل لا يجوز عليه الغلط والنسيان، فلهذا قدرناها على ما ذكرنا. # وأما (لكن) : فإنها إذا استعملت بعد النفي جرت مجرى (بل) بعد النفي، وإذا ~~استعملت بعد الإيجاب، لم يجز أن يقع بعدها إلا جملة مضادة للجملة التي ~~قبلها، كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يجيء وإنما لم يجز أن تقول: جاءني زيد ~~لكن عمرو، وتسكت، لأن ذلك يوجب الغلط، لما ذكرناه، فقد استغني في ذلك ب ~~(بل) ، إذ لا تحتاج العرب أن تكثر الحروف الموجبة للغلط، فإذا كان كذلك، ~~وجب أن ms148 يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها، ليكونا خبرين مختلفين. # PageV01P379 ### | (32 - باب الصفة) # اعلم أن الأصل ألا توصف المعارف، لنها وضعت في أول أحوالها تدل على شخص ~~بعينه لا يشاركه فيه غيره، وذلك أنهم سموا الشخص زيدا، على تقدير أنه ليس ~~في العالم قد سمي بزيد سواه، ثم التسمية للآخر على هذه النية، فلما كانت ~~الأشخاص أكثر من الأسماء، اشترك في الاسم الواحد جماعة. # فإن قال القائل: جاءني زيد، فخاف ألا يعرف المخاطب زيدا الذي بعينه، ~~لاشتراك جماعة فيه بينه بالنعت، فصارت (52 / أ) نعوت المعارف دواخل عليها، ~~إذ أشبهت النكرة من هذا الوجه. # , أما النكرة: فالأصل فيها أن تنعت، لأن الغرض من النعت تخصيص المنعوت، ~~فلما كانت النكرات مجهولة، احتاجت إلى التخصيص وإنما صار الاسم العلم ~~معرفة، لأنها وضع دلالة على شخص واحد بعينه من بين سائر أمته، فلهذا صار ~~معرفة. # وأما ما فيه الألف واللام: فإنما يذكر لمعهود قد عرفه المخاطب، فيذكره ~~بدخولهما هذا الشخص الذي قد عهده، فلما كانت تدل على شخص بعينه صار الاسم ~~بها معرفة. # وأما المضمر: فإنما صار معرفة، لأنك لا تضمر الاسم حتى تعرفه، فصار ~~المضمر يدل على شخص بعينه. # PageV01P380 # وأما المبهم: فإنما صار معرفة بالإشارة التي فيه، فصارت الإشارة - إذ كان ~~يقصد بها شخص بعينه - تجري مجرى ما فيه الألف واللام. # وأما النكرة فحدها: أن يكون الاسم واقعا على اثنين فصاعدا، يشتركان في ~~التسمية، ألا ترى أن قولهم: رجل، يدل على من كان له بنية مخصوصة بهذا ~~الاسم، وليس كذلك الأسماء الأعلام، لأنها وضعت للدلالة على معنى يخص الاسم، ~~ألا ترى أن أنقص البرية قد يجوز أن يسمى بزيد، وزيد مأخوذ من الزيادة، ~~فعلمت لما ذكرنا. # واعلم أن حق النعت أن يكون تعريفه أنقص تعريفا من المنعوت، ولا يجوز أن ~~تنعت الاسم بالأخص، وإنما وجب ما ذكرنا، لأن المخاطب إذا كان قصده تعريف ~~مخاطبه، وجب أن يذكر له أخص الأسماء التي يعرفها المخاطب في الشخص، حتى ~~يستغني بها عن التطويل بالنعت، وإذا ذكر ms149 أخصها، لم يخل المخاطب من أن يعرفه ~~أو لا يعرفه، فإن عرفه لم يحتج إلى زيادة بيان وإن أشكل عليه بين بأخص صفة ~~فيه، حتى يعرفه المخاطب، إذ كان اجتماع الأوصاف في شخص واحد لا يكاد يشاركه ~~فيها إلا اليسير، فلهذا تعرف بكثرة الوصف، فإذا ثبت ما ذكرناه، جاز أن ينعت ~~الاسم العلم بثلاثة أشياء: # أحدها: ما فيه الألف واللام. # والثاني: المبهم. # PageV01P381 # والثالث: المضاف إلى المعرفة. # وإنما صار الاسم أخص من هذه الأشياء، لأنه وضع في أول أحواله عليه وصفا ~~واحدا من بين سائر الأشخاص، وليس كذلك ما فيه الألف واللام، لأن الألف ~~واللام توجب على المخاطب تذكر العهود، والاسم العلم تذكرة، إذ كان موضوعا ~~لا يشاركه في هذا الاسم غيره، والعهد قد يقع في أشياء مختلفة، فلما كانت ~~الألف واللام توجب ما ذكرنا من التذكر حتى يعرف الشخص بعينه، صار أنقص رتبة ~~مما لا يحتاج إلى تذكرة. # وأما المبهم: فليس موضوعا لشيء بعينه، ألا ترى أن الإشارة لا تختص بزيد ~~دون عمرو، فلما احتاج المشير إلى الشخص أن يميز بين الشخصين حتى يعرف ~~المشار إليه بعينه، صار هذا الحكم أنقص رتبة من الأعلام، لأنه يعرف بغيره ~~فصار تعريفه فرعا، فلذلك صار أنقص من الأعلام مرتبة. # وأما المضمر: فإنه لا يجوز نعته، لأنك لا تضمره حتى يعرفه المخاطب. # وأما ما فيه الألف واللام: فلا يجوز أن ينعت بالأسماء المبهمة، لو قلت: ~~مررت بالرجل هذا، وأنت تجعل (52 / ب) (هذا) نعتا ل (الرجل) لم يجز، لأن ~~المبهم أخص مما فيه الألف واللام، والدليل على ذلك أن تعريف ما فيه الألف ~~واللام يتعلق بالقلب والعين جميعا، فصار ما فيه تعريفان أقوى مما فيه تعريف ~~واحد، ولذلك جاز أن تنعت المبهم بما فيه الألف واللام، ولم (يجز) أن # PageV01P382 # ينعت ما فيه الألف واللام بالمضاف إلى الأعلام والمضمرات، لأن العلم ~~المضاف أكثر تعريفا مما فيه الألف واللام لما بيناه، والمضاف يكتسب تعريفا ~~من المضاف إليه، فيصير المضاف إلى العلم والمضمر كأن فيه تعريفهما، فلذلك ms150 ~~لم يجز أن يكون نعتا لما فيه الألف واللام. # وأما المبهمات: فإنما أصلها أن تنعت بأسماء الأجناس، لأن الإشارة تقع ~~أولا إلى ذات الشخص، فينبغي إذا أشكل أمر الإشارة أن يبين بما تقتضيه ~~الإشارة، وهو اسم، وإذ ذكرت الجنس فما أشكل بعد ذلك ذكرت الصفة المشتقة من ~~الأفعال، كقولك: يا هذا الرجل الظريف، وقد يجوز أن تقول: مررت بهذا الظريف، ~~على وجهين: # أحدهما: أن تجعل (الظريف) عطف بيان ل (هذا) . # والثاني: أن تقيم الصفة مقام الموصوف. # ولا يجوز أن تنعت المبهمات بالمضاف الذي فيه الألف واللام، لأن الإشارة ~~تطلب العهد من الألف واللام، وكذلك صارت المبهمات مع نعوتها كالشيء الواحد، ~~ولا يجوز الفصل بينهما لما أحدثت في نعتها من المعنى، وهو إبطال العهد، ~~والدليل على ذلك أنك تقول جاءني هذا الرجل، من غير تقدمة ذكر، ولو قلت: ~~جاءني الرجل، ولم يتقدم عهد بينك وبين المخاطب فيه، لم يجز، فبان أن الألف ~~واللام يسقط منها حكم العهد بالإشارة، ولو جاز أن تنعت المبهمات بالمضاف ~~إلى الألف واللام، لصار المضاف معرفة بهما، وصار في حكم # PageV01P383 # المعهود، ولأجل تقدم الإشارة يجب أن يكون المشار إليه غير معهود، لأنه لا ~~يجوز اسم في حال واحدة معهودا، وهو غير معهود. # واعلم أن في الأسماء أسماء تضاف إلىالمعرفة ولا تكون معرفة، لمعان تدخل ~~فيها، فمن ذلك: (شبهك ومثلك) ، لم يتعرفا بالإضافة، لأن المماثلة تكون من ~~جهات، وإنما تفيد المخاطب أنه مثله، وليس يعلم من أي وجه يماثله، فلذلك لم ~~يتعرفا ألا يكون شخصان وقد اشتهرا في الشبه بين الناس، فيكون على هذا الوجه ~~معرفة، فتقول: مررت برجل مثلك وشبهك، المعروف بشبهك، فلذلك تعرف على هذا ~~الوجه. # وأما (حسبك) بمعنى: حسب الاكتفاء، وهو مبهم، فلذلك لم يتعرف. # وأما (شبيهك) : فلا يكون إلا معرفة لأنه من أبنية المبالغة، فصارت ~~المبالغة فيه تؤدي عن شبه المعروف، فلذلك تعرف. # وأما (غيرك) : فلا يكون إلا نكرة، لأن معناه عند المخاطب مجهول، فلذلك لم ~~يقع معرفة. # وأما باب (حسن الوجه) : فالأصل فيه ms151 أن يستعمل في غير المتعدية، نحو: ~~ظريف، وحسن، وكريم، وما أشبه ذلك، فتقول: مررت برجل حسن وجهه، # PageV01P384 # ف (حسن) : نعت ل (الرجل) ، والهاء في (وجهه) ترجع إلى الرجل، والوجه: ~~فاعل للحسن، فإن ثنيت الأول أو (53 / أ) جمعته، أو أنثته لم تغير لفظ (حسن) ~~، لأن الوجه مذكر، والفعل إنما يؤنث إذا كان فاعله مؤنثا، فلما كان فاعل ال ~~(حسن) مذكرا ليست فيه علامة التأنيث، ولم يثن ولم يجمع لظهور فاعله، فإن ~~نقلت الضمير من (الوجه) إلى (حسن) صار الفعل للضمير، ووجب أن تعتبر حال ~~الضمير، فإن كان مذكرا ذكرت فعله، وإن كان مؤنثا لحقته علامة التأنيث، ولم ~~يعتد ب (الوجه) ، وثنيته وجمعته بحصول الضمير فيه، فإذا استقر ما ذكرناه ~~فبقي (الوجه) يحتاج إلى إعراب، وليس يجوز أن يبقى مرفوعا، لأنه لا يكون ~~لفعل واحد فاعلان، فسقط رفعه، ولم يبق له من الإعراب إلا النصب، والجر أولى ~~به، لأن هذه الصفة ليست بمعنى فعل متعد، فيستحق ما بعدها النصب، فوجب أن ~~يجري مجرى: غلام زيد، إلا أنك لما نقلت الضمير من (الوجه) اختارت العرب أن ~~تعوض منه الألف واللام، لأن الألف واللام هما بمعنى الضمير، لأنهما يعرفان ~~ما دخلا عليه، كما يعرف الضمير، ومع ذلك فإن الألف واللام لما كانت للعهد، ~~والمعهود غائب جرتا مجرى الضمير، إذ كان للغائب، أعني الضمير، فلذلك كانتا ~~بالعوض أولى من سائر الحروف، فتقول على هذا: مررت برجل حسن الوجه، وبامرأة ~~حسنة الوجه، وقد يجوز أن تنون الصفة، وتنصب الوجه، تشبيها بضارب، وإنما جاز ~~أن يحمل عليه، لاشتراكهما في الصفة، وأنهما اسما فاعلين، والتثنية والتأنيث ~~تلحقهما، فجريا مجرى شيء واحد، فجاز أن يحمل أحدهما على الآخر، فتقول: مررت ~~برجل حسن الوجه، ويجوز ألا تعوض من الضمير، لأنه قد علم أن الوجه للأول، إذ ~~كانت هذه الصفة ليست متعدية، وكان إسقاطها أخف عليهم. فإذا أسقطت الألف ~~واللام، جاز لك وجهان: الجر والنصب، فالجر # PageV01P385 # على الأصل، والنصب على التشبيه بالمفعول. # ويجوز أن تدخل الألف واللام على الصفة، لأنها ms152 لم تتعرف بما أضيف إليها ~~وإن كان معرفة، وإنما لم تتعرف به، لأن المجرور فاعل في المعنى، والفاعل لا ~~يعرفه فعله، فلما كانت إضافته لا يتعرف بها، وكان حقه من جهة اللفظ أن يعرف ~~لعلة، فلما منع ما يكون في نظيره جوزوا فيه جمع الألف واللام والإضافة، ~~فتقول: مررت بزيد الحسن الوجه، ويجوز أن تنصب (الوجه) على التشبيه ~~بالمفعول، وإن أسقطت من الوجه الألف واللام، لم يكن إلا منصوبا، لأن إضافته ~~كانت على أصلها، إذ كان شرط النكرة إذا أضيفت إلى معرفة أن تتعرف، فلما جرى ~~في بابه مجرى إضافة النكرة إلى المعرفة التي تعرف المضاف، وكانت الألف مع ~~هذه الإضافة لا يجتمعان أيضا أن تجتمع الألف واللام مع الإضافة إلى النكرة. # واعلم أن الفاعل في هذا الباب إذا كان مضافا إلى سببه الموصوف، جاز فيه ~~هذه الثمانية الأوجه، كقولك: زيد حسن وجه أخيه، وزيد حسن وجه الأخ، وزيد ~~حسن وجه الأخ، وزيد حسن وجه أخ، وزيد الحسن الوجه الأخ (53 / ب) وزيد الحسن ~~وجه الأخ. # واعلم أن الفائدة في هذا النقل اختصار الكلام والمبالغة في مدح الأول، ~~وذلك أنك إذا نقلت الضمير خف اللفظ بالنقل، لاستتار الضمير في الفعل، وصارت ~~الصفة في اللفظ الأول، ولذلك صار مدحها. # PageV01P386 ### | (33 - باب التوكيد) # اعلم أن الغرض في البدل خلاف الغرض في النعت، وذلك أن النعت إنما يؤثر به ~~بيانا للمنعوت، فيصير في التقدير كجزء من المنعوت. # وأما البدل: فالغرض منه أن يجمع المخاطب البدل والمبدل منه، على أنه قد ~~يجوز أن يفهم بالمبدل منه وحده، وقد يجوز أن يفهم بهما جميعا، كقولك: مررت ~~بأخيك زيد، فالمخاطب يجوز أن يعرف زيدا باسمه، أو بأنه أخ للمخاطب أو ~~بمجموعهما، فلهذا الفصل بين البدل والنعت. # وأما التوكيد: فالغرض إثبات الخبر عن المخبر عنه، وذلك أنك إذا قلت: ~~جاءني زيد نفسه، أخبرت أن الذي تولى المجيء هو بعينه، فلذلك دخل التوكيد في ~~الكلام، ولهذه العلة لم يجز أن تؤكد النكرة، لأنه ليس لها عين ثابتة ~~كالمعارف، ms153 فلم يحتج إلى إثباتها إذا كانت لا تثبت بالتوكيد، فلهذا أسقط ~~التوكيد عنها، ولما كانت المضمرات معارف جاز توكيدها، لأن أعيانها ثابتة، ~~إلا أن يكون المضمر مجهولا فلا يجوز توكيده كالمضمر بعد (رب) ، نحو قولك: ~~ربه رجلا، وكالمضمر بعد (نعم وبئس) وما أشبه ذلك. # واعلم أن الأسماء التي يؤكد بها لها مراتب، ف (النفس والعين) : يجب # PageV01P387 # تقديمهما على كل حال، وإنما كانا بالتقديم أولى، لأنهما قد يستعملان غير ~~مؤكدين، كقولك: نزلت بنفس الجبل، ورأيت عين زيد، فلما كانا يستعملان مفردين ~~لغير معنى التوكيد، وكان (كل وأجمعون) لا يجوز أن يستعملا إلا تابعين، أو ~~في تقدير التابع وجب أن يقدم ما يقوم بنفسه على التابع. وأما تقديم (كل) ~~على (أجمعين) فإنما ذلك لأن (كلا) قد تستعمل مبتدأة، كقولهم كلهم منطلقون، ~~ولا يجوز أن تقول: أجمعون منطلقون، فلما كانت (كل) قد تستعمل مبتدأة، وليس ~~قبلها ما يتبعه، وكانت (أجمعون) لا تستعمل إلا تابعة، وجب أن يتقدم الأقوى، ~~أعني (كلا) . وأما (أجمعون) فيقدم على (أكتعين وأبصعين) ، وإنما وجب ~~تقديمها عليها، لأنها ليست بمشتقة اشتقاقا بينا، و (أجمعون) مأخوذة من ~~الاجتماع المعروف، فلما قوي معنى (أجمعين) - لأنها مشتقة - تقدمت (أكتعين) ~~، وإن كان يجوز في (أكتعين) أن يشتق من قولهم: (مر عليه حول كتيع) ، أي: ~~تمام، فإن تركت (أجمعين) فقلت: مررت بالقوم أكتعين، أو أبتعين، أو أبصعين، ~~أو جمعت بينها من غير أن تذكر (أجمعين) لم يجز، فزاد هذا الاتباعات من غير ~~أن يتقدمها (أجمعون) ، فإن قدمتها جاز أن تذكر ما شئت بعدها من التوابع، ~~وإذا شئت قدمت بعضها على بعض، لأنها متساوية في هذا الحكم، فلذلك اتفقت ~~أحكامها في ما ذكرناه، (54 / أ) وحكم المؤنث في هذا كحكم المذكر. # فإن قال قائل: قد علمنا أن (كلهم وأنفسهم) يتعرفان بالإضافة، فمن أين # PageV01P388 # زعمت أن (أجمعين) معرفة؟ # قيل له: لأن جمعه أقيم مقام الإضافة، أي: مقام إضافته إلى ما يعرفه، إذ ~~كان الأصل أن تقول: مررت بالقوم أجمعهم، فحذف لفظ الضمير، وأقيم الجمع ~~بالواو والنون مقامه. ms154 # فإن قال قائل: فلم كرهوا: مررت بالقوم أجمعهم؟ # قيل له: لأن (أجمع) على وزن (أفعل) ، ومن شرط (أفعل) إذا أضيف إلى شيء أن ~~يكون بعضه، فلو قالوا: مررت بالقوم أجمعهم، لتوهموا أن القوم بعض الهاء ~~والميم، وإنما غرضهم أن يخبروا عن جميع القوم، فلذلك عدلوا عن إضافته في ~~اللفظ، وأتوا بالواو والنون، ليدلوا بذلك على استغراق المذكورين. # فأما (كلا) : فهي عند البصريين اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما. # وأما الفراء فيقول: هو مثنى، وهو مأخوذ من (كل) ، فخففت اللام وزيدت ~~الألف للتثنية، ويحتج بقول الشاعر: # (في كلت رجليها سلامى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائدة) # فأفرد (كلا) ، وهذا القول ليس بشيء، وذلك أنه لو كان مثنى لوجب أن # PageV01P389 # تنقلب ألفه في الجر والنصب ياء مع الاسم المظهر، فلما وجدناه بالألف في ~~جميع الإعراب، علمنا أن ألفه ليست للتثنية، ومن جهة المعنى، فإن معنى (كلا) ~~مخالفة لمعنى (كل) ، لن (كلا) للإحاطة، و (كلا) تدل على شيء مخصوص، فعلمنا ~~أيضا في المعنى أنه ليس أحدهما مأخوذا من الآخر، وإنما حذف الشاعر الألف من ~~(كلتا) للضرورة، وقدر أنها زائدة، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة. # فإن قال قائل: فلم صار (كلا) بالياء في النصب والجر مع المضمر، ولزمت ~~الألف مع المظهر، وكذلك هي في الرفع مع المضمر بالألف؟ # قيل له: إن حقها أن تكون بالألف في جميع الجهات، كما أن (معى) لا تختلف ~~ألفه إذا اتصلت بمضمر أو مظهر، إلا أن (كلا) لما كانت لا تنفك من الإضافة، ~~شبهت ب (على وإلى) ، فجعلت مع المضمر في النصب والجر بالياء، لأن (كلا) لا ~~تقع إلا منصوبة أو مجرورة، ولا تستعمل مرفوعة، فبقيت (كلا) في الرفع على ~~أصلها مع المضمر، لأنها لم تشبه (على) في هذه الحال. # فأما (كلتا) التي للمؤنث: فبين أصحابنا فيها اختلاف، أما سيبويه # PageV01P390 # فيقول: ألفها للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل، وهي واو، والأصل (كلوا) ~~، وإنما أبدلت تاء، لأن في التاء علم التأنيث، والألف في (كلتا) نظير (يا) ~~مع المضمر، ms155 فتخرج عن علم التأنيث، فصار إبدال الواو تاءا تأكيدا للتأنيث، ~~فلهذا أبدلوها. وأما الجرمي، فكان يقول: وزنها (فعتل) والتاء ملحقة، والألف ~~لام الفعل. وقول سيبويه أقوى، لأن التاء في (كلتا) لو كانت للإلحاق المحض، ~~وليس فيها من حكم التأنيث ما ذكرناه، لوجب أن تثبت في النسبة، فيقال: ~~كلتوي، أجمعوا على إسقاطها في النسبة دل ذلك على أنهم قد أجروها مجرى التاء ~~في (أخت) . # PageV01P391 ### | (34 - باب التمييز) # اعلم أن التمييز إنما وجب أن ينصب على التشبيه بالمفعول، لأن ما قبله ~~تقدير الفاعل على طريق (54 / ب) التشبيه، وذلك أنك إذا قلت: عندي عشرون ~~درهما، فالنون منعت الدرهم من الجر، كما منع الفاعل من الرفع، يعني من رفع ~~المفعول، فصارت النون كالفاعل، وصار التمييز كالمفعول. # وكذلك قولهم: خمسة عشر درهما، وإنما انتصب الدرهم لأن التنوين فيه مقدر، ~~وإنما حذف لأجل البناء، كما يحذف لمنع الصرف، وكل تنوين حذف للإضافة وللألف ~~واللام، فحكمه مراد، لأنه لم يدخل على الكلمة ما يعاقبه، فلذلك وجب النصب. # وكذلك إذا قلت: لي مثله وزنا، فالهاء منعت (الوزن) من الجر، فصارت الهاء ~~كالفاعل، فلذلك انتصب (الوزن) . # واعلم أنه لا يجوز أن تقدم شيئا من التمييز على ما قبله لأن العامل فيه ~~ضعيف، لأنه ليس بفعل متصرف، والمنصوب به مفعول في الحقيقة، فلذلك ضعف ~~تقديمه. # وأما قولهم: (هو يتصبب عرقا، ويتفقأ شحما) ، ففيه خلاف. # أما سيبويه: فكان لا يرى التقديم في هذا الباب، وإن كان العامل فيه فعلا. # PageV01P392 # وأما المازني: فكان يجيز تقديم التمييز، إذا كان العامل فيه فعلا، ويشبهه ~~بالحال. # فأما حجة سيبويه في امتناعه من ذلك، فإن التمييز في هذه الأفعال فاعل في ~~الحقيقة وذلك أنك إذا قلت: تصبب عرقا، فالفاعل العرق في المعنى ولكنه نقل ~~عنه إلى الشخص، فلما كان فاعلا في المعنى، وكان الفاعل في الأصل لا يجوز ~~تقديمه إلا على نية التأخير، كذلك لا يجوز أن يقدم هذا إذ كان فاعلا. # فإن قال قائل: قد جاء في الشعر قوله: # (أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ ... وما ms156 كان نفسا بالفراق تطيب) # فالجواب في ذلك: أن (النفس) منصوبة بإضمار فعل على طريق التبيين، كأنه ~~قال: وما كان تطيب بالفراق، ثم قال: نفسا، فإذا أمكن أن يكون منصوبا ب ~~(أعني) ، لا ب (تطيب) ، لم يكن لمن احتج به حجة على سيبويه. # فإن قال قائل: فلم نقلت هذه الأسماء عن كونها فاعلة، ولم تستعمل على ~~أصلها؟ # قيل له: الفائدة في ذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا الفعل للجثة، ويجعلوا هذه ~~الأسماء تبيينا، لأن الجثة توصف بذلك، فقد يمكن أن يكون المتصبب منها العرق # PageV01P393 # وغيره، فإذا جعلوا الفعل للجثة، جاز أن يتصل بها جميع ما بتعلق بها، ولو ~~جعل الفعل للعرق، فقالوا: تصبب عرق زيد، وتصبب ماء زيد، لم يكن فيه دلالة ~~على ذلك متصل به، فلذلك تغير الفعل على فاعله لهذا المعنى، فاعرفه. # PageV01P394 ### | (35 - باب الاستثناء) # إن قال قائل: لم وجب أن ينصب المستثنى من الموجب، نحو: جاءني القوم إلا ~~زيدا، ولم يجز البدل منه، كما جاز في النفي، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد؟ # فالجواب في ذلك: أن البدل مستحيل، وذلك أن المبدل منه يجوز أن يقدر كأنه ~~ليس في الكلام، وإذا قدرنا على هذا، صار اللفظ: جاءني إلا زيد، لأنه يوجب ~~مجيء العالم بأجمعهم إليه سوى زيد، وليس يستحيل هذا في النفي، لأنك إذا ~~قلت: ما جاءني أحد إلا زيد، فالكلام صحيح، لأنه يجوز أن ينفى مجيء العالم ~~سوى مجيء زيد، فلذلك لم يجز البدل في الإيجاب. # فإن قال قائل: (55 / أ) فلم صار البدل في النفي أجود من النصب على ~~الاستثناء؟ # ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أن البدل مطابق للفظ ما قبله، ومعناه ومعنى الاستثناء سواء، فلما ~~كان المعنى واحدا، كانت مطابقة اللفظ أولى من اختلاف يوجب تغيير حكم، فلذلك ~~كان البدل أجود. # والوجه الثاني: أن البدل يجري في تعلق العامل به كمجراه في سائر الكلام ~~ويعمل فيه من غير تشبيه، فغيره والمنصوب على الاستثناء يشبه بالمفعول به، ~~فكان ما يجري على الأصل أقوى من المشبه. # فإن قال قائل: ms157 فهلا جعلتم (إلا) هي العاملة في الاستثناء دون التشبيه ~~بالمفعول؟ # PageV01P395 # فالجواب في ذلك: أن (إلا) لو كانت عاملة ما جاز أن يقع (ما) بعدها ~~مختلفا، فلما وجدنا ما بعدها مختلفا، منصوبا ومخفوضا ومرفوعا، ومعناها ~~قائم، علمنا أنها ليست بعاملة، ويدل على ذلك أيضا أنا لو وضعنا في موضعها ~~(غير) لانتصب (غير) ، كقولك: جاءني القوم غير زيد، فلما انتصب (غير زيد) ~~وناب عن (إلا) ، علمنا أن الناصب هو الفعل المتقدم، إذ كان الشيء لا يعمل ~~في نفسه، فصح أن المنصوب في الاستثناء إنما عمل فيه فعل متقدم لا (إلا) ، ~~وإنما كان النصب الوجه فيما ليس من جنس الأول، لأنه متى حمل عليه في البدل، ~~وجب أن يحمل الكلام على المجاز، ويقدر الاسم الأول كأنه من جنس الثاني، إذ ~~شرط البدل أن يكون هو المبدل أو بعضه، فلما كان حمل ما ليس من جنس الأول ~~على الثاني يحتاج إلى تأويل، فإن النصب الوجه، لأنه لا يحتاج إلى تأويل. # PageV01P396 ### | (36 - باب الحروف التي يجر بها من حروف الاستثناء) # اعلم أن (حاشى) عند سيبويه حرف، وعند أبي العباس المبرد فعل، ويجوز أن ~~تكون حرفا وفعلا. # فأما حجة سيبويه: أنها لا تكون إلا حرفا بإجماع النحويين، على أنها لا ~~تكون صلة ل (ما) مع كونها متصرفة عندهم، دل ذلك على أنها ليست بفعل. # واحتج أبو العباس في كونها فعلا بأشياء: # أحدها: قول النابغة: # (ولا أحاشي من الأقوام من أحد ... ) # فلما تصرفت علم أنها فعل. # ومنها: أنه قال: وجدنا الحذف يدخلها، كقولك: حاش لزيد، والحذف إنما يقع ~~في الأفعال والأسماء دون الحروف. ومنها: أنه قال: سمع من العرب: (اللهم ~~اغفر لي ولمن سمع حاشى # PageV01P397 # الشيطان وأبا الأصبع) . # ومنها أنه قال: لو كانت حرفا لما جاز أن يتصل بها لام الجر، إذ كان حرف ~~الجر لا يدخل على حرف جر. # وجميع ما ذكره أبو العباس يمكن تأويله، فإذا أمكن تأويله، كان ما حكى ~~سيبويه أولى، لأن ذلك متعلق بالحكاية عن العرب، فلذلك صار قول سيبويه أقوى. # وأما ms158 قول النابغة، فإنما اشتق من (حاشى) ، كما يقول القائل: قد حولق ~~الرجل، وبسمل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وببسم الله، فكذلك تقدير ~~قول النابغة، أي: هذا المعنى الذي في (حاشى) لا يمتنع قوله لجميع الناس. # فإذا أعمل ذلك، لم يكن في البيت حجة. # فأما الحذف الذي ذكره فقد يوجد في الحرف مثله، نحو (رب ومذ) ، فيجوز أيضا ~~أن يحذف من (حاشى) ، لكثرة استعمالهم إياها، ولاتصال الكلام بها. # وأما الجمع بينها وبين اللام، فتقدير ذلك (55 / ب) أن تكون اللام التي ~~للجر متعلقة بفعل آخر، أو تكون زائدة، فإذا كانت زائدة فلا شبهة في الكلام ~~وإذا كانت متعلقة بفعل، فالتقدير في قولك: ضربت القوم حاشى لزيد، لأنك لما ~~قلت: حاشى، أردت أن تبين من المميز، فقلت: لزيد، أي: أعني. # فإن قال قائل: كيف يتبين كلام غير تام، وإنما يتبين الكلام إذا تممه ~~المتكلم ولم يفهمه المخاطب، فحينئذ يجب البيان؟ # قيل: قد حكى سيبويه مثل هذه المسألة، فقال: (إنه المسكين أحمق) وقال: هذا ~~على طريق التبيين، يعني: هو المسكين، فإذا كان قد بين، فهو وخبر # PageV01P398 # (إن) بعد لم يحصل، لأنه قوله: أحمق، فجاز مثل هذا على هذا، إن شاء الله. # (وأما خلا) : فلا خلاف في كونها فعلا وحرفا، وإذا كانت فعلا نصبت ما ~~بعدها، لأن فيها ضمير الفاعل، لأن الفعل لا يخلو من فاعل، فلما استغنى ~~الفعل بفاعله، صار المستثنى فضلة كالمفعول، فلذلك انتصب. # فإن قدرت (خلا) حرفا خافضا خفضت ما بعدها. # ونظير خلا (عدا) ، لأنها قد تكون حرفا وفعلا، فإذا أدخلت (ما) على (خلا) ~~لم يجز أن تكون إلا فعلا، لأن (ما) إنما توصل بالفعل إذا كانت مصدرا، لأنها ~~تصير مع الفعل مصدرا، ولا يجوز أن توصل بالحروف، فلذلك وجب أن تكون (خلا) ~~مع (ما) فعلا غير حرف، فإذا كانت فعلا وجب النصب فيما بعدها. # فإن قال قائل: فما موضع (ما) مع (خلا) ؟ # فالجواب في ذلك: أن يكون نصبا، لأنه اسم جاء بعد استغناء الفعل بفاعله، ~~فلذلك وجب ms159 أن يكون موضعها نصبا. # وأما (غير) : فهي اسم، وتقع في الاستثناء موقع (إلا) ، فإن كان الاسم ~~الذي قبلها مرفوعا منفيا رفعتها، وكذلك إن كان مخفوضا خفضتها، وإنما وجب ما ~~ذكرنا، لأن (غير) عاملة، فإذا حلت محل (إلا) ، وجب أن يخفض # PageV01P399 # المستثنى على جميع الوجوه، ولا بد ل (غير) من إعراب، فنقل إعراب المستثنى ~~إليه، ليدل ذلك على أنها قامت مقام حرف الاستثناء. # وأما (سواء) الممدودة: فيجب أن تكون منصوبة بالفعل الذي قبلها على جميع ~~الجهات، لأنها ظرف غير متمكن، فلم يجز أن ينقل إليها الإعراب مما بعدها، ~~فترفع وتخفض، لأن ذلك يؤدي إلى تمكنها، وهي غير متمكنة، فلذلك لزمت وجها ~~واحدا. # وحكم المقصورة كحكم الممدودة، وإن لم يظهر فيها الإعراب. # واعلم أن الجرمي ترجم باب الاستثناء بالحروف على طريق المسامحة، إذ كان ~~أصل الباب (إلا) ، فلذلك غلب حكم الترجمة للحروف. # فإن قال قائل: لأي شيء أن اصل الاستثناء ب (إلا) ؟ # قيل له: لأنه لا يخرج عن معناه، ولا يفيد غيره. وأما سواها مما يستثنى ~~به، فيخرج عن الاستثناء لمعان تدخله، فصار في الحكم زائدا على حكم (إلا) ، ~~فوجب أن يكون فرعا في الباب، إذ زاد حكمه على ما يقتضيه حكم الباب، وكانت ~~(إلا) مختصة بما يقتضيه الباب، فلذلك وجب أن تكون أصلا في الباب، وإنما ~~استثني # PageV01P400 # بجميع ما ذكرنا على طريق التشبيه ب (إلا) . # فأما (غير) فإنما دخلت في الاستثناء، لأنها توجب إخراج من عدى المضاف (56 ~~/ أ) إليها من الحكم المتقدم فعلها، كقولك: مررت برجل غيرك، فمعناه: أني ~~اقتطعت بمروري آخر من الناس كلهم، والاستثناء إنما هو اقتطاع شيء من شيء، ~~فلما ضارعت معنى الاستثناء، أدخلت فيه حكم (سوى) ، وحكم (سوى) كحكم (غير) ~~لتقارب ما بينهما من المعنى. # فأما (حاشى) : فمعناها تنزيه المذكور بعدها عما حصل لغيره، فصارت منقطعة ~~له من غيره، فلذلك دخلت في الاستثناء. # فأما (خلا وعدا) : فمعناهما المجاوزة، والمجاوزة للشيء فيها معنى ~~الانقطاع لمن جاوزته دون غيره فلذلك أدخلها في الاستثناء. # فأما (ليس ولا يكون) : فاستعملتا ms160 أيضا في الاستثناء، لأن النفي يوجب ~~إخراج المنفي من حكم غير المنفي، فإن ثبت له معنى آخر فصار فيها معنى ~~الانقطاع فدخلا في حكم الاستثناء فإنما خصا بهذا [هذه] الأفعال من بين سائر ~~الأفعال، لأن (ليس) تضمنت معنى النفي، فلو استعمل غيرها احتيج إلى حرف آخر ~~معها، فلو تضمنت معنى حرف النفي، كانت أولى بالاستعمال، لنيابتها عن فعل ~~وحرف، إذ هي لتضمنها معنى الحرف تشبه ب (إلا) . # وأما (إلا أن يكون) : فاستعملت لكثرة دوران (أن ويكون) في الكلام. # PageV01P401 # واعلم أن (ليس ولا يكون) : معناهما في الاستثناء معنى الإيجاب، لأنهما ~~أقيما مقام (إلا) للإيجاب، فلذلك لم يكونا للنفي، فإذا قلت: أتاني القوم ~~ليس زيدا، فهو بمعنى قولك: أتاني القوم إلا زيدا، وإنما استويا في هذا ~~الحكم لأن (إلا) تخرج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما أن النفي له هذا ~~الحكم، فلهذا استويا. # واعلم أن (ليس، ولا يكون) إذا أريد بهما الاستثناء ففيهما ضمير اسمهما، ~~ولا يثنى ذلك الضمير ولا يجمع، ولا يؤنث، وإن كان ما قبله مؤنثا، كقولك: ~~جاءني النسوة ليس فلانة، وتقدير المضمر: ليس بعضهم فلانة، وكذلك: لا يكون ~~بعضهم فلانة، وإنما قدر الضمير بتقدير (البعض) ، لأن البعض ينتظم الواحد ~~فما فوقه، وهو مذكر في اللفظ، وإن كان مضافا إلى مؤنث، فلذلك لزما وجها ~~واحدا، وإنما وجب ذلك، لأنهما قاما مقام الحرف، أعني (إلا) ، وكانت (إلا) ~~لا يختلف لفظها في جميع الوجوه، وجب أيضا أن يكون ما قام مقامها على لفظ ~~واحد، فيجري مجراها، ويدل استعماله على هذا الوجه أنه خارج عن أصله، وملحق ~~بحكم غيره. # وأما إذا جعلت (ليس، ولا يكون) صفات لما قبلها، ولم تجعلها استثناءا، ~~ثنيت وجمعت، وأنثت، فقلت: أتتني امرأة ليست فلانة، وعلى هذا فقس، وهذا الذي ~~ذكرناه ينتظم في جميع هذا الباب، إن شاء الله. # PageV01P402 ### | (37 - باب كم) # إن قال قائل: لم وجب أن تبنى (كم) ؟ # قيل له: إنما وجب بناؤها في الخبر، لأنها نقيضة (رب) ورب حرف، فوجب أن ~~تجري نقيضتها مجراها، إذ ms161 كان قد دخلها معنى الحرف، ووجب بناؤها في ~~الاستفهام، لتضمنها معنى حرف الاستفهام، فقد استحق البناء لما ذكرناه في ~~الوجهين، وإنما وجب أن تبنى على السكون، ليكون بينه وبين ما له حال تمكن ~~فصل، وإنما وجب (56 / ب) أن يخفض بها في الخبر، وينصب بها في الاستفهام ~~لوجهين: # أحدهما: أنها في الخبر نقيضة (رب) ، فكما وجب الخفض ب (رب) وجب الخفض ~~بنقيضتها. # والوجه الثاني: أن (كم) في الخبر للكثرة، وفي الاستفهام يقع الجواب عنها ~~بالقليل والكثير من الأعداد، لأن المستفهم لا يدري قدر ما يستفهم عنه، ألا ~~ترى أنك إذا قلت: كم رجلا أتاك؟ جاز أن يقول: ثلاثة، أو مائة، لاحتمال ~~الأمرين جميعا. # PageV01P403 # فلما كانت (كم) تقع في الاستفهام للتكثير والتقليل، صار متوسط الحكم بين ~~القليل والكثير، فجعل لها حكم الأعداد المتوسطة بين الكثيرة والقليلة، وما ~~بين المائة إلى العشرة فما دونها، فالعشرة فما دون للقلة، والمائة فما ~~فوقها للكثرة، وما بينهما هو المتوسط، فلذلك جاز أن ينصب بها في الاستفهام، ~~وجعلت في الخبر خافضة، حملا على لفظ العدد الكثير، أعنى المائة فما فوقها، ~~وإنما خصت بأن جعلت صدر الكلام، لدخول معنى الاستفهام فيها، وجعلت في الخبر ~~كذلك، لأنها نقيضة (رب) ، ورب تقع صدر الكلام، لأن فيها معنى النفي، إذ ~~كانت القلة نفي الكثرة، فلما دخلها معنى النفي - والنفي له صدر الكلام - ~~حملت عليها لما ذكرناه. # فإن قال قائل: فلم جاز أن يعمل فيها ما تجر من بين سائر العوامل؟ # فالجواب في ذلك: أن الجار والمجرور كالشيء الواحد، فلا يجوز انفصال الجار ~~من المجرور وقيامه بنفسه، كما يجوز انفصال الرافع من المرفوع، والناصب من ~~المنصوب، فصار تقديم الجار عليه ضرورة، ولم يجز تقديم ذلك في الرافع ~~والناصب، إذ ليس مضطرا فيه إلى ذلك. واعلم أنك إذا قدرت دخول الجار عليها ~~بحال الاستفهام، قدرت الاستفهام على حرف الجر، كقولك: على كم جذعا بيتك ~~مبني؟ # وإنما وجب التقدير على ما ذكرنا، لئلا يتقدم العامل على حرف الاستفهام. # وأما في الخبر فالعلة فيها ms162 ما ذكرنا، والجار داخل عليها من غير توسط، إن ~~شاء الله. # واعلم أن النصب فيها على تقدير تنوين فيها، كما أن النصب بخمسة عشر ~~وأخواتها على تقدير التنوين بها، فمن خفض بها في الاستفهام فعلى وجهين: # PageV01P404 # أحدهما: أن يكون قدر حذف التنوين، ولم يجعلها كخمسة عشر، بل جعلها بمنزلة ~~العدد الذي لا ينون. # والوجه الآخر: أن يكون الخبر بتقدير (من) ، لكثرة استعمالهم إياها في هذا ~~الموضع. وإنما نصب بها في الخبر، وقدر التنوين فيها، وجعلها بمنزلة ~~المستفهم بها. # واعلم أنك إذا نصبت بها في حال استفهام، لم يجز أن يكون بعدها الاسم إلا ~~مفردا نكرة، كما لا يجوز أن يذكر بعد العشرين إلا اسم مفرد نكرة. # فأما في الخبر: فيجوز أن يذكر بعدها الفعل، خفضت أو نصبت، لأنها تجري ~~مجرى: ثلاثة أثواب، وثلاثة أثوابا، إذا نون كما نون في العشرين، وربما جاز ~~الفصل بينها وبين ما تنصبه، نحو قولك: كم عندك غلاما، وإن كان مثل هذا لا ~~يجوز في العشرين، لا تقول: هؤلاء عشرون عندك غلاما، وربما سهل ذا في (كم) ، ~~لأنه جعل الفصل فيها عوضا مما منعته من التمكن، ولزومها طريقة واحدة، ولم ~~يجز ذلك في (57 / أ) العشرين، لأنها متمكنة، فمنعت تأخر معمولها على ~~العامل، فلذلك ضعف الفصل بينها وبين معمولها. # PageV01P405 ### | (38 - باب لا) # اعلم أن (لا) تنصب الاسم تشبيها ب (إن) ، لأنها نقيضتها، وهي تدخل على ~~الأسماء، كدخول (إن) عليها، فوجب أن تنصب الأسماء، كما تنصب (إن) ، وإنما ~~بنيت الأسماء من (لا) لوجوه: # أحدها: أنه جواب لقولك: هل من رجل في الدار؟ والجار والمجرور بمنزلة ~~الشيء ما هو جوابه، إذا كان الناصب مع المنصوب لا يكون كالشيء الواحد. # ووجه آخر: وهو أن تكون (من) مقدرة بين (لا) وما تعمل فيه، فيكون الأصل: ~~لا من رجل في الدار، فلما حذفت (من) تضمن الكلام معنى الحرف، والحروف ~~مبنية، فوجب أن تبنى (لا) مع ما بعدها، لتضمنها الحروف. # ووجه ثالث: أنها لما كانت مشبهة بالحروف في العمل، وكانت الحروف مشبهة ms163 ~~بالفعل وصارت فرعا للفرع، فضعفت، فجعل البناء فيها دليلا على ضعفها. # واعلم أن النكرة التي تبنى مع (لا) في المفردة - وإن كانت موصولة أو ~~مضافة - لم يجز البناء فيها، لأن التنوين يصير في وسط الكلمة، فيجري مجرى ~~سائر الحروف، والمضاف إليه يقوم مقام التنوين، فيمتنع أيضا من البناء، وذلك ~~نحو قوله: لا غلام رجل عندك، ولا خيرا من زيد عندك، فصار ما عوض فيها يمنع ~~من البناء، كما منع ذلك في المنادى. واعلم أن النكرة التي # PageV01P406 # تنصبها (لا) ، أعني: لا يراد بها الجنس، ولا يراد بها نفي شخص واحد، ~~لأنها جواب تقتضي الجنس، وليس يراد بها نفي شخص واحد، فإذا قلت: لا رجل ~~عندك، فالمعنى: لا واحد من هذا الجنس عندك ولا أكثر منه. # واعلم أن (لا) (و) ما تعمل فيه في موضع رفع بالابتداء، ولا بد له من خبر، ~~وحكم خبره - إن كان اسما - أن يكون مرفوعا كخبر المبتدإ، إذ كان هو الأول، ~~كقولك: لا رجل أفضل منك، ف (أفضل منك) : خبر الابتداء. # وإن فصلت بين (لا) وما تعمل فيه بطل عملها، لأنها مشبهة بالحروف، فلم تقو ~~على العمل مع الفصل، ومع ذلك فإنها مع النكرة المفردة كاسمين جعلا اسما ~~واحدا، وأما مقامهما فكما أن الفصل بين الشيئين اللذين هما كالشيء الواحد ~~لا يجوز، فكذلك أيضا لم يجز الفصل بين (لا) وما تعمل فيه، إذ قد جريا مجرى ~~شيء واحد. واعلم أنك إذا رفعت ما بعد (لا) فعلى وجهين: # أحدهما: بالابتداء، فإذا قدرت هذا التقدير، استوت المعرفة والنكرة بعدها، ~~إلا أن الأحسن - إذا أردت هذا الوجه - أن تكرر فتقول: لا زيد عندي ولا ~~عمرو، ليكون الجواب عن المعرفة خلاف الجواب عن النكرة التي تؤدي معنى # PageV01P407 # الجنس ولا يكون مفردا، لأنه جواب: أزيد عندك أم عمرو؟ ولم يحسن الإفراد ~~لأن هذا الموضع من مواضع (ما) ، فاستغنوا بها عن أن يستعملوا ذلك في (لا) ، ~~فلذلك لم يجز الإفراد ما بعد (لا) في هذا الموضع، وكذلك حكم النكرة بعدها. # والوجه الثاني: أن ms164 تشبهها ب (ليس) فترفع (57 / ب) الاسم بها، فإذا قدرتها ~~هذا التقدير، لم تعمل أيضا إلا في النكرة، وإن كانت قد شبهت ب (ليس) ، فقد ~~حصل لها الضعف بشبهها ب (ليس) ، ولم يختلف معناها، فلذلك وجب في العمل أن ~~تلزم طريقة واحدة، أعني: أن تختص بالعمل في النكرة دون المعارف. ومتى فصل ~~بينها وبين ما تعمل فيه - وهي رافعة - فالأحسن أن يبطل عملها، لما ذكرناه ~~من ضعفها. # واعلم أنك إذا قلت: لا مسلمين، فتثبت النون، فعند سيبويه أن (لا) مبنية ~~مع التثنية والجمع، كبنائها مع الواحد، ولم يجز حذف النون، وإن حذفت ~~التنوين من الواحد، لأن النون أقوى من التنوين، ألا ترى أنها تثبت مع الألف ~~واللام، والتنوين يسقط معهما، فقد بان أنه ليس يجب حذف التنوين، وإنما جرت ~~التثنية والجمع مجرى الواحد في البناء، لأن إعرابهما كإعراب الواحد، فصارا ~~بمنزلته. # وأما أبو العباس المبرد فيمنع من ذلك، ويجعل التثنية والجمع منصوبين كنصب ~~المضاف، وإنما امتنع من ذلك، لأنه لم يوجد في كلام العرب اسمان جعلا اسما ~~واحدا، والثاني مثنى أو مجموع، فلهذا امتنع منهما، وقول سيبويه أولى # PageV01P408 # بالصواب، لأنا قد نثني حضرموت ونجمع فنقول: جاءني حضرموتان. ونجمعه ~~فنقول: حضرموتون. إذ كان اسم رجل، فقد لحقت التثنية والجمع الاسم الثاني، ~~وإن كان قد جعل اسما واحدا، فكذلك يجب أيضا أن تلحق علامة التثنية والجمع ~~فيما بعد (لا) ، ولا يتغير من حكم البناء شيء، كما يتغير ذلك في حضرموت. # فأما الذي لم يوجد في كلام العرب أن يكون الاسمان جعلا اسما واحدا ~~والثاني مثنى أو مجموع في أول أحوالهما. # فأما ما تلحقه علامة التأنيث والجمع ويزولان عنه، فليس حكمه هذا الحكم، ~~فمن أجل هذا أدخلت الشبهة على أبي العباس، والصحيح ما ذكرنا عن سيبويه. # واعلم أن لام الجر تزاد في النفي، فيكون دخولها كخروجها، فيصير الاسم ~~الذي قبلها في تقدير المضاف إلى ما بعدها، كقولك: لا مسلمي لك، إذا قدرت ~~(لك) زائدة، لأنه في المعنى قد أضفت (مسلمي) إلى الكاف، ولم ms165 يعتد باللام، ~~فلذلك حذفت النون، وإنما فعلوا ذلك كراهة أن يضيفوا الاسم من غير توسط ~~اللام، فيصير في اللفظ معرفة، و (لا) لا تعمل في المعارف، فلما كان اللفظ ~~يصير معرفة، استقبحوا ذلك، ففصلوا بينهما باللام، وإنما كانت اللام أولى من ~~سائر الحروف، لأن الإضافة تضمنتها، وإن كانت محذوفة، ألا ترى أن معنى قولك: ~~جاءني غلام زيد، كمعنى قولك: جاءني غلام لزيد، وإن كان الأصل معرفة يتعرف ~~بالإضافة، فلما كانت الإضافة تتضمن اللام، أظهروها دليلا على أن الاسم ~~نكرة، وساغ أيضا ذلك من أجل حذف التنوين لأجل البناء، فيصير دخول اللام ~~عوضا من بناء الاسم، فإن لم ترد باللام الزيادة أثبت النون، وجعلت # PageV01P409 # اللام وما بعدها خبر الابتداء، إن شئت، وإن شئت (58 / أ) جعلتها صلة ~~للكاف، وأضمرت الخبر، كأنك قلت: لا مسلمين مملوكان لك، مما يعرفه المخاطب ~~من حكم الخبر. # PageV01P410 ### | (39 - باب الضمير) # إن قال قائل: لم جاز أن يقع الاسم المرفوع والمنصوب ضميرا منفصلا، ولم ~~يكن في المجرور إلا ضميرا متصلا؟ # فالجواب في ذلك: أن المرفوع والمنصوب يجوز أن يفصل بينهما وبين ما عمل ~~فيهما، والمجرور مع الجار كالشيء الواحد، ولا يجوز الفصل فيهما، فلما جاز ~~الفصل في المرفوع والمنصوب، وجب أن يكون لهما ضمير منفصل، وأعني بالمنفصل ~~الذي يقوم بنفسه، ولا يتصل بعامل، ولما كان المجرور لا يجوز انفصاله من ~~عامله، لم يكن له إلا ضمير واحد. # فإن قال قائل: هل الاسم من (أنا) جملته أو بعضه؟ # قيل له: الاسم (أن) ، والألف زيدت لبيان حركة النون، والدليل على ذلك أنك ~~إذا وصلت الكلام، قلت: أن، فسقطت الألف، كقولك: أن فهمت، ولو كانت الألف من ~~نفس الكلمة لم تسقط، وإنما كانت الألف أولى بالزيادة، لأنها أخف الحروف. ~~وبعض العرب يجعل في موضع الألف الهاء، إذا وقف، فيقول: أنه، وهذا يدلك على ~~أن الألف ليست من بناء الاسم، وإنما زيدت لما ذكرنا، وإنما كانت الألف أكثر ~~من الهاء، لأنها قد تتصل بالضمير، إذا كانت (أن) العاملة قد يتصل بها ms166 ضمير ~~الغائب كثيرا، فلذلك كانت الألف أكثر # PageV01P411 # استعمالا في هذا الموضع من الهاء. # وأما (أنت) : فالاسم أيضا منه (أن) ، والتاء زيدت للمخاطب، وليس لها موضع ~~من الإعراب، لأنها لو كانت لها موضع من الإعراب، لم تخل من أن تكون رفعا أو ~~نصبا أو جرا، والتاء ليست من علامات المجرور ولا المنصوب، فسقط أن يكون ~~موضعها نصبا أو جرا، ولم يجز أن يكون رفعا، لأن العامل هو (أن) في قولك: ما ~~قام إلا أنت، فلو كانت (التاء) في موضع رفع، لكنت قد جعلت للفعل فاعلين من ~~غير اشتراك بينهما في تثنية أو عطف، ويتبين لك أنها لا موضع لها، إذا ~~أدخلتها علامة كالهاء التي تدخل علامة للتأنيث، والعلامات لا تكون لها ~~مواضع، لأنها ليست لها أسماء. # وأما قولنا: (هو) ، فالاسم الهاء والواو جميعا، وأهل الكوفة يجعلون الاسم ~~الهاء وحدها، ويستدلون على ذلك بإسقاط الواو في التثنية، نحو قولك: هما، ~~وكذلك تسقط في الجمع، نحو هم ذاهبون، فالجواب في هذا أن الحرف يسقط في ~~التثنية والجمع، إذا عرضت فيه علة توجب إسقاطه، وإن كان الحرف من أصل ~~الكلمة، ألا ترى إذا جمعنا قاضيا قلنا في جمعه: قاضون، فاسقطنا الياء، # PageV01P412 # وهي لام الفعل، ولم يدل إسقاطها على أنها زائدة، وكذلك إسقاط الواو من ~~التثنية والجمع من: هما وهم، لا يدل على زيادتها. # فإن قال قائل: فما العلة التي من أجلها سقط الواو؟ # قيل: لأنها لو لم تسقط لوجب ضمها، فكان إثباتها يوجب أن تكون مضمومة ~~وقبلها ضمة، وذلك مستثقل، فحذفوها للاستثقال، فكانت العلة في (58 / ب) حذف ~~الواو استثقال الضمة فيها، فلهذا حذفت. # فإن قال قائل: فلم وجب أن تضم، وهي مفتوحة في الإفراد؟ # قيل: لأنها لو بقيت مفتوحة، وقد زيدت عليها الميم والألف، لتوهم أنهما ~~حرفان منفصلان في أمرين متصلين، فوجب أن تغير الحركة التي كانت مستعملة في ~~آخره، كما غيرت في قولك: أنتما، فدلت الضمة على أنها شيء واحد، فلذلك وجب ~~ضم الواو، فاعلمه. # فإن قال قائل: فلم زيدت الميم في ms167 التثنية؟ # [قيل] : ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أن التثنية لما كانت توجب تغيير الواحد، كثر اللفظ أيضا بزيادة ~~الميم، إذ كانت هذه المكنيات قد تبنى على حرف واحد، وأقل الأسماء أصولا يجب ~~أن يكون على ثلاثة أحرف، فلذلك زادوا الميم. # والوجه الثاني: أن القافية إذا كانت مطلقة تبعتها ألف، فلما زادوا على ~~(أنت) ألفا، وهو ألف التثنية، جاز أن يتوهم في بعض الأحوال أنها ألف ~~الإطلاق، # PageV01P413 # كما قال الشاعر: # (يا مرت بن رافع يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا) # فزادوا الميم ليزول اللبس، وإنما كانت الميم أولى بالزيادة من بين سائر ~~الحروف، لأنها من زوائد الأسماء والمضمر اسم، فلذلك وجب أن يزاد عليه ~~الميم، فإذا جمعت زدت واوا مع الميم، لتكون الواو تحل محل التثنية، فتقول: ~~أنتمو وهمو، إلا أن هذه الواو تحذف استخفافا، لأنه لا يشكل حذفه، ويجوز أن ~~يتكلم بها على الأصل. # فأما المؤنث: فإنه في التثنية لا يختلف طريقها، فلذلك استويا، فإذا جمعت ~~زدت نونا مشددة، فقلت: هن، وأنتن، وإنما شددت النون لأنك زدت للمذكر حرفين، ~~وهما الميم والواو، فجعلت النون مشددة لتكون بمنزلة ما زدت للمذكر، ولم ~~تثقل كثقل الواو، فتخفف، ولو خففت أيضا لزالت المشاركة التي قصدت بتشديد ~~النون. فأما المتكلم إذا انضم إليه غيره، واحدا كان أو جمعا مؤنثا، أو جمعا ~~مذكرا، فلفظه (نحن) ، وإنما لم يثن على لفظه، لأن شرط التثنية إذا # PageV01P414 # اتصلت أن تكون على لفظ الواحد، والمتكلم لا يقترن إليه متكلم، وإنما ~~يقترن إليه غائب أو مخاطب، ألا ترى أنك إذا قلت: نحن فعلنا وفعلت ذلك، كان ~~تقديره: أنا وزيد وأنت فعلنا ذلك، ولم يكن تقديره: أنا وأنا، فإذا كان ~~المنضم إليه من غير جنس المتكلم لم يجز أن يثنى على لفظه، وإنما كان الأمر ~~على ما ذكرنا وجب أن يبطل لفظ الواحد، ويستأنف للتثنية اسم، لأن التثنية ~~أول الجموع، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، فلما فات لفظ التثنية المحققة، ~~وجب أن يستأنف لفظ يدل على الاثنين فما فوقه، ms168 فلذلك قالوا: نحن. # فإن قال قائل: فلم جعل ضمير المرفوع الغائب المنفصل مستترا، وظهرت علامة ~~المتكلم والمخاطب، نحو: قمت؟ # فالجواب في ذلك: أن الغائب لما كان لا يذكر إلا بعد تقدمة ذكر، صار ذكره ~~قبل الفعل كعلامة، فأغنى عن ذكره علامة أخرى في الفعل. # وأما المخاطب والمتكلم: فليس (59 / أ) يتقدم لهما ذكر، فلو استترت ~~علامتهما، لم يكن عليهما دليل، فلذلك ظهرت علامة الغائب في التثنية والجمع، ~~نحو قولك: الزيدان قاما، والزيدون قاموا. # فإن قال قائل: لم لم تكتف بتقدم الأسماء عن إظهار العلامة، كما اكتفيت ~~بالواحد؟ # قيل له: إنما جاز استتار ضمير الواحد لإحاطة العلم أن الفعل لا يخلو من ~~فاعل واحد، وقد يخلو من اثنين وأكثر من ذلك، فلو أسترنا ضمير الاثنين ~~والجمع، لجاز أن يتوهم أن الفعل لواحد، فلذلك وجب إظهار علامة التثنية ~~والجمع. # PageV01P415 # وأما الضمير المنصوب: فإياك وإياي وإياه، وقد اختلف في هذا الاسم على ~~وجوه: # فكان الخليل - رحمه الله - يقول: هو اسم مظهر مضاف ناب عن الضمير، فاستدل ~~على إضافته بقول العرب: # (إذا بلغ المرء الستين فإياه وإيا الشواب) . # فلو كان مضمرا لم تجز إضافته، لأن المضاف يقدر قبل الإضافة نكرة ثم يضاف، ~~لأن الغرض في الإضافة تعريفه، فلذلك وجب أن يقدر نكرة، فلو كان الضمير لا ~~يجوز أن يكون نكرة لم يجز أن يكون مضافا # وأما الأخفش فكان يقول: إنه اسم بكماله، وذلك أن (إيا) لما نابت عن الكاف ~~في قولك: ضربتك، كانت اسما بكمالها، وأن ما بعد (إيا) من (الكاف والياء ~~والهاء) لا موضع لها من الإعراب، وأنها متعلقة ب (إيا) ، كما تتعلق (التاء) ~~من (أنت) ب (أن) . # فألزم على هذا القول أن قيل له: لم كانت اسما للمضمر، والمظهر يتغير آخره ~~بانتقال الحروف، وإنما تنتقل الأواخر بالحركات؟ # فالجواب له عن هذا الإلزام: أنه قد خص بما ذكره، وله نظير مع ذلك، ألا ~~ترى أنهم يقولون: جاءني أخوك، ومررت بأخيك، ورأيت أخاك، فيغيرون هذه ~~الأسماء بالحروف علامة للإعراب، فبتغير هذه الحروف جاز أن ms169 تتغير أواخرها، # PageV01P416 # علامة للأشخاص، إلا أن ما ذكرناه عن الخليل من إضافة هذه الأسماء يدل على ~~ضعف قول الأخفش، والوجه عند الأخفش: أن (إيا) الاسم، وما اتصل بها لا موضع ~~له ك (التاء) . وغيره أنه بكماله اسم، ليعلم أنه ليس بمضاف، ولم يعبأ بالذي ~~ذكره الخليل، إذ كان عنده شاذا، ويجوز أن تدخل الشبهة على من أضافه، لما ~~رأى آخره يتغير، كتغير المضاف والمضاف إليه، إن شاء الله. # وقال أهل الكوفة: إن (الكاف والهاء والياء) هي الأسماء، وإن (إيا) ~~عمدتها، واستدلوا على ذلك بلحاق التثنية والجمع لما بعد (إيا) ولزوم (إيا) ~~لفظا واحدا، وهذا القول ظاهر السقوط، وذلك أنه لا يجوز أن يبنى الاسم ~~منفصلا على حرف واحد، فلذلك لم يجز أن يقدر هذا التقدير، ويدل على فساد ~~قولهم أيضا انه لا يجوز أن يكون أكثر الكلمة تبعا لأقلها، لأن ذلك نقض ما ~~يبنى عليه الكلام، وليس احتجاجهم بلحاق التثنية والجمع لما بعد (إيا) مما ~~يدل على أنها هي الأسماء. # فأما على مذهب الخليل: فلا شبهة في تثنيتها وجمعها، إذ كانت اسما مضافا ~~إليها، وأما على قول الأخفش: فلا يلزم أيضا، لأن الحروف لما زيدت (59 / ب) ~~للدلالة على الأشخاص جاز أن يلحقها التثنية والجمع، ك (الكاف) التي هي حرف، ~~ومع ذلك تثنى وتجمع، فبان بما ذكرناه فساد ما اعتمدوا عليه، لأن ما بعدها ~~علامة للمخاطب والغائب والمتكلم، فلم يكن بد من لحاق علامة التثنية والجمع. # PageV01P417 # ومما يقوي قول الخليل أن بعض النحويين ذكر أن (إيا) على وزن (فعلى) ، ~~وأنه مشتق من الآية، والآية: العلامة، يقال: رأيت آية فلان، أي: شخصه، فأصل ~~(إيا) على هذا القول أن تكون الهمزة فاء الفعل، والياء عينه، والألف الآخرة ~~زائدة، لأن (آية) أصلها: أيية، وغيره يقول: أصلها: أية، فلما اشتق لفظ ~~(إيا) منها - والاشتقاق إنما هو للأسماء الظاهرة - دل [على] أن (إيا) ~~مظهرة، وقد ذكره سيبويه في (كتابه) ، فيجوز أن يكون موافقا لقول الأخفش، ~~فوجه قوله الموافق لقول الخليل: أن العرب لما أضافت (إيا) ms170 في المثال الذي ~~ذكرناه، وجب أن تكون مضافة. # وجاز قول الأخفش أن يكون إضمارا، لأنها لما استعملت استعمال المضمر، كانت ~~كعلامة المرفوع، ألا ترى أنك متى قدرت على التاء لم تأت ب (أنت) ، فكما ~~اتفقوا على أن (أنت) مضمر، وجب أن يكون (إيا) مضمرا، ومع هذا فإن (إيا) لو ~~كانت اسما مظهرا، لحسن أن تقول: ضربت إياك. # فإن قيل: فقد قال الشاعر: # PageV01P418 # (كأنا يوم قرى إ ... نما نقتل إيانا) # قيل له: إن الشاعر إنما أراد: نقتل أنفسنا، فلما رأى (إيانا) تقوم مقام ~~النفس في المعنى، فعلى ذلك جاز على طريق الاستعارة. # فإن قيل: كيف جاز إضافة المضمر؟ # قيل له: إن (إيا) لما كانت لا تنتقل من الإضافة، ولا يحصل لها معنى ~~بانفرادها، ولم تقع قط إلا معرفة، فتحتاج إلى التنكير، وخالفت في موضعها ~~سائر المضمرات، جاز أن تخص بالإضافة، عوضا مما منعته. وإنما جاز كسرها في ~~هذين الموضعين كراهة لخروجهم من الكسر إلى الضم، إذ كان ذلك لا يوجد في ~~أبنيتهم لازما، ولأن الكسر من الياء، فاختاروا في الياء أيضا ما اختاروا مع ~~الكسر، وجاز الضم على الأصل، إذ ليس بلازم للهاء، لأنه قد يكون ما قبلها ~~مضموما ومفتوحا. # وأما ضمير الغائب المتصل، المنصوب والمرفوع، فأصله الضم، كقولك: رأيته، ~~وجاءني غلامه، وإنما وجب أن يبنى على الضم، لأن الهاء حرف خفي، وقد بينا أن ~~المضمر يجب أن يبنى على حركة، فاختاروا الضم، لأنه أقوى الحركات، فصار ~~تقوية للهاء وبيانا لها، وكذلك أتبعوا الهاء واوا على طريق التبين لها، ~~وليست الواو من بناء الاسم، والدليل على ذلك أنها تسقط في الوقف، كقولك: ~~رأيته، ولو كانت من الأصل لم تسقط. # واعلم أن الاختيار - إذا وصلت الضمير - أن تلحقه الواو، إذا تحرك ما ~~قبله، ويجوز حذف هذه الواو في الشعر، لأن الضمة تسقط في الوقف، # PageV01P419 # قال الشاعر في حذف الواو: # (وما له من مجد تليد وما له ... من الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا) # فإن انكسر ما قبل الواو، وكان ما قبلها ياءا ms171 كسرتها، وانقلبت الواو ياء ~~للكسرة، والاختيار إثبات (60 / أ) الياء، إذا تحرك ما قبل الهاء. ويجوز حذف ~~الياء والاجتزاء بالكسرة، كما جاز حذف الواو، ويجوز الضم على الأصل لأن ~~الهاء إذا كان قبلها حرف مد، فالاختيار ألا تلحقها واو، كقوله تعالى: {خذوه ~~فغلوه} ، و {فألقى موسى عصاه} ، و {عليه ما حمل} ، وإنما حذفوا الواو، لأن ~~قبل المضمر حرف مد، والهاء تشبه بحرف المد، لأنها خفيفة، فاجتمعت ثلاثة ~~أحرف متجانسة وليس بين الساكنين حرف حصين، فصار كاجتماع ساكنين، ولذلك ~~اختاروا حذف الواو، ويجوز إثباتها على الأصل. # وأما المؤنث: فأثبتوا الألف بعد الهاء، نحو: ضربتها، وأكرمتها، وإنما ~~ألحقوا الألف للفصل بين ضمير المذكر وضمير المؤنث، وكانت الألف أولى ~~بالمؤنث، لأنها أخف الحروف، والمؤنث أثقل من المذكر، لأن التنوين يبدل منه ~~ألف في الوقف، فيجب ألا يختلف، ولأن الزوائد التي لحقت الهاء يجب إسقاطها، ~~لمجيء علامة التثنية، إذ الهاء تقوى بما زيد عليها للتثنية، فلم تحتج إلى ~~الزيادة التي # PageV01P420 # في الواحد، فإذا وجب إسقاطها، رجعت الهاء إلى الأصل، واستوى لفظ المؤنث ~~والمذكر، فإذا جمعت فالأصل أن تلحق واو بعد الميم، كما ذكرنا فيما تقدم، ~~والأحسن حذفها، كقولك: ضربتهم، والأصل: ضربتهمو، فحذفت الواو كما ذكرنا. # وأما المؤنث: فدليله نون مشددة، نحو: ضربتهن، وإنما شددت النون لأنك لما ~~زدت للمذكر حرفين، وهما الميم والواو، اختاروا أيضا أن يزاد للمؤنث حرفان، ~~لاشتراكهما في الجمع، ولا يجوز تخفيف النون لوجهين: # أحدهما: زوال المعادلة بين المذكر والمؤنث، فيما ذكرناه. # والثاني: أن الاستثقال الذي كان في الواو، والخروج عن نظير الأسماء ليس ~~بموجود في النون، فلذلك لم يخفف. # فأما الكاف التي للمخاطب فتفتح للمذكر، وتكسر للمؤنث، وإنما اختير الكسر ~~للمؤنث، لأن الياء قد ثبتت في بعض المواضع فيها علم التأنيث، نحو: أنت ~~تضربين، والكسر من الياء، فلذلك اختير للمؤنث، ولم يكن للضم مدخل هاهنا لأن ~~الفتح يغني عنه، وهو أخف منه في ذلك، سقط حكمه هاهنا، فإذا ثنيت ضممت ~~الكاف، والعلة في ضمها في التثنية والجمع كالعلة في التاء ms172 في (أنتن، ~~وأنتما) وحكم المؤنث في تشديد النون كحكمه في (أنتما) لعلة واحدة. واعلم أن ~~الفصل إنما دخل في الكلام، ليبين أن ما بعدها خبر، وذلك أنك إذا قلت: زيد ~~هو العاقل، علم بهذا الضمير أن ما بعده خبر وليس بنعت، فلما كانت علة، # PageV01P421 # لم يجز أن يقع إلا بين كلامين، أحدهما محتاج إلى الآخر، لأنه إذا كان ما ~~قبله تاما، لم يحتج إليه، إذ كان إنما دخل لينبئ عن تمام ما بعده، وإنما ~~جعل ضمير المرفوع مختصا بهذا المعنى الأول، إذ كان الرفع أول أحوال الاسم، ~~فلما كان سابقا للضمير المنصوب - وهو مع ذلك أخف في اللفظ منه - كان أقوى ~~في الاتساع والتصرف (60 / ب) من ضمير المنصوب. # وإنما وجب أن يقع الفصل في كل موضع لا يخل سقوطه بمعنى الكلام، لأنه لو ~~أخل، لم يكن فصلا، وكان داخلا لمعناه ولافتقار الكلام إليه، فلذلك وجب أن ~~يجعل فصلا في كل موضع لا يخل سقوطه بالكلام، فلما كان الفصل يقع بالضمير، ~~والضمير معرفة، لم يجز أن يقع إلا بين معرفتين، أو ما قاربهما، إذ كان قد ~~دخل ليبين ما قبله وما بعده، فوجب أن يكون ما قبله وما بعده مجانسا له، ~~فلذلك لم يجز أن يكون ما قبله وما بعده نكرة محضة ولا أحدهما. # PageV01P422 ### | (40 - باب أي) # اعلم أن (أيا) موضوعها أن تكون جزءا مما تضاف إليه، وهو على كل حال مما ~~يتجزأ، كقولك: أي الرجال عندك؟ فهي في هذه الحال من الرجال جزء، وإذا قلت: ~~أي الثياب عندك؟ فهي في هذه الحال من الثياب، وعلى هذا يجري حكمها في جميع ~~ما يتجزأ، وقد بينا أن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما لم يحتج في ~~الاستفهام إلى صلة توضح الموصول، والمستفهم لا يعلم ما يستفهم عنه، فلذلك ~~لم يجز أن توصل في الاستفهام. # وكذلك الشرط والجزاء لا يجوز أن يكون معلوما، لأنه مما يجوز أن يكون، ~~ويجوز ألا يكون، فلم يحتج أيضا في الجزاء إلى صلة. # واعلم أنه لا ms173 يجوز أن يلي (أيا) إذا كانت استفهاما من الأفعال، إلا أفعال ~~القلوب، لأنك تحتاج أن تلغيها، لأنه لا يجوز أن يعمل في الاستفهام ما قبله، ~~وخصت أفعال القلوب بذلك، لأنها قد تلغى في الخبر إذا توسطت بين المفعولين. ~~ويكون معناها باقيا، فلذلك جاز أن تدخل على الاستفهام، ولا تعمل فيه، ويكون ~~معناها باقيا. # وأما الأفعال المؤثرة فإنه لا يجوز أن تدخل على الاستفهام، لأنك إن ~~أدخلتها على الاستفهام، وجب أن تعملها، ولا يجوز أن تعمل ما قبل الاستفهام ~~فيه، فلا يجوز لذلك دخولها عليه. # فإن قال قائل: أليس من شرط العامل أن يكون قبل المعمول فيه، إذا قلت: # PageV01P423 # أيهم تضرب؟ فنصبت (أيا) ب (تضرب) ، وتقدير: أيهم تضرب؟ أن تكون (تضرب) ~~قبل (أي) فقد جاز أن يعمل ما قبل الاستفهام فيه وتعمل فيه الأفعال المؤثرة؟ # فالجواب في ذلك: أن (أيا) نائبة عن شيئين: أولهما: الاسم، والثاني: حرف ~~الاستفهام، فإذا قلت: أيهم تضرب؟ فالتقدير: أزيدا تضرب؟ فصار الفعل حكمه ~~بعد الاستفهام، فلم يجز تقديمه - لما ذكرنا - على (أي) . # واعلم أن (أيا) إذا كانت بمعنى (الذي) ، فصلتها تجري مجرى (الذي) ، إلا ~~أن بعض العرب قد استعمل حذف المبتدإ مع (أي) ، أكثر من استعمالهم حذفه مع ~~(الذي) ، كقولك: لأضربن أيهم قائم، والأصل: لأضربن أيهم هو قائم، فإذا ~~حذفوا المبتدأ، ألزموا (أيا) الضم، فعند سيبويه أن الضم في (أي) ضم بناء، ~~وأنها تجري في هذا الموضع مجرى (قبل وبعد) . # وأما الخليل فيقول: (أي) مرفوعة، وإنما رفعت في هذا الموضع على الحكاية، ~~كأنه قال: لأضربن الذي يقال لهم أيهم قائم، فالضرب واقع على (الذي) (61 / ~~أ) دون (أي) . # وأما يونس فيقول: ألغوا الفعل كما ألفوا أفعال القلوب. # والأقوى عندي من هذه الأقوال قول سيبويه. # PageV01P424 # وإنما وجب بناء (أي) في هذه الحال لمخالفتها أخواتها فلما خرجت عن حكم ~~نظائرها نقصت رتبة، فألزمت البناء للنقص الذي دخلها من حذف المبتدإ. # فإن قال قائل: قد وجدنا المفرد إذا بني في حال إفراده أعرب في حال ~~إضافته، و (أي) إذا ms174 حذفت المضاف منها أعربتها، كقولك: لأضربن أيا أبوه ~~قائم، وهذا قلب حكم المبنيات؟ # فالجواب في ذلك: أن الإضافة إنما ترد المبني في حال الإفراد إلى الإعراب، ~~وإذا استحق البناء، لم يجز أن يكون للإضافة تأثير في حال الإعراب، ونظير ~~ذلك (لدن) هي مبنية في حال الإضافة، لأنها استحقت ذلك في هذه الحال، كقوله ~~تعالى: {من لدن حكيم عليم} وكذلك حكم (أي) خصت بالبناء على الضم، لأنه أقوى ~~الحركات، فتصير قوته كالعوض من المحذوف، وبعض العرب يعربها على الأصل، لأن ~~المحذوف مراد في النية، فكأنه موجود. # فأما قول يونس فضعيف جدا، لما ذكرناه من ضعف إلغاء الأفعال المؤثرة وأما ~~قول الخليل فبعيد أيضا، قدر الحركة، وليس الكلام بمنقاد إليها، وإذا ساغ ~~حمل الكلام على ظاهره، كان أولى من عدوله إلى خلاف ظاهره من غير ضرورة تدعو ~~إلى ذلك. # PageV01P425 ### | (41 - باب من) # اعلم أن (من) مبنية، لأنها في الاستفهام نائبة عن حرف الاستفهام، وفي ~~الشرط نائبة عن حرف الشرط، وفي الخبر بمنزلة (الذي) فقد صارت كبعض اسم، ~~فوجب بناؤها في جميع المواضع، وخصت بالسكون لأنها لم تقع متمكنة، وهي تقع ~~على من يعقل، كقولك: من في الدار؟ فالجواب في ذلك أن يقال: زيد أو عمرو، ~~ولا يقال: حمار ولا ثوب. وحكمها فيما يعمل فيها، ويمنع من العمل فيها، كحكم ~~_ (أي) ، فإذا قال الرجل: رأيت رجلا، فقلت: منا، في الجواب، وإنما ألحقت ~~(من) ألفا، لتبين أنك تسأل عن الرجل المذكور، إذ كان منصوبا، وكذلك تزيد ~~واوا في الرفع، وياء في الجر، وإنما زادوا هذه الحروف بدل الإعراب، أنهم ~~يطلبون هذه العلامات في الدرج، فلو أعربوا (من) ، لسقط إعرابها في الوقف، ~~إذ كان الإعراب لا يوقف عليه، فعوضوا منه هذه الحروف، إذ كانت تقع دلالة ~~على الإعراب في نحو قولك: أخوك، وأخاك، وأخيك. # فإن قال قائل: فلم جعلوا العلامة في لفظ (من) ، ولم يأتوا بلفظ الرجل ~~منصوبا، فيقولوا: من رجلا؟ كما يقولون ذلك في المعارف الأعلام؟ . # فالجواب عن ذلك: أن النكرة لا تدل ms175 على شخص بعينه، وتكررها يدل على أشخاص ~~مختلفة لما ذكرناه أنها غير دالة على شخص بعينه، ألا ترى أنك لو قلت: رأيت ~~رجلا، وجاءني رجل، لكان الظاهر أن يكون الذي جاءك غير الذي رأيته، فلو ~~قالوا: من رجلا؟ لجاز أن يتوهم أن المسؤول عنه (رجلا) غير المذكور، # PageV01P426 # فلذلك لم يأتوا بلفظ النكرة، (61 / ب) وجعلوا العلامة في (من) . # فأما المعارف والأعلام فجاز حكايتها، لأن الاسم العلم يدل على شخص بعينه ~~ولو كرر، فلذلك جاز حكايتها. # واعلم أن هذه العلامات إذا لحقت (من) في حال الإفراد والتثنية والجمع ~~والتأنيث فإنما تثبت في الوقف، فإذا وصلت سقطت، وذلك أنهم جعلوا ما اتصل ~~بالكلام عوضا من هذه الزيادة، لأن هذه العلامات جعلت بدل الإعراب في ~~الاستفهام، وما كان من الإعراب إنما يثبت في الوصل دون الوقف، وكانت هذه ~~العلامات قد أقيمت مقام الإعراب، فوجب أن تثبت في أحد الموضعين وكذلك وجب ~~إثباتها في الوقف، إذ كان في الوصل قد وقع منها عوض، وأما إذا قلت في ~~المؤنث: (منه) ، فحركت النون، ولم تحركها في التثنية، إذا قلت: منتين، لأن ~~هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، فلذلك حركت النون في قولك: منة، ~~وإنما سكنتها في (منتين) ، لأن علامة التأنيث قد صارت في وسط الكلمة، فجاز ~~أن يتوهم فيها غير التأنيث، وتجعل بمنزلة (أخت) ، وإنما دعاهم إلى ذلك ~~تحريك نون (من) ، وقد وجدنا مساعدا إلى تسكينها، إذ كانت مبنية، ولا يجوز ~~أن تحرك نون التثنية والجمع وتاء المؤنث في قولك: شاءت، لأن تحريكها إنما ~~يجب في الدرج، إذا أدرجت، فلما ثبت لما ذكرناه أنه لا يجوز تحريك العلامات ~~في الوصل، وكانت الحركات لا يوقف عليها، وجب إسكانها على ما ذكرناه. # PageV01P427 # وأما (أي) إذا استفهمت بها عن نكرة، فإنك تعربها، لأنها متمكنة يدخلها ~~الإعراب، فوجب أن يلحقها الإعراب علامة للحكاية، إذ كانت متمكنة، فتقول، ~~إذا قال الرجل رأيت رجلا: أيا يا هذا؟ وأيين؟ في التثنية، وأيين؟ في الجمع، ~~وكذلك: أيان وأيون في الرفع. # واعلم أن ms176 بعض العرب يصل ويبقى العلامة، وذلك قليل، من ذلك قول الشاعر: # (أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا الجن، قلت: عموا ظلاما) # وإنما جاز ذلك على التشبيه ب (أي) ، لاشتراكهما في الاستفهام والجزاء ~~والخبر. # وبعض العرب يوحد (من) في جميع الجهات، فيأتي بالواو والألف والياء، ~~فيقول: منا، للواحد المنصوب والمثنى والمجموع، وكذلك: منو ومني، في الرفع ~~والجر، وإن ثنى وجمع، وإنما جاز ذلك لأن (من) فيها معنى العموم، فلما كانت ~~تقع على الجماعة ولفظها واحد، جاز أيضا أن تقع ها هنا هذا الموقع. # وأما المعارف الأعلام فقد بينا جواز الحكاية فيها، وبعض العرب لا يحكي ~~اكتفاء بوقوع السؤال عقب الكلام للمخاطب، ومن يحكي فغرضه البيان عن المخبر # PageV01P428 # عنه بعينه، لئلا يتوهم سواه، فأما إذا عطفت بالفاء والواو، فقلت: ومن ~~زيد؟ أو: فمن زيد؟ فكلهم يبطل الحكاية، لأن حروف العطف لا يبتدأ بها، وفيها ~~دليل على أن هذا السؤال معطوف به على كلام المخاطب، فاستغنوا عن الحكاية. ~~واعلم أنك إذا قلت: رأيت زيدا، فقلت: من زيدا؟ ف (من) في موضع رفع ~~بالابتداء، وزيد: موضعه أيضا رفع، لأنه خبر (62 / أ) الابتداء، وإنما نصبته ~~بالحكاية. # فأما ما لم يكن اسما علما: فأكثر العرب لا تحكيه، وإن كان معرفة، لأنه لم ~~يكثر الكلام به كثرة الأسماء الأعلام، فجاز في الأسماء الأعلام الحكاية، ~~وتعتبر ما تستحقه من الإعراب، لكثرتها في كلامهم، فأما ما سواه فلم يكثر، ~~فبقي على الأصل، لأن ما بعد (من) يجب أن يكون مرفوعا على خبر (من) ، وبعض ~~العرب يحكي ما لم يكن سماعا، حملا على الأسماء والأعلام، واعلم أنك إذا ~~عطفت، فقلت: رأيت زيدا وعمرا، أو نعت الاسم، فقلت: رأيت زيدا الظريف، لم ~~يجز في الكلام الحكاية، لأن طول الكلام قد دل على أن المسؤول عنه هو الذي ~~يقوم بنفس الخبر، يبعد الوقوع سؤال آخر عن غير المذكور، فأما الاسم العلم ~~إذا نعته ب (ابن) وأضفت إلى الاسم أبا الأول، أو كنيته نحو: رأيت زيد بن ~~عمرو، فالحكاية جائزة فيه، لأنه ms177 قد صار مع (ابن) كالشيء الواحد ففارق سائر ~~النعوت، لأنها لم تكثر في الاستعمال مع الموصوف بها، ككثرة (ابن) إذا كان ~~مضافا إلى ما ذكرناه. # PageV01P429 ### | 42 - باب الجواب بالفاء # اعلم أن الفاء أصلها العطف، وحروف العطف لا يجوز أن تعمل، لأنها من ~~الحروف التي يليها الاسم مرة، والفعل مرة، وقد بينا أن من الحروف ما كان ~~على هذا السبيل لم يعمل شيئا، فإذا كان الأمر على ما ذكرناه، ووجدنا العرب ~~تنصب الفعل بعد الفاء في جواب ما ذكرناه، علمنا أن النصب إنما وجب بغيرها، ~~وإنما هو بإضمار (أن) ، ووجه تقدير (أن) بعد الفاء أن تقدر ما قبلها تقدير ~~المصدر المقدم قبلها، كقولك: ما تأتيني فتحدثني، والتقدير: ما يكون منك ~~إتيان فحديث، وإنما وجب أن تقدر ما قبل الفاء بتقدير المصدر، لأنه لا يخلو ~~أن يكون ما قبلها فعلا وفاعلا، أو مبتدأ وخبرا، والفعل يدل على المصدر، ~~والجملة أيضا يجوز أن تجعل في تقدير فعل وفاعل، كقولك: ليت زيدا عندنا ~~فنكرمه، أي: ليت كونا من زيد فإكراما. وعلى هذا يجري جميع ما يقع قبل ~~الفاء، إذا نصبت ما بعدها، وإنما كانت (أن) بالإضمار أولى، لأن الأصل في ~~حروف النصب أن يليها الماضي والمضارع، فلقوتها كانت أولى بالإضمار من ~~أخواتها، وجاز أن تضمر، وتعملها وإن كانت حرفا، لأن الفاء قد صارت عوضا ~~منها، ولم يجز إظهارها، لأن ما قبلها في تقدير المصدر من غير إظهار اللفظ، ~~فلما كان المعطوف عليه مصدرا غير مظهر، اختاروا أن تكون (أن) مضمرة بعد ~~الفاء، ليشاكل ما قبلها. # واعلم أنك إذا قلت: ما تأتيني فتحدثني، فلك فيه وجهان: النصب # PageV00P000 # والرفع، فالنصب على ما قدرناه، ومعنى الكلام إذا نصبت على وجهين: أحدهما: ~~أن يكون معناه: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ أي: الذي يمنع من الحديث ترك ~~الإتيان، وإنما دخل هذان المعنيان في معنى حكم المنصوب، لأن الفاء قد بينا ~~أنها للعطف، ويجب أن يكون الثاني بعد الأول، فلما كان (62 / ب) معنى قولك: ~~ما يكون منك إتيان فحديث، منقطعا ms178 من الأول، متصلا من أصل اللفظ، جاز أن ~~ينفي الإتيان، ويتعلق الحديث به، وينتفي معه، لدخول معنى الاتصال في الفاء. # وأما الرفع فعلى وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على ما قبله، ويكون النفي قد تناول الإتيان ~~على حدة، والحديث على حدة، أي: ما تأتيني، وما تحدثني. # والوجه الثاني: أن يكون الإتيان منفيا، ويكون ما بعد الفاء مبتدأ وخبرا ~~على طريق الاستئناف، كأنك قلت: ما تأتينا فأنت تحدثنا، فيكون الحديث كائنا، ~~والإتيان منفيا، وأما قوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ، وقوله: {لا ~~يقضى عليهم فيموتوا} ، فإنما رفع (يعتذرون) بالعطف على (يؤذن) ، أي: ليس ~~يؤذن لهم، ولا يعتذرون وقد قرئ بالنصب على تقدير: لا يكون إذن فعذر، ~~ومعناه: أنه لو أذن لهم اعتذروا، ولكن سبب العذر ارتفاع الإذن، ففي نصب ~~الثاني يجب الأول، وفي الرفع ليس لأحدهما تعلق بالآخر. # PageV01P431 # وأما قوله تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا} ، فإنما جاء منصوبا، لأن الموت ~~ليس بفعلهم، ولا يقع مبتدأ منه، كما يصح وقوع الاعتذار منه من المعتذر، ~~فصار القضاء سببا للموت، فلذلك وجب النصب، ولا يحسن رفعه لأنه. وجب أن يكون ~~الموت وقع مبتدأ الحكم فيه من الميتين، ويجوز الرفع فيه بالعطف على (يقضى) ~~، ويستدل بالمعنى، إذا كان قد ينسب فعل الموت إلى الإنسان، وأن الله تعالى ~~هو الفاعل، فيصير التقدير: لا يقضى عليهم ولا يموتون، لأن الله عز وجل لا ~~يريد موتهم. # وأما قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} ، فوجه ~~الرفع فيه من وجهين: أحدهما: أن يكون خبر ابتداء محذوف، فهو يضاعفه، ويكون ~~معناه: وإن مبتدأ أنه يضاعفه إذا أقرض. # وأما وجه النصب: فتقديره: من يكون منه قرض فيضاعف له، فيكون سبب المضاعفة ~~هو القرض من جهة اللفظ، وفي الرفع يكون من جهة المعنى، إذا حملته على ~~الابتداء، وإن حملته على العطف أردت معنى النصب، وأما قول الشاعر: # PageV01P432 # (فلا زال قبر بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي جود ووابل) # (فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال ms179 قائل) # فإنما اختير الرفع في (ينبت) ، وإن كان النصب جائزا، لأن النصب اختيار عن ~~حصول الإنبات، وفي النصب يصير دعاء وسببا للإنبات، فلما كان الرفع أبلغ ~~لثبات النبات بالضمير اختير الرفع، والنصب جائز. # واعلم أن الجواب بالواو يوجب (أن) ، لأن الواو للعطف، وقد بينا أن حروف ~~العطف لا تعمل شيئا، وإذا وجدنا الفعل منصوبا بعدها، وجب أن يكون منصوبا ~~بغيرها، وهو (أن) ، كما قلنا في الفاء، وأنك تقدر ما قبلها تقدير المصدر، ~~كقولك: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) ، أي: لا يكن منك أكل وشرب، ومعناه: لا ~~يجمع بينهما، لأن الواو معناها الجمع بين الشيئين، فعلى هذا يجري حكمها، ~~(63 / أ) وأما قول طفيل الغنوي: # (وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول) # PageV01P433 # فعند سيبويه: أن الاختيار نصب (يغضب) ، والرفع جائز. # وعند أبي العباس المبرد: أن الرفع هو المختار، والنصب جائز. # فحجة سيبويه أن الواو متعلقة بالنفي الذي في صدر الكلام، والتقدير: ما ~~أنا بقؤول للشيء الذي ليس نافعي، واللام التي في قوله: (للشيء) في موضع نصب ~~ب (قؤول) ، فلما كان استقرار الكلام على هذا المعنى، صار تقديره أنه مما ~~يقع من الشيء الذي هذه حاله. # وأما الرفع: فبالعطف على (نافعي) . # وإنما ضعف النصب عند أبي العباس، لأن الغضب ليس مما يقال، وأن ما يقال ~~الشيء الذي يقع منه الغضب. # وأما الرفع فلا يحتاج إلى تأويل، فلذلك اختار أبو العباس الرفع، وعدل عن ~~النصب. # PageV01P434 ### | 43 - باب المجازاة # اعلم أن أصل حروف المجازاة (إن) ، وإنما وجب أن تكون الأصل، لأنها لا ~~تخرج عن الجزاء، ولا تختص بالاستعمال في بعض الاشياء دون بعض، وسائر ما ~~يجازى به سواها قد يخرج من باب الجزاء إلى غيره. # ومن الجزاء: (من، وما، واي، ومتى، وأين، وأنى) وكل هذه تستعمل استفهاما، ~~وتخرج من باب الجزاء. # وأما (مهما) : ففيها وجهان: # أحدهما: أن يكون الأصل فيها (ما) ، فزيدت عليها (ما) ، كما تزاد على (إن) ~~، فصار اللفظ (ماما) ، فأبدلوا من الألف الأولى (هاء) ، لأنها من مخرجها، ~~كراهة لتكرار ms180 اللفظ، فصار اللفظ (مهما) ، وقد بينا أن (ما) تستعمل في غير ~~المجازاة. # والثاني: أن يكون الأصل فيها (مه) ، مثل (صه) بمعنى: اسكت، ثم زيد عليها ~~(ما) ، وهذه أيضا لا تختص بالجزاء. # وإنما ساغ دخولها في الجزاء، لأن الجزاء قد يجاب بجواب الشرط وهو غير ~~واجب، فجاز أن يستعمل بعد ألفاظه. # PageV00P000 # فأما (حيث) : فظرف من المكان، ولا تستعمل في باب الجزاء إلا بزيادة (ما) ~~عليها. # وكذلك (إذ) : هي ظرف من الزمان، ولا تستعمل في الجزاء إلا بدخول (ما) ~~عليها. # فقد بان بما ذكرناه أن جميع ما يستعمل في باب الجزاء مدخل فيها، وغير ~~مختص به، فلذلك وجب أن تكون (إن) الأصل، وما سواها محمول عليها. # واعلم أن الأسماء كان حقها ألا تستعمل في باب الجزاء، إلا أن هذه المعاني ~~حقها أن تختص بالحروف، وتكون الأسماء دالة على المسميات فقط، وإنما أدخلوها ~~في باب الجزاء لفوائد. # وأما (من) : فجاز استعمالها في الجزاء، لأن (من) فيها معنى العموم لجميع ~~من يعقل، فلو استعملت (إن) وحدها وغرضك العموم، لم يمكنك أن تقدر جميع ~~الأسماء التي للأشخاص، ألا ترى أنك إذا قلت: من يأتني أكرمه، أن هذا اللفظ ~~انتظم الجميع، أعني: جميع من يعقل، وإذا قلت: إن يأتني زيد أكرمه، وعددت ~~أشخاصا كثيرة على التفصيل، لم يستغرق جميع من يعقل (63 / ب) وإن # PageV01P436 # توسع في ذكر أقوام، و (من) تقتضي العموم من غير تكرير، فلذلك استعملت في ~~باب الجزاء. # فإن قال قائل: فما الفائدة في استعمال (أي) في باب الجزاء وهي لا تختص ~~لشيء، فهلا اكتفي بإضافتها؟ # فالجواب في ذلك: أنها استعملت لمعنى الاختصار، وذلك أنك إذا قلت: أي يأتي ~~أكرمه، ناب (أي) عن قولك: إن يأتني بعض القوم أكرمه، فلما كانت اختصار لفظ ~~من (إن) ، تضمنها معنى الإضافة، ولم يكن بد - أي: للقوم - من ذكر المضاف ~~والمضاف إليه، استعملت في باب الجزاء لما ذكرناه من الاختصار. # وأما (متى) فقد استعملت في الجزاء، لاختصاصها بالزمان، وفيها معنى العموم ~~لجميع الأوقات، فجرت مجرى (من) في جميع ms181 من يعقل، ألا ترى أنك إذا قلت: متى ~~تقم أقم، جمع هذا اللفظ جميع الأوقات، ولن تحتاج أن تخص وقتا بعينه، ولا ~~يمكنك أن تقدر جميع الأوقات. # وحكم (أين) في المكان، كحكم (متى) في الزمان. # وأما (أنى) : فتستعمل بمعنى (كيف) ، وفيها معنى الحال، وهي تقتضي العموم، ~~ويدخلها أيضا مع ذلك معنى التعجب، كقوله في الاستفهام: {أنى يكون لي غلام} ~~، كيف يكون لي غلام، وفيها معنى التعجب، فلما كانت قد تستعمل في الاستفهام ~~على ما ذكرناه، كان الاستفهام يضارع الجزاء، استعملت فيه أيضا. # PageV01P437 # وأما (حيث) : فهي مبهمة في المكان، واستعملت في باب الجزاء، لإحاطتها ~~بالأمكنة. # وأما (إذ) : فاستعملت في الجزاء بإضمام (ما) إليها، وخرجت من حكم الظرف، ~~وإنما حكمنا عليها بالحروف، لأن معناها قد زال، فاستعملت استعمال (إن) ، ~~ألا ترى أنها تستعمل في المجازاة للمستقبل، كقولك: إذ ما تقل أقل، أي: كما ~~تقول أقول، فلما زال عن حكم الوقت، أجريت مجرى (إن) ، فهذه فائدة دخلوها، ~~ليكثر باب الجزاء بها، وتقوى (إن) بانضمام حروف إليها، ولذلك أضافوا (إذ) ~~وغيرها، وإنما لزمت (إذ) ما، و (حيث) ما، في باب المجازاة، لأنهما ظرفان ~~يضافان إلى الجمل، فجعلت (ما) لازمة لهما، لتمنعهما من حكم الإضافة، ~~وتخلصهما من باب الجزاء. # واعلم أن هذه الأسماء التي استعملت في باب الجزاء، إنما يجزم ما بعدها ~~بتقدير (إن) ، ولكن حذف لفظ (إن) اختصارا واستدلالا بالمعنى، لأن الأصل أن ~~تعمل الأفعال والحروف، فأما الأسماء فليس أصلها أن تعمل، ولذلك وجب تقدير ~~(إن) ، والله أعلم. # واعلم أن الجازم للشرط (إن) ، فأما الجواب فقد اختلف فيه، فمن # PageV01P438 # النحويين من يجعل العامل فيه (إن) أيضا، لأنه قد استقر عملها في الشرط، ~~والشرط مفتقر للجواب، فلما كانت (إن) عاقدة للجملتين، وجب أن تعمل فيهما، ~~ومن النحويين من يجعل العامل في الجواب (إن) والشرط معا، إذ كان الجواب لا ~~يصح معناه إلا بتقدمهما جميعا، وليس أحدهما بمنفك من الآخر، فصار حكمها ~~كالنار والحطب في باب إسخان الماء بهما، وهذا المذهب مذهب أبي العباس. # واعلم أن ms182 الأصل في باب الشروط والجزاء أن يكونا مضارعين، كقولك: إن تضرب ~~أضرب، لأن (64 / أ) حقيقة الشرط بالاستقبال، فوجب أن يكون اللفظ على ذلك، ~~ويجوز أن يقعا ماضيين، لأن الماضي أخف من المضارع، فاستعملوه لخفته، وأمنوا ~~اللبس، إذ كانت حروف الشرط تدل على الاستقبال، ويجوز أن يكون الأول ماضيا، ~~والجواب مضارعا، وليس كحسن الأولين، لأنك خالفت بين الشرط والجواب، وهما ~~متساويان في الحكم. # وأما إن جعلت الشرط مضارعا، والجواب ماضيا، فهو قبيح، والفصل # PageV01P439 # بينهما: أن الشرط إذا كان مضارعا، وقد عملت فيه (إن) ، فقبيح أن يأتي لفظ ~~الجواب مخالفا لما أوجبه الحرف العامل. # وأما إذا كان الأول ماضيا، فقد حصل لفظ الأول غير معمول فيه، والأصل أن ~~يعمل فيه، فإذا جاء الجواب مخالفا له في اللفظ، فقد جاء مستعملا على الأصل ~~استعمال المضارع، فصار استعمال الأصل مقاوما للخلاف، فلذلك افترقا. # واعلم أن جواب الشرط قد يقع مبتدأ وخبرا، إلا أنه متى وقع على هذا الوجه، ~~فلا بد من الفاء، كقولك: إن يأتني زيد فأنا أكرمه، فإن حذفت المبتدأ بقي ~~الفعل مرفوعا، لأنه في موضع خبر المبتدأ، كقولك: إن يأتني زيد فأكرمه، ~~والمعنى: فأنا أكرمه، وإنما وجب إدخال الفاء، لأن المبتدأ والخبر جملة تقوم ~~بنفسها، وليس ل (إن) فيها تأثير، لأنها ليست من عوامل الأسماء فلو جاز أن ~~يلي المبتدأ والخبر الشرط، لم يعلم أنه متعلق به، وجاز أن يعتقد انقطاعه ~~مما قبله، فأدخلوا الفاء ليتصل ما بعدها بما قبلها، وإنما كانت أولى من ~~سائر حروف العطف، لأنها توجب أن يكون ما بعدها عقيب ما قبلها، وليس (الواو) ~~كذلك، لأنها توجب الجمع بين شيئين، ولا يكون لفظها دلالة على أن الجواب ~~يستحق بوقوع الشرط، ولم يجز استعمال (ثم) ، لأنها للتراخي، فإذا اعتقد ~~المشروط له تراخي الجزاء عن وقوع فعله، لم يحرص على الفعل، فلذلك لم يجز ~~استعمال (ثم) ، واستعملت الفاء لما ذكرناه، وقد يجوز حذفها في الشعر، قال ~~الشاعر: # (من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان) # أراد: فالله ms183 يشكرها. # PageV01P440 # واعلم أن جواب الشرط فعلا كان، أو مبتدأ وخبرا، كان الغرض في الجواب ~~استغناء الكلام، فاستغنى الكلام به، إلا أنه لا يجوز أن تعمل فيه (إن) ، ~~لأنها حرف، والحروف ضعيفة العمل، فلا يجوز أن تعمل فيما قبلها، كقولك: ~~أكرمك إن تأتني، والأحسن إذا قدمت الجواب أن يكون ما بعد (إن) فعلا ماضيا، ~~ليكون ما بعدها غير معمول فيه كجوابها، ويحسن أن يكون مضارعا، لأن الجواب ~~قد تقدم، وجاءت على أصلها، وليس ذلك كتأخير الجواب لما ذكرناه من مخالفة ~~الأصل. # واعلم أن الفعل ليس له من الأحكام في باب التبعيض ما للأسماء، فلذلك لم ~~يدخل فيه بدل التبعيض من الكل، ولم يجز أن يبدل الفعل من الفعل، إلا أن ~~يكون في معناه، لأن البدل تبيين، فلا يجوز أن يبين الشيء بما لا تعلق بينه ~~وبين المبين له، ولا يجوز أن يبدل الفعل من الفعل، إذ لم يكن في معناه، إلا ~~على طريق الغلط، (64 / ب) كما يقع ذلك في الأسماء. # واعلم أن الفعل المضارع إنما يرتفع إذا وقع موقع الحال، لأنه قد وقع موقع ~~الاسم، ومع ذلك فعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، ولذلك استحقت الرفع، ~~وقد بينا هذا فيما مضى. # واعلم أن جواب الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض، إنما ~~الجزم، لأن ما تقدمه يتضمن معنى الشرط، ألا ترى أن قولك: أين بيتك أزرك؟ ~~معناه: إن تعلمني بيتك أزرك، وكذلك إذا قلت: ائتني أكرمك، وكذلك: لا تأتني ~~أضربك، معناه: إن تأتني أضربك، وليت زيدا عندنا نكرمه، معناه: لو كان زيد ~~عندنا أكرمناه. # PageV01P441 # و (لو) : تضارع (إن) لأنها تقتضي جوابا، كقولك: لو تكون عندنا لأكرمناك، ~~فصار بمنزلة: إن تكن عندنا أكرمناك. # وكذلك حكم العرض، فلما تضمنت هذه الأسماء معنى الشرط، قدر معها (إن) ~~فانجزم الجواب بتقدير حرف الشرط، فإن رفعت الفعل في جوابها فعلى وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل في موضع الحال، كقولك: ائتني أكرمك. # وأما الوجه الثاني: فعلى تقدير خبر ابتداء، كأنك قلت: ائتني فأنا أكرمك؟ # وأما جواز حذف ms184 (أن) ونصب الفعل بإضمارها فهو قبيح عند البصريين، وذلك مثل ~~قول طرفة: # (ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي) # فالوجه الرفع في (أحضر) ، لأن (أن) موصولة بالفعل، ولا يجوز حذف الموصول ~~وتبقية الصلة، ومع ذلك فهي عامل ضعيف، لأنه حرف من الحروف، ولا يجوز أن ~~تعمل الحروف مضمرة، وقد أجازوا النصب فيه، ووجه جوازه إظهار (أن) في آخر ~~البيت، وهو قوله: # (وأن أشهد اللذات) # PageV01P442 # فصارت (أن) في هذا الموضع كالعوض من المحذوف. # وأما إذا لم يكن في الكلام (أن) تنعطف على المضمرة، فهو غير جائز. ~~والكوفيون يجيزون مثل هذا، ويجعلون هذا مثل (أن) بعد الفاء في الجواب، إن ~~شاء الله. # PageV01P443 ### | 44 - باب إضافة أسماء الزمان إلى الفعل والفاعل والمبتدأ والخير # اعلم أنه لا يضاف من الأسماء إلى الجمل إلا ظروف الزمان، و (حيث) من ظروف ~~المكان، وإنما خصت ظروف الزمان بذلك لوجوه: # أحدها: أن الفعل يدل على مصدر وزمان، والزمان أحد الشيئين اللذين يدل ~~عليهما الفعل، فإذا أضيفت الظروف من الزمان إلى الأفعال، صارت بمنزلة إضافة ~~البعض إلى الكل، مثل: خاتم حديد. # وآخر: يحكى عن الأخفش أنه قال: لما كانت ظروف الزمان بأجمعها، خاصها ~~وعامها لا يمتنع أن يكون ظرفا يتعدى الفعل إليها بغير واسطة، وظروف المكان ~~ما كان منها خاصا لا يتعدى الفعل إليه، نحو: قمت في الدار، كما تقول: يوم ~~الجمعة، أضيفت ظروف الزمان إلى الجمل عوضا من اختصاص ظروف المكان بما ~~ذكرناه. # ولما جاز أن تضاف ظروف الزمان إلى الفعل والفاعل، جاز أن تضاف إلى ~~المبتدأ والخبر، لأن الفعل والفاعل جملة كالمبتدأ والخبر. # وظروف الزمان تقتضي الفعل، فصارت كشيء واحد من هذا الوجه، وكان الفعل ~~أيضا يدل على مصدره، فقولنا: (65 / أ) هذا يوم قيام زيد، كقولنا: هذا يوم ~~يقوم زيد، فقد تضمن يوم القيام، فاعرفه. # وأما (حيث) : فجاز إضافتها إلى الجمل، لأنها ضارعت (إذ) بسبب # PageV00P000 # أنها مبهمة في المكان، كإبهام (إذ) في الزمان الماضي، فكما وجب أن تضاف ~~(إذ) إلى الجمل ms185 أوجبوا إضافة (حيث) إليها، للشبه الذي بينهما والمضارعة. # واعلم أن ظرف الزمان إذا أضفته إلى الفعل الماضي، جاز لك فيه وجهان: ~~الإعراب والبناء، كقولك: أعجبني يوم قمت، فترفع (اليوم) بفعله، ويجوز أن ~~تفتحه، ويكون موضعه رفعا، وإنما جاز بناؤه، لأنه أضيف إلى فعل مبني، فأجري ~~مجراه، واختير فتحه، لأن الكسر والضم بعد الواو مستثقلان، فعدلوا به إلى ~~الفتح، ومن ذلك قول الشاعر: # (على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألما أصح والشيب وازع!) # وأما من أعرب: فلأن الظرف متمكن في نفسه، وهذه الإضافة استحقها لما ~~ذكرناه، فوجب أن يبقى على حال تمكنه، لأن ما استحقه من الإضافة لعلة أوجبت ~~له ذلك، وقد يجوز أن يبنى مع المضارع أيضا، كقولك: أعجبني يوم تقوم، إلا أن ~~الإعراب مع المضارع أحسن لما ذكرناه. # وأما جواز البناء: فلأن ظروف الزمان قد خالفت جميع الأسماء بإضافتها إلى ~~الجمل، وخروج الشيء عن نظائره نقص له، فوجب لهذا النقص أن تبنى، والله ~~أعلم. # PageV01P445 ### | 45 - باب إن وأن # إن قال قائل: لم وجب أن تكسر (إن) في الابتداء؟ # قيل: للفصل بينهما، أعني: بين (إن وأن) . # فإن قال قائل: فما الحاجة إلى الفصل بينهما؟ # قيل له: لأن (أن) المفتوحة وما بعدها في تقدير اسم، والمكسورة لا تكون مع ~~ما بعدها اسما، فلما اختلف حكمهما، وجب الفصل بينهما. # فإن قيل: فلم خصت بالكسر، وخصت الأخرى بالفتح؟ # قيل له: لأن الكسر أثقل من الفتح، و (أن) المفتوحة قد قلنا: إنها وما ~~بعدها اسم، فقد طالت بصلتها، والمكسورة مفردة الحكم، فهي أخف منها، فوجب أن ~~يفتح الأثقل، ويكسر الأخف ليعتدلا. # فإن قيل: فلم كسرت بعد القول، وإذا كان في خبرها اللام؟ # قيل: لأنها في هذين الموضعين مبتدأة في الحكم، وإنما وجب ذلك لأن القول ~~إنما وضع في الكلام ليحكى به، والحكاية من شأنها ألا تغير لفظ المحكي، فإذا ~~قال القائل: إن زيدا منطلق، فأردت أن تحكي كلامه، وجب أن تقول: قال عمرو: ~~إن زيدا منطلق، كما تقول: قال عمرو: زيد منطلق، فصار ms186 ما بعد القول يجري ~~مجراه في حال الابتداء، فلذلك كسرت بعد القول. # PageV00P000 # وأما كسرها إذا كانت اللام في خبرها، فإن هذه اللام هي لام الابتداء، ~~كقولك: لزيد أفضل من عمرو، فإذا أدخلت وجب أن تكسر (إن) قبلها، لأن (إن) من ~~عوامل الأسماء، فلا يجوز أن تدخل على اللام، وإنما تدخل على الاسم، فإذا ~~كان الأمر على ما ذكرناه، صار الأصل: إن زيدا منطلق، فإذا أدخلت اللام لم ~~يجز أن تغير (إن) عن حالها، كما لا تغير اللام المبتدأ عن حاله، فيصير ~~اللفظ: لأن زيدا منطلق، إلا أن اللام (65 / ب) و (إن) معناهما واحد، لأنهما ~~للتوكيد، ويقعان جوابا للقسم، فلما اتفق معناهما، كرهوا الجمع بينهما، ~~فأخروا اللام، وإنما كانت أولى بالتأخير، لأن (إن) عاملة، والعامل أقوى مما ~~ليس بعامل، فوجب تأخير الأضعف، وهو اللام، فإذا أخرتها جاز أن تدخلها على ~~الاسم، إذا فصلت بينه وبين (إن) بظرف أو حرف جر، كقولك: إن في الدار لزيدا، ~~وإن شئت أدخلتها على الخبر، إذا كان متأخرا، كقولك: إن زيدا لفي الدار. # واعلم أنك إذا خففت هذه المكسورة، جاز أن تعملها وتنوي التشديد، لأنك لم ~~تحذف التشديد حذفا لازما، فصار حكمها مراعى، فلذلك جاز أن تحذفها ويبقى ~~الحكم (إن) على العمل، كقولك: لم يك زيد منطلقا، ومن أبطل عملها، فإنه ~~شبهها بالفعل من جهة اللفظ دون المعنى، فلما زال لفظها سقط شبهها بالفعل، ~~فوجب أن يبطل عملها، وحكم المفتوحة المشددة في التخفيف # PageV01P447 # والتثقيل وجواز العمل، إلا في خصلة واحدة، وهو أن (إن) المكسورة إذا خففت ~~ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، و (أن) المفتوحة المشددة إذا خففت أضمر ~~فيها اسمها، كقولك: قد علمت أن زيد قائم تقديره: أنه زيد قائم، فالهاء ~~المضمرة اسم (أن) . # وإنما وجب ذلك في (أن) المفتوحة، ولم يجب ذلك في المكسورة، لأن المفتوحة ~~قد قلنا: إنها وما بعدها اسم، فلا تخلو من عامل يعمل فيها، فلم يجز إلغاء ~~حكمها، فلذلك وجب أن يضمر اسمها، لثبات حكمها في الكلام، وأما المكسورة فهي ms187 ~~تقع في صدر الكلام، فإذا ارتفع ما بعدها، لم تكن بنا ضرورة إلى تقدير اسم ~~فيها، لأنه يمكن أن تقدرها حرفا غير عامل من الحروف غير العوامل، نحو هل ~~وبل، وما أشبهه. # واعلم أن أفعال القلوب تنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: يقين، نحو: عرفت وعلمت. # والثاني: شك ورجاء، نحو: رجوت وخفت. # والثالث: متوسط بين اليقين والشك، وهو الظن والحسبان. # وأما (علمت) ونحوها فلا يجوز أن تقع بعدها (أن) المخففة من الثقيلة مشددة ~~وغير مشددة، نحو: قد علمت أنك تقوم، فإذا خففتها - وبعدها الفعل - أضمرت ~~الاسم، على ما ذكرنا، وعوضت من التخفيف، إذا كان بعدها الفعل أحد أربعة ~~أشياء: # PageV01P448 # أحدها: السين، والآخر: سوف، والثالث: قد، والرابع: لا، كقولك: قد علمت أن ~~ستقوم، كما قال الله عز وجل: {علم أن سيكون منكم مرضى} ، وكذلك: علمت أن ~~سوف تقوم، وعلمت أن قد قمت، وهذه الأعراض الثلاثة متى دخلت بعد (أن) لم تكن ~~إلا مخففة من الثقيلة. # وأما (لا) : فقد تقع عوضا وغير عوض، فإذا كانت عوضا ارتفع الفعل بعدها، ~~لأنها في موضع خبر (أن) ، وإذا لم تكن عوضا وكانت (أن) خفيفة انتصب الفعل ~~بعدها، كقوله عز وجل: {وحسبوا أن لا تكون فتنة} ، وقرئ بالرفع، فمن رفع جعل ~~(أن) مخففة من الثقيلة، وأضمر اسمها، وجعل (لا) عوضا، فارتفع الفعل، لأنه ~~في موضع خبر (أن) ومن نصب جعل (أن) خفيفة نفسها، ولم يجعل (لا) عوضا، فعملت ~~(أن) في الفعل فنصب بها، وهذا القسم الثاني (66 / أ) من الأفعال يجوز أن ~~تقع بعده المشددة والمخففة، وإنما جاز فيه وجهان، لأنه متوسط بين العلم ~~والخوف، فإذا غلب أحد طرفيه، وهو العلم، صار بمنزلة لو شددت (أن) بعده، ~~وإذا غلب الطرف الثاني، وهو الرجاء # PageV01P449 # أو الخوف، لم يجز أن يقع بعده إلا (أن) الخفيفة نفسها الناصبة للأفعال، ~~لأن باب الرجاء والخوف ليس بأمر مستو، والمشددة إنما تدخل لتحقيق الكلام، ~~فجاز أن تدخل بعد العلم، وما جرى مجراه، لأنه شيء ثابت فتحققه ب (أن) . ~~وأما الرجاء والخوف فلما لم يكن ms188 شيئا ثابتا، استحال تحقيقه، فلذلك لم يجز ~~أن تدخل بعده المشددة، إلا على ضرب من التأويل، وحمله على باب الظن، إذ كان ~~قد أجري مجرى العلم لما ذكرناه، وكذلك يجوز أن تجري الحروف مجرى الظن، لما ~~بينهما من المشابهة. # فإن قال قائل: فلم زعمتم أن (أن) ليست باسم، وأنها مع بعدها اسم، وخالفت ~~حكم (الذي) بالفصل بينهما؟ # قيل له: إن (أن) لو كانت في نفسها اسما، لم يجز أن تخلو صلتها من ضمير ~~يرجع إليها، كما أن (الذي) لما كان اسما في نفسه، لم يجز أن يوصل بجملة إلا ~~وفيها ذكر يرجع إليه، ألا ترى أنك تقول: قد علمت أنك تقوم، ولا يجوز: علمت ~~الذي أنت تقوم، حتى تقول: إليه، فلذلك افترقا. # واعلم أن (إن) التي تزاد بعد (ما) ، إنما زيدت بعد (ما) لتلغي معها (ما) ~~، فلا تعمل، أعني (ما) في لغة أهل الحجاز، وإنما وجب إبطال عملها عند دخول ~~(إن) عليها، كما وجب إبطال عمل (إن) ، إذا دخلت (ما) عليها، وقد بينا ذلك ~~فيما مضى، ويجوز أن يكون زادوها بعد (ما) لتوكيد معنى النفي، إذ كانت (إن) ~~قد تستعمل للنفي. # واعلم أن (إن) التي بمعنى (ما) مختلف فيها، فبعض النحويين يعملها # PageV01P450 # عمل (ما) في لغة أهل الحجاز، كقولك: إن زيد قائما، وبعضهم لا يعملها، فمن ~~أعملها فلمشاركتها ل (ما) في المعنى، وإنما أعملت عمل (ليس) من جهة النفي، ~~لا من جهة اللفظ، فلما شاركت (إن) ل (ما) في المعنى، وجب أن يستوي حكمهما، ~~ومن لم يجز ذلك، فحجته أن القياس في (ما) ألا تعمل شيئا، فإذا خالفت العرب ~~جهة القياس، فليس لنا أن نتعدى ذلك، لأن القياس لا يوجبه، والأصل أن يكون ~~ما بعدها مبتدأ وخبرا، فلذلك لم تعمل. # واعلم أن (أن) المفتوحة تقع بمنزلة (أي) التي تستعمل على طريق العبارة ~~والحكاية، ويجب أن يكون ما بعدها كلاما تاما، والذي بعدها عبارة عنه، فإن ~~لم يكن في معناه لم يجز، وجعلوا (أي) لهذا المعنى ليكون لهم حرف يعبر عن ms189 ~~المعنى، ويكون باب القول يحكى به اللفظ بعينه، فلذلك وضعت (أن) بمنزلة (أي) ~~للعبارة. # وأما (إن) التي بمعنى (نعم) فإنما استعملت على هذا الوجه، لأن (نعم) ~~إيجاب واعتراف، و (إن) تحقيق وإثبات، فلتضارعهما في المعنى حملت (إن) على ~~(نعم) . # فإن قال قائل: فلم زيدت (أن) المفتوحة بعد (لما) ، ولم تزد المكسورة ~~وزيدت المكسورة بعد (ما) ، ولم (66 / ب) تزد المفتوحة؟ # PageV01P451 # فالجواب في ذلك: أن (ما) لما زيدت على المكسورة، وجب أن تزاد هي على (ما) ~~لتشاكلها لفظ المكسورة، وفي ذلك أيضا تحقيق للنفي، إذ كان أصل النفي ب (ما) ~~، و (إن) قد استعملت للنفي، فصار إدخالها عليها مؤكدا لمعناها. # فأما (لما) : ففيها من الشرط، كقولك: لما جاء زيد جئت، و (إن) هي أصل ~~الجزاء فلم تزد (إن) على (لما) ، لئلا يكون الأصل تابعا للفرع، أعني ~~بالفرع: (لما) المشهبة لبعض حروف الجزاء، لما فيها من معنى الجزاء، وخصوا ~~(لما) بالمفتوحة، أعني: (أن) ، لأنه لما كان فيها معنى التوقع، أعني: في ~~(أن) ، وكانت غير محققة للشيء، وتدخل بعد أفعال الرجاء والخوف، خصت ~~بالزيادة بعد (لما) لتوكيد معناها، والله أعلم. # PageV01P452 ### | 46 - باب أم وأو # إن قال قائل: لم وجب أن يكون الجواب في (أم) بأحد الاسمين، ويقع الجواب ~~في (أو) ب (لا أو نعم) ؟ # قيل له: أن ترتيب (أم) أن تقع سؤالا بعد سؤال ب (أو) وذلك أن (أو) معناها ~~أحد الشيئين، ولا تنتقل عن هذا المعنى، استفهاما كانت أو خبرا، كقولك: ~~جاءني زيد أو عمرو، فمعنى هذا الكلام: جاءني أحدهما، وإنما تخبر أن أحد ~~الشخصين جاءك، فإذا استفهمت عن هذا فقلت: أجاءك زيد أو عمرو؟ فإنما تسأل عن ~~أحدهما، لأن المعنى: أحدهما جاءك، فلما كانت في الاستفهام سؤالا عن واحد ~~غير معين، جرت مجرى السؤال عن واحد معين، كقولك: هل زيد عندك؟ فلما كان ~~الجواب ب (لا) ، إن لم يكن عنده زيد، أو ب (نعم) إن كان عنده زيد، وجب أيضا ~~أن يكون الجواب على هذا السبيل، لحصول أحد الشيئين عنده بغير ms190 عينه، فبينا ~~له بعد ذلك ب (أم) ، لتعيين الشخص، فيقول: أزيد أم عمرو؟ فلما كانت (أم) ~~ترتيبها على ما ذكرناه، لم يجز أن يقع الجواب ب (لا) ، لأن المستفهم قد ~~استقر عنده حصول شخص من الشخصين، ولا يبقى هذا الاعتقاد الذي أوجبه حكم ~~اللفظ ألا يكون عند المسؤول أحدهما، فلذلك لم يجز أن يقع الجواب في (أم) ~~إلا بأحد الشخصين، فإن كان المسؤول يعتقد أن السائل قد أخطأ في هذا ~~الاعتقاد أنه ليس عنده واحد من الشخصين، أجابه # PageV00P000 # بأن يقول: ليس عندي واحد منهما، ليبين له فساد اعتقاده. # واعلم أن (أم) - التي تكون مع ألف الاستفهام - بمنزلة (أي) ، امتحانها أن ~~يحذف لفظ الألف وأم، ويجمع ما يلي الألف وأم إلى جانب، ويصح الكلام، فمتى ~~كانت أم مع ألف الاستفهام على هذا السبيل، فهي بمنزلة (أي) والجواب يقع ~~فيها بأحد الاسمين، كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ ألا ترى أنه يصح أن تقول: ~~أيهما عندك؟ فلو قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ لكان هذا الكلام سؤالين، ولم تكن ~~(أم) مع الألف بمنزلة (أي) ، ألا ترى أنك لو جمعت الاسمين إلى جنب (أي) ، ~~لصار اللفظ: أيهما عندك عندك؟ فيكون الظرفان من غير فائدة، وتكريرهما على ~~هذا السبيل فاسد، فلا يصير بمنزلة (أي) ، وصار السؤالان مفردين، وكذلك (67 ~~/ أ) إذا كان قبل الاستفهام ألف، فهو سؤال مبتدأ، وفيهما إضراب عما قبلها، ~~خبرا كان أو استفهاما، فلذلك شبهوها ب (بل) ، لأن فيها إضرابا عما قبلها. # وأما (أم) : فهي وإن دخلها معنى الإضراب عما قبلها فمعنى الاستفهام حاصل، ~~وتخالف الألف من جهة أن الألف مبتدأ بها في الاستفهام كقولك: أزيد عندك؟ ~~فأم لا يبتدأ بها، لأنها قد أدخلت بعد الألف عاطفة ما بعدها على ما يلي ~~الألف، فلما أدخل (أم) في حروف العطف - وحروف العطف لا يبتدأ بها - لم يجز ~~الابتداء بها لما ذكرناه. # واعلم أن (أم) لما دخلها معنى التسوية بين الشيئين في الجهالة، نحو قولك: # PageV01P454 # أزيد عندك أم عمرو؟ فلما ساغ فيها هذا المعنى، جاز ms191 أن يستعان في كل موضع ~~أردنا فيه التسوية بين الشيئين، كقولك: قد علمت أزيد عندك أم عمرو، فمعنى ~~هذا الكلام خبر ولفظه استفهام، وإنما دخل الاستفهام ها هنا لما أردنا من ~~معنى التسوية بين الاسمين في العلم، والفائدة في ذلك أن المتكلم أراد أن ~~يعلم المسؤول أنه قد علم ما كان يسأل عنه، ولم يخرج في اللفظ معينا على ~~الشخص بعينه، ليخرج المسؤول أن يسأله عن ذلك ولضرب من العوض، فلذلك دخلت أم ~~والألف في هذا الموضع، إن شاء الله. # PageV01P455 ### | 47 - باب ما ينصرف وما لا ينصرف # إن قال قائل: من أين زعمتم أن أصل الأسماء الصرف؟ # فالجواب في ذلك: أن الأسماء كلها نوع واحد، وإنما منع الصرف بعضها بشبهها ~~في الفعل، والفعل حادث لأنه مشتق من الاسم، فإذا استقر التنوين لبعض ~~الأسماء، وجب أن يكون لجميعها، لاشتراكها في الاسمية، وصار ما منع التنوين ~~إنما هو من أجل شبهه بالفعل الحادث. # فإن قيل: فما الذي أحوج إلى دخول التنوين؟ # قيل له: لأن واضع اللغة لما علم أن بعض الأسماء مشبهة بالفعل وبعضها لا ~~يشبه الفعل، ألحق التنوين ما لم يشبه الفعل، ليكون لحاق التنوين فصلا بين ~~ما ينصرف وما لا ينصرف، فصار للاسم أصلان، أحدهما: أن الأسماء تستحق ~~التنوين لو لم تشبه الفعل، لأنه زيادة لا يحتاج إليها، فلما قدر حدوث الفعل ~~ألحق التنوين لبعض الأسماء، فصار هذا الأصل الثاني، وهو لحاق التنوين في ~~الاستعمال، لأن الأصل المستحق لما قبل حدوث الفعل. # فإن قال قائل: من أين صارت العلل التسع توجب منع الصرف؟ # فالجواب في ذلك: أن الفعل لما ثبت أنه فرع على الاسم، وكانت هذه # PageV00P000 # العلل فروعا، أن التعريف داخل على التنكير، وذلك أصل في الأسماء وتلك ~~الأسماء الأجناس، وهي نكرات، حتى يدخل عليها ما يعرف العين الواحد من ~~الجنس، فثبت أن التعريف فرع على التنكير، وكذلك التأنيث فرع على التذكير، ~~لأن كل شيء يقع عليه اسم، والشيء مذكر، فوجب بهذا (67 / ب) أن يكون الأصل ~~التذكير، ومع ذلك ms192 فإن لفظ التأنيث زائد على لفظ التذكير، كقولك: قائم ~~وقائمة، وما كان زائدا فهو مرفوع عن الأصل، لزيادته عليه، والعجمة فرع، ~~لأنها دخيلة في كلام العرب. # والجمع فرع على الواحد لأنه مركب منه. # ومثال الفعل فرع، وما أشبه الفرع فحكمه حكم الفرع، إذ كان أصل البناء ~~الذي يمنع الصرف هو الأفعال دون الأسماء، ألا ترى أن المثال الذي يشترك فيه ~~الفعل حكمه حكم الفرع، والاسم لا يمتنع الصرف، كرجل سميته ب (ضرب) ، لأن ~~نظيره من الأسماء جمل، فصار المثل الذي يوجب منع الصرف مختصا بالفعل، فلذلك ~~كان فرعا في الأسم. # والصفة فرع، لأنها تابعة للموصوف، ومن أجله دخلت، فلما استقرت هذه ~~الأشياء فروعا، شابهت الفعل لما ذكرناه. # فإن قال قائل: فلم يمتنع الاسم من الصرف بوجود هذه الفروع فيه؟ # قيل له: لأن الشبه من وجه واحد ليس بقوي، وذلك أن شيئين متشابهين ~~يتشابهان من وجه واحد فصاعدا، فلما كان الشبه من وجه واحد لا تأثير له، لم ~~يثقل الاسم بهذا الشبه، فيزول عن أصله، وهو الصرف، فإذا اجتمع في الاسم ~~فرعان مما ذكرنا، أو فروع مما تقوم مقام فرعين ثقل الاسم، والتنوين زيادة ~~عليه، فمنعوه وشبهوه بالفعل، وجعلوا جره كنصبه، إذ كان الجر لا يدخل # PageV01P457 # الأفعال، فلما أشبه هذا النوع الأفعال منعوه ما لا يدخلها، وهو الجر، ~~وجعلوا لفظه كلفظ المنصوب، كما جعلوا النصب في التثنية والجمع كالجر لما ~~بينهما من المشابهة. # واعلم أن (أفعل) إذا كان صفة مثل: أصفر وأحمر، وسميت به لم ينصرف عند ~~سيبويه، والصرف في النكرة عند الأخفش. # فحجة سيبويه: أن (أفعل) قبل أن سمي به اسم، وإن كان صفة وقد كان في حال ~~التنكير غير منصرف، فإذا سميت به فحكم الصفة لم يرتفع عنه، وتصير التسمية ~~به كالعارية، فإذا نكر عاد إلى موضع قد كان لا ينصرف فيه، والدليل على صحة ~~ذلك إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون أربعا، لأنه اسم ~~استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الوصف، لم ينصرف في هذه الحال، ms193 لأنه على ~~وزن الفعل وهو صفة، فلما تقوى حكم الاسم، بأن استعملوه صفة، وكذلك أنه وإن ~~استعمل اسما فحكم الصفة باق، فلذلك انصرف. # وأما الأخفش: فذهب إلى أن (أحمر) إنما امتنع من الصرف في النكرة، لأنه ~~على وزن الفعل وهو صفة، فإذا سمي به زال عنه حكم الصفة، فامتنع من الصرف ~~لأنه معرفة، ولأنه على وزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهي وزن ~~الفعل، فلذلك انصرف، وقد بينا فساد هذا القول. # وأما إن سميت رجلا: يشكر أو يزيد، وما أشبه ذلك فإنه ينصرف في النكرة، # PageV01P458 # لأن (يزيد ويشكر) وأشباههما قبل التسمية أفعال، فلو سميت بها، انتقلت عن ~~أصلها بالكلية، وصارت الأسماء لا يتعلق الفعل بها، وامتنعت من الصرف بوجود ~~التعريف ومثال الفعل، فإذا (68 / أ) نكرتها انصرفت، لبقاء علة واحدة فيها. # وأما أحمر وما كان على وزن (أفعل) من فلان، مما يستعمل في التفضيل، نحو ~~قولك: زيد أفضل من عمرو، وأحسن من فلان، فإنك إن سميت بها - أعني بواحد من ~~هذه الصفات - فحكمه كحكم (أحمر) ، والخلاف كالخلاف في (أحمر) ، أعني إن ~~سميت بهذه الصفات مع (من) فإن سميت بإحداها دون (من) انصرف في النكرة فلا ~~خلاف، وإنما انصرف في النكرة، لأنه قد زال عن حكم الصفة، لأنه استعمل صفة ب ~~(من) ، فلما سميته ب (أفعل) دون (من) كان كأن لم تسمه بالصفة، وكان الذي ~~منعه من الصرف في حال التسمية: التعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته زالت عنه ~~إحدى العلتين، فانصرف في النكرة. # واعلم أن ما كان على ثلاثة أحرف من أسماء المؤنث أوسطه ساكن فبعض العرب ~~يصرفه، وبعض العرب لا يصرفه، والفرق بينهما أن العجمة في الاسم ليست كحكم ~~الزائد عليه، لأن لغة العجم مشتركة بسائر اللغات، فلهذا لم يثقل حكمها، ~~وانصرف الاسم، إذ كان على ثلاثة أحرف، متحركا أوسطها أو ساكنا. وأما ~~التأنيث فحكمه زائد على حكم المذكر، وإن لم يكن لفظ # PageV01P459 # التأنيث موجودا فيه، إلا أنه مراعى من جهة الحكم، والدليل على ذلك: أنك ~~لو صغرت هندا، ms194 اسم امرأة، لقلت: هنيدة، فعلمت أن علامة التأنيث مراعاة فصار ~~التأنيث أثقل لفظا ومعنى، فلذلك صار حكم التأنيث أقوى من حكم العجمة. # وأما إذا سميت امرأة ب (زيد) فكثير من النحويين لا يصرفون، ويفرقون بينه ~~وبين هند، والفرق بينهما أن (زيدا) من أسماء المذكر، وخفيف في الاسم، ~~فتسميتك المؤنث به إخراج له من حكم الأخف، فصارت علتان، التعريف والتأنيث، ~~فلذلك لم ينصرف في المعرفة، وليس كذلك حكم (هند) ، لأنه من أسماء المؤنث، ~~لم يحصل فيه حكم يوجب ثقله، فلذلك جاز أن تجعل خفته مقوامة لأحد الثقيلين. # فإن قال قائل: فما الفرق بين تسمية المذكر بمؤنث على ثلاثة أحرف، وبين ~~تسمية بما زاد على الثلاثة؟ # فالجواب في ذلك: أن ما كان على ثلاثة أحرف ينصرف، متحرك الأوسط كان أو ~~ساكنا، ولا ينصرف ما زاد على ثلاثة أحرف، كرجل سميته ب (قدم) ، فإنه ينصرف، ~~ولو سميته ب (عقرب) لم ينصرف، # PageV01P460 # والفصل بينهما أن المؤنث إذا كان على ثلاثة أحرف فسمي مذكرا، فإنه ينتقل ~~عن حكم التأنيث بالكلية، ويصير إلى المذكر، والدليل على ذلك: أنك لو صغرته ~~بعد التسمية لم تزد الهاء فيه، ولو كان حكم التأنيث فيه باقيا، لظهرت هاء ~~التأنيث في التصغير، فهذه الدلالة أعلمتنا أنه قد انتقل عن حكم التأنيث، ~~وصار مذكرا. # وأما ما زاد على ثلاثة أحرف، وهو مؤنث، فإن الحرف الرابع جعل مثل هاء ~~التأنيث، والدليل على ذلك: أنك لو صغرت عقربا قبل التسمية وبعدها، لم يثبت ~~فيها هاء، فعلمنا أن الحرف الرابع قد أجري مجرى حرف التأنيث، فإذا سميت به ~~مذكرا، فإنك سميته بما فيه علامة التأنيث، فلذلك لم ينصرف، وفارق حكم ~~الثلاثة. # (68 / ب) واعلم أن ما عدل من العدد نحو: أحاد وثناء إلى معشر وعشار، ففي ~~منع صرفه وجوه: # أحدها: قد ذكرناه في الشرح. # والثاني: أنه عدل عن اللفظ والمعنى، فقام هذا العدل مقام علتين، والدليل ~~على أنه عدل عن معناه، أنه لا يستعمل في موضع ما يستعمل فيه الأعداد غير # PageV01P461 # المعدولة، ألا ترى أنك ms195 تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز أن تقول: ~~جاءني مثنى وثلاث، حتى تقدم قبله جمعا، لأنه جعل بيانا لترتيب الفعل. # فإذا قال القائل: جاءني القوم مثنى، فقد أخبرنا أن ترتيب مجيئهم قد وقع ~~اثنين اثنين، وإنما الأعداد أنفسها فإنما الأغراض فيها الأخبار عن مقدار ~~المعدود دون غيره، فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن ~~تقوم العلة مقام علتين، لأيجاب حكمين مختلفين. # ووجه ثالث: أن الظاهر في هذه الأعداد المعدولة أن تكون معدولة من المؤنث، ~~فإذا كان المعدول من المؤنث الذي لا هاء فيه، كان أخف، فصار معنى التأنيث ~~الذي فيها مع الصفة علتين، فلذلك لم ينصرف. # فأما (آخر) : فالذي أوجب أن يكون معدولا عن الألف واللام، أن الواحدة منه ~~(أخرى) ، مثل (الفعلى) ، وباب (الفعلى والأفعل) تستعمل بالألف واللام أو ب ~~(من) ، كقولك: زيد أفضل من عمرو، وإن شئت قلت: زيد الأفضل، وكان القياس أن ~~يقال: زيد آخر من عمرو، كما يقال: أقدم من عمرو، إلا أنهم حذفوا (من) ، ~~والسبب في ذلك أن معنى (الآخر) بعد أول، فلما صار لفظها مقتضيا لمعنى (من) ~~، أسقطوا (من) اكتفاءا بدلالة اللفظ عليها، والألف واللام تعاقب (من) ، ~~فلما جاز استعمالها بغير (من) جاز استعمالها أيضا بغير ألف ولام، فصار ~~(الآخر والأخرى) معدولين عن حكم نظائرهما، لأن الألف واللام استعملا فيهما، ~~ثم حذفا، والدليل أن العدل إنما كان على طريق الذي ذكرناه دون الآخر ~~والأخرى، أنه لو كان الآخر والأخرى قد استعملا بالألف واللام، ثم # PageV01P462 # عدلا عن الاستعمال، لوجب أن يبقى حكم التعريف بالألف واللام فيهما، كما ~~أن (سحر) لما عدل عن استعمال الألف واللام بقي معرفة فدل تنكير آخر وأخرى ~~أنهما لم يعدلا عما استعملا فيه، وإنما عدلا عن نظائرهما. # فإن قال قائل: فالخروج عن الأصل يوجب للاسم البناء، فهلا بنيتم أخر وأخرى ~~لخروجها عن نظائرهما؟ # قيل له: إن آخر وأخرى، وإن خرجا عن حكم نظائرهما، فليس هو خروجا مباينا ~~لما عليه الأسماء، وإنما خروج عن تعريف إلى حكم تنكير، وأكثر الأسماء ms196 ~~يلحقها التعريف والتنكير، فلم يكن لهذه المخالفة قوة توجب في آخر وأخرى. # وأما ما خرج من الأسماء عن نظائره، وصار بهذا الخروج مشبها للحروف، فهذا ~~المستحق للبناء، فلذلك لم يستحق آخر وأخرى البناء، لأنه قد نقص بهذا العدل ~~درجة عن حكم في أخواته، فجعل هذا من أقسام العلل المانعة للصرف، فاجتمع في ~~أخر وأخرى في حالة التنكير العدل على ما ذكرناه والصفة، فلذلك لم ينصرفا. # فإن قال قائل: (69 / أ) فكيف جاز أن تقول: جاءتني امرأة أخرى، ولم يجز أن ~~تقول: جاءتني امرأة فضلى؟ # قيل له: لما كان أخرى قد أجري مجرى ما فيه الألف واللام اللتان تعاقبان ~~(من) جاز أن تقول: جاءتني المرأة الفضلى، صار (أخرى) - وإن لم يكن فيه # PageV01P463 # الألف واللام - بمنزلة ما فيه الألف واللام من أخواته، وإنما لم يجز أن ~~تقول: جاءتني امرأة فضلى، لأنه يجب أن تستعمله بالألف واللام، فتقول: ~~جاءتني المرأة الفضلى. فأما إذا استعملتها ب (من) لم يجز فيه لفظ التأنيث ~~وكان على لفظ التذكير في المذكر والمؤنث، كقولهم: مررت برجل أفضل منك، ~~وبامرأة أفضل منك، وكذلك حكمه في التثنية والجمع إذا استعمل ب (من) ، ~~وافترقا إذا استعمل بالألف واللام، فثني وجمع وأنث، قيل له: الفصل بينهما ~~أنك إذا قلت: زيد أفضل من عمرو، فإنما تقصد إلى فضل زيد على عمرو، فصار ~~الفضل ها هنا: بمعنى المصدر، والمصدر قد بينا أنه لا يثنى ولا يجمع ولا ~~يؤنث، فلذلك لزم طريقة واحدة. # وأما ما دخلته الألف واللام فيصير وصفا للذات، كقولك: زيد الأفضل، فلما ~~صار صفة للذات جرى مجرى أصفر وأحمر، فكما أن أصفر وأحمر يثنى ويجمع، فكذلك ~~الأفعل والفعلى. # فإن قال قائل: فلم صار ما في آخره ألف ونون، نحو: عثمان، وبابه يمتنع من ~~الصرف؟ # قيل له: لأن الألف والنون في آخره زائدتان، كالألف والنون في سكران، وهاء ~~التأنيث لا تدخل على ما كان مثل عثمان من الأسماء، كما لا تدخل هاء التأنيث ~~على سكران، فجرى مجراه، فلذلك لم ينصرف في المعرفة، وانصرف ms197 في النكرة، لأنه ~~لم يبلغ بالشبه مبلغ سكران، وذلك أن سكران مشابه لباب (حمراء) # PageV01P464 # من أكثر الوجوه، وعثمان أشبه ما أشبه المؤنث، فلذلك صارت علة الشبه في ~~عثمان أقل حكما منها في سكران. # فأما (عريان) فمنصرف وإن كان صفة، وفيه ألف ونون، لأن الألف والنون في ~~عريان ليسا بمنزلتهما في (سكران) ، وذلك أن هاء التأنيث تدخل فيه كقولك ~~امرأة عريانة، وإنما ساغ ذلك لأنه صفة، وعثمان وبابه أسماء لا تغير عن ~~موضعها، فلما خالفت الألف والنون في (عريان) الألف والنون في (سكران) لم ~~تشبها ألفي التأنيث، فلذلك انصرف. # واعلم أن ما جعل من الأسماء اسما واحدا نحو: حضرموت، ومعدي كرب، وقالي ~~قلا، وبعل بك، وما أشبه ذلك فيه وجهان: # إن شئت جعلت الإعراب في آخر الاسم الثاني، فبينت الاسم الأول على الفتح، ~~إلا أن يكون في آخره ياء فتبنيه على السكون، نحو: معدي كرب. # والوجه الثاني: أن تضيف وتجعل الإعراب في آخر الاسم الأول. # PageV01P465 # وإنما جاز الوجهان جميعا: لأن أحد الاسمين غير الآخر، فجاز أن تشبهه ~~بالمضاف والمضاف إليه، ولأن الاسمين جميعا هما لشخص واحد، فيجوز أن تقدر ~~الاسم الأول في حشو الكلمة الثانية، فإذا صار الاسم الأول في تقدير بعض ~~اسم، وجب أن يبقى، إذ كان بعض الاسم مبينا (69 / ب) وإنما بني على الفتح، ~~لأن تركيب الاسمين اسما واحدا مستثقل، فوجب أن يختار له أخف الحركات لثقله، ~~وإنما وجب أن يبنى الاسم الأول على حركته، لأنه كان آخر الحروف حرف إعراب، ~~وحرف الإعراب يستحق الحركات لما أزيل الإعراب، لما دخله من البناء، لم يخل ~~من الحركة ليدل بحركته أنه مما استحق الإعراب، إذ كان ياء قبلها كسرة، لم ~~يدخلها من الحركات إلا الفتح، فلما كان حكم هذه الياء في حال الإعراب أنقص ~~رتبة من غيرها، وكانت الحروف التي تستثقل فيها الحركات تبنى على الفتح، وجب ~~أن تنقص الياء رتبة من الفتح في هذه الحال، وليس بعد الفتح أنقص رتبة من ~~السكون، فلذلك ثبتت على السكون، وبعض العرب يسكنها ms198 أيضا في حال الإضافة، ~~لتدل بإسكانها أنها مما يستحق السكون في حال البناء، ومساغ الإضافة في هذه ~~الأسماء غير واجب، فجاز أن تعطى البناء، لجواز الأمرين فيها، واعلم أن ~~الاسم الثاني إذا كان مما يعلم تنكيره انصرف في حال الإضافة، نحو: بعلبك ~~وحضرموت. # وأما معدي كرب: فبعض العرب يصرف كربا، وبعضهم لا يصرفه، فمن صرف فلأن ~~لفظه لفظ مذكر، فحمله على أصل الأسماء من الصرف، ومنهم من لا يصرف لأنه ~~اعتقد في (كرب) أنه مؤنث. # PageV01P466 # واعلم أنك إذا سميت رجلا بفعل لا نظير له في الأسماء لم ينصرف، نحو: ~~دحرج، وضرب، إذا لم تسم فاعله، فإن سميته بفعل على لفظ ما سمي فاعله، وله ~~نظير في الأسماء انصرف، وإنما وجب ذلك لأن أصل الأسماء الصرف، وإنما تثقل ~~الأسماء إذا كانت على وزن يختص بالفعل، فتثقل لثقل الفعل، فإذا كان المثل ~~مشتركا للاسم والفعل، كان حمل الاسم على أصله أولى من نقله عنه، إذا لم ~~يغلب عليه ما يوجب الثقل، وقد حكي عن عيسى بن عمر أنه لا يصرف رجلا سمي ب ~~(ضرب) ، ويحتج بقول الشاعر: # (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني) # فحكى أن الشاعر لم ينون، وهو على وزن (ضرب) ، فدل على أن (ضرب) لا ينصرف. # وفي هذا البيت وجهان غير ما ذهب إليه عيسى بن عمر: # أحدهما: أن يكون أراد الشاعر الحكاية، لأنك إذا سميت رجلا # PageV01P467 # ب (ضرب) جاز أن تحكي حال التثنية والجمع، وإنما جاز ذلك، لأنه قد كان قبل ~~التثنية له حال مستقرة في الاستعمال، فصارت في التسمية كالمستعارة، فلذلك ~~جاز أن يحكى حاله، فكان التقدير: أنا ابن الذي يقال له جلا الأمور وكشفها. # والوجه الثاني: أن تقدر في (جلا) ضميرا، وإذا قدر فيه ضمير، لم تجز فيه ~~إلا الحكاية، لأنه جملة، والتسمية بالجمل لا تجوز فيها إلا الحكاية. # فإذا سميت رجلا ب (قيل أو رد) صرفته، لأنه وإن كان في الأصل وزنه (فعل) ~~فالكسرة في وسطه قد زالت، وخرج إلى نظير الأسماء، نحو: ms199 ديك وبر، والاعتبار ~~في منع الصرف ثقل الفعل، فلما زال اللفظ الذي يختص باللفظ زال حكم الفعل، ~~والدليل على ذلك أنك لو سميت رجلا (مساجد) لم تصرفه، لثقل اللفظ، فلو صغرته ~~انصرف، لأنه يصير على لفظ (مسيجد) ، (70 / أ) فيزول عنه الثقل الذي أوجب ~~منع الصرف، وهو الشبه بالجمع، وليس كذلك ثقل التأنيث، لأنه لا يعتبر في ~~التأنيث ثقل لفظ المعنى، فلذلك افترق حكم التأنيث وحكم الشبه بالفعل، إذ ~~كان الفعل ليس له إلا حكم واحد، وهو ثقل اللفظ. # واعلم أن تقدير المعدول من باب (فعل) أن يكون المعدول عنه معرفة نحو: # PageV01P468 # عمر، من عامر، وزفر، من زافر، عدل إلى هذا اللفظ للتخفيف، فبقي حكم ~~التعريف الذي كان في أصل، فلذلك لم ينصرف. # PageV01P469 ### | 48 - باب أسماء الأرضين # اعلم أن الأصل في أسماء البلدان التأنيث، لغلبته عليها في كلامهم، وإنما ~~يذكر بعضها، وقد ذكرنا ما يذكر منها، وإنما ساغ فيها هذا، لأن تأنيثها ليس ~~بحقيقي، وإنما تؤنث إذا ذهب بها مذهب البقعة والبلدة، فلما كانت البلدان ~~كلها يسوغ فيها هذان التقديران، جاز أن يذكر ويؤنث، واعلم أن ما غلب في ~~كلامهم تذكيره يجوز تأنيثه، على ما ذكرنا، إذا قدر مؤنثا لم ينصرف، وكذلك ~~ما غلب عليه في كلامهم التأنيث جاز أن يذكر، على أن يراد بذلك الاسم المكان ~~والبلد فيصرف. # وإنما ساغ تذكير ما ذكرنا منها، لأنها كثيرة في كلامهم، إذ كانت أماكن ~~قريبة من العرب، نحو حراء وقباء، وما أشبه ذلك. # فأما واسط: فإنما غلب عليه التذكير لهذا المعنى. # فإن قال قائل: لم صار الغالب على البلدان التأنيث؟ # قيل له: قد لحقها نقص من جهة المعنى، وذلك أن الأرض بأسرها تسمى أرضا ~~ومكانا، وليس كذلك حكم الجمل، ألا ترى أن بعض الأسماء # PageV00P000 # لا تسمى باسم جملة، فلما نقصت الأماكن عن حكم الأسماء، صارت مضارعة ~~للتأنيث، إذ كان التأنيث أنقص حكما من حكم التذكير. # ووجه آخر: أن البلد لما كان اسما لأماكن كثيرة، فشابه الجمع، إذ كان ~~مشتملا على أشخاص كثيرة، ms200 فمن حيث أنث الجمع أنث أسماء البلدان. # ووجه ثالث: أن البلد خص ببيئة مخصوصة تخالف بها غيره من البلدان، جرى ~~مجرى الدار، إذ كانت الدار والبلد إنما يحتاج إليهما للإقامة فيهما ~~والسكنى، فمن حيث كان الغالب على الدار التأنيث، وجب أيضا أن يغلب على ~~البلدان التأنيث، والله أعلم. # PageV01P471 ### | 49 - باب ما كان من أسماء النساء معدولا # اعلم أن ما كان على (فعال) ، تريد به الأمر، فإنما استحق البناء، لأنه ~~قام مقام فعل الأمر، كقولهم: تراك زيدا، تريد: اترك زيدا، وكذلك: مناع ~~زيدا، أي: امنع زيدا، فلما قام مقام فعل، وجب أن يبنى على السكون، فالتقى ~~في آخره ساكنان، فكسر الآخر، لالتقاء الساكنين على أصل ما يجب فيهما إذا ~~التقيا. # واعلم أن سيبويه يجيز القياس على ما سمع من كلام العرب في هذا الباب ~~فيجيز: ضارب زيدا، أي: اضرب زيدا، وإنما جاز القياس على (دراك) وبابه لكثرة ~~العدل في باب الأفعال الثلاثية، فلما كثر واطرد أجاز القياس عليه. # وأما ما كان معدولا من الفعل الرباعي، فالقياس لا يجوز عليه، لأنه لم ~~يسمع إلا في حرفين: أحدهما: عرعار، وهي (70 / ب) لعبة يلعبون بها، وقرقار، ~~من السحاب المقرقر بالرعد، كما قال الشاعر: # (قالت له ريح الصبا قرقار ... فاختلط المعروف بالإنكار) # فلما لم يكثر، لم يجز القياس عليه. # وأما ما ذكرناه عن الصفة الغالبة، وما كان في معنى المصدر، وما كان اسما # PageV00P000 # غالبا فعلة بنائه حمله على فعل الأمر، وإنما حملت لأنها مشاركة له في ~~اللفظ والمعنى، وأما من جهة اللفظ فلاشتراكهما في العدل، وأنهما مؤنثان، ~~فلما شاركت هذه الأشياء الثلاثة (فعال) التي للأمر من جميع وجوهها حملت ~~عليها، والدليل أن (فعال) التي للأمر قول الشاعر: # (ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت: نزال ولج في الذعر) # فقال: دعيت، وإنما ساغ التأنيث ها هنا، لأنهم يريدون: النزلة، والمصادر ~~قد تكون مؤنثة، فلذلك ساغ التأنيث في (فعال) ، كأنه مصدر مؤنث أقيم مقام ~~الفعل. # وأما بنو تميم: فيخالفون فيما كان من (فعال) اسما غالبا، فيجرونه مجرى ms201 ما ~~لا ينصرف، وإنما وافقوا أهل الحجاز في الصفة والمصدر، لأن الصفة مضارعة ~~للفعل، والمصدر مشتق منه الفعل، فيعمل عمله، فصار بهذا أيضا مضارعا للفعل، ~~فكأنهم لما بنوا (فعال) التي قامت مقام فعل، بنوا أيضا (فعال) التي يراد ~~بها الصفة والمصدر لمضارعتها الفعل، وأما (فعال) المعدولة عن اسم علم # PageV01P473 # فليس بمضارع للفعل، وقد كان قيل: العدل لا ينصرف، لأنه معرفة مؤنث، ~~والعدل لا يخرجه عن حكمه من منع الصرف، لأن كثرة العلل الموجبة لمنع الصرف ~~لا تخرج الاسم عن هذا الحكم، فلذلك أجروه مجرى ما لا ينصرف، وقد احتج أبو ~~العباس لأهل الحجاز بأن قال: إن هذه الأسماء قبل العدل كانت لا تنصرف، ~~والعدل يزيدها نقصا، وليس بعد النقص لما لا ينصرف إلا البناء، فلذلك بنيت، ~~وقد بينا أن هذه العلة ليست بشيء، والدليل على ذلك: أن كثرة العلل الموجبة ~~لمنع الصرف لا توجب للأسماء البناء، ألا ترى أنك لو سميت رجلا ب (حبلى) لم ~~ينصرف، وألف التأنيث وحدها تمنع من الصرف في حال التنكير، فانضمام علة ~~التعريف إليها لم تخرج الاسم إلى البناء، فكذلك العدل أيضا لا يوجب البناء، ~~وإنما استحقت البناء لما ذكرناه من الشبه ب (فعال) التي للأمر. # واعلم أن بني تميم يوافقون أهل الحجاز فيما كان آخره راء، نحو قولهم ~~للكوكب: حضار، وسفار: لماء معروف، وإنما اختار بعض بني تميم الكسر، لأن ~~الإمالة فاشية في لغة تميم، ليوافقوا لغتهم، ويسهل اللفظ عليهم به، ويكونوا ~~قد ذهبوا في علة البناء إلى ما ذهب إليه أهل الحجاز وبعض بني تميم فيما ~~[كان] آخره راء، بمنزلة ما ليس في آخره راء، ويصير على قياسه. # PageV01P474 ### | 50 - باب التصغير # اعلم أنه وجب ضم أول المصغر لوجهين: # أحدهما: أن أصغر الحركات الضم، لأنها تخرج من بين الشفتين وتنضم عليه ~~الشفتان، وليس الفتح كذلك، ولا الكسر، لأن الفتح يخرج من الحلق، وما خرج من ~~الحلق لا يوجب انضمام الشفتين، والكسر يخرج من وسط اللسان، ولا يوجب ذلك ~~انضمام (71 / أ) الشفتين، فجعلوا الحركة ms202 الصغرى أولى بالمصغر، ليشاكل ~~معناه. وفتحوا ثانيه، لأن الفتح متسع المخرج وفيه بيان الضم. # والوجه الثاني: أن المصغر قد صار متضمنا للمكبر، فشابه فعل ما لم يسم ~~فاعله، فوجب ضم أول المصغر. # ويمكن أن يعلل بعلة أخرى، وهو أن يقال: إن المصغر لما كان له بناء واحد، ~~جمع له جميع الحركات التي تختلف في الأبنية، للزومه طريقة واحدة. # فإن قال قائل: فلم وجب أن يلزم التصغير وجها واحدا، ولم تختلف أبنيته ~~اختلاف الجمع؟ # فالجواب في ذلك: أن الجمع يكون قليلا وكثيرا، وليس له غاية ينتهي # PageV00P000 # إليها، وقد خص بأسماء تدل على القلة والكثرة، كالآحاد والعشرات، والمئين ~~والألوف، وما زاد على ذلك أيضا من تضاعيفها، والتصغير إنما الغرض فيه ~~الإخبار عن تحقير، وذلك أن التصغير اسم أقيم مقام الوصف، فاختص هذا الوصف ~~بالتحقير، وجعل تغييرها زيادة، بدلا من قولهم: حقير، وكان هذا معنى واحدا، ~~وجب أن يلزم لفظا واحدا، فلهذا خالف حكم الجمع. # فإن قال قائل: التصغير ثقيل للشيء، فكيف صار لفظه بزيادة حرف عليه؟ # قيل له: إن الزيادة قد تكون نقصا، إذا كان الشيء غير محتاج إليه، وقد ~~بينا أن الحروف المزيدة على الاسم تقوم مقام الوصف، فصارت زيادته على بناء ~~الاسم المكبر نقصا فيه، إذ قامت مقام ما يوجب نقصه. # واعلم أن ما كان على أكثر من أربعة أحرف لا بد من حذف حرف منه، إلا أن ~~يكون على خمسة أحرف، ورابعه حرف لين، واو أو ياء أو ألف، زوائد، فإن كان ~~على ذلك لم يحذف منه شيء، وإنما وجب الحذف مما ذكرناه، لطول الاسم، وبحمله ~~على الجمع، وذلك أن الجمع مستثقل، فحذف من الجمع، لأن التصغير مضارع للجمع، ~~لأنه فرع على الواحد، ولذلك حذف الاسم إذا طال، وإنما لم يحذف منه إذا كان ~~على خمسة أحرف، ورابعه ما ذكرناه من الحروف، لأن كل محذوف منه حرف أو ~~حرفان، يجوز أن يعوض قبل آخره منه حرف لين، وهي ياء ساكنة، وهو زيادة في ~~الكلمة، كان ما هو ثابت فيها ms203 أولى بالثبات، وإنما جاز العوض بما ذكرناه، ~~لأن ما بعد ياء التصغير مكسور، فكأنهم # PageV01P476 # استغنوا بالكسرة، وإشباع الكسرة يوجب ياء، فلما كان ذلك سهلا عليهم، ~~زادوا الياء لما ذكرناه. # واعلم أن الاسم إذا كان على خمسة أحرف أصول حذفت آخر حرف منه، وإنما كان ~~بالحذف أولى، لأن التصغير إليه انتهى، وهو الذي أوجب طول الكلمة، ومع ذلك ~~فلأن آخر الكلمة يلحقها تغيير الإعراب، فلذلك وجب أن يكون أولى بالحذف مما ~~كان قبله في الكلمة، فإذا كان على الكلمة التي على خمسة أحرف حرف واحد ~~زائد، حذفته أين كان، كقولك في تصغير مدحرج: دحيرج، وفي جحنفل: جحيفل، وإن ~~شئت عوضت من كل ما تحذف منه ياء قبل آخره، وكانت إليه أولى بالعوض، لأنها ~~أمكن حروف المد، إذ كانت تخرج من وسط اللسان، والواو من الشفة، والألف من ~~أقصى الحلق، والمتوسط أقوى من المتطرف، ومع ذلك فقد بينا أن ما بعد ياء ~~التصغير (71 / ب) يجب أن يكسر، والياء من جنس الكسرة فتبعتها، وإنما كان ~~حذف الزائد أولى، لأن الأصل هو الذي بنيت عليه الكلمة، والزائد دخيل، فلما ~~وجب حذف حرف من هذه الجملة، كان ما كان يزيد على الشيء أولى بالحذف من حذف ~~ما كان من الأصل، لاعتماد الكلمة عليه. # وإن كان الاسم الذي على خمسة أحرف فيه زائدتان متساويتان - أعني في ~~اللحاق - فأنت مخير في حذف إحداهما، وإنما كنت بالخيار لتناوبهما، فلا بد # PageV01P477 # من حذف إحداهما، فلذلك لم يجب الحذف لإحداهما بعينه دون الآخر. # وأما ما كان زيادته مختلفتين: كقلنسوة، وذلك أن النون والواو فيها ~~زائدتان لغير الإلحاق، لأنه لا نظير له في الأصول، أعني لوزن قلنسوة، فلذلك ~~لم تكن زيادتهما للإلحاق، فإذا صغرته فحذفت النون، قلت: قليسية، قلبت الواو ~~ياء، لانكسار ما قبلها، وإنما انقلبت الواو، وهي متحركة، والقلب إنما يجب ~~في الواو إذا سكنت وانكسر ما قبلها، لأن هاء التأنيث في التقدير منفصلة مما ~~قبلها، فجعلت الواو طرفا مفردة، لتقدير الانفصال، وإذا كانت طرفا مفردة، ~~كانت ساكنة في ms204 الوقف، فلذلك قلبت ياء بتقدير السكون فيها في الأصل، ويدلك ~~على الانفصال حكم الهاء من الاسم، أنك لو صغرت قرعبلانة، لقلت: قريعبة، ~~فحذفت اللام والألف والنون، وردت هاء التأنيث على المصغر، فبان بما ذكرنا ~~أن التصغير في التقدير يقع في الاسم بغير هاء، ثم تلحقه الهاء، فلذلك ~~انقلبت الواو في قلنسوة، فإن عوضت من النون ياء، جئت بها قبل الياء ~~المنقلبة من الواو فأدغمتها فيها، فقلت: قليسية. # PageV01P478 # فإن قيل: وقلب الواو ياء أنه لا يجب قلبها إذا عوضت، لأن ياء العوض ~~ساكنة، والواو بعدها متحركة، فقد سبقتها الياء بالسكون، ومتى اجتمعت الواو ~~والياء، والأول منها ساكن قلبت الواو ياء، إذا كان الأول واوا، وأدغمت ~~الأول في الثاني، فلما كان قلب الواو ياء واجبا في حال العوض، وكان العوض ~~في كلامهم أكثر، ألزموا الواو القلب، فانقلبت، إذ لم يعوضوا، لئلا يختلف ~~طرفاهما في حال التصغير، وإن حذفت الواو، قلت: قلينسة، وإذا كانت الزائدتان ~~للإلحاق، نحو: حبنطى، لأنه ملحق بسفرجل، والدليل على زيادة الألف والنون ~~أنه مأخوذ من: حبط بطنه، إذا انتفخ، فإذا صغرته قلت: حبيطي، فحذفت النون ~~وقلبت الألف، لانكسار ما قبلها، وإن حذفت الألف قلت: حبينط. # فأما مقعنسس: فالاختيار عند سيبويه حذف أحد السينين مع النون، فيصير ~~مقيعس. وأما أبو العباس المبرد: فيختار حذف الميم والنون، فيصير تصغيره: ~~قعيسس. # وإنما اختار أبو العباس بقاء السين للإلحاق، والميم والنون زوائد لغير ~~الإلحاق، والملحق بمنزلة الأصلي، فلما كان بقاء الأصلي أولى من الزوائد ~~اختار بقاء السين. # وأما حجة سيبويه: فإن السين وإن كانت للإلحاق فهي زائدة، والميم وإن # PageV01P479 # كانت زائدة لغير الإلحاق فلها معنى، وهو لزومها لأسماء الفاعلين ~~والمفعولين، فصار المعنى مقاوما للإلحاق، ثم حصل للميم قوة من وجهين اثنين ~~(72 / أ) : # أحدهما: أنها في أول الكلمة، والسين في آخرها، والأواخر بالحذف أولى من ~~الأوائل. # والثاني: أن التكرار يثقل عليهم، فكان حذف السين أولى، لاجتماع التكرير ~~فيها، وأنها طرف. # وأما منطلق: فالميم والنون فيه زائدتان لغير الإلحاق، إلا أن الميم تدخل ~~لما ms205 ذكرناه، والنون قريبة من الطرف، فكان حذف النون أولى، فتقول في ~~التصغير: مطيلق، وإن عوضت قلت: مطيليق. # واعلم أن ما كان من أسماء المؤنث على ثلاثة أحرف، وليست فيه علامة ~~التأنيث، فإنك ترد إليه علامة التأنيث في التصغير، كقولك في هند: هنيدة، ~~وفي قدر: قديرة إلا ستة أحرف، فإن العرب تجيز حذف الهاء منها، وإنما وجب رد ~~هاء التأنيث في التصغير، لأن الاسم المؤنث حقه أن يكون لفظه زائدا على لفظ ~~المذكر بعلامة ينفصل بها، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فكرهوا ألا ~~يردوا هاء التأنيث في التصغير، فيكون الاسم قد خلا من علامة التأنيث في كل ~~وجه مع خفة اللفظ، فوجب أن يكون سكون التصغير رادا لهاء التأنيث. # وأما إذا كان الاسم زائدا على ثلاثة أحرف لم يلحق علامة التأنيث، كقولك ~~في تصغير عقرب: عقيرب، وإنما لم يلحقوه علامة التأنيث، لأنه زاد # PageV01P480 # حرفا على الثلاثي، وليس يحتاج في بنائه إلى أكثر من ثلاثة أحرف. # فأما ما حصل من الأسماء على أكثر من ثلاثة أحرف، فإن المراد به تكثير ~~الأبنية، لأن الحاجة تدعو إلى هذه البناء، وإذا كان الأمر كذلك، صار الحرف ~~الزائد على الثلاثي عوضا من هاء التأنيث. # فأما الأسماء المؤنثة الثلاثية التي ذكرنا أن العرب تجيز حذف الهاء منها ~~فهي: حرب، ودرع الحديد، وقوس، وفرس، والناب (للمسنة) من الإبل، وعرس، وإنما ~~ساغ حذف الهاء من هذه الأسماء، لأن حربا كأنها مصدر: حربته حربا، والمصدر ~~مذكر، وتسميته بالمصدر لم يخرج المصدر عن معناه، فلذلك جاز أن يبقى حكم ~~المصدر فيه، وإن كان اسما مؤنثا، ومن أدخل الهاء، فإن الحرب مؤنثة في ~~المعنى، فصارت كامرأة سميتها بزيد، فيجب أن تقول: زييدة، في تصغيرها. # وأما درع الحديد: فلأنها تجري مجرى الدرع الذي هو القميص، وهو مذكر، فلما ~~حصلت هذه الدرع في معنى المذكر، أجازوا ألا تلحقها علامة التأنيث. # وأما الفرس: فإنه يقع على الذكر والأنثى، والمذكر سابق التأنيث، فيبقى # PageV01P481 # حكم تصغيره على لفظ المذكر، وإن عنى به المؤنث على ما ذكرناه في ms206 الحرب. # وأما القوس: فيجوز أن يكون ذهب به إلى مذهب العود، وهي مع ذلك على لفظ ~~المصدر. # وأما الناب في الإبل: فجاز حذف الهاء منها في التصغير، لأنه مذكر في ~~الأصل، وإنما سميت المسنة من الإبل نابا لسقوط نابها عند كبرها، فصار حكم ~~الناب الذي هو السن باقيا، فلذلك جاز أن يصغر على أصله. # وأما العرس: فجاز تذكيره، لأنه في المعنى: التعريس، وهو اجتماع القوم إذا ~~نزلوا من سفر، ليصلحوا أمورهم، فصار العرس بمنزلته، فلذلك جاز أن تحذف منه ~~علامة التأنيث. # PageV01P482 ### || فصل # وأما ما كان من الأسماء ثانيه ألفا، فإن كل مصغر لا بد من تحريك ثانيه ~~بالفتح، فإذا وجب تحريك الثاني، وجب هنا تحريك الألف، فلا بد من قلبها (72 ~~/ ب) إلى حرف سواها، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، فإذا وجب قلبها، فأصلها ~~أولى من حرف قريب منها. # فأما المجهولة نحو: ألف ضارب، وما أشبه ذلك، فإنما وجب قلبها واوا، لأن ~~أول المصغر مضموم، فجعل قلبها إلى أقرب الحركات منها، والضمة من الواو، ~~فوجب أن تنقلب واوا. # وأما إذا كانت الألف والواو ثالثتين، فإنما وجب قلبها ياء في التصغير، ~~لأن من شرط ياء التصغير أن ينكسر ما بعدها، وإذا كانت الألف والواو ~~ثالثتين، فياء التصغير تقع بعدهما، فتلحق الكسرة للألف والواو، فلما وجب ~~قبل الألف ياء، كان قلبها إلى الياء أولى لخفتها، ومجانسة حركتها. # وأما إذا كان الثالث واوا، فلا بد من كسرها، فتلتقي الواو والياء، وقد ~~سبقت الواو الياء بالسكون، وما التقت الواو والياء الأول منهما ساكن فلا بد ~~من قلب الواو ياء، وإدغام الأول في الثاني، وإنما وجب قلب الواو إلى الياء، ~~لأن الياء أقوى من الواو، ولأنها من وسط اللسان، والواو من الشفة، والوسط ~~أقوى من الطرف، فلما كانت أقوى منها وأخف، وجب أن تكون الغلبة لها، فلذلك ~~وجب أن تقول في عجوز: عجيز. فإن كانت الواو أصلية أو ملحقة، جاز فيها ~~وجهان. القلب، والإقرار لها على صورتها، فالأصلية نحو: أسود، تقول في ~~تصغيره: أسيد، ms207 للعلة التي ذكرناها، ويجوز أن تقول: أسيود، وإنما وجب هذا ~~الوجه، لأنها # PageV01P483 # تظهر في الجمع، إذا قلت: أساود، والتصغير والجمع من واد واحد، لما ذكرناه ~~من تشابههما، فلما وجب إظهار الواو في الجمع، وكانت ألف الجمع بمنزلة ياء ~~التصغير، أجازوا أيضا إظهار الواو بعد ياء التصغير، حملا على الجمع. وأما ~~واو عجوز فتنقلب في الجمع، كقولك: عجائز، فلذلك لم يجز إظهارها في التصغير. ~~وأما الملحقة فنحو: الواو من الجدول، لأنه ملحق بجعفر، فالأجود أن تقول: ~~جديل، على الأصل، ويجوز الإظهار، كما جاز في الأصل. # وأما إذا كانت الواو لام الفعل فليس فيها إلا القلب، كقولك في قشوة: ~~قشية، ولا يجوز: قشيوة، وإنما لم يجز ذلك، لأن القلب، قد بينا أنه المختار ~~في الواو، إذ كانت عينا، وهو أقوى منها، إذا كانت لاما، فإذا كان القلب ~~مختارا في الأقوى لزم الأضعف. # واعلم أن ما كانت فيه هاء التأنيث، فإنك إذا صغرته رددتها فيه بعد طرحك ~~زائدة أو زائدتين أو زوائد، إن كانت فيه، أو حذفت بعض الكلمة، لتصيرها بها ~~إلى بناء التصغير، كقولك، في قرعبلانة: قريعبة، وإنما وجب رد هاء التأنيث، ~~لأنها بمنزلة اسم ضم إلى اسم، فليس يجب أن يعتد بها، فلذلك وجب أن تلحق في ~~الاسم بعد التصغير. # PageV01P484 # وأما ألف التأنيث فلا يجوز فيها ذلك، لأنها تجري مجرى الحروف الأصلية، ~~والدليل على ذلك أنه يعتد بها في الجمع، كقولك: في جمع حبلى: حبالى، فلما ~~اعتد بها في الجمع حذفت إذا طال الاسم في التصغير، وهاء التأنيث لا تزاد في ~~الجمع، لأنك إذا جمعت الاسم جمع تكسير نقضت بناءه، واستأنفت له بناء آخر، ~~وما كان ( ... .) إلى الواحد من غير حروفه، فلا يجب أن يتبع الجمع؛ إذ حكم ~~الواحد المتبوع قد بطل، فأما ألف التأنيث (73 / أ) فلما كانت مما يبنى عليه ~~الاسم، وجرت مجرى حروفه الأصلية، وجب أن يعتد بها في الجمع، فإذا ثبت أن ~~ألف التأنيث كالأصل، وكنا نحذف الأصل في التصغير، إذا زادت حروفه على أربعة ~~أحرف، وجب ms208 أن تحذف ألف التأنيث، إذا كانت خماسية، فإذا كان معها حرف زائد، ~~كنت بالخيار، إن شئت حذفتها، وبقيت الزائد، وإن شئت حذفت الزائد وبقيتها، ~~كقولك في تصغير حبارى - إن حذفت ألف التأنيث -: حبير، وذلك أن الألف الأولى ~~تنقلب ياء، وتدغم فيها ياء التصغير، لما ذكرنا قبل، وإن كان أبو عمرو بن ~~العلاء يقول: حبيرة، فيجعل هاء التأنيث عوضا من ألف التأنيث، لأن الاسم قد ~~كان مؤنثا بالألف، فلما حذفتها وكان يجوز أن تعوض منها ياء قبل آخر الاسم، ~~جعل العوض هاء التأنيث، ليكون فيها دلالة على التأنيث، وكان غيره لا يختار ~~ذلك، لأن ألف التأنيث لما ثبت أنها كالأصل، وجب أن تحذف # PageV01P485 # ولا تحتاج إلى علامة ثانية، إذ كان ليس كل اسم مؤنث بعلامة، فلذلك لم يجز ~~العوض. # فإن كانت ألف التأنيث رابعة تركتها على حالها، ولم تكسر ما قبلها، كراهة ~~أن تزول علامة التأنيث، وشبهت الألف بهاء التأنيث، فكما يجب أن يكون ما قبل ~~هاء التأنيث في التصغير مفتوحا، ولا تؤثر فيها ياء التصغير، فكذلك يجب أن ~~يكون ما قبل هذه الألف، لتحمل على الهاء، لاشتراكهما في التأنيث، وإنما وجب ~~أن يكون ما قبل هاء التأنيث في التصغير مفتوحا، لأن علة فتح ما قبلها في ~~التكبير موجود في التصغير، وهي بمنزلة اسم ضم إلى اسم، فكما وجب أن يكون ~~آخر الاسم الأول مفتوحا، وجب أن يكون ما قبل هاء التأنيث مفتوحا في كل ~~موضع. # فإن قال قائل: فألف التأنيث تبطل في الجمع، إذا قلت: حبالى، وذلك أن ألف ~~الجمع توجب كسر ما بعدها، فإذا انكسر ما بعد ألف الجمع، انقلبت ألف التأنيث ~~ياء، ثم قلبت ألفا استثقالا لياء قبلها كسرة في الجمع؟ # قيل له: إن الذي ذكرت من حكم ألف التأنيث على ما ذكرت في الجمع، وبين ~~الجمع والتصغير فرق في حكم ألف التأنيث، وذلك أن المصغر والتصغير لا يزول ~~حكمه ومعناه، فلذلك جاز أن تراعى علامته ولا تحذف، وأما الجمع فيجب إسقاط ~~حكم الواحد، ومجيء معنى آخر، فإذا ms209 سقط حكم الواحد، لم يجب أن تراعى علامته، ~~فلذلك وجب أن تقلب ألف التأنيث في الجمع ياء، ولم يجب ذلك في التصغير لما ~~ذكرنا. # فأما إن كانت الألف في آخر الاسم لغير التأنيث قلبتها ياء، وأجريت حكم ما # PageV01P486 # بعدها ياء، بالتصغير على أصله، بإيجاب الكسر، لأن الألف إذا لم تكن علامة ~~فليس يجب أن يراعى لفظها بها، فلذلك وجب قلبها، نحو ألف (معزى) ، وما أشبه ~~ذلك. # فإن صغرت اسما فيه ألف ونون، ولم يكن فيه ما تنقلب ألفه في جمع التكسير، ~~أقررنا الألف والنون على حالهما، كقولك في سكران: سكيران، وفي عثمان: ~~عثيمان، وإنما وجب ذلك لأن الألف والنون زائدتان، قد ضارعتا ألفي التأنيث ~~اللتين تثبتا في التصغير. # وأما ما انقلبت في الجمع ياء، فنحو ألف سرحان (73 / ب) وسراحين، وسلطان ~~وسلاطين، فإنه تقلب في التصغير ياء، لأن العرب لما قلبت الألف في الجمع، دل ~~قلبهم لها على أنها ليست مشبهة بألف التأنيث، وقد بينا لك ذلك، فالتصغير ~~والجمع يجريان مجرى واحدا، فلذلك يجب أن تقول في تصغير سرحان وسلطان: ~~سريحين وسليطين، وتقلبها في التصغير كما قلبتها في الجمع، ووجه ذلك أن يكون ~~سرحان ملحق بسرداح، وسلطان ملحق بفسطاط، فلما صارت الألف للإلحاق، وجرت ~~مجرى الأصلي انقلبت، فهذه العلة في انقلابها في الجمع والتصغير، والله ~~أعلم. # وأما ما كان آخره مشددا، نحو: أصم ومدق، فإنما جاء وقوع الحرف # PageV01P487 # المدغم بعد ياء التصغير، لأنها لا تكون إلا ساكنة، فإذا انفتح ما قبلها، ~~فقد جرت في بابها مجرى ألف الجمع، كما أن الساكن المدغم يقع بعد ألف الجمع، ~~فكذلك يجوز أن يقع بعد ياء التصغير، وإنما ساغ ذلك، لأن المدغم ترفع به ~~لسانك رفعة واحدة، فكان الساكن كالمختلط بالمتحرك، وصار المدغم وما قبله ~~كالحركة، فلذلك جاز الجمع بينهما، وإن كان لا يجوز الجمع بين ساكنين في غير ~~هذا لخروجه عن حكم علته، إن شاء الله، وقد أتينا على شرح الباب، فاعرفه. # PageV01P488 ### | 51 - باب العدد # اعلم أن القياس كان في الواحد والاثنين من ms210 الأعداد أن يضافا، فيقال: عندي ~~واحد رجال، واثنا رجال، كما يقال: ثلاثة رجال، إلا أنهم أسقطوا الإضافة من ~~الواحد والاثنين، لأن الواحد ينبئ عن نوعه وعدده، وكذلك الاثنان، كقولك: ~~جاءني رجل، ورجلان، فلما كان لفظ رجل ورجلين ينبئ عن العدد والنوع، استغني ~~بلفظ واحد عن لفظين، وقد جاء في الشعر: # (كأن خصييه من التدلدل ... ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل) # وكان حقه أن يقول فيه: حنظلتان، فاضطر إلى ما ذكرنا، وشبهت الاثنين ~~بالثلاثة، لأنهما جمع في المعنى، ولم يجز ذكر العدد مفردا، كقولك: ثلاثة ~~وأربعة، لأنه لا يعلم من أي نوع هو، أعني العدد، فوجب أن يذكر العدد مضافا ~~إلى النوع، لتقع الفائدة للمخاطب، إذ الغرض ذكرهما جميعا. # واعلم أنه من الثلاثة إلى العشرة يجب أن يضاف إلى الجمع القليل، إلا أن ~~يكون الاسم لا يجمع جمع القلة، كقولك: عندي ثلاثة أكلب، ولا يجوز أن تقول: ~~ثلاثة كلاب، لأن الكلاب جمع كثرة، وأكلب للقلة، ولو قلت: ثلاثة # PageV00P000 # شسوع، جاز ذلك، لأن الشسوع ليس له جمع إلا هذا، فصارت الإضافة إليه ~~ضرورة، ونوي به القلة، وإنما وجب إضافته إلى ما ذكرنا، لأن الثلاثة إلى ~~العشرة من القلة، فأضيف إلى ما جانسها في القلة. # ووجه آخر: أنه لما كان يجوز في بعض المواضع حذف المضاف إليه، وإقامة ~~المضاف مقامه، اختاروا إضافة هذه الأعداد إلى الجمع الأقل، ليكون متى حذفت ~~الأعداد قام المضاف إليها مقامه، فأدى عن معناها، ولو أضيف إلى الجمع ~~الكثير لم تكن إقامتها مقامها تدل على (74 / أ) الأعداد، لاختلافهما في ~~المعنى. # واعلم أن جمع السلامة حقه أن يدخل في باب الجمع القليل، وإن كان يجوز أن ~~ينوى به الكثير، وإنما وجب ذلك أن يقاربها في الحكم، ومقاربتها لها أن ينوى ~~بها القلة، كقولك: عندي ثلاثة زيدين، وثلاثة طلحات، إذا عنينا بها رجالا. # فإن قال قائل: فلم يخص كل واحد من هذه الأعداد باسم، ولم يجعل اسما واحدا ~~يجمعها؟ # قيل له: إنما فعل ذلك، ليدل به على مقدار الشيء، واللواتي باسم ms211 واحد ~~يشتمل على المقادير كلها، ولو فعل ذلك في جميع الأنواع، لم يكن في ذلك دليل ~~على مقدار محصور، ففعل ذلك، أعني أن العدد بأسماء مختلفة، فقالوا: واحد، # PageV01P490 # واثنان، وثلاث، وأربعة، ليدلوا بكل لفظة على قدر محصور. # واعلم أن الثلاثة إلى العشرة تدخلها الهاء، إذا أضيفت إلى جمع واحد مذكر ~~في المعنى، كقولك في المذكر: ثلاثة رجال، وفي المؤنث: ثلاث بطات. وإنما وجب ~~ذلك لوجوه: # أحدهما: أن الجمع مؤنث في المعنى، من الواحد إلى العشرة، والتأنيث (على) ~~ضربين: # أحدهما: تأنيث بعلامة، نحو: مسلمة وصالحة. # والثاني: بغير علامة، نحو: عناق، وعقرب. # فجعل العدد الواقع على المذكر مؤنثا بعلامة، نحو: ثلاثة وعشرة، وجعل لفظ ~~العدد الواقع على المؤنث مؤنثا بغير علامة، نحو: ثلاث وعشر. # فإن قال قائل: فلم خص المذكر بإثبات العلامة، والمؤنث بإسقاطها؟ قيل له: ~~أرادوا بذلك الفصل بينهما. # فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى الفصل بينهما؟ # قيل: لأن الجمع قد يشترك لفظ المؤنث فيه والمذكر، ألا ترى أن (طلحة) يجوز ~~أن يكون اسما لامرأة، ويجوز أن يكون اسما لرجل، وهما مع ذلك مشتركان في لفظ ~~الجمع، نحو قولك في طلحة: طلحات، لمذكر أو مؤنث، فلو لم تفصل في لفظ ~~الأعداد بين المذكر والمؤنث، فقلت: عندي ثلاث طلحات، لم يعلم المخاطب أعندك ~~رجال أو نساء، فلما كان ترك الفصل يوقع لبسا بين المذكر والمؤنث، وجب # PageV01P491 # أن يقع الفصل بين هذه الأعداد. # فإن قال قائل: فلم خص المذكر بالعلامة، والمؤنث بلا علامة؟ # قيل له: لأن المذكر أخف من المؤنث، لأن التأنيث فرع على التذكير، فجعل ~~الأخف بعلامة، إذ كانت العلامة زيادة على اللفظ، فاحتمل الزيادة لخفته، ~~وجعل المؤنث بغير علامة لثقله، وهذا الذي ذكرنا مذهب سيبويه. # وذكر أبو العباس المبرد: أن الهاء دخلت في الثلاثة إلى العشرة للمبالغة، ~~ومعنى المبالغة: أن المذكر لما كان أفضل من المؤنث بولغ في لفظه بزيادة ~~حرف، كما قيل: رجل علامة ونسابة، إذا أريد به المبالغة في العلم والنسب، ~~والهاء مع ذلك علامة التأنيث، وفيه وجوه ms212 أخر تحكى عن أهل الكوفة، قالوا: ~~وجدنا ما كان على (فعال) مؤنثا يجمع بغير هاء، نحو: عقاب وأعقب، وما كان ~~مذكرا يجمع بالهاء، نحو: غراب وأغربة، قالوا: فلما رأينا الهاء تسقط في جمع ~~المؤنث، وتثبت في جمع المذكر، جعلنا الأعداد التي تقع على جمع المذكر ~~بالهاء، حملا على الجمع الذي تدخل عليه، (74 / ب) وأسقطنا الهاء من عدد ~~المؤنث، حملا على الجمع الذي تدخل عليه، فلهذا قالوا: ثلاثة أغربة، وثلاث ~~أعقب. # فإن قال قائل: فلم وجب إضافة العدد من الثلاثة إلى العشرة، وهلا اقتصروا ~~على الواحد، كما اقتصروا على ما بعد العشرة والمائة على تبيين العدد ~~بالواحد، نحو: مائة درهم، وألف درهم؟ # PageV01P492 # فالجواب في ذلك: أن القياس في جميع هذه الأعداد أن تضاف إلى الجمع، إنما ~~وجب ذلك، لأنها إضافة بمعنى (من) ، فالأول بعض الثاني، فلو أضفتها إلى ~~الواحد، لجاز أن يتوهم أن الثلاثة بعض الدرهم من دوانقه وقراريطه، فلما كان ~~يشكل وجب أن يضاف إلى الجمع ليزول اللبس. # فأما مائة درهم، وألف درهم، فالقياس أن يقال: مائة الدراهم، وألف ~~الدراهم، ولكنهم حذفوا لفظ الجمع استخفافا، فاجتزوا بلفظ الواحد. # وفيه وجه آخر: وهو أن المائة تشبه العشرة، لأنها عقد مثلها، وتشبه ~~التسعين، وما قبلها من العشرات، لأنها عقد، وكان حقها أن تجري مجرى ما ~~قبلها من العشرات في تبيينها بواحد منصوب منكور، ألا ترى أن العشرة تجري ~~مجرى التسعة، فلما حصل في المائة شبه العشرة والتسعين جعلت مضافة، كما أن ~~العشرة مضافة، وجعل الذي بينهما واحدا، كما أن التسعين بينهما واحد. # فإن قال قائل: فلم خالفت العشرة - إذا أريد بها المذكر - لعشرة المؤنث، ~~فحركت في المذكر، وسكنت في المؤنث، وما قبلها من الأعداد لا يخالف المذكر ~~فيه المؤنث إلا بالهاء فقط؟ # فالجواب في ذلك: أن العشرة لما صارت عقدا، وكانت العقود التي بعدها تخالف ~~العشرات والمئين، أرادوا أن تكون العشرة أيضا مخالفة لما قبلها من الآحاد، ~~فجعلوا تسكين الشين في المؤنث دليلا على هذا المعنى، وخص المؤنث بذلك، لأنه ~~أثقل ms213 من المذكر، فكان تخفيفه أولى. # PageV01P493 # واعلم أنك إذا زدت على العشرة واحدا، أو ما شئت من الآحاد إلى تسعة عشر، ~~فإنك تبني الاسمين على الفتح، كقولك: أحد عشر درهما، وتسعة عشر درهما، إلا ~~اثني عشر درهما، فإن (الاثنين) معرب في جميع الأحوال، وإنما وجب بناء ما ~~ذكرنا، لأن الأصل في قولك: أحد عشر، واحد وعشر، فلما حذفت الواو، وهي ~~مزادة، تضمن الاسم معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف - وجب أن يبنى، كما ~~يبنى (أين وكيف) ، فوجب أن يبنى الاسمان لما ذكرنا، وليس تعلق الاسمين ~~بالواو تعلقا واجبا، فلذلك استحقا البناء، وإنما وجب أن يبنى على حركة، لأن ~~لهما قبل البناء حال الإعراب، وقد بينا أن الاسم إذا كان معربا، ثم دخلت ~~عليه علة أوجبت له البناء، وجب أن يبنى على حركة، وإنما يبنى على الفتح من ~~بين سائر الحركات، لأن الفتح أخف الحركات، وجعل الاسمين اسما واحدا مستثقل، ~~فاختير لهما أخف الحركات. # فإن قال قائل: فلم فتح ثماني عشرة، وقد وجدنا العرب تبني ما آخره ياء على ~~السكون من الاسمين اللذين جعلا اسما واحدا، نحو: معدي كرب، وقالي قلا، ~~وأيادي سبأ، فلم فارقت ثماني عشرة (75 / أ) لمعدي كرب وبابه؟ # فالجواب في ذلك: أنهم فتحوا (ثماني) لئلا يختلف ما قبلها وما بعدها من # PageV01P494 # الاسمين المركبين، فجعل الفتح فيهما تبعا لما ذكرناه، ولم يعوض في معدي ~~كرب ما ذكرناه، فاختير له السكون، وإنما وجب أن يكون ما آخره ياء ساكنا، ~~لأن ما ليس آخره ياء من الحروف الصحاح يبنى على الفتح، طلبا للتخفيف، وكانت ~~الياء التي قبلها كسرة تخالف الحروف الصحاح من الأسماء المعربة، فمنع الضم ~~والكسر، استثقالا لهما في الياء التي قبلها كسرة، فوجب أن يفرق بين الياء ~~وبين غيرها من الحروف الصحاح في الأسماء المبنية، فلما كانت الحروف الصحاح ~~تبنى على الفتح طلبا للتخفيف، وليس بعد الفتح إلا السكون، وجب أن يبنى على ~~السكون. # فإن قال قائل: فما الذي دعا العرب أن تجعل العشرة وما بعدها من الآحاد ms214 ~~بمنزلة اسم واحد، وهلا استعمالا على الأصل؟ # فالجواب في ذلك: أن العشرة لما كانت تدل على عدد مخصوص، وكذلك ما قبلها ~~من الآحاد، نحو: التسعة والثمانية، قد حصل لها أسماء مفردات، وكذلك الترتيب ~~الذي وقع بين الآحاد والعشرات هو قريب من العشرة وما قبلها من الآحاد، ~~اختاروا أن يكون لفظها كلفظ عدد مفرد، لقربه من الأصل، إذ كانت الآحاد هي ~~الأصل في العدد كله، لأنه من الآحاد يتركب، وجعل الاسمين اسما واحدا مع ما ~~ذكرناه من العلة أنه أخف، فلما وجدوا مساغا لإسقاط الواو لخفة اللفظ، وجب ~~أن يجعلوا الاسمين اسما واحدا، فاعلمه. # واعلم أن العشرة المركبة مع الآحاد غير العشرة المفردة، والدليل على ذلك ~~أنك تقول للمؤنث: إحدى عشرة، بكسر الشين وتسكينها، والعشرة المفردة لا يجوز ~~فيها كسر الشين بحال، فدل ذلك على أن العشرة المركبة غير العشرة المفردة، # PageV01P495 # ولا يجوز لقائل أن يقول: إن العشرة المفردة كان أصلها الكسر، فألزمت ~~السكون تخفيفا، أعني: عشر المؤنث، ولكن لأن المركب أثقل من المفرد، فلو كان ~~الأمر على ما قدره القائل، لكان السكون ألزم للمركب من المفرد، والأثقل ~~أولى بالتخفيف من الأخف، فبان بما ذكرناه أن العشرتين مختلفتان. # واعلم أن الآحاد لا يتغير حكمها عما كانت عليه في حال الإفراد، إذا ركبت ~~تلزمها الهاء للمذكر، وتكون بغير هاء للمؤنث، إلا العشرة للمذكر تسقط منها ~~الهاء، وتثبت في عشر المؤنث، على العكس مما كان في حال الإفراد، وإنما كان ~~الأمر كذلك، لأن الاسمين لما جعلا اسما واحدا طالا، فثقل عليهم أن يزيدوا ~~على كل واحد منهما هاء في حال التركيب، فعدلوا إلى إسقاطها من العشرة، ~~ونووا بها التذكير، واكتفوا بعلامة التأنيث في الاسم الأول، فلما وجب ~~إسقاطها لها من (عشرة) في المذكر لما ذكرناه، أدخلوها في (عشر) المؤنث أن ~~تكون له علامة في اللفظ، وكانت الآحاد بغير هاء، فصار إدخالها في عشر ~~المؤنث، للفصل بينهما وبين عدد المذكر، وصار ذلك كالعوض من عدم (75 / ب) ~~لفظ التأنيث في الاسم الأول. # فإن قال ms215 قائل: فلم جمعوا بين تأنيثين في قولهم: إحدى عشرة جارية، واثنتا ~~عشرة جارية؟ # قيل له: أما إحدى عشرة فجاز ذلك فيها، لأنها في الحقيقة اسمان مختلفان، ~~كل واحد منهما يدل على غير معنى الآخر، وإنما هو من جهة البناء كاسم # PageV01P496 # مفرد، فلو كان في كل واحد علامة للتأنيث كعلامة الآخر، جاز ذلك لما بيناه ~~من اختلافهما، فإذا كان الأمر على ما ذكرناه، جاز الجمع بينهما، ومع ذلك ~~فإن علامة التأنيث في (إحدى) مخالفة لعلامة التأنيث في (عشرة) ، فجاز الجمع ~~بينهما لاختلاف صورتي التأنيث، وقبح في الهاءين لاتفاقهما. # فأما اثنتا عشرة: فعلامة التأنيث قد صارت في حشو الكلمة، فكأنها قد خرجت ~~عن حكم التأنيث، إذ كان حق علامة التأنيث أن تلحق آخر الاسم، ومع هذا فإن ~~التاء وإن كانت في الحقيقة للتأنيث، فإنه يبدل منها الهاء في الوقف، فصارت ~~الهاء في (الاثنتي) مخالفة للهاء في (عشرة) ولم يجب بناء عشرة، فحسن الجمع ~~بينهما. # فإن قال قائل: فلم وجب إعراب اثني عشر، ولم يجب بناء عشرة معه؟ # فالجواب في ذلك: أن (الاثنين) إعرابهما في وسطهما، و (عشر) حلت محل النون ~~من (اثنين) ، فكما كان حرف الإعراب الألف وبعدهما النون، فكذلك يجب أن تبقى ~~الألف حرف الإعراب، وإن كان (عشر) بعدها، لأنها لم تتغير عما كانت عليه، ~~ولأنها حلت محل النون، وجعلت مع الاثنين بمنزلة عدد مفرد، فلما حلت محل ~~الحرف، وجب أن تبنى كما يبنى الحرف. # فإن قال قائل: أليس المضاف إليه يقوم أيضا مقام النون في قولك: غلام زيد، # PageV01P497 # وهو مع ذلك معرب، فما الفرق بينه وبين عشرة؟ # قيل له: الفرق بينهما: ما أخبرنا آنفا، وهو أن (اثني عشر) قد جريا مجرى ~~شيء واحد، كالاثنين أنفسهما، ألا ترى أنك تقول: جاءني اثنا عشر، فالمجيء قد ~~تعلق بالاثني عشر، كما تعلق بالاثنين، إذا قلت: جاءني اثنان، فأما المضاف ~~فخارج عن حكم المضاف إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني غلام زيد، ف (زيد) ~~لم يدخل في المجيء؟ فعلمت أن المضاف إليه لم ms216 يقم مقام النون في الأول، كما ~~قامت (عشر) مقام النون في اثنين، إن شاء الله. # ووجه آخر: أن (اثني عشر) لما تضمنا معنى الواو كتضمن أخواته من الأعداد ~~وجب أن يبنى كبناء أخواته، فعرض في الاثنين ما منع من البناء، وهو أن حرف ~~الإعراب وسط الكلمة، وبنيت (عشر) على ما تستحقه من البناء. # فإن قال قائل: فلم خصوا أحد عشر بلفظ (أحد) ، وإذا أفردوا قالوا: واحد، ~~واثنان، ولم يقولوا: أحد، اثنين؟ # فالجواب في ذلك: أنهم أرادوا بذلك التخفيف - لأنهم لما ركبوا أحد مع عشر ~~- كمال الاسم، فاختاروا لفظ (أحد) ، لأنه أخف من لفظ (واحد) ، وهو في ~~معناه، فلذلك خص بالتركيب مع العشرة، ألا ترى أنك إذا بلغت العشرين قلت: ~~واحد وعشرون، لأن التركيب قد زال. # وكذلك قالوا في المؤنث: إحدى عشرة، (76 / أ) ولم يقولوا: واحدة وعشرة، ~~وذلك أنهم لما استعملوا في المذكر، جعلوا لفظ (إحدى) حملا على بناء (أحد) ، ~~وألزموه التأنيث في آخره، لأنه أخف من واحدة. # PageV01P498 # واعلم أن (عشرة) المؤنث فيها لغتان: # إحداهما: كسر الشين، فهي لغة بني تميم والثانية: إسكانها، وهي لغة ~~الحجازيين، واختاروا كسر الشين لثقل المؤنث في اللفظ والمعنى، فأما اللفظ ~~فلزيادة الهاء، وأما المعنى فوقوعه للمؤنث. # واعلم أن الذي يبين النوع من أحد عشر إلى تسعة عشر واحد منكور يلزمه ~~النصب، كقولك: عندي أحد عشر رجلا، وتسع عشرة امرأة، وإنما لزم النصب، لأن ~~الأصل: واحد وعشرة، فحذف التنوين لما عوض في اللفظ من البناء، كما حذف في ~~الإضافة، فصار حكمه مراعى في اللفظ، وجرى مجرى اسم الفاعل، إذا لم ينصرف، ~~كقولك: هؤلاء حواج بيت الله عندي، لأن التنوين لم يحذف من (حواج) للإضافة، ~~وإنما حذف لمنع الصرف، فصار حكمه مراعى، فلهذا وجب النصب بعد (حواج) لأن ~~التنوين كأنه موجود، ألا ترى أن الشاعر إذا اضطر جاز أن ينون، ولو كان ~~التنوين قد حذف # PageV01P499 # للإضافة، لم يجز رده مع بقاء الإضافة، فعلمت أن التنوين إذا لم يكن ~~للإضافة فكأنه موجود في الحكم، فلهذا وجب أن ms217 ينصب ما بعد أحد عشر إلى تسعة ~~عشر، لأن التنوين كأنه موجود فيها، فاعرفه. # وإنما وجب أن يكون التمييز بواحد من هذا النوع من الأعداد، لأنك إذا كررت ~~العدد فقد أثبت مقدار المعدود، فوجب عليك تبيين النوع، فبينه بواحد منكور، ~~لأنه أخف من المعرفة، ولفظ الجمع والواحد المنكور يدل على النوع، فلهذا وجب ~~استعماله، وكان الأصل أن تقول: عندي خمسة عشر من الدراهم، فحذف هذا ~~التطويل، وأقيم الواحد المنكور مقامه، وإنما وجب أن يكون الأصل ما ذكرنا، ~~لأن الخمسة عشر بعض الدراهم، فيجب أن يكون المذكور بعدها بعض الجمع، حتى ~~يصح معنى التبعيض، ولو قدرت أن الأصل الواحد استحال المعنى ودخله لبس، ألا ~~ترى أنك إذا قدرت الكلام، كقولك: عندي خمسة عشر من درهم، جاز أن يتوهم أن ~~الخمسة عشر بعض الدرهم، فلذلك قلت: إن الأصل: خمسة عشر من الدراهم، ثم حذف ~~لما ذكرناه (من) طلب الخفة، فاعلمه. # فإن قال قائل: فهلا تجوز الإضافة إلى النوع في قولك: أحد عشر إلى تسعة ~~عشر؟ # قيل له: لا يجوز ذلك، لأنه لو جازت إضافته لكانت (تسعة عشر) الإضافة فيه ~~لازمة، لأنه مفتقر إلى ذكر النوع، ولو لزمت الإضافة، لكانت ثلاثة أسماء ~~اسما واحدا، وهذا لا يوجد في كلامهم، فلهذا لم يجز أن تقول: # PageV01P500 # عندي خمسة عشر درهم. # فإن قال قائل: أليس قد صح أن يسمى الرجل بحضرموت، وما أشبهه من الاسمين ~~اللذين جعلا اسما واحدا، فإذا فعلت ذلك، جازت إضافته، فقلت: جاءني حضرموت ~~البلد، كما تقول: جاءني قاضي البلد، فقد صارت ثلاثة أشياء اسما واحدا، فهلا ~~جاز ذلك (76 / ب) في خمسة عشر؟ # قيل له: قد أخبرنا قبل أن العدد يلزمه التبيين، وإذا لزمه التبيين، صارت ~~إضافته لازمة، وأما كان من نحو: حضرموت، فإضافته غير لازمة، لأنه اسم علم ~~معرفة يقوم بنفسه، فلا يحتاج إلى تبيين، وإنما يضاف إذا قدرناه أنه نكرة، ~~فقد بان لك أن إضافته غير لازمة، فلذلك قدرنا بينه وبين خمسة عشر، فإن أردت ~~أن تضيف خمسة عشر إلى ms218 اسم معرفة، جاز ذلك، كقولك: هذه خمسة عشر زيد، وإنما ~~وجب ذلك، لأن زيدا ليس مما يبين العدد، فلم تكن إضافته لازمة تجري مع خمسة ~~عشر مجرى حضرموت البلد. # واعلم أنك إذا أضفت خمسة عشر إلى زيد، وما أشبه ذلك، فالقياس أن يكون ~~مبنيا، كما كان قبل الإضافة. # وبعض النحويين يرده بالإضافة إلى الإعراب، فيقول: هذه خمسة عشرك، ورأيت ~~خمسة عشرك، ومررت بخمسة عشرك. # وكذلك حكم الخلاف إذا أدخلت الألف واللام على الأول: كقولك عندي # PageV01P501 # الخمسة عشر درهما، وإنما كان البناء مع الألف واللام والإضافة، لأن خمسة ~~عشر في بابه وجب له البناء في حال تنكيره، وإنما ترد الإضافة والألف واللام ~~المبني إلى الإعراب إذا بقي في حال التعريف، نحو: قبل وبعد، فإذا أضيفا ~~قدرا نكرتين، فزال عنهما المعنى الموجب للبناء، وهو التعريف، وأما خمسة عشر ~~فلم تزلهما الإضافة عما كانا عليه في حال الإفراد، فلهذا وجب أن يبقيا على ~~ما كانا عليه من البناء. وأما من أعربهما في حال الإضافة، فلأن المضاف إليه ~~يقوم مقام التنوين، فكأن خمسة عشر لما أضيفت نونت، والتنوين يوجب لهما ~~الإعراب، وكذلك ما قام مقامه، وهذه حجة ضعيفة، لأنا قد وجدنا مضافا مبنيا، ~~فلو كان المضاف إليه يوجب هذا الحكم، استوى ذلك في كل مضاف فلما وجدنا بعض ~~المضافات مبنيا، علمنا أن الإضافة لا توجب إعراب المضاف في كل موضع، فأما ~~ما بني وهو مضاف، نحو قوله تعالى: {من لدن حكيم عليم} ، وهي مع ذلك مبنية، ~~وكذلك خمسة عشرك أن يكون باقيا على حكم البناء، وإن كان مضافا. # فإن قال قائل: فلم ركبت الاسمين مع أحد عشر إلى تسعة عشر، ولم يجعلوا ما ~~بعد العشرة اسما واحدا مفردا يختص به، كما جعل فيما قبل العشرة؟ # قيل له: الذي منع ذلك أن الأعداد يمكن تكثيرها إلى غير نهاية، ولو جعلوا ~~لكل ما يضاف من الأعداد اسما، لأضافوا من الأسماء ما لا نهاية له، وهذا ~~محال، # PageV01P502 # فلهذا احتاجوا أن يركبوا بعض الأعداد مع بعض وكثرت، فلم ms219 يحصروها باسم. # فإن قيل: فهلا ركبت العشرون وما بعدها إلى التسعين، كما فعلوا ذلك بأحد ~~عشر؟ # فالفصل بينهما: أن الآحاد هي الأصل، فلما كانت العشرة عقدا للأصل، جاز أن ~~يركبوها مع الآحاد ليصير الاسمان اسما واحدا، ويدلا على قدر من العدد، ~~فيكون ذلك مشاكلا لأسماء الآحاد المفردة الدلالة على قدر من العدد، نحو: ~~الثلاثة والأربع، فإذا بلغت العشرين ركبت (77 / أ) من الأصل في الفرع، ~~والتركيب فرع، فاستعملوا كل واحد منهما على ما يستحقه من حمل بعض الأعداد ~~على بعض. # واعلم أنك إذا أردت أن تعرف أحد عشر إلى تسعة عشر، أدخلت الألف واللام في ~~الاسم الأول، فقلت: جاءني الأحد عشر رجلا، وبعض النحويين يجيز أن يدخل ~~الألف واللام في الأسماء الثلاثة، فيقول: عندي الخمسة العشر الدرهم، وهو ~~قول بين الفساد، وإنما وجب ما ذكرنا، لأن العشرة قد صارت في حشو ما قبلها، ~~والألف واللام إنما وجب أن تدخل على أول الأسماء فتعرفها، ولا تدخل في ~~حشوها، فلذلك لم يجز إدخالها على العشر، وأما إدخالها على الدرهم، ففاسد ~~أيضا، لما بينا أن التمييز لا يجوز أن يكون معرفة، فلذلك فسد القول # PageV01P503 # الثاني. فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه، مشتق من العقد، لا ~~يثنى العقد به، ويجري ذلك الاسم مجرى الذي لحقته الزيادة للجمع، ويكون حرف ~~الإعراب الياء والواو، وبعدهما النون، وذلك الاسم: عشرون درهما، فإن أدرت ~~أن تثلث أدنى العقود كان له اسم من لفظ الثلاثة يجري مجرى الاسم الذي كان ~~للتثنية، وذلك قولك: ثلاثون درهما، وكذلك إلى أن تبلغ التسعين وتكون تلك ~~النون لازمة، كما أن التنوين لازم للثلاثة إلى العشرة، غير أنك إذا ضاعفت ~~العشرة، وهي أدنى العقود، اشتققت للتضعيف اسما من العشرة. # ومعنى قوله: لا يثنى العقد، أي: لا تلحقه تثنية، أي: علامة تثنية على ~~لفظه، فتقول: عشرتان، وإنما وجب ذلك، لأن الأصل في الأعداد هي الآحاد، ~~والاشتقاق ينبغي أن يقع من الأصول، فكان قياس العشرة إذا أردت تضعيفها بأن ~~يكون لها اسم من ms220 الاثنين، كما أنك لما أردت تثنيتها جعلت لها اسما من ~~الثلاثة، وألحقته علامة الجمع، فكان القياس أن تقول: اثنانون، كما تقول: ~~ثلاثون، فإنما امتنع ذلك في الاثنين، لأنه يؤدي أن يجتمع في اسم واحد ~~إعرابان، ألا ترى أنك لو قلت في النصب: رأيت اثنانين، لكان الألف فيها ~~علامة الرفع، والياء علامة النصب، وكان اللفظ يتضاد، ولو أسقطت علامة ~~التثنية من الاثنين، ورددته إلى (اثن) لزال معناه الذي كان مستعملا عليه، ~~فلما فات الاثنان أن يستعملا استعمال حكمه، وكانت العشرة أولى أن يشتق منها ~~تثنيتها لما فات # PageV01P504 # الأصل، فلهذا وجب أن يكون لفظ العشرين على لفظ العشرة، وذلك لوجوه: # أحدها: أن يكونوا أرادوا أن يخالفوا لفظها العشرة، ليدلوا بالآحاد أن ~~العشرة ليست بخارجة عن أصل ما تستحقه تثنية العشرة. # ووجه آخر: أنهم عدلوا إلى كسر أول العشرين، ليدلوا بكسر أولها أن أصلها ~~تشتق من لفظ الاثنين، وألف الاثنين مكسورة، فجعلوا كسر أولها دليلا على ~~ذلك. # ووجه ثالث: أن العشرين يستوي لفظها للمذكر والمؤنث (77 / ب) واللفظ لما ~~وقع منه على المذكر، وكان الكسر علامة التأنيث، فجعلوا أول العشرين مكسورا، ~~ليكون فيه جزء من علامة التأنيث، وجعلوا الواو والنون في آخره دليلا على ~~التذكير. # فإن قال قائل: فلم وجب جعل لفظ (العشرين) بزيادة علامة الجمع في آخره، ~~ولم يجعل بعلامة تثنية العشرة؟ # قيل له: في ذلك جوابان: # أحدهما: أن تثنية العشرة في المعنى جمع، لأنها أعداد كثيرة، فوجب أن ~~تلحقها علامة الجمع، ليطابق معناها، أعني الأعداد. # والوجه الثاني: أن تضعيف العشرة قد بينا أن أصله ينبغي أن يكون من لفظ # PageV01P505 # الاثنين، بزيادة علامة الجمع في آخره على أحد الثلاثين والأربعين، فلما ~~اضطررنا إلى الاشتقاق من لفظ العشرة، وجب أن تلحق علامة الجمع، وإنما ~~اشتققناه من لفظ العشرة ليدل بذلك على أصله. # ووجه ثالث: أن علامة التثنية حقها أن تلحق لفظ الواحد، فلما كانت العشرون ~~قد غيرت عن لفظ العشرة، كرهوا أن يلحقوها لفظ التثنية، إذ كانت التثنية لا ~~توجب تغيير الواحد، فكان ms221 هذا يؤدي إلى تناقض في اللفظ، فعدلوا إلى لفظ ~~الجمع، لأن الجمع قد يخالف بناؤه بناء الواحد، وإن كان سالما أيضا، ألا ترى ~~أن بنتا وأختا يثنيان على لفظهما، ويجمعان جمع السلامة، على خلاف ~~استعمالهما في الواحد، نحو قولك: أخوات وبنات، وكان اللفظ أولى بلفظ ~~العشرين من لفظ التثنية، لما ذكرناه. # واعلم أن الثلاثين إلى التسعين يستوي فيها لفظ المؤنث والمذكر والتي بلفظ ~~المميز، كقولك: ثلاثون رجلا، وثلاثون امرأة، وإنما استوى الأمران فيهما ~~لوجهين: # أحدهما: أنا قد بينا أن الفصل بين المؤنث والمذكر غير واجب في الأسماء، ~~لأن الأشياء تقع عليهما، ولكن فصل في بعض الأسماء بضرب من التبيين، وما لم ~~يقع الفصل فيه، فهو قد بقي على الأصل، وإنما فصل في الأول بين المؤنث ~~والمذكر، لأنها أصول لما بعدها من الأعداد، فلما كان ما ذكرناه من العشرين ~~إلى ما فوقه مفرعا، لم يجب الفصل بينهما. # ووجه ثان: أن الثلاثين والتسعين يجوز أن نقدر فيها التأنيث والتذكير، ~~فأما # PageV01P506 # علامة التذكير فالجمع بالواو والنون، وأما علامة التأنيث فلأن الآحاد ~~تستعمل للمؤنث بغير هاء، نحو: ثلاث نسوة، فصار إسقاط الهاء من الثلاثين إلى ~~التسعين كالعلامة للتأنيث، فلما اجتمع في الاسم حكم العلامتين، لم يحتاجوا ~~إلى لفظ لكل واحد منها، إذ مبنى الأعداد بعد العشرة على الاختصار، ألا ترى ~~أنهم ركبوا الاسمين فجعلوهما اسما واحدا طلبا للاختصار، فكذلك اكتفوا ~~بالثلاثين وما بعده من العقود، وإنما لزمت النون في العشرين إلى التسعين، ~~لأنها نون جمع، ونون الجمع تثبت في الوقف وليست كالتنوين يسقط في الوقف، ~~فلما كانت النون أقوى من التنوين لما ذكرناه، ولأنها متحركة مع ذلك، فلذلك ~~لم تحذف كما حذف التنوين فيما قبل العشرين. # (78 / أ) فإن قال قائل: فهلا حذفتموها للإضافة، كما تحذفونها من غير ~~الأعداد للإضافة، فقلت: عشرودرهم، فكان هذا أخف؟ # قيل: الذي منع من ذلك أن الأصل في قولهم: عشرون من الدراهم، ولا يجوز حذف ~~النون ها هنا، لأن الإضافة تصل إلى الحروف، وهذا فاسد، فلما حذفوا (من) ~~اكتفوا ms222 بالواحد، وهم يقصدون الأصل في المعنى، وقد بينا أن الإضافة إلى ~~الأصل مراعاة، فلذلك ثبتت النون في العشرين إلى التسعين، ولم يحذفوها. # واعلم أنك إذا أردت أن تعرف العشرين والتسعين فأنت مخير، إن شئت أدخلت ~~الألف واللام، فقلت: عندي العشرون درهما، وإن شئت أضفتها إلى # PageV01P507 # مالكها، وحذفت النون للإضافة، فقلت عشروك وثلاثوك. # واعلم أن ما بعد العشرين إلى التسعين لا يكون إلا نكرة، لأنه تمييز، فإذا ~~أردت التعريف، أدخلت الألف واللام على العشرين إلى التسعين، فإذا بلغت ~~العقد فوق التسعين، وهي المائة، لزمته الإضافة إلى ما بعده، لأنه اسم مفرد، ~~وإنما فعلوا ذلك بالأسماء، وألزموها وجها واحدا، لأنها ليست كالصفة في معنى ~~الفعل، ولا التي شبهت به، فإذا بلغت العقدين تركت التنوين، أعني النون، ~~وأضفت وجعلت الذي يعمل فيه، ويميز به العدد من أي صنف هو واحدا، كما فعلت ~~ذلك في الذي نونته، إلا أنك تدخل فيه الألف واللام، لأن الأول يكون به ~~معرفة، وذلك قولك: مائة درهم، ومائة الدرهم، وكذلك إن ضاعفت، فقلت: مائتا ~~درهم، ومائتا الدينار، وكذلك العقد الذي بعده واحدا كان أو مثنى، كقولك: ~~ألف درهم، وألفا درهم، أعني أنه إذا بلغ العقد ثلاثة لزمته الإضافة، لأنه ~~اسم مفرد، وجب أن يضاف كسائر الأسماء التي تضاف إلى غيره، وجاز دخول الألف ~~واللام على الذي تبين به النوع، لأن الأول لما أضيف - والمضاف يتعرف ~~بالإضافة، ويكتسب تعريفا من المضاف إليه - كان حق الألف واللام أن تدخل على ~~الأول، لأن الثاني واحد في المعنى جمع في اللفظ، كما كان الواحد بعد ~~العشرين وذلك أن الأصل # PageV01P508 # في قولك: مائة درهم، ومائة من الدراهم، فحذف لفظ الجمع و (من) ، فكان ~~القياس أن تمتنع الإضافة، كما امتنعت العشرون بتقدير الواحد في معنى الجمع، ~~إلا أن المائة شبهت بالعشرة، لأنها عقد مثلها، وشبهت أيضا بالتسعين، لأنها ~~تليها، وحكم عشر الشيء كتسعه، فلما حصل للمائة الشبه بالعشرة والتسعين، ~~لزمت الإضافة تشبيها بالعشرة، وجعل النوع واحدا تشبيها بالتسعين، فصارت ~~الإضافة في المائة لازمة، فلما أرادوا ms223 تعريف المائة لم يجز إدخال الألف ~~واللام عليها، لأن الألف واللام لا يجتمعان مع الإضافة اللازمة، فنقلوا ~~الألف واللام من المائة وألحقوها بما بعدها، وهو ينوون بها تعريف المائة، ~~وساغ لهم ذلك لما بيناه من أن المضاف يصير معرفا بالمضاف إليه، وينتقل إليه ~~تعريفه، فلهذا دخلت الألف واللام (78 / ب) في ما بعد المائة، وإنما لزمت ~~المائتان الإضافة للزوم المائة الإضافة لما ذكرناه من الشبه. # واعلم أن المائة اسم ناقص قد حذف منه لام الفعل، وأصلها: مئية، فحذفت ~~الياء منه تخفيفا، فصارت هاء التأنيث عوضا منها، والدليل على ما ذكرناه ~~قولهم: أمأيت الدراهم، والجمع بالواو والنون. فتقول: عندي مئون، ويجمع ~~بالألف والتاء، فظاهر، لأن فيها علامة التأنيث، وأما جمعها بالواو # PageV01P509 # والنون فعلى أن هذا الجمع عوض من النقص الذي دخلها، وأكثر الأسماء ~~النواقص المؤنثة يجمع بالواو والنون، نحو: ثبة وثبون، وقلة وقلون، وجعلوا ~~الجمع بالواو والنون عوضا من النقص الذي دخلها، إذ كان فيه علامة التأنيث ~~لا يجوز جمعه بالواو، فإذا كان غير ناقص، نحو: طلحة، لا يجوز أن تقول: ~~طلحون، وإن كان اسم رجل، وسنستقصي هذا في (باب الجمع) ، إن شاء الله، وأما ~~قول الشاعر: # (وحاتم الطائي وهاب المئي ... ) # ففيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أن يكون وهاب المئين، فحذف النون لضرورة الشعر. # والوجه الثاني: أن يكون بناء الاسم على (فعيل) ، فكأنه أراد: وهاب المئي، ~~وأراد بالمئي جمع مائة، لأن (فعيلا) من أبنية الجموع، نحو قولهم في جمع ~~كلب: كليب، وفي عبد: عبيد، فحصل في آخر المئي ياء مشددة وقبلها # PageV01P510 # كسرة، وذلك مستثقل، فحذفوا ياء (فعيل) استخفافا. # والوجه الثالث: أن يكون جمع مائة، فحذف الهاء، كتمرة وتمر، ثم ألحق الياء ~~بعد الهمزة في المئي، لإطلاق القافية، وقد يحذف الشاعر الهمزة في الجمع ~~تخفيفا كما قال: # (وذلك أن ألفكم قليل ... لواحدنا أجل أيضا ومينا) # وأما قوله: ثلاث مائة وتسع مائة، فالقياس أن يقال: ثلاث مئين أو ثلاث ~~مئات، لأن الثلاثة حقها أن تضاف إلى الجمع، والمائة لفظها لفظ الواحد، ~~وإنما جاز ذلك ms224 لوجهين: أحدهما: أن المائة تتضمن معنى الجمع، إذ كانت ~~الأعداد كثيرة، فصار ثلاث في المعنى، كأنها مضافة، إلى الجمع، وإن لم يكن ~~في لفظه دلالة على الجمع، كقول الشاعر: # (بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب) # أراد: جلودها. وقول الشاعر: # PageV01P511 # (لا تنكروا القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا) # أراد: في حلوقكم، فاكتفى بالواحد عن الجمع، فلما جاز الاكتفاء بالواحد ~~الذي ليس في لفظه معنى كان ما في لفظه دلالة على الجمع أولى أن يكتفى به عن ~~الجمع، وهو المائة، وسقطت الهاء من الثلاث مائة إلى التسع مائة، لأن المائة ~~مؤنث، فصار كقولك: ثلاث نسوة. فإذا بلغت الألف لزمته الإضافة، كما لزمت ~~المائة، إلا أنك تجمع الألف: ثلاثة آلاف، وعشرة آلاف، وإنما وجب الجمع في ~~الألف بعد الثلاثة إلى العشرة لوجهين: # أحدهما: أن الألف نهاية مراتب العدد، كما أن الواحد أول المراتب، فلما ~~صار طرفين، ولزم في الطرف الأول أن يضف إلى الجمع، وجب في الطرف الآخر أن ~~يضاف إلى الجمع أيضا. # والوجه الثاني: أن الألف عشرته (79 / أ) كتسعته على حد ما كان في الواحد، ~~ألا ترى أنك تقول: عشرة آلاف، كما تقول: عشرة دراهم، فلما شابهت الألوف ~~الأعداد الأول، وجب أن تجمع بعد الثلاثة والعشرة، وإنما دخلت الهاء في ~~قولك: ثلاث آلاف، لأن الألف مذكر، تقول: هذا ألف، فإن عنيت # PageV01P512 # الدراهم جاز أن تؤنث، فتقول: هذه ألف، وذكر أن بعض الأعداد قد جاء في ~~الشعر مؤنثا، قال الربيع بن ضبع الفزاري: # (إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد أودى المسرة والفتاء) # فأثبت النون في (مائتين) ، ونصب (عاما) ، وقول الآخر: # (أنعت عيرا من حمير خنزره ... في كل عير مائتان كمره) # وإنما حسن ذلك في المائتين، لأن النون تثبت في الوقف، لأنها أقوى من ~~التنوين، فشبهت بالعشرين، لأنها تثنية عقد مثلها، وغير ممتنع في العشر ~~تنوين سائر الأعداد، ونصب ما بعدها. # وأما الثلاث مائة والتسع مائة، فكان ينبغي في القياس: ثلاث مئين وتسع ~~مئين، أو مئات، كما قلنا ms225 آنفا، ولكنهم شبهوها بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ~~ما يبين به العدد واحدا، لأنه اسم لعدد، وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون ~~اللفظ واحدا والمعنى جمع، حتى قال بعضهم فيما لا يستعمل في # PageV01P513 # الكلام، وأنشدوا البيتين اللذين ذكرناهما. # ثم قال: إن (لدن) لها في (غدوة) حال ليست في غيرها تنصب بها، كأنه ألحق ~~التنوين في تسع مائة، وكأنه أراد قد يخص الشيء في موضع لا يخص به في موضع ~~آخر، فقال: تقول العرب: (من لدن غدوة) ، وقال: لدن غدوة، كأنه أسكن الدال ~~ثم فتحها، كما قال " اضربن زيدا، ففتح الباء لما جاءت النون الخفيفة. والجر ~~في (غدوة) هو الوجه والقياس. وتكون النون من نفس الحرف بمنزلة (نون) من ~~وعن، وقد يشذ الشيء من كلامهم عن نظائره، ويستخفون الشيء في موضع لا ~~يستخفونه في غيره، فمن ذلك قولهم: (ما شعرت به شعرة) ، ويقولون: العمر ~~والعمر، ولا يقولون في اليمين، كلهم، إلا بالفتح، أعني: لعمرك، وستجيء ~~أشياء في هذا الكلام، يعني: التسعمائة إضافتها إلى الواحد ليس بقياس، وقد ~~بينا ذلك، ويحتمل أن تشبه الثلاثمائة إلى التسعمائة في بابها بالواحد ~~والعشرين، فكما بينت العشرون بواحد، بينت التسعمائة بواحد، ووجه الشبه ~~بينهما أن عشرة التسعين على غير لفظهما، فلما أشبهتها من هذا الوجه، # PageV01P514 # جعل المبين بواحد ثم ذكر بعض ما جاء في كلامهم خارجا عن القياس، فمن ذلك ~~(لدن) وهي ظرف بمنزلة (عند) ، والنون من نفس الكلمة، فكان حقها أن تخفض ما ~~بعدها، إلا أن بعض العرب يحذف النون تخفيفا، ثم يردها بعضهم، فيقدر النون ~~فيها أنها زائدة، فلهذا جاز أن ينصب بها (غدوة) ، ويجوز أن يكون فعلوا ذلك ~~لكثرة استعمال (لدن) مع (غدوة) ، أو قدروا ما ذكرناه، فنصبوا (غدوة) بذلك ~~التقدير، فيخف اللفظ، وخفته من وجهين: # أحدهما: أن النصب أخف من الجر. # والثاني: أن الجار والمجرور (79 / ب) كالشيء الواحد، والمنصوب كالفضلة، ~~وما هو فضلة أخف من اللازم، فلهذا عدل ب (لدن) ما ذكرناه # وبعض من رد النون تشبيها بالنون الخفيفة فتح ما ms226 قبلها، وكان ذلك طلبا ~~للتخفيف، أي: لتخفيف الكلمة لكثرتها في كلامهم، والفتح أعم من الضم، وذلك ~~قولهم: (ما أشعرت به بشعرة) ، كان القياس إثبات هاء التأنيث في قولهم: (ليت ~~شعري) ، ولكنهم حذفوا الهاء لوجهين: # أحدهما: للتخفيف، إذ كان هذا كثيرا في كلامهم. # والثاني: إثباتها يؤدي إلى لفظ مستقبح، فلهذا حذفوا التاء. # وكذلك ألزموا أنفسهم فتح العين في قولهم: لعمرك، لكثرة القسم في كلامهم. # PageV01P515 # قال: ومما جاء في الشعر على لفظ الواحد، والمراد به الجمع، قول الشاعر: # (كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص) # أراد " في بطونكم، فاكتفى بالواحد عن الجمع، لأن إضافة الجمع تدل على أن ~~البطن بمنزلة البطون، قال: ومثل هذا في الكلام قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا} ، وقررنا به عينا، وإن شئت قلت: أعينا، ولو كان ~~في الكلام لجاز أن تقول: أنفسا، مكان {نفسا} ، يعني: أن (النفس والعين) في ~~المسألتين جميعا يراد بهما الجمع، فاكتفى بالواحد فيه، لدلالة الكلام عليه ~~على الإرادة، وإن شئت جمعت مثل هذا على الأصل، وإنما جاز الجمع هاهنا، ولم ~~يجز فيما بعد العشرين أن تميز بلفظ الجمع، أن عشرين قد حصل فيها مقدار ~~العدد، والفعل يجوز أن يكون للواحد والجمع، فذكر ذلك بلفظ الجمع، ليدل بذلك ~~أن الفعل لجماعة، ولا يجوز إدخال الألف واللام في (النفس والعين) ، لأنهما ~~منصوبان على التمييز، وقد بينا فيما تقدم أن التمييز لا يكون إلا نكرة. # وأما قوله تعالى: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} ، # PageV01P516 # فذكر أبو إسحاق الزجاج: أن (سنين) نصب على البدل من الثلاث مائة، قال: ~~ولو نصبت السنين على التمييز، لكانوا قد لبثوا تسع مائة سنة، وأكثر من ذلك. ~~والدليل على صحة ما قالوا أنك لو قلت: عندي عشرون رجالا، لاحتمل أن يكون كل ~~واحد من العشرين رجالا، فتكون الجموع مئتين أو أكثر، والدليل على صحة ما ~~قال قول الشاعر: # (سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟) # (لأصبح القوم أوبادا ms227 فلم يجدوا ... عند التفرق في الهيجا جمالين) # فأجرى (جمالين) مجرى درهمين، أراد: جمالا لهذه الفرقة، ولا يجوز أن يكون ~~(سنين) نعتا لثلاث مائة، لأنه اسم جامد، فيقبح النعت به. # وقد أجاز الفراء: نصب (سنين) على التمييز واحتج بقول الشاعر: # PageV01P517 # (فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم) # فقال: (سودا، فجمع، وهذا لا يشبه، لأن الشاعر قد ذكر المميز وهو (حلوبة) ~~، ثم أتى بالسود بعدها، فيجوز أن تكون السود للأربعين، والاثنتين على ~~لفظها، ويجوز أن يجعلها نعتا للحلوبة على المعنى، ولم يذكر في الآية قبل ~~(السنين) التمييز، فلهذا (80 / أ) افترقا، والله أعلم. # PageV01P518 ### | 52 - باب الجمع # قال أبو الحسن: اعلم أن الجمع المكسر يستأنف البناء كاستئناف البناء ~~للواحد، فلما كان الواحد يقع مختلفا، فكذلك جمع التكسير يقع مختلفا كاختلاف ~~الواحد. # واعلم أن الاسم قد يجمع على ضروب، فيكون أحد الضروب أكثر من غيره، فيصير ~~هذا الكثير هو الباب، ويصير ما عداه، - لقلته - كالشاذ في الباب، وربما حمل ~~جمع اسم على جمع اسم، لاشتراكهما في معنى، ونحن نبينه إن شاء الله. # واعلم أن أبنية أدنى العدد أربعة، وهي: أفعل، نحو: أكلب وأفعال، نحو: ~~أجمال. وأفعله، نحو: أرغفة. وفعلة، نحو: صبية، وغلمة. # وأما ما كان على (فعل) فأدنى العدد فيه (أفعل) ، نحو: أكلب، والكثير على ~~(فعال وفعول) ، نحو: كلاب وفلوس، وقد يجتمعان في اسم # PageV00P000 # واحد، كقولهم: كلم وكلام وكلوم، يعني الجراحات، وإنما خص هذا البناء، لأن ~~شرط الجمع أن يكون في اللفظ أكثر من الواحد، فلما كان (فعل) أخف الأبنية ~~وكثر لفظ جمعها، خففوا جمع (فعل) لكثرته في كلامهم، وأما (فعال وفعول) ~~فإنما استويا في الحكم، لتقارب ما بينهما في اختلاف الحركات، وترتيب ~~الحروف، لأن حروف اللين فيها في موضع واحد، فلهذا اشتركا، وما سوى (فعل) ~~مما هو مكسور الأول، أو مضموم، أو متحرك الفاء والعين، فيجيء جمعه لأدنى ~~العدد على (أفعال) وقلته، فكثروا لفظ جمعه، وذلك قول: عدل وأعدال، وقفل ~~وأقفال، وجمل وأجمال، وعضد وأعضاد، وكتف وأكتاف، وطنب وأطناب، وإبل وآبال، ~~وعنب ms228 وأعناب، إلا ما كان على (فعل) ، نحو: صرد وجعل، فله قياس آخر، وذلك أن ~~هذا البناء قد صار له اختصاص في منع الصرف، وليس لغيره من الأبنية الثلاثة ~~هذا الحكم، فجعلوا جمعه على ما يخصه، واكتفوا بجمع واحد، لقلته في كلامهم، ~~فقالوا: صرد # PageV01P520 # وصردان، ونغر ونغران، وجعل وجعلان، وإنما خصوه بهذا البناء، لأنه جعل ~~كالمخفف من (فعال) ، نحو غراب، وهذا الباب أيضا يجيء على (فعلان) ، ~~فلمضارعته هذا الباب خص بهذا البناء. # فأما جمع الأبنية بأكثر العدد فيجيء مختلفا، ويكتفون بالقليل عن جمع ~~الكثير، وببناء جمع الكثير عن بناء جمع القليل، وإنما ساغ ذلك لأن الجمع لا ~~غاية له ينتهي إليها إلا ويمكن إضافته، فلما كان معنى الجمع لا ينتهي إلى ~~غاية جاز أن ينوى باللفظ الواحد، القليل والكثير، فلهذا ساغ ما ذكرناه. # وأما قولهم: زند وأزناد، لأدنى العدد، وكان القياس: أزندا، فوجه ذلك أنه ~~لما كان الزند عودا، وتكسير العود في أدنى العدد: أعواد، حمل زند عليه ~~لاشتراكهما في المعنى واتفاق سكون أوساطهما. وكذلك: فقع وفقعة، لما كان ~~الفقع ضربا من الكمأة، والفطر مثله، يجوز في الفطر أن يكسر على (فعلة) ، ~~كما كسر الفقع على فقعة تشبيها بذلك، إذ كان معناهما واحدا وعدد حروفهما ~~وسواكنهما ومتحركاتهما واحدا، (80 / ب) وكذلك: قعب يجوز في جمعه: قعبة، لما ~~كان الفقع والفطر متقعبا، وجمعا على (فعلة) ، جمع # PageV01P521 # القعب على (فعلة) تشبيها بذلك، لاشتراكهما في التقعب والوزن وعدة الحروف. # وأما زمن وأزمن: فكان القياس أن يقال: أزمان، لأن معناهما واحد، فجمع على ~~(أفعل) ، كما جمع الدهر على أدهر. # وأما قولهم: ربع وأرباع، فشبهوه بجمل، لأن الربع وإن كان على غير وزن ~~(جمل) ، فهو في المعنى جمل، وإن كان صغيرا، فجمع على جمعه، إذ كان ولده، ~~وجميع ما يأتي من الجمع مختلفا خارجا عن بابه، فهو محمول على مثل ما ذكرنا، ~~إلا أنا لم نذكر منه إلا القدر الذي ذكرنا لك على استقصار ذلك في (كتاب ~~سيبويه) . # قال: وما كان منه على أربعة أحرف مذكرا ms229 فجمعه على مثال (مفاعل) ، زائدة ~~كانت حروفه أو أصلية، فهذا مثاله وإن اختلفت أبنيته، وذلك نحو: جعفر ~~وجعافر. # قال أبو الحسن: إنما جمع الرباعي على ما ذكرناه، لأنه أثقل من الثلاثي، ~~فألزم طريقة واحدة، وجعلت زيادته أخف الزوائد، وهي الألف، لثقله في نفسه، ~~وإنما مثله ب (مفاعل) ، لأنه أراد الحروف دون وزنه على ما فيه من الزوائد ~~والأصول، وذلك أنه فصل ذلك، فجعل جعافر (فعالل) ، ومساجد (مفاعل) ، وجداول ~~(فعاول) ، وأكابر وأصاغر (أفاعل) ، # PageV01P522 # فوزن الكلمة على حقيقتها. # واعلم أن ما كان على خمسة أحرف، ورابعه حرف لين زائد، فإنه يجيء على ~~(فعاليل) ، كقولهم: جرموز وجراميز، وقنديل وقناديل، وإنما أتى على بنائة ~~ولم يحذف منه، لأن ما كان على خمسة أحرف أصول، فلا بد من حذف الآخر منه في ~~الجمع، كقولك: سفرجل وسفارج، وفرزدق وفرازد، وإنما حذف آخره لطوله، فكان ~~الآخر أولى، لأنه المثقل للكلمة، فلهذا كان أولى بالحذف، فلما حذف حرف عوض ~~ياء قبل آخره، فقيل: سفاريج وفرازيد، وإنما كانت الياء أولى بالزيادة، لأن ~~ما بعد ألف الجمع مكسور، فصارت زيادة الياء كإشباع الكسرة، ومع ذلك فإن ~~الياء أمكن حروف المد، لأن الياء من وسط اللسان، فلما جاز أن تزاد هذه ~~الياء قبل آخر الجمع على طريق العوض، كان بقاؤها إذا كانت ثابتة في الواحد ~~أولى. وإن كان الاسم على خمسة أحرف وفيه زائدتان متساويتان كنت مخيرا في ~~حذف أيهما شئت، كقولك: حبنطى، وهو ملحق بسفرجل، بزيادة النون والألف في ~~آخره، وحباط وحبانيط إذا عوضت، وإذا حذفت النون، قلت: حباط، وحباطى في ~~النصب، فإن كان فيه # PageV01P523 # زائدة واحدة حذفتها، كقولك في جحنفل: جحافل، وجحافيل، إذا عوضت، لأن ~~الزيادة أضعف من الأصلي، فإن كانت فيه زائدتان كلتاهما لمعنى واحد، ~~وإحداهما أقرب إلى الطرف حذفت القريبة من الطرف، كقولك في مغتسل: مغاسل، ~~وفي منطلق: مطالق، لأن التاء والنون أقرب إلى الطرف. وأما قلنسوة: ففيها ~~زائدتان: النون والواو، وليستا للفظ (81 / أ) ولا لمعنى، بل كثرت الكلمة ~~بهما، فأنت مخير في حذف أيهما شئت، ms230 فإن حذفت الواو قلت: قلانس، وقلانيس، ~~إذا عوضت، وإن حذفت النون قلت: قلاس، وقلاسي إذا عوضت، وإنما شددت الياء ~~إذا عوضت، لاجتماع ياء العوض مع الياء المنقلبة من واو قلنسوة، فاعلمه. # واعلم أن ما كان على (فعل) وثانيه ياء أو واو، فأدنى العدد فيه (أفعال) ، ~~نحو حوض وأحواض، وثوب وأثواب، فإن أردت الكثير منه جاء على (فعال) ، ~~كقولهم: ثوب وثياب، وحوض وحياض. ونقول: بيت وأبيات، وشيخ وأشياخ، فإن أردت ~~الكثير بنيته على (فعول) ، نحو: بيوت وقيود وشيوخ. وإنما خص هذا الباب ب ~~(أفعال) وإن كان ثانيه ساكنا كراهة ل (أفعل) ، # PageV01P524 # إذ لو جمع على (أفعل) لانضمت الواو والياء، وذلك مستثقل. # وقد جمعوا بعض الصحيح مما هو على (فعل) على (أفعال) ، نحو: فرخ وأفراخ، ~~فلما جاء في الصحيح هذا، كان في المعتل أولى. # واعلم أن ما كان على (فعلة) وكان اسما، فإن جمعه بالألف والتاء، وتحريك ~~الحرف الأوسط منه للفصل بين الاسم والنعت، وذلك قولك: جفنة، وصحفة، وتمرة، ~~تقول في جمعها: جفنات، وصحفات، وتمرات، قال حسان: # (لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما) # قال أبو الحسن: اعلم أنه إنما وجب تحريك الأوسط إذا كان اسما ليفصل بين ~~الاسم والنعت، فتقول في صحفة، صحفات، فتحرك الأوسط، وتقول في عبلة: عبلات، ~~فلا تحرك الأوسط، وإنما خصوا الاسم بالتحريك تركوا # PageV01P525 # أوسط النعت على حاله، لأن الصفة أثقل من الاسم، إذ كانت تتضمن الموصوف، ~~فلما كانت أثقل، والاسم أخف، تحرك الأخف. وإن كان الأول مضموما، والثاني ~~ساكنا، فلك فيه ثلاثة أوجه: أجودها ضم الثاني، كقولك: ظلمة وظلمات، ويجوز ~~أن تقلب الضمة فتحة استثقالا لتوالي الضمتين، ولأن الغرض بتحريك الثاني هو ~~الفصل بين النعت والاسم، وإذا حرك بالفتح فقد وجب الفصل بين (فعلة) إذا كان ~~اسما، وبين (فعلة) إذا كان نعتا، وناب الفتح ها هنا عن الضم المستثقل، ~~وإنما اخترنا الضم، ليكون تابعا لحركة الأول، ويجوز الإسكان على الأصل، لأن ~~هذا الفصل ليس بواجب في كل اسم، وإذا كان كذلك جاز ألا يحرك. ms231 وأما المكسور ~~الأول: فحكمه كحكم المضموم الأول في جواز كسر الثاني وفتحه وإسكانه، كقولك ~~في كسرة: كسرات، وكسرات، وكسرات، بإسكان الثاني، على ما فسرناه. # وأما جمع التكسير في المفتوح الأول: فيجيء على (فعال) ، كقولهم: جفنة ~~وجفان، وصحفة وصحاف. # وأما ما كان مضموم الأول مسكن الثاني: فيجمع على (فعل) ، جمع التكسير ~~كقولهم: ظلمة وظلم، وغرفة وغرف. وإنما جمع على (فعل) لأن ما كان من ~~المخلوقات يجعل بين جمعه وواحده الهاء، كقولك: برة وبر، فلما كان حكم ~~المخلوقات أن يقر لفظ الواحد في الجمع، وتسقط الهاء، جعلوا ما ليس # PageV01P526 # مخلوقا مجرد الأوسط ليكون بينه وبين المخلوقات فصل، فتقع بالحركة زيادة ~~على لفظ الجمع، وكذلك حكم المكسور أوله يكسر على (فعل) نحو: كسرة وكسر، (81 ~~/ ب) وسدرة وسدر، والعلة واحدة. # واعلم أن ما كان على (فعيل) من هذا اسما، فأدنى العدد فيه (أفعلة) ، وذلك ~~نحو: نصيب وأنصبة، وخميس وأخمسة، ويكون إذا أردت الكثير على (فعل وفعلان) ~~نحو: رغيف ورغفان ورغف، وقضيب وقضبان وقضب، وأرغفة لأدنى العدد. # قال أبو الحسن: وإنما كسر ما كان من (فعيل) أدنى العدد على (أفعلة) وهو ~~أزيد من (فعل) بحرف، فجعلوا الهاء لازمة له، لتكون بإزاء الحرف الزائد في ~~(فعيل) ، وكسروا عينه، لأن الكسر أخف من الضم، فلما ألزم هذا المثال هاء ~~التأنيث ثقل، فكرهوا الضمة فيه فعدلوا إلى الكسر، لأنه أخف من الضم، وجعل ~~في أكثر العدد على (فعل) ، فكأنه محذوف من (فعول) ، وإنما خفف، ليكون ~~التخفيف معادلا لثقل (فعلان) . وأما (فعيل) الذي هو صفة لمذكر من يعقل، ~~فليس فيه حرف علة ولا تضعيف، فجمعه على (فعلاء) ، نحو: جليس وجلساء، وكريم ~~وكرماء، وكبير وكبراء، و (فعال) ، نحو: كرام وكبار، وإنما جمع على (فعال) ~~لأنهم لم يعتدوا بالياء، لأنها زائدة، كأنهم توهموا إشباع الكسرة فيه، ~~فيجمع على (فعال) ، كما يجمع الثلاثي. وأما جمعه على (فعلاء) فللفرق بينه ~~وبين الاسم، فجمعوا الاسم على (أفعلاء) ، كما يجمع الثلاثي # PageV01P527 # كقولهم: خميس وأخمساء، وإنما جمعوا (فعلاء) للصفة، لكثرة ما تجيء على ~~(فعلاء) ، نحو: ms232 حمراء وصفراء، فأسقطوا الهمزة من أوله، ليشاكل ما ذكرناه. # PageV01P528 ### | 53 - باب النسب # اعلم أن كل اسم تنسبه إلى أب أو بلد، وما أشبه ذلك، فإنك تلحقه الياء ~~الثقيلة، علامة للنسب، وذلك قولك: هذا رجل بكري، وهذا رجل عامري، وهذا رجل ~~مكي، وكذلك جميع هذا الباب. # قال أبو الحسن: اعلم أن النسب معناه إضافة شيء إلى شيء، وإنما تشدد ياؤه، ~~لأن النسبة تصير لازمة للمنسوب، فصارت هذه الإضافة أشد مبالغة من سائر ~~الإضافات، فشددوا ياء هذا، ليدلوا على هذا المعنى، فإذا كان الاسم سالما من ~~حروف المد واللين، زدت ياء النسبة في آخره، طال الاسم أو قصر، كقولك في ~~النسب إلى بكر: بكري، وإلى سفرجل: سفرجلي: إذا كان المنسوب إليه اسمه ~~سفرجل، وإن كان في الاسم المنسوب إليه ياء خفيفة قبل آخره، أعني بالخفيفة: ~~الساكنة الزائدة، نحو: تميم، وثقيف، وفقيم، وسليم، وقريش، وما أشبه ذلك، ~~فالأجود ألا تحذف من الأشياء شيئا، إذا نسبت إليها، كقولك: تميمي، وفقيمي، ~~وقد حذفوا الياء من بعض ذلك، قالوا في قريش: قرشي، وفي ثقيف: ثقفي، وفي ~~هذيل: هذلي، وهذيلي، عمن أثبت الياء، فعلى الأصل، ومن حذف فلاستثقال الياء ~~والكسرات، وليس قبل الكسر إلا حرف واحد، والحرف الواحد قليل، فصار بمنزلة ~~ما لا حكم له في الكلمة. فإن كان قبل الكسرة حرفان، لم يجب الفتح، تقول في ~~تغلب: تغلبي، لأن أول الكلمة حرفان، فقوي صدر الكلمة، ويجوز الفتح. فأما ~~هذلي وثقفي، فالأصل: هذيلي وثقيفي، وإنما # PageV00P000 # حذفوا الياء منهما استثقالا للكسرة مع الياء، (82 / أ) فحذفت الياء فبقي ~~الاسم على وزن ثمر. وما كان ثانيه مكسورا، وهو على ثلاثة أحرف يفتح في ~~النسبة، كراهة الكسرات والياءات، فيقال: نمري. وكذلك قالوا أيضا: هذلي، ~~ففتحوا الذال، وقد جاء على الأصل في الشعر، قال الشاعر: # (بكل قريشي عليه مهابة ... سريع إلى داعي الندا والتكرم) # وقال آخر فجمع بين اللغتين: # (هذيلية تدعو إذا هي فاخرت ... أبا هذليا من غطارفة نجد) # فإن كان الاسم على (فعيلة أو فعيلة) حذفت الهاء، كقولك في النسب ms233 إلى ~~حنيفة: حنفي، وفي رجل من جذيمة: جذمي، وقد جاء شيء على الأصل، وليس ~~بالمستحسن، وقالوا في رجل من أهل السليقة: سليقي، وفي الخريبة: خريبي، وفي ~~سليمة: سليمي، وفي عميرة: عميري، والوجه ما # PageV01P530 # ذكرت لك، إلا أن يكون الاسم من المضاعف أو المعتل، فإنك تثبت فيه الياء، ~~ولا يجوز حذفها، وذلك قولك في رجل نسبته إلى شديدة: شديدي، وفي رجل من ~~طويلة: طويلي، من أجل الواو، لأنها إن سكنت لزمها القلب، وإنما وجب حذف ~~الهاء لأن هاء التأنيث تضارع ياء النسبة، والدليل على مضارعتها أنه تقع بين ~~الاسم وبين جمعه، فيكون حذفها فرقا بين الواحد والجمع، كقولك: تمرة وتمر، ~~وكذلك حال الياء المشددة، نحو قولك: زنجي وزنج، ورومي ورم، وعربي وعرب، ~~فلما تضارعا من هذا الوجه الذي ذكرناه كره الجمع بين تأنيثين أو تثنيتين، ~~فلذلك حذفت هاء التأنيث، لمجيء ياء النسبة، وحذفت الياء، لأن المؤنث أثقل ~~من المذكر، فلما جاز الحذف من المذكر مع خفته، لزم الحذف في الأثقل، ومن ~~أثبت فعلى الأصل، والله أعلم. # وأما ما كانت قبل آخره ياءان مدغمة إحداهما في الأخرى، فإن النسب إليه ~~بحذف الياء المتحركة، لاجتماع الياءات، وذلك قولك في النسب إلى ميت: ميتي، ~~وإلى حمير: حميري، وإلى أسيد: أسيدي، وإنما وجب الحذف، لأن عدد هذه الحروف ~~أكثر من عدد حروف (فعيل) ، وبعضها مثلها في العدد، وهم قد حذفوا الياء من ~~(فعيل) ، والكسر مع ياء النسبة، فكيف إذا زاد ياء أخرى، فإذا اجتمع هذا، ~~أعني الياءين في مثل (أسيد وحمير) مع ياء النسبة، كان أثقل، فلذلك وجب ~~الحذف، وإنما كان المتحرك من الياءين بالحذف أولى، لأنك لو حذفت الساكنة ~~بقيت المتحركة وقبلها فتحة، فكان يجب قلبها # PageV01P531 # ألفا، فيخرجون من علة إلى علة، والخروج من علة إلى علة فيه كلفة، فلذلك ~~حذفوا المتحركة لتزول هذه الكلفة، ومع ذلك فإن الياء الساكنة المدغمة لا ~~مؤونة فيها على المتكلم، لأنه يرفع لسانه بها في جملة الياء المتحركة، فصار ~~الاستثقال إنما وجب من أجل المتحركة، فكانت أولى بالحذف، ms234 إذ كانت هي ~~الموجبة للثقل. # فإن كان آخر الاسم ياء مشددة، نحو: قصي وعدي واجبة، فإنك تحذف الياء ~~الساكنة، وتقلب المتحركة ألفا، لفتحة ما قبلها، ثم تقلبها واوا، وتتبعها ~~ياء النسبة، فتقول: قصوي، وأموي، وعدوي، وإن شئت تركته على الأصل، فتقول: ~~قصيي، وأميي، وإنما كان الحذف أولى، كراهة لاجتماع أربع ياءات مع الكسرة، ~~وهم قد فروا من ثلاث ياءات (82 / ب) وبينهم حاجز، أعني: (فعيلا) ، فكان ما ~~هو أثقل منه تكثيرا أولى بالحذف، وإنما حذفوا الياء الساكنة، لأنهم قد ~~علموا أن المتحركة تقلب ألفا ولا تثبت، لأنها تلي ياء النسبة، فيجب قلبها ~~واوا، فلما كان حذف الساكن يؤدي إلى قلب المتحركة واوا، وخروجها عن شبه ~~الياء، وهم يفرون في هذا الباب من الياءات، والكسر من أجل ياء النسبة، ~~احتملوا الخروج من علة إلى علة، لما كان ذلك يؤدي بهم إلى التخلص مما يفرون ~~منه. فأما باب (أسيد) فلو حذفت الياء الساكنة انقلبت # PageV01P532 # المتحركة ألفا، والألف هي قريبة من الياء، ألا ترى أن الإمالة تدخل على ~~الألف فتقرب من الياء، فلما كان القلب لا ينجيهم من باب (أسيد) مما يفرون ~~منه حذفوا المتحركة، وتقوى الساكنة، لأنها قريبة من الألف، فلذلك خالف في ~~باب (أموي) . ومن رأى الجمع بين الياءات فحجته أن الياء المشددة تجري بوجوه ~~الإعراب، ولا تستثقل عليه الحركات، فصارت بمنزلة ياء قبلها حرف ساكن، نحو: ~~ظبي ونحي، وما كان كذلك فلم يحذف منه شيء في النسبة، فحملوا (أمية) وبابه ~~على ما ذكرنا، فلم يحذفوا منه شيئا، وإنما أقروا الياء، إذ كان قبلها ساكن، ~~ولم يستثقلوا دخول الضمة والكسرة عليها في حال الإعراب، وإنما خالفت الياء ~~المشددة الياء الساكنة ما قبلها، لأن المشددة وإن دخلها الإعراب فهي أثقل ~~من الخفيفة، فإذا انضم إليها ياء النسبة زادت ثقلا، فلذلك وجب تخفيفها، ~~وحكم الواو، إذا كانت طرفا وسكن ما قبلها، كحكم الياء إذا سكن ما قبلها، ~~وهي هاهنا، أولى أو تستثقل لأنهم قد يفرون من الياء وهي أثقل، وحكم الواو ~~إذا كانت ms235 طرفا وسكن ما قبلها، كحكم الياء إذا سكن ما قبلها، وهي أولى بأن ~~لا تستثقل هاهنا، لأنهم قد يفرون من الياء إلى الواو في باب النسبة، فإذا ~~كانت معهم في الكلمة فهي أولى بالثبات، فإن كانت الياء في آخر الاسم وقبلها ~~كسرة، وكان الاسم معها على ثلاثة أحرف، قلبتها ألفا، ثم قلبتها واوا، ~~كقولهم في عم: عموي، وفي رد: ردوي، وإنما وجب ذلك، لأنا قد بينا أن ما كان ~~على (فعل) # PageV01P533 # بكسر العين من الصحيح ينقل إلى (فعل) ، فإذا وجب نقل عم إلى عممي، انفتحت ~~الميم، والياء بعدها في موضع حركة، فإذا كان كذلك انقلبت ألفا، ثم انقلبت ~~واوا، لما سنذكره بعد، إن شاء الله. # فإن كان الاسم على أكثر من ثلاثة أحرف حذفت الياء في النسب، كقولك إلى ~~قاض، قاضي، وإلى ناجية: ناجي، وإنما وجب حذفها، لأن النسبة توجب كسر ما ~~قبلها، ولا يدخلها الكسر، فيجب إذا إسكانها بدخول ياء النسب عليها، فيلتقي ~~ساكنان، الياء المسكنة والياء المدغمة، فتحذف لالتقاء الساكنين. ومن قال في ~~تغلب: تغلبي، ففتح اللام استثقالا للكسرة مع الياء أجاز أيضا أن يفتح الضاد ~~من (قاض) ، فإذا فتحها انقلبت ألفا، أعني ياء (قاضي) ، ثم انقلبت واوا، ~~فقال: قاضوي، كما قالوا: عموي، وإنما ساغت التغييرات في باب النسبة وكثر ~~ذلك، لأن المراد بياء (83 / أ) النسبة أن تعلم بأن المنسوب عليه تعلق ~~بالمنسوب إليه، فلو فهم ذلك ببعض الكلمة، جاز أن يقتصر عليه، فلذلك ساغ ~~التغيير فيه. # واعلم أن الأصل في النسب أن يقال: فلان من بني فلان، أو من بيئة كذا، ~~ولكنهم اختصروا ذلك واجتزوا بالياء من هذا التطويل، كما اجتزوا بياء ~~التصغير من # PageV01P534 # النعت حقيرا أو صغيرا. # واعلم أن ما كان آخره ألفا وهو على ثلاث أحرف، فإنه يجب قلب ألفه واوا، ~~من ياء كانت منقلبة أو من واو، كقولك في قفا: قفوي، وفي رحى: رحوي، وإنما ~~وجب قلب هذه الألفات إلى الواو، لأن الألف تقرب من الياء، والإمالة تدخلها، ~~فتصير إلى الياء، فلو أقروا ms236 الألف على حالها، لصار كاجتماع ثلاث ياءات، وهم ~~يجدون مندوحة تأويلا لخروجهم عن هذا الثقل، وذلك أن الألف ساكنة، والياء ~~الأولى ساكنة، والجمع بين ساكنين في كلامهم غير مستعمل، إلا أن يكون الأول ~~حرف مد، والثاني مشددا، فلما عوض بياء النسبة ما ذكرنا، أجروا الألف مع ياء ~~النسبة مجرى ساكنين ليس أحدهما حرف مد، فوجب قلب الألف إلى حرف يتحرك فيه، ~~ليزول الجمع بين ساكنين، وكانت الواو غالبة على الياء في هذا الباب، إذ كنا ~~قد نقلب الياء في إيجاب قلب الألف، إذ دخلت عليها ياء النسبة، وهو أن ~~النسبة أقوى في تغيير الاسم من التثنية، إذ كان قد ثبت لياء النسبة ما ~~ذكرنا من إيجاب التغيير، وقد بينا علة ذلك، والتثنية ليست بموجبة للتغيير، ~~إنما حقها أن تزاد علامتها على لفظ الواحد، فإذا كانت الألف المقصورة تنقلب ~~في التثنية واوا أو ياء، كقولك في قفا: قفوان، وفي رحى: رحيان، وجب أن تكون ~~ياء النسبة تقلب الألف، فإذا وجب قلبها، كانت الواو أولى لما ذكرنا من # PageV01P535 # العلة الأولى، من علة الواو على الياء في باب النسبة، ولم يجب في التثنية ~~إذ كانت التثنية توجب انتظام ما كان في الواحد، فلذلك وجب رد الألف في ~~التثنية إلى أصلها. # فإن كانت الألف رابعة، وكانت أصلية، فالوجه فيها أن تجري مجراها في ~~الثلاثي، وتقلب واوا، كقولهم: ملهى: ملهوي، وفي معزى: معزوي، وأفعى أفعوي، ~~لأنها لما كانت أصلا جرت مجرى الراء في جعفر، فهذا القياس. وكذلك حكم الألف ~~إذا كانت للإلحاق بمنزلة الأصلي. وذلك نحو: أرطى وعلقى، تقول: أرطوي ~~وعلقوي، فإن كانت الألف للتأنيث، فالوجه فيها الحذف، كقولك في حبلى: حبلي، ~~وفي بشرى: بشري، وفي دنيا: دنيي، وإنما كان حذفها الوجه من وجهين: # أحدهما: أنها من حيث كانت علامة للتأنيث ضارعتها التأنيث، فكما يجب ~~حذفها، وأعني: الهاء في النسب، فكذلك أيضا يجب حذف ألف التأنيث. # والوجه الثاني: أن ألف التأنيث ساكنة، وليست مما أصله الحركة كالألف ~~الأصلية، وألف الإلحاق فحذفوها لسكونها وسكون الياء الأولى ms237 من ياء النسبة، ~~وإن كانت الألف قد يقع بعدها الساكن المدغم لما بينا أن الياء أقوى في ~~تغيير ما يدخل عليه من علامة التثنية، فلما كانت ألف التثنية لا يجوز أن ~~يبقى معها ألف التأنيث # PageV01P536 # على لفظه، كذلك لا يبقى مع ياء النسبة، (83 / ب) لأن في هذا نقضا للأصل ~~الذي أقمنا الدليل عليه من قوة ياء النسبة على قدر ما يقلبه ألف التثنية. # واعلم أنه يجوز في النسب إلى ما آخره ألف التأنيث المقصورة، إذا كان على ~~أربعة أحرف وجهان: # أحدهما: أن تقول في حبلى حبلاوي، وفي دنيا: دنياوي. # والوجه الثاني: حبلوي ودنيوي. # وإنما جاز هذان الوجهان لأن ألف التأنيث، وإن كانت علامة كهاء التأنيث، ~~فهي ألزم للأسماء من هاء التأنيث، وذلك أن الاسم بني من أول أحواله على ألف ~~التأنيث، وهاء التأنيث تقديرها أن تكون بمنزلة اسم ضم إلى اسم، إذ كانت ~~تدخل بعد استقرار لفظ المذكر، كقولك: قائم وقائمة، فصارت ألف التأنيث ~~مشابهة للألف الأصلية، أعني التي هي بدل من لام الفعل، فجرت مجرى ألف ~~الإلحاق، إذ كانت ألف الإلحاق زائدة قد أجريت مجرى الأصل، فلذلك جاز قلب ~~ألف التأنيث واوا، كما جاز قلب الإلحاق واوا في النسبة، تشبيها بألف ~~التأنيث، كما شبهت ألف التأنيث بها، فتقول: أرطي وعلقي. فأما قولهم: ~~حبلاوي، فإنهم زادوا ألفا قبل ألف التأنيث، لتصير ألف التأنيث عمدة فيجب ~~تحريكها، فإذا تحركت ألف التأنيث الممدودة فيزول عنها حكم السكون، فيجب ~~ثباتها مع ياء النسبة، وصار هذا الوجه أقوى من قلبها واوا من غير موجب ~~لتحركها، فلهذا صار هذا الوجه أقوى من قولهم: حبلوي. # فإن كان المقصور على خمسة أحرف فصاعدا وجب حذف ألفه في النسبة، # PageV01P537 # زائدة كانت أو أصلية، وذلك أن بعض العرب يحذف الألف التي هي بدل من لام ~~الفعل التي في الرباعي، فتقول في ملهى: ملهي، وذلك أنهم شبهوها بألف ~~التأنيث، لاجتماعهما في صورة واحدة، فإذا كان يسوغ الحذف في الرباعي لزم ~~الحذف في الخماسي لطوله، وذلك قولك في مرامي: مرامي، ms238 وفي قبعثرى: قبعثري، ~~وفي حبارى: حباري. وقد بينا أن الوجه الحذف، وألف التأنيث في الرباعي ~~والخماسي أولى بالحذف، إذ كان الأصل أيضا قد حذف، لما ذكرناه. # فإن كانت ألف التأنيث رابعة، وقد توالت الحركات قبلها، تنقل الكلمة حتى ~~تجعلها بمنزلة الخماسي، والدليل على ذلك أن زيادة الحركة قد تجري مجرى ~~زيادة حرف - أنه من يجيز صرف (هند) وترك صرفه لا يجيز صرف (قدم) في حال ~~المعرفة، بل يلزمه منع الصرف في امرأة سميت ب (عقرب) فلذلك وجب أن تجري ما ~~توالت حركاته من الرباعي مجرى الخماسي، وذلك قولك في النسب إلى جمزى: جمزي، ~~وفي بشكى بشكي، إذا سميت بهما ونسبت إليهما، وهما ضربان من المشي. # واعلم أن الممدوة تنقسم أربعة أقسام: # أحدهما: أن تكون همزته أصلية، كقولك: رجل قراء، لأنه من قرأت. # PageV01P538 # والثاني: أن تكون همزته منقلبة من ياء ملحقة، نحو: علباء وحرباء، وهما ~~ملحقان بسرداح، بياء بعد الألف، لأن الياء إذا وقعت طرفا وقبلها ألف كانت ~~همزة، فلذلك كانت الهمزة أولى منها، وهي أيضا أولى من الهاء، لأن الهاء ~~خفية وتحتاج إلى بيان، ولأن الهمزة أجلد منها، صارت أولى. # فإذا نسبت إلى ما همزته (84 / أ) للتأنيث قلبتها واوا عند أهل البصرة، ~~فتقول: حمراوي وخنفساوي، وكذلك حكم جميع الباب، وإنما جاز بقاء الهمزة التي ~~هي بدل من هاء التأنيث مع ياء النسبة، ولم تحذف، كما حذفت الألف المقصورة، ~~لأنها خرجت في اللفظ من التأنيث، إذ كانت الهمزة في نفسها ليست مما يؤنث ~~بها، فجرت مجرى حرف ليس للتأنيث، فلذلك لم تحذف. # فإن قال قائل: فهلا حذفت كما يحذف الاسم المضموم إلى ما قبله؟ # قيل له: قد بينا أن التأنيث بالألف مخالف لحكم التأنيث بالهاء، إذ كان ~~الاسم بني على ألف التأنيث، فلهذا الوجه صار كبعض حروفه، وخالفت حكم الاسم ~~المضموم إلى ما قبله، وإنما وجب قلبها واوا، ليفصلوا بين الهمزة التي هي ~~بدل من حرف التأنيث وبين الهمزة التي هي على خلاف ذلك، إذ كانت الهمزة تمنع ~~الاسم الصرف، ms239 وغيرها لا تأثير له، وصورتهما واحدة سواء، ففصلوا بينهما ~~بالقلب، ليدلوا على اختلاف حكمهما، وإنما كانت همزة التأنيث بالقلب أولى، ~~لأن حكم التأنيث فيها موجود، وهو الموجب لثقل الاسم، وكانت ياء النسبة توجب ~~أيضا. # PageV01P539 # تثقيلا للاسم، فوجب أن تقلب هذه الهمزة إلى حرف لا يدل على التأنيث، ليخف ~~الاسم. وأما ما سواها من الهمزات فلم يكن فيه ما يوجب هذا الحكم من الثقل، ~~فوجب إقراره على لفظه، إذ كان حكمه وحكم سائر الحروف سواء في اجتماعه مع ~~ياء النسبة. وإنما كان قلب همزة التأنيث إلى الواو أولى من سائر الحروف ~~لوجهين: # أحدهما: أن الواو تقع علامة لجمع المذكر، والمذكر كالأصل للمؤنث، وقد ~~بينا الغرض أن تقلب هذه لتبعد عن حكم التأنيث، فلما كانت الواو - لما ~~ذكرناه - أشد مباينة للمؤنث من سائر الحروف، كانت أولى بقلب الهمزة إليها. # والوجه الثاني: هي بدل عن ألف التأنيث، فكانت أولى. # واعلم أن جميع ما ذكرناه من الممدود، سوى الممدود الذي ينصرف يجوز أن ~~تقلب همزته واوا، فتقول: قراوي وكساوي وعلباوي، وبعضه أحسن من بعض، فقلب ~~همزة (علباء) أحسن، لأنها مشاركة لهمزة التأنيث في الزيادة، فحملت عليها، ~~لأن الهمزة أثقل من الواو، إذ كانت ( ... .) في الصدر، فصار في قلبها إلى ~~الواو فائدة، وهو خفة اللفظ، فلذلك جاز تشبيهها بهمزة التأنيث، وإقراره على ~~لفظها، لأن ذلك يفيد ثقلا، فإذا ثبت للكلمة حكم بالخفة لعلة أوجبت ذلك، لم ~~يجز نقله إلى ما هو أثقل منه، ولذلك جاز حمل الهمزات التي هي لغير التأنيث ~~على همزة التأنيث، ولم تحمل همزة التأنيث عليها. وأما همزة (كساء) فجاز ~~قلبها واوا بالحمل على همزة (علباء) ، لأن الملحق بالأصل يجري مجرى الأصل، ~~فلما جاز قلب الهمزة الملحقة واوا، جاز قلب همزة (رداء وكساء) واوا، لأنهما ~~يشابهان ألف (علباء) في انقلابهما من الياء إلى الهمزة. وأما همزة (قراء) # PageV01P540 # فقلبها بعيد، وهو جائز، ووجه جوازه الحمل على همزة (كساء) ، إذ كانت لام ~~الفعل، فإن كانت إحداهما منقلبة، فقد تشابهتا (84 / ب) في كونهما أصليتين، ms240 ~~فلذلك جاز القلب في همزة (قراء) ، والله أعلم. # واعلم أن ما كان آخره هاء التأنيث، وقبلها ياء أو واو، فالنسب إليه ~~كالنسب إلى الممدود المصروف، وذلك نحو: صلاية وشقاوة، تقول: صلائي وشقائي، ~~وإنما وجب ذلك لأن هاء التأنيث يقدر سقوطها، لأجل ياء النسب، فإذا قدرت ذلك ~~صارت الياء والواو طرفا وقبلهما ألف، فيجب قلبها همزة كهمزة (رداء) ، فإذا ~~ألحقتهما ياء النسبة، بقيا على ما وجب لهما من الهمزة، ويجوز أن تقول: ~~شقاوي وصلاوي، كما جاز كساوي ورداوي. # فإن قال قائل: إذا كانت ياء النسب تحل محل هاء التأنيث، فلم لم تبق الياء ~~والواو على ما كان أمرهما عليه مع ياء النسبة؟ # قيل: لا يجوز ذلك، لأنه إذا وجب تقدير الاسم مذكرا لمجيء النسبة، لم يجز ~~أن تبقى الياء والواو على لفظهما، وذلك أنا لو قدرنا دخول هاء التأنيث على ~~هذا، ولم يبن الاسم على التأنيث لهمزنا، فقلنا: صلاءة، وشقاءة، فإذا كانت ~~الهمزة لا تجب، إذا قدرنا الاسم مذكرا مع هاء التأنيث، وكان قلبها همزة مع ~~ياء النسبة أولى، لأنه لا يجب إلا تقدير الاسم مذكرا، ثم إدخال ياء النسبة ~~عليه، فاعرفه. # PageV01P541 # فإن كان آخر الاسم ياء وقبلها ألف، فلك في النسبة إليه ثلاثة أوجه، وذلك ~~نحو: راي، تقول في النسبة إليه: رايي وراوي ورائي، فمن أقر الياء مع ~~النسبة، فلأنها ياء يدخلها الإعراب، فتجري مجرى الحروف الصحاح، إلا أنه ليس ~~في قوة (رمى) ، لأن (راي) قبل يائه ألف، والألف تشبه بالياء فيصير إقرارها ~~مع ياء النسبة كأربع ياءات، فلذلك فارقت ياء (رمى) ، وجاز أن تقلب واوا ~~وهمزة، فأما من قلبها همزة: فإنه شبهها ب (رداء) ، إذ كانت همزة منقلبة من ~~ياء، ومن قلبها واوا، جعلها بمنزلة (درأ) ، وفي كل ذلك فرارا من الياءات. # واعلم أن النسب إلى الإحياء على خلاف ما ذكرنا، لأن هذا الباب مخالف ~~للقياس، إلا أنهم، وإن خالفوا قياس اللفظ، فقد عدلوا به إلى جهة صحيحة، فمن ~~ذلك قولهم في النسب إلى طيئ: طائي، وحقه أن يأتي ms241 على (طيئي) ، فتخفف إحدى ~~الياءين، كما قلنا في سيد: سيدي، وإنما خالفوا القياس في (طيئ) ، لكثرة ~~استعمالها في كلامهم، وهو أثقل من (سيد) ، لأن الياء المشددة بعدها همزة، ~~والهمزة تستثقل بعدها، فقروا حذف الياء الساكنة، لتنقلب المتحركة ألفا، ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيخف اللفظ عليهم، إذ كان قد جاز لهم حذف الياء ~~الواحدة في (سيد) . وإنما قدرنا حذف الياء الساكنة من (طيئ) ، ليكون قلب ~~الياء ألفا حجة من جهة اللفظ، ليقل تقدير الشذوذ في هذه الكلمة، إذ لو ~~قدرنا حذف # PageV01P542 # الياء المتحركة، لم يجز قلب الياء الساكنة ألفا، فيصير قلبها على تقدير ~~الشذوذ لنا عنه مندوحة، فلذلك وجب ما ذكرنا. # ومن ذلك قولهم إلى اليمن: يماني، وإلى الشأم: شآمي، والقياس: يمني وشأمي، ~~وإنما فعلوا ما ذكرناه، لكثرة استعمالهم اليمن (و) الشأم في كلامهم، فخففوا ~~إحدى ياءي النسب، وعوضوا ألفا، إذ كان الحذف قد وقع في كلامهم، والتعويض ~~فيما (85 / أ) لم يكثر استعماله، فكان النسب أولى بذلك، إذ كان أكثر تغييرا ~~للكلمة من غيره، فلذلك قالوا: يمان وشآم. # فأما قولهم في النسب إلى تهامة: تهام، فإن تقديره أن يكون ردوا الاسم إلى ~~(تهم) ، وحذفوا الزيادة، فصار على لفظ (يمن) ، فكان القياس على هذا الوجه ~~أن يقولوا: تهمي، ولكنهم حذفوا إحدى الياءين، وعوضوا منها الألف، كما ذكرنا ~~في (يمان) ، لكثرة الاستعمال، واحتمال النسب للتغيير، ومن ذلك النسب إلى ~~البحرين: بحراني، وكان القياس: بحري، لأن ياء النسب يقع عليها الإعراب، فلا ~~يجوز بقاء ألف التثنية معها، لئلا يجتمع في الاسم رفعان ونصب، ومع ذلك فإن ~~علامة التثنية والجمع زيادة على بناء الاسم، كزيادة هاء التأنيث، فكما يجب ~~إسقاط هاء التأنيث، لمجيء ياء النسبة، فكذلك يجب إسقاط علامة التثنية ~~والجمع، لاشتراكهما في الزيادة في أواخر الأسماء، وإنما جاز (بحراني) لأنه # PageV01P543 # قد صار اسما لموضع لا يجوز إسقاط الألف والنون منه، فصارت الألف والنون ~~معه، كالألف والنون في (عثمان) ، وجريا مجرى ما بني الاسم عليه، وصار أيضا ~~في باب الألف والنون فصل بين النسب ms242 إلى هذا الموضع وبين النسب إلى البحر ~~بعينه. # ومن ذلك قولهم في النسب إلى زبينة: زباني، وكان القياس زبني، ولكنهم ~~أبدلوا من الياء ألفا لتخفيف الكلمة من غير أن يحذفوا حرفا، ويجوز أن ~~يكونوا خصوا بهذا ليدلوا على أن الأصل فيه (فعيلة) ، وإن شئت جعلت الألف ~~عوضا من حذف الياء من (فعيل) ، كما جعلوها عوضا من إحدى ياءي النسب ويمان. # وأما قولهم في النسب إلى الدهر: دهري، فإنهم أرادوا الفصل بين من قد مرت ~~عليه الدهور وبين من يقول بالدهر، فضم الأول لضمة الدهور، وبقوا لفظ من ~~يقول بالدهر على فتحه، ومن ذلك قولهم في النسب إلى البصرة: بصري، بكسر ~~الباء، ووجه ذلك أن البصرة بكسر الباء: اسم الحجارة الرخوة، فيجوز أنهم ~~كسروا الباء في (بصري) ليدلوا أن البصرة سميت بهذا الاسم من أجل الحجارة ~~التي يقال لها: البصرة. # PageV01P544 # وجميع ما ذكرناه إذا سميت به رجلا نسبت إليه على القياس الذي يجب له من ~~جهة اللفظ. # واعلم أنك إذا نسبت إلى رجلين وقع النسب إلى أحدهما، ليفصل بينه وبين ما ~~وقع اسما واحدا، وذلك قولك في النسب إلى رجلين: رجلي، وإلى مسلمين: مسلمي. # قال أبو الحسن: إنما وجب أن تحذف علامة التثنية والجمع لأنهما ليسا ~~بلازمين للاسم، فصارا بمنزلة هاء التأنيث وياء النسبة، وقد بينا مضارعتهما ~~لهاء التأنيث، فحذفوا علامة التثنية والجمع، لمجيء النسبة، كما حذفوا هاء ~~التأنيث، لأن من شرط الإعراب أن يقع على ياء النسبة، فلم تقو علامة التثنية ~~والجمع، فصار في الاسم رفعان ونصبان وجران، وهذا لا يكون، لأن عاملا واحدا ~~لا يحدث في الاسم الواحد إعرابين، فكانت ياء النسبة ألزم من علامة التثنية ~~والجمع، لأن المنسوب يصير مرفوعا بما نسب إليه، من بلد أو غير ذلك؛ فلذلك ~~صار بقاء ياء النسبة أولى من بقاء علامة التأنيث والجمع، ومع ذلك فلو بقوا ~~علامة التثنية (85 / ب) والجمع، لالتبس المنسوب إلى التثنية والجمع ~~بالمنسوب إلى الواحد على لفظ التثنية والجمع، وكان الحذف من المثنى ~~والمجموع أولى ممن اسمه ms243 ذلك، لأن الألف والنون إذا صارتا مع ما قبلهما من ~~الكلمة اسما لواحد، لم يجز أن يفارقاه، لأنه قد صار علما معهما، فجريا مجرى ~~أحد حروف الأصل، فإذا كانت الألف والنون للتثنية لم يكونا لازمين، فكان حذف ~~ما لا يلزم أولى من حذف اللازم. # PageV01P545 # واعلم أنك إذا سميت رجلا برجلين أو مسلمين، فالاختيار أيضا حذف علامة ~~التثنية والجمع في النسبة، وذلك أنا قد بينا في باب (ما لا ينصرف وما ~~ينصرف) أن التسمية بالتثنية والجمع الأحسن فيها حكاية حالهما قبل التسمية، ~~وإذا كان ذلك كذلك، فقد جريا في حال التسمية مجراهما قبل التسمية، أعني في ~~الإعراب، فلذلك كان حذفهما في التسمية مساويا لحذفهما قبل التسمية، ومن جعل ~~الإعراب في النون، قال: جاءني رجلان، ورأيت رجلان، ومررت برجلان، وكذلك من ~~يقول: جاءني مسلمين، ورأيت مسلمينا، ومررت بمسلمين، فإنه قد أجرى هاتين ~~العلامتين مجرى ما هو من نفس الحرف، وإذا نسبت إليهما لم تحذف منهما شيئا، ~~فتقول: هذا رجلاني، ومسلميني. # وكذلك حال: يبرين، وقنسرين وفلسطين، من أعربها إعراب الجمع، فجعلها في ~~الرفع بالواو، وفي الجر والنصب بالياء، حذف الياء والنون في النسبة، إذا ~~أجراها مجرى الجمع. # ومن جعل الإعراب في النون، لم يحذف من الأسماء، فقال: هذا قنسريني ~~وفلسطيني. وكذلك حكم جميع ما يجري هذا المجرى من الأسماء. # فأما النسب إلى المساجد: فمسجدي، لأنك رددت المساجد إلى الواحد # PageV01P546 # ونسبت إليه، لتفصل بين من اسمه (مسجد) وبين من يكثر القعود في المساجد، ~~وإنما كان بالرد إلى الواحد أولى من المسمى بالجمع، لأن الذي يكثر القعود ~~في المساجد ليس يجوز أن يجمع بينهما في حال واحدة، وإنما نسب إلى أحدهما، ~~ولفظه لفظ الجنس، لما صارت النسبة تدل على ملازمته للمساجد، إذ ليس واحد ~~منها أولى به من الآخر. # وأما المسمى بالجمع فقد صار مجموع الكلمة، وليس الغرض بالنسبة إثبات معنى ~~من المسمى، بل الغرض أن يكون هذا الجمع علما له، ولو رد إلى الواحد، لم يقع ~~النسب إلى المقصود إليه، فلذلك وجب بقاء الجمع ms244 في حال النسبة، إذ كان اسما ~~لشخص. # وكذلك حكم جميع كل جمع مكسر، ومن ذلك قولهم للذي يكثر النظر في الفرائض: ~~فرضي، وذلك أن الواحد: فريضة، فوجب حذف الياء والهاء، على ما ذكرناه في ~~(فعيلة) . # وأما قولهم: مدائني ومعافري وضبابي وكلابي، فإنما نسب إلى لفظ الجمع، ~~لأنها أسماء لبلد أو شخص، فالنسبة يجب أن تكون إلى لفظه. # وأما ما كان من أسماء الجموع لا واحد لها من لفظها، نحو: نفر وقوم # PageV01P547 # وعترة ورهط، فالنسب يقع إلى لفظها، سواء كانت لشخص أو واقعة على معناه، ~~وإنما وجب ذلك في النسب، لأنها لو ردت إلى واحدها، لم يكن من لفظ واحدها أن ~~المراد من هذه الجموع دون غيرها، فبذلك وجب بقاء لفظها في النسب اسما كان ~~لشخص، أو كان لجمع، فاعرفه. # PageV01P548 ### | 54 - النسب إلى الاسم المضاف # قال أبو الحسن: الأجود (86 / أ) في هذا أن نقسم المضاف والمضاف إليه على ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون الثاني معرفة مقصودا إليه، والأول به معرفة، فإذا كان ~~كذلك فالنسب إلى الثاني، لأن الأول اختص به، يعني: الثاني، وهو في نفسه ~~معروف، فتقول في ابن الزبير: زبيري. # والوجه الثاني: أن يكون المضاف والمضاف إليه كنية، نحو: أبي الحسن، وأبي ~~عمرو، فالأول مشترك لجميع المكنيين، وإنما اختلفوا بالثاني، فصار حكمه كحكم ~~(الزبير) في اختصاص الأول، فالأجود في هذا أن ينسب إلى الثاني، فتقول: ~~حسني، والوجه الثاني غير معروف للأول، ولكن الأول والثاني جعلا اسما واحدا ~~لشخص ليس أحدهما أولى به من الآخر، فصار مجموعها بمنزلة اسم واحد مفرد، ~~وإذا كان ذلك كذلك وجب حذف الثاني، لأنه في موضع الزيادة للأول، إذ كان قد ~~قام مقام التنوين فيه، وذلك نحو: عبد القيس، وامرئ القيس، فتقول: عبدي ~~وامرئي، وبعضهم يقول: مرئي، وذلك أنه لما حذف ألف الوصل، رد الكلمة إلى ~~أصلها، وأصلها (فعل) ، بإسكان الراء، ولكنهم حركوها في النسب لروم الحركة ~~في بناء ألف الوصل، وهذا مطرد على قياس مذهب # PageV00P000 # سيبويه، أنه تغيير الحرف، فإن لزمته الحركة لعلة دخلته، ms245 وكان أصله ~~السكون، ثم رد إلى أصله لم تسقط عن الحرف حركته وإنما فعل ذلك ليدل ببقاء ~~الحركة فيه أنه قد كان مما تلزمه الحركة، فلذلك قالوا: امرئي. # واعلم أن قياس الكنية أن تجري مجرى عبد القيس، لأن الكنية مجموعها قد صار ~~علما للشخص، غير أن الكنية يجري الاسم الأول منها على طريقة واحدة، فيقع ~~فيها إشكال لو حذفت الثاني، وأما المسمى فالأول يختلف، وربما يتفق، نحو: ~~عبد القيس، وعبد الدار، والعرب لحرصها على تبيان وزوال الإشكال يشتقون من ~~الاسمين اسما فتقول في النسب إلى عبد القيس: عبقسي، وإلى عبد الدار: عبدري، ~~وإلى عبد الشمس: عبشمي. وإنما فعلوا ذلك لتساوي كم الاثنين في النسبة، ~~فلذلك جاز أن يشتقوا منهما اسما واحدا، فيجتمع لهم بهذا الفعل معرفة ~~المنسوب إليه وخفة اللفظ، وليس هذا مما يجب أن يجعل اسما يقام عليه في ~~كلامهم لاختلاط طريقه، ألا ترى أنهم أثبتوا الدال في (عبدري) ، ولم يثبتوه ~~في (عبقسي) و (عبشمي) ، فإذا كان الطريق مختلفا، لم يكن طريق إلى القياس ~~عليه، لأن الغرض في القياس أن يتكلم على حد كلامهم، فإذا لم تدر كيفية ذلك، ~~سقط القياس عنا فيما يجري هذا المجرى. وإنما وجب في المضاف والمضاف إليه ~~حذف أحد الاسمين، لأن الغرض في المنسوب أن يعلم تعلقه بالمنسوب إليه، فإذا ~~كان كذلك استطالوا إدخال ياء النسبة على لفظ المضاف إليه، لأن جعل الاسمين ~~اسما واحدا آكد في لزوم أحدهما الآخر من لزوم المضاف والمضاف إليه، لأن ~~المضاف قد ينفصل من المضاف إليه، ويقع الإخبار عن المضاف دون المضاف إليه، ~~إذ كان المضاف إليه معنى في # PageV01P550 # نفسه، نحو: غلام زيد، وما أشبه ذلك، ويجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه ~~في الشعر، ولا يجوز ذلك في الاسمين اللذين جعلا اسما واحدا، (86 / ب) ~~والنسب يوجب حذف الثاني من الاسمين (اللذين) جعلا اسما واحدا، فإذا كان ~~الحذف واجبا في اللازم، فإن ما ليس بلازم أولى بالحذف، وإنما وجب حذف ~~الثاني من الاسمين اللذين جعلا اسما واحدا، لأنه ms246 مضارع لهاء التأنيث، فكما ~~وجب حذفها - أعني: هاء التأنيث في النسبة - وجب حذف الاسم الثاني في ~~النسبة. # واعلم أن العرب تشتق من الاسمين اللذين جعلا اسما واحدا في النسبة اسما، ~~فتقول في حضرموت: حضرمي. وإنما جاز ذلك لأنه إذا جاز في المضاف هذا ~~الاشتقاق حرصا على البيان، وليس لزوم المضاف للمضاف إليه، كلزوم واحد ~~الاسمين للآخر الذي جعل معه اسما واحدا، فإذا جاز في المضاف هذا الوجه، كان ~~في هذا أجود، وليس ذلك أيضا بقياس مطرد، والعلة فيه كالعلة فيما ذكرنا في ~~باب (المضاف والمضاف إليه) ، وذكر النسب إلى ما كان على حرفين. # واعلم أن الأصل في هذا الباب أن تعتبر الأسماء المنقوصة التي تقع على ~~حرفين، نحو: يد، وغد، ودم، وما أشبهها، فلما لم يرجع من الحرف إليه المنقوص ~~في تثنية ولا جمع سالم، فأنت مخير في النسب، إن شئت رددت المحذوف، وإن شئت ~~لم ترد، وإنما يعتبر برد المحذوف في التثنية والجمع ما يستعمل في الكلام ~~دون ما يجوز في الشعر، تقول في دم: دموي، وإن شئت دمي، # PageV01P551 # وكذلك تقول في يد: يدوي، وإن شئت: يدي، وفي غد: غدوي، لأن هذه الأسماء لا ~~تستعمل في التثنية، تقول: يدان، ودمان، وغدان، وإنما ترد المحذوفات منها في ~~الشعر، قال الشاعر: # (جرى الدميان بالخبر اليقين ... ) # وقال آخر: # (يديان بالمعروف عند محلم ... ) # وقال آخر: # (وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع) # وإنما كانت النسبة دون المحذوف لما بيناه من كثرة تغيير المنسوب، فلما # PageV01P552 # كانت النسبة تقوى على تغيير الاسم، وحذف ما لا يجوز حذفه في التثنية ~~والجمع السالم، كانت أيضا قوية على رد المحذوف، كما قويت على حذف الموجود، ~~ليكون هذا إذا رد في النسبة عوضا مما يوجبه حذف ياء النسبة، وكذلك صار رد ~~ياء النسبة أقوى على رد المحذوف من التثنية والجمع السالم، إذ كانت التثنية ~~والجمع السالم إنما طريقهما نحو علامتهما ببناء الاسم من غير تغيير لصيغته. ~~وأما ما رد في التثنية والجمع السالم فلا بد من ms247 رده في النسبة، لأن الأضعف ~~إذا قوي على رد المحذوف كان الأقوى أولى برده، فتقول في النسب إلى أخ: ~~أخوي، وإلى أب: أبوي، وإلى سنة: سنوي، لأنك تقول: أخوان، وأبوان، وسنوات. # ومن جعل سنة من سانهت، قال في النسب: سنهي، لأنه إنما وجب ردها لقيامها ~~مقام الواو، لأنه وإن لم تقل: سنهات، فإنما ذلك لاكتفائهم بالسنوات عنه؛ ~~فلذلك وجب رد الهاء في النسبة على اللغة الأخرى، فاعرفه. # واعلم أن الأصل في (يد، يدي) ، على وزن (فعل) ، بسكون العين، ويكون ~~بتحريك الدال في الشعر، لما ذكرناه من مذهب سيبويه في أن الدال لما كف منها ~~الحركة في حال النقص ثم رد إلى الاسم ما حذف، حركت الدال، فتكون (87 / أ) ~~حركتها دلالة على لزوم الحركة لها في حال النقص، وجئت بالفتح لأن علامة ~~التثنية توجب فتح ما قبلها، فلما ظهرت الياء حركت الدال بالحركة التي كانت ~~تستحقها، ثم حذفت الياء في التثنية، وإن شئت قلت: إنما خصت # PageV01P553 # بالفتح، لأن الفتح أخف الحركات، والغرض بتحريك الدال الدلالة على أن لها ~~دالا تلزمها فيه الحركة، ونحن نصل بالفتح إلى هذه الدلالة، فوجب استعماله ~~بالفتح دون الضم والكسر، إذ كانا أثقل من الفتح. # فأما (غد) : فقد استعمل في الشعر على أصله، وصار ذلك دليلا بينا على (أن) ~~أصله (فعل) ، بسكون العين. # وأما (دم) : فالأظهر فيه فتحة الميم في الشعر، لأنه جائز أن يكون سمي ~~بمصدر: دمي يدمى دما، فلهذا كان الأظهر فيه هذا الوجه، وإن كان ليس بممتنع ~~أن يجعل أصله على (فعل) ، بسكون العين، وهو البناء المتفق الذي أقل ما تبنى ~~الكلمة عليه، والحركة زيادة، ويجوز أن تكون الميم حركت في حال التثنية الذي ~~ذكرنا في (يد) ، فإذا كان كذلك، لم يمتنع هذا الوجه الثاني. # فإن قال قائل: فإذا كان الأصل في (يد وغد) ما ذكرتم من سكون حاليهما، فلم ~~يحركان في النسبة؟ # قيل له: لما ذكرناه من لزوم الحركة لهما، فلما رد إليهما في النسبة ~~المحذوف منهما، حرك الثاني منهما بالفتح. # وأما ms248 (يد) : فلما تحركت الدال انقلبت منها الياء المردودة ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، فلما صار آخرها ألفا، جرت مجرى المقصور، فلذلك وجب أن ~~تقول: يدوي، كما قلت: رحوي. # فأما (غد) : فالقياس فيه أيضا، وإن كانت الواو انقلبت ألفا على حد انقلاب ~~الياء، ثم صارت واوا بعد ذلك، كما قيل في قفوي، فاعرفه. # PageV01P554 ### | 55 - باب التضعيف # اعلم أن الأصل في الحرفين إذا التقيا من كلمة واحدة، وكانت الكلمة على ~~ثلاثة أحرف في الفعل أن تدغم، نحو: رد، وفر، والأصل: ردد، وفرر، وإنما وجب ~~الإدغام في الفعل لثقله إذا كان متضمنا للفاعل. # فأما الأسماء الثلاثية فما كان منها على (فعل) أو (فعل) وجب الإدغام لثقل ~~الكسرة في العين والضمة فيها، وحمل على الفعل من أجل الثقل. # فأما ما كان منها على (فعل) مفتوح العين، نحو: شرر، وطلل، وضرر، لم يدغم ~~لخفة الفتح وخفة الاسم، أقروه على أصله، إذ لم يشبه الفعل، وأصل الإدغام ~~إدخال الشيء في الشيء مأخوذ من قولهم: أدغمت فاس اللجام في فم الفرس، وإنما ~~حملهم على الإدغام طلب الخفة، لأن الشيء إذا كان خفيفا بقي على أصله، ولا ~~بد من إسكان الحرف المدغم، لأن الحركة حائلة بين الحرفين، المدغم والمدغم ~~فيه، وإنما وجب الإدغام لئلا تعود من حرف نطقت به إلى مثله من وسطه، وإذا ~~أدغمت رفعت لسانك عن الحرف المدغم في الآخر رفعة واحدة، لا تكرير فيه، ولا ~~يجوز أن يكون بينهما متوسط، فلذلك وجب إسكان الحرف المدغم. # فأما ما زاد على ثلاثة أحرف، والتقى فيه حرفان من جنس واحد، فالإدغام فيه ~~واجب، لأنه لما (87 / ب) كثرت حروفه طال وثقل، فلما كان الإدغام في الثلاثي ~~الذي ثانيه مكسور أو مضموم واجبا، كان ما زاد على الثلاثي أولى بذلك # PageV00P000 # لأنه أثقل منه، ألا ترى أنه أثقل منه، إلا أن تكون الكلمة ملحقة، وذلك ~~أنك لو بنيت من (ضرب) نحو: (جعفر) لقلت: ضربب، ولم يجز الإدغام، وإنما لم ~~يجز ذلك، لأنك لو أدغمت لألقيت حركة الباء الأولى على الراء، ms249 فتغيرت الباء ~~والراء عن أصلهما، وكان الإلحاق يزول، والغرض في الإلحاق أن يكون الملحق ~~مطابقا للفظ الملحق به في حركاته وسكونه، فلذلك لم يجز الإدغام في هذا ~~القبيل. فأما قوله: # (فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا) # فلك في الضاد أربعة أوجه: الضم والفتح، والكسر من وجهين، فأحد وجهي الكسر ~~أن تحرك الضاد الآخرة، لسكونها وسكون الضاد الأولى، والضم والفتح قد فسرناه ~~في الشرح. # وأما إن نويت بكسر الضاد، لأجل سكونها وسكون اللام في الطرف، فالكسر لا ~~غير، لأن الحرفين الساكنين إذا كانا من كلمتين لم يراعوا فيهما قبل الساكن، ~~وإنما تعتبر الحرف في نفسه، وإن كان الكسر فيه مستثقلا عدل عنه، وإن لم يكن ~~مستثقلا، كسر على أصل ما يجب في التقاء الساكنين. # وأما إذا كانت الحركة من أجل الساكن في الكلمة روعي ثقل الكلمة، وجاز ~~العدول عن الكسر، لثقل الكلمة، والفصل بين الحكم المتعلق بالكلمة وبينه، ~~إذا كان متعلقا بالكلمة الأخرى، أن الكلمة الثانية لا تلزم الكلمة الأولى، ~~كلزوم الكلمة بعضها بعضا، فصار ما يتعلق بالكلمة أثقل حكما مما يتعلق ~~بغيرها، إن شاء الله. # PageV01P556 ### | 56 - باب الألفات # اعلم أن ألفات الوصل إنما وجب أن يكون دخولها في الأصل على الأفعال دون ~~الأسماء، لأن الأفعال تتصرف، وتقع فيها الزيادة، والأسماء تبنى على بناء ~~واحد، وكان حق ألفها أن يكون كبعض حروف الاسم في الثبات، فلذلك كان حق ألف ~~الوصل أن لا تدخل على الأسماء، وإنما دخلت على الأسماء، لأنها مشبهة ~~بالفعل، إذ كانت متضمنة للإضافة كتضمن الفعل للفاعل، ومع ذلك فقد حذف ~~أواخرها، كما تحذف أواخر الأفعال المعتلة في الأمر، نحو: اغز، ارم، فسكنوا ~~أوائل هذه الأسماء، وأدخلوا ألف الوصل عليها عوضا من الحذف الذي وقع فيها. # فإن قال قائل: فامرؤ وامرأة لم يقع فيهما حذف، فلأي شيء دخلتها ألف ~~الوصل؟ # فالجواب في ذلك: أنهم يقولون: مرء، وإذا حذفوا الهمزة على هذه اللغة، فهو ~~إذن من الأسماء المحذوفة الأواخر، فإذا كان ذلك كذلك، ألحقوه ألف الوصل ms250 في ~~حال تخفيف الهمزة، عوضا من حذفها، فلم يحذفوا لرجوع الهمزة، إذ كان التخفيف ~~فيها سابقا أبدا، فلما لم يكن رجوعها يوجب ثباتها أبدا، صار الاسم في معنى ~~المنقوص، فلذلك دخلته ألف الوصل. # وأما الأفعال المضارعة فتقديرها أن يقع معها ألف الوصل، وذلك أن الأمر ~~إنما يكون لما لم يقع منها، وإذا كان كذلك، وجب تقدير بنائه من المضارع، ~~(88 / أ) فثم حرف المضارعة، فإن كان بعدها حرف ساكن، وأردت الأمر من ذلك، ~~لم يكن بد من دخول ألف الوصل في قولك: # PageV00P000 # اضرب، والأصل: تضرب، فلما حذفت التاء ( ... .) بالأمر إلا ساكن، ~~والابتداء بالساكن محال، لأن الابتداء ( ... .) ، فمحال أن يكون الحرف في ~~حال إثارة المتكلم له ساكنا، فوجب إدخال ألف الوصل عليه، ليمكن الابتداء ~~به، ولما كان ما يلي حرف المضارعة في قولك: بع وقل، والأصل فيه: يبيع ~~ويقول، فالقاف والباء متحركتان، لم يحتج فيهما ألف وصل بعد حذف الياء. # وأما ما زاد على الرباعي من الأفعال، نحو: انطلق، واستخرج، فالسين والنون ~~دخلا للمعاني التي أريد بالأفعال، وثبتت هذه الحروف على السكون، لأن الأصل ~~في الحرف الساكن، فلما ثبتت على السكون، احتاجت إلى ألف الوصل، لما ذكرناه. # وأما همزة ألف القطع، نحو قولك: أكرم يكرم، فإنها قطعت وإن كانت داخلة ~~على الساكن، وخالفت همزة (انطلق واستخرج) ، لأن همزة (أكرم) وبابه دخلت ~~لمعنى، وهو أنها عدت الفعل بعد أن لم يكن متعديا، ألا ترى أنك تقول: كرم ~~زيد، ثم تقول: أكرمت زيدا، فلما دخلت لمعنى، وجب أن تثبت في جميع الأحوال، ~~كما يثبت الحرف الذي هو من نفس الكلمة. وألف انطلق واستخرج لا تفيد معنى، ~~وإنما دخلت لما ذكرناه من التوصل إلى النطق بالساكن بعدها، فلذلك افترقا، ~~فإذا أمرت من قولك: أكرم يكرم، قلت: أكرم زيدا، وهذه الهمزة التي كانت في ~~الماضي محذوفة في المضارع، وفي فعل الأمر، وكان # PageV01P558 # حقها أن تستعمل، لأن شرط الفعل المضارع أن يكثر في لفظ الماضي مع زيادة ~~حرف المضارعة، فلما كان قولك: أكرم، في أوله همزة، ms251 ثم أدخلت عليه حرف ~~المضارعة، وجب أن تقول: يؤكرم، كما تقول: يدحرج، إلا أنهم لو قالوا: لزم ~~المتكلم: أنا أأكرم، فيجمع بين همزتين زائدتين، وقد وجدنا العرب تستثقل ~~الجمع بين همزتين، والثانية منهما أصل، فتحذفهما جميعا، نحو قولك: خذ وكل، ~~وهما من: أخذ، وأكل، فلما حذفت الهمزة الأصلية كان حذف الزائد لازما، وبقيت ~~همزة المتكلم، لأنها دخلت لمعنى، ثم أجروا ما في أوله حرف المضارعة مجرى ~~الهمزة في الحذف، لئلا يختلف طريق الفعل، وإن اضطر الشاعر جاز أن يأتي به ~~على الأصل كما قال الشاعر: # (لأنه أهل لأن يؤكرما ... ) # فقد بان بما ذكرناه أن الأصل في يكرم: يؤكرم. وأما في الأمر من أكرم ~~يكرم، فإنه إذا أمر حذف الياء من يكرم، فبقيت الكاف ساكنة، ولا يجوز ~~الابتداء بالساكن، فوجب أن ترد الهمزة الذاهبة، لأنها أولى من زيادة همزة ~~ليست مرادة في الكلمة، فلذلك وجب ردها دون ألف الوصل، وقد ابتدت مفتوحة على ~~أصلها، فقالوا: أكرم زيدا وإنما خصت همزة لام التعريف بالفتح، لأنها دخلت ~~على # PageV01P559 # حرف، وأصل الحرف أن يبنى على الفتح، فلما ألزمت اللام السكون، (88 / ب) ~~جعل ما كان يستحقه اللام داخلا على الألف. # وأما ألف (إبراهيم وإسماعيل) فإنما عليهما بأنهما أصلان بعد الهمزة أربعة ~~أحرف أصول، والهمزة لا تلحق بناءات الأربعة زائدة، فوجب أن تجعل من نفس ~~الكلمة، قياسا على كلام العرب. # وأما (إسحاق) فبعد الهمزة ثلاثة أحرف، ومن شرط الهمزة إذا وقعت بعد ثلاثة ~~أحرف أصول أن يحكم عليها بالزيادة، لكثرة زياداتها في هذا الموضع، نحو: ~~حمراء، وصفراء، وما أشبه ذلك، فلذلك فارقت ألف (إسحاق) ألف (إبراهيم ~~وإسماعيل) . # فإن قال قائل: فقد ذكر سيبويه تصغير إبراهيم فقال: بريه، وكان القياس على ~~ما أصلناه: أبيره، لأن الاسم إذا كان على خمسة أحرف أصول، فإنما يقع الحذف ~~في آخره إذا صغر، كقولك: سفرجل، فإذا صغرته قلت: سفيرج، وقد رد أبو العباس ~~قول سيبويه، واحتج بما ذكرناه؟ # فالجواب لسيبويه عن هذا أن هذه أسماء أعجمية، لا يعرف اشتقاقها، وغير ms252 ~~ممتنع أن تكون الهمزة عند العجم زائدة، فلما كان هذا محتملا، ورأينا الهمزة ~~تزاد كثيرا في الأوائل، جاز حذفها من هذه الأعجمية، لما ذكرنا من الاحتمال، # PageV01P560 # ولا يجب ذلك من كلام العرب، لأن الدلالة قد قامت على الحروف كلها أنها ~~أصول في (سفرجل) من غير شبهة، فلذلك لم يجز إلا حذف الأواخر، وفارقت أسماء ~~الأعجمية بجواز الشك في الأعجمية منها، إن شاء الله عز وجل. # PageV01P561 ### | 57 - باب حروف القسم التي يجر بها # اعلم أن الغرض في القسم تقديم الخبر، وذلك إذا قلت: والله لأقومن، إنما ~~زيدت النون توكيدا لخبرك بوقوع القيام، ليزول الشك عن المخاطب، وإنما جعل ~~جواب القسم ينقسم قسمين: نقيا وإثباتا، لأن الأخبار على ضربين: أحدهما ~~إيجاب، والآخر نفي، وهما اللذان يقع عليهما القسم، فلذلك جعل جواب القسم ~~على ضربين. # واعلم أن المقسم به لا يتعلق بالمقسم عليه إلا بتوسط حرف إيجاب، أو حرف ~~نفي، وإنما لم يتعلق به إلا بما ذكرنا، لأن قول القائل: والله، معناه: أحلف ~~بالله، وهذا الكلام تام، فلو جئت بعده بقولك: زيد في الدار، فقولك: زيد في ~~الدار، كلام أيضا تام، وكل كلام قائم بنفسه فليس يجوز أن يتعلق به من غير ~~شيء يعلقه به، إذ كان مستغنيا بنفسه، فجعلوا إمارة تعلق أحدهما بالآخر توسط ~~النفي والإيجاب، وجعلوا النفي: (ما، ولا) ، والإيجاب (إن، واللام) . وإنما ~~احتيج لكل واحد من الإيجاب والنفي حرفان، ليكون أحد الحرفين يختص بالاسم، ~~واللام تدخل على الاسم والفعل، كقولك: والله ما قام زيد منقطعا، و (لا) ~~تدخل على الفعل المضارع، وتجعله للاستقبال، (89 / أ) وإنما أدخلوها على ~~الماضي وهم يريدون الاستقبال، كقولك: # PageV00P000 # والله لا آتيك أبدا، ولا تدخل على الاسم. # وإنما احتيج إلى ما ذكرناه، لأن الإيجاب والنفي قد يقعان بالأسماء ~~والأفعال. # فإن قال قائل: فهلا اكتفي ب (ما) وحدها، إذ كانت تقع على الفعل والاسم، ~~واللام وحدها، إذا كانت تقع على الاسم والفعل أيضا؟ # قيل له: لأن (لا) جعلت لنفي المستقبل المحض، و (ما) تنفي الفعل الماضي، ~~ويقع ms253 الفعل المستقبل، فيصلح لزمانين: للحال والاستقبال، فلما لم تصلح (ما) ~~لنفي الاستقبال، احتاجوا إلى حرف يختص بذلك، فجاؤوا ب (لا) ، فلما ثبت ~~للنفي حرفان، جاؤوا أيضا للإيجاب بحرفين، أحدهما يختص الاسم، وهو (إن) ، ~~ليعادلوا بذلك حكم (لا) . ولو قيل: إنهم فعلوا ذلك اتساعا، لئلا يضيق ~~عليهم، كان وجها. # واعلم أن النون إنما لزمت اللام، لأن الفعل المضارع يصلح لزمانين، فلو ~~أسقطت النون وقلت: والله لا يقوم زيد، لم يعلم أنك تقسم على الحال ~~والاستقبال، فجعلوا النون تخص الفعل المضارع بالاستقبال، كما تخصه بالسين ~~وسوف، وإنما كانت النون أولى بذلك، لأنها تدخل زائدة مؤكدة، ولكل فعل غير ~~واجب، نحو: الأمر والنهي والنفي والاستفهام، وما أشبه ذلك، لقولك: اضربن ~~زيدا، ولا تقتلن عمرا، وهل تأتين خالدا، وما تكرمن من عمرا، فلما كانت هذه ~~الأشياء غير واجبة، وكان الفعل المضارع لم يقع على واجب، خصوا النون بهذا ~~الفعل، ليدلوا به أنه غير واقع في الحال، فلذلك لم يجز حذفها. # PageV01P563 ### | فصل # وإنما حسن دخول اللام على الفعل الماضي، إذا توسطت بينهما (قد) ، لأن ~~(قد) تقرب الماضي من الحال، إذا كانت للتوقع، فصار الماضي لدخول (قد) عليه، ~~تقربه من الاسم، لأجل الحال، وتقربه من الفعل المضارع، لأجل الزوائد في ~~أوله. # وإنما لم يجز أن تحذف من أجوبة القسم سوى (لا) ، لأن (اللام) لو حذفت، ~~لوجب أن ينحذف معها النون، إذ كانا جميعا قد اختصا بالحال، لأجل القسم، ~~وإذا كانا زائدين معا، وجب إذا استحق أحدهما الحذف أن تحذف الآخر، إذا لم ~~يعرض في اللفظ ما يمنع من ذلك، فلما لم يجز حذف الحرفين من الفعل، لأن ذلك ~~يؤدي إلى إجحاف، لم يجز حذف اللام. # فأما (إن) فلا يجوز حذفها، لأنها عاملة، وعملها ضعيف، فلم يجز أن تحذف، ~~وتزاد لأن ذلك يؤدي إلى أنها تعمل وهي مضمرة، وليس أصلها، فلما كان الحذف ~~ينقض أصلها، لم يجز أن تحذف. # وحكم (ما) في أنه لا يجوز حذفها، كحكم (إن) ، إذ كانت تعمل في المبتدأ ~~والخبر، فلم يبق ما ms254 يجوز حذفه سوى (لا) . وإنما ساغ ذلك لأن حذفها لا يشكل، ~~إذ كانت قد استقر أن القسم لا بد له من حرف يصل بينه وبين المقسم عليه، فقد ~~سقط أنه لا يجوز حذف حرف سوى # PageV01P564 # (لا) ، إذ صار حذفها لا يشكل، وساغ فيها ذلك، لأنها غير عاملة، ولأن ~~حذفها لا يؤدي إلى حذف شيء آخر سواها، والله أعلم. # PageV01P565 ### | 58 - باب ما يكون من المؤنث بغير هاء (89 / ب) ولم يجروه على الفعل # نحو قولهم: جاءني نابل، أي: ذو نبل، ورامح، أي: ذو رمح، وليس يريد فهو ~~رامح ونابل، وسواء قلت: امرأة رامح، أو رجل رامح، لأن التأنيث إنما يلحق ~~أسماء الفاعلين تجري هاء على الفعل، إذ كنا قد بينا أن أصل التأنيث ~~للأفعال، والأسماء يجب تأنيثها على مثل هذا، وكذلك إذا جاء النسب لم يفصلوا ~~بين المذكر والمؤنث، وكأنهم اكتفوا بالمعنى، إذ كان قولهم: رامح، كقولهم: ~~ذو رمح، ومرأة رامح، بمنزلة: ذات رمح، فلما كان في الكلام تقديره: ذو، ~~وذات، استغنوا بهذا الفصل من أن يفصلوا بين اسم الفاعل ومعنى قولهم: ذو ~~رمح، وكذلك إذا قلت: امرأة حائض، كأنك قلت: ذات حيض، ( ... .) فلما نويت ~~بالحيض المصدر ذكرت اسم الفاعل، فإن أجريت هذه الأسماء على الفعل، جاز أن ~~تؤنثها، فتقول: امرأة طالقة، أي: طلقت، ومن ذلك قول الشاعر: # (أيا جارتا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه) # وأما قولهم: امرأة معطار، وودود، وولود، وشكور، ومحسار، فإن هذه النعوت ~~معدولة عن الفعل بمعنى المبالغة، فلما لم تجر على لفظ الفعل، وعدل عنه، ~~صارت بمنزلة اسم ليس بمشتق من الفعل، جاز أن تقع على المذكر والمؤنث. # PageV00P000 # وكذلك ما كان من (فعيل) يراد به (مفعول) ، كقولهم: (كف خضيب، ولحية دهين) ~~، والمعنى: مدهونة ومخضوبة. وفعيل بابه أن يكون اسم الفاعل من (فعل يفعل) ، ~~نحو: كرم يكرم، فهو كريم وظرف يظرف، فهو ظريف، فلما جاء (خضيب ودهين) على ~~لفظ اسم الفاعل، والمراد به (مفعول) ، علمنا أنه معدول عن الفعل، غير جار ~~عليه، فلم يجب تأنيثه. ms255 # وأما قولهم: رجل صرورة، للذي لم يجح، ورجل علامة، ونسابة، وإنما ألحقوا ~~هذه الهاءات للمبالغة، وجعلوا زيادة اللفظ دليلا على ما يقصدونه من المدح ~~أو الذم، فأما ما تعلق بالمدح، فقد ذكرناه. وأما الذم فقولهم: رجل فقاقة ~~وبقاقة، للذي يكثر الكلام في غير موضعه، ورجل جخابة، للأحمق فصارت الهاء ~~دليلا على ما ذكرناه من الزيادة، والزيادة في المدح، والزيادة في العقل ~~والفضل. تم الكتاب بحمد الله وحسن عونه والصلاة على سيدنا ومولانا محمد خير ~~النبيين وسيد المرسلين، وكان الفراغ منه يوم الثلاثة من شهر رمضان المبارك ~~جعلنا الله في بركته، سنة ثمان وتسعمائة - كتبه العبد الفقير الراجي رحمة ~~مولانا الغني بفضله عما سواه بلقاسم بن أحمد بن سليمان، كتبه لنفسه غفر ~~الله " له " ولوالديه # PageV01P567 # ولجميع المسلمين ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأل الله أن ~~يجعلنا من أهل العلم والعاملين به، نحن وجميع المسلمين؛ آمين. PageV01P568 ms256