######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012828 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود التنوخي البصري، أبو علي (المتوفى: 384هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 384 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفرج بعد الشدة للتنوخي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 5 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012828 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12828 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12828 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبود الشالجى #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار صادر، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1398 هـ - 1978 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الباب الأول ما أنبأنا به الله تعالى في القرآن، من ذكر الفرج بعد البؤس والامتحان ### || إن مع العسر يسرا # قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين، وهو الحق اليقين: {ألم نشرح لك صدرك ~~{1} ووضعنا عنك وزرك {2} الذي أنقض ظهرك {3} ورفعنا لك ذكرك {4} فإن مع ~~العسر يسرا {5} إن مع العسر يسرا {6} فإذا فرغت فانصب {7} وإلى ربك فارغب ~~{8} } [الشرح: 1-8] . # فهذه ال { [كلها مفصحة بإذكار الله عز وجل رسوله عليه السلام منته عليه، ~~في شرح صدره بعد الغم والضيق، ووضع وزره عنه، وهو الإثم، بعد إنقاض الظهر، ~~وهو الإثقال، أي أثقله فنقض العظام، كما ينتقض البيت إذا صوت للوقوع، ورفع، ~~جل جلاله، ذكره، بعد أن لم يكن، بحيث جعله الله مذكورا معه، والبشارة له، ~~في نفسه عليه السلام، وفي أمته، بأن مع العسر الواحد يسرين، إذا رغبوا إلى ~~الله تعالى ربهم، وأخلصوا له طاعاتهم ونياتهم. # وروي عن عبد الله بن عباس، أو عن علي بن أبي طالب عليه # PageV01P059 # السلام، أنه قال: لا يغلب العسر الواحد يسرين، يريد أن العسر الأول هو ~~الثاني، وأن اليسر الثاني هو غير الأول، وذلك أن العسر معرفة، فإذا أعيد، ~~فالثاني هو الأول، لأن الألف واللام لتعريفه، ويسر، بلا ألف ولام، ونكرة، ~~فإذا أعيد، فالثاني غير الأول، وهذا كلام العرب، فإذا بدأت بالاسم النكرة، ~~ثم أعادته، أعادته معرفة بالألف واللام، ألا ترى أنهم يقولون: قد جاءني ~~الرجل الذي تعرفه، فأخبرني الرجل بكذا وكذا، فالثاني هو الأول، فإذا قالوا: ~~جاءني رجل، وأخبرني رجل بكذا، وجاءني رجل، فأخبرني رجل بكذا وكذا، فالثاني ~~غير الأول، ولو كان الثاني، في هذا الموضع، هو الأول لقالوا: فأخبرني الرجل ~~بكذا وبكذا، كما قالوا في ذلك الموضع. # وقال الله تعالى:] سيجعل الله بعد عسر يسرا} [سورة الطلاق: 7] . # وقال:، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا {2} ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2-3] . # وقال تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته ms001 الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] . # PageV01P060 # فأخبر الله تعالى: أن الذي مر على قرية، استبعد أن يكشف الله تعالى عنها، ~~وعن أهلها، البلاء، لقوله: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] ، ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه. . . إلى آخر القصة، فلا شدة أشد من الموت ~~والخراب، ولا فرج أفرج من الحياة والعمارة، فأعلمه الله عز وجل، بما فعله ~~به، أنه لا يجب أن يستبعد فرجا من الله وصنعا، كما عمل به، وأنه يحيي ~~القرية وأهلها، كما أحياه، فأراه بذلك، آياته، ومواقع صنعه. # وقال عز وجل: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه} [الزمر: 36] ~~. # وقال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون} [يونس: 12] . # وقال عز وجل: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين {22} فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} [يونس: ~~22-23] . # وقال تعالى، في موضع آخر: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين {63} قل الله ينجيكم ~~منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون {64} } [الأنعام: 63-64] . # PageV01P061 # وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين {13} ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك ~~لمن خاف مقامي وخاف وعيد {14} } [إبراهيم: 13-14] . # وقال عز وجل: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ms002 أئمة ~~ونجعلهم الوارثين {5} ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون {6} } [القصص: 5-6] . # وقال عز وجل: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ~~أإله مع الله قليلا ما تذكرون} [النمل: 62] . # وقال جل من قائل: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] . # وقال عز من قائل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] . # وقال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين {155} الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون {156} أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ~~{157} } [البقرة: 155-157] . # وقال جل جلاله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل {173} فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم {174} } [آل ~~عمران: 173-174] . # وروي عن الحسن البصري، أنه قال: عجبا لمكروب غفل عن خمس، وقد عرف ما جعل ~~الله لمن قالهن، قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين {155} الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون {156} أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون {157} } [البقرة: 155-157] . # وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # PageV01P062 # فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل {173} فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 173-174] . # وقوله: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد {44} فوقاه الله سيئات ~~ما مكروا} [غافر: 44-45] . # وقوله: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين {87} فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين {88} } [الأنبياء: 87-88] . # وقوله: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا # PageV01P063 # في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين {147} فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ms003 ثواب الآخرة والله يحب المحسنين {148} } [آل عمران: ~~147-148] . # وري عن الحسن أيضا، أنه قال: من لزم قراءة هذه الآيات في الشدائد، كشفها ~~الله عنه، لأنه قد وعد , وحكم فيهن، بما جعله لمن قالهن، حكمه لا يبطل، ~~ووعده لا يخلف ". # PageV01P064 ### || قصة آدم عليه السلام # وقد ذكر الله تعالى، فيما اقتصه من أخبار الأنبياء، وشدائد ومحنا، استمرت ~~على جماعة من الأنبياء عليهم السلام، وضروبا جرت عليهم من البلاء، وأعقبها ~~بفرج وتحفيف، وتداركهم فيها بصنع جليل لطيف. # فأول ممتحن رضي، فأعقب بصنع خفي، وأغيث بفرج قوي، أول العالم وجودا، آدم ~~أبو البشر، صلى الله عليه، كما ذكر، فإن الله خلقه في الجنة، وعلمه الأسماء ~~كلها، وأسجد له ملائكته، ونهاه عن أكل الشجرة، فوسوس له الشيطان، وكان منه ~~ما قاله الرحمن في محكم كتابه: {وعصى آدم ربه فغوى {121} ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى {122} } [طه: 121-122] . # هذا بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، وأفقده لذيذ ذلك الخفض، فانتقضت عادته، ~~وغلظت محنته، وقتل أحد ابنيه الآخر، وكانا أول أولاده. # فلما طال حزنه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله عز وجل تذلله ~~وخضوعه، واستكانته ودموعه، فتاب عليه وهداه، وكشف ما به ونجاه. # فكان آدم عليه السلام، أول من دعا فأجيب، وامتحن فأثيب، وخرج من ضيق ~~وكرب، إلى سعة ورحب، وسلى همومه، ونسي غمومه، وأيقن بتجديد الله عليه ~~النعم، وإزلته عنه النقم، وأنه تعالى إذا استرحم رحم. # فأبدله تعالى بتلك الشدائد، وعوضه من الابن المفقود، والابن العاق ~~الموجود، نبي الله شيث صلى الله عليه، وهو أول الأولاد البررة بالوالدين ~~ووالد النبيين # PageV01P065 # والصالحين، وأبو الملوك الجبارين، الذي جعل الله ذريته هم الباقين، وخصهم ~~من النعم بما لا يحيط به وصف الواصفين. # وقد جاء في القرآن من الشرح لهذه الجملة والتبيان، بما لا يحتمله هذا ~~المكان، وروي فيه من الأخبار، ما لا وجه للإطالة به والإكثار. ### || قصة نوح عليه السلام # ثم نوح عليه السلام، فإنه امتحن بخلاف قومه عليه، وعصيان ابنه له، ~~والطوفان العام، واعتصام ابنه بالجبل، وتأخره عن ms004 الركوب معه، بركوب السفينة ~~وهي تجري بهم في موج كالجبال، وأعقبه الله الخلاص من تلك الأهوال، والتمكن ~~في الأرض، وتغييض الطوفان، وجعله شبيها لآدم، لأنه أنشأ ثانيا جميع البشر ~~منه، كما أنشأهم أولا من آدم عليه السلام، فلا ولد لآدم إلا من نوح. # قال الله تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون {75} ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم {76} وجعلنا ذريته هم الباقين {77} وتركنا عليه في الآخرين ~~{78} } [الصافات: 75-78] . # {ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} ~~[الأنبياء: 76] . # PageV01P066 ### || قصة إبراهيم عليه السلام # ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وما دفع إليه من كسر الأصنام، وما لحقه ~~من قومه، من محاولة إحراقه، فجعل الله تعالى عليه النار بردا وسلاما، وقال: ~~{ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51] ، ثم اقتص ~~قصته، إلى قوله تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين {68} ~~قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم {69} وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين {70} ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين {71} ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين {72} وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا} [الأنبياء: 68-73] . # ثم ما كلفه الله تعالى إياه، من مفارقة وطنه بالشام، لما غارت عليه سارة، ~~من أم ولده هاجر، فهاجر بها وبابنه منها إسماعيل الذبيح عليهما السلام، ~~فأسكنهما بواد غير ذي زرع، نازحين عنه، بعيدين منه، حتى أنبع الله تعالى ~~لهما الماء، وتابع عليهما الآلاء، وأحسن لإبراهيم فيهما الصنع، والفائدة ~~والنفع، وجعل لإسماعيل النسل والعدد، والنبوة والملك، هذا بعد أن كلف ~~سبحانه إبراهيم أن يجعل ابنه إسماعيل بسبيل الذبح، قال الله تعالى فيما ~~اقتصه من ذكره في { [الصافات:] فبشرناه بغلام حليم {101} فلما بلغ معه ~~السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين {102} فلما أسلما وتله للجبين ~~{103} وناديناه # PageV01P067 # أن يا إبراهيم {104} قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين {105} إن هذا ~~لهو البلاء المبين {106} وفديناه بذبح عظيم {107} وتركنا ms005 عليه في الآخرين ~~{108} سلام على إبراهيم {109} } [سورة الصافات: 101-109] . # فلا بلاء أعظم من بلاء يشهد الله تعالى أنه بلاء مبين، وهو تكليف ~~الإنسان، أن يجعل بسبيل الذبح ابنه، وتكليفه , وتكليف المذبوح، أن يؤمنا ~~ويصبرا، ويسلما ويحتسبا، فلما أديا ما كلفا من ذلك، وعلم الله عز وجل منهما ~~صدق الإيمان، والصبر والتسليم والإذعان، فدى الابن بذبح عظيم وجازى الأب ~~بابن آخر على صبره، ورضاه بذبح ابنه الذي لم يكن غيره، قال الله عز وجل: ~~{وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] ، إلى قوله: {لنفسه ~~مبين} [الصافات: 113] ، وخلصهما بصبرهما وتسليمهما من تلك الشدائد الهائلة. # وقد ذهب قوم إلى أن إبراهيم إنما كلف ذبح ابنه في الحقيقة، لا على ما ذهب ~~إليه من ذلك أن الذي كلفه أن يجعل ابنه بسبيل الذبح، لا أن يذبحه في ~~الحقيقة، واستدل الحسن البصري على أن إسماعيل هو الذبيح، لا إسحاق، وأن ~~المأمور به كان الذبح في الحقيقة، بقوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب} [هود: 71] ، فحصلت لإبراهيم البشرى، بأنه سيرزق إسحاق، وأن ~~إسحاق سيرزق يعقوب، ولا يجوز للنبي أن يشك في بشارة الله تعالى، فلو كان ~~إسحاق هو الذبيح، ما صح أن يأمره بذبحه قبل خروج يعقوب من ظهره، لأنه كان ~~إذا أمر بذلك، علم أن البشرى الأولة، تمنع من ذبح إسحاق # PageV01P068 # قبل ولادة يعقوب، وكان لا يصح تكليفه ذبح من يعلم أنه لا يموت أو يخرج من ~~ظهره من لم يخرج بعد، ومتى وقع التكليف على هذا، لم يكن فيه ثواب، وفي قوله ~~تعالى: {إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106] . # دليل على عظم ثواب إبراهيم، وصحة الأمر بالذبح، يبين قوله تعالى: {فلما ~~أسلما وتله للجبين} [الصافات: 103] ، أي: استسلما لأمر الله، وهما لا يشكان ~~في وقوع الذبح على الحقيقة حتى فداه الله تبارك وتعالى، فهذا دليل على أن ~~الذبيح غير إسحاق، ولم يكن لإبراهيم ولد غير إسحاق، إلا إسماعيل صلى الله ~~عليهم أجمعين. ### || قصة لوط عليه السلام # ومن هذا الباب قصة لوط عليه السلام، لما نهى ms006 قومه عن الفاحشة، فعصوه، ~~وكذبوه، وتضييفه الملائكة، فطالبوه فيهم بما طالبوه، فخسف الله بهم أجمعين، ~~ونجى لوطا، وأثابه ثواب الشاكرين، وقد نطق بهذا كلام الله العظيم في مواضع ~~من الذكر الحكيم. # PageV01P069 ### || قصة يعقوب ويوسف عليهما السلام # ويعقوب ويوسف عليهما السلام، فقد أفرد الله تعالى بذكر شانهما، وعظيم ~~بلواهما وامتحانهما، { [محكمة، بين فيها كيف حسد إخوة يوسف، يوسف، على ~~المنام الذي بشره الله تعالى فيه بغاية الإكرام، حتى طرحوه في الجب، فخلصه ~~الله تعالى منه، بمن أدلى الدلو، ثم استعبد، فألقى الله تعالى في قلب من ~~صار إليه إكرامه، واتخاذه ولدا، ثم مراودة امرأة العزيز إياه عن نفسه، ~~وعصمة الله له منها، وكيف جعل عاقبته بعد الحبس، إلى ملك مصر، وما لحق ~~يعقوب من العمى لفرط البكاء، وما لحق إخوة يوسف من التسرق، وحبس أحدهم ~~نفسه، حتى يأذن له أبوه، أو يحكم الله له، وكيف أنفذ يوسف إلى أبيه قميصه، ~~فرده الله به بصيرا، وجمع بينهم، وجعل كل واحد منهم بالباقين وبالنعمة ~~مسرورا. # PageV01P070 ### || قصة أيوب عليه السلام # وأيوب عليه السلام، وما امتحن به من الأسقام وعظم اللأواء، والدود ~~والأدواء، وجاء القرآن بذكره، ونطقت الأخبار بشرح أمره، قال الله تعالى:] ~~وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين {83} فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~{84} } [سورة الأنبياء: 83-84] . # 1: 71 1 - وأخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي، قراءة عليه ~~بالبصرة سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، ~~قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن # PageV01P071 # أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~لما عافى الله عز وجل أيوب عليه السلام، أمطر عليه جرادا من ذهب، قال فجعل ~~يأخذه، ويجعله في ثوبه، فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: ومن يشبع من رحمة ~~الله؟ # PageV01P072 ### || قصة يونس عليه السلام # ويونس عليه السلام، وما اقتص ms007 الله تعالى من قصته في غير موضع من كتابه، ~~ذكر فيها التقام الحوت له، وتسبيحه في بطنه، وكيف نجاه الله عز وجل، فأعقبه ~~بالرسالة والصنع. # قال الله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين {139} إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~{140} فساهم فكان من المدحضين {141} فالتقمه الحوت وهو مليم {142} فلولا ~~أنه كان من المسبحين {143} للبث في بطنه إلى يوم يبعثون {144} فنبذناه ~~بالعراء وهو سقيم {145} وأنبتنا عليه شجرة من يقطين {146} وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون {147} } [الصافات: 139-147] . # قال صاحب الكتاب: «أو» ها هنا ظاهرها الشك، وقد ذهب إلى ذلك قوم، وهو ~~خطأ، لأن الشك، لا يجوز على الله تعالى، العالم لنفسه، العارف بكل شيء قبل ~~كونه، وقد روي عن ابن عباس، وهو الوجه، أنه قال: أو يزيدون، بل يزيدون، ~~وقال: كانت الزيادة ثلاثين ألفا، وروي عن ابن جبير ونوف الشامي أنهما قالا: ~~كانت الزيادة سبعين ألفا، فقد ثبت أن «أو» هنا، بمعنى «بل» وقد ذهب إلى ~~هذا، الفراء، وأبو عبيدة، وقال آخرون: # PageV01P073 # إن «أو» ها هنا، بمعنى «ويزيدون» . # ومنها قوله تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى ~~في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين {87} فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين {88} } [الأنبياء: 87-88] ، قال بعض ~~المفسرين: معنى {لن نقدر عليه} [الأنبياء: 87] : «لن نضيق عليه» . # وهذا مثله قوله: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] ، ~~أي: ضيق عليه، ومثل قوله: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39] . # وقد جاء «قدر» بمعنى «ضيق» في القرآن، في مواضع كثيرة، ومن هذا قيل للفرس ~~الضيق الخطو: فرس أقدر، لأنه لا يجوز أن يهرب من الله تعالى نبي من ~~أنبيائه، والأنبياء لا يكفرون. # ومن ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه، أي: لا يدركه، أو أنه يعجز الله ~~هربا، فقد كفر، والأنبياء عليهم السلام، أعلم بالله سبحانه، من أن يظنوا ~~فيه هذا الظن الذي هو ms008 كفر. # وقد روي أن من أدام قراءة قوله عز وجل: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا} ~~[الأنبياء: 87] الآية إلى قوله: {المؤمنين} [الأنبياء: 88] ، في الصلاة، ~~وغيرها، في أوقات شدائده، عجل الله له منها فرجا ومخرجا. # وأنا أحد من واصلها في نكبة عظيمة لحقتني، يطول شرحها وذكرها عن هذا ~~الموضع، وكنت قد حسبت، وهددت بالقتل، ففرج الله عني، وأطلقت في اليوم ~~التاسع من يوم قبض علي فيه. # PageV01P074 ### || قصة موسى بن عمران عليه السلام # وموسى بن عمران عليه السلام، فقد نطق القرآن بقصته في غير موضع، منها ~~قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين {7} فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين {8} ~~وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وهم لا يشعرون {9} وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ~~ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين {10} وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب ~~وهم لا يشعرون {11} وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون {12} فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون {13} } [القصص: 7-13] . # فلا شدة أعظم من أن يبتلى الناس بملك يذبح أبناءهم، حتى ألقت أم موسى ~~ابنها في البحر مع طفوليته، ولا أعظم من حصول طفل في البحر، فكشف الله , ~~تبارك اسمه , ذلك عنه، بالتقاط آل فرعون له، وما ألقاه في قلوبهم من الرقة ~~عليه، حتى استحيوه، وتحريم المراضع عليه حتى ردوه إلى أمه، وكشف عنها الشدة ~~من فراقه، وعنه الشدة في حصوله في البحر. # ومعنى وقوله تعالى: {ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] ، أي: يصير عاقبة ~~أمره معهم إلى # PageV01P075 # عداوة لهم، وهذه لام العافية، كما قال الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب ... وكلكم يصير إلى ذهاب # وقد علم أن الولادة لا يقصد بها ms009 الموت، والبناء لا يقصد به الخراب، وإنما ~~عافية الأمر فيهما تصير إلى ذلك. # وعلى الوجه الأول، قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~[الأعراف: 179] أي: إن عاقبة أمرهم، وفعلهم، واختيارهم لنفوسهم، يصيرهم إلى ~~جهنم، فيصيرون لها، لأن الله عز وجل، لم يخلقهم ليقصد تعذيبهم بالنار في ~~جهنم، عز الله عن هذا الظلم. # وجعل الله عاقبة أمر موسى عليه السلام، من تلك الشدائد، وشدائد بعدها، إذ ~~أرسله إلى فرعون، لتخليص بني إسرائيل، وقصصه التي قبلها، وحديثه إذ خرج ~~خائفا يترقب، فهذه شدة أخرى كشفها الله تعالى عنه من تلك الشدائد، وشدائد ~~بعدها نالته يأتي ذكرها أن بعثه نبيا , وأنقذ به بني إسرائيل من الشدائد ~~التي كانوا فيها مع فرعون، فقال عز وجل، في تمام هذه القصة: {وجاء رجل من ~~أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين {20} فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ~~{21} } [القصص: 20-21] ، فهذه شدة أخرى كشفها الله عز وجل. # قال تعالى: {ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ~~{22} ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم # PageV01P076 # امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ ~~كبير {23} فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير {24} } [القصص: 22-24] ، فهذه شدة أخرى، لحقته بالاغتراب، والحاجة إلى ~~الاضطراب في المعيشة والاكتساب، فوفق الله تعالى له شعيبا، قال الله عز ~~وجل، في تمام هذه القصة: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين} [القصص: 25] . # ثم أخبر الله تعالى في هذه القصة، كيف زوجه شعيب ابنته، بعد أن استأجره ~~ثماني حجج، وأنه خرج بأهله من عند شعيب، فرأى النار، فمضى يقتبس منها، ~~فكلمه الله تعالى، وجعله نبيا، وأرسله إلى فرعون، فسأله أن ms010 يرسل معه أخاه ~~هارون، فشد الله تعالى عضده به، وجعله نبيا معه، فأي فرج أحسن من فرج أتى ~~رجلا خائفا، هاربا، فقيرا، قد أجر نفسه ثماني حجج، بالنبوة والملك؟ قال ~~الله تعالى في { [الأعراف:] وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا ~~فوقهم قاهرون} [سورة الأعراف: 127] ، فهذه شدة لحقت بني إسرائيل، فكشفها ~~الله عنهم، قال سبحانه: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين {128} قالوا أوذينا من قبل ~~أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في # PageV01P077 # الأرض فينظر كيف تعملون {129} } [الأعراف: 128-129] . # وقال تعالى، في تمام هذه القصة، في هذه ال { [، بعد آيات:] وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما ~~كانوا يعرشون} [سورة الأعراف: 137] ، فأخبر تعالى عن صنعه لهم، وفلقه البحر ~~حتى عبروه يبسا، وإغراقه فرعون لما اتبعهم. # وكل هذه أخبار عن محن عظيمة انجلت بمنح جليلة، لا يؤدى شكر الله عليها، ~~ويجب على العاقل تأملها، ليعرف كنه تفضل الله عز وجل بكشف شدائده وإغاثته، ~~بإصلاح كل فاسد لمن تمسك بطاعته، وأخلص في خشيته، وأصلح من نيته، فسلك هذه ~~السبيل، فإنها إلى النجاة من المكاره، أوضح طريق، وهدى دليل. ### || قصة أصحاب الأخدود # وذكر الله سبحانه وتعالى، في: والسماء ذات البروج أصحاب الأخدود، وروى ~~قوم من أهل الملل المخالفة للإسلام عن كتبهم أشياء من ذلك، فذكرت اليهود ~~والنصارى: أن أصحاب الأخدود كانوا دعاة إلى الله، وأن ملك بلدهم، أضرم لهم ~~نارا، وطرحهم فيها، فاطلع الله تعالى على صبرهم، وخلوص نياتهم في دينه ~~وطاعته، فأمر النار أن لا تحرقهم، فشوهدوا فيها قعودا، وهي تضطرم عليهم، ~~ولا تحرقهم، ونجوا منها، وجعل الله دائرة السوء على الملك، وأهلكه. # PageV01P078 ### || قصة دانيال عليه السلام # وذكر هؤلاء القوم: أن نبيا، كان في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ~~بزمان طويل، يقال له: دانيال، ms011 وأن قومه كذبوه، فأخذه ملكهم، فقذفه إلى أسد ~~مجوعة في جب، فلما اطلع الله تعالى على حسن اتكاله عليه، وصبره طلبا لما ~~لديه، أمسك أفواه الأسد عنه، حتى قام على رءوسها برجليه، وهي مذللة، غير ~~ضارة له، فبعث الله تعالى إرميا من الشام، حتى تخلص دانيال من هذه الشدة، ~~وأهلك من أراد إهلاك دانيال. # وعضدت روايتهم، أشياء رواها أصحاب الحديث، منها # ما حدثناه علي بن أبي الطيب الحسن بن علي بن مطرف الرامهرمزي، قال: حدثنا ~~أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي ~~الدنيا القرشي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: إن لم أكن ~~سمعته # PageV01P079 # من شعيب بن صفوان، فحدثنا بعض أصحابنا عنه، عن الأجلح الكندي، عن عبد ~~الله بن أبي الهديل قال: ضرى بخت نصر أسدين، فألقاهما في جب، وجا بدانيال ~~فألقاه عليهما، فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون، ~~من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى إرميا، وهو بالشام، أن أعد طعاما وشرابا ~~لدانيال، فقال: يا رب، أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض ~~العراق، فأوحى الله تعالى إليه أن أعد ما أمرناك به، فإنا سنرسل إليك من ~~يحملك، ويحمل ما أعددت ففعل، فأرسل الله إليه من حمله، وحمل ما أعد، حتى ~~وقف على رأس الجب. # فقال دانيال: من هذا؟ قال: أنا إرميا. # قال: ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك. # قال: وذكرني؟ # PageV01P080 # قال: نعم. # قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه , ~~والحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى ~~غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، وبالسيئات غفرانا، والحمد لله ~~الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي يكشف ضرنا، بعد كربنا، والحمد لله ~~الذي هو ثقتنا، حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاءنا، حين ~~تنقطع الحيل منا. # PageV01P081 ### || الشدائد التي جرت على نبينا محمد صلوات الله عليه ms012 # وقد ذكر الله تعالى في محكم كتابه، الشدة التي جرت على محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى آله الأخيار، فيما اقتصه من قصة الغار، فقال سبحانه: {إلا ~~تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم ~~تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} ~~[التوبة: 40] . # وروى أصحاب الحديث، ما يطول إعادته بألفاظه وأسانيده، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لما خاف أن يلحقه المشركون، حين سار عن مكة مهاجرا، دخل الغار ~~هو أبو بكر الصديق، فاستخفى فيه، فأرسل الله عنكبوتا فنسج في الحال على باب ~~الغار، وحمامة عششت، وباضت، وفرخت للوقت، فلما انتهى المشركون إلى الغار، ~~رأوا ذلك، فلم يشكوا أنه غار لم يدخله حيوان منذ حين، وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبا بكر، ليريان أقدامهم، ويسمعان كلامهم، فلما انصرفوا، ~~وأبعدوا، وجاء الليل، خرجا، فسارا نحو المدينة، فورداها سالمين. # وروى أصحاب الحديث أيضا، من شرح حال النبي صلى الله عليه وسلم، # PageV01P082 # في المحن التي لحقته من شق الفرث عليه، ومحاولة أبي جهل، وشيبة وعتبة ~~ابني ربيعة، وأبي سفيان صخر بن حرب والعاص بن وائل، وعقبة بن أبي # PageV01P083 # معيط، وغيرهم، قتله، وما كانوا يكاشفونه به، من السب والتكذيب، ~~والاستهزاء والفدع والتأنيب، ورميهم إياه بالجنون، وقصدهم إياه غير دفعة ~~بأنواع الأذى والعضيهة والافتراء، وحصرهم إياه صلى الله عليه وسلم، وجميع ~~بني هاشم في الشعب، وتخويفهم إياه، وتدبيرهم أن يقتلوه، حتى بعد، وبيت عليا ~~عليه السلام على فراشه، ما يطول اقتصاصه، ويكثر شرحه، ثم أعقبه الله تعالى ~~من ذلك بالنصر والتمكين، وإعزاز الدين، وإظهاره على كل دين، وقمع الجاحدين ~~والمشركين، وقتل أولئك الكفرة المارقين والمعاندين، وغيرهم من المكذبين ~~الكاذبين، الذين كانوا عن الحق ناكثين، # PageV01P084 # وبالدين مستهزئين، وللمؤمنين مناصبين متوعدين، وللنبي صلى الله عليه وسلم ~~مكاشفين محاربين، وأذل من بقي منهم بعز الإسلام بعد أن عاذ بإظهاره، ms013 وأضمر ~~الكفر في إسراره، فصار من المنافقين الملعونين، والحمد لله رب العالمين. # PageV01P085 ### || أخبار جاءت في آيات القرآن # وهي تجري في هذا الباب وتنضاف إليه # 1: 86 2 - حدثنا علي بن أبي الطيب بن مطرف، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ~~الجراح، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي المعروف بابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا إبراهيم بن راشد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حماد ~~الشعيثي، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، عن أبي السليل، قال: قال أبو ذر: كان ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم، يتلو هذه الآية: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~{2} ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو # PageV01P086 # حسبه إن الله بالغ أمره} [الطلاق: 2-3] ، ثم يقول: يا أبا ذر، لو أن ~~الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم # 1: 87 3 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن ~~علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: إن بني فلان أغاروا علي، فذهبوا بإبلي وابني، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن آل محمد، لكذا وكذا أهل، ما فيهم مد من طعام، أو صاع من ~~طعام، فسل الله عز وجل. # PageV01P087 # فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبرها. # فقالت: نعم ما ردك إليه. # فما لبث أن رد الله عليه إبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره. # فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس ~~بمسألة الله عز وجل، والرجوع إليه، والرغبة فيه، وقرأ عليهم: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا {2} ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2-3] . # 1: 88 4 - وحدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ~~ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الفرسي، عن إسحاق بن سليمان، عن ~~معاوية بن يحيى، ms014 عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، ~~وسئل عن هذه الآية: {كل يوم هو في # PageV01P088 # شأن} [الرحمن: 29] ، قال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~«إن من شأنه أن يغفر ذنبا، ويكشف كربا، ويرفع أقواما، ويضع آخرين» . # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب، قال: أنبأنا محمد بن عبد الواحد، ~~أبو عمر، قال: حدثنا بشر بن موسى الأسدي، قال: حدثنا أبو بكر الأسدي، قال: ~~حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا محمد بن عبد الكريم، قال: سمعت سعيد بن ~~عنبسة يقول: بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف بها، إذ رجعت حصاة منها ~~فصارت في أذنه، فجهد بكل حيلة، فلم يقدر على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنه ~~دهرا تؤلمه، فبينما هو ذات يوم جالس، إذ سمع قارئا يقرأ: {أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه ويكشف السوء} [النمل: 62] . . . . . الآية # PageV01P089 # ، فقال الرجل: يا رب أنت المجيب، وأنا المضطر، فاكشف ضر ما أنا فيه، ~~فنزلت الحصاة من أذنه. # قال مؤلف هذا الكتاب: وقد لقيت أنا أبا عمر محمد بن عبد الواحد المعروف ~~بغلام ثعلب، وبالزاهد، وحملت عنه، وأجاز لي جميع ما يصح عندي من رواياته، ~~ولم أسمع هذا الخبر منه، إلا أنه قد دخل في الإجازة # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن ~~أبيه زيد , عن أبيه أسلم: أن أبا عبيدة حصر، فكتب إليه عمر: مهما نزل بامرئ ~~من شدة، يجعل له الله بعدها فرجا، ولن يغلب عسر يسرين، فإنه يقول: {اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] # 1: 90 5 - حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ~~ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: # PageV01P090 # حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه، قال: ~~سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا ms015 أن أنسا يرفع الحديث إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن يونس عليه السلام، حين بدا له أن يدعو الله عز وجل بالظلمات، ~~حين ناداه وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم، {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين} [الأنبياء: 87] ، فأقبلت الدعوة تحف بالعرش. # فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف مكروب، من بلاد غربة. # فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: ومن هو؟ قال: ذاك عبدي يونس، الذي لم يزل ~~يرفع له عمل متقبل، ودعوة مجابة. # قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ قال: ~~بلى، فأمر الحوت فطرحه بالعراء. # قال أبو صخر: فأخبرني أبو سعيد بن قسيط وأنا أحدثه بهذا # PageV01P091 # الحديث، أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، فأنبت الله عليه اليقطينة. # قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. # قال أبو هريرة: هيأ الله تعالى له أروية وحشية تأكل من حشيش الأرض، ~~فتجيء، فتفشج له، وترويه من لبنها كل عشية بكرة، حتى نبت، يعني لحمه. # وقال أمية بن أبي الصلت، قبل الإسلام، في ذلك، بيتا من الشعر: # فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا # 1: 92 حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن # PageV01P092 # إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود ~~في بيت المال، قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام، أهوى به إلى قرار ~~الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى في الظلمات، ظلمات ثلاث، بطن الحوت، وظلمات ~~الليل وظلمة البحر، فنادى في الظلمات {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين} [الأنبياء: 87] ، {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} [الصافات: 145] ، ~~قال: كهيأة الفرخ الممعوط، الذي ليس له ريش # PageV01P093 ### || أبو الحسن بن أبي الليث الكاتب يطلق من حبسه على إثر دعاء دعا به # حدثني فتى من الكتاب البغدادين، يعرف بأبي الحسن بن أبي الليث، وكان أبوه ~~من كتاب ms016 الجيل، ويتصرف مع لشكرورز بن سهلان الديلمي، أحد الأمراء، كان في ~~عسكر معز الدولة، قال: # PageV01P094 # قرأت في بعض الكتب، إذا دهمك أمر تخافه، فبت وأنت طاهر، على فراش طاهر، ~~وثياب كلها طاهرة، واقرأ: والشمس وضحاها، إلى آخر ال { [، سبعا، والليل إذا ~~يغشى إلى آخر السورة، سبعا، ثم قل: اللهم اجعل لي فرجا ومخرجا من أمري، ~~فإنه يأتيك في الليلة الأولة أو الثانية، وإلى السابعة، آت في منامك، يقول ~~لك: المخرج منه كذا وكذا. # قال: فحبست بعد هذا بسنين، حبسة طالت حتى أيست من الفرج، فذكرته يوما ~~وأنا في الحبس، ففعلت ذلك، فلم أر في الليل الأولة، ولا الثانية، ولا ~~الثالث شيئا، فلما كان في الليلة الرابعة، فعلت ذلك على الرسم، فرأيت في ~~منامي، كأن رجلا يقول لي: خلاصك على يد علي بن إبراهيم. # فأصبحت من غد متعجبا، ولم أكن أعرف رجلا يقال له علي بن إبراهيم، فلما ~~كان بعد يومين، دخل إلي شاب لا أعرفه، فقال لي: قد كفلت بما عليك، فقم، ~~وإذا معه رسول إلى السجان بتسليمي إليه، فقمت معه، فحملني إلى منزلي، ~~وسلمني فيه، وانصرف. # فقلت لهم: من هذا؟ فقالوا: رجل بزاز من أهل الأهواز، يقال له علي بن ~~إبراهيم، يكون # PageV01P095 # في الكرخ، قيل لنا إنه صديق الذي حبسك، فطرحنا أنفسنا عليه، فتوسط أمرك، ~~وضمن ما عليك، وأخرجك. # قال مؤلف هذا الكتاب: فلما كان بعد سنين، جاءني علي بن إبراهيم هذا، وهو ~~معاملي في البز، منذ سنين كثيرة، فذاكرته بالحديث، فقال: نعم، كان هذا ~~الفتى قد حسبه عبدوس بن أخت أبي علي الحسن بن إبراهيم النصراني، خازن معز ~~الدولة، وطالبه بخمسة آلاف درهم، كانت عليه من ضمانه، وكان عبدوس لي صديقا، ~~فجاءني من سألني خطابه في أمر هذا الرجل، وجرى الأمر على ما عرفتك. # PageV01P096 ### || اللهم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا # وما أعجب هذا الخبر، فإني قد وجدته في عدة كتب، بأسانيد، وبغير أسانيد، ~~على اختلاف الألفاظ، والمعنى قريب، وأنا أذكر أصحها عندي: وجدت في كتاب ~~محمد بن ms017 جرير الطبري، الذي سماه: (كتاب الآداب الحميدة والأخلاق النفسية) ، ~~حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: أنبأنا ~~أنيس بن عمران النافعي أبو زيد، عن روح بن الحارث بن حبش الصنعاني، عن ~~أبيه، عن جده، أنه قال لبنيه: يا بني، إذا دهمكم أمر، أو كربكم، فلا يبيتن ~~أحد منكم، إلا وهو طاهر، على فراش طاهر، في لحاف طاهر، ولا تبيتن معه ~~امرأة، ثم ليقرأ: والشمس وضحاها، سبعا، والليل إذا يغشي، سبعا، ثم ليقل: ~~اللهم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، فإنه يأتيه آت في أول ليلة، أو في ~~الثالثة، أو في الخامسة، وأظنه قال: أو في السابعة، فيقول له: المخرج مما ~~أنت فيه كذا وكذا. # قال أنيس: فأصابني وجع لم أدر كيف أزيله، ففعلت أول ليلة هكذا، فأتاني ~~اثنان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: جسه، ~~فلمس جسدي كله، فلما انتهى إلى موضع من رأسي، # PageV01P097 # قال: احجم هاهنا، ولا تحلق، ولكن اطله بغرا، ثم التفت إلى أحدهما، أو ~~كلاهما، فقالا لي: كيف لو ضممت إليهما والتين والزيتون. # قال: فلما أصبحت سألت أي شيء الغرا؟ فقيل لي: الخطمي، أو شيء تستمسك به ~~المحجمة، فاحتجمت، فبرئت، وأنا ليس أحدث بهذا الحديث أحدا، إلا وجد فيه ~~الشفاء بإذن الله تعالى، وأضم إليها التين والزيتون. # PageV01P098 ### || من يتوكل على الله فهو حسبه # ووجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي عبد الواحد بن نصر، عن أبي القاسم عبد ~~الرحمن بن العباس، قال: حدثني أبو ساعدة بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي ~~دؤاد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن رباح، قال: حدثنا أبو عبد ~~الله أحمد بن أبي دؤاد، قال: حدثنا الواثق، قال: حدثنا المعتصم: # PageV01P099 # أن قوما ركبوا البحر، فسمعوا هاتفا يهتف بهم، من يعطيني عشرة آلاف دينار ~~حتى أعلمه كلمة، إذا أصابه غم، أو أشرف على هلاك، فقالها، انكشف ذلك عنه. # فقام رجل من أهل المركب، معه عشرة آلاف دينار، فصاح: أيها الهاتف أنا ~~أعطيك عشرة ms018 آلاف ينار، وعلمني. # فقال: ارم بالمال في البحر، فرمى به، وهو بدرتان فيهما عشرة آلاف دينار. # فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك غم، أو أشرفت على هلكة، فاقرأ:] ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا {2} ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا {3} } [سورة الطلاق: 2-3] ~~. # فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك. # فقال: كلا، إن هذه لعظة ما أشك في نفعها. # قال: فلما كان بعد أيام، كسر بهم المركب، فلم ينج منهم أحد غير ذلك ~~الرجل، فإنه وقع على لوح. # فحدث بعد ذلك، قال: طرحني البحر على جزيرة، فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر ~~منيف، فدخلته، فإذا فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا ~~بامرأة لم أر قط أحسن منها. # فقلت لها: من أنت وأي شيء تعملين هاهنا؟ قالت: أنا بنت فلان بن فلان ~~التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني، فسافر بي معه في ~~البحر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلى شيطان ~~من البحر، يتلاعب بي سبعة أيام، من غير أن يطأني، إلا أنه يلامسني، ~~ويؤذيني، ويتلاعب بي # PageV01P100 # ثم ينظر إلي، ثم ينزل إلي البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق الله ~~في نفسك واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك. # فما انقضى كلامها حتى رأيت ظلمة هائلة، فقالت: قد والله جاء، وسيهلكك. # فلما قرب مني، وكاد يغشاني، قرأت الآية، فإذا هو قد خر كقطعة جبل، إلا ~~أنه رماد محترق. # فقالت المرأة: هلك والله، وكفيت أمره، من أنت يا هذا الذي من الله علي ~~بك؟ فمت أنا وهي، فانتخبنا ذلك الجوهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ~~ولزمنا الساحل نهارنا أجمع، فإذا كان الليل، رجعنا إلى القصر. # قال: وكان فيه ما يؤكل، فقلت لها: من أين لك هذا؟ فقالت: وجدته ها هنا. # فلما كان بعد أيام رأينا مركبا بعيد، فلوحنا إليه، فدخل، فحملنا، فسلمنا ~~الله ms019 تعالى إلى البصرة، فوصفت لي منزل أهلها، فأتيتهم. # فقالوا: من هذا؟ فقلت: رسول فلانة بنت فلان. # فارتفعت الواعية، وقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا. # فقلت: اخرجوا، فخرجوا. # فأخذتهم حتى جئت بهم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحا، وسألوها عن خبرها، ~~فقصته عليهم. # وسألتهم أن يزوجوني بها، ففعلوا، وحصلنا ذلك الجوهر رأس مال بيني وبينها. # وأنا اليوم أيسر أهل البصرة، وهؤلاء أولادي منها. # PageV01P101 ### || المعلي بن أيوب الكاتب يتخلص من الفضل ابن مروان بدعاء دعا به # وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه، كتاب الوزراء، أن ~~المعلي بن عبد الله بن المعلى بن أيوب، حدثه عن أبيه، قال: قال لي المعلي ~~بن أيوب: أعنتني الفضل بن مروان، ونحن في بعض الأسفار وطالبني بعمل طويل # PageV01P102 # يعمل في مدة بعيدة، واقتضانيه في كل يوم مرارا، إلى أن أمرني عن المعتصم ~~بالله أن لا أبرح إلا بعد الفراغ منه. # فقعدت في ثيابي، وجاء الليل، فجعلت بين يدي نفاطة، وطرح غلماني # PageV01P103 # أنفسهم حولي، وورد علي هم عظيم، لأنني قلت: ما تجاسر على أن يوكل بي إلا ~~وقد وقف على سوء رأي في من المعتصم. # فإني لجالس، وذقني علي يدي، وقد مضى الليل، وأنا متفكر، فحملتني عيناي، ~~فرأيت كأن شخصا قد مثل بين يدي، وهو يقول: {قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين {63} قل ~~الله ينجيكم منها ومن كل كرب} [الأنعام: 63-64] . # ثم انتبهت، فإذا أنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فلما قرب مني كان وراءه محمد ~~بن حماد دنقش صاحب الحرس، وقد أنكر نفاطتي، فجاء يعرف # PageV01P104 # سببها، فأخبرته خبري. # فمضى إلى المعتصم، فأخبره، فإذا الرسل يطلبوني، فدخلت إليه، وهو قاعد، ~~ولم يبق بين يديه من الشع إلا أسفله. # فقال لي: ما خبرك؟ فشرحته له. # فقال: ويلي على النبطي، يمتهنك، وأي يد له عليك، أنت كاتبي، كما هو ~~كاتبي، انصرف. # فلما وليت، ردني، واستدناني، ثم قال لي: تمضي مديدة، ثم ترى فيه ما تحب. ms020 # قال: فانصرفت، وبكرت إلى الفضل على عادتي، لم أنكر شيئا. # PageV01P105 ### || ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # وحدثني أبو الفضل محمد عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب، في ~~المذاكرة، في خبر طويل، لست أقوم على حفظه: أن رجلا كانت بينه وبين رجل ~~متمكن من أذاه عداوة، فخافه خوفا شديدا، وأهمه أمره، ولم يدر ما يصنع. # فرأى في منامه، كان قائلا يقول له: اقرأ في كل يوم، في إحدى ركعتي صلاة ~~الفجر، ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل إلى آخر السورة. # قال: فقرأتها، فما مضت إلا شهور، حتى كفيت أمر ذلك العدو، وأهلكه الله ~~تعالى، فأنا أقرؤها إلى الآن. # قال مؤلف هذا الكتاب: دفعت أنا إلى شدة لحقتني شديدة، من عدو، فاستترت ~~منه، فجعلت دأبي قراءة هذه السورة في الركعة الثانية من صلاة الفجر، في كل ~~يوم، وأنا أقرأ في الأولة منها: ألم نشرح لك صدرك إلى آخر السورة، لخبر كان ~~بلغني أيضا فيها، فلما كان بعد شهور، كفاني الله أمر ذلك العدو، وأهلكه ~~الله من غير سعي لي في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أقرؤها في ~~ركعتي الفجر إلى الآن. # PageV01P106 ### || إذا ضاق بك الصدر ففكر في ألم نشرح # وأما الخبر في: ألم نشرح لك صدرك، فإن أبا بكر بن شجاع، المقرئ البغدادي، ~~الذي كان يخلفني على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، في سنة ست وأربعين ~~وثلاث مائة، وكان خازن المسجد الجامع بها، وكان شيخا محدثا ثقة نبيلا، من ~~أمناء القاضي الأحنف، وهو محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب، ~~حدثنا بإسناد له ذكره، لم أحفظه، ولا المتن بلفظه، وبعد عن يدي إخراجه من ~~الأصل، وقد تحريت مقاربة اللفظ بجهدي، ولعله يزيد أو ينقص: أن بعض ~~الصالحين، ألح عليه الغم، وضيق الصدر، وتعذر الأمور، حتى كاد يقنط، فكان ~~يوما يمشي، وهو يقول: # أرى الموت لمن أمسى ... على الذل له أصلح # فهتف به هاتف، يسمع صوته، ولا يرى شخصه، أو أري في النوم، ms021 أنا الشاك، كأن ~~قائلا يقول: # ألا يأيها المرء ... الذي الهم به برح # إذا ضاق بك الأمر ... ففكر في ألم نشرح # PageV01P107 # قال: فواصلت قراءتها في صلاتي، فشرح الله صدري، وأزال همي وكربي، وسهل ~~أمري، أو كما قال: وحدثني غيره بهذه الخبر، على قريب من هذا، وزادني في ~~الشعر: # فإن العسر مقرون ... بيسرين فلا تبرح # وقد ذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة) البيتين ~~المتصلين فقط، وقال في الآخر منهما: إذا أعضلك الأمر، ولم يذكر لهما خبرا، ~~ويروى أيضا: إذا لج بك الأمر. # وروى غيره البيتين الأولين لأبي العتاهية، في غير حديث له. # PageV01P108 ### | الباب الثاني ما جاء في الآثار من ذكر الفرج بعد اللأواء وما يتوصل به إلى كشف نازل الشدة والبلاء ### || أفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى # 1: 109 7 - أخبرني القاضي أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي، ~~أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصلحي، قال: حدثنا بشر ~~بن معاذ، قال: حدثنا حماد بن واقد. # وحدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي، قال: حدثنا حماد بن واقد، # PageV01P109 # قال: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق الهمذاني، عن أبي الأحوص، عن ~~عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله عز ~~وجل من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج من الله ~~تعالى» . # 1: 110 8 - أخبرني أبي، قال: حدثنا الفضل بن محمد العطار الأنطاكي، قال: ~~حدثنا سليمان بن سلمة، قال: حدثنا بقية، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «انتظار الفرج من الله تعالى عبادة» . # 1: 110 9 - أخبرني أبي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الكوفي، قال: حدثنا ~~حسين # PageV01P110 # بن حسن، عن سفيان بن إبراهيم، عن حنظلة المكي، عن مجاهد، عن ابن عباس، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انتظار الفرج عبادة» # 1: 111 ms022 10 - حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، ~~قال: حدثني أبي، قال: حدثني علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى، قال: ~~حدثني أبي جعفر، قال: حدثني أبي محمد، قال: حدثني أبي علي، قال: حدثني أبي ~~الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل» # 1: 111 11 - أخبرني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن النعمان، قال: ~~حدثني محمد بن يعقوب بن إسحاق الأعرج، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، عن # PageV01P111 # سعدويه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد ~~الله عن علي بن أبي علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي رضي ~~الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعلي عليه السلام، في حديث ~~ذكره: «واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» # PageV01P112 ### || اشتدي أزمة تنفرجي # 1: 113 12 - أخبرني أبي، قال كتب إلي عبد الله بن مبشر، حدثنا أبو ~~الأشعث، قال: حدثنا أمية بن خالد، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن ~~أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اشتدي أزمة تنفرجي # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني علي بن الجعد، قال: أخبرني شعبة، عن عمرو بن مرة، # PageV01P113 # قال: سمعت أبا وائل يحدث عن كردوس بن عمرو، وكان ممن قرأ الكتب: إن الله ~~عز وجل يبتلي العبد وهو يحبه، ليسمع تضرعه # PageV01P114 ### || 22 النصر مع الصبر والفرج مع الكرب # 1: 115 13 - حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ~~ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو سعيد المديني، قال: حدثني أبو بكر بن أبي ~~شيبة الحزامي، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن المطلب بن أبي ms023 وداعة السهمي، ~~قال: حدثنا زهرة بن عمرو التيمي، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعبد الله بن عباس: «ألا أعلمك كلمات ~~تنتفع بهن؟» قال: بلى، يا رسول الله، قال: # PageV01P115 # " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، ~~يعرفك في الشدة، فإذا سألت، فسل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، جف القلم ~~بما كان وما هو كائن، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عز وجل ~~لك، لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله بالصدق واليقين، فافعل، فإن لم ~~تستطع، فإن في الصبر على ما تكره، خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر، ~~وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا # PageV01P116 ### || المعونة على قدر المئونة # 1: 117 14 - أخبرني أبي، قال: حدثت عن إسحاق بن الضيف، قال: حدثنا داود ~~بن المحبر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي رزين، عن فراس بن يحيى، عن ثابت، عن ~~أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المعونة من الله عز وجل، ~~تأتي العبد على قدر المئونة، وإن الصبر يأتي على قدر شدة البلاء. # وربما قال: إن الفرج يأتي من الله تعالى، على قدر شدة البلاء # PageV01P117 ### || من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته # 1: 118 15 - حدثنا أبو محمد وهب بن يحيى بن عبد الوهاب المازني، لفظا من ~~حفظه، في داره بالبصرة، ببني سدوس الباطنة، بحضرة قبر مجاشع ومجالد السلمي، ~~صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقرب من بني يشكر، قال: حدثنا نصر ~~بن علي الجهضمي، قال: أنبأنا محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج، عن ابن ~~المنكدر، عن أبي أيوب، عن مسلمة بن مخلد، # PageV01P118 # قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ستر مسلما، ستره الله في الدنيا ~~والآخرة، ومن فك عن مكروب، فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان ~~في حاجة أخيه، كان الله في حاجته # PageV01P119 ### || إن الله في عون العبد ms024 ما دام العبد في عون أخيه # 1: 120 16 - أخبرني أبي، قال: حدثنا أبو عقيل الخولاني، قال: حدثنا مؤمل ~~بن إهاب، قال: حدثنا مالك بن سعير، عن الأعمش. # وأنبأنا نصر بن القاسم، قال: حدثنا الوكيعي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش. # قال أبي: وأنبأنا ابن بنت منيع من طريق آخر، واللفظ له، قال: # PageV01P120 # حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا حماد، عن محمد بن واسع، وأبي سورة، ~~عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من ستر أخاه المسلم، ستره الله يوم القيامة، ومن نفس عن أخيه كربة ~~من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وإن الله في عون ~~العبد مادام العبد في عون أخيه» # 1: 121 17 - أخبرني أبي، قال: حدثنا محمد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن ~~عبد الملك بن مغيث، قال: أخبرني أبي، عن جدي، قال: حدثنا عقيل عن ابن شهاب، ~~أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره، أن ابن عمر أخبره، أن # PageV01P121 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " من كان في حاجة أخيه كان الله ~~تعالى في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم ~~القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، هذا حديث مشهور، جاء به أبو ~~داود، في كتاب السنن، الذي حدثنا به عنه، محمد بن بكر بن داسة، باختلاف في ~~اللفظ، وليس غرضي جمع طرقه وألفاظه، فآتي بها مستقصاة # PageV01P122 ### || من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا # 1: 123 18 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو حامد ~~محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن صالح النطاح، قال: حدثنا المنذر ~~بن زياد الطائي، قال: حدثنا عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، عن ~~أبيه، عن جده رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من ~~أكثر الاستغفار جعل الله له من ms025 كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث ~~لا يحتسب # 1: 123 19 - حدثنا علي، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: # PageV01P123 # حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع الحارثي، عن ~~محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «قول لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها ~~الهم» # أخبرنا أبو محمد الحسن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي على القضاء بها، ~~قال: أخبرنا وكيع، أن القاسم بن إسماعيل أبا المنذر السورمي حدثه، قال: ~~حدثنا نصر بن زياد، قال: كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه سفيان بن سعيد ~~الثوري، فقال: يابن رسول الله، حدثني، قال: يا سفيان، إذا استبطأت الرزق، ~~فأكثر من الاستغفار، وإذا ورد عليك أمر تكرهه، فأكثر من لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، وإذا أنعم الله عليك، فأكثر من الحمد لله 27 # PageV01P124 ### || قصة الثلاثة انطبقت عليهم صخرة ونجتهم أعمالهم # 1: 125 20 - حدثنا محمد بن جعفر بن صالح الصالحي أبو الفرج، من ولد علي ~~بن صالح، صاحب المصلى، قال: حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين بن طلاب ~~المشغرائي، من قرية من قرى غوطة دمشق يقال لها: مشغرا، قال: حدثنا محمد بن ~~عبد الرحمن الجعفي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن ~~سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " بينما ثلاثة ~~رهط من بني إسرائيل يسيرون، إذ أخذهم المطر، فأووا إلى # PageV01P125 # غار، فانطبقت عليهم صخرة، فسدت الغار، فقالوا: تعالوا فليسأل الله تعالى ~~كل رجل منا بأفضل عمله. # فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم جميلة، وكنت أهواها، فدفعت إليها ~~مائة دينار، فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، قالت: اتق الله يابن عم، ~~ولا تفض الخاتم إلا بحقه. # فقمت عنها، وتركت المائة دينار، اللهم إن كنت تعلم، أني فعلت هذا خشية ~~منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم ms026 ثلث الصخرة. # وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، كنت أغدو ~~عليهما بصبوحهما، وأروح عليهما بغبوقهما، فغدوت عليهما يوما، فوجدتهما ~~نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أنصرف عنهما، فيفقدا غداءهما، فوقفت ~~حتى استيقظا، فدفعت إليهما غداءهما، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك ~~ابتغاء ما عندك، وخشية منك، فأفرج عنا، فانفرج الثلث الثاني. # وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم، أني استأجرت أجيرا، فلما دفعت إليه ~~أجره، قال: عملي بأكثر من هذا، فترك علي أجره، وقال: بيني وبينك يوم يؤخذ ~~فيه للمظلوم من الظالم، ومضى، فابتعت له بأجره غنما، ولم أزل أنميها ~~وأرعاها، وهي تزيد وتكثر، فلما كان بعد مدة، أتاني، فقال لي: يا هذا إن لي ~~عندك أجرا، عملت كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فقلت: خذ هذه الغنم، فهي لك، ~~فقال: تمنعني من أجري، وتهزأ بي، فقلت: خذها فهي لك، فأخذها ودعا لي، اللهم ~~إن كنت تعلم أني فعلت هذا خشية # PageV01P126 # منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم باقي الصخرة، وخرجوا ~~يمشون، وذكر الحديث كذا، قال مؤلف هذا الكتاب: هذا الحديث مشهور، رواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ~~بن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى، والنعمان بن بشير الأنصاري، وغيرهم، وعن كل ~~واحد منهم عدة طرق، وقد اختلف في ألفاظه والمعنى واحد، وليس غرضي هنا، جمع ~~طرقه وألفاظه، فأستقصي ما روي من ذلك. # إلا أن في هذه الرواية، غلطا لا بد من تبيينه، وهو أنه روي من غير طريق ~~عن أبي أسامة، عن عمر بن حمزة العمري، عن سالم، عن ابن عمر ليس فيه عبيد ~~الله والمشهور أنه عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر. # وجاء من طريق أخرى أبين من هذا، ووقع لنا بعلو، فحدثني أبو العباس محمد ~~بن أحمد الأثرم، المقرئ البغدادي، بالبصرة سنة خمس وثلاثين # PageV01P127 # وثلاث مائة، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدثنا أبو اليمان ms027 ~~الحكم بن نافع، قال: أنبأنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله ~~بن عمر، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أواهم المبيت إلى غار، فدخلوا، فانحدرت ~~عليهم صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، وذكر الحديث إلى نحو الرواية ~~الأولى # PageV01P128 ### || لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين # 1: 129 21 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن سفيان، قال: حدثنا عبيد بن محمد، عن محمد ~~بن مهاجر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: كنا ~~جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا أخبركم وأحدثكم بشيء، ~~إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من الدنيا، ودعا به، فرج الله عنه؟» فقيل ~~له: بلى. # قال: دعاء ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين # PageV01P129 ### || دعاء المريض # وجدت في كتاب ألفه محمد بن جرير الطبري، وسماه: (كتاب الآداب الحميدة ~~والأخلاق النفسية) : حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد بن ~~عبد الرحمن الحميري، قال: كان بأبي الحصاة، فكان يلقى، من شدة ما به، ~~البلاء. # قال حميد: فانطلقت إلى بيت المقدس، فلقيت أبا العوام، فشكوت إليه الذي ~~بأبي، وأخبرته خبره. # فقال: مره فليدع بهذه الدعوة: ربنا الذي في السماء عرشه، ربنا الذي في ~~السماء تقدس اسمه، أمرك ماض في السماء والأرض، وكما رحمتك في السماء، ~~فاجعلها في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم ~~أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك، على ما بفلان من وجع. # قال: فدعا به، فأذهبه الله تعالى عنه. # PageV01P130 ### || كلمات الفرج # 1: 131 22 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن سعيد بن ~~أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، ms028 عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله ~~العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب الأرضين السبع، ورب ~~العرش العظيم # PageV01P131 ### || دعوات المكروب # 1: 132 23 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا زيد بن أخزم الطائي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو ~~أبو عامر، قال: حدثنا عبد الجليل بن عطية، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثني ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي ~~شأني كله، لا إله إلا أنت # 1: 132 24 - أخبرني أبو بكر مكرم بن أحمد بن عبد الوهاب بن مكرم القاضي، ~~قال: حدثنا أبو الأزهر محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا # PageV01P132 # عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن هلال مولى غفرة، عن عمر بن عبد ~~العزيز، عن عبد الله بن جعفر، قال: علمتني أمي أسماء بنت عميس، شيئا أمرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تقوله عند الكرب: الله ربي، لا أشرك به ~~شيئا # 1: 133 25 - أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ~~السلمي، قال: أنبأنا ابن أبي مريم، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: حدثني # PageV01P133 # عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن هلال مولى غفرة، عن عمر بن عبد ~~العزيز، عن عبد الله بن جعفر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول ~~عند الكرب: الله ربي، لا أشرك به شيئا # حدثنا بالموصل، في مجلس عضد الدولة، وهو يسمع، إبراهيم بن محمد الأنصاري ~~المعروف بالثمدي، وهو يخلفني يومئذ في جملة من أعمالي على القضاء بجزيرة ~~ابن عمر، وسنه أكثر من تسعين سنة، وكان عضد الدولة استدعاه منها لعلو ~~إسناده، وعمل له مجلسا بحضرته، حدث فيه، وأحضرني وجماعة مخصوصين من أهل ~~العلم، حتى سمع منه، وسمعنا معه، ms029 قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن قريعة ~~الأزدي، وأبو العباس محمد بن حسان # PageV01P134 # البصريان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أسامة ~~بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن عبد الله ~~بن جعفر، عن علي عليه السلام، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~نزل بي كرب أو شدة، أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، عز الله، ~~وتبارك الله، رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. # وأخبرني القاضي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن حماد، قال: حدثنا محمد بن ~~يونس الكديمي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا أسامة بن زيد، فذكر ~~بإسناده مثله. # وأخبرني القاضي علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الكديمي، قال: حدثني # PageV01P135 # سعيد بن منصور البلخي، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن ~~عجلان، عن محمد بن كعب القرظي، فذكر بإسناده مثله # 1: 136 27 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني روح بن عبادة، عن ~~أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن ~~جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إذا نزل بي كرب، أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، ~~سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين # 1: 136 28 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن عبد الواحد ~~بن زياد، قال: حدثنا مجمع بن يحيى، قال: حدثنا أبو العيوف صعب، أو صعيب ~~العنزي، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: " من أصابه هم، أو غم، أو سقم، أو شدة، أو ذل، أو لأواء، فقال: # PageV01P136 # الله ربي، لا ms030 شريك له، كشف الله ذلك عنه # 1: 137 29 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثني سعيد بن سليمان، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: ~~حدثنا أبو سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال، قال عبد ~~الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أصاب مسلما قط، هم، ~~أو حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماض في حكمك، عدل ~~في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو ~~علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع ~~قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عنه كربه، وأبدله مكان حزنه ~~فرحا ". # قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعهن ~~أن يتعلمهن» # 1: 137 30 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو حفص الصفار أحمد بن حميد، قال: حدثنا جعفر # PageV01P137 # بن سليمان، قال: حدثنا الخليل بن مرة، عن فقيه من أهل الأردن، قال: بلغنا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أصابه غم أو كرب يقول: حسبي الرب ~~من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرزاق من المرزوق، حسبي الله ~~الذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه ~~توكلت، وهو رب العرش العظيم # 1: 138 31 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثني الخطاب بن عثمان، قال: ~~حدثني ابن أبي فديك، قال: حدثنا سعيد بن سعيد، قال: حدثنا أبو إسماعيل ابن ~~أبي فديك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كربني أمر، إلا ~~تمثل لي جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا ~~يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له ms031 شريك في الملك. . . إلى ~~آخر الآية # 1: 138 32 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا النضر بن إسماعيل # PageV01P138 # البجلي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله، ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نزل به هم، أو غم، قال: يا حي، ~~يا قيوم، برحمتك أستغيث # 1: 139 33 - حدثنا جعفر بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول التنوخي ~~القاضي، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي حية، قال: حدثنا إسحاق بن ~~أبي إسرائيل، قال: حدثني النضر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ~~القاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إذا نزل به غم أو كرب، قال: يا حي، يا قيوم، برحمتك ~~أستغيث # 1: 139 34 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن سفيان، قال: حدثني عبد الله بن محمد ~~القرشي، # PageV01P139 # عن نعيم بن مورع، عن جويبر، عن الضحاك، قال: دعاء موسى حين توجه إلى ~~فرعون، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، ودعاء كل مكروب: كنت ~~وتكون، حيا لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم، لا تأخذك ~~سنة ولا نوم، يا حي، يا قيوم # PageV01P140 ### || دعاء الفرج # دعاء الفرج، أعطانيه أبو الحمد داود بن الناصر لدين الله واسمه أحمد بن ~~الهادي للحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم المعروف بطباطبا ابن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقال لي: إن ~~أهله يتوارثونه، وهو عن أمير المؤمنين عليه السلام: يا من تحل به عقد ~~المكاره، ويفل حد الشدائد، ويا من يلتمس به المخرج، ويطلب منه روح الفرج، ~~أنت المدعو في المهمات، والمفزع في الملمات، لا يندفع منها إلا ما دفعت، ~~ولا ينكشف منها إلا ما كشفت، قد ms032 نزل بي ما قد علمت، وقد كادني ثقله، وألم ~~بي ما بهظني حمله، وبقدرتك أوردته علي، وبسلطانك وجهته إلي، ولا مصدر لما ~~أوردت، ولا كاشف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا ميسر لما عسرت، ولا ~~معسر لما يسرت، فصل اللهم على محمد، وعلى آل محمد، وافتح لي باب الفرج ~~بطولك، واحبس عني سلطان الهم بحولك، وأنلني حسن النظر فيما شكوت، وأذقني ~~حلاوة الصنع فيما سألت، وهب لي من لدنك فرجا هنيا عاجلا، وصلاحا في جميع ~~أمري سنيا شاملا، واجعل لي من عندك فرجا قريبا، ومخرجا رحبا، ولا تشغلني ~~بالاهتمام عن تعاهد فروضك، واستعمال سنتك، فقد ضقت ذرعا بما عراني، وتحيرت ~~فيما نزل بي ودهاني، وضعفت عن حمل ما قد أثقلني هما، وتبدلت بما أنا فيه ~~قلقا وغما، وأنت القادر على كشف ما قد وقعت فيه، ودفع ما منيت به، فافعل بي ~~ذلك يا سيدي ومولاي، وإن لم أستحقه، وأجبني إليه وإن لم أستوجبه، يا ذا ~~العرش العظيم (ثلاث مرات) . # PageV01P141 ### || دعاء آخر للفرج # وأعطاني دعاء آخر للفرج، وقال لي: إن أهله بصعدة، يتوارثونه عن أهل البيت ~~عليهم السلام: لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا ~~إله إلا الله إيمانا وصدقا، يا منزل الرحمة من معادنها، ومنشئ البركة من ~~أماكنها، أسألك أن تصلي على محمد، عبدك ونبيك، وخيرتك من خلقك وصفيك، وعلى ~~آله مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وأن تفرج عني فرجا عاجلا، وتنيلني صلاحا ~~لجميع أمري شاملا، وتفعل بي، في ديني ودنياي، ما أنت أهله، يا كاشف الكرب، ~~يا غافر الذنب، يا الله، يا رب. # PageV01P142 ### || استغفروا ربكم إنه كان غفارا # حدثني أيوب بن العباس بن الحسن الذي كان وزير المكتفي، ولقيت أيوب ~~بالأهواز في حدود سنة خمسين وثلاث مائة، من حفظه، قال: حدثني علي بن همام، ~~بإسناد لست أحفظه: أن أعرابيا شكى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام شدة لحقته، وضيقا في الحال، وكثرة من العيال. # فقال له: عليك باستغفار، فإن الله ms033 تعالى يقول: استغفروا ربكم، إنه كان ~~غفارا. . . الآيات. # فعاد إليه، وقال: يا أمير المؤمنين قد استغفرت كثيرا، وما أرى فرجا مما ~~أنا فيه. # قال: لعلك لا تحسن أن تستغفر. # قال: علمني. # قال: أخلص نيتك، وأطع ربك، وقل: اللهم إني أستغفرك من كل ذنب، قوي عليه ~~بدني بعافيتك، أو نالته يدي بفضل نعمتك، أو بسطت إليه يدي بسابغ رزقك، أو ~~اتكلت فيه، عند خوفي منه، على أناتك، أو وثقت فيه بحلمك، أو عولت فيه على ~~كرم عفوك، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب خنت فيه أمانتي، أو بخست فيه نفسي، ~~أو قدمت فيه لذتي، أو آثرت فيه شهوتي، أو سعيت فيه لغيري، أو استغويت فيه ~~من تبعني، أو غلبت فيه بفضل حيلتي، أو أحلت فيه عليك يا مولاي، فلم تؤاخذني ~~على فعلي، إذ كنت، سبحانك، كارها لمعصيتي، لكن سبق علمك في باختياري، ~~واستعمالي مرادي # PageV01P143 # وإيثاري، فحملت عني، لم تدخلني فيه جبرا، ولم تحملني عليه قهرا، ولم ~~تظلمني شيئا، يا أرحم الراحمين، يا صاحبي عند شدتي، يا مؤنسي في وحدتي، ويا ~~حافظي عند غربتي، يا وليي في نعمتي، ويا كاشف كربتي، ويا سامع دعوتي، ويا ~~راحم عبرتي، ويا مقيل عثرتي، يا إلهي بالتحقيق، يا ركني الوثيق، يا رجائي ~~في الضيق، يا مولاي الشيق، ويا رب البيت العتيق، أخرجني من حلق المضيق، إلى ~~سعة الطريق، وفرج من عندك قريب وثيق، واكشف عني كل شدة وضيق، واكفني ما ~~أطيق وما لا أطيق، اللهم فرج عني كل هم وكرب، وأخرجني من كل غم وحزن، يا ~~فارج الهم، ويا كاشف الغم، ويا منزل القطر، ويا مجيب دعوة المضطر، يا رحمن ~~الدنيا والآخرة ورحيمها، صل على خيرتك محمد النبي، وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين، وفرج عني ما ضاق به صدري، وعيل معه صبري، وقلت فيه حيلتي، وضعفت ~~له قوتي، يا كاشف كل ضر وبلية، ويا عالم كل سر وخفية، يا أرحم الراحمين، ~~وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وما توفيقي إلا بالله، عليه ~~توكلت، وهو رب ms034 العرش العظيم. # قال: الأعرابي: فاستغفرت بذلك مرارا، فكشف الله عز وجل عني الغم والضيق، ~~ووسع علي في الرزق، وأزال عني المحنة. # PageV01P144 ### || لا أبالي على أي حالة أصبحت # 1: 145 حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني علي بن الجعد وإسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا سفيان بن ~~عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز، قال: قال: عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: ما أبالي على أي حالة أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره، وذلك أني لا ~~أدري الخير فيما أحب، أو فيما أكره # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم، ~~قال: إن لم يكن لنا خير فيما نكره، لم يكن لنا خير فيما نحب # PageV01P145 # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا أبو روح، رجل من أهل ~~مرو، عن سفيان بن عيينة قال: مر محمد بن علي، على محمد بن المنكدر، فقال: ~~ما لي أراك مغموما؟ فقال أبو حازم: ذلك لدين فدحه. # قال: محمد بن علي: أفتح له في الدعاء؟ قال: نعم. # قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها دعاء ربه، كانت ما كانت # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا أبو روح، قال: قال: ابن ~~عيينة: ما يكره العبد، خير له مما يحب، لأن ما يكره، يهيجه على الدعاء، وما ~~يحب، يلهيه عنه # PageV01P146 ### || 36 دعاء داود عليه السلام # قال: ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا سعيد بن عبد ~~العزيز التنوخي، قال: داود عليه السلام: سبحان الله مستخرج الدعاء بالبلاء، ~~سبحان الله مستخرج الشكر بالرخاء ### || 37 ما أقرب النعيم من البؤس # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، ms035 قال: ابن أبي الدنيا، قال: ~~حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار العطار، ~~قال: حدثنا أبو عبد الصمد العمي، قال: سمعت مالك بن دينار، يقول في مرضه، ~~وهو من آخر كلام سمعته يتكلم به: ما أقرب النعيم من البؤس، يعقبان، ويوشكان ~~زوالا # PageV01P147 ### || 38 عبيدك بفنائك # حدثنا علي بن الحسن، قال: ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: ~~حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثني عبد الله بن محمد التميمي، قال: حدثنا ~~شيخ مولى لعبد القيس، عن طاوس، قال: إني لفي الحجر ذات ليلة، إذ دخل علي بن ~~الحسين عليهما السلام، فقلت: رجل صالح من أهل بيت الخير، لأستمعن إلى دعائه ~~الليلة، فصلى، ثم سجد، فأصغيت بسمعي إليه، فسمعته يقول: عبيدك بفنائك # ، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. # قال: طاوس: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب، إلا فرج الله عني. # PageV01P148 ### || ذبح عجلا بين يدي أمه فخبل # حدثنا إبراهيم بن محمد الأنصاري، بالموصل، بحضرة عضد الدولة، قال: أنبأنا ~~أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي، وأبو جعفر محمد بن محمد بن حبان ~~الأنصاري، البصريان، قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي، قال: حدثني ~~حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو عمران الجوفي، عن نوف البكالي: أن نبيا أو ~~صديقا ذبح عجلا بين يدي أمه، فخبل، فبينما هو كذلك ذات يوم، تحت شجرة فيها ~~وكر طير، إذ وقع فرخ طائر في الأرض، وتغبر في التراب، فأتاه الطائر، فجعل ~~يطير فوق رأسه، فأخذ النبي أو الصديق الفرخ، فمسخه من التراب، وأعاده في ~~وكره، فرد الله عز وجل عليه عقله. # PageV01P149 ### || الغمرات ثم ينجلين # 1: 150 أخبرني أبي، قال: حدثنا حرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن ~~بكار، قال: وحدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن ~~سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني عثمان بن سليمان، ~~قال: قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما لجلسائه، وفيهم عمرو بن العاص: ~~ما أحسن شيء؟ فقال كل رجل برأيه، ms036 وعمرو ساكت. # فقال: ما تقول يا عمرو؟ قال: الغمرات ثم ينجلين # PageV01P150 ### || طول الغمة يطمع في انقضائها # كتب سعيد بن حميد، إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، كتابا من ~~الاستتار، قال فيه: وأرجو أن يكشف الله، بالأمير أعزه الله، هذه الغمة ~~الطويل مداها، البعيد منتهاها، فإن طولها، قد أطمع في انقضائها، وتراخي ~~أيامها، قد سهل سبيل الأمل لفنائها. # PageV01P151 ### || رقعة أبي الفرج الببغاء إلى القاضي التنوخي مؤلف الكتاب يتوجع له في محنته # قال مؤلف هذا الكتاب: ولحقتني محنة غليظة من السلطان، فكتب إلي أبو الفرج ~~عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الكاتب الشاعر النصي، المعروف بالببغاء ~~رقعة، يتوجع لي فيها، نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، مدد النعم، أطال ~~الله بقاء سيدنا القاضي، بغفلات المسار وإن طالت، أحلام، وساعات المحن، وإن ~~قصرت بشوائب الهم، أعوام، وأحظانا بالمواهب، من ارتبطها بالشكر، وانهضنا ~~بأعباء المصائب، من قاومها بعدد الصبر، إذ كان أولها بالعظة مذكرا، وآخرها ~~بمضمون الفرج مبشرا، وإنما يتعسف ظلم الفتنة، ويتمسك بتفريط العجز، ضال ~~الحكمة، من كان بسنة الغفلة مغمورا، وبضعف المنة والرأي مقهورا، وفي انتهاز ~~فرص الحزم مفرطا، ولمرصي ما اختاره الله تعالى فيه متسخطا. # وسيدنا القاضي، أدام الله تأييده، أنور بصيرة، وأطهر سريرة، وأكمل حزما، ~~وأنفذ مضاء وعزما، من أن يتسلط الشك على يقينه أو يقدح اعتراض الشبه في ~~مروءته ودينه، فيلقى ما اعتمده الله من طارق القضاء المحتوم، بغير واجبه من ~~فرض الرضا والتسليم، ومع ذلك فإنما تعظم المحنة إذا تجاوزت، # PageV01P152 # وضعف التنبيه من الله جل ذكره إلى واجب العقوبة، ويصير مجيء السلطان، ~~أدام الله عزه، بها، وجوب الحجة، وشغلت الألسن عن محمود الثناء منها بمذموم ~~اللائمة، فإذا خلت من هذه الصفات المليمة، والشوائب المذمومة، كانت، وإن ~~راع ظاهرها، بصفات النعم أولى، وبأسماء المنح أحق وأحرى، ومتى أعمل ذو ~~الفهم الثاقب، والفكر الصائب، مثله أعزه الله، بكامل عقله، وزائد فضله، ~~فيما يسامح به الدنيا من مرتجع هباتها، وتمد له من خدع لذاتها، علم أن أسعد ~~أهلها فيها ms037 ببلوغ الآمال، أقربهم فيما خوله من التغير والانتقال، فصفاؤها ~~مشوب بالكدر، وأمنها مروع بالحذر، لأن انتهاء الشيء إلى حده، ناقل له عما ~~كان عليه إلى ضده، فتكاد المحنة، بهذه القاعدة، لاقترانها من الفرج بفسيح ~~الرجاء، وانتهاء الشدة منها إلى مستجد الرخاء، أن تكون أحق بأسماء النعم، ~~وأدخل في أسباب المواهب والقسم، وبالحقيقة، فكل وارد من الله تعالى على ~~العبد، وإن جهل مواقع الحكم منه، وساءه استتار عواقب الخيرة بمفارقة ما نقل ~~عنه، غير خال من مصلحة، بتقديم عاجل، وادخار آجل. # وهذا وصف ما ذكر الله به سيدنا القاضي، أدام الله تأييده، إذ كان للمثوبة ~~مفيدا، وللفرج ضامنا، وبالحظ مبشرا، وإلى المسرة مؤديا، وبأفضل ما عوده ~~الله جل اسمه عائدا، وهو، أدام الله كفايته، يتنجز ذلك بمستحكم الثقة، ~~ووجاهة الدعاء والرغبة، ووسائط الصبر والمعونة، ولعله أن يكون إليه أقرب من ~~ورود رقعتي هذه عليه، بقدرة الله ومشيئته، ولولا الخوف من الإطالة، والتعرض ~~للإضجار والملالة، بإخراج هذه الرقعة عن مذهب الرقاع، وإدخالها بذكر ما نطق ~~به نص الكتاب، من ضمان اليسر بعد العسر، وما وردت به في هذا المعنى، ~~الأمثال السائرة، والأشعار المتناقلة، في جمة الرسائل وحيز المصنفات، # PageV01P153 # لأودعتها نبذا من ذلك، لكني آثرت أن لا أعدل بها عما افتتحتها به، ~~واستخدمتها له، مقتصرا على استغناء سيدنا القاضي، أدام الله تأييده، عن ~~ذلك، بمرشد حفظه، ووفور فضله، ومأثور نباهته ونبله، والله يبلغه ويبلغنا ~~فيه نهاية الآمال، ولا يخليه، في طول البقاء، من مواد السعادة والإقبال، إن ~~شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### || حسن الظن بالله أقرب إلى الفرج # قال: بعض الصالحين: استعمل في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله عز وجل، في ~~كشفها، فإن ذلك أقرب بك إلي الفرج. ### || الصبر على قدر البلاء # وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال: أفضل عمل الممتحنين، ~~انتظار الفرج من الله عز وجل، والصبر على قدر البلاء. # وعنه: الصبر كفيل بالنجاح، والمتوكل لا يخيب ظنه. # PageV01P154 ### || قد ينجلي المكروب عما يسر # وكان يقال: ms038 العاقل لا يذل بأول نكبة، ولا يفرج بأول نعمة، فربما أقلع ~~المحبوب عما يضر، وأجلى المكروه عما يسر. # شكا عبد الله بن طاهر، إلى سليمان بن يحيى بن معاذ كاتبه، بلاء خافه ~~وتوقعه. # فقال له: أيها الأمير، لا يغلبن على قلبك، إذا اغتممت، ما تكره دون ما ~~تحب، فلعل العاقبة تكون بما تحب، وتوفي ما تكره، فتكون كمن يستسلف الغم ~~والخوف. # قال: أما أنك قد فرجت عني ما أنا فيه. # PageV01P155 ### || لماذا أصبح الاستغفار سنة في الاستسقاء # بلغني أن الناس قحطوا بالمدينة، في سنة من خلافة عمر بن الخطاب، فخرج بهم ~~مستسقيا، فكان أكثر قوله الاستغفار. # فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو دعوت. # فقال: أما سمعتم قوله عز وجل: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا {10} يرسل ~~السماء عليكم مدرارا {11} ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا {12} } [نوح: 10-12] . # فصار الاستكثار من الاستغفار في الاستسقاء سنة إلى اليوم. # PageV01P156 ### || أقوال الحكماء في الصبر # يحكى عن أنوشروان، أنه قال: جميع المكاره في الدنيا، تنقسم على ضربين، ~~فضرب فيه حيلة، فالاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه، فالاصطبار شفاؤه. # كان بعض الحكماء يقول: الحيلة فيما لا حيلة فيه، الصبر. # وكان يقال: من اتبع الصبر، اتبعه النصر. # ومن الأمثال السائرة: الصبر مفتاح الفرج، من صبر قدر، ثمرة الصبر الظفر، ~~عند اشتداد البلاء يأتي الرخاء. # وكان يقال: تضايقي تنفرجي. # وكان يقال: إذا اشتد الخناق انقطع. # وكان يقال: خف المضار، من خلل المسار، وارج النفع، من موضع المنع، واحرص ~~على الحياة، بطلب الموت، فكم من بقاء سببه استدعاء الفنان. # ومن فناء سببه إيثار البقاء، وأكثر ما يأتي الأمن من قبل الفزع. # والعرب تقول: إن في الشر خيارا. # وقال الأصمعي: معناه، أن بعض الشر أهون من بعض. # وقال أبو عبيدة: معناه، إذا أصابتك مصيبة، فاعلم أنه قد يكون أجل منها، ~~فلتهن عليك مصيبتك. # PageV01P157 # قال بعض الحكماء: عواقب الأمور، تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ~~ومكروه في محبوب، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه. # وكان ms039 يقال: رب خير من شر، ونفع من ضر. # وروي أن أمير المؤمنين عليا، قال: يابن آدم، لا تحمل هم يومك الذي لم ~~يأت، على يومك الذي أتى، فإنه إن يكن في عمرك، يأتك الله فيه بمحبتك، واعلم ~~أنك لن تكسب شيئا سوى قوتك، إلا كنت فيه خازنا لغيرك بعد موتك. # وقال وداعة السهمي، في كلام له: اصبر على الشر إن قدحك، فربما أجلى عما ~~يفرحك، وتحت الرغوة اللبن الصريح. ### || شريح القاضي يحمد الله على المصيبة أربع مرات # قال شريح: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات، أحمده ~~إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني ~~للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. # PageV01P158 ### || من ساعة إلى ساعة فرج # ويشبه هذا ما روي عن بزرجمهر بن البختكان الحكيم، الذي كان وزير ~~أنوشروان، فإنه حبسه عند غضبه، في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفده بالحديد، ~~وألبسه الحش من الصوف، وأمر أن لا يزاد في كل يوم، على قرصين خبزا شعيرا، ~~وكف ملح جريش، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه، فتنقل إليه، فأقام بزرجمهر ~~شهورا، لا تسمع له لفظة. # فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه، ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه في ~~الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم، وعرفونيه. # فدخل إليه جماعة من المختصين، كانوا، به، فقالوا له: أيها الحكيم، نراك ~~في هذا الضيق، والحديد، والصوف، والشدة التي وقعت فيها، ومع هذا، فإن سحنة ~~وجهك، وصحة جسمك، على حالهما، لم تتغيرا، فما السبب في ذلك؟ فقال: إني عملت ~~جوارشا من ستة أخلاط، آخذ منه كل يوم شيئا، فهو الذي أبقاني على ما ترون. # قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك، أو أحد من إخواننا، فنستعمله ~~ونصفه له. # PageV01P159 # قال: الخلط الأول: الثقة بالله عز وجل، والخلط الثاني: علمي بأن كل مقدر ~~كائن، والخلط الثالث: الصبر خير ما استعمله الممتحنون، والخلط الرابع: إن ~~لم أصبر أنا فأي شيء أعمل، ولم أعين على نفسي بالجزع، والخلط الخامس: قد ms040 ~~يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه، والخلط السادس: من ساعة إلى ساعة فرج. # قال: فبلغ كسرى كلامه، فعفا عنه. # PageV01P160 ### || يأتي الله بالفرج عند انقطاع الأمل واستبهام الحيل # فصل لبعض كتاب زماننا، وهو علي بن نصر بن علي الطبيب: وكما أن الله جل ~~وعلا يأتي بالمحبوب، من الوجه الذي قدر ورود المكروه منه، ويفتح بفرج، عند ~~انقطاع الأمل، واستبهام وجوه الحيل، ليحض سائر خلقه، بما يريهم من تمام ~~قدرته، على صرف الرجاء إليه، وإخلاص آمالهم في التوكل عليه، وأن لا يزووا ~~وجوههم في وقت من الأوقات عن توقع الروح منه، فلا يعدلوا بآمالهم على أي ~~حال من الحالات، عن انتظار فرج يصدر عنه، وكذلك أيضا، يسرهم فيما ساءهم، ~~بأن كفاهم بمحنة يسيرة، ما هو أعظم منها، وافتداهم بملمة سهلة، مما كان ~~أنكى فيهم لو لحقهم. # قال إسحاق العابد: ربما امتحن الله العبد، بمحنة يخلصه بها من الهلكة، ~~فتكون تلك المحنة، أجل نعمة. # قال: وسمعت أن من احتمل المحنة، ورضي بتدبير الله تعالى في النكبة، وصبر ~~على الشدة، كشف له عن منفعتها، حتى يقف على المستور عنه من مصلحتها. # وقال عبد الله بن المعتز: ما أوطأ راحلة الواثق بالله، وآنس مثوى المطيع ~~لله. # PageV01P161 # حكى بعض النصارى، أن بعض الأنبياء عليهم السلام، قال: المحن تأديب من ~~الله، والأدب لا يدوم، فطوبى لمن تصبر على التأديب، وتثبت عند المحنة، فيجب ~~له لبس إكليل الغلبة، وتاج الفلاح، الذي وعد الله به محبيه، وأهل طاعته. # قال إسحاق: احذر الضجر، إذا أصابتك أسنة المحن، وأعراض الفتن، فإن الطريق ~~المؤدي إلى النجاة صعب المسلك. # قال: بزرجمهر: انتظار الفرج بالصبر، يعقب الاغتباط. # PageV01P162 ### || حسن الظن بالله لا يخيب # فصل آخر، لبعض كتاب زماننا، وهو علي بن الحسن بن نصر بن بشر الطبيب: كما ~~أن الرجاء مادة الصبر، والمعين عليه، فكذلك علة الرجاء ومادته، حسن الظن ~~بالله، الذي لا يجوز أن يخيب، فإنا قد نستقري الكرماء، فنجدهم يرفعون من ~~أحسن ظنه بهم، ويتحوبون من تخييب أمله فيهم، ويتحرجون من ms041 إخفاق رجاء من ~~قصدهم، فكيف بأكرم الأكرمين، الذي لا يعوزه أن يمنح مؤمليه، ما يزيد على ~~أمانيهم فيه، وأعدل الشواهد بمحبة الله جل ذكره، لتمسك عبده برحابه، ~~وانتظار الروح من ظله ومآبه، أن الإنسان لا يأتيه الفرج ولا تدركه النجاة، ~~إلا بعد إخفاق أمله في كل ما كان يتوجه نحوه بأمله ورغبته، وعند انغلاق ~~مطالبه، وعجز حيلته، وتناهي ضره ومحنته، ليكون ذلك باعثا له على صرف رجائه ~~أبدا إلى الله عز وجل، وزاجرا له على تجاوز حسن ظنه به. # PageV01P163 ### || يدرك الصبور أحمد الأمور # وروي عن عبد الله بن مسعود: الفرج والروح، في اليقين والرضا، والهم ~~والحزن، في الشك والسخط. # وكان يقول: الصبور، يدرك أحمد الأمور. # قال: أبان بن تغلب: سمعت أعرابيا يقول: من أفضل آداب الرجال، أنه نزلت ~~بأحدهم جائحة، استعمل الصبر عليها، وألهم نفسه الرجاء لزوالها، حتى كأنه ~~لصبره يعاين الخلاص منها والغناء، توكلا على الله عز وجل، وحسن ظن به، فمتى ~~لزم هذه الصفة، لم يلبث أن يقضي الله حاجته، ويزيل كربته، وينجح طلبته، ~~ومعه دينه وعرضه ومروءته. # PageV01P164 ### || رب حياة سببها طلب الموت وموت سببه طلب الحياة # روى الأصمعي، عن أعرابي، أنه قال: خف الشر من موضع الخير، وارج الخير ~~موضع الشر، فرب حياة سببها طلب الموت، وموت سببه طلب الحياة، وأكثر ما يأتي ~~الأمن من ناحية الخوف. # قال: مؤلف هذا الكتاب: ما أقرب هذا الكلام، من قول قطري بن الفجاءة ~~الخارجي، ذكره أبو تمام الطائي، في كتابه المعروف بالحماسة: # لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام # فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي # حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام # فهذا من أحب الموت، طلبا لحياة الذكر. # PageV01P165 # وقد أفصح بهذا الحصين بن الحمام المري، حيث يقول: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما # وهذا كثير متسع، وليس هو مما نحن فيه بسبيل، فنستوعبه ونستوفيه، ولكن ~~الحديث ms042 ذو شجون، والشيء بالشيء يذكر، ونعود إلى ما كنا فيه. # PageV01P166 ### || أقوال في تهوين المصائب # قال: بعض عقلاء التجار: ما أصغر المصيبة بالأرباح، إذا عادت بسلامة ~~الأرواح. # وكأنه من قول العرب: إن تسلم الجلة فالسخل هدر. # ومن كلامهم: لا تيأس أرض من عمران، وإن جفاها الزمان. # والعامة تقول: نهر جرى فيه الماء، لابد أن يعود إليه. # وقال تيمسطوس: لم يتفاضل أهل العقول والدين، إلا في استعمال الفضل في حال ~~القدرة والنعمة، وابتذال الصبر في حال الشدة والمحنة. # وقال بعض الحكماء: العاقل يتعزى فيما نزل به من المكروه بأمرين، أحدهما ~~السرور بما بقي له، والآخر رجاء الفرج مما نزل به، والجاهل يجزع في محنته ~~بأمرين، أحدهما استكثار ما أدي إليه، والآخر تخوفه مما هو أشد منه. # PageV01P167 ### || كلمات في الصبر على المحنة # وكان يقال: المحن آداب الله عز وجل لخلقه، وتأديب الله يفتح القلوب، ~~والأسماع، والأبصار. # ووصف الحسن بن سهل المحن، فقال: فيها تمحيص من الذنب، وتنبيه من الغفلة، ~~وتعرض للثواب بالصبر، وتذكير بالنعمة، واستدعاء للمثوبة، وفي نظر الله عز ~~وجل وقضائه الخيار. # وبلغني هذا الخبر على وجه آخر: قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا حاضر أسمع، ~~بالبصرة في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، في كتابه: (كتاب الوزراء) : حدثكم ~~أبو ذكوان القاسم بن إسماعيل، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس بن ~~محمد بن صول الكاتب، يصف الفضل بن سهل، ويذكر تقدمه، وعلمه، وكرمه، وكان ~~مما حدثني # PageV01P168 # به: أنه برئ من علة كان فيها، فجلس للناس، وهنوه بالعافية، فلما فرغ ~~الناس من كلامهم، قال الفضل: إن في العلل لنعما لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: ~~تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال ~~الصحة، واستدعاء للمثوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد، ~~الخيار. ### || إنما يبتلى الصالحون # وكتب محمد بن الحنفية، إلى عبد الله بن عباس، حين سيره ابن الزبير # PageV01P169 # عن مكة، إلى الطائف: أما بعد، فإنه بلغني أن ابن الزبير سيرك إلى الطائف، ~~فأحدث الله عز وجل لك ms043 بذلك أجرا، وحط به عنك وزرا، يابن عم، إنما يبتلى ~~الصالحون، وتعد الكرامة للأخبار، ولو لم تؤجر إلا فيما تحب، لقل الأجر، وقد ~~قال: الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم} [البقرة: 216] عزم الله لنا ولك، بالصبر على البلاء، والشكر على ~~النعماء، ولا أشمت بنا وبك الأعداء، والسلام. # PageV01P170 ### || النعمة والعافية تبطران الإنسان # وكتب بعض الكتاب إلى صديق له في محنة لحقته: إن الله تعالى ليمتحن العبد، ~~ليكثر التواضع له، والاستعانة به، ويجدد الشكر على ما يوليه من كفايته، ~~ويأخذ بيده في شدته، لأن دوام النعم والعافية، يبطران الإنسان، حتى يعجب ~~بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه، وقد قال الشاعر: # لا يترك الله عبدا ليس يذكره ... ممن يؤدبه أو من يؤنبه # أو نعمة تقتضي شكرا يدوم له ... أو نقمة حين ينسى الشكر تنكبه ### || كلمات في الشكر على العافية والصبر على الشدة # وقال الحسن البصري: الخير الذي لا شر فيه، هو الشكر مع العافية، والصبر ~~عند المحنة، فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم مبتلى بمحنة وهو غير صابر. # وقال أبو الحسن المدائني، في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة والضيقة) كان ~~ابن شبرمة إذا نزلت به شدة، يقول: سحابة ثم تنقشع. # وقال في كتابه هذا، عن جعفر بن سليمان الهاشمي، قال: قال بعض # PageV01P171 # الحكماء: آخر الهم، أول الفرج، وكان جعفر يقول: قد وجدناه كذلك. # وقد ذكر هذا الخبر القاضي أبو الحسين، في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة) ~~عن المدائني، هكذا. # وذكر أبو الحسين القاضي في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة) ، فقال: # 1: 172 37 - حدثني بعض أصحابنا، قال: حدثني الحسن بن مكرم، قال: حدثني ~~ابن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: لأن أكون في شدة، أتوقع بعدها رخاء، ~~أحب إلي من أن أكون في رخاء، أتوقع بعده شدة # PageV01P172 ### || لو كان العسر في كوة لجاء يسران فأخرجاه # وذكر عن النبي صلى ms044 الله عليه وسلم، بغير إسناد، أنه قال: «لو كان العسر ~~في كوة، لجاء يسران، فأخرجاه» . # قال مؤلف هذا الكتاب: كان لي في هذا الحديث، خبر طريف، وذلك أني كنت قد ~~لجأت إلى البطيحة، هاربا من نكبة لحقتني، واعتصمت بأميرها معين الدولة أبي ~~الحسين عمران بن شاهين السلمي، على ما كان يقول رحمه # PageV01P173 # الله، فألفيت هناك جماعة من معارفي، بالبصرة وواسط، خائفين على نفوسهم، ~~قد هربوا من ابن بقية، الذي كان في ذلك الوقت وزيرا، ولجئوا إلى البطيحة، ~~فكنا نجتمع في المسجد الجامع بشقشى الذي بناه معز الدولة أبو الحسين، ~~فنتشاكى أحوالنا، ونتمنى الفرج مما نحن فيه من الخوف والشدة والشقاء. # فقال لي أبو الحسن محمد بن عبد الله بن جيشان الصلحي التاجر، وكان هذا في ~~يوم الجمعة لتسع ليال خلون من جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاث مائة: # 1: 174 38 - حدثني في هذا اليوم أبو محمد الحسن بن محمد بن عثمان بن ~~قنيف، وكان أحد خلفاء الحجاب في دار المقتدر بالله، وهو شيخ مشهور، ملازم ~~الآن خدمة معين الدولة، قال: حدثنا أبو القاسم ابن بنت منيع، قال: حدثنا ~~أبو نصر التمار، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن ~~مالك، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دخل العسر كوة، جاء ~~يسران فأخرجاه» فلما سمعت ذلك، قلت بديها: # إنا روينا عن النبي رسول ... الله فيما أفيد من أدبه # لو دخل العسر كوة لأتى ... يسران فاستخرجاه من ثقبه # PageV01P174 # فما مضى على هذا المجلس، إلا أربعة أشهر، حتى فرج الله تعالى عني، وعن ~~كثير ممن حضر ذلك المجلس، من الممتحنين، وردنا إلى عوائده عندنا، فله الحمد ~~والشكر # 1: 175 وجدت هذا الخبر على غير هذا، فقد حدثنا به، من أصل كتابه، جعفر بن ~~أبي طالب ابن البهلول، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، ~~قال: حدثني علي بن الحسن بن الجعد، قال: أنبأنا شعبة، عن معاوية بن قرة، ~~عمن حدثه عن عبد الله بن مسعود، قال: ms045 لو أن العسر دخل في جحر، لجاء اليسر ~~حتى يدخل معه، قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسرا {5} إن مع العسر يسرا ~~{6} } [الشرح: 5-6] . # وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا علي بن الجعد، فذكر نحوه بإسناده # 1: 175 40 - وأخبرني أبي: قال: قال جعفر بن محمد بن عيينة، حدثنا محمد بن ~~معمر، قال: حدثنا حميد بن حماد قال: حدثنا عائذ بن شريح، # PageV01P175 # قال: سمعت أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينظر إلى ~~حجر بحيال وجهه، فقال: لو جاءت العسرة حتى تدخل هذا الحجر، لجاءت اليسرة ~~حتى تخرجها فأنزل الله تعالى {فإن مع العسر يسرا {5} إن مع العسر يسرا {6} ~~} [الشرح: 5-6] # PageV01P176 ### || كلمات في انفراج المحن # وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه (كتاب الفرج بعد الشدة) ، بغير إسناد: ~~أن عليا عليه السلام، قال: عند تناهي الشدة، تكون الفرجة، وعند تضايق ~~البلاء، يكون الرخاء، ومع العسر، يكون اليسر. # وذكر عنه عليه السلام، أنه قال: ما أبالي بالعسر رميت، أو باليسر، لأن حق ~~الله تعالى في العسر الرضا والصبر، وفي اليسر الحمد والشكر. # قال: مؤلف هذا الكتاب: حدثني بعض الشيعة، بغير إسناد، قال: قصد أعرابي ~~أمير المؤمنين عليا عليه السلام، فقال: إني ممتحن، فعلمني شيئا أنتفع به. # فقال: يا أعرابي إن للمحن أوقاتا، ولها غايات، فاجتهاد العبد في محنته ~~قبل إزالة الله تعالى إياها، زيادة فيها، يقول الله عز وجل: {إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] ، ولكن، استعن بالله، واصبر، وأكثر ~~من الاستغفار، فإن الله عز وجل وعد الصابرين خيرا، وقال: {استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا {10} يرسل السماء عليكم مدرارا {11} ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا {12} } [نوح: 10-12] ، فانصرف الرجل. # فقال أمير المؤمنين عليه السلام: # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده # PageV01P177 ### || الوزير المهلبي يجيئه الغياث من ms046 الله تعالى # حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، وفي وزارته، قال: كنت في وقت من ~~الأوقات، يعني في أول أمره قد دفعت إلى شدة شديدة، وخوف عظيم، لا حيلة لي ~~فيهما، فأقمت يومي قلقا، وهجم الليل، فلم أعرف الغمض، فلجأت إلى الصلاة ~~والدعاء، وأقبلت على البكاء في سجودي، والتضرع ومسألة الله عز وجل، تعجيل ~~الفرج لي، وأصبحت من غد، على قريب من حالي، إلا أني قد سكنت قليلا، فلم ~~ينسلخ اليوم حتى جاءني الغياث من الله تعالى، وفرج عني ما كنت فيه، على ~~أفضل ما أردت، فقلت: # بعثت إلى رب العطايا رسالة ... توسل لي فيها دعاء مناصح # فجاء جواب بالإجابة وانجلت ... بها كرب ضاقت بهن الجوانح # PageV01P178 ### || عند تناهي الشدة تكون الفرجة # أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى، قال: حدثنا ابن دريد، قال: ~~أخبرنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الجراح الكلبي، عن أبيه ~~قال: كان عمرو بن أحيحة الأوسي يقول: عند تناهي الشدة، تكون الفرجة، وعند ~~تضايق البلاء، يكون الرخاء، ولا أبالي أي الأمرين نزل بي عسر أم يسر، لأن ~~كل واحد منهما يزول بصاحبه. # PageV01P179 ### || المنصور العباسي يحول بين الإمام الصادق وبين الحج # أخبرني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خلفية أبي على ~~القضاء بها، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل بن ~~محمد اليزيدي، قال: أراد جعفر بن محمد الحج، فمنعه المنصور، فقال: الحمد ~~لله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ليس من الله منجى، ما شاء ~~الله قضى، ليس وراء الله منتهى، توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا ~~وهو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، اللهم إن هذا عبد من عبيدك، ~~خلقته كما خلقتني، ليس له علي فضل، إلا ما فضلته علي به، فاكفني شره، ~~وارزقني خيره، واقدح لي في قلبه المحبة، واصرف عني أذاه، لا إله إلا أنت، ~~سبحان الله رب العرش العظيم، وصلى الله على محمد النبي وعلى ms047 آله وسلم كثيرا ~~حميد بن حماد. # قال: فأذن له المنصور في الحج. # PageV01P180 ### | الباب الثالث من بشر بفرج من نطق فال ونجا من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال ### || أعرابية ذهب البرد بزرعها فعوضت خيرا # أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، ~~قراءة عليه وأنا أسمع عن البرقي، قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد ~~فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت طرفها إلى السماء، وقالت: ~~اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف، وبيدك التعويض عما تلف، فافعل بنا ما أنت ~~أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك. # قال: فلم أبرح، حتى جاء رجل من الأجلاء، فحدث بما كان، فوهب لها خمس مائة ~~دينار. # PageV01P181 ### || المعتضد يتخلص من سجنه ويبطش بالوزير إسماعيل بن بلبل # وحدثني أبي في المذاكرة، من لفظه وحفظه، ولم أكتبه عنه في الحال، وعلق ~~بحفظي، والمعنى واحد، ولعل اللفظ يزيد أو ينقص، عن أبي محمد عبد الله بن ~~أحمد بن حمدون، لا أظن إلا أنه هو سمعه منه أو حدثه من سمعه من عبد الله بن ~~أحمد بن حمدون، نديم المعتضد بالله، عن المعتضد، أنه قال: # PageV01P182 # لما ضرب إسماعيل بن بلبل بيني وبين أبي الموفق، فأوحشه مني، حتى حبسني ~~الحبسة المشهورة، وكنت أتخوف القتل صباحا ومساء، ولا آمن أن يرفع إسماعيل ~~عني، ما يزيد في غيظ الموفق علي، فيأمر بقتلي. # فكنت كذلك، حتى خرج الموفق إلى الجبل، فازداد خوفي. # وأشفقت أن يحدثه عني إسماعيل بكذب، فيجعل غيبته طريقا إليه، فلا يكشفه، ~~ويأمر بقتلي، فأقبلت على الدعاء، والتضرع إلى الله، والابتهال في تخليصي. # وكان إسماعيل يجيئني في كل يوم، مراعيا خبري، يريني أن ذلك خدمة لي. # PageV01P183 # فدخل إلى يوما: وبيدي المصحف، وأنا أقرأ، فتركته، وأخذت أحادثه. # فقال: أيها الأمير، أعطني المصحف لأتفاءل لك به، فلم أجبه بشيء. # فأخذ المصحف، ففتحه، فكان في أول سطر منه: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] ، فاسود وجهه، واربد، ~~وخلط الورق. # وفتحه الثانية، فخرج ms048 {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] إلى قوله: {يحذرون} [القصص: 6] ، فازداد ~~قلقا واضطرابا. # وفتحه الثالث: فخرج {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55] . # فوضع المصحف من يده، وقال: أيها الأمير، أنت والله الخليفة، بغير شك، فما ~~حق بشارتي؟ فقلت: الله، الله، في أمري، احقن دمي، أسأل الله أن يبقي أمير ~~المؤمنين، والأمير الناصر، وما أنا وهذا؟ ومثلك في عقلك، لا يطلق مثل هذا ~~القول بمثل هذا الاتفاق، فأمسك عني. # PageV01P184 # وما زال يحدثني، ويخرجني من حديث، ويدخلني في غيره، إلى أن جرى حديث ما ~~بيني وبين أبي، فأقبل يحلف لي بأيمان غليظة، أنه لم يكن له في أمري صنع، ~~ولا سعاية بمكروه، فصدقته، ولم أزل أخاطبه بما تطيب به نفسه، خوفا من أن ~~تزيد وحشته، فيسرع في التدبير لتلفي، إلى أن انصرف. # ثم صار إلي بعد ذلك، وأخذ في التنصل والاعتذار، وأنا أظهر له التصديق ~~والقبول، حتى سكن، ولم يشك أني معترف ببراءة ساحته. # فما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل، وقد اشتدت عليه، ومات، فأخرجني ~~الغلمان من الحبس، فصيروني مكانه، وفرج الله عني، وقاد الخلافة إلي، ومكنني ~~من عدوي إسماعيل بن بلبل، فأنفذت حكم الله فيه # PageV01P185 ### || قال الواثق: لا أترك من يرجو الفرج يموت في حبسي # وحدثني علي بن هشام الكاتب، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي، يقول: ~~سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول في وزارته: قال: لي أبي: كنت يوما في حبس ~~محمد بن عبد الملك الزيات، # PageV01P186 # في خلافة الواثق، آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغما، حتى وردت علي ~~رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له: # محن أبا أيوب أنت محلها ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها # إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلها # فاصبر فإن الله يعقب فرجة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها # وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو وتمحو عن جديدك ذلها ms049 # قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه: # صبرتني ووعظتني وأنالها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها # ويحلها من كان صاحب عقدها ... ثقة به إذ كان يملك حلها # قال: فلم أصل العتمة ذلك اليوم، حتى أطلقت، فصليتها في داري، ولم يمض ~~يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي. # وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق # PageV01P187 # سليمان، وقال والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، ~~فأطلقه على كره من ابن الجراح الزيات لذلك # PageV01P188 ### || بين الحسن البصري والحجاج بن يوسف الثقفي # وحدثني بعض شيوخنا، بإسناد ذهب عني حفظه، وبلغني عن صالح بن مسمار، فجمعت ~~بين الخبرين: أن الحسن البصري دخل على الحجاج بواسط، فلما رأي بناءه، قال: ~~الحمد لله، أن هؤلاء الملوك ليرون في أنفسهم عبرا، وأنا لنرى فيهم عبرا، ~~يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده، وإلى فرش فيتخذه، وقد حف به ذباب طمع، وفراش ~~نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت، فقد رأينا، يا عدو الله، ما صنعت، ~~فماذا يا أفسق الفسقة، ويا أفجر الفجرة، أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل ~~الأرض فمقتوك. # ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء، ليبيننه للناس، ولا ~~يكتمونه. # فاغتاظ الحجاج غيظا شديدا، ثم قال: يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة ~~يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد، على به، والله لأقتلنه. # فمضى أهل الشام، فأحضروه، وقد أعلم بما قال:، فكان في طريقه يحرك شفتيه ~~بما لا يسمع. # PageV01P189 # فلما دخل على الحجاج، رأى السيف والنطع بين يديه وهو متغيظ، فلما وقعت ~~عليه عين الحجاج، كلمه بكلام غليظ، ورفق به الحسن، ووعظه. # فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامه إلى أن ~~دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وبالغالية فغلفه بيده، ثم صرفه ~~مكرما. # وقال صالح بن مسمار: قيل للحسن بن أبي الحسن: بم كنت تحرك شفتيك؟ قال: ~~قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي، ms050 ويا صاحبي ~~في شدتي، ويا وليي في نعمتي، ويا إلهي، وإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ~~ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين، ويا رب ~~كهيعص، وطه، وطس، ويس، ورب القرآن الحكيم يا كافي موسى فرعون، ويا كافي ~~محمد الأحزاب، صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخبار، وارزقني مودة ~~عبدك الحجاج، وخيره، ومعروفه، واصرف عني أذاه، وشره، ومكروهه، ومعرته. # فكفاه الله تعالى شره بمنه وكرمه. # قال: صالح: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا. # PageV01P190 ### || دعاء دعا به الحسن بن الحسن ففرج الله عنه # وجدت في بعض الكتب، بغير إسناد: كتب الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى ~~صالح بن عبد الله المزني، عامله على المدينة، أن أنزل الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فاضربه في مسجد رسول صلى الله عليه وسلم، ~~خمس مائة سوط. # قال: فأخرجه صالح إلى المسجد، ليقرأ عليهم كتاب الوليد بن عبد الملك، ثم ~~ينزل فيضرب الحسن، فبينما هو يقرأ الكتاب، إذ جاء علي بن الحسين عليهما ~~السلام، مبادرا يريد الحسن، فدخل والناس معه إلى المسجد، واجتمع الناس، حتى ~~انتهى إلى الحسن، فقال له: يابن عم، ادع بدعاء الكرب. # فقال: وما هو يابن عم؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله ~~الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد ~~لله رب العالمين. # قال: وانصرف علي، وأقبل الحسن يكررها دفعات كثيرة. # فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل عن المنبر، قال للناس: أرى سحنة رجل ~~مظلوم، أخروا أمره حتى أراجع أمير المؤمنين، وأكتب في أمره. # ففعل ذلك، ولم يزل يكاتب، حتى أطلق. # قال: وكان الناس يدعون، ويكررون هذا الدعاء، وحفظوه. # قال: فما دعونا بهذا الدعاء في شدة إلا فرجها الله عنا بمنه. # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا ~~شريك، عن عبد الملك بن عمير، قال: ms051 كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن ~~حيان المري: خذ الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوما، ولا ~~أراني إلا قاتله. # قال: فبعث إليه فجيء به وبالخصوم بين يديه. # فقام إليه علي بن الحسين عليه السلام، فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج ~~يفرج الله عنك. # قال: ما هن؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله ~~العلي العظيم، # PageV01P194 # سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. # قال: فقالها، فأنفذ، فرده، وقال: أنا أكاتب أمير المؤمنين بعذره، فإن ~~الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. # ووجدت هذا الخبر، بأعلى وأثبت من هذين الطريقين، حدثنا أبو العباس # PageV01P195 # محمد بن أحمد الأثرم المقرئ، قال: حدثنا أحمد بن الربيع اللجمي الجرار ~~الكوفي، قال: حدثنا الحسين بن علي، يعني الجعفي، عن والده، عن قدامة، عن ~~عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو مصعب، قال: كتب عبد الملك إلى عامله ~~بالمدينة هشام بن إسماعيل: أن حسن بن حسن، كاتب أهل العراق، فإذا جاءك ~~كتابي هذا، فابعث إليه الشرط، فليأتوا به. # قال: فأتي به، فسأله عن شيء. # فقام إليه علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: يابن عم، قل كلمات الفرج، ~~لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب ~~العالمين، قال: فقالها. # ثم إن الأمير نظر إلى وجهه، فقال: أرى وجها قد قرف بكذبة، خلوا سبيله ~~فلأراجعن أمير المؤمنين فيه # PageV01P196 ### || 69 دعاء ينجي من المحنة # حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، عن الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا الفريابي، قال: لما أخذ أبو جعفر ~~إسماعيل بن أمية، أمر به إلى الحبس، فرأى في طريقه على حائط مكتوبا: يا ~~وليي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا عدتي في كربتي، قال: فلم يزل ~~يكررها حتى خلى سبيله، فاجتاز بذلك الحائط فإذا ليس عليه شيء مكتوب # PageV01P197 ### || 70 أجار حية فأرادت قتله فخلصه جميل صنعه # ويروى: أن حية استجارت ms052 برجل من العباد، من رجل يريد قتلها، قال: فرفع ~~ذيله، وقال: ادخلي، فتطوقت على بطنه. # وجاء رجل بسيف، وقال له: يا رجل، حية هربت مني الساعة، أردت قتلها، فهل ~~رأيتها؟ قال: ما أرى شيئا. # فلما أجارها، وانصرف من يريد قتلها، قالت له الحية: لا بد من قتلك. # فقال لها الرجل: ليس غنى عن هذا؟ قالت: لا. # قال: فأمهليني، حتى آتي سفح جبل، فأصلي ركعتين، وأدعو الله تعالى، وأحفر ~~لنفسي قبرا، فإذا نزلته، فافعلي ما بدا لك. # قالت: افعل. # فلما صلى، ودعا، أوحى الله إليه: إني قد رحمتك، فاقبض على الحية، فإنها ~~تموت في يدك، ولا تضرك. # ففعل ذلك، وعاد إلى موضعه، وتشاغل بعبادة ربه. # وروى هذا الخبر، جعفر العابد، برامهرمز، على غير هذه السياقة، إلا أن ~~المعنى متقارب، فاوردت ما بلغني من ذلك، فقال: # PageV01P198 # قرأت في كتب الأوائل، أن حية أفلتت من يد طالب لها ليقتلها، وأنها سألت ~~الرجل أن يخبأها، فخبأها في فمه، وأنكرها للطالب لها. # وحدثني عبد الله بن الحارث بن السراج الواسطي، قال: حدثني بعض أصحاب أبي ~~محمد سهل بن عبد الله التستري، عنه، قال: كان في بني إسرائيل، رجل في صحراء ~~قريبة من جبل، يعبد الله تعالى، إذ مثلت له حية، فقالت له: قد أرهقني من ~~يريد قتلي، فأجرني، أجارك الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله. # قال لها: وممن أجيرك؟ قالت: من عدو يريد قتلي. # قال: وممن أنت؟ قالت: من أهل لا إله إلا الله. # قال: فأين أخبيك؟ قالت: في جوفك، إن كنت تريد المعروف. # ففتح فاه، وقال: ادخلي، ففعلت. # فلما جاء الطالب، قال له: رأيت حية تسعى؟ فقال العابد: ما أرى شيئا، وصدق ~~في ذلك. # فقال له الطالب: الله. # فقال: الله. # فتركه، ومضى، ثم قال لها: اخرجي الآن. # فقالت: إني من قوم لا يكافئون على الجميل إلا بقبيح. # ثم ساق الحديث على قريب مما تقدم. # PageV01P199 # ووقع إلي الخبر بقريب من هذا المعنى، على خلاف هذه السياقة: # قرئ على أبي العباس الأثرم، المقرئ البغدادي، ms053 وهو محمد بن أحمد بن حماد ~~بن إبراهيم بن ثعلب، في منزله بالبصرة، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ~~وثلاث مائة، وأنا حاضر أسمع، حدثكم علي بن حرب الطائي الموصلي، قال: حدثنا ~~جعفر بن المنذر الطائي العابد بمهروبان، قال: كنت عند سفيان بن عيينة، ~~فالتفت إلى شيخ حاضر، فقال له: حدث القوم بحديث الحية. # فقال الرجل: حدثني عبد الجبار، أن حميد بن عبد الله خرج إلى متعبده، ~~فمثلت بين يديه حية، وقالت له: أجرني أجارك الله في ظله. # قال: وممن أجيرك؟ قالت: من عدو يريد قتلي. # قال: فأين أخبئك؟ قالت: في جوفك. # ففتح فاه، فما استقرت، حتى وافاه رجل بسيف مجرد، فقال له: يا حميد أين ~~الحية؟ قال: ما أرى شيئا. # فذهب الرجل، فأطلعت الحية رأسها، وقالت: يا حميد أتحس الرجل؟ # PageV01P200 # فقال: لا، قد ذهب، فاخرجي. # قالت: اختر مني إحدى خصلتين، إما أن أنكتك فأقتلك، أو أفرث كبدك، فترميه ~~من دبرك قطعا. # فقال: والله، ما كافيتني. # فقالت: قد عرفت العدواة التي بيني وبين أبيك آدم قديما، وليس معي مال ~~فأعطيك ولا دابة فأحملك عليها. # فقال: أمهليني، حتى آتي سفح الجبل، وأحفر لنفسي قبرا. # قالت له: افعل. # فبينا هو يسير إذ لقيه فتى حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فقال له: ~~يا شيخ، ما لي أراك مستسلما للموت، آيسا من الحياة؟ قال: من عدو في جوفي ~~يريد هلاكي. # فاستخرج من كمه شيئا فدفعه إليه وقال: كله. # قال: ففعلت ذلك، فوجدت مغصا شديدا، ثم ناولني شيئا آخر، فإذا بالحية سقطت ~~من جوفي قطعا. # فقلت له: من أنت يرحمك الله؟ فما أحد أعظم علي منة منك، فقال: أنا ~~المعروف، إن أهل السماء رأوا غدر هذه الحية بك، فسألوا الله عز وجل، أن ~~يعيذك، فقال لي الله تعالى: يا معروف، أدرك عبدي، فإياي أراد بما صنع # PageV01P201 ### || 71 أهدر عبد الملك دمه فدعا فأمنه وأحسن إليه # بلغني أنه جنى رجل جناية على عهد عبد الملك بن مروان، فأهدر دمه ودم من ~~يؤويه، وأمر بطلبه، فتحاماه ms054 الناس كلهم. # فكان يسيح في الجبال والبراري، ولا يذكر اسمه، فيضاف اليوم واليومين، ~~فإذا عرف طرد ولم يدع أن يستقر. # قال الرجل: فكنت أسيح يوما في بطن واد، فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، ~~عليه ثياب بياض، وهو قائم يصلي، فقنت إلى جنبه. # فلما سلم انفتل إلي، وقال لي: من أنت؟ قلت: رجل أخافني السلطان، وقد ~~تحاماني الناس، فلم يجرني أحد من خلق الله تعالى، فأنا أسيح في هذه ~~البراري، خائفا على نفسي. # قال: فأين أنت عن السبع؟ قلت: وأي سبع؟ قال: تقول: سبحان الله الإله ~~الواحد، الذي ليس غيره أحد، سبحان الدائم الذي ليس يعادله شيء، سبحان ~~الدائم القديم، الذي لا ند له ولا عديل، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي ~~هو كل يوم شأن، سبحان الذي خلق ما يرى، وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء ~~بغير تعليم، اللهم # PageV01P202 # إني أسألك بحق هذه الكلمات وحرمتهن، أن تفعل بي كذا وكذا، وأعادهن علي، ~~فحفظتهن. # قال الرجل: وفقدت صاحبي، فألقى الله تعالى الأمن في قلبي، وخرجت من وقتي ~~متوجها إلى عبد الملك، فوقفت ببابه، واستأذنت عليه، فلما دخلت عليه، قال: ~~أتعلمت السحر؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكن كان من شأني كذا وكذا، ~~وقصصت عليه القصة. # فأمنني، وأحسن إلي. # PageV01P203 ### || يا كاشف الضر بك استغاث من اضطر # وأخبرني صديق لي: أن بعض أصحابنا من الكتاب، دفع إلى محنة صعبة، فكان من ~~دعائه: يا كاشف الضر، بك استغاث من اضطر. # قال: وقد رأيته نقش ذلك على خاتمه، وكان يردد الدعاء به، فكشف الله محنته ~~عن قريب. # PageV01P205 ### || سليمان بن وهب يتخلص من حبسه بدعاء صادف استجابة # حدثني علي بن هشام، قال: سمعت أبا عبد الله حمد بن محمد القنائي، ابن أخت ~~الحسن بن مخلد. # قال مؤلف هذا الكتاب: قال لي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، في كلام ~~جرى بيننا، غير هذا، طويل: كان حمد بن محمد هذا، ابن الجراح عمة الحسن بن ~~مخلد، وكان أبي عرفني أنه أشار على المقتدر بالله، ms055 وقد استشاره # PageV01P206 # فيمن يقلده الوزارة، قال: فأسميت له حمد بن محمد هذا، وأبا عيسى أخا أبي ~~صخرة، وأبا زنبور، ومحمد بن علي بن الحسن المادرائيين. # PageV01P207 # قال: سمعت عبيد الله بن سليمان بن وهب، يقول: كان المتوكل، أغيظ الناس ~~على إيتاخ، وذكر حديثا طويلا، وصف فيه كيف قبض المتوكل على إيتاخ وابنيه ~~ببغداد، لما رجع من الحج، بيد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، قال فيه قال: ~~سليمان بن وهب: ساعة قبض على إيتاخ ببغداد، # PageV01P208 # قبض علي بسر من رأى، وسلمت إلى عبيد الله بن يحيى. # وكتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم، بدخول سر من رأى، ليتقوى به على ~~الأتراك، لأنه كان معه بضعة عشر ألفا، ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وشدة ~~شوكتهم. # فلما دخل إسحاق سامراء، أمر المتوكل بتسليمي إليه، وقال: هذا عدوي، ففصل ~~لحمه عن عظمه، هذا كان يلقاني في أيام المعتصم، فلا يبدأني بالسلام، فأبدأه ~~به لحاجتي إليه، فيرد علي كما يرد المولى على عبده، كل ما دبره إيتاخ، فعن ~~رأيه. # فأخذني إسحاق، وقيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف، وحبسني في # PageV01P209 # كنيف، وأغلق علي خمسة أبواب، فكنت لا أعرف الليل من النهار. # فأقمت على ذلك عشرين يوما، لا يفتح علي الباب إلا دفعة واحدة في كل يوم ~~وليلة، يدفع إلى فيها خبز وملح جريش، وماء حار، فكنت آنس بالخنافس، وبنات ~~وردان، وأتمنى الموت من شدة ما أنا فيه. # فعرض لي ليلة من الليالي، أن أطلت الصلاة، وسجدت، فتضرعت إلى الله تعالى، ~~ودعوته بالفرج، وقلت في دعائي: اللهم، إن كنت تعلم أنه كان لي في دم نجاح ~~بن سلمة صنع، فلا تخلصني مما أنا فيه، وإن كنت تعلم أنه لا صنع لي فيه، ولا ~~في الدماء التي سفكت، ففرج عني. # فما استتممت الدعاء، حتى سمعت صوت الأقفال تفتح، فلم أشك أنه القتل، ~~ففتحت الأبواب، وجيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي. # فقلت لحاجبه: سألتك بالله، اصدقني عن أمري. # فقال: ما أكل الأمير اليوم شيئا، لأنه أغلظ عليه في أمرك، وذلك أن # PageV01P210 # أمير المؤمنين ms056 وبخه بسببك، وقال: سلمت إليك سليمان بن وهب تسمنه أو ~~تستخرج ماله؟ فقال الأمير: أنا صاحب سيف، ولا أعرف المناظرة على الأموال ~~ووجوهها، ولو قرر أمره على شيء لطالبته به. # فأمر أمير المؤمنين الكتاب بالاجتماع عند الأمير لمناظرتك، وإلزامك مالا ~~يؤخذ به خطك، وتطالب به، وقد اجتمعوا، واستدعيت لهذا. # قال: فحملت إلى المجلس، فإذا فيه موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج، ~~والحسن بن مخلد، صاحب ديوان الضياع، وأحمد بن إسرائيل الكاتب، وأبو نوح ~~عيسى بن إبراهيم، كاتب الفتح بن خاقان، # PageV01P211 # وداود بن الجراح، صاحب الزمام، فطرحت في آخر المجلس. # فشتمني إسحاق أقبح شتم، وقال: يا فاعل، يا صانع، تعرضني لاستبطاء أمير ~~المؤمنين، والله، لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأرض أحب إليك من ~~ظهرها، أين الأموال؟ . # فاحتججت بنكبة ابن الزيات لي. # فبدرني الحسن بن مخلد، فقال: أخذت من الناس أضعاف ما أديت، وعادت يدك إلى ~~كتبة إيتاخ، فأخذت ضياع السلطان، واقتطعها لنفسك، وحزتها سرقة إليك، وأنت ~~تغلها ألفي ألف درهم، وتتزيا بزي الوزراء، وقد بقيت عليك من تلك المصادرة ~~جملة لام تؤدها، وأخذت الجماعة تواجهني بكل قبيح، إلا موسى بن عبد الملك، ~~فإنه كان ساكتا لصداقة كانت بيني وبينه. # فأقبل من بينهم على إسحاق، وقال: يا سيدي، أتأذن لي في الخلوة به لأفصل ~~أمره؟ قال: افعل. # فاستدناني، فحملت إليه، فسارني، وقال: عزيز علي يا أخي حالك، وبالله لو ~~كان خلاصك بنصف ما أملكه لفديتك به، ولكن صورتك قبيحة، وما أملك إلا الرأي، ~~فإن قبلت مني، رجوت خلاصك، وإن # PageV01P212 # خالفتني، فأنت، والله، هالك. # قال: فقلت: لا أخالفك. # قال: الرأي أن تكتب خطك بعشرة آلاف ألف درهم، تؤديها في عشرة أشهر، عند ~~انقضاء كل شهر ألف ألف درهم، وتترفه عاجلا مما أنت فيه. # فسكت سكوت مبهوت، فقال لي: ما لك؟ . # فقلت له: والله، ما أرجع إلى ربعها، إلا بعد بيع عقاري، ومن يشتري مني ~~وأنا منكوب، وكيف يتوفر لي الثمن وأنا على هذه الحالة؟ . # فقال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن احرس ms057 نفسك عاجلا بعظم ما تبذله، ويطمع فيه ~~من جهتك، وأنا من وراء الحيلة لك في شيء أميل به رأي الخليفة من جهتك، يعود ~~إلى صلاحك، والله المعين، ومن ساعة إلى ساعة فرج، ولا تتعجل الموت، ولو لم ~~تستفد إلا الراحة مما أنت فيه يوما واحدا، لكفى. # قال: فقلت: لست أتهم ودك ولا رأيك، وأنا أفعل ما تقول. # فأقبل على الجماعة، وقال: يا سادتي، إني قد أشرت عليه أن يكتب خطه بشيء ~~لا يطيقه، فضلا عما هو أكثر منه، ورجوت أن نعاونه بأموالنا وجاهنا، ليمشي ~~أمره، وقد واقفته ليكتب بكذا وكذا. # فقالوا: الصواب له أن يفعل هذا. # فدعا لي بدواة وقرطاس، وأخذ خطي بالمال على نجومه، فلما أخذه، قام قائما، ~~وقال لإسحاق: يا سيدي، هذا رجل قد صار عليه للسلطان، أعزه الله، مال، ~~وسبيله أن يرفه، وتحرس نفسه، وينقل من هذه الحال # PageV01P213 # ويغير زيه، يرد جاهه، بإنزاله دارا كبيرة، وإخدامه بفرش وآلة حسنة، ~~وإخدامه خداما بين يديه، ويمكن من لقاء من يؤثر لقاءه من معامليه، ومن يحب ~~لقاءه من أهله وولده وحاشيته، ليجد في حمل المال الحال عليه، قبل محله، ~~ونعينه نحن، ويبيع أملاكه، ويرتجع ودائعه ممن هي عنده. # فقال إسحاق: الساعة أفعل ذلك، وأبلغه جميع ما ذكرت، وأمكنه منه، ونهضت ~~الجماعة. # فأمر إسحاق بفك حديدي، وإدخالي الحمام، وجاءني بخلعة حسنة، وطيب، وبخور، ~~فاستعملته، واستدعاني، فلما دخلت عليه، نهض إلي، ولم يكن في مجلسه أحد، ~~واعتذر إلى مما خاطبني به، وقال: أنا صاحب سيف، ومأمور، وقد لحقني اليوم من ~~أجلك سماع كل مكروه، حتى امتنعت عن الطعام غما بأن أبتلى بقتلك، أو يعتب ~~الخليفة علي من أجلك، وإنما خاطبتك بذلك، لإقامة عذر عند هؤلاء الأشرار، ~~ليبلغوا الخليفة ذلك، وجعلته وقاية لك من الضرب والعذاب، فشكرته، وقلت ما ~~حضرني من الكلام. # فلما كان من الغد، حولني إلى دار كبيرة، واسعة، حسنة، مفروشة، ووكل بي ~~فيها، على إحسان عشرة وإجلال، فاستدعت كل من أريده، وتسامع بي أصحابي، ~~فجاءوني وفرج الله عني. # ومضت سبعة ms058 وعشرون يوما، وقد أعددت ألف ألف درهم، مال النجم # PageV01P214 # الأول، وأنا أتوقع أن يحل، فأطالب، فأؤديه، فإذا بموسى بن عبد الملك قد ~~دخل إلي، فقمت إليه، فقال: أبشر. # فقلت: ما الخبر يا سيدي؟ . # فقال: ورد كتاب عامل مصر، بمبلغ مال مصر لهذه السنة مجملا في مبلغ الحمل ~~والنفقات، إلى أن ينفذ حسابه مفصلا، فقرأ عبيد الله ذلك على المتوكل، فوقع ~~إلى ديواني بإخراج العبرة لمصر، ليعرف أثر العامل، فأخرجت ذلك من ديوان ~~الخراج والضياع، لأن مصر تجري في ديوان الخراج والضياع وينفذ حسابها إلى ~~الديوانين، كما قد علمت، وجعلت سنتك التي توليت فيها عمالة مصر، مصدرة، ~~وأوردت بعدها السنين الناقصة عن سنتك، تلطفا في خلاصك، وجعلت أقول: النقصان ~~في سنة كذا عن سنة كذا وكذا التي صدرناها، كذا وكذا ألفا. # فلما قرأ عبيد الله العمل على المتوكل، قال: فهذه السنة الوافرة، من كان ~~يتولى عمالتها؟ . # فقلت أنا: سليمان بن وهب يا أمير المؤمنين. # فقال المتوكل: فلم لا يرد إليها؟ # PageV01P215 # فقلت: وأين سليمان بن وهب؟ ذاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر. # فقال: تزال عنه المطالبة، ويعان بمائة ألف درهم، ويعجل إخراجه. # فقلت: وترد ضياعه يا أمير المؤمنين، ليرجع جاهه. # قال: ويفعل ذلك، وقد تقدم إلى عبيد الله بهذا، واستأذنته في إخراجك، فأذن ~~لي، فقم بنا إلى الوزير، وقد كان دخل إلى إسحاق برسالة الخليفة بإطلاقي. # فخرجت من وقتي، ولم أؤد من مال النجم الأول حبة واحدة، ورددته إلى موضعه. # وجئت إلى عبيد الله، فوقع لي بمائة ألف درهم معونة على سفري، ودفع إلي ~~عهدي على مصر، فخرجت إليها. # PageV01P216 ### || دعوة مستجابة # حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق الأهوازي أحد شهود أبي بها. # عن مسرور بن عبد الله الأستادي، قال: حزبني أمر ضقت به ذرعا، فأتيت يحيى ~~بن خالد الأزرق، وكان مستجاب الدعوة، فرآني مكروبا قلقا، فقال لي: ما شأنك؟ ~~فقلت: دفعت إلى كيت وكيت. # فقال لي: استعن بالصبر، فإن الله وعد الصابرين خيرا. # فقلت له: ادع لي، فحرك شفتيه بشيء لا أعلم ms059 ما هو، فانصرفت على جملتي من ~~القلق، فلما أصبحت أتاني الفرج بإذن الله تعالى. # قال مؤلف هذا الكتاب: ويحيى بن خالد هذا، هو جد عبد الله بن محمد بن يحيى ~~الأهوازي الكاتب، وعبد الله هذا جدي لأمي. # PageV01P222 ### || دعاء لشفاء العلل # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسة البصري، قال: اعتللت علة شديدة، أيست ~~فيها من نفسي، على شدة كنت فيها، فعادني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد ~~الله التستري، فقال: كان أبو محمد سهل، يدعو الله في علله، بدعاء ما دعا به ~~أحد إلا عوفي. # فقلت: وما هو؟ فقال: قل: اللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وعافني من ~~بلائك. # قال: فواصلت الدعاء بذلك، فعوفيت. # PageV01P223 ### || غلام نازوك وكتاب العطف # حدثني أبو الحسن احمد بن يوسف الأزرق، بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ~~التنوخي، عن أبي الحسين بن البواب المقرئ، قال: كان يصحبنا على القرآن، رجل ~~مستور صالح، يكنى أبا أحمد، وكان يكتب كتب العطف للناس، فحدثني يوما، قال: ~~بقيت يوما بلا شيء، وأنا جالس في دكاني، وقد دعوت الله أن يسهل قوتي، فما ~~استتممت الدعاء، حتى فتح باب دكاني غلام أمرد، حسن الوجه جدا، فسلم علي ~~وجلس. # فقلت له: ما حاجتك؟ فقال: أنا عبد مملوك، وقد طردني مولاي، وغضب علي، ~~وقال: انصرف عني إلى حيث شئت، وما أعددت لنفسي من أطرحها عليه في مثل هذا ~~الوقت، ولا أعرف من أقصده، وقد بقيت متحيرا في أمري، وقيل لي إنك تكتب كتب ~~العطف، فاكتب لي كتابا. # فكتب له الكتاب الذي كنت أكتبه، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، # PageV01P224 # الحمد لله رب العالمين إلى آخر ال { [، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، و: ~~الكرسي، و] لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} [الحشر: 21] . . . إلى آخر ~~ال { [، وكتبت آيات العطف، وهي:] لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} [سورة الأنفال: 63] . . . الآية، {ومن آياته ~~أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ms060 وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: ~~21] إلى آخر الآية، {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] إلى آخر الآية. # وقلت له: خذ هذه الرقعة، فشدها على عضدك الأيمن، ولا تعلقها عليك إلا ~~وأنت طاهر. # فأخذها وقام وهو يبكي، وطرح بين يدي دينارا عينا، فداخلتني له رحمة، ~~فصليت ركعتين، ودعوت له أن ينفعه الله بكتاب، ويرد عليه قلب # PageV01P225 # مولاه، وجلست. # فما مضت إلا ساعتان، وإذا بأبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، وكان ~~خليفته على الشرطة، قد جاءني، فقال لي: أجب الأمير نازوك، فارتعت. # فقال: لا بأس عليك، وأركبني بغلا، وجاء بي إلى دار نازوك، فتركني في ~~الدهليز ودخل. # PageV01P226 # فلما كان بعد ساعة، أدخلت، فإذا نازوك جالس في دست عظيم، وبين يديه ~~الغلمان قياما سماطين، نحو ثلاث مائة غلام وأكثر، وكاتبه الحسين جالس بين ~~يديه، ورجل آخر لا أعرفه. # فارتعت، وأهويت لأقبل الأرض، فقال: مه، عافاك الله، لا تفعل، هذا من سنن ~~الجبارين، وما نريد نحن هذا، اجلس يا شيخ، ولا تخف، فجلست. # فقال لي: جاءك اليوم غلام أمرد، فكتبت له كتابا للعطف؟ قلت: نعم. # قال: اصدقني عما جرى بينكما، حرفا، حرفا. # فأعدته عليه، حتى لم أدع كلمة، وتلوت عليه الآيات التي كتبتها. # فلما بلغت إلي قول الغلام: أنا عبد مملوك، وما أعددت لنفسي من أقصده في ~~هذه الحال، ولا أعرف أحدا ألجأ إليه، وقد طردني مولاي، بكيت لما تداخلني من ~~رحمة له، وأريته الدينار الذي أعطانيه، فدمعت عينا نازوك وتجلد، واستوفى ~~الحديث. # وقال: قم يا شيخ، بارك الله عليك، ومهما عرضت لك من حاجة، أو لجار لك، أو ~~صديق فسلنا إياها، فإنا نقضيها، وأكثر عندنا وانبسط في هذه الدار، فإنك غير ~~محجوب عنها، فدعوت له وخرجت. # فلما صرت خارج باب المجلس، إذا بغلام قد أعطاني قرطاسا فيه ثلاث مائة ~~درهم، فأخذته وخرجت. # فلما صرت في الدهليز، إذا بالفتي، فعدل بي إلى موضع وأجلسني. # PageV01P227 # فقلت: ما خبرك؟ فقال: أنا غلام الأمير، وكان قد طردني، وغضب ms061 علي، فلما أن ~~جئتك، واحتبست عندك، طلبني، فرجعت مع رسله. # فقال لي: أين كنت؟ فصدقته الحديث، فلم يصدقني، وأمر بإحضارك، فلما اتفقنا ~~في الحديث، وخرجت الساعة، أحضرني، وقال: يا بني، أنت الساعة من أجل غلماني ~~عندي، وأمكنهم من قلبي، وأخصهم بي، إذ كنت لما غضبت عليك ما غيرك ذلك عن ~~محبتي، والرغبة في خدمتي، وطلب الحيل في الرجوع إلي , وانكشف لي أنك ما ~~أعددت لنفسك، بعد الله، سواي، ولا عرفت وجها تلجأ إليه في الدنيا غيري، فما ~~ترى بعد هذا إلا كل ما تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أعلى مراتب نظرائك، ~~ولعل الله سبحانه استجاب فيك دعاء هذا الرجل الصالح، ونفعك بالآيات، فبأي ~~شيء كافأت الرجل؟ . # فقلت: ما أعطيته غير ذلك الدينار. # فقال: سبحان الله، قم إلى الخزانة، فخذ منها ما تريد، وأعطه. # فأخذت منها هذا القرطاس، وجئتك به، فخذه، وأعطاني أيضا خمس مائة درهم، ~~وقال لي: الزمني، فإني أحسن إليك. # فجئته بعد مديدة، فإذا هو قائد جليل، وقد بلغ به نازوك تلك المنزلة، ~~فوصلني بصلة جليلة، وصار لي عدة على الدهر وذخيرة. # PageV01P228 ### || جور أبي عبد الله الكوفي # حدثني محمد بن محمد المهندس، قال: حدثني أبو مروان الجامدي، قال: ظلمني ~~أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، وهو يتقلد واسط لناصر الدولة، وقد تقلد إمرة ~~الأمراء ببغداد، وكنت أحد من ظلم، فظلمني، وأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفا ~~وأربعين كرا أرزا، بالنصف من حق الرقبة، بغير # PageV01P230 # تأويل ولا شبهة، سوى ما أخذه بحق بيت المال، وظلم فيه أيضا، فتظلمت إليه، ~~وكلمته، فلم ينفعني معه شيء، وكان الكر الأرز بالنصف، إذ ذاك، بثلاثين ~~دينارا. # فقلت له: قد أخذ مني سيدي ما أخذ، والله، ما أهتدي أنا وعيالي، إلى ما ~~سوى ذلك، وما لي ما أقوتهم به باقي سنتي، ولا ما أعمر به ضيعتي، وقد طابت ~~نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وجعلتك من الباقي في حل. # فقال: ما إلى هذا سبيل. # فقلت: فخمسة أكرار. # فقال: لا أفعل. # فبكيت، وقبلت يده، ورققته، ms062 وقلت: هب لي ثلاثة أكرار، وتصدق علي بها، وأنت ~~من الجميع في حل. # فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة. # فتحيرت، وقلت: فإني أتظلم منك إلى الله تعالى. # فقال لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، ويكسر الميم، بلسان أهل الكوفة. # فانصرفت منكسر القلب، منقطع الرجاء، فجمعت عيالي، ومن زلنا ندعو عليه ~~ليالي كثيرة، فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، فجئت إلى ~~البيدر، والأرز مطروح، فأخذته، وحملته إلى منزلي، وما عاد الكوفي بعدها إلى ~~واسط، ولا أفلح. # PageV01P231 ### || من طريف ما اتفق لابن مقلة في نكبته التي أدته إلى الوزارة # وحدثني غير من الكتاب، عمن سمع أبا علي بن مقلة، لما عاد من فارس وزيرا، ~~يحدث، قال: من طريف ما اتفق لي في نكبتي هذه التي أدتني إلى الوزارة، أنني ~~أصبحت # PageV01P232 # وأنا محبوس مقيد في حجرة من دار ياقوت، أمير فارس، وقد لحقني من اليأس من ~~الفرج وضيق الصدر ما أقنطني وكاد يذهب بعقلي، وكنا، أنا وفلان محبوسين، ~~مقيدين، في بيت واحد من الحجرة، إلا أنا على سبيل ترفيه وإكرام. # فدخل علينا كاتب لياقوت، وكان كثيرا ما يجيئنا برسالته، فقال: الأمير ~~يقرئكما السلام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عليكما قضاء حاجة إن كانت لكما. # فقلت له: تقرأ عليه السلام، وتقول له: قد، والله، ضاق صدري، واشتهيت أن ~~أشرب على غناء طيب، فإن جاز أن يسامحنا بذلك سرا، ويتخذ به منة علي ويدا، ~~تفضل بذلك. # فقال لي المحبوس الذي كان معي: يا هذا، ما في قلوبنا فضل لذلك. # فقلت للكاتب: أد عني ما قلت لك. # PageV01P233 # قال: السمع والطاعة , ومضى، وعاد فقال: الأمير يقول لك: نعم، وكرامة ~~وعزازة، أي: وقت شئت. # فقلت: الساعة. # فلم تمض إلا ساعة، حتى جاءوا بالطعام، فأكلنا، وبالمشام والفواكه ~~والنبيذ، وصف المجلس، فجلست أنا والمحبوس الذي معي في القيدين. # وقلت له: تعال، حتى نشرب، ونتفاءل بأول صوت تغنيه المغنية، في سرعة الفرج ~~مما نحن فيه فلعله يصح الفأل. # فقال: أما أنا فلا أشرب، فلم أزل أرفق به حتى شرب، ms063 فكان أول صوت غنته ~~المغنية:. # تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وقالوا لراعي الذود موعدك السبت # ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت # قال أبو علي: ذكر المبرد في كتابه المعروف بالكامل، البيت الأول، ورواه ~~لمحمد بن يسير. # فقال لي: ما هذا مما يتفاءل به، وأي معنى فيه، مما يدل على فرجنا؟ فقلت: ~~ما هو إلا فأل مبارك، وأنا أرجو أن يفرق الله بيننا وبين هذه الحالة التي ~~نحن عليها، ويبين الفرج والصلاح، يوم السبت. # قال: وأخذنا في شربنا يومنا، وسكرنا، وانصرفت المغنية، ومضت الأيام. # فلما كان يوم السبت، وقد مضى من النهار ساعتان، إذا بياقوت قد دخل علينا، ~~فارتعنا، وقمت إليه، فقال: أيها الوزير، الله، الله، في أمري، # PageV01P234 # وأقبل إلى مسرعا، وعانقني، وأجلسني، وأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، ولم يكن ~~عندي علم بشيء من الأمر، ولا مقدمة له. # فاخرج إلى كتابا ورد عليه من القاهر بالله، يعلمه فيه بما جرى على ~~المقتدر، ومبايعة الناس له بالخلافة، ويأمره بأخذ البيعة على من بفارس من ~~الأولياء، وفيه تقليده إياي الوزارة، ويأمره بطاعتي، وسلم إلي أيضا كتابا ~~من القاهر، يأمرني فيه بالنظر في أموال فارس، والأولياء بها، واستصحاب ما ~~يمكنني من المال، وتدبير أمر البلد بما أراه، والبدار إلى حضرته، وأنه ~~استخلف لي، إلى أن أحضر، الكلوذاني. # فحمدت الله كثيرا، وشكرته، وإذا الحداد واقف، فتقدمت إليه بفك قيودي ~~وقيود الرجل، ودخلت الحمام، وأصلحت أمري وأمر الرجل، وخرجت، # PageV01P235 # فنظرت في الأعمال والأموال، وجمعت مالا جليلا في أيام يسيرة، وقررت أمور ~~البلد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إلى الحضرة، حتى جلست هذا المجلس، وفرج ~~الله عنا. # PageV01P236 ### || أبو أيوب يرفع شكواه إلى الله تعالى برقعة يعلقها في المحراب # قال: محمد بن عبدوس، في كتابه (كتاب الوزراء) : وجدت بخط أبي علي أحمد بن ~~إسماعيل الكاتب، حدثني أحمد بن أبي الأصبغ، قال: وجهني عبيد الله بن يحيى، ~~إلى أبي أيوب، ابن أخت أبي الوزير، أيام تقلد أبي صالح عبد الله بن محمد بن ~~يزداد الوزارة، وكان ابن يزداد، ms064 # PageV01P237 # يقصد أبا أيوب ويعاديه. # فقال لي عبيد الله: القه، وسهل عليه الأمر، وقل له: أرجو أن يكفيك الله ~~شره. # فوصلت إليه وهو يصلي، وقد علق في محرابه رقعة، فأنكرتها، وأديت إليه ~~الرسالة. # فقال لي: قل له: جعلت فداك، لست أغتم بشيء، لأن أمره قريب، وقد رفعت فيه ~~إلى الله تعالى قصة إذ أعجزني المخلوقون، أما تراها معلقة في القبلة؟ فكاد ~~يغلبني الضحك، فضبطت نفسي، وانصرفت إلى عبيد الله، فحدثته الحديث، فضحك ~~منه. # قال: فوالله، ما مضت بابن يزداد إلا أيام يسيرة، حتى سخط عليه وصرف. # فاتفق لأبي أيوب الفرج، ونزل بابن يزداد المكروه، في مثل المدة التي تخرج ~~فيها التوقيعات في القصص. # PageV01P238 ### || أبو نصر الواسطي يتظلم إلى الإمام موسى الكاظم برقعة علقها على قبره # قال: مؤلف الكتاب: وأنا شاهدت مثل هذا، وذلك أن أبا الفرج محمد ابن ~~العباس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشر على الناس، والظلم لهم، ~~بخلاف ما كان يقدر فيه، وكنت أحد من ظلمه، فإنه أخذ ضيعتي بالأهواز، ~~وأقطعها بالحقين، وأخرجها عن يدي. # PageV01P239 # فأصعدت إلى بغداد متظلما إليه من الحال، فما أنصفني، على حرمات كانت بيني ~~وبينه، وكنت أتردد إلى مجلسه، فرأيت فيه شيخا من شيوخ العمال، يعرف بأبي ~~نصر محمد بن محمد الواسطي، أحد من كان يتصرف في عمالات بنواحي الأهواز، ~~وكان صديقا لي، فسألته عن أمره، فذكر أن الحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ~~ضمن أعمال الخراج والضياع بنهر تيرى، وبها منزل أبي نصر هذا، وأنه طالبه ~~بظلم لا يلزمه، فبعد عن البلد، فكبس داره، وأخذ جميع ما كان فيها، وكان ~~فيما أخذ، عهد ضياعه كلها، وأنه حضر للوزير محمد بن العباس متظلما منه، ~~فلما عرف الحسن بن بختيار ذلك، أنفذ بالعهد إلى الوزير، وقال له: قد أهديت ~~إليك هذه الضياع، فقبل الوزير منه ذلك، وكتب إلى وكيله في ضيعته بالأهواز، ~~فأدخل يده في ضياعي، وقد تظلمت إليه، فلم ينصفني. # فلما كان بعد أيام، دخلت المشهد بمقابر قريش، فزت موسى بن # PageV01P240 # جعفر، وعدلت ms065 إلى موضع الصلاة لأصلي، فإذا بقصة معلقة، بخط أبي نصر هذا، ~~وقد كتبها إلى موسى بن جعفر، يتظلم فيها من محمد بن العباس، ويشرح أمره، ~~ويتوسل في القصة، بمحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، وباقي الأئمة عليهم ~~السلام، أن يأخذ له بحقه من محمد بن العباس، ويخلص له ضياعه. # فلما قرأت الورقة، عجبت من ذلك عجبا شديدا، ووقع علي الضحك، لأنها قصة ~~إلى رجل ميت، وقد علقها عند رأسه، وكنت عرفت أبا نصر بمذهب الإمامية الاثنى ~~عشرية، فظننت أنه مع هذا الاعتقاد كان أكبر قصده أن يشنع على الوزير بالقصة ~~عند قبر موسى بن جعفر عليه السلام، وكان كثير الزيارة له، أيام وزارته، ~~وقبلها، وبعدها، ليعلم أن الرجل على مذهبه، فيتذمم من ظلمه، ويرهب الدعاء ~~في ذلك المكان، فانصرفت. # فلما كان بعد أيام، كنت في المشهد، وجاء الوزير، فرأيته يلاحظ الرقعة، ~~فعلمت أنه قد قرأها، ومضى على هذا الحديث مدة، وما رهب القصة، # PageV01P241 # ولا أنصف الرجل. # وامتدت محنة الرجل شهورا، ورحل محمد بن العباس إلى الأهواز، للنظر في ~~أبواب المال، وتقرير أمر العمال، وأقمت أنا ببغداد، لأنه لم يكن أنصفني، ~~ولا طمعت في إنصافه إياي لو صحبته، وانحدر أبو نصر في جملة من انحدر معه. # فلما صار بالمأمونية قرية حيال سوق الأهواز، وهو يريد دخولها من غد ورد ~~من بغداد كتاب إلى بختكين التركي مولى معز الدولة، المعروف بآزاذرويه، وكان ~~يتقلد الحرب والخراج، وبالأهواز وكورها، فقبض عليه، وقبض على أمواله، ~~وقيده، ومضى أبو نصر إلى ضياعه، فأدخل يده فيها، وكفي ما كان من أمر ~~الوزير، واستقرت ضياعه في يده إلى الآن. # وأقمت أنا سنين أتظلم من تلك المحنة التي ظلمني فيها محمد بن العباس، فما ~~أنصفني أحد، وأيست، وخرجت تلك الضيعة من يدي، فما عادت إلى الآن. # وصح لأبي نصر، بقصته، ما لم يصح لي، وكانت محنته ومحنتي واحدة، ففاز هو ~~بتعجيل الفرج بها، من حيث لم يغلب على ظني أن أطلب الفرج منه. # PageV01P242 ### || أحمد بن أبي خالد، يبلغه أن جارية ms066 له توطئ فراشه غيره # قال: محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: إن إبراهيم بن العباس الصولي. # قال: كنت أكتب لأحمد بن أبي خالد، فدخلت عليه يوما، فرأيته مطرقا، مفكرا، ~~مغموما، فسألته عن الخبر. # فأخرج إلي رقعة، فإذا فيها أن حظية من أعز جواريه عنده، يخالف إليها، ~~وتوطئ فراشه غيره، ويستشهد في الرقعة، بخادمين كانا ثقتين عنده. # وقال لي: دعوت الخادمين، فسألتهما عن ذلك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على ~~الإنكار، فضربتهما، وأحضرت لهما آلة العذاب، فاعترفا بكل ما في الرقعة على ~~الجارية، وإني لم أذق أمس ولا اليوم طعاما، وقد هممت بقتل الجارية. # فوجدت بين يديه مصحفا، ففتحته لأتفاءل بما يخرج فيه، فكان أول ما وقعت ~~عيني عليه: {يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] ~~الآية، فشككت في صحة الحديث، وأريته ما خرج به الفأل. # PageV01P243 # وقلت: دعني أتلطف في كشف هذا. # قال: افعل. # فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بأحدهما، فقال: النار ولا العار، وذكر أن ~~امرأة ابن أبي خالد، أعطته ألف دينار، وسألته الشهادة على الجارية، وأحضرني ~~الكيس مختوما بخاتم المرأة، وأمرته أن لا يذكر شيئا إلا بعد أن يوقع به ~~المكروه، ليكون أثبت للخبر، ودعوت الآخر، فاعترف بمثل ذلك أيضا. # فبادرت إلى أحمد بالبشارة، فما وصلت إليه، حتى جاءته رقعة الحرة، تعلمه ~~أن الرقعة الأولى كانت من فعلها، غيرة عليه من الجارية، وأن جميع ما فيها ~~باطل، وأنها حملت الخادمين على ذلك، وأنها تائبة إلى الله تعالى من هذا ~~الفعل وأمثاله. # فجاءته براءة الجارية من كل وجه فسر بذلك، وزال عنه ما كان فيه، وأحسن ~~إلى الجارية. # PageV01P244 ### || سبب خروج أحمد بن محمد بن المدبر إلى الشام # حدثني أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر، الشاهد، المقرئ، المعروف بغلام ~~ابن مجاهد، قال: حدثني أبو الحسين الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، ~~قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر، قال: كان بدء خروجي إلى ~~الشام، أن المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، فخلا به # PageV01P247 # الكتاب هناك، فأحكموا على القصة وأنا لا أعلم، ms067 ثم بعثوا إلي، وأنا لا ~~أدري، فحضرت وهم مجتمعون، فقالوا لي: وكان المخاطب لي موسى بن عبد الملك. # فقال لي: قد جرت أسباب أوجبت أن أمير المؤمنين أمر أن تخرج إلى الرقة، ~~فكم تحتاج لنفقتك؟ فقلت: أما خروجي، فالسمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأما ~~الذي أحتاج إليه للنفقة، فهو ثلاثون ألف درهم. # فما برحت، حتى دفعت إلي، وقالوا: اخرج الساعة. # فقلت: أودع أمير المؤمنين. # فقالوا: ما إلى ذلك سبيل. # فقلت: أصلح من شأني. # فقالوا: ولا هذا، وأخذ موسى يعرض لي، أن السلطان قد سخط علي، وأن الصواب ~~الخروج، وترك الخلاف. # وأقبل يقول: إن السلطان إذا سخط على الرجل، فالصواب لذلك الرجل أن ينتهي ~~إلى أمره كله، وأن لا يراجعه في شيء، وينبغي أن يعلم أن التباعد عن ~~السلطان، له فيه الحظ. # فقلت: يكفي الله ويلطف. # PageV01P248 # فوكلوا بي جماعة، حتى خرجت من البلد، وأنا في حالة، الأسر عندي أحسن منها ~~وأطيب، وحثوا بي السير. # فلما قاربت الرقة، وأردت الدخول إليها، أدركنا الليل، فإذا بأعرابي في ~~ناحية عني، ومعه إبل يحدوها، ويقول: # كم مرة حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره # قال: ولم يزل يكرر ذلك، فحفظته، وتبركت بالفأل، ودخلت الرقة، فلم أقم بها ~~إلا أياما يسيرة، حتى ورد كتاب أمير المؤمنين بالخروج إلى الشام للتعديل، ~~وأجرى على مائة ألف درهم، وذكر أن هذا عمل جليل، كان المأمون خرج فيه ~~بنفسه، لجلالته وعظم خطره، وأنه رآني أهلا له. # فخرجت، فرأيت كل ما أحب، حتى لو بذلت لي العراق بأسرها، على فراق تلك ~~الناحية، ما سمحت نفسا بذلك، فلله الحمد والمنة. # وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء، فقال: حدثني أبو الحسين ~~عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني جدك ~~أحمد بن محمد بن مدبر، وكان جده لأمه، وحدثني أنه لم يره قط، أن المتوكل ~~خرج إلى المحمدية سنة إحدى وأربعين ومائتين متنزها، فأتاني رسوله، وأحضرني، ~~فحضرت، فوجدت عبيد الله بن يحيى، # PageV01P249 # والحسن بن مخلد، وأحمد ms068 بن الخصيب، وجماعة من الكتاب حضورا. # فقال لي عبيد الله بن يحيى: إن أمير المؤمنين يقول لك: قد فسد علينا أمر ~~الرقة، ثم ذكر نحوا من الحديث الأول، إلا أنه لم يكن فيه إطلاق ثلاثين ألف ~~درهم، بل قال: فخرجت وما أقدر على نفقة، ففكرت فيمن أقصده، واستعين بماله، ~~فما ذكرت غير المعلى بن أيوب، وكانت بيني وبينه وحشة، فكتبت إليه رقعة حملت ~~نفسي على الصعب فيها، فوجه إلي خمسة آلاف دينار، فتحملت بها. . . ثم ذكر ~~باقي الحديث، على سياقة الخبر الأول، إلا أنه قال: إن الذي أجري عليه، لما ~~أمر بالخروج للتعديل، في كل شهر مائة ألف وعشرين ألف درهم. # قال: فشخصت إليها، ولو أعطيت الآن بقصري فيها، سر من رأى كلها، ما سمحت ~~نفسا بذلك. # وكان قصره بالرملة، وكان جليلا. # PageV01P250 ### || بين الحسن بن علي عليهما السلام ومعاوية بن أبي سفيان # 1: 251 أخبرني أبو طالب محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، فيما أجاز لي ~~روايته عنه، بعد ما سمعته منه من حديث، قال: حدثني أبو سعيد أحمد بن الصقر ~~بن ثوبان، مستملي بندار، وكتبه لنا بخطه، ونقلته أنا من أصل أبي طالب، الذي ~~ذكر أنه بخط أبي سعيد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي، قال: بعث معاوية إلى الحسن بن علي، أو ~~الحسين بن علي عليهما السلام، ودعا بضبارة سياط، فوضعها بين يديه، فلما دخل ~~الحسن عليه السلام أخذ السياط فرمى بها، ومد يده إليه، وقال: مرحبا بسيد ~~شباب قريش ودعا بعشرة آلاف دينار، وقال: استعن بها على زمانك، فلما # PageV01P251 # خرج تبعه الحاجب، فقال له: يابن رسول الله، إنا نخدم هذا السلطان، ولسنا ~~نأمن بادرته، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما هو؟ فقال: أعلمك، على أن لا ~~تعلم أحدا من آل معاوية. # قال: نعم. # قال: إذا وقعت في شدة أو مكروه، أو خفت من سلطان، فقل: لا إله إلا الله ~~الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، ms069 لا إله إلا الله الكبير ~~المتعال، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب ~~العالمين، اللهم جل ثناؤك، وعز جارك، ولا إله غيرك، اللهم إني أعوذ بك من ~~شر فلان، وأتباعه، وأشياعه، من الجن والإنس، أن يفرطوا علي، أو أن يطغوا # PageV01P252 ### || لا إله إلا الله الحليم الكريم # 1: 253 أخبرني القاضي أبو طالب إجازة، قال: حدثنا أبو سعيد، قال: حدثني ~~سهل بن محمد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا ~~مسعر، عن أبي بكر بن حفص، عن الحسن بن أبي الحسن: أن عبد الله بن جعفر، لما ~~أراد أن يهدي ابنته إلى زوجها، خلا بها، فقال لها: إذا نزل بك أمر فظيع من ~~أمور الدنيا، أو الموت، فاستقبليه بقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا ~~إله إلا الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين قال الحسن: فبعث إلي ~~الحجاج، فقلتهن، فلما مثلت بين يديه، قال: لقد بعثت إليك وأنا أريد قتلك، ~~واليوم ما أحد أكرم علي منك، فسل حوائجك # PageV01P253 ### || دعاء يعقوب الذي نال به الفرج # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثني المثني بن عبد الكريم، قال: حدثني زافر بن سليمان، ~~عن يحيى بن سليم، قال: بلغني أن ملك الموت، استأذن ربه عز وجل، أن يسلم على ~~يعقوب، فأذن له، فأتاه، فسلم عليه. # فقال له يعقوب: بالذي خلقك، أقبضت روح يوسف؟ قال: لا، ولكني أعلمك كلمات ~~لا تسأل الله بها شيئا إلا أعطاك. # قال: ما هي؟ قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصيه غيره. # فقالها، فما طلع الفجر من غده، حتى أتاه البشير بالقميص. # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو غسان مالك بنى ضيغم، عن ~~إبراهيم بن خلاد الأزدي، قال: # PageV01P254 # نزل جبريل على يعقوب عليه السلام، فشكي إليه ما هو عليه من ms070 الشوق إلى ~~يوسف، فقال: ألا أعلمك دعاء، إن دعوت به فرج الله عنك؟ قال: بلي. # قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو، إلا هو، ويا من لا يبلغ قدرته غيره، فرج ~~عني. # فقالها، فأتاه البشير بالقميص. # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن المعمر ~~بن سليمان، قال: لقي يعقوب رجل، فقال له: يا يعقوب، ما لي لا أراك كما كنت؟ ~~قال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. # قال: قل: اللهم اجعل لي من كل هم همني وكربني من أمري، في ديني ودنياي، ~~وآخرتي، فرجا ومخرجا، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن ~~سواك، حتى لا يكون لي رجاء إلا إياك. # قال: داود بن رشيد، حدثني الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، # PageV01P255 # عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لو عري من البلاد أحد، لعري منه آل يعقوب، ~~مسهم البلاء ثمانون سنة. # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني مدلج بن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل عليه السلام هبط ~~على يعقوب صلى الله عليه، فقال له: يا يعقوب، تملق إلى ربك. # فقال: يا جبريل، كيف أقول؟ فقال: قل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف. # فأوحى الله إليه، لقد دعوتني بدعاء، لو كان ابناك ميتين، لأنشرتهما لك. # 1: 256 43 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، ~~قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان ليعقوب عليه السلام، أخ مؤاخ في ~~الله عز وجل، فقال ليعقوب: # PageV01P256 # ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ فقال: أما الذي قوس ظهري، فالحزن على ~~بنيامين، وأما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف. # فأوحى الله ms071 تعالى إليه: أما تستحيي، تشكوني إلى عبدي. # قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، ثم قال: يا رب، ارحم الشيخ الكبير، ~~أذهبت بصري، وقوست ظهري، أردد علي ريحانتي يوسف، أشمه ثم افعل بي ما شئت. # فقال له جبريل عليه السلام: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح ~~قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين، لأنشرتهما لك، فاصنع طعاما للمساكين وادعهم ~~إليه، فإن أحب عبادي إلي، الأنبياء والمساكين، وإن الذي ذهب ببصرك، وقوس ~~ظهرك، وسبب صنع إخوة يوسف به ما صنعوا، أنكم ذبحتم شاة، فأتاكم رجل صائم، ~~فلم تطعموه. # فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء، أمر مناديه، فنادى: من كان يريد ~~الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديه، فنادى: من ~~كان صائما من المساكين فليفطر مع يعقوب. # PageV01P257 ### || كلمات الفرج التي دعا بها يوسف # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا الخطاب بن عثمان، قال: حدثنا محمود ~~بن عمر، عن رجل من أهل الكوفة: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف السجن، ~~فقال له: يا طيب! ما الذي أدخلك ها هنا؟ قال: أنت أعلم. # قال: فلا أعلمك كلمات الفرج؟ قال: بلي. # قال: قل: اللهم، يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير ~~مغلوب، اجعل لي من أمري هذا فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث لا أحتسب # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي، قال: حدثني قزعة بن # PageV01P258 # سويد، عن أبي سعيد مؤذن الطائف: أن جبريل عليه السلام: أتى يوسف، فقال: ~~يا يوسف، اشتد عليك الحبس؟ قال: نعم. # قال: قل: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني، وحزبني، من أمر دنياي وآخرتي، ~~وفرجا ومخرجا، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في ~~قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا أرجو أحدا غيرك # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، ms072 ثال حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني عبد العزيز القرشي، عن جعفر ~~بن سليمان، عن غالب القطان قال: لما اشتد كرب يوسف، وطال سجنه، واتسخت ~~ثيابه، وشعث رأسه، وجفاه الناس، دعا عند ذلك، فقال: اللهم إني أشكو إليك ما ~~لقيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وأما عدوي، فحبسني، اللهم اجعل لي ~~فرجا ومخرجا. # فأعطاه الله عز وجل ذلك. # PageV01P259 ### || إبراهيم التيمي الزاهد في حبس الحجاج بن الجراح يوسف الثقفي # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني الحسن بن محبوب، قال: قال الفيض بن إسحاق، قال: الفضيل بن عياض، ~~قال إبراهيم التيمي: لما حبست الحبسة المشهورة، أدخلت السجن، فأنزلت على ~~أناس في قيد واحد، ومكان ضيق، لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، وفيه يأكلون، ~~وفيه يتغوطون، وفيه يصلون. # قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم نجد مكانا، فجعلوا ~~يتبرمون به، فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة. # فلما دخل الليل، قام يصلي، فقال: يا رب، مننت علي بدينك، وعلمتني كتابك، ~~ثم سلطت علي شر خلقك، يا رب، الليلة، الليلة، لا أصبح فيه. # فما أصبحا حتى ضربت أبواب السجن: أين البحراني، أين البحراني؟ فقال كل ~~منا: ما دعي الساعة، إلا ليقتل، فخلي سبيله. # فجاء، فقام على باب السجن، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يضيعكم. # PageV01P260 ### || أبو سعد البقال في حبس الحجاج بن الجراح يوسف الثقفي # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: ~~حدثني أبو نصر المؤدب، عن أبي عبد الرحمن الطائي، قال: أخبرنا أبو سعد ~~البقال، قال: كنت محبوسا في ديماس الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في ~~السجن، فأتي رجل، فقال له: يا أبا إسحاق، في أي شيء حبست؟ فقال: جاء ~~العريف، فتبرأ مني، وقال: إن هذا كثير الصوم والصلاة، وأخاف أنه يرى رأي ~~الخوارج. # فإنا لنتحدث مع مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذ دخل علينا رجل ~~السجن، فقلنا: يا عبد ms073 الله، ما قصتك، وأمرك؟ # PageV01P261 # فقال: لا أدري، ولكني أخذت في رأي الخوارج، ووالله، إنه لرأي ما رأيته ~~قط، ولا أحببته، ولا أحببت أهله، يا هؤلاء، ادعوا لي بوضوء، فدعونا له به، ~~ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم قال: اللهم إنك تعلم، أني كنت على إساءتي ~~وظلمي، وإسرافي على نفسي، لم أجعل لك ولدا، ولا شريكا، ولا ندا، ولا كفؤا، ~~فإن تعذب فعدل، وإن تعف، فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا ~~تغلطه المسائل، ولا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أن ~~تجعل لي في ساعتي هذه، فرجا ومخرجا مما أنا فيه، من حيث أرجو، ومن حيث لا ~~أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه، وبصره، ويده ورجله، حتى لا تخرجني ~~في ساعتي هذه، فإن قلبه، وناصيته بيدك، يا رب، يا رب. # قال: وأكثر، فوالذي لا إله غيره، ما انقطع دعاؤه، حتى ضرب باب السجن وقيل ~~أين فلان؟ فقام صاحبنا، فقال: يا هؤلاء، إن تكن العافية، فوالله، لا أدع ~~الدعاء لكم، وإن تكن الأخرى، فجمع الله بيننا وبينكم، في مستقر رحمته. # قال: فبلغنا من الغد، أنه خلي سبيله 89 # PageV01P262 ### || سبحان الله وبحمده # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن ~~هشام الثقفي، قال: أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا، فألقي في جب، وألقي على رأس ~~الجب صخرة، فتلقن فيه: قل: سبحان الله الحي القدوس، سبحان الله وبحمده، ~~فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان. # PageV01P263 ### || يا عزيز يا حميد يا ذا العرش المجيد # قال: مؤلف هذا الكتاب، وقد ذكر القاضي هذا الخبر في كتابه، قال: # حدثني إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا أبو سفيان الحميري، قال: سمعت أبا بلج ~~الفزاري، قال: أتي الحجاج بن يوسف، برجل كان جعل على نفسه، إن ظفر به، أن ~~يقتله، قال: فلما دخل عليه، تكلم بكلام، فخلى سبيله. # فقيل له: أي شيء ms074 قلت؟ فقال: قلت: يا عزيز، يا حميد، يا ذا العرش المجيد، ~~اصرف عني ما أطيق، وما لا أطيق، واكفني شر كل جبار عنيد. # PageV01P264 ### || دعاء النبي صلوات الله عليه في كل هم # 1: 265 44 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: حدثنا أبو عبد ~~الرحمن الكوفي، عن صالح بن حسان، عن محمد بن علي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم عليا عليه السلام، دعاء يدعو به في كل هم، وكان علي يعلمه الناس، ~~وهو: يا كائنا قبل كل شيء، يا مكون كل شيء، ويا كائنا بعد كل شيء، افعل بي ~~كذا وكذا # PageV01P265 ### || الدعاء الذي خلص عمرو السرايا من العلج # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثني إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق بن عيسى، ابن بنت ~~داود بن أبي هند، عن الحارث البصري، عن عمرو السرايا، قال: كنت أغير في ~~بلاد الروم وحدي، فبينا أنا ذات يوم نائم، إذ ورد علي علج، فحركني برجله، ~~فانتبهت. # فقال لي: يا عربي، اختر، إن شئت مسايفة، وإن شئت مطاعنة، وإن شئت مصارعة. # فقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فلا بقينا لهما، ولكن مصارعة، فنزل، فلم ~~ينهنهني أن صرعني، وجلس على صدري، وقال: أي قتلة تريد أن أقتلك؟ فذكرت ~~الدعاء، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: أشهد أن كل معبود ما دون عرشك، إلى ~~قرار الأرضين، باطل غير وجهك الكريم، فقد ترى ما أنا فيه، ففرج عني، وأغمي ~~علي، فأفقت، فرأيت الرومي قتيلا إلى جانبي. # قال إسحاق ابن بنت داود، فسألت الحارث البصري، عن الدعاء، فقال: # PageV01P266 # سألت عنه عمرو السرايا، فقلت له: بالله يا عمرو ما قلت؟ قال: قلت: اللهم ~~رب إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ورب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ~~وعزرائيل، ومنزل التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم، ادرأ عني شره، ~~فدرأ عني شره. # قال: إسحاق ابن بنت داود: فحفظته وقلت أعلمه الناس، فوجدته نافذا، وهو ms075 ~~الإخلاص بعينه. # PageV01P267 ### || تخلص من القتل بدعاء دعا به # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير بن حفص، عن الشعبي، قال: كنت ~~جالسا عند زياد، فأتي برجل يحمل، ما يشك في قتله، فحرك الرجل شفتيه بشيء ما ~~ندري ما هو، فخلى سبيله. # فقلت للرجل: ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ~~ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~العظيم، ادرأ عني شر زياد، فدرأه عني. # PageV01P268 ### || هارون الرشيد يأمر بقتل فتى علوي فينجيه الله تعالى # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني عيسى بن عبد العزيز ~~الظاهري، قال: أخبرني أبو عبد الله قال: أمر الرشيد بعض خدمه، فقال: إذا ~~كان الليل، فصر إلى الحجرة الفلانية، فافتحها، وخذ من رأيت فيها، فأت به ~~موضع كذا وكذا، من الصحراء الفلانية، فإن ثم قليبا محفورا، فارم به، وطمه ~~بالتراب، وليكن معك فلان الحاجب. # قال: فجاء الغلام إلى باب الحجرة، ففتحه، فإذا فيها غلام كالشمس الطالعة، ~~فجذبناه جذبا عنيفا. # فقال له: اتق الله، فأني ابن رسول الله، فالله، الله، أن تلقي الله بدمي، ~~فلم يلتفت إلى قوله، وأخرجه إلى الموضع. # فلما أشرف الفتى على التلف، وشاهد القليب، قال له: يا هذا، إنك على رد # PageV01P270 # ما لم تفعل، أقدر منك على رد ما فعلت، فدعني أصلي ركعتين، وامض لما أمرت ~~به. # فقال له: شأنك وما تريد. # فقام الفتي، فصلي ركعتين، قال: فيهما: يا خفي اللطف، أغثني في وقتي هذا، ~~والطف بي بلطفك الخفي. # فلا والله ما استتم دعاءه، حتى هبت ريح وغبرة، حتى لم ير بعضهم بعضا، ~~فوقعوا لوجوههم، واشتغلوا بأنفسهم عن الفتى، ثم سكنت الريح والغبرة، وطلبنا ~~الفتى، فلم يوجد، وقيوده مرمية. # فقال الحاجب لمن معه: هلكنا والله، سيقع لأمير المؤمنين أنا أطلقناه، ~~فماذا نقول له؟ إن كذبناه لم نأمن أن يبلغه خبر الفتى فيقتلنا، ولئن ~~صدقناه، ليجعلن لنا المكروه. # فقال له الآخر: يقول الحكيم: إن ms076 كان الكذب ينجي، فالصدق أرجى وأنجى. # فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما فعلتم فيما تقدمت به إليكم؟ فقال له ~~الحاجب: يا أمير المؤمنين، الصدق أولى ما اتبع في جميع الأمور، ومثلي لا ~~يجترئ أن يكذب بحضرتك، وإنه كان من الخبر كيت وكيت. # فقال الرشيد: لقد تداركه اللطف الخفي، والله، لأجعلنها في مقدمات دعائي، ~~امض لشأنك، واكتم ما جرى. # PageV01P271 ### || يا سامع كل صوت يا بارئ النفوس بعد الموت # حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني محمد بن عمرو بن البختري البزاز، في ~~جامع المنصور، في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق ~~الدوري، عن محمد بن الحسن، عن أبي سلمة عبد الله منصور، قال: حزن رجل حزنا ~~شديدا، على شيء لحقه، وأمر أهمه وأقلقه، فألح في الدعاء، فهتف به هاتف: يا ~~هذا، قل: يا سامع كل صوت، يا بارئ النفوس بعد الموت، ويا من لا تغشاه ~~الظلمات، ويا من لا يشغله شيء عن شيء. # قال: فدعا بها، ففرج الله عنه، ولم يسأل الله تلك الليلة حاجة، إلا ~~أعطاه. # PageV01P272 ### || لا حول ولا قوة إلا بالله # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا ~~صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى إسحاق العدواني، قال: كنا بإزاء آزرمهر، عند ~~مدينة الكرج، وقد زحف إلينا في ثمانين فيلا، فكادت تنقض الصفوف، وتشتت ~~الخيول، وكان أميرنا محمد بن القاسم، فنادى عمران بن النعمان أمير أهل حمص، ~~وأمراء الأجناد، فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور، نادى مرارا: لا ~~حول ولا قوة # PageV01P273 # إلا بالله، فكشف الله الفيلة، وسلط عليها الحر، فأنضحها، ففزعت إلى ~~الماء، فما استطاع سواسها، ولا أصحابها، حبسها، وحملت خيلنا، وكان الفتح ~~بإذن الله تعالى # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن ~~عمرو، عن الأشياخ: أن حبيب بن مسلمة ms077 كان يستحب إذا لقي العدو، أو ناهض ~~حصنا، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم إنه ناهض يوما حصنا، فانهزم الروم، وتحصنوا في حصن آخر لهم، أعجزه، ~~فقالها، فانصدع الحصن. # PageV01P274 ### || الذي كفاك الأمس يكفيك غدك # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: بلغني أن بعض الملوك، نفي ~~وزيرا له، لموجدة وجدها عليه، فاغتم لذلك غما شديدا، فبينا هو يسير، إذ ~~أنشده رجل هذين البيتين: # أحسن الظن برب عودك ... حسنا أمس وسوى أودك # إن ربا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك # فسري عن الوزير، وأمر له بعشرة آلاف درهم. # PageV01P275 ### || لا تيأسن كأن قد فرج الله # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن السراج، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، مولى بني هاشم، قال: أصابني هم شديد، ~~لأمر كنت فيه، فرفعت مقعدا لي، كنت جالسا عليه، فإذا برقعة مكتوبة فنظرت ~~فيها، فإذا فيها مكتوب: # يا صاحب الهم إن الهم منقطع ... لا تيأسن كأن قد فرج الله # قال: فذهب عني ما كنت فيه من الغم، ولم ألبث أن فرج الله عني، فلله الحمد ~~والشكر. ### || كن للمكاره بالعزاء مقطعا # حدثني أبو بكر الثقفي، قال: قال بعضهم: أصابني هم ضقت به ذرعا، فنمت، ~~فرأيت كأن قائلا يقول: # كن للمكاره بالعزاء مقطعا ... فلعل يوما لا ترى ما تكره # ولربما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حره يتأوه # PageV01P276 ### || الوزير محمد بن القاسم يلاقي عاقبة ظلمه # حدثني أبو الحسن علي بن الحسن، الشاهد المعروف بالجراحي، من حفظه، قال: ~~حدثني أبو الحسن بن أبي الطاهر محمد بن الحسن الكاتب، صاحب الجيش، قال: قبض ~~علي أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في أيام وزارته للقاهر بالله، ~~وعلى أبي، فحبسنا في حجرة ضيقة، وأجلسنا على التراب، وشدد علينا، وكان ~~يخرجنا في كل يوم، فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب أنا بحضرة أبي، ولا ~~يضرب هو، فلاقينا من ms078 ذلك أمرا شديدا صعبا. # فلما كان بعد أيام، قال: لي أبي: إن هؤلاء الموكلين، قد صارت لهم بنا ~~حرمة، فتوصل إلى مكاتبة أبي بكر الصيرفي، وكان صديقا لأبي - حتى # PageV01P277 # ينفذ إلينا بثلاثة آلاف درهم، نفرقها فيهم، ففعلت ذلك، فأنفذ إلينا ~~بالمال من يومه. # فقلت للموكلين، في عشي ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق، فخذوا هذه ~~الدراهم، فانتفعوا بها، فامتنعوا. # فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فوروا عن ذلك. # فقلت: إما قبلتم، وإما عرفتمونا السبب الذي لأجله امتناعكم. # فقالوا: نشفق عليكم، ونستحي من ذلك. # فقال لهم أبي: اذكروه على كل حال. # قالوا: قد عزم الوزير على قتلكما الليلة، ولا نستحسن أخذ شيء منكما مع ~~هذا. # فقلقت، ودخلت إلى أبي بغير تلك الصورة، فقال: ما لك؟ فأخبرته بالخبر، ~~وقلت لأبي: ما أصنع بالدراهم؟ فقال: ردها على أبي بكر، فرددتها عليه. # وكان أبي يصوم تلك الأيام كلها، فلما غابت الشمس، تطهر، وصلى المغرب، ~~فصليت معه، ولم يفطر، ثم أقبل على الصلاة والدعاء، إلى أن صلى العشاء ~~الآخرة، ثم دعاني. # فقال: اجلس يا بني إلى جانبي، جاثيا على ركبتك، ففعلت، وجلس هو كذلك. # ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب، محمد بن القاسم ظلمني وحبسني على ~~ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم ~~بيننا، لا يزيد عن ذلك. # PageV01P278 # ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته، ولم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إلى ~~أن ظننت أنه قد مضى ربع الليل. # فوالله ما قطعها حتى سمعت الباب يدق، فذهب علي أمري، ولم أشك في أنه ~~القتل. # وفتحت الأبواب، فدخل قوم بشموع، فتأملت، وإذا فيهم سابور، خادم القاهر، ~~فقال: أين أبو طاهر؟ فقام إليه أبي، فقال: ها أنذا. # فقال: أين ابنك؟ فقال: هوذا. # فقال: انصرفا إلى منزلكما، فخرجنا، فإذا هو قد قبض على محمد بن القاسم، ~~وحدره إلى دار القاهر. # وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ومات. # PageV01P279 ### || طاهر بن الحسين يحمل الدراهم في كمه ويفرقها على الفقراء # لما خرج طاهر ms079 بن الحسين إلى محاربة علي بن عيسى بن ماهان، جعل ذات يوم في ~~كمه دراهم، يفرقها في الفقراء، ثم سها عنها، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، ~~واغتم غما شديدا، حتى تبين في وجهه، فأنشده شاعر كان في عسكره: # هذا تفرق جمعهم لا غيره ... وذهابه منكم ذهاب الهم # شيء يكون الهم بعض حروفه ... لا خير في إمساكه في الكم # قال: فسلا طاهر، وأمر له بثلاثين ألف درهم. # PageV01P281 ### || الهادي يتهدد يحيى البرمكي ويتوعده بكل عظيمة # انصرف يحيى بن خالد البرمكي، من عند الهادي، وقد ناظره في تسهيل خلع ~~العهد على هارون، فحلف له يحيى أنه فعل، وجهد فيه، فامتنع عليه هارون. # فقال له الهادي: كذبت، ووالله لأفعلن بك وأصنعن، وتوعده بكل عظيمة، ~~وصرفه. # فجاء إلى بيته، فكلم بعض غلمانه بشيء، فأجابه بما غاظه، فلطمه يحيى، ~~فانقطعت حلقة خاتمه، وطاح الفص، فاشتد ذلك على يحيى، وتطير منه، واغتم، ~~فدخل عليه السياري الشاعر، وقد أخبر بالقصة، فأنشده في الحال: # PageV01P282 # أخلاك من كل الهموم سقوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الخاتم # قد كان ضاق ففك حلقة ضيقه ... فاصبر فما ضيق الزمان بدائم # قال: فما أمسى حتى ارتفعت الواعية بموت موسى الهادي، وصار الأمر إلى ~~هارون الرشيد، فأعطاه مائة ألف درهم. # PageV01P283 ### || موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج يموت وهو على صهوه جواده # قال أبو علي القنائي، قال لي جدي: بكرت يوما إلى موسى بن عبد الملك، وحضر ~~داود بن الجراح، فوقف إلى جانبي، فقال لي: كان لي أمس خبر طريف، انصرفت من ~~عند موسى بن عبد الملك، فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النساء، فشكته إلي، ~~وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنها عمدتي في معيشتي، ~~وأن في عنقي صبية أيتاما، فأي شيء تدبر في أمري، أو تشير علي؟ . # PageV01P284 # فقلت: من معك وراء الستر؟ فقالت: ما معي أحد. # فقلت: أما التدبير في أمرك، فما لي فيه حيلة، وأما المشورة، فقد قال ~~النبطي: لا تبع أرضك من إقدام الرجل السوء، فإن الرجل السوء يموت، والأرض ~~تبقى، ms080 فدعت لي، وانصرفت. # فما انقضى كلامه، حتى خرج موسى، فقال لدواد: يا أبا سليمان، لا تبع أرضك ~~من إقدام الرجل الرديء، فإنه يموت، والأرض تبقى. # فقال لي داود: أسمعت؟ هذا والله الموت، أين أهرب؟ أين أمضي؟ ما آمنه ~~والله على نفسي، ولا على نعمتي، فأشر علي بما أصنع، قبل نفاذ طريقنا، ~~ونزولنا معه إلى الديوان. # فقلت: والله، ما أدري. # فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم اكفني أمره، وشره، وضره، فإنك تعلم ~~قصتي، وأني ما أردت بما قلت إلا الخير، واشتد قلقه وبكاؤه ودعاؤه. # وقربنا من الديوان، فقال موسى، وهو على دابته: متى حدث هذا الجبل الأسود ~~في طريقنا؟ ومال على سرجه حتى سقط، وأسكت. # فحمل إلى منزله، وكان آخر العهد به. # PageV01P285 ### || يا ذا العرش اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك # ذكر المدائني في كتابه: قال: أبو سعيد، وأنا أحسبه يعني الأصمعي: نزلت ~~بحي من كلب مجدبين، قد توالت عليهم السنون، فماتت المواشي، ومنعت الأرض من ~~إخراج النبات، وأمسكت السماء قطرها، فجعلت أنظر إلى السحابة ترتفع من ناحية ~~القبلة سوداء متقاربة، حتى تطبق الأرض، فيتشوف لها أهل الحي ويرفعون ~~أصواتهم بالتكبير، ثم يعدلها الله عنهم مرارا. # فلما كثر ذلك، خرجت عجوز منهم، فعلت نشزا من الأرض، ثم نادت بأعلى صوتها: ~~يا ذا العرش، اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك. # فما نزلت من وضعها، حتى تغيمت السماء غيما شديدا، وأمطروا مطرا كاد أن ~~يغرقهم، وأنا حاضر. # PageV01P286 ### || يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج وخليفته في الظلم والبغي # وذكر المدائني في كتابه، قال: وجه سليمان بن عبد الملك، حين ولي الخلافة، ~~محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد ~~بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فظفر به يزيد بأفريقية لما وليها في شهر رمضان ~~عند المغرب، وفي يده عنقود عنب. # فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الفقراء. # PageV01P287 # فقال له يزيد حين دنا منه: محمد بن يزيد؟ ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك. # قال له: وما زلت ms081 أسأل الله، أن يجيرني منك. # قال: والله، ما أجارك، ولا أعاذك مني، ووالله لأقتلنك قبل أن آكل هذه ~~الحبة العنب، ووالله لو رأيت ملك الموت يريد قبض روحك، لسبقته إليها. # فأقيمت الصلاة، فوضع يزيد الحبة العنب من يده، وتقدم، فصلي بهم. # وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع، ضربه رجل منهم على رأسه ~~بعمود حديد، فقتله. # وقيل لمحمد: اذهب حيث شئت، فمضى سالما. # ذكره القاضي أبو الحسين في كتابه بغير إسناد، ولم يعزه إلى المدائني، ~~وجاء به على خلاف هذا اللفظ، والمعنى واحد، إلا أنه جعل بدل محمد بن يزيد، ~~وضاحا، صاحب عمر بن عبد العزيز، وبدلا من سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد ~~العزيز، ولم يذكر الدعاء في خبره. . ووقع إلي هذا الخبر، على غير هذا، ~~حدثنيه علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد، قال: حدثنا أبو همام الصلت بن ~~محمد الخاركي، قال: حدثنا # PageV01P288 # مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: إن ~~سليمان بن عبد الملك، أنفذ محمد بن يزيد إلى ديماس الحجاج، وفيه يزيد ~~الرقاشي، ويزيد الضبي، وعابدة من أهل البصرة، فأنطلق كل من فيه، غير يزيد ~~بن أبي مسلم. # فلما مات سليمان، قال محمد: كنت مستعملا على أفريقية، إذ قدم يزيد بن أبي ~~مسلم، أميرا، في خلافة يزيد بن عبد الملك. # قال محمد: فعذبني عذابا شديدا، حتى كسر عظامي، فأتي بي يوما # PageV01P289 # في كساء، أحمل عند المغرب. # فقلت له: ارحمني. # فقال: التمس الرحمة من عند غيري، ولو رأيت ملك الموت عند رأسك، لبادرته ~~إلى نفسك، اذهب حتى أصبح لك. # فدعوت الله، وقلت: اللهم اذكر ما كان مني في أهل الديماس، اذكر يزيد ~~الرقاشي، وفلانا وفلانا، واكفني شر يزيد بن أبي مسلم، وسلط عليه من لا ~~يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتد إلي طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة. # فدخل عليه ناس من البربر، ms082 فقتلوه، ثم أطلقوني، فقالوا لي: اذهب حيث شئت. # فقلت لهم: اذهبوا واتركوني، فإني أخاف إن انصرفت، أن يظن أن هذا من عملي. # فذهبوا، وتركوني. # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني محدث # PageV01P290 # عن أمية بن خالد عن وضاح بن خيثمة، قال: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج ~~من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، فإني لبإفريقية، إذ ~~قيل لي: قد قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي، فأخذت، وأتي ~~بي إليه. # PageV01P291 # فقال: وضاح؟ قلت: وضاح. # فقال: أما والله، طالما سألت الله أن يمكنني منك. # فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك. # فقال: والله، ما أعاذك مني، ووالله، لأقتلنك، ولو سابقني إليك ملك الموت، ~~لسبقته. # ثم استدعى بالسيف والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فيه، لتضرب عنقي، ~~وقام قائم على رأسي بالسيف مشهورا، فأقيمت الصلاة فخرج يزيد وصلى بهم، فلما ~~خر ساجدا، أخذته سيوف الجند، وأطلقت. # حدثني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أحمد بن محمد السرخسي أبو ~~بكر، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: كان وضاح حاجبا ~~لعمر بن عبد العزيز، فلما حضرت عمر الوفاة أمر بإخراج كل من في الحبس، إلا ~~يزيد بن أبي مسلم. # وذكر الحديث. # PageV01P292 ### || عواقب مكروه الأمور خيار # حدثني أبو طالب عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن ~~حماد دنقش، مولى المنصور وصاحب حرسه، وكان محمد بن حماد يحجب الرشيد ~~والمعتصم، وأحمد بن محمد أحد القواد بسر من رأى مع صالح بن وصيف، وولي ~~الشرطة بها للمهتدي، وأحمد بن محمد بن الفضل، يكني أبا عيسى، وكان أحد ~~أمناء القضاة ببغداد، قال: قال: لي القاضي أبو القاسم علي بن الحسن بن محمد ~~التنوخي، قال: حدثني القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~الأنباري، قال: # PageV01P293 # حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري، ms083 قال: دخلت على أبي العباس بن ~~ثوابة، وكان محبوسا، فقال لي: احفظ عني. # قلت: نعم. # فقال: # عواقب مكروه الأمور خيار ... وأيام سوء لا تدوم قصار # وليس بباق بؤسها ونعيمها ... إذا كر ليل ثم كر نهار # قال: فلم تمض إلا أيام يسيرة، حتى أطلق من حبسه. # وقد ذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، هذين البيتين، بغير إسناد، ولم ~~يذكر القصة، ولا سبب الشعر. # PageV01P294 ### || لا تيأس فإن اليأس كفر # حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد ~~الله العلاف، المعروف بالمستعيني، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: ~~حدثني محمد بن الحسين الأنصاري، قال: حدثني إبراهيم بن مسعود، عن بعض تجار ~~المدينة، قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد، وكنت له خليطا، وكان يعرفني ~~بحسن حال، فتغيرت حالي، فأتيته فجعلت أشكو إليه، فأنشأ يقول: # فلا تجزع وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل # قال: فخرجت من عنده، وأنا أغنى الناس. # حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو الفضل أحمد بن ~~سليمان القاضي، قال: حدثنا طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ~~جده، عن علي بن جعفر بن محمد، قال: # PageV01P295 # جاء رجل إلى جعفر بن محمد، فشكا إليه الإضافة، فأنشده جعفر بن محمد: # فلا تجزع إذا أعسرت يوما ... فكم أرضاك باليسر الطويل # ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل # ولا تظنن بربك غير خير ... فإن الله أولى بالجميل # قال الرجل: فذهب عني ما كنت أجد. # وروى القاضي أبو الحسين في كتابه «كتاب الفرج بعد الشدة» هذا الشعر بغير ~~خبر، ولا إسناد، ونسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وروى ~~البيت الأول كما رواه ابن الجراح أبي سعد في الخبر الذي رويت قبل هذا، وقال ~~بعده: # فإن العسر يتبعه يسار ... وقيل الله أصدق كل قيل # ثم جاء ms084 بالبيتين الثاني والثالث، كما جاءا في هذين الخبرين، وزاد بعد ذلك ~~بيتا خامسا، وهو: # ولو أن العقول تسوق رزقا ... لكان المال عند ذوي العقول # PageV01P296 ### || عبيد الله بن زياد يشتم رجلا من القراء ويتهدده # وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: أن المدائني روى عن محمد بن الزبير ~~التميمي، أن عبيد الله بن زياد، أتي برجل من القراء فشتمه وقال له: أحروري ~~أنت؟ . # فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحروري. # فقال: والله، لأفعلن بك، ولأصنعن، انطلقوا به إلى السجن، فانطلقوا به. # فسمعه ابن زياد يهمهم، فرده، وقال له: ما قلت؟ فقال: غن لي بيتان من ~~الشعر قلتهما. # فقال: إنك لفارغ القلب، أنت قلتهما، أم شيء سمعته؟ قال: بل قلتهما، وهما: # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر # فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الفرج، خلوا سبيله. # PageV01P297 # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال:، ~~أخبرني علي بن دبيس الكاتب، عن أحمد بن الحارث الخراز، عن علي بن محمد ~~المدائني، عن محمد بن الزبير التميمي، فذكر نحوه. # PageV01P298 ### || علي بن الحسن بن يزيد كاتب العباس بن المأمون يتحدث عن أيام فاقته # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، # قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو يوسف يعقوب بن بيان، قال: حدثني علي بن ~~الحسين بن محمد بن موسى بن الفرات، قال: كنت أتولى ماسبذان، وكان صاحب ~~البريد بها علي بن يزيد، وكان قديما يكتب للعباس بن المأمون، فحدثني: أن ~~العباس غضب عليه وأخذ جميع ما كان يملكه، حتى إنه بقي بسر من رأى لا يملك ~~شيئا، إلا برذونه، بسرجه ولجامه، ومبطنة، وطيلسانا، وقميصا، وشاشية، وأنه ~~كان يركب في أول النهار، فيلقى من يريد لقاءه، ثم ينصرف، فيبعث # PageV01P299 # ببرذونه إلي الكراء، فيكسب عليه ما يعلفه، وما ينفقه هو وغلامه. # فاتفق في بعض الأيام أن الدابة لم تكسب شيئا، فبات هو وغلامه طاويين، ~~قال: ms085 ونالنا من الغد مثل ذلك. # فقال غلامي: يا مولاي، نحن نصبر، ولكن الشأن في الدابة، فإني أخاف أن ~~تعطب. # قلت: فأي شيء أعمل؟ ليس إلا السرج، واللجام، وثيابي، وإن بعت من ذلك ~~شيئا، تعطلت عن الحركة، وطلب التصرف. # قال: فانظر في أمرك. # فنظرت، فإذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بخرقة، أدعها تحت رأسي، ~~ومطهرة خزف للطهور، فلم أجد غير منديل دبيقي خلق قد بقي منه الرسم. # فقلت للغلام: خذ هذا المنديل، فبعه، واشتر علفا للدابة، ولحما بدرهم، ~~واشوه، وجئ به، فقد قرمت إلى أكل اللحم. # فأخذ المنديل، ومضى، وبقيت في الدار وحدي، وفيها شاهمرج قد جاع لجوعنا، ~~فلم أشعر إلا بعصفور قد سقط في المطهرة التي فيها الماء للطهور، عطشا، ~~فشرب، فنهض إليه الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه ما قصر عنه، # PageV01P300 # وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فعاد العصفور إلى المطهرة، فبادره الشاهمرج ~~فأخذه بحمية، فابتلعه. # فلما صار في حوصلته، عاد إلى المطهرة، فتغسل، ونشر جناحيه وصاح، فبكيت، ~~ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: اللهم، كما فرجت عن هذا الشاهمرج، فرج عنا، ~~وارزقنا من حيث لا نحتسب. # فما رددت طرفي، حتى دق بابي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن يوحنا، ~~وكيل العباس بن المأمون. # فقلت: ادخل، فدخل، فلما نظر إلى صورتي، قال: ما لي أراك على هذه الصورة، ~~فكتمته خبري. # فقال لي: الأمير يقرأ عليك السلام، وقد اصطبح اليوم، وذكرك وقد أمر لك ~~بخمس مائة دينار، وأخرج الكيس فوضعه بين يدي. # فحمدت الله تعالى، ودعوت للعباس، ثم شرحت له قصتي، وأطفته في داري ~~وبيوتي، وحدثته بحديث الدابة، وما تقاسيه من الضر، والمنديل، والشاهمرج، ~~والدعاء، فتوجع لي، وانصرف. # ولم يلبث أن عاد، فقال لي: صرت إلى الأمير، وحدثته بحديثك كله، فاغتم ~~بذلك، وأمر لك بخمس مائة دينار أخرى، قال: تأثث بتلك، وأنفق هذه، إلى أن ~~يفرج الله. # وعاد غلامي، وقد باع المنديل، واشتري منه ما أردته، فأريته الدنانير، ~~وحدثته الحديث، ففرح حتى كاد أن تنشق مرارته. # وما زال صنع الله يتعاهدنا. # PageV01P301 ### || ويوم الوشاح من تعاجيب ms086 ربنا # قال: المدائني في كتابه، وجاء به القاضي أبو الحسين في كتابه عن المدائني ~~بغير إسناد، واللفظان متقاربان: إن أعرابية كانت تخدم نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكانت كثيرا ما تتمثل: # ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا أنه من ظلمة الكفر نجاني # فقيل لها: إنك تكثرين من التمثل بهذا البيت، وإنا نظنه لأمر، فما هو؟ ~~قالت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية. # قال: مؤلف هذا الكتاب: العسيف: الأجير. # فوضعت جارية منهم وشاحا، فمرت عقاب، فاختطفته ونحن لا ندري، ففقدنه، وقلن ~~أين هو؟ أنت صاحبته، فحلفت، واعتذرت، فأبين قبول قولي وعذري، واستعدين ~~بالرجال، فجاءوا ففتشوني، فلم يجدوا شيئا. # فقال بعضهم: احتملته في فرجها. # فأرادوا أن يفتشوا فرجي، فما ظنكم بامرأة تخاف ذلك. # فلما خفت الشر، رفعت رأسي إلى السماء فقلت: يا رباه، أغثني، فمرت العقاب ~~فطرحته بيننا، فندموا، وقالوا: ظلمنا المسكينة، وجعلوا يعتذرون إلى، فما ~~وقعت في كربة إلا ذكرت ذلك، وهو يوم الوشاح، فرجوت الفرج. # 1: 304 حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن # PageV01P304 # أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحجاج الضبي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت امرأة تغشانا ~~تتمثل بهذا البيت: # ويوم السخاب من تعاجيب ربنا ... على أنه من ظلمة الكفر نجاني # فقالت لها أم سلمة: وذكر نحو ذلك. . إلا أنه قال فيه: قالت عجوز منهن لا ~~رعة لها: فتشوا مالها، أي: فرجها، فأشرفت على الفضيحة، فرفعت رأسي إلى ~~السماء، فقلت: يا غياث المستغيثين، فما أتممتها، حتى جاء غراب # PageV01P305 # فرمى السخاب بيننا، فلو رأيتهم يا أم المؤمنين وهم حوالي، يقولون: ~~اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة، فأترك ~~شكرها # PageV01P306 ### || بين يحيى البرمكي والفضل بن الربيع # ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: # حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله بن الحسين بن سعد، عن أبيه عبد الله بن ~~الحسين، قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، قال: صار ms087 الفضل بن الربيع إلى ~~الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في حاجة # PageV01P307 # له، فلم يرفع له رأسا، ولا قضى حاجته، فقام مغضبا، فلم يدع بدابته، ولا ~~اكترث له، ثم أتبعه رجلا، فقال: انظر ما يقول، فإن الرجل ينبئ عما في نفسه ~~في ثلاثة مواضع إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه، ~~قال: الرجل: فاتبعته، فلما استوى على سرجه، عض على شفتيه، وقال: # عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بدور زمان والزمان يدور # فيعقب روعات سرورا وغبطة ... وتحدث من بعد الأمور أمور # فلم يكن بين ذلك، وبين أن سخط الرشيد على البرامكة، واستورز الفضل بن ~~الربيع، إلا أياما يسيرة. # وحدثني بهذا الخبر، أبي، على مثل هذا الإسناد، ولم أحفظه، لأني لم أكتبه ~~عنه في الحال، فقال في البيت الأول: # عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة دهر والزمان عثور # وقال في البيت الثاني: # فتدرك حاجات وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور # وزاد فيه أن الفضل بن يحيى بن خالد رده فقضى حوائجه. # أخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حدثني أبو بكر الصولي، عن ميمون ~~بن هارون، قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، وذكره، وقد دخل فيما أجازه ~~لي الصولي. # وقرئ على أبي بكر الصولي بالبصرة، في كتابه «كتاب الوزراء» سنة خمس # PageV01P308 # وثلاثين وثلاث مائة، وأنا حاضر أسمع، قال: حدثنا أحمد بن يزيد بن محمد , ~~يعني: المهلبي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق، قال: دخل الفضل بن الربيع على ~~يحيى بن خالد، فلم يوسع له، ولا هش به، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس؟ ~~قال: رقاع معي. # فرده عن جميعها، فوثب الفضل وهو يقول: # عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة دهر والزمان عثور # فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الأمور أمور # فرده يحيى، ووقع له بجميع ما أراد. # PageV01P309 ### || دعاء للشفاء من العلل # وأخبرني علي بن عبد الله الوارق، المعروف بابن أبي لؤلؤ، قال: حدثنا محمد ~~بن جرير الطبري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ms088 ابن وهب، قال: ~~أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن علي، عن عبد الله بن جعفر: أن ~~رجلا أصابه مرض شديد، منعه من الطعام والشراب والنوم، فبينا هو ذات ليلة ~~ساهرا، إذ سمع وجبة شديدة في حجرته، فإذا هو كلام، فوعاه، فتكلم به، فبرأ ~~مكانه، وهو اللهم أنا عبدك، وبك أملي، فاجعل الشفاء في جسدي، واليقين في ~~قلبي، والنور في بصري، والشكر في صدري، وذكرك بالليل والنهار، ما بقيت، على ~~لساني، وارزقني منك، رزقا غير محظور ولا ممنوع. # PageV01P310 ### | الباب الرابع من استعطف غضب السلطان بصادق لفظ واستوقف مكروهه بموقظ بيان أو وعظ ### || بين المأمون وعمرو بن مسعدة # قرئ على أبي بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة، وأنا حاضر أسمع، في كتابه ~~الوزراء سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وقال: # حدثني علي بن محمد النوفلي: أن المأمون ذكر عمرو بن مسعدة، فاستبطأه في ~~أشياء، وقال: أيحسب عمرو أني لا أعرف أخباره، وما يجبي إليه، وما يعامل به ~~الناس، بلي والله، ثم يظن أنه لا يسقط علي منه شيء؟ ، وكان أحمد بن أبي ~~خالد حاضرا لذلك، فمضى إلى عمرو، فأخبره بما قال المأمون. # فنهض من ساعته، ودخل إلى المأمون، فرمي بسيفه، وقال: أنا عائذ بالله من ~~سخط أمير المؤمنين، وأنا أقل من أن يشكوني إلى أحد، أو يسر علي ضغنا # PageV01P311 # يظهر منه بكلامه ما ظهر. # فقال له المأمون: وما ذاك؟ فأخبره بما بلغه. # فقال: لم يكن الأمر كذلك، وإنما جرى معنى أوجب ذكر ما ذكرت، فقدمته قبل ~~أن أخبرك به، وكان ذلك عزمي، وما لك عندي إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ~~ظنك، وسكن منه حتى شكره، وجعل ماء الحياة يدور في وجهه. # فلما دخل أحمد بن أبي خالد إلى المأمون، قال: له: أشكو إليك من بحضرتي من ~~خدمي وأهلي، أما لمجلسي حق ولا حرمة ليكتم ما يجري فيه، حتى يؤدى إلى عمرو ~~بن مسعدة؟ فإنه قد أبلغ أشياء قلتها فيه واتهمت فيها بعض بني هاشم ممن كان ~~حاضرا، وذلك أن ms089 عمرا دخل علي، وأعاد ما كان، فاعتذرت له بعذر لم يبن الحق ~~نسجه، ولم يتسق القول مني فيه، وإن لسان الباطل، لعي الظاهر والباطن، وما ~~نعش الباطل أحدا , قال له أحمد: لا يتهم أمير المؤمنين أحدا، أنا أخبرت ~~عمرا. # قال: وما دعاك إلى ذلك؟ قال: الشكر لله، ولك لاصطناعك، والنصح لك والمحبة ~~لتمام نعمتك على أوليائك وخدمك، وقد علمت أن أمير المؤمنين يحب استصلاح ~~الأعداء والبعداء، فكيف بالأولياء والقرباء، ولاسيما مثل عمرو، في موضعه من ~~الدولة، وموقعه من الخدمة، ومكانه من رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما أنكره ~~عليه، ليقوم أود نفسه، ويتلافى ما فرط منه، وإنما العيب لو أفشيت كلاما فيه ~~لأمير المؤمنين سر، أو قدح على السلطان، أو نقض تدبير له. # فقال له: أحسنت والله يا أحمد، إذ كفيتني مخاضة الظن، وصدقتني عن نفسك، ~~وأزلت التهمة عن غيرك. # PageV01P312 ### || المنصور العباسي يحشر العلويين جميعا إلى الكوفة ويتهددهم # 1: 313 46 - أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني الحسن بن علي ~~السلولي، قال: حدثني أحمد بن رشيد، قال: حدثني أبو معمر سعيد بن خثيم، قال: ~~حدثني يونس بن أبي يعفور، قال: حدثني جعفر بن محمد، من فيه إلى أذني، قال: ~~لما قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام، بباخمرى، حشرنا من المدينة، فلم ~~يترك منا فيها محتلم، حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقع القتل. # ثم خرج إلينا الربيع الحاجب، فقال: أين هؤلاء العلوية؟ أدخلوا على أمير ~~المؤمنين رجلين منكم. # قال: فدخلت أنا إليه، والحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه، قال لي: أنت ~~الذي تعلم الغيب أنت الذي تعلم الغيب؟ # PageV01P313 # قلت: لا يعلم الغيب إلا الله. # قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج؟ قلت: إليك يجبى يا أمير المؤمنين ~~الخراج. # قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا. # قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأغور قلبكم، وأعقر نخلكم، وأنزلكم بالسراة، ~~فلا يجيئكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنهم لكم مفسدة. # فقلت: يا أمير المؤمنين، إن سليمان عليه السلام أعطي فشكر، وإن أيوب عليه ~~السلام ms090 ابتلي فصبر، وإن يوسف عليه السلام ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ. # قال: فتبسم، وقال أعد، فأعدت. # فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، قد عفوت عنكم، ووهبت لكم جرم أهل البصرة، ~~حدثني الحديث الذي حدثتني به عن أبيك، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قلت حدثني أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «صلة الرحم، تعمر الديار، وتطيل الأعمار، ~~وتكثر العمار، وإن كانوا كفارا» قال: ليس هذا. # 1: 314 47 - فقلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله صلى الله ~~عليه # PageV01P314 # وسلم، أنه قال: " الأرحام معلقة بالعرش، تقول: صل من وصلني، واقطع من ~~قطعني " قال: ليس هذا. # 1: 315 48 - قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أنه قال: " إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا الرحمن، خلقت الرحم، ~~وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته " قال: ليس هذا ~~الحديث. # 1: 315 49 - قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن ملكا من ملوك الأرض، كان بقي من عمره ~~ثلاث سنين، فوصل رحمه، فجعلها الله عز وجل، ثلاثين سنة» قال: هذا الحديث ~~أردت، أي البلاد أحب إليكم؟ فوالله، لأصلن رحمي اليوم. # قلنا: المدينة. # قال: فسرحنا إلى المدينة، وكفانا الله عز وجل، مئونته # PageV01P315 ### || بين الإمام جعفر الصادق والمنصور العباسي # ووقع إلي هذا الخبر، على خلاف هذه السياقة، وجدته في بعض الكتب بغير ~~إسناد: إن معاذا، مولى إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس رحمهم الله، ~~قال: كنت قائما على رأس محمد بن إسماعيل، مولاي، ورزام، مولى محمد بن خالد ~~بن عبد الله القسري، يحدثه، وكان كاتبه إذ ذاك، قال: وجهني محمد بن خالد ~~القسري، لآتيه بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من ~~المدينة، إلى المنصور. # PageV01P316 # فلما صررنا بالنجف، نزل عن ms091 راحلته، وأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وصلى ~~ركعتين، ثم رفع يديه إلى السماء، وأنا بالقرب منه، فسمعته يقول: اللهم بك ~~أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره، ~~وأعوذ بك من شره , اللهم سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وأعطني من الخير ~~أكثر مما أرجو، واكفني من الشر أكثر مما أخاف، ثم جاء فركب ومضى. # فلما قيل لأبي جعفر: إنه بالباب، أمر بالستور فرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثم ~~خرج إليه، فلقيه في منتصف الدار فعانقه أبو جعفر، وأخذ بيده يماشيه مقبلا ~~عليه، حتى انتهى إلى مجلسه، فأجلسه فيه، ثم أقبل عليه المنصور يسائله، ~~وأقبل جعفر يدعو له ويفديه. # ثم إن المنصور قال له: عرفت ما كان من أمر هذين الرجلين، يعني: محمدا ~~وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، وما كان من بري بهما، وقد استترا، وخفت ~~أن يشقا العصا، ويلقيا بين أهل هذا البيت شرا لا يصلح أبدا، فأخبرني ~~بخبرهما، ودلني عليهما. # فقال له جعفر: قد والله نهيتهما فلم يقبلا، وكرهت أن أطلع على شيء من ~~أمورهما، وما زلت مائلا إليك، وحاطبا في حبلك، ومواظبا على طاعتك. # فقال له المنصور: صدقت، ولكنك تعلم، أني أعلم، أن علم أمرهما عندك، ولن ~~أقنع إلا أن تخبرني بخبرهما وأمرهما. # فقال: يا أمير المؤمنين، أتلو عليك آية من كتاب الله عز وجل، فيها منتهى ~~علمي بهما. # قال: هات، على اسم الله. # فتلا عليه: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} [الحشر: 12] . # PageV01P317 # فخر المنصور ساجدا، وقال: حسبك. # ولم يسأله بعد ذلك عن شيء من أمرهما. # وروي لي هذا الخبر على وجه آخر، حدثنا به علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن ~~الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار، ~~والمغيرة بن محمد، قالا: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثني الحسن بن ~~الفضل بن الربيع، قال: حدثني عبد الله بن الفضل بن الربيع، عن الفضل بن ~~الربيع، قال: حدثني ms092 أبي، قال: حج أبو جعفر المنصور سنة سبع وأربعين ومائة، ~~فلما قدم المدينة، قال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به بغتة، قتلني ~~الله إن لم أقتله، فأمسكت عنه، رجاء أن ينساه، فأغلظ لي في الثانية. # فقلت: جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فأذنت له. # فلما دخل، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # فقال: لا سلم الله عليك، يا عدو الله، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل ~~في ملكي، قتلني الله إن لم أقتلك. # PageV01P318 # فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي ~~فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ ففكر طويلا. # ثم رفع رأسه، فقال: أنت عندي، يا أبا عبد الله، البريء الساحة، السليم ~~الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله عن ذي رحمك، أفضل ما يجزي ذوي الأرحام ~~عن أرحامهم. # ثم تناول يده، فأجلسه على مفرشه، واستدعى بالمنفحة، والمنفخة مدهن كبير ~~فيه غالية، فغلفه بيده، حتى قطرت لحيته. # ثم قال له: في حفظ الله وفي كلاءته، يا ربيع، ألحق أبا عبد الله جائزته ~~وكسوته. # قال: الربيع: فتبعته، فلما لحقته، قلت له: إني رأيت ما لم تر، وسمعت ما ~~لم تسمع، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما الذي ~~قلت؟ فقال: نعم، إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبة ومودة، اعلم أنني قلت: ~~اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وأدركني ~~برحمتك، واعف عني بقدرتك، لا أهلك وأنت رجائي، رب، كم من نعمة أنعمت بها ~~علي بن الحسن، قل لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها، قل ~~لك عندها صبري فلم تخذلني، فيا من قل عند نعمه شكري فلم يحرمني، ويا من قل ~~عند بليته صبري فلم يخذلني، يا من # PageV01P319 # رآني على الخطايا فلم يهتكني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا ~~النعماء التي لا تحصى عددا، صل على محمد وعلى آل محمد، ms093 بك أدرأ في نحره، ~~وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، واحفظني ~~فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا من لا تضره الذنوب، ولا ~~تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، ~~أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلايا، ~~وشكر العافية. # PageV01P320 ### || بين موسى الهادي وأحد كتابه # وذكر محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه «الوزراء» : أن موسى الهادي، سخط ~~على بعض كتابه، ولم يسمه، فجعل يقرعه، ويؤنبه، ويتهدده، ويتوعده. # فقال له الكاتب: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري إليك فيما تقرعني به رد ~~عليك، وإقراري بما بلغك عني، يوجب ذنبا لم أجنه، ولكني أقول كما قال ~~الشاعر: # إذا كنت ترجو في العقاب تشفيا ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر # فصفح عنه، وأمر بترك التعرض له، وأحسن إليه، وصرفه مكرما. # PageV01P321 ### || ابن مقلة ينفذ من سجنه رقعة إلى الوزير ابن الفرات # حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، عن أبي عبد الله زنجي الكاتب، ~~قال: لما نكب أبو الحسن بن الفرات، أبا علي بن مقلة، في وزارته الثالثة، لم ~~أدخل إليه في الحبس، ولا كاتبته متوجعا له، ولا راسلته بحرف، خوفا من أن ~~يرقى ذلك إلى ابن الفرات. # وكانت بيني وبين ابن الجراح مقلة مودة، فلما طال مكثه في الحبس، كتب إلي ~~رقعة لطيفة، أولها: # PageV01P322 # ترى حرمت كتب الأخلاء بينهم ... أبن لي، أم أصبح الود غاليا؟ # فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا # صديقك من راعاك عند شديدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا # فهبك عدوي، لا صديقي، فربما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا # ثم أتبع ذلك بكلام عاتبني فيه، ويذكر أنه أنفذ إلي، في طي رقعته، رقعة ~~إلى الوزير، وسألني عرضها عليه، في وقت خلوة لا يكون فيها ابنه أبو أحمد ~~المحسن. # فقرأت الرقعة التي للوزير، فكان فيها: أقصرت أطال الله بقاء الوزير، وفعل ~~به وصنع، عن الاستعطاف وعن الشكوى، حتى ms094 تناهت بي المحنة والبلوى، في النفس ~~والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حتى أفضت ~~بي، إلى الحيرة والتبلد، وبعيالي إلى الهتكة والتلدد، وما أقول إن حالا ~~أتاها الوزير، أيده الله، في أمري، إلا بحق واجب، وظن صادق غير كاذب، إلا ~~أن القدرة تذهب الحفيظة، والاعتراف يزيل الاقتراف، ورب المعروف يؤثره أهل ~~الفضل والدين، والإحسان إلى المسيء، # PageV01P323 # من أفعال المتقين، وعلى كل حال، فلي ذمام وحرمة، وتأميل وخدمة، إن كانت ~~الإساءة تضيعها، فرعاية الوزير، أيده الله، تحفظها، فإن رأى الوزير، أطال ~~الله بقاءه، أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، ويتخلصها من ~~العذاب الشديد، والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيبا، ومن البلوى فرجا ~~قريبا، فعل، إن شاء الله. # فأقامت الرقعة في كمي أياما، لا أتمكن من عرضها، إلى أن رسم لي الوزير ~~ابن الفرات، كتب رقعة إلى جعفر بن القاسم، عامله على فارس، في مهم، وأن ~~أحررها بين يديه، وأعرضها عليه، فأمرني بتحريرها وقد خلا، فاغتنمت خلوته من ~~كل أحد، فقلت له: قد عرف الوزير، أيده الله، ما بيني وبين ابن مقلة، من ~~العشرة والإلفة التي جمعتنا عليها خدمته، ووالله، ما كاتبته ولا راسلته، ~~ولا قضيت له حقا بمعونة ولا غيرها، منذ سخط الوزير، أيده الله، عليه، وهذه ~~رقعته إلي تدل على ذلك، ويسأل عرض رقعة له على الوزير، أيده الله، وهي معي، ~~فإن أذن عرضتها عليه. # فقال: هاتها. # فناولته إياها، قال: فقرأ رقعته إلي، ثم قال: هات رقعته إلي. # فقلت: أسأل الوزير، أيده الله، أن يكتم ذلك عن سيدي أبي أحمد، يعني: ~~المحسن ابنه، فإني أخافه. # PageV01P324 # فقال: أفعل. # فلما قرأ رقعة ابن مقلة إليه، قال: والله، يا أبا عبد الله، لقد تناهى ~~هذا الرجل في السعاية على دمي، ومالي، وأهلي، لقد صح عندي أنه قال: لما ~~أسلم إلي حامد: لو علمت أن ابن الفرات سيبقى بعد صرفه يوما واحدا ما سعيت ~~عليه، والله، لقد كنت أدعو الله في حبسي، أن لا يمكنني منه، ولا ms095 من ~~الباقطائي، أما هو فلإحساني العظيم، كان، إليه، فلم أحب أن أتمكن منه فأشفي ~~غيظي وأفسد إحساني إليه , وأما الباقطائي، فلقبيح إساءته إلي، ولأنه شيخ من ~~شيوخ الكتاب، وخفت العار بما لعلي كنت أعامله به لو حصل في يدي، فلم تجب ~~دعوتي فيه، وأجيبت في الباقطائي، والآن فوحق محمد وآله عليهم السلام، لا ~~جرى على ابن مقلة مكروه بعد هذا، وأنا أتقدم اليوم بأخذه من المحسن، ~~وإنفاذه مع سليمان بن الحسن إلى فارس، وأجريه مجراه في الأمر بحراسة نفسه، ~~وباقي حاله، وأزيدك، يا أبا عبد الله، ما لا أحسبك فهمته. # فقلت: وما هو؟ فإني لم أزل أستفيد الفوائد من الوزير، أيده الله، # PageV01P325 # تعلما وإنعاما. # فقال: قد بقيت له بقية وافرة من حاله، لولاها، لكان لا يقدر أن يقول قولا ~~سديدا، ولا يتفرغ قلبه لنظم شعر، وبلاغة نثر. # قال: فلما كان من الغد، أخرجه من المحبس، وأنفذه إلى فارس، هو وسليمان بن ~~الحسن، فسلما. # PageV01P326 ### || كيف تخلص طريح بن إسماعيل الثقفي من المنصور # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين الأموي، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني ~~حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثني محمد بن عبد ~~الله بن حمزة بن أبي عيينة المهلبي، عن أبيه، عن طريح بن إسماعيل الثقفي، ~~أنه دخل على أبي جعفر، في الشعراء، فقال له: لا حياك الله، ولا بياك، أما ~~اتقيت الله حيث تقول في الوليد: # لو قلت للسيل دع طريقك والموج ... عليه كالهضب يعتلج # لساخ وارتد أو لكان له ... إلى طريق سواه منعرج # فقال طريح: قد علم الله أنني أردت الله بهذا وعنيته، وقلت ذلك، ويدي ~~ممدوة إليه عز وجل. # فقال أبو جعفر: يا ربيع، أما ترى هذا التخلص؟ 119 # PageV01P327 ### || المأمون يعفو عن الحسين بن الضحاك ويمتنع عن استخدامه # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، إجازة، قال: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي ~~الأزهر، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وألفاظهم تزيد وتنقص. # وأخبرني ببعضه محمد بن خلف، وكيع، من آخره، وقصة وصوله إلى المأمون، ولم ms096 ~~يذكر ما قبل ذلك، قالوا: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، ولم يقل وكيع عن ~~أبيه، واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر، وحديثه، ثم قال: كنت بين يدي ~~المأمون قائما، فدخل ابن البواب الحاجب، برقعة فيها أبيات، فقال له: أتأذن ~~في إنشادها؟ قال: هات، فأنشد: # PageV01P328 # أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكد بالعهد # أعيذك من خلف الملول وقد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد # رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد # ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد # فقال له المأمون: أحسنت يا عبد الله وظنها له. # فقال: بل أحسن قائلها يا أمير المؤمنين. # قال: ومن هو قائلها؟ قال: عبدك الحسين بن الضحاك. # فقطب، وقال لا حيا الله من ذكرت، ولا بياه، ولا قربه، أليس هو القائل: # أعيني جودا وابكيا لي محمدا ... ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا # فلا تمت الأشياء بعد محمد ... ولا زال شمل الملك فيه مبددا # ولا فرح المأمون بالعيش بعده ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا # هذا بذاك، ولا شيء له عندنا. # فقال ابن البواب: فأين فضل أمير المؤمنين، وسعة حلمه، وعادته في # PageV01P329 # العفو؟ فأمر بإحضاره. # فلما حضر، سلم، فرد عليه السلام ردا خفيا، ثم قال: أخبرني عنك، هل عرفت، ~~يوم قتل أخي - هاشمية قتلت، أو هتكت؟ قال: لا. # قال: فما معنى قولك؟ : # ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النبي استحلت # ومهتوكة بالخلد عنها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين تبدت # إذا خفرتها روعة من منازع ... لها المرط عاذت بالخضوع ورنت # وسرب ظباء من ذؤابة هاشم ... هتفن بدعوى خير حي وميت # أرد يدا مني إذا ما ذكرته ... على كبد حرى وقلب مفتت # فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالها من تمنت # فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد ~~أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني. # فدمعت عينا المأمون، وقال قد عفوت عنك وأمرت لك بإدرار أرزاقك عليك، ~~وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك، امتناعي ms097 عن استخدمك. # PageV01P330 ### || بين المعتصم والحسين بن الضحاك # أخبرني محمد بن يحيى الصولي، إجازة، وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني في ~~كتابه الكبير، كتاب الأغاني، الذي أجازه لي في جملة ما أجاز، في أخبار ~~الحسين بن الضحاك، قال: غضب علي المعتصم في شيء جرى على النبيذ، وقال والله ~~لأؤدبنه، وحجبني، فكتب إليه: # غضب الإمام أشد من أدبه ... وقد استجرت وعذت من غضبه # أصبحت معتصما بمعتصم ... أثنى عليه الله في كتبه # لا والذي لم يبق لي سببا ... أرجو النجاة به سوى سببه # ما لي شفيع غير رحمته ... ولكل من أشفى على عطبه # إلا كريم طباعه وبه ... أرجو الذي أرجوه في نسبه # فلما قرئت عليه، التفت إلى الواثق، وقال: وبمثل هذا الكلام يستعطف ~~الكرام، ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه، حتى زال ما في نفسي عليه. # فقال الواثق: هو حقيق أن يهب له أمير المؤمنين ذنبه، ويتجاوز عنه، # PageV01P331 # فرضي عني، وأمر بإحضاري. # قال: الصولي: فحدثني الحسين بن يحيى، أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى ~~المعتصم لأنه بلغه عنه أنه مدح العباس بن المأمون، وتمنى له الخلافة، فطلب، ~~فاستتر، وكتب بهذه الأبيات إلى المعتصم على يدي الواثق، فأوصلها، وشفع له، ~~فرضي عنه، وأمنه، فظهر، ثم استدعاه، فدخل عليه، وهجا العباس بن المأمون، ~~فقال: # خل اللعين وما اكتسب ... لا زال منقطع السبب # يا عرة الثقلين لا ... دينا رعيت ولا حسب # حسد الإمام مكانه ... جهلا هداك على العطب # وأبوك قدمه لها ... لما تخير وانتخب # ما تستطيع سوى التنفس ... والتجرع للكرب # لا زلت عند أبيك منتقص ... المروءة والأدب # PageV01P332 ### || الشعبي يروي قصة دخوله على الحجاج # وجدت بخط القاضي أبي جعفر أحمد بن البهلول الأنباري، قال الشعبي: كنت ~~فيمن خرج مع ابن الأشعث، على الحجاج، فلما هزم، هربت، فأتيت يزيد بن أبي ~~مسلم، وكان لي صديقا، وذكرت له أمري. # فقال: يا عامر، أنا أخوك الذي تعرف، ووالله، ما أستطيع نفعك عند الحجاج، ~~وما أرى لك إلا أن تمثل بين يديه، فتقر بذنبك، فإن الحجاج ليس ممن يكذب، ms098 ~~فاصدقه، واستشهدني على ما بدا لك. # قال الشعبي: فما شعر الحجاج، إلا وأنا قائم بين يديه، فقال: عامر؟ قلت: ~~نعم , أصلح الله الأمير. # قال: ألم أقدم العراق، فوجدتك خاملا، فشرفتك، وأوفدتك إلى # PageV01P333 # أمير المؤمنين، وأثبتك عريف قومك، واستشرتك؟ قلت: بلي. # قال: فما الذي أخرجك علي، وأين كنت في هذه الفتنة؟ قلت: أصلح الله ~~الأمير، أوحش الجناب، وأحزن بنا المنزل، فاستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، ~~واستحلسنا البلاء، وفقدنا صالح الإخوان، وشملتنا فتنة، لم نكن فيها بررة ~~أتقياء، ولا فجرة أقوياء، وما أعتذر ألا أكون سعيت، وهذا يزيد بن أبي مسلم، ~~يشهد لي بذلك، وأني كنت أكتب إليه بعذري. # فقال ابن أبي مسلم: صدق، أعز الله الأمير. # فقال الحجاج: هذا عامر، ضرب وجوهنا بسيفه، وأتانا يعتذر بالباطل، ردوا ~~عليه عطاءه. # وعفا عنه. # PageV01P334 ### || من قصص ملوك الفرس ### ||| أ - بين كسرى أبرويز ومغنيه # وجدت في بعض الكتب، عن ابن خرداذبه، قال: غضب أبرويز الملك على بعض ~~أصحابه، من جرم عظيم، فحبسه زمانا، ثم ذكره، فقال للسجان: هل يتعاهده أحد؟ ~~. # فقال: أيها الملك، الفلهند المغني وحده، فإنه كان يوجه إليه في كل يوم ~~بسلة من طعام. # فقال كسرى أبرويز للفلهند: غضبت على فلان، وحبسته، فقطعه الناس غيرك، ~~فإنك كنت تتعاهده بالبر في كل يوم. # فقال: أيها الملك، إن البقية التي بقيت له عندك، فابقت روحه في جسده، ~~أبقت له عندي مقدار سلة من طعام. # فقال له: أحسنت، وقد وهبت لك ذنبه، وأطلقه للوقت. # PageV01P335 ### ||| ب - الفلهند يحرم الملك أبرويز من شطر لذته # حدثني الحسن بن محمد بن الحسن الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس أن ~~أبرويز الملك كان معجبا بغناء الفلهند مغنيه، فنشأ للفلهند غلام أحسن غناء ~~منه فأدخله إلى أبرويز يتحفه به، ويتقرب إليه بذلك، فاستطابه أبرويز وغلب ~~على قلبه حتى قدمه على الفلهند، فحسده الفلهند، فقتله. # وبلغ أبرويز ذلك، فغضب عليه غضبا شديدا، واستدعى الفلهند، فقال له: يا ~~كلب، علمت أن شطر لذتي في الغناء كان فيك، وشطرها كان في غلامك، فقتلته ~~لتذهب شطر ms099 لذتي، والله لأقتلنك، وأمر به فجر ليقتل. # فقال: أيها الملك، اسمع مني كلمة، ثم اعمل ما شئت. # قال: قل. # قال: إذا كانت لذتك شطرين، وقد أبطلت أنا بالجهل أحدهما، وتبطل أنت على ~~نفسك الشطر الثاني بطاعة الغضب، فإن جنايتك على نفسك، أعظم من جنايتي عليك. # فقال أبرويز: ما نطقت بهذا الكلام، في مثل هذا المقام، إلا لما في أجلك ~~من التأخير، ولما يريد الله تعالى إسعادي به من الالتذاذ بغنائك، وقد عفوت ~~عنك. # وأطلقه. # PageV01P336 ### ||| ج - صاحب المائدة يصب ما في الغضارة على رأس الملك # حدثني الحسن بن محمد الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس المنقولة إلى ~~العربية، أن ملكا من ملوكهم قدم إليه صاحب مائدته غضارة إسفيذباج فنقطت ~~منها نقطة على ساعد الملك، فأمر بقتله. # فقال له الرجل: أعيذ الملك بالله أن يقتلني ظلما بغير ذنب قصدته. # فقال له الملك: قتلك واجب، ليتعظ بك غيرك، فلا تهمل الحرمة. # فأخذ الرجل الغضارة، فصبها بأسرها على رأس الملك، وقال: أيها الملك، كرهت ~~أن يشيع عنك أنك قتلتني ظلما، ففعلت هذا لأستحق القتل، فيزول عنك قبح ~~الأحدوثة بظلم الخدم، فشأنك الآن وما تريد. # فقال الملك: ما أحصن الأجل! وعفا عنه. # PageV01P337 ### || الغلط الذي لا يتلافى # وجدت في بعض الكتب: أن رجلين أتي بهما إلى بعض الولاة، وقد ثبت على ~~أحدهما الزندقة، وعلى الآخر شرب الخمر، فسلم الوالي الرجلين إلى بعض ~~أصحابه، وقال له: اضرب عنق هذا، وأومى إلى الزنديق، وحد هذا، وأومى إلى ~~الشارب. # وقال: خذهما. # فلما ذهب بهما ليخرجا، قال شارب الخمر: أيها الأمير، سلمني إلى غير هذا ~~ليحدني، فلست آمن أن يغلط فيضرب عنقي، ويحد صاحبي، والغلط في هذا لا ~~يتلافى. # فضحك منه الأمير، وخلى سبيله، وضرب رقبة الزنديق. # PageV01P338 ### || الأمير عبد الله بن طاهر يعفو عن الحصني ويحسن إليه # وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي، عن أبي محمد الحسن بن طالب، كاتب عيسى ~~بن فرخان شاه، قال: حدثني عيسى بن فرخان شاه، قال: لما وليت ديار مصر، لم ~~يزل وجوهها يصفون ms100 لي محمد بن يزيد الأموي الحصني بالفضل، وينشدوني قصيدته ~~التي أجاب بها عبد الله بن طاهر، لما فخر بأبيه، ويذكرون قصته معه لما دخل ~~عبد الله الشام، وأشرف # PageV01P339 # الحصني على الهلاك خوفا منه، كيف كفي أمره بلا سبب، وكيف أحسن إليه، ~~وأقره في حصنه، فكنت أتفقد أمره في ضيعته، وأحسن إليه في معاملته، وكانت ~~كتبه ترد علي بالشكر بأحسن عبارة. # فلما خرجت لتصفح كور عملي، وأحوال الرعية والعمال بالنواحي، وردت الكورة ~~التي فيها حصن محمد بن يزيد في ناحية منها، فخرج مستقبلا لي، وراغبا إلى في ~~النزول عليه. # فلما التقينا، قال لي: لم أشك، مع فضلك، أنك لا تتجاوزني، ولم آمن أن ~~يعارضك ظن، يصور لك أن عدولك عني، إبقاء علي، وإشفاق من نسبة السلطان إياك ~~إلى إيثار لذتك في لقائي، فتطويني، فحملت نفسي على خلاف ما كنت أحب أن يشيع ~~لك، من ابتدائي بالقصد قبل رغبتي إليك فيه، فالحمد لله الذي جعل لك السبق ~~إلى المكرمة. # وسرهنا إلى حصنه، وأوقفني على المواضع المذكورة في الخبر والشعر إلى أن ~~دخلنا حصنه، فلم أجد فيه أهبة للنزول به، ورأيت أدبا ومروءة، وسبق بما حضر ~~من القرى، ولم ينقبض من إحضار ما أعددته في سفرتنا، ووجدت خدمته كلها تدور ~~على جارية سوداء اللون، خفيفة الحركة، يدل نشاطها على اعتيادها الطراق، إلى ~~أن رفع الطعام، وحضر الشراب، فحضرت السوداء في # PageV01P340 # غير الزي الأول، وجلست تغني، فأنكرتها، حتى استثبته فيها، فوصف لي قديم ~~حرمتها، وقال: هي كانت طليعتي يوم قصدني عبد الله بن طاهر. # فاستفتحني لمسألته عن الخبر، فسألته. # فقال: لما بلغني إجماع عبد الله بن الطاهر على الخروج لطلب نصر بن شبث، ~~الخارجي كان في ذلك الوقت، بنفسه، أيقنت بالهلاك، وخفت أن يقرب مني، ~~فتنالني منه بادرة مكروه، ولم أشك في ذهاب النعمة، وإن سلمت النفس لما بلغه ~~من إجابتي إياه، عن قصيدته التي فخر بها، وأنشدنيها: # مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول # ومدين البيض في تعب ... وغريم البيض ممطول # وأخو الوجهين حيث ms101 رمى ... بهواه فهو مدخول # وقليل من يبرزه ... في يد التهذيب تحصيل # فاتئد تلق النجاح به ... واعتساف الأمر تضليل # واغض عن عيب أخيك يدم ... لك حبل منه موصول # PageV01P341 # من يرد حوض الردى صردا ... لا يسعه الري تعليل # من بنات الروم لي سكن ... وجهها للشمس إكليل # عتبت والعتب من سكن ... فيه تكثير وتقليل # أقصري عما لهجت به ... ففراغي عنك مشغول # سائلي عما تسائلني ... قد يرد الخبر مسئول # أنا من تعرفن نسبته ... سلفي الغر البهاليل # مصعب جدي نقيب بني ... هاشم، والأمر مجهول # وحسين رأس دعوتهم ... ودعاء الحق مقبول # سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفيات مصاقيل # كل غضب مشرب عللا ... وجراز الحد مفلول # وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده قولوا # صاحب الرأي الذي حصلت ... رأيه القوم المحاصيل # حل منهم بالذرى شرفا ... دونه عز وتبجيل # PageV01P342 # تفصح الأنباء عنه إذا ... أسكت الأنباء مجهول # سل به والخيل ساهمة ... حوله جرد أبابيل # إذ علت من فوقه يده ... نوطها أبيض مصقول # وبربات الخدور وقد ... جعلت تبدو الخلاخيل # من ثنى عنه الخيول ... بأكنافها الخطية الشول # أبطن المخلوع كلكله ... وحواليه المغاويل # فثوى والترب مضجعه ... غال عنه ملكه غول # قاد جيشا نحو قاتله ... ضاق عنه العرض والطول # من خراسان مصممهم ... كليوث ضمها غيل # وهبوا لله أنفسهم ... لا معازيل ولا ميل # ملك تحتاج سطوته ... ونداه الدهر مبذول # قطعت عنه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول # وتره يسعى إليه به ... ودم يجنيه مطلول # قال: وكنت لما بلغتني القصيدة، امتعضت للعربية، وأنفت أن يفخر عليها رجل ~~من العجم، لأنه قتل ملكا من ملوكها بسيف أخيه، لا بسيفه، فيفخر عليها هذا ~~الفخر، ويضع منها هذا الوضع، فرددت على قصيدته # PageV01P343 # ولم أعلم أن الأيام تجمعنا، ولا أن الزمان يضطرني إلى الخوف منه، فقلت: # لا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تهويل # ما هوى لي حيث أعرفه ... بهوى غيرك موصول # أين لي عدل إلى بدل ... أبديل منك مقبول # إذ عدمت العدل منك وإذ ... أنا فيك الدهر معدول # حمليني كل لائمة ... كل ما حملت مقبول # واحكمي ما شئت واحتكمي ... فحرامي فيك ms102 تحليل # والذي أرجو النجاة به ... ما لقلبي عنك تحويل # ما لداري منك مقفرة ... وضميري منك مأهول # أيخون العهد ذو ثقة ... لا يخون العهد مسئول # وأخو حبيك في تعب ... مطلق مرا ومغلول # ما فراغي عنك مشتغل ... بل فراغي بك مشغول # وبدت يوم الوداع لنا ... غادة عيطاء عطبول # حاسرا أو ذات مقنعة ... ذات تاج فيه إكليل # أي عطفيها به انصرفت ... أرج بالمسك معلول # تتعاطى شد معجرها ... ونطاق الخصر محلول # PageV01P344 # بأداليل لها قتل ... حبذا تلك الأداليل # فبنفسي دمج مشطتها ... ومثانيها المراسيل # سبقت بالدمع مقلتها ... فلها بالدمع تفصيل # ورمت بالسحر من كثب ... فدفين الداء مقتول # لاحظت بالسحر عابثة ... فحسام الصبر مفلول # شملنا إذ ذاك مجتمع ... وجناح البين مشكول # ثم ولت كي تودعنا ... كحلها بالدمع مغسول # لا تخاف الدهر طائره ... فأذاه عنك معقول # أيها النازي مطيته ... لأغاليطك تحصيل # قد تأولتم على جهة ... ولنا في ذاك تأويل # إن دليلاك يوم غدا ... بك في الحين لضليل # قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول # قد يخون الرمح عامله ... وسنان الرمح مصقول # وينال الوتر طالبه ... بعدها تسلو المثاكيل # سار أوحل فمتبع ... بالتي يكبو لها الفيل # لا تنجيه مذاهبه ... نهر بوشنج ولا النيل # PageV01P345 # ومدين القتل مرتهن ... بدماء القوم مقتول # بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول # وبنعماه التي سلفت ... فعلت تلك الأفاعيل # وبراع غير ذي شفق ... جالت الخيل الأبابيل # يابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل # أي مجد فيك نعرفه ... أي جد لك بهلول # من حسين أو أبوك ومن ... مصعب غالتهم غول # وزريق إذ تخلفه ... نسب عمرك مجهول # تلك دعوى لا نناقشها ... وأبوات مراذيل # أسرة ليست مباركة ... غيرها الشم البهاليل # ما جرى في عود أثلتكم ... ماء مجد فهو مدخول # قدحت فيه أسافله ... وأعاليه مجاهيل # إن خير القول أصدقه ... حين تصطك الأقاويل # كن على منهاج معرفة ... لا تغرنك الأباطيل # إن للإصعاد منحدرا ... فيه للهاوي أهاويل # ولريب الدهر عن عرض ... بالردي عل وتنهيل # يعسف الصعبة رائضها ... ولها بالعسف تدليل # ويخون الرمح حامله ... وسنان الرمح مصقول # PageV01P346 # وينال الثأر طالبه ... بعدما تسلو المثاكيل ms103 # مضمر حقدا ومنصله ... مغمد في الجفن مسلول # قال: فلما قرب عبد الله بن طاهر مني، استوحشت من المقام خوفا على نفسي، ~~ورأيت بعدي وتسليمي حرمي عارا باقيا، ولم يكن لي إلى هربي بالحرم سبيل، ~~فأقمت على أتم خوف مستسلما للاتفاق، حتى إذا كان اليوم الذي قيل إنه ينزل ~~فيه العسكر بهذه النواحي أغلقت باب حصني، وأقمت هذه الجارية السوداء ربيئة ~~تنظر لي على مرقب من شرف الحصن، وأمرتها أن تعرفني الموضع الذي ينزل فيه ~~العسكر قبل أن يفجأني، ولبست ثياب الموت أكفانا، وتطيب، وتحنطت. # فلما رأت الجارية العسكر يقصد حصني، نزلت فعرفتني، فلم يرعني إلا دق باب ~~الحصن فخرجت، فإذا عبد الله بن طاهر، واقف وحده، منفرد عن أصحابه، فسلمت ~~عليه سلام خائف، فرد علي بن الحسن غير مستوحش، فأومات إلى تقبيل رجله في ~~الركاب، فمنع ألطف منع وأحسنه، ونزل على دكان على باب الحصن. # ثم قال: ليسكن روعك، فقد أسأت الظن بنا، ولو علمنا أنا بزيارتنا لك نروعك ~~ما قصدناك. # ثم أطال المسألة، حتى رأى الثقة مني قد ظهرت، فسألني عن سبب مقامي في ~~البر، وإيثاري إياه على الحاضرة، ورفاهة عيشها، وعن حال ضيعتي ومعاملتي في ~~ناحيتي، فأجبته بما حضر لي. # PageV01P347 # حتى إذا لم يبق من التأنيس شيء أفضى إلى مساءلتي عن حديث نصر بن شبث، ~~وكيف الطريق إلى الظفر به، فأخبرته بما حضرني. # ثم أقبل علي وقد انبسطت في محادثته كل الانبساط، فقال: أحب أن تنشدني ~~القصيدة التي فيها: يابن بين النار موقدها ما لحاديه سراويل فقلت: أصلح ~~الله الأمير، قد أربت نعمتك على مقدار همتي، فلا تكدرها بما ينغصها. # فقال: إنما أريد الزيادة في تأنيسك، بأن لا تراني متحفظا مما خفت، وعزم ~~على في إنشادها، عزم مجد، فقلت: يريد أن تطرأ على سمعه، فيثور ما في نفسه، ~~فيوقع بي. # ولم أجد من إنشادها بدا، فأنشدته القصيدة، فلما فرغت منها، عاتبني عتابا ~~سهلا، فكان منه أن قال: يا هذا، ما حملك على تكلف إجابتي؟ فقلت: الأمير ~~أصلحه الله، ms104 حملني على ذلك بقوله: # وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده قولوا # فقلت: كما تقول العرب، وتفتخر السوقة على الملوك، وكنت لما بلغت إلى ~~قولي: # يا ابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل # قال لي: يابن مسلمة، لقد أحصينا في خزائن ذي اليمينين بعد موته، # PageV01P348 # ألفين وثلاث مائة سراويل من صنوف الثياب، ما أصلح في أحدها تكة، سوى ما ~~استعمل في اللبس، على أن الناس يقلون اتخاذ السراويلات في كساهم. # فاعتذرت إليه بما حضرني من القول في هذا، وفي جميع ما تضمنته القصيدة، ~~فقبل القول، وبسط العذر، وأظهر الصفح. # وقال: قد دللتنا على ما احتجنا إليه، من معرفة أمر نصر بن شبث، أفتستحسن ~~القعود عنا في حربه. # ولا يكون لك في الظفر به أثر يشاكل إرشادك لوجوه مطالبه؟ فاعتذرت إليه ~~بلزوم ضيعتي ومنزلي، وعجزي عن السفر للقصور عن آلته. # فقال: نكفيك ذلك، وتقبله منا، ودعا بصاحب دوابه، فأمره بإحضار خمسة مراكب ~~من الخيل الهماليج بسروجها ولجمها المحلاة، وبثلاث دواب من دواب الشاكرية، ~~وخمسة أبغل من بغال الثقل، وأمر صاحب كسوته بإحضار خمسة تخوت من أصناف ~~الثياب الفاخرة، وأمر خازنه بإحضار خمس بدر دراهم، فأحضر جميع ذلك، ووضع ~~على الدكان الذي كان عليه جالسا بباب الحصن. # ثم قال لي: كم مدة تأخرك عنا إلى أن تلحق بنا؟ فقربت الموعد، فقام ليركب، ~~فابتدرت إلى يده لأقبلها، فمنعني، وركب، وسار الجيش معه، وما ترك أحدا ~~ينزل، وكفى الله مئونتهم، وخرجت السوداء، فنقلت الثياب والبدر، وأخذ ~~الغلمان الكراع، وما لقيت عبد الله بعدها. # قال: عيسى بن فرخان شاه: فأقمت عند محمد بن يزيد يومي وليلتي، # PageV01P349 # فأضافني أحسن ضيافة، وكانت مذاكرته لي، وأدبه، ألذ إلي من كل شيء، فأسقطت ~~عنه جميع خراجه في تلك السنة، وانصرفت. # ووقع إلي هذا الخبر، بخلاف هذا، فأخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني ~~عمي الحسن بن محمد، قال: حدثني ابن الدهقانة النديم، قال: حدثني محمد بن ~~الفضل الخراساني، وكان من وجوه قواد طاهر، وابنه عبد الله، وكان أديبا، ~~عاقلا، ms105 فاضلا: لما قال عبد الله قصدته التي فخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ~~وبقتل المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، وهو رجل من ولد مسلمة بن ~~عبد الملك، فأفرط في السب، وتجاوز الحد في قبح الرد، فكان فيما قال: # يابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل # من حسين وأبوك ومن ... مصعب غالتهم غول # نسب في الفخر مؤتشب ... وأبوات أراذيل # قاتل المخلوع مقتول ... ودم المقتول مطلول # وهي قصيدة طويلة. # PageV01P350 # فلما ولي عبد الله مصر، ورد إليه تدبير الشام، علم الحصني أنه لا يفلت ~~منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حل، فثبت مكانه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ~~وكل ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه، وهو يتوقع من عبد الله أن يوقع به. # قال: فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبحه دعاني عبد الله في الليل، ~~فقال: بت عندي، وليكن فرسك معدا، ففعلت، فلما كان في السحر، أمر غلمانه ~~وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب هو أنا وخمسة من خواص غلمانه، ~~وسار حتى صبح الحصني، فرأى بابه مفتوحا، ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلم ~~عليه، ونزل عنده. # وقال: ما أجلسك هاهنا، وحملك على أن تفتح بابك، ولم تتحصن من هذا الجيش ~~المقبل، ولم تتنح عن عبد الله بن طاهر، مع علمك بما في نفسه منك، وما بلغه ~~عنك؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عني، ولكني تأملت أمري، وعلمت أني قد أخطأت ~~عليه خطيئة حملني عليها نزق الشباب، وغرة الحداثة، وأني إن هربت منه لم ~~أفته، فباعدت الحرم، واستسلمت بنفسي وبكل ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع ~~فينا القتل، ولي بمن مضى من أهلي أسوة، وأنا واثق بأن الرجل إذا قتلني، ~~وأخذ مالي، شفى غيظه، فلم يتجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب ~~جرمي إليه أكثر مما بذلته. # فوالله، ما أجابه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال له: ~~أتعرفني؟ قال: لا والله. # قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمن الله روعك، ms106 وحقن دمك، وصان حرمك، ~~وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي، إلا # PageV01P351 # لتأمن، قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك، روعة تلحقك. # فبكي الحصني، وقام فقبل يده، فضمه عبد الله إليه، وأدناه، ثم قال له: أما ~~إنه لا بد من العتاب، يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم، ~~ولم أطعن فيه على نسبك، ولا ادعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من ~~قومك، فهو من الذين ثأرك عندهم، وقد كان يسعك السكوت، وإن لم يسعك، أن لا ~~تغرق ولا تسرف. # فقال: أيها الأمير، قد عفوت فاجعله عفوا لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه ~~تأنيب. # قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك، حتى توجب علينا حقا وذماما ~~بالضيافة. # فقام مسرورا فأدخلنا منزله، وأتانا بالطعام فأكلنا، وجلسنا نشرب في ~~مستشرف له، وأقبل الجيش، فأمرني أن أتلقاهم فأرحلهم، ولا يتنزل أحد منهم ~~إلا في المنزل، وكان على ثلاثة فراسخ من الحصن، فنزلت، فرحلتهم، وأقام عنده ~~إلى العصر، ثم دعا بدواة، فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين. # ثم قال له: إن نشطت، فالحق بنا إلى مصر، وإلا فأقم بمكانك. # فقال: أتجهز، وألحق بالأمير. # ففعل، ولحق بنا، فلم يزل مع عبد الله، لا يفارقه، حتى رحل إلى العراق، ~~فودعه، وأقام ببلده. # PageV01P352 # وحدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، بهذا الخبر، من لفظه وحفظه، وبخلاف ~~هذا، قال: أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثني أبو أحمد عبيد ~~الله بن عبد الله بن طاهر، قال: لما قال أبي قصيدته التي يقول فيها: # وأبي من لا نظير له ... من يسامي مجده قولوا # وذكر أبياتا من القصيدة، قال: الحصني الأموي قصيدة أولها: # لا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تمحيل # وذكر أبياتا من القصيدة يشتمه فيها، فلما ولي تلك النواحي، علم المسلمي ~~أنه لا يفوته، فأقام ببلده، فلما قرب أبي من حصن مسلمة، أمر الجيش فنزلوا ~~على فرسخ منه، ونزع من موضعه، مع عدة من غلمانه، فجاء إلى الحصن، فابتدأه ~~وهو ms107 على باب داره، فسلم، ونزل. # فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد بن مسلمة القرشي الحصني. # قال: الذي هجوت آل طاهر. # قال: نعم أعزك الله. # قال: فلم فعلت ذلك، فوالله ما فخر القوم إلا بقتلهم رجلا من قبيل قتلكم ~~وأفناكم، فما دخولك في هذا؟ قال: أطت الرحم وإن كانت مقطوعة، ولحقتني ~~الرحمة والحمية، # PageV01P353 # وهو أمرني أن أقول، إذ قال: من يسامي مجده قولوا قال: فذكرنا ما عندنا. # قال: فلم لم تستتر من عبد الله بن طاهر وقد أظلك؟ قال: علمت أني لا ~~أفوته، فجدت بنفسي، وصنت حرمي. # قال: أتعرفني؟ قال: أما في الحقيقة، فلا، ولكني أظنك من قواده. # قال: لا، بل أنا هو، وإنما سبقت إليك لئلا تراع، وقد أمنك الله، وأمن ~~حرمك، فسلني حاجاتك. # قال: أما أنا أيها الأمير، فقد أجبتني عن قولي بفعلك، وأكذبت شعري بفضلك، ~~وما لي بعدها حاجة، فإني في كفاف من معيشتي. # فاحتمل له خراجه، وقال له: إن شئت فأقم ببلدك، وإن شئت فكن معي. # قال: بل أقيم ببلدي، وأزور الأمير إذا نشط لي. # فأجابه إلى ذلك. # PageV01P354 ### || الباب الذي بين الله والناس لا يغلق # وحدثني عبد الله بن أحمد بن داسة، المقرئ البصري، قال: سمعت أن بعض ~~الجند، اغتصب امرأة نفسها من الطريق، فعرض له الجيران يمنعونه منها، ~~فقاتلهم هو وغلمانه حتى تفرقوا، وأدخل المرأة إلى داره، وغلق الأبواب، ثم ~~راودها عن نفسها، فامتنعت، فأكرهها، ولحقها منه شدة، حتى جلس منها مجلس ~~الرجل من المرآة. # فقالت له: يا هذا، اصبر حتى تغلق الباب الذي بقي عليك أن تغلقه. # قال: أي باب هو؟ قالت: الباب الذي بينك وبين الله. # فقام عنها، وقال اخرجي، قد فرج الله عنك. # فخرجت، ولم يتعرض لها. # PageV01P355 ### || بين الوليد بن يزيد وطريح بن إسماعيل الثقفي # أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، عن المدائني، قال: كان الوليد ~~بن يزيد، وهو ولي العهد، يكرم طريح بن إسماعيل الثقفي، # PageV01P356 # ويدني مجلسه، وجعله أول داخل وآخر خارج من عنده، فاستفرغ مديحه كله فيه، ~~فحسده الناس ms108 من أهل بيت الوليد، وقدم حماد الرواية، في تلك الأيام إلى ~~الشام. # فقالوا له: قد ذهب طريح بالأمير كل مذهب، فما لنا معه ليل ولا نهار. # فقال حماد: اطلبوا لي من ينشده بيتين من الشعر في خلوة لأسقط منزلته ~~عنده. # فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد، وجعلوا له عشرة آلاف ~~درهم، على أن ينشد بيتين من الشعر، على خلوة، فإذا سأله عنهما وعن قائلهما، ~~قال له: طريح، فأجابهم الخصي إلى ذلك، وتعلم البيتين. # فلما كان ذات يوم دخل طريح على الوليد، ودخل الناس، وجلسوا طويلا، ثم ~~نهضوا، وبقي طريح مع الوليد بغدائه فتغديا، ثم إن طريحا خرج، فركب إلى ~~منزله، وبقي الوليد وحده في مجلسه ليس معه أحد، فاستقلي على فراشه، فاغتنم ~~الخصي خلوته، فأنشده البيتين، وهما: # سيري ركابي إلى من تسعدين به ... فقد أقمت بدار الهون ما صلحا # سيري إلى سيد سمح خلائقه ... ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا # فأصغى الوليد إليه، ثم قال: من يقول هذا يا غلام؟ # PageV01P357 # قال: يقوله طريح. # فامتلا غيظا وغضبا، ثم قال: والهف أم لم تلدني، قد جعلته أول داخل علي، ~~وآخر خارج عني، ويزعم أن هشاما يحمل المدح، وأني لا أحملها. # ثم قال: علي بالحاجب. # فجاء، فقال له: لا أعلم أنك أذنت لطريح، ولا أراه في بسيط الأرض، فإذا ~~جادلك في ذلك، فاخبطه بالسيف. # فلما صليت العصر، جاء طريح في الساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من ~~الباب ليدخل، فقال له الحاجب: وراءك. # فقال: ما لك، هل دخل على ولي العهد أحد بعدي؟ قال: لا، ولكن ساعة وليت من ~~عنده، دعاني، فأمرني أن لا آذن لك، وإن جادلتني في الإذن خبطتك بالسيف. # فقال له: لك عشرة آلاف درهم، وأدخلني. # فقال له الحاجب: والله، لو أعطيني خراج العراق ما أذنت لك، وما لك خير في ~~الدخول، فارجع. # فقال: ويحك، هل تعلم من دهاني عنده؟ قال: لا والله، لقد دخلت عليه، وما ~~عنده أحد، ولكن الله تعالى يحدث ما يشاء، في الليل ms109 والنهار. # فرجع طريح، وأقام بباب الوليد سنة، لا يخلص إليه، ولا يقدر على الدخول ~~عليه، وأراد الرجوع إلى وطنه وقومه. # PageV01P358 # ثم قال: والله، إن هذا مني لعجز، أرجع من غير أن ألقي ولي العهد، فأعلم ~~من دهاني عنده؟ ورأى أناسا كانوا أعداء له، قد فرحوا بما كان من أمره، ولم ~~يزل يلطف بالحاجب، حتى قال له: أما إذ أطلت المقام، فأنا أكره أن تنصرف على ~~حالك هذه، ولكن الأمير، إذا كان يوم كذا وكذا، ودخل الحمام، ثم أمر بسريره ~~فأبرز، وليس عليه يؤمئذ حجاب، فإذا كان ذلك اليوم حضرت، فدخلت عليه، وظفرت ~~بحاجتك، ويكون لي أنا عذر. # فلما كان ذلك اليوم دخل الحمام، وأبرز سريره، وجلس عليه، وأذن للناس ~~فدخلوا، وبعث الحاجب إلى طريح، فأقبل. # فلما رآه الوليد من بعيد، صرف وجهه عنه، وكره أن يرده من بين الناس، ~~فسلم، فلم يرد عليه، فأنشأ طريح يقول: # نام الخلي من الهموم وبت في ... ليل أكابده وهم مضبع # وسهرت لا أسري ولا في لذة ... أرقي وأعقد ما لقيت المضجع # أبغي وجوه مخارجي من تهمة ... أزمت علي وسد منها المطلع # جزعا لمغضبة الوليد ولم أكن ... من قبل ذاك من الحوادث أجزع # يابن الخلائف إن سخطك لامرئ ... أمسيت عصمته بلاء مفظع # فلأنزعن عن الذي لم تهوه ... إن كان لي ورأيت ذلك منزع # فاعطف فداك أبي علي تعطفا ... وفضيلة فعسى الفضيلة تنفع # فلقد كفاك وزاد ما قد نالني ... إن كنت لي ببلاء ضر تقنع # سمة لذاك علي جسم شاحب ... باد تحسره ولون أسفع # PageV01P359 # إن كنت في ذنب عتبت فإنني ... عما كرهت لنازع متضرع # ويئست منك فكل عسر باسط ... يده إلي وكل يسر أقطع # من بعد أخذي من حبالك بالذي ... قد كنت أحسب أنه لا يقطع # أرمضتني حتى انقطعت وسددت ... عني الوجوه ولم يكن لي مدفع # ودخلت في حرم الذمام وحاطني ... خفر أخذت به وعهد مولع # أفهادم ما قد بنيت وخافض ... شرفي وأنت بغير ذلك أوسع # أفلا خشيت شمات قوم فيهم ... شنف وأنفسهم علي تقطع # وفضلت ms110 في الحسب الأشم عليهم ... وصنعت في الأقوام ما لم يصنع # فكأن أنفهم بكل صنعية ... أسديتها وجميل فعل يجدع # ودوا لو أنهم ينال أكفهم ... شلل وأنك عن صنيعك تنزع # أو تستليم فيجعلونك أسوة ... وأبي الملام لك الندى والمصنع # فقال له: زعمت أن هشاما يحمل المدح، وأنا لا أحملها؟ فأنكر. # فدعا الخصي، وكشف عن الصورة، فاعترف الخصي، بما كان قد رشي، حتى أنشد ~~البيتين بحضرة الوليد، فرضي عنه، وأجزل عطاءه، وعوضه ما فاته، ورده إلى ما ~~كان عليه. # PageV01P360 ### || بين الجاحظ وأحمد بن أبي دؤاد # وجدت في بعض الكتب: أتي بالجاحظ، إلى أحمد بن أبي دؤاد، بعد نكبة محمد بن ~~عبد الملك الزيات مقيدا في جبة صوف. # فقال له ابن أبي دؤاد: والله يا عمرو ما علمتك إلا متناسيا للنعمة، جاحدا ~~للصنيعة، معددا للمثالب، مخفيا للمناقب، وإن الأيام لا تصلح مثلك، لفساد ~~طويتك، وسوء اختبارك. # فقال له الجاحظ: خفض عليك، فوالله، لأن تكون المنة لك علي، خير من أن ~~تكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأحدوثة من أن أسيء وتسيء، ولأن ~~تعفو في حال قدرتك، أجمل بك من أن تنتقم. # فقال له ابن أبي دؤاد: ما علمتك إلا كثير تزويق اللسان، قد جعلت لسانك ~~أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق، اغرب قبحك الله. # فأنهض في قيوده، ثم قال: يا غلام، الحقه، فخذ قيوده، وصر به إلى الحمام، ~~واحمل إليه خلعة يلبسها، واحمله إلى منزل فيه فرش وآلة وقماش تزاح فيه ~~علله، وادفع إليه عشرة آلاف درهم لنفقته، إلى أن أصلح من خلته، ففعل ذلك ~~كله. # فلما كان من الغد، رؤي الجاحظ متصدرا في مجلس ابن أبي دؤاد، وعليه خلعة ~~من ثيابه، وطويلة من قلانسه، وهو مقبل عليه بوجهه، يقول: هات يا أبا عثمان. # PageV01P361 ### || الرشيد يمضي ما تعهد به وزيره جعفر البرمكي في مجلس أنس # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني يحيى بن علي المنجم، قال: حدثني ~~أبي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى بن ms111 خالد ~~البرمكي، كانت له فتوة، وظرف، وأدب، وحسن غناء، وضرب بالطبل، وكان يأخذ ~~بأجزل حظ، من كل فن. # فحضرت باب الرشيد يوما، وكان الرشيد نائما، فوافي جعفر، فقلت له إنه ~~نائم، فرجع، وقال سر بنا إلى المنزل، حتى نخلو جميعا بقية يومنا، فأغنيك، ~~وتغنيني، ونأخذ في شأننا، من وقتنا. # فقلت: نعم. # فسرنا إلى مجلسه، فطرحنا ثيابنا، ودعا بالطعام، فأكلنا، وأمر بإخراج ~~الجواري، وقال: ليبرزن، فليس عندنا من نحتشمه. # فلما رفع الطعام، وجيء بالشراب، دعا بقميص حرير فلبسه، ودعا لي بمثله، ~~ودعا بخلوق، فتخلق، وخلقني، وجعل يغنيني، وأغنيه. # وكان قد دعا بالحاجب، فتقدم إليه أن لا يأذن لأحد من الناس كلهم، وإن جاء ~~رسول أمير المؤمنين، فأعلمه أني مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدم # PageV01P362 # فيه إلى جميع الحجاب والخدم. # ثم قال: إن جاء عبد الملك، فأذنوا له، يعني رجلا كان يأنس به، ويمازحه، ~~ويحضره خلواته، ثم أخذنا في شأننا. # فبينما نحن على سارة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن طالح الهاشمي قد ~~أقبل، وغلط الحاجب، فلم يفرق بينه وبين عبد الملك الذي يأنس به جعفر. # وكان عبد الملك هذا من جلالة القدر والتقشف، على حالة معروفة، حتى إنه ~~كان يمتنع من منادمة الخليفة، على اجتهاد من الخليفة أنت يشرب معه قدحا ~~واحد، فلم يفعل، ترفعا. # فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن تنشق ~~مرارته غيظا. # وفهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا، حتى صار إلى الرواق الذي نحن فيه، فنزع ~~قلنسوته، فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطمعونا شيئا. # فدعا له جعفر بطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فأكل، ثم دعا برطل، فشربه. # ثم أقبل إلى المجلس الذي كنا فيه، فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: أشركونا ~~فيما أنتم فيه. # PageV01P363 # فقال له جعفر: ادخل، فدخل فدعا له بقميص حرير وخلوق، فلبس، وتخلق، ثم دعا ~~برطل، ورطل حتى شرب ثلاثة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان، والله، أحسننا ~~غناء. # فلما طابت نفس جعفر، وسري عنه ما كان به، التفت إليه، ms112 وقال: ارفع حوائجك. # فقال: ليس هذا موضع حوائج. # فقال: أقسم عليك، لتفعلن. # ولم يزل يلح عليه حتى قال: له: أمير المؤمنين واجد علي كما قد علمت، فأحب ~~أن تترضاه. # قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، كما أقول لك. # قال: علي دين فادح. # قال: كم مبلغه؟ قال: أربعة آلاف ألف درهم. # قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت قبضها، قبضتها الساعة، فإنه لا ~~يمنعني من إعطائك إياها، إلا أن قدرك يجل عندي أن يصلك مثلي، ولكني ضامن ~~لها، حتى تحمل لك في غد، من مال أمير المؤمنين، فسل أيضا. # قال: تكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسم ابني. # قال: ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته الغالية، ومهرها عنه ألفي # PageV01P364 # ألف درهم. # قال: إسحاق: فقلت في نفسي، قد سكر الرجل، يعني جعفر. # فلما أصبحنا، حضرت دار الرشيد، فإذا بجعفر بين يديه، ووجدت في الدار ~~جلبة، فإذا بأبي يوسف القاضي ونظرائه، وقد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك ~~وابنه، فدخلا على الرشيد. # فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدا عليك، وقد رضي عنك، ~~وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فخذها من جعفر الساعة. # ثم دعا بابنه، وقال: اشهدوا علي أنني قد زوجته ابنتي الغالية، ومهرتها ~~عنه ألفي ألف درهم، ووليته مصر. # فلما خرج جعفر سألته عن الخبر، فقال: بكرت إلى دار الرشيد، فحكيت له جميع ~~ما جرى حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب منه، وسر به. # فقلت له: وقد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا. # فقال: ما هو؟ فأعلمته. # فقال: نفي له بضمانك، وأمر بإحضاره، فكان ما رأيت. # PageV01P365 ### || الرشيد يرضى عن فرج الرخجي ويعيده إلى عمالة الأهواز # ذكر ابن عبدوس في كتابه (الوزراء) ، قال: كان الرشيد قد قلد فرجا الرخجي ~~الأهواز، فاتصلت السعايات به عنده، وكثرت الشكايات منه، وتظلم الرعية، ~~وادعي عليه أنه اقتطع مالا عظيما، فصرفه بمحمد بن أبان الأنباري وقبض عليه. # وحدث للرشيد سفر، فأشخصه معه، فلما كان في بعض الطريق دعا ms113 به، فقال مطر ~~بن سعيد، كاتب فرج: فلما أمر بإحضاره، حضر وأنا معه، ولست أشك في الإيقاع ~~به، وإزالة نعمته، فوقفت بباب مضرب الرشيد، ودخل فرج، ونحن نتوقعه أن يخرج ~~منكوبا، إذ خرج وعليه الخلع، فتضاعفت النعمة عندي، وسرت معه إلى منزله. # فلما خلا سألته عن خبره، فقال: دخلت عليه ووجهه إلى الحائط، وظهره إلي، ~~فلما أحس بي، شتمني أقبح شتم، وتوعدني أشد توعد. # PageV01P367 # ثم قال: يابن الفاعلة، رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك، فخنتني، وسرقت مالي، ~~وفعلت، وصنعت، والله، لأفعلن بك، ولأصنعن. # فلما سكت، قلت: القول ما قاله أمير المؤمنين في إنعامه، وأكثر منه، وحلفت ~~له بأيمان البيعة وغيرها، أني ناصحت وما سرقت، ووفرت وما خنت، واستقصيت ~~حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضر وقت الغلات، جمعت التجار وناديت ~~عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ~~ربحت، وربما وضعت، إلى أن اجتمع لي من ذلك وغيره، في عدة سنين، عشرون ألف ~~ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا، وأودعته المال، وسددته عليه فخذها، وحول وجهك ~~إلى عبدك، وكررت عليه الأيمان، بأيمان البيعة على صدقي. # فقال لي: بارك الله لك في مالك، ارجع إلى عملك. # PageV01P368 ### || بين ثمامة بن أشرس والفضل بن سهل وزير المأمون # وذكر ابن عبدوس أيضا في كتاب (الوزراء) ، عن ثمامة بن أشرس، أنه قال: ~~اجتمع الناس، وجلس لهم الفضل بن سهل، على فرش مرتفعة، فقام خطيبا، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم ابتدأ بالوقيعة في عبد الله بن ~~مالك الخزاعي، وذكر أنه كان يدعي على الرشيد، في حكاية حكاها، دخول بيت ~~القيان، وهو كاذب في ذلك، وهو الذي كان يفعل هذا الفعل، ويدخل المواخير ~~والدساكر، ولا يرفع نفسه عن ذلك، ولا يصون عرضه. # PageV01P369 # قال ثمامة: ثم أقبل علي، فقال: وإن أبا معن، ليعلم ذلك، ويعرف صحة ما ~~أقول، فتركت تشييع كلامه بالتصديق، وأطرقت إلى الأرض، ودخلتني عصبية ~~العربية لابن مالك. # ثم عاد إلى تهجين عبد الله، والتوسع في الدعاوى عليه، ثم أقبل ms114 علي ثانية، ~~وقال: إن ثمامة ليعرف ذلك، فسكت، وأطرقت، وإنما كان يريد مني تشييع كلامه ~~بالتصديق. # فلما رأى إعراضي عن مساعدته ترك الإقبال علي، وأخذ في خطبته، حتى فرغ من ~~أربه في أمر عبد الله بن مالك. # فلما تفرق الناس عنه، وانصرفت، علمت أني قد تعرضت لموجدة الفضل، وهو ~~الوزير، وحالي عنده حالي. # فلما حصلت في منزلي، جاءني بعض إخواني ممن كان في ناحية الفضل، فأخبرني ~~أن يحيى بن عبد الله، وغيره، قالوا: ماذا صنع أبو معن، يخاطبه الوزير، ~~فيعرض عنه مرة بعد أخرى. # فقلت: أنا والله، بالموجدة عليه، أعزه الله، أحق، لأنه قام في ذلك الجمع، ~~وقد حضر كل شريف ومشروف، فلم يستشهد بي في خطبته، وما أجراه في كلامه، إلا ~~في موضع ريبة، أو ذكر نبوة، ودار مقين ومغنية، وما أقدر أن أشهد إلا أن ~~أكون مع القوم ثالثا. # فقالوا: صدقت، والله، يا أبا معن، بئس الموضع وضعك. # فرجع كلامي إليه، فقال: صدق والله ثمامة، وهو بالمعتبة أحق. # واندفعت عني موجدته، وما كان بي إلا ما داخلني من الحمية لعبد الله بن ~~مالك. # PageV01P370 ### || بين الأمين وإبراهيم بن المهدي # أخبرني أبو الفرج الأموي الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن خلف بن ~~المرزبان، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، ووجدت في بعض الكتب بإسناد ~~غير هذا، ليس لي بسماع، فجمعت بين الخبرين، على أتم اللفظ، قال: جرى بين ~~الأمين، وبين عمه إبراهيم بن المهدي، كلام، وهما على النبيذ، فوجد الأمين ~~على إبراهيم، وبانت لإبراهيم الوحشة منه، فانصرف إبراهيم إلى منزله قلقا، ~~وحجبه الأمين عنه. # وبلغ إبراهيم ذلك، فبعث إلى الأمين بألطاف، ورقعة يعتذر فيها، فرد الأمين ~~الهدية، ولم يجب إبراهيم عن الرقعة. # فوجه إبراهيم إليه وصيفة مليحة مغنية، كان رباها، وعلمها الغناء، وبعث ~~معها عودا معمولا من العود الهندي، مكللا بالجوهر، وألبسها حلة منسوجة ~~بالذهب، وقال أبياتا، وغنى فيها، وألقى عليها الأبيات حتى حفظتها، وأخذت ~~الصوت، وأحكمت الصنعة فيه. # PageV01P371 # فوقفت الجارية بين يدي الأمين، وقالت: عمك وعبدك، يقول. . . . واندفعت ~~تغني: ms115 # هتكت الضمير برد اللطف ... وكشفت هجرك لي فانكشف # فإن كنت تنكر شيئا جرى ... فهب للعمومة ما قد سلف # وجد لي بالصفح عن زلتي ... فبالفضل يأخذ أهل الشرف # فقال لها الأمين: أحسنت يا صبية، ما أسمك؟ قالت: هدية. # قال: أفأنت كاسمك، أم عارية؟ قالت: أنا كاسمي، وبه سماني آنفا، لما ~~أهداني إلى أمير المؤمنين. # فسر بها الأمين، وبعث إلى إبراهيم، فأحضره، ورضي عنه، وأمر له بخمسين ألف ~~دينار. # PageV01P372 ### || وال مستعطف خير من وال مستأنف # ووقف أحمد بن عروة بين يدي المأمون، لما عزله عن الأهواز، فقال له: أخربت ~~البلاد، وقتلت العباد، لأفعلن بك وأصنعن. # فقال: يا أمير المؤمنين، ما تحب أن يفعله الله بك إذا وقفت بين يديه، وقد ~~قرعك بذنوبك؟ قال: العفو، والصفح. # قال: فافعل بعبدك، ما تحب أن يفعله الله بك. # قال: قد فعلت، ارجع إلى عملك، فوال مستعطف، خير من وال مستأنف. # PageV01P373 ### || والله يحب المحسنين # روي أن غلاما للحسن بن علي عليهما السلام، جني جناية توجب العقاب، فقال: ~~اضربوه. # فقال: يا مولاي، والكاظمين الغيظ، قال: خلوا عنه. # قال: يا مولاي، والعافين عن الناس. # قال: قد عفوت عنك. # قال: والله يحب المحسنين. # قال: أنت حر لوجه الله تعالى، ولك ضعف ما كنت أعطيك. # PageV01P374 ### || عبد الملك بن مروان يسقط حدا من حدود الله تعالى # حكى الأصمعي، قال: أتي عبد الملك بن مروان، برجل قد قامت عليه البينة ~~بسرقة يقطع في مثلها، فأمر بقطع يده. # فأنشأ الرجل يقول: # يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها # فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها # فقال: هذا حدثنا من حدود الله تعالى، ولا بد من إقامته عليك. # فقالت أم له كبيرة السن: يا أمير المؤمنين، كادي، وكاسبي، وابني، وواحدي، ~~فهبه لي. # فقال لها: بئس الكاد كادك، وبئس الكاسب كاسبك، لابد من إقامة حدود الله ~~عز وجل. # فقالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من ذنوبك التي تستغفر الله منها. # فقال: خلوه، فأطلق. # PageV01P375 ### || ومن العناء رياضة الهرم # وذكر ابن ms116 الجراح عبدوس في كتاب الوزراء: أن عاملا للمنصور على فلسطين كتب ~~إليه: أن بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة منهم، وعاث في العمل. # فكتب إليه المنصور: أن قيده، وأنفذه إلي، فأنفذه. # فلما مثل بين يديه، قال: المنصور: أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين، ~~لأبرين لحمك من عظمك، وكان شيخا كبيرا، ضئيل الصوت، فقال: # أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم # فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: ما يقول يا ربيع؟ قال: إنه يقول: # العبد عبد كم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف # قال: يا ربيع قد عفوت عنه، خلوا سبيله، وأحسن إليه. # PageV01P376 ### || أول مائة ألف أعطيها شاعر في أيام بني العباس # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: ~~حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن موسى، قال: ~~رأيت مروان بن أبي حفصة، وقد دخل علي المهدي، بعد وفاة معن بن زائدة، في ~~جماعة من الشعراء منهم سلم الخاسر، وغيره، فأنشده مديحا فيه. # فقال له: من أنت؟ # PageV01P377 # قال: شاعرك يا أمير المؤمنين، وعبدك، مروان بن أبي حفصة. # فقال له المهدي: ألست القائل في معن بن زائدة: # أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما لا نريد به زوالا # وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا # فقد ذهب النوال كما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟ لا شيء لك عندنا، جروا ~~برجله، فجروا برجله حتى أخرج. # فلما كان في العام المقبل، تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء، ~~تدخل على الخلفاء في كل عام مرة، فمثل بين يديه، فأنشد، رابع أو خامس شاعر، ~~قصيدته التي أولها: # طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالجمال دلالها # قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها # قال: فأنصت المهدي يستمع منه، إلى أن بلغ منها إلى قوله: # هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها # أو تجحدون مقالة عن ربه ... جبريل بلغها النبي فقالها # شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها ms117 # PageV01P378 # قال: فرأيت المهدي، وقد زحف من صدر مصلاه، حتى صار على البساط، إعجابا ~~منه بما سمع. # ثم قال: كم بيت هم؟ قال: مائة بيت. # فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف أعطيها شاعر في أيام بني ~~العباس. # ومضت الأيام، وولي هارون الخلافة، فرأيت مروان وقد دخل في جملة الشعراء، ~~فأنشده قصيدة امتدحه بها. # فقال له: من أنت؟ قال: عبدك، وشاعرك، مروان بن أبي حفصة. # فقال: ألست القائل في معن؟ وأنشده البيتين اللذين أنشدهما المهدي. # ثم قال: خذوا بيده فأخرجوه، فلا شيء له عندنا، فأخرج أقبح إخراج. # فلما كان بعد أيام، تلطف حتى دخل، فأنشده: # لعمرك ما أنسى غداة المحصب ... إشارة سلمى بالبنان المخضب # وقد صدر الحجاج إلا أقلهم ... مصادر شتى موكبا بعد موكب # قال: فأعجبته القصيدة، فقال: كم هي؟ قال: سبعون بيتا، فأمر له بعدد ~~أبياتها ألوفا. # فصار ذلك رسما له عندهم إلى أن مات. # PageV01P379 ### || الرشيد يرضى عن العتابي الشاعر # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد ~~بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: غضب الرشيد على ~~العتابي، وحجبه، فدخل سرا مع المتظلمين، بغير إذن، فمثل بين الرشيد، فقال ~~بين الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد أدبني الناس لك، ولنفسي فيك، ~~وردني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع ذكرك قناعة بأحد غيرك، ولعمري لنعم الصائن ~~كنت لنفسي، لو أعانني الصبر عليك، ولذلك أقول: # PageV01P380 # أخضني المقام الغمر إن كان غرني ... سنا خلب أو زلت القدمان # أتتركني جدب المعيشة مقترا ... وكفاك من ماء الندى يكفان # وتجعلني سهم المطامع بعدما ... بللت يميني بالندي ولساني # قال: فرضي عنه، وخلع عليه، وأمر له بجائزة سنية، فما رأيت العتابي أنشط ~~منه في ذلك اليوم، ولا أفرح، ولا أبسط لسانا منه يومئذ. # قال: أبو الفرج الأصبهاني: في البيتين الأولين غناء لمخارق، ثاني ثقيل ~~بالوسطى، وقيل إن فيه للواثق ثاني ثقيل آخر. # PageV01P381 ### || المأمون يصفح عن دعبل الخزاعي الشاعر ويصله # قرئ على أبي بكر الصولي، سنة خمس ms118 وثلاثين وثلاث مائة، بالبصرة، وأنا ~~أسمع: حدثكم هرون بن عبد الله المهلبي، سنة ثمانين ومائتين، قال: لما هجا ~~دعبل المأمون، قال لهم: أسمعوني ما قال: فأنشدوه هذين البيتين من أبيات، ~~وهما: # إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهدفقال المأمون: ~~قبحه الله، ما أبهته، متى كنت خامل الذكر، وفي حجر الخلافة ربيت، وبدرها ~~غذيت، خليفة، وأخو خليفة، وابن خليفة. # ثم وجد في طلب دعبل، حتى ظفر به، فلم يشك أحد في أنه قاتله. # فلما دخل عليه، قال له: يا دعبل، واستنقذوك من الحضيض الأوهد. # PageV01P382 # فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أعظم منى جرما. # فقال: صدقت، لا بأس عليك، أنشدني «مدارس آيات» . # فقال: أنشدها وأنا آمن؟ قال: نعم. # فأنشده إياها، فجعل المأمون يبكي، لما بلغ قوله: # بنات زياد في القصور مصونة ... وبنت رسول الله في الفلوات # ثم وصله وأمنه. # PageV01P383 ### || المأمون يهب عمرو بن مسعدة ستة آلاف ألف درهم فيهبها عمرو لأحد أتباعه # قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا أسمع، في كتابه (كتاب الوزراء) ، حدثكم ~~أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعد بن يعقوب النصراني، قال: أمر المأمون محمد ~~بن يزداد، وأحمد بن أبي خالد، أن يناظرا عمرو بن مسعدة، في مال الأهواز، ~~فناظراه، فتحصل عليه ستة عشر ألف ألف درهم، فأعلما المأمون بذلك. # فقال: اقبلا منه كل حجة، وكل تعلق، وكل ادعاء. # فقالا: قد فعلنا. # فقال: عودا. # فعادا، فتعلق عمرو بن مسعدة بأشياء لا أصل لها، فسقط من المال عشرة آلاف ~~ألف درهم، وبقي ستة آلاف ألف درهم واجبة عليه، لا حجة له فيها، وأخذ خطه ~~بذلك. # فأحضر المأمون عمرا، بعد خروجهما، فقال له: هذه رقعتك؟ قال: نعم. # قال: وهذا المال واجب عليك؟ قال: نعم. # PageV01P384 # قال: خذ رقعتك، فقد وهبته لك. # فقال: أما إذ تفضل أمير المؤمنين علي به، فإنه واجب على أحمد بن عروة، ~~وأشهدك أني قد وهبته له. # فاغتاظ المأمون، وخرج عمرو وقد عرف غيظ المأمون، وعلم خطأه ms119 في عمله، فلجأ ~~إلى أحمد بن أبي خالد، فأعلمه بذلك، وكان يختصه. # فقال: لا عليك، ودخل إلى المأمون. # فلما رآه المأمون، قال: ألا تعجب يا أحمد من عمرو، وهبنا له ستة آلاف ألف ~~درهم، بعد أن تجاوزنا له عن أضعافها، فوهبها بين يدي لأحمد بن عروة، كأنه ~~أراد أن يباريني، ويصغر معروفي؟ فقال له أحمد: أو قد فعل ذلك يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال: نعم. # قال: لو لم يفعل هذا، لوجب أن يسقط حاله. # قال: وكيف؟ قال: لأنه لو استأثر به على أحمد بن عروة، وأخذ أحمد بأداء ~~هذا المال، لكان قد أخرجه من معروفك صفرا، ولما كانت نعمتك على عمرو، نعمة ~~على أحمد، وهما خادماك، فكان الأجمل أن يتضاعف معروفك عندهما، فقصد عمرو ~~ذلك، فصار المال تفضلا منك على عمرو، وعلى أحمد بن عروة، ومع ذلك، فأنت سيد ~~عمرو لا يعرف سيدا غيرك، وعمرو سيد أحمد، فاقتدى في أمر أحمد بما فعلت في ~~أمره، وأراد أيضا أن ينتشر # PageV01P385 # في ملوك الأمم، أن خادما من خدمك اتسع قلبه لهبة هذا المال، من فضل ~~إحسانك إليه، فيزيد في جلالة الدولة، وجلالة قيمتها، فيكسر ذلك الأعداء ~~الذين يكاثرونك. # فسري عن المأمون، وزال ما بقلبه على عمرو. . 140 ### || المأمون يصفح عن الفضل بن الربيع # وقرئ على أبي بكر الصولي، بالبصرة، وأنا أسمع، في كتاب (الوزراء) ، خبر ~~فيه ذكر الفضل بن الربيع، وظفر المأمون به، وعفوه عنه، وقرئ بعقبه: حدثكم ~~عون بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن هريم، قال: لما ظفر المأمون بالفضل بن ~~الربيع، ومثل بين يديه، قال له: يا فضل، أكان من حقي عليك، وحق آبائي، ~~ونعمتهم عندك، وعند أبيك، أن تثلبني، وتشتمني، وتحرض على دمي؟ أتحب أن أفعل ~~بك مع القدرة، ما أردته بي؟ # PageV01P386 # فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين، إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، ~~فكيف إذا عفته العيوب، وقبحته الذنوب، فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري ~~منه، فأنت، والله، يا أمير المؤمنين، كما قال الشاعر: # صفوح عن ms120 الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذي لم يغش بالكره مسلما # قال: الصولي: والشعر للحسن بن رجاء. ### || جعفر بن محمد بن الأشعث يهدئ من غضب الرشيد # غضب الرشيد على جعفر بن محمد بن الأشعث، غضبا شديدا، من كلام جرى بينهما، ~~فخاف جعفر أن يستفزه الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما تغضب لله عز وجل، ~~فلا تغضب له بما لا يغضب به لنفسه، فانعطف له الرشيد. # PageV01P387 ### || بين هشام بن عبد الملك وإبراهيم بن أبي عبلة # أحضر هشام بن عبد الملك، إبراهيم بن أبي عبلة، الذي تقلد ديوان الخاتم ~~لمروان بن محمد، فقال له: إنا قد عرفناك صغيرا، وخبرناك كبيرا، وأريد أن ~~أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر، فاخرج إليها. # فأبي إبراهيم عليه، وقال له: ليس الخراج من عملي، ولا لي به معرفة. # فغضب هشام عليه غضبا شديدا، حتى خاف إبراهيم باردته، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين أتأذن لي في الكلام. # فقال: قل. # قال: إن الله تعالى، قال: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، فوالله ما أكرهها، ولا غضب عليها في ~~إبائها، ولقد ذم الإنسان لما قبلها. # فقال له هشام: أبيت إلا رفقا، أعفاه، ورضي عنه. # PageV01P388 ### || صاحب ديوان الخراج يسرق توقيع الخليفة من يد الرسول # استسلف موسى بن عبد الملك من بيت مال الخاصة، مالا، إلى أجل قريب، وضمن ~~للمتوكل أن يرده في الأجل. # فجاء الأجل ولم يحمل المال، فغضب المتوكل من مدافعته، وقال لعبيد الله بن ~~يحيى بن خاقان، وقع إليه عني برد المال اليوم، وضيق عليه في المطالبة، ~~وأنفذ التوقيع مع عتاب بن عتاب، ومره أن يطالبه، فإن أخر أداء المال، ~~طالبه، وضربه بالمقارع في ديوان الخراج بحضرة الناس، وأن لا يرفع عنه ~~المقارع، حتى يصحح المال. # PageV01P389 # فبادر بعض الخدم إلى موسى، فأخبره بذلك، فجلس ينظر في وجوه يرد منها ~~المال. # وصار إليه عتاب بالتوقيع مختوما، وكان يوما شديد الحر، وقد انتصف ms121 النهار، ~~وموسى في خيش، في حجرة من ديوانه، وفيه مروحة، يتناوبها فراشان يروحانه، ~~فدخل عتاب، وفي يد موسى كتاب طويل يقرأه، # PageV01P390 # فجلس، وأكب موسى على الكتاب يتشاغل به عن خطاب عتاب، وأصاب عتاب برد ~~المروحة والخيش، فنام واستثقل. # وكان عتاب قد أخرج التوقيع حين جلس، فوضعه على دواة موسى، فغمز موسى بعض ~~غلمانه فأخذ الكتاب فغيبه. # وما زال عتاب ينام مرة وينتبه أخرى، وموسى يعمل، إلى أن اتقضت الهاجرة، ~~وقد توجه لموسى بعض المال، وأنفذ أصحابه لقبضه. # فقال له عتاب: انظر فيما جئنا له. # قال: قل أصلحك الله فيم جئت؟ قال: فيما تضمن التوقيع. # قال: وأي توقيع؟ قال: الذي أوصلته إليك من أمير المؤمنين. # قال: متى؟ قال: الساعة وضعته على الدواة. # فقال له: قد نمت نومان، وأظن أنك رأيت في نومك شيئا. # فطلب عتاب التوقيع، فلم يجده، فقال: سرق والله التوقيع، يا أصحاب ~~الأخبار، اكتبوا. # فقال موسى: يا أصحاب الأخبار، اكتبوا، كذب فيما ادعاه، ما أوصل إلي ~~توقيعا، وأنتم حاضرون، فهل رأيتموه أوصل إلى توقيعا؟ قم فانظر لعلك يا أبا ~~محمد ضيعت التوقيع في طريقك. # فانصرف عتاب إلى عبيد الله فأخبره بذلك. # PageV01P391 # فدخل عبيد الله إلى المتوكل، فحدثه، فضحك، وقال: أحضروا موسى الساعة، ~~فحضر. # فقال له المتوكل: يا موسى، سرقت التوقيع من عتاب؟ قال: إي والله يا سيدي ~~خمنت أن فيه مكروها، ونام عتاب من قبل أن يوصله إلي، فأمرت من سرقه، وقد ~~أعددت نصف المال، والساعة أحمله إلى صاحب بيت مال الخاصة، وأحمل الباقي بعد ~~خمسة أيام، وأتبع ذلك بتضرع. # فأنفذ المتوكل معه من قبض منه ذلك، وانصرف وقد رضي عنه. # PageV01P392 ### || صاحب الشرطة لا يصلح أن يكون نديما للخليفة # دعا الواثق إسحاق بن إبراهيم المصعبي إلى منادمته، فامتنع، فتلاحيا في ~~ذلك، إلى أن تغير الواثق على إسحاق بن إبراهيم، فأمر بحجبه عنه. # فكتب إليه إسحاق: يا أمير المؤمنين، لو أطلقتني الحشمة التي عقد بها ~~لساني عن الانبساط لتغيره علي، لقلت: ما لي فيما عقده علي قلب أمير ~~المؤمنين ذنب، ms122 إذ كان يوقيني من امتهان العامة إياي. # فرمى الواثق كتابه إلى ابن أبي دؤاد. # فقال له ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، ما على من كانت هذه همته فيما ~~يرد على أمير المؤمنين عيب، وهو يجد من إسحاق عوضا في المنادمة، ولا يجد ~~منه عوضا في شرطته. # فرضي عنه الواثق، وأعفاه من المنادمة، ومنع من حجبه، وأجراه على رسمه، ~~وعاد إلى ما كان عليه. # PageV01P393 ### || الرشيد يرضى عن نصر بن مالك # لما عزل الرشيد نصر بن مالك، بسعي البرامكة، أمره أن يلزم بيته، ولا يخرج ~~منه، فكتب إلى الرشيد: قد قبضني سوء رأي أمير المؤمنين في، عن الاعتذار ~~بحجة، أو نشر دلالة تنبئ بخلاف ما قرفت به عنده، فما أهتدي إلى وجه طلب ~~الاعتذار، وما يجرأني على الإبانة عما لا أعلمه إلا حسن رأيه أعزه الله، ~~واطلاعه على قلقي بضميره، فإني عبد نعمته، وغذي إحسانه، إن أسبغا علي، وفي ~~شكري لهما، وإن أزيلا عني، اعتصمت منهما الرجوع إلى الحرمة، ولزوم فائدة ~~يتطول بها علي، من تطول على أمير المؤمنين برد ميراثه من الخلافة عليه. # فوقع الرشيد على ظهر رقعته: نصر بن مالك، أولى من ردت عليه النعمة، إذا ~~كان معترفا بسمتها، وبالغا بالشكر حق قيمتها، فما شكرني أحد من أوليائي ~~كشكره، فليهنه ما أوليناه من رأينا، ومنحناه من برنا. # وأظهر الرضا عنه، وولاه ولاية أخرجه إليها. # PageV01P394 ### || بين الحجاج ويوسف بن عبد الله بن عثمان # ذكر أبو الحسن المدائني في كتابه، عن ابن أبي عقبة، عن أبيه، قال: لما ~~أمن الحجاج الناس، أتاه يوسف بن عبد الله بن عثمان، وكان عبد الملك بن ~~مروان قد كتب له أمانا. # فقال له الحجاج: ثكلتك أمك. # قال: وأبي مع أمي. # قال: أين ألقتك الأرض بعدي؟ قال: ما قمت مقاما، منذ لم ترني، أوسع من ~~مقام قمته الساعة، إن الله استعملك علينا، فأبينا، فأبي علينا، فعفا عنه. # فقال الفرزدق ذلك: # ولو لم ينل حبل الخليفة يوسفا ... لمج نجيعا من دم الجوف أحمرا # PageV01P395 ### || بين زياد وأحد قعدة ms123 الخوارج # وذكر المدائني في كتابه، قال: أرسل زياد إلى رجل من قعدة الخوارج، من بني ~~تميم، فاستدعاه، فأتاه خائفا. # فقال له زياد: ما منعك من إتياني؟ فقال له: قدمت علينا، فقلت لا أعدكم ~~خيرا ولا شرا إلا وفيت به وأنجزته، وقلت: من كف يده ولسانه لم أعرض له، ~~فكففت يدي ولساني، وجلست في بيتي، فأمر له بصلة، فخرج والناس لا يشكون في ~~أنه يقتله. # فقالوا له: ما قال لك الأمير؟ فقال: ما كلكم أستطيع أن أخبره بما كان ~~بيننا، ولكني وصلت إلى رجل لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فرزق الله منه ~~خيرا. # PageV01P396 ### || الحجاج يحبس رجلا لأنه شكا إليه أخاه محمدا عامل اليمن # وذكر المدائني في كتابه، قال: قدم رجل من أهل اليمن، على الحجاج، يشكو ~~أخاه، محمد بن يوسف، فصادف الحجاج على المنبر، فقام إليه، فشكا أخاه محمدا، ~~فأمر به الحجاج، فحبس. # فلما نزل عن المنبر، استدعاه وهو متغيظ عليه، فقال له: ما جرأك على أن ~~ترفع على أخي؟ فقال له: أنا بالله، أعز من أخيك بك. # فقال الحجاج: خلوا سبيله. # PageV01P397 ### || الحجاج يأمر بتعذيب آزاد مرد # وذكر المدائني في كتابه، عن أبي المضرحي، وقد وجدته أنا، في غير موضع، عن ~~المدائني، بما يقرب من هذه العبارة: أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: ~~أخبرني الحرمي، عن الزبير، قال: أمر الحجاج محمد بن المنتشر بن الأجدع ~~الهمداني، ابن أخي مسروق، أن يعذب آزاد مرد بن الفرند، فأخذه محمد. # فقال له آزاد مرد: أرى لك يا محمد، شرفا، ودينا، وإنا من أهل بيت لا نعطي ~~على الذل شيئا، فارفق بي، واستأذن في. # فقال: أفعل. # فرفهه محمد، وأكرمه، فكان يؤدي إليه، في كل جمعة، ثلاث مائة ألف درهم. # فغضب الحجاج، وأمر معد، صاحب العذاب، أن يأخذه من محمد، فأخذه معد من ~~محمد، فعذبه، ودق يديه ورجليه، فلم يعطه شيئا. # فقال محمد: فإني لأسير، بعد ثلاثة أيام، إذا به معترضا على بغل، مدقوق ~~اليد والرجل. # PageV01P398 # فصاح بي: يا محمد. # فكرهت أن آتيه، فيبلغ ms124 الحجاج، فأقع معه في مكروه، ثم تذممت أن لا أدنو ~~منه، فدنوت. # فقلت: حاجتك؟ فقال: إنك وليت مني مثل هذا، فأحسنت، ولي عند فلان مائة ألف ~~درهم، فخذها منه برسالتي إليه. # فقلت: والله، لا أخذت منك شيئا، وأنت على هذه الحال. # فقال: أما إذ أبيت، فاستمع مني، أحدثك حديثا سمعته من أهل دينك، عن نبيك، ~~سمعتهم يقولون، إنه قال: إذا أراد الله تعالى بالعباد خيرا، أمطرهم المطر ~~في أوانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بهم ~~شرا، أمطرهم المطر في غير أوانه واستعمل عليهم شرارهم، ومول بخلاءهم، ثم ~~مضى. # وأتيت منزلي، فما وضعت ثيابي حتى أتاني رسول الحجاج، وقد بلغه ما جرى. # فخفته خوفا شديدا، ووقعت في أمر عظيم، فأتيته وقد اخترط سيفه، وهو في ~~حجره منتضى. # فقال لي: ادن. # فقلت: ما بي دنو، وفي حجر الأمير السيف. # فضحك، وقال: ما قال لك الخبيث؟ فقلت له: والله ما غششتك منذ استنصحتني، ~~ولا خنتك منذ ائتمنتني، ولا كذبتك مذ صدقتني، وأخبرته بما قال. # فلما أردت ذكر الرجل الذي عنده المال، صرف وجهه عني، وقال: لا تسمه، لقد ~~سمع عدو الله الأحاديث، انصرف راشدا. # فانصرفت آمنا، وقد زال خوفي. # PageV01P399 ### || المأمون يرضى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي # حدثني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، ~~والحسين بن يحيى، عن حماد بن إسحاق الموصلي، عن أبيه، قال: أبو الفرج، ~~وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق، قال: أقام المأمون ~~بعد دخوله بغداد عشرين شهرا، ولم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغنى ~~بحضرته أبو عيسى بن الرشيد أول مرة، ثم واظب على السماع متسترا، متشبها ~~بالرشيد في أول أمره، فأقام المأمون كذلك أربع سنين، ثم ظهر للندماء ~~والمغنين. # قال: إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وكان حين أحب السماع، سأل عني، فجرحت ~~بحضرته، وقال الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلفاء، ~~ما بقي هذا من التيه شيئا إلا استعمله. ms125 # فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه في، فأضر ذلك بي، حتى ~~جاءني علويه يوما، فقال لي: أتأذن لي في ذكرك # PageV01P402 # بحضرة المأمون، فإنا قد دعينا اليوم. # فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه يبعثه على أن يسألك لمن هو؟ فإذا ~~سألك انفتح لك ما تريده، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء. # قال: هات، فألقيت عليه لحني في شعري: # يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حيام به ... مشرد عن طريق الماء مطرود # قال أبو الفرج الأصبهاني: والغناء فيه لإسحاق الموصلي، رمل بالوسطى، عنه، ~~وعن عمرو بن بانة. # رجع الحديث، قال: فمضى علويه، فلما استقر به المجلس، غناه بالشعر، الذي ~~أمره به إسحاق. # فقال المأمون: ويلك يا علويه، لمن هذا الشعر؟ . # فقال: يا سيدي لعبد من عبيدك، جفوته، واطرحته، من غير ذنب. # فقال: إسحاق تعني؟ قال: نعم. # فقال: يحضر الساعة. # قال إسحاق: فجاءني رسول المأمون، فصرت إليه، فلما دخلت إليه استدناني، ~~فدنوت منه، فرفع يديه إلي مادهما، فانكببت عليه، فاحتضنني بيديه، وأظهر من ~~بري وإكرامي، ما لو أظهره صديق مؤانس لصديق، لسر به. # PageV01P403 # وقد ذكر القاضي أبو الحسين هذا الخبر، في كتابه بغير إسناد، وبأقل من هذا ~~الشرح، والمعني متقارب. # PageV01P404 ### | الباب الخامس من خرج من حبس أو أسر واعتقال إلى سراح وسلامة وصلاح حال ### || رسول الله يمن على هوازن ويطلق لهم أسراهم ويرد عليهم ما غنم منهم # 2: 5 50 - حدثنا الأمير أبو بكر محمد بن بدر، قال: حدثنا الأمير أبو ~~النجم بدر الكبير المعروف بالحمامي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله العبسي ~~الجشمي # PageV02P005 # من قواد فلسطين، قال: حدثنا أبو عمر زياد بن طارق، قال: قال لي ابن ~~الرماحي، وكانت قد أتت عليه عشرون ومائة سنة، وهو يصعد يلقط التين، قال: ~~سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي، يقول: أسرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين ويوم هوازن، وذهب يفرق السبي، فقمت، فأنشدته: # امنن علينا رسول الله في كرم ms126 ... فإنك المرء نرجوه وننتظر # امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفرق شملها في دارها غير # أبقت لنا الحرب هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر # إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر # امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها الدرر # إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يريبك ما تأتي وما تذر # لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر # PageV02P006 # إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر # يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عن الهياج إذا ما استوقد الشرر # فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر # إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر # عفوا عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر # قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر، قال: «ما كان لي ~~ولبني عبد المطلب، فهو لكم» . # فقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو ~~لله ولرسوله، فأطلقهم جميعا # 2: 7 وحدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المعروف بالأثرم، المقرئ الخياط ~~البغدادي، بالبصرة، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: ~~حدثنا يونس بن بكير الشيباني، عن محمد بن إسحاق، قال: # PageV02P007 # حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أدركته ~~هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أهل وعشيرة، وقد ~~أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم ~~زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن ما في الحظائر من النساء، خالاتك، ~~وعماتك، وحواضنك اللاتي تكفلنك، ولو أنا مالحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن ~~المنذر، ثم أصابنا مثل الذي أصابنا منك، رجونا عائدتهما، وعطفهما، وأنشد ~~أبياتا قالها، وذكر من الأبيات ثمانية، فقال في الأول: وندخر، وقال ms127 في ~~الثاني: ممزق، وقال في الثالث: نهافا، وقال في السادس: نعامتهم، وقال في ~~السابع: إنا لنشكر آلاء وإن كفرت # PageV02P008 ### || الوزير القاسم يعتقل ثلاثة أمراء عباسيين # أخبرنا أبو بكر الصولي، قال: كان القاسم بن عبيد الله، قد تقدم عند وفاة ~~المعتضد، إلى صاحب الشرطة مؤنس الخازن، أن يوجه إلى قصي بن المؤيد , وعبد ~~العزيز بن المعتمد، # PageV02P009 # وعبد الله بن المعتز، فيحبسهم في دار، ويوكل بهم، ففعل ذلك، وكانوا ~~محبوسين خائفين، إلى أن قدم المكتفي بغداد فعرف خبرهم، فأمر بإطلاقهم، ووصل ~~كل واحد منهم بألف دينار. # قال: فحدثني عبد الله بن المعتز، قال: سهرت في الليلة التي في صبيحتها ~~دخل المكتفي إلى بغداد، فلم أنم، خوفا على نفسي، وقلقا لوروده، فمرت بي في ~~السحر طير، فصاحت، فتمنيت أن أكون مخلى مثلها، لما جرى علي من النكبات. # ثم فكرت في نعم الله تعالى علي، وما خاره لي من الإسلام والقرابة من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وما أؤمله من البقاء الدائم في الآخرة فقلت: # يا نفس صبرا لعل الخير عقباك ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك # مرت بنا سحرا طير فقلت لها ... طوباك يا ليتني إياك طوباك # لكن هو الدهر فالقيه على حذر ... فرب مثلك ينزو تحت أشراك # PageV02P010 ### || البحتري وأبو معشر يؤصلان عند المعتز أصلا # حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، قال: حدثني أبو القاسم سليمان بن ~~الحسن بن مخلد، قال: لما أنفذ أبي إلى مصر، اجتذبت أبا عبادة البحتري، وأبا ~~معشر المنجم، وكنت آنس بهما في وحدتي، وملازمتي البيت، فكانا أكثر الأوقات ~~عندي، يحادثاني ويعاشراني. # فحدثاني يوما: إنهما أضاقا إضاقة شديدة، وكانا مصطحبين، فعن لهما أن ~~يلقيا المعتز بالله، وهو محبوس، فيتوددان إليه ويؤصلان # PageV02P011 # عنده أصلا، فتوصلا إليه، حتى لقياه في حبسه. # قال البحتري: فأنشدته أبياتي التي كنت قلتها في محمد بن يوسف الثغري، لما ~~حبس، وخاطبت بها المعتز، كأني عملتها له في الحال، وهي: # جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والنازل المشكي # وما هذه الأيام إلا ms128 منازل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك # وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك # أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك # على أنه قد ضيم في حبسك العلى ... وأصبح عز الدين في قبضة الشرك # PageV02P012 # قال: فأخذ الرقعة التي فيها الأبيات، فدفعها إلى خادم كان واقفا على ~~رأسه، وقال له: احتفظ بهذه الرقعة، فإن فرج الله عني، فأذكرني بها، لأقضي ~~حق هذا الرجل الحر. # وقال لي أبو معشر: وقد كنت أنا أخذت مولده، ووقت عقد له العهد، ووقت عقدت ~~البيعة للمستعين بالخلافة، فنظرت في ذلك، وصححت الحكم للمعتز بالخلافة بعد ~~فتنة تجري وحروب، وحكمت على المستعين بالقتل، فسلمت ذلك إلى المعتز، ~~وانصرفنا. # وضرب الزمان ضربه، وصح الحكم بأسره. # قال أبو معشر: فدخلت أنا والبحتري جميعا إلى المعتز، وهو خليفة، بعد خلع ~~المستعين وتغريقه، فقال لي: لم أنسك، وقد صح حكمك، وقد أجريت لك في كل شهر ~~مائة دينار، وثلاثين دينارا نزلا، وجعلتك رئيس المنجمين في دار الخلافة، ~~وأمرت لك عاجلا بإطلاق ألف دينار صلة، فقبضت ذلك كله في يومي. # PageV02P013 # وقال لي البحتري: وتقدمت أنا، فأنشدت المعتز قصيدة مدحته بها، وهنأته ~~بالخلافة، وهجوت المستعين، أولها: # يجانبنا في الحب من لا نجانبه ... ويبعد عنا في الهوى من نقاربه # فلما بلغت فيها إلى قولي، والمعتز يستمع: # فكيف رأيت الحق قر قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه # ولم يكن المعتز بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه # رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعري من برد النبي مناكبه # وقد سرني أن قيل وجه غاديا ... إلى الشرق تحدى سفنه وركائبه # إلى واسط حيث الدجاج ولم تكن ... لتنشب إلا في الدجاج مخالبه # فاستعادني هذه الأبيات مرارا، فأعدتها عليه، فدعا الخادم الذي كان معه في ~~الحبس، وطلب منه الرقعة التي كنت أنشدته الشعر الذي كان فهيا، في حبسه، ~~فأحضره إياها بعينها. # فقال: قد أمرت لك بكل بيت منها بألف دينار، وكانت ms129 ستة أبيات، فأخذت ستة ~~آلاف دينار. # ثم قال لي: كأني بك، وقد بادرت، فاشتريت منها جارية، وغلاما، وفرسا، ~~وأتلفت المال، لا تفعل، فإن لك فيما تستأنفه معنا من أيامك، ومع # PageV02P014 # وزرائنا وأسبابنا، إذا عرفوا موضعك عندنا، غناء عن ذلك، ولكن افعل بهذا ~~المال كما فعل ابن قيس الرقيات بالمال الذي أعطاه عبد الله بن جعفر، واشترى ~~به ضيعة، فاشتر أنت أيضا به ضيعة تنتفع بغلتها، ويبقى عليك وعلى ولدك ~~أصلها. # فقلت: السمع والطاعة، وخرجت فاشتريت بالمال ضيعة جليلة بمنبج، ثم ارتفعت ~~حالي معه وزادت. # PageV02P015 ### || أبو سعيد الثغري يعتقل ويعذب # قال مؤلف هذا الكتاب: وللبحتري في هذه الأبيات الكافية، خبر آخر حسن، ~~نذكره لأنه أيضا يدخل في هذا الباب، أخبرني أبو بكر الصولي إجازة، ونقلته ~~من خطه، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم القنوي، قال: طولب أبو سعيد الثغري، ~~بمال، بعد غزواته المشهورة، وسلم إلى أبي الحسين النصراني الجهبذ ليستخرج ~~منه المال، فجعل يعذبه فشق ذلك على المسلمين، وقالوا: يأخذ بثأر النصرانية. # فقال البحتري: # يا ضيعة الدنيا وضيعة أهلها ... والمسلمين وضيعة الإسلام # طلبت ذحول الشرك في دار الهدى ... بين المداد وألسن الأقلام # هذا ابن يوسف في يدي أعدائه ... يجزى على الأيام بالأيام # نامت بنو العباس عنه ولم تكن ... عنه أمية - لو رعت - بنيام # فقرئ هذا الشعر على المتوكل، فأمر بإطلاق أبي سعيد، وتوليته، وأمر بإحضار ~~قائل الأبيات، فأحضر البحتري، واتصل به فكان أول شعر أنشده، قوله في أبي ~~سعيد: # جعلت فداك الدهر ليس بمنفك # وذكر الأبيات، إلا أنه قال في البيت الثالث، بدل الحادثات: النائبات. # PageV02P016 # وقال في البيت الذي أوله: # على أنه قد ضيم في حبسك العلى ... وأضحى بك الإسلام في قبضة الشرك # PageV02P017 ### || البحتري يهنئ إبراهيم بن المدبر # ومن محاسن شعر البحتري الذي يتعلق بهذا الباب، وإن كان تعلقا ضعيفا، إلا ~~أن الشيء بالشيء يذكر، ولا سيما إذا قاربه، ما أخبرنيه الصولي، إجازة، قال: ~~ذكر إبراهيم بن المدبر، يوما، البحتري، فقال: ما رأيت أتم طبعا منه، ولا ~~أحضر خاطرا، فقد مدحني حين ms130 تخلصت من الأسر، يعني: أسر صاحب الزنج بالبصرة , ~~وذكر الضربة التي في وجهي، وتخلصي , ومدح المأسور شيء ما راعاه قبله أحد. # قال الصولي: والأبيات من قصيدة أولها: # قد كان طيفك مرة يغرى بي # PageV02P018 # قال فيها: # لو أنه استام النجاة لنفسه ... وجد النجاة رخيصة الأسباب # ومبينة شهد المنازل رسمها ... والخيل تكبو في العجاج الكابي # كانت بوجهك دون عرضك درأة ... إن الوجوه تصان بالأحساب # ولئن أسرت فما الإسار على امرئ ... لم يأل صدقا في اللقاء بعاب # نام المضلل عن سراك ولم يخف ... حرس الرقيب وقسوة البواب # ورأى بأن الباب مذهبك الذي ... يخشى وهمك كان غير الباب # قال ذلك لأنه نقب نقبا، وخرج منه. # فركبتها هولا متى تخبر بها ... يقل الجبان أنيت غير صواب # ما راعهم إلا امتراقك مصلتا ... عن مثل برد الأرقم المنساب # تحمي أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التلفت خشية الطلاب # قال ذلك لأنه أخرج معه من الحبس امرأة، وأخرج ابن أخيه. # ما زال يوم ندى بطولك زاهرا ... حتى أضفت إليه يوم ضراب # ذكر من البأس استعدت إلى الذي ... أعطيت في الأخلاق والآداب # وروى غير الصولي، في البيت الذي قبل هذا الآخر: # لم ترض يوم ندى بطولك. . . # PageV02P019 ### || يمنع ابن أبي سبرة علنا ويجيزه سرا # حدثنا أحمد بن عبد الله الوراق، من كتاب نسب قريش للزبير بن بكار، قال: ~~حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني عمي ~~مصعب بن عبد الله، وحدثني سعيد بن عمرو، جاء بهما الزبير خبرين مفردين ~~فيهما تكرير وزيادة في أحدهما على الآخر، وأنا هنا أجمع بينهما، وأجعلهما ~~سياقة واحدة، وأسقط التكرير، قال: كان أبو بكر محمد بن أبي سبرة بن أبي ريم ~~بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ~~بن غالب بن نصر بن مالك بن النضر بن كنانة عاملا لرياح بن عثمان، على مسعاة ~~أسد وطيء، فلما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ms131 طالب ~~عليهم السلام جاء بما صدق من المال إليه، ومبلغه أربعة وعشرون ألف دينار، # PageV02P020 # فدفع ذلك إليه، فكانت قوة لمحمد. # فلما قتل عيسى بن موسى محمدا بالمدينة، قيل لأبي بكر: اهرب، قال: ليس ~~مثلي يهرب، فأخذ أسيرا، فطرح في حبس المدينة، ولم يحدث عيسى بن موسى في ~~أمره شيئا غير حبسه، فأمر المنصور بتقييده، فقيد. # فقدم المدينة بعدما شخص عيسى بن موسى، عبد الله بن الربيع المدني ومعه ~~جند، فعاثوا في المدينة وأفسدوا، فوثب عليه سودان المدينة والرعاع، فقتلوا ~~جنده، وطردوهم، وانتهبوهم، وانتهبوا عبد الله بن الربيع، فخرج حتى نزل ببئر ~~المطلب، يريد العراق، على خمسة أميال من المدينة. # وكبس السودان السجن، فأخرجوا أبا بكر. # وقال سعيد: فأخرج القرشيون أبا بكر، فحملوه على منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنهى عن معصية أمير المؤمنين، وحث على طاعته. # وقيل له: صل بالناس. # فقال: إن الأسير لا يؤم، ورجع إلى محبسه. # PageV02P021 # فلما ولى المنصور، جعفر بن سليمان، على المدينة، قال له: بيننا وبين أبي ~~بكر رحم، وقد أساء وأحسن، فإذا قدمت المدينة، فأطلقه، وأحسن جواره. # وقال سعيد: فأمره بإطلاق ابن أبي سبرة، وأوصاه به، وقال: إن كان قد أساء ~~فقد أحسن. # فأطلقه جعفر. # فسأل جعفر أن يكتب له بوصاة إلى معن بن زائدة، وهو إذ ذاك على اليمن، ~~فكتب له بوصاة إليه. # فلقي الرابحي، فقال: هل لك في الخروج معي إلى العمرة؟ فقال: أما والله، ~~ما أخرجني من منزلي إلا طلب شيء لأهلي، فما تركت عندهم شيئا، فأمر له ابن ~~أبي سبرة بنفقة أنفذها إلى عياله، وخرج معه. # فلما قضيا عمرتهما، قال للرابحي: هل لك أن نأتي معن بن زائدة؟ قال: نعم. # فأمر به بنفقة أنفذها إلى عياله، وأخرجه معه، حتى قدما على معن بن زائدة، ~~فدخل عليه ابن أبي سبرة وحده، فدفع إليه كتاب جعفر بالرضا عنه، فلما قرأه، ~~قال: كان جعفر أقدر على صلتك مني، انصرف، فليس لك عندي شيء، فانصرف مغموما. # PageV02P022 # فلما انتصف النهار، أرسل إليه، فجاءه، فقال ms132 له: يا ابن أبي سبرة ما حملك ~~على أن قدمت علي، وأمير المؤمنين عليك واجد؟ ثم سأله: كم دينك؟ قال: أربعة ~~آلاف دينار. # فأعطاه أربعة آلاف دينار، وأعطاه ألفي دينار أخرى، وقال: أصلح بهذه أمرك. # فانصرف إلى منزله، فأخبر الرابحي، بما صنع معن معه، فراح الرابحي إلى ~~معن، فأنشده: # الرابحي يقول في مدح ... لأبي الوليد أخي الندى الغمر # ملك بصنعاء الملوك له ... ما بين بيت الله والشحر # لو جاودته الريح مرسلة ... لجرى يجود فوق ما تجري # حملت به أم مباركة ... وكأنها بالحمل لا تدري # فقال له معن: فكان ماذا ويحك؟ فقال: # حتى إذا ما تم تاسعها ... ولدته مولد ليلة القدر # فقال له معن: ثم ماذا ويحك؟ فقال: # فأتت به بيضا أسرته ... يرجى لحمل نوائب الدهر # PageV02P023 # مسح القوابل وجهه فبدا ... كالبدر بل أبهى من البدر # فنذرن حين رأين غرته ... إن عاش أن يوفين بالنذر # لله صوما شكر أنعمه ... والله أهل الحمد والشكر # فقال له معن: ثم ماذا؟ فقال: # فنشا بحمد الله حين نشا ... حسن المروءة نابه الذكر # فقال معن: ثم ماذا؟ فقال: # حتى إذا ما طر شاربه ... خضع الملوك لسيد بهر # فإذا وهى ثغر يقال له: ... يا معن أنت سداد ذا الثغر # فقال معن: أنا أبو الوليد، أعطوه ألف دينار. # فأخذها ورجع إلى ابن أبي سبرة، فخرجا جميعا إلى مكة. # فقال ابن أبي سبرة: أما الأربعة آلاف دينار، فلقضاء ديني، وأما الألفان ~~الفاضلة، فلك منها ألف. # قال الرابحي: قد أعطاني ألف دينار، وهي تجزيني، فلا تضيق على نفسك في ~~الألفي الدينار. # فقال له: أقسمت عليك لتأخذنها، فأخذها، وأنفق عليه، حتى أتى المدينة. # ونمى الخبر إلى المنصور، فكتب إلى معن: ما حملك على أن أعطيت # PageV02P024 # ابن أبي سبرة ما أعطيته، وقد علمت ما صنع؟ فكتب إليه معن: إن جعفر بن ~~سليمان كتب إلي بوصيني به، ولم أظن أن جعفرا يكتب في رجل لم يرض عنه أمير ~~المؤمنين. # فكتب المنصور إلى جعفر، يبكته بذلك. # فكتب إليه جعفر: أنت، يا أمير المؤمنين أوصيتني به، ms133 ولم يكن في استيصائي ~~به شيء أيسر من كتاب وصاة إلى معن. # PageV02P025 ### || بال في ثيابه خوفا منه ثم بال على قبره # وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي الحنطي، عن أبي طالب الجعفري، أنه سمع ~~رجلا يحدث عن محمد بن الفضل الجرجرائي في وزارته للمعتصم، قال: كنت أتولى ~~ضياع عجيف، بكسكر، فرفع علي أني خنته، وأخربت # PageV02P026 # الضياع، فأنفذ إلي من قيدني، وأدخلت عليه في داره بسر من رأى، على تلك ~~الحال، فإذا هو يطوف على صناع فيها. # فلما نظر إلي شتمني، وقال: أخربت الضياع، ونهبت الارتفاع , والله ~~لأقتلنك، هاتوا السياط. # فاحضرت، وشلحت للضرب. # فلما رأيت ذلك، ذهب علي أمري، وبلت على ساقي. # فرآني كاتبه، فقال لعجيف: أعز الله الأمير، أنت مشغول القلب بهذا البناء، ~~وضرب هذا وقتله في أيدينا، ليس يفوت، فتأمر بحبسه، وانظر في أمره فإن كانت ~~الرفيعة صحيحة، فليس يفوتك عقابه، وإن كانت باطلة، لم تتعجل الإثم، وتنقطع ~~عما أنت مهتم به. # فأمر بي إلى الحبس، فمكثت فيه أياما. # PageV02P027 # وغزا أمير المؤمنين المعتصم، عمورية، وكان من أمر عجيف ما كان، فقتله، ~~واتصل الخبر بكاتبه، فأطلقني. # فخرجت من الحبس، وما أهتدي إلى حبة فضة، فما فوقها. # فقصدت صاحب الديوان بسر من رأى، وكان صديقي، فلما رآني سر بإطلاقي وتوجع ~~لي من سوء حالي، وعرض علي مالا. # فقلت: بل تتفضل بتصريفي في شيء أستتر بجاريه. # فقلدني عملا بنواحي ديار ربيعة، فاقترضت من التجار لما سمعوا بخبر ~~ولايتي، ما تحملت به إلى العمل، وخرجت. # وكان في ضياع عملي، ضيعة تعرف بكراثا، فنزلت بها في بعض طوافي بالعمل، ~~وحصلت في دار منها، فلما كان السحر، وجدت المستحم ضيقا غير نظيف، فخرجت من ~~الدار إلى تل في الصحراء، فجلست أبول عليه. # فخرج إلي صاحب الدار، فقال لي: أتدري على أي شيء تبول؟ قلت: على تل تراب. # فضحك، وقال: هذا قبر رجل يعرف بعجيف، قائد من قواد السلطان، كان قد سخط ~~عليه، وحمله معه مقيدا، فلما بلغ إلى هاهنا قتل، فطرح في هذا المكان تحت ms134 ~~حائط، فلما انصرف العسكر، طرحنا عليه الحائط، لنواريه من الكلاب، فهو - ~~والله - تحت هذا التل التراب. # فعجبت من بولي خوفا منه، ومن بولي على قبره. # PageV02P028 ### || لقاء بين الجد الرومي النصراني والحفيد العربي المسلم. # وروى ابن دريد عن أبي حاتم، عن أبي معمر، عن رجل من أهل الكوفة، قال: كنا ~~مع مسلمة بن عبد الملك، ببلاد الروم، فسبا سبايا كثيرة، وأقام ببعض ~~المنازل، فعرض السبي على السيف، فقتل خلقا، حتى عرض عليه شيخ كبير ضعيف، ~~فأمر بقتله. # فقال له: ما حاجتك إلى قتل شيخ مثلي؟ إن تركتني حيا، جئتك بأسيرين من ~~المسلمين شابين. # قال له: ومن لي بذلك؟ قال: إني إذا وعدت وفيت. # قال: لست أثق بك. # فقال له: دعني حتى أطوف في عسكرك، لعلي أعرف من يتكفل بي إلى أن أمضي ~~وأعود أجيء بالأسيرين. # فوكل به من يطوف به، وأمره بالاحتفاظ به، فما زال الشيخ يطوف ويتصفح ~~الوجوه، حتى مر بفتى من بني كلاب، قائما يحس فرسه. # PageV02P029 # فقال له: يا فتى، اضمني للأمير، وقص عليه قصته. # فقال: أفعل، وجاء الفتى إلى مسلمة، فضمنه، فأطلقه مسلمة. # فلما مضى قال للفتى: أتعرفه؟ قال: لا، والله. # قال: فلم ضمنته؟ قال: رأيته يتصفح الوجوه، فاختارني من بينهم، فكرهت أن ~~أخلف ظنه في، فلما كان من الغد، عاد الشيخ ومعه أسيران شابان من المسلمين، ~~فسلمهما إلى مسلمة، وقال: إن رأى الأمير أن يأذن لهذا الفتى أن يصير معي ~~إلى حصني لأكافئه على فعله. # فقال مسلمة للفتى الكلابي: إن شئت فامض معه. # فلما صار إلى حصنه، قال له: يا فتى، تعلم والله أنك ابني؟ قال له: وكيف ~~أكون ابنك، وأنا رجل من العرب مسلم، وأنت رجل من الروم نصراني. # فقال له: أخبرني عن أمك، ما هي؟ قال: رومية. # قال: فإني أصفها لك، فبالله إن صدقت، إلا صدقتني. # قال: أفعل. # فأقبل الرومي، يصف أم الفتى، ما خرم من صفتها شيئا. # فقال له الفتى: هي كذلك، فكيف عرفت أني ابنها؟ قال: بالشبه، وتعارف ~~الأرواح، وصدق الفراسة. # PageV02P030 # ثم أخرج ms135 إليه امرأة، فلما رآها الفتى لم يشك فيها أنها أمه، لتقارب ~~الشبه، وخرجت معها عجوز كأنها هي، فأقبلتا تقبلان رأس الفتى، ويديه، ~~وتترشفانه. # فقال له: هذه جدتك، وهذه خالتك. # ثم اطلع من حصنه، فدعا بشباب في الصحراء، فأقبلوا، فكلمهم بالرومية، ~~فأقبلوا يقبلون رأس الفتى ويديه، فقال: هؤلاء أخوالك، وبنو خالاتك، وبنو عم ~~والدتك. # ثم أخرج إليه حليا كثيرا، وثيابا فاخرة، وقال: هذا لوالدتك عندنا منذ ~~سبيت، فخذه معك، وادفعه إليها، فإنها ستعرفه، ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا، ~~وثيابا، وحليا، وحمله على عدة دواب، وألحقه بعسكر مسلمة. # وانصرف. # وأقبل الفتى قافلا حتى دخل إلى منزله فأقبل يخرج الشيء بعد الشيء مما ~~عرفه الشيخ أنه لأمه، وتراه أمه، فتبكي، فيقول لها: قد وهبته لك. # فلما كثر عليها، قالت له: يا بني، أسالك بالله، من أي بلد صارت إليكم هذه ~~الثياب، وهل تصف لي أهل هذا الحصن الذي كان فيه هذا؟ فوصف لها الفتى صفة ~~البلد والحصن، ووصف لها أمها وأختها، والرجال الذين رآهم، وهي تبكي وتقلق. # فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: الشيخ والله والدي، والعجوز أمي، وتلك أختي. # فقص عليه الخبر، وأخرج بقية ما كان أنفذه معه أبوها إليها، فدفعه إليها. # PageV02P031 ### || يحتال لإخراج أحد أصحابه من الحبس # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق التنوخي، قال: كان إسماعيل الصفار ~~البصري، أحد شيوخ المعتزلة الأجلاد، وكان الناس إذ ذاك يتشددون على ~~المعتزلة وينالونهم بالمكاره. # فتقلد البصرة نزار بن محمد الضبي، فرفع إليه عن رجل أنه معتزلي # PageV02P032 # فحبسه، فاستغاث الرجل بإسماعيل، فكلم غير واحد من رؤساء البلد، أن يكلم ~~نزارا فيه، فتجنبوا ذلك بسبب المذهب، فبات إسماعيل قلقا. # ثم بكر من غد، فطاف على كل معتزلي بالبصرة، وقال لهم: إن تم هذا عليكم ~~هلكتم متفرقين، وحبستم وأتي على أموالكم ونفوسكم، فاقبلوا مني، واجتمعوا، ~~وتدبروا برأيي، فإن الرجل يتخلص وتعزون. # فقالوا: لا نخالف عليك. # فوعدهم ليوم بعينه، ووعد معهم كل من يعرفه من العوام، وأصحاب المذاهب، ~~ممن يتبع قصاص المعتزلة، ومن يميل إليهم. # فلما كان ms136 ذلك اليوم، اجتمع له منهم أكثر من ألف رجل، فصار بهم إلى نزار، ~~واستأذن عليه، فأذن له ولهم. # فقال: أعز الله الأمير، بلغنا أنك حبست فلانا، لأنه قال: إن القرآن ~~مخلوق، وقد جئناك، وكلنا نقول: إن القرآن مخلوق، وخلفنا ألوف يقولون كما ~~نقول، فإما حبستنا جميعا، وإما أطلقت صاحبنا، وإذا كان السلطان أطال الله ~~بقاءه قد ترك المحنة، وقد أقر الناس على مذاهبهم، فلم نؤاخذ نحن بمذهبنا من ~~بين سائر المقالات؟ فنظر نزار فإذا فتنة تثور، لم يؤذن له فيها، ولم يدر ما ~~تجر، فأطلق الرجل، وسلمه إليهم. # فشكره إسماعيل، وانصرف والجماعة. # PageV02P033 ### || شامي عظيم الجاه من بقايا بني أمية # وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي الحنطبي، عن أبي أمية الهشامي، عن أبي ~~سلميان داود بن الفضل العبدي، قال: أخبرني أبي، عن محمد بن الحسن بن بشر ~~الأدمي، قال: حدثني منارة، خادم الخلفاء، قال: رفع إلى هارون الرشيد، أن ~~رجلا بدمشق، من بقايا بني أمية، عظيم الجاه واسع الدنيا، كثير المال ~~والأملاك، مطاعا في البلد، له جماعة أولاد ومماليك وموالي، يركبون الخيل، ~~ويحملون السلاح، ويغزون الروم، وأنه سمح جواد، كثير البذل والضيافة، وأنه ~~لا يؤمن منه فتق لا يمكن رتقه، فعظم ذلك على الرشيد. # قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة، في بعض خرجاته إلى ~~الحج سنة ست وثمانين ومائة، وقد عاد من الموسم، وقد بايع للأمين ثم المأمون ~~ثم المؤتمن. # PageV02P034 # فدعاني وهو خال، فقال لي: دعوتك لأمر أهمني وقد منعني النوم، فانظر كيف ~~تكون؟ ثم قص علي خبر الأموي. # وقال: اخرج الساعة، فقد أعددت لك الجمازات، وأزحت علتك في الزاد والنفقة ~~والآلات، وضممت إليك مائة غلام، فاسلك البرية، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، ~~وهذه قيود، فادخل، وابدأ بالرجل، فإن سمع وأطاع، فقيده وجئني به وإلا فتوكل ~~به أنت ومن معك # PageV02P035 # حتى لا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق، ليركب في جيشه فيقبض عليه، ~~وتجيئني به، وقد أجلتك لذهابك ستا، ولعودك ستا، ويوما لمقامك، وهذا محمل، ~~تجعله إذا قيدته ms137 في شقه، تجلس أنت في الشق الآخر، ولا تكل حفظه إلى غيرك، ~~حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك، وإذا دخلت داره فتفقدها، ~~وجميع ما فيها، وأهله وولده وحاشيته، وغلمانه، وقدر النعمة، والحال، والمحل ~~, واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف، بجميع ألفاظه، منذ وقوع طرفك عليه، إلى ~~أن تأتيني به، وإياك أن يشذ عليك شيء من أمره، انطلق مصاحبا. # قال منارة: فودعته وخرجت، فركبنا الإبل، وطوينا المنازل، أسير الليل ~~والنهار، ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين، والبول، وتنفيس الناس قليلا. # إلى أن دخلت دمشق في أول الليلة السابعة، وأبواب البلد مغلقة، فكرهت ~~طرقها، فنمت بظاهر البلد، إلى أن فتح بابه في الغد، فدخلت على هيأتي، حتى ~~أتيت باب دار الرجل، وعليه صفف عظيمة، وحاشية كثيرة، فلم أستأذن، ودخلت ~~بغير إذن. # فلما رأى القوم ذلك، سألوا بعض أصحابي عني، فقالوا لهم: هذا منارة، رسول ~~أمير المؤمنين إلى صاحبكم، فأمسكوا. # فلما صرت في صحن الدار، نزلت، ودخلت مجلسا، رأيت فيه قوما جلوسا، فظننت ~~أن الرجل فيهم، فقاموا إلي، ورحبوا بي، وأكرموني. # فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: لا، نحن أولاده، وهو في الحمام. # PageV02P036 # فقلت: استعجلوه. # فمضى بعضهم يستعجله، وأنا أتفقد الدار، والأحوال، والحاشية، فوجدت الدار ~~قد ماجت بأهلها موجا شديدا. # فلم أزل كذلك، حتى خرج الرجل، بعد أن أطال، واستربت به، واشتد قلقي وخوفي ~~من أن يتوارى. # إلى أن رأيت شيخا قد أقبل بزي الحمام، يمشي في الصحن، وحوله جماعة كهول، ~~وأحداث، وصبيان، هم أولاده، وغلمان كثيرة، فعلمت أنه الرجل. # فجاء حتى جلس، وسلم علي سلاما خفيفا، وسألني عن أمير المؤمنين، واستقامة ~~أمر حضرته، فأخبرته بما وجب. # فما انقضى كلامه حتى جاءوه بأطباق الفاكهة، فقال لي: تقدم يا منارة فكل ~~معنا. # فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. # فلم يعاودني، وأقبل يأكل هو والحاضرون معه، ثم غسل يديه، ودعا بالطعام، ~~فجاءوه بمائدة حسنة جميلة، لم أر مثلها إلا للخليفة، فقال: تقدم يا منارة ~~فساعدنا على الأكل، لا يزيد على أن يدعوني باسمي، كما ms138 يدعوني الخليفة. # فامتنعت، فلم يعاودني، وأكل هو وأولاده، وكانوا تسعة، عددتهم وجماعة ~~كثيرة من أصحابه، وحاشيته، وجماعة من أولاده وأولاد أولاده. # فتأملت أكله في نفسه، فرأيته أكل الملوك، ووجدت جأشه رابطا، وذلك ~~الاضطراب الذي كان في داره قد سكن، ووجدته لا يرفع من بين يديه # PageV02P037 # شيء، كان على المائدة، إلا وهب. # وقد كان غلمانه، لما نزلت الدار، أخذوا جمالي، وجميع غلماني، فعدلوا بهم ~~إلى دار له، فما أطاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي، ليس بين يدي إلا خمسة أو ستة ~~غلمان وقوف على رأسي. # فقلت في نفسي: هذا جبار عنيد، فإن امتنع علي من الشخوص، لم أطق إشخاصه ~~بنفسي، ولا بمن معي، ولا حفظه إلى أن يلحقني أمير البلد، وجزعت جزعا شديدا، ~~ورابني منه استخفافه بي، وتهاونه بأمري، وأن يدعوني باسمي، وقلة اكتراثه ~~بامتناعي من الأكل والشرب، ولا يسألني عما جئت له، ويأكل مطمئنا. # وأنا أفكر من ذلك، إذ فرغ من طعامه، وغسل يديه، واستدعى بالبخور، فتبخر، ~~وقام إلى الصلاة، فصلى الظهر صلاة حسنة، وأكثر من الدعاء والابتهال. # فلما انفتل من محرابه، أقبل علي، وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فقلت: أمر لك ~~من أمير المؤمنين، وأخرجت الكتاب، فدفعته إليه، ففضه، وقرأه، فلما استتم ~~قراءته دعا أولاده، وحاشيته، فاجتمعوا، فلم أشك أنه يريد أن يوقع بي. # فلما تكاملوا، ابتدأ فحلف أيمانا غليظة، فيها الطلاق، والعتاق، والحج، ~~والصدقة، والوقف، والحبس، إن اجتمع اثنان منهم في موضع، وأن يتفرقوا، ~~ويدخلوا منازلهم، ولا يظهر منهم أحد، إلى أن ينكشف له أمر يعمل عليه. # PageV02P038 # ثم قال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمصير إلى بابه، ولست أقيم بعد ~~نظري فيه لحظة واحدة. # وقال لغلمانه، وأولاده: استوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا، وما بي حاجة أن ~~يصحبني غلام، هات أقيادك يا منارة. # فدعوت بها، وكانت في سفط، فأحضر حدادا، ومد ساقيه، فقيدته، وأمرت غلماني ~~بحمله حتى حصل في المحمل، وركبت في الشق الآخر، وسرت من وقتي، ولم ألق أمير ~~البلد، ولا غيره. # وسرت بالرجل، ليس معه أحد، إلى أن ms139 صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدثني ~~بانبساط، حتى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال: ترى هذا؟ فقلت: نعم. # قال: هو لي، وفيه من غرائب الأشجار كيت وكيت، ثم انتهى إلى آخر، فقال مثل ~~ذلك، ثم انتهى إلى مزارع حسان، وقرى سرية، فأقبل يقول: هذا لي، ويصف كل شيء ~~فيها. # فاشتد غيظي منه، فقلت له: هل علمت أني شديد التعجب منك؟ قال: ولم؟ قلت: ~~ألست تعلم أن أمير المؤمنين قد أهمه أمرك، حتى أرسل إليك من انتزعك من بين ~~أهلك، وولدك، ومالك، وأخرجك عن جميع حالك، وحيدا، فريدا، مقيدا، لا تدري ما ~~يصير إليه أمرك، ولا كيف تكون، وأنت مع هذا، فارغ القلب، تصف بساتينك ~~وضياعك، هذا وقد رأيتك، وقد جئت، وأنت لا تعلم فيم جئت، وأنت ساكن القلب، ~~قليل الفكر، وقد كنت عندي شيخا عاقلا. # فقال مجيبا لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخطأت فراستي فيك يا منارة، ~~قدرتك رجلا كامل العقل، وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل، إلا بعد أن # PageV02P039 # عرفوك بذلك، فإذا عقلك وكلامك يشبه كلام العوام وعقلهم، فالله المستعان. # أما قولك في أمير المؤمنين، وإزعاجه لي من داري، وإخراجه إياي إلى بابه ~~على هذه الصورة، فأنا على ثقة بالله عز وجل، الذي بيده ناصية أمير ~~المؤمنين، فلا يملك معه لنفسه، ولا لغيره، ضرا ولا نفعا، إلا بإذن الله ~~ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد، فإذا عرف أمير ~~المؤمنين أمري، وعلم سلامة جانبي، وصلاح ناحيتي، وأن الأعداء والحسدة، ~~رموني عنده بما لست في طريقه، وتقولوا علي الأباطيل الكاذبة، لم يستحل دمي، ~~وتحرج من أذاي وإزعاجي، فردني مكرما، أو أقامني ببابه معظما، وإن كان سبق ~~في قضاء الله تعالى، أنه يبدر إلي ببادرة سوء، وقد حضر أجلي، وحان سفك دمي ~~على يده، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل السموات والأرض، على صرف ذلك ~~عني، ما استطاعوا، فلم أتعجل الهم، وأتسلف الفكرة والغم، فيما قد فرغ الله ~~منه، وأنا حسن الظن بالله الذي خلق ورزق، وأحيا وأمات ms140 وفطر وجبل، وأحسن ~~وأجمل، وأين الصبر والرضا، والتفويض والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة، ~~وكنت أحسب أنك تعرف هذا، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك، فإني لا أكلمك بكلمة، حتى ~~تفرق بيننا حضرة أمير المؤمنين. # ثم أعرض عني، فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتسبيح، أو طلب ماء أو حاجة ~~تجري مجراه، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر، فإذا النجب ~~قد استقبلتنا على فراسخ من الكوفة، يتجسسون خبري. # PageV02P040 # فلما رأوني رجعوا بخبري إلى أمير المؤمنين، فانتهيت إلى الباب آخر ~~النهار، فدخلت على الرشيد، فقبلت الأرض، ووقفت بين يديه. # فقال: هات ما عندك، وإياك أن تغفل منه لفظة واحدة. # فسقت إليه الحديث من أوله، حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل ~~والطهور والبخور، وما حدثت به نفسي من امتناعه مني، والغضب يظهر في وجهه ~~ويتزايد، حتى انتهيت إلى فراغ الأموي من الصلاة، وانفتاله، وسؤاله عن سبب ~~مقدمي، ودفعي الكتاب إليه، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه، ويمينه أن لا ~~يتبعه أحد منهم، وصرفه إياهم، ومد رجليه حتى قيدته، فما زال وجه الرشيد ~~يسفر. # فلما انتهيت إلى ما خاطبني به في المحمل، عند توبيخي إياه، قال: صدق ~~والله، ما هذا إلا رجل محسود على النعمة، مكذوب عليه، ولقد أذيناه، ولعمري ~~لقد أزعجناه، وروعناه، وروعنا أهله، فبادر بنزع قيوده عنه، وائتني به. # فخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته على الرشيد، فما هو إلا أن رآه، حتى رأيت ~~ماء الحياء يدور في وجه الرشيد، ودنا الأموي، فسلم بالخلافة، ووقف، فرد ~~عليه الرشيد ردا جميلا، وأمره بالجلوس، فجلس. # وأقبل عليه الرشيد، ثم قال له: إنه بلغنا عنك فضل همة، وأمور، أحببنا ~~معها أن نراك، ونسمع كلامك، ونحسن إليك، فاذكر حوائجك. # فأجاب الأموي جوابا جميلا، وشكر، ودعا، ثم قال: أما حاجتي، فما لي إلا ~~حاجة واحدة. # فقال: مقضية، فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين، تردني إلى بلدي، وأهلي، ~~وولدي. # فقال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من صلاح جاهك، ومعاشك، فإن ~~مثلك لا يخلو أن ms141 يحتاج إلى شيء من هذا. # PageV02P041 # فقال: عمال أمير المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألته، وأموري ~~منتظمة، وأحوالي مستقيمة، وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في دولة أمير ~~المؤمنين. # فقال له الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، وكتب إلينا بأمر إن عرض لك، ~~فودعه الأموي. # فلما ولى خارجا، قال لي الرشد: يا منارة، احمله من وقتك، وسر به راجعا ~~كما أتيت به، حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه، فارجع وخله، ففعلت ~~ذلك. # PageV02P042 ### || ابن الفرات يتحدث عن اعتقاله وتعذيبه # حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، ويعرف هشام بأبي قيراط، قال: كنت ~~حاضرا مع أبي رحمه الله، في مجلس أبي الحسن بن الفرات، في شهر ربيع الأول ~~سنة خمس وثلاث مائة، وفي وزارته الثانية، فسمعته يتحدث، قال: دخل علي أبو ~~الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري، في محبسي بدار المقتدر، فطالبني ~~بكتب خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار. # فقلت: والله، ما جرى قدر هذا المال، على يدي للسلطان، في طول وزارتي، ~~فكيف أصادر على مثله؟ فقال: قد حلفت بالطلاق أنه لا بد من أنك تكتب خطك ~~بذلك، فكتبت ثلاثة عشر ألف ألف، من غير ما أذكر ما هي، أو ضمانا فيها. # PageV02P043 # قال: فاكتب دينارا، لتبريني من يميني. # فكتبت دينارا، ثم ضربت عليه، وأكلت الرقعة، وقلت له: قد برئت من يمينك، ~~ولا سبيل لك إلى غير هذا مني. # فاجتهد بي، فلم أجبه إلى شيء، فحبسني. # فلما كان من الغد، دخل إلى الحبس، ومعه أم موسى، فطالبني بذلك، وأسرف في ~~سبي وشتمي، ورماني بالزنا. # فحلفت بالطلاق، والعتاق، والأيمان المغلظة، أني ما دخلت في محظور من هذا ~~الجنس، من نيف وثلاثين سنة، وسمته أن يحلف بمثل تلك اليمين أن غلامه القائم ~~على رأسه، لم يأته في ليلته تلك، فأنكرت أم موسى هذا الحال، وغطت وجهها ~~حياء منه. # PageV02P044 # فقال ابن ثوابة: إن هذا إنما تبطره الأموال التي وراءه، ومثله في ذلك، ~~كمثل المزين مع كسرى، والحجام مع الحجاج، فتستأمرين السادة، في إنزال ms142 ~~المكروه به، حتى يذعن بالأموال. # قال أبو الحسين: ويعني بالسادة: المقتدر، ووالدته، وخالته # PageV02P045 # خاطف، ودستنبويه أم ولد المتعضد؛ لأنهم كانوا، إذ ذاك، يدبرون الأمور؛ ~~لحداثة سن المقتدر. # قال ابن الفرات: فمضت أم موسى، ثم عادت، فقالت لابن ثوابة: السادة يقولون ~~لك: صدقت فيما ذكرت، ويدك مطلقة فيه. # وكنت في دار ضيقة، في حر شديد، فأمر بكشف البواري حتى صرت في الشمس، ونحي ~~الحصير من تحتي، وأغلق أبواب البيوت، حتى حصلت في الصحن، ثم قيدني بقيد ~~ثقيل، وألبسني جبة صوف قد نقعت في ماء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل باب ~~الحجرة وانصرف، فأشرفت على التلف. # وعددت على نفسي ذنوبي، فوجدتني قد عوملت بما عاملت به الناس، من ~~المصادرة، ونهب المنازل، وقبض الضياع، وتسليم الناس إلى أعدائهم، وحبسهم، ~~وتقييدهم، وإلباسهم جباب الصوف، وهتك حريمهم، وإقامتهم في الشموس، وإفرادهم ~~في الحبوس. # ثم قلت: ما غللت أحدا، فكيف غللت؟ ثم تذكرت أن النرسي، كاتب الطائي، كان ~~سلمه إلي عبيد الله بن # PageV02P046 # سليمان، لمال عليه، فسلمته إلى الحسن، المعروف بالمعلوف، المستخرج، وكان ~~عسوفا، وأمرته بتقييده، وتعذيبه، ومطالبته بمال ذكرته له، فألط به، فأمرت ~~به أن يغل، ثم تحوبت بعد أن غل مقدار ساعتين من النهار، فأمرت بأخذ الغل ~~عنه. # فلما جازت الساعتان، تذكرت شيئا آخر، وهو أنه لما قرب سبكرى من الجبل، مع ~~رسول صاحب خراسان، مأسورا، كتبت إلى بعض عمال المشرق، بمطالبته بأمواله ~~وودائعه، فكتب إلي بإلطاطه، فكتبت # PageV02P047 # بأن يغل، وكنت أتغدى، فلما غسلت يدي، تندمت، وتحوبت، فكتبت بأن يحل الغل ~~عنه إن كان قد غل، فوصل الكتاب الأول فعل، ووصل الكتاب الثاني بعد ساعتين، ~~فحل عنه، على ما كتبت به. # فلما مضت أربع ساعات، إذا بصوت غلمان مجتازين في الممر الذي فيه الحجرة ~~التي أنا محبوس فيها، فقال لي الخدم الموكلون بي: هذا بدر الحرمي، وهو لك ~~صنيعة. # فاستغثت به، وصحت: يا أبا الخير، ألله، ألله، في، لي عليك حقوق، وقد ترى ~~حالي، والموت أسهل مما أنا فيه، فتخاطب السادة في أمري، وتذكرهم حرمتي، ms143 ~~وخدمتي في تثبيت دولتهم، إذ خذلهم الناس، وافتتاحي البلدان المنغلقة ~~وإثارتي الأموال المنكسرة، فإن كان ذنبي يوجب القتل، فالسيف أروح لي، فرجع، ~~فدخل إليهم، فخاطبهم ورققهم، ولم يبرح حتى أمروا بأخذ حديدي، وإدخالي ~~الحمام، وأخذ شعري، وتغيير لباسي، وتسليمي إلى زيدان، وترفيهي # PageV02P048 # فجاءني بذلك، وقال: يقولون لك: لن ترى بعدها بأسا، وأقمت عند زيدان، إلى ~~أن رددت إلى هذا المجلس. # PageV02P049 ### || كتاب ابن ثوابة باستيزار ابن الفرات # وحدثني أبو محمد القاسم بن هشام بن أبي قيراط، أن أباه حدثه، أنه سمع أبا ~~الحسن بن الفرات. . . .، فذكر نحو هذا الحديث، إلا أنه زاد: أن ابن الفرات ~~لما خرج من هذه الشدائد الهائلة، إلى الوزارة الثانية، أمر أبا الحسن محمد ~~بن جعفر بن ثوابة، صاحب ديوان الرسائل، أن يكتب عن المقتدر بالله، إلى ~~أصحاب الأطراف، برده إياه إلى الوزارة، فكتب إلى جميعهم كتابا بنسخة واحدة، ~~سمعت أبي وغيره من مشايخ الكتاب، إذ ذاك، يقولون: إنهم ما سمعوا في معناه ~~أحسن منه، فأعطانيه أبي، وأمرني بحفظه، وتلاه علي القاسم، فحفظت منه فصلا، ~~وهو: لما لم يجد أمير المؤمنين بدا منه، ولم يكن بالملك غنى عنه، انتضاه ~~أمير المؤمنين من غمده، فعاود ما عرف من حده، ودبر الأمور كأن لم يخل منها، ~~وأمضاها كأن لم يزل عنها، إذ كان الحول القلب، المحنك المدرب، العالم بدرة ~~المال كيف تحلب، ووجوهه من أين تطلب، وكان الكتاب على اختلاف طبقاتهم، ~~وتباين مرتباتهم، يقفون عنده إذا استبقوا، وينتهون إليه إذا احتكموا، وكان ~~هذا الاسم حقا من حقوقه، استعير منه، ثم رد إليه. # PageV02P051 ### || خرج من حبس المقتدر ونصب مستشارا للوزير ابن مقلة # حدثني علي بن هشام أبي قيراط الكاتب، من حفظه، وكتبت بإملائه، قال: تطاول ~~الحبس بأبي الحسن علي بن عيسى في دار المقتدر، حتى أيس منه، فلما اجتمع أبو ~~الهيجاء، ونازوك، والطبقة الذين تجمعوا وخلعوا المقتدر # PageV02P052 # وأجلسوا القاهر، وحصلوا المقتدر في دار مؤنس، كسرت الحبوس، ونهب بعض دار ~~المقتدر، فأفلت علي بن عيسى من الموضع الذي كان فيه محبوسا، ms144 فخرج، فاستتر ~~تلك الأيام الثلاثة التي كان فيها المقتدر محبوسا عند مؤنس، والقاهر متسم ~~بالخلافة. # فلما جاءت الرجالة، بغير مراسلة من المقتدر لهم، ولا حيلة منه في أمر ~~نفسه، وإنما كان بصنع طريف، وسوء تدبير نازوك في خطابهم بما كرهوا، فثاروا، ~~وقتلوا أبا الهيجاء، ونازوك، وكبسوا دار مؤنس، وأخذوا المقتدر من يده، ~~وأعادوه للخلافة، وردوا القاهر إلى دار ابن طاهر، وظهر ابن مقلة، وكان وزير ~~المقتدر، وكان قد استتر. # PageV02P053 # قال: فحدثني أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، وأبو عبد الله محمد ~~بن إسماعيل زنجي الكاتب، وأبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري، صاحب ~~الفضل بن جعفر، قالوا: كنا في دار مؤنس، والناس يهنونه، وعلي بن عيسى ~~مستتر، فلم يشعر إلا وقد جاء علي بن عيسى بطيلسان، وأحفى المسألة أن يرد ~~إلى الحبس، خوفا من عواقب الاستتار، وأن يولد عليه أكثر من الحبس. # فتلقاه مؤنس أحسن لقاء وأجمله، واستصوب رأيه في الظهور، وراسل # PageV02P054 # المقتدر في الحال، فعاد الجواب من المقتدر، بأجمل قول وأحسنه، وأنه قد رد ~~إلى علي بن عيسى الإشراف على ابن مقلة، والاجتماع معه على سائر أمور ~~المملكة، وأمر أن يصل بوصوله، وأن لا ينفرد ابن مقلة بتدبير أمر دونه، ~~وأفرد علي بن عيسى بالمظالم، من غير أن يكون لابن مقلة فيها نظر. # فقال له مؤنس: ليس يجوز مع هذا أن تلبس الطيلسان، وعليك أن تتلقى هذا ~~الإنعام بالشكر. # فانصرف علي بن عيسى، وعاد عشيا وعليه دراعة، وجلس في دار مؤنس، منتظرا ~~مجيء الوزير ابن مقلة، إلى أن جاء، فاجتمعا يتفاوضان في أمور الأموال ~~والأعمال. # فقال له ابن مقلة: إن أبا بكر محمد بن علي المادرائي يطيعك، وهو من أكبر ~~صنائعك، فاكتب إليه بحمل مال. # فقال علي بن عيسى: إن مصر مع الاضطراب الواقع، ستفور نارا، لكثرة الجيش ~~بها، وعظم مال صلة البيعة، والوجه أن يكتب الوزير أعزه الله، فقال مؤنس ~~لابن مقلة: افعل ما أشار به أبو الحسن. # PageV02P055 # فقال: لا يحسن أن أكتب في شيء من هذا، ms145 وهذا الشيخ حاضر. # فقال أبو الحسن: فأنا أكتب بخطي عنك، إلى محمد بن علي، فإنك أنت الوزير، ~~وكلنا أعوانك وأتباعك، فسر بذلك ابن مقلة جدا، وصارت له عند الناس جميعا ~~منزلة. # ودعا علي بن عيسى بثلث قرطاس، وكتب فيه، في الحال، بغير نسخة، كتابا ~~نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، أعزك الله، وأطال بقاك، وأكرمك، وأتم نعمته ~~عليك، وزاد في إحسانه إليك، قد عود الله أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، ~~في تصاريف أحواله، ومعقبات أعماله، وعند الخطوب إذا ألمت، والحوادث إذا ~~أظلت، أن لا يخليه من نظر يتيحه له، ونعم يجددها عنده، ومنح يضاعفها لديه، ~~لما يعرفه من صفاء نيته، وخلوص طويته، وحسن سريرته، لسائر رعيته، عادة في ~~الصلاح والإصلاح، هو، عز وجل، متممها، وموزع الشكر عليها، وكان جماعة من ~~الأولياء، وجمهور الرجال والأصفياء، عدلوا عن طريق السلامة، وزالوا عن مذهب ~~الاستقامة، وحادوا ما توالى عليهم من النعمة، ووصل إليهم من الإحسان في طول ~~المدة، وحملهم الحين المتاح لأمثالهم، وما قرب الله من آجالهم، على الخروج ~~عن مدينة السلام، بغير تدبير ولا نظام، والمطالبة بما لا يستحقون من ~~الأرزاق، على سبيل السطوة والاقتدار، غير مفكرين في ذميم المذاهب، ووخيم ~~العواقب، مترددين في بغيهم، متسكعين في جهلهم وغيهم، وأمير المؤمنين، أدام ~~الله عزه، يعدهم بنظره الذي لا يخلفه، والعطاء الذي لا يؤخره، ويتوخاهم ~~بالموعظة الحسنة، وينهاهم عن الأفعال القبيحة المنكرة، وهم يأبون ما يدعوهم # PageV02P056 # إليه، ويسرفون في التحكم والبغي عليه، إلى أن أداهم الجهل والطغيان ~~والتمرد والعصيان، إلى إحضارهم دار المملكة من لقبوه بالخلافة يوما واحدا، ~~ثم صرف عنها، وأمير المؤمنين، أيده الله تعالى، يعمل فكره ورويته في حل ~~نظامهم، وحسم مواد اجتماعهم، وتشتيت كلمتهم، وتفريق جماعتهم، حتى يتمكن ~~منهم تمكنا يفت في أعضادهم، ويوهن من عنادهم، ثم يعفو عمن يرى العفو عنه، ~~ويوقع القصاص على من يوجب الحق القصاص منه، فلم تكن إلا وقعة من الوقعات، ~~وساعة من الساعات، حتى أخلف الله آمالهم، وأكذب أطماعهم وبدد شملهم، وخيب ~~سعيهم، وأكبى زندهم، ms146 وانفضوا بعد أن استلحم من كان مضرما للفتنة، وملهبا ~~للنائرة، وعاد أمير المؤمنين، أيده الله، على الباقين بالصفح الشامل ~~والإنعام الكامل، وتغمد هفوتهم، وأقال عثرتهم، وأحسن صلتهم، واستأنف أفضل ~~الأحوال بهم، وعادت الأمور كما كانت، وتكشفت الخطوب وزالت وخلصت النيات ~~وصلحت، وهدأت الرعية وسكنت، وقد تكفل الله، عز وجل، بنصر أمير المؤمنين، ~~وتشييد أركان عزه، والله يحق الحق، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون، فأجر ~~أعمالك، أعزك الله، على أجمل ما تجريها عليه، وأحسن سيرتك فيها، مستعملا ~~فيها أجد الجد، وأبلغ التشمير، حتى تسهل صعابها، وتدر أحلابها، وتجري على ~~أحسن مجاريها، وأجمل تأتيها، واحذر أن ترخص لنفسك في تأخير الحمل، فتخرج ~~إلى التأنيث والعذل، وبادر الجواب عن هذا الكتاب، لأعرضه على أمير ~~المؤمنين، أطال الله بقاءه، # PageV02P057 # فإنه يتوكفه، ويراعيه، ويتشوفه، والدعاء له، وكتب يوم الاثنين لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاث مائة. # PageV02P058 ### || من مكارم القاضي أحمد بن أبي دؤاد ### ||| أ - سيد العرب أحمد بن أبي دؤاد # أخبرني محمد بن الحسن، قال: أخبرني أبو بكر الصولي، قال: حدثنا محمد بن ~~القاسم بن خلاد، قال: رفع بعض العمال إلى المعتصم، وكان يلي الخراج بموضع ~~يلي فيه خالد بن يزيد الحرب، أن خالد بن يزيد اقتطع الأموال واحتجن بعضها. # فغضب المعتصم، وحلف ليأخذن أموال خالد، ويعاقبه. # PageV02P060 # فلجأ خالد إلى أحمد بن أبي دؤاد القاضي، فاحتال حتى جمع بينه وبين خصمه، ~~فلم تقم على خالد حجة. # فعرف ابن أبي دؤاد المعتصم ذلك، وشفع إليه في خالد، فلم يشفعه. # وأحضر خالدا، وأحضر آلات العقوبة، وقد كان قبل ذلك، قبض أمواله، وضياعه، ~~وصرفه عن العمل. # وحضر ابن أبي دؤاد المجلس، فجلس دون الناس. # فقال له المعتصم: ارتفع إلى مكانك. # فقال: يا أمير المؤمنين، ما أستحق إلا دون المجلس. # قال: وكيف؟ قال: الناس يزعمون أن ليس محلي محل من شفع في رجل قرف بما لم ~~يصح عليه فلم يشفع. # قال: ارتفع إلى موضعك. # قال: مشفعا أو غير مشفع؟ # PageV02P061 # قال: مشفعا، قد وهبت لك خالدا، ms147 ورضيت عنه. # قال: الناس لا يعلمون بهذا. # قال: وقد رددت عليه العمالة، والضياع، والأموال التي له. # قال: ويشرفه أمير المؤمنين بخلع تظهر للعامة. # فأمر أن تفك قيوده ويخلع عليه، ففعل به ذلك، ورد إلى حضرته. # فقال ابن أبي دؤاد: قد استحق هو وأصحابه رزق ستة أشهر، فإن رأى أمير ~~المؤمنين، أن يجعلها صلة له. # قال: لتحمل معه. # فخرج خالد، والناس منتظرون الإيقاع به، فلما رأوه على تلك الحال سروا، ~~وصاح به رجل: الحمد لله على خلاصك يا سيد العرب. # فقال: مه، سيد العرب، والله، ابن أبي دؤاد، الذي طوقني هذه المكرمة التي ~~لا تنفك من عنقي أبدا، لا أنا. # وفي هذه القضية، يقول أبو تمام الطائي: # يا سائلي عن خالد وفعاله ... رد فاغترف علما بغير رشاء # قد كان خطب عاثر فأقاله ... رأي الخليفة كوكب الخلفاء # فخرجت منه كالشهاب ولم تزل ... مذ كنت خراجا من الغماء # ما سرني بخروجه من حجة ... ما بين أندلس إلى صنعاء # PageV02P062 ### ||| ب - إطلاق الكتاب من حبس الواثق # حدثني علي بن هشام، قال: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى، يتحدث، قال: سمعت ~~عبيد الله بن سليمان بن وهب، يقول: حدثني أبي، قال: كنت وأبو العباس أحمد ~~بن الخطيب، مع خلق من العمال والكتاب معتقلين في يدي محمد بن عبد الملك ~~الزيات، في آخر وزارته للواثق، نطالب ببقايا مصادراتنا، ونحن آيس ما كنا من ~~الفرج، إذ اشتدت علة الواثق، وحجب ستة أيام عن الناس، فدخل عليه أبو عبد ~~الله أحمد بن أبي دؤاد القاضي، فقال له الواثق: يا أبا عبد الله، وكان ~~يكنيه، ذهبت مني الدنيا والآخرة. # قال: كلا يا أمير المؤمنين. # قال: بلى، أما الدنيا، فقد ذهبت مني بما ترى من حضور الموت، وذهبت مني ~~الآخرة، بما أسلفت من عمل القبيح، فهل عندك من دواء؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، قد غرك محمد بن عبد الملك الزيات في الكتاب والعمال، وملأ بهم ~~الحبوس، ولم يحصل من جهتهم على كبير شيء، وهم عدد كثير، ووراءهم ألف يد ~~ترفع ms148 إلى الله تعالى بالدعاء عليك، فتأمر بإطلاقهم، لترتفع تلك الأيدي ~~بالدعاء لك، فلعل الله أن يهب لك العافية، وعلى كل حال، فأنت محتاج إلى أن ~~تقل خصومك. # فقال: نعم ما أشرت به، وقع عني إليه بإطلاقهم. # فقال: إن رأى خطي، عاند ولج، ولكن يغتنم أمير المؤمنين الثواب، ويتساند، ~~ويحمل على نفسه، ويوقع بخطه. # PageV02P063 # فوقع الواثق، بخط مضطرب إلى ابن الزيات بإطلاقهم، وإطلاق كل من في ~~الحبوس، من غير استئمار ولا مراجعة. # فقال ابن أبي دؤاد: يتقدم أمير المؤمنين إلى إيتاخ أن يمضي بالتوقيع، ولا ~~يدعه يعمل شيئا، أو يطلقهم، وأن يحول بينه وبين الوصول إليك، أو كتب رقعة، ~~أو اشتغاله بشيء ألبتة، إلا بعد إطلاقهم، وإن لقيه في الطريق أنزله عن ~~دابته، وأجلسه على غاشيته في الطريق، حتى يفرغ من ذلك. # فتوجه إيتاخ، فلقي ابن الزيات راكبا يريد دار الخليفة. # فقال له: تنزل عن دابتك، وتجلس على غاشيتك. # فارتاع، وظن أنه قد وقع به الحال، فنزل، وجلس على غاشيته، فأوصل إليه ~~التوقيع، فامتنع، وقال: إذا أطلقت هؤلاء فمن أين أنفق الأموال، وأقيم ~~الأنزال؟ فقال له: لا بد من ذلك. # فقال: أركب إليه وأستأذنه. # فقال: ما إلى ذلك سبيل. # قال: فدعني أكاتبه. # قال: ولا هذا. # قال: فما تركه يبرح من موضعه، حتى وقع بإطلاق الناس. # فصار إيتاخ إلينا، ونحن في الحبس، آيس ما كنا من الفرج، وقد بلغنا شدة ~~علة الواثق، وأن قد أرجف لابنه بالخلافة، وكان صبيا، فخفنا أن يتم # PageV02P064 # ذلك، فيجعل ابن الزيات الصبي شبحا، ويتولى التدبير فيتلفنا، وقد امتنعنا ~~لفرط الغم من الأكل. # فلما دخل علينا إيتاخ، لم نشك أنه قد حضر لبلية، فأطلقنا، وعرفنا الصورة، ~~فدعونا للخليفة، ولأحمد بن أبي دؤاد، وانصرفنا إلى منازلنا لحظة، ثم خرجنا، ~~فوقفنا لأبي عبد الله دؤاد على الطريق، ننتظر عوده من دار الخليفة عشيا. # فحين رأيناه ترجلنا له، فقال: لا تفعلوا، وأكبر ذلك، ومنعنا من الترجل، ~~فلم نمتنع ودعونا له وشكرناه. # فوقف حتى ركبنا وسايرناه، وأخذ يخبرنا بالخبر، ونحن نشكره، وهو ms149 يستصغر ما ~~فعل، ويقول: هذا أقل حقوقكم، وكان الذي لقيه أنا وأحمد بن الخصيب. # وقال لنا: ستعلمان ما أفعله مستأنفا. # ثم رجع ابن أبي دؤاد إلى دار الخليفة عشيا، فقال له الواثق: قد تبركت ~~برأيك يا أبا عبد الله، ووجدت خفة من العلة، ونشطت للأكل، فأكلت وزن خمسة ~~دراهم خبزا بصدر دراج. # فقال له أبو عبد الله: يا أمير المؤمنين، تلك الأيدي التي كانت تدعو عليك ~~غدوة، صارت تدعو لك عشية، ويدعو لك بسببهم خلق كثير من رعيتك، # PageV02P065 # إلا أنهم قد صاروا على دور خراب، وأحوال قبيحة، بلا فرش، ولا كسوة، ولا ~~دواب، ولا ضياع، موتى جوعا وهزالا. # قال: فما ترى؟ قال: في الخزائن والاصطبلات بقايا ما أخذ منهم، فلو أمرت ~~أن ينظر في ذلك، فكل من وجد له شيء باق من هذا رد عليه، وأطلقت لهم ضياعهم، ~~لعاشوا، وخف الألم وتضاعف الدعاء، وقويت العافية. # قال: فوقع عني بذلك، فوقع عنه أحمد بن أبي دؤاد. # فما شعرنا من الغد، إلا وقد رجعت علينا نعمتنا، ومات الواثق بعد ثلاثة ~~أيام. # وفرج الله عنا بابن أبي دؤاد، وبقيت له هذه المكرمة العظيمة في أعناقنا. # وقد ذكر محمد بن عبدوس هذا الخبر، في كتاب الوزراء، عن محمد بن داود بن ~~الجراح، عن عبيد الله بن سليمان، بما يقرب من هذه الألفاظ، والمعنى واحد، ~~إلا أنه لم يذكر أنه كان معهم في الحبس أحمد بن الخصيب. ### ||| ج - إنقاذ أبي دلف من موت محقق # حدثني أبي رضي الله عنه، في المذاكرة، بإسناد لست أقوم عليه؛ لأني لم ~~أكتبه في الحال، قال: كان ابتداء العداوة بين أبي عبد الله أحمد بن أبي ~~دؤاد وبين الإفشين، # PageV02P066 # أن الإفشين كان أغرى المعتصم بأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي؛ لعداوة ~~كانت بينهما، فسلمه إليه المعتصم، فأجمع على قتله من يومه ذاك. # وبلغ الخبر أبا دلف، فارتحل على ابن أبي دؤاد، فاستجار به، وعرفه ما قد ~~أشرف عليه. # فجاء ابن أبي دؤاد إلى المعتصم ليسأله عن أمره، فوجده نائما، فكره ms150 أن # PageV02P067 # يقيمه وينبهه، وخاف أن يشرع الإفشين في قتل أبي دلف، فجاء إلى الإفشين، ~~فقال له: يقول لك أمير المؤمنين، بلغني أنك تريد أن تحدث على القاسم بن ~~عيسى حادثة، والله لئن فعلت لأقتلنك، ولم يكن المعتصم أرسله، ولا قال له ~~شيئا. # فرهب الإفشين أن يقتل أبا دلف. # وعاد ابن أبي دؤاد إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب من أصلح بين الناس» ، فقال خيرا، ~~ومنى خيرا، وقد أديت عنك رسالة أحييت بها أهل بيت من المسلمين، وكففت بها ~~أسياف خلق من العرب، بلغني أن الإفشين عزم على قتل القاسم بن عيسى العجلي، ~~فأديت إليه عنك رسالة هي كذا وكذا، فحقنت دم الرجل، ونعشت عياله، وكففت عنك ~~عصيان عجل ومن يتبعها ممن يتعصب له، فيتفق عليك من ذلك ما تغتم به، والرجل ~~في يده مشف على القتل. # فقال له المعتصم: قد أحسنت. # ووجه الإفشين إلى ابن أبي دؤاد: لا تأتيني، ولا تقربني. # فقال للرسول: أتؤدي عني كما أديت إلي؟ قال: قل. # قال: قل له: ما آتيك تعززا من ذلة، ولا تكثرا من قلة، وإنما أنت رجل ~~ساعدك زمان، ورفعك سلطان، فإن جئتك فله، وإن تأخرت عنك فلنفسك. # أخبرني القاضي أبو طالب محمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، فيما أجاز لي ~~روايته عنه، بعدما سمعته منه، قال: حدثنا محمد بن خلف، وكيع القاضي، قال: ~~أخبرنا موسى بن جعفر، أخو يعيش الكاتب، قال: # PageV02P068 # كان أحمد بن أبي دؤاد حين ولي المعتصم الخلافة، عادى الإفشين وحرض عليه ~~المعتصم، وذكر حديثا طويلا، ليس هذا موضعه. # ثم قال فيه: وكان سبب العداوة بين أحمد بن أبي دؤاد، وبين الإفشين، أن ~~الإفشين أراد قتل أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، فاستجار بابن أبي دؤاد، ~~ثم ذكر نحوا مما ذكرته عن أبي رضي الله عنه، إلا أنه لم يقل في خبره أن ابن ~~أبي دؤاد جاء إلى المعتصم فوجده نائما، ثم عاد فوجده قد انتبه، وقال في آخر ms151 ~~حديثه: وإنما أنت رجل رفعتك دولة، فإن جئت فلها وإن قعدت فعنك. # وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: قال أحمد بن أبي طاهر: كان ~~أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، في جملة من كان مع الإفشين خيذر بن كاوس ~~لما خرج لمحاربة بابك، ثم تنكر له، فوجه من جاءه به ليقتله. # وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه بأحمد بن أبي دؤاد، وقال له: أدركه، وما ~~أراك تدركه، واحتل في خلاصه منه كيف شئت. # قال أحمد: فمضيت ركضا حتى وافيته، فإذا أبو دلف واقف بين يديه، وقد أخذ ~~بيده غلامان له تركيان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي ~~بمصلى. # فقال: سبحان الله، ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني هذا المجلس، ثم ~~كلمته في القاسم بن عيسى، وسألته فيه، وخضعت له، فجعل لا يزداد إلا غلظة. # فلما رأيت ذلك منه، قلت: هذا عبد، وقد أغرقت في الرقة معه فلم تنفع، وليس ~~إلا أخذه بالرهبة. # فقمت، وقلت: كم تراك قدرت في نفسك تقتل أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد ~~واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد؟ قد حملت إليك هذه الرسالة عن # PageV02P069 # أمير المؤمنين، فما تقول؟ فقل، وذل، حتى لصق بالأرض، وبان لي الاضطراب ~~فيه. # فلما رأيت ذلك، نهضت إلى أبي دلف، فأخذت بيده، وقلت: قد أخذته بأمر أمير ~~المؤمنين. # فقال: لا تفعل، يا أبا عبد الله. # فقلت: قد فعلت، وأخرجت القاسم، وحملته على دابة، ووافيت المعتصم. # فلما بصر بي، قال: بك يا أبا عبد الله وريت زنادي، ثم سرد علي خبري مع ~~الإفشين، حديثا ما أخطأ فيه حرفا. # ثم سألني: هل هو كما قال؟ فأخبرته أنه لم يخطئ حرفا واحدا. # وأخبرني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، المعروف بالحاتمي، قال: حدثني ~~أبي، قال: حدثني جدك المظفر بن الحسن، قال: حدثني أبو العباس ابن الفرات، ~~قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن ثوابة، قال: كان الإفشين نقم على أبي دلف ~~العجلي، وهو مضموم إليه في حرب بابك، أشياء، فلما ظفر ببابك، ms152 وقدم سر من ~~رأى، شكاه إلى المعتصم، وسأله ليأمره به، ففعل، ثم سأله أن يطلق يده عليه، ~~فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دؤاد متعصبا لأبي دلف، يقول للمعتصم: إن ~~الإفشين ظالم له، وإنما نقم عليه نصيحته في محاربة بابك، وجده فيها، ودفعه ~~ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيام، وإنفاق الأموال وانبساط اليد ~~في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك. # فألح الإفشين على المعتصم بالله في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر ~~جليل عند المعتصم، يدخل عليه بغير إذن. # PageV02P070 # قال أبو إسحاق: وأنبأنا أبو عبد الله بن أبي دؤاد، قال: دخلت على المعتصم ~~يوما، فقال: يا أبا عبد الله، لم يدعني اليوم أبو الحسن الإفشين حتى أطلقت ~~يده على القاسم بن عيسى. # فقمت من بين يديه، وما أبصر شيئا خوفا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، ~~وخرجت فركبت دابتي، وسرت أشد سير من الجوسق إلى دار الإفشين بقرب المطيرة، ~~أؤمل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث الإفشين عليه حادثة. # فلما وقفت ببابه، كرهت أن أستأذن فيعلم أني قد حضرت بسبب أبي دلف، فيعجل ~~عليه فدخلت على دابتي إلى الموضع الذي كنت أنزل فيه، وأوهمت حاجبه أني قد ~~جئت برسالة المعتصم، ثم نزلت، فرفع الستر، فدخلت، فوجدت الإفشين في موضعه، ~~وأبو دلف مقيد بالحديد بين يديه في نطع، وهو يقرعه ويخاطبه بأشد غضب وأعظم ~~مخاطبة. # فحين قربت منه أمسك فسلمت، وأخذت مجلسي، ثم قلت للإفشين: قد عرفت حرمتي ~~بأمير المؤمنين، وخدمتي إياه، وموضعي عنده، وموقعي من رأيه، وتفرده ~~بالصنيعة عندي والإحسان، وعلمت مع ذلك ميلي إليك، ومحبتي لك، وقد رغبت إليك ~~فيما يرغب فيه مثلي إلى مثلك، ممن رفع الله قدره، وأجل خطره وأعلى همته. # فقال: كل ما قلت كما قلت، وكل ما أردت فهو مبذول لك، خلا هذا الجالس، ~~فإني لا أشفعك فيه. # فقلت: ما جئتك إلا في أمره، ولا ألتمس منك غيره، ولولا شدة غضبك، وما ~~تتوعده به من القتل، لكان في جميل عفوك ما يغني عن ms153 كلامك، ولكني لما عرفت ~~غيظك، وما تنقمه عليه احتجت، مع موقعه مني، إلى كلمة في أمره، واستيهاب ~~عظيم جرمه، إذ كان مثلك في جلالتك إنما يسأل جلائل الأمور. # PageV02P071 # فقال: يا أبا عبد الله، هذا رجل طلب دمي، ولم تقنعه إزالة نعمتي، ولا ~~سبيل إلى تشفيعك فيه، ولكن هذا بيت مالي، وهذه ضياعي، وكل ما أملك بين ~~يديك، فخذ من ذلك كله ما أردت. # فقلت: بارك الله لك في أموالك وثمرها، لم آتك في هذا، وإنما أتيتك في ~~مكرمة يبقى لك فضلها، وحسن أحدوثتها، وتعتقد بها منة في عنقي، ولا أزال ~~مرتهنا في شكرها. # فقال: ما عندي في هذا شيء ألبتة. # فقلت له: القاسم بن عيسى فارس العرب وشريفها، فاستبقه، وأنعم عليه، فإن ~~لم تره لهذا أهلا، فهبه للعرب كلها، وأنت تعلم أن ملوك العجم لم تزل تفضل ~~على ملوك العرب، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النعمان حتى ملكه، وأنت الآن ~~بقية العجم وشريفها، والقاسم شريف العرب، فكن اليوم شريفا من العجم أنعم ~~على شريف من العرب وعفا عنه. # فقال: ما عندي في هذا جواب إلا ما سمعت، وتنكر، وتبينت الشر في وجهه. # فقلت في نفسي: أنصرف، وأدع هذا يقتل أبا دلف؟ لا والله، ولكن أمثل بني ~~يديه قائما، وأكلمه، فلعله أن يستحي، فقمت، وتوهمني أريد الانصراف، فتحفز ~~لي. # فقلت: لست أريد الانصراف، وإنما مثلت بين يديك قائما، صابرا، راغبا، ~~ضارعا، سائلا، مستوهبا هذا الرجل منك. # فكان جوابه أغلظ. # فتحيرت، وقلت في نفسي: أنكب على رأسه، فأقبله، فدخلني من # PageV02P072 # ذلك أنف شديد، وقلت في نفسي: أقبل رأس هذا الأقلف؟ لا يكون هذا أبدا. # ثم راجعتني الشفقة على أبي دلف، فقبلت رأسه، وضرعت إليه، فلم يجبني، ~~فأخذني ما قدم وما حدث. # فجلست، وقلت له: يا أبا الحسن، قد طلبت منك، وضرعت إليك، ووضعت خدي لك، ~~ومثلت بين يديك، وقبلت رأسك، فشفعني واصرفني شاكرا، فهو أجمل بك. # فقال: لا والله، ما عندي غير الذي قلته لك. # فقلت له: أنا رسول أمير ms154 المؤمنين إليك، وهو يقول لك: لا تحدث في القاسم ~~بن عيسى حدثا، فإنك إن قتلته قتلت به. # قال: أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه؟ قلت: نعم، أنا رسوله ~~إليك بما قلته لك، فإن كنت في الطاعة فاسمع وأطع، وإن كنت قد خلعت، فقل: لا ~~طاعة، ونفضت في وجهه يدي، ونهضت. # فاضطرب حتى لم يقدر أن يدعو لي بدابتي. # وركبت، فأغذذت السير إلى المعتصم؛ لأخبره الخبر، وبما اضطررت إليه من ~~تأدية رسالته، لأني علمت أنه لم يقل لي ما قاله، إلا وهو يحب استبقاء أبي ~~دلف. # فانتهيت إلى الجوسق في وقت حار، والحجاب جميعا نيام، والدار خالية، فدخلت ~~حتى انتهيت إلى ستر الدار التي فيها المعتصم، فجلست، وقلت: # PageV02P073 # إن جاء الإفشين دخلت معه وتكلمت، وإن سأل الوصول، أخبرت أمير المؤمنين ~~الخبر كله. # فبينا أنا كذلك، إذ خرج خادم من وراء الستر، فعرفته، ثم دخل، وخرج، فقال: ~~ادخل. # فدخلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، أما لي حرمة؟ أما لي ذمام؟ أما لي حق؟ ~~أما في فضل أمير المؤمنين علي ونعمته عندي، ما تجب رعايته؟ فقال: ما لك يا ~~أبا عبد الله؟ ما قصتك؟ اجلس، فجلست. # ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قلت لي اليوم في القاسم بن عيسى قولا علمت معه ~~أنك أردت استبقاءه وحقن دمه، فمضيت من فوري إلى أبي الحسن الإفشين، ثم قصصت ~~عليه القصة إلى موضع الرسالة التي أديتها عنه إليه، وهو في كل ذلك يتغيظ، ~~ويفتل سباله، حتى إذا أردت أن أعرفه الرسالة التي أديتها عنه، قطع، وقال: ~~يمضي قاضي، وصنيعتي أحمد بن أبي دؤاد إلى خيذر، فيخضع له، ويقف بين يديه، ~~ويقبل رأسه، فلا يشفعه؟ قتلني الله إن لم أقتله، يكررها. # فما استوفى كلامه، حتى رفع الستر ودخل الإفشين، فلقيه بأكبر البر ~~والإكرام، وأجلسه بقربه، وقال: في هذا الوقت الحار يا أبا الحسن؟ فقال: يا ~~أمير المؤمنين، رجل قد عرفت ما نالني منه، وأنه طلب دمي، وقد أطلقت يدي ~~عليه، يجيئني هذا، ويقول لي: إنك بعثت ms155 إلي تأمرني أن لا أحدث فيه حدثا، ~~وأني إن قتلته قتلت به؟ قال: فغضب، وقال: أنا أرسلته إليك، فلا تحدث على ~~القاسم بن عيسى حدثا. # فنهض الإفشين مغضبا يدمدم، واتبعته لأتلافاه، فصاح بي المعتصم: # PageV02P074 # ارجع يا أبا عبد الله، فرجعت، وقلت: يا أمير المؤمنين، إنه كان بقي شيء ~~مما جرى مني قطعتني بكلامك عن ذكره لك. # قال: تعني الرسالة؟ قلت: نعم. # قال: قد فهمتها، والقاسم يوافيك العشية، فاحذر أن تفوه بشيء مما جرى. # ومضى الإفشين، فأطلق القاسم، وخلع عليه، وحمله، فجاءني القاسم من العشية. # وما أخبرت بالحديث حتى قتل الإفشين، ومات المعتصم. # PageV02P075 ### || الصريفيني الكاتب يعلم العمال حسن الصرف # حدثني أبو الحسين علي بن هشام، قال: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى، وأبا ~~الحسن الإيادي الكاتب، يقولان: إنهما سمعا عبيد الله بن سليمان، يقول: كنت ~~بحضرة أبي، في ديوان الخراج بسر من رأى، وهو يتولاه، إذ ذاك، إذ دخل علينا ~~أحمد بن خالد الصريفيني الكاتب، فقام له أبي قائما في مجلسه، وأقعده في ~~صدره، وتشاغل به، ولم ينظر في عمل حتى نهض، ثم قام معه، وأمر غلمانه ~~بالخروج بين يديه. # فاستعظمت أنا، وكل من في الديوان ذلك؛ لأن رسم أصحاب الدواوين، صغارهم ~~وكبارهم، أن لا يقوموا في الديوان لأحد من خلق الله عز وجل، ممن يدخل ~~إليهم. # PageV02P076 # وتبين ذلك أبي في وجهي، فقال لي: يا بني، إذا خلونا، فسلني عن السبب فيما ~~عملته مع هذا الرجل. # قال: وكان أبي يأكل في الديوان، وينام فيه، ويعمل عشيا. # فلما جلسنا نأكل، لم أذكره، على أن رأيت الطعام قد كاد ينقضي، فقال لي: ~~يا بني شغلك الطعام عن إذكاري بما قلت لك أن تذكرني به؟ فقلت: لا، ولكن ~~أردت أن يكون ذلك على خلوة. # فقال: يا بني، هذا وقت خلوة، ثم قال: أليس قد أنكرت، أنت والحاضرون، ~~قيامي لأحمد بن خالد، في دخوله وخروجه، وما عاملته به؟ فقلت: بلى. # قال: كان هذا يتقلد مصر، فصرفته عنها، وقد كانت طالت مدته فيها، فتتبعته، ~~فوطئت آثار ms156 رجل لم أجد أجمل منه آثارا، ولا أعف عن أموال السلطان والرعية، ~~ولا رأيت رعية لعامل أشكر من رعيته له. # وكان الحسين الخادم المعروف بعرق الموت صاحب البريد بمصر، من أصدق الناس ~~له، وكان مع هذا من أبغض الناس، وأشدهم اضطرابا في أخلاقه، فلم أتعلق عليه ~~بحجة. # ووجدته قد أخر رفع الحساب لسنة متقدمة ولسنته التي هو فيها، ولم يستتمها ~~لصرفي له عنها، ولم ينفذه إلى الديوان، فسمته أن يحط من الدخل، وأن يزيد في ~~النفقات والأرزاق، ويكسر من البقايا، في كل سنة مائة ألف دينار، # PageV02P077 # لآخذها لنفسي، فامتنع من ذلك فأغلظت له، وتوعدته، ونزلت معه إلى مائة ألف ~~واحدة للسنتين، وحلفت بأيمان مؤكدة، أني لا أقنع منه بأقل منها. # فأقام على امتناعه، وقال: أنا لا أخون لنفسي، فكيف أخون لغيري وأزيل ما ~~قام به جاهي من العفاف؟ فقيدته وحبسته، فلم يجب، وأقام مقيدا في الحبس ~~شهورا. # وكتب عرق الموت، صاحب البريد، إلى المتوكل يضرب علي، ويحلف أن أموال مصر ~~لا تفي بنفقتي ومئونتي، ويصف أحمد بن خالد، ويذكر ميل الرعية إليه، وعفته. # فبينا أنا ذات يوم على المائدة آكل، إذ وردت علي رقعة أحمد بن خالد، ~~يسألني استدعاءه لمهم يلقيه إلي، فلم أشك أنه قد غرض بالقيد والحبس، وقد ~~عزم على الاستجابة لمرادي. # فلما غسلت يدي دعوته، فاستخلاني، فأخليته، فقال: أما آن لك يا سيدي أن ~~ترق لي مما أنا فيه، من غير ذنب أذنبته إليك، ولا جرم، ولا قديم ذحل، ولا ~~عداوة. # PageV02P078 # فقلت: أنت اخترت لنفسك هذا، ولو أجبتني إلى ما قد سمعت يميني عليه، ~~لتخلصت، فاستجب لما أريد منك. # فأخذ يستعطفني، فجاءني ضد ما قدرته فيه، وغاظني، فشتمته، وقلت: هذا الأمر ~~المهم الذي ذكرت في رقعتك أنك تريد أن تلقيه إلي هو أن تستعطفني، وتسخر ~~مني، وتخدعني. # فقال: يا سيدي، فليس عندك الآن غير هذا؟ فقلت: لا. # فقال: إذا كان ليس غير هذا، فاقرأ يا سيدي هذا. # وأخرج إلي كتابا لطيفا مختوما في ربع قرطاس ففضضته، فإذا ms157 هو بخط المتوكل ~~الذي أعرفه إلي بالانصراف، وتسليم ما أتولاه إلى أحمد بن خالد، والخروج ~~إليه مما يلزمني، ورفع الحساب إليه، والامتثال لأمره. # فورد علي ذلك أقبح مورد، لقرب عهد الرجل بشتمي له، وأنه في الحال تحت ~~مكارهي وحديدي فأمسكت مبهوتا. # ولم ألبث أن دخل أمير البلد في أصحابه وغلمانه، فوكل بداري، وجميع ما ~~أملكه وبأصحابي وغلماني وجهابذتي، وكتابي، وجعلت أزحف من الصدر حتى صرت بين ~~يدي أحمد بن خالد، وهو في قيوده. # فدعا أمير البلد بحداد، ففك قيوده، فمددت رجلي؛ ليوضع فيهما القيد، فقال ~~لي: يا أبا أيوب، ضم أقدامك، ووثب قائما، وقال لي: يا أبا أيوب: أنت قريب ~~عهد بعمالة هذا البلد، ولا منزل لك فيه، ولا صديق، ومعك حرم وحاشية كبيرة، ~~وليس تسعك إلا هذه الدار، وكانت دار العمالة، # PageV02P079 # وأنا أجد عدة مواضع، وليس لي كبير حاشية، ومن نكبة خرجت، فأقم بمكانك. # وخرج، وصرف التوكيل عني، وعن الدار، وأخذ كتابي وأسبابي إليه، فلما انصرف ~~قلت لغلماني: هذا الذي نراه في النوم، انظروا من وكل بنا؟ فقالوا: ما وكل ~~بنا أحد. # فعجبت من ذلك عجبا شديدا، وما صليت العصر حتى عاد إلي جميع من حمله معه ~~من المتصرفين والكتاب والجهابذة، وقالوا: أخذ خطوطنا برفع الحساب، وأمرنا ~~بالملازمة، وأطلقنا، فازداد عجبي. # فلما كان من الغد، باكرني مسلما، ورحت إليه في عشية ذلك اليوم مسلما ~~عليه. # فأقمت على ذلك ثلاثين يوما، يغدو إلي، وأروح إليه، وربما غدوت أنا، وراح ~~هو وهداياه، وألطافه تأتيني في كل يوم من الفاكهة، والثلج، والحيوان ~~والحلوى. # فلما كان بعد ثلاثين يوما، جاءني، فقال لي: قد عشقت مصر يا أبا أيوب، ~~والله ما هي طيبة الهواء، ولا عذبة الماء، وإنما تطيب بالولاية والاكتساب، ~~ولو دخلت إلى سر من رأى، لما أقمت إلا شهرا حتى تتقلد أجل الأعمال. # فقلت له: والله، ما أقمت إلا توقعا لأمرك في الخروج. # فقال: أعطني خط كاتبك، بأن عليه القيام بالحساب، واخرج في حفظ الله، ~~فأحضرت كاتبي، وأخذ خطه كما أراد، وتسلمه، ms158 وقال: اخرج في أي وقت شئت. # PageV02P080 # فخرجت من غد، فخرج هو وأمير البلد وخاصته، ووجوه أهله، فشيعوني إلى ظاهر ~~البلد، وقال لي: تقيم في أول منزل على خمسة فراسخ، إلى أن أزيح علة قائد ~~يصحبك إلى الرملة، فإن الطريق فاسد. # فاستوحشت من ذلك، وقلت: هذا إنما غرني حتى أخرج كل ما أملكه، فيتمكن منه ~~في ظاهر البلد، فيقبضه، ثم يردني إلى الحبس والتوكيل والمطالبة، ويحتج علي ~~بكتاب يذكر أنه ورد عليه ثانيا. # فخرجت، وأقمت بالمرحلة التي أمر بها، مستسلما، متوقعا للشر، إلى أن رأيت ~~أوائل عسكر مقبل من مصر. # فقلت: لعله القائد الذي يريد أن يصحبني، أو لعله الذي يريد أن يقبض علي ~~به، فأمرت غلماني بمعرفة الخبر. # فقالوا: قد جاء أحمد بن خالد العامل بنفسه. # فلم أشك إلا أن البلاء قد ورد بوروده، فخرجت من مضربي، فلقيته وسلمت ~~عليه، فلما جلس، قال: أخلونا، فلم أشك أنه للقبض علي، فطار عقلي، فقام من ~~كان عندي، ولم يبق غيري وغيره. # فقال: أعلم أن أيامك لم تطل بمصر، ولا حظيت بكبير فائدة، وذلك الباب الذي ~~سألتنيه في ولايتك فلم أستجب إليه، إنما أخرت الإذن لك في الانصراف من أول ~~الأمر إلى الآن؛ لأني تشاغلت بالفراغ لك منه، وقد حططت من الارتفاع، وزدت ~~في النفقات، في كل سنة خمسة عشر ألف دينار، تكون للسنتين ثلاثين ألف دينار، ~~وهو يقرب ولا يظهر، # PageV02P081 # ويكون أيسر مما أردته مني ذلك الوقت، وقد تشاغلت به حتى جمعته لك، وهذا ~~المال على البغال قد جئتك به، فتقدم إلى من يتسلمه. # فتقدمت بقبضه، وقبلت يده، وقلت: والله، قد فعلت يا سيدي ما لم تفعله ~~البرامكة، فأنكر ذلك، وتقبض منه، وقبل يدي. # وقال: ههنا شيء آخر أريد أن تقبله. # فقلت: وما هو؟ قال: خمسة آلاف دينار قد استحققتها من أرزاقي، فامتنعت من ~~ذلك، وقلت: فيما تفضلت به كفاية. # فحلف بالطلاق، أني أقبلها منه، فقبلتها. # ثم قال: وههنا ألطاف من هدايا مصر، أحببت أن أصحبك إياها، فإنك تمضي إلى ~~كتاب الدواوين ms159 ورؤساء الحضرة، فيقولون لك: وليت مصر، فأين نصيبنا من ~~هداياها؟ ولم تطل أيامك، فتعد لهم ذلك، وقد جمعت لك منه ما يشتمل عليه هذا ~~الثبت. # وأخرج إلي درجا فيه ثبت جامع لكل شيء في الدنيا حسن طريف، جليل القدر، من ~~ثياب دبيقي، وقصب، وخدم، وبغال، ودواب، وحمير، وفرش، وطيب، وجوهر، حتى ~~أقلام ومداد، ما يكون قيمته مالا كثيرا. # فأمرت بتسلمه، وزدت في شكره. # فقال لي: يا سيدي، أنا مغرى بحب الفرش، وقد استعمل # PageV02P082 # لي فرش بيت أرمني، وهو عشر مصليات بمخادها، ومساندها، ومساورها، ~~ومطارحها، وبسطها، وهو مذهب بطرز مذهبة، قد قام علي بخمسة آلاف دينار، على ~~شدة احتياطي، وقد أهديته لك، فإن أهديته للوزير عبدك، وإن أهديته للخليفة ~~ملكته به، وإن أبقيته لنفسك وتجملت به، كان أحب إلي، قال: وحمله، فما رأيت ~~مثله قط، ولا سمحت نفسي بإهدائه إلى أحد، # PageV02P083 # ولا استعماله، وما ابتذلت منه شيئا غير هذا الصدر ومسنده ومساوره، يوم ~~إعذارك، أفتلومني على أن أقوم لهذا الرجل، يا بني؟ فقلت: لا والله يا أبت، ~~ولا على ما هو أكثر من القيام، لو كان مستطاعا، فكان أبي بعد ذلك، إذا صرف ~~رجلا، عامله بكل جميل، ويقول: علمنا أحمد بن خالد حسن الصرف، أحسن الله ~~جزاءه. # PageV02P084 ### || الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره # حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن علي بن موسى الكاتب، الذي كان زوج ابنه ~~أبي محمد المهلبي، وخليفته على الوزارة، وكان جده محدثا، قال: حدثني شيوخ ~~الكتاب: أن القاسم بن عبيد الله الوزير، لما انفرد بالوزارة بعد موت أبيه، ~~كان يحب الشرب، واللعب، ويخاف أن يتصل ذلك بالمعتضد، فيستنقصه، وينسبه إلى ~~الصبيانية والتهوك في اللذات، والتشاغل عن الأعمال، وكان لا يشرب إلا في ~~الأحايين، على أخفى وأستر ما يمكنه. # وأنه خلا يوما مع جواريه، ولبس من ثيابهن المصبغات، وأحضر فواكه كثيرة، ~~وشرب، ولعب، من نصف النهار إلى نصف الليل، ونام بقية ليلته، وبكر إلى ~~المعتضد على رسمه للخدمة، فما أنكر شيئا. # وبكر في اليوم الثاني، فحين وقعت عين ms160 المعتضد عليه، قال له: يا قاسم، ما ~~كان عليك لو دعوتنا إلى خلوتك، وألبستنا معك من ثيابك المصبغات. # قال: فقبل الأرض، وورى عن الصدق، وأظهر الشكر على هذا البسط، وخرج وقد ~~كاد أن يتلف غما لوقوف المعتضد على هذا السر، وكيف رقى إليه، وأنه إذا لم ~~يخف عليه هذا القدر من أمره، فكيف تخفى عليه مرافقه، فجاء إلى داره كئيبا. # PageV02P085 # وكان له داره صاحب خبر جلد يرفع إليه الأمور، فأحضره، وعرفه ما جرى بينه ~~وبين المعتضد، وقال له: ابحث لي عمن أخرج هذا الخبر، فإن فعلت، زدت في رزقك ~~وأجزتك بكذا وكذا، وإن لم تخرجه نفيتك إلى عمان، وحلف له على الأمرين. # فخرج صاحب الخبر من حضرته متحيرا كئيبا، لا يدري ما يعمل في يومه ذلك، ~~مفكرا كيف يجتهد ويحتال، فما وقع له رأي يعمل عليه. # قال صاحب الخبر: فلما كان من الغد، بكرت إلى دار القاسم، زيادة بكور على ~~ما جرى به رسمي، لفرط قلقي وسهري تلك الليلة، ومحبتي للبحث. # فجئت ولم يفتح باب دار القاسم بعد، فجلست، فإذا برجل زمن يزحف، في ثياب ~~المكدين، ومعه مخلاة، كما تكون مع المكدين. # فلما جاء إلى الباب جلس إلى أن فتح، فسابقني إلى الدخول، فولع به ~~البوابون، وقالوا له: أي شيء خبرك يا فلان؟ وصفعوه، ومازحوه، ومازحهم، ~~وطايبهم، وشتموه وشتمهم، وجلس في الدهليز. # PageV02P086 # فقال: الوزير يركب اليوم؟ قالوا: نعم، الساعة يركب. # قال: وأي وقت نام البارحة؟ قالوا: وقت كذا وكذا. # فلما رأيته يسأل عن هذا، خمنت عليه أنه صاحب خبر، فأصغيت إليه، ولم أره ~~أني حافل بأمره وهو يسأل، إلى أن لم يبق شيئا يجوز أن يعلمه البوابون، عمن ~~وصل إلى الوزير، ومن لم يصل، ومتى خرجوا، إلا سألهم عنه، وحدثوه هم، أحاديث ~~أخر، على سبيل الفضول. # ثم زحف فدخل إلى حيث أصحاب الستور، فأخذ معهم في مثل ذلك، وأخذوا معه في ~~مثله. # ثم زحف، فدخل إلى دار العامة. # فقلت لأصحاب الستور: من هذا؟ فقالوا: رجل زمن فقير أبله طيب، يدخل ms161 الدار ~~يتصدق ويتطايب فيهب له الغلمان والمتصرفون. # فتبعته إلى أن دخل المطبخ، فسأل عما أكل الوزير، ومن كان معه على ~~المائدة، وكل واحد يخبره بشيء، ثم خرج يزحف، حتى دخل حجرة الشراب، فلم يزل ~~يبحث عنه كل شيء، فيحدث به، ثم خرج إلى خزانة الكسوة، فكانت صورته كذلك، ثم ~~جاء إلى مجلس الكتاب في الديوان، فتصدق، وأقبل يسمع ما يجري، ويسأل الصبي ~~بعد الصبي، والحدث بعد الحدث، عن الشيء بعد الشيء، ويستخبر الخبر، في كل ~~موضع من تلك المواضع، ويستقيه، ويخلط الجد بالمزح والتطايب بكلامه، ~~والأخبار تنجر إليه، وتتساقط # PageV02P087 # عليه والقطع والزلات تجيئه، وهو يملأ المخلاة، فلما فرغ من هذا أقبل ~~راجعا يريد الباب. # إلى هنا باتفاق الروايتين، ثم قال أحدهما في حديثه. # فلما بلغ الباب، قبضت عليه، وأدخلت بيتا، وأقفلت عليه، وجلست على بابه، ~~فلما خلا الوزير أعلمته به، فقال: أحضرني الرجل. # وقال الآخر: فلما بلغ الباب تبعته، فخرج حتى جاء إلى موضع من الخلد، فدخل ~~إليه فوقفت أنتظره، فإذا هو بعد ساعة، قد خرج شابا بثياب حسان، ماشيا، بغير ~~قلبة، فتبعته حتى جاء إلى دار بقرب دار الخادم الموكل بحفظ دار ابن طاهر، ~~فدخلها. # فسألت عنها، فقالوا: هذه دار فلان الهاشمي، رجل متجمل. # فرصدت إلى وقت المغرب، فجاء خادم من دار ابن طاهر، فدق الباب، فكلمه من ~~خوخة له، ففتح له، ورمي إليه برقعة لطيفة، فأخذها الخادم وانصرف، فجئت، ~~فطلبت من الوزير غلمانا، فسلم إلي ما طلبت، فبكرت في السحر على الدار التي ~~في الخلد، فإذا بالرجل قد جاء بزيه الذي # PageV02P088 # دخل به داره بقرب دار ابن طاهر، فكبسته في الموضع، فإذا هو قد نزع تلك ~~الثياب، ولبس ثياب المكدين التي رأيتها عليه أولا. # فحملته، وغطيت وجهه، وكتمت أمره، حتى أدخلته دار القاسم، ودخلت إليه، ~~فقصصت عليه الخبر. # اتفقت الآن الروايتان. # فلما فرغ القاسم من شغله، استدعاه، فقال له: اصدقني عن أمرك، أولا ترى ~~ضوء الدنيا، ولا تخرج من هذه الحجرة، والله، أبدا. # قال: وتؤمنني؟ قال: أنت آمن، ms162 فنهض لا قلبة به. # فتحير القاسم، وقال له: خبرك؟ فقال: أنا فلان الهاشمي، وأنا رجل متجمل، ~~وأنا أتخبر عليك للمعتضد، منذ كذا وكذا، وأنزل في درب يعقوب، بقرب دار ابن ~~طاهر، ويجري علي المعتضد في كل شهر خمسين دينارا، فأخرج كل يوم من بيتي، ~~بالزي الذي لا ينكره جيراني، فأدخل دارا في الخلد، بيدي منها بيت بأجرة، ~~فيظن أهلها أني منهم، ولا ينكرون تغيير الزي. # فأخرج من هناك بهذه الثياب، وأتزامن من الموضع وألبس لحية فوق لحيتي، ~~مخالفة للون لحيتي، حتى إذا لقيني في الطريق، بالاتفاق، بعض من يعرفني، ~~أنكرني. # فأمشي زحفا من الخلد إلى دارك، فأعمل جميع ما حكاه صاحب خبرك، وأستقي ~~أخبارك من غلمانك، وهم لا يعرفون غرضي، فيخرجون إلي من الأسرار، ~~بالاسترسال، ما لو بذل لهم فيه الأموال ما خرجوا به. # ثم أخرج فأجيء إلى موضعي من الخلد، فأغير ثيابي، وأعطي ذلك الذي # PageV02P089 # اجتمع لي في المخلاة للمكدين، وألبس ثيابي التي يعرفني بها جيراني، وأعود ~~إلى منزلي، فآكل، وأشرب، وألعب، بقية يومي. # فإذا كان المغرب جاءني خادم من خدم دار ابن طاهر، مندوب لهذا، فأرمي إليه ~~من روزنة لي، رقعة فيها خبر ذلك اليوم، ولا أفتح له بابي. # فإذا كان بعد تسعة وعشرين يوما، جاءني الخادم، فأنزل إليه، فأعطيه رقعة ~~ذلك اليوم، ويعطيني جاري ذلك الشهر. # ولولا أني لم أر صاحب خبرك، ولا فطنت له، لما تم علي هذا، ولو كنت لحظته ~~لحظة واحدة، ما خفي علي أنه صاحب خبر، ولكنت أرجع من الموضع الذي أراه فيه، ~~فلا يعرف خبري، وبعد ذلك، فإنما تم علي هذا؛ لأن أجلي قد حضر، فالله، الله ~~في دمي. # فقال له: اصدقني عما رفعته إلى المعتضد عني، فحدثه بأشياء رفعها، منها ~~خبر الثياب المصبغة. # قال: فحبسه القاسم أياما، وأخفى أمره، وأنفذني إلى منزله، وقال: راع ~~أمرهم، وانظر ما يجري. # فمضيت إلى داره التي وصفها بدرب يعقوب، فجلست إلى المغرب، فجاء الخادم، ~~فصاح به. # فقالت له الجارية: ما رجع اليوم، وهذه لم تكن ms163 عادته قط، وقد، والله، ~~أشفقنا أن يكون قد حدث عليه حادث لا نعرفه، وقامت قيامتنا فانصرف الخادم، ~~وانصرفت. # وعدت أيضا المغرب من الغد، وجاء الخادم، فقالوا له: قد، والله، أيسنا ~~منه، ولا نشك في أنه قد هلك، والمأتم قد أقيم عليه في منزل أبيه وعمومته. # PageV02P090 # فانصرف الخادم، وجئت إلى القاسم بالخبر. # فلما كان من الغد، ركب القاسم إلى المعتضد، فحين رآه استدناه وساره، وقال ~~له: يا قاسم، بحياتي، أطلق الهاشمي المتزامن، وأحسن إليه، وأنت آمن بعدها ~~أن أنصب عليك صاحب خبر، ووالله لئن حدثت به حادثة، لا عرفت في دمه غيرك. # فقبل الأرض، وتلجلج وانصرف، فعاد إلى منزله، وحمد الله إذ لم يعجل عليه ~~بسوء، وأخبرنا الخبر، وجاء بالهاشمي، فخلع عليه، ووصله بمال له قدر، وصرفه. # وانقطعت أخباره عن المعتضد. # PageV02P091 ### || الوزير عبيد الله بن سليمان # حدثني أبو القاسم علي بن شهران، المتكلم، القاص، من أهالي عسكر مكرم، ~~بها، قال: أخبرني أبو الحسين الخصيبي، ابن بنت ابن المدبر، ببغداد، قال: ~~قال لي أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح: جلس عبيد الله بن سليمان، ~~يوما، للمظالم، في دار المعتضد، وهو وزير، فتقدم إليه عمر بن محمد بن عبد ~~الملك الزيات، يتظلم من أحمد بن إسرائيل بسبب الضيعة المعروفة بتاصيت، فنظر ~~في أمره، وقال له: أنت عمر بن محمد؟ قال: نعم، قال: وأين كنت؟ فقص عليه ~~أمره وخبره، فقال له: أنت ابن سكران؟ فقال: نعم، قال: فلما كان عشية يومنا ~~ذلك، خلا، وكنت أنا وابناه بين يديه، فتحدث، وقال: سبحان الله، ما أعجب ما ~~كنت فيه اليوم، فلم نسأله عن ذلك إجلالا له. # PageV02P092 # فقال: قال لي أبو أيوب رحمه الله: إنه كان في أيام الواثق، في تلك ~~الملازمة والبلاء والضرب ولبس الصوف والقيد، وإنه حمل إلى محمد بن عبد ~~الملك الزيات ليناظره ويرده إلى محبسه. # فوضع بين يديه على تلك الحال، فجعل يناظره، والحسن بن وهب، كاتبه حينئذ، ~~فربما تكلم بالكلمة يرققه بها عليه، وربما أمسك، ومحمد دائب في الغلظة على ms164 ~~أبي أيوب، والتشفي منه، إذ مر بعض الخدم بصبي يحمله، مزين، مخضوب، وعليه ~~لبوس مثله من أولاد الملوك. # فقال محمد للخادم: هاته، فقربه إليه، فقبله، وترشفه، وضمه إليه، وجعل ~~يلاعبه، فحانت منه التفاتة إلى أبي أيوب، فإذا دمعته قد سبقته، وهو يمسحها ~~بالجبة الصوف التي كانت عليه. # فقال له محمد: ما الذي أبكاك؟ فقال: خير، أصلحك الله. # فقال: والله، لا تبرح، أو تخبرني بالأمر على حقيقته. # فلما رأى ذلك أبو علي الحسن بن وهب، قال له: أنا أصدقك، إنه لما رأى عمر، ~~متعك الله به، وجعلنا جميعا فداه، ذكر ابنا له في مثل سنه. # قال: وما سمه؟ قال: عبيد الله. # قال: وكانا ولدا في شهر واحد. # فالتفت إليه كالهازئ، فقال له: أتراه يقدر أن يكون ابنه هذا وزيرا. # PageV02P093 # قال الحسن: فلما أمر بحمله إلى محبسه التفت إلي، وقال: لولا أن هذا الأمر ~~من أمور السلطان الذي لا سبيل إلى التقصير في مثله، لما سؤتك فيه، ولو ~~أعانني على نفسه لخلصته. # فقال له الحسن: والله، ما رأيته منذ حبس، فإن رأيت أن تأمر بالعدول به ~~إلى بعض المجالس، والإذن في القيام إليه، والخلوة به، لأشير عليه بامتثال ~~أمرك. # فقال: افعل. # فقمت إلى أبي أيوب، وتعانقنا، وبكينا طويلا. # فقال لي: قبل كل شيء، رأيت أعجب من بغيه علي، وقوله بالتطانز والهزء: ~~أتراه يقدر أن ابنه هذا يكون وزيرا، فكيف يأمن أن يكون هذا؟ والله إني ~~لأرجو أن يبلغ الله ابني الوزارة، ويتقدم إليه عمر متظلما. # فلما كان اليوم، تقدم إلي عمر متظلما، وما كنت رأيته قبل ذلك، ولا عرفت ~~له خبرا. # ووقع إلي هذا الخبر، من وجه آخر، فحدثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الفتح ~~المعروف بالمطوق، مناولة، من كتابه كتاب (مناقب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، ~~قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن عمر بن حفص الكاتب، عن ~~أبيه، أبي القاسم عبد الله، أو عن أبي ms165 القاسم ميمون بن إبراهيم بن يزيد، ~~الشك من المطوق، قال: كنا في مجلس أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وهو ~~وزير، في يوم من # PageV02P094 # أيام جلوسه للمظالم، فوقعت بيده قصة، فقرأها، وتوقف ساعة كالمفكر، ثم ~~قال: عمر بن محمد بن عبد الملك، فأدخل إليه. # فقال: أنت عمر؟ قال: نعم، أعز الله الوزير، أنا عمر بن محمد بن عبد ~~الملك. # فتوقف أيضا ساعة، ثم قام إلى خلوته، ولم يطل، وعاد إلى موضعه، فوقع له ~~بجار، ونزل، وصلة، ولم يزل مفكرا، إلى أن تقوض الناس، وخلا المجلس ممن ~~يحتشم. # فقال لنا: وقفتم على خبر هذا الرجل؟ قلنا: وقفنا على ما كان من أمر ~~الوزير ببره، ولم نقف على السبب. # فقال: أخبركم بحديثه، حدثني أبو أيوب رحمه الله، قال: كنت في يد محمد بن ~~عبد الملك الزيات، يطالبني، وأنا منكوب، وكان يحضرني في كل يوم، بغير سبب، ~~ولا مطالبة، إلا ليكيدني، وأنا في قيودي، وعلي جبة صوف، وكان أخي الحسن ~~يكتب بين يديه، ولم يكن يتهيأ له شيء في أمري، إلا أنه كان إذا رآني مقبلا ~~استقبلني، فإذا رجعت إلى موضعي شيعني، إذ أقبل في يوم من الأيام خادم ~~لمحمد، ومعه ابن له صغير، فوثب كل من في المجلس، إلى الصبي، يقبلونه، ~~ويدعون له سواي، فإني كنت مشغولا بنفسي، فلم أتحرك، وأخذ الصبي، وضمه إليه، ~~وقال لي: يا سليمان، لم لم تفعل بهذا الصبي، ما فعله من في المجلس؟ فقلت: ~~شغلني ما أنا فيه. # فقال: لا، ولكنك لم تطق ذلك عداوة لأبيه وله، وكأني بك، وقد ذكرت عبيد ~~الله، وأملت فيه الآمال، والله لا رأيت شيئا مما تؤمله فيه، # PageV02P095 # وأسرف بعد ذلك في الإسماع، فعلمت أنه قد بغى، ووثقت بجميل عادة الله ~~تعالى، وأنه سيبلغني ما آمله فيك عنادا لبغيه. # قال: ولم تمض إلا مدة يسيرة، حتى سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك، ~~وقلدني مناظرته، وإحصاء متاعه، فوافيت داره، فرأيت ذلك الخادم بعينه، ومع ~~ذلك الصبي يبكي. # فقلت: ما خبر هذا الصبي ms166 يبكي؟ فقيل: قد منع من كل ماله، وأدخل في ~~الإحصاء. # فقلت: لا بأس عليه، وسلمت إليه جميع ما كان باسمه. # فينبغي، يا بني، إن تهيأت لك حال، ورأيت الصبي عمر بن محمد بن عبد الملك، ~~أن تحسن إليه، وأن تقابل نعمة الله فيه وفيك، بما يجب لها. # فلما رأيته هذا الوقت، ذكرت ما قاله أبي، فامتثلت ما أشار به، وأنا أتقدم ~~بعد الذي فعلت به، إلى أبي الحسين بتصريفه. # وكانت لعمر حركة قويت بها حاله عند أبي الحسين، إلى أن استخلفه في دار ~~أبي النجم بدر، وبين يديه. # حدثني أبو الحسين علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، قال: حدثني أبو علي بن ~~مقلة، قال: حدثني محمد بن سعيد الديناري. # قال أبو الحسين: وحدثني أبو عبد الله زنجي، قال: حدثني أبو العباس ابن ~~الفرات، قال: وحدثني أبو عبد الله الباقطائي، قالوا كلهم: كنا بحضرة عبيد ~~الله بن سليمان، أول وزارته للمعتضد، وقد حضر رجل رث الهيئة، بثياب غلاظ، ~~فعرض عليه رقعة، وكان جالسا للمظالم، فقرأها # PageV02P096 # قراءة متأمل لها، مفكرا متعجبا، ثم قال: نعم وكرامة، ثلاث مرات، أفعل ما ~~قال أبي، لا ما قال أبوك، وكرر هذا القول ثلاث مرات. # ثم قال له: عد إلى وقت العصر؛ لأنظر في أمرك. # وقال لبدر العدامي حاجبه: إذا حضر فأوصله إلي. # ثم قال: إذا خلونا فذكروني خبر هذا؛ لأحدثكم بحديث عجيب، وأتم المجلس. # ثم قام، واستراح، ودعانا للطعام، فلما حضرنا، وأكلنا أكثر الأكل، قال: ما ~~أراكم أذكرتموني حديث صاحب الرقعة؟ فقلنا: أنسينا. # قال: حدثني أبي، قال: كنت في محبس محمد بن عبد الملك، في أيام الواثق، ~~لما صادرني عن كتابة إيتاخ، على أربع مائة ألف دينار، وقد أديت منها مائتي ~~ألف ونيفا وأربعين ألفا، فأحضرني يوما، وطالبني بالباقي، وجد بي، وأرهقني، ~~ولم يرض مني إلى أن أجبت إلى أن أؤدي خمسين ألف دينار، قاطعة للمصادرة، على ~~أن يطلق ضياعي. # قال: ونحن في ذلك، ولم يأخذ خطي بعد، إذ خرج إليه خادم من دار الحرم ms167 ~~برقعة، فقرأها، ونهض، وكان بحضرته أخي أبو علي الحسن بن وهب، وهو غالب على ~~أمره، إلا أنه يخافه أن يكلمه في أمري. # فلما قام الوزير رمى إلي أخي برقعة لطيفة، فوقعت في حجري، فإذا فيها: ~~جاءني الخبر الساعة في دارك، أن قد رزقت ابنا، خلقا سويا، وهو جسم بغير ~~اسم، فما تحب أن يسمى ويكنى؟ # PageV02P097 # فقلت: عبيد الله، أبو القاسم. # فكتب بذلك في الحال إلى منزلي. # قال: وتداخلني سرور بذلك، وقوة نفس، وحدثت نفسي بأنك تعيش، وتبلغ، وأنتفع ~~بك. # قال: وعاد محمد إلى مجلسه، وأعاد خطابي فلم أستجب له، إلى ما كنت أجبت ~~إليه، وأخذت أدافع. # فقال لي: يا أبا أيوب، ما الذي ورد عليك بعدي؟ أرى عينيك ووجهك، بخلاف ما ~~فارقتك عليه منذ ساعة. # فقلت: ما ورد علي شيء. # فقال: والله، لئن لم تصدقني لأفعلن بك، ولأصنعن. # فقلت: ما عندي ما أصدق عنه. # فأقبل على أخي، فقال له: أخبرني ما شأنه؟ فخافه أخي، فصدقه عن الصورة، ~~فسكن. # ثم قال: أتعرف لأي شيء قمت أنا؟ قلت: لا. # قال: كوتبت بأن ولدا ذكرا سويا قد ولد لي، فدخلت، ورأيته، وسميته باسم ~~أبي، وكنيته بأبي مروان. # قال سليمان: فقمت إليه، فهنأته، وقبلت يديه، ورجليه، وقلت: أيها الوزير، ~~هذا يوم مبارك، وقد رزقنا الله جميعا، ولدين، فارحمني، وارع لي حق سالف ~~خدمتي لك، واجعل ابني موسوما بخدمة ابنك، يسلم معه # PageV02P098 # في المكتب، يتعلم معه، وينشوان في دولتك، فيكون كاتبا له، فحملته الكزازة ~~والقسوة التي فيه، على أن قال: يا أبا أيوب، أعلي تجوز، ولي تستفز وتخاتل؟ ~~قد حدثتك نفسك أن ابنك هذا سيبلغ المبالغ، ويؤهل للوزارة، ورجوت في نوائب ~~الزمان، وقلت: أرجو أن يحتاج ابنه إلى ابني، حتى يطلب منه الإحسان والفضل، ~~وأنا أستحلفك بالله، وأحرج عليك، إن بلغ ابنك هذه المنزلة، إلا وصيته، إن ~~جاءه ابني لشيء من هذا، أن لا يحسن إليه. # PageV02P099 # قال: فأعظمت هذا الخطاب، وتنصلت، واعتذرت، ووقع في قلبي، في الحال، أن ~~هذا غاية البغي، وأن الله سبحانه وتعالى ms168 سيحوج ابنه إلى ابني ويتحقق ما ~~قاله، فما مضت مديدة، حتى فرج الله عني. # ثم قال لي: يا بني، إن رفعك الزمان، ووضع ابنه، حتى يحتاج إليك، فأحسن ~~إليه. # قال: وضرب الدهر ضربه، فما عرفت لأبي مروان خبرا، حتى رأيته اليوم، فكان ~~ما شاهدتم، ثم أمر بطلب أبي مروان، فأحضر، فوهب له مالا، وخلع عليه، وحمله، ~~وقلده ديوان البريد والخرائط. # قال أبو الحسن: فما زال يتقلده منذ ذلك الوقت، إلى آخر وزارة ابن الفرات ~~الثالثة، فإنه مات فيها، وقد تقلده ثلاثين سنة أو أكثر. # وكان يكتب إلى عبيد الله، أول ما كاتبه، بعد تقليده الديوان، عبد الوزير ~~وخادمه، عبد الملك بن محمد، فأراد عبيد الله أن يتكرم عليه، فقال له: أنت ~~ابن وزير، وما أحب أن تتعبد لي، فاكتب اسمك فقط على الكتب. # فقال: لا تسمح نفسي بذلك، ولكن أكتب: عبد الملك بن محمد، عبد الوزير ~~وخادمه. # فقال: افعل، فكتب ذلك، فصارت عادة له يكتب بها إلى جميع الوزراء من بعده، ~~إلى أن مات في وزارة ابن الفرات الثالثة، فصار كالمترتب عليهم بما عامله به ~~من ذلك عبيد الله، وغلب عليه أن عرف بأبي مروان الخرائطي، ونسي نسبه إلى ~~ابن الزيات، إلا من كان يعرفه من الكتاب وغيرهم، أخبرني بذلك جماعة من ~~الشيوخ. # PageV02P100 ### || أسد كالح وكبش ناطح وكلب نابح # وجدت في بعض الكتب، بغير أسانيد: أن عبيد الله بن زياد، لما بنى داره ~~البيضاء بالبصرة، بعد قتل الحسين عليه السلام، صور على بابها رءوسا مقطعة، ~~وصور في دهليزها، أسدا، وكبشا، وكلبا، وقال: أسد كالح، وكبش ناطح، وكلب ~~نابح. # فمر بالباب أعرابي، فرأى ذلك، فقال: أما إن صاحبها لا يسكنها إلا ليلة ~~واحدة لا تتم. # فرفع الخبر إلى ابن زياد، فأمر بالأعرابي، فضرب، وحبس. # فما أمسى حتى قدم رسول ابن الزبير، إلى قيس بن السكون، ووجوه أهل البصرة، ~~في أخذ البيعة له، ودعا الناس إلى طاعته، فأجابوه، وراسل بعضهم بعضا في ~~الوثوب عليه من ليلتهم، فأنذره قوم كانت له صنائع عندهم، ms169 فهرب من داره في ~~ليلته تلك، واستجار بالأزد، فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم # PageV02P101 # وبين بني تميم بسببه، حتى أخرجوه، فألحقوه بالشام، وكسر الحبس، فخرج ~~الأعرابي. # ولم يعد ابن زياد إلى داره، وقتل في وقعة الخازر. # PageV02P102 ### || القرمطي يبعث رسولا إلى المعتضد # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: سمعت العباس بن ~~عمرو الغنوي، يقول: لما أسرني أبو سعيد الجنابي القرمطي، وكسر العسكر الذي ~~كان أنفذه المعتضد معي لقتاله، وحصلت في يده أسيرا، أيست من الحياة. # فإني يوما على تلك الصورة، إذ جاءني رسوله، فأخذ قيودي، وغير # PageV02P104 # ثيابي، وأدخلني إليه، فسلمت، وجلست. # فقال لي: أتدري لما استدعيتك؟ قلت: لا قال: أنت رجل عربي، ومن المحال أن ~~أستودعك أمانة فتخفرها، ولا سيما مع مني عليك بنفسك. # فقلت: هو ذاك. # فقال: إني فكرت، فإذا لا طائل في قتلك، وأنا في نفسي رسالة إلى المعتضد، ~~لا يجوز أن يؤديها غيرك، فرأيت إطلاقك، وتحميلك إياها، فإن حلفت لي أنك ~~تؤديها سيرتك إليه، فحلفت له. # فقال: تقول له: يا هذا لم تخرق هيبتك، وتقتل رجالك، وتطمع أعداءك في ~~نفسك، وتتبعها في طلبي، وإنفاذ الجيوش إلي، وإنما أنا رجل مقيم في فلاة، لا ~~زرع فيها ولا ضرع، ولا غلة ولا بلد، وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش، والأمن ~~على المهجة، والعز بأطراف الرماح، وما اغتصبتك بلدا كان في يدك، ولا أزلت ~~سلطانك عن عمل جليل، ومع هذا، فوالله لو أنفذت إلي جيشك كله، ما جاز أن ~~تظفر بي، ولا تنالني؛ لأني رجل نشأت في هذا القشف، واعتدته أنا ورجالي، ولا ~~مشقة علينا فيه، ونحن في أوطاننا مستريحون، وأنت تنفذ جيشك من الجيوش ~~والثلج، والريحان والند، فيجيئون من المسافة البعيدة، والطريق الشاسع، وقد ~~قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنما غرضهم أن يبلوا عذرا في موافقتنا ساعة، ثم ~~يهربون، وإن ثبتوا فإن ما يلحقهم # PageV02P105 # من وعثاء السفر وشدة الجهد أكبر أعواننا عليهم، فما هو إلا أن أحقق عليهم ~~حتى ينهزمون، وإن استراحوا، فأقاموا، وكانوا عددا لا قبل لنا به، ms170 فيهزمونا، ~~لا يقدر جيشك على أكثر من هذا، فأنهزم عنهم مقدار عشرين فرسخا، وأجول في ~~الصحراء شهرا، ثم أكبسهم على غرة، فأقتلهم، وإن لم يستو لي هذا، وكانوا ~~متحرزين، فما يمكنهم الطواف خلفي في البراري والصحاري، ثم لا يحملهم البلد ~~في المقام، ولا الزاد، إن كانوا كثيرين، فإن انصرف الجمهور منهم، وبقي ~~الأقل، فهم قتلى سيوفي، في أول يوم ينصرف الجيش، ويبقى من يتخلف، هذا إن ~~سلموا من وباء هذا البلد، ورداءة مائه وهوائه الذي لا طاقة لهم به، لأنهم ~~نشئوا في ضده، وربوا في غيره، ولا عادة لأجسامهم بالصبر عليه، ففكر في هذا، ~~وانظر، هل يفي تعبك، وتغريرك بجيشك وعسكرك، وإنفاقك الأموال، وتجهيزك ~~الرجال، وتكلفك هذه الأخطار، وتحملك هذه المشاق، بطلبي، وأنا مع هذا خالي ~~الذرع منها، سليم النفس والأصحاب من جميعها، وهيبتك تنخرق في الأطراف عند ~~ملوكها، كلما جرى عليك من هذا شيء، ثم لا تظفر من بلدي بطائل، ولا تصل منه ~~إلى مال ولا حال، فإن اخترت بعد هذا محاربتي، فاستخر الله عز وجل وأنفذ من ~~شئت، وإن أمسكت فذاك إليك. # قال: ثم جهزني، وأنفذني مع عشرة من أصحابه إلى الكوفة، فسرت منها إلى ~~الحضرة. # ودخلت على المعتضد، فتعجب من سلامتي، وقال: ما خبرك؟ فقلت: شيء أذكره سرا ~~لأمير المؤمنين. # PageV02P106 # فتشوف إليه، وخلا بي، فقصصت عليه القصة بأسرها، فرأيته يتمعط في جلده ~~غيظا، حتى ظننت أنه سيسير إليه بنفسه. # وخرجت من بين يديه، فما رأيته ذكره بعد ذلك بحرف. # PageV02P107 ### || كفي بالأجل حارسا # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي الموصلي، قال: ~~حدثني بعض المواصلة، من ثقات أهل الموصل: أن فاطمة بنت أحمد بن علي ~~الهزارمردي الكردي، زوجة ناصر الدولة، أم أبي تغلب ابنه، اتهمت عاملا كان ~~لها، يقال له: ابن أبي قبيصة، من أهل الموصل، بخيانة في مالها، فقبضت عليه، ~~وحبسته في قلعتها. # ثم رأت أن تقتله، فكتبت إلى المتوكل بالقلعة، بقتله، فورد عليه الكتاب، ~~وكان لا يحسن أن يقرأ ولا أن يكتب، ms171 وليس عنده من يقرأ ويكتب إلا ابن أبي ~~قبيصة، فدفع الموكل به الكتاب إليه، وقال له: اقرأه علي. # PageV02P108 # فلما رأى فيه الأمر بقتله قرأ الكتاب بأسره، إلا حديث القتل، ورد الكتاب ~~عليه. # قال ابن أبي قبيصة: ففكرت، وقلت: أنا مقتول، ولا آمن أن يرد كتاب آخر في ~~هذا المعنى، ويتفق حضور من يقرأ ويكتب غيري فينفذ في الأمر، وسبيلي أن ~~أحتال بحيلة، فإن تمت سلمت، وإن لم تتم فليس يلحقني أكثر من القتل الذي أنا ~~حاصل فيه. # قال: فتأملت القلعة، فإذا فيها موضع يمكنني أن أطرح نفسي منه إلى أسفلها، ~~إلا أن بينه وبين الأرض أكثر من ثلاثة آلاف ذراع، وفيه صخر لا يجوز أن يسلم ~~معه من يقع عليه. # قال: فلم أجسر، ثم ولد لي الفكر أن تأملت الثلج قد سقط عدة ليال، وقد غطى ~~تلك الصخور، وصار فوقها منه أمر عظيم، يجوز إن سقطت عليه وكان في أجلي ~~تأخير، أن تنكسر يدي أو رجلي وأسلم، قال: وكنت مقيدا، فقمت لما نام الناس، ~~وطرحت نفسي من الموضع، قائما على رجلي، فحين حصلت في الهواء ندمت وأقبلت ~~أستغفر الله، وأتشهد، وأغمضت عيني حتى لا أرى كيف أموت، وجمعت رجلي بعض ~~الجمع؛ لأني كنت سمعت قديما أن من اتفق له أن يسقط قائما من مكان عال، إذا ~~جمع رجليه، ثم أرسلهما إذا بقي بينه وبين الأرض ذراع أو أكثر قليلا فإنه ~~يسلم، وتنكسر حدة السقطة، ويصير كأنه بمنزلة من سقط من ذراعين. # قال: ففعلت ذلك، فلما سقطت إلى الأرض، ذهب عني أمري، وزال عقلي، ثم ثاب ~~إلي عقلي، فلم أجد ما كان ينبغي أن يلحقني من ألم السقطة من ذلك المكان، ~~فأقبلت أجس أعضائي شيئا شيئا، فأجدها سالمة، وقمت وقعدت، وحركت يدي ورجلي، ~~فوجدت ذلك سليما كله، فحمدت الله تعالى على هذه الحال. # PageV02P109 # وأخذت صخرة، وكان الحديد الذي في رجلي قد صار كالزجاج لشدة البرد، قال: ~~فضربته ضربا شديدا، فانكسر، وطن الجبل حتى ظننت أن سيسمعه من في القلعة ~~لعظمه، فيتنبهون ms172 على صوته، فسلم الله عز وجل من هذا أيضا، وقطعت تكي، فشددت ~~ببعضها القيد على ساقي، وقمت أمشي في الثلج. # فمشيت طويلا، ثم خفت أن يرى أثري من غد في الثلج على المحجة فيطلبوني، ~~ويتبعوني، فلا أفوتهم، فعدلت عن المحجة، إلى نهر، يقال له: الحابور، فلما ~~صرت على شاطئه، نزلت في الماء إلى ركبتي، وأقبلت أمشي كذلك فرسخا، حتى ~~انقطع أثري، وخفي مكان رجلي، ثم خرجت لما كادت أطرافي تسقط من البرد، فمشيت ~~على شاطئه، ثم عدت أمشي فيه، وربما حصلت في موضع لا أقدر على المشي فيه؛ ~~لأنه يكون جرفا، فأسبح. # فأمشي على ذلك أربعة فراسخ، حتى حصلت في خيم فيها قوم، فأنكروني، وهموا ~~بي، فإذا هم أكراد، فقصصت عليهم قصتي واستجرت بهم، فرحموني، وغطوني، ~~وأوقدوا بين يدي نارا، وأطعموني، وستروني، وانتهى الطلب من غد إليهم، فما ~~أعطوا خبري أحدا. # PageV02P110 # فلما انقطع الطلب سيروني، فدخلت الموصل مستترا. # وكان ناصر الدولة ببغداد، إذ ذاك، فانحدرت إليه، فأخبرته بخبري كله، ~~فعصمني من زوجته، وأحسن إلي، وصرفني. # PageV02P111 ### || يرتجع من مال مصادرته مائة ألف دينار # حدثني أبو علي بن أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص ~~الجوهري، قال: سمعت أبي يحدث، قال: لما نكبني المقتدر، وأخذ مني تلك ~~الأموال العظيمة، أصبحت يوما في الحبس آيس ما كنت من الفرج. # فأتاني خادم، فقال: البشرى. # فقلت: ما الخبر؟ قال: قم، فقد أطلقت. # فقمت معه فاجتاز بي في بعض الطرق في دار الخلافة، يريد إخراجي إلى دار ~~السيدة، لتكون هي التي تطلقني؛ لأنها هي التي # PageV02P112 # شفعت في، فوقعت عيني في جوازي على أعدال خيش لي أعرفها، وكان مبلغها مائة ~~عدل. # فقلت للخادم: أليس هذا من الخيش الذي حمل من داري؟ قال: بلى. # فتأملته، فإذا هو بشده وعلاماته، وكانت هذه الأعدال قد حملت إلي من مصر، ~~وفي كل عدل منها ألف دينار، من مال كان لي بمصر، كتبت بحمله، فخافوا عليه ~~من الطريق، فجعلوه في أعدال الخيش؛ لأنها مما لا يكاد يحمله اللصوص، لو ms173 ~~وقعوا عليه، فلا يفطنون لما فيه، فوصلت سالمة، ولاستغنائي عن المال، لم ~~أخرجه من الأعدال، وتركته بحاله في بيت من داري، وأقفلت عليه، وتوخيت أيضا ~~بذلك ستر حديثه، فتركته شهورا على حاله لأنقله في وقت آخر كما أريد. # وكبست، فأخذ الجيش في جملة ما أخذ من داري، ولخسته عندهم تهاونوا به، ولم ~~يعرف أحد ما فيه، فطرح في تلك الدار. # فلما رأيته بشده، طمعت في خلاصة، والحيلة في ارتجاعه فسكت، فلما كان بعد ~~أيام من خروجي، راسلت السيدة، ورققتها، وشكوت حالي إليها، وسألتها أن تدفع ~~إلي ذلك الخيش؛ لأنه لا قدر له عندهم، وأنا أنتفع بثمنه. # قال: فاستحمقتني، وقالت: أي شيء قدر الخيش؟ ردوه عليه، فسلم إلي بأسره. # ففتحته، وأخذت منه المائة ألف دينار، ما ضاع لي منها دينار واحد، وأخذت ~~من الخيش ما أحتاج إليه، وبعت باقيه بجملة وافرة. # فقلت في نفسي: قد بقيت لي بقية إقبال جيدة. # PageV02P113 ### || قد ينتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير # حدثني علي بن هشام، قال: سمعت حامد بن العباس، يقول: ربما انتفع الإنسان ~~في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من منفعته بالكبير، فمن ذلك: أن إسماعيل بن ~~بلبل، لما حبسني، جعلني في يد بواب كان يخدمه قديما. # قال: وكان رجلا حرا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على عناية أبي ~~العباس بن الفرات بي، وكان ذلك البواب، لقديم خدمته لإسماعيل، يدخل إلى ~~مجالسه الخاصة، ويقف بين يديه، ولا ينكر عليه ذلك، لسالف خدمته. # فصار إلي في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات بسببك، # PageV02P114 # وقال له: ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجد في مطالبته بباقي ~~مصادرته، وسيدعوك الوزير في غد إلى حضرته ويهددك. # فشغل ذلك قلبي، فقلت له: هل عندك من رأي؟ قال: نعم، تكتب رقعة إلى رجل من ~~معامليك تعرف شحه وضيق نفسه، تلتمس منه لعيالك ألف درهم، يقرضك إياها، ~~وتلتمس منه أن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إليك، فإنه لشحه يردك بعذر، ~~وتحتفظ بالرقعة، فإذا طالبك الوزير أخرجتها ms174 له على غير مواطأة، وقلت له: قد ~~أفضت حالي إلى هذا، فلعل ذلك ينفعك. # قال: ففعلت ما قاله، وجاءني الجواب بالرد كما خمنا، فشددت الرقعة معي ~~فلما كان من الغد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إياها، ~~ورققته، وتكلمت بما أمكن، فاستحيا، وكان ذلك سبب خفة أمري، وزوال محني. # فلما تقلدت في أيام عبيد الله بن سليمان ما تقلدت سألت عن البواب، ~~فاجتذبته إلى خدمتي، وكنت أجري عليه خمسين دينارا في كل شهر، وهو باق إلى ~~الآن. # PageV02P115 ### || أبو العتاهية يحبس لامتناعه عن قول الشعر # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، قال: حدثني عمي الحسن بن ~~محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني محمد ابن أبي ~~العتاهية، قال: حدثني أبي، قال: لما امتنعت من قول الشعر وتركته، أمر ~~المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس. # فلما أدخلته دهشت، وذهل عقلي، ورأيت منظرا هالني. # فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي فيه، أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل ~~حسن السمت نظيف الثوب، تبين عليه سيماء الخير، فقصدته، فجلست إليه من غير ~~أن أسلم عليه، أو أسأله عن شيء من أمره، لما أنا فيه من الجزع والحيرة. # فمكثت كذلك مليا، وأنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد الرجل: # تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر # وصيرني يأسي من الناس واثقا ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري # قال: فاستحسنت البيتين، وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فأقبلت على الرجل، ~~فقلت له: تفضل، أعزك الله، بإعادة هذين البيتين. # PageV02P116 # فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما أسوأ أدبك، وأقل عقلك ومروءتك، ~~دخلت، فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلى ~~للمبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم، حتى إذا سمعت مني بيتين من ~~الشعر الذي لم يجعل الله فيك فضلا، ولا أدبا، ولا جعل لك معاشا غيره، لم ~~تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمته، وفرطت فيه من الحق، حتى ms175 ~~استنشدتني مبتدئا، كأن بيننا أنسا قديما، أو معرفة سالفة، أو صحبة تبسط ~~المنقبض. # فقلت له: تعذرني متفضلا، فإن دون ما أنا فيه ما يدهش. # فقال: وفي أي شيء أنت؟ أنت إنما تركت قول الشعر الذي كان به قوام جاهك ~~عندهم، وسببك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، وأنت لا بد أن تقوله، فتطلق وأنا ~~يدعى بي الساعة، فأطالب بإحضار عيسى بن زيد، وهو ابن رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، فإن دللت عليه، لقيت الله عز وجل بدمه، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، خصمي فيه، وإن لم أفعل، قتلت، فأنا أولى بالدهش والحيرة منك، ~~وأنت ترى احتسابي وصبري. # فقلت: يكفيك الله عز وجل، وأطرقت خجلا منه. # فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما، فأعادهما ~~علي مرارا حتى حفظتهما. # PageV02P117 # ثم دعي به وبي، فلما قمنا، قلت له: من أنت أعزك الله؟ قال: أنا حاضر، ~~صاحب عيسى بن زيد. # فأدخلنا على المهدي، فلما وقفنا بين يديه، قال له: أين عيسى بن زيد؟ قال: ~~ما يدريني أين عيسى بن زيد، طلبته، وأخفته، فهرب منك في البلاد، وأخذتني، ~~فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟ قال له: فأين كان ~~متواريا، ومتى آخر عهدك به، وعند من لقيته؟ قال: ما لقيته منذ توارى، ولا ~~أعرف عنه خبرا. # قال: والله، لتدلني عليه، أو لأضربن عنقك الساعة. # فقال: اصنع ما بدا لك، أنا أدلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتقتله، وألقى الله عز وجل، ورسوله، وهما مطالبان لي بدمه؟ والله لو كان ~~بين جلدي، وثوبي، ما كشفت عنه. # فقال: اضربوا عنقه. # فقدم، فضربت عنقه من ساعته. # ثم دعاني، فقال: أتقول الشعر، أو ألحقك به؟ فقلت: بل أقول الشعر. # قال: أطلقوه. # قال محمد بن القاسم بن مهرويه: والبيتان اللذان سمعهما أبو العتاهية، من ~~حاضر، هما في شعره الآن. # PageV02P118 # قال القاضي أبو علي: وأنشدني بعض أصحابنا بيتا آخر، زيادة: # إذا أنا لم أقنع من الدهر بالذي ... تكرهت منه طال عتبي ms176 على الدهر # ووجد على مسطرة علي بن أحمد رحمه الله تعالى بيت رابع لهذا، وهو: # ووسع صدري للأذى كثرة الأذى ... وقد كنت أحيانا يضيق به صدري # PageV02P119 ### || الفيض بن أبي صالح ومروءته # وجدت في كتاب أعطانيه أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، ابن حاجب ~~النعمان، وهو يومئذ كاتب الوزير المهلبي، على ديوان السواد، وذكر أنه نسخه ~~من كتاب أعطاه إياه أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، وكان فيه ~~إصلاحات بخط أبي الحسين بن مابنداد، قال أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد ~~الأعلى الإسكافي: كان داود، كاتب أم جعفر: قد حبس وكيلا لها، وجب لها عليه ~~في حسابه مائتا ألف درهم، فكتب الرجل إلى عيسى بن فلان، وإلى سهل بن ~~الصباح، وكان صديقين له، يسألهما الركوب إلى داود في أمره، فركبا إليه. # فلقيهما الفيض بن أبي صالح، فسألهما عن خبرهما، فأخبراه، فقال لهما: ~~أتحبان أن أكون معكما. # PageV02P120 # قالا: نعم. # فصاروا إلى داود، فكلموه في إطلاق الرجل، فقال: أكتب إلى أم جعفر، فكتب ~~إليها، يعلمها خبر القوم وحضورهم، ومسألتهم إطلاق الوكيل. # فوقعت في الرقعة أن يعرفهم ما وجب لها عليه من المال، ويعلمهم أنه لا ~~سبيل على إطلاقه دون أداء المال. # قال: فأقرأهم التوقيع، فقال عيسى وسهل بن الصباح: قد قضينا حق الرجل، وقد ~~أبت أم جعفر أن تطلقه إلا بالمال، فقوموا ننصرف. # فقال لهما الفيض بن أبي صالح: كأنا إنما جئنا لنؤكد حبس الرجل. # قالا له: فماذا نصنع؟ قال: نؤدي المال عنه. # قال: ثم أخذ الدواة، فكتب إلى وكيله في حمل المال عن الرجل كتابا دفعه ~~إلى داود كاتب أم جعفر، وقال: قد أزحنا علتك في المال، فادفع إلينا صاحبنا. # قال: لا سبيل إلى ذلك، حتى أعرفها الخبر. # قال: فكتب إليها بالخبر، فوقعت في رقعته: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض ~~بن أبي صالح، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرجل، وقل له: لا يعاود ~~مثل ما كان منه. # قال: ولم يكن الفيض يعرف الرجل، وإنما ساعد عيسى وسهلا على ms177 الكلام في ~~أمره. # PageV02P121 ### || كيف تخلص أعشى همدان من أسر الديلم # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، قال: أخبرني الحسن بن علي، ~~قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، عن محمد بن معاوية الأسدي، عن ابن كناسة. # وحدثني مسعود بن بشر، عن أبي عبيدة، والأصمعي. # ووافق روايتهم الهيثم بن عدي، عن حماد الراوية، قال: كان أعشى همدان، أبو ~~المصبح، ممن أغزاه الحجاج بلد الديلم، ونواحي دستى، فأسر، فلم يزل أسيرا في ~~أيدي الديلم مدة. # ثم إن بنتا للعلج الذي كان أسره، رأته، فهويته، فصارت إليه ليلا، وأمكنته ~~من نفسها، فأصبح، وقد واقعها ثماني مرات. # PageV02P122 # فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، هكذا تفعلون بنسائكم؟ فقال لها: ~~هكذا نفعل كلنا بنسائنا. # فقالت له: بهذا العمل نصرتم، أفرأيت إن خلصتك أن تصطفيني لنفسك؟ فقال ~~لها: نعم، وعاهدها. # فلما كان الليل، حلت قيوده، وأخذت به طريقا تعرفه، حتى خلصته. # فقال شاعر من أسراء المسلمين: # ومن كان يفديه من الأسر ماله ... فهمدان تفديها الغداة أيورها # وقال الأعشى، يذكر ما لحقه من أسر الديلم له: # لمن الظعائن سيرهن تزحف ... عوم السفين إذا تقاعس مجذف # وذكر أبو الفرج الأصبهاني القصيدة، وهي طويلة، اخترت منها ما تعلق بالفرج ~~بعد الشدة، وهو قوله: # أصبحت رهنا للعداة مكبلا ... أمسي وأصبح في الأداهم أرسف # ولقد أراني قبل ذلك ناعما ... جذلان آبى أن أضام وآنف # واستنكرت ساقي الوثاق وساعدي ... وأنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف # وأصابني قوم وكنت أصيبهم ... فالآن أصبر للزمان وأعرف # وإذا تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر لها فلعلها تتكشف # ويروى: فكل مصيبة ستكشف. # PageV02P123 ### || يحتال للخلاص من حبس نجاح بن سلمة # وذكر ابن عبدوس في أخبار الوزراء: أن نجاح بن سلمة، حبس إبراهيم بن ~~المدبر مكايدة لأخيه، وذلك في أيام المتوكل. # فلما طال حبس إبراهيم، ولم يجد حيلة في الخلاص، عمل أبياتا، وأنفذها إلى ~~المسدود الطنبوري، وسأله أن يعمل فيها لحنا، ويغني بها المتوكل، فإذا سأل ~~عن قائلها، عرفه أنها له. # ففعل المسدود ذلك، وسأله المتوكل، فقال: لعبدك إبراهيم بن المدبر، فذكره، ms178 ~~وأمر بإطلاقه. # والأبيات هي: # بأبي من بات عندي ... طارقا من غير وعد # بات يشكو ألم الشوق ... وأشكو فرط وجدي # وتجنى فبكى فانهل ... در فوق ورد # فيد تحت يد طورا ... وخد فوق خد # PageV02P124 ### || يهب أحد أتباعه خمسة آلاف ألف درهم # وذكر أيضا أن إسحاق بن سعد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن عيسى ~~المروروذي صاحب يحيى بن خاقان، عنه، قال: كان المأمون ألزمني خمسة آلاف ألف ~~درهم، فأعلمته أني لا أملك إلا سبع مائة ألف درهم، وحلفت له على ذلك، ~~بأيمان مغلظة، اجتهدت فيها، فلم يقبل مني، وحبسني عند أحمد بن هشام، وكان ~~بيني وبينه شر قد اشتهر وعرف، وكان يتقلد الحرس. # فقال أحمد للموكلين بي: احفظوه واحذروا أن يسم نفسه. # ففطن المأمون لمراده، فقال: لا يأكل يحيى بن خاقان، ولا يشرب إلا ما يؤتى ~~به من منزله. # قال: فأقمت على ذلك مدة، فوجه إلي الحسن بن سهل بألف ألف درهم، ووجه إلي ~~فرج الرخجي بألف ألف درهم، ووجه إلي حميد الطوسي # PageV02P125 # بألف ألف درهم، وأضفت ذلك إلى ما كان عندي، واضطربت حتى جمعت خمسة آلاف ~~ألف درهم. # فلما اجتمعت، كتبت إلى المأمون بحضور المال الذي ألزمني إياه، فأمر ~~بإحضاري، فدخلت إليه، وبين يديه أحمد بن أبي خالد، وعمرو بن مسعدة، وعلي بن ~~هشام. # فلما رآني، قال لي: أولم تخبرني وتحلف لي أنك لا تملك إلا سبع مائة ألف ~~درهم، فمن أين لك هذا المال؟ فصدقته عن أمره، وقصصت القصة عليه. # فأطرق طويلا، ثم قال لي: قد وهبته لك. # فقال له الحضور: أتهب له خمسة آلاف ألف، وليس في بيت المال درهم واحد، ~~وأنت محتاج إلى ما دون ذلك بكثير؟ فلو أخذته منه قرضا، فإذا جاءك مال رددته ~~عليه. # فقال لهم: أنا على المال أقدر من يحيى، وقد وهبته له. # فرددت إلى القوم ما كانوا حملوه، وتخلصت. # PageV02P126 ### || يتنازل لأحد أتباعه عن عشرة آلاف ألف درهم # قال محمد بن عبدوس في كتابه (أخبار الوزراء) : ذكر الفضل بن مروان، أن ~~محمد بن ms179 يزداد سعى إلى المأمون بعمرو بن بهنوى. # فقال له المأمون: يا فضل، خذ عمرا إليك، وقيده، وضيق عليه، ليصدق عما صار ~~إليه من مال الفيء، فقد اختان مالا عظيما، وطالبه به. # فقلت: نعم، وأمرت بإحضار عمرو، فأحضر، فأخليت له حجرة في داري، وأقمت له ~~ما يصلحه، وتشاغلت عنه بأمور السلطان، في يومي وفي الغد. # فلما كان في اليوم الثالث، أرسل إلي عمرو يسألني الدخول عليه، فدخلت، ~~فأخرج إلي رقعة، قد أثبت فيها كل ما يملكه من الدور، والضياع، والعقار، ~~والأموال والفرش، والكسوة والجوهر، والقماش والكراع، وما يجوز # PageV02P127 # بيعه من الرقيق، وكان قيمة ذلك عشرون ألف ألف درهم، وسألني أن أوصل رقعته ~~إلى المأمون، وأعلمه أن عمرا قد جعله من ذلك كله في حل وسعة. # فقلت له: مهلا، فإن أمير المؤمنين أكبر قدرا من أن يسلبك مالك كله، ~~ونعمتك عن آخرها. # فقال عمرو: إنه لكما وصفت في كرمه، ولكن الساعي لا ينام عني ولا عنك، وقد ~~بلغني ما أمرت به في أمري من الغلظة، وما عاملتني بضد ذلك، وقد طبت نفسا ~~بأن أشتري عدل أمير المؤمنين في أمري، ورضاه عني، بجميع مالي. # فلم أزل أنزله، حتى وافقته على عشرة آلاف ألف درهم، وقلت له: هذا شطر ~~مالك، وهو صالح للفريقين، وأخذت خطه بالتزام ذلك صلحا عن جميع ما جرى على ~~يده. # وصرت على المأمون، فوجدت محمد بن يزداد، وقد سبقني إليه، وهو يكلمه، فلما ~~رآني قطع الكلام وخرج. # فقال لي المأمون: يا فضل. # قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. # قال: ما هذه الجرأة منك علينا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا عبد طاعتك ~~وغرسك. # فقال: أمرتك بالتضييق على النبطي عمرو بن بهنوى، فقابلت أمري بالضد، ~~ووسعت عليه، وأقمت له الإنزال. # فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن عمرا يطالب بأموال عظيمة، ولم آمن أن أجعل ~~محبسه في بعض الدواوين فيبذل مالا يرغب في مثله، فيتخلص، فجعلت محبسه في ~~داري، وأشرفت على طعامه وشرابه؛ لأحرس لك نفسه، # PageV02P128 # فإن كثيرا من الناس خانوا السلطان، وتمتعوا بالأموال، ms180 ثم طولبوا بها، ~~فاحتيل عليهم، أن يتلفوا، ويفوز بالأموال غيرهم. # قال الفضل: وإنما أردت بذلك تسكين غضب المأمون علي، ولم أعرض الرقعة ~~عليه، ولا أعلمته ما جرى بيني وبين عمرو؛ لأني لم آمن سورته في ذلك الوقت، ~~لاشتداد غضبه. # فقال لي: سلم عمرا إلى محمد بن يزداد، قال: فوجهت من ساعتي، من سلم عمرا ~~إلى محمد بن يزداد، فلم يزل يعذبه بأنواع العذاب، ليبذل له شيئا، فلم يفعل. # فلما رأى أصحابه وعماله، ما قد ناله، جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف ~~درهم، وسألوا عمرا أن يبذلها لمحمد بن يزداد، فبذلها، فصار محمد إلى ~~المأمون متبجحا بها، فأوصل الخط بها إلى المأمون، وأنا واقف. # فقال المأمون: يا فضل، ألم أعلمك، أن غيرك أقوم بأمورنا منك، وأطوع لما ~~نأمره به؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أرجو أن أكون في حال استبطاء أمير ~~المؤمنين أعزه الله، أبلغ في طاعته من غيري. # فقال المأمون: هذه رقعة عمرو بن بهنوى بثلاثة آلاف ألف درهم. # فقلت: وما اجترأت عليه قط جرأتي عليه في ذلك اليوم، فإني خرجت إلى إضبارة ~~كانت مع غلامي، فأخذت الرقعة منها مسرعا، وقلت: والله، لأعلمن أمير ~~المؤمنين أني مع رفقي، أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته وأريته رقعة ~~عمرو التي كان كتبها لي، وحدثته بحديثه عن آخره. # PageV02P129 # فلما تبين المأمون الخطين، وعلم أنهما جميعا خط عمرو، قال: ما أدري أيكما ~~أكرم، عمرو حين شكر برك، وطاب نفسا بالخروج عن ملكه بهذا السبب، أم أنت ~~ومحافظتك على أهل النعم، وسترك عليه في ذلك الوقت، والله لا كنتما يا ~~نبطيان، أكرم مني. # ودفع الرقعة التي أخذها محمد بن يزداد من عمرو إلي، وأمرني بتخريقها، ~~وتخريق الأولة، وأنفذ من سلم عمرا من محبسه إلي، وأمرني بإطلاقه. # فخرجت من بين يديه، وفعلت ذلك من وقتي. # PageV02P130 ### || أبو عمر القاضي يشيب في ليلة واحدة # حدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث بن عياش الحرزي البغدادي، ~~وكان خليفة أبي رحمه الله على القضاء بسوق الأهواز، المشهور ms181 الذي كان صاهر ~~أبا عمر القاضي، قال: حدثني القاضي أبو عمر رحمه الله، قال: لما جرى في أمر ~~ابن المعتز ما جرى، حبست وما في لحيتي طاقة بيضاء، # PageV02P131 # وحبس معي أبو المثنى القاضي ومحمد بن داود الجراح في دار واحدة، في ثلاثة ~~أبيات متلاصقة، وكان بيتي في الوسط. # وكنا آيسين من الحياة، فكنت، إذا جننا الليل، حدثت أبا المثنى تارة، ~~ومحمد بن داود تارة، وحدثاني من وراء الأبواب، ويوصي كل منا إلى صاحبه، ~~ونحن نتوقع القتل ساعة بساعة. # فلما كان ذات ليلة، وقد غلقت الأبواب، ونام الموكلون بنا، ونحن نتحدث في ~~بيوتنا، إذ حسسنا بصوت الأقفال تفتح، فارتعنا، ورجع كل واحد منا إلى صدر ~~بيته. # فما شعرنا إلا وقد فتح الباب عن محمد بن داود، فأخرج، وأضجع ليذبح، فقال: ~~يا قوم، ذبحا كما تذبح الشاة، أين المصادرات، أين أنتم عن أموالي أفتدي بها ~~نفسي؟ علي كذا وكذا. # قال: فما التفتوا إلى كلامه، وذبحوه، وأنا أراه من شق الباب، وقد أضاء ~~الصحن، وصار كأنه نهار من كثرة الشموع، واحتزوا رأسه، وأخرجوه معهم، وجروا ~~جثته، فطرحت في بئر الدار، وغلقت الأبواب، وانصرفوا. # PageV02P132 # قال: فأيقنت بالقتل، وأقبلت على الصلاة، والدعاء، والبكاء. # فما مضت إلا ساعات يسيرة، حتى سمعت أصوات الأقفال تفتح، فعاودني الجزع، ~~وإذا هم قد جاءوا إلى بيت أبي المثنى القاضي، ففتحوه، وأخرجوه، وقالوا له: ~~يقول لك أمير المؤمنين، يا عدو الله، يا فاسق، بم استحللت نكث بيعتي، وخلع ~~طاعتي؟ فقال: لأني علمت، أنه لا يصلح للإمامة. # فقالوا له: إن أمير المؤمنين، قد أمرنا باستتابتك من هذا الكفر، فإن تبت ~~رددناك إلى محبسك، وإلا قتلناك. # فقال: أعوذ بالله من الكفر، ما أتيت ما يوجب الكفر. # قال: وأخذ يتهوس معهم بهذا الكلام وشبهه، ولا يرجع عنه. # فلما أيسوا منه، مضى بعضهم وعاد، فظننت أنه يستثبت في الاستئذان، قال: ثم ~~أضجعوه، فذبحوه، وأنا أراه، وحملوا رأسه، وطرحوا جثته في البئر. # قال: فذهب علي أمري، وأقبلت على البكاء، والدعاء، والتضرع إلى الله جل ~~وعز. # فلما ms182 كان وجه السحر، وقد سمعت صوت الدبادب، وإذا صوت # PageV02P133 # الأقفال، فقلت: لم يبق غيري، وأنا مقتول، فاستسلمت، وفتحوا الأبواب عني، ~~وأقاموني إلى الصحن، وقالوا: يقل لك أمير المؤمنين، يا فاعل يا صانع، ما ~~حملك على نكث بيعتي؟ فقلت: الخطأ، وشقوة الجد، وأنا تائب إلى الله عز وجل ~~من هذا الذنب، قال: وأقبلت أتكلم بهذا وشبهه، فمضى بعضهم، وعاد، فقال: أجب، ~~ثم أسر إلي، فقال: لا بأس عليك، فقد تكلم فيك الوزير، يعنون: ابن الفرات، ~~وأنت مسلم إليه، فسكنت قليلا، وجاءوني بخفي، وطيلساني، وعمامتي، فلبست ذلك، ~~وأخرجت، فجيء بي إلى الدار التي كانت برسم ابن الفرات في دار الخليفة، فلما ~~رآني، أقبل يخاطبني بعظم جنايتي وخطئي، وأنا أقر بذلك، وأستقيل، وأتنصل. # PageV02P134 # ثم قال لي: قد وهب لي أمير المؤمنين ذنبك، وابتعت منه جرمك بمائة ألف ~~دينار، ألزمتك إياها. # فقلت: أيها الوزير، ما رأيت بعضها قط مجتمعا. # فغمزني بأن أسكت، وجذبني قوم من وجوه الكتاب، كانت ورائي، فسكتوني، فعلمت ~~أن الوزير ابن الفرات، أراد تخليصي، وحقن دمي. # فقلت: علي كل ما يأمر الوزير أعزه الله. # فقال: احملوه إلى داري. # قال: فأخذت، وحملت إلى داره، فقرر أمري على مائة ألف دينار، على أن أؤدي ~~منها النصف عاجلا، ويصير النصف في حكم الباطل على رسم المصادرات. # فلما صرت في دار ابن الفرات، وسع علي في المطعم، والمشرب والملبس، وأدخلت ~~الحمام، ورفهت، وأكرمت. # فرأيت لما خرجت من الحمام وجهي في المرآة، فإذا طاقات شعر قد ابيضت في ~~مقدم لحيتي، فإذا أنا قد شبت في تلك الليلة الواحدة. # PageV02P135 # قال: وأديت من المال نيفا وثلاثين ألف دينار، ثم نظر لي ابن الفرات ~~بالباقي وصرفني إلى منزلي، وتخلص دمي. # وأقمت في بيتي سنين، وبابي مسدود، لا أرى أحدا، إلا في الشاذ، وتوفرت على ~~دراسة الفقه، والنظر في العلم، إلى أن من الله بالفرج، فكشف ما بي، وأخرجت ~~من بيتي إلى ولاية الأعمال. # PageV02P136 ### || قضى ليلته معلقا في بادهنج # ويشبه هذا الحديث، ويقاربه، وإن لم يكن في الحقيقة من باب ms183 من خرج من حبس، ~~إلا أنه من أخبار الفرج في الجملة، ما حدثني به أبو علي الحسن بن محمد بن ~~علي بن موسى الأنباري الكاتب، صهر أبي محمد المهلبي الوزير، قال: سمعت ~~دلويه، كاتب صافي الحرمي، يتحدث، قال: كان في دار المقتدر بالله، عريف على ~~بعض الفراشين، يخدمني وصافيا إذا أقمنا في دار الخليفة، ففقدته في الدار، ~~وظننته عليلا، فلما كان بعد شهور، رأيته في بعض الطرق، بزي التجار، وقد ~~شاب. # فقلت: فلان؟ قال: نعم، عبدك يا سيدي. # فقلت: ما هذا الشيب في هذه الشهور اليسيرة، وما هذا الزي؟ وأين كنت؟ ~~فلجلج. # فقلت لغلماني: احملوه إلى داري، وقلت: حدثني حديثك. # PageV02P137 # فقال: على أن لي الأمان والكتمان. # فقلت: نعم. # فقال: كان الرسم الذي تعرفه على كل عريف في الدار من الفراشين، أن يدخل ~~يوما من الأيام، هو ومن معه في عرافته، إلى دور الحرم، لرش الخيوش التي ~~فيها. # فبلغت النوبة إلي، في يوم كنت فيه مخمورا، فدخلت، ومعي رجالي، إلى دار ~~فلانة، وذكر حظية جليلة من حظايا المقتدر بالله، لرش الخيش. # فلعظم ما كنت فيه من الخمار، ما رششت قربتي، ولم أخرج بخروج الرجال، وقلت ~~لهم: امضوا، فهاتوا قربكم لإتمام الرش، فإذا رششتموها فأنبهوني، فإني نائم ~~هنا. # ودخلت خلف الخيش، إلى باب بادهنج تخرج منه ريح طيبة، فنمت، # PageV02P138 # وغلب علي النوم، إلى أن جاء الفراشون، وفرغوا من رش الخيش، وخرجوا ولم ~~ينبهوني. # وتمادى بي النوم، فما انتبهت إلا بحركة في الخيش، فقمت، فإذا أنا قد ~~أمسيت، وإذا صوت نساء في الخيش، فعلمت أني مقتول إن أحس بي، وتحيرت فلم أدر ~~ما أعمل، فدخلت البادهنج، وكان ضيقا، فجعلت رجلي على حائطي البادهنج وتسلقت ~~فيه، ووقفت معلقا، أترقب أن يفطن لي، فأقتل. # وإذا بنسوة فراشات يكنسن الخيش، فلما فرغن من ذلك فرشنه، وعبي فيه مجلس ~~الشراب. # ولم يكن بأسرع من أن جاء المقتدر بالله، وعدة جواري، فجلس وجلسن وأخذ ~~الجواري في الغناء، وأنا أسمع ذلك كله، وروحي تكاد تخرج، فإذا أعييت، نزلت ~~فجلست ms184 في أرض البادهنج، فإذا استرحت، وخفت أن يفطن بي، عدت فتسلقت، إلى أن ~~مضت قطعة من الليل، ثم عن للمقتدر أن جذب إليه حظيته التي هي صاحبة تلك ~~الدار، فانصرف باقي الجواري، وخلا الموضع، فواقع المقتدر بالله الجارية، ~~وأنا أسمع حركتهما وكلامهما، ثم ناما في مكانهما، ولا سبيل لي إلى النوم ~~لحظة واحدة، لما أقاسي من الخوف. # ففكرت في أن أخرج وأصعد إلى بعض السطوح، ثم علمت أني إن فعلت ذلك، تعجلت ~~القتل، ولم يجز أن أنجو. # فلم تزل حالي تلك إلى أن انتبه المقتدر بالله في السحر، وخرج من الموضع. # PageV02P139 # فلما كان من غد نصف النهار، جاء عريف آخر من الفراشين، ومعه رجاله، فرشوا ~~الخيش، فخرجت فاختلطت بهم. # فقالوا: أيش تعمل ههنا؟ فأومأت إليهم بالسكوت، وقلت: الله، الله، في دمي، ~~فإن حديثي طويل، فتذمموا أن يفضحوني. # وقال بعضهم: ما بال لحيتك قد شابت؟ فقلت: لا أعلم، وأخذت ماء من قربة ~~بعضهم، فرطبت به قربتي، وخرجت بخروجهم. # فلما صرت في موضع من دار الخليفة، وقعت مغشيا علي، وركبتني حمى عظيمة ~~وذهب عقلي، فحملني الفراشون إلى منزلي، وأنا لا أعقل، فأقمت مبرسما مدة ~~طويلة. # وقد كنت عاهدت الله تعالى، وأنا في البادهنج، إن هو خلصني، أن لا أخدم ~~أحدا أبدا، ولا أشرب النبيذ، وأقلعت عن أشياء تبت منها. # فلما تفضل الله تعالى بالعافية، وفيت بالنذر، وبعت أشياء كانت لي، ~~وضممتها إلى دراهم كانت عندي، ولزمت دكانا لحميي أتعلم فيه التجارة معه، ~~وأتجر، وتركت الدار، فما عدت إليها إلى الآن، ولا أعود أبدا إلى خدمة ~~الناس، ولا أنقض ما تبت منه. # قال: ورأيت لحيته وقد كثر فيها الشيب. # PageV02P140 ### || ابن الفرات يصفح عمن أساء إليه # حدثني أبو الحسين علي بن هشام، قال: كان أبو الحسن بن الفرات، لما ولي ~~الوزارة الأولى، وجد سليمان بن الحسن يتقلد مجلس المقابلة في ديوان الخاصة، ~~من قبل علي بن عيسى، والديوان كله، إذ ذاك، إلى علي بن عيسى، فقلد أبو ~~الحسن بن الفرات، سليمان، الديوان بأسره، فأقام ms185 يتقلده نحو سنتين. # فقام ليلة في دار ابن الفرات يصلي المغرب، فسقطت من كمه رقعة، فرآها بعض ~~من حضر، فأخذها، ولم يفطن لها سليمان، وقرأها فوجدها سعاية، بخطه، بابن ~~الفرات وأسبابه، إلى المقتدر بالله، وسعيا لابن عبد الحميد، كاتب السيدة، ~~في الوزارة فتقرب بها إلى ابن الفرات، فقبض على سليمان في الوقت، وأنفذه في ~~زورق مطبق إلى واسط، فحبسه بها، وصادره، وعذبه، فكان في العذاب دهرا، وأيس ~~منه، فبلغ ابن الفرات، أن أم سليمان بن الحسن قد ماتت ببغداد، وأنها كانت # PageV02P141 # تتمنى رؤيته قبل موتها، فاغتم لذلك، وتذكر المودة بينه وبين أبيه الحسن ~~بن مخلد، فبدأ، وكتب إليه بخطه كتابا، أقرأنيه سليمان بن الحسن بعد سنين ~~كثيرة من تلك الحال، فحفظته، ونسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: ميزت، أكرمك ~~الله، بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وتذكرت من سالف حرمتك، في ~~المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، ~~وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق، أكرمك الله، بذلك، وأسكن ~~إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه، واعلم أني أراعي فيك حقوق أبيك، ~~التي تقوم بتوكيد السبب، مقام اللحمة والنسب، وتسهل ما عظم من جنايتك، ~~وتقلل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها بمشيئة الله ~~تعالى، وقد قلدتك أعمال دستميسان لسنة ثمان وتسعين ومائتين، وبقايا ما ~~قبلها، وكتبت إلى أحمد بن محمد بن حبش، بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد ~~هذه الأعمال، وأثر فيها أثرا جميلا يبين عن كفايتك ويؤدي إلى ما أبغيه من ~~زيادتك، إن شاء الله تعالى. # PageV02P142 # قال أبو الحسين: أحمد بن حبش هذا، كان وكيل ابن الفرات في ضياعه بواسط. # PageV02P143 ### || أراد أن يسير بسيرة الحجاج فقتلوه # وجدت في بعض الكتب: أن عمر بن عبد العزيز ولى محمد بن يزيد، مولى الأنصار ~~إفريقية، فكان حسن السيرة فيها، فلما مات عمر بن عبد العزيز، وولي يزيد بن ~~عبد الملك الأمر، صرفه، وولى يزيد ابن أبي مسلم كاتب ms186 الحجاج بن يوسف. # فلما ورد يزيد إفريقية، حبس محمد بن يزيد، وتسلط عليه، وطالبه بأموال لم ~~تكن عنده. # PageV02P144 # ثم إن يزيد بن أبي مسلم أجمع أن يصنع بأهل إفريقيه، مثل ما صنع الحجاج بن ~~يوسف بأهل العراق، في رده من من الله عليه بالإسلام، إلى بدله ورستاقه، ~~وأخذهم بالخراج، فبلغ ذلك أهل إفريقية، فتراسلوا في قتله، وتساعوا فيه سرا ~~حتى تم لهم أمرهم، فوثبوا عليه، وهو يصلي، فقتلوه، وقد سجد، وجاءوا إلى ~~حبسه، فأخرجوا محمد بن يزيد، فردوه إلى الإمارة، وكتبوا إلى يزيد بن عبد ~~الملك: إنا لم نخلع يدا من طاعة، ولكن يزيد ابن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى ~~به الله عز وجل، ولا المسلمون، من كيت وكيت، فقتلناه، وولينا محمد بن يزيد، ~~ووصفوا جميل سيرته. # فكتب إليهم يزيد: إني لم أرض ما صنع يزيد ابن أبي مسلم، وقد أمرت محمدا ~~عليكم. # وقد مضى هذا الخبر بروايات غير هذه الرواية، وسياقة غير هذه السياقة، ~~فيما تقدم من هذا الكتاب. # PageV02P145 ### || فتنة تثور ببغداد فتفرج عن بريء محبوس # حدثني البهلول بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: حدثني ~~أبو علي، الوكيل على أبواب القضاة ببغداد، ويعرف بالناقد، # PageV02P149 # قال: كنت أقيم خبر المحبسين في المطبق بمدينة السلام، في أيام المقتدر ~~بالله، فرأيت في المطبق رجلا مغلولا، على ظهره لبنة من حديد، فيها ستون ~~رطلا، فسألته عن قصته، فقال: أنا والله مظلوم. # فقلت له: كيف كان أمرك؟ قال: كنت ليلة من الليالي، في دعوة صديق لي بسوق ~~يحيى، فخرجت من عنده مغلسا، وفي الوقت فضل وأنا لا أعلم، فلما صرت في قطعة ~~من الشارع، فإذا مشاعل الطائف، فرهبته، ولم أدر ما أعمل، فرأيت شريجة ~~مشوشة، # PageV02P150 # ففتحتها، ودخلت، ورددتها كما كانت، وقمت في الدكان، ليجوز الطائف وأخرج. # وبلغ الطائف الموضع، فرأى الشريجة مشوشة، فقال: فتشوا هذه الدكان، فدخلت ~~الرجالة بمشعل، رأيت في ضوئه رجلا في أرض الدكان مذبوحا، على صدره سكين، ~~فجزعت. # فرأى الرجالة ذلك الرجل، ورأوني قائما، فلم يشكوا ms187 في أني القاتل. # فأخذني صاحب الشرطة فحبسني، ثم عرضت فضربت ضربا شديدا، وعوقبت أصنافا من ~~العقوبات، وأنا أنكر، وعندهم أني أتجلد، وهم يزيدونني، فاجتمع أهلي، وكانت ~~لهم شعب بأسباب السلطان، فتكلموا في واستشهدوا خلقا كثيرا على سيرتي، فبعد ~~شدائد ألوان، أعفيت من القتل، ونقلت إلى المطبق وثقلت بهذا الحديد، وتركت ~~على هذه الصورة منذ ست عشرة سنة 98 م. # قال: فاستعظمت محنته، وبهت من حديثه، فقال: ما لك، والله ما آيس مع هذا ~~من فضل الله عز وجل، فإن من ساعة إلى ساعة فرجا. # قال: فوالله، ما خرج كلامه من فيه، حتى ارتفعت ضجة عظيمة، وكسر الحبس، ~~ووصلت العامة إلى المطبق ومطاميره وأخرجوا كل من هناك، وخرج الرجل في ~~جملتهم. # وانصرفت وأنا أريد منزلي، وإذا نازوك قد قتل، والفتنة قد ثارت، وفرج الله ~~عن الرجل، وعن جميع أهل الحبوس. # PageV02P151 ### || الصدفة تنجي عامل كوثى من القتل # وبلغني عن رجل من أهل كوثى، قال: كان يتقلد بلدنا رجل عامل من قبل أبي ~~الحسن بن الفرات، في بعض وزاراته، فافتتح الخراج واشتد في المطالبة. # وكان في أطراف البلد قوم من العرب قد زرعوا من الأرض ما لا يتجاسر الأكرة ~~على زراعته، وكان العمال يسامحونهم ببعض ما يجب عليهم من الخراج. # فطالبهم هذا العامل بالخراج على التمام أسوة بالأكرة، وأحضر أحدهم فحقق ~~عليه المطالبة، وهو ممتنع، فأمر بصفعه، فصفع حتى أدى الخراج، وانصرف، فشكا ~~إلى بني عمه، فتوافقوا على كبس العامل ليلا، وقتله، وراسلوا في ذلك غيرهم ~~من العرب، واتعدوا لليلة بعينها. # فلما كان اليوم الذي تليه تلك الليلة، ورد إلى الناحية عامل آخر، صارفا ~~للأول، فقبض عليه، وصفعه، وضربه بالمقارع، وأخذ خطه بمال، وقيده، وأمر بأن ~~يحمل إلى قرية أخرى على فراسخ من البلد، فحبس فيها، ووكل به عشرة من ~~الرجالة، وسيره مرة ماشيا، ومرة على حمار من حمير الشوك، فكاد مما لحقه أن ~~يتلف، وحصل في تلك القرية. # وكان له غلام قد رباه، وهو خصيص به، عارف بجميع أموره، فهرب عند ورود ms188 ~~الصارف، فلما كان من الغد، لم يشعر المصروف المحبوس إلا بغلامه الذي رباه ~~قد دخل عليه، وكان مجيئه إليه أشد عليه من جميع ما لحقه إشفاقا # PageV02P152 # على الغلام، وعلى نفسه مما يعرفه الغلام، أن يكون قد دل عليه. # فقال له: ويحك، وقعت في أيديهم؟ فقال له الغلام: من هم؟ هات رجلك حتى ~~أكسر قيودك، وتقوم فتدخل بغداد. # فقال له: وأين الرجالة الموكلون بي؟ فقال: يا مولاي قد فرج الله عز وجل ~~عنك، وهربت الرجالة. # قال: فما السبب؟ قال: إن الأعراب الذين كنت صفعت منهم واحدا، وطالبتهم ~~بالخراج، كبسوا البارحة دار العمالة، وعندهم أنك أنت العامل، وكانوا قد ~~عملوا على قتلك، ولم يكن عندهم خبر صرفك، ولا خبر ورود هذا العامل، فقتلوه ~~على أنه أنت، وقد هرب أصحابه، وأهل البلد كافة، فقم حتى نمشي إلى بغداد، لا ~~يبلغهم خبر كونك هنا، فيقصدوك، ويقتلوك. # فكسر القيد، وقام هو وغلامه، يمشيان على غير جادة، إلى أن بعدا، ودخلا ~~قرية، واستأجرا منها ما ركبا إلى بغداد. # ولقي المصروف الوزير، وشنع على المقتول، وقال: قد أفسد الناحية، وأثار ~~فتنة مع العرب، فأقره الوزير على الناحية، وضم إليه جيشا. # فعاد إلى كوثى، وتحصن بالجيش، وساس أمره مع العرب، إلى أن صالحهم، وحط ~~لهم من الخراج عما كمان طالبهم به، وأجرى أمرهم على رسومهم، وسكنوا إليه ~~وسكن إليهم، وزال خوفه واستقام له أمر عمله. # PageV02P153 ### || الأمين يغاضب عمه إبراهيم بن المهدي ثم يرضى عنه # أخبرني أبو الفرج الأموي، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني عمي الحسن بن ~~محمد، قال: أنبأنا عبد الله بن أبي سعد، قال: قال: حدثني هبة الله بن ~~إبراهيم بن المهدي، عن أبيه، قال: غضب علي الأمين في بعض هناته، فسلمني إلى ~~كوثر الخادم، فحبسني في سرداب، وأغلقه علي، فمكثت فيه ليلتي. # فلما أصبحت، إذا أنا بشيخ قد خرج علي من زاوية السرداب، فدفع إلي وسطا، ~~فأكلت، ثم أخرج إلي قنينة شراب، فشربت، وقال: غن لي: # PageV02P154 # لي مدة لا بد أبلغها ... فإذا انقضت أيامها مت # لو ساورتني ms189 الأسد ضارية ... لغلبتها ما لم يجي الوقت # فغنيته، وسمعني كوثر، فصار إلى محمد الأمين، فقال له: قد جن عمك، هو جالس ~~يغني بكيت وكيت. # فأمر بإحضاري، فحضرت، وأخبرته بالقصة، فرضي عني، وأمر لي بسبع مائة ألف ~~درهم. # PageV02P155 ### || يتخلصون من المحنة بأيسر الأسباب # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أنبأنا أبو عمر محمد بن عبد ~~الواحد، قال: أخبرني النوري الصوفي، قال: لما كانت المحنة، ورميت أنا ~~وجماعة من الصوفية بالكفر، أخذنا، فأودعنا المطبق أياما، ثم عرضنا على ابن ~~الشاه، وكان الوالي، وأغري بسفك دمائنا، فعمل على ذلك، وأخرجنا للمسائلة، ~~وترديد العذاب، وإمراره علينا قبل القتل، وكنا تعاقدنا أن لا نتكلم حتى ~~يكفينا صاحب الأمر. # فقال للرقام: أنت القائل: إن قولي بسم الله، لجة من نور؟ قال: فسكت، على ~~العقد. # وحضر من ذوي الأقدار والمنزلة من استعطف ابن الشاة علينا، وأشار عليه ~~بالتوقف في أمرنا، والزيادة في استيضاح ما قرفنا به. # فقال ابن الشاة للرقام: أنت صوفي، ولعلك تأولت قولك: بسم الله نورا، ~~وقولك: الحمد لله، بعد فراغك نورا. # فصاح الرقام صيحة عظيمة: لحنت أيها الأمير. # قال النوري: فوالله لقد أضحكني على ما بي. # PageV02P156 # فقال له الأمير: قد صرت تنظر في النحو بعدي، حتى صرت تعرف اللحن من ~~الصواب؟ فقال له: حاشاك أيها الأمير من اللحن الذي هو الخطأ، وإنما عنيت ~~بقولي لحنت، أي: فطنت، بمعنى الصوفية. # فقال ابن الشاه: في الدنيا أحد يرمي مثل هذا وأضرابه بالزندقة؟ وأمر ~~بتخلية سبيلنا. # فتخلصنا مما كنا فيه، ومما نحاذره، وكفينا بأضعف الأسباب وأيسرها. # PageV02P157 ### || عبد الله بن طاهر يطلق الطوسي من حبسه # حبس عبد الله بن طاهر، محمد بن أسلم الطوسي، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه ~~عن مكانه. # فأجابه: كتبت إلي تعزيني، وإنما كان يجب أن تهنيني، أريت العجائب، وعرضت ~~علي المصائب، إني رأيت الله تعالى يتحبب إلى من يؤذيه، فكيف من يؤذى فيه، ~~إني نزلت بيتا سقطت فيه عني فروض وحقوق، منها الجمعة، والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، وعيادة المريض، وقضاء حقوق الإخوان، ms190 وما نزلت بيتا خيرا ~~لي في ديني منه. # فأخبر بذلك ابن طاهر، فقال: نحن في حاجة إلى ابن أسلم، أطلقوه، فأفرج ~~عنه. # PageV02P158 ### || المأمون يغضب على فرج الرخجي ثم يرضى عنه، ويقلده فارس والأهواز # وكان المأمون قد غضب على فرج الرخجي، فكلمه عبد الله بن طاهر، ومسرور ~~الخادم، في إطلاقه. # قال فرج: فبت ليلتي، فأتاني آت في منامي، فقال لي: # لما أتى فرجا من ربه فرج # جئنا إلى فرج نبغي به الفرجا # فلما كان من الغد، لم أشعر إلا واللواء قد عقد لي على ولاية فارس ~~والأهواز، وأطلق لي خمس مائة ألف درهم معونة. # فإذا أبو الينبغي الشاعر على الباب، وقد كتبت هذا البيت في رقعة. # فقلت له: متى قلته؟ قال لي: البارحة، في الوقت الذي رضي عنك فيه. # فأمرت له بعشرة آلاف درهم. # PageV02P159 ### || محبوس يتحدث عن هلاك الحجاج # قال عمارة بن عقبة، من آل سلمى بن المهير، حدثني ملازم بن حرام الحنفي، ~~عن عمه ملازم بن قريب الحنفي، قال: كنت في حبس الحجاج بسبب الحرورية، فحبس ~~معنا رجل، فأقام حينا لا نسمعه يتكلم بكلمة. # حتى كان اليوم الذي مات الحجاج في الليلة التي تليه، أقبل غراب في عشية ~~ذلك اليوم، فوقع على حائط السجن، فنعق. # فقال له الرجل: ومن يقدر على ما تقدر عليه يا غراب؟ ثم نعق الثانية، ~~فقال: مثلك من بشر بخير، يا غراب. # ونعق الثالثة، فقال له: من فيك إلى السماء يا غراب. # فقلنا له: ما سمعناك تكلمت منذ حبست إلى الساعة، فما دعاك إلى ما قلت؟ ~~فقال: إنه نعق الأولى، فقال: وقعت على سترة الحجاج. # PageV02P160 # فقلت: ومن يقدر على ما تقدر عليه؟ ثم قال في الثانية: إن الحجاج وجع. # فقلت: مثلك من بشر بخير. # ثم نعق الثالث، فقال: الليلة يموت الحجاج. # فقلت: من فيك إلى السماء. # ثم قال: إن انبلج الصبح قبل أن أخرج، فليس علي بأس، وإن دعيت قبل الصبح، ~~فستضرب عنقي، ثم تلبثون ثلاثا لا يدخل عليكم أحد، ثم يستدعى بكم في اليوم ~~الرابع ms191 فتطالبون بالكفلاء، فمن وجد له كفيلا، خلي سبيله، ومن لم يوجد له ~~كفيل، فله ويل طويل. # فلما دخل الليل سمعنا الصراخ على الحجاج، وأخذ الرجل قبل الصبح فضربت ~~عنقه، ثم لم يدخل علينا أحد ثلاثة أيام. # فلما كان في اليوم الرابع استدعينا، فطلب منا الكفلاء، حتى صار الأمر ~~إلي، فلم يكن لي كفيل. # فمكثت طويلا حتى خفت أن أرد إلى الحبس، فتقدم رجل فضمنني. # فقلت له: من أنت يا عبد الله، حتى أشكرك. # فقال: اذهب، فلست بمسئول عنك أبدا. # فانطلقت. # PageV02P161 ### || يحسن إلى كاتب بغا الكبير على غير معرفة منه له # وقال علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي: كنت أكتب لبغا الكبير، ~~فصرفني، ونكبني، وأخذ مالي وضياعي، وحبسني بعد ذلك، وتهددني، ونالني منه كل ~~مكروه. # فإني لفي حبسه، إذ سمعت حركة، فسألت عنها، فقيل لي: قد وافى إسحاق بن ~~إبراهيم الطاهري، صاحب الشرطة. # فقلت: إنما حضر لعقوبتي، فطارت نفسي جزعا. # فلم ألبث أن دعيت، فحملت إليه في قيودي، وعلي ثياب في نهاية الوسخ، ~~فأدخلت عليه كالميت لما بي ولعظيم الخوف، فلما وقعت عين إسحاق علي، تبسم، ~~فسكنت نفسي. # فقال لي بغا: إن أخي أبا العباس، يعني: عبد الله بن طاهر، كتب إلي يشفع ~~في أمرك، وقد شفعته، وأزلت عنك المطالبة، ورضيت عنك، ورددت عليك ضياعك، ~~فانصرف إلى منزلك. # فبكيت بكاء شديدا، لعظم ما ورد على قلبي من السرور، ففكت قيودي، وغيرت ~~حالي، وانصرفت. # فبت ليلتي، وبكرت في السحر إلى إسحاق لأشكره، وأسأله عما أوجب # PageV02P162 # ما جرى؛ لأنه شيء ما طمعت فيه، ولا كانت لي وسيلة إلى أبي العباس ولا ~~إسحاق، فلقيته، وشكرته، ودعوت له ولأبي العباس، وسألته عن سبب ذلك. # فقال: ورد علي كتاب الأمير أبي العباس يقول: قد كانت كتب أبي موسى بغا ~~ترد علي بمخاطبات توجب الأنس والخلطة، وتلزم الشكر والمنة، ثم تغيرت فبحثت ~~عن السبب، فعلمت أن ذلك الكاتب صرف، وأنه منكوب، وحق لمن أحسن عشرتنا، ووكد ~~المحبة بيننا وبين إخواننا، حتى بان لنا موقعه، وعرفنا موضعه ms192 لما صرف، أن ~~نرعى حقه، فصر، أبقاك الله، إلى أخي أبي موسى، وسله في أمر كاتبه المصروف، ~~عني، واستصفحه عما في نفسه منه، واستطلقه، وسله رده إلى كتبته، وإن كان ما ~~يطالبه به مما لا ينزل عنه، فأده عنه من مالنا، كائنا ما كان. # فلقيته، ففعل ما رأيت، وأنا أعاود الخطاب في استكتابك، وقد أمر لك الأمير ~~بكذا وكذا، من المال، فخذه. # فأخذته، وشكرته، ودعوت للأميرين، وانصرفت. # فما مضت إلا أيام، حتى ردني إسحاق إلى كتابة بغا بشفاعة أبي العباس، ~~ورجعت حالي ونعمتي. # PageV02P163 ### || كيف تخلص عمر بن هبيرة من السجن # حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا سليمان بن زياد، قال: ~~كان عمر بن هبيرة، واليا على العراق، ولاه يزيد بن عبد الملك، فلما مات ~~يزيد بن عبد الملك، واستخلف هشام، قال عمر بن هبيرة: سيولي هشام العراق، ~~أحد الرجلين، سعيدا الحرشي، # PageV02P164 # أو خالد بن عبد الله القسري، فإن ولى ابن النصرانية، خالدا، فهو البلاء. # فولى هشام خالدا العراق، فدخل واسطا، وقد أذن عمر بالصلاة، وقد تهيأ، ~~واعتم، وبيده المرآة يسوي عمامته، إذ قيل له: هذا خالد قد دخل، فقال عمر: ~~هكذا تقوم الساعة، تأتي بغتة. # فتقدم خالد، وأخذ عمر بن هبيرة، فقيده، وألبسه مدرعة صوف، فقال له: يا ~~خالد، بئس ما سننت على أهل العراق، أما تخاف أن تصرف فتبتلى بمثل هذا؟ فلما ~~طال حبسه، جاء مواليه، واكتروا دارا بجانب الحبس، ثم نقبوا منها سربا إلى ~~الحبس، واكتروا دارا إلى جانب سور المدينة، مدينة واسط، فلما جاءت الليلة ~~التي أرادوا أن يخرجوه فيها من الحبس، وقد أفضى النقب إلى الحبس، فأخرج في ~~السرب، ثم خرج من الدار يمشي، حتى بلغ الدار التي إلى جانب السور، وقد نقب ~~في السور نقب إلى خارج المدينة، وقد هيأت له خيل، فركب وسار، وعلم به بعد ~~ما أصبحوا، وقد كان أظهر علة قبل ذلك ليمسكوا عن تفقده في ms193 كل وقت. # فأتبعه خالد، سعيد الحرشي، فلحقه، وبينه وبين الفرات شيء يسير، فتعصب له ~~وتركه. # PageV02P165 # فقال الفرزدق في ذلك: # ولما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا # دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا # خرجت ولم يمنن عليك سفاهة ... سوى زائد التقريب من آل أعوجا # فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا # قال سليمان بن أبي شيخ: فحدثني ابن أبي خيرة، عن أبي الحبحاب، # PageV02P166 # قال: حدثني خازم، مولى ابن هبيرة، قال: كنت مع عمر بن هبيرة حين هرب من ~~السجن، فسرنا حتى بلغنا دمشق، بعد العتمة، فأتى مسلمة بن عبد الملك، ~~فأجاره، وأنزله معه في بيته، وصلى مسلمة خلف هشام الصبح. # فلما دخل هشام داره استأذن عليه مسلمة، فأذن له، فدخل. # فقال له هشام: يا أبا سعيد، أظن ابن هبيرة قد طرقك الليلة. # قال: أجل يا أمير المؤمنين، وقد أجرته، فهبه لي. # قال: قد وهبته لك. # PageV02P167 ### || كيف تخلص قيسبة بن كلثوم من أسره # أخبرني أبو الفرج القرشي، المعروف بالأصبهاني، قال: ذكر ابن الكلبي عن ~~أبيه، قال: خرج قيسبة بن كلثوم السكوني، وكان ملكا، يريد الحج، وكانت العرب ~~تحج في الجاهلية، فلا يعرض بعضها لبعض. # فمر ببني عامر بن عقيل، فوثبوا عليه، وأسروه، وأخذوا ماله، وكل ما كان ~~معه، وألقوه في القد، فمكث فيه ثلاث سنين، وشاع في اليمن، أن الجن ~~استطارته. # فبينما هو في يوم شديد البرد، في بيت عجوز منهم، آيس من الفرج، # PageV02P168 # إذ قال لها: أتأذنين لي أن آتي الأكمة، فأتشرق عليها؟ فقد أضر بي البرد. # فقالت له: نعم، وكانت عليه جبة حبرة، لم يترك عليه غيرها. # فمشى في قيوده حتى صعد الأكمة، ثم أقبل يضرب ببصره نحو اليمن، وتغشاه ~~عبرة، فبكى، ثم رفع طرفه إلى السماء، فقال: اللهم فاطر السماء فرج لي مما ~~أصبحت فيه. # فبينما هو كذلك، إذ عرض له راكب يسير، فأشار إليه أن أقبل، فأقبل عليه ~~الراكب، فقال له: ما حاجتك؟ ms194 قال: أين تريد؟ قال: أريد اليمن. # قال: ومن أنت؟ قال: أبو الطمحان القيني، فاستعبر قيسبة. # فقال أبو الطمحان: من أنت؟ فإني أرى عليك سيما الخير ولباس الملوك، وأنت ~~بدار ليس فيها ملك. # فقال: أنا قيسبة بن كلثوم السكوني، خرجت عام كذا وكذا حاجا، فوثب علي أهل ~~هذا الحي، وصنعوا بي ما ترى وكشف له عن أغلاله وقيوده، فاستعبر له أبو ~~الطمحان. # فقال له قيسبة: هل لك في مائة ناقة حمراء؟ قال: ما أحوجني إلى ذلك. # PageV02P169 # قال: أنخ، فأناخ. # ثم قال: أمعك سكين؟ قال: نعم. # قال: ارفع لي عن رحلك، فرفع له عن رحله، حتى بدا خشب مؤخر الرحل. # فكتب عليه بالمسند، وليس يكتب به غير أهل اليمن: # بلغن كندة الملوك جميعا ... حيث سارت بالأكرمين الجمال # أن ردوا الخيل بالخميس عجالا ... واصدروا عنه والروايا ثقال # هزئت جارتي وقالت عجيبا ... إذ رأتني في جيدي الأغلال # إن تريني عاري العظام أسيرا ... قد براني تضعضع واختلال # فلقد أقدم الكتيبة بالسيف ... علي السلاح والسربال # وكتب تحت الشعر إلى أخيه، أن يدفع لأبي الطمحان مائة ناقة حمراء، ثم قال ~~له: أقرئ هذا قومي، فإنهم سيعطونك مائة ناقة حمراء. # فخرج تسير به ناقته، حتى أتى حضرموت، فتشاغل بما ورد له، ونسي أمر قيسبة، ~~حتى فرغ من حوائجه. # ثم سمع نسوة من عجائز اليمن، يتذاكرن قيسبة، ويبكين، فذكر أمره، فأتى ~~أخاه الجون بن مالك، وهو أخوه لأبيه وأمه، فقال له: يا هذا، أنا أدلك على ~~قيسبة، وقد جعل لي مائة ناقة حمراء. # فقال: هي لك. # PageV02P170 # فكشف له عن الرحل، فلما قرأه الجون بن مالك، أمر له بمائة ناقة حمراء، ثم ~~أتى قيس بن معدي كرب الكندي، أبا الأشعب بن قيس، فقال له: يا هذا إن أخي في ~~بني عامر بن عقيل أسيرا، فسر معي بقومك لنخلصه. # فقال له قيس: تسير تحت لوائي، حتى أطلب ثأرك وأنجدك، وإلا فامض راشدا. # فقال له الجون: مس السماء أيسر من ذلك، وأهون علي مما جئت به. # فضجت السكون، ثم فاءوا، ورجعوا، وقالوا ms195 له: وما عليك من هذا؟ هو ابن عمك، ~~ويطلب لك بثأرك، فأنعم له بذلك. # وسار قيس، وسار معه الجون تحت لوائه، وكندة والسكون معه، فهو أول يوم ~~اجتمعت فيه السكون وكندة لقيس وبه أدرك الشرف، فسار حتى أوقع ببني عامر بن ~~عقيل، فقتل منهم مقتلة عظيمة، واستنقذ قيسبة، فقال في ذلك سلامة بن صبيح ~~الكندي: # لا تشتمونا إذ جلبنا لكم ... ألفي كميت كلها سلهبه # نحن أبلنا الخيل في أرضكم ... حتى ثأرنا منكم قيسبه # واعترضت من دونها مذحج ... فصادفوا من خيلنا مشغبه # PageV02P171 ### || جاءه الفرج من حيث لم يحتسب # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق الكاتب، ابن يعقوب بن إسحاق بن ~~البهلول التنوخي، قال: كنت، وأنا حدث، أتعلم في ديوان زمام السواد، بين يدي ~~كاتب فيه، يقال له: أبو الحسن علي بن الفتح، ويعرف بالمطوق، عاش إلى بعد ~~سنة عشرين وثلاث مائة، وأخرج إلينا كتابا قد عمله في أخبار الوزراء، منذ ~~وفاة عبيد الله بن خاقان، إلى آخر أيام القاهر بالله، أو بعدها، الشك من ~~أبي الحسن أحمد بن يوسف، وسماه: كتاب (مناقب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، ~~فقرأ علينا بعضه، وأخبرنا بالباقي مناولة. # قال مؤلف هذا الكتاب: وأعطاني أبو الحسن أحمد بن يوسف، هذا الكتاب، ~~مناولة، فوجدت فيه: أن القاسم بن عبيد الله اعتقل أبا العباس أحمد بن محمد ~~بن بسطام في داره أياما، لأشياء كانت في نفسه عليه، # PageV02P172 # وأراد أن يوقع به، فلم يزل ابن بسطام، يداريه، ويلطف به، إلى أن أطلقه، ~~وقلده آمد، وما يتصل بها من الأعمال، وأخرجه إليها، وفي نفسه ما فيها، ثم ~~ندم على ذلك، فوجه إليه في آخر أيام وزارته بقائد يقال له علي بن حبش، ابن ~~أخي قوصرة، ووكله به، فكان يأمر وينهى في عمله، وهو موكل به في داره، خائف ~~على نفسه، لما ظهر من إقدام القاسم على القتل. # قال ابن بسطام: فأنا أخوف ما كنت على حالي ونفسي، وليس عندي خبر، حتى ورد ~~علي كتاب عنوانه، لأبي العباس، أطال الله بقاءه، من العباس ms196 بن الحسن. # PageV02P173 # فلما رأيت العنوان ناقص الدعاء، علمت أن القاسم بن عبيد الله قد مات، وأن ~~العباس بن الحسن قد تقلد الوزارة، فلم أتمالك نفسي فرحا وسرورا بالسلامة في ~~نفسي، وزوال الخوف عني. # وقرأت الكتاب، فإذا هو بصحة الخبر، ويأمرني بالخروج إلى مصر، وتقلد ~~الأمانة على الحسين بن أحمد المادرائي. # قال علي بن الفتح: فخرج ابن بسطام إلى مصر، ولم يزل يتقلد الأمانة على ~~الحسين بن أحمد إلى أن تقلد علي بن محمد بن الفرات الوزارة، فقلده مصر ~~وأعمالها، قال: فلم يزل بها إلى أن مات. # PageV02P174 ### || العلوي الصوفي يحتال للخلاص من سجن المعتصم # حدثنا أبو محمد عبد الرحمن الوراق المعروف بالصيرفي، ابن أبي العباس محمد ~~بن أحمد الأثرم، المقرئ البغدادي، بالبصرة، في المحرم سنة خمس وأربعين ~~وثلاث مائة، بكتاب المبيضة، لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن عمار، في خبر ~~العلوي الصوفي، الخارج بالجوزجان، على المعتصم، وهو محمد بن القاسم بن علي ~~بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان عبد الله ~~بن طاهر حاربه، وأسره، وبعث به إلى المعتصم، وهو ببغداد، قال: حدثنا أبو ~~العباس بن عمار، قال: حدثنا أبو الحسن النوفلي، وهو علي بن محمد بن سليمان ~~بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: # PageV02P175 # حدثت أن المعتصم أمر أن يبنى حبس في بستان موسى، كان القيم به مسرور مولى ~~الرشيد. # قال: وكنت أرى أعلى هذا البناء من دجلة إذا ركبتها، إذ كان كالبئر ~~العظيمة، قد حفرت إلى الماء، أو قريب منه، ثم بني فيها بناء على هيئة ~~المنارة، مجوف من باطنه، وهو من داخله مدرج، قد حفر فيه، في مواضع من ~~التدريج، مستراحات، وبني في كل مستراح شبيها بالبيت، يجلس فيه رجل واحد، ~~كأنه على مقداره، يكون مكبوبا على وجهه، لا يمكنه أن يجلس فيه، ولا يمد ~~رجليه، فلما قدم محمد، حبس في بيت في أسفل ذلك الحبس، فلما استقر فيه أصابه ~~من الجهد لضيقه، وظلمته، ومن البرد أمر عظيم، لنداوة ms197 الموضع ورطوبته، فكاد ~~أن يتلف من ساعته. # فتكلم بكلام دقيق سمعه من كان في أعالي البئر ممن وكل بالموضع، فقال: إن ~~كان أمير المؤمنين يريد قتلي، فالساعة أموت، وإن لم يكن يريد قتلي فقد ~~أشفيت عليه. # فأخبر المعتصم بذلك، فقال: ما أريد قتله، وأمر بإخراجه، فأخرج وقد زال ~~عقله، وأغمي عليه، فطرح في الشمس، وطرحت عليه اللحف، وأمر بحبسه في بيت كان ~~قد بني في البستان، فوقه غرفة، وكان في # PageV02P176 # البيت خلاء إلى الغرفة التي فوقه، وفي الغرفة أيضا خلاء آخر إلى سطحها، ~~فلم يزل محبوسا فيه حتى تهيأ له الخروج في ليلة الفطر سنة تسع عشرة ~~ومائتين. # قال: فحدثني علي بن الحسين بن عمر بن علي بن الحسين، وهو ابن عم أبيه، ~~قال: أصبحت يوم الفطر، وأنا أتهيأ للركوب إلى المصلى، فأنا أشد منطقتي في ~~وسطي، وقد لبست ثيابي أبادر الركوب إلى المصلى، فما راعني إلا محمد بن ~~القاسم، قد دخل إلى منزلي، فملأني رعبا وذعرا. # وقلت له: كيف تخلصت؟ فقال: أنا أدبر أمري في التخلص منذ حبست، ووصف لي ~~الخلاء الذي كان في البيت الذي حبس فيه إلى الغرفة التي فوقه، والخلاء الذي ~~كان في الغرفة إلى سطحها. # قال: وأدخل معي يوم حبست لبد، فكان وطائي وفراشي. # قال: وكنت أرى بغرش، وهي قرية من قرى خراسان، حبالا تعمل من لبود، وتضفر ~~كما يفعل بالسيور، فتجيء أحكم شيء، فسولت لي نفسي أن أعمل من اللبد الذي ~~تحتي حبلا، وكان على باب البيت قوم موكلون بي يحفظونني، لا يدخل علي أحد ~~منهم، إنما يكلموني من خلف الباب ويناولوني من تحته ما أتقوت به. # فقلت لهم: إن أظفاري قد طالت جدا، وقد احتجت إلى مقراض، فجاءني رجل يميل ~~إلى مذهب الزيدية، بمقراض أحد جانبيه منقوش كأنه مبرد. # PageV02P177 # وقلت لهم: إن في هذا البيت فارا قد آذوني، ويقذرونني إذا قربوا مني، ~~فاقطعوا لي جريدة من النخل أطردهم بها. # فقطعوا لي من بعض نخل البستان جريدة، فرموا بها إلي، وكنت لا أزال أضرب ms198 ~~بها في البيت، أريهم أني أطرد الفار، وأسمعهم صوتها أياما، ثم قشرت الخوص ~~عنها، وقطعتها على مقدار ما ظننت أنه يعترض في ذلك الخلاء إذا رميت بها، ~~فضممت ما قطعته منها بعضه إلى بعض، وقصصت اللبد، وفتلت منه حبلا، على ما ~~كنت أرى يعمل بغرش، ثم شددت ما قطعته من الجريدة في رأس الحبل، ثم رميت به ~~في الكوة، وعالجته مرارا حتى اعترض فيها، ثم اعتمدت عليها وصعدت إلى ~~الغرفة، ومن الغرفة إلى السطح، ففعلت ذلك مرارا، في أيام كثيرة، وتمكنت من ~~الحركة؛ لأني بردت بجانب المقراض إحدى حلقتي القيد، ولم يمكنني أن أبرد ~~الأخرى، فكنت إذا أردت الحركة، شددت القيد مع ساقي، وأتحرك، وقد صرت مطلقا. # فلما كان في هذه الليلة، وقد شغل الناس بالعيد، وانصرف من كان على الباب ~~من الموكلين، فلم أحس منهم أحدا إلا شيخا واحدا كنت أسمع كلامه وحركته، ~~وأطلع فأراه. # فصعدت بين العشائين إلى الغرفة، ومن الغرفة إلى السطح، فأشرفت، فإذا ~~المعتصم يفطر والناس بين يديه، والشموع تزهر، فرجعت. # فلما كان في جوف الليل صعدت والناس نيام، ونزلت إلى البستان، فإذا فيه ~~قائد ومعه جماعة، فصاح بي بعضهم: من أنت؟ # PageV02P178 # قلت: مديني من أصحاب الحمام، وكان في البستان منهم جماعة يشرفون على أمر ~~الحمام. # فقال لي: إلى أين تخرج الساعة، اطرح نفسك حتى تصبح، وتفتح الأبواب، فطرحت ~~نفسي بينهم، حتى فتح باب البستان في الغلس، وقد تحرك الناس، فصرت إلى دجلة ~~لأعبر، فوجدت الشيخ الذي كان بقي من الموكلين بي يريد العبور، فنزلت لأعبر، ~~فطلب مني الملاح قطعة، فقلت له: ما معي شيء، أنا رجل غريب ضعيف الحال. # فقال لي الشيخ: اعبر، فأنا أعطيه عنك، وأعطاه الشيخ عني قطعة، وعبرت حتى ~~جئتك. # قال علي بن الحسين: فقلت له: والله، ما منزلي لك بموضع، فاخرج عني من ~~ساعتك، ولا تقم فيه لحظة، وركبت إلى المصلى. # فصار إلى منزل رجل من الشيعة، فأخفاه. # PageV02P179 ### || حسن سيرته كانت سبب اعتقاله # وحدثنا أبو محمد الأثرم، في كتاب المبيضة، قال: ms199 حدثنا أبو العباس بن ~~عمار، قال: حدثني هاشم بن أحمد بن الأشهب البغوي، قال: حدثني أبو عبد الله ~~جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن رباح الجوهري، ~~قال: حدثني المفضل بن حماد الكوفي، من أصحاب الحسن بن صالح بن حي، بوفاة ~~عيسى بن زيد بن علي، بالكوفة، وكيف ستر ذلك عن المهدي، فذكر حديثا طويلا، ~~قال فيه: لما تواترت الأخبار على الرشيد، بحسن طريقة أحمد بن عيسى بن زيد، ~~وميل الناس إليه، أمر بحمله، فحمل إلى بغداد، ومعه القاسم بن علي بن عمر بن ~~علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، وهو والد محمد بن القاسم الصوفي ~~الخارج بخراسان في أيام المعتصم، فحبسا عند الفضل بن الربيع، فكانا في حبسه ~~في داره الشارعة على دجلة، قرب رأس الجسر، بمشرعة الصخر. # وكان حسن الصنيع إليهما، يؤتيان بمائدة كمائدته التي توضع بين يديه، ~~ويواصلان من الحلوى والفاكهة، والثلج في الصيف، بمثل ما يكون على # PageV02P180 # مائدته، فإذا أكلا، رفعت من بين أيديهما، ووضعت بين أيدي الموكلين بهما. # فأكلا يوما من الأيام، ورفعت المائدة فجعلت بين يدي الموكلين بهما، ~~فأكلوا، وأكثروا، ودخل وقت القائلة، فناموا 106 م، فخرج أحمد بن عيسى إلى ~~حب في ناحية الدهليز، فرأى القوم نياما، فغرف من الحب، بالكوز الذي معه، ثم ~~رجع، فقال للقاسم: يا هذا اعلم أني قد رأيت فرصة بينة، وهؤلاء نيام، والباب ~~غير مقفل، لم يحكموا كما كانوا يفعلون إغلاقه، فاخرج بنا. # فقال له القاسم: أنشدك الله، فإنك تعلم، أنا في عافية من كثير مما فيه ~~أهل الحبوس، والفضل محسن إلينا. # فقال له أحمد: دعني منك، واعلم أن العلامة بيني وبينك، أن أغرف من الحب، ~~فإن تحرك القوم رجعت إليك، وكانت علتي ظاهرة بسب الكوز، وإن لم يتحركوا، ~~فأنا والله خارج، وتاركك بموضعك، واعلم أنك لا تسلم بعدي. # ثم خرج، فغرف من الحب بالكوز، ثم طرحه من قامته، قال: وكان أطول مني ~~ومنك، فما تحرك أحد منهم، ثم انثنى علي، وقال: ms200 قد رأيت ما استظهرت به لك ~~ولنفسي، وأنا والله خارج، ثم مضى، واتبعه القاسم، ففتحا الباب، وخرجا، ~~فقالا: لا نجتمع في طريق، ولكن موعدنا، موضع كذا. # PageV02P181 # فلما جازا العتبة بخمسين ذراعا، لقيهما غلام للفضل بن الربيع، مدني، أعرف ~~بهما من أنفسهما، فبهت الغلام لما رآهما، فأومأ إليه أحمد، بكمه، كالآمر ~~بغضب: تنح، فما ملك الغلام نفسه أن تنحى، ثم كان عزمه أن يستقيم في طريقه ~~ذاك، فلما بلي من الغلام بما بلي، عدل عن تلك الطريق، وسار في طريق أخرى ~~للاستظهار على الغلام، وأسرع حتى نجا، وذكر بقية الحديث. # PageV02P182 ### || محمد الحمداني يحل محل أخيه في إمارة الموصل # ومن طريف ما شاهدناه في هذا الباب: أن أبا تغلب، فضل الله، عدة الدولة، ~~ابن ناصر الدولة أبي محمد، استوحش من أخيه محمد، بعد موت أبيهما، فقبض ~~عليه، واستصفى ماله، وقبض عقاره وضياعه، ونعمته، # PageV02P184 # وثقله بالحديد، وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت، وهي مشهورة حصينة، ~~من أعمال الموصل، فحبسه بها في مطمورة، ووكل بحفظه عجوزا يثق بها، جلدة ~~ضابطة، يقال لها: نازبانو، وأمرها أن لا توصل إليه أحدا، ولا تعرفه خبرا، ~~وأن تخفي موضعه عن جميع شحنة القلعة وحفظتها، ففعلت ذلك، فأقام على حاله ~~تلك نحو ثمان سنين. # ثم اتفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعز الدولة أبي منصور بختيار بن # PageV02P185 # معز الدولة أبي الحسين، ومعهما العساكر، يقصدان بغداد لمحاربة عضد ~~الدولة، وتاج الملة أبي شجاع، وخرج للقائهما، فكانت بينهم الواقعة العظيمة ~~بقصر الجص، وقتل فيها عز الدولة بختيار، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل، ~~وخاف من تخلص أخيه محمد، فكتب إلى غلام له، كانت القلعة مسلمة إليه، يقال ~~له: طاشتم، أن يمكن صالح بن بانويه، رئيس الأكراد، وكان كالشريك لطاشتم في ~~حفظ القلعة، من أخيه محمد بن ناصر الدولة، ليمضي فيه ما أمره به، وكتب إلى ~~صالح، يأمره بقتل محمد، فمكن طاشتم صالحا منه. # فلما أراد الدخول على محمد، ليقتله، منعت نازبانو من ذلك، وقالت: لا أمكن ~~منه، إلا بكتاب يرد علي من أبي ms201 تغلب. # وشارف عضد الدولة الموصل، وأجفل عنها أبو تغلب، وكردته العساكر، # PageV02P186 # فاشتد عليه الطلب، وورد عليه كتاب من القلعة بما قالت نازبانو، فإلى أن ~~يجيب عنه، أحاط عساكر عضد الدولة بالقلعة، ونازلوها، فانقطع ما بين أبي ~~تغلب وبينها، فلم يصل إليها كتاب، وفتحها عضد الدولة بعد شهور، بأن واطأه ~~صالح، بالقبض على طاشتم، وكتب إليه يعرفه بما عمله، ويستأمره فيما يعمله. # وكان لمحمد خصي أسود مملوك، يلي أمر داره، اسمه ناصح، وكان بعد القبض على ~~محمد، قد وقع إلى عضد الدولة، وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، وحضر معه وقعة ~~قصر الجص، فلما ورد خبر فتح القلعة، أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق ~~مولاه محمد، إذا فتح القلعة، فكتب بأن يطلب محمد في القلعة، فإن وجد حيا، ~~أطلق وأنفذ به إليه مكرما، فحين دخل صالح، ومعه من صعد إلى القلعة من أصحاب ~~عضد الدولة، إلى محمد في محبسه، جزع جزعا شديدا، ولم يشك أنهم يريدون قتله، ~~بأمر أبي تغلب، فأخذ يتضرع، ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي. # فقال له صالح: لا خوف عليك إنما أمرنا الملك أن نطلقك، وتمضي إليه مكرما، ~~فقد ملك هذه البلاد. # فقال: أغلب ملك الروم على هذه النواحي، وفتح القلعة؟ قالوا: لا، ولكن ~~الملك عضد الدولة. # قال: الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم، وقد جاء إلى بغداد. # قال: وأين بختيار؟ قالوا: قتل. # قال: وأبو تغلب؟ # PageV02P187 # قالوا: انهزم ودخل إلى بلاد الروم. # قال: وأين عضد الدولة؟ قالوا: بالموصل، وهو ذا نحملك إليه مكرما. # فسجد حينئذ، وبكى بكاء شديدا، ثم حمد الله، فأرادوا فك قيوده، فقال: لا ~~أمكن من ذلك، إلا أن يشاهد حالي الملك. # فحمل إلى الموصل إلى عضد الدولة، فرأيته وقد أصعد به مقيدا من المعبر ~~الذي عبر فيه في دجلة، إلى دار أبي تغلب التي نزل بها عضد الدولة بالموصل، ~~وكنت أنا إذ ذاك أتقلدها له، وجميع ما فتحه مما كان في يد أبي تغلب مضافا ~~إلى حلوان، وقطعة من طريق خراسان، فرأيت محمدا ms202 يمشي في قيوده، حتى دخل ~~إليه، فقبل الأرض بين يدي عضد الدولة، ودعا له، وشكره، فأخرج إلى حجرة من ~~الدار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب ذهب، وقيد بين يديه خمس دواب ~~بمراكب فضة مذهبة، وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا محملة مالا صامتا، ومن صنوف ~~الثياب الفاخرة، # PageV02P188 # والفرش السري، والطيب، والآلات المرتفعة القدر، ونقل إلى دار قد فرغت له، ~~وفرشت بفرش حسن، وملئت بما يحتاج إليه من الصفر، والآلات، والعلوفات، ~~والحيوان، والحلوى، وأطعمة نقلت إليه من المطبخ، وأنبذة، وغير ذلك. # ثم أقطعه بعد أيام، إقطاعا بثلاث مائة ألف درهم، وولاه إمارة بلده ~~وأعماله، وجميع ما كان يتولاه أبو تغلب. # PageV02P189 ### || أسره الروم في أيام معاوية وأطلقوه في أيام عبد الملك # روى حميد، كاتب إبراهيم بن المهدي، أن إبراهيم حدثه، أن مخلدا الطبري، ~~كاتب المهدي على ديوان السر، حدثه أن سالما مولى هشام بن عبد الملك، وكاتبه ~~على ديوان الرسائل، أخبره، أنه كان في ديوان عبد الملك يتعلم كما يتعلم ~~الأحداث في الدواوين، إذ ورد كتاب صاحب يريد الثغور الشامية، على عبد ~~الملك، يخبره فيه أن خيلا من الروم تراءت للمسلمين، فنفروا إليها، ثم عادوا ~~ومعهم رجل كان قد أسر في أيام معاوية بن أبي سفيان، فذكر أن الروم لما ~~تواقفوا مع المسلمين، أخبروهم أنهم لم يأتوا لحرب، وإنما جاءوا بهذا المسلم ~~ليسلموه إلى المسلمين؛ لأن عظيم الروم أمرهم بذلك. # وذكر صاحب البريد، أن النافرين ذكروا، أنهم سألوا المسلم عما قال الروم، ~~فوافق قوله قولهم، وذكر أن الروم قد أحسنوا إليه، فانصرفوا عنهم، وإني ~~سألته عن سبب مخرجه، فذكر أنه لا يخبر بذلك أحدا دون أمير المؤمنين. # فأمر عبد الملك بإشخاص المسلم إليه، فأشخص إلى دمشق. # فلما دخل على عبد الملك، قال له: من أنت؟ قال: قتات بن رزين اللخمي. # قال مؤلف هذا الكتاب: كذا كان في الأصل الذي نقلت منه: قتات، وأظنه خطأ؛ ~~لأن المشهور قباث بن رزين اللخمي، وقد روى الحديث عن # PageV02P191 # علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر ms203 الجهني، أو لعله غيره، والله أعلم. # رجع الحديث: أسكن فسطاط مصر في الموضع المعروف بالحمراء، أسرت في زمن ~~معاوية، وطاغية الروم إذ ذاك توما بن مرزوق. # فقال له عبد الملك: فكيف كان فعله بكم؟ قال: لم أجد أحدا أشد عداوة ~~للإسلام وأهله منه، إلا أنه كان حليما، فكان المسلمون في أيامه أحسن أحوالا ~~منهم في أيام غيره، إلى أن أفضى الأمر إلى ابنه ليون، فقال في أول ما ملك: ~~إن الأسرى إذا طال أسرهم في بلد أنسوا به، ولو كان على غاية الرداءة، وليس ~~شيء أنكأ لقلوبهم من نقلهم من بلد إلى بلد، فأمر باثني عشر قدحا، فكتب على ~~رأس كل قدح اسم بطريق من بطارقة البلدان، ويضرب بالقداح في كل سنة أربع ~~مرات، فمن خرج اسمه في القدح الأول، حول إليه المسلمون، فاحتبسهم عنده ~~شهرا، ثم إلى الثاني، ثم إلى الثالث، ثم تعاد القداح بعد ذلك. # فكنا لا نصير عند أحد من البطارقة، إلا قال لنا: احمدوا الله حيث لم ~~يبتلكم ببطريق البرجان، فكنا نرتاع لذكره، ونحمد ربنا إذ لم يبتلنا به، ~~فمكثنا على ذلك سنين. # ثم ضربت القداح، فخرج الأول والثاني لبطريقين، والثالث لبطريق البرجان، ~~فمر بنا في الشهرين غم كبير، نترقب المكروه. # ثم انقضى الشهران، فحملنا إليه، فرأينا على بابه من الجمع خلاف ما كنا ~~نعاين، ورأينا من زبانيته من الغلظة خلاف ما كنا نرى، ثم وصلنا إليه، # PageV02P192 # فتبين لنا من فظاظته وغلظته، ما أيقنا معه بالهلكة، ثم دعا بالحدادين، ~~فأمر بتقييد المسلمين بأمثال ما كان يقيدهم به غيره، فلم يزل الحديد يعمل ~~في رجل واحد واحد، حتى صال الحداد إلي، فنظرت إلى وجه البطريق، فرأيته قد ~~نظر إلي نظرا بخلاف العين التي كان ينظر بها إلى غيري، ثم كلمني بلسان ~~عربي، فسألني عن اسمي ونسبي ومسكني، بمثل ما سألني عنه أمير المؤمنين، ~~فصدقته عما سألني عنه. # ثم قال لي: كيف حفظك لكتابكم؟ فأعلمته أني حافظ. # قال: اقرأ آل عمران، فقرأت منها خمسين آية. # فقال: إنك لقارئ ms204 فصيح، ثم سألني عن روايتي للشعر، فأعلمته أني راوية. # فاستنشدني لجماعة من الشعراء، فقال: إنك لحسن الرواية. # ثم قال لخليفته: إني قد ومقت هذا الرجل، فلا تحدده. # ثم قال: وليس من الإنصاف أن أسوءه في أصحابه، ففك الحديد عن جماعتهم، ~~وأحسن مثواهم، ولا تقصر في قراهم. # ثم دعا صاحب مطبخه، فقال له: لست أطعم طعاما، ما دام هذا العربي عندي، ~~إلا معه، فاحذر أن تدخل مطبخي ما لا يحل للمسلمين أكله، وأن تجعل الخمر في ~~شيء من طبيخك، ثم دعا بمائدته، واستدناني حتى قعدت إلى جانبه. # فقلت له: فدتك نفسي وبأبي أنت، وأحب أن تخبرني من أي العرب أنت؟ # PageV02P193 # فضحك، وقال: لست أعرف لمسألتك جوابا؛ لأني لست عربيا فأجيبك على سؤالك. # فقلت له: مع هذه الفصاحة بالعربية؟ فقال: إن كان العلم باللسان ينقل ~~الإنسان من جنسه إلى جنس من حفظ لسانه، فأنت إذا رومي، فإن فصاحتك بلسان ~~الروم ليست بدون فصاحتي بلسان العرب، فعلى قياس قولك ينبغي أن تكون روميا، ~~وأكون أنا عربيا. # فصدقت قوله، وأقمت عنده خمس عشرة ليلة، لم أكن منذ خلقت، في نعمة، أكبر ~~منها. # فلما كانت ليلة ست عشرة، فكرت أن الشهر قد مضى نصفه، وأن الليالي تقربني ~~من الانتقال إلى غيره، فبت مغموما. # وصار رسوله إلي في اليوم السادس عشر، يدعوني إلى طعامه، فلما حضر الطعام ~~بين أيدينا، رأى أكلي مقصرا عما كان يعهد، فضحك، ثم قال لي: أحسبك يا عربي، ~~لما مضى نصف الشهر، فكرت في أن الأيام تقربك من الانتقال عني إلى غيري ممن ~~لا يعاملك بمثل معاملتي، ولا يكون عيشك معه مثل عيشك معي، فسهرت، واعتراك ~~لذلك غم غير طعامك، فأعلمته أنه قد صدق. # فقال: ما أنا إن لم أحسن الاختيار لصديقي بحر، وقد أمنك الله مما حذرت، ~~ولم ألبث في اليوم الذي وصلت إلي فيه، حتى سألت الملك، فصيرك عندي، ما كنت ~~في أرض الروم، فلست تنقل عن يدي، ولا تخرج منها إلا إلى بلدك، وأرجو أن ~~يسبب الله ذلك على ms205 يدي، فطابت نفسي، ولم أزل مقيما عنده، إلى أن انقضى ~~الشهر. # فلما انقضى ضرب بالقداح، فخرج الأول، والثاني، والثالث، لبطارقة غير الذي ~~نحن عنده، فحول أصحابي، وبقيت وحدي. # PageV02P194 # وتغديت في ذلك اليوم مع البطريق، وكان من عادتي أن أنصرف من عنده بعد ~~غدائي إلى إخواني من المسلمين، فنتحدث، ونأنس، ونقرأ القرآن، ونجمع ~~الصلوات، ونتذاكر الفرائض، ويسمع بعضنا من بعض ما حفظ من العلم وغيره، ~~فانصرفت ذلك اليوم بعد غدائي إلى الموضع الذي كنت أصير إليه، وفيه السلمون، ~~فلم أر فيه أحدا إلا الكفرة، فضاق صدري ضيقا تمنيت معه أني كنت مع أصحابي، ~~فبت بليلة صعبة لم أطعم فيها الغمض، وأصبحت أكسف خلق الله بالا، وأسوأهم ~~حالا. # وصار إلي الرسول في وقت الغداء، فصرت إليه، فتبين الغم في أسرة وجهي، ~~ومددت يدي إلى الطعام، فرأى مد يدي إليه، خلاف مدي الذي كان يعرف، فضحك، ثم ~~قال: أحسبك اغتممت لفراق أصحابك؟ فأعلمته أنه صدق، وسألته: هل عنده حيلة في ~~ردهم إلى يده. # فقال: إن الملك لم ير أن ينقل أصحابك من يدي إلى يد غيري إلا ليغمهم بما ~~يفعل، ومن المحال أن يدع تدبيره في الإضرار بهم، لميلي إليك ومحبتي لك، ~~وليس عندي في هذا الباب حيلة، فسألته أن يسأل الملك إخراجي عن يده، وضمي ~~إلى أصحابي أكون معهم حيث كانوا. # فقال: ولا في هذا أيضا حيلة؛ لأني لا أستجيز أن أنقلك من سعة إلى ضيق، ~~ومن كرامة إلى هوان، ومن نعمة إلى شقاء. # فلما قال ذلك، تبين في الانكسار وغلبة الغم، فقال لي: بلغ بك الغم إلى ~~النهاية؟ فأخبرته: أنه قد بلغ بي الغم، أن اخترت الموت على الحياة، لعلمي # PageV02P195 # أنه لا راحة لي بغيره. # فقال لي: إن كنت صادقا فقد دنا فرجك. # فسألته عما دله على ذلك، فقال لي: إني وقعت في نكبات أشد هولا مما أنت ~~فيه، وكان عاقبتها الفرج. # وأعلمني أن بطرقة بلده لم تزل في آبائه يتوارثونها، وأن عددهم كان كثيرا، ~~ولم يبق غير أبيه وعمه، وكانت ms206 البطرقة إلى عمه دون أبيه، فأبطأ على أبيه ~~وعمه الولد، فبذلا للمتطببين الكثير من الأموال لعلاجهما بما يصلح الرجال ~~للنساء، إلى أن بطل العم، ويئس من الانتشار، فصرف بعض الأطباء عنايته إلى ~~معالجة أبي البطريق، فعلقت أمه به. # فلما علم العم أنه قد علقت أمه به، جمع عدة من الحبالى، من ألسنة مختلفة، ~~منها العربي، والرومي، والإفرنجي، والصقلابي، والخزري، وغير ذلك، فوضعن في ~~داره. # فلما وضعت البطريق أمه، أمر بتصيير أولئك النساء كلهن معه، وتقدم إلى كل ~~واحدة منهن، ألا تكلمه إلا بلسانها. # فلم تستتم له أربع سنين، حتى تكلم بكل الألسنة التي لأمهاته اللاتي ~~أرضعنه. # ثم أمر بتصيير ملاعبيه ومؤدبيه من جميع أجناس النساء اللواتي ربينه، ~~فكانوا يعلمونه الكتابة، وقراءة كتبهم فلم تمر عليه تسع سنين، حتى عرف ذلك ~~كله. # ثم أمر عمه أن يضم إليه جماعة من الفرسان يعلمونه الثقافة والمناولة # PageV02P196 # وجميع ما يتعلمه الفرسان، وتقدم بمنعه من سكنى المنازل، وأمر أن ينزل في ~~المضارب، وأن يمنع من أكل اللحم إلا ما يصيده طائر يحمله على يديه، أو كلب ~~يسعى بين يديه، أو صيد بسهمه، فكانت تلك حاله حتى استوفى عشر سنين، ثم مات ~~عمه، وولي أبوه البطرقة بعد عمه، وأمره بالقدوم عليه، فلما رآه، ورأى فهمه، ~~وأدبه، وشمائله، اشتد عجبه به، فسمح له بما لم تكن الملوك تسمح به ~~لأولادها، وأعد له المضارب والفساطيط الديباج، وضم إليه جماعة كثيفة من ~~الفرسان ووسع على الجميع في كل ما يحتاجون إليه، ورده إلى سكنى المضارب، ~~وأخذه بالاستبعاد عن منازل أبيه. # قال البطريق: فلما تمت لي خمس عشرة سنة، ركبت يوما لارتياد مكان أكون ~~فيه، فبصرت بغدير ماء قدرت طوله ألف ذراع وعرضه ما بين ثلاث مائة ذراع إلى ~~أربع مائة ذراع، فأمرت بضرب مضاربي عليه، وتوجهت إلى الصيد، فرزقت منه في ~~ذلك اليوم، ما لم أطمع في مثله كثرة، ونزلت في بعض المضارب فأمرت الطباخين، ~~فطبخوا لي ما اشتهيت من الطعام، ثم نصبت المائدة بين يدي. # فإني لأنظر إلى ms207 الطبيخ يغرف، إذ سمعت ضجة عظيمة، فما فهمت خبرها حتى رأيت ~~رءوس أصحابي تتساقط عن أبدانهم، فتنحيت عن مكاني # PageV02P197 # الذي كنت فيه، وخلعت الثياب التي كانت علي، ولبست ثياب بعض عبيدي، ثم ~~ضربت ببصري يمنة ويسرة، فلم أر حولي إلا مقتولا، وإذا فاعل ذلك بأصحابي ~~منسر من مناسر البرجان. # ثم أسرت كما يؤسر العبيد، واحتمل جميع ما كان معنا، من مضرب وغيره، ~~وصاروا بي إلى ملك البرجان. # فلما رآني، ولم يكن له ولد ذكر، أمر بالتوسعة علي، وأن أكون واقفا عند ~~رأسه، وسماني ابنه. # وكان للملك بنت، وكان بها مغرما، وكان قد علمها الفروسية، ومساورة ~~الفرسان، ومساهمتهم ومراكضتهم. # فقال، وأنا حاضر، لجماعة من بطارقته: من منكم يتوجه إلى ملك الروم، ~~فيجيئني بكاتب من بلده؛ ليعلم ابني الكتابة. # فأعلمته أن رسوله لا يأتيه بأكتب مني. # فأمرني أن أكتب بين يديه، فكتبت، فاستحسن خطي، وقرنه بكتب كانت ترد عليه ~~من والدي، فرأى خطي أجود منها، فدفع إلي ابنته، وأمرني أن أعلمها الكتابة، ~~فهويتها، وهويتني. # فمكثت معي حتى استوفت ثلاث عشرة سنة، ثم عدت إلي يوما وهي باكية، فقلت ~~لها: ما يبكيك يا سيدتي؟ فقالت: دعني، يحق لي البكاء، فسألتها عن السبب. # فقالت: كنت جالسة بين يدي أبي وأمي في هذه الليلة، فغلبتني عيني، # PageV02P198 # فنمت، فسمعت أبي يقول لأمي: أرى ثديي ابنتك قد تفلكا، وأرى هذا الرومي قد ~~غلظ كلامه، وليس ينبغي أن يجتمعا بعد هذا الوقت، فإذا جلست غدا معه، فابعثي ~~إليهما من يفرق بينهما، حتى لا يراها، ولا تراه. # قال البطريق: ومن سنة البرجان، أن يكون الرجل يخطب لابنته زوجا، حتى ~~يزوجها، ولا يخطب لها إلا من تختاره البنت. # قال البطريق: فقلت لابنة الملك، إذا سألك أبوك، من تحبين أن أخطب لك من ~~الرجال فقولي: لست أريد إلا هذا الرومي. # فغضبت، وقالت: كيف يجوز أن أسأل أبي أن يزوجني بعبد؟ قال: فقلت لها: ما ~~جعلني الله عبدا، وأنا ابن ملك، وأبي ملك الروم. # قال البطريق: وأهل البرجان، يسمون البطريق الرومي الذي ms208 يتولى حد برجان: ~~ملك الروم. # فسألتني: هل أخبرتها بحق؟ فأعلمتها أنه حق. # فما انقضى كلامنا، حتى جاء رسول الملك، ففرقوا بيننا، ولم يمض بعد ذلك، ~~إلا ثلاثة أيام حتى دعاني الملك، فدخلت عليه، فرأيت أمارات الشر مستحكمة في ~~وجهه. # فقال لي: يا شقي، ما حملك على الكذب في نسبك؟ وأنا أحكم على من انتسب إلى ~~غير أبيه بالقتل. # فقلت له: ما انتسبت إلى غير أبي. # فقال لي: أتقول إنك ابن ملك الروم؟ فأعلمته أني أقول ذلك، ودعوته إلى ~~الكشف عنه. # PageV02P199 # فقال: لست أحتاج إلى كشف أمرك برسول أرسله ليعرف خبرك، ولكن لي أشياء ~~أمتحنك بها، فأعرف صدقك من كذبك، فدعوته إلى كشفها بما شاء. # فدعا بدابة، ولبد، وسرج، ولجام، فأمرني بتناول الدابة، فأخذت الدابة من ~~يد السائس، ثم أمرني بأخذ اللبد، فأخذته، ثم أمرني بإلقائة على الدابة، ~~ففعلت ما أمرني به، ثم أمرني بتناول السراج، فأخذته، ثم أمرني بشد الحزام، ~~والثفر، واللبب، وأخذ اللجام وإلجام الدابة، ففعلت ذلك، ثم أمرني بركوب ~~الدابة، فركبت، وأمرني بالسير فسرت، وأمرني بالإقبال والإدبار، ففعلت، ثم ~~أمرني بالنزول، فنزلت. # فقال، عند ذلك: أشهد أنه ابن ملك الروم؛ لأنه أخذ الدابة أخذ ملك، وعمل ~~سائر الأشياء مثلما تعمله الملوك، فاشهدوا أني قد زوجته ابنتي. # فلما قالوا شهدنا، قال: لا تشهدوا. # فلما سمعت قوله: لا تشهدوا، تخوفت أن يأتي على نفسي. # ثم قال لي: لم أتوقف عن الشهادة رغبة عنك، ولكنا لنا شرط لا نقدر أن ~~نخالفه، ولم نأمن أن تضطر إليه، فنحملك على شرطنا، وهو ما لم نخبرك به، ~~ونوقفك عليه، فنكون قد ظلمناك، أو ندع لك سنة بلدنا، فنكون قد فارقنا ~~سنتنا، إن سنتنا يا رومي، أن لا نفرق بين الزوجين إذا مات أحدهما، فإن مات ~~الرجل قبل المرأة، نومناها معه في نعشه، وحملناهما معا، حتى ننزلهما إلى ~~بئر هي مأوى موتانا، وجعلنا معهما طعاما وشرابا لثلاثة أيام، ثم أنزلناهما ~~على البئر، فإذا صارا إلى قرارها سيبنا الحبال عليهما، وكذلك إن ماتت ~~المرأة قبل الرجل، ms209 جعلناها في سريرها، وجعلنا زوجها معها، وصيرناهما جميعا ~~في البئر، فإن رضيت بهذه السنة فبارك الله لك في زوجك، وإن لم ترض # PageV02P200 # أقلناك، فلسنا نزوجك، ولا تستقيم لنا على خلاف سنتنا، فأحوجتني الصبابة ~~بها، أن قلت: قد رضيت بهذه السنة. # فأمر بتجهيزها وتسليمها إلي، وجمع بيننا، فأقمت معها أربعين يوما، لا نرى ~~إلا أنا قد فزنا بملك الدنيا. # ثم اعتلت علة كانت معها غشية، لم يشك كل من رآها إلا أنها قبضت، فجهزت ~~بأفخر ثيابها، وجهزت معها بمثل ذلك، وحملنا على نعش واحد، وركب الملك، وأهل ~~المملكة، فشيعونا حتى وافوا بنا شفير البئر، ثم شدوا أسافل السرير بالحبال، ~~وجعلوا معنا في النعش طعاما وشرابا لثلاثة أيام، ثم حطونا حتى صرنا إلى ~~قرارة البئر. # ثم أرخيت علينا الحبال، فسقط حبل منها على وجه الجارية، فأزال الوجع ما ~~كان بها من الغشي، فانتبهت، فلما انتبهت، رأيت أن الدنيا قد جمعت لي. # واستمرت عيني على الظلمة، فرأيت في الموضع الذي أنا فيه، من الخبز اليابس ~~والخمر ماله دهر كثير، فأخذنا نتغذى به جميعا. # وكنا لا نعدم في يوم من الأيام، إلا النادر، سريرا يدلى فيه زوجان، ~~أحدهما ميت، والآخر حي، فإن كان النازل رجلا حيا، توليت أنا قتله، لئلا ~~يكون مع زوجتي غيري، وكذلك إن كانت الحية امرأة، تولت زوجتي قتلها، لئلا ~~يكون مع زوجها غيرها. # فمكثنا في البئر على هذه الحال أكثر من سنة، ثم دلي في البئر دلو، فعلمت ~~أن مدلي الدلو غير برجاني، وأنه لا يدخل ذلك الموضع غير برجاني، إلا رومي، ~~ووقع لي أن أقدم الجارية قبلي، لتتخلص، ثم تعرفهم حالي، فيردوا الدلو إلي، ~~فأصعد. # PageV02P201 # فحملت بنت الملك فجعلتها في الدلو بكسوتها، وحليها، وجواهرها، واجتذب ~~القوم الدلو، فخرجت إليهم الجارية. # فإذا القوم مماليك لأبي، ولم ينتبهوا للسؤال عني، وهابتهم الجارية، أن ~~تقول لهم شيئا، وقد كانوا رأوا ما فيه أمي وأبي وما غلب عليهما من الحزن ~~لفقدي، فصاروا إليهما بالجارية ليتسلون بها، فسرا بها، وسكنا إليها. # واستمرت الهيبة لهما ms210 بالجارية، فحصلت شر محصل. # وقد كان لوالدي صديق، له أدب وحكمة، وعلم بالتصوير، صور لهما صورتي في ~~خشبة، وزوقها، وجعلها في بيت، وقال لأبوي: إذا ذكرتما ابنكما، واشتد غمكما، ~~فادخلا فانظرا إلى هذه الصورة، فأنكما ستبكيان بكاء كثيرا يعقبكما سلوة. # فلما صارت الجارية إلى أبوي، ورأتهما يدخلان ذلك البيت كثيرا، ويخرجان، ~~وقد بكيا، استوقفتهما يوما، وهما داخلان، فبصرت بالصورة، فلما رأتها لطمت ~~وجهها، ونتفت شعرها، ومزقت ثيابها. # فسألاها عن السبب فيما صنعت بنفسها، فقالت: هذه صورة زوجي، فسألاها عن ~~اسمه، واسم أبيه وأمه، فأسمتهم جميعا. # فقالا لها: فأين زوجك؟ قالت: في البئر التي أخرجت منها، فركب أبي وأمي في ~~أكثر أهل البلد، ومعهم الغلمان الذين أخرجوا الجارية من البئر، حتى وافوا ~~البئر، فدلوا الدلو، وكنت قد سللت سيفي الذي كان أنزل معي من غمده، وجعلت ~~ذبابه بين ثديي لأتكئ عليه، فأخرجه من ظهري، فأستريح من الدنيا، لغلبة الغم ~~علي، فوثبت، فقعدت في الدلو، واجتذبوني حتى خرجت، # PageV02P202 # فوجدت أبي، وأمي، وامرأتي، على شفير البئر، وقد أحضروا لي الدواب لأركب ~~وأنصرف إلى بلادي، وكان أبي قد صار ملك تلك البلاد، فلم أطعهما، وأعلمتهما ~~أن الأصوب البعثة إلى أبي الجارية، وأمها، حتى يريا ابنتهما مثلما ~~رأيتماني. # ففعلا ذلك، ووجها إلى أبي الجارية، وهو صاحب البرجان، فخرج في أهل ~~مملكته، حتى عاينها، وأقاموا عرسا جديدا، وحدثت مهادنة بين الروم والبرجان ~~جرت فيها أيمان مؤكدة أن لا يعدو أحدهما على صاحبه ثلاثين سنة، وصار القوم ~~إلى بلادهم، وصرنا إلى منازلنا. # قال: ومات أبي، فورثت البطرقة عنه، ورزقت من بنت ملك البرجان الولد، وأنت ~~يا عربي، فإن كان الغم قد بلغ منك إلى ما ذكرت فقد جاءك الفرج. # فما انقضى كلام البطريق، حتى دخل عليه رسول ملك الروم يدعوه، فمضى إليه، ~~ثم عاد إلي، فقال: يا عربي، قد جاءك الفرج، كنت عند الملك، وقد جرى ذكر ~~العرب، ورمتهم البطارقة عن قوس واحدة، فذكروا أنهم لا عقول لهم ولا آداب، ~~وأن قهرهم الروم بالغلبة والاتفاق، ولا بحسن ms211 التدبير. # فأعلمت الملك أن الأمر بخلاف ما قالوا، فإن للعرب آدابا، وأذهانا، ~~وتدبيرا جيدا. # فقال لي الملك: أنت لمحبتك لضيفك العربي تفرط في إعطاء العرب ما ليس لها، ~~وتصفها بما ليس فيها. # فقلت: إن رأى الملك أن يأذن في إحضار هذا العربي، ليجمع بينه وبين هؤلاء ~~المتكلمين، ليعرف فضيلته، فأمرني بحملك إليه. # فقلت: بئس ما صنعت بي؛ لأني أخاف إن غلبني أصحابه أن يستخف بي، وإن ~~غلبتهم أن يضطغن علي. # فقال: هذه صفة العامة، والملوك على خلافها، وأنا أخبرك أنك إن # PageV02P203 # غلبتهم جللت في عين الملك، وكنت عنده بمكان يقضي لك فيه حاجة، وإن غلبوك ~~سره غلبة أهل دينه لك، فأوجب لك أيضا بذاك ذماما، وإن أقل ما يرى أن يقضي ~~لك حاجة، فإن غلبت أو غلبت فسله إخراجك من بلده، وردك إلى بلادك، فإنه سوف ~~يفعل ذلك. # قال قباث: فلما دخلت على الملك، استدناني، وقربني، وأكرمني، وقال لي: ~~ناظر هؤلاء البطارقة. # فأعلمته، أني لا أرضى لنفسه بمناظرتهم، وأني لا أناظر إلا البطريق ~~الأكبر، فأمر بإحضاره. # فلما دخل، سلمت عليه، وقلت له: مرحبا أيها الشيخ الكبير القدر. # ثم قلت له: يا شيخ، كيف أنت؟ قال: في عافية. # قلت: فكيف أحوالك كلها؟ قال: كما تحب. # فقلت له: فكيف ابنك؟ فتضاحكت البطارقة كلها، وقالوا: زعم البطريق، يعنون ~~الذي هو صديقي أن هذا أديب، وأن له عقلا، وهو لا يعلم بجهله، أن الله تعالى ~~قد صان هذا البطريق عن أن يكون له ابن. # فقلت: كأنكم ترفعونه عن أن يكون له ابن؟ قالوا: إي والله، إنا لنرفعه، إذ ~~كان الله رفعه عن ذلك. # فقلت: واعجبا، أيجل عبد من عبيد الله، أن يكون له ابن، ولا يجل # PageV02P204 # الله تعالى، وهو خالق الخلائق كلها، عن أن يكون له ابن. # قال: فنخر البطريق نخرة أفزعتني، ثم قال: أيها الملك، أخرج هذا الساعة عن ~~بلدك، لا يفسد عليك أهله. # فدعا الملك بالفرسان، فضمني إليهم، وأحضر لي دواب البريد، وأمر بحملي ~~عليها، وتسليمي إلى من يلقانا في أرض الإسلام ms212 من المسلمين، فسلموني إلى من ~~تسلمني من أهل الثغر. # ثم ذكر حديثا لعبد الملك، مع الرجل، لا يتعلق بهذا الباب فأذكره، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV02P205 ### || استنقذ المذحجيين من أسر بني مازن # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه الفرج بعد الشدة، قال: بلغني أن عمرو بن ~~معدي كرب الزبيدي، قال: خرجت في خيل من بني زبيد، أريد غطفان، فبينما أنا ~~أسير، وقد انفردت عن أصحابي، إذ سمعت صوت رجل ينشد شعرا، فحفظت منه قوله: # أما من فتى لا يخاف العطب ... يبلغ عمرو بن معدي كرب # بأننا ننوط في مازن ... بأرجلنا اليوم نوط القرب # فإن هو لم يأتنا عاجلا ... فيكشف عنا ظلام الكرب # وإلا استغثنا بعبد المدان ... وعبد المدان لها إن طلب # قال: فعلمت أنه أسير في بني مازن بن صعصعة، فقلت لخيلي: قفوا حتى آتيكم، ~~فاقتحمت على القوم وحدي، فإذا هم يصطلون. # فقلت: أنا أبو ثور، أين أسرى بني مذحج؟ فنادى الأسرى من الرجال، وبادر ~~القوم إلي يطلبوني، فلم أزل أقاتلهم وأقتل منهم حتى استعفوني، وقالوا: إننا ~~والله لنعلم، أنك لم تأتنا وحدك إلا وأنت لا تبالي بنا، فلك الأسرى فاكفف ~~عنا خيلك. # PageV02P206 # فنزلت، وأطلقت بعضهم، وقلت: ليحل بعضكم بعضا، وليركب كل واحد منكم ما وجد ~~من الخيل، وأقبلت خيل فركبوها. # فقلت للأسرى: هل علمتم بموضعي، حين أنشدتم ما سمعت. # قالوا: لا والله، وما أصبحنا يوما، منذ حبسنا، آيس من الفرج من يومنا ~~هذا، فلذلك أقول: # ألم ترني إذ ضمني البلد القفر ... سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو # أغثنا فإنا عصبة مذحجية ... نناط على وفر وليس لنا وفر # فقلت لخيلي أنطروني فإنني ... سريع إليكم حين ينصدع الفجر # وأقحمت مهري حين صادفت غرة ... على الطف حتى قيل قد قتل المهر # فأنجيت أسرى مذحج من هوازن ... ولم ينجهم إلا السكينة والصبر # ونادوا جميعا حل منا وثاقنا ... أخا البطش إن الأمر يحدثه الأمر # وأبت بأسرى لم يكن بين قتلهم ... وبين طعاني ضاربا عنهم فتر # يزيد وعمر والحصين ومالك ... ووهب وسفيان وسابعهم وبر # تكلفنا ms213 يا عمرو ما ليس عندنا ... هوازن فانظر ما الذي فعل الدهر # قال مؤلف هذا الكتاب: أنشدنا أبو الفرج الأصبهاني البيتين الأولين، ~~أولهما: ألم تر لما ضمني البلد القفر، وفي الثاني: نراد على وتر وليس لنا ~~وفر، قال: فيهما خفيف رمل بالوسطى لمحمد بن الحارث بن بسخنر، عن عمرو، قال: ~~وذكر أنه لابن بانه وفيهما ثاني ثقيل عن. . . # PageV02P207 # أخبرني بهذا الخبر، محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أبو القاسم ~~الزينبي، قال: أخبرنا أبو خليفة الجمحي، عن محمد بن سلام، وذكر نحوه. # PageV02P208 ### | الباب السادس من فارق شدة إلى رخاء بعد بشرى منام لم يشب صدق تأويله بكذب الأحلام ### || ما عرض المعتضد في أيامه للعلويين ولا آذاهم ولا قتل منهم أحدا # أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا محمد بن يحيى ابن أبي ~~عباد الحسني، قال: رأى المعتضد، وهو في حبس أبيه، كأن شيخا جالسا على دجلة، ~~يمد يده إلى مائها فيصير في يده وتجف دجلة، ثم يرده من يده، فتعود دجلة كما ~~كانت، قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا علي بن أبي طالب عليه السلام. # فقمت إليه، وسلمت عليه، فقال لي: يا أحمد، إن هذا الأمر صائر إليك، فلا ~~تتعرض لولدي، وصنهم، ولا تؤذهم. # PageV02P209 # فقلت: السمع والطاعة لك يا أمير المؤمنين. # وحدثني أبي رحمه الله بهذا الحديث، على أتم من هذا، بإسناد ذكره عن ابن ~~حمدون النديم، قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، أو قال: ~~حدثني من قال حدثني أبو محمد، أنا أشكك؛ لأني لم أكتبه، وإنما حفظته في ~~المذاكرة، ولعل الألفاظ تزيد أو تنقص، قال: قال لي المعتضد بالله، وهو ~~خليفة: لما قدم أبي، وهو عليل، العلة التي مات فيها، وأنا في حبسه، ازداد ~~خوفي على نفسي، ولم أشك في أن إسماعيل بن بلبل، سيحمله على قتلي، أو يحتال ~~بحيلة يسفك بها دمي، إذا وجد أبي قد ثقل، وأيس منه. # فنمت ليلة من تلك الليالي، وأنا من الخوف على أمر عظيم، وقد صليت صلاة ms214 ~~كثيرة ودعوت الله عز وجل، فرأيت في منامي كأنني قد خرجت إلى شاطئ دجلة، ~~فرأيت رجلا جالسا على الشاطئ، يدخل يده في الماء، فيقبض عليه، فتقف دجلة، ~~ولا يخرج من تحت يده قطرة من الماء، حتى يجف ما تحت يده، ويتزايد الماء فوق ~~يده ويقف كالطود العظيم، ثم يخرج يده من الماء فيجري، يفعل ذلك مرارا، ~~فهالني ما رأيت. # فدنوت منه، وسلمت عليه، وقلت له: من أنت يا عبد الله الصالح؟ فقال: أنا ~~علي بن أبي طالب. # PageV02P210 # فقلت: يا أمير المؤمنين، ادع الله لي. # فقال: إن هذا الأمر صائر إليك، فاعتضد بالله، واحفظني في ولدي، فانتبهت، ~~وكأني أسمع كلامه لسرعة المنام. # فوثقت بأنني أتقلد الخلافة، وقويت نفسي، وزال خوفي، فقلت لغلام لم يكن ~~معي في الحبس غيره: إذا أصبحنا فامض فابتع لي خاتما، وانقش على فصه أحمد ~~المعتضد بالله، وجئني به. # فمضى، وفعل، وأتاني به، فلبسته، وقلت: إذا وليت الخلافة جعلت لقبي ~~المعتضد بالله. # ثم أخذت أقطع ضيق صدري في الحبس، بتصفح أحوال الدنيا، والفكر في تدبير ~~عمارة الخراب منها، ووجه فتح المنغلق، وتعيين العمال للنواحي، والأمراء في ~~البلاد. # ثم أخذت رقعة، فكتبت، بدر: الحاجب، عبيد الله بن سليمان: الوزير، فلان: ~~أمير البلد الفلاني، فلان: عامل البلد الفلاني، فلان: للديوان الفلاني، إلى ~~أن أتيت على ما في نفسي من ذلك، ثم دفعتها للغلام، وقلت له: احتفظ بهذه، ~~فإن دمي ودمك مرتهنان بما فيها، فحفظها. # فما مضى إلا أيام يسيرة، حتى لحقت الموفق غشية، لم يشك الغلمان معها أنه ~~قد مات، فأخرجوني، فأتوا بي إلى بيت فيه الموفق، فلما رأيته علمت أنه غير ~~ميت، فجلست عنده، وأخذت يده أقبلها وأترشفها، فأفاق، فلما رآني أفعل ذلك، ~~أظهر التقبل لي، وأومأ إلى الغلمان، أن قد أحسنتم فيما فعلتم. # PageV02P211 # ثم مات الموفق في ليلته تلك، ووليت مكانه، فابتدأت بتقرير الأمور، على ما ~~كنت قررته في الرقعة، ثم وليت الخلافة، فأمضيت بقايا تلك التدبيرات كلها. # قال لي أبي: قال لي ابن حمدون: ما عرض المعتضد ms215 في أيامه للعلويين، ولا ~~آذاهم، ولا قتل منهم أحدا. # PageV02P212 ### || سليمان بن وهب يتفاءل بمنام رآه وهو محبوس # حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، قال: حدثنا أبو الحسين عبد الواحد ~~بن محمد الحصيبي، ابن بنت ابن المدبر، قال: حدثني أبو الفضل ميمون بن هارون ~~بن مخلد بن أبان الكاتب، قال علي بن هشام: وميمون هذا، هو جد أبي الحسين بن ~~ميمون الأفطس، كاتب المتقي في أيام أبيه، ووزيره لما استخلف، قال: كانت ~~بيني وبين أبي أيوب سليمان بن وهب، مودة وكيدة، فلما تسهلت محنته بعد قتل ~~إيتاخ، صرت إليه وهو محبوس مقيد، إلا أنه مرفه في الكسوة، وكبر الدار، ~~والفرش، وحسن الخدمة، وقد صلحت حاله بالإضافة إلى ما كان عليه أول نكبته من ~~الضرب والتضييق. # فحدثني: أنه رأى في ليلته تلك، في منامه، كأن قائلا يقول له: # اصبر ورب البيت لا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور # قال: فصرت إلى أخيه أبي علي الحسن بن وهب، فحدثته بذلك، فسر به، وكان ~~كالمستتر الممتنع عن لقاء السلطان، فعمل شعرا ضمنه البيت، وسألني إيصاله ~~إلى أخيه أبي أيوب سليمان، فأخذته، وأدخلته إليه، وهو: # الدمع من عيني أخيك غزير ... في ليلة ونهاره محدور # بأبي وأمي خطوك المقصور ... أمقيد، ومصفد، وأسير؟ # PageV02P213 # وزادني غيره، في غير هذه الرواية: # ماذا بقلب أخيك مذ فارقته ... ليكاد من شوق إليك يطير # فكأنما هو قرحة مقروفة ... منها البلابل والهموم تثور # فكر يجول بها الضمير كأنما ... يذكو بها حول الشغاف سعير # وجوى دخيل ليس يعلم كنهه ... مما يلاقيه أخ وعشير # فيظنه أخدانه متسليا ... والبث في أحشائه مستور # رجع إلى الرواية الأولى: # ما كنت أحسبني أعيش ومهجتي ... تحت الخطوب تدور حيث تدور # قلقا فإنك بالعزاء جدير ... وعلى النوائب منذ كنت صبور # عثرات مثلك في الزمان كثيرة ... ولهن بعد مثابة وحبور # إن تمس في حلق الحديد فحشوها ... منك السماحة والندى والخير # والفصل للشبهات رأيك ثاقب ... فيها يضيء سداده وينير # وزادني غيره أيضا: # وتحمل العبء الثقيل بثقله ... منك المجرب عزمه المخبور # رجع إلى ms216 الرواية الأولى: # فاصبر ورب البيت لا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور # PageV02P214 # والله مرجو لكربتنا معا ... وعلى الذي نرجوه منه قدير # قال: فما مضت إلا أيام يسيرة، حتى أطلق سليمان بن وهب، ثم انتهى بعد سنين ~~إلى الوزارة. # وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس في كتابه: (كتاب الوزراء) ، على قريب من ~~هذا؛ إلا أنه أتى من الشعر ببيتين فقط. # PageV02P215 ### || لم يقصد النهاية دار الحسن بن مخلد لأنه كان متعطلا # حدثني علي بن هشام، قال: حدثني أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب، ~~قال: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن سليمان، قال: كان أبو محمد الحسن بن ~~مخلد، أول من رفعني، واستخلفني على ديوان الضياع، فكنت أخلفه عليه، إلى أن ~~ولي شجاع بن القاسم الوزارة، مع كتبة أوتامش، في أيام المستعين، فاشتد جزع ~~أبي محمد منه. # PageV02P216 # فسألته عن سبب ذلك، فقال: هذا رجل حمار، لا يغار على صناعته، وهو مع هذا ~~من أشد الناس حيلة وشرا، وهو يعرف كبر نفسي، وصغر نفسه، وقد بدأ بأبي جعفر ~~أحمد بن إسرائيل، فصرفه عن ديوان الخراج، ونكبه، ونفاه إلى أنطاكية، ولست ~~آمن أن يجعلني في أثره. # قال: فما مضى إلا أسبوع، حتى ظهر أن أبا موسى عيسى بن فرخان شاه القنائي ~~الكاتب قد سعى مع شجاع في تقلد ديوان الضياع، ثم تقلده صارفا للحسن بن ~~مخلد، وخلع عليه، فازداد جزع الحسن، وأغلق بابه، وقطع الركوب. # فبينما أنا عنده في بعض العشيات، إذ أتت رقعة من شجاع، يستدعيه، ويؤكد ~~عليه في البدار، فارتاع، ونهض، وتعلق قلبي به، فقعدت أنتظر، إلى أن عاد، ~~وهو مغموم مكروب. # فقلت: ما خبرك؟ قال: قد فرغ شجاع من التدبير علي، وذلك أنه قد صح عندي ~~بعد افتراقنا، أن أوتامش قال البارحة لبعض خواصه: قد ثقلنا على شجاع، ~~وحملناه مالا يطيق من كتبتي والوزارة، وتركنا هذا الشيخ الحسن بن مخلد، ~~متعطلا، ولا بد أن يفرج له شجاع عن كتبتي، أو الوزارة، لأقلده أحدها، فلما ~~بلغ ذلك شجاعا، أنفذ إلي في الوقت. ms217 # فلما لقيته الساعة، قال لي: يا أبا محمد، أنت شيخي، ورئيسي، وأنت ~~اصطنعتني، وأنا معترف بالحق لك، وآخر ما لك عندي من الإنعام # PageV02P217 # أن قلدتني عمالة همذان، فانتقلت منها إلى هذه المرتبة، والأمير يحذرك ~~الحذر كله، وقد أقام على أنه لا بد من نكبتك وإفقارك، فللحال التي بيننا، ~~ما أقمت على الامتناع عليه من هذا، وسألته في أمرك، وبعد أن جرت خطوب، تقرر ~~أن لا تجاوره، وتشخص إلى بغداد، ورضيته بذلك، وصرفت عنك النكبة، وقد أمرني ~~بإخراجك من ساعتك، وما زلت معه حتى استنظرته لك ثلاثة أيام، أولها يومنا ~~هذا، فاعمل على هذا، وأنك تمضي إلى بلد الأمر والنهي فيه إلى أبي العباس ~~محمد بن عبد الله بن طاهر، وهو صديقك، ويخدمك الناس كلهم، ولا تخدم أحدا، ~~وتقرب من ضيعتك. # فأظهرت له الشكر، وضمنت له الخروج، وأنا خائف منه أن يدعني حتى أخرج آلتي ~~وحرمي، ثم يقبض على ذلك كله، وينكبني. # فقلت: الوجه أن تفرق جميع مالك وحرمك والأمتعة والدواب، وتودعه ثقاتك، ~~وإخوانك، من وجوه قواد الأتراك وكتابهم، وتطرح الثقل الذي لا قيمة # PageV02P218 # له من خيش وستائر وأسرة وآلة المطبخ في الزواريق، وتجلس في الحراقة ~~العجائز اللواتي لا تفكر فيهن، ليظن أنهن الحرم، وتجتهد أن يكون خروجك ~~ظاهرا، ولا تكاشف بالاستتار، بل على سبيل توق ومراوغة، فإذا حصلت ببغداد، ~~دبرت أمرك حينئذ بما ترى. # فقال: هذا رأي صحيح، وأخذ يصلح أمره على هذا. # فلما كان في ليلة اليوم الثالث، لم أنم أكثر الليل، فكرا فيه، وغما ~~بأمره، ثم نمت لما غلبتني عيني، فرأيت في السحر كأن قائلا يقول لي: لا ~~تغتم، فقد ركب الأتراك من أصحاب وصيف وبغا، إلى أوتامش وكاتبه شجاع، وقد ~~هجموا عليهما، وقتلوهما، واسترحتم منهما. # فانتبهت مروعا، ووجدت الوقت حين انفجار الصبح، فصليت، وركبت إلى الحسن بن ~~مخلد، فدخلت إليه من باب له غامض؛ لأنه كان قد أغلق أبوابه المعروفة، ~~فسألته عن خبره. # فقال: هذا آخر الأجل، وقد خفت أن يعاجلني شجاع بالقبض علي، وقد أغلقت ~~أبوابي، ms218 واستظهرت بغلمان يراعون رسله، فإن جاءوا ورأوا أمارات الشر منهم، ~~خرجت من هذا الباب الغامض، وأن يسألوا عن شجاع، # PageV02P219 # فإن كان في داره قالوا لمن جاء يطلبني: إنه في دار الأمير، وإن كان في ~~دار الأمير، قالوا للرسل: إنه في دار شجاع، مدافعة عني حتى أهرب، قال: ~~فقصصت عليه الرؤيا، فتضاحك، وقال: ما ظننتك بهذه الغفلة، نحن في اليقظة على ~~ما ترى، كيف يصح لنا خبرك في منامك؟ هذا إنما نمت وأنت تتمنى خلاصي، فرأيت ~~ذلك في منامك. # فخرجت من عنده أريد داري، فلقيني جماعة في الطريق، فعرفوني أن الأتراك قد ~~ركبوا بالسلاح، فعدت إلى منزلي، وأغلقت بابي، ووصيت عيالي بحفظ الدار، ثم ~~عدت، فدخلت إلى الحسن، فأخبرته بالخبر، فأمر بمراعاة الأمر. # فما زلنا نتعرف الأخبار، ساعة بساعة، إلى أن جاء الناس فعرفونا أن ~~الأتراك قتلوا شجاعا، ثم دخل رجل، فقال: أنا رأيت الساعة رأس أوتامش، وصح ~~الخبر بقتلهما جميعا. # ونهبت سامراء كلها، فما أفلت أحد من النهب أحسن من إفلات الحسن بن مخلد؛ ~~لأن ماله كله كان قد حصل عند القواد وكتابهم، فلم يضع منه شيء، وكان ~~متعطلا، فلم يقصد النهابة داره، وما أمسينا إلا في أتم سرور وفرح؛ لأنه فرج ~~عنا بما لم يكن في حسابنا. # PageV02P220 ### || اتخذ من رؤيا ادعى أنه رآها سببا للتخلص من حبس سيف الدولة # حدثني أبو الفرج المخزومي، المعروف بالببغاء الشاعر، قال: كان بحلب بزاز ~~يعرف بأبي العباس بن الموصول، اعتقله سيف الدولة، بخراج كان عليه، مدة، ~~وكان الرجل حاذقا بالتعبير للرؤيا. # فلما كان في بعض الأيام، كنت بحضرة سيف الدولة، وقد وصلت إليه رقعة ~~البزاز، يسأله فيها حضور مجلسه، فأمر بإحضاره. # وقال: لأي شيء سألت الحضور؟ فقال: لعلمي أنه لا بد أن يطلقني الأمير سيف ~~الدولة من الاعتقال، في هذا اليوم. # قال: ومن أين علمت ذلك؟ قال: إني رأيت البارحة في منامي، في آخر الليل، ~~رجلا قد سلم إلي مشطا، وقال لي: سرح لحيتك، ففعلت ذلك، فتأولت التسريح، ~~سراحا من شدة واعتقال، ولكون ms219 المنام في آخر الليل، حكمت أن تأويله يصح # PageV02P221 # سريعا، ووثقت بذلك، فجعلت الطريق إليه مسألة الحضور، لأستعطف الأمير. # فقال له: أحسنت التأويل، والأمر على ما ذكرت، وقد أطلقتك، وسوغتك خراجك ~~في هذه السنة. # فخرج الرجل يشكره ويدعو له. # PageV02P222 ### || خراساني يودع بدرة من المال لدى أبي حسان الزيادي فيسارع إلى إنفاقها # أخبرني القاضي أبو طالب محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، فيما ~~أجاز لي روايته عنه، بعدما سمعته منه، قال: حدثنا محمد بن خلف وكيع القاضي، ~~قال: حدثني أبو سهل الرازي القاضي، قال: حدثنا أبو حسان الزيادي القاضي، ~~قال: جاءني رجل من أهل خراسان، فأودعني بدرة دراهم، فأخذتها مضمونة، وكنت ~~مضيقا، فأسرعت في إنفاقها، وكان قد عزم المودع على الحج، ثم بدا له، فعاد ~~يطلبها فاغتممت، وقلت له: تعود إلي من غد. # PageV02P223 # ثم فزعت إلى الله تعالى، ودعوته، وركبت بغلتي في الغلس، وأنا لا أدري إلى ~~أين أتوجه، وعبرت الجسر وأخذت نحو المخرم، وما في نفسي أحد أقصده، ~~فاستقبلني رجل راكب، فقال: إليك بعثت. # فقلت: من بعثك؟ فقال: دينار بن عبد الله، فأتيته، وهو جالس. # فقال لي: ما حالك؟ قلت: وما ذاك؟ فقال: وما نمت الليلة إلا أتاني آت، ~~فقال: أدرك أبا حسان. # فحدثته بحديثي، فدعا بعشرين ألف درهم، فدفعها إلي، فرجعت، فصليت في مسجدي ~~الغداة، وجاء الرجل، فدفعت إليه ماله، وأنفقت الباقي. # ووقع إلي هذا الخبر، من طريق آخر، فحدثني طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد، ~~وقرأته بالإجازة عن طلحة، قال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد ~~الخصيبي، قال: حدثني أبو علي أحمد بن إسماعيل نطاحة، قال: حدثني أبو سهل ~~الرازي القاضي، قال: حدثنا أبو حسان الزيادي القاضي، قال: أضقت إضاقة بلغت ~~بها إلى الغاية، حتى ألح علي الخباز، والقصاب، والبقال، وسائر المعاملين، ~~ولم تبق لي حيلة. # فإني يوما من الأيام على تلك الحال، مفكرا في أمري، كيف أعمل، وكيف ~~أحتال، إذ دخل علي غلامي، فقال: بالباب حاج يستأذن عليك. # فقلت: أدخله. # PageV02P224 # فدخل علي رجل خراساني، فسلم، ms220 وقال: أنت أبو حسان؟ قلت: نعم، فما حاجتك؟ ~~قال: أنا رجل غريب، أريد الحج، ومعي جملة مالي، وهو عشرة آلاف درهم، وقد ~~أحضرته في بدرة معي أسألك أن تقبضها وتدعها قبلك، إلى أن أقضي حجي، وأرجع، ~~فإني غريب، وما أعرف أحدا في هذا البلد. # فقلت: هات البدرة. # فسلمها إلي، وخرج بعد أن وزن ما فيها. # فلما خرج، فتحتها على الفور، وأحضرت المعاملين، فقضيت جميع ديوني، واتسعت ~~بالباقي، وقلت: أضمنها في مالي إلى أن يعود من الحج، وإلى أن يجيء، يأتي ~~الله بفرج من عنده. # فكنت في يومي ذاك، في سعة، وأنا فرح، لست أشك في خروج الخراساني. # فلما أصبحت من الغد، دخل علي الغلام، فقال: الخراساني الذي أودعك البدرة، ~~بالباب. # فقلت: أدخله. # فدخل، وقال: اعلم أني كنت عازما على الحج، ثم ورد علي خبر وفاة أبي، وقد ~~عزمت على الرجوع إلى بلدي، فتفضل علي بإعادة البدرة التي أعطيتك أمس. # فورد علي أمر عظيم، لم يرد علي مثله قط، وتحيرت، ولم أدر بما أجيبه، ثم ~~فكرت، فقلت: ماذا أقول له؟ إن جحدته قدمني إلى القاضي، واستحلفني # PageV02P225 # فكانت الفضيحة في الدنيا والآخرة والهتك، وإن دافعته صاح وهتكني. # فقلت له: نعم، عافاك الله، إن منزلي هذا ليس بالحريز، ولما أخذت منك ~~البدرة، أنفذتها إلى موضع أحرز منه، فتعود إلي غدا، لأسلمها إليك. # فانصرف، وبقيت متحيرا، لا أدري ما أعمل، وعظم علي الأمر جدا، فأدركني ~~الليل، وفكرت في بكور الخراساني، فلم يأخذني النوم، ولا قدرت على الغمض. # فقمت إلى الغلام، فقلت: أسرج البغلة. # فقال: يا مولاي، هذا أول الليل، إلى أين تمضي؟ فرجعت إلى فراشي، فإذا ~~النوم ممتنع علي، فلم أزل أقوم إلى الغلام، وهو يردني، حتى فعلت ذلك مرات، ~~وأنا لا يأخذني القرار. # وطلع الفجر، فأسرج الغلام البغلة، فركبت، وأنا لا أدري إلى أين أتوجه، ~~فطرحت عنان البغلة، وأقبلت أفكر وهي تسير، حتى بلغت الجسر فعدلت بي إليه، ~~فتركتها فعبرت. # ثم قلت: إلى أين أعبر، إلى أين أتوجه؟ ولكن إن رجعت، رأيت الخراساني ms221 على ~~بابي، ولكن أدعها تمضي حيث شاءت، فمضت البغلة، فلما عبرت البغلة الجسر، ~~أخذت بي يمنة، ناحية دار المأمون، وتركتها، # PageV02P226 # ومرت، فلم أزل كذلك إلى أن قربت من درا المأمون، والدنيا بعد مظلمة. # فإذا فارس قد تلقاني، فنظر في وجهي، ثم سار وتركني، ثم رجع، وقال: ألست ~~أبا حسان الزيادي؟ فقلت: بلى. # قال: إليك بعثت. # فقلت: ما تريد، رحمك الله، ومن بعث بك؟ فقال: الأمير الحسن بن سهل. # فقلت: وما يريد مني الحسن بن سهل؟ ثم قلت: امض بنا، فمضى حتى استأذن على ~~الحسن بن سهل، فدخلت إليه. # PageV02P227 # فقال: يا أبا حسان، ما خبرك، وكيف حالك، ولم انقطعت عنا؟ فقلت: لأسباب، ~~وذهبت لأعتذر عن التخلف. # فقال: دع هذا عنك، أنت في لوثة، وفي أمر ما هو، فإني رأيتك في النوم، في ~~تخليط كثير. # فشرحت له قصتي، من أولها إلى أن لقيني صاحبه، ودخلت عليه. # فقال: لا يغمك الله يا أبا حسان، هذه بدرة للخراساني، مكان بدرته، وهذه ~~بدرة أخرى تتسع بها، فإذا نفدت أعلمنا. # فرجعت من ساعتي، فدفعت للخراساني بدرته، واتسعت بالباقي، وفرج الله عني، ~~فله الحمد. # وحدثني بهذا الحديث أيضا، أبو الفرج محمد بن جعفر، من ولد صالح صاحب ~~المصلى، قال: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي حسان الزيادي، وكان ~~محدثا ببغداد، ثقة، مشهورا، قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: كنت وليت القضاء ~~من قبل أبي يوسف القاضي رحمه الله، ثم صرفت، وتعطلت، وأضقت إضاقة شديدة، ~~وركبني دين فادح، لخباز، وبقال، وقصاب، وعطار، وبزاز، وغيرهم، حتى قطعوا ~~معاملتي لكثرة مالهم علي، وإياسهم من أن أقضيهم، فتضاعفت إضاقتي، واشتدت ~~حيرتي. # فإني يوما بمسجدي، قد صليت بأهله الغداة، ثم انفتلت أدرس أصحابي الفقه إذ ~~جاءني رجل خراساني، وذكر الحديث على نحو ما ذكره # PageV02P228 # طلحة إلا أنه لم يقل فيه جملة: فإلى. . . .، وقال أبو الفرج في حديثه: ~~فلما بلغت مربعة الخرسي، استقبلني موكب فيه شموع ونفاطات، قد أضاء منه ~~الطريق، فصار كالنهار، فطلبت زقاقا أستخفي فيه، حتى يجوز الموكب، فلم ms222 أجد، ~~فإذا برجل من الموكب، يقول: أبو حسان والله، فتأملته، فإذا هو دينار بن عبد ~~الله، فسلمت عليه. # فقال: إليك جئت، أرسل إلي أمير المؤمنين الساعة، وأمرني أن أركب إليك ~~بنفسي، وأحضره إياك. # فمضيت معه، حتى أدخلني على المأمون. # فقال لي المأمون: ما قصتك؟ فإني رأيتك في النوم البارحة، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم، يأمرني بإغاثتك. # فحدثته بحديثي. # فقال المأمون: أعطوا أبا حسان ثلاث بدر، وولاني الري، وأمرني بالخروج ~~إليها. # قال: فعدت إلى بيتي وما طلع الفجر، فلما كان وقت صلاتي في مسجدي، خرجت، ~~وإذا بالخراساني، فلما قضيت الصلاة، أدخلته إلى البيت، فأخرجت إليه البدر. # PageV02P229 # فلما رآها، قال: ما هذا؟ فقصصت عليه القصة، وأعطيته بدرة منها، فأخذها ~~وانصرف. # وذكر محمد بن عبدوس، في كتاب (الوزراء) ، في أخبار دينار بن عبد الله: أن ~~رسوله لقي أبا حسان في الطريق، فقال له: قسمت شيئا على عيالنا، فذكرت ~~عيالك، فأنفذت إليك عشرة آلاف درهم، فأخذها، ورجع من الطريق، وباكره ~~الخراساني فأعطاه إياها كلها؛ لأنه كان قد أنفق جميع مال الخراساني، ثم عاد ~~من غد إلى دينار، فعرفه وشكره وعرفه الحديث. # فقال: فكأنما قضينا الخراساني في ماله، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم أخرى، ~~ولم يذكر ابن عبدوس في خبره ذكر المنام. # وحدثني أبي هذا الحديث في المذاكرة، قال: حدثني شيخ، ذكره أبي وأنسيته ~~أنا، عن أبي حسان الزيادي، بنحو ما ذكره محمد بن جعفر في حديثه، إلا أنه ~~قال فيه: إن الخراساني قال في حديثه لأبي حسان: إن رجع الحجاج ولم ترني قد ~~رجعت إليك، فاعلم أني هلكت، والبدرة هبة مني إليك، وإن رجعت فهي لي، ثم ~~يتقارب لفظ الحديثين، إلى أن لقيه في الجانب الشرقي قوم فلما رآهم تنحى عن ~~طريقهم، فلما رأوه بطيلسان بادروا إليه، وقالوا له: أتعرف منزل رجل يقال ~~له: أبو حسان الزيادي؟ فقال: أنا هو فقالوا له: أجب أمير المؤمنين، وحمل، ~~فأدخل إلى المأمون. # فقال له: من أنت؟ # PageV02P230 # فقال: رجل من أصحاب أبي يوسف القاضي من الفقهاء وأصحاب ms223 الحديث. # قال: بأي شيء تكنى؟ فقال: بأبي حسان. # فقال: بماذا تعرف؟ فقال: بالزيادي، ولست منهم، وإنما نزلت فيهم، فنسبت ~~إليهم. # فقال: قصتك، فشرحت له قصتي. # فبكى بكاء شديدا، وقال: ويحك، ما تركني رسول الله أن أنام بسببك، أتاني ~~في أول الليل فقال: أغث أبا حسان الزيادي، فانتبهت ولم أعرفك، واعتمدت ~~السؤال عنك، وأثبت اسمك ونسبك ونمت، فأتاني، فقال كمقالته، فانتبهت منزعجا، ~~ثم نمت، فأتاني، وقال: ويحك، أغث أبا حسان، فما تجاسرت على النوم، وأنا ~~ساهر، وقد بثثت في طلبك، ثم أعطاني عشرة آلاف درهم، وقال: هذه للخراساني، ~~ثم أعطاني عشرة آلاف درهم أخرى، وقال: اتسع بهذه، وأصلح أمرك، وعمر دارك، ~~واشتر مركوبا سريا، وثيابا حسنة، وعبدا يمشي بين يدي دابتك، ثم أعطاني ~~ثلاثين ألف درهم، وقال: جهز بها بناتك، وزوجهن، فإذا كان يوم الموكب، فصر ~~إلي، حتى أقلدك عملا جليلا، وأحسن إليك. # فخرجت والمال بين يدي محمول، حتى أتيت مسجدي، فصليت الغداة، والتفت فإذا ~~الخراساني بالباب، فأدخلته إلى البيت، وأخرجت بدرة فدفعتها إليه. # فقال: ليس هذه بدرتي، أريد مالي بعينه. # فقصصت عليه قصتي، فبكى، وقال: والله لو صدقني في أول الأمر عن خبرك لما ~~طالبتك، وأما الآن، فوالله لا دخل مالي شيء من مال هؤلاء، وأنت في حل، ~~وانصرف. # PageV02P231 # فأصلحت أمري، وبكرت يوم الموكب إلى باب المأمون، فدخلت، وهو جالس جلوسا ~~عاما. # فلما مثلت بين يديه استدناني، ثم أخرج عهدا من تحت مصلاه، وقال: هذا عهدك ~~على قضاء المدينة الشرقية من الجانب الغربي من مدينة السلام، وقد أجريت ~~عليك في كل شهر كذا وكذا، فاتق الله تدم عليك عناية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فعجب الناس من كلام المأمون وسألوني عن معناه، فأخبرتهم الخبر، فانتشر. # فما زال أبو حسان قاضي الشرقية، إلى آخر أيام المأمون. # PageV02P232 ### || حبسه المهدي وأطلقه الرشيد # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حدثني أبو عمر محمد بن عبد الواحد، ~~قال: حدثني بشر بن موسى الأسدي، قال: أخبرني بعض الهاشميين، قال: حبس ~~المهدي يعقوب بن داود ms224 وزيره، فطال حبسه، فرأى في منامه، كأن قائلا يقول له: ~~قل: يا رفيق، يا شفيق، أنت ربي الحقيق، ادفع عني الضيق، إنك على كل شيء ~~قدير. # قال: فقلتها، فما شعرت إلا بالأبواب تفتح، ثم أدخلت على الرشيد، فقال: ~~أتاني الذي أتاك، فاحمد الله عز وجل. # وخلى سبيلي. # وقد روي هذا الخبر، على خلاف هذا، فحدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ~~ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني خالد بن يزيد الأزدي. # وأخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أنبأنا أبو بكر # PageV02P233 # محمد بن محمد السرخسي، قال: حدثنا أبو عبد الله المقدمي القاضي، قال: ~~حدثنا أبو محمد المعي، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن ~~يعقوب بن داود، قال: قال لي أبي: حبسني المهدي في بئر بنيت عليها قبة، فكنت ~~فيها خمس عشرة سنة، حتى مضى صدر من خلافة الرشيد، وكان يدلى لي في كل يوم ~~رغيف وكوز ماء، وأؤذن بأوقات الصلاة، فلما كان رأس ثلاث عشرة سنة، أتاني آت ~~في منامي، فقال: # حنا على يوسف رب فأخرجه ... من قعر جب وبئر حولها غمم # فحمدت الله تعالى، وقلت: أتاني الفرج، ثم مكثت حولا لا أرى شيئا، فلما ~~كان رأس الحول، أتاني ذلك الآتي، فقال: # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي، بعد الحول، فقال: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب # فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب # PageV02P234 # فلما أصبحت، نوديت، فظننت أني أؤذن بالصلاة، فدلي إلي حبل، وقيل لي: شد ~~به وسطك، ففعلت، فأخرجوني، فلما تأملت الضوء، غشي بصري، فأخذ من شعري، ~~وألبست ثيابا، وأدخلت إلى مجلس، فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. # فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين المهدي، ورحمة الله وبركاته. # فقال: لست به. # فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الهادي، ورحمة الله وبركاته. # فقال: لست به. # فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد، ms225 ورحمة الله وبركاته. # فقال: وعليك السلام، يا يعقوب بن داود، والله ما شفع أحد فيك إلي، غير ~~أني حملت الليلة صبية لي على عنقي، فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك من ~~المحل الذي كنت فيه، فأخرجتك، ثم أكرمني، وقرب مجلسي. # ثم إن يحيى بن خالد تنكر لي، كأنه خاف أن أغلب على الرشيد دونه، فخفته، ~~فاستأذنت في الحج، فأذن لي. # فلم يزل مقيما بمكة، حتى مات بها. # PageV02P235 # حدثني أبي في المذاكرة بإسناد له، وكان في الخبر: أن المهدي حبسه قي بئر، ~~ووكل أمره إلى خادم له، واستحلفه أن لا يخبر بخبره أحدا من الخلق كلهم، ~~فكان الخادم الموكل به، ينزل إليه في كل يوم رغيفين، ودورق ماء، منه شربه ~~وطهوره، وفي البئر موضع يتطهر فيه، فكان كذلك خمس عشرة سنة. # فلما كان بعد خمس عشرة سنة 115 م سأل عنه الرشيد، فقيل له: سلم إلى فلان ~~الخادم، وذكر أنه مات. # فأحضر الخادم، وسأله عنه، فقال: إنه مات. # فاستثبته، فرأى كلاما مختلفا، فجد به، فقال: لا أعرف غير موته، فهدده، ~~فأقام على الإنكار، إلى أن استحضر الرشيد المقارع. # فاقل: أنا أصدق، استحلفني أمير المؤمنين المهدي، ألا أخبر بخبره أحدا من ~~الخلق أبدا. # فأكرهه الرشيد، فدل على البئر التي هو فيها، ثم تتفق الروايات. # قال: فلما وقف بين يدي الرشيد، وسلم، قال له الرشيد، مخفيا كلامه، من ~~أمير المؤمنين؟ فقال: المهدي. # قال: قد مضى لحال سبيله، فسلم على أمير المؤمنين، فسلم. # فقال: قولوا له من أمير المؤمنين؟ # PageV02P236 # قال: الهادي. # قال: قد مضى لحال سبيله، فسلم على أمير المؤمنين، فسلم. # فقال: قولوا له، من أمير المؤمنين؟ فقال: هارون، ثم تتفق الروايتان. # وروي لي هذا الخبر على وجه آخر، وهو أضعف عندي، غير أني أجيء به كما ~~بلغني، فحدثت بروايات مختلفة، قالوا: حدث عبد الله بن أيوب، قال: رأيت ~~يعقوب بن داود في الطوف، فقلت له: كيف كان سبب خروجك؟ قال: كنت في المطبق ~~حتى خفت على بصري، فأتاني آت في منامي، فقال ms226 لي: يا يعقوب كيف ترى مكانك؟ ~~فقلت: وما سؤالك؟ أما ترى ما أنا فيه، أليس يكفيك هذا؟ فقال: أسبغ الوضوء، ~~وصل أربع ركعات، وقل: يا محسن، يا مجمل، يا منعم، يا مفضل، يا ذا الفضل ~~والنعم، يا عظيم، يا ذا العرش العظيم، اجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا. # فانتبهت، وقلت في نفسي: هذا في النوم، ورجعت إلى نفسي، فحفظت الدعاء، ~~وقمت، فتوضأت، وصليت، ودعوت به، فلما أسفر الصبح، جاءوني، فأخرجوني. # فقلت: ما دعاني إلا ليقتلني. # فلما رآني، أومأ إليهم، اذهبوا به إلى الحمام، فنظفوه، وأتوني به، فطابت ~~نفسي، وسجدت شكرا لله تعالى، فأطلت السجود. # فقالوا لي: قم. # PageV02P237 # فقال لهم الرشيد: دعوه ما دام ساجدا، ثم رفعت رأسي، ثم مضي بي إلى ~~الحمام. # فلما خرجت خلع علي، ثم ضرب بيده على ظهري، وقال لي: يا يعقوب، لا يمنن ~~عليك أحد بمنة، فما زلت منذ الليلة قلقا بأمرك. # PageV02P238 ### || المهدي يطلق علويا من حبسه لمنام رآه # وجدت في بعض الكتب: أن المهدي استحضر صاحب شرطته ليلا، وقد انتبه من نومه ~~فزعا، فقال له: ضع يدك على رأسي، واحلف بما أستحلفك به. # قال: فقلت: يدي تقصر عن رأس أمير المؤمنين، ولكن علي وعلي، وحلفت بأيمان ~~البيعة أني أمتثل ما تأمر به. # فقال: صر إلى المطبق، واطلب فلانا العلوي الحسيني، فإذا وجدته فأخرجه ~~وخيره بين الإقامة عندنا مطلقا مكرما محبورا، وبين الخروج إلى أهله، فإن ~~اختار الخروج قدت إليه كذا وكذا، وأعطيته كذا وكذا، وإن اختار المقام ~~أعطيته كذا وكذا، وهذه توقيعات بذلك. # فأخذتها وصرت إلى من أزاح علتي في الجميع، وجئت إلى المطبق، فطلبت الفتى، ~~فأخرج إلي وهو كالشن البالي، فعرفته أمر أمير المؤمنين، وعرضت عليه ~~الحالين، فاختار الخروج إلى أهله بالمدينة، فسلمت إليه الصلة والحملان. # فلما جاء ليركب ويمضي، قلت: بالذي فرج عنك، هل تعلم ما دعا أمير المؤمنين ~~إلى إطلاقك؟ قال: إني والله، كنت الليلة نائما، فرأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في منامي، وقد أيقظني، وقال: يا بني ظلموك؟ قلت: ms227 نعم، يا رسول الله. # قال: قم، فصل ركعتين، وقل بعد الفراغ، يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ~~ويا ناشز العظام بعد الموت، صل على محمد وعلى آل محمد، واجعل لي من أمري ~~فرجا ومخرجا، إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، يا ~~أرحم الراحمين. # PageV02P239 # قال: فقمت، وصليت، وجعلت أكرر الكلمات، حتى دعوتني. # قال: فحمدت الله على توفيقي لمسألته، وعدت إلى المهدي، فحدثته بالحديث. # فقال: صدق والله، لقد أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، ~~فأمرني بإطلاقه. # وفي خبر آخر: لقد أتاني زنجي في فراشي، بعمود حديد، فقال لي: أطلق فلانا ~~العلوي الحسيني وإلا قتلتك، فانتبهت فزعا، فما جسرت على النوم، حتى جئتني، ~~فأمرت بإطلاقه. # PageV02P240 ### || المعتمد يطلق بريئين من حبسه لمنام رآه # حدثني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، فيما أجاز لي روايته عنه، بعدما ~~سمعته منه، قال: حدثني أحمد بن يزيد المهلبي، قال: كنا ليلة بين يدي ~~المعتمد على الله، فحمل عليه النبيذ 117 م، فجعل يخفق برأسه نعاسا. # فقال: لا يبرحن أحد، ثم نام مقدار نصف ساعة، وانتبه، وكأنه ما شرب شيئا. # فقال: أحضروا لي من الحبس رجلا يعرف بمنصور الجمال، فأحضر. # فقال له: منذ كم أنت محبوس؟ فقال: منذ ثلاث سنين. # قال: فأصدقني عن خبرك؟ قال: أنا رجل من أهل الموصل، كان لي جمل أعمل عليه ~~وأعود بكرائه على عيلتي، فضاق الكسب علي بالموصل، فقلت: أخرج إلى سر من رأى ~~فإن العمل ثم أكثر، فخرجت. # PageV02P241 # فلما قربت منها، إذا جماعة من الجند قد ظفروا بقوم يقطعون الطريق، وكتب ~~صاحب البريد بعددهم، وكانوا عشرة، فأعطاهم واحد من العشرة مالا على أن ~~يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مكانه، وأخذوا جملي، فسألتهم بالله عز وجل، ~~وعرفتهم خبري، فأبوا، ثم حبسوني، فمات بعض القوم، وأطلق بعضهم، وبقيت وحدي. # فقال المعتمد: أحضروني خمس مائة دينار، فجاءوه بها. # فقال: ادفعوها إليه، وأجرى عليه ثلاثين دينارا في كل شهر، وقال: اجعلوا ~~أمر جمالنا إليه. # ثم أقبل علينا، فقال: رأيت الساعة النبي صلى ms228 الله عليه وسلم، في النوم، ~~فقال: يا أحمد، وجه الساعة إلى الحبس، وأخرج منصورا الجمال، فإنه مظلوم، ~~وأحسن إليه، ففعلت ما رأيتم. # قال: ثم نام من وقته، وانصرفنا. # ووقع إلي هذا الخبر، بطريق آخر، بأتم من هذه الرواية، فحدثني أبو محمد ~~الحسن بن محمد الصلحي، الذي كان كاتب أبي بكر بن رائق، ثم كتب لسيف الدولة، ~~ثم كان آخر تصرف تصرفه، أن كتب للمطيع لله، رحمه الله، على ضياع الخدمة، ~~وخاص أمره، في وزارة أبي محمد المهلبي لمعز الدولة، قال: حدثني أبو علي ~~الأوارجي الكاتب، قال: حدثني أبو محمد # PageV02P242 # عبد الله بن حمدون النديم، قال: كان المعتمد مع سماحة أخلاقه، وكثرة جوده ~~وسخائه، شديد العربدة على ندمائه إذا سكر، لا يكاد يسلم له من العربدة مجلس ~~إلا في الأقل، فاشتهى يوما أن يصطبح على أترج، فاتخذ له منه شيء كثير، مفرط ~~العدد، وعبي، وحزم بعضه، فاصطبح عليه، ولم يدع شيئا من الخلع والصلات ~~والحملان، إلا وعمله مع ندمائه في ذلك اليوم، وخصني منه بالكثير، وكان كثير ~~الشرب، وكانت علامته إذا أراد أن ينهض جلساؤه، أن يلتفت إلى سرير لطيف، كان ~~إذا جلس يستند إليه، ويشيل رجليه، كأنه يريد أن يصعد، فيقوم جلساؤه، فإذا ~~كان يريد النوم صعده، فنام، # PageV02P243 # وإن لم يرد النوم، رد رجله إذا قمنا، وأتم شربه مع بعض خدمه، أو حرمه. # فلما كان ذلك اليوم، جلسنا بحضرته نهارنا أجمع، وقطعة من الليل، ثم رد ~~رجله إلى السرير في أول الليل، فقمنا، وانصرف الجلساء إلى حجرة مرسومة بهم، ~~وانصرفت إلى حجرة مرسومة بي من بينهم. # فلما انتصف الليل، إذا بالخدم يدقون باب حجرتي، فانتبهت مرعوبا، فقالوا: ~~أجب أمير المؤمنين. # فقمت، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى يومنا وبعض ليلتنا، أحسن مضي، ~~وقدرت أني أفلت من عربدته، فقد عن له أن يعربد علي، فاستدعاني في هذا ~~الوقت. # فأتيته وأنا في نهاية الجزع، أفكر كيف أشاغله عن العربدة، إلى أن صرت ~~بحضرته. # PageV02P244 # فلما رآني قائما لم يستجلسني، وقال لخادمه: علي ms229 بصاحب الشرطة الساعة. # فمت جزعا، وقلت في نفسي وأنا واقف بين يديه: لم تجر عادته في العربدة ~~باستدعاء صاحب الشرطة، وما هذا إلا لبلية قد احتيل بها علي عنده. # فأقبلت أنظر إليه طمعا أن يفاتحني بكلمة، فأداريه في الجواب، وهو لا يرفع ~~رأسه عن الأرض، إلى أن جاء صاحب الشرطة، فرفع رأسه إليه، وقال له: في حبسك ~~رجل يعرف بفلان بن فلان الجمال؟ وفي رواية: يعرف بمنصور الجمال؟ قال: نعم. # قال: أحضرنيه الساعة. # فمضى ليحضره، فسهل علي الأمر قليلا، ووقفت، وهو لا يخاطبني بشيء، إلى أن ~~أحضر الرجل. # فقال له المعتمد: من أنت؟ قال: أنا منصور بن فلان الجمال. # قال: وما قصتك؟ قال: أنا مظلوم، حبست منذ كذا وكذا سنة، وأنا رجل من أهل ~~الجبال، كان لي جمال أعيش من فضل أجرتها. # وكان يتقلد بلدنا فلان العامل، فاستدعي إلى الحضرة، فأخذ جمالي غصبا ~~يستعين بها في حمل متاعه. # فتظلمت إليه وصحت، فلم ينفعني ذلك، وقال: إذا صرت بالحضرة رددتها عليك. # PageV02P245 # فخرجت معه لئلا تذهب الجمال أصلا، فكنت مع جمالي أخدمها في الطريق. # فلما قربنا من حلوان سل الأكراد منها جملا محملا، فبلغه الخبر، فأحضرني، ~~وقال: أنت سرقت الجمل بما عليه، فقلت: غلمانك يعلمون أن الأكراد سلوه. # فقال: الأكراد إنما جاءوا بمواطأة منك، ثم أمر بضربي، وتقييدي، وطرحي على ~~بعض جمالي. # فلما وردنا الحضرة أنفذت إلى الحبس، وأخذ الجمال، ولم يكن لي متظلم، ولا ~~مذكر ولا متكلم، فطال حبسي، وطالت بي المحنة إلى الآن. # فقال لبعض الخدم: امض الساعة إلى فلان العامل، واقعد على دماغه، ولا ~~تبرح، أو يرد عليه جماله أو قيمتها على ما يريد، فإذا قبض ذلك، فاحمله إلى ~~الخزانة، واكسه كسوة حسنة، وادفع إليه كذا وكذا دينارا، واصرفه مصاحبا. # ثم قال لصاحب الشرطة: في حبسك رجل يعرف بفلان بن فلان الحداد؟ قال: نعم، ~~قال: أحضرنيه الساعة، فأحضره. # فقال له: ما قصتك؟ قال: أنا رجل حبست بظلم، أنا رجل من أهل الشام، وكانت ~~لي نعمة فزالت، فهربت من بلدي ms230 واتصلت محنتي إلى أن وافيت الحضرة طلبا ~~للتصرف، فتعذر علي حتى كدت أتلف جوعا. # فسالت عن عمل أعمله ليلا لأتوفر نهارا على طلب التصرف، وأنفق في النهار ~~ما أكسبه ليلا، فأرشدت إلى حداد يعمل ليلا، فقصدته، فاستأجرني # PageV02P246 # بدرهم في كل ليلة، وكنت أعمل معه، وكان معه غلام آخر يضرب بالمطرقة، ~~فأفسد ذلك الغلام على الحداد نعلا كان يضربها، فاغتاظ عليه، ورماه بالنعل ~~الحديد على قلته، فتلف للوقت، فهرب الحداد، وبقيت أنا في الموضع متحيرا لا ~~أدري إلى أين أمضي، وأحس الحارس في الحال بما رابه في الدكان، فهجم علي ~~فوجدني قائما، والغلام ميتا فلم يشك أني القاتل، فقبض علي ورفعني، فحبست ~~إلى الآن، فقال لصاحب الشرطة: خل عنه. # وقال لخادم آخر: خذه فغير حاله، وادفع إليه خمس مائة دينار، ودعه ينصرف ~~مصاحبا. # ثم رفع رأسه إلي، وقال: يابن حمدون، الحمد الله الذي وفقني لهذا الفعل، ~~ففرج عني، فقلت: كيف تكلف أمير المؤمنين النظر في هذا بنفسه، في مثل هذا ~~الوقت؟ فقال: ويحك إني رأيت في منامي رجلا يقول لي: في حبسك رجلان مظلومان، ~~يقال لأحدهما: منصور الجمال، والآخر: فلان بن فلان الحداد، فأطلقهما الساعة ~~وأحسن إليهما وأنصفهما، فانتبهت مذعورا، ثم نمت. # فما استثقلت حتى رأيت الشخص بعينه، يقول لي: ويلك آمرك أن تطلق رجلين ~~مظلومين في حبسك، قد طال مكثهما، وأن تنصفهما وتحسن إليهما، فلا تفعل، ~~وترجع تنام؟ لقد هممت أن أوجعك، فكاد يمد يده إلي. # فقلت له: يا هذا من أنت؟ فقال: أنا محمد رسول الله، فكأني قبلت يده، ~~وقلت: يا رسول الله، ما عرفتك، ولو عرفتك ما تجاسرت على تأخير أمرك. # PageV02P247 # قال: قم، فاعمل في أمرهما الساعة، بما أمرتك به، فانتبهت مذعورا، ~~فاستدعيتك لتشاهد ما يجري. # فقلت: هذه عناية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمير المؤمنين، ~~واهتمام بما يصلح دينه، ويثبت ملكه، ومنة عظيمة عليه، لله عز وجل ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # فقال: امض فقد أزعجناك، فعدت إلى حجرتي. # فلما كان من الغد عشيا، دخلت ms231 إليه وهو جالس للشرب على الرسم فأحببت أن ~~أعرف الجلساء ما جرى البارحة، ليسر هو بذلك، وكنت أعرف من طبعه أنه يحب ~~الإطراء والمدح، ونشر ما هذا سبيله، فإنه إذا عمل جميلا أكثر من ذكره، ~~وتبجح به، وإن كان صغيرا. # فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يخبر خدمه، بما كان من المعجزة ~~البارحة، وعناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافته. # فقال: وما ذاك؟ فقلت: إحضاري البارحة، وإحضار صاحب الشرطة، والجمال، ~~والحداد، ورؤياه النبي صلى الله عليه وسلم، وما أمره به فيهما، وما تقدم به ~~إلى أمير المؤمنين من إنصافهما. # فقال: والله ما أذكر من هذا شيئا، وما كنت إلا سكران، ونائما طول ليلتي، ~~وما انتبهت. # فقلت: بلى يا سيدي. # فتنكر، وقال: يابن حمدون قد صرت تغالطني وتخادعني بالكذب؟ # PageV02P248 # فقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله، هذا أمر مشهور في الدار عند الخدم ~~الخاصة وصاحب الشرطة نفسه، وقصصت عليه القصة، وشرحتها. # فاستدعى الخدم، فتحدثوا بمثل ما ذكرته، فأظهر تعجبا شديدا، وحلف بالله ~~العظيم، وبالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالنفي من العباس، ~~أنه لا يذكر شيئا من ذلك، ولا يعلم أنه كان نائما، ولا رأى مناما، ولا ~~انتبه، ولا جلس، ولا استدعى أحدا، ولا أمر بأمر. # فما رأيت أعجب من هذا المنام والحال، ولا أطرف من هذا الاتفاق في نسيانه ~~بعد ذلك. # ووجدت في خبر آخر، قريب من هذا، ولا يذكر فيه حديث الأترج، وذكر فيه أن ~~اسم الجمال، كان نصرا، وأنه كان من نهاوند، وله جمال يكريها، وأن صاحب ~~المعونة، اكترى منه عشرين جملا، وحمل عليها عشرين رجلا من الأكراد أسرى، ~~ليحملهم إلى الحضرة، فسار الجمال معهم، فهرب منهم في بعض الطريق واحد، فوقع ~~لصاحب المعونة أن نصرا الجمال هربه، فقيده، وحمله مكانه، فلما دخلوا ~~الحضرة، أنفذ الجمال مع القوم، إلى الحبس، وأخذ صاحب المعونة جماله. # PageV02P249 ### || أبو بكر المادرائي يولي عاملا وهو على صهوة جواده # وحدثني أبو محمد الصلحي، قال: حدثني أبو بكر محمد بن علي المادرائي بمصر، ms232 ~~وكان شيخا جليلا، عظيم الحال والنعمة والجاه، قديم الرياسة والولايات ~~الكبار للأعمال، وقد وزر لخماوريه بن أحمد بن طولون، وتقلد مصر مرات، وعاش ~~ستا وتسعين سنة، ومات في سنة نيف وأربعين وثلاث مائة، قال: كنت أكتب ~~لخمارويه بن أحمد بن طولون، في حداثتي، فركبتني الأشغال، وقطعني ترادف ~~الأعمال عن تصفح أحوال المتعطلين. # وكان ببابي شيخ من شيوخ الكتاب قد طالت عطلته، وقد غفلت عن تصريفه. # PageV02P252 # فرأيت ليلة في منامي أبي، وكأنه يقول لي: ويحك يا بني، أما تستحي من ~~الله، أن تتشاغل بأعمالك، والناس ببابك يتلفون ضرا وهزالا؟ هو ذا فلان، شيخ ~~من شيوخ الكتاب، قد أفضى أمره إلى أن تقطع سراويله، فما أمكنه أن يشتري ~~بدله، أحب أن لا تغفل أمره أكثر من هذا. # فانتبهت متعجبا، واعتقدت الإحسان إلى الشيخ من غد، ونمت، فأصبحت وقد ~~أنسيت أمره. # فركبت إلى دار خمارويه بن أحمد، فإني لأسير إذ تراءى لي الشيخ على دويبة ~~له ضعيفة، فأهوى ليترجل لي، فانكشف فخذه، فإذا هو لابس خفا بلا سراويل. # فحين وقعت عيني على ذلك ذكرت المنام، فقامت قيامتي، فوقفت في موضعي، ~~واستدعيته، فقلت له: يا هذا، ما حل لك ما صنعت بنفسك من تركك إذكاري بأمرك، ~~أما كان في الدنيا من يوصل لك رقعة، أو يخاطب في أمرك؟ الآن قد قلدتك ~~الناحية الفلانية، ورزقتك رزقها وهو في كل شهر مائتا دينار، وأطلقت لك من ~~خزانتي ألف دينار معونة، وأمرت لك من الثياب والحملان بكذا وكذا، فاقبض ذلك ~~واخرج، فإن حسن أثرك في عملك، زدتك، وفعلت بك وصنعت. # وضممت إليه من يتنجز له ذلك. # PageV02P253 ### || أدرك أبا محمد الأزرق الأنباري # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ~~الأنباري التنوخي، قال: خرج أخي أبو محمد الحسن بن يوسف، يقصد أخانا أبا ~~يعقوب إسحاق بن يوسف، وهو حينئذ بمصر، ومعه زوجة كانت لأبي يعقوب إسحاق ~~ببغداد، وبنية له منها، ومضى. # فلما عاد حدثني أنه سلك في قافلة كبيرة، من هيت على طريق ms233 السماوة، يريد: ~~دمشق، قال: فلما حصلنا في أعماق السماوة، أخفرتنا خفراؤنا، وجاء قوم من ~~الأعراب، فظاهروهم علينا، وأظهروا أنهم من غيرهم، وقطعوا علينا، فاستاقوا ~~ركائبنا، فبقيت أنا والناس مطرحين على الماء الذين كنا نزلنا عليه بلا جمل، ~~ولا زاد، ولا دليل، فأيسنا من الحياة. # فقلت للناس: إن الموت لا بد منه على كل حال، أقمنا في أماكننا أم # PageV02P254 # سرنا، فلأن نسير في طلب الخلاص فلعل الله أن يرحمنا ويخلصنا، أولى من أن ~~نموت ههنا، وإن متنا في سيرنا كان أعذر. # فساعدوني، وسرنا يومنا وليلتنا، وأنا أحمل الصبية ابنة أخي؛ لأن أمها ~~عجزت عن حملها، وكلما طال علينا الطريق، ولم نر إنسانا ولا محجة، أحسسنا ~~بالهلاك، ومات منا قوم، وأنا خلال ذلك، قد بدأت بقراءة ختمة، وأنا متشاغل ~~بها، وبالدعاء. # إلى أن وقعنا في اليوم الثاني، على حلة أعراب، فأنكرونا، فلم أعمل عملا، ~~حتى ولجت بيت امرأة منهم، فأمسكت ذيلها، وكنت سمعت أن الإنسان إذا عمل ذلك ~~أمن شرهم، ووجب حقه عليهم، ثم تفرقنا في البيوت. # واختلفت أحوال الناس، فأما أنا، فإن صاحب البيت الذي نزلت عليه، لما رأى ~~هيبتي ودرسي للقرآن، أكرمني، ولم أزل أحادثه وأرفق به. # فقال لي: ما تشاء؟ فقلت: تركبني وهذه المرأة، وهذه الصبية راحلة، وتسير ~~معنا إلى دمشق على راحلة أخرى، بزاد وماء، حتى أعطيك ثمن راحلتك وأهبها لك، ~~وأقضي حقك بعد هذا. # قال: فتذمم واستحيا، وقدرت أني إذا دخلت دمشق، وجدت بها # PageV02P255 # من أصدقاء أخي، من آخذ منه ما أريد. # فكساني الأعرابي، وكسا المرأة والصبية، ووطأ لي راحلة، وحمل معنا من ~~الماء والزاد كفايتنا، وركب هو راحلة أخرى، وكان أكثر من وصل معنا إلى ذلك ~~الموضع، قد تأتي له مثل ما تأتي لي، فصرنا رفقة صالحة العدد. # فلما كان بعد أيام، شارفنا دمشق مع طلوع الشمس، فإذا بأهلها قد خرجوا ~~يستقبلوننا، وكل من له صديق أو معرفة، يسأل عنه، وقد بلغهم خبر القطع، فما ~~شعرت إلا بإنسان يسأل عني، بكنيتي ونسبي. # فقلت: هأناذا. # فعدل إلي، ms234 وقال: أنت أبو محمد الأزرق الأنباري؟ فقلت: نعم. # فقال: إلي، وأخذ بخطام راحلتي، وتبعني الأعرابي براحلته، حتى دخلنا مع ~~الرجل دمشق. # فجاء بنا الرجل، إلى دار حسنة سرية، تدل على نعمة حسنة، فأنزلنا، ولم أشك ~~أنه صديق لأخي. # فنزلت، وأنزلت الأعرابي معي، وأخذت جمالنا، وأدخلنا الحمام، وألبست خلعة ~~نظيفة، وفعل بالمرأة والصبية مثل ذلك، وأقمت عنده يومين في خفض عيش، لا ~~أسأله عن شيء، ولا يسألني. # PageV02P256 # فلما كان في اليوم الثالث، قال: ما صورة هذا الأعرابي معك؟ فأخبرته بما ~~أخذنا منه. # فقال لي: خد ما تريد من المال. # فقلت: أريد كذا وكذا دينارا، فأعطاني ذلك، فدفعته إلى الأعرابي، وسلمت ~~إليه جمليه. # وسألت الرجل أن يزوده زادا كثيرا، لا يكون مثله في البادية، فأخرج له ~~شيئا كثيرا، وخرج الأعرابي شاكرا. # فقال لي الرجل: إلى أين تريد من البلاد، وكم يكفيك من النفقة؟ فلما قال ~~لي ذلك، ارتبت به، وقلت: لو كان هذا من أصدقاء أخي الذين كاتبهم بتفقدي، ~~لكان يعرف مقصدي. # فقلت له: كم كاتبك أخي أن تدفع إلي؟ قال: ومن أخوك؟ قلت: أبو يعقوب ~~الأزرق الأنباري، الكاتب بمصر. # فقال: والله، ما سمعت بهذا الاسم قط، ولا أعرفه. # فورد علي أعجب مورد، وقلت له: يا هذا، إني ظننتك صديقا لأخي، وأن ما ~~عاملتني به من الجميل من أجله، فانبسطت إليك بالطلب، ولو لم أعتقد هذا ~~لانقبضت، فما السبب فيما عاملتني به؟ فقال: أمر هو أوكد من أمر أخيك، يجب ~~أن يكون انبساطك إليه أتم. # فقلت: ما هو؟ قال: إن خبر الوقعة بالقافلة التي كنت فيها، بلغنا في يوم ~~كذا وكذا، # PageV02P257 # فما بقي كبير أحد بدمشق، إلا وردت عليه مصيبة عظيمة، إما بذهاب مال، أو ~~بغم على صديق، غيري، فإني لم يكن لي شيء من ذلك يتعلق قلبي به، واتعد الناس ~~للخروج، لتلقي المنقطعين، وإصلاح أحوالهم، ولم أعزم أنا. # فلما كان في الليل، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وهو يقول ~~لي: أدرك أبا محمد الأزرق الأنباري، وأغثه، وأصلح شأنه ms235 بما يبلغه مقصده، ~~فلما أصبحت، خرجت مع الناس، فسألت عنك، فكان ما رأيت، والآن اذكر ما تريده. # فبكيت بكاء شديدا، لم أقدر معه على خطابه مدة، ثم نظرت إلى ما يبلغني ~~مصر، فطلبته منه، فأخذته، وأصلحت أمري، وسألت الرجل عن اسمه، فقال: أنا ~~فلان بن فلان الصابوني، ذكره أبو محمد، وأنسيه أبو الحسن. # قال: فلما بلغت إلى مصر، حدثت أخي بالحديث، فعجب منه، وبكى. # قال أبو الحسن: وضرب الدهر ضربه، وورد أبو يعقوب أخي إلى بغداد بعد سنين، ~~فتذاكرنا هذا الحديث. # فقال أخي: لما عرفني أخي أبو محمد، ما عامله به ابن الصابوني الدمشقي ~~هذا، جعلته صديقا لي، فكنت أكاتبه. # فلما وردت إلى دمشق، وجدت حاله قد اختلت، لمحن لحقته، فوهبت له ضيعتي ~~بدمشق، وكانت جليلة الغلة والقيمة، فسلمتها إليه، مكافأة لما عامل به أبا ~~محمد أخي. # PageV02P258 ### || اعتقلهم الوزير ابن الزيات وأطلقوا لموت الواثق # قال محمد بن عبدوس، في كتاب (الوزراء) ، حدثني الحسين بن علي الباقطائي، ~~قال: حدثني أبي، قال: قال لي أحمد بن المدبر: لما أمر محمد بن عبد الملك ~~بحبسي، أدخلت محبسا فيه أحمد بن إسرائيل، وسليمان بن وهب، وهما يطالبان، ~~فجعلت في بيت ثالث، فكنا نتحدث ونأكل جميعا، وربما أدخل إلينا النبيذ، ~~فنشرب. # وكان أحمد بن إسرائيل شديد الجبن، وكان ينكر علينا، ويمنعنا أن نتحدث ~~بشيء، أو نرجو لأنفسنا. # فجاءني يوما سليمان بن وهب، فقال لي: رأيت البارحة في نومي، كأن قائلا ~~يقول لي: يموت الواثق إلى ثلاثين يوما، فقم بنا إلى أبي جعفر نحدثه. # فقلت: والله، إن سمع بهذا أبو جعفر، ليشقن ثوبه، وليسدن أذنه خوفا. # PageV02P259 # فقال لي: قم على كل حال، فقمنا فدخلنا عليه، فأخبره سليمان بما رأى. # فقال له: يا هذا، أنت أجسر الناس، وأشدهم جناية على نفسك وعلينا، إنما ~~تريد أن يسمع هذا فنقتل. # فقال له: فتكتب هذه الرؤيا عندك، لتمتحن صدقها. # فنفر، وقال: أنا لا أكتب مثل هذا، فكتبته أنا في رقعة صغيرة. # فلما كان يوم الثلاثين، دخل علي أحمد بن إسرائيل، ms236 فقال لي: يا أبا الحسن، ~~هذا يوم الثلاثين، فأخرجت الرقعة، فإذا هو قد حفظ اليوم، ومضى يومنا إلى ~~آخره. # فلما كان الليل، لم نشعر إلا والباب يدق دقا شديدا، وصاح بنا صائح: ~~البشرى، قد مات الواثق، اخرجوا. # فقال أحمد بن إسرائيل: قوموا بنا، فقد حقق الله الرؤيا، وأتانا بالفرج، ~~وصدقت الرؤيا. # فقال سليمان بن وهب: كيف نمشي مع بعد منازلنا؟ ولكن نوجه من يجيئنا بما ~~نركب. # فاغتاظ أحمد بن إسرائيل، وقال: نعم، نقعد، حتى يجلس خليفة آخر، فيقال له: ~~إن في الحبس جماعة من الكتاب عليهم أموال، فيأمر بالتوثيق منا، إلى أن ينظر ~~في أمرنا، قم عافاك الله، حتى نمر. # فخرج، وخرجنا على أثره. # فقبل أن نخرج من باب الهاروني، سمعنا رجلين يقول أحدهما للآخر: سأل ~~الخليفة جعفر المتوكل عمن في الحبس، فقيل: فيه جماعة من الكتاب، # PageV02P260 # فقال: يكونون فيه إلى أن ننظر في أمورهم. # فجددنا في المشي وقصدنا غير منازلنا، واستترنا. # وبحثنا عن الأخبار، فبلغنا إقرار الخليفة محمد بن عبد الملك، فكتبت إليه ~~رقعة عن جماعتنا، نعرفه خبرنا واتساع آمالنا فيه، ونستأذنه فيما نعمل. # فلما وصلت إليه الرقعة وقع على ظهرها: لم استخفيتم؟ وليس منكم إلا من ~~عنايتي تخصه، ورأيي فيه جميل، أما أبو أيوب فقد تكلم في حقه أبو منصور ~~إيتاخ، واستوهبه، فوهب له، وأمرت بإحضاره ليخلع عليه، فليحضر، وأما أبو ~~جعفر فإنه طولب بما لا يلزمه، وقد وضحت حجته في بطلانه، فليصر إلي، وأما ~~أبو الحسن فإنه قذف بباطل، فاظهروا جميعا، واثقين بما عندي من حياطتكم ~~ورعايتكم. # فصرنا إليه جميعا، وزال عنا ما كنا فيه، فخلع على سليمان خاصة. # PageV02P261 ### || من شعر سليمان بن وهب لما حبس # قال: وفي هذه الحبسة كتب سليمان بن وهب إلى أخيه الحسن بن وهب فيما حكاه ~~محمد بن عبدوس: # هل رسول وكيف لي برسول ... إن ليلي ليل السقيم العليل # هل رسول إلى أخي وشقيقي ... ليت أني مكان ذاك الرسول # يا أخي لو ترى مكاني في الحبس ... وحالي وزفرتي وعويلي # وعثاري إذا أردت ms237 قياما ... وقعودي في مثقلات الكبول # لرأيت الذي يغمك في الأعداء ... أن يسلكوا جميعا سبيلي # هذه جملة أراني غنيا ... معها عن أذاك بالتفصيل # ولعل الإله يأتي بصنع ... وخلاص وفرجة عن قليل # وذكر أبياتا أخر، تماما لهذه الأبيات، لم أذكرها؛ لأنها ليست من هذا ~~المعنى، ثم قال: وقد ذكر محمد بن داود، في كتابه المسمى كتاب (الوزراء) من ~~خروج سليمان بن وهب من حبس الواثق غير هذا، قال في كتابه: حدثني أبو القاسم ~~عبيد الله بن سليمان، واقتص محمد بن عبدوس، قصة طويلة، ليس فيها ذكر منام، ~~فذكرتها أنا في كتابي هذا، في باب من خرج من حبس # PageV02P264 # أو أسر أو اعتقال، إلى سراح وسلامة وصلاح حال، ورويتها عن علي بن عيسى، ~~عن عبيد الله بن سليمان، بألفاظ قوية، أقوى من الألفاظ التي أوردها ابن ~~عبدوس، ولم أذكرها ههنا؛ لأن هذا الخبر مختص بالمنامات، فجعلته في بابه، ~~وأوردت تلك القصة في الباب المفرد لأمثالها. # PageV02P265 ### || بين الوزير المهلبي والحسين السمري # حدثني علي بن محمد الأنصاري الحطمي، قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن ~~محمد السمري كاتب الديوان بالبصرة، قال: كان أبو محمد المهلبي، في وزارته ~~قبض علي بالبصرة، وطالبني بمال وحبسني حتى يئست من الفرج، فرأيت ليلة في ~~المنام، كأن قائلا يقول لي: اطلب من ابن الراهبوني دفترا خلقا عنده، على ~~ظهره دعاء، فادع الله به، فإنه يفرج عنك، وكان ابن الراهبوني هذا، صديقا لي ~~من تناء أهل واسط مقيما بالبصرة. # فلما كان من غد، جاءني، فقلت له: عندك دفتر على ظهره دعاء. # فقال لي: نعم. # قلت: جئني به، فجاءني به، فرأيت مكتوبا على ظهره: اللهم أنت أنت، انقطع ~~الرجاء إلا منك، وخابت الآمال إلا فيك، صل على محمد وعلى آل محمد، ولا تقطع ~~اللهم منك رجائي، ولا رجاء من يرجوك في شرق الأرض وغربها، يا قريبا غير ~~بعيد، ويا شاهدا لا يغيب، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجا ~~ومخرجا، وارزقني رزقا واسعا من حيث لا أحتسب، إنك على كل ms238 شيء قدير. # PageV02P266 # قال: فواصلت الدعاء بذلك، فما مضت إلا أيام يسيرة، حتى أخرجني المهلبي من ~~الحبس، وقلدني الإشراف على أحمد الطويل، في أعماله بأسافل الأهواز. # قال لي أبو الحسن الأنصاري: قال لي أبو علي زكريا بن يحيى الكاتب ~~النصراني، حدثني بهذا الحديث أبو عبد الله السمري، وكتبت عنه الدعاء، ~~ونقلته، وحفظته، وتقلبت بي الأحوال، فكتبت لأبي جعفر ممله، صاحب مائدة معز ~~الدولة، فاعتقلني بعد مدة، ونكبني، فواصلت الدعاء به، فأطلقني بعد أيام ~~يسيرة # PageV02P267 ### || رأى في المنام أن غناه بمصر # حدثني أبو الربيع سليمان بن داود البغدادي، صاحب كان لأبي، وكان قديما ~~يخدم القاضيين أبا عمر محمد بن يوسف، وابنه أبا الحسين في دورهما، وكانت ~~جدته تعرف بسمسمة، قهرمانة كانت في دار القاضي أبي عمر محمد بن يوسف رحمه ~~الله، قال: كان في جوار القاضي قديما، رجل انتشرت عنه حكاية، وظهر في يده ~~مال جليل، بعد فقر طويل، وكنت أسمع أن أبا عمر حماه من السلطان، فسألت عن ~~الحكاية، فدافعني طويلا، ثم حدثني، قال: ورثت عن أبي مالا جليلا، فأسرعت ~~فيه وأتلفته حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها، ولم يبق لي من الدنيا ~~حيلة، وبقيت مدة بلا قوت إلا من غزل أمي، فتمنيت الموت. # فرأيت ليلة في النوم، كأن قائلا يقول لي: غناك بمصر، فاخرج إليها. # فبكرت إلى أبي عمر القاضي، وتوسلت إليه بالجوار، وبخدمة كانت من أبي ~~لأبيه، وسألته أن يزودني كتابا إلى مصر؛ لأتصرف بها، ففعل، وخرجت. # فلما حصلت بمصر أوصلت الكتاب، وسألت التصرف، فسد الله علي الوجوه حتى لم ~~أظفر بتصرف، ولا لاح لي شغل. # ونفدت نفقتي، فبقيت متحيرا، وفكرت في أن أسأل الناس، وأمد يدي على ~~الطريق، فلم تسمح نفسي، فقلت: أخرج ليلا، وأسأل، فخرجت بين العشاءين، فما ~~زلت أمشي في الطريق، وتأبى نفسي المسألة، ويحملني الجوع # PageV02P268 # عليها، وأنا ممتنع، إلى أن مضى صدر من الليل. # فلقيني الطائف، فقبض علي، ووجدني غريبا، فأنكر حالي، فسألني عن خبري، ~~فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني، وبطحني، وضربني مقارع. # فصحت: ms239 أنا أصدقك. # فقال: هات. # فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها، وحديث المنام. # فقال لي: أنت رجل ما رأيت أحمق منك، والله لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة، في ~~النوم، كأن رجلا يقول لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية، ~~فذكر شارعي، ومحلتي، فسكت، وأصغيت إليه، وأتم الشرطي الحديث، فقال: دار ~~يقال لها: دار فلان، فذكر داري، واسمي، فيها بستان، وفيه سدرة، وكان في ~~بستان داري سدرة، وتحت السدرة مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض، فخذها، فما ~~فكرت في هذا الحديث، ولا التفت إليه، وأنت يا أحمق، فارقت وطنك، وجئت إلى ~~مصر بسبب منام. # قال: فقوي بذلك قلبي، وأطلقني الطائف، فبت في بعض المساجد، وخرجت مع ~~السحر من مصر، فقدمت بغداد، فقطعت السدرة، وأثرت تحتها، فوجدت قمقما فيه ~~ثلاثون ألف دينار، فأخذته، وأمسكت يدي، ودبرت أمري، فأنا أعيش من تلك ~~الدنانير، من فضل ما ابتعت منها من ضيعة وعقار إلى اليوم. # PageV02P269 ### || خزيمة بن هازم يصرف الحراني ويعقد له على طريق الفرات # وجدت في كتاب أبي الفرج عبد الواحد المخزومي الحنطبي، عن علي بن العباس ~~النوبختي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله التغلبي، قال: كان من بقايا شيوخ ~~خراسان، ممن يلزم دار العامة بسر من رأى، شيخ يكنى أبا عصمة، وكان يحدثنا ~~كثيرا، بأخبار الدولة وأهلها، فحدثنا يوما: أن خزيمة بن خازم كان يجلس في ~~داره للناس، في كل يوم ثلاثاء، فلا يحجب عنه أحد، ولا يستأذن لمن يدخل، ~~إنما يدخلون أرسالا، بغير إذن، فمن كان من الأشراف ووجوه الناس، سلم ~~وانصرف، ومن كان من طلاب الحوائج، أو خطاب التصرف، دفع رقعته إلى الحاجب، ~~فيجتمع الناس ويدخلون، فيعرض رقاعهم عليه. # PageV02P270 # وكان قد أفرد لهذا كاتبا حصيفا، يقال له: الحسن بن مسلمة، يتصفح الرقاع ~~قبل عرضها عليه، فما كان يجوز أن يوقع عنه فيه بخطه، وقع وسلمه إلى أربابه، ~~وما كان لا بد من وقوفه عليه، وتوقيعه في بخطه، أوقفه عليه، ومن كان من ~~الناس زائرا، أو مسترفدا، عرضت رقعته عليه، فيكون ms240 هو الموقع فيها بما يراه. # فلا يكاد ينصرف أحد من ذلك الجمع العظيم المفرط، إلا وهو مسرور بقضاء ~~حاجته. # قال أبو عصمة: وكان ممن يتصرف في الأعمال، رجل من الأعراب، ذو لسان ~~وفصاحة، يقال له: حامد بن عمرو الحراني، وكان فيه إلحاح شديد، وملازمة تامة ~~إذا تعطل، فيؤذي بذلك ويبرم. # وكان يخاطب خزيمة في أيام الثلاثاء، ولا يقنع بذلك، حتى يلازم بابه كل ~~يوم، وإذا ركب خاطبه على الطريق، وربما تعرض له في دار الخليفة فخاطبه، ولم ~~يكن في طبع خزيمة احتمال مثل ذلك. # قال أبو عصمة: فحدثني الحسن بن مسلمة، كاتب خزيمة، قال: نظر خزيمة إلى ~~هذا الرجل في داره، وكان قد لقيه في الطريق، فخاطبه قبل ذلك بيوم، وأضجره، ~~ووافق من خزيمة ضجرا بشيء حدث من أمور المملكة، مع ما فيه من الجبروتية ~~والكبر. # فحين خاطبه الرجل صاح فيه، وأمر بإخراجه من داره إخراجا عنيفا، ثم دعاني، ~~فقال: والله، لئن دخل هذا داري، لأضربن عنقه، ولئن وقف لي على طريق، أو ~~كلمني في دار السلطان، لأضربن عنقه، فأخبره بذلك، وحذره، وتقدم إلى ~~البوابين والحجاب بمنعه، وكان خزيمة إذا وعد أو توعد، فليس إلا الوفاء. # PageV02P271 # فخرجت إلى الحجاب والبوابين وأصحاب المقارع، فبالغت في تحذيرهم، ~~وتهديدهم، وعرفتهم ما قال، وأنه حلف أن تضرب أعناقهم إذا خالفوا، وأكدت ~~الوصية بجهدي، مستظهرا لنفسي. # وخرجت إلى خارج الدار، فوجدت الرجل قائما، فأعلمته أن دمه مرتهن بنظرة ~~ينظرها إليه خزيمة في دار السلطان، أو على بابه، أو في الطريق، وحذرته ~~تحذيرا شديدا، وخوفته من سفك دمه، وأن لا يجعل عليه سبيلا، فشكرني على ~~تحذيره، وانصرف كئيبا. # فلما أصبحنا من الغد، غدوت إلى دار خزيمة على رسمي، للملازمة، فلما دنوت ~~من الباب، إذا بالرجل واقفا كما كان يقف منتظرا لركوبه. # فعظم ذلك علي، وقلت: يا هذا، أما تخاف الله؟ أتحب أن تقتل نفسك؟ أما تعرف ~~الرجل؟ فقال: والله، ما أتيت هذا عن جهل مني ولا اغترار، بل أتيته على أصل ~~قوي، وسبب وثيق، وسترى من ms241 لطف الله ما يسرك، وتعجب منه. # قال الحسن: فزاد عجبي منه، ودخلت الدار، فصادفت خزيمة في صحن الدار يريد ~~الركوب، فحين نظر إلي، قال: ما فعل حامد بن عمرو؟ قلت: رأيته الساعة ~~بالباب، وقد تهددته، فلما رأيته اليوم بالباب تعجبت من جهله وعوده، مع ما ~~أعذرت إليه من الوعيد، وأمرته بالانصراف، فأجابني بجواب لا أدري ما هو، ~~فأنا بريء من فعله. # فقال: بأي شيء أجابك؟ فأخبرته، فسكت خزيمة، وخرج فركب، فحين رآه حامد ~~ترجل له. # PageV02P272 # فصاح به: لا تفعل، والحقني إلى دار أمير المؤمنين وسار خزيمة، فدخل دار ~~الرشيد، ودخلنا معه إلى حيث جرت عادتنا أن نبلغه من الدار، فجلسنا فيه، ~~ومضى خزيمة يريد الخليفة، وجاء حامد فجلس إلى جانبي. # فقلت له: أصدقني عن خبرك، والسبب في جسارتك على خزيمة، ولينه لك بعد ~~الغلظة، وعرفته ما جرى بيني وبين خزيمة ثانيا. # فقال: طب نفسا، فما أبدي لك شيئا إلا بعد بلوغ آخر الأمر. # فبينما نحن كذلك، إذ دعي حامد إلى حيث كان مرسوما بأن يدخله من يخلع ~~عليه، فتحيرت فلم يكن بأسرع من أن خرج وعليه الخلع، وبين يديه لواء قد عقد ~~له على طريق الفرات بأسره، فقمت إليه وهنأته. # وقلت: ولا الساعة تخبرني الخبر؟ فقال: ما فات شيء، وودعني ومضى، فأقمت ~~بمكاني إلى أن خرج خزيمة، فسرت معه إلى داره، فلما استقر دعاني، فسألني عن ~~أمور جرت. # وقال: أظنك أنكرت ما جرى من أمر حامد؟ قلت: إي والله، أيها الأمير. # قال: فاسمع الخبر، اعلم أني كنت في نهاية الغيظ عليه، وأمرت فيه بما ~~عملته أمس، فلما كان البارحة، رأيته في النوم، كأنه قائم يصلي، وقد رفع ~~يديه إلى الله يدعو علي. # PageV02P273 # فصحت به: لا تفعل، لا تفعل، وادن مني، فانفتل من صلاته، وجاء حتى وقف بين ~~يدي. # فقلت له: ما يحملك على أن تدعو علي؟ فقال: لأنك أهنتني، واستخففت بي، ~~وهددتني بالقتل ظلما، وقطعت أملي من طلب رزقي وقوتي، وأنا أشكوك إلى الله، ~~وأستعينه عليك. # وكأني أقول له: طب ms242 نفسا، ولا تدع علي، فإني أحسن إليك غدا، وأوليك عملا، ~~واستيقظت. # فعجبت من المنام، وعلمت أني قد ظلمت الرجل، وقلت في نفسي: شيخ من العرب، ~~له سن وشرف، أسأت إليه بغير جرم، وأرعبته، وماذا عليه إذا لج في طلب الرزق؟ ~~وعلمت أن الذي رأيته في منامي موعظة في أمره، وحث على حفظ النعم، وأن لا ~~أنفرها بقلة الشكر، واستعمال الظلم. # فاعتقدت أن أوليه، كما وعدته في النوم، فكان ما رأيت. # قال الحسن بن مسلمة: فقويت رأيه في هذا، ودعوت له، وانصرفت، فجاءني من ~~العشي حامد، مسلما، ومودعا، ليخرج إلى عمله. # فقلت له: هات الآن خبرك. # فقال: نعم، انصرفت من باب خزيمة موجع القلب، قلقا، مرتاعا. # فأخبرت عيالي، فصار في داري مأتم، وبكاء عظيم، ولم أطعم أنا، ولا هم شيئا ~~يومنا وليلتنا، وأمسيت كذلك. # فلما هدأت العيون توضأت، واستقبلت القبلة، فصليت ما شاء الله، وتضرعت إلى ~~الله، ودعوته بإخلاص نية، وصدق طوية، وأطلت، فحملتني عيني، فنمت وأنا ساجد ~~في القبلة. # PageV02P274 # فرأيت في منامي كأني على حالي في الصلاة والدعاء، وكأن خزيمة قد وقف علي، ~~وأنا أدعو، فصاح بي: لا تفعل، لا تفعل، واغد علي، فإني أحسن إليك، وأوليك، ~~فانتبهت مذعورا، وقد قويت نفسي، فقلت: أبكر إليه، فلعل الله أن يطرح في ~~قلبه الرقة، فغدوت إليه، فكان ما رأيت. # قال الحسن: فكثر تعجبي لاتفاق المنامين، فقلت لحامد، لقد أخبرني الأمير ~~بمثل ما ذكرته، لم يخرم منه حرفا، وبكرت إلى خزيمة، فحدثته بالحديث، فعجب ~~منه، وأحضر حامدا حتى سمع منه ذلك، وأمر له بكسوة وصلة وحملان، ولم يزل بعد ~~ذلك يتعمد إكرامه. # PageV02P275 ### || بين الوزير علي بن عيسى والعطار الكرخي # ويقارب هذا حديثان، حدثني بأحدهما بعض أهل بغداد: أن عطارا من أهل الكرخ، ~~كان مشهورا بالستر والأمانة، فركبه دين، وقام من دكانه، ولزم بيته مستترا، ~~وأقبل على الدعاء والصلاة، إلى أن صلى ليلة الجمعة صلاة كثيرة، ودعا، ونام، ~~فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، وهو يقول له: اقصد علي بن عيسى، ~~وكان ms243 إذ ذاك وزيرا، فقد أمرته أن يدفع إليك أربع مائة دينار، فخذها وأصلح ~~بها أمرك. # قال الرجل: وكان علي ست مائة دينار دينا، فلما كان من الغد، قلت: قد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في منامه فقد رآني، فإن الشيطان لا ~~يتمثل بي» ، فلم لا أقصد الوزير. # فلما صرت ببابه، منعت من الوصول إليه، فجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت ~~بالانصراف، فخرج الشافعي صاحبه، وكان يعرفني معرفة ضعيفة، فأخبرته الخبر. # فقال: يا هذا، الوزير والله في طلبك منذ السحر إلى الآن، وقد سألني # PageV02P276 # عنك فأنسيتك، وما عرفك أحد، والرسل مبثوثة في طلبك، فكن بمكانك، ثم رجع ~~فدخل، فلم يكن بأسرع من أن دعي بي، فدخلت إلى علي بن عيسى. # فقال لي: ما اسمك؟ قلت: فلان بن فلان العطار. # قال: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم. # قال: أحسن الله إليك في قصدك إياي، فوالله ما تهنأت بعيش منذ البارحة، ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءني البارحة في منامي، فقال: أعط فلان ~~بن فلان العطار من أهل الكرخ أربع مائة دينار يصلح بها شأنه، فكنت اليوم في ~~طلبك، وما عرفك أحد. # فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءني البارحة، فقال لي كيت ~~وكيت. # قال: فبكى علي بن عيسى، وقال: أرجو أن تكون هذه عناية من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بي. # ثم قال: هاتوا ألف دينار، فجاءوه بها عينا. # فقال: خذ منها أربع مائة دينار، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وست مائة دينار هبة مني لك. # فقلت: أيها الوزير ما أحب أن أزداد على عطاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا، فإني أرجو البركة فيه، لا فيما عداه. # فبكى علي بن عيسى، وقال: هذا هو اليقين، خذ ما بدا لك. # فأخذت أربع مائة دينار، وانصرفت، فقصصت قصتي على صديق لي، وأريته ~~الدنانير، وسألته أن يقصد غرمائي، ويتوسط بيني وبينهم، ففعل. # وقالوا: نمهله بالمال ثلاث سنين. # PageV02P277 # فقلت: لا، ولكن يأخذون مني الثلث ms244 عاجلا، والثلثين في سنتين، في كل سنة ~~ثلثا، فرضوا بذلك، وأعطيتهم مائتي دينار، وفتحت دكاني بالمائتي دينار ~~الباقية. # فما حال الحول إلا ومعي ألف دينار، فقضيت ديني، وما زال مالي يزيد، وحالي ~~يصلح، والحمد لله. # PageV02P278 ### || طاهر بن يحيى العلوي وجرايته من الحاج الخراساني # والخبر الآخر، ما حدثني به أحمد بن يوسف الأزرق، عن أبي القاسم بن أماجور ~~المنجم، قال: كنت إذا حججت، دخلت على طاهر بن يحيى العلوي، فرأيت عنده ~~خراسانيا، كان يحج في كل سنة، فإذا دخل المدينة، جاء إلى طاهر بن يحيى ~~فأعطاه مائتي دينار، فكانت كالجراية له منه. # فلما كان في بعض السنين، جاء يريد داره؛ ليعطيه المائتي دينار، فاعترضه ~~رجل من أهل المدينة، فشنع بطاهر عنده، وقال له: تضيع دنانيرك التي تدفعها ~~إلى طاهر، وهو يأخذها منك ومن غيرك، فيصرفها فيما يكرهه الله تعالى، ويفعل ~~ويصنع، وتكلم فيه بقبيح. # قال الخراساني: فانصرفت عنه، وتصدقت بالدنانير، وخرجت من المدينة، ولم ~~ألق طاهرا. # فلما كان في العام الثاني دخلت المدينة، فتصدقت بالمال، وطويت طاهرا. # PageV02P279 # فلما كان في العام الثالث تأهبت للحج، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامي، يقول لي: ويحك قبلت في ابني طاهر قول أعدائه، وقطعت عنه ما كنت تبره ~~به؟ لا تفعل، فاقصده، وأعطه ما فاته، ولا تقطعه عنه ما استطعت. # قال: فانتبهت فزعا، ونويت ذلك، وأخذت صرة فيها ست مائة دينار، وحملتها ~~معي، فلما صرت بالمدينة بدأت بدار طاهر، فدخلت عليه وجلست، ومجلسه حفل. # فحين رآني، قال: يا فلان، لو لم يبعث بك إلينا ما جئتنا. # فقلت: كلمة وافقت أمرا، ليس إلا أن أتغافل، فقلت: ما معنى هذا الكلام ~~أصلحك الله؟ فقال: قبلت في قول عدو الله، وعدو رسوله، وقطعت عادتك عني، حتى ~~لامك رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامك وأمرك أن تعطيني الست مائة ~~دينار، هاتها، ومد يده إلي. # فتداخلني من الدهش ما ذهلت معه، فقلت: أصلحك الله، هكذا والله كانت ~~القضية، فمن أعلمك بذلك؟ فقال لي: بلغني خبر دخولك ms245 المدينة في السنة ~~الأولى، فلما رحل الحاج ولم تأتني أثر ذلك في حالي، وسألت عن القصة، فعرفت ~~أن بعض أعدائنا لقيك، فشنع بي عندك، فآلمني ذلك. # فلما كان في الحول الثاني، بلغني دخولك وخروجك، وأنك قد عملت على قوله في ~~فازددت غما لذلك. # فلما كان منذ شهور، ازدادت إضاقتي، وامتنع مني النوم غما لما دفعت إليه، ~~ففزعت إلى الصلاة، فصليت ما شاء الله، وأقبلت أدعو بالفرج، فحملتني عيني في ~~المحراب، فنمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، وهو # PageV02P280 # يقول لي: لا تهتم، فقد لقيت فلانا الخراساني، وعاتبته على قبوله فيك قول ~~أعدائك، وأمرته أن يحمل إليك ما فاتك، ولا يقطع عنك بعدها ذلك، ويبرك ما ~~استطاع، وانتبهت، فحمدت الله وشكرته، فلما رأيتك علمت أن المنام جاء بك. # قال: فأخرجت الصرة التي فيها ست مائة دينار، فدفعتها إليه، وقبلت يده، ~~وسألته أن يحلني من قبول قول ذلك الرجل فيه. # PageV02P281 ### || قصة العلوية الزمنة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، قال: كان في شارع ~~دار الرقيق، جارية علوية، أقامت زمنة خمس عشرة سنة، وكان أبي في جوارها، ~~أيام نزولنا بدرب المعوج من هذ الشارع، في دار شفيع المقتدري، التي كان ~~اشتراها، يتفقدها، ويبرها، وكانت مسجاة، لا يمكنها أن تنقلب من جنب إلى ~~جنب، أو تقلب، ولا تقعد، أو تقعد، وكان لها من يخدمها في ذلك، وفي الإنجاء، ~~والأكل، لقصور أطرافها، وأعضائها، وكانت فقيرة، إنما قوتها وقوت خادمتها من ~~بر الناس. # PageV02P282 # فلما مات أبي اختل أمرها، وبلغ تجني، أم ولد الوزير المهلبي خبرها، فكانت ~~تقوم بأمرها، وأجرت عليها جراية في كل شهر، وكسوة في كل سنة. # فباتت ليلة من الليالي على حالها، وأصبحت من الغد، وقد برأت، ومشت، ~~وقامت، وقعدت. # وكنت مجاورا لها، وكنت أرى الناس يأتون باب دارها، فأنفذت امرأة من داري، ~~ثقة، حتى شاهدتها، وسمعتها تقول: إني ضجرت بنفسي ضجرا شديدا، فدعوت الله ~~تعالى بالفرج مما أنا فيه، أو الموت، وبكيت بكاء شديدا متصلا، وبت ms246 وأنا ~~متألمة، قلقة، ضجرة، وكان سبب ذلك، أن الجارية التي كانت تخدمني تضجرت بي، ~~وخاطبتني بما ضاق صدري معه. # فلما استثقلت في نومي رأيت كأن رجلا دخل علي، فارتعت منه، وقلت له: يا ~~هذا، كيف تستحل أن تراني؟ فقال: أنا أبوك، فظننته أمير المؤمنين. # فقلت: يا أمير المؤمنين، هو ذا ترى ما أنا فيه. # PageV02P283 # فقال: أنا محمد رسول الله. # فبكيت، وقلت: يا رسول الله، ادع لي بالفرج والعافية. # فحرك شفتيه بشيء لا أفهمه، ثم قال: هاتي يديك، فأعطيته يدي، وأخذهما، ~~وجذبني بهما، فقمت. # فقال: امشي على اسم الله. # فقلت: كيف أمشي؟ فقال: هاتي يديك، فأخذهما، وما زال يمشي بي، وهما في ~~يديه ساعة، ثم أجلسني، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. # ثم قال لي: قد وهب الله لك العافية، فاحمديه واتقيه، وتركني ومضى. # فانتبهت، وأنا لا أشك أنه واقف، لسرعة المنام، فصحت بالخادم، فظنت أني ~~أريد البول، فتثاقلت. # فقلت لها: ويحك، أسرجي، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فانتبهت، فوجدتني مسجاة، فشرحت لها المنام. # فقالت: أرجو أن يكون الله تعالى قد وهب لك العافية، هاتي يدك، فأعطيتها ~~يدي، فأجلستني. # ثم قالت لي: قومي، فقمت معها، ومشيت متوكئة عليها، ثم جلست، ففعلت ذلك ~~ثلاث مرات، الأخيرة فيهن مشيت وحدي. # فصاحت الخادمة سرورا بالحال، وإعظاما لها، فقدر الجيران أني قد مت، ~~فجاءوا، فقمت أمشي بين أيديهم. # قال أبو محمد: وما زالت قوتها تزيد، إلى أن رأيتها قد جاءت إلى والدتي في ~~خف وإزار، بعد أيام، ولا داء بها، فبررناها، وهي إلى الآن باقية، وهي من ~~أصلح وأورع أهل زماننا، وقد تزوجت برجل علوي موسر، وصلحت # PageV02P284 # حالها، ولا تعرف إلى الآن، إلا بالعلوية الزمنة. # فمضى على هذا الحديث سنون كثيرة، وجرى بيني وبين القاضي أبي بكر محمد بن ~~عبد الرحمن، المعروف بابن قريعة، مذاكرة بالمنامات، فحدثني بحديث منام هذه ~~العلوية، وقصتها، وعلتها، على مثل ما حدثني به أبو محمد، وقال: وأنا كنت ~~أحمل إليها جرايتها من عند تجني، جارية الوزير أبي محمد ms247 المهلبي، وكسوتها ~~على طول السنين، وسمعت منها هذا المنام، ورأيتها تمشي بعد ذلك صحيحة، بلا ~~قلبة، وتجيء إلى تجني، وتجني # PageV02P285 # زوجتها بالعلوي، وأعطتني مالا، فقمت بتجهيزها، وأمرها، حتى أعرس بها ~~زوجها، وهي إلى الآن من خيار النساء. # قال مؤلف الكتاب: وحدثني بعد هذا جماعة أسكن إليهم من أهل شارع دار ~~الرقيق، بخبر هذه العلوية، على قريب من هذا، وهي باقية إلى حين معرفتي ~~بخبرها في سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة. # ثم كنت في سنة سبع وسبعين وثلاث مائة عند أبي الفتح أحمد بن علي بن هارون ~~المنجم، فرأيت في داره بدرب سليمان من شارع دار الرقيق وأنا عنده، امرأة ~~عجوزا، قد دخلت، فأعظمها. # فقلت: من هذه؟ فقال: العلوية الزمنة، صاحبة المنام، وكانت تمشي بخفها ~~وإزارها. # فسألتها أن تجلس، ففعلت، واستخبرتها، فحدثتني، فقالت: اعتللت من برسام، ~~وأنا في حدود عشرين سنة من عمري، ثم انجلى عني، وقد لحق حقوي شيء أزمنني، ~~فكنت مطروحة على الفراش سبعا # PageV02P286 # وعشرين سنة، لا أقدر أن أقعد، ولا أقوم أصلا، وأنجو في موضعي، وأغسل، ~~وكنت مع ذلك، لا أجد ألما. # ثم بعد سنين كثيرة من علتي، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في منامي، ~~وأنا أقول له: يا جدي، ادع الله عز وجل أن يفرج عني، فقال: ليس هذا وقتك. # ثم رأيت أمير المؤمنين رضي الله عنه، فقلت له: أما ترى ما أنا فيه، فاسأل ~~رسول الله أن يدعو لي، أو ادع لي أنت، فكأنه قد دافعني. # ثم توالت علي بعد ذلك رؤيتي لهما في النوم، فجرى بيني وبينهما قريب من ~~هذا، ورأيت الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكأني أسأل كل واحد منهما الدعاء ~~بالعافية، فلا يفعل. # فلما مضت سبع وعشرون سنة لحقني ألم شديد، أياما في حقوي فقاسيت منه شدة ~~شديدة، فأقبلت أبكي، وأدعو الله بالفرج. # فرأيت ليلة في منامي، النبي صلى الله عليه وسلم، فعرفته؛ لأني كنت أراه ~~طول تلك السنين على صورة واحدة، وكأني أقول له: يا جدي، متى يفرج الله عني؟ ~~فكأنه ms248 أدخل يده في طرف كمي، وجس بدني، من أوله إلى آخره، حتى بلغ حقوي، ~~فوضع يده عليه، وتكلم بكلام لا أفهمه، ثم ردني على قفاي، كما كنت نائمة، ~~وقال: قد فرج الله عنك، فقومي. # فقلت: كيف أقوم؟ فقال: هاتي يدك، فأعطيته يدي، فأقعدني. # ثم قال: قومي على اسم الله. # فقمت، ثم خطا بي خطوات يسيرة، وقال: قد عوقبت. # فانتبهت، وأنا مستلقية على ظهري، كما كنت نائمة، إلا أنني فرحانة، # PageV02P287 # فرمت القعود، فقعدت لنفسي وحدي، ودليت رجلي من السرير، فتدلتا، فرمت ~~القيام عليهما، فقمت، ومشيت، فقلت للمرأة التي تخدمني: لست آمن أن يشيع ~~خبري، فيتكاثر الناس علي، فيؤذوني، وأنا ضيعفة من الألم الذي لحقني، إلا ~~أني كنت لما انتبهت، لم أحس بشيء من الألم، ولم أجد غير ضعف يسير. # فقلت: اكتمي أمري يومين، إلى أن صلحت قوتي فيهما، وزادت قدرتي على المشي ~~والحركة، وفشا خبري، وكثر الناس علي، فلا أعرف إلى الآن، إلا بالعلوية ~~الزمنة. # فسألتها عن نسبها، فقالت: أنا فاطمة بنت علي بن الحسن بن القاسم بن عبد ~~الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهم، لم تذكر لي غير هذا، ولا سألتها عنه. # PageV02P288 ### || أبو القاسم السعدي يرى مناما فيتوب عن فعل المنكر # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي الموصلي، قال: سمعت ~~أبا القاسم السعدي يحدث أبي ببغداد، قال: كنت وأنا حدث السن، مشغوفا بغلام ~~لبي شغفا شديدا، منهمكا معه في الفساد، فكان ربما هجرني، فأترضاه بكل ما ~~أقدر عليه، حتى يرضى. # قال: وإنه غضب علي مرة غضبا شديدا، فهرب، واستتر عني خبره، فلحقني من ~~الحيرة والوله، ما قطعني عن النظر في أمري، وصيرني كالمجنون، واجتهدت في ~~صرف ذلك عني فما انصرف. # وحضر وقت خروج الناس إلى الحائر، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، فكتبت ~~رقعة أسأل الله عز وجل فيها الفرج مما أنا فيه، وأتوسل إلى الله تعالى ~~بالحسين بن علي رضي الله عنهما، ms249 ودفعتها إلى بعض من خرج، وسألته أن يدفعها ~~في ناحية من القبر. # وكانت ليلة النصف من شعبان، ففزعت إلى الله، في كشف ما بي، وتفردت ~~بالصلاة والدعاء، قطعة من الليل، ثم حملني النوم. # PageV02P289 # فرأيت في منامي كأني في مقابر قريش، والناس مجتمعون فيها، إذ قيل: قد جاء ~~الحسين بن علي، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، للزيارة. # فتشوفت لرؤيتهما، فإذا بالحسين، في صورة كهل، حسن الوجه، بدراعة، وعمامة، ~~وخف، قد أقبل، ومعه فاطمة عليها السلام، متنقبة بنقاب أبيض، وملحفة بيضاء. # فاعترضت الحسين، وقلت: يابن رسول الله، كتبت إليك رقعة في حاجة لي، فإن ~~رأيت أن تعمل فيها؟ فلم يجبني، ودخل إلى القبة التي فيها محمد بن علي بن ~~موسى رضي الله عنهم، ودخلت فاطمة عليها السلام معه، وكأن قوما قد وقفوا ~~يمنعون الناس من الدخول إليها، فمل أزل أكابس وأتوصل، إلى أن دخلت، فأعدت ~~عليه الخطاب، فلم يجبني. # فقلت لفاطمة: يا سيدة النساء، إن رأيت أن تعملي في أمري. # فقالت: على أن تتوب؟ فقلت: نعم. # فقالت: الله؟ فقلت: الله. # فكررت ذلك علي ثلاثا، ثم أومأت إلى جماعة ممن كانوا قياما، فقالت: خذوه، ~~فأخذوني، ونزعت خاتما من يدها فدفعته إليهم، وخاطبتهم بما لم أفهمه، ~~فحملوني حتى غبت من عينها، وأضجعوني وحلوا سراويلي وشدوا # PageV02P290 # ذكري بخيط حلبي، ووضعوا على الشد طينا وختموه بالخاتم. # فورد علي من الألم أمر عظيم أنبهني، فانتبهت وقد أثر الخيط في الموضع، ~~وصار أثر الخاتم كأنه الجديري، مستديرا حول الموضع، ثم قال لأبي: إن شئت ~~كشفت لك فأريتك، فقد أريته لجماعة، فقال: لا أستحل النظر إلى ذلك. # قال السعدي: فأصبحت من غد، وما في قلبي ألبتة من الغلام شيء، وابتعت ~~الجواري، فكنت أطأهن، لا أنكر من جماعي شيئا. # ثم طالبتني بالغلمان، فدافعتها مدة، ثم غلبتني الشهوة، فاستدعيت غلاما، ~~فلم أقدر عليه، واسترخى العضو، وبطل، فلما فارقته، أنعظت، فعاودته، ~~فاسترخى، فجربت ذلك على عدة غلمان، فكانت صورتي واحدة فجددت توبة ثانية، ~~وما نقضتها بعد ذلك. # قال أبو ms250 محمد: وكان أبو علي القارئ الضرير، قد سمع معي هذا الخبر من ~~السعدي، فأخبرني بعد مدة طويلة، وحلف لي على ذلك، أنه رأى فاطمة رضي الله ~~عنها، في النوم، قال: فقلت لها: يا سيدتي، منام السعدي الذي حكاه صحيح؟ ~~فقالت: نعم. # PageV02P291 ### || أبو جعفر بن بسطام له قصة في رغيف # حدثنا أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب، قال: كان ابن الفرات، يتبع ~~أبا جعفر بن بسطام بالأذية، ويقصده بالمكاره، فلقي منه في ذلك شدائد كثيرة. # وكانت أم أبي جعفر قد عودته منذ كان طفلا، أن تجعل له في كل ليلة، تحت ~~مخدته التي ينام عليها، رغيفا من الخبز، فإذا كان في غد، تصدقت به، عنه. # فلما كان بعد مدة من أذية ابن الفرات له، دخل إلى ابن الفرات في شيء ~~احتاج إلى ذلك فيه، فقال له ابن الفرات: لك مع أمك خبر في رغيف؟ قال: لا. # فقال: لا بد أن تصدقني. # فذكر أبو جعفر الحديث، فحدثه به على سبيل التطايب بذلك من أفعال النساء. # فقال ابن الفرات: لا تفعل، فإني بت البارحة، وأنا أدبر عليك تدبيرا لو تم ~~لاستأصلتك، فنمت، فرأيت في منامي كأن بيدي سيفا مسلولا، وقد قصدتك لأقتلك ~~به، فاعترضتني أمك بيدها رغيف تترسك به مني، فما وصلت إليك، وانتبهت. # فعاتبه أبو جعفر على ما كان بينهما، وجعل ذلك طريقا إلى # PageV02P292 # استصلاحه، وبذل له من نفسه ما يريده من حسن الطاعة، ولم يبرح حتى أرضاه، ~~وصارا صديقين. # وقال له ابن الفرات: والله، لا رأيت مني بعدها سوءا أبدا. # PageV02P293 ### || بينما كان يترقب القتل وافاه الفرج في مثل لمح البصر # ذكر محمد بن عبدوس في كتابه، كتاب (الوزراء) ، عن أبي العباس بن الفرات، ~~عن محمد بن علي بن يونس، عن أبيه، أنه كان يكتب لرجاء بن أبي الضحاك، وهو ~~بدمشق، وأن علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ، كان يتقلد خلافة صول أرتكين على ~~المعونة بدمشق، فوثب على رجاء، فقتله، وقبض على جماعة من أسبابه، وأمر ~~بحبسي، فحبست في يدي ms251 سجان كان جارا لي، فكان يأتيني بالخبر ساعة بساعة. # فدخل إلي، وقال: قد أخرج رأس صاحبك رجاء على قناة. # ثم جاءني، وقال: قد قتل مطببه، ثم جاءني، فقال: قد قتل ابن عمه، ثم ~~جاءني، فقال: قد قتل كاتبه الآخر. # ثم قال: الساعة، والله، يدعى بك لتقتل، فقد سمعت نبأ ذلك، فنالني جزع ~~شديد، وخرج السجان، فأقفل الباب علي. # فدعي بي، فدافع عني، وقال: البيت الذي هو فيه مقفل، والمفتاح مع # PageV02P294 # شريكي، والساعة يجيء، وبعث في طلبه. # فنالني في تلك الساعة نعاس، فرأيت في منامي، كأني ارتطمت في طين كثير، ~~وكأني قد خرجت، وما بل قدمي منه شيء، فاستيقظت وتأولت الفرج، وسمعت حركة ~~شديدة، فلم أشك أنها لطلبي، فعاودني الجزع. # فدخل السجان، فقال: أبشر، فقد أخذ الجند علي بن إسحاق فحبسوه. # فلم ألبث حتى جاءني الجند، فأخرجوني، وجاءوا بي إلى مجلس علي بن إسحاق ~~الذي كان فيه جالسا، وقدامه دواة وكتاب قد كان كتبه إلى المعتصم في تلك ~~الساعة، يخبره بخبر قتله رجاء، وجعل له ذنوبا، ولنفسه معاذير. # وسماه رجاء المجوسي، والكافر، فخرقت الكتاب، وكتبت بالخبر كما يجب إلى ~~المعتصم. # فحبس طويلا، ثم أظهر الوسواس، وتكلم فيه أحمد بن أبي دؤاد فأطلق. # PageV02P295 ### || المنصور يرى مناما فيرفع الظلامة عن محبوس # وجدت في بعض الكتب: أن المنصور استيقظ من منامه ليلة من الليالي، وهو ~~مذعور لرؤيا رآها، فصاح بالربيع، وقال له: صر الساعة إلى الباب الثاني الذي ~~يلي باب الشام فإنك ستصادف هناك رجلا مجوسيا مستندا إلى الباب الحديد، ~~فجئني به، فمضى الربيع مبادرا، وعاد والمجوسي معه. # فلما رآه المنصور، قال: نعم، هو هذا، ما ظلامتك؟ قال: إن عاملك بالأنبار ~~جاورني في ضيعة لي، فسامني أن أبيعه إياها، فامتنعت؛ لأنها معيشتي، ومنها ~~أقوت عيالي، فغصبني إياها. # فقال له المنصور: فبأي شيء دعوت قبل أن يصير إليك رسولي؟ قال: قلت: اللهم ~~إنك حليم ذو أناة، ولا صبر لي على أناتك. # فقال المنصور للربيع: أشخص هذا العامل، وأحسن أدبه، وانتزع ضيعة هذا ~~الموجسي من يده، ms252 وسلمها إلى هذا المجوسي، وابتع من العامل ضيعته، وسلمها ~~إليه أيضا. # ففعل الربيع ذلك كله في بعض نهار يوم، وانصرف المجوسي، وقد فرج الله عنه، ~~وزاده، وأحسن إليه. # PageV02P296 ### || صاحب الشرطة ببغداد يرى مناما يرشده إلى القاتل ويبرئ فيجا مظلوما # وجدت في كتاب: حدث القاسم بن كرسوع، صاحب أبي جعفر محبرة، قال: كان ابن ~~أبي عون، صاحب الشرطة، قد وعد محبرة أنه يجيئه للإقامة عنده، والشرب مصطبحا ~~على ستارته في يوم الثلاثاء، فأبطأ عليه، وتعلق قلب محبرة بتأخره، فبعث ~~غلاما له يطلبه ويعرف خبره في تأخره. # فعاد إلى محبرة، وقال: وجدته في مجلس الشرطة، يضرب رجلا بالسياط، وذكر ~~أنه يجيء الساعة، فلما كان بعد ساعة، جاء ابن أبي عون، فقال له أبو جعفر: ~~أفسدت صبوحنا، وشغلت قلبي بتأخرك، فما سبب ذلك؟ # PageV02P297 # فقال: إني رأيت البارحة في منامي، كأني بكرت بليل لأجيك، وليس بين يدي ~~إلا غلام واحد، فسرت في خراب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، لأجيء إلى رحبة ~~الجسر، فإني لأسير في القمر، إذ رأيت شيخا بهيا نظيف الثوب، على رأسه ~~قلنسوة لاطية، وفي يده عكاز، فسلم علي، وقال: إني أرشدك إلى ما فيه مثوبة: ~~في حبسك فيج مظلوم، وافى من المدائن، # PageV02P298 # في وقت ضيق، فاتهم بأنه قتل رجلا، وهو بريء من دمه، وقد ضرب وحبس، وقاتل ~~الرجل غيره، وهو في غرفة وسطى من ثلاث غرف مبنية على طاق العكي بالكرخ، ~~واسمه فلان بن فلان، ابعث من يأخذه، فإنك ستجده سكران، عريان، بسراويل، وفي ~~يده سكين مخضبة بالدم، فاصنع به ما ترى، وأطلق الفيج البائس. # قلت: أفعل، وانتبهت، فركبت، وسرت، حتى وافيت رحبة الجسر، فقلت: ما حدث في ~~هذه الليلة؟ # PageV02P299 # فقالوا: وجدنا هذا القتيل، وهذا الفيج معه، فضربناه، ولم يقر. # فرأيت به أثر ضرب عظيم، فسألته عن خبره، فقال: أنا معروف بالمدائن بسلامة ~~الطريقة، ومعاشي التفيج، أنفذني فلان بن فلان من المدائن، إلى فلان بن فلان ~~من أهل بغداد، بهذه الكتب، وأخرج إضبارة، فدخلت أوائل بغداد وقت العتمة، ~~فوجت في الطريق ms253 رجلا مقتولا، فجزعت، ولم أدر أين آخذ، فأنا على حالي إذ ~~أدركني الأعوان، فظنوني قتلته، ووالله ما أعرفه، ولا رأيته قط، وقد حبسوني ~~وضربوني، فالله، الله، في دمي. # فقلت: قد فرج الله عنك، انطلق حيث شئت، ثم أخذت الرجالة، ومضيت إلى طاق ~~العكي، فإذا الثلاث غرف مصطفة، فهجمت على الوسطى، فإذا فيها رجل سكران ~~عليها سراويل فقط، وفي يده سكين مخضب بالدم، وهو يقول: أخ عليك، والك، نعم ~~يا سيدي، أنا جرحته، أخو القحبة، وإن مات فأنا قتلته، فأنزلته مكتوفا، ~~وبعثت به إلى الحبس، وانحدرت إلى الموفق، فأعلمته بالحديث، فتعجب، وتقدم ~~إلي أن أضرب القاتل بالسياط إلى أن يتلف، وأصلبه في موضع جنايته، فتشاغلت ~~بذلك إلى أن فرغت منه، ثم جئتك. # PageV02P300 ### || عزم على قتله ثم من عليه وأطلقه ثم يمن عليه ويطلقه # حدثني علي بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن موسى، وكان ابن أخي موسى بن ~~إسحاق القاضي الأنصاري، قال: كنت خرجت مع أبي، وهو يكتب لأبي جعفر الكرخي ~~محمد بن القاسم، لما تقلد الموصل والديارات، وكان قد ضم إلى أبي جعفر جماعة ~~من قواد السلطان، فلما صرنا بنصيبين كان أبي قد مضى وأنا معه إلى أبي ~~العباس أحمد # PageV02P303 # بن كشمرد مسلما عليه، فتحدثا، فسمعته يحدثه، قال: لما أسرني أبو طاهر ~~القرمطي، فيمن أسره بالهبير، حبسني وأبا الهيجاء، # PageV02P304 # والغمر، في ثلاث حجر متقاربة، ومكننا أن نتزاور، ونجتمع على الحديث. # فمكن أبا الهيجاء خاصة، واختص به، وعمل على إطلاقه، وشفعه في أشياء. # فسألت أبا الهيجاء أن يسأله إطلاقي، فوعدني، واستدعاه القرمطي، فمضى إليه ~~وعاد إلى حجرته، فجئت وسألته: هل خاطبه؟ فدافعني. # فقلت: لعلك أنسيت؟ فقال: لا والله، ولوددت أني ما ذكرتك له، إني وجدته ~~متغيظا عليك، فقال: والله، لأضربن عنقه عند طلوع الشمس في غد. # ورحل أبو الهيجاء، فورد علي أمر عظيم، وعدت إلى حجرتي، وقد يئست من ~~الحياة، فلما كان في الليل، رأيت في منامي كأن قائلا يقول لي: اكتب في ~~رقعة: بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الذليل، ms254 إلى المولى الجليل، مسني ~~الضر والخوف، وأنت أرحم الراحمين، فبحق محمد وآل محمد، اكشف همي وحزني، ~~وفرج عني، واطرح هذه الرقعة في هذا النهر، وأومأ إلى ساقية كانت تجري هناك ~~في المطبخ. # فانتبهت من نومي، وكتبت الرقعة، وطرحتها في الساقية. # فلما كان السحر استدعاني القرمطي، فلم أشك أنه القتل، فلما دخلت إليه ~~أدناني وأجلسني، وقال: قد كان رأيي فيك غير هذا، إلا أني قد رأيت تخليتك. # PageV02P305 # فخرجت، فإذا على الباب راحلة، ورجل يصحبني، فركبت، ودخلت البصرة سالما، ~~ولحقت أبا الهيجاء بها، فدخلنا معا إلى بغداد. # PageV02P306 ### || محمد بن سليمان الكاتب دخل مصر أجيرا ثم دخلها أميرا # قال أبو الحسن علي بن زكي: كنت مع صاحبي عيسى النوشري، وكان مضافا لمحمد ~~بن سليمان الكاتب على حرب الطولونية، إلى أن افتتحت مصر، فتقلدها عيسى. # PageV02P307 # قال: قال عيسى: خرج يوما محمد بن سليمان إلى ظاهر الفسطاط، فانتهى به ~~السير إلى قبة كانت لأحمد بن طولون، يقال لها: قبة الهواء، مطلة على النيل ~~وعلى البر، فجلس فيها ومعه الحسين بن حمدان وجماعة من القواد، ثم قال: ~~الحمد لله الذي بيده الأمر كله يفعل ما يشاء. # فقال له الحسين بن حمدان: لا شك أن تجديدك الحمد لأمر. # قال: نعم، وهو عجيب طريف ذكرته الساعة، وهو أني نزعت إلى مصر وأنا في حال ~~رثة، في زي صغار الأتباع، فضاق علي المعاش بها؟ فاتصلت بلؤلؤ الطولوني، ~~فأجرى علي دينارين في كل شهر، وصيرني مشرفا في # PageV02P308 # إصطبله على كراعه، فكنت هناك من حيث لا يعرف وجهي جيدا، ولا أقدم على ~~الوقوف بين يديه. # فلما كان في بعض الأيام أحضرني، فقال: ويحك من أين يعرفك الأمير؟ يعني: ~~أحمد بن طولون. # فقلت: والله، ما رآني قط، ولا وقعت عينه علي إلا في الطريق، ولا محلي محل ~~من يتصدى للقائه. # فقال: دعاني الساعة، وهو في قبة الهواء، فقال: معك رجل أشقر أشهل، يقال ~~له: محمد بن سليمان. # فقلت: ما أعرفه. # فقال: بل هو في جنبتك، فأبعده عنك، فإني رأيته البارحة وفي يده ms255 مكنسة ~~يكنس داري بها، فتوق ويحك، ولا تتعرف إلى أحد من حاشيته، وأقرني على أمري، ~~فامتثلت أمره. # ومضت لهذا الحديث شهور، ثم دعاني ثانية، فقال: ويحك، ماذا بليت به منك، ~~وبليت أنت به من هذا الأمير؟ دعاني بعدة من أصحاب الرسائل، فوافيته وأنا في ~~غاية الوجل، فقال: أليس أمرتك بصرف محمد بن سليمان الأزرق الأشقر؟ فقلت: قد ~~عرفتك يا سيدي أني ما استخدمت من هذه سبيله، ولا وقعت لي عليه عين. # PageV02P309 # فقال: كذبت، هو معك في إصطبلك، فأخرجه الساعة عن البلد، فإني قد رأيته ~~البارحة في النوم، وفي يده مكنسة، وهو يكنس به سائر حجري وداري، ونسأل الله ~~الكفاية. # فقلت للؤلؤ: وأي ذنب ليس يا سيدي في الأحلام؟ فقال لي: صدقت، فاستتر إلى ~~أن يتناسى الأمير ذكرك، ففعلت، وكان يجري علي ذلك الرزق، وأنا لا أعمل ~~شيئا. # فلما تهيأ من إنفاذ لؤلؤ إلى الشام ما تهيأ، نهضت معه، وتخلف عنه كتابه، ~~لما كانوا علموه من تغير حاله عند صاحبه، فأدناني، وقربني، وأجرى علي في كل ~~شهر عشرة دنانير، وحملني على دابة وبغل، فلزمت خدمته، وكفيته، واستحمدت ~~إليه، فزادني من رأيه، ولم ينته إلى العريش، حتى تنبه أحمد بن طولون على ~~استيحاش لؤلؤ، فكتب إليه بالرجوع إلى مصر، فشاورني، فأشرت عليه بالانحدار ~~إلى نواحي ديار مضر، وأخذ ما يستهدف له من المال، ولم أترك غاية إلا أتيتها ~~في تضريبه وتأليبه، حتى أوردته مدينة السلام. # ثم تقلبت بي الأحوال في خدمة السلطان، وخدمة الدول، وتوفي أحمد بن طولون، ~~وقتل أبو الجيش، وجيش ابنه، وتولى بعدهم هارون بن خمارويه، # PageV02P310 # فاختصصت أنا بالقاسم بن عبيد الله، فقلدني ديوان الجيش، ثم ندبني لمحاربة ~~هارون، وضم إلي القواد والرجال، وكان فيهم لؤلؤ صاحبي، وكان أصغر الجماعة ~~حالا، وأحقرهم شأنا، خاليا من الرجال والكراع، فلم أقصر في إصلاح حاله، ~~والإحسان إليه، ومعرفة حقه. # فلم أدن من الشام حتى تلقاني بدر الحمامي، وتلاه طغج بن جف مسرعا، وصرت ~~إلى مصر، فلما شارفتها وثب شيبان بن أحمد بن طولون ms256 ومن تابعه من جند مصر، ~~فقتلوا هارون، وتولى شيبان الأمر بعده، وانثال إلي القواد في الأمان ولحق ~~بهم شيبان، وتخلف الرجالة وقطعة من الفرسان، وأظهروا الخلاف، فأوقعت بهم، ~~وأفنيتهم قتلا وأسرا، ودخلت فسطاط مصر عنوة، وحويت النعم والمهج، وأشخصت ~~الطولونية عن البلد إلى الحضرة، حتى لم يبق منهم أحد. # وصح بذلك منام أحمد بن طولون، فسبحان الذي ما شاء فعل، وإياه نسأل خير ما ~~تجري به أقداره، وأن يختم لنا بخير برحمته. # PageV02P311 ### || شفاه منام رآه أحد أصحابه # حدثني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الكاتب المعروف بالببغاء، قال: اعتللت ~~بحلب علة، جف منها بدني كله، فكنت كالخشبة، لا أقدر على أن أتحرك أو أحرك، ~~ونحل جسمي، وتقلبت بي أعلال متصلة متضادة صعبة، فمكثت حليف الفراش ثلاث ~~سنين، وآيسني الأطباء من البرء، وقطعوا مداواتي. # وكان لي صديق شيخ يعرف بأبي الفرج بن دارم، من أهل بلدي، يعني: نصيبين، ~~مقيم بحلب، مواظب على عيادتي، وملازم لي، وكان لفرط اغتمامه بي، وأن ~~الأطباء قد آيسوه مني، يظهر لي من الجزع علي أمرا يؤلم قلبي، ويؤيسني من ~~نفسي، ثم تجاوز ذلك إلى التصريح باليأس، وتوطيني عليه، ثم تعدى هذا إلى أن ~~صار لا يملك دمعته إذا خاطبني. # فضعفت عن تحمل هذا، وتضاعفت به علتي، وخارت معه قوتي، فاعتقدت أن أقول ~~لغلامي أن يترصده، فإذا جاء الرجل إلي قال له عني: إني لا أستحسن حجابه، ~~وإن علتي تضاعفت مما أشاهده، وأسمعه منه، ويسأله أن ينقطع عني، أو يقطع ~~مخاطبتي بما فيه إياس لي، وقررت عزمي على هذا في ليلة من الليالي، ولم ~~أخاطب به غلامي. # PageV02P312 # فلما كان في صبيحة تلك الليلة، باكرني ابن دارم، فحين وقعت عيني عليه، ~~تثاقلت به خوفا من أن يسلك معي مذهبه، وهممت أن أفتتح خطابه بما كنت عزمت ~~على مراسلته به، فسبقني بأن قال لي: جئتك مبشرا. # فقلت: بماذا؟ قال: رأيت البارحة في منامي، كأني بالرقة، والناس يهرعون ~~إلى زيارة قبور الشهداء. # قال أبو الفرج: وهم جماعة ممن قتل بصفين ms257 مع علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، منهم عمار بن ياسر، حملوا إلى ظاهر الرقة، فدفنوا بها، والحال في ذلك ~~مشهور، والقبور إلى الآن مغشية معمورة. # قال لي ابن دارم: ورأيت كأن أكثر الناس مطيفون بقبة، فسألت عنها، فقيل ~~لي: هي على قبر عمار بن ياسر رضي الله عنه، فقصدتها، وطفت بها، # PageV02P313 # فإذا القبر مكشوف، وفيه رجل شيخ، بثياب بيض، وفي رأسه ضربات بينة دامية، ~~وعلى لحيته دم، والناس يسألونه فيجيبهم، فلحقتني حيرة، ولم أدر عما أسأله. # فقلت له: يا سيدي، لعلك عارف بأبي الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي ~~المعروف بالببغاء. # فقال: نعم، أنا عارف به. # فقلت: أيعيش أم لا؟ فقال: نعم، يعيش، ويبرأ، ولكن أنت لك ابن فاحذر عليه ~~من علة تلحقه قريبا، واستيقظت. # وأخذ يهنيني بالعافية، ويقول: سرني ما جرى، ولكن قد أوحشني في أمر ابني، ~~وأسأل الله تعالى الكفاية. # قال أبو الفرج: وكان للرجل ابن، له نحو الثلاثين سنة، وهو في الحال ~~معافى، فلما مضت خمسة أيام من الرؤيا حم الفتى، وتزايدت علته، فمات في ~~اليوم الرابع عشر من يوم حم، فقويت نفسي في صحة المنام، وما مضى على موت ~~الفتى إلا أيام يسيرة، حتى أدبر مرضي، ولم تزل العافية تقوى إلى أن عوفيت، ~~وعادت صحتي كما كانت بعد مدة يسيرة. # PageV02P314 ### || رأى الإسكندر رؤيا تبعها انتصاره على دارا ملك الفرس # وجدت في بعض الكتب: أنه لما اشتدت الحرب بين الإسكندر، وبين دارا بن ~~دارا، استظهر دارا عليه، وأشرف الإسكندر على الهلاك، وأيس من النصر، وحال ~~الشتاء بينهما، فانصرف الإسكندر إلى معسكره، مغموما مهموما ليلته، ثم نام. # فرأى في منامه، كأنه صارع دارا، فصرعه دارا، فانتبه، وقد كربه ذلك، وزاد ~~في همه وغمه. # فقص رؤياه على بعض فلاسفته، فقال: أبشر أيها الملك بالغلبة والنصر، فإنك ~~تغلب دارا على الأرض، لأنك كنت تليها لما صرعك. # فلما كان بعد أيام يسيرة انهزم دارا، وقتل، وجاءوا برأسه إلى الإسكندر. # PageV02P315 ### || رؤيا عبد الله بن الزبير وتعبيرها # قال مؤلف هذا الكتاب: ms258 ومثل هذا ما هو مشهور في روايات أصحاب الأخبار ~~والسير، أن عبد الله بن الزبير رأى في منامه، كأنه صارع عبد الملك بن ~~مروان، فصرع عبد الملك، وسمره على الأرض بأربعة أوتاد. # فأرسل راكبا إلى البصرة، وأمره أن يلقى محمد بن سيرين، ويقص الرؤيا عليه، ~~ولا يذكر له من أنفذه. # فأتاه وقص عليه المنام، فقال له ابن سيرين: من رأى هذا؟ قال: أنا رأيته ~~في رجل بيني وبينه عداوة. # فقال: ليس هذه رؤياك، هذه رؤيا ابن الزبير أو عبد الملك، أحدهما في ~~الآخر. # فسأله الجواب، فقال: ما أفسرها أو تصدقني، فلم يصدقه، فامتنع من التفسير، ~~فانصرف الراكب إلى ابن الزبير، فأخبره بما جرى. # فقال له: ارجع إليه، واصدقه، أنني رأيتها في عبد الملك. # PageV02P316 # فرجع الراكب إلى ابن سيرين، وصدقه، فقال له: قل له يا أمير المؤمنين، إن ~~عبد الملك يغلبك على الأرض، ويلي هذا الأمر من ولده لظهره أربعة، بعدد ~~الأوتاد التي سمرته بها على الأرض. # PageV02P317 ### || رأى في منامه أنه قد صرع خصمه فكان تعبير رؤياه أن الخصم هو المنتصر # حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، الكاتب، المقيم كان بالبصرة، إلى ~~أن مات، قال: لما سعى أبو أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، مع جيش أبي القاسم ~~بن أبي عبد الله البريدي، في أن يقبضوا عليه، ويحبسوه عند أبي أحمد، إلى # PageV02P318 # أن يرد المطيع لله، أو جيش له إلى البصرة، فيملكوها، ويتسلمون منه أبا ~~القاسم البريدي، وكانت القصة المشهورة في ذلك. # فبلغني ذلك، فخلوت بأبي أحمد، وكنت أكتب له حينئذ، وكان لا يحتشمني في ~~أموره، وثنيته عن هذا الرأي، وعرفته وجوه الغلط فيه، والمخاطرة بدمه ~~ونعمته، وهو غير قابل لمشورتي، إلى أن أكثرت عليه. # فقال لي: اعلم أنني قد رأيت رؤيا أنا بها واثق في تمام ما قد شرعت فيه من ~~القبض على هذا الرجل. # فعجبت في نفسي من رجل يخالف الحزم الظاهر، والرأي الواضح، من أجل منام، ~~ثم قلت له: ما الرؤيا؟ فقال: رأيت كأن حية عظيمة، قد ms259 خرجت علي من حائط هذا ~~العرضي، قال: وكان جالسا في عرضي داره، قال: فكأني قد رميتها، فأثبتها في ~~الحائط. # فحين قال أبو أحمد: أثبتها في الحائط، ذكرت تأويل منام ابن الزبير، وقص ~~المنام الذي ذكرته، فسبق إلى قلبي، أن تأول منام أبي أحمد، أنه قد أثبت ~~عدوه في حائطه، وأن عدوه سيغلبه على البلد. # قال: فأمسكت، وقطعت الكلام، فما مضت إلا مدة يسيرة، حتى شاع التدبير، وصح ~~الخبر به عند أبي القاسم البريدي، فبادر إلى القبض على # PageV02P319 # فائق الأعسر، وكان هو الذي ندبه أبو أحمد للقبض على البريدي، وأن يكون ~~أمير البلد، إلى أن يرد جيش الخليفة، فقرره، فأقر بالخبر على شرحه، فقبض ~~أبو القاسم على أبي أحمد بعد قبضه على فائق بيومين أو ثلاثة، فاستصفاه، ~~وأهله، وولده، ثم قتله بعد ذلك بأيام. # PageV02P320 ### || الرشيد يولي أخاه إبراهيم بن المهدي دمشق # بلغني عن إبراهيم بن المهدي، قال: كنت في جفوة شديدة من أخي الرشيد، أثرت ~~في جاهي، ونقصت حالي، وأفضيت معها إلى الإضافة بتأخير أرزاقي، وظهور اطراحه ~~إياي، فاختلت لذلك أحوالي، وركبني دين فادح، فبلغ بي القلق والفكر فيه ليلة ~~من الليالي، مبلغا شديدا، ونمت فرأيت في النوم كأني واقف بين يدي أبي ~~المهدي، وهو يسألني عن حالي، وأنا أشكو إليه ما نكبني به الرشيد، وأنهيت ~~إليه حالي، وأنا أقول: ادع الله عليه يا أمير المؤمنين. # فكأنه يقول: اللهم أصلح ابني هارون، يكررها ثلاثا. # فكأني أقول: يا أمير المؤمنين أشكو إليك ظلم هارون لي، وأسألك أن تدعو ~~عليه، فتدعو له. # فقال: وما عليك، إن أصلحه الله لك وللكافة، أن يبقى على حاله، هو ذا أمضي ~~إليه الساعة، وآمره أن يرجع لك، ويقضي دينك، ويوليك جند دمشق. # فكأنني أومي إليه بسبابتي، وأقول له: دمشق، دمشق، استقلالا لها. # فيقول لي: حركت مسبحتك استقلالا لدمشق، فكلما خف منها حظك، كان في ~~العاقبة أجود لك. # فانتبهت، وأحضرت رجلا كان مؤدبي في أيام المهدي، فسألته عن المسبحة، ~~فقال: كان عبد الله بن العباس، يسمي السبابة: المسبحة، ms260 فما # PageV02P321 # سؤال الأمير لي عنها؟ فقصصت عليه الرؤيا، وامتنع النوم عني، فأخذ يحدثني ~~وأنا جالس في فراشي، إذ جاءني رسول الرشيد، فارتعت له ارتياعا شديدا، ولم ~~أعبأ بالمنام، وخفت أن يريدني لسوء يوقعه بي. # فقلت: أدافعه إلى أن تطلع الشمس، ثم يكون دخولي الدار نهارا، فإن كان ~~أرادني لغيلة لم تتم. # فتقاطرت رسله حتى أعجلوني عن الرأي، واضطروني إلى الركوب في الحال، فدخلت ~~إليه وأنا شديد الجزع، وهو جالس في فراشه ينتحب. # فلما رآني، قال: سألتك بالله يا أخي هل رأيت الليلة في منامك شيئا؟ فقلت: ~~نعم، الساعة رأيت أمير المؤمنين المهدي. # فلما قلت له ذلك ازداد بكاؤه، ثم قال لي: ويحك، بالله، شكوتني إليه ~~وسألته أن يدعو علي؟ فقلت: قد كان ذلك، ولكنه قال كذا وكذا، وشرحت له ما ~~قال. # فقال: الساعة والله، جاءني في منامي، فقص علي جميع ما ذكرت، وقد وفى ~~بوعده، والله لأمتثلن أمره، ولأصلن رحمك، كم دينك؟ قلت: كذا وكذا، فأمر ~~بقضائه. # وقال: لا تبرح، حتى أصلي وأخرج، فأعقد لك على دمشق، فانتظرت حتى وجبت ~~الصلاة، فصلى، وجاء وقت جلوسه، فجلس، واستدعاني فأظهر تكرمتي، وعقد لي لواء ~~على دمشق، وأمر الناس، فساروا معي إلى منزلي، فعاد جاهي، وصلحت حالي. # PageV02P322 ### || يرى مناما وهو محبوس فيطلق من حبسه # حدثني أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر، المقرئ، الشاهد، قال: حدثني أبو ~~الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو الفضل ميمون بن هارون، ~~قال: حدثني موسى بن عبد الملك، قال: رأيت وأنا في الحبس، كأن قائلا يقول ~~لي: # لا زلت تعلو بك الجدود ... نعم وحفت بك السعود # أبشر فقد نلت ما تريد ... يبيد أعداءك المبيد # لم يمهلوا ثم لم يقالوا ... بل يفعل الله ما يريد # فاصبر فصبر الفتى حميد ... واشكر ففي شكرك المزيد # PageV02P326 # فانتبهت، وقد طفىء السراج، فطلبت شيئا، حتى كتبت الأبيات على الحائط، ~~وأصبحت وقد قويت نفسي. # قال: فما مضى على ذلك إلا أيام يسيرة حتى أطلقت. # PageV02P327 ### || يكره شخصا على العمل ثم يحبسه ويعذبه # وذكر ms261 المدائني في كتابه، كتاب الفرج بعد الشدة والضيقة، قال: قال توبة ~~العنبري: أكرهني يوسف بن عمر على العمل، فلما رجعت حبسني حتى لم يبق في ~~رأسي شعرة سوداء. # فأتاني آت في منامي فقال لي: يا توبة أطالوا حبسك؟ قلت: أجل. # فقال: سل الله عز وجل العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، ثلاثا، # PageV02P328 # فاستيقظت، فكتبتها، وتوضأت، وصليت ما شاء الله، ثم جعلت أدعو حتى وجبت ~~صلاة الصبح، فصليتها. # فجاء حرسي، فقال: أين توبة العنبري، فحملني في قيودي، فأدخلني عليه، وأنا ~~أتكلم، بهن، فلما رآني، أمر بإطلاقي. # قال توبة: فعلمتها في السجن رجلا، فقال: إني لم أدع إلى عذاب قط، فقلتهن، ~~إلا خلوا عني، فجيء بي يوما إلى العذاب، فجعلت أتذكرهن، فلا أذكرهن، حتى ~~جلدت مائة سوط، فذكرتهن بعد، فدعوت بهن، فخلوا عني. # حدثنا علي بن الحسن بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن ~~أبي الدنيا، قال: حدثنا حاتم بن عبد الله، أنه حدث عن سيار بن حاتم، قال: ~~حدثنا عثمان بن مطر، قال: حدثنا توبة العنبري، فذكر مثله، وزاد فيه، ~~فقيدني، فما زلت في السجن، حتى لم يبق في رأسي شعرة سوداء. # PageV02P329 ### || رأى في منامه أن قد أخرجت من داره اثنتا عشرة جنازة # وروى المدائني في كتابه أيضا، عن معمر بن المثنى، عن علي بن القاسم، قال: ~~حدثني رجل قال: رأيت في المنام، أيام الطاعون، أنهم أخرجوا من داري اثنتي ~~عشرة جنازة، وأنا وعيالي اثنا عشر نفسا، فمات عيالي، وبقيت وحدي، فاغتممت، ~~وضاق صدري. # فخرجت من الدار ثم رجعت في الغد، فإذا لص قد دخل ليسرق، فطعن في الدار، ~~فمات، وأخرجت منها جنازته. # وسري عني ما كنت فيه، ووهب الله العافية والسلامة. # PageV02P330 ### || وهب بن منبه يصاب بالإملاق ثم يعطيه الله من فضله # ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه الفرج بعد الشدة: أن وهب بن منبه، قال: ~~أملقت حتى قنطت أو كدت، فأتاني آت في منامي، ومعه شيبه بالفستقة، فدفعها ~~إلي. # وقال: افضض، ففضضتها فإذا حريرة. # فقال: انشر، فنشرتها فإذا ms262 فيها ثلاثة أسطر ببياض: لا ينبغي لمن عرف عن ~~الله عدله، أو عقل عن الله أمره، أن يستبطىء الله في رزقه. # قال: فأعطاني الله بعدها، فأكثر. # PageV02P331 ### || درس في الإيثار # وذكر أيضا عن الواقدي، أنه قال: أضقت إضاقة شديدة، وهجم شهر رمضان، وأنا ~~بغير نفقة، فضاق ذرعي بذلك، فكتبت إلى صديق لي علوي، أسأله أن يقرضني ألف ~~درهم، فبعث إلي بها في كيس مختوم، فتركتها عندي. # فلما كان عشي ذلك اليوم، وردت علي رقعة صديق لي، يسألني إسعافه لنفقة شهر ~~رمضان، بألف درهم، فوجهت إليه بالكيس بخاتمه. # فلما كان في الغد، جاءني صديقي الذي اقترض مني، والعلوي الذي اقترضت منه ~~فسألني العلوي عن خبر الدراهم، فقلت: صرفتها في مهم. # فأخرج الكيس بختمه، وضحك، وقال: والله لقد قرب هذا الشهر وما عندي إلا ~~هذه الدراهم، فملا كتبت إلي وجهت بها إليك، وكتبت إلى صديقنا هذا، أقترض ~~منه ألف درهم، فوجه إلي بالكيس، فسألته عن القصة، فشرحها، وقد جئناك ~~لنقتسمها، وإلى أن ننفقها يأتي الله بالفرج. # قال الواقدي: فقلت لهما، لست أدري أينا أكرم، فقسمناها، ودخل شهر رمضان، ~~فأنفقت أكثر ما حصل منها، وضاق صدري، وجعلت أفكر في أمري. # PageV02P332 # فبينما أنا كذلك، إذ بعث إلي يحيى بن خالد البرمكي في سحرة يوم، فصرت ~~إليه. # فقال: يا واقدي، رأيتك البارحة فيما يرى النائم، وأنت على حال دلتني على ~~أنك في غم شديد وأذى، فاشرح لي أمرك. # فشرحته، إلى أن بلغت حديث العلوي، وصديقي والألف درهم، فقال: ما أردي ~~أيكم أكرم، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين ألف، وقلدني القضاء. # PageV02P333 ### | الباب السابع من استنقذ من كرب وضيق خناق بإحدى حالتي عمد أو اتفاق ### || محمد بن زيد العلوي يضرب مثلا عاليا في النبل # حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني الكاتب، قال: كان محمد ~~بن زيد العلوي، الداعي بطبرستان، إذا افتتح الخراج، نظر ما في بيت المال من ~~خراج السنة التي قبلها، ففرق في قبائل قريش قسطا، على دعوتهم، وفي الأنصار، ~~وفي الفقهاء، وأهل ms263 القراءات، وسائر طبقات الناس، حتى يفرق جميع ما بقي. # فجلس سنة من السنين، يفرق المال، على ما كان يفعل، فلما فرغ من بني هاشم، ~~دعا بسائر بني عبد مناف، فقام رجل، فقال له: من أي بني عبد مناف أنت؟ فسكت. # PageV02P334 # قال: لعلك من ولد معاوية؟ قال: نعم. # قال: فمن أي ولده أنت؟ فسكت. # قال: لعلك من ولد يزيد؟ قال: نعم. # قال: بئس الاختيار اخترت لنفسك، من قصدك بلدا ولايته لآل أبي طالب، وعندك ~~ثأرهم في سيدهم وإخوته وبني عمه، وقد كانت لك مندوحة عنهم بالشام والعراق، ~~عند من يتولى جدك، ويحب رفدك، فإن كنت جئت عن جهل بهذا منك فما يكون بعد ~~جهلك شيء، وإن كنت جئت متمريا بهم، فقد خاطرت بنفسك. # فنظر إليه العلويون نظرا شديدا، فصاح بهم محمد، وقال: كفوا عافاكم الله، ~~كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركا أو ثأرا بالحسين بن علي رضي الله عنهما، ~~وأي جرم لهذا؟ إن الله عز وجل قد حرم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله، ~~لا يعرض له أحد إلا أقدته به، واسمعوا حديثا أحدثكم به، يكون قدوة لكم فيما ~~تستأنفون من أموركم. # حدثني أبي، عن أبيه، قال: عرض على المنصور، سنة حج، جوهر فاخر، فعرفه، ~~وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وهذا بعينه، قد بلغني خبره، عند ابنه ~~محمد، وما بقي منهم أحد غيره. # PageV02P335 # ثم قال الربيع: إذا كان غدا، وصليت بالناس في المسجد الحرام، وحصل الناس ~~فيه، فأغلق الأبواب كلها، ووكل بها ثقاتك من الشيعة، واقفلها وافتح للناس ~~بابا واحدا، وقف عليه، فلا يخرج إلا من عرفته. # فلما كان من الغد، فعل الربيع ما أمره به، وتبين محمد بن هشام القصة، ~~فعلم أنه هو المطلوب، وأنه مأخوذ، فتحير. # وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على ~~أثر ذلك، فرآه متحيرا، وهو لا يعرفه، فقال له: يا هذا، أراك متحيرا فمن ~~أنت؟ ولك أمان الله التام العام، وأنت في ذمتي ms264 حتى أخلصك. # فقال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك، فمن أنت؟ قال: أنا محمد بن زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. # فقال محمد بن هشام: عند الله احتسب نفسي. # قال: لا بأس عليك، فإنك لست قاتل زيد، ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن ~~بخلاصك، أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني في مكروه أتناولك به، وقبيح أخاطبك ~~به، يكون فيه خلاصك بمشيئة الله تعالى. # قال: أنت وذاك. # قال: فطرح رداءه على رأسه ووجهه، ولببه به، وأقبل يجره. # فلما وقعت عين الربيع عليه، لطمه لطمات، وجاء به إلى الربيع، وقال: # PageV02P336 # يا أبا الفضل، إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة، أكراني جماله ذاهبا ~~وراجعا، وقد هرب مني في هذا الوقت، وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عليه ~~بذلك بينة، فتضم إلي حرسيين يصيران به معي إلى القاضي، ويمنعان الخراساني ~~من عراره. # فضم إليه حرسيين، وقال: امضيا معه. # فلما بعد عن المسجد، قال له: يا خبيث، تؤدي إلي حقي؟ قال: نعم يا ابن ~~رسول الله. # فقال للحرسيين: انصرفا، وأطلقه محمد. # فقبل محمد بن هشام رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي، الله أعلم حيث يجعل ~~رسالاته، ثم أخرج جوهرا له قدر، فدفعه إليه، وقال: تشرفني يا سيدي بقبول ~~هذا مني. # فقال: يا ابن عم، إنا أهل بيت، لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك ~~دم زيد، وهو أعظم من متاعك، فانصرف راشدا، ووار شخصك، حتى يخرج هذا الرجل، ~~فإنه مجد في طلبك، فمضى، وتوارى. # قال: ثم أمر محمد بن زيد، الداعي بطبرستان، للأموي، بمثل ما أمر به لسائر ~~بني عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوا معه إلى الري، ~~ويأتوه بكتاب بسلامته. # فقام الأموي، فقبل رأسه، ومضى ومعه القوم، حتى وصل إلى مأمنه، وجاءوه ~~بكتاب بسلامته. # PageV02P337 ### || بين الإسكندر وملك الصين # حدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قال: قرأت في بعض ~~الأخبار للأوائل، أن الإسكندر لما انتهى إلى الصين، وحاصر ملكها، أتاه ~~حاجبه، وقد مضى من ms265 الليل شطره، فقال له: هذا رسول ملك الصين بالباب، يستأذن ~~عليك. # فقال: أدخله. # فوقف بين يدي الإسكندر، وسلم , وقال: إن رأى الملك أن يخليني، فعل. # فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه، فقال: إن الذي جئت له لا ~~يحتمل أن يسمعه غيرك. # فقال: فتشوه، ففتش، فلم يوجد معه شيء من السلاح. # فوضع الإسكندر بين يديه سيفا مسلولا، وأخرج حاجبه، وكل من كان عنده، وقال ~~له: قف بمكانك، وقل ما شئت. # فقال له: إني أنا ملك الصين، لا رسوله، وقد جئت أسألك عما تريده، فإن كان ~~مما يمكن الانقياد إليه، ولو على أشق الوجوه، قبلته، وغنيت أنا وأنت عن ~~الحرب. # قال الإسكندر: وما آمنك مني؟ # PageV02P340 # قال: علمي بأنك رجل عاقل، وليس بيننا عداوة، ولا مطالبة بذحل، وأنت تعلم ~~أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سببا لأن يسلم إليك أهل الصين ملكهم، ولم يمنعهم ~~قتلي من أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل، وضد ~~الحزم. # فأطرق الإسكندر، وعلم أنه رجل عاقل، فقال: الذي أريده منك، ارتفاع مملكتك ~~لثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاعها في كل سنة. # قال: هل غير ذلك شيء؟ قال: لا قال: قد أجبتك. # قال: فيكف يكون حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محارب، وأكلة أول مفترس. # قال: فإن قنعت منك بارتفاع ثلاث سنين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح مما ~~كانت، وأفسح مدة. # قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة؟ قال: يكون ذلك كمالا لأمر ملكي، وموفيا ~~لجميع لذاتي. # قال: فإن اقتصرت منك على ارتفاع السدس؟ قال: يكون السدس موفرا، ويكون ~~الباقي للجيش ولسائر الأسباب. # قال: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره، وانصرف. # فلما طلعت الشمس، أقبل جيش ملك الصين حتى طبق الأرض، وأحاط بجيش الإسكندر ~~حتى خافوا الهلاك، وتواثب أصحابه فركبوا، واستعدوا للحرب. # فبينما هم كذلك إذ طلع ملك الصين، وعليه التاج، وهو راكب، # PageV02P341 # فلما رأى الإسكندر، ترجل. # فقال له الإسكندر: غدرت؟ قال: لا والله. # قال: فما هذا الجيش؟ قال: إني أردت أن أريك أنني لم أطعك ms266 من قلة ولا من ~~ضعف، وأنت ترى هذا الجيش، وما غاب عنك منه أكثر، ولكني رأيت العالم الأكبر ~~مقبلا عليك، ممكنا لك ممن هو أقوى منك، وأكثر عددا، ومن حارب العالم الأكبر ~~غلب، فأردت طاعته بطاعتك والذلة لأمره بالذلة لك. # فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيء، فما رأيت بيني وبينك أحدا ~~يستحق التفضيل، والوصف بالعقل، غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، ~~وأنا منصرف عنك. # فقال ملك الصين: أما إذ فعلت ذلك، فلست تخسر. # فلما انصرف الإسكندر، أتبعه ملك الصين، من الهدايا، بضعف ما كان قرره ~~معه. # PageV02P342 ### || بين إسحاق الموصلي وغلامه فتح # أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي فيما أجاز لي روايته عنه، بعد ما ~~سمعته منه، قال: حدثني الحسن بن يحيى، قال: كان لإسحاق الموصلي غلام يقال ~~له: فتح، يسقي الماء لأهل داره على بغلين من بغاله دائما. # قال إسحاق: فقلت له يوما: أيش خبرك يا فتح؟ قال: خبري أن ليس في هذه ~~الدار أشقى مني ومنك، أنت تطعم أهل الدار الخبز، وأنا أسقيهم الماء. # فاستظرفت قوله، وضحكت منه، وقلت له: فأي شيء تحب؟ قال: تعتقني، وتهب لي ~~البغلين، لأستقي عليهما لنفسي. # ففعلت. # PageV02P343 ### || أنسب بيت قالته العرب # أخبرني أبو الفرج، قال: حدثني خلف بن وضاح، قال: حدثني عبد الأعلى بن عبد ~~الله بن محمد بن صفوان الجمحي، قال: حملت دينا بعسكر المهدي، فركب المهدي ~~يوما بين أبي عبيد الله، وعمر بن بزيع وأنا وراءه في موكبه على برذون قطوف، ~~فقال: ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله: قول امرئ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # فقال: هذا أعرابي قح. # PageV02P344 # فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # فقال: ما هذا بشيء، وما له يريد أن ينسى ذكرها، حتى تمثل له؟ فقلت: عندي ~~حاجتك يا أمير المؤمنين. # قال: الحق بي. # فقلت: لا لحاق بي، ليس ذلك في دابتي. # فقال: ms267 احملوه على دابة. # قلت: هذا أول الفتح، فحملت على دابة، فلحقته. # فقال: ما عندك؟ فقلت: قول الأحوص يا أمير المؤمنين: # إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحم التلاقي بيننا زادني سقما # فقال: أحسنت، حاجتك؟ قلت: علي دين. # قال: اقضوا دينه. # فقضي ديني. # PageV02P345 ### || تقلد الإنفاق على عسكرين فأفاد في أقل من شهر سبع مائة ألف درهم # ذكر ابن عبدوس في كتابه، كتاب الوزراء: حدث أحمد بن محمد بن زياد، قال: ~~قال لي الريان بن الصلت: كنت في خدمة الفضل بن سهل، فيما كنت فيه، من ثقته ~~واستنامته، على ما كنت عليه. # فدعاني في وقت من الأوقات، إلى أن يضم إلي أربعة آلاف من الشاكرية ~~والجند، ويقودني عليهم، ويجريني مجرى قواده، فامتنعت عليه من ذلك، وأعلمته ~~أني لا أقوم بذلك، ولا أصلح له، ولا آمن أن أتقلد منه ما يقع فيه التقصير، ~~فيسقط حظي عنده، ومنزلتي لديه. # فأنكر ذلك علي أشد الإنكار، وعاودني فيه مرارا، فلم أجبه إليه، فلما رأى ~~إقامتي على الامتناع، جفاني، وأعرض عني، وامتدت الأيام على هذا، حتى أداني ~~ذلك إلى الاختلال الشديد الذي أضر بي. # فدخل إلي غلامي يوما، فأعلمني أنه لا نفقة عنده، ولا مضطرب له في ~~احتيالها، لامتناع التجار عن إعطائه، لتأخر مالهم علينا عنهم، وأنه لا علف ~~لدوابنا، ولا قوت لنا. # PageV02P346 # فأومأت إلى عمامة ملحم كانت بحضرتي، وأمرته ببيعها، وصرف ثمنها فيما ~~يحتاج إليه، فباعها بثمانية دراهم. # وورد علي في ذلك اليوم كتاب وكيلي على أهلي، بمدينة السلام، يعلمني ضيق ~~الأمر عليه فيما يحتاج إلى إقامته للعيال، وإنه التمس من التجار مقدار ألفي ~~درهم، فلم يجيبوه إليها، فعظم علي ما ورد من ذلك، وضاقت بي المذاهب. # فبينما أنا قاعد في عشية يومي ذلك، إذ أتاني الفضل يأمرني بحضور الدار، ~~والمقام فيها، إلى عند خروجه من دار المأمون، فحضرتها بعد صلاة العتمة، ~~فأقمت، إلى أن خرج الفضل في وقت السحر، فلقيته، وبين يديه خرائط كثيرة ~~محمولة. # فقال: صليت صلاة الليل؟ قلت: نعم. # فقال: لكني ما صليت، فكن ms268 هاهنا إلى أن أصلي، فصلى، ثم انفتل من صلاته، ~~فدعاني. # فقال: أتدري ما هذه الخرائط؟ قلت: لا. # قال: هذه ثماني وستون خريطة وردت، وقرأتها، وأجبت عنها بخطي فدعوت الله ~~له بحسن المعونة والتوفيق. # ثم قال لي: يا ريان، إن أبا محمد الحسن بن سهل قد دفع إلى واسط، # PageV02P347 # ورأى أمير المؤمنين أن يمده بدينار بن عبد الله ونعيم بن خازم في عشرة ~~آلاف رجل، وأن يقلدك الإنفاق عليهم في عسكريهما، وأن يجرى لك في كل شهر ~~عشرة آلاف درهم، ولكاتبك ثلاثة آلاف درهم، ولقراطيسك ألف درهم، وأن يوظف لك ~~على كل عسكر عشرة أجمال لحملك، أو مائة دينار عوضا # PageV02P348 # عنها، ثم أمر لي في ذلك الوقت، أن تحمل إلي أرزاق ثلاثة أشهر، فما صليت ~~الصبح حتى حمل إلي اثنان وأربعون ألف درهم، وأخذ في تجهيز العسكرين. # قال: وبعث إلي الفضل بفرس من دوابه وأمرني أن أبعث به إلى نعيم بن خازم، ~~وأعلمه أنه خصه به، وأنه من خيله التي يركبها، فوجهت به إلى نعيم بن خازم، ~~فأظهر السرور والابتهاج بذلك، والتعظيم له، ووهب لغلامي عشرة آلاف درهم، ~~وبعث إلي بخمسين ألف درهم. # فكتبت بذلك إلى الفضل، فكتب على رقعتي: أردد على نعيم ما بعث به إليك، ~~وما وهب لغلامك، واقبض لنفسك عوضا منه، مائة وعشرين ألف درهم. # ثم أمر بعد أيام لدينار، بسبع مائة ألف درهم صلة ومعونة، ولنعيم بن خازم ~~بخمس مائة ألف درهم، فبعثت بها إليهما، فبعث إلي كل واحد منهما بخمسين ألف ~~درهم. # فكتبت إلى الفضل رقعة، فأعلمته فيها بما فعلاه، فوقع على ظهرها: اقبل من ~~دينار ما بعث به إليك، واردد إلى نعيم ما بعث به، واقبض لنفسك عوضا من ذلك ~~مائة ألف درهم. # قال: وسرنا عن مرو، فلما صرنا في الطريق، ورد علي كتاب الفضل، يأمرني ~~فيه، أن أحمل إلى دينار ألف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم، وإلى نعيم ألف ~~ألف درهم، ففعلت، فحمل إلي دينار مائة ألف درهم، وخمسين ألف درهم، وبعث إلي ms269 ~~نعيم مائة ألف درهم، فقبلت من دينار ما بعث به، ورددت على نعيم ما بعث به، ~~حسبما حد لي في رقعتي الأولى والثانية، ولم أكتب بالخبر في ذلك إلى الفضل، ~~لئلا يتوهم علي استدعاء العوض، وكتب له بذلك صاحب خبر، كان له في السر ~~علينا، فوقع على ظهر كتابه إلي، # PageV02P349 # قد علمت أنك أمسكت عن الكتابة إلي بما فعله نعيم ودينار، وما كان من ردك ~~على نعيم ما بعث به، لئلا أتوهم عليك الاستدعاء للصلة، وقد رأيت أن تقبض ~~لنفسك عوضا عن ذلك مائتي ألف درهم. # قال الريان: فلم تمض سبعة وعشرون يوما، حتى حصل عندي سبع مائة ألف درهم. # PageV02P350 ### || المأمون بخراسان ينقلب حاله من أشد الضيق إلى أفسح الفرج # وذكر في كتابه عن جبريل بن بختيشوع، في خبر طويل أنه سمع المأمون يقول: ~~كان لي بخراسان يوم عجيب، فأولى الله فيه بإحسانه جميلا، لما توجه طاهر بن ~~الحسين إلى علي بن عيسى بن ماهان، كما قد عرفتموه من ضعف طاهر وقوة علي، ~~وقر في نفوس عسكري جميعا، أن طاهرا ذاهب ولحق أصحابي إضاقة شديدة، وظهرت ~~فيهم خلة عظيمة، ونفد ما كان معي، فلم يبق منه لا قليل ولا كثير وأفضيت إلى ~~حال كان أصلح ما فيها الهرب، فلم أدر إلى أين أهرب، ولا كيف آخذ، وبقيت ~~حائرا متفكرا. # فأنا والله كذلك وكنت نازلا في دار أبوابها حديد، ولي مستشرفات أجلس فيها ~~إذا شئت، وعدد غلماني ستة عشر غلاما، لا أملك غيرهم، وإذا بالقواد والجيش ~~جميعا قد شغبوا، وطلبوا أرزاقهم، ووافوا جميعا يشتموني، ويتكلمون بكل قبيح. # PageV02P351 # فكان الفضل بن سهل بين يدي، فأمر بإغلاق الأبواب، وقال لي: قم فاصعد إلى ~~المجلس الذي يستشرف فيه، إشفاقا علي من دخولهم، وسرعة أخذهم إياي، وتعليلا ~~لي بالصعود. # فقلت: القوم يدخلون الساعة، فيأخذوني، فلأن أكون بموضعي، أصلح. # فقال لي: يا سيدي اصعد، فوالله، ما تنزل إلا خليفة. # فجعلت أهزأ به، وأعجب منه، وأحسب أنه إنما قال ما قال، ليسمعني. # وأركنت للهرب من بعض أبواب ms270 الدار، فلم يكن إلى ذلك سبيل، لإحاطة القوم ~~بالدار والأبواب كلها. # فالح علي أن أصعد، فصعدت وأنا وجل، فجلست في المستشرف، وأنا أرى العسكر. # فلما علموا بصعودي اشتد كلبهم، وشتمهم، وضجيجهم، وبادروني بالوعيد ~~والشتم، فأغلظت على الفضل بن سهل وقلت له: أنت جاهل، غررتني، ولم تدعني ~~أعمل برأيي، وليس العجب إلا ممن قبل منك، وهو في هذا كله، يحلف أنني لا ~~أنزل إلا خليفة، وغيظي عليه، وتعجبي من حمقه، ومواصلة الأيمان أنني لا أنزل ~~إلا خليفة، مع ما أشاهده، والحال يزيد، أشد علي مما أقاسيه من الجند. # ثم وضع القوم النار في شوك جمعوه، وأدنوه من الدار، ونقبوا في سورها عدة ~~نقوب، وثلموا منه قطعة، فذهبت نفسي خوفا وجزعا، وعلمت أني بين أن أحترق، ~~وبين أن يصلوا إلي فيقتلوني، فهممت بأن ألقي نفسي إليهم، وقدرت أنهم إذا ~~رأوني استحيوا مني، وأقصروا. # وجعل الفضل بن سهل يقبل يدي ورجلي، ويناشدني أن لا أفعل، ويحلف لي أني لا ~~أنزل إلا خليفة، وفي يده الإسطرلاب، ينظر فيه في الوقت بعد الوقت. # PageV02P352 # فلما اشتد علي الأمر، واستحكم اليأس، قال لي: يا سيدي، قد والله أتاك ~~الفرج، أرى شيئا في الصحراء قد أقبل، ومعه فرجنا، فازددت من قوله غيظا، ~~وأمرت غلماني بتأمل الصحراء، فلم أر، ولم يروا شيئا. # وجد القوم في الهدم والحريق، حتى هممت لما داخلني أن أرمي بالفضل إليهم. # فقال الغلمان: إنا نرى في الصحراء شيئا يلوح، فنظرت فإذا شبح، وجعل يزيد ~~تبيانا، إلى أن تبينوا رجلا على بغلة، ثم قرب، فإذا هو يلوح، وقرب من ~~العسكر، وقويت له قلوبنا، ورأى الجند ذلك فتوقفوا، وخالطهم، فإذا هو يقول: ~~البشرى، هذا رأس علي بن عيسى بن ماهان معي في المخلاة، فلما رأوا ذلك ~~أمسكوا عنا، وانقلبوا بالدعاء، والسرور بالظفر والفتح. # فقال لي الفضل بن سهل: يا سيدي، إئذن لي في إدخال بعضهم، فأذنت له، فشرط ~~عليهم أن لا يدخل إلا من يريد، فأجابوا إلى ذلك، وسمى قوما من القوم، ~~فأدخلهم. # فكان أول من دخل ms271 علي، عبد الله بن مالك الخزاعي، فقبل يدي، وسلم علي ~~بالخلافة، ثم أدخل القواد بعده، واحدا، واحدا، ففعلوا مثل ذلك، فأطفأ الله ~~عز وجل النائرة، ووهب السلامة، وقلدني الخلافة، فظفرت # PageV02P353 # من أموال علي بن عيسى بن ماهان، وما في عسكره، بما أصلحنا به أمور جندنا. # ثم ذكر تمام الحديث. # وحدثني بهذا الخبر، أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي، قال: حدثني أبو سعيد ~~سنان بن ثابت بن قرة، قال: قال الفضل بن مروان: كنت مع المأمون، وقد خرج ~~إلى نواحي الإسحاقي ليتصيد في جماعة من عسكره قليلة، فذكر هذا الخبر بطوله، ~~وصدره وعجزه على ما في كتاب ابن عبدوس، مما لم أذكره، فذكر فيه هذه القطعة ~~من الخبر، على قريب مما هي مذكورة هاهنا. # PageV02P354 ### || طلب الولاية على بزبندات البحر وصدقات الوحش # وذكر أيضا في كتابه، قال: حدثني محمد بن مخلد، وكان يلقب لبد، لطول عمره، ~~وروى عنه المدائني الكاتب، عن أبيه مخلد بن يزيد: أن المأمون، أول ما قدم ~~العراق، خطر له أن يقلد الأعمال، الشيعة الذين قدموا معه من خراسان، فطالت ~~عطلة كتاب السواد وعماله، وكانوا يحضرون داره في كل يوم، حتى ساءت أحوالهم. # فخرج يوما بعض مشايخ الشيعة، وكان مغفلا، فتأمل وجوههم، فلم ير فيهم أسن ~~من مخلد بن يزيد، فجلس إليه، وقال له: إن أمير المؤمنين أمرني أن أتخير ~~ناحية من نواحي الخراج، صالحة المرفق، ليوقع بتقليدي إياها، فاختر لي ~~ناحية. # PageV02P355 # فقال: لا أعرف لك عملا أولى بك من بزبندات البحر، وصدقات الوحش. # فقال له: أكتبه لي، فكتبه لي مخلد , فعرض الشيعي الرقعة على المأمون، ~~وسأل تقليده ذلك العمل. # فقال له: من كتب لك هذه الرقعة؟ فقال: شيخ من الكتاب، يحضر الدار في كل ~~يوم. # فقال: هلمه. # فلما دخل، قال له المأمون: ما هذا يا جاهل؟ تفرغت لأصحابي؟ فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما يصل إلى أيديهم من ~~الخزائن والأموال، وأما شروط الخراج، وحكمه، وما يجب تعجيل استخراجه، وما ~~يجب تأخيره، وما يجب ms272 إطلاقه، وما يجب منعه، وما يجب إنفاقه، وما يجب ~~الاحتساب به، فلا يعرفونه، تقليدهم يعود بذهاب الارتفاع، فإن كنت يا أمير ~~المؤمنين لا تثق بنا، فضم إلى كل واحد منهم رجلا منا، فيكون الشيعي بحفظ ~~المال، ونحن نجمعه. # فاستطاب المأمون رأيه وكلامه، وأمر بتقليد عمال السواد وكتابه، وأن يضم ~~إلى كل واحد منهم، واحدا من الشيعة، وضم مخلد إلى ذلك الشيخ، وقلده ناحية ~~جليلة. # PageV02P356 ### || المنصور يقتل مؤدب ولده جعفر ظلما # وذكر في كتابه: أن المنصور ضم رجلا يقال له: فضيل بن عمران الكوفي إلى ~~جعفر ابنه، يكتب له، ويقوم بأمره. # وكانت لجعفر حاضنة تعرف بأم عبيدة، فثقل عليها مكان فضيل، فسعت به إلى ~~أبي جعفر، وادعت عنده أنه يلعب بجعفر، فبعث المنصور، مولاه الريان، وهارون ~~بن غزوان، مولى عثمان بن نهيك، إلى الفضيل وأمرهما بقتله، وكتب لهما منشورا ~~بذلك، فصارا إليه فقتلاه. # PageV02P357 # وكان الفضيل دينا، عفيفا، فقيل للمنصور في ذلك، وأنه أبرأ الناس مما قرف ~~به، فأحضر المنصور غلاما من غلمانه، وجعل له عشرة آلاف درهم، إن أدركه قبل ~~أن يقتل، فصار إليه، فوجده قد قتل، ولم يجف دمه. # واتصل خبر قتله بجعفر بن أبي جعفر، فطلب الريان، فلما جيء به، قال له: ~~ويلك، ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل مسلم بغير جرم؟ فقال له الريان: هو ~~أمير المؤمنين، يفعل ما يشاء. # فقال له جعفر: يا ماص بظر أمه، أكلمك بكلام الخاصة، فتكلمني بكلام ~~العامة؟ جروا برجله، فألقوه في دجلة. # قال الريان: فأخذوا والله برجلي، فقلت: أكلمك بكلمة، ثم اعمل ما شئت. # فقال: ردوه، فرددت، فقال: قل. # فقلت له: أبوك إنما يسأل عن قتل فضيل بن عمران وحده؟ ومتى يسأل عنه، وقد ~~قتل عمه عبد الله بن علي، وقتل عبد الله بن الحسن، وعشرات من أولاد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقد قتل من أهل الدنيا ما لا يحصى # PageV02P358 # ولا يعد، هو إلى أن يسأل عن فضيل بن عمران جوشانة تحت خصى فرعون، قال: ~~فضحك، وقال: خلوا عنه، ms273 لعنه الله، فأفلت منه. # PageV02P359 ### || مالك بن طوق يتزوج المهناة بنت الهيثم الشيباني # وجدت في كتاب أبي الفرج الحنطبي المخزومي الكاتب: أن محمد بن عبد الحميد ~~الجشمي قال: حججت سنة ثلاث وأربعين ومائتين، فأنا في بعض المنازل راجعا، إذ ~~رأيت فقراء بالبادية يستميحون، فوقفت منهم علي جارية تتصدق، بوجه كأنه ~~القمر حين استدار، أو كقرن الشمس حين أنار، فرددت طرفي عنها، واستعذت بالله ~~من الفتنة بها، فلم تزل تذهب وتجيء، فيما بين رجال الحج، وتعود إلى رحلي، ~~فوقفت. # فقلت لها: أما تستحين أن تبدين هذا الوجه في مثل هذا الموضع، بحضرة ~~الخلائق. # فلطمت وجهها، وقالت: # لم أبده حتى تقضت حيلتي ... فبذلته وهو الأعز الأكرم # ويعز ذاك علي إلا أنه ... دهر يجور كما تراه ويظلم # قد صنته وحجبته حتى إذا ... لم يبق لي طمع ومات الهيثم # أبرزته من حجبه مقهورة ... والله يشهد لي بذاك ويعلم # كشف الزمان قناعه في بلدة ... قل الصديق بها وعز الدرهم # أصبحت في أرض الحجاز غريبة ... وأبو ربيعة أسرتي ومحلم # قال: فأعجبني ما رأيت من جمالها، وفصاحتها، وأدبها، وشعرها، فبررتها، ~~وقلت لها: ما اسمك؟ # PageV02P360 # قالت: أنا المهناة بنت الهيثم الشيباني، وكان أبي جارا لبني فزارة، ~~فاعتل، واستنفد ماله، وتوفي، وتركني فقيرة، فاحتجت إلى التكفف. # قال: ورحلنا، فلما صرنا بالرحبة، دخلت إلى مالك بن طوق مسلما، فسألني عن ~~طريقي وسفري، وما رأيته من الأعاجيب فيه، فحدثته بحديث الجارية، فأعجب به، ~~واستطرف الأبيات، وكتبها مني، ورحلت إلى منزلي بالشام. # فلما كان بعد أيام من اجتماعنا، أتاني رسوله يستزيرني، فصرت إليه، فبينما ~~أنا جالس عنده يوما، فإذا خادمان قد جاءا معهما أكياس مختومة، وتخوت ثياب ~~مشدودة، فوضعاها بين يدي. # فقلت لمالك: ما هذا؟ # PageV02P361 # قال: هذا حقل دلالتك على المهناة بنت الهيثم الشيباني، التي أظفرني الله ~~منها بما كانت أمنيتي تقصر عنه، وهي أنفذت إليك بهذا من مالها، ولك من مالي ~~ضعفه. # فقلت: كيف كان خبرها؟ فقال: إنك لما انصرفت، أنفذت رسلا إلى البادية، أثق ~~بعقولهم وأمانتهم، فما زالوا يسألون عنها، حتى ms274 ظفروا بها، فحملوها، ووليها ~~معها، فتزوجتها، فرأيت منها ما زاد على ما كان زرعه حديثك عنها في نفسي، ~~وقد أفضت عليها من دنياي، بحسب تمكنها من قلبي، فسألتني عن سبب طلبي إياها، ~~فأخبرتها بخبرك، وكتبت أستزيرك لأعرفك هذا، وأقضي حقك، وقد أمرت لك بعشرين ~~ألف درهم، وعشر تخوت ثياب. # قال عبد الحميد: وكانت أم عدة من أولاده. # PageV02P362 ### || بين ابن أبي البغل عامل أصبهان وأحد طلاب التصرف # حدثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: كان أبو الحسين بن ~~أبي البغل يتقلد بلدنا، فقدم عليه شيخ من الكتاب يطلب التصرف، وأورد عليه ~~كتبا من الحضرة، يذكرون فيها طول عطلته، ومحله من الصناعة، ويسألونه ~~تصريفه، فسلم إليه الكتب، فتركها ابن أبي البغل بين يديه، وكانت كثيرة، ~~وكان فيه حدة وضجرة، فاستكثرها، وفض منها واحدا، فقرأه، وأقبل على شغله، من ~~غير أن يقرأ باقي الكتب. # فقال له الرجل: إن رأيت أن تقف على باقي الكتب. # فضجر، وتغيظ، وقال: أليس كلها في معنى واحد؟ قد والله بلينا بكم يا ~~متعطلين، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرفا، لو كانت # PageV02P363 # خزائن الأرض لي، لكانت قد نفدت، يا هذا، مالك عندي تصرف، ولا عمل شاغر ~~فأرده إليك، ولا في مالي فضل فأبرك، فدبر أمرك بحسب ذلك، هذا والرجل ساكت. # فلما سكن ابن أبي البغل، قام الرجل، وقال: أحسن الله جزاءك وفعل بك وصنع، ~~وأسرف في الشكر والدعاء له، وولى منصرفا. # فقال ابن أبي البغل: ردوه، فرجع. # فقال له: يا هذا، هو ذا تسخر مني، على أي شيء تشكرني؟ على إياسي لك من ~~التصرف، أو على قطع رجائك من الصلة، أو قبيح ردي لك، أو ضجري عليك؟ أم تريد ~~خدعتي بهذا الفعل؟ فقال: والله، ما أريد خداعك، وما كان منك من قبيح الرد ~~فغير منكر، لأنك سلطان، ولحقك ضجر، ولعل الأمر كما ذكرته من كثرة الواردين ~~عليك، وقد بعلت بهم، واتفق لقوة نحسي، أن كان هذا الرد القبيح وقع في بابي، ~~ولم أشكرك إلا في ms275 موضع الشكر، لأنك صدقتني عما في نفسك من أول وهلة، وأعتقت ~~عنقي من رق الطمع، وأرحتني من التعب بالغدو والرواح إليك، وخدمة قوم أستشفع ~~بهم إليك، وكشفت لي ما أدبر به نفسي، وكسوتي جديدة، وبقية نفقتي معي، ولعلي ~~أتحمل بها إلى بلد آخر، في وجه أحد سواك. # قال: فأطرق ابن أبي البغل، ومضى الرجل، فرفع رأسه، فاستدعاه، واعتذر ~~إليه، وأمر له بصلة، وقال له: خذ هذه، إلى أن أقلدك ما يصلح لك، فإني أرى ~~فيك مصطنعا. # فلما كان بعد أيام قلده عملا جليلا، وصلحت حال الرجل معه. # PageV02P364 ### || بين جحظة البرمكي ومحبرة بن أبي عباد الكاتب # حدثني أبو الفرج الأصبهاني، عن جحظة، أنه قال: اتصلت علي إضاقة، حتى بعت ~~فيها كل ما أملك، وبقيت وليس في داري غير البواري، فأصبحت يوما أفلس من ~~طنبور مقطع الأوتار، ففكرت في الحيلة، فوقع لي أن أكتب إلى محبرة الكاتب، ~~وكنت أجاوره بالبصرة، وكان منقرسا، يلازم بيته، حتى صار لا يمكنه الحركة، ~~إلا أن يحمل في محفة، وكان ظريفا، عظيم النعمة، كثير الشرب والقصف، فأتطايب ~~عليه، ليدعوني، أو يبرني بشيء، فكتبت إليه: # PageV02P365 # ماذا ترى في جدي ... وبرمة بوارد # وقهوة ذات لون ... يحكي خدود الخرائد # ومسمع يتغنى ... من آل يحيى بن خالد # إن المضيع لهذا ... نزر المروءة بارد # قال: فما شعرت إلا بمحفة محبرة، يحملها غلمانه، إلى داري، وأنا جالس على ~~بابها. # فقلت: لم جئت، ومن دعاك؟ قال: أنت. # قلت: إنما قلت ماذا ترى، وعنيت في منزلك، ولم أقل أنه عندي، وبيتي والله ~~أفرع من فؤاد أم موسى. # فقال: قد جئت الآن، ولا أرجع، ولكن أحضر من داري، ما أريد. # فقلت: ذاك إليك، فدخل الدار، فلم ير فيها إلا بارية. # فقال: يا أبا الحسن، هذا والله فقر مدقع. # فقلت: هو ما ترى. # PageV02P366 # فانفذ إلى داره، فجاءوه بفرش حسنة، وآلة، وقماش، وآنية، وطعام كثير من ~~مطبخه، وألوان الأشربة، والفواكه، والمشام، وعبي المجلس، وفرش الفرش، وجلس ~~يومه يشرب على غنائي وغناء مغنية دعوتها له كانت تألفني. # فلما كان ms276 من الغد، سلم إلي غلامه كيسا فيه ألفا درهم، ورزمة ثياب صحاحا ~~ومقطوعة من فاخر الثياب , واستدعى محفته فجلس فيها، وشيعته. # فلما بلغ آخر الصحن، قال: مكانك يا أبا الحسن، فكل ما في دارك هو لك، فلا ~~تدع أحدا يأخذ منه شيئا. # وقال للغلمان: اخرجوا بين يدي، فخرجوا، وأغلقت بابي على قماش يساوي ألوفا ~~كثيرة. # PageV02P367 ### || تاجر خراساني يجد الفرج عند صاحبه الكرخي # حدثني عبيد الله بن محمد العبقسي، عن بعض تجار الكرخ ببغداد، قال: كنت ~~أعامل رجلا من الخراسانية، أبيع له في كل موسم متاعا، فأنتفع من سمسرته ~~بألوف دراهم. # فلما كان سنة من السنين تأخر عني، فأثر ذلك في حالي، وتواترت علي محن، ~~فأغلقت دكاني وجلست في بيتي، مستترا من دين لحقني، أربع سنين. # فلما كان في وقت الحاج، تتبعت نفسي خبر الخراساني، طمعا في إصلاح أمري ~~به، فمضيت إلى سوق يحيى، فلم أعط له خبرا، فرجعت، فنزلت الجزيرة وأنا تعب ~~مغموم. # PageV02P368 # وكان يوما حارا، فنزلت إلى دجلة، فتغسلت، وصعدت، فابتل موضع قدمي، فقلعت ~~رجلي قطعة من الرمل، انكشفت عن سير. # فلبست ثيابي، وجلست مفكرا أولع بالسير، فلم أزل أجره حتى ظهر لي هميان ~~موصول به، فأخذته، فإذا هو مملوء دنانير، فأخفيته تحت ثيابي، ووافيت منزلي، ~~فإذا فيه ألف دينار. # فقويت نفسي قوة شديدة، وعاهدت الله عز وجل، أنه متى صلحت حالي، وعادت، أن ~~أعرف الهميان، فمن أعطاني صفته، رددته عليه. # واحتفظت بالهميان، وأصلحت أمري مع غرمائي، وفتحت دكاني، وعدت إلى رسمي من ~~التجارة والسمسرة، فما مضت إلا ثلاث سنين حتى حصل في ملكي ألوف دنانير. # وجاء الحج، فتتبعتهم لأعرف الهميان، فلم أجد من يعطني صفته، فعدت إلى ~~دكاني. # فبينما أنا جالس، إذا رجل قائم حيال دكاني، أشعث، أغبر، وافي السبال، في ~~خلقة سؤال الخراسانية، وزيهم، فظننته سائلا، فأومأت إلى دريهمات لأعطيه، ~~فأسرع الانصراف، فارتبت به، فقمت، ولحقته، وتأملته، فإذا هو صاحبي الذي كنت ~~أنتفع بسمسرته في السنة بألوف الدراهم. # فقلت له: يا هذا، ما الذي أصابك؟ وبكيت رحمة ms277 له. # فبكى، وقال: حديثي طويل. # PageV02P369 # فقلت: البيت، وحملته إلى منزلي، فأدخلته الحمام، وألبسته ثيابا نظافا، ~~أطعمته، وسألته عن خبره. # فقال: أنت تعرف حالي ونعمتي، وإني أردت الخروج إلى الحج في آخر سنة جئت ~~إلى بغداد، فقال لي أمير البلد، عندي قطعة ياقوت أحمر كالكف، لا قيمة لها ~~عظما وجلالة، ولا تصلح إلا للخليفة، فخذها معك، فبعها لي ببغداد، واشتر لي ~~من ثمنها متاعا طلبه، من عطر، وطرف، بكذا وكذا، وأحمل الباقي مالا. # فأخذت القطعة الياقوت، وهي كما قال، فجعلتها في هميان جلد، من صفته كيت ~~وكيت، ووصف الهميان الذي وجدته، وجعلت في الهميان ألف دينار عينا من مالي، ~~وحملته في وسطي. # فلما جئت إلى بغداد، نزلت أسبح عشيا في الجزيرة التي بسوق يحيى، وتركت ~~الهميان وثيابي بحيث ألاحظها. # فلما صعدت من دجلة، لبست ثيابي عند غروب الشمس، وأنسيت الهميان، فلم ~~أذكره إلى أن أصبحت، فعدت أطلبه، فكأن الأرض ابتلعته. # فهونت على نفسي المصيبة، وقلت: لعل قيمة الحجر ثلاثة آلاف دينار، أغرمها ~~له. # فخرجت إلى الحج، فلما رجعت، حاسبتك على ثمن متاعي، واشتريت للأمير ما ~~أراده، ورجعت إلى بلدي، فأنفذت إلى الأمير ما اشتريته، وأتيته، فأخبرته ~~بخبري. # وقلت له: خذ مني تمام ثلاثة آلاف دينار، عوضا عن الحجر. # فطمع في، وقال: قيمته خمسون ألف دينار، وقبض علي، وعلى جميع ما أملكه من ~~مال ومتاع، وأنزل بي صنوف المكاره، حتى أشهد علي في جميع # PageV02P370 # أملاكي، وحبسني سبع سنين، كنت يردد علي فيها العذاب. # فلما كان في هذه السنة، سأله الناس في أمري، فأطلقني. # فلم يمكنني المقام ببلدي، وتحمل شماتة الأعداء، فخرجت على وجهي أعالج ~~الفقر، بحيث لا أعرف، وجئت مع الحج الخراساني، أمشي أكثر الطريق، ولا أدري ~~ما أعمل، فجئت إليك لأشاورك في معاش أتعلق به. # فقلت: قد رد الله عليك بعض ضالتك، هذا الهميان الذي وصفته، عندي، وكان ~~فيه ألف دينار أخذتها، وعاهدت الله تعالى، أنني ضامنها لمن يعطيني صفة ~~الهميان، وقد أعطيتني أنت صفته، وعلمت أنه لك، وقمت، فجئته بكيس ms278 فيه ألف ~~دينار. # وقلت له: تعيش بهذا في بغداد، فإنك لا تعدم خيرا إن شاء الله. # فقال لي: يا سيدي الهميان بعينه عندك، لم يخرج عن يدك؟ قلت: نعم. # فشهق شهقة، ظننت أنه قد مات معها، وغشي عليه، فلما أفاق بعد ساعة، قال ~~لي: أين الهميان؟ فجئته به، فطلب سكينا، فأتيته بها، فخرق أسفل الهميان، ~~وأخرج منه حجر ياقوت أحمر، أشرق منه البيت، وكاد يأخذ بصري شعاعه، وأقبل ~~يشكرني، ويدعو لي. # فقلت له: خذ دنانيرك. # فحلفت بكل يمين، لا يأخذ منها إلا ثمن ناقة، ومحمل، ونفقة تبلغه، فبعد كل ~~جهد أخذ ثلاث مائة دينار، وأحلني من الباقي، وأقام عندي، إلى أن عاد الحاج، ~~فخرج معهم. # PageV02P371 # فلما كان العام المقبل، جاءني بقريب مما كان يجيئني به سابقا من المتاع. # فقلت له: أخبرني خبرك. # فقال: مضيت، فشرحت لأهل البلد خبري، وأريتهم الحجر، فجاء معي وجوههم إلى ~~الأمير، أعلموه القصة، وخاطبوه في إنصافي. # فأخذ الحجر، ورد علي جميع ما كان أخذه مني، من متاع، وعقار، وغير ذلك، ~~ووهب لي من عنده مالا. # وقال: اجعلني في حل مما عذبتك وآذيتك، فأحللته. # وعادت نعمتي إلى ما كانت عليه، وعدت إلى تجارتي ومعاشي، وكل هذا بفضل ~~الله تعالى وبركتك، ودعا لي. # وكان يجيئني بعد ذلك، حتى مات. # PageV02P372 ### || أضاع هميانه في طريق الحج ووجده أحوج ما يكون إليه # حدثني عبيد الله بن محمد الصروي: قال حدثني أبي: أن رجلا حج، وفي وسطه ~~هميان فيه دنانير وجواهر، قيمة الجميع ثلاثة آلاف دينار، وكان الهميان ~~ديباج أسود. # فلما كان في بعض الطريق، جلس يبول، فانحل الهميان من وسطه وسقط، ولم يعلم ~~بذلك إلا بعد أن سار من الموضع فراسخ. # واتفق أن رجلا جاء على أثره، فجلس يبول مكانه، فرأى الهميان، فأخذه، وكان ~~له دين، فحفظه. # قال الرجل: فلم يؤثر في قلبي ذهابه، لكثرة مالي، فاحتسبته عند الله ~~تعالى، وتغافلت. # وكان معي تجارة بأموال عظيمة، فقضيت حجي، وعدت إلى بلدي. # فلما كان بعد سنين، افتقرت لمحن توالت علي، حتى لم ms279 يبق لي شيء، # PageV02P373 # فهربت على وجهي من بلدي، وقد أفضيت إلى الصدقة علي، وزوجتي معي، فأويت ~~إلى بعض القرى، فنزلت في خان خراب. # فأصاب زوجتي الطلق، وما أملك غير دانق ونصف فضة، وكانت ليلة مطيرة، ~~فولدت. # PageV02P374 # فقالت: يا هذا، الساعة أموت، فأخرج، وخذ لي شيئا أتقوى به. # فخرجت أتخبط في الظلمة والمطر، حتى جئت إلى بقال فوقفت عليه، فكلمني بعد ~~كل جهد، فشرحت له حالي، فرحمني، وأعطاني بتلك القطعة حلبة، وزيتا، أغلاهما ~~عنده، وأعارني غضارة جعلته فيها، فمشيت أريد موضعي، فزلقت , فانكسرت ~~الغضارة، وذهب ما فيها. # فورد علي أمر عظيم، ما ورد علي مثله قط، وأقبلت ألطم، وأبكي، وأصيح، فإذا ~~برجل قد أخرج رأسه من شباك في دار، وقال: ويلك، مالك تبكي، ما تدعنا ننام، ~~فشرحت له قصتي. # فقال: هذا البكاء كله بسبب دانق ونصف؟ فتداخلني من الغم أكثر من الأول، ~~فقلت: يا هذا، والله، ما لما ذهب عندي محل، ولكن بكائي رحمة لنفسي مما دفعت ~~إليه، وإن زوجتي وولدي الساعة يموتان جوعا، ووالله، وإلا فعلي وعلي، وحلفت ~~بأيمان مغلظة، لقد حججت في سنة كذا، وأنا أملك من المال، ما ذهب مني هميان ~~فيه دنانير وجواهر بثلاثة آلاف دينار، ما فكرت فيه، وهو ذا تراني الآن أبكي ~~بسبب دانق ونصف فضة، فاسأل الله العافية والسلامة، ولا تعيرني فتبتلى بمثل ~~بلواي. # فقال لي: بالله عليك، ما كان صفة هميانك؟ فلطمت رأسي، وقلت: ما يقنعك ما ~~خاطبتني به وما تراه من صورتي، وقيامي في الطين والمطر، حتى تتلهى بي، وأي ~~شيء ينفعني وينفعك من صفة همياني، وقد ضاع من كذا وكذا سنة، ومشيت. # وإذا هو قد خرج يصيح بي: تعالى خذ هذا، فقدرته يتصدق علي، فجئته. # PageV02P375 # فقال: أيش صفة هميانك؟ وقبض على يدي، فلم أقدر أتخلص منه، فوصفت له ~~همياني. # فقال لي: ادخل، فدخلت منزله. # فقال: أين زوجتك؟ فقلت: في الخان الفلاني. # فأنفذ غلمانه، فأتوا بها، فأدخلها إلى حرمه، فأصلحوا أمرها، وأطعموها ما ~~احتاجت إليه، وكساني كسوة حسنة، وأدخلني الحمام، وأصبحت عنده ms280 في عيشة طيبة. # فقال لي: أقم عندي أياما لأضيفك، فأقمت عنده عشرة أيام، فكان يعطيني في ~~كل يوم عشرين دينارا، وأنا متحير من عظيم بره، بعد شدة جفائه. # فلما كان بعد ذلك، قال لي: أي شيء تتصرف فيه؟ فقلت: كنت تاجرا. # فقال: أقم عندي، وأنا أعطيتك رأس مال فتتجر في شركتي. # فقلت: أفعل. # فدفع إلي مائتي دينار، وقال لي: أتجر بها هاهنا. # فقلت: هذا معاش، قد أغناني الله تعالى به، يجب أن ألزمه، فلزمته. # فلما كان بعد شهور، ربحنا، فجئته، فقلت له: خذ ربحك. # فقال لي: اجلس , فجلست. # فأخرج إلى همياني، وقال: أتعرف هذا؟ فحين رأيته، شهقت شهقة غشي علي منها. # ثم أفقت بعد ساعة، فقلت له: يا هذا، أملك أنت أم نبي؟ فقال: لا، ولكني ~~ممتحن بحفظ هميانك منذ كذا وكذا سنة، فلما سمعتك تلك الليلة تقول ما قلته، ~~وأعطيتني علامته، أردت أن أعطيك هو، # PageV02P376 # فخشيت أن تنشق مرارتك من الفرح، فأعطيتك تلك الدنانير التي أوهمتك أنها ~~هبة لك، وإنما أعطيتك ذلك كله من هميانك، والدنانير المائتان، قرض، فخذ ~~هميانك واجعلني في حل. # فأخذته، ودعوت له، ورددت عليه القرض، ورجعت إلى بلدي، وبعت الجوهر وأضفت ~~ثمنه إلى الدنانير، واتجرت بها، فما مضت إلا سنيات، حتى صرت صاحب عشرة آلاف ~~دينار، وصلحت حالي، فأنا في فضل الله تعالى، أعيش إلى الآن. # PageV02P377 ### || الوزير علي بن عيسى يقول: ليتني تمنيت المغفرة # حدثني أبو سهل بن زياد القطان، صاحب علي بن عيسى، قال: كنت مع علي بن ~~عيسى بمكة، حين نفي إليها، فدخلنا في حر شديد، وقد كدنا نتلف، فطاف علي بن ~~عيسى، وسعى، وجاء فألفى نفسه كالميت من الحر والتعب، وقلق قلقا شديدا. # وقال: أشتهي على الله عز وجل، شربة ماء بثلج. # فقلت له: يا سيدنا، تعلم أن هذا ما لا يوجد بهذا المكان. # فقال: هو كما قلت، ولكن نفسي ضاقت عن ستر هذا، فاستروحت إلى المنى. # قال: وخرجت من عنده، فرجعت إلى المسجد الحرام، فما استقررت # PageV02P378 # فيه، حتى نشأت سحابة، فأبرقت، ms281 وأرعدت رعدا متصلا شديدا، ثم جاءت بمطر ~~يسير، وبرد كثير. # فبادرت إلى الغلمان، فقلت: اجمعوا، فجمعنا شيئا كثيرا، وكان علي بن عيسى ~~نائما. # فلما كان وقت المغرب، خرج إلى الصلاة، فقلت له: أنت والله مقبل، والنكبة ~~زائلة، وهذه علامات الإقبال، فاشرب الثلج كما طلبت. # وجئته إلى المسجد الحرام بأقداح مملوءة بالأشربة والأسوقة، مكبوسة ~~بالبرد، فأقبل يسقي ذلك من كان بقربه من الصوفية والمجاورين والضعفاء، ~~ويستزيد، ونحن نأتيه بما عندنا من ذلك، وكلما قلت له: اشرب، يقول: حتى يشرب ~~الناس. # فخبأت من البرد مقدار خمسة أرطال، وقلت له: لم يبق شيء. # فقال: الحمد لله، ليتني كنت تمنيت المغفرة، بدلا من تمني الثلج، فلعلي ~~كنت أجاب. # PageV02P379 # فلما رجع إلي بيته حلفت عليه أن يشرب، فما زلت أداريه حتى شرب منه بقليل ~~ماء وسويق، وتقوت به باقي ليلته. # PageV02P380 ### || فتى ورث مالا فأتلفه ثم آل أمره إلى صلاح # حدثني عبيد الله بن محمد الصروي، أيضا، عن أبيه، قال: كان يجاورنا ببغداد ~~فتى من أولاد الكتاب، ورث مالا جليلا، فأتلفه في القيان، وأكله إسرافا، حتى ~~لم يبق منه شيء، واحتاج إلى نقض داره، فلم يبق منها غير بيت يكنه. # فحدثني بعض من كان يعاشره وانقطع عنه لما افتقر، قال: قصدته يوما بعد ~~انقطاعي عنه نحو سنة، لأعرف خبره، فدخلت إليه، فوجدته نائما في ذلك البيت، ~~في يوم بارد، على حصير خلق، قد توطأ قطنا # PageV02P382 # كأنه حشو فراش، وتغطى بقطن كان في لحاف، فهو بين ذلك القطن كأنه السفرجل. # فقلت له: ويحك، بلغت إلى هذا الحد. # فقال: هو ما ترى. # فقلت: فهل لك حاجة. # قال: أو تقضيها؟ فظننت أنه يطلب مني شيئا أسعفه به، فقلت: إي والله. # فقال: أشتهي أن تحملني إلى بيت فلانة المغنية، حتى أراها، وهي التي كان ~~يتعشقها، وأتلف ماله عليها. # وبكى، فرحمته، فمضيت إلى منزلي، فأتيته من ثيابي بما لبسه، وأدخلته ~~الحمام، وحملته إلى بيتي، فأطعمته، وبخرته، وذهبنا إلى دار المغنية. # فلما رأتنا، لم تشك أن حاله قد صلحت، وأنه قد جاءها ms282 بدراهم، فبشت في ~~وجهه، وسألته عن حاله، فصدقها عن حاله، حتى انتهى إلى ذكر الثياب، وأنها ~~لي. # فقالت له في الحال: قم، قم. # فقال: لم؟ فقالت: لئلا تجيء ستي، فتراك، وليس معك شيء، فتحرد علي، لم ~~أدخلتك، فاخرج برا، حتى أصعد فأكلمك من فوق، فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من ~~روزنة في الدار، إلى الطريق، فأقلبت عليه مرقة سكباج، # PageV02P383 # فصيرته آية ونكالا. # فبكى، وقال لي: بلغ أمري إلى هذا؟ أشهد الله، وأشهدك، أني تائب. # فضحكت منه، وقلت: أي شيء تنفعك التوبة الآن وقد افتقرت؟ فرددته إلى بيته، ~~ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أولا، وحملت ثيابي فغسلتها ~~وانقطعت عنه، فما عرفت له خبرا. # وبعد نحو ثلاث سنين، بينما أنا ذات يوم بباب الطاق، إذا أنا بغلام يطرق ~~لرجل راكب، فرفعت رأسي، فإذا به على برذون فاره، بمركب فضة، خفيف، مليح، ~~وثياب حسنة، وكان أولا يركب من الدواب أفخرها، ومن المراكب أثقلها. # فلما رآني، قال لي: يا فلان، فعلمت أن حاله قد صلحت، فقبلت فخده. # وقلت: سيدي أبو فلان. # قال: نعم، قد صنع الله تعالى، وله الحمد، البيت، البيت، فتبعته إلى ~~منزله، فإذا بالدار الأولة، قد رمها، وجصصها، من غير بياض، وطبقها، وبنى ~~فيها مجلسين متقابلين، وخزائن، ومستراح، وجعل باقي ما كان فيها، صحنا ~~كبيرا، وقد صارت حسنة، غير أنها ليست بذلك الأمر الأول. # فأدخلني إلى حجرة منها، كان يخلو فيها قديما، قد أعادها كأحسن # PageV02P384 # ما كانت، وفيها فرش حسنة، وفي داره ثلاثة غلمان، قد جعل كل خدمتين إلى ~~واحد منهم، وقد أقام على حرمه خادما كان لأبيه، وله سائس هو شاكريه، وشيخ ~~بواب كان يصحبه قديما، ووكيل يتسوق له. # فجلس، وأجلسني، وأحضر فاكهة قليلة، في آلة مقتصدة مليحة، وجاءوا بعدها ~~بطعام نظيف، كاف، غير مسرف ولا مقصر، فأكلنا، ثم نام، ولم تكن تلك عادته، ~~ومدت ستارة، وأحضرت مشام ورياحين، في صواني وزبديات، والجميع متوسط مليح، ~~غير مسرف فانتبه، فصلى وتبخر بقطعة ند وبخرني بقطعة عود مطرى، وقدم بين ms283 ~~يديه صينية فيها من مطبوخ العنب شيء حسن، وقدم بين يدي صينية فيها نبيذ ~~التمر، جيد. # فقلت: يا سيدي ما هذه الترتيبات التي لست أعرفها. # PageV02P385 # فقال: دع ما مضى، فإن الحال لا تحتمل الإسراف، فأقبل يشرب، وأنا أساعده، ~~فتغنى من وراء الستارة، ثلاث جواري في نهاية طيب الغناء، كل واحدة منهن ~~أطيب من التي أنفق عليها ماله. # فلما طابت أنفسنا، قال لي: تذكر أيامنا الأولة؟ قلت: نعم. # قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد أفدته من العقل، والعلم بأمر ~~الدنيا وأهلها يسليني عما ذهب مني، وهو ذا ترى فرشي، وآلتي، ومركوبي، وإن ~~لم يكن ذلك بالعظيم المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وتنعم، وكفاية، وهو مغن عن ~~الإسراف، والتخرق، والتبذير، وقد تخلصت من تلك الشدة، تذكر يوم عاملتني ~~فلانة المغنية، بما عاملتني؟ قلت: نعم والحمد لله الذي كشف ذلك عنك، فمن ~~أين هذه النعمة؟ قال: مات مولى لأبي، وابن عم لي، في يوم واحد بمصر، فحصل ~~لي من تركتهما أربعون ألف دينار، فوصل أكثرها إلي، وأنا بين القطن كما ~~رأيتني، فحمدت الله، واعتقدت التوبة من التبذير، وأن أدبر ما رزقته، فعمرت ~~هذه الدار بألف دينار، واشتريت الفرش، والآلة، والجواري بتسعة آلاف دينار، ~~وسلمت إلى بعض التجار الثقات، ألفي دينار، يتجر لي بها، وأودعت بطن الأرض ~~عشرة آلاف دينار، للحوادث، وابتعت بالباقي ضيعة تغل لي في كل سنة نفقتي هذه ~~التي شاهدتها، فما أحتاج إلى قرض، ولا استزادة، ولا تقبل غلة، إلا وعندي ~~بقية من الغلة الأولة، فأنا أتقلب في نعمة الله، عز وجل، كما ترى، ومن تمام ~~النعمة، إني لا أعاشرك، ولا أحدا ممن كان يحسن لي السرف، يا غلمان، أخرجوه. # قال: فأخرجت، فوالله ما أذن لي بعدها في الدخول عليه. # PageV02P386 ### || أبو يوسف القاضي يأكل اللوزينج بالفستق # وحدثني أبي، قال: بلغني أن أبا يوسف صحب أبا حنيفة، ليتعلم العلم، على ~~فقر وشدة، وكانت أمة تحتال له فيما يتقوته يوما بيوم، فطلب يوما ما يأكل، ~~فجاءته بغضارة مغطاة، فكشفها، فإذا فيها دفاتر. ms284 # فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا الذي أنت مشتغل به نهارك أجمع، فكل منه. # فبكى، وبات جائعا، وتأخر عن المجلس من الغد، حتى احتال فيما أكله، ثم مضى ~~إلى أبي حنيفة، فسأله عن سبب تأخره، فصدقه. # فقال له: ألا عرفتني فكنت أمدك؟ ولا يجب أن تغتم، فإنه إن طال عمرك، ~~فستأكل اللوزينج بالفستق. # قال: فلما خدمت الرشيد، واختصصت به، قدم بحضرته يوما، جام # PageV02P387 # فيه لوزينج بفستق، فدعاني إليه، فحين أكلت منه، ذكرت أبا حنيفة، فبكيت، ~~وحمدت الله تعالى، فسألني الرشيد عن قصتي، فأخبرته. # PageV02P388 ### || الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان # حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي: أن شيخا من التجار، كان له ~~على بعض القواد، مال جليل ببغداد، فماطله به، وجحده إياه، واستخف به. # قال: فعزمت على التظلم إلى المعتضد، لأني كنت تظلمت إلى عبيد الله بن ~~سليمان الوزير، فلم ينفعني ذلك. # فقال لي بعض إخواني: علي أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى أن تتظلم إلى ~~الخليفة، قم معي الساعة، فقمت معه. # PageV02P389 # فجاء بي إلى خياط في سوق الثلاثاء، يخيط، ويقرىء القرآن في مسجد، فقص ~~عليه قصتي، فقام معنا. # فلما مشينا، تأخرت، وقلت لصديقي: لقد عرضت هذا الشيخ، وإيانا، لمكروه ~~عظيم، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، هذا لم يلتفت إلى شفاعة ~~فلان، وفلان، ولم يفكر في الوزير، فكيف يفكر في هذا الفقير؟ فضحك، وقال: لا ~~عليك، امش، واسكت. # فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط، أعظموه وأهووا التقبيل ~~يده، فمنعهم من ذلك، وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ، فإن صاحبنا راكب، فإن ~~كان لك أمر يتم بنا بادرنا إليه وإلا فادخل، واجلس إلى أن يجيء، فقويت نفسي ~~بذلك، ودخلنا وجلسنا. # وجاء القائد، فلما رأى الشيخ أعظمه إعظاما تاما، وقال: لست أنزع ثيابي، ~~أو تأمرني بأمرك. # فخاطبه في أمري، فقال: والله، ما عندي إلا خمسة آلاف درهم تسأله أن ~~يأخذها، وأعطيه رهنا في باقي ماله. # فبادرت إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، وحليا بقيمة الباقي، فقبضت ms285 # PageV02P390 # ذلك منه، وأشهدت عليه الرجل، وصديقي، أن الرهن عندي إلى أجل فإن حل الأجل ~~ولم يعطني، فقد وكلني في بيعه، وقبض مالي من ثمنه، فخرجنا، وقد أجاب إلى ~~ذلك. # فلما بلغنا مسجد الخياط، قلت له: قد رد الله تعالى علي هذا المال بسببك، ~~فأحب أن تأخذ منه ما أحببت، بطيبة من قلبي. # فقال: ما أسرع ما كافأتني على الجميل بالقبيح، انصرف، بارك الله لك في ~~مالك. # فقلت: قد بقيت لي حاجة. # قال: قل. # قلت: تخبرني عن سبب طاعته لك، مع تهاونه بأكثر أهل الدولة. # فقال: قد بلغت مرادك، فلا تقطعني عن شغلي، وما أعيش به. # فألححت عليه، فقال: أنا رجل أصلي بالناس في هذا المسجد، وأقرىء القرآن، ~~منذ أربعين سنة، ومعاشي من هذه الخياطة، لا أعرف غيرها. # وكنت منذ دهر، قد صليت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركي كان في ~~هذه الدار، وامرأة جميلة مجتازة، وقد تعلق بها وهو سكران، ليدخلها داره، ~~وهي ممتنعة تستغيث، وليس من أحد يغيثها، أو يمنعه منها، وتقول في جملة ~~كلامها: إن زوجي قد حلف علي بالطلاق، أن لا أبيت برا، فإن بيتني، خرب بيتي، ~~مع ما يرتكبه مني من الفاحشة. # قال: فرفقت به وسألته تركها، فضرب رأسي بدبوس كان في يده، # PageV02P391 # فشجني، ولكمني، وأدخل المرأة بيته. # فصرت إلى منزلي، وغسلت الدم، وشددت الشجة، واسترحت، وخرجت لصلاة العشاء ~~الآخرة. # فلما صلينا، قلت لمن معي في المسجد: قوموا بنا إلى عدو الله، هذا التركي، ~~لننكر عليه، ولا نبرح، أو نخرج المرأة. # فقاموا، وجئنا فضججنا على بابه، فخرج إلينا في عدة غلمان، فأوقع بنا، ~~وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربا عظيما كدت أتلف منه، فحملني الجيران ~~إلى منزلي كالتالف، فعالجني أهلي، ونمت نوما قليلا، وقمت نصف الليل، فما ~~حملني النوم، للألم، والفكر في القصة. # فقلت: هذا قد شرب طول ليلته، ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت، لوقع له أن ~~الفجر قد طلع، وأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فسلمت من أحد ~~المكروهين. # فخرجت إلى المسجد متحاملا، وصعدت المنارة، ms286 فأذنت، وجلست # PageV02P392 # أطلع منها إلى الطريق، أترقب خروج المرأة، فإن خرجت، وإلا أقمت الصلاة ~~لئلا يشك في الصباح، فيخرجها. # فما مضت إلا ساعة، والمرأة عنده، حتى رأيت الشارع قد امتلأ خيلا، ورجالا، ~~ومشاعل، وهم يقولون: من أذن الساعة؟ ففزعت، وسكت. # ثم قلت: أخاطبهم، لعلي أستعين بهم على إخراج المرأة، فصحت من المنارة: ~~أنا أذنت. # فقالوا لي: انزل، وأجب أمير المؤمنين. # فقلت: دنا الفرج، فنزلت، فإذا بدر، وعدة غلمان، فحملني، وأدخلني على ~~المعتضد، فلما رأيته، هبته، وارتعت، فسكن مني. # وقال: ما حملك على أن تغر المسلمين بأذانك في غير وقته، فيخرج ذو الحاجة ~~في غير وقتها، ويمسك المريد للصوم، في وقت قد أباح الله له الأكل فيه، ~~وينقطع العسس والحرس عن الطواف؟ فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين، لأصدقه. # فقال: أنت آمن. # فقصصت عليه قصة التركي، وأريته الآثار. # فقال: يا بدر، علي بالغلام الساعة والمرأة، وعزلت في موضع. # فمضى بدر، وأحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن الصورة، فأخبرته بمثل ~~ما أخبرته. # فقال لبدر: بادر بها الساعة على زوجها، مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح ~~لزوجها القصة، ويأمره عني بالتمسك بها، والإحسان إليها. # PageV02P393 # ثم استدعاني، فوقفت بإزائه، فجعل يخاطب الغلام، وأنا واقف أسمع. # فقال له: كم جرايتك؟ قال: كذا وكذا. # قال: وكم عادتك؟ قال: كذا وكذا. # قال: وكم صلاتك؟ قال: كذا وكذا. # قال: وكم جارية لك؟ قال: كذا وكذا، فذكر عدة جواري. # قال: أفما كان فيهن، وفي هذه النعمة العريضة، كفاية عن ارتكاب معصية الله ~~تعالى، وخرق هيبة السلطان، حتى استعملت ذلك، وجاوزته إلى الوثوب بمن أمرك ~~بالمعروف؟ فأسقط الغلام في يده، ولم يحر جوابا. # فقال: هاتوا جوالقا، ومداق الجص، وأدخلوه الجوالق، ففعلوا ذلك به. # وقال للفراشين: دقوه، فدقوه، وأنا أسمع صياحه، إلى أن مات، # PageV02P394 # فأمر به، فطرح في دجلة، وتقدم إلى بدر، أن يحمل ما في داره. # ثم قال لي: يا شيخ، أي شيء رأيت من أجناس المنكر، كبيرا كان أو صغيرا، أو ~~أي أمر عن لك، فمر به وأنكر المنكر، ولو على هذا ms287 وأومأ إلى بدر فإن جرى ~~عليك شيء، أو لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل الوقت الذي أذنت ~~فيه، فإني أسمع صوتك، وأستدعيك، وأفعل هذا بمن لا يقبل منك. # فدعوت له، وانصرفت. # وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان، فما خاطبت أحدا بعدها في إنصاف أحد، ~~أو كف عن قبيح إلا أطاعني كما رأيت، خوفا من المعتضد. # وما احتجت إلى الأذان في مثل ذلك الوقت. # PageV02P395 ### || أحيحة بن الجلاح أكب على إصلاح ضيعته # وجدت في بعض الكتب: أن أحيحة بن الجلاح، أسرع في ماله فأتلفه مع إخوان ~~له، حتى افتقر، فهجروه وقطعوه، واحتاج إليهم في الشيء اليسير فمنعوه، ~~فلحقته شدة، وضر وجهد. # فمات بعض أهله، فورثه مالا، وضيعة خرابا تعرف بالزوراء، فأخذ المال، وخرج ~~على الضيعة يعمرها به، فطمع فيه القوم الذين أنفق ماله عليهم، فكتبوا إليه ~~يعتذرون مما جرى، يرغبونه في مواصلتهم، ومعاشرتهم، وكان أديبا، فكتب إليهم: # إني مكب على الزوراء أعمرها ... إن الكريم على الإخوان ذو المال # كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا ندائي إذا ناديت يا مالي # فأيسوا منه، وكفوا عنه، وثابت حاله، وحسنت ضيعته. # PageV02P396 ### || مجلس غناء بمحضر الرشيد # وروى حماد، عن أبي صدقة، وكان يحضر مجلس الرشيد مع المغنين، فربما غنى، ~~وربما لم يغن، قال: فدعانا الرشيد يوما، فدخلنا، والستارة دونه، وهو من ~~خلفها جالس، فقال خادم من خلفها: عن يا ابن جامع، فاندفع يغني بهذا الصوت: # قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لزائر من منزل # أولا ففيم توقفي وتلددي ... وسط الديار كأنني لم أعقل # ما بالديار من البلى ولقد أرى ... أن سوف يحملني الهوى في محمل # وأحق من يبكي بكل محلة ... عرضت له في منزل للمعول # عان بكل حمامة سجعت له ... وغمامة برقت بنوء الأعزل # يبكي فتفضحه الدموع فعينه ... ما عاش مخضلة كفيض الجدول # فقال الخادم: ليغن هذا الصوت منكم من كان يحسنه، فغنى كل من أحسنه منهم، ~~فكأنه لم يطرب له. # PageV02P397 # فأقبل الخادم علي، فقال: إن كنت تحسن أن تغنيه، فغنه. # فقلت: نعم , فعجبوا من ms288 إقدامي على صوت لم يستطب من جماعتهم، فغنيته. # فقال الخادم: أحسنت، والله، فأعده، فأعدته، وأعاد الاستحسان، والأمر ~~بإعادته على ذلك سبع مرات. # ثم قال لي الخادم: قم يا أبا صدقة، فادخل، حتى تغني أمير المؤمنين بحيث ~~يراك، فدخلت، والمغنون كلهم محجوبون، فغنيته إياه، ثلاث مرات، فطرب في ~~جميعهن. # PageV02P398 # وقال: أحسنت يا أبا صدقة. # فلما سمعت ما خصني به من استحسانه، قلت: يا أمير المؤمنين، إن لهذا الصوت ~~حديثا عجيبا، أفلا أحدثك به يا أمير المؤمنين، لعله يزداد حسنا. # فقال: بلى، هات. # فقلت: كنت يا سيدي، عبدا لبعض آل الزبير، وكنت خياطا مجيدا، أخيط القميص ~~بدرهمين، والسراويل بدرهم، وأؤدي ضريبتي إلى سيدي في كل يوم درهمين، وآخذ ~~ما فضل عن ذلك، فبينما أنا ذات يوم منصرفا، وقد خطت قميصا لبعض الطالبيين، ~~وقد أخذت منه درهمين، وانصرفت إلى موضع يجتمع فيه المغنون، كنت أقصده إذا ~~فرغت من شغلي، لشغفي بالغناء، فلما صرت بحذاء بركة المهدي، إذا أنا بسوداء ~~على رقبتها جرة، تريد أن تملأها من ماء العقيق، وهي تغني بهذا الصوت، أحسن ~~غناء يكون، فأصابني من الطرب بغنائها ما أذهلني عن كل شيء. # فقلت لها: فداك أبي وأمي، ألقي علي هذا الصوت. # فقالت: استحسنته؟ فقلت: إي والله. # فقالت: وحق القبر ومن فيه، لا أعدته إلا بدرهمين. # فدفعت الدرهمين إليها، فأحدرت جرتها عن رقبتها فارغة، فوضعتها # PageV02P399 # على الأرض، وجلست عليها، وكأني أنظر إلى فقحتها وقد برزت عن الجرة نحو ~~ذراع، وأقبلت تلقيه علي، وتوقع على الجرة، حتى أخذته، ثم أخذت الجرة على ~~رقبتها، وانصرفت. # فحين انصرفت، أنسيت الصوت ولحنه، حتى كأني لم أسمعه قط، فبقيت متحيرا لا ~~أدري ما أصنع، وانصرفت إلى سيدي بأسوء حال، وأكسف بال. # فلما رآني، قال: هات ضريبتك. # فلجلجت في كلامي، وقلت: يا سيدي، اسمع حديثي. # فقال: يا ابن اللخناء، أبي تتعرض؟ فبطحني، وضربني مائة مقرعة، وحلق رأسي ~~ولحيتي، ومنعني قوتي، وكان أربعة أرغفة، فلم يكن شيء من ذلك، أشد علي، من ~~ذهاب الصوت مني، وبت ليلتي أسوء خلق ms289 الله حالا، وأنا لا أعرف الجارية، ولا ~~موضعها ولا لمن هي. # فلما أصبحنا، خرجت ولها أطلبها في الموضع الذي لقيتها فيه، وأسأل الله أن ~~يحوج أهلها إلى الماء، حتى تخرج لتأتيهم به، فأراها، فلم أزل أطلبها، لا ~~أعمل شيئا إلى العصر. # فبينما أنا كذلك، وإذا بها قد أقبلت، فلما رأتني، وما بي من الوله، قالت ~~لي: مالك، أنسيت الصوت؟ فقلت: إي والله، وضربت مائة مقرعة، ومنعت قوتي ~~ليلتي، وحلقت رأسي ولحيتي. # PageV02P400 # فقلت: دع هذا عنك، فورب الكعبة، لاسمعته مني، فضلا عن أخذه إلا بدرهمين. # فقلت: الله، الله، في فيمرن علي الليلة مثل ما مر علي البارحة، فارحميني. # فقالت: قد سمعت اليمين، وذهبت لتمضي. # فقلت: اصبري، وجئت إلى بقال كان يعاملني، فرهنت عنده الجلمين، على ~~درهمين، وجئت بهما إليها، فأخذتهما، وجعلتهما في فيها. # فلما بدأت بالصوت، ذكرته، فقلت: الله، الله، ردي علي الدرهمين، فلا حاجة ~~بي إلى غنائك. # فقالت: أنت أحمق، ولست تعرف هذا الأمر، لئن لم أردده عليك مائة مرة ما ~~حصل لك منه شيء، وجلست على الجرة، فغنته مائة مرة، أعدها عليها حتى فهمته، ~~وصرت به أمهر منها، وانصرفت. # فساعة فارقتها، لحقتني الندامة، وقلت: سيلحقني الليلة أكثر مما لحقني ~~البارحة، لفقد الجلمين. # فرجعت إلى مولاي، فحين رآني، قال: هات ضريبتك. # فقلت له: اسمع مني. # قال: أي شيء أسمع، يا ابن الفاجرة، أما كفاك ما مر بك أمس، ووثب إلى ~~السوط. # فقلت له: اسمع، واصنع ما شئت. # فقال: هات، فغنيته الصوت. # PageV02P401 # فقال: أحسنت، والله، يعز علي ما أصابك، أما الضرب فقد مضى، ولا حيلة فيه، ~~وأما قوتك فمردود، وأما ضريبتك، فساقطة عنك ما عشنا ولو مت أنا وعيالي ~~جوعا، فأنت اليوم واحدا منا أبدا ما بقينا، فهذا خبر الصوت. # وكان المغنون الذين حضروا، إبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق، وابن جامع , ~~ومسلم بن سلام. # فأمر لكل واحد منهم بألف دينار، وأمر لي بعشرة آلاف دينار، مثل ما أمر ~~لجماعتهم، ثم استدعى ألف دينار، فقال: خذ هذه بدل المائة مقرعة التي ضربت. # فانصرفت، ms290 والمغنون يتعجبون مما جرى. # PageV02P402 ### || الوليد بن يزيد يستقبل البريد بموت هشام # وحدث المنذر بن عمرو، وكان كاتبا للوليد بن يزيد بن عبد الملك، قال: أرسل ~~إلي الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة، فقال لي: يا أبا الزبير، ما ~~أتت علي ليلة أطول من البارحة، وعرضت لي أمور حدثت نفسي فيها بأمور، وهذا ~~الرجل قد جد بنا، فاركب بنا. # فركبنا جميعا، وسرنا نحو ميلين، فوقف على تل، فجعل يشكو إلي هشاما، إذ ~~نظر إلى رهج، قد أقبل، وقعقعة البريد. # فتعوذ بالله من شر هشام، وقال: إن هذا البريد، قد أقبل، بموت حي، أو هلك ~~عاجل. # فقلت: لا يسؤك الله أيها الأمير، بل يسرك وينفعك، إذ بدا رجلان على ~~البريد مقبلان، أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب، فلما رأيا الوليد نزلا، ~~وسلما عليه بالخلافة، فوجم، فجعلا يكرران عليه السلام بالخلافة. # فقال لهما: ويحكما ما الخبر، أمات هشام؟ قالا: نعم. # قال: فمرحبا بكما، ما معكما؟ قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن، فقرأ ~~الكتاب، وانصرفنا. # وسأل عن عياض بن سالم، كاتبه الذي كان هشام قد حبسه، وضربه، فقالا: لم ~~يزل محبوسا، حتى نزلت بهشام مصيبة الموت، فلما بلغ إلى حال لا يرجى معها ~~الحياة له، أرسل عياض إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم، # PageV02P403 # ولا يصل أحد إلى شيء منه، فأفاق هشام إفاقة، فطلب شيئا، فمنعه الخزان، ~~فقال: أرانا كنا خزانا للوليد، وقضى من ساعته. # فخرج عياض لوقته من السجن عندما قضى هشام، فغلق الأبواب، وختمها، وأمر ~~بهشام، فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن، فكفنه غالب مولاه، ~~ولم يجدوا قمقما يسخن فيه الماء، حتى استعاروه. # وذكر باقي الحديث مما لا يتعلق بهذا الباب. # PageV02P404 ### || 254 ابن جامع المغني يأخذ صوتا بثلاثة دراهم فيفيد منه ثلاثة آلاف دينار # حدث محمد بن صلصال، عن إسماعيل بن جامع، أنه قال: ضامني الدهر ضيما شديدا ~~بمكة، فأقبلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما، وما معي إلا ثلاثة ~~دراهم، لا أملك غيرها، وإذا بجارية على رقبتها ms291 جرة، تريد الركي، وهي تتغنى ~~بهذا الصوت: # شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا ... ~~وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعا ولا يغشى لنا النوم أعينا # إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... قلقنا وهم يستبشرون إذا دنا # فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا # قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يدر لي منه حرف. # فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن، أم غناؤك؟ فلو شئت؛ لأعدت، فقالت: ~~حبا وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى جدار قريب منها، ورفعت إحدى رجليها، ~~فوضعتها على الأخرى، ووضعت الجرة على ساقها، ثم انبعثت، فغنته، فوالله ما ~~دار لي منه حرف. # فقلت: قد أحسنت، فلو تفضلت، وأعدته مرة أخرى، # PageV03P005 # ففطنت، وكلحت، وقالت: ما أعجب أمركم، لا يزال أحدكم يجيء إلى الجارية ~~عليها الضريبة، فيحبسها. # فضربت يدي إلى الثلاثة دراهم، فدفعتها إليها، وقلت: أقيمي بهذه وجهك ~~اليوم، إلى أن نلتقي. # فأخذتها كالكارهة، وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا، أحسبك ستأخذ ~~به ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار، وانبعثت تغني. # فأعملت فكري في غنائها، حتى دار لي الصوت، وفهمته، فانصرفت مسرورا إلى ~~منزلي، وأنا أردده، حتى خف على لساني. # ثم إني خرجت إلى بغداد، فدخلتها، فطرحني المكاري بباب محول، لا أدري أين ~~أتوجه، فلم أزل أمشي مع الناس، حتى أتيت الجسر، فعبرته، ثم انتهيت إلى شارع ~~الميدان، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا، فقلت: هذا ~~مسجد قوم سراة، فدخلته، وحضرت صلاة المغرب، فصليت، وأقمت بمكاني إلى أن ~~صليت العشاء، وبي من الجوع والتعب أمر عظيم. # فانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي، وخلفه جماعة خدم وفحول، ينتظرون ~~فراغه، فصلى مليا، ثم انصرف إلي بوجهه، وقال: أحسبك غريبا. # قلت: أجل. # قال: فمتى كنت في هذه المدينة؟ قلت: دخلتها آنفا، وليس لي بها منزل ولا ~~معرفة، وليست صناعتي من الصنائع التي يمت بها إلى أهل الخير. # فقال: وما صناعتك؟ قلت: أغني. # فقام، وركب مبادرا، ووكل بي بعض من كان معه، ms292 فسألت الموكل بي عنه، فقال ~~لي: هذا سلام الأبرش، ثم عاد، فأخذ بيدي، فانتهى بي إلى قصر من قصور ~~الخليفة، فأدخلني مقصورة في آخر الدهليز، ودعا بطعام من طعام الملوك على ~~مائدة، فأكلت، فإني لكذلك، إذ سمعت ركضا في الدهليز، وقائلا يقول: أين ~~الرجل؟ فقيل: هو ذا. # PageV03P006 # فدعي لي بغسول، وطيب، وخلعة، فلبست وتطيبت، وحملت إلى دار الخليفة على ~~دابة، فعرفتها بالحرس والتكبير والنيران، فجاوزت مقاصير عدة، حتى صرت إلى ~~دار قوراء، وسطها أسرة، قد أضيف بعضها إلى بعض، فأمرت بالصعود، فصعدت، فإذا ~~رجل جالس، وعن يمينه ثلاث جوار، وإذا حياله مجالس خالية، قد كان فيها قوم ~~قاموا عنها. # فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال للرجل: تغن، فغنى صوتا لي وهو: # لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلا دونها الكلل # تمشي الهوينا كأن الشمس بهجتها ... مشي اليعافير في جيآتها الوهل # فغنى بغير إصابة، وأوتار مختلفة الدساتين، وعاد الخدم إلى الجارية التي ~~تليه، فقال لها: غني، فغنت أيضا، صوتا لي، كانت فيه أحسن حالا، وهو: # PageV03P007 # يا دار أمست خلاء لا أنيس بها ... إلا الظباء وإلا الناشط الفرد # أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا ... وطارعن قلبي التشواق والكمد؟ # قال: ثم عاد إلى الثانية، فغنت صوتا لحكم الوادي، وهو: # فوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جد جد البين أم أنا غالبه # فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # ثم عاد إلى الثالثة، فقال لها: غني، فغنت بصوت لحنين، وهو: # مررنا على قيسية عامرية ... لها بشر صافي الأديم هجان # فقالت وألقت جانب الستر دونها ... لأية أرض أو لأي مكان # فقلت لها إما تميم فأسرتي ... هديت وإما صاحبي فيماني # رفيقان ضم السفر بيني وبينه ... وقد يلتقي الشتى فيأتلفان # PageV03P008 # ثم عاد إلى الرجل، فغنى صوتا لي، فشبه فيه، من شعر عمر بن أبي ربيعة: # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا # كأن أحور غزلان بذي رشإ ... أعارها سنة العينين والجيدا # ومشرقا كشعاع ms293 الشمس بهجته ... ومسبطرا على لباته سودا # ثم عاد إلى الجارية الأولى، فغنت صوتا لحكم الوادي، وهو: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # ثم عاد إلى الثانية، فغنت صوتا، فتقول فيه: # وددتك لما كان ودك خالصا ... وأعرضت لما صار نهبا مقسما # ولا يلبث الحوض الجديد بناؤه ... إذا كثر الوراد أن يتهدما # ثم عاد إلى الجارية الثالثة، فغنت بشعر الخنساء، وهو: # PageV03P009 # وما كر إلا كان أول طاعن ... وما أبصرته العين إلا اقشعرت # فيدرك ثارا وهو لم يخطه الغنى ... فمثل أخي يوما به العين قرت # فلست أرزى بعده برزية ... فأذكره إلا سلت وتجلت # وغنى الرجل في الدور الثالث، بهذه الأبيات: # لحى الله صعلوكا مناه وهمه ... من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما # ينام الضحى حتى إذا ليله بدا ... تنبه مسلوب الفؤاد متيما # ولكن صعلوكا يساور همه ... ويمضي إلى الهيجاء ليثا مصمما # فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فربما # قال: وتغنت الجارية: # إذا كنت ربا للقلوص فلا يكن ... رفيقك يمشي خلفها غير راكب # أنخها فأردفه فإن حملتكما ... فذاك وإن كان العقاب فعاقب # قال: وغنت الجارية، بشعر عمرو بن معدي كرب، وهو: # ألم ترني إذ ضمني البلد القفر ... سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو # PageV03P010 # أغثنا فإنا عصبة مذحجية ... نراد على وفر وليس لنا وفر # وأظنه أغفل الثانية، فغنت الثالثة، بهذه الأبيات: # فلما وقفنا للحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا # فلما تواضعن الأحاديث قلن لي ... أخفت علينا أن نغر ونخدعا # قال: فتوقعت مجيء الخادم، فقلت للرجل: بأبي أنت، خذ العود، وشد وتر كذا، ~~وارفع الطبقة، وحط دساتن كذا، ففعل ما أمرته. # وخرج الخادم، فقال لي: تغن عافاك الله. # فغنيت بصوت الرجل الأول، على غير ما غنى، فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى ~~استندوا ms294 إلى الأسرة، فقالوا: ويحك، لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي. # فناصرفوا، وعاد إلي خادم، فقال: كذبت، هذا لابن جامع، فسكت. # ودار الدور الثاني، فلما انتهى إلي؛ قلت للجارية التي تلي الرجل: خذي ~~العود، فعلمت ما أريد، فأصلحته على غنائها، فغنيت به، فخرج الخدم، وقالوا: ~~ويحك، لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي. # فرجعوا، ثم عاد ذلك الخادم من بينهم، فقال: كذبت، هذا لابن جامع. # PageV03P011 # ودار الدور، فلما انتهى إلي الغناء، قلت للجارية الأخرى، سوي العود على ~~كذا، فعلمت ما أريد، وخرج الخادم، فقال لي: تغن، فغنيت هذا الصوت، وهو لا ~~يعرف إلا بي، وهو: # عوجي علي فسلمي جبر ... فيم الوقوف وأنتم سفر؟ # ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرق بيننا النفر # فتزلزلت عليهم الدار، وخرج الخادم، فقال: ويحك، لمن هذا الغناء؟ فقلت: ~~لي. # فمضى، ثم عاد، فقال: كذبت، هذا لابن جامع. # قلت: فأنا ابن جامع. # فما شعرت إلا وأمير المؤمنين، وجعفر بن يحيى، قد أقبلا من وراء الستر ~~الذي كان يخرج منه الخادم. # فقال لي الفضل بن # PageV03P012 # الربيع: هذا أمير المؤمنين، قد أقبل إليك، فلما صعد السرير، وثبت قائما. # فقال: ابن جامع؟ فقلت: ابن جامع، جعلت فداك، يا أمير المؤمنين. # فقال: متى كنت في هذه المدينة؟ فقلت: دخلتها في الوقت الذي علم بي فيه ~~أمير المؤمنين. # PageV03P013 # فقال: اجلس، ومضى هو وجعفر، فجلسا في تلك المجالس. # فقال: أبشر، وابسط أملك، فدعوت له. # فقال: غن يابن جامع، فخطر ببالي صوت الجارية السوداء، فأمرت الرجل بإصلاح ~~العود على ما أردت من الطبقة، فعرف ما أريد، فوزنه وزنا. # فلما أخذت الأوتار والدساتين مواضعها، وتعاهدها؛ ابتدأت أغني بصوت ~~الجارية، فنظر الرشيد إلى جعفر، فقال: هل سمعت كذا قط؟ قال: لا والله، ولا ~~خرق مسامعي مثله قط. # فرفع الرشيد رأسه إلى خادم كان بالقرب منه، فأتى بكيس فيه ألف دينار، ~~فرمى به إلي، فصيرته تحت فخذي، ودعوت له. # فقال: يابن جامع، رد علي هذا الصوت، فرددته عليه، وتزيدت في غنائي. # فقال له جعفر: أما ترى كيف تزيد في الغناء، ms295 وهذا خلاف الأول، وإن كان ~~اللحن واحدا. # فرفع الرشيد رأسه إلى الخدام، فأتى بكيس فيه ألف دينار، فرمى به إلي، ~~فجعلته تحت فخذي الآخر. # ثم قال: تغن، يا إسماعيل، بما حضرك. # فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت، بما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري، ~~فأغنيه، فلم أزل كذلك، إلى أن عسعس الليل. # فقال: أتعبناك، يا إسماعيل، هذه الليلة، فأعد علي الصوت؛ يعني: صوت ~~الجارية، فغنيته به، فرفع رأسه إلى الخادم، فوافى بكيس ثالث فيه ألف دينار. # فذكرت قول الجارية، فتبسمت، فلحظني، وقال: يابن الفاعلة، فيم تبسمت؟ ~~فجثيت على ركبتي، وقلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة. # قال: قل. # PageV03P014 # فقصصت عليه خبر الجارية، فلما استوفيته؛ قال: صدقت، قد يكون مثل هذا، ~~وقام. # ونزلت من وراء الستر، لا أدري أين أمضي، فابتدرني فراشان، فصارا بي إلى ~~دار قد أمر لي أمير المؤمنين بها، فيها من الفرش، والآلة، والخدم، جميع ما ~~أريد، فخلت فقيرا، وأصبحت من المياسير. # ذكر الأصبهاني: أن صوت إسماعيل الذي غناه، لا يعرف إلا به، وهو: # فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وخلفت قلبا في هواك يعذب # ولكنني أحيا بقلب معذب ... فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب # تعلمت أسباب الرضا خوف سخطها ... وعلمها حبي لها كيف تغضب # ولي ألف وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟ # PageV03P015 ### || 255 ابن هرمة يتحدث عن أفضال عبد الواحد بن سليمان # قال: قال رجل لابن هرمة: بما استحق منك عبد الواحد بن سليمان أن تقول ~~فيه: # أعبد الواحد المأمول إني ... أغص حذار سخطك بالقراح # وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح؟ # فقال: إن ذهبت أعدد صنائعه التي استحق لها مني هذا القول، طالت، ولكن ~~أخبرك بأصغر صنيعة له عندي. # كنت منقطعا إليه بالمدينة أيام كان يتولاها، فأغناني عن سواه، ثم عزل، ~~فظننت أن الوالي سيحسن إلي، فلم يبرني بشيء، فأنفقت ما كان معي، حتى لم يبق ~~لي شيء. # فقلت لأختي: ويحك، أما ترين ما أنا فيه من الشدة، وتعذر القوت؟ قالت: ~~بسوء ms296 اختيارك. # قلت: فبمن تشيرين؟ # PageV03P016 # فقالت: ما أعرف لك غير عبد الواحد بن سليمان. # فقلت: ومن لي به، وهو بدمشق، وأنا بالمدينة؟ فقالت: أنا أعينك على قصدك ~~إليه. # فقلت: افعلي. # فباعت حليا كان لها، واشترت لي راحلة، وزودتني، فوافيت دمشق بعد اثنتي ~~عشرة ليلة، فأنخت عشاء على باب عبد الواحد، وعقلت راحلتي، ودخلت المسجد، ~~فحططت فيه رحلي. # فلما صلى عبد الواحد، وجلس يسبح؛ حول وجهه إلى جلسائه، فنظر إلى رحلي، ~~فقال: لمن هذا؟ فوثبت، وقبلت يده، وقلت: أنا يا سيدي، عبدك ابن هرمة. # فقال: ما خبرك يا أبا إسحاق؟ فقلت: شر خبر، بعدك، أيها الأمير، تلاعبت بي ~~المحن، وجفاني الصديق، ونبا بي الوطن، فلم أجد معولا إلا عليك. # فوالله، ما أجابني إلا بدموعه، ثم قال: ويحك، أبلغ بك الجهد إلى ما ذكرت؟ ~~فقلت: إي والله، وما أخفيه عنك أكثر. # فقال: اسكن، ولا ترع. # ثم إنه نظر إلى فتية بين يديه، كأنهم الصقور، فوثبوا، فاستدعى أحدهم، ~~وهمس إليه بشيء، فمضى مسرعا، ثم أومأ إلى الثاني، فهمس إليه بشيء، وكذلك ~~الثالث، فمضى. # ثم أقبل الأول، ومعه خادم على رأسه كيس، فصبه في حجري، فقال له أبوه: كم ~~هذا؟ فقال: ألف دينار وسبع مائة دينار، ووالله ما في خزانتك غيرها. # PageV03P017 # ثم أقبل الثاني، وبين يديه عبد على كتفه كارة، فصبها بين يديه، فإذا فيها ~~حلي مخلع من بناته ونسائه. # فقال: والله، ما تركت لهن شيئا، إلا أخذته. # وأقبل الثالث، ومعه غلامان، معهما كارتان عظيمتان من فاخر ثيابه، فوضع ~~ذلك بين يدي. # ثم قال: يابن هرمة، أنا أعتذر إليك من قلة ما حبوتك به، مع بعد العهد، ~~وطول الشقة، وسعة الأمل، ولكنك جئتنا في آخر السنة، وقد تقسمت أموالنا ~~الحقوق، ونهبتنا أيدي المؤملين، فلم يبق عندنا غير هذه الصبابة، آثرناك بها ~~على أنفسنا، وسللناها لك من أفواهنا، ولو قدمت قبل هذا الإعسار؛ لأعطيناك ~~ما يكفيك، ولو علمنا بك؛ لأتاك عفوا، ولم تتجشم المشقة، ولم نحوجك إلى ما ~~سوانا، وذلك منا لك أبدا، ما بقيت، فأقسم ms297 عليك، لما أصبحت إلا على ظهر ~~راحلتك، وتداركت أهلك، فخلصتهم من هذه المحنة، فقمت إلى ناقتي، فإذا هي قد ~~ضعفت. # فقال: ما أرى في ناقتك خيرا، يا غلام، أعطه ناقتي الفلانية، فجئ بها ~~برحلها، فكانت، والله، أحب إلي من جميع ما أعطاني، ثقة ببلوغها، ثم دعا ~~بناقتين أخريين، وأوقرهما من المال والثياب، وزادا يكفيني لطريقي، ووهب لي ~~عبدين. # وقال: هذان يخدمانك في السقي والرعي، فإن شئت بعتهما، وإن شئت أبقيتهما، ~~أفتلومني أني أغص حذار سخطه بريقي؟ قال: لا والله. # PageV03P018 ### || 256 القائد هرثمة بن أعين يتحدث عما أمره به الهادي في ليلة موته # حدثني علي بن هشام، عن محمد بن الفضل: أن هرثمة بن أعين، قال: كنت اختصصت ~~بموسى الهادي، وكنت، مع ذلك، شديد الحذر منه؛ لإقدامه على سفك الدماء. # فاستدعاني نصف نهار، في يوم شديد الحر، قبل أكلي، فتداخلني منه رعب، ~~وبادرت فدخلت عليه، وهو في حجرة من دور حرمه، فصرف جميع من كان بحضرته، ~~وقال لي: اخرج وأغلق الباب، وعد إلي، فازداد جزعي، ففعلت، وعدت إليه. # فقال لي: قد تأذيت بهذا الكلب الملحد، يحيى بن خالد، ليس له فكر غير ~~تضريب الجيش، واجتذابهم إلى صاحبه هارون، يريد أن يقتلني، ويسوق إليه ~~الخلافة، وأريد أن تمضي الليلة إلى هارون، وتقبض عليه، وتذبحه، وتجيني ~~برأسه، إما في داره، وإما أن تخرجه برسالتي تستدعيه إلى حضرتي، ثم تعدل به ~~إلى دارك، فتقتله، وتجيني برأسه. # فورد علي لأعظم وارد، فقلت: تأذن، يا أمير المؤمنين، في الكلام؟ فقال: ~~قل. # PageV03P019 # فقلت: أخوك، وابن أبيك، وله بعدك العهد، فكيف تكون صورتنا، أولا عند ~~الله، ثم عند الجيش؟ فقال: إنك إن فعلت هذا، وإلا ضربت عنقك الساعة. # فقلت: السمع والطاعة. # فقال: وأريد إذا فرغت منه هذه الليلة، أن تخرج من في الحبس من الطالبيين، ~~فتضرب رقاب أكثرهم، وتغرق الباقين. # فقلت: السمع والطاعة. # قال: ثم ترحل إلى الكوفة، فتجمع من تقدر عليه من الجيش، فتخرج من بها من ~~العباسيين، وشيعتهم، وعمالنا، والمتصرفين، ثم تضرمها بالنار، حتى لا يبقى ms298 ~~فيها جدار. # فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا أمر عظيم. # فقال: هؤلاء أعداؤنا، وشيعة آل أبي طالب، وكل آفة ترد علينا، فهي من ~~جهتهم، ولا بد من هذا. # فقلت: السمع والطاعة. # فقال: لا تبرح من مكانك إلى نصف الليل؛ لتمضي إلى هارون. # فقلت: السمع والطاعة. # ونهض عن موضعه، ودخل إلى دور النساء، وجلست مكاني، لا أشك أنه قد قبض علي ~~ليقتلني، ويدبر هذه الأمور على يد غيري، لما أظهرت له من الجزع عند كل باب ~~منها، والتخطئة لرأيه، والامتناع عليه، ثم الإجابة، وقد علم الله، تعالى، ~~أني ما أجبته إلا على أن أخرج من حضرته، فأركب فرسي من بابه، وألحق بطرف من ~~الأرض، وأفارق جميع نعمتي، فأكون بحيث لا يصل إلي، حتى أموت، أو يموت. # فلما اعتقلني، ودخل دار الحرم؛ لم أشك في أنه قد فطن لغرضي، وأنه ~~سيقتلني؛ لئلا يفشو السر، فوردت علي شدة شديدة، وغلبت علي، # PageV03P020 # فطرحت نفسي في الحر مغموما، جائعا، على عتبة المجلس، ونمت. # فما انتبهت إلا بخادم قد أيقظني، وقال: أجب أمير المؤمنين، فنظرت الوقت، ~~فإذا هو نصف الليل. # فقلت: إنا لله، عزم والله على قتلي، فمشيت معه، وأنا أتشهد، إلى ممرات ~~سمعت منها كلام النساء. # فقلت: عزم على قتلي بحجة، يقول: من أذن لك في الدخول إلى حرمي، ويعتل علي ~~بذلك، فوقفت. # فقال لي الخادم: ادخل. # فقلت: لا أدخل. # فقال لي: ادخل، ويحك. # فقلت: هوذا أسمع صوت الحرم، ولا يجوز لي أن أدخل. # فجذبني، فصحت: والله، لا دخلت، ولو ضربت عنقي، أو أسمع كلام أمير ~~المؤمنين، بالإذن لي. # وإذا امرأة تصيح: ويلك يا هرثمة، أنا الخيزران، وقد حدث أمر عظيم، ~~استدعيتك له، فادخل. # فتحيرت، ودخلت، وإذا ستارة ممدودة، فقيل لي من ورائها: إن موسى قد مات، ~~وأراحك الله منه، وجميع المسلمين، فانظر إليه، فأتيته، فإذا هو # PageV03P021 # مسجى على فراشه، فمسست قلبه، ومجسه، ومناخره، فإذا هو ميت بلا شك. # فقلت: ما كان خبره؟ فقالت لي الخيزران: كنت بحيث أسمع خطابه لك في أمر ~~ابني هارون، وأمر ms299 الطالبيين، وأهل الكوفة، فلما دخل علي؛ استعطفته، وسألته ~~أن لا يفعل شيئا من ذلك، فصاح علي، فلم أزل أرفق به، إلى أن كشف له ثديي، ~~وشعري، وبكيت، وتمرغت بين يديه، وناشدته الله أن لا يفعل، فانتهرني، وقال: ~~والله، لئن لم تمسكي؛ لأضربن عنقك الساعة، فخفته، وقمت، فصففت قدمي في ~~المحراب، أصلي، وأبكي، وأدعو عليه. # فلما كان منذ ساعة، طرح نفسه على فرشه لينام، فشرق، فتداركناه بكوز ماء، ~~فازداد شرقه، إلى أن تلف، فامض إلى يحيى بن خالد، وعرفه ما جرى، وامضيا إلى ~~هارون، وجيئا به قبل انتشار الخبر، وجددا له البيعة على الناس. # فخرجت وجئت بالرشيد، فما أصبحنا إلا وقد فرغنا من بيعته، واستقام أمره، ~~وتوطأت الخلافة له، وكفاني الله، تعالى، والناس، ما كان أظلنا من مكروه ~~موسى، وكان ذلك سبب اختصاصي العظيم بالرشيد، وتضاعف نعمتي ومحلي عنده. # PageV03P022 ### || 257 دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد # حدثني علي بن هشام قال: كان في يد صاعد بن مخلد ضمانات كثيرة، وكانت ~~معاملته مع أبي نوح عيسى بن إبراهيم، وكان صاعد من وجوه الناس. # فحضر صاعد بين يدي أبي نوح، يحاسبه في أموال وجبت عليه، فجرت بينهما ~~مناظرات، فشتم فيها أبو نوح صاعدا، فرد عليه صاعد، مثل ما قاله له. # فاستعظم الحاضرون ذلك، واستخفوا بصاعد، وقالوا له: يا مجنون، ما هذا ~~الفعل؟ قتلت نفسك، ثم أقاموه، وخلصوه من أبي نوح، وقالوا: هذا مجنون، لم ~~يدر ما خرج من رأسه. # فانصرف إلى منزله، متحيرا، لا يدري ما يصنع فيما نزل به، فحدث أخاه ~~عبدونا بما جرى. # PageV03P023 # فقال له: إن لم تطعني، قبض عليك في غد، وطالبك من المصادرة بما لا يفي به ~~حالك، ولا حال جميع أهلك، وقتلك، بلا شك، تشفيا. # قال له صاعد: فما الرأي؟ قال: كم عندك من المال، واصدقني؟ قال: خمسون ألف ~~دينار. # قال: أتطيب نفسك أن تتعرى عنها، وتحرس دمك، وما يبقى من حالك وضياعك، أم ~~لا تسمح بذلك؟ فتؤخذ منك تحت المقارع، وتذهب النفس والنعمة كلها؟ فقال له: ~~قد ms300 تعريت عنها؛ كي تبقى نفسي. # قال: فادفع إلي منها ثلاثين ألف درهم، ففعل. # فحملها عبدون، وأتى حاجب موسى بن بغا، فقال له: خذ هذه العشرة آلاف درهم، ~~وأوصلني إلى فلان الخادم، وكان هذا خادمه # PageV03P024 # الذي يتعشقه موسى، ويطيعه في كل أموره، وموسى إذ ذاك هو الخليفة، وكتبته ~~كالوزارة، والأمور في يده، والخليفة في حجره. # قال: فأخذ الحاجب ذلك، وأوصله إلى الخادم، فأحضره العشرين ألف درهم، ~~وقال: خذ هذه، وأوصلني إلى الأمير الساعة، وأعني عليه في حاجة أريد أن ~~أسأله إياها، ومشورة أشير بها عليه، فأوصله الخادم إليه. # فلما مثل بين يديه؛ سعى إليه بكتابه، وقال به: قد نبهوك، وأخذوا مالك، ~~وأخربوا ضياعك، وأخي يجعل كتابتك أجل من الوزارة، ويغلب لك على الأمور، ~~ويوفر عليك كذا، ويحمل إليك الليلة، من قبل أن ينتصف الليل، خمسين ألف ~~دينار عينا، هدية لك، لا يريد عنها مكافأة، ولا يرتجعها من مالك، وتستكتبه، ~~وتخلع عليه. # فقال موسى: أفكر في هذا؟ فقال: ليس في هذا فكر، وألح عليه. # فقال الخادم: في الدنيا أحد جاءه مثل هذا المال، فرده؟ وكاتب بكاتب، ~~فأجابه موسى، وأنعم له. # فقال له عبدون: فتستدعي أخي الساعة، وتشافهه بذلك، فأنفذ إليه، فأحضره، ~~وقرر عليه ذلك، وبات عبدون في الدار لتصحيح المال، فوفاه. # وبكر صاعد، فخلع عليه لكتابته، وأركب الجيش كله في خدمته، وانقلبت ~~سامراء، بظهور الخبر. # PageV03P025 # فبكر بعض المتصرفين إلى الحسن بن مخلد، وكان صديقا لأبي نوح، فقال له: قد ~~خلع على صاعد. # فقال: لأي شيء؟ فقال: تقلد كتابة موسى بن بغا، فاستعظم ذلك. # وركب في الحال إلى أبي نوح، وقال له: عرفت خبر صاعد؟ فقال: نعم، الكلب، ~~قد بلغك ما عاملني به، والله لأفعلن به، ولأصنعن. # فقال له: أنت نائم؟ ! ليس هذا أردت، قد ولي الرجل كتابة الأمير موسى بن ~~بغا، وخلع عليه، وركب معه الجيش بأسرهم إلى داره. # فقال أبو نوح: ليس هذا ما ظننته، بات خائفا منا، فأصبحنا خائفين منه، فما ~~الرأي عندك؟ قال: أن أصلح بينكما الساعة. # فركب الحسن ms301 بن مخلد إلى صاعد، فهنأه، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح، وقال ~~له: أنت بلا زوجة، وأنا أجعلك صهره، وتعتضد به، وإن كنت قد نصرت عليه، فهو ~~من تعلم موضعه ومحله ومحل مصاهرته ومودته، ولم يدعه حتى أجاب إلى الصلح ~~والمصاهرة. # فقال له: فتركب معي إليه، فإنه أبو البنت، والزوج يقصد المرأة، ولولا ذاك ~~لجاءك. # فحمله من يومه إلى أبي نوح، واصطلحا، ووقع العقد في الحال بينهما في ذلك ~~المجلس، وزوج أبو نوح ابنته الأخرى بالعباس بن الحسن بن مخلد، فولدت له أبا ~~عيسى، المعروف ب: ابن بنت أبي نوح، صاحب بيت مال الإعطاء، # PageV03P026 # ثم تقلد زمام ديوان الجيش لعمه سليمان بن الحسن، فكانت كتابة صاعد لموسى، ~~ومصاهرته لأبي نوح، أول مرتبة عظيمة بلغها، وتقلبت به الأحوال، حتى بلغ ~~الوزارة. # PageV03P027 ### || زور مناما فجاء مطابقا للحقيقة # قال رجل من شيوخ الكتاب، يقال له: عباد بن الحريش: صحبت علي بن المرزبان، ~~وهو يتقلد شيراز، من قبل عمرو بن الليث الصفار، فصادر المتصرفين على أموال، ~~ألزمهم إياها، فكنت ممن أخذ خطه عن العمل الذي توليته، بثمانين ألف درهم، ~~فأديت منها أربعين ألفا، ودرجت حالي، حتى لم يبق لي شيء في الدنيا غير داري ~~التي أسكنها، ولا قدر لثمنها فيما بقي علي، فلم أدر ما أصنع. # وفكرت، فوجدت علي بن المرزبان، رجلا حرا سليم الصدر، فرويت له رؤيا، ~~أجمعت على أن ألقاه بها، وأجعلها سببا لشكوى حالي إليه، والتوصل إلى ~~الخلاص، وكنت قد حفظت الرؤيا. # فاحتلت خمسين درهما، وبكرت إليه قبل طلوع الفجر، فدققت بابه. # فقال حاجبه، من خلف الباب: من أنت؟ # PageV03P028 # فقلت: عباد بن الحريش. # فقال: في هذا الوقت؟ قلت: مهم، ففتح الباب. # فشكوت إليه حالي، وقلت: هذه خمسون درهما، لا أملك غيرها، خذها، وأدخلني ~~عليه، قبل أن يتكاثر الناس عليه. # فدخل، فاستأذن لي، وتلطف، إلى أن أوصلني إليه، وهو يستاك. # فقال: ما جاء بك في هذا الوقت؟ فدعوت له، وقلت: بشارة رأيتها البارحة. # فقال: ما هي؟ فقلت: رأيتك في النوم، كأنك تجيء ms302 إلى شيراز، من حضرة ~~الأمير، وتحتك فرس أشهب عال، لم تر عيني قط أحسن منه، وعليك السواد، ~~وقلنسوة الأمير، وفي يدك خاتمه، وحولك مائة ألف إنسان، ما بين فارس وراجل، ~~وقد تلقوك، وأنا فيهم، إلى العقبة الفلانية، وقد لقيك أمير البلد، فترجل لك ~~وأنت تجوز، وطريقك كله أخضر، مزهر بالنور، والناس يقولون: إن الأمير، قد ~~استخلفك على جميع أمره. # فقال: خيرا رأيت، وخيرا يكون، فما تريد؟ فشكوت إليه حالي، وذكرت له أمري. # فقال: أنظر لك بعشرين ألف، وتؤدي عشرين ألف درهم. # فحلفت له بأيمان البيعة، أنه لم يبق لي إلا مسكني، وثمنه شيء يسير، ~~وبكيت، وقبلت يده، واضطربت بحضرته، فرحمني، وكتب إلى الديوان # PageV03P029 # بإسقاط ما علي، وانصرفت. # فلم تمض إلا شهور، حتى كتب عمرو بن الليث إلى علي بن المرزبان، يستدعيه، ~~ويأمره بحمل ما اجتمع له من المال صحبته. # وكان قد جمع من الأموال، ما لم يسمع أنه اجتمع قط لأحد من مال فارس، ~~مبلغه ستون ألف ألف، فحملها معه إلى نيسابور، وخرج عمرو، فتلقاه وجميع ~~قواده. # فأعظم الأموال، واستخلفه على فارس وأعمالها، حربا وخراجا، وخلع عليه ~~سوادا، وحمله على فرس أشب عال، ودفع إليه خاتمه، ورده إلى فارس. # فوافى في وقت الربيع، ولم يحل الحول على رؤياي، وخرج أمير البلد، يستقبله ~~على ثلاثين فرسخا، وخرجت فلقيته على العقبة التي ذكرتها في المنام الموضوع، ~~والدنيا على الحقيقة خضراء بأنوار الربيع، وحوله أكثر من مائة ألف فارس ~~وراجل، وعليه قنسوة عمرو بن الليث، وفي يده خاتمه، وعليه السواد، فدعوت له. # فلما رآني تبسم، وأخذ بيدي، وأحفى بي السؤال، ثم فرق الجيش بيننا، فلحقته ~~إلى داره، فلم أستطع القرب منه لكثرة الدواب، فانصرفت، وباكرته في السحر. # فقال لي الحاجب: من أنت؟ # PageV03P030 # فقلت: عباد بن الحريش، فأدخلني عليه، وهو يستاك. # فضحك إلي، وقال: قد صحت رؤياك. # فقلت: الحمد لله. # فقال: لا تبرح من الدار حتى أنظر في أمرك. # وكان بارا بأهله، ورسمه إذا ولي عملا، أن لا ينظر في شيء من أمر نفسه، ms303 ~~حتى ينظر في أمر أهله، فيصرف من صلح منهم للتصرف، فإذا فرغ؛ عدل إلى الأخص، ~~فالأخص من حاشيته، فإذا فرغ من ذلك؛ نظر في أمر نفسه. # فجلست في الدار إلى العصر، وهو ينظر في أمر أهله، والتوقيعات تخرج ~~بالصلات والأرزاق، وكتب التقليدات، إلى أن صاح الحاجب: عباد بن الحريش، ~~فقمت إليه، فأدخلني عليه. # فقال: إني ما نظرت في أمر أحد غير أهلي، فلما فرغت منهم؛ بدأت بك قبل ~~الناس كلهم، فاحتكم ما تريد؟ فقلت: ترد علي ما أخذت مني، وتوليني العمل ~~الذي كان بيدي. # فوقع لي بذلك، وقال: امض، فقد أوغرت لك العمل، فخذ ارتفاعه كله. # فكان يستدعيني كل مدة، ولا يأخذ مني شيئا، وإنما يكتب لي روزات من مال ~~العمل، ويصلح لي حسبانات يخلدها الديوان، فأرجع إلى العمل. # فكنت على ذلك إلى أن زالت أيامه، فرجعت إلى شيراز وقد اجتمع لي مال عظيم، ~~صودرت على بعضه، وجلست في بيتي، وعقدت نعمة ضخمة، ولم أتصرف إلى الآن. # PageV03P031 ### || شر السلطان يدفع بالساعات # حدثني ابن أبي علان، وقد جرى حديث السلطان، وأن شره يدفع بالساعات، قال: ~~ورد علينا أبو يوسف البريدي، كاتب السيدة، يطالبني، أنا وأبا يحيى ~~الرامهرمزي، أن نضمن منه ضياع السيدة، وشدد علينا، ونحن ممتنعون. # PageV03P032 # إلى أن أخلى لنا مجلسه يوم خميس، وناظرنا مناظرة طويلة، وشدد علينا، حتى ~~كدنا أن نجيبه، وكان علينا في ذلك ضرر كبير، وخسران ظاهر، لو أجبناه. # فقلت لأبي يحيى: اجتهد أن تدفع المجلس اليوم؛ لنفكر إذا انصرفنا، كيف ~~نعمل. # وكان أبو يوسف محدثا طيب الحديث، فجره أبو يحيى إلى المحادثة، وسكت له ~~يستمع. # وكانت عادة أبي يوسف في كلامه، أن يقول في كل قطعة من حديثه: أفهمت؟ فكان ~~كلما قال ذلك لأبي يحيى؛ قال له: لا، فأعاد أبو يوسف الحديث، ويخرج منه إلى ~~حديث آخر. # فلم يزل كذلك إلى أن حميت الشمس، وقربت من موضعنا، فرجع أبو يوسف إلى ذكر ~~الضمان، وطالبنا بالعقد. # فقلت: إنه قد حمي الوقت، وهذا لا يتقرر في ساعة، ولكن نعود ms304 غدا، ورفقنا ~~به، فقال: انصرفا، فانصرفنا. # واستدعانا من غد، فكتبنا إليه: هذا يوم جمعة، يوم ضيق، ويحتاج فيه إلى ~~دخول الحمام، والصلاة، وقل أمر يتم قبل الصلاة، ولكنا نبكر يوم السبت. # فلما كان يوم السبت؛ صرنا إليه، وقد وضعنا في أنفسنا الإجابة، فحين دخلنا ~~عليه، ورد عليه كتاب فقرأه، وشغل قلبه، فقال: انصرفا اليوم. # فانصرفنا، ورحل من الغد عن الأهواز؛ لأن الكتاب كان يتضمن صرفه، فبادر ~~قبل ورود الصارف، وكفينا أمره. # PageV03P033 ### || كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق # وقال: ورد علينا في وقت من الأوقات، بعض العمال متقلدا للأهواز، من قبل ~~السلطان، فتتبع رسومنا، ورام نقض شيء منها. # فكنت أنا وجماعة من التناء في المطالبة، وكان فيها ذهاب غلاتنا في تلك ~~السنة، لو تم علينا، وذهاب أكثر قيمة ضياعنا. # فقال لي الجماعة: ليس لنا غيرك، تخلو به، وتبذل له مرفقا، وتكفيناه. # فجئته، وخلوت به، وبذلت له مرفقا جليلا، فلم يقبله، ودخلت عليه بالكلام ~~من غير وجه، فما لان، ولا أجاب. # فلما يئست منه، وكدت أن أقوم؛ قلت له: يا هذا الرجل، أنت مقيم من هذا ~~الأمر، على خطإ شديد؛ لأنك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حيث لا يحمدك السلطان، ~~ولا تنتفع أنت أيضا بذاك. # ومع هذا فأخبرني، هل تأمن أن تكون قد صرفت، وكتاب صرفك في الطريق، يرد ~~عليك بعد يومين، أو ثلاثة، فتكون قد أهلكتنا، وأثمت في أمورنا، وفاتك هذا ~~المرفق الجليل، ولعلنا نحن نكفي، ويجيء غيرك، فلا يطالبنا، أو يطالبنا ~~فنبذل له نحن هذا المرفق، فيقبله، ويكون الضرر يدخل عليك. # فحين سمع هذا وافق، كأنه قد علم من أمره ضعفا ببغداد، وتلونا، # PageV03P034 # وأني قد أحسست بانحلال أمره، وأن لي ببغداد من يكاتبني بالأخبار. # فأخذ يخاطبني مخاطبة من أين وقع إلي هذا، فقويته في نفسه، فأجاب إلى أخذ ~~المرفق، وإزالة المطالبة. # فسلمت إليه رقاعا إلى الصيارف بالمال، وأخذت منه حجة بزوال المطالبة، ~~فانصرفت وقد بلغت ما أردت. # فلما كان بعد خمسة أيام؛ ورد عليه كتاب الصرف، فدخلت إليه، فأخذ يشكرني ~~ويخبرني بما ms305 ورد عليه، فأوهمته أني كنت قلت له ذلك عن أصل، وكفيناه. # PageV03P035 ### || الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار # حدثني ابن سيار، عن شيخ من الصوفية، قال: صحبت شيخا من الصوفية، وجماعة ~~منهم، في سفر، فجرى ذكر التوكل والأرزاق وضعف النفس. # فقال ذلك الشيخ: علي، وعلي، وحلف بأيمان مغلظة، لا ذقت شيئا، أو يبعث ~~الله، عز وجل، إلي جام فالوذج حار، ولا آكله إلا بعد أن يحلف علي، أو يجرى ~~علي مكروه، وكنا نمشي في الصحراء. # فقالت الجماعة: أنت جاهل، ونحن نمشي، حتى انتهينا إلى القرية، وقد مضى ~~عليه يومان وليلتان، ولم يطعم شيئا، ففارقته الجماعة، غيري. # فطرح نفسه في مسجد في القرية، وقد ضعفت قوته، وأشرف على الموت، فأقمت ~~عنده. # فلما كان في ليلة اليوم الثالث، وقد انتصف الليل، وكاد يتلف؛ دق علينا ~~باب المسجد، ففتحته، فإذا بجارية سوداء ومعها طبق مغطى، فلما رأتنا؛ قالت: ~~أنتم من أهل القرية، أم غرباء؟ # PageV03P036 # فقلنا: غرباء. # فكشفت عن جام فالوذج حار. # فقالت: كلوا. # فقلت له: كل. # فقال: لا أفعل. # فقلت: والله، لا أكلت، أو تأكل، ووالله لتأكلن؛ لأبر قسمه. # فقال: لا أفعل. # فشالت الجارية يدها، فصفعته صفعة عظيمة، وقالت: والله، لئن لم تأكل، ~~لأصفعنك هكذا، إلى أن تأكل. # فقال: كل معي، فأكلت معه، فنظفنا الجام. # فلما أخذته لتمضي؛ قلت لها: بالله، حدثينا بخبر هذا الجام. # قالت: نعم، أنا جارية رئيس هذه القرية، وهو رجل حديد، طلب منا منذ ساعة، ~~فالوذج حار، فقمنا لنصلحه، وهو شتاء وبرد، فإلى أن نخرج الحوائج، ونعقد ~~الفالوذج، تأخر عليه، فطلبه، فقلنا: نعم، فحلف بالطلاق، أنه لا يأكله، ولا ~~أحد من أهل داره، ولا أحد من أهل القرية، إلا غريب. # فأخذته، وجعلت أدور في المساجد، إلى أن وجدتكما، ولو لم يأكل هذا الشيخ؛ ~~لقتلته صفعا، ولا تطلق ستي. # فقال لي الشيخ: كيف ترى، إذا أراد أن يفرج؟ # PageV03P037 ### || 262 سخاء الأمير سيف الدولة # وحدثني عبد الله بن معروف، قال: دخلت حلب إلى أبي محمد الصلحي، وأبي ~~الحسن المغربي، أسلم عليهما، وكانا في ms306 صحبة سيف الدولة، وهما في دار واحدة ~~نازلان لضيق الدور. # وكان وكيل كل واحد منهما يبكر فيقيم لهما جميع ما يحتاجان إليه من ~~المائدة والوظائف، فإذا كان من الغد؛ بكر وكيل الآخر، فأقام لهما ~~ولغلمانهما، من المائدة والوظائف ما، يحتاجون إليه على هذا. # فلما دخلت إليهما وجلست؛ دخل شيخ ضرير، فسلم وجلس، ثم قال: إن لي ~~بالأمير، سيف الدولة، حرمة واختصاص، أيام مقامه بالموصل، وقد لحقتني محن ~~وشدائد، أملته لكشفها، وقد قصدته، وهذه رقعتي إليه، # PageV03P038 # فإن رأيتما أن تتفضلا بإيصالها إليه، فعلتما، وأخرج رقعة طويلة جدا. # فلما رأيها؛ قالا له: هذه عظيمة، ولا ينشط الأمير لقراءتها، فغيرها ~~واختصرها، وعد في وقت آخر، فإنا نعرضها عليه. # فقال: الذي أحب، أن تتفضلا بعرض هذه الرقعة. # فدافعاه عن ذلك، فقام يجر رجليه، منكسر القلب، فتداخلني رحمة له، وركبت، ~~ودخلت على سيف الدولة، وهو جالس. # وكان رسمه أن لا يصل إليه أحد، إلا برقعة يكتبها الحاجب، باسم من حضر، ~~فإذا قرأ الرقعة، إن شاء أذن له، وإن شاء صرفه. # فلما استقررت عرض الحاجب عليه رقعة فيها: فلان بن فلان، الموصلي الضرير. # فقال له: هذا في الدنيا؟ أين هو؟ فقيل: بالباب. # فقال: يدخل، فما أظنه، مع ما أعرفه من زهده في الطلب وقصد الملوك، قصدنا ~~إلا من شدة، فدخل الشيخ الذي رأيته عند الصلحي والمغربي. # فلما رآه استدناه، وبش له، وقال له: يا هذا، أما سمعت بأنا في الدنيا؟ ~~أما علمت مكاننا على وجه الأرض؟ أما حان لك أن تزورنا إلى الآن، مع ما لك ~~من الحرمة والسبب الوكيد؟ لقد أسأت إلى نفسك، وأسأت الظن بنا. # فجعل يدعو له ويشكره، ويعتذر، فقربه، وجلس ساعة، ثم سلم إليه تلك الرقعة ~~بعينها، فأخذها من يده، وقرأها. # ثم استدعى يونس بن بابا، وكان خازنه، فحضر، فأسر إليه شيئا. # ثم استدعى رئيس الفراشين، فخاطبه سرا. # واستدعى خادما له، فخاطبه بشيء. # PageV03P039 # واستدعى صاحب الإصطبل، فأمره بشيء، فانصرفت الجماعة. # وعاد ابن بابا، فوضع بين يديه صرتين فيهما خمس مائة دينار، وثيابا ms307 كثيرة ~~صحاحا، من ثياب الشتاء والصيف، وطيبا كثيرا. # ثم جاء عريف الفراشين ببسط وآلة وفرش تساوي ألوف دراهم، فصار ذلك كالتل ~~بين يديه. # وكان يعجبه إذا أمر لإنسان بشيء أن يكون بحضرته مجتمعا، فيراه بين يديه، ~~ثم يهبه له. # فاجتمع ذلك، والضرير لا يعلم، وعنده أنه قد تغافل عنه، فهو في الريب. # ثم حضر صاحب الكراع، ومعه بغلة تساوي ثلاثة آلاف درهم، ومركب ثقيل. # وجاء غلام أسود عليه ثياب جدد، فسلمت إليه البغلة، فأمسكها في الميدان ~~أسفل الدكة التي عليها الأمير. # فقال للغلام: كم جرايتك في السنة؟ قال: عشرون دينارا. # فقال: قد جعلتها ثلاثين، وخدمة هذا الشيخ خدمة لنا، فلا تقصر فيها، ولا ~~ينكسر قلبك بخروجك عنا من دارنا، وأعطوه سلفا لسنة، فدفع إليه ذلك في ~~الحال. # ثم قال: فرغوا الدار الفلانية له، ويحدر زورق من تل فافان إلى الموصل، ~~فيه كران حنطة، وكر شعير، وفواكه الشام ومآكلها، فاعملوا بهذا ثبتا، ففعل ~~ذلك. # PageV03P040 # ثم استدعى أبا إسحاق بن شهرام، كاتبه، المعروف ب: ابن ظلوم المغنية، وكان ~~يكتب له، ويترسل إلى ملك الروم، ويبعثه في صغير أموره وكبيرها، فساره بشيء، ~~وكان صاحب سره. # فابتدأ ابن شهرام يعتذر إلى الضرير، عن سيف الدولة، باعتذار طويل، وأنك ~~قصدتنا في آخر وقت، وقد نفدت غلاتنا، وتقسمت أموالنا الحقوق والزوار ~~والجيوش، وببابنا خلق من الرؤساء، ونحتاج أن نواسيهم، ولولا ذلك لأوفينا ~~على أملك، وقد أمرنا لك بكذا وكذا، وجعل ابن شهرام يقرأ عليه ما في الثبت، ~~وسيف الدولة يسمع. # فقلت له: لا تورد على الشيخ هذه الجائزة جملة، عقيب اليأس الذي لحقه، ~~فتنشق مرارته. # فلما استوفى؛ بكى الشيخ بكاء شديدا، وقال: أيها الأمير، لقد زدت، والله، ~~على أملي بطبقات، وأوفيت على غناي بدرجات، وقضيت حقي، وما هو أعظم من حقي، ~~وما أحسن أن أشكرك، ولكن الله، تعالى، يتولى مكافأتك، فمن علي يدك، فأذن ~~له، فقبلها. # فجذبه سيف الدولة، وساره بشيء، فضحك، وقال: إي والله، أيها الأمير. # فاستدعى خادما للحرم، وساره بشيء، وقام الشيخ إلى داره ms308 التي أخلاها له، ~~وقال له: أقم فيها إلى أن أنظر في أمرك، وتخرج إلى عيالك. # فسألت الخادم عما ساره به، فقال: أمرني أن أخرج إليه جارية، من وصائف ~~أخته، في نهاية الحسن، في ثياب وآلة قيمتها عشرة آلاف درهم، قال: فحملتها ~~إليه. # PageV03P041 # قال ابن معروف: فقمت قائما، وقلت: أيها الأمير، ما سمع بهذا الفعل عن أحد ~~من أهل الأرض قديما، ولا حديثا. # فقال: دعني من هذا، ما معنى قولك لابن شهرام: لا تورد عليه هذا كله مع ~~اليأس، فتنشق مرارته؟ فقلت: نعم، كنت منذ ساعة عند أبي محمد الصلحي وأبي ~~الحسن المغربي، فجرى كذا وكذا، وقصصت عليه قصة الضرير معهما، وأنه انصرف ~~أخزى منصرف، ثم جاء بعد اليأس، فعاملته بهذا الفعل العظيم. # فقال: أحضروا الصلحي والمغربي، فأحضرا. # فقال لهما: ويحكما، ألم أحسن إليكما؟ وأنوه باسمكما؟ وأرفع منكما؟ ، ~~وأصطنعكما؟ وعدد أياديه عليهما. # فقالا: بلى، وأخذا يشكرانه. # فقال: ما أريد هذا، أفمن حقي عليكما، أن تقطعا عني رجاء مؤملي وقاصدي، ~~وتنسباني عندهم إلى الضجر برقاعهم؟ ما كان عليكما لو أخذتما رقعة الضرير، ~~فأوصلتماها إلي؟ فإن جرى على يدي شيء؛ كنتما شريكاي فيه، وإن ضجرت؛ كان ~~الضجر منسوبا إلي دونكما، وكنتما بريئين منه، وقد قضيتما حق قصده، فلا حقه ~~قضيتما، ولا حق الله فيما أخذه على ذوي الجاه، وأسرف في توبيخهما، كأنهما ~~قد أذنبا ذنبا. # فجعلا يعتذران إليه، ويقولان: ما أردنا إلا التخفيف عنه من قراءة شيء ~~طويل؛ لينقلها إلى أخف منها، ولو علمنا أنه أيس؛ لأخذنا رقعته وعرضناها. # فدعت الجماعة له، وحلفت أن هذا التأنيب في الجود أحسن من الجود، ورفقوا ~~به حتى انبسط في الحديث. # PageV03P042 ### || ألمعية المأمون وذكاؤه # قال: دعا المأمون يوما بأبي عباد، فدفع إليه كتابا مختوما، وأمره أن يأتي ~~عمرو بن مسعدة، فيناظره على ما فيه بابا بابا، ويأخذ تحت كل باب خطه فيه، ~~ويختمه بخاتمه، وخاتم عمرو، ويحتفظ به إلى أن يسأله عنه، ولا يذكره ابتداء، ~~وأكد على ذلك. # قال: فعلمت أنها وقيعة، وقد كنت شاركت عمرا في ms309 أشياء، فصارت إلينا منها ~~أموال، فخفت أن تكون مذكورة في الكتاب. # فقصدت عمرا، فوجدته في بستان أحمد بن يوسف، يلعب بالشطرنج مع بعض أصحابه، ~~فعرفته أني محتاج إلى الخلوة معه. # فقال: دعني الساعة، فقد استوى لي هذا الدست. # PageV03P043 # فضاق صدري، وقلبت الشطرنج، وقلت: قد سال السيل، وهلكنا وأنت غافل، اقرأ ~~هذا الكتاب، فقرأه، فطالبته أن يكتب خطه، تحت كل فصل منه، بحجته. # فضحك، وقال: ويحك، أما تستحي، تخدم رجلا طول هذه المدة، ولا تعرف أخلاقه، ~~ولا مذهبه؟ فقلت: يا هذا، أخبرني عنك، إن أقدمت على جحد ما في هذا الكتاب، ~~لتعذر حجة؛ ما شاركتك فيه، أما أنا فوالله ما أجحد، ولكن أصبر لأمر الله، ~~تعالى. # قال: فتحب أن أطلعك على ما هو أشد عليك من هذا؟ قلت: ما هو؟ فقال: كتاب ~~دفعه إلي أمير المؤمنين منذ سنة، وأمرني فيه بمثل ما أمرك في هذا، فعرفت ~~ضيق صدرك، فلم أذكره لك. # فكدت أموت إلى أن أفرغ من كلامه، فقلت له: أرني إياه، فأحضره، وقرأته، ~~وأنا أنتفض، وعمرو يضحك. # فلما فرغت منه؛ قلت: عند الله أحتسب نفسي ونعمتي. # فقال: أنت، والله، مجنون. # فقلت: دعنا من هذا، ووقع تحت كل فصل. # فنظر إلى جملة ما نسب إليه في الكتاب، فوجده أربعين ألف ألف درهم، فوقع ~~في آخره: لو قصرت همتنا في هذا القدر وأضعافه؛ لوسعتنا منازلنا، وما يفي ~~هذا، بدلجة في برد، أو روحة في حر، وأرجو أن يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، ~~ويبلغنا فيه ما نؤمله به، وعلى يده. # وكان جملة ما رفع علي، سبعة وعشرون ألف ألف درهم. # فقال: يا هذا، إن صاحبنا ليس ببخيل، ولكنه رجل يكره أن يطوى # PageV03P044 # معروفه، وإنما أراد أن يعلمنا أنه قد علم بما صار إلينا، فأمسك عنه على ~~علم. # ثم ختم الكتاب بخاتمه وخاتمي، وانصرفت وأنا في الموت، فلم ألبث أن كتبت ~~وصيتي، وأحكمت أمري، وكنت سنة مغموما، وذاب جسمي. # فقال لي المأمون يوما: يا أبا عباد، قد أنكرت حالك، أتشكو علة؟ فقلت: لا، ~~يا ms310 أمير المؤمنين، ولكني، منذ سنة، حي كميت؛ لأجل الكتاب الذي دفعه إلي ~~أمير المؤمنين؛ لأناظر عليه عمرو بن مسعدة. # فقال: أمسك عني، حتى أعيد عليك جميع ما جرى بينكما، فحدثني بجميع ما دار ~~بيننا، كأنه كان ثالثنا. # فقلت: لقد استقصى لك الذي وكلته بخبرنا، والله، ما خرم منه حرفا. # فقال: والله، ما وكلت بكما أحدا، ولكن ظنا ظننته، وعلمت أنه لا يدور ~~بينكما غيره، ولقد عجبت من غير عجب؛ لأن عقول الرجال يدرك بعضها بعضا، وهذا ~~عمرو بن مسعدة، أعرف بنا منك، وأوسع صدرا، وأبعد همة، وما أردت بما فعلت، ~~إلا أن تعلما أني قد عرفت ما صار إليكما، وتستكثرانه، فأحببت أن أزيل عنكما ~~غم المساترة، وثقل المراقبة، وأني لمتذمم لكما، خجل من ضعف أثري عليكما. # فسررت، وصرت كأني أطلقت من عقال، فشكرته ودعوت له. # ثم قلت: ما أصنع بذلك الكتاب؟ قال: خرقه إلى لعنة الله، وامض مصاحبا، ~~آمنا، في ستر الله، عز وجل. # PageV03P045 ### || الحسين بن الضحاك يعيش ببقايا هبات الأمين # أخبرني الصولي، قال: حدثني أبو أحمد، قال: كان أبي صديقا للحسين بن ~~الضحاك، وكان يعاشره، فحملني معه يوما، وجعل يحادثه، إلى أن قال: يا أبا ~~علي، قد تأخرت أرزاقك، وانقطعت موادك، ونفقتك كبيرة، فكيف تمشي أمورك؟ فقال ~~له: والله يا أخي، ما قوام أمري، إلا ببقايا هبات الأمين، وهبات جاريته، ~~فإني حظيت منهما، بأمر طريف، على غير تعمد. # وذلك أن الأمين دعاني يوما، فقال لي: يا حسين، إن جليس الرجل # PageV03P048 # عشيره وثقته وموضع سره وأنسه، وإن جاريتي، فلانة، أحسن الناس وجها وغناء، ~~وهي مني بمحل نفسي، وقد كدرت علي صفو الحياة، ونغصتها علي، بعجبها بنفسها، ~~وبتجنيها علي وإدلالها؛ لما تعلمه من حبي لها، وإني محضرها، ومحضر صاحبة ~~لها ليست منها في شيء؛ لتغني معها، فإذا غنت أومأت إليك على أن أمرها أبين ~~من أن يخفى عليك، فلا تستحسن غناءها، ولا تشرب عليه، وإذا غنت الأخرى، ~~فاشرب، واطرب، واستحسن، وشق ثيابك، وعلي بكل ثوب مائة ثوب. # فقلت: السمع والطاعة، لأمير ms311 المؤمنين. # فجلس في حجرة خلوته، وأحضرني، وسقاني أرطالا، فغنت المحسنة، وقد أخذ مني ~~الشراب، فما ملكت نفسي أن استحسنت، وطربت، فأومأ إلي، وقطب في وجهي. # ثم غنت الاخري، فجعلت أتكلف القول، وأفعله. # ثم غنت المحسنة ثانية، فأتت بما لم أسمع مثله حسنا قط، فما ملكت نفسي أن ~~صحت، وطربت، وشربت، وهو ينظر إلي، ويعض شفتيه غيظا علي، وقد زال عقلي، فما ~~أفكر فيه، حتى فعلت ذلك مرارا، وكلما زاد شربي، ذهب عقلي. # فأمر بجر رجلي وصرفي، وأمر أن لا أدخل عليه، فجاءني الناس يتوجعون لي، ~~ويسألون عن قصتي، فقلت: حمل علي النبيذ، فأسأت أدبي، فمنعني من الدخول ~~إليه. # ومضى لما أنا فيه شهر، وقد استمرت علي المحنة. # فبينما أنا كذلك، إذ جاءتني البشارة، بأنه قد رضي عني، وأمر بإحضاري، ~~فحضرت، وأنا خائف، فلما وصلت إليه؛ أعطاني يده فقبلتها، فضحك إلي، ثم قام ~~وقال: اتبعني. # PageV03P049 # فتبعته، فدخل تلك الحجرة بعينها، ولم يحضر غيري وغيره وغير المحسنة، التي ~~نالني من أجلها ما نالني، وأحضر الشراب، فغنت، فسكت. # فقال: قل ما شئت، ولا تخف، فلقد خار الله لك في خلافي، وجرى القدر بما ~~تحب. # اعلم أن هذه الجارية، عادت إلى الحال التي أحبها منها، وأرضتني في ~~أفعالها، واصطلحنا، فأذكرتني بك، وسألتني الرضا عنك، والإحسان إليك، وقد ~~فعلت، وأمرت لك بعشرة آلاف دينار، ووصلتك هي بدون ذلك، ولو كنت فعلت ما ~~أمرتك، حتى تعود إلى مثل هذه الحال، ثم تحقد عليك، فتسألني أن لا تصل إلي ~~قط، لأجبتها. # فدعوت له، وشكرته، وحمدت الله على توفيقه إياي، وزدت في الاستحسان ~~والسرور إلى أن انصرفت، وحمل معي المال. # فما كان يمضي أسبوع إلا أتتني ألطافها، وصلاتها، من الجوهر والثياب، بغير ~~علم الأمين. # وما جالسته يوما، إلا سألته أن يصلني بشيء. # فجميع ما أنفقه إلى الساعة، من فضل ما وصلني منها. # PageV03P050 ### || من مكارم البرامكة # ذكر سعيد بن سليمان الباهلي، قال: أضقت إضاقة شديدة، وكثر علي الغرماء، ~~فاستترت مدة، ثم صرت إلى عبد الله بن مالك، فشكوت إليه ms312 حالي، وشاورته في ~~أمري. # فقال: لست أعرف لك غير قصد البرامكة، ومسألتهم في إصلاح ما اختل من أمرك. # فقلت: ومن يحتمل تيههم وصلفهم؟ قال: تحتمله، في جنب ما تقدر من صلاح ~~حالك. # قال: فصرت إلى جعفر والفضل ابني يحيى، فشكوت إليهما أمري. # فقالا: نكفيك، إن شاء الله. # فانصرفت إلى عبد الله بن مالك، فعرفته ما جرى. # فقال: أقم عندي، ولا ترجع إلى منزلك، وتقاسى غرماءك، فأقمت عنده. # فصار إلي غلام لي، فقال: يا مولاي، رحبتنا مملوءة بالجمال عليها المال، ~~ورجل مع الجمال، معه رقعة يزعم أنها من الفضل وجعفر، وأنه رسولهما. # فقال لي عبد الله: أرجو أن يكون قد فرج الله عنك. # فضرب إلي منزلك، وإذا رسول جعفر والفضل، ومعه رقعة يذكران فيها: # PageV03P051 # أنهما عرفا أمير المؤمنين خبري، وأن علي ثمان مائة ألف درهم، دينا، فأمر ~~بحملها إلي. # ثم قالا له: فإذا قضى دينه، يرجع إلى الدين؟ فأمر لي بثمان مائة ألف درهم ~~أخرى، لنفقتي. # وأنهما أضافا إليها من أموالهما، ألفي ألف درهم، فحملاها مع ذلك. # فاستوفيت من رسولهما، ثلاثة آلاف ألف، وست مائة ألف درهم. # وقد ذكر أبو الحسن القاضي هذا الخبر في كتابه، على قريب من هذا اللفظ ~~والمعنى، بغير إسناد، ولم يذكر فيه مبلغ المال، ولا حال الاستتار. # PageV03P052 ### || المأمون يهب أحد كتابه اثني عشر ألف ألف درهم # وجدت في كتاب عتيق، فيه أخبار جمعها يعقوب بن بيان الكاتب: حدثني أبو ~~القاسم علي بن داود بن الجعد، قال: حدثني يزيد بن دينار بن عبد الله، قال: ~~حدثني أبي، عن يحيى بن خاقان] ، قال: كنت كاتب الحسن بن سهل، فقدم المأمون ~~مدينة السلام، فقال لي: يا يحيى، خلوت بالسواد، ولعبت بالأموال التي لي، ~~واحتجنتها، واقتطعتها. # فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أنا كاتب الرجل، والمناظرة في الأموال ~~والأعمال، مع صاحبي، لا معي. # فقال: ما أطالب غيرك، ولا أعرف سواك، فصالحني على مائة ألف ألف درهم. # قال: فضحكت. # PageV03P053 # فقال: يا يحيى، أجد وتهزل؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، إنما ضحكت تعجبا، ms313 ~~وبالله، ما أملك إلا سبع مائة ألف درهم. # فقال: دع هذا عنك، واعطني خمسين ألف ألف درهم. # قال: فما زلت أجاذبه، ويجاذبني، إلى أن بلغ اثنا عشر ألف ألف درهم، فلما ~~بلغ إليها؛ قال: نفيت من الرشيد، إن نقصتك شيئا منها. # فقلت: السمع والطاعة. # قال: أقم لي ضمينا، إن لم تف لي بها؛ طالبته. # قلت: صاحبي، يا أمير المؤمنين، يضمنني. # فقال: أتراني إن دافعت الأداء، أطالب الحسن بن سهل عنك؟ هذا ما لا يكون. # فقلت: عبد الله بن طاهر؟ فقال: عبد الله بن طاهر، سبيله سبيل صاحبك. # قلت: فحميد؟ قال: وهذه سبيله. # قلت: ففرج مولاك، يا أمير المؤمنين. # قال: مليء، والله، وثقة، ثم التفت إلى فرج، فقال: أتضمنه يا فرج؟ قال: ~~نعم، يا أمير المؤمنين، قد ضمنته. # فقال: أنا، والله، محرجه بالإلحاح في المطالبة، حتى يهرب، أو يستتر، ثم ~~آخذك بالمال، فتؤديه، فإنك ملي به. # فقال فرج: صاحبي ثقة، وهو لا يخفرني، إن شاء الله. # قال يحيى: فكتبت إلى الحسن بن سهل، وعبد الله بن طاهر، وحميد، # PageV03P054 # ودينار بن عبد الله، وغسان، ورجال المأمون، أسألهم إعانتي في المال. # قال: فحملوا لي ذلك عن آخره، حمل كل إنسان منهم، على قدره، قال يحيى: ~~فكتبت رقعة إلى المأمون، أعرفه أن المال قد حضر، وأسأله أن يأمر من يقبضه. # قال: فأحضرني، فلما وقعت عينه علي؛ قال لي: يا خائن، الحمد لله الذي بين ~~لي خيانتك، وأظهر لي كذبك، ألم تذكر أنك لا تملك إلا سبع مائة ألف درهم؟ ~~فكيف تهيأ لك أن حملت في عشرة أيام اثني عشر ألف ألف درهم؟ قال: فقلت: ~~حملت، يا أمير المؤمنين، من هذه الجريدة، ودفعت إليه جريدة بأسماء من حمل ~~إلي المال، ومبلغ ما حمل كل واحد منهم. # قال: فقرأ الجريدة، ثم أطرق مليا، ورفع رأسه، فقال: لا يكون أصحابنا، ~~أجود منا، هذا المال قد وهبناه لك، وأبرأنا ضمينك. # قال يحيى: فانصرفت، فرددت المال إلى أصحابه، فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: قد ~~وهبناه لك، فاصنع به ما أحببت. ms314 # قال: فحلفت أن لا أقبل منه درهما، وقلت لهم: أخذته في وقت حاجتي، ورددته ~~عند استغنائي عنه وقبولي إياه في هذا الوقت ضرب من التغنم. # فرددته عليهم. # PageV03P055 ### || ما بقي له غير درهمين ثم جاءه الفرج # ووجدت في هذا الكتاب، عن يعقوب بن بيان: حدثني بعض أصحابنا، وهو عندي ~~ثقة، وقد تجارينا لزوم المتعطلين أبواب المتشاغلين، وتعذر الشغل عليهم، بعد ~~أن قلنا جميعا: إن الأرزاق مقسومة، وإن الله، تعالى، إذا أذن فيها سهلها، ~~قال: فحدثني عمرو بن حفص، عن أبيه، قال: كان أبي حفص، قد صحب بعض عمال فارس ~~إلى فارس، فأقام على بابه ستة أشهر، يلقاه كل يوم فيها، فلا يكلمه العامل ~~فيها بشيء، وينصرف أبي إلى منزله. # قال: فنفدت نفقته، وباع كل ما كان معه، حتى قال له غلامه يوما: ما بقي ~~إلا الدابة، والبغل، ودرهمان. # قال: فقال له: اشتر لنا بالدرهمين خوخا، فإنه أرخص من الخبز، لنتقوته، ~~إلى أن يفرج الله، عز وجل، عنا. # قال: ففعل الغلام ذلك، وأكل حفص من الخوخ شيئا ونام، فما استيقظ إلا بدق ~~الباب، وإذا رسول العامل يأمره بالحضور، فركب، فوجد العامل قاعدا في داره ~~على كرسي ينتظره. # فلما دخل؛ قال العامل: لا جزاك الله خيرا عني، ولا عن نفسك. # قال: ولم ذاك، أصلحك الله؟ قال: أتستقيم على بابي ستة أشهر، ولم تر على ~~نفسك أن تريني وجهك يوما واحدا؟ فقال: أعزك الله، أنا في مجلسك كل يوم. # قال: والله، ما وقعت لي عليك عين، ولا خطرت ببالي إلا الساعة، # PageV03P056 # فإني ذكرتك، فعلمت طول مقامك في العطلة والغربة. # ودعا بكتابه، فكتب كتبي على فسا ودرابجرد، وخرجت من يومي إلى العمل، ~~فحصلت منه، في مديدة قريبة، سوى نفقتي، ست مائة ألف درهم. # PageV03P057 ### || 268 سبب توبته عن النبيذ # حدثني علي بن محمد الأنصاري، وعبيد الله بن محمد العبقسي، واللفظ له، ~~قالا: حدثنا أبو الفتح القطان: أن رجلا من أولاد التجار، زالت نعمته، وصار ~~بوابا لأبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي العلوي، نقيب الطالبيين، أيده ~~الله، ms315 ببغداد، قال: حدثني خالي، وكان صيرفيا، قال: كنت وجماعة من إخواني، ~~عند بعضنا مجتمعين نشرب، وعندنا غلام أمرد، ونحن نأكل بطيخا، وفي يد كل ~~واحد منا سكينا. # PageV03P058 # فأخذ الغلام يمزح مع واحد منا في يده سكين؛ ليأخذها منه، فرمي بالسكين، ~~كالضجر من مجاذبته إياها، فوقعت في قلب الغلام، فتلف في الحال، فقمنا ~~لنهرب. # فقال صاحب البيت: ما هذه فتوة، إما أن نبتلى كلنا، أو نتخلص كلنا. # فأغلقنا باب الدار، وشققنا بطن الغلام، فألقينا ما فيه في المستراح، ~~وفصلنا أعضاءه، فأخذ كل منا عضوا، وخرجنا متفرقين؛ لنلقي ذلك بحيث يخفى ~~خبره. # فوقع معي الرأس، فلففته في فوطة، وجعلته في كمي. # PageV03P059 # فلما مشيت؛ استقبلني رجالة المحتسب، فقبضوا على كمي، وقالوا: قد أمرنا ~~المحتسب بختم كل كيس نجده، حتى يفتح بحضرته، ويخرج ما فيه، وتؤخذ منه ~~الزائفة. # فرفقت بهم، وبذلت لهم دارهم كثيرة، فلم يجيبوا، ومشوا بي معهم، وأمسكوني ~~يريدون المحتسب. # فنظرت، فإذا أنا هالك، وفكرت في الحيلة والخلاص، فلم تتجه، حتى رأيت دربا ~~ضيقا لطيف الباب، كأنه باب دار وأنا أعرفه منفذا. # فقلت لهم: أنتم تريدون ختم كيسي، فما معنى تشبثكم بيدي وكمي كأني لص؟ أنا ~~معكم إلى المحتسب، فخلوا عن يدي، ففعلوا، وأطافوا بي. # فلما صرت على باب الدرب؛ سعيت، وأغلقت بابه، واستوثقت منه، وسعيت إلى ~~آخره، فإذا بئر كنيف قد فتحت لتنقى، وتركت مفتوحة، فألقيت الفوطة بما فيها ~~في البئر، وخرجت أسعى من طرف الدرب الآخر، حتى بلغت منزلي، وحمدت الله، ~~تعالى، على الخلاص من الهلكة، وتبت عن النبيذ. # PageV03P060 ### || 269 حلف بالطلاق لا يحضر دعوة، ولا يشيع جنازة # حدثني عبيد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي ~~العلوي النقيب، قال: حدثني شيخ كان يخدمني، وقد تجارينا أحاديث الناس، ~~فقال: إنه حلف بالطلاق، ألا يحضر دعوة، ولا يشيع جنازة، ولا يودع وديعة، ~~فسألته عن ذلك. # فقال: كنت انحدرت إلى البصرة من بغداد، فصعدت إلى بعض مشارع البصرة عشاء، ~~فاستقبلني رجل، فكناني بغير كنيتي، وبش في وجهي، وأحفى، ms316 وجعل يسألني عن قوم ~~لا أعرفهم، ويحلف علي في النزول عنده. # وكنت غريبا، لا أعرف مكانا، فقلت: أبيت عنده الليلة إلى غد، فأطلب موضعا. # فموهت عليه القول، فجذبني إلى منزله، وكان معي رحل صالح، وفي كمي دراهم ~~كثيرة. # فدخلت إليه، فإذا عنده دعوة، والقوم على نبيذ، وقد خرج لحاجة، # PageV03P061 # فشبهني بصديق له، وتموه عليه أمري لسكره. # وكان فيمن عنده، رجل له غلام أمرد، فلما أخذوا مضاجعهم للنوم؛ أرقت من ~~بينهم. # فلما كان بعد ساعة؛ رأيت واحدا من الجماعة، قد قام إلى الغلام الأمرد، ~~ففسق به، ورجع إلى موضعه، وكان قريبا من صاحب الغلام. # واستيقظ في الحال صاحب الغلام، فتقدم إلى غلامه ليفسق به. # فقال له: ما تريد؟ ألم تكن الساعة عندي، وفعلت بي كذا وكذا؟ فقال: لا. # فقال: قد جاءني الساعة من فعل بي، وظننته إياك، فلم أتحرك، ولم أظن أن ~~أحدا يجسر عليك. # فنخر الرجل، وجرد سكينا من وسطه، وقام، وأنا أرعد، فلو كان دنا مني، حتى ~~يجدني أرعد؛ لقتلني، وظن أني صاحب القصة. # فلما أراد الله، عز وجل، من بقاء حياتي ما أراد، بدأ بصاحبه، فوضع يده ~~على قلبه، فوجده يخفق، وقد تناوم عليه، يرجو بذلك السلامة، فوضع السكين في ~~قلبه، وأمسك فاه، فاضطرب الرجل، وتلف. # فأخذ الرجل بيد غلامه، وفتح الباب، وانصرف. # فورد علي أمر عظيم. # وقلت: أنا غريب، وينتبه صاحب البيت، فلا يعرفني، ولا يشك في أني صاحب ~~الجناية، فأقتل. # فتركت رحلي، وأخذت ردائي، ونعلي، وطلبت الباب، فلم أزل أمشي، لا أدري أين ~~أقصد، والليل منتصف، وخفت العسس، فرأيت # PageV03P062 # أتون حمام لم يوقد بعد. # فقلت: أختبئ فيه، إلى أن يفتح الحمام، فأدخله، فجلست في كسر الأتون. # فما لبثت حينا، حتى سمعت وقع حافر، وإذا برجل يقول: قد رأيتك يابن ~~الفاعلة، ودخل الأتون، وأنا كالميت من الفزع، لا أتحرك، فلما لم يجد حسا، ~~أدخل رأسه ويده، يومئ بسيف معه في الأتون، وأنا بعيد عن أن ينالني السيف، ~~صابر، مستسلم. # فلما لم يحس أحدا؛ خرج إلى بابه، وإذا ms317 معه جارية، فأدخلها الأتون، ~~فذبحها، وتركها ومضى. # فرأيت بريق خلخالين في رجليها، فانتزعتهما منها، وخرجت، وما زلت أمشي في ~~الطريق متحيرا، إلى أن صرت إلى باب حمام قد فتح، فدخلته، وخبأت ما معي في ~~ثيابي، عند الحمامي. # وخرجت وقد أصبحت، فضممت الخلخالين إلى ما معي، وطلبت الطريق، فعرفت أني ~~بالقرب من دار صديق لي، فطلبتها، فدققت بابه، ففتح لي، وسر بمقدمي، ~~وأدخلني. # فدفعت إليه منديلي الذي كان فيه دراهمي والخلخالين؛ ليخبئهما، فلما نظر ~~إليهما تغير وجهه. # فقلت: ما لك؟ # PageV03P063 # فقال: من أين لك هذان الخلخالان؟ فأخبرته بخبري كله في ليلتي، فدخل مسرعا ~~إلى دار حرمه، وخرج إلي. # فقال: أتعرف الرجل الذي رأيته قتل الجارية؟ قلت: أما بوجهه فلا؛ لأن ~~الليل والظلمة كانت حائلة بيننا، ولكن إن سمعت كلامه عرفته. # فأعد طعاما، وغدا في أمره، وعاد بعد ساعة، ومعه رجل شاب من الجند، فكلمه، ~~وغمزني عليه. # فقلت: نعم، هذا هو الرجل. # ثم أكلنا، وحضر الشراب، فحمل عليه بالنبيذ، فسكر، ونام موضعه، فأغلق باب ~~الدار، وذبح الرجل. # وقال لي: إن المقتولة أختي، وكان هذا قد أفسدها، ونمى الخبر إلي منذ أيام ~~فلم أصدق، إلا أني طردت أختي، وأبعدتها عني، فمضت إليه، ولست أدري ما كان ~~بينهما، حتى قتلها، وإنما عرفت الخلخالين ودخلت فسألتها عنها. # فقيل لها: هي عند فلان. # فقلت: قد رضيت عنها، فوجهوا، فردوها، فلجلجوا في القول، فعلمت أن الرجل ~~قد قتلها كما ذكرت، فقتلته، فقم حتى ندفنه. # فخرجنا ليلا، أنا والرجل، حتى دفناه، وعدت إلى المشرعة، هاربا من البصرة، ~~حتى دخلت بغداد. # وحلفت ألا أحضر دعوة أبدا، ولا أودع وديعة أبدا. # وأما الجنازة، فإني خرجت ببغداد، نصف النهار، في يوم حار، لحاجة، ~~فاستقبلتني جنازة يحملها نفسان. # PageV03P064 # فقلت: غريب، فقير، أحملها معهما فأثاب، فدخلت تحتها، بدلا من أحد ~~الحمالين. # فحين استقرت على كتفي؛ افتقدت الحمال، فلم أجده، فصحت: يا حمال، يا حمال. # فقال الآخر: امش، واسكت، قد انصرف الحمال. # فقلت: الساعة، والله، أرمي بها. # فقال الحمال: والله، لئن فعلت لأصيحن. # فاستحييت، ms318 وقلت: ثواب، فحملناها إلى مسجد الجنائز، فلما حططنا الجنازة في ~~مسجد الجنائز؛ هرب الحمال الآخر. # فقلت: ما لهؤلاء الملاعين، والله، لأتمن الثواب، فأخرجت من كمي دراهم، ~~وصحت: يا حفار، أين قبر هذه الجنازة؟ فقال: لا أدري. # فقلت: أحفر، فأخذ مني درهمين، وحفر قبرا. # فلما صوبت عليه الجنازة؛ ليأخذ الميت فيدفنه، وثب الحفار من القبر ~~فلطمني، وجعل عمامتي في رقبتي، وصاح: يا قوم، قتيل، فاجتمع الناس، فسألوه. # فقال: هذا الرجل، جاء بهذا الميت، بلا رأس؛ لأدفنه، وحل الكفن، فوجدوا ~~الأمر على ما قاله الأمر على ما قاله الحفار. # فدهشت، وتحيرت، وجرى علي من مكروه العامة، ما كادت نفسي تتلف معه. # ثم حملت إلى صاحب الشرطة، وأخبر الخبر، فلم يرد شاهدا علي، فجردت للسياط، ~~وأنا ساكت باهت. # PageV03P065 # وكان له كاتب عاقل، فحين رآني، ورأى حيرتي، قال له: أنظرني، حتى أكشف حال ~~هذا الرجل، فإني أحسبه مظلوما، فأمهله. # فقام، وخلا بي، وساءلني، فأخبرته خبري، ولم أزد فيه ولم أنقص. # فنحى الميت عن الجنازة، وفتشها، فوجد عليها مكتوبا: إنها للمسجد الفلاني، ~~في الناحية الفلانية. # فأخذ معه رجاله ومضى، فدخل المسجد متنكرا، فوجد فيه خياطا، فسأله عن ~~جنازة هناك، كأنه يريد أن يحمل عليها ميتا له. # فقال الخياط: للمسجد جنازة، إلا أنها قد أخذت منه الغداة؛ لحمل ميت، ولم ~~ترد. # قال: من أخذها؟ قال: أهل تلك الدار، وأومأ إليها. # فكبسها الكاتب برجالة الشرطة، فوجد رجالا عزابا، فقبض عليهم، وحملهم إلى ~~الشرطة، وأخبر صاحب الشرطة بالخبر. # وقرر القوم، فأقروا أنهم تغايروا على غلام أمرد كان معهم، فقتلوه، وطرحوا ~~رأسه في بئر حفروها في الدار، وحملوه على تلك الصورة، وأن الحمالين كانا من ~~جملة القوم، وعلى أصل هربا. # فضربت أعناق القوم، وخلي سبيلي. # فهذا سبب يميني في ألا أحضر جنازة. # PageV03P066 ### || 270 ابن قمير الموصلي وقع في ورطة وتخلص منها # وحدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني ابن قمير، مجلد الكتب، كان، ~~بالموصل، قال: أعطاني أبو عبد الله بن أبي العلاء بن حمدان، دفترا أجلده، ~~وأكد علي ms319 الوصية في حفظه، فأخذته منه، ومضيت إلى دكاني. # وكان طريقي على دجلة، فنزلت إلى مشرعة أتوضأ، فسقط الدفتر من كمي في ~~الماء، فتناولته عجلا قبل أن يغرق، وقد ابتل، فقامت قيامتي، ولم أشك أنه ~~سيجزي علي مكروه شديد من أبي عبد الله، من ضرب، وحبس، وأخذ مال، فعملت على ~~الهرب من الموصل. # ثم قلت: أجففه، وأجلده، وأجتهد في أن أسلمه إلى غلام له، وهو لا يعلم، ~~واستتر، فإن ظهر الحديث؛ هربت، وإن كفى الله، تعالى، ذلك، وتمت عليه الحيلة ~~ظهرت. # PageV03P067 # فحللته، وجففته، وثقلته، حتى رجع واستوى، أكثر ما يمكن من مثله، وجلدته، ~~وتأنقت في التجليد. # فلما فرغت منه؛ جئت إلى الحاجب لأسلمه إليه من باب الدار وأمضي، فصادفت ~~الحاجب جالسا في الدهليز، فسلمت إليه الدفتر. # فقال: ادخل إليه، وادفعه من يدك إلى يده، فلعله يتوقعك، ولعله يأمر لك ~~بشيء. # فقلت: لا أريد، فإني مستعجل. # فقال: لا يجوز، ولم يدعني حتى دخلت إليه، فلم أشك أن ذلك من سوء الاتفاق ~~علي، المؤدي إلى المكروه، ومشيت في الصحن وأنا في صورة عظيمة من الهم. # فوجدت أبا عبد الله جالسا على بركة ماء في صحن داره، والغلمان قيام على ~~رأسه، فأخرجت الدفتر من كمي. # فقال لأحد غلمانه: خذه من يده، وهاته. # فجاء الغلام من جانب البركة، وأنا من الجانب الآخر، ومد يده ليأخذه، ~~فأعطيته إياه، فلم يتمكن في يده، حتى سقط الدفتر في البركة، وغاص إلى ~~قعرها. # فجن أبو عبد الله، وشتم الغلام، وقال: مقارع، مقارع. # فحمدت الله، عز وجل، على استتار أمري من حيث لا أحتسب، وكفايتي ما كنت ~~أخافه. # وخرجت، والغلام يضرب. # PageV03P068 ### || 271 واسطي أتلف ماله وافتقر ثم صلح حاله بعد أهوال # حدثني عبيد الله بن محمد الصوري، قال: حدثني أبي، قال: كان في جوارنا ~~بواسط، شاب أتلف ماله في اللعب، فافتقر فقرا شديدا، ثم رأيته بعد ذلك بمدة، ~~وقد أثرى، وصلحت حاله، وأقبل على شأنه. # فقلت له: ما سبب هذا؟ فدافعني. # ثم قال: أحدثك، وتكتم علي؟ فقلت: نعم. # فقال: إن ms320 الفقر بلغ بي إلى حال تمنيت معها الموت، وولدت امرأتي ذات ليلة، ~~وكانت ليلة العيد، فلم يكن معي ما أشتري لها ما يمسك رمقها، فخرجت على ~~وجهي، أطلب من أتصدق منه شيئا أعود به إلى امرأتي. # فأفضيت إلى زقاق طويل لا أعرفه، فدخلت، فإذا هو لا ينفذ، وإذا فيه باب ~~دار مفتوح، ومستراح. # فدخلت الدار بغير إذن، فإذا برجل يطبخ قدرا، فصاح علي، وقال: من أنت، ~~ويلك؟ ، فقصصت عليه خبري. # فقال: امض إلى ذلك البيت، واجلس إلى أن أفرغ من القدر، فأعطيك منها مع ~~الخبز شيئا إلى امرأتك، ونفقة تكفيك أياما. # فدخلت البيت، فرمى إلي كساء، وقال: تغط به، ونم ساعة. # PageV03P069 # وكانت ليلة باردة، وكنت بقميص واحد، فتغطيت بالكساء، وانضجعت، ولم يدخل ~~عيني النوم، لما بي من الجوع والغم. # فما لبثت أن جاء رجل عريان، فدخل وعلى رأسه شيء ثقيل، فقام الذي يطبخ، ~~فأغلق الباب، وأنزل ما كان على رأسه. # وقال له: ويلك، غبت، حتى أيست منك. # فقال: كنت يومي وليلتي، مختبئا خلف حطب لهم، حتى تمكنت من أخذ هذه ~~البدرة، وما أدري أدنانير هي، أم دراهم؟ وأنا ميت جوعا، فأطعمني شيئا. # قال: فأخذ الرجل يغرف من القدر، ومضى العريان فلبس شيئا، وجاء إلى الآخر، ~~وقد غرف، فجعلا يأكلان، وقد خرجت نفسي فزعا. # فلما أكلا؛ أخرجا شرابا، وجعلا يشربان، وأنا متحير لا أدري ما أصنع، ولست ~~أجترئ أطلب من الرجل شيئا. # وأقبل العريان يشرب أكثر من الآخر الذي كان يطبخ، وجعل الذي كان يطبخ، ~~يقول له: استكثر من الشرب لتدفأ، إلى أن سكر العريان، ونام. # فقام الأول، فطاف في الدار، ثم جاءني، فكلمني فسكت؛ خوفا من أن يعلم أني ~~قد علمت بقصتهما، فيقتلني، فظن أنني قد نمت. # فمضى إلى النائم، فذبحه، ثم أمسكه حتى مات، ثم لفه في كساء، وحمله على ~~عاتقه، وخرج من الدار. # فقلت لنفسي: لأي شيء قعودي؟ # PageV03P070 # فقمت، فجئت إلى البدرة، فجعلتها في الكساء الذي كان علي، وخرجت أسعى سعيا ~~شديدا. # فلم أزل كذلك، حتى رأيت مسجدا ms321 قد فتحه إنسان، وخرج منه، وجلس يبول، ~~فدخلته، وجاء الرجل الذي كان يبول، فدخله، وأغلق بابه. # وقال لي: أي شيء أنت؟ فقلت: غريب، جئت الساعة من السواد، ولم أجسر أن ~~أتجاوز هذا الموضع، فأجرني، أجارك الله. # فقال: نم مكانك، فتركت البدرة تحت جنبي واتكأت عليها. # فلم ألبث حتى سمعت في الطريق صوت رجل يسعى سعيا شديدا، وإذا كلام صاحبي ~~بعينه، وهو يقول: عملها ابن الزانية، ويلي على دمه. # فأبصرته من شباك المسجد، وإذا في يده خنجر مجرد، وهو يتردد ذاهبا وجائيا، ~~وأعماه الله عن دخول المسجد، إلى أن مضى. # ولم أزل ساهرا لا يحملني النوم؛ خوفا منه، وإشفاقا على ما معي، إلى أن ~~أضاء الصبح، وأذن في المسجد. # وخرجت كأني أتوضأ، وحملت ما معي، ومشيت، والناس قد كثروا في الطريق، حتى ~~انتهيت إلى بيتي، فأخفيت ما جئت به، وأصلحت حالي، وحال زوجتي. # ثم خرجت إلى ضيعة، كانت لأبي، خراب، فأقمت بها مدة، حتى عمرتها بأكثر ذلك ~~المال، وعلمت أنه لا يتفق مثل هذا الاتفاق أبدا، ولزمت شأني، وصلحت حالي. # PageV03P071 # قال: فقال أبي: ما حدثت بهذا الحديث حتى مات الرجل، ولا أسميه أبدا. # PageV03P072 ### || اللجاج شؤم # حدثني أبو الحسن محمد بن محمد بن جعفر الأنباري الشاهد، ببغداد، أحد كتاب ~~قضاتها وخلفائهم، ويعرف أيضا ب: صهر القاضي ابن سيار، الذي كان يخلف القاضي ~~أبا القاسم التنوخي، رحمه الله، على أعمال نواحي واسط وكور الأهواز، وخلف ~~بعده عدة قضاة رؤساء، وكان من شيوخ غلمان أبي الحسن الكرخي، وقد رأيت أنا ~~أبا الحسن هذا كثيرا عند أبي، رضي الله عنه، ولم أسمع هذا الحديث منه، قال: ~~حدثني شيخ من البصريين، أثق به، قال: عادلت فلانا القاضي، ذكره ابن مرغول، ~~رحمه الله، وأنسيه محمد بن محمد، إلى الحج. # قال: وتشاجر رجلان في الرفقة التي كنا فيها من القافلة. # قال: وجذبهما ذلك القاضي إليه، ولم يزل يتوسط بينهما ويترقق بهما، وقد ~~استعمل كل واحد منهما اللجاج والمشاحنة، وأقاما عليها، وهو يصبر عليهما، ~~ويقول: اللجاج شؤم فلا تستعملانه، ms322 ويكرر هذه اللفظة، إلى أن فصل بينهما. # فقال لي: أذكرني حديثا في اللجاج، جرى على يدي، لك فيه، ولكل من سمعه ~~أدب. # قال: فأذكرته بعد وقت. # PageV03P073 # فقال: كنت أتولى القضاء، في البلد الفلاني، فتقدم إلي رجلان، فادعى ~~أحدهما على الآخر عشرين دينارا. # فقلت للمدعى عليه: ما تقول؟ فقال: له علي ذلك، إلا أني عبد لآل فلان، ~~مكاتب، مأذون لي في التصرف، واتجرت، فخسرت، وليس معي ما أعطيه، وقد عاملني ~~هذا الرجل سنين كثيرة، وربح علي أضعاف هذه الدنانير مرارا، فإن رأى القاضي ~~أن يسأله الرفق بي، فإني عبد، وضعيف، ولا حيلة لي. # فسألته أن يرفق به، ويؤخره، فامتنع. # فقلت: قد سمعت. # فقال: ما لي حيلة. # فقال الرجل: احبسه لي. # فعاد العبد يسألني، فسألته أن لا يفعل، وبكى العبد، فرققت له، وسألت خصمه ~~أن لا يحبسه، وأن ينظره. # فقال: لا أفعل. # فقال العبد: إن حبسني أهلكني، ووالله ما أرجع إلى شيء، وإنه ليضايقني، ~~ويلج في أمري، وقد انتفع مني بأضعاف هذه الدنانير، وورث منذ أيام من أخي ~~ألوف دنانير، فأشير علي بمنازعته إلى القاضي في الميراث، فلم أفعل. # قال: فحين قال ذلك، توجه لي وجه طمع في خلاصه من لجاج ذلك الغريم، وقد ~~كان غاظني بلجاجه ومحكه. # فقلت: كيف ورث أخاك، وأردت منازعته؟ # PageV03P074 # فقال: إن أخي كان عبدا له، مأذونا له في التصرف، وكان يتجر ويتصرف، ويؤدي ~~إليه ضريبته، وجمع مالا وأمتعة، بأكثر من ثلاثة آلاف دينار، ثم مات، ولم ~~يخلف أحدا غيري، وأنا رجل ضعيف مملوك، ولي ابنان طفلان من امرأة حرة، وهما ~~حران، فأنا أعولهما، وأعول نفسي وزوجتي، وأؤدي إلى مولاي ضريبته، فطمعت في ~~أن أنازعه في الميراث، وآخذ شيئا أعود به على نفسي وأولادي وعيالي، فقيل ~~لي: إنك لا ترث، فلم أحب منازعته؛ صيانة له، وهو الآن يضايقني. # قال: فقلت للرجل: هو كما قال، إن أخاه كان عبدك، ومات، وخلف عليك تركة ~~قيمتها ثلاثة آلاف دينار؟ قال: نعم. # فقلت له: ولهذا العبد طفلان حران؟ قال: نعم. # فقلت: قم، ms323 فأخره بالدنانير، ولا تطالبه بها. # فقال: ما أبرح إلا بالدنانير، أو بحبسه. # فقلت: أقبل رأيي، ولا تلج. # فقال: لا أفعل. # فقلت: إنك متى لم تفعل؛ خرج من يدك مال جليل. # فقال: لا أفعل. # قال: فقلت للعبد: قد أذنت لك أن تتكلم عن ابنيك الطفلين، وهما، على مذهب ~~عبد الله بن مسعود وهو مذهبي، أحق بالميراث من مولاه، وإن كنت أنت حيا، ~~فإنك بمنزلة الميت للعبودية، فطالبه عن ابنيك الحرين الطفلين بالتركة. # PageV03P075 # قال: فطالبه بها. # فأحضرت الشهود، فأعاد الخصومة والدعوى، ولم أزل بالمولى، حتى أسمعت ~~الشهود إقراره بما كان أقر به عندي، ثم حكمت للابنين الطفلين بالتركة، ~~وانتزعت جميعها من يده، وسلمت إليه منها عشرين دينارا؛ لما أقر له العبد ~~به، وجعلت ذلك دينا عليه لابنيه. # وسلمت مقدار ثمن العبد، من مال الطفلين، إلى أمين من أمنائي، وقلت: اشتر ~~أباهما من مولاه بهذه الدنانير، واعتقه عليهما، ففعل. # وجعلت باقي مال الطفلين في يد أبيهما، وأمين جعلته عليه مشرفا، وأمرت ~~الأب أن يتجر لهما بالمال، ويأخذ ثلث الربح، بحق قيامه، وحكمت بالجميع، ~~وأشهدت على إنفاذي الحكم له الشهود. # فقام العبد، وهو فرحان، وقد فرج الله عنه، وآمنه أن يحبس، وعتقت رقبته، ~~وصار موسرا. # وقام اللجوج خاسرا حائرا، وقد أخذ عشرين دينارا، وأعطى ثلاثة آلاف دينار. # PageV03P076 ### || ابن الجصاص الجوهري يلتقط جواهره المبعثرة لم يفقد منها شيئا # حدثني أبو علي بن أبي عبد الله بن الجصاص، قال: سمعت أبي يقول: اتفق أني ~~كنت يوم قبض علي المقتدر جالسا في داري، وأنا ضيق الصدر، ضيقا شديدا، لا ~~أعرف سببه. # وكان من عادتي إذا لحقني مثل ذلك، أن أخرج جواهر عندي في درج معزولة ~~لهذا، من ياقوت أحمر وأزرق وأصفر، وحبا كبارا ودرا فاخرا، يكون قيمة الجميع ~~خمسين ألف دينار، وأكثر، وأستدعي صينية ذهب لطيفة، فأجعله فيها، وألعب به، ~~وأفلبه، فيزول ضيق صدري. # فاستدعيت ذلك الدرج، فجاءوني به بلا صينية، فأنكرت ذلك، وأمرت بإحضارها، ~~وفتحت الدرج، وفرغت ما فيه في حجري، ورددته على الخادم، وأنفذته يجيئني ms324 ~~بالصينية، وأنا جالس في بستان، في صحن داري، في يوم بارد، طيب الشمس، وهو ~~مزهر بصنوف الشقائق والمناثير، وأنا ألعب بتلك الجواهر، إذ دخل الناس إلي ~~بالصياح والمكروه والكبس، فقربوا مني. # PageV03P077 # فدهشت، ولم أحب أن يظهروا على ما في حجري، فنفضت جميعه في ذلك الزهر في ~~البستان، ولم ينتبهوا له. # فأخذت فحملت، وجرى علي ما جرى من المصادرة، وبقيت في الحبس المدة ~~الطويلة، وتقلبت الفصول على البستان، فجف ما فيه، ولم يفكر أحد في قلعه، أو ~~زراعته، وإثارته، وأغلقت الدار، فما قربها أحد من أصحابي ولا أعدائي، بعد ~~الذي أخذ منها، وفرغت، ووقع اليأس من وجود شيء فيها. # ثم سهل الله إطلاقي، فأطلقت، فحين جئت إلى داري، ورأيت الموضع الذي كنت ~~جالسا فيه ذلك اليوم؛ ذكرت حديث الجوهر الذي كان في حجري، ونفضي إياه في ~~البستان. # فقلت: ترى، بقي منه شيء؟ ثم قلت: هيهات، هيهات، وأمسكت. # فلما كان في الغد، أخليت الدار، وقمت بنفسي ومعي غلام يثير البستان بين ~~يدي، وأنا أفتش شيئا شيئا مما يثيره، وأجد الواحدة بعد الواحدة، من ذلك ~~الجوهر، وكلما وجدت شيئا؛ حرصت على الإثارة، وطلب الباقي، إلى أن أثرت جميع ~~البستان، فوجدت جميع ذلك الجوهر، ما ضاع لي منه واحدة. # فأخذته، وحمدت الله، وعلمت أنه قد بقيت لي بقية من الإقبال صالحة. # PageV03P078 ### || الوزير ابن مقلة ينكب رجلا ثم يحسن إليه # حدثني أبو محمد يحيى بن سليمان بن فهد، رحمه الله، قال: حدثنا أبو علي ~~إسماعيل بن محمد بن الخباز، قال: كان أبو علي بن مقلة نكبني، وصادرني لشيء ~~كان في نفسه علي، فأفقرني، حتى لم يدع لي شيئا على وجه الأرض. # وأطلقني من الحبس، فلزمت بيتي حزينا، فقيرا يتعذر علي القوت. # ثم لم أجد بدا من الاضطراب في معاشي، فأشير علي أن ألزم ابن مقلة ~~وأستعطفه، وقيل لي: إنه إذا نكب إنسانا فخدمه؛ رق عليه. # قال: فلزمته مديدة، لا أراه يرفع إلي رأسا، ولا يذكرني. # قال: وكان يعرفني بحسن الثياب ونظافتها، والتفقد في أمر نفسي، ms325 أيام ~~يساري. # واتفق أني حضرت داره في يوم جمعة غدوة، ولم أكن دخلت الحمام قبل ذلك ~~بأسبوع، ولا حلقت شعري، ولا غيرت ثيابي، وأنا وسخ الجسد والثياب، طويل ~~الشعر، وإنما أخرت ذلك؛ لإضاقتي عن مقدار ما أحتاج إليه، ولشغل قلبي أيضا ~~وغمي بالفقر المدقع الذي دفعت إليه، وهوان نفسي علي. # فخرج ابن مقلة ليركب، فقمت إليه في جملة الناس، فدعوت له. # PageV03P079 # فحين رآني، تأملني طويلا، ثم أومأ إلى خادم له بكلام لا أفهمه، وركب. # فجاءني الخادم، فقال: الوزير يأمرك أن لا تبرح من الدار، إلى أن يعود، ~~وأخذني إلى حجرة، فأجلسني فيها. # فقامت قيامتي، وخفت أن يكون قدر أن تكون لي بقية حال، ويريد الرجوع علي ~~بالمطالبة، وليس ورائي شيء، فأتلف. # فتداخلني من الجزع أمر عظيم، وحصلت في شدة كانت أشد علي مما مر بي، فلم ~~يكن بأسرع من أن عاد. # فجاءني الخادم، فقال: قم إلى الوزير، فقد طلبك. # فجئت، حتى دخلت عليه، وهو خال وحده، وليس بين يديه غير أبي الحسين، ابنه، ~~فرحب بي، وأكرمني، ورأيت من بره ما زال عني معه الخوف. # ثم قال: يا أبا علي، أعرفك نظيف الثوب، حسن القيام على نفسك، فلم أنت ~~بهذه الصورة؟ قال: ففطنت أنه لما رآني على صورتي تلك؛ رق لي. # فقلت: أيها الوزير، لم يبق لي، والله، حال، وإنه ليتعذر علي ما أغير به ~~هذا المقدار من أمري، وفتحت أبواب الشكاية، إلى أن بكيت. # فقال: إنا لله، إنا لله، ما ظننت أن حالك بلغت إلى هذا، ولقد أسأنا إليك. # PageV03P080 # قال: ثم مد يده إلى الدواة، فكتب لي على الجهبذ، بألف دينار صلة، ووقع ~~توقيعا آخر، بأن أبايع ضيعة من المبيع بألفي دينار، بحيث أختار ذلك، ثم ~~قال: خذ هذه الدنانير فاتجر بها، وأصلح منها حالك، وابتع بهذه الألفي دينار ~~ضيعة من المبيع، تغل لك ألف دينار في السنة، واخترها وشاور فيها، فإذا وقع ~~اختيارك عليها؛ فأسمها لي؛ لأكتب بمبايعتك إياها؛ لتستكفي بغلتها سنتك، إلى ~~أن أنظر لك بعد هذا، فأرد ms326 جاهك، فشكرته ودعوت له، ونهضت. # فقال: قف، فوقفت. # فقال لابنه أبي الحسين: بحياتي عليك، عاون أبا علي حتى يحصل له هذا كله ~~في أسبوع، وفي دفعة واحدة، ولا ينمحق عليه. # قال: فوعدني أبو الحسين بذلك، وأمرني بالمصير إليه، فانصرفت. # ورحت إلى أبي الحسين، فأعانني، فحصل ذلك كله لي في أيام قليلة، وحصلت لي ~~الضيعة، فاستغللتها في تلك السنة ألف دينار. # ولزمت أبا علي، فعوضني بمكاسب جليلة، عاد إلي منها أكثر مما خرج عن يدي ~~بنكبته. # PageV03P081 ### || ابن عبدون الأنباري الكاتب يكسب في ليلة واحدة مائة ألف دينار # قال محمد بن عبدوس في كتاب (الوزراء) : حكي عن محمد بن خلف، المعروف ب: ~~ابن عبدون الأنباري الكاتب، أنه قال: بينما أنا يوما أدرج في بعض سكك ~~المدينة، وكانت حينئذ لا يدخلها راكبا إلا من له نباهة، إذ سمعت خلفي وقع ~~حوافر، فنظرت فإذا يوسف بن الوليد الأنباري، وكانت بيني وبينه مودة وقرابة، ~~فلم أسلم عليه. # فقال لي: من أين يا أبا عبد الله؟ فقلت: إني كسرت هذه السنة ثلاثة آلاف ~~فرسخ، وانصرفت وأنا سبروت. # PageV03P082 # فقال لي: ثلاثة آلاف فرسخ؟ قلت: نعم، مضيت إلى مصر، فأخفقت، ثم مضيت إلى ~~فارس، ثم إلى كرمان، ثم إلى خراسان، وانقلبت إلى أذربيجان، وانصرفت بغير ~~شيء، وأنا أتمنى أن يهب الله، تعالى، قوتا، فأتمونه في بلدي. # فقال لي: كم يكفيك من الرزق؟ # PageV03P083 # فقلت: إن كان في بلدي، فخمسة عشر دينارا في كل شهر، أتقوت بها أنا ~~وعيالي، وهو ما لا فضل فيه لشهوة ولا نائبة. # فقال: كن معي. # فاتبعته، فصار بي إلى ديوان فيه كتاب، وحجرة لطيفة، فدخلتها، فإذا في ~~صدرها الفضل بن مروان، وهو يكتب حينئذ للمعتصم، وهو أمير، فوصفني للفضل، ~~ورغبه في استخدامي، فرمى إلي الفضل بكتاب، وقال: أجب عنه بما يجب. # فاستعلمت منه الدعاء، وأجبت الرجل عن الكتاب، وعرضته عليه، فرضي خطي ~~ولفظي. # وقال لي: كم يكفيك في كل شهر الرزق؟ فقال له يوسف: الذي ذكر أنه يقنعه ~~خمسة عشر دينارا في كل شهر. # فقال: ms327 هذا قوت، ولا بد من استظهار لنائبة، ولكن قد جعلتها ثلاثين دينارا ~~في كل شهر، فقبلت يده. # فقال: الزمني ليلك ونهارك، طلبتك أم لم أطلبك، فإن الملازمة رأس مال ~~الكاتب. # قال: فلزمته كما رسم. # PageV03P084 # وكان صالح بن شيرزاد، يخلفه في دار المعتصم، وقد استولى على المعتصم، ~~بحيلته وتلطفه، على حمارية كانت فيه، وكره ذلك الفضل بن مروان، واجتهد في ~~قلعه، فلم يتمكن. # فقال لي يوما، ما في نفسه من ذلك، وقال: أنا أحب أن أجعلك مكانه، إلا أني ~~أتخوف أن تسلك مسلكه، فهل فيك خير؟ فقلت: قد عرفت أخلاقي وطبعي، فإن كنت ~~عندك ممن يصلح للخير، وإلا فلا تثق إلي. # فكان في هذا التدبير، حتى حدث أمر القبط بمصر، فندب المأمون أخاه أبا ~~إسحاق؛ لمحاربتهم، في سنة اثنتي عشرة ومائتين. # فخرج أبو إسحاق إلى مصر، ومعه الفضل بن مروان، واستخلف صالح بن شيرزاد ~~بحضرة المأمون، فيما لا يضره أن يغلب عليه، وسله عن المعتصم، وجعلني مكانه، ~~وشخصنا. # فكسبت مع المعتصم، في ليلة واحدة، مائة ألف دينار حلالا طيبا، وذلك أن ~~القتل كثر في أهل مصر، وجلا الباقون، وأشرف البلد على الخراب. # PageV03P085 # وشق ذلك على المأمون، وأنكره على أبي إسحاق إنكارا شديدا، فكان فيما رآه ~~تسكين الناس، وردهم إلى مصر. # فوردت علي في يوم واحد، كتب جماعة من رؤساء البلد، يسألون الأمان لهم. # فقلت للفضل في ذلك. # فقال: أجبهم إلى ما التمسوا، وأجب كل من سأل مثل ذلك. # فكتبت في ليلة، لمائة رجل، أمانا، فظهروا، وبعث إلي كل واحد منهم، من ~~ثلاثة آلاف دينار، إلى ألف دينار، إلى خمس مائة دينار، وبعضهم لم يبعث إلي ~~شيئا. # فحصلت ما اجتمع لي، فكان مائة ألف دينار، وأحييت مائة إنسان، وفرجت عنهم، ~~وعن أتباعهم، ومن يلوذ بهم، وكشفت كربة عظيمة عن أبي إسحاق. # PageV03P086 ### || الفضل بن سهل ومسلم بن الوليد الأنصاري # أخبرني أبو الفرج، المعروف ب: الأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر ~~المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد عبد الله ms328 بن ~~سليمان، عن أبي الخطاب الأزدي، قال: كان مسلم بن الوليد، والفضل بن سهل، ~~متجاورين في قنطرة البردان، وكانا صديقين. # قال مسلم: فأعسرت إعسارا شديدا، ولحقتني محنة، وولي الفضل بن سهل ~~الوزارة، بمرو، فتحملت إليه على مشقة. # فلما رآني رحب بي وأدناني، وقال: ألست القائل: # فاجر مع الدهر إلى غاية ... ترفع فيها حالك الحال؟ # فقلت: نعم. # قال: صرنا إلى هذه الحال، وصرت بنا إليها، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، # PageV03P087 # وولاني عملا اخترته. # فانصرفت عني المحنة التي كنت أعانيها، وحصلت لي نعمة طائلة. # قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا أسمع، في كتابه؛ كتاب (الوزراء) ، بالبصرة، ~~في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، حدثكم أحمد بن يزيد المهلبي، قال: حدثنا ~~عبد الله بن أبي سعد، فذكر بإسناده نحوه، إلا أنه ذكر في الشعر زيادة أربعة ~~أبيات، لا تتعلق بكتابي هذا فأذكرها، وذكر أن الفضل ولى مسلما بريد جرجان. # PageV03P088 ### || كيف طهر عثمان بن حيان المري المدينة من الغناء # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: ~~حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب، عن عبد الرحمن بن المغيرة ~~الحرامي الأكبر، قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها؛ ~~قال له قوم من وجوه الناس: قد وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت ~~تريد أن تصلح، فطهرها من الغناء والزناء. # PageV03P089 # فصاح في ذلك، وأجل أهله ثلاثا، يخرجون فيها من المدينة. # وكان ابن أبي عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح، فلما كان ~~في آخر ليلة من الأجل؛ قدم. # فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القس. # فقال لها، وقد دخل عليها: ما دخلت منزلي، حتى جئتكم أسلم عليكم. # قالوا: ما أغفلك عن أمورنا، فأخبروه الخبر. # فقال: اصبروا لي الليلة. # فقالوا: نخاف أن لا يمكنك شيء، ونؤذى. # فقال: إن خفتم شيئا؛ فاخرجوا في السحر. # ثم خرج، واستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له، فسلم عليه، وذكر غيبته، ~~وأنه جاء ليقضي حقه، ثم جزاه خيرا على ما فعل ms329 من إخراج أهل الغناء والزناء. # وقال: أرجو أن لا تكون عملت عملا، هو خير لك من ذلك. # PageV03P090 # قال عثمان: قد فعلت ما بلغك، وأشار علي به أصحابك. # قال: قد وفقت، ولكن ما تقول، يرحمك الله، في امرأة كانت هذه صناعتها، ثم ~~تركتها، وأقبلت على الصيام والصدقة والخير، وإني رسولها إليك، تقول: أتوجه ~~إليك، وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن ~~مسجده. # فقال: إني أدعها لك ولكلامك. # فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك، وتسمع كلامها، وتنظر ~~إليها، فإن رأيت أن مثلها يسع أن تترك، تركتها. # قال: نعم. # فجاءه بها، وقال لها: احملي معك سبحة، وتخشعي، ففعلت. # فلما دخلت على عثمان؛ حدثته، فإذا هي من أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب ~~بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك. # فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، فقرأت. # PageV03P091 # فقال لها: احدي له، ففعلت، فكثر عجبه بها. # فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها، فلم يزل ينزله شيئا شيئا، حتى أمرها ~~بالغناء، فقال لها ابن أبي عتيق، غني: # سددن خصاص البيت لما دخلنه ... بكل لبان واضح وجبين # فغنته، فقام عثمان بن حيان، فقعد بين يديها، ثم قال: لا والله، ما مثل ~~هذه تخرج. # فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، يقولون: أقر سلامة، وأخرج غيرها. # فقال: دعوهم جميعا، فتركوهم. # وأصبح الناس يتحدثون بذلك، يقولون: كلم ابن أبي عتيق الأمير في سلامة ~~القس، فتركوا جميعا. # PageV03P092 ### || أضاع كيسه واستعاده بعد سنة # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي، المعروف ب: الحاتمي، ~~قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أخبرنا ~~عمر بن شبة، قال: حدثني سعيد بن عامر، قال: حدثنا هشام بن خالد الربعي، ~~قال: دخلت المسجد، ومعي كيس فيه ألف درهم، لا أملك غيره، فوضعته على ركن ~~سارية، وصليت، ثم ذهبت ونسيته. # فكربني أمره، وفدحت حالي لفقده، فما حدثت بذلك أحدا سنة، وجهدني الضر. # قال: فصليت من بعد ذلك، إلى تلك السارية، ودعوت الله، ms330 وسألته رده علي، ~~وعجوز إلى جانبي تسمع قولي. # فقالت: يا عبد الله، ما الذي أسمعك تذكر؟ قلت: كيسا أنسيته على هذه ~~السارية عام أول. # قالت: هوذا عندي، وأنا منذ سنة أراقبك، فجاءت به بخاتمه. # PageV03P093 ### || عبد الله بن الزبير يطالب بني هاشم بالبيعة أو يضرب أعناقهم # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، المعروف ب: الحاتمي، قال: أخبرني عيسى ~~بن عبد العزيز الطاهري، قال: أخبرني الدمشقي، عن الزبير بن بكار، قال: جمع ~~عبد الله بن الزبير بني هاشم بمكة، وقال: لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا، أو ~~آمر بضرب أعناقكم. # فنهض إليهم قبل الجمعة يريد قتلهم، فناشده المسور بن مخرمة الزهري، أن ~~يدعهم إلى الوقت الذي وقت لهم، وهو يوم الجمعة، ففعل. # فلما كان يوم الجمعة؛ دعا محمد ابن الحنفية، رضي الله عنه، خادما له بغسل ~~وثياب، وهو لا يشك في القتل. # وقد كان المختار بن أبي عبيد بعث أبا عبد الله وأصحابه إليهم، فجاءهم ~~الخبر بحال محمد ابن الحنفية، وما دفع إليه من ابن الزبير، وقد نزلوا ذات # PageV03P094 # عرق، فتخلل منهم سبعون رجلا حتى وافوا مكة صبيحة يوم الجمعة، فشهروا ~~السلاح، ونادوا: يا محمد. # فبلغ الخبر ابن الزبير، فراعه، وتخلص محمد، رضي الله عنه، ومن كان معه، ~~وأرسل محمد علي بن الحسين بن علي، رضي الله عنه، فنادى في القوم الذين ~~أنفذهم المختار: من كان يرى لله، تعالى، عليه حقا فليستأمر نفسه، فإنه لا ~~حاجة لي بأمر الناس له كارهون، وأنا إن أعطيتها عفوا قبلتها، وإن كرهوا ذلك ~~لم أختره. # فبعث ابن الزبير إلى محمد: إني أصالحك على أن تتنحى عني، فتلحق بأيلة، ~~فأجابه إلى ذلك، ولحق بأيلة. # وكف الله، تعالى، ابن الزبير، وقبض يده عما حاوله من قتله، وقتل أهل ~~بيته. # PageV03P095 ### || عاقبة الظلم # وجدت في بعض الكتب: حدث علي بن المعلى، عن الزهري البصري، قال: كنا جلوسا ~~عند أبي عبد الله جعفر بن محمد، عليه السلام، وذكر حديثا فيه: أن أبا عبد ~~الله قال: إن قوم سدوم هلكوا بمجوسي. # قيل: ما ms331 سبب ذلك؟ قال: أما تعرفون بالبصرة عندكم جسرا، يقال له: جسر ~~الخشب؟ قلنا: بلى. # قال: ذاك جسر سدوم، جاءه رجل مجوسي، ومعه زوجته حاملا، راكبة حمارا، تريد ~~العبور، فمنعوها إلا أن يأخذوا خمسة دراهم، فأبيا أن يعطيا ذلك، فطلبوا ~~منهما عشرة دراهم، فأبيا أن يعطيا ذلك فشمصوا الحمار، وقطعوا ذنبه، فاضطربت ~~المرأة، فأسقطت جنينها، فاشتدت بالمجوسي محنته. # وقال: إلى من نتظلم فيما فعل بنا؟ فقيل: إلى صاحب هذا القصر. # فدخل إليه، وقال: فعل بي كيت وكيت. # قال: لا بأس، ادفع إليهم حمارك، يعملوا عليه إلى أن ينبت ذنبه، وادفع ~~إليهم زوجتك، حتى يطئوها إلى أن تحمل. # فرفع المجوسي رأسه إلى السماء، وقال: اللهم، إن كان هذا الحكم من عندك، ~~وأنت به راض، فأنا به أرضى وأرضى. # PageV03P096 # فبعث الله إليه ملكا من الملائكة، فأخذ بعضده، وعضد زوجته، فعبر بهما ~~الجسر. # فقال له: يا عبد الله، من أنت؟ فلقد مننت علي. # قال: أنا ملك من الملائكة، لما أن قلت: اللهم إن كان هذا حكم من عندك، ~~وأنت به راض، فأنا أرضى وأرضى؛ بعثني الله لأخلصك، فالتفت إلى القوم، وانظر ~~ما أصابهم. # فالتفت المجوسي، فإذا القوم قد خسف بهم. # PageV03P097 ### || دواء عجيب وضعه الطبيب للكاتب زنجي # أخبرني علي بن نصر بن فنن، الكاتب النصراني: أن أبا عبد الله زنجيا ~~الكاتب، سرق منه مال جليل، وكان شديد البخل، فناله غم شديد، حتى أنحل جسمه، ~~واجتهد في صرف الهم والغم عنه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا. # فشاور الأطباء في ذلك، وعملوا له أشياء وصفوها له، فما نجعت، إلى أن ~~استشار علي بن نصر، الطبيب النصراني، جده، وكان يطب زنجيا ويلزمه، فأشار ~~عليه أن يصوغ إهليلجة من ذهب، ويمسكها في فيه. # ففعل ذلك، فلم تمض إلا أيام، حتى زال غمه، وعاد إلى صحة جسمه. # PageV03P098 ### || يا غياث المستغيثين أغثني # وجدت في بعض الكتب: حكي أن رجلا خرج في وجه شتاء، فابتاع بأربع مائة ~~درهم، كان لا يملك غيرها، فراخ الزرياب للتجارة. # فلما ورد دكانه ببغداد؛ هبت ريح باردة، ms332 فأماتتها كلها إلا فرخا واحدا، ~~كان أضعفها وأصغرها، فأيقن بالفقر. # فلم يزل يبتهل إلى الله، تعالى، ليلته أجمع بالدعاء والاستغاثة، ويسأله ~~الفرج مما لحقه، وكان قوله: يا غياث المستغيثين، أغثني. # فلما انجلى الصبح؛ زال البرد، وجعل ذلك الفرخ الباقي ينفش ريشه، ويقول: ~~يا غياث المستغيثين، أغثني. # فاجتمع الناس على دكان الرجل، يرون الفرخ، ويسمعون الصوت. # فاجتازت جارية راكبة، من جواري أم المقتدر، فسمعت صوت الطائر، ورأته، ~~واستامته، وتقاعد الرجل، فاشترته بألفي درهم، وأعطته الدراهم، وأخذت ~~الطائر. # PageV03P099 ### || قصة سليمان الأنباري النصراني # وجدت في بعض الكتب: كان بسر من رأى، ثلاثة إخوة نصارى أنباريون، أحدهم ~~موسر، ولم يسم، والثاني متجمل، يقال له: عون، والثالث يقال له: سلمة، فقير، ~~فآل أمر سلمة فيما يكابده من شدة الفقر، إلى أن تعذر عليه قوت يومه. # فمضى إلى أخيه عون، وسأله أن يتلطف إلى أخيه المسر، في أن يشغله فيما ~~يعود عليه نفعه، ويخدمه فيه، بدلا من الغريب. # فامتنع الأخ الموسر من ذلك، وعاوده دفعات، واستعطفه، وضره يتزايد. # فقال الموسر، على سبيل الولع: إن شاء أن أصيره مكان الشاكري، وصبر على ~~العدو، فعلت. # فعرض عون على سلمة ذلك، فقال سلمة: ما عرض أخونا علي هذا إلا لأمتنع، ~~ويجعله حجة، وأنا أستجيب إليه وأصبر، وأرجع إلى الله، تعالى، في كشف الحال ~~التي أكون فيها معه، وأرجو الفرج ببغيه علي، ولا أضع نفسي بمسألة الناس، ~~ففعل ذلك. # فكان أخوه يركب، وهو يمشي في أثره بطليسان ونعل، حتى لا يظهر أنه غلامه، ~~وإذا نزل في موضع؛ لحقه، وأخذ ركابه، وتسلم المركوب، وحفظه إلى أن يخرج. # PageV03P100 # فلم يزل على هذا، إلى أن طلب وصيف الكبير، رفيق بغا، من يجلسه بباب داره، ~~فيكتب إلى المطبخ، من الحيوان والحوائج؛ ليقايس به ما يحتسب عليه. # فوصف عون أخاه سلمة لذلك، ووجه إليه فأحضره، فامتنع، وذكر أنه لا دربة له ~~به، ولا فيه آلة له. # فضمن له عون معاونته، وإجمال الحساب في كل عشية، وأجري عليه رزق يسير. # وجلس بالباب، وصار يدعو بالحمالين، فيثبت ms333 ما يحضرونه، ويرفع في كل يوم ~~مدرجا بتفصيل ذلك. # فلما انقضى الشهر جمع وصيف المدارج، وأحضر كاتبا غريبا، وتقدم إليه أن ~~يؤرجها على أصنافها. # وعمل كتابه ديوانه عملا بما رفعه الوكلاء في ذلك الشهر، فظهرت فيه زيادة ~~عظيمة، فحطت وتوفر مالها. # وحسن موقع ذلك من وصيف، وأحضر سلمة، وما كان رآه قبل ذلك، وصرف المتصرفين ~~في المطبخ به، وأسنى جائزته. # فتوفر على يده في الشهر الثاني، مما كان حط من الأسعار، ما حسن موقعه. # PageV03P101 # فرد إليه قهرمة داره، فتتابعت التوفيرات، واتصلت جوائزه إياه، وزيادته في ~~جاريه. # وطالت مدة خدمته لوصيف، وغلب على حاله، واتفق له خلوة المتوكل، وحضور ~~وصيف. # فقال لوصيف: قد كثر ولدي، وأريد لهم شيخا، عفيفا، ثقة، ليس فيه بأو، ولا ~~مخرقة؛ لأفرد لهم على يده إقطاعات أجعلها لهم، فلست أحب أن أوسط كتابي ~~أمره. # فوقع في نفس وصيف، أن يصف سلمة، وبخل به، فلم يزل يتردد ذلك في قلبه. # ثم قال: اعلم، يا مولاي، أن الله قد رزقني هذه الصفة التي تريدها مني، ~~والرجل عندي، فإذا فكرت في حقوقك، وأن نعمتي منك؛ لم أستحسن أن أكتمك، وإذا ~~فكرت فيما أفقده منه؛ توقفت، والآن، فقد أنطقني إقبالك بذكره، وهو سلمة بن ~~سعيد النصراني. # فقال: أحضرنيه الساعة. # فأحضره في الوقت، فحين عاينه المتوكل وقع في نفسه صحة ما وصفه، فوقع لكل ~~ابن بإقطاع ثلاث مائة ألف درهم، ولكل ابنة بمائة وخمسين ألف درهم، وقيل: إن ~~المتوكل مات عن خمسين ابنا، وخمس وخمسين ابنة، ودفع إليه التوقيع. # PageV03P102 # وقال له: نجز هذا، واختر من الضياع ما ترى، وانصب لها ديوانا، ووصله، ~~وجعل له منزلة كبيرة، بكتابة الولد. # فلما فرغ من ذلك، وقام به؛ جرى أمر آخر، أوجب أن رد إليه أيضا أمر سائر ~~الحرم، وجعل له قبض جراياتهن وأرزاقهن، وإنفاق ذلك عليهن، وصرف وكلاءهن ~~وأسبابهن عنهن، وزادت منزلته بذلك لكثرة الحرم. # فبينما سلمة يتردد في دار المتوكل، إلى مقاصير الولد والحرم، وقعت عين ~~المتوكل عليه، فاستدعاه. # وقال له: يا سلمة، ما ms334 أكثر ما يذهب على الملوك، حفظت بك ولدي وحرمي، ~~وأضعت نفسي، وليس لي منك عوض، قد رددت إليك بيت المال، وخزائن الفرش، ~~والكسوة، والطيب، وسائر أمر الدار، فتسلم ذلك، واستخلف عليه من تثق به. # وكان قد أنكر عليه في بعض خدمته شيئا، فأمر باعتقاله، ففرشت له حجرة، ~~وترك خلفاؤه يعملون. # ثم ذكره في الليل، وهو يشرب، فقال لخادم: امض إلى الحجرة التي فيها سلمة، ~~فاطلع عليه، وعرفني الصورة التي تجده عليها. # فعاود وذكر أنه وجده يسود، ثم أعاده بعد وقت آخر، فوجده على ذلك، وأعاده ~~الثالثة، فكانت الصورة واحدة. # فاستحضره، وقال: أنت شيخ كبير، تسود ليجود خطك في الآخرة، أو لتصل به في ~~الدنيا إلى أكثر مما وصلت إليه؟ قال: لا هذا ولا هذا، ولكنك لما اعتقلتني، ~~وأقررت أصحابي؛ # PageV03P103 # وثقت بحسن رأيك، فلم أقطع التأهب لخدمتك، لأني أكاتبك كثيرا، فيما ~~أستأمرك به، فأنا أحب أن لا تقع عينك على ما تستقبحه من الخط. # فحسن موقع هذا القول من المتوكل، وأمر بإحضار حقة، فيها خاتم الخاصة، ~~فدفعه إليه. # وقال: هذا خاتمي، وقد رددت إليك ختم ما كنت أختمه بيدي، من غير أن ~~تستأمرني فيه؛ ليعلم الخاص والعام أني رفعت منك، وزدت في محلك، ولا يخلقك ~~عندهم الاعتقال. # ثم رآه المتوكل بعد ذلك، وفي وقت من الأوقات، ماشيا في الدار، فقال: سلمة ~~شيخ كبير، هوذا يهرم ويتلف بهذا المشي؛ لأنه يريد أن يطوف في كل يوم على ~~الحرم والولد، وقد رأيت أن أجريه مجرى نفسي، في إطلاق الركوب له في داري. # وكان المتوكل يركب حمارا يتخطى به في الممرات، ويركب سلمة حمارا، ولم يكن ~~في الدار من يركب غيرهما. # PageV03P104 ### || ابن الطبري الكاتب النصراني تجلب له التوفيق رفسة حصان # وجدت في بعض الكتب: أن عبد الله، المعروف ب: ابن الطبري النصراني الكاتب، ~~قدم سر من رأى يلتمس التصرف، فلزم الدواوين مدة، إلى أن نفدت نفقته، ~~وانقطعت حيلته، ولم يبق إلا ما عليه من كسوته، فعدم القوت ثلاثة أيام ~~بلياليها، وهو صابر خوفا من ms335 أن يبيع ما عليه، فيتعطل عن الحركة، فلما كان ~~في اليوم الرابع عمل على بيع ما عليه ليأكل ببعضه، وليشتري بالبعض الآخر ~~تاسومة، ومرقعة، وركوة، ويخرج في زي فيج إلى بلد آخر؛ لأنه بقي ثلاثة أيام ~~لم يأكل شيئا. # ثم شرهت نفسه إلى الرجوع إلى الديوان، مؤملا فرجا يستغني به عن هذا، من ~~تصرف، أو غيره. # فمشى يريد الديوان، وهو مغموم مفكر، إذ سمع صوت حافر من ورائه، وقوم ~~يصيحون: الطريق، الطريق. # فلشدة ما به، غفل عن التنحي عن الطريق، فكبسه شهري كان راكبه # PageV03P117 # المؤيد بالله بن المتوكل على الله، وهو إذ ذاك أحد أولياء العهود، فداسه، ~~وسقط على وجهه. # فصعب ذلك على المؤيد، ولم يكن يعرفه، فاغتم أن يجري منه على إنسان مثل ~~ذلك، فأمر أن يحمل إلى داره، ففعل ذلك، وأفردت له حجرة، ومن يخدمه، وعولج ~~بالدواء، والطعام، والشراب، والطيب، والفرش، حتى برئ بعد أيام، فأنفذ إليه ~~ألفي درهم، وسأله إحلاله مما جرى عليه. # فقال: لا أقبلها، أو تقع عيني على المؤيد، فأشافهه بالدعاء. # فأوصل إليه، فشكره، ودعا له، وقص عليه قصته، وسأله استخدامه. # فخف على قلبه المؤيد، واستكتبه، وأمر أن يصرف في داره، وفي دار والدته ~~إسحاق، جارية المتوكل، فتصرف فيها مدة، وصلحت حاله. # وكان الموفق، أخو المؤيد من أمه، قد رأى ابن الطبري، فاجتذبه إلى خدمته، ~~ونفق عليه، وانتهى أمره معه إلى أن جعل إليه تربية المعتضد، وأكسبه الأموال ~~الجليلة. # PageV03P118 ### || أبو بكر محمد بن طغج ينتقل من ضعف الحال إلى ملك مصر # وجدت في بعض الكتب: حدث أبو الطيب بن الجنيد، الذي كان صاحبا لأبي جعفر ~~محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد، وكان قبل ذلك جارا لأبيه أبي القاسم، ~~قال: كان أبو بكر محمد بن طغج بن جف ينزل قديما بالقرب من منازلنا ببغداد، ~~يقصر فرج، وكان رقيق الحال، ضعيفا جدا. # وكان له على باب دويرته، دكان يجلس عليها دائما، ودابته مشدودة # PageV03P119 # إلى جانبها، وهو يراعيها بالعلف والماء بنفسه. # وكان له رزق سلطاني يسير، يتأخر ms336 عنه أبدا، فلا يقبضه إلا في الأحايين. # وكان شديد الاختلال، ظاهر الفقر، وكان له عدة بنات لا ذكر فيهن. # وكان يجتاز به أبو القاسم يحيى بن زكريا بن شيرزاد، أو أحد ابنيه، أبو ~~الحسن، وأبو جعفر، فيقوم قائما، ويظهر التعبد لهما، ولا يزال واقفا إلى أن ~~يبعدا عنه. # وكنت ربما جلست إليه، فيأنس بي ويحدثني، ويشكو بثه، وما يقاسيه من كثرة ~~العائلة، وضيق الحال. # ويقول: ليت كان لي، فيما رزقته من الولد، ذكر واحد، فكنت أتعزى به قليلا، ~~ويخف بالرجاء له، والسرور به، بعض كربي وهمي بهؤلاء البنات. # قال أبو الطيب: وضرب الدهر من ضربه، وتقلب من تقلبه، وطال العهد بابن ~~طغج، وخرج في جملة تجريد جرد إلى الشام، وأنسيناه، وترجمت به الظنون، ~~وترامت به الأحوال، حتى بلغ أن يقلد مصر وأعمالها، وكان من علو شأنه، ~~وارتفاع ملكه، وحصول الأمر له، ولولده من بعده، ما كان، مما هو مشهور. # وكان قد طرأ إلى تلك الناحية أحد التجار الواسعي الأحوال، من جوارنا، ممن ~~كان يعرف ابن طغج على تلك الأحوال الأول، فلما كان بعد سنين، # PageV03P120 # عاد الرجل إلى الحضرة، فحدثنا بعظم أمر ابن طغج، واتساع ملكه. # وقال: رأيته غير الرجل الذي كنا نعرفه، مكانة، ورجاحة، وحين رآني قربني ~~وأكرمني، وما زال مستبشرا بي، يحادثني وأحادثه، ويسألني عن واحد واحد، من ~~بني شيرزاد، وغيرهم من الجيران، وأنا أخبره. # حتى قال في بعض قوله: الحمد لله الذي بيده الأمور، ما شاء فعل، يا فلان، ~~ألست ذاكرا ما كنت فيه ببغداد، من تلك الأحوال الخسيسة، وما كنت ألاقي من ~~الشدة، والفقر، والفاقة، والغرض بالعيش، والهم بأولئك البنات؟ قلت: نعم، يا ~~سيدي. # قال: والله لقد كنت أتمنى وأسأل الله أن يرزقني ابنا، فكلما اجتهدت في ~~ذلك جاءتني ابنة، حتى تكاملن في بيتي عشرا. # وكنت أتمنى منذ سن الحداثة أن أرزق دابة أبلق، واستشعر أني إذا ركبت ذلك؛ ~~فقد حصلت لي كل فائدة ونعمة؛ لشدة شهوتي لها، فما سهل الله لي ما طلبته من ~~هذا الباب ms337 أيضا شيئا. # وتكهلت، وعلت سني، وأنا على تلك الأحوال. # وضرب الدهر ضربه، وخرجت من بغداد، فابتدأ الإقبال يأتي، والإدبار ينصرف. # وكان الله، تعالى، يرزقني في كل سنة ابنا، ويقبض عني ابنة، حتى مات ~~البنات كلهن، ونشأ لي هؤلاء البنون، وأومأ إلى أحداث بين يديه كأنهم ~~الطواويس حسنا وجمالا. # PageV03P121 # ثم قال: وملكت من الخيل العتاق والبراذين والبغال والحمير البلق، ما لم ~~يملك أحد مثله، ولا اجتمع لأحد ما يقاربه، وأكثر من أن يحصى، وصار لغلمان ~~غلماني الكراع الكثير، فقم بنا حتى ندخل الإصطبلات، فتشاهدها، وتعجب. # فأخذ بيدي، ومشينا حتى دخلنا إلى إصطبل البلق، فما أشك، أنا عددنا من ~~صنوف الدواب البلق أكثر من خمس مائة رأس، ثم ضجرنا، وما زلنا نجتاز في ~~الإصطبل سنة سنة. # فيقول: هذا إصطبل الفلانيات، وهو يسأل صاحب كراعه، كم في هذا؟ فيقول: في ~~هذا خمس مائة، وفي هذا أربع مائة، ونحو ذلك. # PageV03P122 # ثم عدنا إلى المجلس، وقد أبهجني ما رأيت، وهو يحمد الله على تفضله ~~وإحسانه، ولازمته، وما فارقت داره حتى قضيت حوائجي، ونفعني، وأحسن إلي، وما ~~قصر، وعدت إلى الشام مكرما. # PageV03P123 ### || غريب الدار ليس له صديق # ذكر عن رجل كان بالبصرة، أنه كان ذا يسار، وتغيرت حاله، فخرج عن البصرة، ~~ثم عاد إليها وقد أثرى، فجعل يحدث بألوان لقيها إلى أن قال: تغيرت حالي، ~~إلى أن دخلت بغداد، غريبا، سليبا، لا أهتدي إلى مذهب ولا حيلة. # قال: فجعلت أسأل: أين السوق؟ أين الطريق؟ إلى أن ضجرت، فقلت وأنا مكروب: # غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله أين الطريق؟ # تعلق بالسؤال بكل صقع ... كما يتعلق الرجل الغريق # وجعلت أردد ذلك وأمشي، وإذا برجل مشرف من منظر، فقال لي: # ترفق يا غريب فكل عبد ... تطيف بحاله سعة وضيق # وكل مصيبة تأتي ستمضي ... وإن الصبر مسلكه وثيق # فخف ما بي، ورفعت رأسي إليه، وسألته عن خبره. # فقال: اصعد إلي أحدثك، فصعدت إليه. # فقال: وردت هذا البلد، وأنا غريب، فتحيرت، والله، كتحيرك، # PageV03P124 # إلى أن مررت بهذه الغرفة، فأشرف علي ms338 رجل كان فيها، لا أعرفه، فقال لي: ~~اصعد. # فصعدت، فأسكننيها، ثم تقلبت بي الأحوال، فابتعت الدار، وأثريت، وأنا ~~أتبرك بها، وأجلس فيها كثيرا، فلعلها أن تكون مباركة عليك أيضا، فإن لي ~~فيما سواها من الدور، مساكن تجذبني. # ففعلت، وأقبلت أحوالي، واحتجت إلى الاتساع، فانتقلت عنها. # PageV03P125 ### || عبد الله بن مالك الخزاعي يتسلم كتابا من الرشيد يخبره بمقتل جعفر البرمكي # وجدت في بعض الكتب: أن البرامكة قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي بالعداوة، ~~وكان الرشيد حسن الرأي فيه، فكانوا يغزونه به، حتى قالوا له: لا بد من ~~نكتبه. # فقال: ما كنت لأفعل هذا، ولكن أبعده عنكم. # فقالوا: ينفى. # فقال: لا، ولكن أوليه ولاية دون قدره، وأخرجه إليها. # فرضوا بذلك، فكتبوا له على حران والرها فقط، وأمروه بالخروج عن الخليفة. # قال عبد الله: فودعتهم واحدا واحدا، حتى صرت إلى جعفر لأودعه. # فقال لي: ما على الأرض عربي أنبل منك، يا أبا العباس، يغضب عليك الخليقة، ~~فيوليك حران والرها. # PageV03P126 # فقلت: فما ذنبي حتى غضب علي، وأي شيء جرى مني حتى أوجب الذي أن يفعل بي ~~هذا؟ قال: جزؤاك أن يضرب وسطك، وتصلب نصفا في جانب، ونصفا في جانب. # فقلت: العجب مني حيث صرت إليك، ونهضت، وخرجت. # وقطعت طريقي بالهم، والغم، مما دفعت إليه، وأني لا آمنهم، مع غيبتي، على ~~السعاية علي. # فبينما أنا في عشية يوم، على باب الدار التي نزلتها، جالسا على كرسي، إذ ~~أقبل إلي مولى لي، فقال لي سرا: قد قتل جعفر بن يحيى البرمكي. # فتوهمت أنه هو أمره بذلك ليجد علي حجة ينكبني بها، فبطحته، وضربته ثلاث ~~مائة مقرعة، وحبسته، وبت بليلة طويلة على السطح في داري. # فلما كان في السحر، إذا صوت حلق البريد، فارتعت، ونزلت عن السطح. # وقلت في نفسي: إن هجم علي صاحب البريد فهي بلية، وإن ترجل لي ففرج. # فلما بصر بي صاحب البريد ترجل لي، فطابت نفسي، ودفع إلي كتابا من الرشيد، ~~يخبرني فيه بقتله جعفر، وقبضه على البرامكة، ويأمرني بالشخوص إلى حضرته. # فشخصت، فلما ms339 وصلت إليه؛ عاملني من الإكرام والإنعام بما زاد على أمنيتي. # PageV03P127 # وخرجت فأتيت الجسر، فوجدت جعفرا، قد ضرب وسطه، وصلب نصفه في جانب، ونصفه ~~في الجانب الآخر. # PageV03P128 ### || نجاح بن سلمة ينصح سليمان بن وهب برغم ما بينهما من عداوة # حكي أن الواثق سخط على سليمان بن وهب، فرده إلى محمد بن أبي إسحاق، وأمره ~~أن يأخذ خطه بثلاثة آلاف ألف درهم، يؤديها بعد خمسة عشر يوما، فإن أذعن ~~لذلك، وإلا ضربه خمس مائة سوط. # فطالبه محمد بكتب الخط، فامتنع، فدعا له بالسياط، وجرد لضربه. # ودخل نجاح بن سلمة، فلما رآه سليمان أيقن بالموت، واستغاث به سليمان. # فقال نجاح لمحمد: خله، وأخلني وإياه، ففعل. # فقال نجاح لسليمان: أتعلم أن في الدنيا أحدا أعدى لك مني؟ قال: لا. # قال: فهوذا أحامي عنك اليوم لأجل الصناعة، أيما أحب إليك وآثر # PageV03P129 # في نفسك؛ أن تموت الساعة بلا شك، أو يكون ذلك إلى خمسة عشر يوما، قد يفرج ~~الله فيها عنك؟ قال: بلى أكون إلى خمسة عشر يوما بين الأمرين. # قال: فاكتب خطك بما طولبت به. # فكتب خطه. # قال سليمان: فما مضت ستة أيام، حتى مات الخليفة، وبطل ذلك المال. # وصار نجاح بن سلمة بمشورته تلك على سليمان، أحب إليه من أخيه وولده، ~~وزالت العداوة من بينهما. # قال مؤلف الكتاب: هذا الخبر عندي أنه مضطرب؛ لأشياء كثيرة، ولكني كتبته، ~~كما وجدته، وقد مضى فيما تقدم من هذا الكتاب خبر نكبة الواثق لسليمان بن ~~وهب، بما هو أصح من هذه الحكاية. # PageV03P130 ### || المعتمد يأمر بقطع يد غلام من غلمانه ثم يعفو عنه # بلغني أن أبا محمد بن حمدون، قال: اشتهى المعتمد أن يتخذ له فرش ديباج، ~~بستوره وجميع آلاته، على صورة صورها، وألوان اقترحها. # فعمل ذلك بتنيس، وحمل إليه، فسر به غاية السرور، وتقدم، فنجد، ونضد، ~~ونصب، وأحضرني والندماء، وهو يأكل فيه، فما منا إلا من وصفه واستحسنه، ثم ~~قام لينام وينتبه، فيشرب فيه، وصرفنا. # فما شعرنا إلا وقد امتلأت الدار ضجة وصياحا، ودعا بنا، فوجدناه يزأر ~~كالأسد. ms340 # وإذا نصف ستر من تلك الستور قد قطع، وهو يقول: ليس بي قطعة، ولا قيمته؛ ~~لأنه يمكنني أن أستعمل مكانه، وإنما بي أنه نغص علي السرور به أول يوم، ~~واجترأ علي بمثل هذا الفعل، وأصعب من هذا أنه # PageV03P131 # قطعه وأنا أراه، وغاص الذي قطعه عن عيني فلم أثبته. # ثم دعا بنحرير الخادم وحلف له بأيمان مغلظة، أنه إن لم يبحث إلى أن يحضر ~~الجاني، ليضربن عنقه، وجلس على حاله مغضبا. # ومضى نحرير، فما أبعد حتى أحضر صبيا من الفراشين، كأنه البدر حسنا، وقطعة ~~الديباج معه، وقد أقر بقطعها، واعتذر، وبذل التوبة، وهو يبكي، ويسأل ~~الإقالة. # فلم يسمع المعتمد منه ذلك، وأمر نحرير أن يخرجه، فيقطع يده، فأخرج، وما ~~منا إلا من آلمه قلبه عليه؛ لملاحة وجهه، وصغر سنه، وليس منا من يجسر على ~~مسألة المعتمد فيه، ونحن قيام سكوت. # حتى صرخ المعتمد على الله من يده صراخا عظيما وتأوه، وقال: قد دخل شيء في ~~أصبعي الساعة، وزاد الألم عليه، وجيء بمن رآها، فأحضر منقاشا، فأخرجت من ~~إصبعه شظية من قصب كالشعرة، فما ندري مم يتعجب، من صغرها؟ أو من دخولها في ~~لحمه مع ضعفها؟ أو من شدة إيلامها إياه، ومن كونها فوق الديباج ساعة طرح ~~ونفض؟ فلما استراح؛ قال: يا قوم، إن كان هذا القدر اليسير قد آلمني هذا ~~الألم الكثير، فما حال هذا الصبي الذي أمرنا بقطع يده؟ قلنا: أسوأ حال ~~وأشدها، فيجب أن تجعل العفو عنه شكرا لما كفيته. # فقال: ابعثوا إلى نحرير من يلحقه، فإن كان لم يقطعه؛ منع من قطعه. # فتسابق الغلمان، فلحقوه، والزيت يغلي، وقد مدت يده لتقطع، فخلوه، وسلم. # PageV03P132 ### || مروءة عدي بن الرقاع العاملي # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: ~~حدثنا أحمد بن جرير، عن محمد بن سلام، قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة ~~بن عبد الله بن عبد الرحمن عن الأردن، وضربه، وحلقه، وأقامه للناس. # وقال للموكلين به: من أتاه متوجعا، وأثنى عليه؛ فأتوني به. # فأتاه ms341 عدي الرقاع العاملي، وكان عبيدة محسنا إليه، فوقف عليه، وأنشأ ~~يقول: # وما عزلوك مسبوقا ولكن ... إلى الغايات سباقا جوادا # وكنت أخي وما ولدتك أمي ... وصولا باذلا لا مستزادا # PageV03P133 # فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا # فوثب الموكلون به، فأدخلوه إلى الوليد، وأخبروه بما جرى. # فتغيظ عليه الوليد، وقال له: أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت؟ قال: يا ~~أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسنا، ولي مؤثرا، ففي أي وقت كنت أكافئه بعد ~~هذا اليوم؟ قال: صدقت، وكرمت، وقد عفوت عنك وعنه لك، فخذه وانصرف. # فانصرف به إلى منزله. # PageV03P134 ### || غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية؟ # 3: 135 52 - أخبرني محمد بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي غسان البصري، قال: ~~حدثنا أبو خليفة، قال: أخبرنا محمد بن سلام. # قال محمد بن الحسن: وأخبرني علي بن الحسين الأصبهاني، قال: أخبرني عبد ~~العزيز بن أحمد، عم أبي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثتني ظمياء بنت ~~عبد العزيز بن مولة، قالت: كان عامر بن الطفيل فارس قيس، وكان عميقا، وكان ~~أعور. # وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قد رمي منه، ومن أربد، أخي لبيد بن ~~ربيعة، بما أهمه، عليه السلام؛ # PageV03P135 # وذلك أنهما أتياه، فلقيهما، فوسد عامرا وسادة، وقال: «أسلم، يا عامر» . # قال: على أن تجعل لي الوبر، ولك المدر؟ فأبى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. # قال: فعلى أن تجعلني الخليفة بعدك، إن أنا أسلمت؟ قال: «لا» . # قال: فما الذي تجعل لي؟ قال: «أعنة الخيل، تقاتل عليها في سبيل الله» . # قال: أوليست أعنة الخيل بيدي اليوم؟ وولى عامر مغضبا، وهو يقول: لأملأنها ~~عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطن على كل نخلة فرسا. # وقال عامر لأربد: إما أن تقتله وأكفيكه، وإما أن أقتله واكفنيه. # قال أربد: اكفنيه، وأنا أقتله. # فانصرفا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: إن لي إليك حاجة. # قال: «اقترب» . # فاقترب حتى حنى على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسل أربد سيفه، وأبصر ~~رسول الله بريقه، فتعوذ ms342 منه بآية من كتاب الله، تعالى، فأعاذه الله منه، ~~ويبست يده على السيف، فلم يقدر على شيء. # فلما رأى عامر أربد لا يصنع شيئا؛ انصرف عن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال لأربد: ما منعك منه؟ قال: إني لما سللت بعض سيفي؛ يبست يدي، فوالله ~~ما قدرت على سله. # PageV03P136 # قال ابن سلام: وذكر بعضهم أنه قال: لما أردت سل سيفي؛ نظرت فإذا فحل من ~~الإبل قطم، فاغر فاه، بين يديه، يهوي إلي، فوالله، لو سللته لخفت أن يبتلع ~~رأسي. # ثم دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: «اللهم، أرحني منهما، ~~واكفنيهما» . # فأما أربد؛ فأرسل الله، تعالى، عليه صاعقة، فأحرقته. # وأما عامر؛ فطعن في عنقه، فأخذته غدة كغدة الجمل، فلجأ إلى بيت امرأة من ~~سلول. # فلما غشيه الموت؛ جعل يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية! ثم ~~مات. # وفي أربد نزل قوله، تعالى: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون ~~في الله وهو شديد المحال} [الرعد: 13] # وفي أربد يقول لبيد أخوه # PageV03P137 # أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماء والأسل # أفجعني الرعد والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة النجل. # PageV03P138 ### || خرج ليغير فوقع على زيد الخيل # أخبرني محمد بن الحسن، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا ابن ~~دريد، بإسناد ذكره عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: أخبرني شيخ من ~~بني شيبان، قال: أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله ~~حتى أنزلهم الحيرة. # وقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصيبكم من خيره، إلى أن أرجع إليكم. # وخرج على وجهه لما قد حل به، يؤمل أن يكسب ما يعود به على عياله، وقد ~~جهده الفقر، وبلغ به الطوى. # فحدث، قال: مشيت يوما وليلة، بحيث لا أدري إلى أين أتوجه، غير أني أجوب ~~في البلاد. # فلما كان من الغد عشاء، إذا بمهر مقيد حول خباء، فقلت: هذا أول الغنيمة. # فحللته، فلم أذهب إلا قليلا، حتى نوديت: خل عن المهر، وإلا اختلجت مهجتك. # قال: فنزلت عنه، وتركته، ms343 ومضيت وقد تحيرت في أمري، واغتممت غما شديدا. # فسرت سبعة أيام، حتى انتهيت إلى موضع عطن أباعر، مع تطفيل الشمس، فإذا ~~خباء عظيم، وقبة من أدم. # PageV03P139 # فقلت: ما لهذا الخباء بد من أهل، وما لهذه القبة بد من رب، وما لهذا ~~العطن بد من إبل. # فنظرت في الخباء فإذا شيخ قد اختلفت ترقوتاه، وكأنه نسر. # قال: فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس، إذا أنا بفارس قد أقبل، لم أر قط ~~فارسا أجمل منه، ولا أجسم، على فرس عظيم، ومعه أسودان يمشيان إلى جنبيه، ~~وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، وبركن حوله. # ونزل الفارس، وقال لأحد عبديه: احلب فلانة، ثم اسق الشيخ. # قال: فحلب في عس حتى ملأه، ثم جاء به فوضعه بين يدي الشيخ، وتنحى. # فكرع منه مرة، أو مرتين، ثم نزع، فثرت، فشربته. # فرجع العبد، فأخذ العطس، فقال: يا مولاي، قد أتى على آخره. # قال: ففرح بذلك، وقال: احلب فلانة، فحلبها، ثم جاء بالعس، فوضعه بين يدي ~~الشيخ. # فكرع منه كرعة واحدة، ثم نزع فثرت إليه، فشربت نصفه، وكرهت أن أتهم، إن ~~أتيت على آخره. # ثم جاء العبد، وأخذ العس، وقال: يا مولاي، قد شرب. # قال: دعه، ثم أمر بشاة، فذبحت، وشوى للشيخ منها، وأكل هو وعبداه. # فأمهلت حتى ناموا، وسمعت الغطيط، فثرت إلى الفحل، فحللت عقاله، # PageV03P140 # ثم ركبته، فاندفع بي، واتبعته الإبل، فسللتها ليلتي كلها حتى أصبحت. # فلما أسفر الصبح، نظرت فلم أر أحدا، فسللتها سلا عنيفا، حتى تعالى ~~النهار، فالتفت التفاتة، فإذا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبينته، ~~فإذا هو فارس على فرس، وإذا هو صاحبي البارحة. # فعقلت الفحل، ونثلت كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل. # فدنا مني، وقال: حل عقاله. # فقلت: كلا، والله، لقد أضر بي الجهد، وخلفت نسيات، وصبية بالحيرة، وآليت ~~أن لا أرجع إليهن إلا بعد أن أفيدهن خيرا، أو أموت. # قال: فإنك ميت، حل عقاله. # قلت: هو ذاك. # قال: إنك لمغرور، أنصب لي خطامه، وفي خطامه خمس عجر، فنصبته. # قال: أين ms344 تريد أن أضع سهمي؟ قلت: في هذا الموضع. # قال: فكأنما وضعه بيده، حتى والى بين خمسة أسهم. # قال: فرددن نبلي، ودنا هو، فأخذ القوس والسيف. # وقال: ارتدف خلفي، ففعلت. # فقال لي: وقد عرف أني أنا الذي شربت اللبن عند الشيخ: ما ظنك بي؟ قلت: ~~أحسن الظن، مع ما لقيت مني من تعب ليلتك، وقد أظفرك الله بي. # PageV03P141 # فقال: أترى كنا يلحقك منا سوء، وقد بت تنادم مهلهلا ليلتك. # قلت: زيد الخيل أنت؟ قال: نعم، أنا زيد الخيل. # قلت: كن خير آخذ. # قال: ليس عليك بأس. # فمضى إلى موضعه الذي كان به، ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها ~~إليك، ولكنها لابنة مهلهل، فأقم عندي، فإني على شرف غارة. # فأقمت أياما، ثم أغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير. # فقال: هذه أحب إليك، أم تلك؟ فقلت: هذه، فأعطانيها. # قال: فقلت: ابعث معي خفراء، ففعل. # وعدت إلى وطني، وفرج الله بكرمه عني، وأصلح حالي. # PageV03P142 ### || منع الله سوارا من الطعام والشراب وجاء به حتى أقعده بين يديك # ذكر محمد بن إسحاق بن أبي العشير، عن إسحاق بن يحيى بن معاذ، وقال: حدثني ~~سوار، صاحب رحبة سوار، قال: انصرفت من دار المهدي، فلما دخلت منزلي؛ دعوت ~~بالغداء، فحاشت نفسي، فأمرت به فرد. # ثم دعوت بالنرد، ودعوت جارية لي ألاعبها، فلم تطب نفسي بذلك، ودخلت ~~القائلة، فلم يأخذني النوم. # فنهضت، وأمرت ببغلة لي شهباء، فأسرجت، فركبتها، فلما خرجت استقبلني وكيل ~~لي ومعه ألفا درهم. # فقلت له: ما هذا؟ فقال: ألفا درهم، جبيتها من مستغلك الجديد. # قال: قلت: أمسكها معك، واتبعني. # قال: ومضيت، وخليت رأس البغلة، حتى عبرت الجسر، ثم مضت بي في شارع دار ~~الرقيق، حتى انتهيت إلى الصحراء، ثم رجعت إلى # PageV03P143 # باب الأنبار، فطوفت، فلما صرت في شارع باب الأنبار؛ انتهيت إلى باب دار ~~لطيف، عنده شجرة، وعلى الباب خادم، فوقفت، وقد عطشت. # فقلت للخادم: أعندك ما تسقينيه؟ قال: نعم، فأخرج قلة نظيفة طيبة الريح، ~~عليها منديل، فناولنيها، فشربت. # وحضر وقت ms345 العصر، فدخلت مسجدا، فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي، إذا أنا بأعمى ~~يتلمس. # قلت: ما تريد يا هذا؟ قال: إياك أريد. # قلت: وما حاجتك؟ فجاء، حتى قعد إلي، فقال: شممت منك رائحة الطيب، فتخيلت ~~أنك من أهل النعمة، فأردت أن ألقي إليك شيئا. # PageV03P144 # فقلت: قل. # قال: أترى هذا القصر؟ قلت: نعم. # قال: هذا قصر كان لأبي، فباعه، وخرج إلى خراسان، وخرجت معه، فزالت عنا ~~النعمة التي كنا فيها، فأتيت صاحب الدار؛ لأسأله شيئا يصلني به، فإني في ~~ضنك شديد، وضغطة عظيمة، ورزوح حال قبيح، وأصير إلى سوار، فإنه كان صديقا ~~لأبي. # قلت: ومن أبوك؟ قال: فلان بن فلان، فإذا أصدق الناس، كان، لي. # فقلت: يا هذا، إن الله قد أتاك بسوار، منعه الطعام والشراب والنوم، حتى ~~جاء به فأقعده بين يديك. # ثم دعوت الوكيل، وأخذت منه الألفي درهم، فدفعتها إليه، وقلت له: إذا كان ~~غدا، فصر إلي، إلى المنزل. # ثم مضيت، فقلت: ما أحدث المهدي بشيء أطرف من هذا، فأتيته، فاستأذنت عليه، ~~فأذن لي، فحدثته بالحديث، فأعجب به، وأمر لي بألفي دينار، فأحضرت. # فقال لي: ادفعها إليه. # قال: فنهضت، فقال لي: اجلس، أعليك دين؟ قلت: نعم. # قال: كم مبلغه؟ قلت: خمسون ألف دينار. # فقال: تحمل إليك، فاقض بها دينك، فقبضتها. # فلما كان من الغد؛ أبطأ علي المكفوف، وأتاني رسول المهدي، يدعوني، فجئته. # PageV03P145 # فقال: فكرت في أمرك، فقلت: يقضي دينه، ثم يحتاج إلى الحيلة والقرض، وقد ~~أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى. # قال: فقبضتها، وانصرفت. # فجاءني المكفوف، فدفعت إليه الألفي دينار، وقلت له: قد رزق الله خيرا ~~كثيرا، وأعطيته من مالي ألفي دينار أخرى، فقبض أربعة آلاف دينار، ودعا لي، ~~وقال: والله، ما ظننت أني أصل منك، ولا من أحد من أهل هذه البلاد، إلى عشر ~~هذا المال، فجزاك الله خيرا. # PageV03P146 ### || عروة بن أذينة يفد على هشام بن عبد الملك # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري، عن يحيى بن ~~عروة بن أذينة، قال: أضاق أبي إضاقة شديدة، وتعذرت ms346 عليه الأمور، فعمل شعرا ~~امتدح به هشام بن عبد الملك. # ودخل عليه في جملة الشعراء، فلما دخلوا عليه؛ نسبهم، فعرفهم جميعا، وقال ~~لأبي: أنشدني قولك: لقد علمت. . . .، فأنشده: # PageV03P147 # لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنيني # وأي حظ امرئ لا بد يبلغه ... يوما ولا بد أن يحتازه دوني # لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وعلقة من قليل العيش تكفيني # لا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا ديني # أقوم بالأمر إما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني # كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكين # وكم عدو رماني لو قصدت له ... لم يأخذ البعض مني حين يرميني # وكم أخ لي طوى كشحا فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطويني # لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني # فقال هشام: ألا جلست في بيتك، حتى يأتيك رزقك؟ قال: وغفل عنه هشام، فخرج ~~من وقته، وركب راحلته، ومضى منصرفا. # فافتقده هشام، فسأل عنه، فعرف خبره، فأتبعه بجائزة. # PageV03P148 # فمضى الرسول، فلحقه على ثلاثة فراسخ، وقد نزل على ماء يتغدى عليه. # فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: أردت أن تكذبنا، وتصدق نفسك؟ هذه ~~جائزتك. # فقال: قل له: قد صدقني الله، وأتاني برزقي بحمده. # قال يحيى: وفرض له فريضتين، كنت في إحداهما. # PageV03P149 ### || أبو أيوب المورياني يجيز ابن شبرمة بخمسين ألف درهم # قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا أسمع، في المسجد الجامع بالبصرة، حدثكم ~~الغلابي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن ميثم، وقد كان جاز ~~المائة سنة، قال: سمعت ابن شبرمة، يقول: زوجت ابني على ألفي درهم، وما هي ~~عندي، فطولبت بها، فصرت إلى أبي أيوب المورياني، فقلت له: إني اخترتك ~~لحاجتي، وعرفته خبري، فأمر لي بألفي درهم، فشكرته وقمت. # فقال: اجلس، ألا تريد خادما؟ قال: فقلت: إن رزق الله. # قال: وهذه ألفان لخادمك، ألا تريد نفقة؟ ms347 ألا تريد كذا؟ ، وجعل يعدد ~~ويعطيني. # حتى قمت على خمسين ألف درهم، وصلني بها. # ذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه، هذا الخبر، بلا إسناد، على قريب من ~~هذا. # PageV03P150 ### || الواثق يطرد أحمد بن الخصيب من حضرته ثم يعفو عنه # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك الكاتب، وكان ~~يعرف ب: الديناري؛ لما بين أبيه الحسن بن رجاء، وبين دينار بن عبد الله، من ~~القرابة، فإنهما كان ابني خالة، على ما أخبرني، قال: حدثني أبو عيسى محمد ~~بن سعيد الديناري الكاتب، جد أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن مقلد لأمه، ~~قال: لما تخلص أبو أيوب سليمان بن وهب من نكبة المعتمد، وكنت أكتب له، وجلس ~~في منزله؛ أمرني أن أكتب إلى العمال الذين ضياعه في أعمالهم، كتبا أعرفهم ~~فيها رجوع الخليفة له، وتبينه باطل ما أنهي إليه، وحمل به عليه، # PageV03P151 # وأخاطبهم عنه في أمر ضياعه وأسبابه. # فكتبت نسخة، قلت فيها: إن أمير المؤمنين، أعزه الله، لما وقف على تمويه ~~من موه عليه في أمرنا؛ فعل وصنع. # فلما وقف على هذا الفصل؛ خط على هذا الحرف، وأبدله بغيره، ولم يغير في ~~النسخة سواه. # وقال لي: إذا فرغت من تحرير الكتب، فأذكرني بالتمويه، أحدثك بما كرهته ~~له. # قال: فحررت الكتب، فلما خلا؛ سألته: لم ضرب على التمويه؟ فقال: نعم لما ~~غضب علي الواثق، وعلى أحمد بن الخصيب؛ بسبب إيتاخ، وأشناس، كانت موجدته ~~علينا بسبب واحد، وحبسه لنا في معنى واحد، فمكثنا في الحبس والقيد، إلى أن ~~كلم فينا، فأمر بإحضارنا. # فقلت لأحمد بن الخصيب: قد دعانا، وأظن أنه سيوبخنا، ويعدد علينا ما قرفنا ~~به عنده؛ ليخرج ما في نفسه، فيعظم منته علينا، بما يأتيه من إطلاقنا، وأعرف ~~عجلتك، وتسرعك إلى ما يضرك، وكأني بك حين يبتدئ # PageV03P152 # بتقريعنا، قد قطعت كلامه، وأنحيت عليه بلسانك ويديك، فأنشأت لنا استئناف ~~غضب وموجدة، وأكسبتنا شرا مما قد أملنا الخلاص منه. # فقال لي: فما أعمل؟ قلت: لست أحسبك تتهمني على نفسي ولا عليك، ms348 ولا تشك ~~أننا حبسنا لقضية واحدة، فولني جوابه، وأعرني سكوتك، ودعني أرفق به، وأخدعه ~~بما تخدع به الملوك، فلعلنا نتخلص من المكروه الذي نحن فيه. # قال: افعل. # فاستحلفته على ذلك، فحلف لي. # فلما دخلنا الصحن؛ وجدنا الخليفة يستاك، وبين يديه طست ذهب، وإبريق ذهب، ~~بيد فراش قائم، وبيد الخليفة مسواك طوله ذراعان. # فلما رآنا، قال: أحسنت إليكما واصطنعتكما، فخنتماني، وكفرتما نعمتي، ~~وفعلتما، وصنعتما. # فكأني، والله، إنما أوصيت أحمد بن الخصيب، ألا يدعه ينطق. # فقال له، وقد رفع يديه في وجهه: لا والله يا أمير المؤمنين، ما بلغك عنا ~~الحق، ولا فعلنا شيئا مما سعي بنا، ولقد موه عليك في أمرنا. # فقال: إنما يموه على غبي مثلك، فأومأت إليه بعيني، فأمسك بعض الإمساك. # وعاد الواثق يتمم كلامه، ويعد علينا نعمه ومننه، فما ملك أحمد نفسه، أن ~~رفع يده، وقال: والله يا أمير المؤمنين، ما كفرنا نعمتك، ولا فعلنا، ولا ~~صنعنا، إنما موه على أمير المؤمنين في أمرنا. # PageV03P153 # فقال: يا جاهل، قد عدت لها، إنما يجوز التمويه على أحمق مثلك، وأومأت ~~إليه بعيني، فأمسك. # وعاد الواثق في كلامه، فما انضبط أحمد أن رد قوله، وجاء بالتمويه. # فحين سمعها الواثق، انقلبت عيناه في أم رأسه، واستشاط غضبا، وأغلظ له في ~~الشتم، وحذفه بالمسواك، فلولا أنه زاغ عنه؛ لهشم وجهه، وأعمى عينه. # ثم قال: يا غلمان، أخرجوه إلى لعنة الله، فأخرج أخزى خلق الله. # ونالني من الجزع والغم والحيرة في أمره أمر عظيم، ولم أدر أقف، أم أمضي، ~~وخفت إن وقفت أن يقول: ما وقوفك بين يدي، وقضيتكما واحدة؟ وإن مضيت أن نرد ~~جميعا إلى الحبس، فرجعت أتقهقر عن موضعي قليلا، كأني أريد الخروج. # فقال لي: مكانك أنت يا سليمان، هب هذا على ما هو عليه، أنت أيضا، تنكر ~~أنك فعلت كذا، وصنعت كذا! فوجدت السيل إلى ما أردت، فلم أزل أعترف، وألزم ~~نفسي الجناية، وأديم الخضوع والاستعطاف، وأسأل الصفح والإقالة، إلى أن قال: ~~قد عفوت عنك، فقبلت الأرض، وبكيت. # فقال: اخلعوا عليه، واصرفوه ms349 إلى منزله، وليلزم الدار على عادته ورسمه. # فلما وليت؛ قال: وذلك الكلب، قد كنت أردت العفو عنه، فأخرجني عن حلمي سوء ~~أدبه، فاخلعوا عليه أيضا. # فخرجت، وإذا بأحمد في بعض الممرات، فعرفته الخبر، ثم قلت له: يا هذا، كدت ~~أن تأتي علينا، أرأيت أحدا يكرر على الخليفة لفظة قد كرها، وأنكرها، ثلاث ~~مرات؟ أوما علمت أن التمويه في الحقيقة ضرب من السخرية؟ قال: فلم يخرج من ~~قلبي فزع التمويه، من ذلك الوقت، إلى الآن. # PageV03P154 ### || غضب الرشيد على مروان بن أبي حفصة لمدحه معن بن زائدة وضربه مائة سوط # حدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسطي السراج المكفوف، المعروف ب: أبي ~~أحمد الحارثي، قال: حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، ~~عن عمه، قال: بعث إلي الرشيد في وقت لم تكن عادته أن يستدعيني في مثله، ~~وجاءني الرسول بوجه منكر، فأحضرني إحضارا عنيفا منكرا مستعجلا، فوجلت وجلا ~~شديدا، وخفت، وجزعت. # فدخلت، فإذا الرشيد على بساط عظيم، وإلى جانبه كرسي خيزران، عليه جويرية ~~خماسية، فسلمت، فلم يرد علي، ولا رفع رأسه إلي، وجعل ينكت الأرض بإصبعه. # فقلت: سعي بي عنده بباطل، يهلكني قبل كشفه، وأيست من الحياة. # فرفع رأسه، وقال: يا أصمعي، ألا ترى الدعي ابن الدعي، اليهودي، عبد بني ~~حنيفة، مروان بن أبي حفصة، يقول لمعن بن زائدة، وإنما هو عبد من عبيدنا: # PageV03P155 # أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما لا نريد به زيالا # وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا؟ # وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا # فقال: إن النوال قد ذهب، مع بقائنا، فما يصنع بنا إذن؟ ولم يرض حتى جعلني ~~وخاصتي عيالا لمعن، والله، لأفعلن به ولأصنعن. # فقلت: يا أمير المؤمنين، عبد من عبيدك، أنت أولى بأدبه، أو العفو عنه. # فقال: علي بمروان، فدخل عليه. # فقال: السياط، فأخذ الخدم يضربونه بها، وهو يصيح: يا أمير المؤمنين، ما ~~ذنبي؟ يا أمير المؤمنين، استبقني، إلى أن ضرب أكثر من مائة سوط. # فقال: يا ms350 أمير المؤمنين، اعف عني، واذكر قولي فيك، وفي آبائك. # فقال: يا غلام، كف عنه، ثم قال: ما قلت، يا كلب؟ فأنشده قصيدته التي يقول ~~فيها: # هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أم تسترون هلالها؟ # PageV03P156 # أم تدفعون مقالة عن ربه؟ ... جبريل بلغها النبي فقالها # شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها # فدعوا الأسود خوادرا في غيلها ... لا تولغن دماءكم أشبالها # قال: فأمر بإطلاقه، وأن يدفع إليه ثلاثون ألف درهم. # فلما خرج؛ قال: يا أصمعي، تدري من هذه الصبية؟ قلت: لا أدري. # قال: هذه مؤنسة بنت أمير المؤمنين، فدعوت له ولها، وتأملته، فإذا هو شارب ~~ثمل. # قال: قم فقبل رأسها. # فقلت: أفلت من واحدة، ودفعت إلى أخرى أشد منها، إن أطعته أدركته الغيرة ~~فقتلني، وإن عصيته قتلني بمعصيتي له، فلما أحب الله، عز وجل، من تأخير ~~أجلي، ألهمني أن وضعت كمي على رأسها، وقبلت كمي. # فقال: والله يا أصمعي، لو أخطأتها لقتلتك، أعطوه عشرة آلاف درهم، والحق ~~بدارك. # فخرجت وأنا ما أصدق بالسلامة، فكيف بالحباء والكرامة. # PageV03P157 ### || أمدح بيت قالته العرب # قال المفضل بن محمد الضبي: أصبحت يوما ببغداد، في خلافة المهدي، وأنا من ~~أشد الناس إضاقة وضرا، لا أدري ما أعمل، حيرة وفكرا. # فخرجت فجلست على باب منزلي بالصراة، أفكر فيما أصنع، فإذا أنا برسول ~~المهدي، قد وقف علي. # فقال: أجب أمير المؤمنين، فراعني، وساء ظني. # فقلت: أدخل، فألبس ثيابي. # فقال: ما إلى ذلك سبيل. # فاشتد جزعي، وخشيت أن يأخذني بما كان بيني وبين إبراهيم بن عبد الله بن ~~حسن بن حسن، رضي الله عنهم. # فاستدعيت ثيابي، وجددت وضوءا على الباب، ولم أخبر أهلي بقصتي، # PageV03P158 # ولا بما هجم من الغم علي. # وقلت: إن كان خيرا، أو شرا، فسيبلغهم، فما معنى تعجيل الهم لهم؟ ومضيت مع ~~الرسول، حتى دخلت على المهدي، وأنا في نهاية الجزع، فسلمت، فرد علي السلام. # فقلت في نفسي: ليس إلا خيرا. # فقال: له اجلس يا مفضل، فجلست. # فقال: أخبرني عن أمدح بيت قالته العرب. # فتبلدت ساعة، لا أذكر ms351 شيئا، ثم أجرى الله على لساني، أن قلت: قول ~~الخنساء. # فأشرق وجهه، وقال: حيث تقول ماذا؟ فقلت: حيث تقول: # وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # فاستبشر به، وقال: قد أخبرت هؤلاء بهذا، وأومأ إلى جماعة بين يديه، فلم ~~يقبلوا مني. # قلت: كان أمير المؤمنين أحق بالصواب منهم. # قال: يا مفضل، حدثني الآن. # قلت: أي الأحاديث؟ # PageV03P159 # قال: أحاديث الأعراب. # فلم أزل أحدثه، بأحسن ما أحفظ منها، إلى أن كاد المنادي بالظهر أن ينادي. # ثم قال لي: كيف حالك، يا مفضل؟ قلت: ما يكون حال رجل عليه عشرون ألف درهم ~~دينا حالا، وليس في رزقه فضل لقضائها، وقصصت عليه قصة حالي ويومي في ~~الإضافة. # فقال: يا عمر بن بزيع، ادفع إليه الساعة عشرين ألف درهم يقضي بها دينه، ~~وعشرين ألف درهم يصلح بها حاله، وعشرين ألف درهم يجهز بها بناته، ويوسع بها ~~على عياله. # ثم قال: يا مفضل، ما أحس ما قال ابن مطير، في مثل حالك: # وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيها ... فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها # وكم قد رأينا من تكدر عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها # فأخذت المال، وانصرفت إلى بيتي بستين ألف درهم، بعد الإياس، وتوطين النفس ~~على ضرب الرقبة. # PageV03P160 ### || بين الأصمعي والبقال الذي على باب الزقاق # وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي، قال: كنت بالبصرة أطلب العلم، وأنا مقل، ~~وكان على باب زقاقنا بقال، إذا خرجت باكرا؛ يقول لي: إلى أين؟ فأقول: إلى ~~فلان المحدث، وإذا عدت مساء؛ يقول لي: من أين؟ فأقول: من عند فلان ~~الأخباري، أو اللغوي. # فيقول: يا هذا، اقبل وصيتي، أنت شاب، فلا تضيع نفسك، واطلب معاشا يعود ~~عليك نفعه، وأعطني جميع ما عندك من الكتب، حتى أطرحها في الدن، وأصب عليها ~~من الماء للعشرة أربعة، وأنبذه، وأنظر ما يكون منه، والله، لو طلبت مني، ~~بجميع كتبك، جرزة بقل، ما أعطيتك. # فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام، حتى كنت أخرج من بيتي ms352 ليلا، وأدخله ~~ليلا، وحالي، في خلال ذلك، تزداد ضيقا، حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري، ~~وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي، وطال شعري، وأخلق ثوبي، واتسخ بدني. # فأنا كذلك متحيرا في أمري، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي، ~~فقال: أجب الأمير. # PageV03P161 # فقلت: ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى؟ فلما رأى سوء حالي، ~~وقبح منظري؛ رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري، وعاد إلي، ومعه تخوت ثياب، ~~ودرج فيه بخور، وكيس فيه ألف دينار. # وقال: قد أمرني الأمير أن أدخلك الحمام، وألبسك من هذه الثياب، وأدع ~~باقيها عندك، وأطعمك من هذا الطعام، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الأطعمة، ~~وأبخرك؛ لترجع إليك نفسك، ثم أحملك إليه. # فسررت سرورا شديدا، ودعوت له، وعملت ما قال، ومضيت معه، حتى دخلت على ~~محمد بن سليمان، فسلمت عليه، فقربني، ورفعني. # ثم قال: يا عبد الملك، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين، فاعمل على ~~الخروج إلى بابه، وانظر كيف تكون؟ فشكرته ودعوت له، وقلت: سمعا وطاعة، ~~سأخرج شيئا من كتبي وأتوجه. # فقال: ودعني، وكن على الطريق غدا. # فقبلت يده، وقمت، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي، وجعلت باقيها # PageV03P162 # في بيت وسددت بابه، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا، تحفظها. # وباكرني رسول الأمير محمد بن سليمان، وأخذني، وجاء بي إلى زلال قد اتخذ ~~لي، وفيه جميع ما أحتاج إليه، وجلس معي ينفق علي، حتى وصلت إلى بغداد. # ودخلت على أمير المؤمنين الرشيد، فسلمت عليه، فرد علي السلام. # وقال: أنت عبد الملك بن قريب الأصمعي. # قلت: نعم، أنا عبد أمير المؤمنين بن قريب الأصمعي. # قال: اعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه، وثمرة فؤاده، وهوذا أسلم إليك ابني ~~محمدا بأمانة الله، فلا تعلمه ما يفسد عليه دينه، فلعله أن يكون للمسلمين ~~إماما. # قلت: السمع والطاعة. # فأخرجه إلي، وحولت معه إلى دار، قد أخليت لتأديبه، وأخدم فيها من أصناف ~~الخدم والفرش، وأجري علي في كل شهر عشرة آلاف درهم، وأمر أن تخرج إلي في كل ms353 ~~يوم مائدة، فلزمته. # وكنت مع ذلك، أقضي حوائج الناس، وآخذ عليها الرغائب، وأنفذ جميع ما يجتمع ~~لي، أولا فأولا، إلى البصرة، فأبني داري، وأشتري عقارا وضياعا. # فأقمت معه، حتى قرأ القرآن، وتفقه في الدين، وروى الشعر واللغة، وعلم ~~أيام الناس وأخبارهم. # PageV03P163 # واستعرضه الرشيد، فأعجب به، وقال: يا عبد الملك، أريد أن يصلي بالناس، في ~~يوم الجمعة، فاختر له خطبة، فحفظه إياها. # فحفظته عشرا، وخرج، فصلى بالناس، وأنا معه، فأعجب الرشيد به، وأخذه نثار ~~الدنانير والدراهم من الخاصة والعامة، وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية، ~~فجمعت مالا عظيما. # ثم استدعاني الرشيد، فقال: يا عبد الملك، قد أحسنت الخدمة، فتمن. # قلت: ما عسى أن أتمنى، وقد حزت أماني. # فأمر لي بمال عظيم، وكسوة كثيرة، وطيب فاخر، وعبيد، وإماء، وظهر، وفرش، ~~وآلة. # فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الإلمام بالبصرة، والكتاب إلى ~~عامله بها، أن يطالب الخاصة والعامة، بالسلام علي ثلاثة أيام، وإكرامي بعد ~~ذلك. # فكتب إليه بما أردت، وانحدرت إلى البصرة، وداري قد عمرت، وضياعي قد كثرت، ~~ونعمتي قد فشت، فما تأخر عني أحد. # فلما كان في اليوم الثالث؛ تأملت أصاغر من جاءني، فإذا البقال، وعليه ~~عمامة وسخة، ورداء لطيف، وجبة قصيرة، وقميص طويل، وفي رجله جرموقان، وهو ~~بلا سراويل. # فقال: كيف أنت يا عبد الملك؟ فاستضحكت من حماقته، وخطابه لي بما كان ~~يخاطبني به الرشيد. # وقلت: بخير، وقد قبلت وصيتك، وجمعت ما عندي من الكتب، # PageV03P164 # وطرحتها في الدن، كما أمرت، وصببت عليها من الماء للعشرة أربعة، فخرج ما ~~ترى. # ثم أحسنت إليه بعد ذلك، وجعلته وكيلي. # PageV03P165 ### || المنذر بن المغيرة الدمشقي أحد صنائع البرامكة # قال مسرور الكبير: استدعاني المأمون، فقال لي: قد أكثر علي أصحاب أخبار ~~السر، أن شيخا يأتي خرائب البرامكة، فيبكي وينتحب طويلا، ثم ينشد شعرا ~~يرثيهم به، وينصرف، فاركب أنت ودينار بن عبد الله، واستترا بالجدران، فإذا ~~جاء الشيخ فأمهلاه، حتى تشاهدا ما يفعل، وتسمعا ما يقول، فإذا أراد ~~الانصراف؛ فاقبضا عليه، وأتياني به. # قال مسرور: ms354 فركبت أنا ودينار مغلسين، فأتينا الموضع، فاختفينا فيه، ~~وأبعدنا الدواب. # فلما كان آخر الليل، إذا بخادم أسود قد أقبل، ومعه كرسي حديد، فطرحه، ~~وجاء على أثره كهل، فجلس على الكرسي، وتلفت يمينا وشمالا، فلم ير أحدا، ~~فبكى وانتحب، حتى قلت: قد فارق الدنيا، وأنشأ يقول: # أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام # ثم بكى طويلا، وأنشأ يقول: # PageV03P166 # ولما رأيت السيف جلل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليها وقلت الآن لا تنفع الدنيا # وذكر أبياتا طويلة، لا تدخل في كتابي هذا، فأرويها. # قال: فلما فرغ من إنشاده وقام؛ قبضنا عليه، فقال: ما تريدون؟ قلت: هذا ~~دينار بن عبد الله، وأنا مسرور خادم أمير المؤمنين، وهو يستدعيك. # فأبلس، ثم قال: إني لا آمنه على نفسي فأمهلاني حتى أوصي. # فقلت: شأنك وما تريد، فقام، وسار، ونحن معه، حتى أتى بعض دكاكين ~~العلافين، بفرضة الفيل. # PageV03P167 # فاستدعي دواة وبياضا، وكتب فيها وصيته، ودفعها إلى الخادم الذي كان معه، ~~وأنفذه إلى منزله، وسرنا به، حتى أدخلناه على المأمون، فلما مثل بين يديه؛ ~~زبره، وانتهره. # ثم قال له: من أنت؟ وبم استحق منك البرامكة ما تصنع في دورهم وخراباتهم؟ ~~فقال غير هائب، ولا محتشم: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة عندي أياد، فإن ~~أمر أمير المؤمنين حدثته بإحداها. # فقال: هات. # قال: أنا المنذر بن المغيرة الدمشقي، من ذوي الحسب، نشأت في ظل نعم ~~قديمة، فزالت عني، كما تزول النعم عن الناس، حتى أفضيت إلى بيع مسقط رأسي ~~ورءوس آبائي، وأملقت حتى لا غاية، فأشير علي بقصد البرامكة. # فخرجت من الشام إلى بغداد، ومعي نيف وعشرون امرأة وصبيا وصبية، فدخلت بهم ~~مدينة السلام، فأنزلتهم في مسجد. # ثم عمدت إلى ثويبات كنت قد أعددتها للقاء الناس، والتذرع بها للبرامكة، ~~فلبستها، وسلكت الطريق، لا أدري أين أقصد، وكنت كما قيل: # وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراءه؟ # فلما قال ذلك؛ بكى ms355 المأمون، فقال له مسرور: أقصر يا رجل، فقد أتعبت أمير ~~المؤمنين بوصفك. # فقال له المأمون: دعه يتحدث بما يريد. # PageV03P168 # قال: نعم، وتركت عيالي جياعا لا نفقة لهم، ولا معهم ما يباع، فأفضيت إلى ~~مسجد مزخرف، فيه جمع شيوخ، بأحسن زي، وأجمل هيئة، فطمعت في مخاطبتهم، فصعدت ~~إلى المسجد، فجلست معهم، لم أزد على السلام، وجعلت أردد في صدري كلاما ~~أخاطبهم به، فيحصرني التشور، ويخجلني ذل المسألة، ويحبسني عن الكلام، ~~وأتصبب عرقا؛ حياء وخوفا من أن يقال لي: من أنت، وما تريد؟ وما يمكنني ~~الجواب، ولا أدري ما أخاطبهم به، إذ لم تكن لي عادة بالخوض في مثله. # فأنا كذلك، إذ جاء خادم فاستدعى القوم، فقاموا، وقمت معهم، ومضينا، ~~فأدخلوا دارا ذات دهليز طويل، فدخلت معهم، وأفضينا إلى صحن واسع، وإذا شيخ ~~بهي، فإذا هو يحيى بن خالد، على دكة أبنوس في صحن الدار، في وسط البستان، ~~وله ميدان عند بركة، وقد نصب عليها كراسي أبنوس. # وأقبل القوم، فجلسوا، وجلست معهم، وتأمل الخدم القوم وعددهم، فإذا نحن ~~مائة رجل ورجل، فدخل الخدم وغابوا، ثم خرج مائة خادم وخادم، في يد كل واحد ~~منهم مجمرة من ذهب، فيها قطعة كالفهر من عنبر، والخدم بأفخر الثياب، عليهم ~~مناطق الذهب المرصعة بالجوهر، وهم يطيفون بغلام، حين اخضر شاربه، حسن ~~الوجه، فسجروا العنبر. # وأقبل يحيى على الزريقي القاضي، وقال: زوج ابن أخي هذا، بابنتي عائشة على ~~صداق قدره مائة ألف درهم. # فخطب، وعقد النكاح، وأخذنا النثار من فتات المسك، وبنادق العنبر، # PageV03P169 # وتماثيل الند الصغار، والتقط الناس، والتقطت. # ثم جاء مائة خادم وخادم، في يد كل وحد منهم صينية فضة فيها ألف دينار، ~~مخلوطة بالمسك، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية. # فأقبلت الجماعة تكور الدنانير في أكمامها، وتأخذ الصواني تحت آباطها، ~~وتنصرف، الأول فالأول، حتى بقيت وحدي، لا أجسر على أخذ الصينية وما فيها، ~~والأسف والحاجة يمنعاني أن أقوم وأدعها، وأنا مطرق مفكر. # حتى ضاق صدري، فرفعت رأسي، فغمزني بعض الخدم على أخذها والقيام، فأخذتها ms356 ~~وقمت، وأنا لا أصدق، وجعلت أمشي وأتلفت، خوفا من أن يتبعني من يأخذها، ~~ويحيى يلاحظني من حيث لا أعلم. # فلما قاربت الستر؛ رددت، فأيست من الصينية، فجئت، وهي معي، حتى قربت منه، ~~فأمرني بالجلوس، فجلست. # فسألني عن حالي، وقصتي، ومن أنا، فصدقته، حتى إذا بلغت إلى تركي عيالي في ~~المسجد؛ بكى. # ثم قال: علي بموسى، فجاء. # فقال: يا بني، هذا رجل من أبناء النعم، قد رمته الأيام بصروفها، والنوائب ~~بحتوفها، فخذه، واخلطه بنفسك، واصطنعه. # فأخذني موسى إلى داره، فخلع علي من أفخر ثيابه، وأمر بحفظ الصينية لي، ~~وقضيت على ذلك يومي وليلتي. # ثم استدعى أخاه العباس من الغد، وقال له: إن الوزير سلم إلي هذا الفتى، ~~وأمرني فيه بكذا وكذا، وأريد أن أركب اليوم إلى دار أمير المؤمنين، فليكن ~~عندك اليوم حتى أرتجعه غدا، فكان يومي عنده مثل أمسي. # وأقبلوا يتداولوني كل يوم، واحدا بعد واحد، وأنا قلق بأمر عيالي، إلا ~~أنني لا أذكرهم إجلالا لهم. # PageV03P170 # فلما كان في اليوم العاشر؛ أدخلت إلى الفضل بن يحيى، فأقمت في داره يومي ~~وليلتي. # فلما أصبحت؛ جاءني خادم من خدمه، فقال: يا هذا، قم إلى عيالك وصبيانك. # فقلت: إنا لله، لم أحصل لهؤلاء الصبيان على الأكل والشرب، والصينية وما ~~فيها، وما حصلته من النثار ذهب، فليت هذا كان من أول يوم، وكيف أتوصل الآن ~~إلى يحيى، وأي طريق لي إليه؟ وتلاعبت بي الأفكار مخافة اليأس، وأظلمت ~~الدنيا في عيني، وقمت أجر رجلي، والخادم يمشي بين يدي، حتى أخرجني من ~~الدار، فازداد إياسي، وما زال يمشي بين يدي حتى أدخلني إلى دار كأن الشمس ~~تطلع من جوانبها، وفيها من صنوف الفرش والأثاث والآلات، ما يكون في مثلها. # فلما توسطتها؛ رأيت عيالي أجمعين فيها، يرتعون في الديباج والشفوف، وقد ~~حمل إليهم مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، والصينية والنثار، وسلم إلي ~~الخادم صك ضيعتين جليلتين. # وقال: هذه الدار وما فيها والضياع بغلاتها، لك. # فأقمت مع البرامكة في أخفض عيش، وأجل حال، حتى نزلت بهم النازلة. ms357 # ثم قصدني عمرو بن مسعدة في الضيعتين، فألزمني في خراجهما، ما لا يفي به ~~دخلهما. # PageV03P171 # فلحقتني شدة عظيمة، فكلما لحقتني نائبة، واشتدت بي بلية؛ قصدت دورهم ~~ومنازلهم، فبكيتهم، ورثيتهم، وشكرتهم، ودعوت لهم على ما كان منهم إلي، ~~وشكوت ما حل بي بعدهم، فأجد لذلك راحة. # قال: فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة، فلما أتي به؛ قال له: أتعرف هذا ~~الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة. # فأمره أن يرد على الرجل، كلما استخرج منه، وأن يقرر خراجه على ما كان ~~عليه أيام البرامكة، وأن يجعل له ضيعة أخرى من جملة الإيغارات، يكون دخلها ~~له، ويتخذ به سجلا، وأن يقضي حقه ويكرمه، فبكى الشيخ بكاء شديدا. # فقال له المأمون: ألم استأنف إليك جميلا، فما بكاؤك؟ فقال: بلى والله يا ~~أمير المؤمنين، وزدت على كل فضل وإحسان، ولكن هذا من بركة الله، وبركة ~~البرامكة علي، وبقية إحسانهم إلي، فلو لم آت خراباتهم، فأبكيهم وأندبهم، ~~حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين، ففعل بي ما فعل، من أين كنت أصل إلى أمير ~~المؤمنين؟ فقال له المأمون: امض مصاحبا، فإن الوفاء مبارك، وحسن العهد من ~~الإيمان. # PageV03P172 ### || هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # بلغني أنه كان بالكوفة رجل من أهل الأدب والظرف، يعاشر الناس، وتأتيه ~~ألطافهم، فيعيش بها. # ثم انقلب الدهر عليه، فأمسك الناس عنه، وجفوه حتى قعد في بيته، والتجأ ~~إلى عياله، فشاركهن في فضل مغازلهن، واستمر ذلك عليه، حتى نسيه الناس، ~~ولزمه الفقر. # قال: فبينما أنا ذات ليلة في منزلي، على أسوإ حال، إذا وقع حافر دابة، ~~ورجل يدق بابي، فكلمته من وراء الباب. # فقلت: ما حاجتك؟ فقال: إن أخا لك لا أسميه، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ~~إني رجل مستتر، ولست آنس بكل أحد، فإن رأيت أن تصير إلي، لنتحدث ليلتنا. # فقلت في نفسي: لعل جدي أن يكون قد تحرك؟ ثم لم أجد لي ما ألبسه، فاشتملت ~~بإزار امرأتي، وخرجت، فقدم إلي فرسا مجنوبا كان معه، فركبته إلى أن أدخلني ~~إلى فتى من أجل ms358 الناس وأجملهم وجها، فقام إلي، وعانقني، ودعا بطعام فأكبنا، ~~وبشراب فشربنا، وأخذنا في الحديث، فما خضت في شيء إلا سبقني إليه. # حتى إذا صار وقت السحر؛ قال: إن رأيت أن لا تسألني عن شيء من أمري، وتجعل ~~هذه الزيارة بيني وبينك، إذا أرسلت إليك فعلت، وههنا # PageV03P178 # دراهم تقبلها، ولا تردها، ولا يضيق بعدها عنك شيء، فأخرج إلي جرابا ~~مملوءا دراهم. # فدخلتني أريحية الشراب، فقلت: اخترتني على الناس للمنادمة، ولسرك، وآخذ ~~على ذلك أجرا؟ لا حاجة لي في المال. # فجهد بي، فلم آخذه، وقدم إلي الفرس، فركبته، وعدت إلى منزلي، وعيالي ~~متطلعون لما أجيء به، فأخبرتهم بخبري. # وأصبحت نادما على فعلي، وقد ورد علي وعلى عيالي ما لم يكن في حسابنا، ~~فمكثت حينا، لا يأتي إلي رسول الرجل، إلى أن جاءني بعد مدة، فصرت إليه، ~~فعاودني بمثل ذلك الفعل، فعاودته بالامتناع، وانصرفت مخفقا، فأقبلت امرأتي ~~علي باللوم والتوبيخ. # فقلت لها: أنت طالق ثلاثا إن عاودني ولم آخذ ما يعطيني. # فمكثت مدة أطول من الأولة، ثم جاءني رسوله، فلما أردت الركوب؛ قالت لي ~~امرأتي: يا ميشوم، اذكر يمينك، وبكاء بناتك، وسوء حالك. # فصرت إلى الرجل، فلما أفضينا إلى الشراب؛ قلت له: إني أجد علة تمنعني ~~منه، وإنما أردت أن يكون رأيي معي. # فأقبل الرجل يشرب، وأنا أحادثه، إلى أن انبلج الفجر، فأخرج الجراب، ~~وعاودني، فأخذته، فقبل رأسي، وشكرني على قبول بره، وقدم إلي الفرس، فانصرفت ~~عليه، حتى انتهيت إلى منزلي، فألقيت الجراب. # فلما رآه عيالي؛ سجدن لله شكرا، وفتحناه، فإذا هو مملوء دنانير. # فأصلحت منه حالي، واشتريت مركوبا، وثيابا حسنة، وأثاثا، وضيعة، قدرت أن ~~غلتها تفي بي وبعيالي بعدي، واستظهرت على زماني ببقية الدنانير. # وانثال الناس علي، يظهرون السرور بما تجدد لي، وظنوا أني كنت غائبا # PageV03P179 # في انتجاع ملك، فقدمت مثريا، وانقطع رسل الرجل عني. # فبينما أنا أسير يوما بالقرب من منزلي، فإذا ضوضاء عظيمة، وجماعة مجتمعة. # فقلت: ما هذا؟ قالوا: رجل من بني فلان، كان يقطع الطريق، فطلبه السلطان، ~~إلى أن ms359 عرف خبره ههنا، فهجم عليه، وقد خرج على الناس بالسيف، يمنع نفسه. # فقربت من الجمع، وتأملت الرجل، فإذا هو صاحبي بعينه، وهو يقاتل العامة، ~~والشرط، ويكشف الناس، فيبعدون عنه، ثم يتكاثرون عليه ويضايقونه. # فنزلت عن فرسي، وأقبلت أقوده، حتى دنوت منه، وقد انكشف الناس عنه. # فقلت: بأبي أنت وأمي، شأنك والفرس والنجاة، فاستوى على ظهره، فلم يلحق. # فقبض علي الشرط، وأقبلوا علي يلهزوني، ويشتموني، حتى جاءوا بي إلى عيسى ~~بن موسى، وهو والي الكوفة، وكان بي عارفا. # فقالوا: أيها الأمير، كدنا أن نأخذ الرجل، فجاء هذا، فأعطاه فرسا نجا ~~عليه. # فاشتد غضب عيسى بن موسى، وكاد أن يوقع بي، وأنا منكر لذلك. # PageV03P180 # فلما رأيت المصدوقة؛ قلت: أيها الأمير، ادنني إليك أصدقك. # فاستدناني، فشرحت له ما كان أفضت بي الحال إليه، وما عاملني به الرجل، ~~وأني كافأته بجميل فعله. # فقال لي سرا: أحسنت، لا بأس عليك. # ثم التفت إلى الناس فقال: يا حمقى، هذا يتهم؟ إنما لفظ حافر فرسه حصاة، ~~فقاده ليريحه، فغشيه رجل مستقتل بسيف ماض، قد نكلتم عنه بأجمعكم، فكيف كان ~~هو يدفعه عن فرسه؟ انصرفوا، ثم خلى سبيلي. # فانصرفت إلى منزلي، وقد قضيت ذمام الفتى، وحصلت النعمة بعد الشدة، وأمنت ~~عواقب الحال، وكان آخر عهدي به. # PageV03P181 ### || جعفر بن سليمان أمير البصرة يصفح عمن سرق منه جوهرا # سرق لجعفر بن سليمان الهاشمي جوهر فاخر بالبصرة، وهو أميرها، فجهد أن ~~يعرف له خبرا، فخفي عليه، فأقلقه ذلك، وغاطه، وجد بالشرط وضربهم، وألزمهم ~~إظهاره، فجدوا في الطلب. # فلما كان بعد شهور، أتاه بعضهم برجل وجده في ساباط اللؤلؤ، يبيع درة ~~فاخرة من ذلك الجوهر، قد قبض عليه، وضربه ضربا عظيما إلى أن أقر، فأخبر ~~جعفر بخبره، فأذن بدخوله. # فلما رأى الرجل جعفرا؛ استغاث به، وبكى، ورققه، فرحمه جعفر، وقال: ألم ~~تكن طلبت مني هذه الدرة في وقت كذا، فوهبتها لك؟ فقال: بلى. # فقال للشرط: خلوا عنه، واطلبوا اللص. # PageV03P182 ### || أخذ الصينية من لا يردها ورآه من لا ينم عليه # وروت الفرس قريبا ms360 من هذا، فذكروا أن بعض ملوكهم، سخط على حاجب له سخطا ~~شديدا، وألزمه بيته، وكان فيه كالمحبوس، وقطع عنه أرزاقه وجراياته، فأقام ~~على ذلك سنين، حتى تهتك، ولم تبق له حال. # ثم بلغه أن الملك قد اتخذ سماطا عظيما، يحضره الناس في غد يومه ذلك، ~~فراسل أصدقاءه، وأعلمهم أن له حقا يحضره لبعض ولده، واستعار منهم دابة ~~بسرجه ولجامه، وغلاما يسعى بين يديه، وخلعه يلبسها، وسيفا، ومنطقة، فأعير ~~ذلك، فلبسه، وركب الدابة، وخرج من منزله إلى أن جاء إلى دار الملك. # فلما رآه البوابون لم يشكوا في أنه ما أقدم على ذلك إلا بأمر الملك، ~~وتذمموا لقديم رئاسته عليهم، فأشفقوا من عودها أن يحجبوه إلى أن يستثبتوا. # ودخل هو مظهرا القوة بأمر نفسه، ولم تزل تلك حاله مع طائفة، حتى وصل إلى ~~الملك، وقد أكل، وهو جالس يشرف. # فلما رآه الملك قطب، وأنكر حضوره، وهم بأن يأمر به، وبالحجاب، والبوابين، ~~فكره أن ينغص يوما قد أفرده بالسرور على نفسه. # وأقبل الرجل يخدم، فيما كان يخدم فيه قديما، فازدادت الحال تمويها على ~~الحجاب والحاشية، إلى أن كاد المجلس ينصرم، وغفل أكثر من كان حاضرا عنه. # فتقدم إلى صينية ذهب زنتها ألف مثقال، مملوءة مسكا، فأخذها بخفة، # PageV03P183 # وجعل المسك في كمه، والصينية في خفه، والملك يراه. # وخرج وعاد إلى منزله، ورد العواري إلى أهلها، وباع المسك، وكسر الصينية، ~~وجعلها دنانير، واتسع بها حاله. # وأفاق الملك، من غد، من سكره، وسمع من يخدم في الشراب يطلب الصينية، ~~وقهرمان الدار يضرب قوما في طلبها، فذكر حديث الحاجب، وعلم أنه ما حمل نفسه ~~على الغرر الشديد في ذلك، إلا من وراء شدة وضر. # فقال لقهرمانة: لا تطلب الصينية، فما لأحد في ضياعها ذنب، فقد أخذها من ~~لا يردها، ورآه من لا ينم عليه. # فلما كان بعد سنة؛ عاد ذلك الحاجب إلى شدة الإضاقة، بنفاد الدنانير، ~~وبلغه خبر سماط يكون عند الملك، في غد يومه، فاحتال بحيلة أخرى، حتى دخل ~~إلى حضرة الملك، وهو يشرب. # فلما ms361 رآه الملك؛ قال: يا فلان، نفذت تلك الدنانير؟ فقبل الأرض بين يديه، ~~وبكى، ومرغ خديه، وقال: أيها الملك، قد احتلت مرتين، على أن تقتلني فأستريح ~~مما أنا فيه، من عظم الضر الذي أعانيه، أو تعفو عني كما يليق بك، وتذكر ~~خدمتي، فأعيش في ظلك، وليست لي بعد هذا اليوم حيلة. # فرق له الملك، وعفا عنه، وأمر برد أرزاقه عليه ونعمته، ورده إلى حالته ~~الأولى في خدمته. # PageV03P184 ### || سفتجة بثلاث صفعات يفتديها المحال عليه بخمس مائة وخمسين دينارا # بلغني عن رجل من أهل ديار ربيعة، كانت له حال صالحة، فزالت، قال: فلزمتني ~~المحنة والإضاقة مدة طويلة، فتحيرت ولم أدر ما أعمل. # وكان أمير الناحية، إذ ذاك، العباس بن عمرو الغنوي، وكانت بيني وبين ~~كاتبه معرفة قديمة، فأشير علي بأن ألقاه، وآخذ كتابا عن العباس إلى بعض ~~أصدقائه من أمراء النواحي وأخرج إليه، فلعلي أتصرف معه، وأعود من جهته ~~بفائدة أجعلها أصل معيشة. # فلقيت الكاتب، فقال لي: صر في غد إلى دار الأمير، حتى أكتب لك. # فمضيت إليه، فكتب لي عنه كتابا مؤكدا إلى بعض أمراء الأطراف من أصدقاء ~~العباس، فخرجت أريد منزلي. # PageV03P185 # فلما صرت في بعض الممرات وأنا رجل طويل مبدن، وكنت قد حلقت رأسي، وعليه ~~منديل خفيف، قد أطارته الريح، فانكشف، ولعلة انشغال قلبي بأمري لم أرد ~~المنديل. # وإذا بصفعة قد جاءت، كادت تكبني على وجهي، وتوالت بعدها اثنتان. # فالتفت، فإذا العباس بن عمرو، وقد خرج إلى موضع من مواضع الدار، وكان ~~مشتهرا بالمصافعة، مكاشفا بها، هو، وجماعة من قواد المعتضد، أصدقاء أخلاء، ~~يستعملون ذلك، ويكاشفون به. # فقبضت على يده، وقلت: ما هذا، أيها الأمير؟ ما أفارقك، أو تعطيني شيئا ~~أنتفع به عوضا عن هذا الفعل. # فدافعني، وأنا متشبث به، وسقط الكتاب من كمي، فقال: ما هذا الكتاب؟ قلت: ~~كتاب كتب لي عنك إلى فلان؛ لأخرج إليه، فلعلي أتصرف معه، أو يبرني بشيء. # فقال: هوذا، أكتب لك عليه سفتجة بالصفع، فإنه يفتديها منك بما تنتفع به. # واستدعى دواة، وكتب لي إلى ms362 الرجل سفتجة، كما يكتب التجار، بثلاث مكتوبات، ~~كناية عن ثلاث صفعات. # فأخذ الكتاب، وانصرفت متعجبا مما جرى علي، ومن حرفتي في # PageV03P186 # أن العباس لم يسمح لي بشيء، مع جوده، وتحملت، وخرجت إلى ذلك البلد، ~~فأوصلت الكتاب الذي كتبه لي الكاتب عنه. # فردني ذلك الأمير أقبح رد، وآيسني، وقال: قد بلينا بهؤلاء الشحاذين، ~~يجيئونا في كل يوم بكتب لا تساوي مدادها، ويقطعونا عن أشغالنا، انصرف، ~~فمالك عندي تصرف، ولا بر. # فورد علي ما لم أر مثله، وما هالني وقطع بي، وكنت قد سافرت إليه، وقطعت ~~شقة بعيدة، فانصرفت أسوء الناس حالا. # وفكرت ليلتي، فقلت: ليس إلا العود إليه ومداراته، فلعل أن يعطيني قدر ~~نفقة الطريق، فأتحمل بها. # فعدت إليه، وخاطبته بكل رفق وخضوع وسؤال وهو يخش علي، ويؤيسني، إلى أن ~~قال لحاجبه: أخرجه عني، ولا تدعه بعدها يدخل إلي. # فورد علي أعظم من الأول، وخرجت أخزى خروج، وأقمت أياما لا أعود إليه، ولا ~~أدري ما أصنع، إلا أن بقالا في المحلة التي نزلتها يعطيني خبزا وإداما ~~بنسيئة. # فجلست إليه يوما وأنا متحير، والغم بين علي، فسمعت قائلا يقول: إن الأمير ~~قد جلس للمظالم، جلوسا ارتفع عنه الحجاب فيه، ففكرت كيف أعمل؟ وذكرت الكتاب ~~بالسفتجة، فقلت: أمشي وأجعلها نادرة كالظلامة، فإن أعطاني شيئا، وإلا فضحته ~~بين رعيته، وانصرفت. # فأخذت السفتجة، وجئت، فلم أصادف بالباب من يمنعني، فدخلت إليه. # فحين رآني اغتاظ علي، وقال لحاجبه: ألم آمرك أن لا تدخل هذا إلي؟ فقال: ~~كان الإذن عاما، ولم يميز. # فأقبل الأمير علي، فقال: ألم أقل لك، وأؤيسك مني؟ فما هذه الملازمة، # PageV03P187 # كأن لك علي دينا، أو سفتجة؟ فقلت: نعم، لي على الأمير، أعزه الله، سفتجة. # فازداد غيظه، وقال كالمتعجب: سفتجة، سفتجة؟ فأخرجتها، فدفعتها إليه، فلما ~~قرأها؛ عرف الخط والخطاب، فنكس رأسه ساعة، خجلا، ثم قال لكاتب كان بين ~~يديه، شيئا لا أعلمه. # فجذبني الكاتب، وقال: إن الأمير قد تذمم مما عاملك به، وأمرني بدفع مائة ~~دينار إليك، فقم معي لتأخذها. # فقلت: ما قصدت الأمير ms363 ليبرني، أنا رجل أوصلت إليه سفتجة بمال، فإما قبلها ~~فأعطانيه فما أريد غيره، ولا أستزيد عليه، ولا أنقص منه شيئا، وإما كتب لي ~~على السفتجة: راجعة، فأخذتها، وانصرفت. # فساره الكاتب بما قلت، وقوي طمعي في الصنع، فالتفت إلي الكاتب، وقال: قد ~~جعلها لك الأمير مائتي دينار، فانهض لتأخذها. # فقلت، لمن يقول هذا: ما عندي غير ما سمعت، ولان الأمير، وتشددت، ولم يزل ~~الكاتب يتوسط بيننا، إلى أن بذل خمس مائة دينار. # فقلت: على شرط أني لا أبرح من هذا المجلس حتى أقبضها وأسلمها إلى يد ~~تاجر، وآخذ منه سفتجة بها، ويدفع إلي نفقة تكفيني إلى أن أعرف صحة السفتجة، ~~ثم أتحمل بباقي ذلك. # فأجبت إلى ذلك، وأحضر التاجر والمال، وأخذت منه سفتجة، ودفعوا لي خمسين ~~دينارا للنفقة، وأقمت مدة، إلى أن عرفت خبر صحة السفتجة، وتحملت ببقية ~~النفقة إلى بلدي. # وحصل لي المال، فجعلته بضاعة في متجر، صلحت به حالي، إلى الآن. # PageV03P188 ### || السبب في خلع المقتدر الخلع الثاني وعودته إلى الحكم # ذكر أصحاب التواريخ، ومصنفو الكتب، وأبو الحسن علي بن الفتح الكاتب، ~~المعروف ب: المطوق، على ما أخبرني به أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخي عنه، ~~في كتابه (مناقب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، وما شاهده أحمد بن يوسف من ذلك، ~~وجماعة حدثوني به، ممن شاهد الحال؛ منهم: أيوب بن العباس بن الحسن، وعلي، ~~والقاسم، ابنا هشام بن عبد الله الكاتب، وأبو الحسين بن عياش الخرزي، خليفة ~~أبي، رحمه الله، على الحكم بسوق الأهواز، ومن لا أحصي من شيوخنا كثرة، ~~بالسبب في خلع المقتدر عن الخلافة الخلع الثاني، بعبارات مختلفة؛ معنى ~~جميعها: أن الجيش كله الفرسان والرجالة شغبوا يطلبون الزيادات، ويتبسطون في ~~التماس المحالات، وملوا أيام المقتدر، وبغوا عليه بأشياء. # PageV03P193 # واتفق أن سائسا لهارون بن غريب الخال، علق بغلام في الطريق، للفساد، فرفع ~~إلى أبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، على مجلس الجسر بالجانب الغربي، ~~فجاء غلمان هارون يخلصونه ومانعوهم، إلى أن لحقه بعض أصحاب نازوك، فصارت ~~بينهم حرب، وانتهت # PageV03P194 # الحال إلى ms364 قصص يطول شرحها. # إلى أن أطبق الجيش بأسرهم على خلع المقتدر، فزحفوا إلى داره، بمواطأة من ~~مؤنس المظفر، فقبضوا عليه، وحملوه إلى دار مؤنس، في يوم الخميس لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاث مائة، فحبس فيها، وخلع نفسه، وأشهد ~~عليه بالخلع. # وكان رأس الفتنة، والقائم بها عبد الله بن حمدان أبو الهيجاء، ونازوك ~~المعتضدي، على مساعدة لهما من مؤنس، وإطباق من الجيش كلهم، وجاءوا بأبي ~~منصور محمد بن المعتضد بالله، فأجلسوه في دار الخلافة، وسلموا عليه بها، ~~ولقبوه القاهر بالله، فقلد نازوك الحجبة، مضافا إلى ما كان إليه من الشرطة، ~~وجعله صاحب داره. # فلما كان في يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت منه؛ بكر الناس إلى دار ~~الخليفة للبيعة، وجاءت إلى فناء الدار، مما يلي دجلة، جماعة من الرجالة، ~~يطالبون بمال البيعة والزيادة. # فجاء نازوك وأشرف عليهم من الرواق، ومعه خادم من رءوس غلمانه، يقال له: ~~عجيب، فقال لهم: ما تريدون؟ نعطيكم ثلاث نوائب. # فقالوا: لا، إلا أرزاق سنة، وزيادة دينار، وزادوا في القول. # فقال لهم: يصعد إلي منكم جماعة، أفهم عنهم، وأكلمهم، فصعد، إليه جماعة ~~منهم، من باب الخاصة، وتسلق إلى الرواق جماعة منهم كبيرة، وثاروا على غير ~~مواطأة، ولا رأي متقرر. # PageV03P195 # فقال لهم نازوك: اخرجوا إلى مجلس الإعطاء، حتى نخرج المال إلى الكتاب، ~~فيقبضونكم. # فقالوا: لا نقبض إلا ههنا، وهجموا على التسعيني، يبوقون، ويشتمون نازوك. # فمضى نازوك من بين أيديهم، يريد الممر في الطريق الذي ينفذ إلى دجلة، ~~وكان قد سد آخره بالأمس؛ احتياطا لحفظ من في الدار، وتحرزا من هربهم، فلما ~~رآه مسدودا رجع، فاستقبله جماعة من الرجالة يطلبونه. # فوثب عليه رجل أصفر منهم، فضربه بكلاب، وثناه آخر يكون في مطبخ أم ~~المقتدر، وله رزق في الرجالة، يقال له: سعيد، ويلقب: ضفدعا، فقتلوه، وقتلوا ~~عجيبا، وقالوا: لا نريد إلا خليفتنا جعفر المقتدر، وقتل الخدم في الدار أبا ~~الهيجاء، واختبأ القاهر في بعض الحجر، عند بعض الخدم. # وأقبلوا برأس نازوك على رمح قد خرج ms365 طرفه من وسط الرأس إلى دار مؤنس، وهم ~~يقولون: مقتدر، يا منصور. # فطالبوا مؤنسا بالمقتدر، فخافهم على نفسه، فأخرجه إليهم، والمقتدر يستعفي ~~من الخروج، ويظهر الزهد في الخلافة، ويظن أن ما سمعه حيلة على قتله. # إلى أن سمع صياح الناس: مقتدر، يا منصور، وأعلم بقتل نازوك وأبي الهيجاء، ~~فسكن. # وقعد في طياره، وانحدر إلى داره، والرجالة يعدون على الشط بإزائه، إلى أن ~~خرج من الطيار، فالتحقوا به يقبلون يديه ورجليه، حتى دخل داره. # وأحضر جماعة من الهاشميين وغيرهم، فبايعوه بيعة ثانية، وظهر ابن # PageV03P196 # مقلة وزيره، وكان مستترا تلك الأيام، فأقره على الوزارة، ودبر أمره، وزال ~~عنه ما كان فيه من المحنة والنكبة، ولم ير خليفة أزيل عن سريره، وأخرج من ~~دار ملكه، وأجلس آخر في موضعه، ولقب لقبا من ألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير ~~المؤمنين، وأجمع على بيعته أهل المملكة والجيش كله، وعلى خلع الأول وحبسه، ~~ثم رجع إلى أمره ونهيه، وملكه وداره، في مدة خمسة أيام، بلا سبب ممهد، ولا ~~مواطأة لأحد، ولا مشاورة، ولا مراسلة، إلا ما اتفق في أمر المقتدر، وأخيه ~~القاهر. # PageV03P197 ### || خلع الأمين وعودته إلى الحكم # قال مؤلف هذا الكتاب، وعلى أنه قد كان جرى على محمد الأمين قريب من هذا، ~~لما قبض عليه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وخلعه وحبسه، وعزم على أن ~~ينفذه إلى المأمون، ثم إن الجيش طالبوه بأرزاقهم، فلم يكن معه، ما يجعله ~~لهم، فوعدهم، فشغبوا ولم يرضوا بالوعد، واستخرجوا الأمين من حبسه، فبايعوه ~~ثانيا، وردوه، وهرب الحسين بن علي، وزالت عن الأمين تلك الشدة، والقصة في ~~ذلك مشهورة، رواها أصحاب التواريخ، بما يطول اقتصاصه هنا، إلا أنه لم يجلس ~~على سريره خليفة آخر. # PageV03P198 ### || كيف خلع المقتدر الخلع الأول # قال القاضي أبو علي المحسن ابن القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي، ~~رحمه الله تعالى: وقد جرت على المقتدر بالله شدة أخرى، وفرج الله عنه، في ~~قصة تشبه قصة الأمين، سواء بسواء، لما أجمع جميع القواد والحاشية، على أن ~~قتلوا العباس ms366 بن الحسن الوزير، وخلعوا المقتدر من الخلافة الخلع الأول، ~~وبايعوا ابن المعتز، وأحضروه من داره إلى دار سليمان بن وهب المرسومة، إذ ~~ذاك، بالوزراء، وجلس يأخذ البيعة على القضاة والأشراف والكافة، ويدبر ~~الأمور، ووزيره محمد بن داود بن الجراح، يكاتب أهل الأطراف والعمال ~~والأكناف بخبر تقلدهما، وقد تلقب ب: المنتصر بالله، وخوطب بالخلافة، وأمره ~~في نهاية القوم، وهو على أن يسير إلى دار الخلافة، فيجلس بها، ويقبض على ~~المقتدر، إلا أنه أخر ذلك؛ لتتكامل البيعة، وتنفذ الكتب، ويسير من غد. # وكان سوسن حاجب المقتدر، والمتولي لأمور داره، والغلمان المرسومين ~~بحمايتها، ممن وافق ابن المعتز، ودخل مع القواد فيما دخلوا فيه، وشرط # PageV03P199 # عليه أن يقر على ما إليه، ويزاد شرطة بغداد. # فلما جلس ابن المعتز في اليوم الأول؛ كان المتولي لإيصال الناس إليه، ~~والخادم بحضرته فيما يخدم فيه الحاجب، أحد الخدم غيره. # فبلغ ذلك سوسنا، فشق عليه، وتوهم أن ذلك غدر به، ورجوع عما شرط، وووقف ~~عليه، فدعا الخدم، وغلمان الدار إلى نصرة المقتدر، فأجابوه فأغلق الأبواب، ~~وأخذ أهبة الحرب. # وأصبح ابن المعتز، في اليوم الثاني من بيعته، وهو يوم الأحد لسبع بقين من ~~شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين ومائتين، عامدا على المسير إلى الدار، فثبطه ~~محمد بن داود، وعرفه رجوع رأي سوسن، عما كان وافق عليه. # وصغر القواد ذلك في نفسه، فلم يتشاغل بتلافيه، وأشاروا عليه بالركوب إلى ~~دار الخلافة، وهم لا يشكون في تمام الأمر، فركب وهم معه. # وانقلبت العامة مع المقتدر، ورموا ابن المغتر بالستر، وحاربوه مع شرذمة ~~أنفذهم سوسن لحربه ممن أطاعه على نصرة المقتدر. # ولما شاهد ابن المعتز الصورة؛ انهزم وهرب، وانحل ذلك الأمر العظيم كله، ~~وتفرق القواد، وسار بعضهم خارجا عن بغداد، وروسل باقيهم عن المقتدر ~~بالتلافي، فسكنوا، وعادوا إلى طاعته. # وطلب ابن المعتز فوجد، وجيء به إلى دار الخلافة، فحبس فيها، ثم قتل، ~~وكانت مدته، منذ ظهر يوم السبت، إلى قريب من الظهر من يوم الأحد. # PageV03P200 # وعاد الأمر مستقيما للمقتدر بالله، وانفرجت له ms367 تلك الشدة، عن ثبات الملك ~~له. # وقد شرح هذا أصحاب التواريخ، بما لا وجه لإعادته ههنا. # PageV03P201 ### || بعث الفضل بن سهل خدابود لقتال خارجي فجاء برأسه # وذكر عبد الله بن بشر، قرابة الفضل بن سهل، قال: كان الفضل إذا دخل مدينة ~~السلام، من السيب، موضع قرية، لحوائجه، وهو، إذ ذاك، صغير الحال، نزل على ~~فامي بها، يقال له: خدابود، فيخدمه هو وأهل بيته، ويقضي حوائجه إلى أن ~~يعود. # وتقضت الأيام، وبلغ الفضل مع المأمون ما بلغ، بخراسان، وقضي أن الفامي ~~ألح عليه الزمان بنكبات متصلة، حتى افتقر، فنهض إلى الفضل بن سهل. # وقدم مرو، فبدأ بي، فسررت به وأكرمته، وأصلحت من شأنه ما يجب أن يصلح ~~لدخوله على الفضل، وقمت فدخلت إلى الفضل، وقد جلس على مائدته. # فقلت له: أتذكر الشيخ الفامي، الذي كنا ننزل عليه ببغداد؟ فقال لي: سبحان ~~الله! تقول لي تذكره، وله علينا من الحقوق ما قد # PageV03P202 # علمت؟ فكيف ذكرته؟ أظن إنسانا أخبرك بموته. # فقلت: هوذا في منزلي. # فاستطير فرحا، وقال: هاته الساعة، ثم رفع يده، وقال: لا آكل، أو يجيء. # فقمت وجئت به، فحين قرب منه؛ تطاول له، وأجلسه بين يديه، فيما بيني ~~وبينه، وأقبل عليه، وقال: يا هذا، ما حبسك عنا طول هذه المدة؟ فقال: محن ~~عاقبتي، ونكبات أصابتني. # فأقبل يسائله عن واحدة واحدة من بناته وأهله. # فقال له: لم يبق لي بعدك ولد، ولا أهل، ولا مال إلا تلف، وما تحملت إليك، ~~إلا من قرض ومسألة، فكاد الفضل يبكي. # فلما استتم غداءه؛ أمر له بثياب فاخرة، ومركوب، ومال لنفقته، وأن يدفع ~~إليه منزل وأثاث، واعتذر إليه، ووعده النظر في أمره. # فلما كان من غد؛ حضر عنده وكلاء تجار بغداد، وكانوا قد قدموا عليه، ~~يبتغون بيع غلات السواد منه، وأعطوه عطايا لم يجب إليها. # فأحضرني، وقال: قد علمت ما دار بيني وبين هؤلاء، فاخرج إليهم، وأعلمهم ~~أني قد أنفذت البيع لهم بما التمسوا، على أن يجعلوا لخدابود معهم الربع. # ففعلت ذلك، وأجاب التجار، وفرحوا بما تسهل ms368 لهم. # ثم قال لخدابود: إنهم سيهولون عليك بكثرة المؤن، ويبذلون لك مائة ألف ~~درهم على أن تخرج من الشركة، فاحذر أن تفعل، ولا تخرج بأقل من خمسين ألف ~~دينار. # ثم قال: اخرج معه، وتوسط فيما بينهم وبينه، ففعلت ذلك، # PageV03P203 # ولم أقنع حتى قدم التجار لخدابود خمسين ألف دينار، ودخل، فعرف الفضل ما ~~جرى، وشكره، وأقام معنا مدة. # ثم دخل إليه يوما، والفضل مغموم مفكر، فقال له: أيها الأمير، ما الذي قد ~~بلغ بك إلى ما أرى من الفكر والغم؟ قال: أمر لا أحسب لك فيه عملا، يا ~~خدابود. # قال: فأخبرني به، فإن كان عندي فيه ما يفرجه عنك، وإلا ففي الشكوى راحة. # قال له الفضل: إن خارجيا قد خرج علينا ببعض كور خراسان، ونحن على إضاقة ~~من المال، وأكثر عساكرنا قد جردوا إلى بغداد، والخارجي يقوى في كل يوم، ~~وأنا مرتبك في هذا الأمر. # فقال: أيها الأمير، ما ظننت الأمر إلا أصعب من هذا، وما هذا حتى تفكر ~~فيه؟ أنت قد فتحت العراق، وقتلت المخلوع، وأزلت مثل تلك الدولة، وتهتم بهذا ~~اللص الذي لا مادة له؟ أنفذني إليه أيها الأمير، فإن أتيتك به، أو برأسه، ~~بإقبالك، فهو الذي تريد، وإن قتلت؛ لم تنثلم الدولة بفقدي، على أني أعلم أن ~~بختك لا يخطئ في هذا المقدار اليسير. # قال: ففكر الفضل ساعة، ثم التفت إلي، فقال: لعل الله يريد أن يعرفنا ~~قدرته بخدابود. # ثم لفق رجالا، واحتال مالا، ففرقه عليهم، وخلع على خدابود، وقلده حرب ~~الخارجي، والبلد الذي هو فيه. # فسار خدابود بالعسكر، فلما شارف عسكر الخارجي؛ جمع وجوده عسكره، وقال ~~لهم: إني لست من أهل الحرب، وأعول على نصرة الله، تعالى، لخليفته على ~~العباد، وعلى إقبال الأمير، وليس هذا الخارجي من أهل # PageV03P204 # المدد، وإنما هو لص لا شوكة له، فاعملوا عمل واثق بالظفر، ولا تقنعوا ~~بدون الوصول إليه، ولكم إن جئتم به، أو برأسه، كذا وكذا. # قال: فحملوا وحققوا، فانجلت الحرب عن الخارجي قتيلا، فاحتز رأسه. # وكتب خدابود إلى الفضل: لست ms369 ممن يحسن كتب الفتوح، ولا غيرها، ولكن الله ~~جلت عظمته قد أظفرنا بالخارجي، وحصل رأسه معي، وتفرق أصحابه، وأنا أستخلف ~~على الناحية، وأسير برأسه. # قال: وتلا الكتاب مجيء خدابود بالرأس، فعجبنا مما تم له، وعلت حاله مع ~~الفضل. # PageV03P205 ### || موت زياد يفرج عن ابن أبي ليلى # وذكر أبو الحسن المدائني، في كتابه: كتاب (الفرج بعد الشدة والضيقة) ، عن ~~محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير، قال: كتب معاوية، إلى زياد: إنه قد ~~تلجلج في صدري شيء من أمر حجر بن عدي، فابعث لي رجلا من أهل المصر، له فضل ~~ودين وعلم، فدعا عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال له: إن أمير المؤمنين كتب ~~إلي يأمرني أن أوجه إليه رجلا من أهل المصر، له دين وفضل وعلم؛ ليسأله عن ~~حجر بن عدي، فكنت عندي ذلك الرجل، فإياك أن تقبح له رأيه في حجر، فأقتلك، # PageV03P206 # وأمر له بألفي درهم، وكساه حلتين، وحمله على راحلتين. # قال عبد الرحمن: فسرت، وما في الأرض خطوة، أشد علي، من خطوة تدنيني إلى ~~معاوية. # فقدمت بابه، فاستأذنت، فأذن لي، فدخلت، فسألني عن سفري، ومن خلفت من أهل ~~المصر، وعن خبر العامة والخاصة. # ثم قال لي: انطلق فضع ثياب سفرك , والبس الثياب التي لحضرك، وعد. # فانصرفت إلى منزلي، ثم رجعت إليه، فذكر حجرا، ثم قال: أما والله، لقد ~~تلجلج في صدري منه شيء، ووددت أني لم أكن قتلته. # قلت: وأنا، والله، يا معاوية، وددت أنك لم تقتله، فبكى. # فقلت: والله، لوددت أنك حبسته. # فقال لي: وددت أني كنت فرقتهم في كور الشام، فتكفينيهم الطواعين. # قلت: وددت ذلك. # فقال لي: كم أعطاك زياد؟ قلت: ألفين، وكساني حلتين، وحملني على راحلتين. # قال: فلك مثل ما أعطاك، اخرج إلى بلدك. # فخرجت وما في الأرض شيء علي من أمر يدنيني من زياد؛ مخافة منه. # فقلت: آتي اليمن، ثم فكرت، فقلت: لا أخفى بها. # فأجمعت على أن أتي لعض عجائز الحي، فأتوارى عندها، إلى أن يأتي الله ~~بالفرج من عنده. # قال: وقدمت الكوفة، ms370 فأمر بجهينة الظاهرة، حين طلع الفجر، ومؤذنهم يؤذن. # PageV03P207 # فقلت: لو صليت، فنزلت، فصرت في المسجد، حتى أقام المؤذن. # فلما قضينا الصلاة؛ إذا رجل في مؤخر الصف، يقول: هل علمتم ما حدث ~~البارحة؟ قالوا: وما حدث؟ قال: مات الأمير زياد. # قال: فما سررت بشيء، كسروري بذلك. # PageV03P208 ### || خرج يريد خالدا القسري فأعطاه الحكم فأغناه # وقد أخبرني علي بن دبيس، عن الخزاعي المدائني، عن أبي عمر الزاهد، وقد ~~لقيت أبا عمر، وحملت منه شيئا من علومه ورواياته، وأجاز لي كل ما صح منها، ~~فدخل هذا في إجازته. # وحدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، في كتاب (نسب قريش) ، قال: ~~حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني عمي ~~مصعب، عن نوفل بن عمارة: أن رجلا من قريش، من بني أمي، له قدر وخطر، لحقه ~~دين، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع عليه، فشخص من المدينة يريد ~~الكوفة، يقصد خالد بن عبد الله القسري، وكان واليا لهشام عبد الملك على ~~العراق، وكان يبر من قدم عليه من قريش. # فخرج الرجل يريده، وأعد له من طرف المدينة، حتى قدم فيد، فأصبح بها. # فرأى فسطاطا، عنده جماعة، فسأل عنه، فقيل: للحكم بن عبد المطلب؛ # PageV03P211 # يعني: أبا عبد الله بن عبد المطلب بن حنظلة بن الحارث بن عبيد بن عمرو بن ~~مخزوم، وكان يلي المشاعر، فلبس نعليه، وخرج حتى دخل عليه. # فلما رآه؛ قام إليه فتلقاه، وسلم عليه وأجلسه في صدر فراشه، ثم سأله عن ~~مخرجه، فأخبره بدينه، وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله. # فقال الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك، ~~فمضى معه، حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التي أعدها لخالد، فتحدث ساعة معه. # ثم قال: إن منزلنا أحضر عدة، وأنتم مسافرون، ونحن مقيمون، فأقسمت عليك ~~إلا قمت معي إلى المنزل، وجعلت لنا من هذه الهدايا نصيبا. # فقام الرجل معه، وقال: خذ منها ما أحببت، فأمر بها، فحملت كلها إلى ~~منزله، وجعل ms371 الرجل يستحي أن يمنعه شيئا، حتى صار إلى المنزل. # فدعا بالغداء، وأمر بالهدايا، ففتحت، فأكل منها، ومن حضره، ثم أمر ~~ببقيتها فرفعت إلى خزانته، وقام الناس. # ثم أقبل على الرجل، وقال له: أنا أولى بك من خالد، وأقرب منه رحما ~~ومنزلا، وههنا مال للغارمين، أنت أولى الناس به، وأقرب، وليس لأحد عليك فيه ~~منة، إلا الله، تعالى، تقضي به دينك، ثم دعا له بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار، ~~فدفعت إليه. # ثم قال: قد قرب الله، جلت عظمته، عليك الخطوة، فانصرف إلى أهلك مصاحبا، ~~محفوظا. # فقام الرجل من عنده، يدعو له ويشكره، ولم يكن له همة إلا الرجوع إلى ~~أهله، وانطلق الحكم يشيعه. # PageV03P212 # ثم قال: كأني بزوجتك، قد قالت: أين طرائف العراق، خزها، وبزها، وعروضها؟ ~~أما كان لنا منها نصيب؟ ثم أخرج صرة قد كان حملها معه، فيها خمس مائة ~~دينار، فقال له: أقسمت عليك، إلا جعلت هذه عوضا عن هدايا العراق، وانصرف. # وذكر أبو الحسين القاضي، هذا الخبر، في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة) ، ~~بغير إسناد، على قريب من هذه العبارة. # PageV03P213 ### || لا بارك الله في مال بعد عثمان # وذكر أيضا في كتابه، بغير إسناد: أن عثمان بن طلحة، ركبه دين فادح، مبلغه ~~ألفا دينار، فأراد الخروج إلى العراق؛ لمسألة السلطان قضاءه عنه. # فلما عزم على السفر؛ اتصل خبره بأخيه بن طلحة، فقال: لا بارك الله في مال ~~بعد عثمان. # فدخل على نسائه، فجعل يخلع حليهن، حتى جمع له أكثر من ألفي دينار فدفعها ~~إليه. # فقضى دينه، وأقام. # PageV03P214 ### || رفع صوته بالتلبية فحملت إليه أربعة آلاف دينار # وحدثنا أحمد بن عبد الله، في هذا الكتاب: كتاب (نسب قريش) ، قال: حدثنا ~~أحمد بن سليمان، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني مفضل بن غسان، عن أبيه، عن ~~رجل من قريش، قال: حج محمد بن المنكدر، من بني تيم بن مرة، قال: وكان ~~معطاء، فأعطى حتى بقي في إزار واحد، وحج معه أصحابه. # فلما نزل الروحاء؛ أتاه وكيله، فقال: ما معنا نفقة، وما بقي معنا درهم. ms372 # فرفع محمد صوته بالتلبية، فلبى، ولبى أصحابه، ولبى الناس، وبالماء محمد ~~بن هشام. # فقال: والله، إني لأظن أن محمد بن المنكدر بالماء، فانظروا. # فنظروا، وأتوه فقالوا: هو بالماء. # فقال: ما أظن معه درهما، احملوا إليه أربعة آلاف درهم. # PageV03P215 ### || يزيد بن عبد الملك بن مروان يصف عمر بن هبيرة بالرجلة ويوليه العراق # قال: وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، قال: نالت عمر بن هبيرة إضاقة ~~شديدة، فأصبح ذات يوم في نهاية الكسل، وضيق الصدر والضجر مما هو فيه. # فقال له أهله ومواليه: لو ركبت فلقيت أمير المؤمنين، فلعله، إذا رآك، أن ~~يجري لك شيئا فيه محبة، أو يسألك عن حالك، فتخبره. # فركب، فدخل على يزيد بن عبد الملك، فوقف بين يديه ساعة، وخاطبه. # ثم نطر يزيد بن عبد الملك إلى وجه عمر، وقد تغير تغيرا شديدا، أنكره، ~~فقال: أتريد الخلاء؟ قال: لا. # قال: إن لك لشأنا. # قال: يا أمير المؤمنين، أجد بين كتفي أذى، لا أدري ما هو. # قال يزيد بن عبد الملك: انظروا ما هو. # فنظروا، فإذا بين كتفيه عقرب، قد ضربته عدة ضربات. # قلم يبرح حتى كتب عهده على العراق، وجعل يزيد بن عبد الملك يصفه بالرجلة، ~~وشدة القلب. # PageV03P216 ### || كان خالد القسري لا يملك إلا ثوبه فجاءه الفرج بولاية العراق # وذكر أبو الحسين في كتابه: أن خالد بن عبد الله القسري، أصابته إضاقة ~~شديدة، فبينما هو ذات يوم من منزله، إذ أتاه رسول هشام بن عبد الملك يدعوه ~~لولاية العراق، فتلوم، فاستحثه الرسول. # فقال له خالد: رويدا حتى يجف قميصي، وقد كان غسله قبل موافاة الرسول، ولم ~~يكن بقي له غيره. # فقال له الرسول: يا هذا، أسرع في الإجابة، فإنك تدعى إلى قمصان كثيرة. # فجاء إلى هشام، فولاه العراق. # PageV03P217 ### || يهلك ملوكا ويستخلف آخرين # قال: ومن العجوبات، ما ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، عن علي بن ~~الهيثم، قال: رأيت شيئا قلما رئي مثله؛ رأيت ثقل الفضل بن الربيع على ألف ~~بعير، ثم رأيت ثقله في زنبيل، ونحن مستترون، وفيه ms373 أدوية لعلته، وهو ينقله ~~من موضع إلى موضع. # ورأيت الحسن بن سهل، وكان مع طريف خادمي في بيت الدهليز، وثقله في زنبيل، ~~فيه نعلان، وقميصان، وإزار، وإسطرلاب، وما أشبه ذلك، ثم رأيت ثقله على ألف ~~بعير. # PageV03P218 ### || باع من إضاقته لجام دابته في الصباح وحصلت له عشرون ألف دينار وقت الظهر # قال: وذكر أبو الحسين القاضي في كتابه، قال: حدثنا أبو القاسم ميمون بن ~~موسى، قال: خرج رجل من الكتاب في عسكر المعتصم إلى مصر، يريد التصرف، فلم ~~يحظ بشيء مما أمل، ودخل المعتصم بالله مصر. # قال: فحدثني بعض المتصرفين عنه، قال: نزلت في دار بالقرب منه، فحدثني ~~الرجل بما كنت وقفت على بعضه. # قال: أصبحت ذات يوم، وقد نفدت نفقتي، وتقطعت ثيابي، وأنا من الهم والغم، ~~على ما لا يوصف عظما. # فقال لي غلامي: يا مولاي، أي شيء نعمل اليوم؟ فقلت له: خذ لجام الدابة، ~~فبعه، فإنه محلي، وابتع مكانه لجاما حديدا، واشتر لنا خبزا سميذا، وجديا ~~سمينا، فقد قرمت إلى أكلهما، وعجل، ولا تدع أن تبتاع فيما تبتاعه كوز نبيذ ~~شيروي. # فمضى الغلام، وجلست أفكر في أمري، ومن ألاقي، وكيف أعمل، وإذا بباب الدار ~~قد دق دقا عنيفا، حتى كاد أن يكسر، وإذا رهج شديد. # PageV03P219 # فقلت لغلام كان واقفا بين يدي: بادر، فانظر ما هذا. # فإلى أن يفتح الباب، كسر، وامتلأت الدار بالغلمان الأتراك وغيرهم، وإذا ~~بأشناس، وهو حاجب المعتصم، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وهو الوزير، قد ~~دخلا. # فطرحت لهم زلية، فجلسا عليها، وإذا معهما حفارون. # قال: فلما رأيت ذلك؛ بادرت فقبلت أيديهما، فسألاني عن خبري، فخبرتهما ~~إياه، وأنني قد خرجت في جملة أهل العسكر؛ طلبا للتصرف، وذكرت حالي وما قد ~~آلت إليه، فوعداني جميلا، والحفارون يحفرون في وسط الدار، حتى ترتجل ~~النهار، وأنا واقف بين أيديهما، وربما حدثتهما. # فالتفت أشناس إلى محمد بن عبد الملك، فقال: أنا، والله، جائع. # فقال له محمد: وأنا، والله، كذلك. # فقلت عند ذلك: يا سيدي، عند خادمكما شيء قد اتخذ له، فإن ms374 أذنتما في ~~إحضاره أحضره. # فقالا: هات. # فقدمت الجدي، وما كان ابتيع لنا، فأكلا، واستوفيا، وغسلا أيديهما. # ثم قال لي أشناس: عندك من ذلك الفن؟ قلت: نعم، فسقيتهما ثلاثة أقداح. # PageV03P220 # وجعل أحدهما يقول للآخر: ظريف، وما ينبغي لنا أن نضيعه البائس. # فبينما الحال على ذلك، إذ ارتفع تكبير الحفارين، وإذا هم قد كشفوا عن ~~عشرين مرجلا دنانير، فوجهوا بالبشارة إلى المعتصم، وأخرجت المراجل. # فلما نهضا؛ قال أحدهما للآخر: فهذا الشقي الذي أكلنا طعامه، وشربنا ~~شرابه، ندعه هكذا؟ فقال له الآخر: فنعمل ماذا؟ قال: نحفن له من كل مرجل ~~حفنة، لا تؤثر فيه، فنكون قد أغنيناه، ونصدق أمير المؤمنين عن الحديث. # ثم قالا: افتح حجرك، وجعل كل واحد، يحفن لي حفنة، من كل مرجل، وأخذا ~~المال، وانصرفا. # فنظرت، فإذا قد حصل لي عشرون ألف دينار، فانصرفت بها إلى العراق، وابتعت ~~بها ضياعا ولزمت منزلي، وتركت التصرف. # PageV03P221 ### || سبحان خالقك يا أبا قلابة فقد تنوق في قبح وجهك # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبي، عن أبي قلابة المحدث، ~~قال: ضقت ضيقة شديدة، فأصبحت ذات يوم، والمطر يجيء كأفواه القرب، والصبيان ~~يتضورون جوعا، وما معي حبة واحدة فما فوقها، فبقيت متحيرا في أمري. # فخرجت وجلست في دهليزي، وفتحت بابي، وجعلت أفكر في أمري، ونفسي تكاد تخرج ~~غما لما ألاقيه، وليس يسلك الطريق أحد من شدة المطر. # فإذا بامرأة نبيلة، على حمار فاره، وخادم أسود آخذ بلجام الحمار، يخوض في ~~الوحل، فلما صار بإزاء داري؛ سلم، وقال: أين منزل أبي قلابة؟ فقلت له: هذا ~~منزله، وأنا هو. # فسألتني عن مسألة، فأفتيتها فيها، فصادف ذلك ما أحبت، فأخرجت # PageV03P222 # من خفها خريطة، فدفعت إلي منها ثلاثين دينارا. # ثم قالت: يا أبا قلابة، سبحان خالقك! فقد تنوق في قبح وجهك، وانصرفت. # PageV03P223 ### || المنصور العباسي يتذكر ما ارتكب من العظائم فيبكي وينتحب # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر ~~المنصور، قبل دولة بني العباس، وكان صديقه، وبين يديه طبق عليه رغيف، ms375 ~~وغضارة فيها فضلة سكباج، وهو يتغدى، وقد كاد يفرغ، فلما بصر عمرو؛ قال: يا ~~جارية، زيدينا من هذا السكباج، وهاتي خبزا. # قالت: ليس عندنا خبز، وما بقى من السكباج شيء. # قال: فارفعي الطبق، ثم قال: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ~~فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] فلما أفضى الأمر إلى أبي جعفر، وارتكب ~~العظائم؛ دخل عليه عمرو بن عبيد، فوعظه، ثم قال: أتذكر يوما دخلت عليك. . . ~~وأعاد الحديث، وقد استخلفك، فماذا عملت؟ فجعل المنصور يبكي وينتحب، وفيه ~~حديث طويل. # PageV03P224 ### || إن قرح الفؤاد يجرح جرحا # وذكر القاضي أبو الحسين، قال: روي لنا عن خالد بن أحمد البطحاوي، مولى آل ~~جعفر بن أبي طالب، قال: تزوجت امرأة، فبينا أنا ذات ليلة من ليالي العرس، ~~وليس عندنا قليل ولا كثير، وأنا أهم الناس بذلك، إذ جاءتني امرأتان، فطرقتا ~~باب منزلي، فخرجت إليهما، فإذا بجارية شابة، وأخرى نصف. # فقالت: أنت خالد البطحاوي؟ قلت: نعم. # قالت: أحب أن تنشدنا قولك: خلفوني ببطن حام، فأنشدتهما: # خلفوني ببطن حام صريعا ... ثم ولوا وغادروني صبحا # جمع الله بين كل محب ... ذبحوه بشفرة الحب ذبحا # غادر الحب في فؤادي قرحا ... إن قرح الفؤاد يجرح جرحا # قال: فرمت إلي الشابة بدملج ذهب، وانصرفتا، فبعته بجملة دراهم، واتسعت ~~بها. # PageV03P227 ### || أبو عمر القاضي يصبح وليس عنده درهم واحد فيجيئه الفرج في وقت قريب # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبي، قال: أضقت إضاقة شديدة ~~في نكبتي، وأصبحت يوما، وما عندي درهم واحد فما فوقه، وكان الوقت شتاء، ~~والمطر يجيء. # فجلست ضيق الصدر، مفكرا في أمري، إذ جاءني صديق لي، فقال: قد جئت لأقيم ~~عندك اليوم، فازداد ضيق صدري، وقلت له: بالرحب والسعة، وأظهرت له السرور ~~بمجيئه. # ودخلت إلى النساء، فقلت لهن: احتلن فيما ننفق في هذا اليوم، على رهن، أو ~~بيع شيء من البيت، فقد طرقنا ضيف. # وخرجت فجلست مع الرجل، وأنا على نهاية من شغل القلب؛ خوفا أن لا يتفق ~~قرض، ولا بيع؛ لأجل المطر. # فأنا كذلك، إذ ms376 دخل الغلام، فقال: خليفة أبي الأغر السلمي بالباب. # فقلت: أي وقت هذا لخليفة أبي الأغر؟ وأمرته أن يخرج فيصرفه، ثم تذممت من ~~صرفه، وقد قصدني في مثل هذا اليوم. # فقلت: قل له يدخل. # فدخل، وحادثني قليلا، ثم قرب مني، وأخرج صرة فيها مائة دينار. # PageV03P228 # وقال: يقول لك أخوك: وجهت إليك بهذه الصرة، فتأمر بصرفها في مثل هذا ~~اليوم، في بعض ما يصلح حالك. # فامتنعت من قبولها، فلم يزل خليفته يلطف بي، حتى قبلتها. # PageV03P229 ### || بين أحمد بن أبي خالد وصالح الأضجم # حدثني أبي أبو القاسم التنوخي في المذاكرة، بإسناد ذهب عن حفظي، قال: كان ~~أحمد بن أبي خالد بغيضا، قبيح اللهجة، وكان مع ذلك حرا، وكان يلزمه رجل ~~متعطل من طلاب التصرف، يقال له: صالح بن علي الأضجم، من وجوه الكتاب، فحدث، ~~قال: طالت بي العطلة في أيام المأمون، والوزير، إذ ذاك، أحمد بن أبي خالد، ~~وضاقت حالي، حتى خشيت التكشف. # PageV03P230 # فبكرت يوما إلى أحمد بن أبي خالد مغلسا؛ لأكلمه في أمري، فرأيت بابه قد ~~فتح، وخرج وبين يديه شمعة، يريد دار المأمون. # فلما نظر إلي؛ أنكر علي بكوري، وعبس في وجهي، وقال: في الدنيا أحد بكر ~~هذا البكور ليشغلنا عن أمرنا. # فلم تصبر نفسي أن قلت: ليس العجب منك، أصلحك الله، فيما استقبلتني به، ~~وإنما العجب مني، وقد سهرت ليلتي، وأسهرت من في داري تأميلا لك، وتوقعا ~~للصبح؛ لأصير إليك، فأبثك أمري، وأستعين بك على صلاح حالي، وإلا فعلي، ~~وعلي، وحلفت يمينا غليظة، لا وقفت ببابك، ولا سألتك حاجة، حتى تصير إلي ~~معتذرا مما كلمتني به. # وانصرفت مغموما مكروبا بما لقيني به، متندما على ما فرط مني، غير شاك في ~~العطب، إذ كنت لا أقدر على الحنث، وكان ابن أبي خالد لا يلتفت إلى إبرار ~~قسمي. # فإني لكذلك، وقد طلعت الشمس، إذ طلع بعض غلماني، فقال: أحمد بن أبي خالد، ~~مقبل في الشارع، ثم دخل آخر، فقال: قد دخل دربنا، ثم دخل آخر، فقال: قد وقف ~~على الباب، ثم تبادر ms377 الغلمان بدخوله الدهليز، فخرجت مستقبلا له. # فلما استقر به مجلسه في داري؛ ابتدأت أشكره على إبراره قسمي، فقال: إن ~~أمير المؤمنين، كان أمري بالبكور إليه في بعض مهماته، فدخلت إليه، وقد ~~غلبني الفكر؛ لما فرط مني إليك، حتى أنكر ذلك، فقصصت عليه قصتي معك. # فقال: قد أسأت بالرجل، قم، فامض إليه، فاعتذر مما قلت له. # قلت: فأمضي إليه فارغ اليد؟ # PageV03P231 # قال: فتريد ماذا؟ قلت: يقضي دينه. # قال: كم هو؟ قلت: ثلاث مائة ألف درهم. # قال: وقع له بذلك. # قلت: فيرجع بعد إلى الدين؟ قال: وقع له بثلاث مائة ألف درهم أخرى. # قلت: فولاية يشرف بها. # قال: وله مصر، أو غيرها، مما يشبهها. # قلت: ومعونة على سفره؟ قال: وقع له بثلاث مائة ألف درهم ثالثة. # قال: وأخرج التوقيع من خفه بالولاية، وبتسع مائة ألف درهم، فدفع ذلك إلي، ~~وانصرف. # وقد ذكر محمد بن عبدوس، في كتاب (الوزراء) ، الخبر على قريب من هذا. # PageV03P232 ### || جندي تركي تشتد إضاقته ثم يأتيه الفرج # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثنا إبراهيم بن القاسم، قال: ~~كان في جيراني، بالجانب الشرقي من مدينة السلام، رجل من الأتراك، له رزق في ~~الجند، فتأخر رزقه في أيام المكتفي، ووزارة العباس بن الحسن، فساءت حاله، ~~ورثت هيئته، حتى أدمن الجلوس عند خباز كان بالقرب منا، وكان يستسعفه، ~~فيعطيه في كل يوم خمسة أرطال خبزا، يتقوت بها هو وعياله. # فاجتمع عليه للخباز شيء، ضاق به صدر الخباز معه أن يعطيه سواه، فمنعه، ~~فخرج ذات يوم، فجلس، وهو عظيم الهم، ثم كشف لي حديثه. # وقال: قد عملت على مسألة كل من يشتري من الخباز شيئا، أن يتصدق علي، فقد ~~حملني الجوع على هذا، وكلما أردت فعله؛ منعتني نفسي منه. # فبينما هو معي في هذا؛ إذ جاء رجل بزي نقيب، يسأل عنه، فدل عليه، فوجده ~~جالسا عند الخباز. # فقال له: قم. # فقال: إلى أين؟ قال: إلى الديوان، حتى تقبض رزقك، فقد خرج لك ولأصحابك ~~رزق شهرين، فمضى معه. # فلما كان بعد ساعة؛ ms378 جاءني، وقد قبض مائتين وأربعين دينارا. # فرم منزله، وأصلح حاله وحال عياله، وابتاع دابة وسرجا وسلاحا، وقضى دينه، ~~وخرج مع قائد كان برسمه، وحسنت حالته. # PageV03P233 ### || أحمد بن مسروق عامل الأهواز يتحدث عن الفرج الذي وجده في قانصة البطة # وذكر أبو الحسين في كتابه، عن الحسين بن موسى، أخي إبراهيم بن موسى، قال: ~~خرجت إلى فارس، في أيام المعتمد على الله، فمررت بالأهواز، والمتقلد ~~لخراجها أحمد بن مسروق، فاجتمعنا وتذاكرنا حديث الغم والفرج، وما ينال ~~الناس منهما، ومن المرض والصحة. # فحدثني: أنه كان في ناحية إسحاق بن إبراهيم، فلما توفي، وقدم محمد بن عبد ~~الله بن طاهر؛ تعطل، وافتقر، حتى لم يبق له شيء، وحالفته أمراض كثيرة، فكان ~~لا يصح له بدن يوما واحدا. # قال: وكان له رفيق، فخرج إلى سر من رأى، فتعلق بالفتح بن خاقان، فحسنت ~~حاله. # قال: فكان يكتب إلي في الخروج إليه، فيمنعني من ذلك عوز النفقة. # فإني لمغموم، مفكر في الحال التي أنا عليها، إذ دخل بعض نسائنا، فلامتني ~~على طول الهم والغم، وقالت: كن اليوم عندي، حتى أذبح لك # PageV03P234 # مخلفة بطة سمنت لنا، وتجتمع مع جواريك، فيغنين لك وتتفرج. # فقلت: نعم، وجئت إلى منزلها، وذبحت البطة، فإذا قد خرجت إلي، ومعها حجر ~~أحمر، لم تدر ما هو. # فقالت: خرج هذا من قانصة البطة، فما هو؟ قلت: لا أدري، ولكن هبيه لي حتى ~~أريه لمن يعرفه؟ فقالت: خذه، فرأيت شيئا لم أعرفه، إلا أني بعثت به إلى ~~صديق لي بباب الطاق، وسألته أن يبيعه لي. # فقال: نعم، ثم إنه غسله بماء حار، وباعه بمائة وثلاثين دينارا. # فأخذت الدنانير، واشتريت مركوبا، وتجهزت إلى سر من رأى، فلزمت أبا نوح، ~~وباب الفتح بن خاقان، فنفدت نفقتي، وجعل رفيقي ينفق علي، ويقرضني. # فدعاني الفتح بن خاقان، وقد يئست منه، وإذا بين يديه أبو نوح، فقال: هذا ~~أحمد بن مسروق؟ قال: نعم. # قال: كيف أنت إن أنفذتك في أمر، واصطنعتك؟ قلت: إني كنت مع الخراسانية ~~كاتبا أعرف جميع الأعمال. # PageV03P235 # فأدخلني ms379 إلى المتوكل، فلما وقفت بين يديه؛ قال: إنا ننفذك في أمر هو ~~محنتك، وبه ارتفاعك، أو سقوطك، فانظر كيف تكون؟ قال: فقبلت الأرض، ووعدت ~~الكفاية به من نفسي. # وخرج الفتح، ومعه عبيد الله بن يحيى، فوقع لي عبيد الله بأجر ثلاثة آلاف ~~درهم، مع الشاكرية الذين يقبضون عشرة أشهر من السنة، والاستقبال في أول شهر ~~يوضع لهم، ووقع إلى خازن بيت المال بأن يدفع إلي ثلاثين ألف درهم معونة. # وكتب كتبي بالنظر في مصالح الأهواز، وأشياء هناك بالستر والأمانة، احتيج ~~إلى كشفها، فسرت إليها، وبلغت في الأمور ما أحمد. # فصار رسمي أن أقلد أعمالها، فمرة المعونة، ومرة الخراج، ومرة يجمعان لي ~~جميعا. # فزالت تلك العلل والأمراض التي كانت قد حالفتني، ولا أعرف لذلك سببا غير ~~الفرج. # فقال الحسين بن موسى، لأحمد بن مسروق: على ذكر وجود الحجر في قانصة ~~البطة: أخبرك أني لما سرت في سفرتي هذه، إلى الموضع المعروف باصطربند، رأيت ~~بستانا حسنا، فيه باقلى وخضرة، بعقب مطرة، فاستحسنته، فعدلت إليه. # فقال: عساه البستان الذي فيه الصخرة التي كأنها نابتة. # قلت: هو. # قال: هيه. # PageV03P236 # قلت: فتغدينا فيه، وشربنا أقداحا، وكنت مستندا إلى الصخرة، فلما نهضنا؛ ~~رأيت في وسط الصخرة نقرة، قد اجتمع فيها ماء المطر، فهو في غاية الصفاء. # فوضعت فمي لأشرب منه، فتحرك فيه شيء، فنحيت فمي عنه، وتأملته، فبدت لي ~~خرقة، فجذبتها، فإذا صرة. # فقال: أحمد بن مسروق: صرتي، والله، كأن فيها ثلاث مائة دينار. # قلت: نعم، فمن أين صارت لك؟ قال: مررت بهذا الموضع، آخر خرجة خرجتها إلى ~~الأهواز، فملت إلى الموضع، كما ملت، وكانت هذه الصرة في يدي، فوضعتها في ~~الحجر، وأنسيتها وركبت، ثم طلبتها، فلم أجدها، ولا علمت أين وضعتها، إلا ~~الساعة، فذكرتها بحديثك. # قلت: فالدنانير مع غلامي. # قال: خذها، بارك الله لك فيها، وأبرأت ذمتك منها. # PageV03P237 ### || أصلح بين متخاصمين بدرهم فوهب الله له درة بمائة وعشرين ألفا # قال: # وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، بإسناد، قال: حدث محمد بن إبراهيم بن ~~عمر البرقي، ms380 قال: حدثنا العباس بن محمد البرقي، قال: حدثنا أبو زيد، عن ~~الفضيل بن عياض، قال: حدثني رجل: أن رجلا خرج بغزل، فباعه بدرهم؛ ليشتري به ~~دقيقا، فمر على رجلين، كل واحد منهما آخذ برأس صاحبه. # فقال: ما هذا؟ فقيل: يقتتلان في درهم، فأعطاهما ذلك الدرهم، وليس له شيء ~~غيره. # فأتى إلى امرأته، فأخبرهما بما جرى له، فجمعت له أشياء من البيت، فذهب ~~ليبيعها، فكسدت عليه، فمر على رجل ومعه سمكة قد أروحت. # فقال له: إن معك شيئا قد كسد، ومعي شيء قد كسد، فهل لك أن تبيعني هذا ~~بهذا؟ فباعه. # وجاء الرجل بالسمكة إلى البيت، وقال لزوجته: قومي فأصلحي أمر هذه السمكة، ~~فقد هلكنا من الجوع. # فقامت المرأة تصلحها، فشقت جوف السمكة، فإذا هي بلؤلؤة، قد خرجت من ~~جوفها. # PageV03P238 # فقالت المرأة: يا سيدي، قد خرج من جوف السمكة شيء أصغر من بيض الدجاج، ~~وهو يقارب بيض الحمام. # فقال: أريني، فنظر إلى شيء ما رأى في عمره مثله، فطار عقله، وحار لبه. # فقال لزوجته: هذه أظنها لؤلؤة. # فقالت: أتعرف قدر اللؤلؤة؟ قالت: لا، ولكني أعرف من يعرف ذلك، ثم أخذها، ~~وانطلق بها إلى أصحاب اللؤلؤ؛ إلى صديق له جوهري، فسلم عليه، فرد عليه ~~السلام، وجلس إلى جانبه يتحدث، وأخرج تلك البيضة. # وقال: انظر كم قيمة هذه؟ قال: فنظر زمانا طويلا، ثم قال: لك بها علي ~~أربعون ألفا، فإن شئت أقبضتك المال الساعة، وإن طلبت الزيادة؛ فاذهب بها ~~إلى فلان، فإنه أثمن بها لك مني. # فذهب بها إليه، فنظر إليها واستحسنها، وقال: لك بها علي ثمانون ألفا، وإن ~~شئت الزيادة؛ فاذهب بها إلى فلان، فإني أراه أثمن بها لك مني. # فذهب بها إليه، فقال: لك بها علي مائة وعشرون ألفا، ولا أرى أحدا يزيدك ~~فوق ذلك شيئا. # فقال: نعم، فوزن له المال، فحمل الرجل في ذلك اليوم اثنتي عشرة بدرة، في ~~كل بدرة عشرة آلاف درهم، فذهب بها إلى منزله؛ ليضعها فيه، فإذا فقير واقف ~~بالباب، يسأل. # فقال: هذه قصتي التي كنت ms381 عليها، ادخل، فدخل الرجل. # فقال: خذ نصف هذا المال، فأخذ الرجل الفقير، ست بدر، فحملها، ثم تباعد ~~غير بعيد، ورجع إليه. # وقال: ما أنا بمسكين، ولا فقير، وإنما أرسلني إليك ربك، عز وجل، # PageV03P239 # الذي أعطاك بالدرهم عشرين قيراطا، فهذا الذي أعطاك، قيراط منه، وذخر لك ~~تسعة عشر قيراطا. # PageV03P240 ### || يحيى البرمكي يتحدث عن عارفة في عنقه ليعقوب بن داود # وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، قال: روي أن خالد بن برمك، قال لابنه ~~يحيى، في إضاقة نالته: قد ترى ما نحن فيه، فلو لقيت يعقوب بن داود، وشكوت ~~إليه ما نحن فيه. # فأتى يعقوب بن داود، فذكر له ذلك، فسكت عنه، فانصرف يحيى، وهو مكروب، آيس ~~من خيره، فأخبر أباه. # فقال: افتضحنا، فيا ليت أنا لم نكن كشفنا له خبرنا. # قال: فركب يحيى بن خالد من غد، فلقيه بعض إخوانه، فقال: ما زال يعقوب بن ~~داود يطلبك طلبا شديدا، فمضى إليه. # فقال له يعقوب: أين كنت؟ والله، إنك أوردت على فلبي ما شغله بالفكر في ~~إصلاحه، وقد عن لي أمر رجوت به صلاح حالك، امض بنا إلى الديوان، فسار معه ~~إليه. # فقال يعقوب: علي بتجار السواد، فأحضروا. # فقال: أشركوا أبا علي معكم بالثلث فيما تبتاعونه من غلة السلطان، ففعلوا. # PageV03P241 # فقال: لعل ذلك يشق عليكم؟ فقالوا: أجل. # فقال: أخرجوه، بربح تجعلونه له. # فأخرجوه بربح ستين ألف دينار، فصلحت حاله، وحال أبيه، ومضى إليه بالمال. # PageV03P242 ### || من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # وذكر محمد بن عبدوس، في كتاب (الوزراء) ، هذا الخبر بخلاف هذا، فقال: حكى ~~يحيى بن خاقان، قال: كنت يوما عند يحيى بن خالد، وبحضرته ابنه الفضل، إذ ~~دخل عليه أحمد بن يزيد، المعروف ب: ابن أبي خالد، فسلم وخرج. # فقال يحيى للفضل: في أمر هذا الرجل خبر، فإذا فرغنا من شغلنا فأذكرني به ~~حتى أعرفك، فلما فرغ من عمله؛ أذكره. # فقال: نعم، كانت العطلة، قد بلغت مني ومن أبي، وتوالت المحن علينا، حتى ~~لم نهتد إلى ما ننفقه. # فلبست ثيابي يوما؛ لأركب، ms382 فقال لي أهلي: إن هؤلاء الصبيان باتوا البارحة ~~بأسوإ حال، وأنا ما زلت أعللهم بما لا علالة فيه، وأصبحت وما لهم شيء، وما ~~لدابتك علف. # فقرعت قلبي، وقطعتني عن الحركة، ورميت بفكري، فلم يقع إلا على منديل ~~طبري، كان بعض البزازين أهداه إلي. # فقلت: ما فعل المنديل الطبري؟ فقالت: ههو. # فأخرجته إلى الغلام، وقلت له: اخرج إلى الشارع، فبع هذا المنديل، # PageV03P243 # فمضى، وعاد من ساعته، فقال: خرجت إلى البقال الذي يعاملنا، وعنده رجل، ~~فأعطاني بالمنديل اثني عشر درهما صحاحا، وقد بعته بشرط، فإن أمضيت البيع، ~~وإلا أخرجت المنديل إلى سوق قنطرة البردان، واستقصيت فيه، كما تحب. # فأمرته بإمضاء البيع للحال التي خبرتني بها المرأة، وأن يشتري ما يحتاج ~~إليه الصبيان، وعلفا للدابة، وركبت، لا أدري إلى أين أقصد. # فأنا في الشارع، وإذا أنا بأبي خالد، والد هذا، ومعه موكب عظيم ضخم، وهو ~~يومئذ يكتب لأبي عبيد الله، كاتب المهدي، فملت إليه، ورميت نفسي عليه. # وقلت له: قد تناهت العطلة بأخيك وبي، إلى ما لا نهاية وراءه، وعلي، وعلي، ~~إن لم تكن قصتي في يومي هذا، كيت وكيت، وقصصت عليه الخبر، وهو مستمع لذلك، ~~ماض في سيره، فلما بلغ مقصده؛ انصرفت عنه، ولم يقل لي حرفا. # فانصرفت منكسف البال، منكرا على نفسي إسرافي في الشكوى، وإطلاعي إياه على ~~ما أطلعته عليه. # وقلت: ما زدت على أن فضحت نفسي، وقللتها في عينه من غير نفع. # ووافيت منزلي على حال أنكرتها أهلي، فسألتني. # فقلت: جنيت اليوم على نفسي جناية كنت عنها غنيا، وقصصت عليها قصتي مع ~~يزيد. # فأقبلت توبخني، وقالت: ما حملك على أن أظهرت للرجل حالك؟ فإن أقل ما في ~~ذلك، أن لا يأتمنك على أمر، فإن من تناهت به الحال إلى ما ذكرت، كان غير ~~مؤتمن، فنالني من توبيخها أضعاف ما نالني أولا. # وأصبحنا في اليوم الثاني، فوجهت بأحد ثوبي فبيع، وتبلغنا بثمنه يومنا. # PageV03P244 # وأصبحنا في اليوم الثالث، ونحن في غاية الضيقة، فطوينا يومنا وليلتنا. # فلما كان اليوم الرابع؛ ضاقت نفسي، ms383 وقل صبري، وضعفت قوتي، واخترت الموت ~~على الحالة التي أنا فيها. # فقالت لي أهلي: أنا خائفة عليك من الوسواس، فيكون ما نحتاج لعلاجك أضعاف ~~ما نحتاج لمئونتنا، فسهل الأمر عليك، ولا تضجر، ولا تقنط من رحمة الله، فإن ~~الله، عز وجل، الصانع، المدبر، الحكيم. # قال: فركبت، لا أدري أين أقصد، فلما صرت إلى قنطرة البردان؛ لقيني رسول ~~أبي خالد يطلبني داره. # فقال لي حاجبه: اجلس، فأقمت، وخرج مع الزوال، فدنوت منه. # فقال: يابن أخي، شكوت إلي بالأمس شكوى، لم يكن في جوابها إلا الفعل، وأمر ~~بإحضار حميد وداهر؛ تاجرين كانا يبيعان الطعام. # فقال لهما: قد علمتما أني إنما بعتكما البارحة ثلاثين ألف كر، على أن ابن ~~أخي هذا شريككما فيها بالسعر. # ثم قال: لك في هذه عشرة آلاف كر بالسعر، فإن دفعا إليك ثلاثين ألف دينار ~~ربحك، وآثرت أن تخرج إليهما من حصتك؛ فعلت، وإن آثرت أن تقيم على ابتياعك؛ ~~فعلت. # قال: فتنحينا ناحية، وقالا: إنك رجل شريف، وابن شريف، وليست التجارة من ~~شأنك، ومتى أقمت على الابتياع؛ احتجت إلى كفاة وأعوان، ولكن خذ منا ثلاثين ~~ألف دينار، وخلنا والطعام. # فقلت: قد فعلت، وقمت إلى أبي خالد، فقلت: قد أجبتهما إلى أخذ المال، ~~وتركهما والطعام. # PageV03P245 # فقال: هذا أروح لك، فخذ المال، وتبلغ به، وألزمنا، فإنا لا نقصر في أمرك ~~بكل ما يمكننا. # فأخذت من الرجلين ثلاثين ألف دينار، وما كان بين ذلك، وبين بيع المنديل ~~والثوب، إلا أربعة أيام. # فسرت إلى أبي، وخبرته الخبر، وقلت له: جعلت فداك تأمر في المال بأمرك؟ ~~فقال: نعم، أحكم عليك فيه، بمثل ما حكم أبو خالد به على التاجرين؛ أي: أن ~~الثلث لي. # فحملت إليه عشرة آلاف دينار، واشتريت بعشرة آلاف دينار ضيعة، ولم أزل ~~أنفق الباقي، إلى أن أداني ذلك إلى هذه الحال، وإنما حدثتك بهذا؛ لتعرف، يا ~~بني، للرجل حقه. # فقلت ليحيى بن خاقان: فما الذي كان من يحيى بن خالد إلى أحمد بن أبي ~~خالد؟ قال: ما زال هو وولده على ms384 نهاية البر به، حتى نال ما نال من الوزارة، ~~بذلك الأساس الذي أسساه. # وقرئ على أبي بكر الصولي، بالبصرة، سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة بإسناد، ~~وأنا حاضر، في كتابه: كتاب (الوزراء) ، حدثكم عون بن محمد الكندي، عن ~~إبراهيم بن الحسن بن سهل، قال: سمعت أهلي يتحدثون: أن يحيى بن خالد ~~البرمكي، قال: نالتني خلة في أيام المهدي، فجئت إلى يزيد الأحول أبي خالد، ~~وكان يكتب لأبي عبيد الله، فأبثثته حالي، فما أجابني، ولا أقبل علي، فتأخرت ~~نادما، ثم جاءني رسوله من # PageV03P246 # الغد، فصرت إليه. # فقال لي: إنك شكوت إلي شكوى لم يكن جوابها الكلام والتوجع، وقد بعت جماعة ~~من التجار ثلاثين ألف كر، من غلات السواد، واشترطت لك ربع الربح، فخذ كتابي ~~هذا إليهم، فإن أحببت أن تصبر إلى أن تباع الغلة؛ توفر ربحك، وإن ناظرت ~~التجار، وخرجت من حصتك بربح عاجل؛ فأقل ما يبذلونه لك ثلاثون ألف دينار، ~~فدعوت له. # ولقيت القوم، فقالوا: أنت رجل سلطان، ولا يتهيأ لك ما نفعل نحن من الصبر ~~على الغلة، وانتظار الأسعار، فهل لك أن تخرج منها برح ثلاثين ألف دينار ~~معجلة؟ فقلت: نعم، فقبضتها في يوم واحد، وانصرفت. # وذكر أبو الحسين في كتابه، قال: حدث محمد بن أحمد بن الخصيب، قال: حدثني ~~من سمع أحمد بن أبي خالد الأحول يحدث، قال: كان السلطان قد جفا خالد بن ~~برمك، واطرحه، حتى نالته إضاقة شديدة، وكاد أن ينكشف. # فحدثت أن يحيى بن خالد أصبح يوما، فخرجت إليه امرأته؛ أم الفضل، ابنه، ~~فقالت له: ما أصبح اليوم في منزلك دقيق، ولا علف للدابة، ولا نفقة لشيء. # فقال لها: بيعوا شيئا من البيت. # قالت ما بقي في البيت ما له قدر، ولا ما يمكن بيعه. # فقال: قد كان فلان أهدى إلينا منديلا فيه ثياب، فبعنا الثياب، فما فعل ~~المنديل؟ قالت: باق. # PageV03P247 # قال: فبيعوه. # فبعثت به إلى سوق قنطرة البردان، فبيع بنيف وعشرين درهما، فأنفقوها ~~أياما. # ثم خرجت إليه، فقالت: ما قعودك؟ ما عندنا نفقة، ولا دقيق، ms385 ولا علف ~~للدابة. # فركب يحيى، فكان أول من لقيه أبو خالد الأحول، فشكا إليه ما هو فيه، ~~فأمسك، ثم أجابه بجواب ضعيف. # وانصرف يحيى إلى منزله، وقد كاد يتلف غما وندما، ولام زوجته، وأقام أياما ~~لا يركب، وزوجته تحتال فيما تنفق. # ثم حركته على الركوب، وشكت إليه انقطاع الحيلة، وتعذر القوت، فركب، فلما ~~صار في بعض الطريق؛ لقيه أبو خالد. # فقال له: صرت إلي، وسألتني أمرا، حتى إذا أحكمته لك؛ تركت تنجزه. # فقال: كرهت التثقيل عليك. # فقال: إنك شكوت إلي أمرك، فغمني، وذكرته لأبي عبيد الله، فتقدم إلي فيه ~~بأمر، ثم لم تصر إلي، فتعال معي الآن إلى الديوان. # قال يحيى: فمضيت معه إلى الديوان، فأحضر التجار المبتاعين لغلات الأهواز، ~~فقال لهم: هذا الرجل الذي جعل له الوزير سهما معكم فيما ابتعتموه فحاسبوه ~~على ما بينكم وبينه. # قال يحيى: فأخذ التجار بيدي إلى ناحية، فواقفوني على ربح خمسين ألف ~~دينار، وأن أدعهم والغلة، فما برحت، حتى راج لي المال، وحملته إلى منزلي. # وعرفت أبي الحال، فأخذ من المال عشرين ألفا، وقال: هذه تكفيني # PageV03P248 # لنفقتي، إلى أن يفرج الله، تعالى، عني، والباقي لك، فإن عيالك كثير. # قال أحمد بن أبي خالد: فرعى لي القوم ذلك؛ يعني: البرامكة، فلما صار ~~الأمر إليهم؛ أشركوني في نعمتهم، وكان آخر ما وليت لهم جند الأردن. # وانصرفت إلى مدينة السلام، وقد سخط الرشيد على يحيى، ومعي من المال ستة ~~آلاف دينار، فتوصلت إلى أن دخلت إليه في الحبس، فتوجعت له، وعرضت عليه ~~المال. # فقال: لست أجحف بك، احمل إلينا منه ثلاثة آلاف دينار، وكتب رقعة، بخط لا ~~أعرفه، ثم أتربها، ثم قطعها نصفين، فجعل أحدهما تحت مصلاه، ودفع إلي الآخر. # وقال: أمرنا قد ولى، ودولتنا قد انقضت، وهذا الخليفة سيموت، وستقع فتنة ~~يطول فيها الأمر بين خليفتين، يكون الظاهر منهما صاحب المشرق، وسيكون ~~لغلام، يقال له: الفضل بن سهل، معه حال، فإذا بلغك ذلك؛ فادفع إليه هذا ~~النصف من الرقعة، فإنك ستبلغ بها ما تحب عنده. ms386 # قال أحمد بن أبي خالد: فخرجت من عنده، وأنا أندم الناس على إخراجي من يدي ~~ثلاثة آلاف دينار، إلى رجل قد نعى نفسه إلي، فاحتفظت بنصف الرقعة. # ومضت الأيام، وولي محمد المخلوع، ووقعت الفتن، ولزمتني عطلة، ودامت، حتى ~~رقت حالي، واشتد اختلالي. # ودخل طاهر مدينة السلام، فإني ذات يوم متفكر في أمري، متحير فيما أعمله، ~~سمعت قرع الباب علي. # فقلت لزوجتي: اخرجي إلى الدهليز، وأعرفي الخبر، ولا تتكلمي، ولا تفتحي، ~~فمضت، وجاءت مذعورة. # PageV03P249 # وقالت: ما أدري، على الباب جماعة من الشرط والمسودة ونفاطات. # فخرجت، ووقفت خلف الباب، وقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا منزل أحمد بن أبي ~~خالد الأحول؟ فقلت: نعم. # فقالوا: نحن رسل الأمير طاهر بن الحسين إليه. # فقلت: لعلكم غلطتم، ما يريد الأمير من مثله؟ فقال بعضهم: يا هذا، إنا ~~جئنا في أمر يسره، فأعلمه إياه، وأنه لا بأس عليه. # قال: وظنني غلاما في الدار، فسكنت إلى هذا القول، ورجعت إلى مجلسي من ~~الدار، وأنفذت جارية سوداء كانت لي، حتى تفتح الباب. # فدخل قائد جليل، وبرك بين يدي، وقال: أنت، أعزك الله، تعالى، أحمد بن أبي ~~خالد؟ قلت: نعم. # قال: الأمير يسألك أن تصير إليه الساعة. # قال: فأردت أن أسبر الأمر الذي دعيت إليه، أخير هو، أم شر؟ فقلت: أدخل، ~~وألبس ثيابي؟ قال: افعل. # قال: فدخلت، وأوصيت زوجتي فيما أحتاج إليه، وعلمت أنه لا بأس علي، ولبست ~~مبطنتي وطيلساني وشاشيتي وخفي، ثم خرجت. # PageV03P250 # فقلت: ليس لي مركوب. # قال: فاركب من جنائبي، فركبت دابة قدمها إلي، وصرت إلى طاهر، فسلمت عليه، ~~فساعة رآني، قال: أنت أحمد بن أبي خالد الأحول؟ قلت: نعم. # فألقى إلي كتابا في نصف قرطاس، بخط الفضل بن سهل، وكان أول كتاب رأيته؛ ~~لأبي فلان، من فلان، فإذا عنوانه: لأبي الطيب أعزه الله، تعالى، من ذي ~~الرياستين؛ الفضل بن سهل، وصدره: أعزك الله، وأطال بقاءك، أمر أمير ~~المؤمنين، أطال الله بقاءه، بأن تتقدم ساعة وصول كتابي هذا، بطلب أحمد بن ~~أبي خالد الأحول الكاتب، حيثما كان من ms387 أقطار الأرض، فتحضره مجلسك، وتصله ~~بخمسين ألف درهم، وتحمله على عشرين دابة من دواب البريد، إلى باب أمير ~~المؤمنين، أطال الله بقاءه، مصونا، ولا ترخص له في التأخر، فرأيك، أعزك ~~الله، في العمل بذلك، موفقا، إن شاء الله، تعالى، وكتبت في يوم كذا من شهر ~~كذا. # قال: فلما قرأت الكتاب؛ اشتد سروري، وقلت: آخذ فيما أحتاج إليه، وأنهض. # فقال: ما إلى تأخرك سبيل، هذا المال، وهذه الدواب، وتخرج الساعة. # فقلت: أكتب إلى منزلي بما أحتاج إليه، وأخذت المال، وحملت أكثره إليهم، ~~وكاتبتهم بما أحتاج إليه. # وذكرت الرقعة التي من يحيى بن خالد، فأمرتهم بإنفاذها إلي، وطلبت قماشا ~~قليلا مما لا بد منه. # PageV03P251 # فعاد الجواب بوصول المال، وأنفذوا النصف من الرقعة، وما طلبت من القماش، ~~وشخصت من دار طاهر، سحر تلك الليلة. # فما مررت بمدينة إلا خدمت فيها أتم خدمة، إلى أن وافيت الري، فلقيني رجل ~~ذكر لي أن ذا الرياستين أنفذه لتلقي، والقيام بمصالحي إلى أن أوافي حضرته، ~~فلم يزل قائما بما أحتاج إليه، ويحض كل من أجتاز به على تفقدي وخدمتي إلى ~~أن وافيت باب الفضل بمرو، ومعي صاحبه، وصاحب طاهر. # فوقفت بباب الفضل طويلا إلى أن تفرغ ودعاني، فدخلت، وهو في قبة أدم، ~~وعليه سواد، وحوله السلاح كله، وبين يديه جحفة فيها كتب. # فلما مثلت بين يديه؛ قال لي: أنت أحمد بن أبي خالد الكاتب؟ فقلت: نعم. # قال: انصرف إلى منزلك، وارجع إلينا بعد ثلاثة أيام في سواد؛ لأدخلك على ~~أمير المؤمنين. # فوليت من بين يديه، وأنا لا أدري إلى أين أمضي، وإذا خادم قد لحقني، وأخذ ~~بيدي، وخرج معي، حتى سار إلى دار قد أعدت لي، وفيها كل ما أحتاج إليه من ~~فرش، وآلة، وكسوة، وغلمان، ودواب، وقماش، وغير ذلك من الأطعمة والأشربة، ~~فجعل يعرفني ما تحت يد كل غلام، ثم قال: هذا كله لك، وانصرف، فأقمت في كل ~~نعمة وسرور، ثلاثة أيام. # ثم غدوت في اليوم الرابع في سواد، فألفيت ذا الرياستين خارجا من داره، ~~فترجلت ms388 ودنوت، فأعطاني طرف كمه فقبلته، ثم أمرني بالركوب، فركبت، وسرت في ~~موكبه، حتى وافى دار المأمون، فثنى رجله، ونزل في محفة معدة له، فجلس فيها، ~~وحمله القواد على أعناقهم، حتى أجلسوه مع # PageV03P252 # المأمون على السرير، فمكثت غير بعيد. # فجاء خادم فدعاني، فدخلت، والفضل والمأمون على السرير، وكل واحد منهما ~~مقبل على صاحبه. # فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، هذا أحمد بن أبي خالد، كانت كتبه ترد ~~علينا من مدينة السلام بأخبار المخلوع، في وقت كذا، وفي وقت كذا، وقد وفد ~~على أمير المؤمنين وهو من اليسار، وحسن الحال، على أمر يقصر عنه الوصف، وهو ~~يعرض نفسه وماله على أمير المؤمنين، يريد أنه متى خلا بي، فسألني عن شيء؛ ~~كنت قد عرفته. # قال أحمد: فشيعت كلامه بما حضرني. # فقال المأمون: بل؛ قد وفر الله، تعالى، عليه ماله، ونضيف إليه أمثاله. # فقال: يا أمير المؤمنين، ويشرك بينه وبين خدم أمير المؤمنين، في تقلد ~~الأعمال. # قال: نعم. # قال: ويولى ديوان التوقيع، وديوان الفض والخاتم. # قال: افعل. # قال: ويخلع عليه خلعة هذه الأعمال. # قال: نعم. # قال: وصلة يعرف بها موقعه من أمير المؤمنين. # قال: نعم. # قال أحمد: فما برحت، حتى أنجز لي كل ذلك، وانصرفت. # فلما كان بعد عشرين يوما بعث إلي في الليل، فعلمت أنه لم يحضرني في هذا ~~الوقت، إلا ليسألني عن الرقعة، فجعلتها في خفي، وصرت إليه، وإذا هو جالس، ~~والحسن أخوه إلى جانبه. # PageV03P253 # فقال لي: يا أبا العباس، كانت بينك وبين شيخنا أبي علي، رضي الله عنه، ~~حرمة؟ قلت: نعم، وأي حرمة. # فقال: ما هي؟ فقصصت عليه كيف كانت قصة أبي معه، ثم وصلت ذلك بخبري، إلى ~~أن أنتهيت إلى حديث الدنانير ونصف الرقعة. # فقال: أين هي؟ فأخرجتها من خفي، فدفعتها إليه، فرفع مصلاه، فإذا النصف ~~الذي كان يحيى بن خالد، رحمه الله، جعله تحت مصلاه، فقرن بينهما، والتفت ~~إلى أخيه، وقد دمعت عيناه. # فقال: هذا خط أبي علي، رضي الله عنه: ثم قال: أقرأت ما فيها؟ قلت: لا. # قال: فيها: ms389 أمتعني الله بك، يا بني، طويلا، وأحسن الخلافة عليك، قد وجب ~~علي من حق أبي العباس أحمد بن أبي خالد الأحول الكاتب، في الحال التي أنا ~~عليها، ما قد أثقلني، وأعجزني عن مكافأته، إلى غير ذلك مما أعتد به لسلفه، ~~ونجمنا قد أفل، وأمرنا قد انقضى، ودولتك قد حضرت، وجدك قد علا، فأحب أن ~~تقضي عني حق هذا الفتى، إن شاء الله، تعالى. # قال أحمد بن أبي خالد: فلم أزل مع الفضل، تترقى حالي، وأختص بخدمة ~~المأمون، إلى أن دارت الأيام، واستكتبني المأمون، وزادت النعمة ونمت، ~~والحمد لله على ذلك. # PageV03P254 # وذكر محمد بن عبدوس في كتابه: كتاب (الوزراء) في أخبار أحمد بن أبي خالد، ~~قال: كان سبب اتصاله بالمأمون: أن الرشيد لما سخط على البرامكة، واتصل ~~خبرهم، وما هم فيه من الضيق، بأحمد بن أبي خالد؛ شخص نحو الرقة، فوافاها ~~وقد أمر الرشيد بمنع حاشيتهم من الدخول إليهم. # فلم يزل يحتال حتى وصل إلى يحيى، فانتسب له، وعرفه أنه قصده لخدمته. # فرحب به يحيى، وأعلمه أنه كان يحب أن يقصده في وقت إمكان الأمور، ليبلغ ~~من مكافأته وتحقيق ظنه حسب رغبته. # فشكره أحمد، وسأله قبول شيء حمله معه، وإن كان يسيرا، وضرع إليه. # فدفعه يحيى عنه، وقال: نحن في كفاية. # فألح أحمد عليه، وأعلمه أنه لا يثق بقبول انقطاعه إليه إلا بإجابته إلى ~~ما سأل. # فسأله يحيى عن مقدار ذلك، فقال: عشرة آلاف درهم. # فقال: ادفعها إلى السجان. # وقال لأحمد: إن حالنا حال لا نرجو معها بلوغ مكافأتك، ولكني سأكتب لك ~~كتابا إلى رجل سيقوم بأمر الخليفة الذي يملك خراسان، فأوصل إليه كتابي، ~~فسيقوم بقضاء حقك. # ثم كتب له في قريطيس كتابا، وطواه، ووضع عليه خاتمه، فانصرف أحمد إلى ~~منزله. # فلما قلد الفضل بن سهل أمر المأمون؛ قصده أحمد بن أبي خالد، فوصل إليه في ~~دار المأمون. # فلما فرغ من أعماله؛ أوصل إليه الكتاب، فأنكر وجهه، وسأله عن صاحب ~~الكتاب، فقال: يقرأه الأمير، أطال الله بقاءه، فإنه سيعرفه. # فلما فضه، ms390 ونظر إلى الخط؛ استبشر، ثم استدنى أحمد بن أبي خالد، # PageV03P255 # وأعلمه أنه من أعظم خلق الله منة عليه، وأوجبهم حقا، وأمره بالمصير إلى ~~منزله. # فصار أحمد بن أبي خالد إلى دار الفضل، فلما وصل إليه فيها؛ عانقه وقبله، ~~وقال: أوجبت، والله، علي حقا. # وسأله عن خبر الكتاب، فذكره له، فوعده ببلوغ المحبة، وأمر بإنزاله منزلا ~~يتخذ له، ويفرش بما يحتاج إليه، ووجه بحاجبه، وبعض خدمه , ومعهم تخوت ثياب، ~~وخمسون ألف درهم، واعتذر إليه، وأمره بالاستعداد للوصول إلى المأمون، ثم ~~أوصله إليه، ووصفه له، وقرظه. # ولم يزل يقوم بحاله عنده، حتى أمر المأمون بتصريف أحمد بن أبي خالد، ~~وأجرى له الأرزاق والأنزال، وأجراه في الوصول إليه مجرى الخاصة، وقلده من ~~أعمال الخراسان وما وراء النهر، أعمالا جليلة، وتمكنت حاله عنده. # قال محمد بن عبدوس: وحدثني علي بن أبي عون، قال: حدثني أبو العباس بن ~~الفرات، قال: حدثني علي بن الحسن، قال: حدثني محمد بن عمر الجرجاني الكاتب: ~~وذكر من خبر أحمد بن أبي خالد ويحيى بن خالد مثل الذي ذكره يحيى بن خاقان، ~~وزاد فيه: إن أحمد بن أبي خالد لم يحظ من أيام يحيى بن خالد بشيء، وإنه ~~لزمه عند حبسه، فلما حضرته الوفاة زوده كتابا إلى الفضل بن سهل يعتذر إليه ~~فيه من ولاية ما أولاه، ويسأله مكافأته عنه، وأنه احتفظ بالكتاب مدة أيام ~~الرشيد، وصدرا من أيام محمد، وساءت حال أحمد بن أبي خالد، وعظم فقره جدا، ~~واشتدت عليه العطلة والخلة، فلما أنفذ محمد الأمين علي بن عيسى بن ماهان ~~لمحاربة طاهر؛ عمل أحمد على اتباع عسكره. # PageV03P256 # قال محمد بن عمر الجرجاني: فجاءني يذكر ما عزم عليه، ويصف إفراط خلته، ~~وقصور حيلته، وسألني أن أسأل سلاما الأبرش، لمودة كانت بينه وبين أبيه، أن ~~يعينه بمركوب، وبألفي درهم. # فقصدت سلاما، وسألته في ذلك، فقال: والله، لو كان لي بعدد الذباب دواب؛ ~~ما أعطيته شعرة من ذنب واحد منها، ولو كان عندي بقدر رمل عالج عين وورق؛ ما ~~أعطيته منها ms391 حبة. # فانصرفت إليه، وقد كان أقام في منزلي، ينتظر ما يجري، فأخبرته بما قال، ~~وحلفت له أني ما أملك إلا دابة وبغلة وأربع مائة درهم، فليأخذ منها ما شاء. # فقال: أنت إلى الدابة في الحضر أحوج، وأنا إلى البغلة في السفر أحوج، ~~فأعطنيها، وأنت مقيم، وأنا مسافر، وتقدر، أنت، أن تحتال لنفسك نفقة، وأنا ~~لا أقدر، فأعطني أربع مائة الدرهم كلها. # فدفعتها إليه مع البغلة، وصحب عسكر علي بن عيسى. # فلما حدث على علي ما حدث؛ صار إلى الفضل، فأوصل إليه الكتاب، فقرأه، وسر ~~نهاية السرور، وأكرمه غاية الإكرام، وأنكر عليه تأخره إلى ذلك الوقت. # وقال: ما أعرف شيئا أقضي به حقك، إلا أن أشركك في أمري، وأقلدك العرض على ~~أمير المؤمنين خلافة لي. # فقلده ذلك، وكبر أمره. # ولم يزل أحمد بن أبي خالد، يضرب على سلام الأبرش، ويغري به المأمون، إلى ~~أن قال له: قد وهبت لك دمه، وجميع ما يملكه. # فقبض عليه، وقبض منه ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم، ودعا بالسيف والنطع، ~~وأمر بضرب عنقه، بعد أن قرعه بما كان منه عند مسألة محمد بن عمر الجرجاني ~~في أمره. # PageV03P257 # ثم أعرض عن قتله، وأمر بحبسه، وقال للمأمون: إني كرهت أن أتجاوز مذهب ~~أمير المؤمنين في العفو، فاستصوب رأيه. # وترقت أحوال أحمد بن أبي خالد، إلى أن تقلد وزارة المأمون. # قال: محمد بن عمر الجرجاني: وحدثت الفتن بعد ذلك ببغداد، وتشرد أهلها ~~عنها، فهربت إلى إخوان كانوا لي بالكوفة، فأقمت عندهم، واستطبت البلد، ~~فسكنته، وابتعت بجميع ما أملكه ضيعة هناك، وولينا عامل أحسن إلينا، ~~فشكرناه، وانعقدت بيننا وبينه مودة وكيدة. # ثم صرف بعامل آخر، فحقد علينا المودة التي كانت بيننا وبين المصروف، ~~فأساء معاشرتنا، واضطرنا إلى قصد أحمد بن أبي خالد للتظلم، فدخلت بغداد، ~~فلما رآني أكرمني، واستبطأني، وذكر تطلعه إلى لقائي، وطلبه إياي، وغموض ~~خبري عليه، وسألني عن أموري، فشرحتها له، فكتب بخطه بصرف العامل، وتقليد ~~المصروف الذي كان صديقي. # وأعلمني بما جرى عليه أمر سلام الأبرش، ms392 وقال: قد كنت جعلت لك فيما قبضت ~~منه الربع، وهو معزول لك، فتسلمه، وكان قيمته ألف ألف درهم. # PageV03P258 ### || قصة أبي عبيد الله وزير المهدي وكيف ارتقت به الحال حتى نال الوزارة # وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، قال: حدثني محمد بن أحمد بن الخطيب، ~~قال: حدثني من سمع أحمد بن أبي خالد الأحول، يقول: كان أبي صديقا لأبي عبيد ~~الله وزير المهدي، وهو إذ ذاك معلم، وأبي متخلي، فكانا يتعاشران، ويألفهما ~~أحمد بن أيوب. # قال أبو خالد: وكنا نتبين في أبي عبيد الله شمائل الرئاسة، ونصدره إذا ~~اجتمعنا، ونرجع إلى رأيه فيما يعرض لنا. # فقلت له ليلة، ونحن نشرب: نحسبك سترأس، وتبلغ مبلغا عظيما، فإن كان ذلك؛ ~~فما أنت صانع بنا؟ فقال: أما أنت يا أبا خالد؛ فأصيرك خليفتي على أمري، ~~وأما أنت يابن أيوب؛ فقل ما أردت. # فقال: أريد أن توليني أعمال مصر سبع سنين متوالية، ولا تسألني بعد الصرف ~~عن حساب. # قال: ذلك لك. # قال أبو خالد: فلم يمض لهذا الأمر إلا مديدة، حتى أمسكت السماء، وخرج ~~الناس يستسقون، وكان عليهم، إذ ذاك، ثعلبة بن قيس، عاملا من قبل صالح بن ~~علي، فما انصرف الناس، حتى أتت السماء بمطر غزير. # فقال ثعلبة لكاتبه: اكتب إلى الأمير بما كان من القحط، وما حدث بعده # PageV03P259 # من الاستسقاء، وما تفضل الله به من الغيث. # فكتب كتابا، لم يرضه ثعلبة، فقال لمن حوله: ألا يصاب لي رجل، يخاطب ~~السلطان عني، بخطاب حسن. # فقال له بعضهم: ههنا رجل مؤدب، معه بلاغة، وأدب كثير، وفيه، مع ذلك، عقل. # فقال: أحضره. # فأحضر أبا عبيد الله، وأمره بأن يكتب عنه إلى صالح بن علي، في ذلك ~~المعنى، فكتب كتابا استحسنه ثعلبة، وأنفذه إلى صالح بن علي. # فلما قرأه أعجبه، وكتب إلى ثعلبة: أن أحمل إلي كاتبك على البريد، فحمله ~~إليه، فلما وافاه؛ امتحنه، فوجده كافيا في كل ما أراده، فاستكتبه. # فلما تتابعت كتبه عن صالح بن علي إلى المنصور؛ قال المنصور: كنت أرى كتب ~~صالح بن ms393 علي ترد ملحونة، وأراها الآن ترد بغير ذلك الخط، وهي محكمة سديدة ~~حسنة. # فخبر بخبر أبي عبيد الله، فأحضره، فلما فاتشه؛ وجده كما أراد، فاستكتبه ~~لابنه المهدي. # قال أبو خالد: وطعن الربيع على أبي عبيد الله، عند المنصور، مرارا. # فقال: ويلك، أتلومني في اصطناع معاوية، وقد كنت أجتهد بأبي عبد الله؛ ~~يعني: المهدي، أن ينزع عنه لباس العجم، فلا يفعل، فلما صحبه معاوية؛ # PageV03P260 # لبس لباس الفقهاء. # قال أبو خالد: ثم أشخصني أبو عبيد الله إليه، لما كتب للمهدي، فقلدني ~~خلافته على الديوان، فلما مات المنصور، وولي المهدي الخلافة؛ أنفذت الكتب ~~إلى أحمد بن أيوب بولاية مصر، فلم يزل بمصر، واليا عليها، إلى أن توفي بها. # PageV03P261 ### || القاضي التنوخي يتحدث عن قصته مع أبي علي أحمد بن محمد الصولي # قال مؤلف الكتاب: كنت بالبصرة في المكتب سنة خمس وثلاثين، وأنا مترعرع، ~~أفهم، وأحفظ ما أسمع، وأضبط ما يجري. # وكان أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، قد مات بها في شهر رمضان من هذه ~~السنة، وأوصى إلى أبي في تركته، وذكر في وصيته أنه لا وارث له. # فحضر إلى أبي ثلاثة إخوة شباب فقراء، بأسوإ حال، يقال لأكبرهم: أبو علي ~~أحمد، والأوسط: أبو الحسن محمد، والأصغر أبو القاسم، بنو محمد التمار. # وذكروا لأبي، أن أمهم تقرب إلى أبي بكر الصولي، وأنهم يرثونه برحمها منه، ~~وذكروا الرحم واتصالها. # فسامهم أبي، أن يبينوا ذلك عنده بشهادة شاهدين من العدول؛ ليعطيهم ما ~~يفضل، بعد الدين من التركة، عن الثلث، فاضطربوا في ذلك، وكانوا يتعكسون في ~~إقامة الشهادة شهورا، ويلازمون باب أبي. # وكان مكتبي في بيت قد أخرجه من داره إلى سكة الاثنين التي ينزلها، وجعل ~~بينه وبين باب داره، دكانا ممتدا. # PageV03P262 # فكنت ومعلمي والصبيان نجلس طرفي النهار على الدكان، وفي انتصافه في ~~البيت. # فكان هؤلاء الإخوة يجلسون عندي في المكتب كثيرا، ويؤانسون معلمي، ~~ويلاعبوني، ويتقربون إلي، ويسألوني أن أعرض لهم على أبي، الرقعة بعد ~~الرقعة، يعطوني إياها. # فقال لي يوما، الأكبر منهم، وهو أبو علي أحمد ms394 بن محمد: إن أعطاك الله، ~~تعالى، الحياة، حتى تتقلد القضاء، وتصير مثل القاضي أبيك في الجلالة ~~والنعمة، وجئتك، أي شيء تعطيني؟ فقلت له، بالصبا، وكما جرى عليه لساني: خمس ~~مائة دينار. # قال: فأعطني خطك بها، فاستحييت، وسكت. # فقال لمعلمي: قل له يكتب لي. # فقال لي: اكتب له، وأملى علي المعلم، وأبو علي، رقعة في هذا المعنى، ~~وأخذها أبو علي. # فما مضت إلا أياما حتى استدت لهم بالشهادة عند أبي، على صحة ما ادعوه من ~~الرحم، واستحقاق الميراث بها. # وكان أبي قد باع التركة، وقضى الدين، وفرق قدر الثلث، وترك الباقي مالا ~~عنده، فأمر بتسليمه إليهم، وأشهد بقبضه عليهم، وانصرفوا. # فما وقعت لي عين على أحد منهم، إلا في سنة وخمسين وثلاث مائة، فإني كنت ~~أتقلد القضاء والوقوف بسوق الأهواز، ونهر تيرى، والأنهار، والأسافل، وسوق ~~رامهرمز، سهلها وجبلها، وأعمال ذلك، وأنا في داري بالأهواز، وأمري في ضيعتي ~~مستقيم. # PageV03P263 # فدخل إلي بوابي، فقال: بالباب رجل يقول: أنا من قرابة الصولي، قدمت من ~~بغداد بكتب إليك، وذكره لي، فلم أذكره. # وقلت: أدخله. # فدخل رجل شيخ لم أعرفه، فسلم وجلس، وقال: أنا خادم القاضي منذ كان من ~~المكتب، أنا قرابة الولي، فعرفته، ولم أذكر الخط، ولا القضية. # فأخرج إلي كتبا من جماعة رؤساء ببغداد، يذكرون أنه قد كان مقيما منذ سنين ~~ببغداد، وراقا بقصر وضاح بالشرقية، بحالة حسنة، فلحقته محن أفقرته، ~~ويسألوني تصرفه ومنفعته، فوعدته جميلا. # فقال: إنما جعلت هذه الكتب طريقا، يعرفونني القاضي بها، وما أعول الآن ~~عليها، إذ قد أحياني الله، عز وجل، إلى أن رأيته قاضيا في بعض عمل أبيه، ~~رضي الله عنه، وجاهه ونعمته، كجاهه ونعمته، أو قريب من ذلك، وقد حل لي بذلك ~~دين عليه، واجب في ذمته، وما أقنع إلا به. # فقلت: ما معنى هذا الكلام؟ فقال: أينسى القاضي ديني؟ ثم أخرج رقعتي التي ~~كان أخذها مني في المكتب. # فحين رأيتها؛ ذكرت الحديث، وحمدت الله كثيرا، وقلت: دين واجب حال، وحق ~~مرعي وكيد، وبكن تعرف صعوبة الزمان، والله، ms395 ما يحضرني اليوم مائة دينار ~~منها، ولو حضرت؛ ما صلح أن أشتهر بصلتك بها، # PageV03P264 # فيصير لي حديث يعود بضرر علي، ولكن ارض مني بأخذ دينك متفرقا. # فقال: قد رضيت، وما جئت إلا لأقيم في فنائك، إلى أن أموت. # وجاء لينهض، فقلت: إلى أين؟ اجلس، فجلس، فوقعت له في الحال إلى بزاز كان ~~يعاملني، أن يعطيه ثيابا بثلاث مائة درهم، وإلى جهبذ الوقوف، أن يعطيه من ~~أبواب البر عشرة دنانير، واستدعيت كيس نفقتي، وأعطيته منه مائتي درهم. # وقلت له: قم، فاستأجر دارا، وتأثث بما قد حضر الآن، واكتس، وعد إلي؛ ~~لأصرفك فيما أرجو أن أوصله إليك منه ومن مالي، الجملة التي في الرقعة. # فقبل يدي ورجلي، وبكى، وقال: الحمد لله الذي أراني هذا الفضل منك، وحقق ~~فراستي فيك، وقام. # وجاءني بعد يومين في ثياب جدد، فأمرت بوابي ألا يحجبه علي، وخلطته بنفسي، ~~وأجريت علي من أبواب البر بالوقوف، بالضعف والمسكنة، دينارين في الشهر، ~~وقلدته الإشراف على المنفقين في ديوان الوقوف، وأجريت عليه لهذا ثلاثة ~~دنانير أخرى في الشهر، ووليته جباية عقار الأيتام، ووليته عليهم، وأذنت له ~~في أخذ أعشار الارتفاع، وجعلته مشرفا على أوصياء في وصايا في أيديهم، إلى ~~أن يخرجوها في وجوهها، وجعلت له على ذلك أجرا. # وركبت إلى عامل البلد، فسألته له، فأجرى عليه في كل سنة، من مال # PageV03P265 # أثمان فرائض الصدقات، ستين دينارا، وكان رسم أهل ديوان الصدقات بكور ~~الأهواز، في ذلك الحين، أن يسبب لهم بنصف أرزاقهم، ويرتفق العمال من ذلك ~~النصف بقطعة منه، ويصل إليهم الباقي تحققا، أو يسبب أخذه مستأنفا؛ لضيق ~~المال وقلته عن أصول أرزاق المرتزقة، فكنت أتقدم إلى من يقوم له في ~~المطالبة، أن يلازم العمال، حتى يصل إليه كاملا. # وكنت أعطيه، في كل شهر، أو شهرين، شيئا من مالي، وشيئا من كسوتي، وثيابا ~~صحيحة من بزازي، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما صرفت عن عملي، وكانت صحبته ~~لي نحو ثلاثين شهرا، إلا وقد وصل إليه من هذا الوجه ومن غيره، أكثر ms396 من خمس ~~مائة دينار، حتى أنه تزوج فيها بوساطتي، وبجاه خدمتي، إلى امرأة موسرة، من ~~أهل الأهواز، وصار الرجل من المتوسطين بالأهواز، وصار ينسب إلى الصولي، ~~وشهر نفسه ب: أبي علي الصولي. # ثم صرفت عن تلك الولاية في سنة تسع وخمسين وثلاث مائة، لما ولي الوزارة ~~محمد بن العباس، فقصدني وصرفني، وقبض ضيعتي، وأشخصني إلى بغداد، بعد حقوق ~~كانت لي عليه، وآمال لي فيه. # فتجرد أبو علي هذا، المعروف ب: الصولي، لسبي في المجالس، وشتمي في ~~المحافل، والطعن علي بالعظائم، والسعاية علي في مكارهي. # فكشف الله، تعالى، تلك المحن عني، وأجراني على تفضله، بغير كثير سعي مني، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعدت بعد ثلاث سنين وشهور إلى الأهواز، واليا ~~بها، وللأعمال التي كنت عليها معها، وأضيف إلي واسط وأعمالها، وقد استخلفت ~~عليها ورجعت إلى داري، فجاءني هذا الرجل معتذرا. # فقلت له: أتحب أن أقبل عذرك؟ # PageV03P266 # قال: نعم. # قلت: أخبرني ما السبب الذي أحوجك إلى ما عملت بي من القبيح، بعد ما عملته ~~معك من الجميل؟ فجمجم في القول. # فقلت له: ما إلى الرضا سبيل. # فقال: أنا أصدقك، دخلت عليك يوما، وعلى رأسك قلنسوة باذان جديدة من خرقة ~~حسنة، فاستحملتها، فسألتك هبتها لي، فرددتني، فلما كان بعد أيام؛ رأيتها ~~على رأس ابن نظيف المتكلم، المعروف ب: شهدانه. # فسألته: من أين لك هذه؟ فقال: وهبها لي القاضي. # فوقر ذلك في نفسي منك، وتزايد، فلما حدثت تلك النكبة؛ كان مني بعض ما ~~بلغك، وأكثره كذب، وأنت ولي العفو، وجعل يقبل يدي ورجلي، ويبكي. # فعجبت من لؤم طبعه، ومن كثرة شره، وقبح كفره للنعم، واختلاف أحكام ~~الأزمنة وأهلها، وجعلت أكثر من قول: الحمد لله على تفضله، ولم أكافه بقبيح ~~البتة. # واقتصرت به على الحال التي كنت وليته إياه؛ لأن القاضي الذي ولي القضاء ~~بعدي، أقره على ما كنت وليته، فكان قد استمر له أخذ الدنانير من الصدقات ~~والجاري من الوقوف وأبواب البر، وقبضت يدي عن نفعه بما فوق ذلك. # PageV03P267 ### || فر هاربا من ms397 الضائقة فوافاه الفرج في النهروان # وذكر أبو الحسين القاضي في كتابه، قال: حدثني أبو علي أحمد بن جعفر بن ~~عبد ربه البرقي، قال: حدثني أبو سعيد الحسين بن سعيد القطربلي. # قال مؤلف هذا الكتاب: وحدثني صاحب لي من ولد إبراهيم بن إسحاق، أخو موسى ~~بن إسحاق الأنصاري الخطمي، وهو على بن محمد بن إسحاق، أخو موسى بن إسحاق، ~~قال: سمعت أبا الحسين بن أبي عمر القاضي، يحدث أبا القاسم علي بن يعقوب، ~~كاتب بجكم، وكاتب الترجمان بهذا الحديث، ويقول: إنني ألفت كتابا وسميته: ~~كتاب (الفرج بعد الشدة) ، وذكرت فيه هذا الخبر، وعدة أخبار تجري مجراه، ~~قال: وأخذ يقرظ كتابه، ويشوق علي بن يعقوب إليه، قال: حدثني أبو سعيد ~~الحسين القطربلي، قال: كان في جيراني رجل من أهل البيوتات، فزالت عنه، ~~وساءت حاله جدا، وكانت له زوجة وأربع بنات، فحبلت زوجته، وأخذها المخاض في ~~الليل. # قال: ولم تكن لي حيلة في الدنيا، فخرجت ليلا، هاربا على وجهي، أمشي، حتى ~~أتيت جسر النهروان، وأملت أن ألقى عاملها، وكان يعرفني، # PageV03P268 # وأسأله تصريفي في شيء، وتعجيل رزق شهر؛ لأنفذه إلى زوجتي. # فوصلت إلى الموضع، وقد ارتفع النهار، فقعدت أستريح بالقرب من بقال. # فإذا فيج، وهو الساعي، قد جاء، فوضع مخلاته وعصاه، ثم قال للبقال: أعطني ~~كذا وكذا؛ من خبز وتمر وإدام، فأعطاه، فأكل، ووزن له الثمن. # ثم فتح مخلاته، فميز ما فيها من الكتب، فرأيت فيها كتابا إلي، وعليه اسم ~~منزلي واسمي وكنيتي، ولا أعرف كاتبه. # فقلت للفيج: هذا الكتاب إلي. # فقال: أتدري ما تقول؟ فقلت له: قد قلت الصحيح، فإن مضيت إلى بغداد؛ لم ~~تجد صاحب الكتاب. # فقال: أههنا إنسان يعرفك؟ قلت: نعم، العامل. # قال: قم بنا إليه. # PageV03P269 # فجئت، فلما دخلت على العامل؛ قال: ما أقدمك علينا، يا فلان؟ فقلت له: قبل ~~كل شيء، أعزك الله، من أنا؟ وأين منزلي ببغداد؟ فقال: أنت فلان بن فلان، ~~ومنزلك بمدينة السلام، في مدينة المنصورة منها، في سكة كذا وكذا. # فقلت للفيج: عرفت صدقي؟ قال: نعم. ms398 # قال: فحدثت العامل بحديثي، وأخذت الكتاب من الفيج، فإذا هو من بعض ~~المستورين بالدينور، يذكر أن ابن عم كان لي قد توفي، بعد أن أوصى إليه أني ~~وارثه، وسماني له، ووصف منزلي ببغداد. # قال: وقد كتب الرجل، يذكر أن ابن عمي أوصى بالثلث من ماله في وجوه من ~~أبواب القرب، وأن يسلم باقي ثلثيه إلي، وأنه باع من أثاثه ومنقوله ما خاف ~~فساده من تركته، وصرف الثلث منه في بعض ما كان أوصى به، وأنفذ إلي سفتجة ~~بالثلثين من ذلك، مبلغها سبع مائة دينارا وكذا وكذا دينارا، تحل بعد أربعين ~~يوما، على تاجر في دار القطن بالكرخ. # وقال: الوجه أن تبادر إلى الدينور، وتبيع العقار والضياع، أو أبيع الثلث ~~منها؛ ليصرف في وجهه، وتتمسك بالثلثين إذا شئت. # قال: فورد علي من السرور ما لا عهد لي بمثله، وحمدت الله، عز وجل. # فقلت للفيج: قد وجب حقك، وسأحسن إليك، وشرحت له قصتي، وأنه لا حبة معي ~~فضة فما فوقها. # PageV03P270 # فجاء إلى البقال، فقال: زن لأستاذي بكذا وكذا خبزا، وبكذا وكذا إداما، ~~وما يريد غيرهما. # فتغديت، ووزن الفيج ثمن ذلك من عنده، واستأجر حمارين، فأركبني أحدهما، ~~وركب هو الآخر، ووزن الأجرة من عنده. # وجئنا في بقية يومنا إلى بغداد، وقصدنا دار القطن، وفي النهاية بقية ~~صالحة، فأوصلت السفتجة إلى التاجر، فنظرها، وقال: صحيحة، إذا حل الأجل؛ ~~فاحضر للقبض. # فقلت له: خذ حديثي، وافعل بعد ذلك ما يوفقك الله، تعالى، له، وقصصت عليه ~~قصتي. # فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، إنك صادق؟ فحلفت. # فأخرج كيسا كان بقربه، فوزن لي منه مال السفتجة. # وصرت من وقتي إلى السوق، فاشتريت سويقا، وسكرا، وعسلا، وشيرجا، وخبزا ~~عظيما، وخروفا مشويا، وحلوى، مما يصلح للنساء في النفاس، ومهدا، وفرشا ~~حسنا، وعطرا صالحا، وشيئا من ثياب. # وصرت إلى منزلي، وقد قرب العشاء الآخرة، فوجدت كل من فيه من النساء ~~يلعنني، ويدعو علي. # فقدمت الحمالين، ودخلت وراءهم، فانقلبت الدار بالدعاء لي، وصار الغم ~~سرورا، ووجدت زوجتي قد ولدت ms399 غلاما. # فعرفت الصبيان خبر السفتجة والميراث والفيج، وأعطيت # PageV03P271 # الزوجة، والقابلة، من الدنانير شيئا. # وأقمت الفيج عندي أياما، حتى أصلحت من أمري، وأمر عيالي، ما وجب صلاحه، ~~وخلفت لهم نفقة، وأخذت من الدنانير نفقة، وأعطيت الفيج منها، فأجزلت له، ~~واكتريت حمارين لي وله، واستصحبته إلى الدينور. # فوجدت فيها ما تحصل لي مما خلفه ابن عمي نحو عشرة آلاف دينار، فبعث ذلك ~~كله، وأخذت بحصتي سفاتج إلى بغداد. # وعدت وقد فرج الله عني، وقد صلح حالي، وأنا أعيش في بقية تلك الحال إلى ~~الآن. # PageV03P272 ### || خرج مملقا وعاد قائدا # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: أملق بعض الكتاب، وتعطل وافتقر، ~~حتى لم يبق له شيء، وكاد يسأل، وخرج على وجهه في الحالة التي كان عليها. # ثم إنه ورد بعد قليل من سفرته، فدخلت عليه، وقلت: ما خبرك، يا فلان؟ ~~فقال: متمثلا بهذين البيتين: # فأبنا سالمين كما ترانا ... وما خابت غنيمة سالمينا # وما تدرين أي الأمر خير ... أما تهوين أم ما تكرهينا؟ # فطيبت نفسه، وجعلت أسليه. # فأقام أياما، وتأتت له نفقة، فخرج إلى خراسان، فما سمعنا له خبرا سنين، ~~فإذا هو قد جاءنا بزي قائد عظيم؛ لكثرة الدواب، والبغال، والجمال، ~~والغلمان، والمال العظيم، والقماش. # فدخلت إليه، وهنأته، فقال: تضايقي تنفرجي، وما تراني بعد هذا أطلب تصرفا. # فباع تلك الأشياء، وترك منها ما يصلح لذي المروءة، واشترى من المال ضيعة ~~بعشرين ألف دينار، ولزم منزله وضيعته. # PageV03P273 ### || عودة المرء سالما غنيمة حسنة # قال مؤلف هذا الكتاب: أرجف لبعض رؤساء دولة شاهدناها بالوزارة، واحتد ~~أمره، وبرد، وأرجف لعدو له بالوزارة. # فلقيت بعض أصدقاء الأول، فسألته عن حقيقة الحال، فقال لي: أمس لقيته، ~~فسألته عن سبب وقوف أمره، واحتداد أمر عدوه، فرد علي جواب آيس من الأمر. # ثم قال لي: وقد جعلت في نفسي، أن انصراف هذا الأمر خير لي، فإن فيما ألي ~~من أمور المملكة كفاية، ثم أنشدني كالمستريح إلى ذلك، يقول: # إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها # فأنفسنا خير الغنيمة إنها ms400 ... تئوب وفيها ماؤها وحياؤها # فلما كان بعد بضعة عشر يوما؛ أمر وولي الوزارة، وبطل أمر عدوه. # وكان هذا الخبر أجدر بأن يجعل في باب من بشر بفرج من نطق، أو فأل، ولكنني ~~جئت به ههنا؛ لاشتباك معنى الشعر في الخبرين المتجاورين. # PageV03P274 ### || قضى الله للهبيري رزقا على يد الوزير ابن الزيات فاستوفاه على رغم أنفه # وذكر أبو الحسين القاضي، بإسناد، قال: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد ~~الكاتب، عن أحمد بن إسرائيل، قال: كنت كاتبا لمحمد بن عبد الملك الزيات، ~~فقدم عليه رجل من ولد عمر بن هبيرة، يقال له: إبراهيم بن عبد الله الهبيري، ~~فلازمه يطلب تصرفا. # وكان ابن الزيات قليل الخير، لا يرعى ذماما، ولا يوجب حرمة، ولا يحب أن ~~يصطنع أحدا، فأضجره الهبيري من طول تردده عليه. # فدعاني ابن الزيات يوما، وهو راكب، وقال: قد تبرمت بملازمة هذا الرجل، ~~فقل له: إني لست أوليه شيئا، ولا له عندي تصرف، ومره بالانصراف عني. # قال: فقلت: أنا، والله، أستحي أن ألقى مؤملا عنك، بمثل هذا. # قال: لا بد أن تفعل. # قلت: نعم. # فلما صرت إلى منزلي؛ وجهت إلى الهبيري، فجاءني، فقلت له: ما كنت تؤمل أن ~~تنال بصحبة أبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات، خذه من مالي، ولا تقربه، ~~وهذه ثلاثة آلاف درهم. # فقال متعجبا: من مالك؟ قلت: نعم. # PageV03P275 # قال: أنا أؤمل أن أكسب معه أكثر من ذلك. # فقلت: إنه قد حملني إليك رسالة، استحيت من أدائها، فعدلت عنها إلى هذا. # قال: فهات ما حملك. # قال: فأعدت عليه ما قال ابن الزيات. # فقال: قد سمعت منك، فهل أنت مؤد عني ما أقول؟ قلت: نعم. # قال: قل له: قد كنت آتيك في صبيحة كل يوم مرة، ووالله، لآتينك منذ الآن ~~في كل غدوة وعشية، فإن قضى الله، عز وجل، على يدك رزقا، أخذته على رغمك. # فرجعت إلى ابن الزيات، فأعلمته قوله. # فقال: دعه، فوالله، لا يرى مني خيرا أبدا. # قال: ولازمه الرجل، غدوة وعشية، فكان إذا رآه؛ التفت إلي، وقال: ms401 قد جاء ~~البغيض، فمكث كذلك مدة. # وركب ابن الزيات يوما إلى الواثق، وهو بالهاروني، بسر من رأى، وكنت معه. # PageV03P276 # فدخل إلى الخليفة، وجلست في بعض الدور، أنتظر خروجه، فخرج، وهو يكثر ~~التعجب. # فسألته، فقال: أنت تعرف مذهبي، قال: وكان يرى رأي المعتزلة، ويقول: إن ~~الأرزاق تأتي بالاكتساب. # فقلت له: وماذا تهيأ عليك؟ فقال: دخلت إلى الخليفة، فقال: على الباب أحد ~~نصطنعه؟ فلم يخطر ببالي غير الهبيري، فأمسكت. # فقال: ويلك، أكلمك فلا تجيبني، وأعجلني عن الفكر. # فقلت: على باب أمير المؤمنين، رجل من أعداء دولته، وأعداء سلفه، ومن ~~صنائع بني أمية، من ولد عمر بن هبيرة. # قال: فنصطنعه فيشكرنا، كما اصطنع أباه بنو أمية فشكرهم. # قلت: إنه معدم. # قال: نغنيه، فراودته. # فقال: كم تدفعني عنه؟ أعطه الساعة ثلاثين ألف درهم. # ثم قال: من أهل الدراريع هو، أم من أهل الأقبية؟ قلت: صاحب قباء. # قال: قلدوه الساعة عملا يصلح له، وأثبت له من ولده وغلمانه وأهله، مائة ~~رجل. # فلما فرغ من كلامه؛ قال: قل للهبيري ما عرفتك، وادفع إليه ما أمر له ~~الخليفة به، وسله ألا يشكرني، فقد جهدت في دفع الواثق عنه، فما اندفع. # PageV03P277 # قال أحمد بن إسرائيل: فلما خرجت إلى الشارع، إذا بالهبيري ينتظر خروج ابن ~~الزيات، فعرفته ما جرى، فقال: لا بد من شكره على كل حال، وجاء ابن الزيات ~~فترجل له الهبيري، فشكره. # فقال له: أم أقل لأحمد يقول لك: لا تشكرني. # فقال: لا بد من ذلك؛ لأن الله، تعالى، قد أجرى رزقي على يديك. # قال أحمد بن إسرائيل: فوالله، ما مضى اليوم، حتى قبض المال، وولي بعض كور ~~فارس. # وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه: كتاب (الوزراء) ، عمن ~~حدثه به، عن أحمد بن إسرائيل، فذكر أن الرجل، يقال له: أحمد بن عبد الله ~~الهبيري، وذكر قريبا من هذا، وذكر أن الذي خوطب في أمره من الخلفاء، كان ~~المتوكل، وأن الذي أمر له به، كان خمسة آلاف درهم، وأن يضم إليه ثلاث مائة ~~رجل، وأن ms402 حاله بعد ذلك علت عند المتوكل، ولم يقل أنه قلده بعض كور فارس. # وحدثني أبي، رحمه الله تعالى، هذا الحديث، وذكر أن تردد الهيبري، ولم ~~يسمه، إلى ابن أبي خالد الأحول، وأن الذي حمل الرسالة إلى الهبيري، قصده ~~إلى منزله، وحمل معه ثلاثة آلاف درهم، وقال: إن الوزير يقول لك: ليس لك ~~عندي تصرف، فخذ هذه النفقة، وانصرف عني إلى حيث شئت. # فغضب الهبيري، وقال: جعلني شحاذا، والله لا أخذتها. # قال الرسول: فغاظني ذلك، فقلت له: والله، ما المال إلا من عندي؛ لأني ~~استحيت أن أعيد عليك رسالته، فآثرت أن أغرم مالا في الوسط، أجمل به صاحبي، ~~وأؤجر فيك، وأرفع نفسي عن قبيح التوسط الذي ارتكبته. # PageV03P278 # فقال: أما أنت؛ فأحسن الله جزاءك، وأما مالك؛ فأنا لا أقبله، ولو مصصت ~~الثماد، ولكن تؤدي إلي الرسالة بعينها، فأديتها. # فقال: تتفضل، وتحمل عني حرفين. # فقلت: هات. # قال: تقول له، والله، ما لزومي لك في نفسك، ولو تعطلت، ما مررت بك، ولكن ~~الله، تعالى، يقول: {وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189] ، وأنت باب ~~رزق مثلي؛ لأني لا أحسن إلا هذه الصناعة، ولا بد من أن آتيك طالبا رزقي من ~~بابه، وليس يمنعني ذلك استقبالك إياي بالرد، فإن قسم الله، تعالى، لي على ~~يديك شيئا؛ أخذته منك، وإلا فلا أقل من أن أؤذيك برؤيتي، كما تؤذيني ~~بتعطيلي. # وقال فيه عن ابن أبي خالد: فصرت في الوقت إلى المأمون، فقال: هاتم شخصا ~~أوله مصرا. # قال: فأراد أن يذكر له رجلا يعتني به، يعرف ب: الزبيري؛ لتولي ذلك العمل، ~~فلغيظه من الهبيري، وقرب عهده به وحديثه، غلط، فقال: الهبيري. # فقال الخليفة: أويعيش؟ وعرفه، وذكر له خدمة قديمة. # وأراد ابن أبي خالد أن يزهده فيه، قال: فطعنت عليه بكل شيء، وهو يقول: لا ~~أريد غيره، أنا أعرفه بالجلادة. # إلى أن قلت له: أنا غلطت، وإنما أردت أن أقول فلان الزبيري. # قال: وإن غلطت، فالهبيري أقوم بهذا من الزبيري، وأنا أعرفهما، فلما رآني ~~قد أقمت على الدفع عنه؛ قال: له ms403 معك قصة، فاصدقني عنها، فصدقته. # فقال: قد، والله، أجرى رزقه على يديك، وأنت راغم، أخرج فوله مصر. # فقلت: إنه ضعيف، ولا حالة له، ولا مروءة، فكيف يخرج في مثل هذه الحال إلى ~~عمله؟ # PageV03P279 # قال: وهذا من رزقه الذي يجري على يديك وأنت راغم، أطلق له مائة ألف درهم ~~فأخرجه. # فخرجت، وامتثلت أمره راغما. # PageV03P280 ### || تضايقي تنفرجي # وذكر القاضي أبو الحسين، رحمه الله تعالى، عن رجل، قال: حدثتني أم أبي، ~~قالت: كان زوجي قد نهض إلى مصر، وتصرف بها، وعمل، ونكب، وتعطل، فأقام هناك. # وأضقنا إضاقة شديدة، وعرضنا بيع ضيعة لنا، فلم نجد لها ثمنا، وتأخر كتابه ~~عنا، وانقطع خبره، حتى توهمنا أن حادثا قد حدث عليه. # وكان أولادي أصاغر، فجعلت أحتال وأنفق عليهم، حتى لم يبق في المنزل شيء. # وحضر وقت عمارة الضيعة، واحتجنا إلى بذار ونفقة، فتعذر ذلك علينا، حتى ~~كادت تتعطل، ويفوت وقت الزراعة. # فأصبحت يوما، وبي من الغم لاجتماع هذه الأحوال أمر عظيم، فوجهت إلى بعض ~~من كنت أثق به، وأتوهم أنني لو سألته إسعافنا بالكثير من ماله لا يخالفنا؛ ~~لأقترض منه شيئا لذلك، فرد رسولي، واعتذر. # وعرفني الرسول الذي بعثت به إليه، أنه قال: إذا بعثت إليهم ما طلبوا، ~~والضيعة لم تعمر، ولم تحصل لهم غلة، وزوجها لم يعرف له خبر، فمن أين يردون ~~علي؟ فلما رجع الرسول بذلك؛ كدت أموت غما، وامتنعت من الطعام يومي وليلتي. # وأصبحت، فما انتصف النهار، حتى ورد كتاب زوجي بسلامته، وذكر # PageV03P281 # السبب في تأخير كتابه، وأرسل إلي في كتابه سفتجة بمائة دينار، وتخوت ~~ثياب، قد أنفذها مع تاجر من أهل مصر، قيمتها خمسون دينارا، فقبضت ذلك، ~~وعمرنا الضيعة، ورزعت تلك السنة، وصلحت حالنا. # PageV03P282 ### || من مكارم سعيد بن العاص أمير الكوفة # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه: حكي أن سعيد بن العاص، قدم الكوفة ~~عاملا لعثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكان ممن يتعشى عنده، رجل من الفقراء، ~~قد ساءت حاله. # فقالت امرأته: ويحك، إنه قد بلغنا عن أميرنا كرم، فاذكر له ms404 حالك وحاجتك، ~~لعله أن ينيلنا شيئا، فلم يبق للصبر فينا بقية. # فقال: ويحك، لا تخلقي وجهي. # قالت: فاذكر له ما نحن فيه على كل حال. # فلما كان بالعشي؛ أكل عنده، فلما انصرف الناس؛ ثبت الرجل. # فقال سعيد: حاجتك؟ فسكت. # فقال سعيد لغلمانه: تنحوا، ثم قال: إنما نحن أنا وأنت، فاذكر حاجتك، ~~فتعقد وتعصر، فنفخ سعيد المصباح فأطفأه. # ثم قال له: يرحمك الله، لست ترى وجهي، فاذكر حاجتك. # PageV03P283 # فقال: أصلح الله الأمير، أصابتنا حاجة، فأحببت أن أذكرها لك. # فقال: إذا أصبحت فالق فلانا وكيلي. # فلما أصبح الرجل؛ لقي الوكيل، فقال: إن الأمير قد أمر لك بشيء، فهات من ~~يحمله معك، قال: ما عندي من يحمل، فانصرف إلى امرأته، فجعل يلومها، ويقول: ~~قال لي وكيله: هات من يحمل معك، وما أظنه أمر لي إلا بقوصرة تمر، أو قفيز ~~بر، وذهب ماء وجهي، ولو كانت دراهم، أو دنانير، لأعطانيها في يدي. # فلما كان بعد أيام؛ قالت له امرأته: يا هذا، قد بلغ بنا الأمر إلى ما ~~ترى، ومهما أعطاك الأمير، يقوتنا أياما، فالق وكيله، فلقيه. # فقال: أين تكون؟ إني قد أخبرت الأمير أنه ليس لك من يحمل ما أمر به لك ~~معك، فأمرني أن أوجه من يحمل معك ما أمر به لك. # ثم أخرج إليه ثلاثة من السودان، على راس كل واحد منهم بدرة دراهم، ثم ~~قال: امضوا معه. # فلما بلغ الرجل باب منزله؛ فتح بدرة، فأخرج منها دراهم، فدفعها إلى ~~السودان، وقال: امضوا. # فقالوا: أين نمضي، نحن عبيدك، ما حمل مملوك للأمير هدية قط، فرجع إلى ~~ملكه. # قال: فصلحت حاله، واستظهر على دنياه. # PageV03P284 ### || ألجأته الحاجة إلى بيع مقنعة أمه ثم ملك مصر # وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، بإسناد ذكره، قال: حدثني عمي أبو ~~الطيب محمد بن يوسف بن يعقوب، قال: حدثني بعض إخواني، قال: كنت أحضر طعام ~~عبيد الله بن السري بمصر، فكان إذا وضع الخوان؛ وضع رغيفا، وعزل بيده من كل ~~شيء، فإذا فرغ تصدق به. # فقدمت إليه ذات يوم ms405 عناق سمينة، في أول الطعام، فضرب بإصبعه في جنبها، ~~فشخبت حتى ملأت الخوان دسما، فأمسك يده، وقال: الحمد لله، ذكرت بهذا شيئا ~~أحدثكم به. # كنت ببغداد، نازلا بسوق الهيثم، فأصابتني حاجة شديدة، وبقيت بلا # PageV03P285 # حبة فما فوقها، ولا في منزلي ما أبيعه. # فإني لكذلك، وما عندي طعام، ولا ما أشتري به قوت يومي، إلا أن عندي نبيذا ~~قد أدرك، وأنا جالس على باب داري ضيق الصدر، أفكر فيما أعمله. # إذ اجتاز بي صديق لي، فجلس إلي، فتحدثنا، فعرضت عليه المقام عندي، عرض ~~معذر، كما جرى على لساني، فأجابني، وقعد. # فانقطع بي، وتمنيت أني خرست، فلم أجد بدا من إدخاله منزلي، فأدخلته. # وقمت إلى أمي فعرفتها الخبر، فأعطيتني مقنعتها، وقالت: بعها، وقم بأمرك ~~اليوم، فبعتها بثلاثة دراهم، واشتريت بها خبزا وسمكا وبقلا، وريحانا، وجئت ~~به. # فبينا نحن كذلك؛ إذ مرت بي سنور لبعض الجيران، فمددت يدي إليها، فإذا هي ~~ذلول، فقبضت عليها، وذبحتها، وسلختها، ودفعتها إلى أمي، فقلت: اشويها، ~~ففعلت، وقدمتها إلى صديقي، مع ما اشتريته، فأكلنا. # فذكرت لما وقعت يدي على هذه العناق، حالي تلك، وحالنا اليوم من السعة ~~والنعمة، ونفاذ الأمر، فالحمد لله على ما أنعم. # ودعا بمال عظيم، وأمر أن يتصدق بنصفه بمصر، وبعث نصفه إلى مكة والمدينة، ~~يتصدق به هناك. # وأمر بالخوان وما عليه أن يطعم للمساكين، ودعا بخوان آخر. # PageV03P286 ### || أبى أن يعطيه دينارا ثم أعطاه ألفي دينار # حدثني أبو بكر محمد بن عبيد الله بن محمد الرازي، المعروف ب: ابن حمدون، ~~عن الحسن بن محمد الأنباري الكاتب، قال: كان لي أيام مقامي بأرجان جار ~~تاجر، يعرف ب: جعفر بن محمد، وكنت آنس به، فحدثني، قال: كنت أحج دائما، ~~وأنزل على رجل علوي، حسيني، فقير، مستور، فألطفه، وأتفقده. # فتأخرت عن الحج سنة، ثم عاودت، فوجدته مثريا، فسررت، وسألته عن سبب ذلك. # فقال: كان قد اجتمع معي دريهمات على وجه الدهر، ففكرت عام أول في أن ~~أتزوج، فإني كنت عزبا، كما قد علمت. # ثم علمت أن فرض الحج ms406 قد تعين علي، فرأيت أن أقدم أداء الفرض، وأتوكل على ~~الله، عز وجل، في أن يسهل لي، بعد ذلك، ما أتزوج به. # فلما حججت؛ طفت طواف الدخول، وأودعت رحلي، وما كان معي، في بيت من خان، ~~وأقفلت بابه، وخرجت إلى منى. # PageV03P287 # فلما عدت؛ وجدت البيت مفتوحا، فارغا، فتحيرت، ونزلت بي شدة ما مر بي قط ~~مثلها. # فقلت: هذا أعظم للثواب، فما وجه الغم، فاستسلمت لأمر الله، عز وجل. # فجلست في البيت، لا حيلة لي، ولا تسمح نفسي بالمسألة، فاتصل مقامي ثلاثة ~~أيام، ما طعمت فيها شيئا. # فلما كان في اليوم الرابع؛ بدأ في الضعف سحرا، وخفت على نفسي، وذكرت قول ~~جدي رسول الله، صلى الله عليه وآله: «ماء زمزم لما شرب له» ، فخرجت أريدها ~~حتى شربت منها، ورجعت أريد باب إبراهيم الخليل، على نبينا وعليه أفضل ~~الصلاة والسلام؛ لأستريح فيه. # فبينا أنا أسير؛ إذ عثرت في الطريق بشيء أوجع إصبعي، فأكببت عليه لأمسكه، ~~فوقعت يدي على هميان أدم أحمر كبير، فأخذته. # فلما حصل في يدي؛ ندمت، وعلمت أن اللقطة، ما لم تعرف، حرام. # وقلت: إن تركته الآن؛ كنت أنا المضيع له، وقد لزمني أن أعرفه، ولعل ~~صاحبه، إذا رجع إليه، أن يهب لي شيئا أقتاته حلالا. # فجئت إلى بيتي، وفتحت الهميان، فإذا فيه دنانير صفر، تزيد على ألفي ~~دينار. # فسددته، ورجعت إلى المسجد، فجلست عند الحجر، وناديت: من ضاع # PageV03P288 # له شيء، فيأتيني بعلامته، ويأخذه. # فانقضى يومي، وأنا أنادي، وما جاءني أحد، وأنا على حالي من الجوع. # وبت في بيتي، ليلتي كذلك، وعدت إلى الصفا والمروة، فعرفته عندهما يومي، ~~حتى كاد ينقضي، فلم يأتني أحد. # فضعفت ضعفا شديدا، وخشيت على نفسي، فرجعت متحاملا، ثقيلا، حتى جلست على ~~باب إبراهيم الخليل، على نبينا وعليه السلام، وقلت قبل انصرافي: إني قد ~~ضعفت عن الصياح وأنا ماض أجلس على باب إبراهيم، فمن رأيتموه يطلب شيئا ضاع ~~منه، فأرشدوه إلي. # فلما قرب المغرب، وأنا في الموضع؛ إذا أنا بخراساني ينشد ضالة، فصحت به، ~~وقلت له: ms407 صف لي ما ضاع منك، فأعطاني صفة الهميان بعينه، وذكر وزن الدنانير ~~وعددها. # فقلت: إن أرشدتك إلى من يرده عليك، تعطيني منه مائة دينار؟ قال: لا. # قلت: فخمسين دينارا؟ قال: لا. # قلت: فعشرة دنانير؟ قال: لا. # فلم أزل أنزل معه، حتى بلغت إلى دينار واحد. # فقال: لا، إن رأى من هو عنده، أن يرده إيمانا واحتسابا، وإلا فهو أبصر، ~~وولى لينصرف. # فورد علي أعظم وارد، وهممت بالسكوت، ثم خفت الله، سبحانه وتعالى، # PageV03P289 # وأشفقت أن يفوتني الخراساني. # فصحت به: ارجع، ارجع، وأخرجت الهميان، فدفعته إليه، فأخذه ومضى، وجلست، ~~ليس لي قوة على المشي إلى بيتي. # فما غاب عني إلا قليلا، حتى عاد، فقال لي: من أي البلاد أنت، ومن أي ~~الناس؟ قال: فاغتظت منه غيظا شديدا، وقلت: ما عليك، هل بقي لك عندي شيء؟ ~~قال: لا، ولكني أسألك بالله العظيم، من أي الناس والبلاد أنت؟ فعرفني، ولا ~~تضجر. # فقلت: رجل من العرب، من أهل الكوفة. # فقال: من أيهم أنت، واختصر؟ فقلت: رجل من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب، ~~رضي الله عنهم. # فقال: ما حالك ومالك؟ قلت: لا أملك في هذه الدنيا كلها إلا ما تراه، ~~وقصصت عليه حال محنتي وما كنت طمعت فيه أن يعطينيه من الهميان، وما قد ~~انتهيت إليه من الضعف من الجوع. # فقال: أريد من يعرفني صحة نسبك وحالك، حتى أقوم بجميع أمرك كله. # فقلت: ما أقدر على المشي للضعف، ولكن ائت الطواف، وصح بالكوفيين، وقل: ~~رجل من بلدكم، علوي، بباب إبراهيم، يريد أن يجيئه منكم من ينشط لحال هو ~~فيها، فمن جاء معك فهاته. # فغاب غير بعيد، ثم جاء ومعه من الكوفيين جماعة اتفق أنهم كلهم كانوا ~~يعرفون باطن حالي. # فقالوا: ما تريد أيها الشريف؟ # PageV03P290 # فقلت: هذا رجل يريد أن يعرف حالي ونسبي؛ لشيء بيني وبينه، فعرفوه ما ~~تعرفون من ذلك. # قال: فعرفوه صحة نسبي، ووصفوا له طريقتي وعدمي. # فمضى، وجاء فأخرج الهميان بعينه، كما سلمته إليه، فقال: خذ هذا بأسره، ~~بارك الله لك فيه. ms408 # فقلت: يا هذا، ما كفاك ما عاملتني به، حتى تهزأ بي، وأنا في حال الموت. # قال: معاذ الله، هو لك، والله. # فقلت: فلم بخلت علي بدينار منه، ثم وهبت لي الجميع؟ فقال: ليس الهميان ~~لي، وما كان يجوز لي أن أعطيك منه شيئا، قل، أو كثر، وإنما أعطانيه رجل من ~~بلدي، وسألني أن أطلب في العراق، أو في الحجاز، رجلا علويا، حسينيا، فقيرا، ~~مستورا، فإذا علمت هذا في حاله؛ أغنيته، بأن أسلم إليه هذا المال كله؛ ~~ليصير أصلا لنعمة تنعقد له، فلم تجتمع لي هذه الصفات قبلك في أحد، فلما ~~اجتمعت فيك، بما شاهدته من أمانتك وفقرك وعفتك وصبرك، وصح عندي نسبك؛ ~~أعطيتكه. # فقلت له: يرحمك الله، إن كنت تحب استكمال الأجر؛ فخذ منه دينارا، وابتع ~~لي به دراهم، واشتر بها ما آكله، وصر به إلي الساعة ههنا. # فقال: لي إليك حاجة. # قلت: قل. # قال: أنا رجل موسر، والذي أعطيتك ليس لي فيه شيء، كما عرفتك، وأنا أسألك ~~أن تقوم معي إلى رحلي، فتكون في ضيافتي إلى الكوفة، وتتوفر عليك دنانيرك. # فقلت: ما في حركة، فاحتل في حملي، كيف شئت. # فغاب عني ساعة، وجاء بمركوب، وأركبنيه إلى رحله، وأطعمني في الحال # PageV03P291 # ما كان عنده، وقطع لي من الغد ثيابا، وكان يخدمني بنفسه، وعادلني في ~~عماريته إلى الكوفة، فلما بلغتها؛ أعطاني من عنده دنانير أخر، وقال لي: ~~تزود بها بضاعة، وفارقته، وأنا أدعو له، وأشكره، ولم أمس الهميان. # وأخذت أنفق من الدنانير التي أعطانيها الرجل باقتصاد، إلى أن اتفقت لي ~~ضيعة رخيصة، فابتعتها بالهميان، فأغلت، وأثمرت، وأنا من الله، عز وجل، في ~~نعمة جزيلة، وخير كثير، والحمد لله على ذلك # PageV03P292 ### || سافر إلى الموصل ثم إلى نصيبين في طلب التصرف حتى إذا أيس جاءه الفرج # وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه، قال: قال بعضهم: لحقتني نكبة في بعض ~~الأوقات، تطاولت علي الأيام في العطلة، وركبني دين فادح، وبعت آخر ما كان ~~في ملكي. # فصار إلى صديق لي، حاله مثل حالي في العطلة، ms409 فقال: هل لك أن نخرج إلى ~~الموصل، فإن عاملها فلان، ولي به حرمة، فنتطلب منه تصرفا؟ فقلت: أفعل. # فاحتلت نفقة، وخرجنا حتى دخلنا الموصل، فوجدنا العامل يريد الرحيل إلى ~~ديار ربيعة. # قال: فلقيه الرجل، ولم يتهيأ لي لقاءه، وخرجنا إلى ناحية، فلقيته أنا ~~هناك، فوعد جميلا، وسرت إلى نصيبين، وقد نفدت نفقتي. # وكشف لنا العامل هناك، أنه قد قلد مصر، مضافا إلى أعماله، وأنه يريد ~~الخروج إليها. # PageV03P293 # فقلت لصديقي: إنه لم تبق معي نفقة، ولا في فضل للخروج إلى مصر، فأعطاني ~~من نفقته. # وقد كان صديقي تقلد من قبل العامل عملا جليلا، وخرج إليه، وأقمت أنا ~~بنصيبين، وأقام العامل بها؛ ليصلح أمره ويخرج إلى مصر، وعملت أنا على أن ~~أتحمل بما أعطانيه صديقي، وأرجع إلى بغداد. # فغلب علي ضيق الصدر والهم، واستدعيت المزين ليصلح شعري، فهو بين يدي، إذ ~~دخل علي غلام العامل، فقال: صاحبي يطلبك، وقد قلبنا عليك الدنيا منذ أمس، ~~فلم نعرف منزلك إلى الساعة. # ففرغت من شغلي مع المزين، وتوضأت، وركبت، وكان يوم الجمعة، فلما صرت في ~~دار العامل؛ لقيني غلامه، وكان حاجبه، فقال: نحن في طلبك منذ أمس فلم توجد، ~~وقد قام الآن عن مجلسه، وأخذ في التشاغل بأمر الصلاة، ولكن بكر في غد. # قال: فضعف في نفسي، وقلت: إنه ما أرادني لخير، وعملت على أن أنحدر تلك ~~العشية إلى بغداد. # فلم يدعني غلامي، وقال: أقل ما في الأمر، أن يكون الرجل قد تذمم من # PageV03P294 # اتباعك إياه إلى ههنا، فيطلق لك نفقة، ونحن مضيقون. # فعلمت أن الصواب في لقائه، فأقمت وبكرت من غد، فدخلت إليه، فعاتبني على ~~انقطاعي عنه. # وقال: أنا مفكر في أمرك، وقد غمني طول تعطلك، مع قصدك إياي من بغداد، ~~ومسيرك معي إلى ههنا، ثم التفت إلى كاتب بين يديه، فقال: أكتب له كتاب ~~التقليد؛ للإشراف على الضياع بديار مضر، وأحل النفقة على الثغور الجزرية، ~~واستقبل برزقه، وهو مائة وخمسون دينارا، في كل شهر، الوقت الذي جاءنا فيه ~~إلى الموصل. # قال: فشكرته، واضطربت ms410 من قلة الرزق. # فقال: اقبل هذا ولا تخالفني، إلى أن يسهل الله، جلت عظمته، غيره، فقمت ~~مفكرا، من أين أصلح أمري، وأتحمل إلى العمل، وأنفق إلى أن أصل إليه؟ قال: ~~فما خرجت من الدار حتى ردني، فقال: بالباب قوم يحتاج إلى إثباتهم، فاجلس ~~وأثبتهم، وعمل لهم جرائد بأسمائهم وحلاهم وأرزاقهم واستقبالاتهم، وجئني ~~بها. # فتشاغلت بذلك يومين وثلاثة، وجئت بالجرائد، فلما وقف عليها أعجبته، وقال: ~~أرى عملك، عمل فهم بالجيش. # فقلت: ما عملته قط إلا مرة واحدة. # PageV03P295 # فقال: لم أقل هذا؛ لأنك تقتصر في نفسي عن غيره، ولكن ينبغي للكاتب ~~والعامل أن يحسنا كل شيء يقع عليه اسم كتابة وعمالة. # ثم قال: خذ هذا الصك، واقبض ما فيه من الجهبذ، واجلس في المسجد لداري، ~~وأنفق في الصنف الفلاني من أهل هذه الجريدة. # قال: فأخذت الصك، وكان بألوف دنانير، فأخذت ماله، وأنفقت في القوم، ~~وتفرقوا وهم شاكرون، وفضل مال من ذلك، وكتبت إليه بخبره، واستأمرته فيما ~~أعمل به. # فقال: خذه من رزقك. # وأعطاني مالا ثانيا، وقال: أنفقه في الصنف الآخر، إلى أن أنفقت في جميع ~~أهل الجريدة، فحصل لي من ذلك زيادة على ألف دينار، فجعلتها في طريقي ~~لنفقتي. # وشخصت قبله إلى ديار مضر، فنظرت في العمل، وسار هو مجتازا إلى مصر. # واستأذنته في المسير إليها معه، فقال: لا أحب أن أعجل لك الصرف، ونحن ~~نمضي إلى أعمال فيها قوم، ولعلي أقف من حالهم على ما لا يجوز معه صرفهم، ~~فتحصل أنت على الصرف المعجل، ولكن أقم بمكانك وعملك، وأسير أنا، فإن احتجت ~~إلى متصرفين، كنت أول من استدعيته. # فشكرته، وأقمت في عملي سنتين، أثريت فيهما، وعظمت حالي، ولم يتفق ~~استدعاؤه إياي إلى مصر، إلى أن صرفت وانسللت من الرقة، ودخلت بغداد موفرا، ~~ومعي مال جليل، فابتعت به ضيعة، ولزمتها، وتركت التصرف. # PageV03P296 ### || للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # وذكر أبو الحسين القاضي، قال: حدثني أبي، عن بعض إخوانه، أحسبه أبا يوسف ~~يعقوب بن بيان، أنه قال: أملق بعض الكتاب في أيام الرشيد حتى أفضى ms411 إلى بيع ~~أنقاض داره، ونقض ما فيها، فلم يبق فيها إلا بيتا واحدا، كان يأوي إليه ~~وولده، وانقطع عن الناس، وانقطعوا عنه دهرا. # وكان الرشيد يولي على أذربيجان في كل سنتين، أو ثلاثة، رجلا من بني هاشم. # فولاها سنة من السنين رجلا منهم كان متعطلا، فطلب كاتبا فارها يصطنعه، ~~وشاور فيه صديقا له من الكتاب، فوصف له هذا الرجل المتعطل، ووعده بإحضاره، ~~وصار إليه، وطرق الباب عليه، ودخل، فوجده من الفقر على الحال لا يتهيأ له ~~معها لقاء أحد. # فبعث إليه من منزله بخلعة من ثيابه، ودابة، وغلاما، وبخورا، ودراهم، فركب ~~معه إلى الهاشمي، فلقيه. # وامتحنه الهاشمي، فوجده بارعا في صناعته، فاستكتبه، وقرر جاريه، وأمر له ~~بمال معجل معونة له على سفره، وأمره بأن يتقدمه إلى أذربيجان. # فعاد الرجل إلى منزله، وأصلح من حاله، وخلف نفقة لعياله، وشخص. # فلما بلغ المصروف الخبر؛ رحل عن البلد، وأخذ غير الطريق الذي بلغه أن ~~الكاتب قد سلكها، وخلف كاتبه لرفع الحساب. # فلما شارف كاتب الوالي الناحية؛ خرج إليه كاتب المعزول ولقيه، فسأله عن ~~صاحبه، فأعلمه شخوصه إلى مدينة السلام، فأنكر ذلك. # PageV03P297 # فقال له كاتب المعزول: مل بنا إلى موضع نجلس فيه ونتحدث، وترى رأيك، ~~فمالا ونزلا، وطرح لهما ما جلسا عليه. # فقال: أعزك الله، لا تنكر انصراف صاحبي، فإنه رجل كبير المقدار، وفي ~~مقامه إلى أن تصيروا إلى العمل مهانة تلحقه، وقد خلف قبلي خمسين ومائة ألف ~~درهم لصاحبك، ودوابا ورقيقا بقيمة ثلاثة آلاف درهم، فاقبض ذلك، واكتب لنا ~~كتابا بإزاحة علتك، وانفصال ما بيننا وبينك، ونحن ننصب لك من يرفع الحساب ~~رفع من لا يستقصى عليه، ولا يعنت. # فقبل كاتب الوالي ذلك، وركبا، وقد زال الخلاف فيما بينهما، وخرج الكاتب ~~لاحقا بصاحبه، وخلف من يسلم الحساب. # واتصل ظاهر الخبر بالهاشمي الوالي، وكتب إليه كاتبه: إني قد بلغت من ~~الأمر مبلغا مرضيا، إذا وقفت عليه. # فلما ساروا إلى الناحية؛ عرف ما جرى، فحسن موقعه، وتبرك بالكاتب، وغلب ~~على قلبه، فكسب مالا عظيما. # فلما ms412 مضت ثلاث سنين؛ صرف الهاشمي بالرجل الذي كان واليا قبله، وبلغ ~~الهاشمي الخبر. # فقال لكاتبه: ما الرأي؟ قال: نفعل به مثلما فعل بنا، وترحل أنت، وأقيم ~~أنا، ومعي مثل ما أعطانا، فأعطيه إياه، وآخذ كتابه بانفصال ما بيننا وبينه، ~~وألحق بك، ففعل. # ووافى كاتب الصارف، الذي كان معروفا، فتلقاه الكاتب في الموضع الذي لقيه ~~فيه، لما كان معزولا مصروفا، فسلم عليه، وعدلا فنزلا، وعرض عليه ما خلفه ~~صاحبه له ولصاحبه، وسأله قبول ذلك، والكتاب بمثل ما كان كتب إلى الرشيد، ~~فامتنع من قبول ذلك، وكتب له بانفصال ما بينهما، إلى الرشيد، كتابا وكيدا. # وقال له: أراك فاضلا فطنا، وأرى صاحبك عاقلا، وقبول ذلك لا يكون # PageV03P298 # منكما مكافأة؛ بل كأنه بيع وشراء، وقد فكرت في أمر، هو أنفع، لنا ولكم، ~~من هذا. # قال: ما هو؟ فقال: أعقد بين صاحبك وصاحبي صهرا، وبيني وبينك صهرا، ونكون ~~إخوة وأصدقاء. # فقال: فعل الله بك وصنع، ما في الدنيا أكرم ولاية، ولا صرفا منك. # فعقدا بينهما الصهرين، وسارا إلى مقصدهما، ودخل الكاتب بغداد، وقد حصل ~~الهاشمي صاحبه، فأخبره الخبر، فأحمد رأيه، وأمضى عقده في المصاهرة. # فصار الكاتب من أرباب الأحوال، وعاد إلى أفضل ما كان عليه. # PageV03P299 ### || هاك يا هذا الذي لا أعرفه # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: روي عن شيخ من أهل الكوفة، قال: ~~أملقت وبلغت بي الحال أن نقضت منزلي، فلما اشتد علي الأمر، وتجرد عيالي من ~~الكسوة؛ جاءتتي الخادمة، فقالت: ما لنا دقيق، ولا معنا ثمنه، فما نعمل؟ ~~فقلت: أسرجي حماري، وقد كان بقي لي حمار. # فقالت: ما أكل شعيرا منذ ثلاث، فكيف تركبه؟ فقلت: أسرجيه على كل حال، ~~فأسرجته، فركبته أدب عليه، هاربا مما أنا فيه، حتى انتهيت إلى البصرة. # فلما شارفتها إذا أنا بموكب مقبل، فلما انتهوا إلي؛ دخلت في جملتهم، ~~فرجعت الخيل تريد البصرة، فسرت معهم حتى دخلتها، وانتهى صاحب الموكب إلى ~~منزله، فنزل، ونزل الناس معه، ونزلت معهم. # ودخلنا، فإذا الدهليز مفروش، والناس جلوس مع الرجل، فدعا ms413 بغداء، فجاءوا ~~بأحسن غداء، فتغديت مع الناس، ثم وضأنا، ودعا بالغالية، فغلفنا بها. # ثم قال: يا غلمان، هاتوا سفطا، فجاءوا بسفط أبيض مشدود، ففتح فإذا فيه ~~أكياس، في كل ألف درهم، فبدأ يعطي من على يمينه، فأمرها # PageV03P300 # عليهم، ثم انتهى إلي وأعطاني كيسا، ثم ثنى وأعطاني آخر، ثم ثلث وأعطاني ~~آخر، وأخذت الجماعة. # وبقي في السفط كيس واحد، فأخذه بيده، وقال: هاك يا هذا الذي لا أعرفه. # فأخذت أربعة أكياس، وخرجت. # فقلت لإنسان: من هذا؟ قال: عبيد الله بن أبي بكرة. # PageV03P301 ### || أول دخول الأصمعي إلى الرشيد # وذكر أبو الحسين في كتابه أيضا، أن الأصمعي قال: لزمت باب الرشيد، فكنت ~~أقيم عليه طول نهاري، وأبيت بالليل مع الحراس أسأمرهم، وأتوقع طالع سعد، ~~حتى كدت أموت ضرا وهزالا، وأن أصير إلى ملالة، ثم أتذكر ما في عاقبة الصبر ~~من الفرج، فأؤمل صلاح حالي باتفاق محمود، فأصبر. # فبينا أنا ذات ليلة، وقد قاسيت فيها السهاد والأرق؛ إذ خرج بعض الحجاب، ~~فقال: هل بالباب أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر، رب مضيق فكه التيسير، ~~أنا ذلك الرجل. # فأخذ بيدي، وقال: ادخل، فإن ختم لك بالسعادة، فلعلها أن تكون ليلة تقر ~~عينك فيها بالغنى. # فقلت: بشرك الله بخير، ودخلت، فواجهت الرشيد في البهو جالسا، والخدم قيام ~~على رأسه، وجعفر بن يحيى البرمكي، جالس إلى جنبه. # فوقف بي الحاجب حيث يسمع تسليمي، فسلمت، ثم قال: تنح قليلا حتى تسكن، إن ~~كنت وجدت روعة. # فقلت في نفسي: فرصة تفوتني آخر الدهر، إن شغلت بعارض؛ فلا أعتاض منها إلا ~~كمدا، حتى يصفق علي الضريح، فقلت: إضاءة كرم أمير المؤمنين، وبهاءه جده، ~~يجردان من نظر إليه من أذية النفس، يسألني، أيده الله، فأجيب، أو أبتدئ ~~فأصيب؟ فتبسم إلي جعفر، وقال: ما أحسن ما استدعى الإحسان، وحري به أن يكون ~~محسنا. # PageV03P302 # ثم قال لي: أشاعر أنت، أم راوية للشعر؟ قلت: راوية. # قلت: لمن؟ قلت: لكل ذي جد وهزل، بعد أن يكون محسنا. # فقال: أنصف القارة من راماها. # ثم قال: ما ms414 معنى هذه الكلمة؟ قلت: لها وجهان، زعمت التبابعة، أنه كان لها ~~رماة لا تقع سهامها في غير الحدق، فكانت تكون في الموكب الذي يكون فيه ~~الملك، فخرج فارس معلم بعذبات سمور في قلنسوته، فنادى: أين رماة الحدق؟ ~~فقالت العرب: أنصف القارة من راماها. # والوجه الآخر: الموضع المرتفع من الأرض، والجبل الشاهق، فمن ضاهاه بفعاله ~~فقد راماه، وما أحسب هذا هو المعنى؛ لأن المراماة كالمعاطاة، وكما أن ~~المعاطاة للنديم، هي أن يأخذ كأسا، ويعطي كأسا، كذلك المراماة؛ أن يرميها ~~وترميه. # فقال: أصبت، فهل رويت للعجاج بن رؤبة شيئا؟ قلت: الأكثر. # قال: أنشدني قوله: أرقني طارق هم طرقا فمضيت فيها مضي الجواد، تهدر ~~أشداقي، فلما بلغت مدحه لبني أمية؛ ثنيت عنان اللسان؛ لامتداحه المنصور. # PageV03P303 # فقال: أعن عمد، أو غير عمد؟ فقلت: عن عمد، تركت كذبه إلى صدقه، بما وصف ~~فيه المنصور من مجده. # فقال جعفر: بارك الله عليك، مثلك يؤهل لمثل هذا الموقف. # ثم التفت إلي الرشيد، فقال: أرويت لعدي بن الرقاع شيئا؟ قلت: الأكثر، ~~قال: أنشدني قوله: بانت سعاد وأخلفت ميعادها فابتدأت تهدر أشداقي، فقال ~~جعفر: يا هذا، أنشد على مهل، فلن تنصرف إلا غانما. # فقال الرشيد: أما إذ قطعت علي فأقسم؛ لتشركني في الجائزة. # قال: فطابت نفسي، فقلت: أفلا ألبس أردية التيه على العرب، وأنا أرى ~~الخليفة والوزير يتشاطران لي المواهب، فتبسم، ومضيت فيها. # ثم قال: أرويت لذي الرمة شيئا؟ قلت: الأكثر. # قال: أنشدني قوله: أمن حذر الهجران قلبك يطمح فقلت: عروس شعره. # قال: فأيه الختن؟ قلت: قوله، يا أمير المؤمنين: ما بال عينك منها الماء ~~ينسكب # PageV03P304 # فقال: امض فيها، فمضيت فيها، حتى انتهيت إلى وصفه جمله. # فقال جعفر: ضيق علينا ما اتسع من مسامرة السهر، بجمل أجرب. # فقال الرشيد: اسكت، فهي التي سلبتك تاج ملكك، وأزعجتك عن قراراك، ثم جعلت ~~جلودها سياطا، تضرب بها أنت وقومك عند الغضب. # فقال جعفر: الحمد لله، عوقبت من غير ذنب. # فقال الرشيد: أخطأت في كلامك، لو قلت: أستعين بالله؛ قلت صوابا، إنما ~~يحمد ms415 الله، تعالى، على النعم، ويستعان على الشدائد. # ثم قال لي: إني لأجد مللا، وهذا جعفر، ضيف عندنا، فسامره باقي ليلتك، ~~فإذا أصبحت؛ فإن وضاء الخادم يلقاك بثلاثين ألف درهم. # قال: ثم قربت إليه النعل، فجعل الخادم يصلح عقب النعل في رجله، فقال: ~~ارفق ويحك، أحسبك قد عقرتني. # فقال: جعفر: قاتل الله العجم، لو كانت سندية؛ ما احتاج أمير المؤمنين إلى ~~هذه الكلفة. # فقال: هذه نعلي ونعل آبائي، ما تدع نفسك والتعرض لما تكره. # ثم قال لي جعفر: لولا أن المجلس مجلس أمير المؤمنين، ولا يجوز لي فيه أن ~~آمر بمثل ما أمر به؛ لأمرت لك بثلاثين ألف درهم، ولكني آمر لك بتسعة وعشرين ~~ألف درهم، فإذا أصبحت فاقبضها والزم الباب. # قال: فما صليت من غد الصبح، إلا وفي منزلي ما أمر لي به، فأيسرت ~~ولزمتهما، وزال ما كنت فيه من الضر، وأتى الإقبال، والنعمة والسلامة، ~~وأفلحت، ولله الحمد. # PageV03P305 ### || قصة حائك الكلام # وذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، قال: بلغني عن عمرو بن مسعدة، أنه ~~قال: كنت مع المأمون عند قومه من بلاد الروم، حتى إذا نزل الرقة؛ قال لي: ~~يا عمرو، أما ترى الرخجي، قد احتوى على الأهواز، وهي سلى الخبز، وجميع ~~الأموال قبله، وقد طمع فيها، وكتبي متصلة في حملها، وهو يتعلل، ويتربص بنا ~~الدوائر. # فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأنفذ من يضطره إلى حمل ما عليه. # فقال: ما يقنعني هذا. # قلت: فيأمر أمير المؤمنين بأمره. # قال: تخرج إليه بنفسك، حتى تصفده بالحديد، وتحمله إلي، بعد أن تقبض جميع ~~ما في يده من أموالنا، وتنظر في ذلك، وترتب فيه عمالا. # فقلت: السمع والطاعة، فلما كان من غد؛ دخلت. # فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟ قلت: أنا على ذاك. # قال: أريد أن تجيئني في غد مودعا. # قلت: السمع والطاعة، فلما كان من غد؛ جئت مودعا. # فقال: أريد أن تحلف لي، أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا، فاضطربت من ~~ذلك، إلى أن حظر علي واستخلفني أن لا أقيم فيها ms416 أكثر من ثلاثة أيام، فخرجت، ~~وأنا مضطرب مغموم. # PageV03P306 # وقلت في نفسي: أنا في موضع الوزارة، وقد جعلني مستحثا إلى عامل، ~~ومستخرجا، ولكن أمر الخليفة لا بد من سماعه، وامتثال مرسومه. # وسرت حتى قدمت بغداد، ولم أقم بها إلى ثلاثة أيام، وانحدرت منها في زلال، ~~أريد البصرة، وجعل لي فيه خيش، واستكثرت من الثلج لشدة الحر. # فلما صرت بين جرجرايا وجبل؛ سمعت صائحا من الشاطئ، يصيح: يا ملاح، فرفعت ~~سجف الزلال، فإذا بشيخ كبير السن، حاسر الرأس، حافي القدمين، خلق القميص. # فقلت للغلام: أجبه، فأجابه. # PageV03P307 # فقال: أنا شيخ كبير السن، على هذه الصورة التي ترى، وقد أحرقتني الشمس، ~~وكادت تتلفني، وأنا أريد جبل، فاحملوني معكم، فإن الله، عز وجل، يحسن أجر ~~صاحبكم. # قال: فشتمه الملاح، وانتهره. # فأدركتني عليه رقة، وقلت للغلام: خذه معنا، فقدم إلى الشط، وصحنا به، ~~وحملناه. # فلما صار معنا في الزلال وانحدرنا؛ تقدمت، فدفع إليه قميص ومنديل، وغسل ~~وجهه، واستراح، فكأنه كان ميتا عاد إلى الدنيا. # وحضر وقت الغداء، فتذممت وقلت للغلام: هاته يأكل معنا. # فجاء وقعد على الطعام، فأكل أكل أديب نظيف، غير أن الجوع قد أثر فيه. # فلما رفعت المائدة؛ أردت أن يقوم ويغسل يده ناحية، كما يفعل العامة، في ~~مجالس الخاصة، فلم يفعل، فغسلت يدي. # وتذممت أن آمر بقيامه، فقلت: قدموا له الطست، فغسل يده، وأردت بعدها أن ~~يقوم لأنام، فلم يفعل. # فقلت: يا شيخ، أيش صناعتك؟ قال: حائك، أصلحك الله. # فقلت في نفسي: هذا الحياكة علمته سوء الأدب، فتناومت عليه، ومددت رجلي. # فقال: قد سألتني عن صناعتي، فأجبتك، فأنت، أعزك الله، ما صناعتك؟ # PageV03P308 # فأكبرت ذلك، وقلت: أنا جنيت على نفسي هذه الجناية، ولا بد من احتماله، ~~أتراه، الأحمق، لا يرى زلالي وغلماني ونعمتي، وأن مثلي لا يقال له مثل هذا؟ ~~ثم قلت: أنا كاتب. # فقال: كاتب كامل، أم كاتب ناقص؟ فإن الكتاب خمسة، فمن أيهم أنت؟ فورد علي ~~من قول الحائك مورد عظيم، وسمعت كلاما أكبرته، وكنت متكئا، فجلست. # ثم قلت له: فصل الخمسة. ms417 # قال: نعم، كاتب خراج، يقتضي أن يكون عالما بالشروط، والطسوق، والحساب، ~~والمساحة، والبثوق، والفتوق، والرتوق. # وكاتب أحكام، يحتاج أن يكون عالما بالحلال، والحرام، والاختلاف، ~~والاحتجاج، والإجماع، والأصول، والفروع. # وكاتب معونة، يحتاج أن يكون عالما بالقصاص، والحدود، والجراحات، ~~والمراتبات، والسياسات. # وكاتب جيش، يحتاج أن يكون عالما بحلى الرجال، وشيات الدواب، ومداراة ~~الأولياء، وشيء من العلم بالنسب والحساب. # وكاتب رسائل، يحتاج إلى أن يكون عالما بالصدور، والفصول، والإطالة، ~~والإيجاز، وحسن البلاغة، والخط. # PageV03P309 # قال: فقلت: أنا كاتب رسائل. # قال: فأسألك عن بعضها. # قلت: سل. # قال: أصلحك الله، لو أن رجلا من إخوانك تزوجت أمه، فأردت أن تكاتبه ~~مهنئا، فماذا كنت تكتب إليه؟ ففكرت في الحال، فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: ~~اعفني. # قال: قد فعلت، ولكنك، لست بكاتب رسائل. # قلت: أنا كاتب خراج. # قلت: لا بأس، لو أن أمير المؤمنين ولاك ناحية وأمرك فيها بالعدل ~~والإنصاف، وتقضي حق السلطان، فتظلم إليك بعضهم من مساحك، وأحضرتهم للنظر ~~بينهم وبين رعيتك، فحلف المساح بالله العظيم، لقد أنصفوا، وما ظلموا، وحلف ~~الرعية بالله العظيم، أنهم قد جاروا وظلموا، وقالوا لك: قف معنا على ما ~~مسحوه، وأنظر من الصادق من الكاذب، فخرجت لتقف عليه، فوقفوا على قراح شكله: ~~قاتل قثا، كيف كنت تمسحه؟ فقلت: كنت آخذ طوله على انعواجه، وآخذ عرضه، ثم ~~أضربه في مثله. # قال: إن شكل قاتل قثا، يكون رأساه محددان، وفي تحديده تقويس. # قلت: فآخذ الوسط فأضربه بالعمود. # قال: إذا ينثني عليك العمود، فأسكتني. # فقلت: أنا لست كاتب خراج. # قال: فإذا ماذا؟ قلت: أنا كاتب قاض. # قال: لا تبال، أفرأيت لو أن رجلا توفي، وخلف امرأتين حاملتين، إحداهما # PageV03P310 # حرة والأخرى سرية، وولدت السرية غلاما، والحرة جارية، فعمدت الحرة إلى ~~ولد السرية فأخذته، وتركت بدله الجارية، فاختصما في ذلك، كيف الحكم بينهما؟ ~~قلت: لا أدري. # قال: فلست كاتب قاض. # قلت: أنا كاتب جيش. # قال: لا بأس، أرأيت، لو أن رجلين جاءا إليك لتحليهما، وكل واحد منهما، ~~اسمه واسم أبيه كاسم الآخر واسم أبيه، إلا أن أحدهما ms418 مشقوق الشفة العليا، ~~والآخر مشقوق الشفة السفلى كيف كنت تحليهما؟ قلت: أقول فلان الأعلم، وفلان ~~الأعلم. # قال: إن رزقيهما مختلفان، وكل واحد منهما يجيء في دعوة الآخر. # قلت: لا أدري. # قال: فلست بكاتب جيش. # قلت: أنا كاتب معونة. # قال: لا تبال، لو أن رجلين رفعا إليك، شج أحدهما شجة موضحة، وشج الآخر ~~صاحبه شجة مأمومة، كيف تفصل بينهما؟ قلت: لا أدري. # قال: إذن، لست كاتب معونة، فاطلب لنفسك، أيها الرجل، شغلا غير هذا. # قال: فقصرت إلى نفسي وغاظني، فقلت: قد سألت عن هذه الأمور، # PageV03P311 # ويجوز أن لا يكون عندك جوابها، كما لم يكن عندي، فإن كنت عالما بالجواب، ~~فقل. # فقال: نعم، أما الذي تزوجت أمه؛ فتكتب إليه: أما بعد، فإن الأمور، تجري ~~من عند الله، بغير محبة عباده، ولا اختيارهم، بل هو، تعالى، يختار لهم ما ~~أحب، وقد بلغني تزويج الوالدة، خار الله لك في قبضها، فإن القبر أكرم ~~الأزواج، وأستر للعيوب، والسلام. # وأما قراح قاتل قثا؛ فيمسح العمود، حتى إذا صار عددا في يدك، ضربته في ~~مثله، ومثل ثلثه، فما خرج فهو مساحته. # وأما الجارية والغلام؛ فيوزن اللبنان، فأيهما أخف، فالجارية له. # وأما المرتزقان المتوافقان في الاسمين؛ فإن كان الشق في الشفة العليا؛ ~~كتبت فلان الأعلم، وإذا كان في الشفة السفلى؛ كتبت فلان الأفلح. # وأما أصحاب الشجتين؛ فلصاحب الموضحة ثلث الدية، ولصاحب المأمومة نصف ~~الدية. # قال: فلما أجاب في هذه المسائل؛ تعجبت منه، وامتحنته في أشياء غيرها ~~كثيرة، فوجدته ماهرا في جميعها، حاذقا، بليغا. # فقلت: ألست زعمت أنك حائك؟ فقال: أنا، أصلحك الله، حائك كلام، ولست بحائك ~~نساجة، ثم أنشأ يقول: # ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب # نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأديب # قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب # PageV03P312 # قلت: فما سبب الذي بك من سوء الحال؟ قال: أنا راجل كاتب، دامت عطلتي، ~~وكثرت عيلتي، وتواصلت محنتي، وقلت حيلتي، فخرجت أطلب تصرفا، فقطع علي ~~الطريق، فتركت كما ترى، فمشيت على وجهي، فلما لاح ms419 لي الزلال؛ استغثت بك. # قلت: فإني قد خرجت إلى تصرف جليل، أحتاج فيه إلى جماعة مثلك، وقد أمرت لك ~~بخلعة حسنة، تصلح لمثلك، وخمسة آلاف درهم، تصلح بها أمرك، وتنفذ منها إلى ~~عيالك، وتتقوى نفسك بباقيها، وتصير معي إلى عملي، فأوليك أجله، إن شاء ~~الله، تعالى. # فقال: أحسن الله جزاءك، إذن تجدني بحيث يسرك، ولا أقوم مقام معذر إن شاء ~~الله. # فأمرت بتقبيضه ما رسمت له، فقبضه، وانحدر إلى الأهواز معي، فجعلته ~~المناظر للرخجي، والمحاسب له بحضرتي، والمستخرج لما عليه، فقام بذلك أحسن ~~قيام وأوفاه. # وعظمت حاله معي، وعادت نعمته إلى أحسن ما كانت عليه. # PageV03P313 ### || أنا أبوك # قال مؤلف هذا الكتاب: وقد بلغني # حديث لعمرو بن مسعدة في زلاله، بخلاف هذا، حدثني به عبيد الله بن محمد بن ~~الحسن بن الحفا العبقسي، وهو يذكر أن أهله أقرباء لبني مارية، الذين كانوا ~~تناء الصراة وأهل النعم بها، قال: حدثني أبي، قال: سمعت شيوخنا بالصراة، ~~وأهلنا، يتحدثون: أن عمرو بن مسعدة، كان مصعدا من واسط إلى بغداد، في حر ~~شديد، وهو جالس في زلال، فناداه رجل: يا صاحب الزلال، بنعمة الله عليك إلا ~~نظرت إلي. # قال: فكشف سجف الزلال، فإذا بشيخ ضعيف حاسر الرأس. # فقال له: قد ترى ما أنا عليه، ولست أجد من يحملني، فابتغ الأجر في، وتقدم ~~إلى ملاحيك يطرحوني بين مجاديفهم، إلى أن أصل بلدا يطرحوني فيه. # قال عمرو بن مسعدة: فرحمته، وقلت: خذوه، فأخذوه، فغشي عليه، وكاد يموت ~~لما لحقه من المشي في الشمس. # فلما أفاق؛ قلت له: يا شيخ، ما حالك، وما قصتك؟ فقال: قصة طويلة. # PageV03P314 # فسكنته وطرحت عليه قميصا ومنديلا، وأمرت له بدراهم وشمشك، فشكرني. # فقلت: لا بد أن تحدثني بحديثك. # فقال: أنا رجل كانت لله، عز وجل، علي نعمة جليلة، وكنت صيرفيا، فابتعت ~~جارية بخمس مائة دينار، فعشقتها عشقا عظيما، وكنت لا أقدر أن أفارقها ساعة ~~واحدة، فإذا خرجت إلى الدكان؛ أخذني كالجنون والهيمان، حتى أعود فأجلس معها ~~يومي كله. # فدام ذلك حتى تعطل دكاني، ms420 وتعطل كسبي، وأقبلت أنفق من رأس المال، حتى لم ~~يبق منه قليل ولا كثير، وأنا مع ذلك لا أطيق أن أفارقها. # فحبلت الجارية، وأقبلت أنقض داري، وأبيع نقضها، حتى فرغت من ذلك، فلم تبق ~~لي حيلة. # فضربها الطلق، فقالت: يا هذا، هوذا أموت، فاحتل فيما تبتاع به عسلا، ~~ودقيقا، وشيرجا، ولحما، وإلا مت. # فبكيت، وحزنت، وخرجت على وجهي، وجئت لأغرق نفسي في دجلة، فذكرت حلاوة ~~النفس، وخوف العقاب في الآخرة، فامتنعت. # ثم خرجت هائما على وجهي إلى النهروان، وما زلت أمشي من قرية إلى قرية، ~~حتى بلغت خراسان، فاصدفت بها من عرفني، وتصرفت في ضياعه، ورزقني الله، عز ~~وجل، مالا عظيما، فأثريت، واتسعت حالي، ومكثت # PageV03P315 # سنين، لا أعرف خبر منزلي، فلم أشك أن الجارية قد ماتت. # وتراخت السنون حتى حصل لي ما قيمته عشرون ألف دينار. # فقلت: قد صارت لي نعمة، فلو رجعت إلى وطني. # فابتعت بالمال كله، متاعا من خراسان، وأقبلت أريد العراق، من طريق فارس ~~والأهواز. # فلما حصل بينهما؛ خرج على القافلة لصوص، فأخذوا جميع ما فيها، ونجوت ~~بثيابي، وعدت فقيرا. # ودخلت الأهواز، فبقيت بها متحيرا، حتى كشف خبري لبعض أهلها ممن أعرفه، ~~فأعطاني ما تحملت به إلى واسط. # ونفدت نفقتي، فمشيت إلى هذا الموضع، وقد كدت أتلف، فاستغثت بك، ولي منذ ~~فارقت بغداد، ثمان وعشرون سنة. # فعجبت من ذلك، وقلت له: اذهب، فاعرف خبر أهلك، وصر إلي، فإني أتقدم ~~بتصريفك فيما يصلح لمثلك، فشكر، ودعا، ودخلنا بغداد. # ومضت على ذلك مدة طويلة، أنسيته فيها، فبينا أنا يوما، قد ركبت، أريد دار ~~المأمون، وإذا بالشيخ على بابي، راكبا بغلا فارها، بمركب محلى ثقيل، وغلام ~~أسود بين يديه، وثياب حسنة. # فلما رأيته رحبت به، وقلت: ما الخبر؟ فقال: طويل، وهأنا آتي إليك في غد، ~~وأحدثك بالخبر. # فلما كان من الغد؛ جاءني، فقلت له: عرفني خبرك، فقد سررت بسلامتك، وبظاهر ~~حالك. # فقال: إني صعدت من زلالك، فقصدت داري، فوجدت حائطها الذي يلي الطريق كما ~~خلفته، غير أن باب الدار كان ms421 مجلوا نظيفا، وعليه دكاكين وبواب وبغال مع ~~شاكرية. # PageV03P316 # فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماتت جاريتي، وملك الدار بعض الجيران، ~~فباعها من رجل من أصحاب السلطان. # ثم تقدم تبارك وتعالى إلى بقال كنت أعرفه في المحلة، فوجدت في دكانه ~~غلاما حدثا. # فقلت له: من تكون من فلان البقال؟ فقال: أنا ابنه. # فقلت: ومتى مات؟ قال: منذ عشرين سنة. # قلت: لمن هذه الدار؟ قال لابن داية أمير المؤمنين، وهو الآن صاحب بيت ~~ماله. # قلت: بمن يعرف؟ قال: بابن فلان الصيرفي، فأسماني. # قلت: فهذه الدار من باعها إليه. # قال: هذه دار أبيه. # قلت: وأبوه يعيش؟ قال: لا. # قلت: أتعرف من حديثهم شيئا؟ قال: نعم، حدثني أبي، أن والد هذا الرجل كان ~~صيرفيا جليلا، فافتقر، وأن أم هذا الرجل ضربها الطلق، فخرج أبوه يطلب لها ~~شيئا، ففقد، وهلك. # وقال أبي: جاءني رسول أم هذا، يطلب لها شيئا، وهي تستغيث بي، فقمت لها ~~بحوائج الولادة، ودفعت لها عشرة دراهم، فما أنفقتها حتى قيل: قد ولد لأمير ~~المؤمنين الرشيد مولود ذكر، وقد عرض عليه جميع الدايات، فلم يقبل ثديهن، ~~وقد طلب له الحرائر، فجاءوه بغير واحدة، فما أخذ ثدي واحدة منهن، وهم في ~~طلب مرضع. # PageV03P317 # فأرشدت الذي طلب الداية إلى أم هذا، فحملت إلى دار الرشيد، فحين وضع فم ~~الصبي على ثديها، قبله، فأرضعته، وكان الصبي المأمون، وصارت عندهم في حال ~~جليلة، ووصل إليها منهم خير كثير. # ثم خرج المأمون إلى خراسان، وخرجت هذه المرأة وابنها هذا معها، ولم نعرف ~~أخبارهم إلا منذ قريب، لما عاد المأمون، وعادت حاشيته، رأينا هذا قد صار ~~رجلا، ولم أكن رأيته قبل قط، وقد كان أبي مات. # فقالوا: هذا ابن فلان الصيرفي، وابن داية الخليفة المأمون، فبنى هذه ~~الدار وسواها. # فقلت: فعندك علم من أمه أهي حية، أم ميتة؟ قال: هي حية، تمضي إلى دار ~~الخليفة أياما، وتكون عند ابنها أياما هنا. # فحمدت الله، تعالى، على هذه الحال، وجئت، حتى دخلت الدار مع الناس، فرأيت ~~الصحن في نهاية العمارة ms422 والحسن، وفيه مجلس كبير مفروش بفرش فاخرة، وفي صدره ~~رجل شاب بين يديه كتاب وجهابذة، وحساب يستوفيه عليهم، وفي صفاف الدار وبعض ~~مجالسها جهابذة، بين أيديهم الأموال والتخوت والشواهين، يقبضون ويقبضون. # وبصرت بالفتى، فرأيت شبهي فيه، فعلمت أنه ابني، فجلست في غمار الناس، إلى ~~أن لم يبق في المجلس غيري، فأقبل علي. # فقال: يا شيخ، هل من حاجة تقولها؟ فقلت: نعم، ولكنه أمر لا يجوز أن يسمعه ~~غيرك. # PageV03P318 # فأومأ إلى غلمان كانوا قياما حوله، وقال: قل، أعزك الله. # قلت: أنا أبوك. # فلما سمع ذلك تغير وجهه، ثم وثب مسرعا، وتركني مكاني. # فلم أشعر إلا بخادم جاءني، فقال: قم يا سيدي، فقمت أسير معه، حتى بلغت ~~ستارة منصوبة، في دار لطيفة، وكرسي بين يديها، والفتى جالس على كرسي آخر. # فقال: اجلس، أيها الشيخ. # فجلست على الكرسي، ودخل الخادم، فإذا بحركة خلف الستارة. # فقلت: أظنك تريد أن تختبر صدق ما قلت لك من جهة فلانة، وذكرت اسم جاريتي، ~~أمه. # قال: فإذا بالستارة قد كشفت، والجارية قد خرجت إلي، فوقعت علي تقبلني ~~وتبكي، وتقول: مولاي، والله. # قال: فرأيت الفتى، قد تشوش، وبهت، وتحير. # فقلت للجارية: ويحك، ما خبرك؟ فقالت: دع خبري، ففي مشاهدتك مما تفضل ~~الله، عز وجل، بذلك كفاية، إلى أن أخبرك، فقل ما كان من خبرك أنت؟ فقصصت ~~عليها خبري، منذ يوم خروجي من عندها، إلى يومي ذاك، وقصت هي علي قصتها، مثل ~~ما قال ابن البقال، وأعجب، وأشرح، وكل ذلك بمرأى من الفتى ومسمع، فلما ~~استوفى الحديث؛ خرج وتركني في مكاني. # قال: وإذا أنا بخادم، قال: يا مولاي، يسألك ولدك أن تخرج إليه. # قال: فخرجت إليه، فلما رآني من بعيد؛ قام قائما على رجليه، وقال: معذرة ~~إلى الله، وإليك يا أبة، من تقصيري في حقك، فإنه فجأني من أمرك، ما لم أظن ~~أنه يكون، والآن فهذه النعمة لك، وأنا ولدك، وأمير المؤمنين مجتهد بي # PageV03P319 # منذ دهر، أن أدع هذه الجهبذة، وأتوفر على خدمته في الدار، فلا أفعل؛ طلبا ~~للتمسك بصنعتي، ms423 والآن، فأنا أسأله أن يرد إليك عملي، وأخدمه أنا في غيرها، ~~فقم عاجلا، وأصلح أمرك. # فأخذت إلى الحمام ونظفت، وجاءوني بخلعة، فألبستها، وخرجت إلى حجرة ~~والدته، فجلست فيها. # ثم أدخلني على أمير المؤمنين، وحدثته بحديثي، وخلع علي، ورد إلي العمل ~~الذي كان إلى ولدي، وأجرى علي من الرزق، في كل شهر كذا، وقلد ابني أعمالا ~~هي من أجل عمله، وأضعف له أرزاقه، وأمره بلزوم حضرته في أشياء استعمله فيها ~~من خاص أمره. # فجئت لأشكرك على ما عاملتني به من الجميل، وأعرفك بتجدد النعمة. # قال عمرو بن مسعدة: فلما أسمى الفتى؛ علمت أنه ابن داية المأمون، كما ~~قال. # PageV03P320 ### || سقط عليه حائط ونهض سالما # حدثني عمر بن عبد الملك بن الحسن بن يوسف السقطي، وكان خليفتي على القضاء ~~بحران ونواح من ديار مضر، ثم خلفني على قطعة من سقي الفرات، قال: حدثني أبو ~~الخطاب محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، الشاهد بالبصرة، قال: غلست يوما، ~~أريد مسجد الزياديين، بشارع المربد، لوعد كان علي فيه، وكانت الريح قوية، ~~وإذا بين يدي بأذرع رجل يمشي. # فلما بلغنا دار رياح؛ قلعت الريح سترة آجر وجص على رأسه حائط، فرمت بها ~~على ذلك الرجل، فلم أشك في هلاكه، وارتفعت غبرة عظيمة أفزعتني، فرجعت. # فلما سكنت؛ عدت أسلك الطريق، حتى إذا دست بعض السترة، لم أجد الرجل، ~~فعجبت. # وتممت طريقي، حتى دخلت مسجد الزياديين، فرأيت أهل المسجد مجتمعين، ~~فحدثتهم بما رأيت في طريقي، وشاكرا لله، عز وجل، على سلامتي. # فقال رجل منهم: يا أبا الخطاب، أنا الذي وقعت عليه السترة، وذلك أني قصدت ~~هذا المسجد لمثل ما وعدت له، فلما سقطت السترة لم أحس # PageV03P321 # بضرر لحقني، ووجدت نفسي قائما سالما، فحمدت الله، تعالى، وتحيرت، ووقفت ~~حتى انجلت الغبرة، فتأملت الصورة، فإذا في السترة موضع باب كبير، وقد سقط ~~باقي السترة حوالي، وسائر جسدي في موضع ذلك الباب، فخرجت منه إلى ههنا. # PageV03P322 ### || نفاه الواثق وأعاده المتوكل # ووجدت بخط جحظة: حدثني عبيد الله بن عملا البازيار، نديم المتوكل، قال: ms424 ~~لما نفاني الواثق من سر من رأى إلى البحر؛ من أجل خدمتي لجعفر؛ لحقتني ~~إضافة شديدة، وغموم متصلة، واستبعدت الفرج. # فكنت أبكر في كل يوم بباشق على يدي إلى الصحراء، فأرجع بالدراجة ~~والدراجتين، فيكون ذلك قوتي لإضاقتي. # فدخلت يوم جمعة إلى الجامع؛ لأصلي قريبا من المنبر، وليس معي خبر، فإذا ~~الخطيب يخطب: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عبد الله جعفر الإمام المتوكل على ~~الله، أمير المؤمنين. # فداخل قلبي من السرور حال، لم أدر معه في أي مكان أنا. # قال: وسقطت مغشيا علي، فظن الناس أني قد صرعت، فأخرجوني، فمشيت إلى ~~الموضع الذي أسكنه، فإذا البرد على بابي، يطلبونني. # فركبت معهم إلى المتوكل، فكان من أمري معه ما كان، وزادني على الغنى ~~درجات عظيمة، وعدت إلى حالي من اليسار. # PageV03P323 ### || البحتري يهنئ الفتح بنجاته من الغرق # وحدثت: أن الفتح بن خاقان، اجتاز على بعض القناطر، وهو يتصيد، وقد انقطع ~~من عسكره، فانخسفت القنطرة من تحته، فغرق. # فرآه أكار، وهو لا بعرفه، فطرح نفسه وراءه، وخلصه، وقد كاد أن يتلف، ~~ولحقه أصحابه، فأمر للأكار بمال عظيم، وصدق بمثله. # فدخل إليه البحتري، فأنشده قصيدته التي أولها: # متى لاح أو بدا طل قفر ... جرى مستهل لا بكي ولا نزر # وفيها يقول: # لقد كان يوم النهر يوم عظيمة ... أطلت ونعماء جرى بهما النهر # أجزت عليه عابرا فتشاعبت ... أواذيه لما أن طما فوقه البحر # PageV03P324 # وزالت أواخي الجسر وانهدمت به ... قواعده العظمى وما ظلم الجسر # تحمل حلما مثل قدس وهمة ... كرضوى وقدرا ليس يعدله قدر # فما كان ذاك الهول إلا غيابة ... بدا طالعا من تحت ظلمتها البدر # فإن ننس نعمى الله فيك فحظنا ... أضعنا وإن نشكر فقد وجب الشكر # فقال له الفتح: الناس يهنئونا بنثر، وأنت بنظم، وبراحة، وأنت بتعب، وأجزل ~~صلته. # PageV03P325 ### | الباب الثامن فيمن أشفى على أن يقتل فكان الخلاص من القتل إليه أعجل ### || بدأ الهادي خلافته بتنحية الربيع عن الوزارة واستيزار إبراهيم الحراني # ذكر محمد بن عبدوس في كتاب (الوزراء) : أن إبراهيم بن ذكوان الحراني ~~الأعور الكاتب، ms425 صاحب طاق الحراني ببغداد، كان خاصا بالمهدي. # قال: وإن المهدي أنفذ موسى ابنه إلى جرجان، وأنفذ معه إبراهيم الحراني، ~~فخص إبراهيم بموسى، ولطف موضعه منه. # فاتصل بالمهدي عنه أشياء تزيد فيها عليه أعداؤه وكثروا، فكتب المهدي إلى ~~موسى في حمله إليه، فضن به، ودافع عنه. # PageV03P326 # فكتب إليه المهدي: إن لم تحمله؛ خلعتك من العهد، وأسقطت منزلتك. # فلم يجد موسى من حمله بدا، وحمله مع بعض خدمه، مرفها، مكرما، وقال ~~للخادم: إذا دنوت من محل المهدي، فقيد إبراهيم، واحمله في محمل، بغير وطاء ~~ولا غطاء، وألبسه جبة صوف، وأدخله بهذه الصورة، فامتثل الخادم ما أمر به في ~~ذلك. # واتفق أنه ورد إلى العسكر، والمهدي يريد الركوب إلى الصيد، وهو، إذ ذاك، ~~بالروذبار، فبصر بالموكب، فسأل عنه، فقيل: خادم لموسى، ومعه إبراهيم ~~الحراني. # فقال: وما حاجتي إلى الصيد، وهل صيد أطيب من صيد إبراهيم الحراني؟ قال: ~~فأدنيت منه، وهو علي ظهر فرسه. # فقال: إبراهيم؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. # فقال: لا لبيك، والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، امض، ~~يا خادم، به إلى المضرب. # فحملت، وقد يئست من الفرج، ومن نفسي، ففزعت إلى الله، تعالى، بالدعاء ~~والابتهال. # PageV03P327 # وانصرف المهدي، فأكل اللوزينج المسموم المشهور خبره، فمات من وقته، ~~وتخلصت. # وذكر محمد بن عبدوس، بعد هذا، أن الهادي لما بلغه موت المهدي؛ نجا من ~~جرجان إلى بغداد، على دواب البريد وما سمع بخليفة ركل دواب البريد غيره، ~~فدخل بغداد والربيع مولى المنصور على الوزارة، كما كان يتقلدها للمهدي، ~~فصرفه وقلد إبراهيم بن ذكوان الحراني. # PageV03P328 ### || لما اعتقل إبراهيم بن المهدي حبسه المأمون عند أحمد بن أبي خالد الأحول # قال محمد بن عبدوس، في كتاب (الوزراء) : لما ظفر المأمون بإبراهيم بن ~~المهدي؛ حبسه عند أحمد بن أبي خالد، ولم يزل في أزجه. # فحكى يوسف بن إبراهيم، مولى إبراهيم بن المهدي، قال: لما وجه # PageV03P329 # المأمون إبراهيم بن المهدي إلى أحمد بن أبي خالد؛ ليحبسه عنده؛ دخل ~~إبراهيم إلى أحمد. # فقال له إبراهيم: الحمد لله الذي ms426 من علي بمصيري إليك، وحصولي في دارك ~~وتحت يدك، ولم يبتلني بغيرك. # قال إبراهيم: فقطب أحمد، وبسر في وجهي، وقال: يا إبراهيم، لقد حسن ظنك ~~بي، إذ تتوهم أن أمير المؤمنين لو أمرني بضرب عنقك، أني أتعدى ذلك إلى غير ~~ما أمرني به فيك. # قال: فأردت عيني في مجلسه، فتبينت فيمن حضر من أهل خراسان إنكارا لقوله. # فقلت: صدقت، يابن أبي خالد، إن قتلتني بأمر أمير المؤمنين؛ كنت غير ملوم، ~~وكذلك لو أمرني بالشق عن قلبك وكبدك؛ فعلت ذلك، وكنت غير ملوم. # ولم أحمد ربي، وإن كان حمده واجبا في كل حال، لحسن ظني بك، ولكنني علمت ~~أن لأمير المؤمنين خزنة سيوف، وخزنة أقلام، وأنه متى أراد قتل إنسان؛ دفعه ~~إلى خزنة السيوف، ومتى أراد مناظرته؛ دفعه إلى خزنة الأقلام. # فحمدت الله، تعالى، على ما من به علي، من إحلاله إياي، محل من يساءل، لا ~~محل من يعاجل. # قال: فرأيت وجوه كل من حوله قد أشرقت وأسفرت، وأعجبوا بما كان مني. # فقال أحمد بن أبي خالد: الناس يتكلمون على قدر أنفسهم وآبائهم، وكلامك ~~على قدر المهدي وقدر نفسك، وكلامي على قدر خلقي وقدر يزيد الأحول، وأنا ~~أستقبلك مما سبق مني فأقلني، أقال الله عثرتك، وسهل أمرك، وعجل خلاصك. # PageV03P330 # فقلت: قد أقال الله عثرتك. # قال: وما مضت لي في داره خمسون ليلة، حتى سار إلي في نصف الليل، فأخرجني، ~~وألقى علي درعا، وظاهر بدراعة، وحملني على دابة، وهو يركض إلى الجانب ~~الغربي، فوقفني بين الجسر والخلد. # فوقع في نفسي أن إلقاءه علي الدرع، إنما هو لإيراده إياي على سكران، ~~فأراد أن يقيني بادرته، وعلمت أنه أراد أنه إذا ورد علي أمر، أن أتماوت. # فخلفني مع أصحابه، ومضى يركض، ثم عاد إلي. # ثم قال: يقول لك أمير المؤمنين: يا فاسق، ألم يكن لك في السابق القديم من ~~فعلك كفاية تحولك عما كان منك في هذه الليلة، التي وثب فيها علي ابن عائشة ~~وابن الأفريقي، ومن يتابعهما، وأضرابهم، حتى اضطروني إلى أن ركبت ms427 إلى ~~المطبق لمحاربتهم، حتى أظفرني الله، جل وعز، بهم، فقتلتهم، وأنا ملحقك بهم، ~~فاحتج لنفسك، إن كانت لك حجة، وإلا فإنك لاحق بهم. # فعلمت أن الرسالة ممن غلب عليه النبيذ، وأني أحتاج إلى إغضابه، حتى يغلب ~~غضبه السكر. # فقلت: يا أبا العباس، دمي في عنقك، فاتق الله. # ولا تقتلني. # PageV03P331 # فقال لي: يا هذا، ما الذي يتهيأ لي أن أعمل، وهل يمكنني دفع شيء يأمرني ~~به؟ فقلت: لا، وإني أريد أن أحقن دمي، بأن تؤدي عني ما تسمعه مني، وإنما ~~تقتلني، إذا أجبته بجواب، فأديت عني غيره، تقديرا منك، أنه أصلح وأدعى إلى ~~سلامتي، فلا يتلقى قولك بالقبول، فأد قولي كما أقول. # فقال أحمد بن أبي خالد: علي عهد الله، أن أؤدي ما تقول. # قال: فقلت: تقول له: يا أمير المؤمنين، إن كنت تعقل، فأنت تعلم أني أعقل، ~~فما أشك أنه سيستعيد منك هذا القول، فأعده. # وتقول له: يقول لك: يا أمير المؤمنين، استترت منك، وأنت خارج عن البلد، ~~وأنا نافذ الأمر فيه، ومعي عالم من الناس، وأثب بك في مدينتك، ومدينة ~~آبائك، وأنا أسير في سرب ابن أبي خالد، مع نفر محبسين، مثقلين بالحديد؟ هذا ~~ما لا يقبله عاقل. # فأدى أحمد رسالته إلى المأمون، فقال: صدق، فاردده إلى موضعه. # فركض أحمد إلي، وهو ينادي: سلامة سلامة، والحمد لله رب العالمين، وانصرف ~~إلى منزله. # قال ابن عبدوس: فأقام فيه، إلى أن انصرف المأمون؛ لنكاح بوران، فأشخصه ~~معه إلى فم الصلح، وسألته بوران بنت الحسن بن سهل، فرضي عنه. # PageV03P332 ### || جيء بإبراهيم بن المهدي وهو مذنب وخرج وهو مثاب # وحدثني أبو العلاء الدلال البصري، بها، قال: حدثني أبو نصر بن أبي دؤاد، ~~قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: كنت يوما عند المأمون، وقد جاءوه بإبراهيم ~~بن المهدي، وفي عنقه ساجور، وفي رجله قيدان، فوقف بين يدي المأمون. # فقال له: هيه، يا إبراهيم، إني استشرت في أمرك، فأشير علي بقتلك، فرأيت ~~ذنبك يقصر عن واجب حق عمومتك. # فقال: يا أمير المؤمنين، أبيت أن تأخذ ms428 حقك إلا من حيث عودك الله، تعالى، ~~وهو العفو عن قدرة. # فقال المأمون: مات، والله، الحقد، عند هذا العذر، يا غلام، لا يتخلف أحد ~~من أهل المملكة عن الركوب بين يديه عشر بدر، وعشرة تخوت ثياب. # قال: ما رأيت إنسانا جيء به وهو مذنب، فخرج وهو مثاب، وأهل المملكة بين ~~يديه، إلا هو. # PageV03P333 ### || قبض على إبراهيم بن المهدي وهو بزي امرأة # وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي الحنطبي: أن إبراهيم بن المهدي، لما طال ~~استتاره من المأمون؛ ضاق صدره، فخرج ليلة من موضع كان فيه مستخفيا، يريد ~~موضعا آخر، في زي امرأة، وكان عطرا. # فعرض له حارس، فلما شم منه رائحة الطيب؛ ارتاب به، فكلمه، فلم يجب، فعلم ~~أنه رجل، فضبطه. # فقال له: خذ خاتمي، فثمنه ثلاثون ألف درهم وخلني، فأبى، وعلق به، وحمله ~~إلى صاحب الشرطة، فأتى به المأمون. # فلما أدخل داره، وعرف خبره؛ أمر بأن يدخل إليه، إذا دعي، على الحال التي ~~أخذ عليها. # ثم جلس مجلسا عاما، وقام خطيب بحضرة المأمون، يخطب بفضله، وما رزقه الله، ~~جلت عظمته، من الظفر بإبراهيم. # PageV03P334 # وأدخل إبراهيم بزيه، فسلم على المأمون، وقال: يا أمير المؤمنين، إن ولي ~~الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناولته يد الاغترار، بما ~~مد له من أسباب الرجاء، لم يأمن عادية الدهر، ولست أخلو عندك من أن أكون ~~عاقلا، أو جاهلا، فإن كنت جاهلا فقد سقط عني اللوم من الله، تعالى، وإن كنت ~~عاقلا، فيجب أن تعلم أن الله، عز وجل، قد جعلك فوق كل ذي عفو، كما جعل كل ~~ذي ذنب دوني، فإن تؤاخذ؛ فبحقك، وإن تعف؛ فبفضلك، ثم قال: # ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه # فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بحلمك عنه # إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه # وقال: # أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت للعفو أهل # فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل # قال: فرق له المأمون، وأقبل على أخيه أبي إسحاق وابنه العباس والقواد، # PageV03P335 # وقال: ما ترون في أمره؟ فقال بعضهم: يضرب ms429 عنقه. # وقال البعض: تقطع أطرافه، ويترك إلى أن يموت، وكل أشار بقتله، وإن ~~اختلفوا في القتلة. # فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما تقول أنت، يا أحمد؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن قتله؛ وجدت مثلك قد قتل مثله، وإن عفوت عنه؛ لم تجد مثلك قد ~~عفا عن مثله، فأي أحب إليك؛ أن تفعل فعلا تجد لك فيه شريكا، أو أن تنفرد ~~بالفضل؟ فأطرق المأمون طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: أعد علي ما قلت، يا أحمد، ~~فأعاد. # فقال المأمون: بل ننفرد بالفضل، ولا رأي لنا في الشركة. # فكشف إبراهيم المقنعة عن رأسه، وكبر تكبيرة عالية، وقال: عفا، والله، ~~أمير المؤمنين عني، بصوت كاد الإيوان أن يتزعزع منه، وكان طويلا، آدم، جعد ~~الشعر، جهوري الصوت. # فقال له المأمون: لا بأس عليك، يا عم، وأمر بحبسه في دار أحمد بن أبي ~~خالد. # فلما كان بعد شهر؛ أحضره المأمون، وقال له: اعتذر عن ذنبك. # فقال: يا أمير المؤمنين، ذنبي أجل من أن أتفوه معه بعذر، وعفو أمير ~~المؤمنين أعظم من أن أنطق معه بشكر، ولكني أقول: # PageV03P336 # تفديك نفسي أن تضيق بصالح ... والعفو منك بفضل جود واسع # إن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع # ملئت قلوب الناس منك مهابة ... وتظل تكلؤهم بقلب خاشع # فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع # ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والدة بقلب جازع # رد الحياة إلي بعد ذهابها ... كرم المليك العادل المتواضع # فقال له المأمون: لا تثريب عليك، يا عم، قد عفوت عنك، فاستأنف الطاعة ~~متحرزا من الظنة، يصف عيشك، وأمر بإطلاقه، ورد عليه ماله وضياعه، فقال ~~إبراهيم يشكره في ذلك: # رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # فأبت عنك وقد خولتني نعما ... هما الحياتان من موت ومن عدم # فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي # ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم # وقام علمك بي فاحتج ms430 عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم # فإن جحدتك ما أوليت من نعم ... إني لباللؤم أولى منك بالكرم # فقال المأمون: إن من الكلام كلاما كالدر، وهذا منه، وأمر لإبراهيم بخلع ~~ومال، قيل: إنه ألف ألف درهم. # وقال له: يا إبراهيم، إن أبا إسحاق وأبا عيسى أشارا علي بقتلك. # PageV03P337 # فقال إبراهيم: ما الذي قلت لهما، يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: إن ~~قرابته قريبة، ورحمه ماسة، وقد بدأنا بأمر، وينبغي أن نستتمه، فإن نكث ~~فالله مغير ما به. # قال إبراهيم: قد نصحا لك، ولكنك أبيت إلا ما أنت أهله، يا أمير المؤمنين، ~~ودفعت ما خفت، بما رجوت. # فقال المأمون: قد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي عنك ~~أنني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين. # PageV03P338 ### || إن من أعظم المحنة أن تسبق أمية هاشما إلى مكرمة # وحدثني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني علي بن سليمان الأخفش، ومحمد بن ~~خلف بن المرزبان، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوي؛ يعنيان: أبا العباس ~~المبرد، قال: حدثنا الفضل بن مروان، قال: لما دخل إبراهيم بن المهدي على ~~المأمون وقد ظفر به؛ كلمه بكلام كان سعيد بن العاص كلم به معاوية بن أبي ~~سفيان في سخطة سخطها عليه، واستعطفه به، وكان المأمون يحفظ الكلام. # فقال له المأمون: هيهات يا إبراهيم، هذا كلام قد سبقك به، فحل بني العاص ~~وقارحهم سعيد بن العاص، خاطب به معاوية. # فقال له إبراهيم: وأنت إن عفوت عني؛ فقد سبقك، فحل بني حرب، وقارحهم إلى ~~العفو، ولم تكن حالي في ذلك، أبعد من حال سعيد عند معاوية، فإنك أشرف منه، ~~وأنا أشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى معاوية، وإن من أعظم المحنة ~~أن تسبق أمية هاشما إلى مكرمة. # فقال له: صدقت، يا عم، وقد عفوت عنك. # PageV03P339 ### || لما قدم للقتل تماسك فلما عفي عنه بكى # وجدت في بعض الكتب: أنه لما حصل إبراهيم بن المهدي في قبضة المأمون؛ لم ~~يشك هو وغيره في أنه مقتول، فأطال حبسه في مطمورة، ms431 بأسوإ حال وأقبحها. # قال إبراهيم: فأيست من نفسي، ووطنتها على القتل، وتعزيت عن الحياة، حتى ~~صرت أتمني القتل؛ للراحة من العذاب، وما أؤمله في الآخرة، من حصول الثواب. # فبينا أنا كذلك؛ إذ دخل علي أحمد بن أبي خالد مبادرا، فقال: اعهد، فقد ~~أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك. # فقلت: أعطني دواة وقرطاسا، فكتبت وصية، ذكرت فيها كلما احتجت إليه، ~~وأسندتها إلى المأمون، وشكلة والدتي، وتوضأت، فتطوعت ركعات، ومضى أحمد. # وفرغت من الصلاة، وجلست أتوقع القتل، فعاد إلي أحمد بعد ساعتين، # PageV03P340 # فقال: أمير المؤمنين، يقرؤك السلام، ويقول لك: أنا أحمد الله، جلت عظمته، ~~الذي وفقني لصلة رحمك، والصفح عنك، وقد أمنك، ورد عليك نعمتك، وجميع ضياعك ~~وأملاكك، فانصرف إلى دارك. # قال: فبدأت أدعو للمأمون، وغلب البكاء علي والانتحاب، وهو يطالبني ~~بالجواب، وأنا غير متمكن منه. # فقال لي أحمد: لقد رأيت منك عجبا، أخبرتك أني أمرت بضرب عنقك، فلم تجزع، ~~ولم تبك، ثم أخبرتك بتفضل أمير المؤمنين عليك، وصفحه عنك، فلم تتمالك من ~~البكاء. # فقلت له: أما السكوت عند الخبر الأول؛ فلأني لم أتوسم، منذ ظفر بي، أن ~~أسلم من القتل، فلما ورد علي ما لم أشك فيه؛ لم أجزع له، ولم أبك. # وأما بكائي عند الخبر الثاني، فوالله العظيم، شأنه ما هو عن سرور ~~بالحياة، ولا لرجوع النعمة، وما بكائي إلا لما كان مني في قطيعة رحم من ~~عنده، بعد استحقاقي منه القتل، مثل هذا الصفح الذي لم يسمع في جاهلية ولا ~~إسلام، بأن أحدا أتى بمثله، فقد حاز أمير المؤمنين الثواب من الله، تعالى، ~~في صلة رحمه، وبؤت أنا بالإثم في قطيعة رحمي، وقد أظهر إحسانه إساءتي، ~~وحلمه جهلي، وفضله نقصي، وجوابي هو ما شاهدت وسمعت. # فرجع أحمد إلى المأمون فأخبره، ثم عاد إلي بمال وخلع، ومركوب، فانصرفت ~~إلى داري ونعمتي. # PageV03P341 ### || قال المأمون لقد حبب إلي العفو حتى خفت أن لا أؤجر عليه # ووجدت الخبر على خلاف هذه الرواية، فأخبرني أبو الفرج الأموي، المعروف ب: ~~الأصبهاني، قال: أخبرني علي بن سليمان ms432 الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد ~~النحوي، عن الجاحظ، قال: أرسل إلي ثمامة، يوم حبس المأمون إبراهيم بن ~~المهدي، وأمر بإحضار الناس على مراتبهم، فحضروا، وجيء بإبراهيم. # قال أبو الفرج، وأخبرني عمي، قال: حدثني الحسن بن عليل، قال: حدثني محمد ~~بن عمرو الأنباري، من أنبار خراسان، قال: لما ظفر المأمون بإبراهيم المهدي؛ ~~أحب أن يوبخه على رءوس الأشهاد، فأمر بإحضار الناس على مراتبهم، وجيء ~~بإبراهيم يرسف في قيوده، فوقف على طرف البساط في طرف الإيوان، يحجل في ~~قيوده. # فقال: السلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله، تعالى، وبركاته. # فقال له المأمون: لا سلم الله عليك، ولا كلأك، ولا حفظك، ولا رعاك. # فقال له إبراهيم: على رسلك، يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي الثأر، # PageV03P342 # والقدرة تذهب الحفيظة، وقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب، كما أصبح عفوك فوق كل ~~عفو، ولم يبق إلا عفوك، أو انتقامك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك، وأنت ~~للعفو أقرب. # فأطرق المأمون مليا، ثم رفع رأسه، فقال: إن هذين أشارا علي بقتلك؛ يعني: ~~أخاه المعتصم، وابنه العباس، وكانا يشيران عليه في معظم تدبير الخلافة ~~والسياسة. # فقال إبراهيم: لقد نصحا لك، يا أمير المؤمنين، فيما أشارا عليك به، وما ~~غشاك، إذ كان مني ما كان، ولكن الله، عز وجل، عودك في العفو عادة جريت ~~عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله كل مكروه، ودفع عنك كل محذور. # قال: فتبسم المأمون، وأقبل على ثمامة، وقال: إن من الكلام ما يفوق الدر، ~~ويغلب السحر، وكلام عمي منه، أطلقوه، وفكوا عن عمي حديده، وردوه إلي مكرما. # فلما رد إليه؛ قال: يا عم، صر إلي المنادمة، وارجع إلى الأنس، فلن ترى ~~مني أبدا إلا ما تحب، فلقد حبب إلي العفو، حتى خفت أن لا أؤجر عليه، أما ~~أنه لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة؛ لتقربوا إلينا بالذنوب، لا ~~تثريب اليوم عليك، يا عم، يغفر الله لنا ولك، ولو لم يكن في حق نسبك ما ~~يبلغ الصفح عن إساءتك، ms433 ولو لم يكن في حق قرابتك، ما يستحق العفو عن جرمك؛ ~~لبلغت ما أملت بحسن تنصلك، ولطف توصلك، ثم أمر برد ضياعه وأمواله إليه. # فلما كان من الغد؛ بعث إليه إبراهيم درجا، فيه هذه الأبيات: # PageV03P343 # يا خير من ذملت يمانية به ... بعد الرسول لآيس أو طامع # والله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيف راكع # قسما وما أدلي إليه بحجة ... إلا التضرع من مقر خاشع # ما إن عصيتك والغواة تمد لي ... أسبابها إلا بقلب طائع # حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردي على حفر المهالك هائع # لم أدر أن لمثل ذنبي غافرا ... فأقمت أرقب أي حتف صارعي # رد الحياة علي بعد ذهابها ... عفو الإمام القادر المتواضع # أحياك من ولاك أطول مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع # إن الذي قسم الفضائل حازها ... في صلب آدم للإمام السابع # كم من يد لك لا تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي # أسديتها عفوا إلي هنيئة ... فشكرت مصطنعا لأكرم صانع # ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع # وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع # إلا العلو عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاشع # قال: فبكى المأمون، ثم قال: علي به، فخلع عليه، وأمر له بخمسة آلاف درهم، ~~وكان ينادمه، لا ينكر منه شيئا. # PageV03P344 ### || إذا رميت أصابني سهمي # قال أبو الفرج، وروى بعض هذا الخبر، محمد بن الفضل الهاشمي، فقال فيه: ~~لما فرغ المأمون من خطابه؛ دفعه إلى أحمد بن أبي خالد الأحول، وقال له: هو ~~صديقك، فخذه إليك. # فقال: ما يغني هذا عنه، وأمير المؤمنين ساخط عليه، أما وإني وإن كنت ~~صديقا له، لا أمتنع من قول الحق به. # فقال له: قل، فإنك غير متهم. # فقال: هو يريد التسلق إلى أن تعفو عنه، فإن قتلته؛ فقد قتلت الملوك قبلك ~~من كان أقل جرما منه، وإن عفوت عنه؛ عفوت عمن لم يعف قبلك أحد عن مثله. # فسكت المأمون ساعة، ثم تمثل بهذه الأبيات: # فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت ms434 لأوهنن عظمي # قومي هموا قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # قال مؤلف هذا الكتاب: وروى أبو تمام الطائي، هذين البيتين في اختياراته ~~التي سماها: الحماسة، وقدم البيت الثاني على الأول. # رجع الحديث إلى أبي الفرج، قال: فقال له المأمون: خذه إليك مكرما، فانصرف ~~به، ثم كتب إلى المأمون # PageV03P345 # قصيدته العينية، فلما قرأها رق له، وأمر برده إلى منزلته، ورد ما قبض من ~~أمواله وأملاكه. # PageV03P346 ### || إبراهيم بن المهدي يحتج لنفسه أمام المأمون # وحدثني علي بن هشام، المعروف ب: ابن أبي قيراط الكاتب البغدادي، قال: ~~حدثني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنباري الكاتب، المعروف ب: زنجي، ~~قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن ثوابة، قال: سمعت موسى بن عبد ~~الملك، يحدث عن أحمد بن يوسف الكاتب، قال: كنت أشرب مع المأمون، وأنادمه، ~~وأنا أتقلد له ديوان المشرق وديوان الرسائل، قبل وزارتي له، وكنت كثيرا ما ~~أنادمه على الانفراد، وربما جمع بيني وبين اليزيدي، وإسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي. # فلما رضي عن إبراهيم بن المهدي ونادمه؛ صار لا يكاد يشرب مع غيره وغيري، ~~ويقتصر على استماع الغناء من وراء الستارة، وربما حضر إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي. # PageV03P347 # فنحن ذات يوم على شرب، ومعنا إسحاق، إذ غنى إبراهيم بن المهدي، فقال: # صونوا جيادكم واجلوا سلاحكم ... وشمروا إنها أيام من غلبا # فاستعاده المأمون مرارا، وبان لي في وجهه الغيظ والغضب، والهم، وزوال ~~الطرب، ولم يفطن إبراهيم. # وترك المأمون القدح الذي كان في يده، ونهض، فظنناه يريد الوضوء، ثم غاب. # فما شعرنا إلا وقد استدعانا إلى مجلس آخر، فإذا هو جالس على سرير ~~الخلافة، بقلنسوة، وثياب الهيبة، وبين يديه إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وجلة ~~القواد. # PageV03P348 # فاستدعى إبراهيم بزيه، فحضر بأخس صورة وأقبحها، وعليه ثياب المنادمة، ~~يفضحه بذلك. # فلما وقف بين يديه؛ قال له: يا إبراهيم، ما حملك على الخروج علي، والخطبة ~~لنفسك بالخلافة. # قال أحمد بن يوسف: وقد كنت لما أبطأ المأمون عن مجلس الشرب؛ تعرفت ~~الصورة، فلما استدعاني؛ جئت وقد لبست ثياب العمل، نزعت ms435 ثياب المنادمة. # فلما سأل إبراهيم عن ذلك، في مثل ذلك المجلس؛ علمت أن الصوت قد ذكره ما ~~كان من إبراهيم، ولم أشك في أنه سيقتله. # فأقبل عليه إبراهيم بوجه صفيق، وقلب ثابت، فقال: يا أمير المؤمنين لست ~~أخلو من أن أكون عندك عاقلا، أو جاهلا، فإن كنت جاهلا، فقد سقط عني اللوم، ~~من الله، تعالى، ثم منك، وإن كنت عاقلا؛ فيحسن أن تعلم أني قد علمت أن ~~محمدا أخاك مع أمواله وذخائره، وأموال والدته، وكثرة ضياعها وصنائعها، ~~والأعمال التي كانت في يده وارتفاعها، ومحبة بني هاشم له، لم يثبت لك، وهو ~~الخليفة، وأنت أمير من أمرائه، فكيف أثبت أنا لك؟ وأنا في قوم أكثر رزق ~~الرجل منهم ثلاثون درهما في الشهر، وقد غلبني على بغداد ابن أبي خالد ~~العيار وأصحابه، يقطعون، ويضربون، ويحبسون، ويطلقون، ووالله، جل شأنه، وحق ~~رسول الله، حق جدي العباس، ما دخلت فيما دخلت فيه، إلا لأبقي هذا الأمر ~~عليك، وعلى أهل بيتك، لما رأيت الفضل بن سهل قد حمله البطر والرفض على أن ~~أخرج الخلافة عنك، فأردت ضبط الأمر، إلى أن تقدم فتتسلمه. # قال: فرأيت المأمون وقد أسفر وجهه، وقال: علي بنافذ الخادم، فأحضر. # PageV03P349 # فقال له: رقعة سلمتها إليك بمرو، قبل رحيلي عنها، وأمرتك بحفظها، هاتها. # فمضى، وجاء بسفط، ففتحه، وأخرج منه الرقعة، فإذا مكتوب فيها بخط المأمون: ~~لئن أظفرني الله، عز وجل، بإبراهيم بن المهدي، لأسألنه بحضرة الأولياء، ~~والخاصة من أهل بيتي وأجنادي، عن السبب الذي دعاه إلى الخروج علي، فإن ما ~~ذكر أنه إنما أراد بذلك حفظ الأمر على أهل بيتي؛ لما جرى في أمر علي بن ~~موسى؛ لأخلين سبيله، ولأحسنن إليه، ولئن ذكر غير ذلك من العذر، كائنا ما ~~كان؛ لأضربن عنقه. # قال أحمد بن يوسف: ولم يكن بحضرته كاتب غيري، فدفعها إلي، وقال: يا أحمد، ~~ادفعها إليه. # ثم قال: يا عم، خذ براءتك من أحمد، وعد إلى مجلسك الذي خلفتك فيه. # قال: فسلمت الرقعة إليه، وعدنا إلى مجلسنا وموضعنا، فطرح إبراهيم نفسه ms436 ~~مغشيا عليه. # فما شعرنا إلا والمأمون قد رجع بثياب بذلته، فقمنا وجلسنا مجلسنا، وقال: ~~ارجعوا إلى ما كنا عليه، وأتممنا يومنا ذلك معه. # PageV03P350 ### || المأمون ينصب صاحب خبر على إبراهيم بن المهدي # قال أبو الفرج، وفي خبر عمي، عن الحسن بن عليل، قال: حدثني محمد بن إسحاق ~~الأشعري، عن أبي داود، قال: إن المأمون، تقدم إلى محمد بن داود، لما أطلق ~~إبراهيم، وأمره أن يمنع إبراهيم من داري الخاصة والعامة، ووكل رجلا من ~~قبله، يثق به؛ ليعرفه أخباره، وما يتكلم به. # فكتب إليه المتوكل يوما: إن إبراهيم، لما بلغه منعه من داري الخاصة ~~والعامة، تمثل بهذين البيتين: # يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حيام به ... مشرد عن طريق الماء مطرود # قال: فلما قرأها المأمون بكى، وأمر بإحضاره من وقته مكرما، وإجلاسه في ~~مرتبته، فصار إليه محمد، فبشره، وأمره بالركوب، فركب. # فلما دخل على المأمون؛ قبل البساط، وأنشأ يقول: # البر بي منك وطا العذر عندك لي ... فيما أتيت فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندي لي ... مقام شاهد عدل غير متهم # PageV03P351 # تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم # فقال له: اجلس، يا عم، آمنا مطمئنا، فلست ترى مني ما تكره، إلا أن تحدث ~~حدثا، وأرجو أن لا يكون منك ذلك، إن شاء الله، تعالى. # PageV03P352 ### || ما بقاء جلدة تنازعها ملكان # وجدت في بعض الكتب: أن كسرى أبرويز، ركب يوما فرسه الشبديز، فتلكأ عليه، ~~فجذب عنانه، فانقطع. # فاستحضر صاحب السروج، وقال: يكون عنان مثلي ضعيفا ينقطع؟ اضربوا عنقه. # فقال: أيها الملك، اسمع، وانصف. # قال: قل. # قال: ما بقاء جلدة يتنازعها ملكان، ملك الناس، وملك الدواب. # فقال كسرى: زه، زه، أطلقوا عنه، وأعطوه اثنى عشر ألف درهم. # PageV03P355 ### || أنظر كيف كانت عاقبة الظالمين # وذكر محمد بن عبدوس، في كتابه (الوزراء) ، عن محمد بن يزيد، قال: أمرني ~~عمر بن عبد العزيز بإخراج قوم من السجن، فأخرجتهم، وتركت يزيد بن أبي مسلم ~~كاتب ms437 الحجاج، فحقد علي، ونذر دمي. # فإني بإفريقية، إذ قيل: قدم يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، صارفا لمحمد ~~بن يزيد، مولى الأنصار، من قبل يزيد بن عبد الملك، وكان ذلك بعد وفاة عمر ~~بن عبد العزيز، فهربت منه، وعلم بمكاني، فطلبني، فظفر بي. # فلما دخلت إليه؛ قال: لطالما سألت الله أن يمكنني منك. # فقلت: وأنا، والله، لطالما سألت الله، عز وجل، أن يعيذني منك. # فقال يزيد: ما أعاذك الله مني، والله لأقتلنك، ولو سابقني ملك الموت إلى ~~قبض روحك؛ لسبقته. # ثم دعا بالسيف والنطع، فأتي بهما، وأمر بي، فأقمت في النطع، وكتفت، وشد ~~رأسي، وقام ورائي رجل بسيف منتضى، يريد أن يضرب عنقي، وأقيمت الصلاة. # فقال: أمهلوه، حتى أصلي، وخرج إلى الصلاة. # PageV03P356 # فلما سجد؛ أخذته السيوف، فقتل، ودخل إلي من حل كتافي ورأسي، وخلى سبيلي، ~~فانصرفت سالما. # PageV03P357 ### || أمر الرشيد بأسيرين فقطعا عضوا عضوا ثم مات # وذكر محمد بن عبدوس، في كتابه (الوزراء) ، قال: لما سار الرشيد إلى طوس، ~~واشتدت علته؛ اتصل خبره بالأمين، فوجه ببكر بن المعتمر، ودفع إليه كتبا إلى ~~الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح، وغيرهما، يأمرهم بالقفول إلى بغداد، إن ~~حدثت الحادثة بالرشيد، والاحتياط على ما في الخزائن، وحمله. # وقد كان الرشيد جدد الشهادة للمأمون بجميع ما في عسكره، من مال، # PageV03P358 # وأثاث، وخرثي، وكراع، وغير ذلك. # فلما ورد بكر بن المعتمر على الرشيد؛ أوصل كتبا ظاهرة كانت معه، بعيادة ~~الرشيد. # وكانت الكتب الباطنة، قد اتصل خبرها بالرشيد، فأحضر بكرا، وطالبه بالكتب ~~الباطنة، فجحدها. # قال: فذكر عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: حدثني أبي، قال: كنت مع ~~الرشيد بطوس، لما ثقل في علته، وقد ورد بكر بن المعتمر، والمأمون حينئذ ~~بمرو، وقد ظفر الرشيد بأخي رافع بن الليث، فأحضر في ذلك اليوم، ومعه قرابة ~~له. # فخلع الرشيد على بكر، وصرفه إلى منزله، ثم أمر بإحضاره، ومطالبته بالكتب ~~الباطنة، فجحدها، فأمر بحبسه. # ثم جلس الرشيد جلوسا عاما، في مضرب خز أسود، استدارته أربع مائة ذراع، في ~~أركانه ms438 أربع قباب، مغشاة بخز أسود، وهو جالس في فازة خز أسود، في وسط ~~المضرب، والعمد كلها سود، وقد جعل مكان الحديد فضة، والأوتاد # PageV03P359 # والحبال كلها سود، وعليه جبة خز سوداء، وتحتها فروة فنك، قد استشعره؛ لما ~~هو فيه من شدة البرد والعلة، وفوقها دراعة خز أسود، مبطنة بفنك، وقلنسوة ~~طويلة، وعمامة خز سوداء، وهو عليل لما به، وخلف الرشيد خادم يمسكه؛ لئلا ~~يميل ببدنه، والفضل بن الربيع جالس بين يديه. # فقال للفضل: مر بكرا بإحضار ما معه من الكتب السرية. # فأنكرها، وقال: ما كان معي إلا الكتب التي أوصلتها. # فقال للفضل: توعده، وأعلمه أنه إن لم يمتثل؛ قتلته، فأقام بكر على ~~الإنكار. # فقال الرشيد، بصوت خفي: قنبوه، فجيء ببكر، وجيء بالقنب، وقنب من فرقه إلى ~~قدمه. # قال بكر: فأيقنت بالقتل، ويئست من نفسي، وعلمت على الإقرار. # فأنا على ذلك، وإذا قد أحضر هارون أخا رافع، وقرابته الذي كان معه. # PageV03P360 # فقال الرشيد: أيتوهم رافع أنه يفلت مني، والله، لو كان معه عدد نجوم ~~السماء؛ لالتقطتهم واحدا بعد واحد، حتى أقتلهم عن آخرهم. # فقال الرجل: الله، الله، يا أمير المؤمنين، في، فإن الله، تعالى، يعلم، ~~وأهل خراسان، أني بريء من أخي منذ عشرين سنة، ملازم منزلي ومسجدي، فاتق ~~الله في، وفي هذا الرجل. # فقال له قرابته: قطع الله لسانك، أنا، والله، منذ كذا وكذا أدعو الله ~~بالشهادة، فلما رزقتها على يدي شر خلقه؛ أخذت في الاعتذار. # قال: فاغتاظ الرشيد، وقال: علي بجزارين. # فقال له قرابة رافع: افعل ما شئت، فإنا نرجو من الله، تعالى، أن يرزقنا ~~الشهادة، ونقف نحن وأنت، بين يدي الله، عز وجل، في أقرب مدة، فتعلم كيف ~~يكون حالك. # فنحيا، وأمر بهما، فقطعا عضوا، عضوا، فوالله، ما فرغ منهما، حتى توفي ~~الرشيد. # قال بكر: وأنا أتوقع القتل بعدهما، حتى أتاني غلام لأبي العتاهية، قد بعث ~~به مولاه، وكتب في راحته شيئا أرانيه، فإذا هذه الأبيات: # هي الأيام والغير ... وأمر الله منتظر # أتيئس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر؟ # PageV03P361 # قال: ms439 فوثقت بالله، وقويت نفسي، ثم سمعت واعية لا أفهم معناها، وإذا الفضل ~~بن الربيع قد أقبل إلي. # فقال: خلوا أبا حامد. # فقلت: ليس هذا وقت تكنيتي، فحللت، ودعا لي بخلع، فخلعت علي. # ثم قال: أعظم الله أجرك في أمير المؤمنين، وأخذ بيدي، وأدخلني بيتا، فإذا ~~الرشيد مسجى فيه، فكشفت عن وجهه، فلما رأيته ميتا؛ سكنت. # فقال: هيه، هات الكتب الباطنة التي معك. # قال: فأحضرت صندوقا للمطبخ قد نقبت قوائمه، وجعلت الكتب فيها، وجعلت ~~الجلد فوقها، فأمرت بشق الجلد، وكسر القوائم، وسلمت الكتب إلى أصحابها، ~~وأخذت الأجوبة، وانصرفت. # قال مؤلف هذا الكتاب: وقد أتى أبو الحسين القاضي في كتابه بهذين البيتين، ~~لأبي العتاهية، من غير أن يذكر القصة، وزاد بين البيت الأول والبيت الثاني ~~بيتا، وهو: # فلا تجزع وإن عظم ... البلاء ومسك الضرر # وذكر أبو بكر الصولي هذا الخبر، في كتابه المسمى ب: كتاب (الأوراق) ، ~~الداخل فيما أجاز لي روايته، بعد ما سمعته منه، فقال: حدثني عبيد الله بن ~~عبد الله بن طاهر، قال: حدثني بعض أصحابنا، عن بكر بن المعتمر، وذكر نحو ~~ذلك، إلا شعر أبي العتاهية، فإنه ما ذكره، وقال: إن مضرب الرشيد أسود كله، ~~له شرف، كأنه جبل أسود، ولم يقل أن الرشيد في قبة خز، قال: والرشيد في فازة ~~خز سوداء، وعلى سريره دست خز أسود، وعليه جبة # PageV03P362 # سوداء، تحتها فنك، وقد لبسها بلا قميص، وهو مستند إلى مسند الدست. # قال: فخرج إلي الفضل، فحلني، وسلم علي، وكان لي صديقا. # وقال لي: أين كتبك على الحقيقة؟ فقلت: ما معي كتب. # فقال: إنه قد مات، وكأنه رآني لم أصدق ذلك، فأخذ بيدي، حتى وقفني عليه، ~~وهو ميت. # فقلت: ما أعجب هذا؟ فقال: إنه تحامل لك وللرجلين، فجلس وهو لا يطيق، وقد ~~خرق في السرير خرق ينجو منه، وتحت فراشه الأسود جاورس، والخدم قعود خلف ~~السرير، يسندون أطراف جنبه، ولولا مكانهم ما ثبت جالسا، فلما كلم الرجلين، ~~ورفع صوته وحرد؛ غشي عليه، فكأنه ذبالة أضاءت، ثم طفئت. # PageV03P363 ### || من سقوط ms440 الخاتم من اليد إلى عودته إليها سبعون فرجا # حدثني علي بن محمد الأنصاري الخطمي، قال: كنت أصحب محمد بن ينال ~~الترجمان، وكان بجكم بواسط، ومضى يريده، فانحدر بي معه إلى واسط، لما انحدر ~~بجكم إليها. # فاستخلف بجكم الترجمان بواسط، ومضى يريد قتال البريديين. # فلما صار بنهر جور؛ كتب إلى الترجمان: إنه قد صح عندي، أن رجلا من التجار ~~المقيمين في معسكرنا بواسط، يقال له: أبو أحمد بن غيلان الخزاز السوسي، ~~يكاتب البريديين بخبرنا، وأمر بالقبض عليه وقتله. # فقبضه الترجمان، وقيده وحبسه، وعرفه ما ورد في كتاب بجكم. # وكان للتاجر حرمة مع ابن ينال وكيدة، فورد عليه غم شديد من أن يقتل رجلا ~~له، به عناية وحرمة. # فقال له: أنا أعرض نفسي لبجكم، وأؤخر قتلك، وأكاتبه أسأله أن يقتصر على ~~أخذ مالك، ويعفو عن دمك، فلعله أن يفعل. # PageV03P369 # قال: ودخلت على الرجل في حبسه، وأخذت أطيب قلبه، وأعرفه أن الكتاب قد ~~بعثته إلى بجكم في أمره. # فأخرج خاتما كان في يده، وقال: يا أبا الحسن، من سقوط هذا الخاتم من يدي، ~~إلى عودته إليها، سبعون فرجا. # فما انقضى اليوم، حتى ورد الخبر بقتل بجكم، وأفرج الترجمان عن الرجل، ~~وتخلص سالما، وعاش بعد ذلك ثلاث سنين، وأكثر. # PageV03P370 ### || هاجه الحسد وقتله الطمع # حدثني إبراهيم بن علي بن سعيد بن علي زوبعة النصيبي المتكلم، قال: قال ~~جماعة من أهل نصيبين، إنه كان بها أخوان، ورثا عن أبيهما مالا عظيما جليلا، ~~فاقتسماه، فأسرع أحدهما في حصته حتى لم يبق معه شيء، واحتاج إلى ما في أيدي ~~الناس، وثمر الآخر حصته، فزادت. # وعرض له سفر في تجارته، فجاءه أخوه الفقير، وقال: يا أخي، إنك تحتاج إلى ~~أن تستأجر غلاما في سفرك، وأنا أحتاج إلى أن أخدم الناس، فاجعلني بدل غلام ~~تستأجره، فيكون ذلك أصون لي ولك. # فلم يشك الأخ أن أخاه قد تأدب، وأن هذا أول إقباله، وآثر أن يصون # PageV03P371 # أخاه، ورق عليه، فأخذه معه. # وكان للأخ الغني حمار فاره يركبه، وقد استأجر بغالا لأحماله، فأركب ms441 أخاه ~~أحدها، وركب هو أحدها، وأركب المكاري الحمار، وساروا. # فلما استمر بهم السفر؛ حصلوا في جبل في الطريق، وفيه كهف فيه عين ماء، ~~فقال الأخ الفقير للأخ الغني: لو نزلنا ههنا، وأرحنا دوابنا، وسقيناها من ~~هذا الماء، وأكلنا، ثم ركبنا؛ لكان أروح لنا. # فقال: افعل. # فنزل التاجر على باب الكهف الذي في الجبل، وأدخل متاعه إليه، وبسط ~~السفرة، وأخذ أخوه الفقير، والمكاري الدواب، ومضيا ليسقياها. # وانتظر التاجر أخاه، فاحتبس طويلا، ثم جاء وحده، وشد الدواب. # فقال له أخوه: يا أخي، ما قعادك، وأنا أنتظرك تأكل معي؟ فقال: حتى سقيت ~~الدواب. # فقال: وأين المكاري؟ فقال: قد نام في الجبل. # فقال: تعال، حتى نأكل. # فتركه ومضى، ثم عاد، وبيده حجارة يرمي بها أخوه، ويقول له: أستكتف، يابن ~~الفاعلة. # فقال له: ويحك، ما تريد؟ فقال: أريد قتلك، يابن الفاعلة، أخذت مال أبي، ~~فجعلته تجارة لك، وجعلتني غلامك. # قال: ورفسه، وألقاه على ظهره، ثم أوثقه كتافا، وأثخنه ضربا بالحجارة ~~وشجاجا، وصاح الرجل، فلم يجبه أحد. # PageV03P372 # وبرك أخوه الفقير على صدره، وكان في وسطه سكين عظيمة، في قراب لها، فرام ~~استخراجها من القراب ليذبحه بها، فتعسرت عليه، فقام عن صدر أخيه، وأعلا يده ~~اليسرى، وفيها السكين في قرابها، وجذبها بيده اليمين، وقد صار القراب مع ~~حلقه، فخرجت السكين بحمية الجذبة، فذبحته، فوقع يخور في دمه، ونزف إلى أن ~~مات، وجفت يده على السكين بعد موته، وهي فيها. # وحصل على تلك الصورة، وأخوه الغني مشدود، لا يقدر على الحركة، والسفرة ~~منشورة، والطعام عليها، والدواب مشدودة. # فأقام على تلك الصورة بقية يومه، وليلته، وقطعة من غده. # فاجتازت قافلة على المحجة، وكان بينها وبين الكهف بعد، فأحست البغال ~~بالدواب المجتازة، فصهلت، ونهق الحمار، وجذب الرسن، وجذبت البغال أرسانها، ~~فأفلتت، وغارت تطلب الدواب. # فلما رأى أهل القافلة دوابا غائرة؛ ظنوا أنها لقوم قد أسرهم اللصوص، ~~وكانوا في منعة، فتسارعوا إلى البغال. # فلما قصدوها؛ رجعت تطلب موضعها. # وتبعها قوم من أهل القافلة، حتى انتهوا إلى التاجر، وشاهدوه مكتوفا، ~~والسفرة منشورة، ms442 والأخ مذبوحا، وبيده السكين، فشاهدوا عجبا. # واستنطقوا الرجل، فأومأ إليهم أن لا قدرة له على الكلام، فحلوا كتافه، ~~وسقوه ماء، وأقاموا عليه إلى أن أفاق، وقدر على الكلام، فأخبرهم الخبر. # فطلبوا المكاري، فوجدوه غريقا في الماء، قد غرقه الأخ الفقير. # فحملوا أثقال التاجر على بغاله، وأركبوه على حماره، وسيروه معهم إلى ~~المنزل الآخر. # PageV03P373 ### || البغي مرتعه وخيم # وحدثني إبراهيم بن علي النصيبي، هذا، قال: حدثني أبو القاسم إبراهيم بن ~~علي الصفار، شيخ كان جارا لنا بنصيبين، قال: خرجت من نصيبين بسيف نفيس، كنت ~~ورثته من أبي، أقصد به العباس بن عمرو السلمي، أمير ديار ربيعة، وهو برأس ~~عين، لأهديه إليه، وأستجديه بذلك. # فصحبني في الطريق شيخ من الأعراب، فسألني عن أمري، فأنست به، وحدثته ~~الحديث، وكنا قربنا من رأس عين، ودخلناها، وافترقنا. # وصار يجيئني ويراعيني، ويظهر لي أنه يسلم علي، وأنه يبرني بالقصد، ~~ويسألني عن حالي. # فأخبرته أن الأمير قبل هديتي، وأجازني بألف درهم وثياب، وأني أريد الخروج ~~في يوم كذا وكذا. # فلما كان ذلك اليوم؛ خرجت عن البلد، راكبا حمارا، فلما أصحرت؛ إذا بالشيخ ~~على دويبة له ضعيفة، متقلدا سيفا. # فلما رأيته استربت به، وأنكرته، ورأيت الشر في عينيه. # فقلت: ما تصنع ههنا؟ # PageV03P374 # فقال: قد قضيت حوائجي، وأريد الرجوع، وصحبتك عندي آثر من صحبة غيرك. # فقلت: على اسم الله. # وما زلت متحرزا منه، وهو يجتهد أن أدنو منه وأوانسه، فلا أفعل، وكلما دنا ~~مني؛ بعدت عنه، إلى أن سرنا شيئا كثيرا، وليس معنا ثالث. # فقصر عني، فحثثت الحمار؛ لأفوته، فما أحسست إلا بركضه، فالتفت، فإذا هو ~~قد جرد سيفه، وقصدني، فرميت بنفسي عن الحمار، وعدوت. # فلما خاف أن أفوته؛ صاح: يا أبا القاسم، إنما مزحت معك، فقف، فلم ألتفت ~~إليه، وزاد في التحريك. # وظهر لي ناووس فطلبته، وقد كاد الأعرابي يلحق بي، فدخلت الناووس، ووقفت ~~وراء بابه. # قال: ومن صفات تلك النواويس أنها مبنية بالحجارة، وباب كل ناووس حجر واحد ~~عظيم، قد نقر، وحفف، وملس، فلا تستمكن اليد منه، وله ms443 في وجهه حلقة، وليس ~~للباب من داخل شيء تتعلق اليد به، وإنما يدفع من خارجه، فيفتح، فيدخل إليه، ~~وإذا خرج منه، وجذبت الحلقة، انغلق الباب، وتمكن هذا من ورائه، فلم يمكن ~~فتحه من داخل أصلا. # قال: فحين دخلت الناووس؛ وقفت خلف بابه، وجاء الأعرابي، فشد الدابة في ~~حلقة الباب، ودخل يريدني، مخترطا سيفه، والناووس مظلم، فلم يرني، ومشى إلى ~~صدر الناووس، فخرجت أنا من خلف الباب، وجذبته، ونفرت الدابة، فجذبته معي، ~~حتى صار الباب مردوما ومحكما # PageV03P375 # وحصلت الحلقة في رزة هناك، وحللت الدابة، وركبتها. # فجاء الأعرابي، إلى باب الناووس، فرأى الموت عيانا، فقال: يا أبا القاسم، ~~اتق الله في أمري، فإنني أتلف. # فقلت: تتلف أنت أهون علي من أن أتلف أنا. # قال: فأخرجني، وأنا أعطيك أمانا، واستوثق مني بالأيمان، أن لا أعرض لك ~~بسوء أبدا، واذكر الحرمة التي بيننا. # فقلت: لم ترعها أنت، وأيمانك فاجرة، لا أثق بها في تلف نفسي. # فأخذ يكرر الكلام، فقلت له: لا تهذ، دع عنك هذا الكلام، واقعد مكانك، ~~هوذا، أنا راكب دابتك، وأجنب حماري، والوعد بعد أيام بيننا هنا، فلا تبرح ~~علي حتى أجيء، وإذا احتجت إلى طعام، فعليك بجيف العلوج، فنعم الطعام لك. # وأخذت ألهو به في مثل هذا القول، وأخذ يبكي ويستغيث، ويقول: قتلتني، ~~والله. # فقلت: إلى لعنة الله، وركبت دابته، وجنبت حماري. # ووجدت على دابته خرجا فيه ثياب يسيرة، وجئت إلى نصيبين، فبعت الثياب، ~~وكانت دابته شهباء، فصبغتها دهماء وبعتها؛ لئلا يعرف صاحبها فأطالب بالرجل، ~~واتفق أنه اشتراها رجل من المجتازين، وكفيت أمره، وانكتمت القصة. # فلما كان بعد أكثر من سنة؛ عرض لي الخروج إلى رأس عين، فخرجت في # PageV03P376 # تلك الطريق، فلما لاح لي الناووس؛ ذكرت الشيخ. # فقلت: أعدل إلى الناووس، وأنظر ما صار إليه أمره، فجئت إليه، فإذا بابه ~~كما تركته. # ففتحته، ودخلت، فإذا بالأعرابي قد صار رمة، فحمدت الله، تعالى، على ~~السلامة. # ثم حركته برجلي، وقلت له على سبيل العبث: ما خبرك، يا فلان؟ فإذا بصوت ~~شيء يتخشخش، ففتشته، ms444 فإذا هميان، فأخذته، وأخذت سيفه، وخرجت، وفتحت ~~الهميان، فإذا فيه خمس مائة درهم، وبعت السيف بعد ذلك بجملة دراهم. # PageV03P377 ### || أبو المغيرة الشاعر يروي خبرا ملفقا # حدثني أبو المغيرة محمد بن يعقوب بن يوسف الشاعر البصري، قال: حدثني أبو ~~موسى عيسى بن عبد الله البغدادي، قال: حدثني صديق لي، قال: كنت قاصدا ~~الرملة وحدي، وما كنت دخلتها قط. # فانتهيت إليها وقد نام الناس، ودخل الليل، فعدلت إلى الجبانة، ودخلت بعض ~~القباب التي على القبور، فطرحت درقة، كانت معي، واتكأت عليها، وعانقت سيفي، ~~واضطجعت أريد النوم؛ لأدخل البلد نهارا. # قال: فاستوحشت من الموضع وأرقت، فلما طال أرقي؛ أحسست بحركة. # فقلت: لصوص يجتازون، ومتى تصديت لهم؛ لم آمنهم، ولعلهم أن يكونوا جماعة، ~~فانخزلت بمكاني، ولم أتحرك. # وأخرجت رأسي من بعض أبواب القبة، على تخوف شديد مني، فرأيت دابة كالذئب ~~تمشي، فإذا به قد قصد قبة بحيالي، وما زال يتلفت طويلا، # PageV03P378 # ويدور حواليها، ثم دخلها. # فارتبت به، وأنكرت أمره، وتطلعت نفسي إلى علم ما هو فيه. # فدخل القبة، وخرج غير مطيل، ثم جعل يتبصر، ثم دخل وخرج بسرعة، ثم دخل ~~وعيني إليه، فضرب بيده إلى قبر في القبة، يبعثره. # فقلت: نباش لا شك فيه، وتأملته يحفر بيده، فعلمت أن فيها آلة حديد يحفر ~~بها. # فتركته إلى أن اطمأن وأطال، وحفر شيئا كثيرا، ثم أخذت سيفي ودرقتي، ومشيت ~~على أطراف أناملي، حتى دخلت القبة، فأحس بي، فقام إلي بقامة إنسان، وأومأ ~~إلي ليلطمني بكفه، فضربت يده بالسيف، فأبنتها وطارت. # فقال: أوه، قتلتني، لعنك الله. # وعدا من بين يدي، وعدوت خلفه، وكانت ليلة مقمرة، حتى دخل البلد، وأنا ~~وراءه، ولست ألحقه، إلا أنه بحيث يقع بصري عليه. # إلى أن اجتاز بي طرقا كثيرة، وأنا في خلال ذلك أعلم الطريق لئلا أضل، حتى ~~جاء إلى باب، فدفعه ودخل وأغلقه، وأنا أسمع. # فعلمت الباب، ورجعت أقفو الأثر والعلامات التي علمتها في طريقي، حتى ~~انتهيت إلى القبة التي كان فيها النباش. # وطلبتا الكف فوجدتها، فأخرجتها إلى القمر، فبعد جهد ms445 انتزعت الكف المقطوعة ~~من الآلة الحديد، وإذا هي كف كالكف، وقد أدخل أصابعه في الأصابع، وإذا هي ~~كف فيها نقش حناء، وخاتمان من الذهب، فعلمت أنها امرأة. # PageV03P379 # فحين علمت أنها امرأة؛ اغتممت، وتأملت الكف، فإذا هي أحسن كف في الدنيا؛ ~~نعومة، ورطوبة، وسمنا، وملاحة. # فمسحت الدم عنها، ونمت في القبة التي كنت فيها، ودخلت البلد من الغد، ~~أطلب العلامات التي علمتها، حتى انتهيت إلى الباب. # فسألت: لمن الدار؟ فقالوا: لقاضي البلد. # واجتمع عليها خلق كثير، وخرج منها شيخ بهي، فصلى الغداة بالناس، وجلس في ~~المحراب، فازداد عجبي من الأمر. # فقلت لبعض الحاضرين: بمن يعرف هذا القاضي؟ فقال: بفلان. # وأطلت الجلوس والحديث في معناه، حتى عرفت أن له ابنة عاتقا، وزوجة، فلم ~~أشك في أن النباشة ابنته. # فتقدمت إليه، وقلت: بيني وبين القاضي، أعزه الله، حديث لا يصلح إلا على ~~خلوة. # فقام إلى داخل المسجد، وخلا بي، وقال: قل. # فأخرجت الكف، وقلت: أتعرف هذه؟ فتأملها طويلا، وقال: أما الكف فلا، وأما ~~الخاتمان، فمن خواتيم ابنة لي عاتق، فما الخبر؟ فقصصت عليه القصة بأسرها، ~~فقال: قم معي. # فأدخلني إلى داره، وأغلق الباب، واستدعى طبقا وطعاما، فأحضر. # PageV03P380 # واستدعى امرأته، فقال لها الخادم: اخرجي. # فقالت: قل له: كيف أخرج ومعك رجل غريب، فخرج الخادم، وأعلمه بما قالت. # فقال: لا بد من خروجها تأكل معنا، فهنا من لا أحتشمه. # فتأبت عليه، فحلف بالطلاق لتخرجن له، فخرجت باكية، وجلست معنا. # فقال لها: أخرجي ابنتك. # فقالت: يا هذا، أوقد جننت؟ ما الذي حل بك، قد فضحتني وأنا امرأة كبيرة، ~~فكيف تهتك صبية عاتقا؟ فحلف بالطلاق لتخرجنها، فخرجت. # فقال: كلي معنا، فرأيت صبية كالدينار، ما نظرت مقلتاي أحسن منها، إلا أن ~~لونها قد اصفر جدا، وهي مريضة. # فعلمت أن ذلك لنزف الدم من يدها، فأقبلت تأكل بشمالها، ويمينها مخبوءة. # فقال لها أبوها: أخرجي يدك اليمنى. # فقالت أمها: قد خرج بها خراج، هي مشدودة، فحلف لتخرجنها. # فقالت له امرأته: يا رجل، استر على نفسك وابنتك، فوالله، وحلفت له بأيمان ms446 ~~كثيرة، ما اطلعت لهذه الصبية على سوء قط إلا البارحة، فإنها جاءتني بعد نصف ~~الليل، فأيقظتني، وقالت: يا أمي، الحقيني، وإلا تلفت. # فقلت: ما لك؟ فقالت: إنه قد قطعت يدي، وهوذا أنزف الدم، والساعة أموت، ~~فعالجيني، وأخرجت يدها مقطوعة، فلطمت. # فقالت: يا أماه، لا تفضحيني ونفسك بالصياح عند أبي والجيران، وعالجيني. # فقلت: لا أدري بم أعالجك. # PageV03P381 # فقالت: اغلي زيتا، وأكوي به يدي. # ففعلت ذلك، وكويتها، وشددتها، وقلت لها: الآن خبريني ما دهاك، فامتنعت. # فقلت: والله، إن لم تحدثيني؛ لأكشفن أمرك لأبيك. # فقالت: إنه وقع في نفسي، منذ سنين، أن أنبش القبور، فتقدمت إلى هذه ~~الجارية، فاشترت لي جلد ماعز بشعره، واستعملت لي كفا من حديد. # فكنت إذا أعتم الليل، أفتح الباب، وآمرها أن تنام في الدهليز، ولا تغلق ~~الباب، وألبس الجلد، والكف الحديد، وأمشي على أربع، فلا يشك الذي يراني من ~~فوق سطح أو غيره، أنني كلب. # ثم أخرج إلى المقبرة، وقد عرفت من النهار، خبر من يموت من رؤساء البلد، ~~وأين دفن، فأقصد قبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، وأدخلها معي في الجلد، وأمشي ~~مشيتي، وأعود والباب غير منغلق، فأدخل، وأغلقه، وأنزع تلك الآلة، فأدفعها ~~إلى الجارية، مع ما قد أخذت من الأكفان، فتخبئه في بيت لا تعلمون به. # وقد اجتمع عندي نحو ثلاث مائة كفن، أو ما يقارب هذا المقدار، لا أدري ما ~~أصنع بها، إلا أني كنت أجد لهذا الخروج والفعل لذة لا سبب لها أكثر من ~~إصابتي بهذه المحنة. # فلما كانت الليلة؛ سلط علي رجل أحس بي، كأنه كان حارسا لذلك القبر، فقمت ~~لأضرب وجهه بالكف الحديد؛ ليشتغل عني، وأعدو، فداخلني # PageV03P382 # بالسيف؛ ليضربني، فتوقيت الضربة بيميني، فأبان كفي. # فقلت لها: أظهري أن قد خرج في كفك خراج، وتعاللي، فإن الذي بك من الصفار، ~~يصدق قولك. # فإذا مضت أيام؛ قلت لأبيك: إذا لم تقطع يدك، خبث جميع جسدك، وتلفت، فيأذن ~~في قطعها، فنظهر أنا قد قطعناها، ويشيع الخبر، حينئذ، بهذا، ويستتر أمرك. # فعملنا على هذا، بعد أن استتبتها، فتابت، ms447 وحلفت بالله العظيم، لا عادت ~~تفعل شيئا من ذلك. # وكنت قد حظر لي أن أبيع هذه الجارية إلى سفار، يغربها عن هذه البلد التي ~~نحن فيها، وأراعي مبيت الصبية، وأبيتها إلى جانبي، ففضحتنا ونفسك. # فقال القاضي للصبية: ما تقولين؟ فقالت: صدقت أمي، ووالله، لا عدت أبدا، ~~وأنا تائبة إلى الله، تعالى. # فقال لها أبوها: هذا صاحبك الذي قطع يدك، فكادت تتلف جزعا. # ثم قال لي: يا فتى، من أين أنت؟ قلت: من العراق. # قال: ففيم وردت؟ قلت: أطلب الرزق. # قال: قد جاءك حلالا طيبا، نحن قوم مياسير، ولله علينا نعمة وستر، فلا ~~تنقص النعمة، ولا تهتك الستر، أنا أزوجك بابنتي هذه، وأغنيك بمالي عن ~~الناس، وتكون معنا في دارنا. # فقلت: نعم. # فرفع الطعام، ثم خرج إلى المسجد، والناس مجتمعون ينتظرونه، فخطب، # PageV03P383 # وزوجني، وقام، فرجع، وأقعدني في الدار. # ووقعت الصبية في نفسي، حتى كدت أموت عشقا لها، فافترعتها، وأقامت معي ~~شهورا، وهي نافرة مني، وأنا أؤانسها، وأبكي حسرة على يدها، وأعتذر إليها، ~~وهي تظهر قبول عذري، وأن الذي بها غما على يدها، وهي تزداد حنقا علي. # إلى أن نمت ليلة، واستثقلت في نومي، فأحسست بثقل على صدري، فانتبهت جزعا، ~~فإذا زوجتي باركة على صدري، وركبتاها على يدي، مستوثقة منهما، وفي يدها ~~سكين، وقد أهوت لتذبحني، فاضطربت. # ورمت الخلاص، فتعذر، وخشيت أن تبادرني، فسكت، وقلت لها: كلميني، واعملي ~~ما شئت. # فقالت لي: قل. # فقلت: ما يدعوك إلى هذا؟ قالت: أظننت أنك قد قطعت يدي، وهتكتني، وتزوجني ~~مثلك، وتنجو سالما؟ والله لا كان هذا. # فقلت: أما الذبح، فقد فاتك؛ ولكنك تتمكنين من جراحات توقعينها بي، ولا ~~تأمنين أن أفلت، فأذبحك، وأهرب، أو أكشف هذا عليك، ثم أسلمك إلى السلطان، ~~فتنكشف جنايتك الأولى والثانية، ويتبرأ منك أبوك وأهلك، وتقتلين. # فقالت: افعل ما شئت، لا بد من ذبحك، وقد استوحش الآن كل منا من صاحبه. # فنظرت، فإذا الخلاص منها بعيد، ولا بد من أن تجرح موضعا من بدني، فيكون ~~فيه تلفي. # PageV03P384 # فقلت: ليس إلا العمل ms448 في حيلة، فقلت لها: أوغير هذا؟ . # قالت: قل. # قلت: أطلقك الساعة، وتفرجين عني، وأخرج غدا عن البلد، فلا أراك، ولا ~~تريني أبدا، ولا يكشف لك حديث في بلدك، ولا تفتضحي، وتزوجين بمن شئت، فقد ~~شاع أن يدك قطعت بخراج خبثها، وتربحين الستر. # قالت: لا أفعل، حتى تحلف لي أنك لا تقيم في البلد، ولا تفضحني أبدا، ~~وتعجل لي الطلاق. # فطلقتها، وحلفت لها بالأيمان المغلظة أني أخرج، ولا أفضحها، فقامت عن ~~صدري تعدو؛ خوفا من أن أقبض عليها، حتى رمت الموسى من يدها، بحيث لا أدري ~~أين هو، وعادت. # وأخذت تظهر أن الذي فعلته بي مزاحا، وأخذت تلاعبني، فقلت: إليك عني، فقد ~~حرمت علي، ولا تحل لي ملامستك، وفي غد أخرج عنك. # فقالت: الآن علمت صدقك، ووالله، لئن لم تفعل؛ لا نجوت من يدي، وقامت ~~فجاءتني بصرة، وقالت: هذه مائة دينار، خذها نفقة لك، واكتب رقعة بطلاقي، ~~واخرج غدا. # فأخذت الدنانير، وخرجت من سحرة ذلك اليوم، بعد أن كتبت إلى أبيها، أنني ~~قد طلقتها ثلاثا، وأنني خرجت حياء منه. # ولم ألتق معهم إلى الآن. # PageV03P385 ### || لا جزاك الله من طارق خيرا # حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد الكاتب، المعروف والده ب: أبي الليث ~~الهمذاني، قال: حدثني محمد بن بديع العقيلي، قال: رأيت فتى من بني عقيل، في ~~ظهره كله شرط كشرط الحجام، إلا أنها أكبر، فسألته عن سبب ذلك. # فقال: إني كنت هويت ابنة عم لي، وخطبتها، فقالوا لي: إنا لا نزوجك إياها، ~~إلا بعد أن تجعل الشبكة صداقها، وهي فرس سابقة كانت لبعض بني بكر بن كلاب. # فتزوجتها على ذلك، وخرجت أحتال في أن أسل الفرس؛ لأتمكن من الدخول بابنة ~~عمي. # قال: فأتيت الحي الذي فيه الفرس، بصورة مجتاز، فما زلت أداخلهم، ومرة ~~أجيء إلى الخباء الذي فيه الرجل صاحب الفرس، كأني سائل، إلى أن عرفت مربط ~~الفرس من الخباء، ورأيت لها مهرة. # فاحتلت حتى دخلت البيت من كسره، وحصلت خلف النضد تحت عهن، كانوا نفشوه ~~ليغزل، فلما جن الليل؛ وافى ms449 صاحب البيت، وقد صنعت له المرأة عشاء، فجلسا ~~يأكلان، وقد استحكمت الظلمة، ولا # PageV03P386 # مصباح لهم، وكنت ساغبا، فأخرجت يدي، وأهويت إلى القصعة، وأكلت معهما. # فأحس الرجل بيدي، فأنكرها، وقبض عليها، فقبضت على يد المرأة بيدي الأخرى. # فقالت له المرأة: ما لك ويدي؟ فظن أنه قابض على يد المرأة، فخلى يدي، ~~فخليت يد المرأة. # وأكلنا، ثم أنكرت المرأة يدي، وقبضت عليها، فقبضت على يد الرجل، فقال ~~لها: ما لك ويدي؟ فخلت عن يدي، وخليت عن يده. # وانقضى الطعام، واستلقى الرجل، ونام، فلما استثقل، وأنا مراصدهم، والفرس ~~مقيد، ومفتاح قيد الفرس تحت رأس المرأة. # فوافى عبد له أسود، فنبذ حصاة، فانتبهت المرأة، وقامت إليه، وتركت ~~المفتاح في مكانه، وخرجت من الخباء إلى ظهر البيت ورمقتها بعيني، فإذا ~~العبد قد علاها. # فلما حصلا في شأنهما؛ دببت، فأخذت المفتاح، وفتحت القفل، وكان معي لجام ~~مصنوع من شعر، فأوجرته الفرس، وركبتها، وخرجت عليها من الخباء. # فقامت المرأة من تحت الأسود، ودخلت الخباء، ثم صاحت، وذعر الحي، فصاحوا، ~~وأحسوا بي، وركبوا في طلبي، وأنا أكد الفرس، وخلفي خلق منهم. # فأصبحت، ولست أرى إلا فارسا واحدا برمح، فلحقني وقد طلعت الشمس، فأخذ ~~يطعنني، فلا تصل طعنته إلى أكثر مما رأيت من ظهري، لا فرسه تلحق بي فتتمكن ~~طعنته مني، ولا فرسي تبعدني إلى حيث لا يمسني الرمح. # حتى وافيت إلى نهر جار، فصحت بالفرس، فوثبته، وصاح الفارس # PageV03P387 # بفرسه، فلم تثب. # فلما رأيت عجزها عن العبور، نزلت عن فرسي لأستريح، وأريحها، فصاح بي ~~الرجل. # فقلت: ما لك؟ فقال: يا هذا، أنا صاحب الفرس التي تحتك، وهذه ابنتها، فإذا ~~أخذتها، فلا تخدعن عنها، فإنها تساوي عشر ديات، وعشر ديات، وعشر ديات، وما ~~طلبت عليها شيئا قط إلا لحقته، ولا طلبني أحد، وأنا عليها، إلا فته، وإنما ~~سميت الشبكة؛ لأنها لم ترد شيئا قط إلا أدركته فكانت كالشبكة في التعلق به. # فقلت له: أما إذ نصحتني، فوالله لأنصحنك، ولا أكذبك، إنه كان من أمري ~~البارحة، كيت وكيت، حتى قصصت عليه ms450 قصة امرأته، والعبد، وحيلتي في الفرس. # فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه إلي، وقال: ما لك، لا جزاك الله من طارق خيرا، ~~أخذت قعدتي، وقتلت عبدي، وطلقت ابنة عمي. # PageV03P388 ### || من زرع الإثم حصد الدمار # وحدثني عبيد الله بن محمد بن الحفا، قال: حدثني رجل من أهل الجند، قال: ~~خرجت من بعض بلدان الشام، وأنا على دابة لي، ومعي خرج لي، فيه ثياب ودراهم. # فلما سرت عدة فراسخ؛ لحقني المساء، وإذا بدير عظيم، فيه راهب في صومعة. # فنزل واستقبلني، وسألني المبيت عنده، وأن يضيفني، ففعلت. # فلما دخلت الدير؛ لم أجد فيه غيره، فأخذ دابتي، وطرح لها شعيرا، وعزل ~~رحلي في بيت، وجاءني بماء حار، وكان الزمان شديد البرد، وأوقد بين يدي ~~نارا، وجاءني بطعام طيب، من أطعمة الرهبان، فأكلت، وبنبيذ فشربت. # ومضت قطعة من الليل، فأردت النوم، فقلت: أدخل المستراح، قبل أن أنام، ~~فسألته عنه، فدلني على طريقه، وكنا في غرفة. # فلما صرت على باب المستراح، إذا بارية مطروحة، فلما صارت رجلاي # PageV03P389 # عليها نزلت، فإذا أنا في الصحراء، وإذا البارية قد كانت مطروحة على غير ~~تسقيف. # وكان الثلج يسقط في تلك الليلة سقوطا عظيما، فصحت، وقدرت أن الذي استمر ~~علي من غير علمه، فما كلمني. # فقمت وقد تجرح بدني، إلا أني سالم، فجئت، واستظللت بطاق باب الدير من ~~الثلج. # فما وقفت حينا حتى رأيت فيه برابخ من فوق رأسي، وقد جاءتني منها حجارة، ~~لو تمكنت من دماغي لطحنته. # فخرجت أعدو، وصحت به، فشتمني، فعلمت أن ذلك من حيلته؛ طمعا في رحلي. # فلما خرجت؛ وقع الثلج علي، فعلمت أني تالف إن دام ذلك علي، فولد لي الفكر ~~أن طلبت حجرا فيه ثلاثون رطلا وأكثر، فوضعته على عاتقي تارة، وعلى قفاي ~~تارة، وأقبلت أعدو في الصحراء أشواطا، حتى إذا تعبت، وحميت وجرى عرقي؛ طرحت ~~الحجر، وجلست أستريح خلف الدير، من حيث يقع لي أن الراهب لا يراني. # فإذا أحسست بأن البرد قد بدأ يأخذني؛ تناولت الحجر، وسعيت من الدير، ولم ~~أزل على هذا إلى ms451 الغداة. # فلما كان قبيل طلوع الشمس، وأنا خلف الدير؛ إذ سمعت حركة بابه، فتخفيت. # فإذا بالراهب قد خرج، وجاء إلى موضع سقوطي، فلما لم يرني دار حول الدير ~~يطلبني، ويقول، وأنا أسمعه: ترى، ما فعل الميشوم؟ أظن أنه قدر أن # PageV03P390 # بالقرب منه قرية، فقام يمشي إليها، كيف أعمل؟ فاتني سلبه، وأقبل يمشي ~~يطلب أثري. # قال: فخالفته إلى باب الدير، وحصلت داخله، وقد مشى هو من ذلك المكان ~~يطلبني حول الدير، فحصلت أنا خلف باب الدير، وقد كان في وسطي سكين، فوقفت ~~خلف الباب، فطاف الراهب، ولم يبعد. # فلما لم يقف لي على خبر؛ عاد ودخل، فحين بدأ ليرد الباب، وخفت أن يراني؛ ~~ثرت عليه، ووجأته بالسكين، فصرعته، وذبحته. # وأغلقت باب الدير، وصعدت إلى الغرفة، فاصطليت بنار موقودة هناك، هناك، ~~ودفئت، وخلعت عني تلك الثياب، وفتحت خرجي، فلبست منه ثيابا جافة، وأخذت ~~كساء الراهب، فنمت فيه، فما أفقت إلى قريب من العصر. # ثم انتبهت وأنا سالم، غير منكر شيئا من نفسي، فطفت بالدير، حتى وقفت على ~~طعام، فأكلت منه، وسكنت نفسي. # ووقعت مفاتيح بيوت الحصن في يدي، فأقبلت أفتح بيتا بيتا، فإذا بمال عظيم ~~من عين، وورق، وثياب، وآلات، ورحال قوم، وأخراجهم. # وإذا تلك عادة الراهب كانت مع كل من يجتاز به وحيدا، ويتمكن منه، فلم أدر ~~كيف أعمل في نقل المال، وما وجدته. # فليست ثياب الراهب، وأقمت في موضعه أياما، أتراءى لمن يجتاز بالموضع من ~~بعيد، فلا يشكون أنني هو، وإذا قربوا مني لم أبرز بهم وجهي، إلى أن خفي ~~خبري. # ثم نزعت تلك الثياب، ولبست من بعض ثيابي، وأخذت جواليق، فملأتها # PageV03P391 # مالا، وحملتها على الدابة، ومشيت، وسقتها إلى أقرب قرية، واكتريت فيها ~~منزلا، ولم أزل أنقل إليها كلما وجدته، حتى لم أدع شيئا له قدر إلا حصلته ~~في القرية. # ثم أقمت بها إلى أن اتفقت لي قافلة، فحملت على دواب اشتريتها، كل ما كنت ~~قد حصلت في المنزل. # وسرت في جملة الناس بقافلة عظيمة لنفسي، بغنيمة هائلة، حتى قدمت ms452 بلدي، ~~وقد حصلت لي عشرات ألوف دراهم ودنانير، وسلمت من الموت. # PageV03P392 ### || ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسن العبقسي الشاعر، قال: كان ~~لأبي مملوك، يسمى: مقبلا، فأبق منه، ولم يعرف له خبر سنين كثيرة، ومات أبي ~~وتغربت عن بلدي، ووقعت إلى نصيبين، وأنا حدث حين اتصلت لحيتي، وأنا مجتاز ~~يوما في سوق نصيبين، وعلي لباس فاخر، وفي كمي منديل فيه دراهم كثيرة، حتى ~~رأيت غلامنا مقبلا. # فحين رآني انكب على يدي يقبلها، وأظهر سرورا شديدا بي، وأقبل يسألني عن ~~أبي وأهلنا، فأعرفه موت من مات، وخبر من بقي. # ثم قال لي: يا سيدي، متى دخلت إلى ههنا، وفي أي شيء؟ فعرفته، فأخذ يعتذر ~~من هربه منا. # ثم قال: أنا مستوطن ههنا، وأنت مجتاز، فلو أنعمت علي وجئت في دعوتي، فأنا ~~أحضر لك نبيذا طيبا، وغناء حسنا. # فاغتررت به، بالصبا، ومضيت معه، حتى بلغ بي إلى آخر البلد، إلى دور خراب، ~~ثم انتهى إلى دار عامرة، مغلقة الباب، فدق، ففتح له، فدخل ودخلت. # فحين حصلت في الدهليز؛ أغلق الباب بسرعة، واستوثق منه، فأنكرت # PageV03P393 # ذلك، ودخلت الدار، فإذا بثلاثين رجلا بالسلاح، وهم جلوس على بارية، فلم ~~أشك في أنهم لصوص، وأيقنت بالشر. # وبادرني أحدهم، فلطمني، وقال: انزع ثيابك، فطرحت كل ما كان علي، حتى بقيت ~~بسراويل، فحلوا الدراهم التي كانت في منديلي، وأعطوا مقبلا شيئا منها، ~~وقالوا: امض، فهات لنا بهذا ما نأكله ونشربه. # فتقدم مقبل، وسار واحدا منهم، فقال له مجيبا: وأي شيء يفوتنا من قتله، ~~امض فجئنا بما نأكله، فإنا جياع. # فلما سمعت ذلك كدت أموت جزعا، فقال لهم الغلام، مظهرا للكلام: ما أمضي، ~~أو تقتلوه. # فقلت لهم: يا قوم، ما ذنبي حتى أقتل، قد أخذتم ما معي، ولستم ترثوني إذا ~~قتلتموني، ولا لي حال عير ما أخذتموه، فالله الله في. # ثم أقبلت أستعطف مقبلا، وهو لا يجيبني، ويقول لهم: إنكم إن لم تقتلوه، ~~حتى يفلت؛ دل السلطان عليكم، فتقتلون كلكم. # قال: ms453 فوثب إلي أحدهم بسيف مسلول، وسحبني من الموضع الذي كنت فيه إلى ~~البالوعة؛ ليذبحني. # وكان بقربي غلام أمرد، فتعلقت به، وقلت: يا فتى، ارحمني، وأجرني، فإن سنك ~~قريب من سني، واستدفع البلاء من الله، تعالى، بخلاصي. # فوثب الغلام، وطرح نفسه علي، وقال: والله لا يقتل وأنا حي، وجرد سيفه. # وقام أستاذه بقيامه، وقال: لا يقتل من أجاره غلامي. # PageV03P394 # واختلفوا، وصار مع الغلام جماعة منهم، فانتزعوني، وجعلوني في زاوية من ~~البيت الذي كانوا فيه، ووقفوا بيني وبين أصحابهم. # فقال لهم رئيسهم: كفوا عن الرجل إلى أن ننظر في أمره، وشتم مقبلا، وقال: ~~تمض، فهات ما نأكله قبل كل شيء، فإنا جياع، وليس يفوتنا قتله، إن اتفقنا ~~عليه. # فمضى مقبل، وجاءهم بمأكول كثير، وجلسوا يأكلون، وترك جماعة منهم الأكل ~~حراسة لي؛ لئلا يغتالني أحدهم إذا تشاغلوا بالأكل. # فلما أكلوا؛ انفرد بعض من كان يتعصب لي بحراستي، وأكل من لم يكن أكل ~~منهم. # ثم أفضوا إلى الشراب، فقال لهم مقبل: الآن قد أكلتم، وترك هذا يؤدي إلى ~~قتلكم، فدعوا الخلاف في أمره، واقتلوه. # فوثب من يريد قتلي، وثب الغلام، ومن معه؛ للدفع عني، وطال الكلام بينهم، ~~وأنا في الزاوية، وقد اجتمع علي من يمنع من قتلي، فصرت بينهم وبين الحائط، ~~إلى أن جرد بعضهم السيوف على بعض. # فقال لهم رئيسهم: هذا الذي أنتم فيه يؤدي إلى تلفكم، وقد رأيت رأيا فلا ~~تخالفوه. # فقالوا: إنا بأمرك. # فقال: أغمدوا السلاح، واصطلحوا، ونشرب إلى وقت نريد أن نخرج من هذه ~~الدار، ثم نكتفه، ونسد فاه، وندعه في الدار، وننصرف، # PageV03P395 # فإنه لا يتمكن من الخروج وراءنا، ولا الصياح علينا. # وإلى أن نصبح من غد، نكون قد قطعنا مفازة، ولا يجرح بعضكم بعضا، ولا ~~تتفرق كلمتكم. # فقالوا: هذا هو الصواب، وجلسوا يشربون. # وجاء الغلام ليشرب معهم، فقلت له: الله الله في، تمم ما عملت من الجميل، ~~ولا تشرب معهم، واحرسني؛ لئلا يثب علي واحد منهم على غفلة، فيضربني ضربة ~~يكون فيها تلف نفسي، ثم لا تتمكن أنت من ms454 ردها، ولا ينفعني أن تقتل قاتلي. # فرحمني، وقال: أفعل، ثم قال لأستاذه: أحب أن تترك شربك الليلة، فتفعل كما ~~أفعل. # فجاءا جميعا فجلسا قدامي، وأنا في الزاوية، أتوقع الموت ساعة بساعة، إلى ~~أن مضى من الليل قطعة. # وقام القوم فتحزموا، ولبسوا ثيابهم، وخرجوا، وبقي الغلام وأستاذه. # فقالا لي: يا فتى، قد علمت أننا قد خلصنا دمك، فلا تكافئنا بقبيح، وهوذا ~~نخرج، ولا نستحسن أن نكتفك، فاحذر أن تصيح. # فأخذت أقبل أيديهما وأرجلهما، وأقول: أنتما أحييتماني بعد الله، تعالى، ~~فكيف أكافئكما بالقبيح؟ فقالا: قم معنا، فقمت، ففتشنا الدار، حتى علمنا أنه ~~لم يختبئ فيها أحد يريد قتلي. # ثم قالا لي: قد أمنت، فإذا خرجنا فاستوثق من الباب ونم وراءه، فليس يكون ~~إلا خيرا، وخرجا. # فاستوثقت من غلق الباب، ثم جزعت جزعا عظيما، ولم أشك أنه يخرج علي # PageV03P396 # من تحت الأرض منهم من يقتلني، وزاد علي الفزع، فأقبلت أمشي في الدار، ~~وأدعو، وأسبح، إلى أن كدت أتلف إعياء. # وأنست باستمرار الوقت على السلامة، وحملتني عيني، فنمت، فلم أحس إلا ~~بالشمس وحرارتها، على وجهي، من باب البيت. # فقمت، وخرجت أمشي وأنا عريان بسروايلي، إلى أن حصلت في الموضع الذي كنت ~~أسكنه. # وما حدثت أحدا بهذا الحديث مدة، لبقية الفزع الذي داخلني منهم في قلبي. # ثم بعد انقضاء سنة، أو قريب منها، كنت يوما عند صاحب الشرطة بنصيبين؛ ~~لصداقة كانت بينه وبين أبي، فما لبث أن حضر من عرفه عثور الطوف على جماعة ~~من اللصوص، بقرية سماها، من قرى نصيبين، وقبضه على سبعة نفر منهم، وفوت ~~الباقين، فأمر بإحضارهم. # فوقع بصري منهم على ذلك الغلام الذي أجارني ذلك اليوم، وعلى أستاذه، ثم ~~على مقبل. # فحين رأيتهم أخذتني رعدة تبينت في، وأخذ مقبل، من بينهم، مثل ما أخذني. # فقال لي صاحب الشرطة: ما لك؟ فقلت: إن حديثي طويل، ولعل الله، تعالى، ~~أراد بحضوري هذا المجلس، سعادة نفر، وشقاوة نفر. # فقال: هات. # فأقتصصت عليه قصتي مع القوم إلى آخرها، فتعجب، وقال: هلا شرحتها لي فيما ~~قبل، ms455 حتى كنت أطلبهم، وأنتصف لك منهم. # PageV03P397 # فقلت: إن الفزع الذي كان في قلبي منهم لم يبسط لساني به. # فقال: من الذي كان معك من هؤلاء؟ فقلت: هذا الغلام، وأستاذه، وواحد من ~~الباقين، فأمر بحل كتافهم، وتمييزهم من بين أصحابهم. # ودعا بمقبل، فقال له: ما حملك على ما فعلت بابن مولاك؟ فقال: سوء الأصل، ~~وخبث العرق. # فقال: لا جرم تقابل بفعلك، وأمر به فضرب عنقه، وأعناق أصحابه الباقين. # ودعا بالغلام، وأستاذه، وصاحبهما، وقال لهما: لقد أحسنتما في فعلكما ~~ودفعكما عن هذا الفتى، فالله يجزيكما عن فعلكما الخير، فتوبا إلى الله من ~~فعلكما، وانصرفا في صحبة الله مع صاحبكما، ولا تعودا إلى ما أنتما عليه من ~~التلصص، فقد مننت عليكما لحسن صنيعكما بهذا الفتى، فإن ظفرت بكما ثانيا؛ ~~ألحقتكما بأصحابكما. # فتابا وصاحبهما، وشكروا له، ودعوا، وانصرفوا. # وشكرته أنا أيضا على ما فعل، وحمدت الله على توفيقي لقضاء حق من أجارني، ~~والانتقام ممن ظلمني. # ثم صار ذلك الغلام وأستاذه من أصدقائي، وكانا يختلفان إلي، ويقولان: قد ~~أقبلنا على حرفنا في السوق، وتركنا التلصص. # PageV03P398 ### || الجناذية والبانوانية في الهند # وحكى أبو الحسن محمد بن عمر بن شجاع المتكلم البغدادي، قال: رأيت بالهند ~~قوما، يقال لهم: الجناذية، يأكلون الميتة، يتقذرهم جميع أهل الهند، وعندهم ~~أنهم إن لامسوهم تنجسوا. # قال: فهم يمشون وفي أعناقهم طبول يطبلون بها؛ ليسمع أصواتها الناس، ~~فيتنحون عن طريقهم، فإن لم يتنح الرجل عند سماع الطبل؛ فلا شيء على ~~الجناذي، وإن لم يضرب الجناذي الطبل، حتى يلاصق جسده جسد غيره؛ قتله الذي ~~لصق جسده، فلا يعدى عليه؛ لأن هذا هو شرطهم وسنتهم. # قال: ولا يشرب أحد ماء هؤلاء الجناذية، ولا يأكلون من طعامهم، ولا ~~يخالطهم، فهم ينزلون في ظاهر البلد، منفردين ناحية، وهم أرمى الناس، ~~ومعاشهم من الصيد. # وهناك قوم، يقال لهم: البانوانية، يجرون مجرى المستقفين ههنا، والسلطان ~~يطلبهم كما يطلب اللصوص والعيارين، فإذا عرفهم، وظفر بهم؛ قتلهم. # PageV03P399 # وهم يصطادون الناس، ولا يعرفون غير ذلك. # والواحد منهم يتبع التجار الذين يطرءون إليهم من ms456 المسلمين والذمة، فإذا ~~رأى الواحد منهم الواحد من التجار في طريق خال؛ قبض عليه، فلا يمكن لأحد من ~~الناس أن يخلصه؛ لعلمهم أنه إذا استغاث، أو نطق، قتله الهندي، وقتل نفسه في ~~الحال، لا يبالي بذلك؛ لاعتقادهم المشهور في أمر القتل، ويراهم الناس قد ~~أخلوا الرجل، فلا يتعرضون لتخليصه؛ لئلا يقتله. # ويقول لهم الرجل المأخوذ: الله الله، إن عارضتموه، فلا يمكن لسلطان، ولا ~~غيره، انتزاعه منهم في تلك الحال؛ لئلا يعجل بقتله. # قال: فأخبر رجل بالهند، أن رجلا من البانوانية قبض في طريق سفره، على رجل ~~لقيه من التجار. # فقال له: اشتر نفسك مني، فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم. # فقال له التاجر: تعلم أني خرجت ولا شيء معي، ومالي في البلد، فتصير معي ~~إلى داري فإنها قريبة؛ لأؤدي لك ذلك. # فأجابه، وقبض عليه بيده، فلم يزل يمشي معه، فاجتازا في طريقهما في سكة ~~منها، فسلكا فيها. # فحين حصلا فيها، فكر التاجر في حيلة للخلاص، وكان قد عرف مذهب أهل الهند ~~في الجناذية، فلم يزل يمشي معه حتى رأيا بابا مفتوحا من دور الجناذية، فجذب ~~يده جذبة شديدة من البانواني، وسعى، فدخل دار الجناذي. # فقال له: ما لك؟ قال: أنا مستجير بك من يد بانواني، قد صادني فهربت منه. # PageV03P400 # فقال: لا بأس عليك، فاجلس. # فصاح البانواني، يا جناذي، اخرج إلي، وهم لا يدخلون بيوت الجناذية أصلا؛ ~~لاستقذراهم إياهم. # قال: فخرج، فوقف، وبينهما عرض الطريق لا يجوز أن يدنو أحد من صاحبه. # فقال البانواني: أعطني صاحبي. # فقال له الجناذي: قد استجار بي، فتهبه لي. # قال: لا أفعل، هذا رزقي، وإن لم تعطنيه؛ لم ندع من الجناذية واحدا إلا ~~قتلناه. # فطال بينهما الكلام، إلا أن قال له الجناذي: أسلمه إليك في الصحراء، فامض ~~واسبقني إلى الموضع الفلاني. # قال: فمضى البانواني، ودخل الجناذي إلى الرجل، فقال له: أخرج معي الساعة، ~~ولا بأس عليك، وأخذ الجناذي قوسه وخمسة سهام، قال: وسهامهم من قصب. # فعلق المسلم بكم الجناذي، ولصق به؛ علما منه بأن ms457 البانواني لا يدنو منه. # فلما صاروا في الصحراء؛ قال له الجناذي: تهبه لي، وأجتهد به، فلم يفعل. # قال: فإني لا أسلمه إليك، حتى لا يبقى معي شيء من السلاح. # قال: فشأنك، ففوق نحوه سهما، فحين أطلقه؛ تلقاه البانواني بحربي كان معه، ~~والحربي آلة من السلاح عندهم معروفة، فاعترض السهم به، فقطعه نصفين، وسلم ~~منه. # فتحير الجناذي، فلم يزل يرميه بنشابة بعد أخرى، إلى أن ذهب النشاب، # PageV03P401 # ولم يبق معه إلا اثنتان. # فضعفت نفس التاجر، وأيقن بالهلاك، وقال للجناذي: الله الله في دمي. # فقال له الجناذي: لا تخف، سأريك من رميي ما يتحدث به، انظر إلى هذا ~~الطائر الذي يطير في السماء، فإني أرميه، فأصرعه على رأسك، ثم أرميك فلا ~~أخطئك. # قال: فرفع البانواني رأسه، ينظر إلى الطائر، فرماه الجناذي، فأصاب فؤاده، ~~فخر صريعا، ومات. # فقال للتاجر: ارجع الآن آمنا. # فرجع إلى داره، فأقام عنده إلى أن اجتازت بهم صحبة، فمضى التاجر معها، ~~فوصل إلى مأمنه. # PageV03P402 ### || عصبت عيناه ومد عنقه ورفع السيف على رأسه ثم نجا من القتل # حدثني الحسن بن محمد الحناني، قال: حدثني أبو القاسم نصر المعروف ~~بالمايني الذي كان يتقلد السكر ببغداد في أيام عضد الدولة وتاج الملة، رضي ~~الله عنه. # قال القاضي أبو علي: وأنا أعرف هذا الرجل، وهو باق إلى الآن، وما اتفق لي ~~أن أسأله عن هذا الخبر. # قال: كان عضد الدولة، رحمه الله، وهو صبي بالغ، صار من أصبهان إلى فارس، ~~استدعاه عمه عماد الدولة علي بن بويه لينقل إليه ولاية عهده، ويستخلفه ~~عليها من بعده، فسرت معه، وأنا معه إذ ذاك أحجبه. # فلما صار بسمارم، منزل من الطريق، أمرني أن أصير إلى كركير والي سمارم من ~~قبل أبيه ركن الدولة، رحمه الله، وأطالبه بأن ينفذ إلى حضرته اثني عشر رجلا ~~من الأكراد، كانوا محبسين في يد كركير، وكان خبرهم قد بلغ عضد الدولة، ~~فأرادهم. # PageV03P403 # فامتنع كركير من إنفاذهم، وقال: هؤلاء قطاع الطريق، قد قطعوا وقتلوا، ولا ~~أسلمهم إلا بأمر يرد علي من ركن ms458 الدولة، فجئت إليه وعرفته. # فمضيت، فأقام الرجل على الامتناع من تسليمهم، فعدت إلى عضد الدولة ~~فأخبرته. # فاغتاظ من ذلك، وأمرني أن أكسر الحبس، وأجيئه بالأكراد، فامتثلت أمره، ~~وأحضرتهم المضرب، وأعلمته. # فأمرني أن أمضي أنا وحاجب آخر من حجابه، سماه، لنقتلهم. # فحملناهم إلى موضع، وأمرنا، فقتل منهم ثلاثة. # وقدم الرابع فرماه ذلك الحاجب بخشت، كان في يده، فنبا عنه، ولم يعمل فيه، ~~فتقدم بشد عينيه، وشرب رقبته بالسيف، فشددت عينيه بمنديل خاز، حضرهم في ~~الحال. # فلما رفع السياف يده ليحطها على المضرب؛ استرخى المنديل فوقع على المضرب ~~فغطاه. # فقال السياف: ارفعوا المنديل. # فأومأت بطرف عصا كانت في يدي، على رسم الحجاب، لأزيل المنديل، فيتمكن ~~السياف من الضربة، فإذا رسول عضد الدولة يسعى ويقول: لا تقتلوا القوم. # فتوقفنا، ومضيت إلى حضرته، وعرفته صورة من قتل ومن بقي، وما اتفق # PageV03P404 # في أمر الرجل، فتعجب من أمره. # وأمر به، فأحضرته إليه، وكشف عن موضع الخشت حتى رآه، وكان في كتفه، فإذا ~~هو قد انتفخ واخضر، ولم يدخل في لحمه، فازداد تعجبه، وأمر بإطلاقه، وأن ~~يخلع عليه وعلى الجماعة، ففعل ذلك بهم. # PageV03P405 ### || عباد المؤنث يربح الرهان ويحيي نفسا ميتة # حدثني عثمان بن محمد السلمي، المعروف ب: أبي القاسم الأصفر، غلام أبي ~~الحسن بن عبد السلام الهاشمي البصري، قال: كان عندنا بالمربد، رجل من خول ~~محمد بن سليمان الهاشمي، يدعى ب: عباد، وكان مؤنثا، وكان يحمل السلاح. # فاجتمع يوما مع قوم من الخول على شراب لهم، فتجاذبوا حديث الشجاعة، ~~فعابوه بما فيه من التأنيث، فخاطرهم في شيء يعمله، مما يفرضون عليه، يبين ~~به عن شجاعته. # فقالوا: تخرج الساعة بغير سلاح إلى صهاريج الحجاج، فتدخل منها في الصهريج ~~الفلاني، وتسمر في أرضه هذا الوتد، وتعود. # قال القاضي أبو علي، مؤلف هذا الكتاب: وهذه الصهاريج على أكثر من فرسخ من ~~البصرة، في البرية، وقد شاهدتها، وهي موحشة المكان، خالية، يجتمع فيها ~~الماء، كان الحجاج قد عملها مادة لشرب أهل الموسم والقوافل، ومن يرد من ~~المسافرين. # نرجع إلى الخبر. ms459 # قال فأخبرني عباد، قال: خرجت، وليس معي إلا وتد ومطرقة، حتى بلغت الصهريج ~~الذي خاطرت عليه، وكان أعظمهم، وأوحشها. # PageV03P406 # فدخلته، وكان جافا، وجلست فضربت الوتد بالمطرقة في أرضه، فطن الصهريج، ~~وسمعت صلصلة شديدة، وصوت سلسلة. # فقطعت الدق، فانقطع الصوت، وأعدت الدق، فعاد الصوت، وظهرت حركة معه، وأنا ~~ثابت القلب، أتأمل ولا أرى شيئا من الظلمة. # إلى أن أحسست بالحركة والصوت قد قربا مني، فتأملت، فإذا بشخص لطيف، لا ~~يشبه قدر خلقة الإنسان، فاستوحشت. # وثبت نفسي، وأنا أدق، والشخص يقرب مني، حتى وثبت، وألقيت نفسي عليه، ~~واستوثقت منه. # فإذا هو قرد في عنقه سلسلة، فظننت أنه قد أفلت من قراد، أو من قافلة ~~فسحبته، فلان في يدي، وأنس بي، فأخذته على يدي وساعدي، وجئت أريد باب ~~الصهريج. # فلما بلغته سمعت كلاما، فخشيت أن يكون بعض من يطلبني في العصبية هناك، ~~فوقفت أستمع. # فإذا كلام امرأة مع رجل، وهي تقول له: يا فلان، ويحك، أتقتلني؟ أتذبحني؟ ~~أتبلغ بي الموت؟ اتق الله في. # وهو يقول: الذنب كله لك، وأنت أذنت لهم في أن يزوجوك، ولو أبيت؛ ما قدر ~~أبوك أن يزوجك، وإنما فعلته مللا بي، وأنا تالف، وأنت تتنعمين، والله ~~لأذبحنك، أستكتفي يا ابنة الفاعلة الصانعة. # قال: فنظرت، فإذا ظهره إلى باب الصهريج، فصحت عليه صيحة عظيمة، # PageV03P407 # وضربت قفاه بالقرد، ففزع القرد على نفسه، فقبض على عنق الرجل، وتمكن من ~~ظهره. # فورد على الرجل ما حيره، وأفزعه، وذهب بعقله، فخر مغشيا عليه، ووقع السيف ~~من يده، فأخذته، ورأيت الجحفة مطروحة، فأخذتها. # وقصدت الرجل، فثاب إليه عقله، ورمى بالقرد عن ظهره، وسعى هاربا. # فقصدت المرأة، وحللت كتافها، وقلت لها: ما قصتك؟ قالت: أنا بنت فلان، ~~وذكرت رجلا من أهل المربد، وهذا ابن عمي، وكان يعشقني، فخطبني من أبي، ~~فامتنع من تزويجه بي، وزوجني من رجل غريب، ودخل بي من شهور. # فلما كان أمس؛ خرجت أنا وجماعة من نساء الجيران، ننظر إلى الصحراء، وقت ~~العصر. # وبلغه خبرنا، فكبسنا بالصحراء، ومعه عدة رجال بالسلاح، فأخذ كل ms460 رجل ~~امرأة، وانفرد بها، وحملني هذا إلى هذا الصهريج، ففجر بي طول الليل، فلما ~~كان الآن عزم على قتلي، فأغاثني الله بك، وما أعرف للنسوة الباقيات خبرا. # فقلت: امشي، لا بأس عليك. # فمشت بين يدي إلى أن دخلت البصرة، فدققت باب والدها. # فقال: من بالباب؟ فكلمته، ففتح لها، فدخلت الدار. # وعدت إلى أصحابي، فحدثتهم بالحديث، وأريتهم القرد، وخرجنا من الغد، فرأوا ~~الوتد، وجئت بهم إلى باب دار المرأة، فأريتهم إياه، وأخذت خطري. # PageV03P408 ### || إسحاق المصعبي تحركه رقاع أصحاب الأرباع ببغداد # حدثني عبد الله بن محمد بن داسة البصري رحمه الله، قال: حدثني أبو يحيى ~~بن مكرم، القاضي البغدادي، قال: حدثني أبي، قال: كان في جواري، رجل يعرف ~~بأبي عبيدة، حسن الأدب، كثير الرواية للأخبار، وكان قديما ينادم إسحاق بن ~~إبراهيم المصعبي، فحدثني: أن إسحاق استدعاه ذات ليلة، في نصف الليل. # قال: فهالني ذلك، وأفزعني، لما كنت أعرفه منه، من زعارة الأخلاق، وشدة ~~الإسراع إلى القتل، وخفت أن يكون قد نقم علي شيئا في العشرة، أو بلغ عني ~~باطلا، فأحفظه، فيسرع إلى قتلي، قبل كشف حالي. # فخرجت طائر العقل، حتى أتيت داره، فأدخلت إلى بعض دور الحرم، فاشتد جزعي، ~~وذهب علي أمري. # فانتهي بي إليه، وهو في حجرة لطيفة، فسمعت في دهليزها بكاء امرأة ~~ونحيبها، ودخلت، فإذا هو جالس على كرسي، وبيده سيف مسلول، وهو مطرق، فأيقنت ~~بالقتل. # فسلمت، ووقفت، فرفع رأسه وقال: اجلس أبا عبيدة، فسكن روعي، وجلست. # فرمى إلي رقاعا كانت بين يديه، وقال: اقرأ هذه # PageV04P005 # فقرأت جميعها، فإذا رقاع أصحاب الشرط في الأرباع، يخبره كل واحد منهم ~~بخبر يومه، وما جرى في عمله، وفي جميعها ذكر كبسات وقعت على نساء وجدن على ~~فساد، من بنات الوزراء، والأمراء، والأجلاء، الذين بادوا، أو ذهبت مراتبهم، ~~ويستأذنون في أمرهن. # فقلت: قد وقفت على هذه الرقاع، فما يأمرني به الأمير أعزه الله؟ فقال: ~~ويحك يا أبا عبيدة، هؤلاء الناس الذين ورد ذكر حال بناتهم، كلهم كانوا أجل ~~مني، أو مثلي، وقد أفضى بهم ms461 الدهر في حرمهم إلى ما قد سمعت، وقد وقع لي أن ~~بناتي بعدي، سيبلغن هذا المبلغ، وقد جمعتهن، وهن خمس، في هذه الحجرة، ~~لأقتلهن الساعة، وأستريح، ثم أدركتني رقة البشرية، والخوف من الله تعالى، ~~فأردت أن أشاورك في إمضاء الرأي، أو شيء تشير به علي فيهن. # فقلت: أصلح الله الأمير، إن آباء هؤلاء النساء اللواتي قرأت رقاع أصحاب ~~الأخبار بما جرى عليهن، أخطأوا في تدبيرهن، لأنهم خلفوا عليهن النعم، ولم ~~يحفظوهن بالأزواج، فخلون بأنفسهن، ونعمهن، ففسدن، ولو كانوا جعلوهن في ~~أعناق الأكفاء، ما جرى منهن هذا. # والذي أرى أن تستدعي فلانا القائد، فله خمسة بنين، كلهم جميل # PageV04P006 # الوجه، حسن اللبس والنشوة، فتزوج كل واحدة من بناتك، واحدا منهم، فتكفى ~~العار والنار، وتكون قد أخذت بأمر الله عز وجل، والحزم، ويراك الله تعالى ~~قد أردت طاعته في حفظهن، فيحفظك فيهن. # فقال: امض الساعة إليه، فقرر معه ما يكون لنا فيه المصلحة، وافرغ لي معه ~~من هذا الأمر. # قال: فمضيت إلى الرجل، وقررت الأمر معه، وأخذت الفتيان، وأباهم، وجئت إلى ~~دار إسحاق بن إبراهيم، وعقدت النكاح لهم، على بنات إسحاق، في خطبة واحدة، ~~وجعل إسحاق بين يدي كل واحد منهم، خمسة آلاف دينار عينا، وشيئا كثيرا من ~~الطيب، والثياب، وحمل كلا منهم على فرس بمركب ذهب، وأعطاني كل واحد من ~~الأزواج مالا مما دفع إليه، وأمر لي إسحاق بخمس مائة دينار، وخلعة، وطيب. # وأنفذ إلي أمهات البنات هدايا وأموالا جليلة، وشكرنني على تخليص بناتهن ~~من القتل، وانقلبت تلك الغمة فرحا. # فعدت إلى داري، ومعي ما قيمته ثلاثة آلاف دينار وأكثر. # PageV04P007 ### || ما خاب من استشار # وحكى محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتاب الوزراء: أن المنصور لما حج، بعد ~~تقليد المهدي العهد، وتقديمه فيه على عيسى بن موسى، دفع عمه عبد الله بن ~~علي، إلى عيسى بن موسى، ليعتقله، وأمره سرا بقتله، وكان يونس بن أبي فروة ~~يكتب لعيسى بن موسى. # فعزم عيسى على قتل عبد الله بن علي، ثم تعقب الرأي، فدعا بيونس، ms462 فخبره ~~بالخبر، وشاوره. # فقال له يونس: نشدتك الله أن لا تفعل، فإنه يريد أن يقتله بك، ويقتلك به، ~~لأنه أمرك بقتله سرا، ويجحدك ذلك في العلانية، ولكن استره حيث لا يطلع عليه ~~أحد، فإن طلبه منك علانية، دفعته إليه، وإياك أن ترده إليه سرا أبدا، بعد ~~أن قد ظهر حصوله في يدك علانية، ففعل عيسى ذلك وانصرف المنصور من حجه، ~~وعنده أن عيسى قد قتل عبد الله، فدس إلى عمومته، من يشير عليهم بمسألته في ~~أخيهم عبد الله، فجاءوه يسألونه ذلك، فدعا بعيسى بن موسى، وسأله عنه ~~بحضرتهم. # فدنا منه عيسى بن موسى، وقال له، فيما بينه وبينه: ألم تأمرني بقتله؟ # PageV04P008 # قال: معاذ الله، ما أمرتك بذلك، كذبت. # ثم أقبل على عمومته، فقال: هذا قد أقر بقتل عبد الله، وادعى علي أني ~~أمرته بذلك، وقد كذب، فشأنكم به. # قال: فوثبوا عليه ليقتلوه، فلما رأى صورة أمره، صدق أبا جعفر، وأحضر عبد ~~الله، فسلمه إليه بمحضر من الجماعة. # فكان عيسى يشكر ليونس بن أبي فروة ذلك، مدة عمره. # PageV04P009 ### || منصور بن زياد يجحد نعمة يحيى البرمكي # وذكر في هذا الكتاب: دعا الرشيد صالحا صاحب المصلى، حين تنكر للبرامكة، ~~فقال له: اخرج إلى منصور بن زياد، فقل له: قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم، ~~فاحملها إلينا في هذا اليوم، وانطلق معه، فإذا دفعها إليك كاملة قبل مغيب ~~الشمس، وإلا فاحمل رأسه إلي، وإياك ومراجعتي في شيء من أمره. # قال صالح: فخرجت إلى منصور بن زياد، وعرفته الخبر. # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت، والله، نفسي، ثم حلف أنه لا يعرف ~~موضع ثلاث مائة ألف درهم، فكيف عشرة آلاف ألف درهم. # فقال له صالح: فخذ في عملك. # فقال له: امض بي إلى منزلي، حتى أوصي، فمضى معه، فما هو إلا أن دخل ~~منزله، حتى ارتفع الصياح من منازله وحجر نسائه، فأوصى، وخرج وما فيه دم. # فقال لصالح: امض بنا إلى أبي علي يحيى بن خالد، لعل الله أن يأتينا بفرج ~~من عنده، ms463 فمضى معه إلى يحيى وهو يبكي. # فقال له: ما وراءك؟ فقص عليه القصة، فقلق يحيى لأمره، وأطرق مفكرا، ثم ~~دعا بخازنه، # PageV04P010 # فقال له: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف ألف درهم. # فقال له: أحضرنيها، فأحضرها. # ثم وجه إلى الفضل ابنه، يقول له: إنك أعلمتني، فداك أبوك، أن عندك ألفي ~~ألف درهم، تريد أن تشتري بها ضيعة، وقد وجدت لك ضيعة يبقى لك ذكرها، وتحمد ~~ثمرتها، فوجه إلي بالمال، فوجه به. # ثم قال للرسول: امض إلى جعفر، وقل له: ابعث، فداك أبوك، إلي ألف ألف ~~درهم، لحق لزمني، فوجه بها. # ثم قال لصالح: هذه ثمانية آلاف درهم، ثم أطرق إطراقة، لأنه لم يكن عنده ~~شيء. # ثم رفع رأسه إلى خادم له، فقال: امض إلى دنانير، فقل لها: وجهي إلي ~~بالعقد الذي كان أمير المؤمنين وهبه لك. # قال: فجاء به فإذا بعقد في عظم الذراع، فقال لصالح: اشتريت هذا لأمير ~~المؤمنين بمائة وعشرين ألف دينار، فوهبه لدنانير، وقد حسبته بألفي ألف ~~درهم، وهذا تمام حقك، فانصرف، وخل عن صاحبنا، فلا سبيل لك عليه. # قال صالح: فأخذت ذلك، ورددت منصورا معي، فلما صرت بالباب، أنشأ منصور ~~يقول متمثلا: # وما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # فقال صالح: ما على وجه الأرض أنبل من هذا الذي خرجنا من عنده، # PageV04P011 # ولا سمعت بمثله فيما مضى من الدهر، ولا على وجه الأرض أخبث سريرة، ولا ~~أكفر لنعمة، ولا أدنأ طبعا من هذا الذي لا يشكر من أعطاه، ووزن عنه هذا ~~المال العظيم. # قال: وصرت إلى الرشيد، وقصصت عليه القصة، وطويت عنه ما تمثل به منصور، ~~خوفا أن يقتله إذا سمع ذلك. # فقال الرشيد: قد علمت أنه إن نجا فإنما ينجو بأهل هذا البيت، أطلق الرجل، ~~واقبض المال، واردد العقد، فإني لم أكن أهب هبة، وترجع إلى مالي. # قال صالح: فلم أطب نفسا إلا بتعريف يحيى ما قاله منصور، فرجعت إليه ~~وأطنبت في شكره، ووصف ما كان منه. # وقلت له: ولكنك أنعمت على غير شاكر ms464 قابل أكرم فعل، بألأم قول. # قال: فأخبرته بما كان، فجعل، والله، يطلب له المعاذير، ويقول: يا أبا علي ~~إن المنخوب القلب، ربما سبقه لسانه، بما ليس في ضميره. # وقد كان الرجل في حال عظيمة. # فقلت: والله، ما أدري من أي أمريك أعجب، من أوله، أو من آخره، ولكنني ~~أعلم أن الدهر لا يخلف مثلك أبدا. # PageV04P012 ### || درس في المروءة والكرم # قال محمد بن عبدوس في كتابه (الوزراء) : حدثني محمد بن عبد الله بن ~~الوليد، قال: حدثني علي بن عيسى القمي، وكان ضامنا لأعمال الخراج والضياع ~~ببلده، فبقيت عليه أربعون ألف دينار. # وألح المأمون في مطالبته، حتى قال لعلي بن صالح، حاجبه: طالبه بالمال، ~~وأنظره ثلاثة أيام، فإن أحضر المال قبل انقضائها، وإلا فاضربه بالسياط، حتى ~~يؤديها أو يتلف. # وكانت بين علي بن عيسى وغسان بن عباد عداوة، فانصرف علي بن عيسى من دار ~~المأمون آيسا من نفسه، لا يقدر على شيء من المال. # فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان، وأخبرته بخبرك، لرجوت أن # PageV04P013 # يعينك على أمرك. # فقال: على ما بيني وبينه؟ قال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. # قال: فحملته حاله على قبول ذلك، فدخل إلى غسان، فقام إليه، وتلقاه بجميل، ~~ووفاه حقه. # فقال له: إن الحال الذي بيني وبينك، لا يوجب ما أبديته من تكرمتي. # فقال: ذاك حيث تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك بحاله، ~~ولدخول داري حرمة توجب لك علي بلوغ ما ترجوه، فإن كانت لك حاجة فاذكرها، ~~فقص كاتبه عليه قصته. # فقال غسان: أرجو أن يكفيه الله تعالى ولم يزد على هذا شيئا. # فمضى علي بن عيسى، آيسا من نفسه، كاسف البال، نادما على قصده، وقال ~~لكاتبه لما انصرف: ما أفدتني بقصد غسان إلا تعجل المهانة والذل. # وتشاغل في طريقه بلقاء بعض إخوانه، وعاد إلى داره، فوجد على بابه بغالا ~~عليها أربعون ألف دينار، مع رسول غسان بن عباد، فأبلغه سلامه، وعرفه غمه ~~بما دفع إليه، وسلم إليه المال، وتقدم إليه بحضور دار المأمون من غد ms465 ذلك ~~اليوم. # فبكر علي بن عيسى، فوجد غسان بن عباد قد سبقه إليها، فلما وصل الناس إلى ~~المأمون، مثل غسان بن عباد بين الصفين، وقال: يا أمير المؤمنين إن لعلي بن ~~عيسى حرمة وخدمة، وسالف أصل، ولأمير المؤمنين عليه سالف إحسان، وقد لحقه من ~~الخسران في ضمانه ما قد تعارفه الناس، وقد جرى عليه من جدة المطالبة، ~~وشدتها، والوعيد بضرب السياط إلى أن يتلف، ما حيره، وقطعه # PageV04P014 # عن الاحتيال فيما عليه من المال، فإن رأى أمير المؤمنين، أن يجريني على ~~حسن عادته في كرمه، ويشفعني في بعض ما عليه، ويضعه عنه، فعل. # قال: فلم يزل به بهذا ونحوه، حتى حطه النصف، واقتصر منه على عشرين ألف ~~دينار. # قال غسان: إن رأى أمير المؤمنين أن يجدد عليه الضمان، ويشرفه بخلع. # فأجابه المأمون إلى ذلك. # قال: فيأذن أمير المؤمنين، أن أحمل الدواة إليه، ليوقع بذلك، ويبقى شرف ~~حملها علي وعلى عقبي. # قال: افعل. # ففعل، وخرج علي بن عيسى، والتوقيع معه بذلك، وعليه الخلع. # فلما وصل إلى منزله، رد العشرين ألف دينار، إلى غسان، وشكره. # فردها غسان، وقال: إني لم أستحطها لنفسي، وإنما أحببت توفيرها عليك، ~~واستحططتها لك، وليس، والله، يعود شيء من المال إلى ملكي أبدا. # وعرف علي بن عيسى، ما فعله معه غسان، فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر. # PageV04P015 ### || القدرة تذهب الحفيظة # وجدت في بعض كتبي بغير إسناد. # حضر الشعبي، عند مصعب بن الزبير، وهو أمير الكوفة، وقد أتي بقوم، فأمر ~~بضرب أعناقهم، فأخذوا ليقتلوا. # فقال له الشعبي: أيها الأمير، إن أول من اتخذ السجن كان حكيما، وأنت على ~~العقوبة، أقدر منك على نزعها. # فأمر مصعب بحبس القوم، ثم نظر في أمرهم بعدن فوجدهم براء، فأطلقهم. # PageV04P016 ### || ما صحب السلطان أخبث من عمر بن فرج الرخجي # قال محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء، حكي عن أبي عبد الله أحمد ابن أبي ~~داؤد، أنه قال: ما صحب السلطان أرجل، ولا أخبث من عمر بن فرج الرخجي، غضب ~~عليه المعتصم يوما وهم بقتله، وأمر ms466 بإحضاره، فجاءوا به وقد نزف دمه. # فقال المعتصم: السيف، يا غلام، فجعلت ركبتا عمر تصطكان. # فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يسأله عن ذنبه، فلعله أن يخرج منه بعذر. # فقال له: يا ابن الفاعلة، أمرتك في ولد أبي طالب أن تتعرف خبر منازلهم؟ ~~قال: لا. # قال: فلم فعلت ذلك؟ قال عمر: إنما فعلت ذلك لأنه بلغني عن واحد منهم أن ~~أهل قم يكاتبونه، # PageV04P017 # فأردت أن أعلم ما في الكتب الواردة عليه. # وجعل عمر في خلال ذلك يلمس البساط الذي كان تحت المعتصم، فزاد ذلك في ~~غضبه. # وقال: يا ابن الفاعلة، ما شغلك ما أنت فيه عن لمس البساط، كأنك غير مكترث ~~بما أريده بك؟ فقال: لا والله، يا أمير المؤمنين، ولكن العبد يعنى من أمر ~~سيده، بكل شيء، على جميع الأحوال، فإني استخشنت هذا البساط، وليس هو من بسط ~~الخلافة. # فقال له: ويلك، هذا البساط ذكر محمد بن عبد الملك أنه قام علينا بخمسين ~~ألف درهم. # فقال: يا سيدي عندي خير منه قيمته سبع مائة دينار. # قال: فذهب عن المعتصم، والله، ذلك الفور الذي كان به، وسكن غضبه. # قال: وجه الساعة من يحضره. # فجاء ببساط قد قام عليه، فيما أظن، بأكثر من خمسة آلاف دينار، واستحسنه ~~المعتصم، واستلانه. # وقال: هذا، والله، أحسن من بساطنا، وأرخص، وقد أخذناه منك بما قام عليك. # ووالله ما برح ذلك اليوم، حتى نادمه، وخلع عليه. # PageV04P018 ### || مصعب بن الزبير يعفو عن أحد أسراه ويجعله من ندمائه # وقرأت في بعض الكتب: أن مصعب بن الزبير، أخذ رجلا من أصحاب المختار بن ~~أبي عبيد، فأمر يضرب عنقه. # فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه ~~الحسنة، ووجهك هذا الجميل الذي يستضاء به، فأتعلق بك، ثم أقول: يا رب، سل ~~مصعبا فيم قتلني؟ فقال له مصعب: قد عفوت عنك. # فقال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض عيش، فإنه لا عيش ~~لفقير. # فقال: ردوا عليه عطاءه، وأعطوه مائة ألف درهم. # PageV04P020 # قال: ms467 أشهد الله، أني قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيات. # قال: لم؟ قال لقوله: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء # يتقي الله في الأمور وقد أفلح ... من كان همه الاتقاء # فضحك مصعب، وقال: أرى فيك للصنيعة موضعا، وجعله من ندمائه، وأحسن صلته. # PageV04P021 ### || عمارة بن حمزة في كرمه وكبريائه # وحكي أنه قيل للفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، قد أفسدت جودك بكبرك، فقال: ~~والله ما لي حيلة في النزوع عنه، وما كان سبب حصوله في إلا أنني حملت نفسي ~~عليه، لما رأيت من عمارة بن حمزة، فتشبهت به، فصار طبعا، ولا أقدر على ~~الإقلاع عنه. # وذلك إن أبي كان يضمن فارس من المهدي، فحلت عليه ألف ألف درهم. # وكان المهدي قد ساء رأيه فيه، فحرك ذلك ما كان في نفسه، وأمر أبا عون عبد ~~الملك بن يزيد، أن يأخذ أبي، فيطالبه بالمال، فإن غربت الشمس في يومه ذاك، ~~ولم يصحح جميعه، أو بقي درهم منه، أتاه برأسه من غير أن يستأذنه أو يراجعه. # قال: فأخذه أبو عون، فاستدعاني، وقال: يا بني، قد ترى ما نحن فيه، فلا ~~تدعوا في منازلكم شيئا إلا أحضرتموه. # PageV04P022 # قال: فجمعنا كل ما في منازلنا، من صامت وغيره، فلم يبلغ عشر المال. # فقال: يا بني، إن كانت لنا حيلة في الحياة، فمن قبل عمارة بن حمزة، وإلا ~~فأنا مقتول العشية، فألقه، وأذكر له الصورة. # فمضيت إلى بابه، فاستؤذن لي عليه. # فدخلت، وهو مضطجع قد غاص في فرش له، ما يكاد يبين إلا وجهه، فوالله ما ~~تحرك، وسلمت، فأومأ إلي بالجلوس، فجلست بعيدا منه، فلم يعرني الطرف. # فانكسرت نفسي، وقلت: أي خير عند من هذا لقاؤه، وهذا عنون أمره، فأمسكت لا ~~أتكلم، مفكرا في الكلام، أو القيام، فقال: اذكر حاجة إن كنت أتيت لها. # فقصصت عليه القصة، فوالله ما أجابني بحرف، أكثر من قوله: امض، فإن الله ~~يكفيك. # فقمت متحيرا، أجر رجلي، لا أشك في أنه قد ms468 آيسني، وقلت: إن عدت إلى أبي ~~بهذا الجواب مات غما قبل ضرب العنق. # فتوقفت ساعة، لا أدري ما أصنع، ثم قلت: على كل حال، أمضي إليه فأونسه، ~~فإن كانت له حيلة أخرى شرعنا فيها قبل انصرام النهار. # فجئت، فوجدت على الباب بغالا كثيرة محملة. # فقلت لمن معها: من أنتم؟ قالوا: أنفذنا عمارة إليكم بمال على هذه البغال. # فدخلت، فعرفت أبي بما جرى لي، وأخذنا المال فصححناه، وما صليت العصر حتى ~~عرف المهدي الصورة، وأفرج عن أبي وكان ذلك سبب رضاه عنه، وصلاح نيته له. # فلما كان بعد شهرين، ورد لنا من فارس مال عظيم كثير، فقال لي أبي: # PageV04P023 # خذ هذا المال، وامض به إلى عمارة، واشكره، ورده عليه. # فحملت المال على بغال، ومضيت به إلى بابه. # فوقفت، حتى استؤذن لي، فدخلت، وهو على فرشه، فما زادني على ما عاملني به ~~أولا، ولا نقصني. # فشكرته عن أبي، ودعوت له، وعرفته إحضاري المال، وسألته الأمر بقبضه. # فقال لي: أكنت قسطارا لأبيك، أقرضه، وأرتجع منه؟ فقلت: لا، ولكن أحييته، ~~وحقنت دمه، ومننت عليه، وما أحب أن يتغنمك، فلما حصل له المال، أنفذه. # فقال: أما إذ رده أبوك، فقد وهبته لك، خذه وانصرف. # فقمت، وقد أعطاني ما لم يعط أحد أحدا. # فجئت إلى أبي فعرفته ما جرى، فقال: لا والله، يا بني، ما تطيب لك به نفسي ~~كله ولكن خذ منه مائتي ألف درهم، فأعطانيها، وهي أول مال جاءني كثيرا ~~مجتمعا، وهي أصل نعمتي. # فتعلمت من عمارة الجود والكبر معا، فصارا لي طبعا. # PageV04P024 ### || الهائم الراوية يقتل أسودا مصابا بداء الكلب # وحدثني الهائم الراوية، قال: كنت أسير من الشام، أريد العراق، فلما ~~انتهيت إلى قرية في بعض الطريق، لقيني خراساني معه مخلاة. # فقال: أين تريد؟ فقلت: بغداد. # فقال: أنا رفيقك، فاصطحبنا وسرنا إلى قرية خراب على شاطئ الفرات في برية ~~الشام. # فرأينا على باب القرية رجلا أسود، منكر الخلقة، عريانا، لا يواريه شيء ~~ألبتة، فعدا مجفلا عنا. # فدخلنا القرية، وجلسنا في دار خراب على شاطئ ms469 الفرات، وأخرجنا زادا كان ~~معنا، وأقبلنا نأكل. # فرأينا الحجارة تجيئنا متداركة، حتى خفنا أن نهلك بها، وما تمالكنا أن ~~نقوم إلا بجهد. # PageV04P025 # وتأملنا أمرنا، فرأينا الأسود يرجمنا، فطلبناه، وطلبنا. # فلما تداخلنا، رام الأسود أن يقبض علي، فزغت منه، فقبض على الخراساني، ~~وكان الخراساني أيدا، فما زالا يتعاركان ساعة طويلة، ثم انكب الأسود على ~~كتف الخراساني فعضه. # فصاح الخراساني: يا بغدادي أدركني، فقد قتلني. # فدنوت من خلف الأسود فقبضت على خصيتيه، ولكمتها لكمات شديدة فخر مغشيا ~~عليه، وقام الخراساني، فجلس على صدره، وخنقه بيده حتى تلف. # وسرنا، والخراساني يصيح من ألم العضة، حتى انتهينا إلى حيال قرية عامرة. # فصحنا بملاح، فقدم زورقه لنعبر إلى القرية، فطرح الخراساني نفسه على الشط ~~كالتالف. # فشجعته، وقلت له: مالك؟ وأي شيء قدر عضة؟ فقال: ويحك انظر إليها، فنظرت ~~إليها، فإذا هي قد أخذت كتفه كلها، واسودت، واحمر بدنه كله. # فحملته أنا والملاح، حتى حصلناه في الزورق، وعبرنا، فلما صرنا بقرب الشط، ~~تلف، فأخرجناه ميتا. # فاجتمع أهل القرية وسألوا عن شأنه، فحدثتهم الحديث. # PageV04P026 # فقالوا: قد فتحتم فتحا، وقد سلمك الله أنت، وأراحنا من ذلك العبد هذا عبد ~~آل فلان، أصابه داء الكلب وتغرب في تلك الخرابات، وقد قتل خلقا بالعض. # قال: وتبادر قوم منهم يريدون الموضع للأسود، وسرت أنا في طريقي، وحمدت ~~الله تعالى على سلامتي من الأسود. # PageV04P027 ### || أبو جعفر بن شيرزاد كان لداره أربعة عشر بابا # حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شيرزاد، ~~قال: حدثني خالي، وابن عم أبي، أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، قال: لما ~~سعي علي عند بجكم، حتى صرفني عن كتبته، ونكبني، وألزمني # PageV04P028 # بمائتي ألف دينار، فأديت أكثرها من غير أن أبيع شيئا من أملاكي الظاهرة. # فلما قاربت وفاءها، استحضرني أحمد بن علي الكوفي كاتبه وكانت له مروءة، ~~وأخذ يخاطبني بكلام طويل، هو تقدمة واعتذار لشيء يريد أن يخاطبني به. # فقلت له: يا سيدي ما تريد؟ وما بك حاجة إلى التسبب، فإني بمودتك واثق. # فقال: إن هذا الرجل، ms470 يعني بجكم، قد رجع عليك في صلحك، وطمع فيك، وطالبني ~~أن آخذ منك مائتي ألف دينار أخرى، ووالله، ما هذا عن رأيي، ولا لي فيه ~~مدخل، ولا هو من فعلي ولو قدرت على إزالته عنك لفعلت. # قال: فأخذت أحلف له أني لا أهتدي إليها، ولا إلى عشرها، وأن النكبة قد ~~استنفدت مالي، ولم يبق لي شيء، إلا داري، وضيعتي، وأنا أسميهما، ولا أكتم ~~شيئا منهما، وأخرج له عنهما، ليهب لي روحي. # قال: فطال الخطاب بيننا، فلما قام في نفسه صدقي، فكر طويلا. # ثم قال: يا سيدي، هذا رجل أعجمي، وعنده أن وراءك أضعاف هذا المال، وأن ~~فيك من الفضل ما يصلح لقلب دولته عليه، وأنت، والله، معه في طريق القتل، ~~إلا أن يكفيك الله عز وجل، ووالله، ما أحب أن يجري مثل هذا # PageV04P029 # على يدي، ولا في أيامي، فيلزمني عاره إلى الأبد، وأجسره على قتل كتابه، ~~فدبر خلاصك. # فتحيرت، ثم سكنت، وقلت له: تعطيني ميثاقك، وتحلف لي أن سرك في محبة خلاصي ~~كعلانيتك، حتى أقول لك ما عندي؟ ففعل. # فحلفت له أني قد صدقته، وأنني لا أمتنع مما يجريه علي من بعد هذا اليمين، ~~ولو شاء مني أن أفتح دواتي، وأكتب بين يديه. # وقلت له: أنت وقتك مقبل، ووقتي مدبر، وأنت فارغ القلب، وأنا ذاهل ~~بالمحنة، فدبر أمري الآن كيف شئت، فإنه ينفتح لك بهاتين الخلتين، ما قد ~~استبهم علي. # قال: ففكر، ثم قال: أنا إن آيست هذا الرجل من مالك، لم آمنه على دمك، وإن ~~أطمعته في مالك، وليس لك ما تعلله به، أدت بك المطالبة إلى التلف، ولكن ~~الصواب عندي أن أطمعه في ضيعتك، وأصف له جلالتها فأشتريها له منك، وأقول ~~له: إن ضياع السواد الخراجية، قد أجمع شيوخ الكتاب بالحضرة، قديما وحديثا، ~~على أن كل ما كان منه غلته درهم، فقيمته أربعة دراهم، وأبو جعفر يقول: إن ~~غلة الضيعة، بعد الخراج، خمسة وعشرون ألف دينار، وإنه يضمنها بذلك، حاصلا، ~~خالصا، بعد الخراج والمؤن، ويقيم بذلك كفلاء، فاشترها ms471 منه بمائتي ألف دينار ~~كملا، ويحصل لعقبك ملك جليل، وهو مع هذا يؤدي باقي المصادرة الأولى، وتصير ~~ضامنا للضيعة، فأدفعها إليك، ومن ساعة إلى ساعة فرج، وأنا أحتال بحيلة في ~~أن # PageV04P030 # يكون الكتاب عندي، فلا أسلمه إليه، فلعل حادثة تحدث، وترجع إليك ضيعتك، ~~وتكون بالعاجل قد تخلصت، وسلم دمك أربع سنين. # قال: فعلمت أنه قد نصحني، وآثر خلاصي، وأجبت. # فدخل إلى بجكم، ولم يزل معه في محادثات، إلى أن تقرر الأمر على ما قاولني ~~عليه، وأحضر الشهود، وكتب علي الكتاب بالابتياع، والكتاب بالإجارة. # وقال لي: ألوجه أن تقيم كفلاء ببقية المصادرة الأولى، فقد استأذنته في ~~صرفك إلى منزلك، وإذا انصرفت، فانضم، ولا يراك أحد، وكن متحذرا، ولا تظهر ~~أنك مستتر، فتغريه بك. # قال: فشكرته، وأقمت الكفلاء بالمال، إلى أيام معلومة، فصرفني. # فعدت إلى داري، وكنت متحذرا، أجلس في كل يوم، فيدخل إلي بعض الناس، ~~بمقدار ما يعلم أني بداري، فإذا كان نصف النهار، خرجت إلى منازل إخواني، ~~وأقمت يوما عند هذا، ويوما عند الآخر، وراعيت أخبار داري، أتوقع أن يجيئها ~~من يكبسها، فأكون بحيث لا يعرف خبري، فأنجو. # فطال ذلك، والسلامة مستمرة، وانحدر بجكم إلى واسط، فأنست بالجلوس ~~والاستقرار في داري. # فلما كان في بعض الأيام، ضاق صدري ضيقا لا أعرف سببه، واستوحشت، وفكرت في ~~أمري، وقلت: إن كبست على غفلة، فماذا أصنع؟ قال: وكان لداري أربعة عشر ~~بابا، إلى أربعة عشر سكة، وشارعا، وزقاقا نافذا، ومنها عدة أبواب لا يعرف ~~جيرانها أنها تفضي إلى داري، وأكثرها عليه الأبواب الحديد. # PageV04P031 # قال: فتراءى لي، أن أرسلت إلى غلماني المقاتلة، وكانوا متفرقين عني، قد ~~صرفتهم لئلا يصير لي حديث، فجاءوني، واجتمع منهم، ومن أولادهم، نحو ثلث ~~مائة غلام. # فقلت لهم: إذا كان الليلة فاحضروا جميعا بسلاحكم، وبيتوا عندي ليلا، ~~وأقيموا نهارا، إلى أن أدبر أمري. # قال: ففعلوا ذلك، وفرقتهم في الحجر المقاربة للمجلس الذي كنت أجلس فيه، ~~وقلت: إن كبست، فشاغلوا عني من يطلبني، لأنجو. # قال: وكنت أدبر كيف أعمل في قلب ms472 الدولة، أو استصلاح بجكم، فلم يقع لي ~~الرأي، ولا أجد إلى ذلك طريقا. # وكنت أوصيت بوابي، أن يغلق بابي المعلوم للناس، ولا يفتحه لأحد من خلق ~~الله، إلا بأمري. # وأجلست غلاما كان يحجبني في أيام الدولة، ومعه عشرون غلاما بسلاح خلف ~~الباب، وأمرته أن لا يفتح لأحد. # فما مضى لهذا إلا يومان أو ثلاثة، حتى جاءني حاجبي، وقال: قد دق الباب. # فقلت: من الطارق؟ فقال: أنا غلام محمد بن ينال الترجمان، وهو وأبو بكر ~~النقيب بالباب، يستأذنان على سيدنا بالدخول. # PageV04P032 # فقلت في نفسي: بلية والله. # وأمرت الغلمان، فاجتمعوا بأسرهم، متسلحين، في بيت له قبة كبيرة، كنت ~~جالسا في أحد أروقته، وأمرتهم أن لا ينبسوا بكلمة. # وقلت للحاجب: اصعد إلى السطح، فانظر ما ترى، وأخبرني به، ففعل. # وعاد، فقال: رأيت الشارع مملوءا بالخيل والرجال، وقد أحاطوا بالدار من ~~جنبات كثيرة، ولما رأوني أراقبهم تنحيت. # فصاح بي الترجمان، قائلا: كلمني، وما عليك بأس. # فأخرجت رأسي، فقال: ويحك، ما جئنا لمكروه، وما جئنا إلا لبشارة، فعرف ~~سيدنا بذلك. # فقلت: ليس هو في الدار، ولكن أراسله، ثم أخبر الأمير أيده الله، في غد، ~~برسول إلى داره. # فقال: أنا هاهنا واقف ساعة، إلى أن يرى رأيه. # ففكرت، وقلت: هذه حيلة للقبض علي، لا شك في ذلك. # ثم رجعت، فقلت: يجوز أن يكون بجكم، قد تغير على الكوفي، ولا يجد لخدمته ~~غيري، واعترضني الطمع، وكاد أن يفسد رأيي. # ثم قلت للغلمان: إن قلت لكم اخرجوا، فضعوا على أبي بكر النقيب، والترجمان ~~أيديكم، فاخرجوا وخذوا رأسيهما، ولا تستأذنوا البتة، فأجابوا. # فقلت: احذروا أن تخالفوا فأهلك. # فقالوا: نعم. # ثم قلت للحاجب: اطلع السطح، وقل له: إني على حال من اختلال الفرش ~~والكسوة، لا أحب معه دخول أحد إلي، فإن رضيت أن تدخل أنت وأبو بكر النقيب ~~فقط، وإلا فأنا أصلح أمري وأجيء إلى دارك الليلة. # PageV04P033 # قال: فعاد الغلام، وقال: كلمته، فقال: رضينا بذلك. # فقلت: يا فلان، اخرج، واحذر أن يفتح الباب كله فتدخل الجماعة، وأرى أن ~~تقول له، ms473 أن يتباعد عن الباب إلى الشارع قليلا، وينزل، ويقصده هو وأبو بكر ~~النقيب فقط، واجعل في الدهليز نفسين يمسكان الباب من نقاوة الغلمان. # فقال: نعم. # ثم قمت بنفسي، فأغلقت باب حديد كان بين صحن الدار والدهليز، وجعلت خلفه ~~جماعة غلمان بالسلاح. # وقلت: قل لهما أن يدخلا، وافتح من الباب الذي على الشارع قليلا فإن ازدحم ~~الناس، وتكاثروا، فهي حيلة، فدعهم يدخلون، وصح: ما هذا؟ فأعلم أنها حيلة، ~~فأخرج من بعض الأبواب، أما هم فيفضون إلى هذا الباب، وهو مقفل، ووراءه ~~الغلمان. # وإن حضرا وحيدين، فقل لهما: الشرط أن أقفل الباب من وراء ظهريكما بينكما ~~وبين أصحابكما، ثم افتح الباب الذي يلي الشارع، حتى يدخلان، ثم اقفله، وارم ~~مفاتيحه من تحت الباب الثاني إلينا إلى الصحن، ودق هذا الباب، فإني واقف ~~وراءه، لأتقدم بفتحه، فيدخلان. # ففعل الحاجب ذلك، وحصل أبو بكر النقيب والترجمان في الدهليز وحيدين. # فلما سمعت صوت قفل الباب الخارجي، وأنا عند الباب الداخلي، ودق الحاجب ~~الباب الثاني، ورمى بالمفتاح، عدت إلى مجلسي، فجلست فيه، ونحيت من كنت ~~أقمته وراء الباب الثاني بالسلاح، وأعدت عليهم الوصية بقتلهما إن صحت: يا ~~غلمان اخرجوا. # PageV04P034 # ثم تقدمت إلى غلام لي كان واقفا بلا سلاح، أن يفتح الباب، ويدخلهما، ففعل ~~ذلك. # وألقيت نفسي على الفراش كأني عليل، ودخلا، فلم أوفهما الحق، وأخفيت ~~كلامي، كما يفعل العليل. # فقالا: أيش خبرك؟ فقلت: أنا منذ أيام عليل، وارتعت بحضوركما. # فأخذ الترجمان يحلف أنه ما حضر إلا ليردني إلى منزلتي، واستكتابي لبجكم، ~~فشكرته على ذلك. # وقلت: أنا تائب من التصرف، ولا أصلح له. # فقال: قد أمرني الأمير بمخاطبتك في الخروج إليه، إلى واسط، لتقرير هذا ~~الأمر، ولا يجوز أن أكتب إليه بمثل هذا عنك، ولكن إذا كنت زاهدا في ~~الحقيقة، فاخرج إليه، وأحدث بخدمته عهدا، واستعفه، فإنه لا يجبرك. # فقلت: هل كاتبني بشيء توصله إلي. # فقال: لا، ولكنه اقتصر على ما كتب به إلي، لعلمه بمودتي لك، ولئلا يفشو ~~الخبر. # فقلت: تقفني على كتابه إليك. # فقال: لم ms474 أحمله معي. # فعلمت أنه قد كوتب بالقبض علي، وأنه يتوصل بالحيلة لتحصيلي. # فقلت: أنا عليل كما ترى، ولا فضل في للسفر، ولكن تجيب الأمير أطال الله ~~بقاءه بالسمع والطاعة، وأني أخرج بعد أسبوع، إذا استقللت قليلا. # فقال: يقبح هذا، والوجه أن تخرج. # فقلت: لا أقدر. # PageV04P035 # فراجعني، وراجعته، إلى أن قال: لا بد من خروجك. # فقلت: إني لا أخرج. # فقال: تخرج طائعا أو كارها. # فجلست، وظهر في أثر الاحتداد مع القدرة، وقلت: إني لا أخرج، ولا كرامة ~~لك، فاجهد جهدك، وذهبت لأصيح بالغلمان. # وكان أبو بكر النقيب خبيثا، فقال: أسأل سيدنا بالله العظيم أن لا يتكلم ~~بحرف، ويدعني وهذا الأمر. # ثم أخذ بيد الترجمان وقاما إلى ناحية في المجلس بعيدة، لا أسمع ما يجري ~~بينهما، فأطالا السرار، ثم جاءا إلي. # فأخذ أبو بكر يعتذر إلي مما جرى، ويخاطبني باللين، ويقول: فبعد كم يخرج ~~سيدنا؟ حتى نقتنع بوعده، وننصرف. # فقلت: بعد عشرة أيام. # فقال: قد رضينا. # فأخذ الترجمان ينزق علي في الكلام، وأبو بكر يغمزه، ويرفق به. # فلما بلغا إلى قريب من الدهليز، رجع أبو بكر، وجر الترجمان، معه وقال: ~~هذا ليس يعرفك حق معرفتك، وعنده أنه يقدر يستوفي عليك الحجة، فبالله إلا ما ~~عرفته ما كان في نفسك أن تعمله بنا، لو استوفينا عليك المطالبة، لئلا أقع ~~في مكروه معه ومع الأمير. # فقلت في نفسي: أنا أريد الهرب الساعة، فما معنى مساترتي لهما ما أردت أن ~~أفعله، ولم لا أظهره ليكون أهيب في نفوسهما؟ فقلت للغلام الذي كان واقفا ~~على رأسي بلا سلاح: امض إلى أصحابنا، # PageV04P036 # وقل لهم أن يخرجوا، ولا يعملوا ما كنت قلت لهم. # فمضى الغلام، وفتح الباب عليهم، وقال: اخرجوا، ولا تحدثوا على القوم ~~حادثة، فخرج القوم بالسلاح. # فقلت: هؤلاء أعددتهم لدفعكما عن نفسي، إن رمتما قسري على ما لا أوثره. # قال: فمات الترجمان في جلده، واصفر وتحير. # فقال له أبو بكر: أنت تظن أنك بالجبل، وليس تعلم بين يدي من أنت الآن؟ ~~عرفت أن الرأي كان في ms475 يدي، لا في يدك؟ والله، لو زدت في المعنى، لخرج هؤلاء ~~فأخذوا رأسك ورأسي. # فقلت: معاذ الله، ولكن كانوا يمنعوكما من أذاي. # ثم قلت للغلمان: كونوا معهما، إلى أن يخرجا، وتغلقوا الأبواب خلفهما، ~~ففعلوا. # وقمت في الحال فلبست خفا وإزارا على صورة النساء، واستصحبت جماعة من ~~عجائز داري، وخرجت معهن من باب من تلك الأبواب الخفية، متحيرا، لا أدري أين ~~أقصد. # فقصدت عدة مواضع، كلما قصدت موضعا، علمت أنه لا يحملني، فأتجاوزه، إلى أن ~~كدني المشي، وقربت من الرصافة، فعن لي أن أقصد خالة المقتدر، وأطرح نفسي ~~عليها. # فصرفت جميع من كان معي، إلا واحدة، وقصدت دار الخالة، ودخلت دهليزها. # PageV04P037 # فقام إلي الخادم، وقال: من أقول؟ فقالت العجوز: امرأة لا تحب أن تسمي ~~نفسها، فدخل وإذا بالخالة قد خرجت إلى الدهليز. # فقالت لها الامرأة: يا ستي، تأمرين الخادم بالانصراف، فأمرته، فانصرف. # فكشفت وجهي، وقلت: يا ستي، الله، الله في دمي، اشتريني، فقالت: يا أبا ~~جعفر، ما الخبر؟ فقلت: أدخليني، أحدثك. # فقالت: كن مكانك، فإني قد علمت أنك ما جئتني إلا مستترا. # ثم دخلت، فأبطأت، حتى قلت: قد كرهت دخولي، وستخرج إلي من يصرفني، وتعتذر، ~~وهممت بالانصراف. # وإذا بها قد خرجت، ثم قالت: أرعبتك بالانتظار، وما كان ذلك إلا عن احتياط ~~لك، فادخل. # فدخلت فإذا دارها الأولى، على عظمها، فارغة، ما فيها أحد. # فسلكت بي، وبالمرأة العجوز، إلى موضع من الدار، فدخلت إلى حجرة، فأقفلتها ~~بيدها، ومشت بين أيدينا، حتى انتهت بنا إلى سرداب، فأنزلتنا فيه، ومشينا ~~فيه طويلا، وهي بين أيدينا، حتى صعدت منه إلى درجة طويلة، أفضت بنا إلى دار ~~في نهاية الحسن والسرو، وفيها من الفرش، والآلات، كل شيء حسن. # وقالت: إنما احتبست عنك، حتى أصلحت لك هذه الدار، وأخليت الأولى، حتى لا ~~يراك الذين كانوا فيها، فيعرف خبرك، فعرفني قصتك. # فذكرتها لها، من أولها إلى آخرها. # فقالت: اجلس هاهنا ما شئت، فوالله، إنك تسرني بذلك، فاحفظ # PageV04P038 # نفسك من أن ينتشر خبرك من جهتك، فليس معي من جهتي ms476 من يدخل عليك أو يخرج ~~منك، فتهلك نفسك، وتهلكني، فإنك تعلم أن هذا الرجل ظالم جاهل، لا يعرف حق ~~مثلي. # فقلت: ما معي غير هذه العجوز، ولست أدعها تخرج. # فقالت: هذا هو الصواب. # فأقمت عندها مدة، فكانت تجيئني كل يوم، وتعرفني أخبار الدنيا، وتحادثني ~~ساعة، وتنصرف، وتحمل إلي كل شيء فاخر، من المأكول، والمشروب، والبخور، ~~وأخدم بما لم أخدم بمثله في أيام دولتي. # فلما كان في غداة يوم بعد حصولي عندها، قالت: يا أبا جعفر، أنت وحدك، ~~وليس يصلح أن يخدمك كل أحد، وقد حملت إليك هذه الجارية، وأومأت إلى وصيفة ~~كانت معها، في نهاية الحسن والجمال، فاستخدمها، وإنها تقول مقام فراشة، وقد ~~أهديتها لك، وإن احتجت إلى ما يحتاج إليه الرجال، صلحت لذلك أيضا. # فقبلت ذلك، وشكرتها، ودعوت لها. # وتأملت الجارية، فإذا هي تغني أحسن غناء وأطيبه، فكان عيشي معها أطيب من ~~عيشي أيام الدولة. # ومضى على استتاري نحو شهرين، لا يخرج من عندي أحد، ولا يدخل إلي غير ~~الجارية. # فقلت لها يوما: قد تطلعت نفسي إلى معرفة الأخبار، وإنفاذ هذه العجوز إلى ~~من تتعرف ذلك منه. # فقالت: افعل، واحتفظ جهدك. # فكتبت مع العجوز كتابا إلى وكيل لي أثق به، آمره أن يتعرف لي الأخبار، # PageV04P039 # ويكتب إلي بها مع العجوز. # ورسمت له أن ينفذ طيورا مع غلام أسميته له وكنت به واثقا من دون سائر ~~غلماني، ويأمره بالمقام بواسط، والمكاتبة على الطيور في كل يوم بالأخبار، ~~وأن يكتب عني إلى جماعة بواسط، كنت أثق بهم، بأن يمدوا الغلام بالأخبار. # ورسمت للعجوز أن لا تعرف الوكيل موضعي، لئلا يظهر شيء من الأمر، ويقع ~~الوكيل، ويطالب بي، فيدل علي. # فعاد الجواب إلي، بما عنده من الأخبار، وأنه لا ينقضي يومه، حتى ينفذ ~~الغلام والطيور. # فأمهلته عشرة أيام، ثم رددت العجوز، فأنفذ لي على يدها، كتبا وردت على ~~الطيور، فقرأتها، ومضى على ذلك مدة. # فأصبحت يوما وأنا على نهاية النشاط، والسرور، والانبساط، من غير سبب ~~أعرفه، فقلت للعجوز: امضي إلى فلان، واعرفي ms477 هل ورد عليه كتاب من واسط؟ فمضت ~~العجوز إلى الوكيل، فهي عنده، إذ سقط عليه طائر بكتاب، فحله، وسلمه إليها، ~~من غير أن يقف عليه. # فجاءتني به، فإذا هو من الغلام المرتب بواسط، بتاريخ يومه، وأكثره رطب، ~~كتب في الحال يذكر فيه ورود الأخبار إلى واسط، بقتل الأكراد لبجكم، وأن ~~الناس قد اختلطوا وماجوا. # PageV04P040 # فقبلت الأرض شكرا لله عز وجل، وكتبت في الحال إلى الكوفي رقعة أشكره فيها ~~على جميله، وأعرفه أني ما طويت خبري عنه إلى الآن، إلا إشفاقا عليه من أن ~~يسأل عني، فيكون متى حلف أنه لا يعرف خبري، صادقا، وأن أقل حقوق ما عاملني ~~به، أن أعرفه ما يجب أن يتحرز منه، وذكرت له ما ورد من الخبر، وأشرت عليه ~~بالاستتار. # وأنفذت رقعتي إليه بذلك، طي رقعتي إلى الوكيل، وأمرته أن يمضي بها في ~~الوقت إليه. # وقلت للعجوز: إذا مضى الوكيل فارجعي أنت، ولا تقعدي في دار الوكيل. # فعادت، وعرفتني أن الوكيل توجه إلى الكوفي. # فلما كان بين العشاءين من ذلك اليوم رددتها إلى الوكيل، وقلت لها: اطرقي ~~بابه، فإن كان في بيته، على حال سلامة فادخلي، وإن بان لك أنه معتقل، أو أن ~~داره موكل بها، فانصرفي ولا تدخلي. # فعادت إلي برقعة الوكيل، وطيها رقعة من أبي عبد الله الكوفي. # وفي رقعة الوكيل: إنه حين أوصل الرقعة إلى الكوفي، بان له في وجهه ~~الاضطراب، وإنه ما صلى العصر في ذلك اليوم، حتى امتلأ البلد بأن الكوفي قد ~~استتر، وأن بجكم قد حدثت به حادثة لا ندري ما هي، وقد عدت بعد العصر إلى ~~دار الكوفي، فوجدتها مغلقة، وليس عليها أحد، وإني قد أنفذت جواب الكوفي طي ~~رقعتي. # وقرأت رقعة الكوفي، فإذا هو يشكرني، ويقول: قد علمت أن مثلك يا سيدي لا ~~يفتعل مثل هذا الخبر، ولا يضيع مروءته، وأن مثله يجوز أن يكون صحيحا، وقد ~~تشاغل الذين مع الأمير بالهرب، عن أن يكتبوا لي بالحادث، وكتب به من رتبته ~~أنت، كما ذكرت في رقعتك، فأوجب ms478 الرأي أن أستظهر لنفسي، فإن كان الخبر ~~صحيحا، وهو عندي صحيح، فالرأي معي، وإن # PageV04P041 # كان باطلا، فلا يضرني ذلك عند صاحبي إن كان حيا، لأنه يتصورني جبانا لا ~~غير، فيكون أسلم في العاجل. # وقد أنفذت إليك، يا سيدي، طي رقعتي هذه، الكتابين اللذين كتبتهما عليك في ~~ضيعتك بالابتياع والإجارة، ابتغاء إتمام مودتك، ولتعلم صدقي فيما كنت ~~توسطته، ونصحي فيما عاملتك به، فإن كان موت الرجل صحيحا، فقد رجعت إليك ~~ضيعتك، وإن كان باطلا فإنه لا يسألني عنهما، ولا يذكرهما، وإن ذكرهما جحدت ~~أني تسلمتهما، وقضيت حقك بذلك، وأعدت نعمتك عليك. # قال: وإذا بالكتابين في طي الرقعة، فمزقتهما في الحال. # ولبست من عند الخالة، خفا، وإزارا، بعد أن عرفتها الصورة، وخرجت مع ~~العجوز، وجئت إلى داري فدخلتها من بعض أبوابها الخفية. # فلما كان من الغد، قوي الخبر بقتل بجكم، ففتحت بابي، وفرج الله عني ~~المحنة. # فلما كان العشاء، أتاني رسول الخالة، ومعه الجارية، وقال: سيدتي تقرئك ~~السلام، وتقول لك: لم تدع جاريتك عندنا؟ قال: وإذا هي قد حملت معها، كل ما ~~كانت قد أخدمتنيه من فرش، وآله، وغير ذلك، من أشياء كثيرة جليلة المقدار. # وقالت: هذا جهاز الجارية، وأحب أن تقبله مني. # فقبلته، ورددت الرسول شاكرا، وقد من الله علي بالعود إلى أحسن حال. # PageV04P042 ### || تعذيب العمال المطالبين بضربهم بالمقارع ووضع الحجارة على أكتافهم # وذكر محمد بن عبدوس، في كتابه (كتاب الوزراء) ، قال: حدثني أحمد بن علي ~~بن بيان، قرابة ابن بسطام، قال: قال لي سليمان بن سهل البرقي، وكان أستاذ ~~أبي العباس بن بسطام. # انصرفت من بعض الأعمال، فألفيت عمر بن فرج يتقلد الديوان، وكان في نفسه ~~علي شيء، فأخفيت نفسي، وسترت أصحابي. # فطلبني، وأذكى العيون علي، فلم يصلوا إلي، فأمر أن يعمل لي مؤامرة تشتمل ~~على ثلاث مائة ألف. # وكانت بيني وبين نجاح بن سلمة مودة، فأنا في عشية من العشايا، في ~~استتاري، إذ وردت علي رقعة نجاح يأمرني بالمصير إليه. # فلما صرت إليه، قال لي: صر إلى عمر بن ms479 فرج، وسلم عليه، وعرفه أني قد بعثت ~~بك إليه. # قال: فقلت له: يا سيدي، انظر ما تقول، فإنه قد نذر دمي، فكيف أمضي إليه ~~هكذا؟ # PageV04P043 # فقال: نعم، اعلم أنه قال لي اليوم، إن فلسطين قد انغلقت علينا، وفسدت، مع ~~جلالتها، وقد أكلها العمال، وإنه في طلب من يكفيه أمرها، ويحفظ مالها، وليس ~~يعرف من يرضي كفايته. # فقلت له: إن أردت الكفاية، فهذا سليمان بن سهل، وفيه من الكفاية والإخلاص ~~والجد، ما لا يشك فيه، فلم عطلته، وأخفته؟ فقال: كيف لي به؟ فقلت: تؤمنه، ~~وتزيل ما عليه من المطالبة، وتقلده فلسطين، فإنه يكفيك، ويوفر عليك، ويجملك ~~فيما يتصرف لك فيه، وأنا أبعث به إليك. # فقال: ابعث به إلي، وهو آمن. # فصر إليه، فإنه لا يعرض لك إلا بما تحب. # فبكرت إليه، وهو في ديوانه، فلما دخلت صحن الدار، رأيت العمال على ~~أكتافهم الحجارة، والمقارع تأخذهم، فهالني ما رأيت. # PageV04P044 # فلما وصلت إليه، سلمت عليه، وقلت: إني كنت خادم أبي الفضل، أعني فرج ~~الرخجي، وأحد صنائعه. # فقال: لولا ما تمت به من هذه الخدمة، لكنت أحد هؤلاء الذين تراهم. # ثم رفع مصلاه، وأخرج الكتب بولايتي فلسطين، وسلمها إلي، وأمرني بكتمان ~~أمري عن الناس، والاستعداد للمسير. # فأخذت الكتب، وشخصت إلى هناك، فأرضيته، وقضيت حق نفسي. # PageV04P045 ### || الله يجزي سعيد الخير نائلة # حدثني أبو الفرج، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني أبو دلف هشام بن محمد ~~بن هارون بن عبد الله بن مالك الخزاعي، ومحمد بن الحسن الكندي، قالا: حدثنا ~~الخليل بن أسد، قال: أخبرني العمري، عن الهيثم بن عدي، عن الحسن بن عمارة، ~~عن الحكم بن عيينة: أن حارثة بن بدر الغداني، كان قد سعى في الأرض فسادا، ~~فنذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه دمه، فاستجار بأشراف ~~الناس، فلم يجره أحد. # فقيل له: عليك بسعيد بن قيس الهمداني، فلعله أن يجيرك. # PageV04P046 # فطلب سعيدا، فلم يجده، فجلس في طلبه، حتى جاء، فأخذ بلجام دابته، وقال: ~~أجرني، أجارك الله. # قال: مالك ويحك؟ قال: قد نذر ms480 أمير المؤمنين دمي. # فقال: أقم مكانك، وانصرف إلى أمير المؤمنين، فوجده قائما يخطب على ~~المنبر. # فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في ~~الأرض فسادا؟ قال: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ~~أو ينفوا من الأرض. # قال: يا أمير المؤمنين، إلا من تاب. # قال: إلا من تاب. # قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاءنا تائبا، وقد أجرته. # قال: أنت رجل من المسلمين، وقد أجرنا من أجرته. # ثم قال وهو على المنبر: أيها الناس، إني كنت قد نذرت دم حارثة بن بدر، ~~فمن لقيه فلا يعرض له. # فانصرف إليه سعيد، فأعلمه، وكساه، وحمله، وأجازه، فقال فيه حارثة شعرا: # الله يجزي سعيد الخير نائلة ... أعني سعيد بن قيس قرم همدان # أنقذني من شفا غبراء مظلمة ... لولا شفاعته ألبست أكفاني # قالت تميم بن مر لا تخاطبه ... وقد أبت ذلكم قيس بن عيلان # قال الحسن بن الهيثم: لم يكن يروي الحسن بن عمارة، من هذا الشعر، غير هذه ~~الأبيات، فأخذت الشعر كله من حماد الراوية، وقلت له: ممن أخذته؟ # PageV04P047 # فقال: من سماك بن حرب، وهو: # أساغ في الحلق ريقا كنت أجرضه ... وأظهر الله سري بعد كتمان # إني تداركني عف شمائله ... آباؤه حين ينمي خير قحطان # وذكر بقية الشعر والحديث، ولم يكن مما يدخل في كتابي هذا، فلم أسقه. # PageV04P048 ### || فإن نلتني حجاج فاشتف جاهدا # وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني عمي الحسن بن محمد، ~~قال: قال لي الكراني، عن الخليل بن أسد، عن العمري، عن عطاء , عن عاصم بن ~~الحدثان، قال: كان ابن نمير الثقفي، يشبب بزينب بنت يوسف بن الحكم، وكان ~~الحجاج أخوها يتهدده، ويقول: لولا أن يقول قائل، لقطعت لسانه. # فهرب إلى اليمن، ثم ركب بحر عدن، وقال في هربه: # أتتني عن الحجاج والبحر بيننا ... عقارب تسري والعيون هواجع # فضقت بها ذرعا وأجهشت خيفة ... ولم آمن الحجاج والأمر قاطع # وحل بي الخطب الذي جاءني به ... سميع فليست تستقر الأضالع # فبت أدير الأمر والرأي ليلتي ms481 ... وقد أخضلت خدي الدموع الهوامع # PageV04P049 # فلم أر لي خيرا من الصبر إنه ... أعف وأحرى إذ عرتني الفواجع # وما أمنت نفسي الذي خفت شره ... ولا طاب لي ما حببته المضاجع # إلى أن بدا لي رأس إسبيل طالعا ... وإسبيل حصن لم تنله الأصابع # فلي عن ثقيف إن هممت بنجوة ... مهامه تعفى بينهن الهجارع # وفي الأرض ذات العرض عنك ابن يوسف ... إذا شئت منأى لا أبا لك واسع # فإن نلتني حجاج فاشتف جاهدا ... فإن الذي لا يحفظ الله ضائع # قال: فطلبه الحجاج، فلم يقدر عليه، ثم طال على النميري مقامه هاربا، ~~واشتاق إلى وطنه فجاء حتى وقف على رأس الحجاج. # فقال له الحجاج: يا نميري، أنت القائل: # فإن نلتني حجاج فاشتف جاهدا # فقال: بل أنا أقول: # أخاف من الحجاج ما لست خائفا ... من الأسد العرباض لم يثنه ذعر # أخاف يديه أن تنال مفاصلي ... بأبيض عضب ليس من دونه ستر # وأنا الذي أقول: # فها أنا قد طوفت شرقا ومغربا ... وأبت وقد دوخت كل مكان # فلو كانت العنقاء عنك تطير بي ... لختلك إلا أن تصد تراني # قال: فتبسم الحجاج، وأمنه، وقال: لا تعاود إلى ما تعلم، وخلى سبيله # PageV04P050 ### || أسود راجل رزقه عشرون درهما بز في كرمه معن بن زائدة الشيباني # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين القرشي، قال: أخبرني حبيب بن نصر ~~المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: أخبرنا محمد بن نعيم ~~البلخي، أبو يونس، قال: حدثني مروان بن أبي حفصة، وكان لي صديقا، قال: كان ~~المنصور قد طلب معن بن زائدة الشيباني طلبا شديدا، وجعل فيه مالا. # فحدثني معن باليمن، أنه اضطر لشدة الطلب أن قام في الشمس، حتى لوحت وجهه، ~~وخفف من عارضيه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا من جمال النقالة، ~~وخرج عليه ليمضي إلى البادية، وقد كان أبلى في الحرب بين يدي ابن هبيرة ~~بلاء حسنا، فغاظ المنصور، وجد في طلبه. # PageV04P051 # قال معن: فلما خرجت من باب حرب، تبعني أسود، متقلدا سيفا، حتى إذا غبت عن ~~الحرس، ms482 قبض على خطام الجمل، فأناخه، وقبض علي. # فقلت: مالك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين. # فقلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين. # قال: أنت معن بن زائدة. # فقلت: يا هذا اتق الله، وأين أنا من معن بن زائدة. # فقال: دع عنك هذا، فأنا والله أعرف بك منك. # فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذل ~~المنصور لمن جاء بي، فخذه، ولا تسفك دمي. # فقال: هاته، فأخرجته إليه. # فنظر إليه ساعة، وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن ~~صدقتني أطلقتك. # فقلت: قل. # قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت قط مالك كله؟ قلت: لا. # قال: فنصفه؟ قلت: لا. # قال: فثلثه؟ # PageV04P052 # قلت: لا، حتى بلغ العشر. # فاستحييت، فقلت: أظن أني قد فعلت ذلك. # قال: ما أراك فعلته، وأنا والله راجل، ورزقي مع أبي جعفر عشرون درهما، ~~وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك ~~المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر ~~بعدها كل شيء تعمله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري، وخلى خطام ~~البعير، وانصرف. # فقلت له: يا هذا، قد والله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلته، فخذ ما ~~دفعته إليك، فإني عنه غني. # فضحك، وقال: أردت أن تكذبني في مقالي هذا، والله لا أخذته، ولا آخذ ~~لمعروف ثمنا أبدا، وتركني ومضى. # فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وضمنت لمن جاءني به ما شاء، فما عرفت له ~~خبرا، وكأن الأرض ابتلعته. # PageV04P053 ### || سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة # قال: وكان سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة، أنه لم يزل مستترا، حتى يوم ~~الهاشمية، ووثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، فوثب معن وهو متلثم، ~~وانتضى سيفه، فقاتل، وأبلى بلاء حسنا، وذب القوم عنه، والمنصور راكب على ~~بغلة ولجامها بيد الربيع. # فقال له: تنح، فإني أحق بلجامها في هذا الوقت. # فقال له المنصور: صدق، ادفعه إليه، فأخذه، ولم يزل ms483 يقاتل، حتى انكشفت تلك ~~الحال. # فقال له المنصور: من أنت لله أبوك؟ فقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين، ~~معن بن زائدة. # فقال: قد أمنك الله على نفسك ومالك، ومثلك يصطنع، ثم أخذه معه، وخلع ~~عليه، وحباه، وقربه. # ثم دعا به يوما، فقال: إني قد أهلتك لأمر، فانظر كيف تكون فيه؟ فقال: كما ~~تحب يا أمير المؤمنين، فولاه اليمن، وتوجه إليها، فبسط فيهم السيف، حتى ~~استووا. # PageV04P054 # قال مروان: وقدم معن بن زائدة بعقب ذلك على المنصور، فقال له، بعد كلام ~~طويل: قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيء، لولا مكانك عنده، ورأيه فيك، لغضب ~~عليك. # فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما تعرضت لسخطك، فقال: عطاءك ~~مروان بن حفصة، لقوله فيك: # معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا إلى شرف بنو شيبان # إن عد أيام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان # فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما أعطيته ما بلغك، لهذا الشعر، ولكن ~~لقوله: # ما زلت يوم الهاشمية معلنا ... بالسيف دون خليفة الرحمن # فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان # قال: فاستحيا المنصور، وقال: إنما أعطيت لمثل هذا القول؟ فقال: نعم، يا ~~أمير المؤمنين، ولولا مخافة الشنعة، لأمكنته من مفاتيح بيوت الأموال، ~~وأبحته إياها. # فقال المنصور: لله درك من أعرابي، ما أهون عليك ما يعز على الناس وأهل ~~الحزم. # PageV04P055 ### || قطن بن معاوية الغلابي يستسلم للمنصور # أخبرني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: أخبرني أيوب بن عمر بن أبي عثمان، عن ~~أبي سلمة الغفاري، قال: حدثنا قطن بن معاوية الكلابي، قال: كنت ممن سارع ~~إلى إبراهيم، فاجتهدت معه، فلما قتل، طلبني المنصور، فاستخفيت منه، فقبض ~~على أموالي ودوري. # ولحقت بالبادية، فجاورت في بني نضر بن معاوية، وبني كلاب، من بني فزارة، ~~ثم بني سليم، ثم تنقلت في بوادي قيس، أجاورهم. # حتى ضقت ذرعا بالاستخفاء، فأزمعت القدوم على أبي جعفر، والاعتراف له، ~~فقدمت البصرة، ونزلت في طرف ms484 منها. # ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء، وكان لي ودا، فشاورته في الأمر الذي ~~أزمعت عليه، فلم يقبل رأيي. # وقال: إذا يقتلك، وأنت المعين على نفسك. # فلم ألتفت إليه، وشخصت إلى بغداد، وقد بنى أبو جعفر مدينته، ونزلها، # PageV04P056 # وليس من الناس أحد يركب فيها، ما خلا المهدي. # فنزلت خانا، ثم قلت لغلماني: إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فأمهلوا ثلاثا، ~~فإن جئتكم، وإلا فانصرفوا. # ومضيت حتى دخلت المدينة، فجئت إلى دار الربيع، والناس ينتظرونه، وهو ~~حينئذ ينزل داخل المدينة، في الدار الشارعة على قصر الذهب. # فلم يلبث أن خرج يمشي، وقام إليه الناس، وقمت معهم، فسلمت عليه، فرد علي ~~السلام. # وقال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية. # فقال: انظر ما تقول؟ فقلت: أنا هو. # قال: فأقبل على مسودة كانوا معه، وقال: احتفظوا به. # قال: فلما حرست، لحقتني الندامة، وذكرت رأي أبي عمرو. # ودخل الربيع، فلم يطل حتى خرج خصي، فأخذ بيدي، فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى ~~بي إلى بيت، فأدخلني إليه، وأغلق الباب علي، وانطلق. # فاشتدت ندامتي، وأيقنت بالبلاء، وأقبلت على نفسي ألومها. # فلما كان وقت الظهر، أتاني الخصي بماء، فتوضأت، وصليت، وأتاني بطعام، ~~فأخبرته بأني صائم. # PageV04P057 # فلما كان وقت المغرب، أتاني بماء، فتوضأت، وصليت، وأرخى علي الليل سدوله، ~~فأيست من الحياة، وسمعت أبواب المدينة تغلق، فامتنع عني النوم. # فلما ذهب صدر من الليل، أتاني الخصي، ففتح عني، ومضى بي، فأدخلني صحن ~~دار، ثم أدناني من ستور مسدولة. # فخرج علينا خادم، وأدخلنا، فإذا أبو جعفر وحده، والربيع قائم ناحية. # فأكب أبو جعفر هنيهة، مطرقا، ثم رفع رأسه، فقال: هيه. # فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا قطن بن معاوية. # فقال: والله لقد جهدت عليك جهدي، حتى من الله علي بك. # فقلت: يا أمير المؤمنين، قد والله جهدت عليك جهدي، وعصيت أمرك، وواليت ~~عدوك، وحرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ~~ذنوبي تقتلني. # قال: فسكت هنيهة، ثم قال: أعد، فأعدت مقالتي. # قال: فإن أمير المؤمنين قد عفا ms485 عنك. # قال: فقلت: يا أمير المؤمنين إني أصير وراء بابك فلا أصل إليك، وضياعي ~~ودوري مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردها علي، فعل. # قال: فدعا بدواة، ثم أمر خادما له أن يكتب بإملائه، إلى عبد الملك بن ~~أيوب النميري، وهو يومئذ على البصرة: أن أمير المؤمنين قد رضي عن قطن بن ~~معاوية، وقد رد عليه ضياعه ودوره وجميع ما قبض عليه، فاعلم ذلك وأنفذه إن ~~شاء الله تعالى. # قال: ثم ختم الكتاب، ودفعه إلي، فخرجت من ساعتي، لا أدري أين # PageV04P058 # أذهب، فإذا الحرس بالباب، فجلست إلى جانب أحدهم. # فلم ألبث أن خرج الربيع، فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا؟ فقمت إليه. # فقال: انطلق أيها الرجل، فقد، والله، سلمت، ثم انطلق بي إلى منزله، ~~فعشاني، وفرش لي. # فلما أصبحت، ودعته، وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي. # فوجدت صديقا لي من الدهاقين، من أهل ميسان، قد اكترى سميرية لنفسه، ~~فحملني معه. # فقدمت على عبد الملك بن أيوب بكتاب أبي جعفر، فأقعدني عنده، فلم أقم حتى ~~رد علي جميع ما اصطفي لي. # وأخبرني بهذا الخبر أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأنباري، المعروف بأبن # PageV04P059 # زنجي، قال: حدثني أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثني ابن أبي ~~سعيد، قال: حدثنا ابن دريد، وذكر بإسناده مثله. # PageV04P060 ### || المأمون يغضب على إبراهيم الصولي ثم يرضى عنه # أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، فيما أجاز لي روايته عنه، بعدما ~~سمعته من حديثه، قال: أخبرني أبو بكر محمد بن سعيد الصوفي، قال: حدثني محمد ~~بن صالح بن النطاح، قال: لما عزم المأمون على الفتك بالفضل بن سهل، وندب ~~إليه عبد العزيز بن عمران الطائي، ومؤنسا البصري، وخلف المصري، وعلي بن أبي ~~سعيد السلميتي، وسراج الخادم، أنهي الخبر إلى الفضل، فعاتبه عليه. # PageV04P061 # فلما قتل الفضل، قيل للمأمون: إنه عرفه من جهة إبراهيم بن العباس الصولي، ~~فطلبه، فاستتر. # وكان إبراهيم عرف هذا الخبر من جهة عبد العزيز بن عمران، وكان الفضل قد ~~استكتب إبراهيم لعبد العزيز، فعلمه منه، فأخبر الفضل. ms486 # وتحمل إبراهيم بالناس على المأمون، وجرد في أمره هشام الخطيب، المعروف ~~بالعباسي، لأنه كان جريئا على المأمون، ولأنه رباه، وشخص إلى خراسان، في ~~فتنة إبراهيم ابن المهدي، فلم يجبه إلى ما سأل. # فلقيه إبراهيم بن العباس، مستترا، وسأله عما عمل في حاجته؟ فقال له هشام: ~~قد وعدني في أمرك بما تحب. # فقال له إبراهيم: أظن الأمر على خلاف هذا. # قال: لم؟ قال: لأن محلك عند أمير المؤمنين أجل من أن يعد مثلك شيئا ~~ويؤخره، ولكنك سمعت في ما لا تحب، فكرهت أن تغمني به، فقلت لي هذا القول، ~~فأحسن الله، على كل الأحوال، جزاءك. # فمضى هشام إلى المأمون، فعرفه خبر إبراهيم فعجب من فطنته، وعفا عنه. # PageV04P062 ### || الأمير سيف الدولة يصفح عن أحد أتباعه ويعيد إليه نعمته # حدثني عبد الله بن أحمد بن معروف، أبو القاسم، قال: كنت بمصر، وكان بها ~~رجل يعرف بالناضري، من تناء حلب، قد قبض سيف الدولة على ضيعته، وصادره. # فهرب منه إلى كافور الإخشيدي، فأجرى عليه جراية سابغة في كل شهر. # وكان يجري على جميع من كان يقصده، من الجرايات التي تسمى الراتب، وكان ~~مالا عظيما قدره في السنة خمس مائة ألف دينار، لأرباب النعم، وأجناس الناس، ~~ليس لأحد من الجيش، ولا من الحاشية، ولا من المتصرفين في الأعمال، شيء ~~منها. # قال: فجرى يوما ذكر هذا الناضري بحضرة كافور، وقيل له بأنه بغاء، وكثرت ~~عليه الأقاويل في ذلك، فأمر بقطع جرايته. # فرفع إليه قصة يشكو فيها انقطاع مادته، ويسأل التوقيع بإجرائه على رسمه. # PageV04P063 # فأمر فوقع على ظهرها: قد صح عندنا أنك رجل تصرف ما نجريه عليك فيما يكره ~~الله عز وجل، من فساد نفسك، وما نرى أن نعينك على ذلك، فالحق بحيث شئت، فلا ~~خير لك عندنا بعدها. # قال: فخرج التوقيع إلى الرجل، فغمه ذلك، وعمل محضرا أدخل فيه خط خلق كثير ~~ممن يعرفه، أنه مستور، وما قرف قط ببغاء. # وكتب رقعة إلى كافور، يحلف فيها بالطلاق والعتاق والأيمان الغليظة، أنه ~~ليس ببغاء، واحتج بالمحضر، وجعل ms487 الرقعة طي المحضر. # وقال فيها: إنه لم يكن يدفع إليه ما يدفع لأجل حفظه فرجه أو هتكه، وإنما ~~كان ذلك لأنه منقطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعمة، وإن الله عز وجل أقدر على ~~قطع أرزاق مرتكبي المعاصي، وما فعل ذلك بهم، بل رزقهم، وأمهلهم، وأمرهم ~~بالتوبة، وإنه إن كان ما قذف به صحيحا، فهو تائب إلى الله عز وجل منه، ~~وسأله رد رسمه إليه، ورفع القصة إلى كافور. # قال: فما أدري إلى أي شيء انتهى أمره، إلا أنه صار فضيحة وتحدث الناس ~~بحديثه. # واتفق خروجي من مصر، عقيب ذلك، إلى حضرة سيف الدولة، فلقيته بحلب، وجرت ~~أحاديث المصريين، وكان يتشوق أن يسمع حديث صغيرهم وكبيرهم، ويعجبه أن يذكر ~~له. # PageV04P064 # قال: فقلت: من عجيب ما جرى بها آنفا، أنه كان بها رجل يقال له الناضري، ~~وقصصت القصة عليه. # فضحك من ذلك ضحكا عظيما، وقال: هذا المشئوم بلغ إلى مصر؟ فقلت: نعم. # فقال لي محمد الأسمر النديم: اعلم أن هذا الرجل صديقي جدا، وقد هلك، ~~وافتقر، وفارق نعمته، فأحب أن تخاطب الأمير في أمره، عقيب ما جرى آنفا، ~~لأعاونك، فلعل الله عز وجل أن يفرج عنه. # فقلت: أفعل. # وأخذ سيف الدولة يسألني عن الأمر، فأعدت شرحه، وعاد، فضحك. # فقلت: أطال الله بقاء مولاي الأمير، قد سررت بهذا الحديث، ويجب أن يكون ~~له ثمرة، إما لي، وإما للرجل الذي تركته فضيحة بحلب، بما أخبرت من قصته، ~~زيادة على فضيحته بمصر. # فقال: إما لك، فنعم، وإما له، فلا يستحق، فإنه فعل وصنع، وجعل يطلق القول ~~فيه. # قال: فقلت له: فوائدي من مولانا متصلة، ولست أحتاج مع إنعامه، وترادف ~~إحسانه، إلى التسبب في الفوائد، ولكن إن رأى أن يجعلها لهذا المفتضح ~~المشئوم. # فقال: تنفذ إليه سفتجة بثلاثة آلاف درهم. # قال: فشكرته الجماعة، وخاطبته في أن يأذن له بالعودة إلى وطنه، ويؤمنه. # قال: فكتب أمانا له مؤكدا، وأذن له في العود. # قال: فغمزني الأسمر في الإستزادة. # فقلت: أطال الله بقاء مولانا الأمير، إن الثلاثة آلاف درهم لو ms488 أنفذت إلى # PageV04P065 # مصر، إلى أن يؤذن له في العود، ما كفته لمن يحمله على نفسه، لأن أكثر أهل ~~مصر بغاءون، وقد ضايقوه في الناكة، وغلبوه باليسار، فلا يصل هو إلى شيء إلا ~~بالغرم الثقيل. # قال: فأعجبه ذكر أهل مصر بذلك، فقال: كيف قلت هذا يا أخ؟ فقلت: إن ~~المياسير من أهل مصر، لهم العبيد العلوج، يأتونهم، لكل واحد منهم عدة ~~غلمان، والمتوسطون، يدعون العلوج، والزنوج، المشهورين بكبر الأيور، وينفقون ~~عليهم أموالهم، ولا يصل الفقير المتجمل إليهم. # ولقد بلغني أيضا، وأنا بمصر، أن رجلا من البغائين بها اشتد عليه حكاكه، ~~فطلب من يأتيه، فلم يقدر عليه، فخرج إلى قرية، ذكر أنها قريبة من مصر، ~~فأقام بها. # فكان إذا اجتاز به المجتازون، استغوى منهم من يختاره لهذا الحال، فحمله ~~على نفسه. # فكان يعيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكن من إرضائه بما لا يمكنه في مصر. # فعاش بذلك برهة، حتى جاء يوما بغاء آخر، فسكن معه في الموضع، فكان إذا ~~جاء الغلام الذي يصلح لهذا الشأن، تنافسا عليه، ففسد على الأول أمره. # فجاء إلى الثاني، فقال: يا هذا، قد أفسدت أمري، وأبطلت عملي، وإنما خرجت ~~من مصر، لأجل المنافسة في الناكة، وليس لك أن تقيم معي هاهنا. # فقال له الثاني: سواء العاكف فيه والباد، وما أبرح من هاهنا. # فقال له الأول: بيني وبينك شيخنا ابن الأعجمي الكاتب، رئيس البغائين # PageV04P066 # بمصر، وجذبه إلى حضرته، فتحاكما إليه. # فقال: إني لما كنت اشتد بي أمري الذي تعرفه، ومنعني فقري من اتخاذ الناكة ~~بمصر، عدلت إلى الموضع الفلاني، فعملت كذا، وقص عليه القصة، فجاء هذا، ~~وصنع، وقص عليه القصة، وشرح له أمره، فإن رأيت أن تحكم بيني وبينه، فاحكم. # فحكم ابن العجمي للأول، ومنع الثاني من المقام، وقال له: ليس لك أن تفسد ~~عليه عمله وناحيته، فاطلب لنفسك موضعا آخر. # فكيف يمكن للناضري، أيد الله مولانا الأمير، أن يستغني بثلاثة آلاف درهم ~~أمرت له بها في بلد هذه عزة الناكة فيه، وكثرة البغائين؟ هذا لو كان مقيما، ~~فكيف ms489 وقد أنعمت عليه بالإذن في المسير، ويحتاج إلى بغال يركبها في الطريق ~~بأجرة، ونفقة، وديون عليه يقضيها، ومؤن. # قال: فضحك ضحكا شديدا من حكاية البغائين، وحكم ابن العجمي بينهما، وكان ~~هذا من مشهوري كتاب مصر. # قال: فاجعلوها خمسة آلاف درهم. # قال: فقلت أنا والأسمر: فيعود الرجل، أطال الله بقاء مولانا الأمير، وقد ~~أنفقها في الطريق، إلى سوء المنقلب؟ وكان يعجبه أن يماكس في الجود، فيجود ~~مع المسألة، بأكثر مما يؤمل منه، ولكن مع السؤال، والدخول عليه مدخل المزاح ~~في ذلك، والطيبة، واقتضاء الغرماء بعضهم لبعض في ذلك، وما شابهه. # فقال: قد طولتم علي في أمر هذا الفاعل الصانع، أطلقوا له عن # PageV04P067 # ضيعته بأسرها، ووقعوا له بذلك إلى الديوان، وعن مستغله، ومروا من في ~~داره، بالخروج عنها، وتقدموا له بأن تفرش أحسن من الفرش الذي نهب له منها ~~لما سخط عليه. # قال: فأكبت الجماعة، يقبلون يديه ورجليه، ويحلفون أنهم ما رأوا، ولا ~~سمعوا، بمثل هذا الكرم قط، ويقولون: هذا مع سوء رأيك في الرجل، وسوء حديثه، ~~فما على وجه الأرض بغاء أقبل على صاحبه بسعد، مثل هذا. # قال: فضحك، ونفذت الكتب والتوقيعات بما ذكره ورسمه. # فلما كان بعد مدة، وأنا بحلب، جاء الرجل، وعاد إلى نعمته. # PageV04P068 ### || ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال # أخبرني أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن ~~عبد الرحمن بن واقد، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء، ~~قال: خرجت هاربا من الحجاج إلى مكة، فبينا أنا أطوف بالبيت، إذا أعرابي ~~ينشد: # يا قليل العزاء في الأحوال ... وكثير الهموم والأوجال # لا تضيقن في الأمور فقد ... يكشف غماؤها بغير احتيال # صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر راحة المحتال # ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # PageV04P069 # فقلت: مه؟ فقال: مات الحجاج. # قال: فلا أدري بأي القولين كنت أسر، بقوله: فرجة، بفتح الفاء، أو بموت ~~الحجاج. # ووجدت هذا الخبر بغير إسناد في بعض الكتب، وفيه: أن ms490 أبا عمرو بن العلاء ~~سمع أعرابيا ينشد هذه الأبيات: # يا قليل العزاء في الأهوال ... وكثير الهموم والأوجال # لا تضيقن في الأمور فقد ... تكشف غماؤها بغير احتيال # صبر النفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال # ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # قيل: والفرجة: من الفرج، والفرجة: فرجة الحائط. # ووجدت بخط أبي عبد الله بن مقلة، في كتاب الأبيات السائرة: قال # PageV04P070 # أمية بن أبي الصلت: # ربما تكره النفوس من الشيء ... لها فرجة كحل العقال # وقال القاضي أبو الحسين في كتابه: روى المدائني، عن الأصمعي، عن أبي عمرو ~~بن العلاء، قال: كنت مستخفيا من الحجاج بن يوسف الثقفي، فسمعت قائلا يقول: ~~مات الحجاج # ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # وقال القاضي: ووجدت أنا في كتاب المدائني، كتاب الفرج بعد الشدة والضيقة، ~~هكذا: حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا أبو عدنان، قال: حدثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى، عن ~~يونس بن حبيب، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كنت هاربا من الحجاج بن يوسف، ~~فصرت إلى اليمن، فسمعت منشدا ينشد: # ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # فاستطرفت قوله: فرجة، فأنا كذلك، إذ سمعت قائلا يقول: مات الحجاج، فلم ~~أدر بأي الأمرين كنت أشد فرحا، بموت الحجاج، أو بذلك البيت. # وأخبرني محمد بن الحسن بن المظفر بن الحسن، قال: حدثنا أبو عمر # PageV04P071 # محمد بن عبد الواحد الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، قال: أخبرنا أبو العباس ~~أحمد بن يحيى، ثعلب، عن أبي منصور ابن أخي الأصمعي، عن أبي عمرو ابن ~~العلاء، قال: كنت مستخفيا من الحجاج، وذلك أن عمي كان عاملا له، فهرب، فهم ~~بأخذي. # فبينا أنا على حال خوفي منه، إذ سمعت منشدا ينشد: # ربما تجزع النفوس من الأمر ... لها فرجة كحل العقال # وذكر الحديث، وزاد فيه: أن ثعلبا قال: إن أبا عمرو كان يقرأ: إلا من ~~اغترف غرفة، وفرجة، بفتح الفاء، شاهد في هذه ms491 القراءة. # PageV04P072 ### || الوليد بن عبد الملك يعفو عن القمير التغلبي # وذكر أبو الحسن المدائني، في كتابه، بغير إسناد، أن القمير التغلبي، قال ~~في الوليد بن عبد الملك # أتنسى يا وليد بلاء قومي ... بمسكن والزبيريون صيد # أتنسانا إذا استغنيت عنا ... وتذكرنا إذا صل الحديد # فطلبه الوليد، فهرب منه. # فلما ضاقت به البلاد، واشتد به الخوف، أتى دمشق مستخفيا، حتى حضر عشاء ~~الوليد، فدخل مع الناس. # فلما أكل الناس بعض الأكل، عرف القمير رجل إلى جانبه، فأخبر الوليد. # فدعا بالقمير، وقال له: يا عدو الله، الحمد لله الذي أمكنني منك بلا عقد ~~ولا ذمة، أنشدني ما قلت. # فتلكأ، ثم أنشده، فقال له الوليد: ما ظنك بي؟ فقال: إني قلت في نفسي، إن ~~أمهلت حتى أطأ بساطه، وآكل طعامه، فقد أمنت، وإن عوجلت قبل ذلك فقد هلكت، ~~وقد أمهلت حتى وطئت بساطك، يا أمير المؤمنين، وأكلت طعامك، فقد أمنت. # PageV04P073 # فقال له الوليد: فقد أمنت، فانصرف راشدا. # فلما ولى، تمثل الوليد قائلا: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # PageV04P074 ### || مزنة امرأة مروان الجعدي تلجأ إلى الخيزران جارية المهدي # حدثني طلحة بن محمد بن جعفر، المقرئ، الشاهد، قال: حدثني أبو عبد الله ~~الحرمي بن أبي العلاء، كاتب القاضي أبي عمر، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن ~~محمد بن طالب الديناري، قال: حدثني الفضل بن العباس بن يعقوب بن سعيد بن ~~الوليد بن سنان بن نافع، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: حدثني أبي، قال: ~~ما أتيت زينب بنت سليمان بن علي الهاشمي، قط، فانصرفت من عندها إلا بشيء ~~وإن قل. # وكان لها وصيفة يقال لها: كتاب، فعلقتها. # فقلت لأبي: أنا، والله، مشغول القلب بكتاب، جارية زينب. # فقال لي: يا بني اطلبها منها، فإنها لا تمنعك إياها. # فقلت: قد كنت أحب أن تكون حاضرا لتعينني عليها. # PageV04P075 # فقال: ليس بك إلي، ولا إلى غيري من حاجة. # فغدوت إليها، فلما انقضى السلام، قلت: جعلني الله فداك، فكرت في حاجة، ~~فسألت أبي أن يحضر كلامي إياك فيها، ms492 لأستعين به، فأسلمني، فقالت: يا بني، ~~إن حاجة لا تقضى لك حتى تحضر أباك فيها، لحاجة عظيمة القدر. # ثم قالت: ما هي؟ فقلت: كتاب، وصيفتك، أحب أن تهبيها لي. # فقالت: أنت صبي أحمق، اقعد، حتى أحدثك حديثا، أحسن من كل كتاب على وجه ~~الأرض، وأنت من كتاب على وعد. # فقلت: هاتي، جعلني الله فداك. # فقالت: كنت، من أول أمس، عند الخيزران، ومجلسي ومجلسها، إذا اجتمعنا، في ~~عتبة باب الرواق، وبالقرب منا في صدر المكان، برذعة، ووسادتان، ومسانيد، ~~عليها سبنية، لأمير المؤمنين. # وهو كثير الدخول إليها والجلوس عندها، فإذا جاء جلس في ذلك الموضع، وإذا ~~انصرف، طرحت عليه السبنية إلى وقت رجوعه، فإنا لجلوس، إذ دخلت عليها إحدى ~~جواريها، فقالت: يا ستي، بالباب امرأة ما رأيت أحسن منها وجها، ولا أسوأ ~~حالا، عليها قميص ما يستر بعضه موضعا من بدنها، إلا انكشف منها موضع آخر ~~غيره، تستأذن عليك. # PageV04P076 # فالتفتت إلي، وقالت: ما ترين؟ فقلت: تسألين عن اسمها، وحالها، ثم تأذنين ~~لها على علم، فقالت الجارية: قد والله جهدت بها كل الجهد، أن تفعل، فما ~~فعلت، وأرادت الانصراف، فمنعتها. # فقلت للخيزران: وما عليك أن تأذني لها، فأنت منها بين ثواب ومكرمة، فأذنت ~~لها. # فدخلت امرأة على أكثر مما وصفت الجارية، وهي مستخفية، حتى صارت إلى عضادة ~~الباب، مما يليني، وكنت متكئة. # فقالت: السلام عليكم، فرددنا عليها السلام. # ثم قالت للخيزران: أنا مزنة امرأة مروان بن محمد. # قالت: فلما وقع اسمها في أذني، استويت جالسة، ثم قلت: مزنة؟ قالت: نعم. # قلت: لا حياك الله، ولا قربك، الحمد لله الذي أزال نعمتك، وأدال عزك، ~~وصيرك نكالا وعبرة، أتذكرين يا عدوة الله، حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك ~~أن تكلمي صاحبك في إنزال إبراهيم بن محمد من خشبته، فلقيتيهن ذلك اللقاء، ~~وأخرجتيهن ذلك الإخراج، الحمد لله الذي أزال نعمتك. # PageV04P077 # فضحكت، والله، المرأة، حتى كادت تقهقه، وبدا لها ثغر، ما رأيت أحسن منه ~~قط. # وقالت: أي بنت عم، أي شيء أعجبك من حسن صنع الله بي ms493 على ذلك الفعل، حتى ~~أردت أن تتأسي بي، والله، لقد فعلت بنساء أهل بيتك، ما فعلت، فأسلمني الله ~~إليك جائعة، ذليلة، عريانة، فكان هذا مقدار شكرك لله تعالى على ما أولاك ~~في، ثم قالت: السلام عليكم. # ثم ولت خارجة تمشي خلاف المشية التي دخلت بها. # فقلت للخيزران: إنها مخبأة من الله عز وجل، وهدية منه إلينا، ووالله، يا ~~خيزران، لا يتولى إخراجها مما هي فيه أحد غيري. # ثم نهضت على أثرها، فلما أحست بي أسرعت، وأسرعت خلفها، حتى وافيتها عند ~~الستر، ولحقتني الخيزران، فتعلقت بها. # وقلت: يا أخت، المعذرة إلى الله، عز وجل، وإليك، فإني ذكرت، بمكانك، ما ~~نالنا من المصيبة بصاحبنا، فكان مني ما وددت أني غفلت عنه، ولم أملك نفسي. # وأردت معانقتها، فوضعت يدها في صدري، وقالت: لا تفعلي، يا أخت، فإني على ~~حال، أصونك من الدنو منها. # فرددناها، وقلت للجواري: ادخلن معها الحمام. # وقلت للمواشط: اذهبن معها، حتى تصلحن حفافها، وما تحتاج إلى # PageV04P078 # إصلاحه من وجهها. # فمضت، ومضين معها، ودعونا بكرسي، وجلسنا أنا والخيزران عليه، في صحن ~~الدار، ننتظر خروجها. # فخرجت إلينا إحدى المواشط وهي تضحك. # فقلت لها: ما يضحكك؟ فقالت: يا ستي، إنا لنرى من هذه المرأة عجبا. # فقلت: وما هو؟ فقالت: نحن معها في انتهار، وزجر، وخصومة، ما تفعلين أنت، ~~ولا ستنا، مثله إذا خدمناكما. # فقلت للخيزران: حتى تعلمين، والله، يا أختي أنها حرة رئيسة، والحرة لا ~~تحتشم من الأحرار. # وخرجت إلينا جارية أعلمتنا أنها قد خرجت من الحمام، فوجهت إليها الخيزران ~~أصناف الخلع، فتخيرت منها ما لبسته، وبعثنا إليها بطيب كثير، فتطيبت، ثم ~~خرجت إلينا. # فقمنا جميعا، فعانقناها، فقالت: الآن، نعم. # ثم جئنا إلى الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي، فأقعدناها فيه. # ثم قالت الخيزران: إن غداءنا قد تأخر، فهل لك في الطعام؟ فقالت: والله ما ~~فيكن من هي أحوج إليه مني. # فدعونا بالطعام، فجعلت تأكل، وتضع بين أيدينا، حتى كأنها في منزلها. # فلما فرغنا من الأكل، قالت لها الخيزران: من لك ممن ms494 تعنين به؟ قالت؛ ما ~~لي وراء هذا الحائط أحد من خلق الله تعالى. # PageV04P079 # فقالت لها الخيزران: فهل لك في المقام عندنا، علي أن نخلي لك مقصورة من ~~المقاصير، ويحول إليها جميع ما تحتاجين إليه، ويستمتع بعضنا ببعض؟ فقالت: ~~ما درت إلا على أقل من هذا الحال، وإذ قد تفضل الله، عز وجل، علي بكما، ~~وبهذه النعمة، فلا أقل من الشكر لأمير المؤمنين المهدي، لكل نعمة، ولكما، ~~فافعلي ما بدالك، وما أحببت. # فقامت الخيزران، وقمت معها، وأقمناها معنا، ودخلنا نطوف بالمقاصير، ~~فاختارت، والله، أوسعها، وأحسنها. # فملأتها الخيزران، بالجواري، والوصائف، والخدم، والفرش، والآلات، ثم ~~قالت: ننصرف عنك، وعليك بمنزلك، حتى تصلحيه، فخلفناها في المقصورة، ~~وانصرفنا إلى موضعنا. # فقالت الخيزران: إن هذه امرأة رئيسة، وقد عضها الفقر، وليس يملأ عينها ~~إلا المال، ثم بعثت إليها بخمسة آلاف دينار، ومائة ألف درهم. # وأرسلت إليها: تكون هذه في خزانتك، ووظيفتك، ووظيفة حشمك، قائمة في كل ~~يوم، مع وظيفتنا. # ثم لم نلبث أن دخل علينا المهدي، فقلت له: يا سيدي، لك، والله، عندي حديث ~~طريف. # فقال: ما هو؟ فحدثته بالخبر. # فلما قلت له ما كان مني، من الوثوب عليها، وإسماعها، اقشعر، واصفر. # ثم قال: يا زينب، هذا مقدار شكرك لربك عز وجل، وقد أمكنك من عدوك، وأظفرك ~~به، على هذا الحال الذي تصفين؟ والله، لولا مكانك مني، لحلفت أن لا أكلمك ~~أبدا، أين المرأة؟ قالت: فوفيته خبرها، فالتفت إلى الخيزران، يصوب فعلها، ~~وجزاها خيرا. # PageV04P080 # ثم قال لخادم بين يديه: احمل إليها عشرة آلاف دينار، ومائتي ألف درهم، ~~وبلغها سلامي، وأعلمها أنه لولا خوفي من احتشامها لسرت إليها مسلما عليها، ~~ومخبرا لها بسروري بها، فقل لها: أنا أخوك، وجميع ما ينفذ فيه أمري، فأمرك ~~فيه نافذ مقبول. # قالت زينب: فإذا هي قد وردت إلينا مع الخادم، وعلى رأسها دواج ملحم، حتى ~~جلست. # فلقيها المهدي أحسن لقاء، فأقعدها عنده ساعة، تحادثه، ثم انصرفت إلى ~~مقصورتها. # فهذا الحديث يا بني، خير لك من كتاب. # قال: فأمسكت. # فقالت لي: قد ms495 اغتممت؟ فقلت لها: ما أغتم، ما أبقاك الله عز وجل لي. # فقالت: الليلة توافيك كتاب. # فلما كان الليل، أنفذت بها إلي، ومعها ما يساوي أضعاف ثمنها من كل صنف من ~~الحلي، والرقيق، وغير ذلك. # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، هذا الخبر، فقال: روى أبو موسى محمد بن ~~الفضل عن أبيه، قال: كنت ألفت زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~أكتب عنها # PageV04P081 # أخبار أهلها، وكانت لها وصيفة يقال لها: كتاب. # فذكر الحديث بطوله، على خلاف في الألفاظ يسير، والمعنى واحد، ليس فيه ~~زيادة، إلا في ذكر المال، فإنه ذكر أن الذي حملته الخيزران خمس مائة ألف ~~درهم، وأن الذي حمله المهدي، ألف ألف درهم. # وأنه لما أتاها رسول المهدي، جاءت، فقالت: ما علي من أمير المؤمنين حشمة، ~~وما أنا إلا من خدمه. # وأن زينب قالت في أول الخبر: أتذكرين يا عدوة الله حين جاءك عجائز أهلي ~~يسألنك مسألة صاحبك بالإذن لنا في دفن صاحبنا إبراهيم الإمام، فوثبت عليهن. # ووجدت في كتاب آخر، هذا الخبر، بمثل هذا المعنى، على خلاف في الألفاظ، ~~منها ما وجدته في كتاب القاضي أبي جعفر بن البهلول التنوخي الأنباري، حكاه ~~عن الفضل بن العباس بمثل هذا المعنى، بغير إسناد متصل. # PageV04P082 ### || فر من إسحاق المصعبي فوجد كنزا # وذكر أبو الحسين القاضي في كتابه، قال: حدثني أبي، عن أبي الحسين عبد ~~الله بن محمد الباقطائي، قال: كنا نتعلم، ونحن أحداث، في ديوان إسحاق بن ~~إبراهيم الطاهري، ومعنا فتى من الكتاب، له خلق جميل، يعرف بأبي غالب. # فزور جماعة من الكتاب تزويرا بمال أخذوه، فوقف إسحاق على الخبر، فطلبهم، ~~فظفر ببعضهم، فقطع أيديهم، وهرب الباقون. # وكان فيمن هرب، الفتى الذي كنت ألزم مجلسه، فغاب سنين كثيرة، حتى مات ~~إسحاق. # فبينا أنا ذات يوم في بعض شوارع بغداد، فإذا به. # فقلت: أبو غالب؟ فقال: نعم، وإذا تحته دابة فاره، بسرج محلى، وثياب حسنة. # فقلت: عرفني حالك؟ قال: في المنزل. # فسرت معه، فاحتبسني ذلك اليوم عنده، ورأيت ms496 له مروءة حسنة، فسألته عن ~~خبره. # فقال: لما طلبنا إسحاق، استترت، فلما بلغني ما عامل به من كان معي في ~~الجناية، ضاقت علي بغداد، فخرجت على وجهي، خوفا من عقوبة إسحاق، إن ظفر بي. # ولم أزل مستخفيا، إلى أن أتيت ديار مصر، أطلب التصرف، فتعذر علي، وتفرق ~~من كان معي، إلا غلام واحد. # PageV04P083 # فرقت حالي جدا، حتى بعت ما في البيت عن آخره، على قلته. # فأصبحت يوما، فقال لي غلامي: أي شيء نعمل اليوم؟ ما معنا حاجة. # فقلت: خذ مبطنتي بعها، وأشتر لنا ما نحتاج إليه. # فخرج الغلام، وبقيت في الدار وحدي، أفكر فيما دفعت إليه من الغربة ~~والوحدة، والعطلة، والضيقة، والشدة، وتعذر المعيشة والتصرف، وكيف أصنع، ~~وممن أقترض، فكاد عقلي أن يزول. # فبينا أنا كذلك، وإذا بجرذ قد خرج من كوة في البيت، وفي فمه دينار، فوضعه ~~ثم عاد، فما زال كذلك، حتى أخرج ثمانين دينارا، فصفها، ثم جعل يتقلب عليها، ~~ويتمرغ، ويلعب. # ثم أخذ دينارا ودخل إلى الكوة، فخشيت إن تركته أن يردها جميعها إلى ~~الموضع الذي أخرجها منه، فقمت، وأخذت الدنانير، وشددتها. # وجاء الغلام، ومعه ما قد ابتاعه، فتغدينا، وقلت له: خذ هذا الدينار، ~~فابتع لنا فأسا. # فقال: ما نصنع به؟ فحدثته الحديث، وأريته الدنانير، وقلت له: قد عزمت على ~~أن أقلع الكوة. # ففعل ما أمرته به، وأفضى بنا الحفر إلى برنية فيها سبعة آلاف دينار. # فأخذتها وأصلحت الموضع كما كان، وخرجت إلى بغداد، بعد أن أخذت بالمال ~~سفاتج، وتركت بعضه معي. # PageV04P084 # وأنفذت الغلام بالسفاتج إلى بغداد، وأقمت، حتى ورد علي كتاب الغلام بصحة ~~السفاتج، وتحصيل المال في بيتي، وكان إسحاق قد مات. # فانحدرت إلى بغداد، وابتعت بالمال كله ضيعة، ولزمتها، فأثمرت، ونمت، ~~وتركت التصرف. # PageV04P085 ### || أبو أمية الفرائضي يخلص رجلا من القتل # وحكى أبو أمية الفرائضي، قال: كنت في الوفد الذي وفد على أبي جعفر من أهل ~~البصرة، فلما مثلنا بين يديه، دعا برجل، فكلمه، ثم أمر بضرب عنقه، فجذب ~~ليقتل. # فقلت في نفسي: يقتل رجل من ms497 المسلمين، وأنا حاضر فلا أتكلم؟ فقمت، فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تأمر بالكف عن قتل هذا، حتى أخبرك بشيء سمعت ~~الحسن يقوله. # فأمر بالكف عنه، وقال: قل. # قلت: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان ~~يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخرين، في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ~~ويسمعهم المنادي، ثم يقوم مناد من قبل الله تعالى، فيقول: ألا من كان له ~~على الله حق فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". # فقال أبو جعفر: الله الشاهد عليك، أنك سمعت الحسن يقول ذلك؟ قلت: نعم، ~~سمعته يقوله، فعفا عن الرجل، وأطلقه، فانصرف الرجل وهو يحمد الله على ~~السلامة. # PageV04P086 ### || المهدي يحتج على شريك برؤيا رآها في المنام # وحكى الحسن بن قحطبة، قال: استؤذن لشريك بن عبد الله القاضي، على المهدي، ~~وأنا حاضر، فقال: علي بالسيف، فأحضر. # قال الحسن: فاستقبلتني رعدة لم أملكها، ودخل شريك، فسلم، فانتضى المهدي ~~السيف، وقال: لا سلم الله عليك يا فاسق. # فقال شريك: يا أمير المؤمنين، إن للفاسق علامات يعرف بها، شرب الخمور، ~~وسماع المعازف، وارتكاب المحظورات، فعلى أي ذلك وجدتني؟ قال: قتلني الله إن ~~لم أقتلك. # قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين، ودمي حرام عليك؟ قال: لأني رأيت في ~~المنام، كأني مقبل عليك أكلمك، وأنت تكلمني من قفاك، فأرسلت إلى المعبر، ~~فسألته عنها، فقال: هذا رجل يطأ بساطك، وهو يسر خلافك. # فقال شريك: يا أمير المؤمنين، إن رؤياك ليست رؤيا يوسف بن يعقوب عليهما ~~السلام، وإن دماء المسلمين لا تسفك بالأحلام. # PageV04P087 # فنكس المهدي رأسه، وأشار إليه بيده: أن أخرج، فانصرف. # قال الحسن: فقمت فلحقته، فقال: أما رأيت صاحبك، وما أراد أن يصنع؟ فقلت: ~~اسكت، لله أبوك، ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثلك. # PageV04P088 ### || إن من البيان لسحرا # وحكى الحسن بن محمد، قال: قال أحمد بن أبي داؤد: ما رأيت رجلا قط نزل به ~~الموت، وعاينه، فما أدهشه، ولا أذهله، ولا أشغله عما كان أراده، وأحب أن ~~يفعله، حتى بلغه، وخلصه الله ms498 تعالى من القتل، إلا تميم بن جميل الخارجي، ~~فإنه كان تغلب على شاطئ الفرات، فأخذ، وأتي به إلى المعتصم بالله. # فرأيته بين يديه، وقد بسط له النطع والسيف، فجعل تميم ينظر إليهما، وجعل ~~المعتصم يصعد النظر فيه، ويصوبه. # وكان تميم رجلا جميلا، وسيما، جسيما، فأراد المعتصم أن يستنطقه، لينظر ~~أين جنانه ولسانه، من منظره ومخبره. # فقال له المعتصم: يا تميم، تكلم، إن كان لك حجة أو عذر فأبده. # فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين بالكلام، فأقول: الحمد لله الذي أحسن كل ~~شيء خلقه، وقد خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، يا ~~أمير المؤمنين، جبر الله بك صدع الدين، ولم شعث المسلمين، وأخمد بك شهاب ~~الباطل، وأوضح نهج الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وأيم ~~الله، لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وكبر الجرم، # PageV04P089 # وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك، أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني ~~وأسرعهما إلي، أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، وأنت إلى العفو أقرب، ~~وهو بك أشبه وأليق، ثم تمثل بهذه الأبيات: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت # ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت # يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يهز علي السيف فيه وأسكت # وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء موقت # ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا حر الوجوه وصوتوا # فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الأذى عنهم وإن مت موتوا # فكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت # قال: فتبسم المعتصم، ثم قال: أقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن من البيان لسحرا» . # ثم قال: يا تميم كاد والله أن يسبق السيف العذل، اذهب، فقد غفرت لك ~~الهفوة، وتركتك للصبية، ووهبتك لله ولصبيتك. # ثم أمر بفك قيوده، وخلع عليه، وعقد له ms499 على ولاية على شاطئ الفرات، وأعطاه ~~خمسين ألف دينار. # PageV04P090 ### || سقى معن بن زائدة أسراه ماء فأطلقهم لأنهم أصبحوا أضيافه # وحكي أن معن بن زائدة، جيء إليه بثلاث مائة أسير، فأمر بضرب أعناقهم، ~~وأحضر السياف، والنطع. # فقدم واحد منهم، فقتل، ثم قدم غلام منهم، وكان له فهم وبلاغة. # فقال: يا معن، لا تقتل أسراك وهم عطاش. # فقال: اسقوهم ماء، فشربوا. # فقال: أيها الأمير، أتقتل أضيافك؟ فقال: خلوا عنهم، فأطلقوا كلهم. # PageV04P091 ### || فتى بغدادي قدم للقتل وسئل ما يشتهي فطلب رأسا حارا ورقاقا # وحكى محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حضرت العرض في مجلس الجانب الشرقي ~~ببغداد، أيام نازوك، فأخرج خليفة نازوك على المجلس جماعة، فقتل بعضهم. # ثم أخرج غلاما حدث السن، مليح المنظر، فرأيته لما وقف بين يدي خليفة ~~نازوك، تبسم. # فقلت: يا هذا، أحسبك رابط الجأش، لأني أراك تضحك في مقام يوجب البكاء، ~~فهل في نفسك شيء تشتهيه؟ فقال: نعم، أريد رأسا حارا ورقاقا. # فسألت صاحب المجلس أن يؤخر قتله إلى أن أطعمه ذلك، ولم أزل ألطف # PageV04P092 # به، إلى أن أجاب، وهو يضحك مني، ويقول: أي شيء ينفع هذا، وهو يقتل؟ قال: ~~وأنفذت من أحضر الجميع بسرعة، واستدعيت الفتى، فجلس يأكل غير مكترث بالحال، ~~والسياف قائم، والقوم يقدمون، فتضرب أعناقهم. # فقلت: يا فتى، أراك تأكل بسكون، وقلة فكر. # فأخذ قشة من الأرض، فرمى بها، رافعا يده، وقال وهو يضحك: يا هذا، إلى أن ~~تسقط هذه إلى الأرض مائة فرج. # قال: فوالله، ما استتم كلامه، حتى وقعت صيحة عظيمة، وقيل: قد قتل نازوك. # وأغارت العامة على الموضع، فوثبوا بصاحب المجلس، وكسروا باب الحبس، وخرج ~~جميع من كان فيه. # فاشتغلت أنا عن الفتى، وجميع الأشياء، بنفسي، حتى ركبت دابتي مهرولا، ~~وصرت إلى الجسر، أريد منزلي. # فوالله، ما توسطت الطريق، حتى أحسست بإنسان قد قبض على إصبعي برفق، وقال: ~~يا هذا، ظننا بالله، عز وجل، أجمل من ظنك، فكيف رأيت لطيف صنعه. # فالتفت، فإذا الفتى بعينه، فهنأته بالسلامة، فأخذ يشكرني على ما فعلته، ~~وحال ms500 الناس والزحام بيننا، وكان آخر عهدي به. # PageV04P093 ### || أشرف يحيى البرمكي على القتل فخلصه إبراهيم الحراني وزير الهادي # وحكي: أن موسى الهادي كان قد طالب أخاه هارون أن يخلع نفسه من العهد، ~~ليصيره لابنه من بعده، ويخرج هارون من الأمر، فلم يجب إلى ذلك. # وأحضر يحيى بن خالد البرمكي، ولطف به، وداراه، ووعده ومناه، وسأله أن ~~يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه مدة. # فتهدده وتوعده، وجرت بينهما في ذلك خطوب طويلة، وأشفى يحيى معه على ~~الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه. # إلى أن اعتل الهادي، علته التي مات منها، واشتدت به، فدعا يحيى، وقال له: ~~ليس ينفعني معك شيء، وقد أفسدت أخي علي، وقويت نفسه، حتى امتنع مما أريده، ~~ووالله لأقتلنك، ثم دعا بالسيف والنطع، وأبرك يحيى، ليضرب عنقه. # فقال إبراهيم بن ذكوان الحراني: يا أمير المؤمنين: إن ليحيى # PageV04P094 # عندي يدا، أريد أن أكافئه عليها، فأحب أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد ~~تفعل به ما تحب. # فقال له: ما فائدة ليلة؟ فقال: إما أن يقود صاحبه إلى إرادتك يا أمير ~~المؤمنين، أو يعهد في أمر نفسه وولده، فأجابه. # قال يحيى: فأقمت من النطع، وقد أيقنت بالموت، وأيقنت أنه لم يبق من أجلي ~~إلا بقية الليلة، فما اكتحلت عيناي بغمض إلى السحر. # ثم سمعت صوت القفل يفتح علي، فلم أشك أن الهادي قد استدعاني للقتل، لما ~~انصرف كاتبه. # وانقضت الليلة، وإذا بخادم قد دخل إلي، وقال: أجب السيدة. # فقلت: ما لي وللسيدة؟ فقال: قم، فقمت، وجئت إلى الخيزران. # فقالت: إن موسى قد مات، ونحن نساء، فادخل، فأصلح شأنه، وأنفذ إلى هارون، ~~فجئ به. # فأدخلت، فإذا به ميتا، فحمدت الله تعالى على لطيف صنعه، وتفريج ما كنت ~~فيه، وبادرت إلى هارون، فوجدته نائما، فأيقظته. # فلما رآني، عجب، وقال: ويحك ما الخبر؟ قلت: قم يا أمير المؤمنين إلى دار ~~الخلافة. # فقال: أو قد مات موسى؟ قلت: نعم. # فقال: الحمد لله، هاتوا ثيابي، فإلى أن لبسها، جاءني من عرفني ms501 أنه # PageV04P095 # ولد له ولد من مراجل، ولم يكن عرف الخبر، فسماه عبد الله، وهو المأمون ~~وركب، وأنا معه، إلى دار الخلافة. # ومن العجب أن تلك الليلة، مات فيها خليفة، وجلس خليفة، وولد خليفة. # PageV04P096 ### || رمي من أعلى القلعة أولا وثانيا فنجا وسلم # وحكى الشريف أبو الحسن محمد بن عمر العلوي الزيدي، قال: لما حصلت محبوسا ~~بقلعة خست بنواحي نيسابور، من فارس، حين حبسني عضد الدولة بها، كان صاحب ~~القلعة الذي أسلمت إليه يؤنسني بالحديث. # فحدثني يوما: أن هذه القلعة كانت في يد رجل كان راعيا بهذه البلاد، ثم ~~صار قائدا، واحتوى عليها، فصارت له معقلا، وانضم إليه اللصوص، فصار يغير ~~بهم على النواحي، فيخرجون، ويقطعون الطريق، وينهبون القرى، ويفسدون، ~~ويعودون إلى القلعة، فلا تمكن فيهم حيلة، إلى أن قصدهم أبو الفضل ابن ~~العميد، وحاصرهم مدة، وافتتحها، وسلمها إلى عضد الدولة. # قال: فكان في محاصرة أبي الفضل لهم، ربما نزلوا وحاربوه، فظفر منهم # PageV04P097 # في وقعة كانت بينه وبينهم بنحو خمسين رجلا، فأراد قتلهم قتلة يرهب بها من ~~في القلعة. # قال: وهي على جبل عظيم، حياله بالقرب منه جبل آخر أعظم منه، وعليه نزل ~~أبو الفضل. # فأمر بالأسارى، فرمي بهم من رأس الجبل الذي عليه القلعة، فيصل الواحد ~~منهم إلى القرار قطعا، قد قطعته الأضراس الخارجة في الجبل والحجارة. # ففعل ذلك بجميعهم، حتى بقي غلام حين بقل وجهه، فلما طرح وصل إلى الأرض ~~سالما، فما لحقه مكروه، وقد تقطع حبل كتافه، فقام الغلام يمشي في قيده ~~طالبا الخلاص. # فكبر الديلم، وأهل عسكر أبي الفضل تعظاما للصورة، وكبر أهل القلعة. # فاغتاظ أبو الفضل، وأمر برد الغلام، فنزل من جاء به، فأمر أن يكتف ويرمى ~~ثانية. # فسأله من حضر أن يعفو عن الغلام، فلم يفعل، وألحوا عليه، فحلف أنه لا بد ~~أن يطرحه ثانية، فأمسكوا. # وطرح الغلام، فلما بلغ القرار قام يمشي سالما، وارتفع من التكبير ~~والتهليل أضعاف ما ارتفع أولا. # فقال الحاضرون: هل بعد هذا شيء؟ وسألوه العفو عنه، وبكى بعضهم. # فاستحى أبو الفضل ms502 وعجب، وقال: ردوه آمنا، فردوه. # فأمر بقيوده ففكت، وبثياب فطرحت عليه، وقال له: أصدقني عن سريرتك مع ~~الله، عز وجل، التي نجاك بها هذه النجاة. # PageV04P098 # فقال: ما أعلم لي حالا توجب هذا، إلا أني كنت غلاما أمردا، مع أستاذي ~~فلان، الذي هو أحد من قتل الساعة، وكان يأتي مني الفاحشة، ويخرجني معه، ~~فنقطع الطريق، ونخيف السبيل، ونقتل الأنفس، وننهب الأموال، ونهتك الحرم، ~~ونفجر بهن، ونأخذ كل ما نجد، لا أعرف غير هذا. # فقال له أبو الفضل: كنت تصوم وتصلي؟ قال: ما كنت أعرف الصلاة، ولا صمت ~~قط، ولا فينا من يصوم. # فقال له: ويلك، فما هذا الأمر الذي نجاك الله به، فهل كنت تتصدق؟ قال: ~~ومن كان يجئنا حتى نتصدق عليه؟ قال: ففكر، واذكر شيئا، إن كنت فعلته لله عز ~~وجل، وإن قل. # ففكر الغلام ساعة، ثم قال: نعم، سلم إلي أستاذي منذ سنين، رجلا كان أسره ~~في بعض الطرقات، بعد أن أخذ جميع ما معه، وصعد به إلى القلعة. # وقال له اشتر نفسك بمال تستدعيه من بلادك وأهلك، وإلا قتلتك. # فقال الرجل: ما أملك من الدنيا كلها غير ما أخذته مني. # فعذبه أياما وهو لا يذعن بشيء. # ثم جد به يوما في العذاب جدا شديدا، فحلف الرجل بالله تعالى، وبالطلاق، ~~وبأيمان غليظة، أنه لا يملك من الدنيا إلا ما أخذه منه، وأنه ليس له في ~~بلده إلا نفقة جعلها لعياله، قدرها نفقة شهر، إلى أن يعود إليهم، وأن ~~الصدقة الآن تحل له ولهم، واستسلم الرجل للموت. # فلما وقع في نفس أستاذي أنه صادق، قال: انزل به، وامض إلى الموقع ~~الفلاني، فاذبحه، وجئني برأسه. # فأخذت الرجل، وحدرته من القلعة، فلما رآني أعسفه، قال لي: إلى أين تمضي ~~بي؟ وأي شيء تريد مني؟ فعرفته ما أمرني به أستاذي، فجعل يبكي، ويلطم، ~~ويتضرع، ويسألني أن لا أفعل، ويناشدني الله عز وجل، وذكر لي # PageV04P099 # أن له بنات أطفالا، لا كاد لهم ولا كاسب سواه، وخوفني بالله عز وجل، ~~وسألني أن أطلقه. # فأوقع الله ms503 تعالى رحمة له في قلبي، فقلت له: إن لم أرجع إليه برأسك ~~قتلني، ولحقك فقتلك. # فقال: يا هذا أطلقني أنت، ولا تعد إلى صاحبك إلا بعد ساعة، وأعدو أنا فلا ~~يلحقني، وإن لحقني، كنت أنت قد برأت من دمي، وصاحبك لا يقتلك مع محبته لك، ~~فتكون قد أجرت في. # فازدادت رحمتي له، فقلت له: خذ حجرا، فأضرب به رأسي، حتى يسيل دمي، وأجلس ~~ها هنا، حتى أعلم أنك قد صرت على فراسخ، ثم أعود أنا إلى القلعة. # فقال: لا أستحسن أن أكافئك على خلاصي بأن أشجك. # فقلت: لا طريق إلى خلاصك، وخلاص نفسي، إلا هكذا. # ففعل، وتركني، وطار عدوا، وجلست في موضعي، حتى وقع لي أنه صار على فراسخ ~~كثيرة، وجئت إلى أستاذي غريقا بدمائي. # فقال: ما بالك، وأين الرأس؟ فقلت: سلمت إلي شيطانا، لا رجلا، ما هو إلا ~~أن حصل معي في الصحراء حتى صارعني، فطرحني إلى الأرض، وشدخني بالحجارة، كما ~~ترى، وطار يعدو، فغشي علي، فمكثت في موضعي إلى الآن، فلما رقأ دمي، ورجعت ~~قوتي، جئتك. # فأنزل خلقا وراءه، فعادوا من غد، وفتشوا عليه، فما وقفوا له على أثر، فإن ~~يكن الله تعالى، قد خلصني لشيء فعلته، فلهذا. # PageV04P100 # قال: فجعله أبو الفضل راجلا على بابه برزق له قدر، واصطنعه. # قال لي الشريف: وحدثني بهذا الخبر جماعة ممن كانوا في القلعة، وغيرهم ممن ~~شاهدوا القصة، ومنهم من أخبر عمن شاهدها، ووجدت الخبر بعده شائعا بفارس. # PageV04P101 ### || سقط من علو ألف ذراع ونهض سالما # وقريب من هذا ما حدثني به الشريف أبو الحسن، أيده الله، قال: كان رجل ~~بالكوفة، سماه، وأنسيت أنا اسمه، مشهور بها، يجيء إلى إصبع خفان، وهو بناء ~~قديم مشهور بنواحي الكوفة، كالقائم، يقال إنه كان مرقبا للأكاسرة على ~~العرب، وهو مجوف، وفي داخله درجة، فيصعدها إلى أن يسمو فيه على تسعين ~~ذراعا، ثم لا يبقى موضع صعود لأحد، وهناك سطيح حراس المنارة، ويقف الإنسان ~~فيه، وله منافذ يرى منها البر، وتكون المنافذ إلى أسفل صدر القائم فيه، ms504 ~~وعلى باقي البناء قبة كالبيضة، لا يصل إليها من يكون هناك، كما تكون رءوس ~~المنائر. # PageV04P102 # وكان هذا الرجل يخرج نفسه من بعض المنافذ، ويقلب فيصير فوق البيضة بحذق ~~ولطف قد تعودهما، وكان قد جعل قديما فوق البيضة حجر مدور كالرحى، له سفود ~~حديد، لا يعرف الغرض من تصييره هناك لطول الزمان، فيقلب الرجل نفسه من ~~النافذة، فيقعد فوق تلك الرحى، وكان القائم مبنيا على حرف النجف، وطوله إلى ~~بطن النجف أكثر من ألف ذراع أو نحوه، فيصير الرجل عاليا علوا عظيما، ويعجب ~~الناس من ذلك، ويأخذه عليه منهم البر. # وإن رجلا أتاه وهو متنبذ، فأعطاه شيئا ليصعد للقائم، ففعل ذلك جاريا على ~~عادته، فلغلبة النبيذ عليه لم يتحرز التحرز التام لما أخرج نفسه من أحد ~~المنافذ لينقلب على الرحى، فاضطرب جسمه وعلق بالرحى، وجاء ليركبه، فانقلع ~~الرحى معه، وهويا جميعا من ذلك العلو المفرط إلى بطن النجف، ولثقل الحجر، ~~وأن الرجل لم يكن تحته، ما سبق الحجر إلى الأرض، فتقطع قطعا، ودخلت الريح ~~في ثياب الرجل، ورآه الناس فصاحوا، وكبروا عجبا، والريح تحمل الرجل على ~~مهل، حتى طرحته في قرار النجف، فقام يمشي، ما أصابه شيء ألبتة، حتى صعد من ~~موضع سهل أمكنه الصعود منه إلى إصبع خفان. # وحدثني أن هذا شائع ذائع بالكوفة، لم يكن في عمره، ولكن أخبر به جماعة ~~كبيرة من شيوخ الكوفة. # PageV04P103 ### || بين المهدي ويعقوب بن داود # وقرئ على أبي بكر الصولي، وأنا حاضر أسمع، حدثكم الحسن العنبري، قال: أمر ~~المهدي بيعقوب بن داود الكاتب، بعد أن نكبه، أن يؤتى به إليه، فجاء، وقد ~~انتضى له السيف. # فقال: يا يعقوب. # قال: لبيك يا أمير المؤمنين، تلبية مكروب لموجدتك، شرق بغضبك. # فقال: ألم أرفع قدرك وأنت خامل، وأسير ذكرك وأنت غافل، وألبسك من نعم ~~الله ونعمي، ما لم أجد عندك طاقة لحمله، ولا قياما بشكره، فكيف رأيت الله ~~أظهر عليك، ورد كيدك إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت قلت هذا بعلم ~~ويقين، فأنا معترف، وإن كان ms505 بسعاية الساعين، فأنت بما في أكثرها عالم، وأنا ~~عائذ بكرمك، وعميم شرفك. # فقال: لولا ما سبق لك من رعايتي لاستحقاقك، لألبستك من الموت قميصا، ~~اذهبوا به إلى المطبق. # فذهبوا به وهو يقول: الاختلاط رحم، والوفاء كرم، وما على العفو يذم، وأنت ~~بالمحاسن جدير، وأنا بالعفو خليق. # فلم يزل محبوسا، حتى أطلقه الرشيد. # PageV04P104 # قال الصولي: ولما أوقع المهدي بيعقوب بن داود، أحضر إسحاق بن الفضل بن ~~عبد الرحمن الربعي الهاشمي. # فقال له: أتزعم أنكم الكبراء من ولد عبد المطلب، لأن الحارث أباكم أكبر ~~ولده، ولذلك صرت أحق بالخلافة مني؟ فقال إسحاق: على من قال هذا، أو نواه، ~~لعنة الله، وإذا صح علي هذا، فاقتلني. # فقال: يعقوب بن داود، قال لي هذا عنك. # فقلت في نفسي: يعقوب قد قتل، ولم أشك في ذلك، فقد أمنت من أن يبهتني. # فقلت: يا أمير المؤمنين، إن واجهني يعقوب بهذا فقد اعترفت به. # فأحضر يعقوب مقيدا، فقال له: أما أخبرتني عن إسحاق بكذا؟ قال إسحاق: ~~فأحسست، والله، بالموت، إلى أن قال يعقوب: والله، ما قلت لك هذا قط. # قال: بلى والله. # قال: لا والله، فاغتاظ المهدي. # فقال له يعقوب: إن أذكرتك القول في هذا، تزيل التهمة عني؟ قال: نعم. # قال: أتذكر يوم شاورتني في أمر مصر، فأشرت عليك بإسحاق. # فقلت: ذاك يزعم أنه أولى بالخلافة مني، وقد كان مبارك التركي حاضرا ذلك، ~~فاسأله، فذكر المهدي ذلك. # ثم أقبل المهدي يوبخ يعقوب على أفعاله، ويعقوب يقوم بالحجة. # إلى أن قال له يعقوب: يا أمير المؤمنين، أتذكر حيث أعطيتني عهد الله ~~وميثاقه، وذمة رسوله، وذمة آبائك، أن لا تقتلني، ولا تحبسني، ولا تضربني # PageV04P105 # أبدا، ولو قتلت موسى وهارون. # قال: فوثب المهدي من مجلسه، ورد يعقوب إلى حبسه، وخرجت أنا. # PageV04P106 ### || جزاء الخيانة # وحكى أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق التنوخي: أن رجلا أمسى في بعض محال ~~الجانب الغربي من مدينة السلام، ومعه دراهم لها قدر. # فخاف على نفسه من الطائف، أو من بلية تقع عليه، فصار إلى رجل من ms506 أهل ~~الموضع، وسأله أن يبيته عنده، فأدخله. # فلما تيقن أن معه مالا، حدث نفسه بقتله، وأخذ المال. # وكان له ابن شاب، فنومه بحذاء الرجل، في بيت واحد، ولم يعلم ابنه ما في ~~نفسه، وخرج من عندهما، وقد عرف مكانهما، وطفئ السراج. # فقدر أن الابن انتقل من موضعه إلى موضع الضيف، وانتقل الضيف إلى موضع ~~الابن، وجاء أبوه يطلب الضيف، فصادف الابن فيه، وهو لا يشك أنه الضيف، ~~فخنقه، فاضطرب، ومات. # وانتبه الضيف باضطرابه، وعرف ما أريد به، فخرج هاربا، وصاح في الطريق، ~~ووقف الجيران على خبره، وأغاثوه، وخرجوا إليه. # وأخذ الرجل، فقرر، فأقر بقتل ولده، فحبس، وأخذ المال من داره، فرد على ~~الضيف، وسلم. # PageV04P107 ### || الخائن لا يؤتمن # قال مؤلف هذا الكتاب: وقد جرى في عصرنا مثل هذا، فحدثني مبشر الرومي، ~~قال: لما خرج معز الدولة في سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة، وانهزم ناصر ~~الدولة من بين يديه، أنفذني مولاي، لأكون بحضرته، وحضرة أبي جعفر الصيمري ~~كاتبه، وأوصل كتبه إليهما. # فسمعت حاشية الصيمري، يتحدثون: أنه جاء إليه ركابي من ركابيته، وقال له: ~~أيها الأمير، إن قتلت لك ناصر الدولة، أي شيء تعطيني؟ قال له: ألف دينار. # قال: فأذن لي أن أمضي وأحتال في اغتياله، فأذن له. # فمضى إلى أن دخل عسكره، وعرف موضع مبيته من خيمته، فرصد الغفلة حتى دخلها ~~ليلا، وناصر الدولة نائم، وبالقرب من مرقده شمعة مشتعلة، وفي الخيمة غلام ~~نائم. # فعرف موضع رأسه من المرقد، ثم أطفأ الشمعة، واستل سكينا طويلا ماضيا كان ~~في وسطه، وأقبل يمشي في الخيمة، ويتوقى أن يعثر بالغلام، وهو يريد موضع ~~ناصر الدولة. # فإلى أن وصل إليه انقلب ناصر الدولة من الجانب الذي كان نائما عليه، إلى ~~الجانب الآخر، وزحف في الفراش، فصار رأسه على الجانب الآخر من # PageV04P108 # المخاد والفراش، وبينه وبين الموضع الذي كان فيه مسافة يسيرة. # وبلغ الركابي إلى الفراش، وهو لا يظن إلا أنه فيه وأنه في مكانه. # فوجأ الموضع بالسكين بجميع قوته، وعنده أنه قد أثبتها في صدر ناصر ms507 ~~الدولة، وتركها في موضعها، وخرج من تحت أطناب الخيمة. # وصار في الوقت إلى عسكر معز الدولة، فوصل إليه، فأخبره أنه قتل ناصر ~~الدولة، وطالب بالجعالة، فاستشرحه كيف صنع، فشرحه. # فقال له: اصبر حتى يرد جواسيسي بصحة الخبر. # فلما كان بعد يومين ورد الجواسيس بأخبار عسكر ناصر الدولة، وما يدل على ~~سلامته وأن إنسانا أراد أن يغتاله، فكان كيت وكيت، وذكر له خبر السكين. # فأحضر معز الدولة الركابي، وسلمه إلى أبي جعفر محمد بن أحمد الصيمري، ~~الهلالي، فيما سمعت إذ ذاك، وقال له: اكفني أمر هذا الركابي، فإن من تجاسر ~~على الملوك لم يجز أن آمنه على نفسي. # فغرقه الصميري سرا. # PageV04P109 ### || أراد ابن المعتز قتل يحيى بن علي المنجم فلم يمهله القدر # قال مؤلف هذا الكتاب: كان يحيى بن علي المنجم قد ناقض أبا العباس عبد ~~الله بن المعتز، في أشعار جرت بينهما، في تفضيل ما بين العرب والعجم، ~~والطالبيين والعباسيين، واشتدت الحال بينهما، إلى أن بادأه يحيى بالعداء ~~والهجاء، وذلك طويل مشهور، وليس هذا موضع ذكره. # فلما بويع ابن المعتز، وأطاعه الجيش، وجلس للنظر في الأمور، وأشار أهل ~~يحيى عليه بالهرب، وهم هو به خوفا من القتل، أتته رسل ابن المعتز يطلبونه ~~للبيعة، فدخل إليه وهو آيس من الحياة، فبايعه، وثار الشر في وجهه حتى خاف ~~أن يبادره، ثم انصرف لاشتغال ابن المعتز عنه بإحكام البيعة، وعمل يحيى على ~~التواري وإسلام النعمة. # فلما كان من الغد، انتقض أمر ابن المعتز، وكفي يحيى أمره. # وحكى الصولي في كتابه كتاب الوزراء قال: حدثني الحسن بن إسماعيل الجليس، ~~قال: دخل يحيى بن علي المنجم، إلى عبد الله بن المعتز، # PageV04P110 # متقلدا سيفا، ومعه ابناه، فسلم عليه بالخلافة. # فقال له، قليلا قليلا، ومن حوله يسمع: لا سلم الله عليك، يا كلب، ألست ~~الهاجي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والفاخر بعجمك على أهله؟ والله، ~~لأطعمن الطير لحمك. # قال: وخفت أن يعجل فيأمر به، فجعلت أومئ إلى الانتظار به، فسلم، ولا أحسب ~~ذلك إلا لأنه كان ms508 يعد له ما القتل معه راحة. # ثم قال: كلاب غذتهم نعمتنا، وأشادت بذكرهم خدمتنا، سعوا بالباطل علينا، ~~وجحدوا إحساننا، وهجوا نبينا عليه السلام، حتى إذا أظلهم العذاب، وأسلمتهم ~~الحراب، تحصنوا بالرفض، ومدحوا أهلنا، وأخص الناس بنا، لتنصرهم علينا طائفة ~~منا، وليتألفوا قلوبا نفرت عنهم ولم يعلم الجاهل الكافر، أننا وبني عمنا من ~~آل أبي طالب، لو افترقنا في كل شيء تجتمع الناس عليه، ما افترقنا في أن ~~الثالب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كافر، والفاخر عليه فاجر، وأنا ~~جميعا نرى قتله، ونستحل دمه. # فما زلنا نسكن منه ونحتال للعذر عنه وجها، وهو لا يقبل، ويعنفنا، ويقول: ~~ليس بمسلم من خالف قولي هذا. # وأنشدني يحيى بن علي، لنفسه، بعد أن قتل ابن المعتز: # نفخت في غير فحم ... يا قاطعا كل رحم # لما تأليت بغيا ... أن تطعم الطير لحمي # حميت منك فصار ... المباح ما كنت تحمي # فاذهب إلى النار فازحم ... سكانها أي زحم # PageV04P111 # قال الصولي: ولما ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة الأولى، دخل عليه يحيى ~~بن علي فأنشده قصيدة، يهنيه بها، وذكرها الصولي، فمنها مما يدخل في هذا ~~المعنى، قوله: # وليس وزارة الخلفاء نهبا ... وليس خلافة الرحمن عاره # تجلت غبرة كنا أصبنا ... بها والمسلمون على إباره # فأعقبنا الزمان رضى بسخط ... وأبدلنا الحلاوة بالمراره # PageV04P112 ### || الحجاج بن خيثمة ينصح الحسن بن سهل # حدثنا أبو محمد عبد الرحمن الوراق المعروف بالصيرفي، ابن أبي العباس محمد ~~بن أحمد الأثرم المقرئ البغدادي بالبصرة في المحرم سنة خمس وأربعين وثلاث ~~مائة بكتاب المبيضة لأبي العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار، في خبر أبي ~~السرايا الخارج بالطالبيين بعد مقتل الأمين، وشرح غلبة الطالبيين وأصحاب ~~أبي السرايا على الكوفة، والبصرة، وأكثر السواد، والحرمين، واليمن، ~~والأهواز، وغير ذلك، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، ~~قال: لما انصرف الطالبيون عن البصرة، تفرقوا، فتوارى بعضهم ببغداد وبعضهم ~~بالكوفة، وكان فيمن توارى زيد بن موسى بن جعفر بن محمد، فطلبه الحسن طلبا ~~شديدا حتى دل على موضعه، ms509 فأرسل إليه من هجم عليه فأتى به، ثم جلس مجلسا ~~عاما من أجله، ودعا به، فأنبه، ووبخه، وقال: قتلت الناس، وسفكت دماء ~~المسلمين، وفعلت، وفعلت. # ثم أقبل على من حضره من الناس والهاشميين وغيرهم، وقال: ما ترون فيه؟ ~~فأمسكوا جميعا. # PageV04P113 # وانبرى له قثم بن جعفر بن سليمان، فقال: أرى أيها الأمير أن تضرب عنقه، ~~ودمه في عنقي. # فأمر به الحسن، فشد رأسه بالحبل، وانتضي له السيف، ولم يبق إلا أن يومئ ~~بالضرب، فيضرب. # إذ صاح الحجاج بن خيثمة، وهي أمه، وقد حضر المجلس ذلك اليوم، قال: وهو ~~رجل من أهل البصرة له قدر، وأمه أخت عبيد الله بن سالم مولى بلقين، وكان ~~الرشيد جعل إليه أمر الصواري والبارجات، وكانت له في نفسه هيأة وحال وسرو، ~~فاحتمل أن يولى هذا، وكانت حاله، بعد، حالا حسنة، وقدره غير وضيع. # فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن لا تعجل، وأن تدعوني إليك، فإن لك عندي ~~نصيحة. # ففعل الحسن، وأمسك الذي بيده السيف، واستدناه. # فلما دنا، قال: أيها الأمير، أتاك بما تريد فعله أمر أمير المؤمنين؟ قال: ~~لا. # قال: فكان قد عهد إليك، إذا ظفرت بهذا الرجل أن تقتله، واستأمرت به بعد ~~ظفرك به، فأمرك بذلك؟ قال: لا ذا ولا ذا. # قال: أتقتل ابن عم أمير المؤمنين عن غير أمره، ولا استطلاع رأيه فيه؟ ~~قال: ثم حدثه بحديث عبد الله بن الأفطس، وأن الرشيد حبسه عند جعفر بن يحيى، ~~فأقدم عليه، فقتله من غير أمره، وبعث برأسه إليه، مع هدايا النيروز، وأن ~~الرشيد لما أمر مسرورا الكبير بقتل جعفر، قال له: إذا سألك # PageV04P114 # عن ذنبه الذي أقتله من أجله، فقل له: إنما أقتلك بابن عمي ابن الأفطس ~~الذي قتلته من غير أمري. # ثم قال الحجاج للحسن: أفتأمن أيها الأمير حادثة تحدث بينك وبين أمير ~~المؤمنين فيحتج عليك بمثل ما احتج به الرشيد على جعفر؟ فجزاه خيرا، وأمر أن ~~يرفع عن زيد السيف، وأن يرد إلى محبسه فلم يزل محبوسا حتى ظهر أمر إبراهيم ~~بن المهدي، ms510 فجد أهل بغداد بالحسن بن سهل فأخرجوه منها. # قال: وكان حبسه عند الطيب بن يحيى، وكان صاحب حرسه، قال: وحبس معه أحمد ~~بن محمد بن عيسى الجعفري، أخا العباس بن محمد صاحب البصرة، فضيق عليهما ~~محبسهما حتى جعلهما في سفينة، وأطبق عليها ألواحا، وجعل لها فتحا يدخل منه ~~الطعام والشراب، وعندهما دن مقطوع الرأس يحدثان فيه، فإذا كاد يمتلئ، أخرج ~~فرمي ما فيه، ثم رد. # فلم يزل ذلك حالهما، حتى بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا، فكتب إلى ~~الحسن في إطلاقهما، ففعل الحسن ذلك. # PageV04P115 ### || يحيى البرمكي يغري الرشيد بجعفر بن الأشعث # وحدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن الأثرم، في هذا الكتاب، في خبر موسى بن ~~جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبو العباس بن عمار، قال: حدثني أبو الحسن ~~النوفلي، وهو علي بن محمد بن سليمان بن عبد الملك بن الحارث بن نوفل، قال: ~~حدثني أبي، أن بدء سعي يحيى بن خالد البرمكي، على موسى بن جعفر، كان سببه ~~وضع الرشيد ابنه محمدا في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فساء ذلك يحيى، ~~وقال: إذا مات الرشيد، وأفضى الأمر إلى ولده محمد انقضت دولتي، ودولة ولدي، ~~وتحول الأمر إلى جعفر وولده، وقد كان عرف مذهب جعفر في التشيع، فأظهر له ~~إنه على مذهبه، فلما أنس به جعفر، أفضى إليه بجميع أمره، وذكر له ما هو ~~عليه في موسى بن جعفر. # وكان الرشيد يرعى له موضعه، وموضع أبيه من الخلفاء، فكان يقدم في # PageV04P116 # أمره ويؤخر، ويحيى لا يألو أن يحطب عليه، إلى أن دخل يوما على الرشيد، ~~وجرى بينهما حديث، فمت جعفر بخدمته وخدمة أبيه، فأمر له بعشرين ألف دينار، ~~فأمسك يحيى أياما، ثم قال للرشيد: قد كنت أخبرك عن جعفر ومذهبه، فأكذب عنه، ~~وها هنا أمر فيه الفصل، إنه لا يصير إليه مال إلا أخرج خمسه فوجه به إلى ~~موسى بن جعفر، ولست أشك أنه فعل ذلك في العشرين ألف دينار التي أمرت له ~~بها. # فأرسل الرشيد إلى جعفر ليلا يستدعيه، ms511 وقد كان جعفر عرف سعاية يحيى عليه، ~~مساسا للعداوة، فلما طرق جعفرا رسول الرشيد لم يشك أنه سمع من يحيى فيه، ~~فأفاض عليه ماء، ودعا بمسك وكافور، وتحنط بهما، ولبس بردة، وأقبل إلى ~~الرشيد، فلما دنا منه ليخاطبه، شم منه رائحة الكافور، ورأى البردة، فقال: ~~ما هذا يا جعفر؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد علمت أنه يسعى علي عندك، فلما ~~جاءني رسولك في هذه الساعة، علمت أنك أرسلت إلي لتقتلني. # قال: كلا، ولكن أخبرت أنك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك ~~بخمسه، وأنك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار، وأحببت أن أعلم ذلك. # PageV04P117 # فقال جعفر: الله أكبر، يا أمير المؤمنين، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها ~~بخاتمها. # فقال الرشيد لبعض الخدم: خذ خاتم جعفر وانطلق حتى تأتي بهذا المال، وأسمى ~~له جاريته التي ماله عندها، فدفعت إليه البدر بخواتمها، فأتى بها إلى ~~الرشيد. # فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك. # فقال: صدقت، انصرف آمنا، فإني لا أقبل فيك، بعد هذا قول أحد. # PageV04P118 ### || هب مجرم قوم لوافدهم # حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: بلغني عن العريان بن الهيثم، عن أبيه. # أن عبيد الله بن زياد، وجهه إلى يزيد بن معاوية، رسولا في حاجته فدخل، ~~فإذا خارجي بين يدي يزيد يخاطبه. # فقال له الخارجي في بعض ما خاطبه: يا شقي. # فقال: والله لأقتلنك، فرآه يحرك شفتيه. # فقال: ماذا الذي تقول؟ قال: أقول: # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر # فقال: أخرجاه، فاضربا عنقه. # ودخل الهيثم بن الأسود، فقال: ما هذا؟ فأخبر بالأمر. # فقال: كفا عنه قليلا، حتى أدخل، فدخل. # PageV04P119 # فقال: يا أمير المؤمنين، هب مجرم قوم لوافدهم. # فقال: هو لك. # فأخذ الهيثم بيده، فأخرجه، والخارجي يقول: الحمد لله، تعالى على الله، ~~فأكذبه، وغالب ms512 الله، فغلبه. # PageV04P120 ### || ضراوة الحجاج على القتل ### ||| قتل الحجاج عامة يومه الأسرى من أصحاب ابن الأشعث # وذكر المدائني في كتابه، قال: حدثنا رجل كان من أسارى الحجاج، من أصحاب ~~ابن الأشعث يوم الزاوية، قال: جعل الحجاج، يقتل عامة الأسرى، وبقيت منا ~~جماعة قليلة، وأتي برجل ليضرب عنقه، فقال: يا حجاج، والله لئن كنا أسأنا في ~~الفعل، فما أحسنت في العقوبة، وإن كنا لؤمنا في الجناية، فما كرمت في ~~العفو. # فقال: ردوه، فرد. # فقال: أخبرني كيف قلت؟ فأعاد الكلام. # فقال الحجاج: صدقت، والله، أف لهذه الجيف، أما كان فيها أحد ينبهنا كما ~~نبهنا هذا؟ أطلقوا عنه، وعن باقي الأسرى. # فأطلقوا. ### ||| قتل جميع أسراه إلا واحدا # وذكر المدائني في كتابه، قال: أتي الحجاج بقوم ممن خرجوا عليه، فأمر بهم ~~فقتلوا، وأقيمت الصلاة، وقد بقي منهم رجل واحد. # فقال الحجاج لعنبسة: انصرف بهذا معك، واغد به علي. # PageV04P121 # قال عنبسة: فخرجت به، فلما كان في بعض الطريق، قال لي: هل فيك خير يا ~~فتى؟ قلت: وما ذاك؟ قال: إني، والله العظيم، ما خرجت على المسلمين قط ولا ~~استحللت قتالهم، وعندي ودائع وأموال، فتخلى عني، حتى آتي أهلي فأرد على كل ~~ذي حق حقه، وأجعل لك عهد الله عز وجل، أني أرجع إليك من غد. # فتعجبت منه، وتضاحكت به. # فمضينا ساعة، فأعاد القول علي، فقلت له: إذهب، فذهب. # فلما توارى عني شخصه، أسقط في يدي، فأتيت أهلي وأخبرتهم الخبر، فقالوا: ~~لقد اجترأت على الحجاج. # وبت بأطول ليلة، فلما طلع الفجر، إذا أنا به قد جاء. # فقلت: أرجعت؟ فقال: سبحان الله، جعلت الله عز وجل، لك كفيلا، ثم لا أرجع؟ ~~قال: فانطلقت به إلى الحجاج. # فقال: أين أسيرك؟ فقلت: بالباب، أصلح الله الأمير، وقد كانت لي وله قصة. # قال: ما هي؟ فأخبرته الخبر، وأدخلته عليه. # فقال لي: أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم. # قال: هو لك. # فأخرجته معي، وقلت له: خذ أي طريق شئت، فرفع طرفه إلى السماء، وقال: ~~الحمد لله، وانصرف، وما كلمني بكلمة. # فقلت في ms513 نفسي: هذا مجنون. # PageV04P122 # فلما كان من غد، أتاني، فقال: يا هذا، جزاك الله خيرا، والله ما جهلت ما ~~صنعت، ولكني كرهت أن أشرك في حمد الله تعالى أحدا. ### ||| احتج لقتله بأتفه حجة فخلصه الله منه بأهون سبيل # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد ~~السرخسي المؤدب، قال: أنبأنا أبو العباس ثعلب، عن أبي نصر ابن أخت الأصمعي، ~~عن خاله الأصمعي، قال: جلس الحجاج يوما يأكل، ومعه على المائدة محمد بن ~~عمير بن عطارد ابن حاجب بن زرارة التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، فأقبل في ~~وسط الطعام على محمد بن عمير، فقال: يا محمد، يدعوك قتيبة بن مسلم إلى ~~نصرتي يوم رستقباذ، فتقول: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل!! يا حرسي # PageV04P123 # خذ بيده، فاضرب عنقه. # فجذب سيفه، وأخذ بيد محمد بن عمير فأقامه. # وحانت من الحجاج التفاتة، فنظر إلى حجار بن أبجر يتبسم، فدخلته العصبية، ~~وكان مكان حجار من ربيعة، كمكان محمد بن عمير من مضر. # فقال الحجاج: يا حرسي، شم سيفك. # وجيء بفرنية، فقال للخباز: إجعلها مما يلي محمدا، فإن اللبن يعجبه. # PageV04P124 ### || أمر الخليفة بضرب عنقه ثم لم يلبث أن عفا عنه # قال محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: حدثني الباقطائي، قال: انصرف إلينا ~~يوما أحمد بن إسرائيل، وهو في نهاية القلق والاغتمام وكأنه ميت. # فسألته عن خبره، فذكر أن رجلا يعرف بالقاسم بن شعبان الحائك صار إلى باب ~~المستعين ببغداد، وعليه جبة صوف، وعمامة صوف، وخفان أحمران، وفي يده عكاز ~~معقد، فصاح: معتز يا منصور، وأن من على باب العامة تعلقوا به، وأدخل الدار، ~~فسئل عن خبره، فادعى علي أني أمرته بهذا، وأن يدعو الناس إليه، فأمر أمير ~~المؤمنين بضرب عنقي، فاستوهبت منه، وعرف أمر الحائط، فعرف أنه علم، وحمل ~~علي بما قاله، فأمر أمير المؤمنين بإخراجه إلى أنطاكية. # ثم عاد معنا، واستقام أمره. # PageV04P125 ### || حسن ظنه بالله أنجاه من القتل وأطلقه من السجن # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حبس ms514 رجل قد وجب عليه حد، فلما رفع ~~خبره، أمر بضرب عنقه. # قال المخبر: فدخلت إلى الحبس إلى رجل بيني وبينه صحبة، لأعرف خبره، فرأيت ~~الذي أمر بضرب عنقه يلعب بالنرد. # فقلت للذي دخلت عليه، وأنا لا أعلم أن قد أمر بضرب عنق ذلك الرجل: ما ~~أفرغ قلب هذا، يلعب بالنرد وهو محبوس. # فقال: إن أطرف من هذا أنه قد أمر بضرب عنقه، وقد عرف بذلك، فهو ذا ترى ~~حاله. # قال: فازددت تعجبا، وفطن الرجل لما نحن فيه، فأخذ بيده فصا من فصوص النرد ~~فرفعه، وقال: إلى أن يسقط هذا إلى الأرض، مائة ألف فرج، ورمى بالفص من يده. # قال: فخرجت، وأنا متعجب منه، مفكر في قوله. # فما أمسينا ذلك اليوم، حتى شغب الجند، وفتحت السجون، وخرج من كان فيها، ~~والرجل فيهم، وسلمه الله تعالى من القتل. # PageV04P126 ### | الباب التاسع من شارف الموت بحيوان مهلك رآه فكف الله ذلك بلطفه ونجاه ### || آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الشاهد المعروف بابن الطبري، ~~قال: حدثنا جعفر بن محمد الخلدي الصوفي، قال حدثنا إبراهيم الخواص الصوفي، ~~رحمه الله تعالى قال: ركبت البحر مع جماعة من الصوفية، فكسر بنا المركب، ~~فنجا منا قوم على لوح من خشب المركب. # فوقفنا على ساحل لا ندري في أي مكان هو، فأقمنا فيه أياما لا نجد ما ~~نقتاته، # PageV04P129 # فأحسسنا بالموت، وأيقنا بتلفنا من الجوع لا محالة. # فقال بعضنا لبعض: تعالوا نجعل لله تعالى على أنفسنا أن ندع له شيئا، ~~فلعله أن يرحمنا فيخلصنا من هذه الشدة. # فقال بعضنا: أصوم الدهر كله. # وقال الآخر: أصلي كل يوم كذا وكذا ركعة. # وقال بعضنا: أدع لذات الدنيا، إلى أن قال كل واحد منهم شيئا، وأنا ساكت. # فقالوا: قل أنت الآخر شيئا. # فلم يجر على لساني إلا أن قلت: أنا لا آكل لحم فيل أبدا. # فقالوا: ما هذا القول في مثل هذا الحال؟ فقلت: والله، لم أتعمد هذا، ~~ولكني منذ بدأتم فعاهدتم الله ms515 تعالى عليه، وأنا أعرض على نفسي أشياء كثيرة ~~فلا تطاوعني بتركها، ولا خطر ببالي شيء أدعه لله تعالى، ولا مر على قلبي ~~غير الذي لفظت به، وما أجري هذا على لساني إلا لأمر. # فلما كان بعد ساعة، قال أحدنا: لم لا نطوف هذه الأرض متفرقين فنطلب قوتا، ~~فمن وجد شيئا أنذر به الباقين، والموعد هذه الشجرة. # قال: فتفرقنا في الطواف، فوقع بعضنا على ولد فيل صغير، فلوح بعضنا لبعض ~~فاجتمعنا، فأخذه أصحابنا، واحتالوا فيه حتى شووه وقعدوا يأكلون. # فقالوا لي: تقدم وكل معنا. # فقلت: أنتم تعلمون أني منذ ساعة تركته لله عز وجل، وما كنت لأرجع فيه، ~~ولعل ذلك قد جرى على لساني من ذكري له، هو سبب موتي من بينكم، لأني ما أكلت ~~شيئا منذ أيام، ولا أطمع في شيء آخر، ولا يراني الله عز وجل أنقض عهده، ولو ~~مت جوعا، فاعتزلتهم وأكل أصحابي. # وأقبل الليل، فأويت إلى أصل شجرة كنت أبيت عندها، وتفرق أصحابي للنوم. # PageV04P130 # فلم يكن إلا لحظة، وإذا بفيل عظيم قد أقبل وهو ينعر، والصحراء تتدكدك ~~بنعيره وشدة سعيه، وهو يطلبنا. # فقال بعضنا لبعض: قد حضر الأجل، فتشهدوا، فأخذنا في الاستغفار والتسبيح، ~~وطرح القوم نفوسهم على وجوههم. # فجعل الفيل يقصد واحدا واحدا منهم، فيتشممه من أول جسده إلى آخره، فإذا ~~لم يبق منه موضعا إلا شمه، شال إحدى قوائمه فوضعها عليه ففسخه. # فإذا علم أنه قد تلف، قصد إلى آخر ففعل به مثل فعله بالأول. # إلى أن لم يبق غيري، وأنا جالس منتصب أشاهد ما جرى وأستغفر الله عز وجل ~~وأسبح. # فقصدني الفيل، فحين قرب مني، رميت بنفسي على ظهري ففعل بي من الشم كما ~~فعل بأصحابي، ثم عاد فشمني دفعتين أو ثلاثا، ولم يكن فعل ذلك بأحد منهم ~~غيري، وروحي في خلال ذلك تكاد تخرج فزعا. # ثم لف خرطومه علي، وشالني في الهواء، فظننته يريد قتلي، فجهرت ~~بالاستغفار. # ثم لفني بخرطومه فجعلني فوق ظهره، فانتصبت جالسا، واجتهدت في حفظ نفسي ~~بموضعي. # وانطلق الفيل، يهرول تارة، ms516 ويسعى تارة، وأنا تارة أحمد الله تعالى على ~~تأخير الأجل وأطمع في الحياة، وتارة أتوقع أن يثور بي فيقتلني، فأعاود ~~الاستغفار، وأنا أقاسي في خلال ذلك من الألم والجزع لشدة سرعة سعي الفيل ~~أمرا عظيما. # فلم أزل على ذلك، إلى أن طلع الفجر وانتشر ضوءه، فإذا به قد لف خرطومه ~~علي. # فقلت: قد دنا الأجل وحضر الموت، وأكثرت من الاستغفار. # فإذا به قد أنزلني عن ظهره برفق، وتركني على الأرض، ورجع إلى الطريق # PageV04P131 # التي جاء منها، وأنا لا أصدق. # فلما غاب عني، حتى لا أسمع له حسا، خررت ساجدا لله تعالى، فما رفعت رأسي ~~حتى أحسست بالشمس. # فإذا أنا على محجة عظيمة، فمشيت نحو فرسخين، فانتهيت إلى بلد كبير، ~~فدخلته. # فعجب أهله مني، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها، فزعموا أن الفيل قد سار ~~بي في تلك الليلة مسيرة أيام، واستطرفوا سلامتي. # فأقمت عندهم حتى صلحت من تلك الشدة التي قاسيتها، وتندى بدني، ثم سرت ~~عنهم مع التجار، فركبت في مركب، ورزقني الله السلامة، إلى أن عدت إلى بلدي. # PageV04P132 ### || لقمة بلقمة # حدثني أبو بكر محمد بن بكر الخزاعي البسطامي، صاحب ابن دريد، وكان زوج ~~ابنته الغرانقة، وكان شيخا من أهل الأدب والحديث، قد استوطن الأهواز سنين، ~~وكان ملازما لأبي رحمه الله، يتفقده ويبره، قال: كان لامرأة ابن، فغاب عنها ~~غيبة طويلة، وأيست منه. # فجلست يوما تأكل، فحين كسرت اللقمة وأهوت بها إلى فيها وقف بالباب سائل ~~يستطعم، فامتنعت من أكل اللقمة، وحملتها مع تمام الرغيف فتصدقت بها، وبقيت ~~جائعة يومها وليلتها. # فما مضت إلا أيام يسيرة حتى قدم ابنها، فأخبرها بشدائد عظيمة مرت به. # وقال: أعظم ما جرى علي أني كنت منذ أيام أسلك في أجمة في الموضع الفلاني، ~~إذ خرج علي أسد، فقبض علي من على ظهر حمار كنت راكبه، وغار الحمار، ونشبت ~~مخالب الأسد في مرقعة كانت علي، وثياب تحتها وجبة، فما وصل إلى بدني كبير ~~شيء من مخالبه، إلا أني تحيرت ودهشت وذهب أكثر عقلي، وهو يحملني حتى ms517 أدخلني ~~أجمة كانت هناك، وبرك علي يفترسني. # فرأيت رجلا عظيم الخلق، أبيض الوجه والثياب، قد جاء حتى قبض على الأسد من ~~غير سلاح، وشاله وخبط به الأرض. # PageV04P133 # وقال: قم يا كلب، لقمة بلقمة، فقام الأسد يهرول، وثاب إلي عقلي. # فطلبت الرجل، فلم أجده، وجلست بمكاني ساعات، إلى أن رجعت إلي قوتي، ثم ~~نظرت إلى نفسي، فلم أجد بها بأسا، فمشيت حتى لحقت بالقافلة التي كنت فيها، ~~فتعجبوا لما رأوني، فحدثتهم حديثي، ولم أدر ما معنى قول الرجل: لقمة بلقمة. # فنظرت المرأة، فإذا هو وقت أخرجت اللقمة من فيها، فتصدقت بها. # PageV04P134 ### || كفى بالأجل حارسا # وجدت في دفتر عتيق، أعطانيه أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق رحمه الله، ~~وأخبرني أنه بخط عمه أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ~~الأنباري رحمه الله، أحاديث من النوادر عن ابن زنبور، مما صار إلينا، ولم ~~أسمعه منه، وكان فيها حديث يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا الحارث بن ~~مرة، قال: حدثنا يزيد الرقاشي، قال: حدثنا إبراهيم بن الخضر، وكان أحد ~~أمناء القاضي ببغداد، ويخلف القضاة الغيب بحضرة قاضي القضاة وغيرهم، قال: ~~حدثني صديق لي أثق به، قال: خرجت إلى الحائر في أيام الحنبلية، أنا وجماعة ~~متخفين، فلما صرنا في أجمة بنقيا، قال لي رفيق فيهم: يا فلان، إن نفسي ~~تحدثني أن السبع يخرج، فيفترسني من دون الجماعة، فإن كان ذلك فخذ حماري وما ~~عليه فأده إلى عيالي. # فقلت: هذا استشعار رديء، يجب أن تتعوذ بالله منه، وتضرب عن الفكر فيه. # فما مضى على هذا إلا شيء يسير حتى خرج الأسد، فحين رآه الرجل سقط عن ~~حماره، فأخذه ودخل به الأجمة. # PageV04P135 # وسقت أنا الحمار، وأسرعت مع القافلة، وبلغت الحائر، وزرنا، ورجعنا إلى ~~بغداد. # فاسترحت في بيتي أياما، ثم أخذت الحمار وجئت به إلى منزله، لأسلمه إلى ~~عياله، فدققت الباب، فخرج إلي الرجل بعينه. # فحين رأيته طار عقلي وشككت فيه، فعانقني، وبكى وبكيت. # فقلت: حدثني حديثك. # فقال: إن السبع ساعة أخذني جرني إلى الأجمة، ثم ms518 سمعت صوت شيء، ورأيت ~~الأسد قد خلاني ومضى، ففتحت عيني، فإذا الذي سمعت صوت خنزير، وإذا السبع ~~لما رآه عن له أن يتركني، ومضى فصاده وبرك عليه يفترسه وأنا أشاهده، إلى أن ~~فرغ منه، ثم خرج من الأجمة وغاب عني. # فسكنت، وتأملت حالتي، فوجدت مخاليبه قد وصلت إلى فخذي وصولا قليلا، وقوتي ~~قد عادت. # فقلت: لأي شيء جلوسي هاهنا؟ فقمت أمشي في الأجمة، أطلب الطريق، فإذا بجيف ~~ناس، وبقر، وغنم، وعظام باليات، وآثار من قد فرسهم الأسد. # فما زلت أتخطاهم، حتى انتهيت إلى رجل قد أكل الأسد بعض جسده، وبقي أكثره، ~~وهو طري، وفي وسطه هميان قد تخرق بعضه وظهرت منه دنانير. # فتقدمت، فجمعتها، وقطعت الهميان، وأخذت جميع ما فيه، وتتبعتها، حتى لم ~~يبق منها شيء. # وقويت نفسي، وأسرعت في المشي، وطلبت الجادة فوقعت عليها، واستأجرت حمارا، ~~وعدت إلى بغداد، ولم أمض إلى الزيارة، لأني خشيت أن تسبقوني، فتذكروا خبري ~~لأهلي، فيصير عندهم مأتم، فسبقتكم، وأنا أعالج # PageV04P136 # فخذي، وإذا من الله علي بالعافية عدت إلى الزيارة. # وقد حدثني بهذا الحديث، غير واحد من أهل بغداد، بقريب من هذه العبارة. # وبلغني عن أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، أنه كان قال: كنت بالموصل مع ~~المتقي لله وأنا وزيره إذ ذاك فأتاني سلامة، أخو نجح الطولوني، بفيج معه ~~كتب، فقال: اسمع ما يقول هذا، فإنه طريف. # فدعوته، وقلت: قل. # فقال: خرجت من بغداد أريدكم، ومعي رفيق لي، فيج من أهل بلد، # PageV04P137 # فأعطاني لما صرنا بين تكريت والسن دراهم كانت معه، وقال لي: إن نفسه ~~تحدثه أن الأسد يخرج فيفترسه. # وذكر قريبا من هذا الحديث. # PageV04P138 ### || ألجأته الضرورات إلى ركوب الأسد # حدثني أبو جعفر أصبغ بن أحمد، وكان يحجب أبا محمد المهلبي رحمه الله، قبل ~~وزارته، فلما ولي الوزارة كان يصرفه في الاستحثاث على العمال، وفي الأعمال ~~التي يتصرف فيها العمال الصغار، قال: كنت بشيراز مع أبي الحسن علي بن خلف ~~بن طناب، وهو يتولى عمالتها يومئذ. # فجاء مستحث من الوزير، يطالبه بحمل ms519 الأموال، وكان أحد العمال الأكابر، ~~وقد كوتب بإكرامه. # فأحضره أول يوم طعامه وشرابه، فامتنع من مؤاكلته، وذكر أن له عذرا. # فقال: لا بد أن تأكل. # PageV04P139 # فأكل بأطراف أصابعه، ولم يخرج يده من كمه. # فلما كان في غد، قال علي بن خلف لحاشيته: ليدعه كل يوم واحد منكم، فكانوا ~~يدعونه، ويدعون بعضهم بعضا، فكانت صورته في الأكل واحدة. # فقالوا: لعل به برصا أو جذاما. # إلى أن بلغت النوبة إلي، فدعوته، ودعوت الحاشية، وجلسنا نأكل، وهو يأكل ~~معنا على هذه الصورة، فسألته إخراج يده والانبساط في الأكل، فامتنع عن ~~إخراج يده. # فقلت له: يلحقك تنغيص بالأكل هكذا، فأخرجها على أي شيء كان بها، فإنا ~~نرضى به. # قال: فكشفها، فإذا فيها وفي ذراعه أكثر من خمسين ضربة، بعضها مندمل، ~~وبعضها فيه بقية، وعليها أدوية، وهي على أقبح منظر. # فأكل معنا غير محتشم، وقدم الشراب فشربنا، فلما أخذ منه الشراب، سألناه ~~عن سبب تلك الضربات. # فقال: هو أمر طريف أخاف أن لا أصدق فيه. # فقلت: لا بد أن تتفضل بذلك. # فقال: كنت عام أول قائما بحضرة الوزير، فسلم إلي كتابا إلى عامل دمشق، ~~ومنشورا، وأمرني بالشخوص إليه، وإرهاقه بالمطالبة بحمل الأموال، ورسم لي أن ~~أخرج على طريق السماوة لأتعجل، وكتب إلى عامل هيت بإنفاذي مع خفارة. # فلما حصلت بهيت، استدعى العامل جماعة من عدة من أحياء العرب، # PageV04P140 # وسلمني إليهم، وأعطاهم مالا على ذلك، وأشهد عليهم بتسلمي، واحتاط في ~~أمري. # وكانت هناك قافلة تريد الخروج منذ مدة، وتتوقى البرية، فأنسوا بي، ~~وسألوني أن آخذ منهم لنفسي مالا، وللخفراء الأعراب مالا، وأدخلهم في ~~الخفارة، ويسيرون معي، ففعلت ذلك، فصرنا قافلة عظيمة. # وكان معي من غلماني ممن يحمل السلاح نحو عشرين غلاما، وفي حمالي القافلة ~~والتجار جماعة يحملون السلاح أيضا. # فرحلنا عن هيت، وسرنا في البرية ثلاثة أيام بليالها، فبينا نحن نسير إذ ~~لاحت لنا خيل. # فقلت للأعراب: ما هذه الخيل؟ فمضى منهم قوم إليهم ثم عادوا كالمنهزمين. # فقالوا: هؤلاء قوم من بني فلان بيننا وبينهم شر ms520 وقتال، ونحن طلبتهم، ولا ~~ثبات لنا معهم، ولا يمكننا خفارتكم معهم، وركضوا منصرفين، وبقينا متحيرين، ~~فلم أشك أنهم كانوا من أهلهم، وأنهم فعلوا ذلك بمواطأة علينا. # فجمعت القافلة، وشجعت أهلها وغلماني، وضممت بعضها إلى بعض، وأمرتهم بحمل ~~السلاح، ولأمة الحرب، فصرنا حول القافلة من خارجها متساندين إليها ~~كالدائرة. # وقلت لمن معي: لو كان هؤلاء يأخذون أموالنا ويدعون جمالنا لننجو عليها ~~كان هذا أسهل، ولكن الجمال والدواب أول ما تؤخذ، ونتلف نحن في البرية ضيعة ~~وعطشا، فاعملوا على أن نقاتل، فإن هزمناهم سلمنا، وإن قتلنا كان أسهل من ~~الموت بالعطش. # فقالوا: نفعل. # وغشينا القوم، فقاتلناهم من انتصاف النهار إلى أن حجز الليل بيننا، ولم ~~يقدروا علينا، وقتلنا عدة خيل، وجرحنا منهم جماعة، وما ظفروا منا بعورة، ~~وباتوا بالقرب منا حنقين علينا. # PageV04P141 # وتفرق الناس للأكل والصلاة، واجتهدت بهم أن يجتمعوا، ويبيتوا تحت السلاح، ~~فخالفوني، وكانوا قد كلوا وتعبوا، ونام أكثرهم. # فغشيتنا الخيل، فلم يكن عندنا امتناع، فوضعوا فينا السيوف، وكنت أنا ~~المطلوب خاصة، لما شاهدوه من تدبيري القوم برأيي، وعلموا أني رئيس القافلة، ~~فقطعوني بالسيوف، ولحقتني هذه الجراحات كلها، وفي بدني أضعافها. # قال: وقد كشف لنا عن أكثر جسده، فإذا به أمر عظيم هالنا، ولم نره في بشر ~~قط. # قال: وكان في أجلي تأخير، فرميت نفسي بين القتلى، لا أشك في تلفي، وساقوا ~~الجمال والأمتعة والأسارى. # فلما كان بعد ساعة، أفقت، فوجدت في نفسي قوة، والعطش قد اشتد بي، فلم أزل ~~أتحامل، حتى قمت أطلب في القافلة سطيحة قد أفلتت، أشرب منها، فلم أجد شيئا. # ورأيت القتلى والمجروحين الذين هم في آخر رمق، وسمعت من أنينهم ما أضعف ~~نفسي، وأيقنت بالتلف. # وقلت: غاية ما أعيش إلى أن تطلع الشمس. # فتحاملت أطلب شجرة أو محملا قد أفلت، لأجعله ظلا لي من الشمس إذا طلعت. # فإذا أنا قد عثرت بشيء لا أدري ما هو، في الظلمة، فإذا أنا منبطح عليه ~~بطولي وطوله. # فثار من تحتي، وعانقته، وقدرته رجلا من الأعراب، فإذا هو أسد. # فحين ms521 علمت ذلك طار عقلي، وقلت: إن استرخيت افترمني، فعانقت # PageV04P142 # رقبته بيدي، ونمت على ظهره، وألصقت بطني بظهره، وجعلت رجلي تحت مخصاه ~~وكانت دمائي تجري، فحين داخلني ذلك الفزع العظيم رقأ الدم، وعلق شعر الأسد ~~بأفواه أكثر الجراحات، فصار سدادا لها، وعونا على انقطاع الدم، لأني حصلت ~~كالملتصق عليه. # وورد على الأسد مني، أطرف مما ورد علي منه وأعظم، وأقبل يجري تحتي كما ~~تجري الفرس تحت الراكب القوي، وأنا أحس بروحي تخرج، وأعضائي تتقصف من شدة ~~جريه، ولم أشك أنه يقصد أجمة بالقرب فيلقيني إلى لبوته فتفترسني. # فجعلت أضبط نفسي مع ذلك وأؤمل الفرج، وأدافع الموت عاجلا، وكلما هم أن ~~يربض ركضت خصاه برجلي فيطير، وأنا أعجب من نفسي ومطيتي، وأدعو الله عز وجل، ~~وأرجو الحياة مرة، ومرة آيس من نفسي. # إلى أن ضربني نسيم السحر، فقويت نفسي، وأقبل الفجر يضيء، فتذكرت طلوع ~~الشمس فجزعت، ودعوت الله تعالى، وتضرعت إليه. # فما كان بأسرع من أن سمعت صوتا ضعيفا لا أدري ما هو، ثم قوي، فشبهته بصوت ~~ناعورة، والأسد يجري، وقوي الصوت، فلم أشك في أنه ناعورة. # ثم صعد الأسد إلى تل، فرأيت منه بياض ماء الفرات وهو جار، وناعورة تدور، ~~والأسد يمشي على شاطئ الفرات برفق، إلى أن وجد مشرعة، فنزل منها إلى الماء، ~~وأقبل يسبح ليبعد. # PageV04P143 # فقلت لنفسي: ما قعودي، لئن لم أتخلص هنا، لا تخلصت أبدا. # فما زلت أرفق به، حتى تخلصت، وسقطت عنه، وسبحت منحدرا، وأقبل هو يشق ~~الماء عرضا. # فما سبحت إلا قليلا، حتى وقعت عيني على جزيرة، فقصدتها، وحصلت فيها، وقد ~~بطلت قوتي، وذهب عقلي، فطرحت نفسي عليها كالتالف. # فلم أحس إلا بحر الشمس قد أنبهني، فرجعت أطلب شجرة رأيتها في الجزيرة، ~~لأستظل بها من الشمس، فرأيت الأسد مقعيا على شاطئ الفرات حيال الجزيرة، فقل ~~فزعي منه. # وأقمت مستظلا بالشجرة، أشرب من ذلك الماء، إلى العصر، فإذا أنا بزورق ~~منحدر، فصحت بهم، فوقفوا في وسط الماء. # فقلت: يا قوم، احملوني معكم، وارحموني. # فقالوا: أنت دسيس اللصوص. ms522 # فأريتهم جراحاتي، وحلفت لهم أنه ما في الجزيرة بعلمي أحد سواي، وأومأت ~~لهم إلى الأسد، وقلت لهم: قصتي طريفة، وإن تجاوزتموني كنتم أنتم قد ~~قتلتموني، فالله، الله، في أمري، فوقفوا، فأتوا، فحملوني. # فلما حصلت في الزورق، ذهب عقلي، فما أفقت إلا في اليوم الثاني، فإذا علي ~~ثياب نظاف، وقد غسلت جراحاتي، وجعل فيها الزيت والأدوية، وأنا بصورة ~~الأحياء. # فسألني أهل الزورق عن حالي، فحدثتهم. # وبلغنا إلى هيت، فأنفذت إلى العامل من عرفه خبري، فجاءني من حملني إليه. # وقال: ما ظننت أنك أفلت، فالحمد لله على السلامة. # وقال لي: كيف هذا الذي جرى لك؟ فحدثته الحديث من أوله إلى آخره، فتعجب ~~عجبا شديدا، وقال: بين الموضع الذي قطع علكيم الطريق، وبين الموضع الذي ~~حملك أهل الزورق منه # PageV04P144 # مسافة أربعين فرسخا على غير محجة. # فأقمت عنده أياما، ثم أعطاني نفقة، وثيابا، وزورقا، فجئت إلى بغداد، ~~فمكثت أعالج جراحاتي عشرة أشهر حتى صرت هكذا. # ثم خرجت وقد افتقرت، وأنفقت جميع ما كان في بيتي، فلما قمت بين يدي ~~الوزير، رق لي، وأطلق لي مالا، وأخرجني إليكم. # PageV04P145 ### || القرد وامرأة القراد # حدثني علي بن نظيف المتكلم، المعروف بشهدانجة، وسعيد بن عبد الله ~~السمرقندي الفقيه الحنفي، عمن حدثهما: إنه بات في سطح خان، في بعض الأسفار، ~~ومعهم قراد، ومعه قرد، وامرأته، فباتا في خان. # قال: فلما نام الناس، رأيت القرد قد قلع المسمار الذي في السلسلة، ومشى ~~نحو المرأة، فلم أعلم ما يريد. # فقمت، فرآني القرد، فرجع إلى مكانه، فجلست، ففعل ذلك دفعات، وفعلته. # فلما طال عليه الأمر، جاء إلى خرج القراد، ففتحه، وأخرج منه صرة دراهم، ~~خمنت أن فيها أكثر من مائة درهم، فرمى بها إلي. # فعجبت من أمره، وقلت: أمسك، لأنظر ما يفعل، فأمسكت. # فجاء إلى المرأة، فمكنته من نفسها، فوطأها. # فاغتممت بتمكيني إياه من ذلك، وحفظت الصرة. # فلما كان من غد، صاح القراد، يطلب ما ذهب منه. # وقال لصاحب الخان: قردي يعرف من أخذ الصرة، فاضبط باب الخان، وأقعد أنا ~~وأنت والقرد، ويخرج ms523 الناس، فمن علق به القرد فهو خصمي، ففعل ذلك. # وأقبل الناس يخرجون والقرد ساكت لا يتكلم، وخرجت فما عرض لي، فوقفت # PageV04P146 # خارج الخان أنظر ما يجري، فلما لم يبق إلا يهودي، فخرج، فعلق به القرد. # فقال القراد: هذا خصمي، وجذبه ليحمله إلى صاحب الشرطة، فلم أستحل السكوت. # فقلت: يا قوم ليس اليهودي صاحبكم، والصرة معي، ولي قصة عجيبة في أخذها، ~~وأخرجتها، وقصصت عليهم القصة. # فحملنا إلى صاحب الشرطة، وحضرت الرفقة، فعرفوا صاحب الشرطة محلي، ~~ومنزلتي، ويساري، وأقبل القراد يحيد عن قرده. # فما برحت حتى أمر صاحب الشرطة بقتل القرد، وطلبت ال#مرأة، فهربت، وسلم ~~اليهودي. # PageV04P147 ### || تمكن منه السبع ثم تخلص منه بأهون سبيل # حدثني الحسن بن صافي، مولى محمد بن المتوكل القاضي، قال: حدثني غلام لي ~~أثق به، قال: أصعدت من واسط، ماشيا، أريد بغداد، فلما صرت بين دير العاقول ~~والسيب، وأنا وحدي، في يوم صائف له ريح شديدة، رأيت بالبعد مني غيضة عظيمة، ~~قد خرج منها سبع. # فحين رآني وحدي أقبل يهرول نحوي، فذهب علي أمري وأيقنت بالهلاك، وخدر ~~بدني كله، وربا لساني في فمي، وتحيرت. # إلا أني أخذت منديلا، فجعلته في رأس قصبة كانت معي، وظننت أني أفزعه ~~بذلك. # فأنا في تلك الحالة من الإياس، وقد بقي بيني وبينه مقدار مائة ذراع، إذ ~~قلعت الريح أصل حشيش يقال له: بارق عينه، وصار يلتف بالشوك حتى بقي كالكارة ~~العظيمة، والريح تدحرجه نحو السبع، وقد تمكنت منه، وصار لها هفيف شديد. # فحين رأى السبع ذلك وسمع الصوت رجع منصرفا وقد فزع فزعا شديدا. # PageV04P148 # وبقي يحول وجهه في كل عشر خطوات أو أكثر، فإذا رأى ذلك الأصل في أثره ~~يتدحرج زاد في الجري. # ولم يزل كذلك إلى أن بعد عني بعدا كثيرا، ودخل الغيضة. # وعادت إلي نفسي ومضيت في طريقي، وسلمت. # PageV04P149 ### || قتل فيلا بالقبض على خرطومه # حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار، قال: حدثني شيخ من أهل التيز ومكران ~~رأيته بعمان، ووجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بالبحر، وأنه دخل الهند والصين، ms524 ~~قال: كنت ببعض بلاد الهند، وقد خرج على ملكها خارجي، فأنفذ إليه الجيوش، ~~فطلب الأمان فأمنه. # فسار ليدخل إلى بلد الملك، فلما قرب، أخرج الملك جيشا لتلقيه، وخرجت ~~العامة تنظر دخوله، فخرجت معهم. # فلما بعدنا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون طلوع الرجل، وهو راجل، في عدة ~~من رجاله، وعليه ثوب حرير ومئزر، وفي وسطه مدية معوجة الرأس، وهي من سلاح ~~الهند، وتسمى عندهم: حزى. # فتلقوه بالإكرام ومشوا معه، حتى انتهى إلى فيلة عظيمة قد أخرجت للزينة ~~وعليها الفيالون، وفيها فيل عظيم يختصه الملك لنفسه، ويركبه في بعض ~~الأوقات. # فقال له الفيال، لما قرب منه: تنح عن طريق فيل الملك، فسكت عنه، فأعاد ~~الفيال عليه القول، فسكت. # فقال: يا هذا، احذر على نفسك، وتنح عن طريق فيل الملك. # PageV04P150 # فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحى عن طريقي. # فغضب الفيال، وأغرى الفيل بكلام كلمه به، فغضب الفيل، وعمد إلى الخارجي ~~فلف خرطومه عليه، فقبض الخارجي بيده على الخرطوم. # وشاله الفيل إشالة عظيمة والناس يرون، وأنا فيهم، وخبط به الأرض، فإذا به ~~قد انتصب قائما على قدميه فوق الأرض ولم ينح يده عن الخرطوم. # فزاد غضب الفيل، فأشاله أعظم من تلك وعدا ثم رمى به الأرض، فإذا هو قد ~~حصل عليها مستويا على قدميه منتصبا قابضا على الخرطوم. # وسقط الفيل كالجبل العظيم ميتا، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة منعه من ~~التنفس فقتله. # قال: فوكل به، وحمل إلى الملك، وحدث بالصورة، فأمر بقتله. # فاجتمع القحاب، وهن النساء الفواجر، يفعلن ذلك بالهند ظاهرا عند البد، ~~تقربا إلى الله بذلك عندهم. # قال: وهن العدول هناك، يشهدن في الحقوق، ويقمن الشهادة، فيقطع بها حاكمهم ~~في سائر الأمور، وعندهم إنهن لما كن يبذلن أنفسهن عند البد بغير أجر، صرن ~~في حكم الزهاد والعباد. # فقال القحاب للملك: يجب أن تستبقي مثل هذا الرجل فلا يقتل، فإن فيه جمالا ~~للملك، ويقال: إن للملك خادما قتل الفيل العظيم بقوته وحيلته، من غير سلاح. # فعفا عنه الملك، وخلع عليه، واستخدمه. # PageV04P151 ### || قتلوا ms525 شبلا فاجتمع عليهم بضعة عشر سبعا # وحدث سعيد بن يوسف بن عبد الله السمرقندي الحنفي، وعبد الرحمن بن جعفر ~~الوكيل على أبواب القضاة بالأهواز، قالا: حدثنا أبو بكر محمد بن سهل الشاهد ~~الواسطي القاضي، قال: أخبرني وكيلان كانا في ضيعتي بنواحي الجامدة، ونهر ~~جعفر، قالا: خرجنا مع صناع عندنا، إلى أجمة نقطع قصبا، فرأينا شبلا ~~كالسنور، فقتله أحد قطاع القصب. # فقال الباقون: قتلنا، الساعة يجيء السبع واللبوة، فإذا لم يرياه طلبانا، ~~ونحن نبيت في الصحراء بين القصب، فيفرسانا. # قال: فما كان بأسرع من أن سمعنا صوت السبع، فطرنا على وجوهنا، واجتمعنا ~~في دار خراب خارج الأجمة، وعلونا سطحها، وكان فيها غرفة عليها باب كنا نأوي ~~إليها ليلا. # فلما رأى السبع ولده قتيلا قصدنا فصار في صحن الدار الخراب، وكان بين يدي ~~الغرفة صحنين، فأخذ السبع يطفر ليصير معنا، فما قدر على ذلك. # فولى، وعلا أكمة في الصحراء، وصاح، فجاءته اللبوة، فطفرت تريدنا، فما ~~قدرت. # PageV04P152 # فاجتمعا، فصاحا، فجاءهما عدة من السباع، وطفروا، فما قدروا علينا، فلم ~~يزالوا كذلك حتى اجتمع بضعة عشر سبعا، وكلما جاء واحد حاول أن يطفر إلينا ~~فلا يبلغنا، ونحن كالموتى خوفا أن يصل إلينا واحد منهم. # فينما نحن كذلك إذ اجتمعت السباع كلها كالحلقة، وجعلت أفواهها في الأرض، ~~وصاحت صيحة واحدة، فرأينا حفرة قد احتفرت في التراب من أنفاسها. # فما كان إلا ساعة حتى جاء سبع أسود هزيل، منجرد الشعر، لطيف. # فلقيته السباع كلها، وبصبصت بين يديه، وحوله، وجاء يقدمها وهي خلفه حتى ~~رآنا في الغرفة، ورأى الموضع، ثم جمع نفسه، فإذا هو في الصحن، بين يدي ~~الغرفة. # وكنا قد أغلقنا الباب، فاجتمعنا كلنا خلفه لندافعه عن الدخول. # فلم يزل يدفع الباب بمؤخره حتى كسر بعض ألواحه وأدخل عجزه إلينا. # فعمد أحدنا إلى ذنبه فقطعه بمنجل كان معنا. # فصاح صيحة منكرة وهرب، ورمى بنفسه إلى الأرض، فلم يزل يخمش السباع ~~وينهشها ويقطعها بمخالبه، حتى قتل منها غير واحد. # وتهاربت السباع الباقية من بين يديه، وهام في الصحراء ms526 يتبع أثرها، ونزلنا ~~نحن لما لم يبق منها شيء، فلحقنا بالقرية، وخبرناهم خبرنا. # فقال لنا شيخ منهم: هذا السبع مثل الجرذ العتيق، إذا قطع ذنبه أكل الفار. # PageV04P153 ### || افترس السبع صاحب الدين وسلم الغريم # وحدث قاضي القضاة أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني، قال: كان رجل ~~من أهل أذربيجان له على رجل دين، فهرب منه وطالت غيبته. # فلقي صاحب الدين المدين، بعد مدة في الصحراء منفردا، فقبض عليه وطالبه. # فحلف له بالله تعالى أنه معسر، وسأله الانتظار، وقال له: لو أني أيسر ~~الناس ما تمكنت هنا من من دفع شيء إليك. # فأبى عليه، وأخرج قيدا كان معه ليقيده حتى لا يهرب. # فتضرع إليه، وسأله أن لا يفعل، وبكى، فلم ينفعه ذلك. # فقيده بالقيد، ومشى إلى قرية بقرب الموضع الذي التقيا فيه، فجاءاها مساء ~~وقد أغلق أهلها باب سورها، واجتهدا في فتحه لهما، فأبى أهل القرية ذلك ~~عليهما. # فباتا في مسجد خراب على باب القرية، وأدخل صاحب الدين رجله في حلقة من ~~حلقتي القيد، لينتبه إذا أراد الهرب. # فجاء السبع، وهما نائمان، فقبض على صاحب الدين فافترسه، وجره فانجر # PageV04P154 # الغريم معه، لمكان الحلقة في إحدى رجليه. # فلم يزل ذلك حاله إلى أن فرغ السبع من أكل صاحب الدين، وشبع، وانصرف، ~~وترك المدين وقد تجرح بدنه، وبقيت ركبة الغريم في القيد. # فحملها الرجل مع قيده إلى أهل القرية، وأخبرهم الخبر، فحلوا قيده وسار ~~لحال سبيله. # PageV04P155 ### || الأفعى التي أخربت الضيعة # وحدثني أبو جعفر مسعود بن عبد الله الضبي، شيخ من التناء البصريين، كان ~~قد انتقل عنها إلى قرية له، وضيعة، بقرب نهر الدير، فاستوطنها، قال: كان في ~~هذا البستان، وأشار إلى بستان بجانب داره كثيرة الأشجار، أفعى تسمى الجراب، ~~لأنها كانت بقدر الجراب الكبير، طولا، وسعة، وانتفاخا. # فكثرت جناياتها، حتى أخربت علي الضيعة، فانتقلت عنها إلى الجانب الآخر من ~~النهر، وبطلت ضيعتي، وصار هذا البستان كالأجمة، لا يقدر أحد على دخوله. # وطلبت حواء من البصرة ليصيده، وبذلت على ذلك مالا جزيلا. # فجاء الحواء ms527 فتبخر بدخنة معه، فظهرت الأفعى، فحين رآها هاله أمرها، ~~وقصدته الأفعى فنهشته، فتلف في الحال. # فصار لي حديث بذلك، وشاع الخبر، فامتنع الحواءون من المجيء، وتغربت أنا ~~عن الضيعة والقرية، وبطلت معيشتي منهما. # فكنت يوما جالسا في الجانب الآخر من النهر، إذ جاءني رجل فسلم علي. # وقال: بلغني خبر أفعى عندك، قد قتل فلانا الحواء، وأخرب عليك ضيعتك، ~~فجئتك لتدلني عليه حتى آخذه. # PageV04P156 # فقلت: ما أحب تعريضك لهذا، وقد صار لي بتلف ذلك الحواء حديث. # فقال: إن ذلك الحواء كان أخي، وأنا أريد أن آخذ بثأره، وأريح الناس من ~~هذا الملعون، أو اللحاق بأخي. # قلت: فتشهد على نفسك أهل الأنهار المجاورة، أن هذا باختيارك، لا بمسألة ~~مني، ففعل، وأريته البستان. # فقال: أريد شيئا آكله، فجئناه بطعام فأكل، ثم أخرج دهنا كان معه، فطلى به ~~جميع بدنه. # وقال لغلام كان معه: انظر هل بقي موضع من غير ما أطليه؟ فقال له الغلام: ~~لا. # فجلست أنا فوق السطح الذي في داري، أنظر ما يفعل، فأخرج دخنة فبخر بها، ~~فما كان بأسرع من أن ظهر الأفعى كأنه دن أسود. # فحين قرب من الحواء هرب، فتبعه الحواء، فلحقه وقبض عليه. # فالتفت الأفعى فعض يده، فتركه الحواء فأفلت، وذهب عليه أمره، فجئناه ~~وحملناه، فمات في الليل. # وانقلبت الناحية بحديث الأفعى. # ومضى على هذا مدة، فجاء رجل يشبه الرجلين، وسألني عما سألني عنه الأخوان، ~~فأخبرته بالخبر. # فقال: الرجلان أخواي، ولا بد لي من الأخذ بثأرهما، أو اللحاق بهما. # قال: فأشهدت عليه، وأريته الموضع، وصعدت به السطح، فأكل وشرب أقداحا ~~كثيرة، وأخرج دهنا كان معه، وطلى به دفعات كثيرة كل بدنه، وكل مرة يسأل ~~غلامه. # فيقول: هل بقي موضع لا دهن فيه؟ فيقول له الغلام: لا. # PageV04P157 # فيقول للغلام: أعد الطلاء علي، فيعيده الغلام. # حتى لم يبق في جسده موضع إلا وقد طلاه، وأعاد الطلاء ثلاث مرات، وصار ~~الدهن ينقط من بدنه. # وبخر بدخنة، فخرج الأفعى، فطلبه الحواء وأخذ يحاربه، وتمكنت يد الحواء من ~~قفاه، فانثنى عليه فعض ms528 إبهامه. # وبادر الحواء فخرم فاه، وجعله في سلة، وأخرج سكينا معه فقطع إبهام نفسه، ~~وأغلى زيتا وكواها به، وخر كالتالف. # فحملناه إلى القرية، فإذا بصبي من غلماني قد جاء ومعه ليمونة، وكان ~~الليمون إذ ذاك قليلا بالبصرة جدا، وعندي منه شجرة واحدة. # فحين رأى الحواء الليمون، قال: هذا يا سيدي عندكم موجود؟ قلت: نعم. # قال: أغثني بكل ما تقدر عليه منه، فإنا نعرفه في بلدنا يقوم مقام ~~الدرياق. # فقلت: أين بلدك؟ قال: عمان. # فأتيته بكل ما كان عندي منه، فأقبل يعضه ويسرع في أكله، وعمد إلى بعضه ~~فاستخرج ماءه، وأقبل يتحسى منه، ويطلي به الموضع، وأصبح من غد وهو صالح. # فسألته عن خبره، فقال: ما خلصني بعد الله عز وجل، إلا ماء الليمون، وأظن ~~أن أخوي لو اتفق لهما تناوله ما تلفا. # قلت: فذلك الدهن الذي انطليت منه، ما هو؟ قال: الطلق، الذي إذا طرح معه ~~النار على الجسم حين لا يكون فيه خلل، ما ضرت النار الجسم، وأما تلف ~~إخواني، فلأن بعض أبدانهم خلا من الطلاء، أو جف عنه. # PageV04P158 # فقلت: وكيف تمكن الأفعى منك؟ قال: لطول الوقت، وإلى أن قيدته، جف بعض ~~الدهن، فتمكن مني، ولولا الليمون لتلفت. # فقال: فتعلمت منه استخراج ماء الليمون، وكنت أول من استخرجه بالبصرة، ~~ونبه الناس على منافعه، وجربته في الطبيخ فوجدته طيبا، وتداوله الناس. # قال: ثم أخرج الأفعى، وقطع رأسه، وذنبه، وأغلاه في طنجير، واستخرج دهنه ~~في قوارير، وانصرف. # PageV04P159 ### || مفلوج لسعته عقرب جرارة فعوفي # حدثني عبد الوهاب بن محمد بن مهدي، المعروف بأبي أحمد بن أبي سلمة، ~~الشاهد، الفقيه، المتكلم العسكري، في سنة خمس وخمسين وثلاث مائة بعسكر ~~مكرم: إنه شاهد رجلا مفلوجا، حمل من أصبهان، إلى عسكر مكرم ليعالج، فطرح ~~على باب خان في جواره، في الجانب الشرقي منها، وقد هجر، وفرغ، لكثرة ~~العقارب الجرارات فيه. # وطلب له موضع آخر يسكنه، فلم يوجد إلا في هذا الخان، فأنزله غلمانه # PageV04P160 # فيه، وهم لا يعلمون حاله، وأنه أخلي لكثرة الجرارات فيه. # وصعد أصحاب الرجل ms529 إلى السطح ليلا، وتركوه، لما وصف لهم أن المفلوج لا ~~يجوز أن يبيت في السطح. # فلما كان من الغد وجدوه جالسا، وكان طريحا ملقى لا يمكنه أن ينقلب من جنب ~~إلى جنب، ووجدوا لسانه فصيحا وكان متكسرا بالعلة، حتى إن الرجل مشى في يومه ~~ذلك. # فأحضر بعض أهل الطب وسأله عن خبره، ففتشه، فوجد أثر لسع الجرارة في إبهام ~~رجله اليسرى. # فقال له: انتقل الساعة من هذا الخان، فإنه مشهور بكثرة الجرارات، وقد ~~لسعتك واحدة منهن فأبرأتك، وعشت بشيء ما عاش أحد به قط، وقامت حرارتها ببرد ~~الفالج فأزالته، ولم تتجاوزه فتقتلك، وسيعقب ذلك حدة شديدة وحرارة، فاصبر ~~لها حتى أعالجك باليسير من الرطوبة فلا ترجع إليك برودة الفالج، وانتقل ~~لئلا تلسعك أخرى فتتلف. # وانتقل الرجل، وتعاهده الطبيب، فحم المفلوج من غد، وتلطف في علاجه حتى ~~برأ. # PageV04P161 ### || قضى ليلة في الجب بجوار أفعى # وحدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: كنت أتصرف مع المختار بن الغيث بن ~~حمدان أحد قواد بني عقيل، فسار وأنا في جملته، مع تكين الشيرزادي، لما تغلب ~~على الموصل، يطلب ناصر الدولة، وسار العسكر سيرا عجلا، فتقطع الناس. # وكانت تحتي حجرة، فصرت في أخريات الناس، ثم انقطعت عن العسكر حتى صرت ~~وحدي. # ثم أوردت الدابة ماء كان في الطريق، فحم، ولم يمكنه أن يسير خطوة واحدة. # فخفت أن يدركني من يسلبني نعمتي ويأسرني، فنزلت عن الدابة أمشي، وفي عنقي ~~سيف بحمائل، والمقرعة في يدي. # فسرت عدة فراسخ، حتى صعدت جبل سنجار، وكنت أحتاج أن أمشي فيه نحو الفرسخ، ~~ثم أنزل إلى سنجار، # PageV04P162 # فجنني الليل، واستنفذ المشي جلدي، واستوحشت، وخفت الوحوش في الجبل، فطلبت ~~موضعا أسكن فيه ليلتي، فلم أجد. # ورأيت جبابا كثيرة منقورة في أرض الجبل، فطلبت أقربها قعرا، ورميت فيه ~~حجرا، فظننت أن قعره قامة أو نحوها، فرميت بنفسي فيه. # وكان البرد شديدا، فنمت ليلتي وأنا لا أعقل من التعب والجوع. # فلما كان من الغد، انتبهت، وعندي أن الجب محفور كالآبار، وأني أضع رجلي ~~في ms530 جوانبه، فأتسلق وأطلع، فتأملته، فإذا هو محفور كالتنور، رأسه ضيق، ~~وأسفله واسع شديد السعة، وجوانبه منقوشة، فقمت في الجب فإذا هو أعلى من ~~قامتي. # فتحيرت في أمري، فلم أدر كيف أعمل، وكيف السبيل إلى الصعود. # وطلعت الشمس، وأضاء الجب، فإذا فيه أفعى مدور كالطبق وقد سدر من البرد، ~~فليس ينتشر، ولم يتحرك من مكانه، فتجنبت مكانه. # وهممت أن أجرد السيف وأقطع الأفعى، ثم قلت: أتعجل شرا لا أدري عاقبته، ~~ولا منفعة لي في قتله، لأني سأتلف في هذه البئر، وهي قبري، فما معنى قتل ~~الأفعى؟ أدعه، فلعله أن يبتدئ بالنهش، فأتعجل التلف، ولا أرى نفسي تخرج ~~بالجوع والعطش. # فأقمت يومي كله على ذلك، والأفعى لم تتحرك وأنا أبكي وأنوح على نفسي، وقد ~~يئست من الحياة. # فلما كان من الغد، أصبحت، وقد ضعفت، فحملني حب الحياة على الفكر في ~~الخلاص، فقمت، وجمعت من حجارة رقيقة كانت في الجب شيئا كثيرا، # PageV04P163 # وعبيتها في وسط الجب، وعلوتها لتنال يدي طرف الجب وأحمل نفسي إلى رأسه. # فحين جعلت رجلي على الحجارة، تدكدكت وانهارت، لرقتها وملاستها. # فلم أزل أعيد تعبيتها وركوبها، وتنزلق من تحت رجلي، وأنا متشاغل بذلك ~~يومي كله، وجاء الليل فلم يمكنني أن أقوم من الجوع والضعف، وانكسرت نفسي، ~~ثم حملني النوم. # فلما كان من الغد فكرت في حيلة أخرى، ووقع لي أن شددت المقرعة بعلائقها ~~في حمائل السيف، ودليت المقرعة إلى داخل الجب، ورميت السيف إلى رأس الجب، ~~وأمسكت المقرعة بإحدى يدي، فحصل جفن السيف فوق الجب معترضا لرأسه، وحمائله ~~في المقرعة، وهي مدلاة إلي. # ثم أمسكت السيف، وسللته، ولم أزل أقلع من أرض الجب ما يمكن قلعه ونحته من ~~تراب قليل، ثم عبيت ذلك بالرضراض والحجارة الرقاق وجعلت بين كل سافين منها ~~ترابا، ثم رددت السيف إلى جفنه، وعلوت الرضراض، وتعلقت على السيف المعترض، ~~وطفرت، فصار السيف معترضا تحت صدري، وظهرت يداي من الجب، فحصلت جوانبه تحت ~~إبطي، وأشلت نفسي، فإذا أنا قد خرجت من الجب، بعد أن اعوج السيف، وكاد ms531 يندق ~~ويدخل في بطني لثقلي عليه. # فوقعت خارج الجب، مغشيا علي من هول ما نالني، ووجدت أسناني قد # PageV04P164 # اصطكت، وقوتي قد بطلت عن المشي، فما زلت أحبو وأطلب المحجة حتى وقفت ~~عليها. # ورآني قوم مجتازون، فأخذوا بيدي، وقوي قلبي فمشيت حتى دخلت سنجار آخر ~~النهار، وقد بلغت روحي إلى حد التلف. # فدخلت مسجدا، فطرحت نفسي فيه وأنا لا أشك في الموت، وحضرت صلاة المغرب، ~~واجتمع أهل المسجد فيه، وسألوني عن خبري، فلم يكن في فضل للكلام. # فحملوني إلى بيت أحدهم، ولم يزالوا يصبون في حلقي الماء، ثم المرق ~~والثريد، إلى أن فتحت عيني بعد العتمة، فتكلمت، وبت ليلتي وأنا بحال عظيمة ~~من الألم. # فلما كان من الغد دخلت الحمام، وأقمت عندهم أياما حتى قويت. # ثم أخرجت نفقة كانت معي، فاستأجرت منها مركوبا، ولحقت بصاحبي، وسلم الله ~~عز وجل. # PageV04P165 ### || سقط طفل من القنطرة فالتقطه العقاب ثم نجا سالما # وحكى أبو محمد يحيى بن فهد الأزدي رحمه الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ~~ديسم بن إبراهيم بن شاذلويه، المتغلب، كان، بأذربيجان، لما ورد حضرة سيف ~~الدولة يستنجده على المرزبان بن محمد بن مسافر السلار لما هزمه عنها، قال: ~~رأيت بناحية أذربيجان نهرا يقال له: الرس، شديد جرية الماء جدا، وفي أرضه ~~حجارة كثيرة، بعضها ظاهر على الماء، وبعضها يغطيه الماء، وليس للسفن فيه ~~مسلك، وله أجراف هائلة لا مشاريع فيها، وعليه قنطرة يجتاز عليها السابلة. # PageV04P166 # قال: وكنت مجتازا عليها بعسكري، فلما صرت في وسط القنطرة، رأيت امرأة ~~تمشي وقد حملت ولدا طفلا في القماط، فزحمها بغل فطرحت نفسها على القنطرة، ~~وسقط الطفل من يدها إلى النهر، فوصل إلى الماء بعد ساعة، لبعد ما بين ~~القنطرة وصفحة الماء، ثم غاص، وارتفعت الضجة في العسكر، ثم رأينا الصبي قد ~~طفا على وجه الماء، وسلم من تلك الحجارة. # وكان الموضع كثير العقبان، ولها أوكار في أجراف ذلك النهر، ومنه يصاد ~~فراخها. # فحين ظهر الطفل في قماطه، صادف ذلك عقابا طائرا، فرآه، فظنه طعمة، فانقض ~~عليه، ms532 وشبك مخالبه في القماط، وطار به، وخرج إلى الصحراء. # فطمعت في تخليص الطفل، فأمرت جماعة أن يركضوا وراء العقاب، فركضوا، ~~وتتبعت نفسي مشاهدة الحال، فركضت. # وإذا العقاب قد نزل إلى الأرض، وابتدأ يمزق قماط الصبي ليفترسه، فحين ~~رأوه، صاحوا بأجمعهم، وقصدوه، فأدهشوه عن استلاب الصبي، فطار وتركه على ~~الأرض. # فلحقنا الصبي، وإذا هو سالم، ما وصل إليه جرح، وهو يبكي. # فكببناه، حتى خرج الماء من جوفه، وحملناه إلى أمه حيا، سالما. # PageV04P167 ### || قصة ابن التمساح # وحكى أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب المعروف بالحاتمي، قال: ~~رأيت بمصر رجلا يعرف بابن التمساح، فسألت جماعة من أهل مصر، من العامة، عن ~~ذلك. # فقالوا: هذا وطئ التمساح أمه، فولدته. # فكذبت ذلك، وبحثت عن الخبر، فأخبرني جماعة من عقلاء مصر، أن التمساح بها ~~يأخذ الناس من الماء فيفترسهم. # وربما أخذهم وهو شبعان، فيحمل المأخوذ بيده على صدره، حتى يجيء به إلى ~~أجراف أسفل مصر بمسافة، وهي جبال حجارة فيها مغارات إلى النيل، لا يصل ~~إليها الماشي ولا سالك الماء لبعدها عن الجهتين. # فيتسلق التمساح إلى بعض المغارات، فيودع بها الإنسان الذي أخذه، حيا أو ~~ميتا بحسب الاتفاق ويمضي. # فإذا جاع ولم يظفر بشيء، عاد إلى الموضع فيفترس الإنسان الذي خبأه هناك. # قال: فكان قد قبض على امرأة في بعض الأوقات، فجعلها في المغارة، فذكرت ~~المرأة: أنها حينما استقرت في المغارة، وانصرف التمساح، رأت هناك رجلا حيا، ~~وآثار جماعة قد افترسهم التمساح. # وأنها سألت الرجل عن أمره، فذكر أن التمساح تركه هناك منذ يومين. # قالت: وأخذ الرجل يؤانسني بالحديث، إلى أن طالبني بنفسي. # فقلت: يا هذا اتق الله. # فقال: التمساح قد مضى، ومن ساعة إلى ساعة فرج، ولعل أن تجتاز بنا # PageV04P168 # سفينة قبل عودته فنطرح أنفسنا إليها. # فوعظته، فلم يلتفت إلى كلامي، واغتصبني نفسي، فواقعني. # وما نزل حتى جاء التمساح، فأخذه من فوقي، ومضى، فبقيت كالميتة فزعا. # فأنا كذلك، إذ سمعت وقع حوافر الخيل، وصوت أقدام كثيرين، فأخرجت رأسي من ~~الغار، وصحت واستغثت، فاطلع ms533 أحدهم. # وقال: ما أنت؟ فقلت: حديثي طريف، أرموا لي حبلا أتخلص به إليكم. # فرموا لي حبلا، فشددت نفسي، واستظهرت جهدي، وأطراف الحبل في أيديهم. # فقلت: اجذبوني. # فجذبوني، فصرت معهم على ظهر المغارة، بعد أن توهنت، وتسلخت يدي. # فسألوني عن خبري، فأخبرتهم، فأركبوني شيئا، وأدخلوني البلد، فلما كان وقت ~~عادة حيضي، تأخرت عني، ثم ظهر الحمل، فولدت ابني هذا بعد تسعة أشهر. # وكرهت أن أخبر كل أحد بهذا الحديث، فنسبت ذلك إلى التمساح، وأستتر أمري ~~بذلك. # PageV04P169 ### || أبو القاسم العلوي يواجه الأسد # وحدثني أبو القاسم بن الأعلم العلوي الكوفي، الفيلسوف، قال: خرجت من ~~بغداد، أريد الكوفة، فلما صرت فيما بينها وبين حمام أعين قرية قريبة من ~~الكوفة أفضيت إلى أجمة هناك. # وكنت قد تقدمت الرفقة، وأنا راكب حمارا، وورائي بمسافة قريبة غلام لي ~~مملوك راكب بغلا، فسرنا حتى أبعدنا عن الرفقة. # فلما دخلت الأجمة، رأيت مسناة دقيقة في وسط الأجمة، وعليها المسلك، يوصل ~~إليها من هبوط. # فرمت النزول إليها، فوقف الحمار تحتي، فضربته ضربا شديدا، فلم أجده يبرح. # فالتفت إلى كفله، لأتأمل قوائمه، فرأيت أسدا قائما، وبينه وبين قوائم ~~الحمار نحو ذراع أو أقل، وإذا الحمار قد شم رائحته، فأصابته رعدة شديدة، ~~ورسخت قوائمه في الأرض، ولم يتحرك. # PageV04P170 # فلم أشك في التلف، وأن الأسد سيمد يده، فيجذبني من على الحمار، فغمضت ~~عيني لئلا أرى كيف أحصل في مخالبه، وأقبلت أتشهد، وأقرأ، وأنا مع ذلك أجد ~~عقلي ثابتا، ومتصورا لهيأة الأسد، ولم يفدني التغميض شيئا. # ثم ذكرت في الحال حكاية كنت أسمعها، أن الأسد لا يفترس الإنسان وهو مواجه ~~له، فاستدرت وفتحت عيني في عينيه، وأقبلت أتشهد خفيا، والأسد فاتح فاه، ~~وأنا أتأمل أسنانه، وتصل إلى أنفي من فمه روائح منتنة. # فإني لكذلك إذ لحقني الصبي المملوك على البغلة، ومعه رجل راكب دابة، ~~ووراءهما قوم مشاة. # فحين رأى المملوك تلك الحالة، جزع جزعا شديدا، وصاح بأعلى صوته: يا معاشر ~~المسلمين أدركونا، فقد افترس الأسد مولاي العلوي. # فحين سمع الأسد الصياح من ورائه انزعج، ms534 والتفت، فرأى الصبي قريبا إليه، ~~فتناوله من أعلى السرج، وعار البغل وحصل الصبي في فم الأسد، كالفأرة في فم ~~السنور، وأنا كالميت إلا أني أحصل ما أرى من ذلك. # وأقبل الأسد يحمل على راكب الدابة، والمشاة، والصبي في فمه، فهربوا منه، ~~ودخل الأجمة. # فقلت في نفسي: قد فداني الله عز وجل بمملوكي، وخلص نفسي بيسير من مالي، ~~فما وقوفي؟ فرميت بنفسي عن الحمار، وفررت أعدو على المسناة، فتلقاني قوم قد ~~جاءوا من الكوفة، ورأوا حيرتي، وفزعي، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم. # فتقدموا يطلبون الأسد، وقويت نفسي، فزدت في العدو، إلى أن خرجت من ~~الأجمة، ولحقني الرفقة التي كنت فيها، وقد عقلوا البغلة التي كانت تحت ~~مملوكي، وساقوا الحمار، فركبته، ودخلت الكوفة. # PageV04P171 # وكان هذا الخبر يوم الثلاثاء غرة شهر المحرم سنة ثمان وثلاثين وثلاث ~~مائة، فصمت يومي، واعتقدت أن أصوم كل ثلاثاء، أبدا، وأنا أصومه إلى الآن. # وجاءني أبو علي عمر بن يحيى العلوي، مهنئا بالسلامة، وبقدومي، وكان خبري ~~شاع. # وقال لي في جملة كلامه: كيف خفت الأسد؟ أو ما علمت أن لحومنا معاشر بني ~~فاطمة محرمة على السباع؟ فقلت له: مثل سيدنا، أطال الله بقاءه، لا يقول مثل ~~هذا، وما الذي كان يؤمنني أن يكون هذا الحديث باطلا فأتلف، وكيف كانت نفسي، ~~مع طبع البشرية، تطمئن في مثل ذلك الوقت، إلى هذا الحديث؟ قال: كيف يكون ~~هذا الحديث باطلا، مع ما رويناه من خبر زينب الكذابة مع علي بن موسى الرضا ~~عليهما السلام؟ قال: فقلت له: بلى، قد رويت ذلك، ولكن لم يخطر في فكري من ~~هذا شيء في تلك الحال. # قال مؤلف الكتاب: فقلت أنا لأبي القاسم بن الأعلم، وما خبر زينب الكذابة؟ ~~فإني لم أسمعه. # قال: هذا خبر مشهور عند الشيعة، بإسناد لهم لا أحفظه، وذلك: أن امرأة ~~يقال لها زينب ادعت أنها علوية، فجيء بها إلى علي بن موسى الرضا عليهما ~~السلام، فدفع نسبها. # فخاطبته بكلام دفعت فيه نسبه، ونسبته إلى مثل ما نسبها إليه من الادعاء، ~~وكان ms535 ذلك بحضرة السلطان. # فقال الرضا: أخرج أنا وهذه المرأة إلى بركة السباع، فإني رويت عن آبائي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن لحوم ولد فاطمة صلوات الله عليها محرمة ~~على السباع، فمن أكلته السباع فهو دعي. # PageV04P172 # فقالت المرأة: لا أرضى بهذا، ودفعت الخبر، فأجبرها السلطان على ذلك. # فقالت: فلينزل قبلي. # فنزل الرضا بمحضر من خلق عظيم، فلما رأته السباع، أقعت على أذنابها، فدنا ~~منها، ولم يزل يمسح رأس كل واحد منها ويمر بيده إلى ذنبه، والسبع يبصبص له، ~~حتى أتى على آخرها، ثم ولى، فصعد من البركة. # وكرهت المرأة النزول، وأبته، فأجبرت على ذلك، فحين نزلت وثب عليها ~~السباع، فافترسوها ومزقوها، فعرفت بزينب الكذابة. # PageV04P173 ### || أعان الفيلة على قتل ثعبان فكافئوه بما أغناه # وحدث عبد الله بن محمد بن خرسان السيرافي، المقيم، كان، بالبصرة، قال: ~~حدثني أبي، عن جدي، قال ذكر جماعة من شيوخ البحرين الذين ترددوا إلى بلاد ~~الهند، أنهم سمعوا هناك حكاية مستفيضة، أن رجلا كان معاشه صيد الفيلة قال: ~~استخفيت مرة في شجرة كبيرة عالية كثيرة الورق في غيضة كانت تجتاز بها ~~الفيلة، من شرائع الماء التي تردها إلى مراتعها. # فاجتاز بي قطيع منها، وكانت عادتي أن أدع القطعان تجوز حتى تبلغ آخر فيل ~~منها، فأرميه بسهم مسموم في بعض مقاتله، فتجفل الفيلة، فإذا مات الفيل ~~المجروح، نزلت فاقتلعت أنيابه وسلخت جلده، وأخذت ذلك فبعته في البلاد. # فلما اجتاز بي هذا القطيع، رميت آخر فيل كان فيه، فخر، فاضطربت الفيلة، ~~وأسرعت عنه. # فإذا أعظمها قد عاد فوقف عليه، وتأمل السهم والجرح، ورجعت معه الفيلة، ~~ووقفت بوقوفه، فما زال قائما والفيل المجروح يضطرب إلى أن مات. # فضج ذلك الفيل ضجيجا عظيما، وضجت الفيلة معه وانتشرت في الغيضة، ففتشتها ~~شجرة شجرة، فأيقنت بالهلاك. # وانتهى الفيل الأعظم إلى الشجرة التي أنا فيها، فلما رآني أحتك بالشجرة، # PageV04P174 # فإذا هي قد انكسرت، على عظمها وضخامتها، وسقطت أنا والشجرة إلى الأرض، ~~فلم أشك في أن الفيل يدومني. # وإذا به قد جاء حتى وقف ms536 يتأملني، وأحجمت الفيلة عني. # فلما رأى الفيل العظيم قوسي وسهامي، لف خرطومه علي برفق، وشالني من غير ~~أذى، حتى وضعني على ظهره، ورجع يريد الطريق التي كان أقبل منها، وهرول، ~~وهرولت الفيلة خلفه، حتى بلغ الماء، والفيلة معه. # فإذا قد خرج عليها ثعبان عظيم ينفخ، فتأخرت الفيلة، وأشال الفيل الأعظم ~~خرطومه، فلفه علي، وأنزلني، وتركني على الأرض، وأخذ يومئ بخرطومه إلى ~~الثعبان برفق وتملق. # فسددت سهما إلى الثعبان، ورميته، فأصبته، وتابعت رميه، فانصرف مثخنا. # فتقدم إليه الفيل فداسه، ثم عاد إلي، فأخذني بخرطومه، وجعلني على ظهره ~~وأقبل يهرول، والفيلة خلفه. # فجاء بي إلى غيضة لم أكن أعرفها، أعظم من التي أخذني منها، وأبعد بعدة ~~فراسخ، وفيها فيلة ميتة، لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثرها قد بلي جسده ~~وبقيت عظامه. # PageV04P175 # فما زال يتتبع الأنياب ويجمعها، ويومئ إلى فيل فيل، حتى لم يدع هناك نابا ~~إلا جمعه، وأوقر تلك الفيلة، ثم أركبني على ظهره، وأخذ بي في طريق العمارة، ~~واتبعته الفيلة. # فلما شارف القرى وقف، وأومأ إلى الفيلة فطرحت أحمالها، حتى لم يبق منها ~~شيء، ثم أنزلني بخرطومه برفق، وتركني عند الأنياب، وقد صارت تلا عظيما ~~هائلا. # فجلست عندها متعجبا من سلامتي، ورجع الفيل يريد الصحراء، ورجعت الفيلة ~~برجوعه، وأنا لا أصدق بسلامتي، ولا بما شاهدت من عظم فطنة الفيل. # فلما غابت الفيلة عني، مشيت، إلى أقرب القرى إلي، واستأجرت خلقا كثيرا، ~~حتى خرجوا معي، وحملوا تلك الأنياب، في أيام، إلى القرية. # وما زلت أبيعها في تلك المدن، حتى حصل لي مال عظيم، كان سبب يساري وغناي ~~عن صيد الفيلة. # PageV04P176 ### || حلف بالطلاق أن لا يبيت بمناذر فكان ذلك سببا لإنقاذ شخص من براثن الأسد # وحكى سعد بن محمد بن علي الأزدي، الشاعر، المعروف بالوحيد، قال: حدثني ~~مروان بن شعيب العدوي، من عدي ربيعة، قال: وهو بنهر تل هوارا، وكان من ~~أهلها، قال: كنت في حداثتي شديد القوة والأيد، وكانت بنيته لما حدثني، تدل ~~على ذلك منه، وكنت عند زوجة لي من عبد ms537 القيس في مناذر، وهي قريبة من تل ~~هوارا، على أربعة فراسخ، وعندي قوم من أهل هواره، ونحن نشرب. # فتفاخرنا إلى أن انتهينا إلى تجريد السيوف، فحجز بيننا مشايخ القرية، ~~وبدر لساني، فحلفت بالطلاق أن لا أبيت بمناذر. # PageV04P177 # فخرجت منها أريد منزلي بتل هوارا، ومعي سيفي وجحفتي، وكان ذلك في الليل. # فسرت في الطريق وحدي، وبلغت أجمة لا بد من سلوكها، فلما سرت فيها قليلا، ~~سمعت صياحا شديدا من ورائي، فجردت سيفي، ورجعت أطلب الصوت. # فوجدت الأسد قد افترس رجلا، وهو الذي صاح، ورأيته في فم الأسد عرضا ~~بثيابه. # فصحت بالأسد، فرمى بالرجل، ورجع إلي، فقاتلته ساعة، ثم وثب علي وثبة ~~شديدة، فلطئت بالأرض، وجمعت نفسي في جحفتي، فلشدة وثبته جاوزني، فصار ~~ورائي، فأسرعت الوثوب نحوه، وبعجته بالسيف في فمه، وكان سيفا ماضيا، فدخل ~~في فمه وخرج من لبته، فخر صريعا يضطرب، فتداركته بضربات كثيرة حتى تلف. # وعدت إلى الرجل، فوجدته يتنفس ولا يعقل، فحملته إلى الجادة، وكانت ليلة ~~مقمرة. # وتأملت الرجل، فإذا هو تاجر من تل هوارا، أعرفه، فلم تطب نفسي بتركه ~~أصلا، فجعلته عند الجادة، وعدت فأخذت رأس السبع، وحملته والرجل، # PageV04P178 # وحصلتهما في صبيغة كانت علي. # والصبيغة إزار أحمر يتشح به عرب تلك الناحية. # وكان الأسد في خلال قتالي إياه قد ضرب فخذي بكفه، فأحسست به في الحال ~~كغرزة الإبرة، لما كنت فيه من الهول. # فلما حصلت أمشي حاملا رأس الأسد والرجل، أحسست بالألم، ورأيت الدم يجري، ~~وقوتي تضعف، فصبرت نفسي حتى بلغت تل هوارا وقد أصبحت. # فأنكر أهل القرية حالي، وحال الجرح، فسألوني عن خبري، فألقيت الصبيغة ~~التي فيها الرجل والرأس، فاستهلوا الحال لما حدثتهم بها. # وفتشوا الرجل، فوجدوا في بدنه خدوشا يسيرة، فأخذوه، ورمت أن أمشي إلى ~~بيتي، فلم أقدر، حتى حملت، ومكثت في بيتي زمانا، وكنت أعالج نفسي من تلك ~~الجراح مدة. # وعولج الرجل فبرأ قبلي بأيام، وهو حي إلى الآن، يسميني مولاي، ومعتقي، ~~وجراحي أنا، لصعوبتها تنتقض علي في أغلب الأوقات. # قال سعد بن محمد: ms538 وأراني الجرح، فكان عظيم الفتح، قال: فلم أعلم سببا ~~لسكرنا وعربدتنا، إلا أنه سبب النجاة لذلك الرجل. # PageV04P179 ### || حيلة ابن عرس في قتل الأفعى # وحكى سعد بن محمد الأزدي، قال: حدثني رجل يعرف بعبد العزيز بن الحسن ~~الأزدي من تجار القصباء بالبصرة، قال: كنت يوما في القصباء، وقد أخرج من ~~النهر قصب رطب، فعمل كالقباب، على العادة فيما يراد تجفيفه من القصب، وكان ~~يوما صائفا. # وكدني الحر، فدخلت إحدى تلك القباب القصب، وهي تكون باردة جدا، وعادة ~~التجار أن يستكنوا بها، فنمت في القبة، فلبردها استثقلت في النوم. # فانتبهت بعد العصر، وقد انصرف الناس من القصباء، وهي في موضع بالبصرة، في ~~أعلاها، معروف، به صحراء وبساتين. # فاستوحشت للوحدة، وعملت على القيام، فإذا بأفعى في غلظ الساق أو الساعد، ~~طويل، متدور على باب القبة كالطبق. # فلم أجد سبيلا إلى الخروج، ويئست من نفسي، وتحيرت، وجزعت جزعا شديدا، ~~وأخذت في التشهد، والتسبيح، والفزع إلى الله تعالى. # فإني لكذلك، إذ جاء ابن عرس من بعيد، فلما رأى الأفعى، وقف يتأمله ثم رجع ~~من حيث جاء، وغاب قليلا، ثم جاء ومعه ابن عرس آخر، فوقفا جميعا، الواحد عن ~~يمين القبة، والآخر عن يسارها، وصار الواحد عند رأس الأفعى، والآخر عند ~~ذنبها، والأفعى غافل عنهما، ثم وثبا في حال واحدة، وإذا رأسه وذنبه في فم ~~كل واحد منهما. # فاضطرب، فلم يفلت منهما، وجراه حتى بعدا عن عيني، فخرجت من القبة سالما. # PageV04P180 ### || ألقى نفسه على نبات البردي فوقع على أسد # وحدث سعد بن محمد، الوحيد أيضا، قال: حدثنا الحسن بن علي الأنصاري المقرئ ~~بالرملة، وكان فارسا فاتكا شجاعا جلدا، قال: خرجت في قافلة من الرملة، ~~صاحبها ابن الحداد، وأنا على مهر لي، وعلي سلاحي. # فبلغنا في ليلة مظلمة إلى وادي غارا، وهو واد عميق جدا، عمقه نحو فرسخ، ~~في بطنه ماء يجري، وعليه شجر كثير، وهو مشهور بالسباع، والطريق على جنبة من ~~جنباته في مضيق. # فازدحمت القافلة، فسقط جمل عليه حمل بز، فرأيت صاحبه يلطم ويبكي، وكان ms539 ~~موسرا. # فدعاه ابن الحداد، وقال له: أنت رجل موسر، فما هذا الجزع؟ فقال له: في ~~الحمل البز الذي سقط، عشرة آلاف دينار عينا. # فحط ابن الحداد القافلة، ونادى: من ينزل الوادي، ويتخلص لنا الحمل أو ~~المال الذي فيه، وله ألف دينار، فلم يجسر أحد على ذلك. # فلما كرر النداء جئته، وقلت: تعجل لي الدنانير. # فقال: لا، ولكن أكتب لك بها الساعة كتابا، وأشهد من في القافلة، # PageV04P181 # فإذا صار الجمل وحمله مع ما فيه من المال عندي، فالمال لك. # فكتبنا كتابا بذلك، وأشهدنا عليه، وأعطيتهم دابتي ورحلي، ثم أخذت سيفا، ~~وجحفة، وشمعة مشتعلة، ورمت النزول إلى الوادي. # فرأيت منزلا غرني، فاستعجلت سلوكه، فنزلت ساعة، حتى صرت على جانب من ~~الوادي مشجر، فإذا فيه أثر الرعاة والغنم، ثم لم أجد طريقا إلى أسفل، وكان ~~سبيلي أن أرجع، وأرتاد النزول من جهة أخرى. # فحملني ضيق الوقت، والحرص على الدنانير، أن جعلت أتوغل، وأنتقل من شجرة ~~إلى شجرة، ومن حجر إلى حجر، حتى حصلت في جنب الوادي على صخرة ملساء بارزة ~~كالرف، ليس لها إلى أسفل طريق ألبتة. # فاطلعت بالشمعة، فإذا بيني وبين القرار عشرون ذراعا، وفي أسفل الوادي ~~بردي كثيف يجري بينه الماء، وله خرير شديد. # فأجمعت على أن ألقي نفسي، فأطفأت الشمعة، وشددتها بحمائل السيف مع ~~الجحفة، وألقيت ذلك في موضع علمته عن يميني، ثم جمعت نفسي فوثبت في وسط ~~البردي. # فوقعت على شيء ثار من تحتي ونفضني، وصاح صيحة عظيمة ملأ بها الوادي، وإذا ~~هو أسد، فشق البردي وسعى هاربا، فوقف بإزائي من جانب الوادي الآخر. # فطلبت سيفي وجحفتي حتى أخذتهما، ووقفت أنتظر أن يمضي الأدس فأطلب الجمل، ~~فأقبل يريدني. # فمشيت بين يديه في البردي، وهو في أثري يخوض الماء، ويشق البردي، وأنا ~~أخاتله من موضع إلى موضع. # PageV04P182 # وطلع القمر، فأبصرت بناء خفيا، فقصدته، فإذا هو بيت رحى يديرها الماء، ~~فدخلت فيه. # ثم فكرت، فقلت: هنا مألف الأسد، والساعة يجيئني، فجئت إلى شجرة كبيرة، ~~فقطعتها بالسيف من نصف ساقها، وجررتها من ms540 ورائي، وجذبت ساقها، ودخلت إلى ~~بيت الرحى، فامتلأ الباب بها، وفضلت عنه بشيء كثير، وجلست، وساق الشجرة في ~~يدي. # فما كان إلا مقدار جلوسي، حتى أحسست بالأسد يزحم الشجرة يريد الدخول إلي. # قال: فاستندت إلى الحائط، وأمسكت ساق الشجرة أدافعه بها، حتى ملني ~~ومللته، ثم ربض بإزاء الباب إلى أن أسفر الصبح، فلما كادت أن تطلع الشمس ~~مضى. # فأقمت إلى أن انبسطت الشمس، حتى أمنته، ثم خرجت، فما زلت أطلب أثر الجمل ~~حتى انتهيت إليه، فإذا هو قد تقطع من أثر السقطة، والعدلان مطروحان، وكانوا ~~أمروني بفتقهما، واستخراج المال، وحمله، إن لم أقدر على تخليص الجمل وحمل ~~العدلين، ففعلت ذلك. # وحملت المال على ظهري، وطلبت المصعد، وقد علا الضحى، فصعدت فيه. # فلما حصلت برأس الوادي، إذا ببادية مجتازين، فقصدوني، فمانعتهم بالسيف عن ~~نفسي، فلم أطقهم، وضربوني بالسيوف. # فقلت لشيخ رأيته كالرئيس لهم: لي الذمام على ما معي حتى أصدقك، وأنفعك ~~نفعا كثيرا. # فقال: أصدقني، ولك الذمام. # PageV04P183 # فحدثته بالحديث، فأخذوا المال، وساروا بي معهم، حتى وقفوا على العدلين، ~~فاحتملوهما. # وضرب الشيخ بيده في المال، فحثا منه ثلاث حثيات فقلت: هذا لا ينفعني إن ~~لم تبلغني مأمني. # فأناخ جملا فحملني عليه، وسار بي سيرا حثيثا، حتى أراني القافلة على بعد، ~~ثم أنزلني، وقال: الحق برفقتك، فما عليك من أحد بأس. # فمشيت حتى لحقت القافلة، وقد خبأت تلك الدنانير في سراويلي، فعرفتهم أن ~~المال أخذته البادية، وكتمت ما أعطوني، وأريتهم آثار الضرب، فصدقوني، ولم ~~يفتشوني. # فركبت دابتي وسرت معهم، فدخلنا طبرية، فشكوا إلى أميرها أبي عثمان بن ~~عقيل، فأسرى إلى الأعراب، فارتجع منهم أكثر المال، ورده إلى صاحبه. # وكنت أنا، لما دخلنا طبرية، فارقتهم، ودخلت إلى دمشق، ثم لحقوني بها. # وبلغني ما رد عليهم، فقلت لصاحب المال: قد بذلت مهجتي، وأفلت من الأسد، ~~والموت، مرارا، ومن الأعراب، حتى وصل إليك بعض مالك، فلا أقل من أن توصل ~~إلي بعض ما وعدتني، فأعطاني مائتي دينار. # فأضفتها إلى ما أعطانيه الأعراب، فإذا الجميع ستمائة دينار، ms541 مع السلامة ~~من تلك الشدائد والأهوال. # PageV04P184 ### || كيف نجا من الأسد والثعبان # وحكي أن رجلا وفد على هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد ~~رأيت في طريقي عجبا. # قال: وما هو؟ قال: بينما أنا أسير بين جبلي طي، إذ نظرت فإذا عن يميني ~~أسد كالبغل، وعن يساري ثعبان كالجراب، وهما مقبلان علي. # قاصدان نحوي. # فرفعت رأسي إلى السماء، وقلت: # يا دافع المكروه قد تراهما ... فنجني يا رب من أذاهما # ومن أذى من كادني سواهما ... لا تجعلن شلوي من قراهما # قال: فقربا مني، حتى وصلا إلي، فتشمماني، حتى لم أشك في الموت، ثم صدرا ~~عني، ونجوت. # PageV04P185 ### || قضى ليلة مع الأسد في حجرة مغلقة الباب # بلغني عن قاضي القضاة المعروف بأبي السائب، ولم أسمع ذلك منه، قال: وافيت ~~من همذان أريد العراق، وأنا فقير، وزرت قبر الحسين رضي الله عنه. # فلما انصرفت أريد قصر ابن هبيرة، قيل لي: إن الأرض مسبعة، وأشير علي أن ~~ألحق بقرية فيها حصن سميت لي، فآوى إليها قبل المساء. # وكنت ماشيا، فأسرعت في المشي، إلى أن وافيت القرية، فوجدت باب الحصن ~~مغلقا. # فدققت الباب، فلم يفتح لي، وتوسلت للقائمين بحراسته، بمن انصرفت من ~~زيارته. # فقالوا: قد أتانا منذ أيام من ذكر مثل ما ذكرت، فأدخلناه، وآويناه، فدل ~~علينا اللصوص، وفتح لهم باب الحصن ليلا، وأدخلهم، فسلبونا، ولكن الحق بذلك ~~المسجد، وكن فيه، لئلا تمسي فيأتيك السبع. # فصرت إلى المسجد، فدخلت بيتا كان فيه، وجلست. # فلم يكن بأسرع من أن جاء رجل على حمار، منصرفا من الحائر، فدخل المسجد، ~~وشد حماره في غلق الباب، ودخل إلي. # وكان معه كراز فيه ماء، وخرج، فأخرج منه سراجا فأصلحه، ثم أخرج قداحة، ~~فقدح، وأوقد، وأخرج خبزه، وأخرجت خبزي، واجتمعنا على الأكل. # فما شعرنا إلا والسبع قد حصل في المسجد فلما رآه الحمار، دخل إلى البيت ~~الذي كنا فيه، فدخل السبع وراءه، فخرج الحمار وجذب باب البيت بالرسن، # PageV04P186 # فأغلقه علينا وعلى السبع، وصرنا محبوسين فيه، فحصلنا في أخبث محصل. # وقدرنا أن ms542 السبع ليس يعرض لنا، بسبب السراج، وأنه إذا طفئ، أكلنا، أو ~~أخذنا. # وما طال الأمر أن فني ما كان في السراج من الدهن، وطفئ، وحصلنا في ~~الظلمة، والسبع معنا، فما كان عندنا من حاله شيء إلا إذا تنفس، فإنا كنا ~~نسمع نفسه. # وراث الحمار من فزعه، فملأ المسجد روثا، ومضى الليل ونحن على حالنا، وقد ~~كدنا نتلف فزعا. # ثم سمعنا صوت الأذان من داخل الحصن، وبدا ضوء الصبح، فرأيناه من شقوق ~~الباب. # وجاء المؤذن من الحصن، فدخل المسجد، فلما رأى روث الحمار، لعن وشتم، وحل ~~رسن الحمار من الغلق، فمر يطير، من الفزع، في الصحراء، لعلمه بما قد أفلت ~~منه. # وفتح المؤذن باب البيت ينظر من فيه، فوثب السبع إليه، فدقه، وحمله إلى ~~الأجمة، وقمنا نحن، وانصرفنا سالمين. # PageV04P187 ### || أخذه الأسد في المكان الذي أخذ فيه أباه # بلغني عن أبي علي محمد بن علي بن مقلة الكاتب، قال: كنت عند أبي علي ~~العلوي بالكوفة، إذ دخل عليه غلام له، فقال: يا مولاي، أخذ الأسد فلانا ~~وكيلك. # فانزعج، وقال: أين أخذه؟ فقال: في موضع كذا وكذا، وأدخله الأجمة ~~الفلانية. # فقال أبو علي: لا إله إلا الله، في هذا اليوم بعينه، أخذ الأسد أباه، ~~وأدخله هذه الأجمة بعينها، منذ كذا وكذا سنة، واغتم، فسليناه، فعاد إلى ~~شأنه في المحادثة. # فأنا قاعد عنده أحدثه، إذ دخل عليه غلمانه مبادرين، فقالوا: قد وافى ~~فلان، يعنون ذلك الوكيل، فأذن له، فدخل. # فرحب به أبو علي، وسأله عن خبره، فقال: نعم، أخذني الأسد، كما شاهدوني، ~~وكنت راكبا، فحملني بفيه، كما تحمل السنور بعض أولادها، إلا أنه ما كلمني، ~~وأدخلني الأجمة، وقد زال عقلي. # ولم أعلم من أمري شيئا، إلا أنني أفقت فلم أره، ووجدت أعضائي سالمة، ~~ووجدت حولي من الجماجم والعظام أمرا عظيما، فلم يزل عقلي وقوتي يثوبان إلي ~~إلى أن قمت، ومشيت. # PageV04P188 # فعثرت بشيء تأملته، فإذا هو هميان، فأخذته، وشددت به وسطي، ومشيت إلى أن ~~بعدت عن الموضع، فوصلت إلى شبيه بوهدة، فجلست فيها، وغطيت نفسي ms543 بما أمكنني ~~من القصب بقية ليلتي. # فلما طلعت الشمس أحسست بكلام المجتازين، وحوافر بغالهم، فخرجت وعرفتهم ~~قصتي، وركبت بغل أحدهم. # فلما بعدت عن الأجمة، وأمنت على نفسي، فتحت الهميان، فإذا فيه رقعة بخط ~~أبي، بأصل ما كان في الهميان من الدنانير، وبما أنفقه، فإذا هو هميان أبي ~~الذي كان في وسطه لما افترسه السبع. # فحسبت المصروف، ووزنت الباقي، فإذا هي بإزاء ما بقي من الأصل، ما نقصت ~~شيئا. # قال: وأخرج الهميان، وفتحه، وأخرج الرقعة، فقال أبو علي: نعم، هذا خط ~~أبيك. # وعجبت الجماعة من ذلك. # PageV04P189 ### || نجا من الأسد وافترس مملوكه # وبلغني عن رجل من أهل الأنبار، قال: خرجت إلى ضيعة لي في ظاهر الأنبار، ~~راكبا دابة لي، ومعي مملوك لي أسود في نهاية الشجاعة. # فلما صرنا في بعض الطريق، بالقرب من الموضع الذي أنا طالبه، إذ نشأت ~~سحابة، فأمطرت، وكان المساء قد أدركنا، فملنا إلى قباب كانت في الطريق ~~للسابلة، فلجأنا إليها، فقوي المطر حتى منعنا من الحركة، فأشار الغلام علي ~~بالمبيت. # فقلت له: نخاف اللصوص ويلك. # فقال لي: تخاف وأنا معك؟ قلت: فالسبع؟ قال: نصير الدابة داخل القبة، وأنت ~~تليها، وأنا عند الباب، وأشد وسطي بالحبل الذي معنا، وأشد طرفه برجلك، حتى ~~لا يأخذني النوم، فإن جاء الأسد، أخذني دونك. # وما زال يحسن لي ذلك الرأي حتى أطعته، وملنا إلى إحدى القباب، ودخلناها، ~~وفعل ما قال. # فوالله ما مضت قطعة من الليل، حتى جاء الأسد، فأخذ الأسود فدقه، واحتمله، ~~وجر رجلي المشدودة معه في الحبل. # PageV04P190 # فلم يزل يجرني على الشوك والحجارة، إلى أن صار بي إلى أجمته، وأنا لا ~~أعقل شيئا من أمري، ولا أحس بأكثر ما يجري، ولا تمييز لي يؤدي بي إلى ~~الاجتهاد في حل الحبل من رجلي. # ثم رمى بالأسود، وربض عليه، وما زال يأكل منه، حتى شبع، وترك ما فضل منه، ~~وليس في من حس الحياة غير النظر فقط، ثم مضى، فنام بالقرب من مكاننا. # وبقيت زمانا على تلك الحال، ثم سكن روعي، ورجعت إلي ms544 نفسي، لطول مكث الأسد ~~في نومه، فحللت رجلي من الحبل، وقمت أدب، فعثرت بشيء لا أدري ما هو، ~~فأخذته، فإذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وخرجت من الأجمة، وقد قارب ~~الصبح أن يسفر. # وصرت إلى القبة التي فيها دابتي، فإذا هي واقفة بحالها، فأخرجتها، ~~وركبتها، وانصرفت إلى منزلي، وفتحت الهميان، فوجدت فيه جملة دنانير. # فحمدت الله تعالى على السلامة وبقي الرعب في قلبي، والتألم في بدني، مدة. # PageV04P191 ### | الباب العاشر فيمن اشتد بلاؤه بمرض ناله فعافاه الله سبحانه بأيسر سبب وأقاله ### || دعاء يشفي من الوجع # 4: 192 54 - حدثني علي بن عمر بن أحمد الحافظ، من حفظه، قال: حدثنا أبو ~~بكر النيسابوري، قال: حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله ~~بن وهب، أن مالكا، أخبره عن يزيد بن خصيفة، عن عمرو بن عبد الله بن كعب ~~السلمي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، قال: شكوت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعا بي، قد كاد يبطلني، فقال لي: يا # PageV04P192 # عثمان، ضع يدك عليه، وقل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر هذا ~~الوجع، ومن شر ما أجد وأحاذر، سبع مرات "، قال: فقلتها، فشفاني الله # PageV04P193 ### || وجأ نفسه بسكين فعوفي من مرضه # حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن سليمان ~~الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الضحاك، عن أبيه، ~~ومحمد بن سلام، عن أبي جعدة، قال: برص أبو عزة الجمحي الشاعر، فكانت قريش ~~لا تؤاكله، ولا تجالسه، فقال: الموت خير من هذه الحياة. # فأخذ حديدة، ودخل بعض شعاب مكة، فطعن بها في معده. # والمعد: موضع عقبي الراكب من الدابة. # PageV04P194 # قال أبو جعدة: فمرت الحديدة بين الجلد والصفاق، فسال منه ماء أصفر، وبرئ ~~لوقته، فقال: # أللهم رب وائل ونهد ... والمهمهات والجبال الجرد # قال مؤلف هذا الكتاب: والذي في كتاب الطوسي: لا هم، وهو الصواب عندي. # ورب من يرعى بياض نجد ... أصبحت عبدا لك وابن عبد ms545 # أبرأتني من وضح في جلدي ... من بعد ما طعنت في معدي # PageV04P195 ### || يا قديم الإحسان لك الحمد # حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول التنوخي، قال: كان ~~ينزل بباب الشام من الجانب الغربي من بغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة، ~~يقال له: لبيب العابد، لا يعرف إلا بهذا. # وكان الناس ينتابونه، وكان صديقا لأبي، فحدثني لبيب، قال: كنت مملوكا ~~روميا لبعض الجند، فرباني، وعلمني العمل بالسلاح، حتى صرت رجلا، ومات مولاي ~~بعد أن أعتقني. # فتوصلت إلى أن حصلت رزقه لي، وتزوجت بامرأته، وقد علم الله أنني لم أرد ~~بذلك إلا صيانتها، فأقمت معها مدة. # ثم اتفق أني رأيت يوما حية داخلة في جحرها، فأمسكت ذنبها، فانثنت علي، ~~فنهشت يدي، فشلت. # ومضى على ذلك زمان طويل، فشلت يدي الأخرى، لغير سبب أعرفه، ثم جفت رجلاي، ~~ثم عميت، ثم خرست. # وكنت على ذلك الحال، ملقى، سنة كاملة، لم تبق لي جارحة صحيحة، إلا سمعي، ~~أسمع به ما أكره، وأنا طريح على ظهري، لا أقدر على الكلام، ولا على الحركة، ~~وكنت أسقى وأنا ريان، وأترك وأنا عطشان، وأهمل وأنا جائع، وأطعم وأنا ~~شبعان. # فلما كان بعد سنة، دخلت امرأة إلى زوجتي، فقالت: كيف أبو علي، لبيب؟ # PageV04P196 # فقالت لها زوجتي: لا حي فيرجى، ولا ميت فيسلى. # فأقلقني ذلك، وآلمني ألما شديدا، وبكيت، ورغبت إلى الله عز وجل في سري ~~بالدعاء. # وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألما في جسمي، فلما كان في بقية ذلك ~~اليوم، ضرب علي جسمي ضربانا عظيما كاد يتلفني، ولم أزل على ذلك الحال، إلى ~~أن دخل الليل وانتصف، فسكن الألم قليلا، فنمت. # فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر، وإحدى يدي على صدري، وقد كانت طول ~~هذه السنة مطروحة على الفراش لا تنشال أو تشال. # ثم وقع في قلبي أن أتعاطى تحريكها، فحركتها، فتحركت، ففرحت بذلك فرحا ~~شديدا، وقوي طمعي في تفضل الله عز وجل علي بالعافية. # فحركت الأخرى فتحركت، فقبضت إحدى رجلي فانقبضت، فرددتها فرجعت، ففعلت مثل ms546 ~~ذلك مرارا. # ثم رمت الانقلاب من غير أن يقلبني أحد، كما كان يفعل بي أولا، فانقلبت ~~بنفسي، وجلست. # ورمت القيام فأمكنني، فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه، وكان ~~في بيت من الدار. # فمشيت ألتمس الحائط في الظلمة، لأنه لم يكن هناك سراج، إلى أن وقعت على ~~الباب، وأنا لا أطمع في بصري. # فخرجت من البيت إلى صحن الدار، فرأيت السماء والكواكب تزهر، فكدت أموت ~~فرحا. # وانطلق لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان، لك الحمد. # ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو علي؟ فقلت: الساعة صرت أبو علي؟ أسرجي، ~~فأسرجت. # PageV04P197 # فقلت: جيئيني بمقراض، فجاءت به، فقصصت شاربا لي كان بزي الجند. # فقالت زوجتي: ما تصنع؟ الساعة يعيبك رفقاؤك. # فقلت: بعد هذا لا أخدم أحدا غير ربي. # فانقطعت إلى الله عز وجل، وخرجت من الدار، وطلقت الزوجة، ولزمت عبادة ~~ربي. # وقال أبو الحسن: وخبر هذا الرجل معروف مشهور، وكانت هذه الكلمة: يا قديم ~~الإحسان لك الحمد، صارت عادته، يقولها في حشو كلامه. # وكان يقال: إنه مجاب الدعوة، فقلت له يوما: إن الناس يقولون إنك رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في منامك، فمسح يده عليك، فبرئت. # فقال: ما كان لعافيتي سبب غير ما عرفتك. # PageV04P198 ### || أبرأ أبو بكر الرازي غلاما ينفث الدم بإطعامه الطحلب # حدثني أبو الحسن محمد بن علي الخلال البصري، أحد أبناء القضاة، قال: ~~حدثني بعض أهل الطب الثقات: أن غلاما من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، ~~وكان لحقه ذلك في طريقه. # فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فوصف ~~له ما يجد. # فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته، واستوصف حاله، منذ ابتداء ذلك به، فلم ~~يقم له دليل على سل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، فاستنظر الرجل ليفكر في ~~الأمر. # فقامت على العليل قيامته , وقال: هذا إياس لي من الحياة، لحذق الطبيب، ~~وجهله بالعلة، فازداد ما به. # وولد الفكر للرازي أن عاد إليه وسأله عن المياه التي شربها في طريقه، ~~فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج. # فقام ms547 في نفس الرازي، لحدة الخاطر وجودة الذكاء، أن علقة كانت في الماء ~~وقد حصلت في معدته، وأن ذلك النفث من فعلها. # PageV04P199 # فقال له: إذا كان غدا جئتك بعلاجك، ولا أنصرف من عندك حتى تبرأ بإذن الله ~~تعالى، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك يطيعونني فيما آمرهم به. # قال: نعم. # وانصرف الرازي، وجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب، وأحضرهما من غد معه، ~~وأراه إياهما. # وقال له: ابلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئا يسيرا، ثم وقف. # فقال له: ابلع. # فقال: لا أستطيع. # فقال للغلمان: خذوه، فنيموه، ففعلوا به ذلك، وفتحوا فاه، وأقبل الرازي ~~يدير الطحلب في حلقه، ويكبسه كبسا شديدا ويطالبه ببلعه، شاء أو أبى، ~~ويتهدده بالضرب، إلى أن بلع كارها أحد المركنين، وهو يستغيث فلا ينفعه مع ~~الرازي شيء. # إلى أن قال له العليل: الساعة أقذف ما في بطني، فزاد الرازي فيما يكبسه ~~في حلقه. # فذرعه القيء، فقذف، فتأمل الرازي قذفه، فإذا فيه علقة، وإذا بها لما وصل ~~إليها الطحلب، دبت إليه بالطبع، وتركت موضعها، فلما قذف العليل، خرجت مع ~~الطحلب، ونهض العليل معافى. # PageV04P200 ### || أصيب بوجع في المعدة وشفاه لحم جرو سمين # وحكى الحسن بن محمد السطوي، غلام كان يخدم أبي رحمه الله، قال: حدثني أبو ~~الحسن علي بن الحسن الصيدلاني البناتاذري، خليفة القاضي أبي القاسم علي بن ~~محمد التنوخي على القضاء ببناتاذر، قال: كان عندنا بسوق الأربعاء، من ~~بناتاذر، غلام حدث من أولاد التناء، لحقه وجع في معدته شديد، بلا سبب ~~يعرفه، وكانت تضرب عليه في أكثر الأوقات ضربانا عظيما، حتى كاد يتلف، وقل ~~أكله، ونحل جسمه. # فحمل إلى الأهواز، فعولج بكل شيء، فما نجع فيه دواء، فرد إلى بيته وقد ~~يئس منه. # فاستدعى والده طبيبا حاذقا، وأراه ولده، فقال له الطبيب: اقعد واشرح لي ~~حالك، منذ حال الصحة، فشرحها. # وطاوله في الحديث، إلى أن قال له العليل: إني دخلت بستانا لنا، وكان # PageV04P201 # في بيت البقر منه، رمان كثير، قد جمع للبيع، فأكلت منه رمانات عدة. # فقال له ms548 الطبيب: كيف كنت تأكل؟ قال: كنت أعض رأس الرمانة بفمي، وأرمي به، ~~وأكسرها، وآكلها، قطعا قطعا. # فقال له الطبيب: في غد أعالجك، وتبرأ بإذن الله تعالى، وخرج. # فلما كان من الغد، جاءه بقدر إسفيذباج، قد طبخها بلحم جرو سمين، وقال ~~للعليل: كل هذا. # فقال: ما هو؟ قال: إذا أكلت عرفتك. # قال: فأكل العليل. # فقال له الطبيب: امتل من الطعام، ففعل، ثم أطعمه بطيخا كثيرا، ثم تركه ~~ساعة، وسقاه فقاعا قد خلط بماء حار وشبث. # ثم قال: أتدري أي شيء أكلت؟ قال: لا أدري. # قال: أكلت لحم كلب، فحين سمع الغلام ذلك، اندفع فقذف جميع ما في بطنه. # فأمر الطبيب بعينيه ورأسه فأمسكا، وأقبل يتأمل القذف، إلى أن طرح # PageV04P202 # الغلام شيئا أسود، كالنواة الكبيرة، يتحرك. # فأخذه الطبيب، وقال له: ارفع رأسك، فقد برئت، وفرج الله تعالى عنك. # فرفع الغلام رأسه، وانقطع القذف، وسقاه الطبيب شيئا يقطع الغثيان، وصب ~~على رأسه ماء ورد، وسكن نفسه، ثم أخذ ذلك الشيء الذي يشبه النواة، فأراه ~~إياه، فإذا هو قراد. # وقال له: إني قد زكنت أن الموضع الذي كان فيه الرمان، كان فيه قردان من ~~البقر، وأنه قد دخلت واحدة منهن في رأس إحدى الرمانات التي اقتلعت رءوسها ~~بفيك، فنزل القراد إلى حلقك، وعلق بمعدتك يمتصها. # وعلمت أن القراد يهش إلى لحم الكلب، فأطعمتك إياه، وقلت: إن صح ظني، ~~فسيتعلق القراد بلحم الكلب، تعلقا يخرج معه إن قذفت، فتبرأ، وإن لم يكن ما ~~ظننت صحيحا، فما يضرك من أكل لحم الكلب. # فلما أحب الله تعالى من عافيتك صح حدسي، فلا تعاود بعد هذا إدخال شيء في ~~فيك لا ترى ما فيه. # وبريء الغلام، وصح جسمه. # PageV04P203 ### || ذكاء طبيب أهوازي # وحدثنا الحسن غلامنا، عن ابن الصيدلاني هذا، قال: كان لي أكار حدث، ~~فانتفخ ذكره انتفاخا عظيما واحمر، وضرب عليه ضربانا شديدا، فلم يكن ينام ~~الليل، ولا يهدأ النهار، وعولج فلم يكن إلى برئه سبيل. # قال: فجاء مطبب من الأهواز، يريد البصرة، فسألته أن ينظر إليه. # فقال لي: ms549 قل له يصدقني عن خبره في أيام صحته، وإلى الآن، قال: فحدثه. # فقال له: ما صدقتني، وما لي إلى علاجك سبيل، إلا أن تصدقني. # فقال لي الغلام: إن صدقتك يا أستاذ، فأنا آمن من جهتك على نفسي؟ قلت: ~~نعم. # فقال: أنا غلام حدث، وعزب، فوطئت حمارا لي في الصحراء ذكرا. # فقال له الطبيب: الآن علمت أنك قد صدقت، والساعة تبرأ. # ثم أمر به فأمسك إمساكا شديدا، وأخذ ذكره بيده، فجسه جسا شديدا، والغلام ~~ساكت. # إلى أن جس منه موضعا، فصاح الغلام، فأخذ الطبيب خيط إبريسم، فشد الموضع ~~شدا شديدا، ولم يزل يمرخ إحليل الغلام بيده، ويسلته، إلى أن # PageV04P204 # ندت منه حبة شعير من نقب ذكر الغلام، وقد كبرت وجرحت الموضع، فسال منه ~~شيء يسير كماء اللحم. # فأعطاه مرهما، وقال له: استعمل هذا أياما فإنك تبرأ، وتب إلى الله تعالى ~~من هذا الفعل. # فاستعمل الغلام ذلك المرهم، فبرئ. # PageV04P205 ### || شج رأسه فمرض ثم شج بعدها فصلح # وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبيد الله الدقاق، المعروف بابن ~~العسكري، شيخ مجرب ثقة، كان ينزل في درب الشاكرية من نهر المعلى، في الجانب ~~الشرقي من بغداد، في المذاكرة، قال: كان أبي إذا جلس يفتش في دفاتره، وأنا ~~صبي، أجيء فآخذ منها الشيء بعد الشيء، أستحسنه، فألعب به. # وكنت أرى في دفاتره دفترا فيه خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني منه، ~~حتى بلغت مبلغ الرجال. # فجلس يوما يفتش كتبه، فرأيت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، ~~فإذا هو مولدي، وقد عمله بعض المنجمين. # فوجدت فيه، أنني إذا بلغت أربعا وثلاثين سنة، كان علي فيها قطع. # فالتفت أبي فرأى الدفتر معي، فصاح وأخذه مني، ونظر إلى أي موضع # PageV04P206 # بلغت، فتوقف وأخذ يضعف ذلك في نفسي لئلا أغتم. # ومضت السنون، فلما بلغت السنة التي ذكرها المنجم، ركبت مهرا لي، وخرجت من ~~دار الضرب، وأبي فيها، وكان إليه العيار، فبلغت إلى ساباط بدرب سيما، بدرب ~~الديزج. # فنفر المهر من كلب كان في الطريق رابضا، فضرب رأسي حائطا ms550 كان في الساباط، ~~فوقعت عن المهر مغشيا علي. # ثم حملت إلى دار الضرب، وأحضر طبيب، وقد انتفخ موضع الضربة من رأسي ~~إنتفاخا عظيما، فأشار بفصدي، ففصدت فلم يخرج لي دم. # فحملت إلى بيتنا، ولم أشك في أني ميت لشدة ما لحقني، فاعتللت، وضعفت نفسي ~~خوفا مما ذكرته من حكم المنجم. # فكنت يوما جالسا مستندا إلى سرير، وقد أيست من الحياة، إذ حملتني عيناي، ~~فخفق رأسي، فضرب درابزين السرير، فشج الموضع المنتفخ، فخرج منه أرطال دم، ~~فخف ما بي في الحال، فصلحت، وبرئت، وعشت إلى الآن. # وكان له يوم حدثني بهذا الحديث أربعا وثمانين سنة وشهور، على ما أخبرني. # PageV04P207 ### || القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقه # وحدثني أبو الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب، قال: ~~رأيت بمصر طبيبا مشهورا يعرف بالقطيعي، وكان يقال: إنه يكسب في كل يوم ألف ~~درهم، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر، ومن السلطان، وما يأخذه ~~من العامة. # قال: وكان له دار قد جعلها شبه البيمارستان، من جملة داره، يأوي إليها ~~ضعفاء الأعلة، يعالجهم، ويقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وخدمتهم، وينفق ~~أكثر كسبه في ذلك. # قال أبو الحسن: فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر، وأسماه لي فذهب عني اسمه، ~~وكنت هناك، فحمل إليه أهل الطب، وفيهم القطيعي، فأجمعوا على موته، إلا ~~القطيعي، وعمل أهله على غسله ودفنه. # فقال القطيعي: دعوني أعالجه، فإن برئ، وإلا فليس يلحقه أكثر من الموت ~~الذي أجمع هؤلاء عليه. # فخلاه أهله معه، فقال؛ هاتم غلاما جلدا ومقارع، فأتي بذلك. # PageV04P208 # فأمر به فمد، وضرب عشر مقارع من أشد الضرب، ثم جس مجسه، وضربه عشرا أخرى ~~شديدة أيضا، ثم جس مجسه، وضربه عشرا أخرى. # ثم جس مجسه، وقال للطب: أيكون للميت نبض يضرب؟ فقالوا: لا. # قال: فجسوا نبض هذا. # فجسوه، فإذا به يتحرك، فضرب عشر مقارع أخرى، فصاح. # فقطع الضرب عنه، فجلس العليل يجس بدنه، ويتأوه، وقد ثابت إليه قوته. # فقال له الطبيب: ما تجد؟ قال: أنا جائع. # قال: أطعموه الساعة، فجاءوه بما ms551 أكله، وقمنا وقد رجعت قوته، وبرئ. # فقال له الطب: من أين لك هذا؟ قال: كنت مسافرا في قافلة فيهم أعراب ~~يخفروننا، فسقط منهم فارس عن فرسه، فأسكت، فعمد شيخ منهم إليه، فضربه ضربا ~~عظيما، فما رفع عنه الضرب حتى أفاق، فعلمت أن ذلك الضرب جلب عليه حرارة ~~أزالت سكتته. # فقست عليه أمر هذا العليل. # PageV04P209 ### || مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد # حدثني بعض المتطببين بالبصرة، قال: حدثنا أبو منصور بن مارية، كاتب أبي ~~مقاتل صالح بن مرداس الكلابي، أمير حلب، وكان أبو منصور من رؤساء أهل ~~الصراة الذين يضربون المثل بنعمتهم وترفههم، وكان ثقة أديبا، وقد شاهدته ~~أنا، ولم أسمع منه هذه الحكاية، قال: أخبرني أحد شيوخنا، قال: كان بعض ~~أهلنا قد استسقى، فأيس من حياته، وحمل إلى بغداد، فشوور أهل الطب فيه، ~~فوصفوا له أدوية كثارا، فعرفوا أنه قد تناولها بأسرها، # PageV04P210 # فلم تنجع، فأيسوا منه، وقالوا: لا حيلة لنا في برئه. # فلما سمع العليل ذلك، قال لمن معه: دعوني الآن أتزود من الدنيا، وآكل ما ~~أشتهي، ولا تقتلوني قبل أجلي بالحمية. # فقالوا: كل ما تريد. # فكان يجلس على دكان بباب الدار، ومهما رأى ما يجتاز به على الطريق، شراه، ~~وأكله. # فمر به رجل يبيع جرادا مطبوخا، فاشترى منه عشرة أرطال، وأكلها بأسرها. # فلما كان بعد ساعة، انحل طبعه، وتواتر قيامه، حتى قام في ثلاثة أيام أكثر ~~من ثلث مائة مجلس، وضعف، وكاد يتلف. # ثم انقطع القيام، وقد زال كل ما في جوفه، وعادت بطنه إلى حالها في الصحة، ~~وثابت إليه قوته، وبرئ. # فخرج برجليه في اليوم الخامس، يتصرف في حوائجه، فرآه أحد الطب، فعجب من ~~أمره، وسأله عن الخبر، فعرفه. # فقال: ليس من شأن الجراد أن يفعل هذا، ولا بد أن يكون في الجراد الذي فعل ~~هذا خاصية، فأحب أن تدلني على الذي باعك الجراد، فلم يزالوا في طلبه حتى ~~وجدوه. # فقال له الطبيب: من أين لك هذا الجراد؟ فقال: أنا أصيده، وأجمع منه شيئا ~~كثيرا، وأطبخه، وأبيعه. # فقال: من أين ms552 تصيده؟ فذكر قرية بالقرب من بغداد. # PageV04P211 # فقال له الطبيب: أعطيك دينارا، وتدع شغلك، وتجيء معي إلى الموضع. # قال: نعم، فخرجا وعاد الطبيب من غد، فذكر أنه رأى الجراد يرعى في صحراء ~~أكثر نباتها حشيشة يقال لها: مازريون، وهي دواء الاستسقاء. # وإذا دفع إلى العليل منها وزن درهم، أسهله إسهالا يزيل الاستسقاء، ولكن ~~لا يؤمن أن لا ينظبط، ولا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بها خطر جدا، وهي ~~مذكورة في الكتب الطبية، ولكنها لفرط خطرها لا يصفها الأطباء، فلما وقع ~~الجراد على هذه الحشيشة، وانطبخت في معدته، ثم طبخ الجراد، ضعف فعلها ~~بطبخين اجتمعا عليها، وقضى أن تناولها هذا بالاتفاق، وقد تعدلت بمقدار ما ~~يدفع طبعه دفعا لا ينقطع، فبرأ. # PageV04P212 ### || مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى # وحدثنا أبو الحسن محمد بن طرطى الواسطي، قال: سمعت أبا علي عمر بن يحيى ~~العلوي الكوفي، قال: كنت في بعض حججي في طريق مكة، فاستسقى رجل كان معنا من ~~أهل الكوفة، وثقل في علته. # وسل الأعراب قطارا من القافلة كان هذا العليل على جمل منه، ففقد، وجزعنا ~~عليه، وعلى القطار، وكنا راجعين إلى الكوفة. # فلما كان بعد مدة، جاء العليل إلى داري معافى، فسألته عن قصته وسبب ~~عافيته. # فقال: إن الأعراب لما سلوا القطار، ساقوه إلى محلهم، وكان على فراسخ ~~يسيرة من المحجة، فأنزلوني، ورأوا صورتي، فطرحوني في أواخر بيوتهم. # وتقاسموا ما كان في القطار، فكنت أزحف وأتصدق من البيوت ما آكله، وتمنيت ~~الموت، وكنت أدعو الله تعالى به أو بالعافية. # فرأيتهم يوما وقد عادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فقطعوا ~~رءوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها. # فقلت: هؤلاء يأكلون هذه فلا تضرهم بالعادة التي قد مرنوا عليها، ولعلي # PageV04P213 # إذا أكلت منها شيئا أن أتلف فأستريح مما أنا فيه. # فقلت لبعضهم: أطعمني من هذه الحيات، فرمى إلي واحدة منها مشوية، فيها ~~أرطال، فأكلتها بأسرها، وأمعنت، طلبا للموت، فأخذني نوم عظيم، فانتبهت وقد ~~عرقت عرقا عظيما، فاندفعت طبيعتي، فقمت في بقية يومي وليلتي أكثر من مائة ms553 ~~مجلس، إلى أن سقطت طريحا وجوفي يجري. # فقلت: هذا طريق الموت، فأقبلت أتشهد، وأدعو الله تعالى بالرحمة والمغفرة. # فلما أضاء الصبح، تأملت بطني، فإذا هي قد ضمرت جدا، وزال عنها ما كان ~~بها، فقلت: أي شيء ينفعني هذا، وأنا ميت؟ فلما أضحى النهار، انقطع القيام، ~~ووجبت صلاة الظهر، فلم أحس بقيام، وجعت، فجئت لأزحف على العادة، فوجدت بدني ~~خفيفا، وقوتي صالحة، فتحاملت ومشيت، وطلبت منهم مأكولا فأطعموني، وقويت، ~~وبت في الليلة الثانية معافى لا أنكر شيئا من أمري. # فأقمت أياما، إلى أن وثقت من نفسي بأني إن مشيت نجوت، فأخذت الطريق مع ~~بعضهم، إلى أن صرت على المحجة، ثم سلكتها، منزلا، منزلا، إلى الكوفة مشيا. # PageV04P214 ### || القاضي أبو الحسين بن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي # حدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب: قال: ~~حدثني أبو بكر الجعابي الحافظ، قال: دخلت يوما على القاضي أبي الحسين بن ~~أبي عمر، وهو مغموم، فقلت: لا يغم الله قاضي القضاة، ما هذا الحزن الذي ~~أراه به؟ قال: مات يزيد المائي. # فقلت: يبقي الله قاضي القضاة، ومن يزيد المائي، حتى إذا مات اغتم عليه ~~قاضي القضاة، هذا الغم كله؟ فقال: ويحك، مثلك يقول هذا في رجل كان أوحد ~~زمانه في صناعته، وقد مات وما ترك أحدا يقاربه في حذقه، وهل فخر البلدان ~~إلا بكثرة رؤساء الصنائع، وحذاق أهل العلوم فيها؟ فإذا مضى رجل لا مثيل له ~~في صناعة لا # PageV04P215 # بد للناس منها، فهل يدل هذا إلا على نقصان العالم وانحطاط البلدان. # ثم أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة التي عالج بها، والعلل الصعبة ~~التي زالت بتدبيره، فذكر من ذلك أشياء كثيرة، منها: قال: أخبرني منذ مدة ~~رجل من جلة أهل البلد، أنه كان حدث بابنة له علة طريفة، فكتمت أمرها، ثم ~~أطلع عليها أبوها، فكتمها هو مديدة، ثم انتهى أمر البنت إلى حد الموت. # قال: وكانت العلة، أن فرج الصبية كان يضرب عليها ضربانا عظيما لا تنام ~~معه الليل ولا النهار، وتصرخ ms554 أعظم صراخ، ويجري في خلال ذلك منه دم يسير ~~كماء اللحم، وليس هناك جرح يظهر، ولا ورم. # قال: فلما خفت المأثم، أحضرت يزيد، فشاورته. # فقال: أتأذن لي في الكلام، وتبسط عذري فيه. # فقلت له: نعم. # قال: لا يمكنني أن أصف لك شيئا، دون أن أشاهد الموضع بعيني، وأفتشه بيدي، ~~وأسائل المرأة عن أسباب لعلها كانت الجالبة للعلة. # قال: فلعظم الصورة، وبلوغها حد التلف، أمكنته من ذلك. # فأطال المسائلة، وحدثها بما ليس من جنس العلة، بعد أن جس الموضع من ~~ظاهره، وعرف بقعة الألم، حتى كدت أن أثب به، ثم صبرت، ورجعت إلى ما أعرفه ~~عن سيرته، فصبرت على مضض. # إلى أن قال: تأمر من يمسكها، ففعلت. # فأدخل يده في الموضع دخولا شديدا، فصاحت الجارية، وأغمي عليها، وانبعث ~~الدم، وأخرج يده وفيها حيوان أقل من الخنفساء، فرمى به. # فجلست الجارية في الحال، وقالت: يا أبة، استرني، فقد عوفيت. # فأخذ يزيد الحيوان بيده، وخرج من الموضع، فلحقته، فأجلسته. # PageV04P216 # وقلت: أخبرني ما هذا؟ فقال: إن تلك المسائلة التي لم أشك من أنك أنكرتها، ~~إنما كانت لأطلب دليلا أستدل به على سبب العلة. # إلى أن قالت لي الصبية: إنها في يوم من الأيام، جلست في بيت دولاب البقر، ~~في بستان لكم، ثم حدثت العلة بها، من غير سبب تعرفه، في غد ذلك اليوم. # فتخيلت أنه قد دب في فرجها من القراد الذي يكون على البقر، وفي بيوت ~~البقر قراد، قد تمكن من أول داخل الفرج، فكلما امتص الدم من موضعه ولد ~~الضربان، وأنه إذا شبع، خف الضربان، لانقطاع مصه، ونقط من الجرح الذي يمتص ~~منه إلى خارج الفرج. # فقلت: أدخل يدي، وأفتش. # فأدخلت يدي، فوجدت القراد كما حدست، فأخرجته، وهذا هو الحيوان، وقد تغيرت ~~صورته لكثرة ما امتص من الدم، مع طول الأيام. # قال: فتأملنا الحيوان، فإذا هو قراد، وبرئت المرأة. # قال مؤلف هذا الكتاب: ولم يذكر القاضي أبو الحسين في كتابه هذا الخبر، ~~ولعله اعتقد أنه مما لا يجب إدخاله فيه. # PageV04P217 ### || زمنة مقعدة ms555 يشفيها الحنظل # حدثني المؤمل بن يحيى بن هارون، شيخ نصراني يكنى بأبي نصر، كان ينزل بباب ~~الشام، رأيته في سنة خمسين وثلثمائة، قال: حدثني قرة بن السراج العقيلي، ~~وكان ينزل، إذا جاء من البادية، بشارع دار الرقيق بالقرب من درب سليمان، ~~قال: كان عندنا بالبادية، جارية بالغ، زمنة، مقعدة سنين، ومن عادتنا أن ~~نأخذ الحنظل فنقور رءوسه، ونملأه باللبن الحليب، ونرد على كل واحدة رأسها، ~~وندفنها في الرماد الحار، حتى تغلي، فإذا غلت، حسا كل واحد منا من الحنظلة ~~ما في رأسها من اللبن، فتسهله، وتصلح بدنه. # قال: وقد كنا أخذنا في سنة من السنين، ثلاث حناظل، لثلاثة أنفس، ~~يشربونها، وجعلنا اللبن فيها على الصفة المارة، فرأتها الجارية الزمنة. # فلتبرمها من الحياة، وضجرها من الزمانة، خالفتنا إلى الحناظل الثلاث، ~~فحستها كلها، وعلمنا بذلك بعد أن رأينا من قيامها ما جزعنا منه، وأيسنا من ~~حياتها، وخشينا أن تعدينا، فأبعدناها عن البيوت. # فلما كان الليل، انقطع قيامها، فمشت برجلها إلى أن عادت إلى البيوت لا ~~قلبة بها، وعاشت بعد ذلك سنين، وتزوجت، وولدت. # PageV04P218 ### || اشترى الرشيد لطبيبه ضياعا غلتها ألف ألف درهم # وحدث جبريل بن بختيشوع، قال: كنت مع الرشيد، بالرقة، ومعه المأمون ومحمد، ~~وكان الرشيد رجلا كثير الأكل والشرب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها، ~~ودخل المستراح، فغشي عليه فيه. # فأخرج وقد قوي عليه الغشي، حتى لم يشك غلمانه في موته، وحضر ابناه، وشاع ~~عند الخاصة والعامة خبره. # وأرسل إلي، فجئت، فجسست عرقه، فوجدت نبضا خفيفا، وأخذت عرقا في رجله فكان ~~كذلك، وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدم. # فقلت لهم: إنه لم يمت، والصواب أن يحجم الساعة. # فقال كوثر الخادم، لما يعرف من أمر الخلافة وإفضائها إلى صاحبه محمد: يا ~~ابن الفاعلة، تقول أحجموا رجلا ميتا؟ لا يقبل قولك ولا كرامة. # فقال المأمون: الأمر قد وقع، وليس يضر أن نحجمه. # وأحضر الحجام، فتقدمت، وقلت له: ضع محاجمك، ففعل، فلما مصها رأيت الموضع ~~قد احمر، فطابت نفسي بذلك، وعلمت ms556 أنه حي. # فقلت للحجام: اشرط، فشرط، فخرج الدم، فسجدت شكرا لله تعالى، وجعل كلما ~~خرج الدم، تحرك رأسه، وأسفر لونه، إلى أن تكلم. # PageV04P219 # فقال: أين أنا؟ فطيبت نفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذا، وما زلت ~~أسعطه بالطيب في أنفه، حتى تراجعت إليه قوته، وأدخل الخاصة والقواد إليه، ~~فسلموا عليه من بعد، لما كان قد شاع من خبره، ثم تكاملت قوته، ووهب الله له ~~العافية. # فلما برأ من علته، دعا صاحب حرسه، وحاجبه، وصاحب شرطته، فسأل صاحب الحرس ~~عن غلته في كل سنة، فعرفه أنها ألف ألف درهم، وسأل صاحب شرطته عن غلته، ~~فعرفه أنها خمس مائة ألف درهم. # ثم قال: يا جبريل: كم غلتك؟ فقلت: خمسون ألف درهم. # فقال: ما أنصفناك، حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني، ويحجبوني عن الناس، على ~~ما هي عليه، وتكون غلتك ما ذكرت، وأمر بإقطاعي ما قيمته ألف ألف درهم. # فقلت: يا سيدي ما لي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما أشتري به ضياعا ~~غلتها ألف ألف درهم، ففعل، وتقدم بمعاونتي على ابتياعها. # فابتعت بهباته، وجعالاته، ضياعا غلتها ألف ألف درهم، فجميع ما أمتلكه ~~ضياع لا إقطاع فيها. # PageV04P220 ### || لسعته عقرب فعوفي # وحدثني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش الطائي، الجوهري، البغدادي، ~~قال: كان في درب مهرويه، بالجانب الشرقي ببغداد، قديما، رجل من كبراء ~~الحجرية، وكان متشببا بغلام من غلمانه، رباه صغيرا. # فاعتل الغلام علة من بلسام، وهو الذي تسميه العامة: البرسام، فبلغ إلى ~~درجة قبيحة، وزال عقله. # فتفرقوا عنه يوما، وهو في موضع فيه خيش، ووكلوا صبيا بمراعاته، فسمعوا ~~صياح الفتى الموكل به، فبادروا إليه. # فقال: انظروا إلى ما قد أصابه. # فإذا عقرب قد نزل من المسند على رأس العليل، فلسعته في عدة مواضع، فإذا ~~به قد فتح عينيه وهو لا يشكو ألما. # فسألوه عن حاله، فطلب ما يأكل، فأطعموه، وبرأ. # فلاموا طبيبه، فقال: علام تلومونني، لو أمرتكم أن تلسعوه بعقرب، أكنتم ~~تفعلون؟ # PageV04P222 ### || ابرأته مضيرة لعقت فيها أفعى # حدثني أبو بكر محمد بن ms557 عبد الله بن محمد الرازي، المعروف بابن حمدون، ~~قال: حدثني أبو بكر أحمد بن علي الرازي الفقيه رحمه الله، قال: سمعت أبا ~~بكر بن قارون الرازي، وكان تلميذا لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، ~~قال أبو بكر بن حمدون: وقد رأيت هذا الرجل بالري، وكان يحسن علوما كثيرة، ~~منها الحديث، ويرويه، ويكتبه الناس عنه، ويوثقونه، ولم أسمع هذا منه، قال ~~المؤلف رحمه الله: ولم يتهيأ لي مع كثرة ملاقاتي أبا بكر الرازي الفقيه ~~رحمه الله، أن أسمع هذا الخبر منه، قال ابن قارون: حدثنا أبو بكر محمد بن ~~زكريا الرازي الطبيب، بعد رجوعه من عند أمير خراسان، لما استدعاه ليعالجه ~~من علة صعبة، قال: اجتزت في طريقي إلى نيسابور، ببسطام، وهي النصف من طريق ~~نيسابور إلى الري. # قال: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني داره، وخدمني أتم خدمة وسألني أن أقف على ~~ابن له به استسقاء. # فأدخلني إلى دار قد أفردها له، فشاهدت العليل، ولم أطمع في برئه، فسألني # PageV04P223 # أبوه عن السر في حاله، فصدقته، وآيسته من حياة ابنه. # وقلت له: مكنه من شهواته، فإنه لا يعيش. # ثم خرجت إلى خراسان، فأقمت بها سنة كاملة، وعدت، فاستقبلني الرجل أبو ~~الصبي فلم أشك في وفاته، وتركت مساءلته عن ابنه، فإني كنت نعيته إليه، ~~وخشيت من تثقيلي عليه، فأنزلني داره، ولم أجد عنده ما يدل على ذلك، وكرهت ~~مسائلته عن ابنه لئلا أجدد عليه حزنا. # فقال لي بعد أيام: تعرف هذا الفتى؟ وأومأ إلى شاب حسن الوجه والسحنة، ~~صحيح البدن، كثير الدم والقوة، قائم مع الغلمان يخدمنا. # فقلت: لا. # فقال: هذا ابني الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان. # فتحيرت، وقلت له: عرفني سبب برئه. # فقال: إنه كان بعد قيامك من عندي، فطن أنك آيستني منه. # فقال لي: لست أشك أن هذا الرجل، وهو أوحد زمانه في الطب، قد آيسك مني، ~~والذي أسألك، أن تمنع هؤلاء، يعني: غلماني الذين كنت قد أخدمته إياهم، ~~فإنهم أترابي، وإذا رأيتهم معافين، وقد علمت أني ميت، تجدد على ms558 قلبي الهم ~~والمرض، حتى يعجل لي الموت، فأرحني من هذا بأن لا أراهم، وأفرد لخدمتي ~~دايتي. # ففعلت ما سأل، وكان يحمل إلى الداية في كل يوم ما تأكله، وكانت الداية ~~تأتيه بما يطلب من غير حمية. # فلما كان بعد أيام يسيرة، حمل إلى الداية مضيرة لتأكل منها، فتركتها بحيث ~~يقع عليها نظر ابني، ومضت في شغل لها. # PageV04P224 # فذكرت بعد أن عادت، أن ابني قد نهاها عن أكل ما في الغضارة، ووجدتها قد ~~ذهب كثير مما كان فيها، وبقي بعضه متغير اللون. # قالت: فقلت له: ما السبب؟ فقال: رأيت أفعى عظيمة قد خرجت من موضع ودبت ~~إليها وأكلت منها ثم قذفت فيها، فصار لونها كما ترين، فقلت: أنا ميت، وهوذا ~~يلحقني ألم شديد، ومتى أظفر بمثل هذا؟ وجئت، فأكلت من الغضارة ما استطعت، ~~لأموت عاجلا وأستريح، فلما لم أستطع زيادة أكل رجعت حتى جئت إلى فراشي، ~~وجئت أنت. # قالت: ورأيت أنا المضيرة على يده وفمه فصحت. # فقال: لا تعلمي أبي شيئا، وادفني الغضارة بما فيها، لئلا يأكلها إنسان ~~فيموت، أو حيوان فيلسع إنسانا فيقتله، ففعلت ما قال، وخرجت إليك. # قال: فلما عرفتني ذلك، ذهب علي أمري، ودخلت إلى ابني، فوجدته نائما. # فقلت: لا توقظيه، حتى ننظر ما يكون من أمره. # فأتيته آخر النهار، وقد عرق عرقا شديدا، وهو يطلب المستحم، فأنهضناه ~~إليه، فاندفع بطنه، فقام من ليلته، ومن غده، أكثر من مائة مجلس، فازداد ~~يأسنا منه، وقل القيام، إلا أنه استمر أياما، ثم انقطع القيام، وقد صار ~~بطنه مثل بطون الأصحاء، فطلب فراريج، فأكل، إلى أن صار كما ترى. # فعجبت من ذلك، وذكرت أن الحكماء الأوائل قالت: إن المستسقي إذا أكل من ~~لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين، برأ، ولو قلت لك: إن هذا # PageV04P225 # علاجه، لظننت أني أدافعك، ومن أين يعلم كم عمر الحية إذا وجدت، فسكت ~~عنها. # PageV04P226 ### | الباب الحادي عشر من امتحن من اللصوص بسرق أو قطع فعوض من الارتجاع والخلف بأجمل صنع ### || قاطع طريق يرد على القافلة ما ms559 أخذ منها # حدثني علي بن شيراز بن سهل القاضي بعسكر مكرم رحمه الله، قال: حدثني أبو ~~الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي ابن بنت ابن المدبر، ببغداد، قال: حدثني ~~محمد بن علي، قال: حدثني الحسن بن دعبل بن علي الشاعر الخزاعي، قال: حدثني ~~أبي قال: لما قلت: # مدارس آيات خلت من تلاوة # قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا، وهو بخراسان، ولي عهد المأمون، ~~فوصلت إليه، وأنشدته إياها، فاستحسنها، وقال: لا تنشدها أحدا حتى آمرك. # واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عن خبري، ثم قال لي: يا دعبل، ~~أنشدني: # مدارس آيات خلت من تلاوة. # فقلت: لا أعرفها يا أمير المؤمنين. # فقال: يا غلام، أحضر أبا الحسن علي بن موسى، فلم يكن بأسرع من أن حضر. # PageV04P227 # فقال له: يا أبا الحسن، سألت دعبلا عن: مدارس آيات , فذكر أنه لا يعرفها. # فالتفت إلي أبو الحسن، وقال: أنشده يا دعبل. # فأنشدت القصيدة، ولم ينكر المأمون ذلك، إلى أن بلغت إلى بيت فيها، وهو: # وآل رسول الله هلب رقابهم ... وآل زياد غلظ القصرات # فقال: والله لأهلبنها. # ثم تممتها إلى آخرها، فاستحسنها، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وأمر لي علي ~~بن موسى بقريب منها. # فقلت: يا سيدي، أريد أن تهب لي ثوبا يلي بدنك، أتبرك به، وأجعله كفنا. # فوهب لي قميصا قد ابتذله، ومنشفة، وأظنه قال: وسراويل. # قال: ووصلني ذو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وكنت أسايره في يوم ~~مطير، وعليه ممطر خز، فأمر لي به، ودعا بغيره فلبسه، وقال: إني آثرتك به، ~~لأنه خير الممطرين، قال: فأعطيت به ثمانين دينارا، فلم تطب نفسي ببيعه. # وقضيت حاجتي، وكررت راجعا إلى العراق. # فلما صرت ببعض الطريق، خرج علينا أكراد يعرفون بالماريخان، فسلبوني، ~~وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مطير. # فاعتزلت في قميص خلق قد بقي علي، وأنا متأسف، من جميع ما كان علي، على ~~القميص والمنشفة اللذين وهبهما لي علي بن موسى الرضا، إذ مر بي واحد من # PageV04P228 # الأكراد، وتحته البرذون الأصفر الذي حملني عليه ذو ms560 الرياستين، وعليه ~~الممطر الخز، ثم وقف بالقرب مني، وابتدأ ينشد: # مدارس آيات. . . . . . . . . . # ، ويبكي. # فلما رأيت ذلك، عجبت من لص كردي يتشيع، ثم طمعت في القميص والمنشفة. # فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: ما أنت وذاك، ويلك. # فقلت له: فيه سبب أخبرك به. # فقال: هي أشهر من أن يجهل صاحبها. # قلت: فمن هو؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي، شاعر آل محمد، جزاه الله خيرا. # فقلت له: يا سيدي، أنا، والله، دعبل، وهذه قصيدتي. # فقال: ويلك، ما تقول؟ فقلت: الأمر أشهر من ذلك، فسل أهل القافلة، تخبر ~~بصحة ما أخبرتك به. # فقال: لا جرم، والله، لا يذهب لأحد من أهل القافلة خلالة فما فوقها. # ثم نادى في الناس: من أخذ شيئا فليرده على صاحبه، فرد على الناس أمتعتهم، ~~وعلي جميع ما كان معي، ما فقد أحد عقالا. # PageV04P229 # ثم رحلنا إلى مأمننا سالمين. # قال راوي هذا الخبر عن دعبل: فحدثت بهذا الحديث علي بن بهزاد الكردي فقال ~~لي: ذاك، والله، أبي الذي فعل هذا. # PageV04P230 ### || قاطع طريق يتفلسف # وحدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسطي السراج، المعروف بأبي أحمد ~~الحارثي، قال: كنت مسافرا في بعض الجبال، فخرج علينا ابن سباب الكردي، فقطع ~~علينا، وكان بزي الأمراء، لا بزي القطاع. # فقربت منه لأنظر إليه وأسمع كلامه، فوجدته يدل على فهم وأدب، فداخلته ~~فإذا برجل فاضل، يروي الشعر، ويفهم النحو، فطمعت فيه، وعملت في الحال ~~أبياتا مدحته بها. # فقال لي: لست أعلم إن كان هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ~~ووزنه شعرا الساعة، لأعلم أنك قلته، وأنشدني بيتا. # قال: فعملت في الحال إجازة له ثلاثة أبيات. # فقال لي: أي شيء أخذ منك؟ لأرده إليك. # قال: فذكرت له ما أخذ مني، وأضفت إليه قماش رفيقين كانا لي. # فرد جميع ذلك، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها، كيسا فيه ألف درهم، ~~فوهبه لي. # قال: فجزيته خيرا، ورددته عليه. # فقال لي: لم لا تأخذه؟ فوريت عن ذلك. # PageV04P231 # فقال: أحب أن تصدقني. # فقلت: ms561 وأنا آمن؟ فقال: أنت آمن. # فقلت: لأنك لا تملكه، وهو من أموال الناس الذين أخذتها منهم الساعة ظلما، ~~فكيف يحل لي أن آخذه؟ فقال لي: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص، عن ~~بعضهم، قال: إن هؤلاء التجار خانوا أماناتهم، ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت ~~أموالهم مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم، وإن كرهوا ~~أخذها، كان ذلك مباحا لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة، وهؤلاء يستحقون ~~أخذ الزكاة، بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا. # قلت: بلى، قد ذكر الجاحظ هذا، ولكن من أين يعلم إن هؤلاء ممن استهلكت ~~أموالهم الزكاة؟ فقال: لا عليك، أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة، وأريك ~~بالدليل الصحيح أن أموالهم لنا حلال. # ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاءوا. # فقال لأحدهم: منذ كم أنت تتجر في هذا المال الذي قطعنا عليه؟ قال: منذ ~~كذا وكذا سنة. # قال: فكيف كنت تخرج زكاته؟ فتلجلج، وتكلم بكلام من لا يعرف الزكاة على ~~حقيقتها فضلا عن أن يخرجها. # ثم دعا آخر، فقال له: إذا كان معك ثلث مائة درهم، وعشرة دنانير، وحالت ~~عليك السنة، فكم تخرج منها للزكاة؟ فما أحسن أن يجيب. # ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دين على نفسين، أحدهما مليء، ~~والآخر معسر، ومعك دراهم، وقد حال الحول على الجميع، كيف تخرج زكاة ذلك؟ # PageV04P232 # قال: فما فهم السؤال، فضلا عن أن يتعاطى الجواب. # فصرفهم، ثم قال لي: بان لك صدق حكاية أبي عثمان الجاحظ؟ وأن هؤلاء التجار ~~ما زكوا قط؟ خذ الآن الكيس. # قال: فأخذته، وساق القافلة لينصرف بها. # فقلت: إن رأيت أيها الأمير أن تنفذ معنا من يبلغنا المأمن، كان لك الفضل. # ففعل ذلك. # PageV04P233 ### || القاضي التنوخي والد المؤلف والكرخي قاطع الطريق # وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: لما كنت مقيما بالكرخ، أتقلد القضاء بها، ~~وبالمرج وأعمالها، كان بوابي رجل من أهل الكرخ، له ابن، هو ابن عشر سنين أو ~~نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن، ويمرح مع غلماني، وأهب له في الأوقات دراهم ~~وثيابا، ms562 وأحمله، وأرقصه، كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم. # ثم صرفت عن الكرخ، ورحلت، ولم أعرف للرجل ولا لولده خبرا. # ومضت السنون، فأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط، برسالة إلى أبي # PageV04P234 # بكر بن رائق، فلقيته بحدود العاقول، وانحدرت أريد واسطا. # وقد كان قيل لي قبل إصعادي، أن في الطريق لصا يعرف بالكرخي، مستفحل ~~الأمر. # وكنت خرجت من واسط، بطالع اخترته، على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، وقد ~~استظهرت عند نفسي، وكفاني الله تعالى، في إصعادي، أمر اللص، فلم أر له ~~أثرا. # فلما انحدرت إلى واسط، وكنا في بعض الطريق، خرج علينا اللصوص في سفن عدة، ~~بقسي، ونشاب، وسلاح شاك، وهم نحو مائة نفس، كالعسكر العظيم. # وكان معي غلمان يرمون، فحلفت أن من رمى منهم بسهم، ضربته إذا صرت في ~~البلد مائة مقرعة، وذلك أني خفت أن يقصدنا اللصوص، ثم لا يرضون إلا بقتلي. # قال: وبادرت فأخذت ذلك السلاح الذي كان معهم، فرميت جميعه في الماء، ~~واستسلمت للأمر طلبا للسلامة. # PageV04P235 # وجلست أفكر في الطالع الذي خرجت به، فإذا ليس ما يوجب، عندهم، القطع علي، ~~والناس قد أديروا إلى الشاطئ، وأنا في جملتهم، حيث تفرغ سفنهم، وينقل ما ~~فيها إلى الشط، وهم يخبطون بالسيوف، وكنت في وسط الكار، وما انتهى الأمر ~~إلي. # فجعلت أعجب من حصول القطع، وأن الطالع لا يوجبه، ولست أتهم علمي مع هذا. # فأنا كذلك، وإذا بسفينة فيها رئيسهم قد طرح على زبزبي كما يطرح على سفن ~~التجار، ليشرف على ما يؤخذ منها. # فحين رآني، منع أصحابه من انتهاب شيء من زبزبي، وصعد إلي وحده، فتأملني ~~طويلا، ثم انكب وقبل يدي، وكان متلثما، فلم أعرفه. # قال: فارتعت، وقلت: يا هذا ما لك؟ فسفر، وقال: أما تعرفني يا سيدي؟ ~~فتأملته، وأنا جزع، فلم أعرفه. # فقلت: لا والله. # فقال: بلى، أنا عبدك، ابن فلان الكرخي حاجبك، وأنا الصبي الذي ربيتني في ~~دارك، وكنت تحملني على عنقك، وتطعمني بيدك. # PageV04P236 # فتأملته، فإذا الخلقة خلقته، إلا أن اللحية غيرته في عيني، فسكن خاطري، ~~وقلت: يا ms563 هذا، كيف بلغت إلى هذا الحال؟ قال: يا سيدي، نشأت، فلم أتعلم غير ~~معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان، فما قبلني أحد، فانضاف إلي ~~هؤلاء الرجال، وطلبت قطع الطريق ولو كان السلطان أنصفني، ونزلني بحيث أستحق ~~من الشجاعة، وانتفع بخدمتي، ما كنت أفعل هذا بنفسي. # قال: فأقبلت عليه أعظه، وأخوفه الله، ثم خشيت أن يشق ذلك عليه، فيفسد ~~رعايته لي، فأقصرت. # ثم قال: يا سيدي، لا يكون بعض هؤلاء قد أخذ منك شيئا؟ قلت: ما ذهب منا ~~إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة. # فضحك، وقال: قد والله أصاب القاضي، فمن في الكار ممن تعنى به حتى أطلقه؟ ~~قلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة، فلو أفرجت عن الجميع كان أحسن بك. # فقال: والله، لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوا، لفعلت، ولكنهم لا ~~يطيعوني في رده، ولكني لا أدع ما بقي من السفن في الكار أن يؤخذ منها شيء، ~~فجزيته خيرا. # فصعد إلى الشط، وأصعد جميع أصحابه، ومنع أن يؤخذ شيء من باقي السفن، فما ~~تعرض لها أحد، ورد على قوم ضعفاء أشياء كثيرة كانت أخذت منهم، وأطلق الكار. # وسار معي في أصحابه، إلى أن صار بيني وبين المأمن شيء يسير ثم ودعني، ~~وانصرف في أصحابه. # PageV04P237 ### || ابن حمدي اللص البغدادي وفتوته وظرفه # وحدثني عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني بعض التجار البغداديين، قال: ~~خرجت بسلع لي، ومتاع من بغداد أريد واسطا، وكان البريدي بها، والدنيا ~~مفتتنة جدا. # فقطع علي، وعلى الكار الذي كنت فيه، لص كان في الطريق، يقال له: ابن ~~حمدي، يقطع قريبا من بغداد، فأفقرني، وكان معظم ما أملكه معي، فسهل علي ~~الموت، وطرحت نفسي له. # وكنت أسمع ببغداد، أن ابن حمدي هذا، فيه فتوة، وظرف، وأنه إذا قطع، لم ~~يعرض لأرباب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا أخذ ممن حاله ~~ضعيفة شيئا، قاسمه عليه، وترك شطر ماله في يديه، وأنه لا يفتش امرأة، # PageV04P238 # ولا يسلبها، وحكايات كثيرة مثل ذلك. # فأطمعني ذلك في ms564 أن يرق لي، فصعدت إلى الموضع الذي هو جالس فيه، وخاطبته ~~في أمري، وبكيت، ورققته، ووعظته، وحلفت له أن جميع ما أملكه قد أخذه، وأني ~~أحتاج إلى أن أتصدق من بعده. # فقال لي: يا هذا، الله بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه ~~قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعله نرتكب أمرا أعظم ~~مما يرتكبه السلطان. # وأنت تعلم أن ابن شيرزاد ببغداد يصادر الناس ويفقرهم، حتى أنه يأخذ ~~الموسر المكثر، فلا يخرج من حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصدقة، ~~وكذلك يفعل البريدي بواسط والبصرة، والديلم بالأهواز. # وقد علمت أنهم يأخذون أصول الضياع، والدور، والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى ~~الحرم والأولاد، فاحسب أننا نحن مثل هؤلاء، وأن واحدا منهم صادرك. # فقلت: أعزك الله، ظلم الظلمة، لا يكون حجة، والقبيح لا يكون سنة، وإذا ~~وقفت أنا وأنت، بين يدي الله عز وجل، أترضى أن يكون هذا جوابك له؟ فأطرق ~~مليا، ولم أشك في أنه يقتلني، ثم رفع رأسه، فقال: كم أخذ منك؟ فصدقته. # فقال: أحضروه، فأحضر، فكان كما ذكرت، فأعطاني نصفه. # فقلت له: الآن، قد وجب حقي عليك، وصار لي بإحسانك إلي حرمة. # فقال: أجل. # فقلت: إن الطريق فاسد، وما هو إلا أن أتجاوزك حتى يؤخذ هذا مني أيضا، ~~فأنفذ معي من يوصلني إلى المأمن. # PageV04P239 # قال: ففعل ذلك، وسلمت بما أفلت معي، فجعل الله فيه البركة، وأخلف. # PageV04P240 ### || قطع عليه الطريق فتخلص بخاتم عقيق # حدثني الحسن بن صافي، مولى ابن المتوكل القاضي، وكان أبوه يعرف بغلام ابن ~~مقلة قال: لما حصل المتقي لله بالرقة، ومعه أبو الحسين علي بن محمد بن علي، ~~ابن مقلة، وزيره، كاتبني بأن أخرج إليه، فخرجت، ومعي جماعة من أسبابه، ~~وأسباب الخليفة إلى هيت. # وضم إلينا ابن فتيان خفراء، يؤدونا إلى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا ~~الخفراء والغلمان، ومن انحدر معنا من هيت، فصرنا نحوا من مائتي مقاتل. # فلما كان في اليوم الرابع من مسيرنا، ونحن في البر الأقفر، وقد نزلنا ~~نستريح، ms565 إذا بسواد عظيم من بعيد، لا نعلم ما هو، فلم نزل نرقبه إلى أن بان ~~لنا، وإذا هو نحوا من مائة مطية، على كل مطية رجلان. # فجمعنا أصحابنا ورجالنا، وقرب القوم منا وأناخوا جمالهم وعقلوها، وأخذوا ~~جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رئيس لهم، فقال لنا: يا معشر المسافرين، لا ~~يسلن أحد منكم سيفا، ولا يرمي بسهم، فمن فعل ذلك فهو مقتول. # ففشل كل من كان معنا، وقاتل قوم منا قتالا ضعيفا، وخالطنا الأعراب، ~~وأخذوا جماعة منا، وأخذونا، وجميع ما كان معنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين ~~في الشمس. # PageV04P241 # فإذا بي قد عريت، وبقي علي خلق لا أتوارى منه بشيء، وليس معي ماء أشربه، ~~ولا ظهر أركبه، وليس بيني وبين الموت إلا ساعات يسيرة، فقامت علي القيامة، ~~واشتد جزعي، ولم يكن لي حيلة، فأيست من الحياة. # فأنا كذلك، إذ وجدت شستجة، كان لي فيها خاتم عقيق، كبير الفص، كثير ~~الماء، فأخذته، ووقع لي في الحال وجه الحيلة، فجعلته في قطن، وخبأته معي ~~وقصدت رئيس القوم، وهو الذي تولى أخذ مالي، وعرف موضعي وقدري. # فقلت له: قد رأيت عظيم ما أخذته مني، وأنا خادم الخليفة أطال الله بقاءه، ~~وقد خرجت لأمر كبير من خدمته، وقد فزت بما أخذته مني، فما قولك في أمر آخر ~~أعظم مما أخذته، أعاملك به، وأسديه إليك حلالا لا يجري مجرى الغصوب، على أن ~~تؤمنني على نفسي، وترد علي من ثيابي ما يسترني، وترد علي من دوابي دابة، ~~وتسقيني ماء، وتسيرني حتى أحصل في مأمني؟ فقال: ما هو؟ قلت: تعطيني أمانك، ~~وعهودك، ومذامك، على الوفاء، ففعل. # فانفردت به، وجعلت يدي مقابلة للشمس، وأريته الخاتم، وأقمت فصه في شعاع ~~الشمس، فكاد يخطف بصره، ورأى ما لم ير مثله. # وقال: استره، وقل لي خبره. # فقلت: هذا خاتم الخلافة، وفصه هذا ياقوت أحمر، وهو الذي يتداوله الخلفاء ~~منذ العهد الطويل، ويعرف بالجبل، ولا يقوم أمر الخلفاء إلا به، وقد كان ~~مخبوءا ببغداد، فأمرني الخليفة أن أحمله إليه في جملة ما حملته، وحيث حصل # PageV04P242 # هذا ms566 الخاتم من بلاد الله، تشبث الخلفاء إلى أخذه بكل ثمن، وإن حصل عندك ~~حتى تمتنع من بيعه إلا بمائة ألف دينار، ولم يقدروا عليك، لأعطوك إياها، ~~والرأي أن تأخذه، وتنفذه إلى ناحية الشام، وتخفي حصول الخاتم في يدك، فإني ~~إذا حضرت بحضرة الخليفة، وعرفته خبره، جاءتك رسله بالرغائب، حتى يرتجع منك ~~بأي ثمن احتكمت. # فقال: إذا خذ من ثيابك ما تريد. # فأخذت من ثيابي ما احتجت إليه، وأخذ الخاتم فخبأه في جيبه، وأركبني راحلة ~~موطأة، وأعطاني إداوتين كبيرتين ماء، وسار معي، والناس قد هلكوا من العطش. # ولم يزل يسير معي، إلى أن بلغنا إلى حصن في البرية، يعرف بالزيتونة، من ~~بناء هشام بن عبد الملك، وفيه رجل من بني أمية، يكنى بأبي مروان، معه في ~~الحصن نحوا من مائتي رجل. # فلما حصلت عنده، انصرف الأعرابي، وعرفت أبا مروان خبري في القطع ومن أنا، ~~فأعظم أمري، وأكرمني، وأنفذ معي من أصحابه من بلغني الرقة سالما # PageV04P243 ### || سرق ماله بالبصرة واستعاده بواسط # حدثني محمد بن عمر بن شجاع المتكلم، ويلقب بجنيد، قال: حدثني رجل من ~~الدقاقين، في دار الزبير بالبصرة، قال: أورد علي رجل غريب، سفتجة بأجل، ~~فكان يتردد علي، إلى أن حل ميعاد السفتجة. # ثم قال لي: دعها عندك حتى آخذها متفرقة، فكان يجيء في كل يوم فيأخذ بقدر ~~نفقته إلى أن نفدت، وصار بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وكان يراني أخرج ~~من كيسي من صندوق لي، فأعطيه منه. # فقال لي يوما: إن قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على ~~حفظ ماله، والذي ينفي الظنة عن أهله وعياله، فإن لم يكن وثيقا تطرقت الحيل ~~عليه، وأرى قفلك هذا وثيقا، فقل لي ممن ابتعته، لأبتاع مثله. # فقلت: من فلان بن فلان الأقفالي، في جوار باب الصفارين. # PageV04P244 # قال: فما شعرت يوما، وقد جئت إلى دكاني، فطلبت صندوقي لأخرج منه شيئا من ~~الدراهم، فحمله الغلام إلي، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم. # فقلت لغلامي، وكان غير متهم عندي: هل أنكرت من ms567 الدرابات شيئا؟ قال: لا، ~~فقلت: فتش، هل ترى في الدكان نقبا؟ قال: لا. # فقلت: فمن السقف حيلة؟ قال: لا. # قلت: فاعلم أن الدراهم قد ذهبت. # فقلق الغلام، فسكنت، وقمت لا أدري ما أصنع، وتأخر الرجل عني، فلما غاب ~~اتهمته، وذكرت مسألته عن القفل. # فقلت للغلام، أخبرني كيف تفتح دكاني وتغلقه؟ قال: رسمي أن ادرب درابتين ~~درابتين، والدرابات في المسجد، فأحملها في دفعات، اثنتين أو ثلاثا، ~~فأشرجها، ثم أقفل، وكذلك عندما أفتحها. # فقلت: البارحة، واليوم، فعلت ذلك؟ قال: نعم. # فقلت: فإذا مضيت لترد الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان؟ قال: ~~خاليا. # قلت: فمن هنا دهيت. # PageV04P245 # ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت: جاءك إنسان منذ أيام، ~~واشترى منك مثل هذا القفل؟ قال: نعم، رجل من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة ~~صاحبي. # فعلمت أنه احتال على الغلام وقت المساء، لما انصرفت أنا، ومضى الغلام ~~يحمل الدرابات، فدخل هو إلى الدكان، فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي ~~اشتراه، والذي يقع على قفلي، وأنه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته خلف ~~الدرابات. # فلما جاء الغلام، وفتح درابتين، وحملها ليرفعها، خرج، وأنه ما فعل ذلك، ~~إلا وقد خرج إلى بغداد. # فسلمت دكاني إلى الغلام، وقلت له: من سأل عني فعرفه أني خرجت إلى ضيعتي. # قال: فخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه، وقلت: أبتدئ بطلب الرجل بواسط. # فلما صعدت من السميرية، طلبت خانا في الكتبيين بواسط، لأنزله، فأرشدت ~~إليه، فصعدت، فإذا بقفل مثل قفلي سواء على بيت. # فقلت لقيم الخان: هذا البيت من ينزله؟ فقال: رجل قدم من البصرة أمس. # فقلت: أي شيء صفته؟ فوصف لي صفة صاحبي، فلم أشك أنه هو، وأن الدراهم في ~~بيته. # فاكتريت بيتا إلى جانبه، ورصدت البيت، حتى انصرف قيم الخان، وقمت ففتحت ~~القفل بمفتاحي، فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، فأخذته، # PageV04P246 # وخرجت وأقفلت الباب، ونزلت في الوقت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت ~~الملاح، وانحدرت إلى البصرة. # فما أقمت بواسط إلا ساعتين من نهار، ورجعت إلى منزلي بمالي بعينه. # PageV04P247 ### || وضع السيف ms568 على عنقه ثم نجا سالما # وحدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني أكار بنهر سابس، قال: خرجت ~~من نهر سابس، إلى موضع في طرف البرية، يقال له: كرخ راذويه، أريد أعمال سقي ~~الفرات. # فبلغني أن رجلا يقطع الطريق وحده، وحذرت منه. # فلما خرجت من القرية، رأيت رجلا تدل فراسته على شدته ونجدته، وفي يده ~~زقاية، فجسرني على الطريق. # قال: فترافقنا، حتى انتهينا إلى سقاية في البرية، فخرج علينا اللص ~~متحزما، متسلحا، فصاح بنا. # فطرح رفيقي كارة كانت على ظهره، وأخذ زقايته، وبادر إلى اللص. # فلما داخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يد اللص، فعطل اللص الضربة، وضرب ~~الزقاية فقطعها، ثم ضرب بسيفه رجل الرجل فأقعده، ثم وشحه بالسيف # PageV04P248 # حتى قتله، وحمل علي ليقتلني. # فقلت له: ما حاربتك، ولا امتنعت عليك من أخذك ثيابي، فلأي شيء تقتلني؟ ~~فقال: استكتف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثم حمل الثياب وانصرف. # فبقيت متحيرا، مشفيا على التلف، بالعطش، والشمس، والوحوش، فما زلت أتمطى ~~في التكة حتى قطعتها، وقمت أمشي إلى أن جنني الليل. # فرأيت في الصحراء، على بعد، ضوء نار خفيا، فقدرته في قرية، فقصدته، فإذا ~~هو يخرج من قبة في الصحراء، فقربت منها، واطلعت، فإذا اللص جالس في القبة، ~~يشرب نبيذا، ومعه امرأة. # فلما بصر بي صاح، وتناول سيفه وخرج إلي، فما زلت أناشده الله، وأحلف له ~~أنني ما علمت أنه هو، ولا قصدته عمدا، وإنما رأيت النار فقصدتها، فلم يعبأ ~~بقولي. # وحلفته المرأة أن لا يقتلني بحضرتها، فجذبني إلى نهر جاف قريب من القبة، ~~وطرحني تحته، وجرد سيفه ليقتلني. # فسمع صوت الأسد قريبا منه، فارتعدت يده، وسكت، وأخذ يسكتني، فأنست بالسبع ~~وزدت في الصياح. # فما شعرت إلا والسبع قد تناوله من على صدري وهرول في الصحراء. # PageV04P249 # فقمت، وأخذت السيف، وجئت إلى القبة، فلم تشك المرأة أنني هو، فقالت: ~~قتلته؟ فقلت: الله عز وجل قتله، لا أنا، وقصصت عليها القصة، وسألتها عن ~~شأنها. # فقالت: أنا امرأة من أهل القرية الفلانية، أسرني هذا الرجل، وخبأني في ~~هذا ms569 الموضع، وهو يتردد إلي في كل ليلة. # فأرهبتها، فدلتني على دفائن له في الصحراء، فأخذتها، وحملت المرأة، وبلغت ~~القرية، وسلمتها إلى أهلها. # وفزت بمال عظيم أغناني عن مقصدي، وعدت إلى بلدي. # PageV04P250 ### || كيف استعاد التاجر البصري ماله # وحدثني أيضا، قال: حدثني ابن الدنانيري التمار الواسطي، قال: حدثني غلام ~~لي قال: كنت ناقدا بالأبلة، لرجل تاجر، فاقتضيت له في البصرة نحو خمس مائة ~~دينار عينا وورقا، ولففتها في فوطة، وأشفيت على المصير إلى الأبلة. # فما زلت أطلب ملاحا، حتى رأيت ملاحا مجتازا في خيطية خفيفة فارغة، فسألته ~~أن يحملني، فسهل علي الأجرة، وقال: أنا راجع إلى منزلي بالأبلة، فانزل معي، ~~فنزلت، وجعلت الفوطة بين يدي. # وسرنا إلى أن تجاوزنا مسماران، فإذا رجل ضرير على الشط، يقرأ أحسن قراءة ~~تكون. # PageV04P251 # فلما رآه الملاح كبر، فصاح هو بالملاح: احملني، فقد جنني الليل، وأخاف ~~على نفسي، فشتمه الملاح. # فقلت له: احمله، فدخل إلى الشط فحمله، فلما حصل معنا رجع إلى قراءته، ~~فخلب عقلي بطيبها. # فلما قربنا من الأبلة، قطع القراءة، وقام ليخرج في بعض المشارع في ~~الأبلة، فلم أر الفوطة، فقمت واقفا، واضطربت، وصحت. # فاستغاث الملاح، وقال: الساعة تقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لا يعلم ~~حالي. # فقلت له: يا هذا، كانت بين يدي فوطة فيها خمس مائة دينار. # فلما سمع الملاح ذلك، بكى، ولطم، وتعرى من ثيابه، وقال: أدخل الشط ففتش، ~~ولا لي موضع أخبئ فيه شيئا فتتهمني بسرقته، ولي أطفال، وأنا ضعيف، فالله، ~~الله في أمري، وفعل الضرير مثل ذلك. # وفتشت الخيطية فلم أجد شيئا، فرحمتهما، وقلت: هذه محنة لا أدري كيف ~~التخلص منها، وخرجنا، فعملت على الهرب، وأخذ كل واحد منا طريق، وبت في ~~بيتي، ولم أمض إلى صاحبي، وأنا بليلة عظيمة. # فلما أصبحت، عملت على الهرب إلى البصرة، لأستخفي فيها أياما، ثم أخرج إلى ~~بلد شاسع. # فانحدرت، فخرجت في مشرعة بالبصرة، وأنا أمشي وأتعثر وأبكي قلقا على فراق ~~أهلي وولدي، وذهاب معيشتي وجاهي، إذ أعترضني رجل. # فقال: يا هذا، ما بك؟ فقلت: ms570 أنا في شغل عنك، فاستحلفني، فأخبرته. # PageV04P252 # فقال: امض إلى السجن ببني نمير، واشتر معك خبزا كثيرا، وشواء جيدا، ~~وحلوى، وسل السجان أن يوصلك إلى رجل محبوس، يقال له: أبو بكر النقاش، وقل ~~له: أنا زائره، فإنك لا تمنع، وإن منعت، فهب للسجان شيئا يسيرا فإنه يدخلك ~~إليه، فإذا رأيته فسلم عليه ولا تخاطبه حتى تجعل بين يديه ما معك، فإن أكل ~~وغسل يديه، فإنه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنه سيدلك على من أخذ مالك، ~~ويرتجعه لك. # ففعلت ذلك، ووصلت إلى الرجل، فإذا هو شيخ مثقل بالحديد. # فسلمت عليه، وطرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاء كانوا معه فأقبلوا يأكلون ~~معه، فلما استوفى وغسل يديه. # قال: من أنت، وما جاء بك؟ فشرحت له قصتي. # فقال: امض الساعة لوقتك، ولا تتأخر، إلى بني هلال، فاقصد الدرب الفلاني ~~حتى تنتهي إلى آخره، فإنك تشاهد بابا شعثا، فافتحه وادخل بلا استئذان، ~~فستجد دهليزا طويلا يؤدي إلى بابين، فادخل الأيمن منهما، فسيدخلك إلى دار ~~فيها بيت فيه أوتاد وبواري، وعلى كل وتد إزار ومئزر، فانزع ثيابك، وعلقها ~~على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يفعلون كما ~~فعلت، إلى أن يتكاملوا، ثم يؤتون بطعام فكل معهم، وتعمد أن تفعل كما يفعلون ~~في كل شيء. # فإذا أتوا بالنبيذ فاشرب معهم أقداحا يسيرة، ثم خذ قدحا كبيرا، فاملأه، # PageV04P253 # وقم، وقل: هذا ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيضحكون ويفرحون، ويقولون: هو ~~خالك؟ فقل: نعم، فسيقومون ويشربون لي، فإذا تكامل شربهم لي، وجلسوا، فقل ~~لهم: خالي يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: بحياتي يا فتيان، ردوا على ابن ~~أختي المئزر الذي أخذتموه أمس من السفينة بنهر الأبلة، فإنهم يردونه عليك. # فخرجت من عنده، ففعلت ما قال لي، وجرت الصورة، على ما ذكر، سواء بسواء، ~~وردت الفوطة علي بعينها، وما حل شدها. # فلما حصلت لي، قلت لهم: يا فتيان، هذا الذي فعلتموه هو قضاء لحق خالي، ~~وأنا لي حاجة تخصني. # فقالوا: مقضية. # فقلت: عرفوني كيف أخذتهم الفوطة؟ فامتنعوا، فأقسمت ms571 عليهم بحياة أبي بكر ~~النقاش. # فقال لي واحد منهم: تعرفني؟ فتأملته، فإذا هو الضرير الذي كان يقرأ. # وإنما كان يتعامى حيلة ومكرا. # وأومأ إلى آخر، وقال: أتعرف هذا؟ فتأملته، فإذا هو الملاح بعينه. # فقلت: أخبراني كيف فعلكما؟ فقال الملاح: أنا أدور في المشارع في أول ~~أوقات المساء، وقد سبقت المتعامي فأجلسته حيث رأيت، فإذا رأيت من معه شيء ~~له قدر، ناديته وأرخصت عليه الأجرة وحملته، فإذا بلغ إلى القارئ، وصاح بي، ~~شتمته، حتى لا يشك الراكب في براءة الساحة، فإن حمله الراكب فذاك، وإن لم ~~يحمله رققته حتى يحمله، فإذا حمله، وجلس هذا يقرأ قراءته الطيبة، ذهل الرجل ~~كما ذهلت أنت، فإذا بلغنا إلى موضع نكون قد خلينا فيه رجلا متوقعا لنا، ~~يسبح حتى يلاصق # PageV04P254 # السفينة، وعلى رأسه قوصرة، فلا يفطن الراكب، فيستلب هذا الرجل المتعامى، ~~بخفة، الشيء الذي قد عينا عليه، فيلقيه إلى الرجل الذي عليه القوصرة، ~~فيأخذها ويسبح إلى الشط، فإذا أراد الراكب النزول، وافتقد ما معه، عملنا ~~كما رأيت، فلا يتهمنا، ونتفرق، فإذا كان الغد، اجتمعنا واقتسمنا ما أخذناه، ~~واليوم كان يوم القسمة، فلما جئت برسالة خالك أستاذنا، سلمنا إليك الفوطة، ~~قال: فأخذتها، وانصرفت # PageV04P255 ### || صادف درء السيل درءا يصدعه # حدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني بعض إخواني: أنه كان ببغداد ~~رجل يطلب التلصص في حداثته، ثم تاب وصار بزازا. # قال: فانصرف ليلة من دكانه، وقد أغلقه، فجاء لص متزي بزي صاحب الدكان، في ~~كمه شمعة صغيرة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وأعطاه الشمعة في الظلمة، وقال: ~~أشعلها وجئني بها، فإن لي في هذه الليلة في دكاني شغلا. # فحضر الحارس وأشعل الشمعة، وركب اللص المفاتيح على الأقفال ففتحها، ودخل ~~الدكان. # فجاء الحارس بالشمعة مشعلة، فأخذها منه وهو لا يتبين وجهه، وجعلها بين ~~يديه، وفتح سفط الحساب، وأخرج ما فيه، وجعل ينظر في الدفاتر، ويوري بيده ~~أنه يحسب، والحارس يطالعه في تردده، ولا يشك في أنه صاحب الدكان. # إلى أن قارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وكلمه من بعيد، وقال ms572 له: أطلب ~~لي حمالا. # فجاء بحمال، فحمل عليه من متاع الدكان أربع رزم مثمنة، وأقفل الدكان، ~~وانصرف ومعه الحمال، وأعطى الحارس درهمين، فلما أصبح الناس، جاء صاحب ~~الدكان ليفتحه، فقام إليه الحارس يدعو له، ويقول: فعل الله بك وصنع كما ~~أعطيتني البارحة الدرهمين. # فأنكر الرجل ما سمعه، ولم يرد جوابا، وفتح دكانه، فوجد سيلان الشمعة، # PageV04P256 # وحسابه مطروحا، وفقد الرزم الأربع، فاستدعى الحارس، وقال له: من كان الذي ~~حمل معي الرزم البارحة من دكاني؟ فقال له الحارس: أليست استدعيت مني حمالا، ~~فجئتك به، فحملها معك؟ قال: بلى، ولكني كنت ناعسا متنبذا، وأريد الحمال، ~~فجئني به، فمضى الحارس فجاءه بالحمال، فأغلق الرجل الدكان، وأخذ الحمال ~~معه، ومشى، وقال: إلى أين حملت الرزم البارحة، فإني كنت متنبذا. # قال: إلى المشرعة الفلانية، واستدعيت فلانا الملاح، فركبت معه. # فصعد الرجل المشرعة، فسأل عن الملاح فدل عليه وركب معه. # وقال: أين أوصلت اليوم أخي الذي كان معه الأربع رزم؟ قال: إلى المشرعة ~~الفلانية. # قال: أطرحني إليها، فطرحه. # قال: ومن حملها معه؟ قال: فلان الحمال. # فدعا به، ولطفه، وقال: أين حملت الرزم الأربع البارحة؟ واستدله برفق ~~وأعطاه شيئا، فجاء به إلى باب غرفة، في موضع بعيد عن البلد، قريب من ~~الصحراء، فوجد الباب مقفلا. # واستوقف الحمال إلى أن فش القفل وفتح الباب، ودخل، فوجد الأربع رزم ~~بحالها، وإذا في البيت بركان معلق على حبل، فلق الرزم فيه، ودعا الحمال ~~فحملها. # PageV04P257 # فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وفهم الأمر، فاتبعه إلى الشط، فجاء ~~إلى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر. # فدعا الحمال من يحط عنه، فجاء اللص، فحط عنه، كأنه مجتاز متطوع، فأدخل ~~الرزم إلى السفينة مع صاحبها، ثم جعل البركان على كتفه، وقال للتاجر: يا ~~أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي. # فضحك منه وقال: انزل ولا خوف عليك. # فنزل معه، فاستتابه، ووهب له شيئا، وصرفه. # PageV04P258 ### || قصة الأخوين عاد وشداد # وحكى عبيد الله بن محمد بن الحسن العبقسي الشاعر، قال: حدثني شاعر كان ~~يعرف بغلام أبي الغوث، قال: ms573 كنت من أهل قرية من نواحي الشام، أسكنها أنا ~~وأسلافي، فكنا نطحن أقواتنا في رحى ماء على فراسخ من البلد، يخرج إليها أهل ~~البلد وأهل القرى المجاورة بغلاتهم، فتكثر، فلا يتمكن من الطحن إلا الأقوى ~~فالأقوى. # فمضيت مرة ومعي غلة، وحملت معي خبزا ولحما مطبوخا يكفيني لأيام، وكان ~~الزمان شاتيا، لأقيم على الرحى، حتى يخف الناس فأطحن فيها، على عادتي تلك. # فلما صرت عند الرحى، حططت أعدالي، وجلست في موضع نزه، وفرشت سفرتي لآكل. # واجتاز بي رجل عظيم الخلقة، فدعوته ليأكل، فجلس فأكل كلما كان في سفرتي، ~~حتى لم يدع فيها شيئا، ولا أوقية واحدة. # فعجبت من ذلك عجبا شديدا بان له في، فأمسك، وغسلنا أيدينا. # فقال لي: على أي شيء مقامك هنا؟ فقلت: لأطحن هذه الغلة. # فقال لي: فلم لا تطحنها اليوم، فأخبرته بسبب تعذر ذلك علي. # قال: فثار كالجمل، حتى شق الناس وهم مزدحمون على الرحى، وهي # PageV04P259 # تدور، فجعل رجله عليها فوقفت ولم تدر. # فعجب الناس، وقال: من فيكم يتقدم؟ فجاء رجل أيد شديد، فأخذ بيده، ورمى به ~~كالكرة، وجعله تحت رجله الأخرى، فما قدر أن يتحرك. # وقال: قدموا غلتي إلى الطحن وإلا كسرت الرحى، وكسرت عظام هذا. # فقالوا: يا هذا هات الغلة، فجئت بها، فطحنت، وفرغت منها، وجعلتها في ~~الأعدال. # وقال لي: قم. # قلت: إلى أين؟ قال: إلى منزلك. # قلت: لا أسلك الطريق وحدي، فإنه مخوف، ولكن أصبر حتى يفرغ أهل قريتي، ~~وأرجع معهم. # فقال: قم وأنا معك، ولسنا نخاف، بإذن الله عز وجل، شيئا. # فقلت في نفسي: من كانت تلك القوة قوته يجب أن آنس به، فقمت، وحملت الغلة ~~على الحمير، وسرنا إلى أن جئنا إلى قريتي، ولم نلق في طريقنا بأسا. # فلما دخلت إلى بيتي، خرج والدي وإخوتي، وعجبوا من سرعة ورودي بالغلة، ~~ورأوا الرجل، فسألوني عن القصة، فأخبرتهم. # وسألنا الرجل أن يقيم في ضيافتنا، ففعل، فذبحنا له بقرة، وأصلحنا له ~~سكباجا، وقدم إليه، فأكل الجميع بنحو المائة رطل خبزا. # فقال له أبي: يا هذا، ms574 ما رأيت مثلك قط، فأي شيء أنت؟ ومن أين معاشك؟ قال: ~~أنا رجل من الناحية الفلانية، وأسمي شداد، وكان لي أخ أشد بدنا وقلبا مني، ~~وأسمه عاد، وكنا نبذرق القوافل من قريتنا إلى مواضع كثيرة، ولا نستعين # PageV04P260 # بأحد، وتخرج علينا الرجال الكثيرة، فألقاهم أنا وأخي فقط فنهزمهم، فاشتهر ~~أمرنا، حتى كان إذا قيل قافلة عاد وشداد، لم يعرض لها أحد، فمكثنا كذلك ~~سنين كثيرة. # فخرجنا مرة أنا وأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فلما صرنا بالفلاة، رأينا ~~سوادا مقبلا نحونا، فأستطرفنا أن يقدم علينا أحد، ثم بان لنا شخص رجل أسود، ~~على ناقة حمراء، ثم خالطنا. # وقال: هذه قافلة عاد وشداد؟ قلنا: نعم. # فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سيوفنا وانقضضنا عليه، فضرب ساق أخي ~~بالسيف ضربة أقعدته، وعدا علي، فقبض على كتفي، فما أطقت الحركة. # فكتفني، ثم كتف أخي، وطرحنا على الناقة كالزاملتين، ثم ركبها وسار بعد أن ~~أخذ من القافلة ما كان فيها من عين، وورق، وحلي، وشيئا من الزاد، وأوقر ~~الراحلة بذلك. # وسار بنا على غير محجة، في طريق لا نعرفه، بقية يومنا وليلتنا وبعض ~~الثاني، حتى أتى جبلا لا نعرفه، فأوغل فيه، وبلغ إلى وجه منه فدخله، فانتهى ~~إلى مغارات، فأناخ الراحلة، ثم رمى بنا عنها، وتركنا في الكتاف. # وجاء إلى مغارة على بابها صخرة عظيمة لا يقلعها إلا الجماعة، فنحاها عن ~~الباب واستخرج منها جارية حسناء، فسألها عن خبرها، وجلسا يأكلان مما جاء به ~~من الزاد، ثم شربا، فقال لها: قومي، فقامت، ودخلت الغار. # ثم جاء إلى أخي، فذبحه وأنا أراه، وسلخه، وأكله وحده، حتى لم يدع منه إلا ~~عظامه. # PageV04P261 # ثم استدعى الجارية، فخرجت، وجعلا يشربان، فلما توسط شربه، جرني، فلم أشك ~~أنه يريد ذبحي، فإذا هو قد طرحني في غار من تلك المغارات، وحل كتافي، وأطبق ~~الباب بصخرة عظيمة، فأيست من الحياة، وعلمت أنه قد أدخرني لغد. # فلما كان في الليل، لم أحس إلا بامرأة تكلمني، فقلت لها: ما بالك؟ فقالت: ~~إن هذا العبد قد سكر ونام، ms575 وهو يذبحك في غد كما ذبح صاحبك، فإن كانت لك قوة ~~فاجهد في دفع الصخرة واخرج فاقتله، وأنج بي وبنفسك. # فقلت: ومن أنت؟ قالت: أنا امرأة من البلد الفلاني، ذات نعمة، خرجت أريد ~~أهلا لي في البلد الفلاني، فخرج علينا هذا العدو لله، فأهلك القافلة التي ~~كنت فيها، ورآني فأخذني غصبا، وأنا منذ كذا وكذا شهرا، على هذه الصورة، ~~يرتكب مني الحرام، وأشاهد ذبحه للناس وأكله لهم، ولا يوصف له إنسان بشدة ~~بدن إلا قصده، حتى يقهره، ثم يجيء به فيأكله، ويعتقد أن شدته تنتقل إليه، ~~وإذا خرج حبسني في الغار، وخلف عندي مأكولا وماء لأيام، ولو اتفق أنه يحتبس ~~عني، فضل يوم، مت جوعا وعطشا. # فقلت: إنني ما أطيق قلع الصخرة. # قالت: ويلك، فجرب نفسك. # قال: فجئت إلى الصخرة فاعتمدت عليها بقوتي، فتحركت، فإذا قد وقع تحت ~~الصخرة حصاة صغيرة، وقد صارت الصخرة مركبة تركيبا صحيحا، وذلك لما أراده ~~الله تعالى من خلاصي. # فقلت: أبشري، ولم أزل أجتهد، حتى زحزحت الصخرة شيئا أمكنني الخروج منه، ~~فخرجت. # PageV04P262 # فأخذت سيف الأسود، واعتمدت بكلتي يدي فضربت ساقيه، فإذا قد أبنت أحدهما ~~وكسرت الأخرى، فانتبه، ورام الوثوب فلم يقدر، فضربته الأخرى على حبل عاتقه ~~فسقط، وضربته أخرى فأبنت رأسه. # وعمدت إلى المغارات فأخذت كلما وجدت فيها من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر ~~خفيف الحمل، وأخذت زادا لأيام، وركبت راحلته، وأردفت المرأة، ولم أزل أسلك ~~في طرق لا أعرفها، حتى وقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بي إلى بعض القرى، ~~فسلمت الراحلة إلى المرأة، وأعطيتها نفقة تكفيها إلى بلدها، وسيرتها مع ~~خفراء، وعدت إلى بلدي بتلك الفوائد الجليلة. # وعاهدت الله تعالى، أن لا أتعرض للطريق، ولا للخفارة أبدا. # وأنا الآن آكل من ضياع اشتريتها من ذلك المال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من ~~غلتها، إلى الآن # PageV04P263 ### || قارع سبعين من قطاع الطريق وانتصف منهم # وحكى سعد بن محمد بن علي الأزدي، الشاعر البصري المعروف بالوحيد، قال: ~~حدثني أبو علي الكردي، رجل رأيته بعسكر عمران بن شاهين قصده من ms576 عند حسنويه ~~بن الحسين الكردي، فقبله، وأجرى عليه، وكان شجاعا نجدا، فحدثني، قال: خرجنا ~~مرة بالجبال، في أيام موسم الحج، عددنا سبعون رجلا، من فارس وراجل، ~~فاعترضنا الحاج الخراسانية، وكمنا لهم. # وكان لنا عين في القافلة، فعاد وعرفنا أن في القافلة رجلا من أهل شاش ~~وفرغانة معه أثنى عشر حملا بزا، وجارية في قبة عليها حلي ثقيل، فجعلنا ~~أعيننا عليه، حتى وثبنا عليه، وهو وجاريته في عمارية. # PageV04P264 # قال: فقطعنا قطاره وكتفناه، وأدخلناه وما معه بين الجبال، ووقعنا على ما ~~معه، وفرحنا بالغنيمة. # وكان للرجل برذون أصفر يساوي مائتي درهم، فلما رآنا نريد القفول، قال: يا ~~فتيان، هنأكم الله بما أخذتم، ولكني رجل حاج، بعيد الدار، فلا تتعرضوا لسخط ~~الله بمنعي من الحج، وأما المال فيذهب ويجيء، وتعلمون، أنه لا نجاة لي إلا ~~على هذا البرذون، فاتركوه لي، فليس يبين ثمنه في الغنيمة التي أخذتموها، ~~فتشاورنا على ذلك. # فقال شيخ فينا مجرب: لا تردوه عليه، واتركوه مكتوفا هنا، فإن كان في أجله ~~تأخير، فسيقيض الله له من يحل كتافه، وكنت فيمن عزم على هذا. # وقال بعضنا: ما مقدار دابة بمائتي درهم حتى نمنعها رجلا حاجا، فلا حاجة ~~لنا فيها، وجعلوا يرققون قلوب الباقين حتى سمحنا بذلك، فأطلقناه، ولم ندع ~~عليه إلا ثوبا يستر عورته. # فقال: يا فتيان، قد مننتم علي، وأحسنتم إلي، ورددتم دابتي، وأخشى إذا أنا ~~سرت أن يأخذها غيركم، فأعطوني قوس ونشابي، أذب بها عن نفسي وعن فرسي. # فقلنا: إنا لا نرد سلاحا على أحد. # فقال بعضنا: وما مقدار قوس قيمته درهمان، وما نخشى من مثل هذا؟ فأعطيناه ~~قوسه ونشابه، وقلنا له: انصرف، فشكرنا، ودعا لنا، ومضى حتى غاب عن أعيننا. # فما كدنا نسير، والجارية تبكي، وتقول: أنا حرة، ولا يحل لكم أن تأخذوني. # فنحن في هذا، وإذا بالرجل قد كر راجعا، وقال: يا فتيان، أنا لكم ناصح، ~~فإنكم قد أحسنتم إلي، ولا بد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم. # فقلنا: وما نصيحتك؟ # PageV04P265 # فقال: دعوا ما في أيدكم، ms577 وانصرفوا سالمين بأنفسكم، ولكم الفضل، فإنكم ~~مننتم على رجل واحد، وأنا أمن على سبعين رجلا، وإذا هو قد انقلبت عيناه في ~~وجهه، وخرج الزبد من أشداقه، وصار كالجمل الهائج. # فهزأنا به، وضحكنا عليه، ولم نلتفت إلى كلامه، فأعاد علينا النصيحة، ~~وقال: يا قوم قد مننت عليكم، فلا تجعلوا لي إلى أرواحكم سبيلا. # فزاد غيظنا عليه، فقصدناه، وحملنا عليه، فانحاز منا، ورمى بخمس نشابات، ~~كانت بيده، فقتل بها منا خمسة، واحدا، واحدا. # وقال: إن جماعتكم تموت على هذا، إن لم تخلوا عما في أيديكم. # فلم نزل ندافعه، ويقتل منا، حتى قتل ثلاثين رجلا، وبقي معه نشاب في ~~جعبته. # فقلنا: أما ترون ويحكم أنه لم يخط له سهم واحد؟ وأحجمت الجماعة عنه، ~~وأفرجنا عن الجمال والقبة، فصار القطار في حوزته. # فتنكس ونحن نراه، ففتق عدلا بسيف أخرجه من رحله، وأخرج منه جعبة نشاب، ~~وأراناها، فلما رأينا ما صار إليه من النشاب يئسنا منه وولينا عنه. # فقال: يا فتيان، سألتكم هذا فلم تجيبوني إليه فمن نزل عن دابته فهو آمن، ~~ومن أحب أن يكون فارسا، فهو بشأنه أبصر. # فشددنا عليه، فقتل منا جماعة، فاضطررنا إلى أن ترجلنا، فحاز دوابنا وحده، ~~وساقها قليلا. # ثم رجع، وقال: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فهو آمن، ومن تمسك به فهو ~~أبصر، فرمينا سلاحنا. # فقال: امضوا سالمين آمنين، فأخذ جميع السلاح والدواب، وإنا لندعوها # PageV04P266 # بأسمائها، فتشذ عنه، فيرميها فيصرعها، حتى قتل منها جماعة، وفاتتنا ~~الغنيمة، والسلاح. # وكان ذلك سبب توبتي، أنفة لما لحقنا منه، وأنا على ذلك الحال إلى اليوم. # PageV04P267 ### | الباب الثاني عشر فيمن ألجأه الخوف إلى هرب واستتار فأبدل بأمن ومستجد نعم ومسار ### || يحيى بن طالب الحنفي يبارح وطنه مدينا ويعود إليه موسرا # أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، فيما أجاز لي روايته عنه، بعدما ~~سمعته منه، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: غني الرشيد يوما بهذا ~~الشعر: # ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل # فيا أثلاث القاع من بطن توضح ms578 ... حنيني إلى أظلالكن طويل # أريد نهوضا نحوكم فيصدني ... إذا رمته دين علي ثقيل # قال مؤلف الكتاب: ووجدت الشعر في غير هذه الرواية: # PageV04P268 # ويا أثلاث القاع قد مل صحبتي ... صحابي فهل في ظلكن مقيل # أحدث نفسي عنك أن لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل # رجع للحديث. # فاستحسن الرشيد الشعر، وسأل عن قائله، فعرف أنه ليحيى بن طالب الحنفي ~~اليمامي. # فقال: حي هو أم ميت؟ فقال بعض الحاضرين: هو حي كميت. # قال: ولم؟ قال: هرب من اليمامة، لدين عليه ثقيل، فصار إلى الري. # فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامله بالري، يعرفه ذلك، وأن يدفع إليه عشرة ~~آلاف درهم، وأن يحمل إلى اليمامة على دواب البريد، وكتب إلى عامله باليمامة ~~بقضاء دينه. # فلما كان بعد أيام، قال الرشيد لمن حضره: إن الكتب وردت بامتثال ما أمرت ~~به. # وعاد يحيى إلى وطنه موسرا، وقد قضي دينه عنه، من غير سعي منه في ذلك. # PageV04P269 ### || العتابي يؤدب الأمين والمأمون # ذكر محمد بن عبدوس في كتابه (كتاب الوزراء) ، قال: حدثني عبد الواحد بن ~~محمد، يعني الخصيبي، قال: حدثني يموت بن المزرع، قال: كان العتابي، يقول ~~بالاعتزال، فاتصل ذلك بالرشيد، وكثر عليه في أمره، فأمر فيه بأمر غليظ، ~~فهرب إلى اليمن، وكان مقيما فيها على خوف وتوق. # فاحتال يحيى بن خالد، إلى أن أسمع الرشيد شيئا من خطبه ورسائله، ~~فاستحسنها الرشيد، وسأل عن الكلام لمن هو؟ فقال يحيى: هو كلام العتابي، وإن ~~رأيت يا أمير المؤمنين، أن يحضر حتى يسمع الأمين والمأمون، ويضع لهما خطبا، ~~لكان في ذلك صلاحا لهما. # PageV04P270 # فأمنه الرشيد، وأمر بإحضاره. # ولما اتصل خبر ذلك بالعتابي، قال يمدح يحيى بن خالد: # ما زلت في سكرات الموت مطرحا ... قد غاب عني وجه الأرض من خبلي # فلم تزل دائبا تسعى لتنقذني ... حتى أختلست حياتي من يد الأجل # PageV04P271 ### || لماذا قتل أبو سلمة الخلال # وذكر في بعض كتب الدولة: أن أبا سلمة الخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا ~~العراق، وقد ملكوا خراسان وما بينها وبين العراق، استدعى بني العباس، ms579 ~~فصيرهم في منزله بالكوفة، وكان له سرداب، فجعل فيه جميع من كان حيا في ذلك ~~الوقت من ولد عبد الله ابن العباس، وفيهم السفاح، والمنصور، وعيسى بن موسى، ~~وهو يراعي الأخبار. # وكان الدعاة يؤمرون بقصده إذا ظهروا وغلبوا على الكوفة، ليعرفهم الإمام، ~~فيسلمون الأمر إليه. # فلما أوقع قحطبة بابن هبيرة الوقعة العظيمة على الفرات، وغرق قحطبة، ~~وانهزم ابن هبيرة، ولحق بواسط، وتحصن بها، ودخل ابنا قحطبة الكوفة # PageV04P272 # بالعسكر كله، قالوا لأبي سلمة: أخرج إلينا الإمام، فدافعهم، وقال: لم ~~يحضر الوقت الذي يجوز فيه ظهور الإمام، وأخفى الخبر عن بني العباس، وعمل ~~على نقل الأمر عنهم، إلى ولد فاطمة رضي الله عنهم، وكاتب جماعة منهم، ~~فتأخروا عنه. # وساء ظن بني العباس به، فاحتالوا حتى أخرجوا مولى لهم أسود كان معهم في ~~السرداب، وقالوا له: اعرف لنا الأخبار، فعاد إليهم، وعرفهم أن قحطبة غرق، ~~وأن ابن هبيرة انهزم، وأن ابني قحطبة قد دخلا الكوفة بالعسكر منذ كذا وكذا. # فقالوا: اخرج وتعرض لابني قحطبة، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بأن يكبسا ~~الدار علينا ويخرجانا. # فخرج المولى، وكان حميد بن قحطبة عارفا به، فتعرض له، فلما رآه أعظم ~~رؤيته، وقال: ويلك ما فعل سادتنا، وأين هم؟ فخبره بخبرهم، وأدى إليه ~~رسالتهم. # فركب في قطعة من الجيش، وأبو سلمة غافل، فجاء حتى ولج الدار، وأراه ~~الأسود السرداب، فدخل ومعه نفر من الجيش، فقال: السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. # فقالوا: وعليكم السلام. # فقال: أيكم ابن الحارثية؟ وكانت أم أبي العباس عبد الله بن محمد بن # PageV04P273 # علي بن عبد الله، وكان إبراهيم بن محمد، الذي يقال له الإمام، لما بث ~~الدعاة، قال لهم: إن حدث بعدي حدث، فالإمام ابن الحارثية الذي معه العلامة، ~~وهي: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين {5} ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون} [القصص: 5-6] . # قال: فلما قال ابن قحطبة: أيكم ابن الحارثية؟ ابتدره أبو العباس، وأبو ~~جعفر، كلاهما يقول: أنا ابن الحارثية. # فقال ms580 ابن قحطبة: فأيكما معه العلامة؟ فقال أبو جعفر: فعلمت أني قد أخرجت ~~من الأمر، لأنه لم يكن معي علامة. # فقال أبو العباس: {ونريد أن نمن} [القصص: 5] وتلا الآية. # فقال له حميد بن قحطبة: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ~~وبركاته، مد يدك أبايعك، فبايعه. # ثم انتضى سيفه، وقال: بايعوا أمير المؤمنين، فبايعه أخوته، وبنوا عمه، ~~وعمومته، والجماعة الذين كانوا معه في السرداب. # وأخرجه إلى المنبر بالكوفة، وأجلسه عليه، فحصر أبو العباس عن الكلام، ~~فتكلم عنه عمه داود بن علي، فقام دونه على المنبر بمرقاة، وجاء أبو سلمة، # PageV04P274 # وقد استوحش وخاف. # فقال حميد: يا أبا سلمة، زعمت أن الإمام لم يقدم بعد؟ فقال أبو سلمة: ~~إنما أردت أن أدافع بخروجهم إلى أن يهلك مروان، فإن كانت له كرة لم يكونوا ~~قد عرفوا فيهلكوا، وإن هلك مروان أظهرت أمرهم على ثقة. # فأظهر أبو العباس قبول هذا العذر منه، وأقعده إلى جانبه، ثم دبر عليه بعد ~~مدة حتى قتله. # وقد روي هذا الخبر على غير هذا السياق، فقالوا: قدم أبو العباس السفاح ~~وأهله على أبي سلمة سرا، فستر أمرهم، وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علي ~~والعباس، حتى يختاروا منهم من أرادوا. # ثم خاف أن لا يتفق على الأمر، فعزم على أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسن ~~والحسين رضي الله عنهم، وهم ثلاثة: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وعمر بن علي بن الحسين. # ووجه بكتب إليهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة. # فبدأ بجعفر بن محمد، فلقيه ليلا، فأعلمه أنه رسول أبي سلمة، وأن معه ~~كتابا إليه. # فقال: ما أنا وأبو سلمة، وهو شيعة لغيري؟ فقال له الرسول: تقرأ الكتاب، ~~وتجيب عنه بما رأيت. # فقال جعفر لخادمه، قرب مني السراج، فقربه، فوضع عليه كتاب أبي سلمة، ~~فأحرقه. # فقال: ألا تجيب عنه؟ # PageV04P275 # فقال: الجواب ما رأيت. # ثم أتى عبد الله بن الحسن، فقبل كتابه، وركب إلى جعفر. # فقال جعفر: مرحبا بك ms581 أبا محمد، لو أعلمتني لجئتك. # فقال: إنه أمر يجل عن الوصف. # فقال: وما هو؟ قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الأمر، ويراني أحق ~~الناس به، وقد جاء به شيعتنا من خراسان. # فقال له جعفر: ومتى صاروا شيعتك؟ أنت وجهت أبا مسلم إلى خراسان، وأمرته ~~بلبس السواد؟ أتعرف أحدا منهم باسمه ونسبه؟ قال: لا. # قال: كيف يكونون شيعتك، وأنت لا تعرف أحدا منهم، ولا يعرفونك؟ فقال عبد ~~الله: هذا الكلام كان منك لشيء. # فقال جعفر: قد علم الله تعالى أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف ~~أدخره عنك، فلا تمنين نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء القوم، ~~وما هي لأحد من ولد أبي طالب، وقد جاءني مثل ما جاءك. # فانصرف غير راض بما قاله له. # وأما عمر بن علي بن الحسين، فرد عليه الكتاب، وقال: لا أعرف من كتبه. # قال: وأبطأ أبو سلمة على أبي العباس ومن معه، فخرج أصحابه يطوفون ~~بالكوفة، فلقي حميد بن قحطبة، ومحمد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه، # PageV04P276 # لأنه كان يحمل إليهم كتب محمد بن علي وإبراهيم بن محمد، فسألاه عن الخبر، ~~فأعلمهما أن القوم قد قدموا، وأنهم في سرداب يعرف ببني أود، فصارا إلى ~~الموضع، فسلما عليهم. # وقالا: أيكما عبد الله؟ فقال المنصور وأبو العباس: كلانا عبد الله. # فقال: أيكما ابن الحارثية؟ فقال أبو العباس: أنا. # فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ودنوا فبايعوه. # وأحضروه إلى المسجد الجامع، فصعد على المنبر، فحصر، وتكلم عنه عمه داود ~~بن علي، وقام دونه بمرقاة. # PageV04P277 ### || أمير البصرة العباسي يحمي أمويا # أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني أحمد ~~بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن ~~عمرو، قال: أخبرني، طارق بن المبارك عن أبيه، قال: جاءني رسول عمرو بن ~~معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا ~~حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فما أكون في ms582 قبيلة إلا وشهر أمري، ~~وقد عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي، ~~فصر إلي. # فوافيته، فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض، وسراويل وشي مشدود. # PageV04P278 # فقلت: سبحان الله، ما تصنع الحادثة بأهلها، أيها الإنسان تلقى هؤلاء ~~القوم الذين تريد لقاءهم وعليك مثل هذا؟ قال: والله، ما ذهب علي ذلك، ولكن ~~ليس عندي ثوب، إلا وهو أشهر من هذا. # فأعطيته طيلساني، وأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إلى ركبته، فدخل، ثم خرج ~~مسرورا. # فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين الأمير. # قال: دخلت إليه، ولم يرني قط، فقلت: أيها الأمير، لفظتني البلاد إليك، ~~ودلني فضلك عليك، فإما قبلتني غانما، وإما رددتني سالما. # فقال: من أنت؟ فانتسبت إليه. # فقال: مرحبا، أقعد فتكلم، غانما مسرورا، ثم اقبل علي، وقال: ما حاجتك ~~يابن أخي؟ فقلت: إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن، قد خفن بخوفنا، ~~ومن خاف خيف عليه. # فوالله ما أجابني إلا بدموعه تسيل على خديه، وقال: يابن أخي، يحقن الله ~~دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك، والله، لو أمكنني ذلك في جميع أهلك ~~لفعلت، ولكن كن متواريا كظاهر، وآمنا كخائف، ولتأتني رقاعك. # قال: وكان، والله، يكتب إليه كما كان يكتب الرجل إلى ابن عمه. # PageV04P279 # قال: فلما فرغ من كلامه، رددت عليه طيلسانه، فقال: مهلا، إن ثيابنا إذا ~~خرجت عنا، لم تعد إلينا. # ووجدت هذا الخبر، بإسناد ليس هو لي، برواية عن العتبي، قال: حدثنا طارق ~~بن المبارك الذراع البصري، ولم يتجاوزه، قال: قدم جدك عمرو بن معاوية ~~البصرة، حين نكب بنو أمية، قال: فجعل لا ينزل بحي، إلا أجهزوه واشتهر. # فقال لي: أذهب بنا أضع يدي في يد هذا الرجل، يعني سليمان بن علي، وذكر ~~نحوه. # وقال في آخره: فلما صار عمرو إلى منزله، دفعت إليه ثوبه، وطلبت ثوبي، ~~فردهما علي جميعا، وقال: إنا لم نأخذ ثوبك لنحبسه، ولم نعطك ثوبنا لترده. # PageV04P280 ### || عبد الملك بن مروان يؤمن ابن قيس الرقيات ويحرمه العطاء # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف ms583 بالأصبهاني، إجازة في كتابه: ~~الأغاني الكبير، قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، وأبو ~~عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وغيرهما، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: ~~حدثنا عبد الله بن البصير البربري، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عن ~~أبيه، قال: قال عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مع مصعب بن الزبير، حين ~~بلغه خروج عبد الملك بن مروان، فلما نزل مصعب مسكن، وتبين الغدر ممن معه، ~~دعاني، ودعا بمال، فملأ المناطق منه، وألبسنيها. # وقال: امض حيث شئت، فإني مقتول. # فقلت: لا والله، لا أروح حتى آتي سبيلك، فأقمت معه حتى قتل. # ومضيت إلى الكوفة، فأول بيت دخلته إذا فيه امرأة معها بنتان كأنهما # PageV04P281 # ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مستشرف، فقعدت فيه. # قال: فأصعدت لي ما أحتاج إليه من الطعام، والشراب، والفرش، والماء، ~~والوضوء. # فأقمت كذلك عندها أكثر من حولن تقوم بكل ما يصلحني، وتغدو علي في كل ~~صباح، فتسألني عن حوائجي، فما سألتني من أنا، ولا أنا سألتها من هي؟ وأنا ~~في أثناء ذلك أسمع الصياح في، والجعل. # فلما طال بي المقام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جاءت إلي في ~~الصباح تسألني الحاجة، فأعلمتها أني قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إلى ~~أهلي. # فقالت لي: يأتيك ما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى. # قال: فلما أمسيت، وضرب الليل برواقه، رقت إلي، وقالت: إن شئت فنزلت، وقد ~~أعدت راحلتين، عليهما جميع ما أحتاج إليه، ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة ~~الطريق، وقالت: العبد والراحلتان لك. # فركبت، وركب معي العبد، حتى أتيت مكة، فدققت باب منزلي، فقالوا: من أنت ~~يا هذا؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وبكوا، وقالوا: لم يرتفع ~~طلبك إلا في هذا الوقت. # فتوقفت عندهم حتى أسحرت، ونهضت، فقدمت المدينة، ومعي العبد، فجئت إلى عبد ~~الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو يعشي # PageV04P282 # أصحابه، فجلست معهم، وجعلت أتعاجم، وأقول: بناريناواي طيار. # فلما خرج أصحابه، كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس؟ ms584 فقلت: عائذا بك. # فقال: ويحك، ما أجدهم في طلبك، وأحرصهم على الظفر بك، ولكني أكتب إلى أم ~~البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وهي زوجة الوليد بن عبد الملك، وعبد الملك ~~أرق شيء عليها. # فكتب إليها يسألها التشفع إلى عمها عبد الملك. # فلما وصلها الكتاب، دخلت على عمها، فسألها: هل من حاجة؟ قالت: نعم، لي ~~حاجة. # فقال: قد قضيت كل حاجة لك، إلا ابن قيس الرقيات. # فقالت: لا تستثنين علي. # فنفخ بيده، فأصاب حر وجهها، فوضعت يدها على خدها. # فقال لها: ارفعي يدك، فقد قضيت كل حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيات. # فقالت: حاجتي أن تؤمنه، فقد كتب إلي يسألني أن أسألك ذلك. # قال: هو آمن، فمريه يحضر المجلس العشية. # فحضر، وحضر الناس، حين بلغهم، مجلس عبد الملك. # قال: فأخر الإذن لابن قيس، وأذن للناس، فدخلوا، وأخذوا مجالسهم، ثم أذن ~~له. # فلما دخل عليه، قال عبد الملك: يا أهل الشام أتعرفون من هذا؟ قالوا: لا. # PageV04P283 # قال: هذا ابن قيس الرقيات، الذي يقول: # كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء # فقالوا: يا أمير المؤمنين، اسقنا دم هذا المنافق. # قال: الآن، وقد أمنته، وصار في منزلي وعلى بساطي؟ قد أخرت الإذن له ~~لتقتلوه، فلم تفعلوا. # فاستأذنه ابن قيس، أن ينشده مديحه، فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول ~~فيها: # عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب # كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صعب # والله ما إن صبت إلي ولا ... يعرف بيني وبينها نسب # إلا الذي أورثت كثيرة في القلب ... وللحب { [ عجب # حتى قال فيها: # إن الأغر الذي أبوه أبو ... العاص عليه الوقار والحجب # يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # فقال له عبد الملك: يابن قيس، تمدحني بالتاج، كأني من العجم، وتقول في ~~مصعب ابن الزبير: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء # PageV04P284 # أما الأمان فقد سبق ms585 لك، ولكن، والله، لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. # وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه: أن ~~عبيد الله بن قيس الرقيات، منعه عبد الملك بن مروان عطاءه من بيت المال، ~~وطلبه ليقتله، فاستجار بعبد الله بن جعفر، وقصده، فالتقاه نائما. # وكان ابن قيس صديقا لسائب خاثر، فطلب الإذن على ابن جعفر، فتعذر، فجاء ~~بسائب خاثر ليستأذن له. # قال سائب خاثر: فجئت من قبل رجلي عبد الله بن جعفر، ونبحت نباح الجرو ~~الصغير، فانتبه ولم يفتح عينيه، ورفسني برجله. # قال: فدرت إلى عند رأسه، ونبحت نباح الكلب الهرم، فانتبه وفتح عينيه. # فقال: مالك، ويلك؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بالباب. # فقال: ائذن له، فأذنت له، ودخل، فرحب به عبد الله وقربه، فعرفه ابن قيس ~~خبره. # فدعا بظبية فيها دنانير، وقال لي: عد له ما فيها. # فجعلت أعد له، وأطرب، وأحسن صوتي بجهدي، حتى عددت له ثلاث مائة دينار، ~~وسكت. # فقال عبد الله: لماذا سكت، ويلك؟ ما هذا وقت قطع الصوت الحسن. # PageV04P285 # فجعلت أعد ما في الظبية، وفيها ثمان مائة دينار، فدفعها إليه. # فلما قبضها التفت إلى ابن جعفر، وقال له: تسأل أمير المؤمنين في أمري؟ ~~قال: نعم، إذا دخلت عليه، ثم إنه دعا له بطعام، فأكل أكلا فاحشا، وركب ابن ~~جعفر، فدخل معه إلى عبد الملك، فلما قدم الطعام جعل يسيء الأكل. # فقال عبد الملك، لابن جعفر: من هذا؟ قال هذا رجل لا يجوز أن يكون كاذبا ~~إن استبقي، وإن قتل كان أكذب الناس. # قال: كيف؟ قال: لأنه يقول: # ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا # فإن قتلته بغضبك عليه أكذبكم فيما مدحكم به. # قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه عطاء من بيت المال. # قال: أحب أن تهب لي عطاءه، كما وهبت لي دمه. # قال: قد فعلت، وأمر له بذلك. # PageV04P286 ### || هشام بن عبد الملك وحماد الراوية # عن حماد الراوية، قال: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، جعل هشام ~~يجفوني دون سائر ms586 أهله من بني أمية، في أيام يزيد. # فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، ومكثت في بيتي سنة، لا أخرج ~~إلا إلى من أثق به من إخواني سرا. # فلما لم أسمع أحدا يذكرني، أمنت، فخرجت فصليت الجمعة عند باب الفيل، فإذا ~~بشرطيين قد وقفا علي. # وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر. # فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني آتي ~~بيتي، فأودع أهلي، وداع من لا يرجع إليهم أبدا، ثم أصير معكما؟ فقالا: ما ~~إلى ذلك سبيل. # فاستسلمت في أيديهما، وصرت إلى الأمير وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت ~~عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، # PageV04P287 # من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت ~~كتابي هذا، فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير أن يروع ولا يتعتع، ~~وادفع إليه خمس مائة دينار، وجملا مهريا، يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى ~~دمشق، فأخذت الخمس مائة دينار، وإذا جمل مرحول، فجعلت رجلي في الغرز، وسرت ~~اثنتي عشرة ليلة، حتى دانيت دمشق. # ونزلت على باب هشام، واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء، ~~مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على ~~طنفسة حمراء، وعليه ثياب خز حمر، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك ~~مفتوت في أواني ذهب، يقلبه بيده، فتفوح رائحته. # فسلمت عليه، فرد علي، واستدناني، فدنوت منه، حتى قبلت رجله. # وإذا جاريتان لم أر مثلهما، في أذن كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان ~~تتوقدان. # قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا. # قال: بعثت إليك بسبب بيت خطر في بالي، لم أدر من قائله. # قلت: وما هو؟ قال: # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق # PageV04P288 # فقلت: هذا يقوله عدي بن زيد العبادي، في قصيدة له. # قال: أنشدنيها، فأنشدته: # بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي أما تستفيق # ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب ms587 عندكم موثوق # لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق # قدمته على عقار كعين ... الديك صفى خلالها الراووق # قال: فطرب، ثم قال: أحسنت يا حماد، والله، يا جارية: اسقيه، فسقتني شربة ~~ذهبت بثلث عقلي. # وقال: أعد. # فأعدته، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فراشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، ~~فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. # فقلت: إن سقيت الثالثة افتضحت. # ثم قال: سل حوائجك. # قلت: كائنة ما كانت؟ # PageV04P289 # قال: نعم. # قلت: إحدى الجاريتين. # قال: هما لك بما عليهما ومالهما. # ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها ولم أعقل حتى أصبحت، فإذا ~~بالجاريتين عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة. # وقال لي أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خذ هذا ~~فانتفع به في سفرك. # فأخذتها، والجاريتين، وانصرفت. # PageV04P290 ### || أكل على مائدته فأمضى له الأمان # عن عبد الله بن عمران أبي فروة، قال: كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي من ~~أشراف قيس، وكان مع ابن الزبير، فلما قتل، دخل عبد الله بصفة أعرابي على ~~عبد الملك بن مروان ليلا وهو يتعشى مع الناس، فجلس وأكل معهم، ثم وثب فقال: # منع القرار فجئت نحوك هاربا ... جيش يجر ومقنب يتلمع # فقال: أي الأخابيث أنت؟ فقال: # ارحم أصيبية هديت كأنهم ... حجل تدرج بالسرية جوع # فقال: أجاع الله بطونهم، فأنت أجعتهم، فقال: # PageV04P291 # مال لهم مما يضن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع # فقال: كسب سوء خبيث، فقال: # ولقد وطئت بني سعيد وطأة ... وابن الزبير فعرشه متضعضع # وأرى الذين رجوا تراث محمد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع # فقال: الحمد لله على ذلك، فقال: # أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع # فقال: إلى النار، فقال: # ضاقت ثياب الملبسين فأولني ... عرفا وألبسني فثوبك أوسع # قال: فرمى إليه بمطرف خز كان عليه. # فقال عبد الله: أمنت والله. # فقال له عبد الملك: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج. # فقال: أنا، والله، هو، وقد أمنتني، ms588 أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي خوف ~~علي. # فقال: ما هداك إلا جدك، وأمضى له الأمان. # PageV04P292 ### || الفضل بن الربيع يتحدث عما لاقى أيام استتاره من المأمون # حدثني علي بن هشام أبي قيراط الكاتب، بواسط، في سنة اثنتين وستين وثلاث ~~مائة، من لفظه، قال: حدثني أبو علي بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قال: حدثني ~~أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري، عن أبي أيوب سليمان بن وهب عن أبي طالوت ~~كاتب ابن طاهر، قال: سمعت الفضل بن الربيع، يقول: لما استترت من المأمون، ~~أخفيت نفسي حتى عن عيالي وولدي، وكنت أنتقل وحدي. # فلما اقترب المأمون من بغداد، ازداد حذري، وخوفي على نفسي، فتشددت في ~~الاحتياط والتواري، وأفضيت إلى منزل بزاز كنت أعرفه في درب بباب الطاق، ~~وشدد المأمون في طلبي فلم يعرف لي خبرا. # فتذكرني يوما، فاغتاظ على إسحاق بن إبراهيم، وجد به في طلبي، فأغلظ له، ~~فخرج إسحاق من حضرته، وجد بأصحاب الشرط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى في ~~الجانبين، من جاء به فله عشرة آلاف درهم وإقطاع غلته # PageV04P293 # ثلاثة آلاف دينار في السنة، وإن من وجد بعد النداء ضرب خمس مائة سوط ~~وهدمت داره وأخذ ماله وحبس طول الدهر، فنودي بذلك عشيا. # فما شعرت، إلا وصاحب الدار قد دخل علي وأخبرني الخبر، وقال: والله، ما ~~أقدر بعد هذا على سترك، ولا آمن من زوجتي، وجاريتي، وغلامي، وأن تشره ~~نفوسهم إلى المال، فيدلون عليك، وأهلك بهلاكك، وإن صفح الخليفة عنك، لم آمن ~~من أن تتهمني بأني دللت عليك، فيكون ذلك أقبح وأشنع، وليس الرأي لي ولك إلا ~~أن تخرج عني. # فورد علي ذلك أعظم مورد، وقلت: إذا جاء الليل خرجت عنك. # قال: ومن يطيق الصبر على هذا الضرر إلى الليل، فإنك إن وجدت عندي قبل ~~الليل أهلكتني وأهلكت نفسك، وهذا وقت حار، وقد طال عهد الناس بك، فقم وتنكر ~~واخرج. # فقلت: كيف أتنكر؟ فقال: تأخذ أكثر لحيتك، وتغطي رأسك وبعض وجهك، وتلبس ~~قميصا ضيقا، وتخرج. # فقلت: أفعل. # فجاء بمقراض فأخذت أكثر لحيتي، وتنكرت، ms589 وخرجت من عنده في أول أوقات ~~العصر، وأنا ميت خوفا. # فمشيت في الشارع، حتى بلغت الجسر، فوجدته قد رش، وهو خال من الناس، ~~متزلق. # PageV04P294 # فلما توسطته، إذا أنا بفارس من الجند الذين كانوا في داري في أيام ~~وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وقال: طلبة أمير المؤمنين، وعدل إلي ليقبض ~~علي. # فلحلاوة النفس دفعته ودابته، فزلق، ووقع في بعض السفن التي في الجسر، ~~وتعادى الناس لخلاصه، وظنوا أنه زلق بنفسه. # وتشاغل عني بهم، وزدت أنا في المشي، ولم أعد لئلا ينكر حالي من يراني، ~~إلى أن عبرت الجسر ودخلت درب سليمان. # فوجدت امرأة على باب دار مفتوح، فقلت لها: يا امرأة، أنا خائف من القتل، ~~فأجيريني واحقني دمي. # فقالت: ادخل، وأومأت إلى غرفة، فصعدتها. # فلما كان بعد ساعة، إذا بالباب يدق، ففتحته، وإذا زوجها قد دخل، فتأملته، ~~فإذا هو صاحبي على الجسر، وهو مشدود الرأس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه ~~مغموسة بالدم. # وسألته المرأة عن خبره، فأخبرها بالقصة، وقال لها: قد زمنت دابتي ~~وأنفذتها لتباع في سوق اللحم، وقد فاتني الغنى، وجعل يشتمني، وهو لا يعلم ~~بوجودي معه في الدار، وأقبلت المرأة تترفق به إلى أن هدأ. # فلما صليت المغرب، وأقبل الظلام، صعدت المرأة إلي، وقالت: أظنك صاحب ~~القصة مع هذا الرجل. # فقلت: نعم. # PageV04P295 # فقالت: قد سمعت ما عنده، فاتق الله في نفسك واخرج، فدعوت لها. # فنزلت، ففتحت الباب فتحا رفيقا، وقالت: اخرج، وكانت الدرجة في الدهليز، ~~فأفضيت إلى الباب، فلما انتهيت إلى آخر الدرب وجدت الحراس قد أغلقوه، ~~فتحيرت. # ثم رأيت رجلا يفتح بابا بمفتاح رومي، فقلت: هذا رومي، وهو ممن يقبل مثلي. # فدنوت منه وقلت: استرني، سترك الله. # فقال: ادخل، فدخلت، فرأيته رجلا فقيرا وحيدا، فأقمت ليلتي عنده، وبكر من ~~غد، وعاد نصف النهار ومعه حمالان يحمل أحدهما حصيرا ومخدة، وجرار، وكيزان، ~~وغضائر جددا، وقدرا جديدا، ويحمل الآخر خبزا وفاكهة، ولحما، وثلجا، فدخل، ~~وترك ذلك كله عندي، وأغلق الباب. # فنزلت، وعذلته، وقلت له: لم كلفت نفسك هذا؟ فقال: أنا ms590 رجل مزين، وأخاف أن ~~تستقذرني، وقد أفردت لك هذا، فاطبخ أنت وأطعمني في غضارة أجيء بها من عندي، ~~فشكرته على ذلك، وأقمت عنده ثلاثة أيام. # فلما كان آخر اليوم الثالث، ضاق صدري، فقلت له: يا أخي الضيافة ثلاثة ~~أيام، وقد أحسنت وأجملت، وأريد الخروج. # فقال: لا تفعل، فإني وحيد، ولست ممن يطرق، وخبرك لا يخرج من عندي أبدا، ~~فأقم إلى أن يفرج الله عنك، فلست أتثاقل بك. # فأبيت للحين، وخرجت على وجهي أريد منزل عجوز بباب التبن من # PageV04P296 # موالينا، فدققت الباب عليها، فخرجت، فلما رأتني بكت، وحمدت الله على ~~رؤيتي، وأدخلتني الدار. # فلما كان في السحر، وأنا نائم، بكرت العجوز فغمزت علي بعض أصحاب إسحاق بن ~~إبراهيم، فما شعرت إلا بإسحاق نفسه، في خيله ورجله، قد أحاط بالدار، ثم ~~كبسها واستخرجني منها، حتى أوقفني بين يدي المأمون حافيا حاسرا. # فلما رآني سجد طويلا ثم رفع رأسه، وقال: يا فضل، أتدري لم سجدت؟ فقلت: ~~نعم، شكرا لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك، المغري بينك وبين أخيك. # قال: ما أردت هذا، ولكني سجدت شكرا لله على ما ألهمنيه من العفو عنك، ~~فحدثني بخبرك؟ فشرحته له من أوله إلى آخره. # فأمر بإحضار العجوز مولاتنا، وكانت في الدار تنتظر الجائزة، فقال لها: ما ~~حملك على ما فعلت، مع إنعامه وإنعام أهله عليك؟ قالت: رغبة في المال. # قال: هل لك زوج أو ولد أو أخ؟ قالت: لا، فأمر بضربها مائة سوط، وتخليدها ~~في السجن. # ثم قال لإسحاق: أحضر الساعة الجندي، وامرأته، والمزين، فحضروا في مجلس ~~واحد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أنهم القوم بأعيانهم. # فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على فعله، فقال: الرغبة في المال، # PageV04P297 # ووالله، إنه الذي أثبتني في الجيش، ولكني رغبت في المال العاجل. # فقال: أنت بأن تكون حجاما أولى بأن تكون من أوليائنا، وأمر بأن يسلم ~~للمزينين في الدار، ويوكل به من يعسفه حتى يتعلم الحجامة. # وأمر باستخدام زوجته قهرمانة في دور حرمه، وقال: هذه المرأة عاقلة أديبة. # وأمر بتسليم دار الجندي وقماشه ms591 إلى المزين، وأن يجعل رزقه له، ويجعل ~~جنديا مكان ذلك الجندي، وأطلقني إلى داري. # فرجعت إليها آخر النهار، آمنا، مطمئنا. # ووجدت الخبر بخلاف هذا في كتاب الوزراء لابن عبدوس، فإنه ذكر: أن الفضل ~~ابن الربيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عليه الأخبار، فغير زيه، وخرج في ~~السحر، وكان استتر بناحية الحربية من الجانب الغربية. # فمشى وهو لا يدري أين يقصد، لحيرته، وبعد عهده بالطرق، فأداه المشي إلى ~~الجسر، وقد أسفر الصبح، فأيقن بالعطب، وقصد منزلا لرجل كانت بينه وبينه ~~مودة، بسويقة نصر. # فلما صار ببعض المشارع، سمع النداء عليه، ببذل عشرة آلاف درهم، فتخفى حتى ~~جاوزه الركبان والمنادي، ومشى. # فرآه رجل، فانتبه له، وقال: يا فضل، وكان في أحد جانبي الطريق الذي الفضل ~~فيه، فأمه إلى الجانب الذي كان فيه، ليقبض عليه، فاعترضته # PageV04P298 # حمير وجمال عليها جص. # ونظر الفضل يمينا وشمالا، فلم يجد مذهبا، وبصر بدرب، فدخله، فوجده لا ~~ينفذ، ووجد في صدره بابا مفتوحا، فهجم على المنزل، وفيه امرأة، فاستغاث ~~بها، فأجارته، وبادرت إلى الباب فأغلقته، وناشدها الله أن تستره إلى الليل، ~~فأمرته بالصعود إلى غرفة لها، فلم يستقر به القعود حتى دق الباب، فلما فتح ~~الباب، دخل الرجل الذي رآه، وعزم على القبض عليه، وإذا المنزل له. # فقال لزوجته: فاتني الساعة عشرة آلاف درهم. # قالت له: وكيف ذلك؟ قال لها: مر بي الفضل، فمددت يدي لأقبض عليه، ~~فابتلعته الأرض. # فقالت له امرأته: الحمد لله، عز وجل، الذي كفاك أمره وأبقى دينك عليك، ~~ولم تكن سببا لسفك دمه، أو مكروه يلحقه. # فلما خرج، صعدت إليه، فقالت: قد سمعت، وما هذا المكان لك بموضع، فخرج إلى ~~بعض منازل معامليه، فلما صار إليه، نبه العامل عليه، وأسلمه إلى طالبيه، ~~فحمل إلى المأمون، فلما رآه، وسأله عن خبره، شرح له قصته، فأمر للمرأة ~~بثلاثين ألف درهم، وقال للرسول: قل لها، يقول لك الفضل: هذا جزاء لك على ما ~~فعلته من الجميل، فردتها، وأبت قبولها، وقالت: لست آخذ على شيء فعلته لله ~~عز وجل، ms592 جزاء، إلا منه. # PageV04P299 ### || وما قتل الأحرار كالعفو عنهم # حدثنا أبو الحسن محمد بن عمر بن شجاع، المتكلم البغدادي، الملقب بجنيد، ~~قال: حدثنا الفضل بن ماهان السيرافي، وكان مشهورا بسلوك أقاصي بلاد البحر، ~~قال؛ قال لي رجل من بعض بياسرة الهند، والبيسر هو المولود على ملة الإسلام ~~هناك، قال: كان في أحد بلاد الهند ملك حسن السيرة، وكان لا يأخذ ولا يعطي ~~مواجهة، وإنما كان يقلب يده إلى وراء ظهره. # فيأخذ ويعطي بها، إعظاما للملك، وهي سنة لهم هناك ولأولادهم. # وإنه توفي، فوثب رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابن له ~~كان يصلح للملك خوفا على نفسه من المتغلب. # ورسوم ملوك الهند، أن الملك إذا قام عن مجلسه، لأي حاجة عرضت له، كانت ~~عليه صدرة، قد جمع فيها كل نفيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مضروب في ~~الإبريسم في الصدرة، ويكون فيها من الجواهر ما إن لو أراد أن يقيم بها ملكا ~~أقامه. # قال: ويقولون: ليس بملك من إذا قام عن مجلسه وليست معه، حتى إذا حدثت ~~عليه حادثة وهرب بها أمكنه إقامة ملك منها. # فلما حدثت على الملك تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته وهرب بها. # فحكى عن نفسه: أنه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاما، ولم تكن معي فضة ~~ولا ذهب، فأبتاع به مأكولا، ولم أقدر على إظهار ما معي، وأنفت أن أستطعم. # PageV04P300 # قال: فجلست على قارعة الطريق، فإذا رجل هندي، مقبل وعلى كتفه كارة، فحطها ~~وجلس حذائي. # فقلت: أين تريد؟ قال: الرستاق الفلاني. # قلت: وأنا الآخر كذلك. # قال؛ فنصطحب؟ قلت: نعم. # فصحبته طمعا في أن يعرض علي شيئا من مأكوله، فلم يفعل، ولم تطب نفسي أن ~~أبدأه بالسؤال. # فلما فرغ قام يمشي، فمشيت معه، وبت معه، طمعا في أن تحمله المؤانسة على ~~العرض علي، فعمل بالليل كما عمل بالنهار. # قال: وأصبحنا في غد، فمشينا، فعاملني بمثل ذلك أربعة أيام، فصار لي سبعة ~~أيام لم أذق فيها شيئا. # فأصبحت في الثامن ضعيفا مهووسا لا قدرة لي على ms593 المشي، فعدلت عن الطريق، ~~وفارقت الرجل، فرأيت قوما يبنون، وقيما عليهم، فقلت للقيم: استعملني مثل ~~هؤلاء بأجرة تعطينيها عشيا. # فقال: نعم، ناولهم الطين. # فقلت: عجل لي أجرة يوم، ففعل، فابتعت بها ما أكلته. # وقمت أناولهم الطين، فكنت، لعادة الملك، أقلب يدي إلى ظهري وأعطيهم ~~الطين، فكما أذكر أن ذلك خطأ ينبه علي ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، # PageV04P301 # فأرد يدي بسرعة من قبل أن يفطنوا بي. # قال: فلمحتني امرأة قائمة، فأخبرت سيدتها بخبري، وكانت صاحبة البناء، ~~وقالت: لا بد أن يكون هذا من أولاد الملوك. # قال: فلما انقضى النهار، وانصرف الصناع، فأردت الانصراف معهم. # تقدمت إلى القيم أن يحبسني عن المضي مع الصناع، فاحتبسني. # فجاءتني بالدهن والعروق لأغتسل بهما، وهذا مقدمة إكرامهم، وسنة لعظمائهم، ~~فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز والسمن والسكر، فطعمت، وعرضت المرأة علي نفسها ~~بالتزويج، فأجبت، وعقدت العقد، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت معها أربع سنين، ~~تعطيني من مالها، وتنفق علي، وكانت لها نعمة. # فأنا ذات يوم جالس على باب دارها، وإذا برجل من بلدي، فاستدعيته، فجاء، ~~فقلت له: من أين أنت؟ فقال: من بلد كذا وكذا، فذكر بلدي. # فقلت: ما جئت تصنع هاهنا؟ قال: كان فينا ملك، حسن السيرة، فمات، فوثب على ~~ملكه رجل ليس من أهل المملكة، وكان للملك الأول ابن يصلح للملك، فخاف على ~~نفسه فهرب، وإن الملك المتغيب أساء عشرة الرعية، فوثبنا عليه فقتلناه، ~~وانتشرنا في البلاد نطلب ابن الملك المتوفي، لنجلسه مكان أبيه، فما عرفنا ~~له خبرا. # فقلت: أتعرفني؟ قال: لا. # قلت: أنا طلبتكم. # قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحة ما قلته له، فكفر لي. # PageV04P302 # فقلت: أكتم أمرنا إلى أن ندخل الناحية. # قال: أفعل. # فدخلت إلى المرأة، فأعلمتها بالخبر، وحدثتها بأمري كله، وأعطيتها الصدرة. # وقلت: هذه قيمتها كذا وكذا، ومن حالها كذا وكذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن ~~كان ما ذكره صحيحا، فإن العلامة أن يجيئك رسولي فيذكر الصدرة، فانهضي إلي، ~~وإن كانت مكيدة كانت الصدرة لك. # قال: ومضى مع الرجل، فكان الأمر صحيحا، فأنفذ إلى ms594 زوجته من حملها إليه، ~~فجاءت. # فحين اجتمع شمله، واستقام أمره، أمر البنائين فبنوا له دار ضيافة عظيمة، ~~وأمر أن لا يجوز في عمله مجتاز إلا حمل إليها، فيضاف فيها ثلاثة أيام، ~~ويزود لثلاثة أيام أخر، فكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي صحبه في سفره، ~~ويقدر أن يقع في يده. # فلما كان بعد حول، استعرض الناس، وكان يستعرضهم في كل يوم، فلا يرى ~~الرجل، فيصرفهم، فلما كان في ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم. # فحين وقعت عينه عليه، أعطاه ورقة تنبول، وهذه علامة غاية الإكرام، # PageV04P303 # ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته. # فحين فعل ذلك بالرجل، كفر له، وقبل الأرض، فأمر الملك بتغيير حاله، ~~وإحسان ضيافته. # ثم استدعاه، فقال له: أتعرفني؟ فقال: كيف لا أعرف الملك، وهو من عظم ~~شأنه، وعلو سلطانه، بحيث هو. # قال: لم أرد هذا، أتعرفني قبل هذا الحال؟ قال: لا. # فذكره الملك بالقصة، ومنعه إياه من الطعام في السفر. # قال: فبهت الرجل. # فقال الملك: ردوه إلى الدار، وزيدوا في إكرامه، وحضر الطعام فأطعم. # فلما أراد النوم، قال الملك لزوجته: اذهبي إلى هذا الرجل فاغمزيه. # قال: فجاءت المرأة، فلم تزل تغمزه إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، # PageV04P304 # وقالت: إنه قد نام. # قال: ليس هذا نوم، حركوه، فحركوه، فإذا هو ميت. # قال: فقالت له المرأة: أي شيء هذا؟ قال: فساق لها حديثه معه، وقال: وقع ~~في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند لهم أكباد عظيمة، وأفهام طريفة، فأدخلت ~~عليه حسرة عظيمة إذ لم يحسن إلي، فقتلته، وقد كنت أتوقع موته قبل هذا بما ~~توهمه واستشعره من العلة في نفسه، لفرط الحسرة. # PageV04P305 ### | الباب الثالث عشر فيمن نالته شدة في هواه فكشفها الله عنه وملكه من يهواه ### || رأى القطع خيرا من فضيحة عاتق # حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، غلام ابن دريد وصهره، قال: حدثنا ~~أبو محمد الحسن بن دريد، قال: حدثنا أحمد بن عثمان العلى عن أبي خالد عن ~~الهيثم بن عدي، قال: كان لعمرو بن دويرة السحيمي ms595 أخ قد كلف بابنة عم له ~~كلفا شديدا، وكان أبوها يكره ذلك ويأباه. # فشكاه إلى خالد بن عبد الله القسري، أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، ~~ثم سئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه، فبقي الفتى كلفا بابنة عمه، وهو ناء ~~عنها مدة. # ثم زاد ما في نفسه، فحمله الحب على أن تسور الجدار عليها، وحصل معها. # PageV04P306 # فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله، وادعى عليه ~~اللصوصية، وأتاه بجماعة شهدوا على أنهم وجدوه في بيته ليلا، قد دخل للتلصص. # فسأل خالد الفتى، فاعترف أنه دخل ليسرق، وما سرق شيئا، يدفع بذلك الفضيحة ~~عن ابنة عمه، فأراد خالد أن يقطعه. # فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعة فيها: # أخالد قد والله أوطيت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق # أقر بما لم يأته غير أنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاتق # ومثل الذي في قلبه حل قلبها ... فمن لتجلو الهم عن قلب عاشق # ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمريهما غير ناطق # إذا مدت الغايات للسبق في العلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق # قال: فأرسل خالد مولى له يسأل عن الخبر، ويفحص جلية الأمر، فأتاه بصحيح ~~ما قاله عمرو في شعره. # فأحضر أبا الجارية، وأمره بتزويجها من الفتى، فامتنع، وقال: ليس هو كفء ~~لها. # PageV04P307 # فقال له خالد: والله، إنه لكفء لها، إذ بذل يده عنها، وإن لم تزوجه طائعا ~~لأزوجنه وأنت كاره. # فزوجه العم، وساق خالد المهر من عنده، فكان يسمى العاشق، إلى أن مات. # وجدت في كتاب العمرين، لمحمد بن داود الجراح الكاتب، وهو رسالة كتب بها ~~إلى أبي أحمد يحيى بن علي بن المنجم، فيمن يسمى من الشعراء: عمرا، فقال: ~~عمرو بن دويرة البجلي، سحيمي، كوفي، أخبرني أحمد بن أبي علقمة، عن دعيل بن ~~علي، وذكر أبو طالب بن سوادة، عن محمد بن الحسن الجعفري، عن الحسن بن يزيد ~~القرشي، عن أبي بكر الوالبي، قال: كان لعمرو بن دويرة، أخ قد كلف بابنة عم ms596 ~~له. . وذكر نحوه، إلا أنه أتى في الشعر بزيادة بيت، وهو بعد البيت الذي ~~أوله: # أقر بما لم يأته # ومثل الذي في قلبه حل قلبها ... فكن أنت تجلو الهم عن قلب وامق # وأخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني محمد بن الحسن القرشي، ~~قال: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار، فذكره مع البيت ~~الزيادة. # PageV04P308 ### || من مكارم المقتدر # حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت بن إبراهيم بن علي بن خداهي النصراني ~~الكاتب، الذي كان خليفة الوزراء، قال: حدثني أبو الحسين بن ميمون الأفطس، ~~الذي كان وزير المتقي، ولما # PageV04P309 # دخل أبو عبد الله البريدي بغداد، متقلدا الوزارة الثانية للمتقي، قبض ~~عليه وأحدره للبصرة. # فلما وردها البريدي منهزما، أطلقه، وأحسن إليه، وأمرني بإنزاله بالقرب ~~مني، وإيناسه بملازمتي، وأفتقاده بالدعوات، ففعلت، فكنا متلازمين لا نكاد ~~نفترق. # ووجدته أحلى الناس حديثا، وأحسنهم أدبا، وأعمهم فضلا، ولم أر قط أشد ~~تغزلا، ولا تهالكا في العشق منه. # فحدثني يوما، قال: عشقت مغنية في القيان عشقا شديدا، فراسلت مولاتها في ~~بيعها، فاستامت فيها ثلاثة آلاف دينار. # وكنت أعرف من نفسي الملل، فخشيت أن أشتريها فأملها، فدافعت بذلك، ومضت ~~أيام، وكانت هي تأتي إلى عندي، وكان يمضي لي معها أطيب عيش. # فانصرفت من عندي يوما، وكان المقتدر بالله أمر أن تشترى له مغنيات، وأنا ~~لا أعلم، وكانت الجارية حسنة الوجه جيدة الغناء، فحملت إلى المقتدر في جملة ~~جوار، فأمر بشرائهن كلهن، فاشتريت في جملتهن. # وأنفذت من غد أستدعيها من سيدتها، فأخبرت بالخبر، فقامت علي القيامة، ~~ودخل إلى قلبي من الألم، والاحتراق، والقلق، أمر ما دخل مثله قط في قلبي، ~~فضلا عن عشق. # وزاد الأمر علي، حتى انتهى بي إلى حد الوسواس، فامتنعت عن النظر في أمر ~~داري، وتشاغلت بالبكاء، ولم يكن لي سبيل إلى العزاء. # PageV04P310 # وكنت أكتب، حينئذ، لأم المتقي لله، وهو حدث، فتأخرت عنهم أياما، وأخللت ~~بأمرهما، وأنا متوفر تلك الأيام على الطواف في الصحاري، لا آكل، ولا أشرب، ~~ولا أتشاغل بأكثر من البكاء ms597 والهيمان. # فأنكر المتقي وأمه تأخري، فاستدعاني المتقي، وخاطبني في شيء من أمره، ~~فوجدني لا أعقل ولا أحصل ما يقوله، ولا أفهمه. # فسألني عن سبب اختلالي، فصدقته، وبكيت بين يديه، وسألته أن يسأل أباه بيع ~~الجارية علي، أو هبتها لي. # فقال: ما أجسر على هذا. # قال: وزاد علي الأمر، وبطلت. # وبلغ أم المتقي الخبر، فراسلتها أسألها مثلما سألت أبنها، فرثت لي، وحملت ~~نفسها على أن خاطبت السيدة أم المقتدر في أمري. # فقالت لها أم المقتدر: ما العجب من الرجل، فإن الذي في قلبه من العشق قد ~~أعماه عن الرأي بل العجب منك، كيف وقع لك أنه يجوز أن يقول أحد للخليفة: ~~انزل عن جاريتك لرجل يعشقها. # فراسلتني أم المتقي بما جرى، فزاد ما بي من القلق. # وكنت لا ألقى أحدا من الرؤساء في الدولة، كالوزير، وحاشية الخليفة، إلا ~~وأقصدهم، وأبكي بين أيديهم، وأحدثهم حديثي، وأسألهم مسألة الخليفة في تسليم ~~الجارية إلي، إما ببيع، أو هبة. # فمنهم من ينكر علي ويوبخني، ومنهم من يرثي لي ويعذرني، ومنهم من يشير علي ~~بالإمساك، ومنهم من يقول: إذا علم الخليفة هذا، وأنك تتعرض لحرمه، كان في ~~هذا إتلاف نفسك، وأنا ملازم أبوابهم، وتركت خدمة صاحبي. # إلى أن طال علي الأمر وعلى المتقي وأمه، لعدم ملازمتي الباب ووضعت # PageV04P311 # من محلي، وبطل أمر داري وضيعتي، وأمور صاحبي. # إلى أن طال هذا على المتقي وأمه، فطلبا كاتبا يصرفاني به. # وبلغني الخبر، وقد كنت أيست من الجارية، فعذلت نفسي، وقلت: ليس بعد هذا ~~الصرف إلا الفقر والنكبة، وذهاب الخير والنفس، ولو كنت اشتريت هذه الجارية، ~~لكنت الآن قد مللتها، فلم أفقر نفسي، ولم أقطع تصرفي؟ وأقبلت أعظ نفسي، ~~وأسليها ليلتي كلها، إلى أن طاوعتني على الصبر. # وباكرت دار المتقي، وبدأت في النظر في أموره، ورأوا مني خلاف ما تقدم، ~~فسروا بذلك، وقالوا: أنت أحب إلينا من الغريب نستأنفه، فضمنت لهم الملازمة ~~وتمشية الأمور. # فأقمت على ذلك مدة، ثم اشتقت إلى الشرب، وقد كنت فقدته وهجرته منذ فقدت ~~الجارية إلى ms598 ذلك اليوم. # فقلت للغلام: قم، امض، وأصلح لنا مجلسا للشرب، وادع أصحابنا أعني أصدقائي ~~الذين يعاشرونني، للرواح إلي، ولا تدع غناء، فلما انقضى شغلي عدت إلى داري، ~~واجتمع أصدقائي، فصوبوا رأيي، وجلسنا نشرب، ونتحدث، ونلعب بالشطرنج. # فقالوا: لو دعوت لنا مغنيا. # فقلت: أخاف أن أذكر به أمري مع الجارية. # فجلسوا عندي إلى أن صليت العشاء الآخرة، وانصرفوا، وجلست وحدي أشرب القدح ~~بعد القدح إلى أن مضت قطعة من الليل، وإذا أنا ببابي يدق دقا عنيفا. # PageV04P312 # فقال بوابي: من هذا؟ قالوا: خدم من دار الخليفة أمير المؤمنين. # فقمت، ولم أشك أن حديثي قد اتصل به فأنكره، وقال: مثل هذا لا يصلح أن ~~يكون كاتبا لحرمة، ولا مدبرا أمر غلام حدث، وقد أمر بالقبض علي. # فقمت أمشي لأخرج من باب آخر كان لي، وأستتر، فإذا الخدم قد دخلوا، ومعهم ~~بغلة عليها عمارية، وشموع، وإذا قد أنزلوا من العمارية جاريتين، إحداهما ~~عشيقتي، فبهت. # فقال لي أحد الخدم، وهو كالرئيس عليهم: مولانا أمير المؤمنين يقرئك ~~السلام، ويقول: عرفت خبرك مع الجارية في هذه الساعة، فرحمتك، وقد وهبتها لك ~~مع جميع مالها، وتركها الخادم ومضى. # ودخلت معها عدة أحمال عليها الأثقال من صنوف الثياب، والفرش، والآلات، ~~والقماش، وعدة جوار، وتركوا ذلك عندي، وانصرفوا. # فأخذت بيد معشوقتي، وأدخلتها المجلس، فلما رأت الشراب والمجلس معبأ، ~~قالت: سلوت عني، وشربت بعدي. # فحلفت لها أني ما شربت نبيذا منذ فارقتها إلا في هذا اليوم، وحدثتها ~~حديثي بطوله. # وقلت لها: ما السبب في مجيئك؟ وما جرى؟ فقال: اعلم أن الخليفة لم يرني، ~~منذ اعترضني وأمر بشرائي، إلا الليلة، وكان قد اتصل مزح السيدة معي، فإنها ~~كانت استدعتني منذ مدة، وسألتني عن خبري معك، فأخبرتها. # ثم قالت: هل تحبينه؟ # PageV04P313 # فقلت: نعم، حبا شديدا. # فتعجبت من ذلك، وقالت: ثقلنا عليك وعلى محبوبك، ولكن يكون الخير إن شاء ~~الله تعالى، ووعدتني الجميل التام، والوعد الحسن. # فلما كان هذه الليلة، قعد الخليفة يشرب مع الجواري والسيدة حاضرة، ~~فاستدعيت، وغنيت. # فقال لي الخليفة: إن كنت ms599 تحسنين الصوت الفلاني، فغنيه، وكان صوتك علي، ~~فغنيته، وتمثلت لي صورتك، وذكرت شربي معك، فلم أملك دموعي، حتى جرت. # فقال المقتدر: ما هذا؟ فتحيرت، وجزعت، ونظرت إلى السيدة، فضحكت، وضحك ~~الجواري. # فقال المقتدر: ما القصة؟ فدافعته السيدة. # فقال: بحياتي أصدقيني. # فقالت: على أن لا تؤذي الجارية، ولا غيرها. # فقال: نعم، وحياتك. # فحدثته الحديث، فلما استوفاه، قال لي: يا جارية، الأمر هكذا؟ إنما بكيت ~~من عشق ابن ميمون؟ فسكت. # فقال: إن صدقتني وهبتك له. # فقلت: نعم. # فأقبل على أمه، فقال: ما هو بكثير إن وهبتها لخادم لنا. # فقالت: قد، والله، أردت أن أسألك هذا، ولكن إن تفضلت به ابتداء منك، كان ~~أحسن. # فقال لبعض الخدم: خذ هذه الجارية، وجميع ما كان سلم إليها في حجرتها من ~~جوار، وقماش، واحمله إلى دار ابن ميمون، كاتب ابني إبراهيم، # PageV04P314 # وأقره سلامي، وعرفه أني قد وهبت ذلك كله له. # فلما قمت، تصايحوا: قد جاء فرجك، وبلغت مناك، فقمت إلى حجرتي، وجمعت ما ~~ترى، وحملته إليك. # قال: فشكرت الله عز وجل على ذلك، وجلست معها، وما شيل ما في مجلسي، حتى ~~اجتمعنا، وجلست معها فيه، وغنت. # وبكرت من غد نشيطا، مسرورا، أشكر السيدة، وأم المتقي، وأدعو لهما، وأقامت ~~الجارية عندي، إلى أن ماتت. # PageV04P315 ### || فارق جاريته ثم أجتمع شملهما # حدثني عبيد الله بن محمد بن الحسن الصروي، قال: حدثني أبي، قال: كان ~~ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يتعشق جارية، ~~وأنفق عليها شيئا كثيرا، ثم اشتراها، وكانت تحبه ويحبها، فلم يزل ينفق ماله ~~عليها إلى أن أفلس. # فقالت له الجارية: يا هذا، قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشا نقتات منه. # قال: فلم يجد له صناعة غير الغناء، إذ كان الفتى من محبته للجارية، ~~وإحضاره المغاني إليها، ليزيدوها في صنعتها، قد تعلم الضرب والغناء، وخرج ~~صالحا في طبقة الغناء والحذق فيه. # فشاور بعض معارفه، فقال: ما أعرف لك معاشا أصلح من أن تغني للناس، وتحمل ~~جاريتك إليهم فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب ms600 عيشك. # فأنف من ذلك، وعاد إليها، فأخبرها بما أشير عليه به، وأعلمها أن الموت ~~أشهى عنده من هذا، فصبرت معه على الشدة مدة. # ثم قالت: قد رأيت لك رأيا. # فقال: قولي. # قالت: تبيعني، فإنه يحصل لك من ثمني ما تعيش به عيشا صالحا، وتخلص من هذه ~~الشدة، وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة. # فحملها إلى سوق النخاسين، فكان أول من اعترضها فتى هاشمي من أهل البصرة، ~~ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاشتراها بألف # PageV04P316 # وخمس مائة دينار عينا. # قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وقبضت الثمن، ندمت، واندفعت في بكاء عظيم، ~~وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة، فلم يكن إلى ذلك سبيل. # فأخذت الدنانير في الكيس، وأنا لا أدري إلى أين أذهب، لأن بيتي موحش ~~منها، وورد علي من اللطم والبكاء ما هوسني. # فدخلت مسجدا، وجلست فيه أبكي، وأفكر فيما أعمل، فحملتني عيني، فتركت ~~الكيس تحت رأسي كالمخدة، ونمت. # فما شعرت إلا بإنسان قد جذبه من تحت رأسي فانتبهت فزعا، فإذا بإنسان قد ~~أخذ الكيس، ومر يعدو، فقمت لعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط في وتد مضروب ~~في آخر المسجد، فإلى أن تخلصت من ذلك، غاب الرجل عن عيني. # فبكيت، ولطمت، ونالني أمر أشد من الأول، وقلت: قد فارقت من أحب، وبعته، ~~لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيرا، مفارقا لمن أحب. # فجئت إلى دجلة، ولففت وجهي برداء كان على راسي، ولم أكن أحسن أسبح، ورميت ~~بنفسي في الماء لأغرق. # فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي، فأخذوني، ~~وسألوني عن أمري، فأخبرتهم، وبقيت منهم بين راحم ومستجهل. # إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: يا هذا، ذهب مالك، فكان ماذا ~~حتى تتلف نفسك، أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم، ولست أول من افتقر بعد ~~غنى، فلا تفعل وثق بالله تعالى. # ثم قال لي: أين منزلك؟ # PageV04P317 # فقلت: في الموضع الفلاني. # فقال: قم معي إليه، ms601 وما فارقني حتى حملني إلى منزلي، وما زال يؤنسني، ~~ويعظني، إلى أن بان له السكون في، فشكرته. # وانصرف، فكدت أن أقتل نفسي لوحشة منزلي علي، ثم ذكرت النار والآخرة، ~~فخرجت من بيتي هاربا، إلى بعض أصدقائي القدماء في حال سعادتي، فأخبرته ~~خبري، فبكى رقة لي، وأعطاني خمسين درهما. # وقال: اقبل رأيي، واخرج الساعة من بغداد، واجعل هذه نفقة لك إلى حيث وجدت ~~قلبك يساعدك إلى قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطك جيد، وأدبك صالح، فاقصد ~~بعض العمال، وأطرح نفسك عليه، فأقل ما في الأمر أن تصير محررا بين يديه، ~~وتعيش معه، ولعل الله أن يصنع لك صنعا. # فعملت على هذا، وجئت إلى الكتبيين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسط، وكان ~~لي فيها أقارب، فأجعلهم ذريعة لي إلى التصرف مع بعض عمالها. # فحين جئت إلى الكتبيين، إذا بزلال مقدم، وخزانة كبيرة، وقماش كثير ينقل ~~إلى الزلال، وإلى الخزانة. # فسألت: من يحملني إلى واسط؟ فقال أحد ملاحي الزلال: نحن نحملك بدرهمين ~~إلى واسط، ولكن هذا # PageV04P318 # الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكنا من حملك معه على هذه الصورة، ~~ولكن تلبس ثياب الملاحين، وتجلس معنا كأنك واحد منا. # فحين رأيت الزلال، وسمعت أنه لرجل هاشمي، من أهل البصرة، طمعت أن يكون ~~مشتري جاريتي، فأتفرج بسماعها إلى واسط. # فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت لي جبة من جباب الملاحين ~~فلبستها، وبعت تلك الثياب التي كانت علي، وأضفتها إلى ما معي من النفقة، ~~واشتريت خبزا وإداما، وجلست في الزلال. # فما كان إلا ساعة حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فحين ~~رأيتها سهل علي ما كان بي، وما أنا عليه. # وقلت: أسمع غناءها، وأراها، من هاهنا إلى البصرة، واعتمدت على أن أجعل ~~قصدي إلى البصرة، وطمعت في أن أداخل مولاها، فأصير أحد ندمائه. # وقلت: ولا تخليني هي من المواد، فإني واثق بها. # ولم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها راكبا، ومعه عدة ركبان، ~~فنزلوا في الزلال وانحدروا. # فلما صاروا بكلواذى، أخرج ms602 الطعام، فأكل هو والجارية، وأكل الباقون على ~~سطح الزلال، وأطعموا الملاحين. # ثم أقبل على الجارية، فقال لها: إلى كم هذه المدافعة عن الغناء، وهذا ~~الحزن والبكاء، ما أنت أول من فارق مولاه، فعلمت ما عندها من أمري. # ثم ضربت ستارة في جانب الزلال، واستدعى الذين في سطحه، وجلس معهم خارج ~~الستارة، فسألت عنهم، فإذا هم إخوته، وأخرجوا الصواني، ففرقوها عليهم، ~~وأحضروا النبيذ. # وما زالوا يترفقون بالجارية، إلى أن استدعت العود، فأصلحته، وجست # PageV04P319 # أوتاره، ثم اندفعت تغني، من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى # بان الخليط بمن عرفت فأدلجوا ... عمدا لقتلك ثم لم يتحرجوا # وغدت كأن على ترائب نحرها ... جمر الغضا في ساجة يتأجج # قال: ثم غلبها البكاء، وقطعت الغناء، وتنغص على الفتية سرورهم. # ووقعت أنا مغشيا علي، فظن القوم أني قد صرعت، فأذن بعضهم في أذني، وصب ~~علي الماء، فأفقت بعد ساعة. # وما زالوا يداورونها، ويرفقون بها، ويسألونها الغناء، إلى أن أصلحت ~~العود، واندفعت تغني في الثقيل التاني: # فوقفت أنسب بالذين تحملوا ... وكأن قلبي بالشفار يقطع # فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع # PageV04P320 # ثم شهقت فكادت تتلف، وارتفع لها بكاء عظيم، وصعقت أنا، فتبرم بي ~~الملاحون، وقالوا: كيف حملنا هذا المجنون معنا. # فقال بعضهم: إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه. # فجاءني أمر عظيم، أعظم من كل شيء دفعت إليه، ووضعت في نفسي التصبر، ~~والحيلة في أن أعلمها بمكاني من الزلال، لتمنع من إخراجي. # وبلغنا إلى قرب المدائن، فقال صاحب الزلال: اصعدوا بنا إلى الشط، فطرحوا ~~إلى الشط، وخرج الجماعة، وقد كان المساء قد قرب، وصعد أكثر الملاحين ~~يتغوطون، فخلا الزلال، وكان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهن. # فمضيت سارقا نفسي حتى صرت خلف الستارة، فغيرت طريقة العود عما كانت عليه، ~~إلى طريقة أخرى، ورجعت إلى موضعي من الزلال. # وفرغ القوم من حاجاتهم في الشط، ودافعوا والقمر منبسط. # فقالوا لها: بالله يا ستي غنينا شيئا، ولا تنغصي علينا عيشنا. # فأخذت العود فجسته، فشهقت شهقة كادت تتلف، وقالت: ms603 والله، قد أصلح هذا ~~العود مولاي، على طريقة من الضرب كان بها معجبا، وكان يضربها معي، ووالله ~~إنه معنا في الزلال. # فقال لها صاحبها: والله، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته، فلعله أن يخف ~~بعض ما بك، فننتفع بغنائك. # فقالت: ما أدري ما تقولون، هو، والله، معنا. # PageV04P321 # فقال الرجل للملاحين: ويحكم، حملتم معنا إنسانا غريبا؟ فقالوا: لا. # فأشفقت أن ينقطع السؤال، فصحت: نعم، هوذا أنا. # فقالت: كلام مولاي، والله، وجاء بي الغلمان إلى الرجل. # فلما رآني عرفني، وقال: ويحك، ما هذا الذي أصابك؟ وما أداك إلى هذه ~~الحال؟ فصدقته عن أمري، وبكيت، وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكا هو ~~وإخوته بكاء شديدا، رقة لنا. # ثم قال: يا هذا، والله، ما وطئت هذه الجارية، ولا سمعت منها غناء قبل هذا ~~اليوم، وأنا رجل موسع علي والحمد لله، وقدمت إلى بغداد لسماع الغناء، وطلب ~~أرزاقي من الخليفة، وقد بلغت من الأمرين ما أردت. # فلما عولت على الرجوع إلى وطني، أحببت أن أستصحب معي مغنية من بغداد، ~~فاشتريت هذه الجارية، لأضمها إلى عدة مغنيات عندي بالبصرة. # وإذ كنتما على هذه الحالة، فأنا، والله، أغتنم المكرمة والثواب فيكما، ~~وأشهد الله تعالى على أني إذا صرت إلى البصرة أعتقها وأزوجك إياها، وأجري ~~عليكما ما يكفيكما، على شريطة إن أجبتني إليها. # قلت: وما هي؟ قال: أن تحضرها عندي متى أردنا الغناء، تغني بحضورك وتنصرف ~~بانصرافك إلى دار أفرغها لكما، وقماش أعطيكما إياه. # قلت: يا سيدي، وكيف أمنع من هو المعطي، وأبخل على من يرد حياتي علي، بهذا ~~المقدار، وأخذت أقبل يده، فمنعني. # ثم أدخل رأسه إلى الجارية، وقال: يرضيك هذا؟ فأخذت تدعو له، وتشكره. # فاستدعى غلاما له، وقال له: خذ بيد هذا الرجل، وغير ثيابه، وبخره، # PageV04P322 # وقدم له ما يأكله، وجئنا به، فأخذني الغلام، وفعل بي ذلك، وعدت، فتركت ~~بين يدي صينية. # فاندفعت الجارية تغني بنشاط، واستدعت النبيذ، وشربت، وشربنا، وأخذت أقترح ~~عليها الأصوات الجياد، فتضاعف سرور الرجل بها. # وما زلنا على ذلك أياما، ms604 حتى وصلنا نهر معقل، ونحن سكارى، فشد الزلال في ~~الشط. # وأخذتني بولة الماء في الليل، فصعدت على ضفة نهر معقل لأبول، فحملني ~~السكر على النوم. # ودفع الزلال وأنا لا أعلم، وأصبحوا فلم يجدوني، ودخلوا البصرة، ولم أنتبه ~~أنا إلا بحمي الشمس، فجئت إلى الشط، فلم أر لهم عينا ولا أثرا. # وكنت قد أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف؟ وأين داره من البصرة؟ واحتشمت ~~غلمانه أن أسألهم، فبقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يوم بدأت بي المحنة، وكأن ~~ما كنت فيه منام. # فاجتازت بي سمارية، فقعدت فيها، ودخلت إلى البصرة، وما كنت دخلتها قط، ~~فنزلت خانا، وبقيت متحيرا، لا أدري ما أعمل، ولم يتوجه لي معاش. # إلى أن اجتاز بي إنسان أعرفه، فتبعته لأكشف له حالي، ثم أنفت من ذلك، ~~ودخل الرجل إلى منزله، فعرفته، وجئت إلى بقال كان على باب الخان الذي ~~نزلته، فأعطيته دانقا، وأخذت منه ورقة، وجلست أكتب رقعة إلى الرجل. # PageV04P323 # فاستحسن البقال خطي، ورأى رثاثة زيي، فسألني عن أمري، فأخبرته أني رجل ~~ممتحن فقير، قد تعذر علي التصرف، وما بقي معي شيء، ولم أشرح له أكثر من ~~هذا. # فقال لي: تعمل معي كل يوم بنصف درهم، وطعامك وكسوتك علي، وتضبط حساب ~~دكاني؟ فقلت: نعم. # فقال: اصعد. # فخرقت الرقعة، وصعدت، فجلست معه، أدبر أمره، وضبطت دخله وخرجه، وكان ~~غلمانه يسرقونه، فأديت له الأمانة. # فلما كان بعد شهر، رأى الرجل دخله زائدا، وخرجه ناقصا، فحمدني. # وبقيت معه كذلك شهرا آخر، ثم جعل رزقي في كل يوم درهما. # ولم يزل حالي معه يقوى، إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره، ~~فدعاني إلى أن أتزوج بابنته، ويشاركني، ففعلت. # ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان، وحالي يقوى، إلا أنني في خلال ذلك، منكسر ~~النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن. # وكان البقال ربما شرب، فيجرني إلى مساعدته، فأمتنع، وأظهر له أن ذلك بسبب ~~حزني على موتى لي. # واستمرت بي الحال على هذا سنتين وأكثر. # فلما كان في بعض الأيام، رأيت الناس يجتازون بفاكهة، ms605 ولحم، ونبيذ، ~~اجتيازا متصلا، فسألت عن ذلك؟ # PageV04P324 # فقيل لي: اليوم الشعانين، يخرج فيه أهل الظرف واللعب، بالطعام والشراب، ~~والقيان إلى الأبلة، فيرون النصارى، ويشربون، ويفرحون. # فدعتني نفسي إلى التفرج، وقلت: لعلي أصل إلى أصحابي، أو أقف لهم على خبر، ~~فإن هذا من مظانهم. # فقلت لحمي: أريد أن أنظر إلى هذا المنظر. # فقال: شأنك وما تريد، فأصلح لي طعاما، وشرابا، وسلم إلي غلاما وسفينة. # فخرجت وركبت السفينة، وبدأت بالأكل، ثم قدمت آنية الشراب، وجلست أشرب حتى ~~وصلت البلة، وأبصرت الناس وقد ابتدءوا ينصرفون. # فإذا بالزلال بعينه، في أوساط الناس، سائرا في نهر الأبلة، فتأملته، فإذا ~~أصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنيات. # فحين رأيتهم لم أتمالك فرحا، فطرحت إليهم، فحين رأوني عرفوني، فكبروا، ~~وأخذوني إليهم، وسلموا علي. # وقالوا: ويحك، أنت حي؟ وعانقوني، وفرحوا بي، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم ~~بها، من أولها إلى آخرها، على أتم شرح. # فقالوا: إنا لما فقدناك في الحال، وقع لنا أنك بالسكر وقعت في الماء ~~فغرقت، ولم نشك في ذلك، فخرقت الجارية ثيابها، وكسرت العود، وجزت شعرها، ~~وبكت، ولطمت، فما منعناها من شيء من هذا. # PageV04P325 # ووردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل معك؟ فقد كنا وعدنا مولاك ~~وعدا، تمنعنا المروءة من استخدامك بعده في حال أو سماع. # فقالت: يا مولاي لا تمنعني من القوت اليسير، ولبس الثياب السواد، وأن ~~أصنع قبرا في بيت من الدار، وأجلس عنده، وأتوب من الغناء، فمكناها من ذلك، ~~فهي جالسة عنده إلى الآن. # وأخذوني معهم، فحين دخلت، ورأيتها بتلك الصورة، ورأتني، شهقت شهقة عظيمة، ~~فما شككت في تلفها، وأعتنقتها، فما افترقنا ساعة طويلة. # ثم قال لي مولاها: خذها. # فقلت: بل تعتقها وتزوجني بها، كما وعدتني. # ففعل ذلك، ودفع لنا ثيابا كثيرة، وفرشا، وقماشا، وحمل إلي خمس مائة ~~دينار. # وقال: هذا قدر ما أردت أن أجريه عليكم في كل شهر من أول شهر دخولي إلى ~~البصرة، وقد اجتمع في طول هذه المدة، والجراية في كل شهر غير هذا، وشيء آخر ~~لكسوتك، وكسوة الجارية، ms606 والشرط في المنادمة وسماع الجارية من وراء الستارة ~~باق، وقد وهبت لك الدار الفلانية، وهذه مفاتيحها. # فأخذت المفاتيح، وأتيت إلى الدار، فوجدتها مفروشة بأنواع الفرش، وإذا ~~بذلك الفرش والقماش الذي أعطيته فيها، والجارية. # فسررت بذلك سرورا عظيما، وجئت إلى البقال، فحدثته حديثي، وطلقت ابنته، ~~ووفيتها صداقها. # وأقمت مع الجارية سنين، وصرت رب ضيعة ونعمة، وصار حالي إلى # PageV04P326 # قريب مما كنت عليه أولا. # وأنا أعيش كذلك مع جاريتي، إلى الآن. # PageV04P327 ### || أمير البصرة يجمع بين متحابين # روى أبو روق الهزاني، عن الرياشي: أن بعض أهل النعم بالبصرة، اشترى ~~جارية، وأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبها حبا شديدا، وأنفق عليها حتى أملق، ~~ومسهما الضر الشديد، والفقر المبيد. # فقال لها يوما: قد ترين ما صرنا إليه من الفقر، ووالله، لموتي وأنت معي، ~~أهون علي مما أذكره لك، ويسوءني أن أراك على غير الحالة التي تسرني فيك، ~~ونهاية الأمر بنا، أن تحل بأحدنا منيته، فيقتل الآخر نفسه عليه، فإن رأيت ~~أن أبيعك لمن يحسن إليك، فيغسل عنك ما أنت فيه، وأتفرج أنا بما لعله يصير ~~إلي من الشيء من ثمنك، ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه. # فقالت: والله لموتي وأنا على تلك الحالة، أهون علي من انتقالي إلى غيرك، ~~ولكن أفعل ما بدا لك. # وقالت له الجارية: إني لأرثي لك يا مولاي، مما أرى بك من سوء الحال، فلو ~~بعتني فانتفعت بثمني، فلعل الله أن يصنع لك صنعا جميلا، وأقع أنا بحيث يحسن ~~حالي، فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا. # فخرج، وعرضها للبيع، فأشار عليه أحد أصدقائه، ممن له رأي، أن # PageV04P328 # يحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وكان أمير البصرة يومئذ، ~~فأعجبته. # فقال لمولاها: كم شراؤها عليك؟ قال: بألف دينار، وقد أنفقت عليها أكثر من ~~مائة ألف درهم. # قال: أما ما أنفقت عليها، فغير محتسب لك، لأنك أنفقته في لذاتك، وأما ~~ثمنها، فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، وعشرة سفاط ثياب، وعشرة رءوس من ~~الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قلت: نعم، رضيت، ms607 فأمر بالمال فأحضر. # فلما قبض المولى الثمن، وأراد الانصراف، استعبر كل واحد منهما إلى صاحبه ~~باكيا، وأنشأت الجارية تقول: # هنيئا لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي إلا التفكر # أقول لنفسي وهي في كرباتها ... أقلي فقد بان الحبيب أو أكثري # إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري # قال: فاشتد بكاء المولى، وعلا نحيبه، ثم أنشأ يقول: # فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري # أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلبا طويل التفكر # PageV04P329 # عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر # فقال له ابن معمر: قد شئت يا هذا، خذ جاريتك، بارك الله لك فيها وفيما ~~صار إليك من المال، وانصرفا راشدين، فوالله، لا كنت سببا في فرقة محبين. # فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وأثرى وحسنت حاله. # وأخبرني الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي رحمه الله ~~على القضاء بها، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، أن الزبير حدثهم، قال: حدثني ابن ~~أبي بكر المؤملي، قال: حدثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ~~ياسر، قال: كانت لفتى من العرب جارية جميلة، وكان بها معجبا، يجد بها وجدا ~~شديدا، فلم يزل ينفق عليها حتى أملق واحتاج، وجعل يسأل إخوانه، فقالت ~~الجارية. . . وذكر بقية الخبر على قريب مما رواه الرياشي، والألحان في ~~الشعر على ما رواه الزبير. # ووجدت هذا الخبر مذكورا بقريب من هذه الألفاظ، في كتاب أخبار المتيمين ~~للمدائني، وقد زاد فيه، أن الجارية كانت قينة، ولم يذكر الشعر الأول. # PageV04P330 ### || من مكارم جعفر بن يحيى البرمكي # وحدثني أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قال: ~~حدثني الحسين بن يحيى المرداسي، قال: حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي، قال: حدثني أبي، قال: لما دخل الرشيد البصرة حاجا، كنت معه، فقال ~~لي جعفر بن يحيى: يا أبا محمد، قد وصفت لي جارية مغنية حسناء محسنة، تباع، ~~وذكر ms608 أن مولاها ممتنع من عرضها إلا في داره، وقد عزمت على أن أركب مستخفيا، ~~فأعترضها، أفتساعدني؟ فقلت: السمع والطاعة. # فلما كان في نصف النهار حضر النخاس، فأعلم بحضوره، فخرج جعفر بعمامة ~~وطيلسان ونعل عربية، وأمرني فلبست مثل ذلك، وركبنا حمارين قد أسرجا بسروج ~~التجار، وركب النخاس معنا، وطلبنا الطريق. # فلم يزل النخاس يسير بين أيدينا، حتى أتينا بابا شاهقا يدل على نعمة ~~قديمة، فقرع النخاس الباب، وإذا بشاب حسن الوجه، عليه أثر ضر باد، وقميص ~~غليظ خشن، ففتح لنا الباب، وقال لنا: انزلوا يا سادة، فدخلنا. # فأخرج لنا الرجل قطعة حصير خلق، ففرشها لنا، فجلسنا عليها. # PageV04P331 # فقال له النخاس: أخرج الجارية، فقد حضر المشتري. # فدخل البيت، وإذا الجارية قد خرجت في القميص الغليظ الذي كان على الفتى ~~بعينه، وهي فيه، مع خشونته، كأنها في الحلي والحلل، لحسن وجهها، وفي يدها ~~عود. # فأمرها جعفر بالغناء، فجلست، وضربت ضربا حسنا، واندفعت تغني: # إن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقا ويصبح بيتكم مهجورا # فلقد أراني والجديد إلى بلى ... دهرا بوصلك راضيا مسرورا # جذلا بما لي عندكم لا أبتغي ... بدلا بوصلك خلة وعشيرا # كنت المنى وأعز من وطئ الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا # ثم غلبها البكاء حتى منعها من الغناء، وسمعنا من البيت نحيب الفتى، وقامت ~~الجارية تتعثر في أذيالها، حتى دخلت البيت، وارتفعت لهما ضجة بالبكاء ~~والشهيق، حتى ظننا أنهما قد ماتا، وهممنا بالانصراف. # فإذا بالفتى قد خرج وعليه ذلك القميص بعينه، فقال: أيها القوم، أعذروني ~~فيما أفعله وأقوله. # فقال له جعفر: قل. # فقال: أشهد الله تعالى، وأشهدكم، أن هذه الجارية حرة لوجه الله تعالى، ~~وأسألكم أن تزوجوني بها. # قال: فتحير جعفر أسفا على الجارية، ثم قال لها: أتحبين أن أزوجك. # من مولاك؟ قالت: نعم. # PageV04P332 # فقرر الصداق، وخطب، وزوجها به، ثم أقبل على الفتى، وقال له: ما حملك على ~~هذا؟ فقال: حديثي طويل، إن نشطت له حدثتك به. # فقال: لا أقل من أن نسمعه، فلعلنا أن نبسط عذرك. # فقال: أنا فلان ابن ms609 فلان، وكان أبي من وجوه أهل هذا البلد، ومياسيره، ~~وهذا عارف بذلك، وأومأ إلى النخاس. # وأسلمني أبي إلى الكتاب، وكانت لأمي صبية قريب سني من سنها، وهي جاريتي ~~هذه، وكانت معي في المكتب، تتعلم ما أتعلم، وتنصرف معي. # فبلغت، ثم بطلت من الكتاب، وتعلمت الغناء، فكنت لمحبتي لها أتعلمه معها، ~~وتعلق قلبي بها، وأحببتها حبا شديدا. # وبلغت أنا أيضا، فخطبني وجوه أهل البصرة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت له ~~الزهد في التزويج، ونشأت متوفرا على الأدب، متقلبا في نعم أبي، غير متعرض ~~لما يتعرض له الأحداث، لتعلق قلبي بالصبية، ورغبة أهل البلد تزداد في، ~~وعندهم أن عفتي لصلاح، وما كانت إلا لتعلق قلبي بالجارية، وأن شهوتي لا ~~تتعداها لأحد. # وبلغ حذقها في الغناء إلى ما قد سمعتموه، فعزمت أمي على بيعها، وهي لا ~~تعلم ما في نفسي منها، فأحسست بالموت، واضطررت إلى أن حدثت أمي عن الصورة، ~~فحدثت أبي، فاجتمع رأيهما على أن وهبا لي الجارية، وجهزاها # PageV04P333 # كما يجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت علي، وعمل لنا عرس حسن، ونعمت معها ~~دهرا طويلا. # ثم مات أبي، وخلف لي مالا كثيرا، فلم أحسن أن أرب نعمته، وأسأت التدبير ~~فيها، وأسرعت في الأكل والشرب والقيان، وأنا مع ذلك أجذر في اليوم الواحد ~~بخمسين دينارا أو أكثر. # فأوجب ذلك أن تلفت النعمة، وأفضت الحال إلى نقض الدار وبيع ما فيها، حتى ~~صرت إلى ما ترى، وأنا على هذا منذ سنين. # فلما كان في هذا الوقت، وبلغني دخول الخليفة، ووزيره، وأهل مملكته، ~~البصرة، قلت لها: يا ستي، اعلمي أن شبابك قد بلي، وأن عمرك في الشقاء ~~ينقضي، وبالله، إن نفسي تالفة من فراقك، ولكني أؤثر تلفها مع وصولك إلى ~~نعمة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لعل أن يشتريك بعض هؤلاء الأكابر، فتحصلي معه ~~في رغد عيش، فإن مت بعدك فذاك الذي أوثر، ويكون كل واحد منا قد تخلص من ~~الشقاء، وإن حكم الله تعالى علي بالبقاء، صبرت على قضائه. # فبكت من ذلك، وقلقت، ثم قالت: افعل ما تحب. ms610 # فخرجت إلى هذا النخاس، فأطلعته على أمري، وقد كان يسمع غناءها أيام ~~نعمتي، وعرف حالها وحالي، وأعلمته أني لا أعرضها إلا عندي، فإنها، والله، ~~ما طرقت رجلها خارج باب الدار قط، وقصدت بذلك أن يراها المشتري، ولا تدخل ~~بيوت الناس، ولا إلى السوق، وإنها لم يكن لها ما تلبسه إلا قميصي هذا، وهو ~~مشترك بيننا، ألبسه أنا إذا خرجت لأبتاع القوت، وتتشح هي بإزارها، وإذا جئت ~~إلى البيت، ألبستها إياه، وأتشح أنا بالإزار. # PageV04P334 # فلما حصل من يعترضها، وخرجت فغنتكم، لحقني من القلق والبكاء لفراقها أمر ~~عظيم، فدخلت إلي، وقالت: يا هذا، ما أعجب أمرك، أنت مللتني، وأردت بيعي ~~وفراقي، وتبكي هذا البكاء؟ فقلت لها: يا هذه، إن فراق نفسي أسهل علي من ~~فراقك، وإنما أردت أن تتخلصي من هذا الشقاء. # فقالت: والله، لو ملكت منك ما ملكت مني، ما بعتك أبدا، وأموت جوعا وعريا، ~~فيكون الموت هو الذي يفرق بيننا. # فقلت: أتريدين أن تعلمي صدق قولي؟ قالت: نعم. # قلت: هل لك أن أخرج الساعة إلى المشتري فأعتقك بين يديه وأتزوجك، ثم أصبر ~~معك على ما نحن فيه إلى أن يأذن الله تعالى بفرج أو موت؟ فقالت: إن كان ~~قولك صادقا، فافعل ما بدا لك من هذا، فما أريد غيره. # فخرجت إليكم فكان مني ما قد علمتم، فاعذروني. # فقال جعفر الوزير: أنت معذور، ونهض، ونهضت معه، والنخاس معنا. # فلما قدم حماره ليركب، دنوت منه، وقلت: يا سبحان الله، مثلك في جودك، يرى ~~مثل هذه المكرمة، فلا ينتهز الفرصة فيها؟ والله، لقد تقطع قلبي عليهما. # فقال: ويحك، وقلبي، والله، كذلك، ولكن غيظي من فوت الجارية إياي يمنعني ~~من التكرم عليه. # فقلت: وأين الرغبة في الثواب؟ فقال: صدقت والله. # PageV04P335 # ثم التفت إلى النخاس، فقال: كم كان الخادم سلم إليك عند ركوبنا، لتشتري ~~به الجارية؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار. # فقال: أين هي؟ فقال: مع غلامي. # فقال لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إلى الفتى، وقولا له: يكتسي ويركب ~~ويجيئني، لأحسن إليه وأستخدمه. # فرجعنا إلى الفتى، فإذا ms611 هو يبكي، فقلت له: قد عجل الله فرجك، اعلم أن ~~الذي خرج من عندك هو الوزير جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، وقد أمر لك ~~بهذا، وهو يقول لك كذا وكذا. # قال: فصعق، حتى قلت قد تلف، ثم أفاق، فأقبل يدعو لجعفر، ويشكرني. # وكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فحمد الله عز وجل على ما وهبه له، ~~وعاد إلى داره وأنا معه. # فلما كان وقت العشاء، جئنا إلى الرشيد، فأقبل يسأل جعفر خبره في يومه، ~~وهو يخبره، إلى أن قص عليه حديث الفتى والجارية. # فقال له الرشيد: فما عملت معه؟ فأخبره. # فاستصوب رأيه، وقال: وقع له برزق سلطاني في رسم أرباب النعم، في كل شهر ~~كذا وكذا، واعمل به بعد ذلك ما شئت. # فلما كان من الغد، جاءنا الفتى راكبا بثياب حسنة، وهيأة جميلة، فإذا # PageV04P336 # به من أحلى الناس كلاما، وأتمهم أدبا. # فحملته إلى جعفر، وأوصلته إلى مجلسه، فأمر بتسهيل وصوله إليه، وخلطه ~~بحاشيته، ووقع له عن الخليفة بما رسم له، وعن نفسه بشيء آخر. # وشاع حديثه في البصرة، وفي أهل العسكر، فلم يبق فيهم متغزل، ولا متظرف، ~~إلا أهدى له شيئا جليلا، فما خرجنا من البصرة إلا وهو رب نعمة صالحة. # ووجدت هذا الخبر، على خلاف هذا، ما ذكره أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور ~~العمي البصري الكاتب، في كتاب (السمار والندامى) : أن الرشيد لما حج ومعه ~~إبراهيم الموصلي،. . . فأخبرنا بالخبر على قريب ما رويناه وذكرناه، وأن ~~الجارية بدأت وغنت بصوت من صناعة إبراهيم، وهو: # نمت علي الزفرة الصاعدة ... وملني العائد والعائدة # يا رب كم فرجت من كربة ... عني فهذي المرة الواحدة # وأن الذي حضر لتقليب الجارية، الرشيد وجعفر بن يحيى متنكرين، ومعهما ~~إبراهيم الموصلي والنخاس، وأنهم انصرفوا، وقطعوا الثمن بمائة ألف درهم، # PageV04P337 # ثم عادوا والمال معهم، فأمروا بإعادة التقليب، فخرجت الجارية، فغنت بصوت، ~~الغناء فيه لإبراهيم، وهو: # ومن عادة الدنيا بأن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب # وما أعرف الأيام إلا ذميمة ... ولا الدهر إلا وهو ms612 للثأر طالب # ثم ذكر بقية الحديث على قريب من هذا، وفي الخبر الأول زيادات، ليست في ~~خبر ابن جمهور. # PageV04P338 ### || من مكارم يحيى بن خالد البرمكي # وبلغني خبر لجعفر بن يحيى، مع جارية، يقارب هذا الخبر، أخبرني به أبو ~~محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي رضي الله عنه، على ~~القضاء بها، قال: أخبرني أحمد بن الصلت الحماني، قال: حدثنا مفلح وسنبر ~~النخاسان، قالا: أرسل إلينا جعفر بن يحيى البرمكي، يطلب جارية قوالة، ذات ~~أدب وظرف، على صفة ذكرها وحدها، فما زلنا نحرص على طلبها، ونتواصف من يعرف ~~عنها مثل ذلك. # وإلى جانبنا شيخ من أهل الكوفة يسمع كلامنا، فأقبل علينا، وقال: عندي ~~بغية الوزير، فانهضوا إن شئتم لتنظروا إليها. # قال: فنهضنا معه، حتى إذا وصلنا إلى داره، وجدناها ظاهرة الاختلال، ~~ووجدنا فيها مسحا خلقا، وثلاث قصبات عليها مسرجة، فارتبنا بقوله لنا، # PageV04P339 # لما ظهر من سوء حاله. # ثم أخرج إلينا جارية كأنها، والله، فلقة قمر، تتثنى كالقضيب، ~~فاستقرأناها، فقرأت آيات من القرآن، حركت منا ما كان ساكنا، وأتبعتها ~~بقصيدة مليحة، شوقتنا، وأطربتنا. # فقلنا لها: أصانعة؟ وأشرنا إلى يدها. # فقالت: نعم، تعلمت العمل بالعود وأنا صغيرة. # فقلنا: فغنينا به. # فقالت: سبحان الله، هل يصلح أن أستجيب لذلك إلا لمولى مالك إن دعاني إليه ~~أجبته. # قال: وراح الرسول إلى جعفر، فأخبره بما شاهده. # فلم يتمالك جعفر، لما سمع بصفة الجارية، حتى استنهض الرسول إلى مجلس ~~الشيخ، وهو يتبعه، حتى عاينه، وسأله إخراجها إليه. # فلما رآها جعفر أعجب بها قبل أن يستنطقها، ثم إنه استنطقها، فأخذت بمجامع ~~قلبه. # فقال لمولاها: قل ما شئت؟ فقال الشيخ: لست أحدث أمرا حتى أستأذنها، ولولا ~~الضر الذي نحن فيه لما عرضتها، لكن حالي كما يشاهده الوزير من فقر، وضر، ~~ودين كثير قد فدحني، ومن أجله فارقت وطني، وعرضت على البيع ثمرة فؤادي. # فقال له جعفر: ما مقدارها في نفسك إن أردت بيعها؟ # PageV04P340 # فقال: ثلاثون ألف دينار. # فقال جعفر: فهل لك أن تأمرها بأن تغنينا؟ فأقبل ms613 الشيخ عليها فاستدناها، ~~وأمرها أن تغني، فأخذت العود، وأصلحته، ثم استعبرت، وغنت بصوت، الغناء من ~~صنعة إبراهيم: # ومن عادة الأيام أن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب # وما أعرف الأيام إلا ذميمة ... ولا الدهر إلا وهو بالثأر طالب # قال: ثم أنها ألقت العود من يدها، وصرخت، وصرخ الشيخ، وجعلا ينتحبان. # ثم إن الشيخ أقبل على جعفر ومن معه، وقال: أشهدكم أني قد أعتقتها، وجعلت ~~عتقها صداقها، والله، لا ملكها أحد أبدا. # فغضب جعفر، وأقبل من حضر على الشيخ يؤنبونه ويستجهلونه، ويقولون له: ضيعت ~~هذا المال الجليل، وعجلت، وجهلت. # فقال الشيخ: النفس أولى أن يبقى عليها من المال، والرازق الله سبحانه ~~وتعالى، وعاد جعفر إلى أبيه فأخبره بما كان من الرجل والجارية. # فقال له أبوه: فما صنعت بهما؟ قال: تركتهما وانصرفت. # فقال له: ويحك، ما أنصفت يا ولدي، أو ما أنفت على نفسك أن تفرق بين ~~متحابين مثلهما، مقترين، فقيرين، أو تنصرف عنهما، ولا تجبر حالهما؟ أرضيت ~~أن يكون الكوفي أسمح منك. # ودعا بغلام، فحمل معه إلى الشيخ ثلاثين ألف دينار على بغال. # PageV04P341 # فلما وصل المال إلى الشيخ قبله وأخذه، وحمد الله عز وجل، ودعا لجعفر ~~ولوالده، وعاد بالمال والجارية إلى منزله بالكوفة، وهو فرح مسرور، وقد فرج ~~الله عنه. # PageV04P342 ### || أين نوال ابن جعفر من نوال ابن معمر # ووجدت في بعض كتبي: أن عمر بن شبة، قال: حدثني أبو غسان، قال: أخبرني بعض ~~أصحابنا، قال: اشترى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما جارية من ~~مولدات أهل مكة، كان يتعشقها غلام من أهلها، وقدم في أمرها إلى المدينة، ~~فنزل قريبا من منزل عبد الله بن جعفر، ثم جعل يلطف عبد الله بطرائف مكة، ~~حتى عرفت الجارية أنه ورد. # وجعلت الجارية تراسله، فأدخلته ليلة في إصطبل دواب عبد الله بن جعفر، ~~فعثر عليه السائس، فأعلم عبد الله بن جعفر، وأتاه به. # فقال له: مالك، قبحك الله، أبعد تحرمك بنا تصنع مثل هذا؟ فقال له: إنك ~~ابتعت الجارية، وكنت ms614 لها محبا، وكانت تجد بي مثل ذلك. # قال: فدعا بالجارية، وسألها، فجاءت بمثل قصة الفتى. # فقال له: خذها، فهي لك. # فلما كان بعد ذلك بقريب، عشق عبد السلام بن أبي سليمان، مولى مسلم، جارية ~~لآل طلحة، يقال لها: رواح، ورجا أن يفعلوا به مثلما فعل ابن جعفر بالفتى ~~المكي، فلم يفعل الطلحيون ذلك، فسأل في ثمنها، حتى اجتمع له، فاشتراها ~~منهم. # فقال عبد السلام في ذلك: # PageV04P343 # وأين فلا تعدل نوال ابن جعفر ... وأين لعمري من نوال ابن معمر # يطير لدى الجنات هذا لفضله ... ويرفض هذا في الجحيم المسعر # PageV04P344 ### || ابن أبي حامد صاحب بيت المال يحسن إلى رجل من المتفقهة # وقد كان فيما يقارب عصرنا مثل هذا، وهو ما حدثني به أبو الحسن علي بن عمر ~~الدارقطني الحافظ، قال: حدثني أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني الفقيه، قال: ~~كنا ندرس على أبي إسحاق المروزي الشافعي، وكان يدرس عليه معنا فتى من أهل ~~خراسان، له والد هناك، وكان يوجه إليه في كل سنة، مع الحاج، قدر نفقة ~~السنة. # فاشترى جارية، فوقعت في نفسه، وألفها، وألفته، وكانت معه سنين. # وكان رسمه أن يستدين في كل سنة، دينا، بقدر ما يعجز من نفقته، فإذا جاء ~~ما أنفذه أبوه إليه، قضى دينه، وأنفق الباقي مدة ثم عاد إلى الاستدانة. # فلما كان سنة من السنين، جاء الحاج، وليس معهم نفقة من أبيه. # فسألهم عن سبب ذلك، فقالوا له: إن أباك أعتل علة عظيمة صعبة، واشتغل ~~بنفسه، فلم يتمكن من إنفاذ شيء إليك. # PageV04P345 # قال: فقلق الفتى قلقا شديدا، وجعل غرماؤه يطالبونه كالعادة، في قضاء ~~الدين وقت الموسم، فاضطر، وأخرج الجارية إلى النخاسين، فعرضها. # وكان الفتى ينزل بالقرب من منزلي، وكنا نصطحب إلى منزل الفقيه، ولا نكاد ~~نتفارق. # فباع الجارية بألف درهم وكسر، وعزم على أن يفرق منها على غرمائه قدر ~~مالهم، ويتمون بالباقي. # وكان قلقا، موجعا، متحيرا، عند رجوعنا من النخاسين. # فلما كان الليل إذا ببابي يدق، فقمت ففتحته، فإذا بالفتى. # فقلت: مالك؟ فقال: قد امتنع علي ms615 النوم، وقد غلبتني وحشة الجارية، والشوق ~~إليها. # ووجدته من القلق على أمر عظيم، حتى أنكرت عقله، فقلت: ما تشاء؟ فقال: لا ~~أدري، وقد سهل علي أن ترجع الجارية إلى ملكي، وأبكر غدا فأقر لغرمائي ~~بمالهم، وأحبس في حبس القاضي، إلى أن يفرج الله تعالى عني، ويجيئني من ~~خراسان ما أقضي به ديني في العام المقبل، وتكون الجارية في ملكي. # فقلت له: أنا أكفيك ذلك في غد إن شاء الله، وأعمل في رجوع الجارية إليك، ~~إذا كنت قد وطنت نفسك على هذا. # قال: فبكرنا إلى السوق، فسألنا عمن اشترى الجارية. # فقالوا: امرأة من دار أبي بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال. # PageV04P346 # فجئنا إلى مجلس الفقيه، فشرحت لأبي إسحاق المروزي بعض حديث الفتى، وسألته ~~أن يكتب رقعة إلى أبي بكر بن أبي حامد، يسأله فيها فسخ البيع، والإقالة، ~~وأخذ الثمن، ورد الجارية، فكتب رقعة مؤكدة في ذلك. # فقمت، وأخذت بيد الخراساني صديقي، وجئنا إلى أبي بكر بن أبي حامد، فإذا ~~هو في مجلس حافل، فأمهلنا حتى خف، ثم دنوت أنا والفتى، فعرفني، وسألني عن ~~أبي إسحاق المروزي، فقلت: هذه رقعته خاصة في حاجة له. # فلما قرأها، قال لي: أنت صاحب الجارية؟ قلت: لا، ولكنه صديقي هذا، وأومأت ~~إلى الخراساني، وقصصت عليه القصة، وسبب بيع الجارية. # فقال: والله، ما أعلم أني ابتعت جارية في هذه الأيام، ولا ابتيعت لي. # فقلت: إن امرأة جاءت وابتاعتها، وذكرت أنها من دارك. # قال: يجوز. # ثم قال: يا فلان، فجاءه خادم، فقال له: امض إلى دور الحرم، فاسأل عن ~~جارية اشتريت أمس، فلم يزل يدخل ويخرج من دار إلى دار، حتى وقع عليها، فرجع ~~إليه. # فقال له: أعثرت عليها؟ فقال: نعم، فقال: أحضرها، فأحضرها. # فقال لها: من مولاك؟ فأومأت إلى الخراساني. # فقال لها: أفتحبين أن أردك عليه؟ فقالت: والله، ليس مثلك يا مولاي من ~~يختار عليه، ولكن لمولاي علي حق التربية. # فقال: هي كيسة عاقلة، خذها. # PageV04P347 # قال: فأخرج الخراساني الكيس من كمه، وتركه بحضرته. # فقال للخادم: امض ms616 إلى الحرم، وقل لهن: ما كنتن وعدتن به هذه الجارية من ~~إحسان، فعجلنه الساعة. # قال: فجاء الخادم بأشياء لها قدر وقيمة، فدفعها إليها. # ثم قال للخراساني: خذ كيسك فاقض منه دينك، ووسع بباقيه على نفسك وعلى ~~جاريتك، والزم العلم، فقد أجريت عليك في كل شهر قفيز دقيق، ودينارين، ~~تستعين بها على أمرك. # قال: فوالله ما انقطعت عن الفتى، حتى مات أبو بكر بن أبي حامد. # PageV04P348 ### || ابن أبي حامد صاحب بيت المال يحسن إلى صيرفي # قال مؤلف هذا الكتاب: وجدت هذا الخبر مستفيضا ببغداد، وأخبرت به على جهات ~~مختلفة، وهذا أبينها، وأصحها إسنادا، إلا أنني أذكر بعض الطرق الأخرى التي ~~بلغتني: حدثني أحمد بن عبد الله، قال: حدثني شيخ من دار القطن ببغداد، قال: ~~كان لأبي بكر بن أبي حامد مكرمة طريفة، وهي أن رجلا يعرف بعبد الواحد بن ~~فلان الصيرفي، باع جاريته، وكان يهواها، على أبي بكر بن أبي حامد، يعني ~~صاحب بيت المال، بثلاث مائة دينار. # فلما جاء الليل، استوحش لها وحشة شديدة، ولحقه من الهيمان، والقلق، ~~والجنون، والأسف على فراقها، ما منعه من النوم، ولحقه من البكاء والسهر، ما ~~كادت تخرج نفسه معه. # فلما أصبح خرج إلى دكانه يتشاغل بالنظر في أمره، فلم يكن له إلى ذلك ~~سبيل. # وزاد عليه القلق والشوق، فأخذ ثمن الجارية، وجاء إلى أبي بكر بن أبي ~~حامد، فدخل عليه، ومجلسه حافل، فسلم، وجلس في أخريات الناس، إلى أن تقوضوا. # PageV04P349 # فلما لم يبق غيره، أنكر ابن أبي حامد حاله، فقال له: إن كانت لك حاجة ~~فاذكرها. # فسكت، وجرت دموعه، وشهق. # فرفق به ابن أبي حامد، وقال له: قل، عافاك الله، ولا تستح. # فقال له: بعت أمس، جارية كانت لي، وكنت أحبها، واشتريت لك، أطال الله ~~بقاءك، وقد أحسست بالموت أسفا على فراقها. # وأخرج الثمن فوضعه بحضرته، وقال له: أنا أسألك أن ترد علي حياتي، بأخذ ~~هذه الدنانير، وإقالتي من البيع. # قال: فتبسم ابن أبي حامد، وقال له: لما كانت بهذا المحل من قلبك لم ms617 ~~بعتها؟ فقال: أنا رجل صيرفي، وكان رأس مالي ألف دينار، فلما اشتريتها، ~~تشاغلت بها عن لزوم الدكان، فبطل كسبي، وكنت أنفق عليها من رأس المال نفقة ~~لا يحتملها حالي، فلما مضت مدة، خشيت الفقر، ونظرت، فإذا أنا لم يبق معي من ~~رأس المال إلا الثلث أو أقل، وصارت تطالبني من النفقة، بما لو أطعتها فيه، ~~ذهبت هذه البقية، وحصلت على الفقر. # فلما منعتها، ساءت أخلاقها ونغصت عيشي، فقلت أبيعها، وأدير ثمنها فيما ~~أختل من حالي، وتستقيم عيشتي، وأستريح من أذاها، وأتصبر على فراقها، ولم ~~أعلم أنه يلحقني هذا الأمر العظيم، وقد آثرت الآن الفقر، وأن تحصل الجارية ~~عندي، أو أن أموت، فهو أسهل علي مما أنا فيه. # فقال ابن أبي حامد: يا فلان، فجاء خادم أسود. # فقال له: أخرج الجارية التي اشتريت لنا بالأمس. # قال: فأخرجت جاريتي. # PageV04P350 # فقال: يا بني، إن مثلي لا يطأ قبل الاستبراء، ووالله، ما وقعت عيني على ~~الجارية، منذ اشتريت، إلا الساعة، وقد وهبتها لك فخذها، وخذ دنانيرك، بارك ~~الله لك فيهما. # ثم قال للخادم: هات ألف درهم، فجاء بها. # فقال للجارية: قد كنت عولت على أن أكسوك، فجاء من أمر مولاك ما رأيت ولم ~~أر من المروءة منعه منك، فخذي هذه الدراهم، واتسعي بها في نفقتك، ولا تحملي ~~مولاك ما لا يطيق، فتحصلين عند من لا يعرف قدرك كمعرفته، ولك علي ألف درهم ~~في كل سنة، يجيء مولاك فيأخذها لك، إذا شكرك، ورضي طريقتك. # قال: فقام الرجل، وقبل يديه، وجعل يبكي، ويدعو له. # ولم يزل المال واصلا إليه في كل سنة، حتى مات ابن أبي حامد. # PageV04P351 ### || الحسن بن سهل يحسن إلى الفسطاطي التاجر # ويشبه هذا الحديث، ما وجدته في كتاب أعطانيه أبو الحسين عبد العزيز بن ~~إبراهيم المعروف بابن حاجب النعمان، وهو يومئذ كاتب الوزير المهلبي على ~~ديوان السواد، وذكر إنه نسخه من كتاب أعطاه إياه أبو الحسين الخصيبي، وكان ~~فيه إصلاحات بخط ابن مابنداذ. # اشترى الحسن بن سهل، من الفسطاطي التاجر، جارية بألف دينار، ms618 فحملت إلى ~~منزل الحسن، وكتب للفسطاطي بثمنها. # فأخذ الكتاب إلى من أحاله عليه بالمال، وانصرف إلى منزله، فوجده مفروشا ~~نظيفا، وفيه ريحان قد عبي تعبية حسنة، ونبيذ قد صفي. # فقال: ما هذا؟ # PageV04P352 # فقيل له: جاريتك التي بعتها الساعة، قد أعدت لك هذا لتنصرف إليها، فبعتها ~~قبل انصرافك. # قال: فقام الفسطاطي، فرجع إلى الحسن. # وأحضر الحسن الجارية، فرأى زيا حسنا، ونظافة، وتزينت بزينة لم تر من ~~مثلها، مع ما رأى فيها من الحسن والجمال، والبهاء والكمال، فهو يجيل الفكر ~~والنظر فيها، إذ رجع الفسطاطي إليه، وهو كالمجنون المخبول، وقال: أقلني بيع ~~الجارية، أقالك الله في الدنيا والآخرة. # فقال: ما إلى هذا سبيل، وما دخلت قط دارنا جارية، فخرجت منها. # قال: أيها الأمير، إنه الموت الأحمر. # قال: وما ذاك؟ فقص عليه قصته، وحبه لها، وتلهفه عليها، وأنه لم يقدر على ~~فراقها وأن الندم قد لحقه، والشوق قد تمكن من فؤاده، وأنه إن دام ذلك عليه، ~~كان فيه تلف نفسه، وبكى، ولم يزل يتضرع له. # فرق له الحسن، وأحضر الجارية من ساعته، وقال لها: هل لك في مولاك رغبة؟ ~~فقالت: أيها الأمير، في مثله يرغب، فرد الجارية عليه. # وقال له: خذ هذه الألف دينار، لك هبة، لا يرجع إلى ملكي منها دينار واحد. # فأخذ الفسطاطي الجارية والدنانير، وقال: الجارية حرة لوجه الله تعالى، ~~وهذه الألف دينار صداقها، ثم كتب كتابها. # وعاد إلى منزله، وجلس مع جاريته على ما أعدته له. # PageV04P353 ### || الأشتر وجيداء # أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني، قال: حدثني جعفر بن ~~قدامة، قال: حدثني أبو العيناء، قال: كنت أجالس محمد بن صالح بن عبد الله ~~بن موسى بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين، ~~وكان قد حمل إلى المتوكل أسيرا، فحبسه مدة، ثم أطلقه المتوكل، وكان أعرابيا ~~فصيحا، فحدثني يوما قال: حدثني نمير بن مخلف الهلالي، وكان حسن الوجه جدا، ~~قال: كان منا فتى يقال له بشر بن عبد الله، ويعرف بالأشتر، وكان ms619 يهوى جارية ~~من قومه، يقال لها: جيداء، وكانت ذات زوج. # وشاع خبره في حبها، فمنع منها، وضيق عليه، حتى لم يقدر أن يلم بها. # فجاءني ذات يوم، وقال: يا أخي، قد بلغ مني الوجد، وضاق علي سبيل الصبر، ~~فهل تساعدني على زيارتها؟ قلت: نعم فركبت، وسرنا، حتى نزلنا قريبا من حيها، ~~فكمن في موضع. # فقال لي: اذهب إلى القوم فكن ضيفا لهم، ولا تذكر شيئا من أمرنا، # PageV04P354 # حتى ترى راعية لجيداء صفتها كذا وكذا، فأعلمها خبري، وواعدها بوعد. # فمضيت وفعلت ما أمرني به، ولقيت الراعية فخاطبتها، فمضت إلى جيداء، وعادت ~~إلي، فقالت: قل له: موعدك الليلة عند الشجيرات. # فلما كان الوقت الذي وعدتنا فيه، إذا بجيداء قد أقبلت، فوثب الأشتر ~~إليها، فقبل بين عينيها. # فقمت موليا عنهما، فقالا: نقسم عليك إلا ما رجعت، فوالله، ما بيننا ما ~~نستره عنك، فرجعت، وجلسنا نتحدث. # فقال لها: يا جيداء، أما فيك حيلة لنتعلل الليلة؟ فقالت: لا والله، إلا ~~أن نعود إلى ما تعرف من البلاء والشدة. # فقال: ما من ذلك بد، ولو وقعت السماء على الأرض. # فقالت: هل في صاحبك هذا من خير؟ فقلت: إي والله. # فخلعت ثيابها، ودفعتها إلي، وقالت: البسها، وأعطني ثيابك، ففعلت. # فقالت: اذهب إلى بيتي، فإن زوجي سيأتيك بعد العتمة، ويطلب منك القدح ~~ليحلب فيه الإبل، فلا تدفعه إليه من يدك، فهذا فعلي به، ودعه بين يديه، ~~فإنه سيذهب ويحلب، ثم يأتيك به ملآن لبنا، ويقول: هاك غبوقك، فلا تأخذه ~~منه، حتى تطيل نكدك عليه، ثم خذه، أو دعه حتى يضعه هو، ثم لست تراه حتى ~~تصبح. # قال: فذهبت، وفعلت ما أمرتني به، وجاءني بالقدح، فلم آخذه منه، # PageV04P355 # وأطلت عليه النكد، ثم أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، فاختلفت أيدينا، فانكفأ ~~القدح. # فقال: إن هذا لطماح مفرط، وضرب بيده إلى سوطه، ثم تناولني به، وضرب ظهري، ~~فجاءت أمه، وأخته، فانتزعوني من يده، بعد أن زال عقلي، وهممت أن أجأه ~~بالسكين. # فلما خرجوا من عندي، لم ألبث إلا يسيرا، حتى دخلت أم ms620 جيداء، تؤنبني، ~~وتكلمني، فلزمت الصمت والبكاء. # فقالت: يا بنية، اتقي الله، وأطيعي بعلك، وأما الأشتر فلا سبيل لك إليه، ~~وها أنا أبعث إليك بأختك لتؤنسك، ومضت. # ثم بعثت إلي بالجارية، فجعلت تكلمني، وتدعو على من ضربني، وأنا ساكت، ثم ~~اضطجعت إلى جانبي. # فشددت يدي على فمها، وقلت: يا جارية، إن أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري ~~بسببها، وأنت أولى بسترها مني، وإن تكلمت بكلمة فضحتها، وأنا لست أبالي. # فاهتزت مثل القضيب فزعا، فطمنتها، وطيبت قلبها، فضحكت، وبات معي منها ~~أظرف الناس، ولم نزل نتحدث حتى برق الصبح، فخرجت، وجئت إلى صاحبي. # فقالت جيداء: ما الخبر؟ فقلت: سلي أختك عن الخبر، فلعمري إنها عالمة به، ~~ودفعت إليها ثيابها، # PageV04P356 # وأريتها ظهري، فجزعت، وبكت، ومضت مسرعة، وجعل الأشتر يبكي، وأنا أحدثه ~~بقصتي، وارتحلنا. # PageV04P357 ### || أقسم أن يغسل يده أربعين مرة إذا أكل زيرباجة # حدثني أبو الفرج أحمد بن إبراهيم الفقيه الحنفي المعروف بابن النرسي من ~~أهل باب الشام ببغداد، وقد كان خلف أبا الحسن علي بن أبي طالب بن البهلول ~~التنوخي على القضاء بهيت، وما علمته إلا ثقة، قال: سمعت فلان التاجر، يحدث ~~أبي، وأسمى التاجر، وأنسيته أنا، قال: حضرت عند صديق لي من البزازين، وكان ~~مشهورا، في دعوة، فقدم في جملة طعامه، زيرباجة، ولم يأكلها، فامتنعنا من ~~أكلها. # فقال: أحب أن تأكلوا منها، وتعفوني من أكلها، فلم ندعه حتى أكل. # فلما غسلنا أيدينا، انفرد يغسل يده، ووقف غلام يعد عليه الغسل، حتى قال ~~له: قد غسلت يدك أربعين مرة، فقطع الغسل. # PageV04P358 # فقلنا له: ما سبب هذا؟ فامتنع، فألححنا عليه. # فقال: مات أبي وسني نحوا من عشرين سنة، وخلف علي حالا صغيرة، وأوصاني قبل ~~موته بقضاء ديون عليه، وملازمة السوق، وأن أكون أول داخل إليه، وآخر خارج ~~منه، وأن أحفظ مالي. # فلما مات، قضيت دينه، وحفظت ما خلفه لي، ولزمت الدكان، فرأيت في ذلك ~~منافع كثيرة. # فبينا أنا جالس يوما ولم يتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة على حمار، وعلى ~~كفله منديل دبيقي، وخادم يمسك ms621 بالعنان، فنزلت عندي. # فأكرمتها، ووثبت إليها، وسألتها عن حاجتها، فذكرت ثيابا. # فسمعت، والله، نغمة، ما سمعت قط أحسن منها، ورأيت وجها لم أر مثله، فذهب ~~عني عقلي، وعشقتها في الحال. # فقلت لها: تصبرين حتى يتكامل السوق، وآخذ لك ما تريدين، ففعلت، وأخذت ~~تحادثني، وأنا في الموت عشقا لها. # وخرج الناس، فأخذت لها ما أرادت، فجمعته، وركبت ولم تخاطبني في ثمنه بحرف ~~واحد، وكان ما قيمته خمسة آلاف درهم. # فلما غابت عني أفقت، وأحسست بالفقر، فقلت: محتالة، خدعتني بحسن وجهها، ~~ورأتني حدثا، فاستغرتني، ولم أكن سألتها عن منزلها، ولا طالبتها بالثمن، ~~لدهشتي بها. # فكتمت خبري لئلا أفتضح، وأتعجل المكروه، وعولت على غلق دكاني، # PageV04P359 # وبيع كل ما فيها، وأوفي الناس ثمن متاعهم، وأجلس في بيتي مقتصرا على غلة ~~يسيرة من عقار كان خلفه لي أبي. # فلما كان بعد أسبوع، إذا بها قد باكرتني، ونزلت عندي، فحين رأيتها أنسيت ~~ما كنت فيه وقمت لها. # فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك، وما شككنا أنا قد روعناك، وظننت أنا قد ~~احتلنا عليك. # فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا. # فاستدعت الميزان، فوفتني دنانير قدر ما قلت لها عن ثمن المتاع، وأخرجت ~~تذكرة بمتاع آخر. # فأجلستها أحادثها، وأتمتع بالنظر إليها إلى أن تكامل السوق، وقمت، ودفعت ~~إلى كل إنسان ما كان له، وطلبت منهم ما أرادت، فأعطوني، فجئتها به، فأخذته ~~وانصرفت، ولم تخاطبني في ثمنه بحرف. # فلما غابت عني ندمت، وقلت: المحنة هذه، أعطتني خمسة آلاف درهم، وأخذت مني ~~متاعا بألف دينار، والآن إن لم أقع لها على خبر، فليس إلا الفقر، وبيع متاع ~~الدكان، وما قد ورثته من عقار. # وتطاولت غيبتها عني أكثر من شهر وأخذ التجار يشددون علي في المطالبة، ~~فعرضت عقاري، وأشرفت على الهلكة. # فأنا في ذلك، وإذا بها قد نزلت عندي، فحين رأيتها زال عني الفكر في ~~المال، ونسيت ما كنت فيه، وأقبلت علي تحادثني، وقالت: هات الطيار، فوزنت لي ~~بقيمة المتاع دنانير. # PageV04P360 # فأخذت أطاولها في الكلام، فبسطتني، فكدت أموت فرحا وسرورا، إلى ms622 أن قالت: ~~هل لك زوجة؟ فقلت: لا والله يا سيدتي، وما أعرف امرأة قط، وبكيت. # فقالت: ما لك؟ قلت: خير، وهبتها ثم قمت وأخذت بيد الخادم الذي كان معها، ~~وأخرجت له دنانير كثيرة، وسألته أن يتوسط الأمر بيني وبين سته. # فضحك، وقال: إنها هي، والله، أعشق منك لها، وما بها حاجة إلى ما اشترته ~~منك، وإنما تجيئك محبة لمطاولتك، فخاطبها بما تريد، فإنها تقبله، وتستغني ~~عني. # فعدت، وكنت قلت لها: إني أمضي لأنقد الدنانير، فلما عدت، قالت: نقدت ~~الدنانير؟ وضحكت، وقد كانت رأتني مع الخادم. # فقلت لها: يا ستي، الله، الله، في دمي، وخاطبتها بما في نفسي منها، ~~فأعجبها ذلك، وقبلت الخطاب أحسن القبول. # وقالت: الخادم يجيئك برسالتي بما تعمل عليه، وقامت ولم تأخذ مني شيئا، ~~فوفيت الناس أموالهم، وحصلت ربحا واسعا، واغتممت خوفا من انقطاع السبب بيني ~~وبينها، ولم أنم ليلتي قلقا وخوفا. # فلما كان بعد أيام جاءني الخادم، فأكرمته، ووهبت له دنانير لها صورة، ~~وسألته عنها. # فقال: هي، والله، عليلة من شوقها إليك. # فقلت: فاشرح لي أمرها؟ # PageV04P361 # فقال: هذه صبية ربتها السيدة أم أمير المؤمنين المقتدر بالله، وهي من أخص ~~جواريها عندها، وأحضاهن، وأحبهن إليها. # وإنها اشتهت رؤية الناس، والدخول والخروج، فتوصلت حتى صارت القهرمانة، ~~وصارت تخرج في الحوائج، فترى الناس. # وقد، والله، حدثت السيدة بحديثك، وسألتها أن تزوجها منك، فقالت: لا أفعل، ~~أو أرى الرجل، فإن كان يستحقك، وإلا لا أدعك واختيارك. # وتحتاج إلى أن تتحيل في إدخالك إلى الدار بحيلة، إن تمت وصلت إلى ~~تزويجها، وإن انكشفت ضربت عنقك، فما تقول؟ فقلت: أصبر على هذا. # فقال: إذا كان الليلة، فأعبر إلى المخرم، وادخل المسجد الذي بنته السيدة ~~على شاطئ دجلة، وعلى حائطه الأخير مما يلي دجلة، اسمها مكتوب بالآجر ~~المقطوع، فبت فيه. # قال أبو الفرج بن النرسي: وهو المسجد الذي قد سد بابه الآن سبكتكين، ~~الحاجب الكبير، مولى معز الدولة، المعروف بجاشنكير، وأضافه إلى ميدان # PageV04P362 # داره، وجعله مصلى لغلمانه. # قال الرجل: فلما كان قبل المغرب مضيت ms623 إلى المخرم، فصليت في المسجد ~~العشاءين، وبت فيه. # فلما كان وقت السحر، إذا بطيار لطيف قد قدم، وخدم قد نزلوا ومعهم صناديق ~~فارغة، فجعلوها في المسجد، وانصرفوا، وبقي واحد منهم، فتأملته، فإذا هو ~~الواسطة بيني وبينها. # ثم صعدت الجارية واستدعتني، فقمت، وعانقتها، وقبلت يدها، وقبلتني قبلات ~~كثيرة، وضمتني، وبكيت، وبكت. # وتحدثنا ساعة، ثم أجلستني في واحد من الصناديق، وكان كبيرا، وأقفلته. # وأقبل الخدم يتراجعون بثياب، وماء ورد، وعطر، وأشياء قد أحضروها من ~~مواضع، وهي تفرق في باقي الصناديق، وتقفل، ثم حملت الصناديق في الطيار، ~~وانحدر. # فلحقني من الندم أمر عظيم، وقلت: قتلت نفسي لشهوة لعلها لا تتم، ولو تمت ~~ما ساوت قتل نفسي، وأقبلت أبكي، وأدعو الله عز وجل، وأتوب، وأنذر النذور، ~~إلى أن حملت الصناديق بما فيها، ليجاز بها في دار الخليفة، وحمل صندوقي ~~خادمان أحدهما الواسطة بيني وبينها. # وهي كلما اجتازت بطائفة من الخدم الموكلين بأبواب الحرم، قالوا: نريد ~~نفتش الصناديق، فتصيح على بعضهم، وتشتم بعضهم، وتداري بعضهم. # إلى أن انتهت إلى خادم ظننته رئيس القوم، فخاطبته بخضوع وذلة، فقال لها: ~~لا بد من فتح الصناديق وبدأ بصندوقي فأنزله. # PageV04P363 # فحين أحسست بذلك ذهب عقلي، وغاب علي أمري، وبلت في الصندوق فرقا، فجرى ~~بولي حتى خرج من خلله. # فقالت: يا أستاذ، أهلكتني، وأهلكت التجار، وأفسدت علينا متاعا بعشرة آلاف ~~دينار في الصندوق ما بين ثياب مصبغات، وقارورة فيها أربعة أمنان من ماء ~~زمزم، قد انقلبت وجرت على الثياب، والساعة تستحيل ألوانها. # فقال: خذي صندوقك، أنت وهو، إلى لعنة الله، ومري. # فحمل الخادمان صندوقي، وأسرعا به، وتلاحقت الصناديق. # فما بعدنا ساعة حتى سمعتها تقول: ويلاه، الخليفة، فعند ذلك مت، وجاءني ما ~~لم أحتسبه. # فقال لها الخليفة: والك، يا فلانة، أي شيء في صناديقك؟ # PageV04P364 # فقالت: ثياب للسيدة. # فقال: افتحيها حتى أراها. # فقالت: يا مولاي، الساعة تفتحها ستنا بين يديك. # فقال: مري، هوذا أجي. # فقالت للخدم: أسرعوا، ودخلت حجرة، ففتحت صندوقي، وقالت: اصعد تلك الدرجة، ~~ففعلت، وأخذت بعض ما في تلك الصناديق، ms624 فجعلته في صندوقي، وأقفلته. # وجاء المقتدر، فحملت الصناديق إلى بين يديه، ثم عادت إلي، فطيبت نفسي، ~~وقدمت لي طعاما وشرابا، وما يحتاج إليه، وأقفلت الحجرة، ومضت. # فلما كان من غد جاءتني، فصعدت إلي، وقالت: الساعة تجيء السيدة لتراك، ~~فانظر كيف تكون؟ فما كان بأسرع من أن جاءت السيدة، فجلست على كرسي، وفرقت ~~جواريها، ولم يبق معها غير واحدة منهن، ثم أنزلتني الجارية. # فحين رأيت السيدة قبلت الأرض، وقمت فدعوت لها. # فقالت لجاريتها: نعم ما اخترت لنفسك هو، والله، كيس، عاقل، ونهضت. # فقامت معها صاحبتي وتبعتها، وأتت إلي بعد ساعة، وقالت: # PageV04P365 # أبشر فقد، والله، وعدتني أن تزوجني بك، وما بين أيدينا عقبة إلا الخروج. # فقلت: يسلم الله تعالى. # فلما كان من غد حملتني في الصندوق، وخرجت كما دخلت، وكان الحرص على ~~التفتيش أقل، وتركت في المسجد الذي حملت منه في الصندوق، وقمت بعد ساعة، ~~ومضيت إلى منزلي، وتصدقت، ووفيت بنذري. # فلما كان بعد أيام، جاءني الخادم برقعتها، بخطها الذي أعرفه، وكيس فيه ~~ثلاثة آلاف دينار عينا، وهي تقول في رقعتها: أمرتني السيدة بإنفاذ هذا ~~الكيس من مالها إليك، وقالت: اشتر ثيابا، ومركوبا، وغلاما يسعى بين يديك، ~~وأصلح به ظاهرك، وتجمل بكل ما تقدر عليه، وتعال يوم الموكب إلى باب العامة، ~~وقف حتى تطلب، وتدخل على الخليفة، وتتزوج بحضرته. # فأجبت على الرقعة، وأخذت الدنانير، واشتريت منها ما قالوه، واحتفظت ~~بالباقي. # وركبت بغلتي يوم الموكب إلى باب العامة، ووقفت، وجاءني من استدعاني، ~~فأدخلني على المقتدر، وهو على السرير، والقضاة، والهاشميون، والحشم، قيام، ~~فداخلتني هيبة عظيمة، فخطب بعض القضاة، وزوجني، وخرجت. # فلما صرت في بعض الممرات، عدل بي إلى دار عظيمة، مفروشة بأنواع الفرش ~~الفاخر، والآلات، والخدم، فأجلست، وتركت وحدي، وانصرف من أجلسني. # PageV04P366 # فجلست يومي لا أرى من أعرف، وخدم يدخلون ويخرجون، وطعام عظيم ينقل، وهم ~~يقولون: الليلة تزف فلانة، اسم زوجتي، إلى زوجها، هاهنا. # فلما جاء الليل أثر الجوع في، وأقفلت الأبواب، وأيست من الجارية، فبقيت ~~أطوف في الدار، إلى أن وقعت على ms625 المطبخ، فإذا قوم طباخون جلوس، فاستطعمت ~~منهم، فلم يعرفوني، وظنوا أني بعض الوكلاء، فقدموا إلي زيرباجة، فأكلت ~~منها، وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ، وأنا مستعجل لئلا يفطن بي، وظننت ~~أني قد نقيت من ريحها، وعدت إلى مكاني. # فلما انتصف الليل إذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت ~~إلي، وجاءوا بها فجلوها علي، وأنا أقدر أن ذلك في النوم، ولا أصدق فرحا به، ~~وقد كادت مرارتي تنشق فرحا وسرورا، ثم خلوت بها، وانصرف الناس. # فحين تقدمت إليها وقبلتها، رفستني فرمت بي عن المنصة، وقالت: أنكرت أن ~~تفلح يا عامي، أو تصلح يا سفلة، وقامت لتخرج. # فتعلقت بها، وقبلت يديها ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي، واعملي بعده ما ~~شئت. # PageV04P367 # فقالت: ويلك، تأكل، ولا تغسل يدك؟ وأنت تريد أن تختلي بمثلي؟ فقلت: اسمعي ~~قصتي، واعملي ما شئت بعد ذلك. # فقالت: قل. # فقصصت عليها القصة، فلما بلغت أكثرها، قلت: وعلي، وعلي، وحلفت بأيمان ~~مغلظة، لا أكلت بعد هذا زيرباجة، إلا غسلت يدي أربعين مرة. # فأشفقت، وتبسمت، وصاحت: يا جواري، فجاء مقدار عشر جواري ووصائف، فقالت: ~~هاتم شيئا للأكل. # فقدمت إلينا مائدة حسنة، وألوان فاخرة، من موائد الخلفاء، فأكلنا جميعا، ~~واستدعت شرابا، فشربنا، أنا وهي، وغنى لنا بعض أولئك الوصائف. # وقمنا إلى الفراش، فدخلت بها، وإذا هي بكر، فافتضضتها، وبت بليلة من ~~ليالي الجنة، ولم نفترق أسبوعا، ليلا ونهارا، إلى أن انقضت وليمة الأسبوع. # فلما كان من غد، قالت لي: إن دار الخليفة لا تحتمل المقام فيها أكثر من ~~هذا، وما تم لأحد أن يدخل فيها بعروس غيرك، وذلك لعناية السيدة بي، وقد ~~أعطتني خمسين ألف دينار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بخارج القصر أموال ~~وذخائر أضعافها، وكلها لك، فاخرج، وخذ معك مالا، واشتر لنا دارا حسنة، ~~عظيمة الاتساع، يكون فيها بستان حسن، وتكون كثيرة الحجر، # PageV04P368 # ولا تضيق على نفسك، كما تضيق نفوس التجار، فإني ما تعودت أسكن إلا في ~~القصور، واحذر من أن تبتاع شيئا ضيقا، فلا أسكنه، وإذا ابتعت الدار، ~~فعرفني، ms626 لأنقل إليك مالي، وجواري، وأنتقل إليك. # فقلت: السمع والطاعة. # فسلمت إلي عشرة آلاف دينار، فأخذتها، وأتيت إلى داري، واعترضت الدور، حتى ~~ابتعت ما وافق اختيارها، فكتبت إليها بالخبر، فنقلت إلي تلك النعمة بأسرها، ~~ومعها ما لم أظن قط أني أراه، فضلا عن أني أملكه، وأقامت عندي كذا وكذا ~~سنة، أعيش معها عيش الخلفاء، وأتجر في خلال ذلك، لأن نفسي لم تسمح لي بترك ~~تلك الصنعة، وإبطال المعيشة، فتزايد مالي وجاهي، وولدت لي هؤلاء الشباب، ~~وأومأ إلى أولاده، وماتت رحمها الله، وبقي علي مضرة الزيرباجة، إذا أكلتها، ~~غسلت يدي أربعين مرة. # PageV04P369 ### || إسحاق الموصلي يتطفل ويقترح # حدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني رحمه الله تعالى، إملاء من حفظه، ~~وكتبته عنه في أصول سماعاتي منه، ولم يحضرني كتابي، فأنقله منه، فأثبته من ~~حفظي، وتوخيت ألفاظه بجهدي، قال: حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: ~~حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: حدثني أبي، قال: غدوت يوما، ~~وأنا ضجر من ملازمة دار الخلافة، والخدمة فيها، فركبت بكرة، وعزمت على أن ~~أطوف الصحراء، وأتفرج بها. # فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في مهم لي، وأنكم لا ~~تعرفون أين توجهت. # ومضيت، وطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي النهار، فوقفت في شارع المخرم، في ~~الظل، عند جناح رحب في الطريق، لأستريح. # فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها، عليه جارية راكبة، تحتها منديل ~~دبيقي، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية وراءه، ورأيت لها قواما حسنا، ~~وطرفا فاتنا، وشمائل ظريفة، فحدست أنها مغنية. # فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها، وعلقها قلبي في الوقت علوقا شديدا، لم ~~أستطع معه البراح. # فلم ألبث إلا يسيرا، حتى أقبل رجلان شابان جميلان، لهما هيأة تدل على ~~قدرهما، راكبان، فاستأذنا، فأذن لهما، فحملني حب الجارية على أن نزلت # PageV04P372 # معهما، ودخلت بدخولهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب الدار أني ~~معهما. # فجلسنا، فأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب فوضع، وخرجت الجارية، وفي يدها ~~عود، فرأيتها حسناء، وتمكن ms627 ما في قلبي منها، وغنت غناء صالحا، وشربنا. # وقمت قومة للبول، فسأل صاحب المنزل من الفتيين عني، فأخبراه أنهما لا ~~يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته. # وجئت، فجلست، وغنت الجارية في لحن لي: # ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تستريب وتطمح # من المولعات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح # فأدته أداء صالحا، ثم غنت أصواتا فيها من صنعتي: # الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس # أوحشت بعد أهلها ... فهي قفر بسابس # فكان أثرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتا من القديم والمحدث، وغنت في ~~أضعافها من صنعتي، في شعري: # قل لمن صد عاتبا ... ونأى عنك جانبا # PageV04P373 # قد بلغت الذي أردت ... وإن كنت لاعبا # واعترفنا بما أدعيت ... وإن كنت كاذبا # فكان أصلح ما غنته، فاستعدته منها لأصححه لها، فأقبل علي رجل منهم، فقال: ~~ما رأيت طفيليا أصفق منك وجها، لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت، وهذا تصديق ~~للمثل: طفيلي ويقترح، فأطرقت، ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني، فلا يكف. # ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت، فأخذت العود وشددت طبقته، وأصلحته إصلاحا ~~محكما، وعدت إلى موضعي، فصليت، وعادوا، وأخذ الرجل في عربدته علي، وأنا ~~صامت. # وأخذت الجارية العود، وجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي؟ فقالوا: ما ~~مسه أحد. # قالت: بلى، والله، قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته، وأصلحه إصلاح متمكن من ~~صنعته. # فقلت لها: أنا أصلحته. # قالت: بالله عليك، خذه، فاضرب به. # فأخذته، وضربت به مبدأ عجيبا، فيه نقرات محركة، فما بقي في المجلس أحد ~~إلا وثب فجلس بين يدي. # وقالوا: بالله عليك يا سيدنا، أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم نفسي أيضا، أنا ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وإني، والله، لأتيه على الخليفة، وأنتم تشتموني ~~اليوم، لأني تملحت معكم بسبب # PageV04P374 # هذه الجارية، ووالله، لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم، أو تخرجوا هذا ~~المعاند. # ونهضت لأخرج، فتعلقوا بي، فلم أرجع، فلحقتني الجارية، فتعلقت بي، فلنت، ~~وقلت: لا أجلس، حتى تخرجوا هذا البغيض. # فقال له صاحبه: من هذا كنت أخاف عليك، فأخذ يعتذر. ms628 # فقلت: أجلس، ولكني، والله، لا أنطق بحرف وهو حاضر، فأخذوا بيده، فأخرجوه. # فبدأت أغني الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فطرب صاحب البيت طربا ~~شديدا، وقال: هل لك في أمر أعرضه عليك؟ فقلت: وما هو؟ قال: تقيم عندي شهرا، ~~والجارية لك بما لها من كسوة. # فقلت: أفعل. # فأقمت عنده ثلاثين يوما، لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل ~~موضع، فلا يعرف لي خبرا. # فلما كان بعد ذلك، سلم إلي الجارية والخادم، وجئت بها إلى منزلي، وكان ~~أهل منزلي في أقبح صورة لتأخري عنهم. # وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رآني، قال لي: يا إسحاق، ويحك، أين كنت؟ ~~فأخبرته بخبري. # فقال: علي بالرجل الساعة، فدللتهم على بيته، فأحضر، فسأله المأمون عن ~~القصة، فأخبره بها. # فقال: أنت ذو مروءة، وسبيلك أن تعان عليها، فأمر له بمائة ألف درهم. # PageV04P375 # وقال: لا تعاشر ذلك المعربد السفل. # فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين. # وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لي: أحضر الجارية، فأحضرته إياها، فغنته. # فقال لي: قد جعلت لها نوبة كل يوم ثلاثاء، تغنيني من وراء الستارة، مع ~~الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم. # فربحت، والله، بتلك الركبة، وأربحت. # PageV04P376 ### || أنت طالق إن لم تكوني أحسن من القمر # ووجدت في بعض الكتب: أن عيسى بن موسى، كان يحب زوجته حبا شديدا، فقال لها ~~يوما: أنت طالق، إن لم تكوني أحسن من القمر. # فنهضت، واحتجبت عنه، وقالت: قد طلقتني، فبات بليلة عظيمة. # فلما أصبح غدا إلى المنصور، وأخبره الخبر، وقال: يا أمير المؤمنين، إن تم ~~طلاقها، تلفت نفسي غما، وكان الموت أحب إلي من الحياة. # وظهر للمنصور منه جزع شديد، فأحضر الفقهاء، واستفتاهم، فقال جميع من حضر، ~~قد طلقت، إلا رجلا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه سكت. # فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم،] والتين ~~والزيتون {1} وطور سينين {2} وهذا البلد الأمين {3} لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم} [سورة التين: 1-4] فلا شيء أحسن من الإنسان. # فقال المنصور لعيسى بن ms629 موسى: قد فرج الله تعالى عنك، والأمر كما قال، ~~فأقم على زوجتك. # وراسلها أن أطيعي زوجك، فما طلقت. # PageV04P377 ### || ما ثمانية وأربعة واثنان # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار ~~الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبيد، عن الهيثم بن عدي، عن ~~عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل إلى عشرة، ~~أنا أحدهم، من وجوه أهل الكوفة، فسمرنا عنده. # ثم قال: يحدثني كل رجل منكم أحدوثة، وابدأ أنت يا أبا عمرو. # فقلت: أصلح الله الأمير، أحديث الحق، أم حديث الباطل؟ فقال: بل حديث ~~الحق. # فقلت: إن أمرء القيس بن حجر الكندي، آلي ألية، أن لا يتزوج بامرأة حتى ~~يسألها عن ثمانية، وأربعة، واثنين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عنها، ~~قلن: أربعة عشر. # PageV04P378 # فبينا هو يسير في الليل، وإذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة، كأنها القمر ~~لتمه، فأعجبته. # فقال لها: يا جارية، ما ثمانية، وأربعة، واثنان؟ فقالت: أما الثمانية: ~~فأطباء الكلبة، وأما الأربعة: فأخلاف الناقة، وأما الاثنان: فثديا المرأة. # فخطبها من أبيها، فزوجه منها، واشترطت هي عليه، أن تسأله ليلة يأتيها، عن ~~ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، على نفسه، وعلى أن يسوق لها مائة من الإبل، وعشرة ~~أعبد، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس، ففعل ذلك. # ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيا من سمن، ونحيا من عسل، ~~وحلة من قصب. # فنزل العبد ببعض المياه، فنشر الحلة، ولبسها، فتعلقت بشجرة فانشقت، وفتح ~~النحيين، وأطعم أهل الماء منهما. # ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف، فسألها عن أبيها، وأمها، وأخيها، ودفع ~~إليها هديتها. # فقالت: أعلم مولاك، أن أبي ذهب يقرب بعيدا، ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت ~~تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس، وأن سماءكم # PageV04P379 # انشقت، وأن وعائيكما نضبا. # فقدم الغلام على مولاه، وأخبره بما قالت. # فقال: أما قولها: ذهب أبي يقرب بعيدا، ويبعد قريبا، فإن أباها ذهب يحالف ~~قوما على قومه. # وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس ms630 نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة. # وأما قولها: إن أخي يراعي الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاها، فهو ينتظر ~~وجوب الشمس ليروح. # وأما قولها: إن سماءكم انشقت، فإن الحلة التي بعثت بها معك انشقت. # وأما قولها: إن وعائيكما نضبا، فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا، ~~فأصدقني. # فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي، فأخبرتهم ~~أني ابن عمك، ونشرت الحلة فلبستها، وتجملت بها، فعلقت بشجرة، فانشقت، وفتحت ~~النحيين، فأطعمت منهما أهل الماء. # فقال: أولى لك. # ثم ساق مائة من الإبل، وخرج نحوها، ومعه الغلام، فنزلا منزلا. # فقام الغلام ليسقي، فعجز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به الغلام في البئر، ~~وانصرف حتى أتى المرأة بالإبل، فأخبرهم أنه زوجها. # فقيل لها: قد جاء زوجك. # فقالت: والله، لا أدري أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزورا، # PageV04P380 # وأطعموه من درتها وذنبها، ففعلوا، فأكل ما أطعموه. # فقالت: اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض، فشرب. # فقالت: أفرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له، فنام. # فلما أصبحت، أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك. # فقال: سلي عما بدا لك. # فقالت: مم تختلج شفتاك؟ فقال: لتقبيلي فاك. # فقالت: مم يختلج كشحاك؟ قال: لالتزامي إياك. # فقالت: مم يختلج فخذاك؟ فقال: لتوركي إياك. # فقالت: عليكم بالعبد، فشدوا أيديكم به، ففعلوا. # قال: ومر قوم، فاستخرجوا امرء القيس من البئر، فرجع إلى حيه، واستاق مائة ~~من الإبل، وأقبل إلى امرأته. # فقيل لها: قد جاء زوجك. # فقالت: والله، ما أدري أهو زوجي أم لا، ولكن أنحروا له جزورا، وأطعموه من ~~كرشها وذنبها، ففعلوا، فلما أتوه بذلك، قال: أين الكبد والسنام والملحة، ~~وأبى أن يأكل. # PageV04P381 # فقالت: أسقوه لبنا حازرا، فأبى أن يشرب، وقال: أين الضرب والزبد؟ فقالت: ~~افرشوا له عند الفرث والدم، فأبى أن ينام، وقال: افرشوا لي فوق التلعة ~~الحمراء، واضربوا لي عليها خباء. # ثم أرسلت إليه تقول: هات شرطي عليك في المسائل الثلاث، فأرسل إليها سلي ~~عما شئت. # فقالت: مم تختلج شفتاك؟ قال: لشربي المشعشعات. # قالت: مم يختلج كشحاك؟ ms631 قال: للبسي الحبرات. # قالت: فمم يختلج فخذاك؟ قال: لركوبي السابقات. # فقالت: هذا هو زوجي، فعليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه، وأقبل امرؤ القيس ~~على الجارية. # فقال ابن هبيرة: لا خير في سائر الحديث الليلة، بعد حديثك يا أبا عمرو، ~~ولن يأتينا أحد بأعجب منه، فقمنا، وانصرفنا، وأمر لي بجائزة. # PageV04P382 ### || أخبار قيس ولبنى # وجدت في كتاب الأغاني الكبير، لأبي الفرج المعروف بالأصبهاني، الذي أجاز ~~لي روايته، في جملة ما أجازه لي، أخبار قيس بن ذريح الليثي، فقال في صدرها: ~~أخبرني بخبر قيس بن ذريح ولبنى امرأته، جماعة من مشايخنا، في قصص متصلة ~~ومتقطعة، وأخبار منظومة ومنثورة، فألفت جميع ذلك ليتسق حديثه، إلا ما جاء ~~منفردا، وحسن إخراجه عن جملة النظم، فذكرته على حدته. # فممن أخبرنا بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، ~~ولم يتجاوزه إلى غيره، وإبراهيم بن محمد بن أيوب عن ابن قتيبة. # والحسن بن علي، عن محمد بن أبي السري، عن هشام محمد الكلبي، وعلى روايته ~~أكثر المعول. # ونسخت أيضا من أخباره المنظومة، أشياء ذكرها القحذمي، عن رجاله، وخالد بن ~~كلثوم عن نفسه، ومن روى عنه، وخالد بن جميل. # ونتفا حكاها اليوسفي صاحب الرسائل، عن أبيه، عن أحمد بن حماد، عن جميل، ~~عن ابن أبي جناح الكعبي، وحكيت كل متفق فيه متصلا، وكل مختلف في معانيه ~~منسوبا إلى راويه، قالوا جميعا: # PageV04P383 # كان منزل في ظاهر المدينة لذريح، وهو أبو قيس، وكان هو وأبوه من حاضرة ~~المدينة. # فمر قيس في بعض حوائجه، ذات يوم، بحي من بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف، ~~فوقف على خباء لبنى بنت الحباب الكعبية، واستسقى ماء، فسقته، وخرجت إليه ~~به، وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء، حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت ~~في نفسه، وشرب من الماء. # فقالت له: أتنزل عندنا؟ قال: نعم، فنزل بهم، وجاء أبوها، فنحر له وأكرمه. # وانصرف قيس، وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع ~~خبره، وروي شعره فيها. # وأتاها يوما آخر، وقد ms632 اشتد وجده بها، فسلم، فظهرت له، وردت سلامه، ورحبت ~~به، فشكى إليها ما يجد بها، وما يلقى من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، ~~فعرف كل واحد منهما، ما له عند صاحبه. # ثم انصرف إلى أبيه، فأعلمه بحاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه، وقال ~~له: يا بني عليك بإحدى بنات عمك، فهن أحق بك، وكان ذريح كثير المال، وأحب ~~أن لا يخرج ماله إلى غريبة. # فانصرف قيس، وقد ساءه ما خاطبه به أبوه، فأتى أمه وشكى ذلك إليها، ~~واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب. # PageV04P384 # فأتى الحسين بن علي، سلام الله عليهما، فشكى ما به، فقال له الحسين: أنا ~~أكفيك. # فمضى معه إلى أبي لبنى، فلما بصر به، وثب إليه، وأعظمه، وقال: يابن رسول ~~الله، ما جاء بك إلي؟ ألا بعثت إلي فآتيك؟ قال: قد جئتك خاطبا ابنتك لبنى، ~~لقيس بن ذريح، وقد عرفت مكانه مني. # فقال: يابن بنت رسول الله، ما كنت لأعصي لك أمرا، وما بنا عن الفتى رغبة، ~~ولكن أحب الأمرين إلينا، أن يخطبها ذريح علينا، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنا ~~نخاف أن يسمع أبوه بهذا، فيكون عارا ومسبة علينا. # فأتى الحسين سلام الله عليه ذريحا، وقومه مجتمعون، فقاموا إليه وقالوا له ~~مثل قول الخزاعي. # فقال: يا ذريح، أقسمت عليك بحقي، إلا خطبت لبنى لابنك قيس. # فقال: السمع والطاعة لأمرك. # وخرج معه في وجوه قومه، حتى أتى حي لبنى، فخطبها ذريح من أبيها على ابنه ~~قيس، فزوجه بها، وزفت إليه. # فأقام معها مدة، لا ينكر أحدهما من صاحبه شيئا. # PageV04P385 # وكان قيس أبر الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت ~~أمه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري. # ولم تر للكلام موضعا حتى مرض قيس مرضا شديدا، فلما برئ، قالت أمه لأبيه: ~~لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفا، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو ~~مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوجه غيرها، لعل الله عز ms633 وجل يرزقه ولدا، ~~وألحت عليه في ذلك. # فأمهل ذريح حتى اجتمع قومه، ثم قال له: يا قيس، إنك اعتللت هذه العلة ولا ~~ولد لك، ولا لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك لعل ~~الله تعالى أن يهب لك ولدا تقر به عينك وأعيننا. # فقال قيس: لست متزوجا غيرها أبدا. # فقال أبوه: يا بني، فإن مالي كثير، فتسر بالإماء. # فقال: ولا أسوءها بشيء أبدا. # قال أبوه: فإني أقسم عليك إلا طلقتها. # فأبى، وقال: الموت، والله، أسهل علي من ذلك، ولكني أخيرك خصلة من خصال. # فقال: وما هي؟ قال: تتزوج أنت، فلعل الله عز وجل أن يرزقك ولدا غيري. # فقال: ما في فضل لذلك. # قال: فدعني أرحل عنك بأهلي، وأصنع ما كنت صانعا، لو كنت مت في علتي هذه. # فقال: ولا هذا. # قال: فأدع لبنى عندك، وأرتحل عنك إلى أن أسلوها، فإني ما تحب # PageV04P386 # نفسي أن أعيش، وتكون لبنى غائبة عني أبدا، وأن لا تكون في حبالي. # فقال: لا أرضى بذلك، أو تطلقها، وحلف لا يكنه سقف بيت أبدا، حتى يطلق ~~لبنى. # وكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويجيء قيس فيقف إلى جانبه، فيظله بردائه، ~~ويصلى هو بحر الشمس، حتى يفيء الفيء عنه، وينصرف إلى لبنى، فيعانقها، ~~ويبكي، وتبكي معه. # وتقول له: يا قيس، لا تطع أباك، فتهلك، وتهلكني معك. # فيقول لها: ما كنت لأطيع أحدا فيك أبدا. # فيقال: إنه مكث كذلك سنة، ثم طلقها لأجل والده، فلم يطق الصبر عنها. # قال ابن جريج: أخبرت أن عبد الله بن صفوان لقي ذريحا أبا قيس، فقال له: ~~ما حملك على أن فرقت بين قيس ولبنى، أما علمت أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، قال: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف. # وروى هذا الحديث، إبراهيم بن يسار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ~~بن دينار، قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام لذريح بن سنة، أبي قيس: ~~أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى، أما ms634 أني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~يقول: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف. # قال أبو الفرج: أخبرني محمد بن خلف، وكيع، قال: حدثني محمد بن زهير، قال: ~~حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا # PageV04P387 # ابن جريج، قال: أخبرنا عمر بن أبي نصر، عن ليث بن عمرو، أنه سمع قيس بن ~~ذريح يقول ليزيد بن سليمان: هجرني أبواي، اثنتي عشرة سنة، أستأذن عليهما، ~~فيرداني، حتى طلقتها. # قالوا: فلما بانت لبنى منه، بطلاقه إياها، وفرغ من الكلام، لم يلبث حتى ~~استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وبلغها الخبر، ~~فأرسلت إلى أبيها ليحملها، وقيل: أقامت حتى انقضت عدتها، وقيس يدخل إليها، ~~فأرسلت إلى أبيها ليحملها، فأقبل أبوها بهودج على ناقة، ومعه إبل، ليحمل ~~أثاثها. # فلما رأى قيس ذلك، أقبل على جاريتها، وقال: ويحك، ما دهاني فيكم؟ فقالت: ~~لا تسألني، وسل لبنى. # فذهب ليلم بخبائها، فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومها، وقالت: ~~ويحك تسأل، كأنك جاهل أو متجاهل، هذه لبنى ترحل الليلة أو غدا. # فسقط مغشيا عليه، ثم أفاق، وبكى بكاء كثيرا، ثم أنشأ يقول: # وإني لمفن دمع عيني بالبكا ... حذار الذي قد كان أو هو كائن # وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن # وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ما حان حائن # قال أبو الفرج: في هذه الأبيات غناء، ولها أخبار قد ذكرت في أخبار ~~المجنون قيس بن الملوح، مجنون بني عامر، ثم ذكر أبو الفرج بعد هذا عدة قطع ~~من شعر قيس بن ذريح. # ثم قال: قالوا: فلما ارتحل بها أبوها إلى قومها، أتبعها مليا، ثم علم أن # PageV04P388 # أباها يسوءه أن يسير معها، ويمنعه ذلك، فوقف ينظر إليها ويبكي، حتى غابوا ~~عن عينيه، فكر راجعا، فنظر إلى أثر خف بعيرها، فأكب عليه يقبله، ورجع يقبل ~~موضع مجلسها، وأثر قدميها، فليم على ذلك، وعنفه قومه في تقبيل التراب، ~~فقال: # وما أحببت ms635 أرضكم ولكن ... أقبل إثر من وطئ الترابا # لقد لاقيت من كلفي بلبنى ... بلاء ما أسيغ له شرابا # إذا نادى المنادي باسم لبنى ... عييت فما أطيق له جوابا # ثم ذكر أبو الفرج قطعا من شعر قيس، وأخبارا من أخباره منشورة، بأسانيد ~~مفردة على الإسناد الذي رويته عنه ههنا، ثم رجع إلى مواضع من الحديث الذي ~~جمع فيه من أسانيده، وأتى بسياقة يطول علي أن أذكرها في كتابي هذا، جملتها ~~عظيم ما لحق قيس من التململ، والسهر، والحزن، والأسفار، والبكاء العظيم، ~~والجزع المفرط، وإلصاق خده بالأرض على آثارها، وخروجه في أثرها، وشم ~~رائحتها، وعتابه نفسه في طاعة أبيه على طلاقها. # ثم اعتل علة أشرف منها على الموت، فجمع له أبوه فتيات الحي يعللنه، ~~ويحدثنه، طمعا في أن يسلو عن لبنى، ويعلق بواحدة منهن، فيزوجه منها، فلم ~~يفعل، وقصة له مع طبيب أحضر له، وقطع شعر كثيرة لقيس في خلال ذلك. # ثم إن أبا لبنى شكا قيسا إلى معاوية بن أبي سفيان، وذكر تعرضه لها بعد ~~الطلاق. # فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم بهدر دمه إن تعرض لها، فكتب مروان بذلك ~~إلى صاحب الماء. # PageV04P389 # ثم إن أباها زوجها، فبلغ ذلك قيسا، فاشتد جزعه، وجعل يبكي أشد بكاء، وأتى ~~حلة قومها، فنزل عن راحلته، وجعل يتعمد في موضعها، ويمرغ خده على ترابها، ~~ويبكي أحر بكاء، ثم قال قصيدته التي رواها أبو الفرج، التي أولها: # إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم # وذكر بعد هذا أخبارا له معها، واجتماعات عفيفة كانت بينهما، بحيل طريفة، ~~ووجدها به، وبكاءها في طلاقها، وإنكار زوجها، الذي تزوجها بعد قيس، ذلك ~~عليها، ومكاشفتها له، وعلة أخرى لحقت قيسا، واشتهارهما، وافتضاحهما، وما ~~لحق قيسا ولبنى من الخبل، واختلال العقل، وقطع شعر كثيرة لقيس أيضا في خلال ~~ذلك، وأن قيسا مضى إلى ابن أبي عتيق، فمضى به إلى يزيد بن معاوية، ومدحه ~~وشكى إليه ما جرى عليه، فرق له، ورحمه، وأخذ له كتاب أبيه بأن يقيم حيث ms636 ~~أحب، ولا يعترض له أحد، وأزال ما كتب به إلى مروان، من هدر دمه، وقطع شعر ~~كثيرة أخرى لقيس في خلال ذلك، وأخبار مفردة، ومفصلة. # ثم قال: وقد اختلف في أكثر أمر قيس ولبنى، وذكر كلاما يسيرا في ذلك، ~~والجميع في نيف وعشرين ورقة. # PageV04P390 # وذكر القحذمي: أن ابن أبي عتيق، صار إلى الحسين بن علي، وجماعة من قريش ~~وقال لهم: إن لي حاجة أحب أن تقضوها، وأنا أستعين بجاهكم وأموالكم عليها. # قالوا: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا بيوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج ~~لبنى، فلما رآهم، أعظم مسيرهم إليه، وأكبره. # فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق. # فقال: هي مقضية كائنة ما كانت. # فقال له ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت؟ قال: نعم. # قال: تهب لي اليوم لبنى زوجتك، وتطلقها ثلاثا. # قال: فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثا. # فاستحيا القوم، واعتذروا، وقالوا: والله، ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها ~~هذه، ما سألناك إياها. # قال ابن أبي عائشة: فعوضه الحسين بن علي عليهما السلام عن ذلك مائة ألف ~~درهم. # وحمل ابن أبي عتيق، لبنى معه، فلم تزل عنده، حتى انقضت عدتها، وسأل القوم ~~أباها، فزوجها قيسا، ولم تزل معه حتى مات. # فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق: # جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق # فقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق # PageV04P391 # سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق # وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي # قال: فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا الحديث، فما سمعه أحد ~~إلا ظنني قوادا. # PageV04P392 ### || عشق جارية زوجته فوهبتها له # ووجدت في بعض كتبي: قال أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة: كانت لزوجتي ~~جارية حسنة الوجه، فعلقتها، وعلمت زوجتي بذلك، فحجبتها عني، فاشتد ما بي من ~~الوجد عليها، وقاسيت شدة شديدة. # فبينا أنا ذات ليلة نائم، ومولاتها زوجتي إلى جانبي، إذ رأيت في منامي ~~كأن الجارية حيالي، وأنا ms637 أبكي، إذ لاح لي إنسان فأنشدني: # وقفت حيالك أذري الدموع ... وأخلط بالدمع مني دما # وأشكو الذي بي إلى عاذلي ... ولا خير في الحب أن يكتما # رضيت بما ليس فيه رضا ... بتسليم طرفك إن سلما # فتهت علي وأقصيتني ... وأعزز علي بأن أرغما # قال: فانتبهت فزعا مرعوبا، ودعوت بدواة وقرطاس، وجلست في فراشي، وكتبت ~~الشعر. # فقالت لي زوجتي: ماذا تصنع؟ فقصصت عليها القصة والرؤيا. # فقالت: هذا كله من حب فلانة؟ قد وهبتها لك. # PageV04P393 ### || بالله يا طرفي الجاني على كبدي # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني إجازة، قال: أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: ~~حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، ~~قال: حدثنا معبد الصغير المغني، مولى علي بن يقطين، قال: كنت منقطعا إلى ~~البرامكة، فبينما أنا ذات يوم في منزلي، وإذا بابي يدق، فخرج غلامي ثم رجع ~~إلي. # فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة، يستأذن عليك. # فأذنت له، فدخل علي شاب، ما رأيت أحسن منه وجها، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل ~~زيا، عليه أثر السقم ظاهر. # فقال لي: يا سيدي أنا منذ مدة أحاول لقاءك، ولا أجد إليه سبيلا، ولي إليك ~~حاجة. # قلت: ما هي؟ فأخرج إلي ثلث مائة دينار، فوضعها بين يدي. # ثم قال: أسألك أن تقبلها، وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنيني به. # فقلت له: هاتهما، فأنشدني: # بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن # أولا تؤخر حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني # PageV04P394 # قال: فصنعت فيهما لحنا، ثقيل أول، مطلق في مجرى الوسطى، ثم غنيته إياه، ~~فأغمي عليه، حتى ظننته قد مات. # ثم أفاق، فقال: أعد فديتك. # قلت: أخشى أن تموت. # فقال: هيهات، هيهات، أنا أشقى من ذلك، فأعد علي. # وما زال يخضع ويتضرع، حتى أعدته، فصعق صعقة أشد من الأولى، حتى ظننت نفسه ~~قد فاظت، فلما أفاق، رددت عليه الدنانير. # وقلت له: خذ دنانيرك، وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك، وبلغت وطرا مما أردته، ~~ولست أحب أن أشارك في ms638 دمك. # فقال: لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، وأخرج ثلث مائة دينار ~~أخرى. # وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى، وحلال لك دمي. # فقلت: لا والله، إلا على شرط. # قال: وما هو؟ قلت: تقيم عندي، وتتحرم بطعامي وتشرب أقداحا من النبيذ تشد ~~قلبك، وتسكن بعض ما بك، وتحدثني بقصتك. # فقال: أفعل. # فأخذت الدنانير، ودعوت بطعام، فأصاب منه، وبالنبيذ، فشرب أقداحا، وغنيته ~~بشعر غيره في معناه، وهو يشرب ويبكي. # ثم قال: الشرط، أعزك الله، فغنيته صوته، فجعل يبكي أحر بكاء، وينتحب. # فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقه، والنبيذ قد شد من قوته، كررت عليه ~~صوته مرارا، ثم قلت له: حدثني حديثك. # PageV04P395 # فقال: أنا رجل من أهل المدينة، خرجت يوما متنزها في ظاهرها، وقد سال ~~العقيق، في فتية وأقران، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا نحن له، ~~فجلسن قريبا منا. # ونظرت بينهن إلى فتاة كأنها قضيب بان قد طله الندى، تنظر بعينين، ما ارتد ~~طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما، فأطلنا وأطلن، حتى تفرق الناس. # وانصرفنا، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله، فسرت إلى منزلي وأنا وقيذ. # وخرجت من غد إلى العقيق، وليس فيه أحد، فلم أر لها أثرا، ثم جعلت أتتبعها ~~في طرق المدينة وأسواقها، فكأن الأرض ابتلعتها، وسقمت، حتى يئس مني أهلي. # فأعلمت زوجة أبي بذلك، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع قد أقبلت، ~~وهي سنة خصب، والساعة يأتي المطر، فتخرج وأخرج معك، فإن النسوة سيجئن، فإذا ~~رأيتها اتبعتها، حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينكما، وأسعى لك في تزويجها. # قال: فكأن نفسي اطمأنت، ورجعت، وجاء المطر، وسال العقيق، وخرجت # PageV04P396 # مع إخواني إليه، وزوجة أبي معنا، فجلسنا مجلسنا الأول، فما كنا والنسوة ~~إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى زوجة أبي، فجلست قريبا منها. # وأقبلت على إخواني، فقلت لهم: أحسن والله القائل، إذ يقول: # رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا # فأقبلت على صويحباتها، وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث ~~يقول: # بنا مثل ms639 ما تشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي السقام قريبا # قال: فأمسكت عن الجواب، خوفا أن يظهر مني ما يفضحني وإياها، وانصرفنا. # وتبعتها زوجة أبي، حتى عرفت بيتها، وصارت إلي، وأخذت بيدي، ومضينا إليها، ~~وتزاورنا، وتلاقينا على حال مراقبة ومخالسة. # حتى ظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها، وتشدد عليها أبوها، فلم أقدر ~~عليها. # فشكوت إلى أبي شدة ما نالني، وشدة ما ألقى، وسألته خطبتها. # فمضيت أنا وأبي ومشيخة قومي إلى أبيها، فخطبوها، فقال: لو كان بدأ بهذا ~~من قبل أن يشهرها، لأسعفناه بحاجته وبما ألتمس، لكنه قد فضحها، فلم أكن ~~لأحقق قول الناس فيها بتزويجه إياها، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي، قال ~~معبد: فسألته أن ينزل بقربي، فأجابني، وصارت بيننا عشرة. # ثم جلس جعفر بن يحيى يوما للشرب، فأتيته، فكان أول صوت غنيته بشعر الفتى، ~~فطرب عليه طربا شديدا، وقال: ويحك لمن هذا الصوت؟ # PageV04P397 # فحدثته فأمر بإحضار الفتى، فأحضر في وقته، فاستعاده الحديث، فأعاده. # فقال له: هي في ذمتي، حتى أزوجك بها فطابت نفسي ونفس الفتى، وأقام معنا ~~ليلتنا حتى أصبح. # وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدثه الحديث، فعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا، ~~وأمر بأن أغنيه الصوت، فغنيته، وشرب عليه، وسمع حديث الفتى. # فأمر من وقته، بأن يكتب إلى عامل الحجاز، بإشخاص الرجل وابنته، وسائر ~~أهله إلى حضرته. # فلم تمض إلا مسافة الطريق، حتى أحضر، فأمر الرشيد بإحضاره إليه، فأوصل، ~~وخطب إليه الجارية للفتى، فأجابه، فزوجه إياها، وحمل الرشيد إليه ألف دينار ~~مهرها، وألف دينار لجهازها، وألف دينار لنفقته، في طريقه، وأمر للفتى بألفي ~~دينار. # وكان المديني بعد ذلك من جملة ندمائه. # PageV04P398 ### || به من غير دائه وهو صالح # أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: حدثني محمد بن مزيد بن أبي ~~الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: حدثني أبي، قال: سرت إلى سر من رأى ~~بعد قدومي من الحج، فدخلت إلى الواثق بالله، فقال: بأي شيء أطرفتني من ~~الأحاديث التي استفدتها من الأعراب وأشعارهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين جلس ~~إلي فتى ms640 من الأعراب في بعض المنازل، فحاورني، فرأيت منه أحلى ما رأيت من ~~الفتيان، منظرا، وحديثا، وظرفا، وأدبا. # فاستنشدته، فأنشدني: # سقى العلم الفرد الذي في ظلاله ... غزالان مكتنان مؤتلفان # إذا أمنا ألتفا بجيد تواصل ... وطرفاهما للريب مسترقان # أردتهما ختلا فلم أستطعهما ... ورميا ففاتاني وقد قتلاني # ثم تنفس تنفسا، ظننت أنه قد قطع حيازيمه. # فقلت له: ما لك بأبي أنت؟ فقال: وراء هذين الجبلين شجني، وقد حيل بيني ~~وبين المرور بهذه البلاد، ونذروا دمي، فأنا أتمتع بالنظر إلى هذين الجبلين، ~~تعللا بهما، إذا قدم الحاج، ثم يحال بيني وبين ذلك. # فقلت له: زدني مما قلت، فأنشدني: # PageV04P399 # إذا ما وردت الماء في بعض أهله ... حضور فعرض بي كأنك مازح # فإن سألت عني حضور فقل لها ... به غير من دائه وهو صالح # فأمرني الواثق، فكتبت الشعرين. # فلما كان بعد أيام دعاني، فقال لي: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد ~~الشعرين لحنا، فاسمعه، فإن ارتضيته أظهرناه، وإن رأيت فيه موضع إصلاح ~~أصلحناه. # ثم غني لنا به من وراء الستارة، فكان في غاية الجودة، وكذلك كان يصنع إذا ~~وضع لحنا. # فقلت له: أحسن، والله، صانعه، يا أمير المؤمنين. # فقال: بحياتي؟ فقلت: إي وحياتك، وحلفت له بما وثق به. # فأمر لي برطل، فشربته، ثم أخذ العود، فغناه ثلاث مرات، وسقاني عليه ثلاثة ~~أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم. # فلما كان بعد أيام، دعاني، فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في الشعر الآخر ~~لحنا، وأمر فغني به، فكان حالي مثل الحال في الشعر الأول، وحلفت له على ~~جودته، فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم. # ثم قال: هل قضيت حق حديثك؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ~~وأتم نعمته عليك. # فقال: ولكنك لم تقض حق الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره؟ وقد سبقت ~~مسألتك، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز، وأمرته بتجهيزه، وخطبة # PageV04P400 # المرأة له، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالنا، ففعل. # فقبلت يده، وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى ms641 بها من غيرك من سائر ~~الناس. # قال: أبو الفرج: وصنعة الواثق في الشعرين جميعا من الرمل. # PageV04P401 ### || عمر بن أبي ربيعة والجعد بن مهجع العذري # وحدثني أبو الفرج القرشي، المعروف بالأصبهاني، قال: نسخت من كتاب محمد بن ~~موسى بن حماد، قال: ذكر الرياشي قال: قال حماد الراوية: أتيت في مكة، إلى ~~حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فتذاكرنا العذريين، وقال عمر بن أبي ~~ربيعة: كان لي صديق من بني عذرة يقال له: الجعد بن مهجع، وكان أحد بني ~~سلامان، وكان يلقى من الصبابة، مثل الذي ألقاه بالنساء، على أنه كان لا ~~عاهر الخلوة، ولا سريع السلوة. # وكان يوافي الموسم في كل سنة، فإذا غاب عن وقته، ترجحت عنه الأخبار، ~~وتوكفت له الأسفار، حتى يقدم. # فغمني ذات سنة إبطاؤه، حتى قدم حاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا ~~غلام قد تنفس الصعداء، وقال: عن أبي المسهر تسأل؟ قلت: نعم، وإياه أردت. # PageV04P402 # فقال: هيهات، هيهات، أصبح، والله، أبو المسهر، لا ميئوس منه فيهمل، ولا ~~مرجو فيعلل، أصبح، والله، كما قال القائل: # لعمري ما حبي لأسماء تاركي ... أعيش ولا أقضي به فأموت # فقلت: ما الذي به؟ فقال: مثل الذي بك، من تهتككما في الضلال، وجركما ~~أذيال الخسار، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار. # فقلت: ومن أنت منه، يابن أخي؟ قال: أخوه. # فقلت له: يابن أخي، ما منعك أن تسلك مسلكه من الأدب، وأن تركب منه مركبه ~~إلا أنك وإياه كالبجاد والبرد، لا ترقعه ولا يرقعك. # ثم صرفت وجه ناقتي، وأنا أقول: # أرائحة حجاج عذرة وجهة ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع # خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع # ألا ليت شعري أي شيء أصابه ... فلي زفرات هجن ما بين أضلعي # فلا يبعدنك الله خلا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي # ثم انطلقت حتى وقفت موقفا من عرفات، فبينا أنا كذلك، وإذا بإنسان قد تغير ~~لونه، وساءت هيأته، فأدنى ناقته من ناقتي، ثم خالف بين أعناقهما، ms642 وعانقني ~~وبكى، حتى اشتد بكاؤه. # فقلت: ما وراءك؟ فقال: برح العذل، وطول المطل، ثم أنشأ يقول: # PageV04P403 # لئن كانت عدية ذات لب ... لقد علمت بأن الحب داء # ألم تنظر إلى تغيير جسمي ... وأني لا يفارقني البكاء # وأني لو تكلفني سواها ... لخف الكلم وانكشف الغطاء # وأن معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصبابة واللقاء # إذا العذري مات خلي ذرع ... فذاك العبد يبكيه الرشاء # فقلت: يا أبا المسهر، إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض ~~وغربها، فلو دعوت الله تعالى، كنت مؤملا لك أن تظفر بحاجتك. # قال: فتركني، وأقبل على الدعاء، فلما تدلت الشمس للغروب، وهم الناس أن ~~يفيضوا، سمعته يتكلم بشيء، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول: # يا رب كل غدوة وروحة ... من محرم يشكو الضنا ولوحه # أنت حسيب الخطب يوم الدوحة فقلت: وما يوم الدوحة؟ فقال: والله لأخبرنك ~~ولو لم تسألني، ثم أقبل علي، وقال: أنا رجل ذو مال من نعم وشاء، وذو المال ~~لا يصدره القل، ولا يرويه الثماد. # وأني خشيت عام أول على مالي التلف، وقطر الغيث أرض كلب، فانتجعت أخوالا ~~لي منهم، فأوسعوا لي عن صدر المجلس، وسقوني جمة الماء، وكنت معهم في خير ~~أخوال. # PageV04P404 # ثم إني عزمت على مرافقة إبلي بماء لهم، فركبت فرسي، وسمطت خلفي شرابا كان ~~أهداه إلي بعضهم، ثم مضيت. # حتى إذا كنت قريبا من الحي ومرعى الغنم، رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن ~~فرسي، وشددته ببعض أغصانها، وجلست في ظلها. # فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار في ناحية الحي، ثم رفعت لي شخوص ثلاثة، ثم ~~نظرت فإذا بفارس يطرد مسحلا وأتانا، فتأملته، فإذا عليه درع أصفر، وعمامة ~~خز سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصريه، فقلت: غلام، حديث عهد بعرس، أعجلته ~~لذة الصيد، فترك ثوبه، ولبس ثوب امرأته. # فما كان إلا يسيرا، حتى طعن المسحل، وثنى بطعنة للأتان، فصرعهما، وأقبل ~~راجعا نحوي، وهو يقول: # نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل # فقلت: إنك تعبت، وأتعبت فرسك، فلو نزلت. # فثنى رجله، فنزل، وشد فرسه بغصن من ms643 أغصان الشجرة، وألقى رمحه، وأقبل حتى ~~جلس، فجعل يحدثني حديثا ذكرت به قول أبي ذؤيب: # وإن حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل # PageV04P405 # وقمت إلى فرسي، فأصلحت من أمره، ثم رجعت وقد حسر العمامة عن رأسه، وإذا ~~غلام كأن وجهه الدينار المنقوش. # فقلت: سبحانك اللهم، ما أعظم قدرتك، وما أحسن صنعتك؟ فقال لي: مم ذلك؟ ~~فقلت: لما راعني من جمالك، وما بهرني من نورك. # فقال: وما الذي يروعك من حبيس التراب، وأكيل الدواب؟ وما يدري أينعم بعد ~~ذلك، أم يبتئس. # قلت: لا يصنع الله بك إلا خيرا. # ثم تحدثنا ساعة، فأقبل علي، فقال: ما الذي سمطت في سرجك؟ قلت: شرابا، ~~أهداه إلي بعض أهلي، فهل لك فيه من أرب؟ فقال: أنت وذاك. # فأتيت به، فشرب منه، وجعل، والله، ينكت بالسوط أحيانا على ثناياه، فيتبين ~~لي أثر السوط فيهن. # فقلت: مهلا، إنني أخاف أن تكسرهن. # فقال: ولم؟ قلت: لأنهن رقاق عذاب. # قال: ثم رفع صوته يغني: # إذا قبل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجرا # فإن زاد زاد الله في حسناته ... مثاقيل يمحو الله عنه بها الوزرا # قال: ثم قام إلى فرسه، فأصلح من أمره، ثم رجع، فبرقت له بارقة تحت # PageV04P406 # الدرع، فإذا ثدي كأنه حق عاج. # فقلت: ناشدتك الله: أمرأة أنت؟ فقالت: نعم والله، إلا أنها تكره العار، ~~وتحب الغزل، ثم جلست، فجعلت تشرب معي، وما أفقد من أنسنا شيئا، حتى نظرت ~~إلى عينيها، كأنهما عينا مهاة مذعورة، فوالله، ما راعني إلا ميلها تحت ~~الدوحة سكرى. # فزين الشيطان لي، والله، الغدر، وحسنه في عيني، ثم إن الله عز وجل عصمني ~~منه، فجلست منها حجرة. # ثم انتبهت فزعة مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها، ~~وقالت: جزاك الله عن الصحبة خيرا. # فقلت: ألا تزوديني منك زادا؟ فناولتني يدها، فقبلتها، فشممت، والله، منها ~~ريح الشباب المطلول، فذكرت قول الشاعر: # كأنها إذ تقضى النوم وانتبهت ... سيابة ما لها عين ولا أثر # فقلت: وأين الموعد؟ فقالت: إن لي ms644 أخوة شوسا، وأبا غيورا، ووالله، لأن ~~أسرك، أحب إلي من أن أضرك، وانصرفت. # فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي، والله، يا ابن أبي ربيعة، أحلتني هذا ~~المحل، وأبلغتني هذا المبلغ. # PageV04P407 # فقال: يا أبا المسهر، إن الغدر بك مع ما تذكر لمليح، فبكى، واشتد بكاؤه. # فقلت: لا تبك، فما قلت لك ما قلت إلا مازحا، ولو لم أبلغ حاجتك إلا بمالي ~~وروحي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه. # فقال لي: جزيت خيرا. # فلما انقضى الموسم، شددت على ناقتي، وشد على ناقته، ودعوت غلامي فشد على ~~بعير له، وحملت عليه قبة من أدم حمراء، كانت لأبي ربيعة المخزومي، وحملت ~~معي ألف دينار، ومطرف خز، وانطلقنا، حتى أتينا بلاد كلب. # فسألنا عن أبي الجارية، فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيد القوم، والناس ~~حوله، فوقفت على القوم، وسلمت، فرد الشيخ السلام. # ثم قال: من الرجل؟ قلت: عمر بن أبي ربيعة المخزومي. # فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاء بك؟ قلت: جئت خاطبا. # قال: الكفؤ والرغبة. # قلت: إني لم آت لنفسي من غير زهادة فيك، ولا جهالة بشرفك، ولكني أتيت في ~~حاجة ابن أختكم هذا العذري. # فقال: والله، إنه لكفي الحسب، رفيع النسب، غير أن بناتي لم ينفقن إلا في ~~هذا الحي من قريش، فوجمت لذلك. # وعرف التغير في وجهي، فقال: إني صانع بك ما لم أصنع بغيرك. # قلت: مثلي من شكر، فما ذاك؟ قال: أخيرها، وهي وما اختارت. # PageV04P408 # قلت: ما انصفتني، إذ تختار لغيري، وتولي الخيار غيرك. # فأشار إلي العذري، أن دعه يخيرها، قال: فأرسل إليها: أن من الأمر كذا ~~وكذا. # فأرسلت إليه: ما كنت أستبد برأي دون القرشي، والخيار في قوله وحكمه. # فقال لي: إنها قد ولتك أمرها، فاقض ما أنت قاض. # فقلت: اشهدوا أني قد زوجتها من الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذه الألف دينار، ~~وجعلت تكرمتها العبد، والبعير، والقبة، وكسوت الشيخ هذا المطرف، وسألته أن ~~يبني الرجل عليها من ليلته. # فأرسل إلى أمها، فأبت، وقالت: أتخرج ابنتي كما تخرج الأمة؟ قال ms645 الشيخ: ~~فعجلي في جهازها. # فما برحت، حتى ضربت القبة في وسط الحريم، وأهديت إليه ليلا، وبت أنا عند ~~الشيخ. # فلما أصبحت، أتيت القبة، فصحت بصاحبي، فخرج إلي، وقد أثر السرور فيه. # فقلت: إيه. # فقال: أبدت، والله، كثيرا مما كانت تخفيه عني يوم لقيتها، فسألتها عن ~~ذلك، فأنشأت تقول: # كتمت الهوى لما رأيتك جازعا ... وقلت فتى بعض السرور يريد # وأن تطرحني أو تقول فتية ... يضر بها برح الهوى فتعود # فوريت عما بي وفي داخل الحشا ... من الوجد برح فاعلمن شديد # فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك فيهم، وانطلقت، وأنا أقول: # كفيت الفتى العذري ما كان نابه ... وإني لأعباء النوائب حمال # PageV04P409 # أما استحسنت مني المكارم والعلى ... إذا طرحت أني لمالي بذال # فقال العذري: # إذا ما أبو الخطاب خلى مكانه ... فأف لدنيا ليس من أهلها عمر # فلا حي فتيان الحجازين بعده ... ولا سقيت أرض الحجازين بالمطر # PageV04P410 ### || رضي أن يموت بعد أن يتمتع بحبيبته أسبوعا واحدا # أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن جعفر البصري، المعروف بابن لنكك، في ~~رسالة له، في فضل الورد على النرجس، فقال فيمن سمى بنته # PageV04P411 # من سائر العرب وردة: فمنهم شرحبيل بن مسعود التنوخي، وعائد الطائي، وهي ~~التي كان داود بن سعد التميمي عاشقا لها، فاستقبل النعمان بن المنذر، في ~~يوم بؤسه، وقد خرج يريدها، وهو لا يعلم بيوم النعمان. # فقال له: ما حملك على استقبالي في يوم بؤسي؟ فقال: شدة الوجد، وقلة ~~الصبر. # فقال: أو لست القائل؟ # وددت وكاتب الحسنات أني ... أقارع نجم وردة بالقداح # على قتلي بأبيض مشرفي ... وكوني ليلة حتى الصباح # مع الحسناء وردة إن قلبي ... من الحب المبرح غير صاح # فإن تكن القداح علي تلقى ... ذبحت على القداح بلا جناح # وإن كانت عليه بيمن جدي ... لهوت بكاعب خود رباح # قال: نعم. # قال: فإني مخيرك إحدى اثنتين، فاختر لنفسك. # قال: ما هما أبيت اللعن؟ قال: أخلي سبيلك، أو أمتعك سبعة أيام، ثم أقتلك. # قال: بما تمتعني؟ قال: بوردة. # قال: قبلت الثاني. # فساق النعمان مهرها إلى ms646 عمها، وجمع بينهما، فلما انقضت الأيام، أقبل # PageV04P412 # على النعمان، وهو يقول: # إليك ابن ماء المزن أقبلت بعدما ... مضت لي سبع من دخولي على أهلي # مجيء مقر لاصطناعك شاكر ... مننت عليه بالكريم من الفعل # لتقضي فيه ما أردت قضاءه ... من العفو، أهل العفو، أو عاجل القتل # فإن كان عفو كنت أفضل منعم ... وإن تكن الأخرى فمن حكم عدل # فأحسن جائزته، وخلى سبيله، وأنشأ النعمان يقول: # لم ينل ما نال داود ... بن سعد بن أنيس # إذ حوى من كان يهوى ... ونجا من كل بوس # وكذاك الطير يجري ... بسعود ونحوس # قال مؤلف هذا الكتاب: ووجدت كتابا لأحمد بن أبي طاهر، سماه: كتاب فضائل ~~الورد على النرجس، أكبر قدرا، وأغزر فائدة من كتاب ابن لنكك، فوجدته قد ذكر ~~فيه هذا الخبر. # قال: وممن سمى ابنته وردة، شرحبيل بن مسعود التنوخي، وهو صاحب العين، على ~~مسيرة يوم وليلة من تيماء اليمن. # وسليمان بن صرد، أمير الجيش الذي يقال لهم: التوابون، الذين تولوا الطلب ~~بدم الحسين عليه السلام، وقتل عبيد الله بن زياد. # وسمى عائد الطائي بنته وردة، وهي التي كان داود بن سعد التميمي، عاشقا ~~لها. . . . وساق الخبر كما ذكره. # PageV04P413 ### || إبراهيم بن سيابة يشكو فلا يجاب # أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، ~~قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن نصر المروزي، قال: ~~حدثنا محمد بن عبد الله الطلحي، قال: حدثنا سليمان بن يحيى بن معاذ، قال: ~~قدم على نيسابور إبراهيم بن سيابة، يعني الشاعر البصري، الذي كان جده ~~حجاما، فأعتقه بعض بني هاشم، فصار مولى لهم، فأنزلته علي، فجاءني ليلة من ~~الليالي وهو مكروب، وقد هام، فجعل يصيح بي، يا أبا أيوب؟ فخشيت أن يكون قد ~~غشيته بلية، فقلت له: ما تشاء؟ فقال: # أعياني الشادن الربيب # فقلت له: ماذا يقول؟ ، فقال: # أشكو إليه فلا يجيب # فقلت: داره، وداوه، فقال: # من أين أبغي شفاء دائي ... وإنما دائي الطبيب # PageV04P416 # فقلت: فلا، إذن، إلى أن يفرج الله تعالى، ms647 فقال: # يا رب فرج إذن وعجل ... فإنك السامع المجيب # ثم انصرف. # PageV04P417 ### || عزل عن الرافقة فولي دمشق # قال محمد بن عبدوس، في كتاب أخبار الوزراء والكتاب، أخبرني جعفر بن أحمد، ~~قال: حدثني أبو العباس بن الفرات، قال: حدثني محمد بن علي بن يونس، قال: ~~لما سلمت عمل دمشق إلى أبي المغيث الرافقي، سألني أن أكتب له عليه، ففعلت، ~~فلما تآنست أنا وهو، حدثني أول خبره في تقلد الناحية. # فقال لي: كنت قصدت عيسى بن موسى، ابن عمي، وهو يتقلد حمص، فقلدني ربع ~~فامية، فأقمت إلى أن قدم ابن عم له، وهو أقرب إليه مني، فصرفني، فانصرفت ~~عنه إلى الرافقة، ومعي شيء مما كسبته. # وكانت لابنة عم لي، جارية نفيسة، قد ربتها، وعلمتها الغناء، وكنت # PageV04P418 # أدعوها، فألفتها، ووقعت من قلبي موقعا عظيما، واشتد حبي لها، فعملت على ~~أن أبيع منزلي وأبتاعها، وناظرت مولاتها في ذلك، فحلفت أنها لا تنقص ثمنها ~~عن ثلاثة آلاف دينار. # فنظرت، فإذا أنا أفتقر، ولا تفي حالي بثمنها، فقامت قيامتي، واشتد وجدي، ~~وانحدرت إلى سر من رأى، أطلب تصرفا، أو ما به شراؤها. # وكان محمد بن إسحاق الطاهري، وأبوه، يرجيان لي، فقصدت محمدا، ومعي دواب، ~~وبقية من حالي، فأقمت عليه مدة لم يسنح لي فيها تصرف، فاشتدت بي رقة الحال، ~~فانحدرت إلى بغداد، أقصد إسحاق بن إبراهيم الطاهري، فوردت في زورق. # وفكرت في أمري، وعلى من أنزل، فلم أثق بغير محمد بن الفضل الجرجرائي، ~~لمودة كانت بيني وبينه، فقصدته، ونزلت عليه، ووقع ذلك منه أجل موقع، ~~وفاتشني عن أمري، وسألني عن حالي، فذكرت له قصتي مع الجارية. # فقال: والله، لا تبرح من مجلسك حتى تقبض ثمنها، وأمر خادمه، فأحضر كيسا ~~فيه ثلاثة آلاف دينار، وسلمت إلي، وتأبيت عليه، فحلف أيمانا مؤكدة أن ~~أقبلها. # وقال: إن اتسعت لقضائه، واحتجت إليه، لم أمتنع من أخذه منك، # PageV04P419 # فأخذت الكيس وشكرته، وتشاغلنا بالشرب. # فلما كان من الغد، أتى رسول إسحاق بن إبراهيم الطاهري يطلبني، فصرت إليه، ~~فاحتفى به، وأكرمني، وقال: ما ظننت ms648 أنك توافي بلدا أحله، فتنزل غير داري. # فقلت: والله، ما وافيت إلا قاصدا الأمير، ولكن دوابي تأخرت، فتوقعت ~~ورودها، لأصير إلى باب الأمير عليها. # فدعا بكتب وردت من محمد بن عبد الملك، وفيها كتاب من أمير المؤمنين ~~المعتصم، بولايتي دمشق، وأراني كتابا يعلمه فيه، ما جنى علي بن إسحاق من ~~قتل رجاء بن أبي الضحاك بدمشق، وأن أمير المؤمنين رأى تقليدك، وطلبت بسر من ~~رأى، فذكر له أنك انحدرت إلى إسحاق بن إبراهيم، فأمر بتسليم كتبك إلي، ودفع ~~مائة ألف دينار لك معونة على خروجك، وأحضر المال، ووكل بي من يستحثني على ~~البدار. # فورد علي من السرور ما أدهشني، وودعته، وخرجت إلى محمد بن الفضل، فعرفته ~~ما جرى، وودعته أيضا، وأخرجت دنانيره، فرددتها عليه، فحلف بأيمان غليظة ~~عظيمة، لا عادت إلى ملكه أبدا. # وقال: إن جلست في عملك واتسعت، لم أمتنع أن أقبل منك غير هذا. # PageV04P420 # فشخصت، ومررت بالرافقة وابتعت الجارية، وبلغت مناي بملكها، واجتزت بحمص، ~~بابن عمي، وأنا أجل منه عملا، ودخلت عملي، فصنع الله سبحانه، ووسع. # PageV04P421 ### || أين اختبأ الأسدي # ووجدت في كتاب المتيمين للمدائني: أن رجلا من بني أسد، علق امرأة من ~~همدان بالكوفة، وشاع أمرهما، فوضع قوم المرأة عليه عيونا، حتى أخبروا أنه ~~قد أتاها في منزلها، فأتوا دارها، واحتاطوا بها. # فلما رأت ذلك، ولم تجد للرجل مهربا، وكانت المرأة بادنة، فقالت له: ما ~~أرى لك موضعا أستر لك من أن أدخلك خلف ظهري، وتلزمني، فأدخلته بينها وبين ~~القميص، ولزمها من خلفها. # ودخل القوم، فداروا في الدار، حتى لم يتركوا موضعا إلا فتشوه، فلما لم ~~يجدوا الرجل، استحيوا من فعلهم، وأغلظت المرأة عليهم، وعنفتهم، فخرجوا. # وأنشأ الرجل يقول: # فحبك أشهاني وحبك قادني ... لهمدان حتى أمسكوا بالمخنق # فجاشت إلي النفس أول مرة ... فقلت لها لا تفرقي حين مفرقي # رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق # PageV04P422 ### || جميل وبثينة # ذكر الهيثم بن عدي، أن جماعة من بني عذرة حدثوه: أن جميل بثينة حضر ذات ~~ليلة عند خباء بثينة، ms649 حتى إذا صادف منها خلوة تنكر، ودنا منها، وكانت ~~الليلة ظلماء، ذات غيم ورعد وريح. # فحذف بحصاة، فأصابت بعض أترابها، ففزعت، وقالت: ما حذفني في هذه الليلة ~~إلا الجن. # ففطنت بثينة أن جميلا فعل ذلك، فقالت لتربها: ألا فانصرفي يا أخية إلى ~~منزلك حتى تنامي، فانصرفت، وبقيت مع بثينة أم الحسين، ويروى أم الجسير، بنت ~~منظور، وكانت لا تكتمها. # فقامت إلى جميل، فأدخلته الخباء معها، وتحدثوا جميعا، ثم اضطجعوا، وذهب ~~به النوم حتى أصبحوا. # وجاءهم غلام زوجها بصبوح من اللبن، بعث به إليها، فرآها نائمة، ونظر ~~جميلا، فمضى لوجهه، حتى خبر سيده. # PageV04P423 # وكانت ليلى رأت الغلام والصبوح معه، وقد عرفت خبر جميل وبثينة، فاستوقفته ~~كأنها تسأله عن حاله، وطاولته الحديث، وبعثت بجارية لها، وقالت: حذري جميلا ~~وبثينة. # فجاءت الجارية ونبهتها، فلما تبينت بثينة أن الصبح قد أضاء، والناس قد ~~انتشروا، ارتاعت لذلك. # وقالت: يا جميل نفسك، فقد جاء غلام بعلي بصبوح من اللبن، فرآنا نائمين. # فقال جميل، وهو غير مكترث: # لعمرك ما خوفتني من مخافة ... علي ولا حذرتني موضع الحذر # وأقسم ما تلفى لي اليوم غرة ... وفي الكف مني صارم قاطع ذكر # فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد، وقالت: إنما أسألك خوفا على نفسي من ~~الفضيحة، لا خوفا عليك، ففعل ذلك، ونامت، وأضجعت أم الحسين إلى جانبها، ~~وذهبت خادم ليلى إليها، فأخبرتها الخبر، فتركت العبد يمضي إلى سيده، فمضى ~~والصبوح معه، وقال له: إني رأيت بثينة مضطجعة، وجميل إلى جنبها. # فجاء زوجها إلى أخيها وأبيها، فعرفهما الخبر، وجاءوا بأجمعهم إلى بثينة، ~~وهي نائمة، فكشفوا عنها الثوب، فرأوا أم الحسين إلى جانبها نائمة. # فخجل زوجها، وسب عبده، وقالت ليلى لأبيها وأخيها: قبحكما الله، # PageV04P424 # في كل يوم تفضحان المرأة في فنائكما، ويلكما، هذا لا يجوز. # فقالا: إنما فعل هذا زوجها. # فقالت: قبحه الله وإياكما، فجعلا يسبان زوجها، وانصرفوا. # وأقام جميل تحت النضد إلى الليل، ثم ودعها وانصرف. # PageV04P425 ### || العمر أقصر مدة من أن يضيع في الحساب # حدثني الحسن بن صافي مولى ابن ms650 المتوكل القاضي، قال: حدثنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الليثي الكاتب المعروف بابن كردويه، قال: كان لي صديق من أهل ~~راذان، عظيم النعمة والضيعة، فحدثني، قال: تزوجت في شبابي امرأة من آل وهب، ~~ضخمة النعمة، حسنة الخلقة والأدب، كثيرة المروءة، ذات جوار مغنيات، فعشقتها ~~عشقا مبرحا، وتمكن لها من قلبي أمر عظيم، ومكث عيشي بها طيبا مدة طويلة. # ثم جرى بيني وبينها بعض ما يجري بين الناس، فغضبت علي، وهجرتني، وأغلقت ~~باب حجرتها من الدار دوني، ومنعتني الدخول إليها، وراسلتني بأن أطلقها. # فترضيتها بكل ما يمكنني، فلم ترض، ووسطت بيننا أهلها من النساء، فلم ~~ينجع. # فلحقني الكرب والغم، والقلق والجزع، حتى كاد يذهب بعقلي، وهي مقيمة على ~~حالها. # فجئت إلى باب حجرتها، وجلست عنده مفترشا التراب، ووضعت خدي على العتبة، ~~أبكي وأنتحب، وأتلافاها، وأسألها الرضا، وأقول كلما يجوز أن يقال في مثل ~~هذا، وهي لا تكلمني، ولا تفتح الباب، ولا تراسلني. # ثم جاء الليل، فتوسدت العتبة إلى أن أصبحت، وأقمت على ذلك ثلاثة # PageV04P426 # أيام بلياليها، وهي مقيمة على الهجران. # فأيست منها، وعذلت نفسي، ووبختها، ورضتها على الصبر، وقمت من باب حجرتها، ~~عاملا على التشاغل عنها. # ومضيت إلى حمام داري، فأمطت عن جسدي الوسخ الذي كان لحقه، وجلست لأغير ~~ثيابي وأتبخر. # فإذا بزوجتي قد خرجت إلي، وجواريها المغنيات حواليها، بآلاتهن يغنين، ومع ~~بعضهن طبق فيه أوساط، وسنبوسج، وماء ورد، وما أشبه ذلك. # فحين رأيتها استطرت فرحا، وقمت إليها، وأكببت على يديها ورجليها. # وقلت: ما هذا يا ستي؟ # PageV04P427 # فقالت: تعال، حتى نأكل ونشرب، ودع السؤال. # وجلست وقدم الطبق، فأكلنا جميعا، ثم جيء بالشراب، واندفع الجواري ~~بالغناء، وأخذنا في الشراب، وقد كاد عقلي يزول سرورا. # فلما توسطنا أمرنا، قلت لها: يا ستي، أنت هجرتيني بغير ذنب كبير أوجب ما ~~بلغته من الهجران، وترضيتك بكل ما في المقدرة، فما رضيت، ثم تفضلت ابتداء ~~بالرجوع إلى وصالي بما لم تبلغه آمالي، فعرفيني ما سبب هذا؟ قالت: كان ~~الأمر في سبب الهجر ضعيفا كما قلت: ولكن ms651 تداخلني من التجني ما يتداخل ~~المحبوب، ثم استمر بي اللجاج، وأراني الشيطان أن الصواب فيما فعلته، فأقمت ~~على ما رأيت. # فلما كان الساعة، أخذت دفترا كان بين يدي وتصفحته، فوقعت عيني منه على ~~قول الشاعر: # العمر أقصر مدة ... من أن يضيع في الحساب # فتغنمي ساعاته ... فمرورها مر السحاب # قالت: فعلمت أنها عظة لي، وأن سبيلي أن لا أسخط الله عز وجل بإسخاط زوجي، ~~وأن لا أستعمل اللجاج، فأسوءك، وأسوء نفسي، فجئتك لأترضاك، وأرضيتك. # فانكببت على يديها ورجليها، وصفا ما كان بيننا. # PageV04P428 ### | الباب الرابع عشر ما اختير من ملح الأشعار في أكثر ما تقدم من الأمثال والأخبار # قال لقيط بن زرارة التميمي: # قد عشت في الناس أطوارا على خلق ... شتى وقاسيت فيها اللين والقطعا # كلا لبست فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها جزعا # لا يملأ الهول صدري قبل وقعته ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا # ما سد لي مطلع ضاقت ثنيته ... إلا وجدت وراء الضيق متسعا # وقال أبو ذؤيب الهذلي: # PageV05P005 # وإني صبرت النفس بعد ابن عنبس ... وقد لج من ماء الشئون لجوج # لأحسب جلدا أو ليستاء حاسد ... وللشر بعد القارعات فروج # ويروى لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: # إني أقول لنفسي وهي ضيقة ... وقد أناخ عليها الدهر بالعجب # صبرا على شدة الأيام إن لها ... عقبى وما الصبر إلا عند ذي الحسب # سيفتح الله عن قرب بنافعة ... فيها لمثلك راحات من التعب # ويروى لعثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل إنه لغيره: # خليلي لا والله ما من ملحة ... تدوم على حي وإن هي جلت # فإن نزلت يوما فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت # فكم من كريم قد بلي بنوائب ... فصابرها حتى مضت وأضمحلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # وأنشد معاوية بن أبي سفيان متمثلا: # فلا تيأسن واستغن بالله إنه ... إذا الله سنى حل عقد تيسرا # PageV05P006 # ولأبي دهبل الجمحي من قصيدة: # وإني لمحجوب غداة أزورها ... وكنت إذا ما جئتها لا أعرج ms652 # عسى كربة أمسيت فيها مقيمة ... يكون لنا منها نجاء ومخرج # فيكبت أعداء ويجذل آلف ... له كبد من لوعة البين تلعج # ولحارثة بن بدر الغداني: # وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الهم أفرخ أكثر الروع باطله # ولتوبة بن الحمير العقيلي: # وقد تذهب الحاجات يطلبها الفتى ... شعاعا وتخشى النفس ما لا يضيرها # PageV05P007 # ولجرير بن الخطفى: # يعافي الله بعد بلاء جهد ... وينهض بعد ما يبلى السقيم # ولزياد بن عمرو من بني الحارث بن كعب، وقيل لزياد بن عمرو الغداني وقيل ~~لزيادة بن زيد العذري: # إذا مذهب سدت عليك فروجه ... فإنك لاق لا محالة مذهبا # ولا تجعلن كرب الخطوب إذا عرت ... عليك رتاجا لا يزال مضببا # وكن رجلا جلدا إذا ما تقلبت ... به صيرفيات الأمور تقلبا # ولغيره، ولم يسم قائلا: # نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ اللبيب # قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب # ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب # PageV05P008 # وقريب منه ما أنشدني أبي رحمه الله تعالى، عن ابن دريد، عن عبد الرحمن ~~ابن أخي الأصمعي، عن عمه: # كأن قوما إذا ما بدلوا نعما ... بنكبة لم يكونوا قبلها نكبوا # ومثله، أو يقاربه لغيره، مفرد: # إن البطون إذا جاعت، متى شبعت ... كأنما لم يقاس الجوع طاويها # وذكر أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة، لجابر بن تغلب الطائي: # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # ولم يك في بؤس إذا بات ليلة ... يناغي غزالا ساجي الطرف أكحلا # ولسعيد بن مضاء الأسدي وقيل إنه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # فما نوب الحوادث باقيات ... ولا البؤسى تدوم ولا النعيم # كما يمضي سرورك وهو جم ... كذلك ما يسوءك لا يدوم # PageV05P009 # فلا تهلك على ما فات وجدا ... ولا تفردك بالأسف الهموم # وقريب منه لكثير عزة، في محمد بن الحنفية عليه السلام، لما حبسه ابن ~~الزبير، من أبيات: # تحدت من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم # وما رونق الدنيا بباق لأهلها ... وما شدة ms653 الدنيا بضربة لازم # لهذا وهذا مدة سوف تنقضي ... ويصبح ما لاقيته حلم حالم # ولبعض الأعراب، قريب منه: # كأنك لم تعدم من الدهر لذة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # وللأضبط بن قريع التميمي من أبيات: # لكل ضيق من الأمور سعه ... والليل والصبح لا بقاء معه # لا تحقرن الوضيع علك أن ... تلقاه يوما والدهر قد رفعه # قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه # PageV05P010 # قد يقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه # قد يرفع البيت غير ساكنه ... ويسكن البيت غير من رفعه # فارض من الله ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه # وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه # قال مؤلف هذا الكتاب، ولي من هذا الروي، وقريب من هذا المعنى، أبيات وهي: # اصبر فليس الزمان مصطبرا ... وكل أحداثه فمنقشعه # كم من فقير غناه في شبع ... قد نال خفضا في عيشه ودعه # وكم جليل جلت مصائبه ... ثم تلافاه بعد من وضعه # فعاد بالعز آمنا جذلا ... وعاد أعداؤه له خضعه # وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب: # رب ريح لأناس عصفت ... ثم ما إن لبثت أن ركدت # وكذاك الدهر في أفعاله ... قدم زلت وأخرى ثبتت # بالغ ما كان يرجو دونه ... ويد عما استحقت قصرت # وكذا الأيام من عاداتها ... أنها مفسدة ما أصلحت # PageV05P011 # ثم تأتيك مقادير بها ... فترى مصلحة ما أفسدت # وللحسين بن مطير الأسدي: # إذا يسر الله الأمور تيسرت ... ولانت قواها واستقاد عسيرها # فكم طامع في حاجة لا ينالها ... وكم آيس منها أتاه بشيرها # وكم خائف صار المخيف ومقتر ... تمول والأحداث يحلو مريرها # وقد تغدر الدنيا فيمسي غنيها ... فقيرا ويغنى بعد عسر فقيرها # وكم قد رأينا من تكدر عيشة ... وأخرى صفا بعد انكدار غديرها # ولمسكين الدارمي: # وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع # PageV05P012 # وأنشدني محمد بن الحسن بن المظفر بن الحسين، قال: أنشدني الحسن بن أبي ~~الخضر، قال: أنشدنا ثعلب: # إلى الله كل الأمر في الخلق كله ... وليس إلى ms654 المخلوق شيء من الأمر # إذا أنا لم أقبل من الدهر كلما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر # ووسع صدري للأذى كثرة الأذى ... وقد كنت أحيانا يضيق به صدري # وصيرني يأسي من الناس راجيا ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري # وأخبرني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي ~~رحمه الله على القضاء بها، قال: أخبرنا وكيع، محمد بن خلف القاضي، أن طلحة ~~بن عبيد الله أخبره، قال: حدثني عبد الله بن شبيب، قال: أنشدني الثوري، ~~وذكر البيتين الأولين، ثم بيتا ثالثا، وهو: # وعودت نفسي الصبر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر # ثم ذكر البيتين الآخرين على نحو ذلك. # وقال آخر: # PageV05P013 # إذا ضاق صدري بالأمور تفرجت ... لعلمي بأن الأمر ليس إلى الخلق # وقال آخر: # يضيق صدري بغم عند حادثة ... وربما خير لي في الغم أحيانا # ورب يوم يكون الغم أوله ... وعند آخره روحا وريحانا # ما ضقت ذرعا بغم عند نائبة ... إلا ولي فرج قد حل أو حانا # وأنشدني محمد بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد، قال: ~~أنشدنا ثعلب، عن الزبير: # لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا # وما لقيت من المكروه نازلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا # وأخبرني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي ~~رحمه الله على القضاء بها، قال: أنشدنا أحمد بن عمر الحنفي، قال: أنشدنا ~~الرياشي، قال: أنشدنا القحذمي، فذكر البيت الأول، ثم قال: # PageV05P014 # ولا تراني لما قد فات مكتئبا ... ولا تراني بما قد نلت مبتهجا # ثم ذكر البيت الثالث. # ولبعض الأعراب: # وقل وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فسيح # من روح الله عنه هبت ... من كل وجه إليه ريح # قرئ على أبي بكر الصولي، بالبصرة، في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، في ~~كتابه: كتاب الوزراء، وأنا أسمع، حدثك الحسين بن محمد، قال: حدثني ~~البيمارستاني، قال: أنشدت أبا العباس إبراهيم بن العباس الصولي، وهو في ~~مجلسه بديوان الضياع: # ربما تكره ms655 النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال # فنكت بقلمه، ثم قال: # ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج # ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج # PageV05P015 # أنشدني أحمد بن عبد الله الوراق، قال: أنشدنا أحمد بن القاسم بن نصر أخو ~~أبي الليث الفرائضي، قال: أنشدنا دعبل بن علي الخزاعي، قصيدته: مدارس آيات ~~خلت من تلاوة، فذكر القصيدة إلى آخرها وفيها ما يدخل في هذا الباب: # فلولا الذي أرجو في اليوم أو غد ... تقطع قلبي إثرهم حسرات # فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري ... فغير بعيد كلما هو آت # ولا تجزعي من دولة الجور إنني ... كأني بها قد آذنت بشتات # عسى الله أن يرتاح للخلق إنه ... إلى كل حي دائم اللحظات # ولعلي بن الجهم من قصيدة: # غير الليالي باديات عود ... والمال عارية يفاد وينفد # ولكل حال معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما يحمد # PageV05P016 # لا يؤيسنك من تفرج كربة ... خطب رماك به الزمان الأنكد # صبرا فإن اليوم يتبعه غد ... ويد الخليفة لا تطاولها يد # كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود # ولغيره في مثله: # قد يصح المريض من بعد يأس ... كان منه ويهلك العواد # ويصاد القطا فينجو سليما ... بعد هلك ويهلك الصياد # ولعبد الله بن المعتز من أبيات: # وكم نعمة لله في صرف نقمة ... ومكروه أمر قد حلا بعد إمرار # وما كل ما تهوى النفوس بنافع ... وما كل ما تخشى النفوس بضرار # وله مفرد: # ولربما انتفع الفتى بضرار من ... ينوي الضرار وضره من ينفع # وقريب منه: # PageV05P017 # ربما خير للفتى ... وهو للخير كاره # وأتاه السرور من ... حيث تأتي المكاره # أنشدني أبو إسحاق محمد بن عبد الله بن محمد بن شهرام الكاتب وأبو عبد ~~الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن علي بن يحيى المنجم، وأخبراني أن فيه لحنا ~~من الرمل: # فلا تيأسن من فرجة أن تنالها ... لعل الذي ترجوه من حيث لا ترجو # وقال آخر: # أتى من حيث لا ترجوه صنع ... وتأبى أن تهم به الظنون ms656 # وحيث تراك تيأس فارج خيرا ... فإن الغيب محتجب مصون # فكن أرجى لأمر ليس ترجو ... من المرجو أقرب ما يكون # وقال آخر: # وإذا تصبك خصاصة فأرج الغنى ... وإلى الذي يعطي الرغائب فأرغب # PageV05P018 # وأنشدني أبي رحمه الله لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # أراها تمخض بالمعضلات ... فيا ليت شعري ما الزبده # ألا إن زبدتها فرجة ... تحل العقال من العقده # ولأبي إسحاق إسماعيل بن القاسم الملقب بأبي العتاهية: # إنما الدنيا هبات ... وعوار مسترده # شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شده # وله أيضا: # الناس في الدين والدنيا ذوو درج ... والمال ما بين موقوف ومختلج # من ضاق عنك فأرض الله واسعة ... في كل وجه مضيق وجه منفرج # قد يدرك الراقد الهادي برقدته ... وقد يخيب أخو الروحات والدلج # خير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه من الفرج # PageV05P019 # ويروى له، والقافية كلها واحدة، وهذا هو الإيطاء، وأبو العتاهية يرتفع ~~عنه، فإما أن يكون الشعر لغيره ممن جهل هذا العيب، أو له وجه لا أعلمه، ~~وأوله: # يا صاحب الهم إن الهم منقطع ... أبشر بذاك فإن الكافي الله # اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن كأن قد فرج الله # الله حسبك مما عذت منه به ... وأين أمنع ممن حسبه الله # هن البلايا، ولكن حسبنا الله ... والله حسبك، في كل لك الله # هون عليك، فإن الصانع الله ... والخير أجمع فيما يصنع الله # يا نفس صبرا على ما قدر الله ... وسلمي تسلمي، فالحاكم الله # يا رب مستصعب قد سهل الله ... ورب شر كثير قد وقى الله # إذا بكيت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله # الحمد لله شكرا لا شريك له ... ما أسرع الخير جدا إن يشا الله # ولمحمد بن حازم الباهلي، في مثل هذا: # PageV05P020 # طوبى لمن يتولى الله خالقه ... ومن إلى الله يلجأ يكفه الله # ورب حاذر أمر يستكين له ... ينجو وخيرته ما قدر الله # ومن دعا الله في اللأواء أنقذه ... وكل كرب شديد يكفه الله # وليحيى بن خالد بن برمك، من أبيات: # ألا يا بائعا دينا ms657 بدنيا ... غرور لا يدوم لها نعيم # سينقطع التلذذ عن أناس ... أداموه وتنقطع الهموم # وأنشدني أبي، القاضي أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي رحمه ~~الله، من قصيدة لسالم بن عمرو الخاسر: # إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله # وقرب ما كان مستبعدا ... ورد الغريب إلى أهله # فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله # ووجدت بخط عمي القاضي أبي جعفر أحمد بن محمد بن أبي الفهم # PageV05P021 # التنوخي، مكتوبا: # إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح بها ويركض # وإن عاق من دونها عائق ... أتى دونها عارض يعرض # ولعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من أبيات: # لا تعجلن فربما ... عجل الفتى فيما يضره # والعيش أحلى ما يعود ... على حلاوته ممره # ولربما كره الفتى ... أمرا عواقبه تسره # ولغيره: # كم مرة حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره # ولغيره: # PageV05P022 # رب أمر تزهق النفس له ... جاءها من خلل اليأس الفرج # لا تكن من وجه روح آيسا ... ربما قد فرجت تلك الرتج # بينما المرء كئيب موجع ... جاءه الله بروح فابتهج # رب أمر قد تضايقت له ... فأتاك الله منه بالفرج # وقال آخر: # إذا الحادثات بلغن المدى ... وكادت تذوب لهن المهج # وجل البلاء وقل العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج # ولبعضهم مفرد: # البؤس يعقبه النعيم وربما ... لاقيت ما ترجوه فيما ترغب # وأنشدني عبيد الله بن محمد بن الحسن العبقسي المعروف بالصوري، لنفسه: # إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح بغير احتباس # فيأتيك من حيث لا ترتجي ... مرادك بالنجع بعد الإياس # PageV05P023 # ولمحمد بن حازم الباهلي: # وارحل إذا أجدبت بلاد ... منها إلى الخصب والربيع # لعل دهرا غدا بنحس ... بكر بالسعد في الرجوع # ووجدت في بعض الكتب منسوبا إلى أبي تمام الطائي: # وما من شدة إلا سيأتي ... لها من بعد شدتها رخاء # وأنشدني الأمير أبو الفضل جعفر بن المكتفي بالله، قال: أنشدني بعض ~~أصحابنا، ولم يسم قائلا، وأخبرني بعض الشعراء: أن البيت الأول لقيس بن ~~الخطيم، ووجدته وحده في ms658 كتاب الأمثال السائرة منسوبا إلى قيس بن الخطيم: # وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء # فإن الضغط قد يحوي وعاء ... ويتركه إذا فرغ الوعاء # PageV05P024 # وما ملئ الإناء وسد إلا ... ليخرج منه ما امتلأ الإناء # وأنشدت: # متى تصفو لك الدنيا بخير ... إذا لم ترض منها بالمزاح # ألم تر جوهر المصفى ... ومخرجه من البحر الأجاج # ورب مخيفة فجأت بهول ... جرت بمسرة لك وابتهاج # ورب سلامة بعد امتناع ... ورب إقامة بعد اعوجاج # ولمحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي عيينة المهلبي، من أبيات، ومحمد هذا، ~~هو والد أبي خالد يزيد بن محمد المهلبي، نديم المتوكل: # إني لرحال إذا الهم برك ... رحب اللبان عند ضيق المعترك # عسري على نفسي ويسري مشترك ... لا تهلك النفس على شيء هلك # وليس في الهم لما فات درك ... ولم يدم شيء على دور الفلك # رب زمان ذله أرفق بك ... لا عار إن ضامك دهر أو فتك # فقد يعود بالذي تهواه لك ... كم قد رأينا سوقة صار ملك # وقال آخر: # PageV05P025 # لكل غم فرج عاجل ... يأتيك في المصبح والممسى # لا تتهم ربك فيما مضى ... وهون الأمر تطب نفسا # ولعبد الله بن المعتز: # سواء على الأيام حفظ وإغفال ... وتارك سعي واحتيال ومحتال # ولا هم إلا سوف يفتح قفله ... ولا حال إلا بعدها للفتى حال # وقال آخر: # جزعت كذا ذو الهم يجزع قلبه ... ألا رب يأس جاء من بعده فرج # كأنك بالمحبوب قد لاح نجمه ... وذو الهم من بين المضايق قد خرج # وأنشد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # لا تكره المكروه عند نزوله ... إن المكاره لم تزل متباينه # كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في جنب المكاره كامنه # PageV05P026 # حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: أنشدني ~~رجل من قريش: # ألم تر أن ربك ليس تحصى ... أياديه الحديثة والقديمه # تسل عن الهموم فليس شيء ... يقيم ولا همومك بالمقيمه # لعل الله ينظر بعد هذا ... إليك بنظرة منه رحيمه # وأنشدني محمد بن عبد الواحد ms659 بن الحسن بن طرخان، قال: أنشدني أبو الحسن ~~علي بن هارون بن علي بن يحيى المنجم، لنفسه من أبيات كتب بها إلى علي بن ~~خلف بن طناب، فعملت فيه صوتا: # بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب # يا غائبا بمزاره وكتابه ... هل يرتجى من غيبتك إياب # لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب # لا يأس من فرج الإله فربما ... يصل القطوع ويقدم الغياب # ولآخر غيره: # PageV05P027 # فلا تيأس وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل # وقال آخر: # فلا تيأس وإن صحت ... عزيمتهم على الدلج # فإن إلى غداة غد ... سيأتي الله بالفرج # فتصبح عيسهم عرجا ... وقد كانت بلا عرج # وقال آخر: # ربما يطلع التفرج في الكربة ... كالبدر من خلال السحاب # وتزول الهموم في قدر الزر ... تفرى عن عروة الجلباب # وقال آخر: # رميت بالهم لما أن رميت به ... ولم أقم غرضا للهم يرميني # ولست آيس من روح ومن فرج ... ومن لطائف صنع سوف تكفيني # وكل ما كان من دهري إلي شوى ... ما سلم الله من أحداثه ديني # وقال آخر: # PageV05P028 # وكم من ضيقة ركدت بغم ... فكان عقيبها فرج مفاجي # وأضيق ما يكون الأمر أدنى ... وأقرب ما يكون إلى انفراج # ولعلي بن جبلة: # عسى فرج يكون عسى ... نعلل نفسنا بعسى # فلا تقنط وإن لاقيت ... هما يقبض النفسا # فأقرب ما يكون المرء ... من فرج إذا يئسا # حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن، وذكر البيت الأول، والثالث، ولم ~~يذكر الثاني، ولا سمى قائلا. # وقال آخر: # لعمرك ما المكروه من حيث تتقي ... وتخشى ولا المحبوب من حيث تطمع # وأكثر خوف الناس ليس بكائن ... فما درك الهم الذي ليس ينفع # وقال آخر: # رضيت بالله إن أعطى شكرت وإن ... يمنع قنعت وكان الصبر من عددي # PageV05P029 # إن كان عندك رزق اليوم فاطرحن ... حمل الهموم فعند الله رزق غد # ولأبي يوسف البنهيلي الكاتب، عم المفجع الشاعر، وهو من قرية من أعمال ~~النهروانات، من ms660 قصيدة: # لا البؤس يبقى ولا النعيم ولا ... حلقة ضيق، ستفرج الحلقه # صبرا على الدهر في تجوره ... كم فتح الصبر مرة غلقه # وقال آخر: # جديد همك يبليه الجديدان ... فاستشعر الصبر إن الدهر يومان # يوم يسوء فيتلوه فيذهبه ... يوم يسر وكل زائل فان # وقال آخر: # لا تعجل هما بما ليس تدري ... إن تراخى، يكون أو لا يكون # وقال آخر: # PageV05P030 # عادني الهم واعتلج ... كل هم إلى فرج # وقال آخر: # لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر # يرى الشيء مما يتقي فيخافه ... وما لا يرى مما يقي الله أكثر # وقال آخر: # الهم فضل والقضاء مغالب ... وصروف أيام الفتى تتقلب # والبؤس يتبعه النعيم وربما ... لاقيت ما ترجوه فيما ترهب # ولا تيأسن وإن تضايق مذهب ... فيما تحاول أو تعذر مطلب # وانظر إلى عقبى الأمور فعندها ... لله عادة فرجة تترقب # ولبعض الأعراب: # فلا تحسبن سجن اليمامة دائما ... كما لم يدم عيش بسفح ثبير # PageV05P031 # ولحوط بن ذياب الأسدي: # تعلمني بالعيش عرسي كأنما ... تعلمني الشيء الذي أنا جاهله # ولآخر: # يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكل كأن لم يلقه حين يذهب # كأنك لم تعدم من الدهر لذة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # تخطي النفوس مع العيان ... وقد تصيب مع التظنه # كم من مضيق بالفضاء ... ومخرج بين الأسنة # ولسليمان بن المهاجر البجلي، من أبيات: # إن المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا # وللبحتري: # PageV05P032 # لا ييأس المرء أن ينجيه ... ما يحسب الناس أنه عطبه # إن سرك الأمر قد يسوءوكم ... نوه يوما بخامل لقبه # ولأبي العتاهية: # ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم # وأنشدني بعض إخواني لسعيد بن حميد، وقال: فيه لحن من الرمل: # يوم عليك مبارك ... ما عشت في فرح وطيب # عاد الحبيب لوصله ... وحجبت عن عين الرقيب # وكذا الزمان يدور ... بالأفراح من بعد الكروب # فاشرب شرابا نقله ... تقبيل سالفة الحبيب # ودع الهموم فإنها ... تنأى عن الصدر الرحيب # لا بد من فرج قريب ... يأتيك بالعجب العجيب والكمد # PageV05P033 # وحدثني علي بن محمد ms661 بن إسحاق الأنصاري الخطمي، قال: سمعت برامهرمز في سنة ~~إحدى وعشرين وثلاث مائة، مغنيا يقال له ابن هاني، يغني على الطنبور: # علل همومك بالمنى ... ترجى إلى أجل قريب # لا بد من صنع قريب ... يأتيك بالعجب العجيب # لا تيأسن وإن ألح ... الدهر من فرج قريب # روح فؤادك بالرضا ... ترجع إلى روح وطيب # قال: فسألته من قائلها، فقال: عبيد الله بن عبيد الله بن طاهر. # قال مؤلف هذا الكتاب: وقريب من البيت الأخير: # حرك مناك إذا اغتممت ... فإنهن مراوح # وحدثني الحسين بن علي بن محمد، ويعرف أبوه بالبغدادي النديم، قال: سمعت ~~عبد الواحد بن حمزة الهاشمي، من ولد إبراهيم الإمام، يغني على الطنبور، ~~وكان حاذقا طيبا، لحنا من الرمل: # ليس لي صبر ولا جلد ... قد براني الهم والسهد # من ملمات تؤرقني ... ما لها من كثرة عدد # ولعل الله يكشفها ... فيزول الحزن والكمد # PageV05P034 # وأنشدني محمد بن عبد الواحد بن الحسن بن طرخان، لنفسه، وقال: لي فيه لحن ~~من الرمل: # هاكها صرفا تلالا ... لم يدنسها المزاج # واترك الهم لشانيك ... فللهم انفراج # ثم وجدت بعد ذلك، أن إسحاق الموصلي، ذكر في كتابه كتاب الأغاني المعروف ~~بشجا، أبياتا لم يسم قائلها، وذكر أن فيها للغريض لحنا من الثقيل الثاني ~~بالبنصر، في مجراها: # يا أبا وهب صفيي ... كل ضيق لانفراج # اسقني صهباء صرفا ... لم تدنس بمزاج # وقال آخر: # رضيت بالله إن أعطى شكرت وإن ... يمنع منعت وكان الصبر من عددي # إن كان عندك رزق اليوم فاطرحن ... عنك الهموم فعند الله رزق غد # PageV05P035 # وقال آخر: # سهل على نفسك الأمورا ... وكن على مرها صبورا # فإن ألمت صروف دهر ... فلا تكن عندها ضجورا # فكم رأينا أخا هموم ... أعقب من بعدها سرورا # فرب عسر أتى بيسر ... فصار معسوره يسيرا # وأنشدني أبو الفرج القرشي المعروف بالأصبهاني، لنفسه، من قصيدة: # تعز ولا تأسى علي وتيأس ... فجدي محظوظ وأمري مقبل # لعل الليالي أن تعود كعهدنا ... وتجمعنا حال تسر وتجذل # ويعقب هذا البؤس نعمى، وهمنا ... سرور، وبلوانا سراح معجل # وأنشدني سعيد بن محمد بن علي ms662 الأزدي البصري المعروف بالوحيد، لنفسه: # إن الزمان عزور ... له صروف تدور # فاصبر فرب اغتمام ... يأتيك منه حبور # ورب هم تفرى ... فلاح منه سرور # PageV05P036 # قال مؤلف هذا الكتاب: ولي في محنة لحقتني، فكشفها الله تعالى عني بتفضله: # هون على قلبك الهموم فكم ... قاسيت هما أدى إلى فرح # ما الشر من حيث تتقيه ولا ... كل مفض إلى ترح # وأنشدني الأموي، أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، لنفسه من قصيدة، أولها: # هل مشتكى لغريب الدار ممتحن ... أو راحم لوثيق الأسر مرتهن # يقول فيها: # كأن جلدي سجن فوق أعظمه ... والروح محبوسة للهم في البدن # فالحمد لله حمد الصابرين على ... ما ساءني من قضاياه وأفجعني # لعل دهري بعد اليأس يسعفني ... بما أحب وما أرجو ويعقبني # وأن أنال المنى يوما وإن طويت ... من فوق جثماني الأثناء من كفني # وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها: # لقد بكر الناعي فوثب أن رأى ... ارتياعي لخطب عز فيه التجمل # ويقول فيها: # PageV05P037 # وما زال هذا الدهر يأتي بأضرب ... تسر وتبكي كلها تتنقل # فلا حزن يبقى على ذي كآبة ... ولا فرح يحظى به من يؤمل # وأنشدني أيضا لنفسه قصيدة منها: # في ذمة الله من سارت بسيرهم ... مسرتي وأقام الخوف والحرق # لئن أساء بنا دهر قضى شططا ... وأرهق النفس هم حكمه رهق # لقد أناب بعتبى بعد معتبة ... لجت عوائقها وامتدت العلق # وقال آخر: # يا قارع الباب رب مجتهد ... قد أدمن القرع ثم لم يلج # ورب مستولج على مهل ... لم يشق في قرعه ولم يهج # علام يسعى الحريص في طلب ... الرزق بطول الرواح والدلج # وهو وإن كف عنه طالبه ... الرزق، وإن عاج منه لم يعج # فاطو على الهم كشح مصطبر ... فآخر الهم أول الفرج # وأنشدني أبي رحمه الله، قال: أنشدت لبعضهم: # PageV05P038 # اصحب الدنيا مياومة ... وادفع الأيام تندفع # وإذا ما ضيقة عرضت ... فالقها بالصبر تتسع # وقريب منه، ما أنشدناه علي بن هارون بن علي بن يحيى المنجم، ولم يسم ~~قائلا: # أدرج الأيام تندرج ... وبيوت الهم لا تلج # رب أمر عز مطلبه ... هونته ساعة الفرج # ولابن دريد من قصيدة: ms663 # كما لم يكن عصر الغضارة لابثا ... كذلك عصر البؤس ليس بلابث # وأنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي البصري الكاتب ~~المعروف بالببغاء، لنفسه: # تنكب مذهب الهمج ... وعذ بالصبر تبتهج # فإن مظلم الأيام ... محجوج بلا حجج # تسامحنا بلا شكر ... وتمنعنا بلا حرج # ولطف الله في إتيانها ... فتح من اللجج # PageV05P039 # فمن ضيق إلى سعة ... ومن غم إلى فرج # وأنشدني أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج الكاتب البغدادي، لنفسه ~~من قصيدة: # فسل عنك الهموم مصطبرا ... وكن لما كان غير منزعج # كل مضيق يتلوه متسع ... وكل هم يفضي إلى فرج # ولغيره: # تشفع بالنبي فكل عبد ... يجاب إذا تشفع بالنبي # ولا تحرج إذا ما ضقت يوما ... فكم لله من لطف خفي # وإن ضاقت بك الأسباب يوما ... فثق بالواحد الفرد العلي # كتب أبو محمد المهلبي، وهو وزير، إلى أبي، كتابا بخطه، فرأيت فيه # PageV05P040 # كلاما يستوفيه، ويتمثل عقيبه بهذين البيتين: # لئن درست أسباب ما كان بيننا ... من الود ما شوقي إليك بدارس # وما أنا من أن يجمع الله بيننا ... بأحسن ما كنا عليه بآيس # ولغيره، مفرد: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # أنشدني عبيد الله بن محمد الصروي، لنفسه، من أبيات: # وما أنا من بعد ذا آيس ... بأن يأذن لله لي في اجتماع # وأتعس جد النوى باللقا ... وأرغم بالقرب أنف الزماع # وأنشد أبو العتاهية: # الدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبر # فإن تلقاك على وهلة ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر # PageV05P041 # وقال آخر: # إذا ضيقت أمرا ضاق جدا ... وإن هونت ما قد عز هانا # فلا تهلك لما قد فات غما ... فكم شيء تصعب ثم لانا # قال مؤلف هذا الكتاب: إن هذا المصراع الأخير، يشبه قول بشار بن برد، وهو ~~من أحسن ما قيل في معناه، وهو يدخل في مضمون هذا الكتاب، في باب من نالته ~~شدة في هواه: # لا يؤيسنك من مخدرة ... قول تغلظه وإن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا ms664 # ولبشار خبر مع المهدي، في هذين البيتين، ليس هذا موضعه. # وأخذ المعنى أبو حفص الشطرنجي، نديم المتوكل، فقال: # عرضن للذي تحب بحب ... ثم دعه يروضه إبليس # صابر الحب لا يصدك عنه ... من حبيب تجهم وعبوس # فلعل الزمان يدنيك منه ... إن هذا الهوى نعيم وبوس # وأخبرني من أنشدني الشعر، أن فيه لحنا من خفيف الرمل بالوسطى، لبعض ~~المغنين في زمن المتوكل. # PageV05P042 # وفي هاتين القطعتين، معنى من القول بديع، نحته علية بنت المهدي، حيث ~~تقول: ولها فيه لحن مشهور، على ما وجدت أبا الفرج الأصبهاني يذكره في كتابه ~~الأغاني الكبير، وقد ظرفه: # تحبب فإن الحب داعية الحب ... فكم من بعيد الدار مستوجب القرب # تبين فإن حدثت أن أخا هوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب # وللعباس بن الأحنف، في غير هذا المعنى، ولكنه من هذا الباب: # أما تحسبيني أرى العاشقين؟ ... بلى، ثم لست أرى لي نظيرا # لعل الذي بيديه الأمور ... سيجعل في الكره خيرا كثيرا # قال مؤلف هذا الكتاب: وقيل لي إن في البيت الأول منهما لحنا ثاني ثقيل ~~مطلقا. # ووجدت في بعض الكتب، البيت الثاني منهما غير منسوب إلى أحد، وقد جعل قبله ~~بيتا، وهو: # تعز وهون عليك الخطوب ... عساك ترى بعد هذا سرورا # ووجدت في كتاب أبي القاسم الحسين بن محمد بن الحسن بن إسماعيل السكوني: # حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، قال: أنشدنا ابن ~~الأعرابي: # تعز وهون عليك الأمورا ... عساك ترى بعد هذا سرورا # PageV05P043 # فإن الذي بيديه الأمور ... سيجعل في الكره خيرا كثيرا # وأنشدنيهما أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن علي بن يحيى المنجم، ~~وقال لي: فيهما لعريب، من الثقيل الثاني لحنا. # وقال آخر: # قربت لي أملا فأصبح حسرة ... ووعدتني وعدا فصار وعيدا # فلأصبرن على شقائي في الهوى ... فلربما عاد الشقي سعيدا # وقال آخر: # لعلك أن تلاقي في ليال ... وأيام من الدنيا بقينا # حبيبا نازحا أمسيت منه ... على يأس وكنت به ms665 ضنينا # وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني: قال: حدثني أحمد بن محمد الأسدي، ~~قال: # PageV05P044 # حدثني محمد بن صالح بن شيخ بن عميرة، عن أبيه، قال: حجب طل الخادم عن ~~علية بنت المهدي، فقالت: وصحفت اسمه في أول بيت: # أيا سروة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل لديك سبيل # متى يلتقي من ليس يقضى خروجه ... وليس لمن يهوى إليه سبيل # عسى الله أن يرتاح من كربة لنا ... فيلقى اغتباطا خلة وخليل # وقال العباس بن الأحنف، ويروى لمحمد بن دنقش حاجب المعتصم بالله: # قالوا لنا إن بالقاطول مشتانا ... ونحن نأمل صنع الله مولانا # والناس يأتمرون الرأي بينهم ... والله في كل يوم محدث شانا # وأنشدنيهما أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، لفضل الشاعرة، وقال لي: فيهما ~~لعريب لحن، ولغيرها عدة ألحان. # وأنشدني سعيد بن محمد الأزدي، المعروف بالوحيد، لنفسه: # كانت على رغم النوى أيامنا ... مجموعة النشوات والأطراب # ولقد عتبت على الزمان لبينهم ... ولعله سيمن بالإعتاب # ومن الليالي إن علمت أحبة ... وهي التي تأتيك بالأحباب # PageV05P045 # وأنشدني أيضا لنفسه: # إن راعني منك الصدود ... فلعل أيامي تعود # إذ لا تناولنا يد ... النعماء إلا ما نريد # ولعل عهدك بالهوى ... يحيى فقد تحيى العهود # فالغصن ييبس تارة ... وتراه مخضرا يميد # إني لأرجو عطفة ... يبكي لها الواشي الحسود # فرجا تقر به العيون ... فينجلي عنها السهود # وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، ~~قال: أنشدني محمد بن إبراهيم. # قال مؤلف هذا الكتاب: # وحدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي، قال: سمعت أبا ~~علي بن مقلة، ينشد، في نكبته عقيب الوزارة الأولى، والإلحاقات من رواية ~~الواثقي: # إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب # وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب # ولم تر لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب # أتاك على قنوطك منه غوث ... يمن به القريب المستجيب # وكل الحادثات وإن تناهت ... فموصول بها فرج قريب # PageV05P046 # وقال آخر: # في كل بلوى تصيب المرء عافية ... ما لم يصب بوفاة أو بذي ms666 عار # وكل خطب يلاقي حده جلل ... ما لم يكن يوم يلقى فيه في النار # وأنشدني الفضل بن أحمد بن الفضل الحنائي، قال: أنشدني الأمير أبو محمد ~~جعفر بن ورقاء الشيباني لنفسه. # قال مؤلف هذا الكتاب: # ورأيت أنا أبا محمد، وأنشدني أشياء، وحدث بأخبار، ولم أسمع هذا منه: # الحمد لله على ما قضى ... في المال لما حفظ المهجه # ولم تكن من ضيقة هكذا ... إلا وكانت بعدها فرجه # وحدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: # لعمرو بني اللذين أراهما ... جزوعين إن الشيخ غير جزوع # إذا ما الليالي أقبلت بإساءة ... رجونا بأن تأتي بحسن صنيع # PageV05P047 # وحدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: قال رجل من ~~قريش: # حلبنا الدهر أشطره ومرت ... بنا عقب الشدائد والرخاء # فلا تأسف على دنيا تولت ... ولا تفزع إلى غير الدعاء # هي الأيام تكلمنا وتأسو ... وتأتي بالسعادة والشقاء # قال مؤلف هذا الكتاب: البيت الأول والثالث من هذه الأبيات، لعلي بن الجهم ~~بن بدر من بني سامة بن لؤي، لما حبسه المتوكل، من قصيدة مشهورة، أولها: # توكلنا على رب السماء ... وسلمنا لأسباب القضاء # وهي نيف وعشرون بيتا، وقد رواها الناس له، وما روى أحد منهم البيت ~~الثاني، ولا علمت أحدا جاء به، غير ابن أبي الدنيا. # وقال آخر: # عسى فرج من حيث جاءت مكارهي ... يجيء به من جاءني بالمكاره # عسى منقذ موسى بحسن اقتداره ... وقد طرحته أمه في بحاره # سيرتاح لي مما أعاني بفرجة ... فينتاشني منها بحسن اختياره # وقال آخر: # PageV05P048 # وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب # فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب # ولمحمود الوراق: # إذا من بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر # وما منهما إلا له فيه منة ... تضيق بها الأوهام والوصف والشكر # وقال مؤلف هذا الكتاب: # لئن عداني عنك الدهر يا أملي ... وسل جسمي بالأسقام والعلل # وشت شمل تصافينا وإلفتنا ... فالدهر ذو ms667 غير والدهر ذو دول # فالحمد لله حمد الصابرين على ... ما ساء من حادث يوهي قوى الأمل # قد استكنت لصرف الدهر والتحفت ... علي منك غواشي الخوف والوجل # واعتضت منك بسقم شأنه جلل ... ومن وصالك بالهجران والملل # وبعد أمني من غدر ومقلية ... غدرا تصرح بالألفاظ والرسل # ومن لقائك لقيا الطب أرحمهم ... فظ، وأرفقهم مدن إلى الأجل # ولست آيس من رجع الوصال ولا ... عود العوافي، ولا أمن من السبل # قال: ولي أبيات أيضا من قصيدة، في محنة لحقتني، فكشفها الله تعالى بلطفه ~~عني: # PageV05P049 # أما للدهر من حكم رضي ... يدال به الشريف من الدني # فتستعلي الرءوس على الذنابى ... وينتصف الذكي من الغبي # وأقول فيها: # ومن عاصاه دمع في بلاء ... فليس بكاء عيني بالعصي # وما أبكي لوفر لم يفره ... زمان خان عهد فتى وفي # ولا آسى على زمن تقضى ... بعيش ناضر غض ندي # ولكن من فراق سراة قوم ... عهدتهموا شموسا في الندي # ومن حدث يفوتني المعالي ... على عهد بها حدث فتي # وأن يدي تقصر عن هلاك ... العدو وعن مكافاة الولي # وما تغني الحوادث إن ألمت ... سوى قلب عن الدنيا سخي # وصبر ليس تنزحه الليالي ... كنزح الدلو صافية الركي # وليس بأيس من كان يخشى ... ويرجو الله من صنع قوي # قال: ولي قصيدة قلتها بالأهواز، لما صرفت في الدفعة الأولى من تقليدي ~~القضاء، بالأهواز، وقبضت ضيعة من ضياعي، فخرجت إلى بغداد أطلبها، وبلغني عن ~~أعداء لي، إظهار شماتة بالحال، وتعصب للصارف: # لئن أشمت الأعداء صرفي ومحنتي ... فما صرفوا فضلي ولا ارتحل المجد # مقام وترحال وقبض وبسطة ... كذا عادة الدنيا وأخلاقها النكد # PageV05P050 # وما زلت جلدا في الملمات قبلها ... ولا غرو في الأحيان أن يغلب الجلد # فكم ليث غاب شردته ثعالب ... وكم من حسام فله غيلة غمد # وكم جيفة تعلو وترسب درة ... ومنحسة تقوى إذا ضعف السعد # ألم تر أن الغيث يجري على الربى ... فيحظى به إن جاد صيبه الوهد # وكم فرج والخطب يعتاق نيله ... يجيء على يأس إذا ساعد الجد # لقد أقرض الدهر السرور فإن يكن ... أساء اقتضاء ms668 فالقروض لها رد # فكم فرحة تأتي على إثر ترحة ... وكم راحة تطوى إذا اتصل الكد # وكم منحة من محنة تستفيدها ... ومكروه أمر فيه للمرتجي رفد # على أنني أرجو لكشف الذي عرا ... مليكا له في كل نائبة رفد # فيمنع منا الخطب، والخطب صاغر ... وتمسي عيون الدهر عنا هي الرمد # ونعتاض باللقيا من البين أعصرا ... مضاعفة تبقى ويستهلك البعد # ونضحي مراحى قد غنينا عن الغنى ... بيا راهبي نجران ما صنعت هند # ولي أيضا من قصيدة في محنة أخرى: # أعيا دواي أساته ودواءهم ... فغدوت لا أرجو سوى المتطول # رب عليه في الأمور توكلي ... هو عدتي في النائبات وموئلي # سيتيح مما قد أقاسي فرجة ... فيغيثني منه بحسن تفضل # PageV05P051 # وقال آخر: # فصبرا أبا جعفر إنه ... مع الصبر نصر من الصانع # فلا تيأسن أن تنال الذي ... تؤمل من فضله الواسع # وقال آخر: # وإذا ضاق زمان بامرئ ... كان فيه عند ضيق متسع # وقال آخر: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # ولمحمود الوراق: # صابر الدهر على كر النوائب ... من كنوز البر كتمان المصائب # والبس الدهر على علاته ... تجد الدهر مليئا بالعجائب # وأنشدني الوحيد لنفسه: # عليك رجاء الله ذي الطول والعطف ... بجملة ما تبدي من الأمر أو تخفي # فقد خلق الأيام دائرة بنا ... تقلبنا من كر صرف إلى صرف # PageV05P052 # فكم فرج لله يأتي مرفرفا ... على خافق الأحشاء في تلف مشف # فلا تمكنن من طرفك اليأس والأسى ... لعل الذي ترجوه في مرجع الطرف # وصبرا جميلا إن لله عادة ... مجربة، إتباعه العسف باللطف # وقال ابن بسام: # ألا رب ذل ساق للنفس عزة ... ويا رب نفس للتعزز ذلت # تبارك رزاق البرية كلها ... على ما رآه، لا على ما استحقت # فكم حاصل في القيد والباب دونه ... ترقت به أحواله وتعلت # تشوب القذى بالصفو والصفو بالقذى ... ولو أحسنت في كل حال لملت # سأصدق نفسي إن في الصدق راحة ... وأرضى بدنياي، وإن هي قلت # وإن طرقتني الحادثات بنكبة ... تذكرت ما عوفيت منه فقلت # وما محنة إلا ولله نعمة ... إذا قابلتها ms669 أدبرت واضمحلت # وأنشدني أبو الفرج المخزومي المعروف بالببغاء، لنفسه: # كل الأمور إلى من ... به تتم الأمور # PageV05P053 # وأفزع إليه إذا لم ... يجرك عجزا مجير # وكل صعب عسير ... عليه سهل يسير # ولآخر: # أيها الإنسان صبرا ... إن بعد العسر يسرا # اشرب الصبر وإن كان ... من الصبر أمرا # وقال آخر: # كأنك بالأيام قد زال بؤسها ... وأعطتك منها كل ما كنت تطلب # فترجع عنها راضيا غير ساخط ... وتحمدها من بعد ما كنت تعتب # وحدثني الحسن بن صافي مولى ابن المتوكل القاضي، قال: قرأت على حائط مسجد ~~مكتوبا بالفحم: # ليس من شدة تصيبك إلا ... سوف تمضي وسوف تكشف كشفا # لا يضق ذرعك الرحيب فإن ... النار يعلو لهيبها ثم تطفا # كم رأينا من كان أشفى على الهلك ... فوافت نجاته حين أشفى # وقال آخر: # PageV05P054 # الدهر خدن مصاف ذو مخادعة ... لا يستقيم على حال لإنسان # حلو ومر وجماع وذو فرق ... يخالط السوء منه فرط إحسان # وقال آخر: # لئن قدمت قبلي رجال، لطالما ... مشيت على رسلي وكنت المقدما # ولكن هذا الدهر يعقب صرفه ... فيبرم منقوضا وينقض مبرما # وأنشدني أبو الفرج الببغاء لنفسه: # كم كربة ضاق صدري عن تحملها ... فملت عن جلدي فيها إلى الجزع # ثم استكنت فأدتني إلى فرج ... لم يجر بالظن في يأس ولا طمع # وأنشدني سيدوك الواسطي لنفسه من قصيدة: # أبى الله إلا أن يغيظ عباده ... بجلسته تحت الشراع المطنب # إلى أن يموت المرء يرجو ويتقي ... ولا يعلم الإنسان ما في المغيب # PageV05P055 # وأنشدني سعد بن محمد بن علي الأزدي، المعروف بالوحيد لنفسه: # يا نفس كوني لروح الله ناظرة ... فإنه للأماني طيب الأرج # كم لحظة لك مخلوس تقلبها ... كانت مدى لك بين اليأس والفرج # وأنشدني طلحة بن محمد المقرئ الشاهد، قال: أنشدني نفطويه، ولم يسم قائلا: # أتيأس أن يساعدك النجاح ... فأين الله والقدر المتاح # هي الأيام والنعمى ستجزي ... يجيء بها غدو أو رواح # وقال آخر: # إذا اشتد عسر فأرج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر ms670 # فكن عندما يأتي به الدهر حازما ... صبورا فإن الحزم مفتاحه الصبر # فكم من هموم بعد طول تكشفت ... وآخر معسور الأمور له يسر # PageV05P056 # وقال آخر: # وأكثر ما تلقى الأماني كواذبا ... فإن صدقت جازت بصاحبها القدرا # وآخر إحسان الليالي إساءة ... على أنها قد تتبع العسر اليسرا # ولأبي صفوان القديدي البصري من أبيات إلى إبراهيم ابن المدبر لما عزل عن ~~البصرة: # لا تجزعن فإن العسر يتبعه ... يسر ولا بؤس إلا بعده ريف # وللمقادير وقت لا تجاوزه ... وكل أمر على الأقدار موقوف # ورب من كان معزولا فيعزل من ... ولي عليه وللأحوال تصريف # فكم عزيز رأينا بات محتجبا ... فصار يحجب عن قوم به خيفوا # وقال أبو الشبل عاصم بن وهب التميمي، البرجمي، البصري من قصيدة: # من ذا رأيت الزمان أيسره ... فلم يشب يسره بتعسير # أم هل ترى عسرة على أحد ... دامت فلم تنكشف بتيسير # PageV05P057 # وجدت بخط أبي الحسين بن أبي البغل الكاتب: # ليس لما ليست له حيلة ... إلا عزاء النفس والصبر # وخير أعوان أخي محنة ... صبر إذا ضاق به الصدر # والمرء لا يبقى على حالة ... والعسر قد يتبعه اليسر # وقال آخر: # صبرا قليلا فإن الدهر ذو غير ... ما دام عسر على حال ولا يسر # قد يرحم المرء من تغليظ محنته ... وليس يعلم ما يخبي له القدر # والدهر حلو ومر في تصرفه ... خير وشر وفيه العسر واليسر # أنشدني محمد بن إسحاق بن يحيى بن علي بن يحيى المنجم، وأخبرني أن فيه ~~لحنا من المهجوع قديما: # كن عن همومك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا # وأبشر بطول سلامة ... تسليك عما قد مضى # PageV05P058 # وأنشدني علي بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول التنوخي، قال: أنشدنا ~~جدي القاضي أبو جعفر، لنفسه: # فصبرا وإمهالا فكل ملمة ... سيكشفها الصبر الجميل فأمهل # وأنشدنا، قال: أنشدني جدي القاضي أبو جعفر، لنفسه أيضا: # وقد يأمل الإنسان ما لا يناله ... ويأتيه رزق الله من حيث ييأس # وأنشدني أيضا، قال: أنشدني جدي القاضي أبو جعفر، لنفسه: # إذا استصغرت من دنياك حالا ... ففكر في صروف كنت فيها ms671 # وأحدث شكر من نجاك منها ... وأبدلها بنعمى ترتضيها # وقال آخر: # الدهر إعراض وإقبال ... وكل حال بعدها حال # وصاحب الأيام في غفلة ... وليس للأيام إغفال # ما أحسن الصبر ولا سيما ... بالحر إن حالت به الحال # وأنشدني محمد بن بشير مولى الأزد لنفسه: # PageV05P059 # إني رأيت وللأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر # فاصبر على مضض الإدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الحاجات والبكر # لا يعجزنك ولا يضجرك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر # وقل من كان في أمر يحاوله ... واستنجد الصبر إلا فاز بالظفر # 5: 60 وأخبرني أبو عبيد الله المرزباني، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد، ~~قال: أخبرنا أبو عثمان الأشنانداني عن التوزي، عن الأصمعي، قال: بلغني أن ~~الأشتر دخل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه. # وحدثني أحمد بن محمد الجوهري، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا عمر ~~بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، قال: # PageV05P060 # حدثنا أبو إسحاق المالكي، قال: دخل الأشعث بن قيس على أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام، وهو قائم يصلي، فقال: يا أمير المؤمنين، أدءوب بالليل، ودءوب ~~بالنهار، فانفتل علي عليه السلام، وهو يقول: اصبر على مضض الإدلاج في السحر ~~... وفي الرواح إلى الحاجات والبكر # لا تضجرن ولا يحزنك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر # إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من لج في شيء يطالبه ... واستشعر الصبر إلا فاز بالظفر # 5: 61 وأخبرني أبو عبيد الله، قال: حدثني الحسن بن محمد المخرمي، قال: ~~حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا أحمد بن طارق، قال: # PageV05P061 # حدثنا عمر بن ثابت، عن أبيه، عن حبة بن جوين، قال: رأيت أمير المؤمنين ~~عليا عليه السلام، فقال لي: يا حبة، ما لي أراك أصبحت مهموما؟ فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، علي لأمر محاولة. # فقال: لا تضجر، أما علمت ما قلت في الصبر. # فقلت: وما هو؟ فقال: # اصبر على مضض الإدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الحاجات والبكر # وذكر بقية الأبيات # وقال آخر، وفيه ms672 صنعة: # قد فرج الله من الهجر ... ونلت ما آمل بالصبر # في ساعة اليأس أتاني المنى ... كذاك تأتي دول الدهر # وقال آخر: # ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله ... عند الإله وأنجاه من الكرب # PageV05P062 # من شد كفا بصبر عند نائبة ... ألوت يداه بحبل غير منقضب # وقال آخر: # ما أحسن الصبر في مواطنه ... والصبر في كل موطن حسن # حسبك من حسنه عواقبه ... عاقبة الصبر ما لها ثمن # وقال آخر: # إن خفت من خطب ألم فبعده ... فرج يرجى عنده ويخاف # فأصبر على قحم النوائب مثلما ... صبرت لها آباؤك الأشراف # وأنشدت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي: # صبرت على اللذات لما تولت ... وألزمت نفسي الصبر حتى استمرت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # فقلت لها يا نفس عيشي كريمة ... لقد كانت الدنيا لنا ثم ولت # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت # فكم غمرة دافعتها بعد غمرة ... تجرعتها بالصبر حتى تولت # PageV05P063 # أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أنشدني الحسن بن القاسم المؤدب، ~~قال: أنشدنا محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، لأبي العتاهية: # الدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبرا # فإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لن يصبرا # ولعلي بن الجهم: # هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل # وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التجمل # وللواثق بالله: # هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال # يوما تريك وضيع القوم مرتفعا ... إلى السماء ويوما تخفض العالي # ولسعيد بن حميد الكاتب: # لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب # واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب # ما كل من أنكرته ... ورأيت جفوته تعاتب # PageV05P064 # ولكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب # والدهر أولى ما صبرت ... له على رنق المشارب # كم نعمة مطوية ... لك بين أثناء النوائب # ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب # ووجدت بخط أبي الحسين بن أبي البغل الكاتب، من أبيات؛ ولم أجده نسبه إلى ~~نفسه: # فصبرا على حلو ms673 القضاء ومره ... فإن اعتياد الصبر أدعى إلى اليسر # وخير الأمور خيرهن عواقبا ... وكم قد أتاك النفع من جانب الضر # ومن عصم الله الرضا بقضائه ... ومن لطفه توفيقه العبد للصبر # ثم وجدت في كتاب أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، الذي ألفه فيمن ~~رثى ما لا يرثى مثله، وعليه ترجمة بخط الصولي: مراثي البهائم، والنبات، ~~والأعضاء، وغير ذلك، قصيدة نسبها اليزيدي إلى ابن أبي البغل، وذكر بخطه ~~أيضا، أنه عارض بها في سنة ثمان وثلاث مائة قصيدة يرثي بها سنورا له لما ~~حبس، وهي تزيد على مائة وخمسين بيتا، وهي حسنة، كثيرة الحكم، فاخترت منها ~~ما يجري مجرى الأبيات الثلاثة المتقدمة، لأني وجدتها فيها، وبعدها: # وإني لأرجو الله يكشف محنتي ... ويسمع للمظلوم دعوة مضطر # فيرأب ما أثأى، ويعطف ما ألتوى ... ويعدل ما استوحى ويجبر من كسري # PageV05P065 # لقد عجمتني الحادثات مثقفا ... إذا ضاقه هم ثناه إلى الصبر # وما حزني أن كر دهري بصرفه ... علي ولكن أن يفوت له وتري # فإن فاتني وتري فأيسر فائت ... إذا أنا عوضت الثواب من الوفر # ولطف كفايات الإله مبشري ... بنيل الذي أملت لا بيد صفر # فإن يهل البحر أمرأ فهو آمل ... بلوغ الغنى فيما يهول من البحر # ورب مضيق في الفضاء ووارط ... رأى مخرجا بين المثقفة السمر # ووجدت بخطه أيضا لبعض الشعراء: # ليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر # والصبر مر ليس يقوى به ... غير رحيب الذرع والصدر # ألق فضول الهم عن جانب ... وافزع إلى الله من الأمر # وذكر إسحاق الموصلي في كتاب شجا أن في الأول مع بيتين ذكرهما غير هذا ~~الثاني والثالث، لحن من الثقيل الأول، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. # وقال آخر: # وما التحف الفتى بالصبر إلا ... وكفت عنه أيدي النائبات # PageV05P066 # وذو الصبر الجميل يفيد عزا ... ويكرم في الحياة وفي الممات # ووجدت بخط القاضي أبي جعفر بن البهلول التنوخي لبعض الشعراء: # الصبر مفتاح ما يرجى ... وكل خير به يكون # فاصبر وإن طالت الليالي ... فربما طاوع الحرون # وربما نيل باصطبار ... ما قيل ms674 هيهات أن يكون # ولأبي الحسين الأطروش المصري من أبيات: # ما زلت أدمغ شدتي بتصبري ... حتى استرحت من الأيادي والمنن # فاصبر على نوب الزمان تكرما ... فكأن ما قد كان منها لم يكن # حدثني علي بن أبي الطيب، قال؛ حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا أبو الحسن الحنطبي، قال: قال هشام بن عبد الذماري: ~~أثاروا قبرا بذمار فأصابوا فيه حجرا مكتوب فيه: # PageV05P067 # اصبر لدهر نال منك ... فهكذا مضت الدهور # فرح وحزن مرة ... لا الخوف دام ولا السرور # وقال آخر: # اصبر على الدهر إن أصبحت منغمسا ... بالضيق في لجج تهوي إلى لجج # فإن تضايق أمر عنك مرتتجا ... فاطلب لنفسك بابا غير مرتتج # لا تيأسن إذا ما ضقت من فرج ... يأتي به الله في الروحات والدلج # فما تجرع كأس الصبر معتصم ... بالله إلا أتاه الله بالفرج # وأنشدنيهما أبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي بالبصرة، وقد أتت عليه ~~يومئذ مائة سنة وثلاث سنين، قال: أنشدت لبعضهم: وجعل أولها: لا تيأسن، ~~والثاني: فإن تضايق، والثالث: فاصبر على الدهر، والرابع فما تجرع. # وقال آخر: # وألزمت نفسي الصبر في كل محنة ... فعادت بإحسان وخير عواقبه # ومن لم ينط بالصبر والرفق قلبه ... يكن غرضا أودت بنبل جوانبه # PageV05P068 # وقال آخر: # وإني لأغضي مقلتي على القذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا # وإني لأدعو الله والأمر ضيق ... علي فما ينفك أن يتفرجا # وكم من فتى سدت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا # ولمحمد بن يسير: # إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفرج منها كلما رتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # وقريب منه لمدرك بن محمد الشيباني على ما وجدته في كتاب: # مستعمل الصبر مقرون به الفرج ... يبلى فيصبر والأشياء ترتتج # حتى إذا بلغت مكنون غايتها ... جاءتك تزهر في ظلمائها السرج # فاصبر، ودم، واقرع الباب الذي طلعت ... منه المكاره فالمغرى به يلج # PageV05P069 # بقدرة الله فأرض الله وارج به ... فعن إرادته ms675 الغماء تنفرج # ووجدت في نسخة عتيقة من شعر أبي عبد الرحمن العطوي، هذه الأبيات منسوبة ~~إليه، وفيها ألفاظ مختلفة، فألحقتها تحت الرواية الأولى المنسوبة إلى مدرك. # ووجدت في هذه النسخة لأبي عبد الرحمن العطوي، أبياتا منها: # ينوب الخطب أوله غليل ... وآخره شفاء من غليل # وكم من خلة كانت إلى ما ... يجيش عنانه أهدى سبيل # وكم غاد مسيف ضم أهلا ... ومال موبق قبل المقيل # وكل منيخة بفناء قوم ... من الأحداث فهي إلى رحيل # كلا نجمي صروف الدهر خيرا ... وشرا لابس ثوب الأفول # وقال آخر: # لق الحوادث تسليما ولا ترع ... واصبر فليس بمغن شدة الجزع # من صاحب الدهر لاقى من تصرفه ... ما لا يدوم على يأس ولا طمع # PageV05P070 # حينا يسر وأحيانا يسوء فلا ... هذا بباق ولا هذا بمنقطع # وكتب إلي أبو أحمد عبد الله بن عمر بن الحارث المعروف بالحارثي، جوابا، ~~قصيدة منها: # قل من سره رضى الدهر إلا ... ساءه سخطه بما لا يطاق # وكذا عادة الزمان شتات ... والتئام وإلفة وافتراق # ولأبي أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، إلى أبي علي محمد بن عبيد الله ~~بن يحيى بن خاقان لما ولي الوزارة، من أبيات: # لقد كذبت فيك العدو ظنونه ... وقد صدقت فيك الصديق المواعيد # وقد تحسن الأيام بعد إساءة ... وإن كان في الأمر المؤجل تبعيد # PageV05P071 # وأنشدني بعض شعراء قريش، وهو أبو الحسن علي بن الحسن الجمحي من أهل ~~الباين، بلد قريب من سيراف، لأبي صخر الهذلي، وقال لي: فيه لحن من الرمل ~~مزموم قديم: # بيد الذي شغف الفؤاد به ... فرج الذي ألقى من الهم # كرب بقلبي ليس يكشفه ... إلا مليك عادل الحكم # ولأبي تمام الطائي: # أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع # وليست فرحة إلا وجاءت ... لموقوف على ترح الوداع # وأنشدني أحمد بن الحسن بن سخت البغدادي، ويعرف بالجصاص، وبابن بنت هرثمة، ~~قال: أنشدنا أحمد القطربلي، وغنانا فيه، وهو من أبيات ذكرها ابن بنت هرثمة: # ولله لطف يرتجى ولعله ... سيعقبنا من كسر أيدي النوى جبرا # وقال آخر: # PageV05P072 # ورب أمر مرتج ms676 بابه ... عليه أن فتح أقفال # ضاقت بذي الحيلة في فتحه ... حيلته والمرء محتال # ثم تلقته مفاتيحه ... من حيث لا يخطره البال # ولعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، من أبيات، جوابا: # دعوت مجيبا يا أبا الفضل سامعا ... ويا رب مدعو وليس بسامع # فأوقعت شكواك الزمان وصرفه ... إليه بحق في أحق المواقع # فصبرا قليلا كل هذا سينجلي ... ويدفع عنك السوء أقدر رافع # فما ضاق أمر قط إلا وجدته ... يؤول إلى أمر من الخير واسع # ولمحمد بن حازم الباهلي: # إذا نابني خطب فزعت لكشفه ... إلى خالقي من دون كل حميم # وإن من استغنى وإن كان معسرا ... على ثقة بالله غير ملوم # ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده ... وغمرة كرب فرجت لكظيم # هو الدهر يوم يوم بؤس وشدة ... ويوم سرور للفتى ونعيم # وله: # ألا رب أمر قد تربت وحاجة ... لها تحت أحناء الضلوع غليل # فلم تلبث الأيام أن عاد عسرها ... ليسر ونجم والأمور تحول # PageV05P073 # وقال آخر: # اصبر على مضض الزمان ... وإن رمى بك في اللجج # فلعل طرفك لا يعود ... إليك إلا بالفرج # وقال آخر: # كن لما لا ترجو من الأمر أرجى ... منك يوما لما له أنت راجي # إن موسى مضى ليقبس نارا ... من شعاع أضاء والليل داجي # فانثنى راجعا وقد كلم الله ... وناجاه وهو خير مناجي # وكذا الأمر حين يشتد بالمرء ... مؤد لسرعة الإنفراج # حدثنا محمد بن بكر بن داسه البصري، بها، قال: حدثنا أبو حاتم المغيرة بن ~~محمد المهلبي، قال: حدثنا أبو بشر محمد بن خالد البجلي، قال: حدثني أبو ~~فزارة العكلي، عن القاسم بن معن المسعودي، قال: أتي الحجاج بعبد الله بن ~~وهيب النهدي، فقال له: أنت القائل؟ # فيا صاحبي رحلي عسى أن أراكما ... كما كنتما إن الزمان ينوب # فلا تيأسا من فرحة بعد ترحة ... وللدهر أمر حادث وخطوب # سيرحمنا مولى شعيب وصالح ... وأرحامنا ندلي بها فتخيب # وذكر بقية الشعر والخبر. # PageV05P074 # أنشدني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف بن يحيى بن علي بن يحيى ~~المنجم، لجده أبي أحمد ms677 يحيى بن علي، من قصيدة: # خاف من فقر تعجله ... والغنى أولى بمنتظره # ليس منكورا ولا عجبا ... أن يعود الماء في نهره # قال مؤلف هذا الكتاب: البيت الأول كأنه مأخوذ من قول الله عز وجل: ~~{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} ~~[البقرة: 268] ، والثاني: من المثل المشهور على ألسنة العامة. # وكتب أبو علي بن مقلة، في نكبته، إلى زنجي الكاتب، رقعة يشكو فيها عظم ~~محنته، ويقول: إن فرط يأسه من زوالها، قد كاد يتلف نفسه. # فكتب إليه زنجي، في جملة الجواب: # ألا أيها الشاكي الذي قال مفصحا ... لقد كاد فرط اليأس أن يتلف المهج # رويدك لا تيأس من الله واصطبر ... عسى أن يوافينا على غفلة فرج # PageV05P075 # وأنشدني أبو الفرج المخزومي، المعروف بالببغاء، لنفسه: # صبرت ولم أحمد على الصبر شيمتي ... لأن مآلي لو جزعت إلى الصبر # ولله في أثناء كل ملمة ... وإن آلمت، لطف يحض على الشكر # وكم فرج واليأس يحجب دونه ... أتاك به المقدور من حيث لا تدري # وأنشدني محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب لنفسه: # ما قادني طمع يوما إلى طبع ... ولا ضرعت إلى خلق من البشر # ولا اعتصمت بحبل الصبر معتمدا ... على المهيمن إلا فزت بالظفر # وأنشدني الوحيد لنفسه: # إني وإن عصبت بالعيش نائبة ... فسبطتني بين اليأس والطمع # لا أستدم إلى صبر أجرعه ... ولا أسر زمان السوء بالجزع # PageV05P076 # وأنشدني أبو الفرج المخزومي المعروف بالببغاء، لنفسه: # لا تستكن لطوارق النوب ... والق الخطوب بوجه محتسب # فدنو ما ترجوه من فرج ... يأتي بحسب تكاثف الكرب # كم خائف من هلكة سببا ... نال النجاة بذلك السبب # وأنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، المعروف بالحاتمي، لنفسه: # من صاحب الصبر اقتدر ... أولى بفوز من صبر # إن ساءك الزمان سر ... الصبر عنوان الظفر # ولغيره: # كم نكبة في حشاها نعمة ويد ... لله ينجي بها من هول مطلع # وكم فزعت إلى الأيام ثم أتت ... تمد أيديها نحوي من الفزع # إذا بدت نكبة فالحظ أواخرها ... تنظر إلى فرج للكرب متسع # وقريء على حائط مكتوب: # يا ms678 معمل الوجناء بالهجر ... وقاطع السبسب والقفر # وهاربا من زمن جائر ... يجني الملمات على الحر # PageV05P077 # اصبر فما استشفعت في مطلب ... لسامع خيرا من الصبر # وابشر فإن اليسر يأتي الفتى ... أقنط ما كان من اليسر # وأنشدني سعد بن محمد الأزدي البصري المعروف بالوحيد، لنفسه: # لا يوحشنك من جميل تصبر ... خطب فإن الصبر فيه أحزم # العسر أكرمه ليسر بعده ... ولأجل عين ألف عين تكرم # لم تشك مني عسرة ألبستها ... لؤما ولا خورا على ما تحكم # المرء يكره بؤسه ولعله ... تأتيه منه سعادة لو يعلم # وأنشدني أيضا لنفسه: # كانت إليك من الحوادث زلة ... فاصبر لها فلعلها تستنفر # إنا لنمتهن الخطوب بصبرنا ... والخطب ممتهن لمن لا يصبر # ولرب ليل بت فيه بكربة ... وغدا بفرحتها الصباح الأنور # وقال آخر: # أدبتني طوارق الحدثان ... فتجافيت عن ذنوب زماني # كيف أشكو من الزمان صروفا ... أظهرت لي جواهر الإخوان # PageV05P078 # فتبينت منهم الخير والشر ... وأهل الوفاء والخذلان # وتوكلت في أموري على الله ... اللطيف المهيمن المنان # وتيقنت أنه سوف يكفيني ... خطوب الدهور والأزمان # ثم يمحو باليسر عسرا وبالنعمة ... ضرا كما أتى في القرآن # إن تصبرت وانتظرت غياث ... الله وافى كاللمح بالأجفان # هو عوني في كل خطب ملم ... عدمت فيه نصرة السلطان # ورجائي إن خاب مني رجائي ... في جميع الإخوان والخلان # وقال آخر: # إن أكن خبت إن سألت فماذا ... لك في مطلب الكريم بعار # يحرم الليث صيده وهو منه ... بين حد الأنياب والأظفار # ويزل السهم السديد عن القصد ... وما تلك زلة الإسوار # ليس كل الأقطار تروى من الغيث ... وإن عمها بصوب القطار # إن يخني رشاء دلوي فقد ... أحكمت إكرابه بعقد مغار # أو يعد فارغا إلي فما ... ألقيت إلا إلى المياه الغزار # إن أساء الزمان لي فلقد ... أحسنت صبرا وما أساء اختياري # وعسى فرجة تفتح نحوي ... ناظر النصر بعد طول انتظار # ما لقيت الإعسار بالصبر إلا ... بشرتني وجوهه باليسار # PageV05P079 # وللقاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي من قصيدة: # صبرا فسوف تحقق الآمال ... وتحول عما ساءنا الأحوال # إن كان قد ظفر الصدود ms679 بوصلنا ... فلسوف يظفر بالصدود وصال # فالدهر لا يبقى على حدثانه ... ولكل شيء نقلة وزوال # وله من قصيدة قالها في الحداثة: # إن ساء يوم من الأيام سر غد ... أو سد باب سبيل فتحت سبل # وهكذا الدهر ألوانا تصرفه ... بالشر والخير يجري حين ينتقل # وأنشد سعد بن محمد الأزدي المعروف بالوحيد البصري لنفسه: # بين البلاءين فرق صرفه نعم ... غر وبعض الظما خير من الرنق # وفي الخطوب إذا ألقت كلاكلها ... صنع عوائده الإمساك للرمق # كم موثق مد عنقا نحو ضاربه ... بصارم كشعاع الشمس مؤتلق # حتى أتى فرج بعد القنوط له ... حالت يميناه بين السيف والعنق # وأنشدني أيضا لنفسه: # يراع الفتى للخطب تبدو صدوره ... فيأسى وفي عقباه يأتي سروره # PageV05P080 # ألم تر أن الليل لما تراكمت ... دجاه بدا وجه الصباح ونوره # فلا تصحبن اليأس إن كنت عالما ... لبيبا فإن الدهر شتى أموره # وأنشدني أيضا لنفسه: # أتحسب أن البؤس للمرء دائم ... ولو دام شيء عده الناس في العجب # لقد عرفتك الحادثات نفوسها ... وقد أدبت إن كان ينفعك الأدب # ولو طلب الإنسان من صرف دهره ... دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب # ولمحمد بن غياث: # خبو النجم يتلو اشتعال ... ونقص البدر يؤذن بالتمام # وأكمل ما تكون الشمس حسنا ... إذا رفعت لها سجف الغمام # وللقاسم بن يوسف الكاتب، من قصيدة: # فإن تفقدوا يومكم نعمة ... ففي غدكم نعمة زائدة # PageV05P081 # عسى أن تدور صروف الزمان ... بحسن الخلافة والعائدة # ولإبراهيم بن المهدي وهو في استتاره من المأمون، قصيدة، منها: # ولله نفسي إن في لعبرة ... وفي الدهر نقض للعرى بعد إبرام # غدوت على الدنيا مليكا مسلطا ... ورحت وما أحوي بها قيس إبهام # وهل ليلة في الدهر إلا أرى بها ... قد أثبت أقداما وزل بأقدام # كذاك رأينا الدهر يقدم صرفه ... على كل نفس بين بؤس وإنعام # فيرفع أقواما وكانوا أذلة ... ويهوي من الصيد الكرام بأقوام # فيسقيهم شربين سخنا وباردا ... بكأسين شتى من هوان وإكرام # وكائن ترى من معدم بعد ثروة ... وآخر يؤتى ثروة بعد إعدام # وله في هذا الاستتار قصيدة منها: # سبحان مقتدر ملك ms680 السماء له ... والأرض يملك أعلاها وأسفلها # يختص من نعم من شاء من بشر ... بما يشاء وعمن شاء حولها # أضحت حياتك في بؤس تكابده ... بعد النعيم كذاك الدهر بدلها # عدمت باقي حياة قد شجيت بها ... فما على الجهد أبقاها وأطولها # PageV05P082 # في فترة من مرير العيش مفظعة ... قد كنت من قبل ريب الدهر أجهلها # حتى إذا هي حلت بي أعترضت لها ... صبرا عليها فإني لست أحفلها # مستنظرا نعمة لا شيء يحجبها ... عن العباد إذا الرحمن أرسلها # فرب مسهلة في الأرض صعبها ... وصعبة منه ولت حين سهلها # لكن في ثنيها تأتي حوادث لو ... لا الله منها لفاضت مهجتي ولها # وقال آخر: # إني لأعلم أن حبك قاتلي ... والنفس تفرق أن يحل بها الردى # لا تيأسن فقد يفرق دائبا ... شمل الجميع ويجمع المتبددا # وعسى الليالي بالوصال رواجع ... فيعود دهري مصلحا ما أفسدا # وقال آخر: # اصبر سينكشف القناع ... إن الأمور لها انقطاع # PageV05P083 # ولها من الفرج اتساع ... ولكل ما ارتفع اتضاع # وإذا تضايقت الأمور ... تلا تضايقها اتساع # حدثني أحمد بن محمد الأزدي، المعروف بأبي عمر بن نيزك العطار، الشاعر، ~~قال: بت ليلة، حرج الصدر، ضيقه، فرأيت في منامي أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب سلام الله عليه، وهو ينشدني أبياتا في الفرج، فانتبهت ولم يبق في حفظي ~~منها إلا قوله: # وحميد ما يرجوه ذو أمل ... فرج يعجله له صبر # ولأبي الحسين بن أبي البغل الكاتب: # إلى الله أشكو ما ألاقي من الأذى ... وحسبي بالشكوى إليه تروحا # هو الفارج الغماء بعد اشتدادها ... ومعقب عسر الأمر يسرا ومسرحا # أطال يدي بعد المذلة فأعتلت ... ودافع عني ما كرهت وزحزحا # لئن عرضت لي نكبة بعد أنعم ... توالت ففاتت أن تعد وتشرحا # فما أنا من تجديد صنع بيائس ... ولا كان، مما كان، إذ كان، أصلحا # وما يقف الإنسان في طي دهره ... كمر الليالي مسعفات وجنحا # PageV05P084 # وله: # إن كان هذا الأمر قد ساءني ... لطال ما قد سرني الدهر # والأمر في معناهما واحد ... لذاك شكر ولذا صبر # حتى أرى الأقدار قد فرجت ... وكل عسر ms681 فله يسر # وله: # إن يأذن الله فيما بت آمله ... أتى النجاح حديثا غير مطلول # ما لي سوى الله مأمول لنائبة ... والله أكرم مأمول ومسئول # وله: # حزنت وذو الأحزان يحرج صدره ... ألا رب حزن جاء من بعده فرج # كأنك بالمحبوب قد لاح نجمه ... وذي العسر من بين المضايق قد خرج # ولابن الرومي: # لعل الليالي بعد شحط من النوى ... ستجمعنا في ظل تلك المآلف # نعم إن للأيام بعد انصرافها ... عواطف من إحسانها المتضاعف # PageV05P085 # وله: # لكل خير وشر ... دون العواقب غيب # ورب جلباب هم ... له من الصنع جيب # وأنشدني أبو علي أحمد بن المدائني بالهائم الراوية، ولم يعرف قائله: # أقول قول حكيم ... فاعرف بفهمك شرحه # كم فرجة إثر ضيق ... وفرحة بعد ترحه # فالعسر يعقب يسرا ... والهم يكسب فرحه # والعيش فاعلم ثلاث ... غنى، وأمن، وصحه # ولمؤلف هذا الكتاب: # قل لمن أودى به الترح ... كل غم بعده فرح # لا تضق ذرعا بنازلة ... وأرمها بالصبر تنفسح # غالط الأيام مجتهدا ... كل ما قد حل منتزح # وأزح بالراح طارقها ... فجلاء الكربة القدح # وألق بالمزج المريح أذى ... حدها إن شئت تسترح # PageV05P086 # ووجدت بخط عبيد الله بن أحمد الكاتب، النحوي، الملقب بجخجخ: أنشدنا ابن ~~دريد، قال: أنشدنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه للنابغة الشيباني: # وكائن ترى من ذي هموم ففرجت ... وذي غربة عن داره سيئوب # وهو من أبيات، لا يذكر باقيها مؤلف هذا الكتاب. # ولبعض الشعراء: # لا يرعك الشر إن ظهرت ... بتهاويل مخايله # رب أمر سر آخره ... بعدما ساءت أوائله # ولكشاجم من قصيدة: # ليس إلا تيقني أن إيراد ... الليالي من بعده إصدار # PageV05P087 # ووراء الأسى سرور وبعد ... العسر يسر وتحت ليل نهار # وأخبرني الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، قال: أخبرني أحمد بن ~~سعيد الدمشقي، أن الزبير حدثه، قال: أنشدني إسحاق، قال: أنشدني الفضل بن ~~الربيع: # فلا تجزع وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل # ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل # قال مؤلف هذا الكتاب: وقد رويت في الجزء الأول منه، في أخبار وجب ms682 أن تكتب ~~هناك، ما روي من أن هذه الأبيات للحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله ~~عليهما، وما روي أيضا إنهما لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب عليهم السلام. # وقال أبو جعفر محمد بن وهيب الحميري، قصيدة أولها: # PageV05P088 # هل الهم إلا فرجة تتفرج ... لها معقب يحدي إليها ويزعج # أبى لي إغضاء الجفون على القذى ... يقيني بأن لا عسر إلا مفرج # أخطط في ظهر الحصير كأنني ... أسير يخاف القتل والهم يفرج # ويا ربما ضاق القضاء بأهله ... وأمكن من بين الأسنة مخرج # وله أيضا: # أجارتنا إن التعفف بالياس ... وصبرا على استدرار دنيا بإبساس # جديران أن لا يبدءا بمذلة ... كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس # ولي مقلة تنفي القذى عن جفونها ... وتأخذ من إيحاش دهر بإيناس # أجارتنا إن القداح كواذب ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس # وللنابغة الذبياني من قصيدة: # فلا تحسبن الخير لا شر بعده ... ولا تحسبن الشر ضربة لازب # وأنشدني علي بن محمد السري الهمداني، وكتبه لي بخطه، قال: أنشدنا # PageV05P089 # علي بن سليمان الأخفش، قال: أنشدني الأول عن ابن الأعرابي، لبعض شعراء ~~تنوخ: # ألا لا تموتن اغتماما وحسرة ... وهما إذا ما سارح القطر أجدبا # وصبرا فإن الجدب ليس بدائم ... كما لم يدم عشب لمن كان معشبا # وجدت في كتاب الأبيات السائرة، لعيينة بن المنهال، قال جبلة العذري: قال ~~مؤلف هذا الكتاب: هو جبلة بن حريث العذري، من عذرة، وهذا البيت من أبيات لا ~~يتعلق بكتابي منها إلا ما ذكرته: # استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # وفي غير هذا الكتاب، لبعض الشعراء: # PageV05P090 # أما علمت بأن العسر يتبعه ... يسر كما الصبر مقرون به الفرج # وقال آخر: # إذا ما البين أحرجني ... فليس على النوى حرج # دعي لومي على صلتي ... سيقطع بيننا حجج # سأركب كل مظلمة ... أفرجها فتنفرج # غدا للبين موعدنا ... فإن إلى غد فرج # وقد بلغني على وزنها، وإعرابها، وقافيتها، أبيات لأبي محمد القاسم بن ~~إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي ms683 بن أبي طالب عليهم السلام، ~~وهي: # دنا التهجير والدلج ... وقصدي للمنى لحج # ولي هم يؤرقني ... علي لبحره لجج # أطاف علي في وضح ... عليه من البلا نهج # أقول لنفس مكتئب ... عليه من الردى ثبج # رضا، ما دمت سالمة ... فإن العيش مندمج # PageV05P091 # ولا تستحقبي شبها ... فرحب الحق منبلج # وزور القول منمحق ... إذا دارت به الحجج # وعاذلة تعاتبني ... وجنح الليل معتلج # فقلت: رويد معتبتي ... لكل ملمة فرج # ذريني خلف قاضية ... تضايق بي وتنفرج # أسرك أن أكون رفعت ... حيث الأمر والمهج # وأني بت يصهرني ... بحر جهنم وهج # فأدرك ما قصدت به ... ويبقى العار والحرج # إذ أكدت حبائله ... فلي في الأرض منعرج # ووجدت كتابا قد جمع فيه شعر صاحب الزنج، الخارج بالبصرة، نسب إليه فيه من ~~هذا الشعر ستة أبيات، أولها: وعاذلة تعاتبني. # وأخبرني أبي، أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي، قال: حدثنا ~~أبو بكر يموت بن المزرع بن يموت بن موسى العبدي البصري، وكان ابن أخت ~~الجاحظ، قال: حدثنا يزيد بن محمد المهلبي، قال: حدثنا قبيصة بن حاتم ~~المهلبي، عن أبيه، قال: كتب حفص بن عمر هزارمرد إلى # PageV05P092 # المنصور، يخبره بأنه وجد في بعض خانات المولتان ببلاد الهند، مكتوبا: ~~يقول عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~سلام الله عليهم، انتهيت إلى هذا الموضع، بعد أن مشيت حتى انتعلت الدماء، ~~وأنا أقول: # عسى مشرب يصفو فيروي ظماءة ... أطال صداها المشرب المتكدر # عسى بالجنوب العاريات ستكتسي ... وذي الغلبات المستذل سينصر # عسى جابر العظم الكسير بلطفه ... سيرتاح للعظم الكسير فيجبر # عسى صورا أمسى لها الجور دافنا ... يتاح لها عدل يجيء فتظهر # عسى الله، لا تيأس من الله، إنه ... يهون عليه ما يجل ويكبر # فكتب إليه المنصور: قرأت كتابك، والأبيات، وأنا وعبد الله، وأهله، كما ~~قيل: # نحاول إذلال العزيز لأنه ... رمانا بظلم واستمرت مرائره # PageV05P093 # فإن بلغك لعبد الله خبر، فأعطه الأمان، وأحسن إليه. # وأخبرني أبي، قال: حدثني الحرمي، قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي، قال: ms684 ~~حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي، عن عمه، قال: كتب حفص بن عمر، أو قال ~~عمر بن حفص هزارمرد، إلى المنصور، فذكر مثله، إلا أنه لم يأت بالبيت الذي ~~أوله: عسى صورا. . # وأخبرني أبي، قال: وجدت بخط أبي يعلى، وكان عالما بأمور الطالبيين ~~وأخبارهم وأنسابهم، وأشعارهم، أبياتا للقاسم بن إبراهيم، أولها: # يقابل هذا أيها المتحير ... وإن قال فيك القائلون فأكثروا # وقد أضيفت إلى هذه الأبيات. # وقد ذكر القاضي أبو الحسين، هذا الخبر في كتابه، بغير إسناد، على نحو هذه ~~الروايات إلا أنه زاد شيئا، فقال: حدثني أبي، قال: روي لنا عن العتبي، قال: ~~حدثني بعض مشايخنا، قال: أتيت السند، فدخلت خانا، فإني لأدور فيه، إذ قرأت ~~كتابا في بعض بيوته: يقول علي بن محمد. . . . وذكر القصة، والأبيات الخمسة، ~~ولم يذكر ما كتب به إلى المنصور، ولا جوابه، وقال في آخره: فحدثت بهذا ~~الحديث بعض أولاد البختكان، فقال لي: # PageV05P094 # كنت عاملا بالشام، على السراة، فدخلت كنيسة فيها للنصارى، موصوفة، أنظر ~~إليها، فإذا بين التصاوير مكتوب: يقول صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~نزلت هذه الكنيسة يوم كذا من شهر كذا من سنة ثمان عشرة ومائة، وأنا مكبل ~~بالحديد محمول إلى أمير المؤمنين هشام، وأنا أقول: # ما أنسد باب ولا ضاقت مذاهبه ... إلا أتاني وشيكا بعده الفرج # قال: وكان بين ذلك، وبين أن نزل صالح بن علي، على تلك الكنيسة بعينها ~~لمحاربة مروان بن محمد، أربع عشرة سنة. # وروى القاضي أبو الحسين في كتابه، عن صديق له أنشده: # إني رأيت مغبة الصبر ... تفضي بصاحبها إلى اليسر # لا بد من عسر ومن يسر ... بهما تدور دوائر الدهر # وكما يلذ اليسر صاحبه ... فكذاك فليصبر على العسر # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: وجد في عذبة سيف أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب، سلام الله عليه وتحياته، رقعة فيها: # غنى النفس يكفي النفس حتى يكفها ... وإن أعسرت حتى يضر بها الفقر # PageV05P095 # فما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بدائمة حتى يكون لها يسر ms685 # ومن لم يقاس الدهر لم يعرف الأسى ... وفي غير الأيام ما وعد الدهر # وأنشد في كتابه: # وما الدهر إلا ما تراه فموسر ... يصير إلى عسر وذو فاقة يثري # وأنشد في كتابه أيضا، ووجد في بعض كتبي عن ابن دريد، قال: أنشدنا العباس ~~بن الفرج الرياشي، ولم يسم قائلا: # لعمرك ما كل التعطل ضائر ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه # إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدعه # وإن ضقت يوما يفرج الله ما ترى ... ألا رب ضيق في عواقبه سعه # وأنشدني في كتابه أيضا، لأبي يعقوب الخريمي: # يقولون صبرا، والتصبر شيمتي ... ألم تعلموا أن الكريم صبور # هل الدهر إلا نكبة وسلامة ... وإلا فبؤس مرة وحبور # PageV05P096 # وأنشدني القاضي أبو الحسين في كتابه، عن صديق له، وكان بعض الفقهاء يتمثل ~~به: # وكل كرب وإن طالت بليته ... يوما تفرج غماه فتنكشف # وأنشد أيضا في كتابه، ولم يسم قائلا: # مفتاح باب الفرج الصبر ... وكل عسر بعده يسر # والدهر لا يبقى على حالة ... وكل أمر بعده أمر # والكرب تفنيه الليالي التي ... أتى عليها الخير والشر # حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي ~~الدنيا، قال: أنشدني أحمد بن يحيى، قوله: # مفتاح باب الفرج الصبر ... وكل عسر معه يسر # وذكر الأبيات، إلا أنه قال في الثاني: والأمر يأتي بعد الأمر، وقال في ~~الثالث: يفنى عليها الخير والشر، وزاد فيها رابعا، وهو: # وكيف تبقى حال من حاله ... يسرع فيها النفع والضر # PageV05P097 # قال القاضي أبو الحسين في كتابه: كان بعض إخواني يتمثل كثيرا ببيت لهدبة، ~~وهو: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب # قال مؤلف هذا الكتاب: وتمام هذا الشعر: # فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب # وقد ذكرتهما فيما تقدم من كتابي هذا، في قصة يعقوب بن داود، لما أطلقه ~~الرشيد، ثم وجدتهما مع بيتين آخرين، في غير هذا المعنى، في كتاب الأمثال، ~~لعيينة بن المنهال، فقال: قال هدبة بن الخشرم: فذكر البيتين، مع بيتين ~~غيرهما، ms686 ليسا في هذا المعنى، وهما: # فيا ليت الرياح مسخرات ... بحاجتنا تصبح أو تؤوب # فتخبرنا الشمال إذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عنا الجنوب # وذكر أبو الفرج الأصبهاني، في كتابه المجرد، في الأغاني، أن في هذين ~~البيتين، لحنين: هزجا، وخفيف رمل، لعريب. # وروى القاضي أبو الحسين في كتابه، لناجم البصرة، يعني الخائن صاحب الزنج: # PageV05P098 # الحمد لله شكرا لا انقضاء له ... إن الزمان لذو جمع وتفريق # قد ينقل المرء من ضيق إلى سعة ... ويسلس الأمر يوما بعد تعويق # والدهر يأتي على كل بأجمعه ... وليس من سعة تبقى ولا ضيق # وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، ولم ينسبه إلى أحد: # ألا فاصطبر ما دام في النفس مسكة ... عسى فرج يأتي به الله في غد # وإن امرأ رب السماء وكيله ... حري بحسن الظن غير مبعد # قال مؤلف هذا الكتاب: وأنشدنيه محمد بن إسحاق بن يحيى بن علي بن يحيى ~~المنجم، فجعل أوله: سأصبر ما دامت بنفسي مسكة وقال لي: إن فيها لحنا قديما ~~من الثقيل الثاني، يغنيه. # PageV05P099 # وأنشد أبو الحسين القاضي في كتابه، ولم يسم قائلا: # خلقان لا أرضى فعالهما ... تيه الغنى ومذلة الفقر # فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر # واصبر فلست بواجد خلقا ... أدنى إلى فرج من الصبر # وأنشد أيضا في كتابه، ولم ينسبه إلى قائله: # إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج # ووجدت في بعض الكتب: أن أبا العباس ثعلبا، أنشد هذا البيت، وبيتا قبله، ~~وهو: # النسل من واحد والشكل مختلف ... والدهر فيه بنو الدنيا على درج # وأنشدناه أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، عن الأخفش، قال: أنشدنا المبرد: # الناس من واحد والشكل مختلف # وذكر البيتين. # حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا ~~أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحسن، قال: رأيت مجنونا قد ~~ألجأه الصبيان إلى مسجد، فجاء حتى قعد في زاوية، فتفرقوا عنه، فقام وهو ~~يقول: # إذا تضايق أمر فانتظر فرجا # وذكر البيت وحده. PageV05P100 ms687