######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ¶ المؤلف: أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي البصري ¶ دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان ¶ سنة النشر: 1424ه -2004 م ¶ الطبعة: الأولى ¶ تحقيق: مصطفى حسين عبد الهادي ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# سنة النشر: 1424ه -2004 م #META# comp: 1 #META# auth: التنوخي، علي بن المحسن #META# bkid: 33773 #META# authno: 552 #META# bk: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة - العلمية #META# ndata: بسم الله76B1E593ى الآن . #META# bkord: 7994 #META# idx: 1 #META# higrid: 447 #META# iso: نشوار المحاضره واخبار المذاكره العلميه #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# Lng: علي بن المحسن بن علي التنوخي، أبو القاسم #META# الطبعة: الأولى #META# max: 842 #META# archive: 25 #META# عدد الأجزاء: 2 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #META# authinf: أبو القاسم التنوخي (355 - 447 ه = 966 - 1055 م) ¶ علي بن المحسن بن علي التنوخي، أبو القاسم: قاض، من علماء المعتزلة. ¶ تقلد القضاء في عدة نواح، منها المدائن وأذربيجان وقرميسين. ¶ وكان ظريفا نبيلا جيد النادرة. ¶ وهو حفيد القاضي التنوخي الكبير ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ad: 447 #META# المؤلف: أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي البصري #META# cat: الأدب والبلاغة #META# الكتاب: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة #META# تحقيق: مصطفى حسين عبد الهادي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # والمتبتلين ، والزهاد والمتوحشين ، والصوفية ، والمتواجدين ، والأئمة ~~والمؤذنين ، والقراء # والملحنين ، والرجحاء والمبرزين ، وأهل النقص والمقصرين ، والأغنياء ~~والمملقين ، # والأغبياء والمتخلفين ، والفطناء والمتقدمين ، والشطار والمتقين ، وأصحاب ~~العصبية # والسكاكين ، وقطاع الطريق والمتلصصين ، والجيران والمتغربين ، وأهل ~~الخسارة # والعيارين ، ولعاب النرد والشرنجيين ، والملاح والمتطايبين ، والمسامرين ~~والمضاحكين ، # وأصحاب النادرة والمضكين ، والمورثين والمبذرين ، والطفيلية والمتطرحين ، ~~والأكلة # والمواكلين ، والشراب والمعاقرين ، والمغنيات والمغنين ، والرقاصين ~~والمخنثين ، وأصحاب # الستائر والمقينين ، والمتقاينين والمستمعين ، وأهل الهزل والمتخالعين ، ~~والمجان والمجانين ، # والبله والمغفلين ، والمفكرين والموسوسين ، وأهل المذهب والسوداويين ، ~~والمشعبذين # والمحتالين ، والمللحدة والمنبين ، والأطباء والمنجمين ، والكحالين ~~والفصادين ، والأساة # والمجبرين ، ومعالجي الجرائح والقمائحيين ، وأصحاب الزجر ، والزراقين ، ~~وأهل القرعة # والمقالين ، والطواف بالسهام والمفسرين ، والشحاذين والمجتدينن ~~والمجدودين والمحدودين ، # والسعاة والمسافرين والمشاة والمتغربين ، والسباح والغواصين ، والبانانية ~~والملاحين # وسلاك البحار والمفازات ، وأهل المهن والصناعات ، والمياسير والفقراء ، ~~والتجار # والأغنياء ، والفواصل من النساء ، وحرائرهن والإماء ، وخواص الأحجار ~~والحيوانات ، # وغريب الأدوية والعلاجات ، والرقي والنيرنجيات ، والأحاديث المفرادات ، وشاذ # الاتفاقات ، وطريف المنامات ، وشريف الحكايات ، وغير ذلك من ضروب أحاديث # أهل الخير والشر ، وبعدا وقربا . # وكان القوم الذين استكثرت منهم ، وأخذت ذلك عنهم ، يحكونه في أثناء # مذاكراتهم ، وفي عرض مجاراتهم ، وبعد انقضاء ملحهم وآدابهم ، والخوف من ملل # يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم ، نفيا للمساكنة ، واجترارا للمثافنة ، وصلة # للمجالسة ، وفتحا للمؤانسة ، وسبرا لأحاديث الدنيا : ماضيها وباقيها ، ~~وتواصفا # لسير أهلها وما جرى فيها ، وتمثيلا بين ما شاهدوه منها ، وسمعوه عنها ، ~~وعابوه من # فعلها وعانوه من تقلبها ، وقاسوه من تصرفها ، وأخبروا به من عجائبها ، ~~ويوردون # كل فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة ، وتبتغيه المفاوضة ، فأحفظ # عنهم ذلك في الحال وأتمثل به وأستفيده في أحوال . # فلما تطاولت السنون ، ومات أكثر أولئك المشيخة الذين كانوا مادة هذا # الفن ، ولم يبق من نظرائهم إلا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه ، مات # بموته ما يرويه ، ووجدت أخلاق ملوكنا ورؤسائنا لا تأتي من الفضل ، بمثل ما # تحتوي عليه تلك الأخبار من النبل ، فسيتغنى بما يشاهد من نظره ، عن حفظ ما PageV01P001 ~~"""""" صفحة رقم 2 """""" # سلف وتحبيره ، بل هي مضادة لما تدل عليه ms001 تلك الحكايات من أخلاق المتقدمين # وضرائبهم ، وطبائعهم ومذاهبهم ، حتى إن من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما # يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة ورؤساء الوقت ، خاصة ما كان منه # متعلقا بالكرم ، ودالا على حسن الشيم ، ومتضمنا ذكر وفور النعم ، وكبر ~~الهمم ، # وسعة الأنفس ، وغضارة الزمان ، ومكارم الأخلاق ، كذبوا به ودفعوه ، ~~وحصلوه في # أقسام الباطل واستبعدوه ، ضعفا عن إتيان مثله ، واستعظاما منهم لصغير ما وصلوا # إليه ، بالإضافة إلى كبير ما احتوى أولئك عليه ، وقصورا عن أن تنتج ~~خواطرهم # أمثال تلك الفضائل والخصال ، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم # والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين في التعليم ، ~~والحكماء # والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم ، وأهل الفضل والبراعة ، في كل علم وأدب ، # وجد وهزل وصناعة ، من يتقدم بجودة الخاطر ، وحسن الباطن والظاهر ، وشدة # الحدق فيما يتعاطاه ، والتبريز فيما يعانيه ويتولاه ، كثيرا ممن تقدمه في ~~الزمان ، وسبقه # بالمولد في ذلك الأوان ، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال ، وقضاء ~~الحاجات # دون المغارم والأثقال ، فما يرفعون به رأسا ، ولا ينظرون إليه إلا ~~اختلاسا ، لفساد # هذا العصر ، وتباعد حكمه من ذلك الدهر ، وإن موجبات الطبائع فيه متغيرة # متنقلة ، والسنن دراسة متبدلة والرغبة في التعلم معدومة ، والهمم باطلة ~~مفقودة ، # حاصلون فيما روى من الخبر إن الزمان لا يزداد إلا صعوبة ، ولا الناس إلا شدة ، # ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيب ~~المتنبي # لنفسه من قصيدة ، في وصف صورتنا : # أتى الزمان بنوه في شبيبته # فسرهم أتيناه على الهرم # واتفق أيضا ، أنني حضرت المجالس بمدينة السلام ، في ستة وستين وثلاثمائة ، # بعد غيبتي عنها سنسن ، فوجدتها مختلة ممن كانت به عامرة ، وبمذاكرته آهلة ~~ناظرة ، # ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ ، وجرت المذاكرة ، فوجدت ما كان في # حفظي من تلك الحكايات قديما قد قل ، وما يجري من الأفواه في معناها قد اختل ، # حتى صار من يحكي كثيرا مما سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده ، ورأيت كل ~~حكاية مما # أنسيته لو كان ms002 باقيا في حفظي لصلح لفن من المذاكرة ، ونوع من ' نشوار # المحاضرة ' . # فأثبت ما بقي على ما كنت أحفظه قديما ، واعتقدت إثبات كل ما أسمعه # من هذا الجنس ، وتلميعه بما يحث على قراءته من شعر لمتأخر من المحدثين ، ~~أو مجيد PageV01P002 ~~"""""" صفحة رقم 3 """""" # من الكتاب والمتأدبين ، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر ، أو رسالة أو كتاب # بديع المعنى ، أو حسن النظم والنثر ، وممن لم يكن في الأيدي شعره ولا ~~نثره ، ولا # تكرر نسخ ديوانه ، ولا ترددت معاني إحسانه ، وما فيه من مثل طري ، أو حكمة # جديدة ، أو نادرة حديثة ، أو فائدة قريبة المولد ، ليعلم أن الزمان قد ~~بقي من القرائح # والألباب ، في ضرورة العلوم والآداب ، أكثر مما كان قديما أو مثله ، ولكن تقبل # أرباب تلك الدول للأدب أظهره ونشره ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره # وستره ، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول ، وردت أخبار هؤلاء # الملوك ، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت ؛ لأن ذوي الفضل لا # يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم ، وإنفاق نتائج خواطرهم ، مع بعدهم عن # الفائدة ، وخلوهم من العائدة ، وأكثر الملوك وذوي الأحوال ، والرؤساء وأرباب # الأموال ، لا يجدون عليهم ؛ فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب ، وحوك # الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر ، ما أقام الغابر ، فقد بخل هؤلاء ، وغفل # هؤلاء ، ورضي كل واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده ، والنقص فيما ~~يعتمده ، # وإلا فقد خرج في أعمارنا وما قربها من السنين ، من مكنون أسرار العلم ، وظهر # من دقيق الخواطر والفهم ، ما لعله كان معتاصا على الماضيين ، ومتنعا على ~~كثير من # المتقدمين ، وجرت في هذه المدة من الحوادث الكبار ، والوقائع العظام ~~والانقلابات # العجبية ، والاتفاقات الغريبة ، والحيل الدقيقة ، والأمور المحكمة ~~الوثيقة ، التي لا يوجد # مثلها سالفا ، في أضعاف هذه السنين مضاعفا ، ما لو قيد بتأليف الكتب ، وحفظ # بتصنيف الأشعار فيه والخطب ، أو خلد على شرحه في تواريخ السنين والحقب ، # لأوفى على ما سلف ، وتقدم في علو الراتب . # وقد أثبت من هذا أيضا طرفا طفيفا ، ونبذا ms003 موجزا خفيفا لئلا تخرج هذه # الأخبار عن سبيلها ، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد إلا فيها ، ~~وليستفيد منها # العاقل اللبيب ، والفطن الأريب ، إذا طرقت سمعه ، وخالطت فهمه ، من آداب # النفس ، ولطافة الذهن والحسن ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال ، وتلقي مثله ~~من أفواه # الرجال ، ويحثه على العلم بالمعاش والمعاد ، والمعرفة بعواقب الصلاح ~~والفساد ، وما # تفضي إليه أواخر الأمور ، ويساس به كافة الجمهور ، ويجنبه من المكاره حتى لا # يتوغل في أمثالها ، ولا يتورط بنظائرها وأشكالها ، ولا يحتاج معها إلى ~~إنفاد عمره في # التجارب ، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب . # فأوردت ما كتبته مما كان في حفظي سالفا ، مختلطا بما سمعته آنفا ، من غير # أن أجعله أبوابا مبوبة ، ولا أصنفه أنواعا مرتبة ، لأن فيها أخبارا تصلح ~~أن يذاكر PageV01P003 ~~"""""" صفحة رقم 4 """""" # بكل واحد منها في عدة معادن ، أكثرها ما لو شغلت نفسي فيه : بالنظم ~~والتأليف ، # والتصنيف والترتيب ، لبرد واستثقل ، وكان إذا وقف قارئه على خبر من أول كل # باب فيه ، علم أن مثله باقيه ، فقل لقراءة جميعه ارتياحه ونشاطه ، وضاق ~~فيه توسعه # وانبساطه ولكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار ، ~~والرسائل # والمثال ، والفصول التي إن رتبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدم من # أشباهها ، وتردد في الكتب من أمثالها ، فينتقض ما شرطناه ، ويبطل ما ~~ذكرناه ، من # أن هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه ، وأنا إنما تلقطتها من الأفواه دون ~~الأوراق ، # ويخرج بذلك عن القصد والمراد ، والغرض المطلوب في الاستقامة والسداد ؛ إذ # ليست الفائدة فيها التنويع ، ولا المغزى التأليف ، بل لعل كثيرا مما فيها ~~لا نظير له # ولا شكل ، وهو وحده جنس وأصل ، واختلاطها أطيب في الآذان وأدخل ، وأخف # على القلوب والأذهان وأوصل . # وعلى أني وإن كنت أتجنب بجهدي أن أثبت فيها شيئا قد كتب قبلي ، أو # تنه على الفائدة في إثباته سواي ، إلا الشعر فإنه غير داخل في هذا الأمر ~~، فإني في # الأول ربما كتبت شيئا أعلم أنه موجود في الدفاتر عقيب شيء يوجبه ويدعو ms004 إليه ، # ولأجل فائدة تحببه وتحض عليه ، واعتمادا لترصيع هذه الأخبار ، بما يحببها ~~إلى أكثر # طلاب الآثار ، وقد جعلت كل واحد من أجزائها ، وهو مائة ورقة ، واحدا قائما # بنفسه ، مستغنيا عن الباقي من جنسه ، لا يخل بفائدة لقارئه دون غيره ، ~~ولا يضطره # إلى سواه مع حضوره ، وإن كان في غيره ضروب أخر من الفوائد لا تعلم إلا منه ، # وصدرت كل جزء برسالة تدل على جنس الأخبار الموردة في جميع الأجزاء ، # والغرض منها ، والسبب الباعث على جمعها ، مختصرة لهذا الشرح الطويل ، وموجزة # في جملة الأجزاء الأخر ما هو في معناه داخل ، ومن نوعه وفنه حاصل ، ومما ~~ليس فيها أخ # له على حسب ما سنح وتيسر ، واتفق ولم يتعذر . # وأرجو أن لا يبور ما جمعته ، ولا يضيع ما تعبت فيه وكتبته وأثبته من ذلك # وصنعته ، فلو لم يكن فيه ، إلا أنه خير من أن يكون موضعه بياضا لكانت ~~فائدة إن # شاء الله تعالى . # وإياه أسأل التوفيق في المقال ، والتسديد في جميع الأفعال ، والعصبة من # الزلل ، والحفظ من الخطإ والوهل ، إنه بذلك ولي ، وبالمرجو فيه منه ملي ، وهو # حسبي ، وإليه في كل أمر مرجعي ، وعليه توكلي ، ولا حول ولا قوة إلا به ، إنه # نعم المولى والوكيل . PageV01P004 # """""" صفحة رقم 5 """""" # لماذا لا يكذبون على الوزير أعزه الله # حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف ، المعروف بابن المنجم النديم ~~، وهو أحد بني يحيى بن أبي منصور المنجم ، صاحب المأمون ، ومحل أهله وسلفه ~~وبيته في منادمة الخلفاء والوزراء والأمراء مشهور ، وموضعهم من الكلام ~~والنجوم والعلم والأدب وقول الشعر وتصنيف الكتب في أنواع ذلك المعروف ، ~~ومكانهم من المنزلة في خدمة السلطان وعظم النعمة والحال متعالم ، ومحل أبي ~~العباس في نفسه أشهر من أن يجهل في العلم والأدب وقول الشعر والمعرفة ~~بالجدل والفقه ، وغير ذلك مما يقوم به ، وقد نادم أبا محمد المهلبي رحمه ~~الله ، واختص به ونفق عليه سنين كثيرة ، ومن بعده من الوزراء ، وغيرهم من ~~الرؤساء ، وهو أحد بقايا رجال أهل بيته ، قال : كنت بحضرة ms005 أبي مخلد عبد ~~الله بن يحيى الطبري صاحب معز الدولة فجرى ذكر الكرم والكرام ، والجود ~~والأجواد ، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من الأفضال على الناس ، فأخذ ~~أبو مخلد يدفع هذا ويبطله ، حتى قال : هذه حيل نصبها الشحاذون على دراهم ~~الناس ، لا أصل لها . فقلت له : أيها الشيخ إن قلت ذلك ، فقد قال صاعد مثله ~~، فأجيب . فقال : ما قال ؟ فقلت له : حكي له جود البرامكة ، فقال : هذا من ~~موضوعات الوراقين وكذبهم ، وكان أبو العيناء حاضرا ، فقال له : فلم لا يكذب ~~على الوزير أعزه الله مثل هذا وهو حي يرجى ويخاف ، وأولئك موتى مأيوس من ~~خيرهم وشرهم مثل هذا الكذاب ؟ قال : فخجل أبو مخلد . PageV01P005 # """""" صفحة رقم 6 """""" # الوزير ابن الزيات يذكر البرامكة وهو في التنور # وفي معنى هذا ما أذكره ، وإن كان موجودا في الكتب ، ولكنه على سبيل ~~الإستعادة ، وهو حسن . حدثني أبو محمد يحيى بن محمد الأزدي ، قال : بلغني ~~أن ابن الزيات لما حصل في التنور قال له بعض خدمه : لهذا وشبهه كنا نشير ~~عليك بفعل الإحسان ، وتقليد رقاب الرجال بالأمتنان ، واتخاذ الصنائع في حال ~~القدرة لتجازي بها الآن عند الحاجة . فقال : لو كنت فعلت هذا ، ما حصلت منه ~~على طائل ، لما في نفوس الناس من ضعف الإخاء ، وكثرة الغدر ، وقلة الوفاء ، ~~وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال البرامكة ؟ ما نفعهم لما حصلوا في مثل حالي ~~من إسلام الزمان وجور السلطان ؟ فقال له الخادم : لو لم ينفعهم إلا ذكرك ~~لهم في مثل هذه الحال التي أنت فيها لكان ذلك أكبر نفع . PageV01P006 # """""" صفحة رقم 7 """""" # أبو الشبل يقارن في الكرم بين البرامكة وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان # : وحدثني أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد المعروف بالأصبهاني الكاتب ، ~~قال : حدثني الحسن بن علي ، قال : حدثنا ابن مهرويه ، قال : أبو الشبل عاصم ~~بن وهب البرجمي ، قال : حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، وكان إلى ~~محسنا ، وعلي مفضلا ، فجرى ذكر البرامكة ، ووصف الناس لهم بالجود ، وما ~~قالوا في كرمهم وجوائزهم ms006 ، فأكثروا . فقمت في وسط المجلس ، وقلت : أيها ~~الوزير ، قد حكمت في هذا الخطب حكما نظمته في بيتي شعر ، لا يقدر أحد أن ~~يرده علي ، وإنما جعلته شعرا ليبقى ويدور ، أفيأذن الوزير في إنشادهما ؟ ~~فقال : قل ، فرب صواب قلت ، فقلت : رأيت عبيد الله أندى أناملا . . . وأكرم ~~من فضل ويحيى وخالد ورواه لنا مرة أخرى فقال فيه : رأيت عبيد الله أفضل ~~سؤددا . . . وأكرم من فضل ويحيى وخالد أولئك جادوا والزمان مساعد . . . وقد ~~جاد ذا والدهر غير مساعد PageV01P007 ~~"""""" صفحة رقم 8 """""" # الحسن المنجم عامل معز الدولة على الأهواز وحبه للعمارة # : حضرت مجلس الحسن بن علي بن زيد المنجم ، غلام أبي نافع ، وهو إذ ذاك ~~عامل معز الدولة رحمه الله على الأهواز وقطعة من كروها ، ومحله عنده كمحل ~~وزرائه ، وكان قد خدم أبي رحمه الله قديما ، بعد مفارقته خدمة القاسم بن ~~دينار عامل الأهواز ، وتوكل له في داره وضيعته ، وخلفه على العيار في دار ~~الضرب بسوق الأهواز ، ثم خلطه بخدمة أبي عبد الله البريدي ، فعلت منزلته ، ~~ثم بلغت به الحال ما ذكرته ، فكنت إذا جئته ، وهو إذ ذاك على غاية الجلالة ~~، وأنا في حد الأحداث ، اختصني . وكان يعجبه أن يقرظ في وجهه ، فأفاض قوم ~~في مدحه ، وذكر عمارته للوقوف ، والسقايات ، وإدراره الماء في ذبابة ~~المسرقان وتفريقه مال الصدقات على أهلها ، وذنبت معهم في ذلك . فقال لي هو ~~: يا بني ، أرباب هذه الدولة إذا حدثوا عني بهذا وشبهه ، قالوا : المنجم ~~إنما يفعل هذا رياء ، وما أفعله إلا لله تعالى ، وإن كان رياء فهو حسن أيضا ~~، فلم لا يراؤون هم بمثل هذا الرياء ؟ ولكن الطباع خست ، حتى في الحسد أيضا ~~، كان الناس قديما إذا حسدوا رجلا على يساره ، حرصوا على كسب المال حتى ~~يصيروا مثله ، وإذا حسدوا على علمه ، تعلموا حتى يضاهوه ، وإذا حسدوا على ~~جوده ، بذلوا حتى يقال إنهم أكرم منه ، وإذا وعدد أشياء كثيرة ، فالآن لما ~~ضعفت الطبائع ، وصغرت النفوس ، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من حسدوه ، في ~~المعنى الذي حسدوه عليه ، عدلوا إلى ms007 تنقص المبرز ، فإن كان فقيرا شنعوا على ~~فقره ، وإن كان عالما خطأوه ، وإن كان جوادا قالوا هذا متاجر بجوده وبخلوه ~~، وإن كان فعالا للخير ، قالوا هذا مراء . PageV01P008 # """""" صفحة رقم 9 """""" # الوزير حامد بن العباس يرى قشر باقلاء في دهليز داره # : حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله ، قال : ~~كان حامد بن العباس من أوسع من رأيناه نفسا ، وأحسنهم مروءة ، وأكثرهم نعمة ~~، وأشدهم سخاء ، وتفقدا لمروءته . وكان ينصب في داره كل يوم عدة موائد ، ~~ولا يخرج من الدار أحد من الجلة والعامة والحاشية وغيرهم إذا حضر الطعام ، ~~أو يأكل ، حتى غلمان الناس ، فربما نصب في داره في يوم واحد أربعين مائدة . ~~وكان يجري على كل من يجري عليه الخبز لحما ، وكانت جراياته كلها الحواري . ~~فدخل يوما إلى دهليز داره ، فرأى قشر باقلاة ، وأحضر وكيله ، وقال : ويلك ~~يؤكل في داري الباقلا ؟ قال : هذا من فعل البوابين . قال : أوليست لهم ~~جرايات لحم ؟ قال : بلى . قال : فسلبهم عن السبب ، فسألهم ، فقالوا : لا ~~نتهنأ بأكل اللحم دون عيالنا ، فنحن ننفذه إليهم لنأكله معهم ليلا ، ونجوع ~~بالغدوات فنأكل الباقلا ، فأمر حامد أن يجري عليهم جراية لعيالاتهم ، تحمل ~~إلى منازلهم ، وأن يأكلوا جراياتهم في الدهليز ، ففعل ذلك . فلما كان بعد ~~أيام ، رأى باقلاة في الدهليز أيضا ، فاستشاط ، وكان حديدا ، سفيه اللسان ، ~~فشتم وكيله ، وقال : ألم أضعف الجرايات ، فلم في دهليزي قشور PageV01P009 ~~"""""" صفحة رقم 10 """""" # الباقلا ؟ فقال : إن الجرايات لما تضاعفت ، جعلوا الأولة لعيالاتهم في كل ~~يوم ، وصاروا يجمعون الثانية عند القصاب ، فإذا خرجوا من النوبة ومضوا ~~نهارا إلى منازلهم ، في نوبة استراجاتهم فيها ، أخذوا ذلك مجتمعا من القصاب ~~فتوسعوا به . فقال : فلتكن الجرايات بحالها ، ولتتخذ مائدة في كل يوم ، ~~تنصب غدوة قبل نصب موائدنا ، يطعم عليها هؤلاء ، ووالله ، لئن وجدت بعدما ~~في دهليزي قشر باقلاة ، لأضربنك وجميعهم بالمقارع . ففعل ذلك ، وكان ما زاد ~~من نفقة الأموال ، وأمرا عظيما . PageV01P010 # """""" صفحة رقم 11 """""" # ا # لوزير حامد بن العباس يخبىء أربعمائة ألف دينار في بئر مستراح ms008 # : حدثني القاضي أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث ابن عياش الجوهري ~~البغدادي ، وأبو الحسن بن المأمون الهاشمي : أنه وجد لحامد في نكبته التي ~~قتل فيها ، في بئر لمستراح له ، أربعمائة ألف دينار عينا ، دل عليها لما ~~اشتدت به المطالبة . وأخبرني غيرهما : أن حامدا كان عمل حجرة ، وجعل فيها ~~مستراحا ، وكان يتقدم إلى وكيله أن يبتاع له الدنانير ، ويجيء بها ، فكلما ~~حصل له كيس ، أخذه تحت ثيابه ، وقام كأنه يبول ، فدخل ذلك المستراح ، فألقى ~~الكيس في البئر ، وخرج من غير أن يصب فيها ماء ولا يبول ، ويوهم الفراش أنه ~~فعل ذلك ، فإذا خرج أقفل المستراح ، ولم يدخله غيره ، على رسم مستراحات ~~السراة التي يختصونها ، وإذا أراد الدخول ، فتحه له الخادم الموسوم بالوضوء ~~، وذلك الخادم أيضا لا يعلم السر في ذلك ، فلما تكامل ذلك المال ، قال : ~~هذا المستراح ضيق البناء ، قبيح ، فسدوه لأغيره ، فسد البئر ، وعطل ~~المستراح ، فحصل ذلك المال مصونا في الموضع ، لا يعرف خبره غيره . فلما ~~اشتدت به المطالبة ، دل عليه ، فأخرج وما ذهب منه شيء ولا عرف خبره إلا من جهته . PageV01P011 # """""" صفحة رقم 12 """""" # مصادرة التاجر ابن الجصاص في زمن المقتدر زادت على ستة ملايين دينار # : وحدثني أبو الحسين بن عياش : أنه سمع جماعة من ثقات الكتاب يقولون : ~~إنهم حصلوا ما ارتفعت به مصادرة أبي عبد الله بن الجصاص في أيام المقتدر ، ~~فكانت ستة آلاف ألف دينار ، سوى ما قبض من داره ، وبعد الذي بقي له من ~~ظاهره . PageV01P012 # """""" صفحة رقم 13 """""" # ابن الجصاص التاجر يبقى له من بعد المصادرة مليون دينار # : سمعت الأمير أبا محمد ، جعفر بن ورقاء ، بن محمد بن ورقاء الشيباني ، ~~يحدث في سنة تسع وأربعين وثلثمائة ، قال : اجتزت بابن الجصاص ، بعد إطلاقه ~~إلى داره من المصادرة بأيام ، وكانت بيننا مودة ومصاهرة ، فرأيته على روشن ~~داره ، على دجلة ، في وقت حار ، من يوم شديد الحر ، وهو حاف حاسر ، يعدو من ~~أول الروسن إلى آخره ، كالمجنون . فطرحت طياري إليه ، وصعدت بغير إذن ، ~~فلما رآني استحيا ، وعدا ms009 إلى مجلس له . فقلت له : ويحك ما لك ، ما الذي قد ~~أصابك ؟ . فدعا بطست وماء ، فغسل وجهه ورجليه ، ووقع ساعة كالمغشي عليه ، ~~ثم قال : أولا يحق لي أ، أن يذهب عقلي ، وقد خرج من يدي كذا ، وأخذ مني كذا ~~، وجعل يعدد أمرا عظيما مما خرج منه ، فمتى أطمع في خلفه ، ولم لا يذهب ~~عقلي أسفا عليه ؟ . فقلت له : يا هذا إن نهايات الأموال غير مدركة ، وإنما ~~يجب أن تعلم أن النفوس لا عوض لها ، والعقوا والأديان ، فما سلم لك ذلك ، ~~فالفضل معك ، وإنما يقلق هذا القلق ، من يخاف الفقر ، والحاجة إلى الناس ، ~~أو فقد العادة في مأكول ومشروب وملبوس ، وما جرى مجرى ذلك ، أو النقصان في ~~جاه ، فاصبر ، حتى أوافقك أنه ليس ببغداد اليوم ، بعد ما خرج منك ، أيسر ~~منك من أصحاب الطيالس . فقال : هات . فقلت : أليس دارك هذه ، هي التي كانت ~~قبل مصادرتك ، ولك فيها من الفرش والأثاث ما فيه جمال لك ، وإن لم تكن في ~~ذلك الكبر المفرط ؟ . فقال : بلى . PageV01P013 # """""" صفحة رقم 14 """""" # فقلت : وقد بقي لك عقارك بالكرخ ، وقيمته خمسون ألف دينار . فقال : بلى . ~~فقلت : ودار الحرير وقيمتها عشرة آلاف دينار . قال : بلى . فقلت : وعقارك ~~بباب الطاق ، وقيمته ثلاثون ألف دينار . فقال : بلى . قلت : وبستانك ~~الفلاني ، وضيعتك الفلانية ، وقيمتها كذا وكذا . فقال : بلى . فقلت : وما ~~لك بالبصرة وقيمته مائة ألف دينار . فقال : بلى . فجعلت أعدد عليه ، من ~~عقاراته ، وضياعه ، إلى أن بلغت قيمة سبعمائة ألف دينار . فقلت : وأصدقني ~~عما سلك لك من الجوهر والأثاثوالقماش والطيب والجواري والعبيد والدواب ، ~~وعن قيمة ذلك ، وقيمة دارك ؟ فأخذ يصدقني ، ويقوم ، وأحصي ، إلى أن بلغت ~~القيمة لذلك ، ثلثمائة ألف دينار . فقلت له : يا هذا ، من ببغداد اليوم من ~~يحتوي ملكه على ألف ألف دينار ؟ وجاهك عند الناس الجاه الأول ، وهم يظنون ~~أن الذي بقي لك ضعف هذا ، فلم تغنم ؟ . قال : فسجد لله ، وحمده ، وبكى ، ثم ~~قال : والله ، لقد غلب الفكر علي حتى نسيت جميع هذا أنه لي ، وقل في عيني ، ~~لإضافتي إياه ms010 إلى ما أخذ مني ، ولو لم تجيئني الساعة ، لزاد الفكر علي حتى ~~يبطل عقلي ، ولكن الله تعالى أنقذني بك ، وما عزاني أحد ، بأنفع من تعزيتك ~~، وما أكلت منذ ثلاث شيئا ، فأحب أن تقيم عندي ، لنأكل ونتحدث ونتفرج . ~~فقلت : أفعل ، فأقمت يومي عنده وأكلنا ، وتحدثنا بقية يومنا . PageV01P014 # """""" صفحة رقم 15 """""" # حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد الله بن الجصاص # : وكنت أنا ، اجتمعت ببغداد ، في سنة نيف وخمسين وثلثمائة ، مع أبي علي ~~بن أبي عبد الله بن الجصاص ، فرأيت شيخا طيبا ، حسن المحاضرة ، فسألته عن ~~الحكايات التي تنتسب إلى أبيه ، مثل قوله خلف إمام قد قرأ ' بسم الله ~~الرحمن الرحيم ' غير المغضوب عليهم ولا الضالين ' صدق الله العظيم ' ، فقال ~~: إي لعمري ، بدلا من آمين . ومثل قوله للخاقاني الوزير : أسهرني البارحة ~~صوت الكلاب في الحارة على بابي ، كل كلب مثلي ومثل الوزير . وقوله له ، ~~وأراد تقبيل رأسه ، فقال : إن فيه دهنا فلا تفعل ، فقال : لو كان في رأس ~~الوزير خرا لقبلته . ومثل قوله : قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت ~~اتلحظ المقعدة حتى وقعت عليها . ومثل قوله وقد وصف مصفحا بالعتق ، فقال : ~~هو كسروي ، وأمثال هذا على كثرته ، وتواتر الرواية له . فقال لي : أما أمر ~~المقعدة ، وإي لعمري ، وما كان من هذا الجنس ، فكذب ، وما كانت فيه سلامة ~~تخرجه إلى هذا ، وما كان إلا من أدهى الناس وأخبثهم ، ولكنه كان يطلق بحضرة ~~الوزراء قريبا مما حكي عنه ، بسلامة طبع كانت فيه ، ولأنه كان يحب أن يصور ~~نفسه عندهم بصورة الأبلة ، ليأمنه الوزراء ، لكثرة خلواته بالخلفاء ، فيسلم ~~عليهم ، وأنا أحدثك عنه بحديث حدثنا به ، لتعلم معه إنه كان في غاية الحزم ~~، وإن فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي عنه . فقلت : أحب أن تفعل . قال : ~~حدثنا أبي قال : إن أبا الحسن بن الفرات ، لما ولي بعض وزاراته قصدني قصدا ~~قبيحا ، لشيء كان في نفسه علي ، فأنفذ العمال إلى ضياعي ، وأمر PageV01P015 ~~"""""" صفحة رقم 16 """""" # بنقص معاملاتي ، وبسط لسانه بثلبي وتنقصي في مجالسه ، وأدام ms011 الغض مني إذا ~~دخلت إليه . فوسطت بيني وبينه جماعة ، وبذلت له أشياء توجب صلاح ما بيننا ، ~~فما نجعت ، وأقام على قصدي ، وأنا محتمل ، طامع في رجوعه . فدخلت يوما داره ~~، فسمعت حاجبه يقول وقد وليت عنه : أي بيت مال يمشي على وجه الأرض ؟ ألفا ~~ألف دينار تمشي وليس لها من يأخذها ؟ فعلمت أن هذا من كلام صاحبه ، وأني ~~منكوب ، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار ، عينا وجوهرا ، سوى ~~غيرهما مما يحتوي عليه ملكي . فضاقت علي الدنيا ، وسهرت ليلتي بأسرها أفكر ~~في أمري معه ، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير ، فركبت في الحال إلى داره ، ~~فوجدت الأبواب مغلقة ، فطرقتها . فقال البوابون : من هذا ؟ . فقلت : ابن ~~الجصاص . فقالوا : ليس هذا وقت وصول ، والوزير نائم . فقلت : عرفوا الحجاب ~~أني حضرت لمهم ، فعرفوهم ، فخرج إلى أحدهم ، فقال : إنه إلى ساعة ينتبه ، ~~فتجلس وتنتظر . فقلت : الأمر أهم من ذلك ، فأنبهه وعرفه عني هذا . فدخل ، ~~فأبطأ ساعة ، ثم خرج ، فأدخلني من دار إلى أخرى ، حتى انتهيت إلى مرقده ، ~~وهو على سرير وحواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له ، كأنه حفظه وقد قاموا ، ~~وبعض الفرش تنقل ، وهو جالس في فراشه ، مرتاعا ، قد ظن أن حادثة حدثت ، أو ~~أني جئته برسالة الخليفة ، وهو متوقع لما أورده . فرفعني ، وقال : ما الذي ~~جاء بك في هذا الوقت ؟ فقلت : خير ، ما حدثت حادثة ، ولا معي رسالة ، وما ~~جئت إلا في أمر يخص الوزير ويخصني ، لم تصلح مفاوضته فيه إلا على خلوة ~~شديدة فسكن ، ثم قال لمن حوله : انصرفوا ، فمضوا . وقال : هات . فقلت : ~~أيها الوزير إنك قد قصدتني أقبح قصد ، وشرعت في هلاكي ، وإزالة نعمتي ، وفي ~~إزالتها خروج نفسي ، وليس من النعمة والنفس عوض ، ولعمري أني قد أسأت في ~~خدمتك ، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ عندي ، وقد PageV01P016 ~~"""""" صفحة رقم 17 """""" # جهدت في استصلاحك بكل ما قدرت عليه ، ووسطت بيني وبينك فلانا ، وبذلت كذا ~~، قلت كذا ، فأبيت إلا الإقامة أذاي ، وليس شيء أضعف من السنور ، وإذا عاثت ~~في دكان بقال ms012 فظفر بها ، ولزها إلى الزاوية ليخنقها ، وثبت عليه ، فخدشت ~~وجهه وبدنه ، ومزقت ثيابه ، وطلبت الحياة بكل ما يمكنها ، وقد وجدت نفسي ~~معك في مثل هذه الصورة ، ولست أضعف بطشا من السنور ، وقد جعلت هذا الكلام ~~عذرا بيننا ، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح ، وإلا فعلي وعلي ، وحلفت له ~~بأيمان عظيمة ، لأقصدن الخليفة الساعة ، ولأحولن إليه من خزانتي ألفي ألف ~~دينار عينا وورقا ، ولا أصبح إلا وهي عنده ، وانت تعلم قدرتي عليها ، وأقول ~~له : خذ هذا المال ، وسلم ابن الفرات إلى فلان ، واستوزره ، وأذكر له أقرب ~~من يقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ، ممن له وجه مقبول ، ولسان عذب ، وخط ~~حسن ، ومخرقة حادة ، ولا أعتمد إلا بعض كتابك ، فإنه لا يفرق بينك وبينهم ~~إذا رأى المال حاضرا ، فيسلمك في الحال لهم ، ويراني المتقلد بعين من أخذه ~~وهو صغير ، فجعله وزيرا ، وغرم عنه هذا المال الكثير ، ويعتقد أني ربه وولي ~~نعمته ، فيخدمني ، ويتدبر بتدبيري ، في جميع أمره ، فأسلمك إليه ، فيفرغ ~~عليك العذاب ، حتى يأخذ منك الألفي ألف دينار بأسرها ، وأنت تعلم أن حالك ~~تفي بها ، ولكنك نفتقر بعدها ، ويرجع إلى المال ، ولا يذهب علي منه دانق ، ~~وأكون قد أهلكت عدوي ، وشفيت غيظي ، واسترجعت مالي ، وصنت نعمتي ، وازداد ~~محلي عظما بصرف وزير ، وتقليد وزير . فلما سمع هذا أسقط في يده ، وقال : يا ~~عدو الله أو تستحل هذا ؟ . فقلت : لست عدو الله ، بل عدو الله من استحل مني ~~ما أحوجني إلى الفكر في مثل هذا ، ولم لا أستحل مكروه من يريد هلاكي وزوال ~~نعمتي ؟ . فقال : أو أيش ؟ . قلت : أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من ~~الإيمان المغلظة ، أنك تكون لي لا علي ، في صغير أمري وكبيره ، ولا تنقص لي ~~رسما ، ولا تغير معاملة ، ولا تضع مني ، وتزيد في رفعتي ، وذكري بالجميل ، ~~ولا تبغي لي الغوائل ، ولا تدسس علي المكاره ، ولا تشرع لي في سوء ولا نكبة ~~أبدا ، ظاهرا ولا باطنا ، وتفعل وتفعل ، فاشترطت عليه الأمن من كل ما كنت ~~أخافه منه . PageV01P017 # """""" صفحة ms013 رقم 18 """""" # فقال : وتحلف أنت أيضا بمثل هذه اليمين على جميل النية ، وحسن الطاعة ~~والمؤازرة . فقلت : أفعل . فقال : لعنك الله فما أنت إلا إبليس ، سحرتني ~~والله . واستدعى دواة ، وعملنا نسخة اليمين ، فأحلفته بها أولا ، ثم حلفت ~~له . فلما أردت القيام ، قال : يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي وخففت ~~ثقلا عني ، فو الله ما كان المقتدر يفرق بيني مع كفايتي وغنائي وموقعي ، ~~وبين أخس كتابي - كما ذكرت - مع المال الحاضر ، فليكن ما جرى مطويا . فقلت ~~: سبحان الله . فقال : وإذا كان غدا ، فصر إلى المجلس العامي لترى ما ~~أعاملك به . فنهضت ، فقال : يا غلمان ، بأسركم بين يدي أبي عبد الله ، فخرج ~~بين يدي مائتا غلام ، فعدت إلى داري وما طلع الفجر ، فاسترحت . وجئته في ~~وقت المجلس ، فرفعني فوق جميع من كان بحضرته ، وقرظني التفريط التام ، ~~وعاملني بما علم منه الحاضرون ، رجوعه لي ، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال ~~النواحي ، بإعزاز وكلائي ، وصيانة أسبابي وضياعي وتقدم إلى كتاب الدواوين ~~بإخراج كل ما كانوا أدخلوه إليها من تغيير رسومي ، والزيادة علي ، وأن أجرى ~~على الرسوم القديمة . فشكرته ، وقمت ، فقال : يا غلمان بين يديه ، فخرج ~~الحجاب يجرون سيوفهم بين يدي ، والناس يشاهدون ذلك ، ويعجبون منه ، وقد رجع ~~جاهي ، ولم يعلم أحد سبب صلاح بيننا ، فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه . ~~ثم قال لي أبو علي ابنه : فهل كان هذا فعل ورأي من يليق به ما حكي من تلك ~~الحكايات عنه ؟ فقلت : لا . PageV01P018 # """""" صفحة رقم 19 """""" # حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد الله بن الجصاص # : حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بكر داسة ، قال : حدثني بعض شيوخنا ~~قال : كنا بحضرة أبي عمر القاضي ، فجرى ذكر ابن الجصاص وغفلته ، فقال أبو ~~عمر : معاذ الله ما هو كذلك ، ولقد كنت عنده أيام مسلما ، وفي صحنه سرادق ~~مضروب ، فجلسنا بالقرب منه نتحدث ، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فصاح : ~~يا غلام جئني بمن مشت خلف السرادق الساعة ، فأخرجت إليه جارية سوداء . فقال ~~: ما كنت ms014 تعلمين هاهنا . قالت : جئت إلى الخادم أعرفه أني قد فرغت من ~~الطبيخ ، وأستأذن في تقديمه . فقال : انصرفي لشأنك . فعلمت أنه أراد أن ~~يعرفني أن ذلك الوطء وطء سوداء مبذلة ، وأنها ليست من حرمه ولا ممن يصونه ، ~~فيزيل عني أن أظن به مثل ذلك في حرمة ، فكيف يكون هذا مغفلا ؟ . PageV01P019 # """""" صفحة رقم 20 """""" # مروءة التاجر ابن الجصاص واتساع حاله # : حدثني أبو العباس هبة الله بن المنجم ، أن جده حدثه : أنه لما قبض ~~المقتدر على ابن الجصاص ، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ويحمله . فقال لي ~~الذي كتب الإحصاء : إن وجدنا له في جملة قماشه سبعمائة مزملة خيازر ، فما ~~ظنك بمروءة وقماش يكون هذا في جملته ؟ . PageV01P020 # """""" صفحة رقم 21 """""" # ثلاثون جاما في تركة يأنس الموفقي ثمنها ثلاثة ملايين دينار # : كنت بحضرة الوزير أبي الحسن بن محمد بن هارون المهلبي رحمه الله ببغداد ~~وقد دخل إليه أبو إسحق القراريطي بعد وروده من مصر وأبو القاسم الجهني حاضر ~~. فقال له : يا سيدي تسل أبا إسحق عن الحكاية التي كنت حكيتها لك في أمر ~~الجامات البجاذي ؟ فإني كنت ذكرت لك أنه كان حاضرا لأمرها وما علمت أنه قدم ~~من مصر فأواطئه . فقال له أبو محمد : ما بك إلى هذا حاجة . فقال : بلى يا ~~سيدي ، ثم التفت إلى القراريطي ، فقال : إني حكيت لسيدنا الوزير أن المقتدر ~~أنفذني أيام تقلدي له المواريث لقبض تركه فلان ، فذكر أميرا جليلا ، قد ~~أنسيت اسمه على الحقيقة ، وأظنه قال : يأنس الموفقي ، وأنفذك مستظهرا بك ~~لتحصي التركة ، وإنها كانت هائلة عظيمة ، وإنا وجدنا فيها ثلاثين جامة ~~بجاذي ، كل جامة فتحها شبر وكسر ، في غلف من لب الخيازر ، مبطنة بالحرير ~~والديباج ، مضربة بالنبات ، محلاة بالذهب ، فأثبتناها ، وحملناها إلى ~~المقتدر ، فهاله حسنها ، وأحضر ابن الجصاص ، وأمره بتقويمها ، فقال : ما ~~أعرف لها قيمة ، ولا رأيت مثلها قط ، ولولا أني شاهدتها ، لكذبت بوجود ~~مثلها ، ولو قلت إن قيمة كل واحدة مائة ألف دينار ، ما خشيت البعد . وإني ~~لما حدثت سيدنا الوزير أيده الله ، بهذا الحديث ms015 ، كذبني جماعة من ندمائه ، ~~وكنت أنت يا سيدي بمصر ، فإن رأيت أن تقيم الآن لي الشهادة . فقال ~~القراريطي : قد صدق - أيد الله الوزير - أبو القاسم ، أنا رأيت هذه PageV01P021 ~~"""""" صفحة رقم 22 """""" # الجامات ، وقبضتها للمقتدر من هذه التركة وسمعت ابن الجصاص يقول هذا ، ~~وقد نشي أبو القاسم شيئا جرى لم يذكره . فقال أبو محمد : ما هو ؟ . فقال : ~~سألنا خازن الرجل عن هذه الجامات وسببها ، فقال : لا أعلم من أين وصلت إليه ~~، ولكن كان عنده منها ، ثمانون جامة ، فأهدى إلى جماعة من الملوك منها وبقي ~~هذه البقية . فاستطرف أبو محمد المهلبي الحكاية واستحسنها . PageV01P022 # """""" صفحة رقم 23 """""" # مروءة الوزير حامد بن العباس ومكارم أخلاقه # : حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف بن يحيى بن علي بن يحيى ابن ~~أبي منصور المنجم ، قال : حدثني جدي ، قال : وقفت امرأة لحامد بن العباس ~~على الطريق ، فشكت إليه الفقر ، وطلبت منه البر ، ورفعت إليه قصة كانت معها ~~، فلما جلس ، وقع لها بمائتي دينار . فأنكر الجهبذ دفع هذا القدر إلى مثلها ~~، فراجعه . فقال لحامد : والله ما كان في نفسي أن أهب لها إلا مائتي درهم ، ~~ولكن الله أجرى لها على يدي مائتي دينار ، فلا أرجع في ذلك ، أعطها ، فدفع ~~إليها . فلما كان بعد أيام رفع إليه رجل قصة يذكر فيها : إن امرأتي وإياي ~~كنا فقيرين ، فرفعت امرأتي قصة إلى الوزير ، فوهب لها مائتي دينار ، ~~فاستطالت بها علي ، وتريد الآن إعنائي لأطلقها ، فإن رأى الوزير أن يوقع لي ~~إلى من يكفها عني ، فعل . قال : فضحك حامد ، ووقع له بمائتي دينار ، وقال : ~~أعطوه إياها ، وقولوا له : قد صار الآن مالك مثل مالها ، فهي لا تطالبك ~~بالطلاق فقبضها الرجل وانصرف غنيا . PageV01P023 # """""" صفحة رقم 24 """""" # الوزير علي بن عيسى وصاحب ديوان السواد # : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول الأنباري ~~التنوخي المعروف والده بأبي بكر الأزرق ، قال : كان أبو عيسى أخو أبي صخرة ~~جارنا ببغداد ، وكان عظيم الحال ، كثير المال ، تام الجاه ، شيخا من شيوخ ms016 ~~الكتاب ، قد تقلد كبار الأعمال ، وخلف إسماعيل بن بلبل قديما على الوزارة ، ~~فلما ولي محمد بن عبيد الله الخاقاني الوزارة قلد ديوان السواد ، فلما صرف ~~بأبي الحسن علي ابن عيسى وورد أبو الحسن من اليمن والشام ، لما كان نفي ~~إليه عقيب قصة ابن المعتز ، وتقلد الوزارة ، لم يره أهلا لديوان السواد ، ~~ولأن صنعته لم تكن بالتامة التي تفي بهذا الديون ، ولم يمكنه صرفه لمكانه ~~كانت له في الدار ، فكان يقصده بالغض في المجالس ، ولا يرفعه الرفعة التي ~~يستحقها صاحب ديوان السواد ، وإذا أراد عملا من الديوان أو خراجا أو حسابا ~~وقع إلى كتاب الديوان ، استدعاهم ، وخاطبهم وهو حاضر ، لا يكلمه في ذلك ، ~~فيغض منه بهذا ، الغض الشديد ، فإذا أراد عملا يعلم أن صناعة أبي عيسى لا ~~تفي به وأنه لا يمكنه الكلام عليه ، خاطبه فيه على رؤوس الأشهاد ، ليبين ~~نقصة ويفتضح ، وإذا أراد مهما أحضر كتاب الديوان فخاطبهم فيه ، ليكون ذلك ~~نهاية الغض منه . فلما طال ذلك على أبي عيسى ، جلس عنده يوما حتى لم يبق في ~~مجلسه غيره ، وغير إبراهيم بن عيسى أخي الوزير . فقال له علي بن عيسى : هل ~~من خاجة ؟ فقال : نعم ، إذا خلا مجلس الوزير . قال : فأخبرت عن إبراهيم إنه ~~قال : لما سمعت هذا قمت وانصرفت فلما كان من الغد جئت إلى أخي ، فوجدت أبا ~~عيسى في صدر المجلس ، حيث يستحق الديوان أن يكون وهو يأمر ، وينهي ، وينبسط ~~، ويتكلم ، والخطاب معه في الأعمال دون الكتاب ، وقد صار في السماء . ~~فدعتني نفسي إلى مسألة الوزير عن ذلك ، فجلست إلى أن لم يبق في مجلسه غيري ~~، فقال : شيء تقوله يا بني ؟ PageV01P024 # """""" صفحة رقم 25 """""" # فقلت : شيء من الفضول أريد أن أسأل الوزير عنه . فقال : إن كان فضولا فلا ~~تسل عنه . قال : قلت لا بد . فقال : هات . قلت : استخلاك أمس أبو عيسى ~~فأخليته ، ثم رأيت اليوم تعامله بضد ما كنت تعمله قبل هذا ، فما سبب ذلك ؟ ~~. فقال : نعم ، إنه خاطبني بخطاب عظم به في عيني ، وكبر به في نفسي ms017 ، وعلمت ~~صدقه فيه ، فرجعت له ، قال لي ، وقد خلا بي : أيها الوزير ، أنا رجل شيخ من ~~شيوخ الكتاب ، عارف بمقدار ما أحسنه من صناعة الكتابة ، وتقصيري فيها عن ~~الغاية ، وليس يخفي علي ما يعاملني به الوزير من الغض والهتك والتعريض ~~للفضيحة في الصناعة ، ومخاطبة الكتاب في الديوان إذا أراد مهما ، ومخاطبتي ~~إذا نزل معضل ، ويجب أن يعلم الوزير أيده الله ، أن حالي ، ومالي ، وباطني ~~، أكثر مما يقع له ، ويعرفه من ظاهري على كثرته ، وأني ما أتصرف طلبا ~~للفائدة ، ولا خوفا من الفقر ، وإنما أريد الزيادة في الجاه ، واتصال نفوذ ~~الأمر والنهي ، وقد عشت طول هذه السنين ، آمرا ، ناهيا ، مستورا في صناعتي ~~، ما تعرض لي أحد من الوزراء ، ولا تعرضت لهم ، وسلمت عليهم ، وسلموا علي ، ~~ومهما عمله الوزير في من الغض فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصة والعامة ، ~~أني خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة ، وتقلدت كذا وكذا ، وأخذ يعدد كبار ~~الأعمال التي وليها ، وأن مثل هذا لا يناط بعاجز ، ولا أن يستخرج من النفوس ~~عظم محلي فيها ، مع سعة الحال ، وكثرة الضياع والمال ، ولا يمكنه في طمس ~~محلي أكثر مما قد عمله ، وأنا بين أمور ، إما توصلت إلى إزالة ذلك عني بما ~~لعله يثقل على الوزير ، وآثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل ، ولزمت بيتي ، ~~فلم أكن فيه خاملا ولا ساقطا ثم حصلت حيث أختار ، من الكون في جملة أولياء ~~الوزير أو أعدائه ، فإما أعفاني مما يستعمله معي ، وردي الخبر إلى العادة ~~التي يستحقها من نصب في مثل منصبي ، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي . فقلت ~~له : يا أبا عيسى ، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره ، ولن أكون لك إلا على أفضل ~~محبتك ، فبكر إلى ليبين لك مصداق ذلك . فلما جاءني اليوم ، عاملته بما ~~رأيته . PageV01P025 # """""" صفحة رقم 26 """""" # حكايات عن وقار الوزير علي بن عيسى وزماتته # ويشبه قول علي بن عيسى لأخيه : إن كان فضولا فلا تسل عنه ، ما كان يبلغنا ~~عنه من الزماتة الشديدة ، والوقار العظيم ، ومطالبة نفسه بإحتشام ms018 الخلق ، ~~واستعمال ذلك مع أهله وولده . حدثني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : بلغني عن ~~بعض أكابر ولده أنه دخل إليه في آخر عمره ، وهو متسلق ، فلما رأى ابنه جلس ~~منتصبا . وأخبرني أبي رحمه الله ، وأبو الحسين بن عياش : أنهما كانا ~~يشاهدان كانا أبا الحسن في آخر الأوقات في المجالس الحافلة ، يجلس عند باب ~~مفتوح ، وبين البابين مسورة يستند إليها ، وعلى الباب ستر قد أرخي حتى بلغ ~~الأرض وغطى المسورة ، وصار حجابا بين الناس وبينها ، وهو ملتزق بالستر ~~احتشاما للناس أن يستند بحضرتهم ، وما زال الناس على هذا . PageV01P026 # """""" صفحة رقم 27 """""" # حكاية عن تزمت القاضي أبي جعفر بن البهلول # : حدثني أبو الحسن بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول ، قال : كنت وأنا ~~صبي ، أجيء ، وألعب ، بحضرة جدي ، فيصبح علي . قال : ما دخلت إليه قط ، وهو ~~مكشوف الرأس ، إلا أخذ القلنسوة من خلف مسورته ، ولبسها ، وجلس متزمتا علي ~~وسني إذ ذاك عشر سنين ، أو حواليها ، إلى أن أنصرف ، فأراه إذا بعدت ، وقد ~~وضعها عن رأسه . PageV01P027 # """""" صفحة رقم 28 """""" # بين الوزير علي بن عيسى والوزير أبي علي بن مقلة # : ويشبه فعل أبي الحسين علي بن عيسى بأبي عيسى أخي صخرة ، ما أخبرني به ~~الثقة ، قال : أخبرني جماعة من الكتاب ، أنه بلغه أن المقتدر قد عمد على ~~صرفه بأبي علي بن مقلة ، وكان يخلفه إذ ذاك على عدة دواوين ، فاستدعاه ، ~~وطالبه بأعمال يعملها له من الدواوين ، فوعده بإحضارها . فلما كان بعد أيام ~~، خاطبه بحضرة الناس يريد الغض منه ، فقال له : طلبت منك أعمالا فما ~~أحضرتها ، وأنا أعلم تعذرها عليك ، فإن كان الأمر كذلك ، فأفصح عن نفسك . ~~فقال ابن مقلة : قد أحضرتها ، ووضعها بين يديه . فأخذ يقرؤه ، ويعجب مشايخ ~~الكتاب الحضور من خطائه فيها ، ويوافقه على ضعف صناعته ، ويفضحه في موضع ~~يخرجه ، ويقول له في عرض الخطاب ؛ هذه حياكة : ليست كتابة ، ويضرب على عمل ~~عمل ، وبرسم في أضعافه ، كيف يجب أن يعمل ، والكتاب الحاضرون يعجبون من حسن ~~ما يورده أبو الحسن ، وضعف ما أورده ms019 أبو علي ، إلى أن ضرب على جميع أعمال ، ~~ثم قال له : قم فاعملها على هذا ، وحررها ، وجئني بها ، فقام أبو علي يجر ~~رجله . فلما ولي عن حضرة أبي الحسن ، قال : إن أمرا عجز عنه علي بن محمد بن ~~الفرات ، ونحن فيه مرتكبون ، تقوم به أنت ؟ لشيء عجيب . قال : فلما كان في ~~اليوم الرابع أو الخامس من هذا الحديث ، قبض على علي بن عيسى ، وسلم إلى ~~أبي علي ، وقلد الوزارة ، فاعتمد الغض من أبي الحسن ، فما قدر على ذلك ~~بأكثر من المكاره ، والمخاطبة له في وجهه بما يرتفع عنه أرباب المروءات . ~~فمن ذلك ، إن هذا المخبر أخبرني ، قال : حدثني أبو أحمد الشيرازي الفضل بن ~~عبد الرحمن بن جعفر قال : كنت بحضرة أبي علي بن مقلة يوما في وزارته وقد ~~دخل عليه علي بن عيسى فجلس بين يديه ، وكان أبو عبد الله العلوي الموسوي ~~حاضرا ، وأبو علي الحسن بن هارون . PageV01P028 # """""" صفحة رقم 29 """""" # فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون : اكتب رقعة عن أبي عبد الله يصف ~~فيها اختلال ضيعته ، ويسأل فيها الاحتساب له بمظلمة ، وإطلاق معونة له . ~~ففعل الحسن بن هارون ذلك في الحال ، وعرض الرقعة ، فوقع بإخراج الحال ، ~~وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال مصدقا لما في الرقعة . ففعل ذلك . فوقع ~~تحت إخراج الحال بإطلاق عشرين كرا حنطة وعشرين كرا شعيرا معونة له ، ~~والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة ، وقال لأبي علي الحسن ابن هارون : ~~سلمه إلى أبي عبد الله . قال ، فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجل علوي ~~، وأخذ أبو الحسن علي بن عيسى يشكر له ذلك ويصوبه له . فقال له مجيبا : فلم ~~تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك ؟ . قال ، فنهض أبو الحسن ، وقال : ~~ستودع الله الوزير ، ولم يجب بحرف واحد . PageV01P029 # """""" صفحة رقم 30 """""" # تزمت الوزير علي بن عيسى وتخشنه # ومن زماته أبي الحسن علي بن عيسى وتخشنه ، أنه كان يجب أن يبين فضله في ~~هذا على كل أحد ، أخبرني به غير واحد : إن أبا عمر ms020 القاضي دخل يوما في بعض ~~وزاراته ، وعلى أبي عمر قميص دبيقي سشتري فاخر ، فأراد الحسن أن يخجله فقال ~~له : يا أبا عمر بكم اشتريت شقة هذا القميص ؟ . فقال : بمائتي دينار . فقال ~~أبو الحسن : ولكني اشتريت لي هذه الشقة التي قطعت منها هذه الدراعة وهذا ~~القميص الذي تحتها بعشرين دينارا . فقال له أبو عمر مسرعا كأنه قد أعد له ~~الجواب : الوزير أعزه الله يجمل الثياب ، ولا يحتاج إلى المبالغة فيها ، ~~ونحن نتجمل بالثياب ، فنحتاج إلى المبالغةفيها لأنا نلابس العوام ، ومن ~~نحتاج إلى التفخيم عليه ، وإقامة الهيبة في نفسه بها ، والوزير أيده الله ~~يخدمه الخواص ، أكثر من خدمة العوام ، ونعلم أنه يدع هذا عن قدرة . قال : ~~فكأنما ألقم أبا الحسن حجرا ، وسكت عنه . PageV01P030 # """""" صفحة رقم 31 """""" # الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين # : حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ، قال حدثني مكرم ابن بكران ، ~~عن أبي يحيى بن مكرم القاضي ، قال : كنت خصيصا بأبي الحسن علي بن عيسى ، ~~وربما شاورني في شيء من أمره ، قال : دخلت عليه يوما وهو مغموم جدا ، فقدرت ~~أنه بلغه عن المقتدر أمر كرهه ، فقلت هل حدث شيء ؟ وأو مات إلى الخليفة . ~~فقال : ليس غمي من هذا الجنس ، ولكن مما هو أشد منه . فقلت : إن جاز أن أقف ~~عليه فلعلي أقول فيه شيئا . فقال : نعم ، كتب إلى عاملنا بالثغر ، أن أسارى ~~المسلمين في بلد الروم ، كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولي آنفا ، ملك الروم ~~، حدثان ، فعسفا الأسارى ، وأجاعهم ، وأعرياهم ، وعاقباهم ، وطالباهم ~~بالتنصر ، وأنهم في جهد جهيد ، وبلاء شديد ، وليس هذا مما لي فيه حيلة ، ~~لأنه أمر لا يبلغه سلطاننا ، والخليفة لا يطاوعني ، فكنت أنفق الأموال ، ~~وأجتهد ، وأجهز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية . فقلت أيها الوزير ، هاهنا ~~رأي أسهل مما وقع لك ، يزول به هذا . فقال : قل يا مبارك . فقلت : إن ~~بانطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك ، وببيت المقدس آخر يقال له ~~القاثليق ، وأمرهما ينفذ على ملك الروم ، حتى انهما ربما ms021 حرما الملك فيحرم ~~عندهم ، ويحلانه فيحل . وعند الروم أنه من خالف منهم هذين فقد كفر ، وأنه ~~لا يتم جلوس الملك ببلد الروم إلا برأي هذين ، وأن يكون الملك قد دخل إلى ~~بيعتهما ، وتقرب بهما ، PageV01P031 ~~"""""" صفحة رقم 32 """""" # والبلدان في سلطاننا ، والرجلان في ذمتنا ، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى ~~عاملي البلدين بإحضارهما ، وتعريفهما ما يجري على الأسارى ، وإن هذا خارج ~~الملك ، وإنهما إن لم يزيلا هذا ، لم يطالب بجريرته غيرهما ، وينظر ما يكون ~~من الجواب . قال : فاستدعي كاتبا ، وأملى عليه كتابين في ذلك ، وأنفذهما في ~~الحال ، وقال : سريت عني قليلا ، وافترقنا . فلما كان بعد شهرين وأيام ، ~~وقد أنسيت الحديث ، جاءني فرانق من جهته يطلبني ، فركبت وأنا مشغول القلب ~~بمعرفة السبب في ذلك ، حتى وصلت إليه ، فوجدته مسرورا ، فحين رآني قال : يا ~~هذا ، أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعني . فقلت : ما الخبر ؟ . قال : كان ~~رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي وأصحه ، وهذا رسول العامل قد ورد بالخبر ، ~~وأومأ إلى رجل كان بحضرته ، وقال له : خبرنا بما جرى . فقال الرجل : أنفذني ~~العامل مع رسول البطرك والقاثليق ، برسالتهما إلى قسطنطينية وكتبا إلى ~~ملكيهما : إنكما قد خرجتما عن ملة المسيح بما فعلتماه بالأسارى وليس لكما ~~ذلك ، فإنه حرام عليكما ، ومخالف لما أمرنا به المسيح من كذا وكذا ، وعددا ~~أشياء في دينهما ، فإما زلتما عن هذا واستأنفتما الإحسان إلى الأسارى ، ~~وتركتما مطالبتهم بالتنصر ، وإلا لعناكما على هذين الكرسيين وحرمنا كما . ~~قال : فمضيت مع الرسول ، فلما صرنا بقسطنطينية ، حجيت عن الملكين أياما ، ~~وخليا بالرسول ، ثم استدعياني إليهما ، فسلمت عليهما ، فقال لي ترجمانهما : ~~يقول لك الملكان ، إن الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى ، كذب وتشنيع ، ~~وقد أذنا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم ، فترى أحوالهم بخلاف ما ~~بلغكم ، وتسمع من شكرهم لنا ، ضد ما اتصل بكم . قال : ثم حملت إلى دار ~~البلاط فرأيت الأسارى ، وكأن وجوههم قد أخرجت من القبور ، تشهد بالضر ~~الشديد والجهد الجهيد وما كانوا فيه من العذاب إلى حين قدومنا إلا أنهم ~~مرفهون ms022 في ذلك الوقت ، وتأملت ثيابهم ، فإذا PageV01P032 ~~"""""" صفحة رقم 33 """""" # جميعها جدد ، فعلمت أني منعت من الوصول تلك الأيام حتى غير زي الأسارى ~~وأصلح أمرهم . وقال لي الأسرى : نحن للملكين شاكرين ، فعل الله بهما وصنع ، ~~وأومأوا إلي : إن الأمر كان كما بلغكم ، ولكنه خفف عنا ، وأحسن إلينا ، بعد ~~حصولك هاهنا . وقالوا لي كيف عرفت حالنا ؟ ومن تنبه علينا ، وأنفذك بسببنا ~~؟ . فقلت لهم : ولي الوزارة علي بن عيسى فبلغه ذلك ، فأنفذ من بغداد ، وفعل ~~كذا وكذا . قال : فضجوا بالدعاء إلى الله تعالى للوزير ، وسمعت امرأة منهم ~~تقول : مر يا علي بن عيسى لا نسي الله لك هذا الفعل . قال : فلما سمع ذلك ~~علي بن عيسى أجهش بالبكاء ، وسجد حمدا لله سبحانه وتعالى ، وتر الرسول ، ~~وصرفه . فقلت له : أيها الوزير ، أسمعك دائما تتبرم بالوزارة ، وتتمنى ~~الإنصراف عنها في خلوتك خوفا من آثامها ، فلو كنت في بيتك ، هل كنت تقدر أن ~~تحصل هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك ؟ فلا تفعل ، ولا تتبرم بهذا ~~الأمر فلعل يمكنك ويجري على يديك أمثال هذا الفعل ، فتفوز بثوابه في الآخرة ~~، كما تفردت بشرف الوزارة في الدنيا . PageV01P033 # """""" صفحة رقم 34 """""" # ابن الرزق الله ، التاجر البغدادي يوقف في بلاد الروم أكسية لتدفئة أسارى ~~المسلمين # : حدثني أبو محمد ، عبد الله بن أحمد بن داسه البصري ، قال : حدثني علي ~~بن إبراهيم بن حمادى القاضي : إن بعض مشايخ العرب أخبره عن رجل المسلمين ، ~~أسر ، ثم رجع إلى دار الإسلام ، قال : لما حملنا إلى بلد الروم مرت بنا ~~شدائد ، فحصلنا عدة ليال لا ننام من البرد ، وكدنا نتلف ، ثم دخلنا قرية ، ~~فجاءنا راهب فيها بأكسية وقطف ثقيلة دفية ، فغطى جميع الأسارى ، كل واحد ~~بواحدة ، فعشنا تلك الليلة ، فأقامونا في تلك القرية أياما ، فكانت سبيلنا ~~هذه ، ثم نقلونا إلى أخرى ، فعادت حالنا في العري والبرد إلى الأولى . ~~فسألنا عن السبب في ذلك ، فقالوا : إن رجلا ببغداد من التجار يقال له ابن ~~رزق الله ، صهر ابن أبي عوف ، توصل إلى أن حصلت له هذه الأكسية ms023 والقطف عند ~~الراهب ، بغرامات مال جليل ، وسأله أن يغطي بها من يحصل في قريته من أسارى ~~المسلمين ، وضمن له أن ينفق على بيعة في بلد الإسلام بإزاء هذا في كل سنة ~~شيئا ما دامت الأكسية محفوظة للاسارى ، فالراهب يفعل ذلك في هذه القرية ، ~~وما قبلها وما بعدها ليس فيها شيء من هذا . فأقبلنا ندعو لابن رزق الله كما ~~نفحنا البرد ، ولحقتنا الشدة ، ونحن لا نعرفه . PageV01P034 # """""" صفحة رقم 35 """""" # شخص متعطل زور كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات ، إلى عامل مصر # : حدثني أبو الحسين ، عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي : إن رجلا دامت ~~عطلته ، فزور كتبا عن علي بن محمد بن الفرات ، وهو وزير ، إلى أبي زنبور ~~عامل مصر ، وخرج إليه ولقيه بها . فأنكرها أبو زنبور ، لإفراط التأكيد فيها ~~، وكثرة الدعاء للرجل ، وأن محله عنده لم يكن يقتضي ذلك الترتيب ، واستراب ~~بالخطاب أيضا . فوصل الرجل بصلة يسيرة ، وأمر له بجراية ، وقال : تأخذها ~~إلى أن أنظر في أمرك . وأنفذ الكتب في خاص كتبه إلى ابن الفرات ، وشرح له ~~الصورة ، وكان فيها : إن للرجل حرمة وكيدة بالوزير ، وخدمة قديمة . قال : ~~فوصلت الكتب إلى أبي الحسن بن الفرات ، وأصحابه بين يديه فعرفهم الصورة ، ~~وعجبهم منها ، وقال : ما الرأي في أمر الرجل ؟ فقال : بعضهم : تقطع يده ~~لتزويره على الوزير . وقال بعضهم : يقطع إبهامه . وقال بعضهم : يضرب ويحبس ~~. وقال بعضهم : يكشف لأبي زنبور أمره ، ويتقدم بطرده ، ويقتصر به على ~~الحرمان مع بعد الشقة . فقال ابن الفرات : ما أبعد طباعكم عن الجميل ، ~~وأنفرها من الحرية ، رجل توسل بنا ، وتحمل المشقة إلى مصر ، وأمل بجاهنا ~~الغنى ، ولعله كان لا يصل إلينا ، ولا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا ، فخفف عنا ~~بأن كتب لنفسه ما قدر أن به صلاحه ، ورحل ملتمسا للرزق ، وجعلنا سببه ، ~~يكون أحسن أحواله عند أجملكم محضرا الخيبة ؟ . ثم ضرب بيده إلى الدواة ، ~~وقلب الكتاب المزور ، ووقع عليه بخطه : هذا كتابي ولا أعلم لأي سبب أنكرته ~~. ولا كيف استربت به ، كأنك عارف بجميع من خدمنا في ms024 النكبة ، وأوقات ~~الاستتار ، وقديم الأيام ، وقد أحطت علما بجميعهم ، فأنكرت أبا فلان هذا - ~~أعزه الله - من بينهم ، وحرمته بي أوكد PageV01P035 ~~"""""" صفحة رقم 36 """""" # مما في هذا الكتاب ، وسببه عندي أقوى مما تظن ، فأجزل عطيته ، وتابع بره ~~ووفر حظه من التصرف فيما يصلح له ، وافعل به واصنع ، وأصدر الكتاب في الحال ~~. فلما كان بعد مدة طويلة ، دخل عليه رجل جميل الهيئة ، حسن الزي والغلمان ~~، فأقبل يدعو له ، ويبكي ، ويقبل الأرض بين يديه ، وابن الفرات لا يعرفه ، ~~ويقول : يا بارك الله عليك - وكانت هذه كلمته - ما لك ؟ . فقال له : أنا ~~صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور ، الذي حققه تفضل الوزير ، فعل الله به ~~وصنع . قال : فضحك ابن الفرات ، وقال : فبكم وصلك ؟ . قال : وصل إلي من ~~ماله ، قسطه لي ، ويتصرف صرفني فيه ، عشرون ألف دينار . قال ابن الفرات : ~~الحمد لله ، الزمنا ، فإننا ننفعك بأضعافها . قال : فلزمه وفاتشه ، فوجده ~~كاتبا ، فاستخدمه ، وأكسبه مالا عظيما ، وصار ذلك سببا لحرمة الرجل به . PageV01P036 # """""" صفحة رقم 37 """""" # أبو عمر القاضي يعامل بالجميل رجلا زور عنه رقعة بطلب التصرف # : حدثني أبو أحمد بن أبي الورد شيخ من أبناء القضاة لقيته سنة تسع ~~وأربعين وثلثمائة ببغداد ، قال حدثني أبي وكان خصيصا بأبي عمر القاضي . إن ~~رجلا زور عنه رقعة إلى أبي القاسم ابن الحواري ، يسأله تصريفه وكانت بينهما ~~مودة . وصار الرجل بالرقعة إلى أبي القاسم ، فأخذت منه وحجب ، فجلس يتوقع ~~الجواب . فاتفق أن جاء القاضي أبو عمر وأنا معه ليسلم على ابن الحواري ، ~~ودخلنا ، فوجد القاضي الرقعة بحضرته مشبهة بخطه ، فوجم لذلك ، وتشوف لمعرفة ~~الخبر ، وكان فيه من الوقار والرصانة والفضل المشهور الذي ضرب به المثل ، ~~ما لم يتبين لابن الحواري معه ذلك عليه ، وفطنت أنا لدربي بأخلاقه . وحانت ~~لابن الحواري التفاتة ، فرأى الرقعة في يده ، فقال : أيها القاضي الساعة ~~وصلت ، وأنا أفعل ما التمسه في معنى الرجل . فشكره أبو عمر ، وخاطبه بما ~~أوهمه فيه إنها رقعته ، من غير أن يطلق ذلك ، وكان أفعل الناس لهذا ، ~~وأقدرهم على أن يتكلم ms025 دائما في الأمور بما يحتمل معنيين ، ويحتاج إلى تفسير ~~للمقصد ، توقيا منه ، ودهاء . وقال أبو عمر : فليطلب الرجل ، إن كان حاضرا ~~ويدخل ، فطلبوه وأدخلوه ، وقد امتقع لونه . فقال له ابن الحواري : أنت ~~الموصل لرقعة القاضي أعزه الله ؟ . فقال : نعم . فقال له أبو عمر : إنه ~~أعزه الله قد وعد بتصريفك والإحسان إليك فالزمه . قال : وتحدثنا ساعة ، ~~ونهض أبو عمر ، وقال لي سرا : جئني به . PageV01P037 # """""" صفحة رقم 38 """""" # فتأخرت وونسته ، وحملته إليه ، فدخلت عليه به وهو خال ينتظرنا وحده . ~~فقال له : ويلك ، أتزور على خطي ، وأنا حاكم ، وخطي ينفذ في الأموال ~~والفروج والدماء ؟ ما كان يؤمنك أن أعرفأبا القاسم أمرك فتصير نكالا . فبكى ~~الرجل وقال : والله ، أيها القاضي ، ما حملني على ذلك إلا عدم القوت ، وشدة ~~الفقر ، وأني وثقت بكرمك ففعلت ذلك ، إذ كان غير متصل بحكم ولا شهادة ، ~~وقدرت أيضا أن ذلك ينستر عنك ، وأنتفع أنا من حيث لا يضرك . فقال له أبو ~~عمر : الله إن الفقر حملك على هذا ؟ فقال : إي والله ، فبكى أبو عمر ، وسار ~~خادما له ، فغاب الخادم قليلا ، ثم جاء بصرة فيها مائة دينار ، ومنديل فيه ~~دست ثياب ، فسلمه إلى الرجل . فقال له أبو عمر : اتسع بهذا ، والبس هذا ، ~~والزم أبا القاسم فإني أؤكد عليه أمرك ، واحلف لي أن لا تزور على خطي أبدا ~~. فحلف له الرجل على ذلك وانصرف . فلما كان بعد شهور جاءنا مسلما على أبي ~~عمر بمركوب حسن وثياب فاخرة ، فأخذ يشكر أبا عمر ويدعو له ، وهو لا يعرفه ، ~~وقد ذكرته أنا . فقال له أبو عمر : يا هذا على أي شيء تشكرني ؟ . فقال : ~~أنا صاحب الرقعة إلى أبي القاسم ابن الحواري ، الذي وصلني القاضي بماله ، ~~وأحياني بجاهه ، وقد صرفني أبو القاسم طول هذه المدة ، فبلغت حالي إلى هذا ~~، وأنا أدعو الله للقاضي أبدا . فقال أبو عمر : الحمد لله على حسن التوفيق . PageV01P038 # """""" صفحة رقم 39 """""" # أراد أن يزور على رجل مرتعش اليد # حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي ، قال : رأيت صديقا لي على بعض زواريق ms026 ~~الجسر ببغداد ، جالسا في يوم ريح شديد ، وهو يكتب . فقلت ويحك في مثل هذا ~~الموضع ، ومثل هذا الوقت ؟ . فقال : أريد أن أزور على رجل مرتعش ، ويدي لا ~~تساعدني ، فتعمدت الجلوس ها هنا لتحرك الزورق بالموج في هذه الريح ، فيجيء ~~خطي مرتعشا ، فيشبه خطه . # الوزير ابن مقلة يزور عليه أخوه # حدثني أبو الحسين ، قال : حضرت أبا علي بن مقلة ، وقد عرضت عليه ، وهو ~~وزير ، عدة تسبيبات ، وتوقيعات ، قد زورها عليه أخوه أبو عبد الله ، وارتفق ~~عليها ، وكان أبو عبد الله حاضرا ، فاستقبح أن يفضحه فيها . فلما كثرت عليه ~~، التفت إليه ، فقال : يا أبا عبد الله ، قد خففت عنا ، حتى ثقلت ، وخشينا ~~أن نثقل عليك ، فأحب أن تخفف عن نفسك هذا التعب . قال : فضحك أبو عبد الله ~~، وقال السمع والطاعة للوزير . PageV01P039 # """""" صفحة رقم 40 """""" # عمران المملكة أساس صلاح الرعية # حدثني القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~قال : استتر في دورنا عند أبي ، أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ، ~~المعروف بابن حنزابة ، وكنت حدثا ، فكان يستدعيني دائما ، ونتحدث ، وألعب ~~معه الشطرنج . فقال لي يوما ، وقد جرى حديث نقصان دخل المقتدر عن خرجه : ~~نظرت ، فإذا دخل المملكة كذا وكذا ، وخرجها كذا وكذا ، وإذا دخل ضياع عمي ~~أبي الحسن ، وما قبض معها من ضياعنا ، كان في وقت قبضها ، كذا وكذا ، وهو ~~اليوم الثلث ذلك ، ولو مكنت من ضياعها وحدها ، لعمرتها ، فعاد ارتفاعها إلى ~~ما كان عليه ، فوفر ما بين الإرتفاعين يعمر الدنيا كلها ، وإنما أملاكنا ~~شقص يسير من الأرض ، فكيف لو كان للدنيا من يهتم بعمارة جميعها ؟ . قال ~~القاضي أبو الحسن : وما سمعت أعظم من هذا ، وذلك قبل تقلد أبي الفتح ~~الوزارة . وكان أبو الحسن ، يحفظ مبلغ المال ، وأخبرني به ، فذهب عني . PageV01P040 # """""" صفحة رقم 41 """""" # الوزير ابن الفرات يحسن إلى خياط # حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : بلغني أن أبا الحسن بن الفرات ، اجتاز ~~وهو متوسط الحال ، في بعض الدروب الضيقة راكبا ، وبين يديه غلامان ، فسال ~~عليه ms027 ميزاب من دار فصيره آية ونكالا . فقال لأحد غلمانه : اطلب لي موضعا ~~أدخله . فدق على قوم بابهم ، وكان صاحب الدار خياطا ، فلما رأى شارة أبي ~~الحسن ، وهيأته ، أعظمه وخدمه ، وأدخله وأجلسه ، وأخذ ثيابه فدفعها إلى ~~زوجته لتغسلها ، وجلس يحادثه ، وبادر الغلام الآخر إلى دار أبي الحسن فجاءه ~~بخلعه ثياب قبل أن يفرغ من غسل ذلك القماش ، فلبسها ، وأمر بترك تلك الثياب ~~على القوم ، وانصرف . وضرب الدهر ضربه ، وولي الوزارة الأولة . فاجتاز يوما ~~راكبا في موكب عظيم ، فقام الناس ينظرونه ، وقام الخياط ، فلما رآه عرفه ، ~~فقال لأهل سوقه : إن لي مع هذا الرجل قصة طريفة ، وأخبرهم بها . فقالوا له ~~: إنه كريم ، ولو قصدته لانتفعت . فلما كان من غد قصده الخياط ، فصادف ~~مصيره إلى بابه ركوب ابن الفرات ، فدعا له ، وقال : لي بالوزير حرمة . ~~فتأمله ابن الفرات ، فعرفه ، وتذكر قصته ، فأمر بإجلاسه . PageV01P041 # """""" صفحة رقم 42 """""" # فلما عاد استحضره وسأله عن خبره ، وخبر زوجته ، وأولاده . فأخبره ووصف ~~خلة . فقال له : أيما أحب إليك الجائزة أو الخدمة لنا ؟ فقال : بل خدمة ~~الوزير . فأمر بألف دينار ، وأن يجعل رئيسا على الخياطين في داره ، ففعل به ~~ذلك . فما مضت عليه مديدة حتى صار صاحب عشرات ألوف . PageV01P042 # """""" صفحة رقم 43 """""" # الوزير المهلبي يحسن إلى كواز # وقد شاهدت أنا ، قريبا من هذا ، من الوزير أبي محمد ، الحسن بن محمد ~~المهلبي رحمه الله ، وذلك : إن أبا محمد عبد الرحمن بن نصر السكري البصري ، ~~صاحب البريديين ، وتقلد شرطة البصرة دفعات ، دعاة في وزارته ، فجاء إليه ~~إلى داره في شارع المربد . فلما أراد الرجوع من داره إلى مسماران - وكان ~~أبو محمد المهلبي رحمه الله ، قد نزلها - استقبح الإجتياز بالجامع مع أنه ~~شارب ، فعدل في الأزقة إلى سيحان ، ليركب منها طيارة . فلما بلغ حيث تعمل ~~الكيزان ، حقنه بوله ، فدخل دار قوم صنعاء ، فبال ، فدعا له صاحب الدار . ~~فقال له : هذه الدار لك ؟ قال : لا ، هي بأجرة معي . قال : كم أجرتها ؟ قال ~~: خمسة دراهم في الشهر . قال : وكم تساوي ؟ قال خمسمائة درهم . قال ms028 : وكم ~~رأس مالك في عمل الكيزان ؟ قال : مائة درهم . فدفع إليه في الحال ألف درهم ~~، وقال : اشتر منها الدار ، ورد الباقي في رأس مالك ، وركب . PageV01P043 # """""" صفحة رقم 44 """""" # من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلبي # وكان رحمه الله ، من بقايا الكرام ، ولقد شاهدت له مجلسا في شهر رمضان ، ~~سنة إحدى وخمسين وثلثمائة ، كأنه من المجالس البرامكة ، ما شهدت مثله قط ~~قبله ولا بعده ، وذلك : إن كاتبه على ديوان السواد ، أبو الحسن عبد العزيز ~~بن إبراهيم ، المعروف بابن حاجب النعمان ، سقط من روشن في دار أبي محمد على ~~دجلة ، فمات في اليوم الثامن من السقطة . فجزع عليه أبو محمد ، وجاء من غد ~~إلى أولاده ، لأنهم كانوا دفنوه عشيا ، وكنت معه وحضر ، وقد أعدوا له دستا ~~يجلس فيه ، فلما دخل عدل عنه ولم يجلس فيه ، فعزاهم بأعذب لسان ، وأحسن ~~بيان ، ووعدهم الإحسان ، وقال : أنا أبوكم ، وما فقدتم من ماضيكم غير شخصه ~~. ثم قال لابنه الأكبر أبي عبد الله : قد وليتك موضع أبيك ، ووردت إليك ~~عمله ، ووليت أخاك الحسين ، وكان هذا صبيا سنه إذ ذاك عشر سنين أو نحوها ~~كتبة حضرة ابني أبي الغنائم ، وأجريت عليه كذا وكذا - رزقا كثيرا ، وقد ذهب ~~عني - فليلزمه ، فإن سنيهما متقاربة ، ليتعلم بتعلمه ، وينشأ بنشأته ، فيجب ~~حقه عليه . ثم قال لأبي العلاء صاعد بن ثابت ، خليفته على الوزارة : اكتب ~~عهدا لأبي عبد الله ، واستدع كل من كان أبو الحسين رحمه الله ، مستأجرا منه ~~شيئا ، فخاطبه في تجديد الإجارة للورثة ، فإن أكثر نعمته ، إنما كانت ~~دخالات وإجارات ومزارعات ، وقد انحلت الآن بموته ، ومن امتنع فزده من مالي ~~، واسأله ، ولا تقنع إلا بتجديد العقد كيفما جرت الحال . ثم قال لأبي ~~المكارم بن ورقاء ، وكان سلف الميت : إن ذيل أبي الحسن طويل ، وقد كنت أعلم ~~إنه يجري على أخواته وأولادهن وأقاربه شيئا كثيرا في كل شهر ، وهؤلاء الآن ~~يهلكون بموته ، ولا حصة لهم في إرثه ، فقم إلى ابنه أبي محمد PageV01P044 ~~"""""" صفحة رقم 45 """""" # المادرائي - يعني زوجة المتوفى - فعزها عني ، واكتب ms029 عنها جريدة بأسماء ~~جميع النساء اللواتي كان أبو الحسن يجري عليهم وعلى غيرهن ، من الرجال ~~وضعفاء حاشيته . وقال لأبي العلاء : إذا جاءك بالجريدة ، فأطلقها عاجلا ~~لشهر ، وتقدم بإطلاقها على الإدرار ، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في ~~الشهر ، وعملت في المجلس وأطلق مالها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد . فلم ~~يبق أحد إلا بكى رقة واستحسانا لذلك . ولقد رأيت أبا عبد الله محمد بن ~~الحسن الداعي العلوي رحمه الله ، ذلك اليوم ، وكان حاضرا المجلس ، وقد أجهش ~~بالبكاء ، وأسرف في شكر أبي محمد ، وتفريطه ، على قلة كلامه إلا فيما يعنيه ~~، وعلى سوء رأيه - كان - في أبي محمد ، ، ولكن الفضل بهره ، فلم يمنعه ما ~~بينهما ، أن نطق بالحق . وقلت أنا ، لأبي محمد في ذلك اليوم : لو كان الموت ~~يستطاب في وقت من الأوقات ، لطاب لكل ذي ذيل طويل ، في أيام سيدنا الوزير ~~أطال الله بقاءه ، فإن هذا الفعل ، تاريخ الكرم ، وغاية تسامي الهمم وبه ~~يتحقق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد ، والماضيين من الكرماء الأفراد ، ~~وغير ذلك ، مما حضرني في الحال . ثم نهض أبو محمد رحمه الله ، فارتفعت ~~الضجة من النساء ، والرجال ، وأهل الدار ، والشارع ، بالدعاء له ، والشكر . PageV01P045 # """""" صفحة رقم 46 """""" # الوزير المهلبي وأبو عبد الله الأزدي الموصلي # حدثني أبو محمد ، يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي الموصلي : إن أبا ~~عبد الله ، والده ، رحمه الله ، توسط بين أبي محمد المهلبي ، وناصر الدولة ~~، في مال يحمله إلى معز الدولة ، من صلح الموصل ، فأنفق من المال أربعين ~~ألف درهم ، لإضافة لحقته . وسبب عليه المهلبي بالمال كاملا ، وهو لا يعرف ~~الخبر ، وكانت بينهما مودة وأنس ، فصحح أبو عبد الله الموجود ، ودافع بما ~~أنفق . وجلس يوما في داره ليحتال العوض ويرده ، فجاءته رقعة أبي محمد يدعوه ~~للشرب ، فدافع ، فركب ، فأكلا ، وجلسا للشراب . فقال له أبو علي الأنباري : ~~أرى فيك يا سيدي أبا عبد الله فتورا ، وكانت بينهما مودة ، وأبو علي - إذ ~~ذاك - يخلف الوزير أبا محمد على الوزارة وعنده ابنته ، فحدثه أبو عبد الله ms030 ~~بالحديث ، وإن قلبه مشغول ، إلى أن يتم له العوض ويرده ، وسأله كتمان ذلك . ~~وتبين المهلبي في أبي عبد الله ذلك الفتور ، فسأله عنه فورى عن الصدق وكبرت ~~نفسه عن إخباره بذلك ، فأمسك عنه ، وقام أبو عبد الله إلى البول ، فقال أبو ~~محمد لأبي علي الأنباري : أما ترى فتور أبي عبد الله وهو صديقك ، وقد رأيته ~~يسارك ، وأطنه قد خرج إليك بسبب كسله ، فما هو ؟ . فحدثه أبو علي بالحديث . ~~فلما عاد قال أبو محمد : يا أبا عبد الله ، أيدك الله ، ما أنصفتني في ~~المودة ، ولا أنصفت نفسك في السياسة ، تهتم بسبب أربعين ألف درهم ، أملك ~~إسقاطها عنك ، فتكاتمني ذلك ، حتى كأنها عليك لغريب ، أو بحق واجب . وأخذ ~~أبو عبد الله يجحد ، ويقطب في وجه أبي علي ، ثم أخرج سره . فقال المهلبي ، ~~لأبي علي يجب الساعة أن ينفذ إلى الجهبذ ، أن يكتب له - أيده الله - روزا ~~بها ، وأن تجعل أنت لها وجوها في الخرج ، وتولد بها نفقات PageV01P046 ~~"""""" صفحة رقم 47 """""" # واجبات - كما تعلم - على الأمير معز الدولة ، لتسقط عن أبي عبد الله - ~~أيده الله - ولا نغرهما نحن . قال : فاستدعي الجهبذ وأخذ روزه ، وسلمه إليه ~~. ثم قال له المهلبي : أي شيء ضرك أو ضرني من هذا ، سقط عنك هم وثقل ، وعني ~~بقضائي بعض حقك ، وخرج المال من مال الأمير ، عد الآن إلى شربنا . فما برح ~~ليلته تلك من عنده ، وسقط المال عنه . # عطايا الوزير المهلبي متواصلة # وقد أخبرني جماعة من ندماء أبي محمد : إنه فرق في ليلة من الليالي عليهم ~~، وعلى جماعة كانوا حضورا معهم ، من مغنين وملهين وغير ذلك ، من الدراهم ~~والثياب ، ما يبلغ قيمة الجميع خمسة آلاف دينار . ورأيته أنا ، غير مرة ، ~~قد وهب للجهني ولأبي الفرج الأصبهاني خمسة آلاف درهم وأربعة آلاف درهم ، ~~ولغيرهما دائما . PageV01P047 # """""" صفحة رقم 48 """""" # الوزير القاسم بن عبيد الله يأمر أستاذه بالارتفاق # : حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : حدثني أبو إسحق إبراهيم بن السري ~~الزجاج ، قال : كنت أؤدب القاسم بن عبيد الله ، وأقول له : إن بلغك ms031 الله ~~مبلغ أبيك ، ووليت الوزارة ، ماذا تصنع بي ؟ فيقول : ما أحببت . فأقول له : ~~تعطيني عشرين ألف دينار ، وكانت غاية أمنيتي ، فيقول : نعم . فما مضت إلا ~~سنون ، حتى ولي القاسم الوزارة ، وأنا على ملازمتي له ، وقد صرت نديمه ، ~~فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ، ثم هبته . فلما كان في اليوم الثالث من ~~وزارته ، قال لي : يا أبا إسحق ، لم أرك أذكرتني بالنذر ؟ . فقلت : عولت ~~على رعاية الوزير أيده الله ، وأنه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه ، في أمر ~~خادم واجب الحق . فقال لي : إنه المعتضد ، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك ~~في مكان واحد ، ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث ، فاسمح لي بأخذه متفرقا . ~~فقلت : يا سيدي ، أفعل . فقال : اجلس للناس ، وخذ رقاعهم ، للحوائج الكبار ~~، واستجعل عليها ، ولا تمتنع عن مسألتي شيئا تخاطب فيه ، صحيحا كان أو ~~محالا ، إلى أن يحصل لك مال النذر . قال : ففعلت ذلك ، وكنت أعرض عليه ، كل ~~يوم ، رقاعا ، فيوقع فيها لي ، وربما قال : كم ضمن لك على هذا ؟ فأقول : ~~كذا وكذا ، فيقول : غبنت ، هذا يساوي كذا وكذا ، ارجع فاستزد ، فأرجع القوم ~~، ولا أزال أماكنهم ، ويزيدوني حتى أبلغ الحد الذي رسمه لي . قال : وعرضت ~~عليه شيئا عظيما ، فحصلت عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها ، في مديدة . ~~فقال لي بعد شهور : يا أبا إسحق ، حصل مال النذر ؟ . فقلت : لا ، فسكت . ~~وظللت أعرض ، فيسألني في كل شهر أو نحوه ، هل حصل المال ؟ فأقول : لا ، ~~خوفا من انقطاع الكسب ، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال . PageV01P048 # """""" صفحة رقم 49 """""" # وسألني يوما ، فاستحييت من الكذب المتصل ، فقلت : قد حصل ذلك ببركة ~~الوزير . فقال : فرجت والله عني ، فقد كنت مشغول القلب ، إلى أن يحصل لك . ~~قال : ثم أخذ الدواة ، فوقع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها ~~وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ، ولم أدر كيف يقع منه . فلما كان من غد جئته ، ~~وجلست على رسمي ، فأومأ إلي ، أن هات ما معك ، يستدعي مني الرقاع على الرسم ~~. فقلت : ما أخذت رقعة من ms032 أحد ، لأن النذر قد وقع الوفاء به ، ولم أدر كيف ~~أقع من الوزير . فقال : سبحان الله ، أتراني كنت أقطع شيئا قد صار لك عادة ~~، وعلم به الناس ، وصارت لك بمنزلة عندهم وجاه ، وغدو ورواح إلى بابك ، ولا ~~يعلم سبب إنقطاعه ، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي ، أو تغير رتبتك ؟ أعرض علي ~~على رسمك ، وخذ بلا حساب . فقبلت يده ، وباكرته من غد بالرقاع ، وكنت أعرض ~~عليه كل يوم شيئا إلى أن مات ، وقد تأثلت حالي وكبرت . PageV01P049 # """""" صفحة رقم 50 """""" # الوزير عبيد الله بن سليمان يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه # : حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : حدثني شيخ من شيوخنا ، ذكره هو ، وقد ~~غاب عني إسمه ، قال : حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف ، قال : استتر عندي ، ~~عبيد الله بن سليمان ، فدخلت إليه يوما ، في حجرة كنت أفردتها له من داري ، ~~فقام إلي ، فقلت له ممازحا كما جرى علي لساني : يا سيدي اخبأ لي هذا ، إلى ~~وقت انتفع به فيه . قال : فلما كان بعد مدة ، انتقل من عندي ، فما مضت أيام ~~حتى ولي الوزارة . فقال لي أهلي : لو قصدته ، وكانت حالي إذ ذاك صغيرة . ~~فقلت لهم : لا أفعل ، أنا في ستر ، وقصدي له الآن كأنه اقتضاء لثمن معروف ~~أسديته إليه ، وما أرضى لنفسي بهذا ، ولو كان لي عنده خير لابتدأني به ، ~~فبت ليلتي تلك مفكرا ، وكان هذا يوم الخلع . فلما كان في السحر جاءني ~~فرانقه برقعة بخطه ، يعاتبني على تأخري عنه ، ويستدعيني . فصرت إليه ، فإذا ~~هو جالس ، والخلق عنده ، فلما صرت مع دسته ، قام إلي قياما تاما ، وعانقني ~~، وقال لي في أذني : هذا وقت تنتفع فيه بقيامي لك ، وجلس ، وأجلسني معه على ~~طرف الدست ، فقبلت يده ، وهنأته ودعوت له . ومضت ساعة ، فإذا قد استدعاه ~~المعتضد ، فقام ، وأمرني أن لا أبرح . فجلست ، وامتدت العيون إلي ، وخوطبت ~~في الوقت ، بأجل خطاب ، وعظمت . ثم عاد عبيد الله ضاحكا ، وأخذ بيدي إلى ~~دار الخلوة ، فقال : ويحك إن الخليفة الساعة استدعاني بسببك ، وذلك أنه ~~كوتب بخبر ms033 قيامي لك في مجلس الوزارة ، فلما استدعاني الآن بدأ لينكر علي ~~وقال : تبتذل مجلس الوزارة بالقيام لتاجر ؟ ولو كان هذا لصاحب طرف كان ~~محظورا ، أو ولي عهد كان كثيرا ، وأخذ يتحاور في ذلك . PageV01P050 # """""" صفحة رقم 51 """""" # فقلت : يا أمير المؤمنين ، لم يذهب عني حق المجلس ، وتوفية الرتبة حقها ، ~~ولكن لي عذرا ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسمعه ، ثم ينفذ حكمه في ، ~~وأخبرته بخبري معك وقت استتاري عندك ، فقال : أما الآن ، فقد عذرتك فلا ~~تعاود ، فانصرف . ثم قال لي عبيد الله : يا أبا عبد الله إني قد شهرتك شهرة ~~، إن لم تكن معك مائة ألف دينار معدة للنكبة ، هلكت ، فيجب أن نحصلها لك ~~لهذه الحال فقط ، ثم نحصل لك نعمة بعدها ، تسعك وعقبك . فقلت : أنا عبد ~~الوزير ، وخادمه ، ومؤمله . فقال : هاتم فلانا الكاتب ، فجاء . فقال : أحضر ~~التجار الساعة ، وتقص عليهم في تسعير مائة ألف كر من غلات السلطان بالسواد ~~بما يساوي ، وعرفني . فخرج ، وعاد بعد ساعة ، وقال : قد قررت ذلك معهم . ~~فقال له : بع على أبي عبد الله ، هذه المائة ألف كر ، بنقصان دينار واحد ~~مما قررت به السعر مع التجار ، وبعه له عليهم بالسعر المقرر معهم ، وطالبهم ~~بأن يعجلوا له فضل ما بين السعرين اليوم ، وأخرهم بالثمن إلى أن يتسلموا ~~الغلات ، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم إياها . قال : ففعل ذلك ، فقمت عن ~~المجلس ، وقد وصل إلى مائة ألف دينار في بعض يوم ، وما عملت شيئا . ثم قال ~~: اجعل هذه أصلا لنعمتك ، ومعدة للنكبة ، ولا يسألنك أحد من الخلق شيئا إلا ~~أخذت رقعته ، وواقفته على أجرة لك عليها ، وخاطبتني . قال : فكنت أعرض عليه ~~في كل يوم ما يصل إلي فيه ألوف دنانير ، وأتوسط الأمور الكبار ، وأداخل في ~~المكاسب الجليلة ، حتى بلغت النعمة إلى هذا الحد . وكنت ربما عرضت عليه ~~رقعة ، فيقول لي : كم ضمن لك على هذه ؟ فأقول : كذا وكذا . فيقول : هذا غلط ~~، هذا يساوي كذا وكذا ، ارجع فاستزد . فأقول له : إني أستحي . PageV01P051 # """""" صفحة رقم 52 """""" # فيقول : عرفهم أني لا أقضي لك ms034 ذلك إلا بهذا القدر ، وأني رسمت لك هذا . ~~قال : فأرجع ، فأستزيد ما يقوله ، فأزاد . # الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل القاضي # : حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : سمعت القاضي أبا عمر ، يقول : عرض ~~إسماعيل القاضي ، وأنا معه ، على عبيد الله بن سليمان ، رقاعا في حوائج ~~الناس ، فوقع فيها . فعرض أخرى ، وخشي أن يكون قد ثقل عليه ، فقال له : إن ~~جاز أن يتطول الوزير أعزه الله بهذا ، فوقع له . فعرض أخرى ، وقال : إن ~~أمكن الوزير أن يجيب إلى هذا ، فوقع ، ثم عرض أخرى ، وقال : إن سهل على ~~الوزير أن يفعل ذلك ، فوقع له ، فعرض أخرى ، وقال شيئا من هذا الجنس . فقال ~~: له عبيد الله : يا أبا إسحق ، كم تقول إن أمكن ؟ وإن جاز ؟ وإن سهل ؟ من ~~قال لك إنه يجلس هذا المجلس ، ثم يتعذر عليه فعل شيء على وجه الأرض من ~~الأمور ، فقد كذبك ، هات رقاعك كلها ، في موضع واحد . قال : فأخرجها ~~إسماعيل من كمه ، وطرحها بحضرته ، فوقع فيها ، وكانت مع ما وقع فيه قبل ~~الكلام نحو ثمانين رقعة . PageV01P052 # """""" صفحة رقم 53 """""" # الوزير ابن مقلة يتبرم برقاع ذوي الحاجات # : حدثني الحسين بن الحسن الواثقي ، قال : كنت أرى دائما ، أبا محمد جعفر ~~بن ورقاء ، يعرض على أبي علي ابن مقلة ، في وزارته ، الرقاع الكثيرة ، في ~~حوائج الناس ، في مجالس حفلة وخلوته ، فربما تجاوز ما يعرضه في يوم ، مائة ~~رقعة . فعرض عليه يوما ، في مجلس خال ، شيئا كثيرا ، فضجر أبو علي ، وقال ~~له : إلى كم يا أبا محمد ؟ فغضب جعفر ، وقال : أيد الله الوزير ، إن كان ~~فيها شيء لي فخرقه ، إنما أنت الدنيا ونحن طرق إليك ، وعلى بابك الأرملة ، ~~والضعيف ، وابن السبيل ، والفقير ، ومن لا يصل إليك ، فإذا سألونا سألناك ، ~~فإن صعب هذا عليك ، أمرنا الوزير - أيده الله - أن لا يعرض عليه شيئا ، ~~ونعرف الناس ثقل حوائجهم عليه ، وضعف جاهنا عنده ، ليعذرونا . فقال له أبو ~~علي : لم أذهب حيث ذهبت يا أبا محمد ، وإنما أردت أن تكون هذه الرقاع ~~الكثيرة في مجلسين ms035 ، أو مجلس يحضر فيه الكتاب فيخففون عني بالتوقيعات فيها ~~، ولو كانت كلها حوائج تخصك لقضيتها ، وكان سروري بذلك أعظم ، هاتها . قال ~~: فأخذها جميعها ، ووقع له فيها بما التمس أرباب الرقاع . فشكره جعفر ، ~~وقبل يده ، وانصرف . PageV01P053 # """""" صفحة رقم 54 """""" # الوزير علي بن عيسى ورقاع أبي بكر الشافعي # : حدثني الفضل بن أحمد الحياني ، قال : قال لي أبو بكر الشافعي صاحب علي ~~بن عيسى : لما أفلتنا من مصادرة المحسن بن الفرات ، بعد ما جرى علي من ~~مكروهه ، ومصادرته ، وإيقاعه بي بسبب صحبتي لعلي بن عيسى ، وأفضى الأمر إلى ~~أبي الحسن علي بن عيسى ، أردت الانتفاع بأمور أتكلم فيها ، أخلف بما أخذه ~~منها ، بعض ما صودرت عليه ، فأخذت رقاعا كثيرة للناس ، وكنت أعرضها على أبي ~~الحسين فيوقع فيها . فعرضت عليه يوما شيئا كثيرا ، فضجر مني ، فقلت : أيها ~~الوزير ، إذا كان حظنا من أعدائك ، في أيام نكبتك الصفع ، ومنك ، في أيام ~~ولايتك ، المنع ، فمتى - ليت شعري - وقت النفع ؟ قال : فضحك ، ورقع لي في ~~جميعها ، وما تضجر من شيء أعرضه عليه بعد ذلك . PageV01P054 # """""" صفحة رقم 55 """""" # الوزير علي بن عيسى ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي # : حدثني أبو السري ، عمر بن محمد القارىء ، قال : حدثني أبو القاسم عيسى ~~بن علي بن عيسى ، قال : قال لي أبي : عرض علي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد ~~العزيز الهاشمي ، في بعض وزاراتي ، رقعة التمس فيها محالا ، وقبل يدي ، ~~فعملت على إجابته إليه ، وتركت الرقعة بحضرتي ، أتفكر كيف أعمل ذلك من غير ~~عتب . وعرض لي رأي الركوب ، فنهضت . فقبض محمد بن الحسن على يدي ، وقال : ~~أنا نفي من العباس إن تركت الوزير يركب ، إلا بعد أن يوقع لي في رقعتي ، أو ~~يقبل يدي كما قبلت يده . قال : فوقعت له قائما ، وعجبت من سوء أدبه ، وعظم ~~وقاحته . PageV01P055 # """""" صفحة رقم 56 """""" # الوزير أبو محمد المهلبي ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي # : ولقد شاهدت أبا بكر محمد بن الحسن ، هذا ، في سنة خمسين وثلثمائة ، وقد ~~تقلبت الأيام به ، وبأهل بيته ms036 ، بحضرة أبي محمد المهلبي ، وقد كان العيارون ~~ثاروا ببغداد ، وأوقعوا فتنا عظيمة ، كان أصلها بنو هاشم ، وغلقوا الجامع ~~بالمدينة فلم تصل فيه تلك الجمعة . وكان سبب ذلك ، عربدة وقعت بين رجل ~~عباسي وبين رجل علوي ، على نبيذ ، في خندق طاهر ، فقتل العلوي ، وثار أهله ~~به ، وثارت الفتنة ودخلت العامة فيها ، وعظم الأمر ، حتى أجلس الديلم في ~~الأرباع ، وكان شيئا هائلا . ولم تسكن الفتنة ، فقبض أبو محمد ، على أكثر ~~بني العباس ، الوجوه والمستورين ، والعيارين منهم والذعار ، حتى قبض في ~~جملتهم على عدة قضاة وشهود هاشميين وصلحاء ، وكان ممن قبض عليه محمد بن ~~الحسن ابن عبد العزيز . وجلس لهم الوزير أبو محمد ، يوما ، ليناظرهم ، ~~وسامهم أن يسموا له العيارين منهم ، والأحداث وحملة السكاكين ، ليقبض عليهم ~~، ويفرج عن الباقين ، وأن يكفل منه أهل الصلاح ، ولأهل الطلاح ، ويأخذون ~~على أيديهم ، لتطفأ نائرة الفتنة . وكان القاضي أبو الحسن ، محمد بن صالح ~~الهاشمي ، حاضرا ، فأخذ يتكلم بكلام سديد ، في دفع هذا ، وترقيق المهلبي ، ~~ويرفق به . فاعترض ابن عبد العزيز الخطاب ، وتكلم بكلام فيه حراشة وجفاء ~~وخشونة . PageV01P056 # """""" صفحة رقم 57 """""" # فسمعت أبو محمد يقول له : يا ماص كذا وكذا ، ما تدع جهلك ، والخيوط التي ~~في رأسك ، كأني لا أعرفك قديما وحديثا ، وأعرف حمقك ، وحمق أبيك ، وتشنيعك ~~لمجالس الوزراء ، وشهوتك أن تقول : قال الوزير ، فقلت له ، وما تظن إلا أن ~~المقتدر على السرير ، وأنا أحد وزرائه ، ولا تعلم ان صاحب السرير اليوم ، ~~هو الأمير معز الدولة الديلمي ، يرى أن في سفك دمك قربة إلى الله تعالى ، ~~وأن وزنك عنده كوزن الكلب ، يا غلمان جروا برجله . فجرت رجله ونحن حاضرون ، ~~فرأيت قلنسوة كانت على رأسه ، وقد سقطت . ثم قال : طبقوا عليه زورقا ، ~~وانفوه إلى عمان ، فأجلس في الزورق ، وحدر . فقبلت الجماعة يده ، وراسله ~~الخليفة المطيع لله في أمره ، ولم تزل المراسلات ، إلى أن عفا عنه ، وألزمه ~~بيته ، وأخذ خط أهله بجميع ما كانوا امتنعوا منه ، مما سامهم إياه ، وتلقط ~~خلقا من أحداث الهاشميين ، وغيرهم من العامة ، وأهل الذعارة والعصبية ms037 ، ~~فجعلهم في زواريق ، وطبقها عليهم ، وسمرها ، وأنفذها إلى بصنى وبيروذ ، ~~فحبسهم في حبوس ضيقة هناك ، ودور تجري مجرى القلاع ، فكانوا فيها إلى أن ~~مات أبو محمد ، ومات منهم خلق في الحبس ، ثم أطلق بقيتهم ، على قلتها ، بعد ~~موته بسنين ، وزالت الفتنة إلى الآن . PageV01P057 # """""" صفحة رقم 58 """""" # لو سلم من العشق أحد لسلم منه أبو خازم القاضي # : حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي ، كاتب القضاة من بني عبد الواحد ~~بالبصرة ، وله شعر جيد حسن ، واتساع تام في الأدب ، رواية له وحفظ ، وكتب ~~مصنفة فيه ، قال : حدثني أبو إسحاق الزجاج ، قال : كنا ليلة بحضرة القاسم ~~بن عبيد الله يشرب ، وهو وزير ، فغنت بدعة جارية عريب . أدل فأكرم به من ~~مدل . . . ومن ظالم لدمي مستحل إذا ما تعزز قابلته . . . بذل وذلك جهد ~~المقل فأدت فيه صنعة حسنة ، فطرب القاسم عليه طربا شديدا ، واستحسن الصنعة ~~والشعر ، وأفرط في وصف الشعر . فقالت بدعة : يا مولاي ، إن لهذا الشعر خبرا ~~أحسن منه . قال : ما هو ؟ قالت : هو لأبي خازم القاضي . قال : فعجبنا من ~~ذلك ، مع شدة تقشف أبي خازم ، وبغضه وورعه ، وتقبضه . فقال لي الوزير : يا ~~الله يا أبا إسحاق ، بكر إلى أبي خازم ، وسله عن هذا الشعر وسببه . فباكرته ~~، وجلست حتى خلا وجهه ، ولم يبق إلا رجل بزي القضاة عليه قلنسوة ، فقلت له ~~: شيء أقوله على خلوة . فقال : قل ، فليس هذا ممن أكتم . فقصصت عليه الخبر ~~، وسألته عن الشعر والسبب . فتبسم ، وقال : هذا شيء كان في الحداثة ، قلته ~~في والدة هذا - وأومأ إلى القاضي الجالس ، فإذا هو ابنه - وكنت إليها مائلا ~~، وكانت لي مملوكة ، ولقلبي مالكة ، أما الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين ، ~~وما عملت شعرا منذ دهر طويل ، وأنا أستغفر الله مما مضى . قام : فوجم الفتى ~~، وخجل ، حتى ارفض عرقا . وعدت إلى القاسم فأخبرته ، فضحك من خجل الابن ، ~~وقال : لو سلم من العشق أحد ، لكان أبو خازم مع بغضه . وكنا نتعاود ذلك ~~زمانا . PageV01P058 # """""" صفحة رقم 59 """""" # علوي يفتخر بنفسه # أنشدني أبو إسحاق ms038 ، إبراهيم بن علي النصيبيني المتكلم ، وأبو الفرج عبد ~~الواحد بن نصر الببغاء وغيرهما ، قالوا : أنشدنا أبو عبد الله ابن الأبيض ~~العلوي بالشام ، لنفسه : وانا ابن معتلج البطاح تضمني . . . كالدر في أصداف ~~بحر زاخر ينشق عني ركنها وحطيمها . . . كالجفن يفتح عن سواد الناظر كجبالها ~~شرفي ومثل سهولها . . . خلفي ومثل ظبائهن مجاوري وذكر أبو الحسن السلامي : ~~إن أبا الحسن الرامي مر على علي بن خلف القطان البغدادي ، وأنشده هذه ~~الأبيات لنفسه . # ابن قناش الجوهري يصف دجلة # أنشدني أبو جعفر بن عبيد الله الطائي البغدادي ، المعروف بابن قناش ~~الجوهري لنفسه : أنا ظام فاسقينها . . . إنني حلف اختيال ما ترى دجلة كالس ~~. . . احب أذيال الدلال وهي تزهي بقصور . . . عن يمين وشمال وبماء قد حكى ~~المد . . . به ظهر غزال PageV01P059 ~~"""""" صفحة رقم 60 """""" # في هجاء مغن طنبوري # أنشدني أبو الحسن ، محمد بن عبد الواحد ، في ابن طرخان المغنى الطنبوري ، ~~لنفسه ، وله اتساع في الأدب تام : قل لابن طرخان أما تستحي . . . تقرن ~~تطفيلك بالباس يا أخرج الناس من إيقاعه . . . وأدخل الناس إلى الناس وقال : ~~يا من يصيح بحلق ما له طبقه . . . ولا يوافق زيرا لان أو خرقه فارقت بينك ~~والإيقاع في قرن . . . فأنت أطفل من كلب على مرقه فإن دعيت ففي الأحيان عن ~~غلط . . . وإن حظيت بشيء فهو من صدقه . # للكاتب بشر بن هارون في هجاء أحد خلفاء القضاة ببغداد # : أنشدني أبو نصر بشر بن هارون ، الكاتب النصراني البغدادي ، لنفسه ، في ~~أبي رفاعة بن كامل ، أحد خلفاء القضاة ببغداد ، على بعض سوادها : قضى شعري ~~على القاضي بحكم . . . أجاب إليه مصفوعا مذالا ولو لم يستجب لنتفت منه . . ~~. سبالا إن وجدت له سبالا ونتف سباله شيء محال . . . لأن الحلق صيره محالا . PageV01P060 # """""" صفحة رقم 61 """""" # بشر بن هارون الكاتب يشكو من رئيسين صرف أحدهما بالآخر # : وأنشدني لنفسه في شعبان سنة تسع وخمسين وثلثمائة ، في رئيسين صرف ~~أحدهما بالآخر ، وإنما كتبتهما إذ ذاك ، لأنهما كانا حينئذ قد روهما في أبي ~~الفضل الشيرازي لما صرف عن الوزارة بأبي الفرج بن فسانجس : PageV01P061 # """""" صفحة رقم ms039 62 """""" # أبو نصر البنص في مجلس سيف الدولة ، يعلل سبب تسميته بالبنص # : أخبرني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش ، إنه كان بحضرة سيف الدولة ~~، وقد كان من ندمائه ، قال : كان يحضر معنا أبو نصر البنص ، وكان هذا رجلا ~~من أهل نيسابور ، أقام ببغداد قطعة من أيام المقتدر ، وبعدها إلى أيام ~~الراضي ، وكان من أصحابنا في المذهبين ، يعني في الفقه مذهب أبي حنيفة ، ~~وفي الكلام مذهب أهل العدل والتوحيد ، وكان مشهورا بالطيبة ، والخلاعة ، ~~وخفة الروح ، وحسن المحاضرة ، مع عفة وستر ، وتقلد الحكم في عدة نواح ~~بالشام . فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة ، لم لقبت بالبنص ؟ قال : ما هذا ~~لقب ، إنما هو اشتقاق من كنيتي ، كما إننا لو أردنا أن نشتق من أبي علي مثل ~~هذا ، وأومأ إلى ابن البازيار ، لقلنا ألبعل ، ولو اشتققنا من أبي الحسن ~~مثل هذا ، وأومأ إلى سيف الدولة ، لقلنا ألبحس . فضحك منه ، ولم ينكر عليه . PageV01P062 # """""" صفحة رقم 63 """""" # أبو نصر البنص في مجلس أبي بكر بن دريد # : وخبرني ببغداد مجلس أبي بكر بن دريد ، وأبو نصر هذا يقرأ عليه قصيدته ~~التي أولها : أماطت لثاما عن أقاحي الدمائث . . . بمثل أساريع الحقوف ~~العثاعث إلى أن بلغ إلى قوله : أنسوا ضبا بجانب كدية . . . أحاطو على ~~حافتها بالربائث فقطع القراءة ، وقال : يا أبا بكر ، أعزك الله ، ما ~~الربائث ؟ قال ابن دريد : العرب تسمي الحراب العراض الحدائد ، ربائث . فقال ~~له البنص : أخطأت يا أبا بكر أعزك الله . فعجبنا من جزأته على تخطئة أبي ~~بكر في العلم ، وتشوفنا إلى ما يجري . فقال له أبو بكر ، وكان وطيء الخلق : ~~فما هي يا أبا نصر ، أعزك الله ؟ قال : جمع ربيثاء ، هذه التي تقدم في ~~السكرجات . وعاد يقرئنا في القصيد ، محتدا ، فضحكنا منه . PageV01P063 # """""" صفحة رقم 64 """""" # أبو نصر البنص وصاحب الشرطة # : حدثني أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر الخراساني ، القاضي الفقيه ، قال : ~~قال لي أبو نصر البنص هذا : كنت في بعض المدن ، وأنا غريب ، فنزلت في خان ، ~~فكان يختلف إلي أحداث ورجال ، أقرئهم ms040 الفقه في غرفتي ، وإذا انقضى الدرس ، ~~لعبنا ومزحنا . فظن أهل الخان ، أن اجتماعهم عندي ، مع ما يسمعونه من المزح ~~، لفساد ، فاستعدوا علي إلى صاحب الشرطة ، وقالوا إنني قواد . فأحضرت ، ~~فلما وقفت بين يديه ، رأيت على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه قائما ، فأنعظت ~~من شهوته ، فقال لي الوالي : أنت قواد ؟ قال : وكنت بلا سراويل ، فكشفت عن ~~أيري ، وقلت : هذا ، أصلحك الله ، أير قواد ؟ فضحك ، وقال : لا ، وفرق ~~القوم عني ، وأخذني لعشرته ، فكنت أختلف إليه ، مدة كوني في البلد ، ~~وأعاشره . PageV01P064 # """""" صفحة رقم 65 """""" # بين الأمير معز الدولة ووزيره أبي جعفر الصيمري # : حدثني أبو حامد القاضي ، قال : كنت قائما بين يدي معز الدولة ، فقال ~~لأبي جعفر الصيمري وزيره ، بالفارسية : يا أبا جعفر ، أريد الساعة خمسمائة ~~ألف دينار ، لمهم لا يجوز تأخيره . فقال له الصيمري : أيها الأمير ، رد ذلك ~~، فإني أيضا أريد مثله فقال له : فإذا كنت أنت وزيري ، فممن أريد هذا إلا ~~منك ؟ فقال له الصيمري : فإذا لم يكن في الدخل فضل لذلك عن الخرج ، فمن أين ~~أجيئك به ؟ قال : فحرد عليه معز الدولة وقال : الساعة والله أحبسك في ~~الكنيف ، حتى تجيء بذلك . فقال : إذا حبستني في الكنيف ، خريت لك نقرة بهذا ~~المال ؟ فضحك منه ، وأمسك عنه . PageV01P065 # """""" صفحة رقم 66 """""" # المدائني يتماجن على شيخ صوفي # حدثني أحمد بن محمد المدائني ، قال : وقفت في جامع المدينة ببغداد على ~~حلقة صوفية ، يتجاورون على الخطرات والهواجس ، ومسائل تشبه الوسواس ، لم ~~أفهمها . وخطر لي أن أمجن بهم ، فقلت : أيها الشيخ المصدر ، مسألة . فقال : ~~هات . فقلت : أخبرني إذا كنت شيخا في معناك ، حلسا في ذات نفسك ، فأصاب ~~يافوخك تقطيع بعضب خزري على سبيل العلم ، وكنت تحت الإرادة ، هل يضر أوصافك ~~شيء ، مع تعلقك بخبل القدرة ، يا بطال ؟ قال : فوقع لمن حوله إنها مسألة ، ~~وأخذوا يتعاطون الجواب . وفطن الشيخ ، فخفت أن يأمرهم بي ، فانسللت . PageV01P066 # """""" صفحة رقم 67 """""" # أبو أحمد الحارثي وصوفي يترنم بالرباعيات # : حضرني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي ، وعندي صوفي يترنم بشيء من ~~الرباعيات ، فلم يستطبه ms041 أبو أحمد . فقال له على البديهة : يا أخي لا أقطع ~~حديثك إلا بخير . # الشافعي وغلام الهراس # حدثني الفضل بن أحمد الحياني ، قال : قال لي الشافعي ، صاحب علي ابن عيسى ~~: علق مرة بلجام مركوبي ، غلام هراس ، بيده غضارة هريسة ينادي عليها ، ~~وشالها إلى أنفي ، وقال : جمع اللوز والغنم ، ثم نادى يمينه . فقلت أعزك ~~الله ، هذا وجهي إلى الوزير ، أخبره بهذا الخبر ، فإن رأيت أن تطلقني ، فعلت . PageV01P067 # """""" صفحة رقم 68 """""" # أبو محمد الواسطي والمغنية التي يهواها # : حدثني أبو أحمد الحارثي ، قال : كان عندنا بواسط ، رجل متخلف موسر ، ~~يقال له : أبو محمد بن أبي أيوب ، وكان يعاشرنا بمغنية يهواها ، وكان من ~~غنائها ، صوت أوله : إن الخليط أجد منتقله . . . ولو شك بين حملت إبله . ~~وكانت تغني فيه لحنا صعبا حسنا ، لا يفهمه أبو محمد لتخلفه ، فاقترحه يوما ~~عليها ، فقال : بالله يا ستي غني لي : إني خريت فجئت أنتقله . فقالت : ويل ~~لي ، أنا أغني شيء من هذا ؟ ففطنت لما يزيد ، فقلت لها : إنه يريد أن تغني ~~له : إن الخليط أجد منتقله . فقالت له : قطع الله ظهرك ، أين ذا من هذا ؟ ~~وغنت الصوت . وكان غنائها : خليلي هيا نصطبح بسواد . فقال لها يوما : بالله ~~يا ستي ، غني : خليلي هيا نصطبح بسماد . فقالت له : إذا عزمت على هذا ، ~~فوحدك . قال : ودخلت إلينا يوما على غفلة ، ونحن نصافعه ويصافعنا بالمخاد ، ~~فاستحيا ، وسألنا أن ندعه ، فتركناه . فلما ، جلسا على الشرب ، طلب منها ~~صوتا له عليها ، وهو : أبيني سلاحي لا أبا لك إنني . . . أرى الحرب لا ~~تزداد إلا تماديا . فأعطته مخدة . PageV01P068 # """""" صفحة رقم 69 """""" # أبو الفرج الببغاء يمدح سيف الدولة # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي النصيبيني الكاتب ~~المعروف بالببغاء ، قصيدة له في سيف الدولة ، يذكر وقعة كانت له مع بني ~~كلاب ، وعفوه عنهم : إذا استلك الجانون أغمدك الحلم . . . وإن كفك الإبقاء ~~أنهضك العزم . وهي حقيقة بأن تورد كلها ، ولكني اخترت من شعره ، ما يصلح ~~للمكاتبة في الحوادث ، أو الأمتثال ، أو معنى لم يسبق إليه ، فتركت أكثر ms042 ~~محاسن شعره ، وحسن نظمه ، وبلاغته ، وعذوبة كلامه ، وأكثر إحسانه ، موكولا ~~إلى من ينظر في ديوانه . ومن هذه القصيدة ، مثل : ومن لم يؤدبه لفرط عتوه . ~~. . إذا ما جنى الإنصاف أدبه الظلم . ومنها : إذا العرب لم تجز اصطناع ~~ملوكها . . . بشكر تعاوت في سياستها العجم أعدها إلى عادات عفوك محسنا . . ~~. كما عودتها قبل آباؤك الشم فإن ضاق عنها العذر عندك في الذي . . . جنته ~~فما ضاق التفضل والحلم . PageV01P069 # """""" صفحة رقم 70 """""" # القاضي أبو بكر بن سيار وحساب الأصابع # : حدثني القاضي أبو بكر بن سيار ، قال : ضربوا مثلا للأنسان فقالوا : ابن ~~عشر سنين ، قد دار في أهله ، كما دارت هذه على هذه ، وأومأ إلى إبهامه ~~وسبابته ، وعقد عشرا . وابن عشرين ، قد التصب بين أمري الكسب والعيال ، كما ~~انتصبت هذه بين هاتين ، وعقد بأصابعه عشرين . وابن ثلاثين ، قد استوى ، كما ~~استوت هذه على هذه ، وعقد ثلاثين بأصابعه . وابن الأربعين ، قد قام كما ~~قامت هذه ، وعقد بأصابعه . وابن خمسين قد انحنى ، كما انحنت هذه ، وعقد ~~خمسين بأصابعه . وابن ستين ، وعقدهما بأصابعه ، قد انحط في عمره وقوته ، ~~كما انحطت هذه على هذه . وابن سبعين ، قد اضطجع ، كما اضطجعت هذه على هذه . ~~وابن ثمانين ، وعقدهما ، قد احتاج إلى ما يتوكأ عليه ، كما توكأت هذه على ~~هذه . وابن تسعين ، قد ضاق عمره وأمعاؤه ، كما ضاقت هذه . وابن مائة ، قد ~~انتقل عن الدنيا إلى الأخرى ، كما انتقل العقد من اليمين إلى الشمال . PageV01P070 # """""" صفحة رقم 71 """""" # هندي يقتل فيل بحيلته من غير سلاح # وحدثني القاضي أبو بكر بن سيار ، قال : حدثني شيخ من أهل اليمن ، وذكر أن ~~أسمه نعمان ، وجدتهم يذكرون ثقته ، ومعرفته بأمر البحر ، وأنه دخل الهند ~~والصين ، قال : كنت ببعض بلدان الهند ، وقد خرج على ملكها خارجي ، فأنفذ ~~إليه الجيوش ، فطلب الأمان ، فأمنه ، فسار ليدخل ، من موضعه ، إلى بلد ~~الملك ، فلما قرب ، أخرج الملك الجيش ليلتقيه ، والآلات ، وخرجت العامة ، ~~تنتظر دخوله ، فخرجت معهم . فلما بعدنا في الصحراء ، وقف الناس ينتظرون ~~طلوع الرجل ، وهو راجل ، في عدة الرجال ، وعليه ثوب ديباج ms043 ، ومئزر في وسطه ~~، جريا على زي القوم ، فتلقوه بالإكرام ، ومشوا به ، حتى انتهى إلى أفيلة ~~عظيمة ، قد أخرجت للزينة ، وعليها الفيالون ، وفيها فيل عظيم يختصه الملك ~~لنفسه ، ويركبه في بعض الأوقات . فقال له الفيال ، لما قرب منه : تنح عن ~~طريق الفيل ، فسكت ، فأعاد إليه ، فسكت . فقال له : يا هذا ، احذر على نفسك ~~، وتنح عن طريق فيل الملك . فقال له الخارجي : قل للفيل الملك يتنحى عن ~~طريقي . فغضب الفيال ، وأغرى الفيل به ، بكلام كلمه ، فغضب الفيل وعدا إلى ~~الخارجي ، ولف خرطومه ، وشاله الفيل شيلا عظيما ، والناس يرونه ، وأنا فيهم ~~، ثم حبط به الأرض ، فإذا هو انتصب على قدميه فوق الأرض ، ولم ينح يده على ~~الخرطوم . فزاد غضب الفيل ، وشاله أعظم من ذلك ، وعدا ، ثم رمى به الأرض ، ~~فإذا هو قد حصل عليها مستويا على قدميه ، منتصبا ، قابضا على الخرطوم . قال ~~: فشاله الفيل الثالثة ، وفعل به مثل ذلك ، فحصل على الأرض منتصبا ، قابضا ~~على الخرطوم ، وسقط الفيل ميتا ، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة ، منعه من ~~النفس ، فقتله . قال : فوكل به ، وحمل إلى الملك ، وحدث بالصورة ، فأمر ~~بقتله . PageV01P071 # """""" صفحة رقم 72 """""" # فاجتمع القحاب - بهذا اللفظ - وهم النساء الفواجر ، يفعلن ذلك بالهند ~~ظاهرا ، عند البد ، تقربا إليه عندهم ، بلا اجتعال ، وهم العدول هناك ، ~~يشهدون في الحقوق ، ويقمن الشهادة ، فيقطع بها حاكمهم . ويشاورن في الأمور ~~، وفي الآراء ، وعندهن ، إنهن ببذلهن نفوسهن عند البد ، بغير اجتعال ، قد ~~صرن في حكم الزهاد ، والعباد . قال : فقالت القحاب للملك ، يجب أن تستبقي ~~مثل هذا ، لا تقتله فإن فيه جمالا للمملكة ، ويقال : إن للملك خادما ، قتل ~~فيلا بقوته وحيلته ، ومن غير سلاح . فعفا عنه الملك واستبقاه . PageV01P072 # """""" صفحة رقم 73 """""" # ملك الهند يحاور الحكماء من رعيته # : حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار ، قال : حدثني شيخ من أهل التيز ~~ومكران ، لقيته بعمان ، ووجدتهم يذكرون ثقته ، ومعرفته بأمر البحر ، وحدثني ~~القاضي ، قال : حدثني هذا الشيخ : إن رجلا بالهند من أهلها حدثه : أن ~~خارجيا ، خرج في بعض السنين ، على ملك من ملوكهم ms044 ، فأحسن التدبير ، وكان ~~الملك معجبا برأيه ، مستبدا به فأنفذ إليه جيشا ، فكسره الخارجي ، فزحف ~~إليه بنفسه . فقال له وزراؤه : لا تفعل ، فإن الخوارج تضعف بتكرير الجيوش ~~عليها ، والملك لا يجب أن يغرر بنفسه ، بل يطاول الخارجي ، فإنه لا مادة له ~~يقاوم بها جيشا بعد جيش ، إذا توالت عليه جيوش الملك . فلم يقبل ، وخرج ~~بنفسه ، فواقعه ، فقتله الخارجي ، وملك داره ومملكته ، فأحسن السيرة ، وسلك ~~سبيل الملوك . فلما طال أمره ، وعز ذكره ، وقوي سلطانه ، جمع حكماء الهند ، ~~من سائر أعماله ، وأطراف بلدانه ، وكتب إلى عماله أن يجتاز أهل كل بلد ، ~~مائة منهم ، من عقلائهم وحكمائهم ، فينفذونهم إليه ، ففعلوا . فلما حصلوا ~~ببابه ، أمرهم باختيار عشرة منهم ، فاختاروا ، فأوصل العشرة ، وأوصل من أهل ~~دار المملكة عشرة ، وقال لهم : يجب على العاقل ، أن ينظر عيوب نفسه فيزيلها ~~، فهل ترون في عيبا ، أو في سلطاني نقصا ؟ فقالوا : لا ، إلا شيئا واحدا ، ~~إن أمنتنا قلناه . قال : أنتم آمنون . قالوا : نرى كل شيء لك جديدا ، ~~يعرضون إنه لا عرق له في الملك . فقال : فما حال ملككم الذي كان قبلي ؟ ~~قالوا : كان ابن ملك . قال : فأبوه ؟ قالوا : ابن ملك . PageV01P073 # """""" صفحة رقم 74 """""" # قال : فأبوه ؟ إلى أن عدد عشرة أو أكثر ، وهم يقولون ، ابن ملك ، فانتهى ~~إلى الأخير . فقالوا : كان متغلبا . قال : فأنا ذلك الملك الأخير ، وإن ~~طالت أيامي ، مع إحساني السيرة ، بقي هذا الملك بعدي ، في ولدي وولد ولدي ، ~~فصار لأولاد أولادهم من العرق في الملك ، مثل ما كان لملككم الذي كان من ~~قبلي . فسجدوا له ، وكذا عادتهم إذا استحسنوا شيئا ، ولزمتهم حجة ، ~~وانصرفوا ، فإزداد بذلك الملك توطدا له . قلت أنا للقاضي : هذا شيء قد سبقت ~~العرب إليه في كلمتين ، استغني بهما عن هذا المثل الطويل العجمي . فقال : ~~ما هما ؟ فقلت : روت العرب أن رجلين تفاخرا ، فقال أحدهما لصاحبه : نسبي ~~مني ابتدأ ، ونسبك إليك انتهى . PageV01P074 # """""" صفحة رقم 75 """""" # الصيمري وزير معز الدولة يرفق بأحد المصادرين # : حدثني أبو القاسم أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب الأصبهاني ، ~~قال : حضرت الصيمري ms045 ، في وزارته لمعز الدولة ، وقد أحضر رجلا مصادرا ، وقد ~~قرر أمره على مال . فقال له : أعطني كفيلا ، وأخرج فصحح المال . فقال : لا ~~كفيل لي أوثق من إحسانك إلي أيها الأستاذ . فرق له ، وخفف مصادرته ، وأحسن إليه . # مهاترة بين بصري وسيرافي # حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر ، قال : حدثني أبو بكر سعيد ~~بن هارون الطبيب ، وكان أبوه سيرافيا وجيها في بلده وغيرهما ، موسرا ، قال ~~: خاصم أبي رجل من أهل البصرة ، فقال له الرجل : تكلمني وأنت قطعة سيرافي ؟ ~~فقال له سعيد : أنا نجار في بلدي ، وأنت عار في بلدك . PageV01P075 # """""" صفحة رقم 76 """""" # الوزير أبو محمد المهلبي وحد الإقبال والإدبار # : حدثني أبو الحسن بن يوسف ، قال : حدثني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله ~~بن أحمد ، قال : تجارينا بحضرة أبي محمد المهلبي ، ذكر الأقبال والإدبار ، ~~فقال : ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع ، ولا الإدبار أكثر من الكسل ~~والتكبر . # من شعر أبي الفرج الببغاء # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبيني المخزومي الكاتب ، ~~المعروف بالببغاء لنفسه قصيدة منها : جاورت بالحب قلبا لم تذر فكري . . . ~~للحب مستمتعا فيه ولم تدع يصبو ولكن يكف الحلم صبوته . . . وأشرف الحب ~~أدناه من الورع وبي أمس غرام لو أنست إلى ال . . . شكوى ولكن أعد الصبر ~~للجزع ما بال أهل زماني من تجاهلهم . . . بموضعي بين مغبون ومختدع من لم ~~تزد قومه أفعاله شرفا . . . بالفضل فهو لمعنى غير مخترع عفت الموارد لما لم ~~أجد ظمأ . . . في كثرة الماء ما يغني عن الجرع . PageV01P076 # """""" صفحة رقم 77 """""" # لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة # : وأنشدني لنفسه في سيف الدولة رحمه الله أولها : أفادت بك الأيام فرط ~~تجارب . . . كأنك في فرق الزمان مشيب وكل بعد قرب الحين نحوه . . . سلاهبك ~~الجرد الجياد قريب تباشر أقطار البلاد كأنها . . . رياح لها في الخافقين ~~هبوب وتملأ ما بين عثيرا . . . مثارا بوجه الشمس منه شحوب وما يدرك العليا ~~إلا مهذب . . . يصاب على مقداره ويصيب فلا تصطف الإخوان قبل اختبارهم . . . ~~فما كل خل تصطفيه ms046 نجيب . PageV01P077 # """""" صفحة رقم 78 """""" # من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله # : حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ، قال : حدثني وكيل كان لأبي ~~المنذر النعمان بن عبد الله ، قال : كان من عادة النعمان ، إذا كان في ~~انسلاخ كل شتوة ، أن يعمد إلى جميع ما استعمله من خز وصوف وفرش وكوانين ~~وآلة الشتاء ، فيبيعه في النداء . ثم ينفذ إلى حبس القاضي ، فينظر من حبس ~~بإقراره ، دون قيام البينة عليه ، ولا حال له ، فيؤدي ما عليه من ثمن تلك ~~الآلات ، أو يصالح عنه ويخرجه ، إن كان المال ثقيلا . ثم يعمد إلى من يبيع ~~بيعا يسيرا ، مثل بقلي ورهدراي ، ومن رأس ماله دينار ، وديناران ، وثلاثة ، ~~فيعطيه من عشرة دنانير إلى مائة درهم ، وأقل وأكثر ، ليزيد في رأس ماله . ~~ويعمد إلى من يبيع في الأسواق مثل طنجير ، وقدر ، وقميص خلق ، وما يغلب على ~~الظن أن مثله لا يباع إلا من ضر شديد ، وإلى امرأة تبيع غزلها عجوز ، ~~فيعطيهم أضعاف ثمنه ، ويدعه عليهم . ويعمل ألوانا من هذا الجنس كثيرة ، ~~يأمرني بفعلها ، وصرف ثمن تلك الالآت إليها . فإذا انقضى الصيف عمد إلى ما ~~عنده من دبيقي ، وقصب ، وحصر ، ومزملات ، وآلة الصيف ، فيفعل به مثل ذلك . ~~فإذا جاء الشتاء والصيف ثانية ، استجد جميع ما يحتاج إليه . فلما كثر ذلك ~~علي من فعله ، قلت له : يا سيدي ، إنك ، هوذا ، تفقر نفسك ، من حيث لا تنفع ~~غيرك ، لأنك تشتري هذه الثياب ، والآلات ، والفرش ، في وقت الحاجة إليها ~~بضعف قيمتها ، وتبيعها وقت استغناء كافة الناس عنها ، فتشتري منك PageV01P078 ~~"""""" صفحة رقم 79 """""" # بنصف قيمتها ، فيخرج منك في ذلك ، مال عظيم ، فإن أذنت لي ، ناديت على كل ~~ما يباع ، فإذا استقرت العطية ، وأخذت الدراهم ، أخذته لك بزيادة ، وعزلته ~~إلى الصيف أو الشتاء ، ودفعت مثل ثمنه ، من مالك ، إلى هذه الوجوه . فقال ~~لي : ما أحب هذا ، تلك الآلات قد متعني الله بها طول شتائي أو صيفي ، ~~وبلغني وقت الغناء عنها ، وما أنا على ثقة من أني أعيش إلى وقت الحاجة ms047 ~~إليها ثانيا ، ولعلي قد عصيت الله عليها ، وفيها ، فأنا أحب بيع أعيانها ؛ ~~وصرف الثمن بعينه ، في هذه الوجوه ، شكرا لله على تبليغي وقت الإستغناء ~~عنها ، وكفارة لما عصيته فيها ، ثم إن أحياني الله إلى وقت الحاجة إليها ، ~~فليس ذلك بغال ، ولا يتعذر شراء مثله ، واستجداد خلفه ، والتمتع بالجديد . ~~وفي بيعي إياه رخيصا ، وشراي له غاليا ، فائدة أخرى ، وهي أن ينتفع الضعفاء ~~من التجار الذين أبتاع ذلك منهم ، وأبيعه عليهم ، بما فيه من الأرباح علي ، ~~ولا يؤثر ذلك في حالي . PageV01P079 # """""" صفحة رقم 80 """""" # من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله # : أخبرني القاضي ، وقال : أخبرني الوكيل : إن النعمان كان يعجبه ، إذا ~~قدم إليه لون من طعام طيب ، أو حلو عجيب ، أن لا يمعن في أكله ، ويأمر ~~بدفعه بعينه إلى السؤال . وكان رسمه ، أن يفرق في كل يوم ، جميع ما يشال من ~~مائدته ، ويفضل في مطبخه ، عن وظائف غلمانه ، فكان يجتمع على بابه ، كل يوم ~~، منهم جمع عظيم . قال : فأكل يوما عنده صديق له هاشمي ، فقدم إليه لون طيب ~~، فما استتم أكله حتى أمر به للسؤال ، فشيل . وقدم جدي سمين ، فما تهنأوا ~~بأكله حتى أمر به فرفع إلى السؤال ، وقدم جام لوزينج معمول بالفستق ، وكان ~~يعجب النعمان ، ويلزمه على كل جام خمسون درهما ، وخمسة دنانير ، واقل ، ~~وأكثر ، على قدر كبر الجام ، فما أكلوا منه إلا يسيرا ، حتى قال : ارفعوه ~~إلى السؤال : فقبض الهاشمي على الجام ، وقال : يا هذا ، أحسب أننا نحن ~~السؤال ، ودعنا نتهنأ بأكله ، لم تدفع كل ما تشتهيه للسؤال ؟ وما للسؤال ~~وهذا ؟ لهم في لحم البقر ، وعصيدة التمر كفاية ، والله لا شلته . فقال : يا ~~سيدي ، إن عادتي ما تراه . قال : بئست العادة ، لا نصبر لك عليها ، تقدم أن ~~يعمل للسؤال إذا كان لا بد لك من ذلك ، مثل هذا ، ودعنا نحن نتمتع بأكله ، ~~أو ادفع إليهم مثل ثمنه . فقال : أفعل مستأنفا ، وأتقدم بأن يصنع لهم مثله ~~، فأما ثمنه ، فإن السائل لا تسمو نفسه ، ولا يتسع صدره لعمل مثل هذا ms048 ، ولو ~~دفع إليه أضعاف ثمنه مرارا ، لأنه إذا حصلت عنده الدراهم ، وصرفها إلى غير ~~هذا ، في أمره المختل الذي هو إلى إصلاحه أحوج ، ولا يحسن أيضا ، عمل مثل ~~هذا ، وأنا أحب أن يشاركوني في PageV01P080 ~~"""""" صفحة رقم 81 """""" # الإلتذاذ بما آكل ، يا غلام ، تقدم الساعة بعمل جامة مثل هذه ، وتفريقها ~~على السؤال ، ففعل ذلك . وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه ، أمر بعمل مثل ما ~~يقدم إليه ، والصدقة به ، ولم يأمر برفع ذلك من حضرته ، إلا إذا بشمه ~~الحاضرون . PageV01P081 # """""" صفحة رقم 82 """""" # أبو القاسم بن الحواري وعظيم بره بأمه # : حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : كان يألف أبا القاسم بن الحواري ، ~~رجل من أهل عكبرا يخطب بأهلها ، وكان ماجنا ، خفيف الروح ، مليح الحديث ~~والكلام ، طيب النشوار والأدب ، يكنى بأبي عصمة ، وكان يؤاكله دائما ، ~~ويختص به ، وينفق عليه . وكان أبو القاسم ، شديد البر بأمه ، فكان يتنغص ~~لها بالماء فضلا عما سواه ، ولا يتهنأ بأكل شيء ، إلا إذا أكلت منه ، وكان ~~من عادته إذا استطاب لونا ، أن ينفذه من مائدته إليها . فأكل عنده أبو عصمة ~~هذا ، أول يوم ، وهو لا يعرف رسمه ، فقدم لوزينج طيب ، فما شبع منه أبو ~~عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى والدته . وقدمت مضيرة جيدة ، بفراخ ~~مسمنة ، ودجاج هندي ، ودهن الجوز والخردل ، فما أكلوا منها حسبا حتى أمر ~~ابن الحواري ، برفعها إلى والدته ، فأخذ أبو عصمة رغيفا ، وقام يمشي مع ~~الغضارة . فقال له ابن الحواري : إلى أين يا أبا عصمة ؟ قال : إلى الوالدة ~~يا سيدي ، آكل معها هذه المضيرة ، فإن هذه المائدة خراب ، والخصب عندها . ~~فضحك ابن الحواري ، وتقدم برد اللون إليه . PageV01P082 # """""" صفحة رقم 83 """""" # أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا # قال ، وكان عصمة هذا لي صديقا ، وبي آنسا ، فقال لي يوما : إن أهل عكبرا ~~سفل ، وأنا مبتلى بالخطبة بهم ، فإذا صعدت المنبر ، أومأت إليهم بيدي ، ~~إيماء السلام ، فيؤذن المؤذن ، ويحبسون أني قد سلمت عليهم ، وإنما أقول : ~~لحاكم كلكم في استي . PageV01P083 # """""" صفحة رقم 84 """""" # أصل نعمة سليمان الثلاج في ms049 بغداد # حدثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب ، قال : ~~حدثني ابن سليمان الثلاج قال : قال لي أبي : كان أصل نعمتي من ثمن خمسة ~~أرطال ثلجا ، وذلك أنه عز الثلج في بعض السنين ببغداد ، وقل ، وكان عندي ~~منه شيء بعته ، وبقي منه خمسة أرطال . فاعتلت شاجي جارية عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر ، وهو إذ ذاك أمير بغداد ، فطلبت منه ثلجا ، فلم يوجد إلا ~~عندي . فجاؤوني ، فقلت : ما عندي إلا رطل واحد ، ولا أبيعه إلا بخمسة آلاف ~~درهم ، وكنت قد عرفت الصورة . فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك ، ورجع يستأذن ~~عبيد الله ، وكانت شاجي بمنزلة روحه ، وهي تتضور على الثلج ، وتلح في طلبه ~~. فشتمه عبيد الله ، وقال : امض واشتره بأي ثمن كان ولا تراجعني . فجاءني ، ~~فقال : خذ خمسة آلاف درهم ، وهات الرطل . فقلت : لا أبيعك إياه إلا بعشرة ~~آلاف درهم ، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان ، فأعطاني عشرة آلاف درهم ، ~~وأخذ الرطل . وشقت العليلة منه ، فقويت نفسها ، وقالت : أريد رطلا آخر . ~~فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم ، وقال : هات رطلا آخر ، إن كان عندك ، فبعت ~~ذلك عليه . فلما شربته العليلة ، تماثلت ، وجلست ، وطلبت زيادة ، فجاؤوني ~~يلتمسون ذلك . فقلت : ما بقي عندي إلا رطل واحد ، ولا أبيعه إلا بزيادة ، ~~فداراني ، وأعطاني عشرة آلاف درهم ، وأخذ رطلا . وداخلتني رغبة في أن أشرب ~~أنا شيئا من الثلج ، لأقول إني شربت ثلجا سعر الرطل منه عشرة آلاف درهم . PageV01P084 # """""" صفحة رقم 85 """""" # قال : فشربت منه رطلا . وجاءني الوكيل قرب السحر ، وقال : ألله ، ألله ، ~~قد والله صلحت العليلة ، وإن شربت شربة أخرى برأت ، فإن كان عندك منه شيء ، ~~فاحتكم في سعره . فقلت له : والله ، ما عندي إلا رطل واحد ، ولا أبيعه إلا ~~بثلثين ألفا . فقال : خذ . فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفا ، ~~فقلت : هات عشرين ألفا ، واعلم أنك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا ، لم ~~نجد عندي شيئا ، فقد فني . فأعطاني العشرين ألف ، وأخذ الرطل . فلما شربته ~~شاجي ، أفاقت ، واستدعت الطعام ms050 ، فأكلت ، وتصدق عبيد الله بمال . ودعاني من ~~غد ، فقال : أنت - بعد الله - رددت حياتي بحياة جاريتي ، فاحتكم . فقلت : ~~أنا خادم الأمير وعبده . قال : فاستخدمني في ثلجه وشرابه ، وكثير من أمر ~~داره . فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة ، أصل نعمتي ، وقوبت بما انضاف ~~إليها من الكسب مع عبيد الله ، طول أيامي معه . PageV01P085 # """""" صفحة رقم 86 """""" # بغداد في أيام المقتدر # تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن علي الهاشمي ابن أم شيبان ~~في سنة ستين وثلثمائة ، عظم بغداد ، وكثرة أهلها ، في أيام المقتدر ، وما ~~كان فيها من الأبنية ، والشوارع ، والدروب ، وكبر البلد ، وكثرة أهله ، في ~~سائر أنواع الناس . وذكرت أنا كتابا رأيته ، لرجل يعرف ببزدجرد بن مهبنذان ~~الكسروي ، كان على عهد المقتدر ، بحضرة أبي محمد المهلبي ، كان سلم إلي ~~وإلى جماعة ممن حضر ، كراريس منه ، لننسخه ، وننفذه إلى الأمير ركن الدولة ~~، لأنه التمس كتابا في وصف بغداد ، وإحصاء ما فيها من الحمامات ، وإنها ~~كانت عشرة آلاف ، ذكر في الكتاب مبلغها وعدد من يحتوي عليه من البلد من ~~الناس ، والسفن ، والملاحين ، وما يحتاج إليه في كل يوم من الحنطة ، ~~والشعير ، والأقوات ، وإنه حصل ما يصل إلى أصحاب المعابر من الملاحين فكان ~~في كل يوم ، أربعين ألفا ، أو ثلاثين ألفا . وذكر غيري كتابا ألفه أحمد ابن ~~الطيب ، في مثل هذا . فقال لي القاضي أبو الحسن : أما ذاك ، فعظيم لا نعمله ~~، وقد شاهدنا منه ما لا يستعبد معه أن يكون كما أخبر يزدجرد ، وأحمد بن ~~الطيب ، إلا إنا لن نحصه فنقطع العلم به ، ولكن بالأمس ، في سنة خمس ~~وأربعين وثلثمائة ، لما ضمن محمد بن أحمد المعروف بترة ، بادوريا ، عمرها ، ~~وتناهى في ذلك ، فأحصينا وحصلنا ما زرع فيها من جربان الخس ، في هذه السنة ~~، وقدرنا بكلوذاي وقطربل وقرب بغداد ، ما يحمل إليها من الخس على تقريب ، ~~فكان الجميع ألفي جريب ، ووجدنا كل جريب خس يزرع فيه ستة أبواب ، يقلع من ~~كل باب من الأصول ، كذا وكذا ، ولم أحفظه ، يكون للجريب كذا وكذا أصلا ، ~~وسعر ms051 الخس إذ ذاك ، على أوسط الأسعار كل عشرين خسة بدرهم واحد ، فحصل لنا ~~أن ارتفاع الجريب ، على أوسط الريع والسعر ، ثلثمائة وخمسون درهما ، قيمتها ~~خمسة وعشرون دينارا ، يكون PageV01P086 ~~"""""" صفحة رقم 87 """""" # لألفي جريب ، خمسون ألف دينار ، وكل ذلك يؤكل ببغداد ، فما ظنك ببلد يؤكل ~~فيه في فصل من فصول السنة ، صنف واحد من صنوف البقل ، بخمسين ألف دينار . ~~ثم قال لنا القاضي ، ولقد أخبرني رجل يبيع سويق الحمص ، دون غيره من ~~الأسوقة ، أسماه وأنسيته ، إنه أحصى ما يتخذ في سوقه من سويق الحمص في كل ~~سنة ، فكان مبلغه مائة وأربعون كرا ، وأنه يخرج في كل سنة منه ، حتى لا ~~يبقى منه شيء ، فإذا حال الحول ، طحنوا مثل ذلك . هذا وسويق الحمص ، غير ~~طيب ، وإنما يأكله الضعفاء والمتجملون ، شهرين أو ثلاثة من السنة ، عند عدم ~~الفواكه ، وأضعافهم مرارا من الناس ، من لا يأكل ذلك أصلا . ثم قال : قال ~~لي بعض مشايخ الحضرة : عمارة بغداد ، في سنة خمس وأربعين ، عشر ما كانت ~~عليه أيام المقتدر ، على تحصيل وضبط ، يعني في الأبنية والناس . PageV01P087 # """""" صفحة رقم 88 """""" # أحاديث في احتباس الحمل # جرى بحضرة القاضي أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي احتباس الحمل ، وقول ~~الشافعي ومالك فيه ما قالاه . فحكيت أنا فيه ، ما روي من أن محمد بن عجلان ~~، ولد لأربع سنين ، وأن أسنانه كانت تطحن . فقال لي القاضي أبو الحسن : كان ~~لأبي ، زوجة من ولد الأشعث بن قيس ، كوفيه ، فحملت منه أحد عشر شهرا بحساب ~~صحيح ضبطناه وأعلمناه ، مع شدة الإستظهار والتحصيل ، فيما يجب تحصيله ~~والاستظهار به في مثل ذلك ، فولدت بعد أحد عشر شهرا بنتا ، فعاشت البنت ~~سنين ، ولها أولاد . قال : وحدثني أبي عن جدي : إنه شاهد بالكوفة ، أربعة ~~إخوة ولدوا في بطن واحد ، وعاشوا كلهم ، وأسنوا ، ومنهم من أعقب . قال لنا ~~القاضي : إن إسماعيل بن أبي خالد المحدث ، له ثلاثة إخوة ولدوا في بطن واحد ~~، وكلهم عاشوا وأسنوا . PageV01P088 # """""" صفحة رقم 89 """""" # قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدة # : حدثني أبو العباس ms052 هبة الله بن محمد بن المنجم ، عن أسلافه : إن المأمون ~~نكب عاملا له ، يقال : عمرو بن نهيوي ، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحاك ، ~~من أهل السواد ، موسرا ، فأمر محمد ابن يزداد أن يتسلمه إليه ، ويعذبه ، ~~ويعاقبه ، حتى يأخذ خطه بعشرة آلاف ألف درهم ، ويستخرجها منه . فسلم عمرو ~~إلى محمد ، فأكرمه ، وألطفه ، وأمر بخدمته وترفيهه ، وأفرده في حجرة سرية ~~من داره ، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به ، ولم يكلمه ثلاثة ~~أيام ، والمأمون يسأل عن الخبر ، فيبلغه ترفيهه له ، فيغتاظ ، ويسأله ، ~~فيقول : هو مطالب . فلما كان في اليوم الرابع ، استدعى عمرو محمدا ، فدخل ~~إليه . قال محمد بن يزداد : فقال لي : يا هذا ، قد عرفت ما تقدم به إليك ~~الخليفة في أمري ، ووالله ما رأيت هذا المال ، ولا نصفه ، ولا ثلثه قط ، ~~ولا يحتوي عليه ملكي ، ولعل الخليفة يريد دمي ، وقد جعل هذا إليه طريقا ، ~~وقد تفضلت علي لا يسعني معه أن أدخر جهدا في تجميلك عند صاحبك ، وقد كتبت ~~تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي ، ظاهرا وباطنا ، وهي هذه ، وسلمها إلي ، وإذا ~~هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعلي ، وعلي ، وحلف بالطلاق والعتاق ، ~~والإيمان المغلظة ، ما تركت لنفسي بعد ذلك ، إلا ما علي من كسوة تستر عورتي ~~، وهذا وسعي ، وجهدي ، فإن رأيت أن تأخذه ، وتسأل الخليفة الرضا به مني ، ~~فإن فعل فقد خلصني الله بك ، ونجاني من القتل على يدك ، وإن أبى ، فإنه ~~يسلمني إلى عدوي الفضل بن مروان ، وهو القتل ، ووالله ، لا أعطيت على هذا ~~الوجه ، درهما واحدا ، ولا كنت ممن يجيء على الهوان ، دون الإكرام ، وسأتلف ~~، ولا يصل الخليفة إلى حبة من مالي ، ولكن المنة لك علي حاصلة ، فإن عشت ~~شكرتها ، وإن مت فالله مجازيك عني . قال : فأخذت التذكرة ، ورحت إلى ~~المأمون . فقال : ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي ؟ فقلت : إنه قد بذل ألفي ~~ألف درهم ، وليس عنده أكثر من ذلك . PageV01P089 # """""" صفحة رقم 90 """""" # فاستشاط ، وقال : لا ، وكرامة له ، ولا أربعة آلاف ألف ، ولا ثمانية آلاف ms053 ~~ألف . وقال لي الفضل : ما دمت ترفهه ، وتكرمه ، وتجلسه على الدسوت ، وتخدمه ~~بنفسك وغلمانك ، كيف لا يتقاعد ؟ فقلت له : فتسلمه أنت إن شئت . فقال ~~الخليفة : خذه إليك . فأخذه ، وأرهقه ، وطالبه بعشرة آلاف ألف ، ودهقه ، ~~وضربه ، وهو لا ينحل بشيء . فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف ، فلم يستجب . فقنع ~~منه بثلاثة آلاف ألف ، فلم يجب . فلما زاد عليه المكروه ، وخاف الفضل أن ~~يتلف في العذاب ، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إياه ، رفق به ، وداراه ~~، وخلع عليه ، ورفهه أياما . وقال له : كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف ~~درهم ، وقد قنعت بها منك ، فهاتها . فقال : ما ملكتها قط ، ولا بذلتها ~~لمحمد . فجاء الفضل إلى المأمون ، فاقتص عليه خبره معه ، في معاقبته ، ~~ومطالبته أولا ، بالكل ، واقتصاره ثانيا ، وترفيهه له ، وإكرامه ، وقناعته ~~منه بألفي ألف درهم ، وإقامته على انه لا مال له ، وإنكاره أن يكون بذل ذلك ~~، وكنت حاضرا . فانقطع الحبل في يد المأمون ، وكاد يهم بالفضل . فقلت : يا ~~أمير المؤمنين الرجال لا يكالون ، وليس كل أحد يجيء على الهوان ، وإن الفضل ~~استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به ، فصار إليه ، وعامله بمثله حيث لم ينفع ~~ذلك ، ولو تركني معه في الأول ، لا ستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا ، وهذه ~~تذكرة بخط عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف فأخرجها ، وطرحتها بين يديه . ~~وقلت : لو كنت علمت أن أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت ، إلى ثلاثة آلاف ~~ألف ، عنه ، لبذلتها ، فبذلت ألفي ألف ، حتى إن لم يقنع ، زدت ألف ألف ، والآن PageV01P090 ~~"""""" صفحة رقم 91 """""" # فقد فسد هذا ، ووالله ، لا أعطى عمرو ، مع ما جرى عليه ، حبة ، فإن استحل ~~أمير المؤمنين دمه ، فذاك إليه ، وإلا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل . قال ~~: فاستحيا المأمون ، وأطرق مفكرا مليا ، ثم رفع رأسه ، وقال : والله لا كان ~~كاتب من كتابي ، ولا نبطي من عمالي ، أكرم ، وأوفى ، وأصح تدبيرا مني ، قد ~~وهبت لك يا محمد ، عمروا وما عليه ، فخذه ، واصنع به ما شئت . فتسلمته من ~~الفضل بن مروان ، وأطلقته ms054 مكرما إلى بيته . PageV01P091 # """""" صفحة رقم 92 """""" # الحجاج بن يوسف الثقفي يأمر بتعذيب آزادمرد # : ويشبه هذا الحديث ، حديثا ، وجدته بخط القاضي أبي جعفر بن البهلول ، ~~ذكر أن محمد بن أحمد الحشمي ، أخبر ، قال : قال الحجاج بن يوسف ، لمحمد بن ~~المنتشر : خذ إليك آزادمرد ابن الفرند ، فدق يده على رجله ، حتى تستخرج منه ~~المال الذي عليه . قال محمد : فاستخرجت منه بالرفق ، ثلثمائة ألف درهم ، في ~~جمعة ، فلم يرض ذلك الحجاج ، فأخذه مني ، ودفعه إلى معد ، صاحب عذابه ، فدق ~~يده ، ودهقه ، ودق ساقه . فمر به علي ، وأنا في السوق ، معترضا على بغل ، ~~فقال : يا محمد ادن ، فدنوت منه . فقال : إنك وليت مني مثل هذا ، فأحسنت ~~إلي ، فأديت ما أديت عفوا ، ووالله لا يؤخذ مني درهم واحدا كرها ، ولي عند ~~فلان ثلاثون ألفا ، فخذها جزاء لما صنعت . فقلت : وال ، لا أخذت منك ، وأنت ~~على هذه الحال ، شيئا . قال : أتدري ما سمعت من أهل دينكم ، يحكون عن نبيكم ~~؟ قلت : لا . قال : سمعتهم يقولون ويحكون عنه ، إنه قال : إذا أراد الله ~~بقوم خيرا ولى عليهم خيارهم ، وأمطرهم المطر في أوانه ، وإذا أراد بقوم ~~سوءا ، ولى عليهم شرارهم ، وأمطرهم المطر في غير أوانه ، ثم أمر قائد البغل ~~، أن يقوده . فلم أر من مكاني ، حتى جاءني رسول الحجاج ، وقال : أجب ، ~~فمضيت إليه ، فوجدته متنمرا ، والسيف منتضى في حجره . فقال : ادن . فقلت : ~~لا والله ، لا أدنو وهذا في حجرك . فأضحكه الله ، وأغمد السيف ، وقال : ما ~~خاطبك به المجوسي ؟ قلت : والله ، ما غششتك منذ ائتمنتني ، ولا كذبتك منذ ~~صدقتني ، فقصصت عليه القصة . فلما أردت أن أذكر الرجل الذي عنده الثلاثون ~~ألف ، أعرض ، وقال : لا تذكره ، أما إن الكافر عالم بآثار رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . PageV01P092 # """""" صفحة رقم 93 """""" # الأمير معز الدولة البويهي ووزيره أبو محمد المهلبي # : كان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ، لما ابتنى قصره بباب ~~الشماسية ، والإصطبلات المتصلة بآخره من أحد جرانبه ، التي لم يسبق إلى ~~حسنها ، وعمل الميدان على دجلة متصلا بين القصر والبستان الشارع ms055 على دجلة ، ~~الذي يلازق دار صاعد بن مخلد ، الذي كان منزلا لأبي جعفر محمد بن يحيى بن ~~شيرزاد ثم صيره أبو جعفر الصيمري بستانا ، والجميع الآن داخل في جملة قصر ~~معز الدولة . أول ما بدأ بأن السور المحيط بالقصر والميدان ، والمسناة ~~العظيمة التي من حد رقة الشماسية إلى بعض الميدان ، وطول ما بناه منها ألف ~~وخمسمائة ذراع ، وعرضها نيف وسبعون آجرة كبارا ، سوى الدستاهيجات التي تخرج ~~منها إلى داخلها لضبطها . وكان العمل في ذلك متصلا ، والصناع فيه متفرقين . ~~وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه ، وخرج إلى كلواذى ليتخذها هناك ~~، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى ، ثم رحل إلى قطربل ، فأراد أن يبنيها عندها ~~، ثم تقرر رأيه على بناء دار بباب الشماسية ، حصينة ، يستغني بها عن ~~المدينة ، وتخف عليه نفقتها . وقدر لذلك ألوف ألوف الدراهم ، وزادت النفقة ~~على التقدير أضعافا . وكان يطالب وزيره أبا محمد المهلبي بتوجيه وجوه ~~الأموال لذلك ، مع قصور الدخل عن الخرج ، فيلقى منه عنتا . ثم كلفه تولي ~~البناء بنفسه وكتابة ، فكان ، وهم ، يتولون ذلك . فسعى بعض أصحاب معز ~~الدولة إليه ، أنهم بسنفون البناء في السور ، ليتعجل بنفقة خفيفة ، ويسرقون ~~الباقي . وأوقفه على موضع منه ، كان فيه ساف لبن PageV01P093 ~~"""""" صفحة رقم 94 """""" # لم يحكمه الصناع ، ومشى عليه بحضرة معز الدولة - لأنه ركب إليه - فانقلعت ~~منه لبنة . فحمي طبعه ، وكان حديدا جدا ، سليم الباطن مع ذلك ، وإذا أخرج ~~حدته ، وانقضت سورة غضبه ، يندم على فعله ، ولكن من يقوم على تلك الحدة . ~~فأحضر المهلبي ، وواقفه على ما رآه ، فأخذ يحتج عليه . فحمي ، وأمر به ، ~~فبطح ، وضرب مقارع كثيرة . ثم قال : اختفوه ، فجعل في عنقه حبل ، وأمسكه ~~ركابيون فوق السور ، ليشيلوه ، فيخنق . وبلغ خبره القواد ، والأتراك ، ~~وخواصه ، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه ، ومسألته الصفح عنه ، فأنزله ، ~~وأطلقه . فمضى إلى داره كالميت ، وأظهر قلة حفل بذلك ، لئلا يشمت أعداؤه ، ~~ويطمعوا في صرفه ، ويتقولون عليه بانكسار إن بان منه ، ولئلا يبلغ صاحبه ~~أنه مستوحش من ذلك ، فيستوحش منه . وكانت عادته ms056 أن يشرب في تلك الليلة ~~النبيذ ، ويدعو الغناء ، فجمع الندماء ، ليري قلة الإكتراث بما جرى عليه . ~~وعاد إلى داره وقد قرب المساء ، فدعا بما يأكله ، فأكل ، وندماؤه معه ، ~~وليس فيه فضل لشدة الألم ، وهو يتجلد ، ويتحدث . ثم دعا بنبيذ ، فقالوا له ~~: أيها الوزير ، لو استرحت ، وطرحت نفسك ، كان أولى من النبيذ ، فليس هذا ~~وقته ، وذنبوا له في هذا . فأخذ هو يعزيهم عما جرى عليه ، ويسلبهم ، وتمثل ~~في كلامه بهذا البيت : فإن أمير المؤمنين وفعله . . . لكالدهر لا عار بما ~~صنع الدهر . ثم شرب أقداحا ، وقام . أخبرني ، من حدثه به ، من ندماء أبي ~~محمد ، عن مشاهدة . PageV01P094 # """""" صفحة رقم 95 """""" # الأمير معز الدولة وحدة طبعه # وكانت عادة الأمير معز الدولة ، إذا حمي جدا ، أن يأمر بالقتل ، ويكره أن ~~يتم ذلك ، ويعجبه أن يسأل العفو . وقد فعل هذا ، كثيرا جدا ، بخلق من جملة ~~أصحابه . وأول ما عرف ذلك منه ، وأقدم لأجله على مساءلته العفو ، إذا أمر ~~بقتل صاحب له ، أنه أنكر على رجل بالأهواز ، وهو إذ ذاك مقيم بها ، وكان ~~الرجل ضرابا يعرف بابن كردم ، أهوازي ، ضمن منه عمالة دار الضرب بسوق ~~الأهواز ، فضرب دنانير رديئة ، ولم يعلم بها الأمير بها ، فأنفذها إلى ~~البصرة ليشتري بها الدواب ، والبريديون إذ ذاك بها ، فلم تؤخذ لشدة فسادها ~~، فردت ، وعاد الراضة الذين كان أنفذهم لذلك ، فعرفوه الخبر ، فحمي ، وأحضر ~~ابن كردم هذا ، وخاطبه ، وازداد طبعه حميا ، إلى أن أمر بأن يخنق على قنطرة ~~الهندوان ، بالأهواز . فأخرج من بين يديه ، وخنق ، ومات ، وعاد من كان أمره ~~بذلك ، فوقف بحضرته . فقال له : ما فعل الرجل ؟ قال : خنقناه ومات . فكاد ~~أن يطير غضبا ، وشتمه ، وشم الحاضرين ، وقال : ما كان فيكم من يسألني أن لا ~~أقتله ؟ وأخذ يبكي ، وكان فيه تحرج من القتل . فقالوا : ما عملنا ، وخفناك ~~. فكان بعد ذلك إذا أمر بقتل إنسان ، سئل ، وروجع ، فيعفو . PageV01P095 # """""" صفحة رقم 96 """""" # من مكارم أخلاق الأمير سيف الدولة # أخبرني طلحة بن عبيد الله بن قناش ، قال : كنت يوما في مجلس حديث وأنس ، ~~بحضرة ms057 سيف الدولة ، أنا وجماعة من ندمائه ، فأدخل إليه رجل ، وخاطبه ، ثم ~~أمر بقتله ، فقتل في الحال . فالتفت إلينا ، وقال : ما هذا الأدب الشيء ، ~~وما هذه المعاشرة القبيحة التي نعاشر ونجالس بها ؟ كأنكم ما رأيتم الناس ، ~~ولا سمعتم أخبار الملوك ، ولا عشتم في الدنيا ، ولا تأدبتم بأدب دين ولا ~~مروءة . قال : فتوهمنا أنه قد شاهد من بعضنا حالا يوجب هذا ، فقلنا : كل ~~الأدب إنما يستفاد من مولانا أطال الله بقاءه - وهكذا كان يخاطب في وجهه - ~~وما عملنا ما يوجب هذا ، فإن رأى أن ينعم بتنبيهنا ، فعل . فقال : أما ~~رأيتموني ، وقد أمرت بقتل رجل مسلم لا يجب عليه القتل ، وإنما حملتني ~~السطوة والسياسة لهذه الدنيا النكدة ، على الأمر به ، طمعا في أن يكون فيكم ~~رجل رشيد فيسألني العفو عنه ، فأعفو ، وتقوم الهيبة عنده وعند غيره ، ~~فأمسكتم حتى أريق دم الرجل ، وذهب هدرا . قال : فأخذنا نعتذر إليه ، وقلنا ~~: لم نتجاسر على ذلك . فقال : ولا في الدماء ؟ ليس هذا بعذر . فقلنا : لا ~~نعاود . واعتذرنا حتى أمسك . PageV01P096 # """""" صفحة رقم 97 """""" # الخليفة المعتضد يعذب شخصا حاول الخروج عليه # : حدثني أبو الحسن ، أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : حدثني أبي قال : كنت ~~أكتب لبدر اللاني في أيام الموفق ، والمعتضد ، وأدخل الدار معه ، أليه ، ~~فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة ، وقد جعله كرنادكا . قال : ~~فقلت له : كيف يفعل ذلك ؟ وما كان سببه ؟ فقال : إن رجلا من أولاد الواثق ، ~~كان يسكن مدينة المنصور ، سعى في طلب الخلافة ، واستوزر شيلمة ، فأخذ له ~~البيعة على أكثر أهل الحضرة ، من الهاشميين ، والقضاة ، والقواد ، والجيش ، ~~وأهل بغداد الأحداث ، وأهل العصبية ، وقوي أمره ، وانتشر خبره ، وهم ~~بالظهور في المدينة ، والإعتصام بها ، والتحصن ، حتى إذا أخذ المعتضد ، صار ~~إلى دار الخلافة . فبلغ المعتضد الخبر على شرحه ، إلا اسم المستخلف . فكبس ~~شيلمة وأخذه ، فوجد في داره جرائد بأسماء من بايع ، وبلغ الهاشمي الخبر ، ~~فهرب . وأمر المعتضد بالجرائد ، فأحرقت ظاهرا ، لئلا يعلم الجيش بوقوفه ~~عليها فتفسد نياتهم له ، بما يعتقدون من فساد نيته عليهم . وأخذ يسائل ms058 ~~شيلمة عن الخبر ، فصدقه عن جميع ما جرى ، إلا اسم الرجل الذي يستخلف ، فرفق ~~به ليصدقه عنه ، فلم يفعل . وطال الكلام بينهما فتوعده ، فقال له : والله ، ~~لو جعلتني كردناكا ، ما أخبرتك باسمه . فقال المعتضد للفراشيين : هاتم ~~أعمده الخيم الكبار الثقال ، فجاءوه بها وأمر أن يشد عليها شدا وثيقا فشد ، ~~وأحضروا فحما عظيما ، وفرش على الطوابيق بحضرته ، وأحجبوا نارا ، وجعل ~~الفراشون يقلبون شيلمة على تلك النار ، وهو مشدود على الأعمدة ، إلى أن مات ~~وانشوى . وأخرج من بين يديه ليدفن ، فرأيته على هذه الصورة . PageV01P097 # """""" صفحة رقم 98 """""" # قال : وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة ، فهدم منه شيء يسير ، ~~فاجتمع إليه الهاشميون ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، فخرنا ، وذكرنا ، ~~ومأثرتنا فأمر بقطع الهدم ، وصرف حفظة كانوا عليه متوكلين برعيه ، ورخص فيه ~~، وتركه وأهمله ، وخلى بينه وبين الناس . فمل مضت إلا سنيات ، حتى هدم ~~الناس أكثره ، أولا فأولا ، ووسعوا به ما يجاروهم من دورهم ، واستضافوا ~~مكانه إليها ، حتى إن ذلك اتسع ، فجعل وزير المقتدر ، على كل دار هذا حكمها ~~، أجرة العرضة بحسب ذلك ، وكان لها ارتفاع كثير . ثم تبع ذلك بسنين ، خراب ~~المدينة ، أولا فأولا ، حتى بلغت إلى ما هي عليه . PageV01P098 # """""" صفحة رقم 99 """""" # بابك الخرمي وجلده وصبره على العذاب # : ومن عجيب أخبار قوة النفس : إن أخل بابك الخرمي ، المازيار ، قال له ~~لما أدخلا على المعتصم : يا بابك إنك قد عملت ما لم يعمله أحد ، فاصبر الآن ~~صبرا لم يصبره أحد . فقال له : سترى صبري . فلما صار بحضرة المعتصم ، أمر ~~بقطع أيديهما وأرجلهما بحضرته . فبدىء ببابك ، فقطعت يمناه ، فلما جرى دمها ~~، مسح به وجهه كله ، حتى لم يبق من حلية وجهه ، وصورة سحنته ، شيء . فقال ~~المعتصم : سلوه لم فعل هذا ؟ فسئل ، فقال : قولوا للخليفة ، إنك أمرت بقطع ~~أربعتي ، وفي نفسك قتلي ، فلا شك أنك لا تكوينها ، وتدع دمي ينزف إلى أن ~~تضرب عنقي ، فخشيت أن يخرج الدم مني ، فتبين في وجهي صفرة يقدر لأجلها من ~~حضر ، أني قد فزعت من الموت ، وإنها لذلك ، لا من ms059 خروج الدم ، فغطيت وجهي ~~بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة . فقال المعتصم : لولا أن ~~أفعاله لا توجب العفو عنه ، لكان حقيقا بالاستبقاء لهذا الفضل ، وأمر ~~بإمضاء أمره فيه . فقطعت أربعته ، ثم ضرب عنقه ، وجعل لجميع على بطنه ، وصب ~~عليه النفط ، وضرب بالنار . وفعل مثل ذلك بأخيه ، فما كان فيهما من صاح ~~وتأوه . PageV01P099 # """""" صفحة رقم 100 """""" # عافية الباقلاني وخالد الحذاء يسيران حافيين على باب حديد محمي # : وقد حكي : أن عافية الباقلاني ، وخالد الحذاء ، رئيسي أصحاب العصبية في ~~زمانهما ، بايعا على أن يحمى لهما باب حديد ، ويمشيان عليه ، ففعلا ذلك . ~~فلما حصلا فوقه ، حل أحدهما مئزره ، ثم ضرب يده إلى الآخر ، وضبطه ، وقال : ~~انظرني أتوزرهما عطفيين ، أي انتظر حتى أتزر . قال : فما فارقه ، حتى شد ~~مئزره ، وهما فوق الباب المحمي ، ثم تمم مشيه ، حتى خرج منه ، وقد غلب بتلك ~~الساعة ، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة ، أو عادة ، مثلما يكون أسفل ~~القدر ، كالنار إذا دام الوقود عليها ، فيأخذها الإنسان لساعته على راحته ، ~~لأن البخار يتصاعد ، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها . وقد شاهدت ~~أنا ، أبا الأغر بن أبي شهاب التيمي بالبصرة ، فعل ذلك ، وإلا ، فلا أدري ~~ما هو . وقد أخبرني غير واحد ، أن القطعة الحديد ، إذا أدخلت الكور ، ~~وأحميت حتى تبيض بياضا شديدا ، فأخذها الإنسان ، فلطعها مرتين ، أو ثلاثة ، ~~قبل أن يرجع فيها الحمي ، لم تضر لسانه . وقد شاهدت أنا ، أبا الحسن علي بن ~~محمد بن أحمد التنوخي ، وقد أدخل إلى فيه ، غير مرة ، شمعة مشعلة فيها رطل ~~، وعض عليها ، وكشر شفتيه لي ، حتى تبينت اتقاد الشمعة في فيه ، ساعة ، ثم ~~أخرجها غير مطفئة . وسألته عن علة ذلك ، فقال : يحتاج إلى حذق في سرعة ~~الإدخال ، حتى لا تحرق الشفتين ، فإذا حصلت في داخل الفم ، لم تضر ، لأن ما ~~يتصاعد من حمي الجوف ، يغلب على حماها ، فلا تضر . PageV01P100 # """""" صفحة رقم 101 """""" # كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل # : ومن طريف عقوبات المعتضد ، قتله إسماعيل بن بلبل ms060 ، حدثني أبي ، قال : ~~أخبرني جماعة من أهل الحضرة ، يعرفون ويحصلون : إن المعتضد أمر بإسماعيل بن ~~بلبل ، فاتخذ له تغار كبير ، ومليء إسفيداجا حيا ، وبله ، ثم جعل العجل رأس ~~إسماعيل فيه ، إلى آخر عنقه ، وشيء من صدره ، وأمسك حتى جمد الإسفيداج ، ~~فلم تزل روحه تخرج بالضراط ، إلى أن مات . PageV01P101 # """""" صفحة رقم 102 """""" # ا # لخليفة المعتضد يقتل آخر بسد جميع منافذه # وأخبرني أيضا رحمه الله : إن المعتضد ، أمر برجل فسد بالقطن أنفه ، سدا ~~شديدا ، وفمه ، وعيناه ، وأذناه ، ومنخراه ، وذكره ، وسوءته ، ثم كتف وترك ~~، فلم يزل ينتفخ ، ويزيد ، إلى أن طار قحف رأسه ومات . PageV01P102 # """""" صفحة رقم 103 """""" # قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخي ، قال : قال أبي : كنت مع ~~صاحبي الذي كنت أكتب له ، بدر اللاني ، في عسكر الموفق ، وهو يقاتل صاحب ~~الزنج . فرمى زنجي من أصحاب الخائن ، يقال له : قرطاس ، الموفق ، بسهم ، ~~فأصاب ثندوءته ، وصاح : خذها مني وأنا قرطاس ، فصارت مثلا للرماة إلى الآن ~~. فحمل الموفق صريعا في حد التلف ، ونزع السهم وكان مقطنا ، فبقي الزج ~~مكانه ، وجمع ، وانتفخ ، وأمد ، وأشرف على الموت . واستخبر بذلك أهل عسكر ~~الخائن ، وكانوا يصيحون بنا كل يوم : ملحوه ، أي : قد مات الموفق ، فاجعلوه ~~مكسودا . فأجمع رأي الطب على بطه ، فلم يمكنهم الموفق من ذلك . فقالوا ~~للمعتضد : إنه إن لم يبط ، عمل إلى داخل ، فأتلفه . فقال : احتالوا عليه ~~وبطوه ، وأنا أمنعكم منه . فطول أحد الطب ، ظفر إبهامه اليمين ، وجعل تحته ~~حديدة مبضع ، وجاء إلى الموفق ، فقال : أيها الأمير ، دعني أحبسه ، وأنظر ~~كيف هو . فقال : لعلك تبطه ؟ فأراه يده ، وقال : كيف أبطه ، وليس في يدي ~~حديد ، فمكنه منه ، فجسه وخرقه بالمبضع من أوله إلى آخره مستعجلا ، فنذر ~~الزج وخرج ، وتبعته مدة عظيمة وقيح . ففزع الموفق في حال البط ، لمجيئه على ~~غفلة ، فلكم الطبيب ، فقبله عن مكانه ، فلما استراح بما خرج من الموضع ، ~~ووجد خفه ، خلع على الطبيب ، وأجازه ، وعولج إلى أن برىء . وجعل أبو العباس ~~وكده طلب قرطاس ، وكان إذا رآه ms061 في الحرب ، طرح نفسه لأخذه ، فيحاربه قرطاس ~~أشد حرب ، ويقول له بعجمته : يا بلئباس ، يريد يا أيا العباس ، إن وقعت في ~~يدك ، قد مني أوتارا . PageV01P103 # """""" صفحة رقم 104 """""" # قال : فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره ، حتى أخذه أسيرا ، وقد وقعت به ~~جراحات ، فجاء به إلى الموفق ، فأمر بضرب عنقه . فقال له المعتضد : تهب لي ~~قتله ، حتى أعمل به ما أريد . فقال : أنت أحق به ، فخذه ، فأخذه ، فقد من ~~أصابعه الخمس أوتارا . قال : فقلت لأبي : كيف فعل ذلك ؟ فقال : قلع أظفاره ~~، وسلخ جلد أصابع كفه من رؤوسها ، إلى أكتافه ، وعبر بها صلبه وكتفيه إلى ~~آخر أصابعه الأخرى ، وجلد بني آدم غليظ ، فخرج له ذلك ، فأمر أن تفتل له ~~أوتارا ، ففعل ، وصلب بها قرطاس . PageV01P104 # """""" صفحة رقم 105 """""" # من طريف حيل اللصوص # ومن طريف حيل اللصوص ، الواقعة في عهدنا ، أن أبا القاسم عبيد الله بن ~~محمد الخفاف ، حدثني : إنه شاهد لصا قد أخذ ، وتشاهدوا عليه ، إنه يفش ~~الأقفال في الدور اللطاف التي يخمن على أنها لعزب . فإذا دخل ، حفر في ~~الدار حفرة لطيفة ، كأنها بئر النرد ، وطرح فيها جوزات ، كأن إنسانا كان ~~يلاعبه ، وأخرج منديلا فيه مقدار مائتي جوزة ، فتركه إلى جانبها ، ثم دار ~~فكور كل ما في الدار ، مما يطبق حمله . فإن لم يفطن به أحد ، خرج من الدار ~~، وحمل ذلك كله . وإن جاء صاحب الدار ، ترك عليه قماشه ، وطلب المفالتة ~~والخروج . فإن كان صاحب الدار جلدا ، فوائبه ومنعه ، وهم بأخذه وصاح : ~~اللصوص ، واجتمع الجيران ، أقبل عليه ، وقال : ما أبردك ، أنا أقامرك ~~بالجوز منذ شهور وقد أفقرتني ، وأخذت مني كل ما أملكه ، وأهلكتني ما صحت ، ~~ولا فضحتك بين جيرانك ، أنت لما قمرتك الآن قماشك ، أخذت تدعي علي اللصوصية ~~؟ يا غث ، يا بارد ، بيني وبينك دار القمار ، الموضع الذي تعارفنا فيه ، قل ~~بحذائهم ، وبحذاء هؤلاء الحاضرين ، قد ضغيت حتى أدع عليك قماشك . فكلما قال ~~الرجل : هذا لص ، فيقول الجيران : إنما يريد أن لا يفضح نفسه بالقمار ، فقد ~~أدعى عليه اللصوصية ، ولا يشكون ms062 أنه مقامر ، وأن الرجل صادق ، ويخلصون ~~بينهما ، ثم يأخذ الجوز وينصرف ، ويفتضح الرجل بين جيرانه . من طريف حيل ~~اللصوص - 2 وأخبرني أيضا : إنه شاهد آخر ، كان يدخل الدار الآهلة نهارا ، ~~ويعتمد التي فيها النساء ، ورجالهم خارجون . فإن تمت له الحيلة ، وأخذ منها ~~شيئا ، انصرف . وإن فطن له ، وجاء صاحب الدار ، أوهمه أنه صديق زوجته ، ~~وإنه بعض من غلمان القواد ، ويقول له : استر علي هذا عند صاحبي ، وعلى نفسك ~~، ويتزيا بالأقبية ، يوهم الرجل أنه لا يمكنه رفعه إلى السلطان في الزنا ، ~~إن اختار فضيحة نفسه . PageV01P105 # """""" صفحة رقم 106 """""" # وكلما ادعى عليه اللصوصية ، صاح بهذا الحديث ، فيجتمع الجيران ، فيشيرون ~~على الرجل بالستر على نفسه . وكلما أنكر ذلك ، قالوا : هذا محبة بزوجته ، ~~ويخلصون اللص من يده ، حتى ربما أجبروه على صرفه . وكلما جحدت المرأة ، ~~وحلفت ، وبكت ، وأقسمت إنه لص ، كان ذلك أدعى لهم إلى تخليته . فيتخلص ، ~~ويعود الرجل ، ويطلق زوجته ، ويفارق أم ولده ، فأخرب غير منزل ، وأفقر ~~آخرين ، بهذا . إلى أن دخل دارا فيها عجوز ، لها أكثر من تسعين سنة ، ولم ~~يعلم ، وأدركه رب البيت ، فأخذ يوهمه ذلك ، فقال : يا كشخان ليس في الدار ~~إلا أمي ، ولها تسعون سنة ، وهي منذ أكثر من خمسين سنة ، قائمة الليل ، ~~صائمة النهار ، طول الدهر ، أفتراها هي عشقتك ، أم أنت عشقتها ؟ وضرب فكيه ~~. واجتمع الجيران ، فقال اللص ذلك ، فكذبوه ، لما يعرفون به المرأة من ~~الدين والصلاح ، فضرب ، وأقر الصورة فحمل إلى السلطان . PageV01P106 # """""" صفحة رقم 107 """""" # القصري غلام الحلاج كان يصبر على الجوع خمسة عشر يوما # : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : بلغني أن الحسين بن منصور ~~الحلاج كان لا يأكل شيئا شهرا أو نحو شهر ، على تحصيل ورصد . قال : فهالني ~~هذا ، وكانت بيني وبين أبي الفرج بن روحان الصوفي مودة ، وكان صالحا من ~~أصحاب الحديث ، دينا ، وكان القصري ، غلام الحلاج ، زوج أخته ، فسألته عن ~~ذلك . فقال : أما ما كان الحلاج يفعله ، فلا أعلم كيف كان يتم له ، ولكن ~~صهري القصري غلامه ، قد أخذ نفسه سنين ms063 ، بقلة الزاد ، ودرجها على ذلك ، حتى ~~تمكن بعد مدة ، أن يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما ، ونحو ذلك ، أقل أو أكثر . ~~وكان يتم له ذلك بحيلة كانت تخفي علي ، فلما حبس في جملة الحلاجية ، كشفها ~~لي ، وقال : إن الرصد ، إذا وقع بالإنسان شديدا ، وطال فلم تنكشف معه حيلة ~~، ضعف عنه الرصد ثم لا يزال يضعف ، كلما لم تنكشف حيلته ، حتى يبطل أصلا ، ~~فيتمكن حينئذ ، من فعل ما يريد . وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما ، فما ~~رأوني آكل شيئا بتة ، وهذا نهاية صبري عن فقد الغذاء ، وإن لم آكل بعده ~~بيوم ، تلفت ، فخذ رطلا من الزبيب الخراساني ، ورطلا من اللوز السمين . ~~ودقهما ، واجعلهما مثل الكسب وأصلحهما صفيحة رقيقة ، فإذا جئتني غدا ، ~~فاجعلها بين ورقتين من دفتر ، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا ، مطويا في كفك طيا ~~مدورا من غير انتشار ، ليخفى ما فيه ، فإذا خلوت بي ، ولم تر من يلاحظني ، ~~فاجعل ذلك تحت ذيلي ، وانصرف ، فإنني آكله سرا ، وأشرب الماء إذا تمضمضت ~~للطهور ، فيكفيني خمسة عشر يوما أخرى ، إلى أن تجيئني ثانيا ، على هذا ~~السبيل . ومتى رصدني هؤلاء في هذه الخمسة عشر يوما الثانية ، لم يجدوني آكل ~~شيئا على الحقيقة ، إلى أن تعود أنت بعد هذه المدة بالقوت ، فأغتفلهم في ~~أكله أيضا ، فيقوم بي . قال : فكنت أعمل ذلك معه ، طول حبسه . PageV01P107 # """""" صفحة رقم 108 """""" # ما اشترطه أبو سهل بن نوبخت لكي يؤمن بدعوة الحلاج # : حدثني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : لما قدم الحلاج بغداد يدعو ، استغوى ~~كثيرا من الناس ، والرؤساء ، وكان طمعه في الرافضة أقوى ، لدخوله من طريقهم ~~. فراسل أبا سهل بن نوبخت ، ليستغويه ، وكان أبو سهل من بينهم مثقفا ، فهما ~~، فطنا . فقال أبو سهل لرسوله : هذه المعجزات التي يظهرها ، قد تأتي فيها ~~الحيل ، ولكن أنا رجل غزل ، ولا لذة لي أكثر من النساء وخلوتي بهن ، وأنا ~~مبتلي بالصلع ، حتى إني أطول شعر قحفي ، وأجذبه إلى جبيني ، وأشده بالعمامة ~~، وأحتاله فيه بحيل ، ومبتلى بالخضاب ، لستر المشيب . فإن جعل لي شعرا ، ~~ورد ms064 لحيتي سوداء بلا خضاب ، أمنت بما يدعوني إليه ، كائنا ما كان ، إن شاء ~~قلت إنه باب الإمام ، وإن شاء الإمام ، وإن شاء قلت إنه النبي ، وإن شاء ~~قلت إنه الله تعالى . قال : فلما سمع الحلاج جوابه أيس منه ، وكف عنه . ~~وقال لي أبو الحسن : وكان الحلاج ، يدعو كل قوم إلى شيء من هذه الأشياء ~~التي ذكرها أبو سهل ، على حسب ما يستبله طائفة طائفة . PageV01P108 # """""" صفحة رقم 109 """""" # الحلاج في مجلس الوزير حامد بن العباس # أخبرني أبو الحسين بن عياش القاضي ، عمن أخبره : إنه كان بحضرة حامد بن ~~العباس ، لما قبض على الحلاج ، وقد جيء بكتب وجدت في داره ، من قوم تدل ~~مخاطبتهم ، إنهم دعاته في الأطراف ، يقولون فيها : وقد بذرنا لك في كل أرض ~~ما يزكو فيها ، وأجاب قوم إلى أنك الباب - يعنون الإمام - وآخرون أنك صاحب ~~الزمان - يعنون الإمام الذي تنتظره الأمامية - وقوم إلى أنك صاحب الناموس ~~الأكبر - يعنون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - وقوم إلى أنك أنت هوهو - ~~يعنون الله عز وجل - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . قال : فسئل الحلاج ~~عن تفسير هذا الرمز ، فأخذ يدفعه ، ويقول : لا أعرف هذه الكتب ، هذه مدسوسة ~~علي ، لا أعلم ما فيها ، ولا معنى لهذا الكلام . وحدثني أبو الحسين بن عياش ~~، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير ، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلاج ، ~~فيها : إن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يستغني عنه ، بأن يعمد إلى بيت داره ~~، فيعمل فيه محرابا ذكره ، ويغتسل ، ويحرم ، ويقول كذا ، ويفعل كذا ، ويصلي ~~كذا ، ويطوف بهذا البيت كذا ، ويسبح كذا ، ويصنع كذا ، أشياء قد رتبها ~~وذكرها من كلام نفسه ، قال : فإذا فرغ من ذلك ، فقد سقط عنه الحج إلى بيت ~~الله الحرام . وهذا شيء معروف عند الحلاجية ، وقد اعترف لي رجل منهم ، يقال ~~إنه عالم لهم ، ولكن ذكر أن هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم ~~، وقال ليس عندنا إنه يستغني به عن الحج ، ولكنه يقوم مقامه ، إن لم يقدر ~~على الخروج ، بإضافة ، أو ms065 منع ، أو علة ، فأعطاني المعنى ، وخالف في ~~العبارة . قال لي أبو الحسين : فسئل الحلاج عن هذا ، وكان عنده إنه لا يوجب ~~عليه شيئا ، فأقر به ، وقال : هذا شيء رويته كما سمعته ، فتعلق بذلك عليه . PageV01P109 # """""" صفحة رقم 110 """""" # واستفتى حامد ، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~الأنباري ، وأبا عمر محمد بن يوسف ، وهما إذ ذاك ، قاضيا بغداد . فقال أبو ~~عمر : هذه زندقة ، يجب عليه القتل بها ، لأن الزنديق لا يستتاب . وقال أبو ~~جعفر : لا يجب عليه القتل ، إلا أن يقر بأنه يعتقد هذا ، لأن الناس قد ~~يروون الكفر ولا يعتقدونه ، فإن أخبر أن هذا شيء رواه وهو يكذب به ، فلا ~~شيء عليه ، وإن أخبر إنه يعتقد ، استتيب منه ، فإن تاب ، فلا شيء عليه ، ~~وإن لم يتب ، وجب عليه القتل . قال : فعمل في أمره على فتوى أبي عمر ، وعلى ~~ما شاع وذاع من أمره ، وظهر من إلحاده وكفره ، واستغوائه الناس ، وإفساده ~~أديانهم ، فاستؤذن المقتدر في قتله ، وكان قد استغوى نصرا القشوري ، من ~~طريق الصلاح والدين ، لا مما كان يدعو إليه ، فخوف نصر السيدة أم المقتدر . ~~من قتله ، وقال : لا آمن أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ ~~الصالح ، فمنعت المقتدر من قتله ، فلم يقبل ، وأمر حامدا بأن يقتله ، فحم ~~المقتدر يومه ذاك ، فازداد نصر والسيدرة افتتانا ، وتشكك المقتدر فيه ، ~~فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله ، فتأخر ذلك أياما ، إلى أن زال عن ~~المقتدر ما كان يجد من العلة ، فاستأذن حامد في قتله ، فضعف الكلام فيه ، ~~فقال له حامد : يا أمير المؤمنين ، إن بقي ، قلب الشريعة ، وارتد خلق على ~~يده ، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك ، فدعني أقتله ، وإن أصابك شيء ، فاقتلني ، ~~فأذن له في قتله ، فعاد ، فقتله من يومه ، لئلا يتلون المقتدر . فلما قتل ، ~~قال أصحابه : ما قتل هو ، وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب ، اتفق إنه نفق ~~ذلك اليوم . وهو يعود إلينا بعد مدة ، فصارت هذه الجهالة ، مقالا لطائفة منهم . PageV01P110 # """""" صفحة رقم 111 """""" # طرائف من مخاريق ms066 الحلاج # وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلاج ، هذا ، التي يظهرها كالمعجزات ~~، ويستغوي بها جهلة الناس ، إظهار المآكل في غير أوانها ، بحيل بقيمها ، ~~فمن لا تنكشف له ، يتهوس بها ، ومن كان فطنا ، لم تخف عليه . فمن طريف ذلك ~~، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازي ، قال : ~~أخبرني فلان المنجم ، وأسماه ، ووصفه بالحذق والفراهة ، قال : بلغني خبر ~~الحلاج ، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب والمخرقات التي يدعي أنها ~~معجزات ، فقلت أمضي وانظر من أي جنس هي من المخاريق . فجئته ، كأني مسترشد ~~في الدين ، فخاطبني وخاطبته ، ثم قال : تشه الساعة ما شئت ، حتى أجيئك به . ~~وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار ، فقلت له : أريد سمكا ~~طريا في الحياة الساعة . فقال : أفعل ، اجلس مكانك . فجلست ، وقام ، وقال : ~~أدخل البيت ، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك به . قال : فدخل بيتا حيالي ~~وأغلق بابه ، وأبطأ ساعة طويلة ، ثمجاءني وقد خاض وحلا إلى ركبته ، وماء ، ~~ومعه سمكة تضطرب كبيرة . فقلت له : ما هذا ؟ فقال : دعوت الله تعالى ، ~~فأمرني أن أقصد البطائح فأجيئك بهذه ، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار ، ~~وهذا الطين منها ، حتى أخذت هذه . فعلمت أن هذه حيلة ، فقلت له : تدعني ~~أدخل البيت ، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك . فقال : شأنك . ودخلت ~~البيت ، وأغلقته على نفسي ، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة . فندمت ، وقلت : ~~إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له ، لم آمن أن يقتلني في الدار ، وإن لم أجد ~~، طالبني بتصديقه ، فكيف أعمل ؟ قال : وفكرت في البيت ، فدققت تأزيره ، ~~وكان مؤزرا بإزار ساج ، فإذا بعض التأزير فارغ ، فحركت منه جسرية PageV01P111 ~~"""""" صفحة رقم 112 """""" # خمنت عليها ، فإذا هي قد انقلعت ، فدخلت فيها ، فإذا ثم باب مسمر ، فولجت ~~منه إلى دار كبيرة ، فيها بستان عظيم ، فيه صنوف الأشجار ، والثمار ، ~~والنوار ، والريحان ، التي هي في وقتها ، وما ليس هو في وقته ، مما قد عتق ~~، وغطي ، واحتيل في بقائه ، وإذا بخزائن مليحة ، فيها أنواع الأطعمة ~~المفروغ منها ms067 ، والحوائج لما يعمل في الحال ، إذ طلب ، وإذا بركة كبيرة في ~~الدار ، فخضتها ، فإذا هي مملوءة سمكا ، كبارا وصغارا ، فاصطدمت واحدة ~~كبيرة ، وخرجت ، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حد ما رأيت رجله . ~~فقلت : الآن إن خرجت ، ورأى هذا معي ، فقتلني ، فقلت : أحيال عليه في ~~الخروج . فلما رجعت إلى البيت ، أقبلت أقول : آمنت ، وصدقت . فقال لي : ما ~~لك ؟ قلت : ما هاهنا حيلة ، وليس إلا التصديق بك . قال : فاخرج . فخرجت ، ~~وقد بعد عن الباب ، وتموه عليه قولي ، فحين خرجت ، أقبلت أعدو إلى باب ~~الدار ، ورأى السمكة معي ، فقصدني ، وعلم أني قد عرفت حيلته ، فأقبل يعدو ~~خلفي ، فلحقني ، فضربت بالسمكة صدره ووجهه ، وقلت له : أتعبتني ، حتى مضيت ~~إلى اليم ، فاستخرجت لك هذه منه . قال : فاشتغل عني بصدره وبعينيه ، وما ~~أصابه من السمكة ، وخرجت . فلما صرت خارج الدار ، طرحت نفسي مستلقيا ، لما ~~لحقني من الجزع والفزع . فخرج إلي ، وصاح بي ، وقال : ادخل . فقلت : هيهات ~~، والله لئن دخلت ، لا تركتني أخرج أبدا . فقال : اسمع ، والله لئن شئت ~~قتلك على فراشك ، لأفعلن ، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك ، ولو كنت في ~~تخوم الأرض ، وما دام خبرها مستورا ، فأنت آمن على نفسك ، امض الآن حيث شئت ~~، وتركني ، ودخل . فعلمت أنه يقدر على ذلك ، بأن يدس أحد من يطيعه ويعتقد ~~فيه ما يعتقد ، فيقتلني . فما حكيت الحكاية ، إلى أن قتل . ؟ PageV01P112 # """""" صفحة رقم 113 """""" # من أقوال الحلاج وتواقيعه # وكان الحلاج ، له الكتب المصنفة في مذاهبه ، يسلك في كلامه فيها ، مذاهب ~~الصوفية ، في الهوس ، ويكثر من ذكر النور الشعشعاني ، وإذا أفصح بكلام ~~مفهوم ، كان ترسله حسنا ، وتلفظه به مليحا . أخبرني بعض أصحابه من الكتاب ، ~~قال : خرج له توقيع إلى بعض دعاته ، تلاه علي ، فحفظت منه قوله فيه : وقد ~~الآن أوانك ، للدولة الغراء ، الفاطمية الزهراء ، المحفوفة بأهل الأرض ~~والسماء ، وأذن للفئة الظاهرة ، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان ، ليكشف ~~الحق قناعه ، ويبسط العدل باعه . وأخبرني هذا الرجل ، عمن حدثه من أصحابه ، ~~قال : كنا معه في بعض طرقات بغداد ، فسمعنا ms068 زمرا طيبا شجيا . فقال بعضنا : ~~ما هذا ؟ فقال لنا هو : هذا نوح إبليس على الدنيا . PageV01P113 # """""" صفحة رقم 114 """""" # ضرب العود يماثل صوت الهيب في أصول النخل # : حدثني أبو محمد بن محمد اليومني البصري ، وكان علامة لهم حسن النشوار ، ~~رواية للأخبار ، ثقة ، قال : اجتاز بعض البصريين ، ومعه ابن له حدث ، في ~~طريق ، فسمعا صوت ضرب عود ، فاستطابه الفتى . فقال لأبيه : يا أبت ما هذا ؟ ~~قال : يا بني ، هذا صوت الهيب في أصول النخل . والهيب : حديدة عظيمة ~~كالبيرم يقلع بها أصول النخل ، لا تنقلع إلا بها وهي تسمى ببغداد العتلة ~~فمنها منبسط كالأسطام محدد ، وتكون ثقيلة ، لعل فيها نحو العشرة أمناء . PageV01P114 # """""" صفحة رقم 115 """""" # أبو جعفر الصيمري وزيره معز الدولة يسخف في مجلس العمل # : وكان هذا البومني حسن البلاغة ، طويل اللسان ، يتكلم في أمور الكافة ~~بالبصرة ، إذا عرضت المهمات العظام ، ويناظر السلطان . فلما جاء أبو جعفر ~~الصيمري إلى هناك ، وطالب الناس بالمعطل - ولهذه المطالبة شرح طويل - ناظره ~~البومني في أنها غير واجبة ، فلم ينزل تحت الحجة ، وأخلد إلى القدرة . ~~فوعظه البومني ، وقال : أيها الإستاذ ، إن بلدنا ، بلد كثير الصالحين ، ~~ضعيف الأهل ، ما خير قط لمن ظلمهم ، وإن أهله يكلونك إلى الله تعالى ، ~~ويومونك بسهام الأسحار ، يعني الدعاء . فقلب الصيمري الكلام إلى السخف ، ~~وكان شديد الإستعمال له ظاهرا في مجلس الحفل والعمل ، فقال : يا شيخ ، سهام ~~الأسحار لحيتك ، يعني الضراط . PageV01P115 # """""" صفحة رقم 116 """""" # أبو علي الجبائي والحلاج # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي ، قال : أخبرني جماعة من أصحابنا : ~~إنه لما افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلاج ، وما يخرجه لهم من الأطعمة ~~والأشربة ، في غير حينه ، والدراهم التي سماها دراهم القدرة ، حدث أبو علي ~~الجبائي بذلك ، فقال : إن هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها ، ~~ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم ، لا منزله هو ، وكلفوه أن يخرج منه خرزتين ~~سوداء وحمراء ، فإن فعل فصدقوه . فبلغ الحلاج قوله ، وإن قوما قد عملوا على ~~ذلك ، فخرج عن الأهواز . # بعض اعتقادات أصحاب الحلاج # وأهل مقالته الآن ، يعتقدون ms069 أن اللاهوت الذي كان حالا فيه ، حل في ابن له ~~بتستر : وأن رجلا بها هاشميا ربعيا ، يقال له : محمد بن عبد الله ، ويكنى ~~بأبي عمارة ، قد حلت فيه روح محمد بن عبد الله النبي صلوات الله عليه ، وهو ~~يخاطب فيهم بسيدنا ، وهي من أعلى المنازل عندهم . وأخبرني ، من استدعاه بعض ~~الحلاجية ، إلى أبي عمارة هذا ، بالبصرة ، وله مجلس يتكلم فيه على مذاهب ~~الحلاج ، ويدعو إليه . قال : فدخلته ، وظنوا أني مسترشد ، فتكلم بحضرتي ، ~~والرجل أحول ، فكان يقلب عينيه في سقف البيت ، فيجيش خاطره بذلك الهوس . ~~فلما خرجنا ، قال لي الرجل : آمنت ؟ فقلت : أشد ما كنت تكذيبا بقولكم الآن ~~، هذا عندكم الآن بمنزلة النبي ، لم لا يجعل نفسه غير أحول ؟ فقال : يا ~~أبله ، كأنه أحول ؟ إنما هو يقلب عينيه في الملكوت . PageV01P116 # """""" صفحة رقم 117 """""" # خال المؤمنين عند الحلاجية # وأبو عمارة هذا ، متزوج بامرأة من الأهوازيين ، يقال لها بنت ابن جان بخش ~~، ولها أخ فاجر يغني بالطنبور ، وكان أبوه شاهدا جليلا تانئا موسرا ، ~~والحلاجية تعتقد أنه بمنزلة محمد بن أبي بكر ، خال المؤمنين . فحدثني عبيد ~~الله بن محمد ، قال : كنا نسير بالأهواز يوما ، ومعنا كاتب ظريف من أهل ~~سيراف يقال له المبارك بن أحمد ، فاجتزنا بالرجل ، فقام ، وسلم علينا . ~~فقال لي الكاتب : من هذا ؟ فقصصت عليه قصته بأشرح من هذا ، فقلب رأس بغله ~~ورجع . فقلت له : إلى أين يا أبا سعيد ؟ قال : ألحقه ، فأسأله عما سارته به ~~أخته عائشة أم المؤمنين ، يوم الجمل ، لما أفضى إليها بيده ليخرجها من ~~الهودج . فضحكت من ذلك ، ورددته . خال المؤمنين عند الحلاجية - 2 وكان هذا ~~الفتي ، ابن جان بخش ، قد ورث مالا جليلا ، ودخل الديلم الأهواز عقيب ذلك ، ~~فتقاين بالمال ، وعاشر الديلم ، فأنفق أكثره عليهم ، فتعلم الكلام ~~بالديلمية ، حتى صار إذا تكلم بها ، كأنه من بلد الديلم ، وهو أسماء قراهم ~~، وعلامات بلدانهم . فلما خف ماله ، اشترى بغلين ، ودابتين ، وزوبينات ، ~~وسلاحا وآلة الجند ، وجعل لرأسه شعرا مثل شعور الجيل والديلم ، وسمى نفسه ~~حلوز بن يا علي ، وكان أبوه ms070 في الأصل يكنى بأبي علي ، وهذا الاسم من أسماء ~~الجيل . وجاء إلى أبي القاسم البريدي ، وهو بالبصرة يحارب الأمير أحمد ابن ~~بويه ، فاستأمن إليه ومن الديلم والجيل خمسمائة ، وقصته مشهورة . قال : ~~فأخبرني هو ، قال : كنت ، أداخل وأدعوهم ، ولا يشكون أني ديليمي ، وأعطيهم ~~علامات بلدانهم ، فإذا وقع من يفطن بي ، أعطيته شطر الرزق . PageV01P117 # """""" صفحة رقم 118 """""" # قال : وكنت آكل الثوم ، ولا أتعالج للصنان ، وأصبر جيفة على مذاهب الديلم ~~، وأجيء ، فأرتفع في القيام ، حتى ألزق بأبي القاسم ، مما يلي رأسه ، فيموت ~~من بغض رائحتي . قال : وعلت حالي عنده ، فكان يطرح لي كرسيا برسم الخاصة ، ~~فإذا جلست ، اصطدمت الذباب ، وقتلته بحضرته ، كأني ديلمي فج ، فكان يضج مني ~~، ويقول : يا قوم ، أعفوني من هذا الديلمي الفج ، البغيض ، المتن ، وخذوا ~~مني أضعاف رزقه . فأقمت عنده سنين ، إلى أن انكشف خبري ، فهربت من يده . ~~وهذا من طيب أخبار المورثين المتخلفين ، فأفردته . PageV01P118 # """""" صفحة رقم 119 """""" # من أخبار متخلفي المورثين # ومن طيب أخبار متخلفي المورثين ، ما أخبرت به : من أن أحدهم ورث مالا ~~جليلا جسيما ، فتقاين ، وعمل كل ما اشتهى ، فبلغني إنه قال : أريد أن ~~تفتحوا لي صناعة لا تعود علي بشيء ، أتلف بها هذا المال . فقال له أحد ~~جلسائه : اشتر التمر من الموصل واحمله إلى البصرة ، فإنك تهلك المال . فقال ~~: هذا إذا فعل ، عاد منه ، ولو اثنان في العشرة ، تبقى من أصل المال . فقال ~~له آخر : اشتر هذه الإبر الخياطية ، التي تكون ثلاثا بدرهم ، وأربعا ، ~~وتتبعها ، فإذا اجتمع لك عشرة آلاف إبرة بجملة الدراهم ، فاسبكها نقرة ، ~~وبعها بدرهمين . فقال : أليس يرجع من ثمنها درهمان ؟ فقال له أحدهم : كأنك ~~تريد ما لا يرجع شيء منه البتة ؟ فقال : نعم . فقال : تشتري ما شئت من ~~الأمتعة ، وتخرج به إلى الأعراب ، فتبيعه عليهم ، وتأخذ سفاتجهم إلى ~~الأكراد ، وتأخذ سفاتجهم إلى الأعراب . قال : وكان يعمل هذا ، حتى فني ماله . PageV01P119 # """""" صفحة رقم 120 """""" # من أخبار متخلفي المورثين # وبلغني أن آخر ، أسرع في ماله ، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار ، فقال : ~~أريد أن تفنى ms071 بسرعة ، حتى انظر أي شيء أعمل بعدها . فعرضت عليه أشياء من ~~هذا الجنس ، فلم يردها . فقال له بعض أصحابه : تبتاع زجاجا مخروطا بالمال ~~كله ، إلا خمسمائة دينار ، وتعبيه ، ويكون في نهاية الحسن ، وتنفق ~~الخمسمائة دينار في يوم واحد ، في جذور المغنيات ، والفاكهة ، والطيب ، ~~والشراب ، والثلج ، والطعام ، فإذا قارب الشراب أن يفنى ، أطلقت فارتين في ~~الزجاج ، وأطلقت خلفهما سنورا ، فيتعادى الفار والسنور في الزجاج ، فيتكسر ~~جميعه ، وتنهب الباقي . فقال : هذا طيب . فعمل ذلك ، وجلس يشرب ، فحين سكر ~~، قال : هي ، وأطلق الرجل الفارتين والسنور ، وتكسر الزجاج ، وهو يضحك ، ~~ونام . وقام الرجل ورفقاؤه ، فجمعوا ذلك الزجاج ، وعملوا من قنينة قد تشعثت ~~قدحا ، ومن قدح قد تكسر برنية غالية ، ولزقوا ما تصدع ، وباعوه بينهم ، ~~فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها ، وانصرفوا عن الرجل ، فلم يعرفوا ~~خبره . فلما كان بعد سنة ، قال صاحب المشورة ، بالزجاج والفار والسنور ، لو ~~مضيت إلى ذلك المدبر ، فعرفت خبره . فجاء ، فإذا هو قد باع قماش بيته ، ~~وأنفقه ، ونقص داره ، وباعها ، وسقوفها ، حتى لم يبق إلا الدهليز ، وهو ~~نائم فيه ، على قطن ، متغط بقطن قد فتق من لحف وفرش ، بيعت وبقي القطن ، ~~فهو يتوطاه ، ويتغطى به من البرد . قال : فرأيته ، وكأنه سفرجل بين القطنين ~~. فقلت : يا ميشوم ، ما هذا ؟ قال : ما تراه . فقلت : في نفسك حسرة ؟ قال : ~~نعم . قلت : ما هي ؟ قال : أشتهي أن أرى فلانة ، مغنية كان يعشقها ، واتلف ~~أكثر المال عليها . PageV01P120 # """""" صفحة رقم 121 """""" # قال : وبكى ، فرققت له ، وأعطيته من منزلي ثيابا ، فلبسها ، وجئنا إلى ~~بيت المغنية ، فقدرت أن حاله قد ثابت ، فدخلنا إليها ، فحين رأته ، أكرمته ~~، وبشت به ، وسألته عن خبره ، فصدقها عن الصورة . فقالت له في الحال : قم ، ~~قم . قال : لم ؟ قالت : لئلا تجيء ستي وتراك وليس معك شيء فحرد علي لم ~~أدخلتك ، فاخرج إلى برا حتى أصعد أكلمك من فوق . فخرج ، وجلس ينتظر أن ~~تخاطبه من روزنة في الدار إلى الشارع ، وهو جالس . فقلبت عليه مرقة من قدر ~~سكباج ، وصيرته آية ونكالا ، وضحكت . فبكى ، وقال : يا ms072 أبا فلان ، بلغ أمري ~~إلى هذا ؟ أشهد الله ، وأشهدك أني تائب . قال : فأخذت أطنز به ، وقلت : أيش ~~تنفعك التوبة الآن ؟ قال : ورددته إلى بيته ، ونزعت ثيابي عنه ، وتركته بين ~~القطن ، كما كان أولا ، وحملت ثيابي ، فغسلتها ، وأيست منه ، فما عرفت له ~~خبرا ، نحو ثلاث سنين . فأنا ذات يوم ، في باب الطاق فإذا بغلام يطرق لرجل ~~راكب ، فرفعت رأسي إليه ، فإذا به على برذون فاره ، بمركب خفيف مليح فضة ، ~~وثياب حسنة ، ودراريع فاخرة ، وطيب طيب ، وكان من أولاد الكتاب ، وكان ~~قديما أيام يساره يركب الدواب من الدواب أفرهها ، ومن المراكب أفخرها ، ~~وآلته وثيابه ، وقماشه أفخر شيء مما كان يقدر عليه ، أو ورثه عن والديه . ~~فحين رآني ، قال : فلان ، فعلمت أن حاله قد صلحت ، فقبلت فخذه ، وقلت : يا ~~سيدي أبو فلان . فقال : نعم . قلت : إيش هذا ؟ قال : صنع الله ، والحمد له ~~، البيت ، البيت ، فتبعته ، حتى انتهى إلى بابه ، فإذا بالدار الأولة ، قد ~~رمها ، وجعلها صحنا واحدا ، فيه بستان ، وجصصها من غير بياض وطبقها ، وترك ~~فيها مجلسا واحدا ، حسنا ، عامرا ، وجعل باقي المجالس صحنا ، وقد صارت طيبة ~~، إلا أنها ليست بذلك السرو الأول . PageV01P121 # """""" صفحة رقم 122 """""" # وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما ، يخلو فيها ، وقد أعادها إلى أحسن ما ~~كانت عليه ، وفيها فرش حسن ليس من ذلك الجنس ، وفي داره أربعة غلمان ، قد ~~جعل كل خدمتين إلى واحد منهم ، وخادم شيخ ، كنت أعرفه له ، قد رده ، وجعله ~~بوابا ، وشاكري ، وهو سائسه . وجلس ، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة ، فخدم بها ~~، وبفاكهة مختصرة متوسطة ، وطعام نظيف كاف ، إلا أنه قليل ، فأكلنا ، ~~وبنبيذ تمر جيد ، فجعلوه بين يدي ، وبمطبوخ جيد بين يديه . ومدت ستارة ، ~~فإذا بغناء طيب ، وبخر بعود طري وند جميعا ، وأنا متشوف إلى علم السبب . ~~فلما طابت نفسه ، قال : يا فلان ، تذكر أيامنا الأولة ؟ قلت : نعم . قال : ~~أنا الآن في نعمة متوسطة ، وما قد أفدته من العقل ، والعلم بالزمان ، أحب ~~إلي من تلك النعمة ، هو ذا ترى فرشي ؟ قلت : نعم . قال : إن لم تكن بذلك ms073 ~~العظم ، فهو مما يحتمل به أوساط الناس . قلت : نعم . قال : وكذلك آلتي ، ~~وثيابي ، ومركوبي ، وطعامي ، وفاكهتي ، وشرابي ، فأخذ يعدد ويقول في كل فصل ~~: إن لم يكن ذلك المفرط ، ففيه جمال ، وبلاغ ، وكفاية . إلى أن ذكر كل ما ~~عنده ، ويضيف ذلك أمره الأول ، ويقول : هذا يغني عن ذلك ، قد تخلصت من تلك ~~الشدة الشديدة ، تذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني به ؟ وما ~~عاملتني به أنت ذلك اليوم ، وقلته في كل يوم ، وفي يوم الزجاج ؟ فقلت : هذا ~~قد مضى ، والحمد لله الذي أخلف عليك ، وخلصك مما كنت فيه ، فمن أين لك هذه ~~النعمة ، والجارية التي نغنينا الآن ؟ فقال : اشتريها بألف دينار ، وربحت ~~جذور القيان ، وآمري الآن على غاية الإنتظام والإستقامة . فقلت : من أين ~~هذا ؟ قال : مات خادم لأبي ، وابن عم لنا بمصر ، في يوم واحد ، فخلفا ~~ثلاثين ألف دينار ، فحملت إلي بأسرها ، فوصلت في وقت واحد ، وأنا بين القطن ~~، كما رأيت ، فحمدت الله ، وأعتقدت أن لا أبذر ، وأن أدبر ، وأعيش بها إلى ~~أن أموت ، وأنفقها على اقتصاد . فعمرت هذا الدار ، واشتريت جميع ما فيها من ~~فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان ، بخمسة آلاف دينار ، وجعلت تحت الأرض خمسة PageV01P122 ~~"""""" صفحة رقم 123 """""" # آلاف دينار ، عدة للحوادث ، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار ، ~~تغل لي في كل سنة ، مقدار نفقي ، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة ، ~~ويفضل لي في كل سنة إلى وقت ورود الغلات ، شيء آخر ، حتى لا أحتاج أن أقترض ~~ولا أن أستدين ، وأمري يمشي على هذا . وأنا في طلبك منذ سنة ، ما عرفت لك ~~خبرا ، فإني أحببت أن ترى رجوع حالي ، ومن دوام صلاحها ، واستقامها ، أن لا ~~أعاشرك ، يا عاض بظر أمه ، أبدا ، خذوا يا غلمان برجله . فجروا والله برجلي ~~، وأخرجوني ، ولم يدعوني أتمم شربي عنده ذلك اليوم . وكنت ألقاه بعد ذلك ~~على الطريق راكبا . فيضحك إذا رآني ، ولا يعاشرني ، ولا أحدا من تلك الطبقة ~~. ويبعد في نفسي ، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد ، والزجاج ، فإن ~~هذا ms074 عندي ، لا تسمح به نفس مجنون . PageV01P123 # """""" صفحة رقم 124 """""" # ابن الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار # : ولكن قد حكي : أن رجلا من أولاد التجار ببغداد ، يقال له : ابن الدكيني ~~، وخبره مشهور ببغداد ، مات أبوه ، فخلف عليه خمسمائة ألف دينار ، فلعب بها ~~لعبا لم يسمع قط بأعظم منه . وكان يضاهي المقتدر ، وإذا بلغه أنه عمل شيئا ~~من ألوان اللذة والطيب واللعب ، عمل ما يقاربه من جنسه . وإنه كان يجذر ~~دائما بمائتي دينار في يوم ، وينثر على المغنيات خمسة آلاف درهم ، وعشرة ~~آلاف درهم ، غير دفعة ، ويهب لهم الخلع ، كل خلعة بثلاثة آلاف درهم ، وألفي ~~درهم ، ومائة دينار . ويهب منها في مجلس ، عشر خلع ، وخمس عشرة خلعة ، ~~يخرجها من دكان أبيه من التخوت ، فيهبها . وأنه كان إذا أصبح مخمورا ، أحضر ~~الثياب الدبيقي ، فتخرق بحضرته باليد ، عصائب للفصد ، ويقول : لا يزيل ~~خماري غير سماع أصواتها . وإنه أنفق في فصاد فصدته عشيقته ، ثلاث آلاف ~~دينار . وأشياء من هذا السرف . وإنه لما لم يبق إلا نحو خمسين ألف دينار من ~~ماله ، تاب من هذا كله ، ولزم يده ، وتجهز للحج . فأنفق فيه ، وفي أبواب ~~الثواب عشرة آلاف دينار . فلما قضى حجه ، وعاد يريد بغداد ، مات في طريقه ~~وهو شاب ، فورث ورثته باقي ذلك المال . PageV01P124 # """""" صفحة رقم 125 """""" # وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار # : وسمعت بعض الطياب ، يقول ، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة ، ورث مقدار ~~مائة ألف دينا ، فتقاين بها في سنين قريبة ، وعاد فقيرا . فقال له ذلك ~~الرجل : يا أخي فرسخ قراصنة في هذا العمل بضاعة . # تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال # : حدثني أبو الحسن ، أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : كان بالعسكر رجل تاجر ، ~~موسر من التجار ، يقال له أحمد بن عمر بن حفص ، فخرج إلى أصفهان ، فأنفق ~~ابن له من ماله في القيان ، ثلاثة آلاف دينار ، وكوتب بذلك ، فعاد . فلما ~~اجتمعا ، طالبه بالحساب ، فدافع . فقال له أبوه يوما : إلى كم تدافع ~~بالحساب ، وقد بلغني خبر ما أتلفت ms075 فيه المال ؟ فإن كنت استفدت بذلك عقلا ، ~~وعلما بالزمان ، وحنكتك الشدائد والأمور ، وأدبتك ، فليس هذا بغال ، بهذا ~~القدر من مالي ، فإنه مالك ، وإن لم تكن أفدت ذلك ، فإن المصيبة فيك عندي ، ~~أعظم من المصيبة بذهاب المال . PageV01P125 # """""" صفحة رقم 126 """""" # أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت # وحدثني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : كان أحمد بن محمد الخراساني ، الذي ~~صار بعد ذلك ، صاحبا لابن ياقوت ، جاءني وقد ورث خمسين ألف درهم ، في أول ~~عمره ، فدخل دار الزكروية المغنية ، وتعشق جارية لها ، كانت مشهورة ببغداد ~~، بالحسن والظرف ، وطيب الغناء ، يقال لها زهرة ، كان الأحداث ببغداد قد ~~استهتروا بها . فقالت الزكروية : أراك قد عشقت جاريتي هذه ، فكم هذه ؟ قال ~~: خمسين ألف درهم . قالت : هذه دور بلا نحبة . فما مضت إلا أيام ، حتى ~~أتلفها ، فرأيته بجبة لا قميص تحتها ولا فوقها ، يمشي حافيا ، ثم صنع الله ~~له بعد ذلك ، وخدم ابن ياقوت ، فأثرى وعقل . # أبو وسنا الخزاعي والكلام الذي يطر الآجر # : وحدثني قال : كان رجل من الرجالة ، يقال له ابن وسنا الخزاعي ، يتعشق ~~حدثا ببغداد ، يقال له الحسين بن غريب البقال ، حسن الوجه ، رائعا ، خفيف ~~الروح حسن الالتقاء ، فأنفق عليه مالا ، وباع عقارا كان له ، ثم خف ماله ، ~~فأمسك يده عنه ، وقطعه . فقيل له بعد ذلك : لم تركت ابن غريب ، وحلفت أن لا ~~تكلمه ؟ فقال : كلا حسين بن غريب يطير الآجر . PageV01P126 # """""" صفحة رقم 127 """""" # درة الرقاص الصوفي وأبو غالب بن الآجري # سمعت درة ، الرقاص الصوفي ، يقول : استترت مع أبي غالب بن الآجري ، كاتب ~~صافي ، أحد الساجية ، شهرا ، فضاف صدري ، فتركته وهربت منه ، وغبت أياما ~~عند أخواتي ، ثم جئته ، فعاقبني . فقلت : يا هذا ضاق صدري . فقال لي : استر ~~معي أيام استتاري ، فإذا خلصني الله ، دوعتك أياما متتابعة ، بعدد أيام ~~استتارك عندي ، أجذر لك في كل يوم غناء بمائة دينار . فاستترت معه بعد هذا ~~نحو شهر ، ثم فرج الله عنه ، وظهر ، وعادت حاله . فلما التقينا ، قلت : ~~النذر . قال : نعم ، إجلس ، لنجعل اليوم أوله ، فجذر ذلك اليوم ، وتلك ~~الليلة ms076 ، قيانا بمائة دينار ، وأنفق قريبا منها ، ثم لم يدع القيان يخرجن ، ~~إلا أن يملهن ، فيحضر بدلهن . وجلسنا على تلك الحال ، يجذر في كل يوم وليلة ~~بمائة دينار قيانا ، وينفق في طعام وشراب وفاكهة وطيب ، مثلها . وكان ربما ~~احتاج إلى لقاء صاحبه ، والتصرف في شغله ، فيخرج ، ويركب ، ويتصرف ، ويعود ~~ليلا ، أو عشيا ، وكما يستوي له ، والغناء جالس ، والمطبخ قائم ، ونحن نأكل ~~ونسمع ، وهو غائب عن داره ، حتى وفى لي أياما بعدد أيام استتاري معه ، ~~وكانت أكثر من ثلاثين يوما . PageV01P127 # """""" صفحة رقم 128 """""" # آخر أبي غالب بن الآجري # ولقد رأينا أنا ، أبا غالب الآجري هذا ، وقد ورد البصرة في أيام أبي ~~القاسم البريدي ، فاستشفع على أبي بغلامه مبشر ، لأنه كان قد ملكه في أيام ~~نعمته . وكنت أرى مبشرا غلامنا ، يبره في الأوقات ، من ماله ، بعشرين درهما ~~، وثلاثين درهما ، ويأخذ له من أبي سبعين درهما ، ومائة درهم ، في أوقات ، ~~وهو يجيء إلى مبشر ، فيواكله ، ويشاربه ، ويعاشره ، وكأنه نديم له ، بدالة ~~ملكه إياه ، ورأى عليه قميصا مخرقا ، ودراعة مرقوعة ، ونعلين كنباتي في ~~رجله يمشي بهما في الطرق ، وغلامه خلفه ، ومعه خف منعل ، فإذا حصل في ~~دهليزنا لبسه ، ودخل إلى أبي . ولزمنا مدة ، إلى أن خاطب أبيبعض العمال في ~~تصريفه بعشرة دنانير في الشهر ، فصرف فيما هذا مقداره . # درة الصوفي يتحدث عن المورثين # وقال لي درة الصوفي : كان المورث ، إذا اجتذبنا إلى اللعب معه ، ومعه ~~عشرة آلاف دينار ، أو مائتا ألف درهم ، سميناه : المعجل . فقلت له : ما ~~معنى هذا ؟ فقال : : النساء ، إذا مات لهن ابن له شهور دون السنة ، أو سنة ~~إلى حد الفطام ، سمينه المعجل . وكنا نحن نسمي هذا بالمعجل ، بمعنى أن ماله ~~، لا يبلغ به في هذا العمل ، إلا إلى حد الطفل الذي يموت في شهور ، أو سنة ~~وأشهر للنساء ، فيسمونه المعجل . ونعوذ بالله من الإدبار ، وتغير النعم ، ~~وإيحاشها بقلة الشكر . PageV01P128 # """""" صفحة رقم 129 """""" # فصل من كتاب كتبه القاضي التنوخي إلى رئيس # : ولقد كتبت ، في محنة لحقتني ، إلى رئيس ، كتابا فيه فصل يتعلق ms077 بما ~~ذكرته ، من منادمة أبي غالب الكاتب ، لمبشر مولانا ، بدالة ملكه له ، ~~وقبوله بره بتلك الحجة ، استحسنته ، فأوردته هاهنا وهو : لا أحوجك الله إلى ~~اقتضاء ثمن معروف أسديته ، ولا ألجأك إلى قبض عوض عن جميل أوليته ، ولا جعل ~~يدك السفلى لمن كانت عليه هي العليا ، وأعاذك من عز مفقود ، وعيش مجهود ، ~~وأحياك ما كانت الحياة أجمل بك ، وتوفاك إذا كانت الوفاة أصلح لك ، بعد عمر ~~مديد ، وسمو بعيد ، وختم بالحسنى عملك ، وبلغك في الأولى أملك ، وسدد فيها ~~مضطربك ، وأحسن في الأخرى منقلبك ، إنه سميع مجيب ، جواد قريب . # أبو الحسن الموصلي كاتب أبي تغلب والسيدة جميلة ابنة ناصر الدولة # : حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد ، قال : رأيت أبا الحسن علي بن ~~عمرو الموصلي يكتب إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة ، وكتب في موضع من الكتاب ~~أمور حميدة . فقلت له : هذا الموضع يصلح أن يكون فيه أمور جميلة فأما حميدة ~~، فهي لفظة مستكرهة . فقال : صدقت ، ولكني كتبت ، وأنا الموصل ، رقعة إلى ~~أبي تغلب ، فيها أمور جميلة فوصلت إليه ، وهو عند أخته جميلة ، وهي غالبة ~~عليه ، محتوية على أمره ، لا يقطع شيئا من دونها ، ولا يفصل رأيا إلا عن ~~مشورتها ، وكانت الرقعة مما احتاج إلى مطالعتها بما فيها فقرأها عليها ~~فأنكرت علي قولي جميلة ، لأنه اسمها ، إنكارا شديدا ، PageV01P129 ~~"""""" صفحة رقم 130 """""" # احتجت معه إلى الإعتذار مما كتبت ، فما كتبت بعدها الآن ، جميلة في شيء ~~من مكاتباتي إلى أحد ، وصار تركها لي طبعا . # علية بنت المهدي تتحامى اسم طل # ويشبه هذا ، قول علية بنت المهدي ، لما قرأت القرآن فبلغت إلى قوله عز ~~وجل : ' بسم الله الرحمن الرحيم ' فإن لم يصبها وابل فطل ' صدق الله العظيم ~~' ، فقالت : فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عن ذكره ، ولم تقل طل ~~، لأنه كان اسم خادم تعشقته ، فبلغ الرشيد أخاها خبرها معه ، فجرى عليها ~~منه مكروه غليظ ، وأحلفها على أشياء منها أنها لا تذكره . # امرأة بغدادية تتظرف فتحرف القرآن # وقد حكي : أن بعض النساء الظراف ms078 ، قرأت : تعلم ما في روحي ولا أعلم ما في ~~روحك ، ولم تقل نفسي لأن الظراف ، لا يقولون ذلك فقال لها بعض من سمعها : ~~ويحك ، فأنت أظرف من الله ؟ قولي كما قال . PageV01P130 # """""" صفحة رقم 131 """""" # بحكم أمير الأمراء وفتوة جارية الهاشمية # : أخبرني غير واحد : إن بحكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد ، عشق جارية ~~من القيان بها ، يقال لها فتوة جارية الهاشمية ، وكان يتكبر عن شرائها ، ~~ويرفع نفسه أن يبوح بمحبتها ، ويحضرها ، فيعطيها كل شيء . وكان قد استعمل ~~لها عودا ، من عود هندي ، قام عليه بمال ، وكانت تغني به . فسكر يوما ، ~~فخسف وجه العود ، وقلعه ، وملأه لها دراهم ، فوسع نيفا وعشرين ألف درهم . PageV01P131 # """""" صفحة رقم 132 """""" # أبو العباس البغدادي وإنفاقه ماله في الفساد # : وكان عندنا بالبصرة ، دلال من أهلها يعرف بأبي العباس البغدادي ورث في ~~حداثته مالا جليلا ، فتقاين بجميعه ، فلما افتقر ، صار دلالا ، فكسب أيضا ~~كسبا ثانيا كبيرا ، فما كان يبقى منه شيئا ، بل ينفقه كله في الفساد . ~~فأخبرني بعض الشيوخ البصرة ، قال : رأيته ، وهو حدث ، في ليلة شهر رمضان ، ~~مملوء الكم ، يريد دار بدعة الدرونية ، وكانت إذ ذاك مغنية البلد ، ~~المشهورة فيه ، بالنبل ، والحذاقة ، والطيب ، والحسن ، ولها أخبار كثيرة ~~طريفة . فقلت : إيش في كمك يا أبا العباس . فقال : مخلط خراسان أتصدق به ~~على بدعة ، صدقة شهر رمضان . فلم أشك في أنه كذلك . فقلت : فأطعمني منه ، ~~فطرح في كمي منه شيئا ثقل به كمي ، وافترقنا . فلما بلغت بيتي أردت أن أطعم ~~عيالي منه ، فنظرت فإذا هو لوز ذهب ، وسكر فضة ، وفستق وبندق عنبر ، وزبيب ~~ند ، فخبيته . فلما كان من غد ، نظرت فإذا قيمته مال ، فجئت إليه ، ورددته ~~عليه . فقال : يا بارد ، أيش هذا حتى ترده ؟ جميع ما كان في كمي البارحة ، ~~كذا ، فرقته على بدعة وجواريها . فقلت : لو عملت هذا ما طلبته منك . قال : ~~فظننت أني على الحقيقة أحمل لوزا وسكرا وزبيبا وفستقا ؟ . PageV01P132 # """""" صفحة رقم 133 """""" # كل نفس آتيناها هداها # حدثني أحمد بن عبد الله بن بكر البصري ، قال : حدثني عروة الزبيري ms079 : إنه ~~حج في سنة الهبير ، فاشترى من مكة قردا ، وكان مع عديله كلب ، فألف القرد ~~الكلب ، فكانا يأكلان في موضع واحد . قال : فقطع علينا القرمطي ، وأخذنا ~~السيف ، وتفرق الناس ، وحيل بينهم ، وبين أمتعتهم ورحالاتهم ، ومشيت أنا ، ~~فأفلت فيمن أفلت ، وجئت إلى الكوفة ، وما أملك درهما واحدا . فبينا أنا ~~جالس يوما أفكر ، لمن أسأل ، وكيف أعمل ، إذ سمعت جلبة وضوضاء . فخرجت أبصر ~~ما هي ؟ فإذا القرد قد ركب الكلب ، وجاءا كذلك ، فدخلا الكوفة ، والناس ~~يضحكون منهما . وإذا القرد كان يطعم الكلب ، ويريد منه الركوب ، واحتال ~~لنفسه بذلك ، طول الطريق . فلما رأيت القرد والكلب استدعيتهما فجاءا إلي . ~~فقال الناس : ما هذا ؟ فقلت : هما لي ، فأخذتهما . وبلغ أمير الكوفة الخبر ~~، فراسلني في بيعهما عليه . فبعتهما عليه بثلثمائة درهم ، فكانت سبب صلاح ~~حالي في الوقت ، وخرجت البلد . PageV01P133 # """""" صفحة رقم 134 """""" # ما للماء للماء وما للخمر للخمر # وروي عن وهب بن منبه : أنه كان في عهد بن بني إسرائيل ، خمار ، فسافر ~~بخمر له ومعه قرد ، وكان يمزح الخمر بالماء نصفين ، ويبيعه بسعر الخمر ، ~~والقرد يشير إليه أن لا تفعل ، فيضربه . فلما فرغ من بيع الخمر ، وأراد ~~الرجوع إلى بلده ، ركب البحر ، وقرده معه ، وخرج فيه ثيابه ، والكيس الذي ~~جمعه من ثمن الخمر . فلما سار في البحر ، استخرج القرد الكيس من موضعه ، ~~ورقى الدقل وهو معه ، حتى صار في أعلاه ، ورمى إلى المركب بدرهم ، وإلى ~~البحر بدرهم . فلم يزل ذلك دأبه ، حتى قسم الدراهم نصفين ، فما كان بحصة ~~الخمر ، رمى به إلى المركب ، فجمعه صاحبه ، وما كان بحصة الماء رمى به إلى ~~البحر فهلك ، ثم نزل عن الدقل حتى حصل في المركب . PageV01P134 # """""" صفحة رقم 135 """""" # قرود اليمن ترجم الزاني والزانية # حدثني أبو عمر أحمد بن عبد الله أحمد بن بكر البصري ، قال : حدثني ~~النعمان الواسطي المحدث إنه كان باليمن ، فحدثه بعض من يثق به من الرعاة ~~هناك ، قال : كنت أرعى غنما لي في بعض الأودية ، فرأيت قردين ، ذكرا وأنثى ~~، وهما نائمان في مكان من الجبل . فجاء ms080 قرد ذكر ، يخفي مشيه ، حتى حرك ~~الأنثى ، وهي إلى جنب الذكر ، فانتبهت ، ومضت معه ، وافترشها ، وأنا أراهما ~~. فانتبه ذكرها ، فرآها ، فزعق زعقة عظيمة ، فاجتمع إليه من القرود عدد ~~كثير ، هالني . فصاح بين أيديهم ، فأقبلوا يتشممون الأنثى ، حتى فرغوا كلهم ~~من تشممها . ثم نزلوا بها ، وبالذكر الذي وطئها ، تخفيا من ذكرها ، إلى ~~وهدة بعيدة ، فدحرجوها فيها قهرا ، ثم رجموهما بالحجارة ، حتى ماتا . PageV01P135 # """""" صفحة رقم 136 """""" # دب في شيراز ينفخ في زق حداد # قال : حدثني أبو الحسن الزجاج ، صديق - كان لي - ثقة : إنه شاهد بشيراز ، ~~دبا ، ينفخ في زق حداد ، كأنه أقامة مقام الأجير . # دب يضرب بمطرقة حداد # قال : شاهدت أيضا دبا يضرب بالمطرقة ، على حداد ، فغلط يوما ، فضرب دماغ ~~الحداد فقتله . # خاقان المفلحي يستطيب لحم الدب والضبع # حدثني أبو محمد الصلحي الكاتب ، قال : حدثني أبي ، وكان يكتب لخاقان ~~المفلحي ، قال : شربت معه يوما ، فنقلني بقديد ، فلم حصل في فمي ، لم ~~أستطبه . فقلت : أيها الأمير ، ما هذا ؟ فقال : هذا قديد الدب . فرميت به ، ~~وقذفت ، وثارت بي أخلاط ، وصارت علة ، فأقمت أربعة أشهر عليلا في بيتي . ~~قال : وكان خاقان ، يأكل لحم السباع ، والضباع ، ويستطيبها ، ولحم كل شيء ~~له لحم . PageV01P136 # """""" صفحة رقم 137 """""" # وصف له الطبيب فروجا ، فأكل مهرا # وأخبرني وهب بن يوسف ، اليهودي ، الطبيب ، عن داود اليهودي ، الشامي ، ~~قال : كنت أخدم خاقان ، فاعتل ، فحميته ، فاحتمى ، وصلح ، وأقبلت العافية . ~~فقال لي : لا أقدر أحتمي أكثر من هذا . فقلت له : كل فروجا . فلما كان من ~~غد ، جئته ، فوجدت الحمى ، قد عادت أعظم مما كانت ، وهي في طريق البرسام . ~~فقلت له : ما عمل الأمير أمس ؟ فقال : أكلت فروجا . فقلت : ليس هذا من فعل ~~الفروج ، أي فروج هذا ، حتى فعل هذا ؟ فقال لي بعض غلمانه : إنه ذبح مهرا ، ~~وأكل منه أطايبه . فقلت : أيها الأمير ، أصف لك فروجا ، فتأكل لحم دابة ؟ ~~فقال : بابا ، إنما أكلت فروج الدابة . فقلت في نفسي : خذ الآن فروج الموت ~~. ومازلت أعالجه شهورا كثيرة ، حتى برىء . PageV01P137 # """""" صفحة رقم 138 """""" # وظيفة خاقان المفلحي في كل ms081 يوم من اللحم ألف مائتا رطل # : قال أبو محمد الصلحي ، عن أبيه : كانت وظيفة خاقان المفلحي ، في كل يوم ~~، ألف رطل ومائتي رطل لحما ، له ، ولغلمانه ، وخدمه ، وكل ما يتخذ في داره ~~، إذا كان في أعماله . فإذا كان ببغداد ، اقتصر على النصف من ذلك ، وهو ~~ستمائة رطل لحما ، سوى الحيوان الذي يذبح في المطبخ . # وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس من اللحم في كل يوم # : وأخبرني بعض وكلائه وزراء هذا الزمان ، وهو أبي الفرج بن فسانجس : إن ~~وظيفة كانت ، في أيام وزارته ، في كل يوم ، نيف وستين رطلا لحما ، له ، ~~ولنسائه وغلمانه ، وجميع ما يتخذ في دوره ، وثلاثة جدي ، وعشر دجاجات ، ~~وأربعة أو خمسة أفرخ ، وثلاث جامات حلوى من السوق ، وليست من فاخره ، وإنما ~~هي زلابية دقيقة ، أو فالوذج ، أو ما يجري مجرى ذلك . PageV01P138 # """""" صفحة رقم 139 """""" # كفى بالأجل حارسا # سمعت قاضي القضاة ، أبا السائب ، يحكي : إن رجلا كان له على رجل دين ، ~~فهرب منه ، فلقيه صاحب الدين في صحراء فقبض عليه ، وأخرج قيدا كان معه ، ~~فقيده ونفسه به ، وجعل إحدى الحلقتين في رجل غريمه ، والأخرى في رجل نفسه ، ~~ومشيا إلى قرية تقرب من الموضع ، فجاءاها ، وقد أدركهما المساء ، وأغلق أهل ~~القرية باب سورها ، فاجتهدا في فتحها لهما ، فأبى أهل القرية ، فباتا في ~~مسجد خراب على باب القرية ، فجاء السبع وهما نائمان ، فقبض على صاحب الدين ~~فافترسه ، وجره ، فانجر الغريم معه ، فلم تزل تلك حاله إلى أن فرغ السبع من ~~أكل صاحب الدين ، وشبع ، وانصرف ، وترك المديون وقد تجرح من جره وسحبه عليه ~~، وبقيت ركبة الغريم في القيد ، فحملها الرجل مع قيده ، وجاء إلى القرية ، ~~فأخبرهم الخبر ، حتى حلوا قيده ، وسار لوجهه ذلك . PageV01P139 # """""" صفحة رقم 140 """""" # عريان أعزل يصيد الأسد # حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار : إن رجلا أجنة الليل في بعض أسفاره ، ~~فبات في خان خراب ، بقرب أجمة ، وماء مستنقع ، وكانت ليلة قمراء ، وكان ~~الموضع مسبعا ، والرجل عارف بذلك ، فرقي سطح الخان ، وطلب لبنا فشرجه على ~~باب الدرجة ms082 ، وجلس يترقب ، فإذا رجل عريان ، قد جاء حتى جلس على الماء . ~~قال : فقلت له : ما تصنع ؟ قال : جئت لأصطاد السباع . فقلت : يا هذا اتق ~~الله في نفسك . فقال : الساعة ترى . فلم يلبث هنيهة ، أن طلع سبع ، فتراءى ~~له الرجل ، فصاح به ، فقصده : فلما قرب منه ، طرح الرجل نفسه في الماء ، ~~فرمى السبع بنفسه خلفه في الماء ، فغاصا ، فإذا الرجل قد خرج من وراء السبع ~~، وعلق خصييه بيده ، ثم أخرج من منديل على رأسه ، قصبة مقدار ذراع ، مجوفة ~~، فارسية ، وثيقة ، نافذة ، فدسها في جاعرة السبع ، وأقبل يدخل فيها الماء ~~بإحدى يديه ، وكلما دخل جوف الأسد الماء ثقل ، وضعف بطشه ، وهو يمرس مع ذلك ~~خصاه ، إلى أن غرقه ، وقتله . ثم جره في الماء فأخرجه إلى الشط ، وسلخ جلده ~~، وأخذ جبهته ، وكفه ، وشحمه ، ومواضع يعرفها منه لها ثمن . ثم صاح بي : يا ~~شيخ ، كذا أصطاد السباع . وتركني ومضى . PageV01P140 # """""" صفحة رقم 141 """""" # لئيم يفخر بلؤمه # حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه ، بن أبي علان الأهوازي ~~الكاتب ، خال والدي ، قال : كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة ، عداوة ، ~~وكنت قد تبت من التصرف مع السلطان . فتقلد ضياع السيدة أم المقتدر ، وفيها ~~ما يجاوز ضيعتي ، فآذاني أذى شديدا ، في الشرب ، والأكرة ، وقصد إخراب ~~ضيعتي ، وإبطال جاهي فصبرت عليه . فقبض يوما على أكار لي ، فصفعه صفعا ~~عظيما ، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي على ضيعتي ، يعرف بأبي القاسم على ~~بن محمد بن خربان ، ليعاتبه ، ويستكفه ، ويأخذ الأكار ، فتلقى الرجل بكلام ~~غليظ . فعاد إلي ، فقال : إن هذا قد جدبك ، فخذ حذرك ، ودبر أمرك بغير ما ~~أنت فيه . فقلت : ما الخبر ؟ فعرفني ما جرى عليه . ففكرت ، فلم أر لحسم ~~مادته ، وأذيته في نفسه ، غير ضمان ضياع السيدة ، وتسلمه ، ومطالبته ~~بالحساب ، وإيقاعه في المكاره . فكتبت إلى كاتب السيدة ، وخطبت ضمان ~~النواحي ، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين ، عما رفعها ابن قديدة ، ~~على أن تسلم إلي ، لأحاسبه وأطالبه ، بما يخرجه الحساب عليه ، وأوفره ، ~~مضافا إلى هذه الزيادة ms083 . وأنفذت الكتاب مع فيج قاصد . فحين نفذ ، اغتممت ، ~~وقلت : ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة ، لم حملت نفسي على هذا ؟ وكان ~~احتمال عداوة الرجل ، أيسر من هذا . وطرحت نفسي مفكرا ، وأنا بين النائم ~~واليقظان ، حتى رأيت ، كأن رجلا شيخا ، أبيض الرأس واللحية ، بزي القضاة ، ~~قد دخل إلي وعليه طيلسان أزرق ، وقلنسوة ، وخف أحمر . فقال : ما الذي يغمك ~~من هذا الأمر ؟ ستربح في أول سنة من هذا الضمان ، على ما زدته ، عشرة آلاف ~~دينار ، وتخسر في الثانية ، عشرة ، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران ، ~~ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوك . PageV01P141 # """""" صفحة رقم 142 """""" # فانتبهت متعجبا ، وسألت : هل دخل إلي أحد ؟ فقالوا : لا ، فقويت نفسي ~~قليلا . فلما كان في اليوم الثاني والعشرين ، ورد رسول من بغداد ، بكتب إلي ~~قد أجبت فيها إلى ملتمسي ، وكوتب في طيها ، عامل كان لهم بالطيب مقيما ، ~~يشرف على جميع عمالهم بكور الأهواز يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إلي ، ~~وعقد الضمان علي . فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا ، وكتبت إليه ~~، وسألته الحضور ، وأنفذت إليه الكتب الواردة . فلما كان بعد أيام ، كنت ~~جالسا مع عامل الأهواز ، على داره بشاطىء دجيل فإذا عسكر عظيم قد طلع من ~~جانب المأمونية . فارتاع ، وظن أن صارفا قد ورد ، وأنفذ من سأل عن الخبر ، ~~فعاد ، وقال : فلان ، عامل السيدة ، فعبر في طياره ، وأنا معه ، لتلقيه . ~~فحين اجتمعا ، قال له : يا سيدي ، أريد ابن أبي علان . فقلت : أنا هو يا ~~سيدي . قال : ولم يكن يعرفني ، ولا أعرفه إلا بالوجوه فأقامني من موضعي ، ~~ورفعني فوق الجماعة ، وتحير العامل ، ومن حضر . وقال له : أريد ابن قديدة ، ~~فأنفذ إليه ، فاستدعاه . فحين حضر قيده ، وقال لي : يا أبا القاسم تسلمه . ~~فقال العامل : أيش هذا التعب ؟ وأقبلت الجماعة تمازحني . فقلت : هو أحوجني ~~إلى هذا . قال : فتسلمه ، وقمت إلى داري . وعبر عامل السيدة ، فحملت إليه ~~من الألطاف ، والأنزال ، والهدايا ، ما صلح ، وعقد علي الضمان من غد ، ~~وانصرف في اليوم الثالث . وحملت إليه ألف دينار أخرى مرفقا . وحصلت ابن ~~قديدة ms084 معي في المكاره مترددا ، ووفرت من جهته مالا على السيدة ، وكاتبها ، ~~وكذا العامل ، وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقة . وأطلقته بعد ~~شهور إلى داره ، وقد ركبه دين ثقيل ، وباع شيئا من ضيعته ، وانكسر جاهه ، ~~وانخزلت نفسه . PageV01P142 # """""" صفحة رقم 143 """""" # ونظرت في الضمان ، وتصرمت السنة ، فربحت عشرة آلاف دينار . فقلت : قد جاء ~~ما قال الشيخ في المنام ، فأثبتها عند الصارف ، ولم أدخلها في دخلي ، ولا ~~في خرجي . فلما كانت السنة الثانية ، قعدت بي الأسعار ، فخسرت ذلك القدر ، ~~فأديته بعينه في الخسران . فلما كانت السنة الثالثة ، خرجت رأسا برأس ، ما ~~خسرت ولا ربحت شيئا . فصححت مال الضمان ، وكتبت أستعفي ، وقد علمت أن ~~النكبة قد بلغت بابن قديدة إلى حد لا يجسر أن يتقلد معها ، ولا أن يقلد ~~أيضا . فلم يعفني كاتب السيدة ، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة ، وعمل ~~على التأول عليها من ابن قديدة . وأنفذ في إشخاصي ، خادما من كبار خدم ~~السيدة ، فجاء في طيار ، وأمر هائل ، فتخوفت من الشخوص معه ، فأحصل في ~~الحبس ، وتستمر علي المكارة ، وأنقطع عن الشروع في الخلاص . فأنزلت الخادم ~~، وهاديته ، ولاطفته ، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها ، وعبدني . ~~فقلت له : إن ذيلي طويل ، وأريد أن أصلح أمري ، ثم أخرج ، فتمهلني أسبوعا ، ~~وتدعني أخلو في منزلي ، وأصلح ما أحتاج إليه ، ثم أخرج معك ، فمكنني من ذلك ~~. فقلت لإخوتي ، وأصهاري ، وكتابي : ليدعه كل واحد منكم يوما ، له ، ~~ولغلمانه ، وأسبابه ، وامنعوهم من معرفة خبري ، وشاغلوهم بالنبيذ ، ~~والشطرنج ، والمغنيات ، ففعلوا ذلك . وخرجت أنا تحت الليل بمرقعة ، راكبا ~~حمارا ، ومعي غلامان من غلماني ، ودليل ، وليس معي شيء من الدنيا ، إلا ~~سفاتج بخمسة آلاف دينار . وسرت واشتغل الخادم بالدعوات ، فما عرف خبري إلا ~~وأنا بواسط ، فقامت قيامته ، وانحدر في طريق الماء ، فوصل إلى الأبلة ، وقد ~~قاربت أنا بغداد ، ثم دخلتها متخفيا ، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ~~ابن عبد الله ، وكانت لي به PageV01P143 ~~"""""" صفحة رقم 144 """""" # حرمة وصحبة ، أيام تقلده الأهواز ، وتصرفي معه ، فلقي بي أبا الحسن ، علي ~~بن عيسى ، وهو إذا ms085 ذاك الوزير ، وعرفه محلي . فقال لي : قد كنت أحب أن أراك ~~، لما يبلغني من حسن صناعتك ، وطرح إلي أعمالا ، فعملتها بحضرته ، وأعجبته ~~صناعتي ، وقرظني . ولزمته أياما ، وخبري منستر عن كاتب السيدة ، ثم خاطب ~~الوزير في أمري ، وخوطبت السيدة . فقالت : لا أقرر أمره ، أو يصير إلى ~~ديواني . فقال لي : امض وأنا من ورائك ، ولا تخف . فمضيت ، فاغتفلوني ، ~~فراسلتهم في أمري . وحضر أبو المنذر ، ديوان السيدة ، فتوسط ما بيني وبينهم ~~، وقرر الأمر على صلح ثلاثة آلاف دينار ، آو نحوها - الشك مني - وضمنها عني ~~، وأخذني إلى داره ، فأديتها إليه من جملة السفاتج . وطالبني علي بن عيسى ، ~~بالتصرف معه ، فعرفته توبتي منه ، وإني إنما ضمنت هذا الضمان ، لضرورة ، ~~وشرحت له الخبر ، فأعفاني . فرجعت إلى الأهواز ، وقد مضت السنون على ~~العداوة بيني وبين ابن قديدة ، إلا أنه منهزم . وكتب السلطان ببيع ضياعه ~~بالأهواز ، وكان الناس يشترون ما يغل في سنة وأكثر ، بنصف ثمنه ، فاشتريت ~~ما كان فيه غناي ، وخرقت فيه الحكم . واشترى أبو عبد الله البريدي لنفسه ، ~~بأسماء قوم ، أمرا عظيما ، برأيي واختياري له ، وكان سره عندي ، وكان في ~~ذلك الوقت لا يتقضى علي . واشترى ابن قديدة ، فيمن اشترى ، وتصرفنا في ~~الضياع . فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة ، أظنه قال : مائة ألف دينار . ~~فقال لي البريدي : كيف أعمل في الزيادة ؟ قلت : لا يلزمها الناس لك ، ~~وواضعت أهل البلد على الإمتناع ، فجمعهم ، وخاطبهم ، فامتنعوا ، واحتاج إلى ~~أن خبطهم . فخلا بي ، فقال : ما أعرف في هذا غيرك ، فدبره لي ، وألزمني ذلك ~~، فقلت : مكني من العمل بما أريد ، وعلي المال . فقال : أنت ممكن . PageV01P144 # """""" صفحة رقم 145 """""" # فجلست أنا وغلام جوذاب ، فقسطنا المال على أهل البلد ، وأخرجنا أنفسنا ، ~~فما ألزمناها شيئا ، ونقصنا من عنينا به ، وزدنا بإزاء ذلك على غيره . قال ~~: واعتمدت أن قسطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه ، وعملنا بذلك جرائد . ~~وناظرنا الناس على الإلتزام بما قسطناه ، فامتنعوا ، وقالوا : على أي حساب ~~هذا ؟ وحاسبونا ، وناظرونا . فقلت للجماعة : من صلح له أن يلتزم هذا ~~التقسيط ، وإلا فليحاسبنا على ما ms086 قبضه من غلات الضياع التي اشتراها ، وأنا ~~أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ذلك ، وآخذ ما اشتراه ، وألتزم هذه ~~الزيادة . وكان كل إنسان قد اشترى ما في شركته ، وما في جواره ، مما كان ~~يتأذى به هو وأسلافه ، منذ مائة سنة ، وما كان يتمناه ويشتهيه منذ ذلك ~~العهد ، وما قد ارتخصه ، واستصلحه . فقامت قيامة أهل البلد ، والتزموا عن ~~أخرهم التقسيط ، على ما فصلته عليهم ، من غير محاسبة . ووركت على ابن قديدة ~~مالا عظيما ، فلم يكن له فيه وجه . فأنا جالس في بيتي ليلة ، إذ جاءني فدخل ~~إلي . فقلت : ما هذا يا أبا جعفر ؟ وقمت إليه ، وسلمت عليه ، فعاتبني ، ~~وخضع لي . فقلت : ما تريد ؟ فقال : تخفف عني من التقسيط ، وتعاونني بمالك ، ~~فو الله ، ما معي ما أؤديه . فخففت عنه منه شيئا يسيرا ، وأقرضته ثلاثين ~~ألف درهم ، وكتبت بها عليه قبالة ، وأشهدت فيها حماعة عدول البلد ، وتركتها ~~في بيتي ، فلم أفكر في المال سنين . ورجعت أدس المكاره ، والمغارم ، والمحن ~~عليه ، وهو يذوب ، وينقص في كل يوم . فلما علمت أنه قد بلغ آخر أمره ، ~~طالبته بالدين ، فاستتر عني في منزله . فاستعديت عليه إلى القاضي أبي ~~القاسم علي بن محمد التنوخي ، فكتب لي عدوى إلى صاحب المعونة . فهرب من ~~داره ، فنادى القاضي على بابه بالحضور ، فلم ينجع ذلك . PageV01P145 # """""" صفحة رقم 146 """""" # فسألت البريدي إخراجه ، فكبس عليه وأخرجه ، وأحضره معي إلى القاضي ، ~~فقامت البينة عليه بالمال . فسألت القاضي حبسه . فقال لي القاضي علي بن ~~محمد : الحبس في الأصل غير واجب ، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر ~~الناسفي حبس واحد ، ولكن أمكنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك ، كيف شئت . ~~فلازمته في مسجد على باب القاضي بأصحابي ومضيت إلى البريدي ، فقلت : قد ~~لحقت خصمي عناية القاضي ، فالله الله في ، فإني لا آمن أن يدس ابن قديدة ~~إلى أكرته ، أو إلى قوم من الجيش ، فيؤخذ من يدي ، ويخرج إلى بغداد ، فيبطل ~~المال علي ، ويحصل هناك يسعى بي ، ويعرض نعمتي للزوال . قال : فخاطب ~~البريدي القاضي في ذلك ms087 ، فتقرر الأمر بينهما على أني اكتريت دارا قريبة من ~~حبس القاضي ، أؤدي أنا أجرتها ، وأجلس ابن قديدة فيها ، وألازمه بأصحابي ، ~~وأوكل بها رجالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه . فنقلته إليها ، فأقام ~~فيها سنة وكسرا ، وهو لا يؤدي المال ، ويكايدني عند نفسه ، وأنا قد رضيت ~~أنا يتأخر المال ، ويبقى هو محبوسا . واعتل علة صعبة ، فجاءتني أمه ، وكانت ~~بيني وبينها قرابة ، فسألتني إطلاقه ، وبكت ، فلم أفعل . إلى أن بلغني أنه ~~في النزع ، وجاءتني تبكي ، فرحمتها ، فأطلقته لها ، بعد أن كفلته منها . ~~فمات بعد ثلاثة أيام ، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه . PageV01P146 # """""" صفحة رقم 147 """""" # كيف تاب بن أبي علان من التصرف ؟ # قلت لأبي القاسم ابن أبي علان : كيف كانت توبتك من التصرف ؟ وما سببها ؟ ~~قال : كان سبب ذلك ، أن أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي رحمه الله ، ~~كان يجيء إلى الأهواز فينزل علي ، لأني كنت كاتب ديوان الأهواز ، وخليفة ~~أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة ، والأمر كله إلى أدبره . وكان أبو ~~علي يقدم الأهواز في كل سنة دفعة ، وقت افتتاح الخراج ، ويستضيف إلى خراج ~~ضيعته بجبي ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين . فإذا ~~قدم البلد ، أعظمه الناس وأكرموه ، ولا ينزل إلا علي في أكثر الأوقات ، ~~فأقرر أمره مع العامل . وربما كان العامل غير صاحبي ، أو من لا يعرف محل ~~أبي علي ، فيكون ما يقرر عليه أمره أقل من ذلك ، إلا أنه كان لا يخلو من أن ~~يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه . فإذا عاد جبي ، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته ~~شيئا البتة ، ونظر إلى ما بقي ، بعد إسقاط خراجه من النظر ، ففضه على القوم ~~الذي في أثره ، وألزمهم بإزاء ذلك ، أن يضيف كل واحد منهم ، رجلا من ~~الفقراء الذين يتعلمون منه العلم طول السنة ، فيكون ما يلزم الواحد ، على ~~الواحد منهم ، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه . ~~ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح ، فيتصدق به على الفقراء من ms088 أهل ~~الحوز ، قريته التي هو مقيم فيها ، وعلى أهل محلته ، وكان هذا دأبه في كل ~~سنة . فنزل علي في بعض قدماته ، فبلغت له مراده في أمر الخراج ، وجلسنا ~~ليلة نتحدث . فقلت له : يا أبا علي أتخاف مما أنا فيه شيئا ؟ فقال : يا أبا ~~القاسم ، وكيف لا أخاف عليك ، والله ، لئن مت على هذه الحال ، لا رحت رائحة ~~الجنة . PageV01P147 # """""" صفحة رقم 148 """""" # فقلت : ولم ؟ ولأي شيء ؟ وإنما أنا أعمل الحساب ، وأجري مجرى ناسخ ، وآخذ ~~أجري من بيت المال ، أو يجيئني رجل مظلوم ، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه ~~، فأسقطها عنه ، وأصلحها له في الحساب ، فيهدي إلي بطيب قلبه ، أو أرتفق من ~~مال السلطان بشيء ، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه . فقال : يا ~~أبا القاسم ، إن الله لا يخادع ، أخبرني ، ألسن أنت تختار المساح ، وتنفذهم ~~إلى المساحة ، وتوصيهم بالتقصي ، فيخرجون ، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين ~~في العشرة ، ويجونك بالتزاوير ، فتسقطها أنت ، وتعمل الجرائد ، وتسلمها إلى ~~المستخرج ، وتقول له : أريد أن يصح المال في كذا وكذا يوما عند الجهبذ ، ~~وإلا دققت يديك على رجليك ؟ قلت : نعم . قال : فيخرج المستخرج فيبث الفرسان ~~، والرجالة ، والرسل ، والمستحثين ، ويضرب ، ويصفع ، ويقيد ، وأنت تأمره ~~وتنهاه ، وإذا قلت له : أطلق رجلا ، أو أخره بما عليه قبل أمرك ، وإذا لم ~~تأذن له طالبه حتى يؤدي ؟ قلت : نعم . قال : فيحصل المال عند الجهبذ ، ~~فتخرج إليه الصكاك من يدوانك وبعلاماتك ؟ فقلت : نعم . قال : فأي شيء بقي ~~من العمل لم تتول وزره ، وتضمن غرمه ، وتتحمل إثمه ؟ تب إلى الله ، وإلا ~~فأنت هالك ، ودع التصرف ، وأصلح أمر آخرتك . قال : وأخذ يغظني ، ويخطب علي ~~، حتى بكيت . ثم قال لي : لست بأعظم نعمة ولا أكبر منزلة من جعفر بن حرب ، ~~فإنه كان يتقلد كبار أعمال السلطان ، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء ، ~~وكان يعتقد الحق ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة ، وصنف غير كتاب من ~~كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس ، وهو يتصرف مع السلطان . فاجتاز يوما ~~راكبا في موكب له عظيم ، ونعمته على غاية ms089 الوفور ، ومنزلته بحالها من ~~الجلالة ، فسمع رجلا يقرأ ' بسم الله الرحمن الرحيم ' ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما أنزل من الحق ' صدق الله العظيم ' فقال : ~~اللهم بلى ، وكررها دفعات ، وبكى ، ثم نزل عن دابته ، ونزع ثيابه ، ودخل ~~إلى دجلة ، فاستتر بالماء إلى PageV01P148 ~~"""""" صفحة رقم 149 """""" # حلقه ، ولم يخرج حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه ، وردها ، ~~ووصى فيها ، وتصدق بالباقي ، وعمل ما اقتضاه مذهبه ، ووجب عليه عنده . ~~فاجتاز رجل ، فرآه في الماء قائما ، وسمع بخبره ، فوهب له قميصا ومئزرا ~~فاستتر بهما ، وخرج فلبسهما ، وانقطع إلى العلم والعبادة ، حتى مات . ثم ~~قال لي أبو علي : فافعل أنت أبا القاسم مثل هذا ، فإن لم تطب نفسك به كله ، ~~فتب . قال : فأثر كلامه في ، وعملت على التوبة ، وترك التصرف ، ولم أزل ~~أصلح أمري لذلك مدة ، حتى استوى لي التخلص من السلطان ، فتبت ، وتركت ~~معاودة التصرف . PageV01P149 # """""" صفحة رقم 150 """""" # أبو فراس الحمداني من مناجيب بني حمدان # : من مناجيب أبو حمدان ، أبو فراس ، الحارث بن أبي العلاء بن حمدان ، ~~فإنه برع في كل فضل ، على ما أخبرني جماعة شهدوه ، وأوثق بهم ، حسن خلق لم ~~ير في عصره - بالشام أحسن منه ، مع خلق طاهر ، وحسن باطن وظاهر ، وفروسية ~~تامة ، وشجاعة كاملة ، وكرم مستفيض ، لأنه نشأ في تربية سيف الدولة رضي ~~الله عنه ، وحجره ، وأخذ أخلاقه ، وتأدب بآدابه ، مع ملاحة خط ، وترسل ، ~~وشعر في غاية الجودة ، وديوانه كبير ، إلا أنه كان قبيل موته اختاره ، على ~~ما أخبرني به أبو الفرج الببغاء ، فنفى منه شيئا كثيرا . قال : واقفني على ~~نفيه ، لأنه عرضه علي ، فكل ما استضعفناه نفاه ، وما اجتمعنا على استجادته ~~أقره ، وحرره في نسخة تداولها الناس ومات وما بلغ الأربعين ، مقتولا . قال ~~: وأظن مبلغ سنه كانت سبعا وثلاثين سنة ، أو نحوها ، لما قتل . وكان قرغويه ~~غلام أبي الهيجاء الذي كان أحد قواد سيف الدولة ، وحاجبه ، احتال عليه ، ~~حتى قتله في سنة سبع وخمسين وثلثمائة . قال : وذلك أن الجيوش السيفية ~~افترقت بعد ms090 وفاة صاحبها ، فكل قطعة حوت بلدا ، وصار معظمهم مع قرغويه بحلب ~~، واحتوى عليها وانضمت قطعة إلى أبي فراس ، فغلب بها على حمص . فلما استقام ~~الأمر لقرغويه ، رحل بالأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ، وهو ذاك صبي ~~، وأبو فراس خاله ، لقتال أبي فراس ، ثم جرت بينهما مراسلة ، واصطلحوا . ~~وجاء أبو فراس ، وهو لا تحدثه نفسه أن قرغويه يجسر عليه ، ولا أنه يخاف أبا ~~المعالي وهو ابن أخته ، فدخل إلى أبي المعالي وخرج ، وما أحب الأمير أبو ~~المعالي به سوءا . إلا أن قرغويه خاف أن يتمكن من ابن أخته ، فيحمله على ~~قتله ، فنصب له قوما اغتالوه في العسكر ، وهم عقيب حرب لم تهدأ ، وتخليط لم يسكن . PageV01P150 # """""" صفحة رقم 151 """""" # وأراد الأمير أبو المعالي إنكار ذلك ، فمنعه قرغويه ، وطاح دم الرجل ، ~~رحمه الله . وحدثني أبو الحسن ، أن أبا محمد الصلحي ، وكان أبوه يكتب لأبي ~~فراس أيام ملكه ، حدثه بمثله ، على غير هذا ، وجملته : أنه أسر ، فجاء وهو ~~أسير ، راكبا ، فما شاهدته طائفة من غلمان سيف الدولة ، إلا ترجلت له ، ~~وقبلت فخذه ، فلما رأى ذلك قرغويه قتله في الحال . PageV01P151 # """""" صفحة رقم 152 """""" # كيف أسر أبو فراس الحمداني # قال : وكان سيف الدولة ، قلده منبج وحران وأعمالهما ، فجاءه خلق من الروم ~~، فخرج إليهم في سبعين نفسا من غلمانه وأصحابه ، يقاتلهم ، فنكأ فيهم ، ~~وقتل ، وقدر أن الناس يلحقونه ، فما اتبعوه ، وحملت الروم بعددها عليه ، ~~فأسر . فأقام في أيديهم أسيرا سنين ، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم ~~كانوا عنده من عظماء الروم ، منهم البطريق المعروف بأغورج ، وابن أخت الملك ~~، وغيرهما ، فيأبى سيف الدولة ذلك ، مع وجده عليه ، ومكانه من قلبه ، ويقول ~~: لا أفدي ابن عمي خصوصا ، وأدع باقي المسلمين ، ولا يكون الفداء إلا عاما ~~للكافة ، والأيام تتدافع . إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة ، في سنة ~~خمس وخمسين وثلثمائة ، فخرج فيه أبو فراس ، ومحمد بن ناصر الدولة ، لأنه ~~كان أسيرا في أيديهم ، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين ~~علي بن عبد الملك ، لأنهم ms091 كانوا أسروه أيضا في حران ، قبل ذلك بسنين ، وخرج ~~من المسلمين عدد عظيم . قال : ولأبي فراس كل شيء حسن من الشعر ، في معنى ~~أسره . فمن ذلك ، أن كتب سيف الدولة تأخرت عنه ، وبلغه إن بعض الأسراء قال ~~: إن ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة ، كاتبنا فيه صاحب خراسان ، ~~فاتهم أبا فراس بهذا القول ، لأنه كان ضمن للروم وقوع الفداء ، وأداء ذلك ~~المال العظيم ، فقال سيف الدولة : ومن أين يعرفه أهل خراسان ؟ فكتب إليه ~~قصيدة أولها : أسيف الهدى وقريع العرب . . . إلى م الجفاء وفيم الغضب وما ~~بال كتبك قد أصبحت . . . تنكبني مع هذي النكب وإنك للجبل المشمخر . . . لي ~~ولقومك بل للعرب علي تستفاد وعاف يفاد . . . وعز يشاد ونعمي ترب وما غض مني ~~هذا الأسار . . . ولكن خلصت خلوص الذهب ففيم يقرعني بالخمول . . . مولى به ~~نلت أعلى الرتب أتنكر أني شكوت الزمان . . . وأني عتبتك فيمن عتب PageV01P152 ~~"""""" صفحة رقم 153 """""" # فالا رجعت فأعتبني . . . وصيرت لي ولقولي الغلب ولا تنسين إلي الخمول . . ~~. عليك أقمت فلم أغترب وأصحبت منك فإن كان فضل . . . وإن كان نقص فأنت ~~السبب وإن خراسان إن أنكرت . . . علاي فقد عرفتها حلب ومن أين ينكرني ~~الأبعدون . . . أمن نقص جد أمن نقص أب ألست وإياك من أسرة . . . وبيني ~~وبينك فوق النسب وداد تناسب فيه الكرام . . . وتربية ومحل أشب فلا تعدلن ~~فداك ابن عمك . . . لا بل غلامك عما يجب أكنت الحبيب وكنت القريب . . . ~~ليالي أدعوك من عن كثب فلما بعدت بدت جفوة . . . ولاح من الأمر ما لا أحب ~~فلو لم أكن بك ذا خبرة . . . لقلت صديقك من لم يغب وما شككتني فيك الخطوب . ~~. . ولا غيرتني عليك النوب وأشكر ما كنت في صحبتي . . . وأحلم ما كنت عند ~~الغضب . قال الببغاء : وله في صفة أسره ، وعلل لحقته هناك ، ومراث لنفسه في ~~الأسر ، وتعطف لسيف الدولة ، وصفة الأسر ، وما لحقه فيه ، شعر كثير ، حسن ~~أكثره ، بمعان مخترعة ، لم يسبق إليها . ونحن نوردها ما نختاره من ذلك ، ~~بعد هذا إن شاء الله تعالى . PageV01P153 # """""" صفحة رقم 154 """""" # إذا اختل ms092 أمر القضاء بالدولة اختل حالها # : حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : كان أول ما انحل من نظام سياسة الملك ~~، فيما شاهدناه من أيام بني العباس ، القضاء ، فإن ابن الفرات ، وضع منه ، ~~وأدخل فيه قوما بالذمامات ، لا علم لهم ، ولا أبوة فيهم ، فما مضت إلا ~~سنوات ، حتى ابتدأت الوزارة تتضع ، ويتقلدها كل من ليس لها بأهل ، حتى بلغت ~~في سنة نيف وثلاثين وثلثمائة ، أن تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصبهاني ~~الكاتب ، وكان غاية في سقوط المروءة ، والرقاعة . ولقد استأذنت عليه يوما ، ~~فجاء البواب ، فقال : ابن عياش بالباب ، فسمعته يقول له من وراء الستر : ~~يدخل . فقلت في نفسي : لا إله إلا الله ، تبلغ الوزارة إلى هذا الحد في ~~السقوط ؟ وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الربع ، وحتى ~~رأيت في شارع الخلد قردا معلما ، يجتمع الناس عليه . فيقول له القراد : ~~تشتهي أن تكون بزازا ؟ فيقول : نعم ، ويومىء برأسه . فيقول : تشتهي تكون ~~عطارا ؟ فيقول : نعم برأسه . فيعدد الصنائع عليه ، فيومىء برأسه . فيقول له ~~في آخرها : تشتهي تكون وزيرا ؟ فيومىء برأسه : لا ، ويصيح ، ويعدو من بين ~~يدي القراد ، فيضحك الناس . قال : وتلى سقوط الوزراة ، اتضاع الخلافة ، ~~وبلغ صيورها إلى ما نشاهد ، فانحلت دولة بني العباس ، بانحلال أمر القضاء . ~~وكان أول وضع الفرات من القضاء ، تقليده إياه ، أبا أمية الأحوص الغلابي ~~البصري ، فإنه كان بزازا ، فاستتر عنده ابن الفرات ، وخرج من داره إلى ~~الوزارة . فقال له في حال الاستتار : إن وليت الوزارة ، فأي شيء تحب أن ~~أعمل بك ؟ قال : تقلدني شيئا من أعمال السلطان . قال : ويحك ، لا يجيء منك ~~عامل ، ولا أمير ، ولا صاحب شرطة ، ولا كاتب ، ولا قائد ، فأي شيء أقلدك ؟ ~~قال : لا أدري ، ما شئت . PageV01P154 # """""" صفحة رقم 155 """""" # قال : أقلدك القضاء . قال : قد رضيت . فلما خرج ، وولي الوزارة ، وهب له ~~، وأحسن إليه ، وقلده قضاء البصرة ، وواسط ، وسبع كور الأهواز . وكان ~~يداعبه ، ويتلهى به ، ويسخر منه أوقات استتاره عنده ، وقبلها ، ويمد يده ~~إليه ، فلما ولاه القضاء ، وقره عن ذلك . ثم انحدر ms093 أبو أمية إلى أعماله ، ~~فأراد أن يغطي نقصه في نفسه ، وقلة عمله ، ويصل ذلك بشيء يتجمل به ، فعف عن ~~الأموال ، فما أخذ شيئا ، وتصون وتوقر ، واقتصر على الأرزاق ، وصلات ابن ~~الفرات الدارة ، فستر ذلك جميع عيوبه . وتناول الشعراء ، فقال فيه القطراني ~~البصري : عبث الدهر بنا وال . . . دهر بالأحرار يعبث من عذيري من زمان . . ~~. كل يوم هو أنكث ما ظننا أننا نبقى . . . وأن نحيا ونلبث فنرى الأحوص يقضي ~~. . . وأبا عيسى يحدث . PageV01P155 # """""" صفحة رقم 156 """""" # من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة # حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الله بن محمد القاضي ، المعروف بابن نصرويه ~~، قال : كنت أيام أبي أمية الغلابي ، وتقلده القضاء بالبصرة ، حدثا ، وكنت ~~أجيئه مع خالي ، وكان الحر عندنا بالبصرة إذ ذاك ، شديدا مفرطا ، أكثر من ~~شدته الآن . وكان أبو أمية يخرج في كل عشية من داره في مربعة الأحنف ، ~~وعليه مئزر ، وعلى ظهره رداء خفيف ، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان ، ، وبيده ~~مروحة ، وهو قاضي البصرة ، والأبلة ، وكور دجلة ، وكور الأهواز ، وواسط ، ~~وأعمال ذلك ، فيمشي حوله من يتفق أن يكون في الوقت من غير تعمل ، حتى ينتهي ~~إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا الساجي ، فيجلس إليه ، وربما سبقه ، وجاء أبو ~~يحيى ، وجلسا يتحدثان ، ويجتمع إليهما أترابهما ، وإخوانهما القدماء ، ~~فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث ، والمزح ، وما ليس بقليل . ~~ويجيء سعيد الصفار ، وكان يخلف أبا أمية على البصرة ، بقلنسوة عظيمة ، ~~وقميص ، وخف ، وطيلسان ، فيسلم عليه بالقضاء ، ويشاوره في الأمور ، فيقول ~~له : قم عني ، لا يجتمع علي الناس ، لا تقطعني عن لذتي بمحادثة إخواني ~~القدماء ، قم إلى مجلسك . فيقوم سعيد ، فيجلس بالبعد منه في الجامع ، في ~~موضع برسمه ، ينظر بين الناس . وما كان ذاك يغض من قدره عند الناس ، وكانت ~~سيرته أحسن سيرة ، واستعمل من العفة عن الأموال ، ما لم يعهد مثله . وكان ~~ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد ، فإذا أراد أحد أربابها شيئا ، خرجوا إلى ~~بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة ، فلحق الناس مشقة ، فنقل أبو أمية ~~ديوانها إلى البصرة ms094 ، فكثر الدعاء له ، وصارت سنة ، وبقي الديوان بالبصرة . ~~وكان - مع هذا - يتيه على ابن كنداج ، وهو أمير البصرة ، ولا يركب إليه مرة ~~، إلا إذا جاء ابن كنداج مرة ، ويعترض على ابن كنداج . في الأمور ، ويسمع ~~الظلامات فيه ، وينفذ إليه في إنصاف المتظلم ، فيضج ابن كنداج من يده ، PageV01P156 ~~"""""" صفحة رقم 157 """""" # ويكتب إلى ابن الفرات في أمره ، فترد عليه الأجوبة بالصواعق ، ويأمره ~~بالسمع والطاعة ، فيضطر إلى مداراته ، والركوب إليه ، وتلافيه . فقبض على ~~ابن الفرات ، وأبو أمية لا يعلم ، وورد كتاب على الطائر - بذلك - إلى ابن ~~كنداج ، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أمية ، فقدر أنه قد جاء مسلما ، فخرج ~~إليه ، فقبض عليه ، ومشاه بين يديه ، طول الطريق ، إلى داره ببني نمير ، ~~حتى أدخله السجن ، من تحت الخشبة فأقام فيه مدة ، ثم مات . ولم يسمع بقاض ~~أدخل السجن من تحت الخشبة غيره ، ولا بقاض مات في السجن سواه . ثم ولي ابن ~~الفرات الوزارة أيضا ، فحين جلس ، سأل عن أصحابه ، وصنائعه ، وسأل عن أبي ~~أمية ، فعرف ما جرى عليه ، ووفاته ، فاغتم لذلك . وقال : فاتني بنفسه ، فهل ~~له ولد أقضي فيه حقه ؟ فقالوا : ابن رجل . فكتب بحملة إليه مكرما ، فحمل . ~~فلما دخل عليه ، وجد سلامه سلام متخلف ، فقال له : ما اسمك ؟ قال أبو غشان ~~، وكانت لثغته كذا ، ولم يفرق لتخلفه بين الاسم والكنية . فقال ابن الفرات ~~: عزيز علي أن لا أقضي حق أبي أمية ، في نفسه ، ولا في ولده ، وكيف أقلد ~~هذا القضاء ؟ فوصله بمال جزيل ، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه ، وصرفه إلى ~~بلده ، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات . PageV01P157 # """""" صفحة رقم 158 """""" # أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء ثم يصرفه # : حدثني أبو نصر أحمد بن عمرو البخاري القاضي ، قال : حدثني جماعة من ~~ثقات أهل بغداد . إن أبا عمر القاضي قلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء . فتظلم ~~إليه منه ، وذكر عنده بشناعات لا يليق مثلها بالقضاة ، فأراد صرفه . فعوتب ~~على ذلك ، وقيل : إن مثل هذا الرجل لا يجوز أن ms095 يكون ما رمي به صحيحا ، فإن ~~كان صح عندك ، وإلا فلا تصرفه . فقال : ما صح عندي ، ولا بد من صرفه . فقيل ~~: ولم ؟ قال : أليس قد احتمل عرضه ، أن يقال فيه مثل هذا ، وتشبهت صورته ~~بصورة من إذا رمي بهذا جاز أن يتشكك فيه ؟ والقضاء أرق من هذا فصرفه . PageV01P158 # """""" صفحة رقم 159 """""" # أبو خازم القاضي يغضب إذا سمع مدحا للقاضي بأنه عفيف # حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي ، عمن حدثه : إنه كان يساير أبا خازم ~~القاضي في طريق ، فقام إليه رجل ، فقال : أحسن الله جزاءك أيها القاضي ، في ~~تقليدك فلانا القضاء ببلدنا ، فإنه عفيف . فصاح عليه أو خازم ، وقال : اسكت ~~عافاك الله ، وتقول في قاض إنه عفيف ، هذه من صفات أصحاب الشرط ، والقضاة ~~فوقها . قال : ثم سرنا ، وهو واجم ساعة . فقلت : ما لك أيها القاضي ؟ قال : ~~ما ظننت أني أعيش حتى اسمع هذا ، ولكن فسد الزمان ، وبطلت هذه الصناعة ، ~~ولعمري إنه قد دخل فيها من يحتاج القاضي معه إلى التقريظ ، وما كان الناس ~~يحتاجون أن يقولوا : فلان القاضي عفيف ، حتى تقلد فلان ، وذكر رجلا لا أحب ~~أن أسميه . فقلت : من الرجل ؟ فامتنع . فألححت عليه ، فأومأ إلى أبي عمر . PageV01P159 # """""" صفحة رقم 160 """""" # إسراع الناس إلى العجب مما لم يألفوه # وحدثني أبو الحسين ، قال : لما قلد المقتدر أبا الحسين بن أبي عمر القاضي ~~، المدينة رئاسة ، في حياة أبيه أبي عمر ، خلع عليه ، واجتمع الخلق من ~~الأشراف ، والقضاة ، والشهود ، والجند ، والتجار ، وغيرهم على باب الخليفة ~~، حتى خرج أبو الحسين وعليه الخلع ، فساروا معه . قال : وكنت فيهم مع عمي ، ~~للصهر الذي كان بينه وبينهم ، ولأنه كان أحد شهودهم . فسار عمي ، وأنا معه ~~، في أخريات الموكب ، خوفا من الزحام ، ومعنا شيخ من الشهود كبير السن ، ~~أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا . فكنا لا نجتاز بموضع ، إلا سمعنا ثلب الناس ~~لأبي الحسين ، وتعجبهم من تقلده رئاسة . فقال عمي الشيخ : يا أبا فلان ما ~~ترى ازورار الناس من تقلد هذا الفتى ، مع فضله ، ونفاسته ، وعلمه ، وجلالة ~~سلفه ؟ فقال له ms096 الشيخ : يا أبا محمد ، لا تعجب من هذا ، فلعهدي ، وقد ركبت ~~مع أبي عمر يوم خلع عليه بالحضرة ، وقد اجتزنا بالناس ، وهم يعجبون من ~~تقلده ، أضعاف هذا العجب ، حتى خفت أن يثبوا بنا ، وهذا أبو عمر الآن قدوة ~~في الفضل ، ومثال في العقل والنبل ، ولكن الناس يسرعون إلى العجب مما لم ~~يألفوه . PageV01P160 # """""" صفحة رقم 161 """""" # من قدم أمر الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم # : حدثني أبو الحسن علي بن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر ابن ~~البهلول ، قال : طلبت السيدة أم المقتدر ، من جدي ، كتاب وقف لضيعة كانت ~~ابتاعتها ، وكان الكتاب في ديوان القضاء ، فأرادت أخذه لتخرقه ، وتبطل ~~الوقف ، ولم يعلم جدي بذلك . فحمله إلى الدار ، وقال للقهرمانة : قد أحضرت ~~الكتاب كما رسمت فأيش تريد ؟ فقالوا : نريد أن يكون عندنا . فأحس بالأمر ، ~~فقال لأم موسي القهرمانة : تقولين للسيدة أعزها الله ، هذا والله ما لا ~~طريق إليه أبدا ، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم فإما مكنتموني من خزنة ~~كما يجب ، وإلا فاصرفوني وتسلموا الديوان دفعة ، فاعملوا به ما شئتم ، ~~وخذوا منه ما أردتم ، ودعوا ما أردتم ، أما أن يفعل شيء منه على يدي ، فو ~~الله لا كان هذا ولو عرضت على السيف . ونهض والكتاب معه ، وجاء إلى طياره ، ~~وهو لا يشك في الصرف ، فصعد إلى ابن الفرات ، فحدثه بالحديث ، وهو وزير . ~~فقال : ألا دافعت عن الجواب ، وعرفتني حتى كنت أتلافى ذلك ، الآن أنت مصروف ~~، ولا حيلة لي مع السيدة في أمرك . قال : أودت القهرمانة الرسالة إلى ~~السيدة ، فشكته إلى المقتدر . فلما كان في يوم الموكب ، خاطبه المقتدر ~~شفاها في ذلك ، فكشف له الصورة ، وقال مثل ذلك القول في الإستغفاء . فقال ~~له المقتدر : مثلك يا أحمد يقلد القضاء ، أقم على ما أنت عليه ، بارك الله ~~فيك ، ولا تخف أن يثلم ذلك عرضك عندنا . قال : فلما عاودته السيدة ، بلغنا ~~أنه قال لها : الأحكام ما لا طريق إلى اللعب به ، وابن البهلول مأمون علينا ~~، محب لدولتنا ، وهو شيخ دين ، مستجاب الدعوة ms097 ، ولو كان هذا شيء يجوز ، ما ~~منعك إياه . PageV01P161 # """""" صفحة رقم 162 """""" # فسألت السيدة كاتبها ابن عبد الحميد عن ذلك ، وشرحت له الأمر . فلما سمع ~~ما قاله جدي ، بكى بكاء شديدا - وكان شيخا صالحا من شيوخ الكتاب - وقال : ~~الآن علمت أن دولة السيدة وأمير المؤمنين تبقى ، وتثبت أركانها ، إذ كان ~~فيها مثل هذا الشيخ الصالح الذي يقيم الحق على السيدة ، ولا يخاف في الله ~~لومة لائم . فأي شيء يساوي شراؤكم لوقف ؟ وإن أخذتم كتابه خرقتموه ، فأمره ~~شائع ذائع ، والله فوق كل شيء ، وبه عالم . فقالت السيدة : وكأن هذا لا ~~يجوز ؟ فقال لها : لا ، هذه حيلة من أرباب الوقف على مال الله ، واعلمها أن ~~الشراء لا يصح بتخريق كتاب الوقف ، وهذا لا يحل . فارتجعت المال ، وفسخت ~~الشراء ، وعادت تشكر جدي ، وانقلب ذلك أثرا جميلا عندهم . فقال لنا جدي بعد ~~ذلك : من قدم أمر الله تعالى على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم . PageV01P162 # """""" صفحة رقم 163 """""" # القاضي أبو محمد البصري والد القاضي أبي عمر يؤدب مملوكا من وجوه مماليك ~~الخليفة المعتضد # : حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : سمعت القاضي أبا عمر يقول : قدم خادم ~~من وجوه خدم المعتضد بالله ، إلى أبي في حكم ، فجاء فارتفع في المجلس . ~~فأمره الحاجب بموازاة خصمه ، فلم يفعل إدلالا بعظم محله في الدولة . فصاح ~~أبي عليه ، وقال : هاه ، تؤمر بموازاة خصمك ، فتمتنع ؟ يا غلام ، عمرو بن ~~أبي عمرو النخاس الساعة ، لأتقدم إليه ببيع هذا العبد ، وحمل ثمنه إلى أمير ~~المؤمنين . ثم قال لحاجبه : خذ بيده ، وسار بينه وبين خصمه . فأخذ كرها ~~وأجلس مع خصمه . فلما انقضى الحكم ، انصرف الخادم ، فحدث المعتضد بالحديث ، ~~وبكى بين يديه . فصاح عليه المعتضد ، وقال : لو باعك لأجزت بيعه ، ولما ~~رددتك إلى ملكي أبدا ، وليس خصوصك بي ، يزيل مرتبة الحكم ، فإنه عمود ~~السلطان ، وقوام الأديان . PageV01P163 # """""" صفحة رقم 164 """""" # قاضي همذان يمتنع عن قبول شهادة رجل مستور # : سمعت قاضي القضاة ، أبا السائب عتبة بن عبيد الله ، يقول : كان في ~~بلدنا ، يعني همذان ، رجل مستور ، فأحب القاضي ms098 قبوله فسأل عنه ، فزكي له ~~سرا وجهرا . فراسله في حضور المجلس ، ليقبله ، وأمر فأخذ في كتب ليحضر ~~فيقيم الشهادة فيهم . وجلس القاضي ، وحضر الرجل مع الشهود ، ونودي به ، ~~فجاء مع شاهد آخر ، فلما جلسا ليشهدا ، أمرهما القاضي بالقيام ، فقاما ، ~~ونظر بين الخصوم ، وتقوض المجلس ، ولم يقبله . فورد على الرجل أمر عظيم ، ~~ودس إلى القاضي من يسأله عن سبب ذلك . فقال القاضي : إني أردت قبوله لستره ~~ودينه ، ثم انكشف لي أنه مراء ، فلم يسعني قبوله . فقيل له : كيف انكشف هذا ~~القاضي ، بعد أن دعاه للقبول ؟ قال : كان يدخل إلي في كل يوم ، فأعد خطاه ، ~~من حيث تقع عيني عليه من داري إلى مجلسي ، فلما دعوته اليوم للشهادة ، جاء ~~، فعددت خطاه من ذلك المكان ، فإذا هي قد زادت خطوتين أو ثلاث ، فعلمت أنه ~~متصنع لهذا الأمر ، مراء ، فلم أقبله . PageV01P164 # """""" صفحة رقم 165 """""" # الصفح الجميل عفو بلا تقريع # حدثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان ، المعروف بابن أبي عمرو ~~الشرابي حاجب أمير المؤمنين المطيع لله قال : دخلت في حداثتي يوما على أبي ~~السائب القاضي ، فقصر في القيام ، وأظهر ضعفا عنه للسن ، والعلل المتصلة به ~~، وتطاول لي ، فجذبت يديه بيدي ، حتى أقمته القيام التام . وقلت له : أعين ~~قاضي القضاة - أيده الله - على إكمال البر ، وتوفيه الإخوان الحق . قال : ~~وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها ، وإنما جئته للخصومة ، فبدأت لأصل ~~الكلام . فحين رأى الشر في وجهي ، قال : تتفضل باستماع كلمتين ثم تقول ما ~~شئت . فقلت له : قل . فقال : روينا عن ابن عباس في قوله تعالى : ' بسم الله ~~الرحمن الرحيم ' فاصفح الصفح الجميل ' صدق الله العظيم ' قال : عفو بلا ~~تقريع ، فإن رأيت أن تفعل ذلك ، فعلت . فاستحيت من الإستقصاء عليه . PageV01P165 # """""" صفحة رقم 166 """""" # بين الأصبهاني الكاتب والخوميني عامل سوق الأهواز # : حضرت أبا عبد الله الخوميني عامل سوق الأهواز ، وقد جعل إليه أبو بكر ~~أحمد بن عبد الله ، المعروف بأبي بكر بن عبد الله أبي سعيد الأصبهاني ~~الكاتب . فأخذ يريه أنه يريد القيام ms099 ، ويتثاقل فيه ، حتى يسبقه أبو بكر ابن ~~أبي سعيد بالجلوس ، إلى قيامه له . ففطن أبو بكر ، فوقف من بعيد ، وقال : ~~هي ، قم قائما حتى أجيء ، وإلا انصرفت من موضعي . فضحك الخوميني ، وقال : ~~والله يا سيدي ، ما أردت هذا . وقام له القيام التام . PageV01P166 # """""" صفحة رقم 167 """""" # شيخ من الكتاب ينصح أبا الحسين بن عياش # : حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : تقلد سليمان بن الحسن الوزارة الأولى ~~عقيب به وأنسي ، فكنت أجيئه على ذلك الأنس ، ما تغير علي ، ولا أنكرت منه ~~شيئا . وكنت شابا ، ولم تكن لي مداخلة بالملوك ، وكنت أجيئه والناس محجوبون ~~فأدخل على الرسم ، وهو خال . فاتفق أني بت ليلة موكب عند أبيه ، أبي محمد ، ~~فبكرت من غد لأراه ، ثم أنصرف . فجئت ، والقاضي أبو عمر ، وابنه أبو الحسين ~~، والقاضي ابن أبي الشوارب ، وابنه ، والقاضي ابن البهلول ، والناس من ~~الأشراف ، والكتاب ، ووجوه القواد ، وأهل الحضرة ، محجوبون ، وهم جلوس في ~~الرواق ، والحاجب واقف على باب السلم ، وكان ينفذ إلى حجرة خلوة له ، هو ~~فيها . فلما رآني الحاجب ، أمر فرفع لي الستر ، فدخلت إليه ، وهو يتبخر ~~وعليه سواده ، يريد الركوب إلى المقتدر ، وليس بين يديه أحد . فطاولني في ~~الحديث ، إلى أن فرغ ، وشد سيفه ومنطقته ، وخرج ، وأنا خلفه . فتلقاه الناس ~~بالسلام ، وتقبيل اليد ، فخرجوا خلفه ، فاختلطت بهم . فإذا بإنسان يجذب ~~طيلساني ، فالتفت ، فإذا هو فلان ، شيخ من شيوخ الكتاب ، أسماه أبو الحسين ~~وأنسيته أنا ، وذكر أنه كان صديقا لأبي ، ولأبيه من قبله . فقال لي : يا ~~أبا الحسين ، فداك عمك ، في بيتك خمسون ألف دينار ؟ فقلت : لا والله . قال ~~: فتقوى الله على خمسين ألف مقرعة وصفعة ؟ قلت : لا والله . قال : فلم تدخل ~~إلى الوزير ، وفلان ، وفلان - وعدد من حضر - محجوبون ، يتمنون الوصول ، ولا ~~يقدرون ، ثم لا ترضى ، حتى تطيل عنده ، وتخرج في PageV01P167 ~~"""""" صفحة رقم 168 """""" # يوم موكب ، وراءه ، وليس معه غيرك ، ولا خمسون ألف دينار معدة عندك ، ~~تؤديها إذا نكب هذا ، فأخذت بتبعة الإختصاص به ، وأنت لا تقوى على ما يولد ~~هذا . فقلت : يا ms100 عم لم أعلم ، وأنا رجل فقيه ، ومن أولاد التجار ، ولا عادة ~~لي بخدمة هؤلاء . فقال : يا بني لا تعاود ، فإن هذا يولد لك اسما ، ويجر ~~عليك تبعة . قال : فتجنبت بعد ذلك الدخول إلى سليمان في أوقات مجالسه ~~العامة ، وأيام المواكب خاصة . PageV01P168 # """""" صفحة رقم 169 """""" # أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق المقشور # حدثني أبي ، قال : بلغني من غير واحد : إن أبا يوسف صحب أبا حنيفة ، ~~لتعلم العلم ، على فقر شديد ، فكان ينقطع بملازمته عن طلب المعاش ، فيعود ~~إلى منزل مختل ، وأمر قل . فطال ذلك ، وكانت امرأته تحتال له ما يقتاته ~~يوما بيوم . فلما طال ذلك عليهما ، خرج إلى المجلس ، وأقام فيه يومه ، وعاد ~~ليلا فطلب ما يأكل ، فجاءته بغضارة مغطاة ، فكشفها ، فإذا فيها دفاتر . ~~فقال : ما هذا ؟ قالت : هذا ما أنت مشغول به نهارك أجمع ، فكل منه ليلا ، ~~قال : فبكى ، وبات جائعا ، وتأخر من غد عن المجلس ، حتى احتال ما أكلوه . ~~فلما جاء إلى أبي حنيفة ، سأله عن سبب تأخره ، فصدقه . فقال : ألا عرفتني ، ~~فكنت أمدك ؟ ولا يجب أن تغنم ، فإنه إن طال عمرك فستأكل بالفقه ، واللوزينج ~~بالفستق المقشور . قال أبو يوسف : فلما خدمت الرشيد ، واختصصت به ، قدمت ~~بحضرته يوما جامة لوزينج بفستق ، فحين أكلت منها ، بكيت ، وذكرت أبا حنيفة ~~. فسألني الرشيد عن السبب في ذلك ، فأخبرته . PageV01P169 # """""" صفحة رقم 170 """""" # سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد # وحدثني أبي ، قال : كان سبب اتصاله بالرشيد إنه قدم بغداد بعد موت أبي ~~حنيفة ، فحنث بعض القواد في يمين ، فطلب فقيها يستفتيه فيها ، فجيء بأبي ~~يوسف ، فأفتاه أنه لم يحنث ، فوهب له دنانير ، وأخذ له دارا بالقرب منه ، ~~واتصل به . فدخل القائد يوما إلى الرشيد ، فوجده مغموما ، فسأله عن سبب غمه ~~، فقال : شيء من أمر الدين قد حزبني ، فاطلب لي فقيها أستفتيه ، فجاءه بأبي ~~يوسف . قال أبو يوسف : فلما دخلت إلى ممر بين الدور ، رأيت فتى حسنا ، أثر ~~الملك عليه ، وهو في حجرة في الممر محبوس ، فأومأ إلي بإصبعه مستغيثا ، فلم ~~أفهم عنه أرادته ، وأدخلت إلى ms101 الرشيد ، فلما مثلت بين يديه ، سلمت ، ووقفت ~~. فقال لي : ما اسمك ؟ قلت : يعقوب . أصلح الله أمير المؤمنين . قال : ما ~~تقول في إمام شاهد رجلا يزني ، هل يحده ؟ قلت : لا يجب ذلك . قال : فحين ~~قتلها سجد الرشيد ، فوقع لي إنه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك ، وإن ~~الذي أشار إلي بالاستغاثة ، هو الابن الزاني . قال : ثم رفع رأسه ، فقال : ~~ومن أين قلت هذا ؟ قلت : لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : ادرؤوا ~~الحدود بالشبهات ، وهذه شبهة يسقط الحد معها . فقال : وأي شبهة مع المعاينة ~~؟ قلت ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى ، والحكم في الحدود لا ~~يكون بالعلم . قال : ولم ؟ قلت : لأن الحد حق الله تعالى ، والإمام مأمور ~~بإقامة الحد ، فكأنه قد صار حقا له ، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه ، ولا تناوله ~~بيده ، وقد أجمع المسلمين على وقوع الحد بالإقرار والبينة ، ولم يجمعوا على ~~إيقاعه بالعلم . PageV01P170 # """""" صفحة رقم 171 """""" # قال : فسجد مرة أخرى ، وأمر لي بمال جليل ، ورزق في الفقهاء في كل شهر ، ~~وأن ألزم الدار . قال : فما خرجت ، حتى جاءتني هدية الفتى ، وهدية أمه ، ~~وأسبابه ، فحصل لي من ذلك ، ما صار أصلا للنعمة ، وانضاف رزق الخليفة ، إلى ~~ما كان يجريه علي ذلك القائد . ولزمت الدار ، فكان هذا الخادم يستفتيني ، ~~وهذا يشاورني ، فأفتى وأشير ، فصارت لي مكنة فيهم ، وحرمة بهم ، وصلاتهم ~~تصل إلي ، وحالتي تقوى . ثم استدعاني الخليفة ، وطاولني ، واستفتاني في ~~خواص أمره وأنس بي . فلم تزل حالي تقوى معه ، حتى قلدني قضاء القضاة . PageV01P171 # """""" صفحة رقم 172 """""" # أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي # قال لي أبي : بلغني أن أبا يوسف ، لما مات ، خلف في جملة ، كسوته ، مائتي ~~سراويل خز ، دون غيرها من أصناف السراويلات . وأن جميع سراويلاته كانت ~~مختصة كل سراويل بتكة أرمني نساوي دينارا ، وبلغ من محله عنده ، أن طلبه ~~الرشيد يوما ، فجاء وعليه بردة ، أنسا به ، فحين رآه الرشيد ، قال لمن ~~بحضرته : جاءت به متعجرا ببردة . . . سفواء ترمي بنسيج وحده . PageV01P172 # """""" صفحة رقم 173 """""" # كيف نصب أبو جعفر ms102 بن البهلول قاضيا # حدثني القاضي أبو الحسن علي بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول ~~قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، وحدثي أيضا ، أبو الحسن أحمد ابن يوسف الأزرق ~~عن أبي جعفر بن البهلول القاضي ، قال : لما استقرت الأمور للناصر لدين الله ~~، بعد فراغه من أمر الزنج ، نظر في البلدان ومصالحها ، وأمر بارتياد قضاة ~~من أهل البلدان لها . فسأل عن الأنبار ، ومن فيها يصلح لتقلد القضاء ، ~~فأسميت له . وكان عارفا بأبي ، إسحاق بن البهلول ، حين استقدمه المتوكل إلى ~~سر من رأى حتى حدثه ، ولم أكن تقلدت شيئا من ذلك . قال : فأمر بإحضاري ~~وتقليدي . فتقدم إسماعيل بن بلبل ، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي في ذلك ، ~~وكاتبني بالحضور ، فحضرت ، فعرفني الصورة ، وحملني إلى إسماعيل . فقلت لهما ~~: أنا في كفاية وغناء ، ولا حاجة بي إلى تقلد القضاء . فأمسكا عني ، فعدت ~~إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع . فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصيني ~~الأنباري ، وكان من عقلاء العجم بالأنبار ، ولي صديقا ، فقال لي : لأي شيء ~~استدعيت ؟ فحدثته . فقال : اتق الله في نفسك ، إن الذي جرى بينك وبينهما ~~خاف عن الناس ، وإنك تعود إلى بلدك ، فيقول أعداؤك : طلب القضاء ، فلما ~~شوهد ، وجد لا يصلح ، فرد . فقلت : ما أصنع ، وقد قلت ما قلت ؟ قال : ترجع ~~إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا . قال : فباكرت إسماعيل ، فحين رآني ، ~~قال : هذا وجه غير وجه الأمسي . قلت : هو كذلك . قال : هي . قلت : كان كذا ~~وكذا ، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم . PageV01P173 # """""" صفحة رقم 174 """""" # فقال : نصحك والله هذا الصديق ، والأمر على ما قاله ، قم بنا إلى الوزير ~~. قال : فحملني إليه ، فلما رآنا إسماعيل تبسم ، وقال : كيف عاد أبو جعفر ؟ ~~قال : فقص عليه إسماعيل القاضي الخبر . فقال : جزي الله هذا الصديق عنك ~~خبرا ، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح ، اكتبوا عهده . قال : فكتب عهدي عن ~~الناصر ، على الأنبار ، وهيت وعانات ، والرحبة ، وقرقيسيا ، وأعمال ذلك ، ~~وعدت إلى بلدي . قلت أنا : ولم يزل محل أبي جعفر ينمى ويزيد ، حتى قلد ~~مدينة أبي ms103 جعفر المنصور عند صرف أبي عمر في قصة ابن المعتز ، فظهر من فضله ~~ما اشتهر . PageV01P174 # """""" صفحة رقم 175 """""" # ارتفاع محل القاضي ابن البهلول # في دولة المقتدر : وكان عند المقتدر ووزرائه ، بصورة الناسك الزاهد ، من ~~ذلك ما حدثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ، ~~قال : حدثني أبو علي أحمد بن جعفر بن إبراهيم الحصيني الأنباري الكاتب ، ~~قال : مات واثق مولى المعتضد ، فأوصى أن يصلي عليه أبو الحسن علي بن عيسى ، ~~فحضر الحق وجوه الدولة ، من القواد ، والكتاب ، والأشراف ، والقضاة ، ~~وغيرهم . فكان فيمن حضر ، القاضيان أبو جعفر ، وأبو عمر ، وكنت حاضرا . قال ~~: فوضعت الجنازة ، وقيل لأبي الحسين علي بن عيسى تقدم ، فجاء ليتقدم ، ~~فوقعت عينه على أبي جعفر ، فجذبه ، وقدمه ، وتأخر هو . قال : فلما انقضت ~~الصلاة ، طلبت أبا عمر ، لأنظر كيف هو ، فوجدته قد اسود وجهه غما ، ~~بتقديمهم أبا جعفر عليه . فجئت إلى أبي جعفر ، وهنأته بذلك ، وأخبرته بخبر ~~أبي عمر ، فاستسر بذلك ، وسر بعلمي أنا بالأمر ، ومشاهدتي له ، لأجل ~~البلدية . قال لي أبو الحسن : هذا ، مع نفرة كانت بينهما ، ولكن أبا الحسن ~~لفضله ، لم يكن يدفع أهل الفضل عنه ، وإن لم يكن ما بينه وبينهم مستقيما . PageV01P175 # """""" صفحة رقم 176 """""" # الحسين بن القاسم بن عبيد الله يتصرف تصرفا يكون أوكد الأسباب في عزله عن ~~الوزارة # : حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول ، قال : كان ~~قد ارتكب الحسين بن القاسم بن عبيد الله دين عظيم ، عشرات ألوف دنانير ، ~~فدعاه غرماؤه إلى القاضي ، فخافهم ، واستتر . وجاء إلى جدي فشاوره في أمره ~~، وقال : إن بعت ملكي ، كان بإزاء ديني ، وحصلت فقيرا ، وقد رضيت أن أجوع ، ~~وأعطي غلتي بأسرها الغرماء ، وليس يقنعون بذلك ، فكيف أعمل ؟ يحتال لي ~~القاضي في ذلك وكان منزل الحسين في الجانب الشرقي ، والحكم فيه إلى أبي عمر ~~. فقال له جدي : إن من مذهب مالك ، الحجر على الرجال إذا بان سفههم في ~~الأموال ، وإن عني بك أبو عمر ، جعل استدانتك من غير ms104 حاجة كانت بها إليها ، ~~وإنما بذرت المال ، وتخرقت في النفقة ، دليلا على سفهك في مالك . ولو صار ~~أن يسمع في ذلك شهادة من يعرفه عن حالك ، فيثبت حينئذ السفه عنده ، فيحجر ~~عليك ، ويمنعك من التصرف في مالك ، ويدخل فيه أيدي أمنائه ، ويحول بينك ~~وبينه . فإذا أثبت عنده الغرماء عليك الدين ، أمرهم ، يعني أمناءه ، بأن ~~يصرفوا الغلات إليهم ، قضاء للدين ، وبقيت عليك الأصول . قال : فطرح الحسين ~~نفسه على أبي عمر ، ففعل به ذلك ، فظهر وصلحت حاله ، وجرى أمره مع الغرماء ~~. على ذلك . قال : ولما ولي الحسين الوزارة ، وفسد عليه مؤنس ، فسعى في ~~صرفه ، وقال للمقتدر : يا أمير المؤمنين ، هذا لم يكن موضعا لحفظ ماله ، ~~حتى حجر عليه القضاة لسفهه وتبذيره فيه ، كيف يحمد حتى يرد إليه مال الدنيا ~~وتدبيرها ، وسياسة العالم ، وهو عجز عن تدبير داره ونفقته ؟ وكان ذلك أوكد ~~الأسباب في صرفه . PageV01P176 # """""" صفحة رقم 177 """""" # عدد الشهود الذي قبلهم القاضي التيمي بالبصرة # حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الله المعروف بابن نصرويه ، قال : قبل ~~التيمي ، القاضي كان قديما عندنا بالبصرة ، ستة وثلاثين ألف شاهد ، قي مدة ~~ولايته . فقلت له : هذا عظيم ، فكيف كان ذلك ؟ فقال لي : كان القضاة على ~~مذهب أبي حنيفة ، وغيره من الفقهاء ، في أن الناس كلهم عدول ، على الشرائط ~~التي تعرفها ، وكان يشهد الناس عند التيمي بأسرهم ، فإذا سمع شهاداتهم ، ~~سأل عنهم ، فيزكون ، فيقبلهم ، وكان الناس يشهد بعضهم لبعض ، من الجيران ، ~~وأهل السوق ، ولانعرف ترتيب قوم مخصوصين للشهادة ، إلى أن ولي إسماعيل . ~~قال : وكان مبلغ من قبله التيمي ، ستة وثلاثون ألف شاهد ، منهم عشرون ألفا ~~لم يشهدوا عنده إلا شهادة واحدة . PageV01P177 # """""" صفحة رقم 178 """""" # أسد بن جهور وما فيه من سوداء ونسيان # أخبرني أبو القاسم الجهني ، قال : كانت في أسد بن جهور سوداء ونسيان . ~~فحضرته يوما ، وهو في دار بعض الوزارء ، وقد جلس يتحدث ، ومعنا بعض القضاة ~~، وكان اليوم حارا ، فوضعنا عمائمنا ، ووضع القاضي قلنسوته . فطلب الوزير ~~أسدا ، فقام مستعجلا ، فأخذ قلنسوة القاضي ، فلبسها ودخل على الوزير ms105 . فصاح ~~القاضي به ، وجماعتنا ، فما سمع ، حتى دخل كذلك على الوزير ، فضحك منه . ~~وخجل أسد وعاد إلينا راجعا عنه . PageV01P178 # """""" صفحة رقم 179 """""" # المتوكل يختار فتى لمنادمته # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ، قال : حدثني أبو جعفر بن حمدون ~~، قال : حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون ، قال : كنت مع أبي ، ~~وأنا صبي ، بسر من رأى ، وهو ينادم المتوكل على الله ، فخرج إلى الصيد ، ~~وهو معه ، وأنا مع أبي . فانفرد أبي في يوم من الأيام ، وأنا معه ، فأعطاني ~~دابته ، فأمسكتها وحولت وجهي عنه ، وجلس يبول ، إذ جاء المتوكل يحرك وحده ، ~~ويقصده ، وقد انفرد عن الجيش ، ليولع به . فلما قرب منه ، قال له : من هذا ~~الصبي الذي يمسك دابتك ؟ قال : عبد أمير المؤمنين ، ابني . قال : فلم قد ~~حول وجهه عنك ؟ قال : فعن لأبي أن يتنادر ، ولم يراع كون النادرة علي وعلى ~~أمي ، فقال : حول وجهه عني استحياء من كبر أيري . قال : فقلت أنا للخليفة : ~~والله يا أمير المؤمنين ، لو رأيت أير جدي ، لعلمت أن أيره عنده زر . فضحك ~~المتوكل ، وقال : يا أحمد ، ابنك والله أطيب منك ، فأحضره معك للندام . ~~فحضرت منذ ذلك اليوم ، وصرت من الندماء . PageV01P179 # """""" صفحة رقم 180 """""" # المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد # وحدثني ، وقال : حدثني أبو جعفر ، قال : حدثني أبو محمد ، قال : كنت قد ~~حلفت ، وعاهدت الله تعالى ، ان لا أعتقد مالا من القمار ، وأنه لا يقع في ~~يدي شيء منه ، إلا صرفته في ثمن شمع يحرق ، أو نبيذ يشرب ، أو جذر مغنية ~~تسمع . قال : فجلست يوما ألاعب المعتضد بالنرد ، فقمرته سبعين ألف درهم . ~~فنهض المعتضد يصلي العصر ، من قبل أن يأمر لي بها ، وكان له ركوع طويل ~~قبلها ، فتشاغل به . وصليت أنا العصر فقط ، فجلست أفكر ، وأندم على ما حلفت ~~عليه ، وقلت : كم عساي أشتري من هذه السبعين ألفا ، شمعا ، وشرابا ، وكم ~~أجذر ؟ وما كنت هذه العجلة في اليمن ، ولو لم أكن حلفت ، كنت الآن قد ~~اشتريت بها ضيعة . قال : وكانت اليمن بالطلاق ، والعتاق ، وصدقة ms106 الملك ، ~~والضيعة . وأغرقت في الفكر ، والمعتضد يراني ، وأنا لا أعلم . فلما سلم من ~~الركوع ، سبح ، وقال لي : يا أبا عبد الله في أي شيء فكرت ؟ فقلت : خيرا يا ~~مولاي . فقال : بحياتي أصدقني ، فصدقته . فقال : وعندك أني أريد أعطيك ~~سبعين ألفا من القمار ؟ فقلت له : أفتضغو ؟ قال : نعم ، ضغوت ، قم ولا تفكر ~~في هذا . قال : ودخل في صلاة العصر الفرض . قال : فلحقني غم أعظم من الأول ~~، وفكر أشد منه ، وندم على فوت المال ، وقلت لم صدقته ، وأخذت ألوم نفسي . ~~قال : فلما فرغ من صلاته ، وجلس ، قال لي : يا أبا عبد الله ، بحياتي ~~أصدقني عن هذا الفكر الثاني . PageV01P180 # """""" صفحة رقم 181 """""" # فلم أجد بدا ، فصدقته . فقال : أما القمار فقد فاتك ، لأني قد صغوت بك ، ~~ولكني أهب لك سبعين ألف درهم غير تلك ، من مالي ، فلا يكون علي إثم في ~~دفعها ، ولا عليك إثم في أخذها ، وتخرج من يمينك ، فتأخذها وتشتري بها ضيعة ~~حلالا . فقبلت يده ، فأحضر المال ، وأعطانيه ، فأخذته ، واعتقدت به ضيعة . PageV01P181 # """""" صفحة رقم 182 """""" # المعتضد يسدد دين نديمه مرتين # وحدثني أبو محمد قال : حدثني أبو جعفر ، قال : حدثني أبو محمد ابن حمدون ~~، قال : كان علي دين ثقيل ، مبلغه خمسة آلاف دينار ، ولم يكن لي وجه قضائه ~~، ولك تكن القضاة تعدي علي ، لملازمتي المعتضد . فجلس المعتضد للمظالم ~~بنفسه مجالس عدة ، فتظلم إليه مني غرمائي . فأحضرني ، وسألني عن الدين ، ~~فأقررت به عنده للقوم . ففكر المعتضد في حبسي به لهم ، فيبطل أنسه بي ، ~~ويتحدث عنه إنه بخل بقضاء دين نديم له ، ورأى أن يلتزم المال . ثم قال ~~للغرماء : المال علي ، ووقع لهم به في الحال . فأخذوه ، وانصرفوا . فلما ~~خلونا ، قال : يا عاض كذا ، أي شيء كانت هذه المبادرة إلى الإقرار ، ما ~~قدرت أن تجحد ، ولا أغرم أنا المال ، ولا تحبس أنت ؟ فقلت : لم أستحل ذلك ، ~~وكيف أجحد قوما في وجوههم ، وقد أعطوني أموالهم ؟ قال : ومضت على هذه مديدة ~~، فأضقت ، فاستدنت ألوفا أخرى دنانير ، أقل من تلك ، وطولبت بها ، فدافعت ، ~~لأن دخلي لم يكن يفي ms107 بنفقتي ، وما أقيم من المروءة ، أكثر من قدر حالي ، ~~فما كان لي وجه أقضى منه الدين . وجلس المعتضد للمطالم ، فرفع إليه القوم ، ~~فأحضرني ، وسألني ، فأقررت ، فوزن المال عني . ثم قال للقاضي الذي يلي ~~حضرته : خذ هذا ، فناد عليه في البلد بسفهه في ماله ، وعدمه ، وإنه لا يملك ~~ما يباع عليه فيقضي به دينه ، وإن من عامله بعد هذا فقد طوح بماله . ~~فاضطربت من ذلك . فقال : لا والله ، لا جعلت أنت غرماءك كل يوم ، حيلة على ~~مالي . قال : فما نفعني معه شيء ، حتى مضيت إلى دار القاضي وجلست معه في ~~مجلسه ، وهو يشيع في الناس ذلك ، ويجربه في وجهي ، ولم يناد علي . PageV01P182 # """""" صفحة رقم 183 """""" # بين ابن المدبر وعريب # حدثني أبو محمد ، قال : حدثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي ~~الكاتب ، قال : أخبرني من أثق به ، أن إبراهيم بن المدبر قال : كنت أتعشق ~~عريب ، دهرا طويلا ، وأنفقت عليها مالا جليلا . فلما قصدني الزمان ، وتركت ~~التصرف ، ولزمت البيت ، كانت هي أيضا ، قد أسنت ، وتابت من الغناء ، وزمنت ~~. فكنت جالسا يوما ، إذ جاءني بوابي ، وقال : طيار عريب بالباب ، وهي فيه ~~تستأذن . فعجبت من ذلك ، وارتاح قلبي إليها ، فقمت حتى نزلت إلى الشط ، ~~فإذا هي جالسة في طيارها . فقلت : يا ستي ، كيف كان هذا . قالت : اشتقت ~~إليك ، وطال العهد ، فأحببت أن أجدده ، وأشرب عندك اليوم . قلت : فاصعدي . ~~قالت : حتى تجيء محفتي . قال : فإذا بطيار لطيف ، قد جاء وفيه المحفة ، ~~فأجلست فيها ، وأصعد بها الخدم . وتحدثنا ساعة ، ثم قدم الطعام ، فأكلنا ، ~~وأحضر النبيذ ، فشربت وسقيتها فشربت ، وأمرت جواريها بالغناء ، وكان ومعها ~~منهن عدة ، وحسنات ، طياب ، حذاق ، فتغنين أحسن غناء وأطيبه ، فطربت وسررت ~~. وقد كنت ، قبل ذلك بأيام ، عملت شعرا ، وأنا مولع في أكثر الأوقات ~~بترديده ، وإنشاده ، وهو : إن كان ليلك نوما لا انقضاء له . . . فإن جفني ~~لا يثنى لتغميض كأن جنبي في الظلماء تقرضه . . . على الحشية أطراف المقاريص ~~أستودع الله من لا أستطيع له . . . شكوى المحبة إلا بالمعاريض . PageV01P183 # """""" صفحة رقم 184 """""" # فقلت لها : يا ms108 ستي ، إني قد عملت أبياتا ، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا . ~~فقالت : يا أبا إسحاق مع التوبة ؟ قلت لها : فاحتالي في ذلك كيف شئت . ~~فقالت : رو هاتين الصبيتين الشعر ، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها . ~~فحفظتهما الشعر ، وفكرت ساعة ، ووقعت بالمروحة على الأرض ، وزمزمت مع نفسها ~~، ثم قالت لهما : أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانية ، وأضربا ~~بالإصبع الفلانية ، وافعلا كذا وكذا ، إلى أن فتح لهما الضرب ، ثم قالت ~~غنياه على الطريقة الفلانية ، وأجعلا في الموضع الفلاني كذا . فغناه ، ~~كأنهما قد سمعناه قبل ذلك دفعات ، وما خرج الغناء من بين شفتيها . فطربت ~~وقلت في نفسي : عريب تزورني وتلحن شعري ، وهي على كل حال مغنية ، وتنصرف من ~~عندي صفرا ؟ والله ، لا كان هذا ، ولو أني مت ضرا وجوعا وفقرا . فقمت إلى ~~جواري ، وشرحت الحال لهن ، وقلت : عاونني بما يحضركن ، فدفعت إلى هذه ~~خلخالا ، وهذه سوارا ، وهذه عقد حب ، وهذه جان ، إلى أن اجتمع لي من حيلهن ~~ما قيمته ألف دينار . قال : واستدعيت زنبيلا مشبكا ذهبا كان عندي ، فيه ~~مائة مثقال ، فجعلت ذلك فيه ، وخرجت به إليها ، وقلت : يا سيدتي ، هذه طرف ~~، أحببت إتحاف هاتين الصبيتين بها ، فأحب أن تأمريهما بأخذها . فامتنعت ~~امتناعا ضعيفا ، وقالت : يا أبا إسحاق ، بيننا اليوم هذا ، أو فضل فضل له ؟ ~~فقلت : لا بد . فقالت لهما : خذاه ، فأخذتاه ، وجلست إلى وقت المغرب . ثم ~~قامت لتنصرف ، فشيعتها إلى دجلة . فلما أرادت الجلوس في طيارها ، قالت : يا ~~أبا إسحاق لي حاجة . قلت : مري بأمرك . قالت : قد ابتاعت فلانة ، أم ولدك ، ~~ضيعة يقال لها كذا ، وهي تحاورني ، وأنا شفيعتها ، وأريد أن تأمرها بأخذ ~~المال مني والنزول عنها لي . PageV01P184 # """""" صفحة رقم 185 """""" # فعلمت أنها إنما جاءت لهذا السبب . فقلت : مكانك ، فتوقفت في الطيار . ~~فدخلت إلى أم ولدي وضمنت لها المال ، وأخذت العهدة بالضيعة ، فجئت بها ~~إليها . وقلت : قد وهبتها لك ، وضمنت المال لها ، وفي غد أتقدم بالإشهاد لك ~~في ظهر الكتاب . فخذيه معك عاجلا . فشكرتني ومضت . وكان شراء الضيعة ألف ~~دينار . فقام علي يومها ، وتلحينها ms109 هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار . PageV01P185 # """""" صفحة رقم 186 """""" # الزجاج يدرس النحو على المبرد # حدثني أبو الحسن بن الأزرق قال : حدثني أبو محمد بن درستويه النحوي قال : ~~حدثني الزجاج ، قال : كنت أخرط الزجاج ، فاشتهيت النحو ، فلزمت المبرد ~~لتعلمه ، وكان لا يعلم مجانا ، ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها . فقال لي : ~~أي شيء صناعتك ؟ قلت : أخرط الزجاج ، وكسبي في كل يوم درهم ودانقان ، أو ~~درهم ونصف ، وأريد أن تبالغ في تعليمي ، وأنا أعطيك في كل يوم درهما ، ~~وأشرط لك أني أعطيك إياه أبدا ، إلى أن يفرق الموت بيننا ، استغنيت عن ~~التعليم أو احتجت إليه . قال : فلزمته ، وكنت أخدمه في أموره ، ومع ذاك ~~أعطيه الدرهم ، فنصحني في التعليم ، جتى استقللت . فجاءه كتاب من بني مارية ~~، من الصراة ، يلتمسون معلما نحويا لأولادهم ، فقلت له : أسمني لهم ، ~~فأسماني ، فخرجت إليهم ، فكنت أعلمهم ، وانفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما ~~، وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه . ومضت على ذلك مدة ، فطلب منه عبيد الله ~~بن سليمان ، مؤدبا لابنه القاسم . فقال له : لا أعرف لك إلا رجلا زجاجا ~~بالصراة مع بني مارية . قال : فكتب إليهم عبيد الله فاستنزلهم عني ، فنزلوا ~~له . فأحضرني وأسلم القاسم إلي ، فكان ذلك ، سبب غناي . وكنت أعطي المبرد ~~ذلك الدرهم في كل يوم ، إلى أن مات ، ولا أخليه من التفقد معه بحسب طاقتي . PageV01P186 # """""" صفحة رقم 187 """""" # بيتان من نظم أبي محمد الشامي كاتب الأمير سيف الدولة # : حدثني أبو محمد يحيى بن محمد ، وأبو الفرج الببغاء ، قالا : أنشدنا أبو ~~محمد عبد الله بن محمد الشامي ، كاتب سيف الدولة لنفسه . وقالوا يعود الماء ~~في النهر بعد ما . . . عفت منه آثار وسدت مشارع فقلت إلى أن يرجع جاريا . . ~~. ويعشب جنباه تموت الضفادع . # ليحيى بن محمد في مواهب المغنية # وأنشدني أبو محمد لنفسه في قنية بغداد ، مشهورة بالإحسان ، تسمى مواهب ، ~~كانت جارية لأبي الحسن بن هارون الكاتب ، باعها ، فاشتراها أبو الفضل ~~العباس بن الحسين الوزير الآن فلما تزوج ابنة الوزير أبي محمد المهلبي ، ~~زينة بني الحسن ms110 ، دفعها إلى أبي محمد ، فأعتقها ، وزوجها غلاما من غلمانه ~~يسمى غالب ، ويعرف بالشار زادي ، وهي الآن تخدم الأمير عز الدولة بصناعتها ~~: تمام الحج أن تقف الركائب . . . على دار تحل بها مواهب ولولا أن يقال صبا ~~لقلنا . . . عجائب دون أيسرها عجائب . PageV01P187 # """""" صفحة رقم 188 """""" # لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة # : أنشدني أبو الفرج الببغاء لنفسه ، قصيدة له في سيف الدولة : أولها : ~~سقت العهاد خليط ذلك المعهد . . . ريا وحيا البرق برقة تهمد . في جحفل ~~كالسيل أو كالليل أو . . . كالقطر صافح موج بحر مزبد فكأنما نقشت حوافر ~~خيله . . . للناظرين أهلة في الجلمد وكأن طرف الشمس مطروف وقد . . . جعل ~~الغبار له مكان الأثمد ووصف فيها اللواء فقال : ومملك رق القنا مستخرج . . ~~. باللطف أسرار الرياح الركد خرس يناجيها فتفهم نطقه . . . وتجيبه أنفاسها ~~بتصعد قلق كأن الجو ضاق به فما . . . ينفك بين توثب وتهدد وفيها يقول : إن ~~المحامد رتبة لا يبلغ ال . . . إنسان راحتها إذا لم يجهد من لم تبلغه ~~السيادة نفسه . . . دون الأبوة لم يكن بمسود يقول في آخرها يصف القصيدة : ~~حلل من المدح ارتضى لك لبسها . . . شكري فأغرب مفرد في مفرد لما نشرب عليك ~~فاخر وشيها . . . قالت لك العلياء أبل وجدد . PageV01P188 # """""" صفحة رقم 189 """""" # لأبي الفرج الببغاء يعزي الأمير سيف الدولة بولده أبي مكارم # : وأنشدني لنفسه يعزي سيف الدولة بابنه أبي مكارم من قصيدة أولها : ~~سرورنا بك فوق الهم بالنوب . . . فما يغالبنا حزن على طرب إذا تجاوزت ~~الأقدار عنك فهل . . . من واجب الشكر أن يرتاع من سبب حتام تخدعنا الدنيا ~~بزخرفها . . . ولا تحصلنا منه على أرب نسر منها بما تجني عواقبه . . . هما ~~ونهرب والآجال في الطلب . PageV01P189 # """""" صفحة رقم 190 """""" # سيف الدولة يقيم الفداء مع الروم على شاطىء الفرات # : قال : وكان سيف الدولة أقام الفداء بشاطىء الفرات في سنة خمس وخمسين ~~وثلثمائة ، فأنفق عليه خمسمائة ألف دينار ، وأخرج كل من قدر على إخراجه من ~~أسارى المسلمين من بلد الروم ، واشترى كل أسير بثلاثة وثمانين دينارا وثلث ~~رومية ، من ضعاف الناس ، فأما الجلة ممن كان ms111 أسيرا ، ففادى بهم رؤساء كانوا ~~عنده أسرى من الروم . وكانت الحال هائلة فيما أخبرني جماعة حضروا ، يبقى ~~فخرها وثوابها له . فقال أبو الفرج قصيدة في ذلك ، أنشدنيها ، أولها : ما ~~المال إلا ما أفاد ثناء . . . ما العز إلا ما حمى الأعداء فقال فيها ، في ~~ذكر الفداء وفديت من أسر العدو معاشرا . . . لولاك ما عرفوا الزمان فداء ~~كانوا عبيد نداك ثم شريتهم . . . فغدوا عبيدك نعمة وشراء والأسر إحدى ~~الميتتين وطالما . . . خلدوا به فأعدتهم أحياء وضمنت نفس أبي فراس للعلا . ~~. . إذ منه أصبحت النفوس براء ما كان إلا البدر طال سراره . . . ثم انجلى ~~وقد استتم بهاء يوم غدا فيه سماحك يعتق . . . أسراء منك ويأسر الأمراء . PageV01P190 # """""" صفحة رقم 191 """""" # رأي أحد القضاة في الخليفة المقتدر # جرى في مجلس أبي يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله ، فقال بعض الحضار : كان ~~جاهلا . فقال أبي : فإنه لم يكن كذلك ، وما كان إلا جيد العقل ، صحيح الرأي ~~، لكنه كان مؤثرا للشهوات . ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يقول ، وقد ~~جرى ذكره بحضرته في خلوة : ما هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام ~~متتابعة ، حتى يصح ذهنه ، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه ، ولا أبصر ~~بالرأي ، وأعرف بالأمور ، وأسد في التدبير ، ولو قلت إنه إذا ترك النبيذ ~~هذه المدة ، في أصالة الرأي ، وصحة العقل كالمعتضد والمأمون ، ومن أشبههما ~~من الخلفاء ، ما خشيت أن أقع بعيدا ، وما يفسده غير متابعة الشرب ، ولا ~~يخبله سواها . PageV01P191 # """""" صفحة رقم 192 """""" # المؤتمن أبو القاسم سلامة يتحدث عن صحة تفكير الخليفة المقتدر # : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : سمعت المؤتمن أبا القاسم ~~سلامة ، أخا نجح الطولوني ، يقول : اجتمع علي بن عيسى وعلي بن محمد الحواري ~~، ونصر القشوري ، وأنا معهم ، على رأي عقدناه في بعض الأمور الكبار ، التي ~~حدثت في أيام المقتدر . فلما صح الرأي عندنا ، وتقرر في أنفسنا دخلنا على ~~المقتدر فعرضناه عليه ، واستأذناه في إمضائه . فقال لنا : هذا خطأ في الرأي ~~، والصواب كيت وكيت . ففكرنا فيما قال ، فوجدنا الصواب ms112 معه ، وقد خفي علينا ~~، فرجعنا عن رأينا لرأيه ، وعملنا عليه . PageV01P192 # """""" صفحة رقم 193 """""" # حديث القاضي أبي طالب ابن البهلول مع الخليفة المقتدر # : حدثني أبو الحسن ، قال حدثني القاضي أبو طالب ابن البهلول ، قال : حضرت ~~في بعض أيام المواكب ، باب دار الخلافة ، فوقفت في طياري ، والقضاة في ~~طياراتهم ، والقواد ، والكتاب ، نتوقع الإذن . فاستدعيت وحدي من بين القضاة ~~، فدخلت على المقتدر ، فوجدت أبا علي بن مقلة ، قائما بين يديه ، وهو ~~الوزير إذ ذاك . فقال لي المقتدر بهذا اللفظ والإعراب : قد كان أبوك عضدا ، ~~وأنت بحمد الله ، خلف منه ، وقد ترى كلب غلماني هؤلاء علي ، ومطالبتهم إياي ~~بالأموال ، ولو قد فقدوني لتمنوا أيامي ، وقد عزمت على بيع ضياعي ~~النمروديات بالأهواز ، فتكتب إلى خليفتك على القضاء بها ، في الاجتماع مع ~~أحمد بن محمد البريدي على بيع ذلك ، والمعاونة فيه . فقلت : إذا كان الأمر ~~من أمير المؤمنين أطال بقاءه ، بهذا الموضع من العناية ، خرجت أنا فيه . ~~فقال : لسنا نكلفك ذلك ، ولكن اكتب إلى خليفتك فيه . قال : فخرجت ، وامتثلت ~~أمره ، وكاتبت أبا القاسم علي بن محمد التنوخي ، وكان يخلفني إذ ذاك ، على ~~كور الأهواز ، وقصصت عليه ما جرى . ومضت الأيام ، وصرف ابن مقلة ، بأبي ~~القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد فأنفذ أبا الحسن بن الحرث صاحبه إلى ~~الأهواز ، صارفا للبريدي ، فزاد على من كان اشترى الضياع مالا عظيما . وكتب ~~إلي أبو القاسم التنوخي ، إنه قد استثنى من المال بجملة عظيمة لنفسه ، ~~وخنسها . وكانت في نفسي على ابن الحرث موجدة ، فأسررت ذلك في نفسي . ~~وانحدرت في يوم موكب على رسمي ، وكنا في طياراتنا ، إذ خرج خلفاء الحجاب ~~يطلبوني وحدي . PageV01P193 # """""" صفحة رقم 194 """""" # فصعدت ، والقضاة كلهم محجوبون ، فدخلت على المقتدر ، وبحضرته سليمان ، ~~وعلي بن عيسى ، وكان يسدده ، ويصل معه ، ويخاطب ويتخاطب على الأمور . فقال ~~لي المقتدر : قد أحمدنا ما كان من خليفتك على القضاء بالأهواز ، فيما كنا ~~تقدمنا به من أمر النيرمذيات ، وقد كاتب ابن الحرث إنه قد زاد على ~~المبتاعين زيادة قبلوها ، وامتنعوا عن أدائها إلا بعد ms113 أن أقول بلساني إني ~~قد أمضيت البيع ، وإني لا أقبل بعدها زيادة ، ولا أفعل هذا ، فاكتب إلى ~~خليفتك بأني قد قلت ذلك ، وأن يسجل لهم بما ابتاعوه . فأردت أذية ابن الحرث ~~فقلت يحتاج في المكاتبة إلى ذكر مبلغ الزيادة . فالتفت ، فنظر إلى علي بن ~~عيسى نظر منكر ، فرأيته يرتعد ، وقال له : مبلغ الزيادة كذا وكذا . فقال لي ~~: اكتب إلى خليفتك ، بأنها كذا وكذا . فدعوت له ، وانصرف . فلما وليت ، ~~ثقلت في مشيتي لأسمع ما يجري ، فسمعته يقول لعلي بن عيسى : أي شيء أقبح من ~~هذا ؟ كأنه أنكر لم لم يعرف مبلغ الزيادة أولا ، فيذكرها لي من غير أن ~~أحتاج إلى استدعاء علمها منه . قال : وكرر الإنكار ، قال : أي شيء أقبح من ~~هذا ؟ وأخرج عن الأدب فيه ؟ تحققا برسم الملوك في أن يتكلموا هم بجميع ما ~~يحتاجه إليه ، في جميع الأمور ، من غير تقصير يحوج المخاطب إلى مطالبتهم ~~بالزيادة في البيان . وأومأ في آخر كلامه ، إلى أني إن ذكرت ذلك عنه للناس ~~، غض منه ، ومن الملك . فسمعت علي بن عيسى ، يقول له : يا أمير المؤمنين ، ~~هذا خادمك ، وابن خادمك ، وغذي نعمتك ، ونشو دولتك ، ليس مثله من ظن به هذا . PageV01P194 # """""" صفحة رقم 195 """""" # الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر # : حدثني أبو علي الحسين بن محمد الأنباري الكاتب قال : سمعت دلوية الكاتب ~~، يحكي عن صافي الحرمي الخادم ، مولى المعتضد ، إنه قال : مشيت يوما بين ~~يدي المعتضد ، وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إلى باب دار شغب أم المقتدر ، ~~وقف يتسمع ويطلع من خلل الستر ، فإذا هو بالمقتدر ، وله إذ ذاك خمس سنين أو ~~نحوها ، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن ، وبين يديه ~~طبق فضة ، فيه عنقود عنب ، في وقت فيه العنب عزيز جدا ، والصبي يأكل عنبة ~~واحدة ، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة ، على الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا ~~، حتى فني العنقود ، والمعتضد يتمزق غيظا . قال : فرجع ، ولم يدخل الدار ، ~~ورأيته مهموما . فقلت : يا مولاي ms114 ، ما سبب ما فعلته ؟ وما قد بان عليك ؟ ~~فقال : يا صافي ، والله لولا النار والعار ، لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإن ~~في قتله صلاحا للأمة . فقلت : يا مولاي ، حاشاه ، أي شيء عمل ؟ أعيذك بالله ~~يا مولاي ، إلعن إبليس . فقال : ويحك ، أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد ~~سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولا بد من موتي ، وأعلم أن ~~الناس بعد موتي لا يختارون إلا ولدي ، وأنهم سيجلسون ابن عليا - يعني ~~المكتفي - وما أظن عمره يطول ، للعلة التي به ، قال صافي : يعني الخنازير ~~التي كانت في حلقه ، فيتلف عن قريب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا ~~يجدون بعده منهم أكبر من جعفر ، فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء ~~، هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثلما أكل ، وساوى بينه وبينهم ، ~~في شيء عزيز في العالم ، والشح على مثله في طباع الصبيان ، فتحتوي عليه ~~النساء ، لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال ، كما قسم العنب ، ~~ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور PageV01P195 ~~"""""" صفحة رقم 196 """""" # وتخرج الخوارج ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس ~~أصلا . فقلت : يا مولاي بل يبقيك الله ، حتى ينشأ في حياتك ، ويصير كهلا في ~~أيامك ، ويتأدب بآدابك ، ويتخلق بخلقك ، ولا يكون هذا الذي ظننت . فقال : ~~احفظ عني ما أقوله ، فإنه كما قلت . قال : ومكث يومه مهموما . وضرب الدهر ~~ضربه ، ومات المعتضد ، وولي المكتفي ، فلم يطل عمره ، ومات ، وولي المقتدر ~~، فكانت الصورة كما قال المعتضد بعينها . فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر ~~وهو يشرب ، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال ، فأخرجت إليه ، وحلت البدر ، وجعل ~~يفرقها على الجواري والنساء ، ويلعب بها ، ويمحقها ، ويهبها ، ذكرت مولاي ~~المعتضد ، وبكيت . قال : وقال صافي : كنت يوما واقفا على رأس المعتضد ، ~~فأراد أن يتطيب ، فقال : هاتم فلانا الطيبي ، - خادم يلي خزانة الطيب - ~~فأحضر . فقال له : كم عندك من الغالية ؟ فقال : نيف وثلاثون حبا صينيا ، ~~مما عمله عدة من الخلفاء . فقال : فأيها الطيب ؟ قال : ما عمله ms115 الواثق . ~~قال : أحضرنيه . فأحضره حبا عظيما ، يحمله خدم عدة ، بدهق ومصقلة ، ففتح ، ~~فإذا الغالية قد ابيضت من التعشيب ، وجمدت من العتق ، في نهاية الذكاء . ~~فأعجبت المعتضد ، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب ، فأخذ من لطاخته شيئا ~~يسيرا ، من غير أن يشعث رأس الحب ، وجعله في لحيته ، وقال : ما تسمح نفسي ~~بتطريق التشعيث على هذا الحب ، شيلوه ، فرفع . ومضت الأيام ، فجلس المكتفي ~~للشرب يوما ، وهو خليفة ، وأنا قائم على رأسه ، فطلب غالية ، فاستدعى ~~الخادم ، وسأله عن الغوالي ، فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه . PageV01P196 # """""" صفحة رقم 197 """""" # فاستدعى غالية الواثق ، فجاءه بالحب بعينه ، ففتح ، فاستطابه ، وقال : ~~أخرجوا منه قليلا ، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالا ، فاستعمل منه ~~في الحال ما أراده ، ودعا بعتيدة له ، فجعل الباقي فيها ، ليستعمله على ~~الأيام . وولي المقتدر الخلافة ، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه ~~، فأراد أن يتطيب ، فاستدعى الخادم ، وسأله ، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه ~~وأخاه . فقال : هات الغوالي كلها ، فأحضرت الحباب كلها ، فجعل يخرج من كل ~~حب ، مائة مثقال ، وخمسين ، وأقل ، وأكثر ، فيشمه ويفرقه على من بحضرته ، ~~حتى انتهى إلى حب الواثق ، فاستطابه . فقال : هاتم عتيدة . فجاءوه بعتيدة ، ~~وكانت عتيدة المكتفي بعينها ، ورأى الحب ناقصا ، والعتيدة فيها قدح الغالية ~~، ما استعمل منه كثير شيء . فقال : ما السبب في هذا ؟ فأخبرته بالخبر على ~~شرحه ، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ، ويضع منهما بذلك . ثم قال : فرقوا الحب ~~بأسره على الجواري ، فما زال يخرج منها أرطالا ، وأنا أتمزق غيظا ، وأذكر ~~حديث العنب ، وكلام مولاي المعتضد ، إلى أن مضى قريب من نصف الحب . فقلت له ~~: يا مولاي ، إن الغالية أطيب الغوالي وأعتقها ، ولا يعتاض منها ، فلو تركت ~~منها لنفسك ، وفرقت الباقي من غيرها كان أولى . قال : وجرت دموعي لما ذكرته ~~من كلام المعتضد ، فاستحى مني ، ورفع الحب . فما مضت إلا سنتين من خلافته ، ~~حتى فنيت تلك الغوالي ، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم . PageV01P197 # """""" صفحة رقم 198 """""" # يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي ms116 عملته السيدة أم المقتدر # : أخبرني غير أبي علي : إن تلك الغوالي كلها ، وما كان في الخزائن من ~~المسوك والعنابر ، استعمل كله في الوحل الذي كانت السيدة عملته . وخبر ~~الوحل مستفيض على ألسنة العوام ، فلا وجه للإطالة بذكره . ورأيت ، أهل ~~العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها ، يكذبون بذلك تكذيبا شديدا ، فلم ~~أورده لهذا السبب . PageV01P198 # """""" صفحة رقم 199 """""" # أنموذج من إسراف السيدة أم المقتدر # حدثني أبو الحسن البرسي ، العامل بالبصرة ، إن بعض بني إسحاق الشيرازي ~~المعروف بالخرقي ، ممن كان يعامل أم المقتدر ، أسماه هو وأنسيته أنا ، حدثه ~~: إنها طلبت منه في يوم يقرب من نيروز المعتضد ، ألف شقة زهرية خفاقا جدا . ~~قال : فبعثت في جمعها ، الرسل تكدني بالاستعجال ، والقهارمة يستبطؤوني ، ~~حتى تكاملت ، وصرت بها إلى الدار . فخرجت القهرمانة ، فقالت : اجلس في ~~الحجرة التي برسمك ، واستدع الخياطين ، وتقدم أن يقطعوا ذلك أزرارا على قدر ~~حب القطن ، ويحشونها من الخرق ، ويخيطونها ، ليجعل بدل الحب القطن ويشرب ~~دهن البلسان ، وغيره من الأدهان الطيبة الفاخرة ، وتوقد في المجامر البرام ~~على رؤوس الحيطان ليلة النيروز بدلا من حب القطن والنفط والمجامر الطين . ~~ففلت ذلك ، ومضت تلك الثياب الكثيرة الأثمان في هذا . قال ، وقال لي : كنت ~~أشتري لها ثيابا دبيقية ، يسمونها ثياب النعال . وذلك إنها كانت صفاقا ، ~~تقطع على مقدار النعال المحذوة ، وتطلي بالمسك والعنبر المذاب ، وتجمد ، ~~ويجعل بين كل طبقتين من الثياب ، من ذلك الطيب ما له قوام ، ونحن نفعل ~~بطاقات كثيرة كذا ، وتلف بعضها على بعض ، ثم تصمغ حواليها بشيء من العنبر ، ~~وتلزق حتى تصير كأنها قطعة واحدة ، وتجعل الطبقة الأولى بيضاء مصقولة ، ~~وتخرز حواليها بالإبريسم ، ونجعل لها شركا ، من إبريسم كلها ، كالشرك ~~المضفورة من الجلود ، وتلبس . قال : وكانت نعال السيدة من هذا المتاع ، لا ~~تلبس النعل إلا عشرة أيام ، أو حواليها ، حتى تخلق ، وتتفتت ، وتذهب جملة ~~دنانير في ثمنها ، وترمى . فيأخذون الخزان ، أو غيرهم ، فيستخرجون من ذلك ~~العنبر والمسك فيأخذونه . وهو يساوي جملة الدنانير . PageV01P199 # """""" صفحة رقم 200 """""" # أنموذج من إسراف الخليفة المقتدر # أخبرني أبو القاسم الجهني ms117 : إن المقتدر أراد الشرب على نرجس في بستان ~~لطيف ، في صحن دار من صغار صحونه . فقال بعض من يلي أمر البستان : سبيل هذا ~~النرجس أن يسمد قبل شرب الخليفة عليه بأيام ، فيحسن ويقوى . فقال هو ، ويلك ~~، يستعمل الخرء في شيء بحضرتي وأريد أن أشمه ؟ قال : بهذا جرت العادة في كل ~~ما يراد تقويته من الزروع . فقال : وما العلة في ذلك ؟ قال : لأن السماد ~~يحميه ، فيعنيه على النبات والخروج . قال : فنحن نحميه بغير السماد ، وتقدم ~~، فسحق من المسك بمقدار ما احتاج إليه البستان من السماد ، وسمد به . وجلس ~~يشرب عليه يومه وليلته ، واصطبح من غده عليه ، فلما قام ، أمر بنهبه . ~~فانتهب البستانبانون والخدم ، ذلك المسك كله من أصول النرجس ، واقتلعوه مع ~~طينة ، حتى خلصوا المسك ، فصار البستان قاعا صفصقا . وخرج من المال شيء ~~عظيم في ثمن ذلك المسك . PageV01P200 # """""" صفحة رقم 201 """""" # أنموذج من إسراف الخليفة الراضي # حدثني أبو إسحاق الطبري ، غلام أبي عمر الزاهد ، غلام ثعلب ، وكان منقطعا ~~إلى بني حمدون ، قال : حدثني أبو جعفر بن حمدون ، قال : كنا نشرب مع الراضي ~~بالله يوما ، في مجلس مغمى بالفاكهة الحسنة الفاخرة . فغرض من الجلوس فيه ، ~~فقال : افرشوا لنا المجلس الفلاني ، واطرحوا فيه ريحانا ونيلوفر فقط ، طرحا ~~فوق الحصر ، بلا أطباق ، ولا تعبية في مشام ، كما تفعل العامة ، وعجلوا ذلك ~~الساعة ، لننتقل إليه . قال : فلم تكن إلا لحظة ، حتى قالوا له : قد فرغنا ~~من ذلك . فقال لنا : قوموا ، فقمنا معه . فلما رأى المجلس ، قال للشرابية : ~~غيروا لون هذا الريحان بشيء من الكافور يسحق ويطرح فوقه ، فليس هو مليح ~~هكذا . قال : فأقبلوا يجيئون بصواني الذهب ، وفيها الكافور الرباحي المسحوق ~~أرطالا ، ويطرح فوق الريحان ، وهو يستزيدهم ، إلى إن صار الريحان كالمغطى ~~ببياض الكافور ، وكأنه ثوب أخضر ، قد ندف عليه قطن رقيق ، أو روضة عليها ~~ضرائب الثلج . فقال حينئذ : حسبكم . قال : فقدرت ما استعمل من الكافور ، ~~كان أكثر من ألف مثقال بشيء كثير . فشربنا عليه معه ، فلما قام ، أمر بنهبه ~~. فأخذ غلماني منه مثاقيل كثيرة ، لأنهم ms118 كانوا في جملة الخدم والفراشين ~~الغلمان الذي نهبوا ذلك . PageV01P201 # """""" صفحة رقم 202 """""" # الراضي يأمر لكل واحد من ندمائه بوزن الآجرة دراهم # : سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي ، وأنا إذ ذاك في حد الصبيان ، يحكي ~~لأبي ، حكاية طويلة عن الراضي ، فيها شعر له ، وقصة ، لم تعلق بذهني كلها ~~في الحال ، لصغري عن ذلك . فسأله أبي أن يمليها ، فأملاها على صاحب لأبي ~~كان جالسا بحضرته ، وكتبها على ظهر جزء كان قد قرأه عليه ، فيه أشعار ~~وأخبار غير ذلك . هو باق عندي ، وحصلت منها ما بقي في حفظي : إنه دخل إلى ~~الراضي ، وهو يبني شيئا ، أو يهدم شيئا - أنا الشاك - فأنشده أبياتا ، وكان ~~الراضي جالسا على آجرة حيال الصناع . قال : كنت أنا وجماعة من الندماء قيام ~~، فأمر بالجلوس بحضرته ، فأخذ كل واحد منا آجرة ، فجلس عليها . واتفق أني ~~أخذت آجرتين ملتزقتين بشيء من اسفيداج ، فجلست عليهما فلما قمنا ، أمر بأن ~~توزن جرة كل واحد منا ، ويدفع إليه بوزنها دراهم ، أو دنانير - الشك مني - ~~. قال : فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين ، بتضاعف وزن آجرتي على آجرهم . ~~حدثني علي بن الحسن الحاجي ، قال : حدثنا أبو الحسن العروضي ، معلم الراضي ~~ونديمه بهذا الحديث ، فذكر مثله ، ولم يذكر تضاعف جائزة الصولي ، إلا أنه ~~قال : كنت أنا وجماعة من الندماء . PageV01P202 # """""" صفحة رقم 203 """""" # ختم الراضي الخلفاء في أمور عدة # وللراضي فضائل كثيرة ، وقد ختم الخلفاء في أمور عدة ، منها : إنه آخر ~~خليفة له شعر . وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش ، والأموال . وآخر خليفة ~~بني . وآخر خليفة خطب على منبر في يوم جمعة . وآخر خليفة جالس الجلساء ، ~~ووصل إليه الندماء . وآخر خليفة كانت نفقته ، وجوائزه ، وعطاياه ، وخدمته ، ~~وجراياته ، وخزائنه ، ومطابخه ، وشرابه ، ومجالسه ، وخدمه ، وحجابه ، ~~وأموره ، جارية على ترتيب الخلافة الأولى . وآخر خليفة سافر بزي الخلفاء ~~القدماء . وآخر خليفة بعده المتقي ، وسافر المطيع غير سفر ، ولكن ليس كذلك . PageV01P203 # """""" صفحة رقم 204 """""" # أنموذج من إسراف المتوكل # حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : حدثني أبو محمد بن حمدون ، عن أبيه : إن ~~المتوكل اشتهى أن ms119 يجعل كل ما تقع عليه عينه ، في يوم من أسام شربه ، أصفر . ~~فنصبت له قبة صندل مذهبة ، مجللة بديباج أصفر ، مفروشة بديباج أصفر . وجعل ~~بين يديه الدستنبو والأترج الأصفر ، وشراب أصفر في صواني ذهب . ولم يحضر من ~~جواريه إلا الصفر ، عليهن ثياب قصب صفر . وكانت القبة منصوبة على بركة ~~مرصصة يجري فيها الماء ، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على ~~قدر ليصفر الماء ويجري من البركة ، ففعل ذلك . وطال جلوسه وشربه ، فنفد ما ~~كان عندهم من الزعفران ، فاستعملوا العصفر ، ولم يقدروا أنه ينفذ قبل سكره ~~، فيشترون منه ، فنفد . فلما لم يبق إلا قليل ، عرفوه ، وخافوا أن يغضب إن ~~انقطع ، ولا يمكنهم قصر الوقت من شري ذلك من السوق . فلما أخبروه أنكر لم ~~لم يشتروا أمرا عظيما ، وقال : الآن إن انقطع هذا تنغص يومي فخذوا الثياب ~~المصفرة المعصفرة القصب ، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من ~~الصبغ ، ففعل ذلك . ووافق سكره مع نفاد كل ما كان في الخزائن من هذه الثياب ~~. فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر ، وثمن الثياب التي هلكت ، فكان ~~قدر جميعه خمسين ألف دينار . ويشبه هذا ما اخبرنا به الجم الغفير : إن ~~الحسن بن سهل ، لما زف ابنته بوران إلى المأمون ، بفم الصلح ، انقطع بهم ~~الحطب في المطبخ يوم العرس ، أحوج ما كانوا إليه ، فعرفوه ذلك . فأمر الجيش ~~، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشربها وأمر بإيقاده تحت القدور ، ~~وبث الرسل في طلب الحطب . فاستعمل من ذلك الجيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب . PageV01P204 # """""" صفحة رقم 205 """""" # الوزير المهلبي يشتري لمجلس شرابه وردا بألف دينار # : وشاهدنا نحن ، أبا محمد المهلبي في وزارته ، وقد اشترى في ثلاثة أيام ~~متتابعة ، وردا بألف دينار ، فطرح في بركة عظيمة كانت له في دار كبيرة ، ~~تعرف بدار البركة ، وشرب عليه ، ونهب . وكان في البركة فواره حسنة ، فطرح ~~الورد فيها ، وفرشه في مجالسه . وكان لذلك شرح طويل . # أبو القاسم البريدي يشرب على ورد بعشرين ألف درهم # : وشرب أبو ms120 القاسم بن أبي عبد الله البريدي ، بالبصرة ، على ورد بعشرين ~~ألف درهم ، في يوم واحد ، على رخصه هناك ، واسترخاص السلطان لما يشتهيه ، ~~وطرح فيه عشرين ألف درهم خفافا ، وزنها عشرة آلاف درهم ، وشيئا كثيرا من ~~قطع الند المثاقيل اللطاف ، وقطع الكافور اللطاف ، والتماثيل ، ولعب به ~~شاذكلى ، وانتهب الفراشون الورد ، مع ما فيه من الدراهم والطيب . وقيل إن ~~ذلك المجلس قام عليه بثلاثة آلاف دينار مع جذور المغنيات ، وثمن الطيب ، ~~وما أنفق على المائدة ، والشراب ، والثلج ، ذلك اليوم . أخبر بهذا أبو ~~العباس النخاس المعروف بالشامي ، في الوقت ، وأنا أسمع ، وأرانا من الدراهم ~~شيئا ، وذكر إنه انتهبها مع الغلمان . PageV01P205 # """""" صفحة رقم 206 """""" # كان أبو العباس الشامي نخاسا فأصبح قوادا # : وكان هذا الشامي أمة وحدة في مذهبه ، فإنه كان يصحب أبا عبد الله ~~البريدي ، على طريق التنخس ، ويشتري الجواري السوذاج والمغنيات فيبيعهن ~~عليه . فربما كره جارية فردها عليه ، وما دار بينهما ميزان . ثم اتسع ذلك ~~البابا لأبي العباس ، فصار يستعمله مع الكافة ، ثم تجاوزه إلى بذل قيان له ~~، وإخراجهن بحضرته ، وأن يمازحهن ، ويلاعبهن الرجال ، ولا ينكر ذلك . وربما ~~تجاوزا هذا إلى غيره ، ولا ينكر ، ويجتعل عليه - فيما بلغني - من وجوه ~~كثيرة . # أبو العباس الشامي النخاس كان صفعانا طيبا : وكان ، مع هذا ، صفعانا طيبا # . فمن ذلك : إنه دخل يوما على أبي يوسف البريدي ، فصفعه بمخده ديباج حسنة ~~مثمنة . فأخذها الشامي ، وعدا ، ليسلمها إلى غلامه ، فيحملها إلى بيته . ~~فقال له أبو يوسف : قد أخذتها ويلك . قال : فأراد أطال الله بقاء سيدنا من ~~حيث جاءت ، ولا آخذها ؟ فقال : لا يا ماص كذا ، خذها ، لا بورك لك فيها . ~~فدفعها إلى غلامه . PageV01P206 # """""" صفحة رقم 207 """""" # أبو العباس الشامي النخاس يطلب من القاضي قبوله للشهادة # : ومنها : إنه كان مشهورا بالقيادة ، وكان يعادي بزازا بالبصرة ، يعرف ~~بالآدمي . فبلغه أن القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، عمل على قبوله ، ~~وما كان لذلك أصل ، وإنما كان إرجافا . فجاء إليه ، وكان منبسطا عليه ~~بالمزاح ، لمعرفته به . فقال له : أيها القاضي ، إن رأيت أن ms121 تقبل شهادتي . ~~فقال له القاضي : ما بلغ الأمر إلى قبول مثلك ، فأي شيء دعاك إلى هذا ، يا ~~أبا العباس ؟ ومازحه . قال : بلغني أنك تريد أن تقبل الآدمي ، وأنا وهو ~~جميعا : كنا نقود على البريدي ، فاقبلني أنا أيضا . فضحك وقال : لا لك أقبل ~~، ولا له . PageV01P207 # """""" صفحة رقم 208 """""" # الوزير المهلبي والشامي النخاس # وجاء إلى الأهواز ، بجارية له مغنية ، إلى أبي محمد المهلبي ، وكنت ~~بالأهواز . وحدثني بهذا الخبر جماعة مما شاهدوه من ندمائه . فغنت له ، ~~وكانت تجلس عنده للغناء ، وهو غير حاضر ، دفعات كثيرة . فقال له المهلبي ~~يوما ، وقد جرى بحضرته ذكر الجماع ، فأخذ الشامي يخبر عن نفسه ، بالعجز عنه ~~، لأنه كان قد نيف على الثمانين . فقال له المهلبي : فجاريتك يا أبا العباس ~~حبلى ، فمن أين هذا الحبل ؟ فقال : يا سيدي إذا ولدت ، سميت ابنها العباس ~~بن الحسن ، يعرض بأنه ابن الوزير ، يصلح للوزارة ، وإنه ابنك . فضحك ~~والجماعة منه . PageV01P208 # """""" صفحة رقم 209 """""" # أبو مخلد يستولي على دست مجلس معز الدولة # : أخبرنا أبو علي أحمد بن موسى حمولي ، صاحب معز الدولة ، قال : كنا يوما ~~قياما ، بحضرة مولانا الأمير - يعني معز الدولة - فدخل إليه أبو مخلد ، ~~فرأى تحته دست ديباج جديد ، حسن جدا ، قد استعمله بتستر ، وقام عليه بألفي ~~دينار . فقال له : أيها الأمير ، تنح عن الدست ، فإن عليه شيئا . فلم يفهم ~~الأمير مراده ، وتزحزح عن دسته ، فجذبه ، وحمل جزءا منه على كتفه ، وقام . ~~فقال له الأمير : يا بغاء - بكلام الديلم - إلى أين ؟ قال : إلى طياري أنقل ~~هذا الدست إليه أولا أولا كما ترى ، ومن يعارضني ؟ أو يجسر على ذلك ؟ قال : ~~فضحك الأمير ، وقال : ما يعارضك أحد . قال : فنقل ، يشهد الله ، الدست ~~بآلته كاملا ، على ظهره ، إلى طياره وأنا أراه ، حتى أخذه جميعه . أبو PageV01P209 ~~"""""" صفحة رقم 210 """""" # أبو مخلد يستولي على طنفسة رآها في مجلس الخليفة المطيع # : وكانت لأبي مخلد ، مروءة عظيمة ، وشهود للفرش خاصة . فدخل يوما إلى ~~أمير المؤمنين ، المطيع لله ، فرأى في المجلس طنفسة عظيمة خليفية من ورقم ~~أصفر ، فلما رآها تحير ms122 . فقال لأبي أحمد الشيرازي ، كاتبه : أريد أن أعمل ~~بهذه ، كما عملت بدست معز الدولة ، وكان قد اشتهر خبره في نقل الدست على ~~ظهره . فقال له أبو أحمد : مثل هذا لا يجوز أن يفعل بحضرة الخليفة ، لأن ~~الهزل لا يستعمل مع هؤلاء ، وخاصة هذا مجلس عام ، ولكن أنا أعيد استحسانك ~~لها ، وأستوهبها لك منه . فلما تفوض الموكب ، خرج أبو أحمد ، فوجده جالسا ~~في الدهليز . فقال : ما هذا أيها الشيخ ؟ قال : ترجع ، وتعرف مولانا ، أني ~~لا أبرح ، والله ، إلا بالطنفسة ، وإنما قبلت رأيك فوقرته ، وإلا كنت قد ~~أخذتها كما أخذت الدست . فرجع أبو أحمد ، وأخبره ، الخبر على شرحه ، فأمر ~~بحملها إلى طياره فحملت معه ، ثم انصرف . أخبرني أبو أحمد الفضل بن عبد ~~الرحمن بن جعفر الشيرازي بذلك . PageV01P210 # """""" صفحة رقم 211 """""" # ابن دية الأنماطي يقوم ثمن قسم من فرش أبي مخلد بمائتي ألف دينار # : وسمعت ابن دية الأنماطي ، وهو رئيس هذه الصناعة ببغداد ، ومن لم يشاهد ~~أحد بها من المتاع ما شاهده ، يخبر في مجلس حافل ، إنه شاهد لأبي مخلدفرشا ~~أخرجه إليه ليقومه له . قال : فقومته له ، قيما استرخصتها جدا ، فبلغت ~~القيمة مائتي ألف دينار ، ولا أدري ذلك فرشه كله ، أو له شيء آخر من الفرش سواه . PageV01P211 # """""" صفحة رقم 212 """""" # الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي القاضي : إن شيخا من ~~التجار ، كان له على بعض القواد مال جليل ، يماطله به . قال : فعلمت على ~~الظلامة إلى المعتضد ، لأني كنت إذا جئت إلى القائد حجبني ، واستخف بي ~~غلمانه . وكنت إذا تحملت عليه ، فاستشفعت ، لم ينجع فيه . وتظلمت إلى عبيد ~~الله بن سليمان منه ، فما نفعني . فقال لي بعض إخواني : علي أن آخذ لك ~~المال ، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة ولا إلى غيره ، فقم معي الساعة ~~. قال : فقمت معه ، فجاء بي إلى خياط في سوق الثلاثاء ، شيخ ، وهو جالس ~~يخيط ، ويقرىء في المسجد ، فقص عليه قصتي ، وسأله أن يقصد القائد فيسأله ~~إزاحة علتي ، وكانت داره ms123 قريبة من موضع الخياط ، فقام معنا . فلما مشينا ~~تأخرت ، وقلت لصديقي : إنك قد عرضت هذا الشيخ ، ونفسك ، وإياي ، إلى مكروه ~~غليظ ، هذا إذا حصل على باب الرجل ، صفع ، وصفعنا معه ، فإنه لم يلتفت ~~لشفاعة فلان وفلان ، ولم يفكر في الوزير ، يفكر في هذا ؟ فضحك الرجل ، وقال ~~: لا عليك ، امش واسكت . فجئنا إلى باب القائد ، فحين رأى غلمانه الخياط ~~أعظموه ، وأهووا ليقبلوا يده ، فمنعهم . وقالوا : ما جاء بك يا شيخ ؟ فإن ~~صاحبنا راكب ، فإن كان أمر نعمله نحن بادرنا إليه ، وإلا فادخل واجلس حتى ~~يجيء . فقويت نفسي ، فدخلنا ، وجلسنا . وجاء الرجل ، فلما رأى الخياط ، ~~أعظمه إعظاما تاما ، وقال : لست أنزع ثيابي ، أو تأمر بأمرك . فخاطبه في ~~أمري . فقال : والله ، ما عندي إلا خمسة آلاف درهم ، فسله أن يأخذها ، ~~ورهنا من مراكبي الفضة والذهب ، إلى شهر ، لأعطيه . PageV01P212 # """""" صفحة رقم 213 """""" # فبادرت أنا إلى الأجابة ، فأحضر الدراهم ، والمراكب بقيمة الباقي ، فقبضت ~~ذلك . وأشهدت الخياط وصديقي عليه ، بأن الرهن عندي ، إلى شهر على البقية ، ~~فإن جاز الأجل ، فأنا وكيل ببيعه ، وأخذ مالي من ثمنه ، فأشهدتهما على ذلك ~~، وخرجنا . فلما بلغنا إلى موضع الخياط ، طرحت المال بين يديه ، وقلت : يا ~~شيخ ، إن الله قد رد علي هذا بك ، فأحب أن تأخذ ربعه ، أو ثلثه ، أو نصفه ، ~~بطيب من قلبي . فقال : يا هذا ، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح ~~، انصرف بمالك ، بارك الله لك فيه . فقلت : قد بقيت لي حاجة . فقال : قل . ~~قلت : تخبرني عن سبب طاعة هذا لك ، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة . فقال : ~~يا هذا قد بلغت مرادك ، وأخذت مالك فلا تقطعني عن شغلي ، وما أعيش منه . ~~فألححت عليه . فقال : أنا رجل أؤم ، وأقرىء في هذا المسجد ، منذ أربعين سنة ~~، ومعاشي من هذه الخياطة ، لا أعرف غير هذا . وكنت منذ دهر ، قد صليت ~~المغرب ، فأخرجت أريد منزلي ، فاجتزت بتركي كان في هذه الدار ، فإذا قد ~~اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه ، فتعلق بها وهو سكران ، ليدخلها داره ، وهي ~~ممتنعة تستغيث ، وليس أحد يغيثها ms124 ، وتصيح ، ولا يمنعها منه أحد ، وتقول في ~~جملة كلامها : إن زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه ، فإن بيتني هذا ، ~~أخرب بيي ، مع ما يرتكبه مني من المعصية ، ويلحقه بي من العار . قال : فجئت ~~إلى التركي ، ورفقت به ، وسألته تركها ، فضرب رأسي بدبوس كان في يده . ~~فشجني ، وآلمني ، وأدخل المرأة . فصرت إلى منزلي فغسلت الدم ، وشددت الشجة ~~، واسترحت . وخرجت أصلي العشاء ، فلما فرغنا منها ، قلت لمن حضر : قوموا ~~معي إلى عدو الله ، هذا التركي ، ننكر عليه ، ولا نبرح ، حتى نخرج المرأة . PageV01P213 # """""" صفحة رقم 214 """""" # فقاموا ، وجئنا ، فضججنا على بابه ، فخرج إلينا في عدة من غلمانه ، فأوقع ~~بنا الضرب ، وقصدني من بين الجماعة ، فضربني ضربا عظيما ، كدت أتلف منه ، ~~فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف . فعالجني أهلي ، ونمت نوما قليلا للوجع ~~، وأفقت نصف الليل ، فما حملني النوم فكرا في القصة . فقلت : هذا قد شرب ~~طول ليلته ولا يعرف الأوقات ، فلو أذنت ، وقع له إن الفجر قد طلع ، فأطلق ~~المرأة ، فلحقت بيتها قبل الفجر ، فتسلم من أحد المكروهين ، ولا يخرب بيتها ~~، مع ما قد جرى عليها . فخرجت إلى المسجد متحاملا ، وصعدت المنارة ، فأذنت ~~، وجلست أطلع منها على الطريق ، أترقب منها خروج المرأة ، فإن خرجت ، وإلا ~~أقمت الصلاة ، لئلا يشك في الصباح ، فيخرجها . فما مضت إلا ساعة ، والمرأة ~~عنده ، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل ، وهم يقولون : من هذا الذي ~~أذن الساعة ؟ أين هو ؟ ففزعت وسكت ، ثم قلت أخاطبهم ، لعلي أستعين بهم على ~~إخراج المرأة . فصحت من المنارة : أنا أذنت . فقالوا لي : انزل ، فأجب أمير ~~المؤمنين . فقلت : دنا الفرج ، ونزلت ، فمضيت معهم ، فإذا هم غلمان مع بدر ~~. فأدخلني على المعتضد ، فلما رأيته هبته ، وارتعدت ، فسكن مني . وقال : ما ~~حملك على أن تغر المسلمين بأذانك في غير وقته ، فيخرج ذو الحاجة في غير ~~حينها ، ويمسك المريد للصوم ، في وقت أبيح له فيه الأفطار ؟ فقلت : يؤمني ~~أمير المؤمنين ، لأصدق ؟ فقال : أنت آمن على نفسك . فقصصت عليه قصة التركي ~~، وأريته الآثار التي بي . فقال : يا ms125 بدر ، علي بالغلام والمرأة ، الساعة ، ~~وعزلت في موضع . فلما كان بعد ساعة قليلة ، أحضر الغلام والمرأة ، فسألها ~~المعتضد عن الصورة ، فأخبرته بمثل ما قلته . فقال لبدر : بادر بها الساعة ~~إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها ، ويشرح له خبرها ، ويأمره عني بالتمسك بها ~~، والإحسان إليها . PageV01P214 # """""" صفحة رقم 215 """""" # ثم استدعاني ، فوقفت ، فجعل يخاطب الغلام ، وأنا قائم أسمع . فقال له : ~~يا فلان ، كم رزقك ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكم أعطاؤك ؟ قال : كذا وكذا . ~~قال : وكم وظائفك ؟ قال : كذا وكذا . قال : وجعل يعدد عليه ما يصل إليه ، ~~والتركي يقر بشيء عظيم . قال : فقال له : كم لك جارية ؟ قال : كذا وكذا . ~~قال : فما كان لك فيهن ، وفي هذه النعمة العريضة ، كفاية عن ارتكاب معاصي ~~الله عز وجل ، وخرق هيبة السلطان ؟ حتى استعملت ذلك ، وتجاوزته إلى الوثوب ~~بمن أمرك بالمعروف ؟ فأسقط الغلام في يده ، ولم يحر جوابا . فقال : هاتم ~~جوالق ، ومداق الجص ، وقيودا ، وغلا ، فأحضر ذلك . فقيده ، وغله ، وأدخله ~~الجوالق ، وأمر الفراشين ، فدقوه بمداق الجص . وأنا أرى ذلك ، وهو يصيح ، ~~ثم انقطع صوته ، ومات . فأمر به ، فغرق في دجلة ، وتقدم إلى بدر بحمل ما في ~~داره . ثم قال لي : يا شيخ أي شيء رأيت من أجناس المنكر ، كبيرا كان أو ~~صغيرا ، أو أي أمر ، صغيرا كان أو كبيرا ، فمر به وأنكره ، ولو على هذا ، ~~وأومأ بيده إلى بدر . فإن جرى عليك شيء ، أو لم يقبل منك ، فالعلامة بيننا ~~أن تؤذن في مثل هذا الوقت ، فإني أسمع صوتك فأستدعيك ، وأفعل مثل هذا بمن ~~لا يقبل منك ، أو بمن يؤذيك . قال : فدعوت له وانصرف . وانتشر الخبر في ~~الأولياء والغلمان ، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا لأحد ، أو كفا عن ~~قبيح إلا أطاعني ، كما رأيت ، خوفا من المعتضد . وما احتجت أن أؤذن إلى ~~الآن ، في غير وقت الآذان . PageV01P215 # """""" صفحة رقم 216 """""" # مثل على تيقظ المعتضد وعلو همته # حدثني أبي ، عن أبي محمد ابن حمدون ، قال : كنت بحضرة المعتضد ليلة شرب ، ~~إذ جاءه كتاب ، فقرأه وقطع الشرب ، وتنغص به ms126 . واستدعى عبيد الله بن سليمان ~~، فأحضر للوقت ، وقد كاد يتلف ، وظن أنه قد قبض عليه . فرمى بالكتاب إليه ، ~~فإذا هو كتاب صاحب خبر السر بقزوين إليه ، يقول : إن رجلا من الديلم ، وجد ~~بقزوين ، وقد دخلها متنكرا . فقال لعبيد الله : اكتب الساعة ، إلى صاحبي ~~الحرب والخراج ، وأقم قيامتهما ، وتهددهما عني بالقتل ، لم تم هذا ، وتشدد ~~في الإنكار ، وطالبهما بتحصيل الرجل ، ولو من تخوم الديلم ، وأعلمهما إن ~~دمهما مرتهن به ، حتى يحضرانه . وأرسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد ، ~~ولا يخرج إلا بجواز ، حتى لا تتم حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرا ، وأن ~~يزيدا في الحذر والتيقظ ، ونفذنا الناس إليهم ، وأفرط في التأكيد . فقال ~~عبيد الله : السمع والطاعة ، أمضي إلى داري ، فأكتب . فقال : لا ، إجلس ~~بمكانك ، واكتب بخطك ، واعرض علي . قال : فأجلسه ، وعقله ذاهل ، فكتب ذلك ، ~~وعرضه عليه ، فلما ارتضاه ، دعا بخريطة إلى حضرته ، فجعلت الكتب فيها ، ~~وأنفذها . وقال لعبيد الله : أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان ، ~~وسيرها عن ، وانصرف . فنهض عبيد الله ، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه ، وكان ~~قد لحقه تعب عظيم ، فاستلقى ساعة ، ثم عاد يشرب . فقلت له : يا أمير ~~المؤمنين ، تأذن في الكلام ؟ فقال : نعم . فقلت : كنت على سرور ، وطيب نفس ~~، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت به الساعة ، فضيقت صدرك ، ~~وقطعت شربك ، وتغصت على PageV01P216 ~~"""""" صفحة رقم 217 """""" # نفسك ، وروعت وزيرك ، وأطرت عقول عياله وأصحابه ، باستدعائه في هذا الوقت ~~المنكر ، حتى أمرته بهذا الذي لو أخرته إلى غد ، لكن جائزا . فقال : ابن ~~حمدون ، ليست هذه من مسائلك ، ولكنا أذنا لك في الكلام . إن الديلم شر أمة ~~في الدنيا ، وأتهمهم مكرا ، وأشدهم بأسا ، وأقواهم قلوبا ، ووالله ، لقد ~~طار عقلي فزعا على الدولة من أن تطرق إليهم دخول قزوين سرا ، فيجتمع فيها ~~منهم عدة ، يوقعون بمن فيها ويملكونها ، وهي الثغر بيننا وبينهم ، فيطول ~~أمد ارتجاعها منهم ، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم ، يكون ~~سببا لبطلان الدولة ، وتخيلت أني إن أمسكت عن ms127 التدبير ساعة ، إنه يفوت ، ~~وإنهم يحتوون على قزوين ، ووالله لو ملكوها ، لنبعوا علي من تحت سريري هذا ~~، واحتووا على دار المملكة ، فما هنأني الشرب ، ولا طابت نفسي بمضي ساعة من ~~زماني فارغة من تدبير عليهم . فعملت ما رأيت . PageV01P217 # """""" صفحة رقم 218 """""" # التفريط في حفظ حدود أذربيجان أدى إلى فساد المملكة # : وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : كنت حدثا في الديوان في ~~سنة سبع عشرة وثلثمائة ، والوزير إذ ذاك أحمد بن عبيد الله الخصيبي . ~~فأنشأنا من الديوان ، كتبا إلى ابن أبي الساج ، عن السلطان ، يأمره فيها ~~بالمسير إلى الحضرة ، لقتال القرمطي . فوردت الأجوبة للخليفة ، لا للديوان ~~. فسمعت مشايخ الكتاب ، يتحدثون عنه ، إنه كتب يقول : أنا في ثغر الروم ، ~~وبإزاء سد أحصن من سد يأجوج ومأجوج ، وإن أخللت به ، انفتح منه أعظم من أمر ~~القرمطي ، ولم يؤمن أن يكون سببا لزوال المملكة في سائر النواحي . قال : ~~فأخذ الكتاب يتطانزون بذلك ، وقالوا : في أي ثغر هو ؟ ومن بإزائه إلا ~~الديلم ، وإنما هم أكرة ، ولكنه يريد ترفيه نفسه ، والخلاف على السلطان . ~~قال : وأنشئت كتب أخر ، يؤمر فيها بترك ما هو بسبيله ، والقدوم ، فقدم وخرج ~~إلى القرمطي ، فقتله القرمطي . فما مضت إلا مديدة يسيرة ، على قتله ، حتى ~~سار القاسم بن الحسن الداعي العلوي ، وما كان الديلمي صاحب جيشه ، من ~~طبرستان إلى الري ، فأخذاها من يد أصحاب السلطان . وخرج أسفار بن شيرويه ~~الديلمي فسار إلى طبرستان ، فأخذها منهما . فرجع الداعي إليه ، فقاتله ، ~~فقتله أسفار ، وتوطأ له الأمر ، وسار إلى الري ، فقاتله ماكان . وثار ~~مرداويج ، وكان أحد أصحاب أسفار ، به ، فقتله ، واحتوى على عسكره ، وتملك ~~أعماله ، وأخذ الري ، والجبل ، والأعمال . وتفرقت أعمال ابن أبي الساج على ~~جماعة أهملوا سياستها . PageV01P218 # """""" صفحة رقم 219 """""" # واستفحل أمر الديلم ، وتزايد على الأوقات ، وضعف السلطان ، وانفتقت ~~الفتوق عليه ، وكثرت الفتن ، وقتل المقتدر . وجاء مرداويج إلى أصبهان ليسير ~~إلى بغداد . وقدم شيرج بن ليلى إلى الأهواز ، فتملكها . وكان الأمير عماد ~~الدولة علي بن بويه يخلفه على الكرج حينئذ ، فاستغوى من معه ms128 ، وسار بهم ~~فملك أرجان لنفسه . وهدده مرداويج بالمسير إليه ، فداراه ، ووعده أن يكون ~~من قبله ، وأنفذ الأمير ركن للدولة ، أخاه ، رهينة إليه . وسار فأوقع ~~بياقوت ، وهو في سبعمائة نفر من الديلم ، وياقوت في الطم والرم ، وملك فارس ~~، وظفر بأموالها ، وكنوزها ، فقوي ، وعمل مرداويج على إنفاذ عسكر إليه ، ~~ليأخذه ، ثم يسير إلى بغداد ، فوثب غلمانه الأتراك به ، فقتلوه ، وجاء ~~رجاله إلى الأمير عماد الدولة ، وقد كان ملك فارس ، وطرد ياقوت عنها ، فقوي ~~أمره ، وعظم شأنه . ومرت على ذلك سنيات ، فأنفذ أخاه الأمير معز الدولة إلى ~~الأهواز ، ولم يزل أمره يقوى ، حتى ملك بغداد . وحصل الأمر على ما قاله ~~المعتضد ، وابن أبي الساج ، وصاروا ملوك الأرض . وحصلت للديلم ممالك ، غير ~~ممالك الأمراء من بني بويه ، كثيرة ، بعد أن كان الناس يتمثلون إذا ظلموا ، ~~فيقولون : أي شيء خبرنا ؛ في يد الديلم نحن أم في يد الأتراك ؟ فصاروا في ~~ممالكهما وأيديهما . ونسأل الله السلامة . PageV01P219 # """""" صفحة رقم 220 """""" # مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، قال : حدثني أبو ~~علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي ، وكان ينادم المعتضد ، ويتجاسر عليه ~~، قال : كنا نشرب يوما مع المعتضد ، حتى دخل عليه بدر ، فقال : يا مولاي ، ~~قد أحضر القطان الذي من بركة زلزل . قال : فترك مجلس النبيذ ، وقام إلى ~~مجلس في آخر ذلك المجلس ، ودونه ، ونحن نراه ونسمع كلامه ، ومدت بيننا ~~وبينه ستارة ، ولبس قباء ، وأخذ بيده حربه ، وجلس كالمغضب المهول ، حتى ~~فزعنا نحن منه ، مع أنسنا به . وأدخل إليه شيخ ضعيف ، فقال له بصياح شديد : ~~أنت القطان الذي قلت أمس ما قلت ؟ فغشي على القطان ، فأمر به فعزل ناحية . ~~فلما سكن جاءوه به ، فقال : ويلك ، مثلك يقول ليس للمسلمين ناظر في أمورهم ~~، فأين أنا ؟ وأي شغل شغلي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل سوقي ، لا ~~أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامة ، وإنما اجتاز بنا رجل ~~بايعنا شيئا كان معه ، فوجدنا ميزانه ناقصا ، فقلت هذا الكلام ، وعنيت به ms129 ~~المحتسب لا غيره . فقال له المعتضد : الله ، إنك أردت به المحتسب ؟ فقال : ~~والله ما عنيت غيره ، وأنا تائب أن أتكلم بما يشبه هذا . فقال : يحضر ~~المحتسب ، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا ، ويؤمر بتعييره ~~، وتتبع الطوافين ، وأهل الأسواق ، والتعيير عليهم . وقال للشيخ : انصرف ، ~~لا بأس عليك ، ودخل ، فضحك ، وانبسط ، وعاد يشرب . فلما حمل علي النبيذ ، ~~قلت له : يا مولاي ، تعرف فضولي ، فتأذن لي في أن أقول ؟ فقال : قل . PageV01P220 # """""" صفحة رقم 221 """""" # قلت : كان مولانا في أطيب شرب ، وأتم سرور ، فتركه ، وتشاغل عنه بخطاب ~~كلب من السوقة ، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجالة صاحب الربع صيحة ، ~~ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته ، حتى غير له لبسته ، وشهر ~~سلاحه ، واستقصى خطابه بنفسه ، لأجل كلمة تقول العامة مثلها دائما ، ولا ~~يميزون معناها . فقال : يا حسن ، أنت لا تعلم ما يجر هذا الكلام ، إن مثل ~~هذا إذا انتشر على ألسنة العوام ، تلقفه بعضهم من بعض ، وتجرأوا عليه ، ~~وربوا على قوله ، حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ~~يبعد أن يولد ذلك لهم امتعاضا عند أنفسهم للسياسة والدين ، فتثور الفتن على ~~السلاطين . وليس شيء أبلغ في حسم ذلك ، من قطع مادته من الأصل في أوله . ~~فإن هذا ، مما جرى عليه ، قد طارت روحه ، فهو يخرج ، ويحدث بأضعاف ما لحقه ~~من الإنكار ، وأكثر مما شاهده من الهيبة والفخامة ، وفوق ما سمعه من ~~المطالبة بموجبات السياسة ، ومر الحقيقة ، فينتشر عند العوام ما نحن عليه ~~من التيقظ ، وإن كلمة تكلم بها الرجل منهم لم تخف علي ، وما غفلت عن مناظرة ~~صاحبها ، وعقابه فيعرفوني بذلك ، فيعنيني ذلك عن أفعال كثيرة ، ويحذر ~~جميعهم ، ويضبط نفسه ، وتنحسم مادة شر . لو جرى ، لأحتيج إلى ضروب من الكلف ~~غليظة في صلاحه ، قد انحسمت بيسير من القول والفعل . فأقبلنا ندعو له ~~ونطريه أنا والجماعة . PageV01P221 # """""" صفحة رقم 222 """""" # مثل على ضبط المعتضد أمر جنده وتشدده في منعهم من التعدي # : حدثني وكيل كان لأبي القاسم ابن ms130 أبي علان ، سلمه إلي بتوكيل في ضيعتي ~~بالأهواز ، وكان ابن أبي علان يقول إنه أسن منه ، وكان ثقة ، ما علمت ، ~~يقال له : ذو النون بن موسى ، قال : كنت غلاما ، والمعتضد إذ ذاك بكور ~~الأهواز ، فخرجت يوما من قرية بمناذر يقال لها شانطف ، أريد عسكر مكرم ، ~~ومعي حمار أنا راكبه ، وهو موقر بطيخا ، قد حملته من القرية لأبيعه في ~~البلد ، يعني العسكر . فلقيني جيش عظيم لم أعلم ما هو ، وتسرع إلي منهم ~~جماعة ، وأخذ واحد منهم ثلاث بطيخات أو أربعا ، وحرك . فخفت أن ينقص عدده ، ~~فأتهم به ، فبكيت ، وصحت ، والحمار يسير بي على المحجة ، والعسكر يجتاز ~~عليها . فإذا بكوبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد ، فوقف ، وقال : ما لك يا ~~غلام تبكي وتصيح ؟ فعرفته حالي ، فوقف بي ، ثم التفت إلى القوم ، فقال : هي ~~، علي بالرجل الساعة . قال : فكأنه كان وراءه ، حتى ورد في سرعة الطرف . ~~فقال : هذا هو يا غلام ؟ فقلت : نعم . فأمر به فبطح وضرب المقارع ، وهو ~~واقف ، وأنا على حماري ، والعسكر واقف . وجعل يقول ، وهو يضرب : يا كلب ، ~~يا كذا وكذا ، ما كان معك ثمن هذا البطيخ ؟ ما كان في حالك فضل لشرائه ؟ ما ~~قدرت تمنع نفسك منه ؟ هو مالك ؟ مال أبيك ؟ أليس هو الرجل الذي قد تعب ~~بنفسه في زرعه ، وسقيه ، وماله ، وأداء خراجه ؟ أليس كذلك ؟ أليس كذلك ؟ ~~يعدد عليه أشياء من هذا الجنس ، والمقارع تأخذه ، إلى أن ضربه نحو مائة ~~مقرعة . PageV01P222 # """""" صفحة رقم 223 """""" # ثم أمره برفعه ، فرفع ، وسار ، وسار الناس . فأخذ الجيش يشتمونني ، ~~ويقولون ، يضرب فلان بسبب هذا الأكار الخوزي ، لعنه الله ، مائة مقرعة . ~~فسألت بعضهم عن الخبر ، فقال : هذا الأمير أبو العباس . PageV01P223 # """""" صفحة رقم 224 """""" # شدة ضبط المعتضد عسكره # حدثني عبد الله بن عمر الحارثي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني أبو محمد ~~عبد الله بن حمدون ، قال : كان المعتضد ، في بعض متصيداته ، مجتازا بعسكره ~~، وأنا معه ، فصاح ناطور في قراح قثاء ، فاستدعاه ، وسأله عن سبب صياحه . ~~فقال : أخذ بعض الجيش من القثاء شيئا . فقال : أطلبوهم ، فجاءوا بثلاثة ms131 ~~أنفس . فقال : هؤلاء الذين أخذوا القثاء ؟ فقال الناطور : نعم . فقيدهم في ~~الحال ، وأمر بحبسه . فلما كان من الغد ، أنفذهم إلى القراح ، فضرب أعناقهم ~~فيه ، وسار . فأنكر الناس ذلك ، وتحدثوا به ، ونفرت قلوبهم منه . ومضت على ~~ذلك مدة طويلة ، فجلست أحادثه ليلة ، فقال لي : يا أبا عبد الله هل يعيب ~~الناس علي شيئا ؟ عرفني حتى أزيله . قلت : كلا ، يا أمير المؤمنين . فقال : ~~أقسمت عليك بحياتي ، إلا ما صدقتني . قلت : وأنا آمن ؟ قال : نعم . قلت : ~~إسراعك إلى سفك الدماء . قال : والله ، ما هرقت دما منذ وليت هذا الأمر ، ~~إلا بحقه . قال : فأمسكت إمساك من يتبين عليه الكلام . فقال : بحياتي ما ~~يقولون ؟ قلت : يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب ، وكان خادمك ، ولم تكن له ~~جناية ظاهرة . PageV01P224 # """""" صفحة رقم 225 """""" # قال : دعاني إلى الإلحاد ، فقلت له : يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة ، ~~وأنا الآن منتصب منصبه ، فألحد حتى أكون من ؟ وكان قال لي : إن الخلفاء لا ~~تغضب ، فإذا غضبت لم ترض ، فلم يصح إطلاقه . فسكت ، سكوت من يريد الكلام . ~~فقال لي : في وجهك كلام . فقلت : الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة أنفس ، ~~الذين قتلتهم في قراح القثاء . فقال : والله ، ما كان أولئك المقتولين هم ~~الذين أخذوا القثاء ، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا ، ووافق ~~ذلك أمر أصحاب القثاء ، فأردت أن أهول على الجيش ، بأن من عاث من عسكري ، ~~وأفسد بها القدر ، كانت هذه عقوبتي له : القتل ، ليكفوا عما فوقه ، ولو ~~أردت قتلهم لقتلتهم في الحال ، وإني حبستهم ، وأمرت بإخراج اللصوص في غد ~~مغطين الوجوه ، ليقال إنهم أصحاب القثاء ، ويقتلون بفعل ذلك . فقلت : كيف ~~تعلم العامة هذا ؟ قال : بإخراجي القوم الذين أخذوا القثاء ، أحياء ، ~~وإطلاقي لهم في هذه الساعة . ثم قال : هاتم القوم ، فجاءوا بهم ، وقد تغيرت ~~حالهم من الحبس والضرب . فقال لهم : ما قصتكم ؟ فاقتصوا عليه قصة القثاء . ~~فقال لهم : أفتتوبون من مثل هذا الفعل ، حتى أطلقكم ؟ فقالوا : نعم . فأخذ ~~عليهم التوبة ، وخلع عليهم ، ووصلهم ، وأمر بإطلاقهم ، ورد أرزاقهم عليهم . ~~فانتشرت الحكاية ms132 ، وزالت عنه التهمة . PageV01P225 # """""" صفحة رقم 226 """""" # بين المعتضد ونديمه ووزيره # حدثني أبي ، عن أبي محمد ، عبد الله بن حمدون ، قال : قال لي المعتضد ، ~~يوما ، وقد قدم إليه عشاء على النبيذ : لقمني . قال : وكان الذي قدم إليه ~~فراريج ، ودراريج ، فلقمه من صدر فروج . فقال : لا ، لقمني من فخذه . ~~فلقمته لقما . ثم قال : هات من الدراج ، فلقمته من أفخاذها . فقال : ويلك ، ~~هو ذا تتنادر علي ؟ هات من صدورها . فقلت : يا مولاي ، ركبت القياس ، فضحك ~~. فقلت له : إلى كم أضحكك ، ولا تضحكني ؟ قال : شل المطرح ، وخذ ما تحته . ~~قال : فشلته ، فإذا بدينار واحد . فقلت : آخذه هذا ؟ فقلت له : بالله ، ~~هوذا تتنادر أنت الساعة علي ؟ خليفة يجيز نديمه بدينار واحد ؟ فقال : ويلك ~~، لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا ، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من ~~مالي شيئا ، ولكن هوذا ، أحتال لك بحيلة ، تأخذ فيها خمسة آلاف دينار . ~~فقبلت يده . فقال : إذا كان غدا ، وجاء القاسم فهو ذا أسارك حين تقع عيني ~~عليه ، سرارا طويلا ، ثم ألتفت إليه كالمغضب ، وانظر أنت إليه من خلال ذلك ~~، كالمخالس لي ، نظر المترثي . فإذا انقطع السرار ، فستخرج ، ولا تبرح من ~~الدهليز . فإذا خرجت ، خاطبك بجميل ، وأخذك إلى دعوته ، وسألك عن حالك ، ~~فاشك الفقر والخلة ، وقلة حظك مني ، وثقل ظهرك بالدين والعيال ، وخذ ما PageV01P226 ~~"""""" صفحة رقم 227 """""" # يعطيك ، واطلب كل ما تقع عينك عليه ، فإنه لا يمنعك ، حتى تستوفي الخمسة ~~آلاف دينار . فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا ، فاصدقه ، وإياك أن تكذبه ~~، وعرفه أن ذلك ، حيلة مني عليه ، حتى وصل إليك هذا ، وحدثه بالحديث على ~~شرحه ، وليكن إخبارك إياه ، بعد امتناع شديد ، وإحلاف منه بالطلاق والعتاق ~~أن تصدقه ، وبعد أن تخرج من داره ، كل ما يعطيك إياه . فلما كان من غد ، ~~حضر القاسم ، فحين رآه ، بدأ يساررني ، وجرت القصة ، على ما واضعني عليه ، ~~فخرجت ، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني . فقال لي : يا أبا محمد ، ما هذا ~~الجفاء ؟ لا تجيئني ، ولا تزورني ، ولا تسألني حاجة ، فأقضيها لك ، فدعوت ms133 ~~له . فقال : ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ، ونتفرج . فقلت : أنا خادم ~~الوزير . فأخذني إلى طياره ، وجعل يسألني عن حالي ، وأخباري ، فاشكو إليه ~~الخلة ، والإضافة ، والدين ، وجفاء الخليفة ، وإمساك يده ، فيتوجع ، ويقول ~~: يا هذا ، مالي مالك ، ولن يضيق عليك ، ما اتسع علي ولا تتجاوزك نعمة ~~تخلصت إلي ، أو يتخطاك خط نازل بفنائي ، ولو عرفتني لعاونتك ، وأزلت هذا ~~عنك . فشكرته وبلغنا إلى داره ، فصعد ، ولم ينظر في شيء ، وقال : هذا يوم ~~أحتاج أن اختص فيه بالسرور بأبي محمد ، فلا يقطعني عنه أحد . فأمر كتابه ~~بالتشاغل بالأعمال ، وخلا بي في دار الخلوة ، وجعل يحادثني ويبسطني ، وقدمت ~~الفاكهة ، فجعل يلقمني بيده ، وجاء الطعام ، فكانت فكانت هذه سبيله ، وهو ~~يستزيدني . فلما جلس للشرب ، وقع لي بثلاثة آلاف دينار مالا ، فأخذتها في ~~الوقت . وأحضرني ثيابا ، وطيبا ، ومركوبا ، فأخذت ذلك . وكانت بين يدي ~~صينية فضة ، فيها مغسل فضة ، وخرداذي بلور ، وكوز وقدح بلور ، فأمر بحمله ~~إلى طياري . وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا ، له قيمة وافرة ، طلبته منه . ~~وحمل إلي فرشا نفيسا ، وقال : هذا للبنات . فلما تفوض المجلس ، خلا بي ، ~~وقال : يا أبا محمد ، أنت عالم بحقوقي عليك ، مودتي لك . فقلت : أنا خادم ~~الوزير . PageV01P227 # """""" صفحة رقم 228 """""" # فقال أريد أن أسألك عن شيء ، وتحلف لي أنك تصدقني عنه . فقلت : السمع ~~والطاعة ، فأحلفني بالله ، وبالطلاق ، والعتاق ، على الصدق . ثم قال لي : ~~بأي شيء ساررك الخليفة اليوم في أمري ؟ فصدقته عن كل ما جرى ، حرفا بحرف . ~~فقال : فرجت عني ، وأن يكون هذا كهذا ، مع سلامة نيته لي ، أسهل علي . ~~فشكرته ، وودعته ، وانصرف إلى بيتي . فلما كان من الغد ، باكرت المعتضد ، ~~فقال : هات حديثك . فسقته إلى آخره . فقال : احتفظ بالدنانير ، ولا يقع لك ~~، أنك تعامل بمثل هذا بسرعة . وحدثني أبو السري ، محمد بن عمر التازي ~~البغدادي ، ويعرف بابن عتاب السقطي ، قال : حدثني أبو الطيب واثق بن رافع ، ~~مولى ابن أبي الشوارب ، قال : حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون ، بهذا ~~الحديث ، فأورده بغير هذه الألفاظ ، والمعنى واحد . إلا أنه ليس ms134 في حكاية ~~واثق ، العشاء بالفراريج والدراريج ، ولا أن المعتضد وهب له دينارا . وأول ~~حكاية واثق عن ابن حمدون ، قال : شكوت إلى المعتضد ، ديني وإضاقتي ، فقال : ~~أما مالي فلا أطمع لك فيه ، ولكن أعمل لك حيلة ، وذكر الحكاية . PageV01P228 # """""" صفحة رقم 229 """""" # عاشق تسبب في قتل حبيبته وزوجها # ومن الأخبار المفردات ، والإتفاقات التي سمعناها ، وشاهدنا بعضها ، ما ~~أخبرني به أبو القاسم الجهني قال : كان في جواري ببغداد ، امرأة جميلة ~~مستورة ، ولها ابن عم يهواها ، كان ربي معها ، فعدل بها أبوها عنه ، إلى ~~رجل غريب ، زوجه بها ، فكان ابن العم ، يلزم بابها ، طمعا فيها ، وأحس ~~الزوج بذلك ، فكان يتحرز ، وكان خبيثا . فخرج يوما في بعض شأنه ، وأرادت ~~المرأة أن تتبرد ، فنزعت ثيابها ، وجلست عند البئر تغتسل ، وتركت خواتيم ~~الذهب ، كانت في يدها ، عند ثيابها في الدار ، وكانت لطيفة ، وفيها عقعق ~~مخلى في الدار ، فأخذ الخواتيم ، وخرج وهي في منقاره ، إلى الباب ، على ~~عادة العقاعق ، في أخذ كلما يجدونه وخبئه . فوافق خروجه ، اجتياز ابن عمها ~~، ورأى الخواتيم ، فسعى خلف العقعق ، وأخذها منه ، ولبسها ، وقعد بالباب ، ~~ليراه زوج المرأة ، فيظن أنه كان عندها ، فيطلقها ، فيتمكن هو من تزوجها . ~~فجاء الزوج ، فقام ابن العم مسلما عليه ، وتعمد أن يرى الخواتيم في يده ~~وانصرف ، فعرفها الزوج ، ودخل ، فرأى امرأته تغتسل ، فلم يشك إنه غسل جنابة ~~، وأن ابن العم قد ، قد وطئها . فقال لجارية كانت معهم : اذهبي في حاجة كذا ~~، فمضت فيها ، وغلق الباب ، وأضجع المرأة ، ولم يسلها عن شيء ، وقتلها . ~~وعادت الجارية ، فرأت ستها مقتولة ، فريعت ، وخرجت ، وصاحت ، فبدر الجيران ~~به ، وأهلها ، فقبضوا عليه ، وحمل إلى السلطان ، فقتل بها . فأخرج ابن العم ~~الحديث ، وكان ذلك سبب توبته ، ولزم العبادة ، وترك الدنيا إلى أن مات . PageV01P229 # """""" صفحة رقم 230 """""" # كلب يكشف عن قاتل سيده # ومنها : إن مبشر الرومي ، مولى أبي ، حدثني : إنه سمع مولى كان له قبل ~~أبي ، يعرف بأبي عثمان ، زكريا المدني ، ويقال له : ابن فلانة ، وكان هو ~~تاجرا جليلا ، عظيما ، كثير المال ، مشهورا بالجلالة ، ولاثقة ، والأمانة ، ~~يحدث ms135 : إنه كان في جواره ببغداد ، رجل من أصحاب العصبية ، يلعب بالكلاب . ~~فأسحر يوما في حاجة ، وتبعه كلب كان يختصه من كلابه ، فرده ، فلم يرجع ، ~~فتركه . ومشى ، حتى انتهى إلى قوم كانت بينه وبينهم عداوة ، فصادفوه بغير ~~حديد ، فقبضوا عليه ، والكلب يراهم ، فأدخلوه ، فدخل معهم ، فقتلوه ، ~~ودفنوه في بئر في الدار ، وضربوا الكلب ، فسعى ، وخرج وقد لحقته جراحة ، ~~فجاء إلى بيت صاحبه يعوي ، فلم يعبأوا به . وافتقدت أم الرجل ، ابنها ، ~~يومه وليلته ، فتبينت الجراحة بالكلب ، وأنها من فعل من قتل ابنها ، وأنه ~~قد تلف ، فأقامت عليه المأتم ، وطردت الكلاب عن بابها . فلزم ذلك الكلب ~~الباب ، ولم ينطرد ، فكانوا يتفقدونه في بعض الأوقات . فاجتاز يوما ، بعض ~~قتلة صاحبه بالباب ، وهو رابض ، فعرفه الكلب ، فخمش ساقه ، ونهشه ، وعلق به ~~. واجتهد المجتازون في تخليصه منه ، فلم يمكنهم . وارتفعت ضجة ، وجاء حارس ~~الدرب ، فقال : لم يتعلق هذا الكلب بالرجل ، إلا وله معه قصة ، ولعله هو ~~الذي جرحه . وخرجت أم القتيل ، فحين رأت الرجل ، والكلب متعلقا به ، وسمعت ~~كلام الحارس ، تأملت الرجل ، فذكرت أنه كان أحد من يعادي ابنها ويطلبه ، ~~فوقع في نفسها إنه قاتل ابنها ، فتعلقت به ، وادعت عليه القتل ، وارتفعا ~~إلى صاحب الشرطة ، فحبسه ، بعد أن ضرب ، ولم يقر ، ولزم الكلب باب الحبس . ~~فلما كان بعد أيام ، أطلق الرجل ، فحين أخرج من باب الحبس ، علق به الكلب ، ~~كما فعل أولا ، فعجب الناس من ذلك . وأسر صاحب الشرطة ، إلى بعض رجالته ، ~~أن يفرق بين الكلب والرجل ، ويتبع الرجل ويعرف موضعه ، ويترصده ، ففعل ذلك . PageV01P230 # """""" صفحة رقم 231 """""" # فما زال الكلب ، يسعى خلف الأول ، والراجل يتبعه ، إلى أن صار في بيته . ~~وأقبل الكلب يصيح ، ويبحث في موضع البئر التي طرح فيها القتيل . فقال ~~الشرطي : انبشوا موضع نبش الكلب ، فنبش ، فوجد الرجل قتيلا . فأخذ الرجل ، ~~وضرب ، وأقر على نفسه ، وعلى جماعة بالقتل ، فقتل هو ، وطلب الباقون ، ~~فهربوا . PageV01P231 # """""" صفحة رقم 232 """""" # خبأ ماله في برنية فعجل ذلك في سرقتها # : ومنها ، إن أبا الحسن ، أحمد بن يوسف الأزرق ، حدثني ، قال ms136 : كان لنا ~~صديق ، مستظهر على الزمان ، قد سلم على الحوادث ، عمره كله . فلما تواترت ~~الكبسات ليلا ببغداد ، خاف على مال عنده عتيد ، فجعل ثلاثة آلاف دينار عينا ~~، في برنية ، وحفر لها في عرض حائط ، كان بين بيتين من داره ، وكانت ~~الحفيرة قريبة من زاوية الحائط ، والزاوية على الطريق ، ومضى على هذا مدة . ~~فجاء اللصوص ، ينقبون على داره ، فوقع نقبهم على زاوية ، فقدروا أن الحائط ~~عرضا ، فنقبوا في طوله من حيث الزاوية ، فوصلوا إلى البرنية ، فأخذوها . ~~فلما شاهدوا ما فيها اكتفوا به ، وانصرفوا ، ولم يدخلوا الدار . وتضعضعت ~~حال الرجل . PageV01P232 # """""" صفحة رقم 233 """""" # الأمير عماد الدولة بن بويه تقع عليه حية فيجد كنزا # : ومنها : ما حدثني به أبو الحسن بن مهذب القزويني ، كاتب سوريل أحد قواد ~~الديلم ، قال : لما ملك الأمير عماد الدولة ، أحمد بن بويه ، شيراز ، ظهر ~~له من الكنوز القديمة ، والقريبة ، أمر عظيم ، على أوصاف طريفة . فكان منها ~~: إنه دخل مستراح دار الإمارة ، التي يسكنها ، فسقطت عليه حية من سقف ~~المستراح ، وكان أزجا عتيقا ، فارتاع لذلك ، وأمر بنقضه ، فوجد خمسين ألف ~~دينار عينا . PageV01P233 # """""" صفحة رقم 234 """""" # الأمير عماد الدولة يجد كنزا في خان مهجور # : قال : وكنت قائما بحضرته يوما ، فسعي إليه ببيت في خان في السوق ، وأن ~~فيه ودائع عظيمة القدر ، لبعض أصحاب ياقوت . فقال لي : امض فخذها . فجئت ، ~~وفتحت الباب ، وإذا بشيء كثير ، فاستدعيت كاتبا آخر ، وجلسنا نحصي . فوقعت ~~عيني على بيت في آخر الخان ، مقفل بعدة أقفال ، قد رثت ، لعتقها ، ووقع في ~~نفسي أن فيه وديعة أخرى لبعض أصحاب السلطان . فقلت للخاني : لمن هذا البيت ~~، وأي شيء فيه ؟ فقال : لا أدري ، إلا أنه مقفل منذ أكثر من ثلاثين سنة . ~~فقوي طمعي فيه ، فقلت : افتحوه ، ففتحوه ، فلم يجدوا فيه شيئا . فاستربت ~~بالأمر ، وقلت : بيت عليه عدة أقفال ، طول هذه السنين ، فارغ ؟ هذا محال ، ~~فتشوه . وفتش بدن الحائط ، فلم يجدوا شيئا . فقلعت بارية فيه ، وأمرت ~~بالحفر ، فحفر ، ولم نر شيئا . وعزمنا على الإنصراف ، فوجدنا خمس قماقم ~~مملوءة دنانير ، فحملناها إلى ms137 الأمير ، وحدثته بالحديث ، فوهب لي منها ، ~~ألف دينار . PageV01P234 # """""" صفحة رقم 235 """""" # الأمير معز الدولة يستخرج كنزا من المدائن # ومن ذلك : ما اخبرني به الحسن بن محمد الحسين الجبائي ، قال : حدثني أبو ~~الحسن الدامغاني ، صاحب معز الدولة : إنه كان جالسا في الدهليز ، في يوم ~~نوبة ، فجاء رجل يصيح : نصيحة . فقلت له : ما هي ؟ قال : لا أخبر بها إلا ~~الأمير . فدخلت ، فعرفته ، فقال : هاته ، فأدخلته إليه . فقال : أنا رجل ~~صياد بناحية المدائن ، وكنت أصيد ، فعلقت شبكتي في أسفل جرف بشيء ، ولم أدر ~~ما هو ، فخلصتها ، فتعذرت ، فغصت في الماء ، فوجدتها متعلقة بعروة حديد ، ~~فحفرت ، فإذا بقمقم مملوء ، فرددته إلى مكانه ، وجئت أعرف الأمير . فقال لي ~~: انحدر الساعة معه ، وأحضرني المال ، ورد الرجل إلي على حاله . فانحدرت ، ~~وجئت إلى المدائن العتيقة ، والجرف ، ووجدنا القمقم بحاله ، كما قال الرجل ~~. فتتبعت نفسي الطلب ، وأمرت بأن يحفروا ، ويطلبوا . فحفروا ، وأطالوا ~~الحفر كثيرا ، فوجدنا ثمانية قماقم أخر ، مالا . فحملت الجميع ، والرجل ، ~~إلى الأمير ، وحدثته بالحديث ، ففرح بذلك ، وقال : أعطوا الرجل من المال ~~عشرة آلاف درهم ، واصرفوه . فقال الرجل : لا أريد ذلك ، ولا حاجة لي إليه . ~~فقال له الأمير : ولم ؟ قال : أريد أن تهب لي الصيد في تلك الناحية ، وتأمر ~~بأن يمنع كل أحد من أن يصطاد فيها غيري . فكتب له بذلك . PageV01P235 # """""" صفحة رقم 236 """""" # كردك النقيب الديلمي يغتال مستأمنا طمعا في ماله # : ومنها : ما جرى في عصرنا ، وأخبرت به ، من أمر كردك النقيب : وذلك ، إن ~~معز الدولة ، أنفذه إلى رجل بعمان ، يقال له النوكاني ، كان قد ملكها عقيب ~~انقراص بني وجيه ، ملوكها ، فراسله في تسليمها إليه ، وتهدده بالجيش . وكان ~~الرجل تاجرا موسرا ، إلا أن أهل البلد ملكوه ، فملك . فلما جاءته الرسالة ، ~~انحل ، وأجاب إلى تسليم البلد . وخلع على كردك ورده . فاضطرب أهل البلد ~~عليه ، وجيشه ، وثاروا به ، وقبضوا عليه ، وخيروه موضعا ينفى إليه ، فاختار ~~البصرة . وجمع متاعه ، وأمواله ، وصكاك ضياعه وعقاره ، بعمان ، والبصرة ، ~~وحسابه ، وثبت ودائعه ، وذخائره ، وكل ما يملكه ، قليل ، وكثير ، وعتيد . ~~قال : وجعله في مركب ms138 ، وخطف يريد البصرة ، وقد احتوى مركبه على مال كثير . ~~فلقيه كردك في الطريق يريده ، وعنده أنه بعمان ، بجواب الرسالة . فلما رآه ~~طرح إليه ، فعرفوه خبره ، فوجده في نفر يسير ، فطمع فيه ، وبات معه في ~~مركبه ، ونقل إليه من غلمانه قطعة . فلما كان الليل ، قيده ، وطرحه في ~~البحر ، واحتوى على جميع ما في المركب ، ونقل ، إلى مركبه ، من الجواهر ، ~~والطيب ، وفاخر المتاع ، والجواري ، وما أراد ، وترك الباقي في المركب . ~~وسار حتى أتى معز الدولة ، فعرفه ما عمل ، وسلم إليه عقود الضياع ، وثبت ~~الودائع ، واستوهب منه من بقي من الجواري ، وأشياء أرادها أيضا من المتاع ، ~~فوهبها له . وطاح دم الرجل . وقبض الأمير الضياع ، وأمر ببيعها ، فبيعت ، ~~وقد شاهدت بيعها . وبلغني ، أن المشترين ، كانوا يستلمون كتب الرجل بشرائها ~~، فتسلم إليهم . PageV01P236 # """""" صفحة رقم 237 """""" # ابن الحراصة يضمن القمار والفجور ببغداد وحماية اللصوص بألفي درهم في كل شهر # : ومن ذلك : ما كان يجري ببغداد من رجل يعرف بابن الحراصة ، نفاط ، مع ~~قائد من قواد الديلم ، يقال له أبو الحسن شيرمردي بن بلعباس قاضي الديلم . ~~وكان هذا النفاط ، مظهرا للقمار ، والعيارة ، والفجور ، وبيع الخمور ، ~~وتأوي إليه اللصوص ، فلا ينكر أحد ذلك عليه ، لأجن شيرمردي ، وضمانه ذلك ~~منه ، بألفي درهم ، في كل شهر . وبلغني : أنه كان إذا عجز عليه مال الضمان ~~، قبض على من يجتاز ببابه ، ويدخلهم فيها ، ويقال لهم : إما وطئتم ما ~~تريدون ، وزنتم كذا وكذا ، أو لا ، فزنوه وانصرفوا ، ولا يخرجون إلا بذلك . ~~وكان ينزل الجانب الشرقي ، بقرب الجسر ، وباب الطاق ، في الموضع المعروف ~~ببين القصرين ، بدار الجاشياري ، على دجلة . PageV01P237 # """""" صفحة رقم 238 """""" # ابن الحراصة ترتكب الفاحشة في داره علانية # فحدثني أبو الحسن ، أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : اجتزت بداره من الشط ، ~~فرأيت في صحنها ، ظاهرا بغير استتار ، نفسين يتجامعان . فقلت لمن كان معي ~~في السمارية ، اعدلوا بنا ننكر هذا . فطرحنا إليهما ، وأخذت الجماعة ~~ترجمهما من الشط ، وتستنفر الناس . فقال بعض من معنا : لعنكما الله ، ما ~~كان في الدار بيت تدخلون فيه ؟ فذكرت في الحال ms139 ما جاء عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : عند ظهور المنكر ، أشد الناس أمرا بالمعروف ، من يقول ألا ~~تواريتما ، أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) . ونزل إلينا أصحاب ابن ~~الحراصة ، فخفنا منهم على نفوسنا ، وجلسنا في السمارية ، وانصرفنا . فلم ~~يزل كذلك ، إلى أن زاد ، وأكثر على معز الدولة في استقباح ذلك ، فأمر بكبسه ~~، فهرب ، وتفرقت جموعه . PageV01P238 # """""" صفحة رقم 239 """""" # إمرأة تشوي ولدها وتأكله # ومنها : إن أحمد بن إبراهيم الجعفي ، أحد شهودي - كان - بقصر ابن هبيرة ، ~~وأنا أتقلدها ، إذ ذاك ، أخبرني : إنه شاهد في وقت الغلاء الشديد الذي كان ~~ببغداد ، ونواحيها ، في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، امرأة قد شوت ولدها ، ~~وجلست تأكله . ففطن المسلمون بها ، فأخذوها ، وبقيت معها حتى حملوها إلى ~~السلطان ، فقتلها . وقد أخبرني عدد كثير من أهل بغداد ، أن هذا جرى عندهم ~~في هذا الوقت ، وأنهم شاهدوه . واختلف علي قول بعضهم ، لأن فيهم من قال : ~~شوت ابنا لجارة كانت لها ، ومنهم من قال : ابنا لها ، ومنهم من قال : ابنة ~~جارتها . وأي شيء حصل له من ذلك ، فهو طريف عظيم . PageV01P239 # """""" صفحة رقم 240 """""" # عشرون ألف درهم ثمن كر واحد من الحنطة # : حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي ، قال : حدتني أبو عبد الله الموسوي ~~العلوي ، البغدادي : إنه باع في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، عند اشتداد ~~الغلاء ، على معز الدولة ، وهو محاصر ، مقيم بظاهر بغداد من الجانب الغربي ~~، كرا معدلا حنطة ، بعشرين ألف درهم . قال : ولم أخرج الغلة حتى تسلمت ~~المال ، وحصل في داري ، ثم أخرجت الغلة فاكتالوها ، وأخذوها . فنعوذ بالله ~~من مثل هذه الأحوال . PageV01P240 # """""" صفحة رقم 241 """""" # أبو الفرج الببغاء يمتدح الأمير سيف الدولة # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المعروف بالببغاء ، لنفسه ~~قصيدته إلى سيف الدولة ، يذكر وقعة كانت له مع بعض العرب ، وهي : عدل ~~الصوارم أعدل الأحكام . . . وشبا الأسنة أكتب الأقلام أخلق بمن كفر الغنى ~~أن يغتدي . . . كفرانه سببا إلى الإعدام من كان في الإكرام مفسدة له . . . ~~فهوانه أولى من الإكرام . هذا البيتان من الأمثال ms140 الجياد ، التي يجب أن ~~تسير . وفي هذه القصيدة أشياء حسان ، منها قوله : فتركتهم صرعى كأنك بالظبي ~~. . . عاطيتهم في الروع كأس مدام متهاجرين على الدنو كأنما . . . أنفت ~~رؤوسهم من الأجسام . PageV01P241 # """""" صفحة رقم 242 """""" # علو نفس أبي جعفر القاضي # حدثني أبي ، رضي الله عنه ، قال : حدثني سهل بن عبد الله الإيذجي ، وكان ~~أحد شهودها ووجوهها ، ويخلفني على القضاء ، وغيري ، بها طويلا ، قال : ~~حدثني أبي ، وكان رئيس البلد ، ومن وجوه شهوده : أن أبا جعفر ، محمد بن ~~منصور القاضي ، لما تقلد كور الأهواز ، من قبل المتوكل ، أول دفعة ، ووردها ~~، احب أن يطوف عمله . قال : وكان شديد الشرف ، عظيم النعمة والنفقة في ~~مروءته ، حتى إنه كان يستعمل في مطبخه ، بدلا من الشيرج ، دهن اللوز ~~والجلوز . وكان في داره رحى لطيفة ، يديرها حمار له ، يستخرج عليها دهن ~~اللوز دائما . وكان يستعمل في مطبخه ، من اللحم ، والدجاج ، والفراخ ، ~~والحملان ، والجداء ، أكثر مما يتخذه الوزراء ، في كثير من الأمور . فقدم ~~علينا ، فأبعدنا في تلقيه ، وسألناه النزول علينا ، فامتنع . وقال : لا ~~يجوز للقاضي أن ينزل على أحد . فقلنا له : فنفرغ لك أحد المنازل ، فكأنه ~~أجاب إلى هذا . وسبقناه إلى البلد ، فأخلينا له دارا من دورنا ، وجاء فيها ~~فنزل . فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفا منا ، أو شيئا ، قليلا أو كثيرا ، ~~فامتنعوا ، وقالوا : إنه متى علم أنكم فعلتم ذلك ، صارت عداوة ، وما قبل ~~لأحد من خلق الله شيئا قط . فلما كان بعد أسبوع استدعاني ، فقال لي : يا ~~أبا محمد ، كيف سعر الخبز عندكم ؟ فقلت : خمسون رطلا بدرهم . فقال : ~~فالدجاج ؟ فقلت : ثلاث بدرهم . فقال : فالفراخ ؟ PageV01P242 # """""" صفحة رقم 243 """""" # فقلت : ستة بدرهم . قال : فالجداء ؟ فقلت : أجود جدي بدرهمين . وأخذ ~~يسائلني عن العسل ، والسكر ، وحوائج السقط ، وغير ذلك . من الفواكه ، ~~والثلج ، وأنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة ، بالذي يشترى لنا ، ولسائر ~~الناس مثله ، ويقول : أهكذا يشترى لكم ؟ فأقول : نعم . فلما استتم الكلام ، ~~قال : يا غلام ، قل للموكلين ، والفراشين ، أن يحملوا ، ويشدوا الثقل على ~~البغال والجمال ، وتقدم إلى الغلمان بالمسير مع السواد ، وأن يتخلف معي ms141 ~~للركوب من جرت عادته بذلك ، وأسرجوا لي الدواب والعمارية ، فقلت : أحدث ، ~~أعز الله القاضي ، أمر ؟ . فقال : نعم ، إنني أحاسب وكيلي ، في كل أسبوع ~~يوما ، على ما ينفقه في طول الأسبوع ، ولما كان البارحة ، حاسبته ، فرفع ~~إلي من أسعار ما اشتراه ، مثل ما ذكرت ، فكدت أن أوقع به ، ولم أشك في أنكم ~~قد دسستم إلى الباعة ، أن يبيعوه بهذا السعر ، إرفاقا لنا ، لما امتنعنا من ~~قبول هداياكم ، ثم توقفت عن الإيقاع به ، إلى أ، أسألك عن الصورة ، وأكشف . ~~فلما جئتني اليوم ، وسألتك ، وأنت عندي مقبول الشهادة ، وقلت لك ، أن ~~تخبرني ، كيف تشتري أنت وأهل البلد ، فأخبرتني أنك وهم تشترون بهذا ، علمت ~~أن هذا بلد لا تقوم فيه مروءة لشريف ، وأن الضعيف والشريف فيه يتساويان في ~~اللذات والمروءات ، فلا حاجة لي بالمقام فيه ، ولا بد أن أرحل الساعة ، ~~وأجعل مقامي بحيث تبين مروءتي ، وتظهر نعمة الله عندي . قال : ورحل عنا من يومه . PageV01P243 # """""" صفحة رقم 244 """""" # الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده # وحدثني أبي ، رضي الله عنه ، إن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز ، حدثه ~~وذكر هو الشاهد وأنسيته أنا ، عن أبيه أو بعض أهله ، قال : كان محمد بن ~~منصور ، يتقلد القضاء بكور الأهواز ، وعمر بن فرج الرخجي ، يتقلد الخراج ~~بها . وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية ، فلا يذهب القاضي إلى الرخجي ~~إلا بعد أن يجيئه ، ويتشاحان على التعظيم . وترد كتب الخليفة إليهما ، ~~بخطاب واحد ، قال : وتولدت من ذلك ، عداوة بينهما ، فكان الرخجي يكتب في ~~القاضي ، إلى المتوكل ، فلا يلتفت إلى كتبه ، لعظم محله عند المتوكل ، ~~ويبلغ ذلك القاضي ، فيقل الحفل به ، ويظهر الزيادة في التعاظم عليه . فلما ~~كان في بعض الأوقات ، ورد كتاب المتوكل ، على الرخجي ، يأمره بأمر في معنى ~~الخراج ، وأن يجتمع مع محمد ابن منصور القاضي ، ولا ينفرد عنه ، وورد ~~بالكتاب ، خادم كبير من خدم السلطان . فأنفذ الرخجي إلى القاضي ، فأعلمه ، ~~وقال : يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر . فقال القاضي : ~~ولكن تصير أنت إلى الجامع ، فنجتمع فيه ، وتردد ms142 الكلام بينهما ، إلى أن قال ~~الرخجي للخادم : ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين ، واذكر القصة ، وإن قاضيه ~~يريد إيقاف ما أمر به . وبلغه الخبر ، فركب محمد بن منصور ، إلى الديوان ، ~~ومعه شهوده ، فدخله ، والرخجي فيه في دست ، وكتابه بين يديه ، فلما بصروا ~~به ، قاموا إليه ، إلا الرخجي . فعدل القاضي عن موضعه في الديوان ، فجلس في ~~آخر البساط ، بعد أن أمر غلامه ، فطوى البساط ، وجلس على البارية ، وحف ~~شهوده به ، وجاء الخادم ، فجلس عند القاضي ، وأوقفه على الكتاب . PageV01P244 # """""" صفحة رقم 245 """""" # ولم يزل الرخجي ، يخاطب القاضي ، وبينهما مسافة ، حتى فرغوا من الأمر . ~~فلما فرغوا ، قال الرخجي ، للقاضي : يا أبا جعفر ، ما هذه الجبرية ؟ لا ~~تزال تتورع بي ، وتتحكك بمنافرتي ومضاهاتي ، وتقدر أنك عند الخليفة - أطال ~~الله بقاءه - مثلي ، ومحلك يوازي محلي . قال : وأسرف في هذا الجنس من الفن ~~، وحمي في الخطاب ، والقاضي ساكت . إلى أن قال الرخجي ، في جملة الكلام : ~~والخليفة - أعز الله نصره - لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته ~~، ولقد أخذت من ماله ، ألف ألف دينار ، وألف ألف دينار ، فما سألني عنها . ~~وإنما إليك أن تحلف منكرا على حق ، أو تفرض على لامرأة على زوجها ، أو تحبس ~~ممتنعا عن أداء حق . وأخذ يعدد هذا وشبهه ، وأبو جعفر ، كلما ذكر الرخجي ~~ألف ألف دينار ، وثنى القول ، يعدد بأصابعه ، وقد كشفها ليراها الناس . ~~فلما أمسك عمر ، لم يجب بشيء ، وقال : يا فلان الوكيل . قال : لبيك أيها ~~القاضي . قال : سمعت ما جرى ؟ قال : نعم . قال : قد وكلتك لأمير المؤمنين ~~وللمسلمين ، على هذا الرجل في المطالبة بهذا المال . فقال له الوكيل : إن ~~رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين . قال : والرخجي ممسك ، والناس ~~حضور على بكرة أبيهم ، لا يدرون ما يريد أن يفعل . قال : فأخذ محمد بن ~~منصور دواة ، وكتب بخطه في مربعة سجلا بذلك المال . ورمى به إلى الشهود ، ~~وقال : اشهدوا على إنفاذ الحكم بما في هذا الكتاب ، وإلزامي فلان ابن فلان ~~، هذا ، وأومأ بيده إلى الرخجي ، بما أقر به ms143 عندي من المال المذكور مبلغه ~~في هذا كتاب للمسلمين . وكتب PageV01P245 ~~"""""" صفحة رقم 246 """""" # الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك ، وختموها ، وأخذها محمد ابن منصور ، وجعلها ~~في كمه ، ونهض . وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي ، ويظهر التهاون بفعله ذلك . ~~وقال له لما أراد القيام ، طانزا : يا أبا جعفر ، بالغت في عقوبتي ، قتلتني ~~. فقال أبو جعفر : إي والله . فما سمعناه أجابه بغيرها ، وافترقا ، وكتب ~~صاحب الخبر ، للوقت إلى المتوكل . قال : فبلغنا أن كتابه لما عرض على ~~المتوكل ، أحضر وزيره ، وقال له : يا فاعل يا صانع ، أنا أقول لك منذ دهر ، ~~حاسب هذا الخائن المقتطع ، الرخجي ، على أموالنا ، وأنت تدافع ، حتى حفظها ~~الله علينا ، بقاضينا محمد بن منصور ، ورمى إليه بكتاب صاحب الخبر . وقال ~~له : قد ظهرت الآن أموالنا ، في سقطات قوله ، وفلتات لسانه ، وهذه عادة ~~الله عز وجل عند أئمة عباده ، أن يأخذ لهم أعداءهم ، أكتب الساعة بالقبض ~~على الرخجي ، وتقييده ، وغله ، وحمله . قال : فخرج الوزير ، وهو على غاية ~~القلق ، لعنايته بالرخجي ، واستدعى خليفته وقال له : أكتب إليه الساعة ، قد ~~تسرعت يا مشوم ، وقتلت نفسك ، ما كان الذي دعاك إلى معاداة القضاة ؟ ، قد ~~جرى كيت وكيت ، وأنت مقتول إن لم تتلاف أمر محمد بن منصور ، فاجتهد فيه ، ~~وأعلمه ، أني هو ذا ، أؤخر اليوم فقط ، في إنفاذ من يقبض عليه ، إلى أن ~~يحكم أمره مع القاضي ، وأقول للخليفة : أني قد أنفذت إليه ، وأنفذ إليه في ~~غد ، من يمتثل الأمر فيه . فلما ورد كتابه على الرخجي ، قامت قيامته ، ~~وأحضر من يختص به ، فشاوره . فقال له : تركب الساعة إليه وتطرح نفسك عليه . ~~قال : فركب إليه ، في موكب عظيم ، فحجبه القاضي . فاجتهد في أن يوصله إليه ~~، فما كان إلى ذلك طريق ، فرجع خجلا . وقال لأصحابه : ما ترون ؟ فإني أخاف ~~أن يقدم العشية من يقبض علي . PageV01P246 # """""" صفحة رقم 247 """""" # فقالوا له : إن للقاضي رجلا تانئا ، من أهل البلد ، يقال له : فلان ، قد ~~اصطنعه ، وائتمنه ، ويريد قبول شهادته ، وهو غالب عليه جدا ، فتستدعيه ، ~~وتكتب له روزا بشيء من خراجه ، وتسأله أن يوصله ms144 إليه ، ويستصلحه لك . ~~فأحضره الرخجي ، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه ، وسأله ذلك . فقال له : ~~أما استصلاحه لك ، فلا أضمنه ، ولكن أوصله إليك . فقال له : قد رضيت . فقال ~~: إذا كان وقت المغرب ، فانتظرني ، وخرج الرجل . فلما كان وقت المغرب ، صار ~~إلى الرخجي ، فقال : تلبس عمامة ، وطيلسانا ، وتركب حمارا ، وتجيء . قال : ~~ففعل ذلك ، وركبا بغير شمعة . وجاء الرجل ، فقال للحاجب : استأذن لي على ~~القاضي ، ولصديق لي معي ، فدخل إليه وخرج فقال : ادخلا . فحين شاهد القاضي ~~الرخجي ، أقبل يصيح ويقول : هذا الحال ، وأنت أمين ؟ هاه . ثم قال للرخجي : ~~اخرج عافاك الله عن داري . قال : فبادر الرخجي ، فأكب على رأسه ، فلما رآه ~~القاضي قد فعل ذلك ، قام إليه فعانقه . وبكى الرخجي بين يديه ، ودفع الكتاب ~~إليه . قال : فبكى القاضي ، وقال : عزيز علي يا هذا ، ما كان اضطرك إلى ~~الإقرار ؟ فقال : تحتال في أمري . فقال : والله ما لي حيلة ، فإن الحكم ~~كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده ، فجهد به الرخجي ، فما زاده على ذلك ، فانصرف ~~بأقبح منصرف . فلما كان من الغد ، ورد خادم ، فقبض عليه وغله ، وقيده وحمله ~~فعلته في حفظ أموال المسلمين ، وقد كنا نأمر بمحاسبته ، فيتأخر ذلك لعوائق ~~، والآن فقد أقر طائعا غير مكره ، فما نؤثر معاملته ، إلا بما يعمله الواجب ~~، بارك الله عليك ، وإن للرجل أملاكا قبلك ، فتنصب من يبيعها ، تتحمل ثمنها ~~إلى بيت المال ، قضاء لما أقر به . PageV01P247 # """""" صفحة رقم 248 """""" # قال : فنصب محمد بن منصور ، من باع أملاك الرخجي في كور الأهواز ، على ~~عظمها ، وحمل ثمنها إلى بيت المال ، فهي الأملاك المبيعة ، التي تعرف إلى ~~اليوم بالرخجيات . وحصل الرخجي في العذاب بسر من رأى . PageV01P248 # """""" صفحة رقم 249 """""" # شيخ أهوازي يسعى في صرف عامل الأهواز # وحدثني خال والدي ، أبو القاسم بن أبي علان ، عبد الله بن محمد ابن ~~مهرويه . قال : أخبرني شيخ من شيوخنا ، قال : كان عمر بن فرج الرخجي ، ~~يتقلدنا في الدفعة الأولى ، ثم صرف عنا ، وولينا عامل بعده . فخرجنا في بعض ~~السنين نتظلم ، وكانت أملاك عمر عندنا ms145 كثيرة ، وله البستان المعروف بالتفرج ~~قديما ، الذي في وسط البلد ، ويعرف الآن بالبستان الصغير . قال : فلما ~~حصلنا بحضرة الخليفة نتظلم ، عارضنا عمر ، وأخذ يكلمنا بكلام عارف بالبلد ، ~~محتج بحجاج صحيح يبطل به ظلامتنا . وكان المتكلم عنا ، فلان ، رئيسالبلد ، ~~أسماه أبو القاسم وأنسيته ، فأومأ إلينا أن اسكتوا ، فسكتنا . فقال : أيد ~~الله أمير المؤمنين ، قد أضجرناه اليوم بالخطاب ، فنعود في مجلس ثان . فقال ~~: ذاك إليكم . فانصرفنا ، فقلنا له : ما حملك على هذا ؟ فقال : إنكم لا ~~تعلمون ما علمت . قال : فلما كان عشيا ، جئنا إلى منزل عمر ، ودخل إليه ، ~~ونحن معه ، فاستخلاه مجلسه ، فأخلاه . فقال له : يا هذا ، إنك أخذت اليوم ~~تسعى على دمائنا ، وناظرتنا مناظرة عارف ببلدنا ، ولو رددنا عليك ، لكنا ~~إما أن نقطعك ، أو تقطعنا فنهلك ، ولم تكن بك حاجة إلى ما عاملتنا به ، ولا ~~فائدة لك . ولا أنت الآن عاملنا ، فيخرج عن يدك ما تنظر لنا به ، وإنا قد ~~وردنا ومعنا في أنفسنا أمر ، إن عدنا إلى بلدنا بغيره سقط جاهنا ، وقال ~~أكثر أهل الكور : خرجوا فما عملوا شيئا ، ولا يخلوا إما أن يكون ما PageV01P249 ~~"""""" صفحة رقم 250 """""" # التمسناه حقا أو باطلا ، فإن كان حقا ، فقطعك لنا عنه ظلم ، وإن كان ~~باطلا ، فمنعك لنا منه ذل ، وليس يجوز لنا الرجوع إلا به ، لأن في رجوعنا ~~ذهاب الجاه ، وطمع العمال في نعمتنا ، وأنت تعلم ما لك عندنا من الضياع ~~والأموال ، وعلي وعلي ، قال : وحلف بالطلاق وأيمان البيعة ، لئن لم تعاونا ~~غاية المعاونة ، وتشهد لنا في المجلس الثاني بكل ما نريده لأخرجن الساعة ، ~~وأعملن عملا بخراجك وضياعك ، وما أسقطته عن نفسك أيام تقلدك البلد ، من ~~أصول الخراج ، واقتطعه من العمالة أيضا ، ويشتمل على ألفي ألف دينار ، ~~وأقول للخليفة : إن لك عندنا مبقلة ، ستون جريبا ، قيمتها ستون ألف دينار - ~~يعني البستان الذي تقدم ذكره - وهو المتوكل ، وأقيم هؤلاء شهودا كلهم ، ~~يشهدون عليك بصحة المال ، ويواجهونك بما أنسبه إلى أنك أخذته منهم ومن ~~غيرهم ، ويحلفون عليه ، وأواجهك بالسعاية والوقيعة ، بحضرة المتوكل ، وأدع ~~ما قدمت ms146 له ، حتى إذا وقعت في النكبة والمطالبة ، رهبني الوزراء أولا ، وكل ~~من يعلم أنني كنت سبب نكبتك ، من العمال ، وأصحاب الدواوين ، وصاروا أعوانا ~~لي وشهودا ، فأبلغ بذلك محبتي ، وأرجع إلى منزلي سالما ، وأنت منكوب . قال ~~: فحين سمع عمر ذلك ، اسود وجهه ، وقال : أو أيش ؟ قال : تحلف أنك تشهد لنا ~~، وتعاوننا . قال : فحلف على ذلك وقمنا . فلما كان في المجلس الثاني ، ~~حضرنا حضرة المتوكل ، وأقبلنا نتظلم ، وعمر يشهد لنا ، ويصدق قولنا . فما ~~برحنا إلا بصرف عاملنا ، وبالنظر لنا في معظم حوائجنا ، واحتسابه لنا ~~بمظالم التمسناها ، وبلغنا ما أملناه وقدرناه ، وزدنا عليه وخرجنا . فقال ~~لنا الشيخ : كيف رأيتم هذا الرأي ؟ أيما كان أجود ، هذا ، أو أن نجاح عمر ~~بن فرج في ذلك المجلس ، ويحاجنا ، ويضرنا بمناظرته ، فيضجر الخليفة ، فيأمر ~~بإخراجنا ، فلا نصل إليه أبدا ، ويقول : هؤلاء طامعون بالمال ، ونعود ~~بالخيبة إلى منازلنا ، بعد السفر والنفقة . فقلنا له : أحسن الله جزاءك ، ~~فأنت أبصر منا بالرأي . PageV01P250 # """""" صفحة رقم 251 """""" # من مكارم أخلاق المأمون # من أحاديث أبي الحسن محمد بن علي بن الخلال البصري ، رحمه الله ، قال : ~~حدثني أبو القاسم ، علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي ، رحمه الله ، قال : ~~قال محمد بن منصور القاضي : التمس أمير المؤمنين المأمون ، رجلا يكون ~~بصحبته في بعض أسفاره ، فأشير عليه بي ، وكنت حديث السن ، فركبت معه في ~~العماريه ، فأجلسني عن يمينه ، فلما أمسينا غلبني النوم . فقال لي من غد : ~~نومك يا محمد ، نوم الشباب فاجعل الليل أثلاثا ، فثلث للحديث ، وثلث للنوم ~~، وثلث للذكر ، ثم أدارني فأجلسني عن شماله . ثم قال لي : أتدري لم أجلستك ~~بالأمس عن يميني ؟ فقلت : لا يا أمير المؤمنين . فقال : إني وجدت في معدتي ~~بله وما تنخمت قط عن يميني . قال القاضي التنوخي : وكان محمد بن منصور هذا ~~، نبيلا ، جليلا ، ذا مروءة تامة . ؟ PageV01P251 # """""" صفحة رقم 252 """""" # مروءة القاضي محمد بن منصور # وأخبرني بعض شيوخنا : أنه لما تولى الحكم بكور الأهواز ، دخل إلى ~~جنديسابور ، فنظر في حساب وكيله ، فإذا هو قد اكتسب عليه بثمن جدي ، درهم ms147 ، ~~وثمن عشرة أفراخ ، درهم . فقال للموكل له : ألم أتقدم إليك ، ألا تبتاع ~~شيئا ، من بائع يعلم أنك وكيلي ؟ قال : بلى ، وعلى ذلك أعمل . قال : فلو لم ~~يعلم البائع ، أنك وكيلي ، لما حاباك هذه المحاباة . فقال : هذا ما ابتعته ~~بهذا البلد ، وهكذا يباع لسائر المبتاعين . فالتفت إلى بعض شهوده ، فقال : ~~أهكذا هو ؟ فقالوا : قد حيف عليه ، أيها القاضي ، إنا لنبتاع الجدي بأربعة ~~دوانيق ، ونحوها . فقال : هذا بلد لا يقيم فيه ذو مروءة . ثم أسرع بالرحيل عنه . PageV01P252 # """""" صفحة رقم 253 """""" # حرمة القضاء في العهد العباسي # قال التنوخي : وأخبرني بعض شيوخنا ، عنه : أنه كان جالسا للحكم ، في ~~المسجد الجامع بسوق الأهواز ، فاجتاز بباب الجامع عامل الكور ، فرأى جميع ~~الناس . فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذا القاضي . قال : هذا كله لأبي جعفر ؟ ~~فنقلت الحكاية إليه ، فقطع النظر ، وانصرف إلى داره ، وكتب إلى السلطان ~~يومئذ ، يقول : إن فلانا العامل . اجتاز بي ، وأنا أنظر في الحكم في المسجد ~~الجامع ، فذكرني بحضرة العامة ، بالكنية دون اللقب ، ذكر المزري علي ، ~~المانع لي من التشريف الذي ألبسنيه أمير المؤمنين ، وإن الذي أنظر فيه إنما ~~هو انتزاع أموال الناس ، التي فيها يتهالكون ، وعليها يتقاتلون ، وأنا ~~أنتزعها بالهيبة والكرامة . فخرج أمر السلطان ، بإن يضرب ذلك العامل ، على ~~باب المسجد بالأهواز ألف سوط . فلما وقف على ذلك ، خليفة العامل بالحضرة ، ~~اجتهد في إزالته بكل حيلة ، فما أمكنه . فبذل للفيج الحامل للكتاب ، مائة ~~دينار ، ليتأخر عن النفوذ ، ليلة واحدة ، ثم بادر برسوله إلى العامل ، يصف ~~ما جرى ، وما فعله من استنظار الفيج ، ليقدم الحيلة في الدفع عن نفسه . ~~فلما ورد الرسول إلى العامل ، نهض من وقته ، إلى بعض إخوان القاضي ، من ~~شهود البلد ، وطرح نفسه عليه ، ولم يعلم باطن أمره ، وسأله إصلاح قلب ~~القاضي له . PageV01P253 # """""" صفحة رقم 254 """""" # فصار معه إلى باب القاضي ليلا ، ولم يزل حتى وصل إليه ، وأغرق في ~~الاعتذار إليه ، والخضوع له ، حتى قال : قد قبلت العذر ، وصفحت عن الذنب ، ~~فانصرف . فغاداه الفيج بما أمر به في بابه ، فقال : إني قد ms148 صفحت عنه . # جزاء الوالي الظالم # قال أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب ، وحدثني القاضي أبو عبد ~~الله الحسين بن شعيب الأرجاني ، وكان من شيوخ أهل العلم والرئاسة ببلده : ~~إن عاملا للمكتفي رحمة الله عليه ، بكورة أرجان ، طالب بعض أهل الخراج ~~بخراجه ، فتغيب عنه ، فأمر بإحراق بابه . فاتصل الخبر بالمكتفي ، فأنفذ من ~~قبض على العامل ، فضربه على باب المسجد بأرجان ، ألف سوط . PageV01P254 # """""" صفحة رقم 255 """""" # الجذوعي القاضي يشهد على الخليفة المعتمد # قال أبو الحسين محمد بن علي ، وحدثني أبي رحمه الله ، وسمعته من غيره : ~~إن القضاة والشهود ، بمدينة السلام ، أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة ~~عليه في دين كان اقترضه عند الإضاقة بالإنفاق على حرب صاحب الزنج . فلما ~~مثلوا بين يديه ، قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب ، ثم قال : إن أمير ~~المؤمنين - أطال الله بقاءه - يأمركم أن تشهدوا عليه ، بما في هذا الكتاب . ~~فشهد القوم ، حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي ، فأخذ بيده وتقدم إلى ~~السرير ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أشهد عليك بما في هذا الكتاب ؟ فقال : ~~اشهد . فقال : لا يجوز ، أو تقول : نعم ، فأشهد عليك . فقال : نعم ، فشهد ~~في الكتاب ، ثم خرج . فقال المعتمد : من هذا ؟ فقيل له : هذا الجذوعي ~~البصري . فقال : وما إليه ؟ فقالوا : ليس إليه شيء . فقال : مثل هذا لا ~~يكون مصروفا ، فقلدوه واسطا . فقلده إسماعيل ، وانحدر . فاحتاج يوما إلى ~~مشاورة الحاكم ، في ما يشاور في مثله ، فقال : استدعوا القاضي ، فحضر ، ~~وكان قصيرا ، وله دنية طويلة ، فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له ، فلقيه ~~غلام كان للموفق ، وكان شديد التقدم عنده ، وكان مخمورا ، أو PageV01P255 ~~"""""" صفحة رقم 256 """""" # سكرانا ، فصادفه في مكان كان خاليا من الممر ، فوضع يده على دنيته ، حتى ~~غاص رأسه فيها ، وتركه ومضى . فجلس الجذوعي في مكانه ، فأقبل غلامه ، حتى ~~فتقها ، وأخرج رأسه منها ، وثنى رداءه على رأسه ، وعاد إلى داره ، وأحضر ~~الشهود ، وأمرهم بتسلم الديوان ، ورسل الموفق يترددون ، وقد سترت الحال عنه ~~. حتى قال بعض الشهود ، لبعض الرسل ، الخبر ، فعاد إلى الموفق ms149 ، فأخبره ~~بذلك . فأحضر صاحب الشرطة ، وأمره بتجريد الغلام ، وحمله إلى القاضي ، ~~وضربه هناك ألف سوط . وكان والد هذا الغلام من جلة القواد ، ومحله محل من ~~لو هم بالعصيان أطاعه أكثر الجيش ، فترجل القواد ، وصاروا إليه ، وقالوا : ~~مرنا بأمرك ، فقال : إن الأمير الموفق ، أشفق عليه مني . فمشى القواد ~~بأسرهم مع الغلام ، إلى باب الجذوعي ، فدخلوا عليه وضرعوا له ، فأدخل صاحب ~~الشرطة ، وقال : لا تضربه . فقال : لا أقدم على خلاف أمر الموفق . فقال : ~~فإني أركب إليه ، وأزيل ذلك عنه . فركب فشفع له ، وصفح عنه . إيحاشك فقد ، ~~وإيناسك وعد حدثني أبي رضي الله عنه : إن صديقا لأبي خليفة القاضي ، اجتاز ~~عليه راكبا ، وهو في مسجده ، فسأله أن ينزل عنده ليحادثه . فقال : أمضي ~~وأعود . فقال له أبو خليفة : إيحاشك فقد ، وإيناسك وعد . PageV01P256 # """""" صفحة رقم 257 """""" # أبو خليفة القاضي والكلام المسجوع # قال : وكان أبو خليفة كثير الاستعمال للسجع في ألفاظه . وكان بالبصرة رجل ~~يتحامق ، ويتشبه به ، يعرف بأبي الرطل ، ولا يتكلم إلا بالسجع ، هزلا كله . ~~فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة ، وهو يلي قضاء البصرة إذ ذاك ، ~~وادعت علية الزوجية والصداق ، فأقر لها بهما . فقال له أبو خليفة : أعطها ~~مهرها . فقال أبو الرطل : كيف أعطيها مهرها ولم تفلع مسحات نهرها ؟ قال أبو ~~خليفة : فأعطها نصف صداقها . قال : لا ، أو أرفع ساقها ، وأضعه في طاقها . ~~فأمر به أبو خليفة ، فصفع . أخبرني غير واحد : إن أبا الرطل هذا ، كان إذا ~~سمع رجلا يقول : لا تنكر لله قدرة ، قال هو : ولا الهندبا خضرة ، ولا ~~للنخلة بسرة ، ولا للعصفر حمرة ، ولا للزردج صفرة ، ولا للقفا نقرة . قال : ~~وكان إذا سمع العامة يقولون : ديوك لا تغرق ، قال هو : والديك لا تسرق ، ~~وسنور لا يزلق ، ونور لا يعبق ، وذرة لا تسرق ، حتى لا تغرق ، ولا نار لا ~~تحرق ، وخليفة لا يسرق ، وقاض لا يحنق . PageV01P257 # """""" صفحة رقم 258 """""" # بين علي بن عيسى وعلي بن الفرات # سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدثون ، قالوا : كان أبو الحسن عللي بن عيسى ، ~~شديد الإعظام لصناعة الكتابة ms150 ، شحيحا على محله منها ، غير مسامح لشيء يعاب ~~به ، مهما صغر فيها . وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن علي بن ~~الفرات فيها ، وكان كل واحد منهما ، يتقلد ديوانا ، في وزارة العباس بن ~~الحسن . وكان يتصرف في الديوان الذي يتقلده علي بن عيسى ، عامل يعنى به ابن ~~الفرات ، فقصده علي بن عيسى ، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله ، ~~وعزم على أخذها منحه ، وأحضره ، وسلم إليه المؤامرة . وقال له : إن كان ~~عندك جواب لها ، فأجب ، وإلا فالتزم المال . فقال : آخذها من بيتي ، وأجيب ~~. فقال له : خذها . وأخذها العامل ، وجاء إلى ابن الفرات ، فشرح له الصورة ~~، وسأله أن ينظر في المؤامرة ويلقنه الجواب على كل باب منها . فقرأها ابن ~~الفرات ، وقال للعامل : لولا الاتفاق ، لما انحل عنك منها درهم ، ولكن الله ~~سهل لك غلطا غلط به علي بن عيسى على نفسه فيها ، وهو رجل شديد الضن بصناعة ~~الكتابة ، غير مسامح لنفسه في العيب بها ، وقد غلط غلطا قبيحا ، لو غلط ~~مثله صغير من الكتاب لافتضح ، وبطلت صناعته ، وسقط محله ، وذاك إنه قد صدر ~~في أول المؤامرة بابا ، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك ، وأنك ~~لم تورده ، وألزمك مالا جليلا عنه ، ثم ذكر بعد ذلك ، أنك اقتطعت من غلات ~~المقاسمة ، أشياء أوردها ، وذكر الحجج فيها ، وألزمك مالا جسيما ، هو شطر ~~مال المؤامرة . وقد كان من قانون الحساب ، ورسم الصناعة في مثل هذا ، أن ~~يبتدئ بما ثنى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلات ، ثم يثني بذكر فضل ~~الكيل . PageV01P258 # """""" صفحة رقم 259 """""" # فإما إذا صدر فضل الكيل ، فقد صحح لك الأصول ، فإيراده ما اقتطعه من ~~الأصول ، ناقض للفعل الأول ، وهو خطأ قبيح في الكتبة ، مسقط لمحل من يعمله ~~. وسبيلك أن تمضي إليه وتخلوا به ، وتقول : يا سيدي محلك في هذه الصناعة ، ~~لا يقتضي ما قد عملته في هذه المؤامرة ، وقد أخطأت خطأ قبيحا ، وهو كذا ~~وكذا ، وواقفه عليه . وقل له : لا يخلو أمري معك من حالين : إما كشفت ms151 أمرك ~~للناس ، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من مال ، وألزمت بعد ذلك ما يبقى ~~في المؤامرة ، وهو يسير . وإما تفضلت بإبطال هذه المؤامرة ، وأبطلت عني ~~مالها ، وسترت على نفسك خطأك ، وارتفقت مني ، مع هذا ، بما شئت ، وابذل له ~~مرفقا جليلا ، فإن حذره على صناعته ، وحبه للمرفق ، سيحمله على إبطال ~~المؤامرة ، وتخريقها . فإن امتنع من ذلك ، واقفته على الخطأ بين الملأ ، ~~فإنه يوجب عليه أن يسقط عنك ما خرجه في أصول غلات الناحية ، وهو شطر المال ~~. قال الرجل : فمضيت إلى علي بن عيسى سحرا ، إلى منزله ، فحين رآني ، قال : ~~ما عملت في جواب المؤامرة ؟ قلت : بيننا شيء أقوله سرا . قال : أدن . فدنوت ~~منه ، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه ، وفتحت المؤامرة ، ووقفته على ~~الموضع . فحين رآه اغتم ، وقال : يا هذا ، قد وفر الله عليك المرفق ، فإن ~~مرفقي في هذا الأمر التيقظ على الخطأ الواقع مني ، وستره على نفسي ، والحذر ~~من مثله مستأنفا ، وقد أسقط الله عنك جميع المؤامرة ، ولن تسمع بعدها لفظة ~~في معناها ، والله بيني وبين ابن الفرات ، فإن هذا من تعليمه لك ، وليس أنت ~~ممن يعرف مثله . قال : فمضيت من عنده ، وقد زالت المطالبة ، وربحت المرفق ، ~~وعدت إلى ابن الفرات ، فحدثته ، فضحك . PageV01P259 # """""" صفحة رقم 260 """""" # الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه ويكاد يأكلهم # واخبرني بعض الكتاب ، قال : كان ابن الفرات قد صودر على ألف ألف وستمائة ~~ألف دينار ، فأدى جميعها في مدة ستة عشر شهرا ، من وقت القبض عليه ، وكان ~~في الحبس ، يتوقع أن يطلق . فخاف علي بن عيسى ، وحامد بن العباس ، من ~~إطلاقه ، فتشاورا في شيء يستعملانه مع المقتدر ، يمتنع معه من إطلاقه . قال ~~: وكان أبو زنبور ، قد استقدم ليحاسب ، وكان من صنائع علي بن عيسى في ~~وزارته الأولى . فلما ولي ابن الفرات ، أقره ، وأحسن إليه ، فكان أبو زنبور ~~يحمل إليه في كل شهر عشرة آلاف دينار ، مرفقا عن أعماله ، ويخفيها ، فتصل ~~في أعدال البز ، وما يشاكل ذلك . فقال علي بن عيسى ، لحامد : ما أشك أن ms152 ابن ~~الفرات ، قد كان يرتفق من عامل مصر ، بمرفق جليل ، فنحضر أبا زنبور ، ~~ونسأله عن ذلك . فأحضراه ، وسألاه عن مرفقه ، فكشف لهما عن الصورة ، ~~وصدقهما عنها ، ولم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك ، على الرجل ونفسه . فقال ~~علي بن عيسى : هذا مال عظيم ، فخذ خط أبي زنبور ، بأنه كان يحمل إليه ذلك ، ~~واعرضه على الخليفة . ففعلا ذلك ، وعرضاه عليه ، وقالا له : يجب أن يطالب ~~بذلك . فقال الخليفة : أخرجوه ، وطالبوه ، بعد أن تناظروه . قال : فجلس ~~حامد بن العباس ، وعلي بن عيسى ، ونصر القشوري ، وابن الحواري ، واحضروا ~~أبا زنبور معهم ، واستدعوا ابن الفرات من محبسه ليناظروه . وكان شفيع ~~المقتدري ، يتعصب لابن الفرات ، ويعتني بأمره ، ويقوم فيما بينه وبين ~~الخليفة ، فقال للمقتدر : يا مولاي ، إن ابن الفرات منكوب ، وهؤلاء أعداؤه ، PageV01P260 ~~"""""" صفحة رقم 261 """""" # ولعله أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة ، فلا يبلغونك إياه ، فأنفذ من يحضر ~~المجلس ، ويرقي إليك ما يجري . فقال له : امض أنت وافعل هذا . قال : فخرج ~~شفيع ، فوجد ابن الفرات ، في الصحن ، وقد أخرج من محبسه ، وهو يمشي ، ليخل ~~مجلس الوزير . فقال له : اثبت فإني معك . فقويت نفسه ، ودخل المجلس ، وحامد ~~في صدر دست عظيم ، برسم الوزارة ، في دار الخلافة ، وعلي بن عيسى عن يمينه ~~، وبجنبه ابن الحواري ، ونصر القشوري عن يساره ، وبجنبه أبو زنبور . فسلم ~~ابن الفرات ، وتخطى حتى جلس بين يدي حامد ، فرفعه قليلا . وخاطبه ابن ~~الفرات بالوزارة ، وسلم على علي بن عيسى ، وأدار عينه في المجلس ، فعرف كل ~~من فيه ، إلا أبا زنبور ، فإنه كان لغيبته بمصر ، لم يشاهده قط . فقال لمن ~~كان بجانبه : من هذا ؟ فقال له : هذا أبو زنبور عامل مصر . فأحس ابن الفرات ~~، بأنه في بلية سببها أبو زنبور ، فقال : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . ~~قال : وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبحا . فقال أبو زنبور في الحال : لوددت ~~أن الأرض ابتلعتني فبل ذلك . قال ، فقال له حامد ، وعلي بن عيسى : هذا فلان ~~بن فلان ، عامل مصر ، قد ذكر أنه كان يرفقك في ms153 كل شهر ، من مال عمله ، ~~بعشرة آلاف دينار ، تكون لمدة ولايتك ، كذا وكذا ، وما حملت لبيت المال ~~شيئا منها ، ويجب الآن أداءها ، فما تقول ؟ فقال لهما : إن هذا - وأومأ إلى ~~أبي زنبور - إن كان قد أمر بالسعاية ، بوزير عامله ، فكشف ستره في أيام ~~نكبته ، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته ، وأبان بذلك عن قدر عقله ، ~~وأمانته ، وعقل من يركن إليه مستأنفا ، فإنه قد صدق فيما أخبر به . ولم أكن ~~لأرتفق هذا منه ، لأدع له شيئا من مال السلطان ، ولا لأمكنه من اقتطاعه ، ~~وكن لأمهله من وقت إلى آخر ، وأزيد في إكرامه ، ومخاطبته ، وأرفهه عن PageV01P261 ~~"""""" صفحة رقم 262 """""" # إنفاذ المستحثين ، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها ~~، وكلما يتفق الوزراء من العمال ، قديما ، وحديثا فهذا سبيله . وإنما صودرت ~~على ألف ألف وستمائة ألف دينار ، أديتها صلحا ، عن هذا ومثله وشبهه ، وإلا ~~فأي شيء كان موجب مصادرتي إلا عن هذا وما يشبهه ؟ فالمصادرة قد غسلت عني ~~هذا كله . ولكن ، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق ، باعترافه لمدة ~~عطلتي وحبسي ، وهي ستة عشر شهرا ، مائة ألف وستون ألف دينار . فإن كان أرفق ~~الوزير أعزه الله بها ، فقد سقطت عنه ، والكلام فيها بين الخلفة والوزير ، ~~وإن كان لم يحملها إليه ، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين . قال : ~~فقام شفيع في الحال . فقال له علي بن عيسى : إلى أين يا أبا اليسر ؟ قال : ~~إلى مولانا ، أحكي له ما جرى ، فإنه أنفذني لهذا السبب ، وأمرني به ومضى . ~~وحمل ابن الفرات إلى حبسه . فعاد شفيع وقال : يقول لكم مولانا ، لا يبرح ~~أحد منكم ، أو تحمل إلي هذه المائة ألف وستون ألف دينار ، كيف شئتم . فقال ~~علي بن عيسى : جئنا به لنصادره ، فصادرنا . فألزموا أبا زنبور معظم المال ، ~~وعاونوه بشيء تحمل قسطه حامد ، وعلي بن عيسى . وضمنوا المال ، ثم انصرفوا . ؟ PageV01P262 # """""" صفحة رقم 263 """""" # أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفي # حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات ، وابن ms154 ~~الجصاص حاضر ، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم . فقال ابن الفرات : ما ~~أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم ؟ فقال بعض من حضر : الضياع . وقال بعضهم : ~~العقار . وقال آخرون : المال الصامت . وقال آخرون : الجواهر الخفيفة الثمن ~~، فإن بني أمية سئلوا : أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم ؟ فقالوا : ~~الجوهر الخفيف الثمن ، كنا نبيعه ، فلا نطالب بمعرفة ، ولا يتنبه علينا به ~~، والواحدة منه أخف محملا من ثمنها ، وابن الجصاص ساكت . فقال له ابن ~~الفرات ، كالمستهزئ به : ما تقول أنت يا أبا عبد الله ؟ فقال : أجل ما ~~يعتقده الناس لأولادهم ، الصنائع والإخوان ، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعا ، ~~أو عقارا ، أو صامتا ، من غير إخوان ، ضاع ذلك وتمحق ، وأحدث الوزير أعزه ~~الله بحديث جرى منذ مدة ، يعلم معه صدق قولي . فقال له ابن الفرات : ما هو ~~؟ فقال : الناس يعلمون أني صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، ~~وكان رجلا مستهترا بالجوهر ، يعتقده لنفسه ، وأولاده ، وجواريه . فكنت ~~جالسا يوما في داري ، فجاءني بوابي ، فقال : بالباب امرأة تستأذن ، في زي ~~رث ، فأذنت لها ، فدخلت ، فقالت لي : تخلي لي مجلسك ، فأخليته . فقالت لي : ~~أنا فلانة ، جارية أبي الجيش . فحين قالت ذلك ، ورأيت صورتها ، عرفتها ، ~~وبكيت لما شاهدتها عليه ، ودعوت غلماني ليحضروني ما أغير به حالها . PageV01P263 # """""" صفحة رقم 264 """""" # فقالت : لا تدع أحدا ، فإني أظنك دعوته لتغيير حالي ، وأنا في غنية ~~وكفاية ، ولم أقصدك لذلك ، ولكن لحاجة هي أهم من هذا . فقلت : ما هي ؟ ~~فقالت : تعلم أن أبا الجيش ، لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر ، فلما جرى علينا ~~بعده من طلب السلطان ، ما جرى ، وتشتتنا ، وزال عنا ما كنا فيه ، كان عندي ~~جوهر قد سلمه إلي ، ووهبه لي ، ولابنته مني فلانة ، وهي معي هاهنا . فخشيت ~~أن أظهره بمصر فيؤخذ مني ، فتجهزت للخروج ، وخرجت على هيئة زرية ، مستخفية ~~، وابنتي معي ، فسلم الله تعالى ، ووصلنا هذا البلد ، وجميع مالنا سالم . ~~فأخرجت من الجواهر شيئا ، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار ، وصرت به ~~إلى سوق الخرازين فبلغ ألفي دينار . فقلت : هاتم ms155 . فلما أحضروا المال ، ~~قالوا : أين صاحب المتاع ؟ قلت : أنا هي . قالوا : ليس محلك أن يكون هذا لك ~~، وأنت لصة ، فتعلقوا بي وجذبوني ، ليحملوني إلى صاحب الشرطة . فخشيت أن ~~أقع في يديه فأعرف ، فيؤخذ الجوهر ، وأطالب أنا بمال ، فأخرج الباقي . ~~فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي ، وتركت الجوهر عليهم ، وأفلت . فما ~~نمت ليلتي غما على ما ذهب ، وخشية الفقر ، لأن مالي هذا سبيله ، فأنا غنية ~~فقيرة ، فلم أدر ما أفعل . فذكرت كونك ببغداد ، وما بيننا وبينك ، فجئتك ، ~~والذيأريده منك جاهك ، تبذله لي ، حتى تتخلص لي ما أخذ مني ، وتبيع الباقي ~~، وتحصل لي ثمنه مالا ، وتشتري به لي ولابنتي عقارا ، نقتات من غلته . قال ~~: فقلت : من أخذ منك الجوهر ؟ فقالت : فلان . PageV01P264 # """""" صفحة رقم 265 """""" # فأحضرته ، فجاءني ، فاستخففت به ، وقلت : هذه امرأة من داري ، وأنا ~~أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته ، ولئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته ، ~~فلم تعرضتم لها ؟ فقال : ما علمنا ذلك ، ورسمنا - كما تعلم - لا نبيع شيئا ~~، إلا بمعرفة ، ولما طالبناها بذلك اضطربت ، فخشينا أن تكون لصة . فقلت له ~~: أريد الجوهر الساعة ، فجاءني به ، فلما رأيته عرفته ، وكنت أنا اشترته ~~لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار . فأخذته منهم ، وصرفتهم . وأقامت المرأة في ~~داري ، ونقلت ابنتها إلي ، وأخرجت الجوهر ، فألفته عقودا ، وعرضته ، وتلطفت ~~لها في بيعه بأوفر الأثمان ، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار . ~~فابتعت لها بذلك ضياعا وعقارا ومسكنا ، فهي تعيش به وولدها ، إلى الآن . ~~فنظرت ، فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق ، كان حجرا ، بل كان سببا ~~لمكروه يجري عليها ، وقد رشت على الخلاص منه دنانير ، ولما وجدت صديقا ~~يعينها ، حصل لها منه هذا المال الجليل . فالصديق أفضل العقد . فقال ابن ~~الفرات : أجدت يا أبا عبد الله . ثم قال لنا : الناس ينسبون هذا الرجل إلى ~~الغفلة ، وقد سمعتم ما يقول ، فكيف يكون مثل هذا مغفلا ؟ PageV01P265 # """""" صفحة رقم 266 """""" # المأمون ومحبته للجوهر # وقد حكي : أن المأمون كان محبا للجوهر ، وكان الناس يغالون فيه ، في ~~أيامه ، فأراد أن يحتال بحيلة تضع ms156 من قدره ، ليرخص قيمته ، فيشتريه . فجمع ~~أصحابه يوما ، وخاطبهم . فقال : ما أجل الذخائر ؟ فتقرر رأيهم على الجوهر . ~~فقال : هاتم جوهرة ، فجاءوا بواحدة شراؤها عليه مائة دينار . فقال ~~للجوهريين : كم تساوي هذه ؟ قالوا : مائة دينار . فقال : يا غلام ، اكسرها ~~قطعا ، فكسرت . فقال : كم تساوي الآن ؟ فقالوا : دانق فضة . فأخرج دينارا ، ~~فقال : كم يساوي هذا ؟ قالوا : عشرين درهما . فقال : كسروه قطعا ، فكسر . ~~فقال : كم يساوي الآن ؟ قالوا : تسعة عشر درهما صحاحا . فقال : أجل الذخائر ~~هذا الذي إذا كسر ، لم يذهب من قيمته شيء . قال : فانتشرت الحكاية بين من ~~حضر من الجوهريين ، ونقص نصف ثمنه على الحقيقة ، وقلت رغبة أهل الدولة في ~~شراءه فبلغ ذلك المأمون فتتبعه ، واشتراه رخيصا . PageV01P266 # """""" صفحة رقم 267 """""" # أموي يتحدث عما أعانهم في نكبتهم # وحكي عن بعض بني أمية : أن المنصور سأله لما نكبهم ، أي شيء كان أنفع لكم ~~في هربكم ؟ فقال : ما وجدنا شيئا أنفع من الجوهر القليل الثمن ، الذي تبلغ ~~قيمة الحبة منه خمسة دنانير ، لأنا استصحبنا الفاخر منه ، والقريب الثمن ، ~~فما كنا نقدر على بيع الفاخر لشدة الطلب لنا ، والخوف من أن يعرف به ، ~~فينبه علينا ، ونؤخذ ، وكان هذا اليسير الثمن ، يشترى منا ، من غير أن يعرف ~~، فننتفع به ، ويخفا أمرنا ، فكان أنفع . قال : فأي النساء وجدتم أفضل ؟ ~~قال : بنات العم ، كن أصبر علينا ، وأشفق . قال : فأي الرجال ، وجدتم أفضل ~~؟ قال : الموالي . قال : فأمر المنصور المهدي ، أن يتزوج ابنة عمه ، واتخذ ~~المنصور مواليه عمالا في أعماله ، وقدمهم ، ورفع منهم . PageV01P267 # """""" صفحة رقم 268 """""" # لقمة بلقمة # حدثني أبو بكر البسطامي ، غلام ابن دريد ، قال : كان لامرأة ، ابن ، غاب ~~عنها ، غيبة منقطعة . فجلست تأكل يوما ، فحين قطعت لقمة ، وأهوت بها إلى ~~فيها ، تصدق منها سائل وقف بالباب ، فامتنعت من أكل اللقمة ، وحملتها مع ~~تمام الرغيف ، فتصدقت بها ، وبقيت جائعة . وكانت شديدة الحذر على ابنها ، ~~والدعاء برده ، فما مضت إلا ليل يسيرة على هذا الحديث ، حتى قدم ابنها ، ~~فأخبر بشدائد مرت به عظيمة . وقال : أعظم شيء مر على رأسي ، أني ms157 كنت في وقت ~~كذا ، أسلك أجمة في البلد الفلاني ، إذ خرج أسد ، فقبض علي من حمار كنت ~~فوقه ، فغار الحمار فتشبكت مخالب السبع ، في مرقعة كانت علي ، فما وصلت إلي ~~، وذهب عقلي ، وجرني فأدخلني الأجمة . فما هو إلا أن برك علي ليفترسني ، ~~حتى رأيت رجلا عظيم الخلق ، أبيض الوجه والثياب ، وقد جاء حتى قبض على قفا ~~الأسد ، وشاله حتى خبط به الأرض ، وقال : قم يا كلب ، لقمة بلقمة . فقام ~~السبع مهرولا ، وثاب إلي عقلي ، وطلبت الرجل ، فلم أجده . وجلست ساعات ، ~~إلى أن عادت إلي قوتي ، ثم نظرت إلى نفسي ، فلم أجد بها بأسا ، فمشيت ، ~~فلحقت القافلة ، وأخبرتهم فعجبوا من خلاصي ، ولم أدر ما معنى لقمة بلقمة . ~~فنظرت المرأة إلى الوقت فإذا هو الوقت الذي أخرجت اللقمة من فيها ، فتصدقت ~~بها ، فأخبرته الخبر . PageV01P268 # """""" صفحة رقم 269 """""" # كفى بالأجل حارسا # حدثني إبراهيم بن الخضر ، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد ، قال : حدثني ~~صديق لي أثق به ، قال : خرجت إلى الحائر ، فرأيت رجلا ، فرافقته في الطريق ~~، ولم أكن أعرفه ، وكان ذلك في أيام الحنابلة ، ونحن نزور متخفين . فلما ~~صرنا في أجمة بانقيا ، قال لي رفيقي : يا فلان ، إن نفسي تحدثني إن السبع ~~يخرج الساعة فيقرصني دونك ، إن كان ذلك ، فخذ حماري ، وقماشي ، فأده إلى ~~منزلي ، في موضع كذا وكذا ، وعرفهم خبري . قال : فقلت : ما يكون إلا خيرا ~~وسلامة . فما استتم الكلام ، حتى خرج سبع ، فلما رآه الرجل ، سقط ، وأخذ ~~يتشهد ، وقصده السبع ، فما كذب أن أخذه ، وجره عن الحمار . فسقت أنا الحمار ~~مع ما عليه ، وأسرعت حتى خرجت ، ولحقت بالقرية ، وعجبت من حدسه على نفسه ، ~~وصدق ظنه ، ولحقني غم لفراقه ، وما جرى عليه . ورجعت إلى بغداد ، فحين دخلت ~~، لم تكن لي همة ، حتى استوصفت الموضع ، وقصدته ، فدققت الباب ، أسأل عنه ، ~~فقلت لمن فيه : خذوا قماش صاحبكم ، رحمه الله . قالوا : قد خرج الساعة في ~~حاجة له ، وهو حي والحمد لله ، فلم أشك في أني غلطت ، فقلت : من هو ؟ قالوا ~~: فلان ، اسمه . فزاد تعجبي ، فجلست ، فما ms158 أطلت ، حتى طلع علي ، فحين رأيته ~~طار عقلي جزعا ، وفرحا ، وتشككا ، فقلت : حديثك . قال : إن السبع ساعة جرني ~~، وأدخلني الأجمة ، هزني ، وسحبني ، فأنا لا أعقل . ثم سمعت صوت شيء ، فإذا ~~بخنزير عظيم قد خرج ، فحين رآه السبع ، تركني ، وقصد الخنزير ، فدقه ، ~~وأقبل يأكله ، وأنا أراه ، ومعي بقية من عقلي . فلما أن فرغ منه ، خرج من ~~الأجمة ، وتركني ، وقد جرح فخذي جراحة خفيفة . PageV01P269 # """""" صفحة رقم 270 """""" # فقمت ، فوجدتني أطيق المشي ، فأقبلت أمشي في الأجمة ، أطلب الطريق ، فإذا ~~بجيف ناس ، وبقر ، وغنم ، وغير ذلك ، منها ما قد صار عظاما بالية ، ومنها ~~ما هو طري . فانتهيت إلى خرق متمعطة ، ومخالي للفيوج مطروحة ، فسولت لي ~~نفسي تفتيش ذلك . ثم وقفت على شيء مكور ، فإذا هو هميان ، ففتحته ، فإذا ~~فيه ألف دينار صفر ، فأخذتها ، ولم أفتش الباقي ، وخرجت ، فما عرجت ، وعدت ~~إلى منزلي ، فسبقتك . قال : وأخرج الدنانير ، فأراني إياها ، وكشف عن ~~الجراحة ، فسلمت إليه ، متاعه وافترقنا . PageV01P270 # """""" صفحة رقم 271 """""" # كتاب من يحيى بن فهد الأزدي للأمير أبي تغلب بن حمدان # كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي ، إلى الأمير أبي ~~تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد ، لخوفه ~~منه ، وحمله إياه إلى القلعة مقيدا ، وحبسه فيها ، وذلك في شعبان سنة وستين ~~وثلثمائة ، في الليلة الثامنة منه . وكتب أبو محمد ذلك ، لما بلغه الخبر ، ~~بمحضر منا ، كالارتجال ، بغير فكر طويل ، ولا تعمل شديد ، نسخته : من ~~اختاره الله تعالى لجليل الأمور ، واصطفاه لحراسة الأمة وحماية الثغور ، ~~وخصه بنفاذ الرأي فيما يحله ويعقده ، ونصره على كل عدو يرصده ، وكفاه كيد ~~من يبغي عليه ويحسده ، وقرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه ، وبلغه في ~~الدنيا ما يرتجيه ، وجعل ما يبرمه مطردا على التوفيق ، وذاهبا مع السداد في ~~أجمل طريق ، معونة له على ما اسنده - جل ذكره - إليه ، وحفظا للملة ، وذبا ~~عنها على يديه ، لا سيما إذا كان مقدما لتقوى الله سبحانه ، في سائر أفعاله ~~، مؤثرا لرضاه تعالى ، في جميع أحواله ms159 ، غير خارج عن حدوده في تدبير ، ولا ~~ناكث عن صراطه في صغير ولا كبير . والحمد لله الذي خص مولانا الأمير السيد ~~، أطال الله بقاءه ، من هذه الأوصاف الشريفة ، والأخلاق المنيفة ، بما فضله ~~به على ملوك الزمان ، وأنطق بذكره وشكره كل لسان ، وجعل القلوب كلها ، ~~شاهدة به ، والآراء علي اختلافها ، متفقة عليه . والحمد لله الذي جعل ~~تدبيراته جارية على الصواب ، ماضية على سنن الكتاب ، محروسة من عيب كل عائب ~~، ثاقبة كالنجم الثاقب ، الذي لا يدفع عله دافع ، ولا ينازع في سموه منازع ~~. وإياه نسأل ، كافة أولياءه ، وخدم دولته ، وإليه أرغب ، الرغبة التامة من ~~بينهم ، في إيزاعه الشكر على ما أولاه ، وإلهامه حمده ، تقدست أسماؤه ، على ~~ما خوله وأعطاه ، وأن يديم له شأنه وتسديده ، ويصل بالحق وعده ووعيده ، ~~ويحسن من كل PageV01P271 ~~"""""" صفحة رقم 272 """""" # نعمة وموهبة ، حظه ومزيده ، ويجعل قوله مبرورا ، ووعده مقهورا ، وفعله ~~مشكورا ، وقلبه مسرورا ، ولا يخليه من جد سعيد ، إنه ولي حميد ، فعال لما ~~يريد . وورد الخبر ، بما جرى من الاستظهار على من شك في مناصحته ووفائه ، ~~وظهر في الدولة سوء رأيه ، بعقب تتابع الأنباء ، بما كان أضمره من الغدر ، ~~وأضب عليه من قبح الأمر ، وبما نال منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة ، ~~والسعي في تفريق الكلمة ، وإفساد البلاد ، وإخافة العباد ، ولم يصادف وروده ~~، إلا مستبشرا به ، مستنصبا له ، عالما بجميل صنع الله - عز وجل - في وقوعه ~~، شاكرا له على ما أبلاه ، وأولاه من المعونة عليه ، عارفا بأن مولانا ~~الأمير - أدام الله تأييده - لم يأمر به ، وما وجد سبيلا إلى الصلاح ، إلا ~~سلكها ، ولا ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلا ركبها ، فلم يزده ذلك إلا تماديا ~~في العصيان وغيا ، ومرورا في ميدان البغي وبغيا يحسن به العدول عن صلة ~~الرحم ، بحكم الله عز وجل ، إذ جعل البغي في كتابه ، محلا للإخلال بحق ~~النسب ، حيث يقول ، وهو أحسن القائلين ' إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ' ~~فبين سبحانه : إن الفحشاء ضد ms160 للعدل ، والمنكر مسقط للإحسان ، والبغي موجب ~~لقطع القرابة ، وأوجب تبارك اسمه ، لمولانا الأمير - أدام الله عزه - النصر ~~على الباغي ، بقوله عز من قائل ، ومن بغي عليه لينصرنه الله . على أن الذي ~~أتاه مولانا ، أطال الله بقاءه ، في بابه ، لمواصلة الرحم أقرب ، ولأسبابها ~~ألزم وأوجب ، إذ حال بينه وبين ما يؤثمه ويرديه ، وصرفه عما كان يفسد دينه ~~ودنياه بالإيغال فيه ، ولم ينقله بذلك ، إلا إلى عيش رغد ، وأمر تام ، ~~ونعمة دارة ، وحال سارة . والله يكافئ مولانا الأمير السيد أطال الله بقاءه ~~على قدر نيته ، ويجازيه بجميل طويته ، ويبلغه من الدنيا بحسب حفظه فيها ~~للدين ، ويكبت أعداءه بذبه عن المسلمين ، ويهنيه بنعمه عليه ، ويمتعه ~~بمواهبه لديه ، ويرغم أعداه ، ويحمده بدء كل أمر وعقباه ، إنه جواد كريم ، ~~سميع مجيب . PageV01P272 # """""" صفحة رقم 273 """""" # من شعر يحيى بن فهد الأزدي # أنشدني أبو محمد يحيى بن محمد لنفسه : يا من علاقة حبه فرض . . . ضاقت ~~علي ببعدك الأرض فالقلب يخفق وحشة لكم . . . حتى كأن سواده نبض وأنشدني ~~لنفسه : وصفراء من مال الكروم عتيقة . . . مكرمة لم تمتهن بعصير صبغت بها ~~كأسي وأطلقت شمسها . . . على نوره إلا بقية نور كسالفة شقراء قد رف تحتها . ~~. . جربان وشي أبيض وحرير كأن شعاع الكأس نار توقدت . . . على كف ساق زينت ~~بخصور فما حضرت حتى تبدل ما جنى . . . علي زماني من أسى بسرور وأنشدني ~~لنفسه : لقد نفرت عيني عن النوم بعدكم . . . فليس إلى طيب الرقاد تتوق وقد ~~ألفت طول البكاء كأنها . . . لدمع عيون العالمين طريق وأنشدني لنفسه : يا ~~موقد النار في فؤادي . . . وآمر العين بالسهاد حللت من ناظري وقلبي على ~~تعديك في السواد فليس ترقى دموع عيني . . . أو يظفر القلب بالمراد وليس ~~يطفى لهيب قلبي . . . أو تملك العين للرقاد وأنشدني لنفسه : أصبحت من شوقي ~~ومن ضري . . . تنم أنفاسي على سري وكلما جئتك أشكو الهوى . . . ازددت يا ~~مولاي في هجري فكم تراني صابرا للبلا ؟ . . . ستغلب البلوى على صبري ~~وأنشدني لنفسه : يغدو علي بوجه مشرق غنج . . . يا طيب مبتكري فيه وإصباحي ~~في صورة البدر في ms161 قد القضيب على . . . دعص من الرمل يخطو فوق رحراح PageV01P273 ~~"""""" صفحة رقم 274 """""" # وأنشدني لنفسه من أبيات : الليل يعجب مني كيف أسهره . . . والشوق ينهى ~~الكرى عني وأزجره والصبح قد ضل عن ليلي بوادره . . . فما يلم بهذا الليل ~~آخره وأدهم الليل وقف ما يغالبه . . . من الصباح على الظلماء أشقره وأنشدني ~~لنفسه : إذا أتاك امرؤ يبغيك حاجته . . . فقد علاك بفضل ما له ثمن فاسمع له ~~طائعا وانجح مطالبه . . . واعرف له حقه لا خانك الزمن وأنشدني لنفسه : يا ~~هاجرا لغلامه . . . ومقاطعا لكلامه ومواصلا لصدوده . . . وعتابه وملامه لم ~~قد هويت جفاءه . . . وتركته بغرامه أمنن عليه بوصلة . . . لخضوعه وسقامه ~~وأنشدني لنفسه : يا هلالا بدا فوافق سعدا . . . وغزالا كأنه الغصن قدا ~~ومثالا تكامل الحسن فيه . . . فحكت وجنتاه خمرا ووردا كلما ازددت في ~~القطيعة بعدا . . . زدتني جفوة وهجرا وصدا تتعدى وحق أن تتعدى . . . كل من ~~يملك الجمال تعدى إنني ما اتخذت غيرك مولى . . . فاتخذني لحسن وجهك عبدا ~~وأنشدني لنفسه : سقى الشوق عيني ماء وجد ولوعة . . . فإنسانها في ذلك الماء ~~يسبح إذا حركته من جوى الحب زفرة . . . ترقرق فوق الخد منه الملوح وأنشدني ~~لنفسه قصيدة يفتخر فيها ، أولها : سوى حلمي يخف مع الشباب . . . وغير أعنتي ~~يثني التصابي يقول فيها : كأن عواقب الأيام مدت . . . فقرت من فؤادي في ~~كتاب فلست أدافع الجلى بشك . . . ولا أشكو الحوادث بارتياب وأنشدني أيضا ~~قصيدة أخرى أولها : PageV01P274 # """""" صفحة رقم 275 """""" # أبى شرف المناصب والأصول . . . وفضل في القلوب وفي العقول وقلب لا يخوف ~~بالمنايا . . . ونفس لا تقر على خمول لمثلي أن يميل إلى اكتساب . . . بغير ~~السمهرية والنصول وأنشدني من قصيدة يفتخر فيها : تعود كفي قائم السيف صاحبا ~~. . . يساعده في كل أمر يحاول سريع مضاء الشفرتين كأنه . . . إذا سل من ماء ~~المنية سائل كأن مدب النمل فوق غراره . . . إذا صح منه للعقول التأمل PageV01P275 ~~"""""" صفحة رقم 276 """""" # بين يحيى بن فهد الأزدي وأبي الفرج الببغاء # وكتب إلى أبي الفرج الببغاء ، إلى الموصل ، يتشوقه ، بعد خروجه من بغداد ~~: ظعنت فما لأنسي من ثواء . . . وبنت فبان عن قلبي السرور ولو ms162 أني قضيت ~~حقوق نفسي . . . تبعتك كيفما جرت الأمور وودي ليس ينقصه مغيب . . . كما لا ~~يستزيد له حضور فإن تبعد فإنك ملء صدري . . . وودك جل ما تهوى الصدور ~~فأجابه أبو الفرج : بقربك من بعادك أستجير . . . وهل في الدهر غيرك من يجير ~~نأيت فما لسلواني دنو . . . وغبت فما للذاتي حضور وقد صاحبت إخوانا ولكن . ~~. . متى تغني عن الشمس البدور فيا من رعت منه الدهر قدما . . . بمن تسمو ~~بخدمته الأمور ومن قدرت أن له نظيرا . . . فحين طلبت أعوزني النظير إذا كنت ~~السرور وغبت عني . . . فكيف يتم بعدك لي سرور ولأبي محمد إلى أبي الفرج ، ~~في فصل من كتاب ، وقد اعتل بعده : فقدت السلامة لما نأي . . . ت وحالفت لما ~~بعدت الضنينا وكان اقترابك لي صحتي . . . فحين ارتحلت عدمت القرينا وما هون ~~السقم يا سيدي اش . . . تياقي وحاشى له أن يهونا فكتب إليه أبو الفرج ، في ~~صدر كتاب : وعن كمد فل غرب السلو . . . وشوق أعاد حراكي سكونا وقلب يرى كل ~~شيء يعين . . . قلوب العباد عليه معينا ولم أر بعدك شيئا يسر . . . فأفتح ~~أنسا إليه الجفونا وجملة أمري أني اشتكيت . . . وقد كان دهري لي مستكينا ~~وجربت مذ غبت عني الكرام . . . فكانوا الشكوك وكنت اليقينا PageV01P276 ~~"""""" صفحة رقم 277 """""" # وأنشدني لنفسه : يدعي حبيبي إلى هجري فيعدل بي . . . عن هجره مرض في ~~القلب مكتوم لو كان ينصفني ما كان يهجرني . . . لكنني الدهر في حبيه مظلوم PageV01P277 ~~"""""" صفحة رقم 278 """""" # فقرات من رسائل لبعض الكتاب ، في وصف قاض # : الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز ، ولا لذاهب عنه مجاز ، هو من لا ~~يبهره الإطراء ، ولا يحيله الإغراء . آخر : الحمد لله على حلمه بعد علمه ، ~~وعفوه بعد قدرته ، الذي لا يودى مسيله ، ولا يخيب سؤوله . آخر : إن لله ~~علينا من النعم ما لا نحصيه ، مع كثرة سخطه على ما نعصيه ، فما ندري أيها ~~نذكر ، ولا على أيها نشكر ، أجميل ما نشر وأبدى ، أم قبيح ما ستر وأخفى . PageV01P278 # """""" صفحة رقم 279 """""" # بين أبي عمر القاضي وأبي عصمة الخطيب # حدثني أبو الحسين عبد الله ms163 بن أحمد بن عياش ، وأبو جعفر طلحة بن عبيد ~~الله بن قناش الطائي الجوهري البغدادي ، وجمعت خبريهما ، قالا : كان أبو ~~عصمة العكبري الخطيب ، غالبا على أبي القاسم بن الحواري ، وكانت منزلته في ~~الطيبة مشهورة ، قال ، فحدثنا : أن أبا عمر خطب لابن رائق الكبير ، على ~~ابنة قيصر الكبرى ، فأطال وأبلغ ، وكان يوما حارا . فلما انقضت الخطبة ، ~~قيل له : اخطب على البنت الأخرى ، للابن الآخر . فكره الإطالة ، لئلا يضجر ~~الخليفة ، وأراد التقرب إليه ، فحمد الله سبحانه بكلمتين ، ثم قرأ آية من ~~القرآن ، وعقد النكاح . فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر ، ووقع ذلك عنده ~~ألطف موقع لأبي عمر . قال : فعاد ابن الحواري إلى داره ، وجئت ، فجلست عنده ~~أحدثه ، وأتطايب له ، وأغمز رجله . فقال : جرى اليوم لأبي عمر القاضي كل ~~جميل ، ووصفه الخليفة ، وقرظه ، واستحسن إطالته في الخطبة الأولى وإيجازه ~~في الثانية ، وقال : مثل هذا الرجل ، وفيه هذا الفضل ، لم لا نزيد في ~~الإحسان إليه ؟ فقررت مع الخليفة ، بأن يزيده في أعماله وأرزاقه ، كذا وكذا ~~، فأمرني بتنجيز ذلك له من الوزير . قال : وكان ابن الحواري ، صديقا لأبي ~~عمر . فلما سمعت ذلك ، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر ، إلى أبي عمر ، ~~لأستحق البشارة ، وأتقرب إليه . وطال علي الوقت ، حتى نام أبو القاسم ، ~~فركبت دابتي ، وجئت إلى أبي عمر ، فأنكر مجيئي ذلك الوقت ، وعلم أنه لمهم ، ~~فأوصلني ، فجلست ، وهنأته ، وحدثته بالحديث على شرحه . فقال أبو عمر : أطال ~~الله بقاء أمير المؤمنين ، وأحسن الله جزاء أبي القاسم ، ولا عدمتك . PageV01P279 # """""" صفحة رقم 280 """""" # فاستقللت شكره ، وولد لي فكرا ، مع ما بان لي في وجهه من التعجب مني . ~~فلما خرجت ندمت ندما شديدا ، وقلت : سر السلطان ، أفشاه إلى رجل عنده فوق ~~الوزير ، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي ، لا يسره عني ، ولعله هو ، أراد ~~أن يعتد به على أبي عمر ، بادرت أنا بإخراجه ، إن راح أبو عمر فشكره على ~~ذلك ، أو ذاكره به ، فعلم أن ذلك من فعلي ، بأي صورة يتصورني ؟ أليس يراني ~~بصورة من خرج بسر ؟ وإخراج السر ، في ms164 الخير والشر ، والفرح والغم ، والجيد ~~والرديء ، واحد ؟ إن أداه ذلك إلى استثقالي واحتشامي ، أليس في هذا انتقاص ~~معيشي وخيري ؟ ثم إن حجبني عنه ، من يوصلني إليه ؟ ومن يرغب في استخدامي ~~بعده أو يدخلني داره ؟ أوليس ينتشر في البلد ، إنه طردني ، لأنني أفشيت له ~~سرا ، لا يدري ما هو . ليس إلا أن أرجع إلى أبي عمر ، فأسأله كتمان ذلك . ~~قال : فرجعت من حيث قدمت لي دابتي ، ولم أركب . فحين وقع ناظر أبي عمر علي ~~، قال لي : يا أبا عصمة ، ولا حرف ، ولا حرف . قال : فكأنه حسب ما حسبته ~~لنفسي ، وعلم ما علمته ، مما طرأ علي ، فلما رآني قد استدركت ذلك ، علم أني ~~ما رجعت إلا لأسأله كتمان هذا ، فبدأني بما قاله ، فشكرته وانصرفت ، ولم ~~اجلس . وقد أخبرني أبو الحسين بن عياش رحمه الله ، بهذا الخبر ، عن أبي ~~عصمة ، ولم يذكر فيه حديث الخطبة ، ولا أي شيء كان السر ، وهذا الحديث أشرح ~~، فأوردته هكذا . ؟ PageV01P280 # """""" صفحة رقم 281 """""" # القاضي يخطب بين يدي الخليفة في الأملاك # حدثني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : حدثني القاضي أبو طالب بن البهلول ، ~~قال : لما تأخر أبي عن حضور المواكب ، وكان لا يخطب في الإملاكات غيره ، ~~عرض للمقتدر رأي ، في إملاك بحضرته . فقال لي علي بن عيسى هذا شيء كان إلى ~~أبيك ، وأنت أحق به . فقلت : لا أقوم به . فقال لأبي عمر : فاخطب أنت . ~~فاستعفاه ، وسأله أن يجعل ذلك إلى ابنه ، فجعله إليه . وكان يخطب بحضرة ~~المقتدر في الإملاكات . PageV01P281 # """""" صفحة رقم 282 """""" # وصف طبق قطائف # وصف القاضي المعروف بالنقاش ، طبق قطائف ، قدم إليه ، فقال : اقشعر جلده ~~من كثر حمله . # النداء على الرطب الآزاد # حدثني خالي ، قال : سمعت مناديا ببغداد ، ينادي على الرطب الآزاد : هوذا ~~أولاد الخلافة ، في الغلائل نيام . PageV01P282 # """""" صفحة رقم 283 """""" # الوزير ابن مقلة وأبو أحمد الفضل الشيرازي الكاتب # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي ، قال : حدثني أبو ~~أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب ، قال : كنت أكتب بين ~~يدي أبي ms165 علي بن مقلة ، وهو وزير ، وكانت حالي صغيرة ، وكنت أستحلي قينة كنت ~~أنفق جميع ما أكسبه عليها . وكان أبو علي يعرف ذلك من خبري ، فيخصني ~~بالأعمال التي تكسب المنافع ، وإذا أراد كتب عهد لعامل ، أو إجابة صاحب طرف ~~، لم يعدل بذلك عني ، فأنتفع بالمائتي دينار ، والثلثمائة ، والأكثر ، ~~والأقل ، ولا أبقي شيئا . قال : فكان من ذلك ، أن كتاب ملك جرزان ، ورد ~~عليه ، فرمى به إلي ، وأمرني بالإجابة عنه . فجاءني موصله ، يتنجز الجواب ، ~~وحمل إلي مائتي دينار ، وثياب ديباج ، وغير ذلك . فأجبته جوابا جميلا ، ~~وأخذت ذلك فأنفقته كله على المغنية . وأصبحت بعد أيام ، وهي عندي ، وليس ~~معي ما أجذرها به في يومي ذلك ، وأنا قلق من انصرافها ، ولا حيلة لي في ~~إسلامها ، حتى جاءني غلامي ، فقال لي : إن صاحب جرزان على الباب . فتثاقلت ~~به ، وقلت : لم يبق شيء أتوقعه منه ، وقد كتبت كتبه ، وأنا متشاغل بحيلة ما ~~أجذر هذه اليوم ، فاحجبه عني . قال : فخرج وعاد وقال : قد أعطاني عشرة ~~دراهم ، وسألني إيصاله إليك . قال : فطمعت فيه ، وقلت : إذا أعطى غلامي ~~عشرة دراهم ، فالأمر يحتمل أن يصل إلي ، هاته . PageV01P283 # """""" صفحة رقم 284 """""" # قال : فدخل ، وأخرج الكتاب ، وقال : يا سيدي ، كانت العادة ، إذا عنون ~~الكتاب إلى صاحبي ، وقيل : لأبي فلان بن فلان ، أن يقال بعد ذلك : ملك ~~جرزان ، ولم يقل هذا ، وفيه عليه غض في عمله ، فحلق ذلك . قال : فقلت هذا ~~لا يجوز إلا بأمر من الوزير ، وهذا أمر عظيم ، وإذا قيل ذلك فكأنما قد ~~أزلنا ملك السلطان عن ذلك الصقع ، وأخذت أهول الأمر ، وأفخمه بقدر طاقتي . ~~فقال : يا سيدي ، لا زمان علي في مساءلة الوزير ، لأني أريد الخروج اليوم ~~مع القافلة ، فخذ مني ما شئت ، واكتب لي . قال : فزاد طمعي فيه ، وقلت : ~~هذا أمر لا يمكن للوزير فعله ، إلا بأمر من الخليفة . قال : فما زلت معه في ~~ألوان ، إلى أن دفع لي في الحال ، ثلثمائة دينار عينا . فقلت : على شريطة ~~أن لا يرى الكتاب أحد معك ، ولا تقم اليوم ببغداد . قال : فشارطني على ms166 ذلك ~~. فكتبت إلى جانب العنوان ' ملك جرزان ' فقط ، وأخذت الدنانير وانصرف الرجل ~~، ولم أدع الجارية تبرح ومعي شيء من الدنانير . قال : ثم دخلت إلى أبي علي ~~، بعد ذلك بأيام ، فرمى إلي كتبا وقال : اكتب إلى صاحبها عهدا على أعماله ~~بتستر . قال : فجاءني الرجل ، وحمل إلي مائتي دينار ، وثلاثة أثواب تسترية ~~، وعمامة منها ، فكتبت عهده ، وقطعت الثياب ، وكنت أنفق من تلك الدنانير . ~~قال : وكان بين أبي علي ، وبين أبي العباس الخصيبي ، من العداء والمشاحة ~~على الوزارة ، ما عرفه الناس ، وكانت لأبي العباس علي ، حقوق ، ورياسة ~~قديمة ، فكنت أحب لقاءه ، وأخاف من أجل الوزير ، فكنت ربما مضيت إليه في ~~الأيام سرا ، واعتذرت من تقصيري باتصالي بالوزير ، فيعذرني . فاتفق أني ~~مضيت إليه يوما سحرا ، في تلك الثياب الجدد ، وعدت إلى دار الوزير ، فلما ~~صرت في الحجرة التي كان فيها ، وجدته وأبا الحسين ابنه ، مختليين ، وفي ~~ناحية من الدار جماعة من الكتاب جلوس ، منهم أبو جعفر بن شيرزاد ، وأبو ~~محمد المادرائي ، وأبو العلي الحسن بن هارون ، وغيرهم . PageV01P284 # """""" صفحة رقم 285 """""" # فعدلت لأجلس مع الجماعة ، فلما رآني الوزير ، صاح : تعال ، بحرد . قال : ~~فقمت فزعا ، أن يكون الخبر بلقائي الخصيبي ، قد ري إليه ، فجئته ، فأسر إلى ~~أبي الحسين ، بشيء في أمري ، لا أدري ما هو ، ثم ضحك وقال : اجلس ، فلما ~~ضحك ، سكنت نفسي ، وجلست . فقال : اليوم يوم سبت ، والهوا طيب فما ترى في ~~ترك العمل والصبوح ؟ فقلت : هذا والله عين الرأي ، وحقيقة الصواب ، ونفس ~~لواجب ، وما لا يجوز العدول عنه ، ولا الخروج منه ، ولا التأخر عن فعله ، ~~وأخذت أصف طيب الصبوح ، وأروي ما حضرني فيه ، في الحال . قال : فقال لحاجبه ~~: قل لأصحابنا ، يمضون إلى الديوان وينظر كل واحد في أمره ، وما إليه ، ~~وأخل دار العامة ، ولا تستأذن علي لأحد ، حتى أتشاغل بالصبوح . ثم دعا ~~الفراشين ، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها ، وقال : أريد أن تكون في نهاية ~~الضياء ، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس . فقام فلم تكن إلا ساعة ، حتى ~~جلس فيها ، فأكلنا معه ، ونفسي ms167 متطلعة إلى ما جرى . فلما نهضنا لغسل أيدينا ~~، سألت أبا الحسين عن ذلك ، فقال : إن الوزير لما رآك ، قال : هذا الرجل ~~يخدمنا ، ويختص بنا ، وواجب الحق علينا ، وهو يعشق مغنية لعل ثمنها شيء ~~يسير ، ويتلف كل ما يكسبه عليها ، ولا نشتريها له ؟ أي شيء أقبح من هذا ؟ ~~قال : فقلت له - وكنت أعرف في أبي الحسين شدة - فأي شيء قلت له يا سيدي ؟ ~~قال : قد قويت رأيه . قلت لا يقنعني هذا والله ، أريد أن تتجرد ، وتصمم ، ~~وتذكره ، ولا تدعه أو يتنجز لي ثمنها اليوم . فقال : أفعل . وقام أبو ~~الحسين لينام ، فلم يحملني أنا النوم ، وقعدت ، فعملت أبياتا في الوزير ، ~~أشكره على هذا الرأي ، وأتنجز الوعد ، وحررتها بأحسن ما قدرت عليه من خطي . ~~فلما جلسنا للشرب ، وشرب الوزير أقداحا ، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن ~~المنجم ، بالرقعة ، وكانت له عادة عندي في التعصب لشعري ، والمدح لي عند ~~الوزير ، لنفاقه عليه ، واختصاصه به ، من بين ندمائه . PageV01P285 # """""" صفحة رقم 286 """""" # فأخذ أبو الحسن الرقعة ، فأنشد منها الشعر ، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها ، ~~وتبعه الجماعة ، واستحسن الوزير ذلك ، فأخذ الرقعة ، فقطع بالسكين ، سحاة ~~عريضة منها ، فكتب في رأسها شيئا ، ثم أخذها الوزير ، فلفها شديدا حتى صارت ~~كالزر ، ورمى بها ، فإذا هي في حجري ، ففتحتها ، فإذا فيها : ندى الخادم ، ~~عشرة آلاف درهم ، وبخط أبي الحسين : فلان الجهبذ خمسة آلاف درهم . قال : ~~فجئت لأنهض ، فأشكره ، وأقبل يده ، فأومأ إلي بإصبعه ، أن اسكت ووضعها على ~~فيه ، فسكت ، وشربنا إلى أن حضرت المغرب ، وقام الوزير ليصلي ، وقمنا . قال ~~: فاستدعاني ، فقال : أخذت المال ؟ فقلت : لا . فقال : إنا لله ، ظننتك ~~أفره من هذا ، إذا قال لك السلطان ، هات لأغرف لك ، فابسط حجرك ، ولا تنتظر ~~غضارة ، أن صرفني الخليفة الليلة عن الوزارة ، كيف تصل أنت إلى المال ؟ إن ~~مت ؟ أن كان كذا ؟ فقلت : حاشاك يا سيدي ، لعن الله هذه الدراهم ، مع هذا ~~القول ، يبقيك الله ألف سنة . فقال : دع ذا عنك ، ثم نادى الخادم ، فجاء ، ~~فقال : خذ هذه الرقعة ، وأحضر المال الساعة ms168 ، قبل أن أتمم الصلاة . قال : ~~فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة ، ودخلنا نحن ، فوالله ، ما تممنا صلاتنا ~~، حتى حضر المال ، ولم يكن معي غلام يحمله ، إلا صبي يحمل دواتي ، ولا يطيق ~~ذلك . قال : فالتفت إلى بدعة الصغيرة ، وكانت في المجلس ، وكان بيني وبينها ~~ود ، وهي تتعصب لي ، فقلت : يا ستي ، أعيريني بعض خدمك ، يحمل هذا المال ~~معي ، إلى داري فإن غلامي لا يطيقه . قال : وكانت بدعة الحمدونية ، إذا ~~حضرت المواضع ، معها عدة جوار وخدم وفراشين . PageV01P286 # """""" صفحة رقم 287 """""" # قال : فدفعت إلي غلامها ، وكان مقدما عندها ، فسلمت إليه المال ، فحفظه ، ~~حتى أداه إلى منزلي . فاستدعيت مولاة الجارية ، وبذلته لها في ثمنها ، ~~فقالت : لا أبيعها إلا بثلاثين ألفا ، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة ، ~~وتاقت نفسي إلى نفقة المال ، فأسلفتها منه للجذور ، خمسة آلاف درهم ، ~~وأنفقت الباقي عليها في مدة يسيرة . # الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه # عطرا وشرابا ومالا حدثني أبو محمد أيضا ، قال : حدثني أبو أحمد أيضا ، ~~قال : غدوت في بعض الأيام إلى حضرة الوزير أبي علي بن مقلة ، وأنا في بقية ~~خمار ، وقد خلفت في داري هذه الجارية . فلما مضى من النهار ساعتان ، عن ~~للوزير قطع العمل ، والتشاغل بالشرب . فقطعت من رأس الدرج ، قطعة ، وكتبت ~~فيها إلى أخي ، آمره باحتباس الجارية ، وبإعداد أشياء رسمتها له ، وأعلمته ~~أنني على أثر الرقعة ، مع تشاغل الوزير بالأكل ، وعملت على الاحتجاج للوزير ~~بالخمار ، والوزير يلحظ ما أكتبه ، ويقرؤه ، وأنا لا أعلم . وسلمت الرقعة ~~إلى غلامي ومضى بها إلى منزلي . فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير ، واستدعى ~~المائدة ، وأمرني بالأكل معه ، فامتنعت ، واحتججت بعظم الخمار ، وأنني لا ~~أقدر على شم الطعام ، فضلا عن أكله . فألح علي فألححت في الامتناع . ~~فاستدعى عملا كان بين يديه ، وأخرج منه عدة كتب ، وأمرني بالانفراد ، ~~والإجابة عنها . PageV01P287 # """""" صفحة رقم 288 """""" # فورد علي من ذلك ما أقلقني ، ولم أعلم غرضه ، ولا أنه يستدعيني إلى ~~الطعام ، ويشير علي بالدخول معه في ذلك الأمر ، وتأخير الكتابة إلى غد ، ~~وأنا مقيم على شكوى الخمار ، وتعذر ms169 الأكل علي . إلى أن فرغت من الكتب ، وقد ~~توسط أكله ، وجئت بها مقدرا أنه يأذن لي في الانصراف . فقال : قد تبقى من ~~مدة أكلنا ، ما تبلغ به وطرك من الطعام ، فاستخر الله وساعدنا . فأقمت على ~~الامتناع . فاستدعى عملا ثانيا ، وأخرج منه عدة كتب أخر ، وقال لي : إذا ~~كنت غير داخل معنا في أمرنا ، فأجب عن هذه أيضا . فورد علي أعظم من الأول ، ~~وانفردت للإجابة ، إلى أن فرغت منها ، مع فراغه من الأكل . وجئت بالكتب ~~فعرضتها عليه ، وأنا لا أشك في الانصراف . فقال لي : لست أشك في تصرم خمارك ~~، فاستدع ما تأكله ، والحق بنا . فأقمت على الامتناع . فاستدعى عملا ثالثا ~~، ليشغلني بشيء ، وتبسم . فقلت له ما هذه الحاجة الداعية إلى اتصال العمل ~~علي في هذا اليوم . فقال : قد قرأت رقعتك إلى أخيك ، من ظهرها . فعرفت من ~~حيث أتيت ، فضحك وضحكت . وأمر بإحضار مائتي دينار ، وعشرين دنا من الشراب ~~العتيق ، وسلم ذلك إلى غلامي ، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له ، فيه طبب ، ~~فقدم إلى حضرته ، ومنديل دبيقي ، وجعل فيه من الصندوق ، من الند كفا ، ومن ~~العود المقلي كفا ، وكذلك من الكافور والمسك ، مثل ذلك ، واستدعى قدحا ، ~~فجعل فيه أوراق غالية ، ووضعه في المنديل ، وختمه بخاتمه . وقال : إمض ~~فأنفق هذه الدنانير ، وشرب الشراب ، وتبخر بهذا البخور . فأخذت جميع ذلك ، ~~وانصرفت . PageV01P288 # """""" صفحة رقم 289 """""" # أنت تحركت على الصفراء ليس الصفراء تحركت عليك # وحدثني أبو محمد أيضا ، قال حدثني أبو أحمد أيضا قال : كانت هذه الجارية ~~صفراء ، تسمى بهجة . فشربت معها ليلة ، وأصبحت مخمورا ، فآثرت الجلوس معها ~~، على لقاء الوزير أبي علي ، وكان يعرف خبري معها . فأردت الاعتذار إليه من ~~التأخر عن الخدمة ، وأخفي خبري عليه ، فكتبت إليه رقعة أعتذر فيها ، وأقول ~~: إن الصفراء تحركت علي ، فتأخرت . فوقع على ظهرها بخطه : أنت تحركت على ~~الصفراء ، ليس الصفراء تحركت عليك . قلت : وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا أبو ~~الحسن علي بن هارون بن المنجم ، لنفسه ، في جارية صفراء ، وقد شكا إلى ~~الطبيب مرة الصفراء ، ولا أدري أيهما ms170 أخذ من صاحبه : قال الطبيب وقد تأمل ~~سحنتي . . . هذا الفتى أودت به الصفراء فعجبت منه إذ أصاب وما درى . . . ~~قولا وظاهر ما أراد خطاء # بغل لا يصلح للبيع # رأى رجل في حمام ، رجلا وافر المتاع : فقال له عابثا : تبيع هذا البغل ؟ ~~قال : لا ، ولكني أحملك عليه . PageV01P289 # """""" صفحة رقم 290 """""" # القاضي أبو الحسن الهاشمي يغسل الخليفة الراضي # وحدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله ، قال : ~~لما مات الراضي رضي الله عنه ، أنفذ إلي فاستدعيت لغسله ، فحضرت ، ودخلت ~~إلى الموضع الذي هو فيهمن دار الخلافة ، فإذا به مسجى ، على وجهه إزار مروي ~~غليظ . فقلت : لا إله إلا الله ، مثل هذا يطرح على وجه الخليفة ؟ فقال لي ~~بعض الخدم : إنه لما مات ، أخذ كل إنسان ، ما هو مثبت عليه ، فرده إلى ~~الخزانة ، حتى طرحت أنا عليه إزاري هذا . قال : فطلبنا مرجلا أو مسينة ~~لنغلي فيها ماء حارا ، فما وجدنا ، حتى جاءوا بها بعد مدة من حجرة بعض ~~الخدم . فغسلته ، وكفنته بأكفان جميلة من داري ، وصليت أنا والخدم عليه ، ~~وحمل إلى داره بالرصافة فدفن فيها . PageV01P290 # """""" صفحة رقم 291 """""" # الخليفة الواثق ، يهمل بعد موته فيأكل الحرذون عينيه # حدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن يحيى الواثقي ، قرابة أبي ، قال : ~~حدثني أبي ، قال حدثني أبي أحمد ، قال : كنت أخدم الواثق ، وأخدم تخته ، في ~~علته التي مات فيها . فكنت قائما بين يدي الواثق ، في علته ، أنا وجماعة من ~~الأولياء ، والمالي ، والخدم ، إذ لحقته غشية ، فما شككنا أنه قد مات . ~~فقال بعضنا لبعض : تقدموا فاعرفوا خبره ، فما جسر منهم أحد يتقدم . فتقدمت ~~أنا ، فلما صرت عند رأسه ، وأردت أن أضع يدي على رأسه وأعتبر نفسه ، لحقته ~~إفاقة ، ففتح عينيه ، فكدت أن أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى ~~غير رتبتي . فتراجعت إلى خلف ، فتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس ، وعثرت به ~~، فانكببت عليه ، فاندق سيفي ، وكاد أن يدخل في لحمي ، ويجرحني . فسلمت ، ~~وخرجت ، واستدعيت سيفا ومنطقة أخرى ، ولبستها وجئت حتى وقفت في ms171 مرتبتي ساعة ~~، فتلف الواثق تلفا لم تشك جماعتنا فيه ، فتقدمت فشددت لحييه ، وغمضته ، ~~وسجيته ، ووجهته إلى القبلة ، وجاء الفراشون ، وأخذوا ما تحته في المجلس ، ~~ليردوه إلى الخزانة ، لأن جميعه مثبت عليهم ، وترك وحده في البيت . فقال لي ~~ابن أبي دؤاد القاضي : إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، ولا بد أن يكون ~~أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن ، فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل . وقد كنت من ~~أخصهم به في حياته ، وذلك أنه اصطنعني ، واختصني ، حتى لقبني الواثقي ، ~~باسمه ، فحزنت عليه حزنا شديدا ، وقلت : دعوني ، وامضوا . PageV01P291 # """""" صفحة رقم 292 """""" # فرددت باب المجلس ، وجلست في الصحن ، عند الباب أحفظه ، وكان المجلس في ~~بستان عظيم ، أجربة ، وهو بين بساتين . فحسست بعد ساعة ، في البيت ، بحركة ~~عظيمة أفزعتني ، فدخلت أنظر ما هي ، فإذا بحرذون قد أقبل من جانب البستان ، ~~وقد جاء حتى استل عيني الواثق ، فأكلهما . فقلت : لا إله إلا الله ، هذه ~~العين التي فتحها منذ ساعة ، فاندق سيفي هيبة لها ، صارت طعمة لدابة ضعيفة ~~. قال : وجاءوا وغسلوه بعد ساعة ، فسألني ابن أبي دؤاد ، عن سبب عينيه ، ~~فأخبرته . قال : والحرذون ، دابة أكبر من اليربوع قليلا . PageV01P292 # """""" صفحة رقم 293 """""" # ما أرانا إلا كنا خزانا للوليد # حكي عن هشام بن عبد الملك ، إنه لما ثقل ، وأخذ في النزع ، أغمي عليه ، ~~ثم أفاق ، فطلب شيئا . فقيل له : إن الخزان قد أقفلوا على جميعه ، وتفرقوا ~~. قال : فتنفس الصعداء ، وقال : ما أرانا إلا كنا خزانا للوليد بن يزيد . # الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر زوجة أبيه ويصلبها منكسة # وهذه شغب أم المقتدر بالأمس ، تنعمت ما لم يتنعمه أحد ، ولعبت من أموال ~~الدنيا بما استفاض خبره . فلما قتل المقتدر قبض عليها القاهر ، فعذبها صنوف ~~العذاب حتى قيل إنه علقها بثدييها ، يطالبها بالأموال ، وحتى علقها منكسة ، ~~فبالت ، فكان بولها يجري على وجهها . فقالت له : يا هذا ، لو كانت معنا ~~أموال ، ما جرى في أمرنا من الخلل ، ما يؤدي إلى جلوسك ، حتى تعاقبني بهذه ~~العقوبة ، وأنا أمك في كتاب الله عز وجل ، وأنا ms172 خلصتك من ابني في الدفعة ~~الأولى ، حتى أجلست هذا المجلس . PageV01P293 # """""" صفحة رقم 294 """""" # الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر ويضطرها لبيع أملاكها # حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : حدثني عمي أبو محمد ، قال : أنفذني أبو ~~الحسين بن أبي عمر القاضي ، وابن حباب الجوهري ، إلى القاهر ، وكان قد طلب ~~منه شاهدين ، ليشهدا على أم المقتدر ، بتوكيلها ، في بيع أملاكها . قال : ~~فصرنا إلى دار الخلافة ، واستؤذن لنا ، فدخلنا إلى القاهر ، وهو جالس في ~~صحن كبير ، عند باب ممدود عليه ستارة ديباج ، وسبنية ، على كرسي حديد ، وفي ~~يده حربة يقلبها ، وخدمه قيام على رأسه . فسلمنا عليه ووقفنا . ودفع إلينا ~~أحد الخدم ، كتابا أوله : أقرت شغب ، مولاة أمير المؤمنين المعتضد صلوات ~~الله عليه ، أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه . فوقفنا عليه ، فإذا هو وكالة ~~ببيع أملاكها ، في سائر النواحي . فقلنا للخادم : فأين هي ؟ قال : وراء ~~الباب . فاستأذنا الخليفة في خطابها ، فقال : افعلا . فقلنا : أنت عافاك ~~الله هاهنا ، حتى نقرأ عليك ؟ فقالت : نعم . فقرأ عليها الكتاب وقررناها ، ~~ثم توقفنا عن كتب الشهادة ، فأومأ بعضنا إلى بعض ، كيف نعمل في رؤيتها ؟ ~~وإلا لم يمكنا إقامة الشهادة ، وهبنا الخليفة . فقال : مل لكم تتآمرون . ~~فقلنا : يا أمير المؤمنين ، هذه شهادة ، نحتاج أن نقيمها عند قاض من قضاة ~~أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم . PageV01P294 # """""" صفحة رقم 295 """""" # قلنا : فإنها لا تصح لنا دون أن نرى المرأة بأعيننا ، ونعرفها بعينها ~~واسمها ، وما تنسب إليه . فقال : افعلوا . قال : فسمعت من وراء الستارة ، ~~بكاء ، ونحيبا ، ورفعت الستارة . فقلت لها : أنت شغب ، مولاة أمير المؤمنين ~~المعتضد بالله صلوات الله عليه ، أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه . قال : ~~فبكت ساعة ، ثم قالت : نعم . فقررناها على ما في الكتاب ، وأسبل الستر ، ~~فتوقفنا عن الشهادة ، فقال القاهر بضجر : فأي شيء بقي ؟ فقلنا : يعرفنا ~~أمير المؤمنين إنها هي . فقال نعم ، هذه شغب مولاة أبي المعتضد بالله ، ~~أمير المؤمنين ، وأم أخي جعفر المقتدر بالله ، ونهض . فأوقعنا خطوطنا في ~~الكتاب ، وانصرفنا . قال : ولما رأيتها ، وجدتها امرأة عجوزا ، دقيقة الوجه ~~والمحاسن ، سمراء اللون ms173 إلى البياض والصفرة ، عليها أثر ضر شديد ، وثياب ~~غير فاخرة . فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم ، فكرا في تقلب الزمان ، وتصرف ~~الحدثان . وجئنا ، فأقمنا الشهادة ، عند أبي الحسين القاضي . PageV01P295 # """""" صفحة رقم 296 """""" # يقتلون شيخا حسن الشيبة ثم يظهر أنه خناق # حدثني أبو جعفر ، أصبغ بن أحمد الكاتب ، شيخ خدم قديما الصيمري ، وحجب ~~أبا محمد المهلبي ، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمور كلها ، ~~فلما ولي أبو محمد الوزارة ، صرفه عن حجبته ، وصرفه فيما يتصرف فيه ~~المستخرجون المستحثون ، قال : حدثني بعض غلمان بجكم ، قال : أنفذني إلى ~~الأنبار ، في جماعة غلمان ، لقتل قوم كانوا محبسين من الأعراب ، وأمرنا ~~بحمل رؤوسهم إليه ، وكتب لنا في ذلك . فجئنا إلى العامل ، فأوصلنا إليه ~~الكتاب ، فسلم القوم إلينا ، فضربنا أعناقهم ، وقطعنا رؤوسهم . وأقمنا ~~ليلتنا هناك ، وبكرنا ، والرؤوس في مخال دوابنا ، مسمطة عليها ، ونحن نريد ~~بغداد . وكنا عشرة غلمان ، والمقتلين عشرة . فلما صرنا في بعض الطريق ، ~~وحمي النهار ، أوينا إلى قرية خراب ، وجلسنا نأكل ، والمخالي بين أيدينا ، ~~فيها الرؤوس ، قد نحيناها عن الدواب ، وتركنا الدواب ترعى . فلما فرغنا من ~~أكلنا ، قمنا إلى المخالي ، فافتقدنا من الرؤوس التي فيها واحدا ، فقامت ~~قيامتنا ، فقلنا نحن مقتولون به ، سيقول لنا بجكم : أخذتم منه مالا ~~وتركتموه ، كيف نعمل ؟ فأجمع رأينا على أن نخرج إلى تلك الصحراء ، فنعترض ~~رجلا كائنا من كان أول ما نلقاه ، فنقتله ، ونجعل رأسه في المخلاة ، بدلا ~~من الذي ضاع ، ونسير . فخرجنا على هذا ، فأول من استقبلنا ، رجل شيخ ، حسن ~~الشيبة والثياب ، له سجادة وسمت ، وهو راكب حمارا ، عليه خرج مثقل ، وهو ~~يسير . فأوقعنا به وقتلناه ، بعد أن تذممنا من قتله ، مع ما رأيناه عليه ، ~~إلا أنا خفنا أن ينتشر الناس في الطريق ، فلا يمكنا قتل أحد ، ونكون نحن ~~المقتلين . PageV01P296 # """""" صفحة رقم 297 """""" # فقتلنا الرجل ، وقطعنا رأسه ، وجئنا لنجعله في المخلاة ، فإذا نحن برأس ~~ملقى بين أرجل الدواب ، فشككنا فيه ، وعددنا الرؤوس ، فإذا هي أحد عشر . ~~فشككنا ، حتى أخذ كل واحد منا رأسا ، وبقي في الأرض رأس ms174 واحد فاضلا . فقامت ~~قيامتنا ، ولطمنا ، وقلنا : قتلنا رجلا مسلما بغير سبب ، وشق ذلك علينا . ~~وكان معنا شيخ من الغلمان ، جار ، فقال : يا قوم ، إنكم ما سلطتم على هذا ~~الشيخ ، إلا وله عند الله سريرة سوء ، ففتشوا رحله ، لعلكم تستدلون على ما ~~يزول به غمنا في قتله . فقمنا إلى رحله فحططنا الخرج عنه ، وفتحناه ، فأول ~~شيء خرج علينا ، هو بكرة ، ثم تلا ذلك ، ثياب ملوثة بالدم وبالغائط . ~~وتوالت الأدلة علينا ، فإذا هو خناق شداخ . فحمدنا الله تعالى على ما سلمنا ~~من قتل من لا يستحق القتل . وتقاسمنا قماشه ، ودفنا رأسه في الطريق . وجئنا ~~فسلمنا العشرة الرؤوس إلى بجكم . PageV01P297 # """""" صفحة رقم 298 """""" # القاضي أبو عمر وحسن تصرفه ووفور عقله # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، قال : ركبت معم ~~القاضي أبي عمر ، في يوم موكب ، في طياره ، إلى دار المقتدر . فصعد هو ~~وابنه ، وجلست أنا والجماعة ، في الطيار ، ننتظر رجوعه . فرأيت جماعة من ~~الخدم ، وقد وقفوا له ، يشتمونه بأقبح لفظ ، ويقولون له : يا ظالم ، يا ~~مرتشي ، وهو مطرق إلى الأرض ، يمشي إلى أن دخل الدار . فهالني إقدامهم عليه ~~، وقبح الصورة ، وقلت في نفسي : إن لم يكن هذا الفساد برأي الخليفة ، وإلا ~~فيجب أن يشتكي إليه منهم الساعة ، حتى يؤدبوا . فلما عاد ، خاطبه أولئك ~~الخدم ، بأقبح من الخطاب الأول ، فعلمت أنه ما شكاهم ، ولم أقدم على ~~مخاطبته في ذلك ، لعظم هيبته ، وافترقنا . فلما كان عشي ذلك اليوم ، عدت ~~إليه ، وهو متخل ، وقد استدعى بعض أصحابه ، ودفع إليهم تخوت ثياب فاخرة ، ~~وطيبا ، وأشياء قيمتها خمسمائة دينار ، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس ~~أولئك الخدم الذين سبوه غدوة . وقال له : إقره السلام ، وقل له كنت راسلتني ~~في أن أحكم لفلان بشيء ، لم تجز إجابتك إليه ، لأنه لم يكن مذهبي ، ولا مما ~~يجوز عندي في الحكم ، ولو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم ، فرددتك ~~. فكان منك بالأمس ما لم يرض الله به ، ولا قدح في شيء من أمرنا ، ولكني ~~استدللت به ms175 على عتبك ، ووقع لي أن الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته ، وقد ~~أنفذت إليك هذا - وضع الهدية بين يديه - وأحب أن تقبله ، وتعذرني . قال : ~~فاغتظت منه ، وقلت في نفسي : يؤدي جزية ، ويعطي مصانعة عن عرضه ، أي رأي ~~هذا ؟ فمضى الرسول ، وافترقنا ، ما بدأني بشيء ، ولا بدأته به . فلما كان ~~في الموكب الثاني ، صحبته ، فصعد من الطيار ، وجلست على رسمي ، فإذا بأولئك ~~الخدم ، وعدة أكثر منهم ، وقد وقفوا له سماطين ، يقولون : يا PageV01P298 ~~"""""" صفحة رقم 299 """""" # عفيف ، يا نظيف ، يا مأمون ، يا ثقة ، يا جمال الإسلام ، يا تأريخ القضاة ~~، ويدعون له ، ويشكرونه ، حتى صعد من الطيار ، وخدموه أحسن خدمة ، وهو ساكت ~~على رسمه ، إلى أن دخل الدار ، ثم عند خروجه إلى أول ما نزل طياره . فتحيرت ~~مما رأيتهم عليه من التضاد في الدفعتين ، مع قرب العهد . فلما استقررنا في ~~الطيار ، قال لنا أبو عمر : كأني بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب ، ~~قلتم : لو شكاهم إلى الخليفة ، فأمر بتأديبهم ، أليس كذا وقع لكم ؟ قلنا : ~~بلى . قال : كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم ؟ قلنا : أحسن منظر . قال : أنه لم ~~يذهب علي ما فكرتم فيه ، ولكني علمت أنه لو شكوتهم ، كنت بين أمور : إن لم ~~يقع إنكار ، فتنخرق هيبتي ، ويبطل جاهي ، ويطمع كل أحد في ، ويجر علي ذلك ~~أمورا كبارا . أو وقع إنكار ضعيف ، كان ذلك إغراء لهم . أو وقع إنكار قوي ، ~~صاروا كلهم أعدائي ، وتنقصوني ، وعاداني بعداوتهم من فوقهم من الخدم ، ولهم ~~بالسلطان خلوات ليست لي ، فيولدون علي عنده من الحكايات والسعايات ، ما ~~يفسد علي رأيه في مديدة . وإني علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني وبينهم ~~، وإنما هي طاعة منهم ، للخادم الذي هو رئيس عليهم ، وأن ما حمله على ذلك ، ~~ما كان طمع في أخذه على قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته . وعلمت أني ~~إذا عوضته واستصلحته ، صلح لي جميع هؤلاء . فعلمت ما رأيت ، فانصح هؤلاء ، ~~وجميع الخدم ، وأمنت عداوتهم ، وعادوا يكذبون أنفسهم فيما رموني به ذلك ~~اليوم ، ويخاطبوني بضده ، بحضرة أكثر ms176 من كانوا خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح ~~بحضرته ، وصاروا لي خدما ، وزاد ذلك في محلي ، أن يرى أعدائي ، خدم الخليفة ~~، يخدمونني ، ويدعون لي ، ولم يكن الخليفة ، لو بلغ غاية الإنكار عليهم ، ~~يأمرهم بهذا من خدمتي . PageV01P299 # """""" صفحة رقم 300 """""" # وما علم الغرباء ، لأي سبب رضوا عني ، وفعلوا بي هذا ، ويجوز أن يظن ~~أعدائي ، أو يرجف أوليائي ، أن الخليفة أمرهم بهذا ، وأنكر عليهم ما جرى ~~أولا ، فتلافوني بهذا الفعل ، وقد بلغت أكثر ما أردت ، ولم أبلغ الغاية ، ~~ولا عاديت أحدا . واعلم يا أبا الحسن ، إن أشياء قليلها كثير ، منها إيثار ~~العداوة ، - وذكر أشياء لم أحفظها - فأي الرأيين الآن عندك أصوب ؟ فقلت : ~~رأي القاضي ، جمل الله الدنيا ببقائه ، وفعل به وصنع . ؟ PageV01P300 # """""" صفحة رقم 301 """""" # القاضي أبو عمر يستميل أحد خدم الخليفة # وقد سمعت هذا الخبر عن جماعة غير القاضي أبي الحسن ، منهم أبو عمر عبيد ~~الله بن الحسين بن أحمد السمسار البغدادي الشاهد ، وكان يخلف القضاة على ~~بعض الأعمال ، ويتقلد سوق الرقيق بمدينة السلام ، فذكروا : أن أبا عمر ~~القاضي ، لما جرى عليه من الخادم ما جرى ، أحضر حضريا كان يخدمه ، وقال له ~~: امض فتوصل إلى فلان الخادم وابكي بين يديه بكاء شديدا ، وقل له : إن أخي ~~مات ، وخلف مالا وأطفالا ، ولم يوص . وإن القاضي قد رد ذلك إلى بعض أسبابه ~~، وفي هذا ذهاب جاهي ، وإن كان قد فعل الحق في ذلك ، فالله ، الله ، في ، ~~تسأله أن يرد إلي المال والطفل ، واحرص على ذلك ، واحمل له هذه الدنانير - ~~وأعطاه مائة دينار - ، وقل له : إذا فعلت ذلك ، أعطيتك مائة أخرى ، ولا ~~تقنع منه أو يركب إلي ويسألني . قال : فمضى الحضري ، وتوصل إلى ذلك . فقال ~~له الخادم : ويحك ، هذا قد عاملته بكل قبيح ، فكيف أسأله حاجة ؟ قال : فلم ~~يزل الحضري يرفق به إلى أن أجاب . فجاء فأخبر القاضي بأنه يركب إليه في يوم ~~كذا ، فانتظره . وجاء الخادم إلى أبي عمر ، وداراه ، ومسحه ، وأزال كل ما ~~في نفسه ، وقضى له الحاجة ، ووقع له بما أراد ، وسلم إلى الحضري ms177 التوقيع ، ~~فشكر ودعا . وشكر الخادم وانصرف . واستدعى أبو عمر الحضري ، فأخذ التوقيع ، ~~وخرقه ، ودفع إليه المائة الدينار الأخرى ، وقال : تمضي بها إلى الخادم ، ~~فمضى بها إليه . وصار الخادم صديقا له . وقد أخذ مرفق أبي عمر ، وهو لا ~~يدري بذلك ، واستقامت الحال . PageV01P301 # """""" صفحة رقم 302 """""" # جواب مفحم # وأخبرني غير واحد من أهل الحضرة : إن هاشميا وقف لأبي عمر ، في طريقه إلى ~~الجامع ، وكان سأله شيئا فلم يجبه إليه ، فقال له : يا بارقي ، يعرض به ، ~~وما كان عليه من مبايعة ابن المعتز ، ليكتب أصحاب الأخبار بذلك ، فيجدد له ~~سوءا عند الخليفة . فوقف أبو عمر ، وقال للرجل : يا هذا إن أمير المؤمنين ~~أعزه الله قد عفا عن هذا الذنب ، فإن رأيت أن تعفو ، فعلت . قال : فخجل ~~الهاشمي ، وعجب الناس من ثبات أبي عمر ، وحسن جوابه ، وسرعة فطنته ، وتلطفه . PageV01P302 # """""" صفحة رقم 303 """""" # رقية تحبس السم # حضرت أبا الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، وقد رقى ملسوعا من عقرب ، فقال ~~الملسوع : قد زال الوجع ، وقام وهو كالمعافى ، بعد أن دخل ضاجا من الألم . ~~فسألته عن ذلك ، فقال : هذه رقية لها خبر طريف ، حدثني به ، أبو أحمد ~~الوزان ، فجربتها على خلق ، فأنجعت . فسألته إخباري الخبر ، فقال : حدثني ~~أبو أحمد هذا ، قال : حدثني أحمد بن الطيب السرخسي ، قال : كنت قائما بين ~~يدي المعتضد ، فدخل إليه بعض الخدم ، فقال : بالباب رجل يصيح : نصيحة ، وقد ~~قلنا له : ما هي ؟ فقال : لا أقولها إلا للخليفة . فقال : لعل له ظلامة ، ~~أو حاجة ، فراجعوه . فكرر الكلام ، إلى أن أمر بإدخاله ، فقال له : ما ~~نصيحتك ؟ فقال : معي رقية تحبس السم . فقال المعتضد : هاتوا عقربا . قال : ~~فكأنها كانت معدة لهم ، فجاءوا بعقرب في الوقت ، فطرحت على خادم ، فلسعته ، ~~فصاح ، فرقاه الرجل ، فسكن ما كان يجده الخادم . فقال لأحمد بن الطيب : ~~أكتب هذه الرقية ، وأمر له بثلثمائة دينار . فأملاها أحمد بن الطيب علينا ، ~~وهي : أن تأخذ حديدة ، وتمرها من أعلى اللسعة في البدن إلى موضع اللسعة ، ~~كأنك ترد شيئا ، وتقول : بسم الله لومر سرلومر بهلبتي تنبه ms178 تنبه كرورابا ~~كرورابا ابهتح ابهتح بهشترم بهوداله مهراشترم لوته قرقر سفاهه فلا تزال ~~تكررها ، وتمسح الحديدة ، إلى أن يذكر الملسوع ، أن السم الذي في بدنه قد ~~انحدر إلى الموضع الملسوع ، ويسكن عنه الضربان ، إلا من حيث موضع اللسعة ، ~~فيفتح الموضع حينئذ بإبرة ، ويعصر ، فإن السم يخرج ، ويزول الألم في الحال . PageV01P303 # """""" صفحة رقم 304 """""" # قال أبو الحسن : وقد جربتها على العقرب مرارا كثيرة ، فنفعت . وسبيلها أن ~~تجرب في غير ذلك من السموم ، فإن الذي قال الرجل : إنها تحبس السم ، ولم ~~يخص شيئا من السموم بعينه . أبو أحمد الوزان هذا ، قد رأيته ، وكان شيخا ~~صالحا ، يتوكل للقاضي أبي جعفر بن البهلول ، وأبي طالب ، في بيع الحطب ، ~~وحدثني عنهما بأشياء . PageV01P304 # """""" صفحة رقم 305 """""" # دواء للسعة الزنبور # حدثني علي بن محمد الأنصاري ، قال : قال لي المرعوس المتطبب ، وكان يخدم ~~بجكم : إن الزنبور ، إذا لسع إنسانا ، فإن اتفق في الحال أن يكون محاذيا له ~~إنسان محاذاة صحيحة ، فيعمد الرجل المحاذي للملسوع ، إلى كوز ماء ، فيصبه ~~على جبينه وقحف رأسه ، إن كانت اللسعة في بدنه ، فإنه يسكن . قال : فلسعني ~~مرة زنبور ، فقلت لرجل كان في محاذاتي ، صب على جبيني ورأسي ذلك الكوز ~~الماء ، ففعل ، فسكن ما بي في الحال . # طبيب يلطخ مريضا بالعذرة # قال : وقد عالج صبيا في رأسه بثور ، بأن نوره ، ثم غسله ، وطلاه بغطاء ~~رطب ، وأقامه في الشمس نحو ساعة زمانية ، ثم غسله ، وطلاه بدواء كان معه ، ~~فزالت البثور . # ذرق العصفور يزيل الآكلة # وقال لي هذا الطبيب : إن خرا العصافير اليابس ، إذا سحق ، وجمع بالزيت ، ~~وحشي به الذي قد وقعت فيه الآكلة من الأبدان ، أصلحها ، وأزال الآكلة . قال ~~: وقال لي إن الشب إذا جعل في الزيت ، وأمر على الموسى ، لم يحلق شيئا . PageV01P305 # """""" صفحة رقم 306 """""" # البول المغلي يحل القولنج # قال : وقد رأيت هذا الطبيب ، وقد شفى رجلا به قولنج شديد ، ببول أغلاه ، ~~وطرح فيه جندب استر ، وعقاقير أخر ، فانحل قولنجه ، في الحال . # عجوز تداوي من البثور # قال : وكانت بي في ساقي ، قد تطاولت ، فخرجت ms179 إلى قرية تقارب ما براون ، ~~من أعمال الأنبار ، فنزلت على مزارع فيها ، يقال له إبراهيم بن شمعون ، ~~فرأى تلك البثور . فقال لي : عندنا عجوز ترقى من هذا ، فأحضرنيها ، فقالت : ~~هذه علة يقال لها الدروك ، وأنا أرقيها . فرقتها طويلا ، ثم ألقت على ساقي ~~الآس ، والدهن ، وقالت : لا تحله ثلاثة أيام . فلما كان بعد ثلاثة أيام ~~حللته ، وقد عوفيت . PageV01P306 # """""" صفحة رقم 307 """""" # حفظ القاضي أبي جعفر بن البهلول يدفع كارثة # حدثني أبو أحمد الوزان هذا ، قال : كنت أتوكل لأبي جعفر بن البهلول ~~القاضي ، في بيع حطبه الذي كان يتجر فيه من الحرار ، وأزنه على المشترين . ~~فبلغني يوما خبر طوف عظيم ، قد ورد له ، فخرجت إلى دمما أستقبله ، وكان ~~هائلا مهولا . وكانت القنطرة إذ ذاك مخوفة ، على شفا الوقوع ، والزواريق ~~ممنوعة من الاجتياز بها لئلا تنكسر . فأقمت يومي أنتظر الطوف ، فإذا ~~الجماعة قد جاءوني ، وقالوا : إنه طوف عظيم ، وقد حصل في جرية الماء ، وليس ~~يطيقه من فيه ، والساعة يجيء ، فيقع على القنطرة ويكسرها ، فيكون فيه هلاك ~~أبي جعفر مع السلطان . قال : وهم في الحديث ، حتى إذا رأيت الطوف ، قد جاء ~~كالجبل ، وهو متصوب إلى القنطرة ، لم أشك في المكروه ، ورأيت الرجال الذي ~~فيه قد ألقوا نفوسهم في الماء ، وهم لا يشكون في تصوبه إلى القنطرة . ~~فأقبلت أدعو الله بصرفه عنها ، إلى أن قرب ، فدهشت ، وجرى على لساني أن صحت ~~: يا بخت أحمد بن إسحاق رده ، ثلاث دفعات . قال : فرأيت ، والله ، الطوف ، ~~وقد تعوج ، ووقفت وقفة شديدة ، فتقطع ، فصار حطبا متفرقا ، يجيء على رأس ~~الماء ، لا يضر القنطرة ، وجنح معظمه في الموضع الذي تقطع فيه ، ووقعت ~~البشارات والضجيج . فقلت : ما الخبر ؟ قالوا : إنه لما عدل عن القنطرة ، ~~جنح على جزيرة أخرى كانت مغطاة بالماء ، فلما جنح عليها ، تقطع ، فكانت هذه ~~صورته . قال : فجمعنا الحطب من أسفل القنطرة ، وما ذهب منه عود ، ولا ~~لزمتنا عليه مؤنة ، وجعلناه في عدة أطواف ، وجئنا به إلى بغداد . وجئت إلى ~~القاضي أبي جعفر ، وعرفته ذلك ، فحمد الله عز وجل ms180 ، وتصدق بصدقة جليلة . PageV01P307 # """""" صفحة رقم 308 """""" # الأمير معز الدولة يزاد فوق وظيفته رغيفين وباقة بصل # جرى حديث ارتفاع الناس ، وتقلب الزمان بالإنسان ، فحدثني أبو الحسن بن ~~الأزرق ، قال : حدثني الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي ، قال : ~~حدثني الأمير معز الدولة ، رحمه الله ، قال : كنت ببلد الديلم أحتطب لأهلي ~~، فقالت لي أختي الكبيرة ، ليس يكفينا هذا الحطب ، فجئنا بكارة أخرى حطبا ~~لهم اليوم . فقلت لها : لا أقدر ، وقد جئتكم بما قدرت عليه . فقالت : إن ~~جئت بشيء ، زدتك رغيفين مما أخبزه . فجئتها على ظهري بكارة أخرى ، وقد تلفت ~~. فقالت : إن جئتني بكارة ثالثة ، أعطيتك مع الخبز الذي أزيدك إياه على ~~وظيفتك باقة بصل . فجئتها بالكارة الثالثة . فلما خبزت ، أعطتني وظيفتي ، ~~وزادتني رغيفين ، وباقة بصل ، بإزاء ما حملته . ثم صنع الله لي وتغيرت حالي ~~إلى ما تراه . قال : وقال لي أبو الفضل الوزير ، لولا أن الأمير حدث بهذا ، ~~دفعات كثيرة ، في مجالس حافلة ، فأخرجه مخرج الافتخار ، لا السر ، لما ~~تحدثت به . PageV01P308 # """""" صفحة رقم 309 """""" # أبو علي حمولي القمي يرتفع من حارس في خان إلى أعلى المراتب # وسمعت أبا علي أحمد بن موسى حمولي القمي ، يحدث ، في حديث له طويل ، وهو ~~إذ ذاك في السماء ، رفعة ، وجلالا ، ويسارا ، وإليه طراز الحرم الديباج ، ~~وابتياع الثياب ، ومرتبته عند معز الدولة ، أجل مرتبة : أنه كان أمينا على ~~زورق ، زمانا ، من سورا إلى القصر ، لشدة الحاجة والفقر . وحدثني أبو الفرج ~~الأصبهاني ، قال : أعرف أبا علي حمولي ، حارسا لمتاع التجار ، في خان يطرح ~~إليه متاع الموصل ، في موضع داره على دجلة . # إن الفتى من يقول هاأنذا # جرى في مجلس أبي رضي الله عنه ، بحضرته ، يوما ، ذكر رجل كان صغيرا ~~فارتفع . فقال بعض الحاضرين : من ذاك الوضيع ؟ أمس كنا نراه بمرقعة يشحذ . ~~فقال أبي : وما يضعه أن الزمان عضه ، ثم ساعده ، كل كبير إنما كان صغيرا ~~أولا ، والفقر ليس بعار ، إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه ، وأهل العلم خاصة ~~لا يعيبهم ذلك . وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع ms181 ، أو فقيرا فاستغنى ، ~~أفضل ممن ولد في الغنى ، أو في الجلالة ، لأن من ولد في ذلك ، إنما عمل له ~~غيره ، فلا حمد له هو خاصة فيه ، ومن لم يكن له فكان ، فإنما بجده أو كده ، ~~وصل إلى ذلك ، فهو أفضل من أن يصل إليه ميراثا ، أو بجد غيره ، وكد سواه . PageV01P309 # """""" صفحة رقم 310 """""" # حريق الجمل ببغداد # حدثني أبو الحسين بن عياش رحمه الله ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ~~، قال : لما وقع ببغداد ، حريق الجمل ، اختل دكاني فيما اختل ، وذهب مني ~~مال عظيم . فقلت له : كيف كان حريق الجمل ؟ قال : اجتاز في سوق الخرازين ، ~~جمل عليه قصب ، وكان رجل يثقب لؤلؤا ، وبين يديه نار ، فوقع طرف القصب على ~~النار ، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في لحظة . فكان الجمل ، كلما أحس بوقع ~~النار عدا ، وتنافض الشرار منه ، في جانبي الطريق ، فحرق كل ما يجتاز به . ~~فلم يزل على ذلك ، إلى أن تلف الجمل ، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع في ~~الدور والعقار . فكان حد ما احترق ، من أول سوق الخرازين إلى طاق الحراني ، ~~ووسط قطيعة الربيع . وتلف ناس كثير ، وزالت نعم عظيمة ، بذهاب الأموال ، ~~ورؤوس أموال التجار ، وانهدام العقارات . قال : وكان هذا عقيب انتقال ~~المعتصم إلى سر من رأى ، فهم الناس بالانتقال عن بغداد ، وإن تخرب ، فبلغ ~~ذلك المعتصم . قال : فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي داؤد ، في إطلاق مال ~~للناس . فقال المعتصم : خذ خمسة آلاف ألف درهم ، وأخلف بها جميع ما ذهب من ~~الناس . فأخذ ابن أبي داؤد المال ، وجاء فجلس في مجلس الشرقية ، واجتمع ~~إليه الناس ، فعرفهم علم الخليفة بأمرهم ، وما كان منه في خطابه ، وما أنفذ ~~معه من المال ، فقال : ولم يذكر مبلغه ، إلا أنه قال : قد حملت من المال ما ~~أخلف به ، جميع ما ذهب من جميعهم . قال : وكنت حاضرا المجلس ، أسمع الكلام . PageV01P310 # """""" صفحة رقم 311 """""" # فقام إليه شيخ كان حاضرا ، فقال : أيها القاضي ، إن هذا مال عظيم ، فكم ~~أنفذ إلينا أمير المؤمنين معك ؟ فقال : خمسة آلاف ألف ms182 درهم . فالتفت الشيخ ~~إلى نفسين في المجلس ، فقال : قوما ، فقاما . فقال أيها القاضي هذان ، قد ~~ذهب منهما ، في أثمان عقاريهما ، ورؤوس أموالهما ، خمسة آلاف ألف درهم ، ~~أليس هكذا يا معشر المسلمين ؟ واستشهد الحاضرين ، فقالوا : نعم . فقال : ~~أيها القاضي ، إذا كان هذان ، وهما نفسان ، من جميع من قد حضر ، قد ذهب ~~منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين ، فالباقون من أين يأخذون ؟ قال : فتحير ~~ابن أبي داؤد ، وقال : ما ترون في هذا ؟ فقالوا : الرأي لك . قال : فقال ~~أولئك النفسان : أما نحن ، فما نريد شيئا ، ولا نسأل الخلف ، إلا من الله ~~عز وجل ، ولا نطلبه إلا مكن فضله ، ولكنا نشير عليك أيها القاضي ، فقال : ~~افعلا . قالا : تجعل هذا المال ، مقسوما بين أهل البضائع اليسيرة ، وصغار ~~الناس ، فإن رغب أحد من الأكابر ، في أن يشارك الأصاغر فيه ، فإن ذاك إليه ~~وإليك . قال : فقام خلق كثير ، فقالوا : أما نحن ، فما نريد شيئا ، اجعله ~~للأصاغر ، وانصرفوا . ففض المال ، على أرباب البضائع اليسيرة ، ثم لم يكف ، ~~واحتيج لهذا إلى أضعاف ما حمل من المال . فلما نفذ المال ، خرج ابن أبي ~~داؤد ليلا ، لكثرة الازدحام عليه ، والطلب منه ، ونفاذ ما عنده . PageV01P311 # """""" صفحة رقم 312 """""" # إبراهيم بن الحسن البزاز يخسر في حريق واحد ما يزيد على أربعمائة ألف درهم # سمعت إبراهيم بن حسن البزاز ، يقول : خلف الحريق سريع ، كان حريق بالكرخ ~~في سنة نيف وأربعين وثلثمائة فتلف لي متاع في دكاني وداري بمائتي ألف درهم ~~، سوى أثمان العقار . فقلت : كم كان أثمان العقار ؟ فقال : أكثر من هذا . ~~قال : فنمى الله ، عز وجل ، ما بقي ، وأعدت منه عقاري ، ورأس مالي في دكاني ~~، فما أفرق اليوم بين أمري ، وبين ما كان قبل الحريق . قلت له : ففي دكانك ~~اليوم متاع بمائتي ألف درهم ؟ فضحك ، وقال : هذا لا يسأل عنه التجار ، ولا ~~يصدقون أيضا إذا سئلوا ، ولكن ما أفرق بين حالي الساعة ، وذلك الوقت ، وأنا ~~من الله عز وجل في خير . # فقال بعض أصدقائه ممن يعرف أمره : في دكانه متاع بأكثر من هذا ms183 . PageV01P312 # """""" صفحة رقم 313 """""" # أبو القاسم الجهني يفخر بأنه قد أجهد نفسه فيما لا يليق بالرجل الحر # حدثني أبو القاسم الجهني ، قال : جرى بيني وبين محمد بن خلف ، القاضي ~~وكيع ، ملاحاة في شيء ، بحضرة أبي الحسن بن الفرات ، فولدت بيننا عداوة ، ~~فبحثت عن عيوبه . فبلغني أن له أبا ساقطا في أصحاب الصناديق بباب الطاق ، ~~فركبت حتى جئت إليه ، فرأيته يعمل الصناديق بيده ، وفاتشته ، فإذا هو أسقط ~~رجل ، وأجهله . وانصرفت فكاتبت جماعة من وجوه الشهود بالجانين ، وأشرافهم ~~من البطنين ، وأكابر التجار والكتاب والتناء ، وواعدتهم بحضور مسجد هناك ~~كبير ، فحضر خلق كثير . وركبت ، فحين حصلت هناك ، قلت : علي بخلف الصناديقي ~~، فجاءوا بالشيخ كما أقيم من العمل ، وآلته معه ، ويده ملوثة ، كما كنت ~~وصيتهم . فقلت لهم : أعزكم الله ، إني كنت سألتكم الحضور لأخاطب هذا الشيخ ~~بحضرتكم بشيء آخذ خطوطكم به ، فاحفظوا ما يجري . ثم قلت : يا شيخ ، من أنت ~~؟ قال : أنا خلف بن فلان . قلت : وكيع قاضي ، من هو منك ؟ قال : ابني . ~~فقلت لمن حضر من شيوخ المحلة : هو كما قال ؟ فقالوا : نعم . قلت : أنت بهذه ~~الصورة مع اتساع حال ابنك ؟ قال : لأنه عاق بي ، فعل الله به وصنع ، ودعا ~~عليه . فقلت له : يا شيخ ، تحفظ القرآن ؟ قال : أحفظ منه ما أصلي به . فقلت ~~: تحسن شيئا من القراءات ؟ قال : لا . PageV01P313 # """""" صفحة رقم 314 """""" # قلت : وكتب الحديث قط ؟ قال : لا . قلت : رويت من الأخبار ، والآثار ، ~~والآداب ، والأشعار شيئا ؟ قال : لا . فلم أزل أعدد عليه العلوم وأصنافها ، ~~وهو يقول لا ، لا . قلت : فتحسن شيئا من النحو أو العروض أو المنطق ؟ قال : ~~لا . فقلت : أعزكم الله ، إن وكيعا رجل كذاب ، متعاط العلم والأدب ، ولم ~~آمنه في الكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والكذب في العلوم ، ~~وأن يجعل ذلك طريقا متى مات هذا الشيخ ، فيقول : حدثني أبي ، وأخبرني أبي ، ~~ويضع على لسانه كل كذب . فأردت أن تحفظوا على هذا الشيخ ما ذكره من أنه ليس ~~من هذا الأمر ، ولا إليه ، حتى لا يمكنه ادعاء ذلك عليه ms184 بعد موته ، وأن ~~تعرفوا أيضا فسقه بعقوقه والده ، وسقوط مروءته ، بتركه أباه على هذه الحال ~~. قال : فما فارقتهم حتى أخذت خطوطهم بما جرى ، على أشنع شرح قدرت عليه ، ~~وأجابوا هم إليه . وصرت بالمحضر معي إلى مجلس الوزير ، وتركته في خفي ، ~~وأجريت الحديث مع وكيع ، إلى أن شاغبته في الكلام ، وقلت : لا تسكت يا ابن ~~الصناديقي الجاهل ، فامتعض . وأخرجت المحضر ، وعرضته على الوزير ، وسألته ~~أن ينفذ ويستدعي أباه ويشاهده . فضحك الوزير ، وسقط وكيع من عينه . وقامت ~~قيامته من يدي . PageV01P314 # """""" صفحة رقم 315 """""" # أبو القاسم الجهني يتولى الحسبة بالبصرة # وولي أبو القاسم الجهني ، عندنا بالبصرة ، الحسبة ، من قبل أبي جعفر ~~الصيمري ، فسمعت إذ ذاك ، شيوخنا ، يقولون : إنهم ما شاهدوا ولا سمعوا ، من ~~بلغ مبلغه ، في ضبط العامة ، ورفع الغشوش ، ومن عرف من أسرار الصنائع ، ~~والأمتعة ، ما عرفه ، حتى كأنه لا يحسن شيئا غيرهما ، مثله . وطالب الناس ~~بمطالبات صعبة ، فانتشر له حديث عظيم جميل ، في البلد بذلك ، وهيبة في نفوس ~~الأكابر ، فضلا عن الأصاغر . فاجتاز يوما وبين يديه رجالته ، بمؤذن يؤذن ~~لبعض الصلوات ، فقالوا : الجهني ، الجهني . فتطلع المؤذن ، فرآه ، فقال : ~~الحمد لله الذي لم يجعل لك علي طريقا ، فقالوا للرجالة : خذوه إلى الدار . ~~فضج من ذلك ، وقام معه الجيران ، وجاءوا ، ونزل الجهني في داره ، فادخلهم . ~~فقالوا له : أمرت بإحضار هذا الرجل المؤذن ، فأي طريق لك عليه ؟ فقال : ~~تحتاج أن تحلف لي أن لا تدخل المسجد بالنعل الذي تدخل به الكنيف ، فإن هذا ~~يفسد صلاة الناس ، ولا يحل ، ولا تؤذن وأنت جنب . فسألوه أن يعفيه ، فأبى ~~وقال : إما أن يحلف أو لا يدخل المسجد ، فما زال به حتى أحلفه على ذلك . ~~فلما أراد الانصراف ، قال له : يا شيخ ، الآن علمت أن لي عليك طريقا ، وإن ~~بيننا معاملة ، أم لا ؟ فقال : أيدك الله ، أخطأت ولم أعلم . فقال : لا ~~تعاود الكلام فيما لا تحتاج إليه ، فإن الفضول ضار . PageV01P315 # """""" صفحة رقم 316 """""" # الكوكبي محتسب الأهواز والقاضي ابن السراج # حدثني أبو العباس نصر بن محمد الشاهد رحمه الله ms185 خليفة أبي رضي الله عنه ~~على فريضة الأهواز ، قال : كان الكوكبي محتسبا عندنا من قبل أخي أم موسى ~~القهرمانة ، وكان خشنا منبسط اليد ، جلدا . فوقعت بينه وبين أبي الحسن بن ~~علي السراج القاضي نفرة ، فأمسك عنه أياما ، ثم صار إلى بابه على غفلة ، ~~وقد كان أخل بالجلوس في الجامع مجلسين . فوقف في رجالته على الباب ، وقالوا ~~: قولوا للقاضي ، ليس لك أن تواصل الجلوس في منزلك ، أبرز إلى الجامع ينلك ~~القوي والضعيف ، كما أمرت في عهدك . فدخل إليه الغلمان ، فأخبروه ، فقامت ~~قيامته ، فأخرج من بحضرته من الشهود يدارونه . فقال : لا أدخل ، ولا أنصرف ~~، أو يركب إلى الجامع . فما زالوا به حتى أصلحوا بينهما . PageV01P316 # """""" صفحة رقم 317 """""" # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # حدثني القاضي أبو عمر عبيد الله بن الحسين المعروف بابن السمسار ، قال : ~~حدثني أبو علي بن ادريس الجمال الشاهد ، قال : حدثني أو عبد الله بن أبي ~~عوف ، قال : كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان ، أني جزت يوما في ~~الجامع بالمدينة ، فوجدته وهو ملازم في يد غريم له ، في عقب النكبة ، ~~بثلثمائة دينار ، وكنت أعرف محله من غير مودة بيننا . فقلت له : لأي شيء ~~أنت هاهنا أعزك الله جالس وما مضيت إلى الصلاة ؟ فقال : ملازم في يد هذا ~~بثلثمائة دينار علي . فسألت الغريم إنظاره ، فقال : لا أفعل . قلت : فالمال ~~لك علي ، تصير إلي بعد أسبوع حتى أعطيك إياه . فقال : تعطيني خطك بذلك . ~~فاستدعيت دواة ورقعة ، وكتبت له ضمانا بالمال إلى شهر ، فرضي وانصرف . وقام ~~عبيد الله فأخذ يشكرني . فقلت : تمم أيدك الله سروري ، بأن تصير معي إلى ~~منزلي . فحملته وأركبته حماري ، ومشيت خلفه ، إلى أن دخل داري ، فأكلنا ما ~~كان أصلح لي في يوم الجمعة ، كما يفعل التجار ، ونام . فلما انتبه ، أحضرته ~~كيسا ، وقلت : لعلك على إضاقة ، فأسألك بالله ، إلا أخذت منه ما شئت . قال ~~: فأخذ منه دنانير ، قام فخرج . فأقبلت امرأتي تلومني وتوبخني ، وقالت : ~~ضمنت عنه ما لا يكفي به حالك ، ولم تقنع إلا بأن أعطيته شيئا آخر . فقلت ms186 : ~~جميلا أسديته ، ويدا جليلة ، وهو رجل حر كريم ، كبير جليل ، من بيت وأصل ، ~~فإن نفعني الله به فذاك ، وإن تكن الأخرى فلن يضيع عند الله . PageV01P317 # """""" صفحة رقم 318 """""" # ومضى على الحديث مدة ، وحل الدين ، وجاء الغريم يطالبني ، فأشرفت على بيع ~~عقاري ، ودفع ثمنه إليه ، ولم استحسن مطالبة عبيد الله ، ودفعت الرجل بوعد ~~وعدته إلى أيام . فلما كان بعد يومين من هذا الحديث ، جاءتني رقعة عبيد ~~الله يستدعيني ، فجئته . فقال : قد وردت علي غليلة من ضيعة لي ، أفلتت من ~~البيع في النكبة ، ومقدار ثمنها مقدار ما ضمنت عني ، فتأخذها ، وتبيعها ، ~~وتصحح ذلك للغريم . فقلت : أفعل ذلك . فحمل الغلة إلي ، فبعتها ، وحملت ~~الثمن بأسره إليه ، وقلت له : آنت مضيق ، وأنا أدفع الغريم ، وأعطيه البعض ~~من عندي فاتسع أنت بهذا . فجهد أن آخذ منه شيئا ، فحلفت أن لا أفعل ، ووفرت ~~الثمن عليه . وجاء الغريم ، فألح علي ، فأعطيته من عندي البعض . ودفعت به ~~مديدة . فلم يمض على ذلك إلا شيء يسير حتى ولي عبيد الله الوزارة ، فأحضرني ~~من يومه ، فجعلني في السماء ، وقام لي في مجلسه ، وكسبت به الأموال ، وقر ~~هذه النعمة التي أنا فيها . PageV01P318 # """""" صفحة رقم 319 """""" # حكاية تدل على مقدار عناية الوزير عبيد الله ابن سليمان بابن أبي عوف # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول ، قال : حدثني أبي ، ~~قال : خرجت من حضرة عبيد الله بن سليمان في وزارته ، أريد الدهليز ، فخرج ~~ابن أبي عوف فصاح البوابون ، والحجاب ، والخلق ، هاتم دابة أبي عبد الله . ~~فحين قدمت دابته ليركب ، خرج الوزير ليركب ، فرآه ، فتنحى أبوعبد الله بن ~~أبي عوف ، وأمر بإبعاد دابته لتقدم دابة الوزير ، فحلف الوزير إنه لا يركب ~~، ولأتقدم دابته ، حتى يركب ابن أبي عوف . قال : فرأيته قائما ، والناس ~~قيام بقيامته ، حتى قدمت دابة ابن أبي عوف فركبها ، ثم قدمت دابة الوزير ، ~~فركبها ، وسارا جميعا . # ابن أبي عوف يحتال في إيصال كتبه إلى الوزير # وحدثني أبو الحسن ، قال : حدثني أبي ، قال : لما خرج عبيد الله إلى الجبل ~~، واستحلف ms187 القاسم ، لم يكن يعامل ابن أبي عوف ، مثلما كان أبوه يعامله . ~~فشق ذلك عليه ، وخاف أن ينفذ كتبه بشكايته إلى أبيه ، فتقع في يد القاسم . ~~فجاءني دفعات ، يسلم علي ، ولا يسألني حاجة ، حتى جعلني صديقا ، ثم سألني ~~أن أجعل كتبه إلى الوزير في طي كتب حرم صاحبي إليه ، وكان في جملة القواد ~~المجردين من عبيد الله ، فكنت أفعل ذلك دائما ، فيوصل صاحبي الكتب إلى PageV01P319 ~~"""""" صفحة رقم 320 """""" # الوزير سرا ، وتنفذ الأجوبة ، فترد كتب عبيد الله على القاسم ، في الخاص ~~، بالصواعق في أمر ابن أبي عوف . ويوكل القاسم بالطرق ، وتؤخذ له كتب أكثر ~~الناس ، فيقف عليها ، ولا يجد لابن أبي عوف كتابا ، فيتميز غيظا ، ولا يدري ~~من أين يؤتى ، إلى أن قدم عبيد الله . # تصرف من ابن أبي عوف يدل على نفس صغيرة # قال : وسألني في تلك الأيام ، رجل من أهل الثغر ، أن أشفع له إلى ابن أبي ~~عوف ، في معاونته على أسرى له في بلاد الروم ، فامتنعت عن ذلك ، لعلمي أنه ~~تاجر على كل حال . فألح علي ، فكتبت له رقعة إليه ، فجاءني الرجل فشكرني ، ~~وذكر أنه أعطاه أربعين دينارا . ومضت السنون ، فسألني ابن أبي عوف أن أؤجره ~~رقة من ضياعي بالأنبار ، يعمل فيها البطيخ الذي نسب فيما بعد إلى العبدلاوي ~~، وإنما هو مضاف إلى أبي عبد الله بن أبي عوف ، فآجرته إياها بمال جليل . ~~وعمل البطيخ فأنجب ، فلما طالبته بالأجرة ، احتسب علي الأربعين دينارا التي ~~بر بها الثغري ، بشفاعتي . PageV01P320 # """""" صفحة رقم 321 """""" # سبب سقوط محل ابن أبي عوف # وكان سبب سقوط محله ، على ما أخبرني به أبو الحسين بن عياش القاضي رحمه ~~الله ، قصة ابنته ، فإنه ذكر أن الخبر استفاض ببغداد : أنه دخل داره ، فوجد ~~مع ابنته رجلا ليس لها بمحرم ، فقبض عليه ، وعمل على ضربه بالسياط ، فأشير ~~عليه أن لا يفعل ، وقيل له أن في ذلك هتكا لابنتك ولك ، فأطلق الرجل وقيد ~~المرأة واحفظها ، فلم يقبل ، واستدعى صاحب الشرطة ، فضرب الرجل بالسياط على ~~باب داره ، وكان الرجل أديبا ظريفا ms188 ، فأنشأ يقول متمثلا وهو يضرب : لها مثل ~~ذنبي اليوم إن كنت مذنبا . . . ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب يا قوم ، ~~أيحد أحد الزانين ، دون الآخر ، أخرجوا صاحبتي ، وإلا فافرجوا عني . قال : ~~فاتضح ذلك ، وانهتك ، وتناوله الشعراء والخطباء والناس بألسنتهم حتى سقط ~~محله . وكان من ذلك ما قاله ابن بسام ، في قصيدة أولها : يا قومنا إن ~~القيامة دانيه . . . زان يحد ولا تحد زانيه ويكمل البيت الأول بيت تمام له ~~، وهو : فيا بعل ليلى ، ليس يجمع سلمها . . . وحربي وفيما بيننا شبت الحرب PageV01P321 ~~"""""" صفحة رقم 322 """""" # الموفق طلحة يراسل أخاه المعتمد في خلع المفوض وتقليد العهد لغيره # حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر السراج الواسطي ، المعروف بالحارثي ، قال ~~: حدثنا أبو بكر قال : حدثني يوسف بن يعقوب المقرئ الواسطي ، قال : لما دخل ~~الناصر لدين الله الموفق ، مدينة واسط بعد صاحب الزنج ، وأقام بها ، ~~والمعتمد بفم الصلح ، ووقعت الرسالة بينهما في خلع المفوض وتقليد العهد من ~~يختاره الموفق ، استدعاني الموفق ، وجماعة من شهود واسط ، وخاطبنا في ~~النفوذ إلى المعتمد ، لنشهد عليه بذلك . فقالت الجماعة : السمع والطاعة ، ~~ونهضت ، غيرى ، فإني سكت ، وجلست . فقال الموفق : شيء تقوله ؟ فقلت : إن ~~إذن الأمير الناصر اعزه الله ، قلت . قال : قل . قلت : أيها الأمير إنك ~~تنفذنا إلى إمام ، ولسنا نأمن أن يشهدنا على غير ما تريد أن يشهدنا عليه ، ~~وإذا وقفنا بحضرته ، فأشهدنا ، لم يجز أن نشهد على غير ما يشهدنا عليه ، ~~فما تأمر ؟ قال : فكأني أيقظته من رقدة ، وأعلمته أنه إن أشهدنا على تثبيت ~~أمر المفوض ، وخلعه هو ، وتفسيقه ، وقع الأمر موقعه . فقال : أحسن الله ~~جزاءك ، وأضرب على إنفاذنا . قال : ثم كان يختصني بعد ذلك ، ويستدعيني في ~~أوقات ، وكان ذلك أول ما بان من محلي عند أهل بلدي ، وتقدمت به عليهم . ؟ ؟ ~~؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ PageV01P322 # """""" صفحة رقم 323 """""" # متى حدثت ابن مقلة نفسه بالوزارة # حدثني أبو الحسن الأزرق التنوخي ، قال : حدثني بعض أصحابنا ، قال : حدثني ~~أبو علي بن مقلة ، قال : كنت خصيصا بأبي الحسن بن الفرات قبل وزارته الأولى ~~، وكاتبا له ms189 . فلما تقلد الوزارة ، استدعاني بعد جلوسه ، وقال : أحضر ابن ~~الأخرس التاجر ، وجماعة من التجار غيره ، وبايعهم ثلاثين ألف كر من غلات ~~السواد ، واستقص السعر منهم ، واستثن في كل كر بدينارين ، وطالبهم بحصول ~~الاستثناء اليوم ، وحصله ، وعرفني . قال : فأحضرتهم ، وقررت السعر معهم ، ~~وطالبتهم بالاستثناء عاجلا ، فقالوا : نصححه في مدة ثلاثة أيام ، فعرفته ، ~~فأجاب . فقال : إذا حصل الاستثناء فاكتب لهم إلى العمال ، بتسليم الغلات ، ~~وقبض الأثمان . فلما كان في اليوم الثالث ، حملوا مال الاستثناء ، وكتبت ~~لهم بالتسليم ، وقطعني شغل عرض عن مطالعة الوزير بذلك . فلما كان بعد يومين ~~، قلت له : ذلك المال الذي أستثني به من غلات السواد حاصل منذ أيام عندي ، ~~فما الذي يأمر الوزير فيه ؟ فقال : يا سبحان الله ، كأنك قدرت أني استثنيت ~~به لنفسي ؟ لقد قبحت في الظن ، وإنما أردت بذلك الإصلاح لحالك ، وأن أعتقد ~~لك نعمة يبين بها أثر صحبتي عليك ، فأصلح به أمرك . قال : فقبلت يده ، ~~وشكرته ، وعدت إلى منزلي ، وما أتمالك فرحا . فحين علمت حصول المال لي ، ~~حدثتني نفسي بالوزارة ، ودعتني نفسي إلى تأهيل نفسي لها ، والسعي في طلبها ~~. فما زلت من ذلك الوقت أشرع فيها ، حتى تمت لي . ؟ PageV01P323 # """""" صفحة رقم 324 """""" # شيخ من الدينارين يثني ابن مقلة # عن طلب الوزارة حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : كنت بحضرة أبي علي بن ~~مقلة ، وقد أرجف له بالوزارة الأولى . فدخل عليه شيخ من الديناريين ، كان ~~يكرمه أبو علي ، فأعظمه ، وجلسا يتشاوران طويلا . ثم زاد الكلام بينهما حتى ~~سمعت بعض كلام الشيخ ، وهو يعاتبه على طلب الوزارة ، ويثنيه عنها ، ويشير ~~عليه أن لا يدخل فيها ، وأبو علي ساكت . فلما انقضى كلامه ، قال له أبو علي ~~: بلغني عن معاوية وهو ممن لا يدفع من علم بالدنيا ، أنه قال : من طلب ~~عظيما خاطر بعظيم . قال : فقال له الشيخ : أستودع الله الوزير ، وقام . فما ~~كان إلا بعد أسبوع أو أقل ، حتى خلع على أبي علي ، وقلد الوزارة . من طلب ~~عظيما خاطر بعظيم حدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان ms190 ، قال : ~~كنت بسيراف ، وقت أن اجتاز بها أبو عبد الله البريدي ، يقصد علي بن بويه ، ~~فأعظمه الليث ، وحمله ، ولقيه وجوه سيراف في الجيش والناس كلهم ، وكنت فيهم ~~. فسمعته ، وهو على دابته ، وهو يقول : من طلب عظيما خاطر بعظيم . وما أحسن ~~ما أنشدنا المتنبي لنفسه ، من قصيدة مشهورة له : غريب من الخلان في كل بلدة ~~. . . إذا المطلوب قل المساعد PageV01P324 ~~"""""" صفحة رقم 325 """""" # وجزاء سيئة سيئة مثلها # حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش ، قال : لما ولي أبو القاسم ~~سليمان بن الحسن بن مخلد الوزارة ، صارفا لأبي علي بن مقلة ، وتضمنه هو ~~وأبو عباس الخصيبي بالمال الذي ضمناه به ، وتسلمناه ، كنت أختلف إلى أبي ~~القاسم ، على رسمي في ملازمته ، فأرى أبا العباس بحضرته يخاطبه في معنى أبي ~~علي ، والتشديد في مطالبته ، وربما أحضراه ليوقعا به ، فأقوم لئلا يراني قد ~~رأيت منه ذلك . فكنت أجلي بحيث أرى وأسمع ولا يراني ، فيطالب ، ويضرب . ~~فإذا أوجعه المكروه ، قال : لي في موضع كذا ، كذا وكذا . فيرفع المكروه عنه ~~، ويمضون إلى الموضع ، فلا يجدون لما ذكره حقيقة . فإذا سألوه قال : ما لي ~~حال ، ولا مال ، وإنما بردت عن نفسي في الحال ، ودفعت الموت ، ولا يمكن أبو ~~القاسم سليمان ، من رد المكروه عليه أياما . فطالت قصته ، ولم يستخرج منه ~~شيء ، فجرت بينه وبين أبي العباس مخاصمة بهذا السبب ، وقال : لا بد من بسط ~~العذاب عليه ، حتى يروج بعض المال من جهته ، وكان سليمان يستحي . فتقرر ~~الرأي على أن نقل إلى دار ابن الحرث ، وكان الخصيبي يجيء إليها ، فيعاقبه ، ~~ويستخرج المال منه . قال : فاتفق أنني دخلت يوما مسلما على ابن الحرث ، ~~وعزمنا على الجلوس للأنس ، فدخل الخصيبي ، فدخلت بيتا من الدار لئلا يراني ~~. وخليا ، وأخرجا ابن مقلة ، فأخذ الخصيبي يوبخه ، ويستخف به ، على ما ~~ارتكبه منه ، ومن سليمان ، ويشتفي منه بالخطاب بكل لون قبيح ، وقد أقامه ~~بين غلامين ، وأقام خلفه آخر . إلى أن قال له في جملة كلامه : أقرأني يعقوب ~~البريدي جوابك إليه ، لما عدت من البحر ms191 ، في ظهر كتابه إليك ، يقول إنه فد ~~امتثل أمرك في نفيي وحملي إلى البحر ، فوقعت بخط يدك قطعها الله : يا عاجز ~~، ألا سملته ، ثم حملته ، يا عاض كذا وكذا ، أردت أن ينطبق لفظك بانطباق ~~ناظري ؟ يا غلام اصفع . قال : فصفع ، وأخذ خطه بالمال . PageV01P325 # """""" صفحة رقم 326 """""" # مشعوذ يدعي الولاية # ومن الأخبار المفردات ، ما أخبرني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق ، ~~قال : قدم علينا بالأنبار رجل من أهل القصر ، يقال له عمر ، يعظ العامة ، ~~ويري نسكا ، ويقول : من أطاع الله ، أطاعه كل شيء ، وإنه يغمس يده في الزيت ~~الحار المغلي الشديد الحرارة ، فلا يضره . فافتتن أهل البلد به ، واجتمعوا ~~إلى الجامع ، ليشاهدوا ذلك ، وسألوني الحضور ، فحضرت ، وإخوتي ، وسلطان ~~البلد ، وقد نصب ديكدان في صحن الجامع على دكة ، ووضع فوقه طنجير ، والرجل ~~قائم يصلي . فلما جئنا طلبوا زيتا ، فأنفذت على يد غلامي ، فجاءوا بخماسية ~~، فصبت في الطنجير ، وأوقد عليها وقود جيد شديد . فلما أغلي الزيت ونش ، ~~أقبل على أخي ، وقال : يا أبا أحمد ، الله الله ، لا يكون ما أحضرته غير ~~الزيت ، فأهلك . فحين قال هذا ، انكشف لي أنها حيلة ، فقلت له : ما هو إلا ~~الزيت . فنزع ثيابه ، وعمد إلى بقية كانت في الخماسية من الزيت لم تغل ، ~~مقدارها نصف رطل ، فصبها في الطنجير ، ودعا شاربا ، فغسل يده غسلا شديدا ، ~~وذراعيه ، وصدره ، ثم أخذ كفا من الماء البارد ، فرشه على الزيت ، فزاد ~~نشيشه . ثم صعد على الدكة ، وفي يده صنجات ، ، فرمى بها في الطنجير ، ثم ~~أدخل يده بسرعة شديدة ، وصاح بأعلى صوته : لا إله إلا الله ، وغرف بكفه ~~الصنجات ، فأخرجها ، ورمى بها بحدة ، وهو يصيح : يا الله ، بأعلى صوته . ثم ~~تقدم إلى الزيت ، فاغترف بكفه منه ، فغسل به صدره ، وذراعيه ، وهو يصيح ~~صياحا شديدا ، يوهم به من حضر أنه يريد الدعاء ، وكان عندي ، أنه تألم ~~وتوجع وتأوه . PageV01P326 # """""" صفحة رقم 327 """""" # ثم نزل ، فأقبل يدعو ، ويقول للعامة : أنا أرجو أن أجيئكم بعد أيام ، ~~بسباع الأجمة ، أقودها بآذانها . فحملناه معنا إلى منزلنا ، واغتسل ms192 بماء ~~حار ، وتدلك ، وبخرناه ، وأقام عندنا يومه . فسألناه عن سبب ذلك . فقال : ~~من أطاع الله ، أطاعه كل شيء ، فأمسكا عنه . فلما كان بعد أيام ، جاء جماعة ~~من أهل الأنبار ، فقالوا : نحن نغلي الزيت ، ونعمل كما عمل ، ونغلي القار ، ~~ونأخذه من القدر بأيدينا حارا . قال فجمعناهم بحضرته ، فعملوا ذلك ، فأبلس ~~، وقال : هذا ، إنما لحقتكم بركتي . وهرب من البلد غد . فسألنا الذين عملوا ~~ذلك ، فقالوا جربنا على أنفسنا ، وتصبرنا كما يصبر الواحد منا على الماء ~~الحار الشديد الحرارة في الحمام ، ولا يصبر عليه آخرون . ويشبه هذا ، ما ~~أخبرني به أبو أحمد بن أبي سلمة العسكري ، أحد الشهود بها ، إنه شاهد رجلا ~~، يدخل يده في قدر السكر الحار ، ويخرج منه ما طرحه في الظروف . وأخبرني ~~أبو الطيب ، إنه رأى الشبلي الصوفي ، يدخل يده في طنجير حار ، فيه فالوذج ~~حار مغلي ، فيأخذ منه اللقم ، فيأكلها . قال : وهذا أشد ما شاهدته ، وفعل ~~ذلك مرارا . فقال له في بعضها ، صوفي كان حاضرا : ويحك اعمل أن في يدك ~~كشتبان ، حلقك مصهرج ؟ PageV01P327 # """""" صفحة رقم 328 """""" # الشبلي يتواجد # قال : وكان الشبلي ينتف شعر رأسه ، وكانت لهذا الشبلي ، عجائب وحكايات ، ~~منها ، ما من الوزير أبي محمد المهلبي ، قال : اجتزت بغداد . في بعض طرقها ~~، فرأيت الناس مجتمعين على رجل طريح . فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : الشبلي جاز ~~الساعة على هذا الهراس ، ومناديه يقول : إلى كم تغلط ؟ فتواجد ، وصاح حتى ~~أغمي عليه . قال : فمضيت ، وعجبت من جهله . فرأيت بعض الصوفي ، فأخبرته ~~الخبر ، وقلت له : ويحك ، أيش في هذا ، حتى يصيح الشبلي منه ، ويتواجد ؟ ~~فقال : يعتقد أن الله تعالى كلمه على لسان المنادي . فقلت : هذا أظرف ، لو ~~كان بحذاء المنادي مناد الهراس آخر ، يصيح مثل صياحه ، إلى كم تغلط ، أيهما ~~كان كلام الله ؟ فقال : الجواب عليه في هذا . PageV01P328 # """""" صفحة رقم 329 """""" # إذا عتق الشمع عشرات السنين ثم استعمل أبطأت النار فيه # ومن الأخبار المفردات أيضا ، ما أخبرني به أبو الحسين بن عياش ، قال : ~~دعانا أبو الطيب بن أبي جعفر الطائي مع أبي القاسم سليمان ms193 بن الحسن ، وابنه ~~أبي محمد ، دعوة أنفق فيها مائتي دينار ، وأظهر من الآلات ، ونعم المروءة ، ~~كل شيء حسن طريف غريب فاخر . وكان أحسن ما شاهدنا له شمعتين موكبيتين فيهما ~~ثلاثون أو أربعون منا ، في تورين كبيرين ، نصبهما في وسط المجلس ، وفرق ~~الشموع الصغار حواليهما . فكان الفراشون إذا أرادوا قط الشمعتين ، تطاولوا ~~شديدا ، حتى يقطعوهما . وكان لون الشمعتين غير مليح يضرب إلى البياض ، مما ~~قد عشب عليهما من التراب . وجلسنا إلى قريب من الغداة ، وهما تتقدان في ~~ليلة شتوية ، ونمنا ، وانتبهنا ، وهما تتقدان ، فنظرت فإذا الذي اتقد من كل ~~واحدة منهما ، أصابع يسيرة ، وهما بحالهما . قال : فما تمالكت ، أن سألته ، ~~فيما بيني وبينه ، عن سبب ذلك . فقال : هما عندي ، وعند أبي من قبلي ، منذ ~~خمسين سنة ، ما استعملناهما . وعندنا شمع كثير هذا سبيله ، تعمدنا تعتيقه ، ~~لأنه بلغ أبي أن الشمع إذا عتق عشرات سنين ، ثم استعمل ، كان ما يحترق منه ~~هذا القدر ، ونحوه . فعتق شمعا كثيرا ، ونسيه ، ومات ، وتشاغلت بعده عن ~~استعماله سنين ، فلما احتفلت لهذه الدعوة الآن ، ذكرت الشمع العتيق الذي في ~~خزائننا ، فأخرجت هاتين منه ، وكان من أمر هما ما رأيت ، وصحت التجربة لنا ~~فيهما . PageV01P329 # """""" صفحة رقم 330 """""" # حجام يحجم بالنسيئة إلى الرجعة # أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو بكر يموت بن المزرع ، قال ~~: سمعت أبا عثمان الجاحظ ، يحدث : أنه رأى حجاما بالكوفة ، يحجم بنسيئة إلى ~~الرجعة ، لشدة إيمانه بها . # أذان رجل من القطيعة # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني . قال : سمعت رجلا من القطيعة ، يؤذن : الله ~~أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمد رسول الله ، ~~أشهد أن عليا ولي الله ، محمد وعلي خير البشر ، فمن أبا فقد كفر ، ومن رضي ~~فقد شكر ، ضرطت هند على ابن عمر ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على ~~خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . وهذا عظيم مفرط ، ~~ونستغفر الله منه ، ونستعيذ به من الجهل . # الحنابلة يبنون مسجدا ضرارا # أخبرني جماعة من البغداديين : إن ms194 الحنابلة بنوا مسجدا ضرارا ، وجعلوه ~~سببا للفتن والبلاء . فتظلم منه إلى علي بن عيسى ، فوقع في ظهر القصة . أحق ~~بناء بهدم ، وتعفية رسم ، بناء أسس على غير تقوى من الله ، فليلحق بقواعده ~~، إن شاء الله تعالى . PageV01P330 # """""" صفحة رقم 331 """""" # أبو عبد الله الكرخي آية في سرعة الحفظ # حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : حدثني أبو عبد الله المفجع ، قال : أنشدت ~~أبا محمد القاسم بن محمد الكرخي ، قصيدة طويلة مدحته بها ، فلما استتممتها ~~، خرج ابنه أبوعبد الله جعفر بن القاسم من خيش كان في صدر المجلس الذي كنا ~~فيه ، فقال : يا شيخ ، ألا تستحي ، تمدحنا بقصيدة ليست لك ، تدعيها ؟ قال : ~~ولم أكن أعرف خبره في سرعة الحفظ ، فقلت : أعيذك بالله يا سيدي ، والله ما ~~قالها غيري . فقال : سبحان الله ، هذه علمنيها المعلم في المكتب من كذا ~~وكذا سنة ، وابتدأ حتى مضى في جميعها ، ما أخل ببيت واحد ، وكانت فوق ~~الخمسين بيتا . فأسقط في يدي ، فخجلت ، واندفعت أحلف ، بالطلاق والعتاق ، ~~أنها لي ، وأنا لا أدري من أتيت . فلما رحمني القاسم قال : يا هذا لا تقلق ~~، فأنا أعلم أنك صادق ، ولكن أبا عبد الله لا يسمع شيئا ينشد ، طويلا ولا ~~غيره ، إلا حفظه في دفعة واحدة حين يسمعه ، وإنه حفظها لما أنشدتنا إياها . ~~وأجازني ، وانصرفت . PageV01P331 # """""" صفحة رقم 332 """""" # أبو عبد الله الكرخي يحفظ جماعة تحتوي على ارتفاع فارس # حدثني أبي رضي الله عنه : أن جماعة كان عملها جعفر بن القاسم ، تحتوي على ~~ارتفاع فارس ، أو ناحية من فارس ، الشك مني ، ومشايخ الناحية ، ومعاملاتها ~~، وخراجها ، وما أدي ، وما بقي ، ودخل ذلك ، وخرجه ، وكان يرفع حسابها إلى ~~الوزير . فطلبت الجماعة منه ، ففقدت . فقال جعفر : لا عليكم ، وأملاها من ~~حفظه في الحال بحضرة والوزير ، ورفع الحساب عليها . ثم وجدت الجماعة ، ~~فوجدت موافقة لها حرفا بحرف ، إلا في باب واحد ، فإنه جاء به مقدما ومؤخرا . PageV01P332 # """""" صفحة رقم 333 """""" # نادرة عن شخص آخر آية في سرعة الحفظ # حدثني أبو القاسم عبد الله ابن محمد ابن عثمويه الكاتب ، قال ms195 : حدثني ~~الكرماني كاتب كان لأبي بكر ابن الصيرفي ، صاحب الجيش ، قال : أنفذني صاحبي ~~لأنفق في رجال أبي محمد جعفر ابن محمد ابن ورقاء ، فأنفقت فيهم ، واستفضلت ~~أنا وكاتب لأبي محمد ، والجهبذ ، والنقيب ، نحو عشرة آلاف درهم . فقالوا : ~~ندخل في موضع ، ونتحاسب ، ونقسم . فدخلنا مسجدا حيال دار أبي محمد ، ولم نر ~~فيه إلا رجلا عليلا نائما ، كأنه سائل ، فحقرناه . وأخذنا نتحاسب ، ونقول : ~~وصل إلينا من رزق فلان الساقط كذا ، وفلان البديل كذا ، ومن الصرف كذا ، ~~ومن فضل الوزن كذا ، ومن كذا كذا ، إلى أن حصلنا مبلغ الفضل ، وما يخص كل ~~واحد منا . فأقبلنا نزن ، فشال العليل رأسه ، وقال : يا أصحابنا ، أخرجوا ~~لي قسطا . فقلنا : ومن أنت ؟ قال : أنا رجل من المسلمين ، قد سمعت ما كنتم ~~فيه . فقلنا : هو ضعيف ، أعطوه خمسة دراهم . فقال : لا أريد إلا قسطا صحيحا ~~بالسوية ، مثلما يأخذه أحدكم . فاستخففنا به . فقال : لا عليكم ، إما ~~أعطيتموني ما التمست ، وإلا جلست الساعة في سميرة ، ومضيت إلى أبي بكر ~~الصيرفي ، وقلت : إنكم أخذتم باسم فلان الساقط كذا ، وباسم فلان البديل كذا ~~وكذا . قال : فأعاد جميع ما قلنا وتحاسبنا عليه ، حتى ما أخل بحرف واحد منه ~~، فأقل ما يعمل بكم ، إذا لم يصرفكم ويؤذيكم ، أن يرتجع منكم ما سرقتم . ~~فنظرنا إلى ما قاله فوجدناه صحيحا ، فرمنا منه أن يقتصر على بعض ما طلبه . ~~فقال : لا والله إلا بقسط كما يأخذ أحدكم . فلم نجد من دفع ذلك إليه بد ، ~~فدفعنا إليه قسطا ، مثلما أخذه واحد منا . فأخذه وافترقنا . PageV01P333 # """""" صفحة رقم 334 """""" # والد المؤلف يحفظ قصيدة تشتمل على ستمائة بيت في يوم وليلة # حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : سمعت أبي رحمه الله ينشد يوما ، وسني إذ ~~ذاك خمس عشرة سنة ، بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ، ويعدد ~~مناقبهم ، ويرد على الكميت فخره بنزار ، أولها : أفيقي من منامك يا ظعينة . ~~. . كفاني اللوم مر الأربعين وهي نحو ستمائة بيت ، فاشتهيت حفظها ، لما ~~فيها من مفاخر اليمن لأنهم أهلي . فقلت : يا سيدي ، تخرجها ms196 إلي حتى أحفظها ~~، فدافعني ، فألححت عليه . فقال : كأني بك ، تأخذها ، فتحفظ منها خمسين ~~بيتا أو مائة بيت ، ثم ترمي بالكتاب ، وتخلقه علي . قلت : ادفعها إلي . ~~فأخرجها ، وسلمها إلي ، وقد كان كلامه أثر في ، فدخلن حجرة كانت برسمي في ~~داره ، فخلوت فيها ، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها . فلما كان في ~~السحر ، كنت قد فرغت من جميعها ، وأتقنتها ، فخرجت إليه غدوة على رسمي ، ~~فجلست بين يديه . فقال : هي ، كم حفظت من القصيدة ؟ فقلت : قد حفظتها ~~بأسرها . فغضب ، وقدر أني قد كذبته ، وقال لي : هاتها . فأخرجت الدفتر من ~~كمي ، وفتحته ، ونظر فيه ، وأنا أشد ، إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت . ~~فصفح منها عدة أوراق ، وقال : أنشد من هاهنا . فأنشدت مقدار مائة بيت آخر ، ~~فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت ، فقال أنشدني من هاهنا ، فأنشدته مائة ~~بيت منها إلى آخرها . PageV01P334 # """""" صفحة رقم 335 """""" # فهاله ما رآه من حسن حفظي ، فضمني إليه ، وقبل وعيني ، وقال : يا الله ، ~~يا بني ، لا تخبر أحدا بها ، فإني أخاف عليك من العين . # مقدار ما حفظه والد المؤلف من الشعر # حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : حفظني أبي ، وحفظت بعده ، من شعر أبي ~~تمام الطائي والبحتري ، سوى ما كنت احفظه لغيرهما من المحدثين من الشعراء ، ~~مائتي قصيدة . قال : وكان أبي وشيوخنا بالشام ، يقولون : من حفظ للطائيين ~~أربعين قصيدة ، ولم يقل الشعر ، فهو حمار في مسلاخ إنسان . فقلت الشعر وسني ~~دون العشرين ، ثم بدأت بعمل مقصورتي التي أولها : لولا التناهي لم أطغ نهي ~~النهى . . . أي مدى يطلب من جاز المدى PageV01P335 ~~"""""" صفحة رقم 336 """""" # حفظ القرآن في ستة أشهر # حدثني أبو عبد الله بن هارون التستري المقرئ رحمه الله ، وكان أقام ~~بمسجدنا بالبصرة ، قال : أقمت أحفظ القرآن سنين كثيرة ، كلما بلغت إلى موضع ~~، أنسيت الذي قبله ، حتى كأني ما سمعته قط ، فشق ذلك علي . فحججت ، وتعلقت ~~بأستار الكعبة ، ودعوت الله تعالى ، وسألته أن يعينني على حفظه . ورجعت إلى ~~البصرة ، فلزمت التلقين ، فحفظت القرآن في ستة أشهر على ms197 حرف أبي عمرو ، ثم ~~تعاطيت السبعة . فما حال الحول علي ، إلا وقد أحكمت أكثرها . # من أقوال الصوفية # بلغني عن بعض الصوفية ، إنه قال : الاستغفار صابون المعاصي ، والشكر لله ~~عز وجل سفتجة الرزق ، والصلاة جوارشن المعدة ، والصوم ريباس البدن ، ~~واليقين الرأس الأكبر . وعن بعضهم ، من أهل زماننا : المعرفة بالله ، دليل ~~لا ضيعة معه ، والعمل الصالح ، زاد لا يخاف معه طول السفر . PageV01P336 # """""" صفحة رقم 337 """""" # ناصر الدولة الحمداني يتبع وصية أبيه أبي الهيجاء # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد ، قال : حدثني أبو اسحاق ابن أحمد القراريطي ~~قال : حدثني ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ، قال : كان ~~أبي أبو الهيجاء شديد الانحراف عني أول نشوي ، لما يراه من الفضل في ، ~~وخوفه مني على أعماله . فكان يغض مني ، ويتجافاني ، ويمسك يده عني ، فأتحمل ~~ذلك ، وأصبر عليه . فولي طريق خراسان ، فجلس يعرض دوابه ، فبقي منها خمسين ~~دابة ، ما بين زمن وأعجف ، إلى غير ذلك . ثم قال : يا حسن ، أريد أن أخرج ~~بعد شهرين إلى العمل ، وهذه الدواب مسلمة إليك ، وقد رددت أمرها إليك ، ~~لأجربك بها في الأمور الكبار . فإن قمت بها حتى تصح وتبرأ وتسمن ، وكان فيك ~~فضل لذلك ، علمت أنك تصلح لما هو فوقه ، وإن لم تصلح على يدك ، فهو أول عمل ~~رددته إليك من أمري وآخره ، فعجبت من أن أول عمل أهلني له ، أن أكون سائس ~~دواب ، ولم أجد بدا من الصبر . فقلت : السمع والطاعة . وأخذت الدواب ، ~~وأفردت لها اسطبلا ، وجعلت لنفسي فيها دكة ، واستأجرت لها سواسا ، وأدرت ~~أرزاقهم ، وطالبت بأشد الخدمة ، وكنت أحضر أمر الدواب دفعات في اليوم ، حتى ~~توقح وتعالج وتسمن ، وأفردت بياطرة فرها لذلك . فما مضى عليها إلا شهر ~~وأيام ، حتى صحت وسمنت ، وصارت على غاية الحسن . وأزف خروجه ، فقال لي : يا ~~حسن ما فعلت بتلك الدواب ؟ فقلت : قم إلى الإسطبل حتى تراها . فقام ، فرآها ~~في غاية الحسن ، فسر بذلك ، وأعجبه ، وأثنى علي ، وقال : يا حسن ، هوذا ~~أعلمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئا تنتفع به ، وفيه ms198 قضاء لحقك ، بقدر ما ~~أتعبتك فيه . PageV01P337 # """""" صفحة رقم 338 """""" # فقلت : قل ، يا سيدي . قال : إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا ، أو ~~الزمان قد نوه به ورأسه ، فإياك أن تحسده ، وتشغل نفسك بعداوته ، فإنك تتعب ~~، ولا تصل إلى فائدة ، وتسقط أنت ، ولا يضر هو ، وتغنم أنت ، ولا يتآذى هو ~~، وتغض من نفسك بغضك من رجل صار كبيرا من أهلك ، فإنه ما ارتفع إلا بآلة ~~فيه ، يدفعك بها ، أو إقبال يدفعك عنه ، واجهد أن تخدمه ، وتصافيه الود ، ~~ليكون ذلك الفضل الذي فيه ، فضلا لك ، وذلك الفخر راجعا إليك ، وتتجمل ~~بثنائه عليك ، وإطرائه لك ، وتصير أحد أعوانه ، فإنه أحسن بك من أن كون من ~~أعوان غيره ممن ليس من أهلك ، ويراك الناس عنده وجيها ، فيكرمونك له ، فإن ~~كان له منزلة من السلطان جاز أن تصل إليها باستخلافها إياك عليها ، ~~وانتقاله إلى ما هو أكبر منها ، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان ، فلا ~~تقل أنا أقعد منه في النسب ، وأني خير قرابته ، وهذا أمس كان وضيعا ، وكان ~~دوننا ، فإن الناس بأوقاتهم . فقلت : نعم يا سيدي . قال : ثم أقبل علي ، ~~وونسني ، وولد لي في نفسه ، القيام على تلك الدواب ، منزلة . فقال : اخرج ~~معي إلى العمل . وخرج فخرجت معه ، وكنت أسايره إلى حسر النهروان وأحادثه ، ~~فولد ذلك الانبساط في نفسي طمعا فيه ، وأن أسأله شيئا . فذكرت بجسر ~~النهروان ، أن له ضيعة جليلة عظيمة ، بنواحي الموصل ، يقال لها : النهروان ~~، كنت أشتهيها . فقلت له : يا سيدي قد كثرت مؤونتي ، وتضاعفت نفقتي ، فلو ~~وهبت لي النهروان ضيعتك ، لأستعين بغلتها على خدمتك ، ما كان ذلك منكرا . ~~قال : فحين سمع هذا ، تغيظ غيظا شديدا ، وأقبل يشتمني أقبح شتيمة ، وقال : ~~يا كلب ، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان ؟ وقنعني بالسوط الذي كان في ~~يده ، وهو مفتول كالمقرعة ، فوقع السوط على وجهي ، فشجه من أوله إلى آخره ، PageV01P338 ~~"""""" صفحة رقم 339 """""" # وأحسست بالنار في وجهي ، وورد ذلك على غفلة ، فتداخلني ألم عظيم ، وغيظ ~~مما عاملني به أشد من الألم . وقلت ms199 في نفسي ، ما كان هذا جوابي ، وقد كان ~~يقنعه أن يردني ، ولكن نيته لي فاسدة بعد . وقصرت عن مسايرته ، ولحقني ~~غلماني ، فوقفوا معي ساعة ، حتى صلحت قليلا ، وسار هو ، ففتلت رأس دابتي ، ~~وأنفذت من رد بغلين كانا لي في السواد ، عليهما قماشي وثيابي وغلماني ، ~~ورجعت أريد بغداد ، وأنا وقيذ من الألم والغيظ حتى وردت بغداد . وكان ~~الوزير إذ ذاك علي بن عيسى ، وهو في غاية العناية بأبي ، وهو قلده العمل ، ~~وكان يحبني ، ويكرمني ، ويختصني ، ففكرت أن أدخل إليه ، أشكو أبي ، وأريه ~~الأثر الذي بي . فقصدت دارنا ، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار ، ولم ~~أنزل ، وتوجهت إلى دار الوزير . فحين نزلت عن دابتي ، وصرت في الصحن ، ذكرت ~~وصية أبي لي في أمر الأهل ، وندمت على دخول دار الوزير ، وقلت : لأن أقبل ~~الوصية في أبي ، أولى من قبولها في الأهل ، فعملت على أن أغالط الوزير ، ~~ولا أعرفه . وجئت فسلمت على الوزير ، ووقفت بين يديه ، ولم تكن عادتي تجري ~~بالجلوس بحضرته . فحين رآني أعظم الأثر الذي في وجهي ، وقال : ما لحقك ؟ ~~وأنكره ، لأنه كان قبيحا جدا . فقلت : لعبت بالصولجان والكرة ، فأفلتت ، ~~فضربت وجهي . فقال : أليس كنت قد خرجت مع أبيك ، فلم رجعت . فقلت : خرجت ~~مشيعا ، فلما بعد ، عدت لألزم خدمة الوزير . قال : فأخذ يسألني عن مسير أبي ~~، فإذا بأبي قد دخل ، وإذا هو لما رجعت من الطريق ، وبلغه خبر رجوعي قد ~~اغتاظ ، فرجع ، إما ليردني ، أو ليقبض علي ، وجاء إلى داره ، فعرف أني لم ~~أنزل ، وأني توجهت إلى دار الوزير ، فلم يشك في أني قد مضيت أشكوه . فجاء ، ~~فوجدني أخاطبه ، فتحقق ذلك عنده ، فجلس . PageV01P339 # """""" صفحة رقم 340 """""" # فقال له الوزير : ما ردك يا أبا الهيجاء ؟ فقال : أيها الوزير ، ما هذا ~~حق خدمتي لك ، ومنا صحتي إياك ، وانقطاعي إليك ، وأخذ يعتب على الوزير أعظم ~~عتب ، وأنا قائم ، ساكت ، أسمع . فقال له الوزير : ما هذا العتب علي ؟ أي ~~شيء عملت ؟ فقال : تمكن هذا الكلب من ذكري بحضرتك ، والتبسط في . فقال : من ~~تعني ؟ فقال : الحسن ، هذا القائم ms200 ، فعل الله به وصنع . فقال له الوزير : ~~يا هذا قد وسوست ، أي شيء كان أول هذا ؟ والله ، ما نطق هذا الفتى في أمرك ~~بحرف ، ولا سمعت قط ذكرك بما يوجب عتبا عليه ، وكيف علي في تمكيني منه ، ~~ولو فعل ذلك ، لغض بي عندي من نفسه . فاستحيا أبي ، وعلم أني لم أخاطب ~~الوزير بشيء ، وأمسك . فقال له الوزير : لا بد أن تحدثني بما بينكما ، فإنك ~~ما حملت نفسك على الرجوع ، إلا لأمر عظيم ، وهو ذا أرى الحسن أيضا به أثر ~~قبيح ، وقد سألته ، فقال : إن كرة أفلتت من يدي غلمان ضرب معهم بالصولجان ~~فأصابت وجهه ، فوقع لي أنه صادق ، فلما جئت الآن ، وقدرت أنه قد شكاك ، وقع ~~لي إن هذا شيء من فعلك ، ولا بد أن تصدقني . قال : فقص عليه أبو الهيجاء ~~القصة ، كما جرت . فأقبل عليه علي بن عيسى ، وقال : أما تستحي يا أبا ~~الهيجاء ، أن يكون هذا قدر حلمك عن ابنك ، وأكبر ولدك ؟ فإذا كنت بهذا ~~الطيش معه ، فكيف تكون مع الغريب ؟ وأي شيء كان في مسألته لك أن تهب له ~~ضيعة ؟ ولو فعلت ذلك ، ما كان ذلك بدعا من بر الآباء بأولادهم . ولما لم ~~تسمح له بذلك ، قد كان يجب أن ترده ردا جميلا ، أو قبيحا إذا اغتظت ، وأما ~~أن تبلغ به ضرب السياط ، آه ، آه . قال : وزاد عليه في العتب والتوبيخ ، ~~وهو مطرق مستحيي . حتى قال له : وليس العجب من هذا ، حتى رجعت من عملك ، ~~غيظا عليه ، وقدرت أنه قد شكاك إلي ، وأني أطلق له أن ينقصك ، فجئت عاتبا ~~علي ، لوهم توهمته فيه . قال : فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك . فقال : والله ~~، ما أقبل عذرك ، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار ، إلا بأن تشهد لحسن ~~بالضيعة ، وتهبها له ، جزاء عن ظلمك إياه . PageV01P340 # """""" صفحة رقم 341 """""" # فقال : السمع والطاعة لأمر الوزير . فقال لي علي بن عيسى : انكب على رأس ~~أبيك ويده فقبلهما . قال : ففعلت ذلك . وجذب علي بن عيسى دواته ودرجا ، ~~فأعطاهما أبا الهيجاء ، وقال : اكتب له بالضيعة ms201 ، إلى أن تشهد ، فكتب أبي ~~بالضيعة لي . وقال الوزير : خذ ، خذ ، فإذا عاد إلى البيت ، فاكتب عليه ~~العهد بالوثيقة ، وأشهد عليه جماعة من العدول ، فإن امتنع عرفي حتى أطالبه ~~لك بذلك . قال : وخرجنا ونحن مصطلحون . فلما صرنا في الدهليز ، قال أبي : ~~يا حسن أنا علمتك على نفسي ، بالوصية التي وصيتك بها ، كأني بك وقد جئت ~~لتشكوني ، فلما صرت في الدهليز ذكرت وصيتي لك ، فقلت : لأن أستعملها مع أبي ~~، أولى بي ، فلما صرت في مجلس الوزير ، قلت له ما قلت ، ولم تشكني إليه . ~~قلت : والله يا سيدي كان . فقال : إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه ~~وصيتي ، في مثل هذه الحال ، فما ترى بعدها مني ما تكرهه . فقبلت يده ، وعدت ~~معه إلى دارنا . فسلم إلي الضيعة ، وأشهد بها لي ، وصلحت نيته بعد ذلك ، ~~واستقامت الحال بيننا . وكان قبول تلك الوصية أبرك شيء علي . PageV01P341 # """""" صفحة رقم 342 """""" # بين ابن أبي البغل عامل أصبهان وأحد طلاب التصرف # حدثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني ، كتاب الأمير أبي حرب ، ~~سند الدولة ، الحبشي بن معز الدولة ، ومحله من النبل والجلالة والثقة ، ~~والأدب ، والعلم ، مشهور ، قال : كان أبو الحسين بن أبي البغل ، يتقلد ~~بلدنا ، فأخبرني من حضر مجلسه ، فقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد ، بكتب من ~~وزير الوقت ، ومن جماعة رؤساء الحضرة ، وإخوان أبي الحسين بها ، يخاطبونه ~~بتصريفه ونفعه . فسلم وجلس ، وأصل الكتب ، وصادف منه ضجرا وضيق صدر ، وكانت ~~إضبارة عظيمة ، فاستكثرها بن أبي البغل ، ولم يقرأها جميعها . فقال له ~~الرجل : إن رأيت أن تقرأها ، وتقف على جميعها . فصخب ، وتغيظ ، وقال : أليس ~~كلها في معنى واحد ؟ قد والله بلينا بكم يا بطالين ، كل يوم يصير إلينا ~~منكم واحد يريد تصرفا ، لو كانت خزائن الأرض إلي ، لكانت قد نفذت . ثم قال ~~للرجل : يا هذا ، ما لك عندي تصرف ، ولا إلي عمل شاغر أرده إليك ، ولا فضل ~~في مالي أبرك منه فدبر أمرك بحسب هذا . قال : والرجل ساكت جالس ، إلى أن ~~أمسك ابن أبي ms202 البغل . فلما سكت ، ومضت على ذلك ساعة قام الرجل قائما ، وقال ~~: أحسن الله جزاءك ، وتولى مكافأتك عني بالحسنى ، وفعل بك وصنع . قال : ~~وأسرف الرجل في شكره ، والدعاء له ، والثناء عليه ، بأحسن لفظ ، وأجود كلام ~~، وولى منصرفا . فقال ابن أبي البغل : ردوا من خرج . وقال له : يا هذا ، هو ~~ذا تسخر مني ؟ ، على أي شيء تشكرني ؟ على أياسي لك من التصرف ، أو على قطع ~~رجائك من الصلة ، أو على قبيح ردي لك عن الأمرين ، أو تريد خداعي بهذا ~~الفعل ؟ PageV01P342 # """""" صفحة رقم 343 """""" # قال : لا ، ما أردت خداعك ، وما كان منك من قبيح الرد ، غير منكر ، فإنك ~~سلطان ، ولحقك ضجر . ولعل الأمر على ما ذكرته من كثرة الواردين عليك وقد ~~بعلت بمن حضر ، ونحوسى أن صار هذا الرد القبيح ، والأياس الفظيع ، في بابي ~~. ولم أشكرك إلا في موضع الشكر ، لأنك صدقتني عما لي عندك في أول مجلس ، ~~فعتقت عنقي من ذل الطمع ، وأرحتني من التعب بالغدو والرواح إليك ، وخدمة من ~~أستشفع بهم عليك ، وكشفت لي ما أدبر به أمري ، وبقية نفقتي معي ، ولعلها ~~تقوم بتجملي ، الذي أتجمل به إلى بلد آخر ، فإنما شكرتك على هذا ، وعذرتك ~~فيما عاملتني به ، لما ذكرته أولا . قال : فأطرق ابن أبي البغل خجلا ، ومضى ~~الرجل . فرفع رأسه بعد ساعة ، وقال : ردوا الرجل ، فردوه . فاعتذر إليه ، ~~وأمر له بصلة ، وقال : تأخذها إلى أن أقلدك ما يصلح لك ، فإني أرى فيك ~~مصطنعا . فلما كان بعد أيام قلده عملا جليلا ، وصلحت حال الرجل . PageV01P343 # """""" صفحة رقم 344 """""" # ابن أبي البغل يأمر بإشخاص أحد عماله لكي يقطع سحاة كتاب # حدثني أبو القاسم ، قال : كانت في أبي البغل ، منافرة ومناكدة . فورد ~~عليه يوما ، كتاب من عامل له ، من بلد بينه وبينه فراسخ كثيرة ، وقد سحاه ~~بسحاة غليظة . واجتهد أبو الحسين في قطع السحاة بيده ، وجهد جهدا شديدا ، ~~فما كان له إلى ذلك طريق ، فترك الكتاب ، ووقع بإشخاص العامل ، ومضى اليوم ~~. فلما كان بعد أيام ، قدم العامل ، فلما جلس بين يديه ، قال لصاحب الدواة ms203 ~~: أين ذلك الكتاب الذي ورد منه بالأسحاة الغليظة ؟ فأحضره . فقال له : اقطع ~~هذه الأسحاة . فرامها العامل ، فلم يكن فيها حيلة ، فأخذ سكينا من دواة بعض ~~الكتاب بحضرته ، فقطعها . فقال له : ارجع الآن إلى عملك . فإنما دعوتك ~~لتقطع هذه الأسحاة . وأعلمك أنك قي أي وقت سحيت كتابا لك بمثلها ، أني ~~أستحضرك لتقطعه . فرده في الحال إلى عمله ، وما تركه أن يقيم ولا ساعة ، ~~ولا سأله عن شيء من أمره . PageV01P344 # """""" صفحة رقم 345 """""" # لابن بشير الآمدي يهجو قاضي البصرة # كان قد ولي القضاء بالبصرة ، في سنة ست وخمسين وثلثمائة ، رجل لم يكن ~~عندهم بمنزلة من صرف به ، لأنه ولي صارفا لأبي الحسن محمد بن عبد الواحد ~~الهاشمي ، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشير الآمدي ، كتاب القاضيين أبي ~~القاسم جعفر ، وأبي الحسن محمد بن عبد الواحد : رأيت قلنسية تستغيث . . . ~~من فوق رأس تنادي خذوني وقد قلقت فهي طورا تميل . . . من عن يسار ومن عن ~~يمين فقلت لها أي شيء دهاك . . . فردت بقول كئيب حزين دهاني أن لست في ~~قالبي . . . وأخشى من الناس أن يبصروني وأن يعبثوا بمزاح معي . . . وإن ~~فعلوا ذاك بي قطعوني فقلت لها مر من تعرفين . . . من المنكرين لهذي الشؤون ~~ومن كان يشهق أما رآك . . . ويخرج من جوفه كالرنين ومن كان يصفع في الله لا ~~. . . يمل ويشتد في غير لين ويسلح ملأك كيل التمام . . . إما على صحة أو ~~جنون ففارقها ذلك الانزعاج . . . وعادت إلى حالها في السكون PageV01P345 ~~"""""" صفحة رقم 346 """""" # أبو رياش الشاعر يعاتب الوزير المهلبي # أنشدني أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي - ومحله من علم اللغة والشعر ، ~~المحل المعروف - لنفسه في أبي محمد المهلبي ، وكان امتدحه ، فتأخرت عنه ~~صلته ، وطال إليه تردده ، على ما أخبرني به أبو رياش . قال : فقلت : وقائلة ~~قد مدحت الوزير . . . وهو المؤمل والمستماح فماذا أفادك ذاك المديح . . . ~~وهذا الغدو معا والرواح فقلت لها ليس يدري امرؤ . . . بأي الأمر يكون ~~الصلاح علي التقلب والاضطراب . . . جهدي وليس علي النجاح PageV01P346 ~~"""""" صفحة رقم 347 """""" # بين أبي العباس بن ms204 دينار وأبي يحيى الرامهرمزي # سمعت أبا يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الرامهرمزي ، يحدث أبي ، قال : كان ~~أبو العباس عبيد الله ، صديقي ، كما علم القاضي وكان مقيما عندنا برامهرمز ~~. فلحقته إضاقة ، فضيق على عياله ، فأنفذوا إلي أساورة ودمالج وخلاخل ذهب ، ~~واقترضوا عليها ثلثمائة دينار ، فأقرضتهم . ومضت شهور ، وجاء الديلم يريدون ~~البلد ، وخرج بجكم إليهم ، فتهارب الناس منهم ، وعملنا على الهرب متى انهزم ~~بجكم ، فما كان بأسرع من أن جاءنا منهزما ، فطار الناس على وجوههم . وقال ~~أبو العباس لحرمه : اخرجوا ، فتباطؤوا بسبب حليهن . فلما زاد عيه الأمر ، ~~دخل ، فقال : ما لكم ؟ إن كنتم قد صادقتم صديقا ، فأقيموا ، وعرفوني لأهرب ~~وحدي ، وإن كنتم اتخذتم حبة فاحملوها معنا ، وإلا فالسيف قد لحق بنا ، فما ~~هذا التباطؤ عن الهرب ، لندرك . فحدثوه بحديث الحلي ورهنه ، فكتب إلي : ' ~~بسم الله الرحمن الرحيم ' يا أبا يحيى ، جعلت فداك ، سلبت الجواري حليهن ~~فلم تدع . . . سوارا ولا طوقا على النحر مذهبا فاستحييت منه ، وبعثت بالحلي ~~، فأخذه ، ورحل بجواريه ، ورحلنا . ودخل الديلم البلد . PageV01P347 # """""" صفحة رقم 348 """""" # حجر خاصيته طرد الذباب # حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي ، قال : حدثني رجل خراساني من ~~بعض أصحاب الصنعة ، ممن كان يعرف الأحجار الخواصية ، قال : اجتزت برهداري ~~بمصر ، فرأيت عنده حجرا أعرفه ، يكون وزنه خمسة دراهم ، مليح المنظر ، وقد ~~جعله بين يديه في جملة قماشه . وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب ، وكنت ~~في طلبه منذ سنين كثيرة . فحين رأيته ساومته فيه ، فاستلم علي به خمسة ~~دراهم ، فلم أماكسه ودفعتها إليه صحاحا . فلما حصلت في يده ، وحصل الحجر في ~~يدي ، أقبل يطنز بي ، ويسخر مني . ويقول : يجون هؤلاء الحمير ، لا يدرون ~~أيش يعطون ، ولا أيش يأخذون ، والله ، إن هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع ~~صبي ، فوهبت له دانق فضة ، وأخذتها ، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة ~~دراهم . فرجعت إليه ، وقلت له : يجب أن أعرفك أنك أنت الأحمق ، لا أنا . ~~قال : كيف ؟ قلت : قم معي ، حتى أعرفك ذلك . فأقمته ومضينا حتى اجتزنا ~~بكسار يبيع ms205 التمر في قصعة ، والذباب محيط بها . فنحيت الرجل بعيدا من ~~القصعة ، وجعلت الحجر عليها ، فحين استقر عليها طار جميع الذباب . وتركته ~~ساعة ، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها ، ثم أخذت الحجر فرجع الذباب ، ~~ثم رددته ، فطار الذباب . ففعلت ذلك ثلاث مرات ، ثم خبأت الحجر . PageV01P348 # """""" صفحة رقم 349 """""" # وقلت : يا أحمق ، هذا حجر الذباب ، وأنا قدمت في طلبه من خراساني ، يجعله ~~الملوك عندنا على موائدهم ، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبة ، ولا ~~إلى مروحة ، والله ، لو لم تبعني إياه إلا بخمسمائة دينار ، لاشتريته منك . ~~قال : فشهق شهقة ، قدرت أن تلف ، ثم أفاق منها بعد ساعة ، وافترقنا . وخرجت ~~بعد أيام إلى خراسان والحجر معي ، فبعته على نصر بن أحمد أميرها بعشرة آلاف درهم . PageV01P349 # """""" صفحة رقم 350 """""" # يوسف بن وجيه صاحب عمان يذعن لحكم مستشاريه # حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد العسكري ، قال : كان عندنا ~~بعسكر مكرم شيخ أصبهاني مشهور يعرف بالكافوري ، يتجر في الجوهر ، وكان حسن ~~البصيرة بها . فأخبرني إنه اشترى فصين ، وباعهما مالكهما على أنهما بجاذيان ~~، ولم يعرفهما ، قال : فعرفتهما أنا ، وعلمت أنهما بلخش ، وهو جنس يشبه ~~الياقوت الأحمر ، فاشتريتهما منه بثلثمائة درهم ، وجلوتهما بالبصرة ، فخرج ~~لهما من الماء أمر عظيم . واتفق أن خرجت إلى عمان ، وهما معي ، فعرضتهما ~~على يوسف ابن وجيه ، الأمير ، وادعيت أنهما ياقوت أحمر ، فعرضتهما لكل ~~جوهري ، فكانوا يصدقونني . فابتاعهما مني ، بعد خطوب طويلة ومراوضات ، ~~بخمسين ألف درهم ، وقبضت الثمن . ثم شك فيهما ، فأحضرني ، وطالبني بالمال . ~~فقلت : إن كنت تريد أخذ المال باليد والقدرة ، فأنت السلطان مالي بك قوة ، ~~وإن كنت تريد أخذه بحجة ، فبيني وبينك أهل الصنعة . فقال : ليس بعمان من ~~أثق بعلمه . فقلت له : فسرديب قريبة منك ، وهي المعدن فأنفذهما إلى هناك ، ~~فإن قيل إنهما ليسا بياقوت ، رددت المال . ووضعت في نفسي أن أتجر في المال ~~، إلى أن ينكشف الأمر ، فأربح فيه مالأ ، ثم أرد عليه أصل ماله . قال : ~~فضمنني المال على الشرط والمقام ، وأنفذ الفصين . فلما كان بعد سنة ms206 ، أو ~~قريبا منها ، أحضرني ، وأخرج كتبا إليه من وكيله هناك ، يذكر فيها أنه جمع ~~أهل الصنعة بسرنديب كلهم ، وعرض عليهم الفصين ، فقالوا : هما ياقوت أحمر ، ~~إلا أنه فيه رخاوة ، ولو كان أصلب من هذا ، ما كان له قيمة ، وأن هذا ياقوت ~~ليس هو من هذا المعدن . PageV01P350 # """""" صفحة رقم 351 """""" # فقرأت الكتب . فقال : رد المال . فقلت : ما يلزمني ، ما بعتك على أنهما ~~من معدن سرنديب ، أو غيره من المعادن ، ولا على أنهما صلبان أو رخوان ، وقد ~~شهد أهل المعدن أنهما ياقوت ، وقد نعتوهما بالرخاوة ، وقالوا إنه لولا هذا ~~العيب ، ما كان لهما قيمة . ولولا هذا العيب ، ما بعتك بخمسين ألف دينار ، ~~وأنا تاجر ، قد قصدت بلدك ، فلا تظلمني . فقال لمن بحضرته ، ما تقولون ؟ ~~فقالوا : نحن معه . فأفرج عني . PageV01P351 # """""" صفحة رقم 352 """""" # سلب دنانيره ثم استعادها بدرهمين # وحدثني أيضا الحارثي ، عمن حدثته ، قال : سافرت في بعض الجبال ، وكان معي ~~دنانير خفت عليها ، فأخذت قناة مجوفة ، وجعلت في أنبوبة منها الدنانير ، ~~حتى امتلأت بها ، فلم تجلجل ، ولا جاء لها صوت ، ثم صببت في رأسها الرصاص ~~الحار ، حتى خفي أمرها ، والتزقت ، وجعلت فيها حلقة وسيرا ، وكنت أمشي ~~وأتوكأ عليها . فخرج علنا اللصوص والأكراد ، في عدة مواضع ، وأخذوا كل ما ~~كان في القافلة ، ولم يعرض لي أحد . إلى أن خرج علينا آخر دفع ، لصوص رجالة ~~، فشلحونا ، فرأى أحدهم عكازي ، فاستملحها ، وأخذها . فلحقني من الجزع ~~عليها ، بسبب الدنانير ، أمر عظيم . فأخذ أهل القافلة ، يتلهون بي ، ~~ويقولون : معنا من ذهبت منه الأموال والأمتعة ، ما قلق قلقك على خشبة ، ~~وأنا ممسك ، لا أصرح بما كان فيها . قال : وتمادى السفر بنا ، إلى أن وصلت ~~إلى مقصدي ، فبقيت منقطعا بي ، واحتجت إلى أن تصرفت ببدني في بعض المهن نحو ~~سنة . فلما كان بعد سنة ، اجتزت برهداري على الطريق ، وإذا بين يديه قناة ~~تشبه قناتي ، وتأملتها فإذا هي هي ، ورطلتها فإذا ثقلها بحاله . فقويت نفسي ~~، وقلت للرجل : تبيعني إياها ؟ فقلت : نعم . فقلت : بكم . فقال : بدرهمين . ~~ولم أكن أملك غيرهما ، فقلت : أعطه ms207 إياهما على الله تعالى ، فإن كان مالي ~~فيها فقد فزت ، وإلا أبلي عذرا بيني وبين نفسي . PageV01P352 # """""" صفحة رقم 353 """""" # فأعطيته الدرهمين ، وأخذت العكاز ، وصعدت إلى مسجد ، وطلبت أشفى من بعض ~~الأساكفة ، وأصعدت به معي إلى المسجد ، وشققت العصا ، فإذا بدنانيري قد ~~خرجت علي بعينها . فأخذتها ، ورميت القناة ، وحمدت الله تعالى على حفظ ذلك ~~علي . وانصرفت فتجهزت ، وخرجت إلى بلدي بتجارة ومير . PageV01P353 # """""" صفحة رقم 354 """""" # امرأة تدعي أن زوجها كان يعشق السراويلات # حدثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب ، قال : مات عندنا بالأنبار ~~، فلان ، وأسماه ، وكان عظيم النعمة ، وافر المروءة ، كثير الثياب ، وكان ~~لكثرتها ، يحصل كل فن منها في عدة صناديق . وكانت دراريعه الدبيقية مفردة ، ~~والدراريع الديباج مفردة ، وكذلك القمص ، والسراويلات ، والجباب ، والطيالس ~~، والعمائم . قال : وكان له بنو عم ورثوه ، وأم ولد قد تزوجها . فلما مات ، ~~أخرجت جميع آلاته ، وقماشه ، وثيابه ، إلا اليسير ، من الدار ، فخبأته . ~~وذهب عليها صناديق السراويلات ، فلم تخرجها ، وجاء بنو العم ، فختموا على ~~الخزائن . فلما انقضت المصيبة ، فتحوها ، فوجدوها أخلى من فؤاد أم موسى ، ~~فخاصموها إلى قاضي البلد ، فلم تنقطع الخصومة . فدخلوا الحضرة ، وتظلموا ~~منها فأشخصت ، وحملت إلى القاضي أبي جعفر بن البهلول ، ووقع إليه بالنظر ~~فيما بينهم على طريق المظالم . فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم ، وهي ~~منكرة جميعها . فقالوا له : أيها القاضي ، فلان أنت أعرف الناس بعظم مروءته ~~وثيابه ، وما كنت تشاهده له ، وكله كان في يدها له . وساعة مات ختمنا ~~خزائنه ، وهي كانت في الدار ، ولما فتحناها لم نجد له فيها إلا عدة صناديق ~~فيها سراويلات ، وقطعا يسيرة من ثيابه . فأين مضى هذا ؟ ومن أخذه ؟ وما ~~السبب في عظم السراويلات وقلة الثياب ؟ قال : فأقبلت الجارية محتدة ، كأنها ~~قد أعدت الجواب ، فقالت : أعز الله القاضي ، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أن ~~رجلا كان يعشق الهواوين ، فجمع منها مائتي هاون ، هذا كان يعشق السراويلات . PageV01P354 # """""" صفحة رقم 355 """""" # قال : فضحك القاضي أبو جعفر ، وانفض المجلس من غير شيء . فما انتصفوا ~~منها بعد ذلك . # ينكرالدين ، ويأبى ms208 أن يحلف اليمين # تقدم إلي رجلان ، بالأهواز فادعى أحدهما على الآخر حقا . فأنكره . فسألته ~~، وقلت : أتحلف ؟ فقال : ليس له علي شيء ، فكيف أحلف ؟ لو كان له علي شيء ، ~~حلفت له ، وأكرمته . PageV01P355 # """""" صفحة رقم 356 """""" # بحث في الرباب بين القاضي وأحد العدول # سمعت القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، يقول : كنت بحضرة ~~القاضي أبي عمر ، بعد قبوله شهادتي بمدة ، على خلوة وأنس ، فجرى حديث ~~الملاهي . فقلت : فلان يضرب بالرباب . قال : فصاح علي القاضي أبو عمر ، ~~وقال : هاه ، هوذا تهزأ بنا ، هوذا تنمس علينا ؟ ما هذا الكلام ؟ فقلت : ما ~~هو أيد الله القاضي ؟ فوالله ، ما أدري أني قلت شيئا يتعلق بما قاله القاضي ~~. فقال : قولك يضرب ، كأنك لا تعلم أن الرباب يجر حتى يسمع صوته ، ولا يضرب ~~به . فحلفت له بأيمان مغلظة أني ما علمت هذا ، ولا رأيت الرباب قط . فقال : ~~إن هذا أقبح ، سبيل الصالح أن يعلم طرق الفساد ليجتنبها على بصيرة ، لا على ~~جهل . فعدت إلى داري ، فقلت لسائس كان معي : ويلك اطلب لي ربابيا . فطلبه ، ~~وجاء به ، فجره بين يدي ، فرأيته ، فكان ما فاله أبو عمر صحيحا . PageV01P356 # """""" صفحة رقم 357 """""" # القاضي أبو عمر يتردد في قبول شهادة شاهد تظاهر بالانزعاج من رائحة الخمر # قال : واجتاز أبو عمر بطريق قد كسر فيه دن خمر ، ومعه بعض الشهود ، فقال ~~الشاهد : شه ، شه ، أفيه ، أفيه ، فأمسك عنه . فلما جاء في المجلس ليقيم ~~شهادة لزمته ، توقف عن استماعها ، فقامت قيامة الشاهد ، وطرح عليه من يسأله ~~. فقال : هذا كذاب أو جاهل ، فلا يسعني قبوله ، وذكر حديث الخمر . وقال : ~~ليس تحريمها يقلب رائحتها من الطيب إلى النتن ، حتى يقول هذا ما قاله ، وما ~~قاله إلا وهو يعلم أن رائحتها طيبة ، فنمس وكذب ، أو هو جاهل بهذا القدر ، ~~فلا أقبله . PageV01P357 # """""" صفحة رقم 358 """""" # قواد ابن قواد # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد ، قال : حدثني بعض الكتاب ، قال : ~~سافرت وجماعة من أصدقائي ، نريد مصر للتصرف . فلما حصلنا بدمشق ، كان معنا ~~عدة بغال ، عليها ms209 ثقل وغلمان لنا ، ونحن على دوابنا ، أقبلنا نخترق الطرق ~~لا ندري أين ننزل . فاجتزنا برجل شاب ، حسن الوجه والثياب ، جالس على باب ~~دار شاهقة ، وفناء فسيح ، وغلمان بين يديه وقوف . فقام إلينا ، وقال : ~~أظنكم على سفر ، ووردتم الآن ؟ فقلنا : نحن كذلك . فقال : فتنزلون علي . ~~وألح علينا ، وسألنا ، فاستحيينا من محله ، وحسن ظاهره ، وهيبته ، وحططنا ~~على بابه ، ودخلنا . وأقبل أولئك الغلمان ، يحملون ثقلنا ، ويدخلون الدار ، ~~ولا يدعون أحدا من غلماننا يخدمنا ، حتى حملوه بأسره ، في أسرع وقت . ~~وجاءونا بالطساس والأباريق ، فغسلنا وجوهنا ، وأجلسونا في مجالس حسنة ، ~~مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله . وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر ~~والكبر ، وفيها دور عدة ، وبستان عظيم ، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه . وعرض ~~علينا الحمام ، فقلنا نحن محتاجون إليه ، فأدخلنا إلى حمام في الدار في ~~نهاية السرو ، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان ، في نهاية الحسن فخدمانا ~~بدلا من القيم والمزين ، وأخرجنا من الحمام ، إلى غير ذلك المجلس ، فقدم ~~إلينا مائدة حسنة جليلة ، عليها من الحيوان ، وفاخر الطبيخ ، والألوان ، ~~ونادر الخبز ، وغريب البوارد ، وكل شيء . PageV01P358 # """""" صفحة رقم 359 """""" # وإذا بغلمان مرد ، في نهاية الحسن والزي ، قد دخلوا إلينا ، فغمزوا ~~أرجلنا ، فلحقنا من ذلك ، مع الغربة وطول العهد بالجماع ، عنت ، فأمرناهم ~~بالانصراف ، وفينا من لم يستحل التعرض لهم ، وتعفف عن ذلك ، لنزولنا على ~~صاحبهم . ثم انتبهنا ، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين ، في أحدهما بستان ~~حسن ، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف ظريف ، وأحضر من الأنبذة ، كل ~~شيء طيب حسن . وشربنا أقداحا يسيرة ، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة ، فإذا ~~بجوار خلفها ، فقال : غنوا ، فغنى الجواري اللواتي كن خلفها ، أحسن غناء ~~وأطيبه . فلما توسطنا الشرب ، قال : ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزهم الله ؟ ~~أخرجن ، وهتك الستارة . قال : فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن ، ولا أملح ، ~~ولا أظرف منهن ، من بين عوادة ، وطنبورية ، وكراعة ، وربابية ، وصناجة ، ~~ورقاصة ، وزنافة ، بثياب فاخرة وحلي ، فغنيننا ، واختلطن بنا في المجلس ~~والجلوس ، وكان تجنبنا أشد ، وانقباضنا أكثر ، وضبطنا أنفسنا أعظم . فلما ms210 ~~كدنا أن نسكر ، ومضت قطعة من الليل ، أقبل صاحب الدار علينا ، وقال : يا ~~سادة ، إن تمام الضيافة ، وحقها ، الوفاء بشرطها ، وأن يقيم المضيف بحق ~~الضيف في جميع ما يحتاج إليه من طعام ، وشراب ، وجماع ، وقد أنفذت إليكم ~~نصف النهار بالغلمان ، فأخبروني بعفافكم عنهم ، فقلت : لعلهم أصحاب نساء ، ~~فأخرجت هؤلاء ، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهن ، ما لو خلوتم بهن ، كانت ~~الصورة واحدة ، فما هذا ؟ قلنا : يا سيدنا ، أجللناك عن ابتذال من في دارك ~~لهذا ، وفينا من لا يستحل الدخول في الحرام . فقال : هؤلاء مماليكي ، وهن ~~أحرار لوجه الله إن كان لابد من أن يأخذ كل واحد منكم بيد واحدة منهن ، ~~ويتمتع ليلته بها ، فمن شاء زوجته بها ، ومن شاء غير ذلك فهو أبصر ، لأكون ~~قد قضيت حق الضيافة . PageV01P359 # """""" صفحة رقم 360 """""" # فلما سمعنا هذا ، وقد انتشينا ، طربنا ، وفرحنا ، وصحنا ، وأخذ كل واحد ~~منا واحدة ، فأجلسها إلى جانبه ، وأقبل يقبلها ، ويقرصها ، ويمازحها . ~~فتزوجت أنا بواحدة منهن ، وغيري ممن رغب في ذلك ، وبعضنا لم يفعل . وجلس ~~معنا بعد هذا ساعة ، ثم نهض . فإذا بخدم قد جاءوا ، فأدخلوا كل واحد ~~وصاحبته ، إلى بيت في نهاية الحسن والطيب ، مفروش بفاخر الفرش ، وفيه برذعة ~~وطية سرية ، فبخرونا عليها ، ونومونا ، والجواري إلى جنوبنا ، وتركوا معنا ~~شمعة في البيت ، وما نحتاج إليه من آلة المبيت ، وأغلقوا ، وانصرفوا ، ~~فبتنا في أرغد عيش ليلتنا . فلما كان السحر ، باكرنا الخدم ، فقالوا : ما ~~رأيكم في الحمام ؟ فقد أصلح ، فقمنا ودخلناه ، ودخل المرد معنا ، فمنا من ~~أطلق نفسه معهم فيما كان امتنع عنه بالأمس . وخرجنا ، فبخرونا بالند العتيق ~~، وعطرونا بماء الورد والمسك والكافور ، وقدمت إلينا المرايا المحلاة . ~~وأخبرنا غلماننا ، إن صورتهم في ليلتهم ، كانت كصورتنا ، وإنهم أتوا بجواري ~~الخدمة الروميات ، فوطئوهن . فأقبل بعضنا على بعض ، نعجب من قصتنا ، وبعضنا ~~يخاف أن تكون حيلة ، وبعضنا يقول : هذا في النوم نراه ؟ ونحن في الحديث ، ~~إذ أقبل صاحب الدار ، فقمنا إليه ، وأعظمناه ، فأخذ يسألنا عن ليلتنا ، ~~فوصفناها له ، وسائلنا عن خدمة الجواري لنا ، فحمدناهن عنده . فقال ms211 : أيما ~~أحب إليكم ، الركوب إلى بعض البساتين للتفرج إلى أن يدرك الطعام ، أو اللعب ~~بالشطرنج ، والنرد ، والنظر في الكتب ؟ فقلنا : أما الركوب فلا نؤثره ، ~~ولكن اللعب بالشطرنج والنرد والدفاتر ، فأحضرنا ذلك ، وتشاغل كل منا بما ~~اختاره . ولم تكن إلا ساعتين أو ثلاثة من النهار ، حتى أحضرنا مائدة ~~كالمائدة الأمسية ، فأكلنا ، وقمنا إلى الفرش ، وجاء الغلمان المرد ، ~~فغمزونا ، وغمزهم منا من كان يدخل في ذلك ، وزالت المراقبة . وانتبهنا ~~فحملنا إلى الحمام ، وخرجنا فتبخرنا ، وأجلسنا في مجلسنا بالأمس . PageV01P360 # """""" صفحة رقم 361 """""" # وجاء أولئك الجواري ، ومعهن غيرهن ، ممن هن أحسن منهن ، فقصدت كل واحدة ، ~~صاحبها بالأمس ، بغير احتشام ، وشربنا إلى نصف الليل ، فحملن معنا إلى ~~الفرش . وكانت حالنا هذه أسبوعا . فقلت لأصحابي : ويحكم ، أرى الأمر يتصل ، ~~ومن المحال أن يقول لنا الرجل ارتحلوا عني ، وقد استطبتم أنتم مواضعكم ، ~~وانقطعتم عن سفركم ، فما آخر هذا ؟ فقالوا : ما ترى ؟ قلت : أرى أن نفاتش ~~الرجل ، فننظر إيش هو ؟ فإن كان ممن يقبل هدية أو برا ، عملنا على تكرمته ~~وارتحلنا ، وإن كان بخلاف ذلك ، كنا معتقدين له المكافأة في وقت ثان ، ~~وسألناه أن يحضرنا من نكتري منه ، ويبذرقنا ورحلنا . فتقرر رأينا على هذا . ~~فلما جلسنا تلك العشية على الشرب قلت له : ة قد طال مقامنا عندك ، وما أضاف ~~أحد أحسن مما أضفتنا ، ونريد الرحيل إلى مصر لما قصدناه ، من طلب التصرف ، ~~وأنا فلان بن فلان ، وهذا فلان ، فعرفت نفسي والجماعة ، وقد حملتنا من ~~أياديك ومننك ، ما لا يسعنا معه أن نجهلك ، ويجب أن تعرفنا نفسك ، فنبث ~~شكرك ، ونقضي حقك ، ونعمل على الرحيل . فقال : أنا فلان بن فلان ، أحد أهل ~~دمشق ، فلم نعرفه ، فقلنا : إن رأيت أن تزيدنا في الشرح . فقال : جعلت ~~فداكم أنا رجل قواد . فحين قال هذا ، خجلنا ، ونكسنا رؤوسنا . فقال : جعلت ~~فداكم مالكم ؟ إن لقيادتي خبرا ، أظرف مما رأيتموه . فقلنا : إن رأيت أن ~~تخبرنا . فقال : نعم ، أنا رجل كان آبائي تناء تجارا ، عظيمي النعمة ~~والأموال ، وانتهت النعمة إلى أبي ، وكان ممسكا ، مكثرا . ونشأت له ، وكنت ms212 ~~متخرقا ، مبذرا ، محبا للفساد ، والنساء ، والمغنيات ، والشرب ، فأتلفت ~~مالا عظيما من مال أبي ، إلا أنه لم يؤثر في حاله ، لعظمه . PageV01P361 # """""" صفحة رقم 362 """""" # ثم اعتل ، وأيس من نفسه ، وأوصى ، فدعاني ، وقال : يا بني إني قد خلفت لك ~~نعمة قيمتها مائة ألف دينار وأكثر ، بعد أن أتلفت علي خمسين ألف دينار ، ~~وإن الإنفاق ، لا آخر له إذا لم يكن بإيزائه دخل ، ولو أردت تمحيق هذا ~~المال عليك في حياتي ، أو الآن ، حتى لا تصل إلى شيء منه ، لفعلت ، ولكني ~~أتركه عليك ، فاقضي حقي بحاجة تقضيها لي ، لا ضرر عليك فيها . فقلت : أفعل ~~. فقال : أنا أعلم أنك ستتلف جميع هذا المال في مدة يسيرة ، فعرفني إذا ~~افتقرت . ولم يبق معك شيء . تقتل نفسك . ولا تعيش في الدنيا ؟ فقلت : لا . ~~قال : فتحمل على رأسك ؟ فقلت : لا . قال : فتحسن تتصرف ، وتكسب المال ؟ . ~~قلت : لا . قال : فعرفني من أين تعيش ؟ قال : ففكرت ساعة ، فلم يقع لي إلا ~~أن قلت : أصير قوادا . قال : فبكى ساعة ، ثم مسح عينيه ، وقال : لست أعيب ~~عندك هذه الصناعة ، فإنها ما جرت على لسانك ، إلا وقد دارت في فكرك ، ولا ~~دارت في فكرك ، وأنت تنصرف عنها أبدا بعدي ، ولكن أخبرني كيف يتم لك المعاش ~~فيها ؟ فقلت : قد تدربت بكثرة دعواتي القحاب والمغنيات ، ومعاشرتي لشراب ~~النبيذ ، فأجمعهم على الرسم ، فينفقون في بيتي ، ويعملون ما يريدون ، وآخذ ~~منهم الدراهم ، وأعيش . فقال : إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة ، فيحلقون ~~رأسك ، وذقنك ، وينادي عليك ، ويتفرق جمعك ، ويقتل معاشك ، ويقول أهل بلدك ~~انظروا إلى فلان . كيف ينادى عليه ، وقد صار بعد موت أبيه قوادا . ولكن إن ~~أردت هذه الصناعة فأنا أعلمك إياها ، وإن كنت لا أحسنها ، فلعلك تستغني ~~فيها ، ولا تفتقر ، ولا يتطرق عليك السلطان بشيء . فقلت : افعل . قال : ~~تحلف لي أنك تقبل مني . PageV01P362 # """""" صفحة رقم 363 """""" # فحلفت . فقال : إذا مت ، فاعمل على أنك أنفقت جميع مالك ، وافتقرت ، ~~وابتدئ فكن قوادا ولك ضياع وعقاب ، ودور وأثاث ، وآلة وجواري وقماش ، وخدم ~~وجاه وتجارات ، واعمد لكل ما في ms213 نفسك أن تعمله إذا افتقرت ، فاعمله وأنت ~~مستظهر على زمانك ، بما معك ، وجيها عند إخوانك ، بمالك ، واعمل على أنك قد ~~أنفقته ، واجعل معيشتك مما تريد أن تحصله إذا افتقرت ، فإنك تستفيد بذلك ~~أمورا : منها : أنك تبتدئ أمرك بهذا ، فلا ينكر عليك في آخره ، ومنها : أنك ~~تفعل ذلك بجاه وعقار وضياع وأحوال قوية ، فلا يطمع فيك سلطان ، وإن طمع فيك ~~رشوت ، وبذلت من قدرة وجدة ، فتخلصت . فقلت : كيف أعمل ؟ قال : تجلس ، إذا ~~مت ، ثلاثة أيام للعزاء ، إلى أن تنقضي المصيبة ، فإذا انقضت ، نفذت وصيتي ~~وتجملت بذلك عند الناس ، وقضيت حقي . ثم تظهر أنك قد تركت اللعب ، وأنك ~~تريد حفظ مالك ، مع ضرب من اللذة . ثم تبتدئ فتشتري من الجواري المغنيات ~~والسواذج ، كل لون ، ومن الغلمان المرد ، والخدم البيض والسود ، ما تحتاج ~~إليه وتشتهيه ، ودارك ، وضياعك ، وآلتك ، كما خلفته . فإن احتجت إلى ~~استزادة شيء ، فاستزد ، وتنوق . وعاشر من تريد أن تعاشره ، من غير أن تدخل ~~إليك مغنية قيان ، ولا من تأخذ جذرا . وداخل الأمير ، والعامل ، وادعهما ~~مرة في كل شهر أو شهرين ، وهاهما أيام الأعياد ، بالألطاف الحسنة ، وألقهما ~~كل أسبوع دفعة ، واجتهد أن تعاشرهما على النبيذ في دورهما ، وألقهما ~~بالسلام ، وقضاء الحق . واتخذ في كل يوم مائدة حسنة ، وادع القوم ، ومن ~~يتفق معهم ، وليمن ذلك بعقل وترتيب . فإن ذلك أولا ، لا يظهر مدة طويلة ، ~~فإذا ظهر ، صدق به أعدائك ، وكذب به إخوانك ، وقالوا : لعل هذا على سبيل ~~المجون والشهوة ، وعلى طريق التخالع ، أو مسامحة الإخوان ، وإلا فأي لذة له ~~في ذلك وهو ليس مخنثا ، ولا مجنونا ، ولا فقيرا PageV01P363 ~~"""""" صفحة رقم 364 """""" # فيحتاج إلى هذا ، فيبقى الخلاف فيك مدة أخرى ، وأنت مع هذا ، قد وصلت ~~سلطانك ، ولعل العشرة بينكما قد وقعت ، فيستدعي مغنياتك ، وتسمعهن في منزله ~~، فيصير لك بمنادمته رسم ، وجاهك مع إخوانك باق ببرك وملاقاتك لهم ، فهم ~~يحامون عليك العاقل منهم ، ويحافظ لك الآخر ، فتصير في مراتب ندماء الأمير ~~، وفي جملته ، وتصير قيادتك كالتشنيع عليك ، والعيب لك ، وتخرج عن حد ~~القواد المحض ms214 ، الذين يؤذون دائما ، وتكبس منازلهم . قال : فاعتقدت في ~~الحال ، أن الصواب ما قاله . ومات في علته ، فجلست ثلاثة أيام ، ثم نفذت ~~وصيته ، وفرقتها كما أمرني ، ثم بيضت الدور ، وهي هذه ، وزدت فيها ما ~~اشتهيت ، واستزدت من الآلات ، والفرش ، والآنية ، كما أردت ، وابتعت هؤلاء ~~الجواري والغلمان والخدم ، من بغداد ، ودبرت أمري على ما قاله أبي ، من غير ~~مخالفة بشيء منه . فأنا أفعل هذا منذ سنين كثيرة ، ما لحقني فيه ضرر ، ولا ~~خسران ، وما فيه أكثر من إسقاط المروءة ، وقلة الحفل بالعيب . وأنا أعيش ~~أطيب عيش وأهناه ، وألتذ أتم لذة مع هؤلاء الجواري ، والغلمان ، والخدم ، ~~ومن يعاشرني عليهم . ودخلي بهم ، أكثر من خرجي ، ونعمي الموروثة باقية ~~بأسرها ، ما بعت منها شيئا بحبة فضة فما فوقها . وقد اشتريت من هذه الصناعة ~~عقارا جليلا ، وأضفته إلى ما خلف أبي علي ، وأمري يمشي كما ترون . فقلنا : ~~يا هذا ، فرجت والله عنا ، واو جدتنا طريقا إلى قضاء حقك . وأخذنا نمازحه ، ~~ونقول : فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع ، لأنك قواد ابن قواد ، وما كان ~~الشيخ ليدبر لك هذا ، إلا وهو بالقيادة أحذق منك . فضحك ، وضحكنا ، وكان ~~الفتى أديبا خفيف الروح . وبتنا ليلتنا على تلك الحال . فلما كان من الغد ، ~~جمعنا له بيننا ، ثلثمائة دينار من نفقاتنا ، وحملناها إليه . فأخذها ، ~~ورحلنا عنه . PageV01P364 # """""" صفحة رقم 365 """""" # أراد جوامرك فطلب جوانبيرة # أخبرني غير واحد : أن أسدا بن جهور العامل ، كان بخيلا ، وله سؤددا ، ~~يتقلد كبار الأعمال ، وهو عظيم الحال والمال . قال : وكتب يوما إلى عامل له ~~، في رستاق : احمل إلي مائي جوانبيرة . فقال العامل : وما يصنع بهذه ~~العجائز كلهن ، وهذه العدة كيف تجتمع لي من قرية ؟ فجمع ما قدر عليه من ~~النساء بين الشباب والعجائز ، وأنفذهن طوعا وكرها . وكتب إليه : إن كتابك ~~وصل بجمع ماء جوانبيرة ، وهذا لا يوجد إلا في بلد كبير ، أو عدة رساتيق ، ~~وقد جمعت لك كذا وكذا ، وحملته مع موصل هذا الكتاب . فلما قرأ كتابه ، قال ~~: ادفعوهم إلى الطباخ ، وقولوا له يذبح منهم اليوم كذا وكذا ms215 ، ويصلح منهم ~~كذا وكذا . فقيل له : يذبح لك النساء ؟ قال : ما طلبت نساء . قالوا : أنت ~~طلبت نساء . قال : ردوا الكتاب ، فردوه . قال : إنا لله ، إنما أردت جوامرك ~~وكتبت جوانبيرة ، ادفعوا إلى النساء شيئا واصرفوهن ، واكتبوا له بجميع ~~الجوامركات . ففعل ذلك . PageV01P365 # """""" صفحة رقم 366 """""" # أسد بن جهور وبخله على الطعام # قالوا : وكان معروفا بالبخل على الطعام جدا ، وكان ندماؤه يلقون من ذلك ~~جهدا . وكان يحضرهم ، ويطالبهم بالجلوس ، ويحضر كل شيء لذيذ شهي من الطعام ~~، فإن ذاقه منهم أحد ، ولو دانقا ، استحل دمه ، وعجل عقوبته . وكانت علامته ~~معهم إذا شيلت المائدة ، أن يمسحوا لأيديهم في لحاهم ليعلم أنهم ما شعثوا ~~شيئا يزهمها . وكان له ابن أخت ، يجتريء عليه ، ولا يفكر فيه ، ويهتك سترته ~~إذا واكله . فقدمت يوما دجاجة هندية ، فائقة سرية ، فحين أهوى ابن أخته ~~إليها ، قبض على يده أشد قبض ، وقال : يا غث ، يا بارد ، يا قبيح العشرة ، ~~يا قليل الأدب ، في الدنيا أحد يستحسن إفساد مثل هذه ؟ . فقال ابن أخته : ~~يا لئيم ، يا بخيل ، يا سيء الاختيار ، فلأي شيء تصلح ؟ تجعل عقدة على وجهه ~~التركة للأعقاب ؟ واسطة للمخانق ، في صدور المجالس ؟ سرية يتمتع بالنظر ~~إليها ؟ ما أقدر ، شهد الله ، أن أدعها من يدي . فتصابرا عليها ، إلى أن ~~قال له الفتى : فافتدها من يدي . قال بما تحب . قال : ببغلتك الفلانية . ~~قال . قد فعلت . قال : بسرجها ولجامها الحلى الفلاني . قال : قد فعلت . قال ~~: ما أرفع يدي عنها ، أو يحضر ذلك . قال يا غلام أحضرها . PageV01P366 # """""" صفحة رقم 367 """""" # فأحضرت البغلة والمركب ، فسلمها الفتى إلى غلامه ، وأخرجها ، ورفع يده عن ~~الدجاجة . وانقضى الطعام ، وشيلت المائدة ، وقام لينام . فخرج ابن أخته ، ~~فقال للطباخ : علي بالفائقة الساعة ، وبجميع ما شلتموه ن المائدة ، فأضر ~~إليه ، ورد الندمان ، وقعدوا ، فأكلوا ذلك وانصرفوا ، وقد أكل الدجاجة ~~والطعام أجمع ، وحصلت على البغلة والمركب . قال : وإنما كان لا يطيق أن يرى ~~ذلك يؤكل ، فأما إذا نحي من بين يديه ، لم يسأل عنه ، ولم يطالب به . ~~أخبرني أبو الحسن بن الأزرق ، قال ms216 : حدثني أبي ، عن الحسن بن مخلد بهذا ~~الحيث لأنه حصل مع ابن خالة الحسن بن مخلد ، قال : رأيت الفتى ، قد غدا ~~إلينا ، إلى ديوان الخراج على بغلة الحسن بن مخلد ، فسألناه عن السبب ، ~~فأخبرنا بذلك . PageV01P367 # """""" صفحة رقم 368 """""" # ناصر الدولة يحاسب على بقية دجاجة # سمعت أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي يقول : كنت بحضرة ناصر الدولة ~~ببغداد ، فاستدعى بشيء يأكله متعجلا ، ليتعلل به . فجاءوه بدجاجة مشوية ، ~~ورغيفواحد ، وسكرجتي ملح وخل ، وقليل بقل . فجعل يأكل ، وأنا أحادثه ، إذ ~~دخل الحاجب فأخبره بحضور قوم لا بد من وصولهم ؟ ، يحتشمهم . فأمر برفع ~~الدجاجة ، فرفعت ، ومسح يده ، ودخل القوم ، فخاطبهم بما أرادوا ، وانصرفوا ~~. فقال : ردوا الدجاجة ، فأحضر ، فتأمل الدجاجة ساعة ، ثم حرد . وقال : أين ~~تلك الدجاجة ؟ فقالوا : هي هذه . فقال : لا ، وحق أبي ، علي بالطباخ ، فحضر ~~. فقال : هذه هي تلك الدجاجة ؟ فسكت . فقال : اصدقني ويلك . قال : لا . قال ~~: فما عملت بتلك ؟ قال : لما شيلت ، لم نعلم أنها ترد إليك ، فأخذها بعض ~~الغلمان الصغار وأكلها ، فلما طلبتها ، أخذنا هذه فكسرنا منها ، وشعثنا ، ~~مثلما كنت كسرت وشعثت ، طمعا في أنك لا تعلم بذلك ، وقدمناها . PageV01P368 # """""" صفحة رقم 369 """""" # فقال له : يا حمار ، تلك كنت قد كسرت منها الفخذ الأيمن ، وأكلت جانب ~~الصدر الأيسر ، وهذه مأكولة جانب الصدر الأيمن ، مكسورة الفخذ الأيسر ، لا ~~تعاود بعدها لمثل هذا . قال : السمع والطاعة . وانصرف الطباخ . فجعلت أعجب ~~من تفقده وهو ملك لمثل هذا . PageV01P369 # """""" صفحة رقم 370 """""" # الحسن بن مخلد وبخله على الطعام # حدثي أبو الحسين بن عياش ، قال : حدثني جحظة ، قال : ربحت بأكلة افتديتها ~~خمسمائة دينار ، وخمسمائة درهم ، وخمسة أثواب فاخرة ، وعتيدة طيب سرية . ~~قلت : كيف كان ذلك ؟ قال : كان الحسن بخيلا على الطعام ، سمحا بالمال ، ~~وكان يأخذ ندماءه ، بغتة فيسقيهم النبيذ ، ويواكلهم ، فمن أكل ، قتله قتلا ~~، ومن شرب عنده على الخسف ، حظي عنده . قال : فكنت عنده يوما ، فقال لي : ~~يا أبا الحسن ، قد عملت غدا على الصبوح الجاشري ، فبت عندي . فقلت : لا ~~يمكنني ، ولكن أباكرك قبل الوقت ، فعلى أي ms217 شيء عملت أن تصطبح ؟ فقال : أعد ~~لنا كذا وكذا ، ووصف ما تقدم به إلى الطباخ بعمله ، فعقدنا الرأي على أن ~~أباكره . وقمت ، وجئت إلى بيتي ، فدعوت طباخي ، وتقدمت إليه بأن يصلح لي ~~مثل ذلك بعينه ، ويفرغ منه وقت العتمة ، ففعل ، ونمت . وقمت وقد مضى نصف ~~الليل ، فأكلت ما أصلح ، وغسلت يدي وأسرج لي وأنا عامل على المضي إليه ، إذ ~~طرقتني رسله ، فجئته . فقال : بحياتي ، أكلت شيئا ؟ قلت : أعيذك بالله ، ~~انصرفت من عندك قبيل المغرب ، وهذا نصف الليل ، فأي وقت أصلح لي شيء ؟ أو ~~أي وقت أكلت شيئا ؟ سل غلمانك ، على أي حال وجدوني ؟ فقالوا : والله وجدناه ~~يا سيدنا وقد لبس ثيابه ، وهو ذا ينتظر أن يفرغ له من إسراج بغلته ، ~~ليركبها . PageV01P370 # """""" صفحة رقم 371 """""" # فسر بذلك سرورا شديدا ، وقدم الطعام ، فما كان في فضل أشمه ، فأمسكت عن ~~تشعيثه ضرورة ، وهو يستدعي أكلي ، ولو أكلت أحل دمي . قال : وكذا كانت ~~عادته ، فأقول له : هو ذا آكل يا سيدي ، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا ؟ ~~وانقضى الأكل ، وجلسنا على الشرب ، فجعلت أشرب بأرطال ، وهو يفرح ، وعنده ~~أني أشرب على الريق ، أو على ذلك الأكل الذي خلست معه . ثم أمرني بالغناء ، ~~فغنيت ، فاستطاب ذلك ، وطرب وشرب أرطالا . فلما شربت النبيذ ، قد عمل فيه ، ~~قلت : يا سيدي ، أنت تطرب على غنائي ، فأنا على أي شيء أطرب ؟ قال : يا ~~غلام ، هات الدواة ، فأحضرت ، فكتب لي رقعة ، ورمى بها إلي ، وإذا هي إلى ~~صيرفي يعامله بخمسمائة دينار ، فأخذتها ، فشكرته . ثم غنيت ، فطرب ، وزاد ~~سكره ، فطلبت منه ثيابا ، فخلع علي خمسة أثواب . ثم أمر أن يبخر من كان بين ~~يديه ، فأحضرت عتيدة حسنة سرية ، فيها طيب كثير ، فأخذ الغلمان يبخرون ~~الناس منها ، فلما انتهوا ، قلت : يا سيدي وأنا أرضى أن أتبخر حسب ؟ فقال : ~~ما تريد ؟ قلت أريد نصيبي من العتيدة . فقال : قد وهبتها لك . وشرب بعد ذلك ~~رطلا آخر ، واتكأ على مسورته ، وكذا كانت عادته إذا سكر . فقام الناس من ~~مجلسه ، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء ms218 ، وهو وقت تبكير الناس في حوائجهم . ~~فخرجت كأني لص قد خرج من بيت قوم ، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة . ~~فصرت إلى منزلي ، ونمت نومة ، ثم ركبت إلى درب عون ، أريد الصيرفي ، حتى ~~دكانه ، وأوصلت الرقعة إليه . فقال : يا سيدي ، أنت الرجل المسمى في ~~التوقيع ؟ قلت : نعم . PageV01P371 # """""" صفحة رقم 372 """""" # قال : أنت تعلم ، أن أمثالنا يعاملون للفائدة . قلت : نعم . قال : ورسمنا ~~أن نعطي في مثل هذا ما يكسر في كل دينار ، درهم . قلت له : لست أضايقك في ~~هذا القدر . فقال : ما قلت هذا لأربح عليك الكثير ، أيما أحب إليك ، تأخذ ~~كما يأخذ الناس ، وهو ما عرفتك ، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي ~~، ثم ركب معي إلى داري ، فتقيم عندي اليوم والليلة ، ونشرب ، فقد والله ~~سمعت بك ، وكنت أتمنى أن أسمعك ، ووقعت الآن لي رخيصا ، فإذا فعلت هذا ، ~~دفعت إليك الدنانير بما تساوي ، من غير خسران . فقلت : أقيم عندك . فجعل ~~الرقعة في كمه ، وأقبل على شغله . فلما دنت الظهر ، جاء غلامه ببغل فاره ، ~~فركب ، وركبت معه ، وصرنا إلى دار سرية حسنة ، بفاخر الفرش والآلات ، ليس ~~فيها إلا جوار روم للخدمة ، من غير فحل . فتركني في مجلسه ، ودخل ، ثم خرج ~~إلي بثياب أولاد الخلفاء ، من حمام داره ، وتبخر ، وبخرني بيده ، بند عتيق ~~جيد ، وأكلنا أسرى طعام ، وأنظفه ، وقمنا إلى مجلس للشرب سري ، فيه فواكه ~~وآلات بمال . وشربنا ليلتنا ، فكانت ليلتي عنده أطيب من أختها عند الحسن بن ~~مخلد . فلما أصبحنا أخرج كيسين ، في أحدهما دنانير ، وفي الآخر دراهم ، ~~فوزن لي خمسمائة دينار من أحدهما ، ثم فتح الآخر فإذا هو دراهم طرية ، فوزن ~~لي منها خمسمائة درهم . وقال : يا سيدي تلك ما أمرت به ، وهذه الدراهم هدية ~~مني . فأخذتها ، وانصرفت . وصار الصيرفي صديقي ، وداره لي . PageV01P372 # """""" صفحة رقم 373 """""" # إن بالحيرة قسا قد مجن # حدثني أبو الحسن بن عياش ، قال : كان جحظة لما أسن ، يفسو في مجالسه ، ~~فيلقى من يعاشره ، ذلك جهدا . وكنت أحب غناءه ، والكتابة عنه ، لما عنده من ~~الآداب ms219 ، وكان يستطيب عشرتي ، وكنت إذا جلست ، أخذت عليه الريح ، وجلست ~~فوقها . فجئته يوما في مجلس الأدب ، والناس عنده ، وهو يملي ، فلما خفوا ، ~~قال لي ، ولآخر كان معي ، أسماه لي ، وحدثني ذلك الرجل بمثل هذا الحديث : ~~اجلسا عندي ، حتى أجلسكما على لبود ، وأطعمكما طباهجة بكبود ، وأسقيكما ~~معتقة اليهود ، وأبخركما بعود ، وأغنيكما غناء المسدود ، أطيب من الندود . ~~فقلنا : هذا موضع سجدة . وجلسنا ، وصديقي لا يعرف خلته في الفساء ، وأنا قد ~~أخذت الريح ، فوفى لنا بجميع ما شرطه . وقال لنا ، وقد غنى ، وشربنا : نحن ~~بالغداوة في صورة العلماء ، وبالعشي في صورة المخنكرين . فلما أخذ النبيذ ~~منه ، أقبل يفسو ، وصديقي يغمزني ، ويتعجب ، فأغمزه ، وأقول : إن ذلك عادته ~~، وخلته ، وإن سبيله أن يحتمل . إلى أن غنى جحظة ، صوتا مليحا ، الشعر ~~والصنعة له فيه ، وكان يجيده جدا ، وهو : إن بالحيرة قسا قد مجن . . . فتن ~~الرهبان فيها وافتتن ترك الإنجيل حبا للصبا . . . ورأى الدنيا مجونا فركن ~~وطرب صديقي ذاك ، عليه طربا شديدا ، استحسانا له ، وأراد أن يقول أحسنت ~~والله يا أبا الحسن ، فقال : افس علي كيف شئت . فخجل جحظة . PageV01P373 # """""" صفحة رقم 374 """""" # بين جحظة وأبي الحسين بن عياش # قال : وأخبرني أنه كان معه في حديدي لابن الحواري ، وقد حملهم إلي بلا ~~شكر ليتفرجوا ، والحديدي يمده الملاحون بالقلوس ، وجحظة بين يدي الرجل ، قد ~~صار في أعلى الريح لأنها كانت شمالا ، على سطح الحديدي . فأقبل جحظة يفسو ، ~~فأنكر الرجل ذلك ، وقال : ما هذا الفساء ؟ من أين هذا ؟ فقال جحظة : هؤلاء ~~المدادون سفل ، فإذا مدوا فسوا ، وهم أعلى منا في الريح ، فهي تحمل فساهم ~~إلينا . قال : فاشتبه ذلك على الرجل . فقلت له : يا أبا الحسن ، لو أن فساء ~~هؤلاء يريد الطرادة ويجيء على حملها مستويا إلى نفس الطرادة ما وصل إلينا ~~بهذه السرعة ، والريح من جهتك لا من جهة الملاحين ، وأنا أنبه عليك . قال : ~~فأقبل يصانعني ، ويفتدي من يدي ، أن لا أغمز به . فقلت : على شريطة أن تقطع ~~. قال : نعم . PageV01P374 # """""" صفحة رقم 375 """""" # أبو عيشونة الشاطر # حدثني أبو القاسم الصروي ms220 الكاتب ، قال : كان بمدينة السلام ، شاطر ، يعرف ~~بأبي عيشونة ، فاجتاز به بعض العلماء من أهل الأدب ، في هيج قد وقع ، وقد ~~خرج ليأخذ المجتازين فقبض عليه ، وقال : اطرح ثيابك . فقال : أنا فلان . ~~فاستحيا منه ، فقال : خذ علي ما أنشدك . قال : هات . فقال : خمسون ألف فتى ~~ما منهم أحد . . . إلا كألف فتى ضرغامة بطل شدوا ثيابهم يوما على أمل . . . ~~فأفرغوها وأدلوها على الأمل فقال الرجل : أحسنت ، فبالله ، زدني من شعرك ، ~~فقال : ولقد هيج البلا . . . حين عض السفرجلا ولقد قام حبكم . . . في فؤادي ~~بأعلى العلا فقال : خلطت . قال : أنا أبو عيشونة ، وحياة أصحابي ، أنج ~~بنفسك . فمضى الرجل وتركه . PageV01P375 # """""" صفحة رقم 376 """""" # الحذاء الماجن بباب الطاق # رأيت حذاء ماجنا بباب الطاق ، يعرف بالمدلق ، ويلقب بالقاضي ، يسمس ~~النعال ، بأسماء من جنس الصفعة ، على سبيل الهزل . فيقول لمن يخاطبه : هذه ~~صلكعية ، وهذه رأسكية ، وهذه قفوية ، فقال له واحد : كم أعطيت بها ؟ فقال : ~~إذا نزلت في حلقك ، عرفتك ثمنها ، وأخذته منك ، ومتى وقعت في عنقك وكرهتها ~~، فأنا آخذها منك بالثمن . # طبيب يتماجن على مريض # ورأيت طبيبا يتماجن على مريض ، وقد شكا إليه شيئا . فقال : هذا يدل على ~~أنك ، ثارت بك الصفراء ، وكان الذي شكاه المريض رطوبة . فقال : يا هذا أنا ~~مرطوب ، فكيف تثور بي الصفراء ؟ قال : فالسوداء . قال : لا أعلم . قال : ~~الذي عندي ، إنه ثارت بك الملمعة . ففطن الرجل لموضع قوله : الصفراء ~~والسوداء ، ثم وصف ما يصلح له ، مما شكاه إليه ، من علته . PageV01P376 # """""" صفحة رقم 377 """""" # يريد نعلا وجهه مليح وأسفله وثيق # قال لي أبو طلحة الحذاء البصري ، وكان مألفا للأحداث والمتأدبين ، قال لي ~~صديق لي : أريد نعلا يكون لها وجه مليح ، وأسفل وثيق . فقلت له : يا حبيبي ~~، عليك بفلان العلق ، إن وزنت خمسين درهما في اليوم ، ولست أجد لك بهذه ~~الصفة إلا هو . # كما تدين تدان # جاءنا أبو عبد الله بن وارم الكوفي المتكلم ، قال : كان عندنا بالكوفة ، ~~رجل ، له ابن عاق به ، فلاحاه يوما في شيء ، فجر برجله حتى أخرجه من بيته ، ~~وسحبه في ms221 الطريق شيئا كثيرا . فلما بلغ إلى موضع منه ، قال له : يا بني ~~حسبك ، فإلى هاهنا جررت برجل لأبي إلى الدار ، حتى جررتني منها . PageV01P377 # """""" صفحة رقم 378 """""" # طيب الطعام يستخرج لب الشكر # حدثني أبو الحسن بن سهيل الحذاء ، عن بعض الصوفية ، أنه قال : طيب الطعام ~~يستخرج من لب الشكر . # سعد السعود # أنشدني إسحاق بن إبراهيم بن علي النصيبي المتكلم لنفسه ، في غلامه سعد : ~~وفق الله من دعاك بسعد . . . فلقد كان فيه عين السعيد أبصر السعد غرة بين ~~عينيك . . . فسماك باسمه المحمود فإذا دعاك داع لأمر . . . كنت فيه يا سعد ~~سعد السعود PageV01P378 ~~"""""" صفحة رقم 379 """""" # من رسائل أبي محمد المهلبي # وجدت في كتب أبي ، كتابا من كتب أبي محمد المهلبي إليه ، قبل تقلده ~~الوزارة ، بسنين ، أوله : كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي ، عن سلامة لا ~~زالت له إلفا ، وعليه وقفا . وحمدا لمولى أستمد بحمده . . . له الرتبة ~~العلياء والعز دائما وأن يسخط الأيام بالجمع بيننا . . . ويرضي المنى حتى ~~يرينيه سالما وصل كتابه ، أدام الله عزه ، فقمت معظما له وقعدت مشتملا على ~~السرور به . وفضضته فوجدته . . . ليلا على صفحات نور مثل السوالف والخدو . ~~. . دالبيض زينت بالشعور بنظام لفظ كالثغو . . . ر أو اللآلي في النحور ~~أنزلته في القلب من . . . زلة القلوب من الصدور . # أبو طلحة يروي حديثا غير شريف # سمعت أبا طلحة الحذاء ، يقول : روى فلان ، عن فلان ، بإسناد طويل ، من ~~أصبح في يوم سبت ، وعنده طباهجة عنبرية ، وبالقرب منه باقلاني ، ولم يصطبح ~~، فلا صبحه الله بخير ولا عافية . PageV01P379 # """""" صفحة رقم 380 """""" # واصل بن عطاء والخوارج # أخبرني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ، التنوخي : ~~أن أبا حذيفة ، واصل بن عطاء ، خرج يريد سفرا في رهط من أصحابه ، فاعترضهم ~~جيش من الخوارج . فقال واصل لأصحابه : لا ينطق منكم أحد ، ودعوني معهم . ~~فقالوا : نعم . قال : فقصدهم واصل ، واتبعه أصحابه . فلما قربوا بدأ ~~الخوارج ليوقعوا بهم ، فقال : كيف تستحلون هذا ، وما تدرون ما نحن ، ولأي ~~شيء جئنا ؟ قالوا : نعم ، فما أنتم ؟ قال : قوم ms222 من المشركين ، جئناكم ~~مستجيرين لنسمع كلام الله . قال : فكفوا عنهم ، وبدأ رجل يقرأ عليهم القرآن ~~. فلما أمسك ، قال له واصل : قد سمعنا كلام الله ، فأبلغنا مأمننا حتى ننظر ~~في الدين . فقالوا هذا واجب ، سيروا . قال : فسرنا ، والخوارج والله معنا ~~برماحهم ، يسيروننا ويحموننا ، عدة فراسخ ، حتى قربنا من بلد لا سلطان لهم ~~عليه . فقالوا : ذاك مأمنكم ؟ فقال واصل : نعم ، فارجعوا عنا . فانصرفوا . ~~وذهب أبو حذيفة في ذلك ، إلى قول الله تعالى : ' وأن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ' . PageV01P380 # """""" صفحة رقم 381 """""" # بين معتزلي وأشعري # حدثني أبو الحسن ، قال : كان إسماعيل الصفار البصري ، أحد شيوخ أصحابنا ~~المعتزلة ، وكان الناس إذ ذاك يتشددون على أهل الحق ، ويباينونهم في الخلاف ~~. قال : فوقعت ليلة في الدرب الذي كان ينزله إسماعيل في البصرة ، صاعقة . ~~فلما أصبح ، قال لغلمانه : أنسوا لي الباب ، وافرشوا لي عليه ، وإلا أرجف ~~بي المخالفون . ففعلوا ، وجلس على بابه . فاجتاز بعض جلة شيوخ البصرة من ~~المخالفين ، فلما رآه ، قال : ألم نخبر أن الله رماك بصاعقة من عنده ؟ قال ~~: ولم ؟ أنا أقول إني أرى الله جهرة ؟ PageV01P381 # """""" صفحة رقم 382 """""" # خلاف بين المعتزلة وبين غوغاء من العوام # وقال رجل من أصحاب إسماعيل بالبصرة : أن القرآن مخلوق ، بحضرة غوغاء من ~~العوام ، فوثبوا عليه ، وحملوه إلى نزار الضبي . وكان أميرا على البصرة ، ~~فحبسه . فطاف إسماعيل على المعتزلة ، فجمع منهم أكثر من ألف رجل ، وبكر بهم ~~إلى باب الأمير ، فاستأذن عليه ، فأذن له . فقال : أعز الله الأمير ، بلغنا ~~أنك حبست رجلا لأنه قال : أن القرآن مخلوق ، وقد جئناك ، وكلنا يقول : أن ~~القرآن مخلوق ، وخلفنا من أهل البلد أضعاف عددنا ، يقولون بمقالتنا ، فإما ~~حبست جميعنا مع أخينا ، أو أطلقته معنا . قال : فعلم أنه متى ردهم ثارت ~~فتنة لا يأمن عواقبها ، وإن الرأي يوجب الرفق بهم . فقال : بل نطلقه لكم . ~~فأطلقه ، وانصرفوا به عدوا . PageV01P382 # """""" صفحة رقم 383 """""" # دفن أبي هاشم الجبائي وأبي بكر بن دريد في يوم واحد # حدثني أبو علي الحسن بن سهل ms223 بن عبد الله الإيذجي القاضي ، قال : لما توفي ~~الشيخ أبو هاشم الجبائي ، ببغداد ، اجتمعنا لدفنه ، فحملناه إلى مقابر ~~الخيرزان ، في يوم مطير ، ولا يعلم بموته أكثر الناس ، وكنا جماعة في ~~الجنازة . فبينا نحن ندفنه ، إذ حملت جنازة أخرى ومعها جميعة عرفتهم بالأدب ~~. فقلت لهم : جنازة من هذه ؟ فقالوا : جنازة أبي بكر بن دريد . فذكرت حديث ~~الرشيد ، لما دفن محمد بن الحسن والكسائي بالري في يوم واحد . قال : وكان ~~هذا في سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة ، فأخبرت أصحابنا بالخبر ، وبكينا على ~~الكلام والعربية طويلا ، وافترقنا . PageV01P383 # """""" صفحة رقم 384 """""" # بين الهبيري وابن أبي خالد الأحول # حدثني أبي ، رضي الله عنه ، بإسناد ذكره : أن رجلا من شيوخ الكتاب يعرف ~~بالهبيري ، لزمته العطلة ، وأضرت به ، فكان يلازم ابن أبي خالد الأحول ، ~~وهو إذ ذاك يدبر أمر الوزارة . فطالت ملازمته داره ، وكان ابن أبي خالد ~~يستثقله ، فحجب عن الدار . فكان يبكر كل يوم فيقف على دابته بالباب ، حتى ~~يخرج الوزير ، ثم ينتظر إلى أن يعود ، ويدخل الوزير ، وينصرف هو . فطال ذلك ~~على الوزير ، حتى برم به ، فقال لكاتب له : إلق هذا الرجل ، وقل له : إنه ~~لا تصرف لك عندي ، ولست أحب أن أراك في كل وقت ، فانصرف عني ، ولا تقرب ~~بابي . قال الكاتب : فاستحييت أن أؤدي عن صاحبي مثل هذه الرسالة إلى شيخ من ~~جلة الكتاب ، وإن كان الزمان قد حطه ، وعلت أن ذلك قد صدر عن الوزير ، لسوء ~~رأيه فيه ، ومقته له ، واستثقاله إياه . فصرت إلى منزلي ، وأخذت معي ~~خمسمائة درهم ، و؟ صرت إلى الهبيري ، فقلت : الوزير أعزه الله ، يقرأ ~~السلام عليك ، ويقول لك : هوذا تشق علي ؟ ؟ رؤيتك بالباب . والأشغال تقطعني ~~عنك ، ولا تصرف عندي أرتضيه لك في هذا الوقت ، وقد حملت إليك خمسة آلاف ~~درهم ، فاستعن بها في نفقتك ، والزم دارك ، واربح العناء ، فإذا سنح عندي ~~شغل يصلح لك ، استدعيتك . قال : فاستشاط الشيخ ، وقال : جعلني من الشحاذين ~~والمستميحين ، ينفذ إلي برفد ، والله لا قبلته . قال : فاستجهلته ، وداخلني ~~غيظ من فعله ، فقلت : يا هذا ، واله ms224 ، ما هذه الدراهم من مال الوزير ، ولا ~~هي إلا من مالي ، ورسالته أقبح مما تذهب إليه ، وإني كرهت تلقيك بها ، وأنت ~~من شيوخ هذه الصناعة ، فتحملت لك هذا الغرم من مالي ، من غير علم صاحبي ، ~~صيانة لك وله . PageV01P384 # """""" صفحة رقم 385 """""" # فقال : أما أنت ، فأحسن الله جزاءك ، ولا حاجة بي إلى مالك ، ولو مصصت ~~الثماد ، ولكن أنشدك الله ، إلا ما أبلغتني رسالته بعينها ، وحزت بذلك شكري ~~. قال : فأديتها إليه على حقها وصدقها . قال : فقال : أحب أن تتحمل الجواب ~~. فقلت : قل . قال : تقول له : والله ، ما آتيك لك نفسك ، وإنما أنت رجل قد ~~صرت بابا لأرزاقنا ، إذ كنا لا نحسن صناعة غير الكتابة ، ولا تصرف فيها إلا ~~من عندك ، ومن أراد دخول الدار ، يجب أن يأتيها من بابها ، وعلى الإنسان أن ~~يتعرض للرزق ، ويأتي بابه ، فإن قسم الله له منه شيئا ، أخذه ، وإلا كان قد ~~أدى ما عليه . وليس يمنعني استثقالك لي ، من قصدك ، فإن قسم الله لي شيئا ~~من جهتك ، أو على يدك ، أخذته على رغمك ، وإلا فلا أقل من أن أؤذيك برؤيتي ~~، كما تؤذيني بعطلتي . قال : فانصرفت متعجبا منه ، ولم أعد على الوزير ذلك ~~، لئلا يغتاظ ، وتغافلت يومي . فلما كان من الغد ، بكر الوزير خارجا من ~~داره ، وأنا معه ، فإذا بالشيخ ، فلما رآه ، التفت إلي ، وقال : ألم أنفذك ~~إليه برسالة ؟ قلت : بلى . قال : فلم عاد ؟ قلت : الخطب طويل طريف ، وإذا ~~اطمأن الوزير في مجلسه أخبرته . قال : فلما نزل في طياره ، قال : أخبرني ~~بما جرى . فقصصت عليه القصة ، وحملي الدراهم من مالي ، وما جرى بأسره ، ~~وأديت إليه رسالته بعينها ، فكاد أن يطير غيظا . وانتهى الكلام ، وقد قدم ~~الطيار إلى دار الخلافة ، فدخل إليه وفي نفسه حديث الهبيري ، والغيظ منه ، ~~فوقف بحضرة الخليفة ، وجرى الكلام . فقال له الخليفة : قد ألط عامل مصر ~~بالمال ، وجنح إلى المدافعة ، فاختر رجلا شهما ، ننفذه مشرفا عليه ، ~~ومطالبا بما مضى . PageV01P385 # """""" صفحة رقم 386 """""" # قال : وكان ابن أبي خالد يعتني برجل متصرف يقال له الزبيري ، فأراد أن ms225 ~~يسميه لذلك ، فقال : الهبيري ، لما كان في نفسه منه ، وقرب العهد بذكره ، ~~والغيظ من أمره . فقال الخليفة : أو يعيش الهبيري ؟ قال : يا أمير المؤمنين ~~لم أرد الهبيري ، وإنما أرد فلان بن فلان الزبيري . قال : يجوز أن تكون ~~أردت الزبيري ، ولكن أخبرني بخبر الهبيري ، فقد كان له بي حرمة في حياة أبي ~~، وبأ سبابنا ، وهو واجب الحق علينا . فقال : نعم ، هو يعيش . قال : فأنفذه ~~إلى مصر . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لا يصلح . قال : ولم ؟ قال : قد ~~اختل . قال : أحضرنيه حتى أشاهده ، فإن كان مختلا ، أمرت له بصلة وجار ، ~~وإن كان ينهض بالعمل أنفذته . قال : يا أمير المؤمنين ، إنه متعطل منذ سنين ~~، وقد خمل ، وذهب اسمه ، وصوته ، وهذا عمل يحتاج إلى من له نباهة . قال : ~~إذا أقبلنا عليه ، وندبناه لمثل هذا الأمر العظيم ، تجدد ذكره ، وتطرى أمره ~~. قال : إنه لا حال له تنهضه . قال : يطلق له من مالنا مائة ألف درهم ، ~~يصلح بها حاله ، ويحمل إليه من البغال والدواب والخيم والآلات . قال : فأخذ ~~يعتل عليه . قال : أرى فيك تحاملا عليه ، لتصدقني عن أمره معك . فلجلج . ~~فقال : بحياتي أصدقني ، فصدقه عن الخبر . PageV01P386 # """""" صفحة رقم 387 """""" # فقال الخليفة : قد والله أجرى الله عز وجل رزقه على يدك بالرغم منك ، كما ~~قال ، ووالله لا برحت ، أو تكتب عهده ، ويوصل بجميع ما أمرت به . ثم قال : ~~علي بالهبيري . فأحضر ، وخرج ابن أبي خالد عليه ، فقال : يا هذا ، قد والله ~~جاء رزقك على يدي بالرغم مني ، وجرى كذا وكذا ، وأخبره الخبر ، وسلم إليه ~~التوقيعات بما أمر له به الخليفة ، والكتب إلى مصر ، وواقفه على العمل ، ~~وأخرجه إليه . PageV01P387 # """""" صفحة رقم 388 """""" # بين ابن أبي الأضخم وابن أبي خالد الأحول # وحدثني أيضا عن ابن أبي خالد هذا ، قال : كان بغيضا . قال : فاتفق أن بكر ~~إليه يوما رجل شيخ من شيوخ الكتاب ، يقال له : ابن أبي الأضخم متعطلا ، قد ~~طالت عطلته ، يغتنم أن يراه سحرا خاليا فيشكو إليه حاله ، ويسأله التصرف . ~~فبكر بكورا شديدا ، فتلقاه برد قبيح ، وقال له ms226 : أيش هذا المهم في مثل هذا ~~الوقت ؟ قال : فاحتد عليه الشيخ ، وقال : ما العجب منك ، العجب مني ، حين ~~ربطت أملي بك ، وأسهرت عيني توقعا للفجر في البكور إليك ، وأسهرت عيالي ~~وغلماني وتحملت التجشم إليك ، وأنزلت بك حاجتي ، حتى تتلقاني بمثل هذا ، ~~وعلي ، وعلي ، وحلف بأيمان البيعة ، لا دخلت دارك أبدا ، ولا سألتك حاجة ، ~~ولا طلبت منك تصرفا ، أو تجيئني إلى داري معتذرا مما تلقيتني به ، وتقضي ~~حاجتي في منزلي ، ونهض . فلما صار الرجل إلى منزله ، ندم ندما شديدا ، وقال ~~: هذا رجل لئيم الطبع ، سيء الظفر ، شرس الخلق ، وأنا مضطر إلى لقاءه ، ~~ومساءلته في حوائجي ، فلم حلفت بهذه اليمين ؟ وما أحد أسوء حلة مني ، فإن ~~هذا الوزير لا يفكر في ، ولا يجيئني والله أبدا ، ولا يكون لي طريق إلى ~~قصده . ويحس العمال بذلك ، فيخربون ضيعتي ، وتدوم عطلتي ، ويلحقني كيت وكيت ~~. وأقبل يلوم نفسه ويؤنبها ، ويفكر كيف يعمل ، وقد أسفر النهار وتعالى ، ~~إلى أن صار نحو ساعتين . فدخل إلي غلمانه فقالوا : يا سيدنا ، الوزير مجتاز ~~في شارعنا ، فقال : وما علينا منه . PageV01P388 # """""" صفحة رقم 389 """""" # فدخل آخر وقال : يا سيدي قد والله عدل من الشارع إلى دربنا . ودخل آخر ~~فقال : يا سيدي ، إنه يقصد دارنا . وتبادر الغلمان ، فقالوا : قد صار ~~بالباب ، يستأذن عليك . قال : فنهض الشيخ ، وخرج إليه ، وقبل يده ، وقال : ~~أبيت ، أيدك الله ، إلا الأخذ بالفضل . قال : لا تشكرني ، واشكر أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه ، على ذلك . ودخل إليه فقال : إنك انصرفت ، وقد ~~أمضني خطابك ، وقد كان ما خاطبتك به على ضجر مني ، وعلى غير اعتقاد . وركبت ~~في الحال إلى الخليفة ، فخاطبني ، وأنا مشغول البال بما دار بيننا فوجد ~~كلامي مضطربا ، وأقسم علي لأخبرنه ، فأخبرته ، فأخذ يعذلني ويوبخني على ما ~~لقيتك به . وقال : لا تقف ، امض إليه الساعة معتذرا ، وأخرجه من يمينه ، ~~واقض حاجته ، وانظر في أموره . قال : ثم دعا بدواة ، فوقع لي بما كنت سألته ~~، وبمال وصلني به ، وتصرف قلدنيه ، ونهض . فشكرته ، ودعوت للخليفة ، وحمدت ~~الله تعالى على ما وفقه لي ms227 . PageV01P389 # """""" صفحة رقم 390 """""" # إذا نزل القضاء لم ينفع الدعاء # حدثني أبو الحسن بن سهيل الحذاء ، قال : حدثني أبو الحسن علي بن عبد الله ~~الحذاء ، قال : حدثني جعفر الخلدي الصوفي ، قال : كنا مع ابن واصل الصوفي ~~في سنة إحدى عشرة بالهبير . فلما أخذ الناس في الوقعة ، وبدأ السيف في أهل ~~القافلة ، اجتمعنا إليه ، فقلنا : تدعو الله لنا أن يخلصنا . قال : ليس هذا ~~وقت الدعاء ، هذا وقت الرضا والاستسلام ، إنه إذا نزل القضاء ، لم ينفع ~~الدعاء . PageV01P390 # """""" صفحة رقم 391 """""" # من شعر ابن الحجاج البغدادي # حضرت أبا عبد الله بن الحجاج الكاتب البغدادي ، صاحب السفه في شعره ، ~~ينشد أبا الفضل الوزير لنفسه ، يوم قبض ببغداد على حرم أبي الفرج محمد بن ~~العباس وأسبابه وأطلق الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين ، وتقلد الوزارة ، ~~وكان محبوسا في دار أبي الفرج ، فجلس فيها أكثر يومه . وكان ذلك اليوم ، ~~يوم الثلاثاء ، لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ستين وثلثمائة ، وخلع عليه ~~في الغد ، وهو يوم الأربعاء . وكان القبض عليه يوم ثلاثاء ، وخلع على أبي ~~الفرج بالوزارة ، صارفا له ، يوم الأربعاء ، وبين الأمرين أربعمائة يوم ، ~~وجاء أبو الفرج فجلس في دار أبي الفضل ، ونظر في الوزارة : يا سيدا طلعته ~~لم تزل . . . أشهى إلى عيني من النوم لم تظلم الناس وحاشاك أ، . . . تحيف ~~بالظلم على القوم جازيته مثل الذي أسلفوا . . . في الدار والمجلس واليوم ثم ~~خرج عن مجلسه . فجلس جماعة في دار الوزير أبي الفضل ، فأنشدنا شيخ حضر من ~~الكتاب لابن زريق الكاتب في مثله ، وهو أبو القاسم ابن زنجي ، قال أنشدني ~~ابن زريق لنفسه في الكوفي ، لما صرف : إنا لقينا حجابا منك أرمضنا . . . ~~فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا فاسمع مقالي ولا تعجل علي فما . . . أبغي بنصحك ~~لا مالا ولا عرضا في هذه الدار في هذا المكان على . . . هذي الوسادة كان ~~العز فانقرضا PageV01P391 ~~"""""" صفحة رقم 392 """""" # عائدة الجهنية تنظم الشعرالحسن # أنشدتني عائدة بنت محمد الجهنية لنفسها ، وهذه امرأة فاضلة ، كاتبة كانت ~~زوجة عم الوزير ابن شيرزاد ، وخليفته ms228 على كتابة بجكم وسبكتكين في الديوان ~~الذي كان لأبي جعفر ، وجاءه ابن زريق فحجب ، ثم دخل بحيلة على ما أخبرنا . ~~قال : فأنشدته هذه الأبيات ، فلما ولي الوزارة ، نفعه ، واستخدمه . فلما ~~قبض على الحسن بن علي المنجم ، وحبس ابنته في دار أبي رضي الله عنه وكل هذه ~~المرأة بها ، وهي إذ ذاك عجوز ، فكانت تناشدنا الأشعار ، وتنشدنا لنفسها كل ~~شيء جيد . فأخبرتني أنها قالت تهجو أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي ، لما ~~ولي الوزارة ، وتعيبه بقصر قامته ، وهزاله : شاورني الكرخي لما دنا ال . . ~~. نيروز والسن له ضاحكه فقال ما نهدي لسلطاننا . . . من خير ما الكف له ~~مالكه قلت له كل الهدايا سوى . . . مشورتي ضائعة هالكة أهد له نفسك حتى إذا ~~. . . أشعل نارا كنت دوباركه أنشدتني ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة . ~~الدوباركه : كلمة أعجمية ، وهي اسم للعب على قدر الصبيان يخلونها أهل بغداد ~~في سطوحهم ليالي النيروز المعتضدي ، ويلعبون بها ، ويخرجونها في زي حسن ، ~~من فاخر الثياب والحلي ، ويحلونها كما يفعل بالعرائس ، وتخفق بين يديها ~~الطبول والزمور ، وتشعل النيران . فهجته هذه المرأة بما تحقق عندي أنها ~~صادقة فيه ، لأنه يليق بكلام النساء . وقد كانت تنشدني لنفسها أفحل من هذا ~~الكلام ، وكتبت ذلك عنها ، وهو ثابت في مواضع من كتبي ، وما تعلق بحفظي لها ~~غير هذه الأبيات . ؟ PageV01P392 # """""" صفحة رقم 393 """""" # لو كان هذا المخنث شاعرا لكان أشعر الناس # حدثني أبي ، قال : كنت أماشي المعوج الشامي الشاعر ، ببغداد ، وكان دقيقا ~~، دقيق الوجه ، أشهل ، معوج الوجه . فلقينا مخنث ، فولع به المعوج . فقال ~~له المخنث : لا تسكت ، يا من كأنه ديك يطلع في سطل ماء . فأسرع المعوج من ~~يده ، وقال : لو كان هذا شاعرا كان أشعر الناس ، والله ما شبهني أحد ، أصح ~~من تشبيهه . # بين مخنث وامرأة # حدثني أبو الطيب بن هرثمة ، قال : كنت مجتازا ببغداد ، ومخنث يمشي ، ~~فرأته امرأة ، وكان حسن البدن . فقالت : ليت على ابني شحم هذا المخنث . قال ~~: فقال لها المخنث : مع بغائي ، فشتمته . فقال لها : كيف صار ، تأخذن الجيد ~~وتدعين الرديء ms229 . # بين مخنث ومغنية # حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : سمعت مخنثا يهاتر مغنية ، فقال لها : ~~لا تسكتين ، وحرك كأنه دكان حجام ، داخله دم ، وخارجه شعر . PageV01P393 # """""" صفحة رقم 394 """""" # بين مخنث وامرأة تولعت به # قال : وبلغني أن مخنثا قال لامرأة تولعت به : اشتغلي بحرك الذي قطع لسانه ~~، وسود وجهه ، وجعل إلى جانبه كنيف ينجر إليه . # فتى يهاتر مغنية # قال : وهاتر صديق لنا مغنية ، فقال لها : يا من خرق حيضها حشو مسورة . # الحر العاملي ومكاشفته باللواط # حدثني أبو الطيب بن هرثمة ، قال : كان الحر العاملي ، مكاشفا باللواط ، ~~حتى أنه كان يقول لغلامه ، بحضرة الناس : إمض إلى البيت الذي نكتك فيه ~~البارحة ، فجئني منه بكذا . قال : فقال ليلة لغلام له : أعطني فردا . فقال ~~: لا أفعل . قال : ولم ؟ قال : هي ليلة جمعة . قال : وأي فرق بينها وبين ~~غيرها من الليالي ؟ قال : الذنب فيها يكتب ذنبين . قال : فاحسب أن ليلة ~~السبت قد تنايكنا فردين . PageV01P394 # """""" صفحة رقم 395 """""" # أبو عيسى ابن بنت أبي نوح ومكاشفته بالبغاء # قال : وكان أبو عيسى ابن بنت أبي نوح ، مكاشفا بالبغاء . فقال يوما رجل ~~بحضرته : فلان بغاء . فقال : لا ، ولا كرامة ، من ذلك العامي السفلة ، حتى ~~يكون بغاء ؟ بأي أبوة ؟ بأي نعمة ؟ بأي كتبة ؟ بأي صناعة ؟ بأي ملوكية ؟ ~~بأي عرق ؟ . # الصولي والإسفيذاج بالمباعر المحشوة # قال : وأكلنا يوما مع الصولي في داره ، فقدمت إسفيذاج بمباعر محشوة ، ~~فأقبل يحثنا على أكل الحشوات . حتى قال في جملة الكلام : ومن فضلها ، ~~وطيبها ، أنها تشبه زباب المراهقين . قال : فقلت لصديق كان إلى جانبي : ~~كاشف هذا أيضا بما يرمي به من البغاء . PageV01P395 # """""" صفحة رقم 396 """""" # لم أمرضه فأسلو لا ولا كان مريضا # حدثني أبي ، قال : خرج إلينا يوما ، أبو الحسن الكاتب ، فقال : أتعرفون ~~ببغداد رجلا يقال له : ابن أصدق ؟ قال : فلم يعرفه من أهل المجلس غيري ، ~~فقلت : نعم ، فكيف سألت عنه ؟ فقال : أي شيء يعمل ؟ قلت : ينوح على الحسين ~~عليه السلام . قال : فبكى أبو الحسن ، وقال : إن عندي عجوزا ربتني من أهل ~~كرخ جدان عفطية اللسان ، الأغلب ms230 على لسانها النبطية ، لا يمكنها أن تقيم ~~كلمة عربية صحيحة ، فضلا عن أن تروي شعرا ، وهي من صالحات نساء المسلمين ، ~~كثيرة الصيام والتهجد . وإنها انتبهت البارحة في جوف الليل ، ومرقدها قريب ~~من موقعي ، فصاحت بي : يا أبا الحسن . فقلت : ما لك ؟ فقالت : الحقني . ~~فجئتها ، فوجدتها ترعد ، فقلت : ما أصابك ؟ فقالت : إني كنت قد صليت وردي ~~فنمت ، فرأيت الساعة في منامي ، كأني في درب من دروب الكرخ ، فإذا بحجرة ~~نظيفة بيضاء ، مليحة الساج ، مفتوحة الباب ، ونساء وقوف عليها . فقلت لهم : ~~من مات ؟ وما الخبر ؟ فأومأوا إلى داخل الدار . فدخلت فإذا بحجرة لطيفة ، ~~في نهاية الحسن ، وفي صحنها امرأة شابة لم أر قط أحسن منها ، ولا أبهى ولا ~~أجمل ، وعليها ثياب حسنة بياض مروي لين ، وهي ملتحفة فوقها بإزار أبيض جدا ~~، وفي حجرها رأس رجل يشخب دما . PageV01P396 # """""" صفحة رقم 397 """""" # فقلت : من أنت ؟ فقالت : لا عليك ، أنا فاطمة بنت رسول الله ، ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وهذا رأس ابن الحسين ، عليه السلام ، قولي لابن أصدق عني أن ~~ينوح : لم أمرضه فأسلو . . . لا ولا كان مريضا فانتبهت فزعة . قال : وقالت ~~العجوز : لم أمرطه ، بالطاء ، لأنها لا تتمكن من إقامة الضاد ، فسكنت منها ~~إلى أن نامت . ثم قال لي : يا أبا القاسم مع معرفتك الرجل ، قد حملتك ~~الأمانة ، ولزمتك ، إلى أن تبلغها له . فقلت : سمعا وطاعة ، لأمر سيدة نساء ~~العالمين . قال : وكان هذا في شعبان ، والناس إذ ذاك يلقون جهدا جهيدا من ~~الحنابلة ، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر . فلم أزل أتلطف ، حتى خرجت ، ~~فكنت في الحائر ، ليلة النصف من شعبان . فسألت عن ابن أصدق ، حتى رأيته . ~~فقلت له : إن فاطمة عليها السلام ، تأمرك بأن تنوح بالقصيدة التي فيها : لم ~~أمرضه فأسلو . . . لا ولا كان مريضا وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك . قال : ~~فانزعج من ذلك ، فقصصت عليه ، وعلى من حضر ، الحديث ، فأجهشوا بالبكاء ، ~~وما ناح تلك الليلة إلا بهذه القصيدة ، وأولها : أيها العينان فيضا . . . ~~واستهلا لا تغيضا وهي لبعض الشعراء الكوفيين . وعدت إلى أبي الحسن ms231 ، ~~فأخبرته بما جرى . PageV01P397 # """""" صفحة رقم 398 """""" # كان الناس لا يستطيعون النياحة على الحسين عليه السلام خوفا من الحنابلة # قال أبي ، وابن عياش : كانت ببغداد ، نائحة مجيدة حاذقة ، تعرف بخلب ، ~~تنوح بهذه القصيدة . فسمعناها في دور بعض الرؤساء ، لأن الناس إذ ذاك كانوا ~~لا يتمكنون من النياحة إلا بعز سلطان ، أو سرا لأجل الحنابلة . ولم يكن ~~النوح إلا مراثي الحسين وأهل البيت علهم السلام فقط ، من غير تعريض بالسلف ~~. قالا : فبلغنا أ، البربهاري ، قال : بلغني أن نائحة يقال لها : خلب ، ~~تنوح ، اطلبوها فاقتلوها . PageV01P398 # """""" صفحة رقم 399 """""" # عناية رسول الله صلوات الله عليه بأبي حسان الزيادي # حدثني أبي رضي الله عنه ، بإسناد ذكره أن أبا حسان الزيادي ، كان من وجوه ~~فقهاء أصحابنا ، ومن غلمان أبي يوسف ، وكان من أصحاب الحد يث . وكان تقلد ~~القضاء قديما ، ثم تعطل ، فأضاق ، فلزم مسجدا حيال داره ، يفتي ، ويدرس ~~الفقه ، ويؤم ، ويحدث ، وإضاقته كل يوم تزداد ، وهو يطلب التصرف ، أو الرزق ~~، ولا يظفر به ، وقد نفد ما عنده ، وباع كل ما يملك ، وركبه دين عظيم . إذ ~~جاءه يوما رجل خراساني ، وقد حضر وقت خروج الناس من بغداد إلى مكة . فقال ~~له : إني أريد الخروج إلى الحج ، وهذه عشرة آلاف درهم معي ، تقبلها وديعة ~~لي ، فإن رجعت من الحج رددتها علي ، وإن رجع الناس ولم أرجع ، فاعلم أني ~~هلكت ، وهي لك هبة حلالا . قال أبو حسان : فأخذتها إلى منزلي ، وقصصت على ~~زوجتي الخبر . فقالت : نحن في ضر شديد ، فلو تصرفت فيها من الآن ، وقضيت د ~~ينك ، واتسعت ، فلعل الله يجعلها لك ، فتكون قد تعجلت العيش . فقلت : لا ~~أفعل . فما زالت في يومي وليلتي ، تحملني على ذلك ، حتى أجبتها إليه من غد ~~، ففضضت الختم عن الكيس ، وقضيت منه ديني ، وتأثثت ، وتوسعت في منزلي ، ~~واشتريت ثيابا لي ، ولها ، ولبناتي ، وأصلحت جميع أمري بنحو خمسة آلاف درهم ~~من ذلك . ومضى على هذا الحديث ثلاثة أيام ، أو أربعة ، فانفتلت يوما عن ~~الصلاة ، فإذا بالخراساني ورائي . فلما رأيته قامت قيامتي ، وقلت : ما لك ms232 ؟ ~~فقال : قد اصرفت عن السفر إلى مكة ، وأريد المقام ببغداد ، فتر إلي تلك ~~الوديعة . فقلت له : لست أتمكن من ذلك الساعة ، فتجيئني غدا غدوة . فنهض ~~ونهضت إلى منزلي ، وما بي طاقة للمشي ، فيما بين المسجد وبيتي . PageV01P399 # """""" صفحة رقم 400 """""" # فدخلت ، وسقطت مغشيا علي ، واجتمع أهلي . فلما أفقت قالوا : ما دهاك ؟ ~~قلت : أنتم حملتموني على التصرف في مال الخراساني ، وقد جاءني الساعة يطلبه ~~، فكيف أعمل ؟ الآن أفتضح ، ويذهب جاهي ، وأهلك بين الناس ، وأحبس ، فأموت ~~ضرا وغما . فبكوا ، وبكيت . وجاءت المغرب ، فلم أقدر على الخروج إلى المسجد ~~، وكذلك العشاء ، ثم قمت ، فصليت في البيت . فقلت : هذا أمر لا يكشفه إلا ~~الله ، وليس لي إلا التضرع إليه ، فجددت طهورا ، وصففت قدمي في المحراب ، ~~أصلي ، وأبكي ، وأدعو حتى ختمت القرآن ، وقد كاد أن يطلع الفجر ، وما ~~اكتحلت غمضا . فقلت لأهلي : الساعة يجيء الرجل إلى المسجد ، فكيف أعمل ؟ ~~فقالوا : لا ندري . فقلت : أسرجوا لي ، وكانت لي بغلة أركبها . وقلت لهم : ~~أنا ، هو ذا ، أركب ، لا أدري إلى أين أمضي ، ولست أرجع إليكم وإن تلفت ، ~~ولا وجه لي يقوى على كلام الخراساني ، فإن طالبكم وخرج بكم إلى مكروه ، ~~فسلموا إليه بقية المال ، واصدقوه الحديث ، وإن أمكنكم مدافعته ، فدعوني ~~مستورا ، فلعلي أرجع بفرج ، أو رأي في أمره . وركبت ، لا أدري أين أقصد ، ~~وليس معي ضياء ، ولا غلام ، وتركت عنان البغلة على عرفها . وجاءت إلى الجسر ~~، وعبرته إلى الجانب الشرقي ، وأنا عليها ، وصارت بي إلى باب الطاق ، وعطفت ~~بي في الشارع الكبير ، المنفذ إلى دار الخليفة . فلما توسطه ، إذا بموكب ~~عظيم ، وضياء ، وقوم يجيئون من ناحية دار الخليفة . فقلت : أتنكب الطريق ، ~~حتى لا يزحموني بدوابهم . فجذبت العنان لأدخل دربا ، فإذا بهم يصيحون بي ، ~~فوقفت . فقالوا : من أنت ؟ ومن تكون ؟ قلت : رجل من الفقهاء ، فمسكوني ، ~~فجاذبتهم ، وجاء رئيسهم . PageV01P400 # """""" صفحة رقم 401 """""" # فقال : من أنت رحمك الله ؟ لا بأس عليك إن صدقت . قلت : رجل من الفقهاء ~~والقضاة . قال : بمن تعرف ؟ قلت : بأبي حسان الزيادي . فصاح : الله أكبر ، ~~الله أكبر ، أجب ms233 أمير المؤمنين ، فسرت معه ، حتى أدخلت على المأمون . فقال ~~لي : من أنت ؟ قل : رجل من الفقهاء والقضاة ، أعرف بالزيادي ، ولست منهم ، ~~إنما سكنت في محلة لهم ، فنسبت إليهم . فقال : بأي شيء تكنى ؟ قلت : بأبي ~~حسان . قال : ويحك ما دهاك ؟ وما قصتك ؟ فإن رسول الله ، ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ما تركني أنام البارحة بسببك ، أتاني دفعة في أول الليل ، وفي ~~وسطه ، وهو يقول : أغث أبا حسان الزيادي ، فأنتبه ، ولا أعرفك ، وأنسيت ~~السؤال عنك ، فلما كانت الساعة ، أتاني ، فقال : أغث أبا حسان الزيادي ، ~~فما تجاسرت عن النوم ، وأنا ساهر من ذلك الوقت ، وقد بثثت الناس في جانبي ~~البلد ، أطلبك ، فما قصتك ؟ قال : فصدقته عن الخبر ، حتى لم أكتمه منه حرفا ~~. وقلت : أنا رجل كنت أتقلد للرشيد من أبي يوسف القضاء بناحية ، فلما مات ، ~~صرفت ، وانقطعت أرزاقي ، ولزمتني العطلة والإضاقة ، فكان من خبري مع رجل ~~خراساني كيت وكيت . فبكيت ، وبكى وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هاتوا ~~خمسة آلاف درهم ، فجاءوا بها . فقال : خذ هذه فارددها مكان ما تصرفت به . ~~ثم قال : هاتم عشرة آلاف ، فجاءوا بها ، فقال : خذ هذه فأصلح بها أمرك . ~~وتوسع بها في نفسك . ثم قال : هاتم ثلاثين ألفا ، فجاءوا بها ، فقال : خذ ~~هذه ، فأصلح بها أمر بناتك ، وزوجهن ، وإذا كان يوم الموكب ، فصر إلينا ~~بسواد لنقلدك عملا ، ونرزقك رزقا . PageV01P401 # """""" صفحة رقم 402 """""" # فحمدت الله ، وشكرته ، وصليت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ودعوت لأمير المؤمنين ، وانصرفت والمال معي ، وصرت إلى منزلي ، وما طلعت ~~الشمس ، وأهل المسجد يتوقعون خروجي للصلاة ، وقد أنكروا تأخري عنهم ، فنزلت ~~، فصليت بهم ، وسلمت ، وإذا بالخراساني ، فأدخلته منزلي ، وأخرجت إليه بقية ~~ماله ، فرأى ختمه غير صحيح . وقلت : خذ هذا ، فهو بقية مالك ، فقد صرفته ، ~~وأومأت إلى المال الذي كان معي ، وقلت خذ تمام مالك . فقال : ما قصتك ؟ ~~فأخبرته الخبر فبكى ، وحلف لا يأخذ شيئا . وحلفت عليه ، فقال : والله ، لا ~~أخذته ، ولا أدخلت في مالي شيئا من مال هؤلاء . وبأت بالنظر في أمر بناتي ، ~~وتزويجهن ، وتجهيزهن ms234 ، وتقدمت بابتياع سواد ، ودابة ، وغلام . وصرت إلى ~~المأمون يوم الموكب ، فأدخلت ، فسلمت ، فأوقفت مع القضاة ، وأخرج إلي عهدا ~~من تحت مصلاه ، وسلمه إلي . وقال : قد قلدتك القضاء بالمدينة الشرقية من ~~الجانب الغربي ، وهذا عهدي إليك عليها ، فاتق الله ، وقد أجريت إليك كذا ~~وكذا ، في كل شهر رزقا . فما زال أبو حسان يتقلدها في أيام المأمون . PageV01P402 # """""" صفحة رقم 403 """""" # العلويون وآل طاهر # حدثني أبي ، قال : حدثني الصولي ، أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حدثه ~~، قال : لما عاد محمد بن عبد الله ، أخي من مقتل يحيى بن عمر العلوي ، رضي ~~الله عنه ، بعد مديدة ، دخلت إليه بعد ذلك يوما سحرا ، وهو كئيب مطأطئ ~~الرأس ، في أمر عظيم ، كأنه قد عرض على السيف ، وبعض جواريه قيام لا ~~يتجاسرن على مسألته ، وأخته واقفة . فلم أقدم على خطابه ، فأومأت إليها ، ~~ما له ؟ قالت : رأى رؤيا هالته . فتقدمت إليه ، وقلت : أيها الأمير ، روي ~~عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنه قال : إذا رأى أحدكم في منامه ما ~~يكره ، فليتحول من جانبه إلى الآخر ، وليقل ثلاثا استغفر الله ، ويلعن ~~إبليس ، ويستعيذ بالله ، ثم ينام . فرفع رأسه وقال : يا أخي ، فكيف إذا ~~كانت الطامة من جهة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقلت : أعوذ بالله ~~. فقال لي : ألست ذاكرا رؤيا طاهر بن الحسين ؟ فقلت : بلى . قال عبيد الله ~~: وكان طاهر ، وهو صغير الحال رأى النبي صلى الله عليه في منامه ، فقال له ~~: يا طاهر ، إنك ستبلغ من الدنيا أمرا عظيما ، فاتق الله ، واحفظني في ولدي ~~، فإنك لا تزال محفوظا ما حفظتني في ولدي . فقال : ما تعرض طاهر لقتال علوي ~~قط ، وندب إلى ذلك غير دفعة فامتنع عنه . ثم قال لي أخي محمد بن عبد الله : ~~إني رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه في منامي ، كأنه يقول لي : يا ~~محمد ، نكثتم ؟ فانتبهت فزعا ، وتحولت ، واستغفرت الله تعالى ، وتعوذت من ~~إبليس ، ولعنته ، واستغفرت الله تعالى ونمت . فرأيته صلى الله عليه ، ثانية ~~، وهو يقول : يا محمد ، نكثتم ؟ PageV01P403 # """""" صفحة ms235 رقم 404 """""" # ففعلت كما فعلت في الأولة . فرأيته صلى الله عليه وهو يقول : نكثتم ~~وقتلتم أولادي ، لا تفلحون بعدها أبدا . فانتبهت ، وأنا على هذه الحال ، ~~وهذه الصورة ، منذ نصف الليل ما نمت . قال : واندفع يبكي ، وبكيت معه . فما ~~مضت على ذلك إلا مديدة ، حتى مات محمد ، ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة ، وصرفنا ~~عن ولاياتنا ، ولم يزل أمرنا يخمل ، حتى لم يبق لنا اسم على منبر ، ولا علم ~~في جيش ، ولا إمارة . وحصلنا إلى الآن تحت المحن . PageV01P404 # """""" صفحة رقم 405 """""" # بين الوزير علي بن عيسى والعطار الكرخي # حدثني جماعة من أهل الحضرة : أن رجلا عطارا من أهل الكرخ ، كان مشهورا ~~بالستر ، ارتكبه دين ، فقام من دكانه ولزم منزله وأقبل على الدعاء والصلاة ~~ليالي كثيرة . فلما كان ليلة جمعة ، وصلى صلاته ، ودعا ونام . قال : فرأيت ~~النبي صلى الله عليه في منامي ، وهو يقول لي : اقصد علي ابن عيسى الوزير ، ~~فقد أمرته لك بأربعمائة دينار ، فخذها وأصلح بها أمرك . قال : وكان علي ~~قيمة ستمائة دينار . فلما كان من غد ، قلت : قد قال رسول الله صلى الله ~~عليه ، من رآني في المنام ، فقد رآني ، لأن الشيطان لا يتمثل بي ، فلم لا ~~أقصد الوزير ؟ قال : فقصدته ، فلما جئت إلى الباب ، منعت من الوصول إليه ، ~~فجلست إلى أن ضاق صدري ، وهممت بالانصراف ، فخرج الشافعي صاحبه ، وكان ~~يعرفني معرفة ضعيفة ، فأخبرته الخبر . فقال : يا هذا ، إن الوزير ، والله ، ~~في طلبك منذ السحر ، وإلى الآن ، وقد سئلت عنك ، فما عرفتك ، وما عرفنيك ~~أحد ، والرسل مبثوثة في طلبك ، فكن مكانك . قال : ومضى ، فدخل ، فما كان ~~بأسرع من أن دعوني ، فدخلت إلى أبي الحسن علي بن عيسى . فقال : ما اسمك ؟ ~~فقلت : فلان ابن فلان العطار . قال : من أهل الكرخ ؟ قلت : نعم . قال : يا ~~هذا أحسن الله جزاءك في قصدك إياي ، فوالله ما تهنيت بعيش منذ البارحة ، ~~جاءني رسول الله صلى الله عليه ، في منامي ، فقال : أعط فلان بن فلان ~~العطار في PageV01P405 ~~"""""" صفحة رقم 406 """""" # الكرخ أربعمائة دينار ، يصلح بها شأنه ، وكنت ms236 اليوم ، طول نهاري ، في ~~طلبك ، وما عرفنيك أحد . ثم قال : هاتم ألف دينار ، فجاءوا بها عينا . فقال ~~: خذ منها أربعمائة دينار ، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه ، ~~وستمائة دينار ، هبة مني لك . فقلت : أيها الوزير ما أحب أن أزاد على عطية ~~رسول الله صلى الله عليه شيئا ، فإني أرجو البركة فيها ، لا فيما عداها . ~~فبكى علي بن عيسى ، وقال : هذا هو اليقين ، خذ ما بدا لك . فأخذت أربعمائة ~~دينار وانصرفت . فقصصت قصتي على صديق لي ، وأريته الدنانير ، وسألته أن ~~يحضر غرمائي ، ويتوسط بيني وبينهم ، ففعل . وقالوا : نحن نؤخره ثلاث سنين ~~بالمال ، فليفتح دكانه . فقلت : لا ، بل يأخذون مني الثلث من أموالهم ، ~~وكانت ستمائة . فأعطيت كل من له شيء ، ثلث ماله ، وكان الذي فرقته ، مائتي ~~دينار . وفتحت دكاني ، وأدرت المائتين الباقية في الدكان ، فما حال الحول ~~علي ، إلا ومعي ألف دينار . فقضيت ديني كله ، وما زال مالي يزيد ، وحالي تصلح . PageV01P406 # """""" صفحة رقم 407 """""" # يحفظ شعرا في منامه # حدثني أبو أحمد الحارثي عبد الله بن عمر ، قال : رأيت في منامي كأني ~~مجتاز بالبصرة في بني نمير على مجلس الشرطة ، والناس مجتمعون . فقلت : ما ~~هذا ؟ قالوا : فتى يضرب عنقه . فاطلعن في الحلقة ، فإذا بفتى حسن الوجه ، ~~قد أجلس وشد ليضرب عنقه . فقال لهم : دعوني أتكلم بكلمتين ، ثم اعملوا ما ~~شئتم . فقالوا له : تكلم . فقال : هل هاهنا رجل من أهل الأدب ، يحفظ عني ما ~~أقوله . قلت : نعم ، فقال : أيا شاهدي قتل المشوق تحملا . . . زكي سلام ~~طيبته مقاصده إلى الظبية اللعساء في سند الحمى . . . بحيث تحدى باب عثمان ~~قاصده فقولا لها إن المشوق الذي اعتدت . . . عليه لريب الدهر أيد تراصده ~~مضى وبأحناء الضلوع هواكم . . . إلى أ، يرى إنشاءه بعد حاصده ثم قال لي : ~~احفظها يا أخي علي ، فإنه لا خامس لقافيتها ، بشرط أن لا تغير الصاد والدال ~~، ثم ضربت عنقه . وانتهبت ، وأنا أنشد الأبيات في الحال ، فعلقتها . وطلبت ~~- فيما أعرفه وأذكره - قافية خامسة للأبيات ، فلم أجد . قلت أنا : وطلبت ~~لها قافية ، فوجدت ما يصلح ms237 أن يضاف إليها ، أتصده من الفصد ، وعاصده ، ولا ~~أدري كيف ذهب ذلك عن أبي أحمد . ولعل غيري إن فتش وجد قوافي أخر ، إلا أنها ~~قافية عزيزة على هذا الشرط ، كيف تصرفت الحال . PageV01P407 # """""" صفحة رقم 408 """""" # المعتضد يهدم سور أنطاكية # حدثني أبي ، قال : لما خرج المعتضد إلى قتال وصيف الخادم ، إلى طرسوس ، ~~وأخذه ، عاد إلى أنطاكية ، فنزل خارجها ، وطاف بالبلد بجيشه ، وكنت صبيا إذ ~~ذاك في المكتب . قال : فخرجت في جملة الناس ، فرأيته وعليه قباء أصفر بلا ~~سواد ، وسمعت رجلا يقول : الخليفة بقباء أصفر بلا سواد ؟ قال : فقال له أحد ~~الجيش : هذا كان عليه وهو جالس في داره في بغداد ، فجاءه الخبر بعصيان وصيف ~~، فخرج في الحال من داره إلى باب الشماسية ، فعسكر ، وحلف أن لا يغير هذا ~~القباء ، أو يفرغ من أمر وصيف ، فأقام بباب الشماسية ، أياما ، حتى لحقه ~~الجيش ، ثم خرج ، فهو عليه إلى الآن ما غيره . قال : فحدث أبي بعد ذلك : ~~وأنفذ المعتضد إلى سور إنطاكية بفعلة يهدمونه ، فماج الناس ، ولجت العامة ، ~~وتشاور شيوخ المدينة في هذا ، فأجمع رأيهم أن كفوا العامة ، ومضوا إلى مضرب ~~الخليفة ، وسألوا الوصول . فأنفذ إليهم أن اختاروا عشرة منكم ، يدخلون إلي ~~ويخاطبونني . فاختاروا عشرة كنت منهم . فحدثني قال : دخلنا عليه ، فسلمنا ، ~~ووقفنا ، فأمر بإجلاسنا ، فجلسنا . فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نحن في وجه ~~عدو كلب ، وجهاد متصل ، ونفير دائم ، والعدو يطرقنا ونطرقه ، فإن هدمت هذا ~~السور ، كان ذلك أقوى عدة للعدو علينا ، وكان البلد له عند أيسر ضعف يلحقنا ~~، وحادثة تطرقنا ، فإن رأيت أن ترحم ضعفنا ، وتستر ذرارينا ، بهذا السور . ~~فقال : قد كثرت الحوادث علينا في هذه الثغور ، واعتصام كل مخالف ، بحصن ~~منها ، وقد علمتم ما لحقنا بالأمس من ابن الشيخ ، واليوم من هذا الخادم ، ~~وقد سبق مني القول ، أن لا أدع حصنا إلا هدمته ، وأنا أهدم هذا السور ، ~~وأحصنكم من العدو ، بإضعاف عدد الشحنة ، وإدرار الأرزاق ، وإطلاق مال ~~للمطوعة ، يقوون به على جهاد العدو ، فتكون قوتهم مانعة للعدو ، وكأن السور ~~لم يزل ، ولا ms238 يطمع أحد في التحصن به إلى العصيان . PageV01P408 # """""" صفحة رقم 409 """""" # قال : فلم يكن عند أصحابي حجة ، وضعف كلامهم ، ورأيت المجلس كالمنفض على ~~هذا . فقمت ، واستأذنت في الكلام ، فأذن لي . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ~~على أن أقول ما عندي ، وأنا آمن ؟ قال : نعم . قلت : يا أمير المؤمنين ، إن ~~الله لو خلد أحدا في الأرض ، لخلد محمدا صلى الله عليه ، وإن هذه الحصون ~~والأسوار لم توضع لسنة بعينها ، ولا لأيام خليفة بعينه ، وإنما جعلت لتبقى ~~على الدهور ، وتدفع عن أهلها في أيام كل ملك ، سائسا كان أو متوانيا . ولو ~~كنا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا ، ما سألناه خلاف ما يراه ، ولو كنا نثق ~~أن من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم ، باهتمامه بمصالحهم ، وسياسته ~~لخاصتهم وعامتهم ، مثله ، لسهل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي لا عوض ~~عنه ، ولو كان من يتقلد بعده ، مثله ، لما كان لنا في ذلك عزاء عن السور ، ~~فإنا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا ، أن تشغله حادثة عنا ~~، تمنعه من مصالحنا ، فنكون نحن درية لسيوف الروم ، ورماحهم . وإنك يا أمير ~~المؤمنين إن هدمت هذا السور ، بقي بلدنا ما دمت حيا ، ثم خرج عن أيدي ~~المسلمين بعدك ، وقتلتنا الروم ، وسبت ذرارينا ، وصليت بإثمنا في القيامة ، ~~وعارنا في الدنيا ، فالله ، الله ، فينا ، فقد صدقتك يا أمير المؤمنين ، ~~والأمر إليك بعد ذلك . قال : فنكس المعتضد رأسه ساعة ، ثم رفعه ، وقد بكى . ~~وقال : كيف أعمل ، وقد سبق قولي بأني أهدمه ؟ فقلت له : تعمل الفعلة في هذا ~~اليوم فقط ، فيكون في ذلك إبرار لقب أمير المؤمنين ، ثم إذا رحل هو عنا ، ~~أذن لنا في إعادة ما هدم اليوم فقط . فقال : أنفذوا غدا من يرد الفعلة ، ~~ويمنعهم من هدم السور بعد اليوم ، وقد أذنت لكم في إعادة ما انهدم . ~~فشكرناه ، ودعونا له ، وتعالت الصيحة بالدعاء له . PageV01P409 # """""" صفحة رقم 410 """""" # وعدنا ، فوجدنا الفعلة ، قد هدموا ذلك اليوم قطعة منه ، فأعدناها بعد ~~خروج المعتضد ، من أموالنا . فهي معروفة إلى الآن في السور ms239 ، لتغير بنائها ~~عن البناء الأول . PageV01P410 # """""" صفحة رقم 411 """""" # بحث في شكوى الزمان وفساد الإخوان # جرى بيني وبين أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين ، الكاتب ~~الأهوازي ، وهذا الرجل من معقلي الناس وفضلائهم ، عقلا ، ونبلا ، وبراعة في ~~صناعته ، وتقدما ، وقد ولي كبار الأعمال للسلطان ، وخلف أبا عبد الله ~~البريدي على الأهواز ، وتولاها لمعز الدولة مكان أبي عبد الله البريدي ، ~~عقيب هربه من معز الدولة ، ثم استخلفه بعد ذلك ، أبو القاسم البريدي على ~~البصرة ، ثم خلف أبا علي الطبري ، وأبا محمد المهلبي وكان إذ ذاك على كور ~~الأهواز ، ثم تقلد عمالة البصرة لسباشي الحاجب الخوارزمي التركي ، ثم لمعز ~~الدولة ، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد المهلبي ، وحلب الدهر أشطره ، وجرب ~~الأمور ، وسبر الزمان ، ذكر الزمان وتصرفه ، وفساد الإخوان فيه وقلة ~~المودات ، وما بلغني عهن ابن الحسن بن الفرات ، أنه قال : جزى الله عنا من ~~لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا ، وأنه قال : أحصيت ما أنا فيه من المكاره ، فما ~~وجدت منه شيئا لحقني ، إلا ممن أحسنت إليه . فقال لي أبو الحسن : هذا صحيح ~~، ولكن حدث عند فساد الزمان ، وإلا فالأكثر من عدد الناس ، كان قديما ، على ~~تصرف زمانهم ، ما يعتقدونه من مودات إخوانهم ، فلما فسدت الطباع ، وتسمح ~~الناس في شروط موداتهم ، صار الإنسان ساكنا ممن لا يعرفه ، لا يلحق به شره ~~، ولا يناله ضره ، وإنما يلحق الآن الضرر من المعارف ، ومن يقع عليه اسم ~~الإخوان ، ذلك إنهم يطالبون في المودة بما لا يفعلون مثله ، فإن أسدى إليهم ~~إحسانا عرف طبعه فهي العداوة القليلة ، وإن حفظ الإنسان ما يضيعونه أبدا ~~حصل تحت الرق ، وإن قارضهم الأفعال ثارت العداوة ، وتواترت عليه المكارم ، ~~هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنه صديقا بالشر والتجني ، والمعاملة القبيحة ~~بالتوهم والتظني ، من غير تثبت ولا استصلاح ، فأما إذا كان ليس بينكما أكثر ~~من المعرفة فالضرر معها بالثقة ، لأن كل مكروه يلحقك ، إذا حصلته ، كان ممن ~~يعرفك ويقصدك به على علم بك ، فأما الضرر ممن لا تعرفه ms240 ، فبعيد جدا ، مثل ~~لصوص يقطعون عليك الطريق ، غرضهم أخذ المال منك ، أو من غيرك ، أو ما PageV01P411 ~~"""""" صفحة رقم 412 """""" # يجري هذا المجرى ، وعلى أن أشد الضرر من اللصوص ، ما وقع عن تعيين ، وعلى ~~معرفة بالإنسان . فمهما أمكن للعاقل أن يقل من المعارف ، واجتلاب من يسمى ~~أخا في هذا الزمان ، فليفعل ، وليعلم أنه قد أقل من الأعداء ، وكلما استكثر ~~منهم ، فقد استكثر من الأعداء . وكأن ابن الرومي جمع هذا المعنى ، فقال : ~~عدوك من صديقك مستفاد . . . فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أقتل ما تراه ~~. . . يكون من الطعام أو الشراب PageV01P412 ~~"""""" صفحة رقم 413 """""" # من شعر أبي فراس الحمداني # هذا شعر أبي فراس بن أبي العلاء بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي أشد ~~عدويك الذي لا تحارب . . . وخير خليليك الذي لا تناسب لقد زدت بالأيام ~~والناس خبرة . . . وجربت حتى هذبتني التجارب فأقصاهم أقصاهم عن إساءتي . . ~~. وأقربهم مما كرهت الأقارب وأعظم أعداء الرجال ثقاتها . . . وأهون من ~~عاديته من تحارب وما أنس دار ليس فيها مؤانس . . . وما قرب أهل ليس منهم ~~مقارب نسيبك من ناسبت بالود قلبه . . . وجارك من صافيته لا المصاقب وله : ~~إذا كان فضلي لا أسوغ نفعه . . . فأفضل عندي أن أرى غير فاضل ومن أضيع ~~الأشياء مهجة عاقل . . . يجور على حوبائها حكم جاهل وله : لمن أعاتب ؟ مالي ~~؟ أين يذهب بي ؟ . . . قد صرح الدهر لي بالمنع والياس أبغي الوفاء بدهر لا ~~وفاء به . . . كأنني جاهل بالدهر والناس وله : وأخ أطعت فما رأى لي طاعتي . ~~. . حتى خرجت بأمره عن أمره وتركت حلو العيش لم أحفل به . . . لما رأيت ~~أعزه في مره والمرء ليس ببالغ في أهله . . . كالصقر ليس بصائد في وكره وله ~~: في الناس إن فتشتهم . . . من لا يعزك أو تذله فاترك مجالسة اللئيم . . . ~~فإن فيها العجز كله وله : غنى النفس لمن يعقل . . . خير من غنى المال وفضل ~~الناس في الأنفس . . . ليس الفضل في الحال وله : ندل على موالينا ونجفو . . ~~. ونعتبهم وإن لنا الذنوبا PageV01P413 ~~"""""" صفحة رقم 414 """""" # بأقوال يجانبن المعني . . . وألسنة يخالفن القلوبا وله : ولقد ms241 علمت كما ~~علم . . . ت وإن أقمت على صدوده إن الغزالة والغزا . . . لة في ترائبه ~~وجيده وله : قد كان لي فيك حسن صبر . . . خلوت يوم الفراق منه لم يبق لي في ~~الجفون إلا . . . ما استنزلتني الخدود عنه وله : لي صديق على الزمان صديقي ~~. . . ورفيق مع الخطوب رفيقي لو رآني إذا استهلت دموعي . . . في صبوح ذكرته ~~أو غبوق أسرق الدمع من نديمي بكأسي . . . فأحلي عقيانها بالعقيق وله : هل ~~تحسان لي صديقا صدوقا . . . يحفظ العهد أو رفيقا رفيقا لا رعى الله يا ~~حبيبي دهرا . . . فرقتنا صروفه تفريقا وله : من السلوان في عينيك . . . ~~آيات وآثار أراها منك في القلب . . . وفي القلوب أبصار إذا ما برد الحب . . ~~. فما تسخنه النار وله : الحزن مجتمع والصبر مفترق . . . والحب مختلف عندي ~~ومتفق ولي إذا كل عين نام صاحبها . . . عين تحالف فيها الدمع والأرق لولاك ~~يا ظبية الأنس التي نظرت . . . لما وصلن إلى مكروهي الحدق لكن نظرت وقد سار ~~الخليط ضحى . . . بناظر كل حسن منه مسترق وله : يا من يلوم على هواه جهالة ~~. . . انظر إلى تلك السوالف تعذر حسنت وطاب نسيمها فكأنها . . . مسك تساقط ~~فوق ورد أحمر وله : PageV01P414 # """""" صفحة رقم 415 """""" # ومرتد بطرة . . . مسدلة الرفارف كأنها مسبلة . . . من زرد مضاعف وله : يا ~~ليلة لست أنسى طيبها أبدا . . . قد كان كل سرور حاضرا فيها باتت وبت وبات ~~الزق ثالثنا . . . حتى الصباح فتسقيني وأسقيها كأن سود عناقيد بلمتها . . . ~~أهدت سلافتها صرفا إلى فيها وله : بتنا نعلل من ساق أعد لنا . . . بخمرتين ~~من الصهباء والخد كأنه حين أذكى نار وجنته . . . سكرا وأسبل فضل الفاحم ~~الجعد يعل ماء عناقيد بطرته . . . بماء ما حملت خداه من ورد وله : وظبي ~~غرير في فؤادي كناسه . . . إذا اكتنفت غور الفلاة وقورها فمن خلقه لباتها ~~ونحورها . . . ومن خلقه عصيانها ونفورها وله : وجناته تجني على عشاقه . . . ~~ببديع ما فيها من الألاء بيض علتها حمرة فتوردت . . . فعل المدام مزجتها ~~بالماء فكأنما برزت لنا بغلالة . . . بيضاء تحت غلالة حمراء وله : كأنما ~~تساقط الث . . . لج لعيني من يرى أوراق ورد أبيض . . . والناس ms242 في شاذكلى ~~وله : كأنما الماء عليه الجسر . . . درج بياض خط فيه سطر كأننا حين استتب ~~العبر . . . أسرة موسى حين شق البحر PageV01P415 ~~"""""" صفحة رقم 416 """""" # نسخة من كتاب من أبي محمد يحيى الأزدي إلى الأمير أبي تغلب بن ناصر الدولة # كان الحسين وإبراهيم ابنا ناصر الدولة ، خالفا على أخيهما أبي تغلب فضل ~~الله بن ناصر الدولة ، عقيب قبضه على أخيهم محمد بن ناصر الدولة ، وإصعاده ~~به إلى القلعة مقيدا ، وقبضه نعمته ، وخرجا إلى أعماله محاربين له ، ~~ومواطئين حمدان بن ناصر الدولة ، على محاربة أبي تغلب ، واجتمعا معه ، فخرج ~~أبو تغلب بالجيوش إليهم ، فلقيهم ، وانهزم حمدان ، ودخل الحسين إلى أبي ~~تغلب ، وانحدر إبراهيم إلى باب السلطان ببغداد ، ليخل في الأمان ، وكان ~~ابتداء ذلك في شعبا سنة ستين ، والصلح في شوال . فكتب أبو محمد يحيى بن ~~محمد بن سليمان بن فهد ، إلى أبي تغلب بالتهنئة على ذلك كتابا نسخته : لم ~~تزل عادة الله عند مولانا الأمير السيد ، أطال الله بقاءه ، وأدام تأييده ، ~~وكبت أعداءه ، جارية بالمواهب النبيلة ، والنعم المتصلة الجليلة ، متسقة ~~على التوفيق والسداد ، مطردة بمنة الله أجمل اطراد ، لما خصه الله تعالى به ~~من حسن النية وجميل الإعتقاد ، وأفرده من تغمد الحق في إصدار والإيراد ، ~~وألهمه إياه من التوفر على شكره وحمده ، واجتلاب المزيد من ذلك لعنده ، ~~فابتداءاته - أدام الله تأييده - دالة على حسن عواقبها ، ومبشرة بنيل ~~البغية في أوائل الأمور وأواخرها ، وأفعاله مقترنة أبدا بالرشاد ؟ ؟ ، ؟ ~~وآراؤه بحمد الله مصاحبة للصواب والسداد ، وراياته موصولة بالعز والنصر ، ~~ونعم الله عنده محفوظة بالحمد والشكر ، وبحسب ذلك تكون دواعي المزيد ، على ~~قدر تضاعف التمكين والتأييد ، ولهذه الشيم السنية ، والفضائل الجليلة ~~العلية ، والطوية الحميدة المرضية ، ما يجدد الله منحه لديه ، ويديم دفاعه ~~عنه وإحسانه إليه ، ويسبغ آلاءه ونعمه عليه ، ويجعل كلمته العليا ، وكلمة ~~أعدائه بسهم الله السفلى ، وينوه باسمه - ثبته الله - في سائر البلاد ، ~~ويجعل زناده - أناره الله - أضوأ زناد ، ويشرف الدعاء - على التنائي - ~~بذكره ، ويص ألسنة ممن قرب وبعد بشكره ، والحمد لله على ما خوله ms243 وأولاه ، ~~وإليه الرغبة في زيادته # فيما PageV01P416 ~~"""""" صفحة رقم 417 """""" # وله وأعطاه ، وحراسته في بدء كل أمر وعقباه ، وإعلائه على كل من حسده ~~وناواه ، وقصر عن شأوه فعاداه ، والحمد لله الذي جعل سفرته ظاهرة البركة ، ~~سعيدة السكون والحركة ، ميمونة الأحوال ، محمودة الحل والترحال ، مؤذنة ~~بحسن الانقلاب ، على أحسن الوجوه وأجل الأسباب ، عائدة بشكر الرعية ودعائهم ~~، جامعة لنياتهم على اختلاف آرائهم ، وهو المرجو الإعانة على ما قرب إليه ، ~~والمسؤول حسن التوفيق لما يزلف لديه ، إنه ولي حميد ، فعال لما يريد ، ولقد ~~صدق الله ، وله الحمد ، في مولانا - أدام الله عزه - ظنون أولياءه وأهل ~~طاعته ، وحقق بما تفضل به من ظهوره على أعداءه ، تقديرات خدمه وعديد نعمه ، ~~فشكرهم لله تعالى على ما منحه من التوفيق والنعمة في ذلك بحسب موقعها ، ~~ومقدارها وموضعها ، وما يخصهم ويعم غيرهم منها ، ويصل إلى القاصي والداني ~~الحظ بها ، ولن يرتفع لغادر علم إلا وضعه الله سبحانه وتعالى بمثله - أيده ~~الله - من كرام المخلصين لديه ، ولا يبسط لمبطل أمل إلا قطعه الله تعالى ~~بأقرب الطائعين إليه ، فعال الله جل ذكره في عباده ، ليجعل جنده المنصورين ~~، وأعداءه المقهورين ، وليظهر حقه على يد مستحقه ، ويهلك من هلك عن بينة ، ~~ويحيي من حي عن بينة ، وإن الله لسميع عليم ، ورد الله الذين كفروا نعمة ~~مولانا بغيظهم إليه أيده الله ، لم ينالوا خيرا ، إلا منه حرسه الله ، وكفى ~~الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا ، وهنأ الله مولانا الأمير ~~نعمه عليه ، وضاعف قسمه ومنحه إليه ، وأصلح به وعلى يديه ، وجعل الخير ~~والسعادة واصلين إليه ، وكبت عداته وحسدته ، وبلغه في الدين والدنيا أمينته ~~، ولا ابتزه ثوب نعمته ، وحرس الأمة بحراسة مهجته ، وصرف عين السوء عن ~~دولته ، وشد قواها بقدرته ، فالسعيد من وفق لخدمته ، وحظي بجميل رأيه ، ~~والشقي من نفر عن حوزته ، وخرج عن ظله وجملته ، والله وليه والدافع عنه ، ~~والذاب عن الإسلام وأهله ببقاءه ، والمحسن إليهم بالمدافعة عن حوبائه ، وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل . PageV01P417 # """""" صفحة رقم 418 """""" # رسالة إلى رجل تزوجت أمه # حدثني أبو الفرج ms244 الببغاء ، قال : جرى بحضرة الأمير سيف الدولة ، ذكر رجل ~~تزوجت أمه من أصحابه ، وحديث الترسل والكتابة ، فقال لي : اكتب الساعة على ~~البريد ، رقعة عن نفسك إلى هذا الرجل ، تعزيه بتزويج أمه . فكتب رقعة بين ~~يديه ارتجالا وحفظتها : من سلك سبيل الانبساط ، لم يستوعر مسلكا في ~~المخاطبة فيما يحسن الانقباض في ذكر مثله ، واتصل بي ما كان من أمر الواجبة ~~الحق عليك ، المنسوبة بعد نسبتك إليها ، إليك ، ومن الله صيانتها في ~~اختيارها ما لولا أن الأنفس تتناكره وشرع المروءة يحظره ، لكنت في مثله ~~بالرضى أولى ، وبالاعتداد بما جدده الله من صيانتها أحرى . فلا يسخطنك من ~~ذلك ، ما رضيه موجب الشرع ، وحسنه أدب الديانة ، فمباح الله أحق أن يتبع . ~~وإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره سخط اختيار القدر له ، والسلام . PageV01P418 # """""" صفحة رقم 419 """""" # حديث العلوية الزمنة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد ، قال : كانت في شارع دار الرقيق ، ~~صبية علوية ، زمنت نحو خمس عشرة سنة ، وكان أبي يتفقدها . وكانت مسجاة لا ~~يمكنها أن تنقلب من جنب إلى جنب ، أو يقلبها غيرها ، ولا تقعد ، أو تقعد ، ~~وكان لها من يخدمها في ذلك ، وفي الإنجاء والأكل . وكانت فقيرة ، وإنما ~~قوتها مما يبرها الناس ، فلما مات أبي اختل أمرها ، فبلغ تجني ، جارية أبي ~~محمد المهلبي أمرها ، فكانت تقيم بأكثر أمرها . وإنها أصبحت في يوم من ~~الأيام ، وقد باتت في ليلته زمنة على تلك الصورة ، فأصبحت من غد ، وقد مشت ~~، وبرئت ، وقامت وقعدت . وكنا مجاورين لها ، وكنت أرى الناس ينتابون بابها ~~، كالموسم ، فأنفذت امرأة من داري صدوقة ، ممن شاهدتها زمنة على طول السنين ~~، فسألتها عن الخبر . فقالت : إني ضجرت من نفسي ، فدعوت الله تعالى طولا ~~بالفرج أو الموت ، وبت وأنا على غاية الألم والصياح والقلق ، وضجرت المرأة ~~التي كانت تخدمني ، فلما استثقلت في النوم ، رأيت كأن رجلا قد دخل علي ، ~~فارتعت منه . فقال : لا تراعي ، فأنا أبوك ، فظننته علي بن أبي طالب ، عليه ~~السلام . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما ترى ما أنا فيه ms245 ؟ لو دعوت الله ~~تعالى أن يهب لي العافية . فقال لي الرجل : أنا أبوك محمد رسول الله . فقلت ~~: يا رسول الله ، ادع الله لي . قال : فحرك شفتيه ، ثم قال لي : هاتي يديك ~~، فأعطيته يدي ، فأخذهما ، وأجلسني . ثم قال لي : قومي على اسم الله . فقلت ~~: يا رسول الله ، كيف أقوم ؟ فقال : هاتي يديك ، فأخذهما ، فأقامني . ثم ~~قال : امشي على اسم الله . PageV01P419 # """""" صفحة رقم 420 """""" # فقلت : كيف امشي ؟ فقال : هاتي يديك ، فمشاني ، ثم جلست ، ففعل بي ذلك ، ~~ثلاث مرات . ثم قال لي : قد وهب الله لك العافية ، فاحمديه ، وتركني ، ومضى ~~. فانتبهت ، وأنا لا أشك أني أراه ، لسرعة انتباهي . فصحت ، فظنت خادمتي ~~أني أريد البول ، أو شيئا مما يثقل عليها ، فتثاقلت . فقلت لها : ويحك ~~ائتيني ، فقد رأيت رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، في النوم ، ~~فانتبهت ، وأنا مسجاة . فاستشرحتني . فقلت لها : إني رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه ، فدعا لي في النوم ، وقال : قد وهب الله لك العافية . فقالت لي ~~العجوز : ويحك ، فإني أرجو أن تكوني قد برئت من العلة ، هاتي يديك ، ~~فأقامتني ، والله ، كما أقامني النبي صلى اله عليه ، في النوم ، ولم أكن ~~عرفتها ذلك . فأعطيتها يدي ، فأجلستني ، وقالت لي : قومي ، فقمت ، فتعبت ، ~~ثم جلست ، ففعلت بي ذلك ثلاث مرات . ثم قمت ، فمشيت وحدي . فصاحت الخادمة ~~سرورا بالحال ، وإعظاما لها ، فقدر الجيران أني قد مت ، فجاءوا ، فقمت ~~فمشيت بحضرتهم متوكئة ، فكثروا علي في الليل ، وفي غد ، حتى كدت أتلف ، وما ~~زالت قوتي ترجع إلي ، إلى أن مشيت كما أمشي الآن ، ولا قلبة بي . قال : وقد ~~رأيتها بعد ذلك ، أنا ، تمشي وتجيء إلى عيالنا ماشية ، وهي الآن باقية ~~صحيحة ، وهي أصلح وأورع وأزهد امرأة سمعت بخبرها في هذا الزمان ، لا تعرف ~~غير الصلاة والصيام ، وطلب الرزق على أجمل الوجوه ، عاتق إلى الآن ، دينة ~~جدا . ولا تعرف إلى الآن في المشاهد ، وعند أهلها ، إلا بالعلوية الزمنة . PageV01P420 # """""" صفحة رقم 421 """""" # إذا لم تكن في الشاهد ثلاث خلال من خلال أهل النار صار هو من أهل النار ms246 # سمعت قاضي القضاة أبا السائد عتبة بن عبيد الله بن موسى ، يقول : الشاهد ~~، إذا لم تكن فيه ثلاث خلال ، من خلال أهل النار ، صار هو من أهل النار . ~~فقلت له : ما هي ؟ فقال : قلة الحياء ، لأن الشاهد ، إذا كان مستحيا ، أجاب ~~إلى كل محال يسأله ، فيذهب دينه ، ويصير من أهل النار ، والحياء في الأصل ~~من الإيمان ، وأهل الإيمان في الجنة ، كما روى في الخبر ، فقلة الحياء من ~~خصال أهل النار ، فهذه واحدة . والثانية : إنه يحتاج أن يكون فيه سوء الظن ~~، لأنه متى أحسن ظنه تمت عليه الحيلة والتزويرات ، فيشهد بالمحال ، فيدخل ~~النار ، وإذا كان شيء الظن سلب ، وسوء الظن في الأصل إثم ، كما قال الله ~~تعالى ، والإثم من خصال أهل النار . وذكر الأخرى : وقد أنسيتها أنا . ثم ~~قال : ما ظنكم ببلد فيه عشرات ألوف الناس ، ليس فيهم شهود إلا عشرة أنفس أو ~~أقل أو أكثر ، وأهل ذلك المصر كلهم يريدون الحيلة على هؤلاء العشرة ، كيف ~~يسلمون إن لم يكونوا شياطين الإنس في التيقظ والذكاء والتحرز والفهم . PageV01P421 # """""" صفحة رقم 422 """""" # شطرنجي يتحدث عن فضائل الشطرنج # حدثني أبي ، قال : كان لي صاحب يخدم أبي ، ويخدمني بعده ، من أهل أنطاكية ~~، يقال له : أبو إبراهيم ، وكان مستهترا بلعب الشطرنج ، وكان له فيها عجائب ~~، منها : إنغلماني كانوا يلاعبونه بها ، وكان إذا لعب بها برك على الأرض ، ~~واتكأ على ذراعيه كالنائم ، فيجيء أحدهم من وراءه ، فيعبي على ظهره عدة ~~مخاد ، فلا يشعر بها ، فإذا انقضى الدست ، أحس بذلك ، فنحاها عن ظهره ، ~~وشتمهم . قال : فحدثني هو ، قال : دخلت ليلة إلى صديق لي مستهتر بالشطرنج ~~أيضا ، وكانت المغرب قد وجبت . فقال : بت عندي الليلة حتى نلعب بالشطرنج ، ~~فما بت . فقال : نصلي ، ونلعب دستا أو دستين إلى وقت العتمة ، وتنصرف . ~~فصلينا ، وجعل السراج عندنا ، ولعبنا ، وطاب لي اللعب ، فواصلناه ، والليل ~~يمضي ونحن لا نشعر به ، إلى أن أحسسنا في أنفسنا بتعب شديد وضجر ، ووافق ~~ذلك سماعنا الآذان . فقلت له : قد أذن العتمة ، وتعبت ، ولا بد من قيامي . ~~فصاح بغلمانه ms247 ، فلم يجيبوه ، فقام معي ، فأنبههم ، وقال : امضوا بين يديه . ~~فلما خرجنا نظرنا ، فإذا الأذان ، هو أذان الغداة ، وإذا الليلة كلها قد ~~مضت ، ونحن لا نعقل . قال أبي : وكذا كان على الاستهتار بها ، فإذا لمته ، ~~قال : ليس أنا مستهتر بها ، المستهتر بها هو مثل من قيل له وقد احتضر : قل ~~لا إله إلا الله ، فقال شاهك ، ودع الرخ . قال : فقلت له : لا أعرف مثلك ، ~~كأنك لست ترضى من نفسك ، إلا بهذا القدر ؟ PageV01P422 # """""" صفحة رقم 423 """""" # قال : وكان يصف من فضائل الشطرنج أشياء ، فيقول : هي تعلم الحرب وتشحذ ~~اللب ، وتدرب الإنسان على الفكر ، وتعلمه شدة البصيرة . فلو لم يكن فيها ~~شيء من المعوز في غيرها إلا أن أهل الأرض يلعبون بها منذ ألوف السنين ، ما ~~وقع فيها دست معاد قط من أول إلى آخره لكفى . # يخاف على غلبته في النرد من العين # وبلغني عن بعض لعاب النرد : إن لعبا توجه عليه لرسيله ، فقال له المتوجه ~~عليه اللعب : غلبتك ، صل على النبي . فقال : لم أفعل ذا ؟ فقال : حتى لا ~~تصيب غلبتي العين . # مقامر بالنرد يكفر إذا خسر # وإن آخر منهم ، كان إذا غلب ، يكفر ، ويعرض بأن غلبه من فعل الله عز وجل ~~. فامتنع رسيله عن ملاعبته ، وقال : هو ذا تكفر ، ولا ألعب معك . فشارطه أن ~~يلاعبه على أن لا يكفر ، فلعب معه ، فغلبه دفعات . فقال لرسيله : يا هذا ، ~~لست أنقض الشرط بأن أكفر ، ولكن قل أنت : أليس هذا قصد قبيح ؟ # المجلد الثاني PageV01P423 ~~"""""" صفحة رقم 4 """""" # الجزء الثانى PageV02P004 ~~"""""" صفحة رقم 5 """""" # بسم الله الرحمن الرحيم # بحث في عبارة الرؤيا # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي ، قال : حدثني أبو هاشم عبد السلام ~~بن محمد بن عبد الوهاب ، قال : وكان أبو هاشم إذا ذكر أبا علي ، قال : قال ~~أبو علي ، وفعل أبو علي ، وكان من أمر أبي علي ، وما سمعناه قط قال : الشيخ ~~، ولا شيخنا ، إلا مرة واحدة ، فإنه حكى شيئا من الكلام ، فقال فيه : شيخنا ~~أبو علي ، قال : وكذا كانت عادته . قال : قال أبو ms248 علي : رأى رجل مناما ، ~~فجاء يفسره علي ، فمجمج . فقلت له : اصدق ، فإن المنام لا يكذب فيه . قال : ~~فقال لي : رأيت ذكرك قد طال حتى بلغ إلى عنقك ، ثم تطوق عليه دفعات . فقال ~~له أبو علي : أنا رجل يطول ذكري على ذكر الناس مقدار ما رأيت من طول ذكري . ~~قال لي أبو حسن : ومضى على هذا سنون ، فحدثني أبو عبد الله بن نافع البزاز ~~جارنا ، وكان هذا موسرا ، يملك نحو سبعين ألف دينار ، وله أولاد ذكور وإناث ~~. فقال لي : رأيت في المنام ذكري قد تفرك فلم يبق منه شيء . فذكرت في الحال ~~، تفسير أبي علي الرؤيا في أمر ذكره ، فقلت في نفسي : إن صح القياس فهذا ~~رجل ينقرض ذكره من الدنيا . فما مضت إلا أيام ، حتى مات أحد أولاده ، ثم ~~تتابعت في سنين يسيرة عليه المصائب ، فلم يبق له ولد ، ثم مات هو بعد ذلك ~~بمدة فانمحى ذكره على الحقيقة . ضيق PageV02P005 ~~"""""" صفحة رقم 6 """""" # أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البر والإحسان # تجارينا ذكر شدة زماننا ، وفقر الناس فيه ، وضيق أحوالهم ، واستحبابهم ~~البخل ، حتى إن بعضهم يسميه احتياطا ، وبعضهم إصلاحا ، وتوصية الناس بعضهم ~~بعضا به ، وتحذر التجار من معاملات الناس ، ومسك الناس أيديهم عن الإحسان ~~إلى أحد أو بره ، أو إغاثة الملهوف ، أو التنفيس عن مكروب ، وإن ذلك في ~~الأكثر لضيق أحوالهم . فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف : لقد كان يجيء ~~الرجل من أهل العلم ، فيجبى له من أصحابنا الألف الدرهم ، والأقل ، والأكثر ~~، في يوم ، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك ، مع قلة عدد أصحابنا إذ ذاك . ~~ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلم ، لجودة قريحته ، وكان يحتاج إلى مائة ~~درهم في كل شهر ، فكلمت إبراهيم بن خفيف الكاتب ، صاحب ديوان النفقات ، ~~وكان من أصحابنا ، ورجلا آخر من أصحابنا ، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر ~~، كل واحد منهما خمسين درهم ، وكان الرجل يأخذها ، إلى أن خرج من بغداد ، ~~سنين . ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي ms249 الحسن الكرخي رضي الله ~~عنه ، من الفقهاء : يحتاج أهل المجلس إلى أكسية ، فقد قرص الهواء . فقمت ~~أفكر في من أخاطبه في ذلك ، فاجتزت في طريقي لدار ، فقال لي بعض من كان معي ~~: هذه دار تاجر موسر من أهل الخير ، فلو خاطبته ، ولم أكن أعرفه ، فدخلت ~~إليه ، فعرفني ولم لأعرفه ، فقام ، وأكرم . فقال : كم تريدون ؟ فقلت : ~~خمسين كساء ، فحملها معي في الحال ، ففرقها فيهم . PageV02P006 # """""" صفحة رقم 7 """""" # ولقد جاءني منذ أيام رجل من أهل البيوتات فشكا من خلته ما أبكاني ، وذكر ~~أن صلاح أمره في نيف وثلاثين درهما ، فما طمعت له فيها من أحد ، ولا عرفت ~~من أعلم أنني إن خاطبته فيها أجاب . وورد لنا في هذه السنة صاحب لأبي هاشم ~~، فخاطبنا له جماعة ، واجتهدنا في تحصيل شيء له ، نغير به حاله ، فما حصل ~~له من ذلك قليل ولا كثير . ولقد في الدرب الذي أنزله هذا ، وهو درب نهرويه ~~، خلق من أمراء ، وكتاب ، وتناء ، وتجار ، حسبت ما كانوا يملكون ، فكان ~~أربعة آلاف ألف دينار ، وما في هذا الدرب اليوم من يحتوي ملكه على أربعة ~~آلاف درهم ، غير أبي العريان ، أخي عمران بن شاهين . PageV02P007 # """""" صفحة رقم 8 """""" # قردة على جانب عظيم من الذكاء # حدثني لأبو الحسن بن سهيل الحذاء ، قال : حدثني أبو العباس الفرغاني ~~الصوفي ، وكان من أصحاب الحديث ، ومن الصوفية ، وممن يعرف بصدق اللهجة ~~والنسك ، قال : رأيت بمكة قردة عند رجل يريد بيعها ، خفيفة الروح ، فساومت ~~فيها ، فتباعد علي في الثمن . فألححت عليه ، وقلت له : يا هذا ، أخبرني ~~شرائها ، واربح ما شئت علي . قال : لا أخبرك . فما زلت أداريه ، إلى أن قال ~~لي : شراؤها خمسة دراهم . فقال : فأومأت القردة إلي بيدها ثلاثة ، أي أنه ~~اشتراني بثلاثة دراهم . فقلت له : كذبت ، شراؤها عليك ثلاثة دراهم . قال : ~~فقام ليضرب القردة ، وقال : هذا من عملها . فمنعته ، وأعطيته خمسة دراهم ، ~~وأخذتها . PageV02P008 # """""" صفحة رقم 9 """""" # مخنث حاضر الجواب # حدثني أبو الحسن بن سهيل الحذاء ، قال : حدثني أبو العباس الفرغاني ~~الصوفي وكان ممن يختم القرآن في ركعة ms250 ، وكثير الصلاة ، وأخف الناس روحا ، ~~وأشدهم مجونا ، وأطيبهم قولا ورقصا ، قال : اجتزت في الطريق بمخنث يتغوط ، ~~وهو جالس ويه على جبهته كأنه إنسان مغموم . فوقع لي أن أولع به ، فقلت : يا ~~أختي ، لم أنت مغمومة ؟ تخافين ألا يجيئك بدله ؟ خلفه سريع ، الله يخلف ~~عليك . فقالت لي بالعجلة : ليس غمي هذا ، ولكن غمي أنكم جماعة ، وهو قليل ، ~~ولا يكفي غدائكم اليوم . # الشاعر أبو نصر البنص وجارية بغدادية # حدث أبو حامد القاضي الخراساني ، قال : قال لي أبو نصر البنص : جزت في ~~أيام زيادة الماء على دار في دجلة ، فإذا روشن حسن ، وعليه جوار يلعبن ، ~~فأخذن يولعن بي . فأنعظت ، وكشفت أيري ، ونمت فقام منتصبا ، فصحت الهليون ~~الرطب . فكشفت إحداهن عن حرها ، وصاحت الفراني السميذ . فعطعط الملاحون بنا . PageV02P009 # """""" صفحة رقم 10 """""" # فص حجر خاصيته طرد الذباب # حدثني أبو الخطاب محمد بن علي بن إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ~~التنوخي ، قال : كان لأبي فص حجر خمري اللون ، عليه صورة ذبابة ، وقد ~~شاهدته غير دفعة ، يأخذه ، فيجعله في دكان اللبان ، وهو مملوء ذبابا ، ~~فيتطاير الذباب كله عنه ، فلا تبقى واحدة ، فإذا نحاه رجع الذباب ، فإذا ~~عاد تنحوا . وقد شاهدت ذلك غير دفعة . # أسد بن جهور وكثرة نسيانه # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي قال ~~: حدثني أبي رضي الله عنه ، قال : كان أسد بن جهور ، كثير النسيان ، فحضرته ~~يوما في مجلس عبيد الله ابن سليمان ، وهو يخاطبه في أمر من الأمور ، فيقول ~~له أسد : سمعا لأمر القاضي أعزه الله ، وقد نسي أنه الوزير . قال : وكان ~~إلى جانبه أبو العباس بن الفرات ، فغمزه أبو العباس ، وقال : قل الوزير . ~~فقال : نعم ، أعز الله القاضي . فضحك ابن الفرات وقال : لست القاضي ، فارجع ~~إلى صاحبك فقضه . PageV02P010 # """""" صفحة رقم 11 """""" # أسد بن جهور يطلب الماء للدواة مرارا ثم يشربه # قال : وكنت يوما عند أسد ، فجفت دواته وهو يكتب منها . فقال : يا غلام ~~كوز ماء للدواة . فجاء الغلام بالكوز ليصبه فيها ، فأخذه وشربه ، ومضى ms251 ~~الغلام . فقال : ويلك ، هات الماء للدواة . فجاءه به ثانية ، فشربه أيضا ، ~~ومضى الغلام ، واستمد من الدواة فكانت أجف . فقال : ويلكم ، كم أطلب ماء ~~للدواة ولا يجيئني . فجاؤوه بكوز ثالث ، فأخذه ليشربه . فقال الغلام : يا ~~سيدي ، تصب في الدواة أولا . فقال : نعم ، نعم ، فصبه في الدواة . PageV02P011 # """""" صفحة رقم 12 """""" # بين أبي بكر الأزرق التنوخي وأسد بن جهور # قال : وأخرجني ابن الفرات في سنة تسع وتسعين ، انظر في أمر إصلاح الطريق ~~ونفقات الموصل ، وسبب لذلك مالا على الكوفة ، وأسد بن جهور عاملها . فلما ~~جئتها ، وكان لي صديقا ، تأخر عن قصدي ، فتأخرت عنه أيضا ، فولد ذلك بيننا ~~وحشة ، فاستقصيت عليه في المطالبة بالمال ، وتقاعد بي ، فصارت مكاشفة . ~~فكتبت إلى الوزير أحرضه عليه ، وكتب يتشكاني ، فوردت الكتب إلى شاكر ~~الإسحاقي ، وهو أمير الكوفة ، أن يجمع بيننا في المسجد ، ولا يبرح ، ولا ~~ينفصل ، ولا يرضيني بالمال . فركبت ، وجئت إلى باب الإسحاقي ، ولم أدخل ، ~~وعرفته ما ورد ، وأنني متوجه إلى الجامع . فركب ولحقني ، وقال : ورد اعلي ~~مثل هذا . فقلت : تحضر أسد ، فركب إليه ، فأحضره . فحين اجتمعنا تخارجنا في ~~الكلام ، إلى أن قلت له : أتطن أني لا أعرف أباك ، وأنه كان راجلا على باب ~~ديوان الضياع ، برزق دينارين في الشهر . قال : وكان اجتماعنا في أول يوم من ~~شهر رمضان ، فلم ينته الكلام إلى فصل ، وجاءت الغرب ، فقام شاكر ليركب ، ~~وأسد معه ، فجلست أنا . فقالا : لم تجلس ؟ فقلت : أنا لا أخالف أمر الوزير ~~، ولا أبرح إلا بفصل ، أو بالمال . فقال شاكر لأسد : اجلس معه ولا تبرح . ~~وقال لي : لولا أن قعودي معكما لا فائدة فيه ، ويضرني ، لقعدت ، واعتذر إلى ~~، فعذرته ، وانصرف . وقمت أنا إلى موضع من الجامع ، يقال له قبة خالد ، ~~فجلست عنده أصلي ، وجلس أسد مكانه ، وأنفذ إلى داره يستدعي الإفطار ، ~~وأنفذت إلى داري ، فجاء طعامه وطعامي معا . PageV02P012 # """""" صفحة رقم 13 """""" # فقام إلي ، وسألني أن أجعل إفطاري معه ، وفرغ الجامع إلا من أصحابنا ، ~~وبسطت سفرته ، واصلحت مائدته . وأقبل أد يسألني المجيء إليه ، وأنا أمتنع ، ~~إلى أن حلف ms252 ، وكنت أعرف بخله . فقلت لغلماني : أخرجوا طعامنا فصدقوا به ، ~~على من حوالي الجامع ، ففعلوا . وجئت ، فأكلت معه منبسطا ، أكل الصائم ، ~~ولونه يتغير ، ولا يقدر على النطق ، فتقطعت نفسه ، ولم نزل متلازمين في ~~الجامع ، خمسة عشر يوما من رمضان إلى أن راج المال ، وأنا أواكله هكذا . ~~فلما افترقنا ، انعل بعد العيد بأيام ، علة مات منها . فقلت : إنا لله ، ~~ليت لا يكون ما عملته معه سببا لموته غما . PageV02P013 # """""" صفحة رقم 14 """""" # بين طاهر بن يحيى العلوي وأحد أصحابه # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، قال : حدثني أبو القاسم علي بن ~~الأخزر المشهور بعلم النحو ، وكان نبيلا ، جليلا مرتفعا عن الكذب ، قال : ~~حججت ، فدخلت إلى طاهر بن يحيى العلوي ، أسلم عليه ، فجاءه رجل ، فقبل رأسه ~~ويديه ، وأخذ يعتذر إليه . فقال : لا تعتذر ، فقد زال ما في نفسي ، وقبلت ~~عذرك ، وإن شئت أخبرتك عن قصدك إياي ، وسبب عذري لك من قبل أن تخبرني . ~~فتعجب الرجل ، وقال : افعل يا سيدي . قال : إنك رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه في منامك ، فعاتبك على قطع عالتك عني إذا دخلت المدينة حاجا ، وإنك ~~طويتني عدة حجج دخلت فيها المدينة ولم تجئني . فقلت له : إن الحياء منعك من ~~قصدي ، وإنك لا تأمن أن لا أبسط عذرك . فقال لك : إني آمر طاهر ببسط عذرك ، ~~فلا تجف ولدي ، وصله ، فجئت إلى ، فقال الرجل : كذا والله كان ، فمن أين لك ~~يا سيدي هذا ؟ قال : أتاني رسول الله صلى الله عليه ، في المنام وأخبرني ~~بما جري بينكما على هذا الشرح . PageV02P014 # """""" صفحة رقم 15 """""" # يا قديم الإحسان # حدثني أبو الحسن أيضا ، قال : كان في باب الشام رجل يقال له : لبيب ~~العابد ، زاهد ، ناسك ، صالح ، فأخبرني ، قال : كنت مملوكا روميا ، فمات ~~مولاي ، فعتقني ، فحصلت لنفسي رزقا برسم الرجالة ، وتزوجت بستي ، زوجة ~~مولاي ، وقد علم الله ، أني لم أتزوجها إلا لصيانتها ، لا لغير ذلك ، فأقمت ~~معها مدة . ثم إني رأيت يوما حية وهي داخلة إلى جحرها ، فأخذتها ، فمسكتها ~~بيدي ، فانثنت على ، فنهشت يدي ، فشلت ، ثم ms253 شلت الأخرى بعد مدة ، ثم زمنت ~~رجالي ، واحدة بعد أخرى ، ثم عميت ، ثم خرست . فمكثت على هذه الحال سنة ، ~~لم تبق في جارحة صحيحة ، إلا سمعي ، أسمع به ما أكره . وكنت طريحا على ظهري ~~، لا أقدر على إشارة ، ولا إيماء ، فأسقى وأنا ريان ، واترك وأنا عطشان ، ~~وأطعم وأنا ممتلئ ، وأفقد الطعام ، وأنا جائع ، لا أدفع عن نفسي ، ولا أقدر ~~على إيماء بما يفهم مرادي منه . فدخلت امرأة بعد سنة إلى زوجتي ، فسألتها ~~عني ، فقال : كيف لبيب ؟ فقالت لها ، وأنا أسمع : لا حي فيرجى ، ولا ميت ~~فينسى . فغمني ذلك ، وبكيت ، وضججت إلى الله تعالى في سري . وكنت في جميع ~~ذلك الحال ، لا أجد ألما في شيء من جسمي ، فلما كان في ذلك اليوم ، ضرب ~~بدني كله ضربا شديدا لا أحسن أن أصفه ، وألمت ألما مفرطا . فلما كان في ~~الليل ، سكن الألم ، فنمت ، وانتبهت ، ويدي على صدري ، فعجبت من ذلك وكيف ~~صارت يدي على صدري ، ولم أزل مفكرا في ذلك ، ثم قلت لعل الله قد وهب عافيتي ~~، فحركتها ، فإذا هي قد تحركت ، ففرحت ، وطمعت في العافية . وفلت : لعل ~~الله إذن بخلاصي ، فقبضت إحدى رجلي إلي ، فانقبضت ، وبسطتها ، فانبسطت ، ~~وفعلت بالأخرى كذلك ، فتحركت ، فقمت قائما ، لا قلبة بي ، PageV02P015 ~~"""""" صفحة رقم 16 """""" # ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه ، فخرجت إلى الدار ، ورفعت طرفي ، ~~فرأيت الكواكب ، فإذا أنا قد أبصرت ، ثم انطلق لساني ، فقلت : يا قديم ~~الإحسان ، بإحسانك القديم . ثم صحت بزوجتي ، فقالت : أبو علي . فقلت : ~~الساعة صرت أبو علي . فأسرجت ، وطلبت مقراضا ، وكان لي سبال كما يكون للجند ~~، فقصصته ، فضجت من ذلك ، وقالت : ما هذا ؟ فقلت : بعد هذا لا أخدم غير ربي ~~، فصار هذا سبب عبادتي . قال : وخبره مستفيض ، ومنزلته في العبادة مشهورة ، ~~وصارت هذه الكلمة عادته ، لا يقول في حشو كلامه ، وأكثر أوقاته غيرها : يا ~~قديم الإحسان . قال : وكان يقال : إنه مجاب الدعوة ، وكان الناس يقولون إنه ~~رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فمسح يده عليه ، فسألته عن ذلك ، ~~فحدثني بهذا الحديث ms254 ، وقال : ما كان سبب عافيتي غيره . قال : وقال لي : كان ~~لي قراح على شاطئ دجلة ، بالمدائن ، وكان فيه تلال وأشياء ينبغي أن تستخرج ~~، ويطم بها مواضع فيه ، فتحتاج إلى رجال كثيرة . فكنت ليلة فيه ، وكانت ~~قمراء ، فاجتاز بي خلق كثير من الفعلة ، قد انصرفوا من عمل بثق ، فرأوني ~~فعرفوني . فقلت لهم : هل لكم أن تكسحوا هذا القراح الليلة ، وتسووا تلوله ~~بالأرض ، وتأخذوا مني كذا وكذا . فقالوا : نعم ، أتحفنا بالأجرة ، فعملوا ~~ذلك ، فأصبحنا وقد صارت أرضا مستوية . فقالت العامة : الملائكة أصلحوه ، ~~وكذبوا ، ما كان غير هذا . PageV02P016 # """""" صفحة رقم 17 """""" # الحلاج في جامع البصرة # حدثني أبو الحسين مجمد بن عبيد الله القاضي المعروف بابن نصرويه قال : ~~حملني خالي معه إلى الحسين بن منصور الحلاج ، وهو إذ ذاك في جامع البصرة ، ~~يتعبد ، ويتصوف ، ويقرأ ، قبل أن يدعي تلك الجهالات ، ويدخل في ذلك . وكان ~~أمره إذ ذاك مستورا ، إلا أ، الصوفية تدعي له المعجزات من طرائق التصوف ، ~~وما يسمونه معونات ، لا من طرائق المذهب . قال : فأخذ خالي يحادثه ، وأنا ~~صبي جالس معه ، أسمع ما يجري . فقال لخالي : قد عملت على الخروج من البصرة ~~. فقال له خالي : لم ؟ قال : قد صير لي أهل هذا البلد حديثا ، وقد ضاق صدري ~~، وأريد أن أبعد عنهم . فقال له : مثل ماذا ؟ قال : يرونني أفعل أشياء ، ~~فلا يسألونني عنها ، ولا يستكشفونها فيعلمون أنها ليست كما وقع لهم ، ~~ويخرجون ويقولون : الحلاج مجاب الدعوة ، وله معونات قد تمت على يده ، ~~وألطاف ، ومن أنا حتى يكون لي هذا ؟ بحسبك ، إن رجلا حمل إلي منذ أيام ~~دراهم ، وقال لي : اصرفها إلى الفقراء ، فلم يكن يحضرني في الحال أحد ، ~~فجعلتها تحت بارية من بواري الجامع إلى جنب اسطوانة عرفتها ، وجلست طويلا ~~فلم يجئني أحد ، فانصرفت إلى منزلي ، وبت ليلتي ، فلما كان من غد ، جئت إلى ~~الأسطوانة ، وجلست أصلي ، فاحتف بي قوم من الصوفية ، فقطعت الصلاة ، وشلت ~~البارية ، وأعطيتهم تلك الدراهم . فشنعوا علي بأن قالوا : إني إذا ضربت يدي ~~إلى التراب صار في يدي دراهم . قال ms255 : وأخذ يعدد مثل هذا أشياء ، فقام خالي ~~عنه ، وودعه ، ولم يعد إليه . وقال : هذا منمس ، وسيكون له بعد هذا شأن . ~~فما مضى إلا قليل ، حتى خرج من البصرة ، وظهر أمره وتلك الأخبار عنه . PageV02P017 # """""" صفحة رقم 18 """""" # جحظة البرمكي يغضب من خسارته في النرد # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي ، قال : حدثني أبو علي بن الأعرابي ~~الشاعر قال : كنت في دعوة جحظة ، فأكلنا ، وجلسنا نشرب ، وهو يغني ، إذ دخل ~~رجل ، فقدم إليه جحظة زلة كان زلها له من طعامه ونحن نأكل ، وكان بخيلا على ~~الطعام . قال : وكأن الرجل ، كان طاوي سبع ، فأتى على الزلة ، وشال ~~الطيفورية فارغة ، وجحظة يرمقه بغيظ ، ونحن نلمح جحظة ، ونضحك . فلما فرغ ، ~~قال له جحظة : تلعب معي بالنرد ؟ فقال : نعم . فوضعاها بينهما ، ولعبا ، ~~فتوالى الغلب على جحظة من الرجل ، بأن تجيء الفصوص على ما يريد الرجل من ~~الأعداد . فأخرج جحظة رأسه من قبة الخيش ، إلى السماء ، وقال ، كأنه يخاطب ~~الله تعالى : لعمري ، إني أستحق هذا ، لأني أشبعت من أجعته . # بين مؤذن ومحتسب # وحدثني ، قال : سمعت بعض شيوخنا يحكون : إن رجلا مؤذنا عادى محتسبا ، ~~فأحضره . فقال له : أي شيء بيننا ، مما يوجب استدعاءك لي . قال : أريد أن ~~تعرفني وقت الصلاة ، فإن كنت عالما بها ، وإلا لم أدعك تؤذن مع الناس ~~بالصلاة في غير وقتها . ووجده غير قيم بذلك ، فمنعه من الأذان . PageV02P018 # """""" صفحة رقم 19 """""" # أبو بكر بن دريد كان آية في الحفظ # وحدثني ، قال : حدثني جماعة عن أبي بكر بن دريد ، أنه قال : كان أبو ~~عثمان الأشنانداني معلمي ، وكان عمي الحسين ابن دريد يتولى تربيتي ، فإذا ~~أراد الأكل ، استدعى أبا عثمان ، فأكل معه . فدخل عمي يوما ، وأبو عثمان ~~المعلم يرويني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها : # أذنتنا ببينها أسماء # . . . رب ثاو يمل منه الثواء فقال لي عمي : إذا حفظت هذه القصيدة ، وهبت ~~لك كذا وكذا . ثم دعا بالمعلم ليأكل معه ، فدخل إليه ، فأكلا ، وقعدا بعد ~~الأكل ساعة ، فإلى أن خرج المعلم ، حفظت ديوان الحارث بن حلزة بأسره ms256 . فخرج ~~المعلم ، فعرفته بذلك ، فاستعظمه ، وأخذ يعتبره علي فوجدني قد حفظته ، فدخل ~~إلى عمي ، فأخبره ، فأعطاني ما كان وعدني . قال : وكان أبو بكر واسع الحفظ ~~جدا ، ما رأيت أحفظ منه ، كان يقرأ عليه دواوين العرب كلها ، أو أكثرها ، ~~فيسابق إلى حفظها ، فيحفظها . وما رأيته قط قرأ عليه ديوان شاعر ، إلا وهو ~~يسابق إلى قراءته لحفظه له . PageV02P019 # """""" صفحة رقم 20 """""" # البربهاري رئيس الحنابلة ببغداد # حدثني أبو الحسن ، قال : سمعت أبا محمد السليماني الهاشمي ، المعروف ~~بعباد رحله ، وقد جرى ذكر البربهاري بحضرته ، فقال : وقف يوما للقاهر ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين أهلك الهاشميين . فقال القاهر : أفعل ، وإنما أراد ~~أ، يذكره بهم ، ويقول : أهلك . ورأى عينا هائجة ، فقال : لو استعمل هذا ~~الخضرط ، عوفيت . فقيل له : ليس هو الخضرط . فقال : نعم ، غلطت ، هو الخضخض ~~. فسكتوا عنه ، وإنما أراد الحضض . PageV02P020 # """""" صفحة رقم 21 """""" # أبو الفرج الببغاء ينشي نسخة كتاب على لسان الأمير سيف الدولة بشأن الفداء # حدثني أبو الفرج الببغاء ، قال : لما أقام سيف الدولة الفداء ، بشاطئ ~~الفرات في رجب سنة خمس وخمسين وثلثمائة ، لزمه عليه خمسمائة ألف دينار ، في ~~شراء الأسارة ، والأموال التي وصلهم بها ، ورم بها أحوالهم . وأخرج جميع ~~ذلك من ماله ، صبرا واحتسابا ، وطلبا للثواب والذكر ، من غير أن يعاونه أحد ~~من الملوك عليه ، ولا غيرهم . وكان ذلك خاتم أعماله الحسنة ، وأفعاله ~~الشريفة ، التي تجاوز الوصف ، وتفوت العد . فلما فرغ من ذلك ، تقدم إلى كل ~~من بحضرته ، في الوقت ، من أهل الكتابة ، أن ينشئ كل واحد منهم ، نسخة كتاب ~~ليكتب عنه إلى من في البلدان من الجيش والرعية ، بخبر تمام الفداء ، ووصف ~~الحال فيه . فكتبت عنه في ذلك : كتابنا ، تولاكم الله بكفايته ، وحرسنا ~~فيكم بناظر رعايته ، من معسكرنا بالبقعة المعروفة بالمعقلة من شاطئ الفرات ~~، بعد إمضائنا أمر الفداء الذي اختصنا الله فيه بشرف ذكره ، وانتخبنا ~~للنهوض بمعظم أمره ، وولينا بالمعونة في تحمل ثقله ، ووفقنا للفوز بإحراز ~~فضله ، بعد أن استراحت فيه النيات إلى الغفلة ، ومطاوعة الشح ، ومساكنة ~~الراحة ، وتظنون بالله الظنون . فالحمد لله ms257 حمدا نستديم بالإخلاص فيه مداد ~~عوارفه وأياديه ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله . ولما كانت منح الله ~~تعالى لدينا ، ونعمه المتظاهرة علينا ، أعظم من أن تطاول بثناء ، وأجل من ~~أن تقابل بجزاء ، رأينا الاعتراف بما أحرزناه من سالفها ، والإشادة بما ~~قابلناه من مستأنفها ، أقدر على استزادتها ، وأولى بحراستها . PageV02P021 # """""" صفحة رقم 22 """""" # ولم نزل ، ولله المنة ، منذ عرفنا ما ندبنا إليه ، وتأملنا ما حضنا عليه ~~، من الخفوف لجهاد الكافرين والتعبد بقتال المخالفين ، بين رأي يتضمن ~~التوفيق عواقبه ، وعزم يصرع الإقبال مغالبه ، وفتح يجمع الإسلام أثره ، ~~وبلاء تداول الأيام خبره . ولا ننصرف عن غزو إلا إلى نفير ، ولا نتشاغل ~~بنظر إلا إلى تدبير ، ولا نعتد بالمال إلا ما أنفقناه ، ولا نسر بذخر إلا ~~ما أنفدناه ، فيما حرس الأمة ، وحصن الملة ، وبث العدل ، وجمع الشمل . إلى ~~أن استعبدنا ملوكهم بالأسر ، وجسنا ديارهم بكتائب النصر ، وأوحشنا المراتب ~~من أربابها ، واستنزلنا عن الحصون أصحابها ، وفجعنا ملكهم بصهره وابن أخته ~~قهرا ، وأثكلنا أخاه مراغمة وصغرا . فلما أدلنا الحق من الدلال ، وأعاده ~~الله تعالى بنا من العز إلى أشرف حال ، عدلت السيوف عن دمائهم إلى أغمادها ~~، واستبدلت إصدارها بإيرادها ، ونصلت الرماح أسنتها ، وطاوعت الخيل أعنتها ~~، واستماحتنا الأعداء إلى الموادعة ، ورغبت إلينا بالتضرع في المسألة . ~~واستفتحوا ذلك بطلب الفداء الذي لا يسعنا الامتناع منه ، ولا نجد تأولا في ~~الإضراب عنه . فرأينا بعد الإثخان في الأرض ، فك من في أيديهم من الموحدين ~~، ومن في رقهم من المسلمين ، أفضل كاسب لعاجل الشكر ، وأوفى ضامن لأجل ~~الأجر . فأنفذنا إلى سائر الأقطار وبثثنا الأصحاب في جميع الأمصار لإحصاء ~~السبي وانتزاعه ، والتوفر على جمعه وابتياعه من خالص ملكنا وخاصة مالنا ، ~~من غير مسامحة لأحد من أهل زماننا في معاونتنا ، بغير الثياب التي شركناهم ~~بها في نيل الحمد وكسب المثوبة . وأضفناهم إلى من ملكناه بحكم الرماح ، ~~وأحرزناه بقهر الخيل والصفاح ، من أكابر البطارقة ، وأنجاب الزراورة ، ~~ووجوه الأعلاج ، وأجاد الأنجاس . ولم يزل من سلف قبلنا من الملوك ، وتقدمنا ~~من السلاطين ، في عقد الهدن ، وإقامة الأفدية ms258 ، يرغب إلى سائر نظرائه ، ~~وذوي السمعة من أتباعه ، والمكنة من رعيته ، في معاونته بالأحوال ، ~~ومعاضدته ببذل الأموال . وأبى الله لنا إلا التفرد بأجر ذلك وشكره ، وحميد ~~أثره ، وجميل ذكره . PageV02P022 # """""" صفحة رقم 23 """""" # وندبنا أكابر الغلمان ، وثقاة الخدم ، لتسييرهم بأعم رأفة وأتم رفق ، حسب ~~ما أمرنا به من ترفيه السبي ، ومراعاة الأسرى ، إلى أن عبرنا بجميعهم من ~~الفرات ، بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه ، ورغب إلينا في النزول عليه ، ~~تأنسا بمجاورة الدروب المستصعبة ، وحذرا من مفارقة الجبال المستعصمة . فلما ~~اقتضى قربنا سرعة المسير ، وتنجزه ، دنونا لإمضاء الأمر بعد التقرير . أقدم ~~مرتابا بإقدامه ، وسار متهما عواقب رأيه واعتزامه ، بجموع يفرق الجزع ~~آراءها ، وقلوب يشتت الخوف أهواءها ، وأفكار مكدودة بالوجل ، ومنن مستعبدة ~~لأوامر الفشل ، يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو فأحذرهم ، إلى أن حل ~~بفنائنا ملقيا مفاليد أمره إلى الاستسلام ، وآخذا من وفاءنا بأوكد ذمام . ~~وافتتحنا الفداء يوم السبت غرة رجب الذي هو غرة الأشهر الحرم ، وقد عرف ~~الله تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال ، وذكي الأفعال ، وتعجل ~~البركات ، وتناصر الخيرات ، فاستمر بأكمل هدي ، وأنجح سعي ، وأبسط قدرة ، ~~وأعم نصرة ، وأعز سلطان ، وأوضح برهان ، وكلمة الله العليا ، وكلمة الذين ~~كفروا هي السفلى ، والله عزيز حكيم . ولم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم ~~نظام ، وأحسن التئام ، إلى أن استنقذ الله بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه ~~، والإياس من الخلاص أن يرديه ، وهم على الإضل ما عهدتاهم عليه من حسن ~~اليقين ، والتمسك بعصم الدين . وسار عنا من فاديناه من البطارقة المذكورين ~~، والزراورة المشهورين ، بأجسام ضاعنة ، وقلوب قاطنة ، تتلفت إلى ما خلفته ~~من غامر تفضلنا ، وألفته من ألطاف تطولنا . فهم بعد الفداء موثوقون في أسر ~~الإحسان ، ومع الخلاص مقرونون برق التطول والامتنان . ولما أحضرونا من ~~أسروه من الأعمال النازحة ، والبلدان الشاسعة ، ولم نستخر ادخار الأموال عن ~~خلاصهم ، ولا الشح بها عن تعجيل فكاكهم ، فابتعناهم من الأثمان بأعظمها ، ~~ومن الأموال بأجسمها ، ولم نطع في ادخار الذهب والفضة ، PageV02P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # المقرون بمخاوف الوعيد ، وفظيع التهديد ، أمر ms259 الشك في ربح الصفقة بمتاجرة ~~الله تعالى ، جل اسمه واثقين بعاجل الخلف ، وآجل الجزاء ، وذلك الفوز ~~العظيم . وتداركنا من عمارة أحوالهم ، ما كان مختلا بمعاناة الفقر ، ~~ومتهافتا بتطاول الأسر ، وانقلبنا قافلين بأسعد منقلب ، وأربح مكتسب ، وأتم ~~إقبال ، وأجمل حال ، بعد أن أجفل العدو خذله الله ، مستطيلا مدة إقامته ، ~~وشاكا في إحراز سلامته ، متوهما أن الخيول تطلبه ، والرماح تتعقبه ، لا ~~يعرج على ضعفاء ساقته ، ولا يلوي على أخص من في جملته . وتقدمنا بمكاتبة ~~أوليائنا ، وكافة رعيتنا ، بذكر ما هيأه الله عز وجل لنا من تظاهر النعم ، ~~وتواتر القسم ، وليشهروا ذلك على منابر الصلوات ، ويعلنوه بالرسائل ~~والمكاتبات ، إذ كان ما يتوجه لله سبحانه من تتابع النعم والمنح ، وتواصل ~~العوارف ، عائدا على الملة ، ومساويا بالنفع به الأمة . فالحمد لله الذي ~~اختصنا من اختياره ، وأفردنا بإيثاره ، بما رآنا له أهلا لخلافة نبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في حراسة أمته ، وإعزاز كلمته . وإليه نرغب في توفيقنا ~~للاعتراف بعوارفه ، لما تكون به النعم محروسة ، والموهبة محفوظة ، لا ~~ينتقصها كفران ، ولا يرتجعها عدوان ، إن شاء الله تعالى . # الشاعر المعوج يمدح بدرا الحمامي # حدثني أبي ، قال : حدثني المعوج ، قال : كبا الفرس ببدر الحمامي ، وافتصد ~~، فدخلت إليه ، فأنشدته أبياتا عملتها في الحال ، وهي : لا ذنب للطرف إن ~~زلت قوائمه . . . وليس يلحقه من عائد دنس حملت بأسا وجودا فوقه وندى . . . ~~ليس يقوى بهذا كله الفرس قالوا افتصدت فما نفس العلى معها . . . خوفا عليك ~~، ولا نفس لها نفس كف الطبيب دعا كفا يقبلها . . . ويطلب الرزق منها حين ~~يحتبس فأمر لي بخمسة آلاف درهم ، فأخذتها وانصرفت . PageV02P024 # """""" صفحة رقم 25 """""" # الشاعر الصروي يمدح صاحب النشوار # وكنت سقطت من بغلة ، فعمل أبو القاسم عبيد الله ، قصيدة أنشدنيها ، منها ~~: أسمت فتاة العير حمل العلى وقد . . . نهيت من الإشفاق عن حملك القبا ~~ومشيتها تحت الشريعة والقضا . . . ولو سمت رضوى حمل ذين قضى نحبا فيا عجبا ~~أن لم يسخ رسغها القضى . . . وما هد ثقل الدين من متنها الصلبا ومن ذا يطيق ~~الطود حملا إذا رسا . . . ومن يحمل ms260 البحر الضم إذا عبا فزلت ببدر منك لم ~~يخف نوره . . . وغيث حيا أحيا بسقطته التربا وقمت سليم الجسم يدعو لك الثرى ~~. . . ويلثم منك الرجل والنعل والركبا نهني بك المحراب والآي والتقى . . . ~~ودستك والأقلام والحكم والكتبا PageV02P025 ~~"""""" صفحة رقم 26 """""" # أبيات من نظم أبي القاسم عبيد الله بن محمدالصروي # أنشدني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي ، لنفسه ، يصف زراقة النفط : ~~وصفراء في فيها لعاب كلونها . . . إذا قذفته لاعب الريح واستنا يجلله من ~~بطنها في خروجه . . . رداء دجى حتى يصير لها حصنا لها ذنب في رأسه ذنب له . ~~. . إذا جر منها رد في جوفها طعنا يمج بروقا بين ليلين من حشا . . . إلى فم ~~أفعى ما ترى بينه سنا تخوض الوغى عريانة لتخيفه . . . ولو سئلت لم تعرف ~~الخوف والأمنا وأنشدني لنفسه : وناولني في أسفل الكأس فضلة . . . مزعفرة ~~صفراء والكأس أبيض كنرجسة في الروض ترنو بمقلة . . . مذهبة والجفن منها ~~مفضض وأنشدني لنفسه في صفة إبريق وساق ولاح لنا الإبريق من كف شادن . . . ~~له وجنة من لحظنا أبدا تدمى كملحوظة مدت يدا دون وجهها . . . وأخرى بها ردت ~~على رأسها الكما على شعر في عارضيه كأنما . . . زرعن المها أجفانها فيه ~~والسقما كأن الليالي قد عددن سنينه . . . فصيرن في خديه داراته رقما ~~وأنشدني لنفسه يصف مجدورا : بدر وغصن من فوق دعص نقا . . . لم أصغي في حبه ~~إلي لاحي له لحاظ مرضى بلا سقم . . . سكرى من الغنج تسكر الصاحي جدر فاعتاض ~~من تورده . . . بصفرة في ملثم ضاح كأنه فوق خده حبب . . . يلعب بعد المزاج ~~في الراح وأنشدني لنفسه في كانون : PageV02P026 # """""" صفحة رقم 27 """""" # كأن تأجج كانوننا . . . تكاثف نور من العصفر وأحدث إخماده زرقة . . . ~~تأجج في مدمج أحمر كبركة خمر بحافاتها . . . بقايا تفتح نيلوفر وأنشدني ~~لنفسه أيضا في كانون : أنظر إلى كانوننا . . . يضحك من غير فرح كحمرة في ~~شفق . . . دبجها قوس قزح PageV02P027 ~~"""""" صفحة رقم 28 """""" # لأبي الفرج الببغاء في وصف كانون # وحدثني أبو الفرج الببغاء ، قال : كنت بحضرة أبي العشائر بن حمدان ، وبين ~~يديه كانون ، قد عمل النار في ms261 باطن فحمه ، فعملت في الحال ، وأنشدته : ~~ومجلس حل من يحل به . . . من المعالي في أرفع الدرج أمسى ندام الكانون لنا ~~. . . أكثر أنس النفوس والمهج يبدي لنا ألسنا كالسنة ال . . . حيات من ثابت ~~ومختلج لما بدا الفحم فيه أسود كال . . . ليل وبث الشرار كالسرج ودب صبغ ~~اللهيب فيه بتض . . . ريج خدود الشقائق الضرج ظننت شمس الضحى به انكشفت . . ~~. للخلق في قبة من السبج PageV02P028 ~~"""""" صفحة رقم 29 """""" # لأبي الفرج الببغاء في صفة شمعة # أنشدني لنفسه في صفة شمعة : وصفر كأطراف العوالي قدودها . . . قيام على ~~أعلى كراس من الصفر تلبسن من شمس الأصيل غلائلا . . . فأشرقن في الظلماء ~~بالخلع الصفر عرائس يجلوها الدجى لمماتها . . . وتحيا إذا أذرت دموعا من ~~التبر إذا ضربت أعناقها في رضا الدجى . . . أعارته من أنوارها خلع الفجر ~~تبكي على أحشائها بجسومه . . . فأدمعها أجسامها أبدا تجري علاها ضياء عامل ~~في حياته . . . كما تعمل الأيام في قصر العمر # للسري الرفاء في الغزل # أنشدني غير واحد ، قالوا أنشدنا سري بن أحمد الكندي الرفاء ، لنفسه وذي ~~عنج يرنو بمقلة جؤذ . . . متى يعد فيه خالع العذر يعذر له فوق ورد الخد خال ~~كأن . . . إذا احمر ورد الخد نقطة عنبر PageV02P029 ~~"""""" صفحة رقم 30 """""" # بين قاضي القضاة أبي السائب والشاعر ابن سكرة الهاشمي # أخبرني جماعة من أهل عصرنا من المتأدبين ببغداد أن أبا الحسن محمد بن عبد ~~الله بم سكرة الهاشمي ، دخل إلى قاضي القضاة أبي السائب عتبة بن عبيد الله ~~، وهو جالس للحكم ، فكتب رقعة كالقصص ، ودفعها إليه ، وقد كان مدحه فتأخرت ~~صلته عنه . فلما قرأها أبو السائب ، لم يبن في وجهه غضب ، ولا نكير ، ووقع ~~فيها شيئا بخطه . وقال أين رافع هذه القصة ؟ فقام ابن سكرة ، فدفعها إلي ، ~~فأخذها مقدارا أن فيها ما يستكف لسانه عنه من صلة أو بر ، فلما قرأها ~~استحيا وانصرف . فقرئت الرقعة ، فإذا الابتداء بخط ابن سكرة شعر ، والجواب ~~بخط أبي السائب نثر ، كما نسخناها هاهنا : يا عتبة بن عبيدحوشيت من كل ~~عيبلبيك يا مختصر وأبعد الله قومارموك عندي بريبوأنت فحوشيت ms262 من كل سوء ~~قالوا بأنك تهوىزبيبةبن شعيبكذبوا فقلت هذا محالأصبوة بعد شيب ؟ أحسن الله ~~جزاءك وقلت ما يشبهك ، وربما كانت لقد هتفتم بشيخنقي ذيل وجيببئس ما فعلوا ~~، والحمد لله على ذلك رأيتم الأير فيه ؟ فلم شهدتم بغيب ؟ جهلا منهم بطرق ~~الشهادة PageV02P030 ~~"""""" صفحة رقم 31 """""" # طبيعة الأمير سيف الدولة في إسداء المكارم # حدثني أبو الفرج الببغاء ، قال : تأخر عني رسمي من الكسوة ، على الأمير ~~سيف الدولة ، وكان آثر الأشياء عنه ، وأنفقها عليه ، وأحبها إليه ، أن يسأل ~~فيعطي ، وأن يستزاد فيزيد ، وأن يطالب ، ويناظر ، حتى كان دائما يعزل ~~للإنسان شيئا ، يريد هبته له ، خلف ظهره ، ويقول : أريد أن أعطي فلانا هذا ~~. فيخرج من يحضر : فيحدث الرجل ، فيحضر ، ولا يعطيه . فيقول له الرجل : أيش ~~وراء مسورة مولانا ؟ فيقول : وأي شيء عليك ؟ وأيش فضولك ؟ فيقول : هذا ~~والله لي عزله مولانا . فيقول : لا . فيقول : بلى ، ويأخذه ، ويجاذبه عليه ~~، فإذا فعل ذلك ، أعطاه ، وزاده شيئا آخر ، يلتذ بهذا . قال : فكتبت إليه ، ~~استحثه على رسمي من الكسوة : الرضا بالمأمول ، أطال الله بقاء سيدنا الأمير ~~سيف الدولة ، دليل على همة الآمل ، ومحل المسؤول في نفسه ، مترجم عن نفاسة ~~نفس السائل ، إذ كان الناس من التخلق بالكرم ، والتفاضل بالهمم ، في منازل ~~غير متقاربة ، ومراتب غير متناسبة ، وشرف أدبه ، في شرف طلبه . ورجاء سيف ~~الدولة الشرف الذي . . . يتقاصر التفصيل عن تفصيله ضمنت تأميلي نداه فرده . ~~. . جذلان من سفر الظنون بسوله وغنيت حين بلغت ورد نواله . . . عن ورد ~~ممتنع النوال بخيله فالغيث يغبطني على إنعامه . . . والدهر يحسدني على ~~تأميله وعلمي بأن أقرب مؤمليه - أيده الله - إليه ، وأوجبهم حرمة عليه ، ~~أشدهم استزادة لنعمه ، وأكثرهم تسحبا على كرمه ، بعثني على التقرب إلى قلبه ~~بالسؤال ، ومناجاة كرمه بلسان الآمال . PageV02P031 # """""" صفحة رقم 32 """""" # فسألته متقربا ، وطلبته مستحبا ، فإن رأى العادل إلا في ماله ، والمقتصد ~~إلا في أفضاله ، سيدنا الأمير سيف الدولة أطال الله بقاءه . أن تعلم الأيام ~~موضع عبده . . . من عزه ومكانه من رائه بشواهد الخلع التي يغدو بها . . . ~~متطاولا شرفا على نظرائه فمن العجائب ms263 حبس توقيع له . . . وموقع التوقيع من ~~شفعائه فعل إن شاء الله تعالى . PageV02P032 # """""" صفحة رقم 33 """""" # كيف تأثلت حال أبي عبد الله ابن الجصاص # حدثني أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعلان ، قال : حدثني أبو علي أحمد بن ~~الحسين بن عبد الله الجوهري ، ابن الجصاص ، قال : قال لي أبي : كان بدء ~~إكثاري ، أني كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وكنت ~~أتوكل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه ، وما كنت أكاد ~~أفارق الدهليز لاختصاصي بهم . فخرجت إلي قهرمانة لهم في بعض الأيام ، ومعها ~~عقد جوهر ، فيه مائتا حبة ، لم أر قبله أحسن منه ، ولا أفخر ، تساوي كل حبة ~~منه ألف دينار عندي . فقالت : نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر ، فتجعل لأربع ~~عشرات اللعب . فكدت أن أطير ، وأخذتها ، وقلت السمع والطاعة . وخرجت في ~~الحال مسرورا ، وأنا على وجهي ، فجمعت التجار ، ولم أزل أشتري ما قدرت عليه ~~، حتى حصلت مائة حبة أشكال من النوع الذي أرادته . وجئت بها عشيا ، وقلت : ~~إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وإنظار ، وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه ، وهو ~~هذا ، ودفعت إليهم المجتمع ، والباقي يخرط في أيام . فقنعت بذلك ، وارتضت ~~الحب ، وخرجت . قامت علي بأثمان قريبة ، تكون دون مائة ألف درهم ، أو ~~حواليها ، وحصلت جوهرا بمائتي ألف دينار . ثم لزمت دهليز هم ، وأخذت لنفسي ~~غرفة كانت فيه ، فجعلتها مسكني . قال : فلحقني من هذا ، أكثر مما يحصى ، ~~حتى كثرت النعمة ، وانتهت إلى ما استفاض خبره . PageV02P033 # """""" صفحة رقم 34 """""" # سبب اختصاص أبي عبد الله ابن الجصاص بأبي الجيش خمارويه أمير مصر # حدثني أبو الحسين ابن عياش ، قال : سمعت مشايخنا ، يقولون : إن أصل ~~اختصاص ابن الجصاص بأبي الجيش ابن طولون ، أن أبا الجيش كان يشرب ، إذا قعد ~~للشرب ، أربعين رطلا من نبيذ مصر المعروف بالشيروي . قال : ومن يشرب منه ~~رطلا ، يقدر أن يشرب من غيره أرطالا . وكان لا يصبر معه أحد من ندماءه ، ~~ويسكرون قبله ، فيصعب عليه ، ويبقى وحده ، فكان يتطلب المجيدين للشرب . ~~فوصف ms264 له ابن الجصاص ، وهو إذ ذاك يتجر في الجوهر ، فاستدعاه ، فأدخل إليه ، ~~فحين مثل بين يديه ، قبل الأرض ، ولم يكن الناس يعرفون ذلك ، فاستظرف ~~خمارويه حسن أدبه . وقال : أبو من ؟ قال : عبد الأمير الحسين . فقال : هذه ~~اثنتان . فواكله ، وشاربه ، قدحا وقدحا ، حتى سكر خمارويه ، ثم شرب بعده ~~رطلا . فبلغ ذلك خمارويه من غد ، فأدخله ، وأجازه جائزة عظيمة . وقال : ما ~~صناعتك ؟ فقال : الجوهر . فقال : لا يبتاع لنا شيء إلا على يده ، وكان ~~مشغوفا به ، فكسب فيه الأموال . وحصل يأكل معه ، ويشاربه إذا أراد الشرب ، ~~فينام ندماؤه كلهم غيره ، فولد ذلك له أنسا تاما به ، فكان يخرج إليه على ~~النبيذ بأسراره ، ويحادثه ، ويأنس به . ورد إليه أمر داره ، والإشراف على ~~جميع نفقاته . ولم تزل حاله تقوى وتتزايد ، حتى عرض له تزويج ابنته المعتضد ~~، فأنفذه في الرسالة حتى عقد الإملاك ، ثم أجرى أمر الجهاز على يده ، فجرف ~~الأموال بغير حساب . PageV02P034 # """""" صفحة رقم 35 """""" # قال : فأخبرني بعض أصحابنا ، أنه لحق بعض الفرش الذي كان في جهاز قطر ~~الندى ابنة خمارويه ، مطر ، فيما بين دمشق والرملة ، فنزلها ابن الجصاص ، ~~وكتب إليه يعرفه الخبر ، ويستأذنه في تطرية ذلك ، فأذن له فيه . فأقام ~~شهرين لهذا السبب ، وطرى الفرش ، فاحتسب في النفقة ، ثلاثين ألف دينار . ~~قال : ولما حصلت قطر الندى ببغداد ، أضاق خمارويه إضاقة شديدة ، لأنه افتقر ~~بما حمله معها ، وخرج من جميع نعمته ، حتى طلب شمعة ، فاحتبست عليه ساعة ، ~~إلى أن احتيلت . فقال : لعن الله ابن الجصاص ، أفقرني في السر . PageV02P035 # """""" صفحة رقم 36 """""" # بين الخليفة المكتفي والتاجر ابن الجصاص # قال : ومن عجيب أخبار ابن الجصاص ، أنه طلب منه المكتفي عقدا حسنا من ~~فاخر الجوهر ، يبتاعه منه . فقال : كم يبلغ يا أمير المؤمنين ؟ قال : ~~ثلاثين ألف دينار . قال : لا تصيب كما تريد ، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة ، ~~ولا أبيعك إياه بأقل من ستين ألف دينار ، فإن أذنت ، حملته . فقال : افعل . ~~فحمله إليه والعباس بن الحسن قائم بين يديه ، فعرضه عليه ، فهال المكتفي ~~أمره وحسنه ، وقال : ما رأيت ms265 مثل هذا قط . فقال : ومن أين عندك أنت مثل هذا ~~يا أبا مشكاحل ؟ فتنكر المكتفي ، وتنمر ، وهم به . فأومأ إليه العباس ~~بالإمساك ، فأمسك ، وترك العقد الجصاص ، بحضرة الخليفة ، وخرج . فقال ~~المكتفي للعباس : بالله ، وبحقي عليك ، هذه الكنية تلقبني بها العامة ؟ ~~فقال : لا والله يا مولانا ، ولكن هذا رجل رقيع ، عامي ، والعامة إذا ~~افتخرت على إنسان ، قالت له مثل هذا ، وقد ربحت بهذه الكلمة العقد ، بلا ~~ثمن ، فدعني وابن الجصاص ، فإن جاءك فأحله علي . فلما كان بعد أيام ، جاء ~~ابن الجصاص ، فأذكر المكتفي بثمن العقد . فقال له : إلق العباس . فجاء إليه ~~، فطالبه بالمال . فقال : ويحك ، تطالب بثمن العقد ، بعدما لقبت الخليفة ~~بسببه ، واجترأت عليه بما لا يجوز أن تجترئ بمثله على بعض غلمانه ؟ لا ~~تتكلم بهذا فتولد لنفسك منه ، ما لا تحتاج إليه . فأمسك ابن الجصاص ، وذهب ~~منه العقد والمال بالكلمة . PageV02P036 # """""" صفحة رقم 37 """""" # إسماعيل بن بلبل والأعرابي العائف # حدثني أبو الحسين بن عياش ، قال : أخبرني من أثق به ، إن إسماعيل بن بلبل ~~، لما قصده صاعد ، لزم داره ، وكان له حمل قد قرب وضعه ، فقال : اطلبوا لي ~~منجما يأخذ مولده ، فأتي به . فقال له بعض من حضر ، ما تصنع أيدك الله ~~بالنجوم ؟ هاهنا أعرابي عائف ، ليس في الدنيا أحذق منه . فقال : يحضر ، ~~فأسماه الرجل ، فطلب ، وجاء . فلما دخل عليه ، قال له إسماعيل : تدري لأي ~~شيء طلبناك ؟ قال : نعم . قال : ما هو ؟ فأدار عينه في الدار ، فقال : ~~لتسألني عن حمل ، وقد كان إسماعيل أوصى أن لا يعرف ، فتعجب من ذلك . فقال ~~له : فأي شيء هو ؟ أذكر أم أنثى ؟ فأدار عينه في الدار ، فقال : ذكر . فقال ~~: للمنجم : ما تقول ؟ قال : هذا جهل . فبينا نحن كذلك ، إذ طار زنبور على ~~رأس إسماعيل ، وغلام يذب عنه ، فضرب الزنبور ، فقتله . فقام الأعرابي ، ~~وقال : قتلت والله المزنر ، ووليت مكانه ، ولي حق البشارة ، وجعل يرقص ، ~~وإسماعيل يسكنه ، فنحن كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة . فقال : انظروا ~~ما المولود ؟ فقالوا : ذكر . PageV02P037 # """""" صفحة رقم 38 """""" # فسر إسماعيل بذلك سرورا شديدا ms266 ، لإصابة العائف في زجره ، وترجيه الوزارة ~~، وهلاك صاعد ، ووهب للأعرابي شيئا ، وصرفه . فما مضى على هذا إلا دون شهر ~~، حتى استدعى الموفق إسماعيل ، وقلده الوزارة ، وسلم إليه صاعدا ، فكان ~~يعذبه ، حتى قتله . فلما سلم إليه صاعد ، ذكر الحديث الأعرابي ، فطلبه ، ~~فجاءوا به . فقال : خبرني كيف قلت ما قلته ذلك اليوم ؟ وليس لك علم بالغيب ~~، ولا هذا مما يخرج في نجوم . فقال : نحن إنما نتفاءل ونزجر الطير ، ونعيف ~~ما نراه ، فسألتني أولا ، لأي شيء طلبت ؟ فتلمحت الدار ، فوقعت عيني على ~~برادة عليها كيزان معلقة في أعلاها ، فقلت : حمل . فقلت لي : أصبت ، ثم قلت ~~لي : أذكر أم أنثى ؟ فتلمحت ، فرأيت فوق البرادة عصفورا ذكرا ، فقلت : ذكر ~~. ثم طار الزنبور عليك ، وهو مخصر ، والنصارى مخصرون بالزنانير ، والزنبور ~~عدو ، أراد أن يلسعك ، وصاعد نصراني الأصل ، وهو عدوك ، فزجرت أن الزنبور ~~عدوك صاعد وأن الغلام لما قتله ، إنك ستقتله . قال : فوهب له شيئا صالحا ، ~~ثم صرفه . PageV02P038 # """""" صفحة رقم 39 """""" # أعراب ثلاثة يتنبأون بموت قاضي القضاة ودفنه في داره # وحدثنا أبو الحسين ، قال : اجتزت أنا وأبو طاهر بن نصر القاضي ، بشارع ~~القاضي ، نقصد دار قاضي القضاة أبي الحسين ، في علته التي مات فيها ، ~~لنعوده ، فإذا بثلاثة من الأعراب ركبان . فشال أحدهم رأسه ، وقد سمع غرابا ~~ينعب على حائط دار أبي الحسين قاضي القضاة . فقال للنفسين اللذين خلفه : إن ~~هذا الغراب ليخبرني بموت صاحب الدار . فقال له الآخر : أجل إنه ليموت بعد ~~ثلاثة أيام . فقال الآخر : نعم ويدفن في داره . فقلت : أسمعت ما قالوه ؟ ~~فقال : نعم . فقلت : هؤلاء أجهل قوم ، وافترقنا . فلما كان في ليلة اليوم ~~الرابع سحرا ، ارتفعت الصيحة بموت قاضي القضاة أبي الحسين ، فذكرت قول ~~الأعرابي ، وعجبت . وحضرنا جنازته ، ودفن في داره . فقلت لأبي طاهر : رأيت ~~أعجب من وقوع مقالة الأعرابي بعينها ؟ أيش هذا ؟ فقال : لا والله ما أدري ، ~~ولكن تعال حتى نسأل عنهم ، ونقصدهم ، ونستخبر منهم من أين لهم ذلك . قال : ~~فكنا أياما نسأل عنهم ، وعن حلتهم من البلد ، فلا نخبر . إلى أن أخبرونا ms267 ~~بنزول حلة من بني أسد بباب حرب ، فقصدناهم . فقلنا : هل فيكم من يبصر الزجر ~~؟ فقالوا : أجل ، ثلاثة أخوة في آخر الحي ، يعرفون ببني العائف ، ودلونا ~~على أخبيتهم . فجئنا ، فصادفنا أصحابنا بأعيانهم ، ولم يعرفونا ، فأخبرناهم ~~بما سمعناه منهم ، وسألناهم عنه . PageV02P039 # """""" صفحة رقم 40 """""" # فقالوا : إنا ، وغيرنا من العرب ، نعرف نعيبا للغراب بعينه ، لا ينعبه في ~~موضع إلا مات ساكنه ، مجربا على قديم السنين في البوادي ، لا يخطئونه ، ~~ورأينا ذلك الغراب ، نعب ذلك النعيب الذي نعرفه . فقلنا للآخر : كيف قلت ~~إنه يموت بعد ثلاثة أيام ؟ قال : كان ينعب ثلاثا متتابعات ثم يسكت ، ثم ~~ينعب ثلاثا على هذا ، فحكمت بذلك . فقلت للآخر : وكيف قلت أنه يدفن في داره ~~؟ قال : رأيت الغراب يحفر الحائط بمنقاره ورجليه ، ويحثو على نفسه التراب ، ~~فقلت : إنه يدفن في داره . PageV02P040 # """""" صفحة رقم 41 """""" # عيافة أعرابي # حدثنا أبو الحسين بن عياش ، قال : أخبرني صديق لي أنه خرج إلى الحائر على ~~ساكنيه السلام ليزور . فاجتاز في طريقه بموضع قريب من الأعراب ، وهم نزول ، ~~فحط رحله ونزل ، وجلس يأكل هو ومن معه ، فوقف به بعض أولئك الأعراب يستطعم ~~. قال : فقلت له : اجلس حتى نأكل ، ونفع إليك نصيبا . فجلس قريبا منا ، ~~فإذا بغراب قد طار قريبا منه ، وصاح صياحا متتابعا . فقام الأعرابي يرجمه ، ~~ويقول : كذبت يا عدو الله ، كذبت يا عدو الله . قال : فقلنا له : ما الخبر ~~يا أعرابي ؟ قال : يقول الغراب إنكم ستقتلونني ، وأنتم تريدون أن تطعموني ، ~~فكذبته في خبره . قال : فاستحمقناه ، وتممنا أكلنا . وكان في السفرة سكين ~~بزماورد عظيمة حادة ، أنسيناها في السفرة . فجمعنا السفرة بما فيها ، وقلنا ~~للأعرابي : خذها ، وفرغ ما فيها ، واردد السفرة . فجمعها بما فيها ، وشالها ~~، فضرب بها ظهره بحمية ، من فرحه بتمكيننا إياه من جميع ما فيها ، فخرجت ~~السكين بحدتها ، فدخلت بين كتفيه ، فخر صريعا يصرخ : صدق الغراب لعنه الله ~~، مت ورب الكعبة . فخشينا أن يصير لنا مع الأعراب قصة ، فتركنا السفرة ، ~~وقمنا مبادرين ، فاختلطنا بالقافلة حتى لا نعرف ، وتركناه يتشحط في دمائه . ~~ولا نعلم هل عاش ms268 أم مات . PageV02P041 # """""" صفحة رقم 42 """""" # من أحاديث الزراقين # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا سليمان بن الحسن ، قال : قال لي أبو معشر ~~المنجم ، وقد جرى حديث الزراقين : رأيت أعجب شيء ، وهو أن رجلا في جواري ~~بسر من رأى اعتقل ، فأتاني أبوه ، وكان لي صديقا ، فقال : تركب معي إلى ~~صاحب الشرطة ، نسأله إطلاقه ، فركبت . فاجتزنا بزراق على الطريق . فقلت : ~~هل لك في أن نتلهى بهذا الزراق ؟ فقال : افعل . فقلت له : انظر في نجمنا ، ~~وأي شيء هو ، وفي أي شيء هوذا نمضي ؟ ففكر الزراق ساعة ، ثم قال : تمضون في ~~أمر محبوس . قال : فانتقع لون أبي معشر ، ودهش ، وتلجلج لسانه . فقلت أنا ~~له : فهل يطلق أم لا ؟ قال : تمضون وقد أطلق . فقال لي أبو معشر : انطلق ~~بنا ، فهذا اتفاق طريف ، وهوس . فسرنا وجئنا إلى صاحب الشرطة ، فسألناه في ~~أمر الرجل . فقال : الساعة - والله - وردت علي رقعة فلان ، يسألني في أمره ~~، فأطلقته . فنهض أبو معشر مبادرا ، وقال : إن لم أرف من أين أصاب الزراق ~~في حكمه ، ذهب عقلي ، وخرقت كتبي ، واعتقدت بطلان النجوم ، ارجع بنا إليه . ~~قال : فرجعنا ، فوجدناه في مكانه على الطريق . فقال له أبو معشر : قم بنا ، ~~فأخذناه ، وحمله إلى داره . وقال له : أتعرفني ؟ قال : لا . قال : أنا أبو ~~معشر المنجم . فقبل الزراق يده ، وقال : أستاذنا ، وقد سمعت باسمك . PageV02P042 # """""" صفحة رقم 43 """""" # قال : دعني من ذلك ، لك خمسة دنانير عينا ، وأصدقني من أين حكمت لنا بما ~~حكمت به . قال : أنا والله أصدقك ، ولا أجسر آخذ منك شيئا ، وأنت أستاذ هذه ~~الصناعة . اعلم أني لا أحسن من النجوم شيئا ، وإنما أنا أزرق وأهذي على ~~النساء ، وبين يدي هذا التخت والإصطرلاب والتقويم للخلق حيلة . ولكني قد ~~صحبت أهل البوادي في وقت من الأوقات ، وتعلمت منهم الزجر والفال والعيافة . ~~وهم يعتقدون إذا سئلوا عن شيء أن ينظروا إلى أول ما تقع عليه عيونهم ، ~~فسيتخرجون منه معنى يجعلونه طريقا لما يسألون عنه ، وما يحكمون به . فلما ~~سألتني في أي شيء نمضي ؟ تلجلجت ، فوقعت عيني على سقاء معه ms269 ماء محبوس في ~~قربته ، فقلت : محبوس . فقلت : هل يطلق أم لا ؟ فنظرت أطلب شيئا أزجره ، ~~فرأيت السقاء قد صب الماء ، وهو يخرج من قربته ، فقلت : إنكم تمضون وقد ~~أطلق ، فهل أصبت ؟ فقال له أبو معشر : نعم ، وفرجت عني أيضا ، أعطوه ~~الدنانير ، واصرفوه . فأبى أن يأخذ ، فما تركه أبو معشر حتى أخذها وخرج . ~~فطرح نفسه كالمستريح من أمر عظيم . ووضع يده على فؤاده ، وقال : فرج عني . PageV02P043 # """""" صفحة رقم 44 """""" # بين الأمير الموفق وأبي معشر المنجم # حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر بن الحارث الحارثي ، قال : حدثني أبي ، ~~قال : كنت أحد من يعمل في خزانة السلاح للمعتمد وكنت قائما بحضرة الموفق ، ~~في عسكره لقتال صاحب الزنج ، وبحضرته أبو معشر ، ومنجم آخر ، أسماه أبي ~~وأنسيته أنا . فقال لهما : خذا الطالع في أضمرته منذ البارحة ، أسألكما عنه ~~، وأمتحنكما به ، وأخرجا ضميري . فأخذا الطالع ، وعملا الزايرجه ، وقالا ~~جميعا : تسألنا عن حمل ليس لإنسي . فقال : هو كذلك ، فما هو ؟ قال : ففكرا ~~طويلا ، ثم قالا : عن حمل لبقرة . قال : هو كذلك فما تلد ؟ قالا جميعا : ~~ثور . قال : فما شيته ؟ فقال أبو معشر : أسود في جبهته بياض . وقال الآخر : ~~أسود وفي ذنبه بياض . قال الموفق : ترون ما أجسر هؤلاء ، أحضروا البقرة ، ~~فأحضرت وهي مقرب . فقال : اذبحوها ، فذبحت ، وشق بطنها ، وأخرج منها ثور ~~صغير أسود ، أبيض طرف الذنب ، وقد التف ذنبه ، فصار على جبهته . فتعجب ~~الموفق ، ومن حضره ، من ذلك عجبا شديدا ، وأسنى جائزتيهما . قال : وحدثني ~~أبي ، قال : كنت أيضا بحضرة الموفق ، وهذا المنجم ، فقال لهما : معي خبيء ، ~~فما هو ؟ فقال أحدهما ، بعد أن أخذ الطالع ، وعمل الزايرجه ، وفكر طويلا ، ~~وقال : هو شيء من الفاكهة . PageV02P044 # """""" صفحة رقم 45 """""" # وقال أبو معشر : هو شيء من الحيوان . فقال الموفق للآخر : أحسنت ، وقال ~~لأبي معشر : أخطأت ، ورمى من يده تفاحة . وأبو معشر قائم ، فتحير ، وعاود ~~النظر في الزايرجه ، ساعة ، ثم عدا يسعى نحو التفاحة ، حتى أخذها ، فكسرها ~~، ثم قال : الله أكبر ، وقدمها إلى الموفق فإذا هي تنغش بالدود . فهال ~~الموفق من ms270 إصابته ، وأمر له بجائزة عظيمة . PageV02P045 # """""" صفحة رقم 46 """""" # مما شاهده المؤلف من صحة أحكام النجوم # وهذا بعيد دقيق ، ولكن فيما قد شاهدته من بعض صحة أحكام النجوم ، كفاية . ~~هذا أبي حول مولد نفسه في السنة التي مات فيها ، فقال لنا : هي سنة قطع على ~~مذهب المنجمين ، وكتب بذلك إلى بغداد ، إلى أبي الحسن بن البهلول القاضي ~~ينعي نفسه إليه ، ويوصيه . فلما اعتل أدنى علة ، وقبل أن تستحكم علته ، ~~أخرج التحويل ، ونظر فيه طويلا ، وأنا حاضر ، فبكى ، وأطبقه ، واستدعى ~~كاتبه ، وأملى عليه وصيته التي مات عنها ، وأشهد فيها من يومه . فجاءه أبو ~~القاسم غلام زحل المنجم ، فأخذ يطيب نفسه ، ويورد عليه شكوكا . فقال : يا ~~أبا القاسم ، لست ممن يخفى هذا عليه ، فأنسبك إلى غلط ، ولا أنا ممن يجوز ~~عليه هذا فتستغفلني ، وجلس فواقفه على الموضع الذي خافه ، وأنا حاضر . ثم ~~قال له أبي : دعني من هذا ، بيننا شك في أنه إذا كان يوم الثلاثاء العصر ، ~~لسبع بقين من الشهر ، فإنه ساعة قطع عندهم ؟ . فأمسك أبو القاسم ولم يجبه ، ~~واستحيى منه أن يقول نعم ، وبكى أبو القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي . ~~وبكى أبي طويلا ، ثم قال : يا غلام الطست ، فجاءه به ، فغسل التحويل وقطعه ~~، وودع أبا القاسم توديع مفارق . فلما اكن في ذلك اليوم ، العصر بعينه ، ~~مات ، كما قال . PageV02P046 # """""" صفحة رقم 47 """""" # الأخذ بالحزم أولى # أخبرني غير واحد من أصحابنا ، أ، أبا محمد عبد الله بن العباس الرامهرمزي ~~المتكلم ، أخبره ، قال : أردت الانصراف من عند أبي علي الجبائي إلى بلدي ، ~~فجئته مودعا فقال لي : يا أبا محمد ، لا تخرج اليوم ، فإن المنجمين يقولون ~~: إنه من سافر في مثله غرق ، فأقم إلى يوم كذا وكذا ، فإنه محمود عندهم . ~~فقلت : أيها الشيخ مع ما تعتقده في قولهم ، كيف تجيء بهذا ؟ فقال : يا أبا ~~محمد ، لو أخبرنا مخبر ونحن في طريق ، أن فيه سبع ، أليس كان يجب في الحكمة ~~علينا أن لا نسلك ذلك الطريق ، إذا قدرنا على سلوك غيره ، وإن كان ممن ms271 يجوز ~~عليه الكذب ؟ قلت : نعم . قال : فهذا مثله ، وقد يجوز أن يكون الله تعالى ~~أجرى العادات ، بأن تكون الكواكب إذا نزلت هذه المواضع حدث كذا ، والأخذ ~~بالحزم أولى . قال : فأخرت خروجي إلى اليوم الذي قاله . # أبو علي أحذق الناس بالنجوم # حدثني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : حدثني أبو هاشم الجبائي ، قال : كان ~~أبو علي من أحذق الناس بالنجوم ، فولد في جواره مولود ، فقال أبوه : إني ~~أحب أن تأخذ طالعه . قال : وكان ليلا ، فأخذ الاصطرلاب وعمل مولده ، وحكم ~~له بأشياء ، صحت كلها بعد ذلك . PageV02P047 # """""" صفحة رقم 48 """""" # أبو الحسن الأهوازي وسابور ذو الأكتاف # جرى الحديث يوما بحضرة أبي ، في البخل والبخلاء ، واختصاص الملوك بذلك ، ~~وكان أبو الحسن مطهر بن إسحاق بن يوسف الأهوازي الشاهد حاضرا فقال : دخلت ~~يوما إلى أبي عبد الله البريدي ، وقد نصبت مائدته ، فاستدعاني إليها ، وكنت ~~جائعا ، فأقبلت آكل منبسطا . فقدم جدي مشوي حار ، فضربت يدي إلى كتفه ، ~~فأكلتها . ثم قدم بعده ألوان أخر ، وجدي بارد ، فضربت يدي إلى كتفه فأكلتها ~~. ثم قد م بعده ألوان ، وقدم جدي مبزر ، فأخذت الكتف فأكلتها . ثم جاء جدي ~~بماء وملح ، فجئت لآخذ الكتف ، فسبقتني يد أبي عبد الله إليه ، فكففت يدي . ~~فقال لي : يا أبا الحسن ، أنت اليوم سابور ذو الأكتاف . فاستحييت ، وخجلت ، ~~وعلمت أنه ما قالها إلا من غيظ ، فقصرت . وتوقيت بعد ذلك مواكلته . فقال ~~أبي : ما كان أبو عبد الله بخيلا على الطعام ، وإنما كان نهما ، شديد الجوع ~~، وكان في أول أكله ، وإلى وسطه ، يلحقه هذا النهم ، وربما أطلق ما يشبه ~~هذا ، فيظن من لا يعرف طبعه أنه بخيل ، ويحتاج من يواكله إلى التقصير ، حتى ~~يمضي نصف أكله . فإذا مضى نصف أكله ، انبسط ، وانطلق وجهه ، وساءه وغمه أن ~~يقصر من يحضر في مواكلته ، وقال : هوذاينسبوني إلى البخل ثم لا يأكلون . PageV02P048 # """""" صفحة رقم 49 """""" # أبو عبد الله الكرخي يحب مؤاكلة الأكول # ولكن أبا عبد الله بن القاسم الكرخي هو الجواد على الطعام والمال ، ولقد ~~دخلت إليه يوما في الأهواز ، وهو ms272 عاملها ، أقلب عليه ثيابا ، ولم تكن بيننا ~~معرفة ، فأخذ منها ما أراد ، ووافقني على الأثمان ، وطال جلوسي عنده ، فجاء ~~غلمانه بأطباق فاكهة ، فقمت . فقال : ما هذا الخلق النبطي يا أبا الحسن ؟ ~~اجلس ، فجلست ، وأخذنا في الأكل ، وكنت جائعا ، فأقبلت آكل كمثراة ، كمثراة ~~، في لقمة ، وخوخة خوخة ، في لقمة ، وتينة تينة ، في لقمة ، وهو ينظر إلى ~~ذلك ، ويستحسنه ، ويضحك منه ، ويعجبه ويستطرفه ، وكان ضعيف الأكل جدا . ~~وكلما جئت لأقطع ، حلف علي ، ولقمني بيده . ثم شيلت الفاكهة ، وجاءوا ~~بالطعام ، وكانت هذه صورتي عنده ، وانصرفت . فلما كان من غد نصف النهار ، ~~وكنت جالسا في دكاني بالبزازين ، فإذا بفراش ومعه غلام تحته بغل . فقال : ~~العامل يطلبك ، فلم أدر ما هو ، فركبت البغل وصرت إليه ، وإذا المائة ~~منصوبة ، وهو ينتظرني . فقلت : ما يأمر الأستاذ أيده الله ؟ فقال : إني ~~استطبت مؤاكلتك بالأمس ، وأكلت فضلا مما جرت عادتي به ، فلما قدمت اليوم ~~المائة ، لم أتهنأ بالأكل ، فعزلتها واستدعيتك ، وأريد أن تجيني في كل يوم ~~. قال : فكنت أتأخر في الأيام ، فيعاتبني ، وينفذ إلي بغلا أركبه . وولد ~~ذلك لي محلا عظيما في البلد ، وجاها ، وكسبت به عليه البز وغيره ، مما رد ~~إلي شراءه من جميع ما كان يحتاج إليه في داره ، مالا جليلا . PageV02P049 # """""" صفحة رقم 50 """""" # بين أبي جعفر بن شيرزاد وأبي عبد الله الموسوي # حدثنا أبو العباس هبة الله بن المنجم ، قال : سمعت أبا عبد الله الموسوي ~~العلوي ، يقول : قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في أيام تدبيره ~~الأمر ، قصدا قبيحا ، وعمل لي كتابة مؤامرة في خراجاتي ، بمائة ألف درهم ، ~~أكثرها واجب علي ، وباقيها كالواجب . وأحضرني للمناظرة عليها ، فاعتقلني في ~~داره . فضقت ذرعا بما نزل بي ، وعلمت أن المال سيؤخذ مني إذا نوظرت ، وأنه ~~يؤثر في حالي ، ويهتك جاهي ، فلم أدر ما أعمل . فشاورت بعض من يختص به ، ~~فقال : طمعه فيك - والله - قوي ، وما ينفعك معه شيء غير المال . فقلت : فكر ~~في حيلة أو مخادعة . ففكر ، ثم قال : لا أعرف لك دواء إلا شيئا واحدا ، أن ms273 ~~سمحت به نفسك ، وتركت العلوية عنك ، وفعلته ، نجوت . فقلت : ما هو ؟ قال : ~~هو رجل سمح على الطعام ، محب لأكله على مائدته ، موجب لحرمته ، وأرى لك ، ~~إذا وضع طعامه ، أن تخرج إليه ، فإنك معه في الدار ، ولا يمنعك الموكلون من ~~ذلك ، فتجيء بغير إذن ، فتجلس على المائدة ، وتأكل ، وتنبسط ، وتخاطبه في ~~أمرك عقيب الأكل ، وتسأله ، وترفق به ، وتخضع له ، فإنه يسامحك بأكثرها ، ~~ويقرب ما بينك وبينه . فشق ذلك علي ، ثم نظرت ، فإذا وزن المال أشق منه . ~~وكان أبو جعفر ، لا يأكل إلا بعد المغرب ، في كل يوم مرة ، فلم آكل ذلك ~~اليوم شيئا ، وراعيت مائدته ؟ ، فلما وضعت المائدة ، قمت . فقال الموكل : ~~إلى أين ؟ قلت : إلى مائدة الوزير ، فما قدر أن يمنعني ، وجاء معي . PageV02P050 # """""" صفحة رقم 51 """""" # فلما رآني أبو جعفر ، أكبر ذلك ، وتهلل وجهه ، وقال : إلى عندي يا سيدي ، ~~إلى عندي ، وأجلسني إلى جنبه ، وأقبلت آكل ، وأنبسط في الأكل والحديث ، إلى ~~أن رفعت المائدة ، وقام أبو جعفر ، وقمنا ، وشيلت المائدة ، واستدعاني إلى ~~موضعه ، فغسلت يدي بحضرته . فلما فرغت ، أردت أن أبتدأه بالخطاب ، فقال لي ~~: قد آذيتك يا سيدي أبا عبد الله بتأخيرك عن منزلك ، فامض إلى بيتك ، وما ~~أخاطبك بشيء مما في نفسي ، ولا فيما أردت مخاطبتك فيه ، ولا مطالبة عليك من ~~جهتي بعدما تفضلت به . فشكرته ، وقلت : إن رأى سيدنا أيده الله ، أن يتمم ~~معروفه علي بتسليم المؤامرة إلي ، فعل . فقال : هاتموها ، فما برحت ، إلا ~~وهي معي في خفي ، وانصرفت إلى منزلي ، وسقط المال عني . ولزمته للسلام ، ~~وصرت أتعد مؤاكلته ، والتخصص به ، فسلمت عليه طول أيامه ، وسلم مالي وجاهي ~~عليه ، إلى أن مضى . PageV02P051 # """""" صفحة رقم 52 """""" # اللص والعجوز الجلدة أم الصيرفي # حدثني أبو جعفر محمد بن الفضل بن حميد الصيمري ، مؤدبي ، قال : كان في ~~بلدنا عجوز صالحة ، كثيرة الصيام والقيام ، وكان لها ابن صيرفي منهمك على ~~الشرب واللعب . وكان يتشاغل بدكانه أكثر نهاره ، ثم يعود عشيا إلى منزله ، ~~فيخبئ كيسه عند والدته ، ويمضي ، فيبيت في مواضع يشرب فيها . فعين بعض ms274 ~~اللصوص على كيسه ليأخذه ، وتبعه في بعض العشايا ، ودخل ورائه إلى الدر ، ~~وهو لا يعلم ، فاختفى فيها ، وسلم هو كيسه إلى أمه ، وخرج ، وبقيت وحدها في ~~الدار . وكان لها في دارها ، مؤزر بالساج إلى أكثر حيطانه ، عليه باب حديد ~~، تجعل قماشها وكل ما تملكه فيه ، والكيس ، فخبأت الكيس فيه تلك الليلة خلف ~~الباب ، وجلست فأفطرت بين يديه . فقال اللص : هذه الساعة تفطر ، وتكسل ، ~~وتنام ، وأنزل فأفتح الباب وآخذ الكيس والقماش . قال : فلما أفطرت ، قامت ~~إلى الصلاة ، فظن اللص أنها تصلي العتمة وتنام . فانتظرها ، فمدت الصلاة ، ~~وتطاول عليه الأمر ، ومضى نصف الليل . وتحير اللص مما نزل به ، وخاف أن ~~يدركه الصبح ، ولا يظفر بشيء . فطاف بالدار ، فوجد إزارا جديدا ، وطلب جمرا ~~فظفر به ، ووقع في يده شيء كلن لهم فيه دخنة طيبة ، فلبس الإزار ، وأشعل ~~ذلك البخور ، وأقبل ينزل على الدرجة ، ويصيح بصوت غليظ وتعمد أن يجعله ~~جهوريا ، لتفزع العجوز . وكانت معتزلية جلدة ، ففطنت لحركته ، وأنه لص ، ~~فلم تره أنها فطنت . وقالت : من هذا ؟ بارتعاد وفزع شديد . فقال لها : أنا ~~رسول الله رب العالمين ، أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق ، لأعظه ، وأعامله بما ~~يمنعه من ارتكاب المعاصي . PageV02P052 # """""" صفحة رقم 53 """""" # فأظهرت أنها قد ضعفت ، وغشي عليها من الجزع ، وأقبلت تقول : يا جبريل ، ~~سألتك بالله ، إلا رفقت به ، فإنه واحدي . فقال اللص : ما أرسلت لقتله . ~~فقالت : فما تريد ؟ وبما أرسلت ؟ قال : لآخذ كيسه . وأؤلم قلبه بذلك ، فإذا ~~تاب رددته إليه . فقالت : شأنك ، يا جبريل ، وما أمرت . فقال : تنحي من باب ~~البيت . فتنحت ، وفتح هو الباب ودخل ليأخذ الكيس والقماش ، واشتغل في ~~تكويره . فمشت العجوز قليلا قليلا ، وجذبت الباب بحمية ، فردته ، وجعلت ~~الحلقة في الرزة ، وجاءت بقفل ، فقفلته . فنظر اللص إلى الموت بعينه ، ورام ~~حيلة في داخل البيت ، من نقب أو منفذ ، فلم يجدها . فقال لها : افتحي الباب ~~لأخرج ، فقد اتعظ ابنك . فقالت : يا جبريل ، أخاف أن أفتح الباب ، فتذهب ~~عيني من ملاحظتي لنورك . فقال : إني أطفئ نوري حتى لا تذهب عينك . فقالت : ~~يا ms275 جبريل ، إنك رسول رب العالمين ، لا يعوزك أن تخرج من السقف أو تخرق ~~الحائط بريشة من جناحك ، وتخرج ، فلا تكلفني أنا التغرير ببصري . فأحس اللص ~~بأنها جلدة ، فأخذ يرفق بها ، ويداريها ، ويبذل التوبة . فقالت له : دع ذا ~~عنك ، لا سبيل إلى الخروج إلا بالنهار ، وقامت تصلي ، وهو يهذي ، ويسألها ، ~~وهي لا تجيبه ، حتى طلعت الشمس وجاء ابنها ، فعرف خبرها ، وحدثته بالحديث ، ~~فمضى وأحضر صاحب الشرطة وفتح الباب ، وقبض على اللص . PageV02P053 # """""" صفحة رقم 54 """""" # من بركة المعتزلة إن صبيانهم لا يخافون الجن # سمعت جماعة من أصحابنا ، يقولون من بركة المعتزلة أن صبيانهم لا يخافون ~~الجن . وقد حكي لنا : أن لصا حصل في دار معتزلي ، فأحس به ، فطلبه ، فنزل ~~إلى بئر في الدار . فأخذ الرجل حجرا عظيما ليدليه عليه ، فخاف اللص التلف . ~~فقال له : الليل لنا والنهار لكم ، يوهمه أنه من الجن . فقال له المعتزلي : ~~فزن معي نصف الأجرة ، ورمى بالحجر فهمشه . فقال له : متى يأمن أهلك من الجن ~~؟ فقال المعتزلي : دع ذا عنك واخرج . فخرج وخلاه . PageV02P054 # """""" صفحة رقم 55 """""" # محدث قارب المائة يتواجد في مجلس # خاطف المغنية # سمعت أبي ، قال : جئت إلى أبي القاسم ابن بنت منيع ، لأكبت عنه الحديث ، ~~فقال لي في منزله : قد توجه في حاجة له وكان سنه إذ ذاك نحو مائة سنة . ~~فجلسنا ننتظره ، فإذا به قد جاء محمولا ، فألقي كالمغشي عليه ، واستراح . ~~فقلنا له : يا أبا القاسم ، ما كان هذا الأمر العظيم حتى خرجت فيه بنفسك ، ~~ألا كلفتنا حاجتك ؟ فقال : ليس هذا مما أكلفكم إياه ، مضيت إلى مجلس ستي ~~خاطف ، فسمعتها ، وتواجدت من قولها . قال : فعجبنا من شيخ محدث يحضر مجلس ~~امرأة تغني بالقضيب . وأخبرني جماعة أثق بهم ، أنها تدعى إلى هذا الوقت ، ~~وتغني بالقضيب وأن لها حول السبعين سنة . وأخبرني أبو الحسن بن الأزرق ، ~~أيضا في سنة إحدى وستين وثلثمائة ، أنها توفيت في منزلها في جواره في هذه ~~السنة . PageV02P055 # """""" صفحة رقم 56 """""" # الباغندي المحدث يخطئ في موضعين # حدثني أبو الطيب بن هرثمة : أنه سمع الباغندي ms276 المحدث ، يقول لجارية كانت ~~تخدمه وقد حرد عليها : ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه خديك بالكلكين . يريد ~~: تطلين إلى وجهك الكلكون . وأنه سمعه قال ، في حديث حدث به ، في قوله ~~تعالى : ' وفاكهة وأبا ' ، فقال : فاكهة وأنا . # حكاية تدل على ذكاء القرد # حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن ، أحد الصوفية الطياب من أهل ~~سر من رأى ، ثم مر ببغداد ، وأقام بالأهواز طويلا ، وتوكل على أبواب القضاة ~~، وعاش نحو السبعين سنة ، وكان ماجنا ، خفيف الروح ، قال : بت ليلة في خان ~~، ومعنا قراد ، ومعه قرد ، وكنا كلنا في بيت واحد ضيق . ففسا بعض من كان ~~معنا ، وزاد في الفسا . فلم يزل القرد يجيء إلى فقحة كل واحد منا فيشمها ، ~~ويقف عندها ساعة ، إلى أن وقع على فقحة الرجل الذي يفسو . قال : فرأيته ، ~~وقد جاء إلى قطن كان مع صاحبه ، فاستخرج منه كبة ، وأخذها بيده ، ثم جاء ~~إلى سراويل الذي يفسو ، فخرقه ، فلم يزل يدس القطن في حجره . PageV02P056 # """""" صفحة رقم 57 """""" # هذا من تعليم القرد # وأخبرني أن بعض الصوفية حدثه : أنه اجتمع في بيت واحد من خان ، مع قراد ~~أمرد ، فراوده عن نفسه ، فحين حصل فوقه ، التمس منه تمكينه من إتيانه في ~~ذاته ، فامتنع . فأومأ إلي القرد بيده ، وأخرج عليها بصاقا من فيه ، ولم ~~يزل يضعه بها هكذا إلى نفسه . قال : فأقحمت على الغلام . فقال : هذا والله ~~من تعليم القرد ، فضحكت . فلما نزلت عنه ، قام إلى القرد ، يضربه ويقول : ~~يا فاعل ، يا صانع علمته علي . قال : فلم أزل به حتى خلصته من يده . PageV02P057 # """""" صفحة رقم 58 """""" # القرود والقلانس # وأخبرني بعض من سافر في الآفاق ، وهو أبو غانم عبد الملك بن علي السقطي ~~البصري : أنه كان في بعض طرقات اليمن ، ومعهم رجل معه قفص فيه قلانس . ~~فأصابتهم سماء ، فابتلت القلانس ، فأخرجها الرجل ، فشرها في الشمس ، لما ~~نزلوا . وإذا بقطعة عظيمة من القرود ، قد أحاطوا بالقافلة ، فلما رأوا ~~القلانس ، وكانت خارجة عن القافلة بالقرب منا ، وقفوا ينظرون إليها . فجاء ~~قرد كبير يقدمهم ، فلبس ms277 في رأسه واحدة ، وأخذ كل واحد منهم واحدة فلبسها ~~إلى أن فنيت القلانس . فتأملت صاحبها يلطم ويقول : إن مضوا هؤلاء ، وهي على ~~رؤوسهم ، افتقرت ، فإني لا أملك غير هذه القلانس . فقال أهل القافلة : اجلس ~~، واسكت ، ولا تهجهم ، فجلس . فلما كان بعد ساعة ، وضع القرد الكبير ~~القلنسوة من رأسه ، فوضعوا كلهم القلانس ، وانصرف ، فتبعوه في الانصراف . ~~وقام الرجل إلى قلانسه فجمعها . # القرود المستأنسة في اليمن تشتري الحاجات من السوق # وحدثني أيضا ، قال : رأيت قرودا عدة مستأنسة ببلدان اليمن ، القرد منها ~~يخرج بالزنبيل من منزل صاحبه ، ومعه الفضة ، فيقف على بائع اللحم ، والخبز ~~، وغيرها ، ويومئ له بما يريد ، ويعطيه ثمنه ، ويحمل الحاجة إلى منزل صاحبه . PageV02P058 # """""" صفحة رقم 59 """""" # أبو عبد الله المزابلي والروح الأمين جبريل رسول رب العالمين # وحدثني أبي ، قال : كان عندنا بجبل أنطاكية ، المعروف بجبل اللكام ، رجل ~~يتعبد ، يقال له : أبو عبد الله المزابلي . وسمي بذلك ، لأنه كان بالليل ~~يدخل إلى البلد ، فيتتبع المزابل ، فيأخذ ما يجده فيها ، فيغسله ، ويقات به ~~، لا يعرف قوتا غير ذلك ، وأن يتوغل في جبل اللكام ، فيأكل من الأثمار ~~المباحة فيه . وكان صالحا مجتهدا ، إلا أنه كان حشويا ، غير وافر العقل ، ~~وكانت له سوق عظيمة في العامة بأنطاكية . وكان بها موسى بن الزكوري صاحب ~~المجون والسفه في شعره والحماقات وكان له جار يغشى المزابلي . فجرى بين ~~موسى بن الزكوري ، وجاره ذاك شر ، فشكاه إلى المزابلي فلعنه المزابلي في ~~دعائه ، وكان الناس يقصدونه في كل يوم جمعة غدوة ، فيتكلم عليهم ويدعو . ~~فلما سمعوا لعنه لابن الزكوري ، جاء الناس إلى داره أرسالا لقتله ، فهرب ، ~~ونهبت داره ، وطلبته العامة فاستر . فلما طال استتاره ، قال : إني سأحتال ~~على المزابلي بحيلة أتخلص منه بها ، فأعيوني ، فقلت : ما تريد ؟ فقال : ~~أعطوني ثوبا جديدا ، وشيئا من الند والمسك ، ومجمرة ، ونارا وغلمانا ~~يؤنسوني الليل في الطريق إلى الجبل . قال أبي : فأعطيته ذلك كله . فلما كان ~~في نصف الليل ، مضى ، وخرج الغلمان معه إلى الجبل ، حتى صعد فوق الكهف الذي ~~يأوي إليه المزابلي ، فبخر ms278 بالند والمسك ، فدخلت الريح إلى كهف أبي عبد ~~الله ، وصاح بحلق عظيم : يا أبا عبد الله المزابلي . فلما شم تلك الرائحة ، ~~وسمع الصوت ، أنكرهما . فقال ما لك عافاك الله ، ومن أنت ؟ PageV02P059 # """""" صفحة رقم 60 """""" # فقال ابن الزكوري : أنا الروح الأمين جبريل ، رسول رب العالمين ، أرسلني ~~إليك . فلم يشك المزابلي في صدق القول ، فأجهش بالبكاء والدعاء ، وقال : يا ~~جبريل ، من أنا حتى يرسلك رب العلمين إلي . فقال : الرحمن يقرؤك السلام ، ~~ويقول لك موسى بن الزكوري غدا رفيقك في الجنة . فصعق أبو عبد الله ، وسمع ~~صوت الثياب ، وقد كان خرج فرأى بياضها ، فتركه موسى ورجع . فلما كان من ~~الغد ، كان يوم جمعة ، فأقبل المزابلي يخبر الناس برسالة جبريل ، ويقول : ~~تمسحوا بابن الزكوري ، واسألوه أن يجعلني في حل ، واطلبوه لي . فأقبل ~~العامة أرسالا إلى دار ابن الزكوري ، يطلبونه ليتمسحوا به ويستحلوه ~~للمزابلي ، وأمن على نفسه . PageV02P060 # """""" صفحة رقم 61 """""" # عيار بغدادي يحتال على أهل حمص # حدثني أبو الطيب بن عبد المؤمن ، قال : خرج بعض حذاق المكدين من بغداد ~~إلى حمص ، ومعه امرأته . فلما حصل بها ، قال لها : إن هذا بلد حماقة ومال ، ~~وإني أريد أن أعمل معييا - قال : وهذه كلمة لهم إذا أرادا أن يعملوا حيلة ~~كبيرة - فساعديني عليها بالصبر . قالت : شأنك . فقال : كوني بموضعك ، ولا ~~تجتازين بي البتة ، وإذا كان كل يوم خذي لي ثلثي رطل زبيبا ، وثلثي رطل ~~لوزا نيا ، فاعجنيه ، واجعليه وقت الهاجرة على آجرة نظيفة ، لأعرفها ، في ~~الميضأة الفلانية ، وكانت قريبة من الجامع ، ولا تزيديني على هذا شيئا ، ~~ولا تمرين بناحيتي . فقالت : أفعل . قال : وجاء هو ، وأخرج جبة صوف كانت ~~معه ، فلبسها ، وسراويل صوف ، ومئزرا جعله على رأسه . واعتمد اسطوانة في ~~الجامع بحيث يجتاز عليها أكثر الناس ، فلزمها يصلي نهاره أجمع ، وليله أجمع ~~، ولا يستريح إلا في الأوقات المحضورة فيها الصلاة ، وإذا جلس للراحة سبح ، ~~ولم ينطق بلفظة . ولم يشعر به أياما ، ثم تنبه على مكانه . وروعي مدة ، ~~وعرف خبره ، ووضعت العيون عليه ، فإذا هو لا يقطع الصلاة ، ولا يذوق ms279 الطعام ~~، فتحير أهل البلد في أمره . وكان لا يخرج من الجامع إلا في الهاجرة ، في ~~كل يوم دفعة ، حتى يمضي إلى تلك الميضأة ، فيبول ، ويعمد إلى تلك الآجرة ، ~~وقد عرفها ، وعليها ذلك المعجون ، وقد صار مستحيلا ، وصورته صورة الغائط ~~الناشف المستحيل ، فمن يدخل ويخرج ، لا يشك أنه غائط ، فيأكله ، ويقيم أوده ~~، ويرجع ، فإذا تمسح لصلاة العتمة في الليل ، شرب كفايته من الماء . وأهل ~~حمص يظنون أنه لا يذوق الطعام ، وأنه طاو طول تلك المدة . PageV02P061 # """""" صفحة رقم 62 """""" # فعظم شأنه ومحله عندهم ، وقصدوه ، وكلموه ، فلم يجب ، وأحاطوا به ، فلم ~~يلتفت ، واجتهدوا في خطابه ، فلزم لهم الصمت والعمل . فزاد محله عندهم ، ~~حتى أنهم كانوا إذا خرج للطهور ، جاءوا إلى موضعه فيتمسحون به ، ويأخذون ~~التراب من موضع مشيه ، يحملون إليه المرضى فيمسح بيده عليهم . فلما رأى أن ~~منزلته قد بلغت إلى ذلك ، وكان قد مضى على هذا الفعل سنة ، اجتمع في ~~الميضأة مع امرأته ، وقال : إذا كان يوم الجمعة كما تصلي الناس ، فتعالي ، ~~فعلقي بي ، والطمي وجهي ، وقولي لي : يا عدو الله يا فاسق ، قتلت ابني ~~ببغداد ، وهربت إلى هاهنا ، وجئت تتعبد ، وعبادتك مضروب بها وجهك . ولا ~~تفارقيني ، وأظهري أنك تريدين قتلي بابنك ، فإن الناس يجتمعون عليك ، ~~وأمنعهم أنا من أذيتك ، وأعترف بأني قتلته ، وتبت ، وجئت إلى هاهنا ، ~~للعبادة والتوبة ، والنم على ما كان مني . فاطلبي قودي بإقراري ، وحملي إلى ~~السلطان ، فسيعرضون لك الدية فلا تقبليها ، أو يبذلوا لك عشر ديات ، أو ما ~~استوى لك بحسب ما تريدين من زيادتهم ، وحرصهم . فإذا تناهت عطيتهم في ~~افتدائي إلى حد يقع لك أنهم لا يزيدون بعده شيئا ، فاقبلي الفداء منهم ، ~~واجمعي المال ، وخذيه ، واخرجي من يومك عن البلد إلى طريق بغداد ، فإني ~~سأهرب ، وأتبعك . فلما كان من الغد جاءت المرأة ، فلما رأته ، فعلت به ما ~~قال لها ، ولطمته وقالت المقالة التي علمها . فقام أهل البلد ليقتلوها ، ~~وقالوا : يا عدوة الله ، هذا من الأبدال هذا من قوام العالم ، هذا قطب ~~الوقت ، هذا صاحب الزمان ، هذا ، هذا ms280 . فأومأ إليهم أن أبصروا ولا تنالوها ~~بسوء ، فاصبروا ، وأوجز صلاته ، ثم سلم ، وتمرغ في الأرض طويلا . ثم قال ~~للناس هل سمعتم لي كلمة منذ أمت فيكم ؟ فاستبشروا لسماع كلامه ، وارتفعت ~~صيحة عظيمة ، وقالوا : لا . قال : فإني إنما أقمت عندكم تائبا مما ذكرته ، ~~وقد كنت رجلا في زيغ وخسارة ، فقتلت ابن هذه المرأة ، وجئت إلى هاهنا ~~للعبادة ، وكنت محدثا PageV02P062 ~~"""""" صفحة رقم 63 """""" # نفسي بالرجوع إليها ، وطلبتها لتقيدني ، خوفا من أن لا تكون توبتي قد صحت ~~، وما زلت أدعو الله تعالى أن يقبل توبتي ، ويمكنها مني ، إلى أن أجيبت ~~دعوتي ، وقبل الله توبتي ، لما جمعني وإياها ، ومكنها من قودي ، فدعوها ~~تقتلني ، وأستودعكم الله تعالى . قال : فارتفعت الصيحة والبكاء . وقال له ~~هذا : يا عبد الله ادع لي . وقال له هذا : ادع لي . وأقبلت المرأة بين يديه ~~، وهو مار إلى والي البلد ، وهو يمشي على تأن ورفق ، ليخرج من الجامع إلى ~~دار الأمير ، فيقتله بابنها . فقال الشيوخ : يا قوم لم ضللتم عن مداواة هذه ~~المحنة ؟ وحراسة بلدكم بهذا العبد الصالح ؟ فارفقوا بالمرأة ، وسلوها قبول ~~الدية ، ونجعلها من أموالنا . فأطافوا بها ، وسألوها فقالت : لا أفعل . ~~قالوا : خذي ديتين . فقالت : شعرة من ابني بألف دية . فما زالوا حتى بلغوا ~~عشر ديات . فقالت : اجمعوا المال ، فإذا رأيته ، إن طاب قلبي بقبوله ، ~~والعفو عن الدم ، فعلت ، وإلا قتلت القاتل . فقالوا : نعم . فقال الرجل : ~~قومي عافاك الله ، ورديني إلى موضعي من الجامع . قالت : لا أفعل . قال : ~~فذاك إليك . فما زالوا يجمعون إلى أن جمعوا مائة ألف درهم ، فقالوا : خذيها ~~. قالت : لا أريد إلا قتل قاتل ابني ، فهو آثر في نفسي . فأقبل الناس يرمون ~~بثيابهم ، وأرديتهم ، وخواتيمهم ، والنساء بحليهن ، والرجال كل يرمي بشيء ~~من متاعه ، ومن لم يتحمل من ذلك الفداء ، كان في أمر عظيم ، وكأنه قد خرج ~~من الدنيا . فأخذته ، وأبرأته من الدم ، وانصرفت . فأقام الرجل في الجامع ~~أياما يسيرة ، حتى علم أنها قد بعدت ، ثم هرب في بعض الليالي ، وطلب من غد ~~فلم يوجد ، ولا عرف له خبر ms281 . حتى انكشف لهم أنها حيلة عملها ، بعد مدة ~~طويلة . PageV02P063 # """""" صفحة رقم 64 """""" # صوفي سمع ، فطرب ، فتواجد ، فمات # رأيت ببغداد صوفيا يعرف بأبي الفتح ، أعور ، في مجلس أبي عبد الله ابن ~~البهلول ، يقرأ بألحان ، قراءة حسنة ، وصبي يقرأ ' أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر ' . فزعق الصوفي : بلى ، بلى ، دفعات ، وأغمي عليه طول المجلس ~~، وتفرق الناس عن الموضع . وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها ، فلم يكن ~~الصوفي أفاق ، فتركته مكانه ، فما أفاق إلى قرب العصر ، ثم قام . فلما كان ~~بعد أيام ، سألت عنه فعرفت أنه حضر عند جارية بالكرخ ، تقول بالقضيب ، ~~فسمعها تقول الأبيات التي فيها : وجهك الميمون حجتنا . . . حين تأتي الناس ~~بالحجج فتواجد ودق صدره ، إلى أن أغمي عليه ، فسقط . فلما انقضى المجلس ، ~~حركوه ، فوجدوه ميتا ، فشالوه ، ودفنوه ، واستفاض الخبر بهذا وشاع . ~~والأبيات لعبد الصمد بن المعذل ، وهي في أمالي الصولي عنه بإسناد ثابت في ~~أصول سماعاتي : يا بدع الدل والغنج . . . لك سلطان على المهج إن بيتا أنت ~~ساكنه . . . غير محتاج إلى السرج لا أتاح الله لي فرجا . . . يوم أدعوا منك ~~بالفرج وجهك المأمول حجتنا . . . يوم تأتي الناس بالحجج والصوفية ، إذا ~~قالوا : وجهك المأمول ، يقبلونه إلى ما لهم في ذلك من المعاني . وكانت قصة ~~هذا الرجل ، وموته في سنة خمسين وثلثمائة ، وأمره من مفردات الأخبار . ؟ PageV02P064 # """""" صفحة رقم 65 """""" # مكديان بغداديان يحتالان على الناس # حدثني جماعة من شيوخ بغداد : إنه كان بها في طرفي الجسر سائلان أعميان ، ~~يتوسل أحدهما بأمير المؤمنين علي عليه السلام ، والآخر بمعاوية ، ويتعصب ~~لهما الناس ، وتجيئهما القطع دارة . فإذا انصرفا جميعا ، اقتسما القطع ، ~~وإنهما كانا شريكين ، يحتالان بذلك على الناس . كلنا صيادون لكن الشباك # تختلف حدثني أبو أحمد عبد السلام بن عمر بن الحارث ، قال : جاء رجل من ~~الصوفية إلى بجكم وهو بواسط ، فوعظه ، وتكلم عليه بالفارسية والعربية ، حتى ~~أبكاه بكاء شديدا . فلما ولى من بين يديه خارجا ، قال بجكم لبعض من بحضرته ~~: احمل معه ألف درهم ، وادفعها إليه . قال : فحملت ، فأقبل بجكم على من بين ms282 ~~يديه ، فقال : ما أظنه يقبلها وهذا محترق بالعبادة ، أيش يعمل بالدراهم . ~~قال : فما كان بأسرع من أن رجع رسوله الذي كان أنفذه بالدراهم ، فارغ اليد ~~. فقال له بجكم : أي شيء عملت ؟ قال : أخذت إليه الدراهم ، وأعطيته إياها . ~~قال بجكم : فأخذها ؟ قال : نعم . فعض بجكم على شفتيه ، وقال : إنا لله ، ~~حيلة تمت على ، # كلنا صيادون لكن الشباك تختلف # . PageV02P065 # """""" صفحة رقم 66 """""" # تاجر يتحدث عن صفقة عقدها وراء باب الأبواب # وحدثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب ، عن رجل من التجار ~~الموغلين في الأسفار ، قال : سافرت إلى وراء باب الأبواب بمسافة بعيدة ومعي ~~متاع . فبلغت أرضا لها أهل بيض شقر ، مرط ، دقاق ، قصر ، عراة ، قليلوا ~~الأظفار ، لغتهم لغة غير الفارسية والتركية ، لا أعرفها ، لا أعرفها ، لا ~~ورق ، في بلادهم ، ولا عين ، وإنما يتعاملون بالأمتعة ، والأغلب عندهم ~~الغنم . فحملت إلى ملكهم ، فعرضت عليه ما معي ، فاستحسن منه ثوب ديباج كان ~~معي ، منقط ، فسألني عن ثمنه ، فاستمت مالا كثيرا . فقال لي : لا مال عندنا ~~، وإنما هي هذه الأمتعة ، فإن صلحت لك ، فخذ ما شئت . فقلت : لا تصلح لي . ~~فقال : فالغنم ؟ فقلت : كم عساك تعطيني ؟ فقال : حكمك . فقلت : بعدد كل ~~نقطة في الثوب شاة . فقال : قد أجبتك . فأخذت أعد النقط ، فلم ينضبط لي ذلك ~~، وجهد جميع من عنده في هذا ، فتعذر عليهم . فقال لي : ما نعمل الآن ، قد ~~تعبنا ، وأتعبناك في شيء لا يصح ، فهممت بحمل الثوب والانصراف . ففكر ساعة ~~، ثم قال لترجمانه : قل له يبسط الثوب . وكان له ترجمانان ، يكلم أحدهما ~~بلغته ، فيكلم الترجمان ، ترجمانا آخر ، بلغة أخرى ، فيكلمني ذاك بالفارسية ~~، فأفهم . PageV02P066 # """""" صفحة رقم 67 """""" # قال : فبسطت الثوب ، وأمر الملك ، فأضر كل ما قدر عليه من حصى صغار ~~وأحجار لطيف ، فترك على كل نقطة حصاة ، حتى امتلأ الثوب بالحصى والحجارة ~~اللطاف ، فوق النقط . ثم أمر بجمع أمر عظيم من الغنم ، وأوقفت بحضرته ، ~~وأمر رجالا أن يجلسوا ، ورجالا أن يقوموا ، فجلس بعضهم على الثوب . فكانوا ~~يأخذون حصاة حصاة فيلقونها عن الثوب ، فكلما ألقى من ms283 الجلوس رجل حصاة ، أخذ ~~رجل من القيام ، شاة من الموضع الذي فيه الغنم إلى رحلي ، وسلمت إلى أصحابي ~~، حتى استوفيت على عدد الحصى الذي كان فوق الثوب ، بكل نقطة شاة . قال : ~~فاستحسنت فطنته لذلك ، فقلت للتراجم : قولوا له : ما أنصرف إلى بلدي بشيء ~~أحسن من فطنة الملك ، لاستخراج هذا ، فكيف وقع له هذا وهو لا يلابس مثله ؟ ~~وأنا تاجر ، ما وقع لي ، ولا لجميع أهل مملكته . قال : فأعجبه قولي ، وقال ~~: إنك لما أردت الانصراف ، تأسفت على ما يفوتني من الثوب ، ففكرت ، والملوك ~~لا بد أن يدبرهم الملك ، ويسير لهم مزية في حيل الرأي في الحوادث التي ~~تطرقهم ، ليست لغيرهم ، لأن أفكارهم صافية من الاهتمام بما يهتم به غيرهم ~~من المعايش ، موقوفة على مصالح المملك ، ومداراة الخوارج ، أو على الشهوات ~~، قد ما شغلوا به نفوسهم ، وليس يتحصل لواحد منهم الملك ، إلا لشرفه ، ~~ومعنى قد فضل به ، وتقدم من أجله ، إما بسعادة تخدمه ، أو بفضل في نفسه ، ~~فلما رأيت أن الثوب يريد أن يفوتني ، فكرت ، كيف الحيلة في عد النقط ، فوقع ~~لي ما رأيت . فقلت له : أيها الملك ، فائدتي بما سمعته منك ، من هذا الكلام ~~، أحب إلي من فائدتي بما ربحته عليك من ثمن الثوب . قال : فأجازني بجائزة ~~سنية ، وأصحبني من آنسني ، وخدمني في طريقي ، وحمل معي تلك الغنم ، إلى أن ~~خرجت من أعماله ، فبعنها بمال عظيم . PageV02P067 # """""" صفحة رقم 68 """""" # أبو علي الأنباري والطبيب يوحنا الأهوازي # حدثني أبو علي الأنباري ، قال : كنت بحضرة أبي يوسف البريدي ، فكتبت كتبا ~~كثيرة ، وحمي النهار فقمت ضجرا ، أمشي في الصحن الأعظم من الدار ، فلقيت ~~يوحنا الطبيب الأهوازي النصراني ، فقال : يا أبا علي افتصد الساعة ، وإلا ~~طعنت . فقلت : أمس افتصدت . قال : فحل إزارك ، وسراويلك . قال : فوقفت ، ~~وفعلت ذلك . فقال لي : لو لم يتغير لونك إلى الإسفار ، لفصدتك ثانية . قال ~~: فعجبت من فطنته واجتماع الدم في وجهي ، ومعالجته بسرعة . # طبيب يتحدث عن بعض خواص النارنج # وحدثني أبو علي ، قال : دخل يوحنا يوما إلى داري ، وبحضرتي مطاولات كثيرة ~~، فيها ms284 نارنج ، فحين رآها ، قال يوحنا : منذ كم هذه الأطباق عندك ؟ فقلت : ~~منذ أيام . فقال : إنا لله ، تقدم برفعها الساعة ، وإلا لم أجلس وهي أمامي ~~. فقلت : شيلوها . ثم قلت : ما السبب في هذا ؟ فقال : إن النارنج خاصيته أن ~~يرعف ، وإنه لا يرعف أحد عقيب إدمانه شمه رعافا يكون سببه شمه أو بالاتفاق ~~، إلا يدوم رعافه إلى أ، يموت ، فلا حيلة فيه . PageV02P068 # """""" صفحة رقم 69 """""" # من شعر أبي القاسم الصروي # أنشدني أبو القاسم الصروي لنفسه : ويوم كيوم البين حرا قطعته . . . على ~~سابح طاوي الأياطل سابق أخوض عليه جمرة القيظ حاسرا . . . كأني على الهجران ~~في قلب عاشق الجزء الثالث # الأمين لا يتهم # حدثني أبو العباس محمد بن نصر الشاهد ، قال : كان أبو عبد الله جعفر بن ~~قاسم الكرخي ، كتب إلى أبي جعفر بن معدان ، أن يختار له وكيلا ، ينظر له في ~~ضيعته بالأهواز ، فاختار له عمر بن محمد الأشجعي ، صاحبه ، فنظر في الضيعة ~~سنين . ثم ولي الكرخي الأهواز ، ووردها ، فطالب الأشجعي بالحساب ، فرفعه ، ~~وتتبعه كاتبه ، فخرجوا عليه فيه ستة آلاف دينار . فأمر الكرخي ، فلوزم ~~الأشجعي في دهليزه ، وطولب بالمال ، فكتب إلى ابن معدان بخبره . قال : وكان ~~رسم الكرخي ، أن يستدعي أبا جعفر بن معدان ، في كل يوم ، إلى طعامه ، ~~فاستدعاه في ذلك اليوم ، فتأخر ، وراسله ، بأنه من كان صاحبه ، وثقته ، ~~واختياره ، متهما ، مسلطا عليه محالات الكتاب ، معتقلا ، لا يستدعي ~~للمراكلة . قال : فامتنع الكرخي من الأكل ، وأنفذ إليه الأشجعي ، مع كاتب ~~له ، والحساب ، وقال : والله ما كنت بالذي أدع محالا يستمر على صاحبك ، وما ~~أخرج عليه إلا شيئا صحيحا ، وقد يجوز أن يكون ضيع ذلك ، ولم يتناوله ، ~~ولعمري إن من يكون اختيارك ، وثقتك ، لا يخون ، ولم يك ملازما ، وإنما ~~أجلسته انتظارا لك ، لتجيء فتدبر أمره ، وإذا كان ذلك قد شق عليك ، فمالي ~~لك ، وهذا الرجل والحساب ، إن شئت أن تستوفي لي ذلك ، أو بعضه ، أو تدعه ~~جميعه ، فافعل ، ولا تتأخر عني ، فلست آكل ، أو تجيء . قال : فأطلق الأشجعي ~~إلى منزله ، وركب هو إلى الكرخي ms285 ، ثم لم يعاود أحدهما صاحبه في معنى ~~الأشجعي بكلمة ، وفاز بالدنانير . ومضت القصة على ذلك . PageV02P069 # """""" صفحة رقم 70 """""" # يرى مناما فيمزق كتابا # حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن مروان ، قال : حدثني ~~خالي محمد بن هارون ، قال : قال لي بعض أصحابنا : كنت في بعض الليالي ، ~~أنظر في كتاب التشريح لجالينوس ، فغلبتني عيني ، فرأيت هاتفا ، يهتف بي ، ~~ويقرأ : ' ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ، ولا خلق أنفسهم ، وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا ' . فاستيقظت ، ومزقت الكتاب . PageV02P070 # """""" صفحة رقم 71 """""" # القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه # وحدثني القاضي أبو بكر ، قال : حدثني مكرم بن بكر ، قال : كنت في مجلس ~~أبي خازم القاضي ، فتقدم رجل شيخ ، ومعه غلام حدث ، فاستدعى الشيخ عليه ألف ~~دينار عينا دينا . فقال له : ما تقول ؟ . فأقر . قال : فقال للشيخ : ما ~~تشاء ؟ قال : حبسه . فقال للغلام : قد سمعت ، فهل لك في أن تنقده البعض ، ~~وتسأله الإنظار ؟ قال : لا . فقال الشيخ : إن رأى القاضي أن يحبسه . قال : ~~فتفرس أبو خازم فيهما ساعة ، ثم قال : تلازما ، إلى أن أنظر بينكما في مجلس ~~آخر . قال : فقلت لأبي خازم ، وكانت بيننا مودة وأنسة : لم أخر القاضي حبسه ~~؟ فقال : ويحك إني أعرف في أكثر الأحوال ، في وجوه الخصوم ، وجه المحق من ~~المبطل ، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطىء ، وقد وقع لي أن سماحة هذا ~~بالإقرار ، هي عن بلية ، وأمر يبعد عن الحق ، وليس في ملازمتهما بطلان حق ، ~~ولعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء ، أكون معه في الحكم على ثقة ، أما رأيت ~~قلة تغاضبهما في المناظرة ؟ وقلة اختلافهما ؟ وسكون جأشهما ، مع عظم المال ~~، وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع ، حتى يقر مثل هذا طوعا ، عجلا ، بمثل ~~هذا المال . قال : فبينا نحن كذلك نتحدث ، إذ استؤذن على أبي خازم ، لبعض ~~وجوه تجار الكرخ ، ومياسيرهم ، فأذن له ، فدخل ، وسلم عليه ، وسبب لكلامه ، ~~فأحسن ، ثم قال : قد بليت بابن لي حدث ، يتلف مالي في القيان والبلاء ، عند ~~مقين يعرف بفلان ، - وأسماه - فإذا منعته ms286 مالي ، احتال بحيل تضطرني إلى غرم ~~له ، وإن عذلته عن ذلك ، PageV02P071 ~~"""""" صفحة رقم 72 """""" # وعددت حالي معه ، طال ، وأقربه اليوم ، إنه قد نصب المقين ، ليطالبه بألف ~~دينار عينا ، ويجعل ذلك دينا حالا ، وبلغني أنه قد تقدم إلى القاضي ، ~~فيطالبه ، فيحبس ، وأقع مع أمه في بلية وتنغيص عيش ، إلى أن أؤدي ذلك عنه ~~إلى المقين ، فإذا قبضه المقين ، حاسبه به من الجذور . ولما سمعت ذلك ، ~~بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر ، فيداويه بما يشكره الله تعالى عليه ، ~~فجئت ، فوجدتهما على الباب . فحين سمع أبو خازم ذلك ، تبسم ، وقال لي : كيف ~~رأيت ؟ قال : فقلت : هذا ، ومثله ، من فضل الله عز وجل ، على مولانا القاضي ~~وجعلت أدعو له . فقال : علي بالغلام والشيخ ، فأدخلا . فأرهب أبو خازم ~~الشيخ ، ووعظ الغلام ، فأقر الشيخ أن الصورة كما بلغت القاضي ، وأن لا شيء ~~له عليه . وأخذ الرجل بيد ابنه ، وانصرفا . # أبو جدي كنية التيس # قال لي القاضي : كان مكرم هذا ، من فضلاء الرجال ، وعلمائهم ، وكنت أرى ~~رجلا يدعوه : أبا جدي . فقلت له : ما غرضك ؟ فقال : ألست تعلم أن أبا الجدي ~~، هو التيس . PageV02P072 # """""" صفحة رقم 73 """""" # لأبي علي الحاتمي في الأمير سيف الدولة # أنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي ، قصيدة له في سيف ~~الدولة ، وهي : دنو فراق خلف الصبر نائيا . . . ووجد محب غادر الدمع جاريا ~~وقفت بمغنى الشوق أنشد أهله . . . فحاكى بلى جسمي هناك المغانيا حكى نفسي ~~فيها صباها وأدمعي . . . حياها وأعضاي الطلول البواليا يذكر فيها : وكفل ~~أرواح العداة إلى الوغى . . . حساما مليا بالذي رام وافيا له صفحة تنبو على ~~أن حده . . . يبيد أعاديه ويغني المواليا كذا النار تهدي في الضلالة ساريا ~~. . . وتحرق من عادت ، وتنفع صاليا جعلت الظبى كأسا تدير دم العدى . . . ~~ووقع الظبى الألحان والحرب ساقيا فإن كان بيت المال أصبح عاطلا . . . لديك ~~فقد أضحى بك المجد حاليا PageV02P073 ~~"""""" صفحة رقم 74 """""" # ما قاله أحد ملوك الهند # أنشدني أحمد بن عبد الله المعروف بالبختري ، القاضي ، البغدادي ، لأبي ~~العلاء صاعد بن ثابت ، قال أنشدني لنفسه ms287 : ثنتان من همتي ما ينقضي أسفي . . ~~. عليهما أبدا من خيفة الفوت لم أحب منتجع الدنيا بجملتها . . . ولا حميت ~~الورى من صولة الموت فاجتمعت مع أبي العلاء صاعد ، بعد ذلك ، بواسط ، في ~~جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلثمائة ، فسألته عن البيتين ، فقال : غلط علي ~~، وما أخبرته أنهما لي . فقلت : فلمن هما ؟ . فقال : كان أبو الحسن داود ، ~~كاتب الوقف بالبصرة ، حدثني ، بإسناد ذهب عني : إن ملكا من ملوك الهند ، ~~حارب ملكا ، فقتل في المعركة ، فألفاه بعض أصحابه طريحا بين القتلى ، وفيه ~~بقية من الروح ، فنزل إليه ، فقال : هل لك حاجة ؟ فأنشده لنفسه شعرا ، فسر ~~، ونقل ، فكان هذان البيتان ، في جملة الشعر . PageV02P074 # """""" صفحة رقم 75 """""" # من شعر أحد الكتاب في بيمارستان البصرة # أخبرني أبو القاسم حسين بن محمد بن نبيل ، كهل كان من أولاد الجند ببغداد ~~، فخرج إلى الأهواز ، وأقام بها يكتب لعلي بن أحمد الخراساني ، حاجب معز ~~الدولة ، وكان أديبا سماعة لكتب أهل الأدب ، وكان إمامي المذهب ، قال : ~~رأيت في بيمارستان البصرة ، رجلا من الكتاب محبوسا ، يقول الشعر ، فأنشدني ~~لنفسه : أدافع نفسي بالتعلل والصبر . . . وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر ~~وأرجو غدا حتى إذا جاءني غد . . . تزايد بي همي فيسلمني صبري فلا الهم ~~يسليني ولا الغم ينقضي . . . ولا فرح يأتي سوى أدمع تجري إلى الله أشكو ما ~~ألاقي فإنه . . . عليم بأني قد تحيرت في أمري قال : وأنشدني لنفسه أيضا : ~~أي شيء يكون أقبح منا . . . إن نقضنا عهد الإخاء وخنا إن في حرمة المودة أن ~~نغ . . . ضي جميعا على الخيانة منا وإذا ما أصابنا الدهر بالعي . . . ن ~~رددناه بالتغافل عنا قال : وأنشدني لنفسه : ما بال دمعك ، أين الدمع يا ~~عيني . . . عسى أصابتك عين الدهر بالعين إني لأجزع من فقد البكاء كما . . . ~~قد كنت أجزع قبل البين للبين PageV02P075 ~~"""""" صفحة رقم 76 """""" # مدائح قيلت في أبي القاسم التنوخي والد المحسن # كان يلزم أبي ، بالأهواز ، شاعر يعرف بأبي الخير ، صالح بن لبيب ، فدخل ~~إليه يوما ، وأنا حاضر ، فأعطاه رقعة صغيرة ، فقرأها أبي ، وتبسم ، وأمر له ~~في الحال ms288 بدراهم ، وانصرف . فأخذت الرقعة ، فإذا هي بخطه ، وفيها : يا من ~~أراق له السماح ندى . . . أضحى به الأحرار في رق فضلا سبقت العالمين به . . ~~. والفضل مقصور على السبق ألزمت نفسك غير لازمها . . . وعرفت لي حقين لا ~~حقي ودخل إليه يوما شاعر يعرف بالهمذاني ، لا أعرف اسمه ، ولا نسبه ، فدفع ~~إليه رقعة ، فيها : كفى القاضي رضاي بما ارتضاه . . . ولم أذمم رضاي ولا ~~رضاه فأمر له في الحال ، بجائزة سنية . PageV02P076 # """""" صفحة رقم 77 """""" # من نظم عضد الدولة # أنشدني غير واحد ، من الشيرازيين ، للأمير عضد الدولة ، أبي شجاع بن ركن ~~الدولة ، أبي علي : بهطة قصر عن وصفها . . . من يدعي الأوصاف بالزور كأنها ~~في الجام مجلوة . . . لآلىء في ماء كافور وله أيضا : رأيت بساطا للزبرجد ~~ناضرا . . . قد أبرز أطرافا تعد قحافا قحافا من البلور ملأى وفرغا . . . ~~وممزوجة فيه رفعن سجافا تدير رؤوسا للندامى كؤوسها . . . وتترك أحلام ~~الحليم سخافا وقال أيضا : نحرنا بيننا دنا . . . فعاد الليل إصباحا وداجا ~~نحره مثل ال . . . غرابين إذا صاحا # من رسالة لأبي القاسم التنوخي # حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت ، قال : كتب إلي القاضي أبو القاسم علي بن ~~محمد التنوخي ، جواب كتاب كتبته إليه : وصل كتابك . فما شككت وقد جاء ~~الرسول به . . . أن الشباب أتاني بعدما ذهبا PageV02P077 ~~"""""" صفحة رقم 78 """""" # كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة # حدثني أبو يعلى محمد بن يعقوب البريدي الكاتب ، قال : لما قصدت سيف ~~الدولة أكرمني ، وأنس بي ، وأنعم علي ، وكنت أحضر ليلا في جملة من يحضر . ~~قال : فقل لي ليلة من الليالي : كان قتل أبيك ، أبرك الأشياء علي . فقلت : ~~كيف ذاك ، أطال الله بقاء مولانا ؟ قال : لما رجعنا من بغداد ، اقتصر بي ~~أخي ناصر الدولة ، على نصيبين ، فكنت مقيما فيها ، ولم يكن ارتفاعها يكفيني ~~، فكنت أدافع الأوقات ، وأصبر على مضض من الإضاقة مدة . ثم بلغتني أخبار ~~الشام ، وخلوها إلا من يأنس المؤنسي ، وكون ابن طغج بمصر بعيدا عنها ، ~~ورضاه بأن يجعل يأنس عليها ، ويحمل إليه الشيء اليسير منها ، ففكرت في جمع ~~جيش ms289 ، وقصدها ، وأخذها ، وطرد يأنس ، ومدافعة ابن طغج ، إن سار إلي ، بجهدي ~~، فإن قدرت على ذلك ، وإلا كنت قد تعجلت من أموالها ، ما تزول به إضاقتي ~~مدة ، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلا بالمال ، وليس لي مال ، فقلت : أقصد أخي ~~، وأسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه ، يزيح هو علتهم ، ويعطيني شيئا من ~~المال ، وأخرج بهم ، فيكون عملي ، زائدا في عمله ، وعزه . قال : وكانت ~~تأخذني حمى ربع ، فرحلت إلى الموصل على ما بي ، ودخلت إلى أخي ، وسلمت عليه ~~. فقال : ما أقدمك ؟ فقلت : أمر أذكره بعد . فرحب ، وافترقنا . فراسلته في ~~هذا المعنى ، وشرحته له ، فأظهر من المنع القبيح ، والرد الشديد ، غير قليل ~~. ثم شافهته ، فكان أشد امتناعا . وطرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه ~~في مثل هذا ، فردهم . PageV02P078 # """""" صفحة رقم 79 """""" # قال : وكان لجوجا ، إذا منع من الأول ، شيئا يلتمس منه ، أقام على المنع ~~. قال : ولم يبق في نفسي ، من يجوز أن أطرحه عليه ، وأقدر أنه يجيبه ، إلا ~~امرأته الكردية ، والدة أبي تغلب . قال : فقصدتها ، وخاطبتها في حاجتي ، ~~وسألتها مسألته . فقالت : أنت تعلم خلقه ، وقد ردك ، وإن سألته عقيب ذلك ، ~~ردني أيضا ، فأخرق جاهي عنده ، ولم يقض الحاجة ، ولكن أقم أياما ، حتى أظفر ~~منه ، في خلال ذلك ، بنشاط ، أو سبب أجعله طريقا للكلام ، والمشورة عليه ، ~~والمسألة له . قال : فعلمت صحة قولها ، فأقمت . قال : فإني جالس بحضرته ~~يوما ، إذ جاءه براج ، بكتاب طائر ، عرفه سقوطه من بغداد . فلما قرأه ، ~~اسود وجهه واسترجع ، وأظهر قلقا وغما ، وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ~~يا قوم ، المتعجرف ، الأحمق ، الجاهل ، المبذر ، السخيف الرأي ، الرديء ~~التدبير ، الفقير ، القليل الجيش ، يقتل الحازم ، المرتفق ، العاقل ، ~~الوثيق الرأي ، الضابط ، الجيد التدبير ، الغني ، الكثير الجيش ؟ إن هذا ~~لأمر عجيب . قال : فقلت له : يا سيدي ما الخبر ؟ فرمى بالكتاب إلي ، وقال : ~~قف عليه . فإذا هو كتاب خليفته ببغداد ، بتاريخ يومه ، يقول : في هذه ~~الساعة ، تناصرت الأخبار ، وصحت بقتل أبي عبد الله البريدي ، أخاه أبا يوسف ~~واستيلائه على البصرة . قال : فلما قرأت ذلك ms290 ، مع ما سمعته من كلامه ، مت ~~جزعا وفزعا ، ولم أشك أنه يعتقدني كأبي عبد الله البريدي ، في الأخلاق التي ~~وصفه بها ، ويعتقد في نفسه أنه كأبي يوسف ، وقد جئته في أمر جيش ومال ، ولم ~~أشك أن ذلك سيولد له أمرا في القبض علي ، وحبسي ، فأخذت أداريه ، وأسكن منه ~~، وأطعن على أبي عبد الله البريدي ، وأزيد في الاستقباح لفعله ، وتعجيز ~~رأيه ، إلى أن انقطع الكلام . ثم أظهرت له ، إنه قد ظهرت الحمى التي تجيئني ~~، وإنه وقتها ، وقد جاءت ، فقمت ، فقال : يا غلمان ، بين يديه . PageV02P079 # """""" صفحة رقم 80 """""" # فركبت دابتي ، وحركت إلى معسكري ، وقد كنت منذ وردت ، وعسكري ظاهر البلد ~~، ولم أنزل دارا . قال : فحين دخلت إلى معسكري ، وكان بالدير الأعلى ، لم ~~أنزل ، وقلت لغلماني : ارحلوا ، الساعة ، الساعة ، ولا تضربوا بوقا ، ~~واتبعوني . وحركت وحدي ، فلحقني نفر من غلماني ، وكنت أركض على وجهي ، خوفا ~~من مبادرة ناصر الدولة إلي بمكروه . قال : فما عقلت ، حتى وصلت إلى بلد ، ~~في نفر قليل من أهل معسكري ، وتبعني الباقون . فحين وردوا ، نهضت للرحيل ، ~~ولم أدعهم أن يراحوا ، وخرجنا . فلما صرنا على فرسخ من بلد ، إذا بأعلام ~~وجيش لا حقين بنا ، فلم أشك أن أخي أنفذهم للقبض علي . فقلت لمن معي : ~~تأهبوا للحرب ، ولا تبدؤوا ، وحثوا السير . قال : فإذا بأعرابي ، يركض وحده ~~، حتى لحق بي ، وقال : أيها الأمير ، ما هذا السير المحث ؟ خادمك دنحا ، قد ~~وافى برسالة الأمير ناصر الدولة ، ويسألك أن تتوقف عليه حتى يلحقك . قال : ~~فلما ذكر دنحا ، قلت : لو كان شرا ، ما ورد دنحا فيه . فنزلت ، وقد كان ~~السير كدني ، والحمى قد أخذتني ، فطرحت نفسي لما بي ، ولحقني دنحا ، وأخذ ~~يعاتبني على شدة السير ، فصدقته عما كان في نفسي . فقال : اعلم أن الذي ~~ظننته انقلب ، وقد تمكنت لك في نفسه هيبة ، بما جرى ، وبعثني إليك برسالة ، ~~يقول لك : إنك قد كنت جئتني تلتمس كيت وكيت ، فصادفت مني ضجرا ، وأجبتك ~~بالرد ، ثم علمت أن الصواب معك ، فكنت منتظرا أن تعاودني في المسألة ، ~~فأجيبك ، فخرجت من غير ms291 معاودة ولا توديع ، والآن ، إن شئت فأقم بسنجار ، أو ~~بنصيبين ، فإني منفذ إليك ما التمست من المال والرجال ، لتسير إلى الشام . ~~قال : فقلت لدنحا : تشكره ، وتجزيه الخير ، وتقول كذا وكذا ، أشياء واقفته ~~عليها ، وتقول : إني خرجت من غير وداع ، لخبر بلغني في الحال ، من طروق ~~الأعراب PageV02P080 ~~"""""" صفحة رقم 81 """""" # لعملي ، فركبت لألحقهم ، وتركت معاودة المسألة تخفيفا ، فإذا كان قد رأى ~~هذا ، فأنا ولده ، وإن تم لي شيء ، فهو له ، وأنا مقيم بنصيبين ، لأنتظر ~~وعده . قال : وسرت ، ورجع دنحا ، فما كان إلا أيام يسيرة ، حتى جاءني دنحا ~~، ومعه ألف رجل ، قد أزيحت عللهم ، وأعطوا أرزاقهم ونفقاتهم ، وعرضت دوابهم ~~وبغالهم ، ومعهم خمسون ألف دينار ، وقال : هؤلاء الرجال ، وهذا المال ، ~~فاستخر الله ، وسر . قال : فسرت إلى حلب ، وملكتها ، وكانت وقائعي مع ~~الأخشيدية ، بعد ذلك ، المعروفة ، ولم تزل بيني وبينهم الحرب ، إلى أن ~~استقرت الحال بيننا ، على أن أفرجوا لي عن هذه الأعمال ، وأفرجت لهم عن ~~دمشق ، وما وراءها ، وأمنت ناصر الدولة ، واستغنيت عنه . وكل ذلك ، فسببه ~~قتل عمك لأبيك . # لأبي علي الحاتمي # يمدح أنشدني أبو علي الحاتمي ، فصلا من رسالة عملها إلى بعض الرؤساء في ~~صفته : أفكاره همم إيعاده نقم . . . وعوده قسم تأميله عصم ألفاظه حكم ~~أوطانه حرم . . . ألحاظه نعم آلاؤه ديم تبغي الخلائق أن يحصوا فضائله . . . ~~ودون ذلك ما تستنفذ الكلم ولو أرادوا جميعا كتم معجزه . . . أبى له الله ما ~~يأتون والكرم تبغي مجاراته في فعله بشر . . . قد قصرت منهم عن كعبه القمم ~~وكيف يسطاع فعل أو يرام علا . . . ما ليس تدركه الأوهام والفهم PageV02P081 ~~"""""" صفحة رقم 82 """""" # يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # حدثني بعض الأهوازيين ، قال : رأيت أبا الحسن المنبري ، الشامي ، الطائي ~~، الشاعر ، بالأهواز ، على باب الحسن بن علي المنجم ، وهو عاملها ، يتردد ~~مدة ، وكان قد امتدحه . قال : فتذاكرنا شدة تلون أخلاق المنجم ، وجنونه ، ~~ونواميسه في وقت ، وعدوله عن ذلك في وقت آخر . ثم قلت له : فأين أنت منه ؟ ~~فقال : ما آيس من رده ، ولا أطمع في وعده . قلت أنا : وهذا ms292 كأنه مأخوذ من ~~الأبيات التي هجي بها الحسن بن رجاء ، وهي مشهورة ، فلذلك لم أوردها على ~~جملتها . والأخير من الأبيات هو : لكنها خطرات من وساوسه . . . يعطي ويمنع ~~لا بخلا ولا كرما # بحث في معرفة السارق # حكي لي عن بعض الصالحين ، في إخراج السرق ، قال : تأخذ قدحا فيه ماء ، ~~وتأخذ خاتما ، فتشده فيه بشعرة ، وتدليه في القدح ، وتكتب خمس رقاع ، فيها ~~أسماء المتهمين بالسرقة ، وتكتب : السارق ، في القدح ، وتضع رقعة ، تكتب ~~فيها اسم من تتهمه ، على حرف القدح ، وتقرأ عليه : ' وإذ نتقنا الجبل فوقهم ~~كأنه ظلة ، وظنوا أنه واقع بهم ، خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه ، ~~لعلكم تتقون ' . فإذا ضرب الخاتم القدح ، نظرت في الرقعة ، فإن السارق ، هو ~~صاحب الاسم ، وإن لم يضرب القدح ، فتضع أخرى ، فإن السارق هو ، إذا ضرب . PageV02P082 # """""" صفحة رقم 83 """""" # آيات لإعادة الآبق # وقال لي في الآبق : تكتب فاتحة الكتاب مدورة ، ويكتب في وسطها ، ' كظلمات ~~في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج ، من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض ~~، إذا أخرج يده لم يكد يراها ، ومن لم يجعل الله له نورا . فما له من نور ' ~~، اللهم اجعل الأرض علوها ، وسفلها ، وسهلها ، وجبلها ، وبرها ، وبحرها ، ~~في قلب فلان بن فلان ، أضيق من مسك شاة ، حتى يرجع . # السرج واللجام في جهاز كل عروس # تذاكرنا في مجلس ببغداد ، حضره أبو علي محمد بن منصور الشاهد ، المعروف ~~بابن كردي ، حديث غلبة النساء على الرجال ، إلا النفر من الرجال . فقال لي ~~أبو علي : كان لنا شيخ فاضل ، من أهل القطيعة ، كان يضرب لنا في هذا مثلا ، ~~فيقول : إن في جهاز العروس إلى زوجها ، سرجا ولجاما ، فإذا انقضت أيام ~~العرس ، إن سبق الرجل إلى السرج ، فأسرج المرأة ، ووضع اللجام في رأسها ، ~~وركبها ، ملك عليها أمرها ، وإن تراخى لحظة ، وضعت هي السرج على قفاه ، ~~واللجام في فيه ، وركبته ، فلم تنزل عنه ، إلا بطلاق أو موت . PageV02P083 # """""" صفحة رقم 84 """""" # الوزير عبيد الله بن سليمان واليهودي سهل بن نظير # حدثني أبو الفضل محمد بن ms293 عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي ، قال : ~~حدثني سهل بن نظير اليهودي الجهبذ ، قال : حدثني جدي سهل بن نظير ، وكان ~~يتجهبذ للوزير على قديم السنين ، منذ أيام الفتنة ، وإلى أن مات ، قال : ~~لما نكب عبيد الله بن سليمان ، بعد كتبته للموفق ، النكبة العظيمة ، كنت ~~أتوسم فيه الرفعة ، وعلو الحال ، فكنت أحمل إلى عياله ، في كل شهر مائة ~~دينار ، وهو في الحبس ، ثم أطلق ، فكنت أحملها إليه ، إلى أن ولي الوزارة ، ~~فعرف لي ذلك ، وبلغ بي كل مبلغ ، وشكرني عليه أتم شكر . قال : ثم إن عبيد ~~الله ، نكب جرادة الكاتب ، وكانت قد جرت له علي الرئاسة ، وعلى الناس ~~والرؤساء ، وكان له إحسان سالف إلي كثير ، فكنت أحمل إلى عياله ، في كل شهر ~~، مائة دينار ، وأحدر به إلى البصرة . قال : فبلغ ذلك عبيد الله بن سليمان ~~، وأنا لا أعلم ، فدخلت إليه يوما ، فقال لي : يا سهل ، بارك الله لك في ~~عداوتنا . قال : فقلت له : أيها الوزير ، من أنا حتى أعاديك ، وأنا أخس كلب ~~ببابك ؟ قال : وأكثرت التنصل ، والتهيب ، وبكيت ، وقلت : يا سيدي ، ما هذا ~~الكلام ؟ إن كان شيء رقى إلى الوزير أيده الله ، عني ، واقفني عليه ، ولعل ~~عندي فيه ، حجة ، أو برهانا ، على بطلانه . قال : فقال لي : تحمل إلى عيال ~~جرادة ، في كل شهر مائة دينار . قال : فقلت : أيها الوزير ، أنا ما فعلت ~~هذا ، ولا تجاسرت عليه ، إنما فعله الرجل الذي كان يحمل إلى عيال الوزير - ~~أيده الله - مائة دينار في كل شهر رعاية لحق إحسانه إليه ، فرعى لجرادة ~~أيضا إحسانا له إليه أيضا ، فحمل إليه ، مثل ما كان يحمل ، إلى عيال الوزير ~~- أيده الله - . فاحمر وجهه خجلا ، وأطرق ، وسكت مليا ، ثم تصبب وجهه ~~بالعرق ، وقلت : قبض والله علي ، ونكبني . قال : فأسقطت . فرفع رأسه ، وقال ~~: أحسنت يا سهل ، ما ترى بعد هذا مني إنكارا ، ولا بقي في نفسي عليك شيء ، ~~فأجرهم على رسمهم ، ولا يوحشك ما خاطبتك به . PageV02P084 # """""" صفحة رقم 85 """""" # عاقبة الظلم # حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الله الأهوازي ms294 ، قال : حدثني أبو الفضل ~~البلخي الفقيه ، قال : حدثني الخليل بن أحمد السجستاني ، قاضيها قال : قدم ~~علينا صاحب جيش خراسان ، من قبل نصر بن أحمد ، ومعه خلق عظيم من الجيش ، ~~فملك سجستان ، وأكثر أصحابه الفساد في البلد ، وامتدت أيديهم إلى النساء في ~~الطرقات قهرا . قال : فاجتمع الناس إلي ، وإلى فلان الفقيه ، وقد ذكره ~~البلخي وأنسيته أنا ، وشكوا الحال ، فمضينا معهم إلى صاحب الجيش ، فدخلت ~~إليه ، أنا والفقيه ، وجماعة من رؤساء البلد ، وكان المبتدىء بالخطاب ، ~~الفقيه ، فوعظه ، وعرفه ما يجري . قال : فقال له : يا شيخ ، ما ظننتك بهذا ~~الجهل ، معي ثلاثون ألف رجل ، نساؤهم ببخارى ، فإذا قامت أيورهم ، كيف ~~يصنعون ؟ ينفذونها بسفاتج إلى حرمهم ؟ لا بد لهم أن يضعوها فيمن ها هنا كيف ~~استوى لهم ، هذا أمر لا يمكنني إفساد قلوب الجيش بنهيهم عنه ، فانصرف . قال ~~: فخرجنا . فقالت لنا العامة : أيش قال الأمير ؟ قال : وأعاد عليهم الفقيه ~~الكلام بعينه . فقالوا : هذا القول منه فسق ، وأمر بالفسق ، ومكاشفة بمعصية ~~الله تعالى ، فهل يحل لنا عندك قتاله بهذا القول ؟ فقال لهم الفقيه : نعم ، ~~قد حل لكم قتاله . قالوا : فتأذن ؟ قال : نعم . قال : فبادرت العامة ، ~~وانسللنا من الفتنة ، فلم نصل المغرب من تلك الليلة ، وفي البلد أحد من ~~الخراسانية . قال : لأنه اجتمع من العامة ، من لا يضبط عدده ، فقتلوا خلقا ~~عظيما من الخراسانية ، واستحر القتل فيهم ، ونهبت دار الأمير ، وطلبوه ~~ليقتلوه ، فأفلت على فرسه ، ومعه كل من قدر على الهرب ، ومضوا على وجوههم . ~~فما جاءنا بعدهم جيش من خراسان ، أصلا . PageV02P085 # """""" صفحة رقم 86 """""" # خراج الأهواز في سنة خمس وثلاثمائة # حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مهرويه ، المعروف بابن أبي علان ، قال ~~: حدثني أبي أبو القاسم ، قال : كنت أكتب لعبيد الله بن الحسن بن يوسف على ~~كور الأهواز ، فكتب علي بن عيسى يطالبنا بالحساب ، فتقدم إلى أبو أحمد عبيد ~~الله بن الحسن ، بعمله ، وبالخروج للمواقفة عليه ، وذلك في سنة ست وثلثمائة ~~. قال : فجمعت الحساب ، وعملت جماعة لسنة خمس وثلثمائة ، بارتفاع مال ~~الخراج بالأهواز ، وكورها ms295 ، سوى الضياع ، فكان مبلغ ذلك ، ستة عشر ألف ألف ~~وثمانمائة ألف درهم وكسر ، وكلها قد صح في الاستخراج ، ولم يبق للسلطان إلا ~~نيف وأربعين ألف درهم . قال : وكان مال الضياع ، يقارب هذا ، إلا أنه لم ~~يكن في حسابنا . PageV02P086 # """""" صفحة رقم 87 """""" # خضاب يسود الشعر # حدثني عبد الله بن عمر الحارثي ، قال : عجل علي المشيب ، فغمني ذلك ، ~~وفكرت في أن أخضب لحيتي ، فنمت ، فرأيت في النوم ، كأني أشاور طبيبا في ~~خضاب ، فقال لي : لا تحتاج إلى خضاب ، ولكن أصف لك شيئا يسود الشعر ويحفظ ~~لونه ، ويمنع من السواد أن يبيض ، خذ من دهن النارجيل العتيق ، وزن خمسة ~~دراهم ، ومن الإهليلج الأصفر ، وزن نصف درهم ، ومن النوشاذر ، وزن دانق ، ~~واسحق الجميع ، ودفه بالدهن حتى يختلط ، واطل به الشعر ، فإنه يسود . ~~فانتبهت ، وقد حفظت ذلك ، فعملته ، فاسود شعري ، وتأخر الشيب عني دهرا ~~طويلا . # طلاء يمنع الحبل # وحدثني ، قال : كنت في شبابي ، أتمتع بالجواري والمماليك ، فكان العزل ~~يثقل علي جدا ، فاشتريت جارية ، بدنانير كثيرة ، وكنت أخاف أن تحبل ، فيذهب ~~ثمنها ، فنمت مشغول القلب بذلك ، فأريت قائلا يقول : إذا أحببت أن لا تحمل ~~المرأة ، فخذ بنجا ، واسحقه ، واعجنه بلبن فرس ، وجففه ، واجعله في كيمخت ، ~~وعلقه على المرأة ، فإنها لا تحبل . فقلت له : ما سمعت هذا من طبيب . فقال ~~: إن أحببت أن تمتحن صحة ذاك ، فخذ هذا الدواء ، واجعله في قارورة ما ، ~~واجعلها على النار ، وأوقد تحتها ، فإنه لا يغلي ، ولو مكث سنة . قال : ~~وانتبهت ، وجربت ذلك ، فوجدته صحيحا . PageV02P087 # """""" صفحة رقم 88 """""" # الخليفة المعتضد يشهد على نفسه العدول # وحدثني أيضا الحارثي ، قال : حدثني أبي ، وكان يخدم في دار الموفق ، ~~والمعتضد بعده : إن المعتضد أراد أن يشهد على نفسه العدول ، في كتاب ، صدره ~~: هذا ما شهد عليه العدول جميعا ، أن أمير المؤمنين ، عبد الله ، أبا ~~العباس المعتضد بالله ، أشهدهم على نفسه ، في صحة منه ، وجواز أمر . وعرضت ~~النسخة ، على عبيد الله بن سليمان ، فضرب عليها ، وقال : هذا لا يحسن كتبه ~~عن الخليفة ، اكتبوا : في سلامة من جسمه ms296 ، وإصابة من رأيه . ؟ # الحارثي يستهدي النبيذ # قال لي الحارثي : استهديت من صديق لي نبيذا ، فأنفذ إلي نبيذا حامضا ، ~~فرددته عليه ، وكتبت إليه : الجيران ، أحق بهذا من الإخوان . # صفة نبيذ لا يسكر # ووصف لنا مرة ، نبيذا طريا شربه ، فقال : ' هو داء الفهم ، عمل من ثمر ~~البلاذر ' . أي هو لا يسكر ، لضعف فعله . PageV02P088 # """""" صفحة رقم 89 """""" # الكاتب ابن جبير يفاضل بين الوزير ابن الفرات والوزير علي بن عيسى # حدثنا أبو الفتح عبد الله بن محمد المروزي الكاتب ، قال : حدثني بعض شيوخ ~~الكتاب ، قال : قال ابن الفرات ، لأبي منصور بن جبير ، كاتبه ، أيما أكفأ ، ~~أنا ، أو علي بن عيسى ؟ فقال : الوزير أكفأ وأضبط . قال : دعني من هذا . ~~قال : تؤمنني ؟ قال : قد أمنتك . قال : علي بن عيسى ، إذا حضر بين يدي ~~الخليفة ، فأراد أن يكتب سرا له ، لم يحتج إلى غيره ، وكتب هو ، وسحا ، ~~وختم ، وخرط بيده وأنفذ العمل ، وأنت ، لا بد لك من زنجي ، ولوطي صاحب ~~دواته يقرأ ، فيبطل الأمر بظهور اثنين عليه . قال : فضلت عليا علينا . قلت ~~: لا والله يا سيدي ، ولكن يكون علي بن عيسى كاتبك . PageV02P089 # """""" صفحة رقم 90 """""" # دناءة نديم ، ولؤم أمير # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه : إن أبا القاسم البريدي ، أيام تقلده ~~الأمر بالبصرة ، شرب يوما ، وعنده جماعة من ندمائه ، فافتقد قحف بلور ، كان ~~معجبا به ، وطلبه الشرابية ، فلم يعرف له خبر . فحلف إنهم إن لم يحضروا ، ~~ضربهم بالمقارع . فقال له أحدهم : لا تعجل ، ولكن مر بإحضار كل من كان ~~البارحة حاضرا . فأمر بإحضارهم ، فجلسوا ، وأنفذ الغلام إلى منزل كل واحد ~~منهم ، برسالة منه ، أن أنفذوا القحف البلور ، الذي حملته إليكم البارحة . ~~فعاد أحد الرسل ، من دار أحدهم ، ومعه القحف . فافتضح ذلك النديم ، وسقط ~~محله . وهذا ، مضاد لما حكي عن بعض الأكاسرة ، إنه كان يشرب ، فوقعت عينه ~~على غلام من غلمانه ، وقد سرق صينية ذهب ، مع ما فيها ، وحملها ، فأمسك ~~الملك ، وفاز بها الغلام . فافتقدها الخزان في الغد ، وجاءوا في طلبها ، ~~فدعاهم ، وقال : لا تتعبوا في طلبها ms297 ، فقد أخذها من لا يردها ، ورآه من لا ~~ينم عليه . قال : فأمسكوا . فلما كان بعد سنة ، كان الملك يشرب ، فدخل ذلك ~~الغلام ، فرأى عليه منطقة ذهب حسنة . فقال له الملك سرا : هذا من ذاك ؟ ~~فقال : نعم . فقال : إن كان ما عندك من الدنانير التي في الصينية ، قد نفد ~~، فعرفني ، لأدفع إليك أخرى . PageV02P090 # """""" صفحة رقم 91 """""" # ألوان من الحجاب # وحدثني ، قال : وحدثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى ، قال : لما ~~قدم حامد بن العباس الأبلة ، يريد الأهواز ، وهو وزير ، خرجت لتلقيه ، ~~فرأيت له حراقة ، ملاحوها خصيان بيض ، وعلى سطحها شيخ ، يقرأ القرآن ، وهي ~~مظللة ، مسترة . فسألت عن ذلك ، فقالوا : هذه حراقة الحرم ، لا يحسن أن ~~يكون ملاحوها فحولة . قال : وقال لي أبو الحسين : دخلت إلى ابن الجصاص في ~~داره ببغداد ، فرأيت خصيانا بيضا مزينين . # جواب لأبي العيناء # قال : حدثنا أبو الحسين ، قال : رأيت لأبي العيناء ، خادمين ، خصيين ، ~~أسودين ، يقودانه . فقيل له : كيف اتخذت خصيين أسودين ؟ فقال : حتى لا ~~يتهما بي ، ولا أتهم بهما . PageV02P091 # """""" صفحة رقم 92 """""" # أبو العيناء لا ينسى ما حفظ # وحدثني ، قال : حدثنا أبو الحسين ، قال : قدم أبو العيناء البصرة ، في ~~سنة نيف وثمانين ، بعد الغيبة الطويلة ، التي غاب عنها ، وخدمته للخلفاء ، ~~والوزراء ، بسر من رأى . وكان أبو خليفة ، إذ ذاك ، عالم البصرة ، بالحديث ~~، والأخبار ، واللغة ، والنحو ، ومحمد بن جعفر بن بسام ، قاضيها ، وكان له ~~محل من الأدب ، واللغة ، والشعر ، كبير ، وكنت منقطعا إليه ، ملازما له ، ~~أدرس عليه الفقه ، فكان أول من ائتمنني ، ورفع شأني . فقال لي : يا أبا ~~الحسين ، قد قدم أبو العيناء ، وأحب أن أجمع بينه وبين أبي خليفة ، وننظر ~~أثرهما . فقلت : علي ذلك . قال : فمضيت ، ولقيت أبا العيناء ، وعقدت عليه ~~وعدا للحضور ، عند ابن بسام ، وعلى أبي خليفة ، فاجتمعا . فأخذ أبو العيناء ~~، في الرواية عن الأصمعي ، ومشاهداته مع المتوكل ، وابن أبي دؤاد ، وفلان ، ~~وفلان ، والشعراء . قال : فأسكت أبو خليفة ، فلم ينجر معه ، ولم يلحق به . ~~قال : فأثنينا على أبي العيناء ، وقرظناه . فقال : يا أيها القاضي ms298 ، أنا لا ~~أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة . PageV02P092 # """""" صفحة رقم 93 """""" # أبو العيناء وأحمد بن الحسن بن المثنى # وحدثنا أيضا ، قال : حدثني أبو عبيد محمد بن علي الآجري ، قال : كنت عند ~~أبي العيناء ، لما قدم البصرة ، سنة نيف وثمانين ، بتسبيبات له على عمالها ~~، وكان معنا أصحاب الحديث . فقيل له : قد دخل إليك ابن المثنى ، فقام ، ~~وقدر ، أن أبا علي الحسن بن المثنى ، قصده . فقال له بعض الحاضرين : إنه ~~أحمد بن الحسن بن المثنى ، فجلس ، قبل أن يقرب منه أبو الحسين . ثم استدنى ~~أبا الحسين ، وأكرمه ، وسأله عن خبر أبيه ، فأخبره بوفاته ، فترحم عليه ، ~~وقال : أنا أسن منه . فسألناه عن مقدار الزيادة ، فقال : لا أدري ، كنت ~~يوما في مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالبصرة ، وقد اجتاز بنا ، وكان أصحاب ~~الحديث حضورا ، وكان موسى لا يطيق أن يدخل مجلسه غلام أمرد ، ليسمع الحديث ~~، فحين رآه موسى ، صاح : يا غلام ، أخرجه . فقلنا له : أعز الله القاضي ، ~~هذا ابن أخيك ، أبو علي بن المثنى . قال : فرفعه ، وقدمه . PageV02P093 # """""" صفحة رقم 94 """""" # أبو خازم القاضي يريد أن يولي أحمد بن الحسن بن المثنى القضاء # وحدثني ، قال : حدثني أبو الحسين ، قال : لما نشأت ، كتب أبو خازم القاضي ~~، إلى أبي ، يقول : إنه قد بلغني أنه قد نشأ لك فتى يطلب العلم ، ومن حاله ~~، وصفته ، - قال ، وقرظني - فأنفذه إلي ، لأقلده القضاء . قال : فقال لي ~~أبي : ما تقول ؟ فقلت : أنفذني ، فإنك ، هو ذا ، ترى ما نحن فيه من الإضاقة ~~، فلعلي أتسع بالأرزاق ، فقال أبي : لا تفعل ، فإن الأعمال تفنى ، والصيانة تبقى . # أبو العيناء في دار الواثقي أمير البصرة # وحدثني ، قال : حدثني بعض شيوخنا : إن أبا العيناء ، قصد دار الواثقي ، ~~وهو الأمير بالبصرة - إذ ذاك - ، فأجلس في الدهليز ساعة ، إلى أن استؤذن له ~~. وجرى الحديث ، فقال رجل ، في حديث اقتضى ذلك ، يا أبا العيناء ، أنت صائم ~~اليوم ؟ فقال : أما في هذه الدار ، فنعم . فكتب صاحب الخبر ، إلى الواثقي ، ~~بذلك ، فأذن له في الحال ، واعتذر إليه ، من إجلاس البوابين له في ms299 الدهليز ~~، وأنكر ذلك عليهم . PageV02P094 # """""" صفحة رقم 95 """""" # منافرة بين ضريرين # قال : واجتمع أبو العيناء ، وأبو علي البصير ، يوما في مجلس ، فاستطال ~~عليه أبو العيناء ، فقال له أبو علي : نحن جميعا ضريران ، فما هذا التطاول ~~؟ فقال : ولا سواء ، أنت من عميان العصا ، وأنا من عميان المواكب . # المصالحة بين تاجر أفلس وبين دائنيه # حدثني محمد بن أحمد بن عثمان بن الحارث الزيات ، قال : حدثني أبي ، قال : ~~كان لي ، ولجماعة من التجار ببغداد ، على رجل من البزازين ، أربعة آلاف ~~دينار ، فقام للناس ، فاجتمعنا ، ففتحنا دكانه ، فوجدنا فيه متاعا ثمنه ~~أربعمائة دينار . فقال : إن اخترتم أخذها وإبرائي من الباقي ، فخذوا ، فإني ~~لا أرجع إلى شيء غير ذلك ، وإن اخترتم أن تؤخروني بالدين ، وأفتح دكاني ، ~~وأعمل بهذه الأربعمائة دينار ، دفعت إليكم في كل سنة أربع مائة دينار ، ~~فيأخذ كل واحد منكم العشر من ماله ، وتستوفون المال في عشر سنين . فأجبناه ~~، إلا رجلا ، يعيد ويقول : زيدوني على العشر ، ولو دينارا واحدا ، في السنة ~~. فقلنا للرجل : أجبه إلى هذا . فقال : إن أعطيت هذا الدينار ، زيادة ، على ~~أربعمائة الدينار ، في السنة ، مضت الأربع مائة دينار في التسع سنين ، ~~وبقيت ، بقية دينكم ، بحالها . فعجبنا من ذلك ، وقلنا : أوجدنا صحة ما قلت ~~. فقال : هذه الأربعمائة الدينار ، إذا اتجرت فيها سنة ، وسلمت ، فربحي ~~أربعمائة دينار . يخرج منها أربعمائة دينار ودينار ، يبقى ثلثمائة وتسعة وتسعون PageV02P095 ~~"""""" صفحة رقم 96 """""" # دينارا . فأتجر فيها ، في الحول الثاني ، فيحصل معي سبعمائة وثمانية ~~وتسعون دينارا ، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار ، يبقى ثلاثمائة وسبعة ~~وتسعون دينارا . فيحول الحول الثالث ، فيصير المال سبعمائة وأربعة وتسعون ~~دينارا يخرج منها أربعمائة دينار ودينار ، يبقى ثلاثمائة وخمسة وخمسون ~~دينارا . يحول الحول الرابع ، فيصير سبعمائة وستون دينارا ، يخرج منها ~~أربعمائة دينار ودينار ، ويبقى خمسمائة وثمانون دينارا . ويحول الحول ~~الخامس ، سبعمائة دينار ، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار ، يبقى ثلثمائة ~~وخمسة وثمانون دينارا . ويحول الحول السادس ، فيخرج منها أربعمائة دينار ~~ودينار ، يبقى ثلثمائة وتسعة وسبعون دينارا . ويحول الحول السابع ، فيصير ~~سبعمائة وأربعة وخمسين دينارا ، يبقى ms300 ثلثمائة وسبعة وخمسين دينارا . ثم ~~يحول الحول الثامن ، فيصير مائتين وتسعين دينارا ، يخرج منها ثلثمائة دينار ~~، بقي منها مائتين وتسعة وستين دينارا . والدين دين ، ولا يمكن أن أدفع ~~إليكم ، إذا كان الأصل أربعمائة ، أكثر من أربعمائة . فأجبناه إلى الاقتصار ~~على الأربعمائة ، وفتح دكانه ، وعمل ، ورزق . PageV02P096 # """""" صفحة رقم 97 """""" # إنفاق بلا دخل ، يذهب بالأموال # وحدثني ، قال : حدثني أبي ، فقال : كل كيس يكون فيه ألف درهم ، فتخرج منه ~~درهما واحدا ، ولا يدخله درهم آخر ، فإن الكيس كله يذهب ، إن كان بتجارة ، ~~فبنقصان ربحها ، وإن كان بنفقة ، فليس يحتاج إلى دليل . وإنما يحفظ الأموال ~~، فضولها ، وينستر التاجر بربحه . # بين الجبائي والكرخي # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه ، قال : حدثني أبو عبد الله ، محمد بن ~~إبراهيم بن عبيد الله ، الفقيه ، الحنفي ، الأرمني ، قال : كان أبو زهير ~~الجبائي ، الفقيه ، ورعا ، حاذقا بمذهب أبي حنيفة ، فدخل بغداد ، فبلغته ~~أخبار أبي الحسن الكرخي ، رضي الله عنه ، في ورعه . قال : فلقيه ، فقال له ~~: يا أبا الحسن ، بلغني أنك تأخذ من السلطان رزقا في الفقه . قال : نعم . ~~قال : ومثلك في علمك ، ودينك ، يفعل هذا ؟ فقال له أبو الحسن : أو ليس قد ~~أخذ الحسن البصري ، رضي الله عنه ، في زمنه ، وفلان ، وفلان ، فعدد خلقا من ~~الصالحين والفقهاء ، ممن أخذ من بني أمية . فقال له أبو زهير : ذهاب هذا ~~عليك أطرف ، بنو أمية ، كانت مصائبهم في أديانهم ، وجبايتهم الأموال سليمة ~~، لم يظلموا في العشر ، ولا في الخراج ، وكان الفقهاء يأخذون من الأموال مع ~~سلامتها ، وهؤلاء ، مع سلامة أديانهم ، أموالهم فاسدة ، وجباياتهم بالظلم ~~والغش . PageV02P097 # """""" صفحة رقم 98 """""" # فسكت أبو الحسن ، فلما كان وقت قبض جائزته ، لم يطالب بها ، وتركها ، ولم ~~يقبض شيئا من الجاري ، إلى أن مات . قال لي عبد الله بن داسه : أن أبا زهير ~~هذا ، هو أستاذ أبي محمد بن عبدل ، الذي علمه الفقه على مذاهب أصحابنا . ~~وكان أبو محمد بن عبدل ، أستاذنا نحن في الفقه ، وقد درست عليه ، وشاهدته ~~الطويل العريض ، وما سمعت منه هذه الحكاية . # الخصال المذمومة ms301 في الشيخ # وحدثني ، قال : قال لي بعض شيوخنا : إن الشيخ إذا أسن ، صارت فيه ثلاث ~~خصال مذمومة : إذا قام عجن ، وإذا مشى زفن ، وإذا سعل قرن . PageV02P098 # """""" صفحة رقم 99 """""" # شيخ من أهل المذار يرى مناما # وحدثني ، قال : حدثني عبد الله بن معاذ ، قال : حدثني شيخ من أهل المذار ~~، قال : كان لي زرع في ضيعة ، وكان حسنا ، جيدا ، وافرا ، وكنت واسع الطمع ~~فيه ، فبت ليلة ، فرأيت في منامي ، كأني بنفسين يطوفان الصحارى المزدرعة ، ~~ويقول أحدهما للآخر : اكتب ، زرع فلان كر ، وفلان كرين . قال : وأنا أحفظ ~~الأسماء ، وبلغ الكيل إلى أن جاء إلى قراحي ، فقال : اكتب ، وزرع فلان ~~ثلاثة أكرار . فقلت له : أعزك الله ، زرعي - والله - في غاية الجودة ، وأنا ~~أؤمل فيه عشرة وأكثر . فقال لصاحبه : اكتب ثلاثة أكرار . قال : فلما كان من ~~الغد ، انتبهت متعجبا ، وقمت . وما مضت أيام ، حتى لحقت الغلة آفة ، ونجا ~~بعض الناس ، وأصيب بعضهم ، وحصد جيراني ، وحصدت . قال : فحصل لي ، والله ، ~~ثلاثة أكرار ، لا تزيد قفيزا ، ولا تنقص قفيزا . قال : وعرفت خبر القوم ~~الذين كنت حفظت أسماءهم ، ومبلغ كيلهم ، فإذا كيل الجميع ، قد خرج على ذلك ~~المبلغ سواء . PageV02P099 # """""" صفحة رقم 100 """""" # من أقوال معز الدولة # بلغني من جهة وثقت بها ، عن معز الدولة ، إنه قال : ما نام بين طلوع ~~الفجر ، إلى طلوع الشمس ، مقبل قط . وهذا منه ، على أنه رجل أعجمي ، حسن ~~جدا . والأصل في ذلك ، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : إن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : ' بورك لأمتي في بكورها ' . # القاضي أبو عمر ينقذ بعمامته شخصا من الغرق # حدثنا أبو أحمد بن أبي الحسك الشاهد ، قال : كان أبو عمر القاضي ، يجتاز ~~بباب دارنا ، دائما ، ذاهبا إلى ضيعته المعروفة بالصالحية ، وأنا صبي ، ~~وبعد ذلك ، إلى أن صرت حدثا . قال : فسمعت - إذ ذاك - أنه اجتاز ، فلما صار ~~على شاطىء نهر عيسى ، رأى رجلا في الماء ، وهو يصيح : الغريق ، ولم يكن بين ~~يدي أبي عمر ، إلا غلام واحد . قال : فصعد أبو عمر بحماره على ms302 تلعة ، وصاح ~~بأعلى صوته : يا ناس ، يا ناس ، دفعات ، فلم يجبه أحد ، لخلو الموضع ، ~~وانقطاع الطريق . فنزل عن حماره ، وخلع عمامة كانت عليه ، ورمى بها إلى ~~الرجل ، وأخذ طرفها بيده ، وأمسك بيده الأخرى شجرة كانت هناك . وقال للرجل ~~: لا خوف عليك ، فاجذب العمامة ، بكل قوة . قال : فما زال الرجل يجذبها ، ~~ويقرب ، إلى أن قرب من الشط ، حتى رقى في الشط ، وخر مغشيا عليه . وجازت ~~جماعة ، فرأوا القاضي على تلك الصورة ، فدعوا له ، وشكروه ، وبادروا إلى ~~الرجل ، وعصروا جوفه من الماء ، ونجا ، وعاش . PageV02P100 # """""" صفحة رقم 101 """""" # الإكثار من الغالية يدفىء في الجو البارد # حدثني عبد الله بن أحمد بن بكر البصري ، قال : كان المهريون بالبصرة ، ~~لهم نعم ومروءات ، وكانوا في جيراننا ، فحدثني شيوخنا : إن فتى منهم ، وكان ~~ظريفا ، ركب في يوم شات ، شديد البرد ، والماء قد جمد ، وليس عليه من الحشو ~~شيء ، إنما كان عليه قميصان ، وعمامة ، وطيلسان ، وخف ، فدخل إلى قوم ، ~~فعجبوا من صبره على البرد ، فنزع خفه ، فإذا هو قد طلا رجليه بالغالية ، ~~وحشا منها شيئا كثيرا ، بين أصابعه ، وفي سرته ، واستعمل منها شيئا كثيرا ~~في لحيته ، وأخذ خرقة ، وطلا عليها ، ووضعها على رأسه ، وتعمم عليها ، فحمي ~~حميا ، لم يحتج معه إلى أكثر من قميصين . # الإكثار من الغالية يسبب العمى # قال : وحدثني شيوخنا : أن محمد بن سليمان بن علي الهاشمي ، كان في ضيعته ~~التي يقال لها : المحدثة ، خارج البصرة ، جالسا في مجلس على بستان ، وفي ~~بعض زوايا البستان ، إجانة صيني كبيرة ، مملوءة غالية . فدخل إليه قوم من ~~العامة ، في حاجة لهم ، وكان أحدهم ، خسيس الحال ، فلما رأى الغالية ، سرق ~~منها شيئا كثيرا ، اغترفه ملء كفه ، فوضعه على رأسه وأطبق عمامته عليه ، ~~وأطال القوم الجلوس ، وهو معهم ، فلما قاموا ، قام معهم ، فلم يبصر ، فقال ~~: خذوا بيدي فقد عميت . PageV02P101 # """""" صفحة رقم 102 """""" # فاغتم محمد بن سليمان ، لذلك ، وجاء بطبيب في الحال ، وقال : ما دهاك فلم ~~يصدقه . فأمر الطبيب بكشف رأسه ، فرأى الغالية ، فصب عليها الماء البارد ، ~~حتى لم يبق لها أثر ms303 ، ثم طلاه بالصندل والماورد ، والكافور ، وأقامه في ~~الهواء ساعة ، فعاد بصره إلى حال الصحة ، وانصرف . # مثل من الأمانة # وحدثني ، قال : حدثني أبو الحسن محمد بن إسحاق بن عباد النجار ، وهو شيخ ~~من وجوه التمارين بالبصرة ، طال عمره ، وحدث ، وكتبت عنه ، ولم أسمع هذه ~~الحكاية منه ، قال : كان في جوارنا فلان ، فتصدق ليلة على ضرير اجتاز به ، ~~وهو لا يعرفه ، فأراد أن يفتح إحدى صرتين في كمه ، في إحداهما دنانير ، وفي ~~الأخرى دراهم ، فيعطيه درهما ، فأعطاه دينارا . وانصرف الضرير ، وهو لا يشك ~~أن معه درهما . فبكر به إلى بقال يعامله ، فقال : خذ هذا الدرهم ، واحسب ما ~~لك علي ، وأعطني بالباقي كذا وكذا . فقال له البقال : يا هذا ، من أين لك ~~هذا ؟ قال : أعطانيه البارحة فلان . قال : إنه دينار ، فخذه . فأخذه الضرير ~~، وجاء به من الغد إلى الرجل ، وقال : إنك تصدقت علي بهذا ، وأظنك أردت أن ~~تعطيني درهما ، وغلطت ، وما أستحل أخذه مغالطة ، فخذه . فقال له الرجل : قد ~~وهبته لك ، وإذا كان في رأس كل شهر ، فتعال إلي ، أعطيك شيئا آخر ، مجازاة ~~لأمانتك . وكان يجيئه في رأس كل شهر ، فيعطيه خمسة دراهم . قال : فلم أر ~~أعجب من أمانة البقال والضرير ، ولو كان في هذا الوقت ، لجرى الأمر بضد ذلك . PageV02P102 # """""" صفحة رقم 103 """""" # لا يعرض القرآن للمسألة # قال : وقال لي ابن عباد : وكان يقرأ بالسبعة ، فكنت أسمعه طول الليل يقرأ ~~، وكان فقيرا ، فإذا كان النهار ، خرج يتصدق ، فأسمعه ينشد على الطريق ، ~~الرقائق والزهديات ، لا أسمعه يتصدق بغيرها . فقلت له يوما : يا فلان ، أنت ~~تحفظ القرآن ، وأراك تتصدق بالرقائق ، فكيف لا تقرأ وتتصدق كما يفعل ~~الأضراء ؟ فقال : والله لا أعرض القرآن للمسألة أبدا . PageV02P103 # """""" صفحة رقم 104 """""" # السورجي وزوجته # حدثني أبو محمد ، قال : حدثني السورجي ، شيخ كان يجاورنا ، مستور ، قال : ~~كانت لي امرأة صالحة ، فكنت إذا اشتريت لحما لتطبخه لنا ، طبخته ، وغرفته ~~جميعه ، وجاءتني به ، وكنت أكولا ، فكنت آكله جميعه ، وتجوع هي ، وأولادها ~~. فقلت لها : يا هذه ، إذا طبخت شيئا ، فاقسميه قسمين ، وجيئيني بأحدهما ، ~~ودعي ms304 الآخر ، لنفسك ، وأولادك . فقالت : لا والله ، لا أفعل هذا ، بل أقدمه ~~إليك كله ، لتأكل أجوده ، فإنك أنت تسأل عنه . # يتمنى أن يمرض ليعوده حبيبه # أنشدني أبو الحسن بن أبي الليث ، لنفسه : عصيت الهوى وأطعت العذول . . . ~~وكنت كما قال في الحسود وملكت رقك وهو المنى . . . وبعتك للدين فيمن يزيد ~~لئن لم أكن أتمنى السقام . . . لعلي ألقاك فيمن يعود PageV02P104 ~~"""""" صفحة رقم 105 """""" # المعتضد يكتب رقعة في رفع ظلامة # حدثني محمد بن أحمد بن عثمان الزيات ، قال : حدثني أبو بكر بن حورى - شيخ ~~كان من أهل فامية ، من أعمال النهروان ، قد أقام ببغداد سنين ، وكان مشهورا ~~بصحبة ابن أبي عوف - قال : كنت ألزم ابن أبي عوف ، سنين ، لجوار بيننا ~~ومودة ، لا أسأله حاجة ، لأنها لم تكن تعرض لي ، وكنت أتخفف بين يديه في ~~حوائج ينفذني فيها ، وكان رسمي في كل ليلة ، أجيئه بعد العتمة ، وقد صلى ~~ودخل منزله ، فحين يراني ، يمد رجله في حجري ، فأغمزها ، وأحادثه ، فيسألني ~~عن الأخبار والحوادث ببغداد ، وكنت أسأل عنها ، وأتطلبها من كل موضع ، ~~وأجيئه بها ، وأخبره بخبر من قدم البلد ، ومن سافر عنه ، ومن مات ، ومن ولد ~~، ومن خاصم ، ومن ورث ، ومن يرجف به الناس ، وأخبار الجيران ، وبكل غث ~~وسمين ، إلى أن ينعس ، فإذا نعس ، قبض رجله ، فقمت إلي بيتي ، وقد مضى ثلث ~~الليل ، أو بعضه ، أو أقل . وجرى الأمر على هذا سنين . فلما كان ذات يوم ، ~~جاءني سقطي كان يعاملني ، فقال : قد دفعت إلى شيء إن تم علي ، افتقرت . ~~فقلت : ما هو ؟ فقال : رجل كنت أعامله ، فاجتمع لي عليه ألف دينار ، ~~فطالبته ، فرهنني عقد جوهر ، قوم بألف دينار ، إلى أن يفتكه بعد شهور ، أو ~~أبيعه ، وأذن لي في ذلك . فلما كان أمس ، وجه مؤنس الفحل ، صاحب الشرطة ، ~~من كبس دكاني ، وفتح صندوقي ، وأخذ العقد ، وقد استتر الرجل . فقلت له : لا ~~تفكر في هذا ، فإني أخاطب أبا عبد الله بن أبي عوف ، فيلزمه رده صاغرا . ~~قال : وأنا مدل بابن أبي عوف ، لمكاني منه ، ومكنته من المعتضد . فلما كان ms305 ~~تلك الليلة ، جئته ، فمد رجله في حجري ، على الرسم وحادثته ، وعرفته ~~الأخبار ، وقلت له في جملتها ، أمر السقطي مع مؤنس . PageV02P105 # """""" صفحة رقم 106 """""" # ثم قلت : هذا الرجل جاري ، ومعاملي ، وأوجب الناس حقا علي ، ولا بد - ~~والله - من تفضلك يا سيدي ، واعتنائك في أمره ، وإلزام مؤنس ، رد العقد . ~~قال : فحين سمع هذا نحى رجله من حجري وقال : ما أنا وهذا ؟ أعادي صاحب شرطة ~~الخليفة ؟ وكيف استجزت أن تعرضني لمثل هذا ، وتسألني فيه ؟ كأني بك ، وقد ~~قلت : ابن أبي عوف صديقي ألزمه رد هذا ، ولم تشفق على جاهي ، وكأن صلاح حال ~~السقطي ، أحب إليك من صيانة جاهي ، ما أنا ، عافاك الله ، وهذا ؟ ولا أليه ~~. قال : فورد علي من هذا ، أعظم مورد ، وقلت في نفسي : هذا رجل قد خدمته ، ~~كذا وكذا سنة ، هذه الخدمة ، التي لم تخدمها العبيد ، على أني ما سألته ط ~~حاجة ، ولا احتجت إليه في شيء ، ولا له علي رزق ، ولا أفضال ، يلقاني في ~~حاجة قد سألته فيها ، بمثل هذا ؟ شهد الله ، لا دخلت له دارا بعدها أبدا . ~~وأمسكت وجلست لا أتكلم ، ثم قمت قبل الوقت الذي كنت أقوم فيه ، وعدت إلى ~~منزلي منكسرا مغموما . فلما كان من الغد ، بكرت ، لئلا يجيئني الرجل ، بسبب ~~حاجته ، فأفتضح عنده ، ولم أدخل بيتي إلى وقت المغرب ، ثم جئت ، فصليت ، ~~وطرحت ، واعتقدت أنني لا أمضي إليه . فلما صليت العتمة ، جاءني خادم لابن ~~أبي عوف ، فقال : الشيخ يقرأ عليك السلام ، ويقول : لم تأخرت الليلة ؟ إن ~~كنت معافى ، فتعال ، وإن كنت متشكيا جئناك . فاستحييت ، وقلت : أمضي الليلة ~~، ثم أنقطع . فحين دخلت إليه ، ورآني ، مد رجله في حجري ، فأخذتها ، ~~وغمزتها على الرسم . فقال : أيش عندك من الأخبار ؟ فأقبلت أحدثه ، بحديث غث ~~، متكلف ، متصنع ، فلم يزل يصبر على ذلك ساعة ، ثم قبض رجله ، فقمت . فقال ~~: يا أبا بكر ، انظر أيش تحت المصلى . وإذا برقعة في قرطاس ، فأخذتها ، ~~وتقدمت إلى الشمعة ، وإذا فيها : ' يا مؤنس ، جسرت على قصد دكان رجل تاجر ، ~~يعرف بفلان ، وفتحت صندوقه ، وأخذت منه عقد جوهر ms306 قيمته ألف دينار ، وأنا في ~~الدنيا ؟ والله ، لولا أنها أول غلطة غلطتها ، ما PageV02P106 ~~"""""" صفحة رقم 107 """""" # جرى في ذلك مناظرة ، اركب بنفسك إلى دكان الرجل ، حتى ترد العقد في ~~الصندوق ، بيدك ظاهرا ' . فقلت لأبي عبد الله : أيش هذا يا سيدي ؟ فقال : ~~خط المعتضد إلى مؤنس ، بما أردته ، مثلت بين وجدك وعتبك ، مع بقاء الحال مع ~~مؤنس كما هي ، وبين رضاك وقضاء حقك ، وإيحاش مؤنس ، فاخترتك عليه ، فأخذت ~~خط أمير المؤمنين ، بما تراه ، فامض ، وأوصله إليه ، فإنه يفعل ما أمره به ~~. فقبلت رأسه ، وشكرته ، وانصرفت ، وأنا من الفرح لا أعقل ، وجئت إلى الرجل ~~، وأخذت بيده ، ومضينا إلى مؤنس ، وسلمت التوقيع إليه ، فحين قرأه اسود ~~وجهه ، وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده ، ثم قال : يا هذا ، الله بيني وبينك ~~، هذا شيء ما علمت به ، وتموه علي ، فألا تظلمتم إلي ، فإن لم أنصفكم ، ~~فإلى الوزير ، ما هذا ؟ بلغتم الأمر إلى أمير المؤمنين ، من أول وهلة ؟ قال ~~: وانتشطت ، فقلت : بعلمك جرى ، والعقد معك . قال : فأحضر العقد ، وقال : ~~خذوا الألف دينار ، التي عليه الساعة ، واكتبوا على الرجل ، بطلان ما ادعاه ~~. فقلت : لا نفعل . فقال : خذوا ألفا وخمسمائة دينار . فقلت : والله ، لو ~~أعطيتنا ألف ألف دينار ، ما رضينا ، أو تركب بنفسك إلى الدكان ، والعقد معك ~~، فترده إلى الصندوق ، ولا نكذب أنفسنا ، أو ترد التوقيع ، فقال : أسرجوا ~~لي . قال : فركب ، والله ، في موكبه ، حتى وقف على دكان الرجل ، ورد العقد ~~بيده إلى الصندوق . فجاءنا صاحبه ، في ذلك اليوم ، ودفع الألف دينار ، ~~وارتجعه . PageV02P107 # """""" صفحة رقم 108 """""" # ابن أبي دؤاد وكرمه وعلو همته # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه ، قال : حدثني أبو أحمد بن أبي الحسك ~~الشاهد ، قال : حدثني بمصر ، أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر ، ~~القاضي ، وهو قاضيها يومئذ ، قال : حدثني شيخ كان في جوارنا ببغداد ، بدرب ~~الرواسين ، من باب الشام ، قال : كان أبو عبد الله بن أبي دؤاد ، ينزل بباب ~~الشام ، وهو صغير الحال ، فكنا نعرف أحواله . فباع يوما منديلا كان له ms307 ، ~~بسبعة دراهم ، لتعذر القوت عليه . قال : فاجتاز في طريقه ، وهو عطشان ، ~~فرأى شاربا ، فعدل إلى الموضع ، ودعاه ، واستسقاه ، فكسر الشارب شفة كوز ~~كان معه ، وملأه ودفعه إليه . فقال له ابن أبي دؤاد : لم فعلت ذلك ؟ فقال : ~~قد شرب في هذا الموضع قبلك من لم أرض لك ، أن تجعل شفتك في موضع شفته ، ~~فكسرت الموضع من الكوز لتشرب من موضع ، ما وقعت عليه شفة غير شفتك . قال : ~~فشرب الماء ثم دفع إليه السبعة دراهم ، التي لم يكن يملك غيرها . # دعوة الأم لأولادها مستجابة # حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى ، قال : كانت أمي قد رأت ليلة ~~القدر ، فدعت الله بدعاء كثير ، فلما كان من الغد ، قال لها أبي : هل دعوت ~~الله لي ؟ فقالت : شغلني الدعاء لأولادك ، عن الدعاء لك . قال : فكنا نرى ~~أن ما أفاء الله تعالى علينا من نعمة ، بعد ذلك ، إنما كان بدعائها . PageV02P108 # """""" صفحة رقم 109 """""" # أبو الهيجاء بن حمدان ومتانة أعصابه # حدثني أبو الفضل الشيرازي الكاتب محمد بن عبد الله بن المرزبان ، قال : ~~حدثني شيخ من شيوخ النخاسين الجلة ببغداد ، قال : كنت أعامل أبا الهيجاء ، ~~عبد الله بن حمدان ، في الرقيق ، فكان يشتري مني ، ولا يبيع شيئا يشتريه ~~بوجه ، إما أن يهبه ، أو يعتقه . فجاءني يوما ، إلى حجرتي ، ولم تكن عادته ~~جرت بذلك ، فوجدته ، وهو مستعجل ، يريد الخروج إلى القصر ، لقتال أعراب ~~بلغه أنهم عاثوا في الطريق ، وكان يليه ، فقال : بعني الساعة جارية . فعرضت ~~عليه عدة جوار ، فاختار مولدة منهن ، وحملها في عماريته ، على بغل . فلما ~~كان بعد شهور أقل من ستة ، جاءني بها رجل من الجند ، يريد بيعها . فقلت لها ~~: أليس كان الأمير أبو الهيجاء ، اشتراك مني ؟ فقالت : بلى ، ولكنه وهبني ~~لهذا . قال : فلم أبعها حتى كاتبته ، وعرفته خبرها ، لئلا تكون قد هربت ، ~~أو وقع بها حيلة . فلما أعلمني أنه وهبها ، شرعت في بيعها في الحال ، فتعذر ~~، وأقامت عندي أياما . فسألتها عن أخبار أبي الهيجاء ، وأمره في داره ، ~~فأخبرتني بأشياء من ذلك . فكان من طريف ما ms308 أخبرتني به ، أن قالت : أخرجني ~~من عندك في العمارية ، وسرنا يومنا وليلتنا ، إلى قريب من انتصاف الليل ، ~~فكدني السير وأتلفني ، ثم حط العمارية في الصحراء ، ثم ضربت له خيم ، ~~ولأصحابه ، فصرنا في عسكر ، وأشعلت النيران ، ونصب له سرير مخلع في خيمة له ~~، واستدعاني ، فجئت وهو على فراشه ، فلاعبني ، ثم نزع سراويله ، وجلس مني ~~مجلس الرجل من المرأة ، فوقعت صيحة عظيمة ، فنهض عني ، ولم يكن أولج ، وضرب ~~بيده إلى تحت الفراش ، وإذا سيف مجرد ، فأخذه ، وخرج بلا سراويل ، وصاح أنا ~~أبو الهيجاء ، وسألهم عن سبب الصيحة ، فقالوا : سبع . PageV02P109 # """""" صفحة رقم 110 """""" # فخرج يعدو ، ومعه خلق من غلمانه وأصحابه ، وأهاجوا السبع ، وطلبوه ، ~~وناصبوه الحرب ، وناصبهم ، وأنا أسمع الصياح ، وزأرات الأسد ، وقد تلفت ~~فزعا ، ثم يأتيه هو ، من بين الجماعة ، فقتله ، فحمل رأسه ، وجاءني وهو في ~~يده ، فلما رأيته صحت ، فرمى بالرأس ، وغسل يده . ثم جاءني ، فطرحني ، وإذا ~~أيره قائم ، كما كان في وقت نهوضه ، ما تغير ، ثم جامعني ، ثم نهضت . فما ~~رأيت قلبا أثبت من قلبه ، ولا أيرا أقوى من أيره . # هجاه بالشعر فأجابه بأخذ الشعير # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه ، قال : حدثني أبو سهل بن زياد القطان ، ~~قال : كان بإسكاف ، شاعر له ضويعة ، فهجا عاملها ، وبلغه ذلك ، فأمسك عنه ، ~~فلما كان وقت الغلة ، ركب العامل إلى البيدر ، وقسمه ، وحمل غلة الشاعر ~~أصلا . فجاء الشاعر إليه يشكو ، ويداريه . فقال : يا هذا ليست بيننا معاملة ~~، أنت هجوتنا بالشعر ، ونحن هجوناك بالشعير ، وقد استوت الحال بيننا وبينك . # خلف النار الرماد # حدثني محمد بن عدي بن حر ، وجماعة من البصريين ، قالوا : لما نشأ لأبي ~~الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه ، مع فضله ، ورجلته ، ومحله المشهور من ~~الدهاء والفضل ، والعلم والعقل ، ابنه الباقي الآن ، وأخبر أبو الحسين ~~بتأخره ، غمه ذلك . قال : PageV02P110 # """""" صفحة رقم 111 """""" # وكان أبو الحسين ، يوما جالسا ، إذ جاء ابنه هذا يسعى إليه ، كأنه في مهم ~~، ثم نتف طاقة شعر كانت على أذن أبي الحسين ، وسعى ، فآلمه ذلك ، وغمه بلوغ ~~تخلف ms309 الصبي ، إلى هذا الحد ، ورثينا لما جرى . قال لنا : خلف النار الرماد # كما تدين تدان # وحدثني الحسين بن محمد الجبائي ، قال : لما سعى أبو طاهر الحسين بن الحسن ~~، عامل البصرة ، على أبي الحسين بن نصرويه ، حتى نكب النكبة الثانية ، التي ~~ألزمه فيها العباس بن الحسين ، ما ألزمه من المال ، راسل أبا طاهر ، فقال ~~له : اعلم أن الصياد الفاره ، لا يذبح شباشه ، وأنا كنت لك في هذا البلد ، ~~مع التجار والناس ، مثل شباش الصياد ، فبي إنما ظن الناس أنك عادل ، وكنت ~~تأخذ من تريد من الأوساط والأصاغر ، ولا ينكشف أمرك ، وقد صرت بما عاملتني ~~، مثل الصياد الذي ذبح شباشه ، فليس عزمه بعدها أن يصطاد ، وستعلم أنك لا ~~تنتفع بنفسك ، ولا بالبلد بعدي . ثم عدل إلى السعاية عليه مع أبي الفضل ~~العباس بن الحسين الوزير ، فما خرج من البصرة حتى قبض عليه ، ونكبه ، وقلد ~~البصرة ، أبا القاسم علي بن الحسين بن إبراهيم ، ابن أخت أبي الفرج محمد بن ~~العباس بن فسانجس ، وألزم مالا ثقيلا لم ينهض به ، وتلف أبو طاهر في ~~المطالبة ، والضرب ، ومات في الحبس ، وانسحق هو وأهله ، إلى آخر دهرهم ، ~~وكل ذلك بتدبير أبي الحسين ، وترتيبه المكاره عليهم . PageV02P111 # """""" صفحة رقم 112 """""" # الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار # حدثني محمد بن هلال بن عبد الله ، قال : حدثنا القاضي أحمد بن سيار ، قال ~~: حدثني رجل من الصوفية ، قال : كنت أصحب شيخا من الصوفية ، أنا وجماعة في ~~سفر ، فحدثني حديث التوكل ، والأرزاق ، وضعف النفس فيهما ، وقوتهما . فقال ~~ذلك الشيخ : علي وعلي ، لا ذقت مأكولا ، أو يبعث إلي بجامة فالوذج حار ، ~~ولا آكل إلا بعد أن يحلف علي . قال : وكنا نمشي في الصحراء . فقالت له ~~الجماعة : الآخر جاهل . ومشى ومشينا ، وانتهينا إلى قرية ، ومضى عليه يومان ~~، وليلتان ، لم يطعم فيهن شيئا . ففارقته الجماعة ، غيري ، فإنه طرح نفسه ~~في مسجد القرية ، مستسلما للموت ضعفا ، فأقمت عليه . فلما كان في ليلة ~~اليوم الرابع ، وقد انتصف الليل ، وكاد أن يتلف الشيخ ، فإذا بباب المسجد ~~قد فتح ، وإذا جارية ms310 سوداء ، ومعها طبق مغطى . فلما رأتنا ، قالت : أنتم ~~غرباء ، أو من أهل القرية ؟ فقلنا : غرباء . فكشفت الطبق ، فإذا بجام ~~فالوذج ، يفور لحرارته . فقالت : كلوا ، فقلت له : كل ، فقال : لا أفعل . ~~فقلت له : والله لتأكلن ، لأبر قسمه ، فقال : لا أفعل . PageV02P112 # """""" صفحة رقم 113 """""" # قال : فشالت الجارية يدها ، فصفعته صفعة عظيمة ، وقالت : والله ، لئن لم ~~تأكل لأصفعنك هكذا ، إلى أن تأكل . قال : فقال : كل معي . فأكلنا ، حتى ~~نظفنا الجام ، وجاءت الجارية تمضي . فقلنا لها : مكانك ، أخبرينا بخبرك ، ~~وخبر هذا الجام . فقالت : نعم ، أنا جارية رجل هو رئيس هذه القرية ، وهو ~~رجل أحمق حديد ، فطلب منا منذ ساعة ، فالوذجا ، فقمنا لنصلحه ، وهو شتاء ~~وبرد ، فإلى أن تخرج الحوائج من البيت ، وتشعل النار ، ويعقد الفالوذج ، ~~تأخر عنه . فطلبه ، فقلنا : نعم ، وطلبه ثانيا ، ولم نكن فرغنا منه ، وطلبه ~~الثالثة ، فحرد وحلف بالطلاق ، لا يأكله ، ولا أحد من داره ، ولا أحد من ~~أهل القرية ، ولا يأكله إلا رجل غريب . فجعلناه في الجام ، وخرجنا نطلب في ~~المساجد رجلا غريبا ، فلم نجد ، إلى أن انتهينا إلى هذا المسجد ، فوجدناكما ~~، ولو لم يأكله هذا الشيخ ، لقتلته ضربا ، إلى أن يأكل ، لئلا تطلق ستي من ~~زوجها . قال : فقال الشيخ : كيف ترى ، إذا أراد أن يرزق ؟ PageV02P113 # """""" صفحة رقم 114 """""" # سائل بالأبلة ، وسائل بالصين # وحدثني ، قال : حدثني القاضي أحمد بن سيار ، قال : حدثني شيخ من التجار ~~بعمان ، قال : كنت بالأبلة ، أريد الخروج إلى البحر ، فرأيت سائلا بباب ~~الجامع ، فصيح اللسان ، مليح المسألة ، فرققت له ، وأعطيته دراهم صالحة . ~~وخطفت في الوقت إلى عمان ، فأقمت بها شهورا ، ثم قضي لي أن مضيت إلى الصين ~~، فدخلتها سالما ، فإذ أنا يوما أطوف ، فإذا الرجل بعينه قائما في السوق ~~يتصدق . فتأملته ، فعرفته ، فقلت له : ويحك ، سائلا بالأبلة ، وسائلا ~~بالصين . فقال : قد دخلت إلى هذا البلد ، ثلاث دفعات ، وهذه الرابعة ، لطلب ~~المعيشة ، فلا أجدها إلا من الكدية ، فأرجع إلى الأبلة ، ثم ارجع إلى ها ~~هنا . قال : فعجبت من شدة حرمانه . PageV02P114 # """""" صفحة رقم 115 """""" # تاجر يتمدح بتجسسه على رسائل ms311 التجار # وحدثني ، قال : حدثني قاضي القضاة أبو محمد بن معروف ، رضي الله عنه ، ~~قال : حدثني بعض أهل بغداد ، عن أبي عبد الله بن أبي عوف ، إنه قال : ضاق ~~صدري ، في وقت من الأوقات ، ضيقا شديدا ، لا أعرف سببه ، فتقدمت إلى من حمل ~~لي طعاما كثيرا ، وفاكهة ، وعدة من جواري ، إلى بستان لي على نهر عيسى ، ~~وأمرت غلماني ، وأصحابي ، أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي ، ولو ذهب ~~مالي كله ، ولا يكاتبوني ، وعملت على أن أقيم في البستان بقية أسبوعي ، ~~أتفرج مع أولئك الجواري . قال : وركبت حماري ، وقد تقدمني كلما أمرت بحمله ~~. فلما قربت من البستان ، استقبلني فيج ، معه كتب . فقلت له : من أين وردت ~~؟ فقال : من الرقة . فتتبعت نفسي ، أن أقف على كتبه ، وأخبار الرقة ، ~~وأسعارها . فقلت له : تعرفني ؟ فقال : نعم . فقلت : أنت قريب من بستان لي ، ~~فتعال معي ، حتى أهب لك دنانير ، وأغير حالك ، وأطعمك ، وتستريح الليلة في ~~البستان ، وتدخل بغداد غدا . فقال : نعم . ومشى معي راجعا ، حتى دخل ~~البستان ، فأمرت من فيه ، أن يدخله حماما فيه ، ويغير ثيابه ببعض ثيابي ~~غلماني ، ويطعمه . فابتدوا معه في ذلك . وتقدمت إلى غلام لي فاره ، فسرق ~~كتبه ، وجاءني بها ، ففتحتها ، وقرأت جميع ما فيها ، وعرفت من أسرار التجار ~~الذين يعاملوني شيئا كثيرا ، وتفرجت بذلك . ووجدت جميع الكتب ، محشوة إلى ~~التجار ، بأن يتمسكوا بما في أيديهم من الزيت ، ولا يبيعوا منه شيئا ، فإنه PageV02P115 ~~"""""" صفحة رقم 116 """""" # قد غلا عندهم وعز ، ويوصونهم بحفظ ما في أيديهم . فأنفذت إلى وكلائي في ~~الحال ، فاستدعيتهم ، فجاءوا ، فقلت لهم : خذوا من فلان الناقد ، وفلان ~~الناقد ، كل ما عندهم من العين والورق الساعة ، ولا ينقضي اليوم إلا ~~وتبتاعون كلما تقدرون عليه من الزيت ، واكتبوا إلي ، عند انقضاء النهار ، ~~بالصورة . فمضوا ، فلما كان العشاء ، جاءني خبرهم ، بأنهم قد ابتاعوا زيتا ~~، بثلاثة آلاف دينار ، فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أخر ، وبشرى كل ما ~~يقدرون عليه من الزيت . وأصبحنا ، فدفعت إلى الفيج ثلاثة دنانير ، وقلت له ~~: إن أقمت عندي ، دفعت إليك ms312 ثلاثة دنانير أخرى . فقال : أفعل . وجاءتني ~~رقعة أصحابي ، بأنهم ابتاعوا زيتا بأربعة آلاف دينار ، وأنه قد تحرك سعره ~~لطلبهم إياه ، فكتبت بأن يبتاعوا كل ما يقدرون عليه ، وإن كان قد زاد . ~~وشاغلت الرسول ، اليوم الثالث ، ودفعت إليه في اليومين ، ستة دنانير ، ~~وأقام ثلاثة أيام ، وابتاع أصحابي بثلاثة آلاف دينار أخرى . وجاءوني عشيا ، ~~فقلوا : كان ما ابتعناه اليوم زائدا على ما قبله ، في كل عشرة ، نصف درهم ، ~~ولم يبق في السوق شيء يفكر فيه . فصرفت الرسول ، وأقمت في بستاني أياما ، ~~ثم عدت إلى داري ، وقد قرأ التجار الكتب ، وعرفوا خبر الزيت بالرقة ، ~~فجاءوني يهرعون ، ويبذلون في الزيت ، زيادة اثنين في العشرة ، فلم أبع ، ~~فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة ، فلم أبع . ومضى على ذلك ، نحو من شهر ، ~~فجاءوني يطلبون زيادة خمسة ، وستة ، فلم أفعل . فجاءوا بعد أيام ، فبذلوا ~~للواحد الواحد . فقلت في نفسي : ترك هذا خطأ ، فبعته بعشرين ألف دينار . ~~فنظرت ، فلم يكن لضيق صدري ، وانفرادي في البستان ، ذلك اليوم سبب ، إلا ما ~~أحبه الله تعالى ، أن يوصل إلي ربح عشرة آلاف دينار . PageV02P116 # """""" صفحة رقم 117 """""" # صائغ يتمدح بأنه اؤتمن فخان # وحدثني ، قال : حدثني صائغ كان يخدم في خزانة الأمير معز الدولة ، يعرف ~~بطاهر ، قال : كنت أشرب يوما في منزلي ، وعندي جماعة من إخواني ، فانقطع ~~بنا النبيذ ، فخرجت أحتال لهم شيئا من ذلك ، فلقيني ركابي ، فقال : الأمير ~~يطلبك . فقلت : قل إنك لم ترني . قال : لا أفعل . فقلت : خذ مني دينارا ، ~~وقل إنك لم تجدني . قال : وأنا معه ، إذ جاء ركابي آخر ، فبذلت لهما ~~دينارين ، فأبيا ، وجاء الثالث ، فمضيت ، وحملت معي غلاما كان لي . فحين ~~دخلت إلى الأمير ، قال لي : امض ، فانظر ما يقول لك علي المغني ، في ~~الخزانة ، فافعله . فجئت إلى الخزانة ، فقلت لعلي : أيش تريد ؟ فأخرج إلي ، ~~مناطق كثيرة ذهبا ، موكدة بلا سيوف ، مما أخذه معز الدولة ، من تركة أخته ، ~~وكانت الأخت ، تشدها في أوساط الجواري ، وتلبسهن القراطق والخفاتين ، وتلك ~~المناطق فوقها ، ويخدمنها كذلك ، فلما حصلت لمعز الدولة ، لم يستحسنها ، ~~فأمر ms313 بكسرها ، وصياغتها مراكب ، وسيوفا ، ومناطق أعجمية . فقال لي : اجلس ~~واقلعها ، حتى ننظر كم يجتمع منها ، ويصاغ . فقلت : ليس معي آلتي التي ~~تستعمل . فقال : أنفذ من يحضرها . فأنفذت غلامي ، فأحضر بعض الآلة ، فما ~~زلت أقلع ، وأغتفل المغني ، وأسرق ، وأجعل ذلك في كمي ، وتحت عمامتي ، ~~وأرمي إلى غلامي ، فإذا حصل معه شيء ، قلت له : هات المبرد ، هذا قد كل ، ~~فامض ، وجئني بغيره ، أو هات الآلة PageV02P117 ~~"""""" صفحة رقم 118 """""" # الفلانية ، فيمضي ، ويحصل ما قد سرقناه ، ويجيء بالآلة ، وأسرق ، وأعطيه ~~، وأطلب آلة أخرى ، على هذا ، إلى أن جاء المساء ، فجمع علي المغني ، تلك ~~المناطق ، وأخذ الوعد علي ، في الحضور في غد ، ومعي الصناع ، وشريكي ~~المرسوم معي بالخدمة في الخزانة ، فانصرفت ، فوزنت ما قد حصل عندي ، وكان ~~أربعمائة وثمانين مثقالا . فقلت لعيالي : هذا ، حملت إليه كرها ، حتى أخذته ~~، بعد أن بذلت ، أن أعطي دينارين جعلا ، ولا أمضي ، وحدثتهم القصة . فلما ~~كان من الغد ، حضر الصناع ، وشريكي ، وجلسنا نفكك الباقي ، وأحضرنا شيئا ~~آخر ، فما استوى لنا أن نسرق إلا مائة وستين مثقالا ، قاسمته عليها ، وعجبت ~~من رزقي في ذلك . PageV02P118 # """""" صفحة رقم 119 """""" # من مكارم أخلاق الأمير الموفق # حدثني أبو الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون ، الحراني ، الصابىء ، الطبيب ~~، قال : حدثني أبي ، قال : كنت ، بين يدي الموفق ، يوما ، فقال لي : يا ~~إبراهيم ، أنا أشتهي شهوة منذ سنين ، وهو ذا ، أستقبح أن أطلبها ، وقد عن ~~لي الساعة مواضعتك على طلبها . قال : فقلت : يأمر الأمير . قال : ويحك ، ~~أنا والله ، منذ سنين كثيرة ، أشتهي كبود الدجاج ، وقوانصها مطبهجة ، ~~وأستقبح أن أطلبها ، فيظن صاحب المائدة ، أن نفسي قد تتبعته ، شحا به عليهم ~~، لأن رسمهم جار ، بأن يرتفقوا بأخذه وبيعه ، وأريد إذا قدمت المائدة ، ~~وجلست معي للأكل ، أن تتشهى ذلك علي ، وتشير به من طريق الطب ، لأتقدم ~~إليهم باتخاذ شيء منه يسير ، فيصير ذلك القدر رسما في كل يوم ، لا يؤثر ~~عليهم قدره ، ويبيعون هم الباقي ، فإنه كثير ، وأكون قد قضيت شهوتي . قال : ~~فعجبت من كرمه ، وفرط حيائه من خدمه ، حتى يلفق ms314 الحيلة في الوصول إلى شهوته ~~، من غير إيحاشهم ، أو تعرض لذمهم . وقدمت المائدة ، فجلس يأكل عليها وحده ~~، وجلست مع الندماء ، آكل ، على مائدة بين يديه . فلما أكل بعض أكله ، قلت ~~: لم لا يأمر الأمير الناصر ، بأن يتخذ له شيء يسير في زبديات ، من كبود ~~الدجاج المسمن ، وقوانصه ، بالبيض ، والمري ، فيطجن بعضه ، فيولع منه ~~بالشيء اليسير ، فإن في ذلك كذا وكذا ، وأخذت أصف ما حضرني في الوقت ، ونحن ~~أيضا نشتهي أن نأكل منه . فقال : يصلح لنا من غد ، كذا وكذا زبدية ، مطجن ، ~~وكذا وكذا زبدية ، من كبود الدجاج المسمنة ، وقوانصها . فأصلحوا ذلك ، وصار ~~رسما جاريا ، ولم يفطن أحد منهم لما جرى . PageV02P119 # """""" صفحة رقم 120 """""" # بحث في الأمانة # حدثني عبيد الله بن أحمد بن بكير ، قال : حدثني أبو جعفر الضبي ، الفقيه ~~الحنفي ، وقد شاهدته أنا ، وكان من شيوخ التجار المستورين ، فقيها ، يحضر ~~مجلس أبي للخلاف ، ويناظر ، ولم أسمع منه هذه الحكاية ، قال : حدثني شيخ من ~~التجار ، بسيراف ، قال : كان عندنا نفسان ، يمشيان في طريق ، فرأيا صرة ~~دراهم ملقاة في الطريق ، فقال أحدهما للآخر : خذها واحفظها لصاحبها . فقال ~~الرجل : لا أفعل . فقال : لكني آخذها ، وأحفظها ، فإن وجدت صاحبها ، رددتها ~~عليه . قال : فأخذها ومشى . فإذا برجل يصيح . فقالا له : ما لك ؟ فقال : ~~صرة صفتها كذا وكذا ، فيها دراهم لي ، سقطت مني الساعة . فقال الذي هي معه ~~: خذها ، فإنها هذه . فسلمها إليه ، ثم قال لصاحبه : أليس لو كان الناس ~~كلهم على مذهبك ، في أن لا يحفظوا على الناس ، لضاعت أموالهم . فقال له ~~الآخر : أليس لو كان الناس كلهم على مذهبي ، ما ضاعت الصرة ، ولكانت تبقى ~~في الطريق مكانها ، حتى يرجع صاحبها ، فيأخذها . PageV02P120 # """""" صفحة رقم 121 """""" # الخوارج يقطعون السارق من المرفق # حدثني أبو الحسين علي بن لطيف ، المتكلم على مذهب أبي هاشم ، قال : كنت ~~مجتازا بناحية قزدار ، مما يلي سجستان ومكران ، وقد كان يسكنها الخليفة من ~~الخوارج ، وهي بلدهم ودارهم ، فانتهيت إلى قرية لهم ، وأنا عليل ، فرأيت ~~قراح بطيخ ، فابتعت واحدة ، فأكلتها ، فحممت في الحال ، ونمت ms315 يومي وبقية ~~ليلتي ، في قراح البطيخ ، ما عرض لي أحد بشيء . وكنت قبل ذلك ، قد دخلت ~~القرية ، فرأيت شيخا خياطا في مسجد ، فسلمت إليه رزمة ثيابي ، وقلت له : ~~تحفظها لي . فقال : دعها في المحراب . فتركتها ، ومضيت إلى القراح ، فلما ~~أفقت من الغد ، عدت إلى المسجد ، فوجدته مفتوحا ، ولم أر الخياط ، ووجدت ~~الرزمة بشدها في المحراب . فقلت : ما أجهل هذا الخياط ، ترك ثيابي وحدها ، ~~وخرج ، ولم أشك في أنه قد حملها بالليل إلى بيته ، وردها في الغد إلى ~~المسجد ، انتظارا لي . فجلست أفتحها ، وأخرج شيئا شيئا ، فإذا بالخياط . ~~فقلت له : كيف خليت ثيابي ؟ فقال : أفقدت منها شيئا ؟ قلت : لا . فقال : ما ~~سؤالك ؟ قلت : أحببت أن أعلم . قال : تركتها البارحة في موضعها ، ومضيت إلى ~~بيتي . فأقبلت أخاصمه ، وهو يضحك . وقال : أنتم قد تعودتم أخلاق الأرذال ، ~~ونشأتم في بلاد الكفر ، التي فيها السرق والخيانة ، وهذا لا نعرفه ها هنا ، ~~لو بقيت ثيابك مكانها ، إلى أن تبلى ، ما أخذها أحد غيرك ، ولو مضيت إلى ~~المشرق والمغرب ، ثم عدت لوجدتها مكانها ، فإنا نحن ، لا نعرف لصا ، ولا ~~فسادا ، ولا شيئا مما عندكم ، ولكن ، ربما لحقنا في السنين الطويلة ، PageV02P121 ~~"""""" صفحة رقم 122 """""" # شيء من هذا ، فنعلم أنه من جهة غريب قد اجتاز بنا ، فنركب وراءه ، ولا ~~يفوتنا ، فندركه ، فنقتله ، إما نتأول عليه بكفره ، وسعيه في الأرض بالفساد ~~، أو نقطعه كما يقطع السراق عندنا من المرافق ، فلا نرى شيئا من هذا . قال ~~: وسألت عن سيرة أهل البلد ، بعد ذلك ، فإذا الأمر كما ذكره ، وإذا هم لا ~~يغلقون أبوابهم بالليل ، وليس لأكثرهم أبواب ، إنما هي شرائج ترد الكلاب ~~والوحوش . PageV02P122 # """""" صفحة رقم 123 """""" # الأمير معز الدولة يطوف في قصور دار الخلافة # حدثني أبو الحسن ، علي بن أحمد الحاجب ، المعروف بابن الخراساني ، وكان ~~يحجب معز الدولة ، قال : كنت مع معز الدولة يوما في دار الخلافة ، بحضرة ~~المطيع لله ، فلما انفض الموكب ، قال لي : قل له : إني أريد أن أطوف في ~~الدار ، فأراها وأشاهد بساتينها ، وصحونها ، فيأمر من يطيفني فيها . قال ms316 : ~~فقلت ذلك للخليفة ، بالعربية . فأمر الخليفة ، شاهك خادمه ، وابن أبي عمرو ~~حاجبه ، أن يطيفاه فيها ، فلما مشيا بين يديه ، وأنا وراءهما أمشي ، وبعدنا ~~عن حضرة الخليفة ، وقفا ، فقالا : أيها الأمير إنه لا يصلح أن تطوف الدار ، ~~إلا ومعك نفسان ، أو ثلاثة ، أو نحو هذا ، فاختر لنفسك من تريد ، ورد ~~أصحابك . قال : فأخذ الصيمري كاتبه ، معه ، ونحو عشرة غلمان ، من حجابه ، ~~وغلمانه ، وترك باقي غلمانه ، وجيشه ، في صحن السلام . فتوقفت أشد منطقتي ، ~~فسبقني ، ودخل مع ساهك ، وابن أبي عمرو ، ولم ينتظروني ، وأسرع في مشيه . ~~فشددت منطقتي ولحقته ، وجذبت ثيابه من ورائه ، فالتفت ، فقلت بالفارسية : ~~في أي موضع أنت ؟ ما لك تعدو على وجهك ؟ وليس تعلم أنك في دار قد قتلت ألف ~~أمير ووزير ، أيش كان غرضك في طوف هذه الدار وحدك ؟ ما كان يؤمنك ، لو وقف ~~لنا عشرة من الخدم ، أو عشرون نفسا ، في هذا الممر الضيق ، فتقتل . قال : ~~فكنت أكلمه بالفارسية ، وأصحاب الخليفة لا يفهمون . فقال له الصيمري ، ~~بالفارسية : قد صدقك . فقال لنا : إن أنا رجعت الساعة ، علموا أني قد فزعت ~~، فضعفت هيبتي في نفوسهم ، ونظروا إلي بعين جبان ، ولكن التفوا حولي ، فإن ~~مائة من هؤلاء ، لا يقاومونا ، ولا صاحبهم يجسر أيضا ، على الحيلة علي . PageV02P123 # """""" صفحة رقم 124 """""" # وتسرع في مشيته ، حتى أننا لم نثبت ما شاهدناه ، حق تثبيته . حتى انتهينا ~~إلى دار فيها صنم من صفر ، على صورة امرأة ، وبين يديها أصنام صغار ، على ~~صور الوصائف ، فما رأينا شيئا قط ، أحسن من ذلك ، وخاصة المرأة . قال : ~~فتحير معز الدولة ، وسأل عن ذلك ، وقالوا : هذا صنم يقال له : شغل ، حمل ~~إلى المقتدر من بلد من بلدان الهند ، وكان يعبده أهل ذلك البلد ، ففتحه ~~صاحب عمان ، وملكه ، وحمل الصنم . فقال معز الدولة : قد والله عشقت هذا ~~الصنم ، لحسنه ، ولو كان جارية ، مع زهدي في الجواري ، لاشتريتها بمائة ألف ~~دينار ، وأريد أطلبه من الخليفة ، ليكون قريبا مني ، فأراه في كل وقت . ~~فقال له الصيمري : لا تفعل ، فإنك تنسب في ذلك ، إلى أخلاق ms317 الصبيان . قال : ~~وأسرعنا الطوف ، والخروج ، فما عقلنا ، ولا رجعت نفوسنا إلينا ، حتى صار مع ~~معسكره ، وغلمانه . فلما نزل إلى طياره ، التفت إلى الصيمري ، وقال : يا ~~أبا جعفر ، قد زادت محبتي للخليفة ، لأنه لو كان يضمر لي سوءا ، وكان فيه ~~شر ، لكان قد قتلني اليوم بأسهل حيلة . فقال له الصيمري : الأمر كذلك ، ~~فاحمد الله . قال : فلما رجع إلى داره ، أمر أن يحمل إلى نقيب الطالبيين ~~عشرة آلاف درهم ، ليفرقها فيهم ، شكرا لله عز وجل ، على سلامته . ففرقت ، ~~ولم يعرفوا سبب ذلك . PageV02P124 # """""" صفحة رقم 125 """""" # أجر الطبيب عن سقي دهن الخروع # حدثني أبو محمد عبد الله بن داسه ، قال : حدثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن ~~بن المثنى ، قال : حدثنا أبي ، قال : كان في بني منقر ، بالبصرة ، طبيب ~~يختلف إلى عيسى بن أبان القاضي ، أيام مقامه بالبصرة ، يسقيه في كل سنة ، ~~دهن الخروع ، أياما متوالية من كل سنة ، فإذا فرغ ، وقع له وكيله بمائتي ~~درهم . قال : فغلط سنة من السنين ، فوقع له بمائتي دينار . فلما عرض الطبيب ~~الرقعة على الوكيل ، استراب بها ، وقال : حتى أستأذنه . وجاء إليه فأراه ~~التوقيع ، فقال : ما أردت هذا ، ما أردت إلا المائتي درهم التي هي رسمه ، ~~ولكن هذا شيء أجراه الله على يدي ، لا أرجع عنه ، أعطه إياه . فأعطاه . # ابن الوزير علي بن عيسى يمنع والديه من الاجتماع # وحدثني أبو محمد ، قال : حدثني أبو سهل بن زياد القطان ، قال : كان علي ~~بن عيسى ، يدخل في كل أسبوع ، يوما ، إلى زوجته ، والدة أبي القاسم ، ابنه ~~. وكان أبو القاسم ، قد نشأ وترجل . فلما كان يوم النوبة ، أدخل أبو القاسم ~~أمه إلى حجرة ، وقفلها عليها ، وأخذ المفتاح . فوافى علي بن عيسى ، فأنكر ~~قفلها . فقال له الجواري : إن أبا القاسم ابنه ، فعل ذلك . فاستحيا ، وعرف ~~غرضه ، فلم يدخل إلى أمه بعد ذلك ، إلا لعيادة ، أو حال ظاهرة . PageV02P125 # """""" صفحة رقم 126 """""" # الوزير أبو علي بن مقلة يثني على القاضي أبي عمر # وحدثني ، قال : حدثني أبو الفرج منصور بن القاسم القنائي الكاتب ، قال : ~~دخل ms318 أبو عمر القاضي ، على أبي علي بن مقلة ، وهو وزير ، وعلي بن عيسى عنده ~~جالس ، فرفع أبا عمر عليه ، فامتنع ، فرفعه ثانية ، فامتنع ، وجلس دون أبي ~~الحسن . فانصرف ، فراسله إلى طياره ، واستدعى ابنه أبا الحسين ، فجاء إليه ~~، فقال : تقول لأبي عمر ، إني ما رفعتك على علي بن عيسى ، لتخالف أمري ، ~~وتمتنع من ذلك . وتجلس دونه . فعاد إليه أبو الحسين ، فقال له ما جرى . ~~فقال له : ارجع إليه ، وقل له : هذا رجل رأس علي ، ثم أدال الزمان منه ، ~~فكرهت أن أرتفع عليه ، فيتصورني الوزير ، بصورة من يرتفع على رؤسائه ، وما ~~فعلت ذلك ، إلا لك ، وإعظاما للرياسات . فعاد أبو الحسين ، إلى ابن مقلة ، ~~وأعاد عليه ذلك . فقال : قل له : أحسن الله جزاءك ، فمنك يتعلم العقل . PageV02P126 # """""" صفحة رقم 127 """""" # الخليفة المعتضد يبحث عن حجة لقتل وزيره # حدثنا أبو محمد ، قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه ، ~~عن شيوخه . إن المعتضد ، لما قبض على إسماعيل بن بلبل ، أحضر إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي ، وقال له : بلغني أنك تعلم أن إسماعيل بن بلبل ، زنديق ، فما ~~تقول في قتله ؟ فقال : ما أقول في رجل تكنى ، وسمي أبوه بالطيور . فعلم ~~المعتضد أنه يدافع ، فقال ليوسف القاضي : هل عندك من أمره شيء ؟ فقال : نعم ~~. أمرني الموفق بالنفقة على الموسم ، وتقدم إلى إسماعيل ، أن يعطيني المال ~~، فكنت ألزم مجلسه ، أطالبه بذلك . فلزمته يوما من الغداة إلى المغرب ، ما ~~رأيته صلى ، ولا نهض من موضعه . ثم لزمته أياما متتابعة ، وكان هذا حكمه ، ~~فقلت لعله يقضيها ليلا . فقال لي في آخر يوم : بت عندي الليلة لأعطيك المال ~~، وجلس يتحدث ، وأنا بين يديه ، إلى أن نعس ، فأراد إكرامي ، فأمرني بالنوم ~~بحضرته ، فنمت ، وما رأيته خلال ذلك صلى . فقال له المعتضد : انصرف ، فقد ~~أخبرتني بما أردته منك . وقتله . PageV02P127 # """""" صفحة رقم 128 """""" # عمرو بن الليث الصفار يعاقب واحدا من حرسه # حدثنا أبو محمد ، قال : حدثنا أبو الحسن بن أبي نصر ، أن ابن أبي الوليد ~~بن أبي عبد الله بن أبي دؤاد ، قال ms319 : حدثني أبي : أن عمرو بن الليث ، كان ~~له بيت ينام فيه ، ويحرسه غلمان له ليلا ، فانتبه ليلة ، فوجد بعض الغلمان ~~، قد استند إلى الحائط ، ونام قائما ، فجعل مرفقه ، على صماخه ، وغمز عليه ~~، حتى قتله . فما رؤي في داره ، نائما ، ممن كان يحرسه ، بعد ذلك . # حميد الطوسي يأمر بقتل الطباخ لأنه لم ينضج دجاجة # حدثنا أبو محمد ، قال : حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى ، قال ~~: حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : قال ابن عياش : كنت آكل مع حميد ~~الطوسي ، فضربت يدي إلى دجاجة مشوية ، ثم رغبت عنها شبعا ، فلم أكسرها ، ~~وانقضى الطعام ، وغسلت يدي ، وخرجت ، فإذا بضوضاء في الدهليز ، وإذا برجل ~~يبكي . فقام إلي ، وقال : يا رجل ، أحي نفسا ، كنت أنت سبب قتلها . فقلت : ~~ما الخبر ؟ فقال : أنا طباخ حميد ، وإنك مسست دجاجة ، ثم لم تكسرها ، فقدر ~~حميد أنني شويتها ، ولم أنضجها ، فأمر بقتلي . فعدت إلى حميد ، فحين رآني ، ~~قال : والله لا شفعتك في الطباخ . قلت : يسمع الأمير ما أقوله ، ويعمل ما ~~يراه ، قال : قل . فحلفت بالأيمان المغلظة ، إن الدجاجة كانت نضيجة ، وإنما ~~رغبت عنها ، لأن الشبع صدني ، ثم اتبعت المسألة في أمر الطباخ . PageV02P128 # """""" صفحة رقم 129 """""" # فقال : أهب لك ذنبه ، على أن لا يدخل داري ، إننا قد أيسنا من الآخرة ، ~~وإنما هي الدنيا ، فلا نحتمل ، والله ، لأحد ، تنغيصها علينا . # إسحاق المصعبي تحركه رقاع أصحاب الأرباع في بغداد # وحدثني ، قال : حدثني أبو يحيى بن مكرم ، القاضي البغدادي ، قال : حدثني ~~أبي ، قال : كان في جواري شيخ يعرف بأبي عبيدة ، حسن الأدب ، كثير الرواية ~~للأخبار ، وكان ينادم إسحاق بن إبراهيم المصعبي . فحدثني : إن إسحاق ~~استدعاه ذات ليلة ، في نصف الليل ، بعدة رسل . قال : فهالني ذلك ، وأوحشني ~~، لما أعرفه من زعارة أخلاقه ، وشدة إسراعه إلى القتل ، وخفت أن يكون قد ~~نقم علي شيئا في العشرة ، أو بلغه عني باطل ، فأحفظه ، فيقتلني . فخرجت ~~طائر العقل ، حتى أتيت داره . فأدخلت من دار إلى أخرى ، إلى أن أدخلت دار ~~الحرم ، فاشتد جزعي ، ثم أدخلت إلى ms320 حجرة لطيفة ، فسمعت في دهليزها ، بكاء ~~امرأة ، متخافتا ، وهو جالس على كرسي ، وبين يديه سيف مسلول . فذهب علي ~~أمري ، وسلمت ، ووقفت . فقال : اجلس يا أبا عبيدة ، فسكن روعي ، وجلست . ~~فرمى إلي قصصا ، فإذا هي رقاع أصحاب الشرط في الأرباع ، يخبر كل واحد منهم ~~، بخبر يومه ، وفي أكثرها ، كبسات وقعت ، بنساء من بنات الوزراء ، والرؤساء ~~من الكتاب ، وبنات القواد والأمراء ، مع رجال على ريب ، وإنهن محصلات في ~~الحبوس ، ويستأذن في أمرهن . فقلت : قد وقفت على هذه الرقاع ، فما يأمرني ~~الأمير ؟ فقال : إن هؤلاء ، كلهن ، أجل آباء مني ، وأكثر حسبا ومالا ، وقد ~~أفضى بهن الدهر ، إلى ما قد رأيت ، وقد وقع لي أن بناتي سيبلغن إلى هذا ، ~~وقد جمعتهن - وهن PageV02P129 ~~"""""" صفحة رقم 130 """""" # خمس - بالقرب من هذا الموضع ، لأقتلهن كلهن الساعة ، وأستريح ، فماذا ترى ~~في هذا ؟ . فقلت : أيها الأمير ، إن آباء هؤلاء المحبسات ، أخطئوا في ~~تدبيرهن ، لأنهم خلفوا عليهن النعم ، ولم يحفظوهن بالأزواج ، فخلون بأنفسهن ~~، ففسدن ، ولو كانوا علقوهن على الأكفاء ، ما جرى هذا منهن . والذي أراه ، ~~أن تستدعي فلانا ، القائد ، فله خمسة بنين ، كلهم جميل الوجه حسن النشوة ، ~~فتزوج كل واحدة منهن ، بواحد ، فتكفي العار ، والنار . فقال : أحسنت يا أبا ~~عبيدة ، أنفذوا الساعة إليه ، وافرغ لي من هذا . قال : فراسلت الرجل ، فما ~~طلع الفجر ، حتى حضر وأولاده ، وعقدت النكاح لهم ، على بنات إسحاق ، في ~~خطبة واحدة ، وحمل إسحاق بين يدي كل واحدة ، خمسة آلاف دينار ، عينا ، ~~وشيئا كثيرا من الطيب ، والثياب ، والدواب ، والبغال ، والغلمان . فأعطاني ~~كل واحد من الأزواج شيئا مما وصل إليه ، وأنفذ لي أمهات الأولاد ، هدايا في ~~الحال ، وشكرنني على تخليص بناتهن ، وانقلبت الحال إلى السرور . فخرجت ، ~~وقد حصل لي ثلاثة آلاف دينار عينا ، وشيء كثير ، من الطيب والثياب . PageV02P130 # """""" صفحة رقم 131 """""" # شغف المتوكل بالعود الهندي # حدثني الحسين بن محمد الجبائي ، قال : حدثني أبو القاسم عمرو بن زيد ~~البزاز الشيرازي ، المقيم ببغداد ، قال : حدثني ابن حمدون النديم ، عن ~~آبائه ، أن أحدهم أخبره : إن المتوكل ، كان مشغوفا بالعود الهندي ، فشكا ms321 ~~إليه ذات ليلة ، إعوازه ، قال : فقلت له : يا أمير المؤمنين ، الملوك لا ~~تستقبح أن تستهدي من الملوك ، طرائف ما في بلادها ، فلو أنفذت إلى ملك ~~الهند ، هدية حسنة ، واستهديت منه عودا هنديا ، ما كان ذاك عيبا . قال : ~~فتكون أنت الرسول . فأبيت . فألزمني ، إلى أن أجبت ، فتمنيت أني لم أكن ~~أشرت عليه بالرأي ، وإن كان صحيحا ، لأجبر على الخطر بالنفس ، وقلت في نفسي ~~: قد كان يسعني السكوت . وأعد المتوكل الهدايا ، وتأهبت للخروج ، ووصيت ، ~~لإيآسي من الرجوع . فلما أجد بي الخروج ، قلت : ليس إلا أن أحمل معي شرابا ~~كثيرا ، فإذا اشتدت الأمواج ، شربت ، وسكرت ، ولا أعقل إن غرقت ، ولا أحس ~~بعظم الأمواج ، مع السكر . فاستكثرت من الشراب القطربلي والغناء الحسن ، ~~والتفاح الشامي ، وجعلت بعضه في العسل ، ليبقى . وخرجت ، فأقمت بالبحر ~~شهورا ، وعانيت أهوالا عظيمة ، إلى أن وصلت إلى الساحل من بلد الهند ، ~~فأركبت الظهر ، وسرت من بلد إلى آخر ، إلى أن دخلت بلهوار ، دار الملك ~~الأعظم من ملوك الهند ، وهو اسم الملك الأعظم هنالك . فوصلت إلى البلد ، مع ~~أصحابه ، وقد تلقيت ، وأكرمت ، وخدمت ، وأنزلت دارا حسنة ، من دورهم . ثم ~~جلس مجلسا عاما ، فدخلت إليه ، وهو في حفله ، وتأهبه ، وجيشه ، ورعيته ، ~~وقد جلس على سرير ملكه ، وعليه مئزران حرير صيني ، وقد اتشح بأحدهما ، ~~واتزر بالآخر ، وفي حلقه خيط فيه صرة من ذلك الحرير ، لا أدري ما فيها . PageV02P131 # """""" صفحة رقم 132 """""" # وكلمني بترجمانه ، وقال : يقول لك الملك ، لأي شيء قصدت ؟ فقلت له : إن ~~أمير المؤمنين أحب صلة الحال والمودة بينه وبينه ، فبعثني لذلك ، وحمل على ~~يدي هداياه ، وسألت أن يأمر بتسلمها . فأعاد الترجمان عنه ، جوابا حسنا ~~جميلا ، وإنه أمر بقبض الهدية ، وانصرفت ، ورسله معي ، فتسلمها . وترددت ~~إلى المجالس العامة ، دفعات . فلما كان بعد أيام ، استدعاني في نصف نهار ، ~~وكان الزمان حارا ، فدخلت دار العامة التي كنت أصل إليه فيها ، فلم أجد ~~فيها كثير أحد ، فأدخلت من موضع إلى آخر ، حتى أدخلت إليه ، وهو جالس في ~~حجرة في غاية الحسن ، والسرو ، والظرف ، والملاحة ، وفاخر الآلات ms322 ، كأنها ~~من حجر دار الخلافة ، ودست طبري في نهاية الحسن ، والملك جالس فيه ، وعليه ~~قميص قصب في نهاية الخفة والحسن ، وسراويل دبيقي ، بتقطيع بغدادي ، وعلى ~~مسورته رداء قصب فاخر جدا ، وبين يديه آلات ذهب ، وفضة ، وصياغات كثيرة ~~عراقية ، كلها حسنة ، مملوءة بالكافور والماورد ، والعنبر ، والند ، ~~والتماثيل . فلما دخلت ، كلمني بالعربية ، بلسان طلق ذلق ، وقال : كيف أنت ~~من قشف بلادنا ؟ فشكرت إنعامه ، وقرظت بلاده ، وذكرت له أني في ريف من ~~تفقده ، وبره . فباسطني ، وطاولني ، واستطاب حديثي ، وأفضت معه في فنون من ~~الأمور ، حتى تكامل انبساطه إلي . وتأملت أمره كله ، فإذا رجل عراقي ، ~~متأدب . فسقاني من شراب بين يديه ، أصفر ، في قدح ، في صينية ، وقال : اشرب ~~هذا ، وقل لي ، هل عندكم مثله ؟ فقبلت يده ، وقبلت القدح ، وشربته ، وقلت : ~~هذا ، في نهاية الطيب والحسن والجودة . فقال : أصدقني ، هل عندكم مثله ؟ ~~فوصفت له الشراب القطربلي ، وذكرت منافعه ، وفضائله ، وطيبه ، وزدت في ~~الوصف ، وبسطته ، فرأيت في عينه ، استبعادا لقولي . PageV02P132 # """""" صفحة رقم 133 """""" # فقلت له : إني كنت استصحبت منه شيئا في طريقي ، وقد فضل منه فضلة ، لا ~~أرضاها لحضرة الملك ، ولكن إن أمر بإحضارها ، ليعتبر بها صحة ما ذكرته له ، ~~أحضرتها . فقال : افعل . فقلت لغلامي : احمل كلما بقي عندنا من الشراب ، ~~فجاء الغلام بأدن يسيرة . وقلت له : أن يحمل شيئا من التفاح الشامي . فحمل ~~مما كان في العسل ، عدة تفاحات ، ومسحها من العسل ، وكان في بعضه قد بقيت ~~منه بقية صالحة . فلما وضعت الدنان بين يديه ، أمرت غلامي ، ببزلها في قدح ~~، وشربت منه أولا ، ثم دفع إليه ، فاستحسن ذلك . ثم أخذ التفاح ، فلما رأى ~~لونه ، رأى شيئا غير ما عنده ، وشمه ، فكاد أن يشهق استطابة ، وشربه ، ~~وتقدح بشيء من التفاح ، وقد كنت كسرت واحدة ، وأكلت نصفها في حال شربه ، ~~وتركت النصف الآخر بين يديه ، فتنقل به ، ومسح فاه . ثم قال لي : ما ظننت ~~أن في الدنيا مثل هذا الشراب ، ولا مثل هذا النقل ، ولقد بعد في نفسي ما ~~أخبرتني به ، فلما شاهدته صدقتك ، وعظم في نفسي ms323 بلد يكون مثل هذا فيه ~~مبتذلا ، ولم أصدق ذلك لو لم أشاهده . ثم قال لي : ويحك ، تشربون مثل هذا ، ~~وتتنقلون بمثل هذا ، وتموتون ؟ إن هذا لأمر عجيب . ثم صار يستدعيني ، كل ~~يوم ، إلى تلك الحجرة ، فآكل معه ، ونشرب ، ويخرج إلي بالأحاديث . فلما ~~أنست به ، قلت له : أيها الملك ، أتأذن لي ، أن أسأل عن شيء ؟ قال : قل . ~~قلت : إن الله عز وجل ، قد جمع لك من الملك العظيم ، أنك جالس في هذه ~~الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق ، بلا فرق ولا شك ، وقد أعطاك من ~~حسن الرأي والفهم ، واللسان العربي ، ما جعلك به ، كأنك رجل من أهل بغداد ، ~~فمن أين لك هذا ؟ PageV02P133 # """""" صفحة رقم 134 """""" # فقال : ويحك ، إن أبي كان من أولاد الملوك ، وقتل أبوه ، وانتزى على ملكه ~~بعض قواده ، ثم خرج عليه ، ولم يكن من أهل بيت الملك ، فهرب أبي خوفا على ~~دمه ، إلى عمان ، فدخلها مستخفيا ، وتنقل في البلدان ، إلى أن وقع ببغداد ، ~~في زي التجار ، ومعه من يخدمه ، ويكتم أمره ، وطاف بلدان العراق ، وكانت ~~المادة تحمل إليه من ها هنا . فأقام بالعراق سنين ، حتى تفصح بالعربية ، ~~وعاشر أهل العراق ، ونكح منهم ، وخالطهم ، وتطاولت السنون به ، ومات ذلك ~~الخارجي ، الذي قتل أباه ، وغصبه الملك ، فأوقف أهل المملكة الملك عليه ، ~~وكاتبوه بالصورة ، واستقدموه ، وأمدوه بالأموال ، فاستصحب قوما من ~~العراقيين ، من أهل الأدب والعشرة ، وأهل الصنائع ، فقدم ، فملك الأمر ، ~~وجعل غرضه ، طلب العراقيين ، وأسنى لهم العطايا ، فكثروا عنده ، فبنوا له ~~هذه الحجرة ، وخدموه بهذه الآلات . فكان يجلس لأهل المملكة في زيهم ، لئلا ~~يشيع عليه مخالفتهم في الزي ، وينقص بين ملوكهم ، فيهون أمره عندهم ، ويجلس ~~في خلواته هكذا . فلما ولدت ، أسلمني إلى العراقيين ، والهنديين ، فكلموني ~~باللغتين ، فنشأت أتكلم بهما ، ثم أدبني العراقيون ، وغلبوا علي . فلما مات ~~، سلم الملك إلي ، فاتبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة بزيهم ، ~~والانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزي . قال : فقلت له : فما ذلك الذي تعلقه ~~في حلقك في الصرة ؟ فقال : هذه الصرة ، فيها عظم من عظام ms324 الرجل الذي جاء ~~بعبادة البد وأقام هذه الشريعة لهم ، وله كذا وكذا ألف سنة ، وذكر عشرات ~~ألوف سنين . وقال : إن الرجل ، لما مات ، وصى ، بأن يجعل في تابوت ، بعد ~~تابوت ، كذا وكذا ألف سنة ، فما يزال ، كلما بلي شيء من عظامه ، احتفظوا ~~بالباقي ، ونحوا البالي ، لئلا يسرع الفساد إلى الصحيح ، إلى أن لم يبق منه ~~إلا هذا العظم الواحد ، فخافوا أن يبلى أيضا ، فجعلوه في حق من ذهب ، ~~وجعلوهما في صرة ، وصارت الملوك تعلقه في حلوقها ، في خيط ، تعظيما ، ~~وتبركا به ، وتشرفا بمكانه ، وصيانة له عن البلى ، فقد علق في حلق كذا وكذا ~~ملك ، مدة أيام ملكهم كذا وكذا سنة ، وذكر أمرا عظيما ، وقد صار عندنا ~~كالبردة التي لصاحبكم ، يلبسها خلفاؤكم . PageV02P134 # """""" صفحة رقم 135 """""" # قال : فلما طال مقامي ، وضجرت ، سألته الإذن في تسريحي ، وأعلمته إعجاب ~~الخليفة ، بالعود الهندي ، وأشرت عليه بالاستكثار منه ، وقلت : هو أحب إليه ~~من جميع ما تهديه إليه ، من غيره . فأنفذ منه شيئا عظيما ، هائلا ، كثيرا ، ~~وفيه من الطرائف ما لم يسمع بمثله . وأنفذ معه من الجواهر ، واليواقيت ، ~~والتوتيا ، وطرائف بلاده ، ما يكون قيمته مالا جليلا ، وأضعاف ما حملناه ~~إليه . فلما أردت توديعه ، قال : اصبر ، ثم دعا بصندوق ، ففتحه ، وأخرج منه ~~مفتاح ذهب ، وأخرج منه قطع عود هندي لطافا ، فأعطانيها ، وقد كان قد ما ~~أعطانيه نصف رطل ، ودعا بدرج ، وجعله فيه ، وقفله ، وسلمه ومفتاحه إلي ، ~~وقال : هذا خاصة ، توصله من يدك إلى يده . قال : فأنكرت ذلك في نفسي ، وقلت ~~: أبت الهندية فيه إلا الحمق . قال : فبان له التنكر في وجهي . فقال : أظنك ~~احتقرته ؟ فقلت : وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا . فقلت : الملك يقول . ~~فقال : يا غلام ، هات مجمرة ، ونارا . فأتى بهما ، ودعا بمنديل لطيف للكم ، ~~فأتى به ، وأخرج من ذلك العود شظية ، مقدار أقل من نصف دانق فضة ، فطرحها ~~في النار ، وبخر بها المنديل ، ثم قال : شم . فشممت شيئا ، لم أدر ما هو ، ~~لا يشبه الند ، ولا العود ، ولا شيئا طيبا نتبخر به ، ما شممت مثله ms325 قط . ~~فقلت : يحق لهذا أن يوصيني به الملك بما وصى . فقال : اصبر ، حتى أريك منه ~~أعجب مما رأيت . ودعى بطشت وماء ، فأحضرهما ، وأمر بغسل المنديل بالصابون ، ~~فغسل بين يديه ، ثم أمر بأن يجفف في الشمس ، ويحضر . قال : ففعل . ثم قال : ~~شمه . فشممت الرائحة بعينها ، لم تتغير ، ولا نقصت . فأعاد الغسل بالصابون ~~، والتجفيف ، دفعات تقارب العشرة ، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة . ~~فهالني ذلك . PageV02P135 # """""" صفحة رقم 136 """""" # فقال : اعرف الآن قدر ما معك ، واعلم أنه ليس في خزائن ملوك الهند كلها ، ~~من هذا ، رطل واحد ، غير ما أعطيتك ، وعرف صاحبك فضيلته . قال : فودعته ، ~~وانصرفت . ورزق الله السلامة ، ودخلت على المتوكل ، فسر بقدومي ، وأكرمني ، ~~وسلمت إليه الهدايا ، فحسن موقعها منه ، وأعدت عليه أكثر حديثي مع الملك ، ~~إلى أن بلغت خبر النصف رطل عود ، وأخرجته ، فسلمته إليه ، ولم أشرح له خبر ~~الخرقة . فاستحمق الرجل ، كما استحمقته ، فقصصت عليه الشرح ، وأخرجت ~~المجمرة ، والنار ، وخرقة ، وفعلت كما فعل الملك ، فهاله ذلك ، أمرا عظيما ~~، وسر به سرورا شديدا ، وقال : هذا النصف رطل بسفرتك . قال الحسين : فقال ~~لي عمرو بن زيد : استبعدت أمر هذا العود ، إلى أن حدثني بعض التجار الثقات ~~، المشهورين بدخول الهند دفعات ، بحديث هذا العود ، ووصفه لي ، فخرج ~~الحديثان واحدا على اتفاق . فقلت : هل سمعت ما سبب قلته ؟ فقال : سألتهم عن ~~سبب ذلك ، فقالوا : ليس ينبت إلا في موضع واحد ، في قلة جبل ، بيننا وبينه ~~مشاق ، وغرر ، وأخطار ، ووحوش ضارية كثيرة ، فالملوك تتكلف إنفاق الأموال ~~العظيمة ، على مرور الأيام ، والشهور ، والأعوام ، حتى يصل أصحابهم إلى ذلك ~~الجبل ، ويصعدون منه إلى حيث يمكن ، فيبلغون إلى حيث لا طريق فيه ، ولا ~~حيلة ، ويرون تيوسا ، كالتيوس الجبلية التي ها هنا ، ترعى في تلك الأشجار ~~من بعد ، فربما اتفق أن يروا الواحد ، وهو في الذروة ، وفي فيه قطعة من هذا ~~العود يأكله ، فيرمونه بالسهام ، فإذا اتفق أن يصيبه السهم ، فيسقط التيس ~~إليهم بحمية السهم ، وفي فمه ذلك العود ، فيتناولوه من فيه ، وإلا فلا سبيل ~~إلى الحصول على شيء ms326 من العود البتة . ففي سنين طوال ، تتفق هذه القطعة ~~اليسيرة ، بعد المشقة العظيمة ، على مراصدة الرجال بذلك . فبهذا السبيل يقل . PageV02P136 # """""" صفحة رقم 137 """""" # الكاتب بشر بن هارون النصراني يهجو وزيرا # أنشدنا أبو علي عبد الله بن الحجاج ، لأبي نصر النصراني ، الكاتب ، يهجو ~~أبا الفضل الشيرازي - الوزير كان - من أبيات : ما كل من طول عثنونه . . . ~~ينال فضلا يا أبا الفضل طولت عثنونك تبغي العلى . . . أي على في ذنب البغل ~~ولست أحصي كم رأيت امرأ . . . ألحى ولكن كوسج العقل # رأي الوزير ابن الفرات في سياسة المملكة # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري ، الشاهد ، قال : حدثنا ~~الحسين بن فلان ، الكاتب ، النصراني ، الملقب ببظر أم الدنيا ، قال : قال ~~لي ابن الفرات : أول أمور السلطان مخرقة ، فإذا استحكمت ، وتمت ، صارت ~~سياسة . PageV02P137 # """""" صفحة رقم 138 """""" # الخليفة لا يخاتل # وحدثنا ، قال : حدثنا قاضي القضاة أبو محمد بن معروف ، قال : كنت مع ~~المطيع لله ، في طياره ، وقد ركب ، وأنا واقف بين يديه ، مع حاجبه ، وكلما ~~دعت له طائفة ، سألني عنها ، فأخبره بها ، حتى دعت له طائفة من الطالبيين . ~~فقال : من هؤلاء ؟ فقلت : الطالبيون . فأعرض عنهم ، وأطرق ساعة ، وعبس ، ~~إلى أن جازهم . ثم قال : يا عبيد الله . قلت : لبيك يا أمير المؤمنين . قال ~~: العلوية أهلي ، وأقرب الناس إلي ، ووالله إني أحبهم ، ولكني أعلم ، أنهم ~~يبغضوني ، ومثلي لا يخاتل ، ولا يجوز أن أعاملهم إلا بما رأيت . # علم الخرق وعلم الورق # وسمعته يقول : سمعت جعفر الخلدي الصوفي ، يقول : لو تركني الصوفية ، ~~لجئتكم بإسناد الدنيا . مضيت إلى عباس الدوري ، وأنا حدث ، فكتبت عنه مجلسا ~~واحدا ، وخرجت من عنده ، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية ، فقال : أيش ~~هذا معك ؟ فأريته إياه . فقال : ويحك ، تدع علم الخرق ، وتأخذ علم الورق . ~~قال : ثم خرق الأوراق . ودخل كلامه في قلبي ، فلم أعد عباس . PageV02P138 # """""" صفحة رقم 139 """""" # المواساة بخل ، إنما هو لإيثار # وسمعته يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت جنيدا الصوفي ، يقول : سمعت سري ~~السقطي الصوفي ، يقول : أعرف قوما يرون المواساة بخلا ، إنما هو ms327 الإيثار . # الجنيد والسائل # وسمعته يقول : سمعت جعفر الخلدي ، يقول : وقف سائل على الجنيد ، ونحن في ~~حلقته ، فسأله . فرد عليه ، فقال : يا هذا ، الصناعة واحدة ، ولكنا أظرف ، ~~انصرف أغناك الله . فانصرف . # جعفر الخلدي يحج على التوكل # وسمعته يقول : سمعت جعفرا الخلدي يقول : حججت ستا وخمسين حجة ، منها ~~عشرون حجة على المذهب ، يعني على التوكل بلا زاد ولا راحلة . PageV02P139 # """""" صفحة رقم 140 """""" # كتم رويم حب الدنيا أربعين سنة # وسمعته يقول : سمعت جعفر الخلدي يقول : من أراد أن يستكتم سرا له ، ~~فليستكتم رويم ، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة . فقيل له : كيف ؟ قال : ~~كان يتصوف أربعين سنة ، فولي بعد ذلك ، إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قضاء ~~بغداد ، وكانت بينهما مودة وكيدة ، فجذبه إليه ، وجعله وكيلا على بابه ، ~~فترك الصوفية ، والتصوف ، والتوكل ، ولبس الخز ، والقصب ، والدبيقي ، ~~والمروي ، وركب الحمير والبغال ، وأكل الطيبات ، وبنى الدور . وإذا هو كان ~~يكتم حب الدنيا ، لما لم يجدها ، فلما وجدها ، أظهر ما كان يكتم من حبها . ~~البريء جريء والخائن خائف وسمعته يقول : سمعت أبا القاسم البزاز الصوفي ~~يقول : سمعت الجنيد يقول : قال لنا السري السقطي : # البريء جريء ، والخائن خائف # ، والجاني مستوحش . ومن الشعر الجيد في هذا المعنى : أمستوحش أنت لما ~~أسأت . . . فأحسن إذا شئت واستأنس PageV02P140 ~~"""""" صفحة رقم 141 """""" # الجاهل ميت ، والعاصي سكران # حدثنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، القاضي ، قال : ~~حدثنا أبو القاسم البزاز ، قال : حدثني بعض أصحاب سهل بن عبد الله التستري ~~الزاهد ، قال : قال لنا سهل : الجاهل ميت ، والعاصي سكران ، والمصر هالك . ~~كن صحيحا تكن فصيحا من أمثال العامة : # كن صحيحا ، تكن فصيحا # . ومن أمثالهم في هذا المعنى : إذا كان بولك صحيحا ، فاضرب به وجه الطبيب ~~. أي إذا كنت سليما ، فلا تبال ما صنعت . # حسن الأدب بين يدي الله # سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري ، يقول : سمعت جعفرا الخلدي ، ~~يقول : سمعت جنيدا ، يقول : سمعت سريا السقطي ، يقول : الناس في الأعمال ~~يتقاربون ، وإنما قارب من قارب ، بحسن الأدب بين يدي الله تعالى . PageV02P141 # """""" صفحة رقم ms328 142 """""" # ابن نصرويه يشاور شابا # وحدثني ، قال : كان أبو الحسين بن نصرويه ، ربما شاورني في الشيء يجري ، ~~فأستعظم ذلك منه ، وأقول : مثلك أنت والشيخ المجرب ، المحنك ، المدرب ، ~~المهذب ، تشاور مثلي ، وأنا ولدك ، هذا مما يوحشني منك ، ويقع لي أنك تجريه ~~مجرى الهزل . فيقول لي : قد رفعك الله عن هذا ، وإنما كان هذا يجري كما قلت ~~، لو كنت لا أناقضك الرأي ، وتناقضني ، وأحاجك وتحاجني ، إلى أن يتقرر ~~الشيء بيننا ، فأعمل بما يتقرر ، فأما وأنت تراني أفعل هذا ، فلا مظنة فيه ~~، وأمثل ما عندك في نفسي أنك شاب ، ولعمري إن علم الشباب محقور . # الوزير المهلبي ينعى على أبي تمام الزيني نقص مروءته # وحدثني ، قال : سمعت أبا الحسين بن نصرويه يقول : وافى أبو محمد المهلبي ~~، لما كتب لمعز الدولة ، البصرة ، فاعتقل القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد ~~الواحد الهاشمي ، ليغض منه ، ويشفي أبا تمام الزيني الهاشمي ، لأجل ما كان ~~بينهما من المصاهرة ، وعداوته لابن عبد الواحد ، ولم يكن بين ابن عبد ~~الواحد ، والمهلبي ، شيء يختص به من عداوة . فدخل أبو تمام إلى المهلبي ~~مسلما ، فلما خرج ، قال المهلبي لغلمانه : انظروا إلى أين بلغ ؟ . فعادوا ، ~~وقالوا : قد خرج من الدهليز ، وانصرف . فقال : أقبض على مثل ابن عبد الواحد ~~، لا لشيء إلا لأجله ، ويدخل إلي ، وهو معتقل عندي ، فلا يكون فيه من ~~المروءة ، ما يدخل إليه ، ويعرض نفسه عليه ، PageV02P142 ~~"""""" صفحة رقم 143 """""" # ويتكفل بأمره ، ويسألني فيه ، ويكون سبب إطلاقه ، ويسترقه بذلك ؟ قم يا ~~أبا الحسن فخذ بيد ابن عبد الواحد إلى منزله ، فقد أطلقته . قال : فمضيت ~~إلى ابن عبد الواحد ، وهو في الحبس ، فحدثته بما جرى ، وجئت به إلى المهلبي ~~حتى شكره ، وانصرف إلى منزله . # الوزير المهلبي يفاضل بين ابن عبد الواحد والزيني # وحدثني ، قال : سمعت أبا الحسين نصرويه ، يقول : حضرت مجلس المهلبي ، وقد ~~دخل إليه جعفر بن عبد الواحد ، فلقيه بوجه مقطب ، وقصر به ، ثم جلس ، وأخرج ~~من كمه رقعة ، فتأملت التثاقل والتكره في وجهه ، فقرأها ، ووقع فيها ، ثم ~~أخرج أخرى ، وأخرى ، إلى أن ms329 عرض عليه عدة رقاع ، فوقع ، وكلما وقع في واحدة ~~، انبسط وجهه في وجه ابن عبد الواحد ، إلى أن تكاملت الرقاع . ثم قام ابن ~~عبد الواحد ، ودخل أبو تمام الزيني ، فرفعه المهلبي ، أتم رفعة ، واهتش له ~~، وأقبل عليه بوجهه ، فأخرج رقعة فعرضها عليه ، فوقع له ، وأخرج عدة رقاع ، ~~وكان كلما أخرج رقعة ، ووقع فيها ، ظهر في وجهه الكراهية والتثاقل ، إلى أن ~~فرغ من الرقاع . فأخذها أبو تمام ، وقام . فأقبل المهلبي ، وقال : يا أبا ~~الحسين ، شتان بين الرجلين ، دخل إلي ابن عبد الواحد فعملت على أن أقصيه ، ~~بما عاملته من قلة الرفع والتقرب ، فعرض علي أول رقعة ، فاعتقدت قبل ~~قراءتها أن أردها ، فلما قرأتها ، وجدتها لحاجة غيره ، فاستحييت أن يكون ~~أكرم مني ، وقد بذل جاهه لمن سأله سؤالي ، مع ما يعلمه بما له عندي ، فما ~~منعه ذلك أن يستميح بجاهه للسائل ، وأبخل أنا بما أقدر عليه ، فيكون أكرم ~~مني ، فأنفت من ذلك ، ووقعت له ، ثم توالت رقاعه ، فوجدت جميعها في حوائج ~~الناس ، ما له ولا لأحد ممن يخصه شيء منها ، فوقعت في جميعها ، ونفسي سمحة ~~بذلك ، وقد نبل في عيني ، وتذممت من رده . PageV02P143 # """""" صفحة رقم 144 """""" # وقد دخل هذا ، فعاملته من الأكرام بما رأيت ، لما بيني وبينه ، فعرض ~~رقاعه ، فوجدت أولها في شيء يخصه ، فوقعت له ، وكلما عرض رقعة تطلبت أن ~~يكون فيها شيء لغيره ، فأقضيه له ، وأجعل له محمدة عليه ، فما وجدت الجميع ~~إلا له ، وفيما يخصه ، فكرهت ذلك منه ، وانحط من عيني ، ولم أستحسن رده ، ~~لما بيننا ، فوقعت له ، فكيف يمكنني أن أرفع ممن هذا سبيله ، وأضع ممن ذلك ~~سبيله . # الغيبة فاكهة القراء # سمعت أبا إسحاق ، يقول : سمعت جعفرا الخلدي ، يقول : سمعت الجنيد ، يقول ~~: سمعت السري السقطي ، يقول : فاكهة القراء الغيبة . # سري السقطي يشتهي أكلة # وسمعته يقول : سمعت جعفر الخلدي ، يقول : سمعت الجنيد ، يقول : سمعت ~~السري السقطي ، يقول : أشتهي منذ ثلاثين سنة ، شهوة ما قدرت عليها . فقيل ~~له : ما هي ؟ قال : أشتهي آكل أكلة ، لا يكون فيها لله عز وجل ms330 علي تبعة ، ~~ولا لمخلوق ، فما وجدت ذلك . PageV02P144 # """""" صفحة رقم 145 """""" # من مكارم أخلاق أبي عمر القاضي # وسمعت أبا إسحاق ، يقول : سمعت بعض شهود الحضرة القدماء ، يقول : كنت ~~بحضرة أبي عمر القاضي ، وجماعة من شهوده ، وخلفائه الذين يأنس بهم ، فأحضر ~~ثوبا يمانيا ، قيل له في ثمنه خمسون دينارا ، فاستحسنه كل من حضر المجلس . ~~فقال : يا غلام ، هات القلانسي ، فجاء . فقال : اقطع جميع هذا الثوب ، ~~قلانس ، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا قلنسوة . ثم التفت إلينا ، وقال : ~~إنكم استحسنتموه بأجمعكم ، ولو استحسنه واحد ، لوهبته له ، فلما اشتركتم في ~~استحسانه ، لم أجد طريقا ، إلا أن يحصل لكل واحد منكم ، واحدة منها . # تعليق المهلبي على كتاب القنائي الكاتب # حدثني أبو الحسين محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده الواسطي ، قال : كان ~~أبو قرة ، الحسين بن محمد القنائي الكاتب ، قد كتب لأبي علي كتاب ابن ~~العباس الديلمي ، المعروف بالكوسج ، ضامن واسط ، برسالة الوزير أبي محمد ~~المهلبي ، ومشورته عليه بذلك ، ثم استوحش منه ، فاستتر منه ، يومين ، أو ~~ثلاثة ، وراسله ، فأمنه ، وظهر ، فكتب أبو قرة ، إلى المهلبي ، بخبره ، بعد ~~ظهوره ، بسبب استتاره ، لئلا يهجن أخباره عند أبي علي . PageV02P145 # """""" صفحة رقم 146 """""" # قال : فوقع بخطه على ظهر الكتاب ، توقيعا قرأته ، فكان : أحسن الله إليك ~~، كما أحسن توفيقك ، فلتسكن نفسك ، فإني عونك ، ومن ورائك ، إن شاء الله . # الوزير المهلبي يستولي على غلات بالبصرة دون رضى أصحابها # وحدثني أيضا ، قال : كان المهلبي ، في بعض انحداراته إلى البصرة ، وهو ~~وزير ، أضاق ، فأخذ غلة عظيمة ، بعشرة آلاف دينار ، لأبي علي ، وجدها ~~بالبصرة ، وأخذ غلات التجار المحدورة من دستميسان ، وواسط ، وغلات خلق كثير ~~، وباعها ، وصرفها ، في دخل وخرج المملكة . فأشير على أبي علي ، بالإصعاد ~~إلى سبكتكين الحاجب ، ومسألته ليخبر معز الدولة بذلك ، فيأمر بارتجاعها منه ~~. فخالف أبو علي ، وانحدر إلى المهلبي ، فتلقاه بالأبلة . قال : فلما صعدت ~~إليه ، هش بي ، وسر سرورا عظيما ، وقال : ما جاء بك ؟ فقلت : بلغني أن ~~الوزير أيده الله ، أخذ غلة وجدها لي بالبصرة ، فسررت بذلك ، لتقديري أنه ~~شرفني بهذه ms331 الحال ، وبسط يده في مالي ، كما يبسطها في مال نفسه ، وأوليائه ~~، إذا احتاج إلى أموالهم ، وتشرفت بذلك ، إلى أن بلغني أنه أخذ مع مالي ، ~~أموال التجار ، وأصحاب الضياع ، وأصاغر الناس ، من أهل دستميسان ، وواسط ، ~~فأقلقني ذلك ، وعلمت أن هذا ، لو كان على سبيل الأنس ، لخصني به سيدنا ~~الوزير ، ولم يشرك فيه معي ، هذه الطبقة ، التي لا يجوز لمثله أن يأنس بها ~~في قرض ولا استعانة ، وإنما هم للمصادرات فقط ، فخفت أن يكون جميل رأيه في ~~، استحال ، في تخليطي بهذه الطائفة ، فجئت مستصلحا لرأيه ، وواقفا تحت أمره ~~. قال : فأعجبه قولي جدا ، فقال لي : يا أبا علي ، أنت والله مقبل ، - ~~وكررها مرارا - ، قبل أن تدخل بلحظة ، حضرني من قال : إنك قد أصعدت إلى ~~الحاجب سبكتكين ، لتشاكيني إليه ، فاعتقدت لك كل قبيح ، وعملت على نصرة ~~فعلي ، إن جرى فيه كلام ، بكل ما يجوز أن ينصر به مثله ، فأنا أفكر في ذلك ~~، إذ استؤذن لك PageV02P146 ~~"""""" صفحة رقم 147 """""" # علي ، فدخلت ، فسحرتني ، ووالله ، لا خرجت من هذا الموضع ، أو أوصلك إلى ~~مالك ، أو أكثره ، وأقيم لك بالباقي وجوها ناضة . وجذب الدواة ، فكتب ~~الوجوه ، بما يعجل ، ويسبب ، وفرغ من ذلك ، وأمر بإنشاء الكتب ، وسبب لي ~~بالباقي ، على سباشي الخوارزمي ، مولى معز الدولة ، ضامن البصرة . فأخذته ~~في مدة قريبة ، وأصعدت إلى واسط . # وشديد عادة منتزعة # حدثني أبو بكر بن جعفر السواق ، أحد تجار الكرخ ببغداد ، المشهورين ~~باليسار والستر ، وحفظ القرآن ، ووجه من وجوههم ، قال : كان علي وعد بنقدة ~~، لابن عبدان الصيرفي ، وهذا رجل باق إلى الآن ، من وجوه الصيارف ، بدرب ~~عون ، من المياسير ، فأخرت إنجازه ، لضرورة لحقتني ، ولم تكن عادتي جارية ~~معه بمثل ذلك . فجاءني يقتضيني ، وقال في عرض الخطاب : أقول لك يا أبا بكر ~~، كما قال الله : وشديد عادة منتزعة . فقلت : إنا لله ، إنا لله ، ما قال ~~الله عز وجل هذا . قال : فاستحيا مني ، وقام ، فما عاد إلي أياما . فلما ~~حضرت الدراهم ، أنفذتها إليه . PageV02P147 # """""" صفحة رقم 148 """""" # صلاة التجار # وكان عندنا بالبصرة ، رجل من التجار ، مستور ms332 ، يعرف بأبي علي بن سعدان ، ~~أحد الباعة في دار البطيخ ، موسر ، يركب ، وينبسط في المجالس ، وفي الكلام ~~. فأخبرني أبو طلحة الأزدي ، صاحب بني المثنى ، شيخ مستور ، قال : رأيته ~~مرة ، ونحن جلوس في دهليز جعفر بن عبد الواحد القاضي ، ننتظر الإذن عليه ، ~~وقد حضرت العصر ، فقام كل واحد منا ، فصلى ، وقام ابن سعدان ، فصلى صلاة ، ~~لم أر قط أسخف منها . فقلت له : يا أبا علي ، هذه ليست صلاة ، فأحسن صلاتك ~~، فإن هذه الصلاة ، كما قال ابن المعتز : صلاتك بين الملا نقرة . . . كما ~~اختلس الجرعة الوالغ فقال لي : يا أبا طلحة ، أعزك الله ، هذا فضول لا ~~نعرفه ، نحن نصلي صلاة التجار . فقلت له : هذا أعجب ، كأن الله عز وجل ، ~~فرض على التجار صلاة غير الصلاة التي فرضها على سائر عباده ؟ وتمام الشعر ، ~~لابن المعتز ، مشهور ، وكان النميري ، نديمه ، صلى بحضرته ، صلاة سخيفة ، ~~ثم سجد بعدها ، سجدة طويلة . فقال ابن المعتز ، ارتجالا ، البيت الأول ، ~~وتمامه : وتسجد من بعدها سجدة . . . كما ختم المزود الفارغ # من بز يوما بز به # حدثني محمد بن عدي بن زحر البصري ، جارنا بها ، قال : رأيت أبا إسحاق ~~ياسين ، وهو رجل كان ينزل بالقرب من الجامع بالبصرة ، وقد حدث في آخر عمره ~~، يناظر رجلا في الجامع ، وهو يقول له : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: من بز يوما بز به . . . والدهر لا يغتر به PageV02P148 ~~"""""" صفحة رقم 149 """""" # القاضي ابن بهلول يوصي القاضي التنوخي لما نصبه للقضاء # حدثني أبي ، قال : كان أول شيء قلدته ، القضاء بعسكر مكرم ، وتستر ، ~~وجنديسابور والسوس ، وأعمال ذلك ، من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن ~~البهلول التنوخي . وكنت في السنة الثالثة والثلاثين من عمري ، وذلك في شهور ~~إحدى عشرة وثلاثمائة ، لأن مولدي في ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ومائتين . ~~فلما سلم إلي أبو جعفر العهد ، أوصاني بتقوى الله عز وجل ، وبأشياء من أمور ~~العمل ، وسياسته في الدنيا والدين ، وبأمر جاريه ، أتنجزه من العامل هناك ، ~~لأنه كان مسببا عليه ، فودعته ، ونهضت . فقال : اجلس ، فقد أنسيت ms333 مهما . ~~فجلست ، فقال : إنك شاب ، وفضلك تام ، وعملك وافر ، وإنك سترد على قوم فيهم ~~شر ، وسيحسدونك على فضلك ، أو يطلبون معايبك ، إذا حكمت عليهم بالحق ، فلا ~~يجدون طريقا إلى الغض منك ، إلا بنسبتك إلى الحداثة ، وقلت حنكتها ، ولن ~~تعدم منهم ذلك ، فإن صدقت حققوا ما يريدون ، والكذب لا يجوز ، فإياك أن ~~تخبر بسنك على حقيقتها ، ولكن إذا سئلت عنها ، فقل : دون الأربعين سنة ، ~~فلو كانت عشرين ، أو أقل ، لكنت صادقا ، وفي فزعك إلى الأربعين ستر عليك ، ~~لأنها الأسد ، وحد التكهل والحنكة ، فإن بليت بمن يطول معك ، فيقول : دون ~~الأربعين بكم ؟ فقل : لست أذكر ، وانو أنك لست تخبر ، ليقطع الخطاب ، ويقع ~~للسائل ، أنك ناس حقيقة سنك . قال : فخرجت ، واتفق أن شعرة واحدة ، ابيضت ~~في لحيتي ، في مسافة الطريق ، فلما دخلت الأهواز ، تعملت لإخراجها بالمشط ، ~~إلى حيث يلحقها النظر ، تجملا بها . واستقبلني محمد بن جعفر بن معدان ~~الشاهد ، وكان يخلف أبا جعفر ، على الوقوف ، وقد كاتبه بإعظامي ، وتلقي ، ~~فجاءني بمركوب إلى الشط ، وركبته إلى دار اتخذت لي ، وكان يغشاني في كل يوم . PageV02P149 # """""" صفحة رقم 150 """""" # فلما أردت الخروج إلى عملي ، قال لي : قد هالني ما رأيته من فضل القاضي ~~أيده الله ، فكم سنوه ؟ فذكرت ، وصية أبي جعفر ، فقلت : دون الأربعين سنة . ~~فقال : دونها بكم ؟ فقلت : لست أذكر . فلم يشك أني ناس لتحققها ، فأمسك عني ~~. وهذا ضد ما نشاهده الآن ، فإني قد رأيت ببغداد ، قاضيين ، هاشميين خطيبين ~~، شاهدين ، أحدهما أجل وأنبه ، وإليهما أعمال جليلة ، وأحدهما قد تقلد من ~~جهة الخليفة جلائل الأعمال ، ووهل نفسه ، لقضاء القضاة ، وخطب ذلك فما تم ~~له ، وهما يخضبان لحيتهما ، ظاهرا ، بالسواد ، وأحدهما ترك ذلك ، قبل موته ~~بسنين ، وهو الأدون محلا ، والآخر باق مقيم على الخضاب ، إلى الآن ، ونسأل ~~الله سترا جميلا ، فإن الخضاب ، وإن كانت فيه روايات ، فإنما يعذر فيه ~~الجند ، والكتاب ، ومن لا يتصدى للحكم والشهادة ، فأما من نصب نفسه ، فلا ~~عذر له فيه . PageV02P150 # """""" صفحة رقم 151 """""" # ابن شاهويه القاضي يبحث في قضية شرعية # حدثني أبو القاسم ms334 عبد الرحيم بن جعفر ، الفقيه المعروف ، بابن السماك ، ~~السيرافي ، قال : كنت بحضرة أبي بكر محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه ، ~~القاضي بأرجان ، فتقدم إليه نفسان ، ادعى أحدهما على الآخر ألف درهم . ~~فسأله : فأنكر . فقال للمدعي : لك بينة ؟ فقال : لا ، ولكن استحلفه لي . ~~فقال للمدعى عليه : أتحلف ؟ قال : قد كان قدمني إلى القاضي الذي كان قبلك ، ~~واستحلفني له ، على هذه الدراهم . فقال للمدعي : ما تقول ؟ فقال : نعم ، قد ~~كان حلف لي كاذبا . فقال : انصرف ، فلا مطالبة لك عليه . فانصرفا . ثم ~~التفت إلي ، وإلى أبي الوعد الفقيه على مذهبنا ، يعني مذهب أبي حنيفة ، ~~وجماعة من الفقهاء كانوا قعودا ، والجماعة حنفيون ، فقال : أرأيتم إن ادعى ~~هذا المدعي الألف ، إنه قد حلف المدعى عليه ، وإني ما حلفته ، وأردنا أن ~~نعرض اليمين عليه ، فذكر أنه قد حلف على هذا المعنى ، ولم يزل ذلك يتردد ~~بينهما ، في دعوى كل واحد على صاحبه ، كيف نفصل الحكم بينهما ؟ قال : ~~ففكرنا جميعا ساعة ، ثم جرى خوض لم يتقرر له معنى ، ولم يتضح لنا وجه ~~الفتوى . فقلت له : إن رأى القاضي ، أن يذكر ما عنده . فقال : حكى لنا ~~القاضي أبو طاهر الدباس ، عن أبي خازم القاضي ، في هذه المسألة بعينها إنه ~~قال : للحاكم أن يستحلف الذي ادعيت عليه الألف في الابتداء ، إن هذا المدعي ~~عليك الألف درهم ، لم يستحلفك عليها عند حاكم آخر . PageV02P151 # """""" صفحة رقم 152 """""" # الدليل على تحليل نبيذ التمر # سئل بعض غلمان أبي الحسن الكرخي ، عن الدليل على تحليل النبيذ التمري ~~المعمول بالداذي ، الشديد ، المسكر ، فقال : قد وجدنا ، أن الله تعالى ، ~~لما وعدنا بالجنة ، ووصفها لنا ، أباح لنا في الدنيا من جنس ما وعدنا به ، ~~وحلل لنا تناولها ، لنعرف بذلك فضل ما وعدنا به في الجنة ، ودوام ذلك ، ~~وانقطاع هذا . فلما وعدنا بالخمر في الجنة ، وقد حرمها علينا في الدنيا ، ~~ولا طريق إلى علم فضلها ، لنحرص على الأعمال التي توجب دخول الجنة ، وشربها ~~فيها ، فوجب أن يبيح لنا في الدنيا ، شيئا من جنسها هكذا ، نستدل به على ms335 ~~طيبها ، فكان النبيذ . # دليل آخر على تحليل النبيذ # وكان قد سئل عن مثل هذا مرة أخرى ، فقال : إن الله تعالى ، خلق المنثور ~~الذي ليس بخيري ، والله لا يخلق ما لا فائدة فيه ، وليس فيما عدا الخيري من ~~المنثور فائدة ، إلا أن يشرب عليه النبيذ . وكان يخرج هذا القول ، مخرج ~~الجد ، لمن يستضعفه ، ومخرج الهزل ، مع أهل العلم . PageV02P152 # """""" صفحة رقم 153 """""" # الجبائي وتحليل النبيذ # وأصحاب الحديث ، والحفاظ ، يقولون : إنه لم يصح عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، حديث في تحريم النبيذ ، ولا في تحليله . فذهب أبو علي محمد بن عبد ~~الوهاب الجبائي ، في مسألة أملاها في تحليل النبيذ ، مشهورة ، إلى أن الأصل ~~في الأشياء ، أنها على الإباحة ، إلى أن يثبت حظرها . فلما كان العقل ، لا ~~يدل على تحريم النبيذ ، ولم ينقطع العذر عن تحريمه ، وجب أن يكون على الأصل ~~من الإباحة . ثم نصر ذلك ، بأشياء أوردها ، واعترض أدلة المحرمين له ، وبين ~~فسادها ، وأورد زيادات على نفسه ، وانفصل عنها بما يطول شرحه ، ويخرج عما ~~نحن فيه ، إن أوردناه . # الوزير المهلبي يناظر بعض دعاة الفتنة ببغداد # حضرت مجلس أبي محمد المهلبي ، وكانت العامة ببغداد ، قد هاجت في أيام ~~وزارته ، وعظمت الفتنة ، وقبض على جماعة من العيارين وحملة السكاكين ، ~~وجعلهم في زوارق مطبقة ، وحملهم إلى بيروذ ، وحبسهم هناك . فاستهانوا ~~بالقصة ، وكثف أمرهم ، وكثر كلام القصاص في الجوامع ، ورؤساء الصوفية ، ~~فخاف من تجديد الفتنة ، فقبض على خلق منهم ، وحبسهم ، وأحضر أبا السائب ، ~~قاضي القضاة إذ ذاك ، وجماعة من القضاة ، والشهود ، والفقهاء ، وكنت فيهم ، ~~لمناظرتهم ، وأصحاب الشرط ، لنأمن مضرتهم ، إذا قامت الحجج عليهم . فاتفق ~~أن بدىء برجل من رؤساء الصوفية ، يعرف بأبي إسحاق بن ثابت ، ينزل بباب ~~الشام ، أحد الربانيين ، عند أصحابه ، فقال له : بلغني أنك PageV02P153 ~~"""""" صفحة رقم 154 """""" # تقول في دعائك : ' يا واحدي بالتحقيق ، يا جاري اللصيق ' ، فمن لا يعلم ~~بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة ، فهو كافر ، لأن الملاصقة ~~من صفات الأجسام ، ومن جعل الله جسما كفر ، فمن يكون محله ms336 في العلم هذا ، ~~يتكلم على الناس ؟ وقل لي : ما معنى ما بلغني عنك ، أنك تقول في جملة كلامك ~~: ' أخذتني مني ، ولم تبقني علي ، فها أنا بلا أنا ' . حصلنا على أنكم ~~تهذوا ، وتوهموا الناس ، على أنكم ربانيين ، وتستدعونهم ، بالجهالات ، إلى ~~الضلالات ، وتفتنون حضرة السلطان عليه . السياط يا غلام . فلم يزل يسأل في ~~أمره ، حتى كف عنه ، وكتب عليه أن لا يتكلم على الناس ، ولا يحلق حلقة . # لماذا كنى نفسه أبا البيان # كان يجيء - بالبصرة - إلى معلمي ، معلم يكنى أبا الحسن ، وكنى نفسه ، أبا ~~البيان . فسمعت معلمي يعاتبه على ذلك ، ويقول : يا هذا ، غيرت كنيتك ، وهي ~~مقبولة ، وكنية أمير المؤمنين . فقال له : يا أبا جعفر ، كم رأيت في عمرك ~~من كنيته أبو الحسن ؟ قال : لا أحصي . قال : فهل رأيت أبا البيان غيري ؟ ~~قال : لا . قال : خذ بيدك ، هذه واحدة من فضائلها ، ومن ذلك أني أشتهر بها ~~، ولا أشارك فيها . ومن فضائلها : أن تسقط عني التلقيب ، وأن يشتغل الناس ~~بها ، عما سوى ذلك من عيوبي . PageV02P154 # """""" صفحة رقم 155 """""" # طريقة أبي البيان المؤدب في التدريس # ورأيته يوما عند معلمي ، في مكتبي ، وقد حضر وقتا كان فيه المعلم يأخذ ~~علينا الشعر ، وكانت عادته أن يقيم الصبيان صفا ، فيطالبهم بإنشاد القصيدة ~~. فأقامهم في تلك العشية ، وقد حضر أبو البيان ، فقال له : يا أبا جعفر ، ~~ما هذا التفريط ؟ قال : وكيف ؟ قال : إن لي عادة في سياسة الصبيان ، لا ~~أرخص لهم فيها ، إن سألتني علمتك إياها . فقال : افعل . قال : تقدم إلى ~~صبيانك ، أن يمتثلوا أمري ، لأريك ذلك . فقال لهم أبو جعفر : انظروا ما ~~يأمركم به أبو البيان ، فافعلوه . فأقبل عليهم يخاطبهم في كلامه ، فقال : ~~لكم أقول أيها الصبيان ، ولمن يجاوركم من الغلمان ، إلى حدود الأحداث ~~والفتيان ، اسمعوا وعوا ، فمن خالف بعد البرهان ، أنزلت به غليظ الامتحان ، ~~تراصوا في صفوفكم ، والزقوا أقدامكم ، وأقيموا ألواحكم ، وأقبلوا علي ~~بألحاظكم ، وأحضروا فيما تنشدون قلوبكم ، وارفعوا أصواتكم ، وقولوا قول صبي واحد : # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وصاح بالشعر مطربا . فما ملك الصبيان ms337 الضحك ، وضحك معلمي معهم . فقال : ~~يا أبا جعفر ، التراب والجندل بفيك وعلى رأسك ، والويل والويح محيطان بك ، ~~أتطمع أن تعلمهم بهذه الهيبة ؟ حفت بك اللعنة والخيبة ، أسبابك أفسدت ، أمن ~~قدري بضحكك وضعت ؟ أم سترك عند هؤلاء الأنكاد هتكت ؟ أشهد الله ، لا أكلمك ~~، أو تعتذر . وأخذ أبو جعفر ، يداريه ، ويعتذر إليه ، حتى رضي لوقته . وكان ~~يقول الشعر ، وينشده أبا جعفر دائما ، وما حفظت منه شيئا . ولولا أن هذه ~~الألفاظ ، تعاودناها في PageV02P155 ~~"""""" صفحة رقم 156 """""" # المكتب ونحن صبيان ، لم تعلق بحفظي ، فلما ترعرعت ، كتبتها في موضع ، ~~وأنسيتها ، ثم نقلتها منه ، إلى هذا الموضع ، وبقيت عندي إلى الآن . # مؤدب يتشاتم مع التلاميذ # وسمعت ، وأنا في الكتاب ، أنه جاء إلى معلمي ، فأسلم إليه ابنه ، فقال له ~~: لم نقلته من عند المعلم الأول ؟ قال : لأنني جزت به يوما ، والصبيان ~~يتشاتمون ، وهو لا يمنعهم بأكثر من أن يقول : قيدوا ألفاظكم ، أخزى الله ~~حرماتكم ، لا تتشاتموا يا بني البظر . وإذا هو ، ليس يمنعهم من سوء الأدب ، ~~ويدخل في جملة المتشاتمين ، فنقلته . # رقية للمرأة كي لا تسقط حملها # حدثني عبد الله بن عمر بن الحارث ، قال : كان أبي يكتب آي الرقى ، على ~~أصل وقع إليه في ذلك . وكان مما يكتبه رقية للمرأة ، إذا خافت أن تسقط ~~ولدها ، وتعلق في وسطها ، فلا تسقط . قال : وجربنا عليه ذلك ، على طول ~~السنين ، فلم يخطىء . يكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ' إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ' ، الآية ، ' وما قدروا الله حق قدره ' ، الآية ~~' ونفخ في الصور فصعق من في PageV02P156 ~~"""""" صفحة رقم 157 """""" # السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ' ، إلى آخر السورة ، ' ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ' ، الآية . # رقية لإعادة الآبق # قال : وكان يكتب رقية الآبق ، ما رأيتها أخلفت ، وهي أن تأخذ رقا فتكتب ~~فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، ' وذا النون إذ ذهب مغاضبا ، فظن أن لن ~~نقدر عليه ' ، إلى : ' ننجي المؤمنين ' ، ' أو كظلمات في بحر لجي ، يغشاه ~~موج ' ، إلى آخر قوله تعالى : ' فما له من نور ' ، ' فساهم ms338 فكان من ~~المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ' ، أدركه بآيات الله ، يرده رب السموات ~~والأرض ، فاجعل ما بينهما أضيق على فلان - يعني الآبق - من مسك حمل ، حتى ~~تمكن منه ، فإنه من فضلك وعطائك . ويدفن الرق في عتبة باب . # رقية لإمساك الرعاف # قال : وكان يكتب للرعاف ، في ورقة ، ويعلقه على جبهة المرعوف : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، ' وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ' إلى قوله PageV02P157 ~~"""""" صفحة رقم 158 """""" # تعالى : ' للقوم الظالمين ' . ' وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ، ولوا على ~~أدبارهم نفورا ' . # رقية للخراج # وكان يكتب للخراج على ورقة سلق ، وتوضع على الخراج : ' ما أصابك من حسنة ~~فمن الله . . . ' الآية . # القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقه # حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي محمد الصلحي الكاتب ، قال : رأيت ~~بمصر طبيبا كان بها ، مشهورا ، يعرف بالقطيعي ، وكان يقال : إنه كان يكسب ~~في كل شهر ألف دينار ، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر ، ومن ~~السلطان ، ومما يأخذ من العامة . قال : وكان له دار ، قد جعلها شبيه ~~البيمارستان ، من جملة داره ، يأوي إليها ضعفاء الأعلة ، يعالجهم ، ويقوم ~~بأودهم ، وأدويتهم ، وأغذيتهم ، وخدمتهم ، وينفق أكثر كسبه في ذلك . قال ~~أبو الحسن : فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر - وأسماه لي ، فذهب عني اسمه - ~~وكنت هناك ، فحمل إليه أهل الطب ، وفيهم القطيعي ، فأجمعوا على موته ، إلا ~~القطيعي . وعمل أهله على غسله ، ودفنه . PageV02P158 # """""" صفحة رقم 159 """""" # فقال القطيعي : دعوني أعالجه ، فإن برىء ، وإلا ليس يلحقه أكثر من الموت ~~، الذي قد أجمع عليه هؤلاء . فخلاه أهله معه . فقال : هاتم غلاما جلدا ، ~~ومقارع ، فأتي بذلك . فأمر به فمدد ، فضربه عشر مقارع ، من أشد الضرب ، ثم ~~مس مجسه ، وضربه عشرا أخرى شديدة ، ثم مس مجسه ، وضربه عشرا أخرى . ثم مس ~~مجسه ، فقال للطب : أيكون للميت ، نبض يضرب ؟ فقالوا : لا . قال : فجسوا . ~~فجسوه ، فقالوا : قد زاد نبضه . فضربه عشرا أخرى ، فقوي النبض . فضربه عشرا ~~أخرى ، فتحرك الميت . فضربه عشرا أخرى ، فصاح . فقطع عنه الضرب ، فجلس ~~العليل يجس بدنه ، ويتأوه ، وقد ثابت قوته إليه ms339 . فقال : ما تجد ؟ فقال : ~~أنا جائع . فقال : أطعموه الساعة . فجاءوه بما أكل ، ورجعت قوته ، وقمنا ، ~~وقد برىء . فقال له الطب : من أين لك هذا ؟ قال : كنت مسافرا في قافلة فيهم ~~أعراب يخفروننا ، فسقط منهم فارس عن فرسه ، فأسكت ، فقالوا : قد مات ، فعمد ~~شيخ منهم ، فضربه ضربا عظيما كثيرا ، وما رفع الضرب عنه ، حتى أفاق ، فعلمت ~~أن الضرب ، جلب إليه حرارة أزالت سكتته . فقست عليه أمر هذا العليل . PageV02P159 # """""" صفحة رقم 160 """""" # مهاترة بين رجلين من الخاصة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد الأزدي ، قال : حدثني أبو علي الحسن ~~بن محمد الأنباري الكاتب ، قال : كنت ، وأنا حدث ، أوقع بين يدي ، أبي محمد ~~دلويه ، وهو ، إذ ذاك ، يكتب للمؤتمن سلامة - أخي نجح الطولوني - حاجب ~~القاهر . فجاءه يوما أبو علي الحسين بن القاسم بن عبيد الله ، وأبو جعفر ~~الكرخي مسلمين ، فحبسهما للأنس ، وأجلست في دست ، في صدر قبة كانت له ، ~~وجلس دونهما على مطرح ، وفرش في بيت إلى جانب القبة ، له باب إليها ، واجلس ~~فيه ابنه ، وأجلسني معه ، وكأنه رفع الرجلين عن معاشرتهما لنا ، ونحن أحداث ~~، وأراد بذلك سماع كلامهما ، والأنس بسماع الغناء . وكان إلى جانب القبة ، ~~بيت آخر ، فأجلس الغناء فيه ، ومدت ستارة على بابه . وأخذوا في الشراب ، ~~ونحن نسمع الغناء ، وما يجري من كلامهم ، ولا نرفع أصواتنا بالكلام ، لئلا ~~يسمعوا ذلك . فلما توسطوا الشراب ، أحضر باكورة ، فقبلها ، ثم أقبل عليهما ~~، وقال : الإنصاف أن أقسمها أثلاثا ، ولكني قد وفرت قسمي عليكما يا سيدي ، ~~فاقتسماها أنتما . فأخذها الحسين بن القاسم ، فقال : يا سيدي ، يا أبا جعفر ~~، هذه تحب أن آخذ أنا ثلثيها ، وأعطيك ثلثها ؟ فقال الكرخي : فعلام يا سيدي ~~؟ فقال : لأنك ، أنت وأخوك ، ولدتما توأما ، فأنت نصف توأم ، وأنا تام لأني ~~ولدت وحدي ، ولو كان أخوك حاضرا ، لكان لي ولك وله أثلاثا ، ومع غيبته ، ~~فأنت لا تستحق أكثر من الثلث . فقال له أبو جعفر : ما أعجب هذا ، أنت رجل ~~كان جدك نصرانيا ، يعتقد أن الله ثالث ثلاثة ، ونشأ أبوك فصار ثنويا ، وترك ms340 ~~مرتبة ، ونشأت أنت فكان القياس أن تترك مرتبة واحدة أخرى ، ولكنك تركت ~~مرتبتين ، فنشأت ملحدا ، لا تعتقد شيئا PageV02P160 ~~"""""" صفحة رقم 161 """""" # أصلا ، ولم نعيرك بذلك ، تعيرنا أنت بالتوأم ، ولا ذنب لنا فيه ، وما هو ~~عار على الحقيقة . فغضب الحسين بن القاسم ، وابتدر ليجيب . فقام دلويه ، ~~وقال : الطلاق ثلاثا ، لازم لي ، وكل ما أملكه صدقة ، إن أجبت يا سيدي بشيء ~~، ولا تكلمت أنت يا سيدي ، يا أبا جعفر بشيء ، فإن هذا يخرج الآن عن المزاح ~~إلى العربدة ، والأحقاد ، والوحشة التي تبقى ، وقدركما يرتفع عن هذا . قال ~~: فسكتا ساعة واجمين ، ولم يزل أبو محمد ، يداريهما ، ويبسطهما ، ويستعطف ~~كل واحد منهما لصاحبه ، حتى اصطلحا . # ابن سكرة الهاشمي يهجو القاضي ابن أبي الشوارب # أنشدني محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي ، وهو من ولد عبد الله بن علي ~~بن المهدي ، المعروف بابن ريطة ، غلب عليه اسم أمه ، كما غلب على إبراهيم ~~بن المهدي ، اسم أمه شكلة ، يهجو أبا العباس بن أبي الشوارب ، وهو من ولد ~~خالد بن أسيد الأموي ، أخي عباد بن أسيد صاحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، لما تقلد قضاء القضاة ، وكانت العامة تلقبه بحدندل : خلعت على حدندل من ~~مديحي . . . قميصا لا اكتسى رجل كساه على نفسي دعوت لأن جهلي . . . دعاني ~~أن شرهت إلى نداه وكيف رجوت جودا من عدوي . . . ولم أغسل حسامي من دماه PageV02P161 ~~"""""" صفحة رقم 162 """""" # من مختار شعر أبي فراس # لأبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي ، ~~قصيدة أولها : وقوفك في الديار عليك عار . . . وقد رد الشباب المستعار ~~ويقول فيها : وطال الليل بي ولرب دهر . . . نعمت به لياليه قصار وندماني ~~السريع إلى ندائي . . . على عجل وأقداحي الكبار عشقت بها عواري الليالي . . ~~. أحق الخيل بالركض المعار إذا انحسر الظلام امتد آل . . . كأنا دره وهو ~~البحار يموج على النواظر فهو ماء . . . ويلفح بالهواجر فهو نار فكم بلد ~~شتتناهن فيه . . . ضحى وعلى منابره المغار وكن إذا أغرن على ديار . . . ~~رجعن ومن طرائدها الدمار وكم ملك نزعنا ms341 الملك منه . . . وجبار بها دمه جبار ~~وله قصيدة أولها : عذيري من طوالع في عذاري يقول فيها : أرى نفسي تطالبني ~~بأمر . . . قليل دون غايته اصطباري وما يغنيك من همم طوال . . . إذا قرنت ~~بأحوال قصار وقيل لي انتظر زمنا ومن لي . . . بأن الموت ينتظر انتظاري PageV02P162 ~~"""""" صفحة رقم 163 """""" # للشاعر الببغاء يصف شرابا # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي ، المعروف بالببغاء ، ~~الكاتب ، لنفسه ، يصف شرابا في قدح أبيض ، أبياتا ثابتة في ديوانه ، اختصرت ~~منها قوله : بالقفص للقصف منزل كثب . . . ما للتصابي في غيره أرب دارت نجوم ~~الكؤوس في فلك . . . منه له من فتوتي قطب من كل جسم كأنه عرض . . . يكاد ~~لطفا باللحظ ينتهب نور وإن لم يغب ووهم ولو ص . . . ح وماء لو كان ينسكب لا ~~عيب فيه سوى إذاعته الس . . . ر الذي في حشاه يحتجب كأنما صاغه النفاق فما ~~. . . يخلص منه صدق ولا كذب فهو إلى لون ما يجاوره . . . على اختلاف الطباع ~~ينتسب إذا ادعاه اللجين أكذبه . . . بالراح في صبغ جسمه الذهب جلت عروس ~~المدام حالية . . . فيه علينا الأدوار والنخب فالراح بدر والجام هالته . . ~~. والأفق كفي والأنجم الحبب # زمان الهوى ألذ زمان # وأنشدني لنفسه مقطوعة : فليالي الصبا أسر ليال . . . وزمان الهوى ألذ ~~زمان وأسر البلاد ما حمد السا . . . كن فيها خلائق الجيران PageV02P163 ~~"""""" صفحة رقم 164 """""" # مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد # حدثني بعض المتطببين ، قال : حدثنا أبو منصور بن مارية ، كاتب أبي مقاتل ~~، صالح بن مرداس الكلابي ، صاحب حلب ، وكان أبو منصور من رؤساء أهل الصراة ~~، الذين يضرب بهم المثل ، في كل فن ، وكان أديبا ، وقد شاهدته ، ولم أسمع ~~منه هذه الحكاية ، قال : أخبرني أحد شيوخنا ، قال : كان بعض أهلنا قد ~~استسقى ، وأيس من الحياة ، فحمل إلى بغداد ، فشوور الطب فيه ، فوصفوا له ~~أدوية كثارا ، فعرفوا أنه قد تناولها بأسرها ، فلم تنجع ، فأيسوا منه ، ~~وقالوا : لا حيلة لنا في برئه ، وهذا تالف . فسمع العليل ذلك ، فقال لمن ~~كان معه : دعوني الآن أتزود من الدنيا ، وآكل ما أشتهي ، ولا تقتلوني ~~بالحمية قبل ms342 أجلي . فقالوا : كل ما تريد . فكان يجلس على دكان باب الدار ~~التي نزلها ببغداد ، فمهما رآه يجتاز على الطريق ، اشتراه ، وأكله . فمر به ~~رجل يبيع الجراد مطبوخا ، فأجلسه ، واشترى منه عشرة أرطال ، وأكلها بأسرها ~~. فلما كان بعد ساعة من أكله ، انحل طبعه ، وتواتر قيامه ، حتى قام في ~~ثلاثة أيام أكثر من ثلثمائة مجلس ، وضعف ، وأيس منه . ثم انقطع القيام ، ~~وقد زال كل ما كلن في جوفه ، وأنابت إليه قوته ، وبرأ . فخرج برجليه ، في ~~اليوم الخامس ، يتصرف في حوائجه ، فرآه أحد الطب ، وعجب من أمره ، وسأله عن ~~الخبر ، فعرفه . فقال : ليس من شأن الجراد ، أن يفعل هذا الفعل ، ولا بد أن ~~يكون في الجراد الذي فعله ، خاصية ، فأحب أن تدلني على بائع الجراد . قال : ~~فما زالوا في طلبه ، حتى اجتاز بالباب ، دفعة ثانية ، ورآه الطبيب ، فقال : ~~ممن اشتريت هذا الجراد ؟ . PageV02P164 # """""" صفحة رقم 165 """""" # فقال : ما اشتريته ، أنا أصيده ، وأجمع منه شيئا كثيرا ، وأطبخه على ~~الأيام ، وأبيعه . فقال : من أين تصطاده ؟ قال : فذكر قرية على فراسخ يسيرة ~~من بغداد . فقال له الطبيب : أعطيك دنانير ، وتدع شغلك ، وتجيء معي إلى ~~الموضع الذي اصطدت منه الجراد . قال : نعم . فخرجا ، وعاد الطبيب من غد ، ~~ومعه من الجراد شيء ، وحشيشة . قالوا له : ما هذا ؟ فقال : صادفت الجراد ~~الذي يصيده هذا الرجل ، يرعى في صحراء جميع نباتها حشيشة يقال لها : ~~مازريون ، وهي من دواء الاستسقاء ، وإذا دفع إلى العليل منها وزن درهم ، ~~أسهله إسهالا يزيل الاستسقاء ، ولكن لا يؤمن أن ينضبط ، ولا يقف ، فيقتله ~~بالذرب ، فالعلاج بها خطر جدا ، وهي مذكورة في الكتب ، ولفرط غررها ، لا ~~يكاد أن يصفها الطب ، فلما وقع الجراد على هذه الحشيشة ، وأنضجتها معدته ، ~~ثم طبخ الجراد ، فضعف فعلها ، بطبخين اجتمعا عليها ، وقصر ، وتناولها هذا ، ~~وقد تعدلت بمقدار ما أبرأته ، ولم تدفع طبعه دفعا لا ينقطع ، فبرأ . PageV02P165 # """""" صفحة رقم 166 """""" # مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى # حدثنا محمد بن أحمد بن طوطو الواسطي ، أبو الحسين ، قال : سمعت أبا علي ~~عمر بن ms343 يحيى العلوي الكوفي ، يقول : كنت في بعض حججي ، في طريق مكة ، ~~فاستسقى رجل كان معنا ، من أهل الكوفة ، وثقل في علته . وسل الأعراب قطارا ~~من القافلة ، وكان العليل على جمل منه ، فلما افتقد ، جزعنا عليه ، وعلى ~~القطار ، وكنا راجعين إلى الكوفة . فلما كان بعد مدة ، جاءنا العليل إلى ~~الكوفة ، معافى . فسألته عن قصته ، وسبب عافيته ، فقال : إن الأعراب ، لما ~~سلوا القطار ساقوه إلى خيمهم ، وكانت قريبة من المحجة ، على فراسخ يسيرة ، ~~فأنزلوني ، ورأوا صورتي ، فطرحوني في آخر بيوت الحي ، وتقاسموا ما كان في ~~القطار . وكنت أزحف ، وأتصدق بين البيوت ما آكله ، فأطعم ، فتمنيت الموت ، ~~وسهل علي ، وكنت أدعو الله تعالى ، به . فرأيتهم يوما ، وقد عادوا من ~~ركوبهم ، فأخرجوا أفاعي قد اصطادوها ، وقطعوا رؤوسها وأذنابها ، واشتووها ، ~~وأكلوا . فقلت : هؤلاء يأكلون هذه الأفاعي ، ولا تضرهم للعادة التي تربوا ~~عليها ، ولعلي أنا ، إن أكلت شيئا منها ، تلفت ، فأستريح مما أنا فيه . ~~فقلت لبعضهم : أطعمني من هذه الحيات ، فرمى إلي بواحدة ، فيها أرطال ، ~~مشوية ، فأكلتها بأسرها ، وأمعنت ، طلبا للموت ، فأخذني نوم عظيم ، وانتبهت ~~، وقد عرقت عرقا عظيما ، واندفعت طبيعتي ، فقمت في بقية يومي وليلتي ، أكثر ~~من مائتي مجلس ، إلى أن سقطت طريحا ، والطبع يجري ، فقلت : هذا طريقي إلى ~~الموت ، فأقبلت أتشهد ، وأدعو بالمغفرة . PageV02P166 # """""" صفحة رقم 167 """""" # فلما أضاء الصبح ، تأملت بطني ، وإذا هي قد ضمرت جدا ، وزال عنها ما كان ~~بها ، فقلت : أيش ينفعني هذا ، وأنا ميت ؟ فلما أضحى النهار ، انقطع القيام ~~، ووجبت الظهر ، فلم أحس بقيام ، وجعت ، فجئت لأزحف على العادة ، فوجدت ~~نفسي خفيفا ، وقوتي صالحة ، فتحاملت ، وقمت ، ومشيت ، وطلبت منهم مأكولا ، ~~فأطعموني ، فقويت ، فبت تلك الليلة الثانية معافى ، ما أنكرت شيئا من أمري ~~. فأقمت أياما ، إلى أن وثقت من نفسي ، بأني إن مشيت نجوت ، فأخذت الطريق ~~مع بعضهم ، إلى أن صرت على المحجة ، ثم سلكتها منزلا ، منزلا ، إلى الكوفة مشيا . # ابن نصرويه يجيز شاعرا مدحه بثلاثة دراهم # حدثني أبو أحمد الفضل بن محمد ، ابن بنت المفضل بن سلامة البصري ، قال : ~~كنت عند ms344 أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه فدخل إليه شاعر غريب ، ورد ~~إلى البصرة ، يعرف بالمطرف الحميري ، فامتدحه بقصيدة حسنة ، فأمر غلامه أن ~~يعطيه عطية ، ساره بها ، فلما قام الشاعر معه ، أعطاه إياها ، فإذا بالشاعر ~~، قد رجع من الدهليز ، فرمى بالقرطاس ، في حجر ابن نصرويه ، فكان فيه ثلاثة ~~دراهم ، ثم استخف به ، بكلام قبيح ، وأنشده ثلاثة أبيات هجاء له باسمه ، ~~ونسبه ، طيبة ، ارتجلها ، ورده ، وترضاه ، وابذل له عني مائة درهم ، وأن لا ~~يعيد في هجائي شيئا . فتبعته ، وسعيت على أثره ، حتى لحقته ، وما زلت ~~أداريه ، إلى أن بذلت له المائة درهم ، فقال : لا ألبس النعماء من رجل . . ~~. ألبسته عارا على الدهر وانصرف ، فلا أدري ، الشعر له ، أو لغيره . PageV02P167 # """""" صفحة رقم 168 """""" # بحث في شكوى الزمان # وحدث أبو العباس الحسين بن علي بن الفضل بن سليمان الواسطي ، قال : كنت ~~جالسا ببغداد ، في سنة ثماني عشرة ، عند صديق لي بباب الطاق ، فتشاكينا ~~الهم والغم ، وفساد الزمان ، إذ ذاك ، ولو كان لنا ذاك الفساد الآن ، لكان ~~غاية الصلاح . فقال لي : يا أبا العباس ، هون عليك ، فلو وقف الإنسان في ~~هذه السوق العظيمة ، وأشار بيده إلى باب الطاق ، وصاح : يا مكروب ، لما بقي ~~فيها أحد ، إلا قال له : لبيك . # توقيع للقاضي ابن معروف # لما تقلد الطائع لله ، أمير المؤمنين ، الخلافة ، طالب القاضي أبا محمد ، ~~عبيد الله بن أحمد بن معروف ، أن يتولى له الوزارة ، فامتنع عليه من ذلك ، ~~وبذل له أن يتدبر أمره ، ويقوم له بترتيب الأمور إلى أن يستكتب من يراه . ~~فكان يحضر دائما ، ويعينه بنفسه ، ويدبر الأمور ، وربما لم يكن في الدار ~~كاتب ، فيوقع بخطه في الأمور . وأما أول يوم ، فكان نظر الوزراء ، فمن ذلك ~~، أنه وقع بتوقيع نسخته : ليكتب للحسين بن موسى الهاشمي ، من الحضرة ~~بالمظالم ، وتسيير الحجيج أيام المواسم ، ونقابة الطالبيين من بني هاشم . ~~وكتب عبيد الله بن أحمد في يوم كذا من شهور كذا . PageV02P168 # """""" صفحة رقم 169 """""" # كتاب كتبه أبو إسحاق الصابي # قرأت كتابا كتبه أبو إسحاق إبراهيم ms345 بن هلال الصابي ، الكاتب ، في جمادى ~~الأولى سنة خمس وستين وثلثمائة عن ابن بقية ، وهو إذ ذاك وزير إلى أبي ~~المظفر حمدان بن ناصر الدولة ، وهو بحلوان متقلدا لها ولطريق خراسان ، وقد ~~أنزل عياله في دار أبيالعلاء صاعد ببغداد ، يسأله تفريغها ، وخط أبو إسحاق ~~نسخته ، نقلتها من خطه : كتابي أطال الله بقاء سيدي الأمير ، وأدام تأييده ~~ونعمته ، يوم كذا ، عن سلامة ، وسيدي الأمير ، أدام الله عزه ، يعرف مذهبي ~~في رعاية الحقوق التي تضعف أسبابها ، ويصغر أصحابها ، فما عنده فيما تناهى ~~عندي ، يزيد تأكدا ووجوبا ، وتقدما وتمهيدا ، وما منزلة أبي العلاء صاعد بن ~~ثابت ، عندي ، تخفى على سيدي الأمير أدام الله عزه ، فأذكرها ، وهو بضعة ~~مني لا تتميز ، وكاللحمة التي لا تنفصل ، وليس ما تحدثه أحوال الزمان ~~والتصرف ، من شوائب تشوب ، وتوائب تنوب ، مغيرا للأصول ، ولا قادحا في ~~الإعتقاد ، وما كانت صورته في الوحشة التي لحقته ، وأخلت منه داره ، موجبة ~~للرخصة في أن تنزل ، ولو رام ذلك منها غير سيدي الأمير أدام الله عزه ، لعز ~~عليه أن يناله ، وإنما سمحت له بذلك ، لثقتي بطاعته لي ، وعلمه بأن ذلك ~~المنزل منزلي ، وأنني أعيره وأسترده ، وأتصرف فيه تصرف من يملكه ، وقد قبح ~~بي أن يكون أبو العلاء ، مع أواصره الوكيدة ، وملازمته لي المتصلة ، ممنوعا ~~منه ، وأسبابه منتقلين عنه ، وتردد مني في ذلك ، مراسلات ومكاتبات ، أحمدت ~~نتاجها ، الحكاية عن الحرة - يعني امرأة حمدان - أيدها الله ، في التذمم ، ~~ومعرفة الحق ، وإيثار الانتقال ، وأنكرت أن يقف الأمر مع هذه الحال ، ~~فالأعراض كثيرة مبذولة ، وأنا أسأل سيدي الأمير أيده الله ، أن يوجب ما ~~أوجبت ، ويعرف ما عرفت ، ويراعيني أولا ، ثم حقوق أبي العلاء ثانيا ، ويكتب ~~إلى من ينوب عنه ، بقبول ما يعرضه ، والانتقال إليه ، ويسلم الدار ، فلو ~~كانت له ، لاستنزلته - والعياذ بالله - عن ملكها ، ولم أقنع بخروجها عن ~~اليد ، فكيف إذا ، وهي مستعارة ، والحكم فيها الرد ، وسيدي الأمير ولي ما ~~يراه في هذا الأمر الخاص بي ، وحاشاي أن أعيد فيه قولا أو PageV02P169 ~~"""""" صفحة رقم 170 """""" # كتابا ، أو ms346 أتجشم من أجله قصدا أو إعادة ، فقد أنفذت بكتابي هذا ، قاصدا ~~يوصله أبو الفتح قرة بن دنحا ، في معناه ، ما يعرفه الأمير من جهته إن شاء ~~الله . ونسخة التوقيع بخط الوزير : أنا راغب إلى الأمير ، أدام الله عزه ، ~~في هبة هذه الدار لي ، ولا أقول أكثر من هذا ، والسلام . PageV02P170 # """""" صفحة رقم 171 """""" # أبو العلاء صاعد يفتخر # حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت ، قال : لما كثر دخولي إلى الملك عضد ~~الدولة ، ببغداد ، سنة أربع وستين وثلثمائة ، وكان إذا رآني ، يقول لي ~~سائلا : يا أبا العلاء ، ما أنحل جسمك ؟ فلما كثر ذلك علي ، عملت أبياتا ، ~~وأنشدته إياها ، وهي : يقول مليك الأرض جسمك ناحل . . . على ذاك عرضي ~~والثناء جميل وأحسن ما في الهندواني أنه . . . نحيف رقيق الشفرتين صقيل فإن ~~أك معروق العظام فإنني . . . نهوض بأعباء الأمور حمول أقوم أغصان الخطوب ~~إذا التوت . . . برفقي ومثلي في الكفاة قليل أرى الملك المنصور أنكر مضربي ~~. . . وأي حسام ليس فيه فلول وكم لك عندي من يد وصنيعة . . . أقصر عن شكري ~~لها فتطول ومن لفظة تسري إلي ونظرة . . . عليها من الرأي الجميل دليل إذا ~~صح لي من حسن رأيك لمحة . . . فليس لمقدور إلي سبيل # كظم الغيظ من مكارم الأخلاق # حدثني إبراهيم بن عيسى بن نصر السوسي ، النصراني ، الكاتب ، قال : قال ~~أبي : قام في نفسي حقد على رجل ، لقبيح عاملني به ، أربعين سنة ، ما كافأته ~~عليه إلى أن مات . # . PageV02P171 # """""" صفحة رقم 172 """""" # سخاء الأمير سيف الدولة # حدثنا أبو القاسم بن معروف ، قال : دخلت إلى حلب ، إلى أبي محمد الصلحي ~~الكاتب ، وأبي الحسن المغربي ، أسلم عليهما ، وكانا في خدمة سيف الدولة ، ~~وهما في دار واحدة نازلان لضيق الدور ، وكان وكيل كل واحد منهما ، يبكر ~~يوما ، فيقيم لهما ، ولغلمانهما ، ما يحتاج إليه ، للمادة والوظائف ، فإذا ~~كان من الغد ، بكر الآخر ، فأقام الوظائف ، لهما ، ولغلمانهما ، على هذا . ~~قال : فلما استقررت عندهما ، دخل إليهما رجل ضرير ، فسلم ، وجلس ، ثم قال : ~~إن لي بالأمير سيف الدولة ، حرمة قديمة ، وجوارا ، واختصاصا ، أيام مقامه ~~بالموصل ، وقد ms347 قصدته ، ومعي رقعة ، فإن رأيتما أن توصلاها إليه ، وأخرج ~~رقعة عظيمة ، هائلة جدا ، فلما رأياها ، قالا له : هذه عظيمة ولا ينشط ~~الأمير أن يقرأها ، فغيرها ، واختصرها ، وعد في وقت آخر ، فإنا نأخذها ، ~~ونوصلها إليه . فقال : الذي أحب ، أن تتفضلا بعرض هذه الرقعة . فدفعاه عن ~~ذلك ، فقام كالآيس ، يجر رجله ، منكسر القلب ، فداخلتني عليه رقة . وركبت ، ~~فدخلت على سيف الدولة ، وهو جالس ، وكان رسمه ، أن لا يصل إليه بتة ، أحد ، ~~إلا برقعة ، يكتبها الحاجب باسم من حضر ، واحدا كان أو أكثر ، فإذا قرأ اسم ~~الرجل ، فإن شاء دعا به ، وإن شاء أمر بصرفه . فلما استقررت ، عرض عليه ~~الحاجب ، رقعة ، فيها : فلان بن فلان الموصلي ، الضرير . فقال : وهذا يعيش ~~؟ أين هو ؟ فقال : بالباب . قال : يدخل ، فما أظنه - مع ما أعرفه من زهده ~~في الطلب - قصدنا إلا لجهد حقه . قال : فدخل ، فإذا الشيخ الذي رأيته عند ~~الصلحي والمغربي . فلما قرب منه ، استدناه ، وبش به ، وقال : يا هذا ، ما ~~سمعت بأنا في الدنيا ؟ ما علمت مكاننا على وجه الأرض ؟ ما جاز لك أن تزورنا ~~، مع ما بيننا من الحرمة الأكيدة ، والسبب الوكيد ؟ لقد أسأت إلى نفسك ، ~~وأسأت الظن بنا . PageV02P172 # """""" صفحة رقم 173 """""" # قال : فجعل الرجل ، يدعو له ، ويشكره ، ويعتذر ، فقربه ، وأجلسه . فجلس ~~ساعة ، ثم قام ، فسلم إليه الرقعة بعينها ، فأخذها ، وقرأها إلى آخرها ، ~~وقال : يا بونس بن بابا - وكان خازنه - فحضر ، فأوعز إليه بشيء ، ثم استدعى ~~حاجب الكسوة ، فساره بشيء ، واستدعى رئيس الإصطبل ، فأمره بشيء . وانصرفت ~~الجماعة ، وجاء ابن بابا ، فوضع بين يديه ، صرتين عظيمتين ، فيهما دنانير ~~تزيد على خمسمائة دينار . وجاء حاجب الكسوة ، بثياب كثيرة صحاح ، من ثياب ~~الشتاء والصيف ، منثرة بطيب كثير ، وصياغات ، من ربع ، ومرآة ، وما جرى ~~مجرى ذلك . وجاء عريف الفراشين ببسط ، وزلالي ، وثياب ديباج للفرش ، ~~وسبنيات ، وأشياء كثيرة من أنواع الفرش بألوف الدنانير ، فصار ذلك كالتل ~~بين يديه . وكان يعجبه ، إذا أمر لإنسان بشيء ، أن يحضره إلى حضرته ، بحيث ~~يراه ، ثم يعطيه لمن وهبه له . قال : فأخرج ذلك ، والضرير ms348 لا يعلم ، وعنده ~~، أنه قد تغافل عنه ، فهو في الريب وأخذ لا يسار الضرير ، ولا يقول له شيئا ~~. وجاء صاحب الكراع ، ومعه بغلة تساوي ثلاثة آلاف درهم ، بمركب ثقيل حسن . ~~وجاء الخادم ، ومعه خادم بثياب جدد ، فسلمت البغلة إليه ، فأمسكها في ~~الميدان أسفل الدكة التي عليها سيف الدولة . ثم قال للخادم : كم جرايتك ؟ ~~قال : عشرون دينارا في الشهر . قال : قد جعلتها لك ثلاثين دينارأ ، وخدمتك ~~لهذا الشيخ خدمة لنا ، فلا تقصر فيها ولا ينكسر قلبك ، وأحسن خدمته ، ~~ادفعوا له جرايته لسنة ، فدفعت في الحال إليه . ثم قال : فرغوا الدار ~~الفلانية . فتقدم بتفريغها . ثم تقدم : أن يحمل إلى عياله ، زورق من تل ~~فافان ، إلى الموصل ، فيه كران حنطة ، وكر شعير ، ويملأ ببقولة الشام ، ~~ومآكلها . ففعل ذلك كله . ثم استدعى أبا إسحاق بن شهرام ، المعروف بابن ~~ظلوم المغنية ، وكان يكتب له ، ويترسل ، إلى ملك الروم ، ويبعثه في صغير ~~أموره ، وكبيرها ، فساره بشيء . PageV02P173 # """""" صفحة رقم 174 """""" # فأخذ أبو إسحاق ، الشيخ ، وجعل يخاطبه من الأمير سيف الدولة ، باعتذار ~~طويل ، ويقول : إنك جئتنا في وقت ، هو آخر السنة ، وقد تقسمت أموالنا ~~الحقوق ، والزوار ، والجيوش ، وببابنا خلق من الرؤساء ، ونحتاج أن نواسيهم ~~، ولولا ذلك ، لأوفينا على أملك ، وقد أمرنا لك بكذا . . . قال : وجعل ابن ~~شهرام ، يقرأ عليه من فهرست قد عمل ، ثبتا للمجموع الذي أمر له به ، من ~~صنوف الثياب والفرش ، وغير ذلك . قال : فقلت للأمير سيف الدولة : يا مولانا ~~، لا تورد على هذا الشيخ ، هذه الجائزة ، جملة ، عقب اليأس العظيم الذي قد ~~لحقه ، فتنشق مرارته . قال : فلما استوفى الشيخ الكلام ، بكى بكاء شديدا ، ~~وقال : أيها الأمير قد والله زدت على أملي بطبقات ، وأوفيت على غناي بدرجات ~~، وقضيت حقي ، وما هو أعظم من حقي ، وما أحسن أن أشكرك ، ولكن الله يتولى ~~عني شكرك ، ومجازاتك ، فتمن علي بتقبيل يدك ، فإنه أفضل من كل عطية . فأذن ~~له في ذلك ، فدنا الشيخ ، فقبل يده دفعات ، فجذبه إليه سيف الدولة ، وشاوره ~~بشيء ، فضحك الشيخ وقال : إي والله ، إي والله ، أيها ms349 الأمير . قال : ~~فاستدعى خادم حرمه ، وساره بشيء . وانصرف الشيخ إلى الدار التي أخليت له ، ~~وقال له : أقم فيها ، إلى أن أنظر في أمرك ، وتخرج إلى عيالك . قال : فسألت ~~عما ساره خادم حرمه ، فقال : أخرج إليه جارية من وصائف أخته ، في نهاية ~~الحسن ، بثياب ، وزي ، تزيد قيمتها على عشرة آلاف درهم . فحملت إليه . قال ~~: فقمت قائما ، وقلت : والله ، أيها الأمير ، ما سمع بهذا الفعل ، عن ~~البرامكة ولا غيرها . فقال : دعني من هذا ، ما معنى قولك لأبي إسحاق بن ~~شهرام ، لا تورد عليه هذا ، عقيب اليأس ، فتنشق مرارته ؟ فقلت : كنت منذ ~~ساعة ، عند أبي محمد الصلحي ، وأبي الحسن المغربي ، فجرى كذا وكذا ، وقصصت ~~عليه القصة ، وانصرف هذا الشيخ ، أخزى منصرف ، ثم جاء بنفسه ، فعامله ~~مولانا ، بمثل هذا الفعل العظيم ، فخفت أن يعرفه فجأة ، فتنشق مرارته . PageV02P174 # """""" صفحة رقم 175 """""" # فقال : هاتم الساعة ، الصلحي ، والمغربي ، فجاء أحدهما قبل الآخر ، فجلس ~~، ولم يخاطبه حتى حضر الآخر ، ثم أقبل عليهما ، فقال : ويحكما ، أخبراني ، ~~ألم أحسن إليكما ، وأصطنعكما ، وأنوه بكما ، وأسن أرزاقكما ، وأعل مرتبتكما ~~، وأخفف الخدمة عليكما ، وأتناه بجهدي ، في قضاء حقوقكما ؟ فأخذا يشكرانه . ~~فقال : ما أريد هذا ، إما أن تقولا : نعم ، أو لا . فقالا : بلى ، والله ، ~~وزيادة . قال : فمن حقي عليكما ، ومكافاة هذا ، وشكره ، أن تقطعا عني رجاء ~~الناس ؛ وتصدانهم عن أملي ، وتؤيسانهم من بري ، وتنسباني عندهم إلى الضجر ~~برقاع المؤملين ، والبخل على المستحقين ؟ . ما كان عليكما ، لو أخذتما رقعة ~~الرجل ، فإن أجرى الله على يدي خيرا ، كنتما فيه شريكين ، وإن ضجرت ، كان ~~الضجر إلي منسوبا ، وأنتما منه بريئان ، وقد قضيتما حق قصد الرجل لكما ، ~~فلا حقه قضيتما ، ولا حق الله عز وجل ، فيما أخذه على عباده من بذل الجاه ، ~~ولا حق إنعامي . قال : وأسرف في لومهما ، وتوبيخهما ، حتى كأنهما قد جنيا ~~أعظم جناية . قال : فأقبلا يعتذران ، ويحلفان أنهما ما أرادا إلا التخفيف ~~عنه بقراءة شيء طويل ، وأرادا أن يخفف الرجل الرقعة ، فتخف قراءتها ، وتكون ~~أنجع لحاجته ، وإنهما ما قدرا أنه قد أيس ، وانصرف مغموما ، ولو ms350 علما بذلك ~~، لقصداه ، حتى يرتجعا رقعته ، ويوصلانها . قال : فأقبلت الجماعة تدعو له ، ~~وتحلف ، أن هذا التأديب ، والتفضل ، والنية في الجود والكرم ، أحسن من ~~الفعل الذي عمله مع الرجل ، على عظم حسنه ، وأنه ليس على وجه الأرض من ~~يعمله غيره . PageV02P175 # """""" صفحة رقم 176 """""" # الوزير حامد بن العباس يعذب # المحسن بن الفرات # حدثنا أبو الحسين الحارثي النهرسابسي ، قال : حدثني شيخ من شيوخنا : إن ~~أبا جعفر بن الشلمغاني ، كان في نهاية الاختصاص بحامد بن العباس ، فلما وزر ~~اجتذبه معه إلى بغداد ، وكان يدخله في آرائه ، ويشاوره في مهماته ، ويوسطه ~~في كبار الأمور . قال : فلما جرى من حامد على المحسن بن الفرات ، تلك ~~القضية الشديدة ، كتب إلى ابن الشلمغاني ، يسأله ، مسألة حامد الرفق به ، ~~والتقدم إلى المستخرج بالتوقف عن ضربه ، وإذلاله ، ليؤدي على مهل . فتكفل ~~ابن الشلمغاني بأمره ، وخاطب حامد بن العباس في ذلك ، فرده ، فعاوده في ~~مجلس حافل ، ولج حامد ، ولج ابن الشلمغاني ، إلى أن قال حامد : هاتم المحسن ~~، ابن كذا وكذا ، وهاتم الغلمان والمقارع . قال : فقبل ابن الشلمغاني يده ، ~~فلم يقنع ، وحلف أنه لا بد أن يصفعه ، ويضربه في ذلك المجلس ، وتوجه ~~الغلمان ليجيئوا به . فلما عادوا ، ومعهم المحسن ، قام ابن الشلمغاني ، من ~~قبل أن يدخل المحسن ، وانصرف ، فاستشاط حامد ، وجن ، وكاد أن يقبض على ابن ~~الشلمغاني ، ويوقع به ، ثم استرجع ، وأخرج غيظه على المحسن ، وصفعه الصفع ~~المشهور ، الذي كان سبب قتل المحسن له ، لما ولي أبوه الوزارة الثالثة . ~~قال : ونهض ابن الشلمغاني ، فدخل إلى دار حجبة حامد ، مغموما ، وأخذ يشكو ~~ما يجده إلى الحاجب ، ويتشاكيان ، ويقول : هذا الرجل يريد أن يقتلنا كلنا ~~بعده ، وأن لا يبقي لنا باقية ، يا قوم ، أي شيء يعمل بنفسه ؟ قال : فهو ~~كذلك ، إذ دعا حامد بحاجبه ، وقد قام عن مجلسه ، ورد حامد المحسن إلى محبسه ~~بعد ما جرى ، وقال للحاجب : ويحك ، أين ابن الشلمغاني ؟ فقال : عندي في ~~الحجرة . قال : فما قال ؟ قال : لم يقل شيئا . PageV02P176 # """""" صفحة رقم 177 """""" # فأمسك كالخجل ، ثم قال : هاته . فلما جاء ، قال ms351 : يا أبا جعفر ، من حق ~~مودتي لك ، أن تتوافى لأعدائي ، وتقوم عن مجلسي ، إذا رأيتني أوقع بأعدائي ~~؟ فقال : ننصف ؟ أو نقول : صدق الأمير ؟ قال : أسمع وأنصف . قال : أيها ~~الوزير ، هذا رجل سألتك فيه ، فاعمل أنه كان بقالا ، لابن وزير أنت تعلم ~~حالته ، وقديم رياسته ، فما كان يحسن أن تردني فيه ، ولا إن رددتني ، أن ~~تسومني الجلوس ، وحضور عذاب من شفعت فيه ، ثم أنت تعلم ، أن الأيام دول ، ~~وأن لهذا الفعل عاقبة ، يكفيك الله إياها ، فأي شيء يضرك من سلامة مهجتي ، ~~في حال العافية ، وإفلات نعمتي من شر هؤلاء ؟ وأن يقولوا غدا : دهننا ، ولم ~~يشفع لنا ، ولو كان نصحنا ما خالفه الوزير ، مع ما بينهما ، وما قعد ليشاهد ~~صفعنا ، إلا تشفيا منا ، وأي شيء أحسن بك من أن تنسب حاشيتك ، ومن اخترته ~~لمودتك وأنسك ، إلى الخير ، وبعدهم من الشر ، فيقال : إنه لو لم يكن خيرا ، ~~لما استصحب الأخيار ، وإنما يحمله على ما فعله ، الغضب ، والحاجة إلى المال ~~، وإلا فالخير طبعه ، والغالب عليه ، ولا يقال : إنه شرير جمع الأشرار ~~حواليه ، واعلم أني ما قمت من مجلسك ، إلا وقد وضعت في نفسي ، أنك تنكبني ، ~~وعلمت أني قد أسأت أدبي ، وأني غير آمن من عجلتك في نكبتي ، ولكن قلت : ~~أكون على حق ، ومتمسكا بحجة وحزم ، وإن جنى علي ، وإن سلمت ، فبفضل الله ، ~~وإن هلكت فالله يخلصني . قال : فخجل حامد ، واعتذر إليه وقال : اخرج الآن ، ~~وخذ بيد المحسن ، وتوسط أمره ، وخفف محنته . PageV02P177 # """""" صفحة رقم 178 """""" # من شعر المهلبي الوزير # وجدت بخط المهلبي الوزير ، كتابا إلى أبي سلمة ، أهداه إلي ، وقال : هذا ~~كتابه إلي ، وهو بالخط الذي أعرفه ، وفيه لنفسه : وصل الكتاب طليعة الوصل . ~~. . بغرائب الأفضال والفضل فشكرته شكر الفقير إذا . . . أغناه رب المال ~~بالبذل وحفظته حفظ الأسير إذا . . . ورد الأمان له من القتل ووجدت بخط أبي ~~محمد ، كتابا ، إلى أبي القاسم بن بلبل ، كتب إليه به ، وهو صغير الحال جدا ~~، وفيه : طلع الفجر من كتابك عندي . . . فمتى بالقاء يبدو الصباح ذاك إن تم ~~لي فقد ms352 عذب العي . . . ش ونيل المنى وريش الجناح وله إلى غيره : جاد لي ~~بالعتاق من صرف دهري . . . بكتاب يسرني أو رسول فعلى قدر ما تكلف من وص . . ~~. لي لعلمي بقطعه للوصول أشكر البذل من جواد وأزدا . . . د إذا البذل جاءني ~~من بخيل وله أيضا : أمثلي يا أخي وشقيق روحي . . . يفارق عهده عند الفراق ~~ويسلو سلوة من بعد بعد . . . وينسبه الشقيق إلى الشقاق وأقسم بالعناق ، ~~وتلك أوفى . . . وأشفي من يميني بالعتاق لقد ألصقت بي ظنا ظنينا . . . ~~تجافى جانباه عن التصاق وله أيضا : فديت أخا يواصلني بكتب . . . أسر من ~~البشارة حين تأتي أخ لم يرض لي بالوصل حتى . . . حباني بالبقية من حياتي ~~وله أيضا : ورد الكتاب فديته من وارد . . . فيه لقلبي من حياتي مورد فرأيته ~~كالدر نضد عقده . . . في كل فصل منه ، فصل مفرد PageV02P178 ~~"""""" صفحة رقم 179 """""" # قال الخليفة المقتدر ما ظننت أن في الدنيا من يأكل طعاما بلا حلوى بعده # حدثنا أبو منصور القشوري ، وكان من الجند المولدين ، قال : كنت أخدم وأنا ~~حدث ، في دار نصر القشوري ، المرسومة بالحجبة من دار المقتدر بالله . فركب ~~المقتدر بالله يوما ، على غفلة ، وعبر إلى بستان الخلافة ، المعروف ~~بالزبيدية ، وأنا مشاهد لذلك ، في نفر من الخدم والغلمان ، وتشاغل أصحاب ~~الموائد ، والطباخون ، بحمل الآلات ، والطعام ، وتعبيتها في الجون ، فانفلت ~~، وأعجل هو في طلب الطعام ، فقيل له : لم يحمل بعد . فقال : انظروا ما كان ~~. فخرج الخدم ، محتارين ، ليس يجسروا يعودوا ، فيقولوا : ما جا شي ، وهم ~~يتشاورون فيما يفعلونه . فسمعهم جعفر ، ملاح طيار المقتدر ، الرئيس على ~~الملاحين الذين برسم الخدمة ، فنادى عليهم ، وقال : معي طعام . قال : فهاتم ~~ما معه . فأخرج من تحت الطيار ، جونة مليحة ، خيازر ، لطيفة ، فيها جدي ~~بارد ، وسكباج مبرد ، وبزماورد ، وإدام ، وقطعة مالح ممقور طيبة ، وأرغفة ~~سميذ جيدة ، وكل ذلك نظيف ، وإذا هي جونة تعمل له في منزله ، في كل يوم ، ~~وتحمل إليه ، فيأكلها في موضعه في الطيار ، ويلازم الخدمة . فلما حملت إلى ~~المقتدر ، استنظفها ، وأكل منها ، واستطاب المالح ، والإدام ، فكان أكثر ~~أكله منه . ولحقته الأطعمة ms353 من مطبخه ، فقال : ما آكل اليوم ، إلا من طعام ~~جعفر الملاح ، فأتم أكله منه ، وأمر بتفريق الطعام على من حضر . PageV02P179 # """""" صفحة رقم 180 """""" # ثم قال : قولوا له : هات الحلوى . فقال : نحن لا نعرف الحلوى . فقال ~~المقتدر : ما ظننت أن في الدنيا من يأكل طعاما ، بلا حلوى بعده . فقال ~~الملاح : حلوانا التمر ، والكسب ، فإن تنشط له أحضرته . قال : لا ، هذا حلو ~~صعب ، لا أطيقه ، فأحضروا من حلوانا . فأحضرت عدة جامات ، فأكل ، وجلس ~~للشرب . ثم قال لصاحب المائدة : اعمل في كل يوم جونة ، تنفق عليها ، ما بين ~~عشرة دنانير ، إلى مائتي درهم ، وسلمها إلى جعفر الملاك ، تكون برسم الطيار ~~أبدا ، فإن ركبت يوما على غفلة ، كما ركبت اليوم ، كانت معدة ، وإن حان ~~المغرب ، ولم أركب ، كانت لجعفر . فعملت ، إلى أن قتل المقتدر ، وكان جعفر ~~يأخذها ، وربما حاسب عليها الأيام ، وأخذها دراهم . وما ركب المقتدر بعدها ~~، على غفلة ، ولا احتاج إليها . PageV02P180 # """""" صفحة رقم 181 """""" # الخليفة المعتضد يأمر بصنع جزورية # ويشبه هذا ، ما بلغني عن المعتضد ، أنه طلب يوما لونا من طعام ، فقيل له ~~: ما عمل اليوم . فأنكر ذلك ، وقال : يجب أن لا يخلو المطبخ من كل شيء ، ~~حتى إذا طلب لم يتعذر . ووقع إلى ديوان النفقات بإقامة ذلك اللون ، إلى أن ~~يرد التوقيع بقطعه ، فكان يصلح ، وينفق عليه دراهم كثيرة ، ولا يحضر ~~المائدة ، توقعا أن يطلبه ، فيقدم عند الطلب ، كما رسم . فمضى على ذلك سنة ~~، ولم يطلبه . ثم رفعت إليه حسبة ، وكان يقف بنفسه على حسباناته ، فرأى ما ~~أنفق على ذلك اللون في طول السنة ، فاستهوله ، وقال : أستغفر الله ، ينفق ~~لي من مال المسلمين ، على لون لم آكله ، هذا كله ، إن هذا لعين السرف ، ~~اقطعوا عمله ، ولا تقع معاودة لمثل هذا ، في هذا ولا في غيره . وقالوا : ~~كان اللون جزورية ، فكان يذبح له الطباخ في كل يوم قلوصا ، فلذلك عظمت ~~النفقة . وقالوا : بقرية ، فكان يذبح في كل يوم عجلا . وقالوا : مضيرة ~~بفراريج ، كل ذلك سمعته . PageV02P181 # """""" صفحة رقم 182 """""" # اللهم أنقذنا من ذل الطمع ms354 # حدثنا أبو إسحاق ، إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد ، الشاهد ، المعروف ~~بالطبري ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن صالح الأبهري ، الفقيه المالكي ، ~~وهو باق إلى الآن ، ومحله مشهور في الورع والعلم ، قال : رأيت في المنام ، ~~رجلا من الزهاد ، ذكره لي ، وكأني أطلبه ، فخرج علي ، من بين نخل ، وعليه ~~فوطتان ، متزر بإحداهما ، متشح بالأخرى ، كأنه سندي . فقلت له : قل لي شيئا ~~، أو عظني بشيء . فقال : قل : اللهم قصر أملي ، وحسن عملي ، واستنقذني من ~~ذل الطمع . PageV02P182 # """""" صفحة رقم 183 """""" # آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا # وحدثنا ، قال : حدثنا جعفر الخلدي ، قال : حدثني الخواص الصوفي ، قال : ~~ركبت في البحر ، مع جماعة من الصوفية ، فلما أوغلنا فيه كسر بنا ، وركبنا ~~خشبا من خشب المركب ، ونجا منا جماعة ، فوقعنا إلى ساحل لا ندري أين هو ، ~~ولا ما هو ، فأقمنا فيه أياما ، لا نجد ما نقتاته ، وأحسسنا بالهلاك . ~~فاجتمعنا ، وقال بعضنا لبعض : تعالوا حتى نجعل لله عز وجل ، على أنفسنا ، ~~إن هو خلصنا من هذا المكان ، وأحيانا ، أن ندع له شيئا . فقال بعضنا : لا ~~أفطر الدهر . وقال بعضنا : أصلي كل يوم كذا وكذا ركعة . وقال بعضنا : أدع ~~الكذب . إلى أن قال كل واحد من الجماعة شيئا ، وقالوا لي : ما تقول أنت ؟ ~~فقلت : لا آكل لحم فيل أبدا . فقالوا : ما هذا الهزل في مثل هذا الموضع ؟ ~~فقلت : والله ، ما تعمدت الهزل ، ولكني منذ بدأتم ، أعرض على نفسي شيئا ، ~~أدعه لله عز وجل ، فلا تطاوعني نفسي ، إلى غير هذا الذي لفظت به ، وما قلت ~~إلا ما اعتقدته . فقالوا : لعل هذا أمرا . وتفرقنا بعد ساعة ، نطوف تلك ~~الأرض ، نطلب شيئا للأكل ، فوقعنا على فرخ فيل ، في نهاية السمن ، فأخذه ~~أصحابنا ، واحتالوا فيه ، حتى ذبحوه ، وشووه . وقالوا : تقدم ، فكل . فقلت ~~: منذ ساعة ، تركته لله عز وجل ، ولعل ذلك الذي جرى على لساني من ذكره ، ~~إنما هو سبب موتي ، لأني لم آكل منذ أيام شيئا ، ولا أطمع في شيء آخر آكله ~~، وما يراني الله أنقض عهده ، فكلوا ms355 ، واعتزلتهم . PageV02P183 # """""" صفحة رقم 184 """""" # فأكلوا ، وشبعوا ، وعاشوا ، وأقبل الليل ، فتفرقوا في مواضعهم التي كانوا ~~يبيتون فيها ، وأويت إلى أصل شجرة ، كنت أبيت عندها . فلم يكن إلا ساعة ، ~~وإذا بفيل ، أقبل من الموضع الذي استخرجنا منه الفرخ ، وهو ينعر ، والصحراء ~~قد امتلأت بنعيره ، وشدة وطأته ، وهو يطلبنا . فقال بعضنا لبعض : قد حضر ~~الأجل ، فاستسلموا ، وطرحوا أنفسهم إلى الأرض ، على وجوههم . فجاء الفيل ، ~~وجعل يقصد واحدا واحدا ، فيشمه من أول جسده ، إلى آخره ، فإذا لم يبق منه ~~موضع إلا شمه ، شال إحدى قوائمه ، فوضعها على الرجل ، حتى يفسخه ، فإذا علم ~~أنه قد تلف ، شال قائمته ، وقصد الآخر ، ففعل به ، مثل فعله بالأول . وظل ~~على هذا ، إلى أن لم يبق غيري ، وأنا جالس منتصب ، أشاهد ما يجري ، وأدعو ~~وأستغفر ، ما طرحت نفسي ، ولا هربت ، إلى أن قصدني ، فحين قرب مني ، طرحت ~~نفسي على ظهري ، فجاء حتى تشممني من سائر أعضائي ، أو أكثرها ، كما فعل ~~بأصحابي ، ثم أعاد تشممي مرتين ، أو ثلاثا ، ولم يكن فعل ذلك بهم ، ثم لف ~~خرطومه علي ، وشالني في الهواء ، فقلت : هذه قتلة أخرى ، يريد أن يقتلني ~~بها ، فما نحى خرطومه عني ، حتى جعلني فوق ظهره ، فانتصبت جالسا ، وحفظت ~~نفسي ، وحمدت الله سبحانه على تأخر القتل ، وجعلت أعجب مرة ، وأتوقع القتل ~~أخرى ، والفيل يهرول ، ويسرع ، إلى أن أضاء الفجر ، فوقف ، وأصعد خرطومه ~~إلي ، فقلت : حضر الأجل ، فلفه علي ، وأنزلني على رفق إلى الأرض ، وتركني ~~عليها ، وجعل يسعى في الطريق التي جاء منها ، وأنا لا أصدق . فلما بعد عني ~~، حتى لم أره ، أقبلت أدعو وأصلي ، وتأملت موضعي ، وإذا أنا على محجة ، ~~فمشيت عليها نحو فرسخين ، فإذا بلد عظيم ، قد لاح لي ، فقصدته ، ودخلته ، ~~فإذا هو بلد من بلدان الهند العظيم ، وذكر اسمه . قال : فعجب أهله مني ، ~~وسألوني عن قصتي ، فأخبرتهم بها ، فزعموا أن الفيل ، قد سار في هذه الليلة ~~الواحدة ، مسيرة أيام . وتسببت إلى الخروج من عندهم ، والنقلة من بلد إلى ~~بلد ، حتى حصلت في بلدي سالما . PageV02P184 # """""" صفحة رقم 185 """""" # يا ms356 جامع الناس ليوم لا ريب فيه # قال : حدثني جعفر ، قال : ودعت في بعض حجاتي ، المزين الكبير الصوفي ، ~~وقلت له : زودني شيئا . فقال : إن ضاع منك شيء ، وأردت أن يجمع الله بينك ~~وبين إنسان ، فقل : ' يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، إن الله لا يخلف ~~الميعاد ، اجمع بيني وبين كذا ' ، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء ، أو ~~ذلك الإنسان . # طلسم لإزالة الغم # قال : فجئت إلى الكتاني الكبير الصوفي ، فودعته ، وقلت له : زودني شيئا ، ~~فأعطاني فصا عليه نقش كأنه طلسم ، وقال : إذا اغتممت فانظر إلى هذا ، فإن ~~غمك يزول . قال : وانصرفت ، فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء ، إلا ~~استجيبت ، ولا رأيت الفص ، وقد اغتممت ، إلا وزال غمي . فأنا ذات يوم أعبر ~~، قد توجهت إلى الجانب الشرقي من بغداد ، حتى هاجت ريح عظيمة ، وأنا في ~~السميرية ، والفص في جيبي ، فأخرجته لأنظر إليه ، فلا أدري كيف ذهب مني ، ~~في الماء ، أو في السفينة ، أو في ثيابي . فاغتممت غما عظيما ، فدعوت الله ~~تعالى ، وعبرت ، وما زلت أدعو الله تعالى بها يومي وليلتي ، ومن غد ، ~~وأياما . فلما كان بعد ذلك ، أخرجت صندوقا فيه ثيابي ، لألبس شيئا منها ، ~~ففرغت الصندوق ، فإذا أنا بالفص ، في أسفل الصندوق . فأخذته ، وشكرت الله ~~عز وجل . PageV02P185 # """""" صفحة رقم 186 """""" # رقية تنفع من لسعة العقرب # وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي ، قال : حدثني أحمد بن ~~الطيب ، قال : كنت بحضرة المعتضد ، فجاء رجل يصيح بالباب : نصيحة ، فأخبر ~~بذلك ، فقال : اخرجوا إليه ، وقولوا له يذكرها . فعادوا ، وقالوا : قد قال ~~: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين . فقال : قولوا له : إن لم تكن نصيحة ، ~~بالغت في عقوبتك ، فخرجوا ، وعادوا ، فقالوا : قد قال : رضيت . فأدخل ، ~~وأنا حاضر ، فسلم على الخليفة . فقال : ما نصيحتك ؟ فقال : رقية وقعت إلي ، ~~تحبس السم عن الملسوع ، في الحال . فقال المعتضد : هاتوا عقربا . قال : ~~فكأنها كانت معدة ، فأتي بها في أسرع وقت ، فأومى إلى الخادم بحضرته ، ~~فطرحت عليه ، فلسعته ، فصاح . فقال له الرجل : أرني موضع اللسعة ، فأراه ، ~~فأخرج حديدة ms357 ، لا حد لها ، وجعل يمسح بها من أعلى موضع اللسعة والسم ، إلى ~~أسفل ، ويقول : ' بسم الله ، أوم سرا ، ومربهل ، بني تعبه ، كرواري ، أنهج ~~أنهج ، بهشتن ، يهوذا ، له مهر ، أستروم ، لوبه ، قرقر ، سعلهه ' . ويكرر ~~ذلك دفعات ، إلى أن قال الخادم : قد سكن الوجع عن يدي كلية ، إلا موضع ~~اللسعة ، فإني أحس منه ببقية . قال : أعطوني إبرة . فجاءوه بها ، ففتح ~~الموضع ، فخرج منه شيء أصفر ، وقام الخادم معافى . فأمر المعتضد ، فكتبت ~~الرقية ، وخلدت في الخزانة . وأمر للرجل بجائزة سنية . PageV02P186 # """""" صفحة رقم 187 """""" # والرقية تنفع أيضا في لسعة الزنبور # قال لي أبو الحسن ؛ وقد جربت ، على الزنبور ، فصحت ، وسبيلها أن تجرب على ~~الحية ، لأن قوله : تحبس السم ، يدخل كل ذلك تحته . وأنا رأيت أحمد بن يوسف ~~، يرقي بهذه الرقية ، على هذا الموضع ، فيقوم الملسوع من بين يديه ، يمشي ~~وهو معافى . حدثني أبو الفرج ، المعافى بن زكريا ، الفقيه على مذهب أبي ~~جعفر الطبري ، أحد خلفاء قاضي القضاة على بعض السواد ، قال : حدثني أبو ~~طالب بن البهلول القاضي ، عن رجل ، عن ابن الطيب ، بهذه الحكاية ، هذا ~~وأنسي أبو الفرج اسم الرجل ، ولا أشك - والله أعلم - أنه أبو أحمد الرازي . ~~هذه الحكاية منتشرة جدا في آل البهلول ، عن هذا الرجل ، عن ابن الطيب ، ~~وجميعهم يرقى بها ، وينقلها قولا وعملا . # لأبي الحسن بن المنجم يعاتب صديقا له # ، أنشدني أبو الحسن ، علي بن هارون بن يحيى المنجم لنفسه ، وكتب بها إلى ~~علي بن هارون بن خلف بن طناب ، في غيبة كان غابها ، وتأخرت عنه كتبه ، وفيه ~~صنعة لأبي الحسن بن طرخان : بيني وبين الدهر فيك عتاب . . . سيطول إن لم ~~يمحه الإعتاب يا غائبا بوصاله وكتابه . . . هل يرتجى من غيبتيك إياب ما غاب ~~من لم ينأ صفو وداده . . . والحاضرون وإن دنوا غياب لولا التعلل بالرجاء ~~تقطعت . . . نفس عليك شعارها الأوصاب لا يأس من روح الإله فإنه . . . يصل ~~القطوع فيقدم الغياب فإذا دنوت مواصلا فهو المنى . . . سعد المحب وساعد ~~الأحباب وإذا نأيت فليس لي متعلل . . . إلا رسول بالرضا وكتاب PageV02P187 ~~"""""" صفحة ms358 رقم 188 """""" # لأبي الفتح بن المنجم في الغزل # أنشدني أبو الفتح ، أحمد بن علي بن يحيى بن المنجم ، لنفسه ، والقافية في ~~الأبيات كلها لفظة واحدة ، باختلاف المعنى : سيدي أنت ومن عادته . . . ~~باعتداء أو بجور جاريه وهذه الأبيات قد مضت في غير هذا الجزء من الكتاب . # لأبي أحمد بن سليمان متغزلا # أنشدني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان ، لنفسه : أيا من قده ~~ألف . . . ويا من صدغه لام لقد أكثرت لوامي . . . ولو أنصفت ما لاموا PageV02P188 ~~"""""" صفحة رقم 189 """""" # أشهدوا العدول على الخليفة المطيع لما خلع نفسه # وأخبرني شاهد من الشهود المقبولين ببغداد ، وسألني أن لا أذكر اسمه وهو ~~حي ، فلذلك لم أسمه ، قال : كنت أحد الشهود الأربعة ، الذين أدخلوا مع قاضي ~~القضاة ، أبي محمد ، وهو إذ ذاك ، غير متقلد شيئا من الأعمال ، ومعنا أبو ~~بكر الأصبهاني ، صاحب سبكتكين التركي ، مولى معز الدولة ، لما وثب على ~~الأمر ، وتسمى بالإمارة . فأدخلونا ، وليس معنا سابع ، حتى شهدنا على ~~المطيع لله ، بأنه قد خلع نفسه ، وقرأنا عليه رقعة الخلع ، وقررناه بما ~~فيها ، وخرجنا . فأدخلنا إلى دار أخرى ، من دور الخلافة ، حتى حصلنا بحضرة ~~الأمير أبي بكر عبد الكريم بن المطيع ، فبايعناه بالخلافة ، وسلمنا عليه ~~بها ، وخرجنا ، فجلسنا في مجلس قريب من مجلسه ، لنوقع خطوطنا بالشهادة في ~~كتاب الخلع . قال : واستسقى أمير المؤمنين الطائع ، ماء ، فجاء بعض الخدم ، ~~بكوز فيه ماء ، فشرب ، وخرج ، فرأيت الكوز ، وكنت عطشانا ، فقلت له : يا ~~أستاذ ، اسقني ، فجاءني بماء في ذلك الكوز بعينه ، فشربت منه . وكتبنا ~~خطوطنا ، وخرجنا . PageV02P189 # """""" صفحة رقم 190 """""" # الأمير الراسبي يأمر بقتل أحد المجرمين على مائدته # كان أبو محمد المهلبي ، يكثر الحديث على طعامه ، ويكون أطيب الحديث ، ~~وأكثره مذاكرة بالأدب ، وضروب الحديث ، على المائدة ، لكثرة من يجمعهم ~~عليها من العلماء والكتاب والندماء ، وكنت كثيرا ما أحضر . فقدم إليه في ~~بعض الأيام طيهوج ، فقال : أذكرني هذا ، حديثا طريفا . فسئل : ما هو ؟ فقال ~~: أخبرني بعض من كان يعاشر الراسبي الأمير ، قال : كنت آكل معه يوما ، وعلى ~~المائدة خلق عظيم ms359 ، فيهم رجل من رؤساء الأكراد المجاورين لعمله ، وكان ممن ~~يقطع الطريق ، فاستأمن إليه ، فأمنه ، واختصه ، وطالت أيامه معه . فكان في ~~ذلك اليوم على مائدته ، إذ قدم حجل ، فألقى الراسبي منه واحدة إلى الكردي ، ~~كما يلاطف الرؤساء مواكليهم ، فأخذها الكردي ، وجعل يضحك . فتعجب الراسبي ~~من ذلك ، وقال : ما سبب هذا الضحك ؟ وما نرى ما يوجبه . فقال : خبر كان لي ~~. فقال : أخبرني به . فقال : شيء طريف ، ذكرته ، لما رأيت هذه الحجلة . قال ~~: ما هو ؟ فقال : كنت أيام قطعي الطريق ، وقد اجتزت في بعض المحجة الفلانية ~~، في الجبل الفلاني ، وأنا وحدي ، في طلب من آخذ ثيابه ، حتى استقبلني رجل ~~وحده ، فاعترضته ، وصحت عليه ، فاستسلم إلي ، ووقف ، فأخذت ما كان معه ، ~~وطالبته أن يتعرى ، ففعل ، ومضى لينصرف ، فخفت أن يلقاه في الطريق ، من ~~يستنفره على طلبي ، فأطلب ، وأنا وحدي ، فأؤخذ ، فقبضت عليه ، وعلوته ~~بالسيف ، لأقتله . فقال : يا هذا ، أي شيء بيني وبينك ، قد أخذت ثيابي ، ~~وعريتني ، ولا فائدة لك في قتلي . فكتفته ، ولم ألتفت إلى قوله ، وأقبلت ~~أقنعه بالسيف . PageV02P190 # """""" صفحة رقم 191 """""" # فتلفت ، كأنه يطلب شيئا ، فرأى حجلة قائمة ، وهي على الجبل ، فقال : يا ~~حجلة ، اشهدي لي عند الله تعالى أني أقتل مظلوما . فما زلت أضربه ، حتى ~~قتلته ، وسرت ، فما ذكرت هذا الحديث ، حتى رأيت هذه الحجلة ، فذكرت حماقة ~~ذلك الرجل ، فضحكت . قال : فانقلبت عين الراسبي حردا ، وقال : لا جرم إن ~~شهادة الحجلة عليك لا تضيع اليوم ، في الدنيا قبل الآخرة ، وما أمنتك إلا ~~على ما كان منك من فساد السبيل ، فأما الدماء ، فما أسقطها الله عنك ~~بالأمان ، وقد أجرى الله على لسانك الإقرار عندي ، يا غلام ، اضرب عنقه . ~~قال : فبادر الغلام إليه ، وغيره ، بسيوفهم يخبطونه ، وضرب كل واحد منهم ~~قفاه ، فكأن رأسه قثاءة قطعت نصفين . فتدحرج رأسه بين أيدينا ، ونحن على ~~المائدة ، وجرت جثته . ومضي الراسبي في الأكل . PageV02P191 # """""" صفحة رقم 192 """""" # رقعة إلى رجل تزوجت أمه # أملى علي أبو إسحاق ، إبراهيم بن هلال الكاتب ، الصابىء ، نسخة رقعة إلى ~~رجل زوج أمه ، كتبها إليه ms360 : قد جعلك الله ، وله الحمد ، من أهل التحصيل ، ~~والرأي الأصيل ، وصحة الدين ، وخلوص اليقين ، كما أنك لا تتبع الشهوة في ~~محظور تحله ، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره ، وتأدى إلينا من إيقاعك ~~العقد ، بين الوالدة - نفس الله لها في مدتك - وبين فلان ، ما علمنا أنك ~~بين طاعة للديانة توخيتها ، ومشقة فيها تجشمتها ، فإنك جدعت أنف الغيرة لها ~~، وأضرعت خد الحمية فيها ، وأسخطت نفسك لرضاها ، وعصيت هواك لرأيها ، فنحن ~~نهنئك بعزيمة صبرك ، ونعزيك عن فائت مرادك ، ونسأل الله الخيرة لك ، وأن ~~يجعلها أبدا معك ، فيما شئت وأبيت ، وتجنبت وأتيت ، والسلام . # رقعة الصابي إلى الوزير ابن بقية # وأنشدني لنفسه ، قال : وكتبت بها وأنفذتها إلى الوزير ابن بقية وهو في ~~حضرة الأمير ، وقد كان وعدني بتخليصي ، فأخر ذلك : أيا ناصرا للدين والدولة ~~التي . . . رددت إليها العز إذ فات رده أيعجزك استخلاص عبدك بعدما . . . ~~تخلصت مولاك الذي أنت عبده PageV02P192 ~~"""""" صفحة رقم 193 """""" # تملكت يا مهجتي مهجتي # أنشدني رجل مصري ، قال : أنشدني أبو الفتح الكاتب ابن البكتمري ، رجل باق ~~بالشام ، من أهلها ، لنفسه : تملكت يا مهجتي مهجتي . . . وأسهرت يا ناظري ~~ناظري وما كان ذا أملي يا ملول . . . ولا خطر الهجر في خاطري وفيك تعلمت ~~نظم الكلام . . . فلقبني الناس بالشاعر # لا فكك الله # أنشدني ابن غسان المتطبب البصري : أفدي من السوء مولى بات معتنقي . . . ~~وقد أمال إلي طائعا فاه وكلما قلت يا مولاي أوثقني . . . لك الهوى قال لي : ~~لا فكك الله PageV02P193 ~~"""""" صفحة رقم 194 """""" # كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقق مع المتهمين # حدثني أبو القاسم بهلول بن أبي طالب القاضي وهو محمد بن أحمد بن إسحاق بن ~~البهلول التنوخي ، قال : حدثني صاحب الربع ، بباب الشام ، وأسماه لي ، قال ~~: كنت أعمل في أصحاب الشرط ، مع أبي الحسن الأبزاعجي ، صاحب الشرطة ببغداد ~~، فأخرج لصوصا من الحبس ، واستأذن معز الدولة في صلبهم ، وقتلهم عند الجسر ~~، فأذن في صلبهم عشيا ، وكانوا عشرين رجلا ، ووكل بهم جماعة كنت فيهم ، ~~والرئيس علينا فلا ، . وقال : كونوا عند خشبهم بقية يومكم وليلتكم ms361 ، حتى ~~إذا كان من غد ، ضربت أعناقهم هنا . وقضينا الليل نوما ، فثقل رئيسنا في ~~نومه ، وجماعتنا . فاحتال بعض اللصوص ، في أن قطع الحبل ، ونزل من الخشبة ، ~~فما انتبهنا ، إلا بصوت وقعه ، وعدوه . فعدا رئيسنا خلفه ، وأنا معه ، فما ~~لحقناه . وخفنا أن يتشوش الرجالة الباقون ، فيفلت إنسان آخر ، فرجعنا ~~مسرعين ، وجلسنا مغمومين ، مفكرين ماذا نعمل . فقال رئيسنا : إن الأبزاعجي ~~لا يقيل لي عثرة ، ولا يقبل مني عذرا ، ويقع له أنني قد أخذت من أحد اللصوص ~~مالا وأفلته ، فيضربني للتقرير ، فلا أقر ، فيقع له ، أنني أتجلد عليه ، ~~فيمر الضرب علي ، إلى أن أتلف ، فما الرأي ؟ فقلت : تهرب . قال : فمن أين ~~أعيش ؟ فقلت : هذا نصف الليل ، ولم يعلم بما جرى أحد ، فقم حتى نطوف ، فلا ~~يخلو أن يقع بأيدينا مشؤوم ، قد حانت منيته ، فنوثقه ، ونصلبه ، ونقول له : ~~سلمت إلينا عشرين رجلا ، فإنه ما أثبت حلاهم . فقال : هذا صواب . PageV02P194 # """""" صفحة رقم 195 """""" # فقمنا نطوف ، وسلكنا طريق الجسر ، لنعبر إلى الجانب الغربي ، فرأينا في ~~أسفل كرسي الجسر رجلا يبول ، فعدلنا إليه ، فقبضنا عليه . فصاح : يا قوم ما ~~لكم ؟ أنا رجل ملاح ، صعدت من سميريتي أبول ، وهذه سميريتي - وأومأ إليها - ~~أي شيء بيني وبينكم ؟ فضربناه ، وقلنا : أنت اللص الذي هرب من الخشبة ، ~~وجبناه ، ورقيناه إلى الخشبة ، وصلبناه مكان اللص الهارب ، وهو يصيح طول ~~الليل ، ويبكي . فتقطعت قلوبنا رحمة له ، وقلنا : مظلوم ، ولكن ما الحيلة ؟ ~~فلما كان من الغد ، ركب الأبزاعجي إلى الحبس ، وجاء ، وقد اجتمع الناس ، ~~ليضرب أعناق القوم . فصاح به الملاح : أيها الأستاذ - وكذا كان يخاطب ، وهو ~~رسم لكل من يتقلد رئاسة الشرطة ببغداد - بوقوفك بين يدي الله ، أدعني ، ~~واسمع مني كلامي ، فلست من اللصوص الذين أخرجتهم ، وأمرت بصلبهم ، وأنا ~~مظلوم ، وقد وقعت بي حيلة . فأنزله ، وقال له : ما قصتك ؟ فشرح له حديثه ~~على حقيقته . فدعا بنا ، وقال : ما هذا الرجل ؟ فقلنا : ما نعرف ما يقول ، ~~سلمت إلينا عشرين رجلا ، وهؤلاء عشرون رجلا . فقال : قد أخذتم من أحد ~~اللصوص دراهم ، وأطلقتموه ، واعترضتم هذا ، من الطريق ms362 ، رجلا ، غريبا ، ~~بريئا ، فأخذتموه . فقلنا : ما فعلنا هذا ، اللص الذي سلمته إلينا ، هو هذا ~~. فضرب أعناق الجماعة ، وترك الملاح ، وقال : هاتم السجانين ، والبوابين . ~~فجاءوا ، فقال لهم : هذا من جملة العشرين الذين أخذناهم ؟ فتأملوه ، ~~بأجمعهم ، وقالوا : لا . ففكر ساعة ، ثم أمر بإطلاقه . ثم قال : هاتموه إلي ~~، فرددناه . فقال : اشرح لي قصتك ، فأعاد عليه الحديث . فقال له : في نصف ~~الليل ، أي شيء كنت تعمل هناك ، في ذلك الموضع ؟ فقال : كنت قد بت في ~~سماريتي ، فأخذتني بولة ، فصعدت أبول . PageV02P195 # """""" صفحة رقم 196 """""" # قال : ففكر ساعة ، ثم قال له : اصدقني على الحقيقة ، حتى أطلقك ، أي شيء ~~كنت تعمل هناك ؟ فلم يخبره بغير ذلك . قال : وكان من رسمه ، إذا أراد أن ~~يقرر إنسانا ، قرره وهو قائم بين نفسين ، ووراءه جماعة بمقارع ، فإذا حك ~~رأسه ، ضرب المقرر ، واحدة جيدة عظيمة ، فيقول للذي ضربه : قطع الله يدك ~~ورجلك ، يا فاعل ، يا صانع ، من أمرك بضربه ؟ ولم ضربته ؟ تقدم يا هذا ، لا ~~بأس عليك ، اصدق ، فقد نجوت . فإن أقر ، وإلا حك رأسه ثانية ، وثالثة ، ~~أبدا على هذا ، وكذا كانت عادته في جميع الجناة ، وهو رسم له معروف ، عند ~~المتصرفين بحضرته . قال : فلما أطال عليه الملاح ، حك رأسه ، فضرب قفاه بعض ~~القائمين ، بمقرعة ضربة عظيمة . فصاح الملاح . فقال الأبزاعجي : من أمرك ~~بهذا ، يا فاعل ، يا صانع ، قطع الله يديك . ثم قال للملاح : اصدق ، وانج ~~بنفسك . فقال له الملاح : أيها الأستاذ ، الله شاهد عليك ، أني آمن على ~~نفسي وأعضائي ، حين أصدق ؟ فقال له : نعم . قال : أنا رجل ملاح ، أعمل في ~~المشرعة الفلانية ، يعرفني جيراني بالستر ، وقد كنت سرحت سماريتي ، إلى سوق ~~الثلاثاء ، البارحة بعد العتمة ، أتفرج في القمر ، فنزل خادم من دار لا ~~أعرفها . فصاح : يا ملاح ؟ فقدمت . فسلم إلي امرأة ، نظيفة ، حسنة ، ومعها ~~صبيتان ، وأعطاني دراهم صحاحا ، وقال : احمل هؤلاء إلى المشرعة الفلانية ، ~~بباب الشماسية . فصعدت بهم قطعة من الطريق ، فكشفت المرأة وجهها ، فإذا هي ~~من أحسن الناس وجها ، كالقمر ، فاشتهيتها ، فعلقت مجاذيفي في الكرك ، ~~وأخرجت السفينة إلى وسط ms363 دجلة ، وتقدمت إلى المرأة ، فراودتها عن نفسها ، ~~فأخذت تصيح . فقلت لها : والله ، لئن صحت ، لأغرقنك الساعة . PageV02P196 # """""" صفحة رقم 197 """""" # فسكتت ، وأخذت تمانعني عن نفسها ، واجتهدت بأن أقدر عليها ، فما قدرت . ~~فقلت لها : من هاتان الصبيتان منك ؟ فقالت : بناتي . فقلت لها : أيما أحب ~~إليك ، تمكنيني من نفسك ، أو أغرق هذه ؟ وقبضت على واحدة منهم . فقالت : ~~أما أنا ، فلا أطيعك ، اعمل ما شئت . فرميت إحدى الصبيتين في الماء ، فصاحت ~~، فضربت فاها ، وصحت معها : والله لا أطلقك ولو قتلتني ، ليشتبه ذلك ، على ~~من عساه يسمع الصياح في الليل . فسكتت ، وأخذت تبكي ، ثم تركتها ساعة ، ~~وقلت لها : دعيني أفعل بك وإلا غرقت الأخرى . فقالت : والله ، لا فعلت . ~~فأخذت الصبية الأخرى ، فرميت بها في الماء ، فصاحت ، وصحت معها ، ثم قلت ~~لها : ما بقي الآن إلا قتلك ، فدعيني ، وإلا قتلتك ، وأخذت بيدها ، وشلتها ~~لأرمي بها في الماء . فقالت : أدعك . فرددتها إلى السمارية ، فمكنتني من ~~نفسها ، فوطئتها . وسرت ، لأمضي بها إلى المشرعة ، فقلت في نفسي : هذه ~~الساعة تصعد إلى دارها ، أو إلى الموضع الذي تأوي إليه ، فتنذر بي ، فأؤخذ ~~، وأقتل ، وليس الوجه إلا تغريقها ، فجمعت يديها ، ورجليها ، ورميت بها إلى ~~الماء . فحين غرقت ، فكرت فيما ارتكبته ، وعظم ما جنيته ، فندمت ، وكنت ~~كرجل كان سكرانا ، فأفاق . فقلت : أي شيء أعمل ؟ ليس إلا أن أنحدر إلى ~~البصرة ، وأغوص في أنهارها ، فلا أعرف . فانحدرت ، فلما صرت حذاء الجسر ، ~~أخذتني بطني ، وقلت : أصعد ، وأتفسح ، وأعود إلى سماريتي . فصعدت ، فأنا ~~جالس أتغوط ، فما أحسست حتى قبض هؤلاء علي . قال : فقال له الأبزاعجي ، ~~مطابيا : يا هذا ، أي معاملة بين مثلك وبيني ، انصرف بسلام . فظن لجهله ، ~~أن ذلك حقيقة ، فولى ينصرف . PageV02P197 # """""" صفحة رقم 198 """""" # فصاح به ، وقال : يا فتى ، هو ذا تنصرف ، وتدعنا من حقا ؟ فلا أقل من أن ~~ترجع لنحلفك ، أنك لا تعود إلى مثل هذا . فرجع . فقال : خذوه ، فأخذوه . ~~فقال : اقطعوا يده . فقال : يا سيدي ، أليس قد أمنتني ؟ فقال : يا كلب ، ~~وأي أمان لمثلك ؟ قد قتلت ثلاثة أنفس ، وزنيت ، وأخفت السبيل . قال ms364 : فقطعت ~~يداه ، ورجلاه ، ثم ضربت عنقه ، وأحرق جسده بالنار في مكانه . # لماذا لقب بالأبزاعجي # أخبرني من أثق إليه من أهل بغداد ، أن الأبزاعجي ، إنما لقب بذلك ، لأنه ~~كان يخدم قائدا من غلمان الموفق ، تركيا ، وكان يسمى أبزاعج ، فلقب ~~بالأبزاعجي لذلك . # وكيل دعاوى يحرم من أجره فيعرقل حسم الدعوى # حدثني أبو بكر بن عثمان الصيرفي ، الشاعر ، قال : سمعت عمر بن أكثم ، يقول : PageV02P198 # """""" صفحة رقم 199 """""" # كان قوم يريدون تثبيت وفاة ، وعدد ورثة ، عند أبي عمر القاضي ، وكانوا قد ~~ضمنوا للوكيل خمسين دينارا على ذلك . فلما ثبت عند القاضي ، عدد الورثة ، ~~بشهادة شاهدين ، ساموه أن يأخذ منهم البعض ، ويدع عليهم البعض . فأخذ ما ~~عفوا به ، وتقدم إلى القاضي ، وخصومهم في المجلس ، وقال : قد وكلني هؤلاء - ~~أعز الله القاضي - وقد أخرجت نفسي من الأولين . فقال : تكلم . فقال : شهد ~~الشاهدان ، عند القاضي ، أنهما لا يعلمان وارثا ، غير من ذكروه ، وعندي ~~شاهدان عدلان ، يعلمان وارثا آخر . فقال : أحضرهما . فقاموا ، ودافع بالحكم ~~، ولم يزل يدفع بهم شهرا ، إلى أن جاءه الورثة ، فقالوا : قد أهلكتنا . ~~فقال : بما كسبت أيديكم ، والله لأدفعن بأمركم سنة ، أو تعطوني خمسين ~~دينارا مستأنفة ، لأمسك . وأعطوه ما طلب ، وتقدم ، فقال : لا بينة لي . ~~فحكم القاضي لهما . # إذا صرف الأمين زائدا عن الحاجة ألزم بتعويضه من ماله # وحدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا عمر بن أكثم ، قال : تقدم يتيم كان في حجر ~~أمين من أمناء القاضي أبي جعفر بن البهلول ، إليه ، وقد بلغ وفك حجره ، ~~فقال : أيها القاضي ، إن فلانا الأمين ، ضيع من مالي هذا ، كذا وكذا ، وأنا ~~أطالبه به . فقال : هاه ، هاه ، أتقول هذا لأمين ثابت الأمانة عندي ؟ فقال ~~: أيها القاضي ، لم أقل خان فيه ، ولكنه أنفق علي أكثر مما كنت أحتاج إليه ~~، بكذا وكذا ، وهذا تضييع . فدعا أبو جعفر الأمين ، فسأله ، فأقر بذلك . ~~فألزمه المال في ذمته . PageV02P199 # """""" صفحة رقم 200 """""" # رؤيا عبد الملك بن مران وتفسيرها # حدثنا أبو القاسم بن بشر الآمدي ، قال : قال لي أبو أحمد طلحة بن الحسن ~~بن المثنى ، يوما ms365 ، وقد تجاذبنا على خلوة ، الحديث فيما بينه وبين أبي ~~القاسم البريدي ، وتدبير كل واحد منها على صاحبه في القبض عليه ، وأنا أشير ~~عليه أن يهرب عن البصرة ، ولا يقيم ، وأنه لا يجب أن يغتر . قال : لست أفكر ~~في هذا الرجل ، لألوان كثيرة ، منها رؤيا رأيتها منذ ليال كثيرة . فقلت : ~~ما هي ؟ قال : رأيت ثعبانا عظيما ، قد خرج علي من هذا الحائط - وأومأ بيده ~~إلى حائط في مجلسه - وهو يريدني ، فطلبته ، وضربته ، فأثبته في الحائط ، ~~فتأولت أن ذلك الثعبان ، البريدي ، وأني أغلبه . قال : فحين قال : فأثبته ~~في الحائط ، سبق إلى قلبي ، أن البريدي ، هو الثابت ، وأن الحائط ، حائطه ، ~~دون أبي أحمد ، فأردت أن أقول له : إن الخبر مستفيض ، بما كان عبد الملك ~~رأى في منامه ، كأنه وابن الزبير ، قد اصطرعا في صعيد من الأرض ، فطرح ابن ~~الزبير عبد الملك تحته على الأرض ، وأوتده بأربعة أوتاد فيها ، وإنه أنفذ ~~راكبا إلى البصرة ، فلقي ابن سيرين ، فقص عليه الرؤيا ، كأنها لها ، وكتم ~~ذكر ابن الزبير . فقال له ابن سيرين : هذه الرؤيا ليست رؤياك ، ولا أفسرها ~~لك . فألح عليه . فقال : يجب أن تكون رؤيا عبد الملك ، فإن صدقتني ، فسرتها ~~لك . فقال : هو كما وقع لك . فقال : قل له : إن صحت رؤياك هذه ، فستغلب ابن ~~الزبير على الأرض ، ويملك الأرض من صلبك ، أربعة ملوك . فمضى الرجل إلى عبد ~~الملك ، فأخبره ، فعجب من فطنة ابن سيرين ، وقال : ارجع إليه ، وقل له : من ~~أين قلت هذا ؟ فرجع الرجل إليه . PageV02P200 # """""" صفحة رقم 201 """""" # فقال له : إن الغالب في النوم مغلوب ، وتمكنه على الأرض غلبة عليها ، ~~والأوتاد الأربعة ، التي أوتدها في الأرض ، هم ملوك يتمكنون في الأرض ، كما ~~تمكنت الأوتاد . قال أبو القاسم الآمدي : فأردت أن أقول لأبي أحمد ، هذا ، ~~وما وقع لي من القياس عليه ، في تعبير رؤياه ، فكرهت ذلك ، لأنه كان يكون ~~سوء أدب ، وقباحة عشرة ، ونعيا لنفسه . فما مضت الأيام ، حتى قبض البريدي ~~عليه ، وكان من أمره ما كان . PageV02P201 # """""" صفحة رقم 202 """""" # أبو أحمد بن المثنى ms366 ومناماته # التي لا تخطىء وكان ممن حضر عندي ، لما حدثني أبو القاسم بهذا الخبر ، ~~أبو القاسم عمر بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحسن بن المثنى ، فقال : كانت ~~لجدي ، منامات طريفة لا تخطىء ، فمنها : إني كنت بحضرته ، وأنا صبي ، في ~~تربة جدي لأمي ، وعم أبي ، أبي الحسين ، فقال لنا : إني رأيت البارحة مناما ~~، فقد أبصرت ثلاثة قبور قد احتفرت ، أولها لحسان ، والثاني لأبي الحسين أخي ~~، والثالث لي من بعده ، وقد أبصرت حسان نائما في قبره ، وأبصرت أبا الحسين ~~قاعدا في القبر ، أما أنا فقد كنت أقعد في القبر وأقوم في حركة دائبة ، ~~وكأن هاتفا يهتف بي ، إن عمرك وعمر أخيك واحد ، وقد توفي أخي منذ سنة وما ~~أظن بيني وبين أخي إلا سنة . قال : فقال له من حوله : يبقي الله الشيخ ، ~~ويفعل به ويصنع . قال : فانصرف من التربة ، فلما كان في اليوم السابع من ~~ذلك الحديث ، قبض عليه أبو القاسم البريدي ، في يوم الخميس ، غرة شعبان ، ~~سنة خمس وثلاثين وثلثمائة ، فأقام في يده دون ثلاثة أشهر ، ثم قتله في حبسه ~~، في شوال ، بحيلة احتالها له ، عبدان المتطبب ، لعنه الله ، في شيء سقاه . ~~فقال أبو القاسم الآمدي : كنت حاضرا ابتداء المجلس ، ولما أخبر رؤياه ، ~~تأولها تأولا غير ما وقع ، وهو : إن نوم حسان في قبره سلامة متينة ، وإن ~~قعود أبي الحسين ، لأن الحال التي مات بها ، أشد من حال حسان ، لأنه فلج ~~سنين ، فعاش مبتلي ، قد نقص من صحته ، ورأى في نفسه ما لا يحبه ، وإن وفاة ~~أبي أحمد تكون بحال هي أشد من ذلك كله ، بحسب قعوده وقيامه في المشقة ، ~~وفرق ما بين القعود والنوم والراحة . فمات أبو أحمد ، مقتولا ، بعد الحبس ~~والنكبة ، والفقر والذلة . PageV02P202 # """""" صفحة رقم 203 """""" # قاضي شيراز يحكم بين صوفي وصوفية # حدثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي ، الفقيه ، المتكلم ، ~~المعروف بابن السماك رحمه الله ، قال : حضرت بشيراز ، عند قاضيها أبي سعد ~~بشر بن الحسن الداودي ، وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية . قال : وأمر الصوفية ~~هناك مفرط ms367 جدا ، حتى يقال إن عددهم ألوف ، رجال ونساء . قال : فاستعدت ~~المرأة على زوجها إلى القاضي ، فلما حضرا ، قالت له : أيها القاضي ، هذا ~~زوجي يريد أن يطلقني ، وليس له ذلك ، فإن رأيت أن تمنعه . قال : فأخذ أبو ~~سعد ، يعجبني من هذا الكلام ، وينبهني على مذاهب الصوفية فيه . ثم قال لها ~~: كيف ليس له ذلك ؟ قالت : لأنه تزوج بي ، ومعناه قائم ، والآن يذكر أن ~~معناه قد انقضى مني ، وأن معناي قائم فيه ما انقضى ، فيجب أن يصبر ، إلى أن ~~ينقضي معناي فيه ، كما انقضى معناه مني . فقال لي أبو سعد : كيف ترى هذا ~~الفقه ؟ ثم أصلح بينهما ، وخرجا من غير طلاق . PageV02P203 # """""" صفحة رقم 204 """""" # ابن خفيف شيخ الصوفية بشيراز يتكلم على الخطرات والوساوس # أخبرني جماعة من أهل العلم : أن بشيراز رجلا يعرف بابن خفيف البغدادي ، ~~شيخ الصوفية هناك ، يجتمعون إليه ، فيتكلم على الخطرات والوساوس ، ويحضر ~~حلقته ألوف من الناس ، وأنه فاره ، فهم ، حاذق ، وأنه قد استغوى الضعفى من ~~الناس ، إلى هذا المذهب . قال : فمات رجل صوفي من أصحابه ، وخلف زوجة صوفية ~~، فاجتمع النساء الصوفيات - وهن خلق كثير - ولم يختلط بمأتمها غيرهن . فلما ~~فرغوا من دفنه ، دخل ابن خفيف ، وخواص أصحابه - وهم عدد كثير - إلى الدار ، ~~وأخذ يعزي المرأة ، بكلام من كلام الصوفية ، إلى أن قالت : قد عزيت . فقال ~~لها : ها هنا غير ؟ فقالت : لا غير . قال : فما معنى التزام النفوس ، آفات ~~الهموم ، وتعذيبها بعذاب الغموم ؟ ولأي معنى نترك الامتزاج ، لتلقي الأنوار ~~، وتصفو الأرواح ، وتقع الإخلافات ، وتنزل البركات ؟ قال : فقالت النساء : ~~إذا شئت . قال : فاختلط جماعة الرجال ، بجماعة النساء ، طول ليلتهم ، فلما ~~كان سحرا خرجوا . قوله : ها هنا غير ؟ ، أي : ها هنا غير موافق في المذهب ؟ ~~فقالت : لا غير ، أي ليس من مخالف . قوله : نترك الامتزاج ، كناية عن الوطء ~~، من الممازجة . وقوله : لتلقي الأنوار ، على أصلهم إن في كل جسم نورا ~~إلهيا . وقوله : الإخلافات ، أن يكون خلف لكل من مات أو غاب من أزواجكن . ~~وهذا عندي عظيم ، ولولا أن جماعة أخبروني ، يبعدون عندي ms368 عن الكذب ، ما ~~حكيته ، لعظمه عندي ، واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام . PageV02P204 # """""" صفحة رقم 205 """""" # وبلغني أن هذا ومثله ، شاع ، حتى بلغ الأمير عضد الدولة ، فقبض على جماعة ~~منهم ، وضربهم بالسياط ، وشرد جماعة منهم ، وشتت جموعهم ، فكفوا . PageV02P205 # """""" صفحة رقم 206 """""" # من شعر أبي فراس الحمداني # لأبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان ، لما أسر : ما للعبيد من الذي . . . ~~يقضي به الله امتناع ذدت الأسود عن الفرا . . . ئس ثم تفرسني الضباع وله ~~إلى سيف الدولة ، قصيدة اخترت منها قوله : أيدرك ما أدركت إلا ابن همة . . ~~. يمارس في كسب العلى ما أمارس يضيق مكاني عن سواي لأنني . . . على قبة ~~المجد المؤثل جالس وقال ، وقد حضر العيد ، وهو ببلد الروم أسير : يا عيد ما ~~جئت بمحبوب . . . على معنى القلب مكروب يا عيد قد عدت على ناظر . . . عن كل ~~حسن فيك محجوب يا وحشة الدار التي ربها . . . أصبح في أثواب مربوب قد طلع ~~العيد على أهلها . . . بوجه لا حسن ولا طيب ما لي وللدهر وأحداثه . . . لقد ~~رماني بالأعاجيب وله في الأسر قصيدة أولها : أراك عصي الدمع شيمتك الصبر . ~~. . أما للهوى نهي عليك ولا أمر ويقول فيها : تكاد تضيء النار بين جوانحي . ~~. . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر معللتي بالوعد والموت دونه . . . إذا مت ~~عطشانا فلا نزل القطر وإني لنزال بكل مخوفة . . . كثير إلى نزالها النظر ~~الشزر وأصدى إلى أن ترتوي الأرض والقنا . . . وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر ~~ولا أصبح الحي الخلوف بغارة . . . ولا الجيش ما لم يأته قبلي النذر ويا رب ~~دار لم تخفني منيعة . . . طلعت عليها بالردى أنا والفجر وحي رددت الجيش حتى ~~ملكته . . . هزيما وردتني البراقع والخمر وما راح يطغيني بأثوابه الغنى . . ~~. ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر PageV02P206 ~~"""""" صفحة رقم 207 """""" # أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى . . . ولا فرسي مهر ولا ربه غمر ولكن إذا ~~حم القضاء على امرىء . . . فليس له بر يقيه ولا بحر ويقول فيها : وقال ~~أصيحابي الفرار أو الردى . . . فقلت هما أمران أحلاهما مر ولكنني أمضي لما ~~لا يعيبني ms369 . . . وحسبك من أمرين خيرهما الأسر ولا خير في دفع الردى بمذلة . ~~. . كما ردها يوما بسوءته عمرو PageV02P207 ~~"""""" صفحة رقم 208 """""" # أبو سعيد الشيباني يتغزل # أنشدني في ربيع الآخر من سنة ست وستين وثلثمائة ، أبو سعيد مساعد بن ~~الجهم الشيباني ، لنفسه : قال : وقلتها منذ سبعين سنة ، وذكر لي أن له في ~~الوقت ستا وتسعين سنة . يا مقلة لحظها عقاربها . . . سماء عيني دمعي ~~كواكبها تجول في حلبة مشهرة . . . تكبو بركبانها ركائبها كأنها والدماء ~~تتبعها . . . شهب خيول شقر جنائبها أنشدني من هذه الأبيات ، شعرا جيدا ، في ~~سنة اثنتين وستين وثلثمائة ، وقال : شهب جنائبها . وهذا أصح ، لأنه أراد به ~~، أنه يبكي دمعا ، ثم يتبعه دما ، والدليل على قوله : كأنها والدماء تتبعها PageV02P208 ~~"""""" صفحة رقم 209 """""" # القاضي أبو الحسين بن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي # حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان ، الشيرازي ، الكاتب ، قال ~~: حدثني أبو بكر الجعابي الحافظ ، قال : دخلت يوما على القاضي أبي الحسين ~~بن أبي عمر ، وهو مغموم حزين ، فقلت له : لا يغم الله القاضي ، فما الذي ~~آذاه ؟ فقال : مات يزيد المائي . فقلت : يبقي الله قاضي القضاة أبدا ، ومن ~~يزيد ، حتى إذا مات اغتم عليه قاضي القضاة ، هذا الغم كله ؟ فقال : ويحك ، ~~مثلك يقول هذا ، في رجل أوحد في صناعته ، قد مات ولا خلف له ، ولا أحد ~~يقاربه في حذقه ؟ وهل فخر البلد ، إلا بكثرة كون رؤساء الصناع ، وحذاق أهل ~~العلم فيه ؟ فإذا مضى رجل ، لا مثل له في صناعته ، ولا بد للناس منها ، فهل ~~يدل هذا ، إلا على نقصان العالم ، وانحطاط البلدان ؟ ثم قال بعد ذلك : وأخذ ~~يعدد فضائله ، والأشياء الطريفة التي عالج بها ، والعلل الصعبة التي زالت ~~بتدبيره ، وذكر من ذلك أشياء كثيرة ، لم يعلق أكثرها بحفظي . قال : وكان ~~منها ، أن قال : لقد أخبرني ، منذ مدة طويلة ، رجل من جلة أهل هذا البلد ، ~~أنه كان قد حدث بابنة له علة طريفة ، فكتمتها عنه ، ثم أطلعته عليها ، ~~فكتمها هو مدة ، ثم انتهى أمر البنت إلى حد الموت . قال : فقلت ms370 : لا يسعني ~~كتمان هذا أكثر من هذا . قال : فكانت العلة ، أن فرج الصبية ، يضرب عليها ~~ضربا عظيما ، لا تنام منه الليل ، ولا تهدأ النهار ، وتصرخ من ذلك أعظم ~~صراخ ، ويجري في خلال ذلك ، منه دم يسير ، كماء اللحم ، وليس هناك جرح يظهر ~~، ولا ورم كبير يزيد . قال : فلما خفت المأثم ، أحضرت يزيد ، فشاورته . ~~فقال : تأذن لي في الكلام ، وتبسط عذري فيه ؟ قلت : نعم . PageV02P209 # """""" صفحة رقم 210 """""" # فقال : لا يمكنني أن أصف شيئا ، دون أن أشاهد الموضع ، وأفتشه بيدي ، ~~وأسائل المرأة عن أسباب ، لعلها كانت الجالبة للعلة . قال : فلعظم الضرورة ~~، وبلوغها التلف ، مكنته من ذلك . فأطال مساءلتها ، وحديثها ، بما ليس من ~~جنس العلة ، بعد أن جس الموضع من ظاهره ، وعرف بقعة الألم ، حتى كدت أن أثب ~~به . ثم تصبرت ورجعت إلى ما أعرفه من ستره ، فصبرت على مضض . إلى أن قال : ~~تأمر من يمسكها ؟ ففعلت . ثم أدخل يده إلى الموضع ، دخولا شديدا ، فصاحت ~~الامرأة ، وأغمي عليها ، وانبث الدم ، وأخرج في يده حيوانا ، أقل من ~~الخنفساء ، فرمى به . فجلست الجارية في الحال ، واستترت ، وقالت : يا أباه ~~، استرني فقد عوفيت . قال : فأخذ الحيوان في يده ، وخرج من الموضع . فلحقته ~~، وأجلسته ، وقلت : أخبرني ما هذا ؟ فقال : إن تلك المساءلة ، التي لم أشك ~~أنك أنكرتها ، إنما كنت أطلب شيئا ، أستدل به على سبب العلة ، إلى أن قالت ~~لي : إنها في يوم من الأيام ، جلست في بيت دولاب بقر في بستان لكم ، ثم ~~حدثت العلة بها ، من غير معرفة ، من ذلك اليوم ، فخلت ، أنه قد دب إلى ~~فرجها من القراد الذي يكون على البقر ، وفي بيوت البقر ، قراد قد تمكن من ~~أول داخل الفرج ، فكلما امتص الدم من موضعه ولد الضربان ، وأنه إذا شبع ، ~~نقط من الجرح الذي يمتص منه إلى خارج الفرج ، هذه النقط اليسيرة من الدم . ~~فقلت : أدخل يدي وأفتش . فأدخلت يدي ، فوجدت القراد ، فأخرجته ، وهو هذا ~~الحيوان ، قد كبر ، وتغيرت صورته ، لكثرة ما يمتص من الدم ، على طول الأيام ~~. قال : وأراني الحيوان ، وإذا ms371 هو قراد . قال : وبرأت الصبية . قال : فقال ~~لي أبو الحسين القاضي : فهل ببغداد اليوم ، من له من الصناعة مثل هذا ، أو ~~ما يقاربه ؟ ، فكيف لا أغتم بموت من هذا بعض حذقه ؟ PageV02P210 # """""" صفحة رقم 211 """""" # أبو المغيرة الشاعر يروي خبرا ملفقا # حدثنا أبو المغيرة ، محمد بن يعقوب بن يوسف ، الشاعر ، البغدادي ، الأسدي ~~، قال : حدثني أبو موسى عيسى بن عبيد الله البغدادي ، قال : حدثني صديق لي ~~، قال : كنت قاصدا للرملة وحدي ، فانتهيت إليها ، وقد نام الناس ، ليلا ، ~~فعدلت إلى المقبرة ، ودخلت بعض القباب التي على القبور ، وطرحت درقة كانت ~~معي ، فاتكأت عليها ، وعلقت سيفي أريد النوم ، لأدخل إلى البلد نهارا ، ~~فاستوحشت من الموضع ، وأرقت . فلما طال أرقي ، أحسست بحركة ، فقلت : لصوص ~~يجتازون ، فإن قصدت لهم ، لم آمنهم ، ولعلهم أن يكونوا جماعة ، فلا أطيقهم ~~، فانخزلت مكاني ، ولم أتحرك ، وأخرجت رأسي من بعض أبواب القبة ، على تخوف ~~شديد ، فرأيت دابة كالدب ، يمشي ، فأخفيت نفسي ، فإذا به قد قصد قبة حيالي ~~، قريبة مني ، فما زال يتلفت طويلا ، ويدور حولها ، ويتلفت ، ساعة ، ثم ~~دخلها . فارتبت به ، وأنكرت فعله ، وتطلعت نفسي إلى علم ما هو عليه . فدخل ~~القبة ، وخرج غير متثبت ، ثم دخل وخرج ، بسرعة ، دفعات ، ثم دخل ، وعيني ~~عليه ، فضرب بيده إلى قبر في القبة ليحفر . فقلت : نباش ، لا شك فيه . ~~وتأملت يحفر بيديه ، فعلمت أن فيها آلة حديد يحفر بها . فتركته إلى أن ~~اطمأن ، وأطال ، وحفر شيئا كثيرا ، ثم أخذت سيفي ودرقتي ، ومشيت على أطراف ~~أناملي ، حتى دخلت القبة ، فأحس بي ، وقام إلي بقامة إنسان ، وأومأ إلي ~~ليلطمني بكفه ، فضربت يده بالسيف ، فأبنتها ، وطارت . فصاح : أواه ، قتلتني ~~، لعنك الله . وعدا من بين يدي ، وعدوت وراءه ، وكانت ليلة مقمرة ، حتى دخل ~~البلد ، وأنا وراءه ، ولست ألحقه ، إلا أنه بحيث يقع بصري عليه ، إلى أن ~~اجتاز في طرق كثيرة ، PageV02P211 ~~"""""" صفحة رقم 212 """""" # وأنا في خلال ذلك أعلم الطرق ، لئلا أضل ، حتى إذا جاء إلى باب دار ، ~~فدفعه ، ودخل ، وغلقه ، وأنا أتبع . فعلمت الباب ، ورجعت أقفو الأثر ، ~~والعلامات ms372 التي علمتها في طريقي ، حتى انتهيت إلى القبة التي كان فيها ~~النباش ، فطلبت الكف ، فوجدتها ، وأخرجتها إلى القمر ، فبعد جهد ، انتزعت ~~الكف المقطوع من الآلة الحديد ، فإذا هي كف كالكف ، وقد أدخل أصابعه في ~~الأصابع ، وإذا هي كف فيها نقش حناء ، وخاتمان ذهب . فحين علمت أنها امرأة ~~، اغتممت ، وتأملت الكف ، وإذا أحسن كف في الدنيا ، نعومة ، ورطوبة ، وسمنا ~~وملاحة ، فمسحت الدم منها ، ونمت في القبة التي كنت فيها . ودخلت البلد ، ~~من غد ، أطلب العلامات ، حتى انتهيت إلى الباب . فسألت : لمن الدار ؟ ~~فقالوا : لقاضي البلد . واجتمع عليها خلق ، وخرج منها رجل شيخ بهي ، فصلى ~~الغداة بالناس ، وجلس في المحراب . فازداد عجبي من الأمر ، وقلت لبعض ~~الحاضرين : بم يعرف هذا القاضي ؟ فقال : بفلان . فأطلت الحديث في معناه ، ~~حتى عرفت أن له ابنة عاتقا ، وزوجة ، فلم أشك ، أن النباشة ابنته . فتقدمت ~~إليه ، وقلت له : بيني وبين القاضي - أعزه الله - حديث ، لا يصلح إلى على ~~خلوة . فقام إلى داخل المسجد ، وخلا بي ، وقال : قل . فأخرجت إليه الكف ، ~~وقلت : أتعرف هذه ؟ فتأملها طويلا ، وقال : أما الكف فلا ، وأما الخواتيم ، ~~فخواتيم ابنة لي ، عاتق ، فما الخبر ؟ فقصصت عليه الحديث بأسره . فقال : قم ~~معي ، وأدخلني داره ، وغلق الباب ، واستدعى طبقا ، وطعاما ، واستدعى امرأته ~~. فقال له الخادم : تقول لك : كيف أخرج ومعك رجل غريب ؟ PageV02P212 # """""" صفحة رقم 213 """""" # فقال : لا بد من خروجها تأكل معنا ، فهنا من لا أحتشمه . فأبت عليه ، ~~فحلف بالطلاق لتخرجين ، فخرجت باكية ، فجلست معنا . فقال لها : أخرجي ابنتك ~~. فقالت : يا هذا ، قد جننت ، فما الذي حل بك ؟ فقد فضحتني ، وأنا امرأة ~~كبيرة ، فكيف تهتك صبية عاتقا ؟ فحلف بالطلاق لتخرجنها ، فخرجت . فقال : ~~كلي معنا . فرأيت صبية كالدينار المنقوش ، ما مقلت مقلتاي مثلها ، ولا أحسن ~~منها ، إلا أن لونها أصفر جدا ، وهي مريضة ، فعلمت أن الذي لحق يدها ، قد ~~فعل بها ذلك . فأقبلت تأكل بيمينها ، وشمالها مخبوءة . فقال : اخرجي اليسرى ~~. فقالت : قد خرج فيها خراج عظيم ، وهي مشدودة . فحلف لتخرجنها . فقالت ~~امرأته : يا رجل ، استر على نفسك ms373 ، وعلى ابنتك ، فوالله - وحلفت بأيمان ~~كثيرة - ما اطلعت لهذه الصبية على سوء قط ، إلا البارحة ، فإنها جاءتني ، ~~بعد نصف الليل ، فأيقظتني ، وقالت : يا أمي ، الحقيني ، وإلا تلفت . فقلت ~~لها : ما لك ؟ فقالت : قد قطعت يدي ، وهو ذا أنزف الدم ، والساعة أموت ، ~~فعالجيني ، وأخرجت يدها مقطوعة . فلطمت ، فقالت : لا تفضحيني ونفسك بالصياح ~~، عند أبي والجيران ، وعالجيني . فقلت : لا أدري بما أعالجك . فقالت : خذي ~~زيتا ، فاغليه ، واكوي به يدي . ففعلت ذلك ، وكويتها ، وشددتها ، وقلت : ~~الآن حدثيني ما دهاك . فامتنعت . فقلت : والله ، لئن لم تحدثيني ، لأكشفن ~~أمرك إلى أبيك . قالت : إنه وقع في نفسي منذ سنتين ، أن أنبش القبور ، ~~فتقدمت إلى هذه الجارية ، فاشترت لي جلد ماعز غير محلوق الشعر ، واستعملت ~~لي كفين من حديد ، PageV02P213 ~~"""""" صفحة رقم 214 """""" # وكنت إذا نمتم ، أفتح الباب ، وآمرها أن تنام في الدهليز ولا تغلق الباب ~~، وألبس الجلد ، والكفين الحديد ، وأمشي على أربع ، فلا يشك من لعله يراني ~~من سطح أو غيره ، أني كلب . ثم أخرج إلى المقبرة ، وقد عرفت من النهار ، ~~خبر من يموت من الجلة ، وأين قد دفن ، فأقصد قبره ، فأنبشه ، وآخذ الأكفان ~~، فأدخلها في الجلد ، وأمشي مشيتي ، وأعود والباب غير مغلق ، فأدخل ، ~~وأغلقه ، وأنزع تلك الآلة ، وأدفعها إلى الجارية ، مع ما قد أخذته ، فتخبئه ~~في بيت لا تعلمون به ، وقد اجتمع ثلثمائة كفن ، أو ما يقاربها ، لا أدري ما ~~أصنع بها ، إلا أني كنت أجد لذلك الخروج ، والفعل ، لذة لا سبب لها ، أكثر ~~من أن أصابتني بهذه المحنة . فلما كان الليلة ، تسلط علي رجل ، أحس بي ، ~~وكان كأنه جالس ، أو حارس لذلك القبر ، فحين بدأت أنبشه ، جاءني ، فقمت ~~لأضرب وجهه بكفي الحديد ، فأشغله بها عني ، وأعدو ، وأنجو ، فداخلني بالسيف ~~، فضربني ، فتلقيت الضربة بشمالي ، فأبان كفي . فقلت لها : أظهري أنه قد ~~خرجت على كفك خراج ، وتعاللي ، فإن الذي بك من صفار ، يصدق قولك ، حتى إذا ~~مضت أيام ، قلنا لأبيك : لا بد أن تقطع يدك ، وإلا خبث جميع بدنك ، فتلفت ، ~~فيأذن لنا في قطعها ، فنوهم أنا قطعناها ms374 من جديد ، وينستر أمرك . فعملنا ~~على هذا ، بعد أن استتبتها ، فتابت ، وحلفت بالله ، لا عادت . وكنت على بيع ~~هذه الجارية ، وأراعي فيما بعد مبيت الصبية ، وأبيتها جانبي ، ففضحتني أنت ~~، وفضحت نفسك . فقال لها القاضي : ما تقولين ؟ فقالت : صدقت أمي ، ووالله ، ~~لا عدت أبدا ، وتابت . فقال لها القاضي : هذا صاحبك الذي قطع يدك ، فكادت ~~أن تتلف جزعا . ثم قال : يا فتى ، من أين أنت ؟ فقلت : رجل من أهل العراق . ~~قال : ففيم وردت ؟ قلت : أطلب الرزق . PageV02P214 # """""" صفحة رقم 215 """""" # فقال : قد جاءك حلالا ، هنيئا ، نحن قوم مياسير ، ولله علينا ستر ، فلا ~~تهتكه ، والله ، ما علمت هذا من حال ابنتي ، فهل لك أن تتزوجها ، وأغنيك ~~بمالي عن الناس ، وتكون معنا ، وفي دارنا ؟ قلت : نعم . فرفع الطعام ، ~~وخرجنا إلى المسجد والناس مجتمعون ، ينتظرونه . فخطب ، وزوجني ، وقام رجع ، ~~فأدخلني إلى الدار . ووقع حب الصبية في نفسي ، حتى كدت أموت عشقا لها ، ~~وافترعتها ، وأقامت معي شهورا ، وهي نافرة عني ، وأنا أونسها ، وأبكي حسرة ~~على يدها ، وأعتذر إليها ، وهي تظهر قبول عذري ، وأن الذي بها غما على يدها ~~. إلى أن نمت ليلة ، وانبسطت في نومي ، على رسمي ، فأحسست بثقل على صدري ~~شديد ، فانتبهت جزعا ، فإذا بها باركة على صدري ، وركبتها على يدي ، ~~مستوثقة ، وفي يدها موسى ، وقد أهوت لتذبحني ، فاضطربت ورمت الخلاص فتعذر ، ~~وخشيت أن تبادرني ، فسكنت . فقلت لها : كلميني ، واعملي ما شئت ، ما الذي ~~يدعوك إلى هذا ؟ قالت : أتظن أنك قطعت يدي ، وهتكتني ، وتزوجت بي ، وتنجو ~~سالما ؟ والله لا كان هذا . فقلت : الذبح قد فاتك ، ولكنك تتمكنين من ~~جراحات توقعينها بي ، ولا تأمنين أن أفلت فأذبحك ، أو أهرب وأكشف هذا عليك ~~، ثم أسلمك إلى السلطان ، فيكشف جنايتك الأولى ، والثانية ، ويتبرأ منك ~~أهلك ، وتقتلين . فقالت : افعل ما شئت ، فلا بد من ذبحك ، وقد استوحش كل ~~منا من صاحبه . فنظرت ، وإذا الخلاص منها يبعد علي ، ولا آمن أن تجرح موضعا ~~من بدني ، فيكون فيه تلفي ، فقلت : الحيلة أعمل فيها . فقلت : أو غير هذا . ~~فقالت : قل . فقلت : أطلقك الساعة ms375 ، وتفرجين عني ، وأخرج من البلد ، فلا ~~تريني ، ولا أراك أبدا ، ولا ينكشف لك حديث في بلدك ، ولا فضيحة ، وتتزوجين ~~من شئت ، فقد شاع عند الناس ، أن يدك قطعت لخراج خبثها ، وتربحين الستر . PageV02P215 # """""" صفحة رقم 216 """""" # فقالت : تحلف أنك لا تقيم في البلد ، ولا تفضحني فيه أبدا ؟ قال : فحلفت ~~بالأيمان المغلظة . فقامت عن صدري ، تعدو ، خوفا من أن أقبض عليها ، حتى ~~رمت الموسى بحيث لا أدري ، وعادت ، فأخذت تظهر بأن الذي فعلته ، مزاح ، ~~وتلاعبني . فقلت : إليك عني ، فقد حرمت علي ، ولا تحل لي ملامستك ، وفي غد ~~، أخرج عنك . فقالت : الآن علمت صدقك ، ووالله ، لو لم تفعل ، لما نجوت من ~~يدي . وقامت ، فجاءتني بصرة ، وقالت : هذه مائة دينار ، خذها نفقة ، واكتب ~~رقعة بطلاقي ، ولا تفضحني ، واخرج . فخرجت في سحرة ذلك اليوم ، بعد أن كتبت ~~إلى أبيها ، أني قد طلقتها ، وأني خرجت حياء منه . ولم ألتق بهم إلى الآن . # من شعر أبي المغيرة # أبو المغيرة ، راوي هذا الخبر ، شاعر طويل اللسان ، مطبوع ، هجاء ، ولم ~~مدائح كثيرة ، وديوان واسع ، وأنشدني لنفسه أشياء ، منها : عرضني للردى ~~هواه . . . من معدن السحر مقلتاه وقد لوى نحوه فؤادي . . . صدغ على الخد قد ~~لواه كأنه عقرب ولكن . . . يلسع كل الورى سواه يا عاذلي في هواه رفقا . . . ~~عذري من الحسن ما تراه PageV02P216 ~~"""""" صفحة رقم 217 """""" # أبو أحمد الدجلي يرى مناما صادقا # حدثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان ، الكاتب المعروف ~~بالدلجي ، قال : رأيت في المنام ذات ليلة - وأنا إذ ذاك أخلف سهل بن بشر ~~على أعمال الأهواز - كأني قد خرجت إلى بعض الصحارى ، فصعدت جبلا شاهقا ، ~~فلما بلغت ذروته ، قربت من القمر ، أو قرب القمر مني ، حتى لمسته بيدي ، ~~وكأن في يدي خشبة ، قد أدخلتها فيه ، وأنا أخضخضها فيه ، حتى نقبته ، ~~وقطعته قطعا ، ثم أخذت بتلك الخشبة ، غيما ، كان قريبا من القمر ، فما زلت ~~ألطخه ، حتى طينته كله ، وكأن صاحبا لي يقول : ما تصنع ؟ فقلت له : قد قتلت ~~القمر ، وأنا أطينه بهذا الغيم . وانتبهت ، فاشتغل بذلك قلبي ، فبكرت ms376 إلى ~~أبي الحسن أحمد بن عمر الطالقاني ، الكاتب ، فلما رآني ، قال : رأيت لك ~~البارحة مناما طريفا ، وأردت أن أجيئك الساعة ، فأفسره لك . فقلت : فإني ~~رأيت البارحة مناما قد شغل قلبي ، فجئت لأحدثك به . فقال : ما رأيت ؟ فقصصت ~~عليه الرؤيا . فقال : لا تشغل قلبك بها ، فستلي مكان سهل بن بشر ، وتحتوي ~~على منزله ، عن قريب . فقلت : من أين لك هذا ؟ وما الذي رأيت أنت ؟ فقال : ~~رأيت البارحة في منامي ، كأني مجتمع مع رجل صالح ، قد هجس في نفسي أنه بعض ~~الصحابة ، أسأله أن يدعو الله عز وجل لي ، فقال لي : الدلجي صديقك ؟ فقلت : ~~نعم . فقال : قل له : الأهواز وقف عليك ، فاتق الله ، ولا تؤذي زوجتك ، ولا ~~شك أن هذا المنام تفسير منامك . فاستكتمه المنام ، وافترقنا ، وعدت . PageV02P217 # """""" صفحة رقم 218 """""" # وما كنت أرى أنني أؤذي زوجتي في شيء ، إلا في تسري الجواري ، وكانت عندي ~~واحدة منهن ، قد أقامت نحو سنة ، وكادت أن تغلبها علي ، فبعتها على مشتر في ~~الحال ، ووهبت ثمنها لزوجتي ، وكان ألوف دراهم . فلما كان بعد ذلك بسنة - ~~أكثر أو أقل - ورد الوزير ابن بقية ، الأهواز ، مع عز الدولة ، وقبض على ~~القائد بختكين آزاذرويه ، والأتراك ، وسهل بن بشر ، ثم أطلق القائد ، وسمي ~~بالحاجب الأجل ، وردت الضمانات إليه ، وقلدني مكان سهل بن بشر . فما زال في ~~حبس أبي أحمد ، مدة ، ثم أخذ من يده ، وحمل إلى بغداد ، وحدث من ملك الأمير ~~عضد الدولة بغداد ما حدث ، فأطلق ، وقلد عسكر مكرم ، وتستر ، وجنديسابور ~~وأعمال ذلك ، ونكب أبا أحمد ، وألزمه مالا ، فلزم منزله بالأهواز ، وكان ~~يؤدي المال ، إلى أن خالف سهل بن بشر ، ودخل الأهواز بالجيش داعيا إلى عضد ~~الدولة ، ومعهم أبو أحمد خوفا على مهجته من سهل بن بشر . وأقام بأرجان ، ~~سنة وشهرا ، ثم واطأ الديلم بالأهواز ، على أن يشغبوا ، ويقولوا : إنهم لا ~~يرضون بالوزير وزيرا ، ولا يقنعون إلا بصرفه ، وتقليد غيره الوزارة ، وإلا ~~لم يرضوا بإمارة الأمير عز الدولة ، واستحلف القواد ، وسائر الجيش بكور ~~الأهواز ، وبايعوه ، وحلفوا له ، وأظهر أنه يريد ms377 المسير إلى بغداد ، ~~للمطالبة بذلك ، وذلك في شعبان سنة خمس وستين وثلثمائة . فأنكر ذلك ، ~~الأمير عز الدولة ، وأنفذ إبراهيم بن إسماعيل ، من أجل حجابه ، برسالة إلى ~~الديلم ، فندموا على ما فعلوا ، وأذعنوا بالطاعة ، فقبض على سهل بن بشر ، ~~وحمله إلى بغداد ، إلى الأمير عز الدولة ، فخلع عليه ، وضمنه الأهواز ، ~~واليا لها ولكورها . فصارت الأهواز ، كالوقف عليه ، لا يصلح لها غيره ، ولا ~~يعرف فيها عند الحاجة سواه . PageV02P218 # """""" صفحة رقم 219 """""" # أبو مسلم الأصبهاني الكاتب يرى مناما صادقا # حدثنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن مهدي ، الأصبهاني ، الكاتب ، قال : رأيت ~~في المنام - وقت استحلاف سهل بن بشر ، القواد ، والديلم ، على الشغب ، ~~والمطالبة بصرف الوزير الناصح نصير الدولة - كأني قد خرجت إلى صحراء عظيمة ~~، فرأيت معسكرا هائلا ، بالخيم ، والشرع ، والفازات ، وفي وسطه نهر يسقيه ، ~~وعلى حافتي ذلك النهر غائط عظيم ، وجميع أهل ذلك المعسكر ، من القواد ~~وغيرهم ، قد اجتمعوا ، يأكلون من تلك العذرة ، فجاء الحاجب الأجل من بينهم ~~، وقد أكل من تلك العذرة ، فغسل فاه ، وما حواليه بالماء ، وتمضمض ، وركب ، ~~ولم يفعل الباقون ذلك . وكأني أعجب من هذا ، إذ وقعت عيني على شراع فوق سطح ~~، فقلت : لمن هذا ؟ للدلجي ؟ ، قال : وأبو أحمد الدلجي إذ ذاك بأرجان . ~~فقالوا : هذا له ، وقد قدم . فقلت : أمضي ، وأراه ، وأسلم عليه . فتوجهت ، ~~إلى أن بلغت إلى أسفل الموضع الذي فيه الشراع ، فهبت ريح عظيمة ، فقلعت تلك ~~الخيم التي كانت في المعسكر ، فما رأيت منها شيئا باقيا ، فنظرت فإذا نساء ~~، وصبيان ، ورجال ، وشيوخ ، يمسكون الشراع . فقلت : من هؤلاء ؟ فقال لي ~~قائل : هؤلاء الطالبيون ، يمسكون شراع الدلجي ، حتى لا تقلعه الريح . ~~وانتبهت ، فقصصت من غد ، الرؤيا على سيما الدرعي ، صاحب الشرط ، وقلت : هذا ~~الذي فيه هؤلاء ، لا يجيء منه شيء ، سيلي الدلجي ، ويجيء من أرجان . فقال : ~~ويحك ما تقول ؟ فقصصت عليه الرؤيا . فقال : إحسان الدلجي إلى الطالبيين ، ~~هو الذي يأخذ بيده . PageV02P219 # """""" صفحة رقم 220 """""" # فما كانت إلا أيام ، حتى ورد إبراهيم الحاجب ، فقبض على سهل بن بشر ، ~~وحمله مقيدا ، وسار ms378 بالجيش إلى بغداد . فأما الحاجب الأجل بختكين ، فقد ~~كاتب الأمير والوزير بالخبر ، وأشار بمعاجلة سهل بن بشر ، والقبض عليه ، ~~وذكر أنه وافقه ، إشفاقا من وثوب الديلم عليه ، فنجا من المحنة بذلك الفعل ~~، وكان ذلك تأويل مضمضته ، وغسله فاه من العذرة . وأما الباقون ، الذين ~~غمرهم ذلك الأمر ، فكانوا : الحسين بن أحمد بن بختيار ، القائد الديلمي ، ~~وتكيدار بن سليمان ، القائد الجيلي ، فلما حصلا بواسط ، قبض عليهما ، ونفيا ~~، وأخذت نعمتهما . وورد أبو أحمد الدلجي ، الحضرة ، فتقلد الأهواز وكورها . ~~فكان يحدثنا بهذا ، بحضرة أبي أحمد ، بعد دخوله الأهواز بمدة . PageV02P220 # """""" صفحة رقم 221 """""" # الوزير المهلبي يطالب أحد عماله بحمل الخراج # سمعت أبا محمد المهلبي ، يملي كتابا ، إلى سعد بن عبد الرحمن - وهو إذ ~~ذاك ، ضامن عمالة البصرة منه ، في شركة أبي الحسين أحمد بن محمد بن عبد ~~الله بن الحسين الأهوازي ، وأبي علي الحسن بن علي بن مهدي الأصبهاني ، ابن ~~أخت سعد بن عبد الرحمن - يخاطبه في معنى المال ، وتأخره ، وحثه بخطاب جميل ~~بين اللين والخشن . وقال في آخره : لو سكت عن مطالبتك بالمال ، ما سكت ~~الأمير معز الدولة ، فيجب أن تؤديه محمودا ، خيرا من أن تؤديه مذموما ، ~~فاعمل على أني صديق أشرت بأدائه ، ومدافعته عنك ، بهذا القدر ، ما كنت أغلو ~~عليه به ، فإن من أرضى أصدقاءه في أيام النعم ، أرضوه في أيام المحن ، ~~واعلم أنه ليس بين مخاطبتي هذه لك ، وبين أن أخاطبك بضدها ، مما يخاطب به ~~العمال المطالبون ، الملطون ، والمعاملة بما يقتضي ذلك ، إلا أن يرد جواب ~~كتابي فارغا من ذكر حمل المال ، وأعوذ بالله ، فاختر لنفسك ، أو فدع ، ~~والسلام . # أبو محمد المهلبي الوزير يتحدث عن الكرم # سمعت أبا محمد المهلبي ، يقول يوما ، في شيء جرى بحضرته ، من ذكر الكرم ~~والكرام ، بين جماعة من الناس : كرم الكريم يستر عليه ، ما تكشفه النوائب ~~من سوءاته . PageV02P221 # """""" صفحة رقم 222 """""" # إعظام من لا دين له ولا دنيا عنده ، حمق # حدثني أبو محمد بن داسة ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن إسحاق الآمدي ، ~~ويعرف بابن أبي صفوان ms379 ، شيخ كان يخلف القاضي أبا القاسم التنوخي ، على ~~القضاء بواسط وأعمالها ، وعلى أعمال كور الأهواز ، في أوقات متفرقة ، قال : ~~أخبرني من حضر مجلس أبي عمر القاضي ، وقد دخل إليه ابن غسان ، صهره . فقال ~~له : من أين أقبلت ؟ فقال : من عند فلان . فقال أبو عمر : إعظام من لا دين ~~له ، ولا دنيا عنده ، حمق # البخل خير من مسألة البخيل # حدثنا أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين ، الشاهد ، البغدادي - وقد تولى ~~القضاء بديار مضر من قبل قاضي القضاة ، وهو مشهور المحل - قال : كنت عند ~~سلامة ، أخي نجح الطولوني ، وأنا شاب ، وفي مجلسه جماعة يذمون البخل ، وكان ~~سلامة ينسب إلى البخل ، وما كان بخيلا ، وإنما كان محصلا لحاله ، مصلحا ~~لماله . فلما انصرفوا ، قال : يا أبا القاسم ، لا تسمع هذا الكلام ، ولا ~~تعول عليه ، فتهلك ، واعلم أن البخل خير من مسألة البخيل . PageV02P222 # """""" صفحة رقم 223 """""" # سلامة الحاجب يلوم قوما طعنوا في العدول # قال : وكنت عنده في آخر كونه ببغداد ، وقبيل دخول الديلم إليها ، وبحضرته ~~قوم يطعنون على الشهود ، ويعيبونهم . فقال لهم سلامة : ما رأيت أعجب من ~~أمركم ، من فيكم يطمئن أن يشتري من ابنه ، أو من أخيه ، ضيعة بعشرة آلاف ~~دينار ، ولا يشهد عليه العدول ؟ فقالوا : ما فينا أحد بهذه الصورة . قال : ~~أفتستظهرون لأنفسكم ، وأعقابكم ، في هذا القدر الكثير من المال ، وما هو ~~أكثر منه ، إلا بالشهادة ، وتعتاضون بخطوطهم في جلد يساوي دانق فضة ، من ~~ذلك المال العظيم ، حتى تأخذوا الصك ، بدلا من المال ، فتجعلونه تحت رؤوسكم ~~، لشدة حفظه . قالوا : نعم . قال : فمن كان هذا حكمه عندكم ، لم تطعنون فيه ؟ . PageV02P223 # """""" صفحة رقم 224 """""" # أبو علي بن مقلة الوزير يزيل أثر الحلوى بالحبر حدثني أبو إسحاق إبراهيم ~~بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك ، وكان يعرف بالديناري ، لأن أمه دينارية ، ~~تقرب إلى امرأة أبي علي بن مقلة ، المعروفة بأم الفضل الدينارية . وسمعت ~~أبا القاسم الحسن بن علي بن مقلة ، يحدث بهذا الحديث ، واللفظ مقارب ، قالا ~~: كان أبو علي بن مقلة ، يوما ، يأكل ، فلما شيلت ms380 المائدة ، وغسل يده ، رأى ~~على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى الذي أكله ، ففتح الدواة ، واستمد منها بيده ~~، ونقطها على الصفرة ، حتى لم يبق لها أثر ، وقال : ذاك عيب ، وهذا أثر ~~صناعة ، ثم أنشد : إنما الزعفران عطر العذارى . . . ومداد الدوي عطر الرجال PageV02P224 ~~"""""" صفحة رقم 225 """""" # من نظم ابن أبي الضحاك # أنشدني لنفسه : وأشجار نارنج كأن ثمارها . . . حقاق عقيق قد ملئن من الدر ~~تطالعنا بين الغصون كأنها . . . خدود العذارى في ملاحفها الخضر أتت كل ~~مشتاق بريا حبيبه . . . فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري وأنشدني لنفسه ~~أيضا في النارنج : شجر كأيام الشبا . . . ب تعجلت قبل المشيب وكأنما ~~نارنجها . . . وجه الحبيب على رقيب تهدي إليك جميع ما . . . أرضاك من حسن ~~وطيب لم لا تحن لها القلو . . . ب وقد غدت مثل القلوب PageV02P225 ~~"""""" صفحة رقم 226 """""" # للبديهي البغدادي في وصف النارنج # أنشدني أبو الحسن ، أحمد بن عبيد الله البغدادي ، المعروف بالبديهي ، ~~لنفسه : أنظر إلى النارنج في أغصانه . . . نزها لأعيننا وعطرا في اليد ~~ككباب نار في قباب زبرجد . . . متوقد بالطيب أي توقد ورق كآذان الجياد ~~قدودها . . . قد أثقلت بقلائد من عسجد PageV02P226 ~~"""""" صفحة رقم 227 """""" # أبو الحسن بن جميل يستخلف متخلفا # حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين الأهوازي ، الكاتب ، ~~قال : كنا خمسة كتاب ، قد نشأنا بين يدي أبي الحسن بن جميل ، في الديوان ~~بالأهواز ، وتعلمنا عليه ، وكان فينا رجل متخلف في صناعته ، فأراد ابن جميل ~~، أن يغيب عن صاحبه ، واستخلف ذلك المتخلف ، فاغتممنا لتقديمه علينا . وكان ~~الرجل ، يدخل إلى الصاحب ، فإذا سأله عن شيء لم يفهمه ، وإن فهمه لم يحسن ~~أن يجيب عنه ، وإن أجاب عنه ، اضطرب ولم يقم بالحجة . فلما طال ذلك على ~~الصاحب ، قال : قد أضرت بنا غيبة ابن جميل عنا ، اكتبوا إليه ، حتى يبادر . ~~قال : فعلمنا - حينئذ - أنه استخلفه ، ليكتب لصاحبه ، إذا غاب ، في موضعه ، ~~ولا يطمع في أن ينوب عنه . PageV02P227 # """""" صفحة رقم 228 """""" # أبو الفضل عامل أرجان يقدم نوبة الحمى # حدثنا أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور ms381 ، العمي ، الكاتب ، الصلحي ، ~~البصري ، صاحب الستارة ، المشهور بالأدب ، والشعر ، وتصنيف الكتب ، قال : ~~كنت أكتب لأبي الفضل غيلان بن إسماعيل ، وهو بأرجان يتقلدها . فقيل له : قد ~~قدم أبو المنذر النعمان بن عبد الله ، يريد فارس ، والوجه أن تلقاه في غد . ~~وكان أبو الفضل يحم حمى الربع ، فقال : كيف أعمل ، وغدا يوم حماي ، ولا ~~أتمكن من لقاء الرجل ، ولكن الوجه أن أحم اليوم ، حتى أقدر أن ألقاه غدا ، ~~يا غلام ، هات الدواج حتى أحم الساعة . وإذا عنده ، أنه إذا أراد أن يقدم ~~نوبة الحمى ، ويحم ، تأخرت عنه الحمى في غد ، وصح . # ابن الجريح يقتل أسدا # حدثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد الدلجي ، قال : كنت بنواحي المذار ~~، في جماعة ، منهم رجل من الشاكرية ، يعرف بابن الجريح ، فخرج علينا أسد ، ~~فابتدر له هذا الرجل ، بسيفه ودرقته ، يحاربه ، ودخل معه الأجمة ، فلم نعرف ~~له خبرا ، حتى خرج علينا ، وقد قتل الأسد ، وحمله على ظهره ، وكان بيننا ~~وبين الأجمة مسافة صالحة ، فلما انتهى إلينا ، طرحه عن ظهره . فما درينا من ~~أي شيء نعجب ، من رجل قتل سبعا وحده ، أو من حمله إياه ، على ظهره ، طول ~~تلك المسافة . PageV02P228 # """""" صفحة رقم 229 """""" # الخليفة المعتضد يقتل أسدا # وحدثنا ، قال : بلغني عن خفيف السمرقندي ، أنه قال : كنت مع مولاي ~~المعتضد ، في بعض متصيداته ، وقد انقطع عن العسكر ، وليس معه غيري ، فخرج ~~علينا أسد ، فقصدنا . فقال لي المعتضد : يا خفيف ، أفيك خير ؟ فقلت : لا ، ~~يا مولاي . فقال : ولا حتى تمسك فرسي ، وأنزل أنا إلى الأسد ؟ فقلت : بلى . ~~فنزل ، وأعطاني فرسه ، وشد أطراف منطقته ، واستل سيفه ، ورمى القراب إلي ، ~~فأخذته ، وأقبل يمشي إلى الأسد ، واستقبله بضربة ، وثناه المعتضد بأخرى ، ~~ففلق هامته ، فخر صريعا ، ودنا منه وقد تلف ، فمسح السيف في صوفه ، حتى ~~نظفه ، ورجع إلي ، فأغمد السيف ، وركب . ثم عدنا إلى المعسكر ، وصحبته ، ~~فإلى أن مات ، ما سمعته يتحدث بحديث الأسد ، ولا لفظ فيه بلفظة . فلم أدر ~~من أي شيء أعجب ، من شجاعته وشدته ، أم من قلة حفله بما صنعه ، وكتمانه ms382 ، ~~أم من كرمه وعفوه عني ، وما عاتبني على ضني بنفسي . PageV02P229 # """""" صفحة رقم 230 """""" # لا جزاك الله من طارق خيرا # حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن أم المكاتب البغدادي ، المعروف والده ~~بأبي الليث الهمذاني ، قال : حدثني محمد بن بديع العقيلي ، أحد قوادهم ~~ووجوههم في الحي ، وكان ورد إلى معز الدولة ، فأكرمه وأحسن إليه ، قال : ~~رأيت رجلا من بني عقيل ، وفي ظهره كله شرط كشرطات الحجام ، إلا أنها أكبر ، ~~فسألته عن ذلك . فقال : إني كنت هويت ابنة عم لي ، فقالوا : لا نزوجك إلا ~~أن تجعل في الصداق الشبكة ، فرس سابقة كانت لبعض بني بكر بن كلاب ، ~~فتزوجتها على ذلك . وخرجت في أن أحتال في سلب الفرس من صاحبها ، لأتمكن من ~~الدخول بابنة عمي . فأتيت الحي الذي فيه الفرس ، في صورة حدار ، وما زلت ~~أداخلهم ، ومرة أجيء الخباء الذي هي فيه كأني سائل ، إلى أن عرفت مبيت ~~الفرس من الخباء . واحتلت حتى دخلت البيت من خلفه ، وحصلت خلف النضد ، تحت ~~عهن كانوا نفشوه ليغزل . فلما جاء الليل ، وافى صاحب الخباء ، وقد زاولت لك ~~المرأة عشاء ، وجلسا يأكلان ، وقد استحكمت الظلمة ، ولا مصباح لهم ، وكنت ~~ساغبا ، فأخرجت يدي ، وأهويت إلى القصعة ، وأكلت معهم . فأحس الرجل بيدي ، ~~فأنكرها ، فقبض عليها ، فقبضت على يد المرأة ، فقالت له المرأة : ما لك ~~ويدي ؟ ، فظن أنه قابض على يد امرأته ، فخلى يدي ، فخليت يد المرأة . ~~وأكلنا ، فأنكرت المرأة يدي ، فقبضت عليها ، فقبضت يد الرجل ، فقال لها : ~~ما لك ؟ فخلت عن يدي ، فخليت عن يده . وانقضى الطعام ، واستلقى الرجل نائما ~~، فلما استثقل ، وأنا مراصدهم ، والفرس مقيدة في جانب البيت ، فأثبتها ، ~~والمفتاح تحت رأس المرأة . PageV02P230 # """""" صفحة رقم 231 """""" # فوافى عبد له أسود ، فنبذ حصاة ، فانتبهت المرأة ، فقامت إليه ، وتركت ~~المفتاح في مكانه ، وخرجت من الخباء إلى ظاهر البيت ، ورمقتها بعيني ، فإذا ~~هو قد علاها . فلما حصلا في شأنهما ، دبيت ، وأخذت المفتاح ، وفتحت القفل ، ~~وكان معي لجام شعر ، فأوجرته الفرس ، وركبتها ، وخرجت عليها من الخباء . ~~فقامت المرأة من تحت العبد ، ودخلت ms383 الخباء ، وصاحت . فذعر الحي ، وأحسوا بي ~~، وركبوا في طلبي ، وأنا أكد الفرس ، وخلفي خلق منهم . فأصبحت ، وليس ورائي ~~إلا فارس واحد برمح ، فلحقني وقد طلعت الشمس ، وأخذ يطعنني ، فلا تصل إلي ~~طعناته ، ولا فرسي تنجيني ، إلى حيث لا يمسني من الرمح شيء . حتى وافينا ~~إلى نهر عظيم ، فصحت بالفرس ، فوثبته ، وصاح الفارس بالفرس التي تحته ، ~~فقصرت ، ولم تثب . فلما رأيته عاجزا عن العبور ، وقفت ، لأريح الفرس ~~وأستريح ، فصاح بي ، فأقبلت عليه بوجهي . فقال : يا هذا ، أنا صاحب الفرس ~~التي تحتك ، وهذه ابنتها ، فإذ ملكتها ، فلا تخدع عنها ، فإنها تساوي عشر ~~ديات ، وعشر ديات ، وعشر ديات ، وما طلبت عليها شيئا قط ، إلا لحقته ، ولا ~~طلبني عليها أحد إلا فته ، وإنما سميت الشبكة ، لأنها لم ترد قط شيئا إلا ~~أدركته ، فكانت كالشبكة في صيده . فقلت له : إذ نصحتني ، فوالله لأنصحنك ، ~~كان من صورتي البارحة ، كيت وكيت ، وقصصت عليه قصة امرأته ، والعبد ، ~~وحيلتي في الفرس . فأطرق ، ثم رفع رأسه ، وقال : ما لك ، لا جزاك الله من ~~طارق خيرا ، طلقت زوجتي ، وأخذت قعدتي ، وقتلت عبدي . ؟ PageV02P231 # """""" صفحة رقم 232 """""" # دكين البدوي يسل فرس معز الدولة # وحدثنا ابن أبو الليث الكاتب ، قال : حدثني رجل من بني النمر بن قاسط ، ~~يسمى دكين ، بدوي ، شاهدته بالأنبار ، قال : كان معز الدولة ، لما حصل ~~بسنجار ، يشد فرسا له جليل القيمة ، بين يديه ، في أقرب المواضع إلى مبيته ~~. فعينت عليه ، وطمعت في سله ، وأعملت الحيلة في ذلك ، فلم أتمكن . إلى أن ~~جئت ليلة من الليالي ، فوجدت بعض السواس ، وقد نزع جبة صوف عليه ، وهو نائم ~~، وقد طرحها إلى جنبه ، فلبستها ، وجئت إلى الفرس ، وأخذت المخلاة من رأسه ~~، لأحله ، وأركبه . فلما طرحت المخلاة ، استيقظ معز الدولة ، وأحسست بحركته ~~، فأخذت الغربال ، وطرحت به باقي الشعير الذي كان في المخلاة ، وسردته ، ~~وأعدته إلى المخلاة ، وأوهمته أني أحد السواس ، وقد فعلت ذلك متفقدا للفرس ~~. فلما رآني أفعل ذلك ، صاح بالفارسية ، بكلام فهمت معناه : حسبه من الشعير ~~، لا ترده إلى رأسه . فتركت المخلاة ، ومرح الفرس يطلبها ms384 . فقال معز الدولة ~~بالفارسية : قصر عليه . فتمكنت من الحيلة ، وأهويت إلى الرسن ، فحللته ، ~~موهما له أني أقصره ، واستويت على ظهره وصحت به ، فخرجت من العسكر . وصاح ~~الأمير معز الدولة ، وركب سرعان العسكر في طلبي ، فما زلت أركض ، وخلفي ~~جماعة ، حتى حصلت في شعب طويل ، وهم ورائي . فاستقبلني قوم من العلافة ، ~~رأيتهم على بعد ، من ضوء مشاعلهم ، ومعهم عسكر . فقلت في نفسي : يا دكين ، ~~اليوم يومك ، وراءك عسكر ، وأمامك عسكر ، فإن ملكوك ، لم يوصلوك إلى معز ~~الدولة ، إلا ميتا ، وليس غير الإقدام على ما تقدر فيه النجاة . PageV02P232 # """""" صفحة رقم 233 """""" # فقام في نفسي أن أحمل على من هو أمامي ، وليس لهم علم بخبري ، فسللت سيفا ~~كان معي ، فوق ثيابي ، وتحت الجبة التي لبستها من ثياب سواس معز الدولة ، ~~وحركت وهم لا يروني ، لأنهم في الضوء ، وأنا في الظلمة . فلما قربت منهم ، ~~صحت بهم صياحا عظيما ، فقدروني ابتداء خيل قد كبستهم ، تريدهم . وأقبلت ~~أحمل على واحد ، واحد ، وأنا أضرب ، فيتوقاني ، وأحذره ، إلى أن تخلصت منهم ~~، وجريت . ولحقت بهم الخيل التي كانت خلفي ، وتشاغلوا بمساءلتهم عني قليلا ~~، ففت الفريقين . وحملت الفرس إلى الشام ، فبعته على سيف الدولة ، بثلاثة ~~آلاف درهم ، ودحت في البلاد ، إلى أن صرت إلى بغداد ، ومعز الدولة ، يطلب ~~قوما من العرب ، ليفرض لهم وينفذهم إلى بعث . فحملني المسيب بن رافع ~~العقيلي ، في جماعة ، إليه ، عرضهم عليه ، فأثبتني . فلما وقفت بين يديه ، ~~اقتحمتني عينه ، لأني دميم . فقال : بيست دينار . فعلمت أنه أراد ، عشرين ~~دينارا . فكلمه المسيب ، والمهنا ، العقيليان ، فزادهما ثلاثة دنانير . ~~فقالا له : رجل له فضل ، ومنزلة ، وهو من أصله ، ومن شجاعته . فقال : لو ~~كان هذا كله حقا ، ما كان يقدر أن يصنع ؟ فقلت لبعض النقباء : أي شيء قال ؟ ~~ففسره لي . قال : فقلت : أيها الأمير ، أقدر أضع نفسي على فرس بين يدي ملك ~~مثلك ، فأحتال في أمره ، حتى آخذه سائسا ، ثم أركبه ، وقصصت عليه قصته مع ~~فرسه بسنجار ، وذكر بيعه وثمنه . فقال : وأنت صاحب الفرس بسنجار ؟ فقلت له ~~: نعم . فضحك ، وقال ms385 : نزلوه أربعين دينارا . ففعلوا . PageV02P233 # """""" صفحة رقم 234 """""" # مختارات من الشعر # حدثني أبو الحسن ، قال : اجتزت بطريق سر من رأى ، فدخلت القصر المعروف ~~بالأحمدي ، لأشاهد آثاره ، فلما توسطته ، رأيت مكتوبا على حائط فيه : في ~~الأحمدي لمن يأتيه معتبر . . . لم يبق من حسنه عين ولا أثر غارت كواكبه ~~وانهد جانبه . . . ومات صاحبه واستفظع الخبر وأنشدني لنفسه : رفقا أقيك ~~بمقلة . . . كلفتها طول السهاد أصبحت منها في السوا . . . د وفي السواد من ~~الفؤاد وأنشدني أبو القاسم الصروي ، قال : أنشدني أبو الحسن الموسوي ، ~~العلوي ، لنفسه : يا نازلا في السواد . . . من مقلتي وفؤادي PageV02P234 ~~"""""" صفحة رقم 235 """""" # رجال الدولة يتآمر بعضهم على بعض # حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله ، قال : أخبرني جماعة من شيوخ الكتاب ~~ببغداد : إن القاسم بن عبيد الله ، كان قد أوجس في نفسه من اختصاص الحسين ~~بن عمرو النصراني ، كاتب المكتفي ، فوضع عليه من يأتيه بأخباره ، حتى أظهر ~~لمغنية كان ابن الحسين بن عمرو يتعشقها ، أنه يعشقها ، وملأ عينها ، وكان ~~يتسقطها أحاديث الحسين بن عمرو وابنه ، لكثرة ملازمتها له ، حتى غلبه عليها ~~، فاضطر ابن الحسين بن عمرو ، أن يداخل القاسم من أجلها ، واجتذبه ، وصار ~~كالنديم له ، فملأ عينه بالإحسان ، وضرب بينه وبين أبيه ، وكان يأتيه ~~بأخباره . فجاء يوما ، فأعلمه ، أنه قد شرع مع المكتفي في الوزارة ، وضمن ~~القاسم وأسبابه ، بمال عظيم ، ذكر مبلغه ، وأنه تقرر الأمر مع الخليفة أن ~~يستوزر إبراهيم بن حمدان الشيرازي ، كاتب الحسين بن عمرو - قال أبو الفضل ، ~~وهو جد أبي القاسم علي بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالمشرف - على ما كان ~~ينظر فيه للمكتفي ، ويلبسه السواد ، ويخاطب بالوزارة ، لأنه لم يرغب هو في ~~الإسلام ، ولم يجز استيزاز ذمي ، وأن تكون الدواوين ، والأمور ، كلها إليه ~~، ويؤمر الوزير أن يصدر عن أمره ، ولا يصل إلا في أيام المواكب ، والمجالس ~~الحافلة ، للعرض فقط ، وإقامة الرسم ، ويلبس السواد ، والسيف ، والمنطقة ، ~~وأن فارس - داية المكتفي - هي التي قررت ذلك مع الخليفة ، وأنه قد وعدهم ~~ليوم بعينه ، قريب ، ذكره ، ليقبض على القاسم وأسبابه ، ويسلمون إلى ms386 الحسين ~~بن عمرو . وشاور القاسم أبا العباس بن الفرات ، كيف يصنع ؟ فقال له : عندي ~~ما يكفيك هذا الأمر . قال : وما هو ؟ قال : كتاب بخط الحسين بن عمرو ، الذي ~~يعرفه الخليفة ، إلى أبيك ، كتبه إليه من بعض الوجوه التي خرج إليها ~~المكتفي ، في أيام المعتضد ، وهو إذ ذاك كاتبه ، يخبر أباك ، عن بخل ~~المكتفي ، وسقوط نفسه ، وعيوبه ، وفواحشه ، وضعفه ، ونقصه ، بكل PageV02P235 ~~"""""" صفحة رقم 236 """""" # عظيمة ، ويشير على أبيك ، أن ينهي ذلك إلى المعتضد ، وأن يسرع في ~~استدعائه إلى الحضرة ، لئلا يفتضح الملك . والوجه لك ، أن تعمل ثبتا بجميع ~~أملاكك ، وما تحويه يدك ، ودارك ، وملكك من جميع الأشياء ، وتصير إلى ~~الخليفة ، وتستخليه ، فإذا خلا ، طرحت نفسك بين يديه على الأرض ، وبكيت ، ~~وأخرجت الثبت ، وسألته أن يقبل جميعه منك ، عفوا حلالا ، ويقرك على خدمته ، ~~أو أن يؤمنك على جسمك ، ونفسك ، وأن لا يسلمك إلى الحسين بن عمرو ، فإنه ~~غير مأمون عليك ، فإذا سألت عن سبب ذاك ، أعلمته أن الحسين بن عمرو ، أظهر ~~السر ، فبلغك ، وأخرجت الكتاب إليه ، وقلت له : يا أمير المؤمنين ، كيف ~~تأمن على نفسك ، ودولتك ، من هذا اعتقاده فيك ؟ فإنه إذا قرأه ، مع ما قد ~~سمعه منك ، انحل ، ورجع لك ، وانقلب على الحسين بن عمرو ، وإذا سألك عن ~~الكتاب ، عرفته أنه كان في خزائن أبيك ، يحفظه على الحسين بن عمرو لك ، ~~ويسلمه إليك ، وكان المعتضد يخافه حتى هلك ، وأنك أنسيت أمره إلى الآن ، ~~فأظهرته ، واضمن الحسين بن عمرو ، وإبراهيم الشيرازي ، وأسبابهما ، كذا ~~وكذا ألوفا ، تقدر على استخراجها منهم ، فإن الخليفة يجيبك ، وإذا وعدك ، ~~فعرفه أن هذا أمر قد ظهر وفشا ، وتحدث به الناس ، وكثرت معه الأراجيف ، ~~وأنه إن أخر تسليمهم إليك ، وقفت الأمور على العمال ، وطمع فيها كل أحد ، ~~فأضر ذلك به ، ووقفت أمور الوزارة ، وسخفت من تأخر تسليمهم إليك ، فإنه ~~يسلمهم . قال : فركب القاسم في الحال ، إلى المكتفي ، وعمل جميع ما قاله له ~~أبو العباس ، فجرى الأمر على ما ظنه . وعاد القاسم ، وقد أذن له الخليفة في ~~القبض على الحسين ms387 بن عمرو وأسبابه ، فقبض عليهم ، واستصفى أموالهم ، فلما ~~أحس بنفادها ، أنفذ الحسين بن عمرو ، وإبراهيم الشيرازي ، إلى الأهواز ، ~~على سبيل النفي ، ووكل بهما ، فلما حصلا بالأهواز ، قتلهما الموكلون ، وقيل ~~أنهما جعلا في بيت ، وسد ، ومنع من دخول الماء إليهما ، والغذاء ، فلما علم ~~بموتهما ، فتح الباب ، ونقلا إلى بيت آخر ، وأظهر إن أجلهما أدركهما . قال ~~: فلما خرج القاسم ، وقد ظفر ، وتم له التدبير ، قبل رأس أبي العباس بن ~~الفرات ، وعينيه ، وشكره ، وقال : أنت أبي ، وعضدي ، وما أشبه ذلك من القول ~~. فحسده ابن فراس ، على ذلك ، وقال للقاسم : أيها الوزير ، سل أبا العباس ~~من أين له هذا الكتاب ؟ فسأله . فقال أبو العباس : كنت منذ دهر ، مجتازا في بعض PageV02P236 ~~"""""" صفحة رقم 237 """""" # الطرقات ، فرأيت في دكان نطاف رفا عليه ظهور معلقة ، ليجعل فيها ما يبيعه ~~من الناطف على الناس ، وما رأيت قط شيئا مكتوبا ، إلا أحببت قراءته ، وقد ~~أفدت من ذلك ، دفعات كثيرة ، فوائد كبارا . قال : فلحظت الظهور ، فوقعت ~~عيني منها ، على عنوان هذا الكتاب ، فعرفت خط الحسين بن عمرو ، فتتبعت نفسي ~~قراءة الكتاب ، فقلت لغلامي : امض ، فاشتر هذا الناطف ، في ذلك الظهر ، ~~وأومأت إلى هذا الكتاب ، ففعل ، وجاءني به ، فقرأته ، فوجدت فيه العظائم ، ~~فقلت في نفسي : هذا أشر الناس ، يكتب لرجل ، ويتخلفه بمثل هذا الكتاب ، ~~فلعله أن يلحقني يوما ، شر من هذا الرجل ، فأدفعه بهذا الكتاب ، أو أنعى ~~عليه عيوبه ، فمسحت آثار الناطف منه ، واحتفظت بالكتاب ، فهو عندي منذ كذا ~~وكذا سنة ، فلما حدثني الوزير الآن بهذا الحديث ، علمت أنه موضع إظهار ~~الكتاب ، فأظهرته . فلما انصرف ابن الفرات عن المجلس ، قال ابن فراس ، ~~للقاسم - وكان يشنعه عنده دائما ، فلا يلتفت إليه - : قد بان لك مقدار شر ~~ابن الفرات ، هذا شر عليك من الحسين بن عمرو ، لأنه عدو مدغل ، مندس بين ~~ثيابك ، والحسين ، كان عدوا مكاشفا ، وأنت على اتقائه أقدر ، ما يؤمنك أن ~~يكون ابن الفرات ، قد تحفظ عليك ، في مدة استرسالك إليه ، ما هو أكثر من ~~هذا ، أو قد حصل خطك بألوان ms388 من الذم ، وأنت ناس ، كما فعل بالحسين ابن عمرو ~~؟ ما يؤمنك أن يكون عنده من خطوطك ، أو خطوط أبيك ، ما يجري هذا المجرى ؟ ~~فإن الناس ، ربما سخطوا على أصحابهم ، واستأمنوا إلى بثهم عند نصائحهم ، ~~وإنما يترقب منك ابن الفرات ، إعراضا ، أو أدنى خلاف عليه في شيء لا يؤثره ~~، وتؤثره أنت ، فيظهر للخليفة عنك ، وعن أبيك ، ما هو أعظم من هذا ، فتهلك ~~، وإن أمسكت عنه ، فأنت ربيب في حجره ، وعنده أنه قد ردك إلى الوزارة برأيه ~~، ويقتطع الدنيا ، ويفوز بها ، وبفائدتها ، وتكون التبعة عليك ، وإن أوحشته ~~، قتلك بمثل هذا الفعل ، فاقبل رأيي ، وعاجله ، واحتل عليه ، بسم تدسه إليه ~~، وتتخلص منه . قال : فوقع ذلك في نفس القاسم . وما زال ابن فراس يقوي رأيه ~~، إلى أن عمل له سما في تفاحة ، وأشمه إياها ، فأتلفته . وكان هذا الكتاب ، ~~أشأم كتاب سمع به . PageV02P237 # """""" صفحة رقم 238 """""" # أبو جعفر بن بسطام له قصة في رغيف # وحدثني أبو محمد ، قال : حدثني بعض شيوخ الكتاب ببغداد ، عمن حدثه : إنه ~~سمع أبا الحسن بن الفرات ، يقول لأبي جعفر بن بسطام - وكان سيء الرأي فيه - ~~: ويحك يا أبا جعفر ، لك قصة في رغيف ، ما هي ؟ فقال : ما لي قصة في رغيف . ~~فلم يزل به أبو الحسن ، إلى أن قال له : إن أخبرتني بذلك ، كان خيرا لك ، ~~قال : نعم ، إن أمي ، كانت عجوزا صالحة ، وعودتني - منذ ولدت - أن تجعل تحت ~~مخدتي التي أنام عليها ، في كل ليلة ، رغيفا فيه رطل ، فإذا كان من غد ، ~~تصدقت به عني ، وأنا أفعل هذا إلى الآن . قال : فقال ابن الفرات ، ما سمعت ~~بأعجب من هذا ، اعلم أنني من أسوأ الناس رأيا فيك لأمور أوجبت ذلك ، وعدد ~~بعضها ، وأنا منذ أيام مفكر في القبض عليك ، ومطالبتك بمال ، فأرى منذ ثلاث ~~ليال ، في منامي ، كأني قد استدعيتك لأقبض عليك ، فتحاربني ، وتمتنع علي ، ~~فأتقدم بمحاربتك ، فتخرج إلى من يحاربك ، وبيدك رغيف ، كالترس ، فتتقي به ~~السهام ، فلا يصل إليك منها شيء ، وأشهد الله عز وجل ، أنني قد وهبت لله ms389 ~~تعالى ، ما في نفسي عليك ، وأن رأيي لك ، أجمل رأي ، من الآن ، فانبسط . ~~قال : فأكب أبو جعفر ، على يديه ورجليه ، يقبلها . PageV02P238 # """""" صفحة رقم 239 """""" # ما يرد في المرافق يذهب في المصادرة # حدثني أبو طاهر المحسن بن محمد بن الحسن ، الجوهري ، الشيرازي ، المعروف ~~بابن المقتفي ، وهو أحد الشهود بمدينة السلام ، قال : قال لي أبو الفضل ~~العباس بن فسانجس : كسبت في مدة تصرفي مع السلطان ، بفارس ، خمسين ألف ألف ~~درهم ، وصادرني علي بن بويه ، في مدة مقامي بشيراز ، على ستمائة ألف دينار ~~، متفرقة ، سوى ما استخرجه من خراج ضيعتي ، ثم اقتطعها بالحقين . وأنا أقول ~~: لو لم نعتبر في الزمان ، إلا بهذه الحكاية ، لكفى ، لأن أبا الفضل ، ما ~~تقلد أكثر من كتابة فارس ، وخلافة العمال بها ، عليها ، أو على بعضها ، في ~~بعض الأوقات ، فظفر بهذا المال . وقد تقلد أبو الفرج محمد بن العباس بن ~~فسانجس ، دواوين العراق مجموعة ، ثماني وعشرين سنة ، ثم الوزارة ثلاثة عشر ~~شهرا ، وبلغ المبالغ التي لم يبلغ إليها أبوه قط . فلما أرهق بالمطالبات ، ~~في وقت النكبة ، واستقصي عليه ، بلغت مصادرته ألف ألف ومائتي ألف درهم ، ~~تكشف بأدائها . PageV02P239 # """""" صفحة رقم 240 """""" # الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره # حدثني أبو محمد ، يحيى بن محمد بن فهد ، قال : حدثني بعض المشايخ : إن ~~القاسم بن عبيد الله ، كان يخاف المعتضد ، ويخفي شربه ، ولعبه ، لئلا ~~يتصوره بصورة حدث ، متوفر على لذاته ، يخل بالعمل ، فيفسد رأيه فيه ، وكان ~~مع ذلك ، بالشباب ، والحداثة ، يشتهي اللعب ، فإذا أمكنه أن يخفيه جدا ، ~~استرق الليلة ، أو اليوم ، من عمره ، فشرب . قال : فأراد الشراب ليلة من ~~الليالي ، على الورد ، فاحتال في جمع شيء كثير منه ، وحصله خفيا ، وجمع من ~~المغنيات جمعا كثيرا ، وفيهن واحدة كان يشتهيها ، ويتحظاها . وجلس وليس معه ~~غيرهن ، فشرب ، وخلط بالورد الدراهم الخفاف ، ونثر عليه ، والناس يسمون ذلك ~~شاذكلى ، ولبس ثياب قصب مصبغات ، من ثياب النساء ، وأدخل تلك المغنية معه ، ~~لشدة شغفه بها ، ومضت ليلة طيبة ، فقطع الشرب في نصف الليل ، خوفا من ~~الخمار ، ونام . وركب إلى المعتضد ms390 من غد ، وأقام في الخدمة ، إلى حين وقت ~~انصرافه . فلما أراد الانصراف ، دخل ليراه المعتضد ، وينصرف ، فاستدناه ~~المعتضد ، إلى أن صار بحيث لا يسمع كلامه غيره ، فقال له : يا قاسم لو ~~دعوتنا البارحة ، فكنا نلعب معك شاذكلى ، ولكنك احتشمت ، لأجل المصبغات ~~التي لبستها أنت وعشيقتك . قال : فكاد القاسم أن يموت جزعا . فقال له : ما ~~لك قد جزعت ؟ وأي شيء في هذا ؟ لو علمنا أنه يلحقك هذا ، ما أخبرناك بشيء ، ~~ولا آذيت قلبك ، امض في ودائع الله . قال : فعاد القاسم إلى داره كئيبا ، ~~وجمع نصحاءه ، وأخبرهم الخبر ، وقال : ما أراد المعتضد بهذا ، إلا ليعرفني ~~أن هذا القدر من أخباري ليس يخفى عليه ، وإن كان على الحقيقة قد علم هذا ~~القدر ، فكيف تخفى عليه مرافقي ، وما هو أظهر من هذا من أخباري ؟ وكيف يكون ~~عيشي ؟ وأنه لا ينستر عليه مثل هذا ؟ وما تروني أصنع ؟ PageV02P240 # """""" صفحة رقم 241 """""" # فأخذوا يطيبون قلبه ، ولا يزداد إلا جزعا ، إلى أن قال لهم : إن لم أعرف ~~من رقى هذا الخبر ، انشقت مرارتي ، وقتلت نفسي . فقالوا له : نحن نبحث ~~ونتعرف . فابتدر أحدهم ، وقال : أنا أكفيك ، أيها الأمير ، هذا . قال : ~~وجعل ذلك الصاحب ، يطوف حوالي دار الخليفة ، ليجد من يشبه صاحب خبر ، فيخمن ~~عليه ، فما ظفر بشيء يومه ذلك . فلما كان من الغد ، طاف الدواوين ، ومجالس ~~أصحاب البريد والخبر ، يومه أجمع ، فما ظفر بشيء . فلما كان اليوم الثالث ، ~~طاف دار الوزارة ، ومقاصيرها ، فلم يظفر بشيء . فلما كان في اليوم الرابع ، ~~وقف على دابته في باب العامة ، متحيرا ، لا يدري ، ينتظر أن يخرج الوزير ~~راكبا ، فيركب معه في الموكب ، فيتفقد الوجوه ، إذ كان لم يبق له شيء يجده ~~، وإذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة ، كما يكون الزمن الذي يتصدق ، ~~وقد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير ، فزحف ، ودخل على البوابين ، فلم يمنعوه ~~. قال الرجل : فحين بلغ العتبة ، وقف مع البوابين ، يحدثهم ساعة ، وأنا ~~أصغي إليه ، ويسألهم عن أخبارهم ، ويدعو لهم ، وهم على بشاشة ، إلى أن أخذ ~~بهم في ms391 غير ذلك الحديث . إلى أن قال : من بكر اليوم إلى الدواوين ، ومن دخل ~~؟ ومن حجب ؟ فقالوا له : فلان وفلان . فحين سمعت ذلك ، علمت أنه صاحب خبر ، ~~فأتبعته بصري ، إلى أن جاز البوابين ، ودخلت وراءه ، فبلغ إلى أصحاب الستور ~~، فكانت صورته معهم كصورته مع أولئك ، فأخبروه بما لم أكن أعلم ، مع ~~اختصاصي بخدمة الوزير ، من وصول الناس إليه ، وحجبهم عنه . وتجاوز إلى ~~دهليز العامة ، فنزلت عن دابتي ، وهو لا يفطن لي ، فبلغ إلى موضع الحجاب ، ~~فولع به الحجاب ، ولم يحدثهم بشيء ولم يحدثوه ، ودعا لهم ، وتصدق منهم ، ~~فأعطوه . فتجاوزهم إلى الصحن ، وأنا أراه ، فلم يزل يحبو ، ويطوف ، على ~~خزانة ، خزانة ، من خزائن الفرش ، والشرب ، والكسوة ، وحجر الغلمان ، ~~والخدم ، ويبحث عن PageV02P241 ~~"""""" صفحة رقم 242 """""" # الأخبار ، ويحدث بكل شيء ، وأنا أسمع ، حتى استفدت ما لم أكن أعرفه من ~~تخبر دار الوزير . ثم جاء إلى باب الحرم ، فدعا للخادم الموكل بالباب ، ~~فتصدق عليه ، وأعطاه ، وجلس هناك يتطايب ، وكل من دخل وخرج ، من جارية ، أو ~~خادم ، يسأله عن خبره ، ويولع به ، ويهب له شيئا ، ويستخرجهم أخبار الدار ، ~~وينقل ما فيه ، ويقول : قولوا لستنا فلانة تهب لي ما وعدتني به ، وقولوا ~~لستي فلانة ، تتصدق علي ، وسلوا ستي القهرمانة الفلانية عن خبراها ، ~~وأقرؤوها سلامي ، وأنا أشاهده ، وأتعجب منه ، حتى استنفذ من أخبار جواري ~~القاسم ، ومبيته ، وعند من بات منهم البارحة ، وما بين الجواري من السرور ~~والأنس ، وأخبار كسوتهم ، وأشياء من هذا الجنس ، كل شيء طريف . ثم زحف ، ~~ودخل دار الخلوة التي يخلو فيها الوزير ، وكان يركب منها ، فهش به فراشو ~~الحجرة ، والخاصة ، والخدم ، والغلمان الأصاغر ، وضاحكوه ، ودعا لهم ، وأخذ ~~من بعضهم برا ، وسألهم عن خبر الوزير في خلوته تلك ، وشربه . وقال له بعضهم ~~: هو مغموم غما شديدا منذ يومين ، لا نعرف سببه ، فما يشرب ، ولا يأكل ، ~~ولا نام ، ولا خلا . وكل ذلك ، وهو يظهر في مسائلته التطايب ، وأنه ~~كالمتغير المعتوه ، ويحمل أولئك ألفاظه على هذا ، فيخبره منهم الضعيف العقل ~~، والمزاح ، والأخرق ، وهو يحتمله ، إلى أن فرغ من ms392 أهل حجرة الخلوة . ثم ~~خرج ، فزحف أشد زحف ، على هيأته ، لا يعرج على شيء ، حتى جاء إلى مجلس ~~الكاتب ، فأقام هناك طويلا ، ففعل كفعله . ثم خرج من الباب ، وقد ملأ ~~زنبيلا كان معه ، من الخبز والحلوى والطعام ، وملأ جيبه من الدراهم . فلما ~~صار على باب الدار ، قلت للبوابين : تعرفون هذا ؟ فقالوا : رجل زمن أبله ، ~~يجيء فيتصدق ، وخلقه طيب ، فكل من في الدار ، يستطيبه ، ويبره . قلت : قد ~~رحمته ، واشتهيت آخذ له شيئا ، ففيكم من يعرف بيته ؟ فقالوا : لا . PageV02P242 # """""" صفحة رقم 243 """""" # فركبت ، واتبعته ، ولحقت به ، ووقفت كأنني أحدث غلامي ، وأسير خلفه على ~~تؤدة ، حتى جاء إلى الجسر ، فعبره زاحفا ، وأنا وراءه ، ودخل الخلد ، ودخلت ~~معه ، وولج في خان ، فقلت لغلامي : اتبعه ، فاعرف بيته في الخان ، ففعل ، ~~وعاد إلي ، فوصفه لي . فوقفت متحيرا ، لا أدري ما أعمل ، ولا من أسأل عنه ، ~~وأخاف أن أنفره ، فيهرب . وطال وقوفي ، وهممت بالانصراف ، فإذا به قد خرج ~~بريئا ، نظيفا ، بثياب مروية ولحية بيضاء ، وطيلسان ، وعمامة قد جعلها فوق ~~حاجبيه ، فلولا قرب عهدي به ، وبرؤيته ، لما عرفته ، وإذا هو يمشي لا قلبة ~~به . فتأملت لحيته ، وإذا هي ملبسة فوق لحيته ، وقد أخفاها بعمامته ، وإنما ~~فطنت لذلك ، لشدة تأمله ، وصرف اهتمامي إلى ذلك ، مع قرب عهدي برؤيته . ~~ومشى ، فدخلت إلى مسجد ، وغيرت عمامتي ، وأمرت غلامي أن يأخذ دابتي ويقف لي ~~عند الجسر بها ، ونزعت خفي ، ولبست تمشك غلامي ، ومشيت ، فاتبعته ، بسرعة ~~مشيته . ومضى حتى أتى دار ابن طاهر ، فخرج إليه الخادم ، فما منهما من كلم ~~صاحبه ، بأكثر من أنه أخرج رقعة لطيفة ، فسلمها إلى الخادم ، ودخل الخادم ، ~~ورجع هو ، فلم أتبعه ، وامتددت إلى درجة يعقوب ، فركبت في سميرية ، وصعدت ~~إلى دار الوزير . فدخلت إليه ، وهو يطلبني للأكل ، فأكلت معه ، وقام الناس ~~، فجلست . فقال لي : قل . فقلت : فعلت البارحة كذا وكذا ، وجرى في دار حرمك ~~كذا ، وقالت فلانة كذا ، وقالت جاريتك الفلانية وخاطبتك بكذا ، وفلان ~~الخادم الصغير فعل كذا . قال : وكنت قد سمعت في خلال ذلك ، أخبار الحاشية ، ~~بعضهم ms393 من بعض ، لا أظن صاحب الخبر عرفها ، ولكن كما انجرت الأحاديث ، ~~فأخبرته بذلك كله . فقال لي : ويحك ، أيش تقول ؟ من أين لك هذه الأحاديث ؟ ~~فقلت : من حيث خرج حديث الشاذكلى . PageV02P243 # """""" صفحة رقم 244 """""" # فقال : أخبرني . فقلت : الجائزة . فقال : احتكم . فأخبرته بخبر الزمن ، ~~على جهته . فجذبني ، وقبل بين عيني ، وأمر لي بمال جليل . وقال : أريد أن ~~تحصله ، من حيث لا يعرف خبره . فقلت : أنا على ذلك ، فتقدم إلى بعض الغلمان ~~الخاصة ، أن يطيعني ، فجمع بيني وبين غلام منهم ، وتقدم إليه بذلك . فلما ~~كان من الغد ، باكرت الدار ، وجلست أنتظر الرجل ، فإذا به قد جاء على زي ~~أمس ، في البزة والزمانة ، ودخل ، فلم أعرض له ، حتى دخل حجرة الخلوة ، ~~فاتبعته . وقلت للغلام : خذ هذا ، فأخذه ، وقفلنا عليه بابا من الحجرة ، ~~فاضطرب ، وبكى . ونزل الوزير ، فأسررت إليه الخبر ، ففض شغله ، ودخل الحجرة ~~، واستدعى به ، فجاء يزحف ، فوكزت عنقه ، وقلت له : قم يا عاض ، فامش مشيا ~~صحيحا ، كما رأيتك تمشي بالأمس . فقال : أنا رجل زمن . فأحضرت له مقارع ، ~~فلما رأى المصدوقة ، قام ، فمشى . فقال له القاسم : اصدقني عن خبرك ، وإلا ~~قتلتك الساعة . فقال : أنا صاحب خبر المعتضد عليك ، منذ كذا وكذا شهرا ، ~~أفعل كذا ، وأصنع كذا ، وذكر مثل ما أخبرته به ، وأنه يجمع الأخبار ، ويكتب ~~بها في كل نصف نهار ، من كل يوم ، ويوصل رقعة لطيفة بذلك إلى الخادم الموكل ~~بدار ابن طاهر ، فيمضي بها ذلك الخادم إلى المعتضد ، فإن الخادم ، هو ~~الواسطة بينهما ، وإنه إذا كان في رأس كل شهر ، سلم إليه الخادم ثلاثين ~~دينارا عينا . قال : فعرفني ، أي شيء أنهيت من أخباري ، طول هذه المدة ؟ ~~فذكر له أشياء كثيرة ، منها خبر الشاذكلى . فحبسه القاسم في ذلك البيت ، ~~فلما كان في الليل قتل ، ودفن ، فانقطع خبره عن المعتضد . PageV02P244 # """""" صفحة رقم 245 """""" # فلما كان بعد شهر ، وأكثر ، قال لي القاسم : استرحت من ذلك الكلب ، ما ~~أرى عند المعتضد من خبري شيئا ، ولا أرى عليه أثرا يدل على وقوفه على شيء ~~من أمري . # أبو بكر ms394 بن رائق وإعجابه بغناء ابن طرخان # حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم ، قال : حدثني أبي ، قال : ~~كان أبو بكر بن رائق ، شديد الإعجاب ، بغناء أبي القاسم بن طرخان ، وكان ~~أهلا لذلك ، وكان أطيب الناس حلقا ، وأحسنهم صنعة ، وكان يجس الطنبور جسا ، ~~أطيب من الضرب ، تكاد القلوب إذا سمعته ، أن تخرج من أضلاعها ، استطابة له ~~. وكان إذا ابتدأ يجس ، ابتدأ ابن رائق ، يشرب أقداحا ، إلى أن يجيء الغناء ~~. فقال لي يوما : يا أبا الحسن ، ما ترى هذا الجس الذي ليس على وجه الأرض ~~أطيب منه ، أي شيء يشبه عندك ؟ فقلت : أيها الأمير ، يشبه رسول الحبيب ، ~~يستأذن لزيارته . فأعجبه ذلك . ثم حدثت بهذا الحديث ، عبيد الله بن محمد ~~الصروي ، فعمل بحضرتي ، في ذلك شعرا ، وأنشدنيه : قامت تذود كرى المح . . . ~~ب وقد غفا عن مقلتيه وتجس قبل الصوت مث . . . نى عودها شوقا إليه فكأنه في ~~قلبه . . . إذ نبهته ومسمعيه نغم الرسول مبشرا . . . بقدوم من يهوي عليه PageV02P245 ~~"""""" صفحة رقم 246 """""" # علي بن هارون المنجم يلقي على المغني درسا في الغناء # وحدثني أبو الفتح ، قال : كنت بحضرة أبي ، وبحضرته مغن يغني ، فمر في بعض ~~لحنه بميم فبينها . # فقال له أبي : إذا مررت في ألحانك ، بميم ، أو نون ، فزمها ، واعصرها ، ~~وأنا ضامن لك طيبة ذلك ، غارم لك كلما يجني عليك . قال : فأعاد الصوت ، وزم ~~الميم زما شديدا ، فتضاعفت طيبته . # من شعر الوزير المهلبي # سمعت الوزير أبا محمد المهلبي ، يتحدث يوما في مجلس أنس حضرته ، قال : ~~كنت قد خرجت من الأهواز ، مع أبي جعفر الصيمري ، نريد السوس ، وهو إذ ذاك ~~عاملها لمعز الدولة ، وكانت والدة أبي الغنائم - إذ ذاك - بالسوس ، وأنا في ~~عنفوان استهتاري بها ، وقد اشتد شوقي إليها ، يعني تجني جاريته . فلما صرنا ~~في الرمل الذي في الطريق ، هاجت ريح عظيمة ، فسفت علينا تلك الرمال ، فذكرت ~~بيتي الفرزدق ، وهما : وركب كأن الريح تطلب عندهم . . . لها سلبا من جذبها ~~بالعصائب سروا يخبطون الريح وهي تلفهم . . . إلى شعب الأكوار من كل جانب ~~فعملت : وريح تغيم ms395 الجو مما تثيره . . . وتستلب الركبان ريط العصائب نصبت ~~لها نفسي وأنصبت صاحبي . . . إلى أن نزلنا في ديار الحبائب قال : وأنشدني ~~لنفسه : أتحسب العين أنها طرحت . . . على فؤادي ثقلا من الشغف ما أبله ~~العين في توهمها . . . بأنها عريت من التلف PageV02P246 ~~"""""" صفحة رقم 247 """""" # بين القاضي الإيذجي والمفجع الشاعر # أخبرني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجي ، وكان يخلف أبي على ~~القضاء بإيذج ، وعلى رامهرمز ، ثم لم يزل على الحكم ، ونادم أبا محمد ~~المهلبي في وزارته ، فغلب عليه ، وعلا محله عنده ، وتخالع ، وتهتك ، بما لا ~~يجوز للقضاة ، وكان يدعى بالقضاء ، ويخاطبه أبو محمد ، في الوزارة ، في ~~كتبه ، بسيدي القاضي ، وكان له محل مكين في الأدب ، قال : وردت البصرة ، ~~وأنا حديث السن ، لأكتب العلم ، وأتأدب ، فلزمني أبو عبد الله المفجع ، ~~وكنت أقتصر عليه ، فكتب إلي يوما ، وقد قرص الهواء : يا أيهذا الفتى وأنت ~~فتى الده . . . ر إذا عز أن يقال فتى طوبى لمن كان في الشتاء له . . . كأس ~~وكيس وكسرة وكسا وكتب في الرقعة : قد بقيت كاف أخرى ، لولا أني أحب تقليل ~~المؤونة ، عليك ، لذكرتها ، يعني الكس . فبعثت إليه ، بجميع ما التمسه . PageV02P247 # """""" صفحة رقم 248 """""" # أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطان # وحدثني أبو علي الإيذجي ، قال : كان أبو خليفة ، صديقا لأبي وعمي ، منذ ~~أيام وفد إلى كور الأهواز ، في فتنة الزنج . فلما قدمت البصرة ، قدمتها مع ~~أبي ، فأنزلنا أبو خليفة داره ، وأكرمنا ، ومكنني من كتبه ، فكنت أقرأ عليه ~~، كلما أريد ، وأسمع كيف شئت وأحب ، وأكتب وانسخ لنفسي أصوله . فإذا كان ~~الليل ، جلسنا ، وتحادثنا ، فربما رمت القراءة عليه ، فيجيبني ، فإذا ~~أضجرته بكثرة القراءة عليه ، يقول : يا بني ، روحني ، فأقطع القراءة . وإذا ~~استراح ، أخرج من كمه دفترا ، من ورق أصفر ، من الورق العتيق ، فيقول : ~~اقرأ علي من هذا ، فإنه خطي ، وما تقرأه علي ، فهو غير خطي . فكنت أقرأ ~~عليه منه ، وكان فيه ديوان عمران بن حطان ، وكان يبكي ، على مواضع منه . ~~فأنشدته ليلة ، القصيدة التي منها : يا ضربة من تقي ما أراد ms396 بها . . . إلا ~~ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه . . . أحظى البرية عند ~~الله ميزانا فبكى عليهما ، لما انتهيت إليهما ، حتى كاد أن يغمى عليه ، ~~فاستطرفت ذلك ، وعجبت منه . فلما كان من الغد ، اجتمعت مع المفجع ، فحدثته ~~بذلك ، واغتررت به ، للأدب ، واستكتمته إياه ، فأشاعه ، وعمل : أبو خليفة ~~مطوي على دخن . . . للهاشميين في سر وإعلان ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره . . ~~. حتى اصطفى شعر عمران بن حطان وأنشدنيها لنفسه ، وأنشدها غيري ، فكتبها ~~عنه بعض أهل الأدب ، في رقعة لطيفة ، وجعلها في مقلمته . PageV02P248 # """""" صفحة رقم 249 """""" # وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام ، فنفض الرجل مقلمته ليرى ما فيها ، ~~فسقطت الرقعة ، وانصرف ، فوجدها أبو خليفة ، وقرأها ، فاشتد ذلك عليه ، ~~وقال : إن الإيذجي ، قبحه الله ، وترحه ، شاط بدمي ، علي بأبي العباس ~~الساعة - يعني والدي - فجاءه ، فحدثه الحديث ، فوقعت في ورطة ، وكادت الحال ~~أن تنفرج ، بيني وبين أبي ، ومنعني أبو خليفة القراءة ، واحتشمني ، فحملت ~~إليه ثيابا لها قدر ، وأهديت إليه من مآكل الهند ، واعتذرت إليه ، فرجع ، ~~وقبل عذري ، وعاود تدريسي ، ومكنني من القراءة عليه ، فقرأت كتاب الطبقات ، ~~وغيره ، مما كان عنده . وقال : فلا أظهر الرضى عنك ، أو تكذب نفسك . ففعلت ~~ذلك ، وأعطيت المفجع ثوبا دبيقيا ، حتى كف عن إنشاد الأبيات ، وجحدها ، ~~واعتذر إلى أبي خليفة . وقال لي أبو علي عقيب هذا : أكثر رواة علم العرب ، ~~فيما بلغني عنهم ، إما خوارج ، أو شعوبية ، كأبي حاتم السجستاني ، وأبي ~~عبيدة معمر بن المثنى ، وفلان ، وفلان ، وعدد جماعة . # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . PageV02P249 # """""" صفحة رقم 250 """""" # فرجة بين الصدر والقبر # حدثني أبو الحسين علي بن هشام بن عبد الله ، الكاتب البغدادي ، المعروف ~~أبوه ، بأبي قيراط ، كاتب ابن الفرات ، قال : سمعت أن أبا القاسم ، كان إذا ~~خلا ، وتذكر أمر الآخرة ، وما هو منقطع به عنها من أمر السلطان ، يقول : ~~اللهم ، لا تخرجني من الصدر إلى القبر ، لا فرجة لي بينهما . قال أبو ~~الحسين : فأجيبت دعوته ، وجلس في منزله ، قبل موته ، نحو من سنة ، تائبا من ~~التصرف ، تاركا لطلبه . فلما اعتل علة موته ، جاءته ms397 رسالة الراضي ، يستدعيه ~~، ليقرر معه أمر الوزارة ، ويوليه إياها . فقال : الآن ؟ أين كان قبل مدة ، ~~لعله لو جاءني هذا الأمر ، وأنا تائب ، لما رددته ، ولعلي كنت أنقض التوبة ~~، فالحمد لله الذي لم يتم علي ذلك . PageV02P250 # """""" صفحة رقم 251 """""" # الوزير علي بن عيسى يستحث عاملا على حمل الخراج # حدثني أبو الحسين ، قال : أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحكيمي ~~كتابا بخط علي بن عيسى ، وأخبرني أنه كتبه إليه في وزارته الأخيرة ، وهو ~~يتقلد له طساسيج طريق خراسان ، يحثه على حمل المال ، ونسخته ، قال : قد كنت ~~- أكرمك الله - عندي ، بعيدا عن التقصير ، غنيا عن التنبيه والتبصير ، ~~راغبا فيما خصك بالجمال ، وقدمك على نظرائك من العمال ، واتصلت بك ثقتي ، ~~وانصرفت نحوك عنايتي ، ورددت الجليل من العمال إليك ، واعتمدت في المهم ~~عليك . ثم وضح لي من أثرك ، وصح عندي من خبرك ، ما اقتضى استزادتك ، وردفه ~~ما استدعى استبطاءك ولائمتك ، وأنت تعرف صورة الحال ، وتطلعي مع شدة ~~الضرورة إلى ورود المال . وكان يجب أن تبعثك العناية ، على الجد في الجباية ~~، حتى تدر حمولتك وتتوفر ، ويتصل ما يتوقع وروده من جهتك ولا يتأخر . ~~فنشدتك الله ، لما ' 2 ' تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال ، وقرنت الجواب على ~~كتابي هذا ، بمال تبتزه من سائر جهاته وتحصله ، وتبادر به وتحمله ، فإن ~~العين إليه ممدودة ، والساعات لوروده معدودة ، والعذر في تأخيره ضيق ، وأنا ~~عليك من سوء العاقبة مشفق ، والسلام . PageV02P251 # """""" صفحة رقم 252 """""" # كيف تمكن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من التوكل # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو عبد الله بن علي البقطائي ، قال : ~~حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسرائيل ، قال : كان سبب رفعة عبيد الله بن يحيى ، ~~طلب المتوكل لحدث من أولاد الكتاب ، يوقع بحضرته في الأبنية والمهمات ، ~~لأنه كان قد أسقط الوزارة ، بعد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي ، واقتصر على ~~أصحاب الدواوين ، وأمرهم أن يعرضوا الأعمال بأنفسهم ، وجعل التاريخ في ~~الكتب ، باسم وصيف التركي ، وانتصب منصب الوزارة ، وإن كان لم يسم بها . ~~فأسمي له جماعة ، فاختار عبيد الله من ms398 بينهم . فحضر أول يوم ، فصلى في ~~الدار ركعات ، وجلس وعليه قباء وسيف ومنطقة وشاشية ، على رسم الكتاب . قال ~~أبو الحسين : لأنه لم يكن أحد يصل إلى الخليفة ، إلا بقباء وسيف ومنطقة من ~~الناس كلهم ، إلا القضاة ، لا في موكب ، ولا غيره ، فإذا كان يوم موكب ، ~~كانت الأقبية كلها سوادا ، وإذا كان غير يوم موكب ، فربما كانت من بياض ، ~~وفي الأكثر سوادا . فلما صلى عبيد الله ، وجلس ، لم يجتز به أحد من الحاشية ~~، كبير ولا صغير ، إلا قام إليه قائما ، وسلم عيه ، حتى قام إلى رئيس ~~الفراشين . فرآه بعض الحاشية ، فقال : من هذا الشقي الذي قد قام لسائر ~~الناس ، حتى قام إلى الكلاب ؟ فقيل له : فلان . ثم أذن له المتوكل ، لما ~~خلا ، فدخل إليه ، وكان على رأسه قلنسوة سوداء شاشية ، وكان طويل العنق ، ~~فظهرت عنقه . فلما رآه المتوكل ، أومأ بيده إلى قفاه ، ومسحه شبه صفعة ، ~~فأخذ عبيد الله يده فقبلها . فنفق عليه ، وخف على قلبه ، وسر بذلك ، واستخف روحه . PageV02P252 # """""" صفحة رقم 253 """""" # وقال له : اكتب فكتب وهو قائم : ' إنا فتحنا لك فتحا مبينا ' ، إلى قوله ~~عز وجل ' ' 3 ' ' وينصرك الله نصرا عزيزا ' فكتب : وينصرك الله - يا أمير ~~المؤمنين - نصرا عزيزا ، فزاد ذلك في تقبل المتوكل له ، وتفاءل بذلك . وقال ~~له : الزم الدار ، فكان يلزمها منذ السحر ، إلى وقت نوم المتوكل في الليل . ~~وقوي أمره مع الأيام ، حتى صار يعرض الأعمال ، كما كان الوزراء يعرضونها ، ~~وليس هو بعد وزير ، والتاريخ لوصيف . فأمره المتوكل في بعض الأيام ، أن ~~يكتب نسخة في أمر الأبنية ، فقال : نعم . فلما كان بعد ساعة ، سأله ، هل ~~كتبت ؟ فقال : لم يكن معي دواة . فقال : اكتب الساعة ، فاستحضر دواة . وكان ~~إيتاخ الحاجب قائما ، يسمع ذلك ، فلما خرج عبيد الله ، قال له : إنما طلبك ~~أمير المؤمنين ، لتكتب بين يديه ، فإذا حضرت بلا دواة فلأي شيء تجيء ؟ فقال ~~له عبيد الله : وأي مدخل لك أنت في هذا ؟ أنت حاجب أو وزير ؟ فاغتاظ من ذلك ~~، فأمر به فبطح ، وضربه على رجليه عشرين مقرعة ms399 ، وقال له : الآن علمت أن لي ~~فيه مدخلا ؟ فلم يتأخر عبيد الله عن الخدمة ، وعاد ، فجعل يمشي ويعرج ، ~~فسأل المتوكل عن خبره ، فعرف الصورة ، فغلظ عليه ذلك ، وقال : إنما قصده ~~إيتاخ لمحبتي له . وكان قد اجتمع في نفس المتوكل من إيتاخ العظائم ، مما ~~كان يعمل به في أيام الواثق ، ولا يقدر له على نكبة ، لتمكنه من الأتراك . ~~فأمر بأن يخلع على عبيد الله من الغد ، وأن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين ~~عليه شيئا ، وأن يدفعوا أعمالهم إليه ليعرضها ، وأجرى له في كل شهر عشرة ~~آلاف درهم . فندم إيتاخ على ما فعله ، وجعل يداري عبيد الله ، ويثاقفه . PageV02P253 # """""" صفحة رقم 254 """""" # وقوي أمر عبيد الله ، حتى حذف نفسه ، من غير أمر ، اسم وصيف من التاريخ ، ~~وأثبت اسمه . ثم أمر له المتوكل برزق الوزارة ، ثم خوطب بالوزارة ، بعد ~~مديدة ، وخلع عليه لها خلعا آخر . ثم قلده كتابة المعتز ، وخلع عليه . ثم ~~قلده كتابة المؤيد ، وخلع عليه . وضم المتوكل إلى ابنيه ، بضعة عشر ألف ~~رجلا ، وجعل تدبيرهم إلى عبيد الله ، فكان وزيرا أميرا . فلما تمكن هذا ~~التمكن بالجيش ، والمحل ، عارض إيتاخ ، وبطأ حوائجه ، وقصده ، ووضع من ~~كتابه ، ولم يزل ذلك يقوى من فعله ، إلى أن دبر على إيتاخ ، فقتله على يد ~~إسحاق بن إبراهيم الطاهري ببغداد ، بعد عود إيتاخ من الحج . PageV02P254 # """""" صفحة رقم 255 """""" # الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن علي بن الحسن ، الكاتب المعروف ~~بابن الماشطة ، وكان يتقلد قديما العمالات ، ثم صار من شيوخ الكتاب ، وتقلد ~~في أيام حامد بن العباس ، ديوان بيت المال ، قال : سمعت أبا الفضل ، وهو ~~يحكي عن أبيه ، وهو ابن الفضل بن مروان ، قال : كان في نفس الواثق ، على ~~محمد بن عبد الملك الزيات ، العظائم ، مما كان يعامله به في أيام أبيه . ~~فمن ذلك : أن المعلم شكا إلى المعتصم ، أن الواثق لا يتعلم ، فإذا طالبه ~~بذلك ، شتمه ، ووثب عليه ، فأمر المعتصم محمدا ، بأن يضرب الواثق أربعة ~~مقارع . فخرج محمد ، واستدعى الواثق ms400 ، وضربه ثلاث عشرة مقرعة ، حتى مرض . ~~فلما عرف أبوه الخبر ، أنكر ذلك ، وحلف للواثق ، أنه ما أمر محمدا ، إلا أن ~~يضربه أربع مقارع ، فأخفاها في نفسه ، فكان يبغضه . وعلم محمد بذلك ، فكان ~~يقصده في ضياعه وأملاكه ، لما ترعرع وصار أميرا . فوقع المعتصم يوما ، أن ~~يقطع الواثق ، ما ارتفاعه ألف ألف درهم ، فمحاها محمد ، وكتب : ما قيمته ~~ألف ألف درهم . فلما دخل إليه الخادم ، وعرفه ما عمله محمد ، وثب إلى أبيه ~~، وعرفه ذلك ، وعرض التوقيع عليه . فقال له المعتصم : ما أغير ما وقعت به ، ~~وما أرى في التوقيع إصلاحا ، وكان محمد قد أجاد محوه . وعلم المعتصم ، أن ~~رأي محمد في الاقتصاد ، أصلح ، فبطل ما كان يريده الواثق ، وانصرف . فقال ~~للخادم : قد تم علي من هذا الكلب ، كل مكروه ، فإن أفضت الخلافة إلي ، ~~فقتلني الله إن لم أقتله . ثم قال له : أنت خادمي ، وثقتي ، فإن أفضى هذا ~~الأمر إلي فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة ، ولا تشاورني ، وجئني برأسه . PageV02P255 # """""" صفحة رقم 256 """""" # قال : فمضت الأيام ، وتقلد الواثق ، فحضر الدار في أول يوم ، محمد ابن ~~عبد الملك ' 5 ' ، مع الكتاب . فتقدم الواثق إلى الكتاب دونه ، بأن يكتب كل ~~منهم نسخة ، بخبر وفاة المعتصم ، وتقلده الخلافة ، فكتبوا بأسرهم ، وعرضوا ~~ذلك عليه ، فلم يرضه . فقال لمحمد : اكتب أنت . فكتب في الحال ، بلا نسخة ، ~~كتابا حسنا ، وعرضه ، فاستحسنه ، وأمر بتحرير الكتب عليه . ولم يبرح من ~~حضرته ، حتى أقره على الوزارة ، وخرج من بين يديه ، والناس كلهم خلفه . قال ~~الخادم : فعجبت من ذلك ، وقلت : تراه أنسي ما كان أمرني به ؟ لم لا أستأذنه ~~في ذلك ، وأذكره به ؟ فتقدمت إليه لما خلا ، وأذكرته الحديث ، واستأذنته ، ~~فقال : ويحك ، السلطان إلى محمد بن عبد الملك ، أحوج من محمد إلى سلطان ، ~~دعه . قال : فرقاه الواثق إلى ما لم يرقه إليه المعتصم . قال الفضل بن ~~مروان : ولا نعلم وزيرا ، وزر وزارة واحدة ، بلا صرف لثلاثة خلفاء متسقين ، ~~غير محمد بن عبد الملك . PageV02P256 # """""" صفحة رقم 257 """""" # أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمته ms401 للوقف # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني وكيع القاضي . قال أبو ~~الحسين : وقد رأيت محمد بن خلف ، وكيع ، وكتبت عنه أشياء كثيرة ، ليس هذا ~~منها . قال : كنت أتقلد لأبي خازم ، وقوفا في أيام المعتضد ، منها وقوف ~~الحسن بن سهل . فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني ، أدخل ~~إليه ، بعض وقوف للحسن بن سهل ، كانت في يدي ، ومجاورة للقصر . وبلغت السنة ~~آخرها ، وقد جبيت مالها ، إلا ما أخذه المعتضد . فجئت إلى أبي خازم ، ~~فعرفته اجتماع مال السنة ، واستأذنته في قسمته في سبله ، وعلى أهل الوقف . ~~فقال لي : فهل جبيت ما على أمير المؤمنين ؟ فقلت : ومن يجسر على مطالبة ~~الخليفة ؟ فقال : والله ، لا قسمت الارتفاع ، أو تأخذ ما عليه ، ووالله ، ~~لئن لم يزح العلة ، لا وليت له عملا . ثم قال : امض إليه الساعة ، وطالبه . ~~فقلت : من يوصلني ؟ فقال : امض إلى صافي الحرمي ، وقل : إنك رسولي ، أنفذتك ~~في مهم ، فإذا وصلت ، فعرفه ما قلته لك . فجئت ، وقلت لصافي ذلك ، فأوصلني ~~، وكان آخر النهار . فلما مثلت بين يدي الخليفة ، ظن أمرا عظيما قد حدث ، ~~فقال لي : هي ، قل ، كأنه متشوق . فقلت : أنا ألي لعبد الحميد ، قاضي أمير ~~المؤمنين ، وقوف الحسن بن سهل ، ومنها ' 6 ' ، ما قد أدخله أمير المؤمنين ~~إلى قصره ، ولما جبيت مال هذه السنة ، امتنع من تفرقته ، إلى أن أجبي ما ~~على أمير المؤمنين ، وأنفذني الساعة قاصدا لهذا السبب ، فأمرني أن أقول : ~~إني حضرت في مهم ، لأصل . PageV02P257 # """""" صفحة رقم 258 """""" # قال : فسكت ساعة متفكرا ، ثم قال : أصاب عبد الحميد ، يا صافي ، هات ~~الصندوق . قال : فأحضر صندوقا لطيفا . فقال : كم يجب لك ؟ فقلت : الذي جبيت ~~عام أول من ارتفاع هذه العقارات ، أربعمائة دينار . قال : كيف حذقك بالنقد ~~والوزن ؟ فقلت : أعرفهما . قال : هاتوا ميزانا ، فجاءوا بميزان حراني حسن ، ~~عليه حلية ذهب ، فأخرج من الصندوق دنانير عينا ، فوزن منها أربعمائة دينار ~~، وقبضتها ، وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر . فقال : أضفها إلى ما اجتمع ~~للوقف عندك ، وفرقه في غد ، في سبله ، ولا تؤخر ذلك ms402 ، ففعلت . فكثر شكر ~~الناس لأبي خازم ، لهذا السبب ، وإقدامه على الخليفة ، بمثل ذلك ، وشكرهم ~~للمعتضد رضي الله عنه ، في إنصافه . PageV02P258 # """""" صفحة رقم 259 """""" # الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا # حدثني أبو الحسين علي بن هشام أبي قيراط ، الكاتب البغدادي ، قال : سمعت ~~أبا الحسن ، علي بن محمد بن الفرات ، يحدث . قال : كان النهيكي العامل ، قد ~~لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في أيام نكبته ، فلم يكن له - لما ولي ~~الوزارة - هم ، إلا الإحسان إليه . فقلده بادوريا ، وكان لا يتقلدها إلا ~~جلة الناس . ولقد سمعت أخي أبا العباس يقول : إن من صلح لتقلد بادوريا ، ~~صلح أن يتقلد ديوان الخراج ، ومن صلح لديوان الخراج ، صلح للوزارة . قال : ~~والسبب في هذا أن المعاملات ببادوريا ، كثيرة مختلفة ، وأنها عرصة المملكة ~~، وعاملها يعامل أولاد الخلافة ، والوزراء ، والقواد ، والكتاب ، والأشراف ~~، ووجوه الرعية ، فإذا ضبط اختلاف تلك العادات ، وقام بإرضاء هذه الطبقات ، ~~صلح للأمور الكبار . قال أبو الحسن : فأقام النهيكي ، يتولى بادوريا نحو ~~سنتين ، مدة تقلد عبد الرحمن بن محمد بن يزداد لديوان الخراج ، في أيام ~~عبيد الله ، ثم مدة أيام أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ . ' 7 ' ~~إلى أن أطلقت أنا وأخي ، وتقلد أخي ديوان زمام الخراج ، وزمام ديوان الضياع ~~، وخلفته عليهما . فكنا إذا كاتبنا النهيكي في رفع الحساب ، لم يجبنا ، ~~إدلالا لمحله من الوزارة ، وتعففه ، فإنه كان مشهورا بالعفة ، وإذا كاتبناه ~~في شيء من أمور العمل ، أقل الحفل بكتبنا . فلما طالت المدة علينا ، ألححنا ~~عليه بالمطالبة برفع الحساب ، وشكوناه إلى الوزير فوكل به من داره ، مستحثا ~~له في رفع الحساب لعدة سنين . PageV02P259 # """""" صفحة رقم 260 """""" # فتشاغلت أنا لعمل مؤامرة له ، فلم أجد عليه كثير تأول ، وحضرنا بين يدي ~~عبيد الله لمناظرته . وقد كنت ، صدرت أول باب من المؤامرة ، بأنه فصل ~~تفصيلا ، ثمن الغلة المبيعة ، جملته على حسب ما يوجبه التفصيل ، أكثر من ~~الجملة التي أوردها بألف دينار . فقال : أتتبع ، فما زال يتتبع ، إلى أن صح ~~الباب عليه ، وقال : وما هذا ؟ غلط الكاتب في الجملة ms403 . فبدأت أكلمه ، ~~فأسكتني أخي ، وأقبل على عبيد الله ، فقال : أيها الوزير ، صدق ، هذا غلط ~~في الحساب ، فالدنانير في كيس من حصلت ؟ فقال : له عبيد الله : صدق أبو ~~العباس ، والله ، لا وليت لي عملا يا لص . ثم أتبعت هذا الباب ، بباب آخر ، ~~وهو ما رفعه ناقصا عما كان قدم به كتابه في كيل غلة عند قسمتها . فلما لاحت ~~عليه الحجة ، قال : أريد كتابي بعينه . فبدأت أكلمه ، فأسكتني أخي ، ثم قال ~~: أيها الوزير ، يطعن في ديوانك ، ونسخ الكتب الواردة ، والنافذة ، شاهدا ~~عدل . فقال : صدق ، يا عدو الله ، وأمر بسحبه ، فسحب . وما برحنا ، حتى أخذ ~~خطه بثلاثة عشر ألف دينار ، وأهلكناه بهذا ، وما عمل بعد هذا كثير عمل . PageV02P260 # """""" صفحة رقم 261 """""" # أبو العباس ابن الفرات يهدد عاملا قد ألط بالمال # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبي ، وأبو منصور عبد الله بن جبير ~~النصراني ، قالا : حضرنا مجلس ابن الفرات ، وقد عملت مؤامرة لابن حبش ~~العماني ، وكان يتقلد الزاب ونهر سابس ، في أيام وزارة عبيد الله بن سليمان ~~. فأخذ أبو العباس وأبو الحسن يناظرانه عليها ، إلى أن ألزم خمسة وعشرين ~~ألف درهم ، من أبواب صحيحة ، وطولب بأدائها ، وأخذ خطه بتصحيحها . فصحح ~~خمسمائة وأربعين ، طول المدة ، وألط بالمال ' 8 ' ، فقيد فلم ينفع ، وضرب ~~سبع مقارع ، فلم يؤد . وكان إذا خرج بإنسان من العمال ، إلى هذا القدر من ~~المكروه ، فعندهم أنه النهاية . فأخرجه أبو العباس إلى حضرته ، وطالبه ~~بالمال ، فأقام على أنه لا شيء معه ، وأن ضيعته وقف . فقال له : ويلك ، لا ~~أعرف أجهل منك ، إذا كان هذا صبرك على المكروه ، وإسلامك لنفسك ، وبذلك لها ~~، فلم لم تأخذ أصل الارتفاع ؟ فإنا ما كنا نعمل بك أكثر من هذا . ولكن إن ~~شئت ، فأنا أدع عليك هذا المال ، وأصرفك إلى منزلك ، ولكن بعد أن كشف ~~للوزير صبرك على المكاره ، فلا تتصرف - والله - في أيامه أبدا ، ويذهب خبرك ~~. قال : فقلق من ذلك ، وسأل أن يخفف عنه شيء من المال ، ليؤدي الباقي . فما ~~برحنا حتى تقرر أمره على بعض المال ، وأداه ms404 ، وانصرف . PageV02P261 # """""" صفحة رقم 262 """""" # الوزير عبيد الله بن سليمان يحرم عاملا من التصرف # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن بن الفرات ، يقول : ناظرت الجهظ ~~، أحد العمال ، على مؤامرة قد عملناها له ، وكنت أنا وأخي ، وجعلنا نأخذ ~~خطه بباب باب . فلما كثر ذلك ، قال لي سرا : ليس الشأن في الخط ، الشأن في ~~الأداء ستعلمون أنكم لا تحصلون على شيء . فسمعه عبيد الله ، لأنا كنا في ~~مجلسه ، فقال له : أعد علي ما قلت ، فاضطرب . فقال : لابد أن تعيده ، فأعاد ~~ذلك . فقال : إذن ، لا تلي لي - والله - بعدها عملا أبدا ، قم عافاك الله ~~إلى منزلك ، خرق يا غلام ، المؤامرة . قال : فخرقت في الحال ، وانصرف الجهظ ~~إلى منزله ، فما صرفه عبيد الله بعد ذلك . وشاع خبره ، فتحامى الناس كلهم ~~استخدامه ، فهلك جوعا في منزله ، حتى بلغ أنه احتاج إلى الصدقة . PageV02P262 # """""" صفحة رقم 263 """""" # وزير ينفى لأنه طرب لغناء صوت # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو عبد الله زنجي الكاتب ، قال : حدثنا ~~أبو العباس بن الفرات ، قال : كتب صاحب الخبر ، بمدينة السلام ، إلى ~~إسماعيل بن بلبل ، في وزارته الأولى للمعتمد ، بأن مغنية من جواري بدعة ~~الكبرى ، غنت عند الحسن بن مخلد ، وهو إذ ذاك معطل ، بهذا الصوت ، فاستعاده ~~، وطرب عليه ' 9 ' . عادات طيء في بني أسد . . . ري القنا وخضاب كل حسام ~~لهفي على قتلى النباج فإنهم . . . كانوا الذرى ورواسي الأعلام كانوا على ~~الأعداء سيف محرق . . . ولجارهم حرما من الأحرام لا تهلكي جزعا فإني واثق . ~~. . برماحنا وعواقب الأيام فأنهى إسماعيل ذلك إلى المعتمد ، وقال : هذا ~~يسعى عليك ، ويتربص بك الدوائر ، فأمر بنفيه إلى مصر ، فكان مضيه إليها سبب تلفه . PageV02P263 # """""" صفحة رقم 264 """""" # أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسم # حدثنا أبو الحسين ، قال : سمعت أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ، قبل ~~الوزارة ، يتحدث ، قال : حدثني أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي الكاتب . ~~قال أبو الحسين : وكان ابن أخت الحسن بن مخلد ، وكان قد خلفه دفعات ، على ~~ديوان الخراج ، ومرة على ديوان الضياع ms405 ، ثم ولي أعمالا جليلة ، من العمالات ~~، والدواوين ، منها ديوان المغرب ، ومات وهو يتقلد ديوان الخراج ، والضياع ~~العامة بالسواد ، وما يجري فيه وقد رأيته ، وتعلمت بين يديه ، وسمعته يتحدث ~~بأشياء ، ولم أسمع هذا منه . قال سليمان : قال لي حمد : سألت الخادم الذي ~~تبع خالي الحسن بن مخلد ، إلى ابن طولون ، لما نفي إليه ، عن السبب الذي ~~دعا ابن طولون ، إلى قتله ، فقال : لما ورد عليه ، تناهى في إكرامه ، وبره ~~وإعظامه ، ثم أنس به ، حتى نادمه وصار يشاركه في مهم أموره . فشاوره مرات ~~في خلع طاعة المعتمد ، فعظم عليه أمر السلطان ، وخوفه من العصيان ، فقبل ~~رأيه . ثم طولب ابن طولون ، بمال الوظيفة التي كانت عليه ، فقال لابن مخلد ~~: ما رأيت أعجب من جهل هذا المخذول - يعني الموفق - يطالبني بالوظيفة ، وهو ~~عاص على الخليفة ، إلى من أحمل ؟ فقال له : لا تفعل ، فإن الأمور إليه ، ~~والجيش معه ، وإن منعته المال ، قصدك وحاربك . فقام في نفس ابن طولون أنه ~~دسيس للقوم عليه ، وقال : لو كان هذا عدوا للقوم ، ما أشار علي بهذه ~~المشورة ، وإنما هو دسيس على ملكي ، ليأخذ البلدان مني لهم ، ويرهبني ، ~~ويستخرج البلدان مني باللطف . فتنكر له ، ثم أمر بالقبض عليه ، وحبسه ، ~~وكان جبانا ، فلم يحب - مع إيحاشه له - أن يفلت ، في وقت من الأوقات ، فدس ~~إليه في شربة ، فقتله بها . PageV02P264 # """""" صفحة رقم 265 """""" # وجد الموفق ، وأنفذ إليه المعتضد في الجيش ' 10 ' ، وأخرج أحمد بن طولون ~~، خمارويه ، ابنه ، لمحاربة المعتضد ، فتحاربا ، فانهزم كل واحد منهما من ~~صاحبه ، وهو لا يعلم أن صاحبه قد انهزم . فضرب الناس بهما المثل ، وقالوا : ~~صبي لقي صبيا ، وهكذا تكون محاربة الصبيان . قال : فلما جرت هذه الحال ، ~~تندم أحمد بن طولون ، على قتل الحسن ابن مخلد ، وقال : صدقني ، فلم أقبل ~~منه واتهمته . PageV02P265 # """""" صفحة رقم 266 """""" # جرأة وزير على أخذ أموال السلطان # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ، ~~قال : قال لي نافذ ، خادم أبي وثقته ، وكان يتولى نفقته : إني ما رأيت أجسر ~~من مولاي ms406 ، على أخذ مال السلطان . ومن ذلك ، أني باكرته يوما ، وقد لبس ~~سواده ، ليمضي إلى دار المعتمد ، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمة والتوقيع ~~، وبيت المال . فقلت له : قد صككت علي البارحة للمعاملين ، بألف وستمائة ~~دينار ، وما عندي من ذلك حبة واحدة . فقال لي : يا بغيض ، تخاطبني في هذه ~~الساعة ؟ أين كنت عن خطابي البارحة لأوجه لها وجها ؟ ولكن اتبعني إلى دار ~~السلطان . فتبعته . ودخل إلى المعتمد ، مع عبيد الله بن يحيى الوزير ، ودخل ~~معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد ، صاحب ديوان الخراج ، فلما خرج ، قال لي : ~~امض إلى صاحب بيت المال ، فخذ منه ما يسلمه إليك . فظننت أنه قد استسلف على ~~رزقه شيئا ، فمضيت إلى صاحب المال ، فسلم إلي ثلاثين ألف دينار . فاستعظمت ~~ذلك ، وعلمت أنه ليس من الرزق ، وحملتها إلى الدار ، وعرفته خبرها . فقال ~~لي : أنفق منها ما وقعت به إليك ، واحفظ الباقي ، فليس في كل وقت يتفق لنا ~~مثل هذا . ومضى على الحديث أيام ، ودعا دعوة ، فيها صاعد بن مخلد ، وإليه - ~~إذ ذاك - عدة دواوين ، وجماعة من الكتاب ، وأكلوا ، وناموا ، وانتبهوا . ~~فإذا كاتب من كتاب أحمد بن صالح بن شيرزاد ، يستأذن علي ، فاستأذنت لدخوله ~~على مولاي ، وكانوا قد بدأوا بالشرب . فترك مولاي المجلس ، وخرج إلى بيت ~~خلوة ، واستدعى الرجل ، فأدخله إليه . PageV02P266 # """""" صفحة رقم 267 """""" # فسمعته يقول : أخوك أبو بكر ، يقرأ عليك السلام - يعني أحمد بن صالح - ~~ويقول لك : أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال ، وأن محاسبته ' 11 ' في سائر ~~الأموال إلي ، وأنا إذا تمت ثلاثون يوما ، وجهت صاحبي إلى حساب بيت المال ، ~~فحمله مع صاحب بيت المال ، لينظم دستور الختمة بحضرتي ، وأصحح حكايتها . ~~ونحن منذ عشرة أيام في هذا ، حتى انتظمت الحسبة ، ولم يبقى إلا ثلاثون ألف ~~دينار ، ذكر صاحب بيت المال ، أنك خرجت إليه ، من حضرة أمير المؤمنين ، ~~فأمرته بحملها إلى خادمك نافذ ، ولست أدري في أية جهة صرفت ؟ ولا في أي باب ~~أثبتها ؟ ولا ما الحجة فيها ؟ قال : فأجابه مولاي بلا توقف ، وقال : أخي ~~أبو ms407 بكر - والله - رقيع ، أسأل أنا الخليفة ، في أي شيء صرف ما أمر أن يحمل ~~إلى حضرته ؟ يجب أن يكتب في الختمة : وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في ~~يوم كذا وكذا ، ثلاثون ألف دينار . قال : فقام الكاتب خجلا ، ومر ذلك في ~~الحساب على هذا ، فما تنبه أحد عليه ، وحصل له المال . PageV02P267 # """""" صفحة رقم 268 """""" # الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات # قال أبو الحسين ، فقال لي سليمان ، بعقب هذه الحكاية : ما رأيت لهذه ~~الفعلة شبيها ، إلا ما عمله ابن الفرات ، في وزارته الأولى ، فإنه نصب يوسف ~~بن فنحاس ، وهارون بن عمران ، الجهبذين ، فلم يدع مالا لابن المعتز ، ولا ~~للعباس بن الحسن ، ومن نكب ، وبل في الفتنة ، وما صح من مال المصادرين ، ~~وغيرهم ممن يجري مجراهم ، إلا أجراه على أيديهما ، دون يدي صاحب بيت مال ~~العامة والخاصة . وأفرد لذلك ابن فرجويه ، كاتبه ، يحاسبهما ، ولا يرفع ~~لهما حساب إلى ديوان من الدواوين . فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها ، ~~كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس الخادم صاحب بيت المال ، ذكر فيه : أنه حوسب ~~يوسف بن فنحاس ، وهارون بن عمران ، على ما حصل عندهما من كيت وكيت - حتى ~~استغرق تلك الوجوه - فكان الباقي قبلهما - بعد الذي حمل إلى حضرة أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه ، وصرف في مهمات أمر بها هو ، والسادة أيدهم الله ~~- من الورق ، ألف ألف ، وأربعمائة وسبعين ألف درهم ، وخمسمائة وستة وأربعين ~~درهما ، وأمر بقبض ذلك منهما ، وإيراده بيت مال الخاصة . فقبض مؤنس منهما ~~تلك البقية ، ومضى الأصل ' 12 ' كله ، لا يعرف في أي شيء صرف ، وكان مبلغه ~~، فيما ظنه الكتاب ، وكانوا يتعاودونه ، نحو ألف ألف دينار ، فإن ابن ~~الفرات فاز بجميعها ، ولم تقم بها حجة عليه . قال أبو الحسين : فحدثني أبي ~~بعد ذلك ، قال : لما قلدني علي بن عيسى ، في وزارته الأولى ، ديوان الدار ، ~~الجامع للدواوين ، أمرني بإحضار هذين الجهبذين ، ومطالبتهما بختماتهما ، ~~لما كان حصل في أيديهما ، في وزارة ابن الفرات الأولى ، من الجهات التي ~~تقدم ذكرها . فاستدعيتهما ، وطالبتهما ms408 ، فأحالا على أن ابن الفرات ، أخذ ~~حسابهما ولم يدع عندهما نسخة منه . فأمرني بحبسهما ، وتهديدهما ، ففعلت ذلك . PageV02P268 # """""" صفحة رقم 269 """""" # فأحضراني حسابا مبتورا ، ذكروا أنهما وجداه ، فرأيته غير منتظم . فلم أزل ~~أرفق بهما ، إلى أن أقرا أنه قد وصل إليهما من فضل الصرف ، فيما بين ما ورد ~~عليهما ، وبين ما أنفقاه ، مائة ألف درهم ، فجعلتها عشرة آلاف دينار ، ~~وقررت أمرهما عليها ، وأخذت بها خطوطهما . فلم يقنع علي بن عيسى بذلك ، ~~وأخذهما من يدي ، وسلمهما إلى حمد ابن محمد وكان إليه ديوان المغرب ، وأمره ~~أن يتتبع أمرهما بنفسه ، وكان حسن الكتابة ، ولم يعرفه أني أخذت خطهما بشيء ~~. فتتبع حمد ذلك ، فلم يجد في الحساب ، إلا إحالات على ' حمل إلى الخليفة ، ~~والسادة ' وأشياء صرفت إلى خاص ابن الفرات . فقال له حمد : هذا كله مزوق ، ~~والقوم معهم حجج بالإبراء ، وما عليهم طريق ، وابن الفرات كان أجلد من أن ~~يدع هؤلاء يفوزون بحبة من المال . فردهما إلي ، وقال : اجتهد في أن تأخذ ~~منهما مائتي ألف دينار . فقلت : لا يمكن ذلك . فقال : اعمل على أنك طالبتهم ~~بمرفق لنفسك بتمام مائتي ألف درهم . فقلت له : فإذا فعلت هذا ، فأي شيء ~~أعمل أنا لنفسي ؟ فقال : خذ منها عشرين ألف درهم ، وألزمهما مائة وثمانين . ~~قال : فخرجت ، وجددت بهما ، إلى أن ألزمتهما ذلك . وأخذت لنفسي منه ما قال ~~. فلما فرغنا من ذلك ، أخذنا بها خطوطهما ، وأخذنا لهما خطه بالبراءة من ~~ذلك . فقال لي علي بن عيسى : سأريك موضعي أنا من العمل ' 13 ' ، وأن للرئيس ~~في كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه . فاستحضرهما إلى حضرته ، وأنا في ~~مجلسه ، فقال لهما : تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة ، إن لم أزلها بقيت ~~عليكما ، وعلى ورثتكما ، أبد الدهر ؟ لست أفعل هذا إلا بشيء يقرب ، لا ضرر ~~عليكما فيه ، وهو : أني أحتاج في كل هلال ، إلى مال أدفعه في ستة أيام من ~~ذلك الشهر ، إلى الرجالة ، ومبلغه ثلاثون ألف دينار ، وربما لم يتجه في أول ~~يوم من الشهر ، ولا الثاني ، وأريد أن ms409 تسلفاني في أول كل شهر ، مائة وخمسين ~~ألف درهم ، ترتجعانها من مال الأهواز في مدة الشهر ، فإن جهبذة الأهواز PageV02P269 ~~"""""" صفحة رقم 270 """""" # إليكما ، فيكون هذا المال سلفا لكما أبدا ، واقفا ، وهي عشرون ألف دينار ~~، فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأول من النوبة ، فيخف عني ثقل ثقيل . فتأبيا ~~ساعة ، فلم يفارقهما حتى استجابا لذلك . فقال لي علي بن عيسى : كيف رأيت ؟ ~~فقلت : ومن يفي بهذا إلا الوزير ، أيده الله تعالى . قال : وكان علي بن ~~عيسى ، إذا حل المال ، وليس له وجه ، استسلفه من التجار على سفاتج قد وردت ~~من الأطراف ، فلم تحل ، عشرة آلاف دينار ، بربح دانق ونصف فضة في كل دينار ~~، وكان يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم أرباحا . فلم يزل هذا الرسم ~~يجري على يوسف بن فنحاس ، وهارون بن عمران ، ومن قام مقامهما ، مدة ست عشرة ~~سنة ، وبعد وفاتهما ، لأنهما ما صرفا إلى أن ماتا ، وكانا قد تقلدا في أيام ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، وكان السلطان لا يرى صرفهما ، ليبقى جاه ~~الجهبذة مع التجار ، فيقرض التجار بالجهبذة ، إذا وقعت الضرورة ، ومتى صرف ~~الجهبذ ، وقلد غيره ، ولم يعامله التجار ، وقف أمر الخليفة . PageV02P270 # """""" صفحة رقم 271 """""" # الصناعة نسب # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثني أبو بكر محمد بن جني الكاتب ، وكان أبوه ~~مغنيا ، وهو من أعيان الكتاب ، قال : حدثني ابن ثوابة الكاتب ، قال : حدثني ~~أبو الفرج عن نجاح بن سلمة ، عن أبيه عن الفضل بن مروان ، قال : كنت أتولى ~~مجلس الحساب ، من قبل صاحب ديوان الرشيد ، وكان يجيئنا إلى الديوان ، شيخ ~~من بقايا كتاب ' 14 ' بني أمية ، وكان صاحب الديوان يقول لنا : هذا أكتب ~~أهل زمانه ، وكان يلبس دراعة وقلنسوة كأكسية النصارى ، وخفا أحمر ، وكان ~~هذا زي المتعطلين من الكتاب إذ ذاك ، وكان صاحب الديوان يكرمه جدا . فصار ~~إلي في يوم من الأيام لحاجة عرضت له ، وأنا متشاغل بعمل مهم قد طلبه الرشيد ~~، وأنا جالس حيال صاحب الديوان أعمله ، فقصرت في حق الشيخ . ولامني صاحب ~~الديوان على تقصيري به ms410 ، ووبخني ، فاعتذرت إليه بشغل القلب . فلما كان بعد ~~أيام جاءني ، فزدت في إكرامه ، وقمت إليه ، وجلست بين يديه . فأقبل علي ~~صاحب الديوان ، فقال : أحسبك عاتبت فتانا على تقصيره أولا . ثم أقبل علي ، ~~وقال : يا فتى ، كنا نعد الصناعة نسبا ، والنعمة نسبا ، واللغة نسبا ، ~~والنحلة نسبا . PageV02P271 # """""" صفحة رقم 272 """""" # كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزر له # حدثنا أبو الحسن قال : حدثنا أبو عبد الله الباقطائي ، قال : حدثني أبو ~~الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان ، وكان كاتب المأمون ، على ديوان ~~الضياع ، قال : قال ميمون : سمعت الفضل بن مروان يقول : لا ينبغي لأحد أن ~~يحقر أحدا ، ولا يأيس علوه ، فإني كنت في حداثتي أتوكل لهرثمة بن أعين في ~~مطبخه ، أيام الرشيد ، وكان بخيلا ، وكان له خادم يشرف على مطبخه ، وأجرى ~~علي خمسة عشر درهما في الشهر ووظيفة خبز . فلما كثر توفيري عليه ، صيرها ~~عشرين درهما . وكنت لا آكل من مطبخه شيئا ، فسأل الخادم عن أكلي ، فعرفه ~~أني لا آكل ، فأمره أن يطعمني من المطبخ كل يوم ، ويوفر الوظيفة على منزلي ~~. فدعا يوما دعوة عظيمة ، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم ، وعرضت عليه ~~بذلك عملا ، فسره ، وحسن موقعه منه ، وكان بخيلا جدا . فقال لي يوما : قد ~~استحققت الزيادة ، فكم تحب أن أزيدك ؟ فقلت : لا أقل من عشرة دراهم أخرى . ~~فقال : هذا كثير ، ولكن أربعة دراهم . فأيست من خيره ، واتفق له بعد ذلك ، ~~خروج عن مدينة السلام ، فتعاللت عليه ، ولم أتبعه ، ولزمت الديوان ، وتعلمت ~~، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشيد ، وكان ذلك أول إقبالي ' 15 ' ، وتخرجت ، ~~وزادت حالي مع الأيام . فلما ولي المأمون ، وعظم من أمر المعتصم ، كان ~~المعتصم شديد المحبة للصيد ، وكنت في فتنة محمد المخلوع ، قد صرفت ما كنت ~~جمعته في ضياع وبساتين بالبردان وصاهرت بعض تنائها ، واجتمعت لي حال ، فلما ~~انجلت الفتنة ، كنت من وجوه البردان . فاجتاز بها المعتصم ، منصرفا من صيده ~~، متسرعا ، وليس معه من أصحابه كبير أحد . PageV02P272 # """""" صفحة رقم 273 """""" # فاجتاز في الطريق ، وأنا واقف على بابي ms411 ، فتوسمت فيه الجلالة ، وقدرته ~~أحد وجوه القواد . كان لي وعد على عامل البلد ، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي ~~، وقد أعددت له طعاما ، وفيه جداء ، وحلوى ، وفاكهة كثيرة ، وثلج استدعيته ~~من بغداد ، وكان قبل ذلك بساعة ، قد جاءني خبر العامل ، أنه عرض له مهم في ~~السواد ، فخرج لوقته . فلما رأيت المعتصم ، وتوسمت فيه الجلالة ، قلت : لم ~~لا أحلف على هذا القائد ، وأضيفه عندي على هذا الطعام المعد ؟ قال : فكلمته ~~، وسألته الزول عندي . فأجاب ، ونزل ، وأكل ، وشرب ، وأنفذت في الحال ، ~~فاستدعيت له قيانا ، وجلس يشرب ، وقد انبسطت بين يديه ، وخدمته . فنحن نشرب ~~، انبث الجيش في طلبه ، وعرفوا خبره ، وأحاطوا بالدار ، فعرفت حينئذ ، أنه ~~أخو الخليفة ، فهبته . فبسطني ، وسألني عن شرح حالي ، فعرفته ، فقال : لا ~~بد أن تجيء معي إلى بغداد . وقلدني بعض أموره ، ثم تزايدت حالي عنده ، إلى ~~أن جمع لي جميع أمره ، ورياسة كتابه . ثم خلطني بخدمة المأمون ، وقلدني ~~ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه . ثم رقيت إلى الوزارة ، من تلك الحال ~~التي كنت عليها مع هرثمة . قال أبو الحسين : ما رؤي في الدولة العباسية ، ~~من الكتاب ، من اتصل تصرفه منذ نشأ ، إلى أن مات ، وترددت ولايته الوزارة ، ~~وديوان الخراج ، وديوان الضياع ، من غير أن يتعطل ، أحد ، غير الفضل بن ~~مروان . وصادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم ' 16 ' ، فأداها بغير ~~مكروه . PageV02P273 # """""" صفحة رقم 274 """""" # الخليفة المعتصم يصادر وزيره # وسمعت حامد بن العباس ، يحكي : أنه سمع صاعدا ، يقول : حدثني أحمد بن ~~إسرائيل ، قال : حدثني الفضل بن مروان ، قال : ما في الأرض أجهل من وزير ~~يطلب الخليفة منه مالا ، وهو في ولايته ، فيعطيه إياه ، فإنه يطمعه في ~~نعمته ، وإنما يدفع النكبة مدة ، ثم تحدث ، وقد ذهب المال . فمن ذلك : أن ~~المعتصم ، لما خرج لغزو الروم ، وأنا وزيره ، استخلفني على سر من رأى ، ~~واستخلف لي بحضرته ، محمد بن الفضل الجرجرائي . فلما عاد ، طمع في ، فقال ~~لي : قد وردت ، والمال نزر ، والجيش مستحق ، فاحتل لي مائة ألف دينار ، من ~~مالك وجاهك ، ففعلت . فلما ms412 مضى شهر ، طلب مني على هذا السبيل ، خمسين ألف ~~دينار ، ففعلت . فطلب مني في الدفعة الثالثة ، بمثل هذا الوجه ، ثلاثين ألف ~~دينار ، فوعدته بها ، ودافعته أياما ، ثم جملتها إليه . فبلغني عنه ، أنه ~~قال لابنه الواثق : هذا النبطي ، ابن النبطية ، أخذ مالي جملة ، وهو ذا ~~يتصدق به علي تفاريق . ثم قبض عليه ، بعد أيام ، وأخذ منه أربعين ألف ألف درهم . PageV02P274 # """""" صفحة رقم 275 """""" # العمارة والتوفير أولى واجبات الوزير # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التواريخي ، ~~وكان شيخا قد عني بجمع التواريخ ، فلقب بها ، وكان يجلس في الجامع إلى جانب ~~الزجاج ، ويعظمه ، قال : سمعت المبرد يقول : كنت أصحب الفضل بن مروان ، ~~فذكر بحضرته - في أيام الواثق - عظم بناء أحمد بن الخصيب بسر من رأى ، وأنه ~~استعمل في سقف دهليز داره سبعين قارية ساج ، والقارية : ساجة عظيمة ، ~~تستعمل صحيحة ، فقال الفضل : ما كانت لي في حياتي ، لذة في بناء ، ولا فرش ~~، ولا غلمان ، ولا جوار ، ولا مفاخرة بمروءة ، وإنما كانت لذتي في العمارة ~~والتوفير ، ولهذا اتصلت مدتي في صحبتهم . ولعهدي ، وقد وليت للمأمون ديوان ~~الخراج ، فوجدت الأهواز . قد اختلت ببثق سد أبطل العمارة ، فأنفقت عليه ، ~~مائة ألف دينار ، وجددت في عمارة النواحي ، وكانت كور الأهواز ' 17 ' ، إذ ~~ذاك ، قد ارتفعت بأربعة وعشرين ألف ألف درهم للسلطان ، فضمنتها له بثمانية ~~وأربعين ألف ألف درهم ، صالحة للحمل . PageV02P275 # """""" صفحة رقم 276 """""" # السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكل # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب ~~قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت نجاح بن سلمة ، يقول : إن السبب في علو حال ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، مع المتوكل ، أن أباه يحيى بن خاقان بن موسى ~~، تقلد ديوان الخراج في أيام المتوكل ، فقلد ابنه أبا محمد عبد الله ، ~~مجلسا من مجالس الديوان ، ولم ير عبيد الله ، أهلا لمثل ذلك . فغضب على ~~أبيه ، وصار إلى الفضل بن مروان ، وهو يتقلد ديوان الضياع ، فلزمه ms413 ، وخط ~~بين يديه . وكانت أرمينية تجري في ديوان الضياع ، وكان على أهلها مقاطعة ~~فضلها مال جليل ، فامتنع الفضل من إمضائها لهم ، وعرض عليه مرفق مائة ألف ~~درهم ، فأبى قبولها ، وطرحوا نفوسهم على أكثر الوجوه بسر من رأى ، فلم يجب ~~أحدا إلى ذلك ، فلجأوا إلى عبيد الله بن يحيى ، وسألوه مسألته ، لما ظهر من ~~اختصاصه به ، ونفاقه عليه . فخاطبه في أمرهم ، فتذمم من رده ، لأنه ما كان ~~يعمل معه بالرزق ، ولا له نفع ، وكانت حاله قوية ، وإنما أراد التصرف ~~مراغمة لأبيه ، وجعل ذلك كالمرفق له ، والصلة ، فأجابه ، وأمضى المقاطعة . ~~فحمل إليه القوم خمسة آلاف دينار ، فردها ، وقال : ما كنت لآخذ على معروفي ~~ثمنا . فلما خرجوا إلى أرمينية ، أحبوا مهاداته ، ومكافأته ، فاستعملوا له ~~فرش بيت أرمني ببساط عظيم ، ومصليات ، وأنخاخ ، ومساور ، ومخاد ، ودست ، ~~وستور ، وأذهبوا الجميع ، وكتبوا عليه كنيته واسمه ، ولم يكن رؤي قط مثله ~~حسنا وجلالة ، وحملوه إليه . واتفق أنه وكل المتوكل ، تلك السنة ، بالطرق ، ~~وأمر أن لا يدخل شيء من الأمتعة ، أو يعرض عليه ، فعرض عليه البيت ، في ~~جملة ما جيء به من أرمينية ، فاستهوله ، وقال : من هذا ' 18 ' الرجل ؟ PageV02P276 # """""" صفحة رقم 277 """""" # فقالوا : هو عبيد الله بن خاقان . قال : وأي شيء إليه ، حتى يستعمل له ~~هذا العمل ؟ لعل هذا مرفق لأبيه ؟ فقيل له : إن أرمينية تجري في ديوان ~~الضياع ، ولا معاملة بينه وبين أبيه . فاستشرح الصورة ، ونقر عليها ، إلى ~~أن حدث الحديث على صحته . فاستحسن ذلك من فعل عبيد الله ، وأمر بتسليم فرشه ~~إليه ، وقال : هذا فتى يدل فعله ، على كبر همته . فلما صرف محمد بن الفضل ~~الجرجرائي ، عن وزارته ، قال : قد استغنيت عن وزير ، لأن أصحاب الدواوين ، ~~يعرضون أعمالهم علي ، والتاريخ يجعل باسم وصيف التركي ، فأجرى الأمر على ~~ذلك مدة . ثم إنه احتاج إلى كاتب يكون بين يديه ، في أبنيته ، والتوقيعات ~~في المهم الذي يأمر به من حضرته فيها ، وفي غيرها ، إلى أصحاب الدواوين ، ~~وغيرهم ، فأمر أن يطلب له حدث من أولاد الكتاب ، ينصبه لذلك . فسمي له ~~جماعة ms414 ، منهم : عيسى بن داود بن الجراح ، وأبو الفضل بن مروان ، وجماعة ، ~~وكان فيهم عبد الله وعبيد الله ، ابنا يحيى بن خاقان . فحين مر على سمعه ~~ذكر عبيد الله ، ذكر حديث الفرش ، فاختاره ، ولم يزل حاله يرقى معه ، إلى ~~أن استوزره . PageV02P277 # """""" صفحة رقم 278 """""" # ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصة # حدثني أبو الحسن ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن زكريا بن شيرزاد الكاتب ~~، قال : لما تقلد أبي ديوان الضياع المعروفة بغريب الخال ، استخلف أخي أبا ~~الحسين ، زكريا بن يحيى على الديوان ، وأجرى له عشرين دينارا في الشهر ، ~~وأجرى علي عشرة دنانير برسم التحرير في هذا الديوان ، فأنفت من ذلك . ولم ~~أقبل الرزق ، ولا العمل . ومضيت إلى ديوان الضياع الخاصة ، وكان يليه ، إذ ~~ذاك ، أبو حامد محمد ابن الحسن ، الملقب بسودانية ، فلم ألقه ، ولا توسلت ~~إليه ، بما كان بين أبي وبينه . ولزمت الديوان بحضرة أبي يوسف عبد الرحمن ~~بن محمد بن سهل المعروف بالمرمد ، وإليه كان مجلس الحساب في هذا الديوان ، ~~مدة ' 19 ' شهر ، وكنت أتعلم . فبلغ أبا حامد خبري ، ولم أكن - إذ ذاك - ~~بلغت عشرين سنة ، ولا قاربتها ، فاستحضرني ، فدخلت إليه ، فعاتبني على تركي ~~الدخول إليه ، والتعرف إليه ، وأمرني بملازمة حضرته ، وأجرى لي درجين وثبتا ~~وقرطاسا في كل يوم ، وقال : سود فيها ، وتعلم الخط . فلما كان بعد أيام ، ~~فرقت أرزاق الكتاب لشهر واحد ، فوقع إلى خازنه ، المتولي للتفرقة ، أن يحمل ~~إلي ، بقيمة عشرين دينارا ، ثلثمائة درهم ، وقال : قد أجري لك هذه في كل ~~شهر . فصرت إلى أبي ، فأريته إياها ، وقلت : قد فعل الله بي خيرا مما فعلت ~~. فقال : خذ الآن العشرة ، والزم موضعك ، ليصير لك ثلاثين دينارا في الشهر ~~. فأخذتها ، وكان هذا أول إقبالي . PageV02P278 # """""" صفحة رقم 279 """""" # البحتري وأبو معشر يؤصلان عند المعتز أصلا # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ، ~~قال : لما أنفذ أبي إلى مصر ، اجتذبت البحتري وأبا معشر ، فكنت آنس بهما ، ~~لوحدتي ، وملازمتي البيت ، وكانا في أكثر الأوقات ، يحدثاني ويعاشراني ms415 . ~~فحدثاني يوما : أنهما أضاقا في وقت من الأوقات ، إضافة شديدة ، وكانا ~~مصطحبين ، فعرض لهما أن يلقيا المعتز ، وهو محبوس ، ويتوددان إليه ، ~~ويؤصلان عنده أصلا ، فتوصلا إليه ، حتى لقياه في حبسه . قال : فقال لي ~~البحتري : فأنشدته أبياتا ، كنت قلتها في محمد بن يوسف الثغري ، لما حبس ، ~~وجعلتها إليه ، وهي : جعلت فاك الدهر ليس بمنفك . . . من الحادث المشكو ~~والحدث المشكي وقد هذبتك النائبات وإنما . . . صفا الذهب الإبريز قبلك ~~بالسبك أما في رسول الله يوسف أسوة . . . لمثلك محبوسا على الظلم والإفك ~~أقام جميل الصبر في الحبس برهة . . . فآل به الصبر الجميل إلى الملك على ~~أنه قد ضيم في حبسك العلى . . . وأصبح عز الدين في قبضة الشرك فأخذ الرقعة ~~التي فيها الأبيات ، ودفعها إلى خادم كان معه ، وقال : غيبها واحتفظ بها ، ~~فإن فرج الله عني ، فأذكرني بها ، لأقضي حق هذا الرجل . قال أبو معشر : ~~وكنت قد أخذت مولده ، وعرفت وقت عقد البيعة للمستعين ، ووقت ' 20 ' البيعة ~~بالعهد من المتوكل للمعتز ، ونظرت فيه وقد صححت النظر ، وحكمت له بالخلافة ~~، بعد فتنة وحروب ، وحكمت على المستعين بالخلع والقتل ، فسلمت ذلك إليه ، ~~وانصرفنا . قال وضربت الأيام ضربها ، وصح الحكم بأسره ، فدخلنا جميعا ، إلى ~~المعتز ، وهو خليفة ، وقد خلع المستعين ، وكان المجلس حافلا . PageV02P279 # """""" صفحة رقم 280 """""" # قال أبو معشر : فقال لي المعتز : لم أنسك ، وقد صح حكمك ، وقد أجريت لك ~~مائة دينار في كل شهر رزقا ، وثلاثين دينارا نزلا ، وجعلتك رئيس المنجمين ~~في دار الخلافة ، وأمرت لك عاجلا بألف دينار صلة . قال : فقبضت ذلك عاجلا ~~كله في يومي . قال البحتري : وأنشدته أنا في ذلك اليوم ، قصيدتي التي مدحته ~~بها ، وهنأته ، وهجوت المستعين ، وأولها : يجافينا في الحب من لا نجانبه . ~~. . ويبعد عنا في الهوى من نقاربه حتى انتهيت إلى قولي : وكيف رأيت الحق قر ~~قراره . . . وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه ولم يكن المغتر بالله إذ شرى . . . ~~ليعجز والمعتز بالله طالبه رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر . . . وعري من برد ~~النبي مناكبه وقد سرني أن قيل وجه مسرعا . . . إلى الشرق تحدى ms416 سفنه وركائبه ~~إلى واسط نحو الدجاج ولم تكن . . . لتنشب إلا في الدجاج مخالبه فضحك ، ~~واستعاد هذه الأبيات مرارا ، فأعدتها . فدعى بالخادم ، وطلب الرقعة التي ~~فيها أبياتي التي أنشدته إياها في حبسه ، فأحضره إياها ، بعينها . فقال : ~~قد أمرت لك لكل بيت في الرقعة بألف دينار ، وكانت ستة ، فأعطيت ستة آلاف ~~دينار . وقال لي : كأني بك ، وقد بادرت ، فاشتريت غلاما ، وجارية ، وفرسا ، ~~وفرشا ، وأتلفت المال ، لا تفعل ، فإن لك ، فيما تستأنفه من أيامك معنا ، ~~ومع وزرائنا وأسبابنا ، إذا علموا موقعك منا ، غناء عن ذلك ، فاشتر بهذا ~~المال ضيعة ببلدك ، تقوم في أدناها فترى أقصاها ، ويبقى لك أصلها ، وتنتفع ~~بغلتها ، كما فعل ابن قيس الرقيات ، بالمال الذي وصله به عبد الله بن جعفر ~~. فقلت : السمع والطاعة ، وخرجت ، فعملت ' 21 ' بما قاله ، واعتقدت بالمال ~~ضيعة جليلة بمنبج ، ثم تأثلت حالي معه ، وأعطاني ، وزاد وما قصر . PageV02P280 # """""" صفحة رقم 281 """""" # ضيعة البحتري في حيازة حفيد ولده # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو الفتح بن جعفر بن محمد بن الفرات ، ~~بعد عوده من مصر والشام ، في أيام الراضي ، وتقلد الوزارة ، قال : اجتزت في ~~رجوعي هذا ، إلى مدينة السلام ، بمنبج ، فرأيت ضياعا في نهاية العمارة ~~والحسن . فسألت عنها ، فقيل : هي أقطاع البحتري الشاعر وأملاكه . فقلت : ~~لمن هي اليوم . فقيل لي : هي اليوم في يد ابن ابنة ابنه أبي الغوث . فقلت : ~~هذا نسب طويل ، وأمرت الحسن بن ثوابة بقبضها . فلما كان من الغد ، جاءني ~~رجل متكهل ، في زي الجندي ، وذكر أنه صاحب الضياع ، وقال : يا سيدي ، هذه ~~الضياع التي قال جدي البحتري بسببها : وما أنا والتقسيط إذ تكتبونه . . . ~~ويكتب قبلي جلة القوم أو بعدي وأنشدني هذه الأبيات كلها ، وقال : ذاك بكاء ~~لأجل تقسيط يسير ، فكيف يكون حالي ، إذا قبضت هذه الضياع ؟ قال : فتذممت أن ~~أكون سبب ذهاب معيشته ، فأطلقت له عنها . PageV02P281 # """""" صفحة رقم 282 """""" # عامل يصفع عند المطالبة # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو الفتح ، قبل تقلده الوزارة الأولى ~~بمدة طويلة ، قال : حدثني أبي ، قال : صرفت محمد بن يوسف ms417 العامل ، عن ~~بادوريا ، وتقلدتها ، فاستدركت عليه أشياء كثيرة ، وطالبته بها ، فلم يرد ~~فيهاشيئا . فأخرجته يوما إلي ، وناظرته ، فأقام على أمر واحد ، فاغتظت عليه ~~وأمرت بصفعه ، فلم يتأوه ، ولم يزل يصيح : واحدة ، فإذا صفع أخرى قال : ~~ثانية . وعلى هذا ، إلى أن صفع ثلاث عشرة صفعة . فتعجبت من عده ، وقلت : يا ~~هذا ، ويحك أي فائدة لك في العد ؟ وأن لا تستعفي . قال : أنا أعدد ذلك - ~~أعزك الله - لأصفعك بعدده ، بعد أيام ، إذا صرفتك ، وتقلدت مكانك ، فلا ~~أظلمك بالزيادة ، ولا تفوز بالنقصان . قال : فأخجلني ، فقلت : قم ، في غير ~~حفظ الله إلى منزلك . فأطلقته ، وذهب المال . PageV02P282 # """""" صفحة رقم 283 """""" # حمال مستور # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا نفطويه ، قال : حدثنا ثعلب ، قال : كان ~~عندنا في الحربية ، حمال مستور ' 22 ' ، يوصف بالزهد وكان لا يحمل لأصحاب ~~السلطان شيئا ، وكان إذا حمل على قدر قوته - على ضيق - لم يزدد عليه شيئا ، ~~وأراح نفسه ، ولا يحمل إلا كارة خفيفة ، مثل لحم وفاكهة ، وما يكون قدره ~~خمسين رطلا أو نحوه . قال : فاتبعته يوما ، وهو لا يعلم أني خلفه ، فرأيته ~~يضع رجلا ، ويول : الحمد لله ، ويرفعها ، ويقول : أستغفر الله . فقلت له : ~~لم تفعل هذا ؟ فقال : أنا بين نعم لله ، وذنوب ، فأنا أحمده - عز وجل - على ~~نعمه ، وأستغفره من ذنوبي . فأردت امتحانه ، فقلت : ما تقول في علي وأبي ~~بكر ؟ فقال : إذا نشرت الدواوين ، ووضعت الموازين ، أأسئل عن ذنوبي ، أم عن ~~تفضيل أبي بكر وعلي ؟ فقلت : بل عن ذنوبك . فقال : فلي في نفسي شغل عن ~~معرفة الأفضل منهما . PageV02P283 # """""" صفحة رقم 284 """""" # حامد بن العباس وبواب الوزير إسماعيل بن بلبل # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت حامد بن العباس يقول : ~~ما في الدنيا أضر على الإنسان من مداجاة العدو ، وينبغي أن تشهر ما بينك ~~وبين عدوك ، حتى لا يقبل قوله فيك . قال ، وسمعته يقول : ربما انتفع ~~الإنسان في نكبته بالرجل الصغير ، أكثر من منفعته بالكبير . فمن ذلك : أن ~~إسماعيل بن بلبل ، لما حبسني ، جعلني في يد بواب ، كان يخدمه قديما ، قال ms418 : ~~وكان رجلا حرا ، فأحسنت إليه ، وبررته ، وكنت أعتمد على عناية أبي العباس ~~بن الفرات . وكان البواب قديم الخدمة لإسماعيل ، يدخل إلى مجلس الخاصة ، ~~ويقف بين يديه ، فلا ينكر ذلك خدمه عليه ، لسالف الصحبة . فصار إلي في بعض ~~الليالي ، فقال : قد حرد الوزير على ابن الفرات ، وقال له : ما يكسر المال ~~على حامد غيرك ، ولا بد من الحد في مطالبته بباقي مصادرته ، وسيدعو بك ~~الوزير في غد إلى حضرته ، ويهددك . فشغل ذلك قلبي ، فقلت له : فهل عندك من ~~رأي ؟ فقال : اكتب رقعة إلى رجل من معامليك ، تعرف شحه ، وضيق نفسه والتمس ~~منه لعيالك ألف درهم يقرضك إياها ، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك ، لترجع ~~إليك ، فتخرجها ، فإنه لشحه وسقوطه ، يردك بعذر ، واحتفظ بالرقعة ، فإذا ~~طالبك الوزير ، أخرجتها ' 23 ' إليه ، وقلت : قد أفضت حالي إلى هذا ، ~~وأخرجتها على غير مواطأة ، فلعل ذلك ينفعك . ففعلت ما قاله ، وجاءني جوابه ~~بالرد ، كما حسبنا ، فشددت الرقعة معي . PageV02P284 # """""" صفحة رقم 285 """""" # فلما كان من غد ، أخرجني الوزير ، وطالبني ، فأخرجت الرقعة ، وأقرأته ~~إياها ، ورققته ، وتكلمت ، فلان واستحيا ، وكان ذلك سبب خفة أمري ، وزوال ~~محنتي . فلما تقلدت في أيام عبيد الله بن سليمان ، سألت عن البواب ، ~~واجتذبته إلى خدمتي ، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة . وهو باق معي ~~إلى الآن . PageV02P285 # """""" صفحة رقم 286 """""" # عامل مصروف يختبئ في قدر هريسة # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبي ، عن جدي عبد الله بن هشام ، قال : ~~حدثني يحيى لن عبد الله الكسكري ، قال : كنت أكتب لابن البختري الأصغر على ~~مصر ، فصرف بسليمان بن وهب ، وخرج معه ابنه عبيد الله - وكان يخلفه عليها - ~~. فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه ، وتخلوا لنظم الحساب ، وكنت أغدو ~~وأروح إلى سليمان ، أعرض عليه ما أعمل . وكان قد وكل بابن البختري ، قائدا ~~من قواد مصر ، معه عدة من الفرسان ، والرجالة ، والغلمان ، وكان ابن ~~البختري يقيم لهم الطعام الواسع . وحضر المهرجان ، فتقدم بأن تحضر قدر ~~النبيذ ، وتعمل فيها الهريسة ، في الدار التي كان فيها معتقلا . وكان قصيرا ~~ضئيلا ms419 ، فجاءوا له بالقدر ، وطبخ فيها الهريسة ، في جملة الطعام ، وأكل ~~الموكلون ، وشربوا ، وسكروا . وأعمل هو الحيلة ، فجلس في القدر ، وغطيت ~~عليه ، وأخرجت ، ولم يعرفوا خبره ، حتى طلبوه لما أفاقوا ، فلم يجدوه . قال ~~يحيى بن عبد الله : ولم أكن أنا عرفت الخبر ، فبكرت إلى سليمان ، على رسمي ~~، فوجدت عبيد الله جالسا ، متشاغلا بطلبه ، وقد ضج ، وهو يقول : أي شيء ~~أقبح من أن يتصل بالخليفة ، أنا عجزنا عن حفظ العامل المصروف ، فيقال فينا ~~: كيف يحفظ هؤلاء الأموال ، والأعمال ، مع عجزهم عن حفظ محبوس ؟ وجعل يضرب ~~الناس في التقرير عليه . وأمر بالقبض علي ، لما رآني ، فقلت له : أعزك الله ~~، لو كان عندي علم بالخبر ما جئتك ، قال : فصدق قولي ، وكان حضوري سبب ' 24 ~~' خلاصي . قال : ووقع في يده وكيل نصراني لابن البختري ، يتوكل في مطبخه ، ~~وكان نبطيا ، وقيل له : إنه لا يجوز أن يخفى عليه خبره ، فجعل يضربه . PageV02P286 # """""" صفحة رقم 287 """""" # وكان في المجلس سليمان بن وهب ، وأصحاب البرد والأخبار ، والناس بأجمعهم ~~. وكنت أحسن النبطية ، ولم يكن عبيد الله يحسنها . فلما حمي الضرب على ~~الوكيل ، كاد أن يقر على موضع ابن البختري ، ففهم ذلك سليمان ، ولم يحب أن ~~يأمره بالإنكار ، فيكتب بالخبر ، وأراد أن يسلم المنكوب ، سلوكا لمذهب ~~الناس قديما ، في طلب السلامة ، بالإبقاء على أعدائهم . قال : فقال للمضروب ~~كلاما بالنبطية ، تفسيره : لا تقر ، فإن الإقرار مثل القير لا ينقلع . قال ~~: فتصبر الرجل على الضرب ، ثم قال سليمان لعبيد الله : إلى كم تضرب هذا ~~البائس ؟ لو كان يعرف شيئا لقاله ، اقطع عنه الضرب ، لا يتلف ، فتدخل في ~~دمه . قال : فرفع الضرب عنه ، وأطلق من يومه ، وأفلت المستتر . PageV02P287 # """""" صفحة رقم 288 """""" # من مكارم أخلاق المأمون # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي ، ~~قال : حدثنا المبرد ، قال : حدثني الحسن بن سهل ، لما أسن ، وجلس في بيته ، ~~قال : دخلت يوما إلى المأمون ، وهو جالس ، وبحضرته جماعة من خواصه ، منهم ~~إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، وكان في يده كتاب يقرأه ، فلم ينظر ms420 إلي ، فوقفت ~~قائما . فقال له إسحاق : يا أمير المؤمنين ، أبو محمد ، الحسن بن سهل . ~~فقال لي : اقعد ، فقعدت . فقال : أحضر دواتك ، فأحضرت . فقال : وقع بتقليد ~~إسحاق بن إبراهيم ، جميع أعمال المعاون بالسواد ، جزاء له على ما نبه عليه ~~من تكرمتك يا أبا محمد . فشكرته ، ودعوت له ، ووقعت بذلك . # الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير # أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري ، الصيدلاني ~~، البصري ، قال : أنشدني أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي ، الضرير ، ~~المعروف بالبصير ، لنفسه : واحربا ما الذي لقيت أنا . . . أحمل في كل بلدة ~~شجنا أدخلها وادعا فتجلب لي . . . رقة قلبي من أهلها سكنا ' 25 ' PageV02P288 ~~"""""" صفحة رقم 289 """""" # الخارجي وصلاة الجمعة # حدثني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار ، قال : رأيت بعمان شيخا من ~~الخوارج ، قد دخل في يوم الجمعة ، من ناحية بلد الشراة ، إلى السوق بعمان ، ~~وكانت طريق الناس إلى الجامع ، والناس يتعادون إلى حضور الجمعة ، خوفا من ~~فوتها ، والخارجي ماش الهوينا في حاجته ، لا يراعي أمر الجمعة ، فإذا بشيخ ~~قد جاء من ناحية الجامع ، فالتقيا . فقال الشيخ للخارجي ، وهو لا يعرفه ، ~~وقدر أنه يريد الجامع : إلى أين تمضي يا شيخ ؟ وقد صلى الناس وفاتتك الصلاة ~~؟ فقال الخارجي : يا أبله ، إنما فاتت من أدركها . يريد أن التجميع معهم ، ~~لا يسقط الفرض الذي هو الظهر ، وهو إذا جمع معهم ترك الظهر ، فتفوته الصلاة ~~الواجبة ، وهي الظهر ، ويصلي ما لا يجزي عنه في مذهبه من تفكيرهم . قال : ~~ولم يفهم الشيخ ما سمعه . وقلت أنا للخارجي : أظنك - أعزك الله - شاريا ؟ ~~قال : فقال : نعم ، والحمد لله . قال : وهم يستحبون أن يقال لهم شراة ، ~~ويأبون أن يقال لهم : خوارج ، ويذهبون إلى قوله تعالى ' ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضاة الله ' . PageV02P289 # """""" صفحة رقم 290 """""" # أحد القائلين بالتناسخ يدعي أن الهرة أمه # حدثني أبو الحسن علي بن نظيف البغدادي ، المعروف بابن سراج ، المتكلم ، ~~المعروف بالبهشمي ، قال : كان يجتمع معنا في المجالس ببغداد ، شيخ للإمامية ~~يعرف بأبي بكر بن الفلاس ms421 ، وكان طيبا ، فحدثنا يوما : أنه دخل على بعض من ~~كان يعرفه بالتشيع ، ثم صار يقول بمذهب أهل التناسخ ، قال : فوجدته ، وبين ~~يديه سنور سوداء ، وهو يمسحها ، ويحك بين عينيها ، ورأسها ، وعينها تدمع ، ~~كما جرت العادة في السنانير بذلك ، وهو يبكي بكاء شديدا . فقلت له : لم ~~تبكي ؟ فقال : ويحك ، ما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها ؟ هذه أمي لا شك ~~، وإنما تبكي من رؤيتها لي حسرة . قال : وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنها ~~تفهم عنه ، وجعلت السنور تصيح قليلا قليلا . قال : فقلت له ، وأنا معتقد ~~الطنزبه : فهي تفهم ما تخاطبها به ؟ فقال : نعم . فقلت له : أفتفهم أنت ~~عنها صياحها ؟ فقال : لا . فقلت له : ' 26 ' فأنت إذن الممسوخ ، وهي ~~الإنسان . PageV02P290 # """""" صفحة رقم 291 """""" # كتاب تعزية # كتب محمد بن عيسى ، أحد كتاب زماننا ، بتعزية إلى صديق له ، قرأته بخطه ، ~~فاستحسنت منه صدره ، ونسخته : من سره امتداد عمره ، ساءته فجائع دهره ، ~~بفقد حميمن أو طارق هموم ، عادة للزمان معروفة ، وسنة للحدثان مألوفة ، ~~وأحق من سلم للأقضية والأقدار ، من وهب الله تعالى له جميل الاصطبار ، فإن ~~أصابته مصيبة ، تلقاها مسلما ، أو نابته نائبة ، وجدته محتسبا . # شاعر يقتضي ثواب مديح # كتب إلي عمرو بن محمد بن الأشعث ، شاب ورد من عمان ، مجتازا بواسط - ذكر ~~أنه كان من الجند فيها ، فزالت نعمته ، وهرب حين ملك الديلم عمان - أبياتا ~~في آخر رقعة له ، اقتضاني فيها ، ثواب مديح ، كان أسلفنيه ، وهي : مات ~~الرجاء بغيظه فلك البقا . . . ولربما أفضى النعيم إلى الشقا فإن احترقت فمن ~~تلهب حادث . . . لأقل منه تلهبا أن يحرقا إن كان عود الجود جف فإنه . . . ~~لم يسق ماء نداك حتى أورقا وأريد منك إذا حرمت مطالبي . . . تسعى معي ~~فلعلني أن أرزقا PageV02P291 ~~"""""" صفحة رقم 292 """""" # الانتقال في ليلة واحدة من الحر إلى البرد # حدثني أبو علي المنتاب ، قال : حدثني أبي ، قال : كنا مع حامد بن العباس ~~في ولايته ، يوما ، جلوسا في الخيش ، بواسط ، في النصف الأخير من تشرين ~~الثاني ، لشدة الحر ، فجاء البرد في ليلة ، فأصبحنا من غد ms422 ، وقد لبسنا ~~الخزوز والمحشو ، وعجبنا من التفاوت بين الحالين في شدة الحر ، وفي شدة ~~البرد ، في ليلة واحدة . # في العافية طعم كل شيء # حدثني أبو علي محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده الواسطي ، قال : سمعتبعض ~~شيوخنا ، يحكي عن إبراهيم الحربي ، أنه قال : في العافية طعم كل شيء ، وفي ~~الرزق نصر كل شيء . PageV02P292 # """""" صفحة رقم 293 """""" # القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد # حدثني أبو الحسين علي بن هشام ، قال : سمعت القاضي أبا جعفر أحمد بن ~~إسحاق بن البهلول التنوخي ، الأنباري ، يحدث أبي ، وقد جئت إليه معه نهنيه ~~بعيد أضحى ، فحدث أحاديث ، فقال : حدثني أبو خازم القاضي ، قال : كان في ~~حجري أيتام ، ذكور وإناث ، خلفهم بعض العمال ، فرددت أمانتهم ، إلى بعض ~~الشهود ، فصار إلي ' 27 ' الأمين يوما ، وعرفني أن عامل المستغلات ، ببغداد ~~، الذي يتولى مستغلات السلطان ، وعامل بادوريا ، قد أدخلا أيديهما ، في ~~أملاك الأيتام ، وذكرا أن الوزير عبيد الله ابن سليمان ، أمرهما بذلك ، عن ~~أمير المؤمنين المعتضد . فصرت إلى المعتضد في يوم موكب ، فلما انقضى الموكب ~~، دنوت منه وشرحت له الصورة . فقال لي : يا عبد الحميد ، هذا عامل خانني في ~~مالي ، واقتطعه ، ولي عليه مال جليل ، من نواحي كان يتولاها من ضيعتي خاصة ~~، وما لي عليه بضعف هذه الأملاك التي خلفها . فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما ~~تدعيه عليه يحتاج إلى بينة ، وقد صح عندي أن هذه الأملاك أملاكه يوم مات ، ~~ولا طريق إلى انتزاعها من يد وارثه إلا ببينة بالمال ، هذا حكم الله في ~~البالغين ، فكيف في الأطفال ؟ قال : فسكت ساعة مطرقا ، ثم دعا بدواة ، ووقع ~~بخطه إلى عبيد الله ابن سليمان ، بالإفراج عن الضياع . PageV02P293 # """""" صفحة رقم 294 """""" # دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وكان ~~يخلف أبا نوح بن إبراهيم ، على ديوان الضياع ، حدث أنه : كانت في يد صاعد ~~بن مخلد ، ضمانات كثيرة ، وكانت إليه معاملة مع أبي نوح ، وكان صاعد - إذ ~~ذاك - من وجوه الناس ، ولم يكن بلغ المبالغ ms423 الكبار . فحضر عنده صاعد ، أول ~~خلافة المعتز ، ونحن حضور ، فطالبه أبو نوح بأموال وجبت عليه ، وجرت بينهما ~~مناظرات ، أدت إلى أن تنقطع في الجواب . فاغتاظ أبو نوح ، فأعضه ، فرد عليه ~~صاعد ، مثل ما قاله له . فاستعظم الناس ذلك ، فاستخفوا به ، وقالوا : يا ~~مجنون ، يا جاهل ، قتلت نفسك ، قم ، قم . وخلصوه من أن يفتك به أبو نوح في ~~الحال ، وقالوا : هذا مجنون ، ولم يدر ما خرج من فيه . وانصرف صاعدا إلى ~~منزله متحيرا ، لا يدري ما يعمل فيما قد نزل به . فحدث أخاه عبدونا بما جرى ~~، فقال له : إن لم تطعني ، فأنت غدا مقبوض عليك ، مطالب من المصادرة بما لا ~~يفي به حالك ، ولا حال من عرفك من أهلك ، ومقتول بلا شك ، تشفيا منك . قال ~~: وما الرأي ؟ قال : كم عندك ' 28 ' من المال الصامت العتيد ؟ وأصدقني عن ~~جميعه . قال : خمسون ألف دينار . قال : تسمح نفسك أن تتعرى منها ، وترمي ~~بها كأنها لم تكن ، وتنقذ نفسك وتحرس بدنك ، وما بقي من حالك ، وضياعك ، ~~وعقارك ، فتصير من أجلاء الناس ؟ أو لا تسمح بذلك ، فتؤخذ الدنانير منك تحت ~~المقارع ، وتذهب الضيعة والنعمة كلها ، وتذهب النفس ؟ قال : ففكر طويلا ، ~~ثم قال : قد تعريت عنها في عز نفس . PageV02P294 # """""" صفحة رقم 295 """""" # قال : أعطني منها الساعة ثلاثين ألف درهم . قال : خذ . فأخذها ، وجاء إلى ~~حاجب موسى بن بغا ، وقت عتمة ، وقال له : هذه عشرة آلاف درهم ، وأوصلني إلى ~~فلان الخادم . قال : وكان هذا الخادم ، يتعشقه موسى جدا ، ويطيعه في كل ~~أمره ، وموسى إذ ذاك هو الخليفة ، وكتبته كالوزارة ، والأمور في يديه ، ~~والخليفة في حجره . قال : فأخذ الحاجب المال ، وأوصله إلى الخادم ، فأحضره ~~العشرين الألف درهم الباقية ، وقال : هذه هدية لك ، وتوصلني الساعة إلى ~~الأمير ، وتعاونني في حاجة أريد أن أسأله إياها ، ومشورة أريد أن أشير عليه ~~بها . فأوصله الخادم . فلما مثل بين يديه ، سعى إليه بكتابه ، وقال : قد ~~نهبوك ، واقتطعوا مالك ، وأخرجوا ضياعك ، وأخي يجعل كتبتك أجل من الوزارة ، ~~ويتغلب لك على الأمور ، ويوفر عليك كذا ، ويفعل ms424 كذا ، ويحمل إليك الليلة ، ~~من قبل أن ينتصف الليل ، خمسين ألف دينار عينا ، هدية منه لك ، لا يريد ~~عليها مكافأة ، ولا يرتجعها من مالك ، وتستكتبه ، وتخلع عليه غدا سحرا . ~~قال : فقال له موسى : أفكر . فقال : ليس هذا موضع فكر ، وألح عليه . قال : ~~وقال له الخادم : في الدنيا أحد جاءه هذا المال العظيم دفعة واحدة ، فرده ؟ ~~وكاتب بكاتب ، والمال ربح . قال : فأجابه ، وصافحه . فقال له : فتنفذ ~~الساعة بمن يحضرك أخي ، وتشافهه بذلك . وأنفذ من أحضره ، وبات عبدون في ~~الدار ، وقلد موسى كتبته لصاعد ، في الحال ، وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه ~~، وتقدم إلى النقباء بأن يباكروا الرجل ليركبوا معه . قال : وبكر صاعد ، ~~وليس عند أحد له خبر ، فخلع عليه موسى بن ' 29 ' بغا لكتبته ، وركب الجيش ~~على بكرة أبيهم ، وانقلبت سر من رأى ، بظهور الخبر . PageV02P295 # """""" صفحة رقم 296 """""" # فبكر بعض المتصرفين ، إلى الحسن بن مخلد ، وكان صديقا لأبي نوح ، فقال له ~~: قد خلع على صاعد . فقال : لأي شيء ؟ فقال : تقلد كتبة موسى بن بغا . ~~فاستعظم ذلك ، وقال : ثيابي . فأحضرت ، فلبس ، وركب إلى أبي نوح ، فقال له ~~: عرفت خبر صاعد ؟ فقال : نعم ، الكلب ، وقد بلغك ما عاملني به ؟ والله ~~لأفعلن به ولأصنعن . قال : أنت نائم ؟ ليس هذا أردت ، قد ولي الرجل كتبة ~~الأمير موسى ابن بغا ، وخلع عليه الساعة ، وركب الجيش معه بأسرهم ، إلى ~~داره . فقال له أبو نوح : هذا ما لم نظنه ، بات خائفا ، وأصبحنا خائفين منه ~~، فما الذي عندك ؟ فقال : أنا أصلح بينكما الساعة . قال : فركب الحسن بن ~~مخلد ، إلى صاعد ، وهنأه ، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح ، وقال له : وأنت ~~بلا زوجة ، وأنا أجعلك صهره ، وتعتضد به ، فإنك وإن كنت قد نصرت عليه ، فهو ~~من يعلم موضعه ، ومحله ، ويتجمل بمصاهرته ، ومودته ، وأنت حبيب على الرجل . ~~قال : ولم يدعه ، حتى أجاب إلى الصلح والصهر . فقال له : فتركب معي إليه ، ~~فإنه هو أبو الابنة ، والزوج يقصد المرأة ، ولولا ذاك لجاءك . قال : فحمله ~~من يومه إلى أبي نوح ، واصطلحا ، ووقع العقد في الحال ms425 بينهما . وزوج أبو ~~نوح ، في مجلسه ذلك ، ابنته الأخرى ، بالعباس بن الحسن بن مخلد ، فولدت له ~~أبا عيسى المعروف بابن بنت أبي نوح ، صاحب بيت مال الإعطاء ، ثم تقلد ديوان ~~زمام الجيش لعمه سليمان بن الحسن ، وكان أصغر سنا من أبيه . فكانت كتبة ~~صاعد لموسى ، ومصاهرته لأبي نوح ، أول رتبه العظيمة التي بلغها ، ثم تقلبت ~~به الحال ، حتى ولي الوزارة . PageV02P296 # """""" صفحة رقم 297 """""" # حدة طبع أبي العباس بن الفرات # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن ، قال : كنت ~~أخط بين يدي أبي العباس بن الفرات ، في أول وزارة عبيد الله ابن سليمان ، ~~وأتحقق به ، لأن أبي اصطنع أباه ، وكنت أشرب معه . فكنا ليلة على شراب ، ~~وقد جرت الأحاديث ، فحدثنا بأخبار عدة من الكتاب والوزراء ، كانت فيهم حدة ~~. وقال : كان أحمد بن الخصيب ، يركل المتظلمين . وكان أبو عباد ثابت بن ~~يحيى ، يضربهم بالمقرعة ، إذا كان راكبا . وكان أحمد بن أبي خالد ، يشتمهم ~~. وعد جماعة ' 30 ' ، قال : وكان في أبي العباس ، حدة ، وسفه لسان ، فسمعنا ~~ذلك منه ، ولم نقدم على موافقته . فلما كان من غد ، ركب وأنا معه ، في ~~السحر ، فلقيه في الطريق ، أهل سمطيا ، يتظلمون من عاملهم ، في شيء ذكروه ، ~~فصاح عليهم ، وشتمهم . فتقدم إليه أحدهم ، فألح عليه في الكلام ، فرفسه ~~برجله في الركاب ، وقنعه بالمقرعة ، وبصق عليه . فذكرت الحديث الذي حدثنا ~~به من ليلته ، فضحكت . فسمع قهقهتي ، فالتفت مبتسما ، وقال : من أي شيء ~~ضحكت يا عيار ؟ فقلت : زدتنا نتفة يا سيدي في ذلك الحديث الذي جرى البارحة ~~. فقال : أو قد حفظته ؟ قلت : نعم . قال : فقال لي سليمان بن الحسن : سمعت ~~دفعات لا أحصيها ، أبا العباس ابن الفرات ، وقد احتد طبعه على قوم غضب ~~عليهم ، وكان يقول للواحد منهم : يا PageV02P297 ~~"""""" صفحة رقم 298 """""" # ابن مائة ألف كر خردل مضروبة في مائة ألف مثلها زواني ، تشاغل بحساب هذا ~~فهو أنفع لك . PageV02P298 # """""" صفحة رقم 299 """""" # سفه لسان حامد بن العباس # قال أبو الحسين : وما رأينا ولا سمعنا ، برئيس أسفه لسانا ms426 ، من حامد ابن ~~العباس ، فإنه كان لا يرد لسانه على أحد البتة ، وكان إذا غضب شتم . فمن ~~ذلك : أن أبي حدثني ، أنه كان بحضرته في مجلس حافل ، فجاءت أم موسى ~~القهرمانة ، فقالت له : إن أمير المؤمنين أمرني أن أقول لك ، في مجلس حفلك ~~، أن ابن الفرات ، كان يحمل إلي خريطة في كل يوم فيها ألف دينار ، وإلى ~~السيدة عشرة آلاف دينار في الشهر ، وإلى الأمراء والقهارمة ، خمسة آلاف ~~دينار في الشهر ، وأنك قد أخللت منذ أربعين يوما . فقال لها في جواب ذلك : ~~الساعة قد جئت حادة محتدة ، تطالبينني بهذا ؟ اضرطي والتقطي ، واحذري لا ~~تغلطي . قال : فقامت خجلة ، وكان ذلك أحد أسباب سقوطه عندهم ، وغلبة علي بن ~~عيسى على الأمور . ومن ذلك : أنه استحضر ابن عبد السلام العدل ، يطالبه ~~بوديعة ، سعي بأنها عنده لابن الفرات ، وأن يحيى بن عبد الله الدقيقي ، أبا ~~زكريا ، قرابة أم كلثوم ، قهرمانة ابن الفرات ، أودعه ذلك ' 31 ' . فجرى ~~الخطاب بينهما في ذلك ، وعلي بن عيسى حاضر ، والخلق من القضاة والأشراف ~~والأولياء ، وكنت فيهم ، وأنا حدث مع أبي . فقال له : هذا الدقيقي ابن ~~البظراء ، قرابة أم كلثوم العفلاء ، تعرفه ؟ فقال العدل : الوزير أعزه الله ~~، أعرف به مني . ومن ذلك : أنه قال لابن الحواري ، في دار الخليفة ، وأم ~~موسى حاضرة ، ليلة قدم من واسط ليتقلد الوزارة ، في حديث جرى بينهما : قد ~~نكت أمه مرتين . فقالت أم موسى : ويلي ، أي شيء هذا ؟ فاستحيا ، وقال لابن ~~الحواري : نحن في السواد ، إذا غلبنا خصومنا ، قلنا قد نكنا أمهاتهم . ~~ومنها : أنه استحضر الوليد بن أحمد ، ابن أخت الراسبي ، ليصادره بمصادرة قد ~~وقف عليها ، عشية عيد أتى عليه في وزارته ، ولم يشغله حضور الناس عنده ~~للتهنئة بالعيد . فأتي بالرجل بجبة صوف ، فلما رآه علي بن عيسى ، وكان ~~حاضرا ، قال : إن رأى الوزير أن يخليني وإياه لأخاطبه ، وأقوده إلى امتثال ~~أمره . فقال : افعل . واستدعاه إليه ، وجعل يساره ، وكان علي بن عيسى ، ~~قريب المجلس من حامد ، يسمع عليه ما يخاطبه به . فسمع الوليد يحلف قليلا ms427 ، ~~قليلا ، ما بقيت لي حيلة . فقال لعلي بن عيسى : يا أبا الحسن ، تلومني ~~الساعة ، أن أنيك أم هذا ؟ فقال علي بن عيسى : اللهم غفرا ، أي والله ، أي ~~لوم . قال : وكان ابن عبدوس الجهشياري ، الذي ألف كتاب الوزراء ، قائما على ~~رأس علي بن عيسى ، لأنه كان يحجب أبا الحسن ، وكان أبوه من قبله مضموما ~~إليه رئاسة الرجال ، برسم علي بن عيسى الوزير ، وكان يحجبه أيضا . قال : ~~فتنحى ابن عبدوس من مكانه ، وقال : لعن الله زمانا صرت أنت فيه وزيرا . ~~ومنها : أنني سمعته ، وقد اجتاز على باب دار كنا ننزلها بشارع الكوفة ، إذ ~~ذاك ، وأنا قائم على الباب ، وقد اتفق أن كلمه في الموضع ، قوم من أهالي ~~بادوريا ، في خراج النخل الشهريز ، وأكثروا ، وأنهم يبيعون المائة رطل منه ~~- وهي حمل نخلة - بدرهمين ، وخراجها ثلاثة دراهم ، وأنهم يمنعون من قلعه ، ~~فإما أذن لهم في ذلك ، وإما خفف عنهم من الخراج . PageV02P299 # """""" صفحة رقم 300 """""" # قال : فصاح عليهم ، وقال : ليس لي في هذا نظر ، قد صار النظر في هذا ~~وشبهه ، إلى علي بن عيسى ، فامضوا إليه . قال : فانصرف القوم ؛ وسار خمس ~~خطى أو نحوها ، ثم وقف ، وقال : ردوهم ، فردهم ' 32 ' الرجالة . فقال لهم : ~~كأني بكم ، تمضون إلى علي بن عيسى ، وتقولون : قد أحالنا الوزير عليك ، ~~وأجابنا ، وأمي إن كنت أجبتكم إلى هذا زانية ، وأمكم إن قلتم هذا زانية ، ~~وأم علي بن عيسى إن أجابكم إلى هذا زانية . ثم سار متوجها إلى بستانه ~~المعروف بالناعورة ليتنزه . ومن ذلك : أنه كان يجتمع مع علي بن عيسى ، في ~~دار الخليفة ، لما ضمن حامد في وزارته السواد ، وصار علي بن عيسى مستوفيا ~~عليه ، ومطالبا له ، فيتناظران في أمر المال ، فيحتفيه علي بن عيسى ، ~~بالحجة ، فيعدل هو به إلى السبب والسفه ، فيقول له علي بن عيسى : سلاما ، ~~سلاما . يريد بذلك ، قول الله تعالى : ' وإذا خاطبهم الجاهلون ، قالوا ~~سلاما ' . فلما كثر ذلك على حامد ، قال له يوما عقيب سفه جرى عليه منه : كم ~~تذكر سلامه الذي ينيك أختك أسماء ؟ فقام علي ms428 بن عيسى ، وقال : ما بعد هذا ~~شيء ، وتجنب مخاطبته بعد ذلك . وقال لعلي بن عيسى مرة بحضرة المقتدر : أنا ~~والله ، نكت هذا مرتين ، وهو أمرد . # من عجائب صنع الله # حدثني أبو الحسين ، قال : رأيت ببغداد ، في سنة ثلاث عشرة وثلثمائة ، ~~وأبي ، وأنا ، مستتران في الكرخ ، طوافا ، يصيح ويقول : انظروا إلى قدرة ~~الله ، في رأس بقرة ، برأسين وأربعة أعين ، فرأيت ذلك كما وصف . ورأيت معه ~~فروجا له ثلاثة أرجل ، يمشي بهن ، ولا يعرج . PageV02P300 # """""" صفحة رقم 301 """""" # الرياسة دين لا يقضى # وحدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبي يقول : لما ولي أبو الحسن بن الفرات ~~، الوزارة الأولى ، لم يبدأ بتقليد أحد ، قبل أبي العباس أحمد بن محمد بن ~~بسطام ، وكان مقيما في مصر ، على عطلة ، فكاتبه بأجل مكاتبة ، وقلده أعمال ~~مصر ، وزاده في الدعاء . وقال : هذا رجل ، قد جرت له علي رياسة ، والرياسة ~~دين لا يقضى . # ابن الفرات يتعصب لآل نوبخت # قال أبو الحسين : وسمعت أنا - في الوزارة الثالثة - أبا الحسن بن الفرات ~~، يقول : - وقد دفع إليه صاحب الخبر ، خبرا فقرأه ، وخرقه - ثم قال : ~~يتمعضني الناس ، بتعطيلي مشايخ الكتاب ، وتفريقي الأعمال على آل بسطام ، ~~وآل نوبخت ، والله ، لولا أنه لا يحسن تعطيل نفر من العمال ، وقد قلدتهم ، ~~لما استعملت في الدنيا ، إلا آل ' 33 ' نوبخت ، دون غيرهم . قال أبو الحسين ~~: وإنما كان يتعصب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه وللمذهب ، ويتعصب لآل ~~نوبخت ، للمذهب . PageV02P301 # """""" صفحة رقم 302 """""" # المعتضد والعمال المنكوبون # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت جماعة من مشايخ الكتاب ، يقولون : كان ~~المعتضد ، إذا نكب رجلا من جلة العمال ورؤسائهم ، وكل به من يحفظه من قبله ~~، ولم يكن عبيد الله من نفسه . وربما أمر بصيانته ، وشدد الوصية في أمره ، ~~من غير توكيل به من جهته ، ولا أطماع في المال . وكان إذا وكل به ، يظهر أن ~~التوكيل للمطالبة ، وزيادتها ، والتشدد فيها ، لا لحفظ نفسه ، فيطمع العامل ~~. قال : وكان يقول : هؤلاء من أكابر العمال الذين قد قامت هيبتهم في نفوس ~~الرعية ، وعرفوا أقطار البلاد ، هم أركان ms429 الدولة ، وأنداد الوزارة ، ~~والمرشحون لها ، فإن لم تحفظ نفوسهم ، وضع ذلك من الأمر ، وأثر فيه . PageV02P302 # """""" صفحة رقم 303 """""" # لون من ألوان التعذيب # حدثني أبو الحسين ، علي بن هشام ، قال : حدثني أبو منصور عبد الله ابن ~~جبير النصراني ، كاتب ابن الفرات ، قال : لما نكبت ، بنكبة أبي الحسن بن ~~الفرات ، بعد الوزارة الأولى ، سلمت إلى أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن ~~أبي البغل ، فحبسني عنده ، وكان يطالبني بالمال ، فأدفع عن نفسي . إلى أن ~~أحضرني يوما ، فخاطبني في المال ، فلم أذعن بشيء ، فدعا بمزين ، وأمره أن ~~ينتف بالمنقاش ربع شعر رأسي . فلما نتف منه طاقات يسيرة ، كدت أتلف ، وقام ~~هو ، وقال : إذا نتفتم ربع رأسه ، فعرفوني . فلما قام ، رشوت الموكلين ، ~~فحلقوا باقي الربع من رأسي ، ولم ينتف ، وأعلموه أنه قد نتف ، فأمر أن يقير ~~الموضع النظيف من رأسي ، بقير حار . فجاءوا بالقير ، فوضعوه على رأسي ، ولم ~~يكن مفرط الحرارة ، لأنه لا كان مفرطا ، لأتلفني لا محالة . فحين أحسست ~~بحمي القير ، قامت قيامتي ، وكدت أن أتلف ، فأذعنت بالأداء ، وأقررت بسبعين ~~ألف دينار ، ودائع لي ' 34 ' ، وكتبت ألتزم تسليمها إليهم ، فأخذت في اليوم ~~الثالث . فلما كتبت خطي بتسليمها ، أمر بالزيت فطلي به رأسي ، وقلع به ~~القير من رأسي ، فقزع شعري إلى الآن . PageV02P303 # """""" صفحة رقم 304 """""" # من شعر نفطويه # حدثني أبو الحسين قال : انصرفت من عند أبي عبد الله ، نفطويه ، وقد كتبت ~~عنه أشياء ، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج ، فقال لي : ما ~~هذا الدفتر . فأريته إياه ، وكان على ظهره مقطوعتان ، قد أنشدنيهما نفطويه ~~لنفسه . فلما قرأهما الزجاج استحسنهما جدا ، وكتبهما بخطه على ظهر كتاب ( ~~غريب الحديث ) ، وكان بحضرته . والمقطوعتان : تواصلنا على الأيام باق . . . ~~ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوته لكن تراه . . . على روعاته ذاني النزوع ~~كذا العشاق هجرهم دلال . . . ومرجع وصلهم حسن الرجوع معاذ الله أن نلفى ~~غضابا . . . سوى دل المطاع على المطيع والأخرى : وقالوا شانه الجدري فانظر ~~. . . إلى وجه به أثر الكلوم فقلت ملاحة نثرت عليه . . . وما حسن السماء ~~بلا ms430 نجوم PageV02P304 ~~"""""" صفحة رقم 305 """""" # رعونة عبيد الله بن سليمان جرت النكبة عليه وعلى أبيه # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا جماعة من شيوخ الكتاب ، منهم علي بن عيسى ~~، والباقطائي ، وغيرهما ، قالوا : حدثنا عبيد الله بن سليمان ، قال : لما ~~أضاق المعتمد بسر من رأى ، وأمره - إذ ذاك - نافذ ، ومعه قطعة من الجيش ، ~~وكان سليمان بن وهب وزيره ، والموفق بواسط ، وعبيد الله ابن سليمان كاتبه ، ~~طلب المعتمد من سليمان ، مالا يحتاله ، لداره ، وحرمه ، وخاص نفقته ، لا ~~يعلم به الجند ، فدافعه بذلك ، فقبض عليه ، وقال له : قد تقلدت منذ أيام ~~المعتز ، إلى الآن ، أعمالا متوالية ، منها الوزارة للمهتدي ، ومرة الجبل ، ~~وغير ذلك ، وما نكبت ، ولا صودرت ، وأريد منك خمسمائة ألف دينار . قال : ~~وورد علي الخبر ، فلشدة محبتي لخلاص أبي ، ما جنيت عليه جناية عظيمة ، بأن ~~صرت إلى الموفق ، فقلت له : لم يقدم المعتمد على أبي إلا لبغضه لك ، وليس ~~يحقد علينا إلا تمشية أمرك ، واجتذاب الجيش ' 35 ' إليك . فوعدني بتخليص ~~أبي ، على مهل . فقلت : إن أخرت الأمر ، أسرع إلى مكروهه ، وإزالة نعمته . ~~فقال : ما تريد ؟ فقلت : تخرج بمن معك ، فتنتزعه من يده قسرا . فقال : هذا ~~يحتاج إلى مال ورجال ، وهو خليفة على كل حال ، ولا أحسب الرجال يطاوعوني ~~على حربه . فقلت له : علي المال والرجال . فقال : دعني ، حتى أفكر . قال : ~~ودافعني ، واعتقد في أقبح اعتقاد ، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال ، في ~~قتال الخليفة ، ويمكنه من المال ، من عنده ، ومن حيلته ، ما يرضي به الجيش ~~. فلما عاودته ، قال : يجب أن نقدم المراسلة بيننا وبينه ، فإن أنجعت ، ~~وإلا كانت الحرب . PageV02P305 # """""" صفحة رقم 306 """""" # فاخترنا للرسال ، صاعد بن مخلد ، وهو إذ ذاك ، من جلة أصحاب الدواوين . ~~فاستدعاه الموفق إلى حضرته من سر من رأى ، فصار إليه ، وحمله رسالة إلى ~~المعتمد . فمضى ، وأداها ، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه ، وأشار على ~~المعتمد بإطلاق أبي عاجلا ، وضمن له إفساد رأي الموفق فيه ، وفي ، حتى يقبض ~~علينا . فأقام أبي عند الموفق ، والوزارة إليه ، فدبر أمر الموفق ، ثم عاد ~~صاعد فشرع ms431 مع الموفق في الأمر ، وأنفذ المعتمد ثقاته سرا إلى الموفق ، بما ~~لقنه صاعد ، ولم يزل ينسج الأمر ، حتى تمت النكبة علينا . PageV02P306 # """""" صفحة رقم 307 """""" # ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو عيسى ، أخو أبي صخرة ، واسمه أحمد بن ~~محمد بن خالد ، قال : سمعت إسماعيل بن بلبل يقول : ما في الأرض أشد جناية ~~على الوزراء ، والرؤساء ، من أصاغر أسبابهم ، ولقد قال لي راشد ، صاحب جيش ~~الموفق : كنت قد بليت بالنظر في أمر إنزال الرجالة ، ومن يجري مجراهم ، ~~وكنا نحتاج في كل يوم لذلك إلى ستة آلاف دينار ، فما زالت تنقص بالإضافة ، ~~إلى أن اقتصر على ما لا بد منه ، وكان ثلاثة آلاف دينار . واعتمد الموفق ~~علي في ذلك ، لشدة اهتمامه به ، لأقوم به - إذا لم يطلق المال - بمالي ~~وجاهي ، وحيلتي ، فأفقرني ذاك . وكان عبيد الله بن سليمان ، وأبوه ، وهما ~~مقيمان ' 36 ' بالحضرة ، يقصداني ، ويريثان المال علي ، فأحفظني ذلك عليهما ~~، واقتصر لي ، على ألفي دينار في كل يوم ، عاجلة ، وألف بحوالات لا تروج ، ~~فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي ، وسروجي ، وأدخل كل كدخل ، حتى أقيم الأنزال . ~~ووقعا لي في بعض الأيام ، إلى جهبذهما ليث ، بمال من مال الأنزال ، جعلاه ~~من مال ضياعهما ، فتوارى ليث ، فبثثت الرسل في طلبه ، فوجده بعض رجالتي ، ~~فأوصل إليه التوقيع . فقال : ما عندي للوزير ، ولا لابنه مال . فقال له : ~~فاحتل ، ولو من مالك ، فهذا مهم للأمير أبي أحمد . فقال : وأيش لأبي أحمق ~~عندي ؟ فجاءني الرجل بالخبر ، فحملني الغيظ عليهما ، أن شكوت إلى الموفق ~~هذه الحال ، وقلت : قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله - قبحا - عليك . ~~فطالبني بإحضار الرسول ، فأحضرته ، فأمره أن يحكي الكلام ، فخاف الرسول ، ~~فأرهبه ، فأعاده عليه بعينه ، من غير كناية . PageV02P307 # """""" صفحة رقم 308 """""" # فقال : صدق ليث ، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه ، وعلى أصحابه ~~الأموال ، حتى ننظر . فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما . فقال لي الموفق : ~~أريد أن تلزم أصحابك ، طلب ليث ، وتظهر أنه بسبب ms432 هذا التوقيع ، وتبث ~~الرجالة ، حتى إذا حصل ، قبضنا على أصحابه . فأنفذت عدة ، ولم أزل أجتهد ~~حتى حصل . وجاء سليمان وعبيد الله ، من غد ، للخدمة على الرسم ، فشوغلا في ~~الدار ، إلى أن حصل ليث ، فلما حصل ، قبض عليهما ، وأنفذ إلى صاعد ، من ~~أحضره ، فتقلد الأمر ، وسلم إليه ليث . قال راشد : صرت إلى صاعد مهنئا له ~~بالوزارة ، فقال : قم بنا ، لأريك العجب . فقمنا ، وخلونا ، ودعا ليث ، ~~ورفق به ، فلم ينفع الرفق ، فقال : علي بجيش غلامه ، فجيء به ، فضربه مقارع ~~يسيرة . فقال : أنا أدلك على بئر المال . فقال لليث : هذه البئر مالك ، أو ~~مال أصحابك ؟ فقال : بل مالي ، أنا رجل تاجر . فأخرجوا من البئر ثمانين ألف ~~دينار ، واستخرج بعدها من ليث جملة أخرى كثيرة . فكانت تلك أحد ما قوى طمع ~~الموفق في آل وهب ، واستئصالهم ' 37 ' . PageV02P308 # """""" صفحة رقم 309 """""" # الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف # حدثني أبو الحسين ، قال : كنا في مجلس حامد بن العباس ، وهو وزير ، وكان ~~يتحدث في مجلس العمل كثيرا ، فسمعته يحكي ، قال : قال لي صاعد ابن مخلد : ~~لما قلدني الموفق وزارته ، شرطت عليه ، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن وهب ~~، وعبيد الله ابنه ، ولا أطالبهما ، ولا أنظر إليهما في مال ، ولا وديعة . ~~وقلت للموفق : سليمان اصطنعني ، ورفع حالي ، وصرفني ، وما دخل قط لي في ~~مكروه ، ولا دخلت لهما في مثله . ولم أجب إلى التقليد ، حتى صافحني أن لا ~~يلزمني ذلك . فلما تقلدت ، وخلع علي ، خاطبني في أمرهم بعد أيام ، وذكر ضيق ~~المال إلا من جهتهم ، فقلت : الشرط أملك ، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتبا ، ~~وتدبره بنفسك ، وبمن ترى من حاشيتك . فعاودني دفعات ، وأنا ممتنع ، حتى مضى ~~شهر من تقلدي . فلما رآني على هذه الحال ، راسل سليمان ، وقال له : إن ~~صاعدا غرني من نفسه ، وضمن لي القيام بالأمور ، وقد بلح ، وليس يذهب ولا ~~يجيء ، وهو عدوك وعدو ابنك ، وهو سعى بكما ، فاضمنه مني ، واذكر لي ما عليه ~~من الأموال ، وما في جيبه ، ومعايبه ، والحجج ، والتطرق عليه وعلى ms433 أملاكه . ~~وكان سليمان محنكا ، مجربا ، فأعاد الجواب على الرسالة ، بأني إن كنت ~~موثوقا بي ، فلا تحتاج إلى ضماني ، لأني أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه ~~حق الأمير ، إن أعادني إلى خدمته . ودافع عن كتابة الرقعة ، وعلم أنها حيلة ~~عليه ، لامتناعي عن مكروهه ، حتى يجعل الرقعة حجة عليه عندي . فأنفذ الموفق ~~، إلى عبيد الله ، مثل هذه الرسالة ، واستكتمه ذلك عن أبيه ، فكتب عبيد ~~الله ، رقعة طويلة ، يسعى علي فيها ، أقبح سعاية ، ويضمنني بمال جليل ، ~~ويثلبني ، وينكل بي . PageV02P309 # """""" صفحة رقم 310 """""" # فلما وصلت إلى الموفق ، احتفظ بها ، وغدوت عليه ، فخاطبني في تسلمهم ، ~~ومطالبتهم ، فاستعفيت ، وأقمت على الامتناع . فقال : اقرأ هذه الرقعة ، ~~فلما قرأتها ، ولم يكن عندي - إذ ذاك - علم كيف جرت الصورة ، وإنما ' 38 ' ~~انكشفت لي بعد ذلك المجلس ، قامت قيامتي ، وخفت على نفسي ، من معاجلة ~~الموفق ، متى لم أعاجلهم ، ولم أشك أن ذلك القول صحيح من عبيد الله ، وأن ~~الموفق قد أنعم علي بإطلاعي عليه . فاستجبت إلى تسلمهم ، وناظرتهم ، ~~وألزمتهم الأموال العظيمة ، واستمرت النكبة عليهم . # سبيل الإنسان في المحن أن يطأطئ لها # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن علي بن عيسى ، يقول : سمعت عبيد ~~الله بن سليمان ، يقول : لما دخل صاعد بن مخلد ، علي وعلى أبي ، ليناظرنا ، ~~ونحن في حبس الموفق ، قمنا ، وتلقيناه . فخاطب أبي بجميل ، وأكرمه ، ~~وتجهمني بقبيح ، وجعل لا يخاطبني إلا باسمي ، ويقول : يا عبيد الله . فلما ~~أكثر علي ، آلمني ذلك ، فقلت له : أنا عبيد الله بن سليمان بن وهب بن سعيد ~~، نتصرف في خدمة السلطان ، منذ خمسين ومائة سنة ، ونتقلب في جلائل الأعمال ~~، أنت صاعد بن مخلد ، مخلد من أبوه ؟ فكان هذا من أكبر ما أحفظه علي ، حتى ~~تناهى في مكارهي . وكان أبي يلومني على ذلك ، ويقول : سبيل الإنسان في ~~المحن أن يتطأطأ لها ، ويذل لوقوعها ، ولا يغالبها . ولم تكن نفسي ، أنا ، ~~تطاوعني على ذلك ، وكان من أضر الأمور علي ، وكان الحزم مع أبي دوني . PageV02P310 # """""" صفحة رقم 311 """""" # حفلة تعذيب بمحضر الوزير # قال أبو الحسين : حدثني ms434 أبو الحسن محمد بن محمد بن حمدون الواسطي ، صاحب ~~حامد بن العباس ، وخليفته ، قال : قال لي حامد : كان صاعد بن مخلد ، أول من ~~قلدني العمالة ، رياسة ، فقال لي في بعض الأيام : احضر دار الأمير الموفق ، ~~فحضرتها معه . فجلس في مجلسه منها ، واستدعى على خلوة ، سليمان بن وهب ، ~~وابنه عبيد الله ، وهما منكوبان . فرأيت سليمان ، وقد خرج بطيلسان ، وخف ، ~~ومبطنة ، وابنه حاف مكشوف الرأس ، على أذل صورة . فأكرم الأب ، وأسمع الابن ~~المكروه ، إلى أن دعا له بالمقارع ، فأخذ سليمان يستعطفه كل الاستعطاف ، ~~وهو لا ينثني ، ويقول له : إذا صنتك يا أبا أيوب عن مثل ' 39 ' هذه الحال ، ~~فلا أقل من أن تدعني أنتقم من هذا الجاهل ، الفاعل ، الصانع . قال : وأقبلت ~~المقارع تأخذ عبيد الله ، وسليمان يستعطفه . فلما زاد الأمر ، قال له ~~سليمان : يا كافر ، يا فاجر ، أما تستحي ؟ إنا اصطنعناك ، وأقعدناك هذا ~~المقعد ، تضربه بين يدي ، سبة عليك . قال : فاستحيا ، وأمر بقطع الضرب ، ~~فما ضرب بعدها عبيد الله بحضرته ، وواضع الموفق بعد ذلك ، على أن يكون ~~الضرب بحضرته ، بأيدي غلمانه ، في داره . فحرض الموفق عليهما ، حتى نهكهما ~~عقوبة وضربا . PageV02P311 # """""" صفحة رقم 312 """""" # وحفلة تعذيب بمحضر الأمير # فحدثني أبو علي بن مقلة ، في نكبته بعد الوزارة الثالثة ، وهو في دار أبي ~~بكر بن قرابة ، لمال يؤديه ، ضمنه عنه ابن قرابة ، وشكا ما عامله به ~~الخصيبي من المكروه ، ثم قال : سمعت أبا الحسن بن الفرات ، يقول : سمعت أبا ~~القاسم عبيد الله بن سليمان ، يقول : أخرجت وأخرج أبي في نكبتنا ، في بعض ~~الأيام ، بواسط ، إلى حضرة الموفق ، وقد نصبت له سبنية ، فجلس وراءها ، ~~ونحن نعلم بذلك . ودعا براغب ، فأمره بضربنا ، فضرب أبي نيفا وعشرين مقرعة ~~، ثم دعي بي ، فنوظرت ، ثم أمر بضربي . فإلى أن يستدعى لي من يضربني ، قال ~~أبي لراغب : الذي نحن فيه يستطاب معه الموت ، وما أقول ما أقوله دفعا عن ~~نفسي ، ولا عن ولدي ، وإنما أقوله شفقة على الأمير ، فأعلمه : أن ملكا من ~~ملوك بني إسرائيل ، ذبح سخلة ، بحضرة أمها فخبط ms435 من ساعته . قال : فوالله ، ~~ما مضى راغب ليؤدي الكلام ، حتى جاءت الرسل من عند الموفق ، بأن يرفع الضرب ~~عنا ، وقد كان بحيث يسمع الكلام من وراء السبنية . فما عاد بعدها علينا ~~مكروه . PageV02P312 # """""" صفحة رقم 313 """""" # أبو زكريا السوسي يرى مناما # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي ، المعروف ~~بخلف ، ومحله ، في اليسار ، والجلالة ، والمكنة من السلطان ، والاشتهار ~~بالدين ، والثقة ، والصدق ، والأمانة ، وصحة الرأي ، مشهور ، وكان نصرانيا ~~في حداثته ، فأسلم ، وحسن إسلامه ، قال : رأيت في منامي - يعني بعد إسلامه ~~- عليا عليه السلام ، وكأنه جالس ومعه جماعة ' 40 ' من أصحابه ، وبالقرب ~~منه ، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومعهما جماعة . قال : فسألته ، قلت : ~~يا أمير المؤمنين ، ما عندك في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى خيرا كثيرا . قلت : ~~فلم لم تجلس معهما ؟ فقال : حياء منهما لما يعمل بهما الرافضة . PageV02P313 # """""" صفحة رقم 314 """""" # حفيد يزيد بن هارون يرى جده في المنام # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة ~~الواسطي المعروف بنفطويه ، في مسجد الرصافة ، إملاء في سنة ثمان وثلثمائة ، ~~قال : حدثنا ابن بنت يزيد بن هارون ، ولم يسمه ، وكذا أملى علينا ، قال : ~~رأيت جدي يزيد في النوم ، فقلت ، ما فعل الله بك ؟ ومنكر ونكير ما قالا لك ~~؟ قال : قالا لي : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فقلت : ألي يقال هذا ؟ ~~وأنا أعمله الناس منذ ثمانين سنة ؟ فقالا لي : نم نومة العروس ، فلا بؤسى ~~عليك . وعاتبني ربي ، على كتابي عن عثمان بن جرير ، فقلت : يا رب ، عبدك ~~وما أعلم إلا خيرا . قال : إنه كان يبغض عليا عليه السلام . PageV02P314 # """""" صفحة رقم 315 """""" # ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو الحسن بن الفرات ، قال : دخل علي ~~المقتدر يوما ، وأنا في حبسه ، في وزارة حامد ، فقال لي : يا أبا الحسن ، ~~أتعرف الحسن بن محمد الكرخي الكاتب ؟ فقلت : نعم . قال : أي شيء هو من ~~الناس ؟ قلت : عامل ، له محل ، ويفهم في الحساب شيئا ، وهو من صنائعي ms436 ، ~~ووجوه عمالي ، وقد كان قبل ، تقلد عمالات لعبيد الله بن سليمان ، وهو أخو ~~القاسم بن محمد الكرخي ، وهو من أهل بيت . قال : فقال لي : إنه قد كتب إلي ~~يخطب الوزارة ، ويتضمن بحامد ، وبعلي بن عيسى . قال : فقلت له : ولا كل هذا ~~يا أمير المؤمنين ، إن هذا ، إنما طمع في الأمر لما رأى حامدا قد تقلد ~~الوزارة ، ولعمري إنها قد اتضعت بتقلده ، وطمع فيها كل أحد ، ولعمري أنه ~~فوق حامد ، أولا في العفافة ، وحفظ اللسان ، والحساب والخط ، ولكن ليس لأنه ~~فوق حامد ، يجب أن يقلد الوزارة ، ولا لأن الغلط جرى في أمر حامد ، يجب أن ~~يقلد هذا ، على أنه غلط في ظنه أنه يصلح لصرف حامد ، لأن حامدا رجل قديم في ~~الرياسة في العمال ، وله مروءة عظيمة ، وضياع كثيرة ، وغلمان كثيرو العدد ، ~~وله هيبة ' 41 ' ، وسطوة ، وسن ، ونشأ بعيدا عن الحضرة ، فلم تستشف أخلاقه ~~، وأفعاله ، فانستر أمره عن أهلها ، وله كرم يغطي كثيرا من معايبه ، وترك ~~الأمر في يده ، ويد علي بن عيسى ، وهو لا يلحق بعض كتابه ، فضلا عنه أولى ، ~~وإني لأقول الحق فيهما ، على عداوتهما لي . قال : فأضرب المقتدر عن تقليده ~~. قال هشام : ثم تم التدبير لأبي الحسن ، في الوزارة ، وصرف حامد ، فحين ~~جاءه الحسن بن محمد الكرخي ، أبو أحمد ، ذكر تلك الحال التي حدثه بها ~~المقتدر ، فهاب الحسن بن محمد ، على الأمر ، ورآه بعين رجل بعيد الهمة ، ~~وعرف تقلب رأي PageV02P315 ~~"""""" صفحة رقم 316 """""" # المقتدر ، فرأى أن يحسن إلى الحسن بن محمد ، ويبعده عن الأعمال ، فقلده ~~الموصل ، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد . فانتفع الكرخي بذلك الشروع . PageV02P316 # """""" صفحة رقم 317 """""" # الحسن بن محمد الكرخي وكمال مروءته # قال أبو الحسين : فكنا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات ، وهو يعمل ، ~~وأنا مع أبي ، والمجلس حافل ، حتى قرأ كتابا من صاحب بريد الموصل ، يذكر ~~فيه ، أن أبا أحمد ، قد تبسط في الأعمال ، وأظهر من المروءة أمرا عظيما ، ~~وركب باللبود الطاهرية ، وبعدة حجاب وغلمان ، حتى أنه يسير معهم في موكب ، ~~وأنه ورد معه من ms437 الزواريق والجمال التي تحمل أثقاله ، شيء كثير ، وأن هذا ~~ما لا يحتمله رزقه ، وإنما هو من الأصل . فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي ~~، الباقي إلى الآن - وكان إذ ذاك حدثا يخط بحضرته - وقال له : وقع عليه ، ~~ليكتب إليه ، ويعرف ، أنه نفع الرجل من حيث تعمد ضره ، لأنه إذا كان في مثل ~~هذا الصقع ، عامل وجيه ، جليل ، كثير التجمل ، والهيبة ، والمروءة ، صلح أن ~~يبادر به السلطان ، إلى مصر ، وأجناد الشام ، متى أنكر على عمالها أمرا ، ~~لأن هذه النواحي ، لا تصلح إلا لمن كان حسن التجمل ، والمروءة ، كثير ~~النعمة . PageV02P317 # """""" صفحة رقم 318 """""" # راتب عامل فارس ثلاثة آلاف دينار في الشهر # ثم أقبل على من في مجلسه ، فقال : حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ~~: أن المعتضد ، رفع إليه خبر ، رفعه النوشجاني ، صاحب يريده ، يذكر فيه : ~~أن الأخبار ذاعت ببغداد ، بأن حامد بن العباس ، لما دخل فارس ، متقلدا ~~لعمالتها ، دخل ومعه عدد ' 42 ' كثير عظيم ، من الغلمان والحاشية . قال : ~~فتحيرت ، لما دفع الكتاب إلي ، وخفت أن يكون قد أنكر ذلك ، ويقع له ، أن ~~هذا اصطلام للمال ، ودخلني فزع منه ، فلم أدر بأي شيء أجيب . فقال لي : يا ~~أبا القاسم ، وقد كان كناه أول ما استوزره ، وكان يتكنى على الناس إلا على ~~بدر ، وصاحب خراسان ، وكان هو وبدر يتكاتبان بالكاف ، والدعاء بينهما سواء ~~. قال المعتضد : يا أبا القاسم ، قرأت الكتاب ؟ فقلت : نعم . فقال : قد ~~سرني ما ذاع من مروءة حامد ، وهيبته بذلك في نفوس الرعية ، فكم رزقه ؟ فقلت ~~: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر . فقال : اجعلها ثلاثة آلاف ، ليستعين بها ~~على مروءته . PageV02P318 # """""" صفحة رقم 319 """""" # المعتضد يعفي عاملا من المطالبة لما ظهر من مروءته # قال : ثم قال أبو الحسن بن الفرات ، عقيب هذا : وقد فعل المعتضد ، قريبا ~~من هذا ، مع أبي العباس أحمد بن بسطام ، فإن المعتضد ، طالبه ، بعجز ضمانه ~~واسط ، وحبسه في دار ابن طاهر ، وألزم سبعين ألف دينار يؤديها ، فكان ~~يصححها على جميل ، وهو موكل به من قبل المعتضد في دار ابن طاهر ms438 ، وأصحاب ~~عبيد الله يطالبونه ، ويقتضون المال . فكتب النوشجاني ، صاحب الخبر ، فيه : ~~أنه كان يفرق في أيام ولايته ، في كل شهر ، عشرين كرا ، حنطة ودقيقا ، على ~~حاشيته ، وعلى المستورين والفقراء ، وأنه فرق في هذا الشهر الأكرار على ~~رسمه ، ولم يقطعها ، وهو مع ذلك يماطل بأداء ما عليه . فلما دخل عبيد الله ~~على المعتضد ، أراه الرقعة ، فسكت عبيد الله ، فقال له المعتضد : قد سرني ~~هذا ، لأن ابن بسطام رجل مشهور بعظم المروءة ، وكثرة المعروف ، وقد جملنا ~~بما قد فعله ، حين لم يظهر أن ما قد ألزمناه أحوجه إلى الزوال عن عادته في ~~المعروف ، فكم بقي عليه ؟ قال : بضعة عشر ألف دينار . فقال : أسقطها عنه ، ~~ورده إلى عمله ، وعرفه إحمادي ما قد فعله . فامتثل عبيد الله ذلك . PageV02P319 # """""" صفحة رقم 320 """""" # علو نفس الحسن بن مخلد # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا عبيد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن ~~أبي الأصبغ ، يحدث أبي ، قال : كنت أتصرف مع سليمان بن وهب ، لقرابة كانت ~~بيننا من جهة النساء ، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة ، حتى أنه كان ~~يطحن الزعفران في داري ، كما يطحن الناس الدقيق ' 43 ' ، لكثرة ما كان ~~يجيئنا من الجبل ، ونستعمله ، ونهديه . فولي سليمان ديوان الخراج ، فكنت ~~أحد عماله فيه ، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله ، نفرة ، فلزمت منزلي ~~أياما . فما شعرت إلا برقعة الحسن بن مخلد ، يستدعيني وهو يتولى ديوان ~~الضياع ، وكانت بينهما مماظة ، فمضيت إليه ، فقال لي : أنت معطل ولا تصير ~~إلي ؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب ؟ فقلت : يا سيدي ، كيف ينفصل ما ~~بيننا ، مع القرابة ؟ ولكن بيننا عتب . فقال : دع ذا ، أنت معطل ، وما تبرح ~~حتى أقلدك عملا . قال : وأراد اجتذابي لناحيته ، وكان الناس - إذ ذاك - ~~يتغايرون على الكفاة . فقلدني أعمال السيب الأسفل ، وقسين ، وجنبلا ، وكانت ~~تجري في ديوانه ، فقبلتها . وخرجت إليها ، وكان الأرز قد قارب الإدراك ، ~~فقدرته ، وعدت إلى سر من رأى ، لأشرح له حال التقدير ، وأستأمره في العمل . ~~فلما بصر بي قال : قد قدمت على فاقة ms439 مني إليك ، قد تأذيت بالفلاحين ، وأريد ~~لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين من الثلج . فقلت له : ~~الأرز خافور ، وما بلغ إلى أن يحرز . فقال : لا بد من أن تستفرغ جهدك ، ~~وحيلتك ، في هذا ، حتى تخفف عني . وكان ، أول خدمة ، فاحتجت أن أضطرب ، ~~لأصنع نفسي عنده ، فخرجت مفكرا فيما أعمله . PageV02P320 # """""" صفحة رقم 321 """""" # فلإقبالي ، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق ، وكانت بيننا مودة ، ~~وكان موسرا ، وكان جميع متجره غلات السلطان ، فبدأني بالعتاب على تركي ~~مبايعته شيئا بالسلف من غلات عملي . فاجتذبته إلى منزلي ، وقلت : البيت لك ~~، فاحتفل ، ولو رأيتك ما عدلت عنك . قال : فأقام عندي يومه ، ولم أزل حتى ~~بعته بحساب الكر الأرز المعدل ، بسبعة دنانير ، وكنت قد قدرت الحاصل فيه ~~للسلطان ، ثلاثة آلاف كر معدل ، وسثنيت عليه في كل كر دينارا ، وأخذت خطه ~~بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار ، لمن يؤمر بأدائها إليه . ورحت إلى دار ~~الحسن بن مخلد ، فوجدته نائما ، والناس ' 44 ' مطرحون في داره ، ثم دخلت ~~إليه ، وشرحت له الصورة ، فسر بها ، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في ~~الديوان ، وسلم الرقعة إليه ، وقال : أحل الفلاحين على هذا التاجر . فلما ~~خلا مجلسه ، تقدمت إليه ، وعرفته خبر الاستثناء ، وأريته الخط ، وقلت : إلى ~~من أسلم المال ، إذا قبض ؟ فلم يجبني ، فألححت عليه . فقال لي : يا هذا ، ~~إنك صحبت قوما ، لا مروءة لهم ، فتعودت منهم ، أن تعطوا نفوسهم إلى مضايقة ~~خدمهم في هذا القدر ، وما هو أتفه منه ، وإذا أخذت أنا هذا المرفق ، فأنت ~~لم تخدمني ، وتتبعني ؟ خذ هذا ، وأصلح به حالك ، ليبين عليك أثر خدمتك لي . ~~فقبلت يده ، ورجله ، وعدت إلى عملي ، واستخرجت المال ، ودبرت العمل . وحضر ~~بعد مديدة ، النوروز ، وقد كنت مذ خرجت من حضرته ، سألت ثقات إخواني من ~~التجار في الأسواق ، أن يجمعوا لي كل علق ، حسن ، غريب ، طريف ، مثمن ، من ~~فرش ديباج مثقل ، وأبي قلمون مذهب ، ووشي ، وديبقي مرتفع ، وقصب . PageV02P321 # """""" صفحة رقم 322 """""" # قال : فجمع لي من ذلك ، ما كان شراه خمسة آلاف دينار ms440 ، وهو يساوي أكثر ~~منها بكثير . ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية ، وتضرعت في قبولها ، ~~وتشبثت بذلك ، وكتبت ثبت الهدية ، في أسفل الرقعة . فكتب إلي فيها : لك ~~أكرمك الله ، بنات ، وهن إلى هذا أحوج مني ، وقد قبلت ما يصلح قبوله أنسا ~~بك ، وإسقاطا للحشمة معك ، ورددت إليك الباقي ، ليكون لهن . وكان الذي قبله ~~، ثوب قصب ، ومنديل ديبقي ، وشستجة قصب . PageV02P322 # """""" صفحة رقم 323 """""" # الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا عبد الله الباقطيء ، يقول : وحكى لي ~~أبي ذلك ، قالا : إن السجزية لما غلبوا على فارس ، أجلي قوم من أهل الخراج ~~عنها ، لسوء المعاملة ، ففضوا خراجهم على الكوجودين ، وسموا ذلك : التكملة ~~، حتى يكمل به مال قانون فارس - كان - متقدما . ولم تزل الحال في ذلك ، ~~تزيد تارة ، وتنقص أخرى ، إلى افتتح أبو الحسن بن الفرات ، في وزارته ~~الأولى ، فارس ، على يد وصيف ' 45 ' . ومحمد بن جعفر العبرتائي ، ومن ضمه ~~إليهما من القواد في سنة ثماني وتسعين ومائتين . فأمر ابن الفرات ، بإجراء ~~الأمر في التكملة ، على ما كان جاريا عليه . وجرى الأمر على ذلك ، في أيام ~~محمد بن عبيد الله الخاقاني ، وفعله علي بن عيسى ، في صدر وزارته الأولى . ~~فلما مضت منها مديدة ، صار إلى مدينة السلام ، عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي ~~، وطعن على محمد بن أحمد بن أبي البغل ، وكان - إذ ذاك - يتقلد فارس ، وذكر ~~أنه إن ضمن العمل مكانه ، وفر جملة من المال ، فضمنه علي بن عيسى ، وانصرف ~~ابن أبي البغل عما كان يتقلده أمانة ، وقلده أصبهان . ثم أخر عبد الرحمن بن ~~جعفر المال ، واحتج بأن أهل فارس يتظلمون من التكملة ، ولا يلتزمونها . ~~وكان أبو المنذر النعمان بن عبد الله ، يتقلد ديوان كور الأهواز ، مجموعة ، ~~فكتب إليه علي بن عيسى ، أن يستخلف على أعماله ، وينفذ إلى فارس ، فيطالب ~~عبد الرحمن بما حل عليه من المال ، وينظر في هذه التكملة ، ويشرح أمرها . ~~وكتب إلى أحمد بن محمد بن رستم بأن يصير من أصبهان إلى ms441 فارس ليضمنها . وكتب ~~إلى النعمان ، بحل ضمان عبد الرحمن ، وعقد البلد على ابن رستم . PageV02P323 # """""" صفحة رقم 324 """""" # فاستخرج النعمان التكملة ، ووجد قطعة منها على عبد الرحمن ، قد قدر أن ~~يكسرها ، فعسفه ، وباع قطعة من أملاكه ، حتى استوفى ذلك . وكتب إليه علي بن ~~عيسى يسأله عن التكملة ، وأن يشرح له أمرها ، وأنه قد صار يستضعف قوم ~~فيلزمون منها أكثر مما يجب عليهم ، ويرهب قوم ، فيسامحون بها ، أو بأكثرها ~~. فكتب إليه النعمان وابن رستم : إن من طرائف ما يجري بفارس ، أن الناس ~~يطالبون بالتكملة ، وهي ظلم صراح ، سنة الخوارج ، ويترك عليهم ما قد أوجبه ~~الفقهاء ، وهو خراج الشجر ، لأن فارس افتتحت عنوة ، وليس على الشجر بها ~~خراج ، وأرباب الشجر يذكرون ، أن المهدي أسقط عنهم خراج الشجر ، وليس لهم ~~حجة بذلك ، إلا طول مدة الرسم ، والأصل وجوب الخراج على الشجر . فتسامع أهل ~~البلد بالخبر ، فتبادر أجلاؤهم إلى حضرة علي بن عيسى من فارس ، فدخلوا ~~مجلسه للمظالم ' 46 ' ، وفي أكمامهم حنطة محرقة . فلما تظلموا ، قالوا له : ~~نمنع من إطلاق غلاتنا ، وتعتقل علينا في الكناديج ، إلى أن تعفن وتصير هكذا ~~- ورموا بالحنطة المحرقة من أكمامهم - حتى نبيع شعورنا ، ونؤدي التكملة ~~الباطلة ، حتى تطلق غلاتنا وقد احترقت هكذا . ورمى قوم من أكمامهم بتين ~~يابس ، وخوخ مقدد ، ولوز ، وفستق ، وبندق ، وغبيراء ، ونبق ، وبلوط ، ~~وقالوا : هذا كله بغير خراج ، لقوم آخرين ، والبلد عنوة ، فأما تساوينا في ~~الإحسان أو الاستيفاء . فخاطب علي بن عيسى ، في ذلك ، الخليفة ، واستأذنه ~~في جمع الفقهاء ، والقضاة ، ومشايخ الكتاب ، ووجوه العمال ، وجلة القواد ، ~~ومناظرة القوم بحضرته ، وتقرير الأمر على ما يوجب الحق - عند الجماعة - ~~والعدل ، فأذن له في ذلك . فجمع الناس في دار المخرم ، التي كانت برسم ~~الوزارة ، وصيرها علي بن عيسى ديوانا ، وطالت المناظرات ، واحتج من حضر من ~~أرباب الشجر ، بفعل المهدي ، وقالوا : قد استهلكت أموالنا ، في أثمان هذه ~~الأملاك التي لا خراج عليها ، وإن ألزمت الخراج ، بطلت القيم ، وافتقرنا : ~~فأفتى الفقهاء بوجوب الخراج ، وبطلان التكملة . وقال الكتاب : إن كان ~~المهدي ، شرط شرطا ms442 ، لمصلحة في الحال ، أو عناء اعتناء أهل البلاد ، في جدب ~~أو غيره ، ثم زالت المصلحة ، زال الشرط . PageV02P324 # """""" صفحة رقم 325 """""" # فقال علي بن عيسى للقوم : أليس عندكم أنا ما فعله المهدي واجب ؟ قالوا : ~~بلى . قال : لم ؟ أليس لأنه إمام رأى رأيا ليس فيه مضرة ؟ قالوا : بلى . ~~قال : فإن أمير المؤمنين ، وهو الإمام الآن ، قد رأى أن الأحواط للمسلمين ، ~~والأحفظ للكافة ، إلزام الخراج الشجر ، وإزالة التكملة . فقام إليه الزجاج ~~، ووكيع القاضي ، فوصفاه ، وقرضاه . وقال الزجاج : لقد حكمت بحكم ، لو كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حاضرا ، ما تجاوزه . وقال وكيع : لقد فعل ~~الوزير في هذا ، كفعل أبي بكر الصديق ، رضوان الله عليه ، في مطالبة أهل ~~الردة بالزكاة . وأنهى علي بن عيسى ، والقضاة ، ما جرى ، إلى المقتدر ، في ~~يوم الموكب ، واستأذنه في كتب كتاب بإسقاط التكملة عاجلا ، إلى أن يتقرر ~~أمر الشجر . فأمر بكتب ذلك ' 47 ' في الحال بحضرته ، وأحضر قائدا من قواد ~~الحضرة ، كان يخلف بدرا الكبير ، المعروف بالحمامي ، عامل المعاون ، بفارس ~~وكرمان ، ليسلم إليه الكتاب ، ويطالب النعمان ، وابن رستم بامتثاله . وأمر ~~الخليفة بإحضار دواة يكتب بها علي بن عيسى ، وكان رسم الوزراء ، إذا أمروا ~~بكتب كتاب بحضرة الخليفة ، أن تحضر لهم دواة لطيفة ، بسلسلة ، فيمسكها ~~الوزير بيده اليسرى ، ويكتب منها باليمنى . فأحضرت تلك الدواة ، لعلي بن ~~عيسى ، وبدأ يكتب منها الكتاب بغير نسخة . فلما رآه المقتدر ، وقد شق عليه ~~ذلك ، أمر بإحضار دواته ، وأن يقف بعض الخدم ، فيمسكها إلى أن يكتب . فكان ~~أول وزير أكرم بهذا ، ثم صار ذلك رسما جاريا للوزراء ، بحضرته . فكتب علي ~~بن عيسى ، في ذلك كتابا إلى النعمان ، وخرجت نسخته ، إلى الديوان ، وأثبت ~~فيه . قال أبو الحسين : فحفظناه ونحن أحداث ، ونسخته : PageV02P325 # """""" صفحة رقم 326 """""" # بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله جعفر ، الإمام المقتدر بالله ، ~~أمير المؤمنين ، إلى النعمان ابن عبد الله . سلام عليك ، فإن أمير المؤمنين ~~، يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ~~ورسوله ، ( صلى الله عليه ms443 وسلم ) تسليما كثيرا . أما بعد ، فإن أفضل ~~الأعمال قدرا ، وأجملها ذكرا ، وأكملها أجرا ، ما كان للتقى جامعا ، وللهدى ~~تابعا ، وللورى نافعا ، وللبلوى رافعا . قود جعل الله - عز وجل - أمير ~~المؤمنين ، فيما استرعاه من أمور المسلمين ، مؤثرا لما يرضيه ، صابرا على ~~ما يزلفه عنده ويحظيه ، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله ، عليه يتوكل ، ~~وبه يستعين . وقد عرفت حال السجزية والخرمية ، الذين تغلبوا على كور فارس ~~وكرمان ، وأحدثوا الجور والعدوان ، وأظهروا العتو والطغيان ، وانتهكوا ~~المحارم ، وارتكبوا المظالم ، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم ، وتورد ~~بها عليهم ، فأزالهم وبددهم ، وشتتهم وأبادهم ، بعد حروب تواصلت ، ووقائع ~~تتابعت ، أحل الله بهم فيها سطوته ' 48 ' ، وعجل لهم نقمته ، وجهلهم عبرة ~~للمعتبرين ، وعظة للمستمعين ، ' وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، ~~إن أخذه أليم شديد ' . ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار ، وفرق عدد أوباشهم ~~الفجار ، وجد أمير المؤمنين ، أفظع ما اخترعوه ، وأشنع ما ابتدعوه ، في ~~مدتهم التي طال أمدها ، وعظم ضررها ، تكملة اجتنبوها بكور فارس ، في سني ~~غوايتهم ، لما طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم ، من غير اقتصار به ~~على الموجودين ، حتى فضوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين . فأنكر ~~أمير المؤمنين ، ما استقر من هذا الرسم الذميم ، وأكبر ما استمر به من ~~الظلم العظيم ، ورأى صيانة دولته ، عن قبيح معرته ، وحراسة رعيته ، من عظيم ~~مضرته ، مع كثرته ، ووفور جملته . فرفع عن الرعية هذه التكملة رفعا مشهورا ~~، وقد جعل الله تعالى من سنها مدحورا ، ونادى في المساجد الجامعة بإزالتها ~~، وإبطال جبايتها ، ليرتفع ذلك في PageV02P326 ~~"""""" صفحة رقم 327 """""" # الجمهور ، ويتمكن السكون إليه في الصدور ، وتحمد الله الكافة على ما ~~أتاحه لها من تعطف أمير المؤمنين ورعايته ، وجميل حياطته لهم وعنايته . ~~واكتب ما يكون منك في ذلك ، فإن أمير المؤمنين يتوكفه ، ويراعيه ويتشوفه ، ~~إن شاء الله . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . وكتب علي بن عيسى يوم ~~النصف من رجب سنة ثلاث وثلثمائة . # الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية # وقد كان علي بن عيسى ، قبل ذلك ms444 بسنة ، نظر لأهل التكملة من جملتها في ~~شيراز ، بعشرة آلاف درهم ، قبل أن يخرج في السنة المقبلة ، خراج الشجر ، ثم ~~تقرر أمر الشجر على أن يؤخذ منه الخراج ، ويقارب أهله فيه ، على طسوق توضع ~~لهم مخففة ، وكان النعمان رفيقا يقاربهم ، حتى عاد بإزاء ما أسقط من مال ~~الضمان في التكملة ، أكثره على التدريج . فكتب علي بن عيسى ، في أمر الشجر ~~، كتابا كنا نتحفظه في الحداثة من الدار ، نسخته إلى ابن رستم ، لأن ~~النعمان عاد إلى بغداد ، واستخلف بفارس أبا مسلم ، محمد بن بحر ، وضمن ~~البلد من ابن رستم ، وجعل أبا مسلم ، مستوفيا عليه للمال : بسم الله الرحمن ~~الرحيم . إلى أحمد بن محمد بن رستم ' 49 ' ، من عبد الله جعفر الإمام ~~المقتدر بالله ، أمير المؤمنين . سلام عليك ، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك ~~الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ، ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا . PageV02P327 # """""" صفحة رقم 328 """""" # أما بعد ، فإن الله تعالى بعظيم آلائه ، وقديم نعمائه ، وجميل بلائه ، ~~وجزيل عطائه ، جعل أموال الفيء للدين قواما ، وللحق نظاما ، وللعز تماما ، ~~فأوجب للأئمة حمايتها ، وحرم عليهم إضاعتها ، إذ كان ما يجتبى منها ، عائدا ~~بصلاح العباد ، وحراسة البلاد ، وحماية البرية ، وحياطة الحوزة والرعية ، ~~ولذلك ، يعمل أمير المؤمنين ، فكره ورويته ، ويستفرغ وسعه وطاقته ، في ~~حراستها وحياطتها ، وقبض كل يد عن تحيفها وتنقصها ، والله ولي معونته ، على ~~جميل نيته ، وحسن طويته ، بمنه ورحمته . ولما فتح الله عز وجل ، كور فارس ~~على المسلمين ، وأزال عنها أيدي المتغلبين ، وجد أمير المؤمنين أهلها ، قد ~~احتالوا في إسقاط خراج الشجر بأسره ، مع كثرته وجلالة قدره ، فأمر بإشخاص ~~وجوههم إلى حضرته ، واتصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته ، إلى أن ~~اعترفوا به مذعنين ، والتزموه طائعين ، وضمنوا أداء ما أوجبه الله تعالى ~~فيه من حقوقه ، على ما تقرر معهم من وضائعه وطسوقه ، فطالب بخراج الشجر ، ~~في سائر الكور ، على استقبال سنة ثلاث وثلثمائة ، فاستخرجه ، واستوف جميعه ~~واستنظفه ، واكتب بما يرتفع من مساحته ، ويتحصل من مبلغ ms445 جبايته ، متحريا ~~للحق ، متوخيا للرفق ، إن شاء الله . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . PageV02P328 # """""" صفحة رقم 329 """""" # إذا تم أمر بدا نقصه # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي ، ~~وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبر ، قال : حدثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن ~~مخلد بن أبان ، قال : حدثني عدة من جلة الكتاب ، عن كاتب كان يخلط بين يدي ~~المورياني ، وهو وزير المنصور ، قال : كنت يوما بحضرته على خلوة ، فدخل ~~عليه حاجبه ، وقال : بالباب رجل يذكر أنه يريد أن يلقي إليك شيئا مهما . ~~قال : اسمع منه ما يقوله ، وأده إلي . قال : قد سمته ذلك فأبى ، وبذلت أن ~~أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك ، وقال إما أن أصل إليه ، أو أنصرف ' 50 ' . ~~قال : فما زيه ؟ قال : زي التناء . قال : هاته . فأدخله ، فلما وصل ، ~~استأذنه في السرار ، فأذن له ، فدنا إليه ، فأطال سراره ، ثم دعا بخازنه ، ~~فقال : خذ ما يدفعه إليك . ثم قال لي : قم ، فاكتب بكل ما يريده ، على ~~إملائه ، وإن التمس توقيعي في شيء منه ، فأنفذه إلي مع غلامك . قال : فقمت ~~، فكتبت له بما أملاه ، وعدت ، فعرفته إزاحتي علته فيما طلبه ، فجعل يبكي ~~بكاء شديدا . فسألت غلمانه : هل ورد بعدي شيء يكرهه . فقالوا : لا . فقلت : ~~يا سيدي ، ما هذا البكاء ؟ وكنت آنسا به . فقال : إن هذا الرجل لقيني منذ ~~أكثر من سنة ، وذكر أنه من بني البختكاني وذكر كبر نعمته - وأنا بهم عارف - ~~، ووصف أن العمال يتحيفونه ، ويستضعفونه ، وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته ، ~~وأظهر أني قد استأجرتها منه ، PageV02P329 ~~"""""" صفحة رقم 330 """""" # وأكاتب العمال ، ووكلائي بذلك ، وأن تقر يده فيها ، إذ كنت قد وثقت به ~~على ذلك ، وبذل لي النصف من ارتفاعه ، بعد المؤونة ، حلالا . فوافقته على ~~ذلك ، وكتبت له بما أراد ، ومضى . ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه ، ولا ~~الاستظهار ، ولا مضايقته ، وقلت لعله أراد الانتفاع بجاهي ، فلا أحرمه إياه ~~، فإن وفى ، وإلا كان ذلك من زكاة الجاه . ثم أنسيت أمره ، فما ذكرته حتى ~~رأيته الساعة ، فأعلمني ms446 أنه يتردد منذ مدة إلى الباب ، فلا يصل ، وأعلمني ~~أنه قد حصل لي من ذلك ، مائتا ألف درهم ، وأوقفني على حساب رفعه ، ~~واستأذنني في تسليم المال . وسألني تجديد الكتب ، بمثل ما كنت كتبت به ~~إليهم في السنة الماضية ، في أمر هذه الضياع . فتقدمت إلى خازني ، بقبض ~~المال ، وتقدمت إليك ، فكتبت عني بذلك ، فأنا أبكي لهذه الحال . فقلت له : ~~يا سيدي ، فأي شيء في هذا مما يبكيك ؟ فقال : ويحك ، ويذهب هذا عليك ، مع ~~طول ملازمتي وخدمتي ؟ قد كنت عندي ، أنك تحنكت بخدمتي ، أمر يكون هذا من ~~إقباله ، فكيف يكون إدباره ؟ قال : فما بعد أن قبض عليه المنصور ، ونكبه ، ~~واستصفى ماله ، وأموال أهله ، وقتله . قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد : ~~فحدثت بهذا الحديث ، أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وأبا الحسن علي بن ~~' 51 ' عيسى ، كل واحد على الانفراد ، في وقت مفرد ، فكل واحد منهما أفرط ~~في استحسانه ، حتى سأل أن أمليه عليه ، فكتبه عني بخطه . PageV02P330 # """""" صفحة رقم 331 """""" # الجزاء من جنس العمل # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب ، المعروف ~~بابن أبي عمر ، كاتب المحسن بن الفرات ، وكان ممن تقلد بعد آل الفرات ، عدة ~~أعمال جليلة ، ودواوين عظيمة ، حتى تقلد الأزمة ، صارفا للخصيبي ، في أيام ~~ابن رائق ، وقتل بديار مضر ، قتله عمار القرمطي . وقد كان أبو الحسن ، ~~متقلدا لديار مضر من قبل ابن رائق ، فأغار عليها عمار ، ليتملكها عاصيا ، ~~فطالبه بالمال لأصحابه . فقال : ما معي شيء ، ولو قتلتني ، وصلبتني . فقال ~~: علي أن أفعل بك ذلك . فقتله ، وصلبه ، في يوم عيد الفطر من سنة تسع ~~وعشرين . قلم يزل ابن رائق ، يحتال على عمار ، حتى حضر مجلسه ، وتركه أياما ~~مع جيشه ، ثم قبض عليه ، وبحضرته وجوه الأتراك المستأمنة إلى ابن رائق ~~بالشام ، ومن أصحاب بجكم ، فأمرهم بدقه بالأعمدة . فلما كاد أن يموت ، قال ~~: أذيقوه حد السيف ، فأخذ رأسه ، وصلبه في المكان الذي صلب فيه عامله ابن ~~أبي عمر . PageV02P331 # """""" صفحة رقم 332 """""" # الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله ms447 # قال أبو الحسين : فحدثني أبو الحسن بن أبي عمر هذا ، قال : حدثنا أبو عبد ~~الله حمد بن محمد القنائي ، ابن أخت الحسن بن مخلد ، قال : حدثني أبو محمد ~~خالي ، قال : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي ، يقول : حدثت عن ~~المأمون ، عن الرشيد ، أنه سمع المهدي يقول : بعد زوال أمر أبي عبيد الله ~~عن الوزارة ، واقتصاره على ديوان الرسائل ، وعلى الجلوس في منزله ، وتفويض ~~الأمر إلى يعقوب بن داود : ما رأيت أحزم ، ولا أفهم ، ولا أكفأ ، ولا أعف ، ~~من أبي عبيد الله ، ولقد كنت أحبه ، مع إجرائي إياه مجرى الوالد ، وكنت ~~أجتهد به أن يدعوني إلى داره ، فيمتنع ، ويزعم أنه لا تتسع همته ، ولا ~~نعمته ، لذلك . إلى أن اعتل علة عظيمة ، فتمادت الأيام به ، ولم أعده ، إلى ~~أن كتب إلي باستقلاله ، وأنه قد عمل على الركوب إلي ، بعد يوم أو يومين ، ~~فسابقته ، وركبت إليه في خف من غلماني وخاصتي . فلما دخلت إليه ، قلت له : ~~قد كنت أجتهد بك أن تدعوني ' 52 ' ، فتأبى ، والآن ، قد جئتك جامعا للعيادة ~~، والتهنئة بالعافية ، والدعوة . فقال : والله ، يا أمير المؤمنين ، ما لي ~~طعام ، ولا غلمان ، ولا زي يصلح لدعوتك . فقلت : قد فرغت لك من ذلك ، ~~وتقدمت إلى غلماني ، بحمل الآلات ، والطعام ، والأشربة ، وجميع ما يحتاج ~~إليه ، وإنما أردت تشريفك ، والأنس بك . قال : وجاء الغلمان ، بآلات ، وفرش ~~لي ، وجلست ، وهو معي ، فأكلنا ، وجعل يتحفني من منزله ، بالفاخر من الفرش ~~، والآنية ، والآلات هدية لي ، كما يفعل الناس ، فأخذت كلما يحمله من أحسن ~~شيء ، وأجمله ، وأرشقه ، فازداد ابتهاجا به . ثم دعوت بالشراب ، فلما شربت ~~ثلاثة فقط ، عملت على الانصراف . فلما أحس بذلك ، قال لي : أريد أن أبكي ، ~~وأنا أتطير أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين ، وأنا استأذنه في البكاء ~~بحضرته . قال : وتحدرت دموعه عقيب الكلام ، فبكى بكاء شديدا . PageV02P332 # """""" صفحة رقم 333 """""" # فقلت له : يا هذا ، أنا أعلم أن فيك شحا ، تسميه حسن التدبير ، وما يحسن ~~منك أن تبكي ، فإن كان ندما على ما أهديته ، فهو مردود بلا شك ms448 . قال : فحلف ~~بأيمان عظيمة ، وانزعج انزعاجا شديدا ، أنه ما بكى لذلك . وقال : كيف أبكي ~~على ما سبيلي أسر به ، حيث جعلتني أهلا لقبوله ؟ قال : فقلت : فلم تبكي ؟ ~~قال : لم تبق مرتبة تنال ، إلا وقد نلتها ، وبلغتها ، بفضل أمير المؤمنين ، ~~وتطوله ، حتى انتهت بي الحال ، إلى أن وصلت ، من مال أمير المؤمنين ، بأمره ~~، وعن أمره ، في ليلة واحدة ، وهي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين ~~المنصور صلوات الله عليه ، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس ، ~~بعشرة آلاف ألف درهم ، وفي هذه العلة ، تصدقت بجميع ما في خزانتي من المال ~~، وكان أربعة آلاف ألف ، بعد أن استأذنت أمير المؤمنين ، فأذن لي ، ولم يكن ~~بقي ، إلا أن يعودني أمير المؤمنين في علة ، أو يهنئني بحال متجددة ، أو ~~يصير إلى دعوتي ، فلما كان اليوم ، جمع أمير المؤمنين لي ذلك ، فعلمت أني ~~قد بلغت النهاية ، وأنه ليس بعدها إلا الانحطاط ، فبكيت لذلك ' 53 ' . قال ~~: فرققت له ، وعلمت فضله ، وقلت له : أما في أيامي ، فأنت آمن ذلك ، وإن ~~أصابك شيء بعدي ، فالحياة - على كل حال - خبر من الموت ، ولك بي أسوة . ~~واعتقدت أن لا أنكبه . فلما رأى الربيع عظم منزلته ، حسده ، فجد في السعاية ~~إلي به ، والفساد بيننا ، والحيلة عليه عندي ، إلى أن جرى في أمر ابنه ، ~~وإقراره بالزندقة ، ما بم يسع معه ، أن لا يقتل ، فقتلته ، وخفت أن يكون قد ~~استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي ، فاحتجت إلى صرفه ، وحرست نفسه ، وبقيت ~~نعمته ، واستحال الأمر عما عقدته له . وكان الأمر على ما ظنه ، من النقصان ~~بعد التناهي . PageV02P333 # """""" صفحة رقم 334 """""" # معنى النهروان بالفارسية # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت علي بن عيسى ، يحدث ، دفعات ، عن أبيه ، ~~أنه سمع أباه ، يحدث عن جده ، عن مشايخ أهل العلم بأخبار الفرس ، وأيامهم ، ~~قالوا : معنى النهروان بالفارسية : ثواب العمل . قالوا : وإنما سمي نهر ~~النهروان بذلك ، لأن بعض ملوك الأكاسرة ، كان قد غلب عليه بعض حاشيته ، حتى ~~دبر أكثر أمره ، وترقت منزلته عنده ، وكان قبل ذلك ، من قبل صاحب المائدة ms449 ، ~~مرسوما بإصلاح الألبان والكواميخ ، ثم علت حاله ، فكان صاحب المائدة يتحسر ~~، كيف علت حال هذا ، وقد كان تابعا له ، وغلب على الملك ؟ وكان مع ذلك ~~الرجل ، يهودي ساحر ممخرق ، فقال له ما لي أراك مهموما ؟ فحدثني بأمرك ، ~~لعل فرجك على يدي . قال : فحدثه . فقال له اليهودي : إن رددتك إلى منزلتك ، ~~ما لي عندك ؟ قال : أشاطرك حالي ونعمتي ، وجميع مالي . فتعاهدا على ذلك ، ~~فقال : أظهر وحشة تجري بيننا ، وأنك قد صرفتني ظاهرا . ففعل ذلك به . فصار ~~إلى الرجل الغالب على الملك ، فحدثه ، وتقرب إليه بما جرى عليه من الرجل ~~الأول ، ولم يزل يحدثه مدة طويلة ، حتى أنس به ذلك الرجل . فلقيه في بعض ~~الأيام ، ومع غلامه غضارة ذهب ، فيها شيراز في نهاية الطيبة ، يريد أن ~~يقدمه إلى الملك . فقال : أرني هذا الشيراز . فقال الرجل لغلامه : أره إياه ~~، فأراه ، فخاتل الرجل والغلام ، وأخذ بأعينهما بسحره ، وطرح في الشيراز ~~قرطاسا كان معه ، فيه سم ساعة . وغطى الغلام الغضارة ' 54 ' الكبيرة ، ومضى ~~ليقدمها ، إذا قدمت المائدة . PageV02P334 # """""" صفحة رقم 335 """""" # فبادر اليهودي إلى صاحب المائدة الأول ، وقال له : قد فرغت من القصة ، ~~وعرفه ما عمله ، ووصف له الغضارة ، وقال له : امض الساعة إلى الملك ، فقل ~~له : هذا أراد أن يسمك في هذه الغضارة ، فلا تأكلها ، وجربها ، فإنه ~~سيجربها على كلب ، أو غيره ، فيموت في الحال ، فيقتل عدوك ، ويشكر لك ، ~~فيردك إلى مرتبتك . قال : فبادر الرجل ، فوجد المائدة ، تريد أن تقدم إلى ~~الملك ، فحين قدمت ، تقدم إليه ، وقال : أيها الملك ، إن هذا يريد أن يسمك ~~في هذه الغضارة ، وهي مسمومة بسم ساعة ، فلا تأكلها . فراع الملك ، وأمر ~~بتجريب الشيراز على حيوان . فقال الرجل : قد كذب هذا ، وليس يحتاج إلى ~~حيوان ، أنا آكل من هذه الغضارة ، ليعلم الملك كذبه . قال : والرجل لا يعلم ~~ما في الغضارة ، فبادر فأكل منها لقمة ، فتلف في الحال . فقال صاحب المائدة ~~الأول : إنما أكل أيها الملك من ذلك ، ليتلف لما علم أنك تجرب ذلك ، فتجده ~~قاتلا ، فخاف أن تعذبه ، فاستروح إلى هذا ms450 . فلم يشك الملك ، في صحة الأمر ، ~~ورد إلى صاحب المائدة الأول ، ما كان إليه ، وأكرمه وعظمه . زمضت السنون ~~على ذلك . قال : وعرض للملك ، علة ، كان يسهر من أجلها في أكثر الليالي ، ~~فكان يخرج ، وحاشيته غافلون ، فيطوف في صحون داره ، وحجرها ، وبساتينها ، ~~ويقف على أبواب حجر نسائه ، وغلمانه ، فيتسمع عليهم ، ويعلم ما يتحدثون به ~~. فانتهى في ليلة ، في طوفه ، لأجل السهر ، إلى حجرة فيها ذلك اليهودي ، ~~وقد خلطه صاحب المطبخ بنفسه ، وغلمانه ، وهو جالس يحدث بعض أصحاب صاحب ~~المطبخ ، ويتشكى إليه ، ويقول : إنه يقصر في حقي ، ويعدد تقصيره في حقه . ~~ثم قال : أنا أصل نعمته وما هو فيه . فقال له الذي يحدثه : وكيف صرت أصل ~~نعمته ؟ قال : وتكتم ذلك ؟ قال : نعم . فحدثه بحديث الشيراز والسم . PageV02P335 # """""" صفحة رقم 336 """""" # فلما سمع الملك ذلك ، قامت قيامته ، وأحضر الموبذ من غد ، وحدثه بالحديث ~~، وشاوره فيما يعمله ، مما يزيل عنه إثم ذلك الفعل في معاده ، فأمر بقتل ~~اليهودي وصاحب المائدة والإحسان إلى عقب - إن كان - لذي قتل نفسه . وقال : ~~ولا يزيل عنك إثم هذا ، إلا أن تطوف في عملك ، حتى تنتهي إلى بقعة ' 55 ' ~~خراب ، فتستحدث لها عمارة ، ونهرا ، وشربا ، فيعيش الناس بذلك ، في باقي ~~الدهر ، بدلا من موت ذلك الرجل ، فيمحص عنك الإثم . ففعل الملك ذلك ، وطاف ~~أعماله ، حتى بلغ موضع النهروان ، وهو خراب ، فأجمع رأيه ، على حفر النهر ~~فيه ، فحفر ، وسماه : ثواب العمل ، لأجل هذه القصة . PageV02P336 # """""" صفحة رقم 337 """""" # رقعة نفعت صاحبها وخلفه # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني أبو الحسن الأنباري الكاتب ، صديق ~~الكرخيين قال : دفع إلي أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن ~~سليمان ، رقعة أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة بن خالد ، الكاتب ، إلى ~~جده عبيد الله . وقال لي : كان إلى أبي - الحسن بن عبيد الله - ديوان ~~الرسائل ، وديوان المعاون ، في جملة الدواوين التي كانت إليه في أيام أبيه ~~. فأمر الوزير عبيد الله ، أبي ، أن يستخلف أبا الحسين بن ثوابة ، على ~~ديوان الرسائل ، والمعاون ، وصار كالمتقلد له ms451 من قبل الوزير ، لكثرة ~~استخدامه له فيه ، وكانت هذه الرقعة سبب ذلك . ثم مات أبي ، فأقره جدي على ~~الديوان رياسة ، وبقي عليهم ، يتوارثونه ، مرة رياسة ، ومرة خلافة . فما ~~سمع برقعة أولى منها ، وهي في غاية الحسن ، ونسختها : قد فتحت للمظلوم بابك ~~، ورفعت عنه حجابك ، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك ، وأشكو صرفها إلى عطفك ، ~~وأستجير من لؤم غلبتها ، بكرم قدرتك ، فإنها تؤخرني إذا قدمت ، وتحرمني إذا ~~قسمت ، فإن أعطت ، أعطت يسيرا ، وإن ارتجعت ، ارتجعت كثيرا ، ولم أشكها إلى ~~أحد قبلك ، ولا أعددت للإنصاف منها إلا فضلك ، ودفع ذمام المسألة ، وحق ~~الظلامة ، وحق التأميل ، وقدم صدق الموالاة والمحبة ، والذي يملأ يدي من ~~النصفة ، ويسبغ العدل علي ، حتى تكون محسنا إلي ، وأكون بك للأيام معديا ، ~~أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل ، ومن الخمول ~~إلى النباهة والذكر ، فإن رأيت أن تعديني ، فقد استعديت ، وتجيرني فقد عذت ~~بك ، وتوسع علي كنفك ، فقد أويت إليه ، وتعمني بإحسانك ، فقد عولت عليه ، ~~وتستعمل يدي ولساني ، فيما يصلحان لخدمتك فيه ، فقد درست كتب أسلافك ، وهم ~~الأئمة في البيان ، واستضأت بآرائهم ، واقتفيت آثارهم ، اقتفاء حصلني بين ~~وحشي الكلام وأنيسه ' 56 ' ، ووقفني منه على جادة متوسطة ، يرجع إليها ~~الغالي ، ويسمو نحوها المقصر ، فعلت ، إن شاء الله . PageV02P337 # """""" صفحة رقم 338 """""" # أبو قوصرة المستخرج والوزير المصروف الحسن بن مخلد # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى ابن أبي ~~البغل ، وهو إذ ذاك ، عدل في جوارنا ببغداد ، ويعاشرني . قال : حدثني أبو ~~قوصرة المستخرج . قال أبو الحسين : وقد رأيت أنا أبا قوصرة ، وأنا حدث ، ~~وهو شيخ مسن ، من بقية القواد المتقدمين ، وقد لزم منزله ، وكان الرسم ~~قديما ، إن يقلد بعض القواد الذين يفهمون المناظرة ، الاستخراج . قال ابن ~~أبي البغل : قال لي أبو قوصرة : تقدم إلي سليمان بن وهب ، في وزارته ~~للمعتمد ، لما قبض على الحسن بن مخلد ، أن أدخل إليه ، إلى الحبس ، فأطالبه ~~بما صودر عليه ، فكنت أخشن عليه ظاهرا ، وألين له باطنا ، وأتخبر له ms452 على ~~سليمان ، وأشير عليه . فوقفت على أن عبيد الله بن سليمان ، قد عمل على أن ~~يجتمع هو ، وأبوه ، وصاعد بن مخلد ، وأبو صالح بن المدبر ، وجماعة من ~~الكتاب ، في مجلس ، ويخرجوا الحسن ، فيباهتوه بكل محال لا أصل له ، ~~ويكابروه على المحالات ، حتى يضطروه بذلك ، إلى الأداء ، ويرهبوه بأخذ خطه ~~بزيادة على ما عليه ، لأنه كان قد بلح ، وقال : لم يبق لي ما أؤديه . قال : ~~فجئته إلى الحبس ، فحدثته بأنهم في غد ، سيخرجونه لذلك . قال : ففكر ساعة ، ~~فظننته يفكر فيما يدبر به أمره . ثم أنشدني لنفسه : من صادر الناس صادروه . ~~. . وكابر الناس كابروه وباهتوه الحقوق بهتا . . . وبالأباطيل ناظروه بمثل ~~ما راح من قبيح . . . أو حسن منه باكروه PageV02P338 ~~"""""" صفحة رقم 339 """""" # من تواضع ارتفع # حدثني أبو الحسين ، قال : كان أبو الفضل عبيد الله بن عبد الله بن الحارث ~~الكاتب ، من وجوه العمال ، ثم خلف أبا القاسم سليمان بن الحسن ، في وزارته ~~الأولى ، على كثير من أمر الوزارة ، فتكبر على الناس ، ولم يوفهم الحق ، ~~فبحثوا عن معايبه ، وأطلقوا الألسن بمثالبه . وكان قد اشتهر أن أمه ، تزوجت ~~أزواجا ، بعد أبيه وقبله ، وقيل إن عددهم بضعة عشر رجلا ، ومنهم رجل يعرف ~~بسوشيخ ، يبيع الأرز باللبن . فقال فيه العصفري الشاعر يهجوه ، وأنشدنيها ~~لنفسه : قالوا : أبو الفضل شمخ . . . وازداد كبرا وبذخ ' 57 ' فقلت أمه ، ~~قولوا له . . . يا هرل سوشيخ الوسخ ما كنت ، لا كنت بذي . . . سوشيخ يقرط ~~لأمخ وإنما أراد أن يتطايب بهذا الشعر ، مع ذكر أمه ، لأن أصله كان من قرية ~~من أعمال واسط بالأسافل ، يقال لها قلمايا . وقد كان أبو الحسين بن عياش ~~القاضي ، أنشدني هذه الأبيات قديما ، وحكى مثل هذه القصة ، فأنسيت الأبيات ~~حتى أذكرنيها أبو الحسين بن هشام ، وفي رواية ابن عياش : ويلك ما كنت بذي PageV02P339 ~~"""""" صفحة رقم 340 """""" # الخليل بن أحمد والراهب # حدثني أبو الحسين بن هشام ، قال : حدثني أبو الحسن زكريا بن يحيى ابن ~~محمد بن شاذان الجوهري ، قال : حدثنا أبو العباس المبرد ، قال : حدثت عن ~~الخليل بن أحمد قال : اجتزت ms453 في بعض أسفاري ، وأنا متوجه ، براهب في صومعة ، ~~فدققت عليه ، والمساء قد أزف جدا ، وقد خفت من الصحراء ، وسألته أن يدخلني ~~. قال : فقال : من أنت ؟ فقلت : أنا الخليل بن أحمد . فقال : أنت الذي يزعم ~~الناس أنك وجه ، وواحد في العلم بأمر العرب ؟ فقلت : كذا يقولون ، ولست ~~كذلك . قال : إن أجبتني عن ثلاث مسائل ، جوابا مقنعا ، فتحت لك ، وأحسنت ~~ضيافتك ، وإلا لم أفتح لك . فقلت : وما هي ؟ قال : ألسنا نستدل على الشاهد ~~بالغائب ؟ قلت : بلى . قال : فأنت تقول : إن الله ليس بجسم ولا عرض ، ولم ~~نر له مثلا ، فبأي شيء أثبته ؟ وأنت تزعم : إن الناس في الجنة يأكلون ، ~~ويشربون ، ولا يتغوطون ، وانت لم تر آكلا ، شاربا ، إلا متغوطا . وأنت تقول ~~: أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي ، وأنت لم تر شيئا إلا منقضيا . قال : فقلت ~~له : بالشاهد الحاضر ، استدللت على ذلك كله . أما الله تعالى ، فإني ~~استدللت عليه ، بأفعال الدالة عليه ، أنه لا مثل له ، وفي الشاهد مثل ذلك ، ~~الروح التي فيك ، وفي كل حيوان ، نعلم أنه يحس بها تحت كل شعرة منا ، ونحن ~~لا ندري أين هي ، ولا كيف هي ؟ ولا ما صفتها ، ولا جوهرها ، ثم نرى الإنسان ~~من الناس ، يموت إذا خرجت ، ولا يحس بشيء ، وإنما استدللت عليها بأفعالها ، ~~وبحركاتها ، وتصرفنا ، بكونها فينا . PageV02P340 # """""" صفحة رقم 341 """""" # وأما قولك : إن أهل الجنة لا يتغوطون ، مع الأكل ، فالشاهد لا يمنع ذلك ، ~~ألا تعلم أن الجنين يغتذي في بطن أمه ، ولا يتغوط . وأما ' 58 ' قولك : إن ~~نعيم أهل الجنة ، لا ينقضي مع أن أوله موجود ، فإنا نجد أنفسنا نبتدئ ~~الحساب بالواحد ، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية له ، لم نزل ~~نكرره ، وأعداده ، وتضعيفه ، إلى ما لا انقضاء له . قال : ففتح لي الباب ، ~~وأحسن ضيافتي . PageV02P341 # """""" صفحة رقم 342 """""" # عافية القاضي يستقيل من القضاء # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سعد ، مولى بني ~~هاشم ، وكان يكتب ليوسف القاضي قديما ، قال : حدثنا إسماعيل ابن إسحاق ~~القاضي ، عن أشياخه ms454 ، قال : كان عافية القاضي ، يتقلد للمهدي ، القضاء ، ~~بأحد جانبي مدينة السلام ، مكان ابن علاثة ، وكان عافية عالما زاهدا . فصار ~~إلى المهدي ، في وقت الظهر ، في يوم من الأيام ، وهو خال ، فاستأذن عليه ، ~~فأدخله ، وإذا معه قمطره ، فاستعفاه من القضاء ، واستأذنه في تسليم القمطر ~~، إلى من يأمره بذلك . فظن أن بعض الأولياء قد غض منه ، أو ضعف يده في ~~الحكم ، فقال له في ذلك . فقال : ما جرى من هذا شيء . فقال : ما سبب ~~استعفائك ؟ فقال : كان تقدم إلي خصمان من شيراز وأصبهان ، في قصة معضلة ~~مشكلة ، وكل يدعي بينة وشهودا ، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت ، فرددت ~~الخصوم ، رجاء أن يصطلحا ، أو يتعين لي وجه فصل ما بينهما . قال : فوقف ~~أحدهما ، من خبري ، على أني أحب الرطب السكر ، فعمد ، في وقتنا ، وهو أول ~~أوقات الرطب ، إلى أن جمع رطبا سكرا ، لا يتهيأ في وقتنا جمع مثله إلا ~~لأمير المؤمنين ، وما رأيت أحسن منه ، ورشا بوابي جملة دراهم ، على أن يدخل ~~الطبق إلي ، ولا يبالي أن يرد ، فلما أدخل إلي ، أنكرت ذلك ، وطردت بوابي ، ~~وأمرت برد الطبق ، فرد . فلما كان اليوم ، تقدم إلي مع خصمه ، فما تساويا ~~في قلبي ، ولا في عيني ، وهذا يا أمير المؤمنين ، ولم أقبل ، فكيف لو قبلت ~~، ولا آمن أن تقع علي حيلة في ديني ، فأهلك ، وقد فسد الناس ، فأقلني ، ~~أقالك الله ، واعفني . فأعفاه . PageV02P342 # """""" صفحة رقم 343 """""" # لا تصلح الدنيا إلا بالعدل # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت حامد بن العباس ، في وزارته ، يتحدث ، قال ~~: كان صاعد بن مخلد ، وصفني للناصر لدين الله ، وعظم عنده من أمري ، حتى ~~اختصصت بخدمته . فاستدعاني يوما على خلوة ، وقال : قد علمت ما لحقنا من هذا ~~العدو ، يعني ' 59 ' صاحب الزنج ، حتى عدنا إلى هاهنا . قال : وكان ذلك بعد ~~انهزامه من بين يدي صاحب الزنج ، وعوده من مقامه بواسط ، ليستريح ، ويتأهب ~~للرجوع ، ويستعد لقتاله . قال : وقال لي الناصر : وأمري كما ترى مختل ، ~~وجميع ما في خزانتي ثلاثون ألف دينار عينا ، وهذا لا يقع مني ms455 ، وأريد أن ~~تصرف همتك إلى ما يثمر معه ، ويضعف قدره . قال : فقلت له : هاهنا وجه فيه ~~مرفق عظيم . فقال : ما هو ؟ فقلت : هذه أسناية الخيزران ، ومنها يشرب ~~المبارك بأسره ، وبعض الصلح ، وكانت إقطاعا لأم الرشيد ، الخيزران ، فحفرت ~~لها هذه الاسناية ، وكانت تغلها غلة عظيمة ، وقد تعطلت الآن ، وخرب الصلح ، ~~والمبارك ، كله ، فإن صرفت هذه الثلاثين الألف الدينار ، في حفر الاسناية ، ~~وإطلاق البذر والبقر ، لأهل هاتين الناحيتين ، توليت لك تفرقة ذلك ، ~~ومشاهدة الحفر بنفسي ، حتى لا يضيع منه دانق واحد ، ولا يرتفق أحد بحبة منه ~~، وتغل في سنة ، ضعف هذا وأكثر . قال : قد فعلت . قال : فأنفقت على حفر ~~الاسناية عشرين ألف دينار ، بأتم احتياط ، وأطلقت العشرة الآلاف الدينار ، ~~الباقية ، للضعفاء من الأكرة ، والتناء ، والمزارعين ، في أثمان بقر وبذور ~~، واحتطت في جميع ذلك ، وطالبت الأقوياء بالزراعة من أموالهم ، وحرصوا PageV02P343 ~~"""""" صفحة رقم 344 """""" # هم أيضا الحرص كله ، لما رأوا الماء ، وأن الضياع معطلة منذ سنين كثيرة ، ~~وطمعوا في كثرة الريع ، ووفور الأسعار في النواحي . فزرع الناس بالرغبة ~~والرهبة ، حتى استنفذوا جهدهم . فلما أدركت ، حصلت في بيدر واحد ، من بيادر ~~الصلح ، وقد كان ارتفع أصل الكيل منه ، ثلاثة آلاف كر وستمائة كر حنطة ، ~~بالنصف ، فحصلت منه الثلث ، والعشر ، على المقاسمة مع الأجور ، وفضل الكيل ~~، ألف كر وستمائة كر للسلطان ، وبعتها بحساب الكر بنيف وعشرين دينارا ، ~~فحصل الثمن ستة وثلاثون ألف دينار عينا من بيدر واحد ، وبقي البلد كله ~~بأسره ربحا . فحصل له منه في أول سنة ، أضعاف ما أنفق مضاعفا . فتقوى بذلك ~~على الرجوع إلى الخائن ' 60 ' ، وكان ذلك من أكبر أسباب تقدمي عنده ورفعتي ~~. قال : وكان حامد يحدث بهذا ، عقيب شيء جرى ، قال حامد معه : لا تصلح ~~الدنيا إلا بالعمارة ، وقمع العمال عن السرقات . ثم تحدث بهذا الحديث . PageV02P344 # """""" صفحة رقم 345 """""" # تنح عن القبيح ولا ترده # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن بن الفرات ، يقول : كان أبو ~~الحسن محمد بن فراس الكاتب ، سبب الوصلة بين القاسم بن عبيد الله ، والعباس ~~بن الحسن ms456 ، حتى استكتبه له . فلما علت حال عباس ، حسده ابن فراس ، وعاد ~~يسعى عليه ، ويثلبه عند القاسم . إلى أن اعتل القاسم علة موته ، فقال ابن ~~فراس : إن العباس بن الحسن ، يسعى في طلب الوزارة ، مع الداية ، وصافي ~~الحرمي ، وإنه قد قطع السواد . فلم يتقبل ذلك القاسم ، وكتب الرقعة ~~المشهورة إلى المكتفي . قال : فدخلنا عليه في الليلة التي ولي فيها الوزارة ~~، إثر موت القاسم ، ولم يكن خلع عليه ، ودخل ابن فراس مهنئا له ، فجلس في ~~أخريات الناس . وتشاغل العباس ، بتقليب ثياب السواد ، وقد جاءوه بها ، ~~ليختار منها ما يقطع له ، فيلبسه من غد ، في دخوله إلى الخليفة ، قبل الخلع ~~، حتى يبركه هناك ، ويلبس الخلع فوقه . وكان الرسم إذ ذاك ، أن لا يصل أحد ~~إلى الخليفة ، في يوم موكب إلا بسواد . قال : فلما اختار العباس ما يريده ~~من الثياب ، أقبل علينا ، وقال معرضا بابن فراس : لعن الله أهل الحسد والشر ~~، سعى قوم على دمي ، عند ولي الدولة ، وقالوا له إني قد سعيت في الوزارة ، ~~وإني قد قطعت السواد منذ أيام كثيرة ، وهذا بحضرتكم ، على غير تواطؤ ، هو ~~ذا أقلب ثيابا ، ليقطع منها سواد لي . فقام ابن فراس قائما ، وقال : قد ~~حضرني ، أطال الله بقاء الوزير ، بيتان في هذا المعنى ، فإن أذن الوزير - ~~أيده الله - أنشدتهما . فاستحيا العباس ، وقال : بحياتي ، اجلس ، وأنشد . ~~فجلس ، وقال : تنح عن القبيح ولا ترده . . . ومن أوليته حسنا فزده ستكفى من ~~عدوك كل كيد . . . إذا كاد العدو ولم تكده ' 61 ' PageV02P345 ~~"""""" صفحة رقم 346 """""" # جور أبي عبد الله الكوفي # حدثنا أبو الحسن ، محمد بن محمد بن عثمان الأهوازي الكاتب ، المعروف بابن ~~المهندس ، قال : حدثني ابن مروان الجامدي ، قال : لما ظلم الناس بواسط ، ~~أبو عبد الله ، أحمد بن علي بن سعيد الكوفي ، وهو إذ ذاك يتقلدها لناصر ~~الدولة ، وقد تقلد الوزارة ، وإمرة الأمراء ببغداد ، كنت أحد من تظلم ، ~~فظلمني وأخذ من ضيعتي بالجامدة ، نيفا وأربعين كرا أرزا بالنصف من حق رقبتي ~~- سوى ما أخذه من حق بيت المال - بغير تأويل ولا شبهة ms457 ، فتظلمت إليه ، ~~وكلمته ، فلم ينصفني . وكان الكر الأرز بالنصف ، إذ ذاك ، بثلاثين دينارا . ~~فقلت له : قد أخذ سيدنا مني ، ما أخذ ، ووالله ، ما أهتدي ، أنا وعيالي ، ~~إلى شيء سواه ، وما لي ما أقوتهم به ، باقي سنتي ، ولا ما أعمر به ضيعتي ، ~~وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار ، وأجعل الباقي لك حلالا . ~~فقال : هذا ما لا سبيل إليه . فقلت : فخمسة أكرار . فقال : لا أفعل . قال : ~~فبكيت ، وقبلت يده ، ورققته ، وقلت : فهب لي منه ، وتصدق علي ، بثلاثة ~~أكرار ، وأنت من الجميع في حل وسعة ، بطيب من قلبي . فقال : لا والله ، ولا ~~أرزة واحدة . قال : فتحيرت ، وقلت له : فإني أتظلم إلى الله عز وجل منك . ~~فقال لي : كن على الظلامة - يكررها دفعات - وبكسر الميم ، بلغة الكوفيين . ~~قال : فانصرفت محترق القلب ، فجمعت عيالي ، وما زلت أدعو الله عليه ، ليالي ~~كثيرة . فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز ، وجئت إلى ~~البيدر ، فأخذت أرزي ، وحملته إلى منزلي . وما عاد الكوفي بعدها إلى واسط ، ~~ولا أفلح . PageV02P346 # """""" صفحة رقم 347 """""" # أبو عبد الله الكوفي يعاقب ملاحا على سوء أدبه # حدثني أبو الحسن محمد بن محمد الأهوازي بن عثمان المعروف بابن المهندس ، ~~قال : كنت أتقلد الضريبة وغيرها ، في أعمال واسط ، في هذا الوقت ، للكوفي . ~~فقدم ملاح ، يقال له ابن شبيب ، من بغداد ، في زورق عظيم ، وكان فيه حديد ، ~~وخواب ، فطالبته على ضريبتهما بثمانية آلاف درهم وكسر . فالتجأ إلى ثمل وهو ~~غلام سيف الدولة ، لأن سيف الدولة كان مقيما بواسط حينئذ ، أميرا عظيما . ~~فكتب إلي ثمل ، رقعة يلزمني تخفيف ' 62 ' الضريبة عن الملاح ، ومقاربته ، ~~وأنفذ غلمانا من غلمانه . فوضعت في نفسي المقاربة لأجله ، فقلت للملاح ، ~~عليك ثمانية آلاف درهم ، وكذا وكذا ، فبكم تحب أن أسامحك ، لجل كلام فلان ~~أيده الله ؟ قال : وكان مجلسا حافلا بأهل الأسواق ، والتجار ، والمعاملين ~~في الضريبة . قال : فقال لي الملاح مستفهما : كم علي ؟ فقلت : ثمانية آلاف ~~درهم وكسر . قال : فضرط من فمه ، لي ، وقال : تأخذ مني بميزان قرع ، وصنج ms458 ~~بعر . قال : فورد علي أمر عظيم ، من استخفافه بي في مجلس العمل ، وكرهت أن ~~أوقع به ، فتشرق الحال بيني وبين ثمل ، مع تمكنه من سيف الدولة ، وتصير ~~منابذة بينه وبين صاحبي ، ولا أدري كيف يكون حالي في ذلك . فقلت له : أما ~~أنت فأقل من أن تجاب عن هذا الكلام ، ولكن سأريك أمرك ، كونوا معه . قال : ~~فوكلت به جماعة من الرجالة ، وعبرت في زبزبي ، إلى الكوفي ، فحدثته بالقصة ~~. فحين استتم حديثي ، قال : وأي شيء عملت بالملاح ؟ PageV02P347 # """""" صفحة رقم 348 """""" # فقلت : لم أقدم أن أعمل به شيئا ، لأجل ثمل ، وخشيت أن تنكر أنت ذلك . ~~فقال : نفاطين ، نفاطين ، وصاح ، وتغيظ . فأحضروا . وقال : ثلاثين راجلا ، ~~الساعة ، فأحضروا . فقال : اعبروا إلى الزورق ، فأحرقوه ، بجميع ما فيه من ~~الأمتعة ، الساعة . قال : فورد علي أمر عظيم ، وندمت على الشكاية ، فقلت : ~~يكفي من هذا - أطال الله بقاء سيدنا - ضرب الملاح بالمقارع في السوق ، وأن ~~تضعف عليه الضريبة ، وتستخرجها منه . فقال : لا والله ، إلا الإحراق . قال ~~: فاجتهدت به ، فلم يكن في يدي منه شيء . وتوجه النفاطون ، والرجالة ، إلى ~~الزورق ، فضربوه بالنار ، وأقبل الملاح يلطم ، ويصيح ، ويقول : يا قوم ، ~~فيه أموال الناس ، قد افتقروا ، وافتقرت ، ويستغيث بالمسلمين ، ولا يقدم ~~أحد على إغاثته . وأحرقت قلوس الزورق ، التي كانت تربطه ، وتمسكه ، وخرج ~~منه الملاحون ، وطرحوا أنفسهم إلى الماء . فانحدر مع الماء لنفسه ، والنار ~~تشتعل فيه ، فوقع على الجسر ، فقطعه ، وانحدر ، حتى انتهى إلى موضع معسكر ~~سيف الدولة ، وكان نازلا في المأصر بواسط . والملاح ' 63 ' في بكائه وراءه ~~، لا يجسر أن يطفئ النار ، ولا يقدر على أكثر من أن يلطم ويصيح . فلما رأى ~~سيف الدولة الصورة ، استهولها ، مع صياح الملاح ، وقوله فيه أموال ، ~~فاستدعاه ، وقال : أيش فيه ؟ فقال : فيه مال صاحب البريديين ، أصدره إليهم ~~صاحبهم من بغداد سرا ، وجعله تحت الحديد . قال : فأمر سيف الدولة بالزورق ، ~~فقدم إلى الشط ، وأطفئت النار ، وقد احترق جوانب الزورق ، وظلاله ، وأكثر ~~آلته ، إلا الأمتعة التي في أسفله ، فإنها كالسالمة . PageV02P348 # """""" صفحة رقم 349 """""" # فرقي بها إلى الشط ، فأخرج ms459 المال ، فإذا هو ثمانية آلاف دينار عينا ، ~~ونيف وستون سيفا ومنطقة ، من فضة ، وبعضها من ذهب ، فأخذ ذلك . وسلم الزورق ~~إلى الملاح ، وشد على يده ، وعصمه من الكوفي ، حتى نقض الملاح الزورق ، ~~وانتفع ببقية خشبه وحديده ، ووصل التجار إلى ما سلم من المتاع . PageV02P349 # """""" صفحة رقم 350 """""" # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ # حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا عيسى ، أحمد بن محمد بن خالد ، ~~المعروف بأخي أبي صخرة ، يحدث أبي ، قال : ما رأيت أحسن رعاية من أبي ~~القاسم ، عبيد الله بن سليمان . فمن ذلك : أن إسماعيل بن ثابت ، المعروف ~~بالرغل ، كان يتقلد لأبي الصقر ، إسماعيل بن بلبل ، في وزارته ، طساسيج ~~بادوريا ، وقطربل ، ومسكن ، ونهر بوق ، والذنب ، وكلواذى ، ونهريين . فلفق ~~على عبيد الله بن سليمان - وهو إذ ذاك متعطل في منزله ، يعقب تقضي النكبة ~~عنه ، ولزومه لبيته - ثلاثة آلاف درهم ، وذكر أنها تجب عليه ببادوريا ، في ~~سنين ، من مظالم باطلة ، وبقايا غير لازمة ، وأحضر وكيله ، وطالبه بها . ~~فقال له : أمضي ، وألتقي بصاحبي ، وأواقفه على الأداء . فوكل به عدة من ~~رجالته ، وانصرف ، فصار إلى عبيد الله ، فقال له : أغرم للرجالة جعلا ، ~~ودافع بلقائه يومين ، إلى أن أطرح عليه ، من يسأله ترك المطالبة ، بأن ~~يقررها معه . فخرج الوكيل ، وبذل للرجالة أوفر الأجعال ، فذكروا أنهم لا ~~يقدمون على الإفراج عنه خوفا من الزغل . وتكرر الكلام بينهم ، إلى أن وثب ~~حاجب عبيد الله بهم ، وحال بينهم وبين الوكيل ، وأدخله الدار . وانصرفوا ، ~~فشكوا ' 64 ' ذلك إلى الزغل ، وأسرفوا ، خوفا منه ، ليقوم عذرهم . فجاء ~~الزغل ، فأسرف إسرافهم ، وأضاف كل قبيح إلى عبيد الله ، وشكاه إلى الوزير ~~إسماعيل ، وقال له : إنه لا يقدر على استخراج مال عليه ، إلا بالمبالغة في ~~مكروه عبيد الله ، والإنكار عليه ، وحبسه بنفسه في الديوان ، حتى يؤدي ، ~~ولا يقتدي به المتعذر . وكان إسماعيل ، من العداوة لعبيد الله ، والبغض له ~~، والخوف منه على محله ، بمنزلة عظيمة ، وفيه - مع ذلك - تشدد في نصرة ~~العمل ، وجبرية في نفسه ، فاغتاظ جدا . PageV02P350 # """""" صفحة رقم 351 """""" # فأحضرني ، وأنا - إذ ذاك - أتولى ms460 له ديوان ضياعه ، وتقدمته ، وتدبير ~~الجيش برسمه ، ومنزلتي في الاختصاص به قوية . فقال : أحضر هذا الجاهل عبيد ~~الله بن سليمان ، وعرفه ما شكا منه إسماعيل بن ثابت ، وأن جزاءه عليه ~~الإبعاد إلى طنجة ، وقبض نعمته ، وضياعه ، وأني أعرفه بالعجب والجهل ، ~~ولولا أن الزمان ، قد كفاني ، بإسقاط أبيه ، وأنه صار إلى منزلة ، إن ~~عاقبنه بما يستحقه ، جعلت له سوقا ، لما أخرت عقوبته ، ولكن قل له : والله ~~لولا تذممي ، لأمرت بالآخر أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت ، ~~ويقام على رجله ، حتى يؤدي ما عليه ، ولا تدعه من الديوان ، أو يحضر وكيله ~~وحاجبه ، فيسلمهما إلى إسماعيل بن ثابت ، وتصرفه حينئذ ، ليطالبهما إسماعيل ~~، بما عليه . قال : فخرجت ، وكتبت إليه رقعة ، أستدعيه فيها إلى الديوان ، ~~دعوت له فيها ، كما يدعى من الديوان لمثله ، وهي سطران دعاء ، وترجمتها في ~~ظاهرها : ' لأبي فلان ، من فلان ' . وكان الكاتب كتبها عني ، فلما عرضها ~~علي ، زدت فوق الدعاء ، بخطي ، يا سيدي ، وكتبت في داخل الرقعة ، عبدك ، ~~وإنما أردت توفيته الحق بذلك ، وستر الأمر عن كاتبي ، لئلا يسمع أني خاطبته ~~بتعظيم ، فأقع في مكروه ، مع إسماعيل . وزدت في آخر الرقعة بخطي : أنه لا ~~يجب أن يستوحش من شيء أتوسطه ، فإني أحوطه بجهدي ، وأن سبيله أن يحضر عشيا ~~، ليكون مجلسي خاليا ، فأوفيه الحق ، ولا يجيء ' 65 ' غدوة ، فإن وفيته ~~الحق لحقني من الوزير إنكار ، وإن قصرت تذممت إليه ، وراعيت العواقب فيه . ~~فجاءني في جواب الرقعة ، عشيا ، فقمت إليه ، وكان هذا عظيما ، محظورا على ~~مثلي ، وخاصة في الديوان ، وصدرته ، وجلست بين يديه وعرفته ما جرى من الزغل ~~، وأعدت من كلام الوزير ، من الإنكار ، والإيعاد ، ما جمل لفظه . وقلت : ~~قال أشياء أخرى كثيرة ، قبيحة ، هائلة ، لا أستحسن تلقيك بها ، وأجل سمعك ~~عن إيرادها عليك ، هذا أقلها وأحسنها ، ومع ذلك فإنه أمرني ، أن لا تبرح ، ~~أو تحضر الوكيل والحاجب ، ثم أستأذنه في انصرافك ، فأجاب ، إن فعلت هذا ، ~~وأن يصير لك اعتقال إن خالفت ، ثم لا أدري أي شيء ينجر عليك ، وأكون سببه ms461 ، PageV02P351 ~~"""""" صفحة رقم 352 """""" # ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه ، وانصرف ، لأعرفه ما جرى ، ~~فإن أنكر علي انصرافك بغير إذن ، جحدته أني سمعت ذلك منه ، وكن على تحرز ، ~~من غير أن يشيع ذلك ، إلى أن يجيئك ثقتي بجلية الصورة ، فتعمل بها ، ~~وبحسبها ، إما في الأمن ، أو الهرب . فشكرني ، وقال : ما أطمع أن أكافيك ~~على هذا . وقام ، وقمت بقيامه ، وودعته ، وقلت : يا غلمان ، بأسركم ، بين ~~يديه ، فخرج ، وأنفذ الرجلين ، وتوقى توقيا ضعيفا ، ودخلت ، فعرقت الوزير ~~الصورة ، وجملت القصة ، وأمرني بترك التعرض له ، وتسليم الرجلين إلى الزغل ~~. فأحضرت الزغل ، وسلمت الرجلين إليه ، وقلت له : تقبل رأيي ؟ فقال : قل . ~~فقلت : قد بلغت ما تريد ، فأحسن في الأمر ما قدرت . فقال : يا سيدي ، هذا ~~إبطال للعمل ، ولا بد من تقويمهما . فجهدت به في الإحسان ، فلم يفعل ، ~~وأنفذ الرجلين ، إلى باب عبيد الله ، فضربهما عليه ، كل واحد منهما ، عشرين ~~مقرعة ، وصفع الوكيل ، بعد الضرب ، خمسين صفعة ، واستخرج الدراهم . ومضت ~~السنون على هذا ، وفرج الله عن عبيد الله ' 66 ' ، وتقلد الوزارة ، فاستترت ~~، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير ، وما ألتزم من جهته . وقبض عبيد الله ، ~~على الزغل ، وكان أول من صودر ، من أسباب إسماعيل ، وعومل من المكاره ، بما ~~لم يسمع بأعظم منه ، ولم يتصرف في أيام عبيد الله ، إلى أن مات وهو يتصدق . ~~واستترت أنا ، أياما ، فلم يعرض عبيد الله لطلبي ، ولا لشيء من داري ، ~~وضيعتي ، ولا لأهلي ، ولا معاملي ، فأنست بذلك ، وكتبت إليه بعد ذلك ، أسأل ~~الأمان ، فأمنني . فحضرت مجلسه ، وهو حافل بالناس ، وبين يديه الخلق ، من ~~أصحاب الدواوين والقواد . فحين رآني ، قام إلي قياما تاما . فقبلت رجليه ، ~~وقلت : يقيلني الوزير أطال بقاءه ، وليس هذا محلي . PageV02P352 # """""" صفحة رقم 353 """""" # فقال : ولم ؟ ما يفي قيامي لك ، بقيامك لي ، لأنك قمت لي في وقت عرضت - ~~بقيامك لي - نفسك ، ودمك ، ونعمتك ، وحالك ، لذلك العدو لله ، وعاملتني ، ~~بما لا يفي به شكري ، ولك عندي كلما تحبه ، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره ~~. قال : ولج به المعتضد ، في مصادرتي ، وهو ms462 يدفعه عني ، ويقول له أشياء ~~يدفع بها عني ، لا أصل لها ، منها : أنه قال له : هذا قد صادره إسماعيل ، ~~في أيام تصرفه معه ، دفعات ، وأفقر على سبيل القرض ، وكانت له نفقات عظيمة ~~، ومروءة ، وهو مع هذا عفيف ، لا يرتفق بشيء ، ولا يجاوز رزقه ، ولا حال له ~~، فيصادر ، ولا طريق عليه . قال : والمعتضد يلح . فقال لي عبيد الله : ليس ~~لك ، إلا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك . فقلت : المر للوزير . فقلدني ~~الخراج والضياع بقم ، وكتب إلى صاحب المعونة ، بخدمتي ، وأخرجني على أمر ~~يعظم . وطالبه المعتضد ، بالتزام مصادرتي ، فأعاد عليه القول ، وقال : ~~احتجت إلى الاستعانة بكفايته ، فأنفذته إلى قم . فقال : لا بد من إلزامه ~~شيئا هناك . فكتب بالصورة إلي ، وألزمني عشرين ألف دينار ، وعدني بإخلافها ~~علي ، فالتزمتها ، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي . فلما أديت منها عشرة ~~آلاف ، أسقط الباقي ، وسأل المعتضد فيه ، فحطه ' 67 ' عني ، وما عطلني ، ~~إلى أن مات . فسلمت ونعمتي عليه ، وكسبت معه نعمة ثانية ، أنا فيها إلى ~~الآن ، بثمرة ذلك الإحسان . وهلك الزغل ، وبلغ إلى الصدقة ، ومات في الفقر ~~، بثمرة ذلك الشر . PageV02P353 # """""" صفحة رقم 354 """""" # آثار قديمة في سواد واسط ومن عجائب الدنيا ، وآياتها ، أشياء في سواد واسط # . حدثني جماعة ، منهم رجل يعرف بابن السراج ، وغيره ، ومنهم محمد ابن عبد ~~الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي ، وجده أبو بكر محمد بن سهل ، كان ~~وجها من وجوه الشهود بواسط ، ثم تقلد القضاء بها سنين ، دفعات ، فأثبت ذلك ~~بخط محمد بن عبد الله ، عقيب هذا الكلام : شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من ~~رصافة الميمون ، قرية من قرى النبط ، أو الأكاسرة ، وتعرف بجيبذا ، وقالوا ~~فيها آثار قديمة ، من بناء آجر وجص ، وفيها قبة قائمة ، كالهيكل كانت قديما ~~، ومثال رجل من حجر أسود أملس ، عظيم الخلق ، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي ~~إسحاق ، لأنه يتعاطى قوم من أهل القوة شيله فيسحقهم ، ويكسر عظامهم ، وقد ~~قتل وأزمن خلقا ، فيذكر أهل الموضع ، أنهم سمعوا أشياخهم ، يدعونه بذلك ، ~~على قديم الأيام ms463 . وهذه القرية خراب ، لا يذكر فيها عمارة . وقد كان احتمل ~~هذا الحجر ، رجل يعرف بالجلندي ، كان على حماية المأمون ، فعمد إليه ، وشد ~~فيه الحبال ، وجره بالبقر ، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء ، فأمسى ، فتركه ~~في موضعه ، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن الموضع الذي تركه فيه ، وأن ذلك ~~الحجر صار بالقرب من موضعه الأول ، فتركه وانصرف . ثم احتمله بعد ذلك ، رجل ~~آخر ، من أهل الرصافة ، على خلق من الحمالين ، يتناوبون عليه ، حتى أدخله ~~الرصافة ، فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه ، يضجون ، ويقولون : إن هذا ~~نأنس به في ذلك المكان ، وإنا نأوي إليه في الليل ، فنأنس به ، ويمنع عنا ~~الوحش ، إذ كنا بقربه ، فلا يقربون ما يأوي إليه ، فحملوه ثانية ، حتى ردوه ~~إلى موضعه الأول ، بعد أن بذل لهم الرجال ، حمله من الرصافة . PageV02P354 # """""" صفحة رقم 355 """""" # وكان على صدره ، وعلى ظهره ، وكتفيه ، كتابة محفورة ، قديمة لا يدري بأي ~~قلم هي ' 68 ' . وفي هذه البلاد ، قرية ، تعرف بقصبة نهر الفضل ، وهي ~~تلهوار ، وعلى نحو فرسخين منها تل يعرف بتل ريحا ، من البلاد القديمة ، ~~فيها آثار ، وفيه حجر عظيم مربع ، له سمك كثير ، وهو كالسرير ، طول تسعة ~~أذرع ، في أذرع ، قد غاب في الأرض أكثره ، وعليه تماثيل ، ونقش . وكان صاحب ~~تلهوار ، أحمد بن خاقان ، أراد إقلاب هذا الحجر ، لينظر ما تحته ، فاحتفر ~~حوله ، واجتهد أن يقدر على قلبه ، فلم يقدر على ذلك ، لأنهم كانوا كلما ~~احتفروا تحته ، ليتمكنوا من قلبه ، هوى إلى الحفرة ، فاستغرق فيها ، فلما ~~أعياه ذلك ، تركه على حاله . وفي موضع من . . . الذي في ظهر البطائح ، بين ~~واسط والبصرة ، مما يلي الطفوف ، من القبة العتيقة ، فيه خزانة يقال لها : ~~القارة ، يقال إنها من خزائن قارون ، طولها أربعون ذراعا ، والعرض مثله ، ~~وارتفاعها أكثر من ذلك ، مبنية بالقار ، والحصى ، والنوى ، وهي مجموعة ليس ~~لها باب ولا نقف لها على مدخل . وكان رجل من ساكني تلهوار ، يعرف بعمر ~~النجار ، أضاف رجلا من المجتازين ، وأكرمه ، فأحب أن يكافيه ، فأعلمه كيفية ~~الوصول إلى هذه القارة ms464 ، وكتب له بذلك كتابا ، أوقفه عليه . وقال له : نريد ~~أن نستعين برجل كبير ، وأومأ إلى خاقان ، وأبي القاسم بن حوط العبدسي ، ~~وكانا رئيسي البلد ، فأعلمهما ذلك . فأعدوا له آلة لما يحتاج إليه من الفتح ~~، من مرور ، وآلات حديد ، وخشب وزبل ، وسلاليم ، وأجرة سفن ، وحبال ، وغير ~~ذلك ، ولومهما عليها - مع مؤن الرجال - ألوف دراهم كثيرة ، وأثبتا رجالا ~~كثيرة للحماية ، لأن الموضع تطرقه القرامطه والبوادي ، ثم أخرجاه ، ومن معه ~~من الرجال ، في سفن في البطيحة ، لأن الماء إذا زاد في البطيحة يصير فيما ~~بينه وبين هذه القارة دون الفرسخين ، فمضوا إليها . فحدثنا ابن لهذا الرجل ~~، المعروف بعمر النجار ، أنه كان مع أبيه ، في الموضع ، فوافى ، فمسح مما ~~يلي مطلع الشمس ، من هذه القبة ، أربعين ذراعا ، ثم احتفر الموضع ، فظهر له ~~حجر عظيم ' 69 ' لا يقله إلا الجماعة الكثيرة ، فلم يزل يحلحل حوله ، حتى ~~أخرجه ، وإذا أزج عظيم ، كان ذلك الحجر عليه على بابه ، ولحقه المساء ، ~~فعمل على PageV02P355 ~~"""""" صفحة رقم 356 """""" # المباكرة لدخول الأزج ، والوصول إلى باب القبة ، فبات ليلته ، ومن معه ، ~~فلما كان في وجه الصباح ، حين يبدو الفجر ، سمعت الجماعة ، تكبيرا وضجة ، ~~ونظروا إلى السيوف والخيل تبين من خلال الظلمة ، فناذروها ، ولم يشكوا أنها ~~خيل القرامطة ، وتوجهوا نحو البطيحة ، والسفن التي لهم هناك ، فلم يزالوا ~~كذلك يتعاودون إلى أن أصبحوا ، وبان ما في الصحراء ، مما يحتاجون أن يروه ، ~~فلم يروا خيلا ، فظنوا أنها قد انصرفت عنهم ، فعادوا راجعين إلى مواضعهم ، ~~فوجدوا عمر النجار مذبوحا في بعض الطريق ، ووافوا إلى مواضعهم ، فوجدوا ~~أمتعتهم كما هي ، ما فقدوا منها شيئا ، فاحتملوها ، واحتملوا عمر النجار ، ~~وانصرفوا . وقيل لي : إنه لم يوجد الحجر ، ولا أثر الموضع الذي احتفروا . ~~وقد يجد الناس ، ممن يجتازون بذلك الموضع ، أو يقصده ، دراهم ، وجواهر ، ~~حول تلك الخربات ، والقبة . وقد يأوي إلى تلك الخربات ، النعام ، وتبيض ~~فيها ، لخلوها ، وانقطاع الناس ، عن الاجتياز بها ، إلا في الحين بعد الحين . PageV02P356 # """""" صفحة رقم 357 """""" # سيدوك الشاعر # رأيت بواسط شيخا ، ذكر لي ، في شهر ربيع ms465 الأول من سنة ثلاث وستين ~~وثلثمائة ، أنه قد تجاوز الستين سنة ، وأن مولده ومنشأه بالدحب ، قرية من ~~سواد واسط ، وأن أباه كان رجلا من أهل البصرة ، من بني تميم ، وفد قديما ~~إلة واسط ، ثم استوطن ' 70 ' السواد ، فولد هو فيه ، ونشأ إلى أن بلغ ، ~~فأحب العلم ، فرجع إلى البصرة ، وأقام بها ، وتأدب ، ثم دخل البادية ، ~~فأقام بها نحو عشر سنين ، ولقي الناس ، ووجدته يفهم من اللغة والنحو طرفا ، ~~وهو شاعر من شعراء واسط المشهورين ، ويلقب بسيدوك . وأخبرني هو ، قال : قال ~~لي أبو محمد المهلبي ، وقد امتدحته لما وزر ، لم تسميت بسيدوك ؟ فقلت : ~~لأنه اسم رئيس الجن ، وأنا رئيس الشعراء . فقال : أفتدري لم سمي سيدوك رئيس ~~الجن بهذا الاسم ؟ قلت : لا . قال : بلغني أنه إنما سمي بذلك ، لأن في الجن ~~قبيلة يقال لها ، هلوك ، وهو سيدها ، فاستثقلوا أن يقولوا : سيد هلوك ، ~~فخففوها ، فقالوا : سيدوك . والرجل كان يكنى أبا طاهر ، واسمه عبد العزيز ~~بن حامد بن الخضر ، على ما أخبرني . PageV02P357 # """""" صفحة رقم 358 """""" # من شعر سيدوك # وحدثني ، قال : كنت يوما بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب ، فرماني ~~بنارنجة نضفها أصفر ، ونصفها أخضر . وقال لي : قل في هذه شيئا . فقلت في ~~الحال : وطيبة النشر مسكية . . . مرصعة بالتحايا العذاب فأصفر في لون شمس ~~المساء . . . وأخضر في لون قوس السحاب فلون لوجنة مرعوبة . . . ولون لأثر ~~نصول الخضاب فهذا كمصة نحر الحبيب . . . وذاك كما عل صرف الشراب وأنشدني ~~لنفسه أيضا : شربت حلاوة عيش الصبا . . . وذقت مرارة فقد الشباب فلا طعم ~~أمره مما اغتدى . . . خضابك مستهترا من خضابي ولا شيء أعجب مما التقى . . . ~~نصول الخضابين يوم العتاب أشارت إلى أصص محدقات . . . بألوان نيلوفرات طياب ~~وأنشدني لنفسه ' 71 ' : أرى قسمة الأرزاق أعجب قسمة . . . فذو دعة مثر مكد ~~به الكد فأحمق ذو مال ، وأحمق معدوم . . . وعقل بلا حظ وعقل له جد يعم ~~الغنى والفقر ذا الجهل والحجى . . . ولله من قبل الأمور ومن بعد وأنشدني ~~لنفسه : أظن بلية دهمت فؤادي . . . وأحسبها غزال بني سليم وإلا لم يغيب ~~فيعتريني . . . تدله ضائم ms466 من غير ضيم ولم عيني إذا فقدته كانت . . . كعين ~~الشمس إذ غطت بغيم PageV02P358 ~~"""""" صفحة رقم 359 """""" # محنة القرامطة # حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله ، قال : كنت مع إبراهيم ~~بن نافع العقيلي ، المعروف بابن البارد الطوق ، وبعض العرب تسميه بباري ~~الطوق ، وكانت العامة تسميه : ابن البارد الطوق ، وخبروني أنه سمي بذلك ~~أبوه ، لأنه ضرب رجلا في عنقه طوق ، فبراها بالضربة . قال : وكان أبو إسحاق ~~بن البارد هذا ، إذ ذاك ، أمير نهر الأيسر الذي بين رستاق البصرة والأهواز ~~، وهو إذ ذاك يليها من قبل معز الدولة . فورد عليه رجل ، قد هرب من ~~القرامطة ، من بني عقيل ، يعرف بمختار بن فرناس ، وكان من حي إبراهيم ، من ~~بني معاوية بن حزن . وكان في عنق المختار هذا ، طوق فضة . وكان سبب هربه ، ~~على ما سمعت خلقا من بني عقيل ، يخبرون بذلك ، إذ ذاك ، أنه قتل أخاه ، ~~وابن عمه ، لأجل ضيف أضافه . وذلك ، أنه كان مع الضيف ، مال صامت ، فأعمل ~~أخوه ، على الغدر بالضيف ، وأخذ المال منه ، وعلم المختار بذلك فمنعه ، ~~واقتتلا بالسيوف ، فقتل أخاه ، فجاء ابن عمه يلومه ، وتخاطبا ، إلى أن ~~تجاذبا السيوف ، وتخابطا بها ، فقتل ابن عمه أيضا ، وسكن من نفس الضيف ، ~~حتى لا يذعر ، ولم يكن له ما يطعمه تلك الليلة ، فعرقب فرسه ، وذبحه ، ~~واشتوى من لحمه ، وأوقد حتى اصطلى به الضيف . فلما أصبح ، وارتحل الضيف ، ~~خاف أن يبلغ القرامطة خبره ، فيأمر العريف بأخذه وإسلامه إلى المحنة ، فهرب ~~إلى إبراهيم . فرأيت رسول القرامطة ، قد جاء إلى إبراهيم ، فأخذه على صلح ~~وأمان ، ورجع إلى حيه ، ثم بلغنا أنهم محنوه بعد ذلك ، تأديبا له ، فما سمع ~~برجل في زماننا من أهل البادية ، أشجع ، ولا أكرم ، ولا آدب منه . والمحنة ~~عند القرامطة ، أنهم إذا نقموا على رجل ، استدعوه من حيه ، إلى الأحساء ~~بلدهم ، فطرحوه ، إما مقيدا يكدى في البلد ، أو سائسا للخيل ، أو راعيا ~~للغنم والإبل أو ضربوه ، وجددوا عليه في كل يوم لونا من العقاب ، ولا يزال ~~عندهم حولا ، وأكثر . وبما ms467 عاقبوه ' 72 ' بألوان أخر . فجميع ما يعملونه من ~~التأديب ، يسمونه محنة . PageV02P359 # """""" صفحة رقم 360 """""" # من شعر أبي القاسم الصروي # أنشدني أبو القاسم لنفسه : أصدع صدر الرمح في صدر فارس . . . وأوقد ما ~~يبقى من الرمح للضيف وأقطع سيفي في الطلى ثم أنثني . . . فأذبح عيري ~~بالبقية من سيفي وإني لصيف في الشتاء إذا أتى . . . وإني شتاء بارد الظل في ~~الصيف وما زلت صدر العلم صدر كتابه . . . وقلب الوغى ناب عن الضيم والحيف # عدة جند الخلافة في أيام المقتدر # حدثني أبو الحسين علي بن هشام ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن ~~زكريا بن شيراز ، قال : لما أخرج المقتدر هارون بن غريب الخال ، مع مؤنس ، ~~ونصر ، والقواد ، لمحاربة القرمطي ، حين وافى من زبارا ، عرضنا الجيش ، ~~لأنه كان ديوان العرض إلى صاحبي ابن الخال ، وكنت أكتب عليه ، وعلى أمره ~~كله ، فأمره المقتدر ، بعرض الجيش بزبارا ، لئلا يكون قد أخل ممن جرد إلى ~~الحرب أحد ، فتقدم إلي ابن الخال بذلك ، فعرضتهم ، فكانت العدة من سائر ~~الفرسان ، والرجالة ، مع من جرد من الحجرية ، وخدم الدار ، اثنين وخمسين ~~ألف رجل مرتزق ، أو واحدا وخمسين - الشك من ابن شيراز - وهذا سوى من يتبعهم ~~، ممن لا رزق له على السلطان ، وإنما رزقه على صاحبه . قال أبو جعفر : وكان ~~قد تخلف ببغداد ، نازوك وعسكر برسمه ، ورسم الشرطة ، سبعة آلاف فارس ، ~~وراجل ، وبقي في دار الخليفة ، ممن لم يخرج ، ألف غلام من الحجرية ، وألف ~~خادم - أقل أو أكثر - ممن ترك لحراسة الدار ، وهذه العدة ، PageV02P360 ~~"""""" صفحة رقم 361 """""" # سوى من كان في النواحي من الشحن ، إلا من استدعي ، ممن كان في السواد ، ~~لمعاون بغداد ، مثل طريق خراسان ، وطريق دجلة ، وسقي الفرات ، وهذه النواحي ~~القريبة . PageV02P361 # """""" صفحة رقم 362 """""" # الشاعر البدوي عساف النميري # حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي ، قال : كنت قد ركبت مع نفر ~~من بني قشير ، بالموصل ، فحملوني إلى حي لهم بالبادية ، على أيام منها ، ~~فأقمت في الحي شهورا . فكنت يوما جالسا ، فرأيت فتى بدويا يسمى بعساف ، حدث ~~السن ms468 ، ' 73 ' حسن الوجه ، راكبا . فقال لي صاحب البيت : هذا رجل من بني ~~نمير ، وهو جار لنا ، وهو شاعر ، فنحب أن تسمع من شعره . فقلت : نعم . ~~فسأله النزول ، فنزل ، وذاكرته بالشعر ، فوجدته كثير الرواية لأشعار ~~البادية ، في زمانه ، فما أنشدني بيتا أعرفه ، ولا نسب شيئا مما أنشدنيه ~~إلى شاعر أعرفه ، متأخر أو متقدم ، ووجدته لا يلحن البتة . وأنشدني شيئا ~~كثيرا ، فعلق بحفظي من ذلك ، قصيدة ، استعدته إياها دفعات ، حتى حفظتها ، ~~وقد شذ عني منها أبيات . قال : وكان هذا ، في سنة ست وثلاثين وثلثمائة ، ~~واسم الشاعر عساف النميري ، قال : ولا أعرف اسم أبيه ، ولا نسبه . والقصيدة ~~: نظرت وأعلام السرية دوننا . . . بعيني فتى صب يرى الهجر مغرما وأشرف ركب ~~يهلك الطرف دونه . . . تظن به الحبشية الحو جثما وأكرهت طرف العين حتى ~~كأنما . . . أرى بفضاء الأرض سترا منمنما إذا القوم قالوا صح شيئا حسبته . ~~. . أصم وعن رد المشورة أعجما دعاهن من نجد لحوران بعدما . . . رمين بسهم ~~الحب قلبا متيما تعرضن لي يوم اللوى عن مشورة . . . وأودعن في ذات الوشاحين ~~مرتما وقلنا اقتليه يا مليح فإنه . . . متى ما رمى كانت مراميه حذما دماء ~~الغواني عند ذا مستحلة . . . فإن يرم رشقا نلق سهما مسمما فأبدت على اللبات ~~وحفا كأنه . . . عناقيد عناب تفرعن سلما PageV02P362 ~~"""""" صفحة رقم 363 """""" # وجيدا كجمار الفسيلة بزه . . . من الليف جانيه وكان مكرما وعيني غضيض ~~الطرف من جدل المها . . . محيل المآفي ، قرنه حين كمما وأبيض براق الغروب ~~كأنما . . . حصى برد ضمت به إن تبسما وقالت : أبا سعدى تبدلت بيننا . . . ~~صدودا ومحمود العشيرة ضيغما فقلت : هنيا ذاك شيء يسرني . . . غناها وأن ~~تلقى من العيش أنعما ولكني سليني عن حراجيج ضمر . . . سواهم يحذين السريح ~~المخدما وحرف كأن البق يلدغ دفها . . . إذا المعجب الساري عليها ترنما وعين ~~فتية شعث اللمام رمى بهم . . . هوى المطايا مخرما ثم مخرما سروا لسنا نار ~~هويا وكلهم . . . من البرد ما يبدي البنان المكمما ' 74 ' فلما أتونا جانب ~~الحي عرسوا . . . غراثى وما ذاقوا من الأمس مطعما فحييتهم قبل القرى ~~وقريتهم . . . قرى لم يكن ms469 نزرا ولم يأت مغنما وماء قديم قد مضى دون عهده . ~~. . لوارده عشرون حولا متمما وعن شزب شعث النواصي كأنها . . . سراحين يحملن ~~الوشيج المقوما عليهن منا كل أروع ماجد . . . كريم إذا ما عارض الموت أوسما ~~أخو حملات يعلم القوم أنه . . . ضروب بنصل السيف ضربا غشمشما لحقت بهم جميع ~~القطامي بعدما . . . دنا من بشير الصبح أن يتكلما غداة التقينا لا سفيرة ~~بيننا . . . سوى مخلصات تترك الهام أقعما تكر عليهم مخطفات كأنها . . . ~~صقور المضري كان للصيد مطعما كأن على المشوي منها ومنهم . . . عمائم تسقى ~~حالك اللون عندما سلوا قرن مدفوع فقد كان شاهدا . . . غداة التقينا أينا ~~كان أكرما PageV02P363 ~~"""""" صفحة رقم 364 """""" # مناظرة بين عالمين في مجلس القاضي أبو عمر # حدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختري ، ~~القاضي الداودي ، وهو شيخ من خلفاء قضاة القضاة ، مشهور بمدينة السلام ~~بالعمل ، والتصرف في الحكم ، قال : حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد ابن ~~محمد بن المغلس الداودي ، قال : كان أبو بكر محمد بن داود ، وأبو العباس بن ~~سريج ، إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر ، لم يجر بين اثنين ، فيما يتفاوضانه ~~، أحسن مما يجري بينهما . وكان ابن سريج - رضي الله عنه - كثيرا ما يتقدم ~~أبا بكر في الحضور إلى المجلس ، فتقدمه في الحضور ، أبو بكر ، يوما ، فسأله ~~حدث من الشافعية عن العود الموجب للكفارة ما هو ؟ قال : إنه إعادة القول ~~ثانيا ، وهو مذهبه . وحضر ابن سريج ، فاستشرحهم ما جرى ، فشرحوه . فقال ابن ~~سريج ، لابن داود : يا أبا بكر ، أعزك الله ، هذا قول من المسلمين تقدمكم ؟ ~~فاستشاط أبو بكر من ذلك ، وقال : أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه ~~المسألة ، إجماع عندي ؟ أحسن أحوالهم أن أعده خلافا ، وهيهات أن يكون كذلك ~~. فغضب ابن سريج ، وقال له : أنت يا أبا بكر ، بكتاب الزهرة أمهر منك في ~~هذه الطريقة . فقال أبو بكر ' 75 ' : بكتاب الزهرة تعيرني ؟ والله ما تحسن ~~تستتم قراءته ، قراءة من يفهم ، وإنه لمن إحدى المناقب ، إذ كنت أقول فيه ms470 : ~~أكرر في روض المحاسن مقلتي . . . وأمنع نفسي أن تنال محرما وينطق سري عن ~~مترجم خاطري . . . فلولا اختلاسي رده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ~~. . . فما إن أرى حبا صحيحا مسلما فقال القاضي أبو العباس بن سريج : أعلي ~~تفتخر بهذا القول ، وأنا الذي أقول : PageV02P364 # """""" صفحة رقم 365 """""" # ومسامر بالغنج من لحظاته . . . قد بت أمنعه لذيذ سناته حبا بحسن حديثه ~~وعتابه . . . وأكرر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده . . . ~~ولى بخاتم ربه وبراته فقال ابن داود ، لأبي عمر : أيد الله القاضي ، قد أقر ~~بالمبيت على الحال التي ذكرها ، وادعى البراءة مما يوجبه ، فعليه إقامة ~~البينة . فقال ابن سريج : من مذهبي ، أن المقر ، إذا أقر إقرارا ، وناطه ~~بصفة ، كان إقراره موكولا إلى صفته . فقال ابن داود : للشافعي في هذه ~~المسألة قولان . قال ابن سريج : فهذا القول ، اختياري الساعة . # إخوانيات # حدثني مبشر - مولى أبي - قال : قدمنا سوق الأهواز ، من غيبة كان مولاي ~~غابها ، فكتب من المشرعة ، إلى أبي أيوب داود بن علي بن أبي الجعد الكاتب ، ~~وكان بينهما أنسة ومودة ، وعرفه قدومه ، فالتمس منه ، أن ينفذ إليه مركوبا ~~ليركبه من المشرعة إلى داره . فأنفذ إليه أيوب المركب ، وكتب إليه : عبدك ~~داود به علة . . . تمنعه أن يتلقاكا والبغلة الشهباء قد أسرجت . . . فاركب ~~فديناك فديناكا عيني إلى الباب وأذني إلى . . . مبشري قد جاء مولاكا PageV02P365 ~~"""""" صفحة رقم 366 """""" # إن كان قد أخذ طالعي فقد أخذت غاربه # حدثني أبو علي محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي حامد ، صاحب بيت المال ، ~~وكان أبوه المكنى بأبي حامد ، قد تقلد القضاء ، وأبو علي هذا قد خلف عدة ~~قضاة على غير بلد ، قال : حدثنا ابن جحا الأصبهاني ، قال : قيل لأبي مسلم ، ~~محمد بن بحر ، لما دخل أصبهان ، واليها ، وصارفا لابن رستم : إن ابن رستم ، ~~قد أخذ طالعا في دخولك ، وهو يذكر ' 76 ' ، أنه غير جيد ، فقال : إن كان قد ~~أخذ طالعي ، فقد أخذت غاربه . # الحق يوفي على الجرم # حدثني أبو الحسين ، علي بن هشام ، قال : كان أبو ms471 الحسن بن الفرات ، لما ~~ولي الوزارة الأولى ، وجد سليمان بن الحسن ، يتقلد مجلس المقابلة ، في ~~ديوان الخاصة ، من قبل علي بن عيسى ، وإليه - إذ ذاك - الديوان ، فقلد أبو ~~الحسن ، سليمان ، الديوان بأسره ، فأقام يتقلده نحو سنتين . فقام يصلي ~~المغرب ، فسقطت من كمه رقعة ، بخطه ، نسخة سعاية بابن الفرات ، وأسبابه ، ~~وسعي لابن عبد الحميد ، كاتب السيدة ، بالوزارة ، وأخذها بعض أسبابه ، ~~وتقرب بها إلى ابن الفرات ، فقبض عليه للوقت ، فأنفذه إلى واسط ، في زورق ~~مطبق ، وصودر ، وعذب بواسط . ثم رجع له ابن الفرات ، لما وقف من كتاب صاحب ~~الخبر ، على أن أم سليمان ، ماتت ببغداد ، ولم يحضرها ، ولا رأته قبل موتها ~~، فاغتم لذلك ، وبدأ ، فكتب إليه ، بخطه ، كتابا أقرأنيه سليمان ، بعد ذلك ~~، فحفظته ، ونسقته : PageV02P366 # """""" صفحة رقم 367 """""" # ميزت - أكرمك الله - بين حقك وجرمك ، فوجدت الحق ، يوفي على الجرم . ~~وتفكرت في سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت ، وبين أهلها غذيت ، ~~فثناني إليك ، وعطفني عليك ، وأعادني إلى أفضل ما عهدت ، وأجمل ما ألفت . ~~فثق - أكرمك الله - بذلك ، وأسكن إليه ، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه ~~. واعلم أنني أراعي فيك ، حقوق أبيك ، التي تقوم بتوكيد السبب ، مقام ~~اللحمة والنسب ، وتسهل ما عظم من جنايتك ، وتقلل ما كثر من إساءتك ، ولن ~~أدع مراعاتها ، والحافظة عليها ، إن شاء الله . وقد قلدتك أعمال دستميسان ~~لسنة ثمان وتسعين ومائتين ، وبقايا ما قبلها ، وكتبت إلى أحمد بن حبش ، ~~بحمل عشرة آلاف درهم ، إليك . فتقلد هذه الأعمال ، وأظهر فيها أثرا حميدا ، ~~ينبئ عن كفايتك ، ويؤدي إلى ما أحبه من زيادتك ، إن شاء الله . # يحيى بن خالد البرمكي والفضل بن الربيع # حدثني أبو الحسين علي بن هشام ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس ~~اليزيدي ، قال : حدثنا عمي عن اليزيدي الأكبر ، مؤدب المأمون ، قال : دخل ~~أبو العباس ، الفضل بن الربيع ، على أبي علي ، يحيى بن خالد البرمكي ، وهو ~~جالس للحوائج ، وابنه جعفر ، يوقع بين يديه . فعرض عليه رقعة ، فقال : هذا ~~لا يمكن ' 77 ' . وأخرى ، فقال : هذا مما قد ms472 حظره أمير المؤمنين . وأخرى ، ~~فقال : هذا يفسد به الأولياء . وأخرى ، فقال : هذا يثلم الارتفاع . إلى أن ~~عرض عليه عشر رقاع ، واعتل فيها لعلل مختلفة ، ولم يوقع له بشيء . فجمعها ~~الفضل ، وقال : ارجعن خائبات ، ونهض وهو يقول : عسى وعسى يثني الزمان عنانه ~~بتصريف حال والزمان عثور فتقضي لبانات وتشفى حسائك وتحدث من بعد الأمور ~~أمور . فسمعها يحيى ، فقال : عزمت عليك يا أبا العباس ، لما رجعت . فرجع ، ~~فوقع له في الرقاع كلها . PageV02P367 # """""" صفحة رقم 368 """""" # ثمن هديتين وثمن نفط وحب قطن # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو الحسن ، علي بن عيسى ، قال : حدثنا ~~أبي قال : حدثنا أبي ، داود بن الجراح ، قال : قال لي الفضل ابن مروان : ~~كنت أعمل ، في ديوان ضياع الرشيد ، مجلس الحساب ، فنظرت في حساب السنة التي ~~نكب فيها البرامكة ، ووجدت ، قد أثبت فيه ، ثمن هدية ، دفعتين من مال ضياع ~~الرشيد ، أهداهما إلى جعفر بن يحيى ، بضعة عشر ألف دينار . وفيه بعد شهور ~~من هذه الهدية ، قد أثبت في الحساب لثمن نفط ، وحب قطن ، ابتيع ، وحرق بها ~~جثة جعفر بن يحيى ، بضعة عشر قيراطا ذهبا . # من يشناك كان وزيرا # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا أبو عبد الله نفطويه ، قال : حدثنا أبو ~~العباس بن الفرات ، قال : قال لي أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ، قال : ~~قال لي أبي : سمعت أبا الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، قال : سمعت أبا ~~جعفر أحمد بن يوسف يقول ، وهو إذ ذاك ، وزير المأمون ، لما قال الشاعر ، ~~بعد قتل أبي سلمة ، وزير السفاح : إن الوزير وزير آل محمد . . . أودى فمن ~~يشناك كان وزيرا كذبت ، كل الوزراء من يشناك ، فلا يدخل في هذا الأمر إلا ~~منحوس . PageV02P368 # """""" صفحة رقم 369 """""" # المتنبي يعارض القرآن # حدثني أبو علي بن أبي حامد ، قال : سمعت خلقا بحلب ، يحكون : أن أبا ~~الطيب ، أحمد بن الحسين ، المتنبئ بها إذ ذاك ، كان في بادية السماوة ، ~~ونواحيها . إلى أن أخرج إليه لؤلؤ من حمص ، من قبل الإخشيدية ، فقاتله ، ~~وأسره ، وشرد من كان اجتمع إليه من ms473 كلب وكلاب ، وغيرهما من قبائل العرب . ~~وحبسه في السجن دهرا طويلا ، فاعتل ، وكاد أن يتلف ، حتى سئل في ' 87 ' ~~أمره ، فاستتابه ، وكتب عليه وثيقة ، أشهد عليه فيها ، ببطلان ما ادعاه ، ~~ورجوعه إلى الإسلام ، وأنه تائب منه ، ولا يعاود مثله ، وأطلقه . قال : ~~وكان قد تلا على البوادي ، كلاما ، ذكر أنه قرآن نزل عليه ، وكانوا يحكون ~~له سورا كثيرة ، نسخت منها سورة ، فضاعت ، وبقي أولها في حفظي ، وهو : ' ~~والنجم السيار ، والفلك الدوار ، والليل والنهار ، إن الكافر لفي أخطار ' ' ~~امض على سبيلك ، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين ، فإن الله قامع بك زيغ ~~من ألحد في دينه ، وضل عن سبيله ' . قال : وهي طويلة ، ولم يبق في حفظي ~~منها غير هذا . قال : وكان المتنبئ إذا استوعب في مجلس سيف الدولة ، ونحن ~~إذ ذاك ، بحلب ، يذكر له هذا القرآن ، وأمثاله ، مما كان يحكى عنه ، فينكره ~~، ويجحده . قال : وقال له ابن خالويه النحوي ، يوما ، في مجلس سيف الدولة ، ~~لولا أن الآخر جاهل ، لما رضي أن يدعى بالمتنبئ ، لأن متنبئ ، معناه كاذب ، ~~ومن رضي لنفسه أن يدعى بالكذب ، فهو جاهل . PageV02P369 # """""" صفحة رقم 370 """""" # فقال : لست أرضى أن أدعى بذلك ، وإنما يدعوني به ، من يريد الغض مني ، ~~ولست أقدر على الامتناع . فأما أنا ، فإنني سألته بالأهواز ، في سنة أربع ~~وخمسين وثلثمائة ، عند اجتيازه بها ، إلى فارس ، في حديث طويل ، حدث بيننا ~~، عن معنى المتنبئ ، لأني أردت أن أسمع منه ، هل تنبأ أم لا ؟ فأجابني ~~بجواب مغالط لي ، وهو أن قال : هذا شيء ، كان في الحداثة ، أوجبته الصبوة ، ~~فاستحيت أن أستقصي عليه ، وأمسكت . وقال لي أبو علي بن أبي حامد : قال لي ~~أبي ، ونحن بحلب ، وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطيب المتنبئ ، هذه السورة ~~التي قدمنا ذكرها : لولا جهله ، أين قوله : امض على سبيلك ، إلى آخر الكلام ~~، من قول الله عز وجل ' فاصدع بما تؤمر ، وأعرض عن المشركين ، إنا كفيناك ~~المستهزئين ' إلى آخر السورة ، وهل تتقارب الفصاحة بينهما ، أو يشتبه ~~الكلامان . PageV02P370 # """""" صفحة رقم 371 """""" # معقود العسل ودهن ms474 اللوز # حدثنا أبو الحسن محمد بن شجاع المتكلم البغدادي ، قال ' 79 ' : حدثنا أبو ~~سلمة العسكري ، أحد غلمان أبي علي الجبائي ، قال : كنت بحضرته يوما ، وهو ~~يصلي ، ونحن جلوس نتحدث ، فقال رجل منا : اليوم كنت عند صديق لي ، فأطعمني ~~معقود العسل ودهن اللوز . فقالوا : إن جبى ليس بها من يكون هذا عنده ، إلا ~~العامل ، ولست ممن يأكل طعام العمال . فمر الرجل يشوش الكلام . وسلم أبو ~~علي من صلاته ، فقال : لا يهوسكم الرجل ، لعله كان اليوم عند الصيدلاني ~~وتناول لطريفك ؟ فقال الرجل : هكذا كان . PageV02P371 # """""" صفحة رقم 372 """""" # أندلسي تتلمذ للجاحظ # وحدثنا أبو الحسين أيضا ، قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن عمرو ، قال : ~~كنت بالأندلس ، فقيل لي : إن بها تلميذا لأبي عثمان الجاحظ ، يعرف بسلام بن ~~زيد ، ويكنى أبا خلف . فأتيته ، فرأيت شيخا هما ، فسألته عن سبب اجتماعه مع ~~أبي عثمان ، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس ؟ فقال : كان طالب العلم ~~بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان ، فوقع إلينا كتاب التربيع ~~والتدوير ، فأشاروا إليه ، ثم أردفه عندنا كتاب البيان والتبيين ، فبلغ ~~الرجل الصكاك بكتابة هذين الكتابين . قال : فخرجت ، لا أعرج على شيء ، حتى ~~قصدت بغداد ، فسألت عنه ، فقيل لي : هو بسر من رأى . فأصعدت إليها ، فقيل : ~~قد انحدر إلى البصرة . فانحدرت إليه ، وسألت عن منزله ، فأرشدت ، فدخلت ~~إليه ، وإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيان ليس فيهم ذو لحية غيره . قال : ~~فدهشت ، فقلت : أيكم أبو عثمان ؟ فرفع يده ، وحركها في وجهي ، وقال : من ~~أين ؟ فقلت : من الأندلس . قال : طينة حمقاء ، فما الاسم ؟ قلت : سلام . ~~قال : اسم كلب القرد ، ابن من ؟ قلت : ابن زيد . PageV02P372 # """""" صفحة رقم 373 """""" # قال : بحق ما صرف ، أبو من ؟ قلت : أبو خلف . قال : كنية قرد زبيدة ، ما ~~جئت تطلب . قلت : العلم . قال : ارجع بوقت ، فإنك لا تفلح . قلت له : ما ~~أنصفتني ، فقد اشتملت على خصال أربع ، جفاء البلدية ، وبعد الشقة ، وغرة ~~الحداثة ، ودهشة الداخل . قال : فترى حولي عشرين صبيا ، ليس فيهم ذو لحية ~~غيري ، ما كان يجب أن تعرفني بها ms475 ؟ قال : فأقمت عليه عشرين ' 80 ' سنة . ~~قال : وكان سلام هذا يحسن العلم . # الناس أربعة # قال : وبلغني عن أبي بكر بن مجاهد ، أنه قال : الناس أربعة : مليح يتبغض ~~لملاحته فيحتمل ، وبغيض يتملح ، فذاك الحمى ، والداء الذي لا دواء له ، ~~وبغيض يتبغض ، فيعذر لأنه طبيعة ، ومليح يتملح ، فتلك الحياة الطيبة . PageV02P373 # """""" صفحة رقم 374 """""" # كيفية صيد الفيل واستئناسه # حدثنا أبو الحسين ، قال : كنت بتانة من بلاد الهند ، فسمعتهم يتحدثون : ~~أن ملوك الهند ، يغالون في الأفيلة الحربية ، على قدر عظم بطشها ، فربما ~~بلغ الفيل الفاره ، المنقطع النظير ، مائة ألف دينار ، ودائما يبلغ الفيل ~~الواحد منها عشرة آلاف دينار . قال : فإذا بلغ الملك ، أن فيلا قد تغرب ، ~~وله بطش عظيم ، وأنه يصلح للحرب ، أمر بصيده . قالوا : وليس له حيلة في ~~صيده ، إلا بأن يخرج قوم من الفيالين ، ومعهم فيلة أنثى ، أهلية معلمة ، ~~فيها فضل خنث وتأنيث ، والأفيال ، فيها من الفطنة أمر عظيم . قال : فيخرج ~~الفيالون ، وهي معهم ، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرب الفيل فيه ، فيقاربون ~~الموضع ، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه ، في شجرة عظيمة ، لا تمكن الفيل ~~فيها حيلة ، أو شيء يحفرونه ويغطونه ، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى . فحين ~~يشم الفيل رائحتها ، يقصدها ، وتقصده ، فتلاعبه ، وتطاعمه بخرطومها ، ~~وتؤانسه ، ولا تبرح من حيث هي ، ويرعيان في موضع فيالها ، والفيالون ~~مختبئون شهرا ، لا يفرقون بينهما . فإذا كان بعد شهر - أقل أو أكثر - على ~~حسب علمهم باستحكام الألفة ، استدعوا الفيلة ، في وقت تشاغل الفيل عنهم فيه ~~، فتجيئهم فيركبونها . . فحين يراهم الفيل ، ويراها ، يتبعهم ، فيروم أن ~~يؤذي الفيالين ، فتضع هي خرطومها عليه وتلاعبه ، وتسرع ، ويسرع خلفها . ~~فإذا رأوه قد ولى ، ردوها إليه ، فتلاعبه ، فيرجع معها . فلا يزالون يمشون ~~خلفها ، يومين أو ثلاثة ، إلى أن يروا منه ضجرا ، أو شدة في أذيتهم ، ~~فيقفون ليلة في موضع ، ويتهاربون عن ظهرها إلى موضع يختبئون فيه . PageV02P374 # """""" صفحة رقم 375 """""" # فلا يقصدهم الفيل لتشاغله بها ، ويحرزون أنفسهم في المختبأ ، ويدعونه ~~معها دون تلك المدة . ثم يسيرون بها ' 81 ' على ذلك الوجه ، فيتبعها الفيل ~~. فيسيرون ms476 بها يومين أو ثلاثة ، أو حسب ما يمكن ، إلى أن يبدو ضجره ، ~~فينزلون على رسمهم . فلا يزالون كذلك ، حتى يقربونه من البلد ، في مدة على ~~حسب بعد المسافة أو قربها . فإذا بلغوا المدينة ، أخرج ملكها جميع أهل ~~البلد ، أو أكثرهم ، وجمعهم ، وصعد عامتهم على السطوح ، النساء ، والصبيان ~~، مزينين . فحين يرى الفيل اجتماعهم ، يستوحش ، وينفر ، ويولي ، ويطلب ~~الصحراء ، فترجع الفيلة إليه فترده . فإذا رأى الناس ، نفر ، فترجع إليه ~~فترده ، فلا تزال كذلك معه ، حتى تدخله بين الناس ، وتقربه منهم . ويقيمونه ~~الفيالون أياما ، كذلك ، حتى يألف الناس ، فإذا ألفهم أمر الملك بجمع أصحاب ~~الدبادب ، والطبول والصنوج . فحين يسمع ، ينفر نفورا شديدا ، أشد من ذلك ، ~~ويهرب ، فتمضي الفيلة خلفه ، فحين يراها ، وقد بعد عن الصوت قليلا ، يقف ~~لها ، فتداعبه ، وترده ، وتداريه . فحين يقرب من الصوت يهرب ، ثم يرجع معها ~~، هذا دأبه معها ، تفعل به ذلك أياما متتابعات ، إلى أن يألف الصوت . فإذا ~~ألف المناظر والأصوات ، أدخل الفيالون الفيلة إلى البلد ، ويتبعهم الفيل . ~~فيجيئون إلى ساحة كبيرة ، معدة له ، فيها أربعة أوتاد ساج ، أثقل ما يكون ، ~~وأعظمه ، متقاربة ، منصوبة على أساسات شديدة . فتدخل الفيلة ما بين تلك ~~الأوتاد ، وتقف ، فيدخل وراءها ، ويقف معها ، فينزل الفيالون ، وفي أوصل ~~تلك الأوتاد حلق عظام وثيقة ، في كل دقل حلقة ، وفيه قيد عظيم ثقيل ، ~~فيضعون القيد في قائمة من قوائم الفيل ، فيحصل مقيدا PageV02P375 ~~"""""" صفحة رقم 376 """""" # مضبوطا بين تلك الأوتاد ، لا يمكنه قلعها ، ولا أن يطرح ثقله على شيء ، ~~لتساوي أجزائه في التقييد إليها . فلا يزال على ذلك أياما ، والفيلة إلى ~~جانبه ، فإذا مسه الجوع ، جاءه الفيالون بالأرز والسمن المطبوخ ، فأطعموه ~~إياه ، بأن يرمون إليه من بعد ، فللجوع يأكله . ولا يزالون يدارونه ، ~~ويتقربون منه ' 82 ' ، على تدريج ، حتى يأكله من أيديهم بعد مدة ، فإذا أكل ~~من أيديهم ، فهي العلامة في استئناسه . فحين يأكل من أيديهم مرارا كثيرة ، ~~ويستمر على هذا ، يركبونه ، ويضعون الحديد في رأسه ، أياما ، ويمرونها عليه ~~، حتى يألفها ، ويعلمونه ، ويكلمونه . فإذا مضت أيام على هذا ، حلوا ms477 قيوده ~~، وهم فوقه ، فيمشي ، ويصرفونه بحسب ما يصرفونه عليه ، ويصير في حكم الأهلي . # ملك الصنف يملك ألفي فيل # قال : وسمعت أن ملك الصنف ، وهو البلد الذي يجيء منه العود الصنفي ، له ~~ألفا فيل ، إذا خرجت تمتد نحو فرسخ . # الفيل يقوم بعمل الجلاد # قال : وسمعت أن الملك ، إذا أراد قتل إنسان ، سلمه إلى الفيل ، فيكلمه ~~الفيال في أن يقتله . PageV02P376 # """""" صفحة رقم 377 """""" # قال : فيقتله بألوان من القتل ، منها : أنه ربما لف خرطومه على رجل الرجل ~~، ويضع إحدى يديه على ساق الرجل الأخرى ، ثم يعتمد عليه ، فإذا هو قد خرق ~~الرجل بنصفين ، من أوله إلى آخره . وربما ترك الرجل ، واستعرضه بالعرض ، ثم ~~وضع يده على بطنه ، فيسحقه . # صاحب عمان يهدي فيلا لمعز الدولة # قلت : أنا رأيت بالبصرة ، في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة ، فيلا ، لطيفا ، ~~حمله صاحب عمان ، إلى معز الدولة ، فاجتاز بالبصرة ، وحمل إلى دارنا ، ~~فأدخل إلى صحنها ، فرأيناه . وسمعت عددا كبيرا من أهل البصرة ، يخبرون - غذ ~~ذاك - أن هذا الفيل اجتاز في سوق الجامع ، فقرب منه صبي دون البالغ ، فصاح ~~فيه الفيالون ليتنحى عن طريق الفيل ، فدهش الصبي ، وأدركه الفيل ، فلف ~~خرطومه عليه ، وشاله ، فرفعه إلى الفيالين ، فأخذوه منه ، فصاح الصبي ، ~~وطار عقله ، فما أنزلوه إلا بدراهم . وأنهم اجتازوا ، بعد ذلك بأيام ، ~~فأدركت الفيل ضجرة ، فقبض على صبي ، فشاله بخرطومه ، ورقاه في الهواء ، ثم ~~استقبله بنابه ، فأدخله في جسمه ، فقتله . PageV02P377 # """""" صفحة رقم 378 """""" # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثنا الفضل بن باهماد السيرافي ، بها ، وكان ~~مشهورا بسلوك أقاصي بلدان البحر ، قال : قال لي رجل من بعض بياسرة بلاد ~~الهند ، والبيسر : هو المولود على ملة الإسلام في بلاد الهند ، أنه كان في ~~بلد من بلاد ' 83 ' الهند ، وكان فيه الملك حسن السيرة ، وكان لا يأخذ ~~مواجهة ، ولا يعطي مواجهة ، وإنما يقلب بيده إلى وراء ظهره ، فيأخذ ويعطي ~~بها ، إعظاما للملك ، وسنة لهم هناك ، وأنه توفي ، فوثب رجل على ملكه ، ~~فاحتوى عليه ، وهرب ابن كان له ، يصلح للملك ، خوفا ms478 على نفسه من المتغلب . ~~ورسوم ملوك الهند ، أن الرجل إذا قام من مجلسه ، لأي حاجة عرضت له ، كانت ~~عليه صدرة ، قد جمع فيها كل نفيس فاخر ، من اليواقيت والجواهر ، مضربا ~~بالإبريسم ، في الصدرة ، ويكون قيمة ذلك ما إن لو أراد أن يقيم به ملكا ~~أقامه . قال : ويقولون ، ليس بملك ، من قام من مجلسه ، وليس معه ما إن حدثت ~~عليه حادثة فهرب به ، أمكنه إقامة ملك عظيم منه . فلما حدثت على الملك ، ~~تلك الحادثة ، أخذ ابنه صدرته ، وهرب بها . فحكى عن نفسه ، أنه مشى ثلاثة ~~أيام ، قال : ولم أطعم طعاما ، ولم يكن معي فضة ولا ذهب ، فأبتاع به مأكولا ~~، وأنفت أن استطعم ، ولم أقدر على إظهار ما معي . قال : فجلست على قارعة ~~الطريق ، وإذا برجل هندي ، مقبل ، على كتفه كارة ، فحطها ، وجلس حذائي . ~~فقلت : أين تريد ؟ فقال : الجدام الفلاني . ومعنى الجدام : الرستاق . فقلت ~~له : هذا الجدام الفلاني أريد ، فنصطحب . قال : نعم . PageV02P378 # """""" صفحة رقم 379 """""" # فطمعت أن يعرض علي شيئا من مأكوله ، قال : فحل الكارة ، وأكل ، وأنا أراه ~~، ولم يعرض علي ، وأنفت أن أبتدئه بالسؤال . وقام يمشي وقد شدها ، فمشيت ~~معه ، وتبعته ، طمعا في أن تحمله الإنسانية والمؤانسة على العرض ، فعمل ~~بالليل ، كما عمل معي بالنهار . قال : وأصبحنا من غد ، ومشينا ، فعاملني ~~بمثل ذلك ، وظل على هذا سبعة أيام ، لم أذق شيئا . فأصبحت في اليوم الثامن ~~، ضعيفا ، لا قدرة لي على الحركة ، فرأيت جداما في حاشية الطريق ، وقوما ~~يبنون ، وقيما عليهم ، يأمرهم . قال : ففارقت الرجل ، وعدلت إلى الوكيل ، ~~فقلت : استعملني بأجرة تعطنيها عشيا ، مثل هؤلاء . فقال : نعم ، ناولهم ~~الطين . قال : فكنت آخذ الطين ، فلعادة الملك ، أقلب يدي إلى ظهري ' 84 ' ، ~~وأعطيهم الطين ، فكما أذكر أن ذلك خطأ علي يسبب سفك دمي ، أبادر بتلافي ذلك ~~، فأرد يدي بسرعة ، قبل أن يفطنوا بي . قال : فلمحتني امرأة قائمة ، فأخبرت ~~سيدها بخبري ، وقالت : لا بد أن يكون هذا من أولاد الملوك . قال : فتقدم ~~إليها ، بحبسي عن المضي مع الصناع ، فاحتبستني ، وانصرف الصناع . فجاءني ~~بالدهن العروق ، لأغتسل ms479 بهما ، وهذه مقدمة إكرامهم ، وسنة لإعظامهم ، ~~فتغسلت بذلك . فجاءوني بالأرز والسمك ، فطعمت . فعرضت المرأة نفسها علي ~~للتزويج ، فعقدت عليها ، ودخلت بها من ليلتي ، وأقمت معها أربع سنين ، أرب ~~حالها ، وكانت لها نعمة . فأنا يوما ، جالس على باب دارها ، فإذا أنا برجل ~~من بلدي ، فاستدعيته ، فجاءني . فقلت له : من أين أنت ؟ قال : أنا من يلد ~~كذا وكذا ، وذكر بلدي . فقلت : ما تصنع هاهنا ؟ PageV02P379 # """""" صفحة رقم 380 """""" # فقال : كان فينا ملك حسن السيرة ، فمات ، ووثب على ملكه رجل ليس من أهل ~~بيت الملك ، وكان للملك الأول ابن يصلح للملك ، فخاف على نفسه ، فهرب ، وإن ~~المتغلب أساء عشرة رعيته ، فوثبوا عليه ، فقتلوه ، وانبثثنا في البلدان ~~نطلب ابن ذلك المتوفي ، لنجلسه مكان أبيه ، فما نعرف له خبرا . قال : فقلت ~~له : تعرفني ؟ قال : لا . فقلت : أنا طلبتكم . قال : وأعطيته العلامات ، ~~فعلم صحة ما قلت له ، فكفر لي . قلت : اكتم أمرنا ، إلى أن ندخل إلى ~~الناحية . فقال : أفعل . قال : فدخلت إلى الامرأة ، وأخبرتها الخبر ، ~~وحدثتها بالصورة ، وبأمري كله . وأعطيتها الصدرة ، وقلت : فيها كذا ، ومن ~~حالها كذا ، وأنا ماض مع الرجل ، فإن كان ما ذكره صحيحا ، فالعلامة أن ~~يجيئك رسولي ، ويذكر لك الصدرة ، فانهضي معه ، وإن كانت مكيدة ، كانت ~~الصدرة لك . قال : ومضى مع الرجل ، وكان الأمر صحيحا ، فلما قرب من البلد ، ~~استقبلوه بالتكفير ، وأجلسوه في الملك ، وأنفذ إلى الزوجة من حملها ، وجاءت ~~إليه . فحين اجتمع شمله ، واستقام ملكه ، أمر فبنيت له دار ' 85 ' عظيمة ، ~~وأمر أن لا يجتاز في عمله مجتاز ، إلا حمل إليها ، ويضاف ثلاثة أيام ، ~~ويزود لثلاثة أيام أخر . وكان يفعل ذلك ، وهو يراعي الرجل الذي استصحبه في ~~سفره ، ويقدر أن يقع في يده . وأراد أن يبني الدار شكرا لله تعالى ، على ~~الخلاص مما كان فيه ، وأن يكفي الناس المؤونة التي كانت لحقته . فلما كان ~~بعد حول ، استعرض الناس ، قال : وقد كان يستعرضهم في كل شهر ، فلا يرى ~~الرجل ، فيصرفهم . فلما كان ذلك اليوم ، رأى الرجل بينهم ، فحين وقعت عليه ~~عينه ، أعطاه ورقة تنبول ms480 ، وهذه علامة غاية الإكرام ، ونهاية رتبة الإعظام ~~، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته . PageV02P380 # """""" صفحة رقم 381 """""" # قال : فحين فعل الملك بالرجل ذلك ، كفر له ، وقبل الأرض ، فأمره الملك ~~بالنهوض ، ونظر إليه ، فإذا هو ليس يعرف الملك ، فأمر بتغيير حاله ، وإحسان ~~ضيافته ، ففعل ، ثم استدعاه . فقال له : أتعرفني ؟ قال : وكيف لا أعرف ~~الملك ، وهو من حاله ، وعظم شأنه ، وعلو سلطانه . قال : لم أرد هذا ، ~~أتعرفني ، من قبل هذه الحال ؟ قال : لا . قال : فأذكره الملك الحديث والقصة ~~، في منعه الطعام سبعة أيام في السفر . قال : فبهت الرجل . وقال : ردوه إلى ~~الدار ، وونسوه ، وزاد في إكرامه ، وحضر الطعام ، فأطعم الرجل ، فلما أراد ~~النوم ، قال الملك ، لامرأته : امضي فغمزيه ، حتى ينام . قال : فجاءت ~~المرأة ، ولم تزل تغمزه ، إلى أن نام ، فجاءت إلى الملك ، وقالت : قد نام . ~~فقال : ليس هذا نوما ، حركوه ، فحركوه فإذا هو ميت . قال : فقالت له المرأة ~~: أيش هذا ؟ قال : فساق إليها حديثه معه ، وقال : وقع في يدي ، فتناهيت في ~~إكرامه ، والهند لهم كبود عظام ، وتوهمهم هو المعروف المتعالم عنهم ، فدخلت ~~عليه حسرة عظيمة ، إذ لم يحسن إلي ذلك الوقت ، فقتلته الحسرة . وقد كنت ~~أتوقع موته قبل هذا ، مما توهمه واستشعره من العلة في نفسه ، والحسرة ~~والأسف ، فقتلته . PageV02P381 # """""" صفحة رقم 382 """""" # الجبارية في الهند # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : رأيت بالهند قوما ، يقال لهم ~~: الجبارية ، يأكلون الميتة ، ويقذرهم جميع أهل الهند ، عندهم أنهم إذا ~~ماسوهم نجسوا . قال : فهم يمشون ، وفي أعناقهم طبول يطبلون بها ، لتسمع ~~أصواتها ، فيتنحون عن طريقهم ، فإذا لم يتنح الرجل عند سماع الطبل ، فلا ~~شيء على الجباري ' 86 ' ، وإن لم يضرب الجباري الطبل ، حتى يلاصق جسده ، ~~جسد غيره ، قتله الذي يلتصق جسده به ، ولا يعدى عليه ، لأن هذا من شرطهم ، ~~وسنتهم . قال : ولا يشرب أحد من ماء هؤلاء الجبارية ، ولا يأكل من طعامهم ، ~~ولا يخالطهم ، فهم ينزلون في ظاهر البلد ناحية . قال : وهم أرمى الناس ، ~~ومعاشهم من الصيد . PageV02P382 # """""" صفحة رقم 383 """""" # البابوانية في الهند # قال : وهناك قوم ms481 يقال لهم البابوانية ، يجرون مجرى المستقفين هاهنا ، ~~والسلطان يطلبهم ، فإذا وقعوا في يده ، وظفر بهم ، فعل بهم ، كما يفعل ~~باللصوص والعيارين . قال : وهم يصطادون الناس ، ولا يعرضون لغير ذلك . قال ~~: والواحد منهم ، يتبع التجار الذين يطرأون إليهم من المسلمين والذمة ، ~~فإذا رأى الواحد من التجار ، في طريق خال ، قبض عليه ، فحين يقبض عليه ، ~~وقد علم التاجر بأمره ، فيسكت ، لأنه إن استغاث ، أو نطق قتله الهندي ، ~~وقتل نفسه في الحال ، لا يتألم لذلك ، لاعتقادهم المشهور في القتل . قال : ~~ويراهم الناس ، وقد اصطادوا الرجل ، فلا يعرضون لخلاصه ، لئلا يقتله ، ~~ويقول لهم الرجل : الله ، الله ، إن عارضتموه ، فلا يمكن لسلطان ولا غيره ، ~~انتزاعه من يده ، في تلك الحال ، لئلا يعجل بقتله . قال : فأخبرني رجل من ~~الهند ، أن رجلا من البابوانية ، قبض في طريق سفر على رجل لقيه منفردا من ~~التجار . فقال له : اشتر نفسك . فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم . ~~فقال له التاجر : تعلم أني خرجت ولا شيء معي ، ومالي في البلد ، فتصير معي ~~إلى داري في البلد ، لأؤدي ذلك إليك . قال : فأجابه ، وقبض على يده ، ولم ~~يزل يمشي معه ، حتى اجتازا في طريقهما ، بقرية الجبارية وكان طريقهما في ~~سكة منها ، فسلكاها . PageV02P383 # """""" صفحة رقم 384 """""" # فحين حصلا فيها ، فطن التاجر للحيلة في الخلاص ، وقد كان عرف مذهب الهندي ~~في الجبارية ، فلم يزل يمشي معه ، حتى رأى بابا مفتوحا ، من دور الجبارية ، ~~فجذب يده بحمية شديدة ، من يد البابواني ، وسعى فدخل دار الجباري . فقال له ~~: ما لك ؟ قال : أنا مستجير بك ، من يد بابواني اصطادني ، وتعريت منه . قال ~~: لا بأس عليك ' 87 ' ، فاجلس . فصاح البابواني : يا جباري ، يا جباري ، ~~اخرج إلي . قال : وهم لا يدخلون دور الجبارية ، لاستقذارهم إياهم . قال : ~~فخرج ، ووقف ، بينهما عرض الطريق ، لأنه لا يجوز لأحدهما أن يدنو من صاحبه ~~. فقال له البابواني : أعطني صاحبي . قال : قد استجار بي ، فهبه لي . قال : ~~لا أفعل ، هذا رزقي ، فإن لم تعطنيه ، لم ندع جباريا إلا قتلناه . قال : ~~فطال الكلام بينهما ، إلى ms482 أن قال الجباري ، أسلمه إليك في الصحراء فامض برا ~~، تسبقه إلى الموضع الفلاني . قال : فمضى . ودخل الرجل على التاجر ، وقال ~~له : اخرج لا بأس عليك . فخرج معه ، وأخذ الجباري قوسه ، وخمسين نشابة ، ~~قال : ونشابهم من القصب . قال : فعلق المسلم بكم الجباري ، ولصق به ، علما ~~منه بأن البابواني لا يدنو منه . فلما صارا إلى الصحراء ، قال له الجباري : ~~تهبه لي ؟ واجتهد به ، فلم يفعل . قال : فإني لا أسلمه ، أو لا يبقى معي ~~سلاح . قال : شأنك . قال : وهم لا يخطئون البتة في الرمي ، ففوق سهمه نحوه ~~، فحين أطلقه تلقاه البابواني بشيء كان معه ، فاعترض السهم بالشيء ، فقطعه ~~باثنين ، وسلم منه . فتحير الجباري . PageV02P384 # """""" صفحة رقم 385 """""" # قال : فلم يزل يرميه بنشابة نشابة ، ويفعل بها البابواني ، مثل ذلك ، إلى ~~أن ذهب النشاب ، ولم يبق منه إلا نشابتان . فضعفت نفس التاجر ، وأيقن ~~بالهلاك ، وقال للجباري : الله ، الله ، في دمي . قال : فقال له البابواني ~~: لا يقع لك أنك قد أفلت ، ثم أخذ سهما . فقال له الجباري : لا تقدر على ~~ذلك ، وسأريك من رميتي ، ما تتحدث به أبدا ، انظر إلى هذا الطائر الذي يطير ~~في السماء ، فإني أرميه ، فأصرعه على رأسك ، ثم أرميك فلا أخطيك . قال : ~~فشال البابواني رأسه ، ينظر إلى الطير ، فرماه الجباري ، فأصاب فؤاده ، فخر ~~صريعا يضطرب ، ومات . وقال للتاجر : ارجع الآن آمنا . فرجع إلى داره ، ~~وأقام عندهم ، إلى أن اجتازت بهم صحبة ، رحل معها التاجر ، إلى مأمنه . PageV02P385 # """""" صفحة رقم 386 """""" # سرق ماله بالبصرة ، واستعاده بواسط # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثني رجل من أهل دار الزبير بالبصرة ، دقاق ، ~~قال : أورد علي رجل غريب ، سفتجة بأجل ، فكان يتردد إلى أن حلت ، ثم قال : ~~دعها عندك ، وآخذها متفرقة . فكان يجيء في كل يوم ، فيأخذ بقدر نفقته ، إلى ~~أن نفذت . وصارت بيننا معرفة ، وألف الجلوس عندي ، وأنست به ، وكان يراني ~~أخرج كيسي من صندق لي ، فأعطي منه النقدات التي تحل علي . فقال لي يوما : ~~إن قفل الرجل ، صاحبه في سفره ، وأمينه في حضره ، وخليفته على حفظ ماله ، ~~والذي ms483 ينفي الظنة عنده عن عياله ، فإن لم يكن وثيقا ، تطرقت الحيلة عليه ، ~~وأرى قفلك هذا وثيقا ، فقل لي ممن ابتعته ، لأبتاع مثله . فقلت : من فلان ~~القفال ، في جوبات الصفارين . قال : فما شعرت ، إلا وقد جئت ' 88 ' ، وطلبت ~~صندوقي ، لأخرج منه شيئا من الدراهم ، فحمل إلي ، ففتحته ، فإذا ليس فيه ~~شيء من الدراهم . فقلت لغلامي - وكان غير متهم عندي - : هل أنكرت من ~~الدرابات شيئا ؟ فقال : لا . فقلت : ففتش ، هل ترى في الدكان نقبا ؟ ففتش ، ~~فقال : لا . فقلت : فمن السقف حيلة ؟ فقال : لا . فقلت : اعلم أن دراهمي قد ~~ذهبت ؟ فقلق الغلام ، فسكنته ، وأقمت في دكاني ، لا أدري ما أعمل ، فتأخر ~~عني الرجل ، فلما تأخر ، اتهمته ، وتذكرت مسألته لي عن القفل . فقلت للغلام ~~: أخبرني كيف تفتح الدكان وتغلقه ؟ PageV02P386 # """""" صفحة رقم 387 """""" # فقال : رسمي ، إذا أغلقت الدكان ، أغلقه درابتين ، درابتين ، والدرابات ~~في المسجد ، أحملها دفعات ، اثنتين وثلاثا ، في كل دفعة ، فأشرجها ، ثم ~~أقفل ، وكذا أفتحها . فقلت : البارحة ، واليوم كذا فعلت ؟ فقال : نعم . ~~فقلت : فإذا مضيت لترد الدرابات ، أو تحضرها ، على من تدع الدكان ؟ قال : ~~خاليا . فقلت : فمن هاهنا وقع الشر . وذهبت ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت ~~منه القفل ، فقلت له : جاءك إنسان منذ أيام ، اشترى منك مثل هذا القفل ؟ ~~قال : نعم ، وحكى من صفته كيت وكيت ، فأعطاني صفة صاحبي . فعلمت أنه جاء ، ~~واختبأ للغلام وقت المساء ، حتى إذا انصرفت أنا ، ومضى وهو يحمل الدرابات ، ~~دخل الدكان فاختبأ فيه ، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه ، الذي يقع على قفلي ~~، وأنه أخذ الدراهم ، وجلس طول ليلته ، خلف الدرابات ، فلما جاء الغلام ، ~~وفتح درابتين أو ثلاثا ، وحملها ليرفعها ، خرج هو ، وأنه ما فعل ذلك ، إلا ~~وقد خرج إلى بغداد . قال : فسلمت الدكان إلى الغلام ، وقلت له ، من سأل عني ~~، فعرفه أني خرجت إلى ضيعتي . قال : وخرجت ، ومعي قفلي ومفتاحه . فقلت : ~~أبتدئ بطلب الرجل بواسط ، فلما صعدت من السميرية ، طلبت خانا في الجسر ، ~~أنزله ، فأرشدت إليه ، فصعدت ، وإذا بقفل مقل قفلي ، سواء ، على بيت . فقلت ~~لقيم الخان : هذا البيت ms484 من ينزله ؟ فقال : رجل قدم من البصرة ، أول أمس . ~~فقلت : أي شيء صفته ؟ فوصف صفة صاحبي ' 89 ' ، فلم أشك أنه هو ، وأن ~~الدراهم في بيته . PageV02P387 # """""" صفحة رقم 388 """""" # فاكتريت بيتا إلى جنبه ، ورصدت البيت حتى انصرف القيم ، وقمت ، ففتحت ~~القفل بمفتاحي . فحين دخلت البيت ، وجدت كيسي بعينه ، ملقى فيه ، فأخذته ، ~~وخرجت وقفلت البيت ، وتركته . ونزلت إلى السفينة التي جئت فيها ، وأرغبت ~~الملاح في زيادة أجره ، حتى حملني ، وانحدرت في الحال ، وما أقمت بواسط إلا ~~ساعتين من النهار . ورجعت إلى البصرة بمالي . PageV02P388 # """""" صفحة رقم 389 """""" # صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص # حدثنا أبو الحسين ، قال : حدثني رجل من أهل بغداد ، أن بعض من تاب من ~~اللصوصية ، حدثه ، قال : كان في الناحية الفلانية ، صيرفي ، كثير المال ، ~~يطلبه اللصوص ، فلا تتم عليه حيلة ، ولا يقدرون عليه . قال : فتواطأ عليه ~~جماعة لصوص ، كنت أحدهم ، فقالوا : كيف نعمل في دخول داره ؟ فقلت : أما ~~الدخول ، فعلي لكم ، وأما ما بعد ذلك فلا أضمنه . قالوا : فما نريد إلا ~~الدخول . قال : فجئت ، وهم معي ، عشاء ، فقلت لواحد منهم : تصدق ، فإذا ~~خرجت الجارية إليك بشيء ، فتباعد ، وتعام عليها ، لتجيء إليك تعطيك الصدقة ~~، وكن على خطى من الباب ، لأدخل أنا ، وهي متشاغلة معك ، قد بعدت عن الباب ~~، فلا تراني إلى أن أدخل ، فأختبئ . قال : ففعل ذلك ، وحصلت مختبئا في ~~مستراح الدهليز . فلما عادت الجارية ، قال لها مولاها : قد احتبست . قالت : ~~حتى أعطيت السائل الصدقة . قال : ليس هذا قدر دفعك إليه . قالت : لم يكن ~~على الباب ، فلحقته في الطريق ، وأعطيته . فقال : وكم خطوة مشيت من الباب . ~~قالت : خطى كثيرة . قال : لعنك الله ، أخطأت علي ، قد حصل معي في الدار لص ~~، لا أشك فيه . قال : فحين سمعت هذا ، قامت قيامتي ، وتحيرت . فقال لها : ~~هات القفل . فجاءته به ، فجاء إلى باب دهليز الدار ، والصحن بعد باب الدار ~~، فقفله من عنده ، ثم قال لها : دعي اللص الآن يعمل ما يشاء . PageV02P389 # """""" صفحة رقم 390 """""" # قال : فلما انتصف الليل ، جاء أصحابي ، فصفروا على الباب ، ففتحت لهم باب ms485 ~~الدار ، فدخلوا الدهليز ' 90 ' ، وأخبرتهم بالخبر . فقالوا : ننقب العتبة ، ~~ونخرج إلى الصحن . ونقبوا ، فلما فرغوا ، قالوا : ادخل معنا . فقلت : إن ~~نفسي قد نبت عن هذا الرجل ، وأحسست بشر ، وما أدخل البتة . فاجتهدوا بي ، ~~وقالوا : لا نعطيك شيئا . فقلت : قد رضيت . فدخلوا ، فحين حصلوا في الصحن ، ~~وأنا في الدهليز ، أتسمع عليهم ، مشوا فيه ، فإذا للمولى زبية ، في أكثر ~~الصحن ، محيطة به ، يعرفها هو وعياله ، فيتقون المشي عليها ليلا ونهارا ، ~~وهي منصوبة للحفظ من هذا وشبهه ، وعليها بارية ، من فوق خشب رقيق جدا . ~~فحين حصلوا عليها ، سقطوا إليها ، فإذا هي عميقة جدا ، لا يمكن الصعود منها ~~. فسمع المولى صوت سقوطهم ، فصاح : وقع هؤلاء ، وقام هو وجاريته يصفقون ~~ويرقصون . وتناولوا حجارة معدة لهم ، فما زالوا يشدخون رؤوسهم وأبدانهم بها ~~، وأصحابي يصيحون ، وأنا أحمد الله على السلامة ، إلى أن أتلفهم . وهربت ~~أنا من الدهليز ، ولم أعرف لأصحابي خبرا ، كيف دفنوا ، أو كيف أخرجوا . ~~فكان ذلك سبب توبتي من اللصوصية . PageV02P390 # """""" صفحة رقم 391 """""" # البراءة المزورة # حدثني أبو الحسين ، قال : حدثني رجل من البغداديين ، قال : كنت وأنا حدث ~~، حسن الوجه ، فلما اتصلت لحيتي ، وهي طرية بعد ، طلبت التصرف ، فكتب لي ~~إلى أبي أحمد النعمان بن عبيد الله ، فلقيته في عمله ، فأكرمني ، وبالغ في ~~بري ، وأمرني بالجلوس ، فجلست ، وكلما أردت القيام احتبسني إلى أن لم يبق ~~عنده أحد إلا خواصه . ثم أحضر المائدة فأكلنا ، فلما فرغنا ، قمت لأغسل يدي ~~، فحلف ، أن لا أغسلها إلا بحضرته ، فغسلتها ، وقمت . فقال : إلى أين ؟ ~~فقلت : إلى منزلي . فقال : أنت هاهنا غريب ، ولعلك في خان . فقلت : هو كذلك ~~. فقال : وموضعنا أطيب ، وهو خير ، وخيشنا بارد ، فأقم عندنا . فقلت : ~~السمع والطاعة . ولم أعرف ما في نفسه ، فدخلت الخيش ، فلما حصلت عنده فيه ، ~~جعل يستدنيني ، ولا أعلم غرضه ، إلى أن صرت بقربه ، فضرب بيده ، يولع ' 91 ~~' بي ، فعلمت أن شرطه في اللواط ، أصحاب اللحى الطرية . فصعب علي ما تم من ~~ذلك ، وقلت : كيف أصنع ؟ ليس إلا التطايب . قال : فقلت له ، يا سيدي أي شيء ms486 ~~تريد ؟ قال : أريد أن أفعل كذا وكذا . فقلت : يا سيدي ، براءتي معي ، وقبضت ~~على لحيتي . قال : لا تفعل ، هذه براءة مزورة . قلت : كيف ؟ قال : لأني ما ~~وقعت فيها بقلمي . PageV02P391 # """""" صفحة رقم 392 """""" # من شعر سيدوك الواسطي # أنشدني أبو طاهر المعروف بسيدوك الواسطي لنفسه : هات اسقنيها كلمح البرق ~~ما مزجت . . . إلا لتسيير سقلاطونها فينا إذا لواعب آذريونها عبثت . . . ~~بجلنار سناها هز نسرينا أدير في الكأس ذر الشمس إذ رقصت . . . والماء نغرف ~~من نار كماشينا وأنشدني لنفسه من أبيات : ما أكثر الشعراء مذ قتل الندى . . ~~. والشعر أعوز من دموع الأرقم وأنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها أبا الحسن ~~عمران بن شاهين ، أمير البطيحة وفيها ذكر الهدري الذي يقاتل به ، هو ~~وأصحابه ، وهو شبيه الحراب ، يقول : تسبي النفوس حراب ما أدرت بها . . . ~~كأس المنية إلا رحت ذا طرب تظل من فضة حتى إذا وردت . . . أصدرتها من دم ~~الأبطال من ذهب من كل مقلية الجنبين ماضية . . . قدت من الشمس أو قدت من اللهب PageV02P392 ~~"""""" صفحة رقم 393 """""" # من شعر أبي إسحاق الصابي # أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار ، قال : أنشدني أبو إسحاق ~~إبراهيم بن هليل الصابي الكاتب لنفسه : تورد دمعي فاستوى ومدامتي . . . فمن ~~مثل ما في الكأس عيني تسكب فوالله ما أدري أبا لخمر أسلبت . . . جفوني أم ~~من دمع عيني أشرب وأنشدني ، قال : أنشدني لنفسه : ما زلت في سكري ألمع كفها ~~. . . وذراعها بالقرص والآثار حتى تركت أديمها وكأنما . . . غرس البنفسج ~~منه في الجمار قال : وأنشدني لنفسه : فديت من سارقني لحظها . . . من خيفة ~~الناس بتسليمته لما رأت بدر الدجى زاهيا . . . وغاظها ذلك من شيمته سلت له ~~البرقع عن وجهها . . . فردت البدر إلى قيمته ' 92 ' وأنشدني ، قال : قرأت ~~على ظهر دفتر : كنا نزوركم والدار دانية . . . في كل وقت فلما شطت الدار ~~صرنا نقدر وقتا في زيارتكم . . . وليس للشوق في الأحشاء مقدار PageV02P393 ~~"""""" صفحة رقم 394 """""" # الحسن بن عون الموسوس # حدثني أبو الحسن محمد بن غسان الطبيب ، قال : كان عندنا بالبصرة في ~~البيمارستان ، رجل موسوس ، يعرف بالحسن ms487 ابن عون ، من أولاد الكتاب ، حبس في ~~البيمارستان للعلاج ، في سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة . وطال حبسه سنين ، ~~ثم صلح ، فاستخدم في البيمارستان ، إلى أن تكامل صلاحه . وكنت أختلف إلى ~~البيمارستان ، لتعلم الطب ، فكنت أشاهده كثيرا ، فأول يوم علمت أنه يقول ~~الشعر ، سمعته وهو يقول : أدافع همي بالتعلل والصبر . . . وأمنع نفسي ~~بالحديث عن الفكر وأرجو غدا حتى إذا ما غد أتى . . . تزايد بي همي فأسلمني ~~صبري فلا الهم يغنيني ولا العمر ينقضي . . . ولا فرج يأتي سوى أدمع تجري ~~إلى الله أشكو ما أقاسي فإنه . . . عليم بأني قد تحيرت في أمري وعرفت حاله ~~في أدبه ، بإنشاده إياي كل يوم قطعة من شعره ، يعملها بحضرتي . وشاهد عمل ~~الجلنجبين بالورد في البيمارستان ، فقال : وأنشدنيه لنفسه : أنظر إلى الورد ~~في أكفهم . . . يطبع للقاطفين من ورقه كالقلب نار الهوى تحرقه . . . والقلب ~~يهوى الهوى على حرقه وحملت إليه شيئا من المأكول ، اشتهاه علي ، فكتب إلى ~~جانب حائط : حصرت من ظرف ما بعثت به . . . وقلت : يا سيدي ومولاي لو أن ~~أعضاء شاكر نطقت . . . بالشكر أثنت عليك أعضاي ما نفت للكرام كلهم . . . ~~ويا صباحي كمثل ممساي لو أن ما بي ببعض أعداي . . . بكيت مما أرى بأعداي PageV02P394 ~~"""""" صفحة رقم 395 """""" # حكاية ديوث # حدثنا القاضي أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين : أنه بلغه عن رجل قليل ~~الغيرة ، رديء الدين ، كان يجمع بين زوجته ، وبين أهل الفساد في منزله . ~~قال : عشق امرأته ، رجل ، وكان ينفق عليها في منزله ، وأحلفها بحضرته ' 93 ~~' ، أنها لا تطاوع زوجها على الجماع . قال : وكانا ليلة على شأنهما ، في ~~أسفل الدار التي للزوج ، فصعدت المرأة إلى السطح هناك ، واحتبست ، فلما ~~جاءت ، خاصمها العشيق ، وقال : لعله فعل بك زوجك كذا . فقالت : وحلفت ، أنه ~~ما جرى من ذلك شيء . وسمع الزوج الكلام ، فقام يصلي في السطح ، ويصيح : ~~الله أكبر ، ليسمع العشيق ، ويعلمه ، أنه لم يكن ليصلي ، وهو جنب ، حتى ~~يصلح بينه وبين المرأة ، بذلك . # حجاب شديد # وهذا ضد ما حدثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي ms488 : أن ~~امرأة من أهلهم بالأنبار ، كانت قد جاوزت الأربعين سنة ، وخرجت من بيتها ~~إلى بغداد ، في محنة عرضت لها ، فلما حصلت في الطريق رأت جملا يدير دولابا ~~. فقالت : ما هذا ؟ فقيل لها : دولاب الجمل . فحلفت بالله ، أنها ما رأت ~~جملا قط . PageV02P395 # """""" صفحة رقم 396 """""" # كتاب المافروخي # عامل البصرة حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف ، المعروف بأحمد ~~الطويل ، قال : كتب إلي أبو محمد عبد العزيز المافروخي ، وأنا أتقلد حصن ~~مهدي ، والفرض ، والأعمال التي كنت أتقلدها مع ذلك ، وهو يتقلد البصرة ، ~~يسألني إطلاق تمر له ، اجتاز علي ، ويعرض بأن مكافأة ذلك ، لا تذهب عليه . ~~فأطلقت له التمر ، بلا ضريبة ، ولا مؤونة ، وكتبت إليه أعاتبه على هذه ~~اللفظة . فكتب إلي كتابا ، يعتذر ، حفظت منه قوله : وصل كتابك الذي أبان ~~الله به فضلك ، وسهل إلى سبل المكارم سبقك ، وفهمته فهم معجب به ، ومتعجب ~~منه ، وسرني صدوره ، لا لقدر الحاجة في نفسي ، ولا في نفسك ، ولكن لما ~~أنفذه من بصيرتي فيك ، وقواه من معرفتي بك . ووجدتك ، وقد اضطربت من لفظة ~~ذكرت أني ضمنتها كتابي ، وهي الإلماح والتلويح ، بالمكافأة والتعويض . ~~ومعاذ الله أن ينطلق بذلك لساني ، أو تجري به يدي ، لأن مثله لا يجري إلا ~~عن ذي عطن ضيق ، إلى ذي باع في المحامد قصير ، ولا هذه صورتك ، ولا صورتي . ~~وإذا كانت ' 94 ' الأنفس واحدة ، والأموال مشتركة ، فأي فائدة لي في أن ~~أتناولك ببعض مالك ، أو أرد إليك ما هو لك . فإن تكن الصورة كما يخيل لي ، ~~فأنت أيدك الله ، المليم دوني ، وإن كنت - بحمد الله ومنه - من كل ما يقع ~~عليه اللوم بعيدا . وإن تكن الأخرى ، وهبت زلتي لمعذرتي ، فإني بشر غير ~~معصوم ، والخطأ والنسيان جاريان علي . PageV02P396 # """""" صفحة رقم 397 """""" # للوزير المهلبي في كلة قصب حركتها الريح # أنشدني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي ، قال : ~~أنشدنا أبو محمد المهلبي في وزارته ، وعمله بين أيدينا ، وقد نصبت له في ~~داره بالأهواز كلة قصب ، وحركتها الريح . فاستحسن ذلك ، وقال : رأيت مر ms489 ~~الهوا عليها . . . . . . . . . . . . . . . . . فشمت منها اختلاس لحظ . . . ~~وخلت فيها وجيب قلب PageV02P397 ~~"""""" صفحة رقم 398 """""" # زور مناما فجاء مطابقا للحقيقة # وحدثني أبو الفضل ، قال : حدثني رجل من شيوخ المتصرفين ببلدنا ، يقال له ~~: عباد بن الحريش ، قال : لما كتب علي بن المرزبان ، عم أبيك ، لعمرو بن ~~الليث ، ورقت حاله عنده ، حتى قلده عمالة شيراز ، صادر المتصرفين على أموال ~~ألزمهم إياها ، وكنت ممن أخذ خطه عن العمل الذي كان يليه بثمانين ألف درهم ~~. قال : فأديت منها أربعين ألف درهم ، ونفذت حيلتي وحالي ، ولم يبق لي في ~~الدنيا إلا داري التي أسكنها ، ولا قدر لثمنها ، فيما بقي علي ، فلم أدر ما ~~أعمل . وفكرت فوجدت علي بن المرزبان ، رجلا سليم الصدر ، فعملت رؤيا ، ~~وأجمعت رأيي على أن ألقاه بها ، وأجعلها سببا لشكوى حالي ، والتوصل إلى ~~الخلاص . قال : فجلست ، وعملت الرؤيا ، وحفظتها ، واختلت خمسين درهما ، ~~وبكرت من الغد ، قبل طلوع الفجر ، فدققت بابه . فصاح بي خادم كان له يجري ~~مجرى حاجب ، من خلف الباب : من أنت ؟ قلت : عباد بن الحريش . قال : في هذا ~~الوقت ؟ قلت : نعم . ففتح لي ، فدخلت ، وشكوت حالي ، وقلت : هذه خمسون ~~درهما ، لا أملك غيرها ، فخذها ، وأدخلني إليه قبل تكاثر الناس عليه ، فإن ~~فرج الله عني ، فعلت بك وصنعت . قال : فدخل ، واستأذن لي ، وتلطف حتى ~~أدخلني إليه ، وهو يستاك . فقال : ما جاء بك في هذا الوقت ؟ فدعوت له ' 95 ~~' ، وقلت : بشارة رأيتها في النوم البارحة . فقال : وما هي ؟ PageV02P398 # """""" صفحة رقم 399 """""" # فقلت : رأيتك كأنك تجيء إلى شيراز ، من حضرة الأمير ، وتحتك فرس أشهب ~~عظيم ، لم يرقط أحسن منه ، وعليك السواد ، وقلنسوة الأمير على رأسك ، وفي ~~يدك خاتمه ، وحواليك مائة ألف إنسان من فارس وراجل ، وقد تلقاك أمير البلد ~~، فترجل لك ، وأنت تجتاز ، وطريقك كله أخضر منور مزهر ، والناس يقولون : إن ~~الأمير قد استخلفه على جميع أمره . قال : وقصصت الرؤيا ، وهذا معناها . ~~فقال : خيرا رأيت ، وخيرا يكون إن شاء الله ، فما تريد ؟ قال : فشكوت حالي ~~، وذكرت أمري . فقال : أنظر لك بعشرين ألف درهم ، وتؤدي عشرين ms490 ألف درهم . ~~قال : فحلفت بالطلاق ، أنه لم يبق لي إلا مسكني ، وبكيت ، وقبلت يده ، ~~واضطربت بحضرته ، فرحمني ، وكتب لي إلى الديوان ، بإسقاط ذلك عني ، وانصرفت ~~. ولم تمض ، إلا شهور ، حتى كتب عمرو بن الليث ، إلى علي بن المرزبان ، ~~يستدعيه ، ويأمره بحمل ما اجتمع له من الأموال ، وكان قد جمع له ، ما لم ~~يسمع قط باجتماع مثله في وقت واحد ، من أموال فارس ، فإنه جمع له ستين ألف ~~ألف درهم . قال : فحملها إلى سابور ، وخرج ، وتلقاه عمرو بن الليث ، بجميع ~~قواده ، وأهل عسكره . وهاله عظم ذلك المال ، فاستخلفه على فارس ، وأعمالها ~~، حربا وخراجا ، وفوض إليه الأمور كلها ، وأذن إليه في الحل والعقد بغير ~~استئمار ، وخلع عليه سوادا له ، وحمله على فرس أشهب عظيم الخلقة ، كان ~~يعظمه عمرو ، ويكثر ركوبه ، ودفع إليه خاتمه ، ورده إلى فارس . قال : ~~فوافاها في زمن الربيع ، ولم يحل الحول على قصتي معه . فخرج أمير البلد - ~~وقد صار من قبله - ليستقبله ، وخرج الناس ، فتلقوه على ثلاثين فرسخا ، ~~وأكثر ، وخرجت فتلقيته على العطفة التي في طريق خراسان ، وبينها وبين البلد ~~، نصف فرسخ . قال : فوافى وهو على الصفة التي ذكرتها له في المنام الموضوع ~~، والدنيا على الحقيقة خضراء بآثار الربيع وزهره ، وحوله أكثر من مائة ألف ~~إنسان ' 96 ' ، وعليه قلنسوة عمرو بن الليث ، وفي يده خاتمه ، وعليه السواد ~~، وتحته الفرس الأشهب ، وقد تلقاه أمير البلد ، فترجل له . PageV02P399 # """""" صفحة رقم 400 """""" # قال : فحين رأيته ، ترجلت ، ودعوت له ، فلما رآني تبسم ، وأخذ بيدي ، ~~وأحفى السؤال بي ، ثم تفرق الجيش بين يديه ، فلحقته إلى البلد ، فلم أستطع ~~القرب منه ، لازدحام الدواب ، فانصرفت . وباكرته من غد ، في مثل ذلك الوقت ~~، الذي جئته ليلة الرؤيا . فقال لي الحاجب : من أنت ؟ فقلت : عباد . فقال : ~~ادخل ، واستأذن . فدخلت وهو يستاك ، فضحك إلي ، وقال : قد صحت رؤياك يا ~~عباد . فقلت : الحمد لله . فقال : لا تبرح من الدار ، حتى أنظر في أمرك . ~~قال : وكان بأهله بارا ، ورسمه إذا ولي عملا ، أن لا ينظر في شيء من أمر ~~نفسه ، حتى ms491 ينظر في أمر أهله ، فيصرف من يصلح منهم للتصرف ، أو يبره ، وإذا ~~فرغ منهم ، عدل إلى الأخص ، فالأخص ، من حاشيته ، فإذا فرغ من ذلك ، نظر في ~~أمر نفسه . قال : فجلست في الدار إلى قرب العصر ، وهو ينظر في أمر أهله ، ~~والتوقيعات تخرج ، بالصلات ، والأرزاق ، وكتب التقليدات ، إلى أن صاح ~~الحاجب : عباد بن الحريش ، فقمت إليه . فقال : إني ما نظرت في أمر أحد ، ~~غير أمر أهلي ، فلما فرغت منهم ، بدأت بك قبل الناس كلهم ، فاحتكم ، ما ~~تريد ؟ فقلت : ترد علي المال الذي أديته ، وتقلدني العمل الذي صرفتني عنه . ~~قال : فوقع لي برد المال ، وتقليد العمل ، وقال : امض ، فقد أوغرت لك العمل ~~، فخذ ارتفاعه كله . قال : وكان يستدعيني في كل مديدة ، ويحاسبني ، ولا ~~يأخذ مني شيئا ، وإنما يكتب لي روزات من مال العمل ، ويصلح حسبانات ، ~~ويقبلها ، ويخلدها الديوان ، وأرجع إلى العمل . وكنت كذلك إلى أن زالت ~~أيامه ، فرجعت إلى شيراز ، وقد اجتمع لي مال عظيم ، صودرت منه على شيء يسير ~~، وجلست في بيتي ' 97 ' ، وعقدت نعمة بالمال ، ولم أطلب تصرفا إلى الآن . PageV02P400 # """""" صفحة رقم 401 """""" # من مكارم البرامكة # حدثني أبو الفضل ، قال : حدثني أبو الحسن ، ثابت بن سنان الحراني الطبيب ~~: أنه رأى رقعة يتواردونها ، بخط جبريل بن بختيشوع المتطبب ، فيها ثبت ما ~~وصل إليه ، من يحيى بن خالد البرمكي ، وبنيه ، وجواريه ، وأولاده ، من ضيعة ~~، وعقار ، ومال ، وغير ذلك ، يحتوي على سبعين ألف ألف درهم ، وتفصيل ذلك ، ~~شيئا شيئا ، وأنهم يحفظونها للعجب والاعتبار . قال : فاستهولت ذلك ، ~~وانصرفت ، فحدثت بذلك ، بعض الرؤساء ببغداد ، وكان بحضرته أبو الحسن علي بن ~~هارون المنجم ، فقال : وأي شيء تتعجب من هذا ؟ حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : ~~كنت بحضرة المتوكل ، في يوم مهرجان ، أو نيروز ، وهو جالس ، والهدايا تحمل ~~إليه ، من كل شيء عظيم ، ظريف مليح ، إلى أن ضربت دبادب الظهر ، وهم ~~بالقيام ، فدخل بختيشوع الطبيب ، وهو ابن جبريل بن بختيشوع الأكبر ، فحين ~~رآه المتوكل استدناه جيدا ، حتى صار مع سريره ، وأخذ يمازحه ، ويلاعبه ، ~~ويقول : أين هدية اليوم ؟ فقال ms492 له بختيشوع : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل ~~نصراني ، لا أعرف هذا اليوم ، فأهدي فيه . فقال : دع هذا عنك ، ما تأخرت ~~إلى الآن ، إلا أنك أردت أن تكون هديتك خير الهدايا ، فيرى فضلها على ~~الهدايا . فقال : ما فكرت في هذا ، ولا حملت شيئا . فقال له : بحياتي عليك ~~. فضرب بيده إلى كمه ، فأخرج منه ، مثل الدواة ، معمولا من عود هندي ، لم ~~ير قط مثله ، كالأبنوس سوادا ، وعليه حلية ذهب محرق ، لم ير قط أحسن منها ~~عملا ، ولا من الدواة . قال : فقدر المتوكل ، أن الهدية هي الدواة ، ~~فاستحسنها . فقال : لا تعجل يا مولاي ، حتى ترى ما فيها . PageV02P401 # """""" صفحة رقم 402 """""" # ففتحها ، وأخرج من داخلها ، ملعقة كبيرة محرقة ، من ياقوت أحمر . قال : ~~فخطفت أبصارنا ، ودهشنا ، وتحيرنا . فبهت المتوكل ، وأبلس ، وسكت ساعة ~~متعجبا ، مفكرا ، ثم قال : يا بختيشوع ، والله ، ما رأيت لنفسي ، ولا في ~~خزانتي ، ولا في خزائن آبائي ، ولا سمعت ، ولا بلغني أنه كان للملوك من بني ~~أمية ، ولا لملوك العجم مثلها ، فمن أين لك هذه ؟ ' 98 ' . فقال : الناس لا ~~يطالبون بمثل هذا ، وقد أهديت إليك ، ما قد اعترفت بأنك لم تر ، ولم تسمع ، ~~بمثله حسنا ، فليس لم مسألتي عن غيره . قال : بحياتي أخبرني . فامتنع ، إلى ~~أن كرر عليه إحلافه بحياته ، دفعات ، وهو يمتنع . فقال : ويحك ، أحلفك ~~بحياتي ، دفعات ، أن تحدثني حديثا ، فتمتنع ، وقد بذلت لي ما هو أجل من كل ~~شيء . قال : فقال له : نعم يا مولاي ، كنت حدثا ، أصحب أبي جبريل ابن ~~بختيشوع إلى دور البرامكة ، وهو إذا ذاك طبيبهم ، لا يعرفون خدمة طبيب غيره ~~، ولا يثقون برأي غيره ، ويدخل إلى حرمهم ، ولا يستتر أكثرهم عنه . قال : ~~فصحبته يوما ، وقد دخل إلى يحيى بن خالد ، فلما خرج من عنده ، عدل به ~~الخادم ، إلى حجرة دنانير جاريته ، فدخلت معه ، وأفضينا إلى ستارة منصوبة ، ~~في صدر مجلس عظيم ، وخلفها الجارية ، فشكت إليه شيئا وجدته ، فأشار عليها ~~بالفصد ، وكان لا يفصد بيده ، وإنما يحمل معه من يفصد من تلامذته ، ورسم ~~الفصد عليهم خمسمائة دينار . قال ms493 : فندبني ذلك اليوم للفصد ، وأخرجت يدها ~~من وراء الستارة ، ففصدتها ، وحملت إلي في الحال خمسمائة دينار عينا ، ~~وأخذتها ، وجلس أبي إلى أن يحمل إليها شراب تشربه بحضرته ، ورمان أشار ~~عليها باستعماله . قال : فحمل ذلك في صينية عظيمة مغطاة ، وتناولت منه ما ~~أرادت ، وخرج الظرف مكشوفا ، فرآه أبي ، فقال للخادم : قدمه إلي ، فقدمه ~~إليه ، فكان في جملته جامة فيها رمان ، وفيها هذه الملعقة ، فحين رآها أبي ~~قال : والله ما رأيت مثل هذه الملعقة ، ولا الجامة . قال : فقالت له دنانير ~~: بحياتي عليك ، يا جبريل ، خذها . قال : ففعل ، وقام ينصرف . PageV02P402 # """""" صفحة رقم 403 """""" # فقالت له : تمضي ، ففي أي شيء تدع هذه الملعقة ؟ قال : لا أدري . قالت : ~~أهدي إليك غلافها . فقال : إن تفضلت . فقالت : هاتم تلك الدواة . فجاءوا ~~بهذه الدواة ، فوضع أبي فيها الملعقة ، وحملها ، والجامة في كمه ، وانصرفنا ~~. فقال له المتوكل : جامة تكون هذه ملعقتها ، يجب أن تكون عظيمة القدر ، ~~فبحياتي ، ما كان من أمر الجامة ؟ فاضطرب ' 99 ' ، وامتنع امتناعا عظيما ، ~~إلى أن أحلفه مرارا بحياته . فقال : أعلم ، إذا قلت أي شيء كانت ، طالبتني ~~بها ، فدعني أمضي ، وأجيء بها ، وأتخلص منك دفعة واحدة . فقال : افعل . قال ~~: ومضى ، فلم يهن المتوكل الجلوس ، ولم يأخذه القرار ، حتى جاء بختيشوع ، ~~وأخرج من كمه جامة ، على قدر الزبدية ، أو الجامة اللطيفة ، من ياقوت أصفر ~~، فوضعها بين يديه . PageV02P403 # """""" صفحة رقم 404 """""" # يوسف بن وجيه صاحب عمان # وحدثني أبو الفضل ، قال : كنت مقيما بسيراف ، أتصرف ، واجتاز بها يوسف بن ~~وجيه ، يريد البصرة ، ومحاربة البريدي ، وضامنها - إذ ذاك - ابن مكتوم ~~الشرازي ، وهو مدبرها حربا وخراجا من قبل الأمير علي بن بويه ، فتلقاه ، ~~وخدمه خدمة ارتضاها ، ونزل بظاهر البلد ، فحمل إليه ابن مكتوم ، كل شيء من ~~الألطاف والهدايا . قال : فقال له يوما : والله ، ما وردت هذا البلد ، إلا ~~وفي نفسي الاجتراء عليه ، وتخليف جيش به ، ثم الخروج إلى البصرة ، ولقد ~~كاتبني جميع وجوه البلد في ذلك ، وأشاروا علي بهذا ، ولكني قد استحيت منك ~~أن أفعل ، فإنك بدأتني بالخدمة ، وأنا في أطراف ms494 عملي ، وليس بكثير أن أهب ~~لك هذا البلد . قال : وقد كان بلغنا أن أهل البلد كاتبوه بذلك ، ولم نتحقق ~~هذا ، ولما قرب ، أشار أهل البلد ، على ابن مكتوم ، بالانصراف ، وأن لا ~~يحضر ، وخوفوه أن يقبض عليه ، وأرادوا بذلك أن يتم التدبير لهم ، في تملك ~~يوسف ابن وجيه البلد . فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك ، وقال : لأن يقبض علي ، ~~وليس لي إليه ذنب يقتلني به ، أحب إلي من أن أصير لنفسي ذنبا عند علي بن ~~بويه ، فيقتلني به ، فإنه يظن أني واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال ~~الضمان ، ويقول لي : كان يجب الصبر ، إلى أن يدخل ، فيقبض عليك ، أو تجيئني ~~بعد واقعة يخدش فيها رجل ، ولم يبرح ، وأخلد إلى خدمته الخدمة العظيمة ، ~~فنفعه ذلك ، وتخلص . قال : فلما كشف له يوسف ، ما كان في نفسه ، دعا له ، ~~وشكره ، وتذلل . فقال له يوسف : وقد كنت عملت أن لا أشرب ، إلى أن أفتح هذا ~~البلد الذي أقصده ، ولكن قد اشتقت إلى الشرب ، شهوة لأن أشرب ' 100 ' معك ، ~~لما رأيته من ظرفك وفتوتك ، فتعود العشية إلى الشراب ، ومعك من تأنس به من ~~أصحابك . قال : فانصرف ، واختار جماعة من وجوه البلد ، ووجوه المتصرفين ، ~~كنت واحدا منهم . PageV02P404 # """""" صفحة رقم 405 """""" # وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر ، فركب ، ونحن معه ، حتى أوصلنا إلى حضرته ، ~~فأجلسنا في فازة بهنسي لم أر قبلها مثلها حسنا ، في صدرها سدة أبنوس مضببة ~~بالذهب ، ومساميرها ذهب ، وعليها دست ديباج فاخر جدا ، وبين يديها بساط ~~جهرمي فوقه حصير واسع ، كبير ، عظيم ، طبراني ، ومخاد ، وصدر منه . وخرج ~~يوسف ، فجلس ، وجلسنا معه ، وأحضرت مائدة فضة بزرافين ، تسع عشرين نفسا ، ~~فجلسنا عليها ، ونقل علينا من الطعام ، ما لم أر مثله حسنا ، في أواني كلها ~~صيني . قال : وتأملت ، فإذا خلف كل واحد منا ، غلام صغير ، مليح ، قائم ~~بشرابي ذهب ، وكوز بلور فيه ماء ، فأكلنا . فلما تم أكلنا ، نهض يوسف ، ~~فخرج من وراء الفازة ، إلى موضع ، وجاءنا فراشون بعددنا ، بطساس وأباريق ~~فضة ، ومجامع فضة ، فغسلنا أيدينا دفعة واحدة ms495 . ومضى أولئك الغلمان الأصاغر ~~، وجاء غيرهم بعددنا ، ومعهم المرايا المحلاة الثقيلة ، والمضارب البلور ، ~~والمداخن المحلاة الحسنة ، فتبخرنا دفعة واحدة . وتركنا ساعة في موضعنا ، ~~ثم استدعينا ، فأدخلنا إلى فازة ألطف من تلك ، ديباج ، وفيها سدة صندل ~~محلاة بفضة ، فيها دست ديباج ، وحصر طبرية ، مثل تلك الحصر ، وفيها نحو ~~ثلاثين مطاولة ، مسبكة ، ذهب كلها ، عليها تماثيل العنبر ، على هيأة ~~الأتراج والبطيخ ، والدستنبو ، وغير ذلك . قال : فدهشنا ، وتحيرنا ، وإذا ~~في أربع جوانب تلك المطاولات ، أربع أجاجين بيض ، كبار ، عظام ، كل واحدة ~~كالقدس الكبير ، والجميع مملوءة ماء ورد ، وفيه أمر عظيم من تماثيل الكافور ~~، وغلمان قيام بعددنا ، يروحون ، وغلمان أخر بعددنا ، بأيديهم مناديل ~~الشراب ، وبين يدي كل واحد ، صينية ذهب ، ومغسل ، ومركن ذهب ' 101 ' ، ~~وخرداذي بلور ، وقدح بلور ، وكوز بلور ، والجميع فارغ . قال : فأمر يوسف ، ~~بإخراج الأنبذة ، في مدافات بلور ، تسمى بالفارسية : جاشنكير ، فأخرجت عدة ~~أنبذة من العنب ، مما يعمل في جبل عمان ، لم نظن أنه يكون في تلك النواحي ~~بحسنها وطيبها . ف PageV02P405 ~~"""""" صفحة رقم 406 """""" # فاختار ابن مكتوم ، نبيذا منها ، فملئت الظروف منه ، وقام على رأس كل ~~واحد منا ، غلام يسقيه ، ويتفقد نقله ، ويتفرد بخدمته ، إلى أن شربنا ~~أقداحا . ثم أجرى يوسف ، حديث علي بن بويه ، فقال لابن مكتوم ، وقد خرج من ~~حديث إلى حديث : أحب أن تخبرني عن أخي أبي الحسن علي بن بويه ، أي شيء ~~اعتقد في إمارته هذه ؟ قال : إن له ألفي غلام أتراك ، وأربعة آلاف بغل ، ~~وألفي جمل . قال : وأخذ يكثر عليه من هذا . فقال له : ويحك ، هؤلاء عيال ، ~~وسبب خرج ، لم أسأل عن هذا ، إنما سألت أي شيء أدخر ، مما يتنافس فيه ~~الملوك . قال : فقال له : وصل من الكنوز العتيقة ، والأموال التي استخرجها ~~إلى تسعين ألف ألف درهم . قال : فقال : ولا هذا أردت ، إنما أردت الذخائر ~~والجواهر ، وما يخف ، وما يحمله الملوك معهم ، محملا لطيفا ، إذا حزبهم أمر ~~. قال : فقال ابن مكتوم : لا أعلم ، إلا أني سمعت ، أن الجبل الذي كان ~~للمقتدر ، قد وصل إليه . فقال : وما الجبل ms496 ؟ قال : فص ياقوت أحمر ، فيه ~~خمسة مثاقيل ، إلا أني ابتعت له جوهرتين ، بمائة وعشرين ألف درهم . فقال : ~~قد أنست بك ، واقتضى أن أريك ، ما صحبني في هذه السفرة ، من هذا الجنس ، إن ~~نشطت لذلك . قال : فشكره ، ودعا له ، وقال : إي والله ، أنشط لذلك ، وأتشرف ~~به . قال : فدعا بغلام ، وقال : امض ، فهات الربعة الفلانية . قال : فجاءه ~~بربعة كبيرة . قال : وكانت بين يديه خرائط خراسانية ، مطروحة في المجلس ، ~~فاستخرج من واحدة منهن ، مفتاح ذهب ، وتأمل أولا ، ختم الربعة ، ثم فتحها ~~بالمفتاح ، وأخرج إلينا قضيبا عليه خواتيم ، نحو خمسمائة خاتم ، يواقيت ، ~~وفيروزج ، وعقيق ، لم نر مثله ، فأرانا إياه ، وقال : ' 102 ' ليس هذا بشيء ~~، فدعوه . PageV02P406 # """""" صفحة رقم 407 """""" # قال : فتركناه ، ثم أخرج إلينا عقدا ، فيه ثلاث وتسعون حبة جوهر ، كل ~~واحد منها ، على قدر بيض الحية والعصفور ، فدهشنا من عظمها . فقال : إن هذا ~~العقد ، في خزانة خالي أحمد بن هلال وخزانتي من بعده ، منذ كذا وكذا سنة ، ~~والجوهر إلينا يصل أولا ، ثم يتفرق من عندنا إلى البلاد ، ونحن مجتهدون ، ~~في أن نجد سبع حبات تشابه هذا ، فيحصل في العقد مائة حبة ، فما نقدر على ~~ذلك ، منذ كذا وكذا سنة . قال : ثم أخرج إلينا فصا من الماس ، فلبسه في ~~الحال ، وأدناه من فص عقيق كان في يد ابن مكتوم ، فجذبه كما يجذب المغناطيس ~~الحديد ، حتى تكسر فص ابن مكتوم . قال : ثم استخرج منديلا لطيفا ، فحله ، ~~وأخرج قطنا ، ففرقه بيده ، واستخرج منه شيئا خطف أبصارنا ، وأضاء المجلس له ~~، حتى دهشنا ، وسلمه إلى ابن مكتوم ، وقال : تأمله . قال : فتأملناه ، فإذا ~~هو ياقوت أحمر ، على كبر الكف ، وقدها من الطول والعرض . قال : فدهشنا . ~~فقال يوسف بن وجيه : أي هذا ، يا ابن مكتوم ، من الذي وصفته ؟ قال : فانكسر ~~ابن مكتوم . وما زلنا نقلب تلك الكف ، ونشرب عليها ساعة . قال : ثم أخرج ~~إلينا من الربعة ، حشائش ، ذكر أنها سموم قاتلة في الحال ، وحشائش ، ذكر ~~أنها تبرئ من تلك السموم في الحال . قال : وأخرج أشياء ، هائلة ، طريفة ، ~~لم يعلق بحفظي منها ms497 ، إلا ما ذكرته ، لدهشتي بما رأيت . قال : فلما جاء ~~المساء ، جاءنا بشموع عنبر ، فوضعت تتقد . قال : وشربنا إلى نصف الليل ، ~~وانصرفنا . وشخص يوسف إلى البصرة ، وحاربه البريدي ، فهزمه ، وأفلت مركب ، ~~وأحرقت باقي مراكبه ، فلم يحب الاجتياز بسيراف ، فتوه في البحر ، وسلك وسطه ~~، يريد عمان . قال : وبلغنا الخبر ، وأنفذ ابن مكتوم ، صاحبا له ، إلى عمان ~~، يتوجع له ، ويتعرف خبره ، وكاتبه على يده . PageV02P407 # """""" صفحة رقم 408 """""" # قال : فدخل صاحبنا إلى عمان ، قبله بأيام ، ثم وردها يوسف ، فلما وقف على ~~الكتب تذكر عهد ابن مكتوم ، وذكره بالجميل ، ووهب لصاحبه خمسة آلاف درهم ، ~~وأنفذ إلى ابن مكتوم هدية قيمتها مائة ألف درهم ' 103 ' تجتمع على طرائف ~~البحار ، وأنفذ إلى كل واحد من الجماعة الذين كانوا حضورا دعوته مع ابن ~~مكتوم ، عدة أثواب من صنوف الثياب ، وأفخرها ، وأحسنها ، وكنت ممن وصل إليه ذلك . PageV02P408 # """""" صفحة رقم 409 """""" # وصيف كامه يحسن إلى أهل قم # حدثني أبو الفضل ، قال : حدثنا شيخ كان لنا بفارس ، من أهل قم ، قال : ~~ورد إلينا وصيف كامه ، أمير على بلدنا ، فتلقيناه ، فرأيناه من فضله ، ~~وعقله ، وجلالة قدره ، كل عظيم . قال : فأقبل علينا بخطاب جميل ، ووعدنا ، ~~ومنانا ، وعرفنا رأي السلطان في العدل والإحسان ، ثم أقبل يسأل عن أمور ~~بلدنا ، مسألة عالم به ، ويسأل عن شيوخه ، إلى أن انتهى في السؤال ، إلى ~~رجل ، لم يكن جليلا ، ولا مشهورا ، ولا عرفه منا إلا واحد كان في المجلس . ~~قال : فأقبل يعظم من أمره ، ويسأل عن معيشته ، وأولاده . قال : فاسترقعناه ~~. قال : ثم قال لنا : أحضروني إياه إحضارا جميلا ، فإني أكره أن أنفذ إليه ~~من يستدعيه ، فأروعه . قال : فأحضرناه ، فحين وقعت عينه عليه ، قام إليه ~~قياما تاما ، وأجلسه في الدست معه . قال : فسقط من أعيننا ، وقلنا جاهل لا ~~محالة . قال : ثم أقبلعليه ، يسأله ، عن زوجته ، وبناته ، وبنيه ، والشيخ ~~يجيب جواب ضجر ، باهت ، معظم لما عمله . فقال له : أحسبك قد نسيتني ؟ ~~وأنكرت معرفتي . فقال : كيف أنكر الأمير - أيده الله - مع عظمه وجلالته ؟ ~~فقال له : دع هذا ، أتعرفني جيدا ؟ قال : لا ms498 . قال : أنا مملوك وصيف . ثم ~~أقبل علينا فقال : يا مشايخ قم ، أنا رجل من الديلم ، كنت سبيت في وقت كذا ~~وكذا ، في الغزاة التي غزاهم فيها فلان الأمير ، وكان سني إذ ذاك عشر سنين ~~أو نحوها . PageV02P409 # """""" صفحة رقم 410 """""" # فحملت إلى قزوين ، فاتفق أن هذا الشيخ كان بها ، فاشتراني ، وحملني إلى ~~قم ، وأسلمني مع ابنه في الكتاب ، وأجراني مجراه ، في حسن التربية ، وفعل ~~بي وصنع ، وجعل يعدد له ما يذكره ، وأنه أحسن ملكته ، حتى إنه ما تأذى منه ~~قط ، ولا ضربوه ، ولا شتموه ، وإنهم كانوا يكسونه ، كما يكسون ابنهم ، ~~ويطعمونه كما يطعمونه . ولم أزل معهم في أحسن عشرة ، إلى أن بلغت ، وكانوا ~~يهبون لي الدراهم لشهواتي ' 104 ' ، ويعطوني أكثر مما أحتاج إليه . وكنت - ~~مذ كنت صبيا - كلما وقع بيدي شيء ، جمعته عند بقال في المحلة ، يعرف بفلان ~~. قال : ثم سأل عنه ، فقيل : هو باق . فلما بلغت واشتددت ، طلبت السلاح ، ~~وعملت به ، ومولاي - مع هذا - يشتري لي كل ما أريده ، ويمكنني من شهواتي ، ~~ويحسن إلي ، ولا يعترض في شيء أريده علي . قال : واتفق ، أن بعض الجند رآني ~~، فقال : هل لك في أن تخرج معي إلى خراسان ، فأركبك الدواب ، وأفعل بك ، ~~وأصنع . فقلت : أصحبك ، على شرط أن لا أكون مملوك ، ولا تتملكني ، ولكن ~~أشتري لنفسي دابة ، وسلاحا ، وأتبعك غلاما لك ، مالكا لنفسي ، فمتى رأيت ~~منك ما أكره ، فارقتك ، ولم يكن لك الاعتراض علي . فقال : افعل . قال : ~~فجئت إلى البقال ، فحاسبته ، وكان قد اجتمع لي عنده شيء كثير ، فأخذته ، ~~واشتريت منه دابة وسلاحا ، وأخذت اليك ، ومعي دراهم ، وصحبت الجندي ، وأبقت ~~من مولاي هذا . ومضيت إلى خراسان بأسرها ، وتقلبت بي الأمور ، وترقت حالي ~~مع الأيام ، حتى بلغت هذا المبلغ ، وأنا في رق هذا الشيخ ، وأنا أسألكم ~~الآن ، مسألته أن يبيعني نفسي . قال : فأكبر الرجل ذلك ، وقال : أنا عبد ~~الأمير ، والأمير حر لوجه الله ، وأتجمل بولائه ، وأفتخر أنا وعقبي بذلك . PageV02P410 # """""" صفحة رقم 411 """""" # قال : فقال : يا غلام ، هات ثلاث بدر . وأحضرت ، وصب المال ، وسلمه إلى ms499 ~~الشيخ ، ثم استدعى له من الثياب ، والدواب ، والبغال ، والطيب ، والآلات ، ~~ما تزيد قيمته على قدر المال . ثم استدعى ابنه ، فأحضر ، وأكرمه ، وتطاول ~~له ، ووهب له عشرة آلاف درهم ، وثيابا كثيرة ، ودواب ، وبغالا . واستدعى ~~البقال ، ووهب له خمسمائة دينار ، وثيابا كثيرة . قال : ثم أنفذ هدايا ، ~~إلى بنات الشيخ ، وزوجته ، وعيال البقال . قال : ثم قال للشيخ : يا فلان ، ~~انبسط في هذا السلطان الذي قد رزقك الله إياه ، انبساط من يعلم أن الأمير ~~مولاه ، واعلم بأنك لا تحل شيئا فأعقده ، ولا تعقد شيئا فأحله . قال : ثم ~~التفت إلينا ، وقال : يا مشايخ قم ، أنتم سادتي ، وشيوخي ، وما على الأرض ، ~~أهل بلد ، أحب إلي منكم ، ولا أوجب حقا ' 105 ' منكم ، فانبسطوا في حوائجكم ~~، انبساط الشريك الذي لا فرق بيني وبينه ، إلا فيما حظرته الديانة ، وليس ~~بيني وبينكم فرق ، إلا في ثلاث : طاعة السلطان ، وصيانة الحرم ، ومخالفتكم ~~في الرفض ، فإني قد طوفت الآفاق ، وسلكت الجبال والبحار ، وبلغت أقاصي ~~المشرق والمغرب ، فما رأيت على دينكم أحد غيركم ، ومحال أن يجتمع الناس ~~كلهم على ضلالة ، وتكونوا أنتم من بين أهل الآفاق على حق . قال : ثم سأل كل ~~واحد منا ، عن حوائجه ، ونظر إليه فيها بطرف ، ونظر للشيخ بضعف ما نظر به ~~لأجلنا . قال : فخرجنا من عنده ، وقد نبل في عيوننا نبلا شديدا ، وانقلبت ~~المواكب إلى باب الشيخ ، فأقبل الناس إليه في الحوائج ، وإلى ابنه ، فصارا ~~رئيسي البلد ، ولم يكن وصيف يردهما في شيء يسألانه من قليل ولا كثير ، إلى ~~أن خرج عن قم . PageV02P411 # """""" صفحة رقم 412 """""" # وصيف كامه يعين عاملا على فارس # قال : وحدثني أبو الهذيل ، أن وصيفا لما ولي فارس ، أقام بشيراز ، وكان ~~يتواضع للناس ، تواضعا شديدا ، ويحسن السيرة ، ويتحبب إلى العامة جدا ، حتى ~~كان يعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم . قالوا : وما رأينا أميرا أعقل منه ، ~~ولقد رأيته يوما ، قد حضر جنازة رجل من السوق ، راكبا دابة ، وعليه دراعة ~~بيضاء وعمامة ، وليس بين يديه ، إلا ثلاثة من الشاكرية ، فوقف في جملة ~~الناس ، يصلي على الرجل . قال : وكان عندنا ms500 حائك ، يعرف بفلان ، يظهر الأمر ~~بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، قال : فرأيته ، وقصد أن جاء فوقف إلى جنبه ~~في الصلاة ، وزاحمه ، حتى وضع مرفقه في صدر وصيف ، وزحمه به . فجاء بعض من ~~كان معه ، ينكر ذلك ، وينحي الرجل ، فنظر إليه نظرا شزرا ، جزع معه الغلام ~~، وتنحى ، وتركه والحائك . قال : فرأيته ، وقد تجمع في مكانه ، ووسع للحائك ~~، حتى أتموا الصلاة . # الوزير يتيم في حجر كل كاف # بلغني مكن جهة وثقت بها ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج ، قال : ~~حضرت مجلس أبي القاسم عبيد الله بن سليمان ، وأبو زنبور الكاتب ، يعذله في ~~إفضائه إلى أبي العباس بن الفرات ، وتفويضه الأمور إليه ، ويخاطبه بكل عظيم ~~في ذلك . إلى أن قال له : الناس يقولون ، أيها الوزير : إنك يتيم في حجر ~~ابن الفرات . فقال عبيد الله : أنا يتيم في حجر كل كاف . PageV02P412 # """""" صفحة رقم 413 """""" # أبو أحمد الشيرازي والصفراء # حدثني بعض إخواني الثقات عندي ' 106 ' ، قال : حدثني أبو أحمد الفضل بن ~~عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب ، قال : لما صحبت أبا علي بن مقلة إلى ~~بغداد ، واستكتبني ، كان يتعمد نفعي بكل شيء ، ويوصل إلي أموالا جليلة ، ~~فلم أكن أحفظها ، وكانت كلها تخرج عن يدي ، في القيان ، والشراب ، وأتلفها ~~. قال : فهويت جارية من القيان صفراء ، واشتهر أمري معها ، وأتلفت كل كسبي ~~عليها ، حتى بلغ أبا علي ، وكان يعذلني ، ويوبخني ، ويمنعني من مفارقة ~~حضرته ، وأن أخل بها . قال : فأفلت يوما من حضرته ، ومضيت إلى بيتي ، وقد ~~حصلها غلامي ، وأعد لي مجلسا بالفاكهة الكثيرة ، والتحايا الظراف ، والشراب ~~الفاخر . قال : فشربت ليلتي معها ، وخفت أن أخل بالوزير ، فحملتني الشهوة ~~للجلوس مع المغنية ، على أن كتبت إلى الوزير رقعة ، أعتذر فيها من التأخر ، ~~وأقول : : إن الصفراء تحركت علي ، واضطرب جسمي ، فلم أقدر على المجيء ، ~~وأباكر الخدمة في غد ، وأسأل قبول عذري . قال : فعاد إلي الجواب ، بخط أبي ~~علي بن مقلة ، في أضعاف السطور ، بأجل خطاب ، وألطف مداعبة . وقال فيه : يا ~~هذا ، ظلمت الصفراء ، أنت تحركت على الصفراء ، ليس هي تحركت ms501 عليك ، وقد ~~علمت مغزاك في التأخر ، وبحسب ذلك أجبتك ، وقد بعثت إليك منديلا مختوما ~~فاستعن بما فيه . قال : ففتحت المنديل ، وإذا فيه ، رطل ند ، وشيء كثير من ~~الكافور ، والمسك ، ومائتا دينار عينا . وأنشدني أبو الحسن علي بن هارون بن ~~المنجم ، لنفسه في معنى الصفراء ، بيتين ما سمعت أظرف منهما في معناهما ، ~~وهما يقاربان قول ابن مقلة ، وهما : قال الطبيب وقد تأمل سحنتي . . . هذا ~~الفتى أودت به الصفراء فعجبت منه إذ أصاب وما درى . . . قولا ومعنى ما أراد خطاء PageV02P413 ~~"""""" صفحة رقم 414 """""" # لا يمكن التجلد على عذاب الله # حدثني بعض البغداديين ، قال : ضرب عندنا رجل من أهل العصبية ، خمسمائة ~~سوط ، في وقت واحد ، فلم يتأوه ، ولم ينطق . فلما كان بعد أيام ، حم حمى ~~صعبة ، وضرب عليه معها رأسه ، فأقبل يصيح ، كما يصيح البعير ، ويقول : ~~العفو ، العفو ، يكررها . فلما كان من غد ، اجتمع إليه قوم من أهل الحبس ، ~~فقالوا : فضحتنا ، أنت تضرب بالأمس خمسمائة سوط ، فلا تصيح ، تحم ساعة من ~~ليلة ، فتصيح ؟ فقال : عذاب الله عز وجل ، أشد العذاب ، وما كنت لأتجلد عليه . # الغلط الذي لا يتلافى # قال : وأتي ' 107 ' بعض الولاة ، برجلين ، أحدهما قد ثبت عليه الزندقة ، ~~والآخر قد وجب عليه الحد . فسلم الوالي الرجلين ، إلى بعض أصحابه ، وقال : ~~اضرب عنق هذا ، - وأومأ إلى الزنديق - واجلد هذا ، كذا وكذا . قال : ~~فتسلمهما وخرج . فوقف المحدود : وقال : أيها الأمير ، سلمني إلى غيره ، فإن ~~هذا الأمر ، لا آمن فيه الغلط ، والغلط فيه لا يتلافى . قال : فضحك منه ~~الأمير ، واستطابه ، وأمر بإطلاقه ، فأطلق ، وضربت عنق الزنديق . PageV02P414 # """""" صفحة رقم 415 """""" # المهدي والمتهم بالزندقة # قال : وأتي المهدي بن المنصور ، برجل قد رمي بالزندقة ، فسأله عن ذلك . ~~فقال الرجل : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، رسوله ، وأن الإسلام ديني ، عليه أحيا ، وعليه أموت ، ~~وعليه أبعث . فقال له المهدي : : يا عدو الله ، إنما تقول هذا مدافعة عن ~~نفسك ، هاتم السياط ، فأحضرت ، وأمر بضربه ، فضرب ، وهو يقرره . فلما أوجعه ~~الضرب ms502 ، قال له : يا أمير المؤمنين ، اتق الله ، فقد حكمت علي ، بخلاف حكم ~~الله تعالى ، وخلاف حكم رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإن الله بعث محمدا ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا ~~قالوها ، عصموا دماءهم ، وأموالهم ، إلا بحقهما ، وحسابهم على الله ، وأنت ~~قد جلست تطالبني ، وتضربني ، حتى أكفر ، فتقتلني . قال : فخجل المهدي ، ~~وعلم أنه قد أخطأ . فأمر بإطلاقه . PageV02P415 # """""" صفحة رقم 416 """""" # شر السلطان يدفع بالساعات # حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي علان الأهوازي ، قال ~~: حدثني جدي أبو القاسم بن أبي علان ، وقد جرى حديث السلطان ، وأن شره يدفع ~~بالساعات ، قال : ورد علينا أبو يوسف البريدي ، كاتب السيدة ، يطالبني ، ~~وأبا يحيى الرامهرمزي ، أن نضمن منه ضياع السيدة ، وتشدد علينا ونحن ~~ممتنعون . إلى أن أخلى لنا مجلسه ، في يوم خميس ، وناظرنا مناظرة طويلة ، ~~وشدد علينا أمرا عظيما ، فكدنا معه أن نجيبه ، وكان علينا في ذلك ضرر عظيم ~~. فقلت لأبي يحيى : يجب أن نجتهد في رفع المجلس اليوم ، لنتفكر إذا انصرفنا ~~، كيف نعمل . قال : وكان أبو يوسف محدثا طيبا . قال : فجره أبو يحيى ، إلى ~~المحادثة ، واستلب هو الحديث ، وسكت أبو يحيى . قال : وكانت عادة أبي يوسف ~~، في كلامه ، أن يقول كل قطعة من حديثه : أفهمت ؟ قال : وكان كلما قال أبو ~~يوسف ، لأبي يحيى ، أفهمت ؟ يقول أبو يحيى : لا ، فيعيد الحديث ، ويخرج منه ~~إلى حديث آخر . قال : فلم يزل ' 108 ' كذلك ، حتى حمي النهار ، وقربت الشمس ~~من موضعنا . فرجع أبو يوسف إلى حديث الضمان ، ومطالبتنا بالعقد . فقلت له : ~~إنه قد حمي النهار ، وهذا لا يتقرر في ساعة ، ولكن نعود غدا ، ورفقنا به ، ~~فقال : انصرفوا ، فانصرفنا ، واستدعانا من غد ، فكتبنا إليه رقعة ، إنه يوم ~~الجمعة ، وهو يوم ضيق ، ونحتاج إلى الحمام والصلاة ، وقل أمر يبتدأ به يوم ~~الجمعة ، قبل الصلاة ، فيتم ، ولكنا نبارك يوم السبت ، فاندفع . واستدعانا ~~يوم السبت ، فصرنا إليه ، وقد وضعنا في نفوسنا ، الإجابة ، لما أيسنا من ~~الفرج . فحين دخولنا إليه ms503 ، ورد إليه كتاب ، فقرأه ، وشغل قلبه ، وقال : ~~انصرفوا اليوم ، فانصرفنا ، ورحل بعد ساعة ، لأن الكتاب كان يتضمن ذكر صرفه ~~. فبادر قبل ورود الصارف ، وكفينا أمره . PageV02P416 # """""" صفحة رقم 417 """""" # كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق # قال : وورد إلينا ، في وقت من الأوقات ، بعض العمال ، متقلدا للأهواز ، ~~من قبل السلطان ، وقد أسماه ، ونسيه الذي حدثني . قال : فتتبع رسومنا ، ~~ورام نقض شيء منها ، وكنت أنا وجماعة من التناء في تلك المطالبة ، وكان ~~فيها ذهاب غلاتنا في تلك السنة ، لو تم علينا ، وذهاب أكثر قيم ضياعنا . ~~قال : فقالت لي الجماعة : ليس لنا غيرك ، تخلو بهذا الرجل ، وتبذل له مرفقا ~~، وتكفينا إياه . قال : فجئته ، وخلوت به ، وبذلت له مرفقا جليلا ، فلم ~~يقبله ، ودخلت عليه بالكلام في غير وجه ، فما لان ، ولا أجاب . قال : فأيست ~~منه ، وكدت أن أقوم خائبا . قال : فقلت له في عرض الكلام : يا هذا الرجل ، ~~أنت مصمم في هذا الأمر على خطأ شديد ، لأنك تظلمنا ، وتزيل رسومنا ، من حيث ~~لا يحمدك السلطان ، ولا تنتفع أنت بذلك . ومع هذا ، فأخبرني ، هل تأمن أن ~~تكون قد صرفت ، وكتاب صرفك ، في الطريق ، يرد عليك بعد يومين أو ثلاثة ، ~~فتكون قد أهلكتنا ، وأثمت في أمرنا ، وفاتك هذا المرفق الجليل . ولعلنا نحن ~~نكفى ، ويجيء غيرك فلا يطالبنا ، أو يطالبنا فنبذل له هذا المرفق ، فيقبله ~~، ويكون الضرر ، إنما يدخل عليك وحدك . قال : فحين سمع هذا ، اعتقد أن لي ~~ببغداد ، من يكاتبني بالأخبار ، وأنني قد أحسست باختلال أمره ، وأخذ ~~يخاطبني من أين وقع لي أنه قد وقع هذا . قال : فقويته ، وثبته في نفسه ، ~~فأجاب إلى أخذ المرفق ، وإزالة المطالبة . فسلمت ' 109 ' إليه رقاع الصيارف ~~بالمال ، وأخذت منه حجة بإزالة المطالبة ، وانصرفت ، وقد بلغت ما أردت . PageV02P417 # """""" صفحة رقم 418 """""" # قال : فسلمت ، فلما كان بعد خمسة أيام ، لا تزيد يوما ، ورد عليه الكتاب ~~بالصرف . قال : فدخلت عليه ، فأخذ يشكرني ، ويخبرني بما جرى ، وبما ورد ~~عليه ، فأوهمته أني كنت قد قلت له ذلك ، على أصل . وكفيت تلك المطالبة . PageV02P418 # """""" صفحة رقم 419 """""" # يحتال على ms504 القواد الأتراك بسر من رأى # حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن ، الوكيل على أبواب القضاة ~~بالأهواز ، قال : قال لي بعض المدين ببغداد ، عن شيخ لهم أيسر ، وعظمت ~~حالته ، حتى استغنى عن الشحذ ، فكان يعلمهم ما يعملون ، فسألناه عن سبب ~~نعمته ، فقال : كنت تعلمت السريانية ، حتى كنت أقرأ كتبهم التي يصلون بها . ~~ثم لبست زي راهب ، وخرجت إلى سر من رأى ، وبها قواد الأتراك ، فاستأذنت على ~~أحدهم ، فأدخلت . فقلت له : أنا فلان الراهب ، صاحب العمر الفلاني ، وذكرت ~~عمرا بعيدا بالشام ، وأنا راهب فيه منذ ثلاثين سنة . وكنت نائما ، فرأيت ~~النبي صلى الله وسلم ، وكأنه قد دخل إلى عمري ، فدعاني إلى الإسلام ، ~~فأجبته ، فقال لي : امض إلى فلان القائد ، حتى يأخذ عليك الإسلام ، فإنه من ~~أهل الجنة ، فجئت لأسلم على يديك . قال : ففرح التركي فرحا عظيما شديدا ، ~~ولم يحسن أن يأخذ علي الإسلام ، فتعتع في كلامه ، وقطعت الزنار وأسلمت ~~بحضرته . قال : فوصلني ما قيمته خمسة آلاف درهم ، من الدراهم ، والثياب ، ~~وغيرها وعدت إلى منزلي . فلما كان من غد ، بكرت إلى قائد منهم ، بزي ~~الرهبان ، وقلت له ، كما قلت للأول ، وأعطاني أكثر من ذلك ، حتى طفت على ~~جماعة منهم ، فحصل لي من جهتهم أكثر من خمسين ألف درهم . فلما كان في بعض ~~تلك الأيام ، صرت إلى أحدهم ، واتفق أنه كانت عنده دعوة ، فيها وجوههم ، ~~فلما دخلت ، وقصصت الرؤيا ، وتأملتهم ، وإذا في الجماعة واحد ممن كنت لقيته ~~بالرؤيا . PageV02P419 # """""" صفحة رقم 420 """""" # قال : فقامت علي القيامة ، فلما فرغت من حديث الرؤيا ، وأظهرت الإسلام ~~على يد التركي ، وأمر لي بالجائزة ، وخرجت ، أتبعني ذلك القائد بغلامه . ~~فلما بعدت عن الدار ، قبض علي ' 110 ' ، وحملني إلى منزل التركي الأول ، ~~فقامت قيامتي ، وأحسست بالمكروه ، وبذلت للغلام جميع ما كان معي ، ليدعني ~~أنصرف ، فلم يفعل . وجاء التركي ، وهو منتش ، فقال : ' يا با ، حصلت تسخر ~~بالأتراك واحد واحد ، وتأخذ دراهمهم ' ؟ قال : فقلقت فزعا ، وقلت : يا سيدي ~~، أنا رجل صفعان ، فقير ، مكد ، وأنا فعلت هذا لآخذ شيئا . قال : فقال ms505 لي : ~~أظننت أنني أفضحك في بلدك ؟ ما كنت بالذي أفعل ، وقد جازت السخرية علي ، ~~حتى تجوز على الجماعة ، كما جازت علي ، ولكن أليس أنت ؟ قال : فطايبته ، ~~وتصفعت له ، فضحك مني ، واستدعى بالنبيذ ، وشرب ، ولاعبته ، فاستخف روحي ، ~~وحبسني عنده ، وخلع علي ، وأعطاني دراهم ، ودعا جماعة من قواد الأتراك ~~وخرجت عليهم في زي الصفاعنة ، فعطعطوا علي ، وضحكوا . فحدثهم التركي ، ~~بالحديث ، فضحكوا . قال : فأخذت منهم ، على تلك الحال ، مالا ثانيا جليلا ، ~~وانصرفت إلى بغداد وابتعت به عقارا ، منه أعيش إلى الآن . PageV02P420 ms506