######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010275 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود التنوخي البصري، أبو علي (المتوفى: 384هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 384 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 8 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010275 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10275 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10275 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1391 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الجزء الأول # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [INTRODUCTION] # اللهم يسر وأعن الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على محمد نبيه خاتم ~~الرسل، وعلى آله الطيبين ذوي الطهارة والفضل. # هذه ألفاظ تلقطتها من أفواه الرجال، وما دار بينهم في المجالس، وأكثرها ~~مما لا يكاد يتجاوز به الحفظ في الضمائر، إلى التخليد في الدفاتر، وأظنها ~~ما سبقت إلى كتب مثله، ولا تخليد بطون الصحف بشيء من جنسه وشكله، والعادة ~~جارية في مثله، أن يحفظ إذا سمع ليذاكر به إذا جرى ما يشبهه ويقتضيه، وعرض ~~ما يوجبه ويستدعيه. # ولعل قارئها والناظر فيها أن يستضعفها إذا وجدها خارجة عن السنن «1» ~~المعروفة في الأخبار، والطريق المألوف في الحكايات والآثار، الراتبة «2» في ~~الكتب، المتداولة بين أهل الأدب، ولا سيما ما لم يعلم السبب الذي رغبني في ~~كتبها، وهو أني اجتمعت قديما مع مشايخ فضلا، علماء أدباء «3» ، قد عرفوا ~~أحاديث الملل، وأخبار الممالك والدول، وحفظوا مناقب الأمم ومعايبهم، ~~وفضائلهم ومثالبهم، وشاهدوا كل فن غريب، ولون «4» طريف # PageV01P001 # عجيب، من أخبار الملوك والخلفاء، والكتاب والوزراء، والسادة والأمراء، ~~والرؤساء والفضلاء، والمحصلين والعقلاء، والأجواد والبخلاء، وذوي الكبر ~~والخيلاء «1» ، والأشراف والظرفاء «2» ، والمخرفين والجلساء «3» ، ~~والمحادثين والندماء، والأذكياء والفهماء، والأسخياء والكرماء، والسفهاء ~~والحلماء، والفلاسفة والحكماء «4» ، والمتكلمين والعلماء «5» ، والمحدثين ~~والفقهاء «6» ، وأهل الآراء والأهواء «7» ، والمتأدبين والأدباء، ~~والمترسلين والفصحاء، والرجاز والخطباء، والعروضيين والشعراء، والنسابين ~~والرواة، والحفاظ والدراة «8» ، واللغويين والنحاة، والشهود والقضاة «9» ، ~~والأمناء والولاة «10» ، والمتصرفين والكفاة، والفرسان والأمجاد، والشجعان ~~والأنجاد، والجند والقواد، # PageV01P002 # وأصحاب القنص والاصطياد، والجواسيس والمتخبرين» # ، والسعاة والغمازين «2» ، والوراقين «3» والمعلمين، والحساب والمحررين ~~«4» ، والعمال وأصحاب الدواوين «5» ، والتناء «6» والمزارعين، وأرباب ~~الخراج والأرضين، والأكرة «7» والفلاحين، والمتكلمين على الطرق «8» ، ~~[وأصحاب الحادور والحلق] «9» ، والواعظين والقصاص «10» ، وذوي التنمس ~~والإخلاص «11» ، وأهل الصوامع والخلوات، والسياح في الجبال والفلوات، ~~والنساك والصالحين، والأبدال والمتفردين، «12» # PageV01P003 # والمريدين والمخبتين «1» ، والعباد والمتبتلين «2» ، والزهاد والمتوحشين ~~«3» ، والصوفية «4» والمتواجدين «5» ، والأئمة والمؤذنين، والقراء ~~والملحنين، [2 ب] والرجحاء والمبرزين، وأهل النقص والمقصرين، [والأغنياء ~~والمملقين] «6» والأغبياء والمتخلفين، والفطناء والمتقدمين، والشطار ~~والمتقين «7» ، وأصحاب العصبية والسكاكين «8» ، وقطاع الطريق والمتلصصين، ~~والجيران والمتغربين، وأهل الخسارة والعيارين «9» ، ولعاب النرد ~~والشطرنجيين «10» ، والملاح والمتطايبين «11» ، # PageV01P004 # [والمسامرين ms001 والمضاحكين] «1» وأصحاب النادرة والمضحكين، والمورثين ~~والمبذرين «2» ، والطفيلية والمتطرحين «3» ، والأكلة والمواكلين، والشراب ~~[2 ط] والمعاقرين، والمغنيات والمغنين، والرقاصين والمخنثين «4» ، وأصحاب ~~الستائر «5» والمقينين «6» ، والمتقاينين «7» والمستمعين «8» ، وأهل الهزل ~~والمتخالعين، والمجان والمجانين «9» ، والبله والمغفلين، والمفكرين ~~والموسوسين «10» ، وأهل المذهب والسوداويين «11» ، والمشعبذين والمحتالين ~~«12» ، # PageV01P005 # والملحدة والمتنبين «1» ، والأطباء والمنجمين «2» ، والكحالين والفصادين ~~«3» ، والأساة والمجبرين «4» ، ومعالجي الجرائح والقمائحيين «5» ، وأصحاب ~~الزجر «6» ، والزراقين «7» ، وأهل القرعة «8» والمقالين «9» ، والطواف ~~بالسهام «10» والمفسرين «11» ، والشحاذين والمجتدين «12» ، والمجدودين ~~والمحدودين «13» ، والسعاة # PageV01P006 # والمسافرين «1» والمشاة والمتغربين، والسباح والغواصين، [والبانانية ~~والملاحين] «2» ، وسلاك البحار والمفازات «3» ، وأهل المهن والصناعات، ~~والمياسير والفقراء، والتجار والأغنياء، والفواضل من النساء، وحرايرهن ~~والإماء، وخواص الأحجار والحيوانات، وغريب الأدوية والعلاجات، والرقى «4» ~~والنيرنجيات «5» ، والأحاديث المفردات، وشاذ الاتفاقات، وطريف المنامات، ~~وشريف الحكايات، وغير ذلك من ضروب أحاديث أهل الخير والشر، والنفع والضر، ~~وسكان المدر والوبر «6» ، والبدو والحضر، شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكان ~~القوم الذين استكثرت منهم، وأخذت ذلك عنهم، يحكونه في أثناء «7» مذاكراتهم، ~~وفي عرض مجاراتهم، وبعد انقضاء ملحهم «8» وآدابهم، # PageV01P007 # والخوف من ملل يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم، نفيا للمساكنة، واجترارا ~~للمثافنة «1» ، وصلة للمجالسة، وفتحا للمؤانسة، وسبرا «2» لأحاديث الدنيا ~~ماضيها وباقيها، وتواصفا لسير أهلها وما جرى فيها، وتمثيلا بين ما شاهدوه ~~منها، وسمعوه عنها، [وعابوه من فعلها] «3» وعانوه من تقلبها، وقاسوه من ~~تصرفها، وأخبروا به من عجائبها، ويوردون كل فن من تلك الفنون على حسب ما ~~تقتضيه المحادثة، وتبتغيه المفاوضة، فأحفظ عنهم ذلك في الحال وأتمثل به ~~وأستفيده في أحوال. # فلما تطاولت السنون، ومات [أكثر أولئك] «4» المشيخة الذين كانوا مادة هذا ~~الفن، ولم يبق من نظرائهم إلا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، ~~مات بموته ما يرويه، ووجدت أخلاق ملوكنا [3 ب] ورؤسائنا لا تأتي من الفضل، ~~بمثل ما تحتوي عليه تلك الأخبار من النبل، فيستغنى بما يشاهد من نظيره، عن ~~حفظ ما سلف وتحبيره، بل هي مضادة لما تدل عليه تلك الحكايات من أخلاق ~~المتقدمين وضرائبهم، وطبائعهم ومذاهبهم، حتى إن من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ~~ذكر ما يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة، ورؤساء الوقت، خاصة ما ms002 كان ~~منه متعلقا بالكرم، ودالا على حسن الشيم، ومتضمنا ذكر وفور النعم، وكبر ~~الهمم، وسعة الأنفس، وغضارة الزمان «5» ، ومكارم الأخلاق، كذبوا به ودفعوه، ~~وحصلوه في أقسام الباطل واستبعدوه، ضعفا عن إتيان مثله، واستعظاما منهم ~~لصغير ما وصلوا إليه، بالإضافة إلى كبير # PageV01P008 # ما احتوى أولئك عليه، وقصورا عن [3 ط] أن تنتج خواطرهم أمثال تلك الفضائل ~~والخصال، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم والأفعال هذا مع أن في ~~زمانهم هذا من العلماء المحتسبين «1» في التعليم، [والحكماء] «2» والأدباء ~~المنتصبين للتأديب والتفهيم، وأهل الفضل والبراعة، في كل علم وأدب، وجد ~~وهزل وصناعة، من يتقدم بجودة الخاطر، وحسن الباطن والظاهر، وشدة الحذق فيما ~~يتعاطاه، والتبريز فيما يعانيه ويتولاه، كثيرا ممن تقدمه في الزمان، وسبقه ~~بالمولد في ذلك الأوان، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال، وقضاء ~~الحاجات دون المغارم والأثقال، فما يرفعون به رأسا، ولا ينظرون إليه الا ~~اختلاسا، لفساد هذا العصر، وتباعد حكمه من ذلك الدهر، وإن موجبات الطبائع ~~فيه متغيرة متنقلة، والسنن دارسة متبدلة، والرغبة في التعلم معدومة، والهمم ~~باطلة مفقودة، والاشتغال من العامة بالمعاش قاطع، ومن الرؤساء بلذاتهم ~~البهيمية مانع «3» ، فنحن حاصلون فيما روي من الخبر إن الزمان لا يزداد إلا ~~صعوبة، ولا الناس إلا شدة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وما أحسن ~~ما أنشدني أبو الطيب المتنبي لنفسه من قصيدة، في وصف صورتنا: # أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم «4» # PageV01P009 # واتفق أيضا، أنني حضرت المجالس بمدينة السلام، في سنة ستين وثلاثمائة، ~~بعد غيبتي عنها [4 ب] سنين، فوجدتها مختلة ممن كانت به عامرة، وبمذاكرة ~~آهلة ناظرة، ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ، وجرت المذاكرة، فوجدت ما ~~كان في حفظي من تلك الحكايات قديما قد قل، وما يجري من الأفواه في معناها ~~قد اختل، حتى صار من يحكي كثيرا مما سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده، ورأيت ~~كل حكاية مما أنسيته لو كان باقيا في حفظي لصلح لفن من المذاكرة، ونوع من ~~نشوار المحاضرة «1» فأثبت ما بقي ms003 على ما كنت أحفظه قديما، واعتقدت إثبات كل ~~ما أسمعه من هذا الجنس، وتلميعه بما يحث على قراءته من شعر لمتأخر من ~~المحدثين، أو مجيد من الكتاب والمتأدبين، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر، ~~أو رسالة أو كتاب بديع المعنى أو حسن النظم والنثر «2» ، ممن لم يكن في ~~الأيدي شعره ولا نثره، ولا تكرر نسخ ديوانه، ولا ترددت معاني إحسانه، وما ~~فيه من مثل طري، أو حكمة جديدة، أو نادرة حديثة، أو فائدة قريبة المولد، ~~ليعلم أن الزمان قد بقى من القرائح والألباب، في ضروب العلوم # PageV01P010 # والآداب، أكثر مما كان قديما أو مثله، ولكن تقبل أرباب تلك الدول [4 ط] ~~للأدب أظهره ونشره «1» ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره وستره، ولهذه ~~الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول، وردت أخبار هؤلاء الملوك، وخلت ~~التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت، لأن ذوي الفضل لا يفنون أعمارهم ~~بتشييد مفاخر غيرهم، وإنفاق نتائج خواطرهم، مع بعدهم عن الفائدة، وخلوهم من ~~العائدة، وأكثر الملوك وذوي الأحوال، والرؤساء وأرباب الأموال، لا يجودون ~~عليهم فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب، وحوك الرسائل والكتب التي تبقى ~~فيها المآثر، ما أقام الدهر الغابر، فقد بخل هؤلاء، وغفل هؤلاء، ورضي كل ~~واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده، والنقص فيما يعتمده، وإلا فقد خرج في ~~أعمارنا وما قاربها من السنين، من مكنون أسرار العلم، وظهر من دقيق الخواطر ~~والفهم، ما لعله كان معتاصا «2» على الماضين، وممتنعا على كثير من ~~المتقدمين، وجرت في هذه المدة من الحوادث الكبار، والوقائع العظام ~~[والانقلابات العجيبة] «3» ، والاتفاقات الغريبة، والحيل الدقيقة، والأمور ~~المحكمة الوثيقة، التي لا يوجد مثلها سالفا. في أضعاف هذه السنين مضاعفا، ~~ما لو قيد بتأليف الكتب، وحفظ بتصنيف الأشعار فيه والخطب، أو خلد على شرحه ~~في تواريخ السنين والحقب، لأوفى على ما سلف، وتقدم في علو الرتب. # وقد أثبت من هذا أيضا طرفا طفيفا، ونبذا موجزا [5 ب] خفيفا، لئلا تخرج ~~هذه الأخبار عن سبيلها، ولا تخلو مع ذلك ms004 من فنون لا توجد # PageV01P011 # إلا فيها، وليستفيد منها العاقل اللبيب، والفطن الأريب، إذا طرقت سمعه، ~~وخالطت فهمه، من آداب النفس، ولطافة الذهن والحس، ما يغنيه عن مباشرة ~~الأحوال، وتلقي مثله من أفواه الرجال، ويحثه على العلم «1» بالمعاش ~~والمعاد، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد، وما تفضي إليه أواخر الأمور، ~~ويساس به كافة الجمهور، ويجنبه من المكاره حتى لا يتوغل في أمثالها، ولا ~~يتورط بنظائرها وأشكالها، ولا يحتاج معها إلى إنفاد «2» عمره في التجارب، ~~وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب. # فأوردت ما كتبته مما كان في حفظي سالفا، مختلطا بما سمعته آنفا، من غير ~~أن أجعله أبوابا مبوبة، ولا أصنفه أنواعا مرتبة، لأن فيها أخبارا تصلح أن ~~يذاكر بكل واحد منها في عدة معاني «3» وأكثرها ما لو شغلت نفسي فيه، بالنظم ~~والتأليف، والتصنيف والترتيب، لبرد واستثقل، وكان إذا وقف قارئه على خبر من ~~أول كل باب فيه، علم أن مثله باقيه، فقل لقراءة جميعه ارتياحه ونشاطه، وضاق ~~فيه توسعه وانبساطه، ولكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار، ~~والرسائل والأمثال، والفصول التي إن رتبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدم ~~من أشباهها، وتردد في الكتب من أمثالها، فينتقض ما شرطناه، ويبطل [5 ط] ما ~~ذكرناه، من أن هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه «4» ، وأنا إنما تلقطتها ~~من الأفواه دون الأوراق، ويخرج بذلك عن القصد والمراد، والغرض # PageV01P012 # المطلوب في الاستقامة والسداد، إذ ليست الفائدة فيها التنويع، ولا المغزى ~~التأليف، بل لعل كثيرا مما فيها لا نظير له ولا شكل، وهو وحده جنس وأصل، ~~واختلاطها أطيب في الآذان وأدخل، وأخف على القلوب والأذهان وأوصل. # وعلى أني وإن كنت أتجنب بجهدي أن أثبت فيها شيئا قد كتب قبلي، أو تنبه ~~على الفائدة في إثباته سواي، إلا الشعر فإنه غير داخل في هذا الأمر، فإني ~~في الأول ربما كتبت شيئا أعلم أنه موجود في الدفاتر عقيب شيء يوجبه ويدعو ~~إليه، ولأجل فائدة تحببه وتحض عليه «1» ، واعتمادا لترصيع هذه الأخبار، بما ~~يحببها إلى ms005 أكثر طلاب الآثار، وقد جعلت كل واحد من أجزائها، وهو مائة ورقة، ~~واحدة «2» قائما بنفسه، مستغنيا عن الباقي من جنسه، لا يخل بفائدة لقارئه ~~دون غيره [6 ب] ، ولا يضطره إلى سواه مع حضوره، وإن كان في غيره ضروب أخر ~~من الفوائد لا تعلم إلا منه، وصدرت كل جزء برسالة تدل على جنس الأخبار ~~الموردة في جميع الأجزاء، والغرض منها، والسبب الباعث على جمعها، مختصرة ~~لهذا الشرح الطويل، وموجزة في جملة هذا الكلام الكثير، وأوردت في كل خبر ما ~~اتفق إيراده مختلطا بما ربما كان في الأجزاء الأخر ما هو في معناه داخل، ~~ومن نوعه وفنه حاصل، ومما ليس فيها أخ له على حسب ما سنح وتيسر، واتفق ولم ~~يتعذر. # وأرجو أن لا يبور ما جمعته، ولا يضيع ما تعبت فيه وكتبته، وأثبته # PageV01P013 # من ذلك وصنعته، فلو لم يكن فيه، إلا أنه خير من أن يكون موضعه بياضا، ~~لكانت فائدة إن شاء الله تعالى. # وإياه أسأل التوفيق في المقال، والتسديد في جميع الأفعال، والعصمة من ~~الزلل، والحفظ من الخطإ والوهل «1» ، إنه بذلك ولي، وبالمرجو فيه منه ملي، ~~وهو حسبي، وإليه في كل أمر مرجعي، وعليه توكلي، ولا حول لي ولا قوة إلا به، ~~إنه نعم المولى والوكيل. # PageV01P014 ### || 1 لماذا لا يكذبون على الوزير أعزه الله # حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف، المعروف بابن المنجم النديم، ~~وهو أحد بني يحيى بن أبي منصور المنجم «1» ، صاحب المأمون، ومحل أهله وسلفه ~~وبيته في منادمة الخلفاء والوزراء والأمراء مشهور، وموضعهم من الكلام ~~والنجوم والعلم والأدب وقول الشعر وتصنيف الكتب في أنواع ذلك معروف، ~~ومكانهم من المنزلة في خدمة السلطان وعظم النعمة والحال متعالم، ومحل أبي ~~العباس في نفسه أشهر من أن يجهل في العلم والأدب وقول الشعر والمعرفة ~~بالجدل والفقه، وغير ذلك مما يقوم به، وقد نادم أبا محمد المهلبي «2» رحمه ~~الله، واختص به ونفق عليه [6 ط] سنين كثيرة، ومن بعده من الوزراء، وغيرهم ~~من الرؤساء، وهو أحد بقايا [رجال] ms006 «3» أهل بيته، قال: # PageV01P015 # كنت بحضرة أبي مخلد عبد الله بن يحيى الطبري صاحب معز الدولة «1» فجرى ~~ذكر الكرم والكرام، والجود والأجواد، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من ~~الأفضال على الناس، فأخذ أبو مخلد يدفع هذا ويبطله، حتى قال: # هذه حيل نصبها الشحاذون على دراهم الناس، لا أصل لها. # فقلت له: أيها الشيخ إن قلت ذلك، فقد قال صاعد «2» مثله، فأجيب. # فقال: ما قال؟ # فقلت له: حكي له جود البرامكة، فقال: هذا من موضوعات الوراقين وكذبهم، ~~وكان أبو العيناء «3» حاضرا، فقال له: فلم لا يكذب على الوزير أعزه الله ~~[مثل هذا] «4» وهو [حي] «5» يرجى ويخاف، وأولئك موتى مأيوس من خيرهم وشرهم ~~مثل هذا الكذب؟ # قال: فخجل أبو مخلد. # PageV01P016 ### || 2 الوزير ابن الزيات يذكر البرامكة وهو في التنور # وفي معنى هذا [7 ب] ما أذكره، وإن كان موجودا في الكتب، ولكنه على سبيل ~~الاستعادة، وهو حسن. # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد الأزدي، قال: بلغني أن ابن الزيات «1» لما ~~حصل «2» في التنور قال له بعض خدمه: لهذا وشبهه كنا نشير عليك بفعل ~~الإحسان، وتقليد رقاب الرجال بالامتنان، واتخاذ الصنائع في حال القدرة ~~لتجازى بها الآن عند الحاجة. # فقال: لو كنت فعلت هذا، ما حصلت منه على طائل، لما في نفوس الناس من ضعف ~~الإخاء، وكثرة الغدر، وقلة الوفاء، وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال ~~البرامكة؟ ما نفعهم لما حصلوا في مثل حالي من إسلام الزمان وجور السلطان؟ # فقال له الخادم: لو لم ينفعهم إلا ذكرك لهم في مثل هذه الحال التي أنت ~~فيها لكان ذلك أكبر نفع. # PageV01P017 ### || 3 أبو الشبل يقارن في الكرم بين البرامكة وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان # وحدثني أبو الفرج علي بن الحسين [بن محمد المعروف] «1» بالأصبهاني الكاتب ~~«2» ، قال: حدثني الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني أبو ~~الشبل عاصم بن وهب البرجمي، قال: # حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان «3» ، وكان إلي محسنا، وعلي مفضلا، ~~فجرى ذكر البرامكة «4» ، ووصف الناس لهم بالجود، وما ms007 قالوا # PageV01P018 # في كرمهم وجوائزهم، فأكثروا. # فقمت في وسط المجلس، وقلت: أيها الوزير، قد حكمت في هذا الخطب حكما نظمته ~~في بيتي شعر، لا يقدر أحد أن يرده علي، وإنما جعلته شعرا ليبقى ويدور، ~~أفيأذن الوزير في إنشادهما؟ # فقال: قل، فرب صواب قلت «1» ، فقلت: # رأيت عبيد الله أندى أناملا ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد «2» # ورواه لنا مرة أخرى فقال فيه: # [رأيت عبيد الله] «3» أفضل سؤددا ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد «4» # أولئك جادوا والزمان مساعد ... وقد جاد ذا والدهر غير مساعد «5» # PageV01P019 ### || 4 الحسن المنجم عامل معز الدولة على الأهواز وحبه للعمارة # حضرت مجلس الحسن بن علي بن زيد المنجم، غلام أبي نافع، وهو إذ ذاك عامل ~~معز الدولة رحمه الله على الأهواز وقطعة من كورها، ومحله عنده كمحل [7 ط] ~~وزرائه، وكان قد خدم أبي رحمه الله قديما، بعد مفارقته خدمة القاسم بن ~~دينار عامل الأهواز «1» ، وتوكل له في داره وضيعته، وخلفه على العيار في ~~دار الضرب بسوق الأهواز، ثم خلطه بخدمة أبي عبد الله البريدي «2» ، فعلت ~~منزلته «3» ، ثم بلغت به الحال ما ذكرته، فكنت # PageV01P020 # إذا جئته، وهو إذ ذاك على غاية الجلالة، وأنا في حد الأحداث، اختصني. # وكان يعجبه أن يقرظ في وجههه، فأفاض قوم في مدحه، وذكر عمارته للوقوف، ~~والسقايات، وإدراره الماء في ذنابة المسرقان «1» وتفريقه مال الصدقات على ~~أهلها، وذنبت معهم في ذلك. # فقال لي هو: يا بني، أرباب هذه الدولة إذا حدثوا عني بهذا وشبهه، قالوا: ~~المنجم إنما يفعل هذا رياء، وما أفعله إلا لله تعالى، وإن كان رياء فهو حسن ~~أيضا، فلم لا يراؤون هم [8 ب] بمثل هذا الرياء؟ ولكن الطباع خست «2» ، حتى ~~في الحسد أيضا، كان الناس قديما إذا حسدوا رجلا على يساره، حرصوا على كسب ~~المال حتى يصيروا مثله، وإذا حسدوه على علمه، تعلموا حتى يضاهوه، وإذا ~~حسدوه على جوده، بذلوا حتى يقال إنهم أكرم منه، وإذا ... وعدد أشياء كثيرة، ~~فالآن لما ضعفت الطبائع، وصغرت النفوس، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من ~~حسدوه، في ms008 المعنى الذي حسدوه عليه، عدلوا إلى تنقص المبرز، فإن كان فقيرا ~~شنعوا «3» على فقره، وإن كان عالما خطأوه، وإن كان جوادا قالوا هذا متاجر ~~بجوده وبخلوه، وإن كان فعالا للخير، قالوا هذا مراء. # PageV01P021 ### || 5 الوزير حامد بن العباس يرى قشر باقلاء في دهليز داره # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي [رحمه الله] «1» ، ~~قال: # كان حامد بن العباس «2» من أوسع من رأيناه نفسا، وأحسنهم مروءة، وأكثرهم ~~نعمة، وأشدهم سخاء، وتفقدا لمروءته. # وكان ينصب في داره كل يوم عدة موائد، ولا يخرج من الدار أحد من الجلة ~~والعامة والحاشية وغيرهم إذا حضر الطعام، أو يأكل، حتى غلمان الناس، فربما ~~نصب في داره في يوم واحد أربعين مائدة. # وكان يجري على كل من يجرى عليه الخبز لحما، وكانت جراياته كلها الحوارى ~~«3» . # فدخل يوما إلى دهليز داره «4» ، فرأى فيها قشر باقلاة، فأحضر وكيله، ~~وقال: ويلك يؤكل في داري الباقلا «5» ؟ # PageV01P022 # قال: هذا من فعل البوابين. # قال: أو ليست لهم جرايات لحم؟ # قال: بلى. # قال: فسلهم عن السبب، فسألهم، فقالوا: لا نتهنأ بأكل اللحم دون عيالنا، ~~فنحن ننفذه إليهم لنأكله معهم ليلا، ونجوع بالغدوات فنأكل الباقلا، فأمر ~~حامد أن يجرى عليهم جراية لعيالاتهم، تحمل إلى منازلهم، وأن يأكلوا ~~جراياتهم في الدهليز، ففعل ذلك. # فلما كان بعد أيام، رأى قشر باقلاة في الدهليز أيضا، فاستشاط، وكان ~~حديدا، سفيه اللسان، فشتم وكيله، وقال: ألم أضعف الجرايات، فلم في دهليزي ~~قشور الباقلا؟ # فقال: إن الجرايات لما تضاعفت [8 ط] ، جعلوا الأولة «1» لعيالاتهم في كل ~~يوم، وصاروا يجمعون الثانية عند القصاب، فإذا خرجوا من النوبة ومضوا نهارا ~~إلى منازلهم، في نوبة «2» استراجاتهم فيها، أخذوا ذلك مجتمعا من القصاب ~~فتوسعوا به. # فقال: فلتكن الجرايات بحالها، ولتتخذ «3» مائدة في كل يوم، تنصب غدوة قبل ~~نصب موائدنا، يطعم عليها هؤلاء، ووالله، لئن وجدت بعدها في دهليزي قشر ~~باقلاة، لأضربنك وجميعهم بالمقارع. # ففعل ذلك، وكان ما زاد من نفقة الأموال، أمرا عظيما. # PageV01P023 ### || 6 الوزير حامد بن العباس يخبىء أربعمائة ألف دينار ms009 في بئر مستراح # حدثني القاضي أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث «1» [9 ب] ابن عياش ~~«2» الجوهري البغدادي، وأبو الحسن بن المأمون الهاشمي: # أنه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها، في بئر لمستراح له، أربعمائة ألف ~~دينار عينا، دل عليها لما اشتدت به المطالبة. # وأخبرني غيرهما: أن حامدا كان عمل حجرة، وجعل فيها مستراحا، وكان يتقدم ~~إلى وكيله أن يبتاع له الدنانير، ويجيء بها، فكلما حصل له كيس، أخذه تحت ~~ثيابه، وقام كأنه يبول، فدخل ذلك المستراح، فألقى الكيس في البئر، وخرج من ~~غير أن يصب فيها ماء ولا يبول، ويوهم الفراش أنه فعل ذلك، فإذا خرج أقفل ~~المستراح، ولم يدخله غيره، على رسم مستراحات السراة التي يختصونها، وإذا ~~أراد الدخول، فتحه له الخادم الموسوم بالوضوء، وذلك الخادم أيضا لا يعلم ~~السر في ذلك، فلما تكامل ذلك المال، قال: هذا المستراح ضيق البناء، قبيح، ~~فسدوه لأغيره، فسد البئر، وعطل المستراح، فحصل «3» ذلك المال مصونا في ~~الموضع، لا يعرف خبره غيره. # فلما اشتدت به المطالبة، دل عليه، فأخرج وما ذهب منه شيء، ولا عرف خبره ~~إلا من جهته. # PageV01P024 ### || 7 مصادرة التاجر ابن الجصاص في زمن المقتدر زادت على ستة ملايين دينار # وحدثني أبو الحسين بن عياش: أنه سمع جماعة من ثقات الكتاب يقولون: إنهم ~~حصلوا ما ارتفعت به مصادرة أبي عبد الله بن الجصاص «1» في أيام المقتدر، ~~فكانت ستة آلاف ألف دينار، سوى ما قبض من داره، وبعد الذي بقي له من ظاهره. # PageV01P025 ### || 8 ابن الجصاص التاجر يبقى له من بعد المصادرة مليون دينار # سمعت الأمير أبا محمد، جعفر بن ورقاء، بن محمد بن ورقاء الشيباني «1» ، ~~يحدث في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، قال: # اجتزت بابن الجصاص، بعد إطلاقه إلى داره من المصادرة بأيام، وكانت بيننا ~~مودة ومصاهرة، فرأيته على روشن داره، على دجلة، في وقت حار، من يوم شديد ~~الحر، وهو حاف حاسر، يعدو من أول الروسن إلى آخره، [كالمجنون] «2» . # فطرحت طياري «3» إليه، وصعدت بغير إذن، فلما رآني استحيا، ms010 وعدا إلى مجلس ~~له. # فقلت له: ويحك ما لك، ما الذي قد أصابك؟. # PageV01P026 # فدعا بطست وماء، فغسل وجهه ورجليه، ووقع ساعة كالمغشي عليه، ثم قال: أولا ~~يحق لي أن يذهب عقلي، وقد خرج من يدي كذا، وأخذ مني كذا، وجعل يعدد أمرا ~~عظيما مما خرج منه، فمتى أطمع في خلفه، ولم لا يذهب عقلي أسفا عليه؟ [9 ط] ~~فقلت له: يا هذا إن نهايات الأموال غير مدركة، وإنما يجب أن تعلم أن النفوس ~~لا عوض لها، والعقول والأديان، فما سلم لك ذلك، فالفضل معك، وإنما يقلق هذا ~~القلق، من يخاف الفقر، والحاجة إلى الناس، أو فقد العادة في مأكول ومشروب ~~وملبوس، وما جرى مجرى ذلك، أو النقصان في جاه، فاصبر، حتى أواقفك «1» أنه ~~ليس ببغداد اليوم، بعد ما خرج منك، أيسر منك من أصحاب [10 ب] الطيالس. # فقال: هات. # فقلت: أليس دارك هذه، هي التي كانت قبل مصادرتك، ولك فيها من الفرش ~~والأثاث ما فيه جمال لك، وإن لم تكن في ذلك الكبر المفرط؟ # فقال: بلى فقلت: وقد بقي لك عقارك بالكرخ، وقيمته خمسون ألف دينار. # فقال: بلى. # [فقلت: ودار الحرير وقيمتها عشرة آلاف دينار. # قال: بلى] «2» . # فقلت: وعقارك بباب الطاق، وقيمته ثلاثون ألف دينار. # PageV01P027 # فقال: بلى. # فقلت: وبستانك الفلاني، وضيعتك الفلانية، وقيمتهما كذا وكذا. # فقال: بلى. # فقلت: وما لك بالبصرة وقيمته مائة ألف دينار. # فقال: بلى. # فجعلت أعدد عليه، من عقاراته، وضياعه، إلى أن بلغت القيمة سبعمائة ألف ~~دينار. # فقلت: وأصدقني عما سلم لك من الجوهر والأثاث والقماش والطيب والجواري ~~والعبيد والدواب، وعن قيمة ذلك، وقيمة دارك؟ # فأخذ يصدقني، ويقوم، وأحصي، إلى أن بلغت القيمة لذلك، ثلاثمائة ألف ~~دينار. # فقلت له: يا هذا، من ببغداد اليوم من يحتوي ملكه على ألف ألف دينار؟ ~~وجاهك عند الناس الجاه الأول، وهم يظنون أن الذي بقي لك ضعف هذا «1» ، فلم ~~تغتم؟ # قال: فسجد لله، وحمده، وبكى، ثم قال: والله، لقد غلب الفكر علي حتى نسيت ~~جميع هذا أنه لي، وقل في عيني، ms011 لإضافتي إياه إلى ما أخذ مني، ولو لم تجئني ~~الساعة، لزاد الفكر علي حتى يبطل عقلي، ولكن الله تعالى أنقذني بك، وما ~~عزاني أحد، بأنفع من تعزيتك، وما أكلت منذ ثلاث شيئا، فأحب أن تقيم عندي، ~~لنأكل ونتحدث ونتفرج. # فقلت: أفعل، فأقمت يومي عنده وأكلنا، وتحدثنا بقية يومنا. # PageV01P028 ### || 9 حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد الله بن الجصاص # وكنت أنا، اجتمعت ببغداد، في سنة [نيف و] «1» خمسين وثلاثمائة، مع أبي ~~علي بن أبي عبد الله بن الجصاص «2» ، فرأيت شيخا طيبا، حسن المحاضرة، ~~فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف إمام قد قرأ غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين # ، فقال: إي لعمري، بدلا من آمين «3» . # ومثل قوله للخاقاني الوزير: أسهرني البارحة صوت كلاب في الحارة «4» على ~~بابي، كل كلب مثلي ومثل الوزير. # وقوله له، وأراد تقبيل رأسه، فقال: إن فيه دهنا فلا تفعل، فقال: # لو كان في رأس الوزير خرا لقبلته «5» . # ومثل قوله: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت اتلحظ المقعدة حتى ~~وقعت [10 ط] عليها «6» . # PageV01P029 # ومثل قوله وقد وصف مصحفا بالعتق، فقال: هو كسروي «1» ، وأمثال هذا على ~~كثرته عنه، وتواتر الرواية له. # فقال لي: أما أمر المقعدة، وإي لعمري، وما كان من هذا الجنس، فكذب، وما ~~كانت فيه سلامة «2» تخرجه [11 ب] إلى هذا، وما كان إلا من أدهى الناس ~~وأخبثهم «3» ، ولكنه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا مما حكي عنه، بسلاسة طبع ~~«4» كانت فيه، ولأنه كان يحب أن يصور نفسه عندهم بصورة الأبله، ليأمنه ~~الوزراء، لكثرة خلواته بالخلفاء، فيسلم عليهم، وأنا أحدثك عنه بحديث حدثنا ~~به، لتعلم معه إنه كان في غاية الحزم، وإن فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي ~~عنه. # فقلت: أحب أن تفعل. # قال: حدثنا أبي قال: إن أبا الحسن بن الفرات «5» ، لما ولي بعض # PageV01P030 # وزاراته قصدني قصدا قبيحا، لشيء كان في نفسه علي، فأنفذ العمال إلى ~~ضياعي، وأمر بنقض معاملاتي، وبسط لسانه بثلبي وتنقصي في مجالسه، وأدام الغض ~~مني إذا دخلت ms012 إليه. # فوسطت بيني وبينه جماعة، وبذلت له أشياء توجب صلاح ما بيننا، فما نجعت، ~~وأقام على قصدي، وأنا محتمل، طامع في رجوعه «1» . # فدخلت يوما داره، فسمعت حاجبه يقول وقد وليت عنه: أي بيت مال يمشي على ~~وجه الأرض؟ ألفا ألف دينار تمشي وليس لها من يأخذها؟ # فعلمت أن هذا من كلام صاحبه، وأني منكوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة ~~آلاف ألف دينار، عينا وجوهرا، سوى غيرهما مما يحتوي عليه ملكي. # فضاقت علي الدنيا، وسهرت ليلتي بأسرها أفكر في أمري معه، فوقع لي الرأي ~~في الثلث الأخير، فركبت في الحال إلى داره، فوجدت الأبواب مغلقة، فطرقتها. # فقال البوابون: من هذا؟ # فقلت: ابن الجصاص. # فقالوا: ليس هذا وقت وصول، والوزير نائم. # فقلت: عرفوا الحجاب أني حضرت لمهم، فعرفوهم، فخرج إلي أحدهم، فقال: إنه ~~إلى ساعة ينتبه، فتجلس وتنتظر. # فقلت: الأمر أهم من ذلك، فأنبهه وعرفه عني هذا. # PageV01P031 # فدخل، فأبطأ ساعة، ثم خرج، فأدخلني من دار إلى أخرى، حتى انتهيت إلى ~~مرقده، وهو على سرير وحواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له، كأنهم حفظة، وقد ~~قاموا، وبعض الفرش تنقل، وهو جالس في فراشه، مرتاعا، قد ظن أن حادثة حدثت، ~~أو أني جئته برسالة الخليفة، وهو متوقع لما أورده. # فرفعني، وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ # فقلت: خير، ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، وما جئت إلا في أمر يخص الوزير ~~ويخصني، لم تصلح مفاوضته فيه إلا على خلوة شديدة. # فسكن، ثم قال لمن حوله: انصرفوا، فمضوا. # وقال: هات. # فقلت: أيها الوزير إنك قد قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي، وإزالة ~~نعمتي، وفي إزالتها خروج نفسي، وليس من النعمة والنفس عوض، ولعمري اني قد ~~أسأت في خدمتك، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ [12 ب] عندي، وقد جهدت في ~~استصلاحك بكل ما قدرت عليه، ووسطت [11 ط] بيني وبينك فلانا، وبذلت كذا، ~~وقلت «1» كذا، فأبيت إلا الإقامة على أذاي، وليس شيء أضعف من السنور، وإذا ~~عاثت في دكان بقال، فظفر بها، ms013 ولزها إلى الزاوية ليخنقها، وثبت عليه، فخدشت ~~وجهه وبدنه، ومزقت ثيابه، وطلبت الحياة بكل ما يمكنها، وقد وجدت نفسي معك ~~في مثل هذه الصورة، ولست أضعف بطشا من السنور، وقد جعلت هذا الكلام عذرا ~~بيننا، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح، وإلا فعلي وعلي، وحلفت له بأيمان ~~غليظة، لأقصدن الخليفة الساعة، # PageV01P032 # ولأحولن إليه من خزانتي ألفي ألف دينار عينا وورقا «1» ، ولا أصبح إلا ~~وهي عنده، وأنت تعلم قدرتي عليها، وأقول له: خذ هذا المال، وسلم ابن الفرات ~~إلى فلان، واستوزره، وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده، ~~ممن له وجه مقبول، ولسان عذب، وخط حسن، [ومخرقة حادة] «2» ، ولا أعتمد إلا ~~بعض كتابك، فإنه لا يفرق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضرا، فيسلمك في الحال ~~لهم، ويراني المتقلد بعين من أخذه وهو صغير، فجعله وزيرا، وغرم عنه هذا ~~المال الكثير، ويعتقد أني ربه، وولي نعمته، فيخدمني، ويتدبر بتدبيري، في ~~جميع أمره، فأسلمك إليه، فيفرغ عليك العذاب، حتى يأخذ منك الألفي ألف دينار ~~بأسرها، وأنت تعلم أن حالك تفي بها، ولكنك تفتقر بعدها، ويرجع إلي المال، ~~ولا يذهب علي منه دانق، وأكون قد أهلكت عدوي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، ~~وصنت نعمتي، وازداد محلي عظما بصرف وزير، وتقليد وزير. # فلما سمع هذا أسقط في يده «3» ، وقال: يا عدو الله أو تستحل هذا؟ # فقلت: لست عدو الله، بل عدو الله من استحل مني ما أحوجني إلى الفكر في ~~مثل هذا، ولم لا أستحل مكروه من يريد هلاكي وزوال نعمتي؟ # فقال: أو أيش؟. # قلت: أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلظة، أنك تكون لي ~~لا علي، في صغير أمري وكبيره، ولا تنقض لي رسما، ولا تغير # PageV01P033 # معاملة، ولا تضع مني، وتزيد في رفعتي، وذكري بالجميل، ولا تبغي لي ~~الغوائل، ولا تدسس علي المكاره، ولا تشرع لي في سوء ولا نكبة أبدا، ظاهرا ~~ولا باطنا، وتفعل ... وتفعل ... ، فاشترطت عليه الأمن من كل ما كنت أخافه ~~منه. # فقال: وتحلف أنت ms014 أيضا بمثل هذه اليمين على جميل النية، وحسن الطاعة، ~~والمؤازرة. # فقلت: أفعل. # فقال: لعنك الله فما أنت إلا إبليس، سحرتني والله. # واستدعى دواة، وعملنا [13 ب] نسخة اليمين، فأحلفته بها أولا، ثم حلفت له. # فلما أردت القيام، قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي وخففت ثقلا ~~عني، فو الله ما كان المقتدر «1» يفرق بيني مع كفايتي وغنائي وموقعي، وبين ~~أخس كتابي- كما ذكرت- مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطويا. # فقلت: سبحان الله. # PageV01P034 # فقال: وإذا كان غدا، فصر إلى المجلس [العامي] «1» لترى ما أعاملك به. # فنهضت، فقال: يا غلمان، بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يدي مائتا ~~غلام، فعدت إلى داري وما طلع الفجر، فاسترحت [12 ط] . # وجئته في وقت المجلس، فرفعني فوق جميع من كان بحضرته، وقرظني التقريظ ~~التام، وعاملني بما علم منه الحاضرون، رجوعه لي، وأمر بإنشاء الكتب إلى ~~عمال النواحي، بإعزاز وكلائي، وصيانة أسبابي وضياعي وتقدم إلى كتاب ~~الدواوين بإخراج كل ما كانوا أدخلوه إليها من تغيير رسومي، والزيادة علي، ~~وأن أجرى على الرسوم القديمة. # فشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه، فخرج الحجاب يجرون سيوفهم بين ~~يدي، والناس يشاهدون ذلك، ويعجبون منه، وقد رجع جاهي، ولم يعلم أحد سبب ~~صلاح ما بيننا، فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. # ثم قال لي أبو علي ابنه: فهل كان هذا فعل ورأي من يليق به ما حكي من تلك ~~الحكايات عنه؟ # فقلت لا. # PageV01P035 ### || 10 حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد الله بن الجصاص # حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بكر بن داسة، قال: حدثني بعض شيوخنا ~~قال: # كنا بحضرة أبي عمر القاضي «1» ، فجرى ذكر ابن الجصاص وغفلته، فقال أبو ~~عمر: معاذ الله ما هو كذلك، ولقد كنت عنده منذ أيام مسلما، وفي صحنه سرادق ~~«2» مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فصاح: ~~يا غلام جئني بمن مشت خلف السرادق الساعة، فأخرجت إليه جارية سوداء. # فقال: ما كنت تعملين هاهنا؟ ms015 # قالت: جئت إلى الخادم أعرفه أني قد فرغت من الطبيخ، وأستأذن في تقديمه. ~~فقال: انصرفي لشأنك. # فعلمت أنه أراد أن يعرفني أن ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة، وأنها ليست من ~~حرمه ولا ممن يصونه، فيزيل عني أن أظن به مثل ذلك في حرمه، فكيف يكون هذا ~~مغفلا؟ # PageV01P036 ### || 11 مروءة التاجر ابن الجصاص واتساع حاله # حدثني أبو العباس هبة الله بن المنجم، أن جده حدثه: # أنه لما قبض المقتدر على ابن الجصاص، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ~~ويحمله. # فقال لي الذي كتب الإحصاء: إنا وجدنا له في جملة قماشه سبعمائة مزملة «1» ~~خيازر «2» ، فما ظنك بمروءة وقماش يكون هذا في جملته؟ # PageV01P037 ### || 12 ثلاثون جاما في تركة يأنس الموفقي ثمنها ثلاثة ملايين دينار # كنت بحضرة الوزير أبي محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي «1» رحمه الله ~~ببغداد وقد دخل إليه أبو إسحق القراريطي «2» بعد وروده [14 ب] من مصر، وأبو ~~القاسم الجهني «3» حاضر. # PageV01P038 # فقال له: يا سيدي تسل أبا إسحق عن الحكاية التي كنت حكيتها لك في أمر ~~الجامات البجاذي «1» ؟ فإني كنت ذكرت لك أنه كان حاضرا لأمرها [وما علمت ~~أنه قدم من مصر فأواطئه] «2» . # فقال له أبو محمد: ما بك إلى هذا حاجة. # فقال: بلى يا سيدي، ثم التفت إلى القراريطي، فقال: إني حكيت لسيدنا ~~الوزير أن المقتدر أنفذني أيام تقلدي له المواريث لقبض تركة فلان، فذكر ~~أميرا جليلا، قد أنسيت اسمه على الحقيقة، وأظنه قال: يأنس «3» الموفقي، ~~وأنفذك مستظهرا بك لتحصي التركة، وإنها كانت هائلة عظيمة، وإنا وجدنا فيها ~~ثلاثين جامة بجاذي، كل جامة فتحها شبر وكسر، في غلف من لب الخيازر، مبطنة ~~بالحرير والديباج، مضربة بالنبات، محلاة بالذهب، فأثبتناها، وحملناها إلى ~~المقتدر، فهاله حسنها، وأحضر ابن الجصاص، وأمره بتقويمها، فقال: ما أعرف ~~لها قيمة، ولا رأيت مثلها قط، ولولا أني شاهدتها [13 ط] ، لكذبت بوجود ~~مثلها، ولو قلت إن قيمة كل واحدة مائة «4» ألف دينار، ما خشيت البعد. # وإني لما حدثت سيدنا الوزير أيده الله، بهذا الحديث، كذبني ms016 # PageV01P039 # جماعة من ندمائه، وكنت أنت يا سيدي بمصر، فإن رأيت أن تقيم الآن لي ~~الشهادة. # فقال القراريطي: قد صدق- أيد الله الوزير- أبو القاسم، أنا رأيت هذه ~~الجامات، وقبضتها للمقتدر من هذه التركة وسمعت ابن الجصاص يقول هذا، وقد ~~نسي أبو القاسم شيئا جرى «1» لم يذكره. # فقال أبو محمد: ما هو؟ # فقال: سألنا خازن الرجل عن هذه الجامات وسببها، فقال: لا أعلم من أين ~~وصلت إليه، ولكن كان عنده منها، ثمانون جامة، فأهدى إلى جماعة من الملوك ~~منها وبقي هذه البقية. # فاستطرف أبو محمد المهلبي الحكاية واستحسنها. # PageV01P040 ### || 13 مروءة الوزير حامد بن العباس ومكارم أخلاقه # حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف بن يحيى بن علي بن يحيى ابن ~~أبي منصور المنجم، قال: حدثني جدي، قال: # وقفت امرأة لحامد بن العباس على الطريق، فشكت إليه الفقر، وطلبت منه ~~البر، ورفعت إليه قصة «1» كانت معها، فلما جلس، وقع لها بمائتي دينار. # فأنكر الجهبذ «2» دفع هذا القدر إلى مثلها، فراجعه. فقال حامد: # والله ما كان في نفسي أن أهب لها إلا مائتي درهم، ولكن الله أجرى لها على ~~يدي مائتي دينار، فلا أرجع في ذلك، أعطها، فدفع إليها. # فلما كان بعد أيام رفع إليه رجل قصة يذكر فيها: إن امرأتي وإياي كنا ~~فقيرين، فرفعت امرأتي قصة إلى الوزير، فوهب لها مائتي دينار، فاستطالت بها ~~علي، وتريد الآن إعناتي لأطلقها، فإن رأى الوزير أن يوقع لي إلى من يكفها ~~عني، فعل. # قال: فضحك حامد، ووقع له بمائتي دينار، وقال: أعطوه [15 ب] إياها، وقولوا ~~له: قد صار الآن مالك مثل مالها، فهي لا تطالبك بالطلاق. # فقبضها الرجل وانصرف غنيا. # PageV01P041 ### || 14 الوزير علي بن عيسى وصاحب ديوان السواد # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول «1» الأنباري ~~التنوخي المعروف والده بأبي بكر الأزرق، قال: # كان أبو عيسى أخو أبي صخرة «2» جارنا ببغداد، وكان عظيم الحال، كثير ~~المال، تام الجاه، شيخا من شيوخ الكتاب، قد تقلد كبار الأعمال، وخلف ~~إسماعيل بن ms017 بلبل «3» قديما على الوزارة، فلما ولي محمد بن عبيد الله ~~الخاقاني «4» [الوزارة] «5» قلده ديوان السواد، فلما صرف بأبي الحسن علي # PageV01P042 # ابن عيسى» # وورد أبو الحسن من اليمن والشام، لما كان نفي إليه عقيب قصة ابن المعتز، ~~وتقلد الوزارة، لم يره أهلا لديوان السواد، ولأن صنعته لم تكن بالتامة التي ~~تفي بهذا الديوان، ولم يمكنه صرفه لمكانة كانت له في الدار «2» ، فكان ~~يقصده بالغض في المجالس، ولا يرفعه الرفعة التي يستحقها صاحب ديوان السواد، ~~[وإذا أراد عملا من الديوان أو خراجا أو حسابا وقع إلى كتاب الديوان، ~~واستدعاهم، وخاطبهم وهو حاضر، لا يكلمه في ذلك، فيغض منه بهذا، الغض ~~الشديد] «3» ، فإذا أراد عملا يعلم أن صناعة أبي عيسى لا تفي به وأنه لا ~~يمكنه الكلام عليه، خاطبه فيه على رؤوس الأشهاد، ليبين نقصه ويفتضح،، وإذا ~~أراد مهما أحضر كتاب الديوان فخاطبهم فيه، ليكون ذلك نهاية الغض منه. # فلما طال ذلك على أبي عيسى، جلس عنده يوما حتى لم يبق في مجلسه غيره [14 ~~ط] ، وغير إبراهيم بن عيسى أخي الوزير «4» . # فقال له علي بن عيسى: هل من خاجة؟ # فقال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير. # PageV01P043 # قال: فأخبرت عن إبراهيم إنه قال: لما سمعت هذا قمت وانصرفت. # فلما كان من الغد جئت إلى أخي، فوجدت أبا عيسى في صدر المجلس، حيث يستحق ~~صاحب الديوان أن يكون وهو يأمر، وينهى، وينبسط، ويتكلم، والخطاب معه في ~~الأعمال دون الكتاب، وقد صار في السماء. # فدعتني نفسي إلى مسألة الوزير عن ذلك، فجلست إلى أن لم يبق في مجلسه ~~غيري، فقال: شيء تقوله يا بني؟ # [فقلت: شيء من الفضول أريد أن أسأل الوزير عنه] «1» . # فقال: إن كان فضولا فلا تسل عنه. # قال: قلت لا بد. # فقال: هات. # قلت: استخلاك أمس أبو عيسى فأخليته، ثم رأيتك اليوم تعامله بضد ما كنت ~~تعمله قبل هذا، فما سبب ذلك؟ # فقال: نعم، إنه خاطبني بخطاب عظم به في عيني، وكبر به في نفسي، وعلمت ~~صدقه فيه، فرجعت له، قال لي، وقد ms018 خلا بي: أيها الوزير، أنا رجل شيخ من شيوخ ~~الكتاب، عارف بمقدار ما أحسنه من صناعة [16 ب] الكتابة، وتقصيري فيها عن ~~الغاية، وليس يخفى علي ما يعاملني به الوزير من الغض والهتك والتعريض ~~للفضيحة في الصناعة، ومخاطبة الكتاب في الديوان إذا أراد مهما، ومخاطبتي ~~إذا نزل معضل، ويجب أن يعلم الوزير أيده الله، أن حالي، ومالي، وباطني، ~~أكثر مما يقع له، ويعرفه من ظاهري على كثرته، وأني ما أتصرف طلبا للفائدة، ~~ولا خوفا # PageV01P044 # من الفقر، وإنما أريد الزيادة في الجاه، واتصال نفوذ الأمر والنهي، وقد ~~عشت طول هذه السنين، آمرا، ناهيا، مستورا في صناعتي، ما تعرض لي أحد من ~~الوزراء، ولا تعرضت لهم، وسلمت عليهم، وسلموا علي، ومهما عمله الوزير في من ~~الغض فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصة والعامة، أني خلفت إسماعيل بن بلبل ~~على الوزارة، وتقلدت كذا وكذا، وأخذ يعدد كبار الأعمال التي وليها، وأن مثل ~~هذا لا يناط بعاجز، ولا أن يستخرج من النفوس عظم محلي فيها، مع سعة الحال، ~~وكثرة الضياع والمال، ولا يمكنه في طمس محلي أكثر مما قد عمله، وأنا بين ~~أمور، إما توصلت إلى إزالة ذلك عني بما لعله يثقل على الوزير، أو آثرت صفاء ~~نيته فاستعفيت من العمل، ولزمت بيتي، فلم أكن فيه خاملا ولا ساقطا، ثم حصلت ~~حيث أختار، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه، فإما أعفاني مما ~~يستعمله معي، وردني إلى العادة التي يستحقها من نصب في مثل منصبي، أو ~~أعفاني من العمل لألزم بيتي. # فقلت له: يا أبا عيسى، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره، ولن أكون لك إلا على ~~أفضل محبتك، فبكر إلي ليبين لك مصداق ذلك. # فلما جاءني اليوم، عاملته بما رأيته. # PageV01P045 ### || 15 حكايات عن وقار الوزير علي بن عيسى وزماتته # ويشبه قول علي بن عيسى لأخيه: إن كان فضولا فلا تسل عنه، ما كان يبلغنا ~~عنه من الزماتة الشديدة، والوقار العظيم، ومطالبة نفسه باحتشام الخلق، ~~واستعمال ذلك مع أهله وولده. # حدثني أبو ms019 الحسن بن الأزرق، قال: بلغني عن بعض أكابر ولده [15 ط] أنه دخل ~~إليه في آخر عمره، وهو مستلق، فلما رأى ابنه جلس منتصبا. # وأخبرني أبي رحمه الله، وأبو الحسين بن عياش: أنهما كانا يشاهدان أبا ~~الحسن في آخر الأوقات في المجالس الحافلة، يجلس عند باب مفتوح، وبين ~~البابين مسورة «1» يستند إليها، وعلى الباب ستر قد أرخي حتى بلغ الأرض وغطى ~~المسورة، وصار حجابا بين الناس وبينها، وهو ملتزق بالستر احتشاما للناس أن ~~يستند بحضرتهم، وما زال الناس على هذا. «2» # PageV01P046 ### || 16 حكاية عن تزمت القاضي أبي جعفر بن البهلول # حدثني أبو الحسن بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول «1» ، قال: # كنت وأنا صبي، أجيء، وألعب، بحضرة جدي «2» ، فيصيح [17 ب] علي. # قال: ما دخلت إليه قط، وهو مكشوف الرأس، إلا أخذ القلنسوة من خلف مسورته، ~~ولبسها، وجلس متزمتا «3» علي [وسني إذ ذاك عشر سنين، أو حواليها] «4» ، إلى ~~أن أنصرف، فأراه إذا بعدت، وقد وضعها [عن رأسه] «5» . # PageV01P047 ### || 17 بين الوزير علي بن عيسى والوزير أبي علي بن مقلة # ويشبه فعل أبي الحسن علي بن عيسى بأبي عيسى أخي أبي صخرة، ما أخبرني به ~~الثقة، قال: # أخبرني جماعة من الكتاب، أنه بلغه «1» أن المقتدر قد عمد «2» على صرفه ~~بأبي علي بن مقلة «3» ، وكان يخلفه إذ ذاك على عدة دواوين، فاستدعاه، ~~وطالبه بأعمال يعملها له من الدواوين، فوعده بإحضارها. # فلما كان بعد أيام، خاطبه بحضرة الناس يريد الغض منه، فقال له: # طلبت منك أعمالا فما أحضرتها، وأنا أعلم تعذرها عليك، فإن كان الأمر ~~كذلك، فأفصح عن نفسك. # فقال ابن مقلة: قد أحضرتها، ووضعها بين يديه. # فأخذ يقرؤها، ويعجب مشايخ الكتاب الحضور من خطائه فيها، ويواقفه على ضعف ~~صناعته، ويفضحه في موضع موضع يخرجه، ويقول له في عرض الخطاب؛ هذه حياكة: ~~ليست كتابة، ويضرب # PageV01P048 # على عمل عمل، ويرسم في أضعافه، كيف يجب أن يعمل، والكتاب الحاضرون يعجبون ~~من حسن ما يورده أبو الحسن، وضعف ما أورده أبو علي، إلى أن ضرب على جميع ms020 ~~الأعمال، ثم قال له: قم فاعملها على هذا، وحررها، وجئني بها، فقام أبو علي ~~[يجر رجله] «1» . # فلما ولى عن حضرة أبي الحسن، قال: إن أمرا عجز عنه علي بن محمد بن ~~الفرات، ونحن فيه مرتبكون، تقوم به أنت؟ لشيء عجيب «2» . # قال: فلما كان في اليوم الرابع أو الخامس من هذا الحديث، قبض على علي بن ~~عيسى، وسلم إلى أبي علي، وقلد الوزارة، فاعتمد الغض من أبي الحسن، فما قدر ~~على ذلك بأكثر من المكاره، والمخاطبة له في وجهه بما يرتفع عنه أرباب ~~المروءات. # فمن ذلك، ان هذا المخبر أخبرني، قال: حدثني أبو أحمد الشيرازي الفضل بن ~~عبد الرحمن بن جعفر «3» قال: # كنت بحضرة أبي علي بن مقلة يوما في وزارته وقد دخل عليه علي بن عيسى فجلس ~~بين يديه، وكان أبو عبد الله العلوي الموسوي حاضرا «4» ، وأبو # PageV01P049 # علي الحسن بن هارون «1» . # فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعة عن أبي عبد الله يصف ~~فيها اختلال ضيعته، ويسأل فيها الاحتساب له بمظلمة، وإطلاق معونة له. # ففعل الحسن بن هارون ذلك في الحال، وعرض الرقعة، فوقع بإخراج الحال، ~~وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال [16 ط] مصدقا [18 ب] لما في الرقعة. ففعل ~~ذلك. # فوقع تحت إخراج الحال بإطلاق عشرين كرا حنطة وعشرين كرا شعيرا معونة له، ~~والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة، وقال لأبي علي الحسن ابن هارون: سلمه ~~إلى أبي عبد الله. # قال، فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجل علوي، وأخذ أبو الحسن علي بن ~~عيسى يشكر له ذلك ويصوبه له. # فقال له مجيبا: فلم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟ # قال، فنهض أبو الحسن، وقال: استودع الله الوزير، ولم يجب بحرف واحد. # PageV01P050 ### || 18 تزمت الوزير علي بن عيسى وتخشنه # ومن زماتة أبي الحسن علي بن عيسى وتخشنه «1» ، انه كان يحب أن يبين فضله ~~في هذا على كل أحد، أخبرني به غير واحد: # إن أبا عمر القاضي «2» دخل إليه يوما في بعض وزاراته، ms021 وعلى أبي عمر قميص ~~دبيقي ششتري فاخر «3» ، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: يا أبا عمر بكم ~~اشتريت شقة هذا القميص؟ # فقال: بمائتي دينار «4» . # فقال أبو الحسن: ولكني اشتريت لي هذه الشقة التي قطعت منها هذه الدراعة ~~وهذا القميص الذي تحتها بعشرين دينارا. # فقال له أبو عمر مسرعا كأنه قد أعد له الجواب: الوزير أعزه الله يجمل ~~الثياب، ولا يحتاج إلى المبالغة فيها، [ونحن نتجمل بالثياب، فنحتاج إلى ~~المبالغة فيها] «5» لأنا نلابس العوام، ومن نحتاج إلى التفخيم عليه، وإقامة ~~الهيبة في نفسه بها، والوزير أيده الله يخدمه الخواص، أكثر من خدمة العوام، ~~ونعلم أنه يدع هذا عن قدرة. # قال: فكأنما ألقم أبا الحسن حجرا، وسكت عنه. # PageV01P051 ### || 19 الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين # حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «1» ، قال حدثني مكرم ابن ~~بكران، عن «2» أبي يحيى بن مكرم القاضي «3» ، قال: # كنت خصيصا بأبي الحسن علي بن عيسى، وربما شاورني في شيء من أمره، قال: ~~دخلت عليه يوما وهو مغموم جدا، فقدرت أنه بلغه عن المقتدر أمر كرهه، فقلت ~~هل حدث شيء؟ وأومأت إلى الخليفة. # فقال: ليس غمي من هذا الجنس، ولكن مما هو أشد منه. # فقلت: إن جاز أن أقف عليه فلعلي أقول فيه شيئا. # فقال: نعم، كتب إلي عاملنا بالثغر، أن أسارى المسلمين في بلد الروم، ~~كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولي آنفا، ملك الروم، حدثان، # PageV01P052 # فعسفا الأسارى، وأجاعاهم، وأعرياهم، وعاقباهم، وطالباهم بالتنصر، وأنهم ~~في جهد جهيد، وبلاء شديد، وليس هذا مما لي فيه حيلة، لأنه أمر لا يبلغه ~~سلطاننا، والخليفة لا يطاوعني، فكنت أنفق الأموال، وأجتهد، وأجهز الجيوش ~~حتى تطرق القسطنطينية. # فقلت [19 ب] أيها الوزير، هاهنا رأي أسهل مما وقع لك، يزول به هذا. # فقال: قل يا مبارك. # فقلت: إن بانطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك «1» ، وببيت المقدس آخر ~~يقال له القاثليق «2» ، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، [حتى انهما ربما حرما ~~الملك فيحرم عندهم، ويحلانه ms022 فيحل] «3» . وعند الروم انه من خالف منهم هذين ~~فقد كفر، وانه لا يتم جلوس الملك ببلد الروم إلا برأي هذين، وان يكون الملك ~~قد دخل إلى بيعتهما، وتقرب بهما، والبلدان في سلطاننا [17 ط] ، والرجلان في ~~ذمتنا، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما، وتعريفهما ما ~~يجري على الأسارى، وان هذا خارج عن الملك، وانهما إن لم يزيلا هذا، لم ~~يطالب بجريرته غيرهما، وينظر ما يكون من الجواب. # قال: فاستدعى كاتبا، وأملى عليه كتابين في ذلك «4» ، وأنفذهما في الحال، ~~وقال: سريت عني قليلا، وافترقنا. # فلما كان بعد شهرين وأيام، وقد أنسيت الحديث، جاءني # PageV01P053 # فرانق «1» من جهته يطلبني، فركبت وأنا مشغول القلب بمعرفة السبب في ذلك، ~~حتى وصلت إليه، فوجدته مسرورا، فحين رآني قال: يا هذا، أحسن الله جزاءك عن ~~نفسك ودينك وعني. # فقلت: ما الخبر؟ # قال: كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي وأصحه، وهذا رسول العامل قد ورد ~~بالخبر، وأومأ إلى رجل كان بحضرته، وقال له: خبرنا بما جرى. # فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق، برسالتهما إلى ~~قسطنطينية «2» وكتبا إلى ملكيها: إنكما قد خرجتما عن ملة المسيح بما ~~فعلتماه بالأسارى وليس لكما ذلك، فإنه حرام عليكما، ومخالف لما أمرنا به ~~المسيح من كذا وكذا، وعددا أشياء في دينهما، فإما زلتما عن هذا، واستأنفتما ~~الإحسان إلى الأسارى، وتركتما مطالبتهم بالتنصر، وإلا لعنا كما على هذين ~~الكرسيين وحرمنا كما. # قال: فمضيت مع الرسول، فلما صرنا بقسطنطينية، حجبت عن الملكين أياما، ~~وخليا بالرسول «3» ، ثم استدعياني إليهما، فسلمت عليهما، فقال لي ~~ترجمانهما: يقول لك الملكان، إن الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى، كذب ~~وتشنيع، وقد أذنا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم، فترى أحوالهم بخلاف ~~ما بلغكم، وتسمع من شكرهم لنا، ضد ما اتصل بكم. # PageV01P054 # قال: ثم حملت إلى دار البلاط، فرأيت الأسارى، وكأن وجوههم قد أخرجت من ~~القبور، تشهد بالضر [الشديد والجهد الجهيد] «1» وما كانوا فيه من العذاب ~~[إلى حين قدومنا] «2» إلا أنهم مرفهون في ذلك الوقت، وتأملت ms023 ثيابهم، فإذا ~~جميعها [20 ب] جدد، فعلمت أني منعت من الوصول تلك الأيام حتى غير زي ~~الأسارى [وأصلح أمرهم] «3» . # وقال لي الأسرى: نحن للملكين شاكرون، فعل الله بهما وصنع، وأو مأوا إلي: ~~إن الأمر كان كما بلغكم، ولكنه خفف عنا، وأحسن إلينا، بعد حصولك هاهنا. # وقالوا لي كيف عرفت حالنا؟ ومن تنبه علينا، وأنفذك بسببنا؟ # فقلت لهم: ولي الوزارة علي بن عيسى فبلغه ذلك، فأنفذ من بغداد، وفعل كذا ~~وكذا. # قال: فضجوا بالدعاء إلى الله تعالى للوزير، وسمعت امرأة منهم تقول: مر يا ~~علي بن عيسى لا نسي الله لك هذا الفعل «4» . # قال: فلما سمع ذلك علي بن عيسى أجهش بالبكاء، وسجد حمدا لله سبحانه ~~وتعالى، وبر الرسول، وصرفه. # فقلت له: أيها الوزير، أسمعك دائما تتبرم بالوزارة، وتتمنى الانصراف عنها ~~في خلواتك خوفا من [18 ط] آثامها، فلو كنت في بيتك، هل كنت تقدر أن تحصل ~~هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك؟ فلا تفعل، ولا تتبرم بهذا الأمر فلعل ~~الله يمكنك ويجري على يديك أمثال هذا الفعل، فتفوز بثوابه في الآخرة، كما ~~تفردت بشرف الوزارة في الدنيا. # PageV01P055 ### || 20 ابن رزق الله، التاجر البغدادي يوقف في بلاد الروم أكسية لتدفئة أسارى المسلمين # حدثني أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن داسه البصري، قال: حدثني علي بن ~~إبراهيم بن حماد القاضي: إن بعض مشايخ العرب «1» أخبره عن رجل من المسلمين، ~~أسر، ثم رجع إلى دار الإسلام، قال: # لما حملنا إلى بلد الروم مرت بنا شدائد، فحصلنا عدة ليال لا ننام من ~~البرد، وكدنا نتلف، ثم دخلنا قرية، فجاءنا راهب فيها بأكسية وقطف «2» ثقيلة ~~دفية، فغطى جميع الأسارى، كل واحد بواحدة، فعشنا تلك الليلة، فأقامونا في ~~تلك القرية أياما، فكانت سبيلنا هذه، ثم نقلونا إلى أخرى، فعادت حالنا في ~~العري والبرد إلى الأولى. # فسألنا عن السبب في ذلك، فقالوا: إن رجلا ببغداد من التجار يقال له ابن ~~رزق الله، صهر ابن أبي عوف «3» ، توصل إلى أن حصلت له هذه الأكسية والقطف ~~عند ms024 الراهب، بغرامات مال جليل، وسأله أن يغطي بها من يحصل في قريته من ~~أسارى المسلمين، وضمن له أن ينفق على بيعة في بلد الإسلام بإزاء هذا في كل ~~سنة شيئا ما دامت الأكسية محفوظة للأسارى، فالراهب يفعل ذلك في هذه القرية، ~~وما قبلها وما بعدها ليس فيها شيء من هذا. فأقبلنا ندعو لابن رزق الله كلما ~~نفحنا البرد، ولحقتنا الشدة، ونحن لا نعرفه. # PageV01P056 ### || 21 شخص متعطل زور كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات، إلى عامل مصر # حدثني أبو الحسين، عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي: # إن رجلا دامت عطلته، فزور كتبا عن علي بن محمد بن الفرات «1» ، وهو وزير، ~~إلى أبي زنبور «2» [21 ب] عامل مصر، وخرج إليه، ولقيه بها فأنكرها أبو ~~زنبور، لإفراط التأكيد فيها، وكثرة الدعاء للرجل، وأن محله عنده لم يكن ~~يقتضي ذلك الترتيب، واستراب بالخطاب أيضا. # فوصل الرجل بصلة يسيرة، وأمر له بجراية، وقال: تأخذها إلى أن أنظر في ~~أمرك. # وأنفذ الكتب في خاص كتبه إلى ابن الفرات، وشرح له الصورة، وكان فيها: إن ~~للرجل حرمة وكيدة بالوزير، وخدمة قديمة. # قال: فوصلت الكتب إلى أبي الحسن بن الفرات، وأصحابه بين يديه فعرفهم ~~الصورة، وعجبهم منها، وقال: ما الرأي في أمر الرجل؟ # فقال بعضهم: تقطع يده لتزويره على الوزير. # PageV01P057 # وقال بعضهم: يقطع إبهامه. # وقال بعضهم: يضرب ويحبس. # وقال بعضهم: يكشف لأبي زنبور أمره، ويتقدم إليه بطرده، ويقتصر به على ~~الحرمان مع بعد الشقة «1» . # فقال ابن الفرات: ما أبعد طباعكم عن الجميل، وأنفرها من الحرية «2» ، رجل ~~توسل بنا، وتحمل المشقة إلى مصر، وأمل بجاهنا الغنى، ولعله كان لا يصل [19 ~~ط] إلينا، ولا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا، فخفف عنا بأن كتب لنفسه ما قدر أن ~~به صلاحه، ورحل ملتمسا للرزق، وجعلنا سببه، يكون أحسن أحواله عند أجملكم ~~محضرا الخيبة؟ # ثم ضرب بيده إلى الدواة، وقلب الكتاب المزور، ووقع عليه «3» بخطه: # هذا كتابي، ولا أعلم لأي سبب أنكرته. ولا كيف استربت به، كأنك عارف بجميع ~~من خدمنا ms025 في النكبة، وأوقات الاستتار، وقديم الأيام، وقد أحطت علما ~~بجميعهم، فأنكرت أبا فلان هذا- أعزه الله- من بينهم، وحرمته بي أوكد مما في ~~هذا الكتاب، وسببه عندي أقوى مما تظن، فأجزل عطيته، وتابع بره «4» ووفر حظه ~~من التصرف فيما يصلح له، وافعل به واصنع، وأصدر الكتاب في الحال. # فلما كان بعد مدة طويلة، دخل عليه رجل جميل الهيئة، حسن الزي والغلمان، ~~فأقبل يدعو له، ويبكي، ويقبل الأرض بين يديه، # PageV01P058 # وابن الفرات لا يعرفه، ويقول: يا بارك الله عليك- وكانت هذه كلمته- ما ~~لك؟ # فقال له: أنا صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور، الذي حققه تفضل الوزير، ~~فعل الله به وصنع. # قال: فضحك ابن الفرات، وقال: فبكم وصلك؟ # قال: وصل إلي من ماله، وبتقسيط قسطه لي، وبتصرف صرفني فيه، عشرون ألف ~~دينار. # قال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا، فإننا ننفعك بأضعافها. # قال: فلزمه وفاتشه، فوجده كاتبا، فاستخدمه، وأكسبه مالا عظيما، وصار ذلك ~~سببا لحرمة الرجل به. # PageV01P059 ### || 22 أبو عمر القاضي يعامل بالجميل رجلا زور عنه رقعة بطلب التصرف # حدثني أبو أحمد بن أبي الورد [شيخ من أبناء القضاة لقيته سنة تسع وأربعين ~~وثلاثمائة ببغداد] «1» ، قال حدثني أبي [22 ب] وكان خصيصا بأبي عمر القاضي ~~«2» . # إن رجلا زور عنه رقعة إلى أبي القاسم ابن الحواري «3» ، يسأله تصريفه ~~وكانت بينهما مودة. # وصار الرجل بالرقعة إلى أبي القاسم، فأخذت منه وحجب، فجلس يتوقع الجواب. # فاتفق أن جاء القاضي أبو عمر وأنا معه ليسلم على ابن الحواري، ودخلنا، ~~فوجد القاضي الرقعة بحضرته مشبهة بخطه، فوجم لذلك، وتشوف «4» لمعرفة الخبر، ~~وكان فيه من الوقار والرصانة والفضل المشهور الذي ضرب به المثل، [ما لم ~~يتبين لابن الحواري معه ذلك عليه، وفطنت أنا لدربتي بأخلاقه] «5» . # وحانت لابن الحواري التفاتة، فرأى الرقعة في يده، فقال: أيها القاضي ~~الساعة وصلت، وأنا أفعل ما التمسته في معنى الرجل. # PageV01P060 # فشكره أبو عمر، وخاطبه بما أو همه فيه انها رقعته، من غير أن يطلق ذلك، ~~وكان أفعل الناس لهذا، وأقدرهم على أن يتكلم دائما في الأمور بما ms026 يحتمل ~~معنيين، ويحتاج إلى تفسير للمقصد، توقيا منه، ودهاء. # وقال أبو عمر: فليطلب الرجل، إن كان حاضرا ويدخل، فطلبوه وأدخلوه، وقد ~~امتقع لونه. # فقال له ابن الحواري: أنت الموصل لرقعة القاضي أعزه الله؟ # فقال: نعم. # فقال له أبو عمر: إنه أعزه الله قد وعد بتصريفك والإحسان إليك، فالزمه. # قال: وتحدثا ساعة، ونهض أبو عمر، وقال لي سرا: [20 ط] جئني به. فتأخرت ~~وونسته «1» ، وحملته إليه، فدخلت عليه به وهو خال ينتظرنا وحده. # فقال له: ويلك، أتزور على خطي، وأنا حاكم، وخطي ينفذ في الأموال والفروج ~~والدماء؟ ما كان يؤمنك أن أعرف أبا القاسم أمرك فتصير نكالا. # فبكى الرجل وقال: والله، أيها القاضي، ما حملني على ذلك إلا عدم القوت، ~~وشدة الفقر، وأني وثقت بكرمك ففعلت ذلك، إذ كان غير متصل بحكم ولا شهادة، ~~وقدرت أيضا أن ذلك ينستر عنك، وأنتفع أنا من حيث لا يضرك. # فقال له أبو عمر: الله إن الفقر حملك على هذا؟ # فقال: إي والله، فبكى أبو عمر، وسار خادما له، فغاب الخادم قليلا، # PageV01P061 # ثم جاء بصرة فيها مائة دينار، ومنديل فيه دست ثياب، فسلمه إلى الرجل. # فقال له أبو عمر: اتسع بهذا، والبس هذا، والزم أبا القاسم فإني أؤكد عليه ~~أمرك، واحلف لي أن لا تزور على خطي أبدا. # فحلف له الرجل على ذلك وانصرف. # فلما كان بعد شهور جاءنا مسلما على أبي عمر بمركوب حسن وثياب فاخرة، فأخذ ~~يشكر أبا عمر ويدعو له، وهو لا يعرفه، وقد ذكرته أنا. # فقال له أبو عمر: يا هذا على أي شيء تشكرني؟ # فقال: أنا صاحب الرقعة إلى أبي القاسم ابن الحواري، الذي [23 ب] وصلني ~~القاضي بماله، وأحياني بجاهه، وقد صرفني أبو القاسم طول هذه المدة، فبلغت ~~حالي إلى هذا، وأنا أدعو الله للقاضي أبدا. # فقال أبو عمر: الحمد لله على حسن التوفيق. # PageV01P062 ### || 23 أراد أن يزور على رجل مرتعش اليد # حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي، قال: # رأيت صديقا لي على بعض زواريق الجسر ببغداد، جالسا في ms027 يوم ريح شديد، وهو ~~يكتب. # فقلت ويحك في مثل هذا الموضع، ومثل هذا الوقت؟ # فقال: أريد أن أزور على رجل مرتعش، ويدي لا تساعدني، فتعمدت الجلوس هاهنا ~~لتحرك الزورق بالموج في هذه الريح، فيجيء خطي مرتعشا، فيشبه خطه. # PageV01P063 ### || 24 الوزير ابن مقلة يزور عليه أخوه # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: # حضرت أبا علي بن مقلة، وقد عرضت عليه، وهو وزير، عدة تسبيبات، وتوقيعات، ~~قد زورها عليه أخوه أبو عبد الله «2» ، وارتفق عليها «3» ، وكان أبو عبد ~~الله حاضرا، فاستقبح أن يفضحه فيها. # فلما كثرت عليه، التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله، قد خففت عنا، حتى ~~ثقلت، وخشينا أن نثقل عليك، فأحب أن تخفف عن نفسك هذا التعب. # قال: فضحك أبو عبد الله، وقال السمع والطاعة للوزير. # PageV01P064 ### || 25 عمران المملكة أساس صلاح الرعية # حدثني القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~قال: # استتر في دورنا عند أبي، أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، المعروف ~~بابن حنزابة «1» ، وكنت حدثا، فكان يستدعيني دائما، ونتحدث، وألعب معه ~~الشطرنج. # فقال لي يوما، وقد جرى حديث نقصان [21 ط] دخل المقتدر عن خرجه: نظرت، ~~فإذا دخل المملكة كذا وكذا، وخرجها كذا وكذا، وإذا دخل ضياع عمي أبي الحسن، ~~وما قبض معها من ضياعنا، كان في وقت قبضها، كذا وكذا، وهو اليوم ثلث ذلك، ~~ولو مكنت من ضياعنا وحدها، لعمرتها، فعاد ارتفاعها إلى ما كان عليه، فوفر ~~ما بين الارتفاعين يعمر الدنيا كلها، وإنما أملاكنا شقص «2» يسير من الأرض، ~~فكيف لو كان للدنيا من يهتم بعمارة جميعها؟ # قال القاضي أبو الحسن: وما سمعت أعظم من هذا، وذلك قبل تقلد أبي الفتح ~~الوزارة. # وكان أبو الحسن، يحفظ مبلغ المال، وأخبرني به، فذهب عني. # PageV01P065 ### || 26 الوزير ابن الفرات يحسن إلى خياط # حدثني أبي رضي الله عنه، قال: # بلغني أن أبا الحسن بن الفرات، اجتاز وهو متوسط الحال، في بعض الدروب ~~الضيقة «1» راكبا، وبين يديه غلامان، فسال عليه ميزاب من دار فصيره آية ~~ونكالا. ms028 # فقال لأحد غلمانه: اطلب لي موضعا أدخله. # فدق على قوم بابهم، وكان صاحب الدار خياطا، فلما رأى شارة أبي الحسن، ~~وهيأته، أعظمه وخدمه، وأدخله وأجلسه، وأخذ ثيابه فدفعها إلى زوجته لتغسلها ~~[24 ب] ، وجلس يحادثه، وبادر الغلام الآخر إلى دار أبي الحسن فجاءه بخلعة ~~ثياب قبل أن يفرغ من غسل ذلك القماش، فلبسها، وأمر بترك تلك الثياب على ~~القوم، وانصرف. # وضرب الدهر ضربه، وولي الوزارة الأولة «2» . # فاجتاز يوما راكبا في موكب عظيم، فقام الناس ينظرونه، وقام الخياط، فلما ~~رآه عرفه، فقال لأهل سوقه: إن لي مع هذا الرجل قصة طريفة، وأخبرهم بها. # فقالوا له: إنه كريم، ولو قصدته لانتفعت. # فلما كان من غد قصده الخياط، فصادف مصيره إلى بابه ركوب ابن الفرات، فدعا ~~له، وقال: لي بالوزير حرمة. # PageV01P066 # فتأمله ابن الفرات، فعرفه، وتذكر قصته، فأمر بإجلاسه. # فلما عاد استحضره وسأله عن خبره، وخبر زوجته، وأولاده. # فأخبره [ووصف خلة] «1» . # فقال له: أيما أحب إليك الجائزة أو الخدمة لنا؟ # فقال: بل خدمة الوزير. # فأمر له بألف دينار، وأن يجعل رئيسا على الخياطين في داره، ففعل به ذلك. # فما مضت عليه مديدة حتى صار صاحب عشرات ألوف «2» . # PageV01P067 ### || 27 الوزير المهلبي يحسن إلى كواز # وقد شاهدت أنا، قريبا من هذا، من الوزير أبي محمد، الحسن بن محمد المهلبي ~~رحمه الله، وذلك: إن أبا محمد عبد الرحمن بن نصر السكري البصري، صاحب ~~البريديين، وتقلد شرطة البصرة دفعات، دعاه في وزارته، فجاء إليه إلى داره ~~في شارع المربد. # فلما أراد الرجوع من داره إلى مسماران «1» - وكان أبو محمد المهلبي رحمه ~~الله، قد نزلها- استقبح الاجتياز بالجامع مع أنه شارب، فعدل في الأزقة إلى ~~سيحان «2» ، ليركب منها طياره. # فلما بلغ حيث تعمل الكيزان، حقنه بوله، فدخل دار قوم ضعفاء، فبال، فدعا ~~له صاحب الدار. # فقال له: هذه الدار لك؟ قال: لا، هي بأجرة معي. # قال: كم أجرتها؟ قال: خمسة دراهم في الشهر. # قال: وكم تساوي؟ قال: خمسمائة درهم. # قال: وكم رأس مالك في عمل الكيزان؟ قال: مائة درهم. ms029 # فدفع إليه في الحال ألف درهم، وقال: اشتر منها الدار، ورد [22 ط] الباقي ~~في رأس مالك، وركب. # PageV01P068 ### || 28 من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلبي # وكان رحمه الله «1» ، من بقايا الكرام، ولقد شاهدت له مجلسا في شهر ~~رمضان، سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، كأنه من مجالس البرامكة، ما شهدت مثله ~~قط قبله ولا بعده، وذلك: # إن كاتبه على ديوان السواد، أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، المعروف ~~بابن حاجب «2» النعمان، سقط من روشن «3» في دار أبي محمد على دجلة، فمات في ~~اليوم الثامن من السقطة. # فجزع عليه أبو محمد، وجاء من غد إلى أولاده، لأنهم كانوا دفنوه «4» عشيا، ~~وكنت معه [وحضر، وقد أعدوا له دستا يجلس فيه، فلما دخل عدل عنه ولم يجلس ~~فيه] «5» # ، فعزاهم بأعذب لسان، وأحسن بيان [25 ب] ، ووعدهم الإحسان، وقال: أنا ~~أبوكم، وما فقدتم من ماضيكم غير شخصه. # ثم قال لابنه الأكبر أبي عبد الله: قد وليتك موضع أبيك، ورددت # PageV01P069 # إليك عمله، ووليت أخاك أبا الحسين، وكان هذا صبيا سنه إذ ذاك عشر سنين أو ~~نحوها [كتبة حضرة ابني أبي الغنائم] «1» ، وأجريت عليه كذا وكذا- رزقا ~~كثيرا، وقد ذهب عني- فليلزمه، فإن سنيهما متقاربة، ليتعلم بتعلمه، وينشأ ~~بنشأته، فيجب حقه عليه. # ثم قال لأبي العلاء صاعد بن ثابت، خليفته على الوزارة «2» : اكتب عهدا ~~لأبي عبد الله، واستدع كل من كان أبو الحسين رحمه الله، مستأجرا منه شيئا، ~~فخاطبه في تجديد الإجارة للورثة، فإن أكثر نعمته، إنما كانت دخالات وإجارات ~~ومزارعات، وقد انحلت الآن بموته، ومن امتنع فزده من مالي، واسأله، ولا تقنع ~~إلا بتجديد العقد كيفما جرت الحال. # ثم قال لأبي المكارم بن ورقاء، وكان سلف «3» الميت: إن ذيل أبي الحسن ~~طويل، وقد كنت أعلم إنه يجري على أخواته وأولادهن وأقاربه شيئا كثيرا في كل ~~شهر، وهؤلاء الآن يهلكون بموته، ولا حصة لهم في إرثه، فقم إلى ابنة أبي ~~محمد المادرائي- يعني زوجة المتوفى-، فعزها عني، واكتب عنها جريدة «4» ~~بأسماء جميع النساء اللواتي كان أبو الحسن يجري عليهن، وعلى ms030 غيرهن، من ~~الرجال وضعفاء حاشيته. # وقال لأبي العلاء: إذا جاءك بالجريدة، فأطلقها عاجلا لشهر، وتقدم # PageV01P070 # بإطلاقها على الإدرار، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في الشهر، وعملت ~~في المجلس وأطلق مالها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد. # فلم يبق أحد إلا بكى رقة واستحسانا لذلك. # ولقد رأيت أبا عبد الله محمد بن الحسن الداعي العلوي «1» رحمه الله، ذلك ~~اليوم، وكان حاضرا المجلس، وقد أجهش بالبكاء، وأسرف في شكر أبي محمد، ~~وتقريظه، على قلة كلامه إلا فيما يعنيه، وعلى سوء رأيه- كان- في أبي محمد، ~~ولكن الفضل بهره، فلم يمنعه ما بينهما، أن نطق بالحق. # وقلت أنا، لأبي محمد في ذلك اليوم: لو كان الموت يستطاب في وقت من ~~الأوقات، لطاب لكل ذي ذيل طويل، في أيام سيدنا الوزير [أطال الله بقاءه] ~~«2» ، فإن هذا الفعل، تاريخ الكرم، [وغاية تسامي الهمم] «3» [23 ط] وبه ~~يتحقق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد، والماضين من الكرماء الأفراد، وغير ~~ذلك، مما حضرني في الحال. # ثم نهض أبو محمد رحمه الله، فارتفعت الضجة من النساء، والرجال، وأهل ~~الدار، والشارع، بالدعاء له، والشكر. # PageV01P071 ### || 29 الوزير المهلبي وأبو عبد الله الأزدي الموصلي # حدثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي الموصلي: # إن أبا [26 ب] عبد الله، والده، رحمه الله «1» ، توسط بين أبي محمد ~~المهلبي، وناصر الدولة، في مال يحمله إلى معز الدولة، من صلح الموصل، فأنفق ~~من المال أربعين ألف درهم، لإضافة لحقته. # وسبب عليه المهلبي بالمال كاملا، وهو لا يعرف الخبر، وكانت بينهما مودة ~~وأنس، فصحح أبو عبد الله الموجود، ودافع بما أنفق. # وجلس يوما في داره ليحتال العوض ويرده، فجاءته رقعة أبي محمد يدعوه ~~للشرب، فدافع، فعاوده، فركب، فأكلا، وجلسا للشراب. # فقال له أبو علي الأنباري «2» : أرى فيك يا سيدي أبا عبد الله فتورا، ~~وكانت بينهما مودة، [وأبو علي- إذ ذاك- يخلف الوزير أبا محمد على الوزارة] ~~«3» وعنده ابنته «4» ، فحدثه أبو عبد الله بالحديث، وإن قلبه مشغول، إلى أن ~~يتم له العوض ويرده، وسأله كتمان ذلك. ms031 # وتبين المهلبي في أبي عبد الله ذلك الفتور، فسأله عنه فورى عن الصدق ~~وكبرت نفسه عن إخباره بذلك، فأمسك عنه، وقام أبو عبد الله إلى البول، # PageV01P072 # فقال أبو محمد لأبي علي الأنباري: أما ترى فتور أبي عبد الله وهو صديقك، ~~وقد رأيته يسارك، وأظنه قد خرج إليك بسبب كسله، فما هو؟ # فحدثه أبو علي بالحديث. # فلما عاد، قال له أبو محمد: يا أبا عبد الله، أيدك الله، ما أنصفتني في ~~المودة، ولا أنصفت نفسك في السياسة، تهتم بسبب أربعين ألف درهم، أملك ~~إسقاطها عنك، فتكاتمني ذلك، حتى كأنها عليك لغريب، أو بحق واجب. # وأخذ أبو عبد الله يجحد، ويقطب في وجه أبي علي، ثم أخرج سره. # فقال المهلبي، لأبي علي، يجب الساعة أن ينفذ إلى الجهبذ، أن يكتب له- ~~أيده الله- روزا بها «1» ، وأن تجعل أنت لها وجوها في الخرج، وتولد بها ~~نفقات واجبات- كما تعلم- على الأمير معز الدولة «2» ، لتسقط عن أبي عبد ~~الله- أيده الله- ولا نغرمها نحن. # قال: فاستدعى الجهبذ وأخذ روزه، وسلمه إليه. # ثم قال له المهلبي: أي شيء ضرك أو ضرني من هذا، سقط عنك هم وثقل، وعني ~~بقضائي بعض حقك، وخرج المال من مال الأمير، عد الآن إلى شربنا. # فما برح ليلته تلك من عنده، وسقط المال عنه. # PageV01P073 ### || 30 عطايا الوزير المهلبي متواصلة # وقد أخبرني جماعة من ندماء أبي محمد: # إنه فرق في ليلة من الليالي عليهم، وعلى جماعة كانوا حضورا معهم، من ~~مغنين وملهين وغير ذلك، من الدراهم والثياب، ما يبلغ قيمة الجميع خمسة آلاف ~~دينار. # ورأيته أنا، غير مرة، قد وهب للجهني «1» ولأبي الفرج الأصبهاني «2» خمسة ~~آلاف درهم [وأربعة آلاف درهم] «3» ، ولغيرهما [27 ب] دائما. # PageV01P074 ### || 31 الوزير القاسم بن عبيد الله يأمر أستاذه بالارتفاق # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: حدثني أبو إسحق إبراهيم بن السري الزجاج ~~«1» ، قال: # كنت أؤدب القاسم بن عبيد الله «2» ، وأقول له: إن بلغك الله مبلغ أبيك، ~~ووليت الوزارة، ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: تعطيني عشرين ألف ~~دينار «3» ، وكانت غاية أمنيتي، ms032 فيقول: نعم [24 ط] . # فما مضت إلا سنون، حتى ولي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت ~~نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثم هبته. # فلما كان في اليوم الثالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحق، لم أرك ~~أذكرتني بالنذر؟. # فقلت: عولت على رعاية الوزير أيده الله، وأنه لا يحتاج إلى إذكار لنذر ~~عليه، في أمر خادم واجب الحق. # فقال لي: إنه المعتضد، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان # PageV01P075 # واحد، ولكني أخاف أن يصير لي معه حديث، فاسمح لي بأخذه متفرقا. # فقلت: يا سيدي، أفعل. # فقال: اجلس للناس، وخذ رقاعهم، للحوائج الكبار، واستجعل عليها «1» ، ولا ~~تمتنع عن مسألتي شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال ~~النذر. # قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه، كل يوم، رقاعا، فيوقع فيها لي، وربما ~~قال: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت «2» ، هذا يساوي كذا ~~وكذا، ارجع فاستزد، فأراجع القوم، ولا أزال أماكسهم، ويزيدوني حتى أبلغ ~~الحد الذي رسمه لي. # قال: وعرضت عليه شيئا عظيما، فحصلت عندي عشرون ألف دينار [وأكثر منها] ~~«3» ، في مديدة. # فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحق، حصل مال النذر؟ # فقلت:. لا، فسكت. # وظللت أعرض، فيسألني في كل شهر أو نحوه، هل حصل المال؟ # فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال. # وسألني يوما، فاستحييت من الكذب المتصل، فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير. # فقال: فرجت والله عني، فقد كنت مشغول القلب، إلى أن يحصل لك. # PageV01P076 # قال: ثم أخذ الدواة، فوقع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها، ~~وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف يقع منه. # فلما كان من غد جئته، وجلست على رسمي، فأومأ إلي، أن هات ما معك، يستدعي ~~مني الرقاع على الرسم. # فقلت: ما أخذت رقعة من أحد، لأن النذر قد وقع الوفاء به، ولم أدر كيف أقع ~~من الوزير. # فقال: سبحان الله، أتراني كنت أقطع شيئا قد ms033 صار لك عادة [28 ب] ، وعلم به ~~الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدو ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب ~~انقطاعه، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي، أو تغير رتبتك؟ أعرض علي على رسمك، وخذ ~~بلا حساب. # فقبلت يده، وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن ~~مات، [وقد تأثلت حالي وكبرت] «1» . # PageV01P077 ### || 32 الوزير عبيد الله بن سليمان يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: حدثني شيخ من شيوخنا، ذكره هو، وقد غاب ~~«1» عني اسمه «2» ، قال: حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف «3» ، قال: # استتر عندي، عبيد الله بن سليمان «4» ، فدخلت إليه يوما، في حجرة كنت ~~أفردتها له من داري، فقام إلي، فقلت له ممازحا كما جرى على لساني: يا سيدي ~~اخبأ لي هذا، إلى وقت انتفع به فيه. # قال: فلما كان بعد مدة، انتقل من عندي، فما مضت الأيام حتى ولي الوزارة. # فقال لي أهلي: لو قصدته، وكانت حالي إذ ذاك صغيرة. # فقلت لهم: لا أفعل، أنا في ستر، وقصدي له الآن كأنه اقتضاء # PageV01P078 # لثمن معروف أسديته إليه، وما أرضى لنفسي بهذا، ولو كان لي عنده [25 ط] ~~خير لابتدأني به، فبت ليلتي تلك مفكرا، وكان هذا يوم الخلع. # فلما كان في السحر جاءني فرانقه «1» برقعة بخطه، يعاتبني على تأخري عنه، ~~ويستدعيني. # فصرت إليه، فإذا هو جالس، والخلق عنده، فلما صرت مع دسته، قام إلي قياما ~~تاما، وعانقني، وقال لي في أذني: هذا وقت تنتفع فيه بقيامي لك، وجلس، ~~وأجلسني معه على طرف الدست، فقبلت يده، وهنأته ودعوت له. # ومضت ساعة، فإذا قد استدعاه المعتضد «2» ، فقام، وأمرني أن لا أبرح. # فجلست، وامتدت العيون إلي، وخوطبت في الوقت، بأجل خطاب، وعظمت. # ثم عاد عبيد الله ضاحكا، وأخذ بيدي إلى دار الخلوة، فقال: ويحك إن ~~الخليفة [الساعة] «3» استدعاني بسببك، وذلك انه كوتب بخبر قيامي لك في مجلس ~~الوزارة، فلما استدعاني الآن بدأ لينكر علي وقال: تبتذل مجلس الوزارة ~~بالقيام لتاجر؟ ولو ms034 كان هذا لصاحب طرف كان محظورا «4» ، أو ولي عهد كان ~~كثيرا، وأخذ يتحاور في ذلك «5» . # فقلت: يا أمير المؤمنين، لم يذهب عني حق المجلس، وتوفية الرتبة # PageV01P079 # حقها، ولكن لي عذرا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسمعه، ثم ينفذ حكمه في، ~~وأخبرته بخبري معك وقت استتاري عندك، فقال: أما الآن، فقد عذرتك، فلا ~~تعاود، فانصرفت. # ثم قال لي عبيد الله: يا أبا عبد الله إني قد شهرتك شهرة، إن لم تكن معك ~~مائة ألف دينار [29 ب] معدة للنكبة، هلكت، فيجب أن نحصلها لك لهذه الحال ~~فقط، ثم نحصل لك نعمة بعدها، تسعك وعقبك. # فقلت: أنا عبد الوزير، وخادمه، ومؤمله. # فقال: هاتم «1» فلانا الكاتب، فجاء. # فقال: أحضر التجار الساعة، وتقص «2» عليهم في تسعير مائة ألف كر «3» من ~~غلات السلطان بالسواد بما يساوي، وعرفني. # فخرج، وعاد بعد ساعة، وقال: قد قررت ذلك معهم. # فقال له: بع على أبي عبد الله، هذه المائة ألف كر، بنقصان دينار واحد مما ~~قررت به السعر مع التجار، وبعه له عليهم بالسعر المقرر معهم، وطالبهم بأن ~~يعجلوا له «4» فضل ما بين السعرين اليوم، وأخرهم بالثمن إلى أن يتسلموا ~~الغلات، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم إياها. # قال: ففعل ذلك، فقمت عن المجلس، وقد وصل إلي مائة ألف # PageV01P080 # دينار في بعض يوم، وما عملت شيئا. # ثم قال: اجعل هذه أصلا لنعمتك، ومعدة للنكبة، ولا يسألنك أحد من الخلق ~~شيئا إلا أخذت رقعته، وواقفته على أجرة لك عليها، وخاطبتني. # قال: فكنت أعرض عليه في كل يوم ما يصل إلي فيه ألوف دنانير، وأتوسط ~~الأمور الكبار، وأداخل في المكاسب الجليلة، حتى بلغت النعمة إلى هذا الحد. # وكنت ربما عرضت عليه رقعة، فيقول لي: كم ضمن لك على هذه؟ # فأقول: كذا وكذا. # فيقول: هذا غلط، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد. # فأقول له: إني أستحي. # فيقول: عرفهم أني لا أقضي لك ذلك إلا بهذا القدر، وأني رسمت لك هذا. # قال: فأرجع، فأستزيد ما يقوله، فأزاد. # PageV01P081 ### || 33 الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل ms035 القاضي # حدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت القاضي أبا عمر، يقول: # عرض إسماعيل القاضي «1» ، وأنا معه، على [26 ط] عبيد الله بن سليمان، ~~رقاعا في حوائج الناس، فوقع فيها. # فعرض أخرى، وخشي أن يكون قد ثقل عليه، فقال له: إن جاز أن يتطول الوزير ~~أعزه الله بهذا، فوقع له. # فعرض أخرى، [وقال: إن أمكن الوزير أن يجيب إلى هذا، فوقع، ثم عرض أخرى] ~~«2» ، وقال: إن سهل على الوزير أن يفعل ذلك، فوقع له، فعرض أخرى، وقال شيئا ~~من هذا الجنس. # فقال له عبيد الله: يا أبا اسحق، كم تقول إن أمكن؟ وإن جاز؟ # وإن سهل؟ من قال لك إنه يجلس هذا المجلس، ثم يتعذر عليه فعل شيء على وجه ~~الأرض من الأمور، فقد كذبك، هات رقاعك كلها، في موضع واحد. # قال: فأخرجها إسماعيل من كمه، وطرحها بحضرته، فوقع فيها، وكانت مع ما وقع ~~فيه قبل الكلام نحو ثمانين «3» رقعة. # PageV01P082 ### || 34 الوزير ابن مقلة يتبرم برقاع ذوي الحاجات # حدثني الحسين [30 ب] بن الحسن الواثقي، قال: # كنت أرى دائما، أبا محمد جعفر بن ورقاء «1» ، يعرض على أبي علي ابن مقلة ~~«2» ، في وزارته، الرقاع الكثيرة، في حوائج الناس، في مجالس حفله وخلوته، ~~فربما تجاوز ما يعرضه في يوم، مائة رقعة. # فعرض عليه يوما، في مجلس خال، شيئا كثيرا، فضجر أبو علي، وقال له: إلى كم ~~يا أبا محمد؟ # فغضب جعفر، وقال: أيد الله الوزير، إن كان فيها شيء لي فخرقه، إنما أنت ~~الدنيا ونحن طرق إليك، وعلى بابك الأرملة، والضعيف، وابن السبيل، والفقير، ~~ومن لا يصل إليك، فإذا سألونا سألناك، فإن صعب هذا عليك، أمرنا الوزير- ~~أيده الله- أن لا نعرض عليه شيئا، ونعرف الناس ثقل حوائجهم عليه، وضعف ~~جاهنا عنده، ليعذرونا. # فقال له أبو علي: لم أذهب حيث ذهبت يا أبا محمد، وإنما أردت أن تكون هذه ~~الرقاع الكثيرة في مجلسين، أو مجلس يحضر فيه الكتاب فيخففون عني بالتوقيعات ~~فيها، ولو كانت كلها حوائج تخصك لقضيتها، وكان سروري بذلك أعظم، هاتها. # قال: ms036 فأخذها جميعها، ووقع له فيها بما التمس أرباب الرقاع. # فشكره جعفر، وقبل يده، وانصرف. # PageV01P083 ### || 35 الوزير علي بن عيسى ورقاع أبي بكر الشافعي # حدثني الفضل بن أحمد الحياني «1» ، قال: قال لي أبو بكر الشافعي «2» صاحب ~~علي بن عيسى: # لما أفلتنا من مصادرة المحسن بن الفرات، بعد ما جرى علي من مكروهه، ~~ومصادرته، وإيقاعه بي بسبب صحبتي لعلي بن عيسى، وأفضى الأمر إلى أبي الحسن ~~علي بن عيسى، أردت الانتفاع بأمور أتكلم فيها، أخلف بما آخذه منها، بعض ما ~~صودرت عليه، فأخذت رقاعا كثيرة للناس، وكنت أعرضها على أبي الحسن فيوقع ~~فيها. # فعرضت عليه يوما شيئا كثيرا، فضجر مني، فقلت: أيها الوزير، إذا كان حظنا ~~من أعدائك، في أيام نكبتك الصفع، ومنك، في أيام ولايتك، المنع، فمتى- ليت ~~شعري- وقت النفع؟ # قال: فضحك، ووقع لي في جميعها، وما تضجر من شيء أعرضه عليه بعد ذلك. # PageV01P084 ### || 36 الوزير علي بن عيسى ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي # حدثني أبو السري، عمر بن محمد القارىء «1» ، قال: حدثني أبو القاسم عيسى ~~بن علي بن عيسى «2» ، قال: قال لي أبي: # عرض علي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي [27 ط] ، في بعض ~~وزاراتي، رقعة التمس فيها محالا، وقبل يدي، فعملت على إجابته إليه، وتركت ~~الرقعة بحضرتي، أتفكر كيف أعمل ذلك من غير عتب. # وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت. # فقبض محمد بن الحسن على يدي، وقال: أنا نفي من العباس إن تركت الوزير ~~يركب، إلا بعد أن يوقع لي في رقعتي، أو يقبل يدي كما قبلت يده. # قال: فوقعت له قائما [31 ب] ، وعجبت من سوء أدبه، وعظم وقاحته. # PageV01P085 ### || 37 الوزير أبو محمد المهلبي ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي # ولقد شاهدت «1» أبا بكر محمد بن الحسن، هذا، في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد ~~تقلبت الأيام به، وبأهل بيته، بحضرة أبي محمد المهلبي، وقد كان العيارون ~~ثاروا ببغداد، وأوقعوا فتنا عظيمة، كان أصلها بنو هاشم، وغلقوا الجامع ~~بالمدينة «2» فلم تصل فيه تلك الجمعة. ms037 # وكان سبب ذلك، عربدة وقعت بين رجل عباسي وبين رجل علوي، على نبيذ، في ~~خندق طاهر «3» ، فقتل العلوي، وثار أهله به، وثارت الفتنة ودخلت العامة ~~فيها، وعظم الأمر، حتى أجلس الديلم في الأرباع، وكان شيئا هائلا. # ولم تسكن الفتنة، فقبض أبو محمد، على أكثر بني العباس، الوجوه ~~والمستورين، والعيارين منهم والذعار «4» ، حتى قبض في جملتهم على عدة قضاة ~~وشهود هاشميين وصلحاء، وكان ممن قبض عليه محمد بن الحسن ابن عبد العزيز. # وجلس لهم الوزير أبو محمد، يوما، ليناظرهم، وسامهم «5» أن يسموا # PageV01P086 # له العيارين منهم، والأحداث، وحملة السكاكين، ليقبض عليهم، ويفرج عن ~~الباقين، وأن يكفل منه أهل الصلاح، لأهل الطلاح، ويأخذون على أيديهم، لتطفأ ~~نائرة «1» الفتنة. # وكان القاضي أبو الحسن، محمد بن صالح الهاشمي، حاضرا، فأخذ يتكلم بكلام ~~سديد، في دفع هذا، وترقيق المهلبي، ويرفق به. # فاعترض ابن عبد العزيز الخطاب، وتكلم بكلام فيه حراشة «2» وجفاء وخشونة. # فسمعت أبا محمد يقول له: يا ماص كذا وكذا، ما تدع جهلك، والخيوط «3» التي ~~في رأسك، كأني لا أعرفك قديما وحديثا، وأعرف حمقك، وحمق أبيك، وتشنيعك ~~لمجالس الوزراء، وشهوتك أن تقول: قال الوزير، فقلت له، وما تظن إلا أن ~~المقتدر على السرير، وأنا أحد وزرائه، ولا تعلم أن صاحب السرير اليوم، هو ~~الأمير معز الدولة الديلمي، يرى أن في سفك دمك قربة إلى الله تعالى، وأن ~~وزنك عنده كوزن الكلب، يا غلمان جروا برجله. # فجرت رجله ونحن حاضرون، فرأيت قلنسوة كانت على رأسه، وقد سقطت. # ثم قال: طبقوا عليه زورقا، وانفوه إلى عمان، فأجلس في الزورق، وحدر. # فقبلت الجماعة يده، وراسله الخليفة المطيع لله في أمره، ولم تزل # PageV01P087 # المراسلات، إلى أن عفا عنه، وألزمه بيته، وأخذ خط أهله بجميع ما كانوا ~~امتنعوا منه، مما سامهم إياه، وتلقط خلقا من أحداث الهاشميين، وغيرهم من ~~العامة، وأهل الذعارة والعصبية، فجعلهم في زواريق، وطبقها عليهم، وسمرها، ~~وأنفذها إلى بصنى «1» وبيروذ «2» ، فحبسهم في حبوس ضيقة هناك، ودور تجري ~~مجرى القلاع، فكانوا فيها [32 ب] إلى أن مات أبو ms038 محمد، ومات منهم خلق في ~~الحبس، ثم أطلق [28 ط] بقيتهم، على قلتها، بعد موته بسنين، وزالت الفتنة ~~إلى الآن. # PageV01P088 ### || 38 لو سلم من العشق أحد لسلم منه أبو خازم القاضي # حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي «1» ، كاتب القضاة من بني عبد ~~الواحد بالبصرة، وله شعر جيد حسن، واتساع تام في الأدب، رواية «2» له وحفظ، ~~وكتب مصنفة فيه، قال: حدثني أبو إسحاق الزجاج، قال: # كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله «3» [يشرب] «4» ، وهو وزير، فغنت ~~[بدعة] «5» جارية [عريب] «6» . # أدل فأكرم به من مدل ... ومن ظالم لدمي مستحل # إذا ما تعزز قابلته ... بذل وذلك جهد المقل # فأدت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طربا شديدا، واستحسن الصنعة ~~والشعر، وأفرط في وصف الشعر. # فقالت بدعة: يا مولاي، إن لهذا الشعر خبرا أحسن منه. # PageV01P089 # قال: ما هو؟ # قالت: هو لأبي خازم القاضي «1» . # قال: فعجبنا من ذلك، مع شدة تقشف أبي خازم، وبغضه «2» ، وورعه، وتقبضه. # فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق، بكر إلى أبي خازم، وسله عن هذا ~~الشعر وسببه. # فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلا رجل بزي القضاة عليه قلنسوة، ~~فقلت له: شيء أقوله على خلوة. # فقال: قل، فليس هذا ممن أكتم. # فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب. # فتبسم، وقال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ إلى ~~القاضي الجالس، فإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة، ولقلبي ~~مالكة، أما الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين، وما عملت شعرا منذ دهر طويل، ~~وأنا أستغفر الله مما مضى. # قام: فوجم الفتى، وخجل، حتى ارفض عرقا. # وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، [وقال: لو سلم من العشق ~~أحد، لكان أبو خازم مع بغضه] «3» . # وكنا نتعاود ذلك زمانا. # PageV01P090 ### || 39 علوي يفتخر بنفسه # أنشدني أبو إسحاق «1» ، إبراهيم بن علي النصيبيني المتكلم، وأبو الفرج ~~عبد الواحد بن نصر الببغاء «2» وغيرهما، قالوا: # أنشدنا أبو عبد الله ابن الأبيض العلوي بالشام، لنفسه: # وأنا ابن معتلج البطاح تضمني ... كالدر في ms039 أصداف بحر زاخر # ينشق عني ركنها وحطيمها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر # كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهن مجاوري «3» # [وذكر أبو الحسن السلامي «4» : إن أبا الحسن الرامي مر على علي بن خلف ~~القطان البغدادي، وأنشده هذه الأبيات لنفسه] «5» . # PageV01P091 ### || 40 ابن قناش الجوهري يصف دجلة # أنشدني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله الطائي البغدادي، المعروف بابن قناش ~~الجوهري لنفسه: # أنا ظام فاسقنيها ... إنني حلف اختيال # ما ترى دجلة كالس ... احب أذيال الدلال # وهي تزهى بقصور ... عن يمين وشمال [29 ط] # وبماء قد حكى المد ... به ظهر غزال [33 ب] ### || 41 في هجاء مغن طنبوري # [ص 34] أنشدني أبو الحسن، محمد بن عبد الواحد، في ابن طرخان «1» المغني ~~الطنبوري، لنفسه، وله اتساع في الأدب تام: # قل لابن طرخان «2» أما تستحي ... تقرن تطفيلك بالباس # يا أخرج الناس من إيقاعه ... وأدخل الناس إلى الناس # وقال: # يا من يصيح بحلق ما له طبقه ... ولا يوافق زيرا لان أو خرقه # فارقت بينك والإيقاع في قرن ... فأنت أطفل من كلب على مرقه # فإن دعيت ففي الأحيان عن غلط ... وإن حظيت بشيء فهو من صدقه # PageV01P092 ### || 42 للكاتب بشر بن هارون في هجاء أحد خلفاء القضاة ببغداد # أنشدني أبو نصر بشر بن هارون، الكاتب النصراني البغدادي «1» ، لنفسه، في ~~أبي رفاعة بن كامل، أحد خلفاء القضاة ببغداد، على بعض سوادها: # قضى شعري على القاضي بحكم ... أجاب إليه مصفوعا مذالا # ولو لم يستجب لنتفت منه ... سبالا إن وجدت له سبالا # ونتف سباله شيء محال ... لأن الحلق صيره محالا # PageV01P093 ### || 43 بشر بن هارون الكاتب يشكو من رئيسين صرف أحدهما بالآخر # وأنشدني «1» لنفسه في شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في رئيسين صرف ~~أحدهما بالآخر، [وإنما كتبتهما إذ ذاك، لأنهما كانا حينئذ قدروهما في أبي ~~الفضل الشيرازي «2» لما صرف عن الوزارة بأبي الفرج بن فسانجس] «3» : # مضى من كان يعطينا قليلا ... ووافى من يشح على القليل # وأحسب أن سيملكنا مكد «4» ... متى اطرد القياس على الدليل # فقل للفاطمي «5» لقد تمادت ... أناتك في الحلول وفي الرحيل # فحث ms040 السير عل الله يهدي ... شفاء منك للبلد العليل # PageV01P094 ### || 44 أبو نصر البنص في مجلس سيف الدولة، يعلل سبب تسميته بالبنص # أخبرني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش، إنه كان بحضرة سيف الدولة ~~«1» ، وقد كان من ندمائه، قال: # كان يحضر معنا أبو نصر البنص، وكان هذا رجلا من أهل نيسابور، أقام ببغداد ~~قطعة من أيام المقتدر، وبعدها إلى أيام الراضي، وكان من أصحابنا في ~~المذهبين، يعني في الفقه مذهب أبي حنيفة، وفي الكلام مذهب أهل العدل ~~والتوحيد «2» ، وكان مشهورا بالطيبة، والخلاعة، وخفة الروح، وحسن المحاضرة، ~~مع عفة وستر، وتقلد الحكم في عدة نواح بالشام. # فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة، لم لقبت بالبنص؟ # قال: ما هذا لقب، إنما هو اشتقاق من كنيتي، كما اننا لو أردنا أن نشتق من ~~أبي علي مثل هذا، وأومأ إلى ابن البازيار، لقلنا ألبعل، ولو اشتققنا من أبي ~~الحسن مثل هذا، وأومأ إلى سيف الدولة، لقلنا ألبحس. # فضحك منه، ولم ينكر عليه. # PageV01P095 ### || 45 أبو نصر البنص في مجلس أبي بكر بن دريد # وخبرني أبو جعفر، قال: # حضرت ببغداد مجلس أبي بكر بن دريد «1» ، وأبو نصر هذا يقرأ عليه قصيدته ~~التي أولها [30 ط] : # أماطت لثاما عن أقاحي الدمائث ... بمثل أساريع الحقوف العثاعث # إلى أن بلغ إلى قوله: # إذا أنسوا ضبا بجانب كدية «2» ... أحاطوا على حافاتها بالربائث «3» # [34 ب] فقطع القراءة، وقال: يا أبا بكر، أعزك الله، ما الربائث «4» ؟ # قال ابن دريد: العرب تسمي الحراب العراض الحدائد، ربائث «5» . # فقال له البنص: أخطأت يا أبا بكر أعزك الله. # فعجبنا من جرأته على تخطئة أبي بكر في العلم، وتشوفنا إلى ما يجري. # فقال له أبو بكر، وكان وطيء الخلق: فما هي يا أبا نصر، أعزك الله؟ # قال: جمع ربيثاء «6» ، هذه [التي تقدم] «7» في السكرجات «8» . # وعاد يقرئنا في القصيد، محتدا، فضحكنا منه. # PageV01P096 ### || 46 أبو نصر البنص وصاحب الشرطة # حدثني أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر الخراساني، القاضي الفقيه، قال: قال ~~لي أبو نصر البنص هذا: # كنت في ms041 بعض المدن، وأنا غريب، فنزلت في خان، فكان يختلف إلي أحداث ورجال، ~~أقرئهم الفقه في غرفتي، وإذا انقضى الدرس، لعبنا ومزحنا. # فظن أهل الخان، أن اجتماعهم عندي، مع ما يسمعونه من المزح، لفساد، ~~فاستعدوا علي إلى صاحب الشرطة، وقالوا إنني قواد. # فأحضرت، فلما وقفت بين يديه، رأيت على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه قائما، ~~فأنعظت من شهوته، فقال لي الوالي: أنت قواد؟ # قال: وكنت بلا سراويل، فكشفت عن أيري، وقلت: هذا، أصلحك الله، أير قواد؟ # فضحك، وقال: لا، وفرق القوم عني، وأخذني لعشرته، فكنت أختلف إليه، مدة ~~كوني في البلد، وأعاشره. # PageV01P097 ### || 47 بين الأمير معز الدولة ووزيره أبي جعفر الصيمري # حدثني أبو حامد القاضي، قال: # كنت قائما بين يدي معز الدولة «1» ، فقال لأبي جعفر الصيمري «2» وزيره، ~~بالفارسية: يا أبا جعفر، أريد الساعة خمسمائة ألف دينار «3» ، لمهم لا يجوز ~~تأخيره. # فقال له الصيمري: أيها الأمير، رد ذلك، فإني أيضا أريد مثله. # فقال له: فإذا كنت أنت وزيري، فممن أريد هذا إلا منك؟ # فقال له الصيمري: فإذا لم يكن في الدخل فضل لذلك عن الخرج، فمن أين أجيئك ~~به؟ # قال: فحرد عليه معز الدولة وقال: الساعة والله أحبسك في الكنيف، حتى تجيء ~~بذلك. # فقال: إذا حبستني في الكنيف، خريت لك نقرة «4» بهذا المال؟ # فضحك منه، وأمسك عنه «5» . # PageV01P098 ### || 48 المدائني يتماجن على شيخ صوفي # حدثني أحمد بن محمد المدائني، قال: # وقفت في جامع المدينة ببغداد على حلقة صوفية، يتحاورون على الخطرات ~~والهواجس «1» ، ومسائل تشبه الوسواس، لم أفهمها. # وخطر لي أن أمجن بهم، فقلت: أيها الشيخ المصدر، مسألة. # فقال: هات. # فقلت: أخبرني إذا كنت شيخا في معناك، حلسا في ذات نفسك، فأصاب يافوخك ~~تقطيع [بعضب خزري] «2» على سبيل العلم، وكنت تحت الإرادة، هل يضر أوصافك ~~شيء، مع تعلقك بحبل القدرة [35 ب] ، يا بطال؟ # قال: فوقع لمن حوله إنها مسألة، وأخذوا يتعاطون الجواب. # وفطن الشيخ، فخفت أن يأمرهم بي، فانسللت. # PageV01P099 ### || 49 أبو أحمد الحارثي وصوفي يترنم بالرباعيات # حضرني أبو أحمد عبد الله بن عمر ms042 الحارثي، وعندي صوفي يترنم بشيء من [31 ~~ط] الرباعيات، فلم يستطبه أبو أحمد. # فقال له على البديهة: يا أخي لا أقطع حديثك إلا بخير. ### || 50 الشافعي وغلام الهراس # حدثني الفضل بن أحمد الحياني «1» ، قال: قال لي الشافعي، صاحب علي ابن ~~عيسى «2» : # علق مرة بلجام مركوبي، غلام هراس، بيده غضارة هريسة «3» ينادي عليها، ~~وشالها «4» إلى أنفي، وقال: جمع اللوز والغنم، ثم نادى يمينه «5» . # فقلت أعزك الله، هذا وجهي إلى الوزير، أخبره بهذا الخبر، فإن رأيت أن ~~تطلقني، فعلت. # PageV01P100 ### || 51 أبو محمد الواسطي والمغنية التي يهواها # حدثني أبو أحمد الحارثي، قال: # كان عندنا بواسط، رجل متخلف موسر، يقال له: أبو محمد بن أبي أيوب، وكان ~~يعاشرنا بمغنية يهواها، وكان من غنائها، صوت أوله: # إن الخليط أجد منتقله ... ولوشك بين حملت إبله # وكانت تغني فيه لحنا صعبا حسنا، لا يفهمه أبو محمد لتخلفه، فاقترحه يوما ~~عليها، فقال: بالله يا ستي غني لي: # إني خريت فجئت أنتقله فقالت: ويل لي، أنا أغني شيء من هذا؟ # ففطنت لما يزيد، فقلت لها: إنه يريد أن تغني له: # إن الخليط أجد منتقله فقالت له: قطع [الله] «1» ظهرك، أين ذا من هذا؟ ~~وغنت الصوت. # وكان من غنائها: # خليلي هيا نصطبح بسواد «2» # PageV01P101 # فقال لها يوما: بالله يا ستي، غني: # خليلي هيا نصطبح بسماد # فقالت له: إذا عزمت على هذا، فوحدك «1» . # قال: ودخلت إلينا يوما على غفلة، ونحن نصافعه ويصافعنا بالمخاد، فاستحيا، ~~وسألنا أن ندعه، فتركناه. # فلما، جلسنا على الشرب، طلب منها صوتا له عليها «2» ، وهو: # أبيني «3» سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا # فأعطته مخدة «4» . # PageV01P102 ### || 52 أبو الفرج الببغاء يمدح سيف الدولة # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي النصيبيني الكاتب ~~المعروف بالببغاء «1» ، قصيدة له في سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بني ~~كلاب، وعفوه عنهم: # إذا استلك الجانون أغمدك الحلم ... وإن كفك الإبقاء أنهضك العزم # وهي حقيقة بأن تورد كلها، ولكني اخترت من شعره، ما يصلح للمكاتبة في ~~الحوادث، أو ms043 الأمثال، أو معنى لم يسبق إليه، فتركت أكثر محاسن شعره، وحسن ~~نظمه، وبلاغته، وعذوبة كلامه، وأكثر إحسانه، موكولا إلى من ينظر في ديوانه. # ومن هذه القصيدة، مثل: # ومن لم يؤد به لفرط عتوه ... إذا ما جنى الإنصاف أدبه الظلم [36 ب] # ومنها: # إذا العرب لم تجز اصطناع ملوكها ... بشكر تعاوت في سياستها العجم # أعدها إلى عادات عفوك محسنا ... كما عودتها قبل آباؤك الشم # فإن ضاق عنها العذر عندك في الذي ... جنته فما ضاق التفضل والحلم [32 ط] # PageV01P103 ### || 53 القاضي أبو بكر بن سيار وحساب الأصابع # حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار، قال «1» : # ضربوا مثلا للإنسان فقالوا: # ابن عشر سنين، قد دار في أهله، كما دارت هذه على هذه، وأومأ إلى ابهامه ~~وسبابته، وعقد عشرا. # PageV01P104 # وابن عشرين، قد التصب بين أمري الكسب والعيال، كما انتصبت هذه بين هاتين، ~~وعقد بأصابعه عشرين. # وابن ثلاثين، قد استوى، كما استوت هذه على هذه، وعقد ثلاثين بأصابعه. # وابن أربعين، قد قام كما قامت هذه، وعقد بأصابعه. # PageV01P105 # وابن خمسين قد انحنى، كما انحنت هذه، وعقد خمسين بأصابعه. # وابن ستين، وعقدها بأصابعه، قد انحط في عمره وقوته، كما انحطت هذه على ~~هذه. # وابن سبعين، قد اضطجع، كما اضطجعت هذه على هذه. # PageV01P106 # وابن ثمانين، وعقدها، قد احتاج إلى ما يتوكأ عليه، كما توكأت هذه على ~~هذه. # وابن تسعين، قد ضاق عمره وأمعاؤه، كما ضاقت هذه. # وابن مائة، قد انتقل عن الدنيا إلى الأخرى، كما انتقل العقد من اليمين ~~إلى الشمال. # PageV01P107 ### || 54 هندي يقتل فيلا بحيلته من غير سلاح # وحدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار «1» ، قال: حدثني شيخ من أهل اليمن، ~~وذكر أن اسمه نعمان، وجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر، وأنه دخل ~~الهند والصين، قال: # كنت ببعض بلدان الهند، وقد خرج على ملكها خارجي، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب ~~الأمان، فأمنه، فسار ليدخل، من موضعه، إلى بلد الملك، فلما قرب، أخرج الملك ~~الجيش ليلتقيه، والآلات، وخرجت العامة، تنتظر دخوله، فخرجت معهم. # فلما بعدنا في الصحراء، وقف الناس ms044 ينتظرون طلوع الرجل، وهو راجل، في عدة ~~الرجال، وعليه ثوب ديباج، ومئزر في وسطه، جريا على زي القوم، فتلقوه ~~بالإكرام، ومشوا به، حتى انتهى إلى أفيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها ~~الفيالون، وفيها فيل عظيم يختصه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات. # فقال له الفيال، لما قرب منه: تنح عن طريق الفيل، فسكت، فأعاد عليه، ~~فسكت. # فقال له: يا هذا، احذر على نفسك، وتنح عن طريق فيل الملك. # فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحى عن طريقي. # PageV01P108 # فغضب الفيال، وأغرى الفيل به، بكلام كلمه، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجي، ~~ولف خرطومه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه، وأنا فيهم، ثم خبط به ~~الأرض، فإذا هو قد انتصب على قدميه فوق الأرض، ولم ينح يده عن الخرطوم. # فزاد غضب الفيل، وشاله أعظم من ذلك، وعدا، ثم رمى به الأرض، فإذا هو قد ~~حصل عليها مستويا على قدميه، منتصبا، قابضا على الخرطوم. # قال: فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك، فحصل على الأرض منتصبا، ~~قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة، منعه ~~من النفس، فقتله. # قال: فوكل به، وحمل [33 ط] إلى الملك، وحدث بالصورة، فأمر بقتله. # فاجتمع القحاب- بهذا اللفظ- وهم النساء الفواجر، يفعلن ذلك بالهند ظاهرا، ~~عند البد، تقربا إليه عندهم، بلا اجتعال «1» ، وهم العدول هناك، يشهدون في ~~الحقوق، ويقمن الشهادة، فيقطع بها حاكمهم. ويشاورن في الأمور، وفي الآراء، ~~وعندهن، إنهن ببذلهن نفوسهن عند البد، بغير اجتعال، قد صرن في حكم الزهاد، ~~والعباد. # قال: فقالت القحاب للملك، يجب أن تستبقي مثل هذا، ولا تقتله، فإن فيه ~~جمالا للمملكة، ويقال: إن للملك خادما، قتل فيلا بقوته وحيلته، من غير ~~سلاح. # فعفا عنه الملك واستبقاه «2» . # PageV01P109 ### || 55 ملك الهند يحاور الحكماء من رعيته # [حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار، قال: حدثني شيخ من أهل التيز ومكران ~~«1» ، لقيته بعمان، ووجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر] «2» ، وحدثني ~~القاضي، قال: حدثني هذا الشيخ: # إن رجلا بالهند من أهلها حدثه: أن خارجيا، خرج ms045 في بعض السنين، على ملك من ~~ملوكهم، فأحسن التدبير، وكان الملك معجبا برأيه، مستبدا به، فأنفذ إليه ~~جيشا، فكسره الخارجي، فزحف إليه بنفسه. # فقال له وزراؤه: لا تفعل، فإن الخوارج تضعف بتكرير الجيوش عليها، والملك ~~لا يجب أن يغرر بنفسه، بل يطاول الخارجي، فإنه لا مادة له يقاوم بها جيشا ~~بعد جيش، إذا توالت عليه جيوش الملك. # فلم يقبل «3» ، وخرج بنفسه، فواقعه، فقتله الخارجي، وملك داره ومملكته، ~~فأحسن السيرة، وسلك سبيل الملوك. # فلما طال أمره، وعز ذكره، وقوي سلطانه، جمع حكماء الهند، من سائر أعماله، ~~وأطراف بلدانه، وكتب إلى عماله أن يختار أهل كل بلد، مائة منهم، من عقلائهم ~~وحكمائهم، فينفذونهم إليه، ففعلوا. # فلما حصلوا ببابه، أمرهم باختيار عشرة منهم، فاختاروا، فأوصل # PageV01P110 # العشرة، وأوصل من أهل دار المملكة عشرة، وقال لهم: يجب على العاقل، أن ~~ينظر عيوب نفسه فيزيلها، فهل ترون في عيبا، أو في سلطاني نقصا؟ [37 ب] ~~فقالوا: لا، إلا شيئا واحدا، إن أمنتنا قلناه. # قال: أنتم آمنون. # قالوا: نرى كل شيء لك جديدا، يعرضون إنه لا عرق له في الملك. # فقال: فما حال ملككم الذي كان قبلي؟ # قالوا: كان ابن ملك. # قال: فأبوه؟ قالوا: ابن ملك. # قال: فأبوه؟ إلى أن عدد عشرة أو أكثر، وهم يقولون، ابن ملك، فانتهى إلى ~~الأخير. فقالوا: كان متغلبا. # قال: فأنا ذلك الملك الأخير، وإن طالت أيامي، مع إحساني السيرة، بقي هذا ~~الملك بعدي، في ولدي [وولد ولدي] «1» ، فصار لأولاد أولادهم من العرق في ~~الملك، مثل ما كان لملككم الذي كان من قبلي. # فسجدوا له، وكذا عادتهم إذا استحسنوا شيئا، ولزمتهم حجة، وانصرفوا، ~~فازداد بذلك الملك توطدا له. # قلت أنا للقاضي: هذا شيء قد سبقت العرب إليه في كلمتين، استغني بهما عن ~~هذا المثل الطويل العجمي. # فقال: ما هما؟ # فقلت [34 ط] : روت العرب أن رجلين تفاخرا، فقال أحدهما لصاحبه: نسبي مني ~~ابتدأ، ونسبك إليك انتهى. # PageV01P111 ### || 56 الصيمري وزير معز الدولة يرفق بأحد المصادرين # حدثني أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب ms046 الأصبهاني، قال: # حضرت الصيمري «1» ، في وزارته لمعز الدولة، وقد أحضر رجلا مصادرا، وقد ~~قرر أمره على مال. # فقال له: أعطني كفيلا، واخرج فصحح المال. # فقال: لا كفيل لي أوثق من إحسانك إلي أيها الأستاذ. # فرق له، وخفف مصادرته، وأحسن إليه. # PageV01P112 ### || 57 مهاترة بين بصري وسيرافي # حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر، قال: حدثني أبو بكر سعيد ~~بن هارون الطبيب، وكان أبوه سيرافيا «1» وجيها في بلده وغيرها، موسرا، قال: # خاصم أبي رجل من أهل البصرة، فقال له الرجل: تكلمني وأنت قطعة سيرافي؟ # فقال له سعيد: أنا نجار «2» في بلدي، وأنت عار في بلدك «3» . # PageV01P113 ### || 58 الوزير أبو محمد المهلبي وحد الإقبال والإدبار # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف «1» ، قال: حدثني قاضي القضاة أبو محمد ~~عبيد الله بن أحمد» # ، قال: # تجارينا بحضرة أبي محمد المهلبي، ذكر الإقبال والإدبار، فقال: # ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع، ولا الإدبار أكثر من الكسل ~~والتكبر. # PageV01P114 ### || 59 من شعر أبي الفرج الببغاء # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبيني المخزومي الكاتب، ~~المعروف بالببغاء «1» لنفسه قصيدة منها: # جاورت بالحب قلبا لم تذر فكري ... للحب مستمتعا فيه ولم تدع # يصبو ولكن يكف الحلم صبوته ... وأشرف الحب أدناه من الورع # وبي أمس غرام لو أنست إلى الشكوى ... ولكن أعد الصبر للجزع # ما بال أهل زماني من تجاهلهم ... بموضعي بين مغبون ومختدع # من لم تزد قومه أفعاله شرفا ... بالفضل فهو لمعنى غير مخترع «2» [38 ب] # عفت الموارد لما «3» لم أجد ظمأ ... في كثرة الماء ما يغني عن الجرع # PageV01P115 ### || 60 لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة # وأنشدني لنفسه قصيدة في سيف الدولة «1» رحمه الله أولها: # أفادت بك الأيام فرط تجارب ... كأنك في فرق الزمان مشيب # وكل بعيد قرب «2» الحين نحوه ... سلاهبك الجرد الجياد قريب # تباشر أقطار البلاد كأنها ... رياح لها في الخافقين هبوب # وتملأ ما بين الفضائين عثيرا ... مثارا بوجه الشمس منه شحوب # وما يدرك العلياء إلا مهذب ... يصاب على مقداره ويصيب # فلا تصطف الإخوان ms047 قبل اختبارهم ... فما كل خل تصطفيه نجيب # PageV01P116 ### || 61 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله # حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «1» ، قال: حدثني وكيل كان لأبي ~~المنذر النعمان بن عبد الله «2» ، قال: # كان من عادة النعمان، إذا كان في انسلاخ كل شتوة، أن يعمد إلى جميع ما ~~استعمله من خز وصوف وفرش وكوانين وآلة الشتاء، فيبيعه في النداء «3» . # ثم ينفذ إلى حبس القاضي، فينظر من حبس بإقراره، دون قيام البينة عليه، ~~ولا حال له، فيؤدي ما عليه من ثمن تلك الآلات، أو يصالح عنه [35 ط] ويخرجه، ~~إن كان المال ثقيلا. # ثم يعمد إلى من يبيع بيعا يسيرا، مثل بقلي «4» ورهداري «5» ، ومن رأس # PageV01P117 # ماله دينار، وديناران، وثلاثة، فيعطيه من عشرة دنانير إلى مائة درهم، ~~وأقل وأكثر، ليزيد في رأس ماله. # ويعمد إلى من يبيع في الأسواق مثل طنجير، وقدر، وقميص خلق، وما يغلب على ~~الظن أن مثله لا يباع إلا من ضر شديد، وإلى امرأة تبيع غزلها عجوز، فيعطيهم ~~أضعاف ثمنه، ويدعه عليهم. # ويعمل ألوانا من هذا الجنس كثيرة، يأمرني بفعلها، وصرف ثمن تلك الآلات ~~إليها. # فإذا انقضى «1» الصيف عمد إلى ما عنده من دبيقي، وقصب، وحصر، ومزملات، ~~وآلة الصيف، فيفعل به مثل ذلك. # فإذا جاء الشتاء والصيف ثانية، استجد جميع ما يحتاج إليه. # فلما كثر ذلك علي من فعله، قلت له: يا سيدي، إنك، هوذا، تفقر نفسك، من ~~حيث لا تنفع غيرك، لأنك تشتري هذه الثياب، والآلات، والفرش، في وقت الحاجة ~~إليها بضعف قيمتها، وتبيعها وقت استغناء كافة الناس عنها، فتشترى منك بنصف ~~قيمتها، فيخرج منك في ذلك، مال عظيم، فإن أذنت لي، ناديت على كل ما يباع، ~~فإذا استقرت العطية، وأخذت الدراهم «2» ، أخذته لك بزيادة، وعزلته إلى ~~الصيف أو الشتاء، ودفعت مثل ثمنه، من مالك، إلى هذه الوجوه. # فقال لي: ما أحب هذا، تلك الآلات قد متعني الله بها طول شتائي أو صيفي، ~~وبلغني وقت الغناء «3» [39 ب] عنها، وما أنا على ثقة من ms048 أني # PageV01P118 # أعيش إلى وقت الحاجة إليها ثانيا، ولعلي قد عصيت الله عليها، وفيها، فأنا ~~أحب بيع أعيانها؛ وصرف الثمن بعينه، في هذه الوجوه، شكرا لله على تبليغي ~~وقت الاستغناء عنها، وكفارة لما عصيته فيها، ثم إن أحياني الله إلى وقت ~~الحاجة إليها، فليس ذلك بغال، ولا يتعذر شراء مثله، واستجداد خلفه، والتمتع ~~بالجديد. # وفي بيعي إياه رخيصا، وشراي له غاليا، فائدة أخرى، وهي أن ينتفع الضعفاء ~~من التجار الذين أبتاع ذلك منهم، وأبيعه عليهم، بما فيه من الأرباح علي، ~~ولا يؤثر ذلك في حالي. # PageV01P119 ### || 62 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله # أخبرني القاضي «1» ، وقال: أخبرني هذا الوكيل «2» : # إن النعمان كان يعجبه، إذا قدم إليه لون من طعام طيب، أو حلو عجيب، أن لا ~~يمعن في أكله، ويأمر بدفعه بعينه إلى السؤال «3» . # وكان رسمه، أن يفرق في كل يوم، جميع ما يشال من مائدته، ويفضل في مطبخه، ~~عن وظائف غلمانه، فكان يجتمع على بابه، كل يوم، منهم جمع عظيم. # قال: فأكل يوما عنده صديق له هاشمي، فقدم إليه لون طيب، فما استتم أكله ~~حتى أمر به للسؤال، فشيل. # وقدم جدي سمين، فما تهنأوا بأكله حتى أمر به فرفع إلى السؤال، وقدم جام ~~لوزينج معمول بالفستق، وكان يعجب النعمان، ويلزمه على كل [36 ط] جام خمسون ~~درهما، وخمسة دنانير، وأقل، وأكثر، على قدر كبر الجام، فما أكلوا منه إلا ~~يسيرا، حتى قال: ارفعوه إلى السؤال. # فقبض الهاشمي على الجام، وقال: يا هذا، أحسب أننا نحن السؤال، ودعنا ~~نتهنا بأكله، لم تدفع كل ما تشتهيه للسؤال؟ وما للسؤال وهذا؟ # PageV01P120 # لهم في لحم البقر، وعصيدة التمر كفاية، والله لا شلته. # فقال: يا سيدي، إن عادتي ما تراه. # قال: بئست العادة، لا نصبر لك عليها، تقدم أن يعمل للسؤال إذا كان لا بد ~~لك من ذلك، مثل هذا، ودعنا نحن نتمتع بأكله، أو ادفع إليهم مثل ثمنه. # فقال: أفعل مستأنفا، وأتقدم بأن يصنع لهم مثله، فأما ثمنه، فإن السائل لا ~~تسمو نفسه، ms049 ولا يتسع صدره لعمل مثل هذا، ولو دفع إليه أضعاف ثمنه مرارا، ~~لأنه إذا حصلت عنده الدراهم، صرفها إلى غير هذا، في أمره المختل الذي هو ~~إلى إصلاحه أحوج، ولا يحسن أيضا، عمل مثل هذا، وأنا أحب أن يشاركوني في ~~الالتذاذ بما آكل، يا غلام، تقدم الساعة بعمل جامة «1» مثل هذه، وتفريقها ~~على السؤال، ففعل ذلك. # وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه، أمر بعمل مثل ما يقدم إليه، والصدقة به، ~~ولم يأمر برفع ذلك من [40 ب] حضرته، إلا إذا بشمه الحاضرون. # PageV01P121 ### || 63 أبو القاسم بن الحواري وعظيم بره بأمه # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # كان يألف أبا القاسم بن الحواري «1» ، رجل من أهل عكبرا «2» يخطب بأهلها، ~~وكان ماجنا، خفيف الروح، مليح الحديث والكلام، طيب النشوار والأدب، يكنى ~~بأبي عصمة، وكان يؤاكله دائما، ويختص به «3» ، وينفق عليه. # وكان أبو القاسم، شديد البر بأمه، فكان يتنغص لها بالماء فضلا عما سواه، ~~ولا يتهنأ بأكل شيء، إلا إذا أكلت منه، وكان من عادته إذا استطاب لونا، أن ~~ينفذه من مائدته إليها. # فأكل عنده أبو عصمة هذا، أول يوم، وهو لا يعرف رسمه، فقدم # PageV01P122 # لوزينج طيب، فما شبع منه أبو عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى ~~والدته. # وقدمت مضيرة جيدة، بفراخ مسمنة، ودجاج هندي، ودهن الجوز والخردل، فما ~~أكلوا منها حسبا «1» حتى أمر ابن الحواري، برفعها إلى والدته، فأخذ أبو ~~عصمة رغيفا، وقام يمشي مع الغضارة. # فقال له ابن الحواري: إلى أين يا أبا عصمة؟ # قال: إلى الوالدة يا سيدي، آكل معها هذه المضيرة، فإن هذه المائدة خراب، ~~والخصب عندها. # فضحك ابن الحواري، وتقدم برد اللون إليه. # PageV01P123 ### || 64 أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا # قال «1» ، وكان أبو عصمة هذا لي صديقا، وبي آنسا، فقال لي يوما: # إن أهل عكبرا سفل، وأنا مبتلى بالخطبة «2» بهم، فإذا صعدت المنبر، أو مأت ~~إليهم بيدي، إيماء السلام، فيؤذن المؤذن، ويحسبون أني قد سلمت عليهم، وإنما ~~أقول: لحاكم كلكم في استي. # PageV01P124 ### || 65 أصل نعمة سليمان الثلاج ms050 في بغداد # حدثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب «1» ، قال: ~~حدثني ابن سليمان الثلاج «2» قال: قال لي أبي: # كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجا، وذلك أنه عز الثلج في بعض السنين ~~ببغداد، وقل، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال. # فاعتلت شاجي «3» جارية عبيد الله بن عبد الله [37 ط] بن طاهر «4» ، وهو ~~إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجا، فلم يوجد إلا عندي. # فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بخمسة آلاف درهم، ~~وكنت قد عرفت الصورة. # فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة ~~روحه، وهي تتضور على الثلج، وتلح في طلبه. # فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأي ثمن كان ولا تراجعني. # فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل. # PageV01P125 # فقلت: لا أبيعك إياه إلا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع ~~للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل. # وسقيت العليلة منه، فقويت نفسها، وقالت: أريد رطلا [41 ب] آخر. # فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات رطلا آخر، إن كان عندك، فبعت ~~ذلك عليه. # فلما شربته العليلة، تماثلت، وجلست، وطلبت زيادة، فجاؤوني يلتمسون ذلك. # فقلت: ما بقي عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بزيادة، فداراني، وأعطاني ~~عشرة آلاف درهم، وأخذ رطلا. # وداخلتني رغبة في أن أشرب أنا شيئا من الثلج، لأقول إني شربت ثلجا سعر ~~الرطل منه عشرة آلاف درهم. # قال: فشربت منه رطلا. # وجاءني الوكيل قرب السحر، وقال: الله، ألله، قد والله صلحت العليلة، وإن ~~شربت شربة أخرى برأت، فإن كان عندك منه شيء، فاحتكم في سعره. # فقلت له: والله، ما عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بثلثين ألفا. # فقال: خذ. # فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفا، فقلت: هات عشرين ألفا، ~~واعلم أنك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا، لم تجد عندي شيئا، فقد فني. # فأعطاني العشرين ألف، وأخذ الرطل. # PageV01P126 # فلما شربته شاجي، أفاقت، ms051 واستدعت الطعام، فأكلت، وتصدق عبيد الله بمال. # ودعاني من غد، فقال: أنت- بعد الله- رددت حياتي بحياة جاريتي، فاحتكم. # فقلت: أنا خادم الأمير وعبده. # قال: فاستخدمني في ثلجه وشرابه، وكثير من أمر داره. # فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة، أصل نعمتي، وقويت بما انضاف إليها ~~من الكسب مع عبيد الله، طول أيامي معه «1» . # PageV01P127 ### || 66 بغداد في أيام المقتدر # تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن علي الهاشمي ابن أم شيبان ~~«1» في سنة ستين وثلاثمائة، عظم بغداد، وكثرة أهلها، في أيام المقتدر، وما ~~كان فيها من الأبنية، والشوارع، والدروب، وكبر البلد، وكثرة أهله، في سائر ~~أنواع الناس. # وذكرت أنا كتابا رأيته، لرجل يعرف بيزدجرد بن مهبندان الكسروي «2» ، كان ~~على عهد المقتدر، بحضرة أبي محمد المهلبي، كان سلم إلي وإلى جماعة ممن حضر، ~~كراريس منه، لننسخه، وننفذه إلى الأمير ركن الدولة، لأنه التمس كتابا في ~~وصف بغداد، وإحصاء ما فيها من الحمامات، وإنها كانت عشرة آلاف «3» ، ذكر في ~~الكتاب مبلغها وعدد من يحتوي عليه البلد من الناس، والسفن، والملاحين، وما ~~يحتاج إليه في كل يوم من الحنطة [38 ط] ، والشعير، والأقوات، وإنه حصل «4» ~~ما يصل إلى أصحاب المعابر فيه من الملاحين «5» فكان في كل يوم، أربعين # PageV01P128 # ألفا، أو ثلاثين ألفا. # وذكر غيري كتابا ألفه أحمد ابن الطيب «1» ، في مثل هذا. # فقال لي القاضي أبو الحسن: أما ذاك، فعظيم لا نعلمه، وقد شاهدنا [42 ب] ~~منه ما لا يستبعد معه أن يكون كما أخبر يزدجرد، وأحمد بن الطيب، إلا إنا لم ~~نحصه فنقطع العلم به، ولكن بالأمس، في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، لما ضمن ~~محمد بن أحمد المعروف بترة، بادوريا «2» ، عمرها، وتناهى في ذلك، فأحصينا ~~وحصلنا ما زرع فيها من جربان الخس، في هذه السنة، وقدرنا بكلواذى وقطربل ~~وقرب بغداد، ما يحمل إليها من الخس على تقريب، فكان الجميع ألفي جريب «3» ، ~~ووجدنا كل جريب خس يزرع فيه ستة أبواب «4» ، يقلع من كل باب من الأصول، كذا ~~وكذا، ولم أحفظه، يكون للجريب كذا وكذا ms052 أصلا، وسعر الخس إذ ذاك، على أوسط ~~الأسعار كل عشرين خسة بدرهم واحد «5» ، فحصل لنا أن ارتفاع الجريب، على ~~أوسط الريع والسعر، ثلاثمائة وخمسون درهما، # PageV01P129 # قيمتها خمسة وعشرون دينارا، يكون لألفي جريب، خمسون ألف دينار، وكل ذلك ~~يؤكل ببغداد، فما ظنك ببلد يؤكل فيه في فصل من فصول السنة، صنف واحد من ~~صنوف البقل، بخمسين ألف دينار. # ثم قال لنا القاضي، ولقد أخبرني رجل يبيع سويق الحمص «1» ، دون غيره من ~~الأسوقة، أسماه وأنسيته، إنه أحصى ما يتخذ في سوقه من سويق الحمص في كل ~~سنة، فكان مبلغه مائة وأربعون كرا «2» ، وأنه يخرج في كل سنة منه، حتى لا ~~يبقى منه شيء، فإذا حال الحول، طحنوا مثل ذلك. # هذا وسويق الحمص، غير طيب، وإنما يأكله الضعفاء والمتجملون، شهرين أو ~~ثلاثة من السنة، عند عدم الفواكه، وأضعافهم مرارا من الناس، من لا يأكل ذلك ~~أصلا. # ثم قال: قال لي بعض مشايخ الحضرة: عمارة بغداد، في سنة خمس وأربعين «3» ، ~~عشر ما كانت عليه في أيام المقتدر «4» ، على تحصيل وضبط، يعني في الأبنية ~~والناس. # PageV01P130 ### || 67 أحاديث في احتباس الحمل # جرى بحضرة القاضي أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي «1» احتباس «2» الحمل، ~~وقول الشافعي ومالك فيه ما قالاه. # فحكيت أنا فيه، ما روي من أن محمد بن عجلان، ولد لأربع سنين، وأن أسنانه ~~كانت تطحن «3» . # فقال لي القاضي أبو الحسن: كان لأبي، زوجة من ولد الأشعث بن قيس، كوفية، ~~فحملت منه أحد عشر شهرا بحساب صحيح ضبطناه وأعلمناه، مع شدة الاستظهار ~~والتحصيل، فيما يجب تحصيله والاستظهار به في مثل ذلك، فولدت بعد أحد عشر ~~شهرا بنتا، فعاشت البنت سنين، ولها أولاد. # قال: وحدثني أبي عن جدي: إنه شاهد بالكوفة، أربعة إخوة [43 ب] ولدوا في ~~بطن واحد، وعاشوا كلهم، وأسنوا، ومنهم من أعقب. # قال لنا القاضي: إن إسماعيل بن أبي خالد المحدث، له ثلاثة إخوة ولدوا في ~~بطن واحد، وكلهم عاشوا وأسنوا «4» . # PageV01P131 ### || 68 قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدة # حدثني أبو العباس هبة الله ms053 بن محمد بن المنجم [39 ط] ، عن أسلافه: # إن المأمون «1» نكب عاملا له، يقال له: عمرو بن نهيوي، صهر موسى بن أبي ~~الفرج بن الضحاك، من أهل السواد، موسرا، فأمر محمد ابن يزداد «2» أن يتسلمه ~~إليه، ويعذبه، ويعاقبه، حتى يأخذ خطه بعشرة آلاف ألف درهم، ويستخرجها منه. # فسلم عمرو إلى محمد، فأكرمه، وألطفه، وأمر بخدمته وترفيهه، وأفرده في ~~حجرة سرية من داره، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به، ولم يكلمه ~~ثلاثة أيام، والمأمون يسأل عن الخبر، فيبلغه ترفيهه له، فيغتاظ، ويسأله، ~~فيقول: هو مطالب. # فلما كان في اليوم الرابع، استدعى عمرو محمدا، فدخل إليه. # PageV01P132 # قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا، قد عرفت ما تقدم به إليك الخليفة في ~~أمري، ووالله ما رأيت هذا المال، ولا نصفه، ولا ثلثه قط، ولا يحتوي عليه ~~ملكي، ولعل الخليفة يريد دمي، وقد جعل هذا إليه طريقا، وقد تفضلت علي بما ~~لا يسعني معه أن أدخر جهدا في تجميلك عند صاحبك، وقد كتبت تذكرة بجميع ما ~~يحتويه ملكي، ظاهرا وباطنا، وهي هذه، وسلمها إلي، وإذا هي تشتمل على ثلاثة ~~آلاف ألف درهم، وعلي، وعلي، وحلف بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلظة، ما ~~تركت لنفسي بعد ذلك، إلا ما علي من كسوة تستر عورتي، وهذا وسعي، وجهدي، فإن ~~رأيت أن تأخذه، وتسأل الخليفة الرضا به مني، فإن فعل فقد خلصني الله بك، ~~ونجاني من القتل على يدك، وإن أبى، فإنه يسلمني إلى عدوي الفضل بن مروان ~~«1» ، وهو القتل، ووالله، لا أعطيت على هذا الوجه، درهما واحدا، ولا كنت ~~ممن يجيء على الهوان، دون الإكرام، وسأتلف، ولا يصل الخليفة إلى حبة من ~~مالي، ولكن المنة لك علي حاصلة «2» ، فإن عشت شكرتها، وإن مت فالله مجازيك ~~عني. # قال: فأخذت التذكرة، ورحت إلى المأمون. # فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي؟ # فقلت: إنه قد بذل ألفي ألف درهم، وليس عنده أكثر من ذلك. # PageV01P133 # فاستشاط، وقال: لا، ولا كرامة له، ولا أربعة آلاف ألف، ولا ثمانية آلاف ms054 ~~ألف. # وقال لي الفضل: ما دمت ترفهه، وتكرمه، وتجلسه على الدسوت، وتخدمه بنفسك ~~وغلمانك، كيف لا يتقاعد؟ # فقلت له: فتسلمه أنت إن شئت. # فقال الخليفة [44 ب] : خذه إليك. # فأخذه، وأرهقه، وطالبه بعشرة آلاف ألف، ودهقه «1» ، وضربه، وهو لا ينحل ~~بشيء. # فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف، فلم يستجب. # فقنع منه بثلاثة آلاف ألف، فلم يجب. # فلما زاد عليه المكروه، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب، فيجب المال عليه ~~في نفسه بإتلافه إياه، رفق به، وداراه، وخلع عليه، ورفهه أياما. # وقال له: كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم، وقد قنعت بها منك، ~~فهاتها. # فقال: ما ملكتها قط، ولا بذلتها لمحمد. # فجاء الفضل إلى المأمون، فاقتص عليه خبره معه، في معاقبته، ومطالبته ~~أولا، بالكل، واقتصاره ثانيا، وترفيهه له، وإكرامه، وقناعته منه بألفي ألف ~~درهم، وإقامته على أنه لا مال له، وإنكاره [40 ط] أن يكون بذل ذلك، وكنت ~~حاضرا. # فانقطع الحبل في يد المأمون، وكاد يهم بالفضل. # PageV01P134 # فقلت: يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون، وليس كل أحد يجيء على الهوان، ~~وإن الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به، فصار إليه، وعامله بمثله حيث ~~لم ينفع ذلك، ولو تركني معه في الأول، لاستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا، ~~وهذه تذكرة بخط عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف، فأخرجتها، وطرحتها بين ~~يديه. # وقلت: لو كنت علمت أن أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت، إلى ثلاثة آلاف ~~ألف، عنه، لبذلتها، فبذلت ألفي ألف، حتى إن لم يقنع، زدت ألف ألف، والآن ~~فقد فسد هذا، ووالله، لا أعطي عمرو، مع ما جرى عليه، حبة، فإن استحل أمير ~~المؤمنين دمه، فذاك إليه، وإلا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل. # قال: فاستحيا المأمون، وأطرق مفكرا مليا، ثم رفع رأسه، وقال: # والله لا كان كاتب من كتابي، ولا نبطي من عمالي، أكرم، وأوفى، وأصح ~~تدبيرا مني، قد وهبت لك يا محمد، عمروا وما عليه، فخذه، واصنع به ما شئت. # فتسلمته من الفضل بن مروان، وأطلقته ms055 مكرما إلى بيته. # PageV01P135 ### || 69 الحجاج بن يوسف الثقفي يأمر بتعذيب آزادمرد # ويشبه هذا الحديث، حديثا، وجدته بخط القاضي أبي جعفر بن البهلول «1» ، ~~ذكر أن محمد بن أحمد الحشمي «2» ، أخبره، قال: # قال الحجاج بن يوسف «3» ، لمحمد بن المنتشر: خذ إليك آزادمرد ابن الفرند، ~~فدق يده على رجله، حتى تستخرج منه المال الذي عليه. # قال محمد: فاستخرجت منه بالرفق، ثلاثمائة ألف درهم، في جمعة، فلم يرض ذلك ~~الحجاج، فأخذه مني، ودفعه إلى معد، صاحب عذابه، فدق يده، ودهقه، ودق ساقه. # فمر به علي، وأنا في السوق، معترضا على بغل، فقال: يا محمد ادن، فدنوت ~~منه. # PageV01P136 # فقال: إنك وليت مني مثل هذا، فأحسنت إلي، فأديت ما أديت عفوا، ووالله [45 ~~ب] لا يؤخذ مني درهم واحد كرها، ولي عند فلان ثلاثون ألفا، فخذها جزاء لما ~~صنعت. # فقلت: والله، لا أخذت منك، وأنت على هذه الحال، شيئا. # قال: أتدري ما سمعت من أهل دينكم، يحكون عن نبيكم؟ # قلت: لا. # قال: سمعتهم يقولون ويحكون عنه، إنه قال: إذا أراد الله بقوم خيرا ولى ~~عليهم خيارهم، وأمطرهم المطر في أوانه، وإذا أراد بقوم سوءا «1» ، ولى ~~عليهم شرارهم، وأمطرهم المطر في غير أوانه، ثم أمر قائد البغل، أن يقوده. # فلم أرم من مكاني «2» ، حتى جاءني رسول الحجاج، وقال: أجب، فمضيت إليه، ~~فوجدته متنمرا، والسيف منتضى في حجره. # فقال: ادن. # فقلت: لا والله، لا أدنو وهذا في حجرك. # فأضحكه الله، وأغمد السيف، وقال: ما خاطبك به المجوسي؟ # قلت: والله، ما غششتك منذ ائتمنتني، ولا كذبتك منذ صدقتني، فقصصت عليه ~~القصة. # فلما أردت أن أذكر الرجل الذي عنده الثلاثون ألف، أعرض، وقال: # لا تذكره، أما إن الكافر عالم «3» بآثار رسول الله [41 ط] صلى الله عليه ~~وسلم. # PageV01P137 ### || 70 الأمير معز الدولة البويهي ووزيره أبو محمد المهلبي # كان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه «1» ، لما ابتنى قصره بباب ~~الشماسية «2» ، والإصطبلات المتصلة بآخره من أحد جوانبه، التي لم يسبق إلى ~~حسنها، وعمل الميدان على دجلة متصلا بين القصر والبستان الشارع ms056 على دجلة، ~~الذي يلازق «3» دار صاعد بن مخلد «4» ، الذي كان منزلا لأبي جعفر # PageV01P138 # محمد بن يحيى بن شيرزاد «1» ثم صيره أبو جعفر الصيمري «2» بستانا، ~~والجميع الآن داخل في جملة قصر معز الدولة. # أول ما بدأ بأن بنى السور المحيط بالقصر والميدان، والمسناة العظيمة التي ~~من حد رقة «3» الشماسية إلى بعض الميدان، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ~~ذراع، وعرضها نيف وسبعون آجرة كبارا، سوى الدستاهيجات «4» التي تخرج منها ~~إلى داخلها لضبطها. # وكان العمل في ذلك متصلا، والصناع فيه متفرقين. # وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه، وخرج إلى كلواذى «5» ليتخذها ~~هناك، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى، ثم رحل إلى قطربل «6» ، فأراد أن ~~يبنيها عندها، ثم تقرر رأيه على بناء دار بباب الشماسية، حصينة، يستغني بها ~~عن المدينة، وتخف عليه نفقتها. # وقدر لذلك ألوف ألوف دراهم، وزادت النفقة على التقدير أضعافا. # وكان يطالب وزيره أبا محمد المهلبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك، # PageV01P139 # مع قصور الدخل «1» عن الخرج، فيلقى منه عنتا «2» . # ثم كلفه تولي [46 ب] البناء بنفسه وكتابه، فكان، وهم، يتولون ذلك. # فسعى بعض أصحاب معز الدولة إليه، أنهم يسنفون «3» البناء في السور، ~~ليتعجل بنفقة خفيفة، ويسرقون الباقي. # وأوقفه على موضع منه، كان فيه ساف لبن لم يحكمه الصناع، ومشى عليه بحضرة ~~معز الدولة- لأنه ركب إليه- فانقلعت منه لبنة. # فحمي طبعه، وكان حديدا جدا، سليم الباطن مع ذلك، وإذا أخرج حدته، وانقضت ~~سورة غضبه، يندم على فعله، ولكن من يقوم على تلك الحدة. # فأحضر المهلبي، وواقفه على ما رآه، فأخذ يحتج عليه. # فحمي، وأمر به، فبطح، وضرب مقارع كثيرة. # ثم قال: اخنقوه، فجعل في عنقه حبل، وأمسكه ركابيون فوق السور، ليشيلوه، ~~فيخنق. # وبلغ خبره القواد، والأتراك، وخواصه، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه، ~~ومسألته الصفح عنه، فأنزله، وأطلقه. # فمضى إلى داره كالميت، وأظهر قلة حفل بذلك، لئلا يشمت أعداؤه، ويطمعوا في ~~صرفه، ويتقولون «4» عليه بانكسار إن بان منه، ولئلا يبلغ صاحبه أنه مستوحش ~~من ذلك، فيستوحش منه. # PageV01P140 # وكانت عادته أن يشرب ms057 في تلك الليلة النبيذ، ويدعو الغناء، فجمع الندماء، ~~ليري قلة الاكتراث بما جرى عليه. # وعاد إلى داره وقد قرب المساء، فدعا بما يأكله، فأكل، وندماؤه معه، وليس ~~فيه فضل لشدة الألم، وهو يتجلد، ويتحدث. # ثم دعا بنبيذ، فقالوا له: أيها الوزير، لو استرحت، وطرحت نفسك، كان أولى ~~من النبيذ، فليس هذا وقته، وذنبوا له في هذا. # فأخذ هو يعزيهم عما جرى [42 ط] عليه، ويسليهم، وتمثل في كلامه بهذا ~~البيت: # فإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر # ثم شرب أقداحا، وقام. # أخبرني بذلك، من حدثه به «1» ، من ندماء أبي محمد، عن مشاهدة. # PageV01P141 ### || 71 الأمير معز الدولة وحدة طبعه # وكانت عادة الأمير معز الدولة، إذا حمي جدا، أن يأمر بالقتل، ويكره أن ~~يتم ذلك، ويعجبه أن يسأل العفو. # وقد فعل هذا، كثيرا جدا، بخلق من جملة أصحابه. # وأول ما عرف ذلك منه، وأقدم لأجله على مساءلته العفو، إذا أمر بقتل صاحب ~~له، أنه أنكر على رجل بالأهواز، وهو إذ ذاك مقيم بها، وكان الرجل ضرابا «1» ~~يعرف «2» بابن كردم، أهوازي، ضمن منه عمالة دار الضرب بسوق الأهواز، فضرب ~~دنانير رديئة، ولم يعلم الأمير بها، فأنفذها إلى البصرة ليشتري بها الدواب، ~~والبريديون إذ ذاك بها، فلم تؤخذ لشدة فسادها، فردت، وعاد الراضة الذين كان ~~أنفذهم لذلك، فعرفوه الخبر، فحمي [47 ب] ، وأحضر ابن كردم هذا، وخاطبه، ~~وازداد طبعه حميا، إلى أن أمر بأن يخنق على قنطرة الهندوان «3» ، بالأهواز. # فأخرج من بين يديه، وخنق، ومات، وعاد من كان أمره بذلك، فوقف بحضرته. # فقال له: ما فعل الرجل؟ قال: خنقناه ومات. # فكاد أن يطير غضبا، وشتمه، وشتم الحاضرين، وقال: ما كان فيكم من يسألني ~~أن لا أقتله؟ وأخذ يبكي، وكان فيه تحرج من القتل. # فقالوا: ما علمنا، وخفناك. # فكان بعد ذلك إذا أمر بقتل إنسان، سئل، وروجع، فيعفو. # PageV01P142 ### || 72 من مكارم أخلاق الأمير سيف الدولة # أخبرني طلحة بن عبيد الله بن قناش، قال: # كنت يوما في مجلس حديث وأنس، بحضرة سيف الدولة، ms058 أنا وجماعة من ندمائه، ~~فأدخل إليه رجل، وخاطبه، ثم أمر بقتله، فقتل في الحال. # فالتفت إلينا، وقال: ما هذا الأدب السيء، وما هذه المعاشرة القبيحة التي ~~نعاشر ونجالس بها؟ كأنكم ما رأيتم الناس، ولا سمعتم أخبار الملوك، ولا عشتم ~~في الدنيا، ولا تأدبتم بأدب دين ولا مروءة. # قال: فتوهمنا أنه قد شاهد من بعضنا حالا يوجب هذا، فقلنا: # كل الأدب إنما يستفاد من مولانا أطال الله بقاءه- وهكذا كان يخاطب في ~~وجهه- وما علمنا أنا عملنا ما يوجب هذا، فإن رأى أن ينعم بتنبيهنا، فعل. # فقال: أما رأيتموني، وقد أمرت بقتل رجل مسلم لا يجب عليه القتل، وإنما ~~حملتني السطوة والسياسة لهذه الدنيا النكدة، على الأمر به، طمعا في أن يكون ~~فيكم [رجل] «1» رشيد فيسألني العفو عنه، فأعفو، وتقوم الهيبة عنده وعند ~~غيره، فأمسكتم حتى أريق دم الرجل، وذهب هدرا. # قال: فأخذنا نعتذر إليه، وقلنا: لم نتجاسر على ذلك. # فقال: ولا في الدماء؟ ليس هذا بعذر. # فقلنا: لا نعاود. # واعتذرنا حتى أمسك. # PageV01P143 ### || 73 الخليفة المعتضد يعذب شخصا حاول الخروج عليه # حدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدثني أبي قال: # كنت أكتب لبدر اللاني «1» [43 ط] في أيام الموفق «2» ، والمعتضد «3» ، ~~وأدخل الدار معه، وأليه، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة «4» ، ~~وقد جعله كردناكا «5» . # PageV01P144 # قال: فقلت له: كيف فعل ذلك؟ وما كان سببه؟ # فقال: إن رجلا من أولاد الواثق، كان يسكن مدينة المنصور، سعى في طلب ~~الخلافة، واستوزر شيلمة، فأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة، من ~~الهاشميين، والقضاة، والقواد، والجيش، وأهل بغداد الأحداث، وأهل العصبية، ~~وقوي أمره، وانتشر خبره، وهم بالظهور في المدينة، والاعتصام بها، والتحصن، ~~حتى إذا أخذ المعتضد، صار إلى دار الخلافة. # فبلغ المعتضد الخبر على شرحه، إلا اسم المستخلف. # فكبس شيلمة [48 ب] وأخذه، فوجد في داره جرائد «1» بأسماء من بايع، وبلغ ~~الهاشمي الخبر، فهرب. # وأمر المعتضد بالجرائد، فأحرقت ظاهرا، لئلا يعلم الجيش بوقوفه عليها ~~فتفسد نياتهم له، بما يعتقدون من فساد نيته عليهم. # وأخذ يسائل ms059 شيلمة عن الخبر، فصدقه عن جميع ما جرى، إلا اسم الرجل الذي ~~يستخلف، فرفق به ليصدقه عنه، فلم يفعل. # وطال الكلام بينهما [فتوعده] «2» ، فقال له: والله، لو جعلتني كردناكا، ~~ما أخبرتك باسمه. # فقال المعتضد للفراشين: هاتم أعمدة الخيم الكبار الثقال، [فجاءوه بها] ~~«3» وأمر أن يشد عليها شدا وثيقا [فشد] «4» ، وأحضروا فحما عظيما، وفرش على ~~الطوابيق «5» بحضرته، وأججوا نارا، وجعل الفراشون يقلبون # PageV01P145 # شيلمة على تلك النار، وهو مشدود على الأعمدة «1» ، إلى أن مات وانشوى «2» ~~. # [وأخرج من بين يديه ليدفن، فرأيته على هذه الصورة] «3» . # قال: وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة، فهدم منه شيء يسير، ~~فاجتمع إليه الهاشميون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فخرنا، وذكرنا، ومأثرتنا ~~«4» فأمر بقطع الهدم، وصرف حفظة كانوا عليه متوكلين برعيه، ورخص فيه، وتركه ~~وأهمله، وخلى بينه وبين الناس. # فما مضت إلا سنيات، حتى هدم الناس أكثره، أولا فأولا، ووسعوا به ما ~~يجاوره من دورهم، واستضافوا مكانه إليها، حتى إن ذلك اتسع، فجعل وزير «5» ~~المقتدر، على كل دار هذا حكمها، أجرة العرصة بحسب ذلك، وكان لها ارتفاع «6» ~~كثير. # ثم تبع ذلك بسنين، خراب المدينة، أولا فأولا، حتى بلغت إلى ما هي عليه. # PageV01P146 ### || 74 بابك الخرمي وجلده وصبره على العذاب # ومن عجيب أخبار قوة النفس: # إن أخا بابك الخرمي «1» ، المازيار «2» ، قال له لما أدخلا على المعتصم: ~~يا بابك إنك قد عملت ما لم يعمله أحد، فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد. # فقال له: سترى صبري. # فلما صار بحضرة المعتصم، أمر بقطع أيديهما وأرجلهما بحضرته. # فبدىء ببابك، فقطعت يمناه، فلما جرى دمها، مسح به وجهه كله، حتى لم يبق ~~من حلية وجهه، وصورة سحنته، شيء. # فقال المعتصم: سلوه لم فعل هذا؟ # فسئل، فقال: قولوا للخليفة، إنك أمرت بقطع أربعتي، وفي نفسك قتلي، فلا شك ~~أنك لا تكويها، [44 ط] وتدع دمي ينزف إلى أن تضرب عنقي، فخشيت أن يخرج الدم ~~مني، فتبين «3» في وجهي صفرة يقدر لأجلها # PageV01P147 # من حضر، أني قد فزعت من الموت، وانها لذلك، لا من خروج الدم، فغطيت ms060 وجهي ~~بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة. # فقال المعتصم: لولا أن أفعاله لا توجب العفو عنه، لكان حقيقا بالاستبقاء ~~لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه. # فقطعت أربعته، ثم ضرب عنقه، وجعل الجميع على بطنه «1» ، وصب عليه النفط، ~~وضرب [49 ب] بالنار. # وفعل مثل ذلك بأخيه «2» ، فما كان فيهما من صاح وتأوه. # PageV01P148 ### || 75 عافية الباقلاني وخالد الحذاء يسيران حافيين على باب حديد محمي # وقد حكي: أن عافية الباقلاني، وخالد الحذاء «1» ، رئيسي أصحاب العصبية في ~~زمانهما، بايعا «2» على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك. ~~فلما حصلا فوقه، حل أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: ~~انطرني أتوزرهما عطفيين «3» ، أي انتظر حتى أتزر. # قال: فما فارقه، حتى شد مئزره، وهما فوق الباب المحمي، ثم تمم مشيه، حتى ~~خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة «4» ، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو ~~عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها ~~الإنسان [لساعته] «5» على راحته، لأن البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس ~~البخار إلى أسفلها. # وقد شاهدت أنا، أبا الأغر بن [أبي] «6» شهاب التيمي «7» بالبصرة، فعل ~~ذلك، وإلا، فلا أدري ما هو. # PageV01P149 # وقد أخبرني غير واحد، أن القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى ~~تبيض بياضا شديدا، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع ~~فيها الحمي، لم تضر لسانه. # وقد شاهدت أنا، أبا الحسن علي بن محمد بن أحمد التنوخي، وقد أدخل إلى ~~فيه، غير مرة، شمعة [مشعلة] «1» فيها رطل، وعض عليها، وكشر شفتيه لي، حتى ~~تبينت اتقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير منطفئة. # وسألته عن علة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق ~~الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضر، لأن ما يتصاعد من حمي الجوف، ~~يغلب على حماها «2» ، فلا تضر. # PageV01P150 ### || 76 كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل # ومن طريف عقوبات المعتضد، قتلته إسماعيل بن بلبل «1» ، حدثني أبي، قال: ~~أخبرني جماعة ms061 من أهل الحضرة، يعرفون ويحصلون: # إن المعتضد أمر بإسماعيل بن بلبل، فاتخذ له تغار «2» كبير، وملىء ~~إسفيداجا حيا «3» ، وبله، ثم جعل بالعجل رأس إسماعيل فيه، إلى آخر عنقه، ~~وشيء من صدره، وأمسك حتى جمد الإسفيداج، فلم تزل روحه تخرج بالضراط، إلى أن ~~مات «4» . # PageV01P151 ### || 77 الخليفة المعتضد يقتل آخر بسد جميع منافذه # وأخبرني أيضا «1» رحمه الله: # إن المعتضد، أمر برجل «2» فسد بالقطن أنفه، سدا شديدا، وفمه، وعيناه، ~~وأذناه، [ومنخراه] «3» ، وذكره، وسوءته «4» ثم كتف وترك، فلم يزل ينتفخ، ~~ويزيد، إلى أن طار قحف رأسه ومات «5» . # PageV01P152 ### || 78 قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخي، قال: # قال أبي: # كنت مع [45 ط] صاحبي الذي كنت أكتب له، بدر اللاني، في عسكر الموفق، وهو ~~يقاتل صاحب الزنج «1» . # فرمى زنجي «2» من أصحاب الخائن «3» ، يقال له: قرطاس، الموفق، بسهم، ~~فأصاب ثندوءته «4» ، وصاح [50 ب] : خذها مني وأنا قرطاس، فصارت مثلا للرماة ~~إلى الآن «5» . # فحمل الموفق صريعا في حد التلف، ونزع السهم وكان مقطنا «6» ، فبقي الزج ~~«7» مكانه، وجمع «8» ، وانتفخ، وأمد «9» ، وأشرف على الموت. # PageV01P153 # واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن، وكانوا يصيحون بنا في كل يوم: # ملحوه، أي: قد مات الموفق، فاجعلوه مكسودا «1» . # فأجمع رأي الطب على بطه، فلم يمكنهم الموفق من ذلك. # فقالوا للمعتضد: إنه إن لم يبط، عمل إلى داخل، فأتلفه. # فقال: احتالوا عليه وبطوه، وأنا أمنعكم منه «2» . # فطول أحد الطب، ظفر إبهامه اليمين، وجعل تحته حديدة مبضع، وجاء إلى ~~الموفق، فقال: أيها الأمير، دعني أجسه، وأنظر كيف هو. # فقال: لعلك تبطه؟ # فأراه يده، وقال: كيف أبطه، وليس في يدي حديد، فمكنه منه، فجسه وخرقه ~~بالمبضع من أوله إلى آخره مستعجلا، فندر الزج وخرج، وتبعته مدة عظيمة وقيح. # ففزع الموفق في حال البط، لمجيئه على غفلة، فلكم» # الطبيب، فقلبه عن مكانه، فلما استراح بما خرج من الموضع، ووجد خفة، خلع ~~على الطبيب، وأجازه، وعولج إلى أن برئ. # وجعل أبو العباس وكده «4» طلب قرطاس، وكان إذا رآه في الحرب، طرح نفسه ~~لأخذه، ms062 فيحاربه قرطاس أشد حرب، ويقول له بعجمته: # «يا بلئباس، يريد يا أبا العباس، إن وقعت في يدك، قد مني أوتارا» . # قال: فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره، حتى أخذه أسيرا، وقد # PageV01P154 # وقعت به جراحات، فجاء به إلى الموفق، فأمر بضرب عنقه. # فقال له المعتضد: تهب لي قتله، حتى أعمل به ما أريد. # فقال: أنت أحق به، فخذه، فأخذه، فقد من أصابعه الخمس «1» أوتارا. # قال: فقلت لأبي: كيف فعل ذلك؟ # فقال: قلع أظفاره، وسلخ جلد أصابع كفه من رؤوسها، إلى أكتافه، وعبر بها ~~صلبه وكتفيه إلى آخر أصابعه الأخرى، وجلد بني آدم غليظ، فخرج له ذلك، فأمر ~~أن تفتل له أوتار، ففعل، وصلب بها قرطاس «2» . # PageV01P155 ### || 79 من طريف حيل اللصوص- 1 # ومن طريف حيل اللصوص، الواقعة في عهدنا «1» ، ان أبا القاسم، عبيد الله ~~بن محمد الخفاف، حدثني: # إنه شاهد لصا قد أخذ، وتشاهدوا عليه، إنه يفش «2» الأقفال في الدور ~~اللطاف التي يخمن على أنها لعزب. # فإذا دخل، حفر في الدار حفرة لطيفة، كأنها بئر النرد، وطرح فيها جوزات، ~~كأن إنسانا كان يلاعبه، وأخرج منديلا فيه مقدار مائتي جوزة، فتركه إلى ~~جانبها، ثم دار فكور كل ما في الدار، مما يطيق حمله. # فإن لم يفطن به أحد، خرج من الدار، وحمل ذلك كله. # وإن جاء [51 ب] صاحب الدار، ترك عليه قماشه، وطلب المفالتة والخروج. # فإن كان صاحب الدار جلدا، فواثبه ومنعه، وهم [46 ط] بأخذه وصاح: اللصوص، ~~واجتمع الجيران، أقبل عليه، وقال: ما أبردك، أنا أقامرك بالجوز منذ شهور ~~وقد أفقرتني، وأخذت مني كل ما أملكه، [وأهلكتني] «3» ما صحت، ولا فضحتك بين ~~جيرانك، أنت لما قمرتك الآن قماشك، أخذت تدعي علي اللصوصية؟ يا غث، يا ~~بارد، بيني وبينك دار القمار، الموضع الذي تعارفنا فيه، قل بحذائهم، وبحذاء ~~هؤلاء الحاضرين، # PageV01P156 # قد ضغيت «1» حتى أدع عليك قماشك. # فكلما قال الرجل: هذا لص، فيقول الجيران: إنما يريد أن لا يفضح [نفسه] ~~«2» بالقمار، فقد ادعى عليه اللصوصية، ولا يشكون أنه مقامر، وأن الرجل ~~صادق، ويخلصون ms063 بينهما، ثم يأخذ الجوز وينصرف، [ويفتضح الرجل بين جيرانه] ~~«3» . ### || 80 من طريف حيل اللصوص- 2 # وأخبرني أيضا «4» : # إنه شاهد آخر، كان يدخل الدار الآهلة [نهارا] «5» ، ويعتمد التي فيها ~~النساء، ورجالهم خارجون. # فإن تمت له الحيلة، وأخذ منها شيئا، انصرف. # وإن فطن له، وجاء صاحب الدار، أو همه أنه صديق زوجته، وأنه من بعض غلمان ~~القواد، ويقول له: استر علي هذا عند صاحبي، وعلى نفسك، ويتزيا بالأقبية «6» ~~، يوهم الرجل أنه لا يمكنه رفعه إلى السلطان # PageV01P157 # في الزنا، إن اختار فضيحة نفسه. # وكلما ادعى عليه اللصوصية، صاح بهذا الحديث، فيجتمع الجيران، فيشيرون على ~~الرجل بالستر على نفسه. # وكلما أنكر ذلك، قالوا: هذا محبة بزوجته، ويخلصون اللص من يده، حتى ربما ~~أجبروه على صرفه. # وكلما جحدت المرأة، وحلفت، وبكت، وأقسمت «1» إنه لص، كان ذلك أدعى لهم ~~إلى تخليته. # فيتخلص، ويعود الرجل، ويطلق زوجته، ويفارق أم ولده، فأخرب غير منزل، ~~وأفقر آخرين، بهذا. # إلى أن دخل دارا فيها عجوز، لها أكثر من تسعين سنة، ولم يعلم، وأدركه رب ~~البيت، فأخذ يوهمه ذلك، فقال: يا كشخان «2» ليس في الدار إلا أمي، ولها ~~تسعون سنة، وهي منذ أكثر من خمسين سنة، قائمة الليل، صائمة النهار، طول ~~الدهر، أفتراها هي عشقتك، أم أنت عشقتها؟ # وضرب فكيه. # واجتمع الجيران، فقال اللص ذلك، فكذبوه، لما يعرفون به المرأة من الدين ~~«3» والصلاح، فضرب، وأقر بالصورة «4» فحمل إلى السلطان. # PageV01P158 ### || 81 القصري غلام الحلاج كان يصبر على الجوع خمسة عشر يوما # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: # بلغني أن الحسين بن منصور الحلاج «1» [كان] «2» لا يأكل شيئا [52 ط] شهرا ~~أو نحو ذلك، على تحصيل ورصد، قال: فهالني هذا، وكانت بيني وبين أبي الفرج ~~بن روحان الصوفي مودة، وكان صالحا من أصحاب الحديث، دينا، وكان القصري، ~~غلام الحلاج، زوج أخته، فسألته عن ذلك. # فقال: أما ما كان الحلاج يفعله، فلا أعلم كيف كان يتم له، ولكن صهري ~~القصري غلامه، قد أخذ نفسه سنين، بقلة الزاد، ودرجها على ذلك، حتى تمكن بعد ms064 ~~مدة، أن يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما، ونحو ذلك [47 ط] ، أقل أو أكثر. # وكان يتم له ذلك بحيلة كانت تخفى علي، فلما حبس في جملة الحلاجية، كشفها ~~لي، وقال: إن الرصد، إذا وقع بالإنسان شديدا، وطال فلم # PageV01P159 # تنكشف معه حيلة، ضعف عنه الرصد [ثم لا يزال يضعف، كلما لم تنكشف حيلته، ~~حتى يبطل أصلا، فيتمكن حينئذ، من فعل ما يريد] «1» . # وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما، فما رأوني آكل شيئا [بتة] «2» ، وهذا ~~نهاية صبري عن فقد الغذاء، وإن لم آكل بعده بيوم، تلفت، فخذ رطلا من الزبيب ~~الخراساني، ورطلا من اللوز [السمين] «3» . # ودقهما، واجعلهما مثل الكسب «4» وأصلحهما صفيحة رقيقة، فإذا جئتني غدا، ~~فاجعلها بين ورقتين من دفتر، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا، مطويا في كفك طيا ~~مدورا من غير انتشار، ليخفى ما فيه، فإذا خلوت بي، ولم تر من يلاحظني، ~~فاجعل ذلك تحت ذيلي، وانصرف، فإنني آكله سرا، وأشرب الماء إذا تمضمضت ~~للطهور «5» ، فيكفيني خمسة عشر يوما أخرى، إلى أن تجيئني «6» ثانيا، على ~~هذا السبيل. # ومتى رصدني هؤلاء في هذه الخمسة عشر يوما الثانية، لم يجدوني آكل شيئا ~~على الحقيقة، إلى أن تعود أنت بعد هذه المدة بالقوت، فأغتفلهم في أكله ~~أيضا، فيقوم بي. # قال: فكنت أعمل ذلك معه، طول حبسه. # PageV01P160 ### || 82 ما اشترطه أبو سهل بن نوبخت لكي يؤمن بدعوة الحلاج # حدثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: # لما قدم الحلاج بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس، والرؤساء، وكان طمعه ~~في الرافضة أقوى، لدخوله من طريقهم. # فراسل أبا سهل بن نوبخت «1» ، ليستغويه، وكان أبو سهل من بينهم، مثقفا، ~~فهما، فطنا. # فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها، قد تأتي فيها الحيل، ~~ولكن أنا رجل غزل، ولا لذة لي أكثر من النساء وخلوتي بهن، وأنا مبتلى ~~بالصلع، حتى إني أطول شعر قحفي، وأجذبه إلى جبيني، وأشده بالعمامة، وأحتال ~~فيه بحيل، ومبتلى بالخضاب، لستر المشيب. # فإن جعل لي شعرا، ورد لحيتي سوداء بلا خضاب، آمنت بما [53 ب] ms065 يدعوني ~~إليه، كائنا ما كان، إن شاء قلت إنه باب «2» الإمام، وإن شاء الإمام، وإن ~~شاء قلت إنه النبي، وإن شاء قلت إنه الله تعالى. # قال: فلما سمع الحلاج جوابه أيس منه، وكف عنه «3» . # وقال لي أبو الحسن: وكان الحلاج، يدعو كل قوم إلى شيء من هذه الأشياء ~~التي ذكرها أبو سهل، على حسب ما يستبله طائفة طائفة. # PageV01P161 ### || 83 الحلاج في مجلس الوزير حامد بن العباس # أخبرني أبو الحسين بن عياش القاضي، عمن أخبره: # إنه كان بحضرة حامد بن العباس، لما قبض على الحلاج، وقد جيء بكتب وجدت في ~~داره، من قوم تدل مخاطبتهم، إنهم دعاته في الأطراف، يقولون فيها: # وقد بذرنا لك في كل أرض ما يزكو فيها، وأجاب قوم إلى أنك الباب- يعنون ~~الإمام- وآخرون أنك صاحب الزمان- يعنون الإمام الذي تنتظره الأمامية- وقوم ~~إلى أنك [48 ط] صاحب الناموس الأكبر- يعنون النبي صلى الله عليه وسلم- وقوم ~~إلى أنك أنت هو هو- يعنون الله عز وجل-[تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا] «1» . # قال: فسئل الحلاج عن تفسير هذا الرمز، فأخذ يدفعه، ويقول: # لا أعرف هذه الكتب، هذه مدسوسة علي، لا أعلم ما فيها، ولا معنى لهذا ~~الكلام. # وحدثني أبو الحسين بن عياش، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير «2» ، ~~وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلاج، فيها: # إن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت من داره، ~~فيعمل فيه محرابا ذكره، ويغتسل، ويحرم، ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلي كذا، ~~ويقرأ كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتبها ~~وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ # PageV01P162 # من ذلك، فقد سقط عنه الحج إلى بيت الله الحرام. # وهذا شيء معروف عند الحلاجية، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنه عالم لهم، ~~ولكن ذكر أن هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال ليس ~~عندنا إنه يستغنى به عن الحج، ولكنه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، ~~بإضاقة، أو منع، أو علة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة. # قال ms066 لي أبو الحسين: فسئل الحلاج عن هذا، وكان عنده إنه لا يوجب عليه ~~شيئا، فأقر به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلق بذلك عليه. # واستفتى حامد، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي ~~الأنباري «1» ، وأبا عمر محمد بن يوسف «2» ، وهما إذ ذاك، قاضيا بغداد. # فقال أبو عمر: هذه زندقة، يجب عليه القتل بها، لأن الزنديق لا يستتاب. # وقال أبو جعفر: لا يجب عليه القتل، إلا أن يقر بأنه يعتقد هذا، لأن الناس ~~قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، فإن أخبر أن هذا شيء رواه وهو [54 ب] يكذب ~~به، فلا شيء عليه، وإن أخبر إنه يعتقده، استتيب منه، فإن تاب، فلا شيء ~~عليه، وإن لم يتب، وجب عليه القتل. # قال: فعمل في أمره على فتوى أبي عمر، وعلى ما شاع وذاع من أمره، وظهر من ~~إلحاده وكفره، واستغوائه الناس، وإفساده أديانهم، # PageV01P163 # فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصرا القشوري» # ، من طريق الصلاح والدين، لا مما كان يدعو إليه، فخوف نصر السيدة أم ~~المقتدر «2» . # من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك- يعني المقتدر- عقوبة هذا الشيخ ~~الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامدا بأن يقتله، فحم ~~المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيدة افتتانا، وتشكك المقتدر فيه، فأنفذ ~~إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخر ذلك أياما، إلى أن زال عن المقتدر ~~ما كان يجد من العلة، فاستأذنه حامد في قتله، فضعف الكلام فيه «3» ، فقال ~~له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتد خلق على يده، وأدى ~~ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن [49 ط] له ~~في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلا يتلون المقتدر. # فلما قتل، قال أصحابه، ما قتل هو، وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب، ~~اتفق إنه نفق «4» ذلك اليوم. وهو يعود إلينا بعد مدة، فصارت هذه الجهالة، ~~مقالا لطائفة منهم. # PageV01P164 ### || 84 طرائف من مخاريق الحلاج # وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلاج، هذا، التي يظهرها كالمعجزات، ms067 ~~ويستغوي بها جهلة «1» الناس، إظهار المآكل في غير أوانها، بحيل يقيمها، فمن ~~لا تنكشف له، يتهوس بها، ومن كان فطنا، لم تخف عليه. # فمن طريف ذلك، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد ~~الأهوازي، قال: أخبرني فلان المنجم، وأسماه، ووصفه بالحذق والفراهة، قال: # بلغني خبر الحلاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب [والمخرقات] «2» ~~التي يدعي أنها معجزات، فقلت أمضي وانظر من أي جنس هي من المخاريق. # فجئته، كأني مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال: تشه «3» الساعة ~~ما شئت، حتى أجيئك به. # وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار. فقلت له: أريد سمكا ~~طريا [في الحياة] «4» الساعة. # فقال: أفعل، اجلس مكانك. # فجلست، وقام، وقال: أدخل البيت، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك [به] «5» . # PageV01P165 # قال: فدخل بيتا حيالي وأغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض ~~وحلا إلى ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة. # فقلت له: ما هذا؟ # فقال: دعوت الله تعالى، فأمرني أن [55 ب] أقصد البطائح «1» فأجيئك بهذه، ~~فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار «2» ، وهذا الطين منها، حتى أخذت هذه. # فعلمت أن هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه ~~آمنت بك. # فقال: شأنك. # ودخلت البيت، وأغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة. # فندمت، وقلت: إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له، لم آمن أن يقتلني في ~~الدار، وإن لم أجد، طالبني بتصديقه، فكيف أعمل؟ # قال: وفكرت في البيت، فدققت «3» تأزيرة «4» ، وكان مؤزرا بإزار ساج، # PageV01P166 # فإذا بعض التأزير فارغ، فحركت منه جسرية «1» خمنت «2» عليها، فإذا هي قد ~~انقلعت، فدخلت فيها، فإذا ثم باب مسمر، فولجت منه إلى دار كبيرة، فيها ~~بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار، والثمار، والنوار، والريحان، التي هي في ~~وقتها، وما ليس هو في وقته، مما قد عتق، وغطي، واحتيل في بقائه، وإذا ~~بخزائن مليحة، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في ~~الحال، إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار، ms068 فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا، ~~كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة، وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء ~~إلى حد ما رأيت رجله. # فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي، قتلني، فقلت: أحتال عليه في الخروج. # فلما رجعت إلى البيت، أقبلت أقول: آمنت، وصدقت. # فقال لي: ما لك؟ # قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا [50 ط] التصديق بك. # قال: فاخرج. # فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموه عليه قولي، فحين خرجت، أقبلت أعدو إلى ~~باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أني قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو ~~خلفي، فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني، حتى مضيت إلى ~~اليم «3» ، فاستخرجت لك هذه منه. # PageV01P167 # قال: فاشتغل [عني] «1» بصدره وبعينيه، وما أصابه «2» من السمكة، وخرجت. # فلما صرت خارج الدار، طرحت نفسي مستلقيا، لما لحقني من الجزع والفزع. # فخرج إلي، وصاح بي، وقال: ادخل. # فقلت: هيهات، والله لئن دخلت، لا تركتني أخرج أبدا. # فقال: اسمع، والله لئن شئت قتلك على فراشك، لأفعلن، ولئن سمعت بهذه ~~الحكاية لأقتلنك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن ~~على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني، ودخل. # فعلمت أنه يقدر على ذلك، بأن يدس أحد من يطيعه «3» ويعتقد فيه ما يعتقد، ~~فيقتلني. # فما حكيت الحكاية [56 ب] ، إلى أن قتل. # PageV01P168 ### || 85 من أقوال الحلاج وتواقيعه # وكان الحلاج، له الكتب المصنفة في مذاهبه، يسلك في كلامه فيها، مذاهب ~~الصوفية، في الهوس، ويكثر من ذكر النور الشعشعاني، وإذا أفصح بكلام مفهوم، ~~كان ترسله حسنا، وتلفظه به مليحا. # أخبرني بعض أصحابه من الكتاب، قال: خرج له توقيع إلى بعض دعاته، تلاه ~~علي، فحفظت منه قوله فيه: # وقد آن الآن أوانك، للدولة الغراء، الفاطمية الزهراء، المحفوفة بأهل ~~الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان، ~~ليكشف الحق قناعه، ويبسط العدل باعه «1» . # وأخبرني هذا الرجل، عمن حدثه من أصحابه، قال: كنا معه في بعض طرقات ~~بغداد، فسمعنا زمرا طيبا شجيا. # فقال بعضنا: ما هذا؟ # فقال لنا ms069 هو «2» : هذا نوح إبليس على الدنيا. # PageV01P169 ### || 86 ضرب العود يماثل صوت الهيب في أصول النخل # حدثني أبو محمد، الحسن بن محمد البومني «1» البصري، وكان علامة لهم حسن ~~النشوار، رواية للأخبار، ثقة، قال: # اجتاز بعض البصريين، ومعه ابن له حدث، في طريق، فسمعا صوت ضرب عود، ~~فاستطابه الفتى. # فقال لأبيه: يا أبت ما هذا؟ # قال: يا بني، هذا صوت الهيب في أصول النخل. # والهيب: حديدة عظيمة كالبيرم «2» يقلع بها أصول النخل، لا تنقلع إلا بها. ~~[وهي تسمى ببغداد العتلة «3» فمنها منبسط كالأسطام «4» محدد، وتكون ثقيلة، ~~لعل فيها نحو العشرة أمناء] «5» . # PageV01P170 ### || 87 أبو جعفر الصيمري وزير معز الدولة يسخف في مجلس العمل # وكان هذا البومني «1» حسن البلاغة، طويل اللسان، يتكلم في أمور الكافة ~~بالبصرة، إذا عرضت المهمات العظام «2» ، ويناظر السلطان. # فلما جاء أبو جعفر الصيمري «3» إلى هناك، وطالب الناس بالمعطل «4» - ~~ولهذه المطالبة شرح طويل- ناظره البومني في أنها غير واجبة، فلم ينزل تحت ~~الحجة، وأخلد إلى القدرة. # فوعظه البومني، وقال: أيها الأستاذ، إن بلدنا، بلد كثير الصالحين، ضعيف ~~الأهل، ما خير قط «5» لمن ظلمهم، وإن أهله يكلونك إلى الله تعالى، [51 ط] ~~ويرمونك بسهام الأسحار، يعني الدعاء. # فقلب الصيمري الكلام إلى السخف، وكان شديد «6» الاستعمال له ظاهرا في ~~مجلس الحفل والعمل، فقال: يا شيخ، سهام الأسحار في لحيتك، يعني الضراط» . # PageV01P171 ### || 88 أبو علي الجبائي والحلاج # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي، قال: أخبرني جماعة من أصحابنا: # إنه لما افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلاج، وما يخرجه لهم من الأطعمة ~~والأشربة، في غير حينه، والدراهم التي سماها دراهم القدرة، حدث أبو علي ~~الجبائي «1» بذلك، فقال: إن هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ~~ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم، لا منزله هو «2» ، وكلفوه أن يخرج منه خرزتين ~~سوداء وحمراء «3» ، فإن فعل فصدقوه. # فبلغ الحلاج [57 ب] قوله، وإن قوما قد عملوا على ذلك، فخرج عن الأهواز. # PageV01P172 ### || 89 بعض اعتقادات أصحاب الحلاج # وأهل مقالته «1» الآن، يعتقدون أن اللاهوت الذي كان حالا فيه، حل في ابن ms070 ~~له بتستر «2» . # وأن رجلا بها هاشميا ربعيا، يقال له: محمد بن عبد الله، ويكني بأبي ~~عمارة، قد حلت فيه روح محمد بن عبد الله [النبي] «3» صلوات الله عليه، وهو ~~يخاطب فيهم بسيدنا، وهي من أعلى المنازل عندهم. # وأخبرني، من استدعاه بعض الحلاجية، إلى أبي عمارة هذا، بالبصرة، وله مجلس ~~يتكلم فيه على مذاهب الحلاج، ويدعو إليه. # قال: فدخلته، وظنوا أني مسترشد، فتكلم بحضرتي، والرجل أحول، فكان يقلب ~~عينيه «4» في سقف البيت، فيجيش خاطره بذلك الهوس. # فلما خرجنا، قال لي الرجل: آمنت؟ # فقلت: أشد ما كنت تكذيبا بقولكم الآن، هذا عندكم الآن بمنزلة النبي، لم ~~لا يجعل نفسه غير أحول؟ # فقال: يا أبله، كأنه أحول؟ إنما هو يقلب عينيه في الملكوت «5» . # PageV01P173 ### || 90 خال المؤمنين عند الحلاجية- 1 # وأبو عمارة هذا، متزوج بامرأة من الأهوازيين، يقال لها بنت ابن جان بخش ~~«1» ، ولها أخ فاجر يغني «2» بالطنبور، وكان أبوه شاهدا «3» جليلا تانئا ~~موسرا، والحلاجية تعتقد أنه بمنزلة محمد بن أبي بكر، خال المؤمنين. # فحدثني عبيد الله بن محمد، قال: # كنا نسير بالأهواز يوما، ومعنا كاتب ظريف من أهل سيراف «4» يقال له ~~المبارك بن أحمد، فاجتزنا بالرجل، فقام، وسلم علينا. # فقال لي الكاتب: من هذا؟ # فقصصت عليه قصته بأشرح من هذا، فقلب رأس بغله ورجع. # فقلت له: إلى أين يا أبا سعيد؟ # قال: ألحقه، فأسأله عما سارته به أخته عائشة أم المؤمنين، يوم الجمل، لما ~~أفضى إليها بيده ليخرجها من الهودج. # فضحكت من ذلك، ورددته. # PageV01P174 ### || 91 خال المؤمنين عند الحلاجية- 2 # وكان هذا الفتي، ابن جان بخش «1» ، قد ورث مالا جليلا، ودخل الديلم ~~الأهواز عقيب ذلك، فتقاين «2» بالمال، وعاشر الديلم، فأنفق أكثره عليهم، ~~فتعلم الكلام بالديلمية، حتى صار إذا تكلم بها، كأنه من بلد الديلم «3» ، ~~وعرف أسماء قراهم، وعلامات بلدانهم. # فلما خف ماله، اشترى بغلين، ودابتين، وزوبينات «4» ، وسلاحا [52 ط] وآلة ~~الجند، وجعل لرأسه شعرا مثل شعور الجيل «5» والديلم، وسمى نفسه حلوز بن با ~~علي، وكان أبوه في الأصل يكنى بأبي علي، وهذا الاسم من أسماء ms071 الجيل. # وجاء إلى أبي القاسم البريدي، وهو بالبصرة يحارب الأمير أحمد ابن بويه، ~~فاستأمن إليه ومن الديلم والجيل خمسمائة، وقصته مشهورة. # قال: فأخبرني هو، قال: كنت، أداخل وأدعوهم، ولا يشكون أني ديلمي، وأعطيهم ~~علامات بلدانهم، فإذا وقع من يفطن بي، أعطيته شطر الرزق. # PageV01P175 # قال: وكنت [58 ب] آكل الثوم، ولا أتعالج للصنان، وأصير جيفة «1» على ~~مذاهب الديلم، وأجيء، فأرتفع في القيام، حتى ألزق بأبي القاسم، مما يلي ~~رأسه، فيموت من بغض رائحتي. # قال: وعلت حالي عنده، فكان يطرح لي كرسيا برسم الخاصة، فإذا جلست، اصطدت ~~الذباب، وقتلته بحضرته، كأني ديلمي فج، فكان يضج مني، ويقول: يا قوم، ~~أعفوني من هذا الديلمي الفج، البغيض، المنتن، وخذوا مني أضعاف رزقه. # فأقمت عنده سنين «2» ، إلى أن انكشف خبري، فهربت من يده. # وهذا من طيب أخبار المورثين «3» المتخلفين، فأفردته. # PageV01P176 ### || 92 من أخبار متخلفي المورثين- 1 # ومن طيب أخبار متخلفي المورثين، ما أخبرت به: # من أن أحدهم ورث مالا جليلا جسيما، فتقاين «1» ، وعمل كل ما اشتهى، ~~فبلغني إنه قال: أريد أن تفتحوا لي صناعة لا تعود علي بشيء، أتلف بها هذا ~~المال. # فقال له أحد جلسائه: اشتر التمر من الموصل واحمله إلى البصرة، فإنك تهلك ~~المال. # فقال: هذا إذا فعل، عاد منه، ولو اثنان في العشرة، تبقى من أصل المال. # فقال له آخر: اشتر هذه الإبر الخياطية، التي تكون ثلاثا بدرهم، وأربعا، ~~وتتبعها، فإذا اجتمع لك عشرة آلاف إبرة بجملة الدراهم، فاسبكها نقرة، وبعها ~~بدرهمين. # فقال: أليس يرجع من ثمنها درهمان؟ # فقال له أحدهم: كأنك تريد ما لا يرجع شيء منه البتة؟ # فقال: نعم. # فقال: تشتري ما شئت من الأمتعة، وتخرج به إلى الأعراب، فتبيعه عليهم، ~~وتأخذ سفاتجهم إلى الأكراد، وتبيع على الأكراد، وتأخذ سفاتجهم إلى الأعراب. # قال: وكان يعمل هذا، حتى فني ماله «2» . # PageV01P177 ### || 93 من أخبار متخلفي المورثين- 2 # وبلغني أن آخر، أسرع في ماله، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار «1» ، فقال: ~~أريد «2» أن تفنى بسرعة، حتى أنظر أي شيء أعمل بعدها. # فعرضت عليه أشياء من ms072 هذا الجنس، فلم يردها. # فقال له بعض أصحابه: تبتاع زجاجا مخروطا بالمال كله، إلا خمسمائة دينار، ~~وتعبيه بحذائك، ويكون في نهاية الحسن، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد، ~~في جذور «3» المغنيات، والفاكهة، والطيب، والشراب، والثلج، والطعام، فإذا ~~قارب الشراب أن يفنى، أطلقت فارتين في الزجاج، وأطلقت خلفهما سنورا، ~~فيتعادى الفار والسنور في الزجاج، فيتكسر جميعه، وتنهب الباقي. # فقال: هذا طيب. # فعمل ذلك، وجلس يشرب، فحين سكر، قال: هي، وأطلق الرجل الفارتين والسنور، ~~وتكسر [53 ط] الزجاج، وهو يضحك، ونام. # وقام الرجل ورفقاؤه، فجمعوا ذلك [59 ب] الزجاج، وعملوا من قنينة قد تشعثت ~~قدحا، ومن قدح قد تكسر برنية غالية «4» ، ولزقوا ما تصدع، # PageV01P178 # وباعوه بينهم، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها، وانصرفوا عن الرجل، ~~فلم يعرفوا خبره. # فلما كان بعد سنة، قال صاحب المشورة، بالزجاج والفار والسنور، لو مضيت ~~إلى ذلك المدبر، فعرفت خبره. # فجاء، فإذا هو قد باع قماش بيته، وأنفقه، ونقض داره، وباعها، وسقوفها، ~~حتى لم يبق إلا الدهليز، وهو نائم فيه، على قطن، متغط بقطن قد فتق من لحف ~~وفرش، بيعت وبقي القطن، فهو يتوطاه، ويتغطى به من البرد. # قال: فرأيته، وكأنه سفرجل بين القطنين. # فقلت: يا ميشوم، ما هذا؟ # قال: ما تراه. # فقلت: في نفسك حسرة؟ # قال: نعم. # قلت: ما هي؟ # قال: أشتهي أن أرى فلانة، مغنية كان يعشقها، وأتلف أكثر المال عليها. # قال: وبكى، فرققت له، وأعطيته من منزلي ثيابا، فلبسها، وجئنا إلى بيت ~~المغنية، فقدرت أن حاله قد ثابت «1» ، فدخلنا إليها «2» ، فحين رأته، ~~أكرمته، وبشت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة. # فقالت له في الحال: قم، قم. # قال: لم؟ # قالت: لئلا تجيء ستي وتراك وليس معك شيء فتحرد علي لم # PageV01P179 # أدخلتك، فاخرج إلى برا «1» حتى أصعد أكلمك من فوق. # فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة «2» في الدار إلى الشارع، وهو جالس. # فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج «3» ، وصيرته آية ونكالا، وضحكت. # فبكى، وقال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا» # ؟ أشهد الله، وأشهدك ms073 أني تائب. # قال: فأخذت أطنز به «5» ، وقلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟ # قال: ورددته إلى بيته، ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أولا، ~~وحملت ثيابي، فغسلتها، وأيست منه، فما عرفت له خبرا، نحو ثلاث سنين. # فأنا ذات يوم، في باب الطاق «6» فإذا بغلام يطرق «7» لرجل راكب، فرفعت ~~رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضة، # PageV01P180 # وثياب حسنة، ودراريع فاخرة، وطيب طيب، وكان من أولاد الكتاب، وكان قديما ~~[أيام يساره] «1» يركب من الدواب أفرهها، ومن المراكب أفخرها، وآلته ~~وثيابه، [وقماشه] «2» أفخر شيء مما كان يقدر عليه، أو ورثه عن والديه. # فحين رآني، قال: فلان، فعلمت أن حاله قد صلحت، فقبلت فخذه، وقلت: سيدي ~~أبو فلان. # فقال: نعم. # قلت، إيش هذا؟ # قال: صنع الله، والحمد له، البيت، البيت، فتبعته، حتى انتهى إلى بابه، ~~فإذا بالدار [60 ب] الأولة، قد رمها «3» ، وجعلها صحنا واحدا، فيه بستان، ~~وجصصها من غير بياض، وطبقها «4» ، وترك فيها مجلسا واحدا، حسنا، عامرا، ~~وجعل باقي المجالس صحنا، وقد صارت طيبة، إلا أنها ليست بذلك السرو الأول. # وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما، يخلو فيها، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت ~~عليه، وفيها فرش حسن [54 ط] ليس من ذلك الجنس، وفي داره أربعة غلمان، قد ~~جعل كل خدمتين إلى واحد منهم، وخادم شيخ، كنت أعرفه له، قد رده، وجعله ~~بوابا، وشاكري «5» ، وهو سائسه. # وجلس، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة، فخدم بها، وبفاكهة مختصرة # PageV01P181 # متوسطة، وطعام نظيف كاف، إلا أنه قليل، فأكلنا، وبنبيذ تمر جيد، فجعلوه ~~بين يدي، وبمطبوخ جيد بين يديه. # ومدت ستارة، فإذا بغناء طيب، وبخر بعود طري «1» وند جميعا، وأنا متشوف ~~إلى علم السبب. # فلما طابت نفسه، قال: يا فلان، تذكر أيامنا الأولة؟ # قلت: نعم. # قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد أفدته «2» من العقل، والعلم ~~بالزمان، أحب إلي من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟ # قلت: نعم. # قال: إن لم يكن بذلك العظم، فهو مما يتجمل به أوساط الناس. # قلت: نعم. # قال: ms074 وكذلك آلتي، وثيابي، ومركوبي، وطعامي، وفاكهتي، وشرابي، فأخذ يعدد ~~ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وكفاية. # إلى أن ذكر كل ما عنده «3» ، ويضيف ذلك إلى أمره الأول، ويقول: # هذا يغني عن ذلك، وقد تخلصت من تلك الشدة الشديدة، تذكر يوم عاملتني ~~المغنية لعنها الله بما عاملتني به؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم، وقلته ~~في كل يوم، وفي يوم الزجاج؟ # فقلت: هذا قد مضى، والحمد لله الذي أخلف عليك، وخلصك مما كنت فيه، فمن ~~أين لك هذه النعمة، والجارية التي تغنينا الآن؟ # PageV01P182 # فقال: اشتريتها بألف دينار «1» ، وربحت جذور القيان «2» ، وأمري الآن على ~~غاية الانتظام والاستقامة. # فقلت: من أين هذا؟ # قال: مات خادم لأبي، وابن عم لنا بمصر، في يوم واحد، فخلفا ثلاثين ألف ~~دينار، فحملت إلي بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، ~~فحمدت الله، واعتقدت أن لا أبذر، وأن أدبر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها ~~على اقتصاد. # فعمرت هذه الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري ~~وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار [61 ب] ، عدة ~~للحوادث، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغل لي في كل سنة، مقدار ~~نفقتي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كل سنة إلى وقت ~~ورود الغلات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي ~~على هذا. # وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإني أحببت أن ترى رجوع حالي، ~~ومن دوام صلاحها، واستقامتها، أن لا أعاشرك، يا عاض بظر أمه، أبدا، خذوا يا ~~غلمان برجله. # فجروا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمم شربي عنده ذلك اليوم. # وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا. فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا ~~أحدا من تلك الطبقة «3» . # ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، [55 ط] ~~فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون. # PageV01P183 ### || 94 ابن ms075 الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار # ولكن قد حكي: أن رجلا من أولاد التجار ببغداد، يقال له: ابن الدكيني، ~~وخبره مشهور ببغداد، مات أبوه، فخلف عليه «1» خمسمائة ألف دينار، فلعب بها ~~لعبا لم يسمع قط بأعظم منه. # وكان يضاهي المقتدر، وإذا بلغه أنه عمل شيئا من ألوان اللذة والطيب ~~واللعب، عمل ما يقاربه من جنسه. # وإنه كان يجذر دائما بمائتي دينار في يوم، وينثر على المغنيات خمسة آلاف ~~درهم «2» ، وعشرة آلاف درهم «3» ، غير دفعة، ويهب لهم الخلع، كل خلعة ~~بثلاثة آلاف درهم، وألفي درهم، ومائة دينار. # ويهب منها في مجلس، عشر خلع، وخمس عشرة خلعة «4» ، يخرجها من دكان أبيه ~~من التخوت، فيهبها. # وإنه كان إذا أصبح مخمورا، أحضر الثياب الدبيقي، فتخرق بحضرته باليد، ~~عصائب للفصد، ويقول «5» : لا يزيل خماري غير سماع أصواتها. # وإنه أنفق في فصاد «6» فصدته عشيقته، ثلاثة آلاف دينار. وأشياء من هذا ~~السرف. # PageV01P184 # وإنه لما لم يبق له إلا نحو خمسين ألف دينار من ماله، تاب من هذا كله، ~~ولزم يده «1» ، وتجهز للحج. فأنفق فيه، وفي أبواب الثواب «2» عشرة آلاف ~~دينار. # فلما قضى حجه، وعاد يريد بغداد، مات في طريقه وهو شاب، فورث ورثته باقي ~~ذلك المال. ### || 95 وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار # وسمعت بعض الطياب «3» ، يقول، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة، ورث مقدار ~~مائة ألف دينار «4» ، فتقاين بها في سنين قريبة، وعاد فقيرا. # فقال له ذلك الرجل: يا أخي فرسخ قراضة في هذا العمل بضاعة «5» . # PageV01P185 ### || 96 تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال # حدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: # كان بالعسكر «1» رجل تاجر، موسر من التجار، يقال له أحمد بن عمر بن حفص، ~~فخرج إلى أصفهان، فأنفق ابن له من ماله في القيان، ثلاثة آلاف دينار، وكوتب ~~بذلك، فعاد. # فلما اجتمعا، طالبه بالحساب، فدافع. # فقال له أبوه يوما: إلى كم تدافع بالحساب، وقد بلغني خبر ما أتلفت فيه ~~المال؟ فإن كنت استفدت بذلك عقلا، وعلما بالزمان، وحنكتك ms076 الشدائد والأمور، ~~وأدبتك، فليس هذا بغال، بهذا القدر من مالي، فإنه مالك، وإن لم تكن أفدت ~~ذلك، فإن المصيبة فيك عندي، أعظم من المصيبة بذهاب المال. # PageV01P186 ### || 97 أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت # وحدثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: # كان أحمد بن محمد الخراساني، الذي صار بعد ذلك، صاحبا لابن ياقوت «1» ، ~~جاءني وقد ورث خمسين ألف درهم، في أول عمره، فدخل دار الزكورية المغنية، ~~وتعشق جارية لها، كانت [62 ب] مشهورة ببغداد، بالحسن والظرف، وطيب الغناء، ~~يقال لها زهرة «2» ، كان الأحداث ببغداد قد استهتروا بها. # فقالت الزكورية: أراك قد عشقت جاريتي هذه، فكم معك؟ # قال: خمسين ألف درهم، قالت: هذه دور بلا نحبة «3» . # فما مضت إلا أيام، حتى أتلفها، فرأيته بجبة لا قميص تحتها ولا فوقها، ~~يمشي حافيا، ثم صنع الله له بعد ذلك، [وخدم ابن ياقوت، فأثرى وعقل] «4» . # PageV01P187 ### || 98 ابن وسنا الخزاعي والكلام الذي يطير الآجر # وحدثني «1» قال: # كان رجل من الرجالة، يقال له ابن وسنا الخزاعي، يتعشق حدثا ببغداد، يقال ~~له الحسين بن غريب البقال» # ، حسن الوجه، رائعا، خفيف الروح [56 ط] حسن الالتقاء، فأنفق عليه مالا، ~~وباع عقارا كان له، ثم خف ماله، فأمسك يده عنه، وقطعه. # [فقيل له بعد ذلك: لم تركت ابن غريب، وحلفت أن لا تكلمه؟ # فقال: كلام حسين بن غريب يطير الآجر] «3» . # PageV01P188 ### || 99 درة الرقاص الصوفي وأبو غالب بن الآجري # سمعت درة، الرقاص الصوفي، يقول: # استترت مع أبي غالب بن الآجري، كاتب صافي، أحد الساجية «1» ، شهرا، فضاق ~~صدري، فتركته وهربت منه، وغبت أياما عند إخواني، ثم جئته، فعاتبني. فقلت: ~~يا هذا ضاق صدري. # فقال لي: استتر معي أيام استتاري، فإذا خلصني الله، دعوتك أياما متتابعة، ~~بعدد أيام استتارك عندي، أجذر لك في كل يوم غناء بمائة دينار. # فاستترت معه بعد هذا نحو شهر، ثم فرج الله عنه، وظهر، وعادت حاله. # فلما التقينا، قلت: النذر. # قال: نعم، إجلس، لنجعل اليوم أوله، فجذر ذلك اليوم، وتلك الليلة، قيانا ~~بمائة دينار، وأنفق قريبا منها، ثم لم يدع ms077 القيان يخرجن، إلا أن يملهن، ~~فيحضر بدلهن. # وجلسنا على تلك الحال، يجذر في كل يوم وليلة بمائة دينار قيانا، وينفق في ~~طعام وشراب وفاكهة وطيب، مثلها. # وكان ربما احتاج إلى لقاء صاحبه، والتصرف في شغله، فيخرج، ويركب، ويتصرف ~~[63 ب] ، ويعود ليلا، أو عشيا، وكما يستوي له، والغناء جالس، والمطبخ قائم، ~~ونحن نأكل ونسمع، وهو غائب عن داره، حتى وفى لي أياما بعدد أيام استتاري ~~معه، وكانت أكثر من ثلاثين يوما. # PageV01P189 ### || 100 آخرة أبي غالب بن الآجري # ولقد رأيت أنا، أبا غالب الآجري هذا، وقد ورد البصرة في أيام أبي القاسم ~~البريدي «1» ، فاستشفع على أبي بغلامه مبشر، لأنه كان قد ملكه في أيام ~~نعمته. # وكنت أرى مبشرا غلامنا، يبره في الأوقات، من ماله، بعشرين درهما، وثلاثين ~~درهما، ويأخذ له من أبي سبعين درهما، ومائة درهم، في أوقات، وهو يجيء إلى ~~مبشر، فيواكله، ويشاربه، ويعاشره، وكأنه نديم له، بدالة ملكه إياه، وأرى ~~عليه قميصا مخرقا، ودراعة «2» مرقوعة، ونعلين كنباتي «3» في رجله يمشي بهما ~~في الطرق، وغلامه خلفه، ومعه خف منعل، فإذا حصل في دهليزنا لبسه، ودخل إلى ~~أبي. # ولزمنا مدة، إلى أن خاطب أبي بعض العمال في تصريفه «4» بعشرة دنانير في ~~الشهر، فصرف فيما هذا مقداره. # PageV01P190 ### || 101 درة الصوفي يتحدث عن المورثين # وقال لي درة الصوفي: # كان المورث، إذا اجتذبنا إلى اللعب معه، ومعه عشرة آلاف دينار، أو مائتا ~~ألف درهم، سميناه: المعجل. # فقلت له: ما معنى هذا؟ # فقال: النساء، إذا مات لهن ابن له شهور دون السنة، أو سنة إلى حد الفطام، ~~سمينه المعجل. # وكنا نحن نسمي هذا بالمعجل، بمعنى أن ماله، لا يبلغ به في هذا العمل، إلا ~~إلى حد الطفل الذي يموت في شهور، أو سنة [وأشهر للنساء] «1» ، فيسمونه ~~المعجل. # ونعوذ بالله من الإدبار، وتغير النعم، وإيحاشها بقلة الشكر. # PageV01P191 ### || 102 فصل من كتاب كتبه القاضي التنوخي إلى رئيس # ولقد كتبت، في محنة لحقتني، إلى رئيس، كتابا فيه فصل يتعلق بما ذكرته، من ~~منادمة أبي غالب الكاتب، لمبشر مولانا، ms078 بدالة ملكه له، وقبوله بره بتلك ~~الحجة، استحسنته، فأوردته هاهنا وهو: # «لا أحوجك الله إلى اقتضاء ثمن معروف أسديته، [ولا ألجأك إلى قبض عوض عن ~~جميل أوليته] «1» ، ولا جعل يدك السفلى لمن كانت عليه هي العليا، وأعاذك من ~~عز مفقود، وعيش مجهود [57 ط] ، وأحياك ما كانت الحياة أجمل بك، وتوفاك إذا ~~كانت الوفاة أصلح لك، بعد عمر مديد، وسمو بعيد، وختم بالحسنى عملك، وبلغك ~~في الأولى أملك، وسدد فيها مضطر بك، وأحسن في الأخرى منقلبك، إنه سميع ~~مجيب، جواد قريب» . # PageV01P192 ### || 103 أبو الحسن الموصلي كاتب أبي تغلب والسيدة جميلة ابنة ناصر الدولة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: # رأيت أبا الحسن علي بن عمرو الموصلي «1» يكتب إلى أبي تغلب بن ناصر ~~الدولة «2» ، وكتب في موضع من الكتاب «أمور حميدة» . # فقلت له: هذا الموضع يصلح أن يكون فيه «أمور [64 ب] جميلة» فأما حميدة، ~~فهي لفظة مستكرهة «3» . # فقال: صدقت، ولكني كتبت، وأنا بالموصل، رقعة إلى أبي تغلب، فيها «أمور ~~جميلة» فوصلت إليه، وهو عند أخته جميلة «4» ، وهي غالبة # PageV01P193 # عليه، محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، ولا يفصل رأيا إلا عن ~~مشورتها، وكانت الرقعة مما احتاج إلى مطالعتها بما فيها [فقرأها عليها] «1» ~~فأنكرت علي قولي «جميلة» ، لأنه اسمها، إنكارا شديدا، احتجت معه إلى ~~الاعتذار مما كتبت، فما كتبت بعدها إلى الآن، «جميلة» في شيء من مكاتباتي ~~إلى أحد، وصار تركها لي طبعا «2» . # PageV01P194 ### || 104 علية بنت المهدي تتحامى اسم طل # ويشبه هذا، قول علية بنت المهدي «1» ، لما قرأت القرآن فبلغت إلى قوله عز ~~وجل: فإن لم يصبها وابل فطل # «2» ، فقالت: «فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عن ذكره» ، ولم ~~تقل طل، لأنه كان اسم خادم تعشقته، فبلغ الرشيد أخاها خبرها معه، فجرى ~~عليها منه مكروه غليظ، وأحلفها على أشياء منها أنها لا تذكره. ### || 105 امرأة بغدادية تتظرف فتحرف القرآن # وقد حكي: أن بعض النساء الظراف، قرأت: «تعلم ما في روحي، ولا أعلم ما في ~~روحك» «3» ، ولم ms079 تقل «نفسي» لأن الظراف، لا يقولون ذلك «4» . # فقال لها بعض من سمعها: ويحك، فأنت أظرف من الله؟ قولي كما قال. # PageV01P195 ### || 106 بجكم أمير الأمراء وفتوة جارية الهاشمية # أخبرني غير واحد: # إن بجكم الماكاني «1» أمير الأمراء ببغداد، عشق جارية من القيان بها، ~~يقال لها فتوة جارية الهاشمية، وكان يتكبر عن شرائها، ويرفع نفسه أن يبوح ~~بمحبتها، ويحضرها، فيعطيها كل شيء. # وكان قد استعمل لها عودا، من عود هندي، قام عليه بمال، وكانت تغني به. # فسكر يوما، فخسف وجه العود، وقلعه، وملأه لها دراهم، فوسع نيفا وعشرين ~~ألف درهم. # PageV01P196 ### || 107 أبو العباس البغدادي وإنفاقه ماله في الفساد # وكان عندنا بالبصرة، دلال من أهلها يعرف بأبي العباس البغدادي «1» ورث في ~~حداثته مالا جليلا، فتقاين «2» بجميعه، فلما افتقر، صار دلالا، فكسب أيضا ~~كسبا ثانيا كبيرا، فما كان يبقي منه شيئا، بل ينفقه كله في الفساد. # فأخبرني بعض شيوخ البصرة، قال: # رأيته، وهو حدث، في ليلة من شهر رمضان، مملوء الكم، يريد دار بدعة ~~الدرونية، وكانت إذ ذاك مغنية البلد، المشهورة فيه، بالنبل، والحذاقة، ~~والطيب، والحسن، ولها أخبار كثيرة طريفة. # فقلت: أيش في كمك يا أبا العباس. # فقال: مخلط خراسان «3» أتصدق به على بدعة، صدقة شهر رمضان. # PageV01P197 # فلم أشك في أنه كذلك. # فقلت: فأطعمني منه، فطرح في كمي منه شيئا ثقل به كمي، وافترقنا. # فلما بلغت بيتي أردت أن أطعم عيالي منه، فنظرت فإذا هو لوز ذهب، وسكر ~~فضة، وفستق وبندق عنبر، وزبيب ند، فخبيته «1» . # فلما كان من غد، نظرت فإذا قيمته [58 ط] مال، فجئت إليه، ورددته عليه. # فقال [65 ب] : يا بارد، أيش هذا حتى ترده؟ جميع ما كان في كمي البارحة، ~~كذا، فرقته على بدعة وجواريها. # فقلت: لو علمت هذا ما طلبته منك. # قال: فظننت أني على الحقيقة أحمل إليها لوزا وسكرا وزبيبا وفستقا؟ # PageV01P198 ### || 108 كل نفس آتيناها هداها # حدثني أحمد بن عبد الله بن بكر البصري، قال: حدثني عروة الزبيري «1» : # إنه حج في سنة الهبير «2» ، فاشترى من مكة قردا، وكان مع ms080 عديله «3» كلب، ~~فألف القرد الكلب، فكانا يأكلان في موضع واحد. # قال: فقطع علينا القرمطي، وأخذنا السيف، وتفرق الناس، وحيل بينهم، وبين ~~أمتعتهم ورحالاتهم، ومشيت أنا، فأفلت فيمن أفلت، وجئت إلى الكوفة، وما أملك ~~درهما واحدا. # فبينا أنا جالس يوما أفكر، لمن أسأل، وكيف أعمل، إذ سمعت جلبة وضوضاء. # فخرجت أبصر ما هي؟ فإذا القرد قد ركب الكلب، وجاء كذلك، فدخلا الكوفة، ~~والناس يضحكون منهما. # PageV01P199 # وإذا القرد كان يطعم الكلب، ويريد منه الركوب، واحتال لنفسه بذلك، طول ~~الطريق. # فلما رأيت القرد والكلب استدعيتهما فجاءا إلي. # فقال الناس: ما هذا؟ # فقلت: هما لي، فأخذتهما. # وبلغ أمير الكوفة الخبر، فراسلني في بيعهما عليه. # فبعتهما عليه بثلاثمائة درهم، فكانت سبب صلاح حالي في الوقت، وخرجت عن ~~البلد. # PageV01P200 ### || 109 ما للماء للماء وما للخمر للخمر # وروي عن وهب بن منبه «1» : # أنه كان في عهد بني إسرائيل، خمار، فسافر بخمر له ومعه قرد، وكان يمزج ~~الخمر بالماء نصفين، ويبيعه بسعر الخمر، والقرد يشير إليه أن لا تفعل، ~~فيضربه. # فلما فرغ من بيع الخمر، وأراد الرجوع إلى بلده، ركب البحر، وقرده معه، ~~وخرج فيه ثيابه، والكيس الذي جمعه من ثمن الخمر. # فلما سار في البحر، استخرج القرد الكيس من موضعه، ورقى الدقل وهو معه، ~~حتى صار في أعلاه، ورمى إلى المركب بدرهم، وإلى البحر بدرهم. # فلم يزل ذلك دأبه، حتى قسم الدراهم نصفين، فما كان بحصة الخمر، رمى به ~~إلى المركب، فجمعه صاحبه، وما كان بحصة الماء رمى به إلى البحر فهلك، ثم ~~نزل عن الدقل [حتى حصل في المركب] «2» . # PageV01P201 ### || 110 قرود اليمن ترجم الزاني والزانية # حدثني أبو عمر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن بكر البصري، قال: # حدثني النعمان الواسطي المحدث «1» إنه كان باليمن، فحدثه بعض من يثق به ~~من الرعاة هناك، قال: # كنت أرعى غنما لي في بعض الأودية، فرأيت قردين، ذكرا وأنثى، وهما نائمان ~~في مكان من الجبل. # فجاء قرد ذكر، يخفي مشيه، حتى حرك الأنثى، وهي إلى جنب الذكر، فانتبهت، ~~ومضت معه، ms081 وافترشها، وأنا أراهما. # فانتبه ذكرها، فرآها، فزعق زعقة عظيمة، فاجتمع إليه من القرود عدد كثير، ~~هالني. # فصاح بين أيديهم، فأقبلوا يتشممون الأنثى، حتى فرغوا كلهم من تشممها. # ثم نزلوا بها، وبالذكر الذي وطئها، تخفيا من ذكرها، إلى وهدة بعيدة، ~~فدحرجوهما فيها قهرا، ثم رجموهما بالحجارة، حتى ماتا «2» . # PageV01P202 ### || 111 دب في شيراز ينفخ في زق حداد # قال: حدثني أبو الحسن الزجاج، صديق- كان لي- ثقة: إنه شاهد بشيراز، دبا، ~~ينفخ في زق حداد، كأنه أقامه مقام [59 ط] الأجير «1» . ### || 112 دب يضرب بمطرقة حداد # قال: وشاهدت «2» أيضا دبا يضرب بالمطرقة، على حداد، فغلط يوما، فضرب دماغ ~~الحداد، فقتله «3» . # PageV01P203 ### || 113 خاقان المفلحي يستطيب لحم الدب والضبع # حدثني أبو محمد الصلحي «1» الكاتب، قال: حدثني أبي، وكان يكتب لخاقان ~~المفلحي «2» ، قال: # شربت معه يوما، فنقلني «3» بقديد «4» ، فلما حصل في فمي، لم أستطبه. # فقلت: أيها الأمير، ما هذا؟ # فقال: هذا قديد الدب. # فرميت به، وقذفت، وثارت بي أخلاط، وصارت علة، فأقمت أربعة أشهر عليلا في ~~بيتي. # قال: وكان خاقان، يأكل لحم السباع، والضباع، ويستطيبها، ولحم كل شيء له ~~لحم «5» . # PageV01P204 ### || 114 وصف له الطبيب فروجا، فأكل مهرا # وأخبرني وهب بن يوسف، اليهودي، الطبيب، عن داود اليهودي، الشامي، قال: # كنت أخدم خاقان، فاعتل، فحميته، فاحتمى، وصلح، وأقبلت العافية. # فقال لي: لا أقدر أحتمي أكثر من هذا. # فقلت له: كل فروجا. # فلما كان من غد، جئته، فوجدت الحمى، قد عادت أعظم مما كانت، وهي في طريق ~~البرسام «1» . # فقلت له: ما عمل الأمير أمس؟ # فقال: أكلت فروجا. # فقلت: ليس هذا من فعل الفروج، أي فروج هذا، حتى فعل هذا؟ # فقال لي بعض غلمانه: إنه ذبح مهرا، وأكل منه أطايبه. # فقلت: أيها الأمير، أصف لك فروجا، فتأكل لحم دابة؟ # فقال: بابا، إنما أكلت فروج الدابة. # فقلت في نفسي: خذ الآن فروج الموت. # وما زلت أعالجه شهورا كثيرة، حتى برئ «2» . # PageV01P205 ### || 115 وظيفة خاقان المفلحي في كل يوم من اللحم ألف ومائتا رطل # قال أبو محمد الصلحي، عن أبيه: # كانت وظيفة خاقان المفلحي، في ms082 كل يوم، ألف رطل ومائتي رطل لحما، له، ~~ولغلمانه، وخدمه، وكل ما يتخذ في داره، إذا كان في أعماله. # فإذا كان ببغداد، اقتصر على النصف من ذلك، وهو ستمائة رطل لحما، سوى ~~الحيوان الذي يذبح في المطبخ «1» . # PageV01P206 ### || 116 وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس من اللحم في كل يوم # وأخبرني بعض وكلاء وزراء هذا الزمان، وهو أبو الفرج بن فسانجس «1» : # إن وظيفته كانت، في أيام وزارته، في كل يوم، نيف وستين رطلا لحما، له، ~~ولنسائه، وغلمانه، وجميع ما يتخذ في دوره، وثلاثة جدي، وعشر دجاجات، وأربعة ~~أو خمسة أفرخ، وثلاث جامات حلوى من السوق، وليست من فاخره، وإنما هي زلابية ~~دقيقة، أو فالوذج، أو ما يجري مجرى ذلك «2» . # PageV01P207 ### || 117 كفى بالأجل حارسا # سمعت قاضي القضاة، أبا السائب «1» ، يحكي: # إن رجلا كان له على رجل دين، فهرب منه، فلقيه صاحب الدين في صحراء، فقبض ~~عليه، وأخرج قيدا كان معه، فقيده ونفسه به، وجعل إحدى الحلقتين في رجل ~~غريمه، والأخرى في رجل نفسه، ومشيا إلى قرية تقرب من الموضع، فجاءاها، وقد ~~أدركهما المساء، وأغلق أهل القرية باب سورها، فاجتهدا في فتحها لهما، فأبى ~~أهل القرية، فباتا في مسجد خراب على باب القرية، فجاء السبع وهما نائمان، ~~فقبض على صاحب [66 ب] الدين فافترسه، وجره، فانجر الغريم معه. فلم تزل تلك ~~حاله إلى أن فرغ السبع من أكل صاحب الدين، وشبع، وانصرف، وترك المديون وقد ~~تجرح من جره وسحبه عليه، وبقيت ركبة الغريم في القيد، فحملها الرجل مع ~~قيده، وجاء إلى القرية، فأخبرهم الخبر، حتى حلوا قيده، وسار لوجهه ذلك «2» ~~. # PageV01P208 ### || 118 عريان أعزل يصيد الأسد # حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار: # إن رجلا أجنه الليل في بعض أسفاره، فبات في خان خراب، بقرب أجمة، وماء ~~مستنقع، وكانت ليلة قمراء، وكان الموضع مسبعا، والرجل عارف بذلك، فرقي سطح ~~الخان، وطلب لبنا «1» فشرجه على باب الدرجة، وجلس يترقب، فإذا رجل عريان، ~~قد جاء حتى جلس على الماء. # قال: فقلت له: ما تصنع؟ # قال: جئت ms083 لأصطاد السباع. # فقلت: يا هذا اتق الله في نفسك «2» . # فقال: الساعة ترى. # فلم يلبث هنيهة، أن طلع سبع، فتراءى له الرجل، فصاح به، فقصده: # فلما قرب منه، طرح الرجل نفسه في الماء، فرمى السبع بنفسه خلفه في الماء، ~~فغاصا، فإذا بالرجل قد خرج من وراء [60 ط] السبع، وعلق خصييه بيده، ثم أخرج ~~من منديل على رأسه، قصبة مقدار ذراع، مجوفة، فارسية، وثيقة، نافذة، فدسها ~~«3» في جاعرة «4» السبع، وأقبل يدخل فيها # PageV01P209 # الماء بإحدى يديه، وكلما دخل جوف الأسد الماء ثقل، وضعف بطشه، وهو يمرس ~~مع ذلك خصاه، إلى أن غرقه، وقتله. # ثم جره في الماء فأخرجه إلى الشط، وسلخ جلده، وأخذ جبهته، وكفه، وشحمه، ~~ومواضع يعرفها منه لها ثمن. # ثم صاح بي: يا شيخ، كذا أصطاد السباع. # وتركني ومضى. # PageV01P210 ### || 119 لئيم يفخر بلؤمه # حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه، بن أبي علان الأهوازي ~~الكاتب، خال والدي، قال: # كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة، عداوة، وكنت قد تبت من التصرف مع ~~السلطان. # فتقلد ضياع السيدة أم المقتدر، وفيها ما يجاور ضيعتي، فآذاني أذى شديدا، ~~في الشرب، والأكرة، وقصد إخراب ضيعتي، وإبطال جاهي، فصبرت عليه. # فقبض يوما على أكار لي، فصفعه صفعا عظيما، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي ~~على ضيعتي، يعرف بأبي القاسم علي بن محمد بن خربان، ليعاتبه، ويستكفه، ~~ويأخذ الأكار، فتلقى الرجل بكلام غليظ. # فعاد إلي، فقال: إن هذا قد جد بك، [فخذ حذرك] «1» ، ودبر أمرك بغير ما ~~أنت فيه. # فقلت: ما الخبر؟ # فعرفني ما جرى عليه. # ففكرت، فلم أر لحسم مادته عني، وأذيته في نفسه، غير ضمان ضياع السيدة «2» ~~، وتسلمه، ومطالبته بالحساب [67 ب] ، وإيقاعه في المكاره. # فكتبت إلى كاتب السيدة، وخطبت ضمان النواحي، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ~~ثلاث سنين، عما رفعها ابن قديدة، على أن يسلم إلي، لأحاسبه # PageV01P211 # وأطالبه، بما يخرجه الحساب عليه، وأوفره، مضافا إلى هذه الزيادة. وأنفذت ~~الكتاب مع فيج «1» قاصد. # فحين نفذ، اغتممت، وقلت: ضياع لا أعرف حاصلها على ms084 الحقيقة، لم حملت نفسي ~~على هذا؟ وكان احتمال عداوة الرجل، أيسر من هذا. # وطرحت نفسي مفكرا، وأنا بين النائم واليقظان، حتى رأيت، كأن رجلا شيخا، ~~أبيض الرأس واللحية، بزي القضاة، قد دخل إلي، وعليه طيلسان أزرق، وقلنسوة، ~~وخف أحمر. # فقال: ما الذي يغمك من هذا الأمر؟ ستربح في أول سنة من هذا الضمان، على ~~ما زدته، عشرة آلاف دينار، وتخسر في الثانية، عشرة، وتخرج في الثالثة بغير ~~ربح ولا خسران، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوك. # فانتبهت متعجبا، وسألت: هل دخل إلي أحد؟ # فقالوا: لا، فقويت نفسي قليلا. # فلما كان في اليوم الثاني والعشرين، ورد رسول من بغداد، بكتب إلي قد أجبت ~~فيها إلى ملتمسي، وكوتب في طيها، عامل كان لهم بالطيب «2» مقيما، يشرف على ~~جميع عمالهم بكور الأهواز «3» يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إلي، وعقد ~~الضمان علي. # PageV01P212 # فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا «1» ، وكتبت إليه، وسألته ~~الحضور، وأنفذت إليه الكتب الواردة. # فلما كان بعد أيام، كنت جالسا مع عامل الأهواز، على داره بشاطىء دجيل «2» ~~فإذا بعسكر عظيم [61 ط] قد طلع من جانب المأمونية. # فارتاع، وظن أن صارفا «3» قد ورد، وأنفذ من سأل عن الخبر، فعاد، وقال: ~~فلان، عامل السيدة، فعبر في طياره، وأنا معه، لتلقيه. # فحين اجتمعا، قال له: يا سيدي، أريد ابن أبي علان. # فقلت: أنا هو يا سيدي. # قال: ولم يكن يعرفني، ولا أعرفه إلا بالوجوه «4» فأقامني من موضعي، ~~ورفعني فوق الجماعة، وتحير العامل، ومن حضر. # وقال له: أريد ابن قديدة، فأنفذ إليه، فاستدعاه. # فحين حضر قيده، وقال لي: يا أبا القاسم تسلمه. # فقال العامل: أيش هذا التعب؟ وأقبلت الجماعة تمازحني. # فقلت: هو أحوجني إلى هذا. # قال: فتسلمته، وقمت إلى داري. # وعبر عامل السيدة، فحملت إليه من الألطاف، والأنزال، والهدايا، # PageV01P213 # ما صلح، وعقد علي الضمان من غد، وانصرف في اليوم الثالث. # وحملت إليه [68 ب] ألف دينار أخرى مرفقا. # وحصلت ابن قديدة معي في المكاره مترددا، ووفرت من جهته مالا على السيدة، ~~وكاتبها، وكذا العامل، ms085 وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقه. # وأطلقته بعد شهور إلى داره، وقد ركبه دين ثقيل، وباع شيئا من ضيعته، ~~وانكسر جاهه، وانخزلت نفسه. # ونظرت في الضمان، وتصرمت السنة، فربحت عشرة آلاف دينار. # فقلت: قد جاء ما قال الشيخ في المنام، فأثبتها عند الصارف «1» ، ولم ~~أدخلها في دخلي، ولا في خرجي. # فلما كانت السنة الثانية، قعدت بي الأسعار، فخسرت ذلك القدر، فأديته ~~بعينه في الخسران. # فلما كانت السنة الثالثة، خرجت رأسا برأس، ما خسرت ولا ربحت شيئا. # فصححت مال الضمان، وكتبت أستعفي، وقد علمت أن النكبة قد بلغت بابن قديدة ~~إلى حد لا يجسر أن يتقلد معها، ولا أن يقلد أيضا. # فلم يعفني كاتب السيدة، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة، وعمل على ~~التأول عليها من ابن قديدة. # وأنفذ في إشخاصي، خادما من كبار خدم السيدة، فجاء في طيار، وأمر هائل، ~~فتخوفت من الشخوص معه، فأحصل في الحبس، وتستمر علي المكاره، وأنقطع عن ~~الشروع في الخلاص. # PageV01P214 # فأنزلت الخادم، وهاديته، ولا طفته، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها، ~~وعبدني «1» . # فقلت له: إن ذيلي طويل «2» ، وأريد أن أصلح أمري، ثم أخرج، فتمهلني ~~أسبوعا، وتدعني أخلو في منزلي، وأصلح ما أحتاج إليه، ثم أخرج معك، فمكنني ~~من ذلك. # فقلت لإخوتي، وأصهاري، وكتابي: ليدعه كل واحد منكم يوما، له، ولغلمانه، ~~وأسبابه، وامنعوهم من معرفة خبري، وشاغلوهم بالنبيذ، والشطرنج، والمغنيات، ~~ففعلوا ذلك. # وخرجت أنا تحت الليل بمرقعة «3» ، راكبا حمارا، ومعي غلامان من غلماني، ~~ودليل، وليس معي شيء من الدنيا، إلا سفاتج بخمسة آلاف دينار. # وسرت واشتغل الخادم بالدعوات، فما عرف خبري إلا وأنا بواسط «4» ، فقامت ~~قيامته، وانحدر في طريق الماء، فوصل إلى الأبلة «5» ، وقد قاربت أنا [62 ط] ~~بغداد، ثم دخلتها متخفيا، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ابن عبد الله ~~«6» ، وكانت لي به حرمة وصحبة، أيام تقلده الأهواز، وتصرفي # PageV01P215 # معه، فلقي بي أبا الحسن، علي بن عيسى، وهو إذ ذاك الوزير «1» ، وعرفه ~~محلي. # فقال لي: قد كنت أحب أن أراك، لما يبلغني من حسن صناعتك، ms086 وطرح إلي ~~أعمالا، فعملتها بحضرته، وأعجبته [69 ب] صناعتي، وقرظني. # ولزمته أياما، وخبري منستر عن كاتب السيدة، ثم خاطب الوزير [في أمري] «2» ~~، وخوطبت السيدة. فقالت: لا أقرر أمره، أو يصير إلى ديواني. # فقال لي: امض وأنا من ورائك، ولا تخف. فمضيت، فاعتقلوني، فراسلتهم في ~~أمري. # وحضر أبو المنذر، ديوان السيدة، فتوسط ما بيني وبينهم، وقرر الأمر على ~~صلح ثلاثة آلاف دينار، أو نحوها- الشك مني- وضمنها عني، وأخذني إلى داره، ~~فأديتها إليه من جملة السفاتج. # وطالبني علي بن عيسى، بالتصرف معه، فعرفته توبتي منه، وإني إنما ضمنت هذا ~~الضمان، لضرورة، وشرحت له الخبر، فأعفاني. # فرجعت إلى الأهواز، وقد مضت السنون على العداوة بيني وبين ابن قديدة، إلا ~~أنه منهزم. # وكتب السلطان ببيع ضياعه بالأهواز «3» ، وكان الناس يشترون ما يغل في سنة ~~وأكثر، بنصف ثمنه، فاشتريت ما كان فيه غناي، وخرقت فيه الحكم. # PageV01P216 # واشترى أبو عبد الله البريدي «1» لنفسه، بأسماء قوم، أمرا عظيما، برأيي ~~واختياري له، وكان سره «2» عندي، وكان في ذلك الوقت لا يتقصى علي. # واشترى ابن قديدة، فيمن اشترى، وتصرفنا في الضياع. # فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة، أظنه قال: مائة ألف دينار. # فقال لي البريدي: كيف أعمل في الزيادة؟ # قلت: لا يلزمها الناس لك، وواضعت أهل البلد على الامتناع، فجمعهم، ~~وخاطبهم، فامتنعوا، واحتاج إلى أن خبطهم. # فخلا بي، فقال: ما أعرف في هذا غيرك، فدبره لي، وألزمني ذلك. # فقلت: مكني من العمل بما أريد، وعلي المال. # فقال: أنت ممكن. # فجلست أنا وغلام جوذاب «3» ، فقسطنا المال على أهل البلد، وأخرجنا ~~أنفسنا، فما ألزمناها شيئا، ونقصنا من عنينا به، وزدنا بإزاء ذلك على غيره. # قال: واعتمدت أن قسطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه، وعملنا بذلك جرائد. # وناظرنا الناس على الالتزام بما قسطناه، فامتنعوا، وقالوا: على أي حساب ~~هذا؟ وحاسبونا، وناظرونا. # فقلت للجماعة: من صلح له أن يلتزم هذا التقسيط، وإلا فليحاسبنا على ما ~~قبضه من غلات الضياع التي اشتراها، وأنا أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ~~ذلك، وآخذ ما اشتراه، ms087 وألتزم هذه الزيادة. # PageV01P217 # وكان كل إنسان قد اشترى ما في شركته، وما في جواره، مما كان يتأذى به هو ~~وأسلافه، منذ مائة سنة، وما كان يتمناه ويشتهيه منذ ذلك العهد، وما قد ~~ارتحصه، واستصلحه. # فقامت قيامة أهل البلد، والتزموا عن آخرهم [70 ب] التقسيط، على ما فصلته ~~عليهم، من غير محاسبة. # ووركت «1» على ابن قديدة مالا عظيما، فلم يكن له فيه وجه. # فأنا جالس في بيتي ليلة، إذ جاءني [63 ط] ، فدخل إلي. فقلت: # ما هذا يا أبا جعفر؟ وقمت إليه، وسلمت عليه، فعاتبني، وخضع لي. # فقلت: ما تريد؟ # فقال: تخفف عني من التقسيط، وتعاونني بمالك، فو الله، ما معي ما أؤديه. # فخففت عنه منه شيئا يسيرا، وأقرضته ثلاثين ألف درهم، وكتبت بها عليه ~~قبالة «2» ، وأشهدت فيها جماعة عدول البلد، وتركتها في بيتي، فلم أفكر في ~~المال سنين، ورجعت أدس المكاره، والمغارم، والمحن عليه، وهو يذوب، وينقص في ~~كل يوم. # فلما علمت أنه قد بلغ آخر أمره، طالبته بالدين، فاستتر عني في منزله. # فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي «3» ، فكتب # PageV01P218 # لي عدوى «1» إلى صاحب المعونة. # فهرب من داره، فنادى القاضي على بابه بالحضور، فلم ينجع ذلك. # فسألت البريدي إخراجه، فكبس عليه وأخرجه، وأحضره معي إلى القاضي، فقامت ~~البينة عليه بالمال. فسألت القاضي حبسه. # فقال لي القاضي علي بن محمد: الحبس في الأصل غير واجب، وذوو المروءات لا ~~يحبسون مع أصاغر الناس في حبس واحد، ولكن أمكنك من أن تلازمه بنفسك أو ~~أصحابك، كيف شئت. # فلازمته في مسجد على باب القاضي [بأصحابي] «2» ومضيت إلى البريدي، فقلت: ~~قد لحقت خصمي عناية القاضي، فالله الله في، فإني لا آمن أن يدس ابن قديدة ~~إلى أكرته، أو إلى قوم من الجيش، فيؤخذ من يدي، ويخرج إلى بغداد، فيبطل ~~المال علي، ويحصل هناك يسعى بي، ويعرض نعمتي للزوال. # قال: فخاطب البريدي القاضي في ذلك، فتقرر الأمر بينهما على أني اكتريت ~~دارا قريبة من حبس القاضي، أؤدي أنا أجرتها، وأجلس ابن قديدة ms088 فيها، وألازمه ~~بأصحابي، وأوكل بها رجالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه. # فنقلته إليها، فأقام فيها سنة وكسرا، وهو لا يؤدي المال، ويكايدني عند ~~نفسه «3» ، وأنا قد رضيت أن يتأخر المال، ويبقى هو محبوسا. # PageV01P219 # واعتل علة صعبة، فجاءتني أمه، وكانت بيني وبينها قرابة، فسألتني إطلاقه، ~~وبكت، فلم أفعل. # إلى أن بلغني أنه في النزع، وجاءتني تبكي، فرحمتها، فأطلقته لها، بعد أن ~~كفلته منها. # فمات بعد ثلاثة أيام، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه «1» . # PageV01P220 ### || 120 كيف تاب بن أبي علان من التصرف # قلت لأبي القاسم ابن أبي علان: كيف كانت توبتك من التصرف؟ # وما سببها؟ # قال: كان سبب ذلك، أن أبا [71 ب] علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي رحمه ~~الله «1» ، كان يجيء إلى الأهواز فينزل علي، لأني كنت كاتب ديوان الأهواز، ~~وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة، والأمر كله إلي أدبره. # وكان أبو علي يقدم الأهواز في كل سنة دفعة، وقت افتتاح الخراج، ويستضيف ~~إلى خراج ضيعته بجبى «2» ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور ~~السنين. # فإذا قدم البلد، أعظمه الناس وأكرموه، ولا ينزل إلا علي في أكثر الأوقات، ~~فأقرر «3» أمره مع العامل. # وربما كان العامل غير صاحبي، أو من لا يعرف محل أبي علي، فيكون ما يقرر ~~عليه أمره أقل من ذلك [64 ط] ، إلا أنه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف ~~الخراج أو ثلثه. # فإذا عاد إلى جبى، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئا البتة، ونظر إلى ما ~~بقي، بعد إسقاط خراجه من النظر، ففضه على القوه الذين في أثره، وألزمهم ~~بإزاء ذلك، أن يضيف كل واحد منهم، رجلا من الفقراء # PageV01P221 # الذين يتعلمون منه العلم طول السنة، فيكون ما يلزم الواحد، على الواحد ~~منهم، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه. # ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح، فيتصدق به على الفقراء من أهل ~~الحوز «1» ، قريته التي هو مقيم فيها، وعلى أهل محلته، وكان هذا دأبه في ms089 كل ~~سنة. # فنزل علي في بعض قدماته، فبلغت له مراده في أمر الخراج، وجلسنا ليلة ~~نتحدث. # فقلت له: يا أبا علي أتخاف علي مما أنا فيه شيئا؟ # فقال: يا أبا القاسم، وكيف لا أخاف عليك، والله، لئن مت على هذه الحال، ~~لا رحت «2» رائحة الجنة. # فقلت: ولم؟ ولأي شيء؟ وإنما أنا أعمل الحساب، وأجري مجرى ناسخ، وآخذ أجري ~~من بيت المال، أو يجيئني رجل مظلوم، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه، ~~فأسقطها عنه، وأصلحها له في الحساب، فيهدي إلي بطيب قلبه، أو أرتفق من مال ~~السلطان بشيء، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه. # فقال: يا أبا القاسم، إن الله لا يخادع، أخبرني، ألست أنت تختار المساح، ~~وتنفذهم إلى المساحة، وتوصيهم بالتقصي، فيخرجون، فيزيدون بالقلم واحدا أو ~~اثنين في العشرة، ويجونك «3» بالتزاوير، فتسقطها أنت، وتعمل الجرائد، ~~وتسلمها إلى المستخرج، وتقول له: أريد أن يصح المال في # PageV01P222 # كذا وكذا يوما عند الجهبذ، وإلا دققت يديك على رجليك؟ # قلت: نعم. # قال: فيخرج المستخرج فيبث الفرسان، والرجالة، والرسل، والمستحثين، ويضرب، ~~ويصفع، ويقيد، وأنت [72 ب] تأمره وتنهاه، وإذا قلت له: أطلق رجلا، أو أخره ~~بما عليه، قبل أمرك، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدي؟ # قلت: نعم. # قال: فيحصل المال عند الجهبذ، فتخرج إليه الصكاك من ديوانك وبعلاماتك؟ # فقلت: نعم. # قال: فأي شيء بقي من العمل لم تتول وزره، وتضمن غرمه، وتتحمل إثمه؟ تب ~~إلى الله، وإلا فأنت هالك، ودع التصرف، وأصلح أمر آخرتك. # قال: وأخذ يعظني، ويخطب علي، حتى بكيت. # ثم قال لي: لست بأعظم [نعمة ولا أكبر منزلة] «1» من جعفر بن حرب «2» ، ~~فإنه كان يتقلد كبار أعمال السلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء، وكان ~~يعتقد الحق «3» ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة، وصنف غير كتاب من كتبه ~~الباقية إلى الآن في أيدي الناس، وهو يتصرف مع السلطان. # فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم، ونعمته على غاية الوفور، ومنزلته # PageV01P223 # بحالها من الجلالة، فسمع رجلا يقرأ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ms090 قلوبهم ~~لذكر الله وما نزل من الحق # «1» فقال: اللهم بلى، وكررها دفعات، وبكى، ثم نزل [65 ط] عن دابته، ونزع ~~ثيابه، ودخل إلى دجلة، فاستتر بالماء إلى حلقه، ولم يخرج حتى فرق جميع ماله ~~في المظالم التي كانت عليه، وردها، ووصى فيها، وتصدق بالباقي، وعمل ما ~~اقتضاه مذهبه، ووجب عليه عنده. # فاجتاز رجل، فرآه في الماء قائما، وسمع بخبره، فوهب له قميصا ومئزرا، ~~فاستتر بهما، وخرج فلبسهما، وانقطع إلى العلم والعبادة، حتى مات. # ثم قال لي أبو علي: فافعل أنت يا أبا القاسم مثل هذا، فإن لم تطب نفسك به ~~كله، فتب. # قال: فأثر كلامه في، وعملت على التوبة، وترك التصرف، ولم أزل أصلح أمري ~~لذلك مدة، حتى استوى لي التخلص من السلطان، فتبت، وتركت معاودة التصرف. # PageV01P224 ### || 121 أبو فراس الحمداني من مناجيب بني حمدان # من مناجيب بني حمدان، أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء بن حمدان «1» ، ~~فإنه برع في كل فضل، على ما أخبرني جماعة شهدوه، وأثق بهم، حسن خلق لم ير ~~في عصره- زعموا- بالشام أحسن منه، مع خلق طاهر، وحسن باطن وظاهر، وفروسية ~~تامة، وشجاعة كاملة، وكرم [مستفيض] «2» ، لأنه نشأ في تربية سيف الدولة رضي ~~الله عنه، وحجره، وأخذ أخلاقه، وتأدب بآدابه، مع ملاحة خط، وترسل، وشعر في ~~غاية الجودة، وديوانه كبير، إلا أنه كان قبيل موته اختاره، على ما أخبرني ~~به أبو الفرج الببغاء، فنفى منه شيئا كثيرا. # قال: واقفني على نفيه، لأنه عرضه علي، فكل ما استضعفناه نفاه، وما ~~اجتمعنا على استجادته أقره، وحرره في نسخة تداولها الناس [73 ب] ، ومات وما ~~بلغ الأربعين، مقتولا. # PageV01P225 # قال: وأظن مبلغ سنه كانت سبعا وثلاثين سنة، أو نحوها، لما قتل. # وكان قرغويه غلام أبي الهيجاء الذي كان أحد قواد سيف الدولة، وحاجبه، ~~احتال عليه، حتى قتله في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. # قال: وذلك أن الجيوش السيفية «1» افترقت بعد وفاة صاحبها، فكل قطعة حوت ~~بلدا، وصار معظمهم مع قرغويه «2» بحلب، واحتوى عليها، وانضمت قطعة إلى أبي ~~فراس، فغلب بها على حمص. ms091 # فلما استقام الأمر لقرغويه، رخل بالأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ~~«3» ، وهو إذ ذاك صبي، وأبو فراس خاله، لقتال أبي فراس، ثم جرت بينهما ~~مراسلة، واصطلحوا. # وجاء أبو فراس، وهو لا تحدثه نفسه أن قرغويه يجسر عليه، ولا أنه يخاف أبا ~~المعالي وهو ابن أخته، فدخل إلى أبي المعالي وخرج، وما أحب الأمير أبو ~~المعالي به سوءا. # PageV01P226 # إلا أن قرغويه خاف أن يتمكن من ابن أخته، فيحمله على قتله، فنصب له قوما ~~اغتالوه في العسكر، وهم عقيب حرب لم تهدأ، وتخليط لم يسكن. # وأراد الأمير أبو المعالي إنكار ذلك، فمنعه قرغويه، وطاح دم الرجل، رحمه ~~الله. # [وحدثني أبو الحسن، أن أبا محمد الصلحي، وكان أبوه يكتب لأبي فراس أيام ~~ملكه، حدثه بمثله، على غير هذا، وجملته: أنه أسر، فجاء وهو أسير، راكبا، ~~فما شاهدته طائفة من غلمان سيف الدولة، إلا ترجلت له، وقبلت فخذه، فلما رأى ~~ذلك قرغويه قتله في الحال] «1» . # PageV01P227 ### || 122 كيف أسر أبو فراس الحمداني # قال: وكان سيف الدولة، قلده منبج «1» وحران «2» وأعمالهما، فجاءه خلق من ~~الروم، فخرج إليهم في سبعين نفسا من غلمانه [66 ط] وأصحابه، يقاتلهم، فنكأ ~~فيهم، وقتل، وقدر أن الناس يلحقونه، فما اتبعوه، وحملت الروم بعددها عليه، ~~فأسر. # فأقام في أيديهم أسيرا سنين، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم كانوا عنده ~~من عظماء الروم، منهم البطريق المعروف بأغورج، وابن أخت الملك، وغيرهما، ~~فيأبى سيف الدولة ذلك، مع وجده عليه، ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن ~~عمي خصوصا، وأدع باقي المسلمين، ولا يكون الفداء إلا عاما للكافة، والأيام ~~تتدافع. # إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة، في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ~~فخرج فيه أبو فراس، ومحمد بن ناصر الدولة، لأنه كان أسيرا في أيديهم، ~~والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين «3» علي بن # PageV01P228 # عبد الملك، لأنهم كانوا أسروه أيضا في حران، قبل ذلك بسنين، وخرج من ~~المسلمين عدد عظيم. # قال: ولأبي فراس كل شيء حسن من الشعر، في معنى أسره. ms092 # فمن ذلك، أن كتب سيف الدولة تأخرت عنه، وبلغه إن بعض الأسراء قال: إن ثقل ~~هذا المال على الأمير سيف الدولة، كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتهم أبا [74 ~~ب] فراس بهذا القول، لأنه كان ضمن للروم وقوع الفداء، وأداء ذلك المال ~~العظيم، فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان؟ # فكتب إليه قصيدة أولها: # أسيف الهدى وقريع العرب ... إلى م الجفاء وفيم الغضب # وما بال كتبك قد أصبحت ... تنكبني مع هذي النكب # وإنك للجبل المشمخر ... لي ولقومك بل للعرب # على تستفاد وعاف يفاد ... وعز يشاد ونعمى ترب # وما غض مني هذا الأسار ... ولكن خلصت خلوص الذهب # ففيم يقرعني بالخمول ... مولى به نلت أعلى الرتب # أتنكر أني شكوت الزمان ... وأني عتبتك فيمن عتب # فالا رجعت فأعتبتني ... وصيرت لي ولقولي الغلب # ولا تنسبن إلي الخمول ... عليك أقمت فلم أغترب # وأصحبت منك فإن كان فضل ... وإن كان نقص فأنت السبب # وإن خراسان إن أنكرت ... علاي فقد عرفتها حلب # PageV01P229 # ومن أين ينكرني الأبعدون ... أمن نقص جد أمن نقص أب # ألست وإياك من أسرة ... وبيني وبينك فوق النسب # وداد تناسب فيه الكرام ... وتربية ومحل أشب «1» # فلا تعدلن فداك ابن عمك ... لا بل غلامك عما يجب # أكنت الحبيب وكنت القريب ... ليالي أدعوك من عن كثب «2» # فلما بعدت بدت جفوة ... ولاح من الأمر ما لا أحب # فلو لم أكن بك ذا خبرة ... لقلت صديقك من لم يغب # وما شككتني فيك الخطوب ... ولا غيرتني عليك النوب # وأشكر ما كنت في صحبتي ... وأحلم ما كنت عند الغضب # قال الببغاء: وله في صفة أسره، وعلل لحقته هناك، ومراث لنفسه في الأسر، ~~وتعطف لسيف الدولة، وصفة الأسر، وما لحقه فيه، شعر كثير، حسن أكثره، بمعان ~~مخترعة، لم يسبق إليها. # ونحن نورد ما نختاره من ذلك، بعد هذا إن شاء الله تعالى. # PageV01P230 ### || 123 إذا اختل أمر القضاء في دولة اختل حالها # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # كان أول ما انحل من نظام سياسة الملك، فيما شاهدناه من أيام بني العباس، ~~القضاء، ms093 فإن ابن الفرات، وضع منه، وأدخل فيه قوما بالذمامات «1» ، لا علم ~~لهم، ولا أبوة فيهم، فما مضت إلا سنوات، حتى ابتدأت الوزارة تتضع «2» ، ~~ويتقلدها كل من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، أن ~~تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصبهاني الكاتب «3» ، وكان غاية في [75 ب] ~~سقوط المروءة، والرقاعة. # ولقد استأذنت عليه يوما، فجاء البواب إليه، فقال: ابن عياش بالباب، ~~فسمعته يقول له من وراء الستر: يدخل. # فقلت في نفسي: لا إله إلا الله، تبلغ الوزارة إلى هذا الحد في السقوط؟ # وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الربع «4» ، # PageV01P231 # وحتى رأيت في شارع الخلد «1» قردا معلما، يجتمع الناس عليه. # فيقول له القراد: تشتهي أن تكون بزازا؟ # فيقول: نعم، ويومئ برأسه. # فيقول: تشتهي تكون عطارا؟ # فيقول: نعم، برأسه. # فيعدد الصنائع عليه، فيومئ برأسه. # فيقول له في آخرها: تشتهي تكون وزيرا؟ # فيومئ برأسه: لا، ويصيح، ويعدو من بين يدي القراد، فيضحك الناس. # قال: وتلى سقوط الوزارة، اتضاع الخلافة، وبلغ صيورها «2» إلى ما نشاهد، ~~فانحلت دولة بني العباس، بانحلال أمر القضاء. # وكان أول وضع ابن الفرات من القضاء، تقليده إياه، أبا أمية الأحوص ~~الغلابي البصري «3» ، فإنه كان بزازا، فاستتر عنده ابن الفرات، وخرج من ~~داره إلى الوزراة. # PageV01P232 # فقال له في حال الاستتار: إن وليت الوزارة، فأي شيء تحب أن أعمل بك؟ # قال: تقلدني شيئا من أعمال السلطان. # قال: ويحك، لا يجيء منك عامل، ولا أمير، ولا صاحب شرطة، ولا كاتب، ولا ~~قائد، فأي شيء أقلدك؟ # قال: لا أدري، ما شئت. # قال: أقلدك القضاء. # قال: قد رضيت. # فلما خرج، وولي الوزارة، وهب له، وأحسن إليه، وقلده قضاء البصرة، وواسط، ~~وسبع كور الأهواز. # وكان يداعبه، ويتلهى به «1» ، ويسخر منه في أوقات استتاره عنده، وقبلها، ~~ويمد يده إليه، فلما ولاه القضاء، وقره عن ذلك. # ثم انحدر أبو أمية إلى أعماله، فأراد أن يغطي نقصه في نفسه، وقلة علمه، ~~ويصل ذلك بشيء يتجمل به، فعف عن الأموال، فما أخذ شيئا، وتصون ms094 وتوقر، ~~واقتصر على الأرزاق، وصلات ابن الفرات الدارة، فستر ذلك جميع عيوبه. # وتناوله الشعراء، فقال فيه القطراني البصري: [68 ط] . # عبث الدهر بنا و ... الدهر بالأحرار يعبث # من عذيري من زمان ... كل يوم هو أنكث # ما ظننا أننا نبقى ... وأن «2» نحيا ونلبث # فنرى الأحوص يقضي ... وأبا عيسى يحدث # PageV01P233 ### || 124 من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة # حدثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن محمد القاضي، المعروف بابن ~~نصرويه، قال: # كنت أيام أبي أمية الغلابي، وتقلده القضاء بالبصرة، حدثا، وكنت أجيئه مع ~~خالي، وكان الحر عندنا بالبصرة إذ ذاك، شديدا مفرطا، أكثر من شدته الآن [76 ~~ب] . # وكان أبو أمية يخرج في كل عشية من داره في مربعة الأحنف، وعليه مئزر، ~~وعلى ظهره رداء خفيف، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان «1» ، وبيده مروحة، وهو ~~قاضي البصرة «2» ، والأبله «3» ، وكور دجلة «4» ، وكور الأهواز «5» ، وواسط ~~«6» ، وأعمال ذلك، فيمشي حوله من يتفق أن يكون في الوقت من غير تعمل، حتى ~~ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا # PageV01P234 # الساجي «1» ، فيجلس إليه، وربما سبقه، وجاء أبو يحيى، وجلسا يتحدثان، ~~ويجتمع إليهما أترابهما، وإخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع ~~والانبساط في الحديث، والمزح، ما ليس بقليل. # ويجيء سعيد الصفار، وكان يخلف أبا أمية على البصرة، بقلنسوة عظيمة، ~~وقميص، وخف، وطيلسان، فيسلم عليه بالقضاء، ويشاوره في الأمور، فيقول له: قم ~~عني، لا يجتمع علي الناس، لا تقطعني عن لذتي بمحادثة إخواني القدماء، قم ~~إلى مجلسك. # فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس. # وما كان ذاك يغض من قدره عند الناس، وكانت سيرته أحسن سيرة، واستعمل من ~~العفة عن الأموال، ما لم يعهد مثله. # وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئا، ~~خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقة، فنقل ~~أبو أمية ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، وصارت سنة، وبقي الديوان ~~بالبصرة. # وكان- مع هذا- يتيه على ابن كنداج، وهو أمير البصرة «2» ، ولا يركب إليه ~~مرة، إلا إذا ms095 جاءه ابن كنداج مرة، ويعترض على ابن كنداج # PageV01P235 # في الأمور، ويسمع الظلامات فيه، وينفذ إليه في إنصاف المتظلم، فيضج ابن ~~كنداج من يده، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره، فترد عليه الأجوبة بالصواعق، ~~ويأمره بالسمع والطاعة، فيضطر إلى مداراته، والركوب إليه، وتلافيه. # فقبض على ابن الفرات، وأبو أمية لا يعلم، وورد كتاب على الطائر- بذلك- ~~إلى ابن كنداج، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أمية، فقدر أنه قد جاء مسلما، ~~فخرج إليه، فقبض عليه، ومشاه بين يديه، طول الطريق، إلى داره ببني نمير، ~~حتى أدخله السجن، من تحت الخشبة «1» فأقام فيه مدة، ثم مات. # ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره، ولا بقاض مات في السجن ~~سواه. # ثم ولي ابن الفرات [69 ط] الوزارة أيضا، فحين جلس، سأل عن أصحابه، ~~وصنائعه، وسأل عن أبي أمية، فعرف ما جرى عليه، ووفاته، فاغتم لذلك. # وقال: فاتني بنفسه، فهل له ولد أقضي فيه حقه؟ # فقالوا: ابن رجل. # فكتب بحمله إليه مكرما، فحمل. # PageV01P236 # فلما دخل عليه، وجد سلامه سلام متخلف، فقال له: ما اسمك؟ # قال [77 ب] أبو غشان، وكانت لثغته كذا، ولم يفرق لتخلفه بين الاسم ~~والكنية. # فقال ابن الفرات: عزيز علي أن لا أقضي حق أبي أمية، في نفسه، ولا في ~~ولده، كيف اقلد هذا القضاء؟ # فوصله بمال جزيل، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه، وصرفه إلى بلده، وكان ~~يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات. # PageV01P237 ### || 125 أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء ثم يصرفه # حدثني أبو نصر أحمد بن عمرو «1» البخاري القاضي، قال: حدثني جماعة من ~~ثقات أهل بغداد: # إن أبا عمر القاضي «2» قلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء. # فتظلم إليه منه، وذكر عنده بشناعات لا يليق مثلها بالقضاة، فأراد صرفه. # فعوتب على ذلك، وقيل: إن مثل هذا الرجل لا يجوز ان يكون ما رمي به صحيحا، ~~فإن كان صح عندك، وإلا فلا تصرفه. # فقال: ما صح عندي، ولا بد من صرفه. # فقيل: ولم؟ # قال: أليس قد احتمل عرضه، ms096 أن يقال فيه مثل هذا، وتشبهت صورته بصورة من ~~إذا رمي بهذا جاز أن يتشكك فيه؟ والقضاء أرق من هذا، فصرفه. # PageV01P238 ### || 126 أبو خازم القاضي يغضب إذا سمع مدحا للقاضي بأنه عفيف # حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي، عمن حدثه: # إنه كان يساير أبا خازم القاضي «1» في طريق، فقام إليه رجل، فقال: # أحسن الله جزاءك أيها القاضي، في تقليدك فلانا القضاء ببلدنا، فإنه عفيف. # فصاح عليه أبو خازم، وقال: اسكت عافاك الله، تقول في قاض إنه عفيف، هذه ~~من صفات أصحاب الشرط، والقضاة فوقها «2» . # قال: ثم سرنا، وهو واجم ساعة. # فقلت: ما لك أيها القاضي؟ # قال: ما ظننت أني أعيش حتى أسمع هذا، ولكن فسد الزمان، وبطلت هذه ~~الصناعة، ولعمري إنه قد دخل فيها من يحتاج القاضي معه إلى التقريظ، وما كان ~~الناس يحتاجون أن يقولوا: فلان القاضي عفيف، حتى تقلد فلان، وذكر رجلا لا ~~أحب أن أسميه. # فقلت: من الرجل؟ فامتنع. # فألححت عليه، فأومأ إلى أبي عمر. # PageV01P239 ### || 127 إسراع الناس إلى العجب مما لم يألفوه # وحدثني أبو الحسين، قال: # لما قلد المقتدر أبا الحسين «1» بن أبي عمر «2» القاضي، المدينة «3» ~~رئاسة، في حياة أبيه أبي عمر، خلع عليه، واجتمع الخلق من الأشراف، والقضاة، ~~والشهود، والجند، والتجار، وغيرهم على باب الخليفة، حتى خرج أبو الحسين ~~وعليه الخلع، فساروا معه. # قال: وكنت فيهم مع عمي، للصهر الذي كان بينه وبينهم، ولأنه كان أحد ~~شهودهم. # فسار عمي، وأنا معه، في أخريات الموكب، خوفا من الزحام، ومعنا شيخ من ~~الشهود كبير السن، أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا. # فكنا لا نجتاز بموضع، إلا سمعنا ثلب الناس لأبي الحسين، وتعجبهم من تقلده ~~[رئاسة. # فقال عمي للشيخ: يا أبا فلان ما ترى ازورار الناس [70 ط] من تقلد] «4» # PageV01P240 # هذا الفتى، مع فضله، ونفاسته، وعلمه، وجلالة سلفه؟ # فقال له الشيخ [78 ب] : يا أبا محمد، لا تعجب من هذا، فلعهدي، وقد ركبت ~~مع أبي عمر يوم خلع عليه بالحضرة، وقد اجتزنا بالناس، وهم يعجبون من تقلده، ~~أضعاف هذا ms097 العجب، حتى خفت أن يثبوا بنا، وهذا أبو عمر الآن قدوة «1» في ~~الفضل، ومثال في العقل والنبل، ولكن الناس يسرعون إلى العجب مما لم يألفوه. # PageV01P241 ### || 128 من قدم أمر الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم # حدثني أبو الحسن علي بن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر ابن ~~البهلول، قال: # طلبت السيدة أم المقتدر» # ، من جدي، كتاب وقف لضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، ~~فأرادت أخذه لتخرقه، وتبطل الوقف، ولم يعلم جدي بذلك. # فحمله إلى الدار، وقال للقهرمانة: قد أحضرت الكتاب كما رسمت «2» فأيش ~~تريد «3» ؟ # فقالوا: نريد أن يكون عندنا. # فأحس بالأمر، فقال لأم موسي القهرمانة «4» : تقولين للسيدة أعزها # PageV01P242 # الله، هذا والله ما لا طريق إليه أبدا، أنا خازن المسلمين على ديوان ~~الحكم فإما مكنتموني من خزنه كما يجب، وإلا فاصرفوني وتسلموا الديوان دفعة، ~~فاعملوا به ما شئتم، وخذوا منه ما أردتم، ودعوا ما أردتم، أما أن يفعل شيء ~~منه على يدي، فو الله لا كان هذا ولو عرضت على السيف. # ونهض والكتاب معه، وجاء إلى طياره، وهو لا يشك في الصرف، فصعد إلى ابن ~~الفرات، فحدثه بالحديث، وهو وزير. # فقال: ألا دافعت عن الجواب، وعرفتني حتى كنت أتلافى ذلك، الآن أنت مصروف، ~~ولا حيلة لي مع السيدة في أمرك. # قال: وأدت القهرمانة الرسالة إلى السيدة، فشكته إلى المقتدر. # فلما كان في يوم الموكب، خاطبه المقتدر شفاها في ذلك، فكشف له الصورة، ~~وقال مثل ذلك القول في الاستعفاء. # فقال له المقتدر: مثلك يا أحمد يقلد القضاء، أقم على ما أنت عليه، بارك ~~الله فيك، ولا تخف أن يثلم ذلك عرضك عندنا «1» . # قال: فلما عاودته السيدة، بلغنا أنه قال لها: الأحكام ما لا طريق إلى ~~اللعب به، وابن البهلول مأمون علينا، محب لدولتنا، وهو شيخ دين، مستجاب ~~الدعوة، ولو كان هذا شيء يجوز، ما منعك إياه. # فسألت السيدة كاتبها ابن عبد الحميد عن ذلك، وشرحت له الأمر. # PageV01P243 # فلما سمع ما قاله جدي، بكى بكاء شديدا- وكان شيخا صالحا ms098 من شيوخ الكتاب- ~~وقال: الآن علمت «1» أن دولة السيدة وأمير المؤمنين تبقى، وتثبت أركانها، ~~إذ كان فيها مثل هذا الشيخ الصالح الذي يقيم الحق على السيدة، ولا يخاف في ~~الله لومة لائم. فأي شيء يساوي شراؤكم لوقف؟ # وإن [79 ب] أخذتم كتابه فخرقتموه، فأمره شائع ذائع، والله فوق كل شيء، ~~وبه عالم. # فقالت السيدة: وكأن هذا لا يجوز؟ # فقال لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على مال الله، وأعلمها أن الشراء ~~لا يصح بتخريق كتاب الوقف، وهذا لا يحل. # فارتجعت المال، وفسخت الشراء، وعادت تشكر جدي، وانقلب ذلك له أثرا جميلا ~~عندهم. # فقال لنا جدي بعد ذلك: من قدم أمر الله تعالى على أمر المخلوقين كفاه ~~الله [71 ط] شرهم. # PageV01P244 ### || 129 القاضي أبو محمد البصري والد القاضي أبي عمر يؤدب مملوكا من وجوه مماليك الخليفة المعتضد # حدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت القاضي أبا عمر يقول: # قدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله «1» ، إلى أبي «2» في حكم، فجاء ~~فارتفع في المجلس. # فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالا بعظم محله في الدولة. # فصاح أبي عليه، وقال: هاه، تؤمر بموازاة خصمك، فتمتنع؟ # يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخاس «3» الساعة، لأتقدم إليه ببيع هذا ~~العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين. # ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وساو بينه وبين خصمه. # فأخذ كرها وأجلس مع خصمه. # فلما انقضى الحكم، انصرف الخادم، فحدث المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه. # فصاح عليه المعتضد، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، ولما رددتك إلى ملكي أبدا، ~~وليس خصوصك بي، يزيل مرتبة الحكم، فإنه عمود السلطان، وقوام الأديان. # PageV01P245 ### || 130 قاضي همذان يمتنع عن قبول شهادة رجل مستور # سمعت قاضي القضاة، أبا السائب عتبة بن عبيد الله «1» ، يقول: # كان في بلدنا، يعني همذان، رجل مستور، فأحب القاضي قبوله «2» فسأل عنه، ~~فزكي له سرا وجهرا. # فراسله في حضور المجلس، ليقبله، وأمر فأخذ خطه في كتب ليحضر فيقيم ~~الشهادة فيها. # وجلس القاضي، وحضر الرجل مع الشهود، ونودي به، فجاء مع شاهد آخر، ms099 فلما ~~جلسا ليشهدا، أمرهما القاضي بالقيام، فقاما، ونظر بين الخصوم، وتقوض ~~المجلس، ولم يقبله. # فورد على الرجل أمر عظيم، ودس إلى القاضي من يسأله عن سبب ذلك. # فقال القاضي: إني أردت قبوله لستره ودينه، ثم انكشف لي أنه مراء، فلم ~~يسعني قبوله. # فقيل له: كيف انكشف هذا للقاضي، بعد أن دعاه للقبول؟ # قال: كان يدخل إلي في كل يوم، فأعد خطاه، من حيث تقع عيني عليه من داري ~~إلى مجلسي، فلما دعوته اليوم للشهادة، جاء، فعددت خطاه من ذلك المكان، فإذا ~~هي قد زادت خطوتين أو ثلاث، فعلمت أنه متصنع لهذا الأمر، مراء، فلم أقبله. # PageV01P246 ### || 131 الصفح الجميل عفو بلا تقريع # حدثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان، المعروف بابن أبي عمرو ~~الشرابي حاجب أمير المؤمنين المطيع «1» لله [80 ب] قال: # دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي، فقصر في القيام، وأظهر ضعفا ~~عنه للسن، والعلل المتصلة به، وتطاول لي، فجذبت يديه بيدي، حتى أقمته ~~القيام التام. # وقلت له: أعين قاضي القضاة- أيده الله- على إكمال البر، وتوفية الإخوان ~~الحق. # قال: وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها، وإنما جئته للخصومة، فبدأت ~~لأصل الكلام. # فحين رأى الشر في وجهي، قال: تتفضل باستماع كلمتين ثم تقول ما شئت. # فقلت له: قل. # فقال: روينا عن ابن عباس في قوله تعالى: فاصفح الصفح الجميل # «2» قال: عفو بلا تقريع، فإن رأيت أن تفعل ذلك، فعلت. # فاستحييت من الاستقصاء عليه. # PageV01P247 ### || 132 بين الأصبهاني الكاتب والخوميني عامل سوق الأهواز # حضرت أبا عبد الله الخوميني «1» عامل سوق الأهواز، وقد دخل إليه أبوبكر ~~أحمد بن عبد الله، المعروف بأبي بكر بن عبد الله أبي سعيد الأصبهاني ~~الكاتب. # فأخذ يريه أنه [72 ط] يريد القيام، ويتثاقل فيه، حتى يسبقه أبو بكر ابن ~~أبي سعيد بالجلوس، إلى قيامه له. # ففطن أبو بكر، فوقف من بعيد، وقال: هي، قم قائما حتى أجيء، وإلا انصرفت ~~من موضعي. # فضحك الخوميني، وقال: والله يا سيدي، ما أردت هذا. # وقام له القيام التام. ms100 # PageV01P248 ### || 133 شيخ من الكتاب ينصح أبا الحسين بن عياش # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # تقلد سليمان بن الحسن «1» الوزارة الأولى عقيب اختصاصي به وأنسي، فكنت ~~أجيئه على ذلك الأنس، ما تغير علي، ولا أنكرت منه شيئا. # وكنت شابا، ولم تكن لي مداخلة بالملوك، وكنت أجيئه والناس محجوبون فأدخل ~~على الرسم، وهو خال. # فاتفق أني بت ليلة موكب عند أبيه، أبي محمد، فبكرت من غد لأراه، ثم ~~أنصرف. # فجئت، والقاضي أبو عمر، وابنه أبو الحسين، والقاضي ابن أبي الشوارب «2» ، ~~وابنه «3» ، والقاضي ابن البهلول، والناس من الأشراف، والكتاب، ووجوه ~~القواد، وأهل الحضرة، محجوبون، وهم جلوس في الرواق، والحاجب واقف على باب ~~السلم، وكان ينفذ إلى حجرة خلوة له، هو فيها. # PageV01P249 # فلما رآني الحاجب، أمر فرفع لي الستر، فدخلت إليه، وهو يتبخر وعليه ~~سواده، يريد الركوب إلى المقتدر، وليس بين يديه أحد. # فطاولني في الحديث، إلى أن فرغ، وشد سيفه ومنطقته، وخرج، وأنا خلفه. # فتلقاه الناس بالسلام، وتقبيل اليد، فخرجوا خلفه، فاختلطت بهم. # فإذا بإنسان يجذب طيلساني، فالتفت، فإذا هو فلان، شيخ من شيوخ الكتاب، ~~أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا، وذكر أنه كان صديقا لأبي، ولأبيه من قبله. # فقال لي: يا أبا الحسين، فداك عمك، في بيتك خمسون ألف دينار؟ # فقلت: لا والله. # قال: فتقوى على خمسين ألف مقرعة وصفعة؟ # قلت: لا والله [81 ب] . # قال: فلم تدخل إلى الوزير، وفلان، وفلان- وعدد من حضر- محجوبون، يتمنون ~~الوصول، ولا يقدرون، ثم لا ترضى، حتى تطيل عنده، وتخرج في يوم موكب، وراءه، ~~وليس معه غيرك، ولا خمسون ألف دينار معدة عندك، تؤديها إذا نكب هذا، فأخذت ~~بتبعة الاختصاص به، وأنت لا تقوى على ما يولد هذا. # فقلت: يا عم لم أعلم، وأنا رجل فقيه، ومن أولاد التجار، ولا عادة لي ~~بخدمة هؤلاء. # فقال: يا بني لا تعاود، فإن هذا يولد لك اسما، ويجر عليك تبعة. # قال: فتجنبت بعد ذلك الدخول إلى سليمان في أوقات مجالسه العامة، وأيام ~~المواكب خاصة. # PageV01P250 ### || 134 أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق ms101 المقشور # حدثني أبي، قال: بلغني من غير واحد: # إن أبا يوسف «1» صحب أبا حنيفة «2» ، لتعلم العلم، على فقر شديد، فكان ~~ينقطع بملازمته عن طلب المعاش، فيعود إلى منزل مختل، وأمر قل. # فطال ذلك، وكانت امرأته «3» تحتال له ما يقتاته يوما بيوم. # فلما طال ذلك عليها، خرج إلى المجلس، وأقام فيه يومه، وعاد ليلا فطلب ما ~~يأكل، فجاءته بغضارة مغطاة، فكشفها، فإذا فيها دفاتر. # فقال: ما هذا؟ قالت: هذا ما أنت مشغول به نهارك أجمع، فكل منه ليلا، قال: ~~فبكى [73 ط] ، وبات جائعا، وتأخر من غد عن المجلس، حتى احتال ما أكلوه. # فلما جاء إلى أبي حنيفة، سأله عن سبب تأخره، فصدقه. # فقال: ألا عرفتني، فكنت أمدك؟ ولا يجب أن تغتم، فإنه إن طال عمرك فستأكل ~~بالفقه، اللوزينج بالفستق المقشور. # قال أبو يوسف: فلما خدمت الرشيد، واختصصت به، قدمت بحضرته يوما جامة ~~لوزينج بفستق، فحين أكلت منها، بكيت، وذكرت أبا حنيفة. # فسألني الرشيد عن السبب في ذلك، فأخبرته. # PageV01P251 ### || 135 سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد # وحدثني أبي، قال: # كان سبب اتصاله «1» بالرشيد «2» إنه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث ~~بعض القواد في يمين، فطلب فقيها يستفتيه فيها، فجيء بأبي يوسف، فأفتاه أنه ~~لم يحنث، فوهب له دنانير، وأخذ له دارا بالقرب منه، واتصل به. # فدخل القائد يوما إلى الرشيد، فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمه، فقال: شيء ~~من أمر الدين قد حزبني «3» ، فاطلب لي فقيها أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. # قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممر بين الدور، رأيت فتى حسنا، أثر الملك ~~عليه، وهو في حجرة في الممر محبوس، فأومأ إلي بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه ~~إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلمت، ووقفت. # فقال لي: ما اسمك؟ # قلت [82 ب] : يعقوب. أصلح الله أمير المؤمنين. # قال: ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني، هل يحده؟ # قلت: لا يجب ذلك. # PageV01P252 # قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنه قد رأى بعض أولاده الذكور على ~~ذلك، وإن ms102 الذي أشار إلي بالاستغاثة، هو الابن الزاني. # قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟ # قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه ~~شبهة يسقط الحد معها. # فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟ # قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا ~~يكون بالعلم. # قال: ولم؟ # قلت: لأن الحد حق الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحد، فكأنه قد صار ~~حقا له، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على ~~وقوع الحد بالإقرار والبينة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم. # قال: فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ~~ألزم الدار. # قال: فما خرجت، حتى جاءتني هدية الفتى، وهدية أمه، وأسبابه، فحصل لي من ~~ذلك، ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه علي ذلك ~~القائد. # ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، ~~فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إلي، وحالتي تقوى. # ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواص أمره، وأنس بي. # فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلدني قضاء القضاة. # PageV01P253 ### || 136 أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي # قال لي أبي [74 ط] : بلغني أن أبا يوسف، لما مات، خلف في جملة، كسوته، ~~مائتي «1» سراويل خز، دون غيرها من أصناف السراويلات. # وأن جميع سراويلاته كانت مختصة كل سراويل بتكة أرمني تساوي دينارا، وبلغ ~~من محله عنده «2» ، أن طلبه الرشيد يوما، فجاء وعليه بردة، أنسا به، فحين ~~رآه الرشيد، قال لمن بحضرته: # جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء «3» ترمي بنسيج وحده # PageV01P254 ### || 137 كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضيا # حدثني القاضي أبو الحسن علي بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول ~~«1» قال: حدثني أبي «2» ، عن أبيه، وحدثني أيضا، أبو الحسن أحمد ابن يوسف ~~الأزرق «3» عن أبي جعفر بن البهلول القاضي «4» ، قال: # لما استقرت الأمور للناصر لدين الله «5» ، بعد فراغه من أمر الزنج «6» ، ~~نظر في البلدان ومصالحها، ms103 وأمر بارتياد قضاة من أهل البلدان لها. # فسأل عن الأنبار، ومن فيها يصلح لتقلد القضاء، فأسميت له. # وكان عارفا بأبي، إسحاق بن البهلول، حين استقدمه المتوكل إلى سر من رأى ~~[83 ب] حتى حدثه، ولم أكن تقلدت شيئا من ذلك. # قال: فأمر بإحضاري وتقليدي. # PageV01P255 # فتقدم إسماعيل بن بلبل، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي» # في ذلك، وكاتبني بالحضور، فحضرت، فعرفني الصورة، وحملني إلى إسماعيل. # فقلت لهما: أنا في كفاية وغناء، ولا حاجة بي إلى تقلد القضاء. # فأمسكا عني، فعدت إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع. # فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصيني الأنباري، وكان من عقلاء العجم «2» ~~بالأنبار، ولي صديقا، فقال لي: لأي شيء استدعيت؟ فحدثته. # فقال: اتق الله في نفسك، إن الذي جرى بينك وبينهما خاف عن الناس، وإنك ~~تعود إلى بلدك، فيقول أعداؤك: طلب للقضاء، فلما شوهد، وجد لا يصلح، فرد. # فقلت: ما أصنع، وقد قلت ما قلت؟ # قال: ترجع إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا. # قال: فباكرت إسماعيل، فحين رآني، قال: هذا وجه غير الوجه الأمسي. # قلت: هو كذلك. # قال: هي «3» . # قلت: كان كذا وكذا، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم. # فقال: نصحك والله «4» هذا الصديق، والأمر على ما قاله، قم بنا إلى ~~الوزير. # PageV01P256 # قال: فحملني إليه، فلما رآنا إسماعيل تبسم، وقال: كيف عاد أبو جعفر؟ # قال: فقص عليه إسماعيل القاضي الخبر. # فقال: جزى الله هذا الصديق عنك خيرا، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح، ~~اكتبوا عهده. # قال: فكتب عهدي عن الناصر، على الأنبار «1» ، وهيت «2» وعانات «3» ، ~~والرحبة «4» ، وقرقيسيا «5» ، وأعمال ذلك، وعدت إلى بلدي. # قلت أنا: ولم يزل محل أبي جعفر ينمى ويزيد، حتى قلد مدينة أبي جعفر ~~المنصور «6» عند صرف أبي عمر في قصة ابن المعتز «7» ، فظهر من فضله ما ~~اشتهر. # PageV01P257 ### || 138 ارتفاع محل القاضي ابن البهلول في دولة المقتدر # وكان «1» عند المقتدر ووزرائه، بصورة الناسك الزاهد، من ذلك ما حدثني به ~~أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، قال: حدثني أبو علي ~~أحمد بن ms104 جعفر بن إبراهيم الحصيني [75 ط] الأنباري الكاتب، قال: # مات واثق «2» مولى المعتضد، فأوصى أن يصلي عليه أبو الحسن علي بن عيسى ~~«3» ، فحضر الحق «4» وجوه الدولة، من القواد، والكتاب، والأشراف، والقضاة، ~~وغيرهم. # فكان فيمن حضر، القاضيان أبو جعفر «5» ، وأبو عمر «6» ، وكنت حاضرا. # قال: فوضعت الجنازة، وقيل [لأبي الحسن] «7» علي بن عيسى تقدم، فجاء ~~ليتقدم، فوقعت عينه على أبي جعفر، فجذبه، وقدمه، وتأخر هو. # PageV01P258 # قال: فلما انقضت الصلاة، طلبت أبا عمر، لأنظر كيف هو، فوجدته قد اسود ~~وجهه غما، بتقديمهم أبا جعفر عليه. # فجئت إلى أبي جعفر [84 ب] ، وهنأته بذلك، وأخبرته بخبر أبي عمر، فاستسر ~~«1» بذلك، وسر بعلمي أنا بالأمر، ومشاهدتي له، لأجل البلدية «2» . # قال لي أبو الحسن: هذا، مع نفرة كانت بينهما «3» ، ولكن أبا الحسن لفضله، ~~لم يكن يدفع أهل الفضل عنه، وإن لم يكن ما بينه وبينهم مستقيما. # PageV01P259 ### || 139 الحسين بن القاسم بن عبيد الله يتصرف تصرفا يكون أوكد الأسباب في عزله عن الوزارة # حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، قال: # كان قد ارتكب الحسين بن القاسم بن عبيد الله «1» دين عظيم، عشرات ألوف ~~دنانير، فدعاه غرماؤه إلى القاضي، فخافهم، واستتر. # وجاء إلى جدي فشاوره في أمره، وقال: إن بعت ملكي، كان بإزاء ديني، وحصلت ~~فقيرا، وقد رضيت أن أجوع، وأعطي غلتي بأسرها الغرماء، وليس يقنعون بذلك، ~~فكيف أعمل؟ يحتال لي القاضي في ذلك! وكان منزل الحسين في الجانب الشرقي، ~~والحكم فيه إلى أبي عمر. # فقال له جدي: إن من مذهب مالك، الحجر على الرجال إذا بان سفههم في ~~الأموال، وإن عني بك أبو عمر، جعل استدانتك من غير حاجة كانت بك إليها، ~~وإنما بذرت المال، وتخرقت في النفقة، دليلا على سفهك في مالك. # PageV01P260 # ولو صار أن يسمع في ذلك شهادة من يعرفه عن حالك، فيثبت حينئذ السفه عنده، ~~فيحجر عليك، ويمنعك من التصرف في مالك، ويدخل فيه أيدي أمنائه، ويحول بينك ~~وبينه. فإذا أثبت عنده الغرماء عليك الدين، أمرهم، يعني أمناءه، ms105 بأن يصرفوا ~~الغلات إليهم، قضاء للدين، وبقيت عليك الأصول. # قال: فطرح الحسين نفسه على أبي عمر، ففعل به ذلك، فظهر وصلحت حاله، وجرى ~~أمره مع الغرماء. على ذلك. # قال: ولما ولي الحسين الوزارة، وفسد عليه مؤنس «1» ، فسعى في صرفه، وقال ~~للمقتدر: يا أمير المؤمنين، هذا لم يكن موضعا لحفظ ماله، حتى حجر عليه ~~القضاة لسفهه وتبذيره فيه، كيف يحمد حتى يرد إليه مال الدنيا وتدبيرها، ~~وسياسة العالم، وهو عجز عن تدبير داره ونفقته؟ # وكان ذلك أوكد الأسباب في صرفه. # PageV01P261 ### || 140 عدد الشهود الذين قبلهم القاضي التيمي بالبصرة # حدثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله المعروف بابن نصرويه، قال: # قبل التيمي، القاضي كان قديما عندنا بالبصرة، ستة وثلاثين ألف شاهد، في ~~مدة ولايته. # فقلت له: هذا عظيم [76 ط] ، فكيف كان ذلك؟ # فقال لي: كان القضاة على مذهب أبي حنيفة، وغيره من الفقهاء، في أن الناس ~~كلهم عدول، على الشرائط التي تعرفها، وكان يشهد الناس عند التيمي بأسرهم، ~~فإذا سمع شهاداتهم، سأل عنهم، فيزكون، فيقبلهم، وكان الناس يشهد بعضهم ~~لبعض، من الجيران، وأهل [85 ب] الأسواق، ولا نعرف ترتيب قوم مخصوصين ~~للشهادة، إلى أن ولي إسماعيل «1» . # قال: وكان مبلغ من قبله التيمي، ستة وثلاثون ألف شاهد، منهم عشرون ألفا ~~لم يشهدوا عنده إلا شهادة واحدة. # PageV01P262 ### || 141 أسد بن جهور وما فيه من سوداء ونسيان # أخبرني أبو القاسم الجهني، قال: # كانت في أسد بن جهور «1» سوداء ونسيان. # فحضرته يوما، وهو في دار بعض الوزراء، وقد جلس يتحدث، ومعنا بعض القضاة، ~~وكان اليوم حارا، فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته. # فطلب الوزير أسدا، فقام مستعجلا، فأخذ قلنسوة القاضي، فلبسها ودخل على ~~الوزير. # فصاح القاضي به، وجماعتنا، فما سمع، حتى دخل كذلك على الوزير، فضحك منه. # [وخجل أسد وعاد إلينا راجعا عنه] «2» . # PageV01P263 ### || 142 المتوكل يختار فتى لمنادمته # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبو جعفر بن حمدون، ~~قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، قال: # كنت مع أبي ms106 «1» ، وأنا صبي، بسر من رأى، وهو ينادم المتوكل على الله «2» ~~، فخرج إلى الصيد، وهو معه، وأنا مع أبي. # فانفرد أبي في يوم من الأيام، يبول، وأنا معه، فأعطاني دابته، # PageV01P264 # فأمسكتها [وحولت وجهي عنه] «1» ، وجلس يبول، إذ جاء المتوكل يحرك وحده، ~~ويقصده، وقد انفرد عن الجيش، ليولع به. # فلما قرب منه، قال له: من هذا الصبي الذي يمسك دابتك؟ # قال: عبد أمير المؤمنين، ابني. # قال: فلم قد حول وجهه عنك؟ # [قال: فعن لأبي أن يتنادر، ولم يراع كون النادرة علي وعلى أمي] «2» ، ~~فقال: حول وجهه عني استحياء من كبر أيري. # قال: فقلت أنا للخليفة: والله يا أمير المؤمنين، لو رأيت أير جدي، لعلمت ~~أن أيره عنده زر. # فضحك المتوكل، وقال: يا أحمد، ابنك والله أطيب منك، فأحضره معك للندام ~~«3» . # فحضرت منذ ذلك اليوم، وصرت في الندماء. # PageV01P265 ### || 143 المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد # وحدثني «1» ، وقال: حدثني أبو جعفر «2» ، قال: حدثني أبو محمد «3» ، قال: # كنت قد حلفت، وعاهدت الله تعالى، أن لا أعتقد مالا من القمار، وأنه لا ~~يقع في يدي شيء منه، إلا صرفته في ثمن شمع يحرق، أو نبيذ يشرب، أو جذر ~~مغنية تسمع. # قال: فجلست يوما ألاعب المعتضد «4» بالنرد، فقمرته سبعين ألف درهم. # فنهض المعتضد يصلي العصر، من قبل أن يأمر لي بها، وكان له ركوع طويل ~~قبلها، فتشاغل به. # وصليت أنا العصر فقط، فجلست أفكر، وأندم على ما حلفت عليه، وقلت: كم عساي ~~أشتري من هذه السبعين ألفا، شمعا، وشرابا، وكم أجذر؟ وما كانت هذه العجلة ~~في اليمين، ولو لم أكن حلفت، كنت الآن [86 ب] قد اشتريت بها ضيعة. # قال: وكانت اليمين بالطلاق، والعتاق، وصدقة الملك، والضيعة. # وأغرقت في الفكر، والمعتضد يراني، وأنا لا أعلم. # فلما سلم من [77 ط] الركوع، سبح، وقال لي: يا أبا عبد الله في أي شيء ~~فكرت؟ # PageV01P266 # فقلت: خيرا يا مولاي. # فقال: بحياتي أصدقني، فصدقته. # فقال: وعندك أني أريد أن أعطيك سبعين ألفا في القمار؟ # فقلت له: أفتضغو «1» ؟ # قال: نعم، ضغوت، قم ولا ms107 تفكر في هذا. # قال: ودخل في صلاة العصر الفرض. # قال: فلحقني غم أعظم من الأول، وفكر أشد منه، وندم على فوت المال، وقلت ~~لم صدقته، وأخذت ألوم نفسي. # قال: فلما فرغ من صلاته، وجلس، قال لي: يا أبا عبد الله، بحياتي أصدقني ~~عن هذا الفكر الثاني. # فلم أجد بدا، فصدقته. # فقال: أما القمار فقد فاتك، لأني قد ضغوت بك، ولكني أهب لك سبعين ألف ~~درهم غير تلك، من مالي، فلا يكون علي إثم في دفعها، ولا عليك إثم في أخذها، ~~وتخرج من يمينك، فتأخذها وتشتري بها ضيعة حلالا. # فقبلت يده، فأحضر المال، وأعطانيه، فأخذته، واعتقدت به ضيعة # PageV01P267 ### || 144 المعتضد يسدد دين نديمه مرتين # وحدثني أبو محمد قال: حدثني أبو جعفر، قال: حدثني أبو محمد ابن حمدون، ~~قال: # كان علي دين ثقيل، مبلغه خمسة آلاف دينار، ولم يكن لي وجه قضائه، ولم تكن ~~القضاة تعدي علي «1» ، لملازمتي المعتضد. # فجلس المعتضد للمظالم بنفسه مجالس عدة، فتظلم إليه مني غرمائي. # فأحضرني، وسألني عن الدين، فأقررت به عنده للقوم. # ففكر المعتضد في حبسي به لهم، فيبطل أنسه بي، ويتحدث عنه إنه بخل بقضاء ~~دين نديم له، ورأى أن يلتزم المال. # ثم قال للغرماء: المال علي، ووقع لهم [به] «2» في الحال. # فأخذوه، وانصرفوا. # فلما خلونا، قال: يا عاض كذا «3» ، أي شيء كانت هذه المبادرة إلى ~~الإقرار، ما قدرت أن تجحد، ولا أغرم أنا المال، ولا تحبس أنت؟ # فقلت: لم أستحل ذلك، وكيف أجحد قوما في وجوههم، وقد أعطوني أموالهم؟ # قال: ومضت على هذا مديدة، فأضقت، فاستدنت ألوفا أخرى دنانير، أقل من تلك، ~~وطولبت بها، فدافعت، لأن دخلي لم يكن يفي بنفقتي، وما أقيم من المروءة، ~~أكثر من قدر حالي، فما كان لي وجه أقضي منه الدين. # PageV01P268 # وجلس المعتضد للمظالم، فرفع إليه القوم، فأحضرني، وسألني، فأقررت، فوزن ~~المال عني. # ثم قال للقاضي الذي يلي حضرته: خذ هذا، فناد عليه في البلد بسفهه «1» في ~~ماله، وعدمه «2» ، وإنه لا يملك ما يباع عليه فيقضي به دينه، وإن من ms108 عامله ~~[87 ب] بعد هذا فقد طوح بماله. # فاضطربت من ذلك. # فقال: لا والله، لا جعلت أنت غرماءك كل يوم، حيلة على مالي. # قال: فما نفعني معه شيء، حتى مضيت إلى دار القاضي وجلست معه في مجلسه، ~~وهو يشيع في الناس ذلك، ويجريه في وجهي، ولم يناد علي. # PageV01P269 ### || 145 بين ابن المدبر وعريب # حدثني أبو محمد، قال: حدثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي ~~الكاتب، قال: أخبرني من أثق به، أن إبراهيم بن المدبر «1» قال: # كنت أتعشق عريب «2» ، دهرا طويلا، وأنفقت [78 ط] عليها مالا جليلا «3» ، ~~فلما قصدني الزمان، وتركت التصرف، ولزمت البيت، كانت هي أيضا، قد أسنت، ~~وتابت من الغناء، وزمنت. # فكنت جالسا يوما، إذ جاءني بوابي، وقال: طيار عريب بالباب، وهي فيه ~~تستأذن. # فعجبت من ذلك، وارتاح قلبي إليها، فقمت حتى نزلت إلى الشط، فإذا هي جالسة ~~في طيارها. # فقلت: يا ستي، كيف كان هذا. # قالت: اشتقت إليك، وطال العهد، فأحببت أن أجدده، وأشرب عندك اليوم. # PageV01P270 # قلت: فاصعدي. # قالت: حتى تجيء محفتي. # قال: فإذا بطيار لطيف، قد جاء وفيه المحفة، فأجلست فيها، وأصعد بها ~~الخدم. # وتحدثنا ساعة، ثم قدم الطعام، فأكلنا، وأحضر النبيذ، فشربت، وسقيتها ~~فشربت، وأمرت جواريها بالغناء، وكان معها منهن عدة، محسنات، طياب، حذاق، ~~فتغنين أحسن غناء وأطيبه، فطربت وسررت. # وقد كنت، قبل ذلك بأيام، عملت شعرا، وأنا مولع في أكثر الأوقات بترديده، ~~وإنشاده، وهو: # إن كان ليلك نوما لا انقضاء له ... فإن جفني لا يثنى لتغميض # كأن جنبي في الظلماء تقرضه ... على الحشية أطراف المقاريض # أستودع الله من لا أستطيع له ... شكوى المحبة إلا بالمعاريض # فقلت لها: يا ستي، إني قد عملت أبياتا، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا. # فقالت: يا أبا إسحاق مع التوبة؟ # قلت لها: فاحتالي في ذلك كيف شئت. # فقالت: رو هاتين الصبيتين الشعر، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها. # فحفظتهما الشعر، وفكرت ساعة، ووقعت بالمروحة على الأرض، وزمزمت مع نفسها، ~~ثم قالت لهما: أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانية، [وأضربا بالإصبع ~~الفلانية، ms109 وافعلا كذا وكذا، إلى أن فتح لهما # PageV01P271 # الضرب، ثم قالت غنياه على الطريقة الفلانية] «1» ، واجعلا في الموضع ~~الفلاني كذا. # فغنتاه، كأنهما قد سمعتاه قبل ذلك دفعات، وما خرج الغناء من بين شفتيها. # [فطربت] «2» وقلت في نفسي: عريب تزورني [88 ب] وتلحن شعري، وهي على كل ~~حال مغنية، وتنصرف من عندي صفرا؟ والله، لا كان هذا، ولو انني مت ضرا وجوعا ~~وفقرا. # فقمت إلى جواري، وشرحت الحال لهن، وقلت: عاونني بما يحضركن، فدفعت إلي ~~هذه خلخالا، وهذه سوارا، وهذه عقد حب، وهذه جان «3» ، إلى أن اجتمع لي من ~~حليهن ما قيمته ألف دينار. # قال: واستدعيت زنبيلا مشبكا ذهبا كان عندي، فيه مائة مثقال، فجعلت ذلك ~~فيه، وخرجت به إليها، وقلت: يا سيدتي، هذه طرف، أحببت إتحاف هاتين الصبيتين ~~بها، فأحب أن تأمريهما بأخذها. # فامتنعت امتناعا ضعيفا، وقالت: يا أبا إسحاق، بيننا اليوم هذا، أو فضل ~~فضل له؟ # فقلت: لا بد. # فقالت لهما: خذاه، فأخذتاه، وجلست إلى وقت المغرب. # ثم قامت لتنصرف، فشيعتها [79 ط] إلى دجلة. # فلما أرادت الجلوس في طيارها، قالت: يا أبا إسحاق لي حاجة. # قلت: مري بأمرك. # PageV01P272 # قالت: قد ابتاعت فلانة، أم ولدك، ضيعة يقال لها كذا، وهي تجاورني، وأنا ~~شفيعتها «1» ، وأريد أن تأمرها بأخذ المال مني والنزول عنها لي. # فعلمت أنها إنما جاءت لهذا السبب. # فقلت: مكانك، فتوقفت في الطيار. # فدخلت إلى أم ولدي وضمنت لها المال، وأخذت العهدة بالضيعة، فجئت بها ~~إليها. # وقلت: قد وهبتها لك، وضمنت المال لها، وفي غد أتقدم بالأشهاد لك في ظهر ~~الكتاب. فخذيه معك عاجلا. # فشكرتني ومضت. # وكان شراء الضيعة ألف دينار. # فقام علي يومها، وتلحينها هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار. # PageV01P273 ### || 146 الزجاج يدرس النحو على المبرد # حدثني أبو الحسن بن الأزرق قال: حدثني أبو محمد بن درستويه النحوي «1» ~~قال: حدثني الزجاج «2» ، قال: # كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرد «3» لتعلمه، وكان لا يعلم ~~مجانا، ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها. # فقال لي: أي شيء صناعتك؟ # قلت: أخرط الزجاج، وكسبي ms110 في كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن ~~تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك في كل يوم درهما، وأشرط لك أني أعطيك إياه ~~أبدا، إلى أن يفرق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. # قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره، ومع ذاك أعطيه الدرهم، # PageV01P274 # فنصحني في التعليم، حتى استقللت. # فجاءه كتاب من بني مارية «1» ، من الصراط، يلتمسون معلما نحويا لأولادهم، ~~فقلت له: أسمني لهم، فأسماني، فخرجت إليهم، فكنت أعلمهم، وأنفذ إليه في كل ~~شهر ثلاثين درهما، وأتفقده بعد ذلك بما أقدر عليه. # ومضت على ذلك مدة، فطلب منه عبيد الله بن سليمان، مؤدبا لابنه القاسم [89 ~~ب] . # فقال له: لا أعرف لك إلا رجلا زجاجا بالصراة «2» مع بني مارية. # قال: فكتب إليهم عبيد الله فاستنز لهم عني، فنزلوا له. # فأحضرني وأسلم القاسم إلي، فكان ذلك، سبب غناي. # وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كل يوم، إلى أن مات، ولا أخليه من التفقد ~~معه بحسب طاقتي. # PageV01P275 ### || 147 بيتان من نظم أبي محمد الشامي كاتب الأمير سيف الدولة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد، وأبو الفرج الببغاء، قالا: أنشدنا أبو محمد ~~عبد الله بن محمد الشامي، كاتب سيف الدولة [لنفسه] «1» . # وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ... عفت منه آثار «2» وسدت مشارع «3» # فقلت إلى أن يرجع الماء جاريا ... ويعشب جنباه تموت الضفادع # PageV01P276 ### || 148 ليحيى بن محمد في مواهب المغنية # وأنشدني أبو محمد «1» لنفسه في قينة ببغداد، مشهورة بالإحسان، تسمى مواهب ~~«2» ، كانت جارية لأبي علي الحسن بن هارون الكاتب «3» ، باعها، فاشتراها ~~أبو الفضل العباس بن الحسين «4» الوزير [الآن] «5» فلما تزوج ابنة # PageV01P277 # الوزير أبي محمد المهلبي «1» ، زينة بنت الحسن «2» ، دفعها إلى أبي محمد، ~~فأعتقها، وزوجها غلاما من غلمانه يسمى غالب، ويعرف بالشار زادي» # ، وهي [80 ط] الآن تخدم الأمير عز الدولة «4» بصناعتها: # تمام الحج أن تقف الركائب ... على دار تحل بها مواهب # ولولا أن يقال صبا لقلنا ... عجائب دون أيسرها عجائب # PageV01P278 ### || 149 لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة # أنشدني أبو الفرج ms111 الببغاء لنفسه، قصيدة له في سيف الدولة: أولها: # سقت العهاد خليط ذاك المعهد ... ريا وحيا البرق برقة ثهمد # في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر صافح موج بحر مزبد # فكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد # وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الأثمد # ووصف فيها اللواء فقال: # ومملك رق القنا مستخرج ... باللطف أسرار الرياح الركد # خرس يناجيها فتفهم نطقه ... وتجيبه أنفاسها بتصعد # قلق كأن الجو ضاق به فما ... ينفك بين توثب وتهدد # وكأن همة ربه قالت له ... طل وارق في درج المعالي واصعد # [وفيها يقول] «1» : # إن المحامد رتبة لا يبلغ ... الإنسان راحتها إذا لم يجهد # من لم تبلغه السيادة «2» نفسه ... دون الأبوة لم يكن بمسود # [يقول في آخرها يصف القصيدة] «3» : # حلل من المدح ارتضى لك لبسها ... شكري فأغرب مفرد في مفرد «4» # لما نشرت عليك فاخر وشيها ... قالت لك العلياء أبل وجدد # PageV01P279 ### || 150 لأبي الفرج الببغاء يعزي الأمير سيف الدولة بولده أبي المكارم # وأنشدني «1» لنفسه يعزي سيف الدولة بابنه أبي المكارم «2» من قصيدة ~~أولها: # سرورنا بك فوق الهم بالنوب «3» ... فما يغالبنا حزن على طرب # إذا تجاوزت الأقدار عنك فهل ... من واجب الشكر أن يرتاع من سبب # حتام تخدعنا الدنيا بزخرفها ... ولا تحصلنا منه على أرب # نسر منها بما تجني عواقبه ... هما ونهرب والآجال في الطلب # PageV01P280 ### || 151 سيف الدولة يقيم الفداء مع الروم على شاطىء الفرات # قال: وكان سيف الدولة أقام الفداء «1» بشاطئ الفرات في سنة خمس وخمسين ~~وثلاثمائة، فأنفق عليه خمسمائة ألف دينار، وأخرج كل من قدر على إخراجه من ~~أسارى المسلمين من بلد الروم، واشترى كل أسير بثلاثة وثمانين دينارا وثلث ~~رومية، من ضعاف الناس «2» ، فأما الجلة ممن كان أسيرا، ففادى بهم رؤساء ~~كانوا عنده أسرى من الروم. # وكانت الحال هائلة فيما أخبرني جماعة حضروا، يبقى فخرها وثوابها له. # فقال أبو الفرج قصيدة في ذلك، أنشدنيها، أولها: # ما المال إلا ما أفاد ثناء ... ما العز إلا ما حمى الأعداء # [فقال فيها، في ذكر الفداء] «3» # وفديت من ms112 أسر العدو معاشرا ... لولاك ما عرفوا الزمان فداء # كانوا عبيد نداك ثم شريتهم ... فغدوا عبيدك نعمة وشراء # والأسر إحدى الميتتين وطالما ... خلدوا به فأعدتهم أحياء [81 ط] # وضمنت نفس أبي فراس للعلا ... إذ منه أصبحت النفوس براء # ما كان إلا البدر طال سراره ... ثم انجلى وقد استتم بهاء # يوم غدا فيه سماحك يعتق ... الأسراء منك ويأسر الأمراء # PageV01P281 ### || 152 رأي أحد القضاة في الخليفة المقتدر # جرى في مجلس أبي «1» يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله، فقال بعض الحضار: # كان جاهلا. # فقال أبي: مه، فإنه لم يكن كذلك، وما كان إلا جيد العقل، صحيح الرأي، ~~لكنه كان مؤثرا للشهوات. # ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يقول، وقد جرى ذكره بحضرته في خلوة: ما ~~هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام متتابعة، حتى يصح ذهنه، فأخاطب ~~منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي، وأعرف بالأمور، وأسد في ~~التدبير، ولو قلت إنه إذا ترك النبيذ هذه المدة، في أصالة الرأي، وصحة ~~العقل كالمعتضد والمأمون، ومن أشبههما من الخلفاء، ما خشيت أن أقع بعيدا، ~~وما يفسده غير متابعة الشرب، ولا يخبله سواها. # PageV01P282 ### || 153 المؤتمن أبو القاسم سلامة يتحدث عن صحة تفكير الخليفة المقتدر # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: سمعت المؤتمن أبا القاسم ~~سلامة «1» ، أخا نجح الطولوني «2» ، يقول: # اجتمع علي بن عيسى «3» وعلي بن محمد الحواري «4» ، ونصر القشوري «5» ، ~~وأنا معهم، على رأي عقدناه في بعض الأمور الكبار، التي حدثت في أيام ~~المقتدر. # فلما صح الرأي عندنا، وتقرر في أنفسنا دخلنا على المقتدر فعرضناه [91 ب] ~~عليه، واستأذناه في إمضائه. # فقال لنا: هذا خطأ في الرأي، والصواب كيت وكيت. # ففكرنا فيما قال، فوجدنا الصواب معه، وقد خفي علينا، فرجعنا عن رأينا ~~لرأيه، وعملنا عليه. # PageV01P283 ### || 154 حديث القاضي أبي طالب ابن البهلول مع الخليفة المقتدر # حدثني أبو الحسن، قال حدثني القاضي أبو طالب ابن البهلول «1» ، قال: # حضرت في بعض أيام المواكب، باب دار الخلافة، فوقفت في طياري، والقضاة في ~~طياراتهم، والقواد، ms113 والكتاب، نتوقع الإذن. # فاستدعيت وحدي من بين القضاة، فدخلت على المقتدر، فوجدت أبا علي بن مقلة، ~~قائما بين يديه، وهو الوزير إذ ذاك. # فقال لي المقتدر [بهذا اللفظ والإعراب] «2» : قد كان أبوك عضدا، وأنت ~~بحمد الله، خلف منه، وقد ترى كلب غلماني هؤلاء علي، ومطالبتهم إياي ~~بالأموال، ولو قد فقدوني لتمنوا أيامي، وقد عزمت على بيع ضياعي النمروديات ~~بالأهواز «3» ، فتكتب إلى خليفتك على القضاء بها، في الاجتماع مع أحمد بن ~~محمد البريدي «4» على بيع ذلك، والمعاونة فيه. # فقلت: إذا كان الأمر من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، بهذا الموضع من ~~العناية، خرجت أنا فيه. # فقال: لسنا نكلفك ذلك، ولكن اكتب إلى خليفتك فيه. # قال: فخرجت، وامتثلت أمره، وكاتبت أبا القاسم علي بن محمد # PageV01P284 # التنوخي «1» ، وكان يخلفني إذ ذاك، على كور الأهواز، وقصصت عليه ما جرى. # ومضت الأيام، وصرف ابن مقلة، بأبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد [82 ط] ~~فأنفذ أبا الحسن بن الحرث صاحبه إلى الأهواز، صارفا للبريدي، فزاد على من ~~كان اشترى الضياع مالا عظيما. # وكتب ألي أبو القاسم التنوخي «2» ، إنه «3» قد استثنى من المال بجملة ~~عظيمة لنفسه، وخنسها «4» . # وكانت في نفسي على ابن الحرث موجدة، فأسررت ذلك في نفسي. # وانحدرت في يوم موكب على رسمي، وكنا في طياراتنا، إذ خرج خلفاء «5» ~~الحجاب يطلبونني وحدي. # فصعدت، والقضاة كلهم محجوبون، فدخلت على المقتدر، وبحضرته سليمان «6» ، ~~وعلي بن عيسى، وكان يسدده، ويصل معه، ويخاطب ويتخاطب على الأمور. # فقال لي المقتدر: قد أحمدنا ما كان من خليفتك على القضاء بالأهواز، فيما ~~كنا تقدمنا به في أمر النيرمذيات «7» ، وقد كتب ابن الحرث إنه قد زاد على ~~المبتاعين زيادة قبلوها، وامتنعوا عن أدائها إلا بعد أن أقول بلساني # PageV01P285 # إني قد أمضيت البيع، وإني لا أقبل بعدها زيادة، ولا أفعل هذا، فاكتب إلى ~~خليفتك بأني قد قلت ذلك، وأن يسجل لهم بما ابتاعوه. # فأردت أذية ابن الحرث [92 ب] فقلت يحتاج في المكاتبة إلى ذكر مبلغ ~~الزيادة. # فالتفت، فنظر إلى علي بن عيسى نظر ms114 منكر، فرأيته يرتعد، وقال له: مبلغ ~~الزيادة كذا وكذا. # فقال لي: اكتب إلى خليفتك، بأنها كذا وكذا. # فدعوت له، وانصرفت. # فلما وليت، ثقلت في مشيتي لأسمع ما يجري، فسمعته يقول لعلي بن عيسى: أي ~~شيء أقبح من هذا؟ كأنه أنكر لم لم يعرف مبلغ الزيادة أولا، فيذكرها لي من ~~غير أن أحتاج إلى استدعاء علمها منه. # قال: وكرر الإنكار، قال: أي شيء أقبح من هذا؟ وأخرج عن الأدب فيه؟ تحققا ~~برسم الملوك في أن يتكلموا هم بجميع ما يحتاج إليه، في جميع الأمور، من غير ~~تقصير يحوج المخاطب إلى مطالبتهم بالزيادة في البيان. # وأومأ في آخر كلامه، إلى أني إن ذكرت ذلك عنه للناس، غض منه، ومن الملك. # فسمعت علي بن عيسى، يقول له: يا أمير المؤمنين، هذا خادمك، وابن خادمك، ~~وغذي نعمتك، ونشو دولتك، ليس مثله من ظن به هذا. # PageV01P286 ### || 155 الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر # حدثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب [قال: سمعت دلويه الكاتب] ~~«1» ، يحكي عن صافي الحرمي الخادم «2» ، مولى المعتضد، إنه قال: # مشيت يوما بين يدي المعتضد، وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب دار ~~شغب أم المقتدر، وقف يتسمع ويطلع من خلل الستر، فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ~~ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه «3» في ~~السن، وبين يديه طبق فضة، فيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، ~~والصبي يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة، على الدور، حتى إذا ~~بلغ الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا، حتى فني العنقود، والمعتضد يتمزق ~~غيظا. # قال: فرجع، ولم يدخل الدار، ورأيته مهموما. # فقلت: يا مولاي، ما سبب ما [83 ط] فعلته؟ وما قد بان عليك؟ # فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار، لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في ~~قتله صلاحا للأمة. # PageV01P287 # فقلت: يا مولاي، حاشاه، أي شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، إلعن إبليس. # فقال: ويحك، أنا أبصر بما ms115 أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا ~~بعد فساد شديد، ولا بد من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلا ~~ولدي، وأنهم سيجلسون ابني عليا- يعني المكتفي «1» - وما أظن عمره يطول، ~~للعلة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ~~ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، ~~فيجلسونه وهو صبي، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم ~~الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في [93 ب] العالم، ~~والشح على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهن، فيقسم ~~ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع ~~الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال ~~الملك عن بني العباس أصلا. # فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلا في أيامك، ~~ويتأدب بآدابك، ويتخلق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت. # فقال: احفظ عني ما أقوله، فإنه كما قلت. # قال: ومكث يومه مهموما. # وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل # PageV01P288 # عمره، ومات، وولي المقتدر، [فكانت الصورة] «1» كما قال المعتضد بعينها. # فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، ~~فأخرجت إليه، وحلت البدر «2» ، وجعل يفرقها على الجواري والنساء، ويلعب ~~بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت. # قال: وقال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيب، فقال: ~~هاتم فلانا الطيبي،- خادم يلي خزانة الطيب- فأحضر. # فقال له: كم عندك من الغالية؟ # فقال: نيف وثلاثون حبا «3» صينيا، مما عمله عدة من الخلفاء. # فقال: فأيها أطيب؟ # قال: ما عمله الواثق «4» . # قال: أحضرنيه. # فأحضره حبا عظيما، يحمله خدم عدة، بدهق ومصقلة «5» ففتح، فإذا الغالية قد ~~ابيضت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء. # فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب، فأخذ من # PageV01P289 # لطاخته شيئا يسيرا، من غير أن يشعث رأس الحب، وجعله في لحيته، ms116 وقال: # ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه «1» ، فرفع. # ومضت الأيام، فجلس المكتفي للشرب يوما، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، ~~فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان [84 ط] ~~أخبر به أباه. # فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحب بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال: # أخرجوا منه قليلا، فأخرج منه مقدار ثلاثين [أو أربعين] «2» مثقالا، ~~فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة «3» له، فجعل الباقي فيها، ~~ليستعمله على الأيام. # وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه، فأراد ~~أن يتطيب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه. # فقال: هات الغوالي كلها، [فأحضرت [94 ب] الحباب كلها] «4» ، فجعل يخرج من ~~كل حب، مائة مثقال، وخمسين، وأقل، وأكثر، فيشمه «5» ويفرقه على من بحضرته، ~~حتى انتهى إلى حب الواثق، فاستطابه. # فقال: هاتم عتيدة، فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحب ~~ناقصا، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء. # PageV01P290 # فقال: ما السبب في هذا؟ # فاخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك. # ثم قال: فرقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالا، وأنا ~~أتمزق غيظا، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من ~~نصف الحب. # فقلت له: يا مولاي، إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض ~~منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرقت الباقي من غيرها كان أولى. # قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحب. # فما مضت إلا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن ~~غالية بمال عظيم. # PageV01P291 ### || 156 يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي عملته السيدة أم المقتدر # أخبرني غير أبي علي «1» : # إن تلك الغوالي كلها، وما كان في الخزائن من المسوك والعنابر، استعمل كله ~~في الوحل «2» الذي كانت السيدة عملته. # وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوام، فلا وجه للإطالة بذكره. # ورأيت، أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها، يكذبون بذلك ms117 تكذيبا ~~شديدا، فلم أورده لهذا السبب. # PageV01P292 ### || 157 أنموذج من إسراف السيدة أم المقتدر # حدثني أبو الحسن البرسي، العامل بالبصرة، إن بعض بني إسحاق الشيرازي ~~المعروف بالخرقي، ممن كان يعامل أم المقتدر، أسماه هو وأنسيته أنا، حدثه: ~~إنها طلبت منه في يوم يقرب من نيروز المعتضد «1» ، ألف شقة زهرية خفافا ~~جدا. # قال: فبعثت «2» في جمعها، والرسل تكدني بالاستعجال، والقهارمة يستبطؤوني، ~~حتى تكاملت، وصرت بها إلى الدار. # فخرجت القهرمانة، فقالت: اجلس في الحجرة التي برسمك، واستدع الخياطين، ~~وتقدم أن يقطعوا ذلك أزرارا على قدر حب القطن، [ويحشونها من الخرق، ~~ويخيطونها، ليجعل بدل حب القطن] «3» ويشرب دهن البلسان، وغيره من الأدهان ~~الطيبة الفاخرة، وتوقد في المجامر [85 ط] البرام «4» على رؤوس الحيطان ليلة ~~النيروز بدلا من حب القطن # PageV01P293 # والنفط «1» والمجامر الطين. # ففعلت ذلك، ومضت تلك الثياب الكثيرة الأثمان في هذا. # قال، وقال لي: كنت أشتري لها ثيابا دبيقية، يسمونها [95 ب] ثياب النعال. # وذلك إنها كانت صفاقا، تقطع على مقدار النعال المحذوة، وتطلى بالمسك ~~والعنبر المذاب، وتجمد، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب، من ذلك الطيب ما له ~~قوام، ونحن نفعل بطاقات كثيرة كذا، وتلف بعضها على بعض، ثم تصمغ حواليها ~~بشيء من العنبر، وتلزق حتى تصير كأنها قطعة واحدة، وتجعل الطبقة الأولة ~~بيضاء مصقولة، وتخرز حواليها بالإبريسم، ونجعل لها شركا «2» ، من إبريسم ~~كلها، كالشرك المضفورة من الجلود، وتلبس. # قال: وكانت نعال السيدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلا عشرة أيام، أو ~~حواليها، حتى تخلق، وتتفتت، وتذهب جملة دنانير في ثمنها، وترمى. # فيأخذها الخزان، أو غيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك فيأخذونه. ~~[وهو يساوي جملة دنانير] «3» # PageV01P294 ### || 158 أنموذج من إسراف الخليفة المقتدر # أخبرني أبو القاسم الجهني: # إن المقتدر أراد الشرب على نرجس في بستان لطيف، في صحن دار من صغار ~~صحونه. # فقال بعض من يلي أمر البستان: سبيل هذا النرجس أن يسمد قبل شرب الخليفة ~~عليه بأيام، فيحسن ويقوى. # فقال هو: ويلك، يستعمل الخرء في شيء بحضرتي وأريد أن أشمه؟ # قال: بهذا ms118 جرت العادة في كل ما يراد تقويته من الزروع. # فقال: وما العلة في ذلك؟ # قال: لأن السماد يحميه، فيعينه على النبات والخروج. # قال: فنحن نحميه بغير السماد، وتقدم، فسحق من المسك بمقدار ما احتاج إليه ~~البستان من السماد، وسمد به. # وجلس يشرب عليه يومه وليلته، واصطبح من غده عليه، فلما قام، أمر بنهبه. # فانتهب البستانبانون «1» والخدم، ذلك المسك كله من أصول النرجس، واقتلعوه ~~مع طينه، حتى خلصوا المسك، فصار البستان قاعا صفصفا. # وخرج من المال شيء عظيم في ثمن ذلك المسك. # PageV01P295 ### || 159 أنموذج من إسراف الخليفة الراضي # حدثني أبو إسحاق الطبري «1» ، غلام أبي عمر الزاهد «2» ، غلام ثعلب «3» ، ~~وكان منقطعا إلى بني حمدون، قال: حدثني أبو جعفر بن حمدون، قال: # كنا نشرب مع الراضي بالله يوما، في مجلس مغمى «4» بالفاكهة الحسنة ~~الفاخرة. فغرض «5» من الجلوس فيه، فقال: افرشوا لنا المجلس الفلاني، ~~واطرحوا فيه ريحانا ونيلوفر فقط، طرحا فوق الحصر، بلا أطباق، ولا تعبية في ~~مشام، كما تفعل العامة، وعجلوا ذلك الساعة، لننتقل إليه. # قال: فلم تكن إلا لحظة، حتى قالوا له: قد فرغنا من ذلك. # فقال لنا: قوموا، فقمنا معه. # فلما رأى المجلس، قال للشرابية: غيروا لون هذا الريحان بشيء من الكافور ~~يسحق ويطرح فوقه، فليس [96 ب] هو مليح هكذا. # PageV01P296 # قال: فأقبلوا يجيئون بصواني الذهب، وفيها [86 ط] الكافور الرباحي «1» ~~المسحوق أرطالا، ويطرح فوق الريحان، وهو يستزيدهم، إلى أن صار الريحان ~~كالمغطى ببياض الكافور، وكأنه ثوب أخضر، قد ندف عليه قطن رقيق، أو روضة سقط ~~عليها ضرائب «2» الثلج. # فقال حينئذ: حسبكم. # قال: فقدرت ما استعمل من الكافور، كان أكثر من ألف مثقال بشيء كثير. # فشربنا عليه معه، فلما قام، أمر بنهبه. # فأخذ غلماني منه مثاقيل كثيرة، لأنهم كانوا في جملة الخدم والفراشين ~~والغلمان الذين نهبوا ذلك. # PageV01P297 ### || 160 الراضي يأمر لكل واحد من ندمائه بوزن الآجرة دراهم # سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي «1» ، وأنا إذ ذاك في حد الصبيان، يحكي ~~لأبي، حكاية طويلة عن الراضي، فيها شعر له، وقصة، لم ms119 تعلق بذهني «2» كلها ~~في الحال، لصغري عن ذلك. # فسأله أبي أن يمليها، فأملاها على صاحب لأبي كان جالسا بحضرته، وكتبها ~~على ظهر جزء كان قد قرأه عليه، فيه أشعار وأخبار غير ذلك، هو باق عندي، ~~وحصلت منها ما بقي في حفظي: # إنه دخل إلى الراضي، وهو يبني شيئا، أو يهدم شيئا- أنا الشاك- فأنشده ~~أبياتا، وكان الراضي جالسا على آجرة حيال الصناع. # قال: كنت أنا وجماعة من الندماء «3» قيام، فأمر بالجلوس بحضرته، فأخذ كل ~~واحد منا آجرة، فجلس عليها. # واتفق أني أخذت آجرتين ملتزقتين بشيء من اسفيداج، فجلست عليهما. # PageV01P298 # فلما قمنا، أمر بأن توزن جرة كل واحد منا، ويدفع إليه بوزنها دراهم، أو ~~دنانير- الشك مني-. # قال: فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين، بتضاعف وزن آجرتي على آجرهم. # حدثني علي بن الحسن الحاجي «1» ، قال: حدثنا أبو الحسن العروضي، معلم ~~الراضي [ونديمه] «2» بهذا الحديث، فذكر مثله، ولم يذكر تضاعف جائزة الصولي، ~~إلا أنه قال: كنت أنا وجماعة الندماء. # PageV01P299 ### || 161 ختم الراضي الخلفاء في أمور عدة # وللراضي فضائل كثيرة، وقد ختم الخلفاء في أمور عدة، منها: # انه آخر خليفة له شعر. # وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، والأموال. # [وآخر خليفة بنى] «1» . # وآخر خليفة خطب على منبر في يوم جمعة. # وآخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء. # وآخر خليفة كانت نفقته، وجوائزه، وعطاياه، وخدمته، وجراياته، وخزائنه، ~~ومطابخه، وشرابه، ومجالسه، وخدمه، وحجابه، وأموره، جارية على ترتيب الخلافة ~~الأولى. # وآخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء. # وقد سافر بعده المتقي، وسافر المطيع غير سفر، ولكن ليس [97 ب] كذلك. # PageV01P300 ### || 162 أنموذج من إسراف المتوكل # حدثني أبو القاسم الجهني، قال: حدثني أبو محمد بن حمدون، عن أبيه: # إن المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه، في يوم من أيام شربه، ~~أصفر. # فنصبت له قبة صندل مذهبة، مجللة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر. # وجعل بين يديه الدستنبو «1» والأترج الأصفر، وشراب أصفر في صواني ذهب. # ولم يحضر من جواريه إلا الصفر، عليهن ثياب قصب «2» [87 ط] صفر. # وكانت القبة منصوبة على بركة ms120 مرصصة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في ~~مجاري الماء إليها الزعفران على قدر، ليصفر الماء ويجري من البركة، ففعل ~~ذلك. # وطال [جلوسه] «3» وشربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران «4» ، فاستعملوا ~~العصفر «5» ، ولم يقدروا أنه ينفد قبل سكره، فيشترون منه، فنفد. # PageV01P301 # فلما لم يبق إلا قليل، عرفوه، وخافوا أن يغضب إن انقطع، ولا يمكنهم قصر ~~الوقت من شري ذلك من السوق. # فلما أخبروه أنكر لم لم يشتروا أمرا عظيما، وقال: الآن إن انقطع هذا تنغص ~~يومي فخذوا الثياب المعصفرة القصب، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما ~~فيها من الصبغ، ففعل ذلك. # ووافق سكره مع نفاد كل ما كان في الخزائن من هذه الثياب. # فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر، وثمن الثياب التي هلكت، فكان [قدر ~~جميعه] «1» خمسين ألف دينار. # ويشبه هذا ما أخبرنا به الجم الغفير: # إن الحسن بن سهل «2» ، لما زف ابنته بوران «3» إلى المأمون، بفم الصلح ~~«4» ، انقطع بهم الحطب في المطبخ يوم العرس، أحوج ما كانوا إليه، فعرفوه ~~ذلك. # PageV01P302 # فأمر بالخيش «1» ، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشربها، وأمر ~~بإيقاده تحت القدور، وبث الرسل في طلب الحطب. # فاستعمل «2» من ذلك الخيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب. ### || 163 الوزير المهلبي يشتري لمجلس شرابه وردا بألف دينار # وشاهدنا نحن، أبا محمد المهلبي في وزارته، وقد اشترى في ثلاثة أيام ~~متتابعة، وردا بألف دينار، فطرح في بركة عظيمة كانت له في دار كبيرة، تعرف ~~بدار البركة، وشرب عليه، ونهب. # وكان في البركة فوارة حسنة، فطرح الورد فيها، وفرشه في مجالسه. # وكان لذلك شرح طويل. # PageV01P303 ### || 164 أبو القاسم البريدي يشرب على ورد بعشرين ألف درهم # وشرب أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي «1» ، بالبصرة، على ورد بعشرين ~~ألف درهم، في يوم واحد، على رخصه هناك، واسترخاص السلطان لما يشتهيه، وطرح ~~فيه عشرين ألف درهم خفافا، وزنها عشرة آلاف درهم، وشيئا كثيرا من قطع الند ~~المثاقيل اللطاف، وقطع الكافور اللطاف، والتماثيل، ولعب به [98 ب] شاذكلى ~~«2» ، وانتهب الفراشون الورد، ms121 مع ما فيه من الدراهم والطيب. # وقيل إن ذلك المجلس قام عليه بثلاثة آلاف دينار مع جذور المغنيات، وثمن ~~الطيب، وما أنفق على المائدة، والشراب، والثلج، ذلك اليوم. # أخبر بهذا أبو العباس النخاس المعروف بالشامي، في الوقت، وأنا أسمع، ~~وأرانا من الدراهم شيئا، وذكر إنه انتهبها مع الغلمان. # PageV01P304 ### || 165 كان أبو العباس الشامي نخاسا فأصبح قوادا # وكان هذا الشامي «1» أمة وحده في مذهبه، فإنه كان يصحب أبا عبد الله ~~البريدي، على طريق التنخس، ويشتري الجواري السواذج «2» والمغنيات فيبيعهن ~~عليه. # فربما كره جارية فردها عليه، وما دار بينهما ميزان. # ثم اتسع [88 ط] ذلك الباب لأبي العباس، فصار يستعمله مع الكافة، ثم ~~تجاوزه إلى بذل قيان له، وإخراجهن بحضرته، وأن يمازحهن، ويلاعبهن الرجال، ~~ولا ينكر ذلك. # وربما تجاوزوا هذا إلى غيره، ولا ينكر، ويجتعل «3» عليه- فيما بلغني- من ~~وجوه كثيرة. # PageV01P305 ### || 166 أبو العباس الشامي النخاس كان صفعانا طيبا # وكان «1» ، مع هذا، صفعانا طيبا. # فمن ذلك: إنه دخل يوما على أبي يوسف البريدي «2» ، فصفعه بمخدة ديباج ~~حسنة مثمنة. # فأخذها الشامي، وعدا، ليسلمها إلى غلامه، فيحملها إلى بيته. # فقال له أبو يوسف: قد أخذتها! ويلك. # قال: فأردها أطال الله بقاء سيدنا من حيث جاءت، ولا آخذها؟ # فقال: لا يا ماص كذا، خذها، لا بورك لك فيها. # فدفعها إلى غلامه. # PageV01P306 ### || 167 أبو العباس الشامي النخاس يطلب من القاضي قبوله للشهادة # ومنها: # إنه «1» كان مشهورا بالقيادة، وكان يعادي بزازا بالبصرة، يعرف بالآدمي. # فبلغه أن القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، عمل على قبوله «2» ، وما ~~كان لذلك أصل، وإنما كان إرجافا. # فجاء إليه، وكان منبسطا عليه بالمزاح، لمعرفته به. # فقال له: أيها القاضي، إن رأيت أن تقبل شهادتي. # فقال له القاضي: ما بلغ الأمر إلى قبول مثلك، فأي شيء دعاك إلى هذا، يا ~~أبا العباس؟ ومازحه. # قال: بلغني أنك تريد أن تقبل الآدمي، وأنا وهو [جميعا] «3» : كنا نقود ~~على البريدي، فاقبلني أنا أيضا. # فضحك وقال: لا لك أقبل، ولا له. # PageV01P307 ### || 168 الوزير المهلبي والشامي النخاس # وجاء «1» إلى الأهواز، ms122 بجارية له مغنية، إلى أبي محمد المهلبي، وكنت ~~بالأهواز. # وحدثني بهذا الخبر جماعة ممن شاهدوه من ندمائه. # فغنت له، وكانت تجلس عنده للغناء، وهو غير حاضر، دفعات كثيرة. # فقال له المهلبي يوما، وقد جرى بحضرته ذكر الجماع، فأخذ الشامي يخبر عن ~~نفسه، بالعجز عنه، لأنه كان قد نيف على «2» الثمانين. # فقال له المهلبي: فجاريتك يا أبا العباس حبلى، فمن أين هذا الحبل؟ # فقال: [99 ب] يا سيدي إذا ولدت، سميت ابنها العباس بن الحسن «3» ، يعرض ~~بأنه ابن وزير، يصلح للوزارة، وإنه ابنك. # فضحك والجماعة منه. # PageV01P308 ### || 169 أبو مخلد يستولي على دست مجلس معز الدولة # أخبرنا أبو علي أحمد بن موسى حمولي «1» ، صاحب معز الدولة، قال: # كنا يوما قياما. بحضرة مولانا الأمير- يعني معز الدولة- فدخل إليه أبو ~~مخلد «2» ، فرأى تحته دست ديباج جديد، حسن جدا، قد استعمله «3» بتستر، وقام ~~عليه بألفي دينار. # فقال له: أيها الأمير، تنح عن الدست، فإن عليه شيئا. # فلم يفهم الأمير مراده، وتزحزح عن دسته، فجذبه، وحمل جزءا منه على كتفه ~~«4» ، وقام. # فقال له الأمير: يا بغاء «5» - بكلام الديلم- إلى أين؟ # قال: إلى طياري أنقل هذا الدست إليه أولا أولا كما ترى، ومن يعارضني؟ أو ~~يجسر على ذلك؟ # قال: فضحك الأمير، وقال: ما يعارضك أحد. # قال: فنقل، يشهد الله، الدست بآلته كاملا، على ظهره، إلى طياره وأنا ~~أراه، حتى أخذه جميعه. # PageV01P309 ### || 170 أبو مخلد يستولي على طنفسة رآها في مجلس الخليفة المطيع # وكانت لأبي مخلد، مروءة عظيمة، وشهوة للفرش خاصة. # فدخل يوما إلى أمير المؤمنين، المطيع لله، فرأى في المجلس طنفسة «1» ~~عظيمة خليفية من [89 ط] خز ورقم أصفر «2» ، فلما رآها تحير. # فقال لأبي أحمد الشيرازي، كاتبه «3» : أريد أن أعمل بهذه، كما عملت بدست ~~«4» معز الدولة، وكان قد اشتهر خبره في نقل الدست على ظهره. # فقال له أبو أحمد: مثل هذا لا يجوز أن يفعل بحضرة الخليفة، لأن الهزل لا ~~يستعمل مع هؤلاء، وخاصة هذا مجلس عام، ولكن أنا أعيد استحسانك لها، ~~وأستوهبها لك منه. # فلما تقوض الموكب، خرج ms123 أبو أحمد، فوجده جالسا في الدهليز. # فقال: ما هذا أيها الشيخ؟ # قال: ترجع، وتعرف مولانا، أني لا أبرح، والله، إلا بالطنفسة، وإنما قبلت ~~رأيك فوقرته «5» ، وإلا كنت قد أخذتها كما أخذت الدست. # PageV01P310 # فرجع أبو أحمد، وأخبره «1» ، الخبر على شرحه، فأمر بحملها إلى طياره. # فحملت معه، ثم انصرف. # أخبرني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي بذلك. ### || 171 ابن دية الأنماطي يقوم ثمن قسم من فرش أبي مخلد بمائتي ألف دينار # وسمعت ابن دية الأنماطي، وهو رئيس هذه الصناعة «2» ببغداد، ومن لم يشاهد ~~أحد بها من المتاع ما شاهده، يخبر في مجلس حافل، إنه شاهد لأبي مخلد فرشا ~~أخرجه إليه ليقومه له. # قال: فقومته له، قيما استرخصتها جدا، فبلغت القيمة مائتي ألف دينار، ولا ~~أدري ذلك فرشه كله، أو له شيء آخر من الفرش سواه. # PageV01P311 ### || 172 الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد [100 ب] الهاشمي القاضي: # إن شيخا من التجار، كان له على بعض القواد مال جليل، يماطله به. # قال: فعملت على الظلامة إلى المعتضد، لأني كنت إذا جئت إلى القائد حجبني، ~~واستخف بي غلمانه. # وكنت إذا تحملت عليه، فاستشفعت، لم ينجع فيه. وتظلمت إلى عبيد الله بن ~~سليمان «1» منه، فما نفعني. # فقال لي بعض إخواني: علي أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى ~~الخليفة [ولا إلى غيره] «2» ، فقم معي الساعة. # قال: فقمت معه، فجاء بي إلى خياط في سوق الثلاثاء «3» ، شيخ، وهو جالس ~~يخيط، ويقرىء في المسجد، فقص عليه قصتي، وسأله أن يقصد القائد فيسأله إزاحة ~~علتي، وكانت داره قريبة من موضع الخياط «4» ، فقام معنا. # PageV01P312 # فلما مشينا تأخرت، وقلت لصديقي: إنك قد عرضت هذا الشيخ، ونفسك، وإياي، ~~إلى مكروه غليظ، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، فإنه لم ~~يلتفت لشفاعة فلان وفلان، ولم يفكر في الوزير، يفكر في هذا؟ # فضحك الرجل، وقال: لا عليك، امش واسكت. # فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط ms124 أعظموه، وأهووا ليقبلوا ~~يده، فمنعهم. # وقالوا: ما جاء بك يا شيخ؟ فإن صاحبنا راكب، فإن كان أمر نعمله نحن ~~بادرنا إليه، وإلا فادخل واجلس حتى يجيء. # فقويت نفسي بذلك، فدخلنا، وجلسنا. # وجاء الرجل، فلما رأى الخياط، أعظمه إعظاما تاما، وقال: لست أنزع ثيابي، ~~أو تأمر بأمرك. # فخاطبه في أمري. # فقال: والله، ما عندي إلا [90 ط] خمسة آلاف درهم، فسله أن يأخذها، ورهنا ~~من مراكبي الفضة والذهب، إلى شهر، [لأعطيه] «1» . # فبادرت أنا إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، والمراكب بقيمة الباقي، فقبضت ~~ذلك. # وأشهدت الخياط وصديقي عليه، بأن الرهن عندي، إلى شهر على البقية، فإن جاز ~~الأجل، فأنا وكيل ببيعه، وأخذ مالي من ثمنه، فأشهدتهما على ذلك، وخرجنا. # فلما بلغنا إلى موضع الخياط، طرحت المال بين يديه، وقلت: يا شيخ، # PageV01P313 # إن الله قد رد علي هذا بك، فأحب أن تأخذ ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، بطيب من ~~قلبي. # فقال: يا هذا، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح، انصرف بمالك، ~~بارك الله لك فيه. # فقلت: قد بقيت لي حاجة. # فقال: قل. # قلت: تخبرني عن سبب طاعة هذا لك، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة. # فقال: يا هذا قد بلغت مرادك، [وأخذت مالك] «1» فلا تقطعني عن شغلي، وما ~~أعيش منه. # فألححت عليه. # فقال: أنا رجل أؤم، وأقرىء في هذا المسجد، منذ أربعين سنة، ومعاشي [101 ~~ب] من هذه الخياطة، لا أعرف غير هذا. # وكنت منذ دهر، قد صليت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركي كان في ~~هذه الدار، فإذا قد اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه، فتعلق بها وهو سكران، ~~ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتصيح، ولا يمنعها منه ~~أحد «2» ، وتقول في جملة كلامها: إن زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه، ~~فإن بيتني هذا، أخرب بيي، مع ما يرتكبه مني من المعصية، ويلحقه بي من ~~العار. # قال: فجئت إلى التركي، ورفقت به، وسألته تركها، فضرب رأسي # PageV01P314 # بدبوس كان في يده. فشجني «1» ، وآلمني «2» ، وأدخل المرأة. فصرت إلى ~~منزلي فغسلت الدم، ms125 وشددت الشجة، واسترحت. # وخرجت أصلي العشاء، فلما فرغنا منها، قلت لمن حضر: قوموا معي إلى عدو ~~الله، هذا التركي، ننكر عليه، ولا نبرح، حتى نخرج المرأة. # فقاموا، وجئنا، فضججنا «3» على بابه، فخرج إلينا في عدة من غلمانه، فأوقع ~~بنا الضرب، وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربا عظيما، كدت أتلف منه، ~~فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف. # فعالجني أهلي، ونمت نوما قليلا للوجع، وأفقت نصف الليل، فما حملني النوم ~~فكرا في القصة. # فقلت: هذا قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت، وقع له إن الفجر ~~قد طلع، فأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فتسلم من أحد المكروهين، ولا ~~يخرب بيتها، مع ما قد جرى عليها. # فخرجت إلى المسجد متحاملا، وصعدت المنارة، فأذنت، وجلست أطلع منها إلى ~~الطريق، أترقب منها خروج المرأة، فإن خرجت، وإلا أقمت الصلاة، لئلا يشك في ~~الصباح، فيخرجها. # فما مضت إلا ساعة، والمرأة عنده، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ~~ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذن الساعة؟ أين هو؟ # ففزعت وسكت، ثم قلت [91 ط] أخاطبهم، لعلي أستعين بهم على إخراج المرأة. # PageV01P315 # فصحت من المنارة: أنا أذنت. # فقالوا لي: انزل، فأجب أمير المؤمنين. # فقلت: دنا الفرج، ونزلت، فمضيت معهم، فإذا هم غلمان مع بدر «1» . # فأدخلني على المعتضد، فلما رأيته هبته، وارتعدت، فسكن مني. # وقال: ما حملك على أن تغر المسلمين بأذانك في غير وقته، فيخرج ذو الحاجة ~~في غير حينها، ويمسك المريد للصوم، في وقت أبيح له فيه الإفطار؟ # فقلت: يؤمني أمير المؤمنين، لأصدق؟ # فقال: [102 ب] أنت آمن على نفسك. # فقصصت عليه قصة التركي، وأريته الآثار التي بي. # فقال: يا بدر، علي بالغلام والمرأة، الساعة، الساعة، وعزلت في موضع. # فلما كان بعد ساعة قليلة، أحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن ~~الصورة، فأخبرته بمثل ما قلته. # فقال لبدر: بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له ~~خبرها، ويأمره عني بالتمسك بها، والإحسان إليها. # ثم استدعاني، فوقفت، فجعل يخاطب الغلام، وأنا قائم أسمع. # فقال ms126 له: يا فلان، كم رزقك؟ # قال: كذا وكذا. # قال: وكم عطاؤك؟ # PageV01P316 # قال: كذا وكذا. # قال: وكم وظائفك؟ # قال: كذا وكذا. # قال: وجعل يعدد عليه ما يصل إليه، والتركي يقر بشيء عظيم «1» . # قال: فقال له: كم لك جارية؟ # قال: كذا وكذا. # قال: فما كان لك فيهن، وفي هذه النعمة العريضة، كفاية عن ارتكاب معاصي ~~الله عز وجل، وخرق هيبة السلطان؟ حتى استعملت ذلك، وتجاوزته إلى الوثوب بمن ~~أمرك «2» بالمعروف؟ # فأسقط الغلام في يده، ولم يحر جوابا «3» . # فقال: هاتم «4» جوالق، ومداق الجص، وقيودا، وغلا، فأحضر ذلك. # فقيده، وغله، وأدخله الجوالق، وأمر الفراشين، فدقوه بمداق الجص. # وأنا أرى ذلك، وهو يصيح، ثم انقطع صوته، ومات. # فأمر به، فغرق في دجلة، وتقدم إلى بدر بحمل ما في داره. # ثم قال لي: يا شيخ أي شيء رأيت من أجناس المنكر، كبيرا كان أو صغيرا، أو ~~أي أمر، صغيرا كان أو كبيرا، فمر به «5» وأنكره، ولو على هذا، وأومأ بيده ~~إلى بدر. # PageV01P317 # فإن جرى عليك شيء، أو لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا ~~الوقت، فإني أسمع صوتك فأستدعيك، وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك، أو بمن ~~يؤذيك. # قال: فدعوت له وانصرفت. # وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا ~~لأحد، أو كفا عن قبيح إلا أطاعني، كما رأيت، خوفا من المعتضد. # وما احتجت أن أؤذن إلى الآن، [في غير وقت الأذان] «1» . # PageV01P318 ### || 173 مثل على تيقظ المعتضد وعلو همته # حدثني أبي، عن أبي محمد ابن حمدون «1» ، قال: # كنت بحضرة المعتضد ليلة على شرب، إذ جاءه كتاب، فقرأه وقطع الشرب، وتنغص ~~به. # واستدعى عبيد الله بن سليمان «2» ، فأحضر للوقت، وقد كاد يتلف، وظن أنه ~~قد قبض عليه. # فرمى بالكتاب إليه، فإذا هو كتاب صاحب خبر السر بقزوين إليه، يقول: إن ~~رجلا من الديلم، وجد بقزوين «3» ، وقد دخلها متنكرا. # فقال لعبيد الله: اكتب [92 ط] الساعة، إلى صاحبي الحرب والخراج «4» ، ~~وأقم قيامتهما، وتهددهما [103 ب] عني بالقتل، لم تم هذا، وتشدد ms127 في الإنكار، ~~وطالبهما بتحصيل الرجل، ولو من تخوم الديلم «5» ، وأعلمهما «6» إن دمهما ~~مرتهن به، حتى يحضرانه. # PageV01P319 # وارسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد، ولا يخرج ألا بجواز «1» ، حتى ~~لا تتم حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرا، وأن يزيدا في الحذر والتيقظ، ~~[ونفذنا الناس إليهم] «2» ، وأفرط في التأكيد. # فقال عبيد الله: السمع والطاعة، أمضي إلى داري، فأكتب. # فقال: لا، إجلس بمكانك، واكتب بخطك، واعرض علي. # قال: فأجلسه، وعقله ذاهل، فكتب ذلك، وعرضه عليه، فلما ارتضاه، دعا بخريطة ~~إلى حضرته، فجعلت الكتب فيها، وأنفذها. # وقال لعبيد الله: أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان «3» ، وسيرها ~~عنه، وانصرف. # فنهض عبيد الله، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه، وكان قد لحقه تعب عظيم، ~~فاستلقى ساعة، ثم عاد يشرب. # فقلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن في الكلام؟ # فقال: نعم. # فقلت: كنت على سرور، وطيب نفس، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما ~~أمرت به الساعة، فضيقت صدرك، وقطعت شربك، ونغصت على نفسك، وروعت وزيرك، ~~وأطرت عقول عياله وأصحابه، # PageV01P320 # باستدعائه في هذا الوقت المنكر، حتى أمرته بهذا الذي لو أخرته إلى غد، ~~لكان جائزا. # فقال: يا ابن حمدون، ليست هذه من مسائلك، ولكنا أذنا لك في الكلام. إن ~~الديلم شر أمة في الدنيا، وأتمهم مكرا، وأشدهم بأسا، وأقواهم قلوبا، ~~ووالله، لقد طار عقلي فزعا على الدولة من أن يتطرق إليهم دخول قزوين سرا، ~~فيجتمع فيها منهم عدة، يوقعون بمن فيها ويملكونها، وهي الثغر بيننا وبينهم، ~~فيطول أمد ارتجاعها منهم، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم، يكون ~~سببا لبطلان الدولة، وتخيلت أني إن أمسكت عن التدبير ساعة، إنه يفوت، وإنهم ~~يحتوون على قزوين، ووالله لو ملكوها، لنبعوا علي من تحت سريري هذا، واحتووا ~~على دار المملكة، فما هنأني الشرب، ولا طابت نفسي بمضي ساعة من زماني فارغة ~~من تدبير عليهم. # فعملت ما رأيت. # PageV01P321 ### || 174 التفريط في حفظ حدود أذربيجان أدى إلى فساد المملكة # وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: ms128 # كنت حدثا في الديوان في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، والوزير إذ ذاك أحمد بن ~~عبيد الله الخصيبي «1» . # فأنشأنا من الديوان، كتبا إلى ابن أبي الساج «2» ، عن السلطان، يأمره ~~فيها بالمسير إلى الحضرة «3» ، لقتال القرمطي «4» . # فوردت الأجوبة للخليفة، لا للديوان. # فسمعت مشايخ الكتاب، يتحدثون عنه «5» ، إنه كتب يقول: أنا في # PageV01P322 # ثغر أعظم [104 ب] من ثغور الروم، وبإزاء سد أحصن من سد يأجوج ومأجوج، وإن ~~أخللت به، انفتح منه أعظم من أمر القرمطي، ولم يؤمن أن يكون سببا لزوال ~~المملكة في سائر النواحي [93 ط] . # قال: فأخذ الكتاب يتطانزون «1» بذلك، وقالوا: في أي ثغر هو؟ # ومن بإزائه إلا الديلم، وإنما هم أكرة، ولكنه يريد ترفيه نفسه، والخلاف ~~على السلطان. # قال: وأنشئت كتب أخر، يؤمر فيها بترك ما هو بسبيله، والقدوم، فقدم وخرج ~~إلى القرمطي، فقتله القرمطي. # فما مضت إلا مديدة يسيرة، على قتله، حتى سار القاسم بن الحسن الداعي ~~العلوي «2» ، وما كان الديلمي «3» صاحب جيشه، من طبرستان إلى الري، فأخذاها ~~من يد أصحاب السلطان. # وخرج أسفار بن شيرويه الديلمي «4» فسار إلى طبرستان «5» ، فأخذها منهما. # PageV01P323 # فرجع الداعي إليه، فقاتله، فقتله أسفار، وتوطأ له الأمر، وسار إلى الري ~~«1» ، فقاتله ما كان. # وثار مرداويج الجيلي «2» ، وكان أحد أصحاب أسفار، به، فقتله، واحتوى على ~~عسكره، وتملك أعماله، وأخذ الري، والجبل «3» ، والأعمال. # وتفرقت أعمال ابن أبي الساج على جماعة أهملوا سياستها. # واستفحل أمر الديلم، وتزايد على الأوقات، وضعف السلطان، وانفتقت الفتوق ~~عليه، وكثرت الفتن، وقتل المقتدر. # وجاء مرداويج إلى أصبهان «4» ليسير إلى بغداد. وقدم شيرج «5» بن ليلى إلى ~~الأهواز، فتملكها. # وكان الأمير عماد الدولة علي بن بويه «6» يخلفه على الكرج حينئذ، فاستغوى # PageV01P324 # من معه، وسار بهم فملك أرجان «1» لنفسه. # وهدده مرداويج بالمسير إليه، فداراه، ووعده أن يكون من قبله، وأنفذ ~~الأمير ركن الدولة «2» ، أخاه، رهينة إليه. # وسار فأوقع بياقوت «3» ، وهو في سبعمائة نفر من الديلم، وياقوت في الطم ~~والرم «4» ، وملك فارس، وظفر بأموالها، وكنوزها، فقوي، وعمل مرداويج على ~~إنفاذ عسكر إليه، ليأخذه، ثم يسير إلى بغداد، ms129 فوثب غلمانه الأتراك به، ~~فقتلوه، وجاء رجاله إلى الأمير عماد الدولة، وقد كان ملك فارس، وطرد ياقوت ~~عنها، فقوي أمره، وعظم شأنه. # ومرت على ذلك سنيات، فأنفذ أخاه الأمير معز الدولة إلى الأهواز، ولم يزل ~~أمره يقوى، حتى ملك بغداد. # وحصل الأمر على ما قاله المعتضد، وابن أبي الساج، وصاروا ملوك الأرض. # وحصلت للديلم ممالك، غير ممالك الأمراء من بني بويه، كثيرة، بعد أن كان ~~الناس يتمثلون إذا ظلموا، فيقولون: [105 ب] أي شيء خبرنا؛ في يد الديلم نحن ~~أم في يد الأتراك؟ فصاروا في ممالكهما وأيديهما. # ونسأل الله السلامة. # PageV01P325 ### || 175 مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدثني أبو علي ~~الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي «1» ، وكان ينادم المعتضد، ويتجاسر عليه، ~~قال: # كنا نشرب يوما مع المعتضد، حتى دخل عليه بدر «2» ، فقال: يا مولاي، قد ~~أحضر القطان الذي من بركة زلزل «3» . # قال: فترك مجلس النبيذ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس، دونه، ونحن ~~نراه ونسمع كلامه، ومدت بيننا وبينه ستارة، ولبس قباء، وأخذ بيده حربة، ~~وجلس كالمغضب المهول، حتى فزعنا نحن [94 ط] منه، مع أنسنا به «4» . # وأدخل إليه شيخ ضعيف، فقال له بصياح شديد: أنت القطان الذي قلت أمس ما ~~قلت؟ # فغشي على القطان، فأمر به فعزل ناحية. # فلما سكن جاءوه به، فقال: ويلك، مثلك يقول ليس للمسلمين # PageV01P326 # ناظر في أمورهم، فأين أنا؟ وأي شغل شغلي؟ # قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقي، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة ~~النساء والعامة، وإنما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئا كان معه، فوجدنا ميزانه ~~ناقصا، فقلت هذا الكلام، وعنيت به المحتسب لا غيره. # [فقال له المعتضد: الله، إنك أردت به المحتسب؟] «1» . # فقال: والله ما عنيت غيره، وأنا تائب أن أتكلم بما يشبه هذا. # فقال: يحضر المحتسب «2» ، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل ~~هذا، ويؤمر بتعييره «3» ، وتتبع «4» الطوافين، وأهل الأسواق، والتعيير ~~عليهم. # وقال للشيخ: انصرف، لا بأس عليك، ms130 ودخل، فضحك، وانبسط، وعاد يشرب. # فلما حمل علي النبيذ، قلت له: يا مولاي، تعرف فضولي، فتأذن لي في أن ~~أقول؟ # فقال: قل. # قلت: كان مولانا في أطيب شرب، وأتم سرور، فتركه، وتشاغل عنه بخطاب كلب من ~~السوقة «5» ، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجالة صاحب الربع «6» صيحة، ~~ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته، # PageV01P327 # حتى غير له لبسته، وشهر سلاحه، واستقصى خطابه بنفسه، لأجل كلمة تقول ~~العامة مثلها دائما، ولا يميزون معناها. # فقال: يا حسن، أنت لا تعلم ما يجر هذا الكلام، إن مثل هذا إذا انتشر على ~~ألسنة العوام، تلقفه «1» بعضهم من «2» بعض، وتجرأوا عليه، وربوا على قوله، ~~حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يبعد أن يولد ذلك لهم ~~امتعاضا عند أنفسهم للسياسة والدين، فتثور الفتن على السلاطين. # وليس شيء أبلغ في حسم ذلك، من قطع مادته من الأصل في [106 ب] أوله. # فإن هذا، مما جرى عليه، قد طارت روحه، فهو يخرج، ويحدث بأضعاف ما لحقه من ~~الإنكار، وأكثر مما شاهده من الهيبة والفخامة، وفوق ما سمعه من المطالبة ~~بموجبات السياسة، ومر الحقيقة، فينتشر عند العوام ما نحن عليه من التيقظ، ~~وإن كلمة تكلم بها الرجل منهم لم تخف علي، وما «3» غفلت عن مناظرة صاحبها، ~~وعقابه [فيعرفوني بذلك] «4» فيغنيني «5» ذلك عن أفعال كثيرة، ويحذر جميعهم، ~~ويضبط نفسه، وتنحسم مادة شر، لو جرى، لاحتيج إلى ضروب من الكلف غليظة في ~~صلاحه، قد انحسمت بيسير من القول والفعل. # فأقبلنا ندعو له ونطريه [أنا والجماعة] «6» . # PageV01P328 ### || 176 مثل على ضبط المعتضد أمر جنده وتشدده في منعهم من التعدي # حدثني وكيل كان لأبي القاسم ابن أبي علان، سلمه إلي بتوكيل «1» في ضيعتي ~~بالأهواز، وكان ابن أبي علان يقول إنه أسن منه، وكان ثقة، ما علمت، يقال ~~له: ذو النون بن موسى، قال: # كنت غلاما، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية بمناذر «2» ~~يقال لها شانطف، أريد عسكر مكرم «3» ، ومعي حمار [95 ط] أنا راكبه، وهو ~~موقر ms131 بطيخا، قد حملته من القرية لأبيعه في البلد، يعني العسكر. # فلقيني جيش عظيم لم أعلم ما هو، وتسرع إلي منهم جماعة، وأخذ واحد منهم ~~ثلاث بطيخات أو أربعا، وحرك. # فخفت أن ينقص عدده، فأتهم به، فبكيت، وصحت، والحمار يسير «4» بي على ~~المحجة، والعسكر يجتاز عليها. # فإذا بكوكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف، وقال: ما لك يا غلام تبكي ~~وتصيح؟ # PageV01P329 # فعرفته حالي، فوقف بي، ثم التفت إلى القوم، فقال: هي، علي بالرجل الساعة. # قال: فكأنه كان وراءه، حتى ورد «1» في سرعة الطرف. # فقال: هذا هو يا غلام؟ # فقلت: نعم. # فأمر به [فبطح] «2» وضرب بالمقارع، وهو واقف، وأنا على حماري، والعسكر ~~واقف. # وجعل يقول، وهو يضرب: يا كلب، يا كذا وكذا، ما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ ~~ما كان في حالك فضل لشرائه؟ ما قدرت تمنع نفسك منه؟ # هو مالك؟ مال أبيك؟ أليس هو الرجل الذي قد تعب بنفسه في زرعه، وسقيه، ~~وماله، وأداء خراجه؟ أليس كذا؟ أليس كذا؟ يعدد عليه أشياء من هذا الجنس، ~~والمقارع تأخذه، إلى أن ضربه نحو مائة مقرعة [107 ب] . # ثم أمر برفعه، فرفع، وسار، وسار الناس. # فأخذ الجيش يشتمونني، ويقولون، يضرب فلان بسبب هذا الأكار الخوزي، لعنه ~~الله، مائة مقرعة. # فسألت بعضهم عن الخبر، فقال: هذا الأمير أبو العباس. # PageV01P330 ### || 177 شدة ضبط المعتضد عسكره # حدثني عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو محمد عبد ~~الله بن حمدون، قال: # كان المعتضد، في بعض متصيداته، مجتازا بعسكره، وأنا معه، فصاح ناطور في ~~قراح قثاء «1» ، فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه. # فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شيئا. # فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة أنفس. # فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ # فقال الناطور: نعم. # فقيدهم في الحال، وأمر بحبسهم. فلما كان من الغد، أنفذهم إلى القراح، ~~فضرب أعناقهم فيه، وسار. # فأنكر الناس ذلك، وتحدثوا به، ونفرت قلوبهم منه. # ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا أبا عبد الله هل ~~يعيب الناس علي شيئا؟ عرفني حتى ms132 أزيله. # قلت: كلا، يا أمير المؤمنين. # فقال: أقسمت عليك بحياتي، إلا ما صدقتني. # قلت: وأنا آمن؟ # PageV01P331 # قال: نعم. # قلت: إسراعك إلى سفك الدماء. # قال: والله، ما هرقت دما منذ وليت هذا الأمر، إلا بحقه. # قال: فأمسكت إمساك من يتبين عليه الكلام. # فقال: بحياتي ما يقولون «1» ؟ # قلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب «2» ، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ~~ظاهرة. # قال: دعاني إلى الإلحاد، فقلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا ~~الآن منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ وكان قال لي: إن الخلفاء لا تغضب، ~~فإذا غضبت لم ترض، فلم يصح إطلاقه. # فسكت، سكوت من يريد الكلام. # فقال لي: في وجهك كلام. # فقلت: الناس ينقمون [96 ط] عليك أمر الثلاثة أنفس، الذين قتلتهم في قراح ~~القثاء. # فقال: والله، ما كان أولئك المقتولين هم الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا ~~لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر أصحاب القثاء، فأردت أن أهول ~~على الجيش، بأن من عاث من عسكري، وأفسد # PageV01P332 # بهذا القدر، كانت هذه عقوبتي له: القتل، ليكفوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم ~~لقتلتهم في الحال، وإني حبستهم، وأمرت بإخراج اللصوص في غد مغطين الوجوه، ~~ليقال إنهم أصحاب القثاء، ويقتلون بفعل ذلك. # فقلت: كيف تعلم العامة هذا؟ # قال: بإخراجي القوم الذين أخذوا القثاء، أحياء، وإطلاقي لهم في هذه ~~الساعة. # ثم قال: هاتم القوم، فجاءوا بهم، وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب. # فقال لهم: ما قصتكم؟ # فاقتصوا عليه قصة القثاء. # فقال لهم: أفتتوبون من مثل هذا الفعل، حتى أطلقكم؟ # فقالوا: نعم. # فأخذ عليهم التوبة، وخلع عليهم، ووصلهم، وأمر بإطلاقهم، ورد أرزاقهم ~~عليهم. # فانتشرت الحكاية، وزالت عنه التهمة «1» . # PageV01P333 ### || 178 بين المعتضد ونديمه ووزيره # حدثني أبي، عن أبي محمد، عبد الله بن حمدون، قال: # قال لي المعتضد، يوما، وقد قدم إليه عشاء على النبيذ: لقمني. # قال: وكان الذي قدم إليه فراريج، ودراريج «1» ، فلقمته من صدر فروج. # فقال: لا، لقمني من فخذه. فلقمته لقما. # ثم قال: هات من الدراج، فلقمته من أفخاذها. ms133 # فقال: ويلك، هوذا تتنادر علي؟ هات من صدورها. # فقلت: يا مولاي، ركبت القياس، فضحك. # فقلت له: إلى كم أضحكك، ولا تضحكني؟ # قال: شل «2» المطرح، وخذ ما تحته. # قال: فشلته، فإذا بدينار واحد. # فقلت: آخذ هذا؟ # فقال: نعم. # فقلت له: بالله، هوذا تتنادر أنت الساعة علي؟ خليفة يجيز نديمه بدينار ~~واحد؟ # فقال: ويلك، لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن ~~أعطيك من مالي شيئا، ولكن هوذا، أحتال لك بحيلة، تأخذ # PageV01P334 # فيها خمسة آلاف دينار. فقبلت يده. # فقال: إذا كان غدا، وجاء القاسم «1» فهوذا أسارك حين تقع عيني عليه، ~~سرارا طويلا، ثم ألتفت إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه من خلال ذلك، كالمخالس ~~لي، نظر المترثي. # فإذا انقطع السرار، فستخرج، ولا تبرح من الدهليز. # فإذا خرجت، خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر ~~والحلة، وقلة حظك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ~~ما تقع عينك عليه، فإنه لا يمنعك، حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار. # فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا، فاصدقه، وإياك أن تكذبه، وعرفه أن ~~ذلك، حيلة مني عليه، حتى وصل إليك هذا، وحدثه بالحديث على شرحه، وليكن ~~إخبارك إياه، بعد امتناع شديد، وإحلاف منه بالطلاق [97 ط] والعتاق أن ~~تصدقه، وبعد أن تخرج من داره، كل ما يعطيك إياه. # فلما كان من غد، حضر القاسم، فحين رآه، بدأ يساررني، وجرت القصة، على ما ~~واضعني عليه، فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني. # فقال لي: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء؟ لا تجيئني، ولا تزورني، ولا تسألني ~~حاجة، فأقضيها لك، فدعوت له. # فقال: ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم، ونتفرج. # فقلت: أنا خادم الوزير. # فأخذني إلى طياره، وجعل يسألني عن حالي، وأخباري، فاشكو إليه # PageV01P335 # الخلة، والإضاقة، والدين، وجفاء الخليفة، وإمساك يده، فيتوجع، ويقول: يا ~~هذا، مالي مالك، ولن يضيق عليك، ما اتسع علي [ولا تتجاوزك نعمة تخلصت إلي، ~~أو يتخطاك حظ نازل بفنائي] «1» ، ولو عرفتني لعاونتك، وأزلت هذا عنك. ms134 # فشكرته، وبلغنا إلى داره، فصعد، ولم ينظر في شيء، وقال: هذا يوم أحتاج أن ~~اختص فيه بالسرور بأبي محمد، فلا يقطعني عنه أحد. # فأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال، وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يحادثني ~~ويبسطني، وقدمت الفاكهة، فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام، فكانت هذه سبيله، ~~وهو يستزيدني. فلما جلس للشراب، وقع لي بثلاثة آلاف دينار مالا، فأخذتها في ~~الوقت. # وأحضرني ثيابا، وطيبا، ومركوبا، فأخذت ذلك. # وكانت بين يدي صينية فضة، فيها مغسل فضة، وخرداذي بلور «2» ، وكوز وقدح ~~بلور، فأمر بحمله إلى طياري. # وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا، له قيمة وافرة، طلبته منه. # وحمل إلي فرشا نفيسا، وقال: هذا للبنات. # فلما تقوض المجلس، خلا بي، وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوقي عليك، ~~ومودتي لك. # فقلت: أنا خادم الوزير. # فقال أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنك تصدقني عنه. # فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله، وبالطلاق، والعتاق، على الصدق. # PageV01P336 # ثم قال لي: بأي شيء ساررك الخليفة اليوم في أمري؟ # فصدقته عن كل ما جرى، حرفا بحرف. # فقال: فرجت عني، وأن يكون هذا هكذا، مع سلامة نيته لي، أسهل علي. فشكرته، ~~وودعته. وانصرفت إلى بيتي. # فلما كان من الغد، باكرت المعتضد، فقال: هات حديثك. فسقته إلى آخره. # فقال: احتفظ بالدنانير، ولا يقع لك، أنك تعامل بمثل هذا بسرعة «1» . # وحدثني أبو السري، محمد بن عمر التازي البغدادي «2» ، ويعرف بابن عتاب ~~السقطي «3» ، قال: حدثني أبو الطيب واثق بن رافع، مولى ابن أبي الشوارب، ~~قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، بهذا الحديث، فأورده بغير هذه ~~الألفاظ، والمعنى واحد. إلا أنه ليس في حكاية واثق، العشاء بالفراريج ~~والدراريج، ولا أن المعتضد وهب له دينارا. # وأول حكاية واثق عن ابن حمدون، قال: # شكوت إلى المعتضد، ديني وإضاقتي، فقال: أما مالي فلا طمع لك فيه، ولكن ~~أعمل لك حيلة، وذكر الحكاية «4» [98 ط] . # PageV01P337 ### || 179 عاشق تسبب في قتل حبيبته وزوجها # ومن الأخبار المفردات، والاتفاقات التي سمعناها، وشاهدنا بعضها، ما ~~أخبرني به أبو القاسم الجهني «1» ، قال: # كان ms135 في جواري ببغداد، امرأة جميلة مستورة، ولها ابن عم يهواها، كان ربي ~~معها، فعدل بها أبوها عنه، إلى رجل غريب، زوجه بها، فكان ابن العم، يلزم ~~بابها، طمعا فيها، وأحس الزوج بذلك، فكان يتحرز، وكان خبيثا. # فخرج يوما في بعض شأنه، وأرادت المرأة أن تتبرد، فنزعت ثيابها، وجلست عند ~~البئر تغتسل، وتركت خواتيم ذهب، كانت في يدها، عند ثيابها في الدار، وكانت ~~لطيفة، وفيها عقعق «2» مخلى في الدار، فأخذ الخواتيم، وخرج وهي في منقاره، ~~إلى الباب، على عادة العقاعق، في أخذ كلما يجدونه وخبئه. # فوافق خروجه، اجتياز ابن عمها، ورأى الخواتيم، فسعى خلف العقعق، وأخذها ~~منه، ولبسها، وقعد بالباب، ليراه زوج المرأة، فيظن أنه كان عندها، فيطلقها، ~~فيتمكن هو من تزوجها. # فجاء الزوج، فقام ابن العم مسلما عليه، وتعمد أن يرى الخواتيم في يده، ~~وانصرف، فعرفها الزوج، ودخل، فرأى امرأته تغتسل، فلم يشك # PageV01P338 # أنه غسل جنابة، وأن ابن العم، قد وطئها. # فقال لجارية كانت معهم: اذهبي في حاجة كذا، فمضت فيها، وغلق الباب، وأضجع ~~المرأة، ولم يسلها عن شيء، وقتلها. # وعادت الجارية، فرأت ستها مقتولة، فريعت «1» ، وخرجت، وصاحت، فبدر «2» ~~الجيران به، وأهلها، فقبضوا عليه، وحمل إلى السلطان، فقتل بها، فأخرج ابن ~~العم الحديث، وكان ذلك سبب توبته، ولزم العبادة، وترك الدنيا إلى أن مات. # PageV01P339 ### || 180 كلب يكشف عن قاتل سيده # ومنها «1» : إن مبشر الرومي، مولى أبي، حدثني: إنه سمع مولى كان له قبل ~~أبي، يعرف بأبي عثمان، زكريا المدني، ويقال له: ابن فلانة، وكان هو تاجرا ~~جليلا، عظيما، كثير المال، مشهورا بالجلالة، والثقة، والأمانة، يحدث: # إنه كان في جواره ببغداد، رجل من أصحاب العصبية، يلعب بالكلاب. # فأسحر يوما في حاجة، وتبعه كلب كان يختصه من كلابه، فرده، فلم يرجع، ~~فتركه. # ومشى، حتى انتهى إلى قوم كانت بينه وبينهم عداوة، فصادفوه بغير حديد «2» ~~، فقبضوا عليه، والكلب يراهم، فأدخلوه، فدخل معهم، فقتلوه، ودفنوه في بئر ~~في الدار، وضربوا الكلب، فسعى، وخرج وقد لحقته جراحة، فجاء إلى بيت صاحبه ~~يعوي، فلم يعبأوا به. ms136 # وافتقدت أم الرجل، ابنها، يومه وليلته، فتبينت الجراحة بالكلب، وأنها من ~~فعل من قتل ابنها، وأنه قد تلف، فأقامت عليه المأتم، وطردت الكلاب عن ~~بابها. # فلزم ذلك الكلب الباب، ولم ينطرد، فكانوا يتفقدونه في بعض الأوقات. # فاجتاز يوما، بعض قتلة صاحبه بالباب، وهو [99 ط] رابض، فعرفه الكلب، فخمش ~~ساقه، ونهشه، وعلق به. # PageV01P340 # واجتهد المجتازون في تخليصه منه، فلم يمكنهم، وارتفعت ضجة، وجاء حارس ~~الدرب، فقال: لم يتعلق هذا الكلب بالرجل، إلا وله معه قصة، ولعله هو الذي ~~جرحه. # وخرجت أم القتيل، فحين رأت الرجل، والكلب متعلقا به، وسمعت كلام الحارس، ~~تأملت الرجل، فذكرت أنه كان أحد من يعادي ابنها ويطلبه، فوقع في نفسها إنه ~~قاتل ابنها، فتعلقت به، وادعت عليه القتل، وارتفعا إلى صاحب الشرطة، فحبسه، ~~بعد أن ضرب، ولم يقر، ولزم الكلب باب الحبس. # فلما كان بعد أيام، أطلق الرجل، فحين أخرج من باب الحبس، علق به الكلب، ~~كما فعل أولا، فعجب الناس من ذلك. # وأسر صاحب الشرطة، إلى بعض رجالته، أن يفرق بين الكلب والرجل، ويتبع ~~الرجل ويعرف موضعه، ويترصده، ففعل ذلك. # فما زال الكلب، يسعى خلف الأول، والراجل يتبعه، إلى أن صار في بيته. # فكبس صاحب المعونة، الدار، فلم يجد أثرا. # وأقبل الكلب يصيح، ويبحث في موضع البئر التي طرح فيها القتيل. # فقال الشرطي: انبشوا موضع نبش الكلب، فنبش، فوجد الرجل قتيلا. # فأخذ الرجل، وضرب، وأقر على نفسه، وعلى جماعة بالقتل، فقتل هو، وطلب ~~الباقون، فهربوا. # PageV01P341 ### || 181 خبأ ماله في برنية فعجل ذلك في سرقتها # ومنها «1» : إن أبا الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، حدثني، قال: # كان لنا صديق، مستظهر على الزمان، قد سلم على الحوادث، عمره كله. # فلما تواترت الكبسات ليلا ببغداد، خاف على مال عنده عتيد، فجعل ثلاثة ~~آلاف دينار عينا، في برنية «2» ، وحفر لها في عرض حائط، كان بين بيتين من ~~داره، وكانت الحفيرة قريبة من زاوية الحائط، والزاوية على الطريق، ومضى على ~~هذا مدة. # فجاء اللصوص، ينقبون على داره، فوقع نقبهم على الزاوية، ms137 فقدروا أن الحائط ~~عرضا، فنقبوا في طوله من حيث الزاوية، فوصلوا إلى البرنية، فأخذوها. # فلما شاهدوا ما فيها اكتفوا به، وانصرفوا، ولم يدخلوا الدار. # وتضعضعت حال الرجل. # PageV01P342 ### || 182 الأمير عماد الدولة بن بويه تقع عليه حية فيجد كنزا # ومنها «1» : ما حدثني به أبو الحسن بن مهذب القزويني، كاتب سوريل، أحد ~~قواد الديلم، قال: # لما ملك الأمير عماد الدولة، أحمد بن بويه «2» ، شيراز، ظهر له من الكنوز ~~القديمة، والقريبة، أمر عظيم، على أوصاف طريفة. # فكان منها: إنه دخل مستراح دار الإمارة، التي يسكنها، فسقطت عليه حية من ~~سقف المستراح «3» ، وكان أزجا «4» عتيقا، فارتاع لذلك، وأمر بنقضه، فوجد ~~فيه خمسين ألف دينار عينا. # PageV01P343 ### || 183 الأمير عماد الدولة يجد كنزا في خان مهجور # قال «1» : وكنت قائما بحضرته «2» يوما، فسعي إليه ببيت في خان في السوق، ~~وأن فيه ودائع عظيمة القدر، لبعض أصحاب ياقوت «3» . # فقال لي: امض فخذها [100 ط] . # فجئت، وفتحت الباب، وإذا بشيء كثير، فاستدعيت كاتبا آخر، وجلسنا نحصي. # فوقعت عيني على بيت في آخر الخان، مقفل بعدة أقفال، قد رثت، لعتقها، ووقع ~~في نفسي أن فيه وديعة أخرى لبعض أصحاب السلطان. # فقلت للخاني: لمن هذا البيت، وأى شيء فيه؟ # فقال: لا أدري، إلا أنه مقفل منذ أكثر من ثلاثين سنة. # فقوي طمعي فيه، فقلت: افتحوه، ففتحوه، فلم يجدوا فيه شيئا. # فاستربت بالأمر، وقلت: بيت عليه عدة أقفال، طول هذه السنين، فارغ؟ هذا ~~محال، فتشوه. # وفتش بدن الحائط، فلم يجدوا شيئا. # فقلعت بارية فيه، وأمرت بالحفر، فحفر، ولم نر شيئا. # وعزمنا على الانصراف، فوجدنا خمس قماقم مملوءة دنانير، فحملناها إلى ~~الأمير، وحدثته بالحديث، فوهب لي منها، ألف دينار. # PageV01P344 ### || 184 الأمير معز الدولة يستخرج كنزا من المدائن # ومن ذلك «1» : ما أخبرني به الحسين بن محمد بن الحسين الجبائي، قال: # حدثني أبو الحسن الدامغاني، صاحب معز الدولة: # إنه كان جالسا في الدهليز، في يوم نوبة، فجاء رجل يصيح: نصيحة. # فقلت له: ما هي؟ # قال: لا أخبر بها إلا الأمير. # فدخلت، فعرفته، فقال: هاته، فأدخلته ms138 إليه. # فقال: أنا رجل صياد بناحية المدائن «2» ، وكنت أصيد، فعلقت شبكتي، في ~~أسفل جرف بشيء، ولم أدر ما هو، فخلصتها، فتعذرت، فغصت في الماء، فوجدتها ~~متعلقة بعروة حديد، فحفرت، فإذا بقمقم مملوء، فرددته إلى مكانه، وجئت أعرف ~~الأمير. # فقال لي: انحدر الساعة معه، وأحضرني المال. ورد الرجل إلي على حاله. # فانحدرت، وجئت إلى المدائن العتيقة، والجرف، ووجدنا القمقم بحاله، كما ~~قال الرجل. # PageV01P345 # فتتبعت نفسي الطلب، وأمرت بأن يحفروا، ويطلبوا. # فحفروا، وأطالوا الحفر كثيرا، فوجدنا ثمانية قماقم أخر «1» ، مالا. # فحملت الجميع، والرجل، إلى الأمير، وحدثته بالحديث، ففرح بذلك، وقال: ~~أعطوا الرجل من المال عشرة آلاف درهم، واصرفوه. # فقال الرجل: لا أريد ذلك، ولا حاجة لي إليه. # فقال له الأمير: ولم؟ # قال: أريد أن تهب لي الصيد في تلك الناحية، وتأمر بأن يمنع كل أحد من أن ~~يصطاد فيها غيري. # فضحك الأمير، وجعل يعجب من حماقته. وقال: اكتبوا له بما سأل. # فكتب له بذلك. # PageV01P346 ### || 185 كردك النقيب الديلمي يغتال مستأمنا طمعا في ماله # ومنها «1» : ما جرى في عصرنا، وأخبرت به، من أمر كردك النقيب «2» : # وذلك، إن معز الدولة، أنفذه إلى رجل بعمان «3» ، يقال له النوكاني، كان ~~قد ملكها عقيب انقراض بني وجيه، ملوكها، فراسله في تسليمها إليه، وتهدده ~~بالجيش. # وكان الرجل تاجرا موسرا، إلا ان أهل البلد ملكوه، فملك. # فلما جاءته الرسالة، انحل، وأجاب إلى تسليم البلد [101 ط] . وخلع على ~~كردك ورده. # فاضطرب أهل البلد عليه، وجيشه، وثاروا به، وقبضوا عليه، وخيروه موضعا ~~ينفى إليه، فاختار البصرة. # وجمع متاعه، وأمواله، وصكاك ضياعه وعقاره، بعمان، والبصرة، وحسابه، وثبت ~~ودائعه، وذخائره، وكل ما يملكه، من قليل، وكثير، وعتيد. # قال: وجعله في مركب، وخطف يريد البصرة، وقد احتوى مركبه على مال كثير. # PageV01P347 # فلقيه كردك في الطريق يريده، وعنده أنه بعمان، بجواب الرسالة. # فلما رآه طرح إليه، فعرفه خبره. فوجده في نفر يسير، فطمع فيه، وبات معه ~~في مركبه، ونقل إليه من غلمانه قطعة. # فلما كان الليل، قيده، وطرحه في البحر، واحتوى على جميع ما ms139 في المركب، ~~ونقل، إلى مركبه، من الجواهر، والطيب، وفاخر المتاع، والجواري، ما أراد، ~~وترك الباقي في المركب. # وسار حتى أتى معز الدولة، فعرفه ما عمل، وسلم إليه عقود الضياع «1» ، ~~وثبت الودائع «2» ، واستوهب منه من بقي من الجواري، وأشياء أرادها أيضا من ~~المتاع، فوهبها له. # وطاح دم الرجل. # وقبض الأمير الضياع، وأمر ببيعها، فبيعت، وقد شاهدت بيعها. # وبلغني، أن المشترين، كانوا يستلمون كتب الرجل بشرائها، فتسلم إليهم. # PageV01P348 ### || 186 ابن الحراصة يضمن القمار والفجور ببغداد وحماية اللصوص بألفي درهم في كل شهر # ومن ذلك «1» : ما كان يجري ببغداد من رجل يعرف بابن الحراصة، نفاط، مع ~~قائد من قواد الديلم، يقال له أبو الحسن شير مردي بن بلعباس قاضي الديلم. # وكان هذا النفاط، مظهرا للقمار، والعيارة، والفجور، وبيع الخمور، وتأوي ~~إليه اللصوص، فلا ينكر أحد ذلك عليه، لأجل شير مردي، وضمانه ذلك منه، بألفي ~~درهم، في كل شهر. # وبلغني: أنه كان إذا عجز عليه مال الضمان، قبض على من يجتاز ببابه، ~~ويدخلهم فيها، ويقال لهم: إما وطئتم ما تريدون، ووزنتم كذا وكذا، أو لا، ~~فزنوه وانصرفوا، ولا يخرجون إلا بذلك. # وكان ينزل الجانب الشرقي، بقرب الجسر، وباب الطاق، في الموضع المعروف ~~ببين القصرين، بدار الجاشياري، على دجلة. # PageV01P349 ### || 187 ابن الحراصة ترتكب الفاحشة في داره علانية # فحدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال «1» : # اجتزت بداره «2» من الشط، فرأيت في صحنها، ظاهرا بغير استتار، نفسين ~~يتجامعان. # فقلت لمن كان معي في السمارية «3» ، اعدلوا بنا ننكر هذا. # فطرحنا إليهما، وأخذت الجماعة ترجمهما من الشط، وتستنفر الناس. # فقال بعض من معنا: لعنكما الله، ما كان في الدار بيت تدخلون فيه؟ # فذكرت في الحال ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: عند ظهور المنكر، ~~أشد الناس أمرا بالمعروف، من يقول ألا تواريتما، أو كما قال صلى الله عليه ~~وسلم. # ونزل إلينا أصحاب ابن الحراصة، فخفنا منهم على نفوسنا، وجلسنا في ~~السمارية، وانصرفنا [102 ط] . # فلم يزل كذلك، إلى أن زاد الأمر، وأكثر على معز الدولة في ms140 استقباح ذلك، ~~فأمر بكبسه، فهرب، وتفرقت جموعه. # PageV01P350 ### || 188 إمرأة تشوي ولدها وتأكله # ومنها «1» : إن أحمد بن إبراهيم الجعفي، أحد شهودي- كان- بقصر ابن هبيرة ~~«2» ، وأنا أتقلدها، إذ ذاك، أخبرني: # إنه شاهد في وقت الغلاء الشديد الذي كان ببغداد، ونواحيها، في سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة، امرأة قد شوت ولدها، وجلست تأكله «3» . # ففطن المسلمون بها، فأخذوها، وبقيت معها حتى حملوها إلى السلطان، فقتلها. # وقد أخبرني عدد كثير من أهل بغداد، أن هذا جرى عندهم في هذا الوقت، وأنهم ~~شاهدوه. # واختلف علي قول بعضهم، لأن فيهم من قال: شوت ابنا لجارة كانت لها، ومنهم ~~من قال: ابنا لها، ومنهم من قال: ابنة جارتها. # وأي شيء حصل من ذلك، فهو طريف «4» عظيم. # PageV01P351 ### || 189 عشرون ألف درهم ثمن كر واحد من الحنطة # حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي، قال: حدثني أبو عبد الله الموسوي ~~العلوي، البغدادي: # إنه باع في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، عند اشتداد الغلاء «1» ، على معز ~~الدولة، وهو محاصر، مقيم بظاهر بغداد من الجانب الغربي «2» ، كرا معدلا «3» ~~حنطة، بعشرين ألف درهم. # قال: ولم أخرج الغلة حتى تسلمت المال، وحصل في داري، ثم أخرجت الغلة ~~فاكتالوها، وأخذوها. # فنعوذ بالله من مثل هذه الأحوال. # PageV01P352 ### || 190 أبو الفرج الببغاء يمتدح الأمير سيف الدولة # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المعروف بالببغاء، لنفسه ~~قصيدته إلى سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بعض العرب، وهي: # عدل الصوارم أعدل الأحكام ... وشبا الأسنة أكتب الأقلام # أخلق بمن كفر الغنى أن يغتدي ... كفرانه سببا إلى الإعدام # من كان في الإكرام مفسدة له ... فهوانه أولى من الإكرام # هذان البيتان من الأمثال الجياد، التي يجب أن تسير. # وفي هذه القصيدة أشياء حسان، منها قوله: # فتركتهم صرعى كأنك بالظبى ... عاطيتهم في الروع كأس مدام # متهاجرين على الدنو كأنما ... أنفت رؤوسهم من «1» الأجسام «2» ### |PARATEXT| # تم الجزء الأول ويتلوه في الجزء الثاني بمشيئة الله: # قد قدمت في الجزء الأول الحمد لله والثناء عليه وذكرت من الأخبار ما لم ~~تدر، مما لم تجر العادة بكتب ms141 مثلها، ولا ما يكاد أن يتجاوز به الحفظ «3» # PageV01P353 ### | الجزء الثاني ### || مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # قد قدمت في الجزء الأول، الحمد لله، والثناء عليه، وذكرت من الأخبار، ما ~~لم تدر، لأنها مما لم تجر العادة بكتب مثلها، ولا ما يكاد أن يتجاوز به ~~الحفظ في الضمائر، إلى التخليد في الدفاتر، وإنها من جنس ما سبقت إلى كتبه، ~~وإنما يستحسن في المحاضرة، ويطيب في المذاكرة، إذا جرى ما يقتضيه، وعرض ما ~~يستدعيه. # وذكرت إنها تتضمن من شريف الفوائد، وطريف المآثر، كل لون، وتجمع كل لون ~~من الحكم الجديدة، والأمثال المفيدة، والرسائل البليغة، والأشعار المطربة ~~المليحة، التي لم يشهرها قائلوها بالنشر، ترفعا لأنفسهم فيها عن النشر ~~والتسطير، أو كما اتفق عليهم. # وتثنى مع ذلك [بنتف] من كرم الأجواد، وقصص الأمجاد، والأحاديث الأفراد، ~~ومعايب البخال «1» ، ونوادر الجهال، وواعظ المنامات، وطريف الاتفاقات، ~~وعيون الفنون والحكايات، وأخبار ضروب الناس وأخلاطهم وجلتهم وأوساطهم، مما ~~لا تعبر عنه الكتب، ولا يكاد يوجد مسطورا عند أهل الأدب. # وأفصحت عن السبب الذي حركني على جمعها، ونشطني لكتبها، # PageV02P007 # وهو ما اعتبرته «1» من تغير الطبائع، واستحالة الصنائع، وموت الرجال، ~~وقلة الأموال، وفقد الكمال، في أكثر الأحوال، وعدم الراغب في الحفظ، لليسير ~~من اللفظ، فضلا عن الكثير، وتواطئ الجمهور، على هذه الأمور، في هذا الزمان ~~الصعب، الكثير النوب، القاطع بمحنه عن الأدب. # واعتذرت إلى قارئها من التقصير فيها، بأن قلت: إنه لو لم يكن فيها، إلا ~~أنها خير من موضعها بياضا، لكفى. # وأطلت الكلام في صدر الجزء الأول بما لا يقتضيه هذا المكان، والله الموفق ~~للإحسان، وهو خير مستعان «2» . # PageV02P008 ### || 1 علو نفس أبي جعفر القاضي # حدثني أبي «1» ، رضي الله عنه، قال: حدثني سهل بن عبد الله الإيذجي «2» ، ~~وكان أحد شهودها ووجوهها «3» ، ويخلفني على القضاء، وغيري، بها طويلا، قال: ~~حدثني أبي، وكان رئيس البلد، ومن وجوه شهوده: # أن أبا جعفر، محمد بن منصور القاضي «4» ، لما تقلد كور الأهواز «5» ، من ~~قبل المتوكل، أول دفعة، ووردها، أحب أن يطوف عمله. # قال: وكان شديد الشرف، ms142 عظيم النعمة والنفقة في مروءته، حتى إنه كان ~~يستعمل في مطبخه، بدلا من الشيرج «6» ، دهن اللوز والجلوز «7» . # وكان في داره رحى لطيفة، يديرها حمار له، يستخرج عليها دهن اللوز دائما. # وكان يستعمل في مطبخه، من اللحم، والدجاج، والفراخ، والحملان، والجداء ~~«8» ، أكثر مما يتخذه الوزراء، في كثير من الأمور. # PageV02P009 # فقدم علينا، فأبعدنا في تلقيه «1» ، وسألناه النزول علينا، فامتنع. وقال: # لا يجوز للقاضي أن ينزل على أحد. # فقلنا [106 ط] له: فنفرغ لك أحد المنازل، فكأنه أجاب إلى هذا. # وسبقناه إلى البلد، فأخلينا له دارا من دورنا، وجاء فنزل فيها. # فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفا «2» منا، أو شيئا، قليلا أو كثيرا، ~~فامتنعوا، وقالوا: إنه متى علم أنكم فعلتم ذلك، صارت عداوة، وما قبل لأحد ~~من خلق الله شيئا قط. # فلما كان بعد أسبوع، استدعاني، فقال لي: يا أبا محمد، كيف سعر الخبز ~~عندكم؟ # فقلت: خمسون رطلا بدرهم. # فقال: فالدجاج؟ # فقلت: ثلاث بدرهم. # فقال: فالفراخ؟ # فقلت: ستة بدرهم. # قال: فالجداء؟ # فقلت: أجود جدي بدرهمين. # وأخذ يسائلني عن العسل، والسكر، وحوائج السقط، وغير ذلك. # من الفواكه، والثلج، وأنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة، بالذي يشترى ~~لنا، ولسائر الناس مثله، ويقول: أهكذا يشترى لكم؟ فأقول: نعم. # فلما استتم الكلام، قال: يا غلام، قل للموكلين، والفراشين، أن # PageV02P010 # يحملوا، ويشدوا الثقل «1» على البغال والجمال، وتقدم إلى الغلمان بالمسير ~~مع السواد، وأن يتخلف معي للركوب من جرت عادته بذلك، وأسرجوا لي الدواب ~~والعمارية «2» ، فقلت: أحدث، أعز الله القاضي، أمر؟. # فقال: نعم، إنني أحاسب وكيلي، في كل أسبوع يوما، على ما ينفقه في طول ~~الأسبوع، ولما كان البارحة، حاسبته، فرفع إلي من أسعار ما اشتراه، مثل ما ~~ذكرت، فكدت أن أوقع «3» به، ولم أشك في أنكم قد دسستم إلى الباعة، أن ~~يبيعوه بهذا السعر، إرفاقا لنا، لما امتنعنا من قبول هداياكم، ثم توقفت عن ~~الإيقاع به، إلى أن أسألك عن الصورة، وأكشف. # فلما جئتني اليوم، وسألتك، وأنت عندي مقبول الشهادة، وقلت لك، أن تخبرني، ~~كيف تشتري أنت وأهل البلد، ms143 فأخبرتني أنك وهم تشترون بهذا، علمت أن هذا بلد ~~لا تقوم فيه مروءة لشريف، وأن الضعيف والشريف فيه يتساويان في اللذات ~~والمروءات، فلا حاجة لي بالمقام «4» فيه، ولا بد أن أرحل الساعة، وأجعل ~~مقامي بحيث تبين مروءتي، وتظهر نعمة الله عندي. # قال: ورحل عنا من يومه «5» . # PageV02P011 ### || 2 الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده # وحدثني أبي، رضي الله عنه، إن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز، حدثه، ~~وذكر هو الشاهد وأنسيته أنا، عن أبيه أو بعض أهله، قال: # كان محمد بن منصور، يتقلد بكور الأهواز، وعمر بن فرج الرخجي «1» ، يتقلد ~~الخراج بها. # وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية. فلا يذهب القاضي إلى الرخجي إلا ~~بعد أن يجيئه، ويتشاحان على التعظيم. وترد كتب الخليفة إليهما، بخطاب واحد، ~~قال: وتولدت [107 ط] من ذلك، عداوة بينهما، فكان الرخجي يكتب في القاضي، ~~إلى المتوكل، فلا يلتفت إلى كتبه، لعظم محله عند المتوكل، ويبلغ ذلك ~~القاضي، فيقل الحفل به، ويظهر الزيادة في التعاظم عليه. # فلما كان في بعض الأوقات، ورد كتاب المتوكل، على الرخجي، يأمره بأمر في ~~معنى الخراج، وأن يجتمع مع محمد بن منصور القاضي، ولا # PageV02P012 # ينفرد عنه، وورد بالكتاب، خادم كبير من خدم السلطان. # فأنفذ الرخجي إلى القاضي، فأعلمه، وقال: يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع ~~فيه على امتثال الأمر. # فقال القاضي: ولكن تصير أنت إلى الجامع، فنجتمع فيه، وتردد الكلام ~~بينهما، إلى أن قال الرخجي للخادم: ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين، واذكر ~~القصة، وإن قاضيه يريد إيقاف ما أمر به. # وبلغه الخبر، فركب محمد بن منصور، إلى الديوان، ومعه شهوده، فدخله، ~~والرخجي فيه في دست، وكتابه بين يديه، فلما بصروا به، قاموا إليه، إلا ~~الرخجي. # فعدل القاضي عن موضعه في الديوان، فجلس في آخر البساط، بعد أن أمر غلامه، ~~فطوى البساط، وجلس على البارية «1» ، وحف شهوده به، وجاء الخادم، فجلس عند ~~القاضي، وأوقفه على الكتاب. # ولم يزل الرخجي، يخاطب «2» القاضي، وبينهما مسافة، حتى فرغوا من الأمر. # فلما فرغوا، قال الرخجي، للقاضي: يا أبا جعفر، ms144 ما هذه الجبرية «3» ؟ # لا تزال تتولع بي، وتتحكك بمنافرتي ومضاهاتي، وتقدر أنك عند الخليفة- ~~أطال الله بقاءه- مثلي، ومحلك يوازي محلي. # قال: وأسرف في هذا الجنس من الفن، وحمي في الخطاب، والقاضي ساكت. # إلى أن قال الرخجي، في جملة الكلام: والخليفة- أعز الله نصره- # PageV02P013 # لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته، ولقد أخذت من ماله، ألف ~~ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، فما سألني ~~عنها. وإنما إليك أن تحلف منكرا على حق، أو تفرض لامرأة على زوجها، أو تحبس ~~ممتنعا عن أداء حق. # وأخذ يعدد هذا وشبهه، وأبو جعفر، كلما ذكر الرخجي ألف ألف دينار، وثنى ~~القول، يعدد بأصابعه، وقد كشفها ليراها الناس. # فلما أمسك عمر، لم يجب بشيء، وقال: يا فلان الوكيل. # قال: لبيك أيها القاضي. # قال: سمعت ما جرى؟ # قال: نعم. # قال: قد وكلتك لأمير المؤمنين وللمسلمين، على هذا الرجل في المطالبة بهذا ~~المال. # فقال له الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين. # قال: والرخجي ممسك، والناس حضور على بكرة أبيهم «1» ، لا يدرون ما يريد ~~أن يفعل. # قال: فأخذ محمد بن منصور دواة، وكتب بخطته في مربعة «2» سجلا بذلك المال، ~~ورمى به إلى الشهود، وقال: اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، ~~وإلزامي فلان ابن فلان، هذا، وأومأ بيده إلى [108 ط] الرخجي، بما أقر به ~~عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب للمسلمين. # PageV02P014 # وكتب الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك، وختموها، وأخذها محمد ابن منصور، ~~وجعلها في كمه، ونهض. # وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي، ويظهر التهاون بفعله ذلك. # وقال له لما أراد القيام، طانزا «1» : يا أبا جعفر، بالغت في عقوبتي، ~~قتلتني. # فقال أبو جعفر: إي والله. # فما سمعناه أجابه بغيرها، وافترقا، وكتب صاحب الخبر، للوقت، إلى المتوكل. # قال: فبلغنا أن كتابه لما عرض على المتوكل، أحضر وزيره، وقال له: يا فاعل ~~يا صانع، أنا أقول لك منذ دهر، حاسب هذا الخائن المقتطع، الرخجي، على ~~أموالنا، وأنت تدافع، حتى حفظها الله علينا، بقاضينا ms145 محمد بن منصور، ورمى ~~إليه بكتاب صاحب الخبر. # وقال له: قد ظهرت الآن أموالنا، في سقطات قوله، وفلتات لسانه «2» ، وهذه ~~عادة الله عز وجل عند أئمة عباده، أن يأخذ لهم أعداءهم، اكتب الساعة بالقبض ~~على الرخجي، وتقييده، وغله، وحمله. # قال: فخرج الوزير، وهو على غاية القلق، لعنايته بالرخجي، واستدعى خليفته ~~«3» وقال له: اكتب إليه الساعة، قد تسرعت يا مشوم، وقتلت نفسك، ما كان الذي ~~دعاك إلى معاداة القضاة؟، قد جرى كيت وكيت، وأنت مقتول إن لم تتلاف أمر ~~محمد بن منصور، فاجتهد فيه، وأعلمه، أني هوذا، أؤخر اليوم فقط، في إنفاذ من ~~يقبض عليه، إلى أن يحكم # PageV02P015 # أمره مع القاضي، وأقول للخليفة: إني قد أنفذت إليه، وأنفذ إليه في غد، من ~~يمتثل الأمر فيه. # فلما ورد كتابه على الرخجي، قامت قيامته، وأحضر من يختص به، فشاوره. فقال ~~له: تركب الساعة إليه، وتطرح نفسك عليه. # قال: فركب إليه، في موكب «1» عظيم، فحجبه القاضي. فاجتهد في أن يوصله ~~إليه، فما كان إلى ذلك طريق، فرجع خجلا. # وقال لأصحابه: ما ترون؟ فإني أخاف أن يقدم العشية من يقبض علي. # فقالوا له: إن للقاضي رجلا تانئا «2» ، من أهل البلد، يقال له: فلان، قد ~~اصطنعه، وائتمنه، ويريد قبول شهادته، وهو غالب عليه جدا، فتستدعيه، وتكتب ~~له روزا «3» بشيء من خراجه، وتسأله أن يوصلك إليه، ويستصلحه لك. # فأحضره الرخجي، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه، وسأله ذلك. # فقال له: أما استصلاحه لك، فلا أضمنه، ولكن أوصلك إليه. # فقال له: قد رضيت. # فقال: إذا كان وقت المغرب، فانتظرني، وخرج الرجل. # فلما كان وقت المغرب، صار إلى الرخجي، فقال: تلبس عمامة، وطيلسانا، وتركب ~~حمارا، وتجيء. # قال: ففعل ذلك، وركبا بغير شمعة. # وجاء الرجل، فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي، ولصديق لي معي، فدخل ~~إليه وخرج فقال: ادخلا. # PageV02P016 # فحين شاهد القاضي الرخجي، اقبل يصيح ويقول: هذا الحال، وأنت أمين؟ هاه. # ثم قال [109 ط] للرخجي: اخرج عافاك الله عن داري. # قال: فبادر الرخجي، فأكب على رأسه، فلما رآه ms146 القاضي قد فعل ذلك، قام ~~إليه، فعانقه. # وبكى الرخجي بين يديه، ودفع الكتاب إليه. # قال: فبكى القاضي، وقال: عزيز علي يا هذا، ما كان اضطرك إلى الإقرار؟ # فقال: تحتال في أمري، فقال: والله ما لي حيلة، فإن الحكم كالسهم، إذا نفذ ~~لم يمكن رده، فجهد به الرخجي، فما زاده على ذلك، فانصرف بأقبح منصرف. # فلما كان من الغد، ورد خادم، فقبض عليه وغله، وقيده وحمله. # وورد كتاب الخليفة على القاضي، يقول: أحسن الله جزاءك على ما فعلته في ~~حفظ أموال المسلمين، وقد كنا نأمر بمحاسبته، فيتأخر ذلك لعوائق، والآن فقد ~~أقر طائعا غير مكره، فما نؤثر معاملته، إلا بما يعمله أهل الذمة لو كانوا ~~في مكاننا، من أخذ الحق بالحكم، وقد أنفذته على الواجب، بارك الله عليك، ~~وإن للرجل أملاكا قبلك، فتنصب من يبيعها، وتحمل ثمنها إلى بيت المال، قضاء ~~لما أقر به. # قال: فنصب محمد بن منصور، من باع أملاك الرخجي في كور الأهواز، على ~~عظمها، وحمل ثمنها إلى بيت المال، فهي الأملاك المبيعة، التي تعرف إلى ~~اليوم بالرخجيات. # وحصل الرخجي في العذاب بسر من رأى «1» . # 2 ن 2 # PageV02P017 ### || 3 شيخ أهوازي يسعى في صرف عامل الأهواز # وحدثني خال والدي، أبو القاسم بن أبي علان، عبد الله بن محمد ابن مهرويه ~~«1» . قال: أخبرني شيخ من شيوخنا، قال: # كان عمر بن فرج الرخجي، يتقلدنا في الدفعة الأولى، ثم صرف عنا، وولينا ~~عامل بعده. # فخرجنا في بعض السنين نتظلم، وكانت أملاك عمر عندنا كثيرة وله البستان ~~المعروف بالتفرج قديما، الذي في وسط البلد، ويعرف الآن بالبستان الصغير. # قال: فلما حصلنا بحضرة الخليفة نتظلم، عارضنا عمر، وأخذ يكلمنا بكلام ~~عارف بالبلد، محتج بحجاج صحيح يبطل به ظلامتنا. # وكان المتكلم عنا، فلان، رئيس البلد، أسماه أبو القاسم وأنسيته، فأومأ ~~إلينا أن اسكتوا، فسكتنا. # فقال: أيد الله أمير المؤمنين، قد أضجرناه اليوم بالخطاب، فنعود في مجلس ~~ثان. # فقال: ذاك إليكم. # فانصرفنا، فقلنا له: ما حملك على هذا؟ # فقال: إنكم لا تعلمون ما علمت. # قال: ms147 فلما كان عشيا، جئنا إلى منزل عمر، ودخل إليه، ونحن # PageV02P018 # معه، فاستخلاه مجلسه، فأخلاه. # فقال له: يا هذا، إنك أخذت اليوم تسعى على دمائنا، وناظرتنا مناظرة عارف ~~ببلدنا، ولو رددنا عليك، لكنا إما أن نقطعك، أو تقطعنا فنهلك، ولم تكن بك ~~حاجة إلى ما عاملتنا به، ولا فائدة لك. # ولا أنت الآن عاملنا، فيخرج عن يدك ما تنظر لنا به، وإنا قد وردنا ومعنا ~~في أنفسنا أمر، إن عدنا إلى بلدنا بغيره سقط جاهنا، وقال أكثر أهل الكور: ~~خرجوا فما عملوا شيئا، ولا يخلو إما أن يكون ما التمسناه حقا أو باطلا، فإن ~~كان حقا، فقطعك لنا عنه ظلم [110 ط] وإن كان باطلا، فمنعك لنا منه ذل، وليس ~~يجوز لنا الرجوع إلا به، لأن في رجوعنا ذهاب الجاه، وطمع العمال «1» في ~~نعمتنا، وأنت تعلم ما لك عندنا من الضياع والأموال، وعلي وعلي، قال: وحلف ~~بالطلاق وأيمان البيعة، لئن لم تعاونا غاية المعاونة، وتشهد لنا في المجلس ~~الثاني بكل ما نريده لأخرجن الساعة، وأعملن عملا بخراجك وضياعك، وما أسقطته ~~عن نفسك أيام تقلدك البلد، من أصول الخراج، واقتطعته من العمالة أيضا، ~~ويشتمل على ألفي ألف دينار، وأقول للخليفة: إن لك عندنا مبقلة، ستون جريبا، ~~قيمتها ستون ألف دينار- يعني البستان الذي تقدم ذكره- وهو المتوكل «2» ، ~~وأقيم هؤلاء شهودا كلهم، يشهدون عليك بصحة المال، ويواجهونك بما أنسبه إلى ~~أنك أخذته منهم ومن غيرهم، ويحلفون عليه، وأواجهك بالسعاية والوقيعة، بحضرة ~~المتوكل، وأدع ما قدمت له، حتى إذا وقعت في النكبة والمطالبة، رهبني ~~الوزراء أولا، # PageV02P019 # وكل من يعلم أنني كنت سبب نكبتك، من العمال، وأصحاب الدواوين، وصاروا ~~أعوانا لي وشهودا، فأبلغ بذلك محبتي، وأرجع إلى منزلي سالما، وأنت منكوب. # قال: فحين سمع عمر ذلك، اسود وجهه، وقال: أو أيش؟ # قال: تحلف أنك تشهد لنا، وتعاوننا. # قال: فحلف على ذلك، وقمنا. # فلما كان في المجلس الثاني، حضرنا حضرة المتوكل، وأقبلنا نتظلم، وعمر ~~يشهد لنا، ويصدق قولنا. # فما برحنا إلا بصرف عاملنا، وبالنظر لنا في معظم حوائجنا، ms148 واحتسابه لنا ~~بمظالم التمسناها، وبلغنا ما أملناه وقدرناه، وزدنا عليه، وخرجنا. # فقال لنا الشيخ: كيف رأيتم هذا الرأي؟ أيما كان أجود، هذا، أو أن نحاج ~~عمر بن فرج في ذلك المجلس، ويحاجنا، ويضرنا بمناظرته، فيضجر الخليفة، فيأمر ~~بإخراجنا، فلا نصل إليه أبدا، ويقول: هؤلاء طامعون بالمال، ونعود بالخيبة ~~إلى منازلنا، بعد السفر والنفقة. # فقلنا له: أحسن الله جزاءك، فأنت أبصر منا بالرأي «1» . # PageV02P020 ### || 4 من مكارم أخلاق المأمون # من أحاديث أبي الحسن محمد بن علي بن الخلال البصري، رحمه الله، قال: ~~حدثني أبو القاسم، علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي، رحمه الله «1» ، قال: ~~قال محمد بن منصور القاضي: # التمس أمير المؤمنين المأمون، رجلا يكون بصحبته في بعض أسفاره، فأشير ~~عليه بي، وكنت حديث السن، فركبت معه في العمارية، فأجلسني عن يمينه، فلما ~~أمسينا غلبني النوم. # فقال لي من غد: نومك يا محمد، نوم الشباب، فاجعل الليل أثلاثا، فثلث ~~للحديث، وثلث للنوم، وثلث للذكر، ثم أدارني فأجلسني عن شماله. # ثم قال لي: أتدري لم أجلستك بالأمس عن يميني؟ # فقلت: لا، يا أمير المؤمنين. # فقال: إني وجدت في معدتي بلة «2» وما تنخمت «3» قط عن يميني. # قال القاضي التنوخي: وكان محمد بن منصور [111 ط] هذا، نبيلا، جليلا، ذا ~~مروءة تامة «4» . # PageV02P021 ### || 5 مروءة القاضي محمد بن منصور # وأخبرني بعض شيوخنا: # إنه «1» لما تولى الحكم بكور الأهواز، دخل إلى جنديسابور، فنظر في حساب ~~وكيله، فإذا هو قد احتسب عليه بثمن جدي، درهم، وثمن عشرة أفراخ، درهم. # فقال للموكل له: ألم أتقدم إليك، ألا تبتاع شيئا، من بائع يعلم أنك ~~وكيلي؟ # قال: بلى، وعلى ذلك أعمل. # قال: فلو لم يعلم البائع، أنك وكيلي، لما حاباك هذه المحاباة. # فقال: هذا ما ابتعته بهذا البلد، وهكذا يباع لسائر المبتاعين. # فالتفت إلى بعض شهوده، فقال: أهكذا هو؟ # فقالوا: قد حيف عليه، أيها القاضي، إنا لنبتاع الجدي بأربعة دوانيق، ~~ونحوها. # فقال: هذا بلد لا يقيم فيه ذو مروءة. # ثم أسرع بالرحيل عنه «2» . # PageV02P022 ### || 6 حرمة القضاء في العهد العباسي # قال ms149 التنوخي: وأخبرني بعض شيوخنا، عنه «1» : # إنه كان جالسا للحكم، في المسجد الجامع بسوق الأهواز، فاجتاز بباب الجامع ~~عامل الكور، فرأى جمع الناس. فقال: ما هذا؟ # قالوا: هذا القاضي. # قال: هذا كله لأبي جعفر؟ # فنقلت الحكاية إليه، فقطع النظر، وانصرف إلى داره، وكتب إلى السلطان ~~يومئذ، يقول: إن فلانا العامل، اجتاز بي، وأنا أنظر في الحكم في المسجد ~~الجامع، فذكرني بحضرة العامة، بالكنية دون اللقب، ذكر المزري علي، المانع ~~لي من التشريف الذي البسنيه أمير المؤمنين، وإن الذي أنظر فيه إنما هو ~~انتزاع أموال الناس، التي فيها يتهالكون، وعليها يتقاتلون، وأنا أنتزعها ~~بالهيبة والكرامة. # فخرج أمر السلطان، بأن يضرب ذلك العامل، على باب المسجد بالأهواز ألف ~~سوط. # فلما وقف على ذلك، خليفة العامل بالحضرة، اجتهد في إزالته بكل حيلة، فما ~~أمكنه. # فبذل للفيج «2» الحامل للكتاب، مائة دينار، ليتأخر عن النفوذ، ليلة ~~واحدة، ثم بادر برسوله إلى العامل، يصف ما جرى، وما فعله من استنظار الفيج، ~~ليقدم الحيلة في الدفع عن نفسه. # PageV02P023 # فلما ورد الرسول إلى العامل، نهض من وقته، إلى بعض إخوان القاضي، من شهود ~~البلد، وطرح نفسه عليه، ولم يعلم باطن أمره، وسأله إصلاح قلب القاضي له. # فصار معه إلى باب القاضي ليلا، ولم يزل حتى وصل إليه، وأغرق في الاعتذار ~~إليه، والخضوع له، حتى قال: قد قبلت العذر، وصفحت عن الذنب، فانصرف. # فغاداه الفيج بما أمر به في بابه، فقال: إني قد صفحت عنه «1» . ### || 7 جزاء الوالي الظالم # قال أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب، وحدثني القاضي أبو عبد ~~الله الحسين بن شعيب الأرجاني، وكان من شيوخ أهل العلم والرئاسة ببلده: # أن عاملا للمكتفي «2» رحمة الله عليه، بكورة أرجان «3» ، طالب بعض أهل ~~الخراج بخراجه، فتغيب عنه، فأمر بإحراق بابه. # فاتصل الخبر بالمكتفي، فأنفذ من قبض [112 ط] على العامل، فضربه على باب ~~المسجد بأرجان، ألف سوط «4» . # PageV02P024 ### || 8 الجذوعي القاضي يشهد على الخليفة المعتمد # قال أبو الحسين محمد بن علي «1» ، وحدثني أبي رحمه الله، وسمعته من غيره: ms150 # إن القضاة والشهود، بمدينة السلام، أدخلوا على المعتمد على الله «2» ~~للشهادة عليه في دين كان اقترضه عند الإضافة بالإنفاق على حرب صاحب الزنج ~~«3» . # فلما مثلوا بين يديه، قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل «4» الكتاب، ثم قال: # إن أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- يأمركم أن تشهدوا عليه، بما في هذا ~~الكتاب. # فشهد القوم، حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي «5» ، فأخذه بيده وتقدم ~~إلى السرير، فقال: يا أمير المؤمنين، أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ # فقال: اشهد. # فقال: لا يجوز، أو تقول: نعم، فأشهد عليك. # PageV02P025 # فقال: نعم، فشهد في الكتاب، ثم خرج. # فقال المعتمد: من هذا؟ # فقيل له: هذا الجذوعي البصري. # فقال: وما إليه؟ # فقالوا: ليس إليه بشيء. # فقال: مثل هذا لا يكون مصروفا، فقلدوه واسطا. # فقلده إسماعيل، وانحدر. # فاحتاج يوما إلى مشاورة الحاكم، فيما يشاور في مثله، فقال: استدعوا ~~القاضي، فحضر، وكان قصيرا، وله دنية «1» طويلة، فدخل في بعض الممرات ومعه ~~غلام له، فلقيه غلام كان للموفق «2» ، وكان شديد التقدم عنده، وكان مخمورا، ~~أو سكرانا، فصادفه في مكان كان خاليا من الممر، فوضع يده على دنيته، حتى ~~غاص رأسه فيها، وتركه ومضى. # فجلس الجذوعي في مكانه، فأقبل غلامه، حتى فتقها، وأخرج رأسه منها، وثنى ~~رداءه على رأسه، وعاد إلى داره، وأحضر الشهود، وأمرهم بتسلم الديوان، ورسل ~~الموفق يترددون، وقد سترت الحال عنه. حتى قال بعض الشهود، لبعض الرسل، ~~الخبر، فعاد إلى الموفق، فأخبره بذلك. # فأحضر صاحب الشرطة، وأمره بتجريد الغلام، وحمله إلى القاضي، وضربه هناك ~~ألف سوط. # وكان والد هذا الغلام من جلة القواد، ومحله محل من لو هم بالعصيان أطاعه ~~أكثر الجيش، فترجل القواد، وصاروا إليه، وقالوا: مرنا بأمرك، # PageV02P026 # فقال: إن الأمير الموفق، أشفق عليه مني. # فمشى القواد بأسرهم مع الغلام، إلى باب الجذوعي، فدخلوا عليه وضرعوا له، ~~فأدخل صاحب الشرطة، والغلام، وقال: لا تضربه. # فقال: لا أقدم على خلاف أمر الموفق. # فقال: فإني أركب إليه، وأزيل ذلك عنه. # فركب فشفع له، وصفح عنه «1» . ### || 9 إيحاشك فقد، وإيناسك وعد # حدثني أبي رضي الله ms151 عنه: # إن صديقا لأبي خليفة القاضي «2» ، اجتاز عليه راكبا، وهو في مسجده، فسأله ~~أن ينزل عنده ليحادثه. # فقال: أمضي وأعود. # فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد، وإيناسك وعد «3» . # PageV02P027 ### || 10 أبو خليفة القاضي والكلام المسجوع # قال: وكان أبو خليفة «1» كثير الاستعمال للسجع في ألفاظه. # وكان بالبصرة رجل يتحامق، ويتشبه به، يعرف بأبي الرطل، ولا يتكلم إلا ~~بالسجع، هزلا كله. # فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة، وهو يلي قضاء البصرة [113 ط] إذ ~~ذاك، وادعت عليه الزوجية والصداق، فأقر لها بهما. # فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها. # فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها، ولم تفلع «2» مسحاتي نهرها؟ # قال أبو خليفة: فأعطها نصف صداقها. # قال: لا، أو أرفع ساقها، وأضعه في طاقها. # فأمر به أبو خليفة، فصفع. # أخبرني غير واحد: إن أبا الرطل هذا، كان إذا سمع رجلا يقول: # لا تنكر لله قدرة، قال هو: ولا للهندبا خضرة، ولا للنخلة بسرة، ولا ~~للعصفر حمرة، ولا للزردج صفرة، ولا للقفا نقرة. # قال: وكان إذا سمع العامة يقولون: ديوك لا تغرق، قال هو: والديك لا تسرق، ~~وسنور لا يزلق، ونور لا يعبق، وذرة لا تسرق، حتى لا تغرق، ونار لا تحرق، ~~وخليفة لا يسرق، وقاض لا يحنق «3» . # PageV02P028 ### || 11 بين علي بن عيسى وعلي بن الفرات # سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدثون، قالوا: # كان أبو الحسن علي بن عيسى «1» ، شديد الإعظام لصناعة الكتابة، شحيحا على ~~محله منها، غير مسامح لشيء يعاب به، مهما صغر فيها. # وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن علي بن الفرات «2» فيها، وكان ~~كل واحد منهما، يتقلد ديوانا، في وزارة العباس بن الحسن. # وكان يتصرف في الديوان الذي يتقلده علي بن عيسى، عامل يعنى به ابن ~~الفرات، فقصده علي بن عيسى، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله، وعزم ~~على أخذها منه، وأحضره، وسلم إليه المؤامرة. # وقال له: إن كان عندك جواب لها، فأجب، وإلا فالتزم المال. # فقال: آخذها إلى بيتي، وأجيب. # فقال له: خذها. # وأخذها العامل، وجاء إلى ابن الفرات، ms152 فشرح له الصورة، وسأله أن ينظر في ~~المؤامرة [ويلقنه الجواب على كل باب منها. # فقرأها ابن الفرات، وقال للعامل] «3» لولا الاتفاق، لما انحل عنك منها ~~درهم، ولكن الله سهل لك غلطا غلط به علي بن عيسى على نفسه فيها، # PageV02P029 # وهو رجل شديد الضن بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، وقد ~~غلط غلطا قبيحا، لو غلط مثله صغير من الكتاب لافتضح، وبطلت صناعته، وسقط ~~محله، وذاك إنه قد صدر في أول المؤامرة بابا، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل ~~في غلات عملك، وأنك لم تورده، وألزمك مالا جليلا عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنك ~~اقتطعت من غلات المقاسمة، أشياء أوردها، وذكر الحجج عليك فيها، وألزمك مالا ~~جسيما، هو شطر مال المؤامرة. # وقد كان من قانون الحساب، ورسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنى به ~~من الاقتطاع الواقع في أصول الغلات، ثم يثني بذكر فضل الكبا. # فإما إذا صدر فضل الكيل، فقد صحح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعته من ~~الأصول، ناقض للفعل الأول، وهو خطأ قبيح في الكتبة، مسقط لمحل من يعمله. # وسبيلك أن تمضي إليه وتخلو به، وتقول: يا سيدي محلك في هذه الصناعة، لا ~~يقتضي ما قد عملته في هذه [114 ط] المؤامرة، وقد أخطأت خطأ قبيحا، وهو كذا ~~وكذا، وواقفه عليه. # وقل له: لا يخلو أمري معك من حالين: # إما كشفت خطأك للناس، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال، وألزمت ~~بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة، وهو يسير. # وإما تفضلت بإبطال هذه المؤامرة، وأبطلت عني مالها، وسترت على نفسك خطأك، ~~وارتفقت مني، مع هذا، بما شئت، وابذل له مرفقا جليلا «1» ، فإن حذره على ~~صناعته، وحبه للمرفق، سيحمله على # PageV02P030 # إبطال المؤامرة، وتخريقها. # فإن امتنع من ذلك، واقفته على الخطإ بين الملإ، فإنه يوجب عليه أن يسقط ~~عنك ما خرجه في أصول غلات الناحية، وهو شطر المال. # قال الرجل: فمضيت إلى علي بن عيسى سحرا، إلى منزله، فحين رآني، قال: ما ~~عملت في جواب ms153 المؤامرة؟ # قلت: بيننا شيء أقوله سرا. # قال: أدن. # فدنوت منه، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه، وفتحت المؤامرة، ووقفته ~~على الموضع. # فحين رآه اغتم، وقال: يا هذا، قد وفر الله عليك المرفق، فإن مرفقي في هذا ~~الأمر التيقظ على الخطإ الواقع مني، وستره على نفسي، والحذر من مثله ~~مستأنفا، وقد أسقط الله عنك جميع المؤامرة، ولن تسمع بعدها لفظة في معناها، ~~والله بيني وبين ابن الفرات، فإن هذا من تعليمه لك، وليس أنت ممن يعرف ~~مثله. # قال: فمضيت من عنده، وقد زالت المطالبة، وربحت المرفق، وعدت إلى ابن ~~الفرات، فحدثته، فضحك «1» . # PageV02P031 ### || 12 الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه ويكاد يأكلهم # واخبرني بعض الكتاب، قال: # كان ابن الفرات «1» قد صودر على ألف ألف وستمائة ألف دينار، فأدى جميعها ~~في مدة ستة عشر شهرا، من وقت القبض عليه، وكان في الحبس، يتوقع أن يطلق. # فخاف علي بن عيسى «2» ، وحامد بن العباس «3» ، من إطلاقه، فتشاورا في شيء ~~يستعملانه مع المقتدر، يمتنع معه من إطلاقه. # قال: وكان أبو زنبور «4» ، قد استقدم ليحاسب، وكان من صنائع علي بن عيسى ~~في وزارته الأولى. # فلما ولي ابن الفرات، أقره، وأحسن إليه، فكان أبو زنبور يحمل إليه في كل ~~شهر عشرة آلاف دينار، مرفقا عن أعماله، ويخفيها، فتصل في أعدال البز، وما ~~يشاكل ذلك. # فقال علي بن عيسى، لحامد: ما أشك أن ابن الفرات، قد كان يرتفق من عامل ~~مصر، بمرفق جليل، فنحضر أبا زنبور، ونسأله عن ذلك. # فأحضراه، وسألاه عن مرفقه، فكشف لهما عن الصورة، وصدقهما # PageV02P032 # عنها، ولم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك، على الرجل ونفسه «1» . # فقال علي بن عيسى: هذا مال عظيم، فخذ خط أبي زنبور، بأنه كان يحمل إليه ~~ذلك، واعرضه على الخليفة. # ففعلا ذلك، وعرضاه عليه، وقالا له: يجب أن يطالب بذلك. # فقال الخليفة: أخرجوه [115 ط] ، وطالبوه، بعد أن تناظروه. # قال: فجلس حامد بن العباس، وعلي بن عيسى، ونصر القشوري «2» وابن الحواري ~~«3» ، وأحضروا أبا زنبور معهم، واستدعوا ابن الفرات من ms154 محبسه ليناظروه. # وكان شفيع المقتدري «4» ، يتعصب لابن الفرات، ويعتني بأمره، ويقوم فيما ~~بينه وبين الخليفة، فقال للمقتدر «5» : يا مولاي، إن ابن الفرات منكوب، ~~وهؤلاء أعداؤه، ولعله أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة، فلا يبلغونك إياه، ~~فأنفذ من يحضر المجلس، ويرقي إليك ما يجري. # فقال له: إمض أنت، وافعل هذا. # قال: فخرج شفيع، فوجد ابن الفرات، في الصحن، وقد أخرج من محبسه، وهو ~~يمشي، ليدخل مجلس الوزير. # فقال له: اثبت، فإني معك. # 3 ن 2 # PageV02P033 # فقويت نفسه، ودخل المجلس، وحامد في صدر دست عظيم، برسم الوزارة، في دار ~~الخلافة، وعلي بن عيسى عن يمينه، وبجنبه ابن الحواري، ونصر القشوري عن ~~يساره، وبجنبه أبو زنبور. # فسلم ابن الفرات، وتخطى حتى جلس بين يدي حامد، فرفعه قليلا. # وخاطبه ابن الفرات بالوزارة، وسلم على علي بن عيسى، وأدار عينه في ~~المجلس، فعرف كل من فيه، إلا أبا زنبور، فإنه كان لغيبته بمصر، لم يشاهده ~~قط. # فقال لمن كان إلى جانبه: من هذا؟ # فقال له: هذا أبو زنبور عامل مصر. # فأحس ابن الفرات، بأنه في بلية سببها أبو زنبور. فقال: تسمع بالمعيدي خير ~~من أن تراه «1» . # قال: وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبحا. # فقال أبو زنبور في الحال: لوددت أن الأرض ابتلعتني قبل ذلك. # قال: فقال له حامد، وعلي بن عيسى: هذا فلان بن فلان، عامل مصر، قد ذكر ~~أنه كان يرفقك في كل شهر، من مال عمله، بعشرة آلاف دينار، تكون لمدة ~~ولايتك، كذا وكذا، وما حملت لبيت المال شيئا منها، ويجب الآن عليك أداءها، ~~فما تقول؟ # فقال لهما: إن هذا- وأومأ إلى أبي زنبور- إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير ~~عامله، فكشف ستره في أيام نكبته، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، وأبان ~~بذلك عن قدر عقله، وأمانته، وعقل من يركن إليه مستأنفا، فإنه قد صدق فيما ~~أخبر به. # ولم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئا من مال السلطان، ولا لأمكنه # PageV02P034 # من اقتطاعه، ولكن لأمهله من وقت إلى آخر، وأزيد في إكرامه، ومخاطبته، ms155 ~~وأرفهه عن إنفاذ المستحثين، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب ~~بمثلها، وكلما يرتفق الوزراء من العمال، قديما، وحديثا [فهذا سبيله] . # وإنما صودرت على ألف ألف وستمائة ألف دينار، أديتها صلحا، عن هذا ومثله ~~وشبهه، وإلا فأي شيء كان موجب مصادرتي إلا عن هذا وما يشبهه؟ فالمصادرة قد ~~غسلت عني هذا كله. # ولكن، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق، باعترافه [116 ط] لمدة عطلتي ~~وحبسي، وهي ستة عشر شهرا، مائة ألف وستون ألف دينار. # فإن كان أرفق الوزير أعزه الله بها، فقد سقطت عنه، والكلام فيها بين ~~الخليفة والوزير، وإن كان لم يحملها إليه، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير ~~المؤمنين. # قال: فقام شفيع في الحال. # فقال له علي بن عيسى: إلى أين يا أبا اليسر؟ # قال: إلى مولانا، أحكي له ما جرى، فإنه أنفذني لهذا السبب، وأمرني به، ~~ومضى. # وحمل ابن الفرات إلى حبسه. # فعاد شفيع، وقال: يقول لكم مولانا، لا يبرح أحد منكم، أو تحمل إلي هذه ~~المائة ألف وستون ألف دينار، كيف شئتم. # فقال علي بن عيسى: جئنا به لنصادره، فصادرنا. # فألزموا أبا زنبور معظم المال، وعاونوه بشيء تحمل قسطه حامد، وعلي بن ~~عيسى. # وضمنوا المال، ثم انصرفوا «1» . # PageV02P035 ### || 13 أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا # حدثني أبو القاسم الجهني «1» ، قال: # كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات «2» ، وابن الجصاص «3» حاضر، فتذاكروا ما ~~يعتقده الناس لأولادهم. # فقال ابن الفرات: ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم؟ # فقال بعض من حضر: الضياع. # وقال بعضهم: العقار «4» . # وقال آخرون: المال الصامت «5» . # وقال آخرون: الجواهر الخفيفة الثمن، فإن بني أمية سئلوا: أي الأموال كانت ~~أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف الثمن، كنا نبيعه، فلا نطالب ~~بمعرفة، ولا يتنبه علينا به، والواحدة منه أخف محملا من ثمنها، وابن الجصاص ~~ساكت. # فقال له ابن الفرات، كالمستهزئ به: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ # فقال: أجل ما يعتقده الناس لأولادهم، الصنائع والإخوان، فإنهم إن اعتقدوا ~~لهم ضياعا، أو عقارا، أو صامتا، ms156 من غير إخوان، ضاع # PageV02P036 # ذلك وتمحق، وأحدث الوزير أعزه الله بحديث جرى منذ مدة، يعلم معه صدق ~~قولي. # فقال له ابن الفرات: ما هو؟ # فقال: الناس يعلمون أني صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون «1» ، ~~وكان رجلا مستهترا بالجوهر «2» ، يعتقده لنفسه، وأولاده، وجواريه. # فكنت جالسا يوما في داري، فجاءني بوابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في ~~زي رث، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته. # فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش. # فحين قالت ذلك، ورأيت صورتها، عرفتها، وبكيت لما شاهدتها عليه، ودعوت ~~غلماني ليحضروني ما أغير به حالها. # فقالت: لا تدع أحدا، فإني أظنك دعوتهم لتغيير حالي، وأنا في غنية وكفاية، ~~ولم أقصدك لذلك، ولكن لحاجة هي أهم من هذا. # فقلت: ما هي؟ # فقالت: تعلم إن أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر. فلما جرى علينا ~~بعده من طلب السلطان، ما جرى، وتشتتنا، وزال عنا ما كنا فيه، كان عندي جوهر ~~قد سلمه إلي، ووهبه لي، ولابنته [117 ط] مني فلانة، وهي معي هاهنا. # فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهزت للخروج، وخرجت # PageV02P037 # على هيأة زرية، مستخفية، وابنتي معي، فسلم الله تعالى، ووصلنا هذا البلد، ~~وجميع مالنا سالم. # فأخرجت من الجوهر شيئا، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، وصرت به ~~إلى سوق الحرازين «1» فبلغ ألفي دينار. # فقلت: هاتم. # فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ # قلت: أنا هي. # قالوا: ليس محلك أن يكون هذا لك، وأنت لصة، فتعلقوا بي وجذبوني، ليحملوني ~~إلى صاحب الشرطة. # فخشيت أن أقع في يده فأعرف، فيؤخذ الجوهر، وأطالب أنا بمال، فأخرج ~~الباقي. # فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، وتركت الجوهر عليهم، وأفلت. # فما نمت ليلتي غما على ما ذهب، وخشية الفقر، لأن ما لي هذا سبيله، فأنا ~~غنية فقيرة، فلم أدر ما أفعل. # فذكرت كونك ببغداد، وما بيننا وبينك، فجئتك، والذي أريده منك جاهك، تبذله ~~لي، حتى تتخلص لي ما أخذ مني، وتبيع الباقي، وتحصل لي ثمنه مالا، وتشتري به ms157 ~~لي ولابنتي عقارا، نقتات من غلته. # قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ # فقالت: فلان. # فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به «2» ، وقلت: هذه امرأة من داري، # PageV02P038 # وأنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، ولئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون ~~قيمته، فلم تعرضتم لها؟ # فقال: ما علمنا ذلك، ورسمنا- كما تعلم- لا نبيع شيئا، إلا بمعرفة، ولما ~~طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصة. # فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا ~~اشتريته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار. # فأخذته منهم، وصرفتهم. # وأقامت المرأة في داري، ونقلت ابنتها إلي، وأخرجت الجوهر، فألفته عقودا، ~~وعرضته، وتلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف ~~دينار. # فابتعت لها بذلك ضياعا وعقارا ومسكنا، فهي تعيش به وولدها، إلى الآن. # فنظرت، فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق، كان حجرا، بل كان سببا لمكروه ~~يجري عليها، وقد رشت على الخلاص منه دنانير، ولما وجدت صديقا يعينها، حصل ~~لها منه هذا المال الجليل. # فالصديق أفضل العقد «1» . # فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله. # ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، وقد سمعتم ما يقول، فكيف ~~يكون مثل هذا مغفلا «2» ؟ # PageV02P039 ### || 14 المأمون ومحبته للجوهر # وقد حكي: أن المأمون كان محبا للجوهر، وكان الناس يغالون فيه، في أيامه، ~~فأراد أن يحتال بحيلة تضع من قدره، ليرخص قيمته [118 ط] ، فيشتريه. # فجمع أصحابه يوما، وخاطبهم. فقال: ما أجل الذخائر؟ # فتقرر رأيهم على الجوهر. # فقال: هاتم جوهرة، فجاءوا بواحدة شراؤها عليه مائة دينار. # فقال للجوهريين: كم تساوي هذه؟ # قالوا: مائة دينار. # فقال: يا غلام، اكسرها قطعا، فكسرت. # فقال: كم تساوي الآن؟ # فقالوا: دانق فضة. # فأخرج دينارا، فقال: كم يساوي هذا؟ # قالوا: عشرين درهما. # فقال: كسروه قطعا، فكسر. # فقال: كم يساوي الآن؟ # قالوا: تسعة عشر درهما صحاحا. # فقال: أجل الذخائر هذا الذي إذا كسر، لم يذهب من قيمته شيء. # قال: فانتشرت الحكاية بين من حضر من الجوهريين، ونقص نصف ثمنه على ~~الحقيقة، وقلت رغبة أهل الدولة في شرائه. ms158 # فبلغ ذلك المأمون، فتتبعه، واشتراه رخيصا «1» . # PageV02P040 ### || 15 أموي يتحدث عما أعانهم في نكبتهم # وحكي عن بعض بني أمية: # أن المنصور «1» سأله لما نكبهم، أي شيء كان أنفع لكم في هربكم؟ # فقال: ما وجدنا شيئا أنفع من الجوهر القليل الثمن، الذي تبلغ قيمة الحبة ~~منه خمسة دنانير، لأنا استصحبنا الفاخر منه، والقريب الثمن، فما كنا نقدر ~~على بيع الفاخر لشدة الطلب لنا، والخوف من أن يعرف به، فينبه علينا، ونؤخذ، ~~وكان هذا اليسير الثمن، يشترى منا، من غير أن يعرف، فننتفع به، ويخفى ~~أمرنا، فكان أنفع. # قال: فأي النساء وجدتم أفضل؟ قال: بنات العم، كن أصبر علينا، وأشفق. # قال: فأي الرجال، وجدتم أفضل؟ قال: الموالي «2» . # قال: فأمر المنصور المهدي، أن يتزوج ابنة عمه «3» ، واتخذ المنصور مواليه ~~عمالا في أعماله، وقدمهم، ورفع منهم «4» . # PageV02P041 ### || 16 لقمة بلقمة # حدثني أبو بكر البسطامي، غلام ابن دريد «1» ، قال: # كان لامرأة، ابن، غاب عنها، غيبة منقطعة. # فجلست تأكل يوما، فحين قطعت لقمة، وأهوت بها إلي فيها. # تصدق منها سائل وقف بالباب، فامتنعت من أكل اللقمة، وحملتها مع تمام ~~الرغيف، فتصدقت بها، وبقيت جائعة. # وكانت شديدة الحذر على ابنها، والدعاء برده، فما مضت إلا ليال يسيرة على ~~هذا الحديث، حتى قدم ابنها، فأخبر بشدائد مرت به عظيمة. # وقال: أعظم شيء مر على رأسي، أني كنت في وقت كذا، أسلك أجمة في البلد ~~الفلاني، إذ خرج أسد، فقبض علي من حمار كنت فوقه، فغار الحمار «2» فتشبكت ~~مخالب السبع، في مرقعة كانت علي، فما وصلت إلي، وذهب عقلي، وجرني فأدخلني ~~الأجمة. # فما هو إلا أن برك علي ليفرسني، حتى رأيت رجلا عظيم الخلق، أبيض الوجه ~~والثياب، وقد جاء حتى قبض على قفا الأسد، وشاله «3» حتى # PageV02P042 # خبط به الأرض، وقال: قم يا كلب، لقمة بلقمة. # فقام السبع مهرولا، وثاب إلي عقلي [119 ط] ، وطلبت الرجل، فلم أجده. # وجلست ساعات، إلى أن عادت إلي قوتي، ثم نظرت إلى نفسي، فلم أجد بها بأسا، ~~فمشيت، فلحقت القافلة، وأخبرتهم فعجبوا من خلاصي، ولم أدر ms159 ما معنى لقمة ~~بلقمة. # فنظرت المرأة إلى الوقت فإذا هو الوقت الذي أخرجت اللقمة من فيها، فتصدقت ~~بها. # فأخبرته الخبر «1» . # PageV02P043 ### || 17 كفى بالأجل حارسا # حدثني إبراهيم بن الخضر، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال: # حدثني صديق لي أثق به، قال: # خرجت إلى الحائر «1» ، فرأيت رجلا، فرافقته في الطريق، ولم أكن أعرفه، ~~وكان ذلك في أيام الحنابلة، ونحن نزور متخفين. # فلما صرنا في أجمة بانقيا «2» ، قال لي رفيقي: يا فلان، إن نفسي تحدثني ~~أن السبع يخرج الساعة فيفرسني دونك، إن كان ذلك، فخذ حماري، وقماشي، فأده ~~إلى منزلي، في موضع كذا وكذا، وعرفهم خبري. # قال: فقلت: ما يكون إلا خيرا وسلامة. # فما استتم الكلام، حتى خرج سبع، فحين رآه الرجل، سقط، وأخذ يتشهد، وقصده ~~السبع، فما كذب أن أخذه، وجره عن الحمار. # فسقت أنا الحمار، مع ما عليه، وأسرعت حتى خرجت، ولحقت بالقرية، وعجبت من ~~حدسه على نفسه، وصدق ظنه، ولحقني غم لفراقه، وما جرى عليه. # ورجعت إلى بغداد، فحين دخلت، لم تكن لي همة، حتى استوصفت الموضع، وقصدته، ~~فدققت الباب، أسأل عنه، فقلت لمن فيه: خذوا قماش صاحبكم، رحمه الله. # قالوا: قد خرج الساعة في حاجة له، وهو حي والحمد لله، فلم أشك في أني ~~غلطت، فقلت: من هو؟ قالوا: فلان، اسمه. # PageV02P044 # فزاد تعجبي، فجلست، فما أطلت، حتى طلع علي، فحين رأيته طار عقلي جزعا، ~~وفرحا، وتشككا، فقلت: حديثك. # قال: إن السبع ساعة جرني، وأدخلني الأجمة، هزني، وسحبني، فأنا لا أعقل. # ثم سمعت صوت شيء، فإذا بخنزير عظيم قد خرج، فحين رآه السبع، تركني، وقصد ~~الخنزير، فدقه، وأقبل يأكله، وأنا أراه، ومعي بقية من عقلي. # فلما أن فرغ منه، خرج من الأجمة، وتركني، وقد جرح فخذي جراحة خفيفة. # فقمت، فوجدتني أطيق المشي، فأقبلت أمشي في الأجمة، أطلب الطريق، فإذا ~~بجيف ناس، وبقر، وغنم، وغير ذلك، منها ما قد صار عظاما بالية، ومنها ما هو ~~طري. # فانتهيت إلى خرق متمعطة «1» ، ومخالي للفيوج مطروحة، فسولت لي نفسي تفتيش ~~ذلك. # ثم وقفت على ms160 شيء مكور، فإذا هو هميان «2» ، ففتحته، فإذا فيه ألف دينار ~~صفر، فأخذتها، ولم أفتش الباقي، وخرجت، فما عرجت، وعدت إلى منزلي، فسبقتك. # قال: وأخرج الدنانير، فأراني إياها، وكشف عن الجراحة، [120 ط] فسلمت إليه ~~متاعه، وافترقنا «3» . # PageV02P045 ### || 18 كتاب من يحيى بن فهد الأزدي للأمير أبي تغلب بن حمدان # كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، إلى الأمير أبي تغلب ~~«1» فضل الله بن ناصر الدولة، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد، لخوفه ~~منه، وحمله إياه إلى القلعة مقيدا، وحبسه فيها، وذلك في شعبان سنة ستين ~~وثلاثمائة، في الليلة الثامنة منه «2» . # وكتب أبو محمد ذلك، لما بلغه الخبر، بمحضر منا، كالارتجال، بغير فكر ~~طويل، ولا تعمل شديد، نسخته: # من اختاره الله تعالى لجليل الأمور، واصطفاه لحراسة الأمة وحماية الثغور، ~~وخصه بنفاذ الرأي فيما يحله ويعقده، ونصره على كل عدو يرصده، وكفاه كيد من ~~يبغي عليه ويحسده، وقرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه، وبلغه في الدنيا ~~ما يرتجيه، وجعل ما يبرمه مطردا على التوفيق، وذاهبا مع السداد في أجمل ~~طريق. معونة له على ما أسنده- جل ذكره- إليه، وحفظا للملة وذبا عنها على ~~يديه، لا سيما إذا كان مقدما لتقوى الله سبحانه، في سائر أفعاله، مؤثرا ~~لرضاه تعالى، في جميع أحواله، غير خارج عن حدوده في تدبير، ولا ناكث عن ~~صراطه في صغير ولا كبير. # PageV02P046 # والحمد لله الذي خص مولانا الأمير السيد، أطال الله بقاءه، من هذه ~~الأوصاف الشريفة، والأخلاق المنيفة، بما فضله به على ملوك الزمان، وأنطق ~~بذكره وشكره كل لسان، وجعل القلوب كلها، شاهدة به، والآراء على اختلافها، ~~متفقة عليه. # والحمد لله الذي جعل تدبيراته جارية على الصواب، ماضية على سنن الكتاب، ~~محروسة من عيب كل عائب، ثاقبة كالنجم الثاقب، الذي لا يدفع علوه دافع، ولا ~~ينازع في سموه منازع. # وإياه نسأل، كافة أوليائه، وخدم دولته، وإليه أرغب، الرغبة التامة من ~~بينهم، في إيزاعه الشكر على ما أولاه، وإلهامه حمده، تقدست أسماؤه، على ما ~~خوله وأعطاه، وأن يديم ms161 له شأنه وتسديده، ويصل بالحق وعده ووعيده، ويحسن من ~~كل نعمة وموهبة، حظه ومزيده، ويجعل قوله مبرورا، وعدوه مقهورا، وفعله ~~مشكورا، وقلبه مسرورا، ولا يخليه من جد سعيد، إنه ولي حميد، فعال لما يريد. # وورد الخبر، بما جرى من الاستظهار على من شك في مناصحته ووفائه، وظهر في ~~الدولة سوء رأيه، بعقب تتابع الأنباء، بما كان أضمره من الغدر، وأضب عليه ~~من قبح الأمرة، وبما بان منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة، والسعي في ~~تفريق الكلمة، وإفساد البلاد، وإخافة العباد، ولم يصادف وروده، إلا مستبشرا ~~[120 ط مكرر] به، مستنصبا له، عالما بجميل صنع الله- عز وجل- في وقوعه، ~~شاكرا له على ما أبلاه، وأولاه من المعونة عليه، عارفا بأن مولانا الأمير- ~~أدام الله تأييده- لم يأمر به، وما وجد سبيلا إلى الصلاح، إلا سلكها، ولا ~~ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلا ركبها، فلم يزده ذلك إلا تماديا في العصيان ~~وغيا، ومرورا في ميدان البغي وبغيا يحسن به العدول عن صلة الرحم، بحكم الله ~~عز وجل، إذ جعل البغي في كتابه، # PageV02P047 # محلا للإخلال بحق النسب، حيث يقول، وهو أحسن القائلين إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم ~~لعلكم تذكرون # «1» فبين سبحانه: إن الفحشاء ضد للعدل، والمنكر مسقط للإحسان، والبغي ~~موجب لقطع القرابة، وأوجب تبارك اسمه، لمولانا الأمير- أدام الله عزه- ~~النصر على الباغي، بقوله عز من قائل، ومن بغي عليه لينصرنه الله. # على أن الذي أتاه مولانا، أطال الله بقاءه، في بابه، لمواصلة الرحم أقرب، ~~ولأسبابها ألزم وأوجب، إذ حال بينه وبين ما يؤثمه ويرديه، وصدفه عما كان ~~يفسد دينه ودنياه بالإيغال فيه، ولم ينقله بذلك، إلا إلى عيش رغد، وأمر ~~تام، ونعمة دارة، وحال سارة. # والله يكافىء مولانا الأمير السيد أطال الله بقاءه على قدر نيته، ويجازيه ~~بجميل طويته، ويبلغه من الدنيا بحسب حفظه فيها للدين، ويكبت أعداءه بذبه عن ~~المسلمين، ويهنيه بنعمه عليه، ويمتعه بمواهبه لديه، ويرغم أعداه، ويحمده ~~بدء كل أمر وعقباه، إنه جواد كريم، سميع ms162 مجيب «2» . # PageV02P048 ### || 19 من شعر يحيى بن فهد الأزدي # أنشدني أبو محمد يحيى بن محمد لنفسه: # يا من علاقة حبه فرض ... ضاقت علي ببعدك الأرض # فالقلب يخفق وحشة لكم ... حتى كأن سواده نبض # وأنشدني لنفسه: # وصفراء من ماء الكروم عتيقة ... مكرمة لم تمتهن بعصير # صبغت بها كأسي وأطلقت شمسها ... على نوره إلا بقية نور # كسالفة شقراء «1» قد رف تحتها ... جربان وشي أبيض وحرير # كأن شعاع الكأس نار توقدت ... على كف ساق زينت بخصور # فما حضرت حتى تبدل ما جنى ... علي زماني من أسى بسرور # وأنشدني لنفسه: [121 ط] # لقد نفرت عيني عن النوم بعدكم ... فليس إلى طيب الرقاد تتوق # وقد ألفت طول البكاء كأنها ... لدمع عيون العالمين طريق # وأنشدني لنفسه: # يا موقد النار في فؤادي ... وآمر العين بالسهاد # حللت من ناظري وقلبي ... - على تعديك- في السواد # فليس ترقا دموع عيني ... أو يظفر القلب بالمراد # وليس يطفى لهيب قلبي ... أو تملك العين للرقاد # PageV02P049 # وأنشدني لنفسه: # أصبحت من شوقي ومن ضري ... تنم أنفاسي على سري # وكلما جئتك أشكو الهوى ... ازددت يا مولاي في هجري # فكم تراني صابرا للبلا؟ ... ستغلب البلوى على صبري # وأنشدني لنفسه: # يغدو علي بوجه مشرق غنج ... يا طيب مبتكري فيه وإصباحي # في صورة البدر في قد القضيب على ... دعص من الرمل يخطو فوق رحراح # وأنشدني لنفسه من أبيات: # الليل يعجب مني كيف أسهره ... والشوق ينهى الكرى عني وأزجره # والصبح قد ضل عن ليلي بوادره ... فما يلم بهذا الليل آخره # وأدهم الليل وقف ما يغالبه ... من الصباح على الظلماء أشقره # وأنشدني لنفسه: # إذا أتاك امرؤ يبغيك حاجته ... فقد علاك بفضل ماله ثمن # فاسمع له طائعا وانجح مطالبه ... واعرف له حقه لا خانك الزمن # وأنشدني لنفسه: # يا هاجرا لغلامه ... ومقاطعا لكلامه # ومواصلا لصدوده ... وعتابه وملامه # لم قد هويت جفاءه ... وتركته بغرامه # أمنن عليه بوصلة ... لخضوعه وسقامه # وأنشدني لنفسه: # يا هلالا بدا فوافق سعدا ... وغزالا كأنه الغصن قدا # PageV02P050 # ومثالا تكامل الحسن فيه ... فحكت وجنتاه خمرا ووردا # كلما ازددت في القطيعة بعدا ... زدتني جفوة وهجرا ms163 وصدا # تتعدى وحق أن تتعدى ... كل من يملك الجمال تعدى # إنني ما اتخذت غيرك مولى ... فاتخذني لحسن وجهك عبدا # وأنشدني لنفسه: # سقى الشوق عيني ماء وجد ولوعة ... فإنسانها في ذلك الماء يسبح # إذا حركته من جوى الحب زفرة ... ترقرق فوق الخد منه الملوح # وأنشدني لنفسه قصيدة يفتخر فيها، أولها: [122 ط] # سوى حلمي يخف مع الشباب ... وغير أعنتي يثني التصابي # يقول فيها: # كأن عواقب الأيام مدت ... فقرت من فؤادي في كتاب # فلست أدافع الجلى بشك ... ولا أشكو الحوادث بارتياب # وأنشدني أيضا قصيدة أخرى أولها: # أبى شرف المناصب والأصول ... وفضل في القلوب وفي العقول # وقلب لا يخوف بالمنايا ... ونفس لا تقر على خمول # لمثلي أن يميل إلى اكتساب ... بغير السمهرية والنصول # وأنشدني من قصيدة يفتخر فيها: # تعود كفي قائم السيف صاحبا ... يساعده في كل أمر يحاول # سريع مضاء الشفرتين كأنه ... إذا سل من ماء المنية سائل # كأن مدب النمل فوق غراره ... إذا صح منه للعقول التأمل «1» # PageV02P051 ### || 20 بين يحيى بن فهد الأزدي وأبي الفرج الببغاء # وكتب «1» إلى أبي الفرج الببغاء «2» ، إلى الموصل، يتشوقه، بعد خروجه من ~~بغداد: # ظعنت فما لأنسي من ثواء ... وبنت فبان عن قلبي السرور # ولو أني قضيت حقوق نفسي ... تبعتك كيفما جرت الأمور # وودي ليس ينقصه مغيب ... كما لا يستزيد له حضور # فإن تبعد فإنك ملء صدري ... وودك جل ما تحوى الصدور # فأجابه أبو الفرج: # بقربك من بعادك أستجير ... وهل في الدهر غيرك من يجير # نأيت فما لسلواني دنو ... وغبت فما للذاتي حضور # وقد صاحبت إخوانا ولكن ... متى تغني عن الشمس البدور # فيا من رعت منه الدهر قدما ... بمن تسمو بخدمته الأمور # ومن قدرت أن له نظيرا ... فحين طلبت أعوزني النظير # إذا كنت السرور وغبت عني ... فكيف يتم بعدك لي سرور # ولأبي محمد، إلى أبي الفرج، في فصل من كتاب، وقد اعتل بعده: # فقدت السلامة لما نأيت ... وحالفت لما بعدت الضنينا # PageV02P052 # وكان اقترابك لي صحتي ... فحين ارتحلت عدمت القرينا # وما هون السقم يا سيدي اشتياقي ... وحاشى له أن ms164 يهونا # فكتب إليه أبو الفرج، في صدر كتاب: # كتابي عن سلامة، # وعن كمد فل غرب السلو ... وشوق أعاد حراكي سكونا # وقلب يرى كل شيء يعين ... قلوب العباد عليه معينا [123 ط] # ولم أر بعدك شيئا يسر ... فأفتح أنسا إليه الجفونا # وجملة أمري أني اشتكيت ... وقد كان دهري لي مستلينا # وجربت مذغبت عني الكرام ... فكانوا الشكوك وكنت اليقينا # وأنشدني لنفسه: # يدعي [حبيبي] «1» إلى هجري فيعدل بي ... عن هجره مرض في القلب مكتوم # لو كان ينصفني ما كان يهجرني ... لكنني الدهر في حبيه مظلوم «2» # PageV02P053 ### || 21 فقرات من رسائل # لبعض الكتاب، في وصف قاض «1» : # الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز، ولا لذاهب عنه مجاز «2» ، هو من لا ~~يبهره الإطراء، ولا يحيله الإغراء. # آخر: # الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، الذي لا يودى مسيله، ولا ~~يخيب سؤوله. # آخر: # إن لله علينا من النعم ما لا نحصيه، مع كثرة سخطه على ما نعصيه، فما ندري ~~أيها نذكر، ولا على أيها نشكر، أجميل ما نشر وأبدى، أم قبيح ما ستر وأخفى ~~«3» . # PageV02P054 ### || 22 بين أبي عمر القاضي وأبي عصمة الخطيب # حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش «1» ، وأبو جعفر طلحة بن عبيد ~~الله بن قناش «2» الطائي الجوهري البغدادي، وجمعت خبريهما، قالا: # كان أبو عصمة العكبري الخطيب، غالبا على أبي القاسم بن الحواري «3» ، ~~وكانت منزلته في الطيبة مشهورة، قال، فحدثنا: # أن أبا عمر «4» خطب لابن رائق «5» الكبير، على ابنة قيصر الكبرى، فأطال ~~وأبلغ، وكان يوما حارا. # PageV02P055 # فلما انقضت الخطبة، قيل له: اخطب على البنت الأخرى، للابن الآخر. # فكره الإطالة، لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرب إليه، فحمد الله سبحانه ~~بكلمتين، ثم قرأ آية من القرآن، وعقد النكاح. # فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر، ووقع ذلك عنده ألطف موقع لأبي عمر. # قال: فعاد ابن الحواري إلى داره، وجئت، فجلست عنده أحادثه، وأتطايب له، ~~وأغمز رجله. # فقال: جرى اليوم لأبي عمر القاضي كل جميل، ووصفه الخليفة، وقرظه، واستحسن ~~إطالته في الخطبة الأولى، وإيجازه في الثانية، وقال: ms165 # مثل هذا الرجل، وفيه هذا الفضل، لم لا نزيد في الإحسان إليه؟ فقررت مع ~~الخليفة، بأن يزيده في أرزاقه وأعماله، كذا وكذا، فأمرني بتنجيز ذلك له من ~~الوزير. # قال: وكان ابن الحواري، صديقا لأبي عمر. # فلما سمعت ذلك، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر، إلى أبي عمر، لأستحق ~~البشارة، وأتقرب إليه. # وطال علي الوقت، حتى نام أبو القاسم، فركبت دابتي، وجئت إلى أبي عمر، ~~فأنكر مجيئي ذلك الوقت [124 ط] ، وعلم أنه لمهم، فأوصلني، فجلست، وهنأته، ~~وحدثته بالحديث على شرحه. # فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن الله جزاء أبي ~~القاسم، ولا عدمتك. # فاستقللت شكره، وولد لي فكرا، مع ما بان لي في وجهه من التعجب مني. # فلما خرجت ندمت ندما شديدا، وقلت: سر السلطان، أفشاه إلى رجل عنده فوق ~~الوزير، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي، لا يسره # PageV02P056 # عني، ولعله هو، أراد أن يعتد به على أبي عمر، بادرت أنا بإخراجه، إن راح ~~أبو عمر فشكره على ذلك، أو ذاكره به، فعلم أن ذلك من فعلي، بأي صورة ~~يتصورني؟ أليس يراني بصورة من خرج بسر؟ وإخراج السر، في الخير والشر، ~~والفرح والغم، والجيد والرديء، واحد؟ # وإن أداه ذلك إلى استثقالي واحتشامي، أليس في هذا انتقاص معيشتي وخيري؟ ~~ثم إن حجبني عنه، من يوصلني إليه؟ ومن يرغب في استخدامي بعده أو يدخلني ~~داره؟ أو ليس ينتشر في البلد، إنه طردني، لأنني أفشيت له سرا، لا يدرى ما ~~هو. # ليس إلا أن أرجع إلى أبي عمر، فأسأله كتمان ذلك. # قال: فرجعت من حيث قدمت لي دابتي، ولم أركب. # فحين وقع ناظر أبي عمر علي، قال لي: يا أبا عصمة «1» ، ولا حرف، ولا حرف. # قال: فكأنه حسب ما حسبته لنفسي، وعلم ما علمته، مما طرأ علي، فلما رآني ~~قد استدركت ذلك، علم أني ما رجعت إلا لأسأله كتمان هذا، فبدأني بما قاله. ~~فشكرته وانصرفت، ولم أجلس. # وقد أخبرني أبو الحسين بن عياش رحمه الله، بهذا الخبر، عن أبي عصمة، ولم ms166 ~~يذكر فيه حديث الخطبة، ولا أي شيء كان السر، وهذا الحديث أشرح، فأوردته ~~هكذا «2» . # PageV02P057 ### || 23 القاضي يخطب بين يدي الخليفة في الإملاك # حدثني أبو الحسن بن الأزرق «1» ، قال: حدثني القاضي أبو طالب بن البهلول ~~«2» ، قال: # لما تأخر أبي «3» عن حضور المواكب، وكان لا يخطب في الإملاكات غيره، عرض ~~للمقتدر «4» رأي، في إملاك بحضرته. # فقال لي علي بن عيسى «5» هذا شيء كان إلى أبيك، وأنت أحق به. # فقلت: لا أقوم به. # فقال لأبي عمر «6» : فاخطب أنت. # فاستعفاه، وسأله أن يجعل ذلك إلى ابنه «7» ، فجعل إليه. # وكان يخطب بحضرة المقتدر في الإملاكات «8» . # PageV02P058 ### || 24 وصف طبق قطائف # وصف القاضي المعروف بالنقاش، طبق قطائف، قدم إليه، فقال: # اقشعر جلده «1» من كثرة حمله «2» . ### || 25 النداء على الرطب الآزاد # حدثني خالي، قال: # سمعت مناديا ببغداد، ينادي على الرطب الآزاد «3» : هوذا أولاد الخلافة، ~~في الغلائل نيام «4» . # PageV02P059 ### || 26 الوزير ابن مقلة وأبو أحمد الفضل الشيرازي الكاتب # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، قال: # حدثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب «1» ، قال: # كنت أكتب بين يدي أبي علي بن مقلة «2» ، وهو وزير، وكانت حالي صغيرة، ~~وكنت أستحلي قينة كنت أنفق جميع ما أكسبه عليها. # وكان أبو علي يعرف ذلك من خبري، فيخصني بالأعمال التي تكسب المنافع، وإذا ~~أراد كتب عهد [125 ط] لعامل، أو إجابة صاحب طرف، لم يعدل بذلك عني، فأنتفع ~~بالمائتي دينار، والثلاثمائة، والأكثر، والأقل، ولا أبقي شيئا. # قال: فكان من ذلك، أن كتاب ملك جرزان «3» ، ورد عليه، فرمى به إلي، ~~وأمرني بالإجابة عنه. # فجاءني موصله، يتنجز الجواب، وحمل إلي مائتي دينار، وثياب ديباج، وغير ~~ذلك. # فأجبته جوابا جميلا، وأخذت ذلك فأنفقته كله على المغنية. # PageV02P060 # واصبحت بعد أيام، وهي عندي، وليس معي ما أجذرها «1» به في يومي ذلك، وأنا ~~قلق من انصرافها، ولا حيلة لي في إسلامها، حتى جاءني غلامي، فقال لي: إن ~~صاحب جرزان على الباب. # فتثاقلت به، وقلت: لم يبق شيء أتوقعه منه، وقد كتبت كتبه، ms167 وأنا متشاغل ~~بحيلة ما أجذر هذه اليوم، فاحجبه عني. # قال: فخرج وعاد وقال: قد أعطاني عشرة دراهم، وسألني إيصاله إليك. # قال: فطمعت فيه، وقلت: إذا أعطى غلامي عشرة دراهم، فالأمر يحتمل أن يصل ~~إلي، هاته. # قال: فدخل، وأخرج الكتاب، وقال: يا سيدي، كانت العادة، إذا عنون الكتاب ~~إلى صاحبي، وقيل: لأبي فلان بن فلان، أن يقال بعد ذلك: ملك جرزان، ولم يقل ~~هذا، وفيه عليه غض في عمله، فحلق «2» ذلك. # قال: فقلت هذا لا يجوز إلا بأمر من الوزير، وهذا أمر عظيم، وإذا قيل ذلك ~~فكأنما قد أزلنا ملك السلطان عن ذلك الصقع، وأخذت أهول الأمر، وأفخمه، بقدر ~~طاقتي. # فقال: يا سيدي، لا زمان «3» علي في مساءلة الوزير، لأني أريد الخروج ~~اليوم مع القافلة، فخذ مني ما شئت، واكتب لي. # قال: فزاد طمعي فيه، وقلت: هذا أمر لا يمكن للوزير فعله، إلا بأمر ~~الخليفة. # قال: فما زلت معه في ألوان، إلى أن دفع لي في الحال، ثلاثمائة دينار ~~عينا. # PageV02P061 # فقلت: على شريطة أن لا يرى الكتاب أحد معك، ولا تقم اليوم ببغداد. # قال: فشار طني على ذلك. # فكتبت إلى جانب العنوان «ملك جرزان» فقط، وأخذت الدنانير وانصرف الرجل، ~~ولم أدع الجارية تبرح ومعي شيء من الدنانير. # قال: ثم دخلت إلى أبي علي. بعد ذلك بأيام، فرمى إلي كتبا، وقال: # اكتب لصاحبها عهدا على أعماله بتستر «1» . # قال: فجاءني الرجل، وحمل إلي مائتي دينار، وثلاثة أثواب تسترية، وعمامة ~~منها، فكتبت عهده، وقطعت الثياب، وكنت أنفق من تلك الدنانير. # قال: وكان بين أبي علي، وبين أبي العباس الخصيبي «2» ، من العداء ~~والمشاحة على الوزارة، ما عرفه الناس «3» ، وكانت لأبي العباس علي، حقوق، ~~ورياسة قديمة، فكنت أحب لقاءه، وأخاف من أجل الوزير، فكنت ربما مضيت إليه ~~في الأيام سرا، واعتذرت من تقصيري باتصالي بالوزير، فيعذرني. # فاتفق أني مضيت إليه يوما سحرا، في تلك الثياب الجدد، وعدت إلى دار ~~الوزير، فلما صرت في الحجرة [126 ط] التي كان فيها، وجدته «4» # PageV02P062 # وأبا الحسين ابنه «1» ، مختليين، وفي ناحية ms168 من الدار جماعة من الكتاب ~~جلوس، منهم أبو جعفر بن شيرزاد «2» ، وأبو محمد المادرائي «3» ، وأبو علي ~~الحسن بن هارون «4» ، وغيرهم. # فعدلت لأجلس مع الجماعة، فلما رآني الوزير، صاح: تعال، بحرد. # قال: فقمت فزعا، أن يكون الخبر بلقائي الخصيبي، قد رقي إليه، فجئته، فأسر ~~إلى أبي الحسين، بشيء في أمري، لا أدري ما هو، ثم ضحك وقال: اجلس، فلما ~~ضحك، سكنت نفسي، وجلست. # فقال: اليوم يوم سبت، والهوا «5» طيب، فما ترى في ترك العمل والصبوح؟ # فقلت: هذا والله عين الرأي، وحقيقة الصواب، ونفس الواجب، وما لا يجوز ~~العدول عنه، ولا الخروج منه، ولا التأخر عن فعله، وأخذت أصف طيب الصبوح، ~~وأروي ما حضرني فيه، في الحال. # قال: فقال لحاجبه: قل لأصحابنا، يمضون إلى الديوان، وينظر كل # PageV02P063 # واحد في أمره، وما إليه، وأخل دار العامة، ولا تستأذن علي لأحد، حتى ~~أتشاغل بالصبوح. # ثم دعا الفراشين، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها، وقال: # أريد أن تكون في نهاية الضياء، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس. # فقام فلم تكن إلا ساعة، حتى جلس فيها، فأكلنا معه، ونفسي متطلعة إلى ما ~~جرى. # فلما نهضنا لغسل أيدينا، سألت أبا الحسين عن ذلك، فقال: إن الوزير لما ~~رآك، قال: هذا الرجل يخدمنا، ويختص بنا، وواجب الحق علينا، وهو يعشق مغنية ~~لعل ثمنها شيء يسير، ويتلف كل ما يكسبه عليها، ولا نشتريها له؟ أي شيء أقبح ~~من هذا؟ # قال: فقلت له- وكنت أعرف في أبي الحسين شدة- فأي شيء قلت له يا سيدي؟ # قال: قد قويت رأيه. # قلت: لا يقنعني هذا والله، أريد أن تتجرد، وتصمم، وتذكره، ولا تدعه أو ~~يتنجز لي ثمنها اليوم. # فقال: أفعل. # وقام أبو الحسين لينام، فلم يحملني أنا النوم، وقعدت، فعملت أبياتا في ~~الوزير، أشكره على هذا الرأي، وأتنجز الوعد، وحررتها بأحسن ما قدرت عليه من ~~خطي. # فلما جلسنا للشرب، وشرب الوزير أقداحا، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن ~~المنجم، بالرقعة، وكانت له عادة عندي في التعصب لشعري، والمدح لي عند ~~الوزير، لنفاقه ms169 عليه، واختصاصه به، من بين ندمائه. # PageV02P064 # فأخذ أبو الحسن الرقعة، فأنشد منها الشعر، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها، ~~وتبعه الجماعة، واستحسن الوزير ذلك، فأخذ الرقعة، فقطع بالسكين سحاة عريضة ~~منها «1» ، فكتب في رأسها شيئا، ودفعه إلى أبي الحسين، فكتب فيها شيئا، ثم ~~أخذها الوزير، فلفها شديدا حتى صارت كالزر، ورمى بها، فإذا هي في حجري، ~~ففتحتها، فإذا فيها: ندى الخادم، عشرة آلاف درهم، وبخط أبي الحسين: فلان ~~الجهبذ خمسة آلاف درهم. # قال: فجئت لأنهض، فأشكره، وأقبل يده، فأومأ إلي [127 ط] بإصبعه، أن اسكت، ~~ووضعها على فيه، فسكت، وشربنا إلى أن حضرت المغرب، وقام الوزير ليصلي، ~~وقمنا. # قال: فاستدعاني، فقال: أخذت المال؟ # فقلت: لا. # فقال: إنا لله، ظننتك أفره من هذا، إذا قال لك السلطان، هات لأعرف لك، ~~فابسط حجرك «2» ، ولا تنتظر غضارة «3» ، إن صرفني الخليفة الليلة عن ~~الوزارة، كيف تصل أنت إلى المال؟ إن مت؟ إن كان كذا؟ # فقلت: حاشاك يا سيدي، لعن الله هذه الدراهم، مع هذا القول، يبقيك الله ~~ألف سنة. # فقال: دع ذا عنك، ثم نادى الخادم، فجاء، فقال: خذ هذه الرقعة، وأحضر ~~المال الساعة، قبل أن أتمم الصلاة. # قال: فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة، ودخلنا نحن، فو الله، # PageV02P065 # ما تممنا صلاتنا، حتى حضر المال، ولم يكن معي غلام يحمله، إلا صبي بحمل ~~دواتي، ولا يطيق ذلك. # قال: فالتفت إلى بدعة الصغيرة، وكانت في المجلس، وكان بيني وبينها ود، ~~وهي تتعصب لي، فقلت: يا ستي، أعيريني بعض خدمك، يحمل هذا المال معي، إلى ~~داري، فإن غلامي لا يطيقه. # قال: وكانت بدعة الحمدونية «1» ، إذا حضرت المواضع، معها عدة جوار وخدم ~~وفراشين. # قال: فدفعت إلي غلامها، وكان مقدما عندها، فسلمت إليه المال، فحفظه، حتى ~~أداه إلى منزلي. # فاستدعيت مولاة الجارية، وبذلته لها في ثمنها، فقالت: لا أبيعها إلا ~~بثلاثين ألفا، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة، وتاقت نفسي إلى نفقة «2» ~~المال، فأسلفتها منه للجذور، خمسة آلاف درهم، وأنفقت الباقي عليها في مدة ~~يسيرة «3» . # PageV02P066 ### || 27 الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه عطرا ms170 وشرابا ومالا # حدثني أبو محمد أيضا «1» ، قال: حدثني أبو أحمد أيضا «2» ، قال: # غدوت في بعض الأيام إلى حضرة الوزير أبي علي بن مقلة، وأنا في بقية خمار ~~«3» ، وقد خلفت في داري هذه الجارية. # فلما مضى من النهار ساعتان، عن للوزير قطع العمل، والتشاغل بالشرب. # فقطعت من رأس الدرج «4» ، قطعة، وكتبت فيها إلى أخي، آمره باحتباس ~~الجارية، وبإعداد أشياء رسمتها له، وأعلمته أنني على أثر الرقعة، مع تشاغل ~~الوزير بالأكل، وعملت على الاحتجاج للوزير بالخمار، والوزير يلحظ ما أكتبه، ~~ويقرؤه، وأنا لا أعلم. # وسلمت الرقعة إلى غلامي، ومضى بها إلى منزلي. # فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير، واستدعى المائدة، وأمرني بالأكل معه، ~~فامتنعت، واحتججت بعظم الخمار، وأنني لا أقدر على شم الطعام، فضلا عن أكله. # فألح علي، فألححت في الامتناع. # PageV02P067 # فاستدعى عملا كان بين يديه، وأخرج منه عدة كتب، وآمرني بالانفراد، ~~والإجابة عنها. # فورد علي من ذلك ما أقلقني، ولم أعلم غرضه، ولا أنه يستدعيني إلى الطعام، ~~ويشير علي بالدخول معه في ذلك الأمر، وتأخير الكتابة إلى غد، وأنا مقيم على ~~شكوى الخمار، وتعذر الأكل علي. # إلى أن فرغت من الكتب، وقد توسط [128 ط] أكله، وجئت بها مقدرا أنه يأذن ~~لي في الانصراف. # فقال: قد تبقى من مدة أكلنا، ما تبلغ به وطرك من الطعام، فاستخر الله، ~~وساعدنا. # فأقمت على الامتناع. # فاستدعى عملا ثانيا، وأخرج منه عدة كتب أخر، وقال لي: إذا كنت غير داخل ~~معنا في أمرنا، فأجب عن هذه أيضا. # فورد علي أعظم من الأول، وانفردت للإجابة، إلى أن فرغت منها، مع فراغه من ~~الأكل. # وجئت بالكتب فعرضتها عليه، وأنا لا أشك في الانصراف. # فقال لي: لست أشك في تصرم خمارك، فاستدع ما تأكله، والحق بنا. # فأقمت على الامتناع. # فاستدعى عملا ثالثا، ليشغلني بشيء، وتبسم. # فقلت له: ما هذه الحاجة الداعية إلى اتصال العمل علي في هذا اليوم. # فقال: قد قرأت رقعتك إلى أخيك، من ظهرها. # فعرفت من حيث أتيت، فضحك، وضحكت. # وأمر بإحضار مائتي دينار، وعشرين ms171 دنا من الشراب العتيق، وسلم # PageV02P068 # ذلك إلى غلامي، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له، فيه طبب، فقدم إلى حضرته، ~~ومنديل دبيقي «1» ، وجعل فيه من الصندوق، من الند «2» كفا، ومن العود ~~المقلي «3» كفا، وكذلك من الكافور والمسك، مثل ذلك، واستدعى قدحا، فجعل فيه ~~أواق «4» غالية، ووضعه في المنديل، وختمه بخاتمه. # وقال: إمض، فأنفق هذه الدنانير، واشرب الشراب، وتبخر بهذا البخور. # فأخذت جميع ذلك، وانصرفت «5» . # PageV02P069 ### || 28 أنت تحركت على الصفراء ليس الصفراء تحركت عليك # وحدثني أبو محمد أيضا «1» ، قال حدثني أبو أحمد «2» أيضا قال: # كانت هذه الجارية صفراء، تسمى «بهجة» . # فشربت معها ليلة، وأصبحت مخمورا، فآثرت الجلوس معها، على لقاء الوزير أبي ~~علي، وكان يعرف خبري معها. # فأردت الاعتذار إليه من التأخر عن الخدمة، وأخفي خبري عليه، فكتبت إليه ~~رقعة أعتذر فيها، وأقول: إن الصفراء «3» تحركت علي، فتأخرت. # فوقع على ظهرها بخطه: أنت تحركت على الصفراء، ليس الصفراء تحركت عليك «4» ~~. # قلت: وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم، ~~لنفسه، في جارية صفرآء، وقد شكا إلى الطبيب مرة الصفراء، ولا أدري أيهما ~~أخذ من صاحبه: # PageV02P070 # قال الطبيب وقد تأمل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء «1» # فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا وظاهر ما أراد خطاء «2» ### || 29 بغل لا يصلح للبيع # رأى رجل في حمام، رجلا وافر المتاع، فقال له عابثا: تبيع هذا البغل؟ # قال: لا، ولكني أحملك عليه «3» . # PageV02P071 ### || 30 القاضي أبو الحسن الهاشمي يغسل الخليفة الراضي # وحدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله «1» ، ~~قال: لما مات الراضي رضي الله عنه «2» ، أنفذ إلي، فاستدعيت لغسله، فحضرت، ~~ودخلت إلى الموضع الذي هو فيه من دار الخلافة، فإذا به مسجى، على وجهه إزار ~~مروي [129 ط] غليظ «3» . # فقلت: لا إله إلا الله، مثل هذا يطرح على وجه خليفة؟ # فقال لي بعض الخدم: إنه لما مات، أخذ كل إنسان، ما هو مثبت عليه، فرده ~~إلى الخزانة، حتى طرحت أنا عليه إزاري هذا. # قال: فطلبنا مرجلا أو مسينة ms172 «4» لنغلي فيها ماء حارا، فما وجدنا، حتى ~~جاءوا بها بعد مدة من حجرة بعض الخدم. # فغسلته، وكفنته بأكفان جميلة من داري «5» ، وصليت أنا والخدم عليه، وحمل ~~إلى داره بالرصافة فدفن فيها «6» . # PageV02P072 ### || 31 الخليفة الواثق، يهمل بعد موته فيأكل الحرذون عينيه # حدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن يحيى الواثقي، قرابة أبي، قال: حدثني ~~أبي، قال حدثني أبي أحمد «1» ، قال: # كنت أخدم الواثق «2» ، وأخدم تخته، في علته التي مات فيها. # فكنت قائما بين يدي الواثق، في علته، أنا وجماعة من الأولياء، والموالي، ~~والخدم، إذ لحقته غشية، فما شككنا أنه قد مات. # فقال بعضنا لبعض: تقدموا فاعرفوا خبره، فما جسر أحد منهم يتقدم. # فتقدمت أنا، فلما صرت عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على أنفه وأعتبر نفسه، ~~لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أن أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه ~~إلى غير رتبتي. # فتراجعت إلى خلف، فتعلقت قبيعة «3» سيفي بعتبة «4» المجلس، وعثرت به، ~~فانكببت عليه، فاندق سيفي، وكاد أن يدخل في لحمي، ويجرحني. # PageV02P073 # فسلمت، وخرجت، واستدعيت سيفا ومنطقة أخرى، ولبستها وجئت حتى وقفت في ~~مرتبتي ساعة. فتلف الواثق تلفا لم تشك جماعتنا فيه، فتقدمت فشددت لحييه، ~~وغمضته، وسجيته، ووجهته إلى القبلة، وجاء الفراشون، وأخذوا ما تحته في ~~المجلس، ليردوه إلى الخزانة، لأن جميعه مثبت عليهم، وترك وحده في البيت. # فقال لي ابن أبي دؤاد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، ولا بد أن ~~يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن، فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل. # وقد كنت من أخصهم به في حياته، وذلك أنه اصطنعني، واختصني، حتى لقبني ~~الواثقي، باسمه، فحزنت عليه حزنا شديدا، وقلت: دعوني، وامضوا. # فرددت باب المجلس، وجلست في الصحن، عند الباب أحفظه، وكان المجلس في ~~بستان عظيم، أجربة، وهو بين بستانين. # فحسست بعد ساعة، في البيت، بحركة عظيمة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي، فإذا ~~بحرذون «1» قد أقبل من جانب البستان، وقد جاء حتى استل عيني الواثق، ~~فأكلهما. # فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين ms173 التي فتحها منذ ساعة، فاندق سيفي هيبة ~~لها، صارت طعمة لدابة ضعيفة. # قال: وجاءوا فغسلوه بعد ساعة، فسألني ابن أبي دؤاد، عن سبب عينيه، ~~فأخبرته. # قال: والحرذون، دابة أكبر من اليربوع قليلا «2» . # PageV02P074 ### || 32 ما أرانا إلا كنا خزانا للوليد # حكي عن هشام بن عبد الملك «1» ، إنه لما ثقل، وأخذ في النزع، أغمي عليه، ~~ثم أفاق، فطلب شيئا. # فقيل له: إن الخزان قد أقفلوا على جميعه، وتفرقوا. # قال: فتنفس [130 ط] الصعداء «2» ، وقال: ما أرانا إلا كنا خزانا للوليد ~~«3» بن يزيد «4» . # PageV02P075 ### || 33 الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر زوجة أبيه، ويصلبها منكسة # وهذه شغب «1» أم المقتدر بالأمس، تنعمت ما لم يتنعمه أحد، ولعبت من أموال ~~الدنيا بما استفاض خبره. # فلما قتل المقتدر «2» قبض عليها القاهر «3» ، فعذبها صنوف العذاب حتى قيل ~~إنه علقها بثدييها، يطالبها بالأموال. وحتى علقها منكسة «4» ، فبالت، فكان ~~بولها يجري على وجهها. # فقالت له: يا هذا، لو كانت معنا أموال، ما جرى في أمرنا من الخلل، ما ~~يؤدي إلى جلوسك، حتى تعاقبني بهذه العقوبة، وأنا أمك في كتاب الله عز وجل، ~~وأنا خلصتك من ابني في الدفعة الأولى، حتى أجلست هذا المجلس «5» . # PageV02P076 ### || 34 الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر ويضطرها لبيع أملاكها # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: حدثني عمي أبو محمد، قال: # أنفذني أبو الحسين بن أبي عمر القاضي «1» ، وابن حباب الجوهري، إلى ~~القاهر، وكان قد طلب منه شاهدين، ليشهدا على أم المقتدر، بتوكيلها، في بيع ~~أملاكها. # قال: فصرنا إلى دار الخلافة، واستؤذن لنا، فدخلنا إلى القاهر، وهو جالس ~~في صحن كبير، عند باب ممدود عليه ستارة ديباج، وسبنية «2» ، على كرسي حديد، ~~وفي يده حربة يقلبها، وخدمه قيام على رأسه. # فسلمنا عليه، ووقفنا. # ودفع إلينا أحد الخدم، كتابا أوله: أقرت شغب، مولاة أمير المؤمنين ~~المعتضد صلوات الله عليه، أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه. # فوقفنا عليه، فإذا هو وكالة ببيع أملاكها، في سائر النواحي. # فقلنا للخادم: فأين هي؟ # قال: وراء الباب. # فاستأذنا الخليفة في خطابها، فقال: افعلا. # PageV02P077 # فقلنا: أنت عافاك ms174 الله هاهنا، حتى نقرأ عليك؟ # فقالت: نعم. # فقرأنا عليها الكتاب وقررناها، ثم توقفنا عن كتب الشهادة، فأومأ بعضنا ~~إلى بعض، كيف نعمل في رؤيتها؟ وإلا لم يمكنا إقامة الشهادة، وهبنا الخليفة. # فقال: ما لكم تتآمرون؟ # فقلنا: يا أمير المؤمنين، هذه شهادة، نحتاج أن نقيمها عند قاض من قضاة ~~أمير المؤمنين؟ # فقال: نعم. # قلنا: فإنها لا تصح لنا دون أن نرى المرأة بأعيننا، ونعرفها بعينها ~~واسمها، وما تنسب إليه. # فقال: افعلوا. # قال: فسمعت من وراء الستارة، بكاء، ونحيبا، ورفعت الستارة. # فقلت لها: أنت شغب، مولاة أمير المؤمنين المعتضد بالله صلوات الله عليه، ~~أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه. # قال: فبكت ساعة، ثم قالت: نعم. # فقررناها على ما في الكتاب، وأسبل الستر، فتوقفنا عن الشهادة. # فقال القاهر بضجر: فأي شيء بقي؟ # فقلنا: يعرفنا أمير المؤمنين إنها هي. # فقال نعم، هذه شغب، مولاة أبي المعتضد بالله، أمير المؤمنين، وأم أخي ~~جعفر المقتدر بالله، ونهض. # فأوقعنا «1» خطوطنا في الكتاب، وانصرفنا. # PageV02P078 # قال: ولما رأيتها، وجدتها امرأة عجوزا، دقيقة الوجه والمحاسن [131 ط] ، ~~سمراء اللون إلى البياض والصفرة، عليها أثر ضر شديد، وثياب غير فاخرة» . # فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم، فكرا في تقلب الزمان، وتصرف الحدثان «2» ~~. # وجئنا، فأقمنا الشهادة، عند أبي الحسين القاضي «3» . # PageV02P079 ### || 35 يقتلون شيخا حسن الشيبة ثم يظهر أنه خناق # حدثني أبو جعفر، أصبغ بن أحمد الكاتب «1» ، شيخ خدم قديما الصيمري، وحجب ~~أبا محمد المهلبي «2» ، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري «3» على الأمور ~~كلها، فلما ولي أبو محمد الوزارة، صرفه عن حجبته، وصرفه فيما يتصرف فيه ~~المستخرجون والمستحثون، قال: # حدثني بعض غلمان بجكم «4» ، قال: أنفذني إلى الأنبار «5» ، في جماعة ~~غلمان، لقتل قوم كانوا محبسين من الأعراب، وأمرنا بحمل رؤوسهم إليه، وكتب ~~لنا في ذلك. # فجئنا إلى العامل، فأوصلنا إليه الكتاب، فسلم القوم إلينا، فضربنا ~~أعناقهم، وقطعنا رؤوسهم. # PageV02P080 # وأقمنا ليلتنا هناك، وبكرنا، والرؤوس في مخالي دوابنا، مسمطة «1» عليها، ~~ونحن نريد بغداد. # وكنا عشرة غلمان، والمقتلين عشرة. # فلما صرنا في بعض الطريق، وحمي النهار، أوينا ms175 إلى قرية خراب، وجلسنا ~~نأكل، والمخالي بين أيدينا، فيها الرؤوس، قد نحيناها عن الدواب، وتركنا ~~الدواب ترعى. # فلما فرغنا من أكلنا، قمنا إلى المخالي، فافتقدنا من الرؤوس التي فيها ~~واحدا، فقامت قيامتنا، وقلنا نحن مقتولون به، سيقول لنا بجكم: # أخذتم منه مالا، وتركتموه، كيف نعمل؟ # فأجمع رأينا على أن نخرج إلى تلك الصحراء، فنعترض رجلا كائنا من كان أول ~~ما نلقاه، فنقتله، ونجعل رأسه في المخلاة، بدلا من الذي ضاع، ونسير. # فخرجنا على هذا، فأول من استقبلنا، رجل شيخ، حسن الشيبة والثياب، له ~~سجادة وسمت «2» ، وهو راكب حمارا، عليه خرج مثقل، وهو يسير. # فأوقعنا به وقتلناه، بعد أن تذممنا من قتله، مع ما رأيناه عليه، إلا أنا ~~خفنا أن ينتشر الناس في الطريق، فلا يمكنا قتل أحد، ونكون نحن المقتلين. # فقتلنا الرجل، وقطعنا رأسه، وجئنا لنجعله في المخلاة، فإذا نحن برأس ملقى ~~بين أرجل الدواب، فشككنا فيه، وعددنا الرؤوس، فإذا هي أحد عشر. # PageV02P081 # فشككنا، حتى أخذ كل واحد منا رأسا، وبقي في الأرض رأس واحد فاضلا. # فقامت قيامتنا، ولطمنا، وقلنا: قتلنا رجلا مسلما بغير سبب، وشق ذلك ~~علينا. # وكان معنا شيخ من الغلمان، جار «1» ، فقال: يا قوم، إنكم ما سلطتم على ~~هذا الشيخ، إلا وله عند الله سريرة سوء، ففتشوا رحله، لعلكم تستدلون على ما ~~يزول به غمنا في قتله. # فقمنا إلى رحله «2» ، فحططنا الخرج عنه، وفتحناه، فأول شيء خرج علينا، هو ~~بكرة، ثم تلا ذلك، ثياب ملوثة بالدم وبالغائط. # وتوالت الأدلة علينا، فإذا هو خناق شداخ. # فحمدنا الله تعالى على [132 ط] ما سلمنا من قتل من لا يستحق القتل. # وتقاسمنا قماشه، ودفنا رأسه في الطريق. # وجئنا فسلمنا العشرة الرؤوس إلى بجكم «3» . # PageV02P082 ### || 36 القاضي أبو عمر وحسن تصرفه ووفور عقله # حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي «1» ، قال: # ركبت مع القاضي أبي عمر «2» ، في يوم موكب، في طياره «3» ، إلى دار ~~المقتدر. # فصعد هو وابنه «4» ، وجلست أنا والجماعة، في الطيار، ننتظر رجوعه. # فرأيت جماعة من الخدم، وقد وقفوا ms176 له، يشتمونه بأقبح لفظ، ويقولون له: # يا ظالم، يا مرتشي، وهو مطرق إلى الأرض، يمشي إلى أن دخل الدار. # فهالني إقدامهم عليه، وقبح الصورة، وقلت في نفسي: إن لم يكن هذا الفساد ~~برأي الخليفة، وإلا فيجب أن يشتكي إليه منهم الساعة، حتى يؤدبوا. # فلما عاد، خاطبه أولئك الخدم، بأقبح من الخطاب الأول، فعلمت أنه ما ~~شكاهم، ولم أقدم على مخاطبته في ذلك، لعظم هيبته، وافترقنا. # فلما كان عشي ذلك اليوم، عدت إليه، وهو متخل، وقد استدعى # PageV02P083 # بعض أصحابه، ودفع إليه تخوت ثياب فاخرة، وطيبا، وأشياء قيمتها خمسمائة ~~دينار، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبوه غدوة. # وقال له: إقره السلام، وقل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء، لم تجز ~~إجابتك إليه، لأنه لم يكن مذهبي، ولا مما يجوز عندي في الحكم، ولو عرضت على ~~السيف لم أجب إلى محال في حكم، فرددتك. # فكان منك بالأمس ما لم يرض الله به، ولا قدح في شيء من أمرنا، ولكني ~~استدللت به على عتبك، ووقع لي أن الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته، وقد أنفذت ~~إليك هذا- وضع الهدية بين يديه- وأحب أن تقبله، وتعذرني. # قال: فاغتظت منه، وقلت في نفسي: يؤدي جزية، ويعطي مصانعة عن عرضه، أي رأي ~~هذا؟ # فمضى الرسول، وافترقنا، ما بدأني بشيء، ولا بدأته به. # فلما كان في الموكب الثاني، صحبته، فصعد من الطيار، وجلست على رسمي، فإذا ~~بأولئك الخدم، وعدة أكثر منهم، وقد وقفوا له سماطين، يقولون: يا عفيف، يا ~~نظيف، يا مأمون، يا ثقة، يا جمال الإسلام، يا تأريخ القضاة، ويدعون له، ~~ويشكرونه، حتى صعد من الطيار. وخدموه أحسن خدمة، وهو ساكت على رسمه، إلى أن ~~دخل الدار، ثم عند خروجه إلى أول ما نزل طياره. # فتحيرت مما رأيتهم عليه من التضاد في الدفعتين، مع قرب العهد. # فلما استقررنا في الطيار، قال لنا أبو عمر: كأني بكم أنكرتم ما جرى منهم ~~في ذاك الموكب، قلتم: لو شكاهم إلى الخليفة، فأمر بتأديبهم، أليس كذا وقع ms177 ~~لكم؟ # PageV02P084 # قلنا: بلى. # قال: كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم؟ # قلنا: أحسن منظر. # قال: إنه لم يذهب [133 ط] علي ما فكرتم فيه، ولكني علمت أنه لو شكوتهم، ~~كنت بين أمور: # إن لم يقع إنكار، فتنخرق هيبتي، ويبطل جاهي، ويطمع كل أحد في، ويجر علي ~~ذلك أمورا كبارا. # أو وقع إنكار ضعيف، كان ذلك إغراء لهم. # أو وقع إنكار قوي، صاروا كلهم أعدائي، وتنقصوني، وعاداني بعداوتهم من ~~فوقهم من الخدم، ولهم بالسلطان خلوات ليست لي، فيولدون علي عنده من ~~الحكايات والسعايات، ما يفسد علي رأيه في مديدة. # وإني علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني وبينهم، وإنما هي طاعة منهم، ~~للخادم الذي هو رئيس عليهم، وأن ما حمله على ذلك، ما كان طمع في أخذه على ~~قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته. # وعلمت أني إذا عوضته واستصلحته، صلح لي جميع هؤلاء. # فعملت ما رأيت، فانصلح هؤلاء، وجميع الخدم، وأمنت عداوتهم، وعادوا يكذبون ~~أنفسهم فيما رموني به ذلك اليوم، ويخاطبوني بضده، بحضرة أكثر من كانوا ~~خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح بحضرته، وصاروا لي خدما، وزاد ذلك في محلي، أن ~~يرى أعدائي، خدم الخليفة، يخدمونني، ويدعون لي، ولم يكن الخليفة، لو بلغ ~~غاية الإنكار عليهم، يأمرهم بهذا من خدمتي. # وما علم الغرباء، لأي سبب رضوا عني، وفعلوا بي هذا، ويجوز # PageV02P085 # ان يظن أعدائي، أو يرجف أوليائي، أن الخليفة أمرهم بهذا، وأنكر عليهم ما ~~جرى أولا، فتلافوني بهذا الفعل، وقد بلغت أكثر ما أردت، ولم أبلغ الغاية، ~~ولا عاديت أحدا «1» . # واعلم يا أبا الحسن، إن أشياء قليلها كثير، [منها] إيثار العداوة،- وذكر ~~أشياء لم أحفظها- فأي الرأيين الآن عندك أصوب؟ # فقلت: رأي القاضي، جمل الله [الدنيا] ببقائه، وفعل به وصنع «2» . # PageV02P086 ### || 37 القاضي أبو عمر يستميل أحد خدم الخليفة # وقد سمعت هذا الخبر عن جماعة غير القاضي أبي الحسن «1» ، منهم أبو عمر ~~عبيد الله بن الحسين بن أحمد السمسار البغدادي الشاهد، وكان يخلف القضاة ~~على بعض الأعمال، ويتقلد سوق الرقيق بمدينة السلام، فذكروا: # أن أبا عمر القاضي، لما ms178 جرى عليه من الخادم ما جرى، أحضر حضريا «2» كان ~~يخدمه، وقال له: إمض فتوصل إلى فلان الخادم وابك بين يديه بكاء شديدا، وقل ~~له: إن أخي مات، وخلف مالا وأطفالا، ولم يوص. # وإن القاضي قد رد ذلك إلى بعض أسبابه، وفي هذا ذهاب جاهي، وإن كان قد فعل ~~الحق في ذلك، فالله، الله، في، تسأله أن يرد إلي المال والطفل، واحرص على ~~ذلك، واحمل له هذه الدنانير- وأعطاه مائة دينار-، وقل له: إذا فعلت ذلك، ~~أعطيتك مائة أخرى، ولا تقنع منه أو يركب إلي ويسألني. # قال: فمضى الحضري، وتوصل إلى ذلك. # فقال له الخادم: ويحك، هذا قد عاملته بكل قبيح، فكيف أسأله حاجة؟ # قال: فلم يزل الحضري يرفق به [134 ط] إلى أن أجاب. # PageV02P087 # فجاء فأخبر القاضي بأنه يركب إليه في يوم كذا، فانتظره. # وجاء الخادم إلى أبي عمر، فسأله ما اقترحه الحضري، وهو لا يشك في أنها ~~حاجة، فرفق به أبو عمر، وداراه، ومسحه «1» ، وأزال كل ما في نفسه، وقضى له ~~الحاجة، ووقع له بما أراد، وسلم إلى الحضري التوقيع، فشكر ودعا. # وشكر الخادم وانصرف. # واستدعى أبو عمر الحضري، فأخذ التوقيع، وخرقه، ودفع إليه المائة الدينار ~~الأخرى، وقال: تمضي بها إلى الخادم، فمضى بها إليه. # وصار الخادم صديقا له، وقد أخذ مرفق أبي عمر، وهو لا يدري بذلك، واستقامت ~~الحال «2» . # PageV02P088 ### || 38 جواب مفحم # وأخبرني غير واحد من أهل الحضرة: # إن هاشميا وقف لأبي عمر، في طريقه إلى الجامع، وكان سأله شيئا فلم يجبه ~~إليه، فقال له: يا بارقي «1» ، يعرض به، وما كان عليه من مبايعة ابن المعتز ~~«2» ، ليكتب أصحاب الأخبار «3» بذلك، فيجدد له سوءا عند الخليفة. # فوقف أبو عمر، وقال للرجل: يا هذا إن أمير المؤمنين أعزه الله قد عفا عن ~~هذا الذنب، فإن رأيت أن تعفو، فعلت. # قال: فخجل الهاشمي، وعجب الناس من ثبات أبي عمر، وحسن جوابه، وسرعة ~~فطنته، وتلطفه «4» . # PageV02P089 ### || 39 رقية تحبس السم # حضرت أبا الحسن أحمد بن يوسف الأزرق «1» ، وقد رقى ملسوعا من عقرب، فقال ~~الملسوع: ms179 قد زال الوجع، وقام وهو كالمعافى، بعد أن دخل ضاجا من الألم. # فسألته عن ذلك، فقال: هذه رقية لها خبر طريف، حدثني به، أبو أحمد الوزان ~~«2» ، فجربتها على خلق، فأنجعت «3» . # فسألته إخباري الخبر، قال: حدثني أبو أحمد هذا، قال: حدثني أحمد بن الطيب ~~السرخسي «4» ، قال: # كنت قائما بين يدي المعتضد «5» ، فدخل إليه بعض الخدم، فقال: # بالباب رجل يصيح: نصيحة، وقد قلنا له: ما هي؟ فقال: لا أقولها إلا ~~للخليفة. # فقال: لعل له ظلامة «6» ، أو حاجة، فراجعوه. # فكرر الكلام، إلى أن أمر بإدخاله، فقال له: ما نصيحتك؟ # فقال: معي رقية تحبس السم. # PageV02P090 # فقال المعتضد: هاتوا عقربا. # قال: فكأنها كانت معدة لهم، فجاءوا بعقرب في الوقت، فطرحت على خادم، ~~فلسعته، فصاح، فرقاه الرجل، فسكن ما كان يجده الخادم. # فقال لأحمد بن الطيب: اكتب هذه الرقية، وأمر له بثلاثمائة دينار. # فأملاها أحمد بن الطيب علينا، وهي: أن تأخذ حديدة، وتمرها من أعلى اللسعة ~~في البدن إلى موضع اللسعة، كأنك ترد شيئا، وتقول: # بسم الله لومر سر لومر بهل بتي تنبه تنبه كرورابا كرورابا ابهتح ابهتح ~~بهشترم بهوداله مهراشترم لوته قرقر سفاهه فلا تزال تكررها، وتمسح الحديدة، ~~إلى أن يذكر [135 ط] الملسوع، أن السم الذي في بدنه قد انحدر إلى الموضع ~~الملسوع «1» ، ويسكن عنه الضربان، إلا من حيث موضع اللسعة، فيفتح الموضع ~~حينئذ بإبرة، ويعصر، فإن السم يخرج، ويزول الألم في الحال. # قال أبو الحسن: وقد جربتها على العقرب مرارا كثيرة، فنفعت. # وسبيلها أن تجرب في غير ذلك من السموم، فإن الذي قال الرجل: إنها تحبس ~~السم، ولم يخص شيئا من السموم بعينه. # أبو أحمد الوزان هذا، قد رأيته، وكان شيخا صالحا، يتوكل للقاضي أبي جعفر ~~بن البهلول، وأبي طالب، في بيع الحطب، وحدثني عنهما بأشياء «2» . # PageV02P091 ### || 40 دواء للسعة الزنبور # حدثني علي بن محمد الأنصاري، قال: قال لي المرعوس «1» المتطبب، وكان يخدم ~~بجكم: # إن الزنبور، إذا لسع إنسانا، فإن اتفق في الحال أن يكون محاذيا له إنسان ~~محاذاة صحيحة، فيعمد الرجل المحاذي للملسوع، ms180 إلى كوز ماء، فيصبه على جبينه ~~وقحف رأسه، إن كانت اللسعة في بدنه، فإنه يسكن. # قال: فلسعني مرة زنبور، فقلت لرجل كان في محاذاتي، صب على جبيني ورأسي ~~ذلك الكوز الماء، ففعل، فسكن ما بي في الحال «2» . ### || 41 طبيب يلطخ مريضا بالعذرة # قال: وقد عالج صبيا في رأسه بثور، بأن نوره «3» ، ثم غسله، وطلاه بغائط ~~رطب، وأقامه في الشمس نحو ساعة زمانية، ثم غسله، وطلاه بدواء كان معه، ~~فزالت البثور «4» . # PageV02P092 ### || 42 ذرق العصفور يزيل الآكلة # وقال لي هذا الطبيب: إن خرا العصافير اليابس، إذا سحق، وجمع «1» بالزيت، ~~وحشي به الموضع الذي قد وقعت فيه الآكلة «2» من الأبدان، أصلحها، وأزال ~~الآكلة. # قال: وقال لي إن الشب إذا جعل في الزيت، وأمر على الموسى، لم يحلق شيئا ~~«3» . ### || 43 البول المغلي يحل القولنج # قال «4» : وقد رأيت هذا الطبيب، وقد شفى رجلا به قولنج «5» شديد، ببول ~~أغلاه، وطرح فيه جند بادستر «6» ، وعقاقير أخر، فانحل قولنجه، في الحال «7» ~~. # PageV02P093 ### || 44 عجوز تداوي من البثور # قال «1» : وكانت بي بثور في ساقي، قد تطاولت، فخرجت إلى قرية تقارب ~~مابروان، من أعمال الأنبار «2» ، فنزلت على مزارع فيها، يقال له إبراهيم بن ~~شمعون، فرأى تلك البثور. # فقال لي: عندنا عجوز ترقى من هذا، فأحضرنيها، فقالت: هذه علة يقال لها ~~الدروك، وأنا أرقيها «3» . # فرقتها طويلا، ثم ألقت على ساقي الآس، والدهن، وقالت: # لا تحله ثلاثة أيام. # فلما كان بعد ثلاثة أيام حللته، وقد عوفيت «4» . # PageV02P094 ### || 45 حظ القاضي أبي جعفر بن البهلول يدفع كارثة # حدثني أبو أحمد الوزان هذا، قال: # كنت أتوكل لأبي جعفر بن البهلول القاضي، في بيع حطبه الذي كان يتجر فيه ~~من الحرار «1» ، وأزنه على المشترين. # فبلغني يوما خبر طوف «2» عظيم، قد ورد له، فخرجت إلى دمما «3» أستقبله، ~~وكان هائلا مهولا. # وكانت القنطرة إذ ذاك مخوفة، على شفا الوقوع، والزواريق ممنوعة من ~~الاجتياز بها لئلا تنكسر. # فأقمت يومي أنتظر الطوف [136 ط] ، فإذا الجماعة قد جاءوني، وقالوا: إنه ~~طوف عظيم، وقد حصل في جرية الماء، وليس يطيقه من فيه، ms181 والساعة يجيء، فيقع ~~على القنطرة ويكسرها، فيكون فيه هلاك أبي جعفر مع السلطان. # قال: وهم في الحديث، حتى إذا رأيت الطوف، قد جاء كالجبل، # PageV02P095 # وهو متصوب إلى القنطرة، لم آشك في المكروه، ورأيت الرجال الذين فيه قد ~~ألقوا نفوسهم إلى الماء، وهم لا يشكون في تصوبه إلى القنطرة. # فأقبلت أدعو الله بصرفه عنها، إلى أن قرب، فدهشت، وجرى على لساني أن صحت: ~~يا بخت أحمد بن إسحاق رده، ثلاث دفعات. # قال: فرأيت، والله، الطوف، وقد تعوج، ووقف وقفة شديدة، فتقطع، فصار حطبا ~~متفرقا، يجيء على رأس الماء، لا يضر القنطرة، وجنح معظمه في الموضع الذي ~~تقطع فيه، ووقعت البشارات والضجيج. # فقلت: ما الخبر؟ # قالوا: إنه لما عدل عن القنطرة، جنح على جزيرة أخرى كانت مغطاة بالماء، ~~فلما جنح عليها، تقطع، فكانت هذه صورته. # قال: فجمعنا الحطب من أسفل القنطرة، وما ذهب منه عود، ولا لزمتنا عليه ~~مؤنة، وجعلناه في عدة أطواف، وجئنا به إلى بغداد. # وجئت إلى القاضي أبي جعفر، وعرفته ذلك، فحمد الله عز وجل، وتصدق بصدقة ~~جليلة «1» . # PageV02P096 ### || 46 الأمير معز الدولة يزاد فوق وظيفته رغيفين وباقة بصل # جرى حديث ارتفاع الناس، وتقلب الزمان بالإنسان، فحدثني أبو الحسن بن ~~الأزرق «1» ، قال: # حدثني الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي «2» ، قال: # حدثني الأمير معز الدولة «3» ، رحمه الله، قال: # كنت ببلد الديلم أحتطب لأهلي، فقالت لي أختي الكبيرة، ليس يكفينا هذا ~~الحطب، فجئنا بكارة «4» أخرى حطبا لهم «5» اليوم. # فقلت لها: لا أقدر، وقد جئتكم بما قدرت عليه. # فقالت: إن جئت بشيء، زدتك رغيفين مما أخبزه. # فجئتها على ظهري بكارة أخرى، وقد تلفت. # فقالت: إن جئتني بكارة ثالثة، أعطيتك مع الخبز الذي أزيدك إياه على ~~وظيفتك «6» باقة بصل. # PageV02P097 # فجئتها بالكارة الثالثة. # فلما خبزت، أعطتني وظيفتي، وزادتني رغيفين، وباقة بصل، بإزاء ما حملته. # ثم صنع الله لي وتغيرت حالي إلى ما تراه «1» . # قال: وقال لي أبو الفضل الوزير، لولا أن الأمير حدث بهذا، دفعات كثيرة، ~~في مجالس حافلة، فأخرجه مخرج الافتخار، لا السر، ms182 لما تحدثت به «2» . # PageV02P098 ### || 47 أبو علي حمولي القمي يرتفع من حارس في خان إلى أعلى المراتب # وسمعت أبا علي أحمد بن موسى حمولي القمي «1» ، يحدث، في حديث له طويل، ~~وهو إذ ذاك في السماء، رفعة، وجلالا، ويسارا، وإليه طراز الحرم «2» ~~الديباج، وابتياع الثياب، ومرتبته عند معز الدولة، أجل مرتبة: # انه كان أمينا على زورق «3» ، زمانا، من سورا إلى القصر «4» ، لشدة ~~الحاجة والفقر. # وحدثني أبو الفرج الأصبهاني «5» ، قال: # أعرف أبا علي حمولي، حارسا لمتاع التجار، في خان يطرح إليه متاع الموصل، ~~في موضع داره على دجلة [137 ط] «6» . # PageV02P099 ### || 48 إن الفتى من يقول ها أنذا # جرى في مجلس أبي رضي الله عنه «1» ، بحضرته، يوما، ذكر رجل كان صغيرا ~~فارتفع. # فقال بعض الحاضرين: من ذاك الوضيع؟ أمس كنا [نراه] بمرقعة يشحذ. # فقال أبي: وما يضعه أن الزمان عضه، ثم ساعده، كل كبير إنما كان صغيرا ~~أولا، والفقر ليس بعار، إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصة لا ~~يعيبهم ذلك. # وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع، أو فقيرا فاستغنى، أفضل ممن ولد في ~~الغنى، أو في الجلالة، لأن من ولد في ذلك، إنما عمل له غيره، فلا حمد له هو ~~خاصة فيه، ومن لم يكن له فكان، فإنما بجده أو كده، وصل إلى ذلك، فهو أفضل ~~من أن يصل إليه ميراثا، أو بجد غيره، وكد سواه «2» . # PageV02P100 ### || 49 حريق الجمل ببغداد # حدثني أبو الحسين بن عياش رحمه الله، قال: حدثني عمي، قال: # حدثني أبي، قال: # لما وقع ببغداد، حريق الجمل، اختل دكاني فيما اختل، وذهب مني مال عظيم. # فقلت له: كيف كان حريق الجمل؟ # قال: اجتاز في سوق الخرازين «1» ، جمل عليه قصب، وكان رجل يثقب لؤلؤا، ~~وبين يديه نار، فوقع طرف القصب على النار، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في ~~لحظة. # فكان الجمل، كلما أحس بوقع النار عدا، وتنافض الشرار منه، في جانبي ~~الطريق، فحرق كل ما يجتاز به. # فلم يزل على ذلك، إلى أن تلف الجمل، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع ms183 في ~~الدور والعقار. # فكان حد ما احترق، من أول سوق الخرازين إلى طاق الحراني «2» ، ووسط قطيعة ~~الربيع «3» . وتلف ناس كثير، وزالت نعم عظيمة، بذهاب # PageV02P101 # الأموال، ورؤوس أموال التجار، وانهدام العقارات. # قال: وكان هذا عقيب انتقال المعتصم «1» إلى سر من رأى «2» ، فهم الناس ~~بالانتقال عن بغداد، وإن تخرب، فبلغ ذلك المعتصم. # قال: فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد «3» ، في إطلاق مال للناس. # فقال المعتصم: خذ خمسة آلاف ألف درهم، وأخلف بها جميع ما ذهب من الناس. # فأخذ ابن أبي دؤاد المال، وجاء فجلس في مجلس الشرقية «4» ، واجتمع إليه ~~الناس، فعرفهم علم الخليفة بأمرهم، وما كان منه في خطابه، وما أنفذ معه من ~~المال، فقال: ولم يذكر مبلغه، إلا أنه قال: قد حملت من المال ما أخلف به، ~~جميع ما ذهب من جميعهم. # قال: وكنت حاضرا المجلس، أسمع الكلام. # PageV02P102 # فقام إليه شيخ كان حاضرا، فقال: أيها القاضي، إن هذا مال عظيم، فكم أنفذ ~~إلينا أمير المؤمنين معك؟ فقال: خمسة آلاف ألف درهم. # فالتفت الشيخ إلى نفسين في المجلس، فقال: قوما، فقاما. # فقال: أيها القاضي هذان، قد ذهب منهما، في أثمان عقاريهما، ورؤوس ~~أموالهما، خمسة آلاف ألف درهم، أليس هكذا يا معشر المسلمين؟، واستشهد ~~الحاضرين، فقالوا: نعم. # فقال: [138 ط] أيها القاضي، إذا كان هذان، وهما نفسان، من جميع من قد ~~حضر، قد ذهب منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين، فالباقون من أين يأخذون؟ # قال: فتحير ابن أبي دؤاد، وقال: ما ترون في هذا؟ # فقالوا: الرأي لك. # قال: فقال أولئك النفسان: أما نحن، فما نريد شيئا، ولا نسأل الخلف، إلا ~~من الله عز وجل، ولا نطلبه إلا من فضله، ولكنا نشير عليك أيها القاضي، ~~فقال: افعلا. # قالا: تجعل هذا المال، مقسوما بين أهل البضائع [اليسيرة] ، وصغار الناس، ~~فإن رغب أحد من الأكابر، في أن يشارك الأصاغر فيه، فإن ذاك إليه وإليك. # قال: فقام خلق كثير، فقالوا: أما نحن، فما نريد شيئا، اجعله للأصاغر، ~~وانصرفوا. # ففض المال، على أرباب البضائع اليسيرة، ثم ms184 لم يكف، واحتيج لهذا إلى أضعاف ~~ما حمل من المال. # فلما نفد المال، خرج ابن أبي دؤاد ليلا، لكثرة الازدحام عليه، والطلب ~~منه، ونفاد ما عنده «1» . # PageV02P103 ### || 50 إبراهيم بن الحسن البزاز # يخسر في حريق واحد ما يزيد على أربعمائة ألف درهم سمعت إبراهيم بن الحسن ~~البزاز، يقول: # [خلف الحريق سريع] «1» ، كان حريق بالكرخ «2» في سنة نيف وأربعين ~~وثلاثمائة «3» فتلف لي متاع في دكاني وداري بمائتي ألف درهم، سوى أثمان ~~العقار. # فقلت: كم كانت أثمان العقار؟ # فقال: أكثر من هذا. # قال: فنمى «4» الله، عز وجل، ما بقي، وأعدت منه عقاري، ورأس مالي في ~~دكاني، فما أفرق اليوم بين أمري، وبين ما كان قبل الحريق. # قلت له: ففي دكانك اليوم متاع بمائتي ألف درهم؟ # فضحك، وقال: هذا لا يسأل عنه التجار، ولا يصدقون أيضا إذا سئلوا، ولكن ما ~~أفرق بين حالي الساعة، وذلك الوقت، وأنا من الله عز وجل في خير. # فقال بعض أصدقائه، ممن يعرف أمره: في دكانه متاع بأكثر من هذا. # PageV02P104 ### || 51 أبو القاسم الجهني # يفخر بأنه قد أجهد نفسه فيما لا يليق بالرجل الحر حدثني أبو القاسم ~~الجهني «1» ، قال: # جرى بيني وبين محمد [108 ب] بن خلف، القاضي وكيع «2» ، ملاحاة في شيء، ~~بحضرة أبي الحسن بن الفرات، فولدت بيننا عداوة، فبحثت عن عيوبه. # فبلغني أن له أبا ساقطا في أصحاب الصناديق بباب الطاق، فركبت حتى جئت ~~إليه، فرأيته يعمل الصناديق بيده، وفاتشته، فإذا هو أسقط رجل، وأجهله. # وانصرفت فكاتبت جماعة من وجوه الشهود بالجانبين «3» ، وأشرافهم من ~~البطنين «4» ، وأكابر التجار والكتاب والتناء، وواعدتهم بحضور مسجد هناك ~~كبير، فحضر خلق كثير. # وركبت، فحين حصلت هناك، قلت: علي بخلف الصناديقي، فجاءوا بالشيخ كما أقيم ~~من العمل، وآلته معه، ويده ملوثة، كما كنت وصيتهم. # PageV02P105 # فقلت لهم: أعزكم الله، إني كنت سألتكم الحضور لأخاطب هذا الشيخ بحضرتكم ~~بشيء آخذ خطوطكم به، فاحفظوا ما يجري. # ثم قلت: يا شيخ، من أنت؟ # قال: أنا خلف بن فلان. # قلت: وكيع القاضي، من هو منك [139 ط] ؟ # قال: ms185 ابني. # فقلت لمن حضر من شيوخ المحلة: هو كما قال؟ # فقالوا: نعم. # قلت: أنت بهذه الصورة مع اتساع حال ابنك؟ # قال: لأنه عاق بي، فعل الله به وصنع، ودعا عليه. # فقلت له: يا شيخ، تحفظ القرآن؟ # قال: أحفظ منه ما أصلي به. # فقلت: تحسن شيئا من القراءات؟ # قال: لا. # قلت: وكتب الحديث قط؟ # قال: لا. # قلت: رويت من الأخبار، والآثار، والآداب، والأشعار شيئا؟ # قال: لا. # فلم أزل أعدد عليه العلوم وأصنافها، وهو يقول لا، لا. # قلت: فتحسن شيئا من النحو أو العروض أو المنطق؟ # قال: لا. # فقلت: أعزكم الله، إن وكيعا رجل كذاب، متعاط للعلم والأدب، ولم آمنه في ~~الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكذب في العلوم، # PageV02P106 # وأن يجعل ذلك طريقا متى مات هذا الشيخ، فيقول: حدثني أبي، وأخبرني أبي، ~~ويضع على لسانه كل كذب. # فأردت أن تحفظوا على هذا الشيخ ما ذكره من انه ليس من هذا [الأمر] «1» ، ~~ولا إليه، حتى لا يمكنه ادعاء ذلك عليه بعد موته، وأن تعرفوا أيضا فسقه ~~بعقوقه والده، وسقوط مروءته، بتركه أباه على هذه الحال. # قال: فما فارقتهم حتى أخذت خطوطهم بما جرى، على أشنع شرح قدرت عليه، ~~وأجابوا هم إليه. # وصرت بالمحضر معي إلى مجلس الوزير، وتركته في خفي، وأجريت الحديث مع ~~وكيع، إلى [109 ب] أن شاغبته في الكلام، وقلت: لا تسكت يا ابن الصناديقي ~~الجاهل، فامتعض. # وأخرجت المحضر، وعرضته على الوزير، وسألته أن ينفذ ويستدعي أباه ويشاهده. # فضحك الوزير، وسقط وكيع من عينه. # وقامت قيامته من يدي. # PageV02P107 ### || 52 أبو القاسم الجهني يتولى الحسبة بالبصرة # وولي أبو القاسم الجهني، عندنا بالبصرة، الحسبة «1» ، من قبل أبي جعفر ~~الصيمري «2» ، فسمعت إذ ذاك، شيوخنا، يقولون: # إنهم ما شاهدوا ولا سمعوا، من بلغ مبلغه، في ضبط العامة، ورفع الغشوش، ~~ومن عرف من أسرار الصنائع، والأمتعة، ما عرفه، حتى كأنه لا يحسن شيئا ~~غيرهما، مثله. # وطالب الناس بمطالبات صعبة، فانتشر له حديث عظيم جميل، في البلد بذلك، ~~وهيبة في نفوس الأكابر، فضلا عن ms186 الأصاغر. # فاجتاز يوما وبين يديه رجالته، بمؤذن يؤذن لبعض الصلوات، فقالوا: الجهني، ~~والجهني. # فتطلع المؤذن، فرآه، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علي طريقا، فقال ~~للرجالة: خذوه إلى الدار. # فضج من ذلك، وقام معه الجيران، وجاءوا، ونزل الجهني في داره: # فأدخلهم. # فقالوا له: أمرت بإحضار هذا الرجل المؤذن، فأي طريق لك عليه؟ # فقال: تحتاج أن تحلف لي أن لا تدخل المسجد بالنعل الذي تدخل به # PageV02P108 # الكنيف، فإن هذا يفسد صلاة الناس، ولا يحل، ولا تؤذن وأنت جنب. # فسألوه أن يعفيه، [فأبى] ، وقال: إما أن يحلف أو لا يدخل المسجد، فما زال ~~به حتى أحلفه على ذلك. # فلما أراد الانصراف، قال له: يا شيخ، الآن علمت أن لي عليك طريقا، وإن ~~بيننا معاملة، أم لا؟ # فقال: أيدك الله، أخطأت، ولم أعلم. # فقال: لا تعاود الكلام فيما لا تحتاج إليه، فإن الفضول ضار «1» . # PageV02P109 ### || 53 الكوكبي محتسب الأهواز والقاضي ابن السراج # حدثني أبو العباس نصر بن محمد الشاهد [رحمه الله] «1» خليفة أبي [رضي ~~الله عنه] «2» على فرض الأهواز، قال: # كان الكوكبي محتسبا عندنا من قبل أخي أم موسى القهرمانة، وكان خشنا، ~~منبسط اليد، جلدا. # فوقعت بينه وبين أبي الحسن «3» بن علي السراج القاضي نفرة، فأمسك عنه ~~أياما، ثم صار إلى بابه على غفلة، وقد كان أخل بالجلوس في الجامع مجلسين. # فوقف في رجالته على الباب، وقال: قولوا للقاضي، ليس لك أن تواصل الجلوس ~~في منزلك، أبرز إلى الجامع ينلك «4» القوي والضعيف، كما أمرت في عهدك. # فدخل إليه الغلمان، فأخبروه، فقامت قيامته، فأخرج من بحضرته من الشهود ~~يدارونه. # فقال: لا أدخل، ولا أنصرف، أو يركب إلى الجامع. # فما زالوا به حتى أصلحوا بينهما. # PageV02P110 ### || 54 أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # حدثني القاضي أبو عمر عبيد الله [110 ب] بن الحسين المعروف بابن السمسار، ~~قال: حدثني أبو علي بن إدريس الجمال الشاهد، قال: حدثني أبو عبد الله بن ~~أبي عوف «1» ، قال: # كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان» # ، أني جزت يوما في الجامع بالمدينة «3» ، فوجدته ms187 وهو ملازم في يد غريم ~~له، في عقب النكبة «4» ، بثلاثمائة دينار، وكنت أعرف محله من غير مودة ~~بيننا. # فقلت له: لأي شيء أنت هاهنا أعزك الله جالس وما مضيت إلى الصلاة؟ # فقال: ملازم في يد هذا بثلاثمائة دينار علي. # فسألت الغريم إنظاره، فقال: لا أفعل. # قلت: فالمال لك علي، تصير إلي «5» بعد أسبوع حتى أعطيك إياه. # فقال: تعطيني خطك بذلك. # فاستدعيت دواة ورقعة، وكتبت له ضمانا بالمال إلى شهر، فرضي وانصرف. # وقام عبيد الله فأخذ يشكرني. # PageV02P111 # فقلت: تمم أيدك الله سروري، بأن تصير معي إلى منزلي. # فحملته وأركبته حماري، ومشيت خلفه، إلى أن دخل داري، فأكلنا ما كان أصلح ~~لي في يوم الجمعة، كما يفعل التجار «1» ، ونام. # فلما انتبه، أحضرته كيسا، وقلت: لعلك على إضاقة، فأسألك بالله، إلا أخذت ~~منه ما شئت. # قال: فأخذ منه دنانير، وقام فخرج. # فأقبلت امرأتي تلومني وتوبخني، وقالت: ضمنت عنه ما لا يفي به حالك، ولم ~~تقنع إلا بأن أعطيته شيئا آخر. # فقلت: جميلا أسديته، [ويدا جليلة] «2» ، وهو رجل حر كريم، كبير جليل، من ~~بيت وأصل، فإن نفعني الله به فذاك، وإن تكن الأخرى فلن يضيع عند الله. # [ومضى على الحديث مدة، وحل الدين، وجاء الغريم يطالبني، فأشرفت على بيع ~~عقاري، ودفع ثمنه إليه، ولم أستحسن مطالبة عبيد الله] «3» ودفعت الرجل بوعد ~~وعدته إلى أيام. # فلما كان بعد يومين من هذا الحديث، جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني، ~~فجئته. # فقال: قد وردت علي غليلة من ضيعة لي، أفلتت من البيع في النكبة، ومقدار ~~ثمنها [مقدار] «4» ما ضمنت عني، فتأخذها، وتبيعها [141 ط] # PageV02P112 # وتصحح ذلك للغريم. فقلت: أفعل ذلك «1» . # فحمل الغلة إلي، فبعتها، وحملت الثمن بأسره إليه، وقلت له: أنت مضيق، ~~وأنا أدفع الغريم، وأعطيه البعض من عندي [فاتسع أنت بهذا. # فجهد أن آخذ منه شيئا، فحلفت أن لا أفعل، ووفرت «2» الثمن عليه. # وجاء الغريم، فألح علي، فأعطيته من عندي البعض] «3» . ودفعت به مديدة. # فلم يمض على ذلك إلا شيء يسير، حتى ولي عبيد الله الوزارة «4» ، فأحضرني ms188 ~~من يومه، وجعلني في السماء، وقام لي في مجلسه، وكسبت به الأموال «5» ، وقدر ~~هذه النعمة التي أنا فيها. # PageV02P113 ### || 55 حكاية تدل على مقدار عناية الوزير عبيد الله ابن سليمان بابن أبي عوف # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول «1» ، قال: # حدثني أبي، قال: [111 ب] . # خرجت من حضرة عبيد الله بن سليمان «2» في وزارته، أريد الدهليز، فخرج ابن ~~أبي عوف «3» فصاح البوابون، والحجاب، والخلق، هاتم دابة أبي عبد الله. # فحين قدمت دابته ليركب، خرج الوزير ليركب، فرآه، فتنحى أبو عبد الله بن ~~أبي عوف، وأمر بإبعاد دابته لتقدم دابة الوزير، فحلف الوزير إنه لا يركب، ~~ولا تقدم دابته، حتى يركب ابن أبي عوف. # قال: فرأيته قائما، والناس قيام بقيامه، حتى قدمت دابة ابن أبي عوف ~~فركبها، ثم قدمت دابة الوزير، فركبها، وسارا جميعا. # PageV02P114 ### || 56 ابن أبي عوف يحتال في إيصال كتبه إلى الوزير # وحدثني أبو الحسن «1» ، قال: حدثني أبي «2» ، قال: # لما خرج عبيد الله «3» إلى الجبل «4» ، واستخلف القاسم، لم يكن يعامل ابن ~~أبي عوف «5» ، مثلما كان أبوه يعامله. # فشق ذلك عليه، وخاف أن ينفذ كتبه بشكايته إلى أبيه، فتقع في يد القاسم. # فجاءني دفعات، يسلم علي، ولا يسألني حاجة، حتى جعلني صديقا، ثم سألني أن ~~أجعل كتبه إلى الوزير في طي كتب حرم صاحبي «6» إليه، وكان في جملة القواد ~~المجردين مع عبيد الله، فكنت أفعل ذلك دائما، فيوصل صاحبي الكتب إلى الوزير ~~سرا، وتنفذ الأجوبة، فترد كتب عبيد الله على القاسم، في الخاص، بالصواعق في ~~أمر ابن أبي عوف. # ويوكل القاسم بالطرق، وتؤخذ له كتب أكثر الناس، فيقف عليها، ولا يجد لابن ~~أبي عوف كتابا، فيتميز غيظا، ولا يدري من أين يؤتى، إلى أن قدم عبيد الله. # PageV02P115 ### || 57 تصرف من ابن أبي عوف يدل على نفس صغيرة # قال «1» : # وسألني في تلك الأيام، رجل من أهل الثغر «2» ، أن أشفع له إلى ابن أبي ~~عوف، في معاونته على أسرى له في بلاد الروم «3» ، فامتنعت من ذلك، لعلمي ~~أنه تاجر ms189 على كل حال. # فألح علي، فكتبت له رقعة إليه، فجاءني الرجل فشكرني، وذكر أنه أعطاه ~~أربعين دينارا. # ومضت السنون، فسألني ابن أبي عوف أن أؤجره رقة «4» من ضياعي بالأنبار «5» ~~، يعمل فيها البطيخ الذي نسب فيما بعد إلى العبدلاوي «6» ، وإنما هو مضاف ~~«7» إلى أبي عبد الله بن أبي عوف، فآجرته إياها بمال جليل. # وعمل البطيخ فأنجب، فلما طالبته بالأجرة، احتسب علي الأربعين دينارا التي ~~بر بها الثغري، بشفاعتي. # PageV02P116 ### || 58 سبب سقوط محل ابن أبي عوف # وكان سبب سقوط محله، على ما أخبرني به أبو الحسين بن عياش القاضي رحمه ~~الله، قصة ابنته، فإنه ذكر أن الخبر استفاض ببغداد: # أنه دخل داره، فوجد مع ابنته [142 ط] رجلا ليس لها بمحرم، فقبض عليه، ~~وعمل على ضربه بالسياط، فأشير عليه أن لا يفعل، وقيل له إن في ذلك هتكا ~~لابنتك ولك، فأطلق الرجل وقيد المرأة واحفظها، فلم يقبل، واستدعى صاحب ~~الشرطة [112 ب] فضرب الرجل بالسياط على باب داره، وكان الرجل ظريفا أديبا، ~~فأنشأ يقول متمثلا وهو يضرب: # لها مثل ذنبي اليوم إن كنت مذنبا ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب # يا قوم، أيحد أحد الزانيين، دون الآخر، أخرجوا صاحبتي، وإلا فأفرجوا عني. # قال: فافتضح بذلك، وانهتك، وتناوله الشعراء والخطباء والناس [بألسنتهم] ~~حتى سقط محله. # وكان من ذلك، ما قاله ابن بسام «1» ، في قصيدة أولها: # يا قومنا إن القيامة دانيه ... زان يحد ولا تحد الزانيه # [ويكمل «2» البيت الأول، بيت تمام له، وهو: # فيا بعل ليلى، ليس يجمع سلمها ... وحربي وفيما بيننا شبت «3» الحرب] «4» # PageV02P117 ### || 59 الموفق طلحة يراسل أخاه المعتمد في خلع المفوض وتقليد العهد لغيره # حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر السراج الواسطي، المعروف بالحارثي، قال: ~~حدثنا أبو بكر [قال: حدثني] «1» يوسف بن يعقوب المقرئ الواسطي «2» ، قال: # لما دخل الناصر لدين الله الموفق «3» ، مدينة واسط بعد صاحب الزنج «4» ، ~~وأقام بها، [و] المعتمد «5» بفم الصلح «6» ، ووقعت المراسلة بينهما في خلع # PageV02P118 # المفوض «1» وتقليد العهد من يختاره الموفق، استدعاني الموفق، وجماعة من ~~شهود ms190 واسط، وخاطبنا في النفوذ إلى المعتمد، لنشهد عليه بذلك. # فقالت الجماعة: السمع والطاعة، ونهضت، غيرى، فإني سكت، وجلست. # فقال الموفق: شيء تقوله؟ # فقلت: إن أذن الأمير الناصر أعزه الله، قلت. # قال: قل. # قلت: أيها الأمير إنك تنفذنا إلى إمام، ولسنا نأمن أن يشهدنا على غير ما ~~تريد أن يشهدنا عليه، وإذا وقفنا بحضرته، فأشهدنا لم يجز أن نشهد على غير ~~ما يشهدنا عليه، فما تأمر؟ # قال: فكأني أيقظته من رقدة، وأعلمته أنه إن أشهدنا على تثبيت أمر المفوض، ~~وخلعه هو، وتفسيقه، وقع الأمر موقعه. # فقال: أحسن الله جزاءك، وأضرب عن إنفاذنا. # قال: ثم كان يختصني بعد ذلك، ويستدعيني في أوقات، وكان ذلك أول ما بان من ~~محلي عند أهل بلدي، وتقدمت به عليهم. # PageV02P119 ### || 60 متى حدثت ابن مقلة نفسه بالوزارة # حدثني أبو الحسن بن الأزرق التنوخي «1» ، قال: حدثني بعض أصحابنا، قال: ~~حدثني أبو علي بن مقلة «2» ، قال: # كنت خصيصا بأبي الحسن بن الفرات «3» قبل وزارته الأولى، وكاتبا له. # فلما تقلد الوزارة، استدعاني بعد جلوسه، وقال: أحضر ابن الأخرس «4» ~~التاجر، وجماعة من التجار غيره، وبايعهم ثلاثين ألف كر من غلات السواد، ~~واستقص السعر معهم، واستثن في كل كر بدينارين، وطالبهم بحصول الاستثناء ~~[113 ب] اليوم، وحصله، وعرفني. # قال: فاحضرتهم، وقررت السعر معهم، وطالبتهم بالاستثناء عاجلا، فقالوا: ~~نصححه في مدة ثلاثة أيام، فعرفته، فأجاب. # فقال: إذا حصل الاستثناء فاكتب [143 ط] لهم إلى العمال، بتسليم الغلات، ~~وقبض الأثمان. # [فلما كان في اليوم الثالث، حملوا مال الاستثناء، وكتبت لهم بالتسليم، ~~وقطعني شغل عرض عن مطالعة الوزير بذلك] «5» . # فلما كان بعد يومين، قلت له: ذلك المال الذي استثني به من غلات # PageV02P120 # السواد، حاصل منذ أيام عندي، فما الذي يأمر الوزير فيه؟ # فقال: يا سبحان الله، كأنك قدرت أني استثنيت به لنفسي؟ # لقد قبحت في الظن، وإنما أردت بذلك الإصلاح لحالك، وأن أعتقد لك نعمة ~~يبين بها أثر صحبتي عليك، فأصلح به أمرك. # قال: فقبلت يده، وشكرته، وعدت إلى منزلي، وما أتمالك فرحا. # فحين علمت ms191 حصول المال لي، حدثتني نفسي بالوزارة، ودعتني نفسي إلى تأهيل ~~«1» نفسي لها، والسعي في طلبها. # فما زلت من ذلك الوقت أشرع فيها، حتى تمت لي «2» . # PageV02P121 ### || 61 شيخ من الديناريين يثني ابن مقلة عن طلب الوزارة # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # كنت بحضرة أبي علي بن مقلة، وقد أرجف له بالوزارة الأولى. # فدخل عليه شيخ من الديناريين «1» ، كان يكرمه أبو علي «2» ، فأعظمه، ~~وجلسا يتشاوران طويلا. # ثم زاد الكلام بينهما حتى سمعت بعض كلام الشيخ، وهو يعاتبه على طلب ~~الوزارة، ويثنيه عنها، ويشير عليه أن لا يدخل فيها، وأبو علي ساكت. # فلما انقضى كلامه، قال له أبو علي: بلغني عن معاوية، وهو ممن لا يدفع عن ~~علم بالدنيا، أنه قال ### || : من طلب عظيما خاطر بعظيم # «3» . # قال: فقال له الشيخ: أستودع الله الوزير، وقام. # فما كان إلا بعد أسبوع أو أقل، حتى خلع على أبي علي، وقلد الوزارة. # PageV02P122 ### || 62 من طلب عظيما خاطر بعظيم # حدثني أبو الفضل «1» محمد بن عبد الله [بن المرزبان] «2» ، قال: كنت ~~بسيراف «3» ، وقت [أن] اجتاز بها أبو عبد الله البريدي «4» ، يقصد علي بن ~~بويه «5» ، فأعظمه الليث «6» ، وحمله، ولقيه وجوه سيراف في الجيش والناس ~~كلهم، وكنت فيهم. # فسمعته، وهو على دابته، وهو يقول: من طلب عظيما خاطر بعظيم. # وما أحسن ما أنشدنا المتنبي «7» لنفسه، من قصيدة مشهورة له: # غريب من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # PageV02P123 ### || 63 وجزاء سيئة سيئة مثلها # حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش، قال: # لما ولي أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «1» الوزارة، صارفا لأبي علي ~~بن مقلة «2» ، وتضمنه هو وأبو العباس الخصيبي «3» بالمال الذي [114 ب] ~~ضمناه به، وتسلماه، كنت أختلف إلى أبي القاسم، على رسمي في ملازمته، فأرى ~~أبا العباس بحضرته يخاطبه في معنى أبي علي، والتشديد في مطالبته، وربما ~~أحضراه ليوقعا به، فأقوم لئلا يراني قد رأيت ذلك منه. # فكنت أجلس بحيث أرى واسمع ولا يراني، فيطالب، ويضرب. # فإذا أوجعه المكروه، قال: لي في موضع ms192 كذا، كذا وكذا. # فيرفع المكروه عنه، ويمضون إلى الموضع، فلا يجدون لما ذكره حقيقة. # فإذا سألوه [114 ط] قال: ما لي حال، ولا مال، وإنما بردت عن نفسي في ~~الحال، ودفعت الموت، ولا يمكن أبو القاسم سليمان، من رد المكروه عليه ~~أياما. # فطالت قصته، ولم يستخرج منه شيء، فجرت بينه وبين أبي العباس مخاصمة بهذا ~~السبب، وقال: لا بد من بسط العذاب عليه، حتى يروج [بعض] «4» المال من جهته، ~~وكان سليمان يستحي. # PageV02P124 # فتقرر الرأي على أن نقل إلى دار ابن الحرث «1» ، وكان الخصيبي يجيء ~~إليها، فيعاقبه، ويستخرج المال منه. # قال: فاتفق أنني دخلت يوما مسلما على ابن الحرث، وعزمنا على الجلوس ~~للأنس، فدخل الخصيبي، فدخلت بيتا من الدار لئلا يراني. # وخليا، وأخرجا ابن مقلة، فأخذ الخصيبي يوبخه، ويستخف به، على ما ارتكبه ~~منه، ومن سليمان، ويشتفي منه بالخطاب بكل لون قبيح، وقد أقامه بين غلامين، ~~وأقام خلفه آخر. # إلى أن قال له في جملة كلامه: أقرأني يعقوب البريدي «2» [بالبصرة] «3» ~~جوابك إليه، لما عدت من البحر، في ظهر كتابه إليك، يقول إنه قد امتثل أمرك ~~في نفيي وحملي إلى البحر «4» ، فوقعت بخط يدك قطعها الله: يا عاجز، ألا ~~سملته «5» ، ثم حملته، يا عاض كذا وكذا «6» ، أردت أن ينطبق لفظك بانطباق ~~ناظري؟ يا غلام اصفع. # قال: فصفع، وأخذ خطه بالمال «7» . # PageV02P125 ### || 64 مشعوذ يدعي الولاية # ومن الأخبار المفردات، ما أخبرني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق، ~~قال: # قدم علينا بالأنبار رجل من أهل القصر «1» ، يقال له عمر، يعظ العامة، ~~ويري «2» نسكا، ويقول: من أطاع الله، أطاعه كل شيء، وإنه يغمس يده في الزيت ~~الحار المغلي الشديد الحرارة، فلا يضره. # فافتتن أهل البلد به، واجتمعوا إلى الجامع، ليشاهدوا ذلك، وسألوني ~~الحضور، فحضرت، وإخوتي، وسلطان البلد، وقد نصب ديكدان «3» في صحن الجامع ~~على دكة، ووضع فوقه طنجير «4» ، والرجل قائم يصلي. # فلما جئنا طلبوا زيتا، فأنفذت على يد غلامي، فجاءوا بخماسية «5» ، فصبت ~~في الطنجير، وأوقد عليها وقود جيد شديد [115 ب] . # فلما أغلي الزيت ms193 ونش «6» ، أقبل على أخي، وقال: يا أبا أحمد، الله الله، ~~لا يكون ما أحضرته غير الزيت، فأهلك. # فحين قال هذا، انكشف لي أنها حيلة، فقلت له: ما هو إلا الزيت. # PageV02P126 # فنزع ثيابه، وعمد إلى «1» بقية كانت في الخماسية من الزيت [لم تغل] «2» ، ~~مقدارها نصف رطل، فصبها في الطنجير، ودعا شاربا «3» ، فغسل يده غسلا شديدا، ~~وذراعيه، وصدره، ثم أخذ كفا من الماء البارد، فرشه على الزيت، فزاد نشيشه. # ثم صعد على الدكة، وفي يده صنجات، فرمى بها في الطنجير، ثم أدخل يده ~~بسرعة شديدة، وصاح بأعلى صوته: لا إله إلا الله، وغرف بكفه الصنجات، ~~فأخرجها، ورمى بها بحدة، وهو يصيح: يا الله [145 ط] ، يا الله، بأعلى صوته. # ثم تقدم إلى الزيت، فاغترف بكفه منه، فغسل به صدره، وذراعيه، وهو يصيح ~~صياحا شديدا، يوهم به من حضر أنه يريد الدعاء، وكان عندي، أنه تألم وتوجع ~~وتأوه. # ثم نزل، فأقبل يدعو، ويقول للعامة: أنا أرجو أن أجيئكم بعد أيام، بسباع ~~الأجمة، أقودها بآذانها. # فحملناه معنا إلى منزلنا، واغتسل «4» بماء حار، وتدلك، وبخرناه، وأقام ~~عندنا يومه. # فسألناه عن سبب ذلك. # فقال: من أطاع الله، أطاعه كل شيء، فأمسكنا عنه. # فلما كان بعد أيام، جاء جماعة من أهل الأنبار، فقالوا: نحن نغلي الزيت، ~~ونعمل كما عمل، ونغلي القار، ونأخذه من القدر بأيدينا حارا. # PageV02P127 # قال فجمعناهم بحضرته، فعملوا ذلك، فأبلس، وقال: هذا، إنما لحقتكم بركتي. # وهرب من البلد من غد. # فسألنا الذين عملوا ذلك، فقالوا جربنا على أنفسنا، وتصبرنا كما يصبر ~~الواحد منا على الماء الحار الشديد الحرارة في الحمام، ولا يصبر عليه ~~آخرون. # ويشبه هذا، ما أخبرني به أبو أحمد بن أبي سلمة العسكري، أحد الشهود بها ~~«1» ، انه شاهد رجلا، يدخل يده في قدر السكر الحار، ويخرج منه ما يطرحه في ~~الظروف. # وأخبرني أبو الطيب، انه رأى الشبلي الصوفي، يدخل يده في طنجير حار، فيه ~~فالوذج «2» حار مغلي، فيأخذ منه اللقم، فيأكلها. # قال: وهذا أشد ما شاهدته، وفعل ذلك مرارا. # فقال له في بعضها، ms194 صوفي كان حاضرا: ويحك اعمل أن في يدك كشتبان «3» ، ~~حلقك مصهرج «4» ؟ # PageV02P128 ### || 65 الشبلي يتواجد # قال: وكان الشبلي «1» ينتف شعر رأسه، وكانت لهذا الشبلي، عجائب وحكايات، ~~منها، ما سمعته من الوزير أبي محمد المهلبي، قال: # اجتزت ببغداد، في بعض طرقها، فرأيت الناس مجتمعين على رجل طريح. # فقلت: ما هذا؟ # فقالوا: الشبلي [116 ب] جاز الساعة على هذا الهراس «2» ، ومناديه يقول: # إلى كم تغلط؟ فتواجد «3» ، وصاح حتى أغمي عليه. # قال: فمضيت، وعجبت من جهله «4» . # فرأيت بعض الصوفية «5» ، فأخبرته الخبر، وقلت له: ويحك، أيش في هذا، حتى ~~يصيح الشبلي منه، ويتواجد؟ # فقال: يعتقد أن الله تعالى كلمه على لسان المنادي. # فقلت: هذا أظرف، لو كان بحذاء المنادي مناد لهراس آخر، يصيح مثل صياحه، ~~إلى كم تغلط، أيهما كان كلام الله؟ # فقال: الجواب عليه في هذا. # PageV02P129 ### || 66 إذا عتق الشمع عشرات السنين ثم استعمل أبطأت النار فيه # ومن الأخبار المفردات أيضا، ما أخبرني به أبو الحسين بن عياش، قال: # دعانا أبو الطيب بن أبي جعفر الطائي مع أبي القاسم سليمان بن الحسن «1» ، ~~وابنه أبي محمد، دعوة أنفق فيها مائتي دينار، وأظهر من الآلات، والنعم ~~والمروءة، كل شيء حسن طريف غريب فاخر. # وكان [146 ط] أحسن ما شاهدنا له شمعتين موكبيتين «2» فيهما ثلاثون أو ~~أربعون منا، في تورين «3» كبيرين، نصبهما في وسط المجلس، وفرق الشموع ~~الصغار حواليهما. # فكان الفراشون إذا أرادوا قط الشمعتين، تطاولوا شديدا، حتى يقطوهما «4» . # وكان لون الشمعتين غير مليح «5» يضرب إلى البياض، مما قد عشب عليهما من ~~التراب. # PageV02P130 # وجلسنا إلى قريب من الغداة «1» ، وهما تتقدان في ليلة شتوية، ونمنا، ~~وانتبهنا، وهما تتقدان، [فنظرت] «2» فإذا الذي اتقد «3» من كل واحدة منهما، ~~أصابع يسيرة، وهما بحالهما. # قال: فما تمالكت، أن سألته، فيما بيني وبينه، عن سبب ذلك. # فقال: هما عندي، وعند أبي [من قبلي] «4» ، منذ خمسين سنة، ما ~~استعملناهما. # وعندنا شمع كثير هذا سبيله، تعمدنا تعتيقه، لأنه بلغ أبي أن الشمع إذا ~~عتق عشرات سنين، ثم استعمل، كان ما يحترق منه هذا القدر، ونحوه. ms195 # فعتق شمعا كثيرا، ونسيه، ومات، وتشاغلت بعده عن استعماله [سنين] «5» ، ~~فلما احتفلت لهذه الدعوة الآن، ذكرت الشمع العتيق الذي في خزائننا، فأخرجت ~~هاتين منه، وكان من أمرهما ما رأيت، وصحت التجربة لنا فيهما. # PageV02P131 ### || 67 حجام يحجم بالنسيئة إلى الرجعة # أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني «1» ، قال: أخبرنا أبو بكر يموت بن المزرع ~~«2» ، قال: سمعت أبا عثمان الجاحظ «3» ، يحدث: # إنه رأى حجاما «4» بالكوفة، يحجم بنسيئة إلى الرجعة «5» ، لشدة إيمانه ~~بها. # PageV02P132 ### || 68 اذان رجل من القطيعة # أخبرني أبو الفرج الأصبهاني «1» . قال: # سمعت رجلا من القطيعة «2» ، يؤذن: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله ~~إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن عليا ولي الله، محمد وعلي خير ~~البشر، فمن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، [ضرطت هند [117 ب] على ابن عمر] ~~«3» ، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، الله أكبر، الله ~~أكبر، لا إله إلا الله. # وهذا عظيم مفرط، ونستغفر الله منه، ونستعيذ به من الجهل. # PageV02P133 ### || 69 الحنابلة يبنون مسجدا ضرارا # أخبرني جماعة من البغداديين: # إن الحنابلة «1» بنوا مسجدا ضرارا، وجعلوه سببا للفتن والبلاء «2» . # فتظلم منه إلى علي بن عيسى، فوقع في ظهر القصة. # أحق بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أسس على غير تقوى من الله، فليلحق ~~بقواعده، إن شاء الله تعالى. # PageV02P134 ### || 70 أبو عبد الله الكرخي آية في سرعة الحفظ # حدثني أبي [رضي الله عنه] «1» ؛ قال: حدثني أبو عبد الله المفجع «2» ، ~~قال: # أنشدت أبا محمد القاسم بن محمد الكرخي «3» ، قصيدة طويلة مدحته بها، فلما ~~استتممتها، خرج ابنه أبو عبد الله جعفر بن القاسم «4» من خيش «5» كان في ~~صدر المجلس الذي كنا فيه، فقال: يا شيخ، ألا تستحي، تمدحنا بقصيدة ليست لك، ~~تدعيها؟ # قال: ولم أكن أعرف خبره في سرعة الحفظ، فقلت: أعيذك بالله يا سيدي، والله ~~ما قالها غيري. # فقال: سبحان الله، هذه علمنيها المعلم في المكتب من كذا وكذا # PageV02P135 # سنة، وابتدأ ينشدها حتى مضى [147 ط] في جميعها، ما أخل ببيت واحد، [وكانت ~~فوق الخمسين ms196 بيتا. # فأسقط في يدي، فخجلت] «1» ، واندفعت أحلف، بالطلاق والعتاق، أنها لي، ~~وأنا لا أدري من أين أتيت. # فلما رحمني القاسم قال: يا هذا لا تقلق، فأنا أعلم أنك صادق، ولكن أبا ~~عبد الله لا يسمع شيئا ينشد، طويلا ولا غيره، إلا حفظه في دفعة واحدة حين ~~يسمعه، وانه حفظها لما أنشدتنا إياها. # وأجازني، وانصرفت. # PageV02P136 ### || 71 أبو عبد الله الكرخي يحفظ جماعة تحتوي على ارتفاع فارس # حدثني أبي [رضي الله عنه] «1» : # أن جماعة «2» كان عملها جعفر بن القاسم «3» ، تحتوي على ارتفاع «4» فارس، ~~أو ناحية من فارس، الشك مني، ومشايخ الناحية «5» ، ومعاملاتها «6» ، ~~وخراجها «7» ، وما أدي، وما بقي، ودخل ذلك، وخرجه، وكان يرفع حسابها إلى ~~الوزير. # فطلبت الجماعة منه، ففقدت. # فقال جعفر «8» : لا عليكم، وأملاها من حفظه في الحال بحضرة الوزير، ورفع ~~الحساب عليها. # ثم وجدت الجماعة، فوجدت موافقة لها حرفا بحرف، إلا في باب واحد، فإنه جاء ~~به مقدما ومؤخرا. # PageV02P137 ### || 72 نادرة عن شخص آخر آية في سرعة الحفظ # حدثني أبو القاسم عبد الله «1» بن محمد بن عثمويه الكاتب، قال: حدثني ~~الكرماني كاتب كان لأبي بكر بن الصيرفي، صاحب الجيش، قال: # أنفذني صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء «2» ، فأنفقت ~~فيهم، واستفضلت أنا وكاتب أبي محمد، والجهبذ، والنقيب، نحو عشرة آلاف درهم. # فقالوا: ندخل في [118 ب] موضع، ونتحاسب، ونقسم. # فدخلنا مسجدا حيال دار أبي محمد، ولم نر فيه إلا رجلا عليلا نائما، كأنه ~~سائل، فحقرناه. # وأخذنا نتحاسب، ونقول: وصل إلينا من رزق فلان الساقط كذا، وفلان البديل ~~كذا، ومن الصرف كذا، ومن فضل الوزن كذا، ومن كذا كذا، إلى أن حصلنا مبلغ ~~الفضل، وما يخص كل واحد منا. # فأقبلنا نزن، فشال العليل رأسه، وقال: يا أصحابنا، أخرجوا لي قسطا. # فقلنا: ومن أنت؟ # قال: أنا رجل من المسلمين، قد سمعت ما كنتم فيه. # فقلنا: هو ضعيف، أعطوه خمسة دراهم. # PageV02P138 # فقال: لا أريد إلا قسطا صحيحا بالسوية، مثل ما يأخذه أحدكم. # فاستخففنا به. # فقال: لا عليكم، إما أعطيتموني ما ms197 التمست، وإلا جلست الساعة في سميرية، ~~ومضيت إلى أبي بكر الصيرفي، وقلت: إنكم أخذتم باسم [فلان الساقط كذا، ~~وباسم] «1» فلان البديل كذا وكذا. # قال: فأعاد جميع ما قلنا وتحاسبنا عليه، حتى ما أخل بحرف واحد منه، فأقل ~~ما يعمل بكم، إذا لم يصرفكم ويؤذيكم، أن يرتجع منكم ما سرقتم. # فنظرنا إلى ما قاله فوجدناه صحيحا، فرمنا منه أن يقتصر على بعض ما طلبه. # فقال: لا والله إلا بقسط كما يأخذ أحدكم. # فلم نجد من دفع ذلك إليه بدا، فدفعنا إليه قسطا، مثل ما أخذه واحد منا. # فأخذه وافترقنا «2» [148 ط] . # PageV02P139 ### || 73 والد المؤلف يحفظ قصيدة تشتمل على ستمائة بيت في يوم وليلة # حدثني أبي [رضي الله عنه] «1» ، قال: # سمعت أبي [رحمه الله] «2» ينشد يوما، وسني إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض ~~قصيدة دعبل «3» الطويلة التي يفتخر فيها باليمن، ويعدد مناقبهم، ويرد على ~~الكميت فخره «4» بنزار، أولها: # أفيقي من ملامك يا ظعينا ... كفاني اللوم مر الأربعينا # وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها، لما فيها من مفاخر اليمن [لأنهم] «5» ~~أهلي. # فقلت: يا سيدي، تخرجها إلي حتى أحفظها، فدافعني، فألححت عليه. # فقال: كأني بك، تأخذها، فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت، ثم ترمي ~~بالكتاب، وتخلقه علي. # قلت: ادفعها إلي. # PageV02P140 # فأخرجها، وسلمها إلي، وقد كان كلامه أثر في، فدخلت حجرة كانت برسمي في ~~داره، فخلوت فيها، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها. # فلما كان في السحر، كنت قد فرغت من جميعها، وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة ~~على رسمي، فجلست بين يديه. # فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟ # فقلت: قد حفظتها بأسرها. # فغضب، وقدر أني قد كذبته، وقال لي: هاتها. # فأخرجت الدفتر من كمي، فأخذه، وفتحه، ونظر فيه، وأنا أنشد، إلى أن مضيت ~~في أكثر [119 ب] من مائة بيت. # فصفح منها عدة أوراق، وقال: أنشد من هاهنا. # فأنشدت مقدار مائة بيت [أخر، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت، فقال ~~أنشدني من هاهنا، فأنشدته مائة بيت منها] «1» إلى آخرها. # فهاله ما رآه من ms198 حسن حفظي، فضمني إليه، وقبل رأسي وعيني، وقال: بالله، يا ~~بني، لا تخبر بها أحدا، فإني أخاف عليك من العين «2» . # PageV02P141 ### || 74 مقدار ما حفظه والد المؤلف من الشعر # حدثني أبي «1» [رضي الله عنه] «2» ، قال: # حفظني أبي، وحفظت بعده، من شعر أبي تمام [الطائي] «3» والبحتري، سوى ما ~~كنت أحفظه لغيرهما من المحدثين من الشعراء، مائتي قصيدة. # قال: وكان أبي وشيوخنا بالشام، يقولون: من حفظ للطائيين «4» أربعين ~~قصيدة، ولم يقل الشعر، فهو حمار في مسلاخ «5» إنسان. # فقلت الشعر وسني دون العشرين، ثم بدأت بعمل مقصورتي التي أولها: # لولا التناهي لم أطع نهي النهى ... أي مدى يطلب من جاز المدى «6» # PageV02P142 ### || 75 حفظ القرآن في ستة أشهر # حدثني أبو عبد الله بن هارون التستري المقرئ [رحمه الله] «1» ، وكان أقام ~~بمسجدنا بالبصرة، قال: # أقمت أحفظ القرآن سنين كثيرة، كلما بلغت إلى موضع، أنسيت الذي قبله، حتى ~~كأني ما سمعته قط، فشق ذلك علي. # فحججت، وتعلقت بأستار الكعبة، ودعوت الله تعالى، وسألته أن يعينني على ~~حفظه. # ورجعت إلى البصرة، فلزمت التلقين، فحفظت القرآن في ستة أشهر على حرف أبي ~~عمرو، ثم تعاطيت السبعة «2» . # فما حال الحول علي، إلا وقد أحكمت أكثرها. # PageV02P143 ### || 76 من أقوال الصوفية # بلغني عن بعض الصوفية «1» ، إنه قال: # الاستغفار صابون المعاصي، والشكر [149 ط] لله عز وجل سفتجة «2» الرزق، ~~والصلاة جوارشن «3» المعدة، والصوم ريباس البدن «4» ، واليقين الرأس ~~الأكبر. # وعن بعضهم، من أهل زماننا: # المعرفة بالله، دليل لا ضيعة معه، والعمل الصالح، زاد لا يخاف معه طول ~~السفر. # PageV02P144 ### || 77 ناصر الدولة الحمداني يتبع وصية أبيه أبي الهيجاء # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد «1» ، قال: حدثني أبو إسحاق محمد ابن أحمد ~~القراريطي «2» قال: حدثني ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ~~«3» ، قال: # كان أبي أبو الهيجاء «4» شديد الانحراف عني أول نشوي، لما يراه من الفضل ~~في، وخوفه مني على أعماله. # فكان يغض مني، ويتجافاني، ويمسك يده عني، فأتحمل ذلك، وأصبر عليه. # فولي طريق خراسان «5» ، فجلس يعرض دوابه، فبقى منها خمسين # PageV02P145 # دابة، ما ms199 بين زمن وأعجف، إلى غير ذلك. # ثم قال: يا حسن، أريد أن أخرج بعد شهرين إلى العمل، وهذه الدواب مسلمة ~~إليك، [فإن صلحت، فقد صلحت] «1» وقد رددت أمرها إليك، لأجربك بها في الأمور ~~الكبار، فإن قمت بها حتى تصح وتبرأ وتسمن، وكان فيك فضل [120 ب] لذلك، علمت ~~«2» أنك تصلح لما هو فوقه، وإن لم تصلح على يدك، فهو أول عمل رددته إليك من ~~أمري وآخره، فعجبت من أن أول عمل أهلني له، أن أكون سائس دواب، ولم أجد بدا ~~من الصبر. # فقلت: السمع والطاعة. # وأخذت الدواب، وأفردت لها إسطبلا، وجعلت لنفسي فيه دكة، واستأجرت لها ~~سواسا، وأدررت أرزاقهم، وطالبتهم بأشد الخدمة، وكنت أحضر أمر الدواب دفعات ~~في اليوم، حتى توقح وتعالج وتسمن، وأفردت بياطرة فرها «3» لذلك. # فما مضى عليها إلا شهر وأيام، حتى صحت وسمنت، وصارت على غاية الحسن. # وأزف خروجه، فقال لي: يا حسن ما فعلت بتلك الدواب؟ # فقلت: قم إلى الإسطبل حتى تراها. # فقام، فرآها في غاية الحسن، فسر بذلك، وأعجبه، وأثنى علي، وقال: يا حسن، ~~هوذا أعلمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئا تنتفع به، وفيه قضاء لحقك، بقدر ما ~~أتعبتك فيه. # فقلت: قل، يا سيدي. # PageV02P146 # قال: إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا، أو الزمان قد نوه به ورأسه، ~~فإياك أن تحسده، وتشغل نفسك بعداوته، فإنك تتعب، ولا تصل إلى فائدة، وتسقط ~~أنت، ولا يضره هو، وتغتم أنت، ولا يتأذى هو، وتغض من نفسك، بغضك من رجل صار ~~كبيرا من أهلك، فإنه ما ارتفع إلا بآلة فيه، يدفعك بها، أو إقبال بدفعك ~~عنه، واجهد أن تخدمه، وتصافيه الود، ليكون ذلك الفضل الذي فيه، فضلا لك، ~~وذلك الفخر راجعا إليك، وتتجمل بثنائه عليك، وإطرائه لك، وتصير أحد أعوانه، ~~فإنه أحسن بك من أن تكون من أعوان غيره ممن ليس من أهلك، ويراك الناس عنده ~~وجيها، فيكرمونك له، فإن كان له منزلة من السلطان، جاز أن تصل إليها ~~باستخلافه إياك [150 ط] عليها، وانتقاله إلى ما هو ms200 أكبر منها، وكذلك إن ~~كانت منزلته من غير سلطان، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب، وأني خير ~~قرابته، وهذا أمس كان وضيعا، وكان دوننا، فإن الناس بأوقاتهم. # فقلت: نعم يا سيدي. # قال: ثم أقبل علي، وونسني، وولد لي في نفسه، القيام على تلك الدواب، ~~منزلة. # فقال: اخرج معي إلى العمل. # وخرج، فخرجت معه، وكنت أسايره إلى جسر النهروان وأحادثه، فولد ذلك ~~الانبساط في نفسي طمعا فيه، وأن أسأله شيئا. # فذكرت بجسر النهروان، أن له ضيعة جليلة عظيمة، بنواحي الموصل، يقال لها: ~~النهروان، كنت أشتهيها. # فقلت له: يا سيدي، قد [121 ب] كثرت مؤونتي، وتضاعفت نفقتي، # PageV02P147 # فلو وهبت لي النهروان ضيعتك، لأستعين بغلتها على خدمتك، ما كان ذلك ~~منكرا. # قال: فحين سمع هذا، تغيظ غيظا شديدا، واندفع يشتمني أقبح شتيمة، وقال: يا ~~كلب، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان؟ # وقنعني بالسوط «1» الذي كان في يده، وهو مفتول كالمقرعة، فوقع السوط على ~~وجهي، فشجه من أوله إلى آخره، وأحسست بالنار في وجهي، وورد ذلك على غفلة، ~~فتداخلني له ألم عظيم، وغيظ مما عاملني به أشد من الألم. # وقلت في نفسي، ما كان هذا جوابي، وقد كان يقنعه أن يردني، ولكن نيته لي ~~فاسدة بعد. # وقصرت عن مسايرته، ولحقني غلماني، فوقفوا معي ساعة، حتى صلحت قليلا، وسار ~~هو، ففتلت رأس دابتي، وأنفذت من رد بغلين كانا لي في السواد، عليهما قماشي ~~وثيابي وغلماني، ورجعت أريد بغداد، وأنا وقيذ «2» من الألم والغيظ حتى وردت ~~بغداد. # وكان الوزير إذ ذاك علي بن عيسى، وهو في غاية العناية بأبي، وهو قلده ~~العمل، وكان يحبني، ويكرمني، ويختصني، ففكرت أن أدخل إليه، أشكو أبي، وأريه ~~الأثر الذي بي. # فقصدت دارنا، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار، ولم أنزل، وتوجهت إلى ~~دار الوزير. # فحين نزلت عن دابتي، وصرت في الصحن، ذكرت وصية أبي لي في أمر الأهل، ~~وندمت على دخول دار الوزير، وقلت: لأن أقبل # PageV02P148 # الوصية في أبي، أولى من قبولها في الأهل، فعملت على أن أغالط الوزير، ms201 ولا ~~أعرفه. # وجئت، فسلمت على الوزير، ووقفت بين يديه، ولم تكن عادتي تجري بالجلوس «1» ~~بحضرته. # فحين رآني أعظم الأثر الذي بوجهي، وقال: ما لحقك؟ وأنكره، لأنه كان قبيحا ~~جدا. # فقلت: لعبت بالصولجان والكرة، فأفلتت، فضربت وجهي. # فقال: أليس كنت قد خرجت مع أبيك، فلم رجعت؟ # فقلت: خرجت مشيعا، فلما بعد، عدت لألزم خدمة الوزير. # قال: فأخذ يسألني عن مسير أبي، فإذا بأبي قد دخل، وإذا هو لما رجعت من ~~الطريق، وبلغه خبر رجوعي [151 ط] قد اغتاظ، فرجع، إما ليردني، أو ليقبض ~~علي، وجاء إلى داره، فعرف أني لم أنزل، وأني توجهت إلى دار الوزير، فلم يشك ~~في أني قد مضيت أشكوه. # فجاء، فوجدني أخاطبه، فتحقق ذلك عنده، فجلس. # فقال له الوزير: ما ردك يا أبا الهيجاء؟ # فقال: أيها الوزير، ما هذا حق خدمتي لك، ومناصحتي إياك، وانقطاعي إليك، ~~وأخذ يعتب على الوزير أعظم عتب، وأنا قائم، ساكت، أسمع [122 ب] . # فقال له الوزير: ما «2» هذا العتب علي؟ أي شيء عملت؟ # فقال: تمكن هذا الكلب من ذكري بحضرتك، والتبسط في. # فقال: من تعني؟ # PageV02P149 # فقال: الحسن، هذا القائم، فعل الله به وصنع. # فقال له الوزير: يا هذا، قد وسوست، أي شيء كان أول هذا؟ والله، ما نطق ~~هذا الفتى في أمرك بحرف، ولا سمعته قط ذكرك بما يوجب عتبا عليه، وكيف علي ~~في تمكيني منه، ولو فعل ذلك، لغض به عندي من نفسه. # فاستحيا أبي، وعلم أني لم أخاطب الوزير بشيء، وأمسك. # فقال له الوزير: لا بد أن تحدثني بما بينكما، فإنك ما حملت نفسك على ~~الرجوع، إلا لأمر عظيم، وهو ذا أرى الحسن أيضا به أثر قبيح، وقد سألته، ~~فقال: إن كرة أفلتت من يد غلمان ضرب معهم بالصولجان فأصابت وجهه، فوقع لي ~~أنه صادق، فلما جئت الآن، وقدرت أنه قد شكاك، وقع لي إن هذا شيء من فعلك، ~~ولا بد أن تصدقني. # قال: فقص عليه أبو الهيجاء القصة، كما جرت. # فأقبل عليه علي بن عيسى، وقال: أما تستحي يا ms202 أبا الهيجاء، أن يكون هذا ~~قدر حلمك عن ابنك، وأكبر ولدك؟ فإذا كنت بهذا الطيش معه، فكيف تكون مع ~~الغريب؟ وأي شيء كان في مسألته لك أن تهب له ضيعة؟ # ولو فعلت ذلك، ما كان ذلك بدعا من بر «1» الآباء بأولادهم. ولما لم تسمح ~~له بذلك، قد كان يجب أن ترده ردا جميلا، أو قبيحا إذا اغتظت، وأما أن تبلغ ~~به ضرب السياط، آه، آه. # قال: وزاد عليه في العتب والتوبيخ، وهو مطرق مستحيي. # حتى قال له: وليس العجب من هذا، حتى رجعت من عملك، غيظا عليه، وقدرت أنه ~~قد شكاك إلي، وأني أطلق له أن يتنقصك، فجئت عاتبا علي، لوهم توهمته فيه. # قال: فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك. # PageV02P150 # فقال: والله، ما أقبل عذرك، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار، إلا بأن تشهد ~~لحسن بالضيعة، وتهبها له، جزاء عن ظلمك إياه. # فقال: السمع والطاعة لأمر الوزير. # فقال لي علي بن عيسى: انكب على رأس أبيك ويده فقبلهما. # قال: ففعلت ذلك. # وجذب علي بن عيسى دواته ودرجا، فأعطاهما أبا الهيجاء، وقال: # اكتب له بالضيعة، إلى أن تشهد، فكتب أبي بالضيعة لي. # وقال الوزير: خذ، خذ، فإذا عاد إلى البيت، فاكتب عليه العهد [بالوثيقة] ~~«1» ، وأشهد عليه جماعة من العدول، فإن امتنع عرفني حتى أطالبه [152 ط] لك ~~بذلك. # قال: وخرجنا ونحن مصطلحون. # فلما صرنا في الدهليز، قال أبي: يا [123 ب] حسن أنا علمتك على نفسي، ~~بالوصية التي وصيتك بها، كأني بك وقد جئت لتشكوني، فلما صرت في الدهليز ~~ذكرت وصيتي لك، فقلت: لأن أستعملها مع أبي، أولى بي، فلما صرت في مجلس ~~الوزير، قلت له ما قلت، ولم تشكني إليه. # قلت: [كذا] «2» والله يا سيدي كان. # فقال: إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه وصيتي، في مثل هذه الحال، فما ~~ترى بعدها مني ما تكرهه. # فقبلت يده، وعدت معه إلى دارنا. # فسلم إلي الضيعة، وأشهد بها لي، وصلحت نيته بعد ذلك، واستقامت الحال ~~بيننا. # وكان قبول تلك الوصية ms203 أبرك شيء علي. # PageV02P151 ### || 78 بين ابن أبي البغل عامل أصبهان وأحد طلاب التصرف # حدثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني، كاتب الأمير أبي حرب، سند ~~الدولة، الحبشي بن معز الدولة «1» ، ومحله من النبل والجلالة والثقة، ~~والأدب، والعلم، مشهور، قال: # كان أبو الحسين بن أبي البغل «2» ، يتقلد بلدنا، فأخبرني من حضر مجلسه، ~~وقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد، بكتب من وزير الوقت، ومن جماعة من رؤساء ~~الحضرة، وإخوان أبي الحسين بها، يخاطبونه بتصريفه «3» ونفعه. # PageV02P152 # فسلم وجلس، وأوصل الكتب، وصادف منه ضجرا وضيق صدر، وكانت إضبارة عظيمة، ~~فاستكثرها ابن أبي البغل، ولم يقرأها جميعها. # فقال له الرجل: إن رأيت أن تقرأها، وتقف على جميعها. # فصخب «1» ، وتغيظ، وقال: أليس كلها في معنى واحد؟ قد والله بلينا بكم يا ~~بطالين «2» ، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرفا، لو كانت خزائن الأرض ~~إلي، لكانت قد نفدت. # ثم قال للرجل: يا هذا، ما لك عندي تصرف، ولا إلي عمل شاغر «3» أرده إليك، ~~ولا فضل في مالي أبرك منه [فدبر أمرك] «4» بحسب هذا. # قال: والرجل ساكت جالس، إلى أن أمسك ابن أبي البغل. # فلما سكت، ومضت على ذلك [ساعة] «5» قام الرجل قائما، وقال: # أحسن الله جزاءك، وتولى مكافأتك عني بالحسنى، وفعل بك وصنع. # قال: وأسرف الرجل في شكره، والدعاء له، والثناء عليه، بأحسن لفظ، وأجود ~~كلام، وولى منصرفا. # فقال ابن أبي البغل: ردوا من خرج. # وقال له: يا هذا، هوذا تسخر مني؟، على أي شيء تشكرني؟ على أياسي لك من ~~التصرف، أو على قطع رجائك من الصلة، أو على قبيح ردي لك عن الأمرين، أو ~~تريد خداعي بهذا الفعل؟ # قال: لا، ما أردت خداعك، وما كان منك من قبيح الرد، غير منكر، فإنك ~~سلطان، ولحقك ضجر. # PageV02P153 # ولعل الأمر على ما ذكرته من كثرة الواردين عليك [124 ب] وقد بعلت «1» بمن ~~حضر، ونحوسى أن صار هذا الرد القبيح، والأياس الفظيع، في بابي. # ولم أشكرك إلا في موضع الشكر، لأنك صدقتني عما لي عندك في أول ms204 مجلس، ~~فعتقت عنقي من ذل الطمع، وأرحتني من التعب بالغدو [153 ط] والرواح إليك، ~~وخدمة من أستشفع بهم عليك، وكشفت لي ما أدبر به أمري، وبقية نفقتي معي، ~~ولعلها تقوم بتجملي، الذي أتجمل به إلى بلد آخر، فإنما شكرتك على هذا، ~~وعذرتك فيما عاملتني به، لما ذكرته أولا. # قال: فأطرق ابن أبي البغل خجلا، ومضى الرجل. # فرفع رأسه بعد ساعة، وقال: ردوا الرجل، فردوه. # فاعتذر إليه، وأمر له بصلة، وقال: تأخذها إلى أن أقلدك ما يصلح لك، فإني ~~أرى فيك مصطنعا «2» . # فلما كان بعد أيام قلده عملا جليلا، وصلحت حال الرجل. # PageV02P154 ### || 79 ابن أبي البغل يأمر بإشخاص أحد عماله لكي يقطع سحاة كتاب # حدثني أبو القاسم «1» ، قال: # كانت في أبي الحسين ابن أبي البغل «2» ، منافرة ومناكدة «3» . # فورد عليه يوما، كتاب من عامل له، من بلد بينه وبينه فراسخ كثيرة، وقد ~~سحاه بسحاة «4» غليظة. # واجتهد أبو الحسين في قطع السحاة بيده، وجهد جهدا شديدا، فما كان له إلى ~~ذلك طريق، فترك الكتاب، ووقع بإشخاص العامل، ومضى اليوم. # فلما كان بعد أيام، قدم العامل، فلما جلس بين يديه، قال لصاحب الدواة: # أين ذلك الكتاب الذي ورد منه بالأسحاة الغليظة؟ فأحضره. # فقال له: اقطع هذه الأسحاة. # فرامها العامل، فلم يكن فيها حيلة، فأخذ سكينا من [دواة] «5» بعض الكتاب ~~بحضرته، فقطعها. # PageV02P155 # فقال له: ارجع الآن إلى عملك، فإنما دعوتك «1» لتقطع هذه الأسحاة. # وأعلمك أنك في أي وقت سحيت كتابا لك بمثلها، أني أستحضرك لتقطعه. # فرده في الحال إلى عمله، وما تركه [أن] «2» يقيم [ولا] «3» ساعة، ولا ~~سأله عن شيء من أمره. # PageV02P156 ### || 80 لابن بشر الآمدي يهجو قاضي البصرة # كان قد ولي القضاء بالبصرة، في سنة ست «1» وخمسين وثلاثمائة «2» ، رجل لم ~~يكن عندهم بمنزلة من صرف به، لأنه ولي صارفا لأبي الحسن محمد بن عبد الواحد ~~الهاشمي «3» ، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي «4» ، كاتب ~~القاضيين أبي القاسم جعفر «5» ، وأبي الحسن محمد بن عبد الواحد: # رأيت قلنسية «6» تستغيث ... من فوق رأس تنادي خذوني # وقد ms205 قلقت فهي طورا تميل ... من عن يسار ومن عن يمين # فقلت لها أي شيء دهاك ... فردت بقول كئيب حزين # دهاني أن لست في قالبي ... وأخشى من الناس أن يبصروني # وأن يعبثوا بمزاح معي ... وإن فعلوا ذاك بي قطعوني # فقلت لها مر من تعرفين ... من المنكرين لهذي الشؤون [125 ب] # ومن كان يشهق أما رآك ... ويخرج من جوفه كالرنين # ومن كان يصفع في الله لا ... يمل ويشتد في غير لين # ويسلح ملأك كيل التمام ... إما على صحة أو جنون # ففارقها ذلك الانزعاج ... وعادت إلى حالها في السكون # PageV02P157 ### || 81 أبو رياش الشاعر يعاتب الوزير المهلبي # أنشدني أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي «1» - ومحله من علم اللغة [154 ~~ط] والشعر، المحل المعروف- لنفسه في أبي محمد المهلبي «2» ، وكان امتدحه، ~~فتأخرت عنه صلته، وطال «3» إليه تردده، على ما أخبرني به أبو رياش. # قال: فقلت: # وقائلة قد مدحت الوزير ... وهو المؤمل والمستماح # فماذا أفادك ذاك المديح ... وهذا الغدو معا والرواح # فقلت لها ليس يدري امرؤ ... بأي الأمور يكون الصلاح # علي التقلب والاضطراب ... جهدي وليس علي النجاح # PageV02P158 ### || 82 بين أبي العباس بن دينار وأبي يحيى الرامهرمزي # سمعت أبا يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الرامهرمزي، يحدث أبي «1» ، قال: # كان أبو العباس عبيد الله بن دينار، صديقي، [كما علم القاضي] «2» وكان ~~مقيما عندنا برامهرمز «3» . # فلحقته إضافة، فضيق على عياله، فأنفذوا إلي أساورة ودمالج وخلاخل ذهب، ~~واقترضوا عليها ثلاثمائة دينار، فأقرضتهم. # ومضت شهور، وجاء الديلم يريدون البلد، وخرج بجكم إليهم، فتهارب الناس ~~منهم، وعملنا على الهرب متى انهزم بجكم، فما كان بأسرع من أن جاءنا منهزما ~~«4» ، فطار الناس على وجوههم. # وقال أبو العباس لحرمه: أخرجوا، فتباطؤوا بسبب حليهن. # فلما زاد عليه الأمر، دخل، فقال: ما لكم؟ إن كنتم قد صادقتم صديقا، ~~فأقيموا، وعرفوني لأهرب وحدي، وإن كنتم اتخذتم حبة «5» ، # PageV02P159 # فاحملوها معنا، وإلا فالسيف قد لحق بنا، فما هذا التباطؤ «1» عن الهرب، ~~لندرك. # فحدثوه بحديث الحلي ورهنه، فكتب إلي: # بسم الله الرحمن الرحيم [يا أبا يحيى، جعلت فداك] «2» ، # سلبت ms206 الجواري حليهن فلم تدع ... سوارا ولا طوقا على النحر مذهبا # فاستحييت منه، وبعثت بالحلي، فأخذه، ورحل بجواريه، ورحلنا. # ودخل الديلم البلد «3» . # PageV02P160 ### || 83 حجر خاصيته طرد الذباب # حدثني أبو أحمد «1» عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني رجل خراساني «2» ~~من بعض أصحاب الصنعة، ممن كان يعرف الأحجار الخواصية، قال: # اجتزت برهداري «3» بمصر، فرأيت عنده حجرا أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، ~~مليح المنظر، وقد جعله بين يديه [في جملة] «4» قماشه. # وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة. # فحين رأيته ساومته فيه، فاستام علي به خمسة دراهم [126 ب] فلم أماكسه ~~ودفعتها إليه صحاحا. # فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يطنز بي «5» ، ويسخر مني. # ويقول: يجون «6» هؤلاء الحمير، لا يدرون أيش يعطون، ولا أيش يأخذون، ~~والله، إن هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبي، فوهبت له دانق فضة، وأخذتها، ~~وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم. # فرجعت إليه، وقلت له: يجب أن أعرفك أنك أنت الأحمق، لا أنا. # قال: كيف؟ # PageV02P161 # قلت: قم معي، حتى أعرفك ذلك. # فأقمته ومضينا «1» ، حتى اجتزنا بكسار «2» يبيع التمر في قصعة، والذباب ~~محيط بها. # فنحيت الرجل بعيدا من [155 ط] القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقر ~~عليها طار جميع الذباب. # وتركته ساعة، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها، ثم أخذت الحجر فرجع ~~الذباب، ثم رددته، فطار الذباب. # ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خبأت الحجر. # وقلت: يا أحمق، هذا حجر الذباب، وأنا قدمت في طلبه من خراسان، يجعله ~~الملوك عندنا على موائدهم، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبة، ولا ~~إلى مروحة، والله، لو لم تبعني إياه إلا بخمسمائة دينار، لاشتريته منك. # قال: فشهق شهقة، قدرت أنه تلف، ثم أفاق منها بعد ساعة، وافترقنا. # وخرجت بعد أيام إلى خراسان والحجر معي، فبعته على نصر بن أحمد أميرها «3» ~~بعشرة آلاف درهم. # PageV02P162 ### || 84 يوسف بن وجيه صاحب عمان يذعن لحكم مستشاريه # حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد العسكري، قال: ms207 # كان عندنا بعسكر مكرم «1» شيخ أصبهاني مشهور يعرف بالكافوري، يتجر في ~~الجوهر، وكان حسن البصيرة بها. # فأخبرني إنه اشترى فصين، وباعهما مالكهما على أنهما بجاذيان «2» ، ولم ~~يعرفهما، قال: فعرفتهما أنا، وعلمت أنهما بلخش، وهو جنس يشبه الياقوت ~~الأحمر، فاشتريتهما منه بثلاثمائة درهم «3» ، وجلوتهما بالبصرة، فخرج لهما ~~من الماء أمر عظيم. # واتفق أن خرجت إلى عمان «4» ، وهما معي، فعرضتهما على يوسف ابن وجيه، ~~الأمير «5» ، وادعيت أنهما ياقوت أحمر، فعرضهما «6» لكل جوهري، فكانوا ~~يصدقونني. # فابتاعهما مني، بعد خطوب طويلة ومراوضات، بخمسين ألف درهم، وقبضت الثمن. # PageV02P163 # ثم شك فيهما، فأحضرني، وطالبني بالمال. # فقلت: إن كنت تريد أخذ المال باليد والقدرة، فأنت السلطان مالي بك قوة، ~~وإن كنت تريد أخذه بحجة، فبيني وبينك أهل الصنعة. # فقال: ليس بعمان من أثق بعلمه «1» . # فقلت له: فسرنديب قريبة منك، وهي المعدن [127 ب] فأنفذهما إلى هناك، فإن ~~قيل إنهما ليسا بياقوت، رددت المال. # ووضعت في نفسي أن أتجر في المال، إلى أن ينكشف الأمر، فأربح فيه مالا، ثم ~~أرد عليه أصل ماله. # قال: فضمنني المال على الشرط والمقام «2» ، وأنفذ الفصين. # فلما كان بعد سنة، أو قريبا منها، أحضرني، وأخرج كتبا إليه من [وكيله] ~~«3» هناك، يذكر فيها أنه جمع أهل الصنعة بسرنديب كلهم، وعرض عليهم الفصين، ~~فقالوا: هما ياقوت أحمر، إلا أنه فيه رخاوة، ولو كان أصلب من هذا، ما كان ~~له قيمة، وان هذا ياقوت ليس [هو من] «4» هذا المعدن. # فقرأت الكتب. # فقال: رد المال. # فقلت: ما يلزمني، ما بعتك على أنهما من معدن سرنديب، أو غيره من المعادن، ~~ولا على أنهما صلبان أو رخوان، وقد شهد أهل المعدن أنهما ياقوت، وقد ~~نعتوهما بالرخاوة، وقالوا إنه لولا هذا العيب، ما كان لهما قيمة. # PageV02P164 # ولولا هذا العيب، ما بعتك بخمسين ألف دينار، وأنا [156 ط] تاجر، قد قصدت ~~بلدك، فلا تظلمني. # فقال لمن بحضرته؛ ما تقولون؟ # فقالوا: نحن معه. # فأفرج عني. ### || 85 سلب دنانيره ثم استعادها بدرهمين # وحدثني أيضا الحارثي، عمن حدثه، قال: # سافرت في بعض الجبال، وكان ms208 معي دنانير خفت عليها، فأخذت قناة مجوفة، ~~وجعلت في أنبوبة منها الدنانير، حتى امتلأت بها، فلم تجلجل «1» ، ولا جاء ~~لها صوت، ثم صببت في رأسها الرصاص [الحار] «2» ، حتى خفي أمرها، والتزقت، ~~وجعلت فيها حلقة وسيرا «3» ، وكنت أمشي وأتوكأ عليها. # فخرج علينا اللصوص والأكراد، في عدة مواضع، وأخذوا كل ما كان في القافلة، ~~ولم يعرض لي أحد. # إلى أن خرج علينا آخر دفعة، لصوص رجالة، فشلحونا، فرأى أحدهم عكازي، ~~فاستملحها، وأخذها. # فلحقني من الجزع عليها، بسبب الدنانير، أمر عظيم. # PageV02P165 # فأخذ أهل القافلة، يتلهون بي «1» ، ويقولون: معنا من ذهبت منه الأموال ~~والأمتعة، ما قلق «2» قلقك على خشبة، وأنا ممسك، لا أصرح بما كان فيها. # قال: وتمادى السفر بنا، إلى أن وصلت إلى مقصدي، فبقيت منقطعا [بي] «3» ، ~~واحتجت إلى أن تصرفت ببدني «4» في بعض المهن نحو سنة. # فلما كان بعد سنة، اجتزت برهداري «5» على الطريق، وإذا بين يديه قناة ~~تشبه قناتي، وتأملتها فإذا هي [هي] «6» ، ورطلتها فإذا ثقلها بحاله. # فقويت نفسي، وقلت للرجل: تبيعني إياها؟ # فقال: نعم. # فقلت: بكم. # فقال: بدرهمين. # ولم أكن أملك غيرهما، فقلت: أعطيه إياهما على الله تعالى «7» ، فإن كان ~~مالي فيها فقد فزت، وإلا أبلي عذرا بيني وبين نفسي. # فأعطيته الدرهمين، وأخذت العكاز، وصعدت [128 ب] إلى مسجد، وطلبت أشفى «8» ~~من بعض الأساكفة، وأصعدت به معي إلى المسجد، وشققت العصا، فإذا بدنانيري قد ~~خرجت علي بعينها. # فأخذتها، ورميت القناة، وحمدت الله تعالى على حفظ ذلك علي. # وانصرفت فتجهزت، وخرجت إلى بلدي بتجارة ومير «9» . # PageV02P166 ### || 86 امرأة تدعي أن زوجها كان يعشق السراويلات # حدثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب «1» ، قال: # مات عندنا بالأنبار، فلان، وأسماه، وكان عظيم النعمة، وافر المروءة، كثير ~~الثياب، وكان لكثرتها، يحصل كل فن منها في عدة صناديق. # وكانت دراريعه الدبيقية «2» مفردة، والدراريع الديباج مفردة، وكذلك ~~القمص، والسراويلات، والجباب، والطيالس، والعمائم. # قال: وكان له بنو عم ورثوه، وأم ولد قد تزوجها. # فلما مات، أخرجت جميع آلاته، وقماشه، وثيابه، إلا اليسير، من الدار، ~~فخبأته. # وذهب عليها صناديق ms209 السراويلات، فلم تخرجها، وجاء بنو العم، فختموا على ~~الخزائن. # فلما انقضت المصيبة «3» ، فتحوها، فوجدوها أخلى من فؤاد أم موسى «4» ، # PageV02P167 # فخاصموها إلى قاضي البلد، فلم تنقطع الخصومة. # فدخلوا الحضرة «1» ، وتظلموا منها فأشخصت، وحملت [157 ط] إلى القاضي أبي ~~جعفر بن البهلول، ووقع إليه بالنظر فيما بينهم على طريق المظالم. # فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم «2» ، وهي منكرة جميعها. # فقالوا له: أيها القاضي، فلان أنت أعرف الناس [بعظم] «3» مروءته وثيابه، ~~وما كنت تشاهده له، وكله كان في يدها له. # وساعة مات ختمنا خزائنه، وهي كانت في الدار، ولما فتحناها لم نجد له فيها ~~إلا عدة صناديق فيها سراويلات، وقطعا يسيرة من ثيابه. # فأين مضى هذا؟ ومن أخذه؟ وما السبب في عظم السراويلات وقلة الثياب؟ # قال: فأقبلت الجارية محتدة، كأنها قد اعدت الجواب، فقالت: # أعز الله القاضي، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أن رجلا كان يعشق الهواوين ~~«4» ، فجمع منها مائتي هاون، هذا كان يعشق السراويلات. # قال: فضحك القاضي أبو جعفر، وانفض «5» المجلس عن غير شيء. # فما انتصفوا منها بعد ذلك. # PageV02P168 ### || 87 ينكر الدين، ويأبى أن يحلف اليمين # تقدم إلي رجلان، بالأهواز، فادعى أحدهما على الآخر حقا. فأنكره. # فسألته «1» ، وقلت: أتحلف؟ # فقال: ليس له علي شيء، فكيف أحلف؟ لو كان له علي شيء، حلفت له، وأكرمته. # PageV02P169 ### || 88 بحث في الرباب بين القاضي وأحد العدول # سمعت القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، يقول: # كنت بحضرة القاضي أبي عمر، بعد قبوله شهادتي بمدة، على خلوة وأنس، فجرى ~~حديث الملاهي. # فقلت: فلان [129 ب] يضرب بالرباب «1» . # قال: فصاح علي القاضي أبو عمر، وقال: هاه، هوذا تهزأ بنا، هوذا تنمس ~~علينا؟ ما هذا الكلام؟ # فقلت: ما هو أيد الله القاضي؟ فو الله، ما أدري أني قلت شيئا يتعلق بما ~~قاله القاضي. # فقال: قولك يضرب، كأنك لا تعلم أن الرباب يجر حتى يسمع «2» صوته، ولا ~~يضرب به. # فحلفت له بأيمان مغلظة أني ما علمت هذا، ولا رأيت الرباب قط. # فقال: إن هذا أقبح، سبيل الصالح أن ms210 يعلم طرق الفساد ليجتنبها على بصيرة، ~~لا على جهل. # فعدت إلى داري، فقلت لسائس كان معي: ويلك اطلب لي ربابيا «3» . # فطلبه، وجاء به، فجره بين يدي، فرأيته، فكان ما قاله أبو عمر صحيحا. # PageV02P170 ### || 89 القاضي أبو عمر يتردد في قبول شهادة شاهد تظاهر بالانزعاج من رائحة الخمر # قال: # واجتاز أبو عمر «1» بطريق قد كسر فيه دن خمر، ومعه بعض الشهود، فقال ~~الشاهد: شه، شه، أفيه، أفيه «2» ، فأمسك عنه. # فلما جاء في المجلس ليقيم شهادة لزمته، توقف عن استماعها، فقامت قيامة ~~الشاهد، وطرح عليه من يسأله. # فقال: هذا كذاب أو جاهل، فلا يسعني قبوله، وذكر حديث الخمر. # وقال: ليس تحريمها يقلب رائحتها من الطيب إلى النتن، حتى يقول هذا ما ~~قاله، وما قاله إلا وهو يعلم أن رائحتها طيبة، فنمس وكذب، أو هو جاهل بهذا ~~القدر، فلا أقبله. # PageV02P171 ### || 90 قواد ابن قواد # حدثني «1» أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد «2» [158 ط] ، قال: حدثني بعض ~~الكتاب، قال: # سافرت وجماعة من أصدقائي، نريد مصر للتصرف. # فلما حصلنا بدمشق، كان معنا عدة بغال، عليها ثقل وغلمان لنا، ونحن على ~~دوابنا، أقبلنا نخترق الطرق «3» [لا ندري أين ننزل] «4» . # فاجتزنا برجل شاب، حسن الوجه والثياب، جالس على باب دار شاهقة، وفناء ~~فسيح، وغلمان بين يديه وقوف. # فقام إلينا، وقال: أظنكم على سفر، ووردتم الآن؟ # فقلنا: نحن كذلك. # فقال: فتنزلون علي. # وألح علينا، وسألنا، فاستحيينا من محله، وحسن ظاهره، وهيبته «5» ، وحططنا ~~على بابه، ودخلنا. # وأقبل «6» أولئك الغلمان، يحملون ثقلنا، ويدخلونه الدار، ولا يدعون أحدا ~~من غلماننا يخدمنا، حتى حملوه بأسره، في أسرع وقت. # PageV02P172 # وجاءونا بالطساس والأباريق، فغسلنا وجوهنا، وأجلسونا في مجالس حسنة، ~~مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله. # وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر، وفيها دور عدة، وبستان عظيم، ~~وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه. # وعرض علينا الحمام، فقلنا نحن محتاجون إليه، فأدخلنا إلى حمام في الدار ~~[في نهاية السرو، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان، في نهاية الحسن] «1» ~~فخدمانا بدلا [130 ب] من القيم [والمزين] «2» ، وأخرجنا ms211 من الحمام، إلى غير ~~ذلك المجلس، فقدم إلينا مائدة حسنة جليلة، عليها من الحيوان، وفاخر الطبيخ ~~«3» ، والألوان، ونادر الخبز، وغريب البوارد، وكل شيء. # وإذا بغلمان مرد، في نهاية الحسن والزي، قد دخلوا إلينا، فغمزوا أرجلنا، ~~فلحقنا من ذلك، مع الغربة وطول العهد بالجماع، عنت، فأمرناهم بالانصراف، ~~وفينا من لم يستحل التعرض لهم، وتعفف «4» عن ذلك، لنزولنا على صاحبهم. # ثم انتبهنا، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين، في أحدهما بستان حسن، فأخرج ~~إلينا من آلات النبيذ كل طريف [ظريف] «5» ، وأحضر من الأنبذة، كل شيء طيب ~~حسن. # وشربنا أقداحا يسيرة، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة، فإذا بجوار # PageV02P173 # خلفها، فقال: غنوا، فغنى الجواري اللواتي كن خلفها، أحسن غناء وأطيبه. # فلما توسطنا الشرب، قال: ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزهم الله؟ # أخرجن، وهتك الستارة. # قال: فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن، ولا أملح، ولا أظرف منهن، من بين ~~عوادة، وطنبورية «1» ، وكراعة «2» ، وربابية، وصناجة «3» ، ورقاصة، وزفانة ~~«4» ، بثياب فاخرة وحلي، فغنيننا، واختلطن بنا في المجلس والجلوس، وكان ~~تجنبنا أشد، وانقباضنا أكثر، وضبطنا أنفسنا أعظم. # فلما كدنا أن نسكر، ومضت قطعة من الليل، أقبل صاحب الدار علينا، وقال: يا ~~سادة، إن تمام الضيافة، وحقها، الوفاء بشرطها، وأن يقيم المضيف بحق الضيف ~~في جميع ما يحتاج إليه، من طعام، وشراب [159 ط] ، وجماع، وقد أنفذت إليكم ~~نصف النهار «5» بالغلمان، فأخبروني بهافكم عنهم، فقلت: لعلهم أصحاب نساء، ~~فأخرجت هؤلاء «6» ، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهن، ما لو خلوتم بهن، كانت ~~الصورة واحدة، فما هذا؟ # PageV02P174 # قلنا: يا سيدنا، أجللناك عن ابتذال «1» من في دارك لهذا، وفينا من لا ~~يستحل الدخول في الحرام. # فقال: هؤلاء مماليكي، وهن أحرار لوجه الله إن كان لا بد «2» من أن يأخذ ~~كل واحد منكم بيد واحدة منهن، ويتمتع ليلته بها، فمن شاء زوجته بها، ومن ~~شاء غير ذلك، فهو أبصر، لأكون قد قضيت حق الضيافة. # فلما سمعنا هذا، وقد انتشينا، طربنا، وفرحنا، وصحنا، وأخذ كل واحد منا ~~واحدة، فأجلسها إلى جانبه، وأقبل يقبلها، ويقرصها، ويمازحها. ms212 # فتزوجت أنا بواحدة منهن، وغيري ممن رغب في ذلك، وبعضنا لم يفعل. # وجلس معنا بعد هذا ساعة، ثم نهض. # فإذا بخدم قد جاءوا، فأدخلوا كل واحد وصاحبته، إلى بيت في نهاية الحسن ~~[131 ب] والطيب، مفروش بفاخر الفرش، وفيه برذعة وطية سرية «3» ، فبخرونا ~~عليها، ونومونا، والجواري إلى جنوبنا، وتركوا معنا شمعة في البيت، وما ~~نحتاج إليه من آلة المبيت، وأغلقوا، وانصرفوا، فبتنا في أرغد «4» عيش ~~ليلتنا. # PageV02P175 # فلما كان السحر، باكرنا الخدم، فقالوا: ما رأيكم في الحمام؟ # فقد أصلح، فقمنا ودخلناه، ودخل المرد معنا، فمنا من أطلق نفسه معهم فيما ~~كان امتنع عنه بالأمس. # وخرجنا، فبخرونا بالند العتيق «1» ، وعطرونا «2» بماء الورد والمسك ~~والكافور، وقدمت إلينا المرايا المحلاة «3» . # وأخبرنا غلماننا، إن صورتهم في ليلتهم، كانت كصورتنا، وإنهم أتوا بجواري ~~الخدمة الروميات، فوطئوهن. # فأقبل بعضنا على بعض، نعجب من قصتنا، وبعضنا يخاف أن تكون حيلة، وبعضنا ~~يقول: هذا في النوم نراه؟ # ونحن في الحديث، إذ أقبل صاحب الدار، فقمنا إليه، وأعظمناه، فأخذ يسألنا ~~عن ليلتنا، فوصفناها له، وساءلنا عن خدمة الجواري لنا، فحمدناهن عنده. # فقال: أيما أحب إليكم، الركوب إلى بعض البساتين للتفرج إلى أن يدرك ~~الطعام، أو اللعب بالشطرنج، والنرد، والنظر في الكتب «4» ؟ # فقلنا: أما الركوب فلا نؤثره، ولكن اللعب بالشطرنج والنرد والدفاتر، ~~فأحضرنا ذلك، وتشاغل كل منا بما اختاره. # ولم تكن إلا ساعتين أو ثلاثة من النهار، حتى أحضرنا مائدة كالمائدة ~~الأمسية «5» ، فأكلنا، وقمنا إلى الفرش، وجاء الغلمان المرد، فغمزونا، ~~وغمزهم منا من كان يدخل في ذلك، وزالت المراقبة. # PageV02P176 # وانتبهنا فحملنا إلى الحمام، وخرجنا فتبخرنا، وأجلسنا في مجلسنا بالأمس. # وجاء أولئك الجواري، ومعهن غيرهن، ممن هن [160 ط] أحسن منهن، فقصدت كل ~~واحدة، صاحبها بالأمس، بغير احتشام، وشربنا إلى نصف الليل، فحملن معنا إلى ~~الفرش. # فكانت حالنا هذه أسبوعا. # فقلت لأصحابي: ويحكم، أرى الأمر يتصل، ومن المحال أن يقول لنا الرجل ~~ارتحلوا عني، وقد استطبتم أنتم مواضعكم، وانقطعتم عن سفركم، فما آخر هذا؟ # فقالوا: ما ترى؟ # قلت: أرى أن نفاتش الرجل، ms213 فننظر إيش هو؟ فإن كان ممن يقبل هدية أو برا، ~~عملنا على تكرمته وارتحلنا، وإن كان بخلاف ذلك، كنا معتقدين له المكافأة في ~~وقت ثان، وسألناه أن يحضرنا من نكتري منه، ويبذرقنا «1» ، ورحلنا. # فتقرر رأينا على هذا. # فلما جلسنا تلك العشية على [132 ب] الشرب قلت له: قد طال مقامنا عندك، ~~وما أضاف أحد أحدا أحسن مما أضفتنا، ونريد الرحيل إلى مصر لما قصدناه، من ~~«2» طلب التصرف، وأنا فلان بن فلان، وهذا فلان، فعرفت نفسي والجماعة، وقد ~~حملتنا من أياديك ومننك، ما لا يسعنا معه أن نجهلك «3» ، ويجب أن تعرفنا ~~نفسك، فنبث شكرك، ونقضي حقك، ونعمل على الرحيل. # PageV02P177 # فقال: أنا فلان بن فلان، أحد أهل دمشق، فلم نعرفه، فقلنا: إن رأيت أن ~~تزيدنا في الشرح. # فقال: جعلت فداكم أنا رجل قواد. # فحين قال هذا، خجلنا، ونكسنا رؤوسنا. # فقال: [جعلت فداكم] «1» ما لكم؟ إن لقيادتي خبرا، أظرف مما رأيتموه «2» . # فقلنا: إن رأيت أن تخبرنا. # فقال: نعم، أنا رجل كان آبائي تناء تجارا، عظيمي النعمة والأموال، وانتهت ~~النعمة إلى أبي، وكان ممسكا، مكثرا. # ونشأت له، وكنت متخرقا، مبذرا، محبا للفساد، والنساء، والمغنيات، والشرب، ~~فأتلفت مالا عظيما من مال أبي، إلا أنه لم يؤثر في حاله، لعظمه. # ثم اعتل، وأيس من نفسه، وأوصى، فدعاني، وقال: # يا بني، إني قد خلفت «3» لك نعمة قيمتها مائة ألف دينار وأكثر، بعد أن ~~أتلفت علي خمسين ألف دينار، وإن الإنفاق، لا آخر له إذا لم يكن بإزائه دخل، ~~ولو أردت تمحيق هذا المال عليك في حياتي، أو الآن، حتى لا تصل إلى شيء منه، ~~لفعلت، ولكني «4» أتركه عليك، فاقض حقي بحاجة تقضيها لي، لا ضرر عليك فيها. # فقلت: أفعل. # فقال: أنا أعلم أنك ستتلف جميع هذا المال في مدة يسيرة، فعرفني # PageV02P178 # إذا افتقرت، ولم يبق معك شيء، تقتل نفسك، ولا تعيش في الدنيا؟ # فقلت: لا. # قال: فتحمل على رأسك؟ # فقلت: لا. # [قال: فتحسن تتصرف، وتكسب المال؟. # قلت: لا] «1» . # قال: فعرفني من أين تعيش؟ # قال: ففكرت ساعة، فلم ms214 يقع لي إلا أن قلت: أصير قوادا. # قال: فبكى ساعة، ثم مسح عينيه، وقال: لست أعيب عندك هذه الصناعة، فإنها ~~ما جرت على لسانك، إلا وقد دارت في فكرك، ولا دارت في فكرك، وأنت تنصرف ~~عنها [161 ط] أبدا بعدي، ولكن أخبرني كيف يتم لك المعاش فيها؟ # فقلت: قد تدربت بكثرة دعواتي القحاب والمغنيات، ومعاشرتي لشراب النبيذ، ~~فأجمعهم على الرسم، فينفقون «2» في بيتي، ويعملون ما يريدون، وآخذ منهم ~~الدراهم، وأعيش. # فقال: إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة «3» ، فيحلقون رأسك، وذقنك «4» ، ~~وينادي عليك، ويتفرق جمعك، ويبطل معاشك، ويقول # PageV02P179 # أهل [133 ب] بلدك «1» أنظروا إلى فلان، كيف ينادى عليه، وقد صار بعد موت ~~أبيه قوادا. # ولكن إن أردت هذه الصناعة، فأنا أعلمك إياها، وإن كنت لا أحسنها، فلعلك ~~تستغني فيها، ولا تفتقر، ولا يتطرق عليك السلطان بشيء. # فقلت: إفعل. # قال: تحلف لي أنك تقبل مني. # فحلفت. # فقال: إذا مت، فاعمل على أنك أنفقت جميع مالك، وافتقرت، وابتدئ فكن قوادا ~~ولك ضياع وعقار، ودور وأثات، وآلة وجواري وقماش، وخدم وجاه وتجارات، واعمد ~~«2» لكل ما في نفسك أن تعمله إذا افتقرت، فاعمله وأنت مستظهر على زمانك، ~~بما معك، وجيها عند إخوانك، بمالك، واعمل على أنك قد أنفقته، واجعل معيشتك ~~مما «3» تريد أن تحصله «4» إذا افتقرت، فإنك تستفيد بذلك أمورا: منها: أنك ~~تبتدئ [أمرك] «5» بهذا، فلا ينكر عليك في آخره، ومنها: أنك تفعل ذلك بجاه ~~وعقار وضياع وأحوال قوية، فلا يطمع فيك سلطان، وإن طمع فيك رشوت، وبذلت من ~~قدرة وجدة، فتخلصت. # فقلت: كيف أعمل؟ # قال: تجلس، إذا مت، ثلاثة أيام للعزاء، إلى أن تنقضي المصيبة، # PageV02P180 # فإذا انقضت «1» ، نفذت وصيتي، وتجملت بذلك عند الناس، وقضيت حقي. # ثم تظهر أنك قد تركت اللعب، وأنك تريد حفظ مالك، مع ضرب من اللذة. # ثم تبتدئ فتشتري من الجواري المغنيات والسواذج، كل لون، ومن الغلمان ~~المرد، والخدم البيض والسود، ما تحتاج إليه وتشتهيه، ودارك، وضياعك، وآلتك، ~~[كما تحب في السرو والنبل] «2» ، كما خلفته. # فإن احتجت إلى استزادة شيء، فاستزد، ms215 وتنوق. # وعاشر من تريد أن تعاشره، من غير أن تدخل إليك مغنية قيان، ولا من تأخذ ~~جذرا. # وداخل الأمير، والعامل، وادعهما مرة في كل شهر أو شهرين، وهادهما أيام ~~الأعياد، بالألطاف الحسنة، والقهما [في] «3» كل أسبوع دفعة، واجتهد أن ~~تعاشرهما على النبيذ في دورهما، والقهما بالسلام، وقضاء الحق. # واتخذ في كل يوم مائدة حسنة، وادع القوم، ومن يتفق «4» معهم، وليكن ذلك ~~بعقل وترتيب. # فإن ذلك أولا، لا يظهر مدة طويلة، فإذا ظهر، صدق به أعداؤك، وكذب به ~~إخوانك، وقالوا: لعل هذا على سبيل المجون «5» والشهوة، وعلى طريق التخالع، ~~أو مسامحة الإخوان، وإلا فأي لذة له في ذلك وهو ليس # PageV02P181 # مخنثا، ولا مجنونا، ولا [162 ط] فقيرا فيحتاج إلى هذا، فيبقى «1» الخلاف ~~فيك مدة أخرى، وأنت مع هذا، قد وصلت [134 ب] سلطانك «2» ، ولعل العشرة ~~بينكما قد وقعت، فيستدعي مغنياتك، وتسمعهن في منزله «3» ، فيصير لك ~~بمنادمته رسم، وجاهك مع إخوانك باق ببرك وملاقاتك لهم، فهم يحامون عليك «4» ~~العاقل منهم، ويحافظ لك الآخر، فتصير في مراتب ندماء الأمير «5» ، وفي ~~جملته، وتصير قيادتك كالتشنيع عليك، والعيب لك «6» ، وتخرج عن حد القواد ~~المحض، الذين يؤذون دائما «7» ، وتكبس منازلهم. # قال: فاعتقدت في الحال، أن الصواب ما قاله. # ومات في علته، فجلست ثلاثة أيام، ثم نفذت وصيته، وفرقتها كما أمرني، ثم ~~بيضت الدور، وهي هذه، وزدت فيها ما اشتهيت، واستزدت من الآلات، والفرش «8» ~~، وإلآنية «9» ، كما أردت، وابتعت هؤلاء الجواري والغلمان والخدم، من ~~بغداد، ودبرت أمري على ما قاله أبي، من غير مخالفة لشيء منه. # فأنا أفعل هذا منذ سنين كثيرة، ما لحقني فيه ضرر، ولا خسران «10» ، # PageV02P182 # وما فيه أكثر من إسقاط المروءة، وقلة الحفل «1» بالعيب. # وأنا أعيش أطيب عيش وأهنأه، والتذ أتم لذة [وأحلاها] «2» مع هؤلاء ~~الجواري، والغلمان، والخدم، ومن يعاشرني عليهم. # ودخلي بهم، أكثر من خرجي، ونعمتي الموروثة باقية بأسرها، ما بعت منها ~~شيئا بحبة فضة «3» فما فوقها. # وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا، وأضفته إلى ما خلف أبي علي، ~~وأمري يمشي كما ترون. ms216 # فقلنا: يا هذا، فرجت والله عنا، وأوجدتنا طريقا إلى قضاء حقك. # وأخذنا نمازحه، ونقول: فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع «4» ، لأنك قواد ~~ابن قواد، وما كان الشيخ ليدبر لك هذا، إلا وهو بالقيادة أحذق منك. # فضحك، وضحكنا، وكان الفتى أديبا، خفيف الروح. # وبتنا ليلتنا على تلك الحال. # فلما كان من الغد، جمعنا له بيننا، ثلاثمائة دينار من نفقاتنا، وحملناها ~~إليه. # فأخذها، ورحلنا عنه. # PageV02P183 ### || 91 أراد جوامرك فطلب جوانبيرة # أخبرني غير واحد: # أن أسد بن جهور «1» العامل، كان بخيلا، وله سؤدد، يتقلد كبار الأعمال، ~~وهو عظيم الحال والمال. # قال: وكتب يوما إلى عامل له، في رستاق: إحمل إلي مائتي جوانبيرة «2» . # فقال العامل: وما يصنع بهذه العجائز كلهن، وهذه العدة كيف تجتمع لي من ~~قرية؟ # فجمع ما قدر عليه من النساء بين الشباب «3» والعجائز، وأنفذهن طوعا ~~وكرها. # وكتب إليه: إن كتابك وصل بجمع مائتي جوانبيرة، وهذا لا يوجد إلا في بلد ~~كبير، أو عدة رساتيق، وقد جمعت لك كذا وكذا، وحملته مع موصل هذا [135 ب] ~~الكتاب. # فلما قرأ كتابه، قال: ادفعوهم إلى الطباخ، وقولوا له يذبح منهم اليوم ~~[163 ط] كذا وكذا، ويصلح منهم كذا وكذا. # فقيل له: يذبح لك النساء؟ # قال: ما طلبت نساء. # قالوا: أنت طلبت نساء. # PageV02P184 # قال: ردوا الكتاب، فردوه. # قال: إنا لله، إنما أردت جوامرك «1» وكتبت جوانبيرة، إدفعوا إلى النساء ~~شيئا واصرفوهن، واكتبوا له بجمع الجوامركات. # ففعل ذلك «2» . # PageV02P185 ### || 92 أسد بن جهور وبخله على الطعام # قالوا: # وكان «1» معروفا بالبخل على الطعام جدا، وكان ندماؤه يلقون من ذلك جهدا. # وكان يحضرهم، ويطالبهم بالجلوس، ويحضر كل شيء لذيذ شهي من الطعام، فإن ~~ذاقه منهم أحد، ولو دانقا، استحل دمه، وعجل عقوبته. # وكانت [علامته معهم] «2» إذا شيلت المائدة، أن يمسحوا أيديهم في لحاهم ~~ليعلم أنهم ما شعثوا «3» شيئا يزهمها «4» . # وكان له ابن أخت، يجترئ عليه، ولا يفكر فيه، ويهتك ستره إذا واكله. # فقدمت يوما دجاجة هندية، فائقة سرية، فحين أهوى ابن أخته إليها، قبض على ~~يده أشد قبض، وقال: يا ms217 غث، يا بارد، يا قبيح العشرة، يا قليل الأدب، في ~~الدنيا أحد يستحسن إفساد مثل هذه؟. # فقال ابن اخته: يا لئيم، يا بخيل، يا سيء الاختيار «5» ، فلأي شيء تصلح؟ ~~تجعل عقدة على وجه التركة للأعقاب؟ واسطة للمخانق، في صدور # PageV02P186 # المجالس؟ سرية يتمتع بالنظر إليها؟ ما أقدر، شهد الله، أن أدعها من يدي. # فتصابرا عليها «1» ، إلى أن قال له الفتى: فافتدها من يدي. # قال: بما تحب. # قال: ببغلتك الفلانية. قال: قد فعلت. # [قال: بسرجها ولجامها المحلى الفلاني. قال: قد فعلت] «2» . # قال: ما أرفع يدي عنها، أو يحضر ذلك. # قال: يا غلام أحضرها. # فأحضرت البغلة والمركب، فسلمها الفتى إلى غلامه، وأخرجها، ورفع يده عن ~~الدجاجة. # وانقضى الطعام، وشيلت المائدة، وقام لينام. # فخرج ابن أخته، فقال للطباخ: علي بالفائقة الساعة، وبجميع ما شلتموه من ~~المائدة، فأحضر إليه، ورد الندمان، وقعدوا، فأكلوا ذلك وانصرفوا، وقد أكل ~~الدجاجة والطعام أجمع، وحصلت له البغلة والمركب. # قال: وإنما كان لا يطيق أن يرى ذلك يؤكل، فأما إذا نحي من بين يديه، لم ~~يسأل عنه، ولم يطالب به. # أخبرني أبو الحسن «3» بن الأزرق، قال: حدثني أبي، عن الحسن بن مخلد «4» ~~بهذا الحديث أنه حصل مع ابن خالة [الحسن بن مخلد] «5» ، قال: # رأيت الفتى، قد غدا إلينا، إلى ديوان الخراج على بغلة الحسن بن مخلد، ~~فسألناه عن السبب، فأخبرنا بذلك. # PageV02P187 ### || 93 ناصر الدولة يحاسب على بقية دجاجة # سمعت أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي [136 ب] يقول: # كنت بحضرة ناصر الدولة «1» ببغداد، فاستدعى بشيء يأكله متعجلا، ليتعلل ~~به. # فجاءوه بدجاجة مشوية، ورغيف واحد، وسكرجتي ملح وخل، وقليل بقل. # فجعل يأكل، وأنا أحادثه، إذ دخل الحاجب فأخبره بحضور قوم [164 ط] لا بد ~~من وصولهم، يحتشمهم. # فأمر برفع الدجاجة، فرفعت، ومسح يده، ودخل القوم، فخاطبهم بما أراد، ~~وانصرفوا. # فقال: ردوا الطبق، فأحضر، فتأمل الدجاجة ساعة، ثم حرد. # وقال: أين تلك الدجاجة؟ # فقالوا: هي هذه. # فقال: لا، وحق أبي، علي بالطباخ، فحضر. # فقال: هذه هي تلك الدجاجة؟ # فسكت. # فقال: أصدقني ms218 ويلك. # قال: لا. # PageV02P188 # قال: فما عملت بتلك؟ # قال: لما شيلت، لم نعلم أنها ترد إليك، فأخذها بعض الغلمان الصغار ~~وأكلها، فلما طلبتها، أخذنا هذه فكسرنا منها، وشعثنا، مثلما كنت كسرت من ~~تلك وشعثت، طمعا في أنك لا تعلم بذلك، وقدمناها. # فقال له: يا حمار، تلك كنت قد كسرت منها الفخذ الأيمن، وأكلت جانب الصدر ~~الأيسر، وهذه مأكولة جانب الصدر الأيمن، مكسورة الفخذ الأيسر، لا تعاود ~~بعدها لمثل هذا. # [قال: السمع والطاعة. # وانصرف الطباخ. # فجعلت أعجب من تفقده- وهو ملك- لمثل هذا] «1» . # PageV02P189 ### || 94 الحسن بن مخلد وبخله على الطعام # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: حدثني جحظة «1» ، قال: # ربحت بأكلة افتديتها «2» خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، وخمسة أثواب ~~فاخرة، وعتيدة طيب سرية. # قلت: كيف كان ذلك؟ # قال: كان الحسن «3» بخيلا على الطعام، سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه، ~~[بغتة] «4» فيسقيهم النبيذ، ويواكلهم، فمن أكل، قتله قتلا، ومن شرب عنده ~~على الخسف «5» ، حظي عنده. # قال: فكنت عنده يوما، فقال لي: يا أبا الحسن، قد عملت غدا على الصبوح ~~الجاشري «6» ، فبت عندي. # فقلت: لا يمكنني، ولكني أبا كرك قبل الوقت، فعلى أي شيء عملت أن تصطبح؟ # PageV02P190 # فقال: أعد لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي ~~على أن أباكره. # وقمت، وجئت إلى بيتي، فدعوت طباخي، وتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك ~~بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة «1» ، ففعل، ونمت. # [وقمت] «2» وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي وأسرج لي، وأنا ~~عامل على المضي إليه، إذ طرقتني رسله، فجئته. # فقال: بحياتي، أكلت شيئا؟ # قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأي وقت ~~أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئا؟ سل غلمانك، على أي حال وجدوني؟ # فقالوا: والله، وجدناه يا سيدنا وقد لبس ثيابه، وهو ذا ينتظر [137 ب] أن ~~يفرغ له من إسراج بغلته، ليركبها. # فسر بذلك سرورا شديدا، وقدم الطعام، فما كان في فضل أشمه، فأمسكت عن ~~تشعيثه ضرورة، وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحل دمي. ms219 # قال: وكذا كانت عادته، فأقول له: هوذا آكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل ~~[165 ط] أكثر من هذا؟ # وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال، وهو يفرح، وعنده أني ~~أشرب على الريق، أو على ذلك الأكل الذي خلست معه. # ثم أمرني بالغناء، فغنيت، فاستطاب ذلك، وطرب، وشرب أرطالا. # فلما رأيت النبيذ، قد عمل فيه، قلت: يا سيدي، أنت تطرب على # PageV02P191 # غنائي، فأنا على أي شيء أطرب؟ # قال: يا غلام، هات الدواة، فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إلي، وإذا هي ~~إلى صيرفي يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها، وشكرته. # ثم غنيت، فطرب، وزاد سكره، فطلبت منه ثيابا، فخلع علي خمسة أثواب. # ثم أمر أن يبخر من كان بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سرية، فيها طيب كثير، ~~فأخذ الغلمان يبخرون الناس منها، فلما انتهوا، قلت: # يا سيدي وأنا أرضى أن أتبخر حسب؟ # فقال: ما تريد؟ # قلت: أريد نصيبي من العتيدة. # فقال: قد وهبتها لك. # وشرب بعد ذلك رطلا آخر، واتكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر. # فقام الناس من مجلسه، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت تبكير الناس في ~~حوائجهم. # فخرجت كأني لص قد خرج من بيت قوم، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة. # فصرت إلى منزلي، ونمت نومة، ثم ركبت إلى درب عون «1» ، أريد الصيرفي، حتى ~~لقيته في دكانه، وأوصلت الرقعة إليه. # فقال: يا سيدي، أنت الرجل المسمى في التوقيع؟ # قلت: نعم. # PageV02P192 # قال: أنت تعلم، أن أمثالنا يعاملون للفائدة. # قلت: نعم. # قال: ورسمنا أن نعطي في مثل هذا، ما يكسر في كل دينار، درهم. # قلت له: لست أضايقك في هذا [القدر] «1» . # فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيما أحب إليك، تأخذ كما يأخذ ~~الناس، وهو ما عرفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي، ثم تركب ~~معي إلى داري، فتقيم عندي اليوم والليلة، ونشرب، فقد- والله- سمعت بك، وكنت ~~أتمنى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصا، فإذا فعلت هذا، دفعت إليك الدنانير ~~بما تساوي، من غير خسران. ms220 # فقلت: أقيم عندك. # فجعل الرقعة في [138 ب] كمه، وأقبل على شغله. # فلما دنت الظهر «2» ، جاء غلامه ببغل فاره، فركب، وركبت معه، وصرنا إلى ~~دار سرية حسنة، بفاخر الفرش والآلات، ليس فيها إلا جوار روم للخدمة، من غير ~~فحل. # فتركني في مجلسه، ودخل، ثم خرج إلي بثياب أولاد الخلفاء، من حمام داره، ~~وتبخر، وبخرني بيده، بند عتيق جيد، وأكلنا أسرى طعام، وأنظفه، وقمنا إلى ~~مجلس للشرب سري، فيه فواكه وآلات بمال. # وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده [166 ط] أطيب من أختها عند الحسن بن ~~مخلد. # PageV02P193 # فلما أصبحنا أخرج كيسين، في أحدهما دنانير، وفي الآخر دراهم، فوزن لي ~~خمسمائة [دينار من أحدهما، ثم فتح الآخر فإذا هو دراهم طرية «1» ، فوزن لي ~~منها خمسمائة درهم] «2» . # وقال: يا سيدي تلك ما أمرت به، وهذه الدراهم هدية مني. # فأخذتها، وانصرفت. # وصار الصيرفي صديقي، وداره لي. # PageV02P194 ### || 95 إن بالحيرة قسا قد مجن # حدثني أبو الحسين بن عياش «1» ، قال: # كان جحظة «2» لما أسن، يفسو في مجالسه، فيلقى من يعاشره، من ذلك جهدا. # وكنت أحب غناءه، والكتابة عنه، لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، ~~وكنت إذا جلست، أخذت عليه الريح، وجلست فوقها. # فجئته يوما في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفوا، قال لي، ~~ولآخر كان معي، أسماه لي، وحدثني ذلك الرجل بمثل هذا الحديث: # اجلسا عندي، حتى أجلسكما على لبود، وأطعمكما طباهجة «3» بكبود، وأسقيكما ~~معتقة اليهود، وأبخر كما بعود، وأغنيكما غناء المسدود «4» ، أطيب من ~~الندود. # فقلنا: هذا موضع سجدة. # وجلسنا، وصديقي لا يعرف خلته «5» في الفساء، وأنا قد أخذت الريح، فوفى ~~لنا بجميع ما شرطه. # وقال لنا، وقد غنى، وشربنا: نحن بالغداة في صورة العلماء، # PageV02P195 # وبالعشي في صورة المخنكرين «1» . # فلما أخذ النبيذ منه، أقبل يفسو، وصديقي يغمزني، ويتعجب، فأغمزه، وأقول: ~~إن ذلك عادته، وخلته، وإن سبيله أن يحتمل. # إلى أن غنى جحظة، صوتا مليحا، الشعر والصنعة له فيه، وكان يجيده جدا، ~~وهو: # إن بالحيرة «2» قسا قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن # ترك الإنجيل حبا ms221 للصبا ... ورأى الدنيا مجونا فركن «3» # وطرب صديقي ذاك، عليه طربا شديدا، استحسانا له، وأراد أن يقول أحسنت ~~والله يا أبا الحسن، فقال: افس علي كيف شئت. # فخجل جحظة «4» . # PageV02P196 ### || 96 بين جحظة وأبي الحسين بن عياش # قال: وأخبرني أنه كان معه في حديدي «1» لابن الحواري «2» ، وقد حملهم إلي ~~بلا شكر «3» ليتفرجوا [139 ب] ، والحديدي يمده الملاحون بالقلوس، وجحظة بين ~~يدي الرجل، قد صار في أعلى الريح لأنها كانت شمالا، على سطح الحديدي. # فأقبل جحظة يفسو، فأنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا الفساء؟ # من أين هذا؟ # فقال جحظة: هؤلاء المدادون سفل، فإذا مدوا فسوا، وهم أعلى منا في الريح، ~~فهي تحمل فساءهم إلينا. # قال: فاشتبه ذلك على الرجل. # فقلت له: يا أبا الحسن، لو أن فساء هؤلاء يريد الطرادة «4» ويجيء على ~~حبلها مستويا إلى نفس الطرادة ما وصل إلينا بهذه السرعة، والريح من جهتك لا ~~من جهة الملاحين، وأنا أنبه عليك. # قال: فأقبل يصانعني، ويفتدي من يدي، أن لا أغمز به. # فقلت: على شريطة أن تقطع. # قال: نعم. # PageV02P197 ### || 97 أبو عيشونة الشاطر # حدثني أبو القاسم الصروي الكاتب، قال: # كان بمدينة السلام، شاطر، يعرف بأبي عيشونة «1» ، فاجتاز به بعض العلماء ~~من أهل الأدب، في هيج «2» قد وقع، وقد خرج ليأخذ ثياب المجتازين [167 ط] ~~فقبض عليه، وقال: اطرح ثيابك. # فقال: أنا فلان. # فاستحيا منه، فقال: خذ علي ما أنشدك. # قال: هات. # فقال: # خمسون ألف فتى ما منهم أحد ... إلا كألف فتى ضرغامة بطل # شدوا ثيابهم يوما على أمل ... فأفرغوها وأدلوها على الأجل # فقال الرجل: أحسنت، فبالله، زدني من شعرك، فقال: # ولقد هيج البلا ... حين عض السفر جلا # ولقد قام حبكم ... في فؤادي بأعلى العلا # فقال: خلطت. # قال: أنا أبو عيشونة، وحياة أصحابي، أنج بنفسك. # فمضى الرجل وتركه. # PageV02P198 ### || 98 الحذاء الماجن بباب الطاق # رأيت حذاء ما جنا بباب الطاق «1» ، يعرف بالمدلق «2» ، ويلقب بالقاضي، ~~يسمي النعال، بأسماء من جنس الصفعة، على سبيل الهزل. # فيقول لمن يخاطبه: هذه صلعكية، وهذه رأسكية، وهذه قفوية. # فقال له واحد: ms222 كم أعطيت بها؟ # فقال: إذا نزلت في حلقك، عرفتك ثمنها، وأخذته منك، ومتى وقعت في عنقك ~~وكرهتها، فأنا آخذها منك بالثمن. # PageV02P199 ### || 99 طبيب يتماجن على مريض # ورأيت طبيبا يتماجن على مريض، وقد شكا إليه شيئا. # فقال: هذا يدل على أنك، ثارت بك الصفراء «1» ، وكان الذي شكاه المريض ~~رطوبة. # فقال: يا هذا أنا مرطوب، فكيف تثور بي الصفراء؟ # قال: فالسوداء «2» . # قال: لا أعلم. # [قال: الذي عندي، انه ثارت بك الملمعة] «3» . # ففطن الرجل لموضع قوله: الصفراء والسوداء، ثم وصف له ما يصلح له، مما ~~شكاه إليه، [من علته] » . # PageV02P200 ### || 100 يريد نعلا وجهه مليح وأسفله وثيق # قال لي أبو طلحة الحذاء البصري، وكان مألفا للأحداث والمتأدبين، قال لي ~~صديق لي: # أريد نعلا يكون لها وجه [140 ب] مليح، وأسفل وثيق. # فقلت: يا حبيبي، عليك بفلان العلق «1» ، إن وزنت خمسين درهما في اليوم، ~~ولست أجد لك بهذه الصفة إلا هو. ### || 101 كما تدين تدان # حدثنا أبو عبد الله بن ورام «2» الكوفي المتكلم، قال: # كان عندنا بالكوفة، رجل، له ابن عاق به، فلاحاه يوما في شيء، فجر برجله ~~حتى أخرجه من بيته، وسحبه في الطريق شيئا كثيرا. # فلما بلغ إلى موضع منه، قال له: يا بني حسبك، فإلى هاهنا جررت برجل أبي ~~من الدار، حتى جررتني منها «3» . # PageV02P201 ### || 102 طيب الطعام يستخرج لب الشكر # حدثني أبو الحسن «1» بن سهيل الحذاء، عن بعض الصوفية، أنه قال: # طيب الطعام يستخرج لب الشكر. ### || 103 سعد السعود # أنشدني إسحاق بن إبراهيم بن علي النصيبي «2» المتكلم لنفسه، في غلامه ~~سعد: # وفق الله من دعاك بسعد ... فلقد كان فيه عين السعيد «3» # أبصر السعد غرة بين عينيك ... فسماك باسمه المحمود # فإذا ما دعاك داع لأمر ... كنت فيه يا سعد سعد السعود # PageV02P202 ### || 104 من رسائل أبي محمد المهلبي # وجدت في كتب أبي «1» ، كتابا من أبي محمد المهلبي «2» إليه، قبل تقلده ~~الوزارة «3» ، بسنين، أوله: # كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي، عن سلامة [168 ط] لا زالت له إلفا، ~~وعليه وقفا # وحمدا لمولى أستمد بحمده ... له ms223 الرتبة العلياء والعز دائما # وأن يسخط الأيام بالجمع بيننا ... ويرضي المنى حتى يرينيه سالما # وصل كتابه، أدام الله عزه، فقمت معظما له، وقعدت مشتملا على السرور به # وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور # مثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور # بنظام لفظ كالثغور ... أو اللآلي في النحور # أنزلته في القلب منزلة ... القلوب من الصدور # PageV02P203 ### || 105 أبو طلحة يروي حديثا غير شريف # سمعت أبا طلحة [الحذاء] «1» ، يقول: # روى فلان، عن فلان، بإسناد طويل، من أصبح في يوم سبت، وعنده طباهجة «2» ~~عنبرية، وبالقرب منه باقلاني «3» ، ولم يصطبح، فلا صبحه الله بخير ولا ~~عافية «4» . # PageV02P204 ### || 106 واصل بن عطاء والخوارج # أخبرني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي «1» ~~: # أن أبا حذيفة، واصل بن عطاء «2» ، خرج يريد سفرا في رهط من أصحابه، ~~فاعترضهم جيش من الخوارج. # فقال واصل لأصحابه: لا ينطق منكم أحد، ودعوني معهم. # فقالوا: نعم. # قال: فقصدهم واصل، واتبعه أصحابه. # فلما قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا بهم، فقال: كيف تستحلون هذا، وما تدرون ~~ما نحن، ولأي شيء جئنا؟ # قالوا: نعم، فما أنتم؟ # قال: قوم من المشركين، جئناكم مستجيرين لنسمع كلام الله. # قال: فكفوا عنهم، وبدأ رجل يقرأ عليهم القرآن. # فلما أمسك، قال له واصل: قد سمعنا كلام الله، فأبلغنا مأمننا [141 ب] حتى ~~ننظر في الدين. # PageV02P205 # فقالوا: هذا واجب، سيروا. # قال: فسرنا، والخوارج «1» - والله- معنا برماحهم، يسيروننا ويحموننا، عدة ~~فراسخ، حتى قربنا من بلد لا سلطان لهم عليه. # فقالوا: ذاك مأمنكم؟ # فقال واصل: نعم، فارجعوا عنا. # فانصرفوا. # وذهب أبو حذيفة في «2» ذلك، إلى قول الله تعالى: وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه # «3» . # PageV02P206 ### || 107 بين معتزلي وأشعري # حدثني أبو الحسن «1» ، قال: # كان إسماعيل الصفار البصري، أحد شيوخ أصحابنا المعتزلة، وكان الناس إذ ~~ذاك يتشددون على أهل الحق «2» ، ويباينونهم في الخلاف. # قال: فوقعت ليلة في الدرب الذي كان ينزله إسماعيل بالبصرة، صاعقة. # فلما أصبح، قال لغلمانه: أكنسوا لي الباب، وافرشوا لي عليه، وإلا أرجف بي ms224 ~~المخالفون. # ففعلوا، وجلس على بابه. # فاجتاز بعض جلة شيوخ البصرة من المخالفين، فلما رآه، قال: ألم نخبر أن ~~الله رماك بصاعقة من عنده «3» ؟ # قال: ولم؟ أنا أقول إني أرى الله جهرة «4» ؟ # PageV02P207 ### || 108 خلاف بين المعتزلة وبين غوغاء من العوام # وقال رجل من أصحاب إسماعيل «1» بالبصرة: أن القرآن مخلوق، بحضرة غوغاء من ~~العوام، فوثبوا عليه، وحملوه إلى نزار الضبي «2» ، وكان أميرا على البصرة، ~~فحبسه. # فطاف إسماعيل على المعتزلة، فجمع [169 ط] منهم أكثر من ألف رجل، وبكر بهم ~~إلى باب الأمير، فاستأذن عليه، فأذن له. # فقال: أعز الله الأمير، بلغنا أنك حبست رجلا لأنه قال: أن القرآن مخلوق، ~~وقد جئناك، ونحن ألف، وكلنا يقول: أن القرآن مخلوق، وخلفنا من أهل البلد ~~أضعاف عددنا، يقولون بمقالتنا، فإما حبست جميعنا مع أخينا، أو أطلقته معنا. # قال: فعلم أنه متى ردهم ثارت فتنة لا يأمن عواقبها، وان الرأي يوجب الرفق ~~بهم. # فقال: بل نطلقه لكم. # فأطلقه، وانصرفوا به عدوا. # PageV02P208 ### || 109 دفن أبي هاشم الجبائي وأبي بكر بن دريد في يوم واحد # حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجي القاضي «1» ، قال: # لما توفي الشيخ أبو هاشم الجبائي «2» ، ببغداد، اجتمعنا لدفنه، فحملناه ~~إلى مقابر الخيزران «3» ، في يوم مطير، ولا يعلم بموته أكثر الناس، وكنا ~~جماعة في الجنازة. # فبينا نحن ندفنه، إذ حملت جنازة أخرى ومعها جميعة عرفتهم بالأدب. # فقلت لهم: جنازة من هذه؟ # PageV02P209 # فقالوا: جنازة أبي بكر بن دريد «1» . # فذكرت حديث الرشيد، لما دفن محمد بن الحسن «2» والكسائي «3» بالري في يوم ~~واحد» . # قال: وكان هذا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة «5» ، فأخبرت أصحابنا ~~بالخبر، وبكينا على الكلام والعربية طويلا، وافترقنا. # PageV02P210 ### || 110 بين الهبيري وابن أبي خالد الأحول # حدثني [142 ب] أبي، رضي الله عنه، بإسناد ذكره: # أن رجلا من شيوخ الكتاب يعرف بالهبيري، لزمته العطلة، وأضرت به، فكان ~~يلازم ابن أبي خالد الأحول «1» ، وهو إذ ذاك يدبر أمر الوزارة. # فطالت ملازمته داره، وكان ابن أبي خالد يستثقله، فحجب عن الدار. # فكان يبكر كل يوم ms225 فيقف على دابته بالباب، حتى يخرج الوزير، ثم ينتظر إلى ~~أن يعود، ويدخل الوزير، وينصرف هو. # فطال ذلك على الوزير، حتى برم به، فقال لكاتب له: إلق هذا الرجل، وقل له: ~~إنه لا تصرف لك عندي، ولست أحب أن أراك في كل وقت، فانصرف عني، ولا تقرب ~~بابي. # قال الكاتب: فاستحييت أن أؤدي عن صاحبي مثل هذه الرسالة إلى شيخ من جلة ~~«2» الكتاب، وإن كان الزمان قد حطه، وعلمت أن ذلك قد صدر عن الوزير، لسوء ~~رأيه فيه، ومقته له، واستثقاله إياه. # فصرت إلى منزلي، وأخذت معي خمسة آلاف درهم، وصرت إلى الهبيري، فقلت: # الوزير أعزه الله، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: هوذا تشق علي رؤيتك ~~بالباب، والأشغال تقطعني عنك، ولا تصرف عندي أرتضيه لك في هذا الوقت، وقد ~~حملت إليك خمسة آلاف درهم، فاستعن بها في نفقتك، # PageV02P211 # والزم دارك، واربح العناء، فإذا سنح عندي شغل يصلح لك، استدعيتك. # قال: فاستشاط الشيخ، وقال: جعلني من الشحاذين «1» والمستميحين، ينفذ إلي ~~برفد، والله لا قبلته. # قال: فاستجهلته، وداخلني غيظ [170 ط] من فعله، فقلت: يا هذا، والله، ما ~~هذه الدراهم من مال الوزير، ولا هي إلا من مالي، ورسالته أقبح مما تذهب ~~إليه، وإني كرهت تلقيك بها، وأنت من شيوخ هذه الصناعة، فتحملت لك هذا الغرم ~~من مالي، من غير علم صاحبي، صيانة لك وله. # فقال: أما أنت، فأحسن الله جزاءك، ولا حاجة بي إلى مالك، ولو مصصت الثماد ~~«2» ، ولكن أنشدك الله، إلا ما أبلغتني رسالته بعينها، وحزت بذلك شكري. # قال: فأديتها إليه على حقها وصدقها. # قال: فقال: أحب أن تتحمل الجواب. # فقلت: قل. # قال: تقول له: والله، ما آتيك لك نفسك، وإنما أنت رجل قد صرت بابا ~~لأرزاقنا، إذ كنا لا نحسن صناعة غير الكتابة، ولا تصرف فيها إلا من عندك، ~~ومن أراد دخول الدار، يجب أن يأتيها من بابها، وعلى الإنسان أن يتعرض ~~للرزق، ويأتي بابه، فإن قسم الله له منه شيئا، أخذه، وإلا كان قد أدى [143 ~~ب] ما ms226 عليه. # وليس يمنعني استثقالك لي، من قصدك، فإن قسم الله لي شيئا من # PageV02P212 # جهتك، أو على يدك، أخذته على رغمك، وإلا فلا أقل من أن أؤذيك برؤيتي، كما ~~تؤذيني بعطلتي. # قال: فانصرفت متعجبا منه، ولم أعد على الوزير ذلك، لئلا يغتاظ، وتغافلت ~~يومي. # فلما كان من الغد، بكر الوزير خارجا من داره، وأنا معه، فإذا بالشيخ، ~~فلما رآه، التفت إلي، وقال: ألم أنفذك إليه برسالة؟ # قلت: بلى. # قال: فلم عاد؟ # قلت: الخطب طويل طريف، وإذا اطمأن الوزير في مجلسه حدثته. # قال: فلما نزل في طياره، قال: أخبرني بما جرى. # فقصصت عليه القصة. وحملي الدراهم من مالي، وما جرى بأسره، وأديت إليه ~~رسالته بعينها، فكاد أن يطير غيظا. # وانتهى الكلام، وقد قدم الطيار «1» إلى دار الخلافة، فدخل إليه وفي نفسه ~~حديث الهبيري، والغيظ منه، فوقف بحضرة الخليفة، وجرى الكلام. # فقال له الخليفة: قد ألط «2» عامل مصر بالمال، وجنح إلى المدافعة، فاختر ~~رجلا شهما، ننفذه مشرفا عليه، ومطالبا بما مضى. # PageV02P213 # قال: وكان ابن أبي خالد يعتني برجل متصرف يقال له الزبيري، فأراد أن ~~يسميه لذلك، فقال: الهبيري، لما كان في نفسه منه، وقرب العهد بذكره، والغيظ ~~من أمره. # فقال الخليفة: أو يعيش الهبيري؟ # قال: يا أمير المؤمنين لم أرد الهبيري، وإنما أردت فلان بن فلان الزبيري. # قال: يجوز أن تكون أردت الزبيري، ولكن أخبرني بخبر الهبيري، فقد كانت له ~~بي حرمة «1» في حياة أبي، وبأسبابنا، وهو واجب الحق علينا. # فقال: نعم، هو يعيش. # قال: فأنفذه إلى مصر. # فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لا يصلح. # قال: ولم؟ # قال: قد اختل. # قال: أحضرنيه حتى أشاهده، فإن كان مختلا، أمرت له بصلة وجار، وإن كان ~~ينهض بالعمل أنفذته. # قال: [171 ط] يا أمير المؤمنين، إنه متعطل منذ سنين، وقد خمل، وذهب اسمه، ~~وصوته، وهذا عمل يحتاج إلى من له نباهة. # قال: إذا أقبلنا عليه، وندبناه لمثل هذا الأمر العظيم، تجدد ذكره، وتطرى ~~أمره. # قال: إنه لا حال له تنهضه. # قال: يطلق له من مالنا مائة ms227 ألف درهم، يصلح بها حاله، ويحمل إليه # PageV02P214 # من البغال والدواب والخيم والآلات. # قال: فأخذ يعتل عليه. # قال: أرى فيك تحاملا عليه، لتصدقني عن أمره معك. # فلجلج. # فقال: بحياتي أصدقني، فصدقه عن الخبر. # فقال الخليفة: قد والله أجرى الله عز وجل رزقه على يدك بالرغم منك، كما ~~قال، وو الله لا [144 ب] برحت، أو تكتب عهده، ويوصل بجميع ما أمرت به. # ثم قال: علي بالهبيري. # فأحضر، وخرج ابن أبي خالد عليه، فقال: # يا هذا، قد والله جاء رزقك على يدي بالرغم مني، وجرى كذا وكذا، وأخبره ~~الخبر «1» ، وسلم إليه التوقيعات بما أمر له به الخليفة، والكتب إلى مصر، ~~وواقفه «2» على العمل، وأخرجه إليه. # PageV02P215 ### || 111 بين ابن أبي الأضخم وابن أبي خالد الأحول # وحدثني أيضا عن ابن أبي خالد هذا، قال: كان بغيضا «1» . # قال: فاتفق أن بكر إليه يوما رجل شيخ من شيوخ الكتاب، يقال له: ابن أبي ~~الأضخم «2» متعطلا، قد طالت عطلته، يغتنم أن يراه سحرا خاليا «3» فيشكو ~~إليه حاله، ويسأله التصرف. # فبكر بكورا شديدا، فتلقاه برد قبيح، وقال له: أيش هذا المهم في مثل هذا ~~الوقت؟ # قال: فاحتد عليه الشيخ، وقال: ما العجب منك، العجب مني، حين ربطت أملي ~~بك، وأسهرت عيني توقعا للفجر في البكور إليك، وأسهرت عيالي وغلماني وتحملت ~~التجشم إليك، وأنزلت بك حاجتي، حتى تتلقاني بمثل هذا، وعلي، وعلي، وحلف ~~بأيمان البيعة، لا دخلت دارك أبدا، ولا سألتك حاجة، ولا طلبت منك تصرفا، أو ~~تجيئني إلى داري معتذرا مما تلقيتني به، وتقضي حاجتي في منزلي، ونهض. # فلما صار الرجل إلى منزله ندم ندما شديدا، وقال: هذا رجل لئيم الطبع، سيء ~~الظفر، شرس الخلق، وأنا مضطر إلى لقائه، ومساءلته في حوائجي، فلم حلفت بهذه ~~اليمين؟ # وما أحد أسوء حالا مني، فإن هذا الوزير لا يفكر في، ولا يجيئني والله ~~أبدا، ولا يكون لي طريق إلى قصده. # PageV02P216 # ويحس العمال بذلك، فيخربون ضيعتي، وتدوم عطلتي، ويلحقني كيت وكيت. # وأقبل يلوم نفسه ويؤنبها، ويفكر كيف يعمل، وقد أسفر النهار وتعالى، ms228 إلى ~~أن صار نحو ساعتين. # فدخل إليه غلمانه فقالوا: يا سيدنا، الوزير مجتاز في شارعنا. # فقال: وما علينا منه. # فدخل آخر فقال: يا سيدي، قد والله عدل من الشارع إلى دربنا. # [ودخل آخر فقال: يا سيدي، إنه يقصد دارنا] «1» . # وتبادر الغلمان، فقالوا: قد صار بالباب، يستأذن عليك. # قال: فنهض الشيخ، وخرج إليه، وقبل يده، وقال: [172 ط] أبيت، أيدك الله، ~~إلا الأخذ بالفضل. # قال: لا تشكرني، واشكر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، على ذلك. # ودخل إليه فقال: إنك انصرفت، وقد أمضني خطابك، وقد كان ما خاطبتك به على ~~ضجر مني، وعلى غير اعتقاد. # وركبت في الحال إلى الخليفة، فخاطبني، وأنا مشغول القلب بما دار بيننا ~~فوجد كلامي مضطربا، وأقسم علي لأخبرنه، فأخبرته، فأخذ يعذلني ويوبخني على ~~ما [145 ب] لقيتك به. # وقال: لا تقف، إمض إليه الساعة معتذرا، وأخرجه من يمينه «2» . # واقض حاجته، وانظر في أموره. # قال: ثم دعا بدواة، فوقع لي بما كنت سألته، وبمال وصلني به. # وتصرف قلدنيه، ونهض. # فشكرته، ودعوت للخليفة، وحمدت الله تعالى على ما وفقه لي. # PageV02P217 ### || 112 إذا نزل القضاء لم ينفع الدعاء # حدثني أبو الحسن بن سهيل الحذاء، قال: حدثني أبو الحسن علي بن عبد الله ~~[الحذاء] «1» ، قال: حدثني جعفر الخلدي «2» الصوفي، قال: # كنا مع ابن واصل الصوفي في سنة إحدى عشرة بالهبير «3» . # فلما أخذ الناس في الوقعة، وبدأ السيف في أهل القافلة، اجتمعنا إليه، ~~فقلنا: تدعو الله لنا أن يخلصنا. # قال: ليس هذا وقت الدعاء، هذا وقت الرضا والاستسلام، إنه إذا نزل القضاء، ~~لم ينفع الدعاء. # PageV02P218 ### || 113 من شعر ابن الحجاج البغدادي # حضرت أبا عبد الله بن الحجاج الكاتب البغدادي «1» ، صاحب السفه في شعره، ~~ينشد أبا الفضل الوزير لنفسه، يوم قبض ببغداد على حرم أبي الفرج محمد بن ~~العباس وأسبابه «2» وأطلق الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين «3» ، # PageV02P219 # وتقلد الوزارة، وكان محبوسا في دار أبي الفرج، فجلس فيها أكثر يومه. # وكان ذلك اليوم، يوم الثلاثاء، لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ستين ~~وثلاثمائة ms229 «1» ، وخلع عليه في الغد، وهو يوم الأربعاء. # وكان القبض عليه يوم ثلاثاء، وخلع على أبي الفرج للوزارة، صارفا له، يوم ~~الأربعاء، وبين الأمرين أربعمائة يوم، وجاء أبو الفرج فجلس في دار أبي ~~الفضل، ونظر في الوزارة: # يا سيدا طلعته لم تزل ... أشهى إلى عيني من النوم # لم تظلم الناس وحاشاك أن ... تحيف بالظلم على القوم # جازيتهم مثل الذي أسلفوا ... في الدار والمجلس واليوم # ثم خرج عن مجلسه. # فجلس جماعة في دار الوزير أبي الفضل، فأنشدنا شيخ حضر من الكتاب لابن ~~زريق الكاتب «2» في مثله، وهو أبو القاسم ابن زنجي «3» ، قال أنشدني ابن # PageV02P220 # زريق لنفسه في الكوفي «1» ، لما صرف: # إنا لقينا حجابا منك أرمضنا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا # فاسمع مقالي ولا تعجل علي فما ... أبغي بنصحك لا مالا ولا عرضا # في هذه الدار في هذا المكان «2» على ... هذي الوسادة كان العز فانقرضا ~~«3» # PageV02P221 ### || 114 عائدة الجهنية تنظم الشعر الحسن # أنشدتني عائدة «1» بنت محمد الجهنية لنفسها، وهذه امرأة فاضلة، كاتبة ~~[173 ط] كانت زوجة عم الوزير ابن شيرزاد «2» ، وخليفته على كتابة بجكم «3» ~~وسبكتكين «4» في الديوان الذي كان لأبي جعفر، وجاءه ابن زريق، فحجب، ثم دخل ~~بحيلة على ما أخبرنا. # قال، فأنشدته [146 ب] هذه الأبيات «5» ، فلما ولي الوزارة، نفعه، ~~واستخدمه. # فلما قبض على الحسن بن علي المنجم «6» ، وحبس ابنته في دار أبي [رضي الله ~~عنه] «7» وكل هذه المرأة بها، وهي إذ ذاك عجوز، فكانت تناشدنا الأشعار، ~~وتنشدنا لنفسها كل شيء جيد. # فأخبرتني أنها قالت تهجو أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، لما ولي # PageV02P222 # الوزارة، وتعيبه بقصر قامته، [وهزاله] «1» : # شاورني الكرخي لما دنا النيروز ... والسن له ضاحكه # فقال ما نهدي لسلطاننا ... من خير ما الكف له مالكه # قلت له كل الهدايا سوى ... مشورتي ضائعة هالكه «2» # أهد له نفسك حتى إذا ... أشعل نارا كنت دوباركه «3» # أنشدتني ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة «4» . # الدوباركه: كلمة أعجمية، وهي اسم للعب على قدر الصبيان يخلونها «5» أهل ~~بغداد في سطوحهم ليالي النيروز المعتضدي، ويلعبون بها، ويخرجونها في ms230 زي ~~حسن، من فاخر الثياب والحلي، ويحلونها كما يفعل بالعرائس، وتخفق بين يديها ~~الطبول والزمور، وتشعل النيران. # PageV02P223 # فهجته هذه المرأة بما تحقق عندي أنها صادقة فيه، لأنه يليق بكلام النساء. # وقد كانت تنشدني لنفسها أفحل من هذا الكلام، وكتبت ذلك عنها، وهو ثابت في ~~مواضع من كتبي، وما تعلق بحفظي لها غير هذه الأبيات. ### || 115 لو كان هذا المخنث شاعرا كان أشعر الناس # حدثني أبي «1» ، قال: كنت أماشي المعوج الشامي الشاعر، ببغداد، وكان ~~دقيقا، دقيق الوجه، أشهل، معوج الوجه. # فلقينا مخنث، فولع به المعوج. # فقال له المخنث: لا تسكت، يا من كأنه ديك يطلع في سطل ماء. # فأسرع المعوج من يده، وقال: لو كان هذا شاعرا كان أشعر الناس، والله ما ~~شبهني أحد، أصح من تشبيهه. # PageV02P224 ### || 116 بين مخنث وامرأة # حدثني أبو الطيب بن هرثمة، قال: # كنت مجتازا ببغداد، ومخنث يمشي، فرأته امرأة، وكان حسن البدن «1» . # فقالت: ليت على ابنتي شحم هذا المخنث. # قال: فقال لها المخنث: مع بغائي، فشتمته. # فقال لها: كيف صار، تأخذين الجيد، وتدعين الرديء. ### || 117 بين مخنث ومغنية # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # سمعت مخنثا يهاتر «2» مغنية، فقال لها: لا تسكتين، وحرك كأنه دكان حجام، ~~داخله دم، وخارجه شعر. # PageV02P225 ### || 118 بين مخنث وامرأة تولعت به # قال «1» : وبلغني أن مخنثا قال لامرأة تولعت «2» به: # اشتغلي بحرك الذي قطع لسانه، وسود وجهه، وجعل إلى جانبه كنيف ينجر إليه. ### || 119 فتى يهاتر مغنية # قال «3» : وهاتر صديق لنا مغنية، فقال لها: يا من خرق حيضها حشو مسورة ~~«4» . # PageV02P226 ### || 120 الحر العاملي ومكاشفته باللواط # حدثني أبو الطيب بن هرثمة، قال [174 ط] : # كان الحر العاملي، مكاشفا «1» [147 ب] باللواط، حتى أنه كان يقول لغلامه، ~~بحضرة الناس: إمض إلى البيت الذي نكتك فيه البارحة، فجئني منه بكذا. # قال: فقال ليلة لغلام له: أعطني فردا. # فقال: لا أفعل. # قال: ولم؟ # قال: هي ليلة جمعة. # قال: وأي فرق بينها وبين غيرها من الليالي؟ # قال: الذنب فيها يكتب ذنبين. # قال: فاحسب أن ليلة السبت قد ms231 تنايكنا فردين. # PageV02P227 ### || 121 أبو عيسى ابن بنت أبي نوح ومكاشفته بالبغاء # قال «1» : وكان أبو عيسى ابن بنت أبي نوح، مكاشفا بالبغاء «2» . # فقال يوما رجل بحضرته: فلان بغاء. # فقال: لا، ولا كرامة، من ذلك العامي السفلة، حتى يكون بغاء؟ # بأي أبوة؟ بأي نعمة؟ بأي كتبة؟ بأي صناعة؟ بأي ملوكية؟ بأي عرق؟. # PageV02P228 ### || 122 الصولي والإسفيذباج بالمباعر المحشوة # قال «1» : وأكلنا يوما مع الصولي «2» في داره، فقدمت إسفيذباج «3» بمباعر ~~محشوة «4» . فأقبل يحثنا على أكل الحشوات. # حتى قال في جملة الكلام: ومن فضلها، وطيبها، إنها تشبه زباب المراهقين. # قال: فقلت لصديق كان إلى جانبي: كاشف هذا أيضا بما يرمي به من البغاء. # PageV02P229 # 123 # لم أمرضه فأسلو ... لا ولا كان مريضا # حدثني أبي «1» قال: # خرج إلينا يوما، أبو الحسن الكاتب «2» ، فقال: أتعرفون ببغداد رجلا يقال ~~له: ابن أصدق؟ # قال: فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، فقلت: نعم، فكيف سألت عنه؟ # فقال: أي شيء يعمل؟ # قلت: ينوح على الحسين عليه السلام. # قال: فبكى أبو الحسن، وقال: إن عندي عجوزا ربتني من أهل كرخ جدان «3» ~~عفطية «4» اللسان، الأغلب على لسانها النبطية، لا يمكنها أن تقيم كلمة ~~عربية صحيحة، فضلا عن أن تروي شعرا، وهي من صالحات نساء المسلمين، كثيرة ~~الصيام والتهجد. # وإنها انتبهت البارحة في جوف الليل، ومرقدها قريب من موضعي، فصاحت بي: يا ~~أبا الحسن. # فقلت: ما لك؟ # فقالت: الحقني. # PageV02P230 # فجئتها، فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابك؟ # فقالت: إني كنت قد صليت وردي «1» فنمت، فرأيت الساعة في منامي، كأني في ~~درب من دروب الكرخ، فإذا بحجرة نظيفة بيضاء، مليحة الساج، مفتوحة الباب، ~~ونساء وقوف عليها. # فقلت لهم: من مات؟ وما الخبر؟ فأومأوا إلى داخل الدار. # فدخلت، فإذا بحجرة لطيفة، في نهاية الحسن، وفي صحنها امرأة شابة لم أر قط ~~أحسن منها، ولا أبهى ولا أجمل، وعليها ثياب حسنة بياض مروي «2» لين، وهي ~~ملتحفة فوقها بإزار أبيض جدا، وفي حجرها رأس رجل يشخب دما. # فقلت: من أنت؟. # فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه، وهذا ms232 رأس ابني ~~الحسين، عليه السلام، قولي لابن أصدق عني أن ينوح: # لم أمرضه فأسلو ... لا ولا كان مريضا # [148 ب] فانتبهت فزعة. # قال: وقالت العجوز: لم أمرطه، بالطاء، لأنها لا تتمكن من إقامة الضاد، ~~فسكنت منها إلى أن نامت. # ثم قال لي: يا أبا القاسم [175 ط] مع معرفتك الرجل، قد حملتك الأمانة، ~~ولزمتك، إلى أن تبلغها له. # فقلت: سمعا وطاعة، لأمر سيدة نساء العالمين. # قال: وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يلقون جهدا جهيدا من # PageV02P231 # الحنابلة، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر «1» . # فلم أزل أتلطف، حتى خرجت، فكنت في الحائر، ليلة النصف من شعبان. # فسألت عن ابن أصدق، حتى رأيته. # فقلت له: إن فاطمة عليها السلام، تأمرك بأن تنوح بالقصيدة [التي فيها] ~~«2» : # لم امرضه فأسلو ... لا ولا كان مريضا # وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك. # قال: فانزعج من ذلك، فقصصت عليه، وعلى من حضر، الحديث، فأجهشوا بالبكاء، ~~وما ناح تلك الليلة إلا بهذه القصيدة، وأولها: # أيها العينان فيضا ... واستهلا لا تغيضا # وهي لبعض الشعراء الكوفيين. # وعدت إلى أبي الحسن، فأخبرته بما جرى. # PageV02P232 ### || 124 كان الناس لا يستطيعون النياحة على الحسين عليه السلام خوفا من الحنابلة # قال أبي، وابن عياش: # كانت ببغداد، نائحة مجيدة حاذقة، تعرف بخلب «1» ، تنوح بهذه القصيدة «2» ~~. # فسمعناها في دور بعض الرؤساء، لأن الناس إذ ذاك كانوا لا يتمكنون من ~~النياحة إلا بعز سلطان، أو سرا، لأجل الحنابلة. # ولم يكن النوح إلا مراثي الحسين وأهل البيت عليهم السلام فقط، من غير ~~تعريض بالسلف. # قالا: فبلغنا أن البربهاري «3» قال: بلغني أن نائحة يقال لها: خلب، تنوح، ~~اطلبوها فاقتلوها «4» . # PageV02P233 ### || 125 عناية رسول الله صلوات الله عليه بأبي حسان الزيادي # حدثني أبي، رضي الله عنه، بإسناد ذكره: # أن أبا حسان الزيادي «1» ، كان من وجوه فقهاء أصحابنا، ومن غلمان أبي ~~يوسف، وكان من أصحاب الحديث. # وكان تقلد القضاء قديما، ثم تعطل، فأضاق، فلزم مسجدا حيال داره، يفتي، ~~ويدرس الفقه، ويؤم، ويحدث، وإضاقته كل يوم تزداد، وهو يطلب التصرف، أو ~~الرزق، ولا ms233 يظفر به، وقد نفد ما عنده، وباع كل ما يملكه، وركبه دين عظيم. # إذ جاءه يوما رجل خراساني، وقد حضر وقت خروج الناس من بغداد إلى مكة. # فقال له: إني أريد الخروج إلى الحج، وهذه عشرة آلاف درهم معي، تقبلها ~~وديعة لي، فإن رجعت من الحج رددتها علي، وإن رجع الناس ولم # PageV02P234 # أرجع، فاعلم أني هلكت، وهي لك هبة حلالا. # قال أبو حسان: فأخذتها إلى منزلي، وقصصت على زوجتي الخبر. # فقالت: نحن في ضر شديد، فلو تصرفت فيها من الآن، وقضيت دينك، واتسعت، ~~فلعل [149 ب] الله يجعلها لك، فتكون قد تعجلت العيش. # فقلت: لا أفعل. # فما زالت في يومي وليلتي، تحملني على ذلك، حتى أجبتها إليه من غد، ففضضت ~~الختم عن الكيس، وقضيت منه ديني، وتأثثت «1» ، وتوسعت في منزلي، واشتريت ~~ثيابا لي، ولها، ولبناتي، وأصلحت جميع [176 ط] أمري بنحو خمسة آلاف درهم من ~~ذلك. # ومضى على هذا الحديث ثلاثة أيام، أو أربعة، فانفتلت «2» يوما عن الصلاة، ~~فإذا بالخراساني ورائي. # فلما رأيته قامت قيامتي، وقلت: ما لك؟ # فقال: قد انصرفت «3» عن السفر إلى مكة، وأريد المقام ببغداد، فترد إلي ~~تلك الوديعة. # فقلت له: لست أتمكن من ذلك الساعة، فتجيئني غدا غدوة. # فنهض، ونهضت إلى منزلي، وما بي طاقة للمشي، فيما بين المسجد وبيتي. # فدخلت، وسقطت مغشيا علي، واجتمع أهلي. # فلما أفقت، قالوا: ما دهاك؟ # قلت: أنتم حملتموني على التصرف في مال الخراساني، وقد جاءني # PageV02P235 # الساعة يطلبه، فكيف أعمل؟ الآن أفتضح، ويذهب جاهي، وأهلك بين الناس، ~~وأحبس، فأموت ضرا وغما. # فبكوا، وبكيت. # وجاءت المغرب «1» ، فلم أقدر على الخروج إلى المسجد، وكذلك العشاء، ثم ~~قمت، فصليت في البيت. # فقلت: هذا أمر لا يكشفه إلا الله، وليس لي إلا التضرع «2» إليه، فجددت ~~طهورا، وصففت قدمي في المحراب، أصلي، وأبكي، وأدعو حتى ختمت القرآن، وقد ~~كاد أن يطلع الفجر، وما اكتحلت غمضا. # فقلت لأهلي: الساعة يجيء الرجل إلى المسجد، فكيف أعمل؟ # فقالوا: لا ندري. # فقلت: أسرجوا لي، وكانت لي بغلة أركبها. # وقلت لهم: ms234 أنا، هوذا، أركب، لا أدري إلى أين أمضي، ولست أرجع إليكم وإن ~~تلفت، ولا وجه لي يقوى على كلام الخراساني، فإن طالبكم وخرج بكم إلى مكروه، ~~فسلموا إليه بقية المال، وأصدقوه الحديث، وإن أمكنكم مدافعته، فدعوني ~~مستورا، فلعلي أرجع بفرج، أو رأي في أمره. # وركبت، لا أدري أين أقصد، وليس معي ضياء، ولا غلام، وتركت عنان البغلة ~~على عرفها «3» . # وجاءت إلى الجسر، وعبرته إلى الجانب الشرقي، وأنا عليها، وصارت # PageV02P236 # بي إلى باب الطاق، وعطفت بي في الشارع الكبير، المنفذ إلى دار الحليفة. # فلما توسطته، إذا بموكب عظيم، وضياء، وقوم يجيئون «1» من ناحية دار ~~الخليفة. # فقلت: أتنكب الطريق، حتى لا يزحموني بدوابهم. # فجذبت العنان لأدخل دربا، فإذا بهم يصيحون بي، فوقفت. # فقالوا: من أنت؟ ومن تكون؟ # قلت رجل من [150 ب] الفقهاء، فمسكوني، فجاذبتهم، وجاء رئيسهم. # فقال: من أنت رحمك الله؟ لا بأس عليك إن صدقت. # قلت: رجل من الفقهاء والقضاة. # قال: بمن تعرف؟ # قلت: بأبي حسان الزيادي. # فصاح: الله أكبر، الله أكبر، أجب أمير المؤمنين، فسرت معه، حتى أدخلت على ~~المأمون. # فقال لي: من أنت؟ # قلت: رجل من الفقهاء والقضاة، أعرف بالزيادي، ولست منهم، إنما سكنت في ~~محلة لهم، فنسبت إليهم. # فقال: بأي شيء تكنى؟ # قلت: بأبي حسان. # قال: ويحك ما دهاك؟ وما قصتك؟ فإن [177 ط] رسول الله، صلى الله عليه، ما ~~تركني البارحة أنام بسببك، أتاني دفعة في أول الليل، وفي # PageV02P237 # وسطه، وهو يقول: أغث أبا حسان الزيادي، فأنتبه، ولا أعرفك، وأنسيت السؤال ~~عنك، فلما كان الساعة، أتاني، فقال: أغث أبا حسان الزيادي، فما تجاسرت على ~~النوم، وأنا ساهر من ذلك الوقت، وقد بثثت الناس في جانبي البلد، أطلبك، فما ~~قصتك؟ # قال: فصدقته عن الخبر، حتى لم أكتمه منه حرفا. # وقلت: أنا رجل كنت أتقلد للرشيد من أبي يوسف القضاء بناحية، فلما مات، ~~صرفت، وانقطعت أرزاقي، ولزمتني العطلة والإضاقة، فكان من خبري مع رجل ~~خراساني كيت وكيت. # فبكيت، وبكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هاتوا خمسة آلاف ms235 درهم، ~~فجاءوا بها. # فقال: خذ هذه فارددها مكان ما تصرفت به. # ثم قال: هاتم عشرة آلاف درهم، فجاءوا بها، [فقال: خذ هذه فأصلح بها أمرك. ~~وتوسع بها في نفسك. # ثم قال: هاتم ثلاثين ألفا، فجاءوا بها] «1» ، فقال: خذ هذه، فأصلح بها ~~أمر بناتك، وزوجهن، وإذا كان يوم الموكب، فصر إلينا بسواد «2» لنقلدك عملا، ~~ونرزقك رزقا. # فحمدت الله، وشكرته، وصليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوت ~~لأمير المؤمنين، وانصرفت والمال معي، وصرت إلى منزلي، وما طلعت الشمس، وأهل ~~المسجد يتوقعون خروجي للصلاة، وقد أنكروا تأخري عنهم، فنزلت، فصليت بهم، ~~وسلمت، وإذا بالخراساني، فأدخلته منزلي، وأخرجت إليه بقية ماله، فرأى ختمه ~~غير صحيح. # PageV02P238 # وقلت: خذ هذا، فهو بقية مالك، فقد صرفته، وأومأت إلى المال الذي كان معي، ~~وقلت خذ تمام مالك. # فقال: ما قصتك؟ # فأخبرته الخبر، فبكى، وحلف لا يأخذ شيئا. # وحلفت عليه، فقال: والله، لا أخذته، ولا أدخلت في مالي شيئا من مال ~~هؤلاء. # وبدأت بالنظر في أمر بناتي، وتزويجهن، وتجهيزهن، وتقدمت بابتياع سواد، ~~ودابة، وغلام. # وصرت إلى المأمون، يوم الموكب، [151 ب] فأدخلت، فسلمت، فأوقفت مع القضاة، ~~وأخرج إلي عهدا من تحت مصلاه، وسلمه إلي. # وقال: قد قلدتك القضاء [بالمدينة الشرقية من] «1» الجانب الغربي، وهذا ~~عهدي إليك عليها، فاتق الله، وقد أجريت لك كذا وكذا، في كل شهر، رزقا. # فما زال أبو حسان يتقلدها في أيام المأمون. # PageV02P239 ### || 126 العلويون وآل طاهر # حدثني أبي «1» ، قال: حدثني الصولي «2» ، أن عبيد الله بن عبد الله بن ~~طاهر «3» حدثه، قال: # لما عاد محمد بن عبد الله، أخي، من مقتل يحيى بن عمر العلوي «4» ، رضي ~~الله عنه، بعد مديدة، دخلت إليه بعد ذلك يوما سحرا، وهو كئيب مطاطىء الراس، ~~في أمر عظيم، كأنه قد عرض على السيف «5» ، وبعض جواريه قيام لا يتجاسرن على ~~مسألته، وأخته واقفة. # فلم أقدم على خطابه، فأومأت إليها، ما له؟ # قالت: رأى رؤيا هالته. # فتقدمت إليه، وقلت: أيها الأمير، روي عن النبي صلى الله عليه، إنه قال ~~[178 ط] ms236 : إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليتحول من جانبه إلى الآخر، ~~وليقل ثلاثا، أستغفر الله، ويلعن إبليس، ويستعيذ بالله، ثم ينام. # PageV02P240 # فرفع رأسه، وقال: يا أخي، فكيف إذا كانت الطامة من جهة رسول الله صلى ~~الله عليه. # [فقلت: أعوذ بالله] «1» . # فقال لي: ألست ذاكرا رؤيا طاهر بن الحسين؟ # فقلت: بلى. # قال عبيد الله: وكان طاهر، وهو صغير الحال رأى النبي صلى الله عليه في ~~منامه، فقال له: يا طاهر، إنك ستبلغ من الدنيا أمرا عظيما، فاتق الله، ~~واحفظني في ولدي، فإنك لا تزال محفوظا ما حفظتني في ولدي. # فقال: ما تعرض طاهر لقتال علوي قط، وندب إلى ذلك غير دفعة فامتنع منه. # ثم قال لي أخي محمد بن عبد الله «2» : إني رأيت البارحة رسول الله صلى ~~الله عليه في منامي، كأنه يقول لي: يا محمد، نكثتم؟ # فانتبهت فزعا، وتحولت، واستغفرت الله تعالى، وتعوذت من إبليس، ولعنته، ~~واستغفرت الله تعالى، ونمت. # فرأيته صلى الله عليه ثانية، وهو يقول: يا محمد، نكثتم؟ # [ففعلت كما فعلت في الأولة. # PageV02P241 # فرأيته صلى الله عليه وهو يقول: نكثتم] «1» وقتلتم أولادي؟ والله، لا ~~تفلحون بعدها أبدا. # فانتبهت، وأنا على هذه الحال، وهذه الصورة، منذ نصف الليل ما نمت. # قال: واندفع يبكي، وبكيت معه. # فما مضت على ذلك إلا مديدة، حتى مات محمد «2» ، ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة، ~~وصرفنا عن ولاياتنا، ولم يزل أمرنا يخمل، حتى لم يبق لنا اسم على منبر، ولا ~~علم في جيش، ولا إمارة. # وحصلنا إلى الآن تحت المحن. # PageV02P242 ### || 127 بين الوزير علي بن عيسى والعطار الكرخي # حدثني جماعة من أهل الحضرة: # أن رجلا عطارا [152 ب] من أهل الكرخ «1» ، كان مشهورا بالستر «2» ، ~~ارتكبه دين، فقام «3» من دكانه [ولزم منزله وأقبل على الدعاء والصلاة ليالي ~~كثيرة. # فلما كان] «4» ليلة جمعة، وصلى صلاته، ودعا ونام. # قال: فرأيت النبي صلى الله عليه في منامي، وهو يقول لي: اقصد علي ابن ~~عيسى الوزير «5» ، فقد أمرته لك بأربعمائة دينار، فخذها، وأصلح بها أمرك. # قال: وكان علي قيمة ستمائة ms237 دينار. # فلما كان من غد، قلت: قد قال رسول الله صلى الله عليه، من رآني # PageV02P243 # في المنام، فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل بي، فلم لا أقصد الوزير؟ # قال: فقصدته، فلما جئت إلى الباب، منعت من الوصول إليه، فجلست إلى أن ضاق ~~صدري، وهممت بالانصراف، فخرج الشافعي «1» صاحبه، وكان يعرفني معرفة ضعيفة، ~~فأخبرته الخبر. # فقال: يا هذا، إن الوزير، والله، في طلبك منذ السحر، وإلى الآن، وقد سئلت ~~عنك، فما عرفتك، وما عرفنيك أحد، والرسل مبثوثة في طلبك، فكن مكانك. # قال: ومضى، فدخل، فما كان بأسرع من أن دعوني، فدخلت إلى أبي الحسن علي بن ~~عيسى. # فقال: ما اسمك؟ # قلت: فلان ابن فلان العطار. # قال: من أهل الكرخ؟ # قلت: نعم. # قال: يا هذا أحسن الله جزاءك في قصدك إياي [179 ط] ، فو الله ما تهنيت ~~بعيش منذ البارحة، جاءني رسول الله صلى الله عليه، في منامي، فقال: أعط ~~فلان بن فلان العطار في الكرخ أربعمائة دينار، يصلح بها شأنه، وكنت اليوم، ~~طول نهاري، في طلبك، وما عرفنيك أحد. # ثم قال: هاتم ألف دينار، فجاءوا بها عينا. # فقال: خذ منها أربعمائة دينار، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه، ~~وستمائة دينار، هبة مني لك. # فقلت: أيها الوزير ما أحب أن أزاد «2» على عطية رسول الله صلى الله # PageV02P244 # عليه شيئا، فإني أرجو البركة فيها، لا فيما عداها. # فبكى علي بن عيسى، وقال: هذا هو اليقين، خذ ما بدا لك. # فأخذت أربعمائة دينار، وانصرفت. # فقصصت قصتي على صديق لي، وأريته الدنانير، وسألته أن يحضر غرمائي، ويتوسط ~~بيني وبينهم، ففعل. # وقالوا: نحن نؤخره ثلاث سنين بالمال، فليفتح دكانه. # فقلت: لا، بل يأخذون مني الثلث من أموالهم، وكانت ستمائة. # فأعطيت كل من له شيء، ثلث ماله، وكان الذي فرقته مائتي دينار. # وفتحت دكاني «1» ، وأدرت المائتين الباقية في الدكان، فما حال الحول علي، ~~إلا ومعي ألف دينار. # فقضيت ديني كله، وما زال مالي يزيد، وحالي تصلح. # PageV02P245 ### || 128 يحفظ شعرا في منامه # حدثني أبو أحمد الحارثي عبد ms238 الله بن عمر، قال: # رأيت في منامي كأني مجتاز بالبصرة في بني نمير على مجلس الشرطة، والناس ~~مجتمعون [153 ب] . # فقلت: ما هذا؟ # قالوا: فتى يضرب عنقه. # فاطلعت في الحلقة، فإذا بفتى حسن الوجه، قد أجلس وشد ليضرب عنقه. # فقال لهم: دعوني أتكلم بكلمتين، ثم اعملوا ما شئتم. # فقالوا له: تكلم. # فقال: هل هاهنا رجل من أهل الأدب، يحفظ عني ما أقوله قلت: نعم، فقال: # أيا شاهدي قتل المشوق تحملا ... زكي سلام طيبته مقاصده # إلى الظبية اللعساء في سند الحمى ... بحيث تحدى باب عثمان قاصده # فقولا لها «1» إن المشوق الذي اعتدت ... عليه لريب الدهر أيد تراصده # مضى وبأحناء الضلوع هواكم ... إلى أن يرى إنشاءه بعد حاصده # ثم قال لي: احفظها يا أخي «2» علي، فإنه لا خامس لقافيتها، بشرط أن لا ~~تغير الصاد والدال، ثم ضربت عنقه. # PageV02P246 # وانتبهت، وأنا أنشد الأبيات في الحال، فعلقتها. # وطلبت- فيما أعرفه وأذكره- قافية خامسة للأبيات، فلم أجد. # قلت أنا: وطلبت لها قافية، فوجدت ما يصلح أن يضاف إليها، فاصده من الفصد، ~~وعاصده، ولا أدري كيف ذهب ذلك عن أبي أحمد. # ولعل غيري إن فتش، وجد قوافي أخر، إلا أنها قافية عزيزة على هذا الشرط، ~~كيف تصرفت الحال. # PageV02P247 ### || 129 المعتضد يهدم سور أنطاكية # حدثني أبي، قال: # لما خرج المعتضد إلى قتال [180 ط] وصيف الخادم «1» ، إلى طرسوس «2» ، ~~وأخذه، عاد إلى أنطاكية «3» ، فنزل خارجها، وطاف بالبلد بجيشه، وكنت صبيا ~~إذ ذاك في المكتب. # قال: فخرجت في جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر بلا سواد، وسمعت رجلا ~~يقول: الخليفة بقباء أصفر بلا سواد؟ # قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره ببغداد، فجاءه ~~الخبر بعصيان وصيف، فخرج في الحال من داره إلى باب الشماسية، فعسكر، وحلف ~~أن لا يغير هذا القباء، أو يفرغ من أمر وصيف، فأقام بباب الشماسية، أياما، ~~حتى لحقه الجيش، ثم خرج، فهو عليه إلى الآن ما غيره. # قال: فحدث أبي بعد ذلك: وأنفذ المعتضد إلى سور أنطاكية بفعلة يهدمونه، ~~فماج الناس، ولجت ms239 «4» العامة، وتشاور شيوخ المدينة في هذا، # PageV02P248 # فأجمع رأيهم أن كفوا العامة، ومضوا إلى مضرب الخليفة، وسألوا الوصول. # فأنفذ إليهم أن اختاروا عشرة منكم، يدخلون إلي، ويخاطبونني. # فاختاروا عشرة كنت منهم. # فحدثني قال: دخلنا عليه، فسلمنا، ووقفنا، فأمر بإجلاسنا، فجلسنا. # فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن في وجه عدو كلب، وجهاد متصل [ونفير دائم] ~~«1» ، والعدو يطرقنا ونطرقه، فإن هدمت هذا السور، كان ذلك أقوى عدة للعدو ~~[154 ب] علينا، وكان البلد له عند أيسر ضعف يلحقنا، وحادثة تطرقنا، فإن ~~رأيت أن ترحم ضعفنا، وتستر ذرارينا، بهذا السور. # فقال: قد كثرت الحوادث علينا في هذه الثغور، واعتصام كل مخالف، بحصن ~~منها، وقد علمتم ما لحقنا بالأمس من ابن الشيخ «2» ، واليوم من هذا الخادم ~~«3» ، وقد سبق مني القول، أن لا أدع حصنا إلا هدمته، وأنا أهدم هذا السور، ~~وأحصنكم من العدو، بإضعاف عدد الشحنة، وإدرار الأرزاق، وإطلاق مال للمطوعة، ~~يقوون به على جهاد العدو، فتكون قوتهم مانعة للعدو، وكأن السور لم يزل، ولا ~~يطمع أحد في التحصن به على العصيان. # قال: فلم يكن عند أصحابي حجة، وضعف كلامهم، ورأيت المجلس كالمنفض «4» على ~~هذا. # فقمت، واستأذنت في الكلام، فأذن لي. # PageV02P249 # فقلت: [يا أمير المؤمنين، على أن أقول ما عندي، وأنا آمن؟ # قال: نعم. # قلت] «1» : يا أمير المؤمنين، إن الله لو خلد أحدا «2» في الأرض، لخلد ~~محمدا صلى الله عليه، وإن هذه الحصون والأسوار لم توضع لسنة بعينها، ولا ~~لأيام خليفة بعينه، وإنما جعلت لتبقى على الدهور، وتدفع عن أهلها في أيام ~~كل ملك، سائسا كان أو متوانيا. # ولو كنا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا، ما سألناه خلاف ما يراه، ولو كنا ~~نثق أن من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم، باهتمامه بمصالحهم، [181 ط] ~~وسياسته لخاصتهم وعامتهم، مثله، لسهل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي ~~لا عوض عنه، ولو كان من يتقلد بعده، مثله، لما كان لنا في ذلك عزاء عن ~~السور، فإنا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا، أن تشغله ms240 ~~حادثة عنا، تمنعه من مصالحنا، فنكون نحن درية «3» لسيوف الروم، ورماحهم. # وإنك يا أمير المؤمنين إن هدمت هذا السور، بقي بلدنا ما دمت حيا، ثم خرج ~~عن أيدي المسلمين بعدك، وقتلتنا الروم، وسبت ذرارينا، وصليت بإثمنا في ~~القيامة، وعارنا في الدنيا، فالله، الله، فينا، فقد صدقتك يا أمير ~~المؤمنين، والأمر إليك بعد ذلك. # قال: فنكس المعتضد رأسه ساعة، ثم رفعه، وقد بكى. # وقال: فكيف أعمل، وقد سبق قولي بأني أهدمه؟ # فقلت له: تعمل الفعلة في هذا اليوم فقط، فيكون في ذلك إبرار # PageV02P250 # لقول أمير المؤمنين، ثم إذا رحل هو عنا، أذن لنا في إعادة ما هدم اليوم ~~فقط. # فقال: أنفذوا غدا من يرد الفعلة، ويمنعهم من هدم السور بعد اليوم، وقد ~~أذنت لكم في إعادة ما انهدم [155 ب] . # فشكرناه، ودعونا له، وارتفعت الصيحة «1» بالدعاء له. # وعدنا، فوجدنا الفعلة، قد هدموا ذلك اليوم قطعة منه، فأعدناها بعد خروج ~~المعتضد، من أموالنا. # فهي معروفة إلى الآن في السور، لتغير بنائها عن البناء الأول. # PageV02P251 ### || 130 بحث في شكوى الزمان وفساد الإخوان # جرى بيني وبين أبي الحسن [أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين] «1» ، ~~الكاتب الأهوازي، وهذا الرجل من معقلي الناس وفضلائهم، عقلا، ونبلا، وبراعة ~~في صناعته، وتقدما، وقد ولي كبار الأعمال للسلطان، وخلف أبا عبد الله ~~البريدي على الأهواز «2» ، وتولاها لمعز الدولة «3» مكان أبي عبد الله ~~البريدي، عقيب هربه من معز الدولة «4» ، ثم استخلفه بعد ذلك، أبو القاسم ~~البريدي على البصرة «5» ، ثم خلف أبا علي الطبري «6» ، وأبا محمد المهلبي ~~«7» # PageV02P252 # [وكان إذ ذاك على كور الأهواز، ثم تقلد عمالة البصرة لسباشي الحاجب ~~الخوارزمي التركي «1» ، ثم لمعز الدولة، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد ~~المهلبي] «2» ، وحلب الدهر أشطره، وجرب الأمور، وسبر الزمان، ذكر الزمان ~~وتصرفه، وفساد الإخوان فيه، وقلة المودات، وما بلغني عن أبي الحسن ابن ~~الفرات «3» ، أنه قال: جزى الله عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا، وأنه ~~قال: أحصيت ما أنا فيه من المكاره، فما وجدت منه شيئا لحقني، إلا ممن ms241 أحسنت ~~إليه. # فقال لي أبو الحسن: هذا صحيح، ولكن حدث عند فساد الزمان، وإلا فالأكثر من ~~عدد الناس، كان قديما، على تصرف زمانهم، ما يعتقدونه من مودات إخوانهم، ~~فلما فسدت الطباع، وتسمح الناس في شروط موداتهم «4» ، صار الإنسان ساكنا ~~«5» ممن لا يعرفه، لا يلحق به شره، ولا يناله ضره، وإنما يلحق الآن الضرر ~~من المعارف، ومن يقع عليه اسم الإخوان، وذلك إنهم يطالبون في المودة بما لا ~~يفعلون مثله، فإن أسدى إليهم إحسانا [عرف طبعه فهي العداوة القليلة] «6» ، ~~وإن حفظ الإنسان ما يضيعونه أبدا حصل تحت الرق، وإن قارضهم الإفعال ثارت ~~العداوة، وتواترت عليه المكاره، هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنه صديقا ~~بالشر والتجني، والمعاملة [182 ط] القبيحة بالتوهم والتظني، من غير تثبت ~~ولا استصلاح، # PageV02P253 # فأما إذا كان ليس بينكما أكثر من المعرفة فالضرر معها بالثقة، لأن كل ~~مكروه يلحقك، إذا حصلته، كان ممن يعرفك ويقصدك به على علم بك، فأما الضرر ~~ممن لا تعرفه، فبعيد جدا، مثل لصوص يقطعون عليك الطريق، غرضهم [156 ب] أخذ ~~المال منك، أو من غيرك، وما يجري هذا المجرى، وعلى أن أشد الضرر من اللصوص، ~~ما وقع عن تعيين، وعلى معرفة بالإنسان. # فمهما أمكن للعاقل أن يقل من المعارف، واجتلاب من يسمى أخا في هذا ~~الزمان، فليفعل، وليعلم أنه قد أقل من الأعداء، وكلما استكثر منهم، فقد ~~استكثر من الأعداء. # وكأن ابن الرومي «1» جمع هذا [المعنى] «2» ، فقال: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أقتل ما تراه ... يكون «3» من الطعام أو الشراب # PageV02P254 ### || 131 من شعر أبي فراس الحمداني # هذا شعر أبي فراس بن أبي العلاء بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي «1» # أشد عدويك الذي لا تحارب ... وخير خليليك الذي لا تناسب # لقد زدت بالأيام والناس خبرة ... وجربت حتى هذبتني التجارب # فأقصاهم أقصاهم عن إساءتي ... وأقربهم مما كرهت الأقارب # وأعظم أعداء الرجال ثقاتها ... وأهون من عاديته من تحارب # وما أنس دار ليس فيها مؤانس ... وما قرب أهل ليس منهم مقارب ms242 # نسيبك من ناسبت بالود قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «2» # وله: # إذا كان فضلي لا أسوغ نفعه ... فأفضل عندي أن أرى غير فاضل # ومن أضيع الأشياء مهجة عاقل ... يجور «3» على حوبائها حكم جاهل «4» # وله: # لمن أعاتب؟ مالي؟ أين يذهب بي؟ ... قد صرح الدهر لي بالمنع والياس # أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس «5» # PageV02P255 # وله: # وأخ أطعت فما رأى لي طاعتي ... حتى خرجت بأمره عن أمره # وتركت حلو العيش لم أحفل به ... لما رأيت أعزه في مره # والمرء ليس ببالغ في أهله ... كالصقر ليس بصائد في وكره «1» # وله: # في الناس إن فتشتهم ... من لا يعزك أو تذله # فاترك مجالسة «2» اللئيم ... فإن فيها العجز كله «3» # وله: [183 ط] # غنى النفس لمن يعقل ... خير من غنى المال # وفضل الناس في الأنفس ... ليس الفضل في الحال «4» # وله: # ندل على موالينا ونجفو ... ونعتبهم وإن لنا الذنوبا # بأقوال يجانبن المعاني ... وألسنة يخالفن القلوبا «5» # وله: # ولقد علمت كما علمت ... وإن أقمت على صدوده # إن الغزالة والغزالة ... في ترائبه وجيده «6» # PageV02P256 # وله: # قد كان لي فيك حسن صبر ... خلوت يوم الفراق منه # لم يبق لي في الجفون إلا ... ما استنزلتني الخدود عنه «1» # وله: # لي صديق على الزمان صديقي ... ورفيق مع الخطوب رفيقي # لو رآني إذا استهلت دموعي ... في صبوح ذكرته أو غبوق # أسرق الدمع من نديمي بكأسي «2» ... فأحلي عقيانها بالعقيق # وله: # هل تحسان لي صديقا صدوقا ... يحفظ العهد أو رفيقا رفيقا [157 ب] # لا رعى الله يا حبيبي دهرا ... فرقتنا صروفه تفريقا «3» # وله «4» : # من السلوان في عينيك ... آيات وآثار # أراها منك في القلب ... وفي القلوب أبصار # PageV02P257 # إذا ما برد الحب ... فما تسخنه النار # وله: # الحزن مجتمع والصبر مفترق ... والحب مختلف عندي ومتفق «1» # ولي إذا كل عين نام صاحبها ... عين تحالف فيها الدمع والأرق # لولاك يا ظبية الأنس التي نظرت ... لما وصلن إلى مكروهي الحدق # لكن نظرت وقد سار الخليط ضحى ... بناظر كل حسن منه مسترق # وله: # يا من يلوم على هواه جهالة ... انظر إلى تلك السوالف ms243 تعذر # حسنت وطاب نسيمها فكأنها ... مسك تساقط فوق ورد أحمر «2» # وله: # ومرتد بطرة ... مسدلة «3» الرفارف # كأنها مسبلة «4» ... من زرد مضاعف «5» # وله: [184 ط] # يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... قد كان كل سرور حاضرا فيها # باتت وبت وبات الزق ثالثنا ... حتى الصباح فتسقيني وأسقيها # PageV02P258 # كأن سود عناقيد بلمتها ... أهدت سلافتها صرفا إلى فيها «1» # وله: # بتنا نعلل من ساق أعد «2» لنا ... بخمرتين من الصهباء والخد # كأنه حين أذكى نار وجنته ... سكرا وأسبل فضل الفاحم الجعد # يعل ماء عناقيد بطرته ... بماء ما حملت خداه من ورد «3» # وله: # وظبي غرير في فؤادي كناسه ... إذا اكتنفت «4» غور الفلاة وقورها # فمن خلقه لباتها ونحورها ... ومن خلقه عصيانها ونفورها # وله: # وجناته تجني على عشاقه ... ببديع ما فيها من اللألاء # ض بيض علتها «5» حمرة فتوردت ... فعل المدام مزجتها بالماء # فكأنما برزت لنا بغلالة ... بيضاء تحت غلالة حمراء «6» # PageV02P259 # وله: # كأنما تساقط الثلج ... لعيني من يرى «1» # أوراق ورد «2» أبيض ... والناس في شاذكلى «3» # وله: # كأنما الماء عليه الجسر ... درج بياض خط فيه سطر # كأننا حين استتب العبر ... أسرة موسى حين شق البحر «4» # PageV02P260 ### || 132 نسخة كتاب من أبي محمد يحيى الأزدي إلى الأمير أبي تغلب بن ناصر الدولة # كان الحسين وإبراهيم ابنا ناصر الدولة، خالفا على أخيهما أبي تغلب فضل ~~الله بن ناصر الدولة، عقيب قبضه على أخيهم محمد بن ناصر الدولة، وإصعاده به ~~إلى القلعة مقيدا، وقبضه نعمته، وخرجا إلى أعماله محاربين له، ومواطئين ~~حمدان بن ناصر الدولة، على محاربة أبي تغلب، واجتمعا معه، فخرج أبو تغلب ~~بالجيوش إليهم، فلقيهم، وانهزم حمدان، ودخل الحسين إلى أبي تغلب، وانحدر ~~إبراهيم إلى باب السلطان ببغداد، ليدخل في الأمان، وكان ابتداء ذلك في ~~شعبان سنة ستين، والصلح في شوال «1» . # فكتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد، إلى أبي تغلب بالتهنئة ~~[158 ب] على ذلك كتابا نسخته: # لم تزل عادة الله عند مولانا الأمير السيد، أطال الله بقاءه، وأدام ~~تأييده [185 ط] ، وكبت أعداءه، جارية بالمواهب النبيلة، والنعم المتصلة ~~الجليلة، [متسقة] ms244 «2» على التوفيق والسداد، مطردة بمنة «3» الله أجمل ~~اطراد، لما خصه الله تعالى به من حسن النية وجميل الاعتقاد، وأفرده من تغمد ~~الحق في الإصدار والإيراد، وألهمه إياه من التوفر على شكره وحمده، واجتلاب # PageV02P261 # المزيد لذلك من عنده، فابتداءاته- أدام الله تأييده- دالة على حسن ~~عواقبها، ومبشرة بنيل البغية في أوائل الأمور وأواخرها، وأفعاله مقترنة ~~أبدا بالرشاد، وآراؤه بحمد الله مصاحبة للصواب والسداد، وراياته موصولة ~~بالعز والنصر، ونعم الله عنده محفوظة بالحمد والشكر، وبحسب ذلك تكون دواعي ~~المزيد، على قدر تضاعف التمكين والتأييد، ولهذه الشيم السنية، والفضائل ~~الجليلة العلية، والطوية الحميدة المرضية، ما يجدد الله منحه لديه، ويديم ~~دفاعه عنه وإحسانه إليه، ويسبغ آلاءه ونعمه عليه، ويجعل كلمته العليا، ~~وكلمة أعدائه بسهم الله السفلى، وينوه باسمه- ثبته الله- في سائر البلاد، ~~ويجعل زناده- أناره الله- أضوأ زناد، ويشرف الدعاء- على التنائي- بذكره، ~~ويصل ألسنة من قرب وبعد بشكره، والحمد لله على ما خوله وأولاه، وإليه ~~الرغبة في زيادته فيما نوله وأعطاه، وحراسته في بدء كل أمر وعقباه، وإعلائه ~~على كل من حسده وناواه، وقصر عن شأوه فعاداه، والحمد لله الذي جعل سفرته ~~ظاهرة البركة، سعيدة السكون والحركة، ميمونة الأحوال، محمودة الحل ~~والترحال، مؤذنة بحسن الانقلاب، على أحسن الوجوه وأجمل الأسباب، عائدة بشكر ~~الرعية ودعائهم، جامعة لنياتهم على اختلاف آرائهم، وهو المرجو الإعانة على ~~ما قرب إليه، والمسؤول حسن التوفيق لما يزلف لديه، إنه ولي حميد، فعال لما ~~يريد، ولقد صدق الله، وله الحمد، في مولانا- أدام الله عزه- ظنون أوليائه ~~وأهل طاعته، وحقق بما تفضل به من ظهوره على أعدائه، تقديرات خدمه وعبيد ~~نعمه، فشكرهم لله تعالى على ما منحه من التوفيق والنعمة في ذلك بحسب ~~موقعها، ومقدارها وموضعها، وما يخصهم ويعم غيرهم منها، ويصل إلى القاضي ~~والداني الحظ بها، ولن يرتفع لغادر علم إلا وضعه الله سبحانه [159 ب] ~~وتعالى بمثله- أيده الله- من كرام المخلصين لديه، ولا يبسط لمبطل أمل # PageV02P262 # إلا قطعه الله تعالى بأقرب الطائعين إليه، فعال الله جل ذكره في عباده، ~~ليجعل جنده المنصورين، وأعداءه المقهورين، وليظهر حقه على ms245 يد مستحقه، ويهلك ~~من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، ورد الله الذين ~~كفروا نعمة مولانا بغيظهم إليه أيده الله، لم ينالوا خيرا، إلا منه [186 ط] ~~حرسه الله، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، وهنأ الله ~~مولانا الأمير نعمه عليه، وضاعف قسمه ومنحه إليه، وأصلح به وعلى يديه، وجعل ~~الخير والسعادة واصلين إليه، وكبت عداته وحسدته، وبلغه في الدين والدنيا ~~أمنيته، ولا ابتزه ثوب نعمته، وحرس الأمة بحراسة مهجته، وصرف عين السوء عن ~~دولته، وشد قواها بقدرته، فالسعيد من وفق لخدمته، وحظي بجميل رأيه، والشقي ~~من نفر عن حوزته، وخرج عن ظله وجملته، والله وليه والدافع عنه، والذاب عن ~~الإسلام وأهله ببقائه، والمحسن إليهم بالمدافعة عن حوبائه، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. # PageV02P263 ### || 133 رسالة إلى رجل تزوجت أمه # حدثني أبو الفرج الببغاء «1» ، قال: # جرى بحضرة الأمير سيف الدولة» # ، ذكر رجل تزوجت أمه من أصحابه، وحديث الترسل والكتابة، فقال لي: اكتب ~~الساعة على البريد، رقعة عن نفسك إلى هذا الرجل، تعزيه بتزويج أمه. # فكتبت رقعة بين يديه ارتجالا وحفظتها: # من سلك سبيل الانبساط، لم يستوعر مسلكا في المخاطبة فيما يحسن الانقباض ~~في ذكر مثله، واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحق عليك، المنسوبة بعد ~~نسبتك إليها، إليك، ومن الله صيانتها في اختيارها ما لولا أن الأنفس ~~تتناكره، وشرع المروءة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما ~~جدده الله من صيانتها أحرى. # فلا يسخطنك من ذلك، ما رضيه موجب الشرع، وحسنه أدب الديانة «3» فمباح ~~الله أحق أن يتبع. # وإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره سخط اختيار القدر له، والسلام. # PageV02P264 ### || 134 حديث العلوية الزمنة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: # كانت في شارع دار الرقيق «1» ، صبية علوية، زمنت «2» نحو خمس عشرة سنة، ~~وكان أبي يتفقدها. # وكانت مسجاة «3» لا يمكنها أن تنقلب من جنب إلى جنب، أو يقلبها غيرها، ~~ولا تقعد، أو تقعد، وكان لها من يخدمها في ذلك، وفي ms246 الإنجاء والأكل. # وكانت فقيرة، وإنما قوتها مما يبرها الناس، فلما مات أبي اختل أمرها، ~~فبلغ تجني، جارية أبي محمد المهلبي أمرها، فكانت تقيم بأكثر أمرها [160 ب] ~~. # وإنها أصبحت في يوم من الأيام، وقد باتت في ليلته زمنة على تلك الصورة، ~~فأصبحت من غد، وقد مشت، وبرئت، وقامت، وقعدت. # وكنا مجاورين لها، وكنت أرى الناس ينتابون بابها، كالموسم، فأنفذت امرأة ~~من داري، صدوقة، ممن شاهدتها زمنة على طول السنين، فسألتها عن الخبر. # فقالت: إني ضجرت من نفسي، فدعوت الله تعالى طويلا بالفرج أو الموت، وبت ~~وأنا على غاية الألم والصياح والقلق، وضجرت المرأة التي # PageV02P265 # كانت تخدمني [187 ط] ، فلما استثقلت في النوم، رأيت كأن رجلا قد دخل علي، ~~فارتعت منه. # فقال: لا تراعي، فأنا أبوك، فظننته علي بن أبي طالب، عليه السلام. # فقلت: يا أمير المؤمنين، ما ترى ما أنا فيه؟ لو دعوت الله تعالى أن يهب ~~لي العافية. # فقال لي الرجل: أنا أبوك محمد رسول الله. # فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي. # قالت: فحرك شفتيه، ثم قال لي: [هاتي يديك، فأعطيته يدي، فأخذهما، ~~وأجلسني. # ثم قال لي] «1» : قومي على اسم الله. # فقلت: يا رسول الله، كيف أقوم؟ # فقال: هاتي يديك، فأخذهما، فأقامني. # ثم قال: امشي على اسم الله. # فقلت: كيف أمشي؟ # فقال: هاتي يديك، فمشاني، ثم جلست، ففعل بي ذلك، ثلاث مرات. # ثم قال لي: قد وهب الله لك العافية، فاحمديه، وتركني، ومضى. # فانتبهت، وأنا لا أشك أني أراه، لسرعة انتباهي. # فصحت، فظنت خادمتي أني أريد البول، أو شيئا مما يثقل عليها، فتثاقلت. # PageV02P266 # فقلت لها: ويحك ائتيني، فقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه، في النوم، ~~فانتبهت، وأنا مسجاة. # فاستشرحتني. # فقلت لها: إني رأيت رسول الله، صلى الله عليه، فدعا لي في النوم، وقال: ~~قد وهب الله لك العافية. # فقالت لي العجوز: ويحك، فإني أرجو أن تكوني قد برئت من العلة، هاتي يديك، ~~فأقامتني، والله، كما أقامني «1» النبي صلى الله عليه، في النوم، ولم أكن ~~عرفتها ذلك. # فأعطيتها ms247 يدي، فأجلستني، وقالت لي: قومي، فقمت، فتعبت، ثم جلست، ففعلت بي ~~ذلك ثلاث مرات. # ثم قمت، فمشيت [وحدي. # فصاحت الخادمة سرورا بالحال، وإعظاما لها، فقدر الجيران أني قد مت، ~~فجاءوا] «2» ، فقمت فمشيت بحضرتهم متوكئة، فكثروا علي في الليل، وفي غد، ~~حتى كدت أتلف، وما زالت قوتي ترجع إلي، إلى أن مشيت كما أمشي الآن، ولا ~~قلبة بي. # قال: وقد رأيتها بعد ذلك، أنا، تمشي وتجيء إلى عيالنا ماشية، وهي الآن ~~باقية صحيحة، وهي أصلح وأورع وأزهد امرأة سمعت بخبرها في هذا الزمان، لا ~~تعرف غير الصلاة والصيام، وطلب الرزق على أجمل الوجوه، عاتق «3» إلى الآن، ~~دينة جدا. # PageV02P267 # ولا تحرف إلى الآن في المشاهد، وعند [161 ب] أهلها، إلا بالعلوية الزمنة ~~«1» . # PageV02P268 ### || 135 إذا لم تكن في الشاهد ثلاث خلال من خلال أهل النار صار هو من أهل النار # سمعت قاضي القضاة أبا السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى «1» ، يقول: # الشاهد، إذا لم تكن فيه ثلاث خلال، من خلال أهل النار، صار هو من أهل ~~النار. # فقلت له: ما هي؟ # قال: قلة الحياء، لأن الشاهد، إذا كان مستحيا، أجاب إلى كل محال يسأله، ~~فيذهب دينه، ويصير من أهل النار، والحياء في الأصل من الإيمان، وأهل ~~الإيمان في الجنة، كما روى في الخبر، فقلة الحياء من خصال أهل النار، [فهذه ~~[188 ط] واحدة] «2» . # والثانية: إنه يحتاج أن يكون فيه سوء الظن، لأنه متى أحسن ظنه تمت عليه ~~الحيلة والتزويرات، فيشهد بالمحال، فيدخل النار، وإذا كان سيء الظن سلم، ~~وسوء الظن في الأصل إثم، كما قال الله تعالى، والإثم من خصال أهل النار. # وذكر الأخرى: وقد أنسيتها أنا. # ثم قال: ما ظنكم ببلد فيه عشرات ألوف ناس، ليس فيهم شهود إلا عشرة أنفس ~~أو أقل أو أكثر، وأهل ذلك المصر كلهم يريدون الحيلة على هؤلاء العشرة، كيف ~~يسلمون إن لم يكونوا شياطين الإنس في التيقظ والذكاء والتحرز والفهم. # PageV02P269 ### || 136 شطرنجي يتحدث عن فضائل الشطرنج # حدثني أبي، قال: # كان لي صاحب يخدم أبي، ويخدمني ms248 بعده، من أهل أنطاكية، يقال له: أبو ~~إبراهيم، وكان مستهترا بلعب الشطرنج «1» ، وكان له فيها عجائب، منها: # إن غلماني كانوا يلاعبونه بها، وكان إذا لعب بها برك على الأرض، واتكأ ~~على ذراعيه كالنائم، فيجيء أحدهم من ورائه، فيعبي على ظهره عدة مخاد، فلا ~~يشعر بها، فإذا انقضى الدست، أحس بذلك، فنحاها عن ظهره، وشتمهم «2» . # قال: فحدثني هو، قال: # دخلت ليلة إلى صديق لي مستهتر بالشطرنج أيضا، وكانت المغرب قد وجبت. # فقال لي: بت عندي الليلة حتى نلعب بالشطرنج ونتحدث، فما بت. # فقال: نصلي، ونلعب دستا أو دستين إلى وقت العتمة، وتنصرف. # فصلينا، وجعل السراج عندنا، ولعبنا، وطاب لي اللعب، فواصلناه، # PageV02P270 # والليل يمضي ونحن لا نشعر به، إلى أن أحسسنا في أنفسنا بتعب شديد وضجر، ~~ووافق ذلك سماعنا الاذان. # فقلت له: قد أذنت العتمة، وتعبت، ولا بد من قيامي. # فصاح بغلمانه، فلم يجيبوه، فقام معي، فأنبههم «1» ، وقال: أمضوا بين ~~يديه. # فلما خرجنا نظرنا، فإذا الأذان، هو أذان الغداة «2» ، وإذا الليلة كلها ~~قد مضت، ونحن لا نعقل. # قال [أبي] «3» : وكذا كان على الاستهتار بها، فإذا لمته، قال: # ليس أنا مستهتر بها، المستهتر بها هو مثل من قيل له [162 ب] وقد احتضر: ~~قل لا إله إلا الله، فقال: شاهك، ودع الرخ. # قال: فقلت له: لا أعرف مثلك، كأنك لست ترضى من نفسك، إلا بهذا القدر؟ # قال: وكان يصف من فضائل الشطرنج أشياء، فيقول: هي تعلم الحرب وتشحذ اللب، ~~وتدرب الإنسان على الفكر، وتعلمه شدة البصيرة. # فلو لم يكن فيها شيء من المعوز في غيرها إلا أن أهل الأرض يلعبون بها منذ ~~ألوف سنين، ما وقع فيها دست معاد قط من أوله إلى آخره [لكفى] «4» . # PageV02P271 ### || 137 يخاف على غلبته في النرد من العين # وبلغني عن بعض لعاب النرد «1» : # إن لعبا توجه عليه لرسيله «2» ، فقال له المتوجه عليه اللعب: غلبتك، صل ~~على النبي. # فقال: لم أفعل ذا؟ # فقال: حتى لا [189 ط] تصيب غلبتي العين. ### || 138 مقامر بالنرد يكفر إذا خسر # وإن آخر منهم ms249 «3» ، كان إذا غلب، يكفر، ويعرض بأن غلبه من فعل الله عز ~~وجل. # فامتنع رسيله عن ملاعبته، وقال: هوذا تكفر، ولا ألعب معك. # فشارطه أن يلاعبه على أن لا يكفر، فلعب معه، فغلبه دفعات. # فقال لرسيله: يا هذا، لست أنقض الشرط «4» بأن أكفر، ولكن قل أنت: أليس ~~هذا قصد قبيح؟ # PageV02P272 ### || 139 بحث في عبارة الرؤيا # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي، قال: # حدثني أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب «1» ، قال: وكان أبو ~~هاشم إذا ذكر أبا علي «2» ، قال: قال أبو علي، وفعل أبو علي، وكان من أمر ~~أبي علي، وما سمعناه قط قال: الشيخ، ولا شيخنا، إلا مرة واحدة، فإنه حكى ~~شيئا من الكلام، فقال فيه: شيخنا أبو علي، قال: # وكذا كانت عادته. # قال [قال أبو علي] : رأى رجل مناما، فجاء يفسره علي، فمجمج «3» . # فقلت له: اصدق، فإن المنام لا يكذب فيه. # قال: فقال لي: رأيت ذكرك قد طال حتى بلغ إلى عنقك، ثم تطوق عليه دفعات. # فقال له أبو علي: أنا رجل يطول ذكري على ذكر الناس مقدار ما رأيت من طول ~~ذكري. # قال لي أبو الحسن: ومضى على هذا سنون، فحدثني أبو عبد الله بن نافع ~~البزاز جارنا، وكان هذا موسرا، يملك نحو سبعين ألف دينار، وله أولاد ذكور ~~وإناث. # PageV02P273 # فقال لي: رأيت في المنام ذكري قد تفرك «1» فلم يبق منه شيء. # فذكرت في الحال، تفسير أبي علي الرؤيا في أمر ذكره، فقلت في نفسي: إن صح ~~القياس فهذا رجل ينقرض ذكره من الدنيا. # فما مضت إلا أيام، حتى مات أحد أولاده، ثم تتابعت في سنين يسيرة عليه ~~المصائب، فلم يبق له ولد، ثم مات هو بعد ذلك بمدة فانمحى ذكره على الحقيقة. # PageV02P274 ### || 140 ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البر والإحسان # تجارينا ذكر شدة زماننا، وفقر الناس [163 ب] فيه، وضيق أحوالهم، ~~واستحبابهم البخل، حتى إن بعضهم يسميه احتياطا، وبعضهم إصلاحا، وتوصية ~~الناس بعضهم بعضا به، وتحذر التجار من معاملات الناس، ومسك الناس أيديهم ms250 عن ~~الإحسان إلى أحد، أو بره، أو إغاثة ملهوف، أو التنفيس عن مكروب، وإن ذلك في ~~الأكثر لضيق أحوالهم. # فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف «1» : لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم، ~~فيجبى «2» له من أصحابنا «3» الألف الدرهم، والأقل، والأكثر، في يوم، لا ~~يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك، مع قلة عدد أصحابنا إذ ذاك. # ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلم، لجودة قريحته، وكان يحتاج إلى مائة ~~درهم في كل شهر، فكلمت إبراهيم بن [190 ط] خفيف الكاتب، صاحب ديوان ~~النفقات، وكان من أصحابنا، ورجلا آخر من أصحابنا، فأجريا عليه مائة درهم في ~~كل شهر، كل واحد منهما خمسين درهما، وكان الرجل يأخذها، إلى أن خرج من ~~بغداد، سنين. # ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي «4» [رضي # PageV02P275 # الله عنه] «1» من الفقهاء: يحتاج أهل المجلس إلى أكسية، فقد قرص «2» ~~الهواء. # فقمت أفكر فيمن أخاطبه في ذلك، فاجتزت في طريقي بدار، فقال لي بعض من كان ~~معي: هذه دار تاجر موسر من أهل الخير، فلو خاطبته، ولم أكن أعرفه، فدخلت ~~إليه، فعرفني ولم أعرفه، فقام، وأكرم. # وقال لي: حاجتك؟ فذكرت له حال الأكسية. # فقال: كم تريدون؟ # فقلت: خمسين كساء، فحملها معي في الحال، ففرقها فيهم. # ولقد جاءني منذ أيام رجل من أهل البيوتات فشكا من خلته ما أبكاني، وذكر ~~أن صلاح أمره في نيف وثلاثين درهما، فما طمعت له فيها من أحد، ولا عرفت من ~~أعلم أنني إن خاطبته فيها أجاب. # وورد لنا في هذه السنة صاحب لأبي هاشم «3» ، فخاطبنا له جماعة، واجتهدنا ~~في تحصيل شيء له، نغير به حاله، فما حصل له من ذلك قليل ولا كثير. # ولقد كان في الدرب الذي أنزله هذا، وهو درب مهرويه، خلق من أمراء، وكتاب، ~~[وتناء] «4» ، وتجار، حسبت ما كانوا يملكون، فكان أربعة آلاف ألف دينار، ~~وما في هذا الدرب اليوم من يحتوي ملكه على أربعة آلاف درهم، غير أبي ~~العريان، أخي عمران بن شاهين «5» . # PageV02P276 ### || 141 قردة على ms251 جانب عظيم من الذكاء # حدثني أبو الحسن بن سهيل الحذاء، قال: حدثني أبو العباس الفرغاني الصوفي، ~~وكان من أصحاب الحديث، ومن الصوفية، وممن يعرف بصدق اللهجة والنسك، قال: # رأيت بمكة قردة عند رجل يريد بيعها، خفيفة الروح، فساومت فيها، فتباعد ~~علي في الثمن. # فألححت عليه، وقلت له: يا هذا، أخبرني شراءها، واربح ما شئت علي. # قال: لا أخبرك. # فما زلت أداريه، إلى أن قال لي: شراؤها خمسة دراهم. # قال: فأومأت القردة إلي بيدها ثلاثة، أي إنه اشتراني بثلاثة دراهم. # فقلت له: كذبت، شراؤها عليك ثلاثة دراهم. # قال: فقام ليضرب القردة، وقال: هذا من عملها. # فمنعته، وأعطيته خمسة دراهم، وأخذتها «1» . # PageV02P277 ### || 142 مخنث حاضر الجواب # حدثني أبو الحسن «1» بن سهيل [الحذاء] ، قال: # حدثني أبو العباس الفرغاني الصوفي «2» وكان ممن يختم القرآن في ركعة، ~~وكثير الصلاة، وأخف الناس روحا، وأشدهم مجونا، وأطيبهم قولا «3» ورقصا، ~~قال: # اجتزت في الطريق بمخنث يتغوط، وهو جالس [163 ب] ويده على جيهته «4» ، ~~كأنه إنسان مغموم [191 ط] . # فوقع لي أن أولع به، فقلت: يا أختي، لم أنت مغمومة؟ تخافين ألا يجيئك ~~بدله؟ خلفه سريع، الله يخلف عليك. # فقال لي بالعجلة: ليس غمي لهذا، ولكن غمي أنكم جماعة، وهو قليل، ولا يكفي ~~غداءكم اليوم. # PageV02P278 ### || 143 الشاعر أبو نصر البنص وجارية بغدادية # حدث أبو حامد القاضي الخراساني «1» ، قال: قال لي أبو نصر البنص «2» : # جزت في أيام زيادة الماء على دار في دجلة، فإذا روشن «3» حسن، وعليه جوار ~~يلعبن، فأخذن يولعن بي «4» . # فأنعظت، وكشفت أيري، ونمت، فقام منتصبا، فصحت: الهليون الرطب «5» . # PageV02P279 # فكشفت إحداهن عن حرها، وصاحت: الفراني السميذ «1» . # فعطعط «2» الملاحون بنا. ### || 144 فص حجر خاصيته طرد الذباب # حدثني أبو الخطاب محمد بن علي بن إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول ~~التنوخي «3» ، قال: # كان لأبي فص حجر خمري اللون، عليه صورة ذبابة، وقد شاهدته غير دفعة، ~~يأخذه «4» ، فيجعله في دكان اللبان، وهو مملوء ذبابا، فيتطاير الذباب كله ~~عنه، فلا تبقى واحدة، فإذا نحاه رجع الذباب، فإذا عاد تنحوا. # وقد شاهدت ذلك ms252 غير دفعة «5» . # PageV02P280 ### || 145 أسد بن جهور وكثرة نسيانه # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي «1» ~~قال: حدثني أبي «2» [رضي الله عنه] «3» ، قال: # كان أسد بن جهور «4» ، كثير النسيان، فحضرته يوما في مجلس عبيد الله ابن ~~سليمان «5» ، وهو يخاطبه في أمر من الأمور، فيقول له أسد: سمعا «6» لأمر ~~القاضي أعزه الله، وقد نسي أنه الوزير. # قال: وكان إلى جانبه أبو العباس بن الفرات «7» ، فغمزه أبو العباس، وقال: ~~قل الوزير. # فقال: نعم، أعز الله القاضي. # فضحك ابن الفرات وقال: لست القاضي، فارجع إلى صاحبك فقضه «8» . # PageV02P281 ### || 146 أسد بن جهور يطلب الماء للدواة مرارا ثم يشربه # قال «1» : وكنت يوما عند أسد، فجفت دواته وهو يكتب منها. # فقال: يا غلام كوز ماء للدواة. # فجاء الغلام بالكوز ليصبه فيها، فأخذه وشربه، ومضى الغلام. # فقال: ويلك، هات الماء للدواة. # فجاءه به ثانية، فشربه أيضا، ومضى الغلام، واستمد من الدواة فكانت أجف. # فقال: ويلكم، كم أطلب ماء للدواة ولا يجيئني «2» . # فجاؤوه بكوز ثالث، فأخذه ليشربه «3» . # فقال الغلام: يا سيدي، تصب في الدواة أولا. # فقال: نعم، نعم، فصبه في الدواة «4» . # PageV02P282 ### || 147 بين أبي بكر الأزرق التنوخي وأسد بن جهور # قال «1» : # وأخرجني ابن الفرات في سنة تسع وتسعين «2» ، أنظر في أمر إصلاح الطريق ~~ونفقات الموسم «3» ، وسبب لذلك مالا على الكوفة، وأسد بن جهور عاملها «4» . # فلما جئتها، وكان لي صديقا، تأخر عن قصدي، فتأخرت عنه أيضا، فولد بيننا ~~ذلك وحشة، فاستقصيت عليه في المطالبة بالمال، وتقاعد بي، فصارت مكاشفة. # فكتبت إلى الوزير أحرضه عليه، وكتب يتشكاني [165 ب] ، فوردت [192 ط] ~~الكتب إلى شاكر الإسحاقي، وهو أمير الكوفة «5» ، أن يجمع بيننا في المسجد، ~~ولا يبرح، ولا ينفصل، أو يرضيني بالمال. # فركبت، وجئت إلى باب الإسحاقي، ولم أدخل، وعرفته ما ورد، وانني متوجه إلى ~~الجامع. # فركب ولحقني، وقال: ورد علي مثل هذا. # فقلت: تحضر أسد، فركب إليه، فأحضره. # PageV02P283 # فحين اجتمعنا تخارجنا في الكلام، إلى أن قلت له: أتظن أني لا أعرف أباك، ~~وأنه كان راجلا ms253 «1» على باب ديوان الضياع، برزق دينارين في الشهر. # قال: وكان اجتماعنا في أول يوم من شهر رمضان، فلم ينته الكلام إلى فصل، ~~وجاءت المغرب «2» ، فقام شاكر ليركب، وأسد معه، فجلست أنا. # فقالا: لم تجلس؟ # فقلت: أنا لا أخالف أمر الوزير، ولا أبرح إلا بفصل، أو بالمال. # فقال شاكر لأسد: اجلس معه ولا تبرح. # وقال لي: لولا أن قعودي معكما لا فائدة فيه، ويضرني، لقعدت، واعتذر إلي، ~~فعذرته، وانصرف. # وقمت أنا إلى موضع من الجامع، يقال له قبة خالد، فجلست عنده أصلي، وجلس ~~أسد مكانه، وأنفذ إلى داره يستدعي الإفطار، وأنفذت إلى داري، فجاء طعامه ~~وطعامي معا. # فقام إلي، وسألني أن أجعل إفطاري معه، [وفرغ الجامع إلا من أصحابنا] «3» ~~، وبسطت سفرته، وأصلحت مائدته. # وأقبل أسد يسألني المجيء إليه، وأنا أمتنع، إلى أن حلف، وكنت أعرف بخله. # فقلت لغلماني: أخرجوا طعامنا فصدقوا «4» به، على من حوالي الجامع، ~~ففعلوا. # PageV02P284 # وجئت، فأكلت معه منبسطا، أكل صائم، ولونه يتغير، ولا يقدر على النطق، ~~فتقطعت نفسه. # ولم نزل متلازمين في الجامع، خمسة عشر يوما «1» من رمضان إلى أن راج ~~المال، وأنا أواكله هكذا. # فلما افترقنا، انعل بعد العيد بأيام، علة مات منها. # فقلت: إنا لله، ليت لا يكون ما عملته معه سببا لموته غما «2» . # PageV02P285 ### || 148 بين طاهر بن يحيى العلوي وأحد أصحابه # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدثني أبو القاسم علي بن ~~الأخزر «1» المشهور بعلم النحو، وكان نبيلا، جليلا [ثقة] «2» مرتفعا عن ~~الكذب، قال: # حججت، فدخلت إلى طاهر بن يحيى العلوي، أسلم عليه، فجاءه رجل، فقبل رأسه ~~ويديه، وأخذ يعتذر إليه. # فقال: لا تعتذر، فقد زال ما في نفسي، وقبلت عذرك، وإن شئت أخبرتك عن قصدك ~~إياي، وسبب عذري لك من قبل أن تخبرني. # فتعجب الرجل، وقال: افعل يا سيدي. # قال: إنك رأيت رسول الله صلى الله عليه في منامك، فعاتبك على قطع عادتك ~~عني [193 ط] إذا دخلت المدينة حاجا، وإنك طويتني عدة حجج دخلت فيها إلى ~~المدينة ولم تجئني. # فقلت له: ms254 إن الحياء [166 ب] منعك من قصدي، وإنك لا تأمن أن لا أبسط عذرك. # فقال لك: إني آمر طاهر ببسط عذرك، فلا تجف «3» ولدي، وصله، فجئت إلي، ~~فقال الرجل: كذا والله كان، فمن أين لك يا سيدي هذا؟ # قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه، في المنام، وأخبرني بما جرى بينكما ~~على هذا الشرح. # PageV02P286 ### || 149 يا قديم الإحسان # حدثني أبو الحسن أيضا «1» ، قال: # كان في باب الشام «2» رجل يقال له: لبيب العابد «3» ، زاهد، ناسك، صالح، ~~فأخبرني، قال: # كنت مملوكا روميا، فمات مولاي، فعتقني «4» ، فحصلت لنفسي رزقا برسم ~~الرجالة «5» ، وتزوجت بستي، زوجة مولاي، وقد علم الله، أني لم أتزوجها إلا ~~لصيانتها، لا لغير ذلك، فأقمت معها مدة. # ثم إني رأيت يوما حية وهي داخلة إلى جحرها، [فأخذتها، فمسكتها بيدي] «6» ~~، فانثنت علي، فنهشت يدي، فشلت، ثم شلت الأخرى بعد مدة، ثم زمنت رجلاي، ~~واحدة بعد أخرى، ثم عميت، ثم خرست. # فمكثت على هذه الحال سنة، لم تبق في جارحة صحيحة، إلا سمعي، أسمع به ما ~~أكره. # وكنت طريحا على ظهري، لا أقدر على إشارة، ولا إيماء، فأسقى # PageV02P287 # وأنا ريان، وأترك وأنا عطشان، وأطعم وأنا ممتلىء، وأفقد الطعام وأنا ~~جائع، لا أدفع عن نفسي، ولا أقدر على إيماء بما يفهم مرادي منه. # فدخلت امرأة بعد سنة إلى زوجتي، فسألتها عني، فقالت: كيف لبيب؟ # فقالت لها، وأنا أسمع: لا حي فيرجى، ولا ميت فينسى. # فغمني ذلك، وبكيت، وضججت إلى الله تعالى في سري «1» . # وكنت في جميع ذلك الحال، لا أجد ألما في شيء من جسمي، فلما كان في ذلك ~~اليوم، ضرب بدني كله ضربا شديدا لا أحسن أن أصفه، وألمت ألما مفرطا. # فلما كان في الليل، سكن الألم، فنمت، وانتبهت، ويدي على صدري، فعجبت من ~~ذلك وكيف صارت يدي على صدري، ولم أزل مفكرا في ذلك، ثم قلت لعل الله قد وهب ~~عافيتي، فحركتها، فإذا هي قد تحركت، ففرحت، وطمعت في العافية. # وقلت: لعل الله أذن بخلاصي، فقبضت إحدى رجلي إلي، فانقبضت، وبسطتها، ~~فانبسطت، ms255 وفعلت بالأخرى كذلك، فتحركت، فقمت قائما، لا قلبة بي، ونزلت عن ~~السرير الذي كنت مطروحا عليه، فخرجت إلى الدار، ورفعت طرفي، فرأيت الكواكب، ~~وإذا أنا قد أبصرت، ثم انطلق لساني، فقلت: يا قديم الإحسان، بإحسانك ~~القديم. # ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو علي. # فقلت: الساعة صرت أبو علي. # فأسرجت، وطلبت مقراضا، وكان لي سبال كما يكون للجند، # PageV02P288 # فقصصته، فضجت من ذلك، وقالت: ما [194 ط] هذا؟ # فقلت: بعد هذا لا أخدم غير ربي، فصار هذا سبب عبادتي. # قال: وخبره [167 ب] مستفيض، ومنزلته في العبادة مشهورة، وصارت هذه الكلمة ~~عادته، لا يقول في حشو كلامه، وأكثر أوقاته غيرها: يا قديم الإحسان. # قال: وكان يقال: إنه مجاب الدعوة، وكان الناس يقولون إنه رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فمسح يده عليه، فسألته عن ذلك، فحدثني بهذا الحديث، وقال: ~~ما كان سبب عافيتي غيره. # قال: وقال لي: كان لي قراح على شاطىء دجلة، بالمدائن، وكان فيه تلال ~~وأشياء ينبغي أن تستخرج، ويطم بها مواضع فيه، فتحتاج إلى رجال كثيرة. # فكنت ليلة فيه، وكانت قمراء، [فاجتاز بي خلق كثير من الفعلة، قد انصرفوا ~~من عمل بثق، فرأوني] «1» فعرفوني. # فقلت لهم: هل لكم أن تكسحوا هذا القراح الليلة، وتسووا تلوله بالأرض، ~~وتأخذوا مني كذا وكذا. # فقالوا: نعم، أتحفنا «2» بالأجرة، فعملوا ذلك، فأصبحنا وقد صار أرضا ~~مستوية. # فقالت العامة: الملائكة أصلحوه، وكذبوا، ما كان غير هذا. # PageV02P289 ### || 150 الحلاج في جامع البصرة # حدثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله القاضي المعروف بابن نصرويه «1» قال: # حملني [خالي] «2» معه إلى الحسين بن منصور الحلاج «3» ، وهو إذ ذاك في ~~جامع البصرة، يتعبد، ويتصوف، ويقرئ، قبل أن يدعي تلك الجهالات «4» ، ويدخل ~~في ذلك. # وكان أمره إذ ذاك مستورا، إلا أن الصوفية تدعي له المعجزات من طرائق ~~التصوف، وما يسمونه معونات، لا من طرائق المذهب «5» . # قال: فأخذ خالي يحادثه، وأنا صبي جالس معهم، أسمع ما يجري. # فقال لخالي: قد عملت على الخروج من البصرة. # فقال له خالي: لم؟ # PageV02P290 # قال: قد صير لي ms256 أهل هذا البلد حديثا، وقد ضاق صدري، وأريد أن أبعد عنهم. # فقال له: مثل ماذا؟ # قال: يرونني أفعل أشياء، فلا يسألونني عنها، ولا يستكشفونها فيعلمون أنها ~~ليست كما وقع لهم، ويخرجون ويقولون: الحلاج مجاب الدعوة، وله معونات قد تمت ~~على يده، وألطاف، ومن أنا حتى يكون لي هذا؟ # بحسبك، إن رجلا حمل إلي منذ أيام دراهم، وقال لي: اصرفها إلى الفقراء، ~~فلم يكن يحضرني في الحال أحد، فجعلتها تحت بارية «1» من بواري الجامع، إلى ~~جنب أسطوانة عرفتها، وجلست طويلا فلم يجئني أحد، فانصرفت إلى منزلي، وبت ~~ليلتي، فلما كان من غد، جئت إلى الأسطوانة، وجلست أصلي، فاحتف بي قوم من ~~الصوفية، فقطعت الصلاة، وشلت البارية، وأعطيتهم تلك الدراهم. # فشنعوا علي بأن قالوا: إني إذا ضربت يدي إلى التراب صار في يدي دراهم. # قال: وأخذ يعدد مثل هذا أشياء، فقام خالي عنه، وودعه، ولم [168 ب] يعد ~~إليه. # وقال: هذا منمس، وسيكون له بعد هذا شأن. # فما مضى إلا قليل، حتى [195 ط] خرج من البصرة، وظهر أمره وتلك الأخبار ~~عنه «2» . # PageV02P291 ### || 151 جحظة البرمكي يغضب من خسارته في النرد # حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي، قال: حدثني أبو علي ابن الأعرابي ~~الشاعر قال: # كنت في دعوة جحظة، فأكلنا، وجلسنا نشرب، وهو يغني، إذ دخل رجل، فقدم إليه ~~جحظة زلة كان زلها له من طعامه ونحن نأكل، وكان بخيلا على الطعام. # قال: وكأن الرجل، كان طاوي سبع «1» ، فأتى على الزلة، وشال الطيفورية ~~فارغة، وجحظة يرمقه بغيظ، ونحن نلمح جحظة، ونضحك. # فلما فرغ، قال له جحظة: تلعب معي بالنرد؟ # فقال: نعم. # فوضعاها بينهما، ولعبا، فتوالى الغلب على جحظة من الرجل، بأن تجيء الفصوص ~~«2» على ما يريد الرجل من الأعداد. # فأخرج جحظة رأسه من قبة الخيش، إلى السماء، وقال، كأنه يخاطب الله تعالى: # لعمري، إني أستحق هذا، لأني أشبعت «3» من أجعته. # PageV02P292 ### || 152 بين مؤذن ومحتسب # وحدثني «1» ، قال: # سمعت بعض شيوخنا يحكون: إن رجلا مؤذنا عادى محتسبا، فأحضره. # فقال له: أي شيء بيننا، مما ms257 يوجب استدعاءك لي. # قال: أريد أن تعرفني وقت الصلاة، فإن كنت عالما بها، وإلا لم أدعك تؤذن ~~مع الناس بالصلاة في غير وقتها. # ووجده غير قيم بذلك، فمنعه من الأذان. # PageV02P293 ### || 153 أبو بكر بن دريد كان آية في الحفظ # وحدثني «1» ، قال: حدثني جماعة، عن أبي بكر بن دريد «2» ، أنه قال: # كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي الحسين بن دريد يتولى تربيتي، ~~فإذا أراد الأكل، استدعى أبا عثمان، فأكل معه. # فدخل عمي يوما، وأبو عثمان المعلم يرويني قصيدة الحارث بن حلزة «3» التي ~~أولها: # آذنتنا ببينها أسماء # فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة، وهبت لك كذا وكذا. # ثم دعا بالمعلم ليأكل معه، فدخل إليه، فأكلا، وقعدا بعد الأكل ساعة، فإلى ~~أن خرج المعلم، حفظت ديوان الحارث بن حلزة بأسره. # فخرج المعلم، فعرفته ذلك، فاستعظمه، وأخذ يعتبره علي فوجدني قد حفظته، ~~فدخل إلى عمي، فأخبره، فأعطاني ما كان وعدني. # قال: وكان أبو بكر واسع الحفظ جدا، ما رأيت أحفظ منه، كان يقرأ عليه ~~دواوين العرب كلها، أو أكثرها، فيسابق إلى حفظها فيحفظها. # وما رأيته قط قرئ عليه ديوان شاعر، إلا وهو يسابق إلى قراءته [لحفظه له] ~~«4» . # PageV02P294 ### || 154 البربهاري رئيس الحنابلة ببغداد # حدثني أبو الحسن، قال: سمعت أبا محمد السليماني الهاشمي، المعروف بعباد ~~[رحله] «1» ، وقد جرى ذكر [169 ب] البربهاري «2» بحضرته، فقال: # وقف يوما للقاهر «3» ، فقال: يا أمير المومنين أهلك الهاشميين. # فقال القاهر: أفعل، وإنما أراد أن يذكره بهم، ويقول: أهلك. # ورأى عينا هائجة، فقال: لو استعمل لها الخضرط، عوفيت. # فقيل له: ليس هو الخضرط. # فقال: نعم، غلطت، هو الخضخض. # فسكتوا عنه، وإنما أراد الحضض «4» . # PageV02P295 ### || 155 أبو الفرج الببغاء ينشىء نسخة كتاب على لسان الأمير سيف الدولة بشأن الفداء # حدثني أبو الفرج الببغاء «1» ، قال: # لما [196 ط] أقام سيف الدولة الفداء «2» ، بشاطىء الفرات في رجب سنة خمس ~~وخمسين وثلاثمائة «3» ، لزمه عليه خمسمائة ألف دينار، في شراء الأسارى، ~~والأموال التي وصلهم بها، ورم بها أحوالهم. # وأخرج جميع ذلك من ماله، صبرا واحتسابا، وطلبا ms258 للثواب والذكر، من غير أن ~~يعاونه أحد من الملوك عليه، ولا غيرهم. # وكان ذلك خاتم أعماله الحسنة، وأفعاله الشريفة، التي تجاوز الوصف، وتفوت ~~العد. # فلما فرغ من ذلك، تقدم إلى كل من بحضرته، في الوقت، من أهل الكتابة، أن ~~ينشىء كل واحد منهم، نسخة كتاب ليكتب عنه إلى من في البلدان من الجيش ~~والرعية، بخبر تمام الفداء، ووصف الحال فيه. # فكتبت عنه في ذلك: # كتابنا، تولاكم الله بكفايته، وحرسنا فيكم بناظر رعايته، من معسكرنا ~~بالبقعة المعروفة بالمعقلة من شاطىء الفرات، بعد إمضائنا أمر الفداء الذي ~~اختصنا الله فيه بشرف ذكره، وانتخبنا للنهوض بمعظم أمره، وولينا # PageV02P296 # بالمعونة في تحمل ثقله، ووفقنا للفوز بإحراز فضله، بعد أن استراحت فيه ~~النيات إلى الغفلة، ومطاوعة الشح، ومساكنة الراحة، وتظنون بالله الظنون. # فالحمد لله حمدا نستديم بالإخلاص فيه مدد عوارفه وأياديه، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله. # ولما كانت منح الله تعالى لدينا، ونعمه المتظاهرة علينا، أعظم من أن ~~تطاول بثناء، وأجل من أن تقابل بجزاء، رأينا الاعتراف بما أحرزناه من ~~سالفها، والإشادة بما قابلناه من مستأنفها، أقدر على استزادتها، وأولى ~~بحراستها. # ولم نزل، ولله المنة، منذ عرفنا ما ندبنا إليه، وتأملنا ما حضنا عليه، من ~~الخفوف لجهاد الكافرين والتعبد بقتال المخالفين، بين رأي يتضمن التوفيق ~~عواقبه، وعزم يصرع الإقبال مغالبه، و [فتح يجمع الإسلام أثره، وبلاء تتداول ~~الأيام خبره] «1» . # ولا ننصرف عن غزو إلا إلى نفير «2» ، ولا نتشاغل بنظر إلا إلى تدبير، ولا ~~نعتد بالمال إلا ما أنفقناه، ولا نسر بذخر إلا ما أنفدناه «3» ، فيما حرس ~~الأمة، وحصن الملة، وبث العدل، وجمع الشمل [170 ب] . # إلى أن استعبدنا ملوكهم بالأسر، وجسنا ديارهم «4» بكتائب النصر، وأوحشنا ~~المراتب من أربابها، واستنزلنا عن الحصون «5» أصحابها، وفجعنا ملكهم بصهره ~~وابن أخته قهرا، وأثكلنا أخاه مراغمة وصغرا. # PageV02P297 # فلما أدلنا الحق من الضلال، وأعاده الله تعالى بنا من العز إلى أشرف حال ~~«1» ، عدلت السيوف عن دمائهم إلى أغمادها، واستبدلت إصدارها بإيرادها، ~~ونصلت الرماح أسنتها، وطاوعت الخيل أعنتها، واستماحتنا الأعداء إلى ms259 ~~الموادعة، ورغبت إلينا بالتضرع في المسألة. # واستفتحوا ذلك بطلب الفداء الذي لا يسعنا الامتناع منه، ولا نجد تأولا في ~~الإضراب عنه. # فرأينا بعد الإثخان في الأرض، فك من في أيديهم من الموحدين، ومن في رقهم ~~من المسلمين [197 ط] ، أفضل كاسب لعاجل الشكر، وأوفى ضامن لآجل الأجر. # فأنفذنا إلى سائر الأقطار، وبثثنا الأصحاب في جميع الأمصار، لإحصاء السبي ~~وانتزاعه، والتوفر على جمعه وابتياعه، من خالص ملكنا، وخاص مالنا، من غير ~~مسامحة لأحد من أهل زماننا في معاونتنا، بغير الثياب التي شركناهم بها في ~~نيل الحمد وكسب المثوبة. # وأضفناهم إلى من ملكناه بحكم الرماح، وأحرزناه بقهر الخيل والصفاح، من ~~أكابر البطارقة، وأنجاب الزراورة، ووجوه الأعلاج، وأنجاد الأنجاس «2» . # ولم يزل من سلف قبلنا من الملوك، وتقدمنا من السلاطين، في عقد الهدن، ~~وإقامة الأفدية، يرغب إلى سائر نظرائه، وذوي السعة من أتباعه، والمكنة من ~~رعيته، في معاونته بالأحوال، ومعاضدته ببذل الأموال. # وأبى الله لنا إلا التفرد بأجر ذلك وشكره، وحميد أثره، وجميل ذكره. # PageV02P298 # وندبنا أكابر الغلمان، وثقاة الخدم، لتسييرهم بأعم رأفة وأتم رفق، حسب ما ~~أمرنا به من ترفيه السبي، ومراعاة الأسرى، إلى أن عبرنا بجميعهم من الفرات، ~~بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه، ورغب إلينا في النزول عليه، تأنسا ~~بمجاورة الدروب المستصعبة، وحذرا من مفارقة الجبال المستعصمة. # فلما اقتضى قربنا سرعة المسير، وتنجزه دنونا لإمضاء الأمر بعد التقرير. # أقدم مرتابا بإقدامه، وسار متهما عواقب رأيه واعتزامه، بجموع يفرق الجزع ~~آراءها، وقلوب يشتت الخوف أهواءها، وأفكار مكدودة بالوجل، ومنن «1» مستعبدة ~~لأوامر الفشل، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم، إلى أن حل بفنائنا ~~ملقيا مقاليد أمره [171 ب] إلى الاستسلام، وآخذا من وفائنا بأوكد ذمام. # وافتتحنا الفداء يوم السبت غرة رجب الذي هو غرة الأشهر الحرم، وقد عرف ~~الله تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال، وزكي الأفعال، وتعجل ~~البركات، وتناصر الخيرات، فاستمر بأكمل هدي، وأنجح سعي، وأبسط قدرة، وأعم ~~نصرة، وأعز سلطان، وأوضح برهان، وكلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي ~~السفلى، والله ms260 عزيز حكيم. # ولم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم نظام، وأحسن التئام، إلى أن استنقذ ~~الله بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه، والإياس من الخلاص أن يرديه، وهم على ~~أفضل ما عهدناهم عليه من حسن اليقين، والتمسك بعصم الدين. # وسار عنا من فاديناه من البطارقة المذكورين، والزراورة المشهورين، بأجسام ~~ضاعنة، وقلوب قاطنة، تتلفت إلى ما خلفته من غامر تفضلنا، وألفته من ألطاف ~~تطولنا. # PageV02P299 # فهم بعد الفداء موثقون في أسر الإحسان، ومع الخلاص مقرونون برق التطول ~~والامتنان. # ولما أحضرونا من أسروه من الأعمال [النازحة، والبلدان الشاسعة، ولم نستخر ~~ادخار الأموال] «1» عن خلاصهم [198 ط] ولا الشح بها عن تعجيل فكاكهم، ~~فابتعناهم من الأثمان بأعظمها، ومن الأموال بأجسمها، ولم نطع في ادخار ~~الذهب والفضة، المقرون بمخاوف الوعيد، وفظيع التهديد، أمر الشك في ربح ~~الصفقة بمتاجرة الله تعالى، جل اسمه واثقين بعاجل الخلف، وآجل الجزاء، وذلك ~~الفوز العظيم. # وتداركنا من عمارة أحوالهم، ما كان مختلا بمعاناة الفقر، ومتهافتا بتطاول ~~الأسر، وانقلبنا قافلين بأسعد منقلب، وأربح مكتسب، وأتم إقبال، وأجمل حال، ~~بعد أن أجفل العدو خذله الله، مستطيلا مدة إقامته، وشاكا في إحراز سلامته، ~~متوهما أن الخيول تطلبه، والرماح تتعقبه، لا يعرج على ضعفاء ساقته، ولا ~~يلوي على أخص من في جملته. # وتقدمنا بمكاتبة أوليائنا، وكافة رعيتنا، بذكر ما هيأه الله عز وجل لنا ~~من تظاهر النعم، وتواتر القسم، وليشهروا ذلك على منابر الصلوات، ويعلنوه ~~بالرسائل والمكاتبات، إذ كان ما يتوجه بالله سبحانه من تتابع [النعم و] «2» ~~المنح، وتواصل العوارف، عائدا على الملة، ومساويا بالنفع به الأمة. # فالحمد لله الذي اختصنا من اختياره، وأفردنا بإيثاره، بما رآنا له أهلا ~~لخلافة نبيه صلى الله عليه وسلم في حراسة أمته، وإعزاز كلمته. # وإليه نرغب في توفيقنا للاعتراف بعوارفه، لما تكون به النعم محروسة [173 ~~ب] والموهبة محفوظة، لا ينتقصها كفران، ولا يرتجعها عدوان، إن شاء الله ~~تعالى. # PageV02P300 ### || 156 الشاعر المعوج يمدح بدر الحمامي # حدثني أبي، قال: حدثني المعوج، قال: # كبا الفرس ببدر الحمامي «1» ، وافتصد، فدخلت ms261 إليه، فأنشدته أبياتا عملتها ~~في الحال، وهي: # لا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس # حملت بأسا وجودا فوقه وندى ... وليس يقوى بهذا كله الفرس # قالوا افتصدت فما نفس العلى معها ... خوفا عليك، ولا نفس لها نفس # كف الطبيب دعا كفا يقبلها ... ويطلب الرزق منها حين يحتبس # فأمر لي بخمسة آلاف درهم، فأخذتها وانصرفت. # PageV02P301 ### || 157 الشاعر الصروي يمدح صاحب النشوار # وكنت سقطت من بغلة، فعمل أبو القاسم عبيد الله، قصيدة أنشدنيها، منها: # أسمت فتاة العير حمل العلى وقد ... نهيت من الإشفاق عن حملك القبا «1» # ومشيتها تحت الشريعة والقضا ... ولو سمت رضوى حمل ذين قضى نحبا # فيا عجبا أن لم يسخ رسغها القضا ... وما هد ثقل الدين من متنها الصلبا # ومن ذا يطيق الطود حملا «2» إذا رسا ... ومن يحمل البحر الخضم إذا عبا ~~[199 ط] # فزلت ببدر منك لم يخف نوره ... وغيث حيا أحيا بسقطته التربا # وقمت سليم الجسم يدعو لك الثرى ... ويلثم منك الرجل والنعل والركبا # نهني بك المحراب والآي والتقى ... ودستك والأقلام والحكم والكتبا # PageV02P302 ### || 158 أبيات من نظم أبي القاسم عبيد الله بن محمد الصروي # أنشدني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، لنفسه، يصف زراقة النفط: # وصفراء في فيها لعاب كلونها ... إذا قذفته لاعب الريح واستنا # يجلله «1» من بطنها في خروجه ... رداء دجى حتى يصير لها حصنا # لها ذنب في رأسه ذنب له ... إذا جر منها رد في جوفها طعنا # يمج بروقا بين ليلين من حشا ... إلى فم أفعى ما ترى بينه سنا # تخوض الوغى عريانة لتخيفه ... ولو سئلت لم تعرف الخوف والأمنا # وأنشدني لنفسه: # وناولني في أسفل الكأس فضلة ... مزعفرة صفراء والكأس أبيض # كنرجسة في الروض ترنو بمقلة ... مذهبة والجفن منها مفضض # وأنشدني لنفسه في صفة إبريق وساق: # ولاح لنا الإبريق من كف شادن ... له وجنة من لحظنا أبدا تدمى # كملحوظة مدت يدا دون وجهها ... وأخرى بها ردت على رأسها «2» الكما # على شعر في عارضيه كأنما ... زرعن المها أجفانها فيه والسقما # كأن الليالي قد ms262 عددن سنينه ... فصيرن في خديه داراته رقما # PageV02P303 # وأنشدني لنفسه يصف مجدورا: # بدر وغصن «1» من فوق دعص نقا ... لم أصغ في حبه إلي لاحي # له لحاظ مرضى بلا سقم ... سكرى من الغنج تسكر الصاحي # جدر فاعتاض من تورده ... بصفرة في ملثم ضاح # كأنه فوق خده حبب ... يلعب بعد المزاج في الراح [173 ب] # وأنشدني لنفسه في كانون: # كأن تأجج كانوننا ... تكاثف نور من العصفر # وأحدث إخماده زرقة ... تأجج في مدمج أحمر # كبركة خمر بحافاتها ... بقايا تفتح نيلوفر «2» # وأنشدني لنفسه أيضا في كانون: # أنظر إلى كانوننا ... يضحك من غير فرح # كحمرة في شفق ... دبجها قوس قزح [200 ط] # PageV02P304 ### || 159 لأبي الفرج الببغاء في وصف كانون # وحدثني أبو الفرج الببغاء «1» ، قال: # كنت بحضرة أبي العشائر بن حمدان «2» ، وبين يديه كانون، قد عمل النار في ~~باطن فحمه، فعملت في الحال، وأنشدته: # ومجلس حل من يحل به ... من المعالي في أرفع الدرج # أمسى ندام الكانون فيه لنا ... أكثر أنس النفوس والمهج # يبدي لنا ألسنا كالسنة الحيات ... من ثابت ومختلج # لما بدا الفحم فيه أسود كالليل ... وبث الشرار كالسرج # ودب صبغ اللهيب فيه بتضريج ... خدود «3» الشقائق الضرج # ظننت شمس الضحى به انكشفت ... للخلق في قبة من السبج # PageV02P305 ### || 160 لأبي الفرج الببغاء في صفة شمعة # أنشدني لنفسه «1» في صفة شمعة: # وصفر كأطراف العوالي قدودها ... قيام على أعلى كراس من الصفر «2» # تلبسن من شمس الأصيل غلائلا ... فأشرقن في الظلماء بالخلع الصفر # عرائس يجلوها الدجى لمماتها ... وتحيا إذا أذرت دموعا من التبر # إذا ضربت أعناقها في رضا الدجى ... أعارته من أنوارها خلع الفجر # تبكى على أحشائها بجسومها ... فأدمعها أجسامها أبدا تجري # علاها ضياء عامل في حياتها ... كما تعمل الأيام في قصر العمر # PageV02P306 ### || 161 للسري الرفاء في الغزل # أنشدني غير واحد، قالوا: أنشدنا سري بن أحمد [الكندي] «1» الرفاء «2» ، ~~لنفسه: # وذي غنج يرنو بمقلة جؤذر ... متى يعد فيه «3» خالع العذر يعذر # له فوق ورد الخد خال كأنه ... إذا احمر ورد الخد نقطة عنبر # PageV02P307 ### || 162 بين قاضي القضاة أبي السائب والشاعر ابن ms263 سكرة الهاشمي # أخبرني جماعة من أهل عصرنا من المتأدبين ببغداد: # أن أبا الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة «1» الهاشمي، دخل إلى قاضي القضاة ~~أبي السائب عتبة بن عبيد الله «2» ، وهو جالس للحكم، فكتب رقعة كالقصص، ~~ودفعها إليه، وقد كان مدحه فتأخرت صلته عنه. # فلما قرأها أبو السائب، لم يبن في وجهه غضب، ولا نكير، ووقع فيها شيئا ~~بخطه. # وقال: أين رافع هذه القصة؟ # فقام ابن سكرة، فدفعها إليه، فأخذها مقدرا أن فيها ما يستكف لسانه عنه من ~~صلة أو بر، فلما قرأها استحيا وانصرف. # فقرئت الرقعة، فإذا الابتداء بخط ابن سكرة شعر، والجواب بخط أبي السائب ~~نثر، كما نسخناها هاهنا: # يا عتبة بن عبيد ... حوشيت من كل عيب «3» # لبيك يا مختصر «4» [174 ب] # PageV02P308 # وأبعد الله قوما ... رموك عندي بريب # قالوا بأنك تهوى ... زبيبة «1» بن شعيب # فقلت هذا محال ... أصبوة بعد شيب؟ # لقد هتفتم بشيخ ... نقي ذيل وجيب # رأيتم الأير فيه؟ ... فلم شهدتم بغيب؟ # وأنت فحوشيت من كل سوء كذبوا أحسن الله جزاءك، وقلت ما يشبهك، وربما كانت ~~[201 ط] بئس ما فعلوا، والحمد لله على ذلك جهلا منهم بطرق الشهادة «2» # PageV02P309 ### || 163 طبيعة الأمير سيف الدولة في إسداء المكارم # حدثني أبو الفرج الببغاء، قال: # تأخر عني رسمي من الكسوة، على الأمير سيف الدولة، وكان آثر الأشياء عنده، ~~وأنفقها عليه، وأحبها إليه، أن يسأل فيعطي، وأن يستزاد فيزيد، وأن يطالب، ~~ويناظر، حتى كان دائما يعزل للإنسان شيئا، يريد هبته له، خلف ظهره، ويقول: ~~أريد أن أعطي فلانا هذا. # فيخرج من يحضر، فيحدث الرجل، فيحضر، ولا يعطيه. # فيقول له الرجل: إيش وراء مسورة مولانا؟ # فيقول: وأي شيء عليك؟ «1» وأيش فضولك؟ # فيقول: هذا والله لي عزله مولانا. # فيقول: لا. # فيقول: بلى، ويأخذه، ويجاذبه عليه، فإذا فعل ذلك، أعطاه، وزاده شيئا آخر، ~~يلتذ بهذا. # قال: فكتبت إليه، أستحثه على رسمي من الكسوة: # الرضا بالمأمول، أطال الله بقاء سيدنا الأمير سيف الدولة، دليل «2» على ~~همة الآمل، ومحل المسؤول في نفسه، مترجم عن نفاسة نفس السائل، ms264 إذ كان الناس ~~من التخلق بالكرم، والتفاضل بالهمم، في منازل غير متقاربة، # PageV02P310 # ومراتب غير متناسبة، وشرف أدبه، في شرف طلبه. # ورجاء سيف الدولة الشرف الذي ... يتقاصر التفصيل عن تفصيله # ضمنت تأميلي نداه فرده ... جذلان من سفر الظنون بسوله # وغنيت «1» حين بلغت ورد نواله ... عن ورد ممتنع النوال بخيله # فالغيث يغبطني على إنعامه ... والدهر يحسدني على تأميله # وعلمي بأن أقرب مؤمليه- أيده الله- إليه، وأوجبهم حرمة عليه، أشدهم ~~استزادة لنعمه، وأكثرهم تسحبا على كرمه، بعثني على التقرب إلى قلبه ~~بالسؤال، ومناجاة كرمه بلسان الآمال. [فسألته متقربا «2» ، وطلبته متسحبا، ~~فإن رأى العادل إلا في ماله، والمقتصد إلا في أفضاله، سيدنا الأمير سيف ~~الدولة أطال الله بقاءه] «3» . # أن تعلم الأيام موضع عبده ... من عزه ومكانه من رائه # بشواهد الخلع التي يغدو بها ... متطاولا شرفا على نظرائه # فمن العجائب حبس توقيع له ... وموقع التوقيع من شفعائه # فعل إن شاء الله تعالى «4» . # PageV02P311 ### || 164 كيف تأثلت حال أبي عبد الله ابن الجصاص # حدثني أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعلان، قال: حدثني أبو علي أحمد بن ~~الحسين بن عبد الله الجوهري، ابن الجصاص، قال: قال لي أبي: # كان بدء إكثاري، أني كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه «1» بن أحمد بن ~~طولون، وكنت أتوكل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره [202 ط] مما يحتاجون ~~إليه، وما كنت أكاد أفارق [175 ب] الدهليز لاختصاصي بهم. # فخرجت إلي قهرمانة لهم في بعض الأيام، ومعها عقد جوهر، فيه مائتا حبة، لم ~~أر قبله أحسن منه، ولا أفخر، تساوي كل حبة منه ألف دينار عندي. # فقالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر، فتجعل لأربع عشرات اللعب. # فكدت أن أطير، وأخذتها، وقلت السمع والطاعة. # [وخرجت في الحال مسرورا] «2» ، وأنا على وجهي، فجمعت التجار، ولم أزل ~~أشتري ما قدرت عليه، حتى حصلت مائة حبة أشكال من النوع الذي أرادته. # وجئت بها عشيا، فقلت: إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وإنظار «3» ، # PageV02P312 # وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا، ودفعت إليهم المجتمع، والباقي ~~يخرط في ms265 أيام. # فقنعت بذلك، وارتضت الحب، وخرجت. # فما زلت أياما في طلب الباقي، حتى اجتمع، فحملت إليهم مائتي حبة قامت علي ~~بأثمان قريبة، تكون دون مائة ألف درهم، أو حواليها، وحصلت جوهرا بمائتي ألف ~~دينار. # ثم لزمت دهليزهم، وأخذت لنفسي غرفة كانت فيه، فجعلتها مسكني «1» . # قال: فلحقني من هذا، أكثر مما يحصى، حتى كثرت النعمة، وانتهت إلى ما ~~استفاض خبره. # PageV02P313 ### || 165 سبب اختصاص أبي عبد الله ابن الجصاص بأبي الجيش خمارويه أمير مصر # حدثني أبو الحسين بن عياش. قال: سمعت مشايخنا، يقولون: # إن أصل اختصاص ابن الجصاص بأبي الجيش ابن طولون، أن أبا الجيش كان يشرب، ~~إذا قعد للشرب، أربعين رطلا من نبيذ مصر المعروف بالشيروي «1» . # قال: ومن يشرب منه رطلا، يقدر أن يشرب من غيره أرطالا. # وكان لا يصبر معه أحد من ندمائه، ويسكرون قبله، فيصعب ذلك عليه، ويبقى ~~وحده، فكان يتطلب المجيدين للشرب. # فوصف له ابن الجصاص، وهو إذ ذاك يتجر في الجوهر، فاستدعاه، فأدخل إليه، ~~فحين مثل بين يديه، قبل الأرض، ولم يكن الناس يعرفون ذلك، فاستظرف خمارويه ~~حسن أدبه. # وقال: أبو من؟ # قال: عبد الأمير الحسين. # فقال: هذه اثنتان. # فواكله، وشاربه، قدحا وقدحا، حتى سكر خمارويه، ثم شرب بعده رطلا. # فبلغ ذلك خمارويه من غد، فأدخله، وأجازه جائزة عظيمة. # وقال: ما صناعتك؟ # قال: الجوهر. # PageV02P314 # فقال: لا يبتاع لنا شيء إلا على يده، وكان مشغوفا به، فكسب فيه الأموال. # وحصل يأكل معه، ويشاربه إذا أراد الشرب، فينام ندماؤه كلهم غيره، فولد ~~ذلك له أنسا تاما به، فكان يخرج إليه على النبيذ بأسراره، ويحادثه، ويأنس ~~به. # ورد إليه أمر داره، والإشراف على جميع نفقاته. # ولم تزل حاله تقوى وتتزايد، حتى عرض له تزويج ابنته بالمعتضد، فأنفذه في ~~الرسالة [176 ب] حتى عقد الإملاك، ثم أجرى أمر الجهاز على يده، فجرف ~~الأموال بغير حساب. # قال: فأخبرني بعض أصحابنا، [203 ط] أنه لحق بعض الفرش الذي كان في جهاز ~~قطر الندى ابنة خمارويه «1» ، مطر، فيما بين دمشق والرملة «2» ، فنزلها ابن ~~الجصاص، ms266 وكتب إليه يعرفه الخبر، ويستأذنه في تطرية ذلك، فأذن له فيه. # فأقام شهرين لهذا السبب، وطرى الفرش، فاحتسب في النفقه، ثلاثين ألف ~~دينار. # قال: ولما حصلت قطر الندى ببغداد، أضاق خمارويه إضاقة شديدة، لأنه افتقر ~~بما حمله معها، وخرج من جميع نعمته، حتى طلب شمعة، فاحتبست عليه ساعة، إلى ~~أن احتيلت. # فقال: لعن الله ابن الجصاص، أفقرني في السر. # PageV02P315 ### || 166 بين الخليفة المكتفي والتاجر ابن الجصاص # قال: ومن عجيب أخبار ابن الجصاص، انه طلب منه المكتفي «1» عقدا حسنا من ~~فاخر الجوهر، يبتاعه منه. # فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ # قال: ثلاثين ألف دينار. # قال: لا تصيب كما تريد، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة، ولا أبيعك إياه بأقل ~~من ستين ألف دينار، فإن أذنت «2» ، حملته. # فقال: افعل. # فحمله إليه، والعباس بن الحسن «3» قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال ~~المكتفي أمره وحسنه، وقال: ما رأيت مثل هذا قط. # فقال: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل «4» ؟ # فتنكر المكتفي، وتنمر، وهم به. # فأومأ إليه العباس بالإمساك، فأمسك، وترك العقد ابن الجصاص، بحضرة ~~الخليفة، وخرج. # PageV02P316 # فقال المكتفي للعباس: بالله، وبحقي «1» عليك، هذه الكنية تلقبني بها ~~العامة؟ # فقال: لا والله يا مولانا، ولكن هذا رجل رقيع «2» عامي، والعامة إذا ~~افتخرت على إنسان، قالت له مثل هذا، وقد ربحت بهذه الكلمة العقد، بلا ثمن، ~~فدعني وابن الجصاص، فإن جاءك فأحله علي. # فلما كان بعد أيام، جاء ابن الجصاص، فأذكر المكتفي بثمن العقد. # فقال له: إلق العباس. # فجاء إليه، فطالبه بالمال. # فقال: ويحك، تطالب بثمن العقد، بعد ما لقبت الخليفة بسببه، واجترأت عليه ~~بما لا يجوز أن تجترئ بمثله على بعض غلمانه؟ لا تتكلم بهذا فتولد لنفسك ~~منه، ما لا تحتاج إليه. # فأمسك ابن الجصاص، وذهب منه العقد والمال بالكلمة «3» # PageV02P317 ### || 167 إسماعيل بن بلبل والأعرابي العائف # حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: # أخبرني من أثق به، إن إسماعيل بن بلبل «1» ، لما قصده صاعد «2» ، لزم ~~داره، وكان له حمل قد قرب وضعه، فقال: اطلبوا لي ms267 منجما يأخذ مولده، فأتي ~~به. # فقال له بعض [177 ب] من حضر، ما تصنع أيدك الله بالنجوم؟ هاهنا أعرابي ~~عائف «3» ، ليس في الدنيا أحذق منه. # فقال: يحضر، فأسماه الرجل، فطلب، وجاء. # فلما دخل عليه، قال له إسماعيل: تدري لأي شيء طلبناك؟ # قال: نعم. # قال: ما هو؟ # فأدار عينه في الدار، فقال: لتسألني عن حمل، وقد كان إسماعيل أوصى أن لا ~~يعرف، فتعجب من ذلك. # فقال له: فأي شيء هو؟ أذكر أم أنثى؟ # فأدار عينه [204 ط] في الدار، فقال: ذكر. # فقال: للمنجم: ما تقول؟ # قال: هذا جهل. # فبينا نحن كذلك، إذ طار زنبور على رأس إسماعيل، وغلام يذب عنه، فضرب ~~الزنبور، فقتله. # PageV02P318 # فقام الأعرابي، وقال: قتلت والله المزنر، ووليت مكانه، ولي حق البشارة، ~~وجعل يرقص، وإسماعيل يسكنه، فنحن كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة. # فقال: انظروا ما المولود؟ فقالوا: ذكر. # فسر إسماعيل بذلك سرورا شديدا، لإصابة العائف في زجره، وترجيه الوزارة، ~~وهلاك صاعد، ووهب للأعرابي شيئا، وصرفه. # فما مضى على هذا إلا دون شهر، حتى استدعى الموفق إسماعيل، وقلده الوزارة، ~~وسلم إليه صاعدا، [فكان يعذبه، حتى قتله. # فلما سلم إليه صاعد] «1» ، ذكر حديث الأعرابي، فطلبه، فجاءوا به. # فقال: خبرني كيف قلت ما قلته ذلك اليوم؟ وليس لك علم بالغيب، ولا هذا مما ~~يخرج في نجوم. # فقال: نحن إنما نتفاءل ونزجر الطير، ونعيف ما نراه، فسألتني أولا، لأي ~~شيء طلبت؟ # فتلمحت الدار، فوقعت عيني على برادة «2» عليها كيزان معلقة في أعلاها، ~~فقلت: حمل. # فقلت لي: أصبت، ثم قلت لي: أذكر أم أنثى؟ # فتلمحت، فرأيت فوق البرادة عصفورا ذكرا، فقلت: ذكر. # ثم طار الزنبور عليك، وهو مخصر، والنصارى مخصرون بالزنانير، والزنبور ~~عدو، أراد أن يلسعك، وصاعد نصراني الأصل، وهو عدوك، فزجرت أن الزنبور عدوك ~~[صاعد] وأن الغلام لما قتله، إنك ستقتله. # قال: فوهب له شيئا صالحا، ثم صرفه. # PageV02P319 ### || 168 أعراب ثلاثة يتنبأون بموت قاضي القضاة ودفنه في داره # وحدثنا أبو الحسين، قال: # اجتزت أنا وأبو طاهر بن نصر القاضي، بشارع القاضي، نقصد ms268 دار قاضي القضاة ~~أبي الحسين «1» ، في علته التي مات فيها، لنعوده، فإذا بثلاثة من الأعراب ~~ركبان. # فشال «2» أحدهم رأسه، وقد سمع غرابا ينعب على حائط دار أبي الحسين قاضي ~~القضاة. # فقال للنفسين اللذين خلفه: إن هذا الغراب ليخبرني بموت صاحب الدار. # فقال له الآخر: أجل إنه ليموت بعد ثلاثة أيام. # فقال الآخر: نعم ويدفن في داره. # فقلت: أسمعت ما قالوا؟ فقال: نعم. # فقلت: هؤلاء أجهل قوم، وافترقنا. # فلما كان في ليلة اليوم [178 ب] الرابع سحرا، ارتفعت الصيحة بموت قاضي ~~القضاة أبي الحسين، فذكرت قول الأعرابي، وعجبت. # وحضرنا جنازته، ودفن في داره. # فقلت لأبي طاهر: رأيت أعجب من وقوع مقالة الأعراب بعينها؟ # أيش هذا؟ # PageV02P320 # فقال: لا والله، ما أدري، ولكن تعال حتى نسأل عنهم [205 ط] ، ونقصدهم، ~~ونستخبر منهم من أين لهم ذلك. # قال: فكنا أياما، نسأل عنهم، وعن حلتهم من البلد، فلا نخبر. # إلى أن أخبرونا بنزول حلة «1» من بني أسد بباب حرب «2» ، فقصدناهم. # فقلنا: هل فيكم من يبصر الزجر؟ # فقالوا: أجل، ثلاثة إخوة في آخر الحي، يعرفون ببني العائف، ودلونا على ~~أخبيتهم. # فجئنا، فصادفنا أصحابنا بأعيانهم، ولم يعرفونا، فأخبرناهم بما سمعناه ~~منهم، وسألناهم عنه. # فقالوا: إنا، وغيرنا من العرب، نعرف نعيبا للغراب بعينه، لا ينعبه في ~~موضع إلا مات ساكنه، مجربا على قديم السنين في البوادي، لا يخطئونه، ورأينا ~~ذلك الغراب، نعب ذلك النعيب الذي نعرفه. # [فقلنا للآخر: كيف قلت إنه يموت بعد ثلاثة أيام؟ # قال: كان ينعب ثلاثا متتابعات ثم يسكت، ثم ينعب ثلاثا على هذا، فحكمت ~~بذلك] «3» . # فقلت للآخر: وكيف قلت إنه يدفن في داره؟ # قال: رأيت الغراب يحفر الحائط بمنقاره ورجليه، ويحثو على نفسه التراب، ~~فقلت «4» : إنه يدفن في داره. # PageV02P321 ### || 169 عيافة أعرابي # حدثنا أبو الحسين بن عياش، قال: # أخبرني صديق لي أنه خرج إلى الحائر «1» [على ساكنيه السلام] «2» ليزور. # فاجتاز في طريقه بموضع قريب من الأعراب، وهم نزول، فحط رحله ونزل، وجلس ~~يأكل هو وغلمانه، فوقف به بعض أولئك الأعراب يستطعم. # قال: فقلت له: ms269 اجلس حتى نأكل، وندفع إليك نصيبا. # فجلس قريبا منا، فإذا بغراب قد طار قريبا منه، وصاح صياحا متتابعا. # فقام الأعرابي يرجمه، ويقول: كذبت يا عدو الله، كذبت يا عدو الله. # قال: فقلنا له: ما الخبر يا أعرابي؟ # قال: يقول الغراب إنكم ستقتلونني، وأنتم تريدون أن تطعموني، فكذبته في ~~خبره. # قال: فاستحمقناه، وتممنا أكلنا. # وكان في السفرة سكين بزماورد «3» عظيمة حادة، أنسيناها في السفرة. # فجمعنا السفرة بما فيها، وقلنا للأعرابي: خذها، وفرغ ما فيها، واردد ~~السفرة. # PageV02P322 # فجمعها بما فيها، وشالها، فضرب بها ظهره بحمية، من فرحه بتمكيننا إياه من ~~جميع ما فيها، فخرجت السكين بحدتها، فدخلت بين كتفيه، فخر صريعا يصرخ: صدق ~~الغراب لعنه الله، مت ورب الكعبة. # فخشينا أن [179 ب] يصير لنا مع الأعراب قصة، فتركنا السفرة، وقمنا ~~مبادرين، فاختلطنا بالقافلة حتى لا نعرف، وتركناه يتشحط في دمائه «1» . # ولا نعلم هل عاش أو مات. # PageV02P323 ### || 170 من أحاديث الزراقين # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا سليمان بن الحسن «2» ، قال: قال لي ~~أبو معشر المنجم «3» ، وقد جرى حديث الزراقين: # رأيت أعجب شيء، وهو أن رجلا في جواري بسر من رأى اعتقل، فأتاني أبوه، ~~وكان لي صديقا [206 ط] ، فقال: تركب معي إلى صاحب الشرطة، نسأله إطلاقه، ~~فركبت. # فاجتزنا بزراق على الطريق. فقلت: هل لك في أن نتلهى بهذا الزراق؟ # فقال: افعل. # فقلت له: انظر في نجمنا، وأي شيء هو، وفي أي شيء هوذا نمضي؟ # ففكر الزراق ساعة، ثم قال: تمضون في أمر محبوس. # قال: فانتقع «4» لون أبي معشر، ودهش، وتلجلج لسانه. # فقلت أنا له: فهل يطلق أم لا؟ # قال: تمضون وقد أطلق. # فقال لي أبو معشر: انطلق بنا، فهذا اتفاق طريف، وهوس. # PageV02P324 # فسرنا وجئنا إلى صاحب الشرطة، فسألناه في أمر الرجل. # فقال: الساعة- والله- وردت علي رقعة فلان، يسألني في أمره، فأطلقته. # فنهض أبو معشر مبادرا، وقال: إن لم أعرف من أين أصاب الزراق في حكمه، ذهب ~~عقلي، وخرقت كتبي، واعتقدت بطلان النجوم، ارجع بنا إليه. # قال: فرجعنا، فوجدناه في مكانه من الطريق. # فقال ms270 له أبو معشر: قم بنا، فأخذناه، وحمله إلى داره. # وقال له: أتعرفني؟ # قال: لا. # قال: أنا أبو معشر المنجم. # فقبل الزراق يده، وقال: أستاذنا، وقد سمعت باسمك. # قال: دعني من ذلك، لك خمسة دنانير عينا، وأصدقني من أين حكمت لنا بما ~~حكمت به. # قال: أنا والله أصدقك، ولا أجسر آخذ منك شيئا، وأنت أستاذ هذه الصناعة. # اعلم أني لا أحسن من النجوم شيئا، وإنما أنا أزرق وأهذي على النساء، وبين ~~يدي هذا التخت والإصطرلاب والتقويم للخلق حيلة. # ولكني قد صحبت أهل البوادي في وقت من الأوقات، وتعلمت منهم الزجر والفال ~~والعيافة. # وهم يعتقدون إذا سئلوا عن شيء أن ينظروا إلى أول ما تقع عليه عيونهم، ~~فيستخرجون منه معنى يجعلونه طريقا لما يسألون عنه، وما يحكمون به. # فلما سألتني في أي شيء نمضي؟ تلجلجت، فوقعت عيني على # PageV02P325 # سقاء معه ماء محبوس في قربته، فقلت: محبوس. # فقلت: هل يطلق أم لا؟ فنظرت أطلب شيئا أزجره، فرأيت السقاء قد صب الماء، ~~وهو يخرج من قربته، فقلت: إنكم [180 ب] تمضون وقد أطلق، فهل أصبت؟ # فقال له أبو معشر: نعم، وفرجت عني أيضا، أعطوه الدنانير، واصرفوه. # فأبى أن يأخذ، فما تركه أبو معشر حتى أخذها وخرج. # فطرح نفسه كالمستريح من أمر عظيم، ووضع يده على فؤاده، وقال: # فرج عني «1» . # PageV02P326 ### || 171 بين الأمير الموفق وأبي معشر المنجم # حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر بن الحارث الحارثي «1» ، قال: حدثني أبي، ~~قال: # كنت أحد من يعمل في خزانة السلاح [للمعتمد] «2» وكنت قائما [207 ط] بحضرة ~~الموفق، في عسكره لقتال صاحب الزنج، وبحضرته أبو معشر، ومنجم آخر، أسماه ~~أبي وأنسيته أنا. # فقال لهما: خذا الطالع في شيء أضمرته منذ البارحة، أسألكما عنه، ~~وأمتحنكما به، وأخرجا ضميري. # فأخذا الطالع، وعملا [الزايرجه] «3» ، وقالا جميعا: تسألنا عن حمل ليس ~~لإنسي. # فقال: هو كذلك، فما هو؟ # قال: ففكرا طويلا، ثم قالا: عن حمل لبقرة. # قال: هو كذلك، فما تلد؟ # قالا جميعا: ثور. # قال: فما شيته؟ # PageV02P327 # فقال أبو معشر: أسود في جبهته ms271 بياض. # وقال الآخر: أسود وفي ذنبه بياض. # قال الموفق: ترون ما أجسر هؤلاء، أحضروا البقرة، فأحضرت وهي مقرب. # فقال: اذبحوها، فذبحت، وشق بطنها، وأخرج منها ثور صغير أسود، أبيض طرف ~~الذنب، وقد التف ذنبه، فصار على جبهته. # فتعجب الموفق، ومن حضره، من ذلك عجبا شديدا، وأسنى جائزتيهما. # قال: وحدثني أبي، قال: # كنت أيضا بحضرة الموفق، فأحضر أبا معشر هذا، وهذا المنجم، فقال لهما: معي ~~خبيء، فما هو؟ # فقال أحدهما، بعد أن أخذ الطالع، وعمل الزايرجه، وفكر طويلا، وقال: هو ~~شيء من الفاكهة. # وقال أبو معشر: هو شيء من الحيوان. # فقال الموفق للآخر: أحسنت، وقال لأبي معشر: أخطأت، ورمى من يده تفاحة. # وأبو معشر قائم، فتحير، وعاود النظر في الزايرجه، ساعة، ثم عدا يسعى نحو ~~التفاحة، حتى أخذها، فكسرها، ثم قال: الله أكبر، وقدمها إلى الموفق فإذا هي ~~تنغش بالدود «1» . # فهال الموفق ما رآه من إصابته، وأمر له بجائزة عظيمة. # PageV02P328 ### || 172 مما شاهده المؤلف من صحة أحكام النجوم # وهذا بعيد دقيق، ولكن فيما قد شاهدته من بعض صحة أحكام النجوم، كفاية. # هذا أبي «1» حول مولد نفسه في السنة التي مات فيها «2» ، فقال لنا: هي ~~سنة قطع على مذهب المنجمين، وكتب بذلك إلى بغداد، إلى أبي الحسن بن البهلول ~~القاضي «3» ينعي نفسه إليه، ويوصيه. # فلما اعتل أدنى علة، وقبل أن تستحكم «4» علته، أخرج التحويل، ونظر فيه ~~طويلا، وأنا حاضر، فبكى، وأطبقه، واستدعى كاتبه، وأملى عليه وصيته التي مات ~~عنها، وأشهد فيها من يومه. # فجاءه أبو القاسم غلام زحل المنجم «5» ، فأخذ يطيب نفسه، ويورد عليه [181 ~~ب] شكوكا. # فقال: يا أبا القاسم، لست ممن يخفى هذا عليه، فأنسبك إلى غلط، # PageV02P329 # ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فواقفه على الموضع الذي خافه، ~~وأنا حاضر. # ثم قال له أبي: دعني من هذا، بيننا شك في أنه إذا كان يوم الثلاثاء ~~العصر، لسبع بقين من الشهر، فإنه ساعة قطع عندهم «1» ؟ [208 ط] . # فأمسك أبو القاسم، ولم يجبه، واستحيى منه أن يقول نعم، وبكى «2» أبو ms272 ~~القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي. # وبكى أبي طويلا، ثم قال: يا غلام الطست، فجاءه به، فغسل التحويل وقطعه، ~~وودع أبا القاسم توديع مفارق. # فلما كان في ذلك اليوم، العصر بعينه، مات، كما قال. # PageV02P330 ### || 173 الأخذ بالحزم أولى # أخبرني غير واحد من أصحابنا، أن أبا محمد عبد الله بن العباس الرامهرمزي ~~المتكلم، أخبره، قال: # أردت الانصراف من عند أبي علي الجبائي «1» إلى بلدي، فجئته مودعا، فقال ~~لي: # يا أبا محمد، لا تخرج اليوم، فإن المنجمين يقولون: إنه من سافر في مثله ~~غرق «2» ، فأقم إلى يوم كذا وكذا، فإنه محمود عندهم. # فقلت: أيها الشيخ مع ما تعتقده في قولهم، كيف تجيء بهذا؟ # فقال: يا أبا محمد، لو أخبرنا مخبر ونحن في طريق، أن فيه؟؟؟ # أليس كان يجب في الحكمة علينا أن لا نسلك ذلك الطريق، إذا قدرنا على سلوك ~~غيره، وإن كان ممن يجوز عليه الكذب؟ # قلت: نعم. # قال: فهذا مثله، وقد يجوز أن يكون الله تعالى أجرى العادات، بأن تكون ~~الكواكب إذا نزلت هذه المواضع حدث كذا، والأخذ بالحزم أولى. # قال: فأخرت خروجي إلى اليوم الذي قاله. # PageV02P331 ### || 174 أبو علي أحذق الناس بالنجوم # حدثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: حدثني أبو هاشم الجبائي «1» ، قال: # كان أبو علي «2» من أحذق الناس بالنجوم، فولد في جواره مولود. # فقال أبوه «3» : إني أحب أن تأخذ طالعه. # قال: وكان ليلا، فأخذ الاصطرلاب «4» وعمل مولده، وحكم له بأشياء، صحت ~~كلها بعد ذلك. # PageV02P332 ### || 175 أبو الحسن الأهوازي وسابور ذو الأكتاف # جرى الحديث يوما بحضرة أبي، في البخل والبخلاء، واختصاص الملوك بذلك، ~~وكان أبو الحسن مطهر بن إسحاق بن يوسف الأهوازي الشاهد حاضرا، فقال: # دخلت يوما إلى أبي عبد الله البريدي، وقد نصبت مائدته، فاستدعاني إليها، ~~وكنت جائعا، فأقبلت آكل منبسطا. # فقدم جدي مشوي حار، فضربت يدي إلى كتفه، فأكلتها. # ثم قدم بعده ألوان أخر، وجدي بارد، فضربت يدي إلى كتفه فأكلتها. # ثم قدم بعده ألوان، وقدم جدي مبزر «1» ، فأخذت الكتف فأكلتها. # ثم جدي بماء وملح، فجئت ms273 لآخذ الكتف، فسبقتني يد أبي عبد الله إليه، فكففت ~~يدي. # فقال لي: يا أبا الحسن، أنت اليوم سابور ذو الأكتاف. # فاستحييت، وخجلت، وعلمت أنه ما قالها إلا من غيظ، فقصرت. # وتوقيت بعد ذلك مواكلته. # فقال أبي: ما كان [182 ب] أبو عبد الله بخيلا على الطعام، وإنما كان نهما ~~«2» ، شديد الجوع، وكان في أول أكله، وإلى وسطه، يلحقه هذا [209 ط] النهم، ~~وربما أطلق ما يشبه هذا، فيظن من لا يعرف طبعه أنه بخيل، ويحتاج من يواكله ~~إلى التقصير، حتى يمضي نصف أكله. # فإذا مضى نصف أكله، انبسط، وانطلق وجهه، وساءه وغمه أن يقصر من يحضر في ~~مواكلته، وقال: هوذا ينسبوني إلى البخل ثم لا يأكلون. # PageV02P333 ### || 176 أبو عبد الله الكرخي يحب مؤاكلة الأكول # ولكن أبا عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي «1» هو الجواد على الطعام ~~والمال. # ولقد دخلت «2» إليه يوما بالأهواز، وهو عاملها، أقلب عليه ثيابا «3» ، ~~ولم تكن بيننا معرفة، فأخذ منها ما أراد، وواقفني على الأثمان، وطال جلوسي ~~عنده، فجاء غلمانه بأطباق فاكهة، فقمت. # فقال: ما هذا الخلق النبطي يا أبا الحسن «4» ؟ اجلس، فجلست، وأخذنا في ~~الأكل، وكنت جائعا، فأقبلت آكل كمثراة، كمثراة، في لقمة، وخوخة خوخة، في ~~لقمة، وتينة تينة، في لقمة، وهو ينظر إلى ذلك، ويستحسنه، ويضحك منه، ويعجبه ~~ويستطرفه، وكان ضعيف الأكل جدا. # وكلما جئت لأقطع، حلف علي، ولقمني بيده. # ثم شيلت الفاكهة، وجاءوا بالطعام، وكانت هذه صورتي عنده، وانصرفت. # فلما كان من غد نصف النهار، وكنت جالسا في دكاني بالبزازين، فإذا بفراش ~~ومعه غلام تحته بغل. # فقال: العامل يطلبك، فلم أدر ما هو، فركبت البغل وصرت إليه، # PageV02P334 # وإذا المائدة منصوبة، وهو ينتظرني. # فقلت: ما يأمر الأستاذ أيده الله؟ # فقال: إني استطبت مؤاكلتك بالأمس، وأكلت فضلا مما جرت عادتي به، فلما ~~قدمت اليوم المائدة، لم أتهنأ بالأكل، فعزلتها واستدعيتك، وأريد أن تجيني ~~«1» في كل يوم. # قال: فكنت أتأخر في الأيام، فيعاتبني، وينفذ إلي بغلا أركبه. # وولد ذلك لي محلا عظيما في البلد، وجاها، وكسبت به ms274 عليه في البز وغيره، ~~مما رد إلي شراءه من جميع ما كان يحتاج إليه في داره، مالا جليلا. # PageV02P335 ### || 177 بين أبي جعفر بن شيرزاد وأبي عبد الله الموسوي # حدثنا أبو العباس هبة الله بن المنجم، قال: سمعت أبا عبد الله الموسوي ~~«1» العلوي، يقول: # قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد «2» في أيام تدبيره الأمر، قصدا ~~قبيحا، وعمل لي كتابه مؤامرة في خراجاتي، بمائة ألف درهم، # PageV02P336 # أكثرها واجب علي، وباقيها كالواجب. # وأحضرني للمناظرة عليها، فاعتقلني في داره. # فضقت ذرعا بما نزل بي، وعلمت أن المال سيؤخذ مني إذا نوظرت، وأنه يؤثر ~~[183 ب] في حالي، ويهتك جاهي، فلم أدر ما أعمل. # فشاورت بعض من يختص به، فقال: طمعه فيك- والله- قوي، وما ينفعك معه شيء ~~غير المال. # فقلت: فكر في حيلة أو مخادعة. # ففكر، ثم قال: لا أعرف لك دواء إلا شيئا واحدا، إن سمحت به نفسك [210 ط] ~~، وتركت العلوية «1» عنك، وفعلته، نجوت. # فقلت: ما هو؟ # قال: هو رجل سمح على الطعام، محب لأكله على مائدته، موجب لحرمته، وأرى ~~لك، إذا وضع طعامه، أن تخرج إليه، فإنك معه في الدار، ولا يمنعك الموكلون ~~من ذلك، فتجيء بغير إذن، فتجلس على المائدة، وتأكل، وتنبسط، وتخاطبه «2» في ~~أمرك عقيب الأكل، وتسأله، وترفق به، وتخضع له، فإنه يسامحك بأكثرها، ويقرب ~~ما بينك وبينه. # فشق ذلك علي، ثم نظرت، فإذا وزن المال أشق منه. # وكان أبو جعفر، لا يأكل إلا بعد المغرب، في كل يوم مرة «3» ، فلم آكل ذلك ~~اليوم شيئا، وراعيت مائدته، فلما وضعت المائدة، قمت. # فقال الموكل: إلى أين؟ # PageV02P337 # قلت: إلى مائدة الوزير، فما قدر أن يمنعني، وجاء معي. # فلما رآني أبو جعفر، أكبر ذلك، وتهلل وجهه، وقال: إلى عندي يا سيدي، إلى ~~عندي، وأجلسني إلى جنبه، وأقبلت آكل، وأنبسط في الأكل والحديث، إلى أن رفعت ~~المائدة، وقام أبو جعفر، وقمنا، وشيلت المائدة، واستدعاني إلى موضعه، فغسلت ~~يدي بحضرته. # فلما فرغت، أردت أن أبتدأه بالخطاب، فقال لي: قد آذيتك يا سيدي أبا عبد ms275 ~~الله بتأخيرك عن منزلك، فامض إلى بيتك، وما أخاطبك بشيء مما في نفسي، ولا ~~فيما أردت مخاطبتك فيه، [ولا مطالبة عليك من جهتي] «1» بعدما تفضلت به. # فشكرته، وقلت: إن رأى سيدنا أيده الله، أن يتمم معروفه علي بتسليم ~~المؤامرة «2» إلي، فعل. # فقال: هاتموها، فما برحت، إلا وهي معي في خفي، وانصرفت إلى منزلي، وسقط ~~المال عني. # ولزمته للسلام، وصرت أتعمد مؤاكلته، والتخصص به، فسلمت عليه طول أيامه، ~~وسلم جاهي ومالي عليه، إلى أن مضى. # PageV02P338 ### || 178 اللص والعجوز الجلدة أم الصيرفي # حدثني [أبو جعفر] «1» محمد بن الفضل بن حميد الصيمري، مؤدبي، قال: # كان في بلدنا عجوز صالحة، كثيرة الصيام والقيام، وكان لها ابن صيرفي ~~منهمك على الشرب واللعب. # وكان يتشاغل بدكانه أكثر نهاره، ثم يعود عشيا إلى منزله، فيخبئ كيسه عند ~~والدته، ويمضي، فيبيت في مواضع يشرب فيها. # فعين بعض اللصوص على كيسه ليأخذه، وتبعه في بعض العشايا، ودخل وراءه إلى ~~الدار، وهو لا يعلم، فاختفى فيها، وسلم هو كيسه إلى أمه، وخرج، وبقيت وحدها ~~في الدار [184 ب] . # وكان لها في دارها، بيت مؤزر بالساج إلى أكثر حيطانه، عليه باب حديد، ~~تجعل قماشها وكل ما تملكه فيه، والكيس، فخبأت الكيس فيه تلك الليلة خلف ~~الباب، وجلست فأفطرت بين يديه. # فقال اللص: هذه الساعة تفطر، وتكسل، وتنام، وأنزل فأفتح الباب، وآخذ ~~الكيس والقماش. # قال: فلما أفطرت، قامت إلى الصلاة، فظن «2» اللص أنها تصلي العتمة وتنام. # فانتظرها [211 ط] ، فمدت الصلاة، وتطاول عليه الأمر، ومضى نصف الليل. # وتحير اللص مما نزل به، وخاف أن يدركه الصبح، ولا يظفر بشيء. # PageV02P339 # فطاف في الدار، فوجد إزارا جديدا، وطلب جمرا فظفر به، ووقع في يده شيء ~~كان لهم فيه دخنة طيبة، فلبس الإزار، وأشعل ذلك البخور، وأقبل ينزل على ~~الدرجة، ويصيح بصوت غليظ وتعمد أن يجعله جهوريا، لتفزع العجوز. # وكانت معتزلية جلدة، ففطنت لحركته، وأنه لص، فلم تره أنها فطنت. # وقالت: من هذا؟ بارتعاد وفزع شديد. # فقال لها: أنا رسول الله رب العالمين، أرسلني إلى ms276 ابنك هذا الفاسق، ~~لأعظه، وأعامله بما يمنعه من ارتكاب المعاصي. # فأظهرت أنها قد ضعفت، وغشي عليها من الجزع، وأقبلت تقول: # يا جبريل، سألتك بالله، إلا رفقت به، فإنه واحدي. # فقال اللص: ما أرسلت لقتله. # فقالت: فما تريد؟ وبما أرسلت؟ # قال: لآخذ كيسه، وأؤلم قلبه بذلك، فإذا تاب رددته إليه. # فقالت: شأنك، يا جبريل، وما أمرت. # فقال: تنحي من باب البيت. # فتنحت: وفتح هو الباب، ودخل ليأخذ الكيس والقماش، واشتغل في تكويره. # فمشت العجوز قليلا قليلا، وجذبت الباب بحمية، فردته، وجعلت الحلقة في ~~الرزة «1» ، وجاءت بقفل، فقفلته. # فنظر اللص إلى الموت بعينه، ورام حيلة في داخل البيت، من نقب أو منفذ، ~~فلم يجدها. # PageV02P340 # فقال لها: افتحي الباب لأخرج، فقد اتعظ ابنك. # فقالت: يا جبريل، أخاف أن أفتح الباب، فتذهب عيني من ملاحظتي لنورك. # فقال: إني أطفىء نوري حتى لا تذهب عينك. # فقالت: يا جبريل، إنك رسول رب العالمين، لا يعوزك أن تخرج من السقف أو ~~تخرق الحائط بريشة من جناحك، وتخرج، فلا تكلفني أنا التغرير ببصري «1» . # فأحس اللص بأنها جلدة «2» ، فأخذ يرفق بها، ويداريها، ويبذل التوبة. # فقالت له: دع ذا عنك، لا سبيل إلى الخروج إلا [185 ب] بالنهار، وقامت ~~تصلي، وهو يهذي، ويسألها، وهي لا تجيبه، حتى طلعت الشمس، وجاء ابنها، فعرف ~~خبرها، وحدثته بالحديث، فمضى وأحضر صاحب الشرطة، وفتح الباب، وقبض على ~~اللص. # PageV02P341 ### || 179 من بركة المعتزلة ان صبيانهم لا يخافون الجن # سمعت جماعة من أصحابنا، يقولون: # من بركة المعتزلة، ان صبيانهم لا يخافون الجن. # وقد حكي لنا: أن لصا حصل في دار معتزلي، فأحس به، فطلبه، فنزل إلى بئر في ~~الدار. # فأخذ الرجل حجرا عظيما ليدليه عليه، فخاف اللص التلف. # فقال له: الليل لنا والنهار لكم، يوهمه أنه من الجن. # فقال له المعتزلي: [فزن معي نصف الأجرة «1» ، ورمى بالحجر فهشمه. # فقال له: متى يأمن أهلك من الجن؟ فقال المعتزلي] «2» : دع ذا عنك واخرج. # فخرج وخلاه. # PageV02P342 ### || 180 محدث قارب المائة يتواجد في مجلس خاطف المغنية # سمعت أبي، قال: # جئت ms277 إلى أبي القاسم ابن بنت منيع «1» ، لأكتب عنه الحديث، فقال لي من في ~~منزله: قد توجه في حاجة له، وكانت سنه إذ ذاك نحو مائة سنة. # فجلسنا ننتظره [212 ط] ، فإذا به قد جاء محمولا، فألقي كالمغشي عليه، ~~واستراح. # فقلنا له: يا أبا القاسم، ما كان هذا الأمر العظيم حتى خرجت فيه بنفسك، ~~ألا كلفتنا حاجتك؟ # فقال: ليس هذا مما أكلفكم إياه، مضيت إلى مجلس ستي خاطف، فسمعتها، ~~وتواجدت من قولها. # قال:: فعجبنا من شيخ محدث يحضر مجلس امرأة تغني بالقضيب «2» . # وأخبرني جماعة أثق بهم، أنها تدعى «3» إلى هذا الوقت، وتغني بالقضيب وأن ~~لها نحو السبعين سنة. # وأخبرني أبو الحسن بن الأزرق أيضا في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، أنها ~~توفيت في منزلها في جواره «4» في هذه السنة. # PageV02P343 ### || 181 الباغندي المحدث يخطىء في موضعين # حدثني أبو الطيب بن هرثمة: أنه سمع الباغندي «1» المحدث، يقول لجارية ~~كانت تخدمه وقد حرد عليها: ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه [خديك] «2» ~~بالكلكين. # يريد: تطلين على وجهك الكلكون «3» . # وأنه سمعه قال، في حديث حدث به، في قوله تعالى: وفاكهة وأبا # «4» ، فقال: فاكهة وأنا «5» . # PageV02P344 ### || 182 حكاية تدل على ذكاء القرد # حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، أحد الصوفية الطياب من أهل ~~سر من رأى «1» ، ثم مر ببغداد، وأقام بالأهواز طويلا، وتوكل على أبواب ~~القضاة، وعاش نحو السبعين سنة، وكان ماجنا، خفيف الروح، قال: # بت ليلة في خان، ومعنا قراد، ومعه قرد، وكنا كلنا في بيت واحد ضيق. # ففسا بعض من كان معنا، وزاد في الفسا. # فلم يزل القرد يجيء إلى فقحة كل واحد منا فيشمها، ويقف عندها ساعة، إلى ~~أن وقع على فقحة الرجل الذي يفسو. # قال: فرأيته، وقد جاء إلى قطن كان مع صاحبه، فاستخرج منه كبة «2» ، ~~وأخذها بيده، ثم جاء إلى سراويل الذي يفسو، فخرقه، فلم يزل يدس القطن في ~~جحره. # PageV02P345 ### || 183 هذا من تعليم القرد # وأخبرني «1» [186 ب] أن بعض الصوفية حدثه: # إنه اجتمع في بيت واحد من خان «2» ، مع قراد ms278 أمرد، فراوده عن نفسه، فحين ~~حصل فوقه، التمس منه تمكينه من إتيانه في ذاته، فامتنع. # فأومأ إلي القرد بيده، وأخرج عليها بصاقا من فيه، ولم يزل يضعه بها هكذا ~~إلى نفسه. # قال: فأقحمت على الغلام. # فقال: هذا والله من تعليم القرد، فضحكت. # فلما نزلت عنه، قام إلى القرد، يضربه ويقول: يا فاعل، يا صانع علمته علي. # قال: فلم أزل به حتى خلصته من يده «3» [213 ط] . # PageV02P346 ### || 184 القرود والقلانس # وأخبرني بعض من سافر في الآفاق، وهو أبو غانم عبد الملك بن علي السقطي ~~البصري: # أنه كان في بعض طرقات اليمن، ومعهم رجل معه قفص فيه قلانس. # فأصابتهم سماء «1» ، فابتلت القلانس، فأخرجها الرجل، فشرها «2» في الشمس، ~~لما نزلوا. # وإذا بقطعة عظيمة من القرود، قد أحاطوا بالقافلة، فلما رأوا القلانس، ~~وكانت خارجة عن القافلة بالقرب منا، وقفوا ينظرون إليها. # فجاء قرد كبير يقدمهم، فلبس في رأسه واحدة، وأخذ كل واحد منهم واحدة ~~فلبسها إلى أن فنيت القلانس. # فتأملت صاحبها يلطم ويقول: إن مضوا هؤلاء، وهي على رؤوسهم، افتقرت، فإني ~~لا أملك غير هذه القلانس. # فقال أهل القافلة: اجلس، واسكت، ولا تهجهم، فجلس. # فلما كان بعد ساعة، وضع القرد الكبير القلنسوة من رأسه، فوضعوا كلهم ~~القلانس، وانصرف، فتبعوه في الانصراف. # وقام الرجل إلى قلانسه فجمعها «3» . # PageV02P347 ### || 185 القرود المستأنسة في اليمن تشتري الحاجات من السوق # وحدثني أيضا «1» ، قال: # رأيت قرودا عدة مستأنسة ببلدان اليمن «2» ، القرد منها يخرج بالزنبيل من ~~منزل صاحبه، ومعه الفضة، فيقف على بائع اللحم، والخبز، وغيرهما، ويومىء له ~~بما يريده، ويعطيه ثمنه، ويحمل الحاجة إلى منزل صاحبه «3» . # PageV02P348 ### || 186 أبو عبد الله المزابلي والروح الأمين جبريل رسول رب العالمين # وحدثني أبي، قال: # كان عندنا بجبل أنطاكية، المعروف بجبل اللكام «1» ، رجل يتعبد، يقال له: ~~أبو عبد الله المزابلي. # وسمي بذلك، لأنه كان بالليل يدخل إلى البلد، فيتتبع المزابل، فيأخذ ما ~~يجده فيها، فيغسله، ويقتات به، لا يعرف قوتا غير ذلك، وأن يتوغل في جبل ~~اللكام، فيأكل من الأثمار المباحة فيه. # وكان صالحا مجتهدا، ms279 إلا أنه كان حشويا، غير وافر العقل، وكانت له سوق ~~عظيمة في العامة بأنطاكية. # وكان بها موسى بن الزكوري صاحب المجون والسفه «2» في شعره والحماقات وكان ~~له جار يغشى المزابلي. # فجرى بين موسى بن الزكوري، وجاره ذاك شر، فشكاه إلى المزابلي فلعنه ~~المزابلي في دعائه، وكان الناس يقصدونه في كل يوم جمعة غدوة، فيتكلم عليهم ~~ويدعو. # فلما سمعوا لعنه لابن الزكوري، جاء الناس إلى داره أرسالا لقتله، فهرب، ~~ونهبت داره، وطلبته العامة فاستتر. # فلما طال استتاره، قال: إني سأحتال على [187 ب] المزابلي بحيلة # PageV02P349 # أتخلص منه بها، فأعينوني، فقلت: ما تريد؟ # فقال: أعطوني ثوبا جديدا، وشيئا من الند والمسك، ومجمرة، ونارا، وغلمانا ~~يؤنسوني الليلة في الطريق إلى الجبل. # قال أبي: فأعطيته ذلك كله. # فلما كان في نصف الليل، مضى، وخرج الغلمان معه إلى الجبل، حتى صعد فوق ~~الكهف الذي يأوي إليه المزابلي، فبخر بالند والمسك، فدخلت الريح إلى كهف ~~أبي عبد الله، وصاح بحلق عظيم: يا أبا عبد الله المزابلي. # فلما شم تلك الرائحة، وسمع الصوت، أنكرهما. # فقال: ما لك عافاك الله، ومن أنت؟ # فقال ابن الزكوري: أنا الروح الأمين، جبريل، رسول رب العالمين، أرسلني ~~إليك. # فلم يشك المزابلي في صدق القول، فأجهش بالبكاء والدعاء، وقال: # يا جبريل، من أنا حتى يرسلك رب العالمين إلي. # فقال: الرحمان يقرؤك السلام، ويقول لك: موسى ابن الزكوري غدا رفيقك في ~~الجنة. # فصعق أبو عبد الله، وسمع صوت الثياب، وقد كان خرج فرأى بياضها، فتركه ~~موسى ورجع. # فلما كان من الغد، كان يوم جمعة، فأقبل المزابلي يخبر الناس برسالة ~~جبريل، ويقول: تمسحوا بابن الزكوري، واسألوه أن يجعلني في حل، واطلبوه لي. # فأقبل العامة أرسالا إلى دار ابن الزكوري، يطلبونه ليتمسحوا به ويستحلوه ~~للمزابلي، فظهر، وأمن على نفسه «1» . # PageV02P350 ### || 187 عيار بغدادي يحتال على أهل حمص # حدثني أبو الطيب بن عبد المؤمن، قال: # خرج بعض حذاق المكدين من بغداد إلى حمص، ومعه امرأته. # فلما حصل بها، قال لها: إن هذا بلد حماقة ومال، وإني أريد أن ms280 أعمل معييا ~~«1» - قال: وهذه كلمة لهم إذا أرادوا أن يعملوا حيلة كبيرة- فساعديني عليها ~~بالصبر. # قالت: شأنك. # فقال: كوني بموضعك، ولا تجتازين بي البتة، وإذا كان كل يوم خذي لي ثلثي ~~رطل زبيبا، وثلثي رطل لوزا نيا، فاعجنيه، واجعليه وقت الهاجرة على آجرة ~~نظيفة، لأعرفها، في الميضأة الفلانية، وكانت قريبة من الجامع، ولا تزيديني ~~على هذا شيئا، ولا تمرين بناحيتي. # فقالت: أفعل. # قال: وجاء هو، وأخرج جبة صوف كانت معه، فلبسها، وسراويل صوف، ومئزرا جعله ~~على رأسه. # واعتمد اسطوانة في الجامع بحيث يجتاز عليها أكثر الناس، فلزمها يصلي ~~نهاره أجمع، وليله أجمع، ولا يستريح إلا في الأوقات المحضورة فيها الصلاة، ~~وإذا جلس للراحة سبح، ولم ينطق بلفظة. # ولم يشعر به أياما، ثم تنبه على مكانه. # وروعي مدة، وعرف خبره، ووضعت العيون عليه، فإذا هو لا يقطع # PageV02P351 # الصلاة، ولا يذوق الطعام، فتحير أهل البلد في أمره. # وكان لا يخرج من الجامع إلا في الهاجرة، في كل يوم دفعة، حتى يمضي إلى ~~تلك الميضأة، فيبول، ويعمد إلى تلك الآجرة، وقد عرفها، وعليها ذلك [188 ب] ~~المعجون، وقد صار مستحيلا، وصورته صورة الغائط الناشف المستحيل، فمن يدخل ~~ويخرج، لا يشك أنه غائط، فيأكله، ويقيم أوده، ويرجع، فإذا تمسح لصلاة ~~العتمة في الليل، شرب كفايته من الماء. # وأهل حمص يظنون أنه لا يذوق الماء ولا الطعام، وأنه طاو طول تلك المدة. # فعظم شأنه ومحله عندهم، وقصدوه، وكلموه، فلم يجب، وأحاطوا به، فلم يلتفت، ~~واجتهدوا في خطابه، فلزم لهم هذا الصمت والعمل. # فزاد محله عندهم، حتى إنهم كانوا إذا خرج للطهور، جاءوا إلى موضعه ~~فيتمسحون به، ويأخذون التراب من موضع مشيه، ويحملون إليه المرضى فيمسح بيده ~~عليهم. # فلما رأى أن منزلته قد بلغت إلى ذلك، وكان قد مضى على هذا الفعل سنة، ~~اجتمع في الميضأة مع امرأته، وقال: # إذا كان يوم الجمعة، كما تصلي الناس «1» ، فتعالي، فاعلقي بي، والطمي ~~وجهي، وقولي لي: يا عدو الله يا فاسق، قتلت ابني ببغداد، وهربت إلى هاهنا، ~~وجئت تتعبد، وعبادتك ms281 مضروب بها وجهك. # ولا تفارقيني، وأظهري أنك تريدين قتلي بابنك، فإن الناس يجتمعون عليك، ~~وأمنعهم أنا من أذيتك، وأعترف بأني قتلته، وتبت، وجئت إلى هاهنا، للعبادة ~~والتوبة، والندم على ما كان مني. # PageV02P352 # فاطلبي قودي بإقراري، وحملي إلى السلطان، فسيعرضون لك الدية فلا تقبليها، ~~أو يبذلوا لك عشر ديات، أو ما استوى لك بحسب ما ترين من زيادتهم، وحرصهم. # فإذا تناهت عطيتهم في افتدائي إلى حد يقع لك أنهم لا يزيدون بعده شيئا، ~~فاقبلي الفداء منهم، واجمعي المال، وخذيه، واخرجي من يومك عن البلد إلى ~~طريق بغداد، فإني سأهرب، وأتبعك. # فلما كان من الغد جاءت المرأة، فلما رأته، فعلت به ما قال لها، ولطمته ~~وقالت المقالة التي علمها. # فقام أهل البلد ليقتلوها، وقالوا: يا عدوة الله، هذا من الأبدال «1» هذا ~~من قوام العالم «2» ، هذا قطب الوقت «3» ، هذا صاحب الزمان، هذا، هذا. # فأومأ إليهم أن اصبروا ولا تنالوها بسوء، فصبروا، وأوجز صلاته، ثم سلم، ~~وتمرغ في الأرض طويلا. # ثم قال للناس: هل سمعتم لي كلمة منذ أقمت فيكم؟ # فاستبشروا لسماع كلامه، وارتفعت صيحة عظيمة، وقالوا: لا. # قال: فإني إنما أقمت عندكم تائبا مما ذكرته، وقد كنت رجلا في زيغ وخسارة، ~~فقتلت ابن هذه المرأة، وتبت، وجئت إلى هاهنا للعبادة، # PageV02P353 # وكنت محدثا نفسي بالرجوع إليها، وطلبتها لتقيدني «1» ، خوفا من أن لا ~~تكون توبتي قد صحت، وما زلت أدعو الله تعالى أن يقبل توبتي، ويمكنها مني، ~~إلى أن أجيبت دعوتي [189 ب] ، وقبل الله توبتي، لما جمعني وإياها، ومكنها ~~من قودي، فدعوها تقتلني، وأستودعكم الله تعالى. # قال: فارتفعت الصيحة والبكاء. # وقال له هذا: يا عبد الله ادع لي. # وقال له هذا: ادع لي. # وأقبلت المرأة بين يديه، وهو مار إلى والي البلد، وهو يمشي على تأن ورفق، ~~ليخرج من الجامع إلى دار الأمير، فيقتله بابنها. # فقال الشيوخ: يا قوم لم ضللتم عن مداواة هذه المحنة؟ وحراسة بلدكم بهذا ~~العبد الصالح؟ فارفقوا بالمرأة، وسلوها قبول الدية، ونجعلها من أموالنا. # فأطافوا بها، وسألوها، فقالت: لا أفعل. ms282 # قالوا: خذي ديتين. # فقالت: شعرة من ابني بألف دية. # فما زالوا حتى بلغوا عشر ديات. # فقالت: اجمعوا المال، فإذا رأيته، إن طاب قلبي بقبوله، والعفو عن الدم، ~~فعلت، وإلا قتلت القاتل. # فقالوا: نعم. # فقال الرجل: قومي عافاك الله، ورديني إلى موضعي من الجامع. # قالت: لا أفعل. # PageV02P354 # قال: فذاك إليك. # فما زالوا يجمعون إلى أن جمعوا مائة ألف درهم، فقالوا: خذيها. # قالت: لا أريد إلا قتل قاتل ابني، فهو آثر في نفسي. # فأقبل الناس يرمون بثيابهم، وأرديتهم، وخواتيمهم، والنساء بحليهن، ~~والرجال كل يرمي بشيء من متاعه، ومن لم يتحمل من ذلك الفداء، كان في أمر ~~عظيم، وكأنه قد خرج من الدنيا. # فأخذته، وأبرأته من الدم، وانصرفت. # فأقام الرجل في الجامع أياما يسيرة، حتى علم أنها قد بعدت، ثم هرب في بعض ~~الليالي، وطلب من غد فلم يوجد، ولا عرف له خبر. # حتى انكشف لهم أنها حيلة عملها، بعد مدة طويلة «1» . # PageV02P355 ### || 188 صوفي سمع، فطرب، فتواجد، فمات # رأيت ببغداد صوفيا يعرف بأبي الفتح، أعور، في مجلس أبي عبد الله ابن ~~البهلول، يقرأ بألحان، قراءة حسنة، وصبي يقرأ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر # «1» . # فزعق الصوفي: بلى، بلى، دفعات، وأغمي عليه طول المجلس، وتفرق الناس عن ~~الموضع. # وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها، فلم يكن الصوفي أفاق، فتركته ~~مكانه، فما أفاق إلى قرب العصر، ثم قام. # فلما كان بعد أيام، سألت عنه، فعرفت أنه حضر عند جارية بالكرخ، تقول ~~بالقضيب «2» ، فسمعها تقول الأبيات التي فيها: # وجهك الميمون حجتنا ... حين تأتي الناس بالحجج # فتواجد ودق صدره، إلى أن أغمي عليه، فسقط. # فلما انقضى المجلس، حركوه، فوجدوه ميتا، فشالوه، ودفنوه، واستفاض الخبر ~~بهذا وشاع. # والأبيات لعبد الصمد بن المعذل «3» ، وهي في أمالي الصولي عنه بإسناد ~~ثابت في أصول سماعاتي: # PageV02P356 # يا بديع الدل والغنج ... لك سلطان على المهج [190 ب] # إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج # لا أتاح الله لي فرجا ... يوم أدعو منك بالفرج # وجهك المأمول حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج ms283 # والصوفية، إذا قالوا: وجهك المأمول، يقلبونه إلى ما لهم في ذلك من ~~المعاني. # وكانت قصة هذا الرجل، وموته في سنة خمسين وثلاثمائة، وأمره من مفردات ~~الأخبار «1» . # PageV02P357 ### || 189 مكديان بغداديان يحتالان على الناس # حدثني جماعة من شيوخ بغداد: # إنه كان بها في طرفي الجسر سائلان أعميان، يتوسل أحدهما بأمير المؤمنين ~~علي عليه السلام، والآخر بمعاوية، ويتعصب لهما الناس، وتجيئهما القطع «1» ~~دارة. # فإذا انصرفا جميعا، اقتسما القطع، وإنهما كانا شريكين، يحتالان بذلك على ~~الناس «2» . # PageV02P358 ### || 190 كلنا صيادون لكن الشباك تختلف # حدثني أبو أحمد عبد السلام بن عمر بن الحارث «1» ، قال: # جاء رجل من الصوفية إلى بجكم» # وهو بواسط، فوعظه، وتكلم عليه بالفارسية والعربية، حتى أبكاه بكاء شديدا. # فلما ولى من بين يديه خارجا، قال بجكم لبعض من بحضرته: احمل معه ألف ~~درهم، وادفعها إليه. # قال: فحملت، فأقبل بجكم على من بين يديه، فقال: ما أظنه يقبلها وهذا ~~محترق بالعبادة، أيش يعمل بالدراهم. # قال: فما كان بأسرع من أن رجع رسوله الذي كان أنفذه بالدراهم، فارغ اليد. # فقال له بجكم: أي شيء عملت؟ # قال: أخذت إليه الدراهم، وأعطيته إياها. # قال بجكم: فأخذها؟ # قال: نعم. # فعض بجكم على شفتيه، وقال: إنا لله، حيلة تمت علي، كلنا صيادون لكن ~~الشباك تختلف «3» . # PageV02P359 ### || 191 تاجر يتحدث عن صفقة عقدها وراء باب الأبواب # وحدثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب «1» ، عن رجل من التجار ~~الموغلين في الأسفار، قال: # سافرت إلى وراء باب الأبواب «2» بمسافة بعيدة، ومعي متاع. # فبلغت أرضا لها أهل بيض شقر، مرط، دقاق، قصار، عراة، قليلو الأظفار، ~~لغتهم لغة غير الفارسية والتركية، لا أعرفها، لا ورق «3» ، في بلادهم، ولا ~~عين «4» ، وإنما يتعاملون بالأمتعة، والأغلب عندهم الغنم. # فحملت إلى ملكهم، فعرضت عليه ما معي، فاستحسن منه ثوب ديباج كان معي، ~~منقطا، فسألني عن ثمنه، فاستمت مالا كثيرا. # فقال لي: لا مال عندنا وإنما هي هذه الأمتعة، فإن صلحت لك، فخذ ما شئت. # فقلت: لا تصلح لي. # فقال: فالغنم؟ # فقلت: كم عساك تعطيني؟ # PageV02P360 # فقال: حكمك. # فقلت: بعدد ms284 كل نقطة في الثوب شاة. [191 ب] فقال: قد أجبتك. # فأخذت أعد النقط، فلم ينضبط لي ذلك، وجهد جميع من عنده في هذا، فتعذر ~~عليهم. # فقال لي: ما نعمل الآن، قد تعبنا، وأتعبناك في شيء لا يصح، فهممت بحمل ~~الثوب والانصراف. # ففكر ساعة، ثم قال لترجمانه: قال له يبسط الثوب. # وكان له ترجمانان، يكلم أحدهما بلغته، فيكلم الترجمان، ترجمانا آخربلغة ~~أخرى، فيكلمني ذاك بالفارسية، فأفهم. # قال: فبسطت الثوب، وأمر الملك، فأحضر كل ما قدر عليه من حصى صغار وأحجار ~~لطيفة، فترك على كل نقطة حصاة، حتى امتلأ الثوب بالحصى والحجارة اللطاف فوق ~~النقط. # ثم أمر بجمع أمر عظيم من الغنم، وأوقفت بحضرته، وأمر رجالا أن يجلسوا، ~~ورجالا [أن يقوموا] فجلس بعضهم على الثوب. # فكانوا يأخذون حصاة حصاة فيلقونها عن الثوب، فكلما ألقى من الجلوس رجل ~~حصاة، أخذ رجل من القيام، شاة من الموضع الذي فيه الغنم إلى رحلي، وسلمت ~~إلى أصحابي، حتى استوفيت على عدد الحصى الذي كان فوق الثوب، بكل نقطة شاة. # قال: فاستحسنت فطنته لذلك، فقلت للتراجم: قولوا له: ما أنصرف إلى بلدي ~~بشيء أحسن من فطنة الملك، لاستخراج هذا، فكيف وقع له هذا وهو لا يلابس ~~مثله؟ وأنا تاجر، وما وقع لي، ولا لجميع أهل مملكته. # قال: فأعجبه قولي، وقال: إنك لما أردت الانصراف، تأسفت على # PageV02P361 # ما يفوتني من الثوب، ففكرت، والملوك لا بد أن يدربهم الملك، ويصير لهم ~~مزية في حيل الرأي في الحوادث التي تطرقهم، ليست لغيرهم، لأن أفكارهم صافية ~~من الاهتمام بما يهتم به غيرهم من المعايش، موقوفة على مصالح المملكة، ~~ومداراة الخوارج، أو على الشهوات، قدر ما شغلوا به نفوسهم، وليس يتحصل ~~لواحد منهم الملك، إلا لشرفه، ومعنى قد فضل به، وتقدم من أجله، إما بسعادة ~~تخدمه، أو بفضل في نفسه، فلما رأيت أن الثوب يريد «1» أن يفوتني، فكرت، كيف ~~الحيلة في عد النقط، فوقع لي ما رأيت. # فقلت له: أيها الملك، فائدتي بما سمعته منك، من هذا الكلام، أحب إلي من ~~فائدتي ms285 بما ربحته عليك في ثمن الثوب. # قال: فأجازني بجائزة سنية، وأصحبني من آنسني، وخدمني في طريقي، وحمل معي ~~تلك الغنم، إلى أن خرجت من أعماله، فبعتها بمال عظيم «2» . # PageV02P362 ### || 192 أبو علي الأنباري والطبيب يوحنا الأهوازي # حدثني أبو علي الأنباري «1» ، قال: # كنت بحضرة أبي يوسف البريدي «2» ، فكتبت كتبا كثيرة «3» ، وحمي النهار، ~~فقمت ضجرا، أمشي في الصحن الأعظم من الدار، فلقيت يوحنا الطبيب الأهوازي ~~النصراني «4» ، فقال: يا أبا [192 ب] علي افتصد الساعة، وإلا طعنت. # فقلت: أمس افتصدت. # قال: فحل إزارك، وسراويلك. # قال: فوقفت، وفعلت ذلك. # فقال لي: لو لم يتغير لونك إلى الإسفار، لفصدتك ثانية. # قال: فعجبت من فطنته لاجتماع الدم في وجهي، ومعالجته بسرعة «5» . # PageV02P363 ### || 193 طبيب يتحدث عن بعض خواص النارنج # وحدثني أبو علي «1» ، قال: دخل يوحنا «2» يوما إلى داري، وبحضرتي مطاولات ~~«3» كثيرة، فيها نارنج، فحين رآها، قال يوحنا: منذ كم هذه الأطباق عندك؟ # فقلت: منذ أيام. # فقال: إنا لله، تقدم برفعها الساعة، والا لم أجلس وهي أمامي «4» . # فقلت: شيلوها. # ثم قلت: ما السبب في هذا؟ # فقال: إن النارنج خاصيته أن يرعف «5» ، وإنه لا يرعف أحد عقيب إدمانه شمه ~~رعافا يكون سببه شمه أو بالاتفاق، إلا يدوم رعافه إلى أن يموت، فلا حيلة ~~فيه «6» . # PageV02P364 ### || 194 من شعر ابي القاسم الصروي # أنشدني أبو القاسم الصروي لنفسه: # ويوم كيوم البين حرا قطعته ... على سابح طاوي الأياطل سابق # أخوض عليه جمرة القيظ حاسرا ... كأني على الهجران في قلب عاشق «1» # [193 ب] . ### |PARATEXT| # وهذا آخر الكتاب # وكان الفراغ من كتابته في يوم الجمعة مستهل رجب الفرد سنة ثلاثين ~~وسبعمائة. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم [نسخة ب] . # PageV02P365 ### | الجزء الثالث ### || مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قد قدمت فيما قبل هذا الجزء من هذه ~~الأخبار، عن سبب جمعي لها، وأفصحت عن معناي «1» فيها، وكررت ذلك في رسالة ~~كل جزء، وإن تغيرت العبارة، إما تصريحا أو إشارة، وأعلمت قارئها، ومكرر ~~النظر فيها، أنها نوع لم أسبق إلى كتبه، لأنها مقصورة في الأكثر، ms286 على أن ~~يتذاكر بها، لاحتوائها على ضروب من الأحاديث السابقة والسالفة في زماننا، ~~التي تظلم عندي بأن لا تكتب، وتعمدت خلطها بفنون من طريف السير والحكايات، ~~وحديث الاتفاقات والمنامات، وغريب الرقى والامتحانات، وأخبار ضروب الناس من ~~أهل [الحرف] والمهن والصناعات، والملوك والرؤساء وأهل [المروآت] ، وغيرهم ~~من الأخلاط والأوساط، وعجيب [الأخبار] والمعاملات، وتلميعها بطري الشعر، ~~وجديد [الملحة والنثر، ممن] ضمني وإياه دهر، دون أن يقارب [2] زماني زمانه، ~~واشتهر حذقه وإحسانه، وشرحت العلة في ترك تبويبها، واستفادة خلطها دون ~~ترتيبها، ونبهت على الفوائد التي تتضمن وتجمع، واعتذرت مع ذلك، إلى من ~~لعلها لا تنفق عليه، أو تكسد وتبور لديه، بأن قلت: إنها على كل حال، خير من ~~مواضعها بياضا، وذكرت # PageV03P007 # أنها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم، واشتهى قراءة ما يدله على أخلاق ~~أهل الأزمنة، وسننهم، وطرائقهم، وعاداتهم، وأن يقايس بين ما نحن فيه، وما ~~مضى، ليعلم كيف ماتت الدنيا، وانقلبت الأهواء، وانعكست الآراء، وفقدت ~~المكارم، وكثرت المحن والمغارم، وهلك أهل الفضل والتفضل، وتلف أهل الستر ~~والتجمل، وصغرت الهمم، وتلاشت النعم، وفقد الجمال، وعدم النبل والجلال، في ~~أكثر الخصال، وجمهور الرجال. # وحقا أقول، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة، حتى يرى ما حصلنا عليه، ~~ودفعنا إليه [3] ، ما شك في قيام الساعة، أو أن الناس بدلوا بهائم مهملة، ~~أو جعلوا آلات غير مستعملة، لفقد الأحرار، وشدة الإعسار، وبطول المكاسب، ~~وتواتر النوائب، وحدوث السنن القبيحة، والعوائد المسببة الفضيحة، ونسأل ~~الله العظيم، فرجا عاجلا، وصلاحا للعالم شاملا، إنه سميع مجيب، رحيم ودود، ~~ذو العرش المجيد، فعال لما يريد، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل والمعين. # PageV03P008 ### || 1 الأمين لا يتهم # حدثني أبو العباس محمد بن نصر الشاهد «1» ، قال: # كان أبو عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي «2» ، كتب إلى أبي جعفر بن معدان ~~«3» ، أن يختار له وكيلا، ينظر له في ضيعته بالأهواز، فاختار له عمر ابن ~~محمد الأشجعي، صاحبه، فنظر في الضيعة سنين. # ثم ولي الكرخي الأهواز، ووردها، فطالب الأشجعي بالحساب، فرفعه، وتتبعه ~~كاتبه، فخرجوا عليه ms287 فيه ستة آلاف دينار. # فأمر الكرخي، فلوزم الأشجعي [4] في دهليزه، وطولب بالمال، فكتب إلى ابن ~~معدان بخبره. # قال: وكان رسم الكرخي، أن يستدعي أبا جعفر بن معدان، في كل يوم، إلى ~~طعامه، فاستدعاه في ذلك اليوم، فتأخر، وراسله، بأنه من كان صاحبه، وثقته، ~~واختياره، متهما، مسلطا عليه محالات الكتاب، معتقلا، لا يستدعى للمؤاكلة. # قال: فامتنع الكرخي من الأكل، وأنفذ إليه الأشجعي، مع كاتب له، والحساب، ~~وقال: والله ما كنت بالذي أدع محالا يستمر على صاحبك، وما أخرج عليه إلا ~~شيئا صحيحا، وقد يجوز أن يكون ضيع ذلك، ولم # PageV03P009 # يتناوله، ولعمري إن من يكون اختيارك، وثقتك، لا يخون، ولم يك ملازما، ~~وإنما أجلسته انتظارا لك، لتجيء فتدبر أمره، وإذا كان ذلك قد شق عليك، ~~فمالي لك، وهذا الرجل والحساب، إن شئت أن تستوفي لي ذلك، أو بعضه، أو تدعه ~~جميعه، فافعل، ولا تتأخر عني، فلست آكل، أو تجيء. # قال: فأطلق الأشجعي إلى منزله [5] ، وركب هو إلى الكرخي، ثم لم يعاود ~~أحدهما صاحبه في معنى الأشجعي بكلمة، وفاز بالدنانير. # ومضت القصة على ذلك. ### || 2 يرى مناما فيمزق كتابا # حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن مروان «1» ، قال: ~~حدثني خالي محمد بن هارون، قال: قال لي بعض أصحابنا: # كنت في بعض الليالي، أنظر في كتاب التشريح لجالينوس، فغلبتني عيني، فرأيت ~~هاتفا، يهتف بي، ويقرأ: # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا # «2» . # فاستيقظت، ومزقت الكتاب «3» . # PageV03P010 ### || 3 القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه # وحدثني القاضي أبو بكر «1» ، قال: حدثني مكرم بن بكر «2» ، قال: # كنت في مجلس أبي خازم القاضي «3» ، فتقدم رجل شيخ، ومعه غلام حدث، ~~فاستدعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا. # فقال له: ما تقول؟. فأقر. # قال: فقال للشيخ: ما تشاء؟ # قال: حبسه. # فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك [6] في أن تنقده البعض، وتسأله الإنظار؟ # قال: لا. # فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه. # قال: فتفرس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما، إلى ms288 أن أنظر بينكما في ~~مجلس آخر. # قال: فقلت لأبي خازم، وكانت بيننا مودة وأنسة: لم أخر القاضي حبسه؟ # فقال: ويحك إني أعرف في أكثر الأحوال، في وجوه الخصوم، # PageV03P011 # وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن ~~سماحة هذا بالإقرار، هي عن بلية، وأمر يبعد عن الحق، وليس في ملازمتهما ~~بطلان حق، ولعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء، أكون معه في الحكم على ثقة، ~~أما رأيت قلة تغاضبهما في المناظرة؟ وقلة اختلافهما؟ وسكون جأشهما، مع عظم ~~المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع، حتى يقر مثل هذا طوعا، عجلا، ~~بمثل هذا المال. # قال: فبينا نحن كذلك نتحدث، إذ استؤذن على أبي [7] خازم، لبعض وجوه تجار ~~الكرخ، ومياسيرهم، فأذن له، فدخل، وسلم عليه، وسبب لكلامه، فأحسن، ثم قال: # قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان والبلاء، عند مقين «1» يعرف ~~بفلان،- وأسماه- فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرني إلى غرم له، وإن عذلته ~~عن ذلك، وعددت حالي معه، طال، وأقربه اليوم، إنه قد نصب المقين، ليطالبه ~~بألف دينار عينا، ويجعل ذلك دينا حالا، وبلغني أنه قد تقدم إلى القاضي، ~~فيطالبه، فيحبس، وأقع مع أمه في بلية وتنغيص عيش، إلى أن أؤدي ذلك عنه إلى ~~المقين، فإذا قبضه المقين، حاسبه به من الجذور «2» . # ولما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله ~~تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب. # فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسم، وقال لي: كيف رأيت؟ # PageV03P012 # قال: فقلت: هذا، ومثله، من فضل الله عز وجل، على [مولانا القاضي] وجعلت ~~أدعو [8] له. # فقال: علي بالغلام والشيخ، فأدخلا. # فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، فأقر الشيخ أن الصورة كما بلغت ~~القاضي، وأن لا شيء له عليه. # وأخذ الرجل بيد ابنه، وانصرفا. ### || 4 أبو جدي كنية التيس # قال لي القاضي «1» : # كان مكرم «2» هذا، من فضلاء الرجال، وعلمائهم، وكنت أرى رجلا يدعوه: أبا ~~جدي «3» . # فقلت له: ما غرضك؟ # فقال: ألست تعلم أن أبا ms289 الجدي، هو التيس «4» . # PageV03P013 ### || 5 لأبي علي الحاتمي في الأمير سيف الدولة # أنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر «1» الحاتمي، قصيدة له في سيف ~~الدولة «2» ، وهي: # دنو فراق خلف الصبر نائيا ... ووجد محب غادر الدمع جاريا # وقفت بمغنى الشوق أنشد أهله ... فحاكى بلى جسمي هناك المغانيا # حكى نفسي فيها صباها وأدمعي ... حياها وأعضاي الطلول البواليا # يذكر فيها [9] : # وكفل أرواح العداة إلى الوغى ... حساما مليا بالذي رام وافيا # له صفحة تنبو على أن حده ... يبيد أعاديه ويغني المواليا # كذا النار تهدي في الضلالة ساريا ... وتحرق من عادت، وتنفع صاليا # جعلت الظبى كأسا تدير دم العدى ... ووقع الظبى الألحان والحرب ساقيا # فإن كان بيت المال أصبح عاطلا ... لديك فقد أضحى بك المجد حاليا «3» # PageV03P014 ### || 6 ما قاله أحد ملوك الهند # أنشدني أحمد بن عبد الله المعروف بالبختري «1» ، القاضي، البغدادي، لأبي ~~العلاء صاعد بن ثابت «2» ، قال أنشدني لنفسه: # ثنتان من همتي ما ينقضي أسفي ... عليهما أبدا من خيفة الفوت # لم أحب منتجع الدنيا بجملتها ... ولا حميت الورى من صولة الموت [10] # فاجتمعت «3» مع أبي العلاء صاعد، بعد ذلك، بواسط، في جمادى الأولى سنة ~~خمس وستين وثلاثمائة، فسألته عن البيتين، فقال: غلط علي، وما أخبرته أنهما ~~لي. # فقلت: فلمن هما؟. # فقال: كان أبو الحسن داود، كاتب الوقف بالبصرة، حدثني، بإسناد ذهب عني: ~~إن ملكا من ملوك الهند، حارب ملكا، فقتل في المعركة، فألفاه بعض أصحابه ~~طريحا بين القتلى، وفيه بقية من الروح، فنزل إليه، فقال: هل لك حاجة؟ ~~فأنشده لنفسه شعرا، فسر، ونقل، فكان هذان البيتان، في جملة الشعر. # PageV03P015 ### || 7 من شعر أحد الكتاب في بيمارستان البصرة # أخبرني أبو القاسم حسين بن محمد بن نبيل، كهل كان من أولاد الجند ببغداد، ~~فخرج إلى الأهواز، وأقام بها يكتب لعلي بن أحمد الخراساني، حاجب معز ~~الدولة، وكان أديبا سماعة لكتب أهل الأدب، وكان إمامي المذهب، قال: # رأيت في بيمارستان البصرة، رجلا من الكتاب محبوسا، يقول [11] الشعر، ~~فأنشدني لنفسه: # أدافع نفسي بالتعلل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر # وأرجو ms290 غدا حتى إذا جاءني غد ... تزايد بي همي فيسلمني «1» صبري # فلا الهم يسليني ولا الغم ينقضي ... ولا فرح يأتي سوى أدمع تجري # إلى الله أشكو ما ألاقي فإنه ... عليم بأني قد تحيرت في أمري «2» # قال: وأنشدني لنفسه أيضا: # أي شيء يكون أقبح منا ... إن نقضنا عهد الإخاء وخنا # إن في حرمة المودة أن نغضي ... جميعا على الخيانة منا # وإذا ما أصابنا الدهر بالعين ... رددناه بالتغافل عنا # قال: وأنشدني لنفسه: # PageV03P016 # ما بال دمعك، أين الدمع يا عيني ... عسى أصابتك عين الدهر بالعين # إني لأجزع من فقد البكاء كما ... قد كنت أجزع قبل البين للبين [12] ### || 8 مدائح قيلت في أبي القاسم التنوخي والد المحسن # كان يلزم أبي «1» ، بالأهواز، شاعر يعرف بأبي الخير، صالح بن لبيب، فدخل ~~إليه يوما، وأنا حاضر، فأعطاه رقعة صغيرة، فقرأها أبي، وتبسم، وأمر له في ~~الحال بدراهم، وانصرف. # فأخذت الرقعة، فإذا هي بخطه، وفيها: # يا من أراق له السماح ندى ... أضحى به الأحرار في رق # فضلا سبقت العالمين به ... والفضل مقصور على السبق # ألزمت نفسك غير لازمها ... وعرفت لي حقين لا حقي # ودخل إليه يوما شاعر يعرف بالهمذاني، لا أعرف اسمه، ولا نسبه، فدفع إليه ~~رقعة، فيها: # كفى القاضي رضاي بما ارتضاه ... ولم أذمم رضاي ولا رضاه # فأمر له في الحال، بجائزة سنية. # 2 ن 3 # PageV03P017 ### || 9 من نظم عضد الدولة # أنشدني غير واحد، من الشيرازيين، للأمير عضد الدولة، أبي شجاع ابن ركن ~~الدولة، أبي علي [13] : # بهطة «1» قصر عن وصفها ... من يدعي الأوصاف بالزور # كأنها في الجام مجلوة ... لآلئ في ماء كافور # وله أيضا: # رأيت بساطا للزبرجد ناضرا ... قد ابرز أطرافا تعد قحافا # قحافا من البلور ملأى وفرغا ... وممزوجة فيه رفعن سجافا # تدير رؤوسا «2» للندامى كؤوسها ... وتترك أحلام الحليم سخافا # وقال أيضا: # نحرنا بيننا دنا ... فعاد الليل إصباحا # وداجا نحره مثل ... الغرابين إذا صاحا «3» # PageV03P018 ### || 10 من رسالة لأبي القاسم التنوخي # حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت «1» ، قال: # كتب إلي القاضي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي «2» ، جواب كتاب ms291 كتبته ~~إليه: # وصل كتابك. # فما شككت وقد جاء الرسول به ... أن الشباب أتاني بعد ما ذهبا «3» # [14] # PageV03P019 ### || 11 كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة # حدثني أبو يعلى محمد بن يعقوب البريدي الكاتب «1» ، قال: # لما قصدت سيف الدولة «2» أكرمني، وأنس بي، وأنعم علي، وكنت أحضر ليلا في ~~جملة من يحضر. # قال: فقال لي ليلة من الليالي: كان قتل أبيك، أبرك الأشياء علي. # فقلت: كيف ذاك، أطال الله بقاء مولانا؟ # قال: لما رجعنا من بغداد «3» ، اقتصر بي أخي ناصر الدولة «4» ، على ~~نصيبين «5» ، فكنت مقيما فيها، ولم يكن ارتفاعها يكفيني، فكنت أدافع ~~الأوقات، وأصبر على مضض من الإضاقة مدة. # ثم بلغتني أخبار الشام، وخلوها إلا من يأنس المؤنسي «6» ، وكون ابن # PageV03P020 # طغج «1» بمصر بعيدا عنها، ورضاه بأن يجعل يأنس عليها، ويحمل إليه الشيء ~~اليسير منها، ففكرت في جمع جيش، وقصدها، وأخذها، وطرد يأنس، ومدافعة ابن ~~طغج، إن سار إلي، بجهدي، فإن قدرت على ذلك، وإلا كنت قد تعجلت من أموالها، ~~ما تزول به إضاقتي مدة، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلا بالمال [15] ، وليس لي ~~مال، فقلت: أقصد أخي، وأسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه، يزيح هو علتهم ~~«2» ، ويعطيني شيئا من المال، وأخرج بهم، فيكون عملي، زائدا في عمله، وعزه. # قال: وكانت تأخذني حمى ربع «3» ، فرحلت إلى الموصل «4» على ما بي، ودخلت ~~إلى أخي، وسلمت عليه. # فقال: ما أقدمك؟ # فقلت: أمر أذكره بعد. # فرحب، وافترقنا. # فراسلته في هذا المعنى، وشرحته له، فأظهر من المنع القبيح، والرد الشديد، ~~غير قليل. # ثم شافهته، فكان أشد امتناعا. # PageV03P021 # وطرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا، فردهم. # قال: وكان لجوجا، إذا منع من الأول، شيئا يلتمس منه، أقام على المنع. # قال: ولم يبق في نفسي، من يجوز أن أطرحه عليه، وأقدر انه يجيبه، إلا ~~امرأته الكردية، والدة أبي تغلب «1» . # قال: فقصدتها، وخاطبتها في حاجتي، وسألتها مسألته. # فقالت: أنت تعلم خلقه، وقد ردك، وإن سألته عقيب ذلك، ردني أيضا، فأخرق ~~جاهي عنده، ولم ms292 يقض [16] الحاجة، ولكن أقم أياما، حتى أظفر منه، في خلال ~~ذلك، بنشاط، أو سبب أجعله طريقا للكلام، والمشورة عليه، والمسألة له. # قال: فعلمت صحة قولها، فأقمت. # قال: فإني جالس بحضرته يوما، إذ جاءه براج «2» ، بكتاب طائر، عرفه سقوطه ~~من بغداد. # فلما قرأه، اسود وجهه واسترجع، وأظهر قلقا وغما، وقال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، يا قوم، المتعجرف، الأحمق، الجاهل، المبذر، السخيف الرأي، الرديء ~~التدبير، الفقير، القليل الجيش، يقتل الحازم، المرتفق، العاقل، الوثيق ~~الرأي، الضابط، الجيد التدبير، الغني، الكثير الجيش؟ إن هذا لأمر عجيب. # قال: فقلت له: يا سيدي ما الخبر؟ # فرمى بالكتاب إلي، وقال: قف عليه. # PageV03P022 # فإذا هو كتاب خليفته ببغداد، بتاريخ يومه «1» ، يقول: في هذه الساعة، ~~تناصرت الأخبار، وصحت بقتل أبي عبد الله البريدي «2» ، أخاه أبا يوسف ~~واستيلائه على البصرة. # قال: فلما قرأت ذلك، مع ما سمعته من كلامه [17] ، مت جزعا وفزعا، ولم أشك ~~أنه يعتقدني كأبي عبد الله البريدي، في الأخلاق التي وصفه بها، ويعتقد في ~~نفسه أنه كأبي يوسف، وقد جئته في أمر جيش ومال، ولم أشك أن ذلك سيولد له ~~أمرا في القبض علي، وحبسي، فأخذت أداريه، وأسكن منه، وأطعن على أبي عبد ~~الله البريدي، وأزيد في الاستقباح لفعله، وتعجيز رأيه، إلى أن انقطع ~~الكلام. # ثم أظهرت له، إنه قد ظهرت الحمى التي تجيئني، وإنه وقتها، وقد جاءت، ~~فقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه. # فركبت دابتي، وحركت إلى معسكري، وقد كنت منذ وردت، وعسكري ظاهر البلد، ~~ولم أنزل دارا. # قال: فحين دخلت إلى معسكري، وكان بالدير الأعلى «3» ، لم أنزل، وقلت ~~لغلماني: ارحلوا، الساعة، الساعة، ولا تضربوا بوقا، واتبعوني. # وحركت وحدي، فلحقني نفر من غلماني، وكنت أركض على وجهي، خوفا من مبادرة ~~ناصر الدولة إلي بمكروه [18] . # PageV03P023 # قال: فما عقلت، حتى وصلت إلى بلد «1» ، في نفر قليل من أهل معسكري، ~~وتبعني الباقون. # فحين وردوا، نهضت للرحيل، ولم أدعهم أن يراحوا، وخرجنا. # فلما صرنا على فرسخ من بلد، إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا، فلم أشك أن أخي ~~أنفذهم للقبض ms293 علي. # فقلت لمن معي: تأهبوا للحرب، ولا تبدأوا، وحثوا السير. # قال: فإذا بأعرابي، يركض وحده، حتى لحق بي، وقال: أيها الأمير، ما هذا ~~السير المحث؟ خادمك دنحا، قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة، ويسألك أن ~~تتوقف عليه حتى يلحقك. # قال: فلما ذكر دنحا، قلت: لو كان شرا، ما ورد دنحا فيه. # فنزلت، وقد كان السير كدني، والحمى قد أخذتني، فطرحت نفسي لما بي، ولحقني ~~دنحا، وأخذ يعاتبني على شدة السير، فصدقته عما كان في نفسي. # فقال: اعلم ان الذي ظننته انقلب، وقد تمكنت لك في نفسه هيبة، بما جرى، ~~وبعثني إليك برسالة، يقول لك: إنك قد كنت جئتني تلتمس كيت [19] وكيت، ~~فصادفت مني ضجرا، وأجبتك بالرد، ثم علمت أن الصواب معك، فكنت منتظرا أن ~~تعاودني في المسألة، فأجيبك، فخرجت من غير معاودة ولا توديع، والآن، إن شئت ~~فأقم بسنجار «2» ، أو بنصيبين، فإني منفذ إليك ما التمست من المال والرجال، ~~لتسير إلى الشام. # PageV03P024 # قال: فقلت لدنحا: تشكره، وتجزيه الخير، وتقول كذا وكذا، أشياء واقفته ~~عليها، وتقول: إني خرجت من غير وداع، لخبر بلغني في الحال، من طروق الأعراب ~~لعملي، فركبت لألحقهم، وتركت معاودة المسألة تخفيفا، فإذا كان قد رأى هذا، ~~فأنا ولده، وإن تم لي شيء، فهو له، وأنا مقيم بنصيبين، لأنتظر وعده. # قال: وسرت، ورجع دنحا، فما كان إلا أيام يسيرة، حتى جاءني دنحا، ومعه ألف ~~رجل، قد أزيحت عللهم، وأعطوا أرزاقهم ونفقاتهم، وعرضت دوابهم وبغالهم، ~~ومعهم خمسون ألف دينار، وقال: هؤلاء [20] الرجال، وهذا المال، فاستخر الله، ~~وسر. # قال: فسرت إلى حلب، وملكتها، وكانت وقائعي مع الأخشيدية، بعد ذلك، ~~المعروفة، ولم تزل بيني وبينهم الحرب، إلى أن استقرت الحال بيننا، على أن ~~أفرجوا لي عن هذه الأعمال «1» ، وأفرجت لهم عن دمشق، وما وراءها، وأمنت ~~ناصر الدولة، واستغنيت عنه. # وكل ذلك، فسببه قتل عمك لأبيك «2» . # PageV03P025 ### || 12 لأبي علي الحاتمي يمدح # أنشدني أبو علي الحاتمي «1» ، فصلا من رسالة عملها إلى بعض الرؤساء في ~~صفته: # أفكاره همم إيعاده نقم ... وعوده قسم تأميله عصم ms294 # ألفاظه حكم أوطانه حرم ... ألحاظه نعم آلاؤه ديم # تبغي الخلائق أن يحصوا فضائله ... ودون ذلك ما تستنفذ الكلم # ولو أرادوا جميعا كتم معجزه ... أبى له الله ما يأتون والكرم [21] # تبغي مجاراته في فعله بشر ... قد قصرت منهم عن كعبه القمم # وكيف يسطاع فعل أو يرام علا ... ما ليس تدركه الأوهام والفهم # PageV03P026 ### || 13 يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # حدثني بعض الأهوازيين، قال: # رأيت أبا الحسن المنبري، الشامي، الطائي، الشاعر، بالأهواز، على باب ~~الحسن بن علي المنجم «1» ، وهو عاملها، يتردد مدة، وكان قد امتدحه. # قال: فتذاكرنا شدة تلون أخلاق المنجم، وجنونه، ونواميسه في وقت، وعدوله ~~عن ذلك في وقت آخر. # ثم قلت له: فأين أنت منه؟ # فقال: ما آيس من رده، ولا أطمع في وعده. # قلت أنا: وهذا كأنه مأخوذ من الأبيات التي هجي بها الحسن بن رجاء، وهي ~~مشهورة، فلذلك لم أوردها على جملتها. # والأخير من الأبيات هو: # لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما [22] # PageV03P027 ### || 14 بحث في معرفة السارق # حكي لي عن بعض الصالحين، في إخراج السرق، قال: # تأخذ قدحا فيه ماء، وتأخذ خاتما، فتشده فيه بشعرة، وتدليه في القدح، ~~وتكتب خمس رقاع، فيها أسماء المتهمين بالسرقة، وتكتب: السارق، في القدح، ~~وتضع رقعة، تكتب فيها اسم من تتهمه، على حرف القدح، وتقرأ عليه: وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ~~ما فيه، لعلكم تتقون # «1» . # فإذا ضرب الخاتم القدح، نظرت في الرقعة «2» ، فإن السارق، هو صاحب الاسم، ~~وإن لم يضرب القدح، فتضع أخرى، فإن السارق هو، إذا ضرب. # PageV03P028 ### || 15 آيات لإعادة الآبق # وقال لي في الآبق «1» : # تكتب فاتحة الكتاب مدورة، ويكتب في وسطها، كظلمات في بحر لجي، يغشاه موج ~~من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها، ومن لم يجعل الله له نورا. فما له من نور # «2» ، اللهم اجعل الأرض علوها، وسفلها، وسهلها، وجبلها [23] ، وبرها، ~~وبحرها، في قلب فلان بن فلان، ms295 أضيق من مسك «3» شاة، حتى يرجع. # PageV03P029 ### || 16 السرج واللجام في جهاز كل عروس # تذاكرنا في مجلس ببغداد، حضره أبو علي محمد بن منصور الشاهد، المعروف ~~بابن كردي، حديث غلبة النساء على الرجال، إلا النفر من الرجال. # فقال لي أبو علي: كان لنا شيخ فاضل، من أهل القطيعة «1» ، كان يضرب لنا ~~في هذا مثلا، فيقول: # إن في جهاز العروس إلى زوجها، سرجا ولجاما «2» ، فإذا انقضت أيام العرس، ~~إن سبق الرجل إلى السرج، فأسرج المرأة، ووضع اللجام في رأسها، وركبها، ملك ~~عليها أمرها، وإن تراخى لحظة، وضعت هي السرج على قفاه، واللجام في فيه، ~~وركبته، فلم تنزل عنه، إلا بطلاق أو موت. # PageV03P030 ### || 17 الوزير عبيد الله بن سليمان والجهبذ اليهودي سهل بن نظير # حدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي «1» ، ~~قال: # حدثني سهل بن نظير اليهودي الجهبذ «2» ، قال: حدثني جدي سهل بن نظير، ~~وكان يتجهبذ للوزير على قديم السنين [24] ، منذ أيام الفتنة، وإلى أن مات، ~~قال: # لما نكب عبيد الله بن سليمان «3» ، بعد كتبته للموفق، النكبة العظيمة، ~~كنت أتوسم فيه الرفعة، وعلو الحال، فكنت أحمل إلى عياله، في كل شهر مائة ~~دينار، وهو في الحبس، ثم أطلق، فكنت أحملها إليه، إلى أن ولي الوزارة، فعرف ~~لي ذلك، وبلغ بي كل مبلغ، وشكرني عليه أتم شكر. # قال: ثم إن عبيد الله، نكب جرادة الكاتب، وكانت قد جرت له علي الرئاسة، ~~وعلى الناس والرؤساء، وكان له إحسان سالف إلي كثير، فكنت أحمل إلى عياله، ~~في كل شهر، مائة دينار، وأحدر به إلى البصرة. # قال: فبلغ ذلك عبيد الله بن سليمان، وأنا لا أعلم، فدخلت إليه يوما، فقال ~~لي: يا سهل، بارك الله لك في عداوتنا. # قال: فقلت له: أيها الوزير، من أنا حتى أعاديك، وأنا أخس كلب ببابك؟ # PageV03P031 # قال: وأكثرت التنصل، والتهيب، وبكيت، وقلت: يا سيدي، ما هذا الكلام؟ إن ~~كان شيء رقى إلى الوزير [25] أيده الله، عني، واقفني عليه، ولعل عندي فيه، ~~حجة، أو برهانا، على بطلانه. # قال: فقال ms296 لي: تحمل إلى عيال جرادة، في كل شهر مائة دينار. # قال: فقلت: أيها الوزير، أنا ما فعلت هذا، ولا تجاسرت عليه، إنما فعله ~~الرجل الذي كان يحمل إلى عيال الوزير- أيده الله- مائة دينار في كل شهر ~~رعاية لحق إحسانه إليه، فرعى لجرادة أيضا إحسانا له إليه أيضا، فحمل إليه، ~~مثل ما كان يحمل، إلى عيال الوزير- أيده الله-. # فاحمر وجهه خجلا، وأطرق، وسكت مليا، ثم تصبب وجهه بالعرق، وقلت: قبض ~~والله علي، ونكبني. # قال: فأسقطت «1» . # فرفع رأسه، وقال: أحسنت يا سهل، ما ترى بعد هذا مني إنكارا «2» ، ولا بقي ~~في نفسي عليك شيء، فأجرهم على رسمهم، ولا يوحشك ما خاطبتك به. # PageV03P032 ### || 18 عاقبة الظلم # حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الله الأهوازي، قال: حدثني أبو الفضل ~~البلخي «1» الفقيه، قال: حدثني الخليل [26] بن أحمد السجستاني «2» ، قاضيها ~~قال: # قدم علينا صاحب جيش خراسان «3» ، من قبل نصر بن أحمد «4» ، ومعه خلق عظيم ~~من الجيش، فملك سجستان، وأكثر أصحابه الفساد في البلد، وامتدت أيديهم إلى ~~النساء في الطرقات قهرا. # قال: فاجتمع الناس إلي، وإلى فلان الفقيه، وقد ذكره البلخي وأنسيته أنا، ~~وشكوا الحال، فمضينا معهم إلى صاحب الجيش، فدخلت إليه، 3 ن 3 # PageV03P033 # أنا والفقيه، وجماعة من رؤساء البلد، وكان المبتدئ بالخطاب، الفقيه، ~~فوعظه، وعرفه ما يجري. # قال: فقال له: يا شيخ، ما ظننتك بهذا الجهل، معي ثلاثون ألف رجل، نساؤهم ~~ببخارى «1» ، فإذا قامت أيورهم، كيف يصنعون؟ ينفذونها بسفاتج «2» إلى ~~حرمهم؟ لا بد لهم أن يضعوها فيمن هاهنا كيف استوى لهم، هذا أمر لا يمكنني ~~إفساد قلوب الجيش بنهيهم عنه، فانصرف. # قال: فخرجنا. # فقالت لنا العامة: أيش قال الأمير؟ # قال: وأعاد [27] عليهم الفقيه الكلام بعينه. # فقالوا: هذا القول منه فسق، وأمر بالفسق، ومكاشفة بمعصية الله تعالى، فهل ~~يحل لنا عندك قتاله بهذا القول؟ # فقال لهم الفقيه: نعم، قد حل لكم قتاله. # قالوا: فتأذن؟ # قال: نعم. # قال: فبادرت العامة، وانسللنا من الفتنة، فلم نصل المغرب من تلك الليلة، ~~وفي البلد أحد من الخراسانية. # قال: لأنه اجتمع ms297 من العامة، من لا يضبط عدده، فقتلوا خلقا عظيما من ~~الخراسانية، واستحر القتل فيهم، ونهبت دار الأمير، وطلبوه ليقتلوه، فأفلت ~~على فرسه، ومعه كل من قدر على الهرب، ومضوا على وجوههم. # فما جاءنا بعدهم جيش من خراسان، أصلا. # PageV03P034 ### || 19 خراج الأهواز في سنة خمس وثلاثمائة # حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مهرويه، المعروف بابن أبي علان، قال: ~~حدثني أبي أبو القاسم «1» ، قال: # كنت أكتب لعبيد الله بن الحسن بن يوسف «2» على كور الأهواز «3» ، فكتب ~~علي بن عيسى «4» يطالبنا بالحساب [28] ، فتقدم إلي أبو أحمد عبيد الله بن ~~الحسن، بعمله، وبالخروج للمواقفة عليه، وذلك في سنة ست وثلاثمائة. # قال: فجمعت الحساب، وعملت جماعة «5» لسنة خمس وثلاثمائة، بارتفاع مال ~~الخراج بالأهواز، وكورها، سوى الضياع، فكان مبلغ ذلك، ستة عشر ألف ألف ~~وثمانمائة ألف درهم وكسر، وكلها قد صح في الاستخراج، ولم يبق للسلطان إلا ~~نيف وأربعين ألف درهم. # قال: وكان مال الضياع، يقارب هذا، إلا إنه لم يكن في حسابنا. # PageV03P035 ### || 20 خضاب يسود الشعر # حدثني عبد الله بن عمر الحارثي «1» ، قال: # عجل علي المشيب، فغمني ذلك، وفكرت في أن أخضب لحيتي، فنمت، فرأيت في ~~النوم، كأني أشاور طبيبا في خضاب، فقال لي: لا تحتاج إلى خضاب، ولكن أصف لك ~~شيئا يسود الشعر ويحفظ لونه، ويمنع من السواد أن يبيض، خذ من دهن النارجيل ~~«2» العتيق، وزن خمسة دراهم، ومن الإهليلج «3» الأصفر، وزن [29] نصف درهم، ~~ومن النوشاذر «4» ، وزن دانق «5» ، واسحق الجميع، ودفه بالدهن حتى يختلط، ~~واطل به الشعر، فإنه يسود. # فانتبهت، وقد حفظت ذلك، فعملته، فاسود شعري، وتأخر الشيب عني دهرا طويلا. # PageV03P036 ### || 21 طلاء يمنع الحبل # وحدثني «1» ، قال: # كنت في شبابي، أتمتع بالجواري والمماليك، فكان العزل يثقل علي جدا، ~~فاشتريت جارية، بدنانير كثيرة، وكنت أخاف أن تحبل، فيذهب ثمنها، فنمت مشغول ~~القلب بذلك، فأريت قائلا يقول: إذا أحببت أن لا تحمل المرأة، فخذ بنجا، ~~واسحقه، واعجنه بلبن فرس، وجففه، واجعله في كيمخت، وعلقه على المرأة، فإنها ~~لا تحبل. # فقلت له: ما سمعت هذا ms298 من طبيب. # فقال: إن أحببت أن تمتحن صحة ذاك، فخذ هذا الدواء، واجعله في قارورة ما، ~~واجعلها على النار، وأوقد تحتها، فإنه لا يغلي، ولو مكث سنة. # قال: وانتبهت، وجربت ذلك، فوجدته صحيحا. # PageV03P037 ### || 22 الخليفة المعتضد يشهد على نفسه العدول # وحدثني أيضا الحارثي «1» [30] ، قال: حدثني أبي، وكان يخدم في دار ~~الموفق، والمعتضد بعده: # إن المعتضد أراد أن يشهد على نفسه العدول، في كتاب، صدره: # هذا ما شهد عليه العدول جميعا، ان أمير المؤمنين، عبد الله، أبا العباس ~~المعتضد بالله، أشهدهم على نفسه، في صحة منه، وجواز أمر. # وعرضت النسخة، على عبيد الله بن سليمان، فضرب عليها، وقال: # هذا لا يحسن كتبه عن الخليفة، أكتبوا: في سلامة من جسمه، وإصابة من رأيه. # PageV03P038 ### || 23 الحارثي يستهدي النبيذ # قال لي الحارثي «1» : # استهديت من صديق لي نبيذا «2» ، فأنفذ إلي نبيذا حامضا، فرددته عليه، ~~وكتبت إليه: # الجيران، أحق بهذا من الإخوان «3» . ### || 24 صفة نبيذ لا يسكر # ووصف لنا «4» مرة، نبيذا طريا شربه، فقال: # «هو دواء الفهم، عمل من ثمر البلاذر» «5» . # أي هو لا يسكر، لضعف فعله. # PageV03P039 ### || 25 الكاتب ابن جبير يفاضل بين الوزير ابن الفرات والوزير علي بن عيسى # حدثنا أبو الفتح عبد الله بن محمد المروزي «1» الكاتب، قال: حدثني بعض ~~شيوخ الكتاب، قال [31] : # قال ابن الفرات «2» ، لأبي منصور بن جبير، كاتبه «3» ، أيما أكفأ، أنا، ~~أو علي بن عيسى «4» ؟ # فقال: الوزير أكفأ وأضبط. # قال: دعني من هذا. # قال: تؤمنني؟ # قال: قد أمنتك. # قال: علي بن عيسى، إذا حضر بين يدي الخليفة، فأراد أن يكتب سرا له، لم ~~يحتج إلى غيره، وكتب هو، وسحا «5» ، وختم «6» ، # PageV03P040 # وخرط «1» بيده وأنفذ العمل، وأنت، لا بد لك من زنجي «2» ، ولوطي صاحب ~~دواته يقرأ، فيبطل الأمر بظهور اثنين عليه. # قال: فضلت عليا علينا. # قلت: لا والله يا سيدي، ولكن يكون علي بن عيسى كاتبك. ### || 26 دناءة نديم، ولؤم أمير # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه «3» : # إن أبا القاسم البريدي «4» ، أيام تقلده الأمر بالبصرة «5» ، شرب يوما، ~~وعنده جماعة من ندمائه، فافتقد ms299 قحف «6» بلور، كان معجبا به، وطلبه ~~الشرابية، فلم يعرف له خبر. # فحلف إنهم إن لم يحضروه، ضربهم بالمقارع. # PageV03P041 # فقال له أحدهم: لا تعجل، ولكن مر [32] بإحضار كل من كان البارحة حاضرا. # فأمر بإحضارهم، فجلسوا، وأنفذ الغلام إلى منزل كل واحد منهم، برسالة منه، ~~أن أنفذوا القحف البلور، الذي حملته إليكم البارحة. # فعاد أحد الرسل، من دار أحدهم، ومعه القحف. # فافتضح ذلك النديم، وسقط محله. # وهذا، مضاد لما حكي عن بعض الأكاسرة، إنه كان يشرب، فوقعت عينه على غلام ~~من غلمانه، وقد سرق صينية ذهب، مع ما فيها، وحملها، فأمسك الملك، وفاز بها ~~الغلام. # فافتقدها الخزان في الغد، وجاءوا في طلبها، فدعاهم، وقال: لا تتعبوا في ~~طلبها، فقد أخذها من لا يردها، ورآه من لا ينم عليه. # قال: فأمسكوا. # فلما كان بعد سنة، كان الملك يشرب، فدخل ذلك الغلام، فرأى عليه منطقة ذهب ~~حسنة. # فقال له الملك سرا: هذا من ذاك؟ # فقال: نعم. # فقال: إن كان ما عندك من الدنانير التي في الصينية [33] ، قد نفد، ~~فعرفني، لأدفع إليك أخرى «1» . # PageV03P042 ### || 27 ألوان من الحجاب # وحدثني «1» ، قال: وحدثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى «2» ، قال: # لما قدم حامد بن العباس «3» الأبلة «4» ، يريد الأهواز «5» ، وهو وزير ~~«6» ، خرجت لتلقيه، فرأيت له حراقة «7» ، ملاحوها خصيان بيض، وعلى سطحها ~~شيخ، يقرأ القرآن، وهي مظللة، مسترة. # فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حراقة الحرم، لا يحسن أن يكون ملاحوها فحولة. # قال: وقال لي أبو الحسين: دخلت إلى ابن الجصاص» # في داره ببغداد، فرأيت خصيانا بيضا مزينين «9» . # PageV03P043 ### || 28 جواب لأبي العيناء # قال «1» : حدثنا أبو الحسين «2» ، قال: # رأيت لأبي العيناء «3» ، خادمين، خصيين، أسودين، يقودانه. # فقيل له: كيف اتخذت خصيين أسودين؟ # فقال: حتى لا يتهما بي، ولا أتهم بهما. ### || 29 أبو العيناء لا ينسى ما حفظ # وحدثني «4» ، قال: حدثنا أبو الحسين «5» ، قال: # قدم أبو العيناء البصرة، في سنة نيف وثمانين «6» ، بعد الغيبة الطويلة، ~~التي غاب عنها، وخدمته للخلفاء، والوزراء، [34] بسر من رأى. # وكان أبو خليفة «7» ، إذ ذاك، عالم البصرة، بالحديث، والأخبار، ms300 # PageV03P044 # واللغة، والنحو، ومحمد بن جعفر بن بسام، قاضيها، وكان له محل من الأدب، ~~واللغة، والشعر، كبير، وكنت منقطعا إليه، ملازما له، أدرس عليه الفقه، فكان ~~أول من ائتمنني، ورفع شأني. # فقال لي: يا أبا الحسين، قد قدم أبو العيناء، وأحب أن أجمع بينه، وبين ~~أبي خليفة، وننظر أثرهما. # فقلت: علي ذلك. # قال: فمضيت، ولقيت أبا العيناء، وعقدت عليه وعدا للحضور، عند ابن بسام، ~~وعلى أبي خليفة، فاجتمعا. # فأخذ أبو العيناء، في الرواية عن الأصمعي «1» ، ومشاهداته مع المتوكل «2» ~~، وابن أبي دؤاد «3» ، وفلان، وفلان، والشعراء. # قال: فأسكت أبو خليفة، فلم ينجر معه، ولم يلحق به. # قال: فأثنينا على أبي العيناء، وقرظناه. # فقال: يا أيها القاضي، أنا لا أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة. # PageV03P045 ### || 30 أبو العيناء وأحمد بن الحسن بن المثنى # وحدثنا أيضا «1» ، قال: حدثني أبو عبيد محمد [35] بن علي الآجري، قال: # كنت عند أبي العيناء، لما قدم البصرة، سنة نيف وثمانين، بتسبيبات له على ~~عمالها، وكان معنا أصحاب الحديث. # فقيل له: قد دخل إليك ابن المثنى، فقام، وقدر، أن أبا علي الحسن ابن ~~المثنى، قصده. # فقال له بعض الحاضرين: إنه أحمد بن الحسن بن المثنى، فجلس، قبل أن يقرب ~~منه أبو الحسين. # ثم استدنى أبا الحسين، وأكرمه، وسأله عن خبر أبيه، [فأخبره بوفاته، فترحم ~~عليه، وقال: أنا أسن منه. # فسألناه عن مقدار الزيادة، فقال] «2» : لا أدري، كنت يوما في مجلس موسى ~~بن إسحاق القاضي بالبصرة «3» ، وقد اجتاز بنا «4» ، وكان أصحاب الحديث ~~حضورا، وكان موسى لا يطلق أن يدخل مجلسه غلام أمرد، ليسمع الحديث، فحين رآه ~~موسى، صاح: يا غلام، أخرجه. # فقلنا له: أعز الله القاضي، هذا ابن أخيك، أبو علي بن المثنى. # قال: فرفعه، وقدمه. # PageV03P046 ### || 31 أبو خازم القاضي # يريد أن يولي أحمد بن الحسن بن المثنى القضاء وحدثني «1» ، قال: حدثني ~~أبو الحسين «2» ، قال: # لما نشأت، كتب أبو خازم القاضي «3» ، إلى أبي، يقول: إنه قد بلغني أنه قد ~~نشأ لك فتى يطلب العلم، ومن حاله، وصفته، [36]- قال، وقرظني- فأنفذه إلي، ~~لأقلده ms301 القضاء. # قال: فقال لي أبي: ما تقول؟ # فقلت: أنفذني، فإنك، هوذا، ترى ما نحن فيه من الإضاقة، فلعلي أتسع ~~بالأرزاق، [فقال أبي: لا تفعل] «4» ، فإن الأعمال تفنى، والصيانة تبقى. # PageV03P047 ### || 32 أبو العيناء في دار الواثقي أمير البصرة # وحدثني «1» ، قال: حدثني بعض شيوخنا: # إن أبا العيناء، قصد دار الواثقي «2» ، وهو الأمير بالبصرة- إذ ذاك-، ~~فأجلس في الدهليز «3» ساعة، إلى أن استؤذن له. # وجرى الحديث، فقال رجل، في حديث أقتضى ذلك، يا أبا العيناء، أنت صائم ~~اليوم؟ # فقال: أما في هذه الدار، فنعم. # فكتب صاحب الخبر، إلى الواثقي، بذلك، فأذن له في الحال، واعتذر إليه، من ~~إجلاس البوابين له في الدهليز، وانكر ذلك عليهم. # PageV03P048 ### || 33 منافرة بين ضريرين # قال «1» : # واجتمع أبو العيناء، وأبو علي البصير «2» ، يوما في مجلس، فاستطال عليه ~~أبو العيناء، فقال له أبو علي «3» : نحن جميعا ضريران، فما هذا التطاول؟ # فقال: ولا سواء، أنت من عميان العصا، وأنا من عميان المواكب «4» [37] . # PageV03P049 ### || 34 المصالحة بين تاجر أفلس وبين دائنيه # حدثني محمد بن أحمد بن عثمان بن الحارث الزيات، قال: حدثني أبي، قال: # كان لي، ولجماعة من التجار ببغداد، على رجل من البزازين، أربعة آلاف ~~دينار، فقام للناس «1» ، فاجتمعنا، ففتحنا دكانه، فوجدنا فيه متاعا ثمنه ~~أربعمائة دينار. # فقال: إن اخترتم أخذها وإبرائي من الباقي، فخذوا، فإني لا أرجع إلى شيء ~~غير ذلك، وإن اخترتم أن تؤخروني بالدين، وأفتح دكاني، وأعمل بهذه ~~الأربعمائة دينار، دفعت إليكم في كل سنة أربع مائة دينار، فيأخذ كل واحد ~~منكم العشر من ماله، وتستوفون المال في عشر سنين. # فأجبناه، إلا رجلا، يعيد ويقول: زيدوني على العشر، ولو دينارا واحدا، في ~~السنة. # فقلنا للرجل: أجبه إلى هذا. # فقال: إن أعطيت هذا الدينار، زيادة، على أربعمائة الدينار، في السنة، مضت ~~الأربع مائة دينار في التسع سنين، وبقيت، بقية دينكم، بحالها. # فعجبنا من ذلك، وقلنا: أوجدنا [38] صحة ما قلت. # فقال: هذه الأربعمائة الدينار، إذا اتجرت فيها سنة، وسلمت، فربحي ~~أربعمائة دينار. # PageV03P050 # يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وتسعة وتسعون دينارا. ms302 # فأتجر فيها، في الحول الثاني، فيحصل معي سبعمائة، وثمانية وتسعون دينارا، ~~يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وسبعة وتسعون دينارا. # فيحول الحول الثالث، فيصير المال سبعمائة وأربعة وتسعون دينارا يخرج منها ~~أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة وخمسة وخمسون دينارا «1» . # يحول الحول الرابع، فيصير سبعمائة وستون دينارا، يخرج منها أربعمائة ~~دينار ودينار، ويبقى خمسائة وثمانون دينارا «2» . # ويحول الحول الخامس، سبعمائة دينار، يخرج منها أربعمائة دينار ودينار، ~~يبقى ثلاثمائة وخمسة وثمانون دينارا «3» . # ويحول الحول السادس، فيخرج منها أربعمائة دينار ودينار، يبقى ثلاثمائة ~~وتسعة وسبعون دينارا «4» . # ويحول الحول [39] السابع، فيصير سبعمائة وأربعة وخمسين دينارا، يبقى ~~ثلاثمائة وسبعة وخمسين دينارا «5» . # ثم يحول الحول الثامن، فيصير مائتين وتسعين دينارا، يخرج منها ثلاثمائة ~~دينار، بقي منها مائتين وتسعة وستين دينارا «6» . والدين دين، ولا يمكن أن ~~أدفع إليكم، إذا كان الأصل أربعمائة، أكثر من أربعمائة. # فأجبناه إلى الاقتصار على الأربعمائة، وفتح دكانه، وعمل، ورزق. # PageV03P051 ### || 35 إنفاق بلا دخل، يذهب بالأموال # وحدثني «1» ، قال: حدثني أبي، فقال: # كل كيس يكون فيه ألف درهم، فتخرج منه درهما واحدا، ولا يدخله درهم آخر، ~~فإن الكيس كله يذهب، إن كان بتجارة، فبنقصان ربحها، وإن كان بنفقة، فليس ~~يحتاج إلى دليل. # وإنما يحفظ الأموال، فضولها، وينستر التاجر بربحه. ### || 36 بين الجبائي والكرخي # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه «2» ، قال: حدثني أبو عبد الله، محمد بن ~~إبراهيم بن عبيد الله، الفقيه، الحنفي [40] ، الأرمني، قال: # كان أبو زهير الجبائي، الفقيه، ورعا، حاذقا بمذهب أبي حنيفة، فدخل بغداد، ~~فبلغته أخبار أبي الحسن الكرخي «3» ، رضي الله عنه، في ورعه. # PageV03P052 # قال: فلقيه، فقال له: يا أبا الحسن، بلغني انك تأخذ من السلطان رزقا في ~~الفقه. # قال: نعم. # قال: ومثلك في علمك، ودينك، يفعل هذا؟ # فقال له أبو الحسن: أو ليس قد أخذ الحسن البصري «1» ، رضي الله عنه، في ~~زمنه، وفلان، وفلان، فعدد خلقا من الصالحين والفقهاء، ممن أخذ من بني أمية. # فقال له أبو زهير: ذهاب هذا عليك أطرف، بنو أمية، كانت مصائبهم في ~~أديانهم، وجبايتهم ms303 الأموال سليمة، لم يظلموا في العشر، ولا في الخراج، وكان ~~الفقهاء يأخذون من الأموال مع سلامتها، وهؤلاء «2» ، مع سلامة أديانهم، ~~أموالهم فاسدة، وجباياتهم بالظلم والغش. # فسكت أبو الحسن، فلما كان وقت قبض جائزته، لم يطالب بها، وتركها، ولم ~~يقبض شيئا من الجاري، إلى [41] أن مات. # قال لي عبد الله بن داسه: أن [أبا] زهير هذا، هو أستاذ أبي محمد ابن ~~عبدل، الذي علمه الفقه على مذاهب أصحابنا «3» . # وكان أبو محمد بن عبدل، أستاذنا نحن في الفقه، وقد درست عليه، وشاهدته ~~الطويل العريض، وما سمعت منه هذه الحكاية. # PageV03P053 ### || 37 الخصال المذمومة في الشيخ # وحدثني «1» ، قال: قال لي بعض شيوخنا: # إن الشيخ إذا أسن، صارت فيه ثلاث خصال مذمومة: إذا قام عجن «2» ، وإذا ~~مشى زفن «3» ، وإذا سعل قرن «4» . # PageV03P054 ### || 38 شيخ من أهل المذار يرى مناما # وحدثني «1» ، قال: حدثني عبد الله بن معاذ، قال: حدثني شيخ من أهل المذار ~~«2» ، قال: # كان لي زرع في ضيعة، وكان حسنا، جيدا، وافرا، وكنت واسع الطمع فيه، فبت ~~ليلة، فرأيت في منامي، كأني بنفسين يطوفان الصحارى المزدرعة، ويقول أحدهما ~~للآخر، اكتب: زرع فلان كر، وفلان كرين، قال: وأنا أحفظ الأسماء، وبلغ الكيل ~~إلى أن جاء إلى قراحي، فقال: # اكتب [42] ، وزرع فلان ثلاثة أكرار. # فقلت له: أعزك الله، زرعي- والله- في غاية الجودة، وأنا أؤمل فيه عشرة ~~وأكثر. # فقال لصاحبه: اكتب ثلاثة أكرار. # قال: فلما كان من الغد، انتبهت متعجبا، وقمت. # وما مضت أيام، حتى لحقت الغلة آفة، ونجا بعض الناس، وأصيب بعضهم، وحصد ~~جيراني، وحصدت. # قال: فحصل لي، والله، ثلاثة أكرار «3» ، لا تزيد قفيزا، ولا تنقص قفيزا. # قال: وعرفت خبر القوم الذين كنت حفظت أسماءهم، ومبلغ كيلهم، فإذا كيل ~~الجميع، قد خرج على ذلك المبلغ سواء. # PageV03P055 ### || 39 من أقوال معز الدولة # بلغني من جهة وثقت بها، عن معز الدولة «1» ، إنه قال: ما نام بين طلوع ~~الفجر، إلى طلوع الشمس، مقبل قط. # وهذا منه، [على] أنه رجل أعجمي، حسن جدا. # والأصل في ذلك، قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ms304 عليه السلام: # إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بورك لأمتي في بكورها» «2» ، # PageV03P056 ### || 40 القاضي أبو عمر ينقذ بعمامته شخصا من الغرق # حدثنا أبو أحمد بن أبي [43] الحسك الشاهد، قال: # كان أبو عمر القاضي «1» ، يجتاز بباب دارنا، دائما، ذاهبا إلى ضيعته ~~المعروفة بالصالحية، وأنا صبي، وبعد ذلك، إلى أن صرت حدثا. # قال: فسمعت- إذ ذاك- أنه اجتاز، فلما صار على شاطئ نهر عيسى «2» ، رأى ~~رجلا في الماء، وهو يصيح: الغريق، ولم يكن بين يدي أبي عمر، إلا غلام واحد. # قال: فصعد أبو عمر بحماره على تلعة، وصاح بأعلى صوته: يا ناس، يا ناس، ~~دفعات، فلم يجبه أحد، لخلو الموضع، وانقطاع الطريق. # فنزل عن حماره، وخلع عمامة كانت عليه، ورمى بها إلى الرجل، وأخذ طرفها ~~بيده، وأمسك بيده الأخرى شجرة كانت هناك. # وقال للرجل: لا خوف عليك، فاجذب العمامة، بكل قوة. # قال: فما زال الرجل يجذبها، ويقرب، إلى أن قرب من الشط، حتى رقى في الشط، ~~وخر مغشيا عليه. # وجازت جماعة، فرأوا القاضي على تلك الصورة، فدعوا له، وشكروه، وبادروا ~~إلى الرجل، وعصروا جوفه من الماء، ونجا، وعاش [44] . # PageV03P057 ### || 41 الإكثار من الغالية يدفئ في الجو البارد # حدثني عبد الله بن أحمد بن بكر البصري «1» ، قال: # كان المهريون «2» بالبصرة، لهم نعم ومروءات، وكانوا في جيراننا، فحدثني ~~شيوخنا: إن فتى منهم، وكان ظريفا، ركب في يوم شات، شديد البرد، والماء قد ~~جمد، وليس عليه من الحشو «3» شيء، إنما كان عليه قميصان، وعمامة، وطيلسان ~~«4» ، وخف، فدخل إلى قوم، فعجبوا من صبره على البرد، فنزع خفه، فإذا هو قد ~~طلا رجليه بالغالية «5» ، وحشا منها شيئا كثيرا، بين أصابعه، وفي سرته، ~~واستعمل منها شيئا كثيرا في لحيته، وأخذ خرقة، وطلا عليها، ووضعها على ~~رأسه، وتعمم عليها، فحمي حميا، لم يحتج معه إلى أكثر من قميصين. # PageV03P058 ### || 42 الإكثار من الغالية يسبب العمى # قال «1» : وحدثني شيوخنا: # ان محمد بن سليمان بن علي الهاشمي «2» ، كان في ضيعته التي يقال لها: # المحدثة، خارج البصرة، جالسا في مجلس على بستان، وفي بعض زوايا ms305 البستان، ~~إجانة «3» صيني كبيرة، مملوءة غالية. # فدخل إليه قوم من العامة، في [45] حاجة لهم، وكان أحدهم، خسيس الحال، ~~فلما رأى الغالية، سرق منها شيئا كثيرا، اغترفه ملء كفه، فوضعه على رأسه ~~وأطبق عمامته عليه، وأطال القوم الجلوس، وهو معهم، فلما قاموا، قام معهم، ~~فلم يبصر، فقال: خذوا بيدي فقد عميت. # فاغتم محمد بن سليمان، لذلك، وجاء بطبيب في الحال، وقال: ما دهاك! فلم ~~يصدقه. # فأمر الطبيب بكشف رأسه، فرأى الغالية، فصب عليها الماء البارد، حتى لم ~~يبق لها أثر، ثم طلاه بالصندل «4» والماورد، والكافور «5» ، وأقامه في ~~الهواء ساعة، فعاد بصره إلى حال الصحة، وانصرف. # PageV03P059 ### || 43 مثل من الأمانة # وحدثني، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن إسحاق بن عباد النجار، وهو شيخ من ~~وجوه التمارين بالبصرة، طال عمره، وحدث، وكتبت عنه، ولم أسمع هذه الحكاية ~~منه، قال: # كان في جوارنا فلان، فتصدق ليلة على ضرير اجتاز به، وهو لا يعرفه، فأراد ~~أن يفتح [46] إحدى صرتين في كمه، في إحداهما دنانير، وفي الأخرى دراهم، ~~فيعطيه درهما، فأعطاه دينارا. # وانصرف الضرير، وهو لا يشك أن معه درهما. # فبكر به إلى بقال يعامله، فقال: خذ هذا الدرهم، واحسب ما لك علي، وأعطني ~~بالباقي كذا وكذا. # فقال له البقال: يا هذا، من أين لك هذا؟ # قال: أعطانيه البارحة فلان. # قال: إنه دينار، فخذه. # فأخذه الضرير، وجاء به من الغد إلى الرجل، وقال: إنك تصدقت علي بهذا، ~~وأظنك أردت أن تعطيني درهما، وغلطت، وما أستحل أخذه مغالطة، فخذه. # فقال له الرجل: قد وهبته لك، وإذا كان في رأس كل شهر، فتعال إلي، أعطيك ~~شيئا آخر، مجازاة لأمانتك. # وكان يجيئه في رأس كل شهر، فيعطيه خمسة دراهم. # قال: فلم أر أعجب من أمانة البقال والضرير، ولو كان في هذا الوقت، لجرى ~~الأمر بضد ذلك [47] . # PageV03P060 ### || 44 لا يعرض القرآن للمسألة # قال «1» : وقال لي ابن عباد «2» : وكان «3» يقرأ بالسبعة «4» ، فكنت ~~أسمعه طول الليل يقرأ، وكان فقيرا، فإذا كان النهار، خرج يتصدق «5» ، ~~فأسمعه ينشد على الطريق، الرقائق «6» والزهديات، لا أسمعه ms306 يتصدق بغيرها. # فقلت له يوما: يا فلان، أنت تحفظ القرآن، وأراك تتصدق بالرقائق، فكيف لا ~~تقرأ وتتصدق كما يفعل الأضراء؟ # فقال: والله لا أعرض القرآن للمسألة أبدا. # PageV03P061 ### || 45 السورجي وزوجته # حدثني أبو محمد «1» ، قال: حدثني السورجي، شيخ كان يجاورنا، مستور، قال: # كانت لي امرأة صالحة، فكنت إذا اشتريت لحما لتطبخه لنا، طبخته، وغرفته ~~جميعه، وجاءتني به، وكنت أكولا، فكنت آكله جميعه، وتجوع هي، وأولادها. # فقلت لها: يا هذه، إذا طبخت شيئا، فاقسميه قسمين، وجيئيني بأحدهما، ودعي ~~الآخر، لنفسك، وأولادك. # فقالت: لا والله، لا أفعل هذا، بل أقدمه إليك كله، لتأكل أجوده، فإنك ~~[48] أنت تسأل عنه. ### || 46 يتمنى أن يمرض ليعوده حبيبه # أنشدني أبو الحسن بن أبي الليث، لنفسه: # عصيت الهوى وأطعت العذول ... وكنت كما قال في الحسود # وملكت رقك وهو المنى ... وبعتك للدين فيمن يزيد # لئن لم أكن أتمنى السقام ... لعلي ألقاك فيمن يعود # PageV03P062 ### || 47 المعتضد يكتب رقعة في رفع ظلامة # حدثني محمد بن أحمد بن عثمان الزيات، قال: حدثني أبو بكر بن حورى- شيخ ~~كان من أهل فامية «1» ، من أعمال النهروان، قد أقام ببغداد سنين، وكان ~~مشهورا بصحبة ابن أبي عوف «2» - قال: # كنت ألزم ابن أبي عوف، سنين، لجوار بيننا ومودة، لا أسأله حاجة، لأنها لم ~~تكن تعرض لي، وكنت أتخفف بين يديه في حوائج ينفذني فيها، وكان رسمي في كل ~~ليلة، أجيئه بعد العتمة، وقد صلى ودخل منزله، فحين يراني [49] ، يمد رجله ~~في حجري، فأغمزها، وأحادثه، فيسألني عن الأخبار والحوادث ببغداد، وكنت أسأل ~~عنها، وأتطلبها من كل موضع، وأجيئه بها، وأخبره بخبر من قدم البلد، ومن ~~سافر عنه، ومن مات، ومن ولد، ومن خاصم، ومن ورث، ومن يرجف به الناس، وأخبار ~~الجيران، وبكل غث وسمين، إلى أن ينعس، فإذا نعس، قبض رجله، فقمت إلى بيتي، ~~وقد مضى ثلث الليل، أو بعضه، أو أقل. # [وجرى الأمر] على هذا سنين. # فلما كان ذات يوم، جاءني سقطي «3» كان يعاملني، فقال: قد دفعت إلى شيء إن ~~تم علي، افتقرت. # PageV03P063 # فقلت: ما هو؟ # فقال: ms307 رجل كنت أعامله، فاجتمع لي عليه ألف دينار، فطالبته، فرهنني عقد ~~جوهر، قوم بألف دينار، إلى أن يفتكه بعد شهور، أو أبيعه، وأذن لي في ذلك. # فلما كان أمس، وجه مؤنس الفحل، صاحب الشرطة «1» ، من كبس دكاني، وفتح ~~صندوقي، وأخذ العقد، وقد استتر الرجل. # فقلت له: لا تفكر في هذا [50] ، فإني أخاطب أبا عبد الله بن أبي عوف، ~~فيلزمه رده صاغرا. # قال: وأنا مدل بابن أبي عوف، لمكاني منه، ومكنته من المعتضد. # فلما كان تلك الليلة، جئته، فمد رجله في حجري، على الرسم وحادثته، وعرفته ~~الأخبار، وقلت له في جملتها، أمر السقطي مع مؤنس. # ثم قلت: هذا الرجل جاري، ومعاملي، وأوجب الناس حقا علي، ولا بد- والله- ~~من تفضلك يا سيدي، واعتنائك في أمره، وإلزام مؤنس، رد العقد. قال: فحين سمع ~~هذا نحى رجله من حجري وقال: # ما أنا وهذا؟ أعادي صاحب شرطة الخليفة؟ وكيف استجزت أن تعرضني لمثل هذا، ~~وتسألني فيه؟ كأني بك، وقد قلت: ابن أبي عوف صديقي ألزمه رد هذا، ولم تشفق ~~على جاهي، وكأن صلاح حال السقطي، أحب إليك من صيانة جاهي، ما أنا، عافاك ~~الله، وهذا؟ ولا أليه. # قال: فورد علي من هذا، أعظم مورد، وقلت في نفسي: هذا رجل [51] قد خدمته، ~~كذا وكذا سنة، هذه الخدمة، التي لم تخدمها العبيد، على أني ما سألته قط ~~حاجة، ولا احتجت إليه في شيء، ولا له علي رزق، ولا # PageV03P064 # أفضال، يلقاني في حاجة قد سألته فيها، بمثل هذا؟ شهد الله، لا دخلت له ~~دارا بعدها أبدا. # وأمسكت وجلست لا أتكلم، ثم قمت قبل الوقت الذي كنت أقوم فيه، وعدت إلى ~~منزلي منكسرا مغموما. # فلما كان من الغد، بكرت، لئلا يجيئني الرجل، بسبب حاجته، فأفتضح عنده، ~~ولم أدخل بيتي إلى وقت المغرب، ثم جئت، فصليت، وطرحت، واعتقدت أنني لا أمضي ~~إليه. # فلما صليت العتمة، جاءني خادم لابن أبي عوف، فقال: الشيخ بقرأ عليك ~~السلام، ويقول: لم تأخرت الليلة؟ إن كنت معافى، فتعال، وإن كنت متشكيا ~~جئناك. # فاستحييت، وقلت: أمضي الليلة، ms308 ثم أنقطع. # فحين دخلت إليه، ورآني، مد رجله في حجري، فأخذتها، وغمزتها على الرسم. # فقال: أيش عندك «1» [52] من الأخبار؟ # فأقبلت أحدثه، بحديث غث، متكلف، متصنع، فلم يزل يصبر على ذلك ساعة، ثم ~~قبض رجله، فقمت. # فقال: يا أبا بكر، انظر أيش تحت المصلى. # وإذا برقعة في قرطاس، فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة، وإذا فيها: # «يا مؤنس، جسرت على قصد دكان رجل تاجر، يعرف بفلان، وفتحت صندوقه، وأخذت ~~منه عقد جوهر قيمته ألف دينار، وأنا في الدنيا؟ والله، لولا أنها أول غلطة ~~غلطتها، ما جرى في ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى # PageV03P065 # دكان الرجل، حتى ترد العقد في الصندوق، بيدك ظاهرا» . # فقلت لأبي عبد الله: أيش هذا يا سيدي؟ # فقال: خط المعتضد إلى مؤنس، بما أردته، مثلت بين وجدك وعتبك، مع بقاء ~~الحال مع مؤنس كما هي، وبين رضاك وقضاء حقك، وإيحاش مؤنس، فاخترتك عليه، ~~فأخذت خط أمير المؤمنين، بما تراه، فامض، وأوصله إليه، فإنه يفعل ما أمره ~~به. # فقبلت رأسه، وشكرته [53] ، وانصرفت، وأنا من الفرح لا أعقل. # وجئت إلى الرجل، وأخذت بيده، ومضينا إلى مؤنس، وسلمت التوقيع إليه، فحين ~~قرأه اسود وجهه، وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال: # يا هذا، الله بيني وبينك، هذا شيء ما علمت به، وتموه علي، فألا تظلمتم ~~إلي، فإن لم أنصفكم، فإلى الوزير، ما هذا؟ بلغتم الأمر إلى أمير المؤمنين، ~~من أول وهلة؟ # قال: وانتشطت، فقلت: بعلمك جرى، والعقد معك. # قال: فأحضر العقد، وقال: خذوا الألف دينار، التي عليه الساعة، واكتبوا ~~على الرجل، بطلان ما ادعاه. # فقلت: لا نفعل. # فقال: خذوا ألفا وخمسمائة دينار. # فقلت: والله، لو أعطيتنا ألف ألف دينار، ما رضينا، أو تركب بنفسك إلى ~~الدكان، والعقد معك، فترده إلى الصندوق، ولا نكذب أنفسنا، أو ترد التوقيع، ~~فقال: أسرجوا لي. # قال: فركب، والله، في موكبه، حتى وقف على دكان الرجل، ورد العقد [54] ~~بيده إلى الصندوق. # فجاءنا صاحبه، في ذلك اليوم، ودفع الألف دينار، وارتجعه. # PageV03P066 ### || 48 ابن أبي دؤاد وكرمه وعلو همته # حدثني عبد ms309 الله بن أحمد بن داسه «1» ، قال: حدثني أبو أحمد بن أبي الحسك ~~الشاهد، قال: حدثني بمصر، أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله ابن نصر، ~~القاضي، وهو قاضيها يومئذ «2» ، قال: حدثني شيخ كان في جوارنا ببغداد، بدرب ~~الرواسين، من باب الشام «3» ، قال: # كان أبو عبد الله بن أبي دؤاد «4» ، ينزل بباب الشام، وهو صغير الحال، ~~فكنا نعرف أحواله. # فباع يوما منديلا كان له، بسبعة دراهم، لتعذر القوت عليه. # قال: فاجتاز في طريقه، وهو عطشان، فرأى شاربا، فعدل إلى # PageV03P067 # الموضع، ودعاه، واستسقاه، فكسر الشارب «1» شفة كوز «2» كان معه، وملأه ~~ودفعه إليه. # فقال له ابن أبي دؤاد: لم فعلت ذلك؟ # فقال: قد شرب في هذا الموضع قبلك من لم أرض لك، أن تجعل شفتك في موضع ~~شفته، فكسرت الموضع [55] من الكوز لتشرب من موضع، ما وقعت عليه شفة غير ~~شفتك. # قال: فشرب الماء ثم دفع إليه السبعة دراهم، التي لم يكن يملك غيرها «3» . # PageV03P068 ### || 49 دعوة الأم لأولادها مستجابة # حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى «1» ، قال: # كانت أمي قد رأت ليلة القدر «2» ، فدعت الله بدعاء كثير، فلما كان من ~~الغد، قال لها أبي: هل دعوت الله لي؟ # فقالت: شغلني الدعاء لأولادك، عن الدعاء لك. # قال: فكنا نرى أن ما أفاء الله تعالى علينا من نعمة، بعد ذلك، إنما كان ~~بدعائها. # PageV03P069 ### || 50 أبو الهيجاء بن حمدان ومتانة أعصابه # حدثني أبو الفضل الشيرازي الكاتب محمد بن عبد الله بن المرزبان «1» ، ~~قال: حدثني شيخ من شيوخ النخاسين الجلة ببغداد، قال: # كنت أعامل أبا الهيجاء، عبد الله بن حمدان «2» ، في الرقيق، فكان يشتري ~~مني، ولا يبيع شيئا يشتريه بوجه، إما أن يهبه، أو يعتقه. # فجاءني يوما، إلى حجرتي، ولم تكن عادته جرت بذلك، فوجدته [56] ، وهو ~~مستعجل، يريد الخروج إلى القصر «3» ، لقتال أعراب بلغه أنهم عاثوا في ~~الطريق، وكان يليه، فقال: بعني الساعة جارية. # فعرضت عليه عدة جوار، فاختار مولدة منهن، وحملها في عماريته «4» ، على ~~بغل. # فلما كان بعد شهور أقل من ستة، جاءني بها ms310 رجل من الجند، يريد بيعها. # فقلت لها: أليس كان الأمير أبو الهيجاء، اشتراك مني؟ # فقالت: بلى، ولكنه وهبني لهذا. # PageV03P070 # قال: فلم أبعها حتى كاتبته، وعرفته خبرها، لئلا تكون قد هربت، أو وقع بها ~~حيلة. # فلما أعلمني أنه وهبها، شرعت في بيعها في الحال، فتعذر، وأقامت عندي ~~أياما. # فسألتها عن أخبار أبي الهيجاء، وأمره في داره، فأخبرتني بأشياء من ذلك. ~~فكان من طريف ما أخبرتني به، أن قالت: # أخرجني من عندك في العمارية، وسرنا يومنا وليلتنا، إلى قريب من انتصاف ~~الليل، فكدني السير وأتلفني، ثم حط العمارية في الصحراء، ثم ضربت له خيم، ~~ولأصحابه، فصرنا في عسكر، وأشعلت النيران، ونصب له سرير [57] مخلع «1» في ~~خيمة له، واستدعاني، فجئت وهو على فراشه، فلاعبني، ثم نزع «2» سراويله، ~~وجلس مني مجلس الرجل من المرأة، فوقعت صيحة عظيمة، فنهض عني، ولم يكن أولج، ~~وضرب بيده إلى تحت الفراش، وإذا سيف مجرد، فأخذه، وخرج بلا سراويل، وصاح ~~أنا أبو الهيجاء، وسألهم عن سبب الصيحة، فقالوا: سبع أطاف بالخيم. # فخرج يعدو، ومعه خلق من غلمانه وأصحابه، وأهاجوا السبع، وطلبوه، وناصبوه ~~الحرب، وناصبهم، وأنا أسمع الصياح، وزأرات الأسد، وقد تلفت فزعا، ثم يأتيه ~~هو، من بين الجماعة، فقتله، فحمل رأسه، وجاءني وهو في يده، فلما رأيته صحت، ~~فرمى بالرأس، وغسل يده. # ثم جاءني، فطرحني، وإذا أيره قائم، كما كان في وقت نهوضه، ما تغير، ثم ~~جامعني، ثم نهضت. # فما رأيت قلبا أثبت من قلبه، ولا أيرا أقوى من أيره. # PageV03P071 ### || 51 هجاه بالشعر فأجابه بأخذ الشعير # حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه «1» ، قال: حدثني أبو سهل بن زياد القطان ~~«2» قال: # كان بإسكاف «3» ، شاعر [58] له ضويعة «4» ، فهجا عاملها، وبلغه ذلك، ~~فأمسك عنه، فلما كان وقت الغلة، ركب العامل إلى البيدر، وقسمه، وحمل غلة ~~الشاعر أصلا. # فجاء الشاعر إليه يشكو، ويداريه. # فقال: يا هذا ليست بيننا معاملة، أنت هجوتنا بالشعر، ونحن هجوناك ~~بالشعير، وقد استوت الحال بيننا وبينك. # PageV03P072 ### || 52 خلف النار الرماد # حدثني محمد بن عدي بن حر. وجماعة من ms311 البصريين، قالوا: # لما نشأ لأبي الحسين محمد بن عبيد [الله] بن نصرويه «1» ، مع فضله، ~~ورجلته، ومحله المشهور من الدهاء والفضل «2» ، والعلم والعقل، ابنه الباقي ~~الآن، وأخبر أبو الحسين بتأخره، غمه ذلك. # قال: وكان أبو الحسين، يوما جالسا، إذ جاء ابنه هذا يسعى إليه، كأنه في ~~مهم، ثم نتف طاقة شعر كانت على أذن أبي الحسين، وسعى، فآلمه ذلك، وغمه بلوغ ~~تخلف الصبي، إلى هذا الحد، ورثينا لما جرى. # قال لنا: خلف النار الرماد «3» . # PageV03P073 ### || 53 كما تدين تدان # وحدثني [59] الحسين بن محمد الجبائي، قال: # لما سعى أبو طاهر الحسين بن الحسن، عامل البصرة «1» ، على أبي الحسين ابن ~~نصرويه «2» ، حتى نكب النكبة الثانية، التي ألزمه فيها العباس بن الحسين ~~«3» ، ما ألزمه من المال، راسل أبا طاهر، فقال له: اعلم ان الصياد الفاره، ~~لا يذبح شباشه «4» ، وأنا كنت لك في هذا البلد، مع التجار والناس، مثل # PageV03P074 # شباش الصياد، فبي إنما ظن الناس أنك عادل، وكنت تأخذ من تريد من الأوساط ~~والأصاغر، ولا ينكشف أمرك، وقد صرت بما عاملتني، مثل الصياد الذي ذبح ~~شباشه، فليس عزمه بعدها أن يصطاد، وستعلم أنك لا تنتفع بنفسك، ولا بالبلد ~~بعدي. # ثم عدل إلى السعاية عليه مع أبي الفضل العباس بن الحسين الوزير، فما خرج ~~من البصرة حتى قبض عليه، ونكبه، وقلد البصرة، أبا القاسم علي ابن الحسين بن ~~إبراهيم «1» ، ابن أخت أبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس «2» ، وألزم ~~مالا ثقيلا لم ينهض به، وتلف أبو طاهر في المطالبة، والضرب، ومات [60] في ~~الحبس، وانسحق هو وأهله، إلى آخر دهرهم، وكل ذلك بتدبير أبي الحسين، ~~وترتيبه المكاره عليهم. # PageV03P075 ### || 54 الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار # حدثني محمد بن هلال «1» بن عبد الله، قال: حدثنا القاضي أحمد بن سيار، ~~قال: حدثني رجل من الصوفية، قال: # كنت أصحب شيخا من الصوفية، أنا وجماعة في سفر، فحدثني حديث التوكل، ~~والأرزاق، وضعف النفس فيهما، وقوتها. # فقال ذلك الشيخ: علي وعلي، لا ذقت مأكولا، أو يبعث إلي بجامة فالوذج حار، ~~ولا آكل إلا بعد ms312 أن يحلف علي. # قال: وكنا نمشي في الصحراء. # فقالت له الجماعة: الآخر «2» جاهل. # ومشى ومشينا، وانتهينا إلى قرية، ومضى عليه يومان، وليلتان، لم يطعم فيهن ~~شيئا. # ففارقته الجماعة، غيري، فإنه طرح نفسه في مسجد القرية، مستسلما للموت ~~ضعفا، فأقمت عليه. # فلما كان في ليلة اليوم الرابع، وقد انتصف الليل، وكاد أن يتلف الشيخ، ~~فإذا بباب المسجد قد فتح، وإذا جارية سوداء، ومعها طبق مغطى. # فلما رأتنا [61] ، قالت: أنتم غرباء، أو من أهل القرية؟ # فقلنا: غرباء. # PageV03P076 # فكشفت الطبق، فإذا بجام فالوذج «1» ، يفور لحرارته. # فقالت: كلوا، فقلت له: كل، فقال: لا أفعل. # فقلت له: والله لتأكلن، لأبر قسمه، فقال: لا أفعل. # قال: فشالت «2» الجارية يدها، فصفعته صفعة عظيمة، وقالت: والله، لئن لم ~~تأكل لأصفعنك هكذا، إلى أن تأكل. # قال: فقال: كل معي. # فأكلنا، حتى نظفنا الجام، وجاءت الجارية تمضي. # فقلنا لها: مكانك، أخبرينا بخبرك، وخبر هذا الجام. # فقالت: نعم، أنا جارية رجل هو رئيس هذه القرية، وهو رجل أحمق حديد «3» ، ~~فطلب منا منذ ساعة، فالوذجا، فقمنا لنصلحه، وهو شتاء وبرد، فإلى أن تخرج ~~الحوائج من البيت، وتشعل النار، ويعقد الفالوذج، تأخر عنه. # فطلبه، فقلنا: نعم، وطلبه ثانيا، ولم نكن فرغنا منه، وطلبه الثالثة، فحرد ~~«4» وحلف بالطلاق، لا يأكله، ولا أحد من داره، ولا أحد من أهل القرية، ولا ~~يأكله إلا رجل غريب. # فجعلناه [62] في الجام، وخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا، فلم نجد، إلى ~~أن انتهينا إلى هذا المسجد، فوجدنا كما، ولو لم يأكله هذا الشيخ، لقتلته ~~ضربا، إلى أن يأكل، لئلا تطلق ستي من زوجها. # قال: فقال الشيخ: كيف ترى، إذا أراد أن يرزق؟ # PageV03P077 ### || 55 سائل بالأبلة، وسائل بالصين # وحدثني «1» ، قال: حدثني القاضي أحمد بن سيار، قال: حدثني شيخ من التجار ~~بعمان، قال: # كنت بالأبلة، أريد الخروج إلى البحر، فرأيت سائلا بباب الجامع، فصيح ~~اللسان، مليح المسألة، فرققت له، وأعطيته دراهم صالحة. # وخطفت «2» في الوقت إلى عمان، فأقمت بها شهورا، ثم قضي لي أن مضيت إلى ~~الصين، فدخلتها سالما، فإذ أنا ms313 يوما أطوف، فإذا الرجل بعينه قائما في السوق ~~يتصدق. # فتأملته، فعرفته، فقلت له: ويحك، سائلا بالأبلة، وسائلا بالصين. # فقال: قد دخلت إلى هذا البلد، ثلاث دفعات، وهذه الرابعة، لطلب المعيشة، ~~فلا أجدها إلا من الكدية «3» ، فأرجع إلى الأبلة، ثم أرجع إلى هاهنا. # قال: فعجبت من شدة [63] حرمانه. # PageV03P078 ### || 56 تاجر يتمدح بتجسسه على رسائل التجار # وحدثني، قال: حدثني قاضي القضاة أبو محمد بن معروف، رضي الله عنه «1» ، ~~قال: حدثني بعض أهل بغداد، عن أبي عبد الله بن أبي عوف «2» ، إنه قال: # ضاق صدري، في وقت من الأوقات، ضيقا شديدا، لا أعرف سببه، فتقدمت إلى من ~~حمل لي طعاما كثيرا، وفاكهة، وعدة من جواري، إلى بستان لي على نهر عيسى «3» ~~، وأمرت غلماني، وأصحابي، أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي، ولو ذهب ~~مالي كله، ولا يكاتبوني، وعملت على أن أقيم في البستان بقية أسبوعي، أتفرج ~~مع أولئك الجواري. # قال: وركبت حماري «4» ، وقد تقدمني كلما أمرت بحمله. # PageV03P079 # فلما قربت من البستان، استقبلني فيج «1» ، معه كتب. # فقلت له: من أين وردت؟ # فقال: من الرقة «2» . # فتتبعت نفسي، أن أقف على كتبه، وأخبار الرقة، وأسعارها. # فقلت له: تعرفني؟ # فقال: نعم. # فقلت: أنت قريب من بستان لي، فتعال معي، حتى أهب لك دنانير، وأغير حالك، ~~وأطعمك، وتستريح الليلة في [64] البستان، وتدخل بغداد غدا. # فقال: نعم. # ومشى معي راجعا، حتى دخل البستان، فأمرت من فيه، أن يدخله حماما فيه، ~~ويغير ثيابه ببعض ثياب غلماني، ويطعمه. # فابتدوا «3» معه في ذلك. # وتقدمت إلى غلام لي فاره، فسرق كتبه، وجاءني بها، ففتحتها، وقرأت جميع ما ~~فيها، وعرفت من أسرار التجار الذين يعاملوني شيئا كثيرا، وتفرجت بذلك. # ووجدت جميع الكتب، محشوة إلى التجار، بأن يتمسكوا بما في أيديهم من ~~الزيت، ولا يبيعوا منه شيئا، فإنه قد غلا عندهم وعز، ويوصونهم بحفظ ما في ~~أيديهم. # PageV03P080 # فأنفذت إلى وكلائي في الحال، فاستدعيتهم، فجاءوا، فقلت لهم: # خذوا من فلان الناقد «1» ، وفلان الناقد، كل ما عندهم من العين والورق ~~«2» الساعة، ولا ينقضي اليوم إلا وتبتاعون ms314 كلما تقدرون عليه من الزيت، ~~واكتبوا إلي، عند انقضاء النهار، بالصورة. # فمضوا، فلما كان العشاء، جاءني خبرهم، بأنهم قد ابتاعوا زيتا، بثلاثة ~~آلاف دينار، فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أخر، وبشرى كل ما [65] يقدرون ~~عليه من الزيت. # وأصبحنا، فدفعت إلى الفيج ثلاثة دنانير، وقلت له: إن أقمت عندي، دفعت ~~إليك ثلاثة دنانير أخرى. # فقال: أفعل. # وجاءتني رقعة أصحابي، بأنهم ابتاعوا زيتا بأربعة آلاف دينار، وانه قد ~~تحرك سعره لطلبهم إياه، فكتبت بأن يبتاعوا كل ما يقدرون عليه، وإن كان قد ~~زاد. # وشاغلت الرسول، اليوم الثالث، ودفعت إليه في اليومين، ستة دنانير، وأقام ~~ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة «3» آلاف دينار أخرى. # وجاءوني عشيا، فقالوا: كان ما ابتعناه اليوم زائدا على ما قبله، في كل ~~عشرة، نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكر فيه. # فصرفت الرسول، وأقمت في بستاني أياما، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجار ~~الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقة، فجاءوني يهرعون «4» ، # PageV03P081 # ويبذلون في الزيت، زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة ~~في العشرة، فلم أبع. # ومضى على ذلك، نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة، وستة، فلم أفعل. # فجاءوا بعد [66] أيام، فبذلوا للواحد الواحد. # فقلت في نفسي: ترك هذا خطأ، فبعته بعشرين ألف دينار. # فنظرت، فلم يكن لضيق صدري، وانفرادي في البستان، ذلك اليوم سبب، إلا ما ~~أحبه الله تعالى، أن يوصل إلي ربح عشرة آلاف دينار. # PageV03P082 ### || 57 صائغ يتمدح بأنه اؤتمن فخان # وحدثني «1» ، قال: حدثني صائغ كان يخدم في خزانة الأمير معز الدولة «2» ، ~~يعرف بطاهر، قال: # كنت أشرب يوما في منزلي، وعندي جماعة من إخواني، فانقطع بنا النبيذ، ~~فخرجت أحتال لهم شيئا من ذلك، فلقيني ركابي، فقال: الأمير يطلبك. # فقلت: قل إنك لم ترني. # قال: لا أفعل. # فقلت: خذ مني دينارا، وقل إنك لم تجدني. # قال: وأنا معه، إذ جاء ركابي آخر، فبذلت لهما دينارين، فأبيا، وجاء ~~الثالث، فمضيت، وحملت معي غلاما كان لي. # فحين دخلت إلى الأمير، قال لي: امض، فانظر ما يقول لك ms315 علي المغني، في ~~الخزانة، فافعله. # فجئت الى الخزانة، فقلت لعلي: أيش تريد؟ # فأخرج إلي، مناطق «3» كثيرة ذهبا، موكدة «4» بلا سيوف، [67] مما أخذه معز ~~الدولة، من تركة أخته «5» ، وكانت الأخت، تشدها في أوساط الجواري، # PageV03P083 # وتلبسهن القراطق «1» والخفاتين «2» ، وتلك المناطق فوقها، ويخدمنها كذلك، ~~فلما حصلت لمعز الدولة، لم يستحسنها، فأمر بكسرها، وصياغتها مراكب، وسيوفا، ~~ومناطق أعجمية. # فقال لي: اجلس واقلعها، حتى ننظر كم يجتمع منها، ويصاغ. # فقلت: ليس معي آلتي التي تستعمل. # فقال: أنفذ من يحضرها. # فأنفذت غلامي، فأحضر بعض الآلة، فما زلت أقلع، وأغتفل المغني، وأسرق، ~~وأجعل ذلك في كمي، وتحت عمامتي، وأرمي إلى غلامي، فإذا حصل معه شيء، قلت ~~له: هات المبرد، هذا قد كل، فامض، وجئني بغيره، أو هات الآلة الفلانية، ~~فيمضي، ويحصل ما قد سرقناه، ويجيء بالآلة، وأسرق، وأعطيه، وأطلب آلة أخرى، ~~على هذا، إلى أن جاء المساء، فجمع علي المغني، تلك المناطق، وأخذ الوعد ~~علي، في الحضور في غد، ومعي الصناع، وشريكي المرسوم «3» معي بالخدمة في ~~الخزانة، فانصرفت، فوزنت [68] ما قد حصل عندي، وكان أربعمائة وثمانين ~~مثقالا. # فقلت لعيالي: هذا، حملت إليه كرها، حتى أخذته، بعد أن بذلت، أن أعطي ~~دينارين جعلا، ولا أمضي، وحدثتهم بالقصة. # فلما كان من الغد، حضر الصناع، وشريكي، وجلسنا نفكك الباقي، وأحضرنا شيئا ~~آخر، فما استوى لنا أن نسرق إلا مائة وستين مثقالا، قاسمته عليها، وعجبت من ~~رزقي في ذلك. # PageV03P084 ### || 58 من مكارم أخلاق الأمير الموفق # حدثني أبو الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون، الحراني، الصابئ، الطبيب «1» ~~، قال: حدثني أبي «2» ، قال: # كنت، بين يدي الموفق «3» ، يوما، فقال لي: يا إبراهيم، أنا أشتهي شهوة ~~منذ سنين، وهو ذا «4» ، أستقبح أن أطلبها، وقد عن لي الساعة مواضعتك على ~~طلبها. # قال: فقلت: يأمر الأمير «5» . # قال: ويحك، أنا والله، منذ سنين كثيرة، أشتهي كبود الدجاج، وقوانصها ~~مطبهجة «6» ، وأستقبح أن أطلبها، فيظن صاحب المائدة، ان نفسي قد تتبعته، ~~شحا به عليهم، لأن رسمهم جار، بأن يرتفقوا [69] بأخذه # PageV03P085 # وبيعه، وأريد إذا قدمت المائدة، وجلست معي للأكل، أن تتشهى ms316 «1» ذلك علي، ~~وتشير به من طريق الطب، لأتقدم إليهم باتخاذ شيء منه يسير، فيصير ذلك القدر ~~رسما في كل يوم، لا يؤثر عليهم قدره، ويبيعون هم الباقي، فإنه كثير، وأكون ~~قد قضيت شهوتي. # قال: فعجبت من كرمه، وفرط حيائه من خدمه، حتى يلفق الحيلة في الوصول إلى ~~شهوته، من غير إيحاشهم، أو تعرض لذمهم. # وقدمت المائدة، فجلس يأكل عليها وحده، وجلست مع الندماء، آكل، على مائدة ~~بين يديه. # فلما أكل بعض أكله، قلت: لم لا يأمر الأمير «2» الناصر، بأن يتخذ له شيء ~~يسير في زبديات، من كبود الدجاج المسمن، وقوانصه، بالبيض، والمري «3» ، ~~فيطجن «4» بعضه، فيولع منه بالشيء اليسير، فإن في ذلك كذا وكذا، وأخذت أصف ~~ما حضرني في الوقت، ونحن أيضا نشتهي أن نأكل منه. # فقال: يصلح لنا من غد، كذا وكذا زبدية، مطجن، وكذا وكذا [70] زبدية، من ~~كبود الدجاج المسمنة، وقوانصها. # فأصلحوا ذلك، وصار رسما جاريا، ولم يفطن أحد منهم لما جرى. # PageV03P086 ### || 59 بحث في الأمانة # حدثني عبيد الله بن أحمد بن بكير «1» ، قال: حدثني أبو جعفر الضبي، ~~الفقيه الحنفي، وقد شاهدته أنا «2» ، وكان من شيوخ التجار المستورين، ~~فقيها، يحضر مجلس أبي «3» للخلاف «4» ، ويناظر، ولم أسمع منه هذه الحكاية، ~~قال: # حدثني شيخ من التجار، بسيراف، قال: # كان عندنا نفسان، يمشيان في طريق، فرأيا صرة دراهم ملقاة في الطريق، فقال ~~أحدهما للآخر: خذها واحفظها لصاحبها. # فقال الرجل: لا أفعل. # فقال: لكني آخذها، وأحفظها، فإن وجدت صاحبها، رددتها عليه. # قال: فأخذها ومشى. فإذا برجل يصيح. # فقالا له: ما لك؟ # فقال: صرة صفتها كذا وكذا، فيها دراهم لي، سقطت مني الساعة. # فقال الذي هي معه: خذها، فإنها هذه. # فسلمها إليه، ثم قال لصاحبه: أليس لو كان الناس كلهم على مذهبك [71] ، في ~~أن لا يحفظوا على الناس، لضاعت أموالهم. # فقال له الآخر: أليس لو كان الناس كلهم على مذهبي، ما ضاعت الصرة، ولكانت ~~تبقى في الطريق مكانها، حتى يرجع صاحبها، فيأخذها. # PageV03P087 ### || 60 الخوارج يقطعون السارق من المرفق # حدثني أبو الحسين علي بن لطيف ms317 «1» ، المتكلم على مذهب أبي هاشم «2» ، ~~قال: # كنت مجتازا بناحية قزدار «3» ، مما يلي سجستان «4» ومكران «5» ، وقد كان ~~يسكنها الخليفة من الخوارج، وهي بلدهم ودارهم، فانتهيت إلى قرية لهم، وأنا ~~عليل، فرأيت قراح بطيخ «6» ، فابتعت واحدة، فأكلتها، فحممت # PageV03P088 # في الحال، ونمت يومي وبقية ليلتي، في قراح البطيخ، ما عرض لي أحد بشيء، ~~وكنت قبل ذلك، قد دخلت القرية، فرأيت شيخا خياطا في مسجد، فسلمت إليه رزمة ~~ثيابي، وقلت له: تحفظها لي. # فقال: دعها في المحراب. # فتركتها، ومضيت إلى القراح، فلما أفقت من الغد، عدت إلى المسجد، فوجدته ~~مفتوحا، ولم أر الخياط، ووجدت الرزمة بشدها في المحراب. # فقلت [72] ما أجهل هذا الخياط، ترك ثيابي وحدها، وخرج، ولم أشك في أنه قد ~~حملها بالليل إلى بيته، وردها في الغد إلى المسجد، انتظارا لي. # فجلست أفتحها، وأخرج شيئا شيئا، فإذا بالخياط. # فقلت له: كيف خليت «1» ثيابي؟ # فقال: أفقدت «2» منها شيئا؟ # قلت: لا. # فقال: ما سؤالك؟ # قلت: أحببت أن أعلم. # قال: تركتها البارحة في موضعها، ومضيت إلى بيتي. # فأقبلت أخاصمه، وهو يضحك. # وقال: أنتم قد تعودتم أخلاق الأرذال، ونشأتم في بلاد الكفر، التي فيها ~~السرق والخيانة، وهذا لا نعرفه هاهنا، لو بقيت ثيابك مكانها، إلى أن تبلى، ~~ما أخذها أحد غيرك، ولو مضيت إلى المشرق والمغرب، ثم عدت # PageV03P089 # لوجدتها مكانها، فإنا نحن، لا نعرف لصا، ولا فسادا، ولا شيئا مما عندكم، ~~ولكن، ربما لحقنا «1» في السنين الطويلة، شيء من هذا، فنعلم انه من جهة ~~غريب قد اجتاز بنا، فنركب وراءه، ولا يفوتنا، فندركه، فنقتله، إما نتأول ~~عليه بكفره، وسعيه في الأرض [73] بالفساد، أو نقطعه كما يقطع السراق عندنا ~~من المرافق، فلا نرى شيئا من هذا. # قال: وسألت عن سيرة أهل البلد، بعد ذلك، فإذا الأمر كما ذكره، وإذا هم لا ~~يغلقون أبوابهم بالليل، وليس لأكثرهم أبواب، إنما هي شرائج «2» ترد الكلاب ~~والوحوش. # PageV03P090 ### || 61 الأمير معز الدولة يطوف في قصور دار الخلافة # حدثني أبو الحسن، علي بن أحمد الحاجب، المعروف بابن الخراساني، وكان يحجب ~~معز الدولة، قال: ms318 # كنت مع معز الدولة «1» يوما في دار الخلافة «2» ، بحضرة المطيع لله «3» ، ~~فلما انفض الموكب «4» ، قال لي: قل له: إني أريد أن أطوف في الدار، فأراها ~~وأشاهد بساتينها، وصحونها، فيأمر من يطيفني فيها. # قال: فقلت ذلك للخليفة، بالعربية. # فأمر الخليفة، شاهك خادمه، وابن أبي عمرو «5» حاجبه، أن يطيفاه فيها. # فلما مشيا بين يديه، وأنا وراءهما أمشي، وبعدنا عن حضرة الخليفة، وقفا، ~~فقالا: أيها الأمير إنه لا يصلح أن تطوف الدار، إلا ومعك نفسان، # PageV03P091 # أو ثلاثة، أو نحو هذا [74] ، فاختر لنفسك من تريد، ورد أصحابك. # قال: فأخذ الصيمري كاتبه «1» ، معه، ونحو عشرة غلمان، من حجابه، وغلمانه، ~~وترك باقي غلمانه، وجيشه، في صحن السلام. # فتوقفت أشد منطقتي، فسبقني، ودخل مع شاهك، وابن أبي عمرو، ولم ينتظروني، ~~وأسرع في مشيه. # فشددت منطقتي ولحقته، وجذبت ثيابه من ورائه، فالتفت، فقلت بالفارسية: في ~~أي موضع أنت؟ ما لك تعدو على وجهك؟ وليس تعلم انك في دار قد قتلت ألف أمير ~~ووزير، أيش كان غرضك في طوف هذه الدار وحدك؟ ما كان يؤمنك، لو وقف لنا عشرة ~~من الخدم، أو عشرون نفسا، في هذا الممر الضيق، فنقتل. # قال: فكنت أكلمه بالفارسية، وأصحاب الخليفة لا يفهمون. # فقال له الصيمري، بالفارسية: قد صدقك. # فقال لنا: إن أنا رجعت الساعة، علموا أني قد فزعت، فضعفت هيبتي في ~~نفوسهم، ونظروا إلي بعين جبان، ولكن التفوا حولي، فإن مائة من هؤلاء، لا ~~يقاومونا [75] ، ولا صاحبهم يجسر أيضا، على الحيلة علي. # وتسرع في مشيه، حتى اننا لم نثبت ما شاهدناه، حق تثبيته. # حتى انتهينا إلى دار فيها صنم من صفر، على صورة امرأة، وبين يديها أصنام ~~صغار، على صور الوصائف، فما رأينا شيئا قط، أحسن من ذلك، وخاصة المرأة. # قال: فتحير معز الدولة، وسأل عن ذلك، وقالوا: هذا صنم يقال # PageV03P092 # له: شغل، حمل إلى المقتدر من بلد من بلدان الهند، وكان يعبده أهل ذلك ~~البلد، ففتحه صاحب عمان، وملكه، وحمل الصنم. # فقال معز الدولة: قد والله عشقت هذا الصنم، لحسنه، ولو كان جارية، ms319 مع ~~زهدي في الجواري، لاشتريتها بمائة ألف دينار، وأريد أطلبه من الخليفة، ~~ليكون قريبا مني، فأراه في كل وقت. # فقال له الصيمري: لا تفعل، فإنك تنسب في ذلك، إلى أخلاق الصبيان. # قال: وأسرعنا الطوف، والخروج، فما عقلنا، ولا رجعت نفوسنا إلينا، حتى صار ~~مع عسكره، وغلمانه [76] . # فلما نزل إلى طياره، التفت إلى الصيمري، وقال: يا أبا جعفر، قد زادت ~~محبتي للخليفة، لأنه لو كان يضمر لي سوءا، وكان فيه شر، لكان قد قتلني ~~اليوم بأسهل حيلة. # فقال له الصيمري: الأمر كذلك، فاحمد الله. # قال: فلما رجع إلى داره، أمر أن يحمل إلى نقيب الطالبيين عشرة آلاف درهم، ~~ليفرقها فيهم، شكرا لله عز وجل، على سلامته. # ففرقت، ولم يعرفوا سبب ذلك. # PageV03P093 ### || 62 أجر الطبيب عن سقي دهن الخروع # حدثني أبو محمد عبد الله بن داسه «1» ، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن ~~الحسن بن المثنى «2» ، قال: حدثنا أبي، قال: # كان في بني منقر، بالبصرة، طبيب يختلف إلى عيسى بن أبان القاضي «3» ، ~~أيام مقامه بالبصرة، يسقيه في كل سنة، دهن الخروع «4» ، أياما متوالية من ~~كل سنة، فإذا فرغ، وقع له إلى وكيله بمائتي درهم. # قال: فغلط سنة من السنين، فوقع له بمائتي دينار. # فلما عرض الطبيب الرقعة على الوكيل، استراب بها، وقال: حتى أستأذنه. # وجاء إليه فأراه التوقيع [77] ، فقال: ما أردت هذا، ما أردت إلا المائتي ~~درهم التي هي رسمه، ولكن هذا شيء أجراه الله على يدي، لا أرجع عنه، أعطه ~~إياه. # فأعطاه. # PageV03P094 ### || 63 ابن الوزير علي بن عيسى يمنع والديه من الاجتماع # وحدثني أبو محمد «1» ، قال: حدثني أبو سهل بن زياد القطان «2» ، قال: # كان علي بن عيسى «3» ، يدخل في كل أسبوع، يوما، إلى زوجته، والدة أبي ~~القاسم، ابنه. # وكان أبو القاسم «4» ، قد نشأ وترجل «5» . # فلما كان يوم النوبة، أدخل أبو القاسم أمه إلى حجرة، وقفلها عليها، وأخذ ~~المفتاح. # فوافى علي بن عيسى، فأنكر قفلها. # فقال له الجواري: إن أبا القاسم ابنه، فعل ذلك. # فاستحيا، وعرف غرضه، فلم يدخل إلى أمه بعد ذلك، ms320 إلا لعيادة، أو حال ~~ظاهرة. # PageV03P095 ### || 64 الوزير أبو علي بن مقلة يثني على القاضي أبي عمر # وحدثني «1» ، قال: حدثني أبو الفرج منصور بن القاسم القنائي الكاتب، قال: # دخل أبو عمر القاضي «2» ، على أبي علي بن مقلة «3» ، وهو وزير، وعلي ابن ~~عيسى «4» عنده جالس، فرفع أبا عمر عليه، فامتنع، فرفعه ثانية، فامتنع، وجلس ~~دون أبي الحسن. # فانصرف، فراسله [78] إلى طياره، واستدعى ابنه أبا الحسين «5» ، فجاء ~~إليه، فقال: تقول لأبي عمر، إني ما رفعتك على علي بن عيسى، لتخالف أمري، ~~وتمتنع من ذلك. وتجلس دونه. # فعاد إليه أبو الحسين، فقال له ما جرى. # فقال له: ارجع إليه، وقل له: هذا رجل رأس علي، ثم أدال «6» الزمان منه، ~~فكرهت أن أرتفع عليه، فيتصورني الوزير، بصورة من يرتفع على رؤسائه، وما ~~فعلت ذلك، إلا لك، وإعظاما للرياسات. # فعاد أبو الحسين، إلى ابن مقلة، وأعاد عليه ذلك. # فقال: قل له: أحسن الله جزاءك، فمنك يتعلم العقل. # PageV03P096 ### || 65 الخليفة المعتضد يبحث عن حجة لقتل وزيره # حدثنا أبو محمد «1» ، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن ~~نصرويه، عن شيوخه. # إن المعتضد «2» ، لما قبض على إسماعيل بن بلبل «3» ، أحضر إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي «4» ، وقال له: بلغني أنك تعلم أن إسماعيل بن بلبل، زنديق، ~~فما تقول في قتله؟ # فقال: ما أقول في رجل تكنى، وسمي أبوه بالطيور «5» . # فعلم المعتضد أنه يدافع، فقال ليوسف القاضي «6» : هل عندك من أمره شيء؟ # فقال: نعم. أمرني الموفق «7» بالنفقة على [79] الموسم «8» ، وتقدم إلى ~~إسماعيل، أن يعطيني المال، فكنت ألزم مجلسه، أطالبه بذلك. # 7 ن 3 # PageV03P097 # فلزمته يوما من الغداة إلى المغرب، ما رأيته صلى، ولا نهض من موضعه. # ثم لزمته أياما متتابعة، وكان هذا حكمه، فقلت لعله يقضيها ليلا. # فقال لي في آخر يوم: بت عندي الليلة لأعطيك المال، وجلس يتحدث، وأنا بين ~~يديه، إلى أن نعس، فأراد إكرامي، فأمرني بالنوم بحضرته، فنمت، وما رأيته ~~خلال ذلك صلى. # فقال له المعتضد: انصرف، فقد أخبرتني بما أردته منك. # وقتله «1» . # PageV03P098 ### || 66 عمرو بن الليث ms321 الصفار يعاقب واحدا من حرسه # حدثنا [80] أبو محمد «1» ، قال: حدثنا أبو الحسن بن أبي نصر، أن ابن أبي ~~الوليد بن أبي عبد الله بن ابي دؤاد، قال: حدثني أبي «2» : # أن عمرو بن الليث «3» ، كان له بيت ينام فيه، ويحرسه غلمان له ليلا، ~~فانتبه ليلة، فوجد بعض الغلمان، قد استند إلى الحائط، ونام قائما، فجعل ~~مرفقه، على صماخه «4» ، وغمز عليه، حتى قتله. # فما رؤي في داره، نائما، ممن كان يحرسه، بعد ذلك. # PageV03P099 ### || 67 حميد الطوسي يأمر بقتل الطباخ لأنه لم ينضج دجاجة # حدثنا أبو محمد، قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى، قال: ~~حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: قال ابن عياش «1» : # كنت آكل مع حميد الطوسي «2» ، فضربت يدي إلى دجاجة مشوية، ثم رغبت عنها ~~شبعا، فلم أكسرها، وانقضى الطعام، وغسلت يدي، وخرجت، فإذا بضوضاء في ~~الدهليز، وإذا برجل يبكي. # فقام إلي، وقال: يا رجل، أحي نفسا، كنت أنت سبب قتلها. # فقلت: ما الخبر؟ # فقال: أنا طباخ حميد، وإنك مسست دجاجة، ثم لم تكسرها، فقدر حميد أنني ~~شويتها، ولم أنضجها، فأمر بقتلي. # فعدت إلى حميد، فحين رآني، قال: والله لا شفعتك في الطباخ. # قلت: يسمع الأمير ما أقوله، ويعمل ما يراه، قال: قل. # فحلفت بالأيمان المغلظة، إن الدجاجة كانت نضيجة، وإنما رغبت عنها، لأن ~~الشبع صدني، ثم اتبعت المسألة في أمر الطباخ. # فقال: أهب لك ذنبه، على أن لا يدخل داري، إننا قد أيسنا من الآخرة، وإنما ~~هي الدنيا، فلا نحتمل، والله، لأحد، تنغيصها علينا [81] . # PageV03P100 ### || 68 إسحاق المصعبي تحركه رقاع أصحاب الأرباع في بغداد # وحدثني «1» ، قال: حدثني أبو يحيى بن مكرم، القاضي البغدادي «2» ، قال: ~~حدثني أبي، قال: # كان في جواري شيخ يعرف بأبي عبيدة، حسن الأدب، كثير الرواية للأخبار، ~~وكان ينادم إسحاق بن إبراهيم المصعبي «3» . # فحدثني: إن إسحاق استدعاه ذات ليلة، في نصف الليل، بعدة رسل. # قال: فهالني ذلك، وأوحشني، لما أعرفه من زعارة أخلاقه، وشدة إسراعه إلى ~~القتل، وخفت أن يكون قد نقم علي شيئا في العشرة، أو ms322 بلغه عني باطل، فأحفظه ~~«4» ، فيقتلني. # فخرجت طائر العقل، حتى أتيت داره. # فأدخلت من دار إلى أخرى، إلى أن أدخلت دار الحرم، فاشتد جزعي، ثم أدخلت ~~إلى حجرة لطيفة، فسمعت في دهليزها، بكاء امرأة، متخافتا، وهو جالس على ~~كرسي، وبين يديه سيف مسلول. # PageV03P101 # فذهب علي أمري، وسلمت، ووقفت. # فقال: اجلس يا أبا عبيدة، فسكن روعى، وجلست. # فرمى إلي قصصا «1» ، فإذا هي رقاع أصحاب الشرط في الأرباع «2» ، يخبر كل ~~[82] واحد منهم، بخبر يومه، وفي أكثرها، كبسات وقعت، بنساء من بنات ~~الوزراء، والرؤساء من الكتاب، وبنات القواد والأمراء، مع رجال على ريب، ~~وإنهن محصلات في الحبوس، ويستأذن في أمرهن. # فقلت: قد وقفت على هذه الرقاع، فما يأمرني الأمير؟ # فقال: إن هؤلاء، كلهن، أجل آباء مني، وأكثر حسبا ومالا، وقد أفضى بهن ~~الدهر، إلى ما قد رأيت، وقد وقع لي أن بناتي سيبلغن إلى هذا، وقد جمعتهن- ~~وهن خمس- بالقرب من هذا الموضع، لأقتلهن كلهن الساعة، وأستريح، فماذا ترى ~~في هذا؟. # فقلت: أيها الأمير، إن آباء هؤلاء المحبسات، أخطأوا في تدبير هن، لأنهم ~~خلفوا عليهن النعم، ولم يحفظوهن بالأزواج، فخلون بأنفسهن، ففسدن، ولو كانوا ~~علقوهن على الأكفاء، ما جرى هذا منهن. # والذي أراه، أن تستدعي فلانا، القائد، فله خمسة بنين، كلهم جميل الوجه ~~حسن النشوة «3» ، فتزوج كل واحدة منهن، بواحد، فتكفى العار، والنار. # فقال [83] أحسنت يا أبا عبيدة، أنفذوا الساعة إليه، وافرغ لي من هذا. # قال: فراسلت الرجل، فما طلع الفجر، حتى حضر وأولاده، # PageV03P102 # وعقدت النكاح لهم، على بنات إسحاق، في خطبة واحدة، وحمل إسحاق بين يدي كل ~~واحدة، خمسة آلاف دينار، عينا، وشيئا كثيرا من الطيب، والثياب، والدواب، ~~والبغال، والغلمان. # فأعطاني كل واحد من الأزواج شيئا مما وصل إليه، وأنفذ لي أمهات الأولاد، ~~هدايا في الحال، وشكرنني على تخليص بناتهن، وانقلبت الحال إلى السرور. # فخرجت، وقد حصل لي ثلاثة آلاف دينار عينا، وشيء كثير، من الطيب والثياب ~~«1» . # PageV03P103 ### || 69 شغف المتوكل بالعود الهندي # حدثني الحسين بن محمد الجبائي، قال: حدثني أبو القاسم عمرو ابن زيد ~~البزاز ms323 الشيرازي، المقيم ببغداد، قال: حدثني ابن حمدون «1» النديم، عن ~~آبائه، ان أحدهم أخبره: # إن المتوكل «2» ، كان مشغوفا بالعود الهندي «3» ، فشكا إليه ذات ليلة، ~~إعوازه، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين [84] ، الملوك لا تستقبح أن تستهدى ~~من الملوك، طرائف ما في بلادها، فلو أنفذت إلى ملك الهند، هدية حسنة، ~~واستهديت منه عودا هنديا، ما كان ذاك عيبا. # قال: فتكون أنت الرسول. # فأبيت. # فألزمني، إلى أن أجبت، فتمنيت أني لم أكن أشرت عليه بالرأي، وإن كان ~~صحيحا، لأجبر على الخطر بالنفس، وقلت في نفسي: قد كان يسعني السكوت. # وأعد المتوكل الهدايا، وتأهبت للخروج، ووصيت، لإيآسي من الرجوع. # فلما أجد بي الخروج، قلت: ليس إلا أن أحمل معي شرابا كثيرا، فإذا اشتدت ~~الأمواج، شربت، وسكرت، ولا أعقل إن غرقت، ولا أحس بعظم الأمواج، مع السكر. # PageV03P104 # فاستكثرت من الشراب القطربلي «1» والغناء الحسن «2» ، والتفاح الشامي، ~~وجعلت بعضه في العسل، ليبقى. # وخرجت، فأقمت بالبحر شهورا، وعانيت أهوالا عظيمة، إلى أن وصلت إلى الساحل ~~من بلد الهند، فأركبت الظهر، وسرت من بلد إلى آخر، إلى أن دخلت بلهوار «3» ~~، دار «4» الملك [85] الأعظم من ملوك الهند، وهو اسم الملك الأعظم هنالك. # فوصلت إلى البلد، مع أصحابه، وقد تلقيت، وأكرمت، وخدمت، وأنزلت دارا ~~حسنة، من دورهم. # ثم جلس مجلسا عاما، فدخلت إليه، وهو في حفله، وتأهبه، وجيشه، ورعيته، وقد ~~جلس على سرير ملكه، وعليه مئزران حرير صيني، وقد اتشح بأحدهما «5» ، واتزر ~~بالآخر «6» ، وفي حلقه خيط فيه صرة من ذلك الحرير «7» ، لا أدري ما فيها. # وكلمني بترجمانه، وقال: يقول لك الملك، لأي شيء قصدت؟ # فقلت له: إن أمير المؤمنين أحب صلة الحال والمودة بينه وبينه، فبعثني ~~لذلك، وحمل على يدي هداياه، وسألت أن يأمر بتسلمها. # PageV03P105 # فأعاد الترجمان عنه، جوابا حسنا جميلا، وإنه أمر بقبض الهدية، وانصرفت، ~~ورسله معي، فتسلمها. # وترددت إلى المجالس العامة، دفعات. # فلما كان بعد أيام، استدعاني في نصف نهار، وكان الزمان حارا، فدخلت دار ~~العامة التي كنت أصل إليه [86] فيها، فلم أجد فيها كثير أحد، فأدخلت من ~~موضع ms324 إلى آخر، حتى أدخلت إليه، وهو جالس في حجرة في غاية الحسن، والسرو، ~~والظرف، والملاحة، وفاخر الآلات، كأنها من حجر دار الخلافة، ودست طبري «1» ~~في نهاية الحسن، والملك جالس فيه، وعليه قميص قصب «2» في نهاية الخفة ~~والحسن، وسراويل دبيقي «3» ، بتقطيع بغدادي «4» ، وعلى مسورته «5» رداء قصب ~~«6» فاخر جدا، وبين يديه آلات ذهب، وفضة، وصياغات كثيرة عراقية، كلها حسنة، ~~مملوءة بالكافور «7» والماورد، والعنبر «8» ، والند «9» ، والتماثيل «10» . # PageV03P106 # فلما دخلت، كلمني بالعربية، بلسان طلق ذلق، وقال: كيف أنت من قشف «1» ~~بلادنا؟ # فشكرت إنعامه، وقرظت بلاده، وذكرت له أني في ريف «2» من تفقده، وبره. # فباسطني، وطاولني «3» ، واستطاب حديثي، وأفضت معه في فنون من الأمور، حتى ~~تكامل انبساطه إلي. # وتأملت أمره كله، فإذا رجل عراقي، متأدب. # فسقاني من شراب بين يديه [87] ، أصفر، في قدح، في صينية، وقال: اشرب هذا، ~~وقل لي، هل عندكم مثله؟ # فقبلت يده، وقبلت القدح، وشربته، وقلت: هذا، في نهاية الطيب والحسن ~~والجودة. # فقال: أصدقني، هل عندكم مثله؟ # فوصفت له الشراب القطربلي، وذكرت منافعه، وفضائله، وطيبه، وزدت في الوصف، ~~وبسطته، فرأيت في عينه، استبعادا لقولي. # فقلت له: إني كنت استصحبت منه شيئا في طريقي، وقد فضل منه فضلة، لا ~~أرضاها لحضرة الملك، ولكن إن أمر بإحضارها، ليعتبر بها صحة ما ذكرته له، ~~أحضرتها. # فقال: افعل. # PageV03P107 # فقلت لغلامي: احمل كلما بقي عندنا من الشراب، فجاء الغلام بأدن «1» ~~يسيرة. # وقلت له: أن يحمل شيئا من التفاح الشامي. # فحمل مما كان في العسل، عدة تفاحات، ومسحها من العسل، وكان في بعضه قد ~~بقيت منه بقية صالحة. # فلما وضعت الدنان بين يديه، أمرت غلامي، ببزلها في قدح [88] ، وشربت منه ~~أولا، ثم دفع إليه، فاستحسن ذلك. # ثم أخذ التفاح، فلما رأى لونه، رأى شيئا غير ما عنده، وشمه، فكاد أن يشهق ~~استطابة، وشربه، وتقدح «2» بشيء من التفاح، وقد كنت كسرت واحدة، وأكلت ~~نصفها في حال شربه، وتركت النصف الآخر بين يديه «3» ، فتنقل به، ومسح فاه. # ثم قال لي: ما ظننت أن في الدنيا مثل هذا الشراب، ولا مثل هذا ms325 # PageV03P108 # النقل، ولقد بعد في نفسي ما أخبرتني به، فلما شاهدته صدقتك، وعظم في نفسي ~~بلد يكون مثل هذا فيه مبتذلا، ولم أصدق ذلك لو لم أشاهده. # ثم قال لي: ويحك، تشربون مثل هذا، وتتنقلون بمثل هذا، وتموتون؟ # إن هذا لأمر عجيب. # ثم صار يستدعيني، كل يوم، إلى تلك الحجرة، فآكل معه، ونشرب، ويخرج إلي ~~بالأحاديث. # فلما أنست به، قلت له: أيها الملك، أتأذن لي، أن أسأل عن شيء؟ # قال: قل. # قلت: إن الله عز وجل، قد جمع لك من [89] الملك العظيم، أنك جالس في هذه ~~الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق، بلا فرق ولا شك، وقد أعطاك من حسن ~~الرأي والفهم، واللسان العربي، ما جعلك به، كأنك رجل من أهل بغداد، فمن أين ~~لك هذا؟ # فقال: ويحك، إن أبي كان من أولاد الملوك، وقتل أبوه، وانتزى على ملكه بعض ~~قواده، ثم خرج عليه، ولم يكن من أهل بيت الملك، فهرب أبي خوفا على دمه، إلى ~~عمان، فدخلها مستخفيا، وتنقل في البلدان، إلى أن وقع ببغداد، في زي التجار، ~~ومعه من يخدمه، ويكتم أمره، وطاف بلدان العراق، وكانت المادة تحمل إليه من ~~هاهنا. # فأقام بالعراق سنين، حتى تفصح بالعربية، وعاشر أهل العراق، ونكح منهم، ~~وخالطهم، وتطاولت السنون به، ومات ذلك الخارجي، الذي قتل أباه، وغصبه ~~الملك، فأوقف أهل المملكة الملك عليه، وكاتبوه بالصورة، واستقدموه، وأمدوه ~~بالأموال، فاستصحب قوما من [90] العراقيين، من أهل الأدب والعشرة، وأهل ~~الصنائع، فقدم، فملك الأمر، وجعل غرضه، # PageV03P109 # طلب العراقيين، وأسنى لهم العطايا، فكثروا عنده، فبنوا له هذه الحجرة، ~~وخدموه بهذه الآلات. # فكان يجلس لأهل المملكة في زيهم، لئلا يشيع عليه مخالفتهم في الزي، وينقص ~~بين ملوكهم، فيهون أمره عندهم، ويجلس في خلواته هكذا. # فلما ولدت، أسلمني إلى العراقيين، والهنديين، فكلموني باللغتين، فنشأت ~~أتكلم بهما، ثم أدبني العراقيون، وغلبوا علي. # فلما مات، سلم الملك إلي، فاتبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة ~~بزيهم، والانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزي. # قال: فقلت له: فما ذلك الذي تعلقه في ms326 حلقك في الصرة؟ # فقال: هذه الصرة، فيها عظم من عظام الرجل الذي جاء بعبادة البد» # وأقام هذه الشريعة لهم، وله كذا وكذا ألف سنة، وذكر عشرات ألوف سنين. # وقال: إن [91] الرجل، لما مات، وصى، بأن يجعل في تابوت، بعد تابوت، كذا ~~وكذا ألف سنة، فما يزال، كلما بلي شيء من عظامه، احتفظوا بالباقي، ونحوا ~~البالي، لئلا يسرع الفساد إلى الصحيح، إلى أن لم يبق منه إلا هذا العظم ~~الواحد، فخافوا أن يبلى أيضا، فجعلوه في حق من ذهب، وجعلوهما في صرة، وصارت ~~الملوك تعلقه في حلوقها، في خيط، تعظيما، وتبركا به، وتشرفا بمكانه، وصيانة ~~له عن البلى، فقد علق في حلق كذا وكذا ملك، مدة أيام ملكهم كذا وكذا سنة، ~~وذكر أمرا عظيما، وقد صار عندنا كالبردة التي لصاحبكم «2» ، يلبسها ~~خلفاؤكم. # قال: فلما طال مقامي، وضجرت، سألته الإذن في تسريحي، وأعلمته # PageV03P110 # إعجاب الخليفة، بالعود الهندي، وأشرت عليه بالاستكثار منه، وقلت: # هو أحب إليه من جميع ما تهديه إليه، من غيره. # فأنفذ منه شيئا عظيما، هائلا، كثيرا، وفيه من [92] الطرائف ما لم يسمع ~~بمثله. # وأنفذ معه من الجواهر، واليواقيت، والتوتيا، وطرائف بلاده، ما يكون قيمته ~~مالا جليلا، وأضعاف ما حملناه إليه. # فلما أردت توديعه، قال: اصبر، ثم دعا بصندوق، ففتحه، وأخرج منه مفتاح ~~ذهب، وأخرج منه قطع عود هندي لطافا، فأعطانيها، وقد كان قد «1» ما أعطانيه ~~نصف رطل، ودعا بدرج، وجعله فيه، وقفله، وسلمه ومفتاحه إلي، وقال: هذا خاصة، ~~توصله من يدك إلى يده. # قال: فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: أبت الهندية فيه إلا الحمق. # قال: فبان له التنكر في وجهي. فقال: أظنك احتقرته؟ فقلت: # وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا. # فقلت: الملك يقول. # فقال: يا غلام، هات مجمرة، ونارا. # فأتى بهما، ودعا بمنديل لطيف للكم «2» ، فأتى به، وأخرج من ذلك العود ~~شظية، مقدار أقل من نصف دانق فضة «3» ، فطرحها في النار، وبخر بها المنديل، ~~ثم قال: شم. # PageV03P111 # فشممت شيئا، لم أدر ما [93] هو، لا يشبه الند، ولا العود، ولا ms327 شيئا طيبا ~~نتبخر به، ما شممت مثله قط. # فقلت: يحق لهذا أن يوصيني به الملك بما وصى. # فقال: اصبر، حتى أريك منه أعجب مما رأيت. # ودعى بطشت وماء، فأحضرهما، وأمر بغسل المنديل بالصابون، فغسل بين يديه، ~~ثم أمر بأن يجفف في الشمس، ويحضر. # قال: ففعل. # ثم قال: شمه. # فشممت الرائحة بعينها، لم تتغير، ولا نقصت. # فأعاد الغسل بالصابون، والتجفيف، دفعات تقارب العشرة، إلى أن انقطعت ~~الرائحة في الأخيرة. # فهالني ذلك. # فقال: اعرف الآن قدر ما معك، واعلم أنه ليس في خزائن ملوك الهند كلها، من ~~هذا، رطل واحد، غير ما أعطيتك، وعرف صاحبك فضيلته. # قال: فودعته، وانصرفت. # ورزق الله السلامة، ودخلت على المتوكل، فسر بقدومي، وأكرمني، وسلمت إليه ~~الهدايا، فحسن موقعها منه، وأعدت عليه أكثر حديثي مع الملك، إلى أن بلغت ~~خبر النصف رطل عود، وأخرجته، فسلمته إليه، ولم أشرح [94] له خبر الخرقة. ~~فاستحمق الرجل، كما استحمقته، فقصصت عليه الشرح، وأخرجت المجمرة، والنار، ~~وخرقة، وفعلت كما فعل الملك، فهاله ذلك، أمرا عظيما، وسر به سرورا شديدا، ~~وقال: هذا النصف رطل بسفرتك. # PageV03P112 # قال الحسين: فقال لي عمرو بن زيد: استبعدت أمر هذا العود، إلى أن حدثني ~~بعض التجار الثقات، المشهورين بدخول الهند دفعات، بحديث هذا العود، ووصفه ~~لي، فخرج الحديثان واحدا على اتفاق. # فقلت: هل سمعت من سبب قلته؟ # فقال: سألتهم عن سبب ذلك، فقالوا: ليس ينبت إلا في موضع واحد، في قلة ~~جبل، بيننا وبينه مشاق، وغرر «1» ، وأخطار، ووحوش ضارية كثيرة، فالملوك ~~تتكلف إنفاق الأموال العظيمة، على مرور الأيام، والشهور، والأعوام، حتى يصل ~~أصحابهم إلى ذلك الجبل، ويصعدون منه إلى حيث يمكن، فيبلغون إلى حيث لا طريق ~~فيه، ولا حيلة، ويرون تيوسا، كالتيوس الجبلية التي هاهنا، ترعى في [95] تلك ~~الأشجار من بعد، فربما اتفق أن يروا الواحد، وهو في الذروة، وفي فيه قطعة ~~من هذا العود يأكله، فيرمونه بالسهام، فإذا اتفق أن يصيبه السهم، فيسقط ~~التيس إليهم بحمية السهم، وفي فمه ذلك العود، فيتناولوه من فيه، وإلا فلا ~~سبيل إلى ms328 الحصول على شيء من العود البتة. # ففي سنين طوال، تتفق هذه القطعة اليسيرة، بعد المشقة العظيمة، على مراصدة ~~الرجال بذلك. # فبهذا السبيل يقل. # PageV03P113 ### || 70 الكاتب بشر بن هارون النصراني يهجو وزيرا # [أنشدنا] أبو علي عبد الله بن الحجاج، لأبي نصر النصراني، الكاتب «1» ، ~~يهجو أبا الفضل الشيرازي «2» - الوزير كان- من أبيات: # ما كل من طول عثنونه ... ينال فضلا يا أبا الفضل # طولت عثنونك تبغي العلى ... أي على في ذنب البغل # ولست أحصي كم رأيت امرأ ... ألحى ولكن كوسج العقل «3» # PageV03P114 ### || 71 رأي الوزير ابن الفرات في سياسة المملكة # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري «1» ، الشاهد، قال: # حدثنا الحسين بن فلان، الكاتب [96] ، النصراني، الملقب ببظر أم الدنيا ~~«2» ، قال: قال لي ابن الفرات: # أول أمور السلطان مخرقة «3» ، فإذا استحكمت، وتمت، صارت سياسة «4» . # PageV03P115 ### || 72 الخليفة لا يخاتل # وحدثنا «1» : قال: حدثنا قاضي القضاة أبو محمد بن معروف «2» ، قال: # كنت مع المطيع لله «3» ، في طياره، وقد ركب، وأنا واقف بين يديه، مع ~~حاجبه، وكلما دعت له طائفة، سألني عنها، فأخبره بها، حتى دعت له طائفة من ~~الطالبيين. # فقال: من هؤلاء؟ # فقلت: الطالبيون «4» . # فأعرض عنهم، وأطرق ساعة، وعبس، إلى أن جازهم. # ثم قال: يا عبيد الله «5» . # قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. # قال: العلوية أهلي، وأقرب الناس إلي، وو الله إني أحبهم، ولكني أعلم، ~~انهم يبغضوني، ومثلي لا يخاتل، ولا يجوز أن أعاملهم إلا بما رأيت «6» . # PageV03P116 ### || 73 علم الخرق وعلم الورق # وسمعته «1» يقول: سمعت جعفر الخلدي الصوفي «2» ، يقول: لو تركني الصوفية، ~~لجئتكم بإسناد الدنيا. # مضيت إلى عباس الدوري «3» ، وأنا حدث، فكتبت عنه مجلسا [97] واحدا، وخرجت ~~من عنده، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية، فقال: أيش هذا معك؟ فأريته ~~إياه. # فقال: ويحك، تدع علم الخرق، وتأخذ علم الورق «4» . # قال: ثم خرق الأوراق. # ودخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى عباس. # PageV03P117 ### || 74 المواساة بخل، إنما هو الإيثار # وسمعته «1» يقول: سمعت جعفرا «2» يقول: سمعت جنيدا الصوفي «3» ، يقول: ~~سمعت سري السقطي الصوفي «4» ، يقول: # أعرف قوما يرون المواساة بخلا، إنما هو ms329 الإيثار «5» . # PageV03P118 ### || 75 الجنيد والسائل # وسمعته «1» يقول: سمعت جعفر الخلدي «2» ، يقول: # وقف سائل على الجنيد «3» ، ونحن في حلقته، فسأله. # فرد عليه، فقال: يا هذا، الصناعة واحدة، ولكنا أظرف، انصرف أغناك الله. # فانصرف. ### || 76 جعفر الخلدي يحج على التوكل # وسمعته «4» يقول: سمعت جعفرا الخلدي يقول: # حججت ستا وخمسين حجة «5» ، منها عشرون حجة على المذهب، يعني على التوكل ~~بلا زاد ولا راحلة «6» . # PageV03P119 ### || 77 كتم رويم حب الدنيا أربعين سنة # وسمعته يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: # من أراد أن يستكتم سرا له، فليستكتم [98] رويم «1» ، فإنه كتم حب الدنيا ~~أربعين سنة. # فقيل له: كيف؟ # قال: كان يتصوف أربعين سنة، فولي بعد ذلك، إسماعيل بن إسحاق القاضي «2» ، ~~قضاء بغداد، وكانت بينهما مودة وكيدة، فجذبه إليه، وجعله وكيلا على بابه، ~~فترك الصوفية، والتصوف «3» ، والتوكل «4» ، ولبس الخز «5» ، والقصب «6» ، ~~والدبيقي «7» ، والمروي «8» ، وركب الحمير والبغال، وأكل الطيبات، وبنى ~~الدور. # وإذا هو كان يكتم حب الدنيا، لما لم يجدها، فلما وجدها، أظهر ما كان يكتم ~~من حبها. # PageV03P120 ### || 78 البريء جريء والحائن خائف # وسمعته «1» يقول: سمعت أبا القاسم البزاز الصوفي «2» يقول: سمعت الجنيد ~~يقول: قال لنا السري السقطي: # البريء جريء، والخائن خائف، والجاني مستوحش «3» . # ومن الشعر الجيد في هذا المعنى: # أمستوحش أنت لما أسأت ... فأحسن إذا شئت واستأنس # PageV03P121 ### || 79 الجاهل ميت، والعاصي سكران # حدثنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، القاضي «1» ، قال ~~حدثنا أبو القاسم البزاز «2» ، قال: حدثني بعض أصحاب سهل بن عبد الله ~~التستري الزاهد «3» ، قال: قال لنا سهل: # الجاهل ميت، والعاصي سكران، والمصر [99] هالك «4» . # PageV03P122 ### || 80 كن صحيحا تكن فصيحا # من «1» أمثال العامة: كن صحيحا، تكن «2» فصيحا. # ومن أمثالهم في هذا المعنى: إذا كان بولك صحيحا، فاضرب به وجه الطبيب. # أي إذا كنت سليما، فلا تبال ما صنعت. ### || 81 حسن الأدب بين يدي الله # سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري «3» ، يقول: سمعت جعفرا الخلدي ~~«4» ، يقول: سمعت جنيدا «5» ، يقول: سمعت سريا السقطي «6» ، يقول: # الناس في الأعمال يتقاربون، وإنما قارب من قارب «7» ، بحسن الأدب «8» بين ~~يدي الله تعالى. # PageV03P123 ### || 82 ms330 ابن نصرويه يشاور شابا # وحدثني «1» ، قال: # كان أبو الحسين بن نصرويه «2» ، ربما شاورني في الشيء يجري، فأستعظم ذلك ~~منه، وأقول: مثلك وأنت الشيخ المجرب، المحنك، المدرب، المهذب، يشاور مثلي، ~~وأنا ولدك، هذا مما يوحشني منك، ويقع لي أنك تجريه مجرى الهزل. # فيقول لي: قد رفعك الله عن هذا، وإنما كان [100] هذا يجري كما قلت، لو ~~كنت لا أناقضك الرأي، وتناقضني، وأحاجك وتحاجني، إلى أن يتقرر الشيء بيننا، ~~فأعمل بما يتقرر، فأما وأنت تراني أفعل هذا، فلا مظنة فيه، وأمثل ما عندك ~~في نفسي أنك شاب، ولعمري إن علم الشباب محقور. # PageV03P124 ### || 83 الوزير المهلبي ينعى على أبي تمام الزينبي نقص مروءته # وحدثني، قال: سمعت أبا الحسين بن نصرويه يقول: # وافى أبو محمد المهلبي «1» ، لما كتب لمعز الدولة «2» ، البصرة «3» ، ~~فاعتقل القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشمي «4» ، ليغض منه، ~~ويشفي أبا تمام الزينبي الهاشمي، لأجل ما كان بينهما من المصاهرة، وعداوته ~~لابن عبد الواحد، ولم يكن بين ابن عبد الواحد، والمهلبي، شيء يختص به من ~~عداوة. # فدخل أبو تمام إلى المهلبي مسلما، فلما خرج، قال المهلبي لغلمانه: # انظروا إلى أين بلغ؟. # فعادوا، وقالوا: قد خرج من الدهليز، وانصرف. # فقال: أقبض على مثل ابن عبد الواحد، لا لشيء إلا لأجله، ويدخل إلي، وهو ~~معتقل عندي، فلا يكون فيه من المروءة، ما يدخل إليه [101] ، ويعرض نفسه ~~عليه، ويتكفل بأمره، ويسألني فيه، ويكون سبب إطلاقه، ويسترقه بذلك؟ قم يا ~~أبا الحسين فخذ بيد ابن عبد الواحد إلى منزله، فقد أطلقته. # قال: فمضيت إلى ابن عبد الواحد، وهو في الحبس، فحدثته بما جرى، وجئت به ~~إلى المهلبي حتى شكره، وانصرف إلى منزله. # PageV03P125 ### || 84 الوزير المهلبي يفاضل بين ابن عبد الواحد والزينبي # وحدثني «1» ، قال: سمعت أبا الحسين بن نصرويه، يقول: # حضرت مجلس المهلبي، وقد دخل إليه جعفر بن عبد الواحد، فلقيه بوجه مقطب، ~~وقصر به، ثم جلس، وأخرج من كمه رقعة، فتأملت التثاقل والتكره في وجهه، ~~فقرأها، ووقع فيها، ثم أخرج أخرى، وأخرى، إلى أن عرض ms331 عليه عدة رقاع، فوقع، ~~وكلما وقع في واحدة، انبسط وجهه في وجه ابن عبد الواحد، إلى أن تكاملت ~~الرقاع. # ثم قام ابن عبد الواحد، ودخل أبو تمام الزينبي، فرفعه المهلبي، أتم رفعة، ~~واهتش له، وأقبل عليه بوجهه، فأخرج رقعة فعرضها عليه، فوقع له، وأخرج عدة ~~رقاع، وكان [102] كلما أخرج رقعة، ووقع فيها، ظهر في وجهه الكراهية ~~والتثاقل، إلى أن فرغ من الرقاع. فأخذها أبو تمام، وقام. # فأقبل المهلبي، وقال: يا أبا الحسين، شتان بين الرجلين، دخل إلي ابن عبد ~~الواحد فعملت على أن أقصيه، بما عاملته من قلة الرفع والتقرب، فعرض علي أول ~~رقعة، فاعتقدت قبل قراءتها أن أردها، فلما قرأتها، وجدتها لحاجة غيره، ~~فاستحييت أن يكون أكرم مني، وقد بذل جاهه لمن سأله سؤالي، مع ما يعلمه بما ~~له عندي، فما منعه ذلك أن يستميح بجاهه للسائل، وأبخل أنا بما أقدر عليه، ~~فيكون أكرم مني، فأنفت من ذلك، ووقعت له، ثم توالت رقاعه، فوجدت جميعها في ~~حوائج الناس، ما له # PageV03P126 # ولا لأحد ممن يخصه شيء منها، فوقعت في جميعها، ونفسي سمحة بذلك، وقد نبل ~~في عيني، وتذممت من رده. # وقد دخل هذا، فعاملته من الأكرام بما رأيت، لما بيني وبينه، فعرض رقاعه، ~~فوجدت أولها في شيء يخصه، فوقعت له، وكلما عرض رقعة تطلبت أن يكون [103] ~~فيها شيء لغيره، فأقضيه له «1» ، وأجعل له محمدة عليه، فما وجدت الجميع إلا ~~له، وفيما يخصه، فكرهت ذلك منه، وانحط من عيني، ولم أستحسن رده، لما بيننا، ~~فوقعت له، فكيف يمكنني أن أرفع ممن هذا سبيله، وأضع ممن ذلك سبيله. ### || 85 الغيبة فاكهة القراء # سمعت أبا إسحاق «2» ، يقول: سمعت جعفرا الخلدي «3» ، يقول: سمعت الجنيد ~~«4» ، يقول: سمعت السري السقطي «5» يقول: # فاكهة القراء الغيبة «6» . # PageV03P127 ### || 86 سري السقطي يشتهي أكلة # وسمعته «1» يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: # سمعت السري السقطي، يقول: # أشتهي منذ ثلاثين سنة، شهوة ما قدرت عليها. # فقيل له: ما هي؟ # قال: أشتهي آكل أكلة، لا يكون فيها لله عز وجل علي تبعة، ms332 ولا لمخلوق، فما ~~وجدت ذلك «2» . # PageV03P128 ### || 87 من مكارم أخلاق أبي عمر القاضي # وسمعت أبا إسحاق «1» ، يقول: سمعت بعض شهود الحضرة القدماء، يقول: # كنت بحضرة أبي عمر القاضي «2» ، وجماعة من شهوده، وخلفائه الذين يأنس ~~بهم، فأحضر ثوبا يمانيا «3» ، قيل له في ثمنه خمسون دينارا، فاستحسنه كل من ~~حضر [104] المجلس. # فقال: يا غلام، هات القلانسي، فجاء. # فقال: اقطع جميع هذا الثوب، قلانس، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا قلنسوة. # ثم التفت إلينا، وقال: إنكم استحسنتموه بأجمعكم، ولو استحسنه واحد، ~~لوهبته له، فلما اشتركتم في استحسانه، لم أجد طريقا، إلا أن يحصل لكل واحد ~~منكم، واحدة منها. # PageV03P129 ### || 88 تعليق المهلبي على كتاب القنائي الكاتب # حدثني أبو الحسين محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده الواسطي، قال: # كان أبو قرة، الحسين بن محمد القنائي الكاتب «1» ، قد كتب لأبي علي كتاب ~~ابن العباس الديلمي، المعروف بالكوسج، ضامن واسط، برسالة الوزير أبي محمد ~~المهلبي، ومشورته عليه بذلك، ثم استوحش منه، فاستتر منه، يومين، أو ثلاثة، ~~وراسله، فأمنه، وظهر، فكتب أبو قرة، إلى المهلبي، بخبره، بعد ظهوره، بسبب ~~استتاره، لئلا يهجن أخباره عند أبي علي. # قال: فوقع بخطه على ظهر الكتاب، توقيعا قرأته، فكان: # أحسن الله إليك، كما أحسن توفيقك، فلتسكن [105] نفسك، فإني عونك، ومن ~~ورائك، إن شاء الله. # PageV03P130 ### || 89 الوزير المهلبي يستولي على غلات بالبصرة دون رضى أصحابها # وحدثني «1» أيضا، قال: # كان المهلبي، في بعض انحداراته إلى البصرة، وهو وزير، أضاق، فأخذ غلة ~~عظيمة، بعشرة آلاف دينار، لأبي علي «2» ، وجدها بالبصرة، وأخذ غلات التجار ~~المحدورة من دستميسان «3» ، وواسط «4» ، وغلات خلق كثير، وباعها، وصرفها، ~~في دخل وخرج المملكة. # فأشير على أبي علي، بالإصعاد إلى سبكتكين الحاجب «5» ، ومسألته ليخبر معز ~~الدولة بذلك، فيأمر بارتجاعها منه. # فخالف أبو علي، وانحدر إلى المهلبي، فتلقاه بالأبلة «6» . # قال: فلما صعدت إليه، هش بي، وسر سرورا عظيما، وقال: # ما جاء بك؟ # فقلت: بلغني أن الوزير أيده الله، أخذ غلة وجدها لي بالبصرة، فسررت بذلك، ~~لتقديري أنه شرفني بهذه الحال، وبسط يده في مالي، ms333 كما # PageV03P131 # يبسطها في مال نفسه، وأوليائه، إذا احتاج إلى أموالهم، وتشرفت بذلك، إلى ~~أن بلغني أنه أخذ مع مالي، أموال التجار، وأصحاب الضياع، وأصاغر الناس ~~[106] ، من أهل دستميسان، وواسط، فأقلقني ذلك، وعلمت أن هذا، لو كان على ~~سبيل الأنس، لخصني به سيدنا الوزير، ولم يشرك فيه معي، هذه الطبقة، التي لا ~~يجوز لمثله أن يأنس بها في قرض ولا استعانة، وإنما هم للمصادرات فقط، فخفت ~~أن يكون جميل رأيه في، استحال، في تخليطي بهذه الطائفة، فجئت مستصلحا ~~لرأيه، وواقفا تحت أمره. # قال: فأعجبه قولي جدا، فقال لي: يا أبا علي، أنت والله مقبل،- وكررها ~~مرارا-، قبل أن تدخل بلحظة، حضرني من قال: إنك قد أصعدت إلى الحاجب ~~سبكتكين، لتشاكيني إليه، فاعتقدت لك كل قبيح، وعملت على نصرة فعلي، إن جرى ~~فيه كلام، بكل ما يجوز أن ينصر به مثله، فأنا أفكر في ذلك، إذ استؤذن لك ~~علي، فدخلت، فسحرتني، وو الله، لا خرجت من هذا الموضع، أو أوصلك إلى مالك، ~~أو أكثره، وأقيم لك بالباقي وجوها ناضة «1» . # وجذب الدواة، فكتب الوجوه، بما يعجل «2» ، ويسبب «3» ، وفرغ من ذلك [107] ~~، وأمر بإنشاء الكتب، وسبب لي بالباقي، على سباشي الخوارزمي، مولى معز ~~الدولة، ضامن البصرة «4» . # فأخذته في مدة قريبة، وأصعدت إلى واسط. # PageV03P132 ### || 90 وشديد عادة منتزعة # حدثني أبو بكر بن جعفر السواق، أحد تجار الكرخ ببغداد، المشهورين باليسار ~~والستر، وحفظ القرآن، ووجه من وجوههم، قال: # كان علي وعد بنقدة «1» ، لابن عبدان الصيرفي، وهذا رجل باق إلى الآن، من ~~وجوه الصيارف، بدرب عون «2» ، من المياسير، فأخرت إنجازه، لضرورة لحقتني، ~~ولم تكن عادتي جارية معه بمثل ذلك. # فجاءني يقتضيني، وقال في عرض الخطاب: أقول لك يا أبا بكر، كما قال الله: ~~وشديد عادة منتزعة. # فقلت: إنا لله، إنا لله، ما قال الله عز وجل هذا «3» . # قال: فاستحيا مني، وقام، فما عاد إلي أياما. # فلما حضرت الدراهم، أنفذتها إليه. # PageV03P133 ### || 91 صلاة التجار # وكان عندنا بالبصرة، رجل من التجار، مستور، يعرف بأبي علي ابن سعدان، أحد ~~الباعة في دار ms334 البطيخ «1» ، موسر، يركب، وينبسط «2» [108] في المجالس، وفي ~~الكلام. # فأخبرني أبو طلحة الأزدي، صاحب بني المثنى «3» ، شيخ مستور، قال: # رأيته مرة، ونحن جلوس في دهليز جعفر بن عبد الواحد القاضي «4» ، ننتظر ~~الإذن عليه، وقد حضرت العصر، فقام كل واحد منا، فصلى، وقام ابن سعدان، فصلى ~~صلاة، لم أر قط أسخف منها. # فقلت له: يا أبا علي، هذه ليست صلاة، فأحسن صلاتك، فإن هذه الصلاة، كما ~~قال ابن المعتز: # صلاتك بين الملا نقرة ... كما اختلس الجرعة الوالغ # فقال لي: يا أبا طلحة، أعزك الله، هذا فضول لا نعرفه، نحن نصلي صلاة ~~التجار. # فقلت له: هذا أعجب، كأن الله عز وجل، فرض على التجار صلاة غير الصلاة ~~التي فرضها على سائر عباده؟ # PageV03P134 # وتمام الشعر، لابن المعتز، مشهور، وكان النميري، نديمه، صلى بحضرته، صلاة ~~سخيفة «1» ، ثم سجد بعدها، سجدة طويلة. # فقال ابن المعتز، ارتجالا، البيت الأول، وتمامه: [109] # وتسجد من بعدها سجدة ... كما ختم المزود الفارغ «2» ### || 92 من بز يوما بز به # حدثني محمد بن عدي بن زحر البصري، جارنا بها، قال: # رأيت أبا إسحاق ياسين، [وهو] رجل كان ينزل بالقرب من الجامع بالبصرة، وقد ~~حدث في آخر عمره، يناظر رجلا في الجامع، وهو يقول له: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # من بز يوما بز به ... والدهر لا يغتر به» # PageV03P135 ### || 93 القاضي ابن البهلول يوصي القاضي التنوخي لما نصبه للقضاء # حدثني أبي «1» ، قال: # كان أول شيء قلدته، القضاء بعسكر مكرم «2» ، وتستر «3» ، وجنديسابور «4» ~~والسوس «5» ، وأعمال ذلك، من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق ابن ~~البهلول التنوخي «6» . وكنت في السنة الثالثة «7» والثلاثين من عمري، وذلك ~~في شهور إحدى عشرة وثلاثمائة، لأن مولدي في ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ~~ومائتين. # فلما سلم إلي أبو جعفر العهد، أوصاني بتقوى الله عز وجل، وبأشياء من أمور ~~العمل، وسياسته في الدنيا والدين، وبأمر جاريه «8» ، أتنجزه «9» من العامل ~~هناك، لأنه كان مسببا عليه «10» ، فودعته، ونهضت [110] . # PageV03P136 # فقال: اجلس، فقد أنسيت مهما. # فجلست، فقال: إنك شاب، وفضلك تام، وعملك وافر، وإنك ms335 سترد على قوم فيهم ~~شر، وسيحسدونك على فضلك، أو يطلبون معايبك، إذا حكمت عليهم بالحق، فلا ~~يجدون طريقا إلى الغض منك، إلا بنسبتك إلى الحداثة، وقلة حنكتها، ولن تعدم ~~منهم ذلك، فإن صدقت حققوا ما يريدون، والكذب لا يجوز، فإياك أن تخبر بسنك ~~على حقيقتها، ولكن إذا سئلت عنها، فقل: دون الأربعين سنة، فلو كانت عشرين، ~~أو أقل، لكنت صادقا، وفي فزعك إلى الأربعين ستر عليك، لأنها الأسد، وحد ~~التكهل والحنكة، فإن بليت بمن يطول معك، فيقول: دون الأربعين بكم؟ # فقل: لست أذكر، وانو أنك لست تخبر، ليقطع الخطاب، ويقع للسائل، أنك ناس ~~حقيقة سنك. # قال: فخرجت، واتفق أن شعرة واحدة، ابيضت في لحيتي، في مسافة الطريق، فلما ~~دخلت الأهواز، تعملت لإخراجها بالمشط، إلى حيث يلحقها النظر، تجملا بها ~~[111] . # واستقبلني محمد بن جعفر بن معدان الشاهد «1» ، وكان يخلف أبا جعفر، على ~~الوقوف، وقد كاتبه بإعظامي، وتلقي، فجاءني بمركوب إلى الشط، وركبته إلى دار ~~اتخذت لي، وكان يغشاني «2» في كل يوم. # فلما أردت الخروج إلى عملي، قال لي: قد هالني ما رأيته من فضل القاضي ~~أيده الله، فكم سنوه؟ # فذكرت، وصية أبي جعفر، فقلت: دون الأربعين سنة. # PageV03P137 # فقال: دونها بكم؟ # فقلت: لست أذكر. # فلم يشك أني ناس لتحققها، فأمسك عني. # وهذا ضد ما نشاهده الآن، فإني قد رأيت ببغداد، قاضيين، هاشميين خطيبين، ~~شاهدين، أحدهما أجل وأنبه، وإليهما أعمال جليلة، وأحدهما قد تقلد من جهة ~~الخليفة جلائل الأعمال، ووهل «1» نفسه، لقضاء القضاة، وخطب ذلك فما تم له، ~~وهما يخضبان لحيتهما، ظاهرا، بالسواد «2» ، وأحدهما ترك ذلك، قبل موته ~~بسنين، وهو الأدون محلا، والآخر باق مقيم على الخضاب، إلى الآن، ونسأل الله ~~سترا جميلا، فإن الخضاب، وإن كانت فيه روايات [112] ، فإنما يعذر فيه ~~الجند، والكتاب، ومن لا يتصدى للحكم والشهادة، فأما من نصب نفسه، فلا عذر ~~له فيه. # PageV03P138 ### || 94 ابن شاهويه القاضي يبحث في قضية شرعية # حدثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر، الفقيه المعروف، بابن السماك، ~~السيرافي، قال: # كنت بحضرة أبي بكر محمد ms336 بن أحمد بن علي بن شاهويه «1» ، القاضي بأرجان، ~~فتقدم إليه نفسان، إدعى أحدهما على الآخر ألف درهم. # فسأله: فأنكر. # فقال للمدعي: لك بينة؟ # فقال: لا، ولكن استحلفه لي. # فقال للمدعى عليه: أتحلف؟ # قال: قد كان قدمني إلى القاضي الذي كان قبلك، واستحلفني له، على هذه ~~الدراهم. # فقال للمدعي: ما تقول؟ # فقال: نعم، قد كان حلف لي كاذبا. # فقال: انصرف، فلا مطالبة لك عليه. # فانصرفا. # PageV03P139 # ثم التفت إلي، وإلى أبي الوعد الفقيه على مذهبنا، يعني مذهب أبي حنيفة، ~~وجماعة من الفقهاء كانوا قعودا، والجماعة حنفيون، فقال: # أرأيتم إن ادعى هذا المدعي الألف، إنه قد حلف المدعى عليه، وإني ما ~~حلفته، وأردنا أن نعرض اليمين عليه [113] ، فذكر أنه قد حلف على هذا ~~المعنى، ولم يزل ذلك يتردد بينهما، في دعوى كل واحد على صاحبه، كيف نفصل ~~الحكم بينهما؟ # قال: ففكرنا جميعا ساعة، ثم جرى خوض لم يتقرر له معنى، ولم يتضح لنا وجه ~~الفتوى. # فقلت له: إن رأى القاضي، أن يذكر ما عنده. # فقال: حكى لنا القاضي أبو طاهر الدباس، عن أبي خازم القاضي «1» ، في هذه ~~المسألة بعينها إنه قال: # للحاكم أن يستحلف الذي ادعيت عليه الألف في الابتداء، إن هذا المدعي عليك ~~الألف درهم، لم يستحلفك عليها عند حاكم آخر. # PageV03P140 ### || 95 الدليل على تحليل نبيذ التمر # سئل بعض غلمان أبي الحسن الكرخي «1» ، عن الدليل على تحليل النبيذ التمري ~~«2» المعمول بالداذي «3» ، الشديد، المسكر، فقال: # قد وجدنا، أن الله تعالى، لما وعدنا بالجنة، ووصفها لنا، أباح لنا في ~~الدنيا من جنس ما وعدنا به، وحلل لنا تناولها، لنعرف بذلك فضل ما وعدنا به ~~في الجنة، ودوام ذلك، وانقطاع هذا. # فلما وعدنا بالخمر في الجنة، وقد حرمها علينا في الدنيا [114] ، ولا طريق ~~إلى علم فضلها، لنحرص على الأعمال التي توجب دخول الجنة، وشربها فيها، فوجب ~~أن يبيح لنا في الدنيا، شيئا من جنسها كهذا، نستدل به على طيبها، فكان ~~النبيذ. # PageV03P141 ### || 96 دليل آخر على تحليل النبيذ # وكان قد سئل عن مثل هذا مرة أخرى، ms337 فقال: # إن الله تعالى، خلق المنثور الذي ليس بخيري، والله لا يخلق ما لا فائدة ~~فيه، وليس فيما عدا الخيري من المنثور فائدة، إلا أن يشرب عليه النبيذ «1» ~~. # وكان يخرج هذا القول، مخرج الجد، لمن يستضعفه، ومخرج الهزل، مع أهل العلم ~~«2» . # PageV03P142 ### || 97 الجبائي وتحليل النبيذ # وأصحاب الحديث، والحفاظ، يقولون: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، حديث في تحريم النبيذ، ولا في تحليله. # فذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي «1» ، في مسألة أملاها في تحليل ~~النبيذ، مشهورة، إلى أن الأصل في الأشياء، أنها على الإباحة، إلى أن يثبت ~~حظرها. # فلما كان العقل، لا يدل على تحريم النبيذ، ولم ينقطع العذر عن تحريمه «2» ~~، وجب أن يكون على الأصل من الإباحة. # ثم [115] نصر ذلك، بأشياء أوردها، واعترض أدلة المحرمين له، وبين فسادها، ~~وأورد زيادات على نفسه، وانفصل عنها بما يطول شرحه، ويخرج عما نحن فيه، إن ~~أوردناه. # PageV03P143 ### || 98 الوزير المهلبي يناظر بعض دعاة الفتنة ببغداد # حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامة ببغداد، قد هاجت في أيام ~~وزارته، وعظمت الفتنة، وقبض على جماعة من العيارين «1» وحملة السكاكين «2» ~~، وجعلهم في زوارق مطبقة، وحملهم إلى بيروذ «3» ، وحبسهم هناك. # فاستهانوا بالقصة، وكثف أمرهم، وكثر كلام القصاص في الجوامع، ورؤساء ~~الصوفية، فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم، وحبسهم، وأحضر أبا ~~السائب «4» ، قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة، والشهود، والفقهاء، ~~وكنت فيهم، لمناظرتهم، وأصحاب الشرط، لنأمن مضرتهم، إذا قامت الحجج عليهم. # فاتفق أن بدىء برجل من رؤساء الصوفية، يعرف بأبي إسحاق بن ثابت، ينزل ~~بباب الشام «5» ، أحد الربانيين «6» ، عند أصحابه، فقال له: # PageV03P144 # بلغني أنك [116] تقول في دعائك: «يا واحدي بالتحقيق، يا جاري اللصيق» ، ~~فمن لا يعلم بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة، فهو كافر، ~~لأن الملاصقة من صفات الأجسام، ومن جعل الله جسما كفر، فمن يكون محله في ~~العلم هذا، يتكلم على الناس؟ # وقل لي: ما معنى ما بلغني عنك، أنك تقول في جملة كلامك: «أخذتني مني، ms338 ولم ~~تبقني علي، فها أنا بلا أنا» . # حصلنا على أنكم تهذوا «1» ، وتوهموا الناس، على أنكم ربانيين «2» ، ~~وتستدعونهم، بالجهالات، إلى الضلالات، وتفتنون حضرة السلطان عليه. # السياط يا غلام. # فلم يزل يسأل في أمره، حتى كف عنه، وكتب عليه أن لا يتكلم على الناس، ولا ~~يحلق حلقة. # PageV03P145 ### || 99 لماذا كنى نفسه أبا البيان # كان يجيء- بالبصرة- إلى معلمي، معلم يكنى أبا الحسن، وكنى نفسه، أبا ~~البيان. # فسمعت معلمي يعاتبه على ذلك، ويقول: يا هذا، غيرت كنيتك، وهي مقبولة، ~~وكنية أمير المؤمنين. # فقال له: يا أبا جعفر، كم رأيت في عمرك من كنيته أبو [117] الحسن؟ # قال: لا أحصي. # قال: فهل رأيت أبا البيان غيري؟ # قال: لا. # قال: خذ بيدك، هذه واحدة من فضائلها، ومن ذلك أني أشتهر بها، ولا أشارك ~~فيها. # ومن فضائلها: أن تسقط عني التلقيب، وأن يشتغل الناس بها، عما سوى ذلك من ~~عيوبي. # PageV03P146 ### || 100 طريقة أبي البيان المؤدب في التدريس # ورأيته يوما عند معلمي، في مكتبي، وقد حضر وقتا كان فيه المعلم يأخذ ~~علينا الشعر، وكانت عادته أن يقيم الصبيان صفا، فيطالبهم بإنشاد القصيدة. # فأقامهم في تلك العشية، وقد حضر أبو البيان، فقال له: يا أبا جعفر، ما ~~هذا التفريط؟ # قال: وكيف؟ # قال: إن لي عادة في سياسة الصبيان، لا أرخص لهم فيها، إن سألتني علمتك ~~إياها. # فقال: افعل. # قال: تقدم إلى صبيانك، أن يمتثلوا أمري، لأريك ذلك. # فقال لهم أبو جعفر: انظروا ما يأمركم به أبو البيان، فافعلوه. # فأقبل عليهم يخاطبهم في كلامه، فقال: لكم أقول أيها الصبيان، ولمن ~~يجاوركم من الغلمان، إلى حدود الأحداث والفتيان، اسمعوا [118] وعوا، فمن ~~خالف بعد البرهان، أنزلت به غليظ الامتحان، تراصوا في صفوفكم، والزقوا ~~أقدامكم، وأقيموا ألواحكم، وأقبلوا علي بألحاظكم، وأحضروا فيما تنشدون ~~قلوبكم، وارفعوا أصواتكم، وقولوا قول صبي واحد: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وصاح بالشعر مطربا. # فما ملك الصبيان الضحك، وضحك معلمي معهم. # PageV03P147 # فقال: يا أبا جعفر، التراب والجندل بفيك وعلى رأسك، والويل والويح محيطان ~~بك، أتطمع أن تعلمهم بهذه الهيبة؟ حفت ms339 بك اللعنة والخيبة، أسبابك أفسدت، ~~أمن قدري بضحكك وضعت؟ أم سترك عند هؤلاء الأنكاد هتكت؟ أشهد الله، لا ~~أكلمك، أو تعتذر. # وأخذ أبو جعفر، يداريه، ويعتذر إليه، حتى رضي لوقته. # وكان يقول الشعر، وينشده أبا جعفر دائما، وما حفظت منه شيئا. # ولولا أن هذه الألفاظ، تعاودناها في المكتب ونحن صبيان، لم تعلق بحفظي، ~~فلما ترعرعت، كتبتها [119] في موضع، وأنسيتها، ثم نقلتها منه، إلى هذا ~~الموضع، وبقيت عندي إلى الآن. ### || 101 مؤدب يتشاتم مع التلاميذ # وسمعت، وأنا في الكتاب، أنه جاء إلى معلمي، فأسلم إليه ابنه، فقال له: لم ~~نقلته من عند المعلم الأول؟ # قال: لأنني جزت به يوما، والصبيان يتشاتمون، وهو لا يمنعهم بأكثر من أن ~~يقول: قيدوا ألفاظكم، أخزى الله حرماتكم، لا تتشاتموا يا بني البظر. # وإذا هو، ليس يمنعهم من سوء الأدب، ويدخل في جملة المتشاتمين، فنقلته. # PageV03P148 ### || 102 رقية للمرأة كي لا تسقط حملها # حدثني عبد الله بن عمر بن الحارث «1» ، قال: # كان أبي يكتب آي الرقى، على أصل وقع إليه في ذلك. # وكان مما يكتبه رقية للمرأة، إذا خافت أن تسقط ولدها، وتعلق في وسطها، ~~فلا تسقط. # قال: وجربنا عليه ذلك، على طول السنين، فلم يخطئ. # يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # ، الآية «2» ، وما قدروا الله حق قدره # ، الآية «3» ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~[120] الله # «4» ، إلى آخر السورة «5» ، ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة # ، الآية «6» . # PageV03P149 ### || 103 رقية لإعادة الآبق # قال «1» : وكان يكتب رقية الآبق، ما رأيتها أخلفت، وهي أن تأخذ رقا «2» ~~فتكتب فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه # «3» ، إلى: ننجي المؤمنين # ، أو كظلمات في بحر لجي، يغشاه موج # ، إلى آخر قوله تعالى: فما له من نور # «4» ، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم # «5» ، أدركه بآيات الله، يرده رب السموات والأرض، فاجعل ما بينهما أضيق ~~على فلان- يعني الآبق- من مسك «6» حمل، حتى تمكن منه، ms340 فإنه من فضلك وعطائك. # ويدفن الرق في عتبة باب. # PageV03P150 ### || 104 رقية لإمساك الرعاف # قال «1» : وكان يكتب للرعاف «2» ، في ورقة، ويعلقه على جبهة المرعوف: # بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي # «3» - إلى قوله تعالى: للقوم الظالمين # . وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده، ولوا على أدبارهم نفورا # «4» . ### || 105 رقية للخراج # وكان يكتب للخراج «5» [121] على ورقة سلق، وتوضع على الخراج: # ما أصابك من حسنة فمن الله ... # الآية «6» . # PageV03P151 ### || 106 القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقه # حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي محمد الصلحي الكاتب، قال: # رأيت [بمصر] طبيبا كان بها، مشهورا، يعرف بالقطيعي، وكان يقال: إنه كان ~~يكسب في كل شهر ألف دينار، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر، ومن ~~السلطان، ومما يأخذ من العامة. # قال: وكان له دار، قد جعلها شبيه البيمارستان، من جملة داره، يأوي إليها ~~ضعفاء الأعلة، يعالجهم، ويقوم بأودهم، وأدويتهم، وأغذيتهم، وخدمتهم، وينفق ~~أكثر كسبه في ذلك. # قال أبو الحسن: فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر- وأسماه لي، فذهب عني اسمه- ~~وكنت هناك، فحمل إليه أهل الطب، وفيهم القطيعي، فأجمعوا على موته، إلا ~~القطيعي. # وعمل أهله على غسله، ودفنه. # فقال القطيعي: دعوني أعالجه، فإن برئ، وإلا ليس يلحقه أكثر من الموت، ~~الذي قد أجمع [122] عليه هؤلاء. # فخلاه أهله معه. # فقال: هاتم غلاما جلدا، ومقارع، فأتي بذلك. # فأمر به فمدد، فضربه عشر مقارع، من أشد الضرب، ثم مس مجسه، وضربه عشرا ~~أخرى شديدة، ثم مس مجسه، وضربه عشرا أخرى. # ثم مس مجسه، فقال للطب: أيكون للميت، نبض يضرب؟ # فقالوا: لا. # قال: فجسوا. # PageV03P152 # فجسوه، فقالوا: قد زاد نبضه. # فضربه عشرا أخرى، فقوي النبض. # فضربه عشرا أخرى، فتحرك الميت. # فضربه عشرا أخرى، فصاح. # فقطع عنه الضرب، فجلس العليل يجس بدنه، ويتأوه، وقد ثابت قوته إليه. # فقال: ما تجد؟ # فقال: أنا جائع. # فقال: أطعموه الساعة. # فجاءوه بما أكل، ورجعت قوته، وقمنا، وقد برئ. # فقال له الطب: من أين لك هذا؟ # قال: كنت مسافرا في قافلة فيهم أعراب يخفروننا، فسقط ms341 منهم فارس عن فرسه، ~~فأسكت، فقالوا: قد مات، فعمد شيخ منهم، فضربه ضربا عظيما كثيرا، وما رفع ~~الضرب [123] عنه، حتى أفاق، فعلمت أن الضرب، جلب إليه حرارة أزالت سكتته. # فقست عليه أمر هذا العليل. # PageV03P153 ### || 107 مهاترة بين رجلين من الخاصة # حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد الأزدي، قال: حدثني أبو علي الحسن بن ~~محمد الأنباري «1» الكاتب، قال: # كنت، وأنا حدث، أوقع بين يدي، [أبي] محمد دلويه «2» ، وهو، إذ ذاك، يكتب ~~للمؤتمن سلامة- أخي نجح الطولوني- حاجب القاهر. # فجاءه يوما أبو علي الحسين بن القاسم بن عبيد الله «3» ، وأبو جعفر ~~الكرخي «4» مسلمين، فحبسهما للأنس، وأجلسهما في دست، في صدر قبة كانت له، ~~وجلس دونهما على مطرح «5» ، وفرش في بيت إلى جانب القبة، له باب إليها، ~~وأجلس فيه ابنه، وأجلسني معه، وكأنه رفع الرجلين عن معاشرتهما لنا، ونحن ~~أحداث، وأراد بذلك سماع كلامهما، والأنس بسماع الغناء. # وكان إلى جانب القبة، بيت آخر، فأجلس الغناء «6» فيه، ومدت ستارة على ~~بابه. # وأخذوا في الشراب، ونحن نسمع الغناء، وما يجري من [124] كلامهم، ولا نرفع ~~أصواتنا بالكلام، لئلا يسمعوا ذلك. # PageV03P154 # فلما توسطوا الشراب، أحضر باكورة «1» ، فقبلها، ثم أقبل عليهما، وقال: ~~الإنصاف أن أقسمها أثلاثا، ولكني قد وفرت قسمي عليكما يا سيدي، فاقتسماها ~~أنتما. # فأخذها الحسين بن القاسم، فقال: يا سيدي، يا أبا جعفر، هذه تحب أن آخذ ~~أنا ثلثيها، وأعطيك ثلثها؟ # فقال الكرخي: فعلام يا سيدي؟ # فقال: لأنك، أنت وأخوك، ولدتما توأما، فأنت نصف توأم، وأنا تام لأني ولدت ~~وحدي، ولو كان أخوك حاضرا، لكان لي ولك وله أثلاثا، ومع غيبته، فأنت لا ~~تستحق أكثر من الثلث. # فقال له أبو جعفر: ما أعجب هذا، أنت رجل كان جدك نصرانيا، يعتقد أن الله ~~ثالث ثلاثة، ونشأ أبوك فصار ثنويا، وترك مرتبة، ونشأت أنت فكان القياس أن ~~تترك مرتبة واحدة أخرى، ولكنك تركت مرتبتين، فنشأت ملحدا، لا تعتقد شيئا ~~أصلا، ولم نعيرك بذلك، تعيرنا أنت [125] بالتوأم، ولا ذنب لنا فيه، وما هو ~~عار على الحقيقة. # فغضب الحسين بن ms342 القاسم، وابتدر ليجيب. # فقام دلويه، وقال: الطلاق ثلاثا، لازم لي، وكل ما أملكه صدقة، إن أجبت يا ~~سيدي بشيء، ولا تكلمت أنت يا سيدي، يا أبا جعفر بشيء، فإن هذا يخرج الآن عن ~~المزاح إلى العربدة، والأحقاد، والوحشة التي تبقى، وقدركما يرتفع عن هذا. # قال: فسكتا ساعة واجمين، ولم يزل أبو محمد، يداريهما، ويبسطهما، ويستعطف ~~كل واحد منهما لصاحبه، حتى اصطلحا. # PageV03P155 ### || 108 ابن سكرة الهاشمي يهجو القاضي ابن أبي الشوارب # أنشدني محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي «1» ، وهو من ولد عبد الله ابن ~~علي بن المهدي، المعروف بابن ريطة «2» ، غلب عليه اسم أمه، كما غلب على ~~إبراهيم بن المهدي، اسم أمه شكلة «3» ، يهجو أبا العباس بن أبي الشوارب «4» ~~، وهو من ولد خالد بن أسيد الأموي، أخي عباد بن أسيد صاحب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لما تقلد قضاء القضاة، وكانت العامة تلقبه [126] بحدندل: # خلعت على حدندل من مديحي ... قميصا لا اكتسى رجل كساه # على نفسي دعوت لأن جهلي ... دعاني أن شرهت إلى نداه # وكيف رجوت جودا من عدوي ... ولم أغسل حسامي من دماه # PageV03P156 ### || 109 من مختار شعر أبي فراس # لأبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي ~~«1» ، قصيدة أولها: # وقوفك في الديار عليك عار ... وقد رد الشباب المستعار «2» # ويقول فيها: # وطال الليل بي ولرب دهر ... نعمت به لياليه قصار # وندماني السريع إلى ندائي ... على عجل وأقداحي الكبار # عشقت بها عواري الليالي ... أحق الخيل بالركض المعار «3» # إذا انحسر الظلام امتد آل ... كأنا دره وهو البحار # يموج على النواظر فهو ماء ... ويلفح بالهواجر فهو نار # فكم بلد شتتناهن فيه ... ضحى وعلى منابره المغار «4» [127] # وكن إذا أغرن على ديار ... رجعن ومن طرائدها الدمار «5» # وكم ملك نزعنا الملك منه «6» ... وجبار بها دمه جبار # PageV03P157 # وله قصيدة أولها: # عذيري من طوالع في عذاري «1» # يقول فيها: # أرى نفسي تطالبني بأمر ... قليل دون غايته اصطباري «2» # وما يغنيك من همم طوال ... إذا قرنت بأحوال قصار «3» # وقيل لي انتظر زمنا «4» ومن لي ... بأن الموت ms343 ينتظر انتظاري # PageV03P158 ### || 110 للشاعر الببغاء يصف شرابا # أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي، المعروف بالببغاء «1» ، ~~الكاتب، لنفسه، يصف شرابا في قدح أبيض، أبياتا ثابتة في ديوانه، اختصرت ~~منها قوله: # بالقفص «2» للقصف منزل كثب «3» ... ما للتصابي «4» في غيره أرب [128] # دارت نجوم الكؤوس في فلك ... منه له من فتوتي قطب # من كل جسم كأنه عرض ... يكاد لطفا باللحظ ينتهب # نور وإن لم يغب ووهم ولو صح ... وماء لو كان ينسكب # لا عيب فيه سوى إذاعته السر ... الذي في حشاه يحتجب # كأنما صاغه النفاق فما ... يخلص منه صدق ولا كذب # فهو إلى لون ما يجاوره ... على اختلاف الطباع ينتسب # إذا ادعاه اللجين أكذبه ... بالراح في صبغ جسمه الذهب # جلت عروس المدام حالية ... فيه علينا الأدوار والنخب # فالراح بدر والجام هالته ... والأفق كفي والأنجم الحبب # PageV03P159 ### || 111 زمان الهوى ألذ زمان # وأنشدني لنفسه مقطوعة: [129] # فليالي الصبا أسر ليال ... وزمان الهوى ألذ زمان # وأسر البلاد ما حمد الساكن ... فيها خلائق الجيران «1» # PageV03P160 ### || 112 مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد # حدثني «1» بعض المتطببين، قال: حدثنا أبو منصور بن مارية «2» ، كاتب أبي ~~مقاتل، صالح بن مرداس «3» الكلابي، صاحب حلب «4» ، وكان أبو منصور من رؤساء ~~أهل الصراة، الذين يضرب بهم المثل، في كل فن، وكان أديبا، وقد شاهدته، ولم ~~أسمع منه هذه الحكاية، قال: أخبرني [أحد] شيوخنا، قال: # كان بعض أهلنا قد استسقى، وأيس من الحياة، فحمل إلى بغداد، فشوور الطب ~~«5» فيه، فوصفوا له أدوية كثارا، فعرفوا أنه قد تناولها بأسرها، فلم تنجع، ~~فأيسوا منه، وقالوا: لا حيلة لنا في برئه، وهذا تالف. # فسمع العليل ذلك، فقال لمن كان معه: دعوني الآن أتزود من الدنيا، وآكل ما ~~أشتهي، ولا تقتلوني بالحمية «6» قبل أجلي. # فقالوا: كل ما تريد. # PageV03P161 # فكان يجلس على دكان «1» باب الدار التي نزلها ببغداد، فمهما رآه يجتاز ~~[130] على الطريق، اشتراه، وأكله. # فمر به رجل يبيع الجراد مطبوخا، فأجلسه، واشترى منه عشرة أرطال، وأكلها ~~بأسرها. # فلما كان بعد ساعة من أكله، انحل طبعه «2» ، وتواتر قيامه، حتى قام في ms344 ~~ثلاثة أيام أكثر من ثلاثمائة مجلس، وضعف، وأيس منه. # ثم انقطع القيام، وقد زال كل ما كان في جوفه، وأنابت إليه قوته، وبرأ. # فخرج برجليه، في اليوم الخامس، يتصرف في حوائجه، فرآه أحد الطب، وعجب من ~~أمره، وسأله عن الخبر، فعرفه. # فقال: ليس من شأن الجراد، أن يفعل هذا الفعل، ولا بد أن يكون في الجراد ~~الذي فعله، خاصية، فأحب أن تدلني على بائع الجراد. # قال: فما زالوا في طلبه، حتى اجتاز بالباب، دفعة ثانية، ورآه الطبيب، ~~فقال: ممن اشتريت هذا الجراد؟. # فقال: ما اشتريته، أنا أصيده، وأجمع منه شيئا كثيرا، وأطبخه على الأيام، ~~وأبيعه. # فقال: من أين تصطاده؟ # قال: فذكر قرية على فراسخ يسيرة من بغداد. # فقال [131] له الطبيب: أعطيك دنانير، وتدع شغلك، وتجيء معي إلى الموضع ~~الذي اصطدت منه الجراد. # PageV03P162 # قال: نعم. # فخرجا، وعاد الطبيب من غد، ومعه من الجراد شيء، وحشيشة. # قالوا له: ما هذا؟ # فقال: صادفت الجراد الذي يصيده هذا الرجل، يرعى في صحراء جميع نباتها ~~حشيشة يقال لها: مازريون «1» ، وهي من دواء الاستسقاء «2» ، وإذا دفع إلى ~~العليل منها وزن درهم، أسهله إسهالا يزيل الاستسقاء، ولكن لا يؤمن أن ~~ينضبط، ولا يقف، فيقتله بالذرب، فالعلاج بها خطر جدا، وهي مذكورة في الكتب، ~~ولفرط غررها «3» ، لا يكاد أن يصفها الطب، فلما وقع الجراد على هذه ~~الحشيشة، وأنضجتها معدته، ثم طبخ الجراد، فضعف فعلها، بطبخين اجتمعا عليها، ~~وقصر، وتناولها هذا، وقد تعدلت بمقدار ما أبرأته، ولم تدفع طبعه دفعا لا ~~ينقطع، فبرأ. # PageV03P163 ### || 113 مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى # حدثنا محمد بن أحمد بن طوطو الواسطي، أبو الحسين، قال: سمعت أبا علي عمر ~~بن يحيى العلوي الكوفي [132] ، يقول «1» : # كنت في بعض حججي، في طريق مكة، فاستسقى رجل كان معنا، من أهل الكوفة، ~~وثقل في علته. # وسل «2» الأعراب قطارا «3» من القافلة، وكان العليل على جمل منه، فلما ~~افتقد، جزعنا عليه، وعلى القطار، وكنا راجعين إلى الكوفة. # فلما كان بعد مدة، جاءنا العليل إلى الكوفة، معافى. # فسألته عن ms345 قصته، وسبب عافيته، فقال: إن الأعراب، لما سلوا القطار ساقوه ~~إلى خيمهم، وكانت قريبة من المحجة، على فراسخ يسيرة، فأنزلوني، ورأوا ~~صورتي، فطرحوني في آخر بيوت الحي، وتقاسموا ما كان في القطار. # وكنت أزحف، وأتصدق بين البيوت ما آكله، فأطعم، فتمنيت الموت، وسهل علي، ~~وكنت أدعو الله تعالى، به. # فرأيتهم يوما، وقد عادوا من ركوبهم، فأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، وقطعوا ~~رؤوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوا. # فقلت: هؤلاء يأكلون هذه الأفاعي، ولا تضرهم للعادة التي تربوا # PageV03P164 # عليها [133] ، ولعلي أنا، إن أكلت شيئا منها، تلفت، فأستريح مما أنا فيه. # فقلت لبعضهم: أطعمني من هذه الحيات، فرمى إلي بواحدة، فيها أرطال، مشوية، ~~فأكلتها بأسرها، وأمعنت، طلبا للموت، فأخذني نوم عظيم، وانتبهت، وقد عرقت ~~عرقا عظيما، واندفعت طبيعتي، فقمت في بقية يومي وليلتي، أكثر من مائتي ~~مجلس، إلى أن سقطت طريحا، والطبع يجري، فقلت: هذا طريقي إلى الموت، فأقبلت ~~أتشهد، وأدعو بالمغفرة. # فلما أضاء الصبح، تأملت بطني، وإذا هي قد ضمرت جدا، وزال عنها ما كان ~~بها، فقلت: أيش ينفعني هذا، وأنا ميت؟ # فلما أضحى النهار، انقطع القيام، ووجبت الظهر، فلم أحس بقيام، وجعت، فجئت ~~لأزحف على العادة، فوجدت نفسي خفيفا، وقوتي صالحة، فتحاملت، وقمت، ومشيت، ~~وطلبت منهم مأكولا، فأطعموني، فقويت، فبت تلك الليلة الثانية معافى، ما ~~أنكرت شيئا من أمري. # فأقمت أياما، إلى أن وثقت من نفسي، بأني إن مشيت نجوت، فأخذت الطريق مع ~~بعضهم [134] ، إلى أن صرت على المحجة «1» ، ثم سلكتها منزلا، منزلا، إلى ~~الكوفة مشيا. # PageV03P165 ### || 114 ابن نصرويه يجيز شاعرا مدحه بثلاثة دراهم # حدثني أبو أحمد الفضل بن محمد، ابن بنت المفضل بن سلامة البصري، قال: # كنت عند أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه «1» فدخل إليه شاعر ~~غريب، ورد [إلى] «2» البصرة، يعرف بالمطرف الحميري، فامتدحه بقصيدة حسنة، ~~فأمر غلامه أن يعطيه عطية، ساره بها، فلما قام الشاعر معه، أعطاه إياها، ~~فإذا بالشاعر، قد رجع من الدهليز، فرمى بالقرطاس، في حجر ابن نصرويه، فكان ~~فيه ثلاثة دراهم، ثم استخف به، بكلام ms346 قبيح، وأنشده ثلاثة أبيات هجاء له ~~باسمه، ونسبه، طيبة، ارتجلها، وخرج. # فقال لي أبو الحسين: يا أبا أحمد، الحقه، ورده، وترضاه «3» ، وابذل له ~~عني مائة درهم، وأن لا يعيد في هجائي شيئا. # فتبعته، وسعيت على أثره، حتى لحقته، وما زلت أداريه، إلى أن بذلت له ~~المائة درهم، فقال: # لا ألبس النعماء من رجل ... ألبسته عارا على الدهر [135] # وانصرف، فلا أدري، الشعر له، أو لغيره. # PageV03P166 ### || 115 بحث في شكوى الزمان # وحدث أبو العباس الحسين بن علي بن الفضل بن سليمان الواسطي، قال: # كنت جالسا ببغداد، في سنة ثماني عشرة «1» ، عند صديق لي بباب الطاق» # ، فتشاكينا الهم والغم، وفساد الزمان، إذ ذاك، ولو كان لنا ذاك الفساد ~~الآن، لكان غاية الصلاح. # فقال لي: يا أبا العباس، هون عليك، فلو وقف الإنسان في هذه السوق ~~العظيمة، وأشار بيده إلى باب الطاق، وصاح: يا مكروب، لما بقي فيها أحد، إلا ~~قال له: لبيك. # PageV03P167 ### || 116 توقيع للقاضي ابن معروف # لما تقلد الطائع لله، أمير المؤمنين، الخلافة «1» ، طالب القاضي أبا ~~محمد، عبيد الله بن أحمد بن معروف «2» ، أن يتولى له الوزارة، فامتنع عليه ~~من ذلك، وبذل له أن يتدبر أمره، ويقوم له بترتيب الأمور إلى أن يستكتب من ~~يراه. # فكان يحضر دائما، ويعينه بنفسه، ويدبر الأمور، وربما لم يكن في الدار ~~كاتب، فيوقع بخطه في الأمور. # وأما أول يوم، فكان نظر الوزراء، فمن ذلك، أنه وقع بتوقيع نسخته: [136] ~~ليكتب للحسين بن موسى الهاشمي «3» ، من الحضرة بالمظالم، وتسيير الحجيج ~~أيام المواسم، ونقابة الطالبيين من بني هاشم. # وكتب عبيد الله بن أحمد في يوم كذا من شهور كذا «4» . # PageV03P168 ### || 117 كتاب كتبه أبو إسحاق الصابي # قرأت كتابا كتبه أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، الكاتب «1» ، في ~~جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة عن ابن بقية، وهو إذ ذاك وزير «2» ~~إلى أبي المظفر حمدان «3» بن ناصر الدولة، وهو بحلوان متقلدا لها ولطريق ~~خراسان، وقد أنزل عياله في دار أبي العلاء صاعد «4» ببغداد، يسأله تفريغها ~~«5» ، وخط «6» أبو إسحاق نسخته، نقلتها من ms347 خطه: # كتابي أطال الله بقاء سيدي الأمير، وأدام تأييده ونعمته، يوم كذا، عن ~~سلامة، وسيدي الأمير، أدام الله عزه، يعرف مذهبي في رعاية الحقوق التي تضعف ~~أسبابها، ويصغر أصحابها، فما عنده فيما تناهى عندي، يزيد تأكدا ووجوبا، ~~وتقدما وتمهيدا، وما منزلة أبي العلاء صاعد بن ثابت، عندي، تخفى على سيدي ~~الأمير [137] أدام الله عزه، فأذكرها، وهو بضعة مني لا تتميز، وكاللحمة ~~التي لا تنفصل، وليس ما تحدثه أحوال الزمان والتصرف، من شوائب تشوب، وتوائب ~~تنوب، مغيرا للأصول، ولا قادحا في الاعتقاد، و [ما] كانت صورته في الوحشة ~~التي لحقته، وأخلت # PageV03P169 # منه داره، موجبة للرخصة في أن تنزل، ولو رام ذلك منها غير سيدي الأمير ~~أدام الله عزه، لعز عليه أن يناله، وإنما سمحت له بذلك، لثقتي بطاعته لي، ~~وعلمه بأن ذلك المنزل منزلي، وأنني أعيره وأسترده، وأتصرف فيه تصرف من ~~يملكه، وقد قبح بي أن يكون أبو العلاء، مع أواصره الوكيدة، وملازمته لي ~~المتصلة، ممنوعا منه «1» ، وأسبابه منتقلين عنه، وتردد مني في ذلك، مراسلات ~~ومكاتبات، أحمدت نتاجها، الحكاية عن الحرة- يعني امرأة حمدان- أيدها الله، ~~في التذمم، ومعرفة الحق، وإيثار الانتقال، وأنكرت أن يقف الأمر مع هذه ~~الحال، فالأعراض «2» كثيرة مبذولة، وأنا أسأل سيدي الأمير أيده الله، أن ~~يوجب ما أوجبت، ويعرف ما عرفت [138] ، ويراعيني أولا، ثم حقوق أبي العلاء ~~ثانيا، ويكتب إلى من ينوب عنه، بقبول ما يعرضه، والانتقال إليه، ويسلم ~~الدار، فلو كانت [له] ، لاستنزلته- والعياذ بالله- «3» عن ملكها، ولم أقنع ~~بخروجها عن اليد، فكيف إذا، وهي مستعارة، والحكم فيها الرد، وسيدي الأمير ~~ولي ما يراه في هذا الأمر الخاص بي، وحاشاي أن أعيد فيه قولا أو كتابا، أو ~~أتجشم من أجله قصدا أو إعادة، فقد أنفذت بكتابي هذا، قاصدا يوصله أبو الفتح ~~قرة بن دنحا، في معناه، ما يعرفه الأمير من جهته إن شاء الله. # ونسخة التوقيع بخط الوزير: أنا راغب إلى الأمير، أدام الله عزه، في هبة ~~هذه الدار لي، ولا أقول أكثر من هذا، والسلام. # PageV03P170 ### || 118 أبو العلاء صاعد ms348 يفتخر # [حدثني] أبو العلاء صاعد بن ثابت «1» ، قال: # لما كثر دخولي إلى الملك عضد الدولة «2» ، ببغداد، سنة أربع وستين ~~وثلاثمائة، وكان إذا رآني، يقول لي سائلا: يا أبا العلاء، ما أنحل جسمك؟ # فلما كثر ذلك علي، عملت [139] أبياتا، وأنشدته إياها، وهي: # يقول مليك الأرض جسمك ناحل ... على ذاك عرضي والثناء جميل # وأحسن ما في الهندواني أنه ... نحيف رقيق الشفرتين صقيل # فان أك معروق العظام فإنني ... نهوض بأعباء الأمور حمول # أقوم أغصان الخطوب إذا التوت ... برفقي ومثلي في الكفاة قليل # أرى الملك المنصور أنكر مضربي ... وأي حسام ليس فيه فلول # وكم لك عندي من يد وصنيعة ... أقصر عن شكري لها فتطول # ومن لفظة تسري إلي ونظرة ... عليها من الرأي الجميل دليل # إذا صح لي من حسن رأيك لمحة ... فليس لمقدور إلي سبيل [140] # PageV03P171 ### || 119 كظم الغيظ من مكارم الأخلاق # حدثني إبراهيم بن عيسى بن نصر السوسي، النصراني، الكاتب «1» ، قال: قال ~~أبي: # قام في نفسي حقد على رجل، لقبيح عاملني به، أربعين سنة، ما كافأته عليه ~~إلى أن مات. # PageV03P172 ### || 120 الأمير سيف الدولة يصفح عن أحد أتباعه ويعيد إليه نعمته # حدثنا «1» أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن معروف، أخو قاضي القضاة، أبي ~~محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف، قال: # كنت بمصر، وكان بها رجل يعرف بالناظري، من تناء حلب، وقد قبض سيف الدولة ~~«2» ضيعته، وصادره، فهرب منه إلى كافور الإخشيدي «3» ، فأجرى عليه جراية في ~~كل شهر، سائغة، كما كان يجري على جميع من يقصده، من الجرايات التي سماها: ~~الراتب، وكان مالا عظيما، مقداره في كل شهر [خمسون ألف دينار، لأرباب ~~النعم، وأجناس الناس، وليس فيها لأحد من الجيش ولا من الحاشية، ولا من ~~المتصرفين في الأعمال شيء] «4» . # قال: فجرى ذكر هذا الناظري، بحضرة كافور، وقيل إنه بغاء «5» ، وكثرت ~~الحكايات عنه بحضرته، فأمر بقطع جرايته. # فرفع إليه، يشكو انقطاع المادة، ويسأل التوقيع، بإجرائه على رسمه، فأمر، ~~فوقع على ظهر الرقعة: قد صح عندنا أنك رجل تصرف [141] # PageV03P173 # ما نجريه عليك، فيما يكره الله ms349 عز وجل، من فساد نفسك، وما نرى أن نعينك ~~على ذلك، فالحق بحيث شئت، فلا خير لك عندنا. # قال: وخرج التوقيع إلى الرجل، فأعضل به، فعمل محضرا، وأخذ فيه خطوط خلق ~~كثير، ممن يعرفه بالستر، وأنه ما عرف قط ببغاء، ولا صحبة الأحداث، وجعله طي ~~رقعة إلى الأستاذ كافور، يحلف فيها بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلظة، أنه ~~ليس ببغاء، واحتج بالمحضر، وتركه في طي الرقعة. # وقال: إنه لم يكن يدفع إليه ما دفع، لأجل حفظ فرجه، أو هتكته، وإنما كان ~~ذلك، لأنه منقطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعمة، ويسأل رده إلى رسمه. # ورفع القصة إلى كافور. # قال: فلا أدري إلى أين انتهى أمره، إلا أنه صار فضيحة، وتحدث الناس ~~بحديثه. # واتفق خروجي من مصر، عقيب ذلك، إلى حضرة سيف الدولة، بحلب «1» ، وجرت ~~أحاديث المصريين، وكان يتشوق إلى أن يسمع حديثهم، فقلت: أمر عجب، جرى بها ~~[142] اتفاقا، إنه كان بها رجل يقال له الناظري، فقصصت القصة عليه. # فاستضحك من ذلك ضحكا عظيما، وقال: هذا المشؤوم بلغ إلى مصر؟ # قال: فقال لي محمد الأسمر، علمت أن هذا الرجل، صديقي جدا، وقد هلك، ~~وافتقر، وفارق نعمته، فأحب أن تخاطبه في أمره، عقيب ما # PageV03P174 # جرى، لأعاونك، فلعل الله أن يفرج عنه. # قال: فقلت: افعل. # قال: فأخذ يسألني عن الأمر، فأعدت عليه شرحه، فعاد يضحك. # فقلت له: أطال الله بقاء مولانا، قد سررت، وضحكت، فيجب أن يكون لذلك ~~ثمرة، إما لي، أو للرجل الذي قد صيرته فضيحة بحلب، بما أخبرت بحديثه. # فقال: أما لك، فنعم، وأما له، فما يستحق، فإنه فعل، وصنع، وأخذ يطلق ~~القول فيه. # قال: فقلت له: فوائدي من مولانا متصلة، ولست أحتاج مع إنعامه، ودوام ~~إحسانه، إلى التسبب إلى الفوائد، ولكن، إن رأى أن يجعلها لهذا المفتضح ~~المشؤوم. # قال: فقال: تنفذ إليه سفتجة بثلاثة آلاف درهم. # قال: فشكرته، والجماعة [143] ، وخاطبته بأن يأذن له بالعود إلى وطنه، ~~ويؤمنه. # فقال: ويكتب له أمان، ويؤكد، ويؤذن له في العود إلى وطنه. # قال: فغمزني الأسمر في الاستزادة، فقلت: ms350 أطال الله بقاء مولانا، إن ~~الثلاثة آلاف درهم، لو نفذت إليه، إلى مصر، من غير أن يؤذن له في العود، ما ~~كفته لمن يحمله على نفسه، لأن أكثر أهل مصر بغائين، وقد صافوه في الناكة، ~~وغلبوه باليسار، فلا يصل هو إلى شيء، إلا بالغرم الثقيل. # قال: فأعجبه ذكري لأهل مصر بذلك، فقال: كيف قلت أيها الأخ؟ # فقلت: المياسير من أهل مصر، لهم العبيد العلوج، يأتونهم، لكل واحد منهم ~~عدة غلمان، والمتوسطين يدعون العلوق والزنوج المشهورين # PageV03P175 # بكبر الأيور، فينفقون أموالهم عليهم، ولا يصل الفقير والمتجمل إليهم. # ولقد بلغني آنفا، وأنا بمصر، أن رجلا من الفقراء، اشتد عليه حكاكه، فطلب ~~من يأتيه، فلم يقدر عليه، فخرج إلى الموضع الفلاني- قرية ذكرها، قريبة من ~~مصر- فأقام بها [144] ، فكان إذا اجتاز به المجتازون، استغوى منهم من يمتاز ~~بهذا الحال، فحمله على نفسه، وكان يعيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكن من ~~إرضائه بما لا يمكن بمصر، فعاش بذلك برهة، حتى جاءه يوما بغاء آخر، فسكن ~~معه في الموضع، فكان إذا جاء الغلام الذي يصلح لهذه الحال، تنافسا عليه، ~~فأفسد على الأول أمره، فجاء إلى الثاني، فقال له: بيني وبينك، شيخنا ابن ~~الأعجمي الكاتب، رئيس البغائين فجذبه إلى مصر، واحتكما إليه. # فقال: إني كنت لما اشتد بي أمري الذي تعرفه، ومنعني فقري من اتخاذ الناكة ~~بمصر، عدلت إلى الموضع الفلاني، فعملت كذا، وقص عليه القصة، فجاء هذا، ~~وصنع، وقص عليه القصة، وشرح له أمره، فإن رأيت أن تحكم بيني وبينه، فاحكم. # فحكم بينهما ابن الأعجمي، ومنع الثاني من المقام في الناحية، وقال: # ليس لك أن تفسد عليه عمله، وناحيته، اطلب لنفسك موضعا آخر. # فيمكن الناظري- أيد الله مولانا [145] الأمير سيف الدولة- أن يستشفي ~~بثلاثة آلاف درهم، أمرت له بها، في بلد هذه عزة الناكة فيه، وكثرة ~~البغائين؟. هذا لو كان مقيما، فكيف وقد أنعمت عليه بالمسير، ويحتاج إلى ~~بغال يركبها في الطريق بأجرة، وديون عليه يقضيها، ومؤن. # قال: فضحك ضحكا شديدا، من حكاية البغائين، وحكم ابن الأعجمي بينهما، وكان ~~هذا من ms351 مشهوري كتاب مصر، فقال: اجعلوها خمسة آلاف درهم. # PageV03P176 # قال: فقلت له، أنا والجماعة: فيرد أطال الله بقاء الأمير مولانا، بخمسة ~~آلاف درهم، قد أنفقها في الطريق، إلى سوء المنقلب؟. # قال: وكان يعجبه أن يماكس، فيجود مع المسألة، والدخول عليه مدخل المزاح ~~في ذلك، والطيبة، واقتضاء الغرماء بعضهم لبعض، وما أشبه هذا «1» . # قال: فقال: قد طولتم علي، في أمر هذا الفاعل الصانع، أطلقوا له عن ضيعته ~~بأسرها، ووقعوا له بذلك إلى الديوان، وعن مستغله، وانقلوا من في داره عنها، ~~وتقدموا بأن تفرش أحسن [146] من الفرش الذي كان نهب له منها، لما سخط عليه. # قال: فأكبت الجماعة، تقبل يده ورجله، وتحلف أنها ما رأت مثل هذا الكرم ~~قط، هذا، مع سوء الرأي فيه، وسوء حديثه، ويقولون: ما على الأرض بغاء أبرك ~~على صاحبه منه. # فضحك، ونفذت الكتب، والتوقيعات، بما رسمه. # فلما كان بعد مدة، جاء الرجل، وعاد إلى نعمته، وخلع عليه سيف الدولة، ~~ونظر في حوائجه. # PageV03P177 ### || 121 سخاء الأمير سيف الدولة # حدثنا أبو القاسم بن معروف، قال: # دخلت إلى حلب، إلى أبي محمد الصلحي الكاتب «1» ، وأبي الحسن المغربي «2» ~~، أسلم عليهما، وكانا في خدمة سيف الدولة «3» ، وهما في دار واحدة نازلان ~~لضيق الدور، وكان وكيل كل واحد منهما، يبكر يوما، فيقيم لهما، ولغلمانهما، ~~ما يحتاج إليه، للمادة «4» والوظائف «5» ، فإذا كان من الغد، بكر الآخر، ~~فأقام الوظائف، لهما، ولغلمانهما، على هذا. # قال: فلما استقررت عندهما، دخل إليهما رجل ضرير، فسلم، وجلس، ثم قال ~~[147] : إن لي بالأمير سيف الدولة، حرمة قديمة، وجوارا، واختصاصا، أيام ~~مقامه بالموصل، وقد قصدته، ومعي رقعة، فإن رأيتما # PageV03P178 # أن توصلاها إليه، وأخرج رقعة عظيمة، هائلة جدا، فلما رأياها، قالا له: ~~هذه عظيمة ولا ينشط الأمير أن يقرأها، فغيرها، واختصرها، وعد في وقت آخر، ~~فإنا نأخذها، ونوصلها إليه. # فقال: الذي أحب، أن تتفضلا بعرض هذه الرقعة. # فدفعاه عن ذلك، فقام كالآيس، يجر رجله، منكسر القلب، فداخلتني عليه رقة. # وركبت، فدخلت على سيف الدولة، وهو جالس، وكان رسمه، أن لا يصل إليه بتة، ms352 ~~أحد، إلا برقعة، يكتبها الحاجب باسم من حضر، واحدا كان أو أكثر، فإذا قرأ ~~اسم الرجل، فإن شاء دعا به، وإن شاء أمر بصرفه. # فلما استقررت، عرض عليه الحاجب، رقعة، فيها: فلان بن فلان الموصلي، ~~الضرير. # فقال: وهذا يعيش؟ أين هو؟ # فقال: بالباب. # قال: يدخل، فما أظنه- مع ما أعرفه من زهده في الطلب- قصدنا إلا لجهد لحقه ~~[148] . # قال: فدخل، فإذا الشيخ الذي رأيته عند الصلحي والمغربي. # فلما قرب منه، استدناه، وبش به، وقال: يا هذا، ما سمعت بأنا في الدنيا؟ ~~ما علمت مكاننا على وجه الأرض؟ ما جاز لك أن تزورنا، مع ما بيننا من الحرمة ~~الأكيدة، والسبب الوكيد؟ لقد أسأت إلى نفسك، وأسأت الظن بنا. # قال: فجعل الرجل، يدعو له، ويشكره، ويعتذر، فقربه، وأجلسه. # فجلس ساعة، ثم قام، فسلم إليه الرقعة بعينها، فأخذها، وقرأها # PageV03P179 # إلى آخرها، وقال: يا يونس بن بابا- وكان خازنه- فحضر، فأوعز إليه بشيء، ~~ثم استدعى حاجب الكسوة، فساره بشيء، واستدعى رئيس الإصطبل، فأمره بشيء. # وانصرفت الجماعة، وجاء ابن بابا، فوضع بين يديه، صرتين عظيمتين، فيهما ~~دنانير تزيد على خمسمائة دينار. # وجاء حاجب الكسوة، بثياب كثيرة صحاح، من ثياب الشتاء والصيف، منثرة بطيب ~~كثير، وصياغات، من ربع، ومرآة، وما جرى مجرى ذلك. # وجاء عريف الفراشين «1» ببسط، وزلالي «2» [149] ، وثياب ديباج للفرش، ~~وسبنيات، وأشياء كثيرة من أنواع الفرش بألوف دنانير، فصار ذلك كالتل بين ~~يديه. # وكان يعجبه، إذا أمر لإنسان بشيء، أن يحضره إلى حضرته، بحيث يراه، ثم ~~يعطيه لمن وهبه له. # قال: فأخرج ذلك، والضرير لا يعلم، وعنده، أنه قد تغافل عنه، [فهو في ~~الريب] «3» وأخذ لا يسار الضرير، ولا يقول له شيئا. # وجاء صاحب الكراع، ومعه بغلة تساوي ثلاثة آلاف درهم، بمركب ثقيل حسن. # وجاء الخادم، ومعه خادم بثياب جدد، فسلمت البغلة إليه، فأمسكها في ~~الميدان أسفل الدكة التي عليها سيف الدولة. # ثم قال للخادم: كم جرايتك؟ # PageV03P180 # قال: عشرون دينارا في الشهر. # قال: قد جعلتها لك ثلاثين دينارا، وخدمتك لهذا الشيخ خدمة لنا، فلا تقصر ~~فيها ولا ينكسر قلبك، ms353 وأحسن خدمته، ادفعوا له جرايته لسنة، فدفعت في الحال ~~إليه. # ثم قال: فرغوا الدار الفلانية. فتقدم بتفريغها. # ثم تقدم: أن يحمل إلى [150] عياله، زورق من تل فافان» # ، إلى الموصل، فيه كران «2» حنطة، وكر شعير، ويملأ ببقولة الشام، ~~ومآكلها. # ففعل ذلك كله. # ثم استدعى أبا إسحاق بن شهرام، المعروف بابن ظلوم المغنية، وكان يكتب له، ~~ويترسل، إلى ملك الروم، ويبعثه في صغير أموره، وكبيرها، فساره بشيء. # فأخذ أبو إسحاق، الشيخ، وجعل يخاطبه عن الأمير سيف الدولة، باعتذار طويل، ~~ويقول: إنك جئتنا في وقت، هو آخر السنة، وقد تقسمت أموالنا الحقوق، ~~والزوار، والجيوش، وببابنا خلق من الرؤساء، ونحتاج أن نواسيهم، ولولا ذلك، ~~لأوفينا على أملك، وقد أمرنا لك بكذا ... # قال: وجعل ابن شهرام، يقرأ عليه من فهرست «3» قد عمل، ثبتا للمجموع الذي ~~أمر له به، من صنوف الثياب والفرش، وغير ذلك. # قال: فقلت للأمير سيف الدولة: يا مولانا، لا تورد على هذا الشيخ، هذه ~~الجائزة، جملة، عقب اليأس العظيم الذي قد لحقه، فتنشق مرارته. # PageV03P181 # قال: فلما استوفى الشيخ الكلام [151] ، بكى بكاء شديدا، وقال: أيها ~~الأمير قد والله زدت على أملي بطبقات، وأوفيت على غناي بدرجات، وقضيت حقي، ~~وما هو أعظم من حقي، وما أحسن أن أشكرك، ولكن الله يتولى عني شكرك، ~~ومجازاتك، فتمن علي بتقبيل يدك، فإنه أفضل من كل عطية. # فأذن له في ذلك، فدنا الشيخ، فقبل يده دفعات، فجذبه إليه سيف الدولة، ~~وشاوره «1» بشيء، فضحك الشيخ وقال: إي والله، إي والله، أيها الأمير. # قال: فاستدعى خادم حرمه، وساره بشيء. # وانصرف الشيخ إلى الدار التي أخليت له، وقال له: أقم فيها، إلى أن أنظر ~~في أمرك، وتخرج إلى عيالك. # قال: فسألت عما ساره خادم حرمه، فقال: أخرج إليه جارية من وصائف أخته، في ~~نهاية الحسن، بثياب، وزي، تزيد قيمتها على عشرة آلاف درهم. فحملت إليه. # قال: فقمت قائما، وقلت: والله، أيها الأمير، ما سمع بهذا الفعل، عن ~~البرامكة ولا غيرها. # فقال: دعني من هذا، ما معنى [152] قولك لأبي إسحاق بن شهرام، ms354 لا تورد ~~عليه هذا، عقيب اليأس، فتنشق مرارته؟ # فقلت: كنت منذ ساعة، عند أبي محمد الصلحي، وأبي الحسن «2» المغربي، فجرى ~~كذا وكذا، وقصصت عليه القصة، وانصرف هذا الشيخ، أخزى منصرف، ثم جاء بنفسه، ~~فعامله مولانا، بمثل هذا الفعل العظيم، فخفت [أن] يعرفه فجأة، فتنشق ~~مرارته. # فقال: هاتم الساعة، الصلحي، والمغربي، فجاء أحدهما قبل الآخر، # PageV03P182 # فجلس، ولم يخاطبه حتى حضر الآخر، ثم أقبل عليهما، فقال: ويحكما، أخبراني، ~~ألم أحسن إليكما، وأصطنعكما، وأنوه بكما، وأسن أرزاقكما، وأعل مرتبتكما، ~~وأخفف الخدمة عليكما، وأتناه بجهدي، في قضاء حقوقكما؟ # فأخذا يشكرانه. # فقال: ما أريد هذا، إما أن تقولا: نعم، أو لا. # فقالا: بلى، والله، وزيادة. # قال: فمن حقي عليكما، ومكافاة هذا، وشكره، أن تقطعا عني رجاء الناس؛ ~~وتصدانهم عن أملي، وتؤيسانهم من [153] بري، وتنسباني عندهم إلى الضجر برقاع ~~المؤملين، والبخل على المستحقين؟. ما كان عليكما، لو أخذتما رقعة الرجل، ~~فإن أجرى الله على يدي خيرا، كنتما فيه شريكين، وإن ضجرت، كان الضجر إلي ~~منسوبا، وأنتما منه بريئان، وقد قضيتما حق قصد الرجل لكما، فلا حقه قضيتما، ~~ولا حق الله عز وجل، فيما أخذه على عباده من بذل الجاه، ولا حق إنعامي. # قال: وأسرف في لومهما، وتوبيخهما، حتى كأنهما قد جنيا أعظم جناية. # قال: فأقبلا يعتذران، ويحلفان أنهما ما أرادا إلا التخفيف عنه بقراءة شيء ~~طويل، وأرادا أن يخفف الرجل الرقعة، فتخف قراءتها، وتكون أنجع لحاجته، ~~وإنهما ما قدرا أنه قد أيس، وانصرف مغموما، ولو علما بذلك، لقصداه، حتى ~~يرتجعا رقعته، ويوصلانها. # قال: فأقبلت الجماعة تدعو له، وتحلف، أن هذا التأديب، والتفضل، والنية في ~~الجود والكرم، أحسن من الفعل الذي عمله مع الرجل، على عظم حسنه، وأنه ليس ~~على [154] وجه الأرض من يعمله غيرك. # PageV03P183 ### || 122 الوزير حامد بن العباس يعذب المحسن بن الفرات # حدثنا أبو الحسين الحارثي النهرسابسي «1» ، قال: حدثني شيخ من شيوخنا: # إن أبا جعفر بن الشلمغاني «2» ، كان في نهاية الاختصاص بحامد بن العباس ~~«3» ، فلما وزر اجتذبه معه إلى بغداد، وكان يدخله في آرائه، ويشاوره ms355 في ~~مهماته، ويوسطه في كبار الأمور. # قال: فلما جرى من حامد على المحسن بن الفرات «4» ، تلك القضية الشديدة ~~«5» ، كتب إلى ابن الشلمغاني، يسأله، مسألة حامد الرفق به، # PageV03P184 # والتقدم إلى المستخرج «1» بالتوقف عن ضربه، وإذلاله، ليؤدي على مهل. # فتكفل ابن الشلمغاني بأمره، وخاطب حامد بن العباس في ذلك، فرده، فعاوده ~~في مجلس حافل، ولج حامد، ولج ابن الشلمغاني، إلى أن قال حامد هاتم «2» ~~المحسن، ابن كذا وكذا، وهاتم الغلمان والمقارع. # قال: فقبل ابن الشلمغاني يده، فلم يقنع، وحلف أنه لا بد أن يصفعه، ويضربه ~~في ذلك المجلس، وتوجه الغلمان ليجيئوا به. # فلما عادوا، ومعهم المحسن، قام ابن الشلمغاني، من قبل [155] أن يدخل ~~المحسن، وانصرف، فاستشاط حامد، وجن، وكاد أن يقبض على ابن الشلمغاني، ويوقع ~~به، ثم استرجع، وأخرج غيظه على المحسن، وصفعه الصفع المشهور، الذي كان سبب ~~قتل المحسن له «3» ، لما ولي أبوه الوزارة الثالثة. # قال: ونهض ابن الشلمغاني، فدخل إلى دار حجبة حامد، مغموما، وأخذ يشكو ما ~~يجده إلى الحاجب، ويتشاكيان، ويقول: هذا الرجل يريد أن يقتلنا كلنا بعده، ~~وأن لا يبقي لنا باقية، يا قوم، أي شيء يعمل بنفسه؟ # قال: فهو كذلك، إذ دعا حامد بحاجبه، وقد قام عن مجلسه، ورد حامد المحسن ~~إلى محبسه بعد ما جرى، وقال للحاجب: ويحك، أين ابن الشلمغاني؟ # فقال: عندي في الحجرة. # قال: فما قال؟ # قال: لم يقل شيئا. # PageV03P185 # فأمسك كالخجل، ثم قال: هاته. # فلما جاء، قال: يا أبا جعفر، من حق مودتي لك، أن تتوافى لأعدائي، وتقوم ~~عن مجلسي، إذا رأيتني أوقع بأعدائي؟ # فقال: ننصف؟ أو نقول: صدق الأمير؟ # قال: أسمع وأنصف. # قال: أيها [156] الوزير، هذا رجل سألتك فيه، فاعمل «1» أنه كان بقالا، ~~لابن وزير أنت تعلم حالته، وقديم رياسته، فما كان يحسن أن تردني فيه، ولا ~~إن رددتني، أن تسومني الجلوس، وحضور عذاب من شفعت فيه، ثم أنت تعلم، أن ~~الأيام دول، وأن لهذا الفعل عاقبة، يكفيك الله إياها، فأي شيء يضرك من ~~سلامة مهجتي، في حال العافية، وإفلات نعمتي من ms356 شر هؤلاء؟ وأن يقولوا غدا: ~~داهننا، ولم يشفع لنا، ولو كان نصحنا ما خالفه الوزير، مع ما بينهما، وما ~~قعد ليشاهد صفعنا، إلا تشفيا منا، وأي شيء أحسن بك من أن تنسب حاشيتك، ومن ~~اخترته لمودتك وأنسك، إلى الخير، وبعدهم من الشر، فيقال: إنه لو لم يكن ~~خيرا، لما استصحب الأخيار، وإنما يحمله على ما فعله، الغضب، والحاجة إلى ~~المال، وإلا فالخير طبعه، والغالب عليه، ولا يقال: إنه شرير جمع الأشرار ~~حواليه، واعلم أني [157] ما قمت من مجلسك، إلا وقد وضعت في نفسي، أنك ~~تنكبني، وعلمت أني قد أسأت أدبي، وأني غير آمن من عجلتك في نكبتي، ولكن ~~قلت: أكون على حق، ومتمسكا بحجة وحزم، وإن جنى علي، وإن سلمت، فبفضل الله، ~~وإن هلكت فالله يخلصني. # قال: فخجل حامد، واعتذر إليه وقال: اخرج الآن، وخذ بيد المحسن، وتوسط ~~أمره، وخفف محنته. # PageV03P186 ### || 123 من شعر المهلبي الوزير # وجدت بخط المهلبي الوزير «1» ، كتابا إلى أبي سلمة، أهداه إلي، وقال: # هذا كتابه إلي، وهو بالخط الذي أعرفه، وفيه لنفسه: # وصل الكتاب طليعة الوصل ... بغرائب الأفضال والفضل # فشكرته شكر الفقير إذا ... أغناه رب المال بالبذل # وحفظته حفظ الأسير إذا ... ورد الأمان له من القتل # ووجدت بخط أبي محمد، كتابا، إلى أبي القاسم بن بلبل، كتب إليه به، وهو ~~صغير الحال جدا، وفيه: # طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللقاء يبدو الصباح [158] # ذاك إن تم لي فقد عذب العيش ... ونيل المنى وريش الجناح # وله إلى غيره: # جاد لي بالعتاق «2» من صرف دهري ... بكتاب يسرني أو رسول # فعلى قدر ما تكلف من وصلي ... لعلمي بقطعه للوصول # أشكر البذل من جواد وأزداد ... إذا البذل جاءني من بخيل # وله أيضا: # أمثلي يا أخي وشقيق روحي ... يفارق عهده عند الفراق # PageV03P187 # ويسلو سلوة من بعد بعد ... وينسبه الشقيق إلى الشقاق # وأقسم بالعناق، وتلك أوفى ... وأشفي من يميني بالعتاق # لقد ألصقت بي ظنا ظنينا ... تجافى جانباه عن التصاق # وله أيضا: # فديت أخا يواصلني بكتب ... أسر من البشارة حين تاتي [159] # أخ لم ms357 يرض لي بالوصل حتى ... حباني بالبقية «1» من حياتي # وله أيضا: # ورد الكتاب فديته من وارد ... فيه لقلبي من حياتي مورد # فرأيته كالدر نضد عقده ... في كل فصل منه، فصل مفرد # PageV03P188 ### || 124 قال الخليفة المقتدر # ما ظننت أن في الدنيا من يأكل طعاما بلا حلوى بعده حدثنا أبو منصور ~~القشوري، وكان من الجند المولدين، قال: # كنت أخدم وأنا حدث، في دار نصر القشوري «1» ، المرسومة بالحجبة من دار ~~المقتدر بالله «2» . # فركب المقتدر بالله يوما، على غفلة، وعبر إلى بستان الخلافة، المعروف ~~بالزبيدية، وأنا مشاهد لذلك، في نفر من الخدم والغلمان، وتشاغل أصحاب ~~الموائد، والطباخون، بحمل الآلات، والطعام، وتعبيتها في الجون «3» ، فانفلت ~~«4» ، وأعجل هو في طلب الطعام، فقيل له: لم يحمل بعد. # فقال: انظروا ما كان. # فخرج الخدم، محتارين، ليس يجسروا يعودوا، فيقولوا ما جا شي «5» [160] ، ~~وهم يتشاورون فيما يفعلونه. # PageV03P189 # فسمعهم جعفر، ملاح طيار المقتدر، الرئيس على الملاحين الذين برسم الخدمة، ~~فنادى عليهم، وقال: معي طعام. # قال: فهاتم ما معه. # فأخرج من تحت الطيار، جونة مليحة، خيازر «1» ، لطيفة، فيها جدي بارد «2» ~~، وسكباج مبرد «3» ، وبزماورد «4» ، وإدام «5» ، وقطعة مالح ممقور «6» ~~طيبة، وأرغفة سميذ جيدة «7» ، وكل ذلك نظيف، وإذا هي جونة تعمل له في ~~منزله، في كل يوم، وتحمل إليه، فيأكلها في موضعه في الطيار، ويلازم الخدمة. # فلما حملت إلى المقتدر، استنظفها، وأكل منها، واستطاب المالح، والإدام، ~~فكان أكثر أكله منه. # ولحقته الأطعمة من مطبخه، فقال: ما آكل اليوم، إلا من طعام جعفر الملاح، ~~فأتم أكله منه، وأمر بتفريق الطعام على من حضر. # ثم قال: قولوا له: هات الحلوى. # فقال: نحن لا نعرف الحلوى. # فقال المقتدر: ما ظننت أن في الدنيا من يأكل طعاما، بلا حلوى بعده. # PageV03P190 # فقال الملاح: حلوانا [161] التمر، والكسب «1» ، فإن تنشط له أحضرته. # قال: لا، هذا حلو صعب، لا أطيقه، فاحضروا من حلوانا. # فأحضرت عدة جامات، فأكل، وجلس للشرب. # ثم قال لصاحب المائدة: اعمل في كل يوم جونة، تنفق عليها، ما بين عشرة ~~دنانير، إلى مائتي درهم، وسلمها إلى جعفر الملاح، تكون برسم ms358 الطيار أبدا، ~~فإن ركبت يوما على غفلة، كما ركبت اليوم، كانت معدة، وإن حان المغرب، ولم ~~أركب، كانت لجعفر. # فعملت، إلى أن قتل المقتدر، وكان جعفر يأخذها، وربما حاسب عليها الأيام، ~~وأخذها دراهم. # وما ركب المقتدر بعدها، على غفلة، ولا احتاج إليها. # PageV03P191 ### || 125 الخليفة المعتضد يأمر بصنع جزورية # ويشبه هذا، ما بلغني عن المعتضد، أنه طلب يوما لونا من طعام، فقيل له: ما ~~عمل اليوم. # فأنكر ذلك، وقال: يجب أن لا يخلو المطبخ من كل شيء، حتى إذا طلب لم ~~يتعذر. # ووقع إلى ديوان النفقات بإقامة ذلك اللون، إلى أن يرد التوقيع بقطعه، ~~فكان يصلح، وينفق عليه دراهم [162] كثيرة، ولا يحضر المائدة، توقعا أن ~~يطلبه، فيقدم عند الطلب، كما رسم. # فمضى على ذلك سنة، ولم يطلبه. # ثم رفعت إليه حسبة «1» ، وكان يقف بنفسه على حسباناته، فرأى ما أنفق على ~~ذلك اللون في طول السنة، فاستهوله، وقال: أستغفر الله، ينفق لي من مال ~~المسلمين، على لون لم آكله، هذا كله، إن هذا لعين السرف، اقطعوا عمله، ولا ~~تقع معاودة لمثل هذا، في هذا ولا في غيره. # وقالوا: كان اللون جزورية، فكان يذبح له الطباخ في كل يوم قلوصا «2» ، ~~فلذلك عظمت النفقة. # وقالوا: بقرية، فكان يذبح في كل يوم عجلا. # PageV03P192 # وقالوا: مضيرة» # بفراريج، كل ذلك سمعته «2» . # PageV03P193 ### || 126 اللهم أنقذنا من ذل الطمع # حدثنا أبو إسحاق، إبراهيم بن [أحمد بن] محمد بن أحمد، الشاهد، المعروف ~~بالطبري «1» ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن صالح الأبهري «2» ، الفقيه ~~المالكي، وهو باق إلى الآن «3» ، ومحله مشهور في الورع والعلم، قال: # رأيت في المنام، رجلا من الزهاد، ذكره لي، وكأني [163] أطلبه، فخرج علي، ~~من بين نخل، وعليه فوطتان، متزر بإحداهما، متشح بالأخرى، كأنه سندي «4» . # فقلت له: قل لي شيئا، أو عظني بشيء. # فقال: قل: اللهم قصر أملي، وحسن عملي، واستنقذني من ذل الطمع. # PageV03P194 ### || 127 آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا # وحدثنا «1» ، قال «2» : حدثنا جعفر الخلدي «3» ، قال: حدثني الخواص ~~الصوفي «4» ، قال: # ركبت في البحر، مع جماعة ms359 من الصوفية، فلما أوغلنا فيه كسر بنا، وركبنا ~~خشبا من خشب المركب، ونجا منا جماعة، فوقعنا إلى ساحل لا ندري أين هو، ولا ~~ما هو، فأقمنا فيه أياما، لا نجد ما نقتاته، وأحسسنا بالهلاك. # فاجتمعنا، وقال بعضنا لبعض: تعالوا حتى نجعل لله عز وجل، على أنفسنا، إن ~~هو خلصنا من هذا المكان، وأحيانا، أن ندع له شيئا. # فقال بعضنا: لا أفطر الدهر. # وقال بعضنا: أصلي كل يوم كذا وكذا ركعة. # وقال بعضنا: أدع الكذب. # إلى أن قال كل واحد من الجماعة شيئا، وقالوا لي: ما تقول أنت؟ # فقلت: لا آكل لحم فيل أبدا [164] . # PageV03P195 # فقالوا: ما هذا الهزل في مثل هذا الموضع؟ # فقلت: والله، ما تعمدت الهزل، ولكني منذ بدأتم، أعرض على نفسي شيئا، أدعه ~~لله عز وجل، فلا تطاوعني نفسي، إلى غير هذا الذي لفظت به، وما قلت إلا ما ~~اعتقدته. # فقالوا: لعل لهذا أمرا. # وتفرقنا بعد ساعة، نطوف تلك الأرض، نطلب شيئا للأكل، فوقعنا على فرخ فيل، ~~في نهاية السمن، فأخذه أصحابنا، واحتالوا فيه، حتى ذبحوه، وشووه. # وقالوا: تقدم، فكل. # فقلت: منذ ساعة، تركته لله عز وجل، ولعل ذلك الذي جرى على لساني من ذكره، ~~إنما هو سبب موتي، لأني لم آكل منذ أيام شيئا، ولا أطمع في شيء آخر آكله، ~~وما يراني الله انقض عهده، فكلوا، واعتزلتهم. # فأكلوا، وشبعوا، وعاشوا «1» ، وأقبل الليل، فتفرقوا في مواضعهم التي ~~كانوا يبيتون فيها، وأويت إلى أصل شجرة، كنت أبيت عندها. # فلم يكن إلا ساعة، وإذا بفيل، أقبل من الموضع الذي استخرجنا منه الفرخ ~~[165] ، وهو ينعر، والصحراء قد امتلأت بنعيره، وشدة وطأته، وهو يطلبنا. # فقال بعضنا لبعض: قد حضر الأجل، فاستسلموا، وطرحوا أنفسهم إلى الأرض، على ~~وجوههم. # فجاء الفيل، وجعل يقصد واحدا واحدا، فيشمه من أول جسده، إلى # PageV03P196 # آخره، فإذا لم يبق منه موضع إلا شمه، شال إحدى قوائمه، فوضعها على الرجل، ~~حتى يفسخه، فإذا علم أنه قد تلف، شال قائمته، وقصد الآخر، ففعل به، مثل ~~فعله بالأول. # وظل على هذا، إلى أن ms360 لم يبق غيري، وأنا جالس منتصب، أشاهد ما يجري، ~~وأدعو، وأستغفر، ما طرحت نفسي، ولا هربت، إلى أن قصدني، فحين قرب مني، طرحت ~~نفسي على ظهري، فجاء حتى تشممني من سائر أعضائي، أو أكثرها، كما فعل ~~بأصحابي، ثم أعاد تشممي مرتين، أو ثلاثا، ولم يكن فعل ذلك بهم، ثم لف ~~خرطومه علي، وشالني في الهواء، فقلت: هذه قتلة أخرى، يريد أن يقتلني بها، ~~فما نحى خرطومه عني، حتى جعلني فوق ظهره، فانتصبت جالسا، وحفظت [166] نفسي، ~~وحمدت الله سبحانه على تأخر القتل، وجعلت أعجب مرة، وأتوقع القتل أخرى، ~~والفيل يهرول، ويسرع، إلى أن أضاء الفجر، فوقف، وأصعد خرطومه إلي، فقلت: ~~حضر الأجل، فلفه علي، وأنزلني على رفق إلى الأرض، وتركني عليها، وجعل يسعى ~~في الطريق التي جاء منها، وأنا لا أصدق. # فلما بعد عني، حتى لم أره، أقبلت أدعو وأصلي، وتأملت موضعي، وإذا أنا على ~~محجة، فمشيت عليها نحو فرسخين، فإذا بلد عظيم، قد لاح لي، فقصدته، ودخلته، ~~فإذا هو بلد من بلدان الهند عظيم، وذكر اسمه. # قال: فعجب أهله مني، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها، فزعموا أن الفيل، قد ~~سار في هذه الليلة الواحدة، مسيرة أيام. # وتسببت إلى الخروج من عندهم، والنقلة من بلد إلى بلد، حتى حصلت في بلدي ~~سالما. # PageV03P197 ### || 128 يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه # قال «1» : حدثني جعفر «2» ، قال: # ودعت في بعض حجاتي، المزين الكبير الصوفي «3» ، وقلت له: زودني شيئا. # فقال: إن ضاع [167] منك شيء، وأردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان، فقل: # «يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني ~~وبين كذا» ، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإنسان «4» . # PageV03P198 ### || 129 طلسم لإزالة الغم # قال «1» : فجئت إلى الكتاني الكبير «2» الصوفي، فودعته، وقلت له: # زودني شيئا، فأعطاني فصا عليه نقش كأنه طلسم، وقال: إذا اغتممت فانظر إلى ~~هذا، فإن غمك يزول. # قال: وانصرفت، فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء، إلا استجيبت، ولا رأيت ~~الفص، وقد اغتممت، إلا ms361 وزال غمي. # فأنا ذات يوم أعبر، قد توجهت إلى الجانب الشرقي من بغداد، حتى هاجت ريح ~~عظيمة، وأنا في السميرية، والفص في جيبي، فأخرجته لأنظر إليه، فلا أدري كيف ~~ذهب مني، في الماء، أو في السفينة، أو [في] ثيابي. # فاغتممت غما عظيما، فدعوت الله تعالى، وعبرت، وما زلت أدعو الله تعالى ~~بها يومي وليلتي، ومن غد، وأياما. # فلما كان بعد ذلك، أخرجت [168] صندوقا فيه ثيابي، لألبس شيئا منها، ففرغت ~~الصندوق، فإذا أنا بالفص، في أسفل الصندوق. # فأخذته، وشكرت الله عز وجل «3» . # PageV03P199 ### || 130 رقية تنفع من لسعة العقرب # وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي «1» ، قال: # حدثني أحمد بن الطيب «2» ، قال: # كنت بحضرة المعتضد «3» ، فجاء رجل يصيح بالباب: نصيحة، فأخبر بذلك، فقال: ~~اخرجوا إليه، وقولوا له يذكرها. # فعادوا، وقالوا: قد قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. # فقال: قولوا له: إن لم تكن نصيحة، بالغت في عقوبتك، فخرجوا، وعادوا، ~~فقالوا: قد قال: رضيت. # فأدخل، وأنا حاضر، فسلم على الخليفة. # فقال: ما نصيحتك؟ # فقال: رقية وقعت إلي، تحبس السم عن الملسوع، في الحال. # فقال المعتضد: هاتوا عقربا. # قال: فكأنها كانت معدة، فأتي بها في أسرع وقت، فأومى إلى الخادم بحضرته، ~~فطرحت عليه، فلسعته، فصاح. # فقال له الرجل: أرني موضع اللسعة، فأراه، فأخرج [169] حديدة، لا حد لها، ~~وجعل يمسح بها من أعلى موضع اللسعة والسم، إلى أسفل، ويقول: # PageV03P200 # «بسم الله، أوم سرا، ومربهل، بني تعبه، كرواري، أنهج أنهج، بهشتن، يهوذا، ~~له مهر، أستروم، لوبه، قرقر، سعلهه» . # ويكرر ذلك دفعات، إلى أن قال الخادم، قد سكن الوجع عن يدي كلية، إلا موضع ~~اللسعة، فإني أحس منه ببقية. # قال: أعطوني إبرة. # فجاءوه بها، ففتح الموضع، فخرج منه شيء أصفر، وقام الخادم معافى. # فأمر المعتضد، فكتبت الرقية، وخلدت [في] الخزانة. # وأمر للرجل بجائزة سنية «1» . # PageV03P201 ### || 131 والرقية تنفع أيضا في لسعة الزنبور # قال لي أبو الحسن «1» ؛ وقد جربت «2» ، على الزنبور، فصحت، وسبيلها أن ~~تجرب على الحية، لأن قوله: تحبس السم، يدخل كل ذلك تحته. # وأنا «3» رأيت ms362 أحمد بن يوسف، يرقي بهذه الرقية، على هذا الموضع، فيقوم ~~الملسوع من بين يديه، يمشي وهو معافى. # حدثني أبو الفرج، المعافى بن زكريا «4» ، الفقيه على مذهب أبي جعفر ~~الطبري، أحد خلفاء قاضي القضاة [170] على بعض السواد، قال: # حدثني أبو طالب بن البهلول القاضي «5» ، عن رجل، عن ابن الطيب «6» ، بهذه ~~الحكاية، هذا وأنسي أبو الفرج اسم الرجل، ولا أشك- والله أعلم- أنه أبو ~~أحمد الرازي. # هذه الحكاية منتشرة جدا في آل البهلول، عن هذا الرجل، عن ابن الطيب، ~~وجميعهم يرقي بها، وينقلها قولا وعملا. # PageV03P202 ### || 132 لأبي الحسن بن المنجم، يعاتب صديقا له # أنشدني أبو الحسن، علي بن هارون بن يحيى بن المنجم «1» لنفسه، وكتب بها ~~إلى علي بن هارون بن خلف بن طناب «2» ، في غيبة كان غابها، وتأخرت عنه ~~كتبه، وفيه صنعة لأبي الحسن بن طرخان «3» : # بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب # يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب # ما غاب من لم ينأ صفو وداده ... والحاضرون وإن دنوا غياب [171] # لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب # لا يأس من روح الإله فإنه ... يصل القطوع فيقدم الغياب # فإذا دنوت مواصلا فهو المنى ... سعد المحب وساعد الأحباب # وإذا نأيت فليس لي متعلل ... إلا رسول بالرضا وكتاب # PageV03P203 ### || 133 لأبي الفتح بن المنجم في الغزل # أنشدني أبو الفتح، أحمد بن علي بن يحيى بن المنجم «1» ، لنفسه، والقافية ~~في الأبيات كلها لفظة واحدة، باختلاف المعنى: # سيدي أنت ومن عادته ... باعتداء أو بجور جاريه # وهذه الأبيات قد مضت في غير هذا الجزء من الكتاب «2» . # PageV03P204 ### || 134 لأبي أحمد بن سليمان متغزلا # أنشدني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان «1» ، لنفسه: # أيا من قده ألف ... ويا من صدغه لام [172] # لقد أكثرت لوامي ... ولو أنصفت ما لاموا # PageV03P205 ### || 135 أشهدوا العدول على الخليفة المطيع لما خلع نفسه # وأخبرني شاهد من الشهود المقبولين ببغداد، وسألني أن لا أذكر اسمه وهو ~~حي، فلذلك لم أسمه، قال: # كنت أحد الشهود الأربعة، الذين أدخلوا مع قاضي القضاة، أبي ms363 محمد «1» ، ~~وهو إذ ذاك، غير متقلد شيئا من الأعمال «2» ، ومعنا أبو بكر الأصبهاني، ~~صاحب سبكتكين التركي «3» ، مولى معز الدولة، لما وثب على الأمر، وتسمى ~~بالإمارة «4» . # PageV03P206 # فأدخلونا، وليس معنا سابع، حتى شهدنا على المطيع لله «1» ، بأنه قد خلع ~~نفسه «2» ، وقرأنا عليه رقعة الخلع «3» ، وقررناه بما فيها، وخرجنا. # فأدخلنا إلى دار أخرى، من دور الخلافة، حتى حصلنا بحضرة الأمير أبي بكر ~~عبد الكريم «4» بن المطيع، فبايعناه بالخلافة، وسلمنا عليه بها، وخرجنا، ~~فجلسنا في مجلس قريب من مجلسه، لنوقع خطوطنا بالشهادة في كتاب الخلع «5» . # قال: واستسقى أمير المؤمنين الطائع، ماء، فجاء بعض الخدم، بكوز فيه [173] ~~ماء، فشرب، وخرج، فرأيت الكوز، وكنت عطشانا، فقلت له: يا أستاذ، اسقني، ~~فجاءني بماء في ذلك الكوز بعينه، فشربت منه. # وكتبنا خطوطنا، وخرجنا. # PageV03P207 ### || 136 الأمير الراسبي يأمر بقتل أحد المجرمين على مائدته # كان أبو محمد المهلبي، يكثر الحديث على طعامه، ويكون أطيب الحديث، وأكثره ~~مذاكرة بالأدب، وضروب الحديث، على المائدة، لكثرة من يجمعهم عليها من ~~العلماء والكتاب والندماء، وكنت كثيرا ما أحضر. # فقدم إليه في بعض الأيام طيهوج «1» ، فقال: أذكرني هذا، حديثا طريفا. # فسئل: ما هو؟ # فقال: أخبرني بعض من كان يعاشر الراسبي الأمير «2» ، قال: # كنت آكل معه يوما، وعلى المائدة خلق عظيم، فيهم رجل من رؤساء الأكراد ~~المجاورين لعمله، وكان ممن يقطع الطريق، فاستأمن إليه، فأمنه، واختصه، ~~وطالت أيامه معه. # فكان في ذلك اليوم على مائدته، إذ قدم حجل، فألقى الراسبي منه # PageV03P208 # واحدة إلى الكردي، كما يلاطف الرؤساء مواكليهم [174] ، فأخذها الكردي، ~~وجعل يضحك. # فتعجب الراسبي من ذلك، وقال: ما سبب هذا الضحك؟ وما نرى ما يوجبه. # فقال: خبر كان لي. # فقال: أخبرني به. # فقال: شيء طريف، ذكرته، لما رأيت هذه الحجلة. # قال: ما هو؟ # فقال: كنت أيام قطعي الطريق، وقد اجتزت في بعض المحجة. # الفلانية، في الجبل الفلاني، وأنا وحدي، في طلب من آخذ ثيابه، حتى ~~استقبلني رجل وحده، فاعترضته، وصحت عليه، فاستسلم إلي، ووقف، فأخذت ما كان ~~معه، وطالبته أن يتعرى، ففعل، ومضى لينصرف. # فخفت أن ms364 يلقاه في الطريق، من يستنفره على طلبي، فأطلب، وأنا وحدي، فأؤخذ، ~~فقبضت عليه، وعلوته بالسيف، لأقتله. # فقال: يا هذا، أي شيء بيني وبينك، قد أخذت ثيابي، وعريتني، ولا فائدة لك ~~في قتلي. # فكتفته، ولم ألتفت إلى قوله، وأقبلت أقنعه «1» بالسيف. # فتلفت، كأنه يطلب شيئا، فرأى حجلة قائمة، وهي على الجبل، فقال: يا حجلة، ~~اشهدي لي [175] عند الله تعالى أني أقتل مظلوما. # فما زلت أضربه، حتى قتلته، وسرت، فما ذكرت هذا الحديث، حتى رأيت هذه ~~الحجلة، فذكرت حماقة ذلك الرجل، فضحكت. # PageV03P209 # قال: فانقلبت عين الراسبي حردا «1» ، وقال: لا جرم إن شهادة الحجلة عليك ~~لا تضيع اليوم، في الدنيا قبل الآخرة، وما أمنتك إلا على ما كان منك من ~~فساد السبيل، فأما الدماء، فما أسقطها الله عنك بالأمان، وقد أجرى الله على ~~لسانك الإقرار عندي، يا غلام، اضرب عنقه. # قال: فبادر الغلام إليه، وغيره، بسيوفهم يخبطونه، وضرب كل واحد منهم ~~قفاه، فكأن رأسه قثاءة قطعت نصفين. # فتدحرج رأسه بين أيدينا، ونحن على المائدة، وجرت جثته. # ومضى الراسبي في الأكل. # PageV03P210 ### || 137 رقعة إلى رجل تزوجت أمه # أملى علي أبو إسحاق، إبراهيم بن هلال الكاتب، الصابئ «1» ، نسخة رقعة إلى ~~رجل زوج أمه، كتبها إليه: # قد جعلك الله، وله الحمد، من أهل التحصيل، والرأي الأصيل، وصحة الدين، ~~وخلوص اليقين، كما أنك لا [176] تتبع الشهوة في محظور تحله، فكذلك لا تطيع ~~الأنفة في مباح تحظره، وتأدى إلينا من إيقاعك العقد، بين الوالدة- نفس الله ~~لها في مدتك- وبين فلان، ما علمنا أنك بين طاعة للديانة توخيتها، ومشقة ~~فيها تجشمتها، فإنك جدعت أنف الغيرة لها، وأضرعت خد الحمية فيها، وأسخطت ~~نفسك لرضاها، وعصيت هواك لرأيها، فنحن نهنئك بعزيمة صبرك، ونعزيك عن فائت ~~مرادك، ونسأل الله الخيرة لك، وأن يجعلها أبدا معك، فيما شئت وأبيت، وتجنبت ~~وأتيت، والسلام. # PageV03P211 ### || 138 رقعة الصابي إلى الوزير ابن بقية # وأنشدني «1» لنفسه، قال: وكتبت بها وأنفذتها إلى [الوزير ابن بقية وهو ~~في] «2» حضرة الأمير «3» ، [وقد كان] وعدني بتخليصي «4» ، فأخر ذلك «5» : # أيا ناصرا للدين والدولة التي ms365 ... رددت إليها العز إذ فات رده # أيعجزك استخلاص عبدك بعد ما ... تخلصت مولاك الذي أنت عبده «6» # PageV03P212 ### || 139 تملكت يا مهجتي مهجتي # أنشدني رجل مصري، قال: أنشدني أبو الفتح الكاتب «1» ابن [177] البكتمري، ~~رجل باق بالشام، من أهلها، لنفسه: # تملكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري # وما كان ذا أملي يا ملول ... ولا خطر الهجر في خاطري # وفيك تعلمت نظم الكلام ... فلقبني الناس بالشاعر ### || 140 لا فكك الله # أنشدني ابن غسان المتطبب البصري «2» : # أفدي من السوء مولى بات معتنقي ... وقد أمال إلي طائعا فاه # وكلما قلت يا مولاي أوثقني ... لك الهوى قال لي: لا فكك الله # PageV03P213 ### || 141 كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقق مع المتهمين # حدثني أبو القاسم بهلول بن أبي طالب القاضي وهو محمد بن أحمد بن إسحاق بن ~~البهلول التنوخي، قال: حدثني صاحب الربع، بباب الشام «1» ، وأسماه لي، قال: # كنت أعمل في أصحاب الشرط، مع أبي الحسن الأبزاعجي، صاحب الشرطة ببغداد ~~«2» ، فأخرج لصوصا من الحبس، واستأذن معز الدولة في صلبهم، وقتلهم عند ~~الجسر، فأذن في صلبهم عشيا، وكانوا [178] عشرين رجلا، ووكل بهم جماعة كنت ~~فيهم، والرئيس علينا فلان. # وقال: كونوا عند خشبهم بقية يومكم وليلتكم، حتى إذا كان من غد، ضربت ~~أعناقهم هنا. # وقضينا الليل نوما، فثقل رئيسنا في نومه، وجماعتنا. # فاحتال بعض اللصوص، في أن قطع الحبل، ونزل من الخشبة، فما انتبهنا، إلا ~~بصوت وقعه، وعدوه. # فعدا رئيسنا خلفه، وأنا معه، فما لحقناه. # PageV03P214 # وخفنا أن يتشوش الرجالة الباقون، فيفلت إنسان آخر، فرجعنا مسرعين، وجلسنا ~~مغمومين، مفكرين ماذا نعمل. # فقال رئيسنا: إن الأبزاعجي لا يقيل لي عثرة، ولا يقبل مني عذرا، ويقع له ~~أنني قد أخذت من أحد اللصوص مالا وأفلته، فيضربني للتقرير، فلا أقر، فيقع ~~له، أنني أتجلد عليه، فيمر الضرب علي، إلى أن أتلف، فما الرأي؟ # فقلت: تهرب. # قال: فمن أين أعيش؟ # فقلت: هذا نصف الليل، ولم يعلم بما جرى أحد، فقم حتى نطوف، فلا يخلو أن ~~يقع بأيدينا مشؤوم، قد حانت منيته، فنوثقه، ونصلبه، ونقول ms366 له: سلمت إلينا ~~[179] عشرين رجلا، فإنه ما أثبت حلاهم «1» . # فقال: هذا صواب. # فقمنا نطوف، وسلكنا طريق الجسر، لنعبر [إلى] الجانب الغربي، فرأينا في ~~أسفل كرسي الجسر رجلا يبول، فعدلنا إليه، فقبضنا عليه. # فصاح: يا قوم ما لكم؟ أنا رجل ملاح، صعدت من سميريتي أبول، وهذه سميريتي- ~~وأومأ إليها- أي شيء بيني وبينكم؟ # فضربناه، وقلنا: أنت اللص الذي هرب من الخشبة، وجبناه «2» ، ورقيناه إلى ~~الخشبة، وصلبناه مكان اللص الهارب، وهو يصيح طول الليل، ويبكي. # فتقطعت قلوبنا رحمة له، وقلنا: مظلوم، ولكن ما الحيلة؟ # PageV03P215 # فلما كان من الغد، ركب الأبزاعجي إلى الحبس، وجاء، وقد اجتمع الناس، ~~ليضرب أعناق القوم. # فصاح به الملاح: أيها الأستاذ- وكذا كان يخاطب، وهو رسم لكل من يتقلد ~~رئاسة الشرطة ببغداد- بوقوفك بين يدي الله، أدعني، واسمع مني كلامي، فلست ~~من اللصوص الذين أخرجتهم، وأمرت بصلبهم، وأنا مظلوم، وقد وقعت بي حيلة. # فأنزله، وقال له: ما قصتك؟ # فشرح [180] له حديثه على حقيقته. # فدعا بنا، وقال: ما هذا الرجل؟ # فقلنا: ما نعرف ما يقول، سلمت إلينا عشرين رجلا، وهؤلاء عشرون رجلا. # فقال: قد أخذتم من أحد اللصوص دراهم، وأطلقتموه، واعترضتم هذا، من ~~الطريق، رجلا، غريبا، بريئا، فأخذتموه. # فقلنا: ما فعلنا هذا، اللص الذي سلمته إلينا، هو هذا. # فضرب أعناق الجماعة، وترك الملاح، وقال: هاتم السجانين، والبوابين. # فجاءوا، فقال لهم: هذا من جملة العشرين الذين أخذناهم؟ # فتأملوه، بأجمعهم، وقالوا: لا. # ففكر ساعة، ثم أمر بإطلاقه. # ثم قال: هاتموه إلي، فرددناه. # فقال: اشرح لي قصتك، فأعاد عليه الحديث. # فقال له: في نصف الليل، أي شيء كنت تعمل هناك، في ذلك الموضع؟ # PageV03P216 # فقال: كنت قد بت في سماريتي، فأخذتني بولة، فصعدت أبول. # قال: ففكر ساعة، ثم قال له: اصدقني على الحقيقة، حتى أطلقك، أي شيء كنت ~~تعمل هناك؟ # فلم يخبره بغير ذلك. # قال: وكان من رسمه، إذا أراد أن يقرر إنسانا، قرره [181] وهو قائم بين ~~نفسين، ووراءه جماعة بمقارع، فإذا حك رأسه، ضرب المقرر، واحدة «1» جيدة ~~عظيمة، فيقول للذي ضربه: قطع الله يدك ورجلك، يا فاعل، ms367 يا صانع، من أمرك ~~بضربه؟ ولم ضربته؟ تقدم يا هذا، لا بأس عليك، أصدق، فقد نجوت. # فإن أقر، وإلا حك رأسه ثانية، وثالثة، أبدا على هذا، وكذا كانت عادته في ~~جميع الجناة، وهو رسم له معروف، عند المتصرفين بحضرته. # قال: فلما أطال عليه الملاح، حك رأسه، فضرب قفاه بعض القائمين، بمقرعة ~~ضربة عظيمة. # فصاح الملاح. # فقال الأبزاعجي: من أمرك بهذا، يا فاعل، يا صانع، قطع الله يديك. # ثم قال للملاح: اصدق، وانج بنفسك. # فقال له الملاح: أيها الأستاذ، الله شاهد عليك، أني آمن على نفسي ~~وأعضائي، حين أصدق؟ # فقال له: نعم. # قال: أنا رجل ملاح، أعمل في المشرعة الفلانية، يعرفني جيراني بالستر، وقد ~~كنت سرحت سماريتي، إلى سوق الثلاثاء «2» ، البارحة بعد # PageV03P217 # العتمة، أتفرج [182] في القمر، فنزل خادم من دار لا أعرفها. # فصاح: يا ملاح؟ # فقدمت «1» . # فسلم إلي امرأة، نظيفة، حسنة، ومعها صبيتان، وأعطاني دراهم صحاحا، وقال: ~~احمل هؤلاء إلى المشرعة الفلانية، بباب الشماسية. # فصعدت بهم قطعة من الطريق، فكشفت المرأة وجهها، فإذا هي من أحسن الناس ~~وجها، كالقمر، فاشتهيتها، فعلقت مجاذيفي في الكرك «2» ، وأخرجت السفينة إلى ~~وسط دجلة، وتقدمت إلى المرأة، فراودتها عن نفسها، فأخذت تصيح. # فقلت لها: والله، لئن صحت، لأغرقنك الساعة. # فسكتت، وأخذت تمانعني عن نفسها، واجتهدت بأن أقدر عليها، فما قدرت. # فقلت لها: من هاتان الصبيتان منك؟ # فقالت: بناتي. # فقلت لها: أيما أحب إليك، تمكنيني من نفسك، أو أغرق هذه؟ # وقبضت على واحدة منهن. # فقالت: أما أنا، فلا أطيعك، اعمل ما شئت. # فرميت إحدى الصبيتين في الماء، فصاحت، فضربت فاها، وصحت معها: والله لا ~~أطلقك ولو قتلتني، ليشتبه ذلك، على من عساه [183] يسمع الصياح في الليل. # PageV03P218 # فسكتت، وأخذت تبكي، ثم تركتها ساعة، وقلت لها: دعيي أفعل بك وإلا غرقت ~~الأخرى. # فقالت: والله، لا فعلت. # فأخذت الصبية الأخرى، فرميت بها في الماء، فصاحت، وصحت معها، ثم قلت لها: ~~ما بقي الآن إلا قتلك، فدعيني، وإلا قتلتك، وأخذت بيدها، وشلتها لأرمي بها ~~إلى الماء. # فقالت: أدعك. # فرددتها إلى السمارية، ms368 فمكنتني من نفسها، فوطئتها. # وسرت، لأمضي بها إلى المشرعة، فقلت في نفسي: هذه الساعة تصعد إلى دارها، ~~أو إلى الموضع الذي تأوي إليه، فتنذر بي، فأؤخذ، وأقتل، وليس الوجه إلا ~~تغريقها، فجمعت يديها، ورجليها، ورميت بها إلى الماء. # فحين غرقت، فكرت فيما ارتكبته، وعظم ما جنيته، فندمت، وكنت كرجل كان ~~سكرانا، فأفاق. # فقلت: أي شيء أعمل؟ ليس إلا أن أنحدر إلى البصرة، وأغوص في أنهارها، فلا ~~أعرف. # فانحدرت، فلما صرت حذاء الجسر، أخذتني بطني، وقلت: أصعد، وأتفسح [184] ، ~~وأعود إلى سماريتي. # فصعدت، فأنا جالس أتغوط، فما أحسست حتى قبض هؤلاء علي. # قال: فقال له الأبزاعجي، مطايبا: يا هذا، أي معاملة بين مثلك وبيني، ~~انصرف بسلام. # فظن لجهله، أن ذلك حقيقة، فولى لينصرف. # فصاح به، وقال: يا فتى، هوذا تنصرف، وتدعنا من حقا «1» ؟ فلا # PageV03P219 # أقل من أن ترجع لنحلفك، أنك لا تعود إلى مثل هذا. # فرجع. # فقال: خذوه، فأخذوه. # فقال: اقطعوا يده. # فقال: يا سيدي، أليس قد أمنتني؟ # فقال: يا كلب، وأي أمان لمثلك؟ قد قتلت ثلاثة أنفس، وزنيت، وأخفت السبيل. # قال: فقطعت يداه، ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرق جسده بالنار في مكانه. ### || 142 لماذا لقب بالأبزاعجي # أخبرني من أثق إليه من أهل بغداد، أن الأبزاعجي، إنما لقب بذلك، لأنه كان ~~يخدم قائدا من غلمان الموفق «1» ، تركيا، وكان يسمى أبزاعج، فلقب ~~بالأبزاعجي لذلك. # PageV03P220 ### || 143 وكيل دعاوى يحرم من أجره فيعرقل حسم الدعوى # حدثني أبو بكر بن عثمان الصيرفي، الشاعر، قال: سمعت عمر ابن أكثم «1» ، ~~يقول: # كان قوم يريدون تثبيت وفاة [185] ، وعدد ورثة، عند أبي عمر القاضي «2» ، ~~وكانوا قد ضمنوا للوكيل خمسين دينارا على ذلك. # فلما ثبت عند القاضي، عدد الورثة، بشهادة شاهدين، ساموه أن يأخذ منهم ~~البعض، ويدع عليهم البعض. # فأخذ ما عفوا به «3» ، وتقدم إلى القاضي، وخصومهم في المجلس، وقال: # قد وكلني هؤلاء- أعز الله القاضي- وقد أخرجت نفسي من الأولين. # فقال: تكلم. # فقال: شهد الشاهدان، عند القاضي، أنهما لا يعلمان وارثا، غير من ذكروه، ~~وعندي شاهدان عدلان، يعلمان وارثا آخر. # فقال: أحضرهما. ms369 # فقاموا، ودافع بالحكم، ولم يزل يدفع بهم شهرا، إلى أن جاءه الورثة، ~~فقالوا: قد أهلكتنا. # PageV03P221 # فقال: بما كسبت أيديكم، والله لأدفعن بأمركم سنة، أو تعطوني خمسين دينارا ~~مستأنفة، لأمسك. # وأعطوه ما طلب، وتقدم، فقال: لا بينة لي. # فحكم القاضي لهم. ### || 144 إذا صرف الأمين زائدا عن الحاجة ألزم بتعويضه من ماله # وحدثنا أبو بكر «1» ، قال: حدثنا عمر بن أكثم، قال: # تقدم يتيم كان في حجر أمين من [186] أمناء القاضي أبي جعفر بن البهلول ~~«2» ، إليه، وقد بلغ وفك حجره، فقال: أيها القاضي، إن فلانا الأمين، ضيع من ~~مالي هذا، كذا وكذا، وأنا أطالبه به. # فقال: هاه، هاه «3» ، أتقول [هذا] لأمين ثابت الأمانة عندي؟ # فقال: أيها القاضي، لم أقل خان فيه، ولكنه أنفق علي أكثر مما كنت أحتاج ~~إليه، بكذا وكذا، وهذا تضييع. # فدعا أبو جعفر الأمين، فسأله، فأقر بذلك. # فألزمه المال في ذمته. # PageV03P222 ### || 145 رؤيا عبد الملك بن مروان وتفسيرها # حدثنا «1» أبو القاسم بن بشر الآمدي «2» ، قال: قال لي أبو أحمد طلحة ابن ~~الحسن بن المثنى «3» ، يوما، وقد تجاذبنا على خلوة، الحديث فيما بينه وبين ~~أبي القاسم البريدي «4» ، وتدبير كل واحد منها على صاحبه في القبض عليه، ~~وأنا أشير عليه أن يهرب عن البصرة، ولا يقيم، وأنه لا يجب أن يغتر «5» . # قال: لست أفكر في هذا الرجل، لألوان كثيرة، منها رؤيا رأيتها منذ ليال ~~كثيرة، فقلت: ما هي؟ # قال: رأيت ثعبانا عظيما، قد خرج علي من هذا الحائط- وأومأ # PageV03P223 # بيده إلى حائط في مجلسه- وهو [187] يريدني، فطلبته، وضربته، فأثبته في ~~الحائط، فتأولت أن ذلك الثعبان، البريدي، وأني أغلبه. # قال: فحين قال: فأثبته في الحائط، سبق إلى قلبي، أن البريدي، هو الثابت، ~~وأن الحائط، حائطه، دون أبي أحمد، فأردت أن أقول له: # إن الخبر مستفيض، بما كان عبد الملك رأى في منامه، كأنه وابن الزبير، قد ~~اصطرعا في صعيد من الأرض، فطرح ابن الزبير عبد الملك تحته على الأرض، ~~وأوتده بأربعة أوتاد فيها، وإنه أنفذ راكبا إلى البصرة، فلقي ابن سيرين، ~~فقص عليه الرؤيا، ms370 كأنها له، وكتم ذكر ابن الزبير. # فقال له ابن سيرين: هذه الرؤيا ليست رؤياك، ولا أفسرها لك. # فألح عليه. # فقال: يجب أن تكون رؤيا عبد الملك، فإن صدقتني، فسرتها لك. # فقال: هو كما وقع لك. # فقال: قل له: إن صحت رؤياك هذه، فستغلب ابن الزبير على الأرض، ويملك ~~الأرض من صلبك، أربعة ملوك. # فمضى الرجل إلى عبد الملك، فأخبره، فعجب من فطنة ابن سيرين، وقال: ارجع ~~إليه، وقل له: من [188] أين قلت هذا؟ # فرجع الرجل إليه. # فقال له: إن الغالب في النوم مغلوب، وتمكنه على الأرض غلبة عليها، ~~والأوتاد الأربعة، التي أوتدها في الأرض، هم ملوك يتمكنون في الأرض، كما ~~تمكنت الأوتاد. # قال أبو القاسم الآمدي: فأردت أن أقول لأبي أحمد، هذا، وما وقع # PageV03P224 # لي من القياس عليه، في تعبير رؤياه، فكرهت ذلك، لأنه كان يكون سوء أدب، ~~وقباحة عشرة، ونعيا لنفسه. # فما مضت الأيام، حتى قبض البريدي عليه، وكان من أمره ما كان «1» . ### || 146 أبو أحمد بن المثنى ومناماته التي لا تخطئ # وكان ممن حضر عندي، لما حدثني أبو القاسم بهذا الخبر، أبو القاسم عمر بن ~~عبد الرحمن بن طلحة بن الحسن بن المثنى، فقال: # كانت لجدي «2» ، منامات طريفة لا تخطئ، فمنها: إني كنت بحضرته، وأنا صبي، ~~في تربة جدي لأمي، وعم أبي، أبي الحسين «3» ، [فقال لنا: # إني رأيت البارحة مناما، فقد أبصرت ثلاثة قبور قد احتفرت، أولها لحسان، ~~والثاني لابي الحسين أخي، والثالث لي من بعده، وقد أبصرت حسان نائما في ~~قبره، وأبصرت أبا الحسين قاعدا في القبر، أما أنا فقد كنت أقعد في القبر ~~وأقوم في حركة دائبة، وكأن هاتفا يهتف بي، إن عمرك وعمر أخيك # PageV03P225 # واحد، وقد توفي أخي منذ سنة] «1» وما أظن بيني وبين أخي إلا سنة. # قال: فقال له من حوله: يبقي الله الشيخ، ويفعل به ويصنع. # قال: فانصرف من التربة، فلما كان في اليوم السابع من ذلك الحديث، [189] ~~قبض عليه أبو القاسم البريدي، في يوم الخميس، غرة شعبان، سنة خمس وثلاثين ~~وثلاثمائة، فأقام ms371 في يده دون ثلاثة أشهر، ثم قتله في حبسه، في شوال، بحيلة ~~احتالها له، عبدان المتطبب، لعنه الله، في شيء سقاه. # فقال أبو القاسم الآمدي: كنت حاضرا ابتداء المجلس، ولما أخبر رؤياه، ~~تأولها تأولا غير ما وقع، وهو: إن نوم حسان في قبره سلامة متينة، وإن قعود ~~أبي الحسين، لأن الحال التي مات بها، أشد من حال حسان، لأنه فلج سنين، فعاش ~~مبتلى، قد نقص من صحته، ورأى في نفسه ما لا يحبه، وإن وفاة أبي أحمد تكون ~~بحال هي أشد من ذلك كله، بحسب قعوده وقيامه في المشقة، وفرق ما بين القعود ~~والنوم والراحة. # فمات أبو أحمد، مقتولا، بعد الحبس والنكبة، والفقر والذلة. # PageV03P226 ### || 147 قاضي شيراز يحكم بين صوفي وصوفية # حدثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي، الفقيه، المتكلم، المعروف ~~بابن السماك رحمه الله، قال: # حضرت بشيراز، عند قاضيها أبي سعد بشر بن الحسن [190] الداودي، وقد ارتفع ~~إليه صوفي وصوفية. # قال: وأمر الصوفية هناك مفرط جدا، حتى يقال إن عددهم ألوف، رجال ونساء. # قال: فاستعدت المرأة على زوجها إلى القاضي، فلما حضرا، قالت له: # أيها القاضي، هذا زوجي يريد أن يطلقني، وليس له ذلك، فإن رأيت أن تمنعه. # قال: فأخذ أبو سعد، يعجبني من هذا الكلام، وينبهني على مذاهب الصوفية ~~فيه. # ثم قال لها: كيف ليس له ذلك؟ # قالت: لأنه تزوج بي، ومعناه قائم، والآن يذكر أن معناه قد انقضى مني، وأن ~~معناي قائم فيه ما انقضى، فيجب أن يصبر، إلى أن ينقضي معناي فيه، كما انقضى ~~معناه مني. # فقال لي أبو سعد: كيف ترى هذا الفقه؟ # ثم أصلح بينهما، وخرجا من غير طلاق. # PageV03P227 ### || 148 ابن خفيف شيخ الصوفية بشيراز يتكلم على الخطرات والوساوس # أخبرني جماعة من أهل العلم: أن بشيراز رجلا يعرف بابن خفيف البغدادي، شيخ ~~الصوفية هناك، يجتمعون إليه، فيتكلم على الخطرات «1» والوساوس «2» ، ويحضر ~~[191] حلقته ألوف من الناس، وأنه فاره، فهم، حاذق، وأنه قد استغوى الضعفى ~~من الناس، إلى هذا المذهب. # قال: فمات رجل صوفي من ms372 أصحابه، وخلف زوجة صوفية، فاجتمع النساء الصوفيات- ~~وهن خلق كثير- ولم يختلط بمأتمها غير هن. # فلما فرغوا من دفنه، دخل ابن خفيف، وخواص أصحابه- وهم عدد كثير- إلى ~~الدار، وأخذ يعزي المرأة، بكلام من كلام الصوفية، إلى أن قالت: قد عزيت «3» ~~. # فقال لها: هاهنا غير؟ # فقالت: لا غير. # قال: فما معنى التزام النفوس، آفات الهموم، وتعذيبها بعذاب الغموم؟ # ولأي معنى نترك الامتزاج، لتلتقي الأنوار، وتصفو الأرواح، وتقع ~~الإخلافات، وتنزل البركات؟ # PageV03P228 # قال: فقالت النساء: إذا شئت. # قال: فاختلط جماعة الرجال، بجماعة النساء، طول ليلتهم، فلما كان سحرا ~~خرجوا. # قوله: هاهنا غير؟، أي: هاهنا غير موافق في المذهب؟ # فقالت: لا غير، أي ليس من مخالف. # قوله: نترك الامتزاج، كناية عن الوطء، من الممازجة. # وقوله: لتلتقي [192] الأنوار، على أصلهم إن في كل جسم نورا إلهيا. # وقوله: الإخلافات، أن يكون خلف لكل من مات أو غاب من أزواجكن. # وهذا عندي عظيم، ولولا أن جماعة أخبروني، يبعدون عندي عن الكذب، ما ~~حكيته، لعظمه عندي، واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام. # وبلغني أن هذا ومثله، شاع، حتى بلغ الأمير عضد الدولة، فقبض على جماعة ~~منهم، وضربهم بالسياط، وشرد جماعة منهم، وشتت جموعهم، فكفوا. # PageV03P229 ### || 149 من شعر أبي فراس الحمداني # لأبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان «1» ، لما أسر «2» : # ما للعبيد من الذي ... يقضي به الله امتناع # ذدت الأسود عن الفرائس ... ثم تفرسني الضباع «3» # وله إلى سيف الدولة، قصيدة اخترت منها قوله: # أيدرك ما أدركت إلا ابن همة ... يمارس في كسب العلى ما أمارس # يضيق مكاني عن سواي لأنني ... على قبة المجد المؤثل جالس «4» [193] # وقال، وقد حضر العيد، وهو ببلد الروم أسير: # يا عيد ما جئت «5» بمحبوب ... على معنى القلب مكروب # يا عيد قد عدت على ناظر ... عن كل حسن فيك محجوب # يا وحشة الدار التي ربها ... أصبح في أثواب مربوب # قد طلع العيد على أهلها ... بوجه لا حسن ولا طيب # ما لي وللدهر وأحداثه ... لقد رماني بالأعاجيب «6» # PageV03P230 # وله في الأسر قصيدة أولها: # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى ms373 نهي عليك ولا أمر «1» # ويقول فيها: # تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والفكر # معللتي بالوعد «2» والموت دونه ... إذا مت عطشانا «3» فلا نزل القطر # وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر [194] # وأصدى إلى «4» أن ترتوي الأرض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر # ولا أصبح الحي الخلوف بغارة ... ولا الجيش ما لم يأته قبلي النذر # ويا رب دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر # وحي رددت الجيش حتى ملكته ... هزيما وردتني البراقع والخمر # وما راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر # وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر # أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه غمر # ولكن إذا حم القضاء على امرىء ... فليس له بر يقيه ولا بحر [195] # ويقول فيها: # وقال أصيحابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر # ولكنني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر # ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو «5» # PageV03P231 ### || 150 أبو سعيد الشيباني يتغزل # أنشدني في ربيع الآخر من سنة ست وستين وثلاثمائة، أبو سعيد مساعد ابن ~~الجهم الشيباني، لنفسه: # قال: وقلتها منذ سبعين سنة، وذكر لي أن له في الوقت ستا وتسعين سنة. # يا مقلة لحظها عقاربها ... سماء عيني دمعي كواكبها # تجول في حلبة مشهرة ... تكبو بركبانها ركائبها # كأنها والدماء تتبعها ... شهب خيول شقر جنائبها # أنشدني من» # هذه الأبيات، شعرا جيدا، في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وقال: شهب ~~جنائبها. وهذا أصح «2» ، لأنه أراد [196] به، أنه يبكي دمعا، ثم يتبعه دما، ~~والدليل عليه قوله: # كأنها والدماء تتبعها # PageV03P232 ### || 151 القاضي أبو الحسين ابن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي # حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان، الشيرازي، الكاتب، قال: ~~حدثني أبو بكر الجعابي الحافظ، قال: # دخلت يوما على القاضي أبي الحسين بن أبي عمر «1» ، وهو مغموم حزين، فقلت ~~له: لا يغم الله القاضي، فما الذي آذاه؟ # فقال: مات يزيد المائي. ms374 # فقلت: يبقي الله قاضي القضاة أبدا، ومن يزيد، حتى إذا مات اغتم عليه قاضي ~~القضاة، هذا الغم كله؟ # فقال: ويحك، مثلك يقول هذا، في رجل أوحد في صناعته، قد مات ولا خلف له، ~~ولا أحد يقاربه في حذقه؟ وهل فخر البلد، إلا بكثرة كون رؤساء الصناع، وحذاق ~~أهل العلم فيه؟ فإذا مضى رجل، لا مثل له في صناعته، ولا بد للناس منها، فهل ~~يدل هذا، إلا على نقصان العالم، وانحطاط البلدان؟ # ثم قال بعد ذلك: وأخذ يعدد فضائله، والأشياء الطريفة التي عالج بها، ~~والعلل [197] الصعبة التي زالت بتدبيره، وذكر من ذلك أشياء كثيرة، لم يعلق ~~أكثرها بحفظي. # قال: وكان منها، أن قال: لقد أخبرني، منذ مدة طويلة، رجل من جلة أهل هذا ~~البلد، أنه كان قد حدث بابنة له علة طريفة، فكتمتها عنه، # PageV03P233 # ثم أطلعته عليها، فكتمها هو مدة، ثم انتهى أمر البنت إلى حد الموت. # قال: فقلت: لا يسعني كتمان هذا أكثر من هذا. # قال: فكانت العلة، أن فرج الصبية، يضرب عليها ضربا عظيما، لا تنام منه ~~الليل، ولا تهدأ النهار، وتصرخ من ذلك أعظم صراخ، ويجري في خلال ذلك، منه ~~دم يسير، كماء اللحم، وليس هناك جرح يظهر، ولا ورم كبير يزيد. # قال: فلما خفت المأثم، أحضرت يزيد، فشاورته. # فقال: تأذن لي في الكلام، وتبسط عذري فيه؟ # قلت: نعم. # فقال: لا يمكنني أن أصف شيئا، دون أن أشاهد الموضع، وأفتشه بيدي، وأسائل ~~المرأة عن أسباب، لعلها كانت الجالبة للعلة. # قال: فلعظم الضرورة، وبلوغها التلف [198] ، مكنته من ذلك. # فأطال مساءلتها، وحديثها، بما ليس من جنس العلة، بعد أن جس الموضع من ~~ظاهره، وعرف بقعة الألم، حتى كدت أن أثب به «1» . ثم تصبرت ورجعت إلى ما ~~أعرفه من ستره، فصبرت على مضض. # إلى أن قال: تأمر من يمسكها؟ # ففعلت. # ثم أدخل يده إلى الموضع، دخولا شديدا، فصاحت الامرأة، وأغمي عليها، وانبث ~~الدم، وأخرج في يده حيوانا، أقل من الخنفساء، فرمى به. # فجلست الجارية في الحال، واستترت، وقالت: يا أباه، استرني ms375 فقد عوفيت. # PageV03P234 # قال: فأخذ الحيوان في يده، وخرج من الموضع. # فلحقته، وأجلسته، وقلت: أخبرني ما هذا؟ # فقال: إن تلك المساءلة، التي لم أشك أنك أنكرتها، إنما كنت أطلب شيئا، ~~أستدل به على سبب العلة، إلى أن قالت لي: إنها في يوم من الأيام، جلست في ~~بيت دولاب بقر في بستان لكم، ثم حدثت العلة بها، من غير معرفة، من ذلك ~~اليوم، فخلت، أنه قد دب إلى فرجها من القراد الذي يكون على البقر، وفي بيوت ~~البقر، قراد «1» قد تمكن [199] من أول داخل الفرج، فكلما امتص الدم من ~~موضعه ولد الضربان، وأنه إذا شبع، نقط من الجرح الذي يمتص منه إلى خارج ~~الفرج، هذه النقط اليسيرة من الدم. # فقلت: أدخل يدي وأفتش. # فأدخلت يدي، فوجدت القراد، فأخرجته، وهو هذا الحيوان، قد كبر، وتغيرت ~~صورته، لكثرة ما يمتص من الدم، على طول الأيام. # قال: وأراني الحيوان، وإذا هو قراد. # قال: وبرأت الصبية. # قال: فقال لي أبو الحسين القاضي: فهل ببغداد اليوم، من له من الصناعة مثل ~~هذا، أو ما يقاربه؟، فكيف لا أغتم بموت من هذا بعض حذقه؟ # PageV03P235 ### || 152 أبو المغيرة الشاعر يروي خبرا ملفقا # حدثنا أبو المغيرة، محمد بن يعقوب بن يوسف، الشاعر، البغدادي، الأسدي، ~~قال: حدثني أبو موسى عيسى بن عبيد الله البغدادي، قال: # حدثني صديق لي، قال: # كنت قاصدا للرملة «1» وحدي، فانتهيت إليها، وقد نام الناس، ليلا، فعدلت ~~إلى المقبرة، ودخلت بعض القباب التي على القبور، وطرحت درقة «2» كانت معي، ~~فاتكأت [200] عليها، وعلقت سيفي أريد النوم، لأدخل إلى البلد نهارا، ~~فاستوحشت من الموضع، وأرقت. # فلما طال أرقي، أحسست بحركة، فقلت: لصوص يجتازون، فإن قصدت لهم، لم ~~آمنهم، ولعلهم أن يكونوا جماعة، فلا أطيقهم، فانخزلت مكاني، ولم أتحرك، ~~وأخرجت رأسي من بعض أبواب القبة، على تخوف شديد، فرأيت دابة كالدب، يمشي، ~~فأخفيت نفسي، فإذا به قد قصد قبة حيالي، قريبة مني، فما زال يتلفت طويلا، ~~ويدور حولها، ويتلفت، ساعة، ثم دخلها. # فارتبت به، وأنكرت فعله، وتطلعت نفسي إلى علم ما ms376 هو عليه. # فدخل القبة، وخرج غير متثبت، ثم دخل وخرج، بسرعة، دفعات، ثم دخل، وعيني ~~عليه، فضرب بيده إلى قبر في القبة ليحفر. # فقلت: نباش، لا شك فيه. # PageV03P236 # وتأملته يحفر بيديه، فعلمت أن فيها آلة حديد يحفر بها. # فتركته إلى أن اطمأن، وأطال، وحفر شيئا كثيرا، ثم أخذت سيفي ودرقتي، ~~ومشيت على أطراف أناملي، حتى [201] دخلت القبة، فأحس بي، وقام إلي بقامة ~~إنسان، وأومأ إلي ليلطمني بكفه، فضربت يده بالسيف، فأبنتها، وطارت. # فصاح: أواه، قتلتني، لعنك الله. # وعدا من بين يدي، وعدوت وراءه، وكانت ليلة مقمرة، حتى دخل البلد، وأنا ~~وراءه، ولست ألحقه، إلا أنه بحيث يقع بصري عليه، إلى أن اجتاز في طرق ~~كثيرة، وأنا في خلال ذلك أعلم الطرق، لئلا أضل، حتى إذا جاء إلى باب دار، ~~فدفعه، ودخل، وغلقه، وأنا أتبع. # فعلمت الباب، ورجعت أقفو الأثر، والعلامات التي علمتها في طريقي، حتى ~~انتهيت إلى القبة التي كان فيها النباش، فطلبت الكف، فوجدتها، وأخرجتها إلى ~~القمر، فبعد جهد، انتزعت الكف المقطوع من الآلة الحديد، فإذا هي كف كالكف، ~~وقد أدخل أصابعه في الأصابع، وإذا هي كف فيها نقش حناء، وخاتمان ذهب. # فحين علمت أنها امرأة، اغتممت، وتأملت الكف، وإذا أحسن كف في الدنيا، ~~نعومة، ورطوبة، وسمنا [202] وملاحة، فمسحت الدم منها، ونمت في القبة التي ~~كنت فيها. # ودخلت البلد، من غد، أطلب العلامات، حتى انتهيت إلى الباب. # فسألت: لمن الدار؟ # فقالوا: لقاضي البلد. # واجتمع عليها خلق، وخرج منها رجل شيخ بهي، فصلى الغداة بالناس، وجلس في ~~المحراب. # PageV03P237 # فازداد عجبي من الأمر، وقلت لبعض الحاضرين: بم يعرف هذا القاضي؟ # فقال: بفلان. # فأطلت الحديث في معناه، حتى عرفت أن له ابنة عاتقا «1» ، وزوجة، فلم أشك، ~~أن النباشة ابنته. # فتقدمت إليه، وقلت له: بيني وبين القاضي- أعزه الله- حديث، لا يصلح إلا ~~على خلوة. # فقام إلى داخل المسجد، وخلا بي، وقال: قل. # فأخرجت إليه الكف، وقلت: أتعرف هذه؟ # فتأملها طويلا، وقال: أما الكف فلا، وأما الخواتيم، فخواتيم ابنة لي، ~~عاتق، فما الخبر؟ # فقصصت عليه ms377 الحديث بأسره. # فقال: قم معي، وأدخلني داره، وغلق الباب، واستدعى طبقا، وطعاما، واستدعى ~~امرأته. # فقال له الخادم: تقول [203] لك: كيف أخرج ومعك رجل غريب؟ # فقال: لا بد من خروجها تأكل معنا، فهنا من لا أحتشمه. # فأبت عليه، فحلف بالطلاق لتخرجين، فخرجت باكية، فجلست معنا. # فقال لها: أخرجي ابنتك. # فقالت: يا هذا، قد جننت، فما الذي حل بك؟ فقد فضحتني، وأنا امرأة كبيرة، ~~فكيف تهتك صبية عاتقا؟ # فحلف بالطلاق لتخرجنها، فخرجت. # PageV03P238 # فقال: كلي معنا. # فرأيت صبية كالدينار المنقوش، ما مقلت مقلتاي مثلها، ولا أحسن منها، إلا ~~أن لونها أصفر جدا، وهي مريضة، فعلمت أن الذي لحق يدها، قد فعل بها ذلك. # فأقبلت تأكل بيمينها، وشمالها مخبوءة. # فقال: اخرجي اليسرى. # فقالت: قد خرج فيها خراج عظيم، وهي مشدودة. # فحلف لتخرجنها. # فقالت امرأته: يا رجل، استر على نفسك، وعلى ابنتك، فو الله- وحلفت بأيمان ~~كثيرة- ما اطلعت لهذه الصبية على سوء قط، إلا البارحة، فإنها جاءتني، بعد ~~نصف الليل، فأيقظتني [204] ، وقالت: يا أمي، الحقيني، وإلا تلفت. # فقلت لها: ما لك؟ # فقالت: قد قطعت يدي، وهوذا أنزف الدم، والساعة أموت، فعالجيني، وأخرجت ~~يدها مقطوعة. # فلطمت، فقالت: لا تفضحيني ونفسك بالصياح، عند أبي والجيران، وعالجيني. # فقلت: لا أدري بما أعالجك. # فقالت: خذي زيتا، فاغليه، واكوي به يدي. # ففعلت ذلك، وكويتها، وشددتها، وقلت: الآن حدثيني ما دهاك. # فامتنعت. # فقلت: والله، لئن لم تحدثيني، لأكشفن أمرك إلى أبيك. # قالت: إنه وقع في نفسي منذ سنتين، أن أنبش القبور، فتقدمت # PageV03P239 # إلى هذه الجارية، فاشترت لي جلد ماعز غير محلوق الشعر، واستعملت لي كفين ~~من حديد، وكنت إذا نمتم، أفتح الباب، وآمرها أن تنام في الدهليز ولا تغلق ~~الباب، وألبس الجلد، والكفين الحديد، وأمشي على أربع، فلا يشك من لعله ~~يراني من سطح أو غيره، أني كلب. # ثم أخرج إلى المقبرة، وقد عرفت من النهار [205] ، خبر من يموت من الجلة، ~~وأين قد دفن، فأقصد قبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، فأدخلها في الجلد، وأمشي ~~مشيتي، وأعود والباب غير مغلق، فأدخل، وأغلقه، وأنزع تلك ms378 الآلة، وأدفعها ~~إلى الجارية، مع ما قد أخذته، فتخبئه في بيت لا تعلمون به، وقد اجتمع ~~ثلاثمائة كفن، أو ما يقاربها، لا أدري ما أصنع بها، إلا أني كنت أجد لذلك ~~الخروج، والفعل، لذة لا سبب لها، أكثر من أن أصابتني بهذه المحنة. # فلما كان الليلة، تسلط علي رجل، أحس بي، وكان كأنه جالس، أو حارس لذلك ~~القبر، فحين بدأت أنبشه، جاءني، فقمت لأضرب وجهه بكفي الحديد، فأشغله بها ~~عني، وأعدو، وأنجو، فداخلني بالسيف، فضربني، فتلقيت الضربة بشمالي، فأبان ~~كفي. # فقلت لها: أظهري أنه قد خرجت على كفك خراج، وتعاللي، فإن الذي بك من ~~صفار، يصدق قولك، حتى إذا مضت أيام، قلنا لأبيك، لا بد أن تقطع يدك، وإلا ~~خبث جميع [206] بدنك، فتلفت، فيأذن لنا في قطعها، فنوهم أنا قطعناها [من] ~~جديد، وينستر أمرك. # فعملنا على هذا، بعد أن استتبتها، فتابت، وحلفت بالله، لا عادت. # وكنت على بيع هذه الجارية، وأراعي فيما بعد مبيت هذه الصبية، وأبيتها ~~جانبي، ففضحتني أنت، وفضحت نفسك. # فقال لها القاضي: ما تقولين؟ # PageV03P240 # فقالت: صدقت أمي، وو الله، لا عدت أبدا، وتابت. # فقال لها القاضي: هذا صاحبك الذي قطع يدك، فكادت أن تتلف جزعا. # ثم قال: يا فتى، من أين أنت؟ # فقلت: رجل من أهل العراق. # قال: ففيم وردت؟ # قلت: أطلب الرزق. # فقال: قد جاءك حلالا، هنيئا، نحن قوم مياسير، ولله علينا ستر، فلا تهتكه، ~~والله، ما علمت هذا من حال ابنتي، فهل لك أن تتزوجها، وأغنيك بمالي عن ~~الناس، وتكون معنا، وفي دارنا؟ # قلت: نعم فرفع الطعام، وخرجنا إلى المسجد والناس مجتمعون، ينتظرونه. # فخطب، وزوجني، وقام رجع، فأدخلني إلى [207] الدار. # ووقع حب الصبية في نفسي، حتى كدت أموت عشقا لها، وافترعتها، وأقامت معي ~~شهورا، وهي نافرة عني، وأنا أونسها، وأبكي حسرة على يدها، وأعتذر إليها، ~~وهي تظهر قبول عذري، وأن الذي بها غما على يدها. # إلى أن نمت ليلة، وانبسطت في نومي، على رسمي، فأحسست بثقل على صدري شديد، ~~فانتبهت جزعا، فإذا بها باركة على ms379 صدري، وركبتها على يدي، مستوثقة، وفي ~~يدها موسى، وقد أهوت لتذبحني، فاضطربت ورمت الخلاص فتعذر، وخشيت أن ~~تبادرني، فسكنت. # فقلت لها: كلميني، واعملي ما شئت، ما الذي يدعوك إلى هذا؟ # قالت: أتظن أنك قطعت يدي، وهتكتني، وتزوجت بي، وتنجو سالما؟ والله لا كان ~~هذا. # PageV03P241 # فقلت: الذبح قد فاتك، ولكنك تتمكنين من جراحات توقعينها بي، ولا تأمنين ~~أن أفلت فأذبحك، أو أهرب وأكشف هذا عليك، ثم أسلمك إلى السلطان، فيكشف ~~جنايتك الأولى [208] ، والثانية، ويتبرأ منك أهلك، وتقتلين. # فقالت: افعل ما شئت، فلا بد من ذبحك، وقد استوحش كل منا من صاحبه. # فنظرت، وإذا الخلاص منها يبعد علي، ولا آمن أن تجرح موضعا من بدني، فيكون ~~فيه تلفي، فقلت: الحيلة أعمل فيها. # فقلت: أو غير هذا. # فقالت: قل. # فقلت: أطلقك الساعة، وتفرجين عني، وأخرج من البلد، فلا تريني، ولا أراك ~~أبدا، ولا ينكشف لك حديث في بلدك، ولا فضيحة، وتتزوجين من شئت، فقد شاع عند ~~الناس، أن يدك قطعت لخراج خبثها، وتربحين الستر. # فقالت: تحلف أنك لا تقيم في البلد، ولا تفضحني فيه أبدا؟ # قال: فحلفت بالأيمان المغلظة. # فقامت عن صدري، تعدو، خوفا من أن أقبض عليها، حتى رمت الموسى بحيث لا ~~أدري، وعادت، فأخذت تظهر بأن الذي فعلته، مزاح، وتلاعبني. # فقلت: إليك عني، فقد حرمت علي، ولا تحل لي ملامستك، وفي غد، أخرج عنك. # فقالت: الآن علمت صدقك، وو الله، لو لم تفعل [209] ، لما نجوت من يدي. # PageV03P242 # وقامت، فجاءتني بصرة، وقالت: هذه مائة دينار، خذها نفقة، واكتب رقعة ~~بطلاقي، ولا تفضحني، واخرج. # فخرجت في سحرة «1» ذلك اليوم، بعد أن كتبت إلى أبيها، أني قد طلقتها، ~~وأني خرجت حياء منه. # ولم ألتق بهم إلى الآن. ### || 153 من شعر أبي المغيرة # أبو المغيرة، راوي هذا الخبر «2» ، شاعر طويل اللسان، مطبوع، هجاء، وله ~~مدائح كثيرة، وديوان واسع، وأنشدني لنفسه أشياء، منها: # عرضني للردى هواه ... من معدن السحر مقلتاه # وقد لوى نحوه فؤادي ... صدغ على الخد قد لواه # كأنه عقرب ولكن ... يلسع كل الورى سواه ms380 # يا عاذلي في هواه رفقا ... عذري من الحسن ما تراه # PageV03P243 ### || 154 أبو أحمد الدلجي يرى مناما صادقا # حدثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان، الكاتب المعروف ~~بالدلجي «1» ، قال: # رأيت في المنام ذات ليلة- وأنا إذ ذاك أخلف سهل بن بشر «2» على أعمال ~~الأهواز- كأني قد خرجت إلى بعض الصحارى، فصعدت [210] جبلا شاهقا، فلما بلغت ~~ذروته، قربت من القمر، أو قرب القمر مني، حتى لمسته بيدي، وكأن في يدي ~~خشبة، قد أدخلتها فيه، وأنا أخضخضها فيه، حتى نقبته، وقطعته قطعا، ثم أخذت ~~بتلك الخشبة، غيما، كان قريبا من القمر، فما زلت ألطخه، حتى طينته كله، ~~وكأن صاحبا لي يقول: ما تصنع؟ # فقلت له: قد قتلت القمر، وأنا أطينه بهذا الغيم. # وانتبهت، فاشتغل بذلك قلبي، فبكرت إلى أبي الحسن أحمد بن عمر الطالقاني، ~~الكاتب، فلما رآني، قال: رأيت لك البارحة مناما طريفا، وأردت أن أجيئك ~~الساعة، فأفسره لك. # فقلت: فإني رأيت البارحة مناما قد شغل قلبي، فجئت لأحدثك به. # PageV03P244 # فقال: ما رأيت؟ # فقصصت عليه الرؤيا. فقال: لا تشغل قلبك بها، فستلي مكان سهل بن بشر، ~~وتحتوي على منزله، عن قريب. # فقلت: من أين لك هذا؟ وما الذي رأيت أنت؟ # فقال: رأيت البارحة في منامي، كأني مجتمع مع رجل صالح، قد هجس في نفسي ~~أنه بعض الصحابة، أسأله [211] أن يدعو الله عز وجل لي، فقال لي: الدلجي ~~صديقك؟ # فقلت: نعم فقال: قل له: الأهواز وقف عليك، فاتق الله، ولا تؤذي زوجتك، ~~ولا شك أن هذا المنام تفسير منامك. # فاستكتمته المنام، وافترقنا، وعدت. # وما كنت أرى أنني أؤذي زوجتي في شيء، إلا في تسري الجواري، وكانت عندي ~~واحدة منهن، قد أقامت نحو سنة، وكادت أن تغلبها علي، فبعتها على مشتر في ~~الحال، ووهبت ثمنها لزوجتي، وكان ألوف دراهم. # فلما كان بعد ذلك بسنة- أكثر أو أقل- ورد الوزير ابن بقية، الأهواز، مع ~~عز الدولة، وقبض على القائد بختكين آزاذرويه «1» ، والأتراك، وسهل بن بشر، ~~ثم أطلق القائد، وسمي بالحاجب الأجل «2» ، وردت الضمانات إليه، وقلدني مكان ~~سهل بن ms381 بشر. # PageV03P245 # فما زال في حبس أبي أحمد، مدة، ثم أخذ من يده، وحمل إلى بغداد «1» ، وحدث ~~من ملك الأمير عضد الدولة بغداد ما حدث، فأطلق «2» ، وقلد عسكر مكرم، ~~وتستر، وجنديسابور وأعمال ذلك «3» ، ونكب [212] أبا أحمد، وألزمه مالا، ~~فلزم منزله بالأهواز، وكان يؤدي المال، إلى أن خالف سهل بن بشر، ودخل ~~الأهواز بالجيش داعيا إلى عضد الدولة «4» ، ومعهم أبو أحمد خوفا على مهجته ~~من سهل بن بشر. # وأقام «5» بأرجان، سنة وشهرا، ثم واطأ الديلم بالأهواز، على أن يشغبوا، ~~ويقولوا: إنهم لا يرضون بالوزير وزيرا «6» ، ولا يقنعون إلا بصرفه، وتقليد ~~غيره الوزارة، وإلا لم يرضوا بإمارة الأمير عز الدولة «7» ، واستحلف ~~القواد، وسائر الجيش بكور الأهواز، وبايعوه، وحلفوا له، وأظهر أنه يريد ~~المسير إلى بغداد، للمطالبة بذلك، وذلك في شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة ~~«8» . # فأنكر ذلك، الأمير عز الدولة، وأنفذ إبراهيم بن إسماعيل، من أجل حجابه، ~~برسالة إلى الديلم، فندموا على ما فعلوا، وأذعنوا بالطاعة، فقبض # PageV03P246 # على سهل بن بشر، وحمله إلى بغداد، إلى الأمير عز الدولة، فخلع عليه «1» ، ~~وضمنه الأهواز، واليا لها ولكورها. # فصارت [213] الأهواز، كالوقف عليه، لا يصلح لها غيره، ولا يعرف فيها عند ~~الحاجة سواه. ### || 155 أبو مسلم الأصبهاني الكاتب يرى مناما صادقا # حدثنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن مهدي، الأصبهاني، الكاتب، قال: # رأيت في المنام- وقت استحلاف سهل بن بشر، القواد، والديلم، على الشغب، ~~والمطالبة بصرف الوزير الناصح نصير الدولة «2» - كأني قد خرجت إلى صحراء ~~عظيمة، فرأيت معسكرا هائلا، بالخيم «3» ، والشرع «4» ، والفازات «5» ، وفي ~~وسطه نهر يسقيه، وعلى حافتي ذلك النهر غائط عظيم، # PageV03P247 # وجميع أهل ذلك المعسكر، من القواد وغيرهم، قد اجتمعوا، يأكلون من تلك ~~العذرة، فجاء الحاجب الأجل «1» من بينهم، وقد أكل من تلك العذرة، فغسل فاه، ~~وما حواليه بالماء، وتمضمض، وركب، ولم يفعل الباقون ذلك. # وكأني أعجب من هذا، إذ وقعت عيني على شراع فوق سطح، فقلت: لمن هذا؟ ~~للدلجي؟، قال: وأبو أحمد الدلجي إذ ذاك بأرجان. # فقالوا: هذا له، وقد قدم. # فقلت: أمضي، وأراه، وأسلم عليه [214] . # فتوجهت، ms382 إلى أن بلغت إلى أسفل الموضع الذي فيه الشراع، فهبت ريح عظيمة، ~~فقلعت تلك الخيم التي كانت في المعسكر، فما رأيت منها شيئا باقيا، فنظرت ~~فإذا نساء، وصبيان، ورجال، وشيوخ، يمسكون الشراع. # فقلت: من هؤلاء؟ # فقال لي قائل: هؤلاء الطالبيون، يمسكون شراع الدلجي، حتى لا تقلعه الريح. # وانتبهت، فقصصت من غد، الرؤيا على سيما الدرعي، صاحب الشرط، وقلت: هذا ~~الذي فيه هؤلاء، لا يجيء منه شيء، سيلي الدلجي، ويجيء من أرجان «2» . # فقال: ويحك ما تقول؟ # فقصصت عليه الرؤيا. # فقال: إحسان الدلجي إلى الطالبيين، هو الذي يأخذ بيده. # فما كانت إلا أيام، حتى ورد إبراهيم الحاجب، فقبض على سهل # PageV03P248 # ابن بشر، وحمله مقيدا، وسار بالجيش إلى بغداد. # فأما الحاجب الأجل بختكين، فقد كاتب الأمير والوزير بالخبر، وأشار ~~بمعاجلة سهل بن بشر، والقبض عليه، وذكر أنه وافقه، إشفاقا من وثوب الديلم ~~عليه [215] ، فنجا من المحنة بذلك الفعل، وكان ذلك تأويل مضمضته، وغسله فاه ~~من العذرة. # وأما الباقون، الذين غمرهم ذلك الأمر، فكانوا: الحسين بن أحمد ابن بختيار ~~«1» ، القائد الديلمي، وتكيدار بن سليمان، القائد الجيلي، فلما حصلا بواسط، ~~قبض عليهما، ونفيا، وأخذت نعمتهما «2» ، وورد أبو أحمد الدلجي، الحضرة، ~~فتقلد الأهواز وكورها. # فكان «3» يحدثنا بهذا، بحضرة أبي أحمد، بعد دخوله الأهواز بمدة. # PageV03P249 ### || 156 الوزير المهلبي يطالب أحد عماله بحمل الخراج # سمعت أبا محمد المهلبي، يملي كتابا، إلى سعد بن عبد الرحمن «1» - وهو إذ ~~ذاك، ضامن عمالة البصرة منه، في شركة أبي الحسين أحمد بن محمد بن عبد الله ~~بن الحسين الأهوازي «2» ، وأبي علي الحسن بن علي بن مهدي الأصبهاني «3» ، ~~ابن أخت سعد بن عبد الرحمن- يخاطبه في معنى المال، وتأخره، وحثه بخطاب جميل ~~بين اللين والخشن. # وقال في آخره: # لو سكت عن مطالبتك بالمال، ما سكت الأمير [216] معز الدولة، فيجب أن ~~تؤديه محمودا، خيرا من أن تؤديه مذموما، فاعمل على أني صديق أشرت بأدائه، ~~[ومدافعته عنك، بهذا القدر، ما كنت أغلو عليه به] «4» ، فإن من أرضى ~~أصدقاءه في أيام النعم، أرضوه في أيام المحن، واعلم ms383 أنه ليس بين مخاطبتي ~~[هذه] لك، وبين أن أخاطبك بضدها، مما يخاطب به العمال المطالبون، الملطون ~~«5» ، والمعاملة بما يقتضي ذلك، إلا أن يرد جواب كتابي فارغا من ذكر حمل ~~المال، وأعوذ بالله، فاختر لنفسك، أو فدع، والسلام. # PageV03P250 ### || 157 أبو محمد المهلبي الوزير يتحدث عن الكرم # سمعت أبا محمد المهلبي، يقول يوما، في شيء جرى بحضرته، من ذكر الكرم ~~والكرام، بين جماعة من الناس: # [كرم الكريم] يستر عليه، ما تكشفه النوائب من سوءاته. ### || 158 إعظام من لا دين له ولا دنيا عنده، حمق # حدثني أبو محمد بن داسة «1» ، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إسحاق ~~الآمدي، ويعرف بابن أبي صفوان، شيخ كان يخلف القاضي أبا القاسم التنوخي، ~~على القضاء بواسط وأعمالها، وعلى أعمال كور الأهواز، في أوقات متفرقة، قال: # أخبرني من حضر مجلس [217] أبي عمر القاضي، وقد دخل إليه ابن غسان، صهره. # فقال له: من أين أقبلت؟ # فقال: من عند فلان. # فقال أبو عمر: إعظام من لا دين له، ولا دنيا عنده، حمق. # PageV03P251 ### || 159 البخل خير من مسألة البخيل # حدثنا أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين، الشاهد، البغدادي- وقد تولى ~~القضاء بديار مضر من قبل قاضي القضاة، وهو مشهور المحل- قال: # كنت عند سلامة «1» ، أخي نجح الطولوني، وأنا شاب، وفي مجلسه جماعة يذمون ~~البخل، وكان سلامة ينسب إلى البخل، وما كان بخيلا، وإنما كان محصلا لحاله، ~~مصلحا لماله. # فلما انصرفوا، قال: يا أبا القاسم، لا تسمع هذا الكلام، ولا تعول عليه، ~~فتهلك، واعلم أن البخل خير من مسألة البخيل. # PageV03P252 ### || 160 سلامة الحاجب يلوم قوما طعنوا في العدول # قال «1» ، وكنت عنده «2» في آخر كونه ببغداد، وقبيل دخول الديلم [إليها] ~~«3» ، وبحضرته قوم يطعنون على الشهود، ويعيبونهم. # فقال لهم سلامة: ما رأيت أعجب من أمركم، من فيكم يطمئن أن يشتري من ابنه، ~~أو من أخيه، ضيعة بعشرة آلاف دينار، ولا يشهد عليه [218] العدول؟ # فقالوا: ما فينا أحد بهذه الصورة. # قال: أفتستظهرون لأنفسكم، وأعقابكم، في هذا القدر الكثير من المال، وما ~~هو أكثر منه، إلا بالشهادة، ms384 وتعتاضون بخطوطهم في جلد يساوي دافق فضة، من ~~ذلك المال العظيم، حتى تأخذوا الصك، بدلا من المال، فتجعلونه تحت رؤوسكم، ~~لشدة حفظه. # قالوا: نعم. # قال: فمن كان هذا حكمه عندكم، لم تطعنون فيه؟. # PageV03P253 ### || 161 أبو علي بن مقلة الوزير يزيل أثر الحلوى بالحبر # حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك، وكان يعرف ~~بالديناري «1» ، لأن أمه دينارية، تقرب إلى امرأة أبي علي بن مقلة، ~~المعروفة بأم الفضل الدينارية. # وسمعت أبا القاسم الحسن بن علي بن مقلة «2» ، يحدث بهذا الحديث، واللفظ ~~مقارب، قالا: # كان أبو علي بن مقلة «3» ، يوما، يأكل، فلما شيلت المائدة، وغسل يده، رأى ~~على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى الذي أكله، ففتح الدواة، واستمد منها بيده، ~~ونقطها على الصفرة، حتى لم يبق لها [219] أثر، وقال: ذاك عيب، وهذا أثر ~~صناعة، ثم أنشد: # إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوي عطر الرجال # PageV03P254 ### || 162 من نظم ابن أبي الضحاك # أنشدني «1» لنفسه: # وأشجار نارنج كأن ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدر # تطالعنا بين الغصون كأنها ... خدود العذارى في ملاحفها الخضر # أتت كل مشتاق بريا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري # وأنشدني لنفسه أيضا في النارنج: # شجر كأيام الشباب ... تعجلت قبل المشيب # وكأنما نارنجها ... وجه الحبيب على رقيب # تهدي إليك جميع ما ... أرضاك من حسن وطيب # لم لا تحن لها القلوب ... وقد غدت مثل القلوب # PageV03P255 ### || 163 للبديهي البغدادي في وصف النارنج # أنشدني أبو الحسن، أحمد بن عبيد الله البغدادي، المعروف بالبديهي «1» ، ~~لنفسه: [220] # أنظر إلى النارنج في أغصانه ... نزها لأعيننا وعطرا في اليد # ككباب نار في قباب زبرجد ... متوقد بالطيب أي توقد # ورق كآذان الجياد قدودها ... قد أثقلت بقلائد من عسجد # PageV03P256 ### || 164 أبو الحسن بن جميل يستخلف متخلفا # حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين الأهوازي، الكاتب ~~«1» ، قال: # كنا خمسة كتاب، قد نشأنا بين يدي أبي الحسن بن جميل، في الديوان ~~بالأهواز، وتعلمنا عليه، وكان فينا رجل متخلف في صناعته، فأراد ابن جميل، ~~أن ms385 يغيب عن صاحبه، واستخلف ذلك المتخلف، فاغتممنا لتقديمه علينا. # وكان الرجل، يدخل إلى الصاحب، فإذا سأله عن شيء لم يفهمه، وإن فهمه لم ~~يحسن أن يجيب عنه، وإن أجاب عنه، اضطرب ولم يقم بالحجة. # فلما طال ذلك على الصاحب، قال: قد أضرت بنا غيبة ابن جميل عنا، [221] ~~اكتبوا إليه، حتى يبادر. # قال: فعلمنا- حينئذ- أنه استخلفه، ليكتب لصاحبه، إذا غاب، في موضعه، ولا ~~يطمع في أن ينوب عنه «2» . # PageV03P257 ### || 165 أبو الفضل عامل أرجان يقدم نوبة الحمى # حدثنا أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور، العمي «1» ، الكاتب، الصلحي، ~~البصري، صاحب الستارة، المشهور بالأدب، والشعر، وتصنيف الكتب، قال: # كنت أكتب لأبي الفضل غيلان بن إسماعيل، وهو بأرجان يتقلدها. # فقيل له: قد قدم أبو المنذر النعمان بن عبد الله «2» ، يريد فارس «3» ، ~~والوجه أن تلقاه في غد. # وكان أبو الفضل يحم حمى الربع «4» ، فقال: كيف أعمل، وغدا يوم حماي، ولا ~~أتمكن من لقاء الرجل، ولكن الوجه أن أحم اليوم، حتى أقدر أن ألقاه غدا، يا ~~غلام، هات الدواج «5» حتى أحم الساعة. # وإذا عنده، أنه إذا أراد أن يقدم نوبة الحمى، ويحم، تأخرت عنه الحمى في ~~غد، وصح. # PageV03P258 ### || 166 ابن الجريح يقتل أسدا # حدثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد الدلجي «1» ، قال: # كنت بنواحي المذار «2» ، في جماعة، منهم رجل من الشاكرية، يعرف بابن ~~الجريح [222] ، فخرج علينا أسد، فابتدر له هذا الرجل، بسيفه ودرقته، ~~يحاربه، ودخل معه الأجمة، فلم نعرف له خبرا، حتى خرج علينا، وقد قتل الأسد، ~~وحمله على ظهره، وكان بيننا وبين الأجمة مسافة صالحة، فلما انتهى إلينا، ~~طرحه عن ظهره. # فما درينا من أي شيء نعجب، من رجل قتل سبعا وحده، أو من حمله إياه، على ~~ظهره، طول تلك المسافة. # PageV03P259 ### || 167 الخليفة المعتضد يقتل أسدا # وحدثنا «1» ، قال: بلغني عن خفيف السمرقندي «2» ، أنه قال: # كنت مع مولاي المعتضد، في بعض متصيداته، وقد انقطع عن العسكر، وليس معه ~~غيري، فخرج علينا أسد، فقصدنا. # فقال لي المعتضد، يا خفيف، أفيك خير؟ # فقلت: لا، يا مولاي. # فقال: ولا حتى ms386 تمسك فرسي، وأنزل أنا إلى الأسد؟ # فقلت: بلى. # فنزل، وأعطاني فرسه، وشد أطراف منطقته، واستل سيفه، ورمى القراب إلي، ~~فأخذته، وأقبل يمشي إلى الأسد، واستقبله بضربة، وثناه المعتضد بأخرى، ففلق ~~هامته، فخر صريعا، ودنا [223] منه وقد تلف، فمسح السيف في صوفه، حتى نظفه، ~~ورجع إلي، فأغمد السيف، وركب. # ثم عدنا إلى المعسكر، وصحبته، فإلى أن مات، ما سمعته يتحدث بحديث الأسد، ~~ولا لفظ فيه بلفظة. # فلم أدر من أي شيء أعجب، من شجاعته وشدته، أم من قلة حفله بما صنعه، ~~وكتمانه، أم من كرمه وعفوه عني، وما عاتبني على ضني بنفسي. # PageV03P260 ### || 168 لا جزاك الله من طارق خيرا # حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن أم المكاتب البغدادي، المعروف والده ~~بأبي الليث الهمذاني، قال: حدثني محمد بن بديع العقيلي، أحد قوادهم ووجوههم ~~في الحي، وكان ورد إلى معز الدولة، فأكرمه وأحسن إليه، قال: # رأيت رجلا من بني عقيل، وفي ظهره كله شرط كشرطات الحجام، إلا أنها أكبر، ~~فسألته عن ذلك. # فقال: إني كنت هويت ابنة عم لي، فقالوا: لا نزوجك إلا أن تجعل في الصداق ~~الشبكة، فرس سابقة كانت لبعض بني بكر بن كلاب، فتزوجتها على ذلك. # وخرجت في أن أحتال في سلب الفرس [224] من صاحبها، لأتمكن من الدخول بابنة ~~عمي. # فأتيت الحي الذي فيه الفرس، في صورة حدار، وما زلت أداخلهم، ومرة أجيء ~~الخباء الذي هي فيه كأني سائل، إلى أن عرفت مبيت الفرس من الخباء. # واحتلت حتى دخلت البيت من خلفه، وحصلت خلف النضد، تحت عهن «1» كانوا ~~نفشوه ليغزل. # فلما جاء الليل، وافى صاحب الخباء، وقد زاولت «2» له المرأة عشاء، # PageV03P261 # وجلسا يأكلان، وقد استحكمت الظلمة، ولا مصباح لهم، وكنت ساغبا «1» ، ~~فأخرجت يدي، وأهويت إلى القصعة، وأكلت معهم. # فاحس الرجل بيدي، فأنكرها، فقبض عليها، فقبضت على يد المرأة، فقالت له ~~المرأة، ما لك ويدي؟، فظن أنه قابض على يد امرأته، فخلى يدي، فخليت يد ~~المرأة. # وأكلنا، فأنكرت المرأة يدي، فقبضت عليها، فقبضت يد الرجل، فقال لها: ما ~~لك؟ فخلت ms387 عن يدي، فخليت عن يده. # وانقضى الطعام، واستلقى الرجل نائما، فلما استثقل، وأنا مراصدهم، والفرس ~~مقيدة في جانب البيت [225] ، فأثبتها، والمفتاح تحت رأس المرأة. # فوافى عبد له أسود، فنبذ حصاة، فانتبهت المرأة، فقامت إليه، وتركت ~~المفتاح في مكانه، وخرجت من الخباء إلى ظاهر البيت، ورمقتها بعيني، فإذا هو ~~قد علاها. # فلما حصلا في شأنهما، دببت، وأخذت المفتاح، وفتحت القفل، وكان معي لجام ~~شعر، فأوجرته الفرس، وركبتها، وخرجت عليها من الخباء. # فقامت المرأة من تحت العبد، ودخلت الخباء، وصاحت. # فذعر الحي، وأحسوا بي، وركبوا في طلبي، وأنا أكد الفرس، وخلفي خلق منهم. # فأصبحت، وليس ورائي إلا فارس واحد برمح، فلحقني وقد طلعت الشمس، وأخذ ~~يطعنني، فلا تصل إلي طعناته، ولا فرسي تنجيني، إلى حيث لا يمسني من الرمح ~~شيء. # PageV03P262 # حتى وافينا إلى نهر عظيم، فصحت بالفرس، فوثبته، وصاح الفارس بالفرس التي ~~تحته، فقصرت، ولم تثب. # فلما رأيته عاجزا عن العبور، وقفت، لأريح الفرس وأستريح، فصاح بي، فأقبلت ~~عليه بوجهي. # فقال: يا هذا، أنا صاحب [226] الفرس التي تحتك، وهذه ابنتها، فإذ ملكتها، ~~فلا تخدع عنها، فإنها تساوي عشر ديات، وعشر ديات، وعشر ديات، وما طلبت ~~عليها شيئا قط، إلا لحقته، ولا طلبني عليها أحد إلا فته، وإنما سميت ~~الشبكة، لأنها لم ترد قط شيئا إلا أدركته، فكانت كالشبكة في صيده. # فقلت له: إذ نصحتني، فو الله لأنصحنك، كان من صورتي البارحة، كيت وكيت، ~~وقصصت عليه قصة امرأته، والعبد، وحيلتي في الفرس. # فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: ما لك، لا جزاك الله من طارق خيرا، طلقت ~~زوجتي، وأخذت قعدتي «1» ، وقتلت عبدي. # PageV03P263 ### || 169 دكين البدوي يسل فرس معز الدولة # وحدثنا ابن أبي الليث الكاتب، قال: حدثني رجل من بني النمر بن قاسط، يسمى ~~دكين، بدوي، شاهدته بالأنبار، قال: # كان معز الدولة، لما حصل بسنجار، يشد «1» فرسا له جليل القيمة، بين يديه، ~~في أقرب المواضع إلى مبيته. فعينت عليه، وطمعت في سله، وأعملت الحيلة في ~~ذلك [227] ، فلم أتمكن. # إلى أن جئت ليلة من الليالي، فوجدت ms388 بعض السواس، وقد نزع جبة صوف عليه، ~~وهو نائم، وقد طرحها إلى جنبه، فلبستها، وجئت إلى الفرس، وأخذت المخلاة من ~~رأسه، لأحله، وأركبه. # فلما طرحت المخلاة، استيقظ معز الدولة، وأحسست بحركته، فأخذت الغربال، ~~وطرحت به باقي الشعير الذي كان في المخلاة، وسردته «2» ، وأعدته إلى ~~المخلاة، وأوهمته أني أحد السواس، وقد فعلت ذلك متفقدا للفرس. # فلما رآني أفعل ذلك، صاح بالفارسية، بكلام فهمت معناه: حسبه من الشعير، ~~لا ترده إلى رأسه. # فتركت المخلاة، ومرح الفرس يطلبها. # فقال معز الدولة بالفارسية: قصر عليه. # فتمكنت من الحيلة، وأهويت إلى الرسن، فحللته، موهما له أني أقصره، ~~واستويت على ظهره وصحت به، فخرجت من العسكر. # PageV03P264 # وصاح الأمير معز الدولة، وركب سرعان العسكر في طلبي، فما زلت أركض، وخلفي ~~جماعة [228] ، حتى حصلت في شعب طويل، وهم ورائي. # فاستقبلني قوم من العلافة «1» ، رأيتهم على بعد، من ضوء مشاعلهم، ومعهم ~~عسكر. # فقلت في نفسي: يا دكين، اليوم يومك، وراءك عسكر، وأمامك عسكر، فإن ملكوك، ~~لم يوصلوك إلى معز الدولة، إلا ميتا، وليس غير الإقدام على ما تقدر فيه ~~النجاة. # فقام في نفسي أن أحمل على من هو أمامي، وليس لهم علم بخبري، فسللت سيفا ~~كان معي، فوق ثيابي، وتحت الجبة التي لبستها من ثياب سواس معز الدولة، ~~وحركت وهم لا يروني، لأنهم في الضوء، وأنا في الظلمة. # فلما قربت منهم، صحت بهم صياحا عظيما، فقدروني ابتداء خيل قد كبستهم، ~~تريدهم. # وأقبلت أحمل على واحد، واحد، وأنا أضرب، فيتوقاني، وأحذره، إلى أن تخلصت ~~منهم، وجريت. # ولحقت بهم الخيل التي كانت خلفي، وتشاغلوا بمساءلتهم عني قليلا، ففت ~~الفريقين. # وحملت الفرس إلى الشام، فبعته على سيف الدولة، بثلاثة آلاف درهم، [229] ~~ودحت في البلاد، إلى أن صرت إلى بغداد، ومعز الدولة، يطلب قوما من العرب، ~~ليفرض «2» لهم وينفذهم إلى بعث. # فحملني المسيب بن رافع العقيلي، في جماعة، إليه، عرضهم عليه، فأثبتني. # PageV03P265 # فلما وقفت بين يديه، اقتحمتني عينه، لأني دميم. فقال: بيست دينار. # فعلمت أنه أراد، عشرين دينارا. # فكلمه المسيب، والمهنا، العقيليان، فزادهما ms389 ثلاثة دنانير. # فقالا له: رجل له فضل، ومنزلة، وهو من أصله، ومن شجاعته «1» . # فقال: لو كان هذا كله حقا، ما كان يقدر أن يصنع؟ # فقلت لبعض النقباء: أي شيء قال؟ # ففسره لي. # قال: فقلت: أيها الأمير، أقدر أضع نفسي على فرس بين يدي ملك مثلك، فأحتال ~~في أمره، حتى آخذه سائسا، ثم أركبه، وقصصت عليه قصته مع فرسه بسنجار، وذكر ~~بيعه وثمنه. # فقال: وأنت صاحب الفرس بسنجار؟ # فقلت له: نعم. # فضحك، وقال: نزلوه أربعين دينارا «2» . # ففعلوا. # PageV03P266 ### || 170 مختارات من الشعر # حدثني [230] أبو الحسن «1» ، قال: # اجتزت بطريق سر من رأى، فدخلت القصر المعروف بالأحمدي «2» ، لأشاهد ~~آثاره، فلما توسطته، رأيت مكتوبا على حائط فيه: # في الأحمدي لمن يأتيه معتبر ... لم يبق من حسنه عين ولا أثر # غارت كواكبه وانهد جانبه ... ومات صاحبه واستفظع الخبر # وأنشدني لنفسه: # رفقا أقيك بمقلة ... كلفتها طول السهاد # أصبحت منها في السواد ... وفي السواد من الفؤاد # وأنشدني أبو القاسم الصروي «3» ، قال: أنشدني أبو الحسن الموسوي، العلوي، ~~لنفسه: # يا نازلا في السواد ... من مقلتي وفؤادي # PageV03P267 ### || 171 رجال الدولة يتآمر بعضهم على بعض # حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله «1» ، قال: أخبرني جماعة من شيوخ ~~الكتاب ببغداد: # إن القاسم بن عبيد [231] الله «2» ، كان قد أوجس في نفسه من اختصاص ~~الحسين بن عمرو النصراني «3» ، كاتب المكتفي «4» ، فوضع عليه من يأتيه ~~بأخباره، حتى أظهر لمغنية كان ابن الحسين بن عمرو يتعشقها، أنه يعشقها، ~~وملأ عينها، وكان يتسقطها أحاديث الحسين بن عمرو وابنه، لكثرة ملازمتها له، ~~حتى غلبه عليها، فاضطر ابن الحسين بن عمرو، أن يداخل القاسم من أجلها، ~~واجتذبه، وصار كالنديم له، فملأ عينه بالإحسان، وضرب بينه وبين أبيه، وكان ~~يأتيه بأخباره. # فجاء يوما، فأعلمه، أنه قد شرع مع المكتفي في الوزارة، وضمن القاسم ~~وأسبابه، بمال عظيم، ذكر مبلغه، وأنه تقرر الأمر مع الخليفة أن # PageV03P268 # يستوزر إبراهيم بن حمدان الشيرازي «1» ، كاتب الحسين بن عمرو- قال أبو ~~الفضل، وهو جد أبي القاسم علي بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالمشرف «2» - ~~على ما كان ينظر فيه ms390 للمكتفي، ويلبسه السواد، ويخاطب بالوزارة، لأنه لم ~~يرغب هو في الإسلام، ولم يجز [232] استيزار ذمي، وأن تكون الدواوين، ~~والأمور، كلها إليه، ويؤمر الوزير أن يصدر عن أمره، ولا يصل إلا في أيام ~~المواكب، والمجالس الحافلة، للعرض فقط، وإقامة الرسم، ويلبس السواد، ~~والسيف، والمنطقة، وأن فارس- داية المكتفي- هي التي قررت ذلك مع الخليفة، ~~وأنه قد وعدهم ليوم بعينه، قريب، ذكره، ليقبض على القاسم وأسبابه، ويسلمون ~~إلى الحسين بن عمرو. # وشاور القاسم أبا العباس بن الفرات «3» ، كيف يصنع؟ # فقال له: عندي ما يكفيك هذا الأمر. # قال: وما هو؟ # قال: كتاب بخط الحسين بن عمرو، الذي يعرفه الخليفة، إلى أبيك «4» ، كتبه ~~إليه من بعض الوجوه التي خرج إليها المكتفي، في أيام المعتضد، وهو إذ ذاك ~~كاتبه، يخبر أباك، عن بخل المكتفي، وسقوط نفسه، وعيوبه، وفواحشه، وضعفه، ~~ونقصه، بكل عظيمة، ويشير على أبيك، أن ينهي ذلك إلى المعتضد، وأن يسرع في ~~استدعائه إلى [233] الحضرة، لئلا يفتضح الملك. # والوجه لك، أن تعمل ثبتا «5» بجميع أملاكك، وما تحويه يدك، ودارك، # PageV03P269 # وملكك من جميع الأشياء، وتصير إلى الخليفة، وتستخليه، فإذا خلا، طرحت ~~نفسك بين يديه على الأرض، وبكيت، وأخرجت الثبت، وسألته أن يقبل جميعه منك، ~~عفوا حلالا، ويقرك على خدمته، أو أن يؤمنك على جسمك، ونفسك، وأن لا يسلمك ~~إلى الحسين بن عمرو، فإنه غير مأمون عليك، فإذا سألك عن سبب ذاك، أعلمته أن ~~الحسين بن عمرو، أظهر السر، فبلغك، وأخرجت الكتاب إليه، وقلت له: يا أمير ~~المؤمنين، كيف تأمن على نفسك، ودولتك، من هذا اعتقاده فيك؟ فإنه إذا قرأه، ~~مع ما قد سمعه منك، انحل، ورجع لك، وانقلب على الحسين بن عمرو، وإذا سألك ~~عن الكتاب، عرفته أنه كان في خزائن أبيك، يحفظه على الحسين بن عمرو لك، ~~ويسلمه إليك، وكان المعتضد يخافه حتى هلك، وأنك أنسيت أمره إلى الآن، ~~فأظهرته، واضمن [234] الحسين بن عمرو، وإبراهيم الشيرازي، وأسبابهما، كذا ~~وكذا ألوفا، تقدر على استخراجها منهم، فإن الخليفة يجيبك، وإذا وعدك، فعرفه ~~أن هذا أمر قد ظهر وفشا، ms391 وتحدث به الناس، وكثرت معه الأراجيف، وأنه إن أخر ~~تسليمهم إليك، وقفت الأمور على العمال، وطمع فيها كل أحد، فأضر ذلك به، ~~ووقفت أمور الوزارة، وسخفت من تأخر تسليمهم إليك، فإنه يسلمهم. # قال: فركب القاسم في الحال، إلى المكتفي، وعمل جميع ما قاله له أبو ~~العباس، فجرى الأمر على ما ظنه. # وعاد القاسم، وقد أذن له الخليفة في القبض على الحسين بن عمرو وأسبابه، ~~فقبض عليهم، واستصفى أموالهم، فلما أحس بنفادها، أنفذ الحسين بن عمرو، ~~وإبراهيم الشيرازي، إلى الأهواز «1» ، على سبيل النفي، ووكل بهما، فلما ~~حصلا بالأهواز، قتلهما الموكلون، وقيل أنهما جعلا في # PageV03P270 # بيت، وسد، ومنع من دخول الماء إليهما، والغذاء، فلما علم بموتهما، فتح ~~الباب، ونقلا إلى بيت آخر، وأظهر إن أجلهما أدركهما [235] . # قال: فلما خرج القاسم، وقد ظفر، وتم له التدبير، قبل رأس أبي العباس بن ~~الفرات، وعينيه، وشكره، وقال: أنت أبي، وعضدي، وما أشبه ذلك من القول. # فحسده ابن فراس «1» ، على ذلك، وقال للقاسم: أيها الوزير، سل أبا العباس ~~من أين له هذا الكتاب؟ # فسأله. # فقال أبو العباس: كنت منذ دهر، مجتازا في بعض الطرقات، فرأيت في دكان ~~نطاف رفا عليه ظهور معلقة «2» ، ليجعل فيها ما يبيعه من الناطف «3» على ~~الناس، وما رأيت قط شيئا مكتوبا، إلا أحببت قراءته، وقد أفدت من ذلك، دفعات ~~كثيرة، فوائد كبارا. # قال: فلحظت الظهور، فوقعت عيني منها، على عنوان هذا الكتاب، فعرفت خط ~~الحسين بن عمرو، فتتبعت نفسي قراءة الكتاب، فقلت لغلامي: # امض، فاشتر هذا الناطف، في ذلك الظهر، وأومأت إلى هذا الكتاب، ففعل، ~~وجاءني به، فقرأته، فوجدت فيه العظائم، فقلت في نفسي: هذا # PageV03P271 # أشر الناس، يكتب لرجل، ويتخلفه بمثل هذا الكتاب، فلعله أن يلحقني [236] ~~يوما، شر من هذا الرجل، فأدفعه بهذا الكتاب، أو أنعى عليه عيوبه، فمسحت ~~آثار الناطف منه، واحتفظت بالكتاب، فهو عندي منذ كذا وكذا سنة، فلما حدثني ~~الوزير الآن بهذا الحديث، علمت أنه موضع إظهار الكتاب، فأظهرته. # فلما انصرف ابن الفرات عن المجلس، قال ابن فراس، للقاسم- وكان ms392 يشنعه عنده ~~دائما، فلا يلتفت إليه- قد بان لك مقدار شر ابن الفرات، هذا شر عليك من ~~الحسين بن عمرو، لأنه عدو مدغل، مندس بين ثيابك، والحسين، كان عدوا مكاشفا، ~~وأنت على اتقائه أقدر، ما يؤمنك أن يكون ابن الفرات، قد تحفظ عليك، في مدة ~~استرسالك إليه، ما هو أكثر من هذا، أو قد حصل خطك بألوان من الذم، وأنت ~~ناس، كما فعل بالحسين ابن عمرو؟ ما يؤمنك أن يكون عنده من خطوطك، أو خطوط ~~أبيك، ما يجري هذا المجرى؟ فإن الناس، ربما سخطوا على أصحابهم، واستأمنوا ~~إلى بثهم عند نصحائهم، وإنما يترقب منك ابن الفرات [237] ، إعراضا، أو أدنى ~~خلاف عليه في شيء لا يؤثره، وتؤثره أنت، فيظهر للخليفة عنك، وعن أبيك، ما ~~هو أعظم من هذا، فتهلك، وإن أمسكت عنه، فأنت ربيب في حجره، وعنده أنه قد ~~ردك إلى الوزارة برأيه، ويقتطع الدنيا، ويفوز بها، وبفائدتها، وتكون التبعة ~~عليك، وإن أوحشته، قتلك بمثل هذا الفعل، فاقبل رأيي، وعاجله، واحتل عليه، ~~بسم تدسه إليه، وتتخلص منه. # قال: فوقع ذلك في نفس القاسم. وما زال ابن فراس يقوي رأيه، إلى أن عمل له ~~سما في تفاحة، وأشمه إياها، فأتلفته. # وكان هذا الكتاب، أشأم كتاب سمع به. # PageV03P272 ### || 172 أبو جعفر بن بسطام له قصة في رغيف # وحدثني أبو محمد «1» ، قال: حدثني بعض شيوخ الكتاب ببغداد، عمن حدثه: # إنه سمع أبا الحسن بن الفرات «2» ، يقول لأبي جعفر بن بسطام- وكان سيء ~~الرأي فيه-: ويحك يا أبا جعفر، لك قصة في رغيف، ما هي؟ # فقال: ما لي قصة في رغيف. # فلم يزل به أبو الحسن، إلى أن قال له: إن أخبرتني بذلك، كان [238] خيرا ~~لك، قال: نعم، إن أمي، كانت عجوزا صالحة، وعودتني- منذ ولدت- أن تجعل تحت ~~مخدتي التي أنام عليها، في كل ليلة، رغيفا فيه رطل، فإذا كان من غد، تصدقت ~~به عني، وأنا أفعل هذا إلى الآن. # قال: فقال ابن الفرات، ما سمعت بأعجب من هذا، اعلم أنني من أسوإ الناس ~~رأيا فيك لأمور أوجبت ms393 ذلك، وعدد بعضها، وأنا منذ أيام مفكر في القبض عليك، ~~ومطالبتك بمال، فأرى منذ ثلاث ليال، في منامي، كأني قد استدعيتك لأقبض ~~عليك، فتحاربني، وتمتنع علي، فأتقدم بمحاربتك، فتخرج إلى من يحاربك، وبيدك ~~رغيف، كالترس، فتتقي به السهام، فلا يصل إليك منها شيء، وأشهد الله عز وجل، ~~أنني قد وهبت لله تعالى، ما في نفسي عليك، وأن رأيي لك، أجمل رأي، من الآن، ~~فانبسط. # قال: فأكب أبو جعفر، على يديه ورجليه، يقبلها «3» . # PageV03P273 ### || 173 ما يرد في المرافق يذهب في المصادرة # حدثني أبو طاهر المحسن بن محمد بن الحسن، الجوهري «1» ، الشيرازي، ~~المعروف بابن المقتفي، وهو أحد [239] الشهود بمدينة السلام، قال: قال لي ~~أبو الفضل العباس بن فسانجس «2» : # كسبت في مدة تصرفي مع السلطان، بفارس، خمسين ألف ألف درهم، وصادرني علي ~~بن بويه «3» ، في مدة مقامي بشيراز، على ستمائة ألف دينار، متفرقة، سوى ما ~~استخرجه من خراج ضيعتي، ثم اقتطعها بالحقين. # وأنا أقول: لو لم نعتبر في الزمان، إلا بهذه الحكاية، لكفى، لأن أبا ~~الفضل، ما تقلد أكثر من كتابة فارس، وخلافة العمال بها، عليها، أو على ~~بعضها، في بعض الأوقات، فظفر بهذا المال. # وقد تقلد أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس «4» ، دواوين العراق # PageV03P274 # مجموعة، ثماني وعشرين سنة، ثم الوزارة ثلاثة عشر شهرا، وبلغ المبالغ التي ~~لم يبلغ إليها أبوه قط. # فلما أرهق بالمطالبات، في وقت النكبة، واستقصي عليه، بلغت مصادرته ألف ~~ألف ومائتي ألف درهم، تكشف «1» بإدائها. # PageV03P275 ### || 174 الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره # حدثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن فهد، قال: حدثني [240] بعض المشايخ: # إن القاسم بن عبيد الله، كان يخاف المعتضد، ويخفي شربه، ولعبه، لئلا ~~يتصوره بصورة حدث، متوفر على لذاته، يخل بالعمل، فيفسد رأيه فيه، وكان مع ~~ذلك، بالشباب، والحداثة، يشتهي اللعب، فإذا أمكنه أن يخفيه جدا، استرق ~~الليلة، أو اليوم، من عمره، فشرب. # قال: فأراد الشراب ليلة من الليالي، على الورد، فاحتال في جمع شيء كثير ~~منه، وحصله خفيا، وجمع من المغنيات جمعا كثيرا، وفيهن واحدة ms394 كان يشتهيها، ~~ويتحظاها. # وجلس وليس معه غيرهن، فشرب، وخلط بالورد الدراهم الخفاف «1» ، ونثر عليه، ~~والناس يسمون ذلك «شاذكلى» «2» ، ولبس ثياب قصب مصبغات، من ثياب النساء، ~~وأدخل تلك المغنية معه، لشدة شغفه بها، ومضت ليلة طيبة، فقطع الشرب في نصف ~~الليل، خوفا من الخمار «3» ، ونام. # وركب إلى المعتضد من غد، وأقام في الخدمة، إلى حين وقت انصرافه. # فلما أراد الانصراف، دخل ليراه المعتضد، وينصرف، فاستدناه [241] المعتضد، ~~إلى أن صار بحيث لا يسمع كلامه غيره، فقال له: يا قاسم # PageV03P276 # لو دعوتنا البارحة، فكنا نلعب معك شاذكلى، ولكنك احتشمت، لأجل المصبغات ~~التي لبستها أنت وعشيقتك. # قال: فكاد القاسم أن يموت جزعا. # فقال له: ما لك قد جزعت؟ وأي شيء في هذا؟ لو علمنا أنه يلحقك هذا، ما ~~أخبرناك بشيء، ولا آذيت قلبك، امض في ودائع الله. # قال: فعاد القاسم إلى داره كئيبا، وجمع نصحاءه، وأخبرهم الخبر، وقال: ما ~~أراد المعتضد بهذا، إلا ليعرفني أن هذا القدر من أخباري ليس يخفى عليه، وإن ~~كان على الحقيقة قد علم هذا القدر، فكيف تخفى عليه مرافقي «1» ، وما هو ~~أظهر من هذا من أخباري؟ وكيف يكون عيشي؟ # وانه لا ينستر عليه مثل هذا؟ وما تروني أصنع «2» ؟ # فأخذوا يطيبون قلبه، ولا يزداد إلا جزعا، إلى أن قال لهم: إن لم أعرف من ~~رقى هذا الخبر، انشقت مرارتي، وقتلت نفسي. # فقالوا له: نحن نبحث ونتعرف. # فابتدر أحدهم، وقال [242] : أنا أكفيك، أيها الأمير، هذا. # قال: وجعل ذلك الصاحب، يطوف حوالي دار الخليفة، ليجد من يشبه صاحب خبر، ~~فيخمن عليه، فما ظفر بشيء يومه ذلك. # فلما كان من الغد، طاف الدواوين، ومجالس أصحاب البريد والخبر، يومه أجمع، ~~فما ظفر بشيء. # فلما كان اليوم الثالث، طاف دار الوزارة، ومقاصيرها، فلم يظفر بشيء. # PageV03P277 # فلما كان في اليوم الرابع، وقف على دابته في باب العامة، متحيرا، لا ~~يدري، ينتظر أن يخرج الوزير راكبا، فيركب معه في الموكب، فيتفقد الوجوه، إذ ~~كان لم يبق له شيء يجده، وإذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة، ms395 كما يكون ~~الزمن الذي يتصدق، وقد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير، فزحف، ودخل على ~~البوابين، فلم يمنعوه. # قال الرجل: فحين بلغ العتبة، وقف مع البوابين، يحدثهم ساعة، وأنا أصغي ~~إليه، ويسألهم عن أخبارهم، ويدعو لهم، وهم على بشاشة، إلى أن أخذ بهم في ~~غير ذلك الحديث [243] . # إلى أن قال: من بكر اليوم إلى الدواوين، ومن دخل؟ ومن حجب؟ # فقالوا له: فلان وفلان. # فحين سمعت ذلك، علمت أنه صاحب خبر «1» ، فأتبعته بصري، إلى أن جاز ~~البوابين، ودخلت وراءه، فبلغ إلى أصحاب الستور، فكانت صورته معهم كصورته مع ~~أولئك، فأخبروه بما لم أكن أعلم، مع اختصاصي بخدمة الوزير، من وصول الناس ~~إليه، وحجبهم عنه. # وتجاوز إلى دهليز العامة، فنزلت عن دابتي، وهو لا يفطن لي، فبلغ إلى موضع ~~الحجاب، فولع به الحجاب، ولم يحدثهم بشيء ولم يحدثوه، ودعا لهم، وتصدق ~~منهم، فأعطوه. # PageV03P278 # فتجاوزهم إلى الصحن، وأنا أراه، فلم يزل يحبو، ويطوف، على خزانة، خزانة، ~~من خزائن الفرش، والشرب، والكسوة، وحجر الغلمان، والخدم، ويبحث عن الأخبار، ~~ويحدث بكل شيء، وأنا أسمع، حتى استفدت ما لم أكن أعرفه من تخبر دار الوزير. # ثم جاء إلى باب الحرم، فدعا للخادم الموكل بالباب، فتصدق عليه، وأعطاه، ~~وجلس هناك يتطايب، وكل من دخل [244] وخرج، من جارية، أو خادم، يسأله عن ~~خبره، ويولع به، ويهب له شيئا، ويستخرجهم أخبار الدار، وينقل ما فيه، ~~ويقول: قولوا لستنا فلانة تهب لي ما وعدتني به، وقولوا لستي فلانة، تتصدق ~~علي، وسلوا ستي القهرمانة الفلانية عن خبرها، وأقرؤوها سلامي، وأنا أشاهده، ~~وأتعجب منه، حتى استنفذ من أخبار جواري القاسم، ومبيته، وعند من بات منهم ~~البارحة، وما بين الجواري من السرور والأنس، وأخبار كسوتهم، وأشياء من هذا ~~الجنس، كل شيء طريف. # ثم زحف، ودخل دار الخلوة التي يخلو فيها الوزير، وكان يركب منها، فهش به ~~فراشو الحجرة، والخاصة، والخدم، والغلمان الأصاغر، وضاحكوه، ودعا لهم، وأخذ ~~من بعضهم برا، وسألهم عن خبر الوزير في خلوته تلك، وشربه. # وقال له بعضهم: هو مغموم غما ms396 شديدا منذ يومين، لا نعرف سببه، فما يشرب، ~~ولا يأكل، ولا نام، ولا خلا. # وكل ذلك، وهو يظهر في مسائلته التطايب [245] ، وأنه كالمتغير المعتوه، ~~ويحمل أولئك ألفاظه على هذا، فيخبره منهم الضعيف العقل، والمزاح، والأخرق، ~~وهو يحتمله، إلى أن فرغ من أهل حجرة الخلوة. # ثم خرج، فزحف أشد زحف، على هيأته، لا يعرج على شيء، حتى # PageV03P279 # جاء إلى مجلس الكاتب، فأقام هناك طويلا، ففعل كفعله. # ثم خرج من الباب، وقد ملأ زنبيلا كان معه، من الخبز والحلوى والطعام، ~~وملأ جيبه من الدراهم. # فلما صار على باب الدار، قلت للبوابين: تعرفون هذا؟ # فقالوا: رجل زمن أبله، يجيء فيتصدق، وخلقه طيب، فكل من في الدار، ~~يستطيبه، ويبره. # قلت: قد رحمته، واشتهيت آخذ له شيئا، ففيكم من يعرف بيته؟ # فقالوا: لا. # فركبت، واتبعته، ولحقت به، ووقفت كأنني أحدث غلامي، وأسير خلفه على تؤدة، ~~حتى جاء إلى الجسر، فعبره زحفا، وأنا وراءه، ودخل الخلد، ودخلت معه، وولج ~~في خان، فقلت لغلامي: اتبعه، فاعرف بيته في الخان، ففعل، وعاد إلي، فوصفه ~~لي [246] . # فوقفت متحيرا، لا أدري ما أعمل، ولا من أسأل عنه، وأخاف أن أنفره، فيهرب. # وطال وقوفي، وهممت بالانصراف، فإذا به قد خرج بريئا، نظيفا، بثياب مروية ~~«1» ولحية بيضاء، وطيلسان، وعمامة قد جعلها فوق حاجبيه، فلولا قرب عهدي به، ~~وبرؤيته، لما عرفته، وإذا هو يمشي لا قلبة «2» به. # فتأملت لحيته، وإذا هي ملبسة فوق لحيته، وقد أخفاها بعمامته، وإنما فطنت ~~لذلك، لشدة تأمله، وصرف اهتمامي إلى ذلك، مع قرب عهدي برؤيته. # PageV03P280 # ومشى، فدخلت إلى مسجد، وغيرت عمامتي، وأمرت غلامي أن يأخذ دابتي ويقف لي ~~عند الجسر بها، ونزعت خفي، ولبست تمشك «1» غلامي، ومشيت، فاتبعته، بسرعة ~~مشيته. # ومضى حتى أتى دار ابن طاهر «2» ، فخرج إليه الخادم، فما منهما من كلم ~~صاحبه، بأكثر من أنه أخرج رقعة لطيفة، فسلمها إلى الخادم، ودخل الخادم، ~~ورجع هو، فلم أتبعه، وامتددت إلى درجة يعقوب، فركبت في سميرية، وصعدت [247] ~~إلى دار الوزير. # فدخلت إليه، وهو يطلبني للأكل، فأكلت معه، وقام ms397 الناس، فجلست. # فقال لي: قل. # فقلت: فعلت البارحة كذا وكذا، وجرى في دار حرمك كذا، وقالت فلانة كذا، ~~وقالت جاريتك الفلانية وخاطبتك بكذا، وفلان الخادم الصغير فعل كذا. # قال: وكنت قد سمعت في خلال ذلك، أخبار الحاشية، بعضهم من بعض، لا أظن ~~صاحب الخبر عرفها، ولكن كما أنجرت الأحاديث، فأخبرته بذلك كله. # فقال لي: ويحك، أيش تقول؟ من أين لك هذه الأحاديث؟ # فقلت: من حيث خرج حديث الشاذكلى. # فقال: أخبرني. # PageV03P281 # فقلت: الجائزة. # فقال: احتكم. # فأخبرته بخبر الزمن، على جهته. # فجذبني، وقبل بين عيني، وأمر لي بمال جليل. # وقال: أريد أن تحصله، من حيث لا يعرف خبره. # فقلت: أنا على ذلك، فتقدم إلى بعض الغلمان الخاصة، أن يطيعني، فجمع بيني ~~وبين غلام منهم، وتقدم إليه بذلك. # فلما كان من الغد، باكرت الدار، وجلست [248] أنتظر الرجل، فإذا به قد جاء ~~على زي أمس، في البزة والزمانة، ودخل، فلم أعرض له، حتى دخل حجرة الخلوة، ~~فاتبعته. # وقلت للغلام: خذ هذا، فأخذه، وقفلنا عليه بابا من الحجرة، فاضطرب، وبكى. # ونزل الوزير، فأسررت إليه الخبر، ففض شغله، ودخل الحجرة، واستدعى به، ~~فجاء يزحف، فوكزت عنقه، وقلت له: قم يا عاض «1» ، فامش مشيا صحيحا، كما ~~رأيتك تمشي بالأمس. # فقال: أنا رجل زمن. # فأحضرت له مقارع، فلما رأى المصدوقة «2» ، قام، فمشى. # فقال له القاسم: اصدقني عن خبرك، وإلا قتلتك الساعة. # فقال: أنا صاحب خبر المعتضد عليك، منذ كذا وكذا شهرا، أفعل كذا، وأصنع ~~كذا، وذكر مثل ما أخبرته به، وأنه يجمع الأخبار، ويكتب بها في كل نصف نهار، ~~من كل يوم، ويوصل رقعة لطيفة بذلك إلى الخادم # PageV03P282 # الموكل بدار ابن طاهر، فيمضي بها ذلك الخادم إلى المعتضد، فإن الخادم، هو ~~الواسطة بينهما، وإنه إذا كان في [249] رأس كل شهر، سلم إليه الخادم ثلاثين ~~دينارا عينا. # قال: فعرفني، أي شيء أنهيت من أخباري، طول هذه المدة؟ # فذكر له أشياء كثيرة، منها خبر الشاذكلى. # فحبسه القاسم في ذلك البيت، فلما كان في الليل قتل «1» ، ودفن، فانقطع ~~خبره عن المعتضد. ms398 # فلما كان بعد شهر، وأكثر، قال لي القاسم: استرحت من ذلك الكلب، ما أرى ~~عند المعتضد من خبري شيئا، ولا أرى عليه أثرا يدل على وقوفه على شيء من ~~أمري. # PageV03P283 ### || 175 أبو بكر بن رائق وإعجابه بغناء ابن طرخان # حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم، قال: حدثني أبي «1» ، قال: # كان أبو بكر بن رائق، شديد الإعجاب، بغناء أبي القاسم بن طرخان «2» ، ~~وكان أهلا لذلك، وكان أطيب الناس حلقا، وأحسنهم صنعة، وكان يجس الطنبور ~~جسا، أطيب من الضرب، تكاد القلوب إذا سمعته، أن تخرج من أضلاعها، استطابة ~~له. # وكان إذا ابتدأ يجس، ابتدأ ابن رائق، يشرب أقداحا [250] ، إلى أن يجيء ~~الغناء. # فقال لي يوما: يا أبا الحسن، ما ترى هذا الجس الذي ليس على وجه الأرض ~~أطيب منه، أي شيء يشبه عندك؟ # فقلت: أيها الأمير، يشبه رسول الحبيب، يستأذن لزيارته. # فأعجبه ذلك. # PageV03P284 # ثم حدثت بهذا الحديث، عبيد الله بن محمد الصروي «1» ، فعمل بحضرتي، في ~~ذلك شعرا، وأنشدنيه: # قامت تذود كرى المحب ... وقد غفا عن مقلتيه # وتجس قبل الصوت مثنى ... عودها شوقا إليه # فكأنه في قلبه ... إذ نبهته ومسمعيه # نغم الرسول مبشرا ... بقدوم من يهوي عليه ### || 176 علي بن هارون المنجم يلقي على المغني درسا في الغناء # وحدثني أبو الفتح، قال: # كنت بحضرة أبي «2» ، وبحضرته مغن يغني، فمر في بعض لحنه بميم فبينها. # فقال له أبي: إذا مررت في ألحانك، بميم، أو نون، فزمها، واعصرها، وأنا ~~ضامن لك طيبة ذلك، غارم لك كلما يجني عليك. # قال: فأعاد الصوت، وزم الميم زما شديدا [251] ، فتضاعفت طيبته. # PageV03P285 ### || 177 من شعر الوزير المهلبي # سمعت الوزير أبا محمد المهلبي «1» ، يتحدث يوما في مجلس أنس حضرته، قال: # كنت قد خرجت من الأهواز، مع أبي جعفر الصيمري «2» ، نريد السوس «3» ، وهو ~~إذ ذاك عاملها لمعز الدولة، وكانت والدة أبي الغنائم- إذ ذاك- بالسوس، وأنا ~~في عنفوان استهتاري بها، وقد اشتد شوقي إليها، يعني تجني جاريته «4» . # فلما صرنا في الرمل الذي في الطريق، هاجت ريح عظيمة، فسفت علينا تلك ~~الرمال، ms399 فذكرت بيتي الفرزدق، وهما: # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها سلبا من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب «5» # PageV03P286 # فعملت: # وريح تغيم الجو مما تثيره ... وتستلب الركبان ريط العصائب # نصبت لها نفسي وأنصبت صاحبي ... إلى أن نزلنا في ديار الحبائب [252] # قال: وأنشدني لنفسه: # أتحسب العين أنها طرحت ... على فؤادي ثقلا من الشغف # ما أبله العين في توهمها ... بأنها عريت من التلف ### || 178 بين القاضي الإيذجي والمفجع الشاعر # أخبرني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجي، وكان يخلف أبي على ~~القضاء «1» بإيذج «2» ، وعلى رامهرمز «3» ، ثم لم يزل على الحكم، ونادم أبا ~~محمد المهلبي في وزارته «4» ، فغلب عليه، وعلا محله عنده، وتخالع، # PageV03P287 # وتهتك، بما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء، ويخاطبه أبو محمد، في ~~الوزارة، في كتبه، بسيدي القاضي، وكان له محل مكين في الأدب، قال: # وردت البصرة، وأنا حديث السن، لأكتب العلم، وأتأدب، فلزمني أبو عبد الله ~~المفجع «1» ، وكنت أقتصر عليه، فكتب إلي يوما، وقد قرص «2» الهواء: # يا أيهذا الفتى وأنت فتى الدهر ... إذا عز أن يقال فتى # طوبى لمن كان في الشتاء له ... كأس وكيس وكسرة «3» وكسا [253] # وكتب في الرقعة: قد بقيت كاف أخرى، لولا أني أحب تقليل المؤونة، عليك، ~~لذكرتها، يعني الكس. # فبعثت إليه، بجميع ما التمسه. # PageV03P288 ### || 179 أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطان # وحدثني [أبو علي الإيذجي، قال: كان أبو خليفة «1» ] ، صديقا لأبي وعمي، ~~منذ أيام وفد إلى كور الأهواز، في فتنة الزنج «2» . # فلما قدمت البصرة، قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره، وأكرمنا، ~~ومكنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه، كلما أريد، وأسمع كيف شئت وأحب، وأكتب ~~وأنسخ لنفسي أصوله. # فإذا كان الليل، جلسنا، وتحادثنا، فربما رمت القراءة عليه، فيجيبني، فإذا ~~أضجرته بكثرة القراءة عليه، يقول: يا بني، روحني، فأقطع القراءة. # وإذا استراح، أخرج من كمه دفترا، من ورق أصفر، من الورق العتيق، فيقول: ~~إقرأ علي من هذا، فإنه خطي، وما تقرأه علي، فهو غير خطي. # فكنت أقرأ عليه ms400 منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان «3» ، وكان يبكي، على ~~مواضع منه. # فأنشدته ليلة، القصيدة التي منها: [254] # PageV03P289 # يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أحظى البرية عند الله ميزانا # فبكى عليهما، لما انتهيت إليهما، حتى كاد أن يغمى عليه، فاستطرفت ذلك، ~~وعجبت منه. # فلما كان من الغد، اجتمعت مع المفجع، فحدثته بذلك، واغتررت به، للأدب، ~~واستكتمته إياه، فأشاعه، وعمل: # أبو خليفة مطوي على دخن «1» ... للهاشميين في سر وإعلان # ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره ... حتى اصطفى شعر عمران بن حطان # وأنشدنيها لنفسه، وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب، في رقعة ~~لطيفة، وجعلها في مقلمته. # وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل [255] مقلمته ليرى ما ~~فيها، فسقطت الرقعة، وانصرف، فوجدها أبو خليفة، وقرأها، فاشتد ذلك عليه، ~~وقال: إن الإيذجي، قبحه الله، وترحه، شاط بدمي، علي بأبي العباس الساعة- ~~يعني والدي- فجاءه، فحدثه الحديث، فوقعت في ورطة، وكادت الحال أن تنفرج، ~~بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة، واحتشمني «2» ، فحملت إليه ثيابا ~~لها قدر، وأهديت إليه من مآكل الهند «3» ، واعتذرت إليه، فرجع، وقبل عذري، ~~وعاود تدريسي، ومكنني من القراءة عليه، فقرأت كتاب الطبقات، وغيره، مما كان ~~عنده. # PageV03P290 # وقال: فلا أظهر الرضى عنك، أو تكذب نفسك. ففعلت ذلك، وأعطيت المفجع ثوبا ~~دبيقيا، حتى كف عن إنشاد الأبيات، وجحدها، واعتذر إلى أبي خليفة. # وقال لي أبو علي عقيب هذا: أكثر رواة علم العرب، فيما بلغني عنهم، إما ~~خوارج، أو شعوبية، كأبي حاتم السجستاني «1» ، وأبي عبيدة معمر بن المثنى ~~«2» ، وفلان، وفلان، وعدد جماعة «3» . # PageV03P291 ### | الجزء الثامن ### || الباقي من مقدمة المؤلف # ..... أكثرها تحولا، وتغيرا، العوائد في أخلاق أكثر العالم، ومعاملاتهم، ~~ورسومهم، فتلقطت هذا الفن، وأثبته، وخلطت به، ما حدث، ويحدث، من مليح شعر، ~~لمن ضمنا وإياه دهر، ممن لم يخلق شعره بالاشتهار، ولا بشمه الناس ~~بالاستكثار، ومن رسالة غريبة، أو حكمة جديدة، أو ما يغلب على ظني من أشباه ~~ذلك- وإن قدم- إلا أنه لم يدون، أو منام ms401 طريف، أو حادث عجيب، أو رسم غريب، ~~أو مستنبط مفيد قريب، ليعرف الفرق بين الأمرين، والتباين في الحالين، ويهش ~~لذلك، من قد فرغ من الآداب، وسبر أكثر الافهام والحلوم، وقرم إلى معرفة ~~أسرار الأمور، والعادة في الجمهور، والتدبيرات والاختيارات، والملح في جميع ~~الحالات، التي لا تكشفها له الفكر، إلا في الطويل من العمر، وإذا وقف عليها ~~من هاهنا، قربت من يديه، وخف تناولها عليه، ولم أجعل ذلك مرتبا على أبواب، ~~لعلل وأسباب، قد ذكرتها [1] فيما قبل هذا، وأوردت فيه مجمل هذا القول، ~~وشرحت في رسالة كل جزء، ما يغني عن الإطالة فيها، ويوضح المغزى، ويقوم ~~بالعذر. # وأرجو أن لا أكون مذموما بما جمعته، إن لم أحمد على ما صنعته، وأن يكون ~~ما كتبته خيرا من موضعه لو بيضته، كما أسلفت في الأجزاء السالفة من العذر ~~وحبرته، إن شاء الله. # PageV08P007 ### || 1 فرجة بين الصدر والقبر # حدثني أبو الحسين علي بن هشام بن عبد الله «1» ، الكاتب البغدادي، ~~المعروف أبوه، بأبي قيراط «2» ، كاتب ابن الفرات «3» ، قال: # سمعت أن أبا القاسم «4» ، كان إذا خلا، وتذكر أمر الآخرة، وما هو منقطع ~~به عنها من أمر السلطان، يقول: اللهم، لا تخرجني من الصدر إلى القبر، لا ~~فرجة لي بينهما. # قال أبو الحسين: فأجيبت دعوته، وجلس في منزله، قبل موته، نحوا من سنة، ~~تائبا من التصرف «5» ، تاركا لطلبه. # فلما اعتل علة موته، جاءته رسالة الراضي «6» ، يستدعيه، ليقرر معه أمر ~~الوزارة، ويوليه إياها. # فقال: آلآن؟ أين كان قبل مدة، لعله لو جاءني هذا الأمر، وأنا تائب، لما ~~رددته، ولعلي كنت أنقض التوبة، فالحمد لله الذي لم يتم علي ذلك. # PageV08P009 ### || 2 الوزير علي بن عيسى يستحث عاملا على حمل الخراج # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحكيمي ~~«2» كتابا بخط علي بن عيسى «3» ، وأخبرني أنه كتبه إليه في وزارته الأخيرة ~~«4» ، وهو يتقلد له طساسيج طريق خراسان «5» ، يحثه على حمل المال، ونسخته، ~~قال: # PageV08P010 # قد كنت- أكرمك الله- عندي، بعيدا عن التقصير، غنيا عن التنبيه والتبصير، ~~راغبا فيما خصك ms402 بالجمال، وقدمك على نظرائك من العمال، واتصلت بك ثقتي، ~~وانصرفت نحوك عنايتي، ورددت الجليل من العمل إليك، واعتمدت في المهم عليك. # ثم وضح لي من أثرك، وصح عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، وردفه ما ~~استدعى استبطاءك ولائمتك، وأنت تعرف صورة الحال، وتطلعي مع شدة الضرورة إلى ~~ورود المال. # وكان يجب أن تبعثك العناية، على الجد في الجباية، حتى تدر حمولتك وتتوفر، ~~ويتصل ما يتوقع وروده من جهتك ولا يتأخر. # فنشدتك الله، لما [2] تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال، وقرنت الجواب على ~~«1» كتابي هذا، بمال تبتزه من سائر جهاته وتحصله، وتبادر به وتحمله، فإن ~~العين إليه ممدودة، والساعات لوروده معدودة، والعذر في تأخيره ضيق، وأنا ~~عليك من سوء العاقبة مشفق، والسلام. # PageV08P011 ### || 3 كيف تمكن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من المتوكل # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثني أبو عبد الله بن علي الباقطائي «2» ، ~~قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسرائيل «3» ، قال: # كان سبب رفعه عبيد الله بن يحيى «4» ، طلب المتوكل «5» لحدث من أولاد ~~الكتاب، يوقع بحضرته في الأبنية «6» والمهمات، لأنه كان قد أسقط الوزارة، ~~بعد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي «7» ، واقتصر على أصحاب الدواوين،. # PageV08P012 # وأمرهم أن يعرضوا الأعمال بأنفسهم، وجعل التاريخ في الكتب، باسم وصيف ~~التركي «1» ، وانتصب منصب الوزارة، وإن كان لم يسم بها. # فأسمي له جماعة، فاختار عبيد الله من بينهم. # فحضر أول يوم، فصلى في الدار ركعات، وجلس وعليه قباء وسيف ومنطقة وشاشية، ~~على رسم الكتاب. # قال أبو الحسين: لأنه لم يكن أحد يصل إلى الخليفة، إلا بقباء وسيف ومنطقة ~~من الناس كلهم، إلا القضاة، لا في موكب، ولا غيره، فإذا كان يوم موكب، كانت ~~الأقبية كلها سوادا، وإذا كان غير يوم موكب، فربما كانت من بياض، وفي ~~الأكثر سوادا. # فلما صلى عبيد الله، وجلس، لم يجتز به أحد من الحاشية، كبير ولا صغير، ~~الا قام إليه قائما، وسلم عليه، حتى قام إلى رئيس الفراشين. # فرآه بعض الحاشية، فقال: من هذا الشقي الذي قد قام لسائر الناس، حتى قام ~~إلى ms403 الكلاب؟ # فقيل له: فلان. # ثم أذن له المتوكل، لما خلا، فدخل إليه، وكان على رأسه قلنسوة سوداء ~~شاشية، وكان طويل العنق، فظهرت عنقه. # PageV08P013 # فلما رآه المتوكل، أومأ بيده إلى قفاه، ومسحه شبه صفعة، فأخذ عبيد الله ~~يده فقبلها. # فنفق عليه، وخف على قلبه، وسر بذلك، واستخف روحه. # وقال له: اكتب. # فكتب وهو قائم: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) # «1» ، إلى قوله عز وجل [3] (وينصرك الله نصرا عزيزا) # «2» فكتب: وينصرك الله- يا أمير المؤمنين- نصرا عزيزا، فزاد ذلك في تقبل ~~المتوكل له، وتفاءل بذلك. # وقال له: الزم الدار، فكان يلزمها منذ السحر، إلى وقت نوم المتوكل في ~~الليل. # وقوي أمره مع الأيام، حتى صار يعرض الأعمال، كما كان الوزراء يعرضونها، ~~وليس هو بعد وزير، والتاريخ لوصيف. # فأمره المتوكل في بعض الأيام، أن يكتب نسخة في أمر الأبنية، فقال: # نعم. # فلما كان بعد ساعة، سأله، هل كتبت؟ # فقال: لم يكن معي دواة. # فقال: اكتب الساعة، فاستحضر دواة. # وكان ايتاخ الحاجب «3» قائما، يسمع ذلك، فلما خرج عبيد الله، # PageV08P014 # قال له: إنما طلبك أمير المؤمنين، لتكتب بين يديه، فإذا حضرت بلا دواة ~~فلأي شيء تجيء؟ # فقال له عبيد الله: وأي مدخل لك أنت في هذا؟ أنت حاجب أو وزير؟ # فاغتاظ من ذلك، فأمر به فبطح، وضربه على رجليه عشرين مقرعة، وقال له: ~~الآن علمت أن لي فيه مدخلا؟ # فلم يتأخر عبيد الله عن الخدمة، وعاد، فجعل يمشي ويعرج، فسأل المتوكل عن ~~خبره، فعرف الصورة، فغلظ عليه ذلك، وقال: إنما قصده إيتاخ لمحبتي له. # وكان قد اجتمع في نفس المتوكل من إيتاخ العظائم، مما كان يعمل به في أيام ~~الواثق، ولا يقدر له على نكبة، لتمكنه من الأتراك. # فأمر بأن يخلع على عبيد الله من الغد، وأن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين ~~عليه شيئا، وأن يدفعوا أعمالهم إليه ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف ~~درهم. # فندم إيتاخ على ما فعله، وجعل يداري عبيد الله، ويثاقفه. # وقوي أمر عبيد الله، حتى حذف بنفسه، من غير أمر، ms404 اسم وصيف من التاريخ، ~~وأثبت اسمه. # ثم أمر له المتوكل برزق الوزارة، ثم خوطب بالوزارة، بعد مديدة، وخلع عليه ~~لها خلعا أخر. # ثم قلده كتابة المعتز «1» ، وخلع عليه. # PageV08P015 # ثم قلده كتابة المؤيد «1» ، وخلع عليه. # وضم المتوكل إلى ابنيه، بضعة عشر ألف رجل، وجعل تدبيرهم إلى عبيد الله، ~~فكان وزيرا أميرا. # فلما تمكن [4] ، هذا التمكن بالحيش، والمحل، عارض إيتاخ، وبطأ حوائجه، ~~وقصده، ووضع من كتابه، ولم يزل ذلك يقوى من فعله، إلى أن دبر على إيتاخ، ~~فقتله على يد إسحاق بن إبراهيم الطاهري ببغداد، بعد عود إيتاخ من الحج. # PageV08P016 ### || 4 الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، الكاتب ~~المعروف بابن الماشطة «2» ، وكان يتقلد قديما العمالات، ثم صار من شيوخ ~~الكتاب، وتقلد في أيام حامد بن العباس، ديوان بيت المال، قال: # سمعت أبا «3» الفضل، وهو يحكي عن أبيه، وهو [ابن] الفضل بن مروان «4» ، ~~قال: # كان في نفس الواثق «5» ، على محمد بن عبد الملك الزيات «6» ، العظائم، ~~مما كان يعامله به في أيام أبيه. # فمن ذلك: أن المعلم شكا إلى المعتصم «7» ، أن الواثق لا يتعلم، فإذا ~~طالبه بذلك، شتمه، ووثب عليه، فأمر المعتصم محمدا، بأن يضرب الواثق أربع ~~مقارع. # فخرج محمد، واستدعى الواثق، وضربه ثلاث عشرة مقرعة، حتى مرض. # PageV08P017 # فلما عرف أبوه الخبر، أنكر ذلك، وحلف للواثق، أنه ما أمر محمدا، إلا أن ~~يضربه أربع مقارع، فأخفاها في نفسه، فكان يبغضه. # وعلم محمد بذلك، فكان يقصده في ضياعه وأملاكه، لما ترعرع، وصار أميرا. # فوقع المعتصم يوما، أن يقطع الواثق، ما ارتفاعه «1» ألف ألف درهم، فمحاها ~~محمد، وكتب: ما قيمته ألف ألف درهم. # فلما دخل إليه الخادم، وعرفه ما عمله محمد، وثب إلى أبيه، وعرفه ذلك، ~~وعرض التوقيع عليه. # فقال له المعتصم: ما أغير ما وقعت به، وما أرى في التوقيع إصلاحا، وكان ~~محمد قد أجاد محوه. # وعلم المعتصم، أن رأي محمد في الاقتصاد، أصلح، فبطل ما كان يريده الواثق، ~~وانصرف. # فقال للخادم: قد تم علي ms405 من هذا الكلب، كل مكروه، فإن أفضت الخلافة إلي، ~~فقتلني الله، إن لم أقتله. # ثم قال له: أنت خادمي، وثقتي، فإن أفضى هذا الأمر إلي، فاقتله ساعة أخاطب ~~بالخلافة، ولا تشاورني، وجئني برأسه. # قال: فمضت الأيام، وتقلد الواثق، فحضر الدار في أول يوم، محمد ابن عبد ~~الملك [5] ، مع الكتاب. # فتقدم الواثق إلى الكتاب دونه، بأن يكتب كل منهم نسخة، بخبر وفاة ~~المعتصم، وتقلده الخلافة، فكتبوا بأسرهم، وعرضوا ذلك عليه، فلم يرضه. # PageV08P018 # فقال لمحمد: اكتب أنت. # فكتب في الحال، بلا نسخة، كتابا حسنا، وعرضه، فاستحسنه، وأمر بتحرير ~~الكتب عليه. # ولم يبرح من حضرته، حتى أقره على الوزارة، وخرج من بين يديه، والناس كلهم ~~خلفه. # قال الخادم: فعجبت من ذلك، وقلت: تراه أنسي ما كان أمرني به؟ # لم لا أستأذنه في ذلك، وأذكره به؟ # فتقدمت إليه لما خلا، وأذكرته الحديث، واستأذنته، فقال: ويحك، السلطان ~~إلى محمد بن عبد الملك، أحوج من محمد إلى السلطان، دعه «1» . # قال: فرقاه الواثق إلى ما لم يرقه إليه المعتصم. # قال الفضل بن مروان: ولا نعلم وزيرا، وزر وزارة واحدة، بلا صرف، لثلاثة ~~خلفاء متسقين، غير محمد بن عبد الملك. # PageV08P019 ### || 5 أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمته للوقف # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثني أبي «2» ، قال: حدثني وكيع القاضي «3» ~~. # قال أبو الحسين: وقد رأيت محمد بن خلف، وكيع، وكتبت عنه أشياء كثيرة، ليس ~~هذا منها. # قال: كنت أتقلد لأبي خازم «4» ، وقوفا في أيام المعتضد «5» ، منها وقوف ~~الحسن بن سهل» . # فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني «7» ، أدخل إليه، # PageV08P020 # بعض وقوف للحسن بن سهل، كانت في يدي، ومجاورة للقصر. # وبلغت السنة آخرها، وقد جبيت مالها، إلا ما أخذه المعتضد. # فجئت إلى أبي خازم، فعرفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في ~~سبله، وعلى أهل الوقف. # فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ # فقلت: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ # فقال: والله، لا قسمت الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، وو الله، لئن لم يزح ~~العلة، لا وليت ms406 له عملا. # ثم قال: امض إليه الساعة، وطالبه. # فقلت: من يوصلني؟ # فقال: امض إلى صافي الحرمي «1» ، وقل: إنك رسولي، أنفذتك في مهم، فإذا ~~وصلت، فعرفه ما قلت لك. # فجئت، وقلت لصافي ذلك، فأوصلني، وكان آخر النهار. # فلما مثلت بين يدي الخليفة، ظن أمرا عظيما قد حدث، فقال لي: # هي «2» ، قل، كأنه متشوف. # فقلت: أنا ألي لعبد الحميد، قاضي أمير المؤمنين، وقوف الحسن بن # PageV08P021 # سهل، ومنها [6] ، ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه ~~السنة، امتنع من تفرقته، إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة ~~قاصدا لهذا السبب، فأمرني أن أقول: إني حضرت في مهم، لأصل. # قال: فسكت ساعة متفكرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي، هات الصندوق. # قال: فأحضر صندوقا لطيفا. # فقال: كم يجب لك؟ # فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات، أربعمائة دينار. # قال: فكيف حذقك بالنقد والوزن؟ # فقلت: أعرفهما. # قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حراني «1» حسن، عليه حلية ذهب، فأخرج ~~من الصندوق دنانير عينا، فوزن منها أربعمائة دينار، وقبضتها، وانصرفت إلى ~~أبي خازم بالخبر. # فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غد، في سبله، ولا تؤخر ~~ذلك، ففعلت. # فكثر شكر الناس لأبي خازم، لهذا السبب، وإقدامه على الخليفة، بمثل ذلك، ~~وشكر هم للمعتضد رضي الله عنه، في إنصافه. # PageV08P022 ### || 6 الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا # حدثني أبو الحسين علي بن هشام أبي قيراط، الكاتب البغدادي، قال: # سمعت أبا الحسن، علي بن محمد بن الفرات «1» ، يحدث: # قال: كان النهيكي العامل، قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في ~~أيام نكبته، فلم يكن له- لما ولي الوزارة- هم، إلا الإحسان إليه. # فقلده بادوريا «2» ، وكان لا يتقلدها إلا جلة الناس. # ولقد سمعت أخي أبا العباس «3» يقول: إن من صلح لتقلد بادوريا، صلح أن ~~يتقلد ديوان الخراج، ومن صلح لديوان الخراج، صلح للوزارة. # قال: والسبب في هذا أن المعاملات ببادوريا، كثيرة مختلفة، وأنها عرصة ~~المملكة، وعاملها يعامل أولاد الخلافة، والوزراء، والقواد، والكتاب، ~~والأشراف، ووجوه ms407 الرعية «4» ، فإذا ضبط اختلاف تلك العادات، وقام بإرضاء ~~هذه الطبقات، صلح للأمور الكبار «5» . # قال أبو الحسن: فأقام النهيكي، يتولى بادوريا نحو سنتين، مدة تقلد عبد ~~الرحمن بن محمد بن يزداد لديوان الخراج، في أيام عبيد الله، ثم مدة أيام ~~أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ «6» . [7] # PageV08P023 # إلى أن أطلقت أنا وأخي، وتقلد [أخي] ديوان زمام الخراج، وزمام ديوان ~~الضياع «1» ، وخلفته عليهما. # PageV08P024 # فكنا إذا كاتبنا النهيكي في رفع الحساب، لم يجبنا، إدلالا لمحله من ~~الوزارة، وتعففه «1» ، فإنه كان مشهورا بالعفة، وإذا كاتبناه في شيء من ~~أمور العمل، أقل الحفل بكتبنا. # فلما طالت المدة علينا، ألححنا عليه بالمطالبة برفع الحساب، وشكوناه إلى # PageV08P025 # الوزير فوكل به من داره «1» ، مستحثا له في رفع الحساب لعدة سنين. # فتشاغلت أنا بعمل مؤامرة له، فلم أجد عليه كثير تأول، وحضرنا بين يدي ~~عبيد الله لمناظرته. # وقد كنت، صدرت أول باب من المؤامرة، بأنه فصل تفصيلا، ثمن الغلة المبيعة، ~~جملته على حسب ما يوجبه التفصيل، أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار. # فقال: أتتبع، فما زال يتتبع، إلى أن صح الباب عليه، وقال: وما هذا؟ غلط ~~الكاتب في الجملة. # فبدأت أكلمه، فأسكتني أخي، وأقبل على عبيد الله، فقال: أيها الوزير، صدق، ~~هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيس من حصلت؟ # فقال له عبيد الله: صدق أبو العباس، والله، لا وليت لي عملا يا لص. # ثم أتبعت هذا الباب، بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصا عما كان قدم به كتابه ~~في كيل غلة عند قسمتها. # فلما لاحت عليه الحجة، قال: أريد كتابي بعينه. # فبدأت أكلمه، فأسكتني أخي، ثم قال: أيها الوزير، يطعن في ديوانك، ونسخ ~~الكتب الواردة، والنافذة، شاهدا عدل. # فقال: صدق، يا عدو الله، وأمر بسحبه، فسحب. # وما برحنا، حتى أخذ خطه بثلاثة عشر ألف دينار، وأهلكناه بهذا، وما عمل ~~بعد هذا كثير عمل. # PageV08P026 ### || 7 أبو العباس ابن الفرات يهدد عاملا قد ألط بالمال # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبي، وأبو منصور عبد الله بن جبير النصراني ms408 ~~«1» ، قالا: # حضرنا مجلس ابن الفرات، وقد عملت مؤامرة لابن حبش العماني، وكان يتقلد ~~الزاب ونهر سابس «2» ، في أيام وزارة عبيد الله بن سليمان. # فأخذ أبو العباس وأبو الحسن يناظرانه عليها، إلى أن ألزم خمسة وعشرين ألف ~~درهم، من أبواب صحيحة، وطولب بأدائها، وأخذ خطه بتصحيحها «3» . # فصحح خمسمائة وأربعين، طول المدة، وألط بالمال «4» [8] ، فقيد فلم ينفع، ~~وضرب سبع مقارع، فلم يود. # وكان إذا خرج بإنسان من العمال، إلى هذا القدر من المكروه، فعندهم أنه ~~النهاية. # PageV08P027 # فأخرجه أبو العباس إلى حضرته، وطالبه بالمال، فأقام على أنه لا شيء معه، ~~وأن ضيعته وقف. # فقال له: ويلك، لا أعرف أجهل منك، إذا كان هذا صبرك على المكروه، وإسلامك ~~لنفسك، وبذلك لها، فلم لم تأخذ أصل الارتفاع؟ # فإنا ما كنا نعمل بك أكثر من هذا. # ولكن إن شئت، فأنا أدع عليك هذا المال، وأصرفك إلى منزلك، ولكن بعد أن ~~كشف للوزير صبرك على المكاره، فلا تتصرف- والله- في أيامه أبدا، ويذهب ~~خبرك. # قال: فقلق من ذلك، وسأل أن يخفف عنه شيء من المال، ليؤدي الباقي. # فما برحنا حتى تقرر أمره على بعض المال، وأداه، وانصرف. # PageV08P028 ### || 8 الوزير عبيد الله بن سليمان يحرم عاملا من التصرف # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «2» ، يقول: # ناظرت الجهظ «3» ، أحد العمال، على مؤامرة قد عملناها له، وكنت أنا وأخي، ~~وجعلنا نأخذ خطه بباب باب. # فلما كثر ذلك، قال لي سرا: ليس الشأن في الخط، الشأن في الأداء، ستعلمون ~~أنكم لا تحصلون على شيء. # فسمعه عبيد الله «4» ، لأنا كنا في مجلسه، فقال له: أعد علي ما قلت، ~~فاضطرب. # فقال: لا بد أن تعيده، فأعاد ذلك. # فقال: إذن، لا تلي لي- والله- بعدها عملا أبدا، قم عافاك الله إلى منزلك، ~~خرق يا غلام، المؤامرة. # قال: فخرقت في الحال، وانصرف الجهظ إلى منزله، فما صرفه عبيد الله بعد ~~ذلك. # وشاع خبره، فتحامى الناس كلهم استخدامه، فهلك جوعا في منزله، حتى بلغ أنه ~~احتاج إلى الصدقة. # PageV08P029 ### || 9 وزير ينفى لأنه طرب لغناء صوت # حدثنا أبو ms409 الحسين «1» ، قال: حدثنا أبو عبد الله زنجي الكاتب «2» ، قال: # حدثنا أبو العباس بن الفرات «3» ، قال: # كتب صاحب الخبر «4» ، بمدينة السلام «5» ، إلى إسماعيل بن بلبل «6» ، في ~~وزارته الأولى «7» للمعتمد، بأن مغنية من جواري بدعة الكبرى «8» ، غنت عند ~~الحسن بن مخلد «9» ، وهو إذ ذاك معطل، بهذا الصوت، فاستعاده، وطرب عليه [9] ~~. # عادات طيء في بني أسد ... ري القنا وخضاب كل حسام # PageV08P030 # لهفي على قتلى النباج «1» فإنهم ... كانوا الذرى ورواسي الأعلام # كانوا على الأعداء سيف محرق ... ولجارهم حرما من الأحرام # لا تهلكي جزعا فإني واثق ... برماحنا وعواقب الأيام # فأنهى إسماعيل «2» ذلك إلى المعتمد، وقال: هذا يسعى عليك، ويتربص بك ~~الدوائر، فأمر بنفيه إلى مصر، فكان مضيه إليها سبب تلفه «3» # PageV08P031 ### || 10 أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسم # حدثنا أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~«2» ، قبل الوزارة «3» ، يتحدث، قال: حدثني أبو عبد الله حمد بن محمد ~~القنائي «4» الكاتب. # قال أبو الحسين: وكان «5» ابن أخت الحسن بن مخلد «6» ، وكان قد خلفه ~~دفعات، على ديوان الخراج، ومرة على ديوان الضياع، ثم ولي أعمالا جليلة، من ~~العمالات «7» ، والدواوين «8» ، منها ديوان المغرب «9» ، ومات وهو # PageV08P032 # يتقلد ديوان الخراج، والضياع العامة بالسواد، وما يجري فيه، وقد رأيته، ~~وتعلمت بين يديه، وسمعته يتحدث بأشياء، ولم أسمع هذا منه. # قال سليمان: قال لي حمد: # سألت الخادم الذي تبع خالي الحسن بن مخلد «1» ، إلى ابن طولون «2» ، لما ~~نفي إليه، عن السبب الذي دعا ابن طولون، إلى قتله، فقال: # لما ورد عليه، تناهى في إكرامه، وبره وإعظامه، ثم أنس به، حتى نادمه، ~~وصار يشاوره في مهم أموره. # فشاوره مرات في خلع طاعة المعتمد، فعظم عليه أمر السلطان، وخوفه من ~~العصيان، فقبل رأيه. # ثم طولب ابن طولون، بمال الوظيفة التي كانت عليه، فقال لابن مخلد: # ما رأيت أعجب من جهل هذا المخذول- يعني الموفق- يطالبني بالوظيفة، وهو ~~عاص على الخليفة، إلى من أحمل؟ # فقال له: لا تفعل، فإن الأمور إليه، والجيش معه، وإن منعته المال، قصدك ~~وحاربك. # فقام في نفس ابن طولون ms410 أنه دسيس للقوم عليه، وقال: لو كان هذا عدوا ~~للقوم، ما أشار علي بهذه المشورة، وإنما هو دسيس على ملكي، ليأخذ البلدان ~~مني لهم، ويرهبني، ويستخرج البلدان مني باللطف. # فتنكر له، ثم أمر بالقبض عليه، وحبسه، وكان جبانا، فلم يحب. # PageV08P033 # - مع إيحاشه له- أن يفلت، في وقت من الأوقات، فدس إليه في شربة، فقتله ~~بها. # وجد الموفق، وأنفذ إليه المعتضد في الجيش [10] ، وأخرج أحمد بن طولون، ~~خمارويه، ابنه «1» ، لمحاربة المعتضد، فتحاربا، فانهزم كل واحد منهما من ~~صاحبه، وهو لا يعلم أن صاحبه قد انهزم. # فضرب الناس بهما المثل، وقالوا: صبي لقي صبيا، وهكذا تكون محاربة ~~الصبيان. # قال: فلما جرت هذه الحال، تندم أحمد بن طولون، على قتل الحسن ابن مخلد، ~~وقال: صدقني، فلم أقبل منه، واتهمته. # PageV08P034 ### || 11 جرأة وزير على أخذ أموال السلطان # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~«2» ، قال: قال لي نافذ، خادم أبي وثقته، وكان يتولى نفقته: # إني ما رأيت أجسر من مولاي «3» ، على أخذ مال السلطان. # ومن ذلك، أني باكرته يوما، وقد لبس سواده، ليمضي إلى دار المعتمد «4» ، ~~وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمة «5» والتوقيع «6» ، وبيت المال «7» . # فقلت له: قد صككت «8» علي البارحة للمعاملين، بألف وستمائة دينار، وما ~~عندي من ذلك حبة واحدة. # فقال لي: يا بغيض، تخاطبني في هذه الساعة؟ أين كنت عن خطابي البارحة ~~لأوجه لها وجها؟ ولكن اتبعني إلى دار السلطان. # فتبعته. # PageV08P035 # ودخل إلى المعتمد، مع عبيد الله بن يحيى الوزير «1» ، ودخل معهما أحمد ~~ابن صالح بن شيرزاد «2» ، صاحب ديوان الخراج، فلما خرج، قال لي: # امض إلى صاحب بيت المال، فخذ منه ما يسلمه إليك. # فظننت أنه قد استسلف على رزقه شيئا، فمضيت إلى صاحب بيت المال، فسلم إلي ~~ثلاثين ألف دينار. # فاستعظمت ذلك، وعلمت أنه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار، وعرفته خبرها. # فقال لي: أنفق منها ما وقعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس في كل وقت يتفق ~~لنا مثل هذا. # ومضى على الحديث أيام، ودعا دعوة، فيها ms411 صاعد بن مخلد «3» ، وإليه- إذ ~~ذاك- عدة دواوين، وجماعة من الكتاب، وأكلوا، وناموا، وانتبهوا. # فإذا كاتب من كتاب أحمد بن صالح بن شيرزاد، يستأذن علي، فاستأذنت لدخوله ~~على مولاي، وكانوا قد بدأوا بالشرب. # فترك مولاي المجلس، وخرج إلى بيت الخلوة، واستدعى الرجل، فأدخله إليه. # فسمعته يقول: أخوك أبو بكر، يقرأ عليك السلام- يعني أحمد بن صالح- ويقول ~~لك: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، وأن # PageV08P036 # محاسبته [11] في سائر الأموال إلي، وأنا إذا تمت ثلاثون يوما، وجهت صاحبي ~~إلى حساب بيت المال، فحمله مع صاحب بيت المال، لينظم دستور الختمة «1» ~~بحضرتي، وأصحح حكاياتها. # ونحن منذ عشرة أيام في هذا، حتى انتظمت الحسبة، ولم يبق إلا ثلاثون ألف ~~دينار، ذكر صاحب بيت المال، أنك خرجت إليه، من حضرة أمير المؤمنين، فأمرته ~~بحملها إلى خادمك نافذ، ولست أدري في أية جهة صرفت؟ # ولا في أي باب أثبتها؟ ولا ما الحجة فيها؟ # قال: فأجابه مولاي بلا توقف، وقال: أخي أبو بكر- والله- رقيع، أسأل أنا ~~الخليفة، في أي شيء صرف ما أمر أن يحمل إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: ~~وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا، ثلاثون ألف دينار. # قال: فقام الكاتب خجلا، ومر ذلك في الحساب على هذا، فما تنبه أحد عليه، ~~وحصل له المال «2» . # PageV08P037 ### || 12 الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات # قال أبو الحسين، فقال لي سليمان، بعقب هذه الحكاية: # ما رأيت لهذه الفعلة شبيها، إلا ما عمله ابن الفرات، في وزارته الأولى، ~~فإنه نصب يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، الجهبذين، فلم يدع مالا لابن ~~المعتز «1» ، ولا للعباس بن الحسن «2» ، ومن نكب، وبل في الفتنة، وما صح من ~~مال المصادرين، وغيرهم ممن يجري مجراهم، إلا أجراه على أيديهما، دون يد ~~صاحبي بيت مال العامة والخاصة. # وأفرد لذلك ابن فرجويه «3» ، كاتبه، يحاسبهما، ولا يرفع لهما حساب إلى ~~ديوان من الدواوين. # فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها، كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس ~~الخادم «4» صاحب بيت المال، ذكر فيه: أنه ms412 حوسب يوسف بن فنحاس، وهارون بن ~~عمران، على ما حصل عندهما من كيت وكيت- حتى استغرق # PageV08P038 # تلك الوجوه- فكان الباقي قبلهما- بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه، وصرف في مهمات أمر بها هو، والسادة «1» أيدهم الله- من ~~الورق «2» ، ألف ألف، وأربعمائة وسبعين ألف درهم، وخمسمائة وستة وأربعين ~~درهما، وأمر بقبض ذلك منهما، وإيراده بيت مال الخاصة «3» . # فقبض مؤنس منهما تلك البقية، ومضى الأصل [12] كله، لا يعرف في أي شيء ~~صرف، وكان مبلغه، فيما ظنه الكتاب، وكانوا يتعاودونه، نحو ألف ألف دينار، ~~فإن ابن الفرات فاز بجميعها، ولم تقم بها حجة عليه. # قال أبو الحسين: فحدثني أبي بعد ذلك، قال: # لما قلدني علي بن عيسى، في وزارته الأولى، ديوان الدار، الجامع للدواوين، ~~أمرني بإحضار هذين الجهبذين «4» ، ومطالبتهما بختماتهما «5» ، لما كان حصل ~~في أيديهما، في وزارة ابن الفرات الأولى، من الجهات التي تقدم ذكرها. # فاستدعيتهما، وطالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات، أخذ حسابهما، ولم يدع ~~عندهما نسخة منه. # فأمرني بحبسهما، وتهديدهما، ففعلت ذلك. # فأحضراني حسابا مبتورا، ذكرا أنهما وجداه، فرأيته غير منتظم. # PageV08P039 # فلم أزل أرفق بهما، إلى أن أقرا أنه قد وصل إليهما من فضل الصرف، فيما ~~بين ما ورد عليهما، وبين ما أنفقاه، مائة ألف درهم، فجعلتها عشرة آلاف ~~دينار، وقررت أمرهما عليها، وأخذت بها خطوطهما. # فلم يقنع علي بن عيسى بذلك، وأخذهما من يدي، وسلمهما إلى حمد ابن محمد ~~«1» وكان إليه ديوان المغرب، وأمره أن يتتبع أمرهما بنفسه، وكان حسن ~~الكتابة، ولم يعرفه أني أخذت خطهما بشيء. # فتتبع حمد ذلك، فلم يجد في الحساب، إلا إحالات على «حمل إلى الخليفة، ~~والسادة» ، وأشياء صرفت إلى خاص ابن الفرات. # فقال له حمد: هذا كله مزوق «2» ، والقوم معهم حجج بالابراء، وما عليهم ~~طريق، وابن الفرات كان أجلد من أن يدع هؤلاء يفوزون بجبة من المال. # فردهما إلي، وقال: اجتهد في أن تأخذ منهما مائتي ألف دينار «3» . # فقلت: لا يمكن ذلك. # فقال: اعمل على أنك طالبتهم بمرفق لنفسك بتمام مائتي ألف درهم. # فقلت له: ms413 فإذا فعلت هذا، فأي شيء أعمل أنا لنفسي؟ # فقال: خذ منها عشرين ألف درهم، وألزمهما مائة وثمانين. # قال: فخرجت، وجددت بهما، إلى أن ألزمتهما ذلك، وأخذت لنفسي منه ما قال. # PageV08P040 # فلما فرغنا من ذلك، أخذنا بها خطوطهما، وأخذنا لهما خطه بالبراءة من ذلك. # فقال لي علي بن عيسى: سأريك موضعي أنا من العمل [13] ، وأن للرئيس في كل ~~أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه. # فاستحضرتهما إلى حضرته، وأنا في مجلسه، فقال لهما: تريدان مني أن أزيل ~~عنكما تبعة، إن لم أزلها بقيت عليكما، وعلى ورثتكما، أبد الدهر؟ # لست أفعل هذا إلا بشيء يقرب، لا ضرر عليكما فيه، وهو: أني أحتاج في كل ~~هلال، إلى مال أدفعه في ستة أيام من ذلك الشهر، إلى الرجالة، ومبلغه ثلاثون ~~ألف دينار، وربما لم يتجه في أول يوم من الشهر، ولا الثاني، وأريد أن ~~تسلفاني في أول كل شهر، مائة وخمسين ألف درهم، ترتجعانها من مال الأهواز في ~~مدة الشهر، فإن جهبذة الأهواز إليكما، فيكون هذا المال سلفا لكما أبدا، ~~واقفا، لأضيف إلى هذا المال، الوظيفة التي على حامد، التي ترد في أول كل ~~شهر، وهي عشرون ألف دينار، فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأول من النوبة، ~~فيخف عني ثقل ثقيل. # فتأبيا ساعة، فلم يفارقهما حتى استجابا لذلك. # فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟ # فقلت: ومن يفي بهذا إلا الوزير، أيده الله تعالى. # قال: وكان علي بن عيسى، إذا حل المال، وليس له وجه، استسلفه من التجار ~~على سفاتج قد وردت من الأطراف، فلم تحل «1» ، عشرة آلاف دينار، بربح دانق ~~ونصف فضة في كل دينار «2» ، وكان يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم ~~أرباحا. # PageV08P041 # فلم يزل هذا الرسم يجري على يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، ومن قام ~~مقامهما، مدة ست عشرة سنة، وبعد وفاتهما، لأنهما ما صرفا إلى أن ماتا، ~~وكانا قد تقلدا في أيام عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان السلطان لا يرى ~~صرفهما، ليبقى جاه الجهبذة مع التجار «1» ، فيقرض ms414 التجار بالجهبذ، إذا وقعت ~~الضرورة، ومتى صرف الجهبذ، وقلد غيره، ولم يعامله التجار، وقف أمر الخليفة ~~«2» . # PageV08P042 ### || 13 الصناعة نسب # حدثنا أبو الحسين، قال: حدثني أبو بكر محمد بن جني الكاتب، وكان أبوه ~~مغنيا، وهو من أعيان الكتاب، قال: [حدثني] ابن ثوابة الكاتب، قال: حدثني ~~أبو الفرج «1» عن نجاح بن سلمة، عن أبيه «2» ، عن الفضل بن مروان «3» ، ~~قال: # كنت أتولى مجلس الحساب، من قبل صاحب ديوان الرشيد، وكان يجيئنا إلى ~~الديوان، شيخ من بقايا كتاب [14] بني أمية، وكان صاحب الديوان يقول لنا: ~~هذا أكتب أهل زمانه، وكان يلبس دراعة وقلنسوة كأكسية النصارى، وخفا أحمر، ~~وكان هذا زي المتعطلين من الكتاب إذ ذاك، وكان صاحب الديوان يكرمه جدا. # فصار إلي في يوم من الأيام لحاجة عرضت له، وأنا متشاغل بعمل مهم قد طلبه ~~الرشيد، وأنا جالس حيال صاحب الديوان أعمله، فقصرت في حق الشيخ. # PageV08P043 # ولا مني صاحب الديوان على تقصيري به، ووبخني، فاعتذرت إليه بشغل القلب. # فلما كان بعد أيام جاءني، فزدت في إكرامه، وقمت إليه، وجلست بين يديه. # فأقبل على صاحب الديوان، فقال: أحسبك عاتبت فتانا على تقصيره أولا. # ثم أقبل علي، وقال: يا فتى، كنا نعد الصناعة «1» نسبا، والنعمة «2» نسبا، ~~واللغة نسبا، والنحلة «3» نسبا. # PageV08P044 ### || 14 كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزر له # حدثنا أبو الحسين قال: حدثنا أبو عبد الله الباقطائي «1» ، قال: حدثني ~~أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان، وكان كاتب المأمون، على ديوان ~~الضياع، قال: [قال] ميمون: سمعت الفضل بن مروان يقول: # لا ينبغي لأحد أن يحقر أحدا، ولا يأيس من علوه، فإني كنت في حداثتي أتوكل ~~لهرثمة بن أعين «2» في مطبخه، أيام الرشيد، وكان بخيلا، وكان له خادم يشرف ~~على مطبخه، وأجرى علي خمسة عشر درهما في الشهر، ووظيفة خبز. # فلما كثر توفيري عليه، صيرها عشرين درهما. # وكنت لا آكل من مطبخه شيئا، فسأل الخادم عن أكلي، فعرفه أني لا آكل، ~~فأمره أن يطعمني من المطبخ كل يوم، ويوفر الوظيفة على منزلي. # فدعا يوما ms415 دعوة عظيمة، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم، وعرضت عليه بذلك ~~عملا، فسره، وحسن موقعه منه، وكان بخيلا جدا. # فقال لي يوما: قد استحققت الزيادة، فكم تحب أن أزيدك؟ # فقلت: لا أقل من عشرة دراهم أخرى. # فقال: هذا كثير، ولكن أربعة دراهم. # PageV08P045 # فأيست من خيره، واتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، ~~ولم أتبعه، ولزمت الديوان، وتعلمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد «1» ، ~~وكان ذلك أول إقبالي [15] ، وتخرجت، وزادت حالي مع الأيام. # فلما ولي المأمون، وعظم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبة للصيد، ~~وكنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع وبساتين بالبردان ~~«2» وصاهرت بعض تنائها، واجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه ~~البردان. # فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرعا، وليس معه من أصحابه كبير ~~أحد. # فاجتاز في الطريق، وأنا واقف على بابي، فتوسمت فيه الجلالة، وقدرته أحد ~~وجوه القواد. # كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، وقد أعددت له ~~طعاما، وفيه جداء، وحلوى، وفاكهة كثيرة، وثلج استدعيته من بغداد، وكان قبل ~~ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنه عرض له مهم في السواد، فخرج لوقته. # فلما رأيت المعتصم، وتوسمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، ~~وأضيفه عندي على هذا الطعام المعد؟ # قال: فكلمته، وسألته النزول عندي. # فأجاب، ونزل، وأكل، وشرب، وأنفذت في الحال، فاستدعيت له # PageV08P046 # قيانا، وجلس يشرب، وقد انبسطت بين يديه، وخدمته. # فنحن نشرب، انبث الجيش في طلبه، وعرفوا خبره، وأحاطوا بالدار، فعرفت ~~حينئذ، أنه أخو الخليفة، فهبته. # فبسطني، وسألني عن شرح حالي، فعرفته، فقال: لا بد أن تجيء معي إلى بغداد. # وقلدني بعض أموره، ثم تزايدت حالي عنده، إلى أن جمع لي جميع أمره، ورياسة ~~كتابه. # ثم خلطني بخدمة المأمون، وقلدني ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه. # ثم رقيت إلى الوزارة، من تلك الحال التي كنت عليها مع هرثمة. # قال أبو الحسين: ما رؤي في الدولة العباسية، من ms416 الكتاب، من اتصل تصرفه ~~منذ نشأ، إلى أن مات، وترددت ولايته الوزارة، وديوان الخراج، وديوان ~~الضياع، من غير أن يتعطل، أحد، غير الفضل بن مروان. # وصادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم [16] ، فأداها بغير مكروه «1» . # PageV08P047 ### || 15 الخليفة المعتصم يصادر وزيره # وسمعت حامد بن العباس «1» ، يحكي: أنه سمع صاعدا «2» ، يقول: # حدثني أحمد بن إسرائيل، قال: حدثني الفضل بن مروان، قال: # ما في الأرض أجهل من وزير يطلب الخليفة منه مالا، وهو في ولايته، فيعطيه ~~إياه، فإنه يطمعه في نعمته، وإنما يدفع النكبة مدة، ثم تحدث، وقد ذهب ~~المال. # فمن ذلك: أن المعتصم، لما خرج لغزو الروم، وأنا وزيره، استخلفني على سر ~~من رأى، واستخلف لي بحضرته، محمد بن الفضل الجرجرائي. # فلما عاد، طمع في، فقال لي: قد وردت، والمال [نزر] ، والجيش مستحق، فاحتل ~~لي مائة ألف دينار، من مالك وجاهك، ففعلت. # فلما مضى شهر، طلب مني على هذا السبيل، خمسين ألف دينار، ففعلت. # فطلب مني في الدفعة الثالثة، بمثل هذا الوجه، ثلاثين ألف دينار، فوعدته ~~بها، ودافعته أياما، ثم حملتها إليه. # فبلغني عنه، أنه قال لابنه الواثق: هذا النبطي، ابن النبطية، أخذ مالي ~~جملة، وهو ذا يتصدق به علي تفاريق. # ثم قبض عليه، بعد أيام، وأخذ منه أربعين ألف ألف درهم. # PageV08P048 ### || 16 العمارة والتوفير أولى واجبات الوزير # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التواريخي، ~~وكان شيخا قد عني بجمع التواريخ، فلقب بها، وكان يجلس في الجامع إلى جانب ~~الزجاج «2» ، ويعظمه، قال: سمعت المبرد «3» يقول: # كنت أصحب الفضل بن مروان «4» ، فذكر بحضرته- في أيام الواثق- عظم بناء ~~أحمد بن الخصيب «5» بسر من رأى، وأنه استعمل في سقف دهليز داره سبعين قارية ~~ساج، والقارية: ساجة عظيمة، تستعمل صحيحة «6» ، فقال الفضل: ما كانت لي في ~~حياتي «7» ، لذة في بناء، ولا فرش، ولا غلمان، ولا جوار، ولا مفاخرة ~~بمروءة، وإنما كانت لذتي في العمارة # PageV08P049 # والتوفير، ولهذا اتصلت مدتي في صحبتهم. # ولعهدي، وقد وليت للمأمون ديوان الخراج، فوجدت الأهواز «1» ، قد اختلت ~~ببثق سد ms417 أبطل العمارة، فأنفقت عليه، مائة ألف دينار، وجددت في عمارة ~~النواحي، وكانت كور الأهواز [17] ، إذ ذاك، قد ارتفعت بأربعة وعشرين ألف ~~ألف درهم للسلطان، فضمنتها له بثمانية وأربعين ألف ألف درهم، صالحة للحمل. # PageV08P050 ### || 17 السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكل # حدثنا أبو الحسين، قال: حدثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب قال: ~~حدثنا أبي، قال: سمعت نجاح بن سلمة، يقول: # إن السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان، مع المتوكل، أن أباه ~~يحيى بن خاقان بن موسى، تقلد ديوان الخراج في أيام المتوكل، فقلد ابنه أبا ~~محمد عبد الله، مجلسا من مجالس الديوان، ولم ير عبيد الله، أهلا لمثل ذلك. # فغضب على أبيه، وصار إلى الفضل بن مروان، وهو يتقلد ديوان الضياع، فلزمه، ~~وخط بين يديه. # وكانت أرمينية «1» تجري في ديوان الضياع، وكان على أهلها مقاطعة فضلها ~~مال جليل، فامتنع الفضل من إمضائها لهم، وعرض عليه مرفق مائة ألف درهم، ~~فأبى قبولها، وطرحوا نفوسهم على أكثر الوجوه بسر من رأى، فلم يجب أحدا إلى ~~ذلك، فلجأوا إلى عبيد الله بن يحيى، وسألوه مسألته، لما ظهر من اختصاصه به، ~~ونفاقه عليه. # فخاطبه في أمرهم، فتذمم «2» من رده، لأنه ما كان «3» يعمل معه بالرزق، ~~ولا له نفع، وكانت حاله قوية، وإنما أراد التصرف مراغمة لأبيه، وجعل # PageV08P051 # ذلك كالمرفق له، والصلة، فأجابه، وأمضى المقاطعة. # فحمل إليه القوم خمسة آلاف دينار، فردها، وقال: ما كنت لآخذ على معروفي ~~ثمنا. # فلما خرجوا إلى أرمينية، أحبوا مهاداته، ومكافأته، فاستعملوا له فرش بيت ~~أرمني ببساط عظيم، ومصليات، وأنخاخ، ومساور، ومخاد، ودست، وستور «1» ، ~~وأذهبوا الجميع، وكتبوا عليه كنيته واسمه، ولم يكن رؤي قط مثله حسنا ~~وجلالة، وحملوه إليه. # واتفق أنه وكل المتوكل، تلك السنة، بالطرق، وأمر أن لا يدخل شيء من ~~الأمتعة، أو يعرض عليه، فعرض عليه البيت، في جملة ما جيء به من أرمينية، ~~فاستهوله، وقال: من هذا [18] الرجل؟ # فقالوا: هو عبيد الله بن خاقان. # PageV08P052 # قال: ms418 وأي شيء إليه، حتى يستعمل له هذا العمل؟ لعل هذا مرفق لأبيه؟ # فقيل له: إن أرمينية تجري في ديوان الضياع، ولا معاملة بينه وبين أبيه. # فاستشرح الصورة، ونقر عليها، إلى أن حدث الحديث على صحته. # فاستحسن ذلك من فعل عبيد الله، وأمر بتسليم فرشه إليه، وقال: هذا فتى يدل ~~فعله، على كبر همته. # فلما صرف محمد بن الفضل الجرجرائي، عن وزارته «1» ، قال: قد استغنيت عن ~~وزير، لأن أصحاب الدواوين، يعرضون أعمالهم علي، والتاريخ يجعل باسم وصيف ~~التركي، فأجرى الأمر على ذلك مدة. # ثم إنه احتاج إلى كاتب يكون بين يديه، في أبنيته، والتوقيعات في المهم ~~الذي يأمر به من حضرته فيها، وفي غيرها، إلى أصحاب الدواوين، وغيرهم، فأمر ~~أن يطلب له حدث من أولاد الكتاب، ينصبه لذلك. # فسمي له جماعة، منهم: عيسى بن داود بن الجراح، وأبو الفضل بن مروان، ~~وجماعة، وكان فيهم عبد الله وعبيد الله، ابنا يحيى بن خاقان. # فحين مر على سمعه ذكر عبيد الله، ذكر حديث الفرش، فاختاره، ولم يزل حاله ~~يرقى معه، إلى أن استوزره. # PageV08P053 ### || 18 ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصة # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد ~~الكاتب «1» ، قال: # لما تقلد أبي ديوان الضياع المعروفة بغريب الحال «2» ، استخلف أخي أبا ~~الحسين، زكريا بن يحيى على الديوان، وأجرى له عشرين دينارا في الشهر، وأجرى ~~علي عشرة دنانير برسم التحرير في هذا الديوان، فأنفت من ذلك، ولم أقبل ~~الرزق، ولا العمل. # ومضيت إلى ديوان الضياع الخاصة، وكان يليه، إذ ذاك، أبو حامد محمد ابن ~~الحسن، الملقب (بسودانية) ، فلم ألقه، ولا توسلت إليه، بما كان بين أبي ~~وبينه. # ولزمت الديوان بحضرة أبي يوسف عبد الرحمن بن محمد بن سهل المعروف ~~بالمرمد، وإليه كان مجلس الحساب في هذا الديوان، مدة [19] شهر، وكنت أتعلم. # فبلغ أبا حامد خبري، ولم أكن- إذ ذاك- بلغت عشرين سنة، ولا قاربتها، ~~فاستحضرني، فدخلت إليه، فعاتبني على تركي الدخول إليه، # PageV08P054 # والتعرف إليه، وأمرني بملازمة حضرته، ms419 وأجرى لي درجين وثبتا وقرطاسا في كل ~~يوم، وقال: سود فيها، وتعلم الخط. # فلما كان بعد أيام، فرقت أرزاق الكتاب لشهر واحد، فوقع إلى خازنه، ~~المتولي للتفرقة، أن يحمل إلي، بقيمة عشرين دينارا، ثلاثمائة درهم، وقال: ~~قد أجري لك هذه في كل شهر. # فصرت إلى أبي، فأريته إياها، وقلت: قد فعل الله بي خيرا مما فعلت. # فقال: خذ الآن العشرة، والزم موضعك، ليصير لك ثلاثين دينارا في الشهر. # فأخذتها، وكان هذا أول إقبالي «1» . # PageV08P055 ### || 19 البحتري وأبو معشر يؤصلان عند المعتز أصلا # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «1» ، ~~قال: # لما أنفذ أبي «2» إلى مصر، اجتذبت البحتري وأبا معشر، فكنت آنس بهما، ~~لوحدتي، وملازمتي البيت، وكانا في أكثر الأوقات، يحدثاني، ويعاشراني. # فحدثاني يوما: أنهما أضاقا في وقت من الأوقات، إضافة شديدة، وكانا ~~مصطحبين، فعرض لهما أن يلقيا المعتز «3» ، وهو محبوس، ويتوددان إليه، ~~ويؤصلان عنده أصلا، فتوصلا إليه، حتى لقياه في حبسه. # قال: فقال لي البحتري: فأنشدته أبياتا، كنت قلتها في محمد بن يوسف الثغري ~~«4» ، لما حبس «5» ، وجعلتها إليه، وهي: # PageV08P056 # جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والحدث المشكي # وقد هذبتك النائبات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك # أقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك # على أنه قد ضيم في حبسك العلى ... وأصبح عز الدين في قبضة الشرك # فأخذ الرقعة التي فيها الأبيات، ودفعها إلى خادم كان معه، وقال: # غيبها واحتفظ بها، فإن فرج الله عني، فأذكرني بها، لأقضي حق هذا الرجل. # قال أبو معشر: وكنت قد أخذت مولده، وعرفت وقت عقد البيعة للمستعين «1» ، ~~ووقت [20] البيعة بالعهد من المتوكل للمعتز، ونظرت فيه، وقد صححت النظر، ~~وحكمت له بالخلافة، بعد فتنة وحروب، وحكمت على المستعين بالخلع والقتل، ~~فسلمت ذلك إليه، وانصرفنا. # قال وضربت الأيام ضربها، وصح الحكم بأسره، فدخلنا جميعا، إلى المعتز، وهو ~~خليفة، وقد خلع المستعين، وكان المجلس حافلا. # قال ms420 أبو معشر: فقال لي المعتز: لم أنسك، وقد صح حكمك، وقد أجريت لك مائة ~~دينار في كل شهر رزقا، وثلاثين دينارا نزلا، وجعلتك رئيس المنجمين في دار ~~الخلافة، وأمرت لك عاجلا بألف دينار صلة. # قال: فقبضت ذلك عاجلا كله في يومي. # قال البحتري: وأنشدته أنا في ذلك اليوم، قصيدتي التي مدحته بها، وهنأته، ~~وهجوت المستعين، وأولها: # PageV08P057 # يجانبنا في الحب من لا نجانبه ... ويبعد عنا في الهوى من نقاربه # حتى انتهيت إلى قولي: # وكيف رأيت الحق قر قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه # ولم يكن المغتر بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه # رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعري من برد النبي مناكبه # وقد سرني أن قيل وجه مسرعا ... إلى الشرق تحدى سفنه وركائبه # إلى واسط نحو الدجاج ولم تكن ... لتنشب إلا في الدجاج مخالبه # فضحك، واستعاد هذه الأبيات مرارا، فأعدتها. # فدعى بالخادم، وطلب الرقعة التي فيها أبياتي التي أنشدته إياها في حبسه، ~~فأحضره إياها، بعينها. # فقال: قد أمرت لك لكل بيت في الرقعة بألف دينار، وكانت ستة، فأعطيت ستة ~~آلاف دينار. # وقال لي: كأني بك، وقد بادرت، فاشتريت غلاما، وجارية، وفرسا، وفرشا، ~~وأتلفت المال، لا تفعل، فإن لك، فيما تستأنفه من أيامك معنا، ومع وزرائنا ~~وأسبابنا، إذا علموا موقعك منا، غناء عن ذلك، فاشتر بهذا المال ضيعة ببلدك، ~~تقوم في أدناها فترى أقصاها، ويبقى لك أصلها، وتنتفع بغلتها، كما فعل ابن ~~قيس الرقيات، بالمال الذي وصله به عبد الله بن جعفر. # فقلت: السمع والطاعة، وخرجت، فعملت [21] بما قاله، واعتقدت بالمال ضيعة ~~جليلة بمنبج «1» ، ثم تأثلت حالي معه، وأعطاني، وزاد وما قصر. # PageV08P058 ### || 20 ضيعة البحتري في حيازة حفيد ولده # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو الفتح بن جعفر بن محمد بن الفرات «1» ، ~~بعد عوده من مصر والشام، في أيام الراضي، وتقلد الوزارة «2» ، قال: # اجتزت في رجوعي هذا، إلى مدينة السلام، بمنبج، فرأيت ضياعا في نهاية ~~العمارة والحسن. # فسألت عنها، فقيل: هي أقطاع البحتري الشاعر وأملاكه. # فقلت: لمن هي اليوم؟ # فقيل لي: ms421 هي اليوم في يد ابن ابنة ابنه أبي الغوث. # فقلت: هذا نسب طويل، وأمرت الحسن بن ثوابة بقبضها. # فلما كان من الغد، جاءني رجل متكهل «3» ، في زي الجند، وذكر أنه صاحب ~~الضياع، وقال: يا سيدي، هذه الضياع التي قال جدي البحتري بسببها: # وما أنا والتقسيط إذ تكتبونه ... ويكتب قبلي جلة القوم أو بعدي # وأنشدني هذه الأبيات كلها، وقال: ذاك بكاء لأجل تقسيط يسير، فكيف يكون ~~حالي، إذا قبضت هذه الضياع؟ # قال: فتذممت أن أكون سبب ذهاب معيشته، فأطلقت له عنها. # PageV08P059 ### || 21 عامل يصفع عند المطالبة # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو الفتح، قبل تقلده الوزارة الأولى «1» ~~بمدة طويلة، قال: حدثني أبي «2» ، قال: # صرفت محمد بن سيف العامل، عن بادوريا «3» ، وتقلدتها، فاستدركت عليه ~~أشياء كثيرة، وطالبته بها، فلم يرد فيها شيئا. # فأخرجته يوما إلي، وناظرته، فأقام على أمر واحد، فاغتظت عليه وأمرت ~~بصفعه، فلم يتأوه، ولم يزل يصيح: واحدة، فإذا صفع أخرى قال: ثانية. # وعلى هذا، إلى أن صفع ثلاث عشرة صفعة. # فتعجبت من عده، وقلت: يا هذا، ويحك أي فائدة لك في العد؟ # وأن لا تستعفي. # قال: أنا أعدد ذلك- أعزك الله- لأصفعك بعدده، بعد أيام، إذا صرفتك، ~~وتقلدت مكانك، فلا أظلمك بالزيادة، ولا تفوز بالنقصان. # قال: فأخجلني، فقلت: قم، في غير حفظ الله إلى منزلك. # فأطلقته، وذهب المال. # PageV08P060 ### || 22 حمال مستور # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا نفطويه «2» ، قال: حدثنا ثعلب «3» ، ~~قال: # كان عندنا في الحربية «4» ، حمال مستور [22] ، يوصف بالزهد، وكان لا يحمل ~~لأصحاب السلطان شيئا «5» ، وكان إذا حمل على قدر قوته- على ضيق- لم يزدد ~~عليه شيئا، وأراح نفسه، ولا يحمل إلا كارة «6» خفيفة، مثل لحم وفاكهة، وما ~~يكون قدره خمسين رطلا أو نحوه. # قال: فاتبعته يوما، وهو لا يعلم أني خلفه، فرأيته يضع رجلا، ويقول: الحمد ~~لله، ويرفعها، ويقول: أستغفر الله. # فقلت له: لم تفعل هذا؟ # فقال: أنا بين نعم لله، وذنوب، فأنا أحمده- عز وجل- على نعمه، وأستغفره ~~من ذنوبي. # PageV08P061 # فأردت امتحانه، فقلت: ما تقول في علي وأبي بكر؟ # فقال: إذا نشرت الدواوين، ms422 ووضعت الموازين، أأسئل عن ذنوبي، أم عن تفضيل ~~أبي بكر وعلي؟ # فقلت: بل عن ذنوبك. # فقال: فلي في نفسي شغل عن معرفة الأفضل منهما «1» . # PageV08P062 ### || 23 حامد بن العباس وبواب الوزير إسماعيل بن بلبل # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبي، قال: سمعت حامد بن العباس «1» يقول: # ما في الدنيا أضر على الإنسان من مداجاة العدو، وينبغي أن تشهر ما بينك ~~وبين عدوك، حتى لا يقبل قوله فيك. # قال، وسمعته يقول: ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من ~~منفعته بالكبير. # فمن ذلك: أن إسماعيل بن بلبل «2» ، لما حبسني، جعلني في يد بواب، كان ~~يخدمه قديما، قال: وكان رجلا حرا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على ~~عناية أبي العباس بن الفرات. # وكان البواب قديم الخدمة لإسماعيل، يدخل إلى مجلس الخاصة، ويقف بين يديه، ~~فلا ينكر ذلك خدمه عليه، لسالف الصحبة. # فصار إلي في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات، وقال له: ~~ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجد في مطالبته بباقي مصادرته، ~~وسيدعو بك الوزير في غد إلى حضرته، ويهددك. # فشغل ذلك قلبي، فقلت له: فهل عندك من رأي؟ # فقال: اكتب رقعة إلى رجل من معامليك، تعرف شحه، وضيق نفسه، # PageV08P063 # والتمس منه لعيالك ألف درهم يقرضك إياها، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك، ~~لترجع إليك، فتخرجها، فإنه لشحه وسقوطه، يردك بعذر، واحتفظ بالرقعة، فإذا ~~طالبك الوزير، أخرجتها [23] إليه، وقلت: # قد أفضت حالي إلى هذا، وأخرجتها على غير مواطأة، فلعل ذلك ينفعك. # ففعلت ما قاله، وجاءني جوابه بالرد، كما حسبنا، فشددت الرقعة معي. # فلما كان من غد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إياها، ~~ورققته، وتكلمت، فلان واستحيا، وكان ذلك سبب خفة أمري، وزوال محنتي. # فلما تقلدت في أيام عبيد الله بن سليمان «1» ، سألت عن البواب، واجتذبته ~~إلى خدمتي، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة. # وهو باق معي إلى الآن. # PageV08P064 ### || 24 عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبي، عن جدي ms423 عبد الله بن هشام، قال: حدثني ~~يحيى بن عبد الله الكسكري «1» ، قال: # كنت أكتب لابن البختري الأصغر على مصر، فصرف بسليمان بن وهب «2» ، وخرج ~~معه ابنه عبيد الله «3» - وكان يخلفه عليها-. # فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه، وتخلوا لنظم الحساب، وكنت أغدو ~~وأروح إلى سليمان، أعرض عليه ما أعمل. # وكان قد وكل بابن البختري، قائدا من قواد مصر، معه عدة من الفرسان، ~~والرجالة، والغلمان، وكان ابن البختري يقيم لهم الطعام الواسع. # وحضر المهرجان، فتقدم بأن تحضر قدر النبيذ، وتعمل فيها الهريسة، في الدار ~~التي كان فيها معتقلا. # وكان قصيرا ضئيلا، فجاءوا له بالقدر، وطبخ فيها الهريسة، في جملة الطعام، ~~وأكل الموكلون، وشربوا، وسكروا. # وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، ~~حتى طلبوه لما أفاقوا، فلم يجدوه. # قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكرت إلى سليمان، # PageV08P065 # على رسمي، فوجدت عبيد الله جالسا، متشاغلا بطلبه، وقد ضج، وهو يقول: أي ~~شيء أقبح من أن يتصل بالخليفة، أنا عجزنا عن حفظ العامل المصروف، فيقال ~~فينا: كيف يحفظ هؤلاء الأموال، والأعمال، مع عجزهم عن حفظ محبوس؟ وجعل يضرب ~~الناس في التقرير عليه. # وأمر بالقبض علي، لما رآني، فقلت له: أعزك الله، لو كان عندي علم بالخبر ~~ما جئتك، قال: فصدق قولي، وكان حضوري سبب [24] خلاصي. # قال: ووقع في يده وكيل نصراني لابن البختري، يتوكل في مطبخه، وكان نبطيا، ~~وقيل له: إنه لا يجوز أن يخفى عليه خبره، فجعل يضربه. # وكان في المجلس سليمان بن وهب، وأصحاب البرد والأخبار، والناس بأجمعهم. # وكنت أحسن النبطية، ولم يكن عبيد الله يحسنها. # فلما حمي الضرب على الوكيل، كاد أن يقر على موضع ابن البختري، ففهم ذلك ~~سليمان، ولم يحب أن يأمره بالإنكار، فيكتب بالخبر، وأراد أن يسلم المنكوب، ~~سلوكا لمذهب الناس قديما، في طلب السلامة، بالإبقاء على أعدائهم. # قال: فقال للمضروب كلاما بالنبطية، تفسيره: لا تقر، فإن الإقرار مثل ~~القير لا ينقلع. # قال: فتصبر الرجل على الضرب، ثم قال ms424 سليمان لعبيد الله: إلى كم تضرب هذا ~~البائس؟ لو كان يعرف شيئا لقاله، اقطع عنه الضرب، لا يتلف، فتدخل في دمه. # قال: فرفع الضرب عنه، وأطلق من يومه، وأفلت المستتر. # PageV08P066 ### || 25 من مكارم أخلاق المأمون # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي «1» ، ~~قال: حدثنا المبرد «2» ، قال: حدثني الحسن بن سهل «3» ، لما أسن، وجلس في ~~بيته، قال: # دخلت يوما إلى المأمون، وهو جالس، وبحضرته جماعة من خواصه، منهم إسحاق بن ~~إبراهيم بن مصعب «4» ، وكان في يده كتاب يقرأه، فلم ينظر إلي، فوقفت قائما. # فقال له إسحاق: يا أمير المؤمنين، أبو محمد، الحسن بن سهل. # فقال لي: اقعد، فقعدت. # فقال: أحضر دواتك، فأحضرت. # فقال: وقع بتقليد إسحاق بن إبراهيم، جميع أعمال المعاون «5» بالسواد «6» ~~، جزاء له على ما نبه عليه من تكرمتك يا أبا محمد. # فشكرته، ودعوت له، ووقعت بذلك. # PageV08P067 ### || 26 الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير # أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري، الصيدلاني، ~~البصري «1» ، قال: أنشدني أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي، الضرير، ~~المعروف بالبصير، لنفسه: # واحربا ما الذي لقيت أنا ... أحمل في كل بلدة شجنا # أدخلها وادعا فتجلب لي ... رقة قلبي من أهلها سكنا [25] # PageV08P068 ### || 27 الخارجي وصلاة الجمعة # حدثني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: # رأيت بعمان شيخا من الخوارج، قد دخل في يوم جمعة، من ناحية بلد الشراة، ~~إلى السوق بعمان، وكانت طريق الناس إلى الجامع، والناس يتعادون إلى حضور ~~الجمعة، خوفا من فوتها، والخارجي ماش الهوينا «1» في حاجته، لا يراعي أمر ~~الجمعة، فإذا بشيخ قد جاء من ناحية الجامع، فالتقيا. # فقال الشيخ للخارجي، وهو لا يعرفه، وقدر أنه يريد الجامع: إلى أين تمضي ~~يا شيخ؟ وقد صلى الناس وفاتتك الصلاة؟ # فقال الخارجي: يا أبله، إنما فاتت من أدركها. # يريد أن التجميع معهم، لا يسقط الفرض الذي هو الظهر، وهو إذا جمع معهم ~~ترك الظهر، فتفوته الصلاة الواجبة، وهي الظهر، ويصلي، ما لا يجزي عنه في ms425 ~~مذهبه من تكفيرهم. # قال: ولم يفهم الشيخ ما سمعه. # وقلت أنا للخارجي: أظنك- أعزك الله- شاريا؟ # قال: فقال: نعم، والحمد لله. # قال: وهم يستحبون أن يقال لهم شراة، ويأبون أن يقال لهم: خوارج، ويذهبون ~~إلى قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) # «2» . # PageV08P069 ### || 28 أحد القائلين بالتناسخ يدعي أن الهرة أمة # حدثني أبو الحسن علي بن نظيف «1» البغدادي، المعروف بابن السراج، ~~المتكلم، المعروف بالبهشمي «2» ، قال: # كان يجتمع معنا في المجالس ببغداد، شيخ للإمامية يعرف بأبي بكر بن ~~الفلاس، وكان طيبا، فحدثنا يوما: أنه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيع، ثم ~~صار يقول بمذهب أهل التناسخ «3» ، قال: فوجدته، وبين يديه سنور سوداء، وهو ~~يمسحها، ويحك بين عينيها، ورأسها، وعينها تدمع، كما جرت العادة في السنانير ~~بذلك، وهو يبكي بكاء شديدا. # فقلت له: لم تبكي؟ # PageV08P070 # فقال: ويحك، ما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها؟ هذه أمي لا شك، وإنما ~~تبكي من رؤيتها لي حسرة. # قال: وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنها تفهم عنه، وجعلت السنور تصيح قليلا ~~قليلا. # قال: فقلت له، وأنا معتقد الطنز به «1» : فهي تفهم ما تخاطبها به؟ # فقال: نعم. # فقلت له: أفتفهم أنت عنها صياحها؟ # فقال: لا. # فقلت له: [26] فأنت إذن الممسوخ، وهي الإنسان «2» . # PageV08P071 ### || 29 كتاب تعزية # كتب محمد بن عيسى، أحد كتاب زماننا، بتعزية إلى صديق له، قرأته بخطه، ~~فاستحسنت منه صدره، ونسخته: # من سره امتداد عمره، ساءته فجائع دهره، بفقد حميم، أو طارق هموم، عادة ~~للزمان معروفة، وسنة للحدثان «1» مألوفة، وأحق من سلم للأقضية والأقدار، من ~~وهب الله تعالى له جميل الاصطبار، فإن أصابته مصيبة، تلقاها مسلما، أو ~~[نابته] نائبة، وجدته محتسبا «2» . # PageV08P072 ### || 30 شاعر يقتضي ثواب مديح # كتب إلي عمرو بن محمد بن الأشعث، شاب ورد من عمان، مجتازا بواسط- ذكر أنه ~~كان من الجند فيها، فزالت نعمته، وهرب حين ملك الديلم عمان «1» - أبياتا في ~~آخر رقعة له، اقتضاني فيها، ثواب مديح، كان أسلفنيه، وهي: # مات الرجاء بغيظه فلك البقا ... ولربما أفضى النعيم إلى الشقا # فإن احترقت ms426 فمن تلهب حادث ... لأقل منه تلهبا أن يحرقا # إن كان عود الجود جف فإنه ... لم يسق ماء نداك حتى أورقا # وأريد منك إذا حرمت مطالبي ... تسعى معي فلعلني أن أرزقا # PageV08P073 ### || 31 الانتقال في ليلة واحدة من الحر إلى البرد # حدثني أبو علي المنتاب، قال: حدثني أبي، قال: # كنا مع حامد بن العباس في ولايته، يوما، جلوسا في الخيش «1» ، بواسط، في ~~النصف الأخير من تشرين الثاني، لشدة الحر، فجاء البرد في ليلة، فأصبحنا من ~~غد، وقد لبسنا الخزوز «2» والمحشو «3» ، وعجبنا من التفاوت بين الحالين في ~~شدة الحر، وفي شدة البرد، في ليلة واحدة. # PageV08P074 ### || 32 في العافية طعم كل شيء # حدثني أبو علي محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده «1» الواسطي، قال: # سمعت بعض شيوخنا، يحكي عن إبراهيم الحربي «2» ، أنه قال: # في العافية طعم كل شيء، وفي الرزق نصر كل شيء. # PageV08P075 ### || 33 القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد # حدثني أبو الحسين علي بن هشام «1» ، قال: سمعت القاضي أبا جعفر أحمد بن ~~إسحاق بن البهلول التنوخي، الأنباري «2» ، يحدث أبي «3» ، وقد جئت إليه معه ~~نهنيه بعيد أضحى، فحدث أحاديث، فقال: حدثني أبو خازم القاضي «4» ، قال: # كان في حجري أيتام، ذكور وإناث، خلفهم بعض العمال «5» ، فرددت أمانتهم، ~~إلى بعض الشهود، فصار إلي [27] الأمين يوما، وعرفني أن عامل المستغلات «6» ~~، ببغداد، الذي يتولى مستغلات السلطان، وعامل بادوريا «7» ، قد أدخلا ~~أيديهما، في أملاك الأيتام، وذكرا أن الوزير عبيد الله ابن سليمان «8» ، ~~أمرهما بذلك، عن أمير المؤمنين المعتضد «9» . # PageV08P076 # فصرت إلى المعتضد في يوم موكب، فلما انقضى الموكب، دنوت منه وشرحت له ~~الصورة. # فقال لي: يا عبد الحميد، هذا عامل خانني في مالي، واقتطعه، ولي عليه مال ~~جليل، من نواحي كان يتولاها من ضيعتي خاصة، وما لي عليه بضعف هذه الأملاك ~~التي خلفها. # فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تدعيه عليه يحتاج إلى بينة، وقد صح عندي أن ~~هذه الأملاك أملاكه يوم مات، ولا طريق إلى انتزاعها من يد وارثه إلا ببينة ~~بالمال، هذا حكم الله في البالغين، فكيف في الأطفال؟ # قال: ms427 فسكت ساعة مطرقا، ثم دعا بدواة، ووقع بخطه إلى عبيد الله ابن ~~سليمان، بالإفراج عن الضياع «1» . # PageV08P077 ### || 34 دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات «1» ، وكان ~~يخلف أبا نوح عيسى بن إبراهيم «2» ، على ديوان الضياع، حدث أنه: # كانت في يد صاعد بن مخلد «3» ، ضمانات كثيرة، وكانت إليه معاملة مع أبي ~~نوح، وكان صاعد- إذ ذاك- من وجوه الناس، ولم يكن بلغ المبالغ الكبار. # فحضر عنده صاعد، أول خلافة المعتز، ونحن حضور، فطالبه أبو نوح بأموال ~~وجبت عليه، وجرت بينهما مناظرات، أدت إلى أن تنطع «4» في الجواب. # فاغتاظ أبو نوح، فأعضه «5» ، فرد عليه صاعد، مثل ما قاله له. # فاستعظم الناس ذلك، فاستخفوا به «6» ، وقالوا: يا مجنون، يا جاهل، قتلت ~~نفسك، قم، قم. # PageV08P078 # وخلصوه من أن يفتك به أبو نوح في الحال، وقالوا: هذا مجنون، ولم يدر ما ~~خرج من فيه. # وانصرف صاعد إلى منزله متحيرا، لا يدري ما يعمل فيما قد نزل به. # فحدث أخاه عبدونا «1» بما جرى، فقال له: إن لم تطعني، فأنت غدا مقبوض ~~عليك، مطالب من المصادرة بما لا يفي به حالك، ولا حال من عرفك من أهلك، ~~ومقتول بلا شك، تشفيا منك. # قال: وما الرأي؟ # قال: كم عندك [28] من المال الصامت العتيد «2» ؟ وأصدقني عن جميعه. # قال: خمسون ألف دينار. # قال: تسمح نفسك أن تتعرى منها، وترمي بها كأنها لم تكن، وتنقذ نفسك وتحرس ~~بدنك، وما بقي من حالك، وضياعك، وعقارك، فتصير من أجلاء الناس؟ أو لا تسمح ~~بذلك، فتؤخذ الدنانير منك تحت المقارع، وتذهب الضيعة والنعمة كلها، وتذهب ~~النفس؟ # قال: ففكر طويلا، ثم قال: قد تعريت عنها في عز نفس «3» . # قال: أعطني منها الساعة ثلاثين ألف درهم. # قال: خذ. # فأخذها، وجاء إلى حاجب موسى بن بغا «4» ، وقت عتمة، وقال له: # PageV08P079 # هذه عشرة آلاف درهم، وأوصلني إلى فلان الخادم. # قال: وكان هذا الخادم، يتعشقه موسى جدا، ويطيعه في كل أمره، وموسى إذ ذاك ~~هو الخليفة، وكتبته كالوزارة، والأمور في يديه، ms428 والخليفة في حجره «1» . # قال: فأخذ الحاجب المال، وأوصله إلى الخادم، فأحضره العشرين الألف درهم ~~الباقية، وقال: هذه هدية لك، وتوصلني الساعة إلى الأمير، وتعاونني في حاجة ~~أريد أن أسأله إياها، ومشورة أريد أن أشير عليه بها. # فأوصله الخادم. # فلما مثل بين يديه، سعى إليه بكتابه، وقال: قد نهبوك، واقتطعوا مالك، ~~وأخربوا ضياعك، وأخي يجعل كتبتك أجل من الوزارة، ويتغلب لك على الأمور، ~~ويوفر عليك كذا، ويفعل كذا، ويحمل إليك الليلة، من قبل أن ينتصف الليل، ~~خمسين ألف دينار عينا، هدية منه لك، لا يريد عليها مكافأة، ولا يرتجعها من ~~مالك، وتستكتبه، وتخلع عليه غدا سحرا. # قال: فقال له موسى: أفكر. # فقال: ليس هذا موضع فكر، وألح عليه. # قال: وقال له الخادم: في الدنيا أحد جاءه هذا المال العظيم دفعة واحدة، ~~فرده؟ وكاتب بكاتب، والمال ربح. # قال: فأجابه، وصافحه. # فقال له: فتنفذ الساعة بمن يحضرك أخي، وتشافهه بذلك. # وأنفذ من أحضره، وبات عبدون في الدار، وقلد موسى كتبته لصاعد، # PageV08P080 # في الحال، وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه، وتقدم إلى النقباء «1» بأن ~~يباكروا الرجل ليركبوا معه. # قال: وبكر صاعد، وليس عند أحد له خبر، فخلع عليه موسى بن [29] بغا ~~لكتبته، وركب الجيش على بكرة أبيهم، وانقلبت سر من رأى، بظهور الخبر. # فبكر بعض المتصرفين، إلى الحسن بن مخلد «2» ، وكان صديقا لأبي نوح، فقال ~~له: قد خلع على صاعد. # فقال: لأي شيء؟ # فقال: تقلد كتبة موسى بن بغا. # فاستعظم ذلك، وقال: ثيابي. # فأحضرت، فلبس، وركب إلى أبي نوح، فقال له: عرفت خبر صاعد؟ # فقال: نعم، الكلب، وقد بلغك ما عاملني به؟ والله لأفعلن به ولأصنعن. # قال: أنت نائم؟ ليس هذا أردت، قد ولي الرجل كتبة الأمير موسى ابن بغا، ~~وخلع عليه الساعة، وركب الجيش معه بأسرهم، إلى داره. # فقال له أبو نوح: هذا ما لم نظنه، بات خائفا، وأصبحنا خائفين منه، فما ~~الذي عندك؟ # فقال: أنا أصلح بينكما الساعة. # قال: فركب الحسن بن مخلد، إلى صاعد، وهنأه، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح، ~~وقال ms429 له: وأنت بلا زوجة، وأنا أجعلك صهره، وتعتضد # PageV08P081 # به، فإنك وإن كنت قد نصرت عليه، فهو من يعلم موضعه، ومحمله، ويتجمل ~~بمصاهرته، ومودته، وأنت حبيب على الرجل. # قال: ولم يدعه، حتى أجاب إلى الصلح والصهر. # فقال له: فتركب معي إليه، فإنه هو أبو الابنة، والزوج يقصد المرأة، ولولا ~~ذاك لجاءك. # قال: فحمله من يومه إلى أبي نوح، واصطلحا، ووقع العقد في الحال بينهما. # وزوج أبو نوح، في مجلسه ذلك، ابنته الأخرى، بالعباس بن الحسن بن مخلد، ~~فولدت له أبا عيسى المعروف بابن بنت أبي نوح «1» ، صاحب بيت مال الاعطاء، ~~ثم تقلد ديوان زمام الجيش لعمه سليمان بن الحسن، وكان أصغر سنا من أبيه. # فكانت كتبة صاعد لموسى، ومصاهرته لأبي نوح، أول رتبه العظيمة التي بلغها، ~~ثم تقلبت به الحال، حتى ولي الوزارة. # PageV08P082 ### || 35 حدة طبع أبي العباس بن الفرات # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن «1» ، قال: # كنت أخط بين يدي أبي العباس بن الفرات «2» ، في أول وزارة عبيد الله ابن ~~سليمان، وأتحقق به، لأن أبي اصطنع أباه «3» ، وكنت أشرب معه. # فكنا ليلة على شراب، وقد جرت الأحاديث، فحدثنا بأخبار عدة من الكتاب ~~والوزراء، كانت فيهم حدة. # وقال: كان أحمد بن الخصيب «4» ، يركل المتظلمين. # وكان أبو عباد ثابت بن يحيى «5» ، يضربهم بالمقرعة، إذا كان راكبا. # PageV08P083 # وكان أحمد بن أبي خالد «1» ، يشتمهم. # وعد جماعة [30] ، قال: وكان في أبي العباس، حدة، وسفه لسان، فسمعنا ذلك ~~منه، ولم نقدم على مواقفته. # فلما كان من غد، ركب وأنا معه، في السحر، فلقيه في الطريق، أهل سمطيا «2» ~~، يتظلمون من عاملهم، في شيء ذكروه، فصاح عليهم، وشتمهم. # فتقدم إليه أحدهم، فألح عليه في الكلام، فرفسه برجله في الركاب، وقنعه ~~بالمقرعة، وبصق عليه. # فذكرت الحديث الذي حدثنا به من ليلته، فضحكت. # فسمع قهقهتي، فالتفت مبتسما، وقال: من أي شيء ضحكت يا عيار؟ # فقلت: زدتنا نتفة «3» يا سيدي في ذلك الحديث الذي جرى البارحة. # فقال: أو قد حفظته؟ # قلت: نعم. # قال: فقال لي سليمان بن ms430 الحسن: سمعت دفعات لا أحصيها، أبا العباس ابن ~~الفرات، وقد احتد طبعه على قوم غضب عليهم، وكان يقول للواحد منهم: يا ابن ~~مائة ألف كر خردل مضروبة في مائة ألف مثلها زواني، تشاغل بحساب هذا فهو ~~أنفع لك «4» . # PageV08P084 ### || 36 سفه لسان حامد بن العباس # قال أبو الحسين: وما رأينا ولا سمعنا، برئيس أسفه لسانا، من حامد ابن ~~العباس «1» ، فإنه كان لا يرد لسانه عن أحد البتة، وكان إذا غضب شتم. # فمن ذلك: أن أبي حدثني، أنه كان بحضرته في مجلس حافل، فجاءت أم موسى ~~القهرمانة «2» ، فقالت له: إن أمير المؤمنين «3» أمرني أن أقول لك، في مجلس ~~حفلك، أن ابن الفرات «4» ، كان يحمل إلي خريطة «5» في كل يوم فيها ألف ~~دينار، وإلى السيدة عشرة آلاف دينار في الشهر، وإلى الأمراء والقهارمة، ~~خمسة آلاف دينار في الشهر، وأنك قد أخللت» # منذ أربعين يوما. # فقال لها في جواب ذلك: الساعة قد جئت حادة محتدة، تطالبيني بهذا؟ # اضرطي والتقطي، واحذري لا تغلطي. # قال: فقامت خجلة «7» ، وكان ذلك أحد أسباب سقوطه عندهم، وغلبة علي بن ~~عيسى «8» على الأمور. # PageV08P085 # ومن ذلك: أنه استحضر ابن عبد السلام العدل «1» ، يطالبه بوديعة، سعي ~~بأنها عنده لابن الفرات، وأن يحيى بن عبد الله الدقيقي، أبا زكريا «2» ، ~~قرابة أم كلثوم، قهرمانة ابن الفرات، أودعه ذلك [31] . # فجرى الخطاب بينهما في ذلك، وعلي بن عيسى حاضر، والخلق من القضاة ~~والأشراف والأولياء، وكنت فيهم، وأنا حدث مع أبي. # فقال له: هذا الدقيقي ابن البظراء «3» ، قرابة أم كلثوم العفلاء «4» ، ~~تعرفه؟ # فقال العدل: الوزير أعزه الله، أعرف به مني «5» . # ومن ذلك: أنه قال لابن الحواري «6» ، في دار الخليفة، وأم موسى حاضرة، ~~ليلة قدم من واسط ليتقلد الوزارة، في حديث جرى بينهما: # قد نكت أمه مرتين «7» . # فقالت أم موسى: ويلي، أي شيء هذا؟ # فاستحيا، وقال لابن الحواري: نحن في السواد، إذا غلبنا خصومنا، قلنا، قد ~~نكنا أمهاتهم «8» . # ومنها: أنه استحضر الوليد بن أحمد، ابن أخت الراسبي، ليصادره # PageV08P086 # بمصادرة قد ووقف عليها، عشية عيد أتى عليه في وزارته، ms431 ولم يشغله حضور ~~الناس عنده للتهنئة بالعيد. # فأتي بالرجل بجبة صوف، فلما رآه علي بن عيسى، وكان حاضرا، قال: # إن رأى الوزير أن يخليني وإياه لأخاطبه، وأقوده إلى امتثال أمره. # فقال: افعل. # واستدعاه إليه، وجعل يساره، وكان علي بن عيسى، قريب المجلس من حامد، يسمع ~~عليه ما يخاطبه به. # فسمع الوليد يحلف قليلا، قليلا، ما بقيت لي حيلة. # فقال لعلي بن عيسى: يا أبا الحسن، تلومني «1» الساعة، أن أنيك أم هذا؟ # فقال علي بن عيسى: اللهم غفرا، أي والله، أي لوم. # قال: وكان ابن عبدوس الجهشياري، الذي ألف كتاب الوزراء، قائما على رأس ~~علي بن عيسى، لأنه كان يحجب أبا الحسن، وكان أبوه من قبله مضموما إليه ~~رئاسة الرجال، برسم علي بن عيسى الوزير، وكان يحجبه أيضا. # قال: فتنحى ابن عبدوس من مكانه، وقال: لعن الله زمانا صرت أنت فيه وزيرا. # ومنها: أنني سمعته، وقد اجتاز على باب دار كنا ننزلها بشارع الكوفة، إذ ~~ذاك، وأنا قائم على الباب، وقد اتفق أن كلمه في الموضع، قوم من أهالي ~~بادوريا، في خراج النخل الشهريز، وأكثروا، وأنهم يبيعون المائة رطل منه- ~~وهي حمل نخلة- بدرهمين، وخراجها ثلاثة دراهم، وأنهم يمنعون من قلعه، فإما ~~أذن لهم في ذلك، وإما خفف عنهم من الخراج. # PageV08P087 # قال: فصاح عليهم، وقال: ليس لي في هذا نظر، قد صار النظر في هذا وشبهه، ~~إلى علي بن عيسى، فامضوا إليه. # قال: فانصرف القوم؛ وسار خمس خطى أو نحوها، ثم وقف، وقال: # ردوهم، فردهم [32] الرجالة. # فقال لهم: كأني بكم، تمضون إلى علي بن عيسى، وتقولون: قد أحالنا الوزير ~~عليك، وأجابنا، وأمي إن كنت أجبتكم إلى هذا زانية، وأمكم إن قلتم هذا ~~زانية، وأم علي بن عيسى إن أجابكم إلى هذا زانية «1» . # ثم سار متوجها إلى بستانه المعروف بالناعورة «2» ليتنزه. # ومن ذلك: أنه كان يجتمع مع علي بن عيسى، في دار الخليفة، لما ضمن حامد في ~~وزارته السواد، وصار علي بن عيسى مستوفيا عليه، ومطالبا له، فيتناظران في ~~أمر المال، فيحتفيه «3» . علي بن ms432 عيسى، بالحجة، فيعدل هو به إلى السب ~~والسفه، فيقول له علي بن عيسى: سلاما، سلاما. # يريد بذلك، قول الله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون، قالوا سلاما) # «4» . # فلما كثر ذلك على حامد، قال له يوما عقيب سفه جرى عليه منه: كم تذكر ~~سلامه الذي ينيك أختك أسماء «5» ؟ # فقام علي بن عيسى، وقال: ما بعد هذا شيء، وتجنب مخاطبته بعد ذلك. # وقال لعلي بن عيسى مرة بحضرة المقتدر: أنا والله، نكت هذا مرتين، وهو ~~أمرد. # PageV08P088 ### || 37 من عجائب صنع الله # حدثني أبو الحسين، قال: رأيت ببغداد، في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وأبي، ~~وأنا، مستتران في الكرخ «1» ، طوافا، يصيح ويقول: انظروا إلى قدرة الله، في ~~رأس بقرة، برأسين وأربعة أعين، فرأيت ذلك كما وصف. # ورأيت معه فروجا له ثلاثة أرجل، يمشي بهن، ولا يعرج. # PageV08P089 ### || 38 الرياسة دين لا يقضى # وحدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبي يقول: # لما ولي أبو الحسن بن الفرات، الوزارة الأولى «1» ، لم يبدأ بتقليد أحد، ~~قبل أبي العباس أحمد بن محمد بن بسطام «2» ، وكان مقيما في مصر، على عطلة، ~~فكاتبه بأجل مكاتبة، وقلده أعمال مصر، وزاده في الدعاء «3» . # وقال: هذا رجل، قد جرت له علي رياسة، والرياسة دين لا يقضى «4» . # PageV08P090 ### || 39 ابن الفرات يتعصب لآل نوبخت # قال أبو الحسين: وسمعت أنا- في الوزارة الثالثة- أبا الحسن بن الفرات، ~~يقول:- وقد دفع إليه صاحب الخبر، خبرا، فقرأه، وخرقه- ثم قال: # يتمعضني الناس «1» ، بتعطيلي مشايخ الكتاب، وتفريقي الأعمال على آل ~~بسطام، وآل نوبخت، والله، لولا أنه لا يحسن تعطيل نفر من العمال، وقد ~~قلدتهم، لما استعملت في الدنيا، إلا آل [33] نوبخت، دون غيرهم. # قال أبو الحسين: وإنما كان يتعصب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه «2» ~~وللمذهب، ويتعصب لآل نوبخت، للمذهب «3» . # PageV08P091 ### || 40 المعتضد والعمال المنكوبون # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت جماعة من مشايخ الكتاب، يقولون: # كان المعتضد «1» ، إذا نكب رجلا من جلة العمال ورؤسائهم، وكل به من يحفظه ~~من قبله، ولم يمكن عبيد الله «2» من نفسه. # وربما أمر بصيانته، وشدد الوصية في أمره، من غير توكيل به من ms433 جهته، ولا ~~أطماع في المال. # وكان إذا وكل به، يظهر أن التوكيل للمطالبة، وزيادتها، والتشدد فيها، لا ~~لحفظ نفسه، فيطمع العامل. # قال: وكان يقول: هؤلاء من أكابر العمال الذين قد قامت هيبتهم في نفوس ~~الرعية، وعرفوا أقطار البلاد، هم أركان الدولة، وأنداد «3» الوزارة، ~~والمرشحون لها، فإن لم تحفظ نفوسهم، وضع ذلك من الأمر، وأثر فيه. # PageV08P092 ### || 41 لون من ألوان التعذيب # حدثني أبو الحسين، علي بن هشام، قال: حدثني أبو منصور عبد الله ابن جبير ~~النصراني «1» ، كاتب ابن الفرات، قال: # لما نكبت، بنكبة أبي الحسن بن الفرات، بعد الوزارة الأولى، سلمت إلى أبي ~~الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل «2» ، فحبسني عنده، وكان يطالبني ~~بالمال، فأدفع عن نفسي. # إلى أن أحضرني يوما، فخاطبني في المال، فلم أذغن بشيء، فدعا بمزين، وأمره ~~أن ينتف بالمنقاش ربع شعر رأسي. # فلما نتف منه طاقات يسيرة، كدت أتلف، وقام هو، وقال: إذا نتفم ربع رأسه، ~~فعرفوني. # فلما قام، رشوت الموكلين، فحلقوا باقي الربع من رأسي، ولم ينتف، وأعلموه ~~أنه قد نتف، فأمر أن يقير الموضع النظيف من رأسي، بقير حار. # PageV08P093 # فجاءوا بالقير، فوضعوه على رأسي، ولم يكن مفرط الحرارة، لأنه لو كان ~~مفرطا، لأتلفني لا محالة. # فحين أحسست بحمي القير، قامت قيامتي، وكدت أن أتلف، فأذعنت بالأداء، ~~وأقررت بسبعين ألف دينار، ودائع لي [34] ، وكتبت ألتزم تسليمها إليهم، ~~فأخذت في اليوم الثالث. # فلما كتبت خطي بتسليمها، أمر بالزيت فطلي به رأسي، وقلع به القير من ~~رأسي، فقزع «1» شعري إلى الآن. # PageV08P094 ### || 42 من شعر نفطويه # حدثني أبو الحسين قال: # انصرفت من عند أبي عبد الله، نفطويه «1» ، وقد كتبت عنه أشياء، فجئت إلى ~~أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، فقال لي: ما هذا الدفتر؟ # فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان، قد أنشدنيهما نفطويه لنفسه. # فلما قرأهما الزجاج استحسنهما جدا، وكتبهما بخطه على ظهر كتاب (غريب ~~الحديث) ، وكان بحضرته. # والمقطوعتان: # تواصلنا على الأيام باق ... ولكن هجرنا مطر الربيع # يروعك صوته لكن تراه ... على روعاته داني النزوع # كذا ms434 العشاق هجرهم دلال ... ومرجع وصلهم حسن الرجوع # معاذ الله أن نلفى غضابا ... سوى دل المطاع على المطيع # والأخرى: # وقالوا شانه الجدري فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم # فقلت ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السماء بلا نجوم» # PageV08P095 ### || 43 رعونة عبيد الله بن سليمان جرت النكبة عليه وعلى أبيه # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا جماعة من شيوخ الكتاب، منهم علي بن عيسى ~~«1» ، والباقطائي «2» ، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبيد الله بن سليمان، قال: # لما أضاق المعتمد بسر من رأى، وأمره- إذ ذاك- نافذ، ومعه قطعة من الجيش، ~~وكان سليمان بن وهب وزيره، والموفق بواسط «3» ، وعبيد الله ابن سليمان ~~كاتبه، طلب المعتمد من سليمان، مالا يحتاله، لداره، وحرمه، وخاص نفقته، لا ~~يعلم به الجند، فدافعه بذلك، فقبض عليه، وقال له: # قد تقلدت منذ أيام المعتز، إلى الآن، أعمالا متوالية، منها الوزارة ~~للمهتدي، ومرة الجبل، وغير ذلك، وما نكبت، ولا صودرت، وأريد منك خمسمائة ~~ألف دينار. # قال: وورد علي الخبر، فلشدة محبتي لخلاص أبي، ما جنيت عليه جناية عظيمة، ~~بأن صرت إلى الموفق، فقلت له: لم يقدم المعتمد على أبي إلا لبغضه لك، وليس ~~يحقد علينا إلا تمشية أمرك، واجتذاب الجيش [35] إليك. # فوعدني بتخليص أبي، على مهل. # فقلت: إن أخرت الأمر، أسرع إلى مكروهه، وإزالة نعمته. # PageV08P096 # فقال: ما تريد؟ # فقلت: تخرج بمن معك، فتنتزعه من يده قسرا. # فقال: هذا يحتاج إلى مال ورجال، وهو خليفة على كل حال، ولا أحسب الرجال ~~يطاوعوني على حربه. # فقلت له: علي المال والرجال. # فقال: دعني، حتى أفكر. # قال: ودافعني، واعتقد في أقبح اعتقاد، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال، ~~في قتال خليفته، ويمكنه من المال، من عنده، ومن حيلته، ما يرضي به الجيش. # فلما عاودته، قال: يجب أن نقدم المراسلة بيننا وبينه، فإن أنجعت، وإلا ~~كانت الحرب. # فاخترنا للرسال «1» ، صاعد بن مخلد «2» ، وهو إذ ذاك، من جلة أصحاب ~~الدواوين. # فاستدعاه الموفق إلى حضرته من سر من رأى، فصار إليه، وحمله رسالة إلى ~~المعتمد. # فمضى، وأداها، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه، وأشار على ms435 المعتمد بإطلاق ~~أبي عاجلا، وضمن له إفساد رأي الموفق فيه، وفي، حتى يقبض علينا. # فأقام أبي عند الموفق، والوزارة إليه، فدبر أمر الموفق، ثم عاد صاعد فشرع ~~مع الموفق في الأمر، وأنفذ المعتمد ثقاته سرا إلى الموفق، بما لقنه صاعد، ~~ولم يزل ينسج الأمر، حتى تمت النكبة علينا. # PageV08P097 ### || 44 ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو عيسى، أخو أبي صخرة «1» ، واسمه أحمد ~~بن محمد بن خالد، قال: سمعت إسماعيل بن بلبل «2» يقول: # ما في الأرض أشد جناية على الوزراء، والرؤساء، من أصاغر أسبابهم، ولقد ~~قال لي راشد، صاحب جيش الموفق: كنت قد بليت بالنظر في أمر أنزال الرجالة، ~~ومن يجري مجراهم، وكنا نحتاج في كل يوم لذلك إلى ستة آلاف دينار، فما زالت ~~تنقص بالإضاقة، إلى أن اقتصر على ما لا بد منه، وكان ثلاثة آلاف دينار. # واعتمد الموفق «3» علي في ذلك، لشدة اهتمامه به، لأقوم به- إذا لم يطلق ~~المال- بمالي وجاهي، وحيلتي، فأفقرني ذاك. # وكان عبيد الله بن سليمان «4» ، وأبوه «5» ، وهما مقيمان [36] بالحضرة، ~~يقصداني، ويريثان المال علي «6» ، فأحفظني ذلك عليهما، واقتصرا لي، على # PageV08P098 # ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، وألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن ~~سيوفي، وسروجي، وأدخل كل مدخل، حتى أقيم الأنزال «1» . # ووقعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمال من مال الأنزال، جعلاه من ~~مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجالتي، فأوصل ~~إليه التوقيع. # فقال: ما عندي للوزير، ولا لابنه مال. # فقال له: فاحتل، ولو من مالك، فهذا مهم للأمير أبي أحمد. # فقال: وأيش لأبي أحمق عندي؟ # فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفق هذه ~~الحال، وقلت: قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله- قبحا- عليك. # فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، ~~فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية. # فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، وعلى أصحابه الأموال، ~~حتى ننظر «2» . # فكان ms436 ذلك سبب تعجيل النكبة لهما. # فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، وتظهر أنه بسبب هذا ~~التوقيع، وتبث الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه. # فأنفذت عدة، ولم أزل أجتهد حتى حصل. # وجاء سليمان وعبيد الله، من غد، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى ~~أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، وأنفذ إلى صاعد، # PageV08P099 # من أحضره، فتقلد الأمر، وسلم إليه ليث. # قال راشد: صرت إلى صاعد مهنئا له بالوزارة، فقال: قم بنا، لأريك العجب. # فقمنا، وخلونا، ودعا بليث، ورفق به، فلم ينفع الرفق، فقال: # علي بجيش غلامه، فجيء به، فضربه مقارع يسيرة. # فقال: أنا أدلك على بئر المال. # فقال لليث: هذه البئر مالك، أو مال أصحابك؟. # فقال: بل مالي، أنا رجل تاجر. # فأخرجوا من البئر ثمانين ألف دينار، واستخرج بعدها من ليث، جملة أخرى ~~كثيرة. # فكانت تلك أحد ما قوى طمع الموفق في آل وهب، واستئصالهم «1» [37] . # PageV08P100 ### || 45 الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف # حدثني أبو الحسين، قال: كنا في مجلس حامد بن العباس، وهو وزير، وكان ~~يتحدث في مجلس العمل كثيرا، فسمعته يحكي، قال: قال لي صاعد ابن مخلد: # لما قلدني الموفق وزارته، شرطت عليه، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن ~~وهب، وعبيد الله ابنه، ولا أطالبهما، ولا أنظر إليهما في مال، ولا وديعة. # وقلت للموفق: سليمان اصطنعني، ورفع حالي، وصرفني، وما دخل قط لي في ~~مكروه، ولا دخلت لهما في مثله. # ولم أجب إلى التقليد، حتى صافحني أن لا يلزمني ذلك. # فلما تقلدت، وخلع علي، خاطبني في أمرهم بعد أيام، وذكر ضيق المال إلا من ~~جهتهم، فقلت: الشرط أملك، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتبا، وتدبره بنفسك، ~~وبمن ترى من حاشيتك. # فعاودني دفعات، وأنا ممتنع، حتى مضى شهر من تقلدي. # فلما رآني على هذه الحال، راسل سليمان، وقال له: إن صاعدا غرني من نفسه، ~~وضمن لي القيام بالأمور، وقد بلح «1» ، وليس يذهب ولا يجيء، وهو عدوك وعدو ~~ابنك، وهو سعى بكما، فاضمنه مني، ms437 واذكر لي ما عليه من الأموال، وما في ~~جيبه، ومعايبه، والحجج، والتطرق عليه وعلى أملاكه. # PageV08P101 # وكان سليمان محنكا، مجربا، فأعاد الجواب على الرسالة، بأني إن كنت موثوقا ~~بي، فلا تحتاج إلى ضماني، لأني أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه حق للأمير، ~~إن أعادني إلى خدمته. # ودافع عن كتابة الرقعة، وعلم أنها حيلة عليه، لا متناعي عن مكروهه، حتى ~~يجعل الرقعة حجة عليه عندي. # فأنفذ الموفق، إلى عبيد الله، مثل هذه الرسالة، واستكتمه ذلك عن أبيه، ~~فكتب عبيد الله، رقعة طويلة، يسعى علي فيها، أقبح سعاية، ويضمني بمال جليل، ~~ويثلبني، وينكل بي. # فلما وصلت إلى الموفق، احتفظ بها، وغدوت عليه، فخاطبني في تسلمهم، ~~ومطالبتهم، فاستعفيت، وأقمت على الامتناع. # فقال: اقرأ هذه الرقعة، فلما قرأتها، ولم يكن عندي- إذ ذاك- علم كيف جرت ~~الصورة، وإنما [38] انكشفت لي بعد ذلك المجلس، قامت قيامتي، وخفت على نفسي، ~~من معاجلة الموفق، متى لم أعاجلهم، ولم أشك أن ذلك القول صحيح من عبيد ~~الله، وأن الموفق قد أنعم علي بإطلاعي عليه. # فاستجبت إلى تسلمهم، وناظرتهم، وألزمتهم الأموال العظيمة، واستمرت النكبة ~~عليهم «1» . # PageV08P102 ### || 46 سبيل الإنسان في المحن أن يطأطئ لها # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى، يقول: # سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول: # لما دخل صاعد بن مخلد، علي وعلى أبي، ليناظرنا، ونحن في حبس الموفق، ~~قمنا، وتلقيناه. # فخاطب أبي بجميل، وأكرمه، وتجهمني «1» بقبيح، وجعل لا يخاطبني إلا باسمي، ~~ويقول: يا عبيد الله. # فلما أكثر علي، آلمني ذلك، فقلت له: أنا عبيد الله بن سليمان بن وهب بن ~~سعيد، نتصرف في خدمة السلطان، منذ خمسين ومائة سنة، ونتقلب في جلائل ~~الأعمال، أنت صاعد بن مخلد، مخلد من أبوه؟. # فكان هذا من أكبر ما أحفظه «2» علي، حتى تناهى في مكارهي. # وكان أبي يلومني على ذلك، ويقول: سبيل الإنسان في المحن أن يتطأطأ لها، ~~ويذل لوقوعها، ولا يغالبها. # ولم تكن نفسي، أنا، تطاوعني على ذلك، وكان من أضر الأمور علي، وكان الحزم ~~مع أبي دوني. # PageV08P103 ### || 47 ms438 حفلة تعذيب بمحضر الوزير # قال أبو الحسين: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد بن حمدون الواسطي «1» ، ~~صاحب حامد بن العباس، وخليفته، قال: قال لي حامد: # كان صاعد بن مخلد، أول من قلدني العمالة، رياسة، فقال لي في بعض الأيام: ~~احضر دار الأمير الموفق، فحضرتها معه. # فجلس في مجلسه منها، واستدعى على خلوة، سليمان بن وهب، وابنه عبيد الله، ~~وهما منكوبان. # فرأيت سليمان، وقد خرج بطيلسان، وخف، ومبطنة، وابنه حاف مكشوف الرأس، على ~~أذل صورة. # فأكرم الأب، وأسمع الابن المكروه، إلى أن دعا له بالمقارع، فأخذ سليمان ~~يستعطفه كل الاستطعاف، وهو لا ينثني، ويقول له: إذا صنتك يا أبا أيوب عن ~~مثل [39] هذه الحال، فلا أقل من أن تدعني أنتقم من هذا الجاهل، الفاعل، ~~الصانع. # قال: وأقبلت المقارع تأخذ عبيد الله، وسليمان يستعطفه. # فلما زاد الأمر، قال له سليمان: يا كافر، يا فاجر، أما تستحي؟ # إنا اصطنعناك، وأقعدناك هذا المقعد، تضربه بين يدي، سبة عليك. # PageV08P104 # قال: فاستحيا، وأمر بقطع الضرب، فما ضرب بعدها عبيد الله بحضرته، وواضع ~~الموفق بعد ذلك، على أن يكون الضرب بحضرته، بأيدي غلمانه، في داره. # فحرض الموفق عليهما، حتى نهكهما «1» عقوبة وضربا «2» . # PageV08P105 ### || 48 وحفلة تعذيب بمحضر الأمير # فحدثني أبو علي بن مقلة، في نكبته بعد الوزارة الثالثة «1» ، وهو في دار ~~أبي بكر بن قرابة «2» ، لمال يؤديه، ضمنه عنه ابن قرابة «3» ، وشكا ما ~~عامله # PageV08P106 # به الخصيبي «1» من المكروه، ثم قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «2» ، ~~يقول: # سمعت أبا القاسم عبيد الله بن سليمان «3» ، يقول: # أخرجت وأخرج أبي في نكبتنا، في بعض الأيام، بواسط، إلى حضرة الموفق، وقد ~~نصبت له سبنية «4» ، فجلس وراءها، ونحن نعلم بذلك. # ودعا براغب، فأمره بضربنا، فضرب أبي نيفا وعشرين مقرعة، ثم دعي بي، ~~فنوظرت، ثم أمر بضربي. # فإلى أن يستدعي لي من يضربني، قال أبي لراغب: الذي نحن فيه يستطاب معه ~~الموت، وما أقول ما أقوله دفعا عن نفسي، ولا عن ولدي، وإنما أقوله شفقة على ~~الأمير، فأعلمه: أن ملكا من ملوك بني إسرائيل، ms439 ذبح سخلة، بحضرة أمها فخبط ~~من ساعته. # قال: فو الله، ما مضى راغب ليؤدي الكلام، حتى جاءت الرسل من عند الموفق، ~~بأن يرفع الضرب عنا، وقد كان بحيث يسمع الكلام من وراء السبنية. # فما عاد بعدها علينا مكروه. # PageV08P107 ### || 49 أبو زكريا السوسي يرى مناما # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي «1» ، ~~المعروف بخلف، ومحله، في اليسار، والجلالة، والمكنة من السلطان، والاشتهار ~~بالدين، والثقة، والصدق، والأمانة، وصحة الرأي، مشهور، وكان نصرانيا في ~~حداثته، فأسلم، وحسن إسلامه، قال: # رأيت في منامي- يعني بعد إسلامه- عليا عليه السلام، وكأنه جالس ومعه ~~جماعة [40] من أصحابه، وبالقرب منه، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومعهما ~~جماعة. # قال: فسألته، قلت: يا أمير المؤمنين، ما عندك في أبي بكر وعمر؟ # فأثنى خيرا كثيرا. # قلت: فلم لم تجلس معهما؟ # فقال: حياء منهما لما يعمل بهما الرافضة. # PageV08P108 ### || 50 حفيد يزيد بن هارون يرى جده في المنام # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة ~~الواسطي المعروف بنفطويه، في مسجد الرصافة، إملاء في سنة ثمان وثلاثمائة، ~~قال: حدثنا ابن بنت يزيد بن هارون «1» ، ولم يسمه «2» ، وكذا أملى علينا، ~~قال: # رأيت جدي يزيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ ومنكر ونكير ما قالا لك؟ # قال: قالا لي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ # فقلت: ألي يقال هذا؟ وأنا أعلمه الناس منذ ثمانين سنة؟ # فقالا لي: نم نومة العروس، فلا بؤسى عليك. # وعاتبني ربي، على كتابي عن عثمان بن جرير «3» ، فقلت: يا رب، عبدك، وما ~~أعلم إلا خيرا. # قال: إنه كان يبغض عليا عليه السلام «4» . # PageV08P109 ### || 51 ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو الحسن بن الفرات، قال: # دخل علي المقتدر يوما، وأنا في حبسه، في وزارة حامد، فقال لي: # يا أبا الحسن، أتعرف الحسن بن محمد الكرخي الكاتب «1» ؟ # فقلت: نعم. # قال: أي شيء هو من الناس؟ # قلت: عامل، له محل، ويفهم في الحساب شيئا، وهو من صنائعي، ووجوه عمالي، ~~وقد ms440 كان قبل، تقلد عمالات لعبيد الله بن سليمان، وهو أخو القاسم بن محمد ~~الكرخي «2» ، وهو من أهل بيت. # قال: فقال لي: إنه قد كتب إلي يخطب الوزارة، ويتضمن بحامد، وبعلي بن ~~عيسى. # قال: فقلت له: ولا كل هذا يا أمير المؤمنين، إن هذا، إنما طمع في الأمر ~~لما رأى حامدا قد تقلد الوزارة، ولعمري إنها قد اتضعت بتقلده، # PageV08P110 # وطمع فيها كل أحد، ولعمري أنه فوق حامد، أولا في العفافة، وحفظ اللسان، ~~والحساب والخط، ولكن ليس لأنه فوق حامد، يجب أن يقلد الوزارة، ولا لأن ~~الغلط جرى في أمر حامد، يجب أن يقلد هذا، على أنه غلط في ظنه أنه يصلح لصرف ~~حامد، لأن حامدا رجل قديم الرياسة في العمال، وله مروءة عظيمة، وضياع ~~كثيرة، وغلمان كثير والعدد، وله هيبة [41] ، وسطوة، وسن، ونشأ بعيدا عن ~~الحضرة، فلم تستشف أخلاقه، وأفعاله، فانستر أمره عن أهلها، وله كرم يغطي ~~كثيرا من معايبه، وترك الأمر في يده، ويد علي بن عيسى، وهو لا يلحق بعض ~~كتابه، فضلا عنه [أولى] ، وإني لأقول الحق فيهما، على عداوتهما لي. # قال: فأضرب المقتدر عن تقليده. # قال هشام: ثم تم التدبير لأبي الحسن، في الوزارة، وصرف حامد، فحين جاءه ~~الحسن بن محمد الكرخي، أبو أحمد، ذكر تلك الحال التي حدثه بها المقتدر، ~~فهاب الحسن بن محمد، على الأمر، ورآه بعين رجل بعيد الهمة، وعرف تقلب رأي ~~المقتدر، فرأى أن يحسن إلى الحسن بن محمد، ويبعده عن الأعمال، فقلده ~~الموصل، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد «1» . # فانتفع الكرخي بذلك الشروع «2» . # PageV08P111 ### || 52 الحسن بن محمد الكرخي وكمال مروءته # قال أبو الحسين «1» : فكنا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات «2» ، وهو ~~يعمل، وأنا مع أبي «3» ، والمجلس حافل، حتى قرأ كتابا من صاحب بريد الموصل ~~«4» ، يذكر فيه، أن أبا أحمد «5» ، قد تبسط في الأعمال، وأظهر من المروءة ~~أمرا عظيما، وركب باللبود الطاهرية، وبعدة حجاب وغلمان، حتى أنه يسير معهم ~~في موكب، وأنه ورد معه من الزواريق والجمال التي تحمل أثقاله، شيء كثير، ~~وأن هذا ما ms441 لا يحتمله رزقه، وإنما هو من الأصل. # فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي «6» ، الباقي إلى الآن- وكان إذ ذاك، ~~حدثا يخط بحضرته- وقال له: وقع عليه، ليكتب إليه، ويعرف، أنه نفع الرجل من ~~حيث تعمد ضره، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع، عامل وجيه، جليل، كثير ~~التجمل، والهيبة، والمروءة، صلح أن يبادر به # PageV08P112 # السلطان، إلى مصر، وأجناد الشام، متى أنكر على عمالها أمرا، لأن هذه ~~النواحي، لا تصلح إلا لمن كان حسن التجمل، والمروءة، كثير النعمة «1» . # PageV08P113 ### || 53 راتب عامل فارس ثلاثة آلاف دينار في الشهر # ثم أقبل «1» على من في مجلسه، فقال: حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن ~~سليمان: # أن المعتضد، رفع إليه خبر، رفعه النوشجاني «2» ، صاحب بريده، يذكر فيه: ~~أن الأخبار ذاعت ببغداد، بأن حامد بن العباس، لما دخل فارس، متقلدا ~~لعاملتها، دخل ومعه عدد [42] كثير عظيم، من الغلمان والحاشية. # قال: فتحيرت، لما دفع الكتاب إلي، وخفت أن يكون قد أنكر ذلك، ويقع له، أن ~~هذا اصطلام للمال، ودخلني فزع منه، فلم أدر بأي شيء أجيب. # فقال لي: يا أبا القاسم، وقد كان كناه أول ما استوزره، وكان يتكنى على ~~الناس إلا على بدر، وصاحب خراسان، وكان هو وبدر يتكاتبان بالكاف، والدعاء ~~بينهما سواء. # قال المعتضد: يا أبا القاسم، قرأت الكتاب؟ # فقلت: نعم. # فقال: قد سرني ما ذاع من مروءة حامد، وهيبته بذلك في نفوس الرعية، فكم ~~رزقه؟ # فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر. # فقال: اجعلها ثلاثة آلاف، ليستعين بها على مروءته «3» . # PageV08P114 ### || 54 المعتضد يعفي عاملا من المطالبة لما ظهر من مروءته # قال: ثم قال أبو الحسن بن الفرات، عقيب هذا: # وقد فعل المعتضد، قريبا من هذا، مع أبي العباس أحمد بن بسطام «1» ، فإن ~~المعتضد، طالبه، بعجز ضمانه واسط، وحبسه في دار ابن طاهر، وألزم سبعين ألف ~~دينار يؤديها، فكان يصححها «2» على جميل، وهو موكل به من قبل المعتضد في ~~دار ابن طاهر، وأصحاب عبيد الله يطالبونه، ويقتضون المال. # فكتب النوشجانى، صاحب الخبر، فيه: أنه كان يفرق في أيام ولايته، ms442 في كل ~~شهر، عشرين كرا، حنطة ودقيقا، على حاشيته، وعلى المستورين والفقراء، وأنه ~~فرق في هذا الشهر الأكرار على رسمه، ولم يقطعها، وهو مع ذلك يماطل بأداء ما ~~عليه. # فلما دخل عبيد الله على المعتضد، أراه الرقعة، فسكت عبيد الله، فقال له ~~المعتضد: قد سرني هذا، لأن ابن بسطام رجل مشهور بعظم المروءة، وكثرة ~~المعروف، وقد جملنا بما قد فعله، حين لم يظهر أن ما قد ألزمناه، أحوجه إلى ~~الزوال عن عادته في المعروف، فكم بقي عليه؟ # قال: بضعة عشر ألف دينار. # فقال: أسقطها عنه، ورده إلى عمله، وعرفه إحمادي ما قد فعله. # فامتثل عبيد الله ذلك. # PageV08P115 ### || 55 علو نفس الحسن بن مخلد # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن [أبي] ~~الأصبغ «1» ، يحدث أبي، قال: كنت أتصرف مع سليمان بن وهب «2» ، لقرابة كانت ~~بيننا من جهة النساء، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة، حتى إنه كان يطحن ~~الزعفران في داري، كما يطحن الناس الدقيق [43] ، لكثرة ما كان يجيئنا من ~~الجبل «3» ، ونستعمله، ونهديه. # فولي سليمان ديوان الخراج، فكنت أحد عماله فيه، فوقعت بيني وبين ابنه ~~عبيد الله «4» نفرة، فلزمت منزلي أياما. # فما شعرت إلا برقعة الحسن بن مخلد «5» ، يستدعيني وهو يتولى ديوان ~~الضياع، وكانت بينهما مماظة «6» ، فمضيت إليه، فقال لي: أنت معطل ولا تصير ~~إلي؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب؟ # فقلت: يا سيدي، كيف ينفصل ما بيننا، مع القرابة؟ ولكن بيننا عتب. # فقال: دع ذا، أنت معطل، وما تبرح حتى أقلدك عملا. # PageV08P116 # قال: وأراد اجتذابي لناحيته، وكان الناس- إذ ذاك- يتغايرون على الكفاة. # فقلدني أعمال السيب الأسفل «1» ، وقسين «2» ، وجنبلا «3» ، وكانت تجري في ~~ديوانه، فقبلتها. # وخرجت إليها، وكان الأرز قد قارب الإدراك، فقدرته، وعدت إلى سر من رأى، ~~لأشرح له حال التقدير، وأستأمره في العمل. # فلما بصر بي قال: قد قدمت على فاقة مني إليك، قد تأذيت بالفلاحين، وأريد ~~لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين «4» من الثلج. # فقلت له: الأرز خافور ms443 «5» ، وما بلغ إلى أن يحرز. # فقال: لا بد من أن تستفرغ جهدك، وحيلتك، في هذا، حتى تخفف عني. # وكان، أول خدمة، فاحتجت أن أضطرب، لأصنع نفسي عنده، فخرجت مفكرا فيما ~~أعمله. # فلإقبالي، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق، وكانت بيننا مودة، وكان ~~موسرا، وكان جميع متجره غلات السلطان، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته ~~شيئا بالسلف من غلات عملي. # فاجتذبته إلى منزلي، وقلت: البيت لك، فاحتفل، ولو رأيتك ما عدلت عنك. # PageV08P117 # قال: فأقام عندي يومه، ولم أزل حتى بعته بحساب الكر الأرز المعدل، بسبعة ~~دنانير، وكنت قد قدرت الحاصل فيه للسلطان، ثلاثة آلاف كر معدل، واستثنيت ~~عليه في كل كر دينارا، وأخذت خطه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار، لمن يؤمر ~~بأدائها إليه. # ورحت إلى دار الحسن بن مخلد، فوجدته نائما، والناس [44] مطرحون في داره، ~~ثم دخلت إليه، وشرحت له الصورة، فسر بها، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في ~~الديوان، وسلم الرقعة إليه، وقال: أحل الفلاحين على هذا التاجر. # فلما خلا مجلسه، تقدمت إليه، وعرفته خبر الاستثناء، وأريته الخط، وقلت: ~~إلى من أسلم المال، إذا قبض؟ # فلم يجبني، فأححت عليه. # فقال لي: يا هذا، إنك صحبت قوما، لا مروءة لهم، فتعودت منهم، أن تعطو «1» ~~نفوسهم إلى مضايقة خدمهم في هذا القدر، وما هو أتفه منه، وإذا أخذت أنا هذا ~~المرفق، فأنت لم تخدمني، وتتبعني؟ خذ هذا وأصلح به حالك، ليبين عليك أثر ~~خدمتك لي. # فقبلت يده، ورجله، وعدت إلى عملي، واستخرجت المال، ودبرت العمل. # وحضر بعد مديدة، النوروز، وقد كنت مذ خرجت من حضرته، سألت ثقات إخواني من ~~التجار في الأسواق، أن يجمعوا لي كل علق، حسن، غريب، طريف، مثمن، من فرش ~~ديباج «2» مثقل، وأبي قلمون مذهب «3» ، # PageV08P118 # ووشي «1» ، ودبيقي «2» مرتفع، وقصب «3» . # قال: فجمع لي من ذلك، ما كان شراه خمسة آلاف دينار، وهو يساوي أكثر منها ~~بكثير. # ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية، وتضرعت في قبولها، وتشبثت بذلك، وكتبت ~~ثبت الهدية، في أسفل الرقعة. # فكتب إلي فيها: لك أكرمك الله، ms444 بنات، وهن إلى هذا أحوج مني، وقد قبلت ما ~~يصلح قبوله أنسا بك، وإسقاطا للحشمة معك، ورددت إليك الباقي، ليكون لهن. # وكان الذي قبله، ثوب قصب، ومنديل دبيقي، وشستجة «4» قصب. # PageV08P119 ### || 56 الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي «2» ، يقول: # وحكى لي أبي «3» ذلك، قالا: # إن السجزية «4» لما غلبوا على فارس «5» ، أجلي قوم من أهل الخراج عنها، ~~لسوء المعاملة، ففضوا خراجهم على الموجودين، وسموا ذلك: # التكملة، حتى يكمل به مال قانون فارس- كان- متقدما. # ولم تزل الحال في ذلك، تزيد تارة، وتنقص أخرى، إلى أن افتتح أبو # PageV08P120 # الحسن بن الفرات «1» ، في وزارته الأولى «2» ، فارس، على يد وصيف «3» ~~[45] ، ومحمد بن جعفر العبرتائي «4» ، ومن ضمه إليهما من القواد «5» في سنة ~~ثماني وتسعين ومائتين. # فأمر ابن الفرات، بإجراء الأمر في التكملة، على ما كان جاريا عليه. # وجرى الأمر على ذلك، في أيام محمد بن عبيد الله الخاقاني «6» ، وفعله علي ~~بن عيسى «7» ، في صدر وزارته الأولى «8» . # فلما مضت منها مديدة، صار إلى مدينة السلام، عبد الرحمن بن جعفر # PageV08P121 # الشيرازي «1» ، وطعن على محمد بن أحمد بن أبي البغل «2» ، وكان- إذ ذاك- ~~يتقلد فارس، وذكر أنه إن ضمن العمل مكانه، وفر جملة من المال، فضمنه علي بن ~~عيسى، وانصرف ابن أبي البغل عما كان يتقلده أمانة، وقلده أصبهان «3» . # ثم أخر عبد الرحمن بن جعفر المال، واحتج بأن أهل فارس يتظلمون من ~~التكملة، ولا يلتزمونها. # وكان أبو المنذر النعمان بن عبد الله «4» ، يتقلد ديوان كور الأهواز «5» ~~، مجموعة، فكتب إليه علي بن عيسى، أن يستخلف على أعماله، وينفذ إلى # PageV08P122 # فارس، فيطالب عبد الرحمن بما حل عليه من المال، وينظر في هذه التكملة، ~~ويشرح أمرها. # وكتب إلى أحمد بن محمد بن رستم «1» بأن يصير من أصبهان إلى فارس ليضمنها. # وكتب إلى النعمان، بحل ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على ابن رستم. # فاستخرج النعمان التكملة، ووجد قطعة منها على عبد الرحمن، قد قدر أن ~~يكسرها، فعسفه، وباع قطعة من أملاكه، حتى استوفى ذلك. ms445 # وكتب إليه علي بن عيسى يسأله عن التكملة، وأن يشرح له أمرها، وأنه قد صار ~~يستضعف قوم فيلزمون منها أكثر مما يجب عليهم، ويرهب قوم، فيسامحون بها، أو ~~بأكثرها. # فكتب إليه النعمان وابن رستم: إن من طرائف ما يجري بفارس، أن الناس ~~يطالبون بالتكملة، وهي ظلم صراح، سنه الخوارج، ويترك عليهم ما قد أوجبه ~~الفقهاء، وهو خراج الشجر، لأن فارس افتتحت عنوة، وليس على الشجر بها خراج، ~~وأرباب الشجر يذكرون، أن المهدي «2» أسقط عنهم خراج الشجر، وليس لهم حجة ~~بذلك، إلا طول مدة الرسم، والأصل وجوب الخراج على الشجر. # فتسامع أهل البلد بالخبر، فتبادر أجلاؤهم إلى حضرة علي بن عيسى من فارس، ~~فدخلوا مجلسه للمظالم [46] ، وفي أكمامهم حنطة محرقة. # فلما تظلموا، قالوا له: نمنع من إطلاق غلاتنا، وتعتقل علينا # PageV08P123 # في الكناديج «1» ، إلى أن تعفن «2» وتصير هكذا- ورموا بالحنطة المحرقة من ~~أكمامهم- حتى نبيع شعورنا، ونؤدي التكملة الباطلة، حتى تطلق غلاتنا وقد ~~احترقت هكذا. # ورمى قوم من أكمامهم بتين يابس، وخوخ مقدد، ولوز، وفستق، وبندق، وغبيراء ~~«3» ، ونبق، وبلوط، وقالوا: هذا كله بغير خراج، لقوم آخرين، والبلد عنوة، ~~فأما تساوينا في الإحسان أو الاستيفاء. # فخاطب علي بن عيسى، في ذلك، الخليفة، واستأذنه في جمع الفقهاء، والقضاة، ~~ومشايخ الكتاب، ووجوه العمال، وجلة القواد، ومناظرة القوم بحضرته، وتقرير ~~الأمر على ما يوجب الحق- عند الجماعة- والعدل، فأذن له في ذلك. # فجمع الناس في دار المخرم «4» ، التي كانت برسم الوزارة، وصيرها # PageV08P124 # علي بن عيسى ديوانا، وطالت المناظرات، واحتج من حضر من أرباب الشجر، بفعل ~~المهدي، وقالوا: قد استهلكت أموالنا، في أثمان هذه الأملاك التي لا خراج ~~عليها، وإن ألزمت الخراج، بطلت القيم، وافتقرنا: # فأفتى الفقهاء بوجوب الخراج، وبطلان التكملة. # وقال الكتاب: إن كان المهدي، شرط شرطا، لمصلحة في الحال، أو عناء اعتناه ~~أهل البلاد، في جدب أو غيره، ثم زالت المصلحة، زال الشرط. # فقال علي بن عيسى للقوم: أليس عندكم أن ما فعله المهدي واجب؟ # قالوا: بلى. # قال: لم؟، أليس لأنه إمام رأى رأيا ليس فيه مضرة؟ # قالوا: بلى. ms446 # قال: فإن أمير المؤمنين، وهو الإمام الآن، قد رأى أن الأحوط للمسلمين، ~~والأحفظ للكافة، إلزام الخراج الشجر، وإزالة التكملة. # فقام إليه الزجاج «1» ، ووكيع القاضي «2» ، فوصفاه «3» ، وقرضاه «4» . # وقال الزجاج: لقد حكمت بحكم، لو كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حاضرا، ~~ما تجاوزه. # وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذا، كفعل أبي بكر الصديق، رضوان الله ~~عليه، في مطالبة أهل الردة بالزكاة. # PageV08P125 # وأنهى علي بن عيسى، والقضاة، ما جرى، إلى المقتدر، في يوم الموكب، ~~واستأذنه في كتب كتاب بإسقاط التكملة عاجلا، إلى أن يتقرر أمر الشجر. # فأمر بكتب ذلك [47] في الحال بحضرته، وأحضر قائدا من قواد الحضرة، كان ~~يخلف بدرا الكبير، المعروف بالحمامي «1» ، عامل المعاون، بفارس وكرمان، ~~ليسلم إليه الكتاب، ويطالب النعمان، وابن رستم، بامتثاله. # وأمر الخليفة بإحضار دواة يكتب بها علي بن عيسى، وكان رسم الوزراء، إذا ~~أمروا بكتب كتاب بحضرة الخليفة، أن تحضر لهم دواة لطيفة، بسلسلة، فيمسكها ~~الوزير بيده اليسرى، ويكتب منها باليمنى. # فأحضرت تلك الدواة، لعلي بن عيسى، وبدأ يكتب منها الكتاب بغير نسخة. # فلما رآه المقتدر، وقد شق عليه ذلك، أمر بإحضار دواته، وأن يقف بعض ~~الخدم، فيمسكها إلى أن يكتب. # فكان أول وزير أكرم بهذا، ثم صار ذلك رسما جاريا للوزراء، بحضرته. # فكتب علي بن عيسى، في ذلك كتابا إلى النعمان، وخرجت نسخته، إلى الديوان، ~~وأثبت فيه. # قال أبو الحسين: فحفظناه ونحن أحداث، ونسخته «2» : # بسم الله الرحمن الرحيم. # من عبد الله جعفر، الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين، إلى النعمان ابن ~~عبد الله. # PageV08P126 # سلام عليك، فإن أمير المؤمنين، يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد، فإن أفضل الأعمال قدرا، وأجملها ذكرا، وأكملها أجرا، ما كان ~~للتقى جامعا، وللهدى تابعا، وللورى نافعا، وللبلوى رافعا. # وقد جعل الله- عز وجل- أمير المؤمنين، فيما استرعاه من أمور المسلمين، ~~مؤثرا لما يرضيه، صابرا على ما يزلفه عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين ~~إلا بالله، عليه يتوكل، ms447 وبه يستعين. # وقد عرفت حال السجزية والخرمية، الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، ~~وأحدثوا الجور والعدوان، وأظهروا العتو والطغيان، وانتهكوا المحارم، ~~وارتكبوا المظالم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورد «1» بها ~~عليهم، فأزالهم وبددهم، وشتتهم وأبادهم، بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، ~~أحل الله بهم فيها سطوته [48] ، وعجل لهم نقمته، وجعلهم عبرة للمعتبرين، ~~وعظة للمستمعين، (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم ~~شديد) # «2» . # ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرق عدد أوباشهم الفجار، وجد أمير ~~المؤمنين، أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدتهم التي طال أمدها، ~~وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس، في سني غوايتهم، لما طالبوا أهلها ~~بالخراج على أوفر عبرتهم «3» ، من غير اقتصار به على # PageV08P127 # الموجودين، حتى فضوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين. # فأنكر أمير المؤمنين، ما استقر من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمر به ~~من الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته، عن قبيح معرته، وحراسة رعيته، من عظيم ~~مضرته، مع كثرته، ووفور جملته. # فرفع عن الرعية هذه التكملة رفعا مشهورا، وقد جعل الله تعالى من سنها ~~مدحورا، ونادى في المساجد الجامعة بإزالتها، وإبطال جبايتها، ليرتفع ذلك في ~~الجمهور، ويتمكن السكون إليه في الصدور، وتحمد الله الكافة على ما أتاحه ~~لها من تعطف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته لهم وعنايته. # واكتب ما يكون منك في ذلك، فإن أمير المؤمنين يتوكفه «1» ، ويراعيه «2» ~~ويتشوفه «3» ، إن شاء الله. # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # وكتب علي بن عيسى يوم النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة. # PageV08P128 ### || 57 الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية # وقد كان علي بن عيسى، قبل ذلك بسنة، نظر لأهل التكملة من جملتها في ~~شيراز، بعشرة آلاف درهم «1» ، قبل أن يخرج في السنة المقبلة، خراج الشجر، ~~ثم تقرر أمر الشجر على أن يؤخذ منه الخراج، ويقارب أهله فيه، على طسوق «2» ~~توضع لهم مخففة، وكان النعمان رفيقا يقاربهم، حتى عاد بإزاء ما أسقط من مال ~~الضمان في التكملة، أكثره على التدريج. # فكتب علي ms448 بن عيسى، في أمر الشجر، كتابا كنا نتحفظه في الحداثة من الدار، ~~نسخته إلى ابن رستم، لأن النعمان عاد إلى بغداد، واستخلف بفارس أبا مسلم، ~~محمد بن بحر «3» ، وضمن البلد من ابن رستم، وجعل أبا مسلم، مستوفيا عليه ~~للمال: # بسم الله الرحمن الرحيم «4» . # إلى أحمد بن محمد بن رستم [49] ، من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله، ~~أمير المؤمنين. # سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، # PageV08P129 # ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد، فإن الله تعالى بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل ~~عطائه، جعل أموال الفيء للدين قواما، وللحق نظاما، وللعز تماما، فأوجب ~~للأئمة حمايتها، وحرم عليهم إضاعتها، إذ كان ما يجتبي منها، عائدا بصلاح ~~العباد، وحراسة البلاد، وحماية البرية، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك، يعمل ~~أمير المؤمنين، فكره ورويته، ويستفرغ وسعه وطاقته، في حراستها وحياطتها، ~~وقبض كل يد عن تحيفها وتنقصها، والله ولي معونته، على جميل نيته، وحسن ~~طويته، بمنه ورحمته. # ولما فتح الله عز وجل، كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي ~~المتغلبين، وجد أمير المؤمنين أهلها، قد احتالوا في إسقاط خراج الشجر ~~بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتصلت ~~المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه ~~طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله تعالى فيه من حقوقه، على ما تقرر معهم ~~من وضائعه وطسوقه، فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث ~~وثلاثمائة، فاستخرجه، واستوف جميعه واستنظفه، واكتب بما يرتفع من مساحته، ~~ويتحصل من مبلغ جبايته، متحريا للحق، متوخيا للرفق، إن شاء الله. # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # وكتب علي بن عيسى، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث ~~وثلاثمائة. # PageV08P130 ### || 58 إذا تم أمر بدا نقصه # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، ~~وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبر، قال: حدثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن ms449 ~~مخلد بن أبان، قال: حدثني عدة من جلة الكتاب، عن كاتب كان يخط بين يدي ~~المورياني «1» ، وهو وزير المنصور، قال: # كنت يوما بحضرته على خلوة، فدخل عليه حاجبه، وقال: بالباب رجل يذكر أنه ~~يريد أن يلقي إليك شيئا مهما. # قال: اسمع منه ما يقوله، وأده إلي. # قال: قد سمته ذلك فأبى، وبذلت أن أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك، وقال ~~إما أن أصل إليه، أو أنصرف [50] . # قال: فما زيه؟ # قال: زي التناء. # قال: هاته. # فأدخله، فلما وصل، استأذنه في السرار، فأذن له، فدنا إليه، فأطال سراره، ~~ثم دعا بخازنه، فقال: خذ ما يدفعه إليك. # ثم قال لي: قم، فاكتب بكل ما يريده، على إملائه، وإن التمس توقيعي في شيء ~~منه، فأنفذه إلي مع غلامك. # PageV08P131 # قال: فقمت، فكتبت له بما أملاه، وعدت، فعرفته إزاحتي علته «1» فيما طلبه، ~~فجعل يبكي بكاء شديدا. # فسألت غلمانه: هل ورد بعدي شيء يكرهه. # فقالوا: لا. # فقلت: يا سيدي، ما هذا البكاء؟ وكنت آنسا به. # فقال: إن هذا الرجل لقيني منذ أكثر من سنة، وذكر أنه من بني البختكاني ~~«2» وذكر كبر نعمته- وأنا بهم عارف-، ووصف أن العمال يتحيفونه، ويستضعفونه، ~~وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته، وأظهر أني قد استأجرتها منه، وأكاتب ~~العمال، ووكلائي بذلك، وأن تقر يده فيها، إذ كنت قد وثقت به على ذلك، وبذل ~~لي النصف من ارتفاعه، بعد المؤونة، حلالا. # فوافقته على ذلك، وكتبت له بما أراد، ومضى. # ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه، ولا الاستظهار، ولا مضايقته، وقلت لعله ~~أراد الانتفاع بجاهي، فلا أحرمه إياه، فإن وفى، وإلا كان ذلك من زكاة ~~الجاه. # ثم أنسيت أمره، فما ذكرته حتى رأيته الساعة، فأعلمني أنه يتردد منذ مدة ~~إلى الباب، فلا يصل، وأعلمني أنه قد حصل لي من ذلك، مائتا ألف درهم، ~~وأوقفني على حساب رفعه، واستأذني في تسليم المال. # PageV08P132 # وسألني تجديد الكتب، بمثل ما كنت كتبت به إليهم في السنة الماضية، في أمر ~~هذه الضياع. # فتقدمت إلى خازني، بقبض المال، وتقدمت إليك، فكتبت عني بذلك، ms450 فأنا أبكي ~~لهذه الحال. # فقلت له: يا سيدي، فأي شيء في هذا مما يبكيك؟ # فقال: ويحك، ويذهب هذا عليك، مع طول ملازمتي وخدمتي؟ # قد كنت عندي، أنك تحنكت بخدمتي، أمر يكون هذا من إقباله، فكيف يكون ~~إدباره؟ # قال: فما بعد أن قبض عليه المنصور، ونكبه، واستصفى ماله، وأموال أهله، ~~وقتله «1» . # قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد: فحدثت بهذا الحديث، أبا الحسن علي بن ~~محمد بن الفرات، وأبا الحسن علي بن [51] عيسى، كل واحد على الانفراد، في ~~وقت مفرد، فكل واحد منهما أفرط في استحسانه، حتى سأل أن أمليه عليه، فكتبه ~~عني بخطه. # PageV08P133 ### || 59 الجزاء من جنس العمل # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: # حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب، المعروف بابن أبي عمر، كاتب المحسن ~~بن الفرات «2» ، وكان ممن تقلد بعد آل الفرات، عدة أعمال جليلة، ودواوين ~~عظيمة، حتى تقلد الأزمة «3» ، صارفا للخصيبي، في أيام ابن رائق «4» ، وقتل ~~بديار مضر، قتله عمار القرمطي. # وقد كان أبو الحسن، متقلدا لديار مضر «5» من قبل ابن رائق، فأغار عليها ~~عمار، ليتملكها عاصيا، فطالبه بالمال لأصحابه. # فقال: ما معي شيء، ولو قتلتني، وصلبتني. # فقال: علي أن أفعل بك ذلك. # فقتله، وصلبه، في يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين. # فلم يزل ابن رائق، يحتال على عمار، حتى حضر مجلسه، وتركه أياما مع جيشه، ~~ثم قبض عليه، وبحضرته وجوه الأتراك المستأمنة إلى ابن رائق # PageV08P134 # بالشام، من أصحاب بجكم «1» ، فأمرهم بدقه بالأعمدة. # فلما كاد أن يموت، قال: أذيقوه حد السيف، فأخذ رأسه، وصلبه في المكان ~~الذي صلب فيه عامله ابن أبي عمر «2» . # PageV08P135 ### || 60 الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله # قال أبو الحسين «1» : فحدثني أبو الحسن بن أبي عمر «2» هذا، قال: # حدثنا أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي «3» ، ابن أخت الحسن بن مخلد «4» ~~، قال: حدثني أبو محمد خالي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي ~~«5» ، يقول: حدثت عن المأمون، عن الرشيد، أنه سمع المهدي يقول: # بعد زوال أمر أبي عبيد الله «6» عن الوزارة، واقتصاره على ms451 ديوان الرسائل، ~~وعلى الجلوس في منزله، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود «7» : # ما رأيت أحزم، ولا أفهم، ولا أكفأ، ولا أعف، من أبي عبيد الله، # PageV08P136 # ولقد كنت أحبه، مع إجرائي إياه مجرى الوالد، وكنت أجتهد به أن يدعوني إلى ~~داره، فيمتنع، ويزعم أنه لا تتسع همته، ولا نعمته، لذلك. # إلى أن اعتل علة عظيمة، فتمادت الأيام به، ولم أعده، إلى أن كتب إلي ~~باستقلاله، وأنه قد عمل على الركوب إلي، بعد يوم أو يومين، فسابقته، وركبت ~~إليه في خف من غلماني وخاصتي. # فلما دخلت إليه، قلت له: قد كنت أجتهد بك أن تدعوني [52] ، فتأبى، والآن، ~~قد جئتك جامعا للعيادة، والتهنئة بالعافية، والدعوة. # فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما لي طعام، ولا غلمان، ولا زي يصلح ~~لدعوتك. # فقلت: قد فرغت لك من ذلك، وتقدمت إلى غلماني، بحمل الآلات، والطعام، ~~والأشربة، وجميع ما يحتاج إليه، وإنما أردت تشريفك، والأنس بك. # قال: وجاء الغلمان، بآلات، وفرش لي، وجلست، وهو معي، فأكلنا، وجعل يتحفني ~~من منزله، بالفاخر من الفرش، والآنية، والآلات هدية لي، كما يفعل الناس، ~~فأخذت كلما يحمله من أحسن شيء، وأجمله، وأرشقه، فازداد ابتهاجا به. # ثم دعوت بالشراب، فلما شربت ثلاثة فقط، عملت على الانصراف. # فلما أحس بذلك، قال لي: أريد أن أبكي، وأنا أتطير أن أبكي بعد انصراف ~~أمير المؤمنين، وأنا أستأذنه في البكاء بحضرته. # قال: وتحدرت دموعه عقيب الكلام، فبكى بكاء شديدا. # فقلت له: يا هذا، أنا أعلم أن فيك شحا، تسميه حسن التدبير، وما يحسن منك ~~أن تبكي، فإن كان ندما على ما أهديته، فهو مردود بلا شك. # قال: فحلف بأيمان عظيمة، وانزعج انزعاجا شديدا، أنه ما بكى لذلك. # PageV08P137 # وقال: كيف أبكي على ما سبيلي أسر به، حيث جعلتني أهلا لقبوله؟ # قال: فقلت: فلم تبكي؟ # قال: لم تبق مرتبة تنال، إلا وقد نلتها، وبلغتها، بفضل أمير المؤمنين، ~~وتطوله، حتى انتهت بي الحال، إلى أن وصلت، من مال أمير المؤمنين، بأمره، ~~وعن أمره، في ليلة واحدة، وهي ليلة ورد الخبر ms452 بوفاة أمير المؤمنين المنصور ~~صلوات الله عليه، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس، بعشرة آلاف ~~ألف درهم، وفي هذه العلة، تصدقت بجميع ما في خزانتي من المال، وكان أربعة ~~آلاف ألف، بعد أن أستأذنت أمير المؤمنين، فأذن لي، ولم يكن بقي، إلا أن ~~يعودني أمير المؤمنين في علة، أو يهنئني بحال مسجددة، أو يصير إلى دعوتي، ~~فلما كان اليوم، جمع أمير المؤمنين لي ذلك، فعلمت أني قد بلغت النهاية، ~~وأنه ليس بعدها إلا الانحطاط، فبكيت لذلك [53] . # قال: فرققت له، وعلمت فضله، وقلت له: أما في أيامي، فأنت آمن ذلك، وإن ~~أصابك شيء بعدي، فالحياة- على كل حال- خير من الموت، ولك بي أسوة. # واعتقدت أن لا أنكبه. # فلما رأى الربيع «1» عظم منزلته، حسده، فجد في السعاية إلي به، والفساد ~~بيننا، والحيلة عليه عندي، إلى أن جرى في أمر ابنه، وإقراره بالزندقة، ما ~~لم يسع معه، أن لا يقتل، فقتلته، وخفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على ~~نفسي، فاحتجت إلى صرفه، فصرفته، وحرست نفسه، وبقيت نعمته، واستحال الأمر ~~عما عقدته له. # وكان الأمر على ما ظنه، من النقصان بعد التناهي. # PageV08P138 ### || 61 معنى النهروان بالفارسية # حدثني أبو الحسين» # ، قال: سمعت علي بن عيسى «2» ، يحدث، دفعات، عن أبيه، أنه سمع أباه، يحدث ~~عن جده، عن مشايخ أهل العلم بأخبار الفرس، وأيامهم، قالوا: # معنى النهروان بالفارسية: ثواب العمل. # قالوا: وإنما سمي نهر النهروان بذلك، لأن بعض ملوك الأكاسرة، كان قد غلب ~~عليه بعض حاشيته، حتى دبر أكثر أمره، وترقت منزلته عنده، وكان قبل ذلك، من ~~قبل صاحب المائدة، مرسوما بإصلاح الألبان والكواميخ «3» ، ثم علت حاله، ~~فكان صاحب المائدة يتحسر، كيف علت حال هذا، وقد كان تابعا له، وغلب على ~~الملك؟ # وكان مع ذلك الرجل، يهودي ساحر ممخرق، فقال له: ما لي أراك مهموما؟ ~~فحدثني بأمرك، لعل فرجك على يدي. # قال: فحدثه. # فقال له اليهودي: إن رددتك إلى منزلتك، ما لي عندك؟ # قال: أشاطرك حالي ونعمتي، وجميع مالي. # فتعاهدا على ذلك، فقال: أظهر وحشة ms453 تجري بيننا، وأنك قد صرفتني ظاهرا. # PageV08P139 # ففعل ذلك به. # فصار إلى الرجل الغالب على الملك، فحدثه، وتقرب إليه بما جرى عليه من ~~الرجل الأول، ولم يزل يحدثه مدة طويلة، حتى أنس به ذلك الرجل. # فلقيه في بعض الأيام، ومع غلامه غضارة «1» ذهب، فيها شيراز «2» في نهاية ~~الطيبة، يريد أن يقدمه إلى الملك. # فقال: أرني هذا الشيراز. # فقال الرجل لغلامه: أره إياه، فأراه، فخاتل الرجل والغلام، وأخذ بأعينهما ~~بسحره، وطرح في الشيراز قرطاسا كان معه، فيه سم ساعة. # وغطى الغلام الغضارة [54] الكبيرة، ومضى ليقدمها، إذا قدمت المائدة. # فبادر اليهودي إلى صاحب المائدة الأول، وقال له: قد فرغت من القصة، وعرفه ~~ما عمله، ووصف له الغضارة، وقال له: امض الساعة إلى الملك، فقل له: هذا ~~أراد أن يسمك في هذه الغضارة، فلا تأكلها، وجربها، فإنه سيجربها على كلب، ~~أو غيره، فيموت في الحال، فيقتل عدوك، ويشكر لك، فيردك إلى مرتبتك. # قال: فبادر الرجل، فوجد المائدة، تريد «3» أن تقدم إلى الملك، فحين قدمت، ~~تقدم إليه، وقال: أيها الملك، إن هذا يريد أن يسمك في هذه الغضارة، وهي ~~مسمومة بسم ساعة، فلا تأكلها. # فراع الملك، وأمر بتجريب الشيراز على حيوان. # PageV08P140 # فقال الرجل: قد كذب هذا، وليس يحتاج إلى حيوان، أنا آكل من هذه الغضارة، ~~ليعلم الملك كذبه. # قال: والرجل لا يعلم ما في الغضارة، فبادر فأكل منها لقمة، فتلف في ~~الحال. # فقال صاحب المائدة الأول: إنما أكل أيها الملك من ذلك، ليتلف، لما علم ~~أنك تجرب ذلك، فتجده قاتلا، فخاف أن تعذبه، فاستروح إلى هذا. # فلم يشك الملك، في صحة الأمر، ورد إلى صاحب المائدة الأول، ما كان إليه، ~~وأكرمه وعظمه. # ومضت السنون على ذلك. # قال: وعرض للملك، علة، كان يسهر من أجلها في أكثر الليالي، فكان يخرج، ~~وحاشيته غافلون، فيطوف في صحون داره، وحجرها، وبساتينها، ويقف على أبواب ~~حجر نسائه، وغلمانه، فيتسمع عليهم، ويعلم ما يتحدثون به. # فانتهى في ليلة، في طوفه، لأجل السهر، إلى حجرة فيها ذلك اليهودي، وقد ~~خلطه صاحب المطبخ ms454 بنفسه، وغلمانه، وهو جالس يحدث بعض أصحاب صاحب المطبخ، ~~ويتشكى إليه، ويقول: إنه يقصر في حقي، ويعدد تقصيره في حقه. # ثم قال: أنا أصل نعمته وما هو فيه. # فقال له الذي يحدثه: وكيف صرت أصل نعمته؟ # قال: وتكتم ذلك؟ # قال: نعم. # فحدثه بحديث الشيراز والسم. # PageV08P141 # فلما سمع الملك ذلك، قامت قيامته، وأحضر الموبذ «1» من غد، وحدثه ~~بالحديث، وشاوره فيما يعمله، مما يزيل عنه إثم ذلك الفعل في معاده، فأمر ~~بقتل اليهودي [وصاحب المائدة] «2» والإحسان إلى عقب- إن كان- للذي قتل ~~نفسه. # وقال: ولا يزيل عنك إثم هذا، إلا أن تطوف في عملك، حتى تنتهي إلى بقعة ~~[55] خراب، فتستحدث لها عمارة، ونهرا، وشربا، فيعيش الناس بذلك، في باقي ~~الدهر، بدلا من موت ذلك الرجل، فيمحص عنك الإثم. # ففعل الملك ذلك، وطاف أعماله، حتى بلغ موضع النهروان، وهو خراب، فأجمع ~~رأيه، على حفر النهر فيه، فحفر، وسماه: ثواب العمل، لأجل هذه القصة «3» . # PageV08P142 ### || 62 رقعة نفعت صاحبها وخلفه # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثني أبو الحسن الأنباري «2» الكاتب، صديق ~~الكرخيين «3» قال: # دفع إلي أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان، رقعة أبي ~~الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة بن خالد «4» ، الكاتب، إلى جده عبيد الله. # وقال لي: كان إلى أبي- الحسن بن عبيد الله- ديوان الرسائل، وديوان ~~المعاون، في جملة الدواوين التي كانت إليه في أيام أبيه. # فأمر الوزير عبيد الله، أبي، أن يستخلف أبا الحسين بن ثوابة، على ديوان ~~الرسائل، والمعاون، وصار كالمتقلد له من قبل الوزير، لكثرة استخدامه له ~~فيه، وكانت هذه الرقعة سبب ذلك. # ثم مات أبي، فأقره جدي على الديوان رياسة، وبقي عليهم، يتوارثونه، مرة ~~رياسة، ومرة خلافة. # PageV08P143 # فما سمع برقعة أولى منها، وهي في غاية الحسن، ونسختها: # قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، ~~وأشكو صرفها إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها، بكرم قدرتك، فإنها تؤخرني ~~إذا قدمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت، أعطت يسيرا، وإن ارتجعت، ارتجعت ~~كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ms455 ولا أعددت للإنصاف منها إلا فضلك، ودفع ~~ذمام المسألة، وحق الظلامة، وحق التأميل، وقدم صدق الموالاة والمحبة، والذي ~~يملأ يدي من النصفة، ويسبغ العدل علي، حتى تكون محسنا إلي، وأكون بك للأيام ~~معديا، أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن ~~الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني، فقد استعديت، وتجيرني فقد ~~عذت بك، وتوسع علي كنفك، فقد أويت إليه، وتعمني بإحسانك، فقد عولت عليه، ~~وتستعمل يدي ولساني، فيما يصلحان لخدمتك فيه، فقد درست كتب أسلافك، وهم ~~الأئمة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفيت آثارهم، اقتفاء حصلني بين وحشي ~~الكلام وأنيسه [56] ، ووقفني منه على جادة متوسطة، يرجع إليها الغالي، ~~ويسمو نحوها المقصر، فعلت، إن شاء الله «1» . # PageV08P144 ### || 63 أبو قوصرة المستخرج والوزير المصروف الحسن بن مخلد # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى ابن ~~أبي البغل «2» ، وهو إذ ذاك، عدل في جوارنا ببغداد، ويعاشرني. # قال: حدثني أبو قوصرة المستخرج «3» . # قال أبو الحسين: وقد رأيت أنا أبا قوصرة، وأنا حدث، وهو شيخ مسن، من بقية ~~القواد المتقدمين، وقد لزم منزله، وكان الرسم قدما، ان يقلد بعض القواد ~~الذين يفهمون المناظرة، الاستخراج. # قال ابن أبي البغل: قال لي أبو قوصرة: تقدم إلي سليمان بن وهب «4» ، في ~~وزارته للمعتمد، لما قبض على الحسن بن مخلد «5» ، أن أدخل إليه، إلى الحبس، ~~فأطالبه بما صودر عليه، فكنت أخشن عليه ظاهرا، وألين له باطنا، وأتخبر له ~~على سليمان «6» ، وأشير عليه. # فوقفت على أن عبيد الله بن سليمان، قد عمل على أن يجتمع هو، وأبوه، وصاعد ~~بن مخلد، وأبو صالح بن المدبر، وجماعة من الكتاب، في مجلس، # PageV08P145 # ويخرجوا الحسن، فيباهتوه «1» بكل محال لا أصل له، ويكابروه «2» على ~~المحالات، حتى يضطروه بذلك، إلى الأداء، ويرهبوه بأخذ خطه بزيادة على ما ~~عليه، لأنه كان قد بلح، وقال: لم يبق لي ما أؤديه. # قال: فجئته إلى الحبس، فحدثته بأنهم في غد، سيخرجونه لذلك. # قال: ففكر ساعة، فظننته يفكر فيما يدبر به أمره. ms456 # ثم أنشدني لنفسه: # من صادر الناس صادروه ... وكابر الناس كابروه # وباهتوه الحقوق بهتا ... وبالأباطيل ناظروه # بمثل ما راح من قبيح ... أو حسن منه باكروه # PageV08P146 ### || 64 من تواضع ارتفع # حدثني أبو الحسين، قال: # كان أبو الفضل عبيد الله بن عبد الله بن الحارث الكاتب «1» ، من وجوه ~~العمال، ثم خلف أبا القاسم سليمان «2» بن الحسن، في وزارته الأولى، على ~~كثير من أمر الوزارة، فتكبر على الناس، ولم يوفهم الحق، فبحثوا عن معايبه، ~~وأطلقوا الألسن بمثالبه. # وكان قد اشتهر أن أمه، تزوجت أزواجا، بعد أبيه وقبله، وقيل إن عددهم بضعة ~~عشر رجلا، ومنهم رجل يعرف بسوشيخ، يبيع الأرز باللبن. # فقال فيه العصفري الشاعر يهجوه، وأنشدنيها لنفسه: # قالوا: أبو الفضل شمخ ... وازداد كبرا وبذخ [57] # فقلت مه، قولوا له ... يا هرل «3» سوشيخ الوسخ # ما كنت، لا كنت بذي ... سوشيخ يقرط لأمخ # وإنما أراد أن يتطايب بهذا الشعر، مع ذكر أمه، لأن أصله كان من قرية من ~~أعمال واسط بالأسافل، يقال لها قلمايا. # وقد كان أبو الحسين بن عياش القاضي، أنشدني هذه الأبيات قديما، # PageV08P147 # وحكى مثل هذه القصة، فأنسيت «1» الأبيات حتى أذكرنيها أبو الحسين بن ~~هشام، وفي رواية ابن عياش: # ويلك ما كنت بذي # قال: ومعنى يقرط لأمخ: ينيك أمك «2» . # PageV08P148 ### || 65 الخليل بن أحمد والراهب # حدثني أبو الحسين بن هشام، قال: حدثني أبو الحسن زكريا بن يحيى ابن محمد ~~بن شاذان الجوهري، قال: حدثنا أبو العباس المبرد «1» ، قال: # حدثت عن الخليل بن أحمد «2» [قال] : # اجتزت في بعض أسفاري، وأنا متوجه، براهب في صومعة، فدققت عليه، والمساء ~~قد أزف «3» جدا، وقد خفت من الصحراء، وسألته أن يدخلني. # قال: فقال: من أنت؟ # فقلت: أنا الخليل بن أحمد. # فقال: أنت الذي يزعم الناس أنك وجه، وواحد في العلم بأمر العرب؟ # فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك. # قال: إن أجبتني عن ثلاث مسائل، جوابا مقنعا، فتحت لك، وأحسنت ضيافتك، ~~وإلا لم أفتح لك. # فقلت: وما هي؟ # قال: ألسنا نستدل على الشاهد بالغائب؟ # قلت: بلى. # PageV08P149 # قال: فأنت تقول: إن الله تعالى ليس ms457 بجسم و [لا] عرض «1» ، ولم نر له ~~مثلا، فبأي شيء أثبته؟. # وأنت تزعم: إن الناس في الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوطون، وأنت لم تر ~~آكلا، شاربا، إلا متغوطا. # وأنت تقول: أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئا إلا منقضيا. # قال: فقلت له: بالشاهد الحاضر، استدللت على ذلك كله. # أما الله تعالى، فإني استدللت عليه، بأفعاله الدالة عليه، [أنه] لا مثل ~~له، وفي الشاهد مثل ذلك، الروح التي فيك، وفي كل حيوان، نعلم أنه يحس بها ~~تحت كل شعرة منا، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي؟ # ولا ما صفتها، ولا جوهرها، ثم نرى الإنسان من الناس، يموت إذا خرجت، ولا ~~يحس بشيء، وإنما استدللت عليها بأفعالها، وبحركاتها، وتصرفنا، بكونها فينا. # وأما قولك: إن أهل الجنة لا يتغوطون، مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا ~~تعلم أن الجنين يغتذي في بطن أمه، ولا يتغوط. # وأما [58] قولك: إن نعيم أهل الجنة، لا ينقضي مع أن أوله موجود، فإنا نجد ~~أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية ~~له، لم نزل نكرره، وأعداده، وتضعيفه، إلى ما لا انقضاء له. # قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي. # PageV08P150 ### || 66 عافية القاضي يستقيل من القضاء # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سعد، مولى بني هاشم، ~~وكان يكتب ليوسف القاضي» # قديما، قال: حدثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي «2» ، عن أشياخه، قال: # كان عافية القاضي «3» ، يتقلد للمهدي، القضاء، بأحد جانبي مدينة السلام، ~~مكان ابن علاثة «4» ، وكان عافية عالما زاهدا. # فصار إلى المهدي، في وقت الظهر، في يوم من الأيام، وهو خال، فاستأذن ~~عليه، فأدخله، وإذا معه قمطره «5» ، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه في تسليم ~~القمطر، إلى من يأمره بذلك. # فظن أن بعض الأولياء قد غض منه، أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك. # فقال: ما جرى من هذا شيء. # فقال: ما سبب استعفائك؟ # فقال: كان تقدم إلي خصمان من شيراز وأصبهان، في قصة معضلة # PageV08P151 # مشكلة، ms458 وكل يدعي بينة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت، فرددت ~~الخصوم، رجاء أن يصطلحا، أو يتعين لي وجه فصل ما بينهما. # قال: فوقف أحدهما، من خبري، على أني أحب الرطب السكر «1» ، فعمد، في ~~وقتنا، وهو أول أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكرا، لا يتهيأ في وقتنا جمع ~~مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي جملة دراهم، على ~~أن يدخل الطبق إلي، ولا يبالي أن يرد، فلما أدخل إلي، أنكرت ذلك، وطردت ~~بوابي، وأمرت برد الطبق، فرد. # فلما كان اليوم، تقدم إلي مع خصمه، فما تساويا في قلبي، ولا في عيني، ~~وهذا يا أمير المؤمنين، ولم أقبل، فكيف لو قبلت، ولا آمن أن تقع علي حيلة ~~في ديني، فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني، أقالك الله، واعفني «2» . # فأعفاه «3» . # PageV08P152 ### || 67 لا تصلح الدنيا إلا بالعدل # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت حامد بن العباس «2» ، في وزارته «3» ، ~~يتحدث، قال: # كان صاعد بن مخلد «4» ، وصفني للناصر لدين الله «5» ، وعظم عنده من أمري، ~~حتى اختصصت بخدمته. # فاستدعاني يوما على خلوة، وقال: قد علمت ما لحقنا من هذا العدو، يعني ~~[59] صاحب الزنج «6» ، حتى عدنا إلى هاهنا. # قال: وكان ذلك بعد انهزامه من بين يدي صاحب الزنج «7» ، وعوده من مقامه ~~بواسط «8» ، ليستريح، ويتأهب للرجوع، ويستعد لقتاله. # قال: وقال لي الناصر: وأمري كما ترى مختل، وجميع ما في خزانتي ثلاثون ألف ~~دينار عينا، وهذا لا يقع مني «9» ، وأريد أن تصرف همتك إلى # PageV08P153 # ما يثمر معه، ويضعف قدره. # قال: فقلت له: هاهنا وجه فيه مرفق عظيم. # فقال: ما هو؟ # فقلت: هذه أسناية «1» الخيزران، ومنها يشرب المبارك «2» بأسره، وبعض ~~الصلح «3» ، وكانت إقطاعا لأم الرشيد، الخيزران «4» ، فحفرت لها هذه ~~الاسناية، وكانت تغلها غلة عظيمة، وقد تعطلت الآن، وخرب الصلح، والمبارك، ~~كله، فإن صرفت هذه الثلاثين الألف الدينار، في حفر الاسناية، وإطلاق البذر ~~والبقر، لأهل هاتين الناحيتين، توليت لك تفرقة ذلك، ومشاهدة الحفر بنفسي، ~~حتى لا يضيع منه دانق واحد، ولا يرتفق أحد بحبة منه، وتغل في سنة، ضعف ms459 هذا ~~وأكثر. # قال: قد فعلت. # قال: فأنفقت على حفر الاسناية عشرين ألف دينار، بأتم احتياط، وأطلقت ~~العشرة الآلاف الدينار، الباقية، للضعفاء من الأكرة، والتناء، والمزارعين، ~~في أثمان بقر وبذور، واحتطت في جميع ذلك، وطالبت الأقوياء بالزراعة من ~~أموالهم، وحرصوا هم أيضا الحرص كله، لما رأوا الماء، وأن الضياع معطلة منذ ~~سنين كثيرة، وطمعوا في كثرة الريع، ووفور الأسعار في النواحي. # PageV08P154 # فزرع الناس بالرغبة والرهبة، حتى استنفذوا جهدهم. # فلما أدركت «1» ، حصلت في بيدر واحد، من بيادر الصلح، وقد كان ارتفع أصل ~~الكيل منه، ثلاثة آلاف كر وستمائة كر حنطة، بالنصف، فحصلت منه الثلث، ~~والعشر، على المقاسمة مع الأجور، وفضل الكيل، ألف كر وستمائة كر للسلطان، ~~وبعتها بحساب الكر بنيف وعشرين دينارا، فحصل الثمن ستة وثلاثون ألف دينار ~~عينا من بيدر واحد، وبقي البلد كله بأسره ربحا. # فحصل له منه في أول سنة، أضعاف ما أنفق مضاعفا. # فتقوى بذلك على الرجوع إلى الخائن «2» [60] ، وكان ذلك من أكبر أسباب ~~تقدمي عنده ورفعتي. # قال: وكان حامد يحدث بهذا، عقيب شيء جرى، قال حامد معه: # لا تصلح الدنيا إلا بالعمارة، والعدل، وقمع العمال عن السرقات. # ثم تحدث بهذا الحديث. # PageV08P155 ### || 68 تنح عن القبيح ولا ترده # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات، يقول: # كان أبو الحسن محمد بن فراس الكاتب، سبب الوصلة بين القاسم بن عبيد الله ~~«1» ، والعباس بن الحسن «2» ، حتى استكتبه له. # فلما علت حال عباس، حسده ابن فراس «3» ، وعاد يسعى عليه، ويثلبه عند ~~القاسم. # إلى أن اعتل القاسم علة موته، فقال ابن فراس: إن العباس بن الحسن، يسعى ~~في طلب الوزارة، مع الداية «4» ، وصافي الحرمي «5» ، وإنه قد قطع السواد ~~«6» . # PageV08P156 # فلم يتقبل ذلك القاسم، وكتب الرقعة المشهورة إلى المكتفي «1» . # قال: فدخلنا عليه في الليلة التي ولي فيها الوزارة، إثر موت القاسم، ولم ~~يكن خلع عليه، ودخل ابن فراس مهنئا له، فجلس في أخريات الناس. # وتشاغل العباس، بتقليب ثياب السواد، وقد جاءوه بها، ليختار منها ما يقطع ~~له، فيلبسه من غد، في دخوله ms460 إلى الخليفة، قبل الخلع، حتى يبركه هناك، ويلبس ~~الخلع فوقه. # وكان الرسم إذ ذاك، أن لا يصل أحد إلى الخليفة، في يوم موكب إلا بسواد. # قال: فلما اختار العباس ما يريده من الثياب، أقبل علينا، وقال معرضا بابن ~~فراس: لعن الله أهل الحسد والشر، سعى قوم على دمي، عند ولي الدولة، وقالوا ~~له: إني قد سعيت في الوزارة، وإني قد قطعت السواد منذ أيام كثيرة، وهذا ~~بحضرتكم، على غير تواطؤ، هو ذا أقلب ثيابا، ليقطع منها سواد لي. # فقام ابن فراس قائما، وقال: قد حضرني، أطال الله بقاء الوزير، بيتان في ~~هذا المعنى، فإن أذن الوزير- أيده الله- أنشدتهما. # فاستحيا العباس، وقال: بحياتي، اجلس، وأنشد. # فجلس، وقال: # تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده # ستكفى من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده [61] # PageV08P157 ### || 69 جور أبي عبد الله الكوفي # حدثنا أبو الحسن، محمد بن محمد بن عثمان الأهوازي الكاتب، المعروف بابن ~~المهندس، قال: حدثني ابن مروان الجامدي، قال: # لما ظلم الناس بواسط «1» ، أبو عبد الله، أحمد بن علي بن سعيد الكوفي «2» ~~، وهو إذ ذاك يتقلدها لناصر الدولة «3» ، وقد تقلد الوزارة، وإمرة الأمراء ~~ببغداد «4» ، كنت أحد من تظلم «5» ، فظلمني وأخذ من ضيعتي بالجامدة «6» ، ~~نيفا وأربعين كرا أرزا بالنصف من حق رقبتي- سوى ما أخذه من حق بيت المال- ~~بغير تأويل ولا شبهة، فتظلمت إليه، وكلمته، فلم ينصفني. # وكان الكر الأرز بالنصف، إذ ذاك، بثلاثين دينارا. # فقلت له: قد أخذ سيدنا مني، ما أخذ، وو الله، ما أهتدي، أنا وعيالي، إلى ~~شيء سواه، وما لي ما أقوتهم به، باقي سنتي، ولا ما أعمر به ضيعتي، وقد طابت ~~نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وأجعل الباقي لك حلالا. # فقال: هذا ما لا سبيل إليه. # PageV08P158 # فقلت: فخمسة أكرار. # فقال: لا أفعل. # قال: فبكيت، وقبلت يده، ورققته، وقلت: فهب لي منه، وتصدق علي، بثلاثة ~~أكرار، وأنت من الجميع في حل وسعة، بطيب من قلبي. # فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة. # قال: فتحيرت، وقلت له: ms461 فإني أتظلم إلى الله عز وجل منك. # فقال لي: كن على الظلامة- يكررها دفعات- وبكسر الميم، بلغة الكوفيين «1» ~~. # قال: فانصرفت محترق القلب، فجمعت عيالي، وما زلت أدعو الله عليه، ليالي ~~كثيرة. # فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، وجئت إلى البيدر، ~~فأخذت أرزي، وحملته إلى منزلي. # وما عاد الكوفي بعدها إلى واسط، ولا أفلح «2» . # PageV08P159 ### || 70 أبو عبد الله الكوفي يعاقب ملاحا على سوء أدبه # حدثني أبو الحسن محمد بن محمد الأهوازي بن عثمان المعروف بابن المهندس، ~~قال: # كنت أتقلد الضريبة وغيرها، في «1» أعمال واسط، في هذا الوقت «2» ، ~~للكوفي. # فقدم ملاح، يقال له ابن شبيب، من بغداد، في زورق عظيم، وكان فيه حديد، ~~وخواب، فطالبته على ضريبتهما بثمانية آلاف درهم وكسر. # فالتجأ إلى ثمل «3» وهو غلام سيف الدولة، لأن سيف الدولة كان مقيما بواسط ~~حينئذ، أميرا عظيما. # فكتب إلي ثمل، رقعة يلزمني تخفيف [62] الضريبة عن الملاح، ومقاربته، ~~وأنفذ غلمانا من غلمانه. # فوضعت في نفسي المقاربة لأجله، فقلت للملاح، عليك ثمانية آلاف درهم، وكذا ~~وكذا، فبكم تحب أن أسامحك، لأجل كلام فلان أيده الله؟ # قال: وكان مجلسا حافلا بأهل الأسواق، والتجار، والمعاملين في الضريبة. # قال: فقال لي الملاح مستفهما: كم علي؟ # PageV08P160 # فقلت: ثمانية آلاف درهم وكسر. # قال: فضرط من فمه «1» ، لي، وقال: تأخذ مني بميزان قرع، وصنج بعر. # قال: فورد علي أمر عظيم، من استخفافه بي في مجلس العمل، وكرهت أن أوقع ~~به، فتشرق الحال بيني وبين ثمل، مع تمكنه من سيف الدولة، وتصير منابذة بينه ~~وبين صاحبي، ولا أدري كيف يكون حالي في ذلك. # فقلت له: أما أنت فأقل من أن تجاب عن هذا الكلام، ولكن سأريك أمرك، كونوا ~~معه. # قال: فوكلت به جماعة من الرجالة، وعبرت في زبزبي، إلى الكوفي، فحدثته ~~بالقصة. # فحين استتم حديثي، قال: وأي شيء عملت بالملاح؟ # فقلت: لم أقدم أن أعمل به شيئا، لأجل ثمل، وخشيت أن تنكر أنت ذلك. # فقال: نفاطين، نفاطين «2» ، وصاح، وتغيظ. فأحضروا. # وقال: ثلاثين راجلا، الساعة، فأحضروا. # فقال: اعبروا إلى الزورق، ms462 فأحرقوه، بجميع ما فيه من الأمتعة، الساعة. # قال: فورد علي أمر عظيم، وندمت على الشكاية، فقلت: يكفي من هذا- أطال ~~الله بقاء سيدنا- ضرب الملاح بالمقارع في السوق، وأن تضعف # PageV08P161 # عليه الضريبة، وتستخرجها منه. # فقال: لا والله، إلا الإحراق. # قال: فاجتهدت به، فلم يكن في يدي منه شيء. # وتوجه النفاطون، والرجالة، إلى الزورق، فضربوه بالنار، وأقبل الملاح ~~يلطم، ويصيح، ويقول: يا قوم، فيه أموال الناس، قد افتقروا، وافتقرت، ~~ويستغيث بالمسلمين، ولا يقدم أحد على إغاثته. # وأحرقت قلوس «1» الزورق، التي كانت تربطه، وتمسكه، وخرج منه الملاحون، ~~وطرحوا أنفسهم إلى الماء. # فانحدر مع الماء لنفسه، والنار تشتعل فيه، فوقع على الجسر، فقطعه، ~~وانحدر، حتى انتهى إلى موضع معسكر سيف الدولة، وكان نازلا في المأصر «2» ~~بواسط. # والملاح [63] في بكائه وراءه، لا يجسر أن يطفىء النار، ولا يقدر على أكثر ~~من أن يلطم ويصيح. # فلما رأى سيف الدولة الصورة، استهولها، مع صياح الملاح، وقوله فيه أموال، ~~فاستدعاه، وقال: أيش فيه؟. # PageV08P162 # فقال: فيه مال صاحب البريديين، أصدره إليهم صاحبهم من بغداد سرا، وجعله ~~تحت الحديد. # قال: فأمر سيف الدولة بالزورق، فقدم إلى الشط، وأطفئت النار، وقد احترق ~~جوانب الزورق، وظلاله «1» ، وأكثر آلته، إلا الأمتعة التي في أسفله، فإنها ~~كالسالمة. # فرقي بها إلى الشط، فأخرج المال، فإذا هو ثمانية آلاف دينار عينا، ونيف ~~وستون سيفا ومنطقة، من فضة، وبعضها من ذهب، فأخذ ذلك. # وسلم الزورق إلى الملاح، وشد على يده، وعصمه من الكوفي، حتى نقض الملاح ~~الزورق، وانتفع ببقية خشبه وحديده، ووصل التجار إلى ما سلم من المتاع. # PageV08P163 ### || 71 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # حدثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عيسى، أحمد بن محمد بن خالد، المعروف ~~بأخي أبي صخرة «1» ، يحدث أبي، قال: # ما رأيت أحسن رعاية من أبي القاسم، عبيد الله بن سليمان «2» . # فمن ذلك: أن إسماعيل بن ثابت، المعروف بالزغل، كان يتقلد لأبي الصقر، ~~إسماعيل بن بلبل «3» ، في وزارته، طساسيج «4» بادوريا «5» ، وقطربل «6» ، ~~ومسكن «7» ، ونهر بوق «8» ، والذئب؟؟؟ «9» ، وكلواذى «10» ، ونهربين «11» . # فلفق على عبيد الله بن سليمان- وهو إذ ذاك ms463 متعطل في منزله، بعقب تقضي ~~النكبة عنه، ولزومه لبيته- ثلاثة آلاف درهم، ذكر أنها تجب عليه # PageV08P164 # ببادوريا، في سنين، من مظالم باطلة، وبقايا غير لازمة، وأحضر وكيله، ~~وطالبه بها. # فقال له: أمضي، وألتقي بصاحبي، وأواقفه على الأداء. # فوكل به عدة من رجالته، وانصرف، فصار إلى عبيد الله، فقال له: # أغرم للرجالة جعلا، ودافع بلقائه يومين، إلى أن أطرح عليه، من يسأله ترك ~~المطالبة، بأن يقررها معه. # فخرج الوكيل، وبذل للرجالة أوفر الأجعال، فذكروا أنهم لا يقدمون على ~~الإفراج عنه خوفا من الزغل. # وتكرر الكلام بينهم، إلى أن وثب حاجب عبيد الله بهم، وحال بينهم وبين ~~الوكيل، وأدخله الدار. # وانصرفوا، فشكوا [64] ذلك إلى الزغل، وأسرفوا، خوفا منه، ليقوم عذرهم. # فجاء الزغل، فأسرف إسرافهم، وأضاف كل قبيح إلى عبيد الله، وشكاه إلى ~~الوزير إسماعيل، وقال له: إنه لا يقدر على استخراج مال عليه، إلا بالمبالغة ~~في مكروه عبيد الله، والإنكار عليه، وحبسه بنفسه في الديوان، حتى يؤدي، ولا ~~يقتدي به المتعذر. # وكان إسماعيل، من العداوة لعبيد الله، والبغض له، والخوف منه على محله، ~~بمنزلة عظيمة، وفيه- مع ذلك- تشدد في نصرة العمل، وجبرية في نفسه، فاغتاظ ~~جدا. # فأحضرني، وأنا- إذ ذاك «1» - أتولى له ديوان ضياعه، وتقدمته، وتدبير ~~الجيش برسمه، ومنزلتي في الاختصاص به قوية. # فقال: أحضر هذا الجاهل عبيد الله بن سليمان، وعرفه ما شكا منه # PageV08P165 # إسماعيل بن ثابت، وأن جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة «1» ، وقبض نعمته، ~~وضياعه، وأني أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أن الزمان، قد كفاني، بإسقاط ~~أبيه، وأنه صار إلى منزلة، إن عاقبته بما يستحقه، جعلت له سوقا، لما أخرت ~~عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذممي، لأمرت بالآخر «2» أن يصفع من داره ~~إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدي ما عليه، ولا تدعه من ~~الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه ~~حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه. # قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، ~~كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، ms464 وترجمتها في ظاهرها: «لأبي ~~فلان، من فلان» . # وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها علي، زدت فوق الدعاء، بخطي، يا سيدي، ~~وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن ~~كاتبي، لئلا يسمع أني خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل. # وزدت في آخر الرقعة بخطي: أنه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسطه، فإني ~~أحوطه بجهدي، وأن سبيله أن يحضر عشيا، ليكون مجلسي خاليا، فأوفيه الحق، ولا ~~يجيء [65] غدوة، فإن وفيته الحق لحقني من الوزير إنكار، وإن قصرت تذممت ~~إليه، وراعيت العواقب فيه. # فجاءني في جواب الرقعة، عشيا، فقمت إليه، وكان هذا عظيما، محظورا # PageV08P166 # على مثلي، وخاصة في الديوان، وصدرته، وجلست بين يديه وعرفته ما جرى من ~~الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه. # وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، عظيمة، هائلة، لا أستحسن تلقيك بها، ~~وأجل سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلها وأحسنها، ومع ذلك فإنه أمرني، أن لا ~~تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستاذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، ~~وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أي شيء ينجر عليك، وأكون سببه، ~~ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرفه ما جرى، فإن ~~أنكر علي انصرافك بغير إذن، جحدته أني سمعت ذلك منه، وكن على تحرز، من غير ~~أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجلية الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إما في ~~الأمن، أو الهرب. # فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا. # وقام، وقمت بقيامه، وودعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، ~~وأنفذ الرجلين، وتوقى توقيا ضعيفا، ودخلت، فعرفت الوزير الصورة، وجملت ~~القصة، وأمرني بترك التعرض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل. # فأحضرت الزغل، وسلمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟ # فقال: قل. # فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت. # فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بد من تقويمهما. # فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب ms465 عبيد الله، ~~فضربهما عليه، كل واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد # PageV08P167 # الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم. # ومضت السنون على هذا، وفرج الله عن عبيد الله [66] ، وتقلد الوزارة، ~~فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته. # وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أول من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل ~~من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرف في أيام عبيد الله، إلى أن ~~مات وهو يتصدق. # واستترت أنا، أياما، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، ~~وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل ~~الأمان، فأمنني. # فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين ~~والقواد. # فحين رآني، قام إلي قياما تاما. # فقبلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال الله بقاءه، وليس هذا محلي. # فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنك قمت لي في وقت عرضت- بقيامك ~~لي- نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدو لله، وعاملتني، بما لا يفي به ~~شكري، ولك عندي كلما تحبه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره. # قال: ولج به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عني، ويقول له أشياء يدفع ~~بها عني، لا أصل لها، منها: أنه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيام ~~تصرفه معه، دفعات، وأفقره على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، ~~وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا ~~طريق عليه. # PageV08P168 # قال: والمعتضد يلح. # فقال لي عبيد الله: ليس لك، إلا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك. # فقلت: الأمر للوزير. # فقلدني الخراج والضياع بقم، وكتب إلى صاحب المعونة، بخدمتي، وأخرجني على ~~أمر يعظم. # وطالبه المعتضد، بالتزام مصادرتي، فأعاد عليه القول، وقال: احتجت إلى ~~الاستعانة بكفايته، فأنفذته إلى قم. # فقال: لا بد من إلزامه شيئا هناك. # فكتب بالصورة إلي، وألزمني عشرين ألف دينار، وعدني بإخلافها علي، ~~فالتزمتها، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي. # فلما أديت منها عشرة آلاف، أسقط الباقي، وسأل المعتضد فيه، ms466 فحطه [67] ~~عني، وما عطلني، إلى أن مات. # فسلمت ونعمتي عليه، وكسبت معه نعمة ثانية، أنا فيها إلى الآن، بثمرة ذلك ~~الإحسان. # وهلك الزغل، وبلغ إلى الصدقة، ومات في الفقر، بثمرة ذلك الشر «1» . # PageV08P169 ### || 72 آثار قديمة في سواد واسط # ومن عجائب الدنيا، وآياتها، أشياء في سواد واسط. # حدثني جماعة، منهم رجل يعرف بابن السراج، وغيره، ومنهم محمد ابن عبد الله ~~بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي، وجده أبو بكر محمد بن سهل، كان وجها من ~~وجوه الشهود بواسط، ثم تقلد القضاء بها سنين، دفعات، فأثبت ذلك بخط محمد بن ~~عبد الله، عقيب هذا الكلام: # شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون «1» ، قرية من قرى النبط، ~~أو الأكاسرة، وتعرف بجيذا «2» ، وقالوا فيها آثار قديمة، من بناء آجر وجص، ~~وفيها قبة قائمة، كالهيكل كانت قديما، ومثال رجل من حجر أسود أملس، عظيم ~~الخلق، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي إسحاق، لأنه يتعاطى قوم من أهل القوة ~~شيله «3» فيسحقهم، ويكسر عظامهم، وقد قتل وأزمن خلقا، فيذكر أهل الموضع، ~~أنهم سمعوا أشياخهم، يدعونه بذلك، على قديم الأيام. # وهذه القرية خراب، لا يذكر فيها عمارة. # وقد كان احتمل هذا الحجر، رجل يعرف بالجلندي، كان على حماية المأمون «4» ~~، فعمد إليه، وشد فيه الحبال، وجره بالبقر، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء، ~~فأمسى، فتركه في موضعه، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن # PageV08P170 # الموضع الذي تركه فيه، وأن ذلك الحجر صار بالقرب من موضعه الأول، فتركه ~~وانصرف. # ثم احتمله بعد ذلك، رجل آخر، من أهل الرصافة «1» ، على خلق من الحمالين، ~~يتناوبون عليه، حتى أدخله الرصافة، فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه، ~~يضجون، ويقولون: إن هذا نأنس به في ذلك المكان، وإنا نأوي إليه في الليل، ~~فنأنس به، ويمنع عنا الوحش، إذا كنا بقربه، فلا يقربون ما يأوي إليه، ~~فحملوه ثانية، حتى ردوه إلى موضعه الأول، بعد أن بذل لهم الرجال، حمله من ~~الرصافة. # وكان على صدره، وعلى ظهره، وكتفيه، كتابة محفورة، قديمة لا يدري بأي ms467 قلم ~~هي [68] . # وفي هذه البلاد، قرية، تعرف بقصبة نهر الفضل، وهي تلهوار «2» ، و [على] ~~نحو فرسخين [منها] تل يعرف بتل ريحا «3» ، من البلاد القديمة، فيها آثار، ~~وفيه حجر عظيم مربع، له سمك كثير، وهو كالسرير، طول تسعة أذرع، في أذرع «4» ~~، قد غاب في الأرض أكثره، وعليه تماثيل، ونقش. # وكان صاحب تلهوار، أحمد بن خاقان «5» ، أراد إقلاب هذا الحجر، لينظر ما ~~تحته، فاحتفر حوله، واجتهد أن يقدر على قلبه، فلم يقدر على ذلك، لأنهم ~~كانوا كلما احتفروا تحته، ليتمكنوا من قلبه، هوى إلى الحفرة، # PageV08P171 # فاستغرق فيها، فلما أعياه ذلك، تركه على حاله. # وفي موضع من ... «1» الذي في ظهر البطائح، بين واسط والبصرة، مما يلي ~~الطفوف «2» ، من القبة العتيقة، فيه خزانة يقال لها: القارة «3» ، يقال ~~إنها من خزائن قارون، طولها أربعون ذراعا، والعرض مثله، وارتفاعها أكثر من ~~ذلك، مبنية بالقار، والحصى، والنوى، وهي مجموعة ليس «4» لها باب ولا نقف ~~لها على مدخل «5» . # وكان رجل من ساكني تلهوار، يعرف بعمر النجار، أضاف رجلا من المجتازين، ~~وأكرمه، فأحب أن يكافيه، فأعلمه كيفية الوصول إلى هذه القارة، وكتب له بذلك ~~كتابا، أوقفه عليه. # وقال له: نريد أن نستعين برجل كبير، وأومأ إلى خاقان، وأبي القاسم بن حوط ~~العبدسي، وكانا رئيسي البلد، فأعلمهما ذلك. # فأعدوا له آلة لما يحتاج إليه من الفتح، من مرور «6» ، وآلات حديد، وخشب ~~وزبل «7» ، وسلاليم «8» ، وأجرة سفن، وحبال، وغير ذلك، ولزمهما عليها- مع ~~مؤن الرجال- ألوف دراهم كثيرة، وأثبتا رجالا كثيرة # PageV08P172 # للحماية، لأن الموضع تطرقه القرامطة «1» والبوادي «2» ، ثم أخرجاه، ومن ~~معه من الرجال، في سفن في البطيحة، لأن الماء إذا زاد في البطيحة يصير فيما ~~بينه وبين هذه القارة دون الفرسخين، فمضوا إليها. # فحدثنا ابن لهذا الرجل، المعروف بعمر النجار، أنه كان مع أبيه، في ~~الموضع، فوافى، فمسح مما يلي مطلع الشمس، من هذه القبة، أربعين ذراعا، ثم ~~احتفر الموضع، فظهر له حجر عظيم [69] لا يقله إلا الجماعة الكثيرة، فلم يزل ~~يحلحل حوله، حتى أخرجه، وإذا أزج عظيم، كان ذلك الحجر عليه على بابه، ms468 ولحقه ~~المساء، فعمل على المباكرة لدخول الأزج، والوصول إلى باب القبة، فبات ~~ليلته، ومن معه، فلما كان في وجه الصباح، حين يبدو الفجر، سمعت الجماعة، ~~تكبيرا وضجة، ونظروا إلى السيوف والخيل «3» تبين من خلال الظلمة، فناذروها، ~~ولم يشكوا أنها خيل القرامطة، وتوجهوا نحو البطيحة، والسفن التي لهم هناك، ~~فلم يزالوا كذلك يتعادون إلى أن أصبحوا، وبان ما في الصحراء، مما يحتاجون ~~أن يروه، فلم يروا خيلا، فظنوا أنها قد انصرفت عنهم، فعادوا راجعين إلى ~~مواضعهم، فوجدوا عمر النجار مذبوحا في بعض الطريق، ووافوا إلى مواضعهم، ~~فوجدوا أمتعتهم كما هي، ما فقدوا منها شيئا، فاحتملوها، واحتملوا عمر ~~النجار، وانصرفوا. # وقيل لي: إنه لم يوجد الحجر، ولا أثر الموضع الذي احتفروا. # وقد يجد الناس، ممن يجتازون بذلك الموضع، أو يقصده، دراهم، # PageV08P173 # وجواهر، حول تلك الخربات، والقبة. # وقد يأوي إلى تلك الخربات، النعام، وتبيض فيها، لخلوها، وانقطاع الناس، ~~عن الإجتياز بها، إلا في الحين بعد الحين «1» . # PageV08P174 ### || 73 سيدوك الشاعر # رأيت بواسط شيخا، ذكر لي، في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة، أنه قد تجاوز الستين سنة، وأن مولده ومنشأه بالدحب «1» ، قرية ~~من سواد واسط، وأن أباه كان رجلا من أهل البصرة، من بني تميم، وفد قديما ~~إلى واسط، ثم استوطن [70] السواد، فولد هو فيه، ونشأ إلى أن بلغ، فأحب ~~العلم، فرجع إلى البصرة، وأقام بها، وتأدب، ثم دخل البادية، فأقام بها نحو ~~عشر سنين، ولقي الناس، ووجدته يفهم من اللغة والنحو طرفا، وهو شاعر من ~~شعراء واسط المشهورين، ويلقب بسيدوك «2» . # وأخبرني هو، قال: قال لي أبو محمد المهلبي، وقد امتدحته لما وزر، لم ~~تسميت بسيدوك؟ # فقلت: لأنه اسم رئيس الجن، وأنا رئيس الشعراء. # فقال: أفتدري لم سمي سيدوك رئيس الجن بهذا الاسم؟ # قلت: لا. # قال: بلغني أنه إنما سمي بذلك، لأن في الجن قبيلة يقال لها: هلوك، وهو ~~سيدها، فاستثقلوا أن يقولوا: سيد هلوك، فخففوها، فقالوا: سيدوك. # والرجل كان يكنى أبا طاهر، واسمه عبد العزيز بن حامد بن الخضر، على ما ms469 ~~أخبرني. # PageV08P175 ### || 74 من شعر سيدوك # وحدثني «1» ، قال: # كنت يوما بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرماني بنارنجة نصفها أصفر، ~~ونصفها أخضر. # وقال لي: قل في هذه شيئا. # فقلت في الحال: # وطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالتحايا العذاب # فأصفر في لون شمس المساء ... وأخضر في لون قوس السحاب # فلون لوجنة مرعوبة ... ولون لأثر نصول الخضاب # فهذا كمصة نحر الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب # وأنشدني لنفسه أيضا: # شربت حلاوة عيش الصبا ... وذقت مرارة فقد الشباب # فلا طعم أكره مما اغتدى ... خضابك مستهترا من خضابي # ولا شيء أعجب مما التقى ... نصول الخضابين يوم العتاب # أشارت إلى أصص «2» محدقات ... بألوان نيلوفرات طياب # وأنشدني لنفسه [71] : # PageV08P176 # أرى قسمة الأرزاق أعجب قسمة ... فذو دعة مثر ومكد به الكد # فأحمق ذو مال، وأحمق معدم ... وعقل بلا حظ وعقل له جد # يعم الغنى والفقر ذا الجهل والحجى ... ولله من قبل الأمور ومن بعد # وأنشدني لنفسه: # أظن بلية دهمت فؤادي ... وأحسبها غزال بني سليم # وإلا لم يغيب فيعتريني ... تدله ضائم من غير ضيم «1» # ولم عيني إذا فقدته كانت ... كعين الشمس إذ غطت «2» بغيم # PageV08P177 ### || 75 محنة القرامطة # حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله «1» ، قال: # كنت مع إبراهيم بن نافع العقيلي، المعروف بابن البارد الطوق، وبعض العرب ~~تسميه بباري الطوق، وكانت العامة تسميه: ابن البارد الطوق، وخبروني أنه سمي ~~بذلك أبوه، لأنه ضرب رجلا في عنقه طوق، فبراها بالضربة. # قال: وكان أبو إسحاق بن البارد هذا، إذ ذاك، أمير نهر الأيسر «2» الذي ~~بين رستاق البصرة والأهواز، وهو إذ ذاك يليها من قبل معز الدولة «3» . # فورد عليه رجل، قد هرب من القرامطة «4» ، من بني عقيل، يعرف بمختار بن ~~فرناس، وكان من حي إبراهيم، من بني معاوية بن حزن. # وكان في عنق المختار هذا، طوق فضة. # وكان سبب هربه، على ما سمعت خلقا من بني عقيل، يخبرون بذلك، إذ ذاك، أنه ~~قتل أخاه، وابن عمه، لأجل ضيف أضافه. # وذلك، أنه كان مع الضيف، مال صامت، فأعمل أخوه، على الغدر بالضيف، ms470 وأخذ ~~المال منه، وعلم المختار بذلك فمنعه، واقتتلا بالسيوف، فقتل أخاه، فجاء ابن ~~عمه يلومه، وتخاطبا، إلى أن تجاذبا السيوف، وتخابطا # PageV08P178 # بها، فقتل ابن عمه أيضا، وسكن من نفس الضيف، حتى لا يذعر، ولم يكن له ما ~~يطعمه تلك الليلة، فعرقب فرسه، وذبحه، واشتوى من لحمه، وأوقده حتى اصطلى به ~~الضيف. # فلما أصبح، وارتحل الضيف، خاف أن يبلغ القرامطة خبره، فيأمر العريف بأخذه ~~وإسلامه إلى المحنة، فهرب إلى إبراهيم. # فرأيت رسول القرامطة، قد جاء إلى إبراهيم، فأخذه على صلح وأمان، ورجع إلى ~~حيه، ثم بلغنا أنهم محنوه بعد ذلك، تأديبا له، فما سمع برجل في زماننا من ~~أهل البادية، أشجع، ولا أكرم، ولا آدب منه. # والمحنة عند القرامطة، أنهم إذا نقموا على رجل، استدعوه من حيه، إلى ~~الأحساء بلدهم، فطرحوه، إما مقيدا يكدى في البلد، أو سائسا للخيل، أو راعيا ~~للغنم أو الإبل أو ضربوه، وجددوا عليه في كل يوم لونا من العقاب، ولا يزال ~~عندهم حولا، وأكثر. # وربما عاقبوه [72] بألوان أخر. # فجميع ما يعملونه من التأديب، يسمونه محنة «1» . # PageV08P179 ### || 76 من شعر أبي القاسم الصروي # أنشدني أبو القاسم «1» لنفسه: # أصدع صدر الرمح في صدر فارس ... وأوقد ما يبقى من الرمح للضيف # وأقطع سيفي في الطلى ثم أنثني ... فأذبح عيري بالبقية من سيفي # وإني لصيف في الشتاء إذا أتى ... وإني شتاء بارد الظل في الصيف # وما زلت صدر العلم صدر كتابه ... وقلب الوغى ناب عن الضيم والحيف # PageV08P180 ### || 77 عدة جند الخلافة في أيام المقتدر # حدثني أبو الحسين علي بن هشام «1» ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن ~~زكريا بن شيرزاد» # ، قال: # لما أخرج المقتدر «3» هارون بن غريب الخال «4» ، مع مؤنس «5» ، # PageV08P181 # ونصر «1» ، والقواد، لمحاربة القرمطي «2» ، حين وافى «3» من زبارا «4» ، ~~عرضنا الجيش، لأنه كان ديوان العرض إلى صاحبي ابن الخال، وكنت أكتب عليه، ~~وعلى أمره كله، فأمره المقتدر، بعرض الجيش بزبارا، لئلا يكون قد أخل ممن ~~جرد إلى الحرب أحد، فتقدم إلي ابن الخال بذلك، فعرضتهم، فكانت العدة من ~~سائر الفرسان، والرجالة، ms471 مع من جرد من الحجرية، وخدم الدار، اثنين وخمسين ~~ألف رجل مرتزق، أو واحدا وخمسين- الشك من ابن شيرزاد- وهذا سوى من يتبعهم، ~~ممن لا رزق له على السلطان، وإنما رزقه على صاحبه. # قال أبو جعفر: وكان قد تخلف ببغداد، نازوك «5» وعسكر برسمه، ورسم الشرطة، ~~سبعة آلاف فارس، وراجل، وبقي في دار الخليفة، ممن لم يخرج، ألف غلام من ~~الحجرية، وألف خادم- أقل أو أكثر- ممن ترك لحراسة الدار، وهذه العدة، سوى ~~من كان في النواحي من الشحن «6» ، إلا من استدعي، ممن كان في السواد، ~~لمعاون بغداد، مثل طريق خراسان، وطريق دجلة، وسقي الفرات، وهذه النواحي ~~القريبة. # PageV08P182 ### || 78 الشاعر البدوي عساف النميري # حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، قال: # كنت قد ركبت مع نفر من بني قشير، بالموصل، فحملوني إلى حي لهم بالبادية، ~~على أيام منها، فأقمت في الحي شهورا. # فكنت يوما جالسا، فرأيت فتى بدويا يسمى بعساف، حدث السن، [73] حسن الوجه، ~~راكبا. # فقال لي صاحب البيت: هذا رجل من بني نمير، وهو جار لنا، وهو شاعر، فنحب ~~أن تسمع من شعره. # فقلت: نعم. # فسأله النزول، فنزل، وذاكرته بالشعر، فوجدته كثير الرواية لأشعار ~~البادية، في زمانه، فما أنشدني بيتا أعرفه، ولا نسب شيئا مما أنشدنيه إلى ~~شاعر أعرفه، متأخر أو متقدم، ووجدته لا يلحن البتة. # وأنشدني شيئا كثيرا، فعلق بحفظي من ذلك، قصيدة، استعدته إياها دفعات، حتى ~~حفظتها، وقد شذ عني منها أبيات. # قال: وكان هذا، في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، واسم الشاعر عساف النميري، ~~قال: ولا أعرف اسم أبيه، ولا نسبه. # والقصيدة: # نظرت وأعلام السرية دوننا ... بعيني فتى صب يرى الهجر مغرما # وأشرف ركب يهلك الطرف دونه ... تظن به الحبشية الحو جثما # وأكرهت طرف العين حتى كأنما ... أرى بفضاء الأرض سترا منمنما # PageV08P183 # إذا القوم قالوا صح شيئا حسبته ... أصم وعن رد المشورة أعجما # دعاهن من نجد لحوران بعدما ... رمين بسهم الحب قلبا متيما # تعرضن لي يوم اللوى عن مشورة ... وأودعن في ذات الوشاحين مرتما «1» # وقلنا اقتليه يا مليح فإنه ... متى ما ms472 رمى كانت مراميه حذما «2» # دماء الغواني عند ذا مستحلة ... فإن يرم رشقا نلق سهما مسمما # فأبدت على اللبات وحفا «3» كأنه ... عناقيد عناب تفرعن سلما # وجيدا كجمار الفسيلة بزه ... من الليف جانيه وكان مكرما # وعيني غضيض الطرف من جدل المها ... كحيل المآقي، قرنه حين كمما «4» # وأبيض براق الغروب «5» كأنما ... حصى برد ضمت «6» به إن تبسما # وقالت: أبا سعدى تبدلت بيننا ... صدودا ومحمود العشيرة ضيغما «7» # فقلت: هنيا ذاك شيء يسرني ... غناها وأن تلقى من العيش أنعما # ولكن سليني عن حراجيج «8» ضمر ... سواهم «9» يحذين السريح المخدما «10» # PageV08P184 # وحرف «1» كأن البق يلدغ دفها ... إذا المعجب الساري عليها ترنما # وعن فتية شعث اللمام «2» رمى بهم ... هوي المطايا مخرما «3» ثم مخرما # سروا لسنا نار هويا «4» وكلهم ... من البرد ما يبدي البنان المكمما [74] # فلما أتونا جانب الحي عرسوا ... غراثى وما ذاقوا من الأمس مطعما # فحييتهم قبل القرى وقريتهم ... قرى لم يكن نزرا ولم يأت مغنما # وماء قديم قد مضى دون عهده ... لوارده عشرون حولا متمما # وعن شزب «5» شعث النواصي كأنها ... سراحين يحملن الوشيج المقوما # عليهن منا كل أروع ماجد ... كريم إذا ما عارض الموت أوسما «6» # أخو حملات يعلم القوم أنه ... ضروب بنصل السيف ضربا غشمشما «7» # لحقت بهم جمع القطامي بعدما ... دنا من بشير الصبح أن يتكلما # غداة التقينا لا سفيرة بيننا ... سوى مخلصات تترك الهام أقعما «8» # تكر عليهم مخطفات «9» كأنها ... صقور المضري كان للصيد مطعما # كأن على المشوي «10» منها ومنهم ... عمائم تسقى حالك اللون عندما # سلوا قرن مدفوع فقد كان شاهدا ... غداة التقينا أينا كان أكرما # PageV08P185 ### || 79 مناظرة بين عالمين في مجلس القاضي أبي عمر # حدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختري «1» ، ~~القاضي الداودي، وهو شيخ من خلفاء قضاة القضاة، مشهور بمدينة السلام ~~بالعلم، والتصرف في الحكم، قال: حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد ابن ~~محمد بن المغلس الداودي، قال: # كان أبو بكر محمد بن داود «2» ، وأبو العباس بن سريج «3» ، إذا حضرا مجلس ~~القاضي أبي عمر «4» ، لم يجر بين اثنين، فيما ms473 يتفاوضانه، أحسن مما يجري ~~بينهما. # وكان ابن سريج- رضي الله عنه- كثيرا ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى ~~المجلس، فتقدمه في الحضور، أبو بكر، يوما، فسأله حدث من الشافعية عن العود ~~الموجب للكفارة ما هو؟ # قال: إنه إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه. # وحضر ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه. # PageV08P186 # فقال ابن سريج، لابن داود: يا أبا بكر، أعزك الله، هذا قول من المسلمين ~~تقدمكم؟ # فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه ~~المسألة، إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعده خلافا، وهيهات أن يكون كذلك. # فغضب ابن سريج، وقال له: أنت يا أبا بكر، بكتاب الزهرة «1» أمهر منك في ~~هذه الطريقة. # فقال أبو بكر [75] : بكتاب الزهرة تعيرني؟ والله ما تحسن تستتم قراءته، ~~قراءة من يفهم، وإنه لمن إحدى المناقب، إذ كنت أقول فيه: # أكرر في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # وينطق سري عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما # فقال القاضي أبو العباس بن سريج: أعلي تفتخر بهذا القول، وأنا الذي أقول: # ومسامر «2» بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته # حبا «3» بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر اللحظات في وجناته # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته # PageV08P187 # فقال ابن داود، لأبي عمر: أيد الله القاضي، قد أقر بالمبيت على الحال ~~التي ذكرها، وادعى البراءة مما يوجبه، فعليه إقامة البينة. # فقال ابن سريج: من مذهبي، أن المقر، إذا أقر إقرارا، وناطه بصفة، كان ~~إقراره موكولا إلى صفته. # فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان. # قال ابن سريج: فهذا القول، اختياري الساعة «1» . # PageV08P188 ### || 80 إخوانيات # حدثني مبشر- مولى أبي «1» - قال: # قدمنا سوق الأهواز، من غيبة كان مولاي غابها، فكتب من المشرعة «2» ، إلى ~~أبي أيوب داود بن علي بن أبي الجعد الكاتب، وكان بينهما أنسة ومودة، وعرفه ~~قدومه، فالتمس منه، أن ينفذ إليه مركوبا ليركبه من المشرعة إلى داره. # فأنفذ إليه أبو ms474 أيوب المركب، وكتب إليه: # عبدك داود به علة ... تمنعه أن يتلقاكا # والبغلة الشهباء قد أسرجت ... فاركب فديناك فديناكا # عيني إلى الباب وأذني إلى ... مبشري قد جاء مولاكا # PageV08P189 ### || 81 إن كان قد أخذ طالعي فقد أخذت غاربه # حدثني أبو علي محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال «1» ~~، وكان أبوه المكنى بأبي حامد، قد تقلد القضاء، وأبو علي هذا قد خلف عدة ~~قضاة على غير بلد، قال: حدثنا ابن جحا الأصبهاني، قال: # قيل لأبي مسلم، محمد بن بحر «2» ، لما دخل أصبهان، واليها، وصارفا لابن ~~رستم: إن ابن رستم، قد أخذ طالعا في دخولك، وهو يذكر [76] ، أنه غير جيد، ~~فقال: إن كان قد أخذ طالعي، فقد أخذت غاربه «3» . # PageV08P190 ### || 82 الحق يوفي على الجرم # حدثني أبو الحسين، علي بن هشام «1» ، قال: # كان أبو الحسن بن الفرات «2» ، لما ولي الوزارة الأولى، وجد سليمان بن ~~الحسن «3» ، يتقلد مجلس المقابلة، في ديوان الخاصة، من قبل علي بن عيسى «4» ~~، وإليه- إذ ذاك- الديوان، فقلد أبو الحسن، سليمان، الديوان بأسره، فأقام ~~يتقلده نحو سنتين. # فقام يصلي المغرب، فسقطت من كمه رقعة، بخطه، نسخة سعاية بابن الفرات، ~~وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد، كاتب السيدة «5» ، بالوزارة، وأخذها بعض ~~أسبابه «6» ، وتقرب بها إلى ابن الفرات، فقبض عليه للوقت، فأنفذه إلى واسط، ~~في زورق مطبق، وصودر، وعذب بواسط. # ثم رجع له ابن الفرات، لما وقف من كتاب صاحب الخبر، على أن أم سليمان، ~~ماتت ببغداد، ولم يحضرها، ولا رأته قبل موتها، فاغتم لذلك، # PageV08P191 # وبدأ، فكتب إليه، بخطه، كتابا أقرأنيه سليمان، بعد ذلك، فحفظته، ونسخته: # ميزت- أكرمك الله- بين حقك وجرمك، فوجدت الحق، يوفي على الجرم. # وتفكرت في سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ~~فثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت. # فثق- أكرمك الله- بذلك، وأسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه. # واعلم أنني أراعي فيك، حقوق أبيك، التي تقوم بتوكيد السبب، مقام اللحمة ~~والنسب، وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل ما كثر ms475 من إساءتك، ولن أدع ~~مراعاتها، والمحافظة عليها، إن شاء الله. # وقد قلدتك أعمال دستميسان «1» لسنة ثمان وتسعين ومائتين، وبقايا ما ~~قبلها، وكتبت إلى أحمد بن حبش «2» ، بحمل عشرة آلاف درهم، إليك. # PageV08P192 # فتقلد هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا، ينبىء عن كفايتك، ويؤدي إلى ~~ما أحبه من زيادتك، إن شاء الله «1» . # PageV08P193 ### || 83 يحيى بن خالد البرمكي والفضل بن الربيع # حدثني أبو الحسين علي بن هشام، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس ~~اليزيدي «1» ، قال: حدثنا عمي «2» عن اليزيدي الأكبر، مؤدب المأمون «3» ، ~~قال: # دخل أبو العباس، الفضل بن الربيع «4» ، على أبي علي، يحيى بن خالد ~~البرمكي «5» ، وهو جالس للحوائج، وابنه جعفر «6» ، يوقع بين يديه. # فعرض عليه رقعة، فقال: هذا لا يمكن [77] . # وأخرى، فقال: هذا مما قد حظره أمير المؤمنين. # وأخرى، فقال: هذا يفسد به الأولياء. # وأخرى، فقال: هذا يثلم الارتفاع. # PageV08P194 # إلى أن عرض عليه عشر رقاع، واعتل فيها بعلل مختلفة، ولم يوقع له بشيء. # فجمعها الفضل، وقال: ارجعن خائبات، ونهض وهو يقول: # عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور # فتقضى لبانات وتشفى حسائك ... وتحدث من بعد الأمور أمور # فسمعها يحيى، فقال: عزمت عليك يا أبا العباس، لما رجعت. # فرجع، فوقع له في الرقاع كلها «1» . # PageV08P195 ### || 84 ثمن هديتين وثمن نفط وحب قطن # حدثني أبو الحسين، قال: حدثنا أبو الحسن، علي بن عيسى، قال: # حدثنا أبي قال: حدثنا أبي «1» ، داود بن الجراح، قال: قال لي الفضل ابن ~~مروان «2» : # كنت أعمل، في ديوان ضياع الرشيد «3» ، مجلس الحساب، فنظرت في حساب السنة ~~التي نكب فيها البرامكة «4» ، ووجدت، قد أثبت فيه، ثمن هدية، دفعتين من مال ~~ضياع الرشيد، أهداهما إلى جعفر بن يحيى، بضعة عشر ألف دينار. # وفيه بعد شهور من هذه الهدية، قد أثبت في الحساب لثمن نفط، وحب قطن، ~~ابتيع، وحرق بها جثة جعفر بن يحيى، بضعة عشر قيراطا ذهبا. # PageV08P196 ### || 85 من يشناك كان وزيرا # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا أبو عبد الله نفطويه «2» ، قال: حدثنا ~~أبو العباس بن الفرات «3» ، قال: قال ms476 لي أبو [القاسم] عبيد الله بن سليمان ~~«4» ، قال: قال لي أبي «5» : سمعت أبا الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان ~~«6» ، قال: # سمعت أبا جعفر أحمد بن يوسف «7» يقول، وهو إذ ذاك، وزير المأمون، لما قال ~~الشاعر، بعد قتل أبي سلمة، وزير السفاح «8» : # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا # كذبت، [كل] الوزراء من يشناك، فلا يدخل في هذا الأمر إلا منحوس. # PageV08P197 ### || 86 المتنبي يعارض القرآن # حدثني أبو علي بن أبي حامد، قال: # سمعت خلقا بحلب، يحكون: أن أبا الطيب، أحمد بن الحسين، المتنبىء بها «1» ~~إذ ذاك، كان في بادية السماوة «2» ، ونواحيها. # إلى أن أخرج إليه لؤلؤ من حمص «3» ، من قبل الإخشيدية «4» ، فقاتله، ~~وأسره، وشرد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب، وغيرهما من قبائل العرب. # وحبسه في السجن دهرا طويلا، فاعتل، وكاد أن يتلف، حتى سئل في [87] أمره، ~~فاستتابه، وكتب عليه وثيقة، أشهد عليه فيها، ببطلان ما ادعاه، ورجوعه إلى ~~الإسلام، وأنه تائب منه، ولا يعاود مثله، وأطلقه. # قال: وكان قد تلا على البوادي، كلاما، ذكر أنه قرآن نزل عليه، وكانوا ~~يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة، فضاعت، وبقي أولها # PageV08P198 # في حفظي، وهو: # «والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار» . # «امض على سبيلك، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ ~~من ألحد في دينه، وضل عن سبيله» . # قال: وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها غير هذا. # قال: وكان المتنبىء إذا استوعب في مجلس سيف الدولة «1» ، ونحن إذ ذاك، ~~بحلب «2» ، يذكر له هذا القرآن، وأمثاله، مما كان يحكى عنه، فينكره، ~~ويجحده. # قال: وقال له ابن خالويه النحوي «3» ، يوما، في مجلس سيف الدولة، لولا أن ~~الآخر «4» جاهل، لما رضي أن يدعى بالمتنبىء، لأن متنبىء، معناه كاذب، ومن ~~رضي لنفسه أن يدعى بالكذب، فهو جاهل. # فقال: لست أرضى أن أدعى بذلك، وإنما يدعوني به، من يريد الغض مني، ولست ~~أقدر على الامتناع. # فأما أنا، فإنني سألته بالأهواز «5» ، في سنة أربع ms477 وخمسين وثلاثمائة، # PageV08P199 # عند اجتيازه بها، إلى فارس «1» ، في حديث طويل، حدث بيننا، عن معنى ~~المتنبيء، لأني أردت أن أسمع منه، هل تنبأ أم لا؟ # فأجابني بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء، كان في الحداثة، أوجبته ~~الصبوة، فاستحيت أن أستقصي عليه، وأمسكت. # وقال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي، ونحن بحلب، وقد سمع قوما يحكون ~~عن أبي الطيب المتنبىء، هذه السورة التي قدمنا ذكرها: لولا جهله، أين قوله: ~~امض على سبيلك، إلى آخر الكلام، من قول الله عز وجل (فاصدع بما تؤمر، وأعرض ~~عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين) # «2» إلى آخر السورة «3» ، وهل تتقارب الفصاحة بينهما، أو يشتبه الكلامان. # PageV08P200 ### || 87 معقود العسل ودهن اللوز # حدثنا أبو الحسن محمد بن شجاع المتكلم البغدادي، قال [79] : # حدثنا أبو سلمة العسكري، أحد غلمان أبي علي الجبائي «1» ، قال: # كنت بحضرته يوما، وهو يصلي، ونحن جلوس نتحدث، فقال رجل منا: اليوم كنت ~~عند صديق لي، فأطعمني معقود العسل ودهن اللوز. # فقالوا: [إن جبى] ليس بها من يكون هذا عنده، إلا العامل، ولست ممن يأكل ~~طعام العمال. # فمر الرجل يشوش الكلام. # وسلم أبو علي من صلاته، فقال: لا يهوسكم الرجل، لعله كان اليوم عند ~~الصيدلاني وتناول لطريفك «2» ؟ # فقال الرجل: هكذا كان. # PageV08P201 ### || 88 أندلسي تتلمذ للجاحظ # وحدثنا أبو الحسين «1» أيضا، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن عمرو، قال: # كنت بالأندلس «2» ، فقيل لي: إن بها تلميذا لأبي عثمان الجاحظ «3» ، يعرف ~~بسلام بن زيد، ويكنى أبا خلف. # فأتيته، فرأيت شيخا هما «4» ، فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان، ولم ~~يقع أبو عثمان إلى الأندلس؟ # فقال: كان طالب العلم [بالمشرق] «5» يشرف عند ملوكنا [بلقاء أبي عثمان] ~~«6» ، فوقع إلينا كتاب التربيع والتدوير «7» ، فأشاروا إليه، ثم أردفه ~~عندنا كتاب البيان والتبيين «8» ، فبلغ الرجل الصكاك «9» بكتابة هذين ~~الكتابين. # قال: فخرجت، لا أعرج على شيء، حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: هو ~~بسر من رأى. # PageV08P202 # فأصعدت إليها، فقيل: قد أنحدر إلى البصرة. # فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت، فدخلت إليه، وإذا ms478 هو جالس وحواليه ~~عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره. # قال: فدهشت، فقلت: أيكم أبو عثمان؟ # فرفع يده، وحركها في وجهي، وقال: من أين؟ # فقلت: من الأندلس. # قال: طينة حمقاء، فما الاسم؟ # قلت: سلام. # قال: اسم كلب القراد، ابن من؟ # قلت: ابن زيد. # قال: بحق ما صرف، أبو من؟ # قلت: أبو خلف. # قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟ # قلت: العلم. # قال: ارجع بوقت، فإنك لا تفلح. # قلت له: ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، وبعد ~~الشقة، وغرة الحداثة، ودهشة الداخل. # قال: فترى حولي عشرين صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني ~~بها؟ # قال: فأقمت عليه عشرين [80] سنة. # قال: وكان سلام هذا يحسن العلم «1» . # PageV08P203 ### || 89 الناس أربعة # قال» # : وبلغني عن أبي بكر بن مجاهد «2» ، أنه قال: # الناس أربعة: مليح يتبغض لملاحته [فيحتمل] «3» ، وبغيض يتملح، فذاك ~~الحمى، والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغض، فيعذر لأنه طبيعة، ومليح ~~يتملح، فتلك الحياة الطيبة. # PageV08P204 ### || 90 كيفية صيد الفيل واستئناسه # حدثنا أبو الحسين، قال: # كنت بتانة من بلاد الهند «1» ، فسمعتهم يتحدثون: أن ملوك الهند، يغالون ~~في الأفيلة «2» الحربية، على قدر عظم بطشها، فربما بلغ الفيل الفاره، ~~المنقطع النظير، مائة ألف دينار، ودائما يبلغ الفيل الواحد منها عشرة آلاف ~~دينار. # قال: فإذا بلغ الملك، أن فيلا قد تغرب، وله بطش عظيم، وأنه يصلح للحرب، ~~أمر بصيده. # قالوا: وليس له حيلة في صيده، إلا بأن يخرج قوم من الفيالين، ومعهم فيلة ~~أنثى، أهلية معلمة، فيها فضل خنث وتأنيث، والأفيال، فيها من الفطنة أمر ~~عظيم. # قال: فيخرج الفيالون، وهي معهم، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرب الفيل فيه، ~~فيقاربون الموضع، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه، في شجرة عظيمة، لا تمكن ~~الفيل فيها حيلة، أو شيء يحفرونه ويغطونه، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى. # فحين يشم الفيل رائحتها، يقصدها، وتقصده، فتلاعبه، وتطاعمه بخرطومها، ~~وتؤانسه، ولا تبرح من حيث هي، ويرعيان في موضع فيالها، والفيالون مختبئون ~~شهرا، لا يفرقون بينهما. # PageV08P205 # فإذا كان بعد شهر- أقل ms479 أو أكثر «1» - على حسب علمهم باستحكام الألفة، ~~استدعوا الفيلة، في وقت تشاغل الفيل عنهم فيه، فتجيئهم فيركبونها. # فحين يراهم الفيل، ويراها، يتبعهم، فيروم أن يؤذي الفيالين، فتضع هي ~~خرطومها عليه وتلاعبه، وتسرع، ويسرع خلفها. # فإذا رأوه قد ولى، ردوها إليه، فتلاعبه، فيرجع معها. # فلا يزالون يمشون به خلفها، يومين أو ثلاثة، إلى أن يروا منه ضجرا، أو ~~شدة في أذيتهم، فيقفون ليلة في موضع، ويتهاربون عن ظهرها إلى موضع يختبئون ~~فيه. # فلا يقصدهم الفيل لتشاغله بها، ويحرزون أنفسهم في المختبأ، ويدعونه معها ~~دون تلك المدة. # ثم يسيرون بها [81] على ذلك الوجه، فيتبعها الفيل. # فيسيرون بها يومين أو ثلاثة، أو حسب ما يمكن، إلى أن يبدو ضجره، فينزلون ~~على رسمهم. # فلا يزالون كذلك، حتى يقربونه من البلد، في مدة على حسب بعد المسافة أو ~~قربها. # فإذا بلغوا المدينة، أخرج ملكها جميع أهل البلد، أو أكثرهم، وجمعهم، وصعد ~~عامتهم على السطوح، النساء، والصبيان، مزينين. # فحين يرى الفيل اجتماعهم، يستوحش، وينفر، ويولي، ويطلب الصحراء، فترجع ~~[الفيلة إليه فترده] . # فإذا رأى الناس، نفر، فترجع إليه فترده، فلا تزال كذلك معه، # PageV08P206 # حتى تدخله بين الناس، وتقربه منهم. # ويقيمونه «1» الفيالون أياما، كذلك، حتى يألف الناس، فإذا ألفهم أمر ~~الملك بجمع أصحاب الدبادب، والطبول، والصنوج. # فحين يسمع، ينفر نفورا شديدا، أشد من ذلك، ويهرب، فتمضي الفيلة خلفه، ~~فحين يراها، وقد بعد عن الصوت قليلا، يقف لها، فتداعبه، وترده، وتداريه. # فحين يقرب من الصوت يهرب، ثم يرجع معها، هذا دأبه معها، تفعل به ذلك ~~أياما متتابعات، إلى أن يألف الصوت. # فإذا ألف المناظر والأصوات، أدخل الفيالون الفيلة إلى البلد، ويتبعهم ~~الفيل. # فيجيئون إلى ساحة كبيرة، معدة له، فيها أربعة أوتاد ساج، أثقل ما يكون، ~~وأعظمه، متقاربة، منصوبة على أساسات شديدة. # فتدخل الفيلة ما بين تلك الأوتاد، وتقف، فيدخل وراءها، ويقف معها، فينزل ~~الفيالون، وفي أطول تلك الأوتاد حلق عظام وثيقة، في كل دقل حلقة، وفيه قيد ~~عظيم ثقيل، فيضعون القيد في قائمة من قوائم الفيل، فيحصل مقيدا مضبوطا ms480 بين ~~تلك الأوتاد، لا يمكنه قلعها، ولا أن يطرح ثقله على شيء، لتساوي أجزائه في ~~التقييد إليها. # فلا يزال على ذلك أياما، والفيلة إلى جانبه، فإذا مسه الجوع، جاءه ~~الفيالون بالأرز والسمن المطبوخ، فأطعموه إياه، بأن يرمون به إليه من بعد، ~~فللجوع يأكله. # ولا يزالون يدارونه، ويتقربون منه [82] ، على تدريج، حتى يأكله # PageV08P207 # من أيديهم بعد مدة، فإذا أكل من أيديهم، فهي العلامة في استئناسه. # فحين يأكل من أيديهم مرارا كثيرة، ويستمر على هذا، يركبونه، ويضعون ~~الحديد في رأسه، أياما، ويمرونها عليه، حتى يألفها، ويعلمونه، ويكلمونه. # فإذا مضت أيام على هذا، حلوا قيوده، وهم فوقه، فيمشي، ويصرفونه بحسب ما ~~يصرفونه عليه، ويصير في حكم الأهلي. ### || 91 ملك الصنف يملك ألفي فيل # قال: وسمعت أن ملك الصنف «1» ، وهو البلد الذي يجيء منه العود الصنفي، له ~~ألفا فيل، إذا خرجت تمتد نحو فرسخ. # PageV08P208 ### || 92 الفيل يقوم بعمل الجلاد # قال: وسمعت أن الملك، إذا أراد قتل إنسان، سلمه إلى الفيل، فيكلمه الفيال ~~في أن يقتله. # قال: فيقتله بألوان من القتل، منها: أنه ربما لف خرطومه على رجل الرجل، ~~ويضع إحدى يديه على ساق الرجل الأخرى، ثم يعتمد عليه، فإذا هو قد خرق الرجل ~~بنصفين، من أوله إلى آخره. # وربما ترك الرجل، واستعرضه بالعرض، ثم وضع يده على بطنه، فيسحقه «1» . # PageV08P209 ### || 93 صاحب عمان يهدي فيلا لمعز الدولة # قلت: أنا رأيت بالبصرة، في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة «1» ، فيلا، لطيفا، ~~حمله صاحب عمان «2» ، إلى معز الدولة «3» ، فاجتاز بالبصرة، وحمل إلى ~~دارنا، فأدخل إلى صحنها، فرأيناه. # وسمعت عددا كبيرا من أهل البصرة، يخبرون- إذ ذاك- أن هذا الفيل اجتاز في ~~سوق الجامع، فقرب منه صبي دون البالغ، فصاح به الفيالون ليتنحى عن طريق ~~الفيل، فدهش الصبي، وأدركه الفيل، فلف خرطومه عليه، وشاله، فرفعه إلى ~~الفيالين، فأخذوه منه، فصاح الصبي، وطار عقله، فما أنزلوه إلا بدراهم. # وأنهم اجتازوا، بعد ذلك بأيام، فأدركت الفيل ضجرة، فقبض على صبي، فشاله ~~بخرطومه، ورقاه في الهواء، ثم استقبله بنابه، فأدخله في جسمه، فقتله. # PageV08P210 ### || 94 وما ms481 قتل الأحرار كالعفو عنهم # حدثني أبو الحسين «1» ، قال: حدثنا الفضل بن باهماد السيرافي، بها «2» ، ~~وكان مشهورا بسلوك أقاصي بلدان البحر، قال: # قال لي رجل من بعض بياسرة «3» بلاد الهند، والبيسر: هو المولود على ملة ~~الإسلام في بلاد الهند، أنه كان في بلد من بلاد [83] الهند، وكان فيه الملك ~~حسن السيرة، وكان لا يأخذ مواجهة، ولا يعطي مواجهة، وإنما يقلب بيده إلى ~~وراء ظهره، فيأخذ ويعطي بها، إعظاما للملك، وسنة لهم هناك، وأنه توفي، فوثب ~~رجل على ملكه، فاحتوى عليه، وهرب ابن كان له، يصلح للملك، خوفا على نفسه من ~~المتغلب. # ورسوم ملوك الهند، أن الرجل إذا قام من مجلسه، لأي حاجة عرضت له، كانت ~~عليه صدرة «4» ، قد جمع فيها كل نفيس فاخر، من اليواقيت والجواهر، مضربا ~~بالإبريسم، في الصدرة، ويكون قيمة ذلك ما إن [لو] أراد أن يقيم به ملكا ~~أقامه. # قال: ويقولون، ليس بملك، من قام من مجلسه، وليس معه ما إن حدثت عليه ~~حادثة فهرب به، أمكنه إقامة ملك عظيم منه. # فلما حدثت على الملك، تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته، وهرب بها. # PageV08P211 # فحكى عن نفسه، أنه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاما، ولم يكن معي فضة ~~ولا ذهب، فأبتاع به مأكولا، وأنفت أن استطعم، ولم أقدر على إظهار ما معي. # قال: فجلست على قارعة الطريق، وإذا برجل هندي، مقبل، على كتفه كارة، ~~فحطها، وجلس حذائي. # فقلت: أين تريد؟ # فقال: الجدام الفلاني. # ومعنى الجدام: الرستاق. # فقلت له: هذا الجدام الفلاني أريد، فنصطحب. # قال: نعم. # فطمعت أن يعرض علي شيئا من مأكوله، قال: فحل الكارة، وأكل، وأنا أراه، ~~ولم يعرض علي، وأنفت أن أبتدئه بالسؤال. # وقام يمشي وقد شدها، فمشيت معه، وتبعته، طمعا في أن تحمله الإنسانية ~~والمؤانسة على العرض «1» ، فعمل بالليل، كما عمل معي بالنهار. # قال: وأصبحنا من غد، ومشينا، فعاملني بمثل ذلك، [وظل] على هذا سبعة أيام، ~~لم أذق شيئا. # فأصبحت في اليوم الثامن، ضعيفا، لا قدرة لي على الحركة، فرأيت جداما في ~~حاشية الطريق، وقوما يبنون، ms482 وقيما عليهم، يأمرهم. # قال: ففارقت الرجل، وعدلت إلى الوكيل، فقلت: استعملني بأجرة تعطنيها ~~عشيا، مثل هؤلاء. # فقال: نعم، ناولهم الطين. # PageV08P212 # قال: فكنت آخذ الطين، فلعادة الملك، أقلب يدي إلى ظهري [84] ، وأعطيهم ~~الطين، فكما «1» أذكر أن ذلك خطأ علي [يسبب] سفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، ~~فأرد يدي بسرعة، قبل أن يفطنوا بي. # قال: فلمحتني أمرأة قائمة، فأخبرت سيدها بخبري، وقالت: لا بد أن يكون هذا ~~من أولاد الملوك. # قال: فتقدم إليها، بحبسي عن المضي مع الصناع، فاحتبستني، وانصرف الصناع. # فجاءني بالدهن والعروق، لأغتسل بهما، وهذه مقدمة إكرامهم، وسنة لإعظامهم، ~~فتغسلت بذلك. # فجاءوني بالأرز والسمك، فطعمت. # فعرضت المرأة نفسها علي للتزويج، فعقدت عليها، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت ~~معها أربع سنين، أرب «2» حالها، وكانت لها نعمة. # فأنا يوما، جالس على باب دارها، فإذا أنا برجل من بلدي، فاستدعيته، ~~فجاءني. # فقلت له: من أين أنت؟ # قال: أنا من بلد كذا وكذا، وذكر بلدي. # فقلت: ما تصنع هاهنا؟ # فقال: كان فينا ملك حسن السيرة، فمات، ووثب على ملكه رجل ليس من أهل بيت ~~الملك، وكان للملك الأول ابن يصلح للملك، فخاف على نفسه، فهرب، وإن المتغلب ~~أساء عشرة رعيته، فوثبوا عليه، فقتلوه، وانبثثنا في البلدان نطلب ابن ذلك ~~المتوفى، لنجلسه مكان أبيه، # PageV08P213 # فما نعرف له خبرا. # قال: فقلت له: تعرفني؟ # قال: لا. # فقلت: أنا طلبتكم. # قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحة ما قلت له، فكفر لي «1» . # قلت: اكتم أمرنا، إلى أن ندخل إلى الناحية. # فقال: أفعل. # قال: فدخلت إلى الامرأة، وأخبرتها الخبر، وحدثتها بالصورة، وبأمري كله. # وأعطيتها الصدرة، وقلت: فيها كذا، ومن حالها كذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن ~~كان ما ذكره صحيحا، فالعلامة أن يجيئك رسولي، ويذكر لك الصدرة، فانهضي معه، ~~وإن كانت مكيدة، كانت الصدرة لك. # قال: ومضى مع الرجل، وكان الأمر صحيحا، فلما قرب من البلد، استقبلوه ~~بالتكفير، وأجلسوه في الملك، وأنفذ إلى الزوجة من حملها، وجاءت إليه. # فحين اجتمع شمله، واستقام ملكه، أمر فبنيت له دار [85] عظيمة، وأمر أن لا ~~يجتاز ms483 في عمله مجتاز، إلا حمل إليها، ويضاف ثلاثة أيام، ويزود لثلاثة أيام ~~أخر. # وكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي استصحبه في سفره، ويقدر أن يقع في ~~يده. # وأراد أن يبني الدار شكرا لله تعالى، على الخلاص مما كان فيه، وأن # PageV08P214 # يكفي الناس المؤونة التي كانت لحقته. # [فلما كان] بعد حول، استعرض الناس، قال: وقد كان يستعرضهم في كل شهر، فلا ~~يرى الرجل، فيصرفهم. # فلما كان ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم، فحين وقعت عليه عينه، أعطاه ورقة ~~تنبول «1» ، وهذه علامة غاية الإكرام، ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك ~~بإنسان من رعيته «2» . # قال: فحين فعل الملك بالرجل ذلك، كفر له، وقبل الأرض، فأمره الملك ~~بالنهوض، ونظر إليه، فإذا هو ليس يعرف الملك، فأمر بتغيير حاله، وإحسان ~~ضيافته، ففعل، ثم استدعاه. # فقال له: أتعرفني؟ # قال: وكيف لا أعرف الملك، وهو من حاله، وعظم شأنه، وعلو سلطانه. # قال: لم أرد هذا، أتعرفني، من قبل هذه الحال؟ # PageV08P215 # قال: لا. # قال: فأذكره الملك الحديث والقصة، في منعه الطعام سبعة أيام في السفر. # قال: فبهت الرجل. # وقال: ردوه إلى الدار، وونسوه «1» ، وزاد في إكرامه، وحضر الطعام، فأطعم ~~الرجل، فلما أراد النوم، قال الملك، لامرأته: امضي فغمزيه «2» ، حتى ينام. # قال: فجاءت المرأة، ولم تزل تغمزه، إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، وقالت: ~~قد نام. # فقال: ليس هذا نوما، حركوه، [فحركوه] فإذا هو ميت. # قال: فقالت له المرأة: أيش هذا؟ # قال: فساق إليها حديثه معه، وقال: وقع في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند ~~لهم كبود عظام، وتوهمهم هو المعروف المتعالم عنهم، فدخلت عليه حسرة عظيمة، ~~إذ لم يحسن إلي ذلك الوقت، فقتلته الحسرة. # وقد كنت أتوقع موته قبل هذا، مما توهمه واستشعره من العلة في نفسه، ~~والحسرة والأسف، فقتلته «3» . # PageV08P216 ### || 95 الجبارية في الهند # حدثنا أبو الحسين «1» ، قال: حدثني أبي «2» ، قال: # رأيت بالهند قوما، يقال لهم: الجبارية، يأكلون الميتة، ويقذرهم جميع أهل ~~الهند، عندهم أنهم إذا ماسوهم نجسوا. # قال: فهم يمشون، وفي أعناقهم طبول يطبلون بها، لتسمع أصواتها، فيتنحون ms484 عن ~~طريقهم، فإذا لم يتنح الرجل عند سماع الطبل، فلا شيء على الجباري [86] ، ~~وإن لم يضرب الجباري الطبل، حتى يلاصق جسده، جسد غيره، قتله الذي يلتصق ~~جسده به، ولا يعدى عليه، لأن هذا من شرطهم، وسنتهم. # قال: ولا يشرب أحد من ماء هؤلاء الجبارية، ولا يأكل من طعامهم، ولا ~~يخالطهم، فهم ينزلون في ظاهر البلد ناحية. # قال: وهم أرمى الناس، ومعاشهم من الصيد. # PageV08P217 ### || 96 البابوانية في الهند # قال: وهناك قوم يقال لهم البابوانية، يجرون مجرى المستقفين «1» هاهنا، ~~والسلطان يطلبهم، فإذا وقعوا في يده، وظفر بهم، فعل بهم، كما يفعل باللصوص ~~والعيارين. # قال: وهم يصطادون الناس، لا يعرضون لغير ذلك. # قال: والواحد منهم، يتبع التجار الذين يطرأون إليهم من المسلمين والذمة، ~~فإذا رأى الواحد من التجار، في طريق خال، قبض عليه، فحين يقبض عليه، وقد ~~علم التاجر بأمره، فيسكت، لأنه إن استغاث، أو نطق قتله الهندي، وقتل نفسه ~~في الحال، لا يتألم لذلك، لاعتقادهم المشهور في القتل. # قال: ويراهم الناس، وقد اصطادوا الرجل، فلا يعرضون لخلاصه، لئلا يقتله، ~~ويقول لهم الرجل: الله، الله، إن عارضتموه، فلا يمكن لسلطان ولا غيره، ~~انتزاعه من يده، في تلك الحال، لئلا يعجل بقتله. # قال: فأخبرني رجل من الهند، أن رجلا من البابوانية، قبض في طريق سفر على ~~رجل لقيه منفردا من التجار. # فقال له: اشتر نفسك. # فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم. # فقال له التاجر: تعلم أني خرجت ولا شيء معي، ومالي في البلد، فتصير معي ~~إلى داري في البلد، لأؤدي ذلك إليك. # PageV08P218 # قال: فأجابه، وقبض على يده، ولم يزل يمشي معه، حتى اجتازا في طريقهما، ~~بقرية الجبارية [وكان] طريقهما في سكة منها، فسلكاها. # فحين حصلا فيها، فطن التاجر للحيلة في الخلاص، وقد كان عرف مذهب الهندي ~~في الجبارية، فلم يزل يمشي معه، حتى رأى بابا مفتوحا، من دور الجبارية، ~~فجذب يده بحمية شديدة، من يد البابواني، وسعى فدخل دار الجباري. # فقال له: ما لك؟ # قال: أنا مستجير بك، من يد بابواني اصطادني، ms485 وتعريت منه. # قال: لا بأس عليك [87] ، فاجلس. # فصاح البابواني: يا جباري، يا جباري، اخرج إلي. # قال: وهم لا يدخلون دور الجبارية، لاستقذارهم إياهم. # قال: فخرج، ووقف، بينهما عرض الطريق، لأنه لا يجوز لأحدهما أن يدنو من ~~صاحبه. # فقال له البابواني: أعطني صاحبي. # قال: قد استجار بي، فهبه لي. # قال: لا أفعل، هذا رزقي، فإن لم تعطنيه، لم ندع جباريا [إلا «1» ] ~~قتلناه. # قال: فطال الكلام بينهما، إلى أن قال الجباري، أسلمه إليك في الصحراء ~~فامض برا «2» ، تسبقه إلى الموضع الفلاني. # قال: فمضى. # PageV08P219 # ودخل الرجل على [التاجر] ، وقال له «1» : اخرج لا بأس عليك. # فخرج معه، وأخذ الجباري قوسه، وخمسين نشابة، قال: ونشابهم من القصب. # قال: فعلق المسلم بكم الجباري، ولصق به، علما منه بأن البابواني لا يدنو ~~منه. # فلما صارا إلى الصحراء، قال له الجباري: تهبه [لي] ؟ واجتهد به، فلم ~~يفعل. # قال: فإني لا أسلمه، أو لا يبقى معي سلاح. # قال: شأنك. # قال: وهم لا يخطئون البتة في الرمي، ففوق سهمه نحوه، فحين أطلقه، تلقاه ~~البابواني بشيء كان معه، فاعترض السهم بالشيء، فقطعه باثنين، وسلم منه. # فتحير الجباري. # قال: فلم يزل يرميه بنشابة نشابة، ويفعل بها البابواني، مثل ذلك، إلى أن ~~ذهب النشاب، ولم يبق منه إلا نشابتان. # فضعفت نفس التاجر، وأيقن بالهلاك، وقال للجباري: الله، الله، في دمي. # قال: فقال له البابواني: لا يقع لك أنك قد أفلت، ثم أخذ سهما. # فقال له الجباري: لا تقدر على ذلك، وسأريك من رميي، ما تتحدث به أبدا، ~~انظر إلى هذا الطائر الذي يطير في السماء، فإني أرميه، فأصرعه # PageV08P220 # على رأسك، ثم أرميك فلا أخطيك «1» . # قال: فشال» # البابواني رأسه، ينظر إلى الطير، فرماه الجباري، فأصاب فؤاده، فخر صريعا ~~يضطرب، ومات. # وقال للتاجر: ارجع الآن آمنا. # فرجع إلى داره، وأقام عندهم، إلى أن اجتازت بهم صحبة «3» ، رحل معها ~~التاجر، إلى مأمنه. # PageV08P221 ### || 97 سرق ماله بالبصرة، واستعاده بواسط # حدثنا أبو الحسين، قال: حدثني رجل من أهل دار الزبير «1» بالبصرة، دقاق ~~«2» ، قال: # أورد علي رجل غريب، سفتجة ms486 بأجل «3» ، فكان يتردد إلى أن حلت، ثم قال: ~~دعها عندك، وآخذها متفرقة. # فكان يجيء في كل يوم، فيأخذ بقدر نفقته، إلى أن نفدت. # وصارت بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وأنست به، وكان يراني أخرج كيسي من ~~صندوق لي، فأعطي منه النقدات «4» التي تحل علي. # فقال لي يوما: إن قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على ~~حفظ ماله، والذي ينفي الظنة عنده عن عياله، فإن لم يكن وثيقا، تطرقت الحيلة ~~عليه، وأرى قفلك هذا وثيقا، فقل لي ممن ابتعته، لأبتاع مثله. # فقلت: من فلان القفال، في جوبات «5» الصفارين. # PageV08P222 # قال: فما شعرت، إلا وقد جئت [88] ، وطلبت صندوقي، لأخرج منه شيئا من ~~الدراهم، فحمل إلي، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم. # فقلت لغلامي- وكان غير متهم عندي-: هل أنكرت من الدرابات شيئا؟ # فقال: لا. # فقلت: ففتش، هل ترى في الدكان نقبا؟ # ففتش، فقال: لا. # فقلت: فمن السقف حيلة؟ # فقال: لا. # فقلت: اعلم أن دراهمي قد ذهبت؟ # فقلق الغلام، فسكنته، وأقمت في دكاني، لا أدري ما أعمل، فتأخر عني الرجل، ~~فلما تأخر، اتهمته، وتذكرت مسألته لي عن القفل. # فقلت للغلام: أخبرني كيف تفتح الدكان وتغلقه؟ # فقال: رسمي، إذا أغلقت الدكان، أغلقه درابتين، درابتين، والدرابات «1» في ~~المسجد، أحملها دفعات، اثنتين وثلاثا، في كل دفعة، فأشرجها، ثم أقفل، وكذا ~~أفتحها. # فقلت: البارحة، واليوم كذا فعلت؟ # فقال: نعم. # فقلت: فإذا مضيت لترد الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان؟ # قال: خاليا. # PageV08P223 # فقلت: فمن هاهنا وقع الشر. # وذهبت ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت له: جاءك إنسان منذ ~~أيام، اشترى منك مثل هذا القفل؟ # قال: نعم، وحكى من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي. # فعلمت أنه جاء، واختبأ للغلام وقت المساء، حتى إذا انصرفت أنا، ومضى وهو ~~يحمل الدرابات، دخل الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، الذي ~~يقع على قفلي، وأنه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته، خلف الدرابات، فلما جاء ~~الغلام، وفتح درابتين أو ثلاثا، وحملها ليرفعها، خرج هو، وأنه ما ms487 فعل ذلك، ~~إلا وقد خرج إلى بغداد. # قال: فسلمت الدكان إلى الغلام، وقلت له، من سأل عني، فعرفه أني خرجت إلى ~~ضيعتي. # قال: وخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه. # فقلت: أبتدىء بطلب الرجل بواسط، فلما صعدت من السميرية «1» ، طلبت خانا ~~في الجسر، أنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، وإذا بقفل مثل قفلي، سواء، على بيت. # فقلت لقيم الخان: هذا البيت من ينزله؟ # فقالى: رجل قدم من البصرة، أول أمس. # فقلت: أي شيء صفته؟ # فوصف صفة صاحبي [89] ، فلم أشك أنه هو، وأن الدراهم في بيته. # PageV08P224 # فاكتريت بيتا إلى جنبه، ورصدت البيت حتى انصرف القيم، وقمت، ففتحت القفل ~~بمفتاحي. # فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، ملقى فيه، فأخذته، وخرجت وقفلت البيت، ~~وتركته. # ونزلت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملاح في زيادة أجره، حتى ~~حملني، وانحدرت في الحال، وما أقمت بواسط إلا ساعتين من النهار. # ورجعت إلى البصرة بمالي «1» . # PageV08P225 ### || 98 صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص # حدثنا أبو الحسين، قال: حدثني رجل من أهل بغداد، أن بعض من تاب من ~~اللصوصية، حدثه، قال: # كان في الناحية الفلانية، صيرفي، كثير المال، يطلبه اللصوص، فلا تتم عليه ~~حيلة، ولا يقدرون عليه. # قال: فتواطأ عليه جماعة لصوص، كنت أحدهم، فقالوا: كيف نعمل في دخول داره؟ # فقلت: أما الدخول، فعلي لكم، وأما ما بعد ذلك فلا أضمنه. # قالوا: فما نريد إلا الدخول. # قال: فجئت، وهم معي، عشاء، فقلت لواحد منهم: تصدق «1» ، فإذا خرجت ~~الجارية إليك بشيء، فتباعد، وتعام «2» عليها، لتجيء إليك تعطيك الصدقة، وكن ~~على خطى من الباب، لأدخل أنا، وهي متشاغلة معك، قد بعدت عن الباب، فلا ~~تراني إلى أن أدخل، فأختبىء. # قال: ففعل ذلك، وحصلت مختبئا في مستراح الدهليز. # فلما عادت الجارية، قال لها [مولاها] : قد احتبست. # قالت: حتى أعطيت السائل الصدقة. # قال: ليس هذا قدر دفعك إليه. # قالت: لم يكن على الباب، فلحقته في الطريق، وأعطيته. # PageV08P226 # فقال: وكم خطوة مشيت من الباب؟ # قالت: خطى كثيرة. # قال: لعنك الله، أخطأت علي، قد حصل معي في الدار لص، لا أشك ms488 فيه. # قال: فحين سمعت هذا، قامت قيامتي، وتحيرت. # فقال لها: هات القفل. # فجاءته به، فجاء إلى باب دهليز الدار، والصحن بعد باب الدار، فقفله من ~~عنده، ثم قال لها: دعي اللص الآن يعمل ما يشاء. # قال: فلما انتصف الليل، جاء أصحابي، فصفروا على الباب، ففتحت لهم باب ~~الدار، فدخلوا الدهليز [90] ، وأخبرتهم بالخبر. # فقالوا: ننقب الستبة، ونخرج إلى الصحن. # ونقبوا، فلما فرغوا، قالوا: ادخل معنا. # فقلت: إن نفسي قد نبت عن هذا الرجل، وأحسست بشر، وما أدخل البتة. # فاجتهدوا بي، وقالوا: لا نعطيك شيئا. # فقلت: قد رضيت. # فدخلوا، فحين حصلوا في الصحن، وأنا في الدهليز، أتسمع عليهم، مشوا فيه، ~~فإذا للمولى زبية «1» ، في أكثر الصحن، محيطة به، يعرفها هو وعياله، فيتقون ~~المشي عليها ليلا ونهارا، وهي منصوبة للحفظ من هذا وشبهه، وعليها بارية، من ~~فوق خشب رقيق جدا. # فحين حصلوا عليها، سقطوا إليها، فإذا هي عميقة جدا، لا يمكن الصعود منها. # PageV08P227 # فسمع المولى صوت سقوطهم، فصاح: وقع هؤلاء، وقام هو وجاريته يصفقون ~~ويرقصون. # وتناولوا حجارة معدة لهم، فما زالوا يشدخون رؤوسهم وأبدانهم بها، وأصحابي ~~يصيحون، وأنا أحمد الله على السلامة، إلى أن أتلفهم. # وهربت أنا من الدهليز، ولم أعرف لأصحابي خبرا، كيف دفنوا، أو كيف أخرجوا. # فكان ذلك سبب توبتي من اللصوصية «1» . # PageV08P228 ### || 99 البراءة المزورة # حدثني أبو الحسين، قال: حدثني رجل من البغداديين، قال: # كنت وأنا حدث، حسن الوجه، فلما اتصلت لحيتي، وهي طرية بعد، طلبت التصرف ~~«1» ، فكتب لي إلى أبي أحمد النعمان بن عبيد الله، فلقيته في عمله «2» ، ~~فأكرمني، وبالغ في بري، وأمرني بالجلوس، فجلست، وكلما أردت القيام احتبسني ~~إلى أن لم يبق عنده أحد إلا خواصه. # ثم أحضر المائدة فأكلنا، فلما فرغنا، قمت لأغسل يدي، فحلف، أن لا أغسلها ~~إلا بحضرته، فغسلتها، وقمت. # فقال: إلى أين؟ # فقلت: إلى منزلي. # فقال: أنت هاهنا غريب، ولعلك في خان. # فقلت: هو كذلك. # فقال: وموضعنا أطيب، وهو خير، وخيشنا بارد، فأقم عندنا. # فقلت: السمع والطاعة. # ولم أعرف ما في نفسه، فدخلت الخيش «3» ، فلما ms489 حصلت عنده فيه، جعل ~~يستدنيني، ولا أعلم غرضه، إلى أن صرت بقربه، فضرب بيده، يولع [91] # PageV08P229 # بي «1» ، فعلمت أن شرطه في اللواط، أصحاب اللحى الطرية «2» . # فصعب علي ما تم من ذلك، وقلت: كيف أصنع؟ ليس إلا التطايب. # قال: فقلت له، يا سيدي أي شيء تريد؟ # قال: أريد أن أفعل كذا وكذا. # فقلت: يا سيدي، براءتي معي، وقبضت على لحيتي. # قال: لا تفعل، هذه براءة مزورة. # قلت: كيف؟ # قال: لأني ما وقعت فيها بقلمي. # PageV08P230 ### || 100 من شعر سيدوك الواسطي # أنشدني أبو طاهر المعروف بسيدوك الواسطي «1» لنفسه: # هات اسقنيها كلمح البرق ما مزجت ... إلا لتسيير سقلاطونها فينا # إذا لواعب آذريونها عبثت ... بجلنار سناها هز نسرينا # أدير في الكأس ذر الشمس إذ رقصت ... والماء نغرف من نار كماشينا # وأنشدني لنفسه من أبيات: # ما أكثر الشعراء مذ قتل الندى ... والشعر أعوز من دموع الأرقم # وأنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها أبا الحسن عمران بن شاهين، أمير البطيحة ~~«2» وفيها [ذكر] الهدري الذي يقاتل به، هو وأصحابه، وهو شبيه الحراب، يقول: # تسبي النفوس حراب ما أدرت بها ... كأس المنية إلا رحت ذا طرب # تظل من فضة حتى إذا وردت ... أصدرتها من دم الأبطال من ذهب # من كل مقلية الجنبين ماضية ... قدت من الشمس أو قدت من اللهب # PageV08P231 ### || 101 من شعر أبي إسحاق الصابي # أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: أنشدني أبو إسحاق ~~إبراهيم بن هليل الصابي «1» الكاتب لنفسه: # تورد دمعي فاستوى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب # فو الله ما أدري أبا لخمر أسبلت ... جفوني أم من دمع عيني أشرب # وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: # ما زلت في سكري ألمع كفها ... وذراعها بالقرص والآثار # حتى تركت أديمها وكأنما ... غرس البنفسج منه في الجمار # قال: وأنشدني لنفسه: # فديت من سارقني لحظها ... من خيفة الناس بتسليمته # لما رأت بدر الدجى زاهيا ... وغاظها ذلك من شيمته # سلت له البرقع عن وجهها ... فردت البدر إلى قيمته «2» [92] # وأنشدني، قال: قرأت على ظهر دفتر: # كنا نزوركم والدار دانية ... في ms490 كل وقت فلما شطت الدار # صرنا نقدر وقتا في زيارتكم ... وليس للشوق في الأحشاء مقدار # PageV08P232 ### || 102 الحسن بن عون الموسوس # حدثني أبو الحسن محمد بن غسان الطبيب «1» ، قال: # كان عندنا بالبصرة في البيمارستان، رجل موسوس، يعرف بالحسن ابن عون، من ~~أولاد الكتاب، حبس في البيمارستان للعلاج، في سنة اثنتين وأربعين ~~وثلاثمائة. # وطال حبسه سنين، ثم صلح، فاستخدم في البيمارستان، إلى أن تكامل صلاحه. # وكنت أختلف إلى البيمارستان، لتعلم الطب، فكنت أشاهده كثيرا، فأول يوم ~~علمت أنه يقول الشعر، سمعته وهو يقول: # أدافع همي بالتعلل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر # وأرجو غدا حتى إذا ما غد أتى ... تزايد بي همي فأسلمني صبري # فلا الهم يغنيني ولا العمر ينقضي ... ولا فرج يأتي سوى أدمع تجري # إلى الله أشكو ما أقاسي فإنه ... عليم بأني قد تحيرت في أمري «2» # وعرفت حاله في أدبه، بإنشاده إياي كل يوم قطعة من شعره، يعملها بحضرتي. # وشاهد عمل الجلنجبين بالورد في البيمارستان، فقال: وأنشدنيه لنفسه: # أنظر إلى الورد في أكفهم ... يطبع للقاطفين من ورقه # PageV08P233 # كالقلب نار الهوى تحرقه ... والقلب يهوى الهوى على حرقه # وحملت إليه شيئا من المأكول، اشتهاه علي، فكتب إلى جانب حائط: # حصرت من ظرف ما بعثت به ... وقلت: يا سيدي ومولاي # لو أن أعضاء شاكر نطقت ... بالشكر أثنت عليك أعضاي # ما بقيت؟؟؟ «1» للكرام كلهم ... ويا صباحي كمثل ممساي # لو أن ما بي ببعض أعداي ... بكيت مما أرى بأعداي # PageV08P234 ### || 103 حكاية ديوث # حدثنا القاضي أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين: # أنه بلغه عن رجل قليل الغيرة، رديء الدين، كان يجمع بين زوجته، وبين أهل ~~الفساد في منزله. # قال: عشق امرأته، رجل، وكان ينفق عليها في منزله، وأحلفها بحضرته [93] ، ~~أنها لا تطاوع زوجها على الجماع. # قال: وكانا ليلة على شأنهما، في أسفل الدار التي للزوج، فصعدت المرأة إلى ~~السطح هناك، واحتبست، فلما جاءت، خاصمها العشيق، وقال: # لعله فعل بك زوجك كذا. # فقالت: وحلفت، أنه ما جرى من ذلك شيء. # وسمع الزوج الكلام، فقام يصلي في ms491 السطح، ويصيح: الله أكبر، ليسمع العشيق، ~~ويعلمه، أنه لم يكن ليصلي، وهو جنب، حتى يصلح بينه وبين المرأة، بذلك «1» . # PageV08P235 ### || 104 حجاب شديد # وهذا ضد ما حدثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي «1» : # أن امرأة من أهلهم بالأنبار «2» ، كانت قد جاوزت الأربعين سنة، وخرجت من ~~بيتها إلى بغداد، في محنة عرضت لها، فلما حصلت في الطريق رأت جملا يدير ~~دولابا. # فقالت: ما هذا؟ # فقيل لها: دولاب الجمل. # فحلفت بالله، أنها ما رأت جملا قط. # PageV08P236 ### || 105 كتاب المافروخي عامل البصرة # حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف، المعروف بأحمد الطويل، قال: # كتب إلي أبو محمد عبد العزيز المافروخي «1» ، وأنا أتقلد حصن مهدي «2» ، ~~والفرض، والأعمال التي كنت أتقلدها مع ذلك، وهو يتقلد البصرة، يسألني إطلاق ~~تمر له، اجتاز علي، ويعرض بأن مكافأة ذلك، لا تذهب عليه. # فأطلقت له التمر، بلا ضريبة، ولا مؤونة، وكتبت إليه أعاتبه على هذه ~~اللفظة. # فكتب إلي كتابا، يعتذر، حفظت منه قوله: # وصل كتابك الذي أبان الله به فضلك، وسهل إلى سبل المكارم سبقك، وفهمته ~~فهم معجب به، ومتعجب منه، وسرني صدوره» # ، لا لقدر الحاجة في نفسي، ولا في نفسك، ولكن لما أنفذه من بصيرتي فيك، ~~وقواه من معرفتي بك. # ووجدتك، وقد اضطربت من لفظة ذكرت أني ضمنتها كتابي، وهي الإلماح ~~والتلويح، بالمكافأة والتعويض. # ومعاذ الله أن ينطلق بذلك لساني، أو تجري به يدي، لأن مثله لا يجري # PageV08P237 # إلا عن ذي عطن ضيق، إلى ذي باع في المحامد قصير، ولا هذه صورتك، ولا ~~صورتي. # وإذا كانت [94] الأنفس واحدة، والأموال مشتركة، فأي فائدة لي في أن ~~أتناولك ببعض مالك، أو أرد إليك ما هو لك. # فإن تكن الصورة كما يخيل لي، فأنت أيدك الله، المليم دوني، وإن كنت- بحمد ~~الله ومنه- من كل ما يقع عليه اللوم بعيدا. # وإن تكن الأخرى، وهبت زلتي لمعذرتي، فإني بشر غير معصوم، والخطأ والنسيان ~~جاريان علي «1» . # PageV08P238 ### || 106 للوزير المهلبي في كلة قصب حركتها الريح # أنشدني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن ms492 المرزبان الكاتب الشيرازي «1» ، ~~قال: # أنشدنا أبو محمد المهلبي «2» في وزارته، وعمله بين أيدينا، وقد نصبت له ~~في داره بالأهواز كلة قصب «3» ، وحركتها الريح. # فاستحسن ذلك، وقال: # رأيت مر الهوا [عليها] ... ................... «4» # فشمت منها اختلاس لحظ ... وخلت فيها وجيب قلب # PageV08P239 ### || 107 زور مناما فجاء مطابقا للحقيقة # وحدثني أبو الفضل «1» ، قال: حدثني رجل من شيوخ المتصرفين ببلدنا، يقال ~~له: عباد بن الحريش، قال: # لما كتب علي بن المرزبان، عم أبيك «2» ، لعمرو بن الليث «3» ، ورقت حاله ~~عنده، حتى قلده عمالة شيراز «4» ، صادر المتصرفين على أموال ألزمهم إياها، ~~وكنت ممن أخذ خطه عن العمل الذي كان يليه بثمانين ألف درهم. # قال: فأديت منها أربعين ألف درهم، ونفدت حيلتي وحالي، ولم يبق لي في ~~الدنيا إلا داري التي أسكنها، ولا قدر لثمنها، فيما بقي علي، فلم أدر ما ~~أعمل. # وفكرت فوجدت علي بن المرزبان، رجلا سليم الصدر، فعملت رؤيا، وأجمعت رأيي ~~على أن ألقاه بها، وأجعلها سببا لشكوى حالي، والتوصل إلى الخلاص. # قال: فجلست، وعملت الرؤيا، وحفظتها، واحتلت خمسين درهما، وبكرت من الغد، ~~قبل طلوع الفجر، فدققت بابه. # PageV08P240 # [فصاح بي خادم] كان له يجري مجرى حاجب، من خلف الباب: # من أنت؟ # قلت: عباد بن الحريش. # قال: في هذا الوقت؟ # قلت: نعم. # ففتح لي، فدخلت، وشكوت حالي، وقلت: هذه خمسون درهما، لا أملك غيرها، ~~فخذها، وأدخلني إليه قبل تكاثر الناس عليه، فإن فرج الله عني، فعلت بك ~~وصنعت. # قال: فدخل، واستأذن لي، وتلطف حتى أدخلني إليه، وهو يستاك. # فقال: ما جاء بك في هذا الوقت؟ # فدعوت له [95] ، وقلت: بشارة رأيتها في النوم البارحة. # فقال: وما هي؟ # فقلت: رأيتك كأنك تجيء إلى شيراز، من حضرة الأمير، وتحتك فرس أشهب عظيم، ~~لم يرقط أحسن منه، وعليك السواد «1» ، وقلنسوة الأمير على رأسك، وفي يدك ~~خاتمه، وحواليك مائة ألف إنسان من فارس وراجل، وقد تلقاك أمير البلد، فترجل ~~لك، وأنت تجتاز، وطريقك كله أخضر منور مزهر، والناس يقولون: إن الأمير قد ~~استخلفه على جميع أمره. # قال: وقصصت الرؤيا، وهذا معناها. # فقال: ms493 خيرا رأيت، وخيرا يكون إن شاء الله، فما تريد؟ # قال: فشكوت حالي، وذكرت أمري. # PageV08P241 # فقال: أنظر لك بعشرين ألف درهم، وتؤدي عشرين ألف درهم. # قال: فحلفت بالطلاق، أنه لم يبق لي إلا مسكني، وبكيت، وقبلت يده، واضطربت ~~بحضرته، فرحمني، وكتب لي إلى الديوان، بإسقاط ذلك عني، وانصرفت. # ولم تمض، إلا شهور، حتى كتب عمرو بن الليث، إلى علي بن المرزبان، ~~يستدعيه، ويأمره بحمل ما اجتمع له من الأموال، وكان قد جمع له، ما لم يسمع ~~قط باجتماع مثله في وقت واحد، من أموال فارس، فإنه جمع له ستين ألف ألف ~~درهم. # قال: فحملها إلى سابور «1» ، وخرج، وتلقاه عمرو بن الليث، بجميع قواده، ~~وأهل عسكره. # وهاله عظم ذلك المال، فاستخلفه على فارس، وأعمالها، حربا وخراجا، وفوض ~~إليه الأمور كلها، وأذن إليه في الحل والعقد بغير استئمار، وخلع عليه سوادا ~~له، وحمله على فرس أشهب عظيم الخلقة، كان يعظمه عمرو، ويكثر ركوبه، ودفع ~~إليه خاتمه، ورده إلى فارس. # قال: فوافاها في زمن الربيع، ولم يحل الحول على قصتي معه. # فخرج أمير البلد- وقد صار من قبله- ليستقبله، وخرج الناس، فتلقوه على ~~ثلاثين فرسخا، وأكثر، وخرجت فتلقيته على العطفة التي في طريق خراسان، ~~وبينها وبين البلد، نصف فرسخ. # قال: فوافى وهو على الصفة التي ذكرتها له في المنام الموضوع، والدنيا على ~~الحقيقة خضراء بآثار الربيع وزهره، وحوله أكثر من مائة ألف إنسان [96] ، ~~وعليه قلنسوة عمرو بن الليث، وفي يده خاتمه، وعليه السواد، # PageV08P242 # وتحته الفرس الأشهب، وقد تلقاه أمير البلد، فترجل له. # قال: فحين رأيته، ترجلت، ودعوت له، فلما رآني تبسم، وأخذ بيدي، وأحفى ~~السؤال بي «1» ، ثم تفرق الجيش بين يديه، فلحقته إلى البلد، فلم أستطع ~~القرب منه، لازدحام الدواب، فانصرفت وباكرته من غد، في مثل ذلك الوقت، الذي ~~كنت جئته ليلة الرؤيا. # فقال لي الحاجب: من أنت؟ # فقلت: عباد. # فقال: ادخل، واستأذن. # فدخلت وهو يستاك، فضحك إلي، وقال: قد صحت رؤياك يا عباد. # فقلت: الحمد لله. # فقال: لا تبرح من الدار، حتى أنظر في أمرك. ms494 # قال: وكان بأهله بارا، ورسمه إذا ولي عملا، أن لا ينظر في شيء من أمر ~~نفسه، حتى ينظر في أمر أهله، فيصرف من يصلح منهم للتصرف، أو يبره، وإذا فرغ ~~منهم، عدل إلى الأخص، فالأخص، من حاشيته، فإذا فرغ من ذلك، نظر في أمر ~~نفسه. # قال: فجلست في الدار إلى قرب العصر، وهو ينظر في أمر أهله، والتوقيعات ~~تخرج، بالصلات، والأرزاق، وكتب التقليدات، إلى أن صاح الحاجب: عباد بن ~~الحريش، فقمت إليه. # فقال: إني ما نظرت في أمر أحد، غير أمر أهلي، فلما فرغت منهم، بدأت بك ~~قبل الناس كلهم، فاحتكم، ما تريد؟ # فقلت: ترد علي المال الذي أديته، وتقلدني العمل الذي صرفتني عنه. # PageV08P243 # قال: فوقع لي برد المال، وتقليد العمل، وقال: امض، فقد أوغرت لك العمل ~~«1» ، فخذ ارتفاعه كله. # قال: وكان يستدعيني في كل مديدة، ويحاسبني، ولا يأخذ مني شيئا، وإنما ~~يكتب لي روزات «2» من مال العمل، ويصلح حسبانات، ويقبلها، ويخلدها الديوان، ~~وأرجع إلى العمل. # وكنت كذلك إلى أن زالت أيامه، فرجعت إلى شيراز، وقد اجتمع لي مال عظيم، ~~صودرت منه على شيء يسير، وجلست في بيتي [97] ، وعقدت نعمة بالمال، ولم أطلب ~~تصرفا إلى الآن. # PageV08P244 ### || 108 من مكارم البرامكة # حدثني أبو الفضل «1» ، قال: حدثني أبو الحسن، ثابت بن سنان الحراني ~~الطبيب «2» : # أنه رأى رقعة يتواردونها، بخط جبريل بن بختيشوع المتطبب «3» ، فيها ثبت ~~ما وصل إليه، من يحيى بن خالد البرمكي «4» ، وبنيه «5» ، وجواريه، وأولاده، ~~من ضيعة، وعقار، ومال، وغير ذلك، يحتوي على سبعين ألف ألف درهم، وتفصيل ~~ذلك، شيئا شيئا، وأنهم يحفظونها للعجب والاعتبار. # قال: فاستهولت ذلك، وانصرفت، فحدثت بذلك، بعض الرؤساء ببغداد، وكان ~~بحضرته أبو الحسن علي بن هارون المنجم «6» ، فقال: وأي شيء تتعجب من هذا؟ # PageV08P245 # حدثني أبي «1» ، عن أبيه «2» ، قال: كنت بحضرة المتوكل «3» ، في يوم ~~مهرجان «4» ، أو نيروز «5» ، وهو جالس، والهدايا تحمل إليه، من كل شيء ~~عظيم، ظريف مليح، إلى أن ضربت دبادب «6» الظهر، وهم بالقيام، فدخل بختيشوع ~~الطبيب «7» ، وهو ابن جبريل بن بختيشوع الأكبر، فحين رآه المتوكل ms495 استدناه ~~جيدا، حتى صار مع سريره، وأخذ يمازحه، ويلاعبه، ويقول: # أين هدية اليوم؟ # فقال له بختيشوع: يا أمير المؤمنين، أنا رجل نصراني، لا أعرف هذا اليوم، ~~فأهدي فيه. # فقال: دع هذا عنك، ما تأخرت إلى الآن، إلا أنك أردت أن تكون هديتك خير ~~الهدايا، فيرى فضلها على الهدايا. # PageV08P246 # فقال: ما فكرت في هذا، ولا حملت شيئا. # فقال له: بحياتي عليك. # فضرب بيده إلى كمه، فأخرج منه، مثل الدواة، معمولا من عود هندي، لم ير قط ~~مثله، كالأبنوس «1» سوادا، وعليه حلية ذهب محرق «2» ، لم ير قط أحسن منها ~~عملا، ولا من الدواة. # قال: فقدر المتوكل، أن الهدية هي الدواة، فاستحسنها. # فقال: لا تعجل يا مولاي، حتى ترى ما فيها. # ففتحها، وأخرج من داخلها، ملعقة كبيرة محرقة، من ياقوت أحمر. # قال: فخطفت أبصارنا، ودهشنا، وتحيرنا. # فبهت المتوكل، وأبلس «3» ، وسكت ساعة متعجبا، مفكرا، ثم قال: # يا بختيشوع، والله، ما رأيت لنفسي، ولا في خزانتي، ولا في خزائن آبائي، ~~ولا سمعت، ولا بلغني أنه كان للملوك من بني أمية، ولا لملوك العجم مثلها، ~~فمن أين لك هذه؟ [98] . # فقال: الناس لا يطالبون بمثل هذا، وقد أهديت إليك، ما قد اعترفت بأنك لم ~~تر، ولم تسمع، بمثله حسنا، فليس لك مسألتي عن غيره. # قال: بحياتي أخبرني. # فامتنع، إلى أن كرر عليه إحلافه بحياته، دفعات، وهو يمتنع. # فقال: ويحك، أحلفك بحياتي، دفعات، أن تحدثني حديثا، فتمتنع، وقد بذلت لي ~~ما هو أجل من كل شيء. # قال: فقال له: نعم يا مولاي، كنت حدثا، أصحب أبي جبريل # PageV08P247 # ابن بختيشوع إلى دور البرامكة، وهو إذ ذاك طبيبهم، لا يعرفون خدمة طبيب ~~غيره، ولا يثقون برأي غيره، ويدخل إلى حرمهم، ولا يستتر أكثرهم عنه. # قال: فصحبته يوما، وقد دخل إلى يحيى بن خالد، فلما خرج من عنده، عدل به ~~الخادم، إلى حجرة دنانير «1» جاريته، فدخلت معه، وأفضينا إلى ستارة منصوبة، ~~في صدر مجلس عظيم، وخلفها الجارية، فشكت إليه شيئا وجدته، فأشار عليها ~~بالفصد» # ، وكان لا يفصد بيده، وإنما يحمل معه ms496 من يفصد من تلامذته، ورسم الفصد ~~عليهم خمسمائة دينار. # قال: فندبني ذلك اليوم للفصد، وأخرجت يدها من وراء الستارة، ففصدتها، ~~وحملت إلي في الحال خمسمائة دينار عينا، وأخذتها، وجلس أبي إلى أن يحمل ~~إليها شراب تشربه بحضرته، ورمان أشار عليها باستعماله. # قال: فحمل ذلك في صينية عظيمة مغطاة، وتناولت منه ما أرادت، وخرج الظرف ~~مكشوفا، فرآه أبي، فقال للخادم: قدمه إلي، فقدمه إليه، فكان في جملته جامة ~~فيها رمان، وفيها هذه الملعقة، فحين رآها أبي قال: # والله ما رأيت مثل هذه الملعقة، ولا الجامة. # قال: فقالت له دنانير: بحياتي عليك، يا جبريل، خذها. # قال: ففعل، وقام ينصرف. # PageV08P248 # فقالت له: تمضي، ففي أي شيء تدع هذه الملعقة؟ # قال: لا أدري. # قالت: أهدي إليك غلافها. # فقال: إن تفضلت. # فقالت: هاتم «1» تلك الدواة. # فجاءوا بهذه الدواة، فوضع أبي فيها الملعقة، وحملها، والجامة في كمه، ~~وانصرفنا. # فقال له المتوكل: جامة تكون هذه ملعقتها، يجب أن تكون عظيمة القدر، ~~فبحياتي، ما كان من أمر الجامة؟ # فاضطرب [99] ، وامتنع امتناعا عظيما، إلى أن أحلفه مرارا بحياته. # فقال: أعلم، إذا قلت أي شيء كانت، طالبتني بها، فدعني أمضي، وأجيء بها، ~~وأتخلص منك دفعة واحدة. # فقال: افعل. # قال: ومضى، فلم يهن المتوكل الجلوس، ولم يأخذه القرار، حتى جاء بختيشوع، ~~وأخرج من كمه جامة، على قدر الزبدية «2» ، أو الجامة اللطيفة، من ياقوت ~~أصفر، فوضعها بين يديه. # PageV08P249 ### || 109 يوسف بن وجيه صاحب عمان # وحدثني أبو الفضل «1» ، قال: # كنت مقيما بسيراف «2» ، أتصرف، واجتاز بها يوسف بن وجيه «3» ، يريد ~~البصرة، ومحاربة البريدي «4» ، وضامنها «5» - إذ ذاك- ابن مكتوم الشيرازي، ~~وهو مدبرها حربا وخراجا «6» من قبل الأمير علي بن بويه «7» ، فتلقاه، وخدمه ~~خدمة ارتضاها، ونزل بظاهر البلد، فحمل إليه ابن مكتوم، كل شيء من الألطاف ~~والهدايا. # قال: فقال له يوما: والله، ما وردت هذا البلد، إلا وفي نفسي الاجتراء ~~عليه، وتخليف جيش به، ثم الخروج إلى البصرة، ولقد كاتبني جميع وجوه البلد ~~في ذلك، وأشاروا علي بهذا، ولكني قد استحيت منك أن أفعل، فإنك بدأتني ~~بالخدمة، ms497 وأنا في أطراف عملي، وليس بكثير أن أهب لك هذا البلد. # قال: وقد كان بلغنا أن أهل البلد كاتبوه بذلك، ولم نتحقق هذا، ولما قرب، ~~أشار أهل البلد، على ابن مكتوم، بالانصراف، وأن لا يحضر، # PageV08P250 # وخوفوه أن يقبض عليه، وأرادوا بذلك أن يتم التدبير لهم، في تملك يوسف ابن ~~وجيه البلد. # فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك، وقال: لأن يقبض علي، وليس لي إليه ذنب ~~يقتلني به، أحب إلي من أن أصير لنفسي ذنبا عند علي بن بويه، فيقتلني به، ~~فإنه يظن أني واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال الضمان، ويقول لي: كان ~~يجب الصبر، إلى أن يدخل، فيقبض عليك، أو تجيئني بعد واقعة يخدش فيها رجل، ~~ولم يبرح، وأخلد إلى خدمته [الخدمة] العظيمة، فنفعه ذلك، وتخلص. # قال: فلما كشف له يوسف، ما كان في نفسه، دعا له، وشكره، وتذلل. # فقال له يوسف: وقد كنت عملت أن لا أشرب، إلى أن أفتح هذا البلد الذي ~~أقصده، ولكن قد اشتقت إلى الشرب، شهوة لأن أشرب [100] معك، لما رأيته من ~~ظرفك وفتوتك، فتعود العشية إلى الشرب، ومعك من تأنس به من أصحابك. # قال: فانصرف، واختار جماعة من وجوه البلد، ووجوه المتصرفين «1» ، كنت ~~واحدا منهم. # وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر، فركب، ونحن معه، حتى أوصلنا إلى حضرته، ~~فأجلسنا في فازة بهنسي «2» لم أر قبلها مثلها حسنا، في صدرها سدة «3» أبنوس ~~مضببة بالذهب، ومساميرها ذهب، وعليها دست ديباج # PageV08P251 # فاخر جدا، وبين يديها بساط جهرمي «1» فوقه حصير واسع، كبير، عظيم، طبراني ~~«2» ، ومخاد، وصدر منه «3» . # وخرج يوسف، فجلس، وجلسنا معه، وأحضرت مائدة فضة بزرافين «4» ، تسع عشرين ~~نفسا، فجلسنا عليها، ونقل علينا من الطعام، ما لم أر مثله حسنا، في أواني ~~كلها صيني. # قال: وتأملت، فإذا خلف كل واحد منا، غلام صغير، مليح، قائم بشرابي ذهب، ~~وكوز بلور فيه ماء، فأكلنا. # فلما تم أكلنا، نهض يوسف، فخرج من وراء الفازة، إلى موضع، وجاءنا فراشون ~~بعددنا، بطساس وأباريق فضة، ومجامع فضة، فغسلنا أيدينا دفعة واحدة. # ومضى ms498 أولئك الغلمان الأصاغر، وجاء غيرهم بعددنا، ومعهم المرايا المحلاة ~~الثقيلة، والمضارب البلور، والمداخن «5» المحلاة الحسنة، فتبخرنا دفعة ~~[واحدة] . # وتركنا ساعة في موضعنا، ثم استدعينا، فأدخلنا إلى فازة ألطف من تلك، ~~ديباج، وفيها [سدة] صندل محلاة بفضة، فيها دست ديباج، وحصر # PageV08P252 # طبرية، مثل تلك الحصر، وفيها نحو ثلاثين مطاولة «1» ، مسبكة، ذهب كلها، ~~عليها تماثيل العنبر، على هيأة الأترج والبطيخ، والدستنبو «2» ، وغير ذلك. # قال: فدهشنا، وتحيرنا، وإذا في أربع جوانب تلك المطاولات، أربع أجاجين ~~«3» بيض، كبار، عظام، كل واحدة كالقدس «4» الكبير، والجميع مملوءة ماء ورد، ~~وفيه أمر عظيم من تماثيل الكافور، وغلمان قيام بعددنا، يروحون، وغلمان أخر ~~بعددنا، بأيديهم مناديل الشراب، وبين يدي كل واحد، صينية ذهب، ومغسل، ومركن ~~«5» ذهب [101] ، وخرداذي «6» بلور، وقدح بلور، وكوز بلور، والجميع فارغ. # قال: فأمر يوسف، بإخراج الأنبذة، في مدافات «7» بلور، تسمى بالفارسية: ~~جاشنكير، فأخرجت عدة أنبذة من العنب، مما يعمل في جبل عمان، لم نظن أنه ~~يكون في تلك [النواحي] بحسنها وطيبها. # فاختار ابن مكتوم، نبيذا منها، فملئت الظروف منه، وقام على رأس كل واحد ~~منا، غلام يسقيه، ويتفقد نقله «8» ، ويتفرد بخدمته، إلى أن شربنا أقداحا. # ثم أجرى يوسف، حديث علي بن بويه، فقال لابن مكتوم، وقد خرج من حديث إلى ~~حديث: أحب أن تخبرني عن أخي أبي الحسن علي بن بويه، # PageV08P253 # أي شيء اعتقد في إمارته هذه؟ # قال: إن له ألفي غلام أتراك، وأربعة آلاف بغل، وألفي جمل. # قال: وأخذ يكثر عليه من هذا. # فقال له: ويحك، هؤلاء عيال، وسبب خرج، لم أسأل عن هذا، إنما سألت أي شيء ~~أدخر، مما يتنافس فيه الملوك. # قال: فقال له: وصل من الكنوز العتيقة، والأموال التي استخرجيها إلى تسعين ~~ألف ألف درهم. # قال: فقال: ولا هذا أردت، إنما أردت الذخائر والجواهر، وما يخف، وما ~~يحمله الملوك معهم، محملا لطيفا، إذا حزبهم أمر. # قال: فقال ابن مكتوم: لا أعلم، إلا أني سمعت، أن الجبل الذي كان للمقتدر، ~~قد وصل إليه. # فقال: وما الجبل؟ # قال: فص ياقوت أحمر، فيه خمسة ms499 مثاقيل، إلا أني ابتعت له جوهرتين، بمائة ~~وعشرين ألف درهم. # فقال: قد أنست بك، واقتضى أن أريك، ما صحبني في هذه السفرة، من هذا ~~الجنس، إن نشطت لذلك. # قال: فشكره، ودعا له، وقال: إي والله، أنشط لذلك، وأتشرف به. # قال: فدعا بغلام، وقال: امض، فهات الربعة «1» الفلانية. # قال: فجاءه بربعة كبيرة. # قال: وكانت بين يديه خرائط «2» خراسانية، مطروحة في المجلس، # PageV08P254 # فاستخرج من واحدة منهن، مفتاح ذهب، وتأمل أولا، ختم الربعة، ثم فتحها ~~بالمفتاح، وأخرج إلينا قضيبا عليه خواتيم، نحو خمسمائة خاتم، يواقيت، ~~وفيروزج، وعقيق، لم نر مثله، فأرانا إياه، وقال: [102] ليس هذا بشيء، ~~فدعوه. # قال: فتركناه، ثم أخرج إلينا عقدا، فيه ثلاث وتسعون حبة جوهر، كل واحدة ~~منها، على قدر بيض الحية والعصفور، فدهشنا من عظمها. # فقال: إن هذا العقد، في خزانة خالي أحمد بن هلال «1» وخزانتي من بعده، ~~منذ كذا وكذا سنة، والجوهر إلينا يصل أولا، ثم يتفرق من عندنا إلى البلاد، ~~ونحن مجتهدون، في أن نجد سبع حبات تشابه هذا، فيحصل في العقد مائة حبة، فما ~~نقدر على ذلك، منذ كذا وكذا سنة. # قال: ثم أخرج إلينا فصا من الماس، فلبسه في الحال، وأدناه من فص عقيق كان ~~في يد ابن مكتوم، فجذبه كما يجذب المغناطيس الحديد، حتى تكسر فص ابن مكتوم. # قال: ثم استخرج منديلا لطيفا، فحله، وأخرج قطنا، ففرقه بيده، واستخرج منه ~~شيئا خطف أبصارنا، وأضاء المجلس له، حتى دهشنا، وسلمه إلى ابن مكتوم، وقال: ~~تأمله. # قال: فتأملناه، فإذا هو ياقوت أحمر، على كبر الكف، وقدها من الطول ~~والعرض. # قال: فدهشنا. # فقال يوسف بن وجيه: أين هذا، يا ابن مكتوم، من الذي وصفته؟ # قال: فانكسر ابن مكتوم. # PageV08P255 # وما زلنا نقلب تلك الكف، ونشرب عليها ساعة. # قال: ثم أخرج إلينا من الربعة، حشائش، ذكر أنها سموم قاتلة في الحال، ~~وحشائش، ذكر أنها تبرىء من تلك السموم في الحال. # قال: وأخرج أشياء، هائلة، طريفة، لم يعلق بحفظي منها، إلا ما ذكرته، ~~لدهشتي بما رأيت. # قال: فلما جاء المساء، ms500 جاءنا بشموع عنبر، فوضعت تتقد. # قال: وشربنا إلى نصف الليل، وانصرفنا. # وشخص يوسف إلى البصرة، وحاربه البريدي، فهزمه، وأفلت في مركب، وأحرقت ~~باقي مراكبه «1» ، فلم يحب الاجتياز بسيراف، فتوه في البحر، وسلك وسطه، ~~يريد عمان. # قال: وبلغنا الخبر، وأنفذ ابن مكتوم، صاحبا له، إلى عمان، يتوجع له، ~~ويتعرف خبره، وكاتبه على يده. # قال: فدخل صاحبنا إلى عمان، قبله بأيام، ثم وردها يوسف، فلما وقف على ~~الكتب تذكر عهد ابن مكتوم، وذكره بالجميل، ووهب لصاحبه خمسة آلاف درهم، ~~وأنفذ إلى ابن مكتوم هدية قيمتها مائة ألف درهم [103] تجتمع على طرائف ~~البحار، وأنفذ إلى كل واحد من الجماعة الذين كانوا حضورا دعوته مع ابن ~~مكتوم، عدة أثواب من صنوف الثياب، وأفخرها، وأحسنها، وكنت ممن وصل إليه ~~ذلك. # PageV08P256 ### || 110 وصيف كامه يحسن إلى أهل قم # حدثني أبو الفضل «1» ، قال: حدثنا شيخ كان لنا بفارس، من أهل قم «2» ، ~~قال: # ورد إلينا وصيف كامه» # ، أميرا على بلدنا، فتلقيناه، فرأينا من فضله، وعقله، وجلالة قدره، كل ~~عظيم. # قال: فأقبل علينا بخطاب جميل، ووعدنا، ومنانا، وعرفنا رأي السلطان في ~~العدل والإحسان، ثم أقبل يسأل عن أمور بلدنا، مسألة عالم به، ويسأل عن ~~شيوخه، إلى أن انتهى في السؤال، إلى رجل، لم يكن جليلا، ولا مشهورا، ولا ~~عرفه منا إلا واحد كان في المجلس. # قال: فأقبل يعظم من أمره، ويسأل عن معيشته، وأولاده. # قال: فاسترقعناه. # قال: ثم قال لنا: أحضروني إياه إحضارا جميلا، فإني أكره أن أنفذ إليه من ~~يستدعيه، فأروعه. # قال: فأحضرناه، فحين وقعت عينه عليه، قام إليه قياما تاما، وأجلسه في ~~الدست معه. # قال: فسقط من أعيننا، وقلنا جاهل لا محالة. # PageV08P257 # قال: ثم أقبل عليه، يسأله، عن زوجته، وبناته، وبنيه، والشيخ يجيب جواب ~~ضجر، باهت، معظم لما عمله. # فقال له: أحسبك قد نسيتني؟ وأنكرت معرفتي. # فقال: كيف أنكر الأمير- أيده الله- مع عظمه وجلالته؟ # فقال له: دع هذا، أتعرفني جيدا؟ # قال: لا. # قال: أنا مملوكك وصيف. # ثم أقبل علينا فقال: يا مشايخ قم، أنا رجل من الديلم، كنت ms501 سبيت في وقت ~~كذا وكذا، في الغزاة التي غزاهم فيها فلان الأمير، وكان سني إذ ذاك عشر ~~سنين أو نحوها. # فحملت إلى قزوين، فاتفق أن هذا الشيخ كان بها، فاشتراني، وحملني إلى قم، ~~وأسلمني مع ابنه في الكتاب، وأجراني مجراه، في حسن التربية، وفعل بي وصنع، ~~وجعل يعدد له ما يذكره، وأنه أحسن ملكته، حتى إنه ما تأذى منه قط، ولا ~~ضربوه، ولا شتموه، وإنهم كانوا يكسونه، كما يكسون ابنهم، ويطعمونه كما ~~يطعمونه. # ولم أزل معهم في أحسن عشرة، إلى أن بلغت، وكانوا يهبون لي الدراهم ~~لشهواتي [104] ، ويعطوني أكثر مما أحتاج إليه. # وكنت- مذ كنت صبيا- كلما وقع بيدي شيء، جمعته عند بقائى في المحلة، يعرف ~~بفلان. # قال: ثم سأل عنه، فقيل: هو باق. # فلما بلغت واشتددت، طلبت السلاح، وعملت به، ومولاي- مع هذا- يشتري لي كل ~~ما أريده، ويمكنني «1» من شهواتي، ويحسن إلي، # PageV08P258 # ولا يعترض في شيء أريده علي. # قال: واتفق، أن بعض الجند رآني، فقال: هل لك في أن تخرج معي إلى خراسان، ~~فأركبك الدواب، وأفعل بك، وأصنع. # فقلت: أصحبك، على شرط أن لا أكون مملوكك، ولا تتملكني، ولكن أشتري لنفسي ~~دابة، وسلاحا، وأتبعك غلاما لك، مالكا لنفسي، فمتى رأيت منك ما أكره، ~~فارقتك، ولم يكن لك الاعتراض علي. # فقال: افعل. # قال: فجئت إلى البقال، فحاسبته، وكان قد اجتمع لي عنده شيء كثير، فأخذته، ~~واشتريت منه دابة وسلاحا، وأخذت إليك «1» ، ومعي دراهم، وصحبت الجندي، ~~وأبقت من مولاي هذا. # ومضيت إلى خراسان بأسرها، وتقلبت بي الأمور، وترقت حالي مع الأيام، حتى ~~بلغت هذا المبلغ، وأنا في رق هذا الشيخ، وأنا أسألكم الآن، مسألته أن ~~يبيعني نفسي. # قال: فأكبر الرجل ذلك، وقال: أنا عبد الأمير، والأمير حر لوجه الله، ~~وأتجمل بولائه، وأفتخر أنا وعقبي بذلك. # قال: فقال: يا غلام، هات ثلاث بدر «2» . # وأحضرت، وصب المال، وسلمه إلى الشيخ، ثم استدعى له من الثياب، والدواب، ~~والبغال، والطيب، والآلات، ما تزيد قيمته على قدر المال. # ثم استدعى ابنه، فأحضر، وأكرمه، وتطاول له «3» ، ووهب له عشرة آلاف ms502 درهم، ~~وثيابا كثيرة، ودواب، وبغالا. # PageV08P259 # واستدعى البقال، ووهب له خمسمائة دينار، وثيابا كثيرة. # قال: ثم أنفذ هدايا، إلى بنات الشيخ، وزوجته، وعيال البقال. # قال: ثم قال للشيخ: يا فلان، انبسط في هذا السلطان الذي قد رزقك الله ~~[إياه] ، انبساط من يعلم أن الأمير مولاه، واعلم بأنك لا تحل شيئا فأعقده، ~~ولا تعقد شيئا فأحله. # قال: ثم التفت إلينا، وقال: يا مشايخ قم، أنتم سادتي، وشيوخي، وما على ~~الأرض، أهل بلد، أحب إلي منكم، ولا أوجب حقا [105] منكم، فانبسطوا في ~~حوائجكم، انبساط الشريك الذي لا فرق بيني وبينه، إلا فيما حظرته الديانة، ~~وليس بيني وبينكم فرق، إلا في ثلاث: طاعة السلطان، وصيانة الحرم، ومخالفتكم ~~في الرفض، فإني قد طوفت الآفاق، وسلكت الجبال والبحار، وبلغت أقاصي المشرق ~~والمغرب، فما رأيت على دينكم أحدا غيركم، ومحال أن يجتمع الناس كلهم على ~~ضلالة، وتكونوا أنتم من بين أهل الآفاق على حق. # قال: ثم سأل كل واحد منا، عن حوائجه، ونظر إليه فيها بطرف، ونظر للشيخ ~~بضعف ما نظر به لأجلنا. # قال: فخرجنا من عنده، وقد نبل في عيوننا نبلا شديدا، وانقلبت المواكب إلى ~~باب الشيخ، فأقبل الناس إليه في الحوائج، وإلى ابنه، فصارا رئيسي البلد، ~~ولم يكن وصيف يرد هما في شيء يسألانه من قليل ولا كثير، إلى أن خرج عن قم ~~«1» . # PageV08P260 ### || 111 وصيف كامه يعين عاملا على فارس # قال: وحدثني أبو الهذيل، أن وصيفا لما ولي فارس، أقام بشيراز، وكان ~~يتواضع للناس، تواضعا شديدا، ويحسن السيرة، ويتحبب إلى العامة جدا، حتى كان ~~يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. # قالوا: وما رأينا أميرا أعقل منه، ولقد رأيته يوما، قد حضر جنازة رجل من ~~السوق، راكبا دابة، وعليه دراعة «1» بيضاء وعمامة، وليس بين يديه، إلا ~~ثلاثة من الشاكرية «2» ، فوقف في جملة الناس، يصلي على الرجل. # قال: وكان عندنا حائك، يعرف بفلان، يظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، قال: فرأيته، وقصد أن جاء فوقف إلى جنبه [في] الصلاة، وزاحمه، حتى ~~وضع مرفقه في صدر وصيف، وزحمه به. # فجاء ms503 بعض من كان معه، ينكر ذلك، وينحي الرجل، فنظر إليه نظرا شزرا، جزع ~~معه الغلام، وتنحى، وتركه والحائك. # قال: فرأيته، وقد تجمع في مكانه، ووسع للحائك، حتى أتموا الصلاة. # PageV08P261 ### || 112 الوزير يتيم في حجر كل كاف # بلغني من جهة وثقت بها، عن أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج «1» ، قال: # حضرت مجلس أبي القاسم عبيد الله بن سليمان «2» ، وأبو زنبور الكاتب «3» ، ~~يعذله في إفضائه إلى أبي العباس بن الفرات «4» ، وتفويضه الأمور إليه، ~~ويخاطبه بكل عظيم في ذلك. # إلى أن قال له: الناس يقولون، أيها الوزير: إنك يتيم في حجر ابن الفرات. # فقال عبيد الله: أنا يتيم، في حجر كل كاف. # PageV08P262 ### || 113 أبو أحمد الشيرازي والصفراء # حدثني «1» بعض إخواني الثقات عندي [106] ، قال: حدثني أبو أحمد الفضل بن ~~عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب «2» ، قال: # لما صحبت أبا علي بن مقلة «3» إلى بغداد، واستكتبني، كان يتعمد نفعي بكل ~~شيء، ويوصل إلي أموالا جليلة، فلم أكن أحفظها، وكانت كلها تخرج عن يدي، في ~~القيان، والشراب، وأتلفها. # قال: فهويت جارية من القيان صفراء، واشتهر أمري معها، وأتلفت كل كسبي ~~عليها، حتى بلغ أبا علي، وكان يعذلني، ويوبخني، ويمنعني من مفارقة حضرته، ~~وأن أخل بها. # قال: فأفلت يوما من حضرته، ومضيت إلى بيتي، وقد حصلها غلامي، وأعد لي ~~مجلسا بالفاكهة الكثيرة، والتحايا الظراف، والشراب الفاخر. # قال: فشربت ليلتي معها، وخفت أن أخل بالوزير، فحملتني الشهوة للجلوس مع ~~المغنية، على أن كتبت إلى الوزير رقعة، أعتذر فيها من التأخر، وأقول: إن ~~الصفراء تحركت علي، واضطراب جسمي، فلم أقدر على المجيء، وأباكر الخدمة في ~~غد، وأسأل قبول عذري. # قال: فعاد إلي الجواب، بخط أبي علي بن مقلة، في أضعاف السطور، # PageV08P263 # بأجل خطاب، وألطف مداعبة. # وقال فيه: يا هذا، ظلمت الصفراء، أنت تحركت على الصفراء، ليس هي تحركت ~~عليك، وقد علمت مغزاك في التأخر، وبحسب ذلك أجبتك، وقد بعثت إليك منديلا ~~مختوما فاستعن بما فيه. # قال: ففتحت المنديل، وإذا فيه، رطل ند «1» ، وشيء كثير من الكافور «2» ، ~~والمسك «3» ، ومائتا دينار ms504 عينا «4» . # وأنشدني أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم، لنفسه في معنى الصفراء، بيتين ~~ما سمعت أظرف [منهما] في معناهما، وهما يقاربان قول ابن مقلة، وهما: # قال الطبيب وقد تأمل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء # فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا ومعنى ما أراد خطاء # PageV08P264 ### || 114 لا يمكن التجلد على عذاب الله # حدثني بعض البغداديين، قال: # ضرب عندنا رجل من أهل العصبية، خمسمائة سوط «1» ، في وقت واحد، فلم ~~يتأوه، ولم ينطق. # فلما كان بعد أيام، حم حمى صعبة، وضرب عليه معها رأسه «2» ، فأقبل يصيح، ~~كما يصيح البعير، ويقول: العفو، العفو، يكررها. # فلما كان من غد، اجتمع إليه قوم من أهل الحبس، فقالوا: فضحتنا، أنت تضرب ~~بالأمس خمسمائة سوط، فلا تصيح، تحم ساعة من ليلة، فتصيح؟ # فقال: عذاب الله عز وجل، أشد العذاب، وما كنت لأتجلد عليه. # PageV08P265 ### || 115 الغلط الذي لا يتلافى # قال: وأتي [107] بعض الولاة، برجلين، أحدهما قد ثبت عليه الزندقة «1» ، ~~والآخر قد وجب عليه الحد «2» . # فسلم الوالي الرجلين، إلى بعض أصحابه، وقال: اضرب عنق هذا،- وأومأ إلى ~~الزنديق- واجلد هذا، كذا وكذا. # قال: فتسلمهما وخرج. # فوقف المحدود، وقال: أيها الأمير، سلمني إلى غيره، فإن هذا الأمر، لا آمن ~~فيه الغلط، [والغلط] فيه لا يتلافى. # قال: فضحك منه الأمير، واستطابه، وأمر بإطلاقه، فأطلق، وضربت عنق ~~الزنديق. # PageV08P266 ### || 116 المهدي والمتهم بالزندقة # قال: وأتي المهدي بن المنصور، برجل قد رمي بالزندقة، فسأله عن ذلك. # فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، رسوله، وأن الإسلام ديني، عليه أحيا، وعليه أموت، وعليه ~~أبعث. # فقال له المهدي: يا عدو الله، إنما تقول هذا مدافعة عن نفسك، هاتم ~~السياط، فأحضرت، وأمر بضربه، فضرب، وهو يقرره. # فلما أوجعه الضرب، قال له: يا أمير المؤمنين، اتق الله، فقد حكمت علي، ~~بخلاف حكم الله تعالى، وخلاف حكم رسوله صلى الله عليه وسلم. # فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله، ms505 فإذا قالوها، عصموا دماءهم، وأموالهم، إلا بحقهما، وحسابهم على ~~الله، وأنت قد جلست تطالبني، وتضربني، حتى أكفر، فتقتلني. # قال: فخجل المهدي، وعلم أنه قد أخطأ. # فأمر بإطلاقه «1» . # PageV08P267 ### || 117 شر السلطان يدفع بالساعات # حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي علان الأهوازي، قال: ~~حدثني جدي أبو القاسم بن أبي علان «1» ، وقد جرى حديث السلطان، وأن شره ~~يدفع بالساعات، قال: # ورد علينا أبو يوسف البريدي «2» ، كاتب السيدة «3» ، يطالبني، وأبا يحيى ~~الرامهرمزي «4» ، أن نضمن منه ضياع السيدة، وتشدد علينا ونحن ممتنعون. # إلى أن أخلى لنا مجلسه، في يوم خميس، وناظرنا مناظرة طويلة، وشدد علينا ~~أمرا عظيما، فكدنا معه أن نجيبه، وكان علينا في ذلك ضرر عظيم. # فقلت لأبي يحيى: يجب أن نجتهد في رفع المجلس اليوم، لنتفكر إذا انصرفنا، ~~كيف نعمل. # قال: وكان أبو يوسف محدثا طيبا. # قال: فجره أبو يحيى، إلى المحادثة، واستلب هو الحديث، وسكت أبو يحيى. # قال: وكانت عادة أبي يوسف، في كلامه، أن يقول في كل قطعة من حديثه: ~~أفهمت؟ # PageV08P268 # قال: وكان كلما قال أبو يوسف، لأبي يحيى، أفهمت؟ يقول أبو يحيى: لا، ~~فيعيد الحديث، ويخرج منه إلى حديث آخر. # قال: فلم يزل [108] كذلك، حتى حمي النهار، وقربت الشمس من موضعنا. # فرجع أبو يوسف إلى حديث الضمان، ومطالبتنا بالعقد. # فقلت له: إنه قد حمي النهار، وهذا لا يتقرر في ساعة، ولكن نعود غدا، ~~ورفقنا به، فقال: انصرفوا، فانصرفنا، واستدعانا من غد، فكتبنا إليه رقعة، ~~إنه يوم الجمعة، وهو يوم ضيق، ونحتاج إلى الحمام والصلاة، وقل أمر يبتدأ به ~~يوم الجمعة، قبل الصلاة، فيتم، ولكنا نباكرك يوم السبت، فاندفع. # واستدعانا يوم السبت، فصرنا إليه، وقد وضعنا في نفوسنا، الإجابة، لما ~~أيسنا من الفرج. # فحين دخولنا إليه، ورد إليه كتاب، فقرأه، وشغل قلبه، وقال: # انصرفوا اليوم، فانصرفنا، ورحل بعد ساعة، لأن الكتاب كان يتضمن ذكر صرفه. # فبادر قبل ورود الصارف، وكفينا أمره. # PageV08P269 ### || 118 كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق # قال «1» : وورد إلينا، في وقت من الأوقات، بعض ms506 العمال، متقلدا للأهواز، ~~من قبل السلطان، وقد أسماه، ونسيه الذي حدثني. # قال: فتتبع رسومنا «2» ، ورام نقض شيء منها، وكنت أنا وجماعة من التناء ~~«3» في تلك المطالبة، وكان فيها ذهاب غلاتنا في تلك السنة، لو تم علينا، ~~وذهاب أكثر قيم ضياعنا. # قال: فقالت لي الجماعة: ليس لنا غيرك، تخلو بهذا الرجل، وتبذل له مرفقا ~~«4» ، وتكفينا إياه. # قال: فجئته، وخلوت به، وبذلت له مرفقا جليلا، فلم يقبله، ودخلت عليه ~~بالكلام في غير وجه، فما لان، ولا أجاب. # قال: فأيست منه، وكدت أن أقوم خائبا. # قال: فقلت له في عرض الكلام: يا هذا الرجل، أنت مصمم في هذا الأمر على ~~خطأ شديد، لأنك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حيث لا يحمدك السلطان، ولا تنتفع ~~أنت بذلك. # ومع هذا، فأخبرني، هل تأمن أن تكون قد صرفت» # ، وكتاب صرفك، # PageV08P270 # في الطريق، يرد عليك بعد يومين أو ثلاثة، فتكون قد أهلكتنا، وأثمت في ~~أمرنا، وفاتك هذا المرفق الجليل. # ولعلنا نحن نكفى، ويجيء غيرك فلا يطالبنا، أو يطالبنا فنبذل له هذا ~~المرفق، فيقبله، ويكون الضرر، إنما يدخل عليك وحدك. # قال: فحين سمع هذا، اعتقد أن لي ببغداد، من يكاتبني بالأخبار، وأنني قد ~~أحسست باختلال أمره، وأخذ يخاطبني من أين وقع لي أنه قد وقع هذا؟ # قال: فقويته، وثبته في نفسه، فأجاب إلى أخذ المرفق، وإزالة المطالبة. # فسلمت [109] إليه رقاع الصيارف بالمال، وأخذت منه حجة بإزالة المطالبة، ~~وانصرفت، وقد بلغت ما أردت. # قال: فسلمت، فلما كان بعد خمسة أيام، لا تزيد يوما، ورد عليه الكتاب ~~بالصرف. # قال: فدخلت عليه، فأخذ يشكرني، ويخبرني بما جرى، وبما ورد عليه، فأوهمته ~~أني كنت قد قلت له ذلك، على أصل. # وكفيت تلك المطالبة. # PageV08P271 ### || 119 يحتال على القواد الأتراك بسر من رأى # حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، الوكيل على أبواب القضاة ~~بالأهواز، قال: قال لي بعض المكدين «1» ببغداد، عن شيخ لهم أيسر، وعظمت ~~حالته، حتى استغنى عن الشحذ، فكان يعلمهم ما يعملون، فسألناه عن سبب نعمته، ~~فقال: # كنت تعلمت السريانية، ms507 حتى كنت أقرأ كتبهم التي يصلون بها. # ثم لبست زي راهب، وخرجت إلى سر من رأى، وبها قواد الأتراك، فاستأذنت على ~~أحدهم، فأدخلت. # فقلت له: أنا فلان الراهب، صاحب العمر الفلاني «2» ، وذكرت عمرا بعيدا ~~بالشام، وأنا راهب فيه منذ ثلاثين سنة. # وكنت نائما، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه قد دخل إلى عمري، ~~فدعاني إلى الإسلام، فأجبته. # فقال لي: امض إلى فلان القائد، حتى يأخذ عليك الإسلام، فإنه من أهل ~~الجنة، فجئت لأسلم على يديك. # قال: ففرح التركي فرحا عظيما شديدا، ولم يحسن أن يأخذ علي الإسلام، فتعتع ~~في كلامه، وقطعت الزنار وأسلمت بحضرته. # قال: فوصلني ما قيمته خمسة آلاف درهم، من الدراهم، والثياب، وغيرها وعدت ~~إلى منزلي. # PageV08P272 # فلما كان من غد، بكرت إلى قائد منهم، بزي الرهبان، وقلت له، كما قلت ~~للأول، وأعطاني أكثر من ذلك، حتى طفت على جماعة منهم، فحصل لي من جهتهم ~~أكثر من خمسين ألف درهم. # فلما كان في بعض تلك الأيام، صرت إلى أحدهم، واتفق أنه كانت عنده دعوة، ~~فيها وجوههم، فلما دخلت، وقصصت الرؤيا، وتأملتهم، وإذا في الجماعة واحد ممن ~~كنت لقيته بالرؤيا. # قال: فقامت علي القيامة، فلما فرغت من حديث الرؤيا، وأظهرت الإسلام على ~~يد التركي، وأمر لي بالجائزة، وخرجت، أتبعني ذلك القائد بغلامه. # فلما بعدت عن الدار، قبض علي [110] ، وحملني إلى منزل التركي الأول، ~~فقامت قيامتي، وأحسست بالمكروه، وبذلت للغلام جميع ما كان معي، ليدعني ~~أنصرف، فلم يفعل. # وجاء التركي، وهو منتش «1» ، فقال: «يابا، حصلت تسخر بالأتراك واحد واحد، ~~وتأخذ دراهمهم» «2» ؟ # قال: فقلقت فزعا، وقلت: يا سيدي، أنا رجل صفعان، فقير، مكد، وأنا فعلت ~~هذا لآخذ شيئا. # قال: فقال لي: أظننت أنني أفضحك في بلدك؟ ما كنت بالذي أفعل، وقد جازت ~~السخرية علي، حتى تجوز على الجماعة، كما جازت علي، ولكن أليس أنت؟ # قال: فطايبته، وتصفعت له، فضحك مني، واستدعى بالنبيذ، # PageV08P273 # وشرب، ولاعبته، فاستخف روحي، وحبسني عنده، وخلع علي، وأعطاني دراهم، ودعا ~~جماعة من قواد الأتراك وخرجت عليهم في زي ms508 الصفاعنة، فعطعطوا علي، وضحكوا. # فحدثهم التركي، بالحديث، فضحكوا. # قال: فأخذت منهم، على تلك الحال، مالا ثانيا جليلا، وانصرفت إلى بغداد ~~وابتعت به عقارا، منه أعيش إلى الآن. # تم الجزو الثامن ويتلوه التاسع والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا ~~محمد النبي وآله الطاهرين [111] بلغ مقابلة صحح بقدر الطاقة من الأصل ~~المنقول منه. # PageV08P274 ms509