######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000482 #META# 000.BookURI :: #0386.AbuTalibMakki.QutQulub #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب المكي (المتوفى: 386هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 386 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000482 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-482 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/482 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. عاصم إبراهيم الكيالي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1426 هـ -2005 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # المقدمة # الحمد لله الأول الأزلي قبل الكون والمكان، من غير أول ولا بداية، الآخر ~~الأبدي بعد فناء المكنونات والأزمان بغير آخر ولا غاية، الظاهر في علوه ~~بقهره عن غير بعد، والباطن في دنوه بقربه من دون مس، الذي أحسن بلطفه كل ~~شيء بدأه وأتقن صنع كل شيء أنشأه، ودبرت الأحكام حكمته وصرفت المحكومات ~~مشيئته، فأظهر في الغيب والشهادة لطيف قدرته وعم في العاجل والآجل خلقه ~~بنعمته، ونشر على من أحب منهم فضله، وبسط لجميعهم عدله، وأنعم عليهم ~~بتعريفهم إياه، سبحانه وتعالى، به عز وجل، وأحسن إليهم باجتبائه إياهم ~~إليه، وأفضل عليهم بتيسير كلامه لهم، ومن عليهم ببعثه رسولا من أنفسهم ~~إليهم، فنسأله الصلاة على النبي وآله، وأن يوزعنا بفضله وشكر نعمه، ويعرفنا ~~خفي قدره، وصلى الله تبارك وتعالى على سيد الأولين والآخرين، رسوله المفضل ~~بالشفاعة والحوض المورود، المخصوص بالوسيلة والمقام المحمود، وعلى إخوانه ~~السالفين في الأزمان، وأنصاره التابعين بإحسان. # وبعد فهذا كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام ~~التوحيد، تصنيف الشيخ أبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي رضي الله ~~عنه يشتمل على ثمانية وأربعين فصلا هذا ذكرها: الفصل الأول: في ذكر الآي ~~التي فيها المعاملات. # الفصل الثاني: في الآي التي فيها ذكر أوراد الليل والنهار. # الفصل الثالث: في ذكر عمل المريد في اليوم والليلة. # الفصل الرابع: في ذكر ما يستحب من الذكر وقراءة الآي المندوب إليها بعد ~~التسليم من صلاة الصبح. # الفصل الخامس: في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح. # الفصل السادس: في ذكر عمل المريد بعد صلاة الصبح. # الفصل السابع: في ذكر أوراد النهار وهي سبعة أوراد. # الفصل الثامن: في ذكر أوراد الليل وهي خمسة أوراد. # PageV01P007 # الفصل التاسع: في ذكر وقت الفجر. # الفصل العاشر: فيه كتاب معرفة الزوال وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام. # الفصل الحادي عشر: فيه كتاب فضل الصلاة في الأيام والليالي. # الفصل الثاني عشر: في ذكر الوتر وفضل الصلاة في الليل. # الفصل الثالث عشر: فيه كتاب جامع ms0001 ما يستحب أن يقول العبد إذا استيقظ من ~~نومه وفي يقظته عند الصباح. # الفصل الرابع عشر: في تقسيم قيام الليل ووصف القائمين. # الفصل الخامس عشر: في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر والصلاة في اليوم ~~والليلة وفضل صلاة الجماعة وذكر فضل الأوقات المرجو فيها الإجابة وذكر صلاة ~~التسبيح. # الفصل السادس عشر: في ذكر معاملة العبد في التلاوة ووصف التالين حق ~~تلاوته بقيام الشهادة. # الفصل السابع عشر: فيه كتاب ذكر نوع من المفصل والموصل من الكلم ومدح ~~العاملين به وذم الغافلين عنه وهو من تفسير غريب القرآن. # الفصل الثامن عشر: فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين. # الفصل التاسع عشر: فيه كتاب ذكر الجهر بالقرآن وما في ذلك من النيات ~~وتفصيل حكم الجهر والإخفات. # الفصل العشرون: في ذكر الليالي المرجو فيها الفضل المستحب إحياؤها وذكر ~~مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة. # الفصل الحادي والعشرون: في كتاب الجمعة وهيئة آدابها وذكر المزيد في يوم ~~الجمعة وليلتها. # الفصل الثاني والعشرون: فيه كتاب الصوم وترتيبه ووصف الصائمين. # الفصل الثالث والعشرون: في ذكر محاسبة النفس ومراعاة الوقت. # الفصل الرابع والعشرون: في ذكر ماهية الورد للمريد ووصف حال العارف ~~بالمزيد. # الفصل الخامس والعشرون: في كتاب تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين. # الفصل السادس والعشرون: فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة. # الفصل السابع والعشرون: فيه كتاب أساس المريدين. # الفصل الثامن والعشرون: فيه كتاب مراقبة المقربين. # الفصل التاسع والعشرون: فيه ذكر أهل المقامات من المقربين وتمييزهم ونعت ~~حال المتعبدين الموقنين وتمييز حال أهل الغفلة المبعدين. # PageV01P008 # الفصل الثلاثون: فيه كتاب ذكر خواطر القلب لأهل معاملات القلوب. # الفصل الحادي والثلاثون: فيه كتاب العلم وتفضيله وأوصاف العلماء، وذكر ~~فضل علم المعرفة على سائر العلوم، وكشف طريق العلماء من السلف الصالح، وذكر ~~بيان فضل علم الباطن على علم الظاهر، والفرق بين علماء الدنيا وعلماء ~~الآخرة، وذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا، وذكر وصف العلم وطريق ~~السلف، وما أحدث المتأخرون من القصص والكلام، وباب ذكر ما أحدث الناس من ~~القول والفعل فيما بينهم مما ms0002 لم يكن عليه السلف، وباب من تفضيل علم الإيمان ~~واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه وبيان ما ذكرناه، وباب ~~تفصيل الأخبار وبيان طريق الآثار. # الفصل الثاني والثلاثون: في شرح مقامات اليقين وأحكام الموقنين وأصل ~~مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال اليقين وهي تسعة: أولها التوبة ثم ~~الصبر ثم الشكر ثم الرجاء ثم الخوف ثم الزهد ثم التوكل ثم الرضا ثم المحبة. # الفصل الثالث والثلاثون: فيه شرح مباني الإسلام وهي خمسة: فالأول فرض ~~شهادة التوحيد للمؤمنين ووصف فضائلها وهي شهادة المقربين وذكر شهادة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وفضلها للموقنين، والثاني شرح الصلاة فأولها فرض ~~الاستنجاء وسننه وفرائض الوضوء وسننه وفضائله وفرائض الصلاة وسننها وأحكام ~~المصلي في فوت الصلاة ودركها وما يتعلق بها وهيئة الصلاة وآداب المصلي ~~فيها، والثالث شرح الزكاة ووقت أدائها وذكر فضائل الصدقة وآداب العطاء ووصف ~~أحوال الفقراء، والرابع شرح صوم شهر رمضان، والخامس شرح كتاب الحج الذي به ~~كمال الشريعة وتمام الملة. # الفصل الرابع والثلاثون: فيه كتاب تفصيل الإسلام والإيمان وعقود السنة ~~واعتقاد القلوب، وشرح معاملة الناس من العلم الظاهر، وذكر دعائم الإسلام ~~وأركان الإيمان، واتصال الإيمان بالإسلام واقتران القلوب بالعمل وذكر بيان ~~التفرقة بين الإيمان والإسلام، والاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق ~~وطريقة السلف في ذلك. # الفصل الخامس والثلاثون: فيه كتاب السنة وشرح فضائلها وجمل من آداب ~~الشريعة وذكر عقود القلوب من علم الظاهر وهي ست عشرة خصلة: أولها أن تعتقد ~~أن الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله تبارك وتعالى غير مخلوق، وأن ~~تسلم أخبار الصفات، وأن تعتقد وتعلم تفضيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأن تقدم من قدمه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن تعتقد أن ~~الإمامة في قريش عامة إلى أن تقوم الساعة، وأن لاتكفر أحدا من أهل القبلة، ~~وأن تصدق بجميع أقدار الله عز وجل خيرها وشرها، وأن مساءلة منكر ونكير حق، ~~وأن عذاب القبر حق، وأن تؤمن بالميزان، وأن تعتقد أن الصراط حق، ms0003 وأن تؤمن ~~بالحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم وأن تؤمن بالنظر إلى الله ~~سبحانه وتعالى، وأن تعتقد إخراج الموحدين من النار، وأن تؤمن بوقوع الحساب ~~وفيه فصل مستنبط من # PageV01P009 # معنى الإجماع بذكر أهل البدع وإخراجهم من الجماعة، وذكر فضائل السنة ووصف ~~طرائق السلف التابعين بإحسان. # الفصل السادس والثلاثون: فيه ذكر جمل الشريعة وعز الإيمان، وذكر شرط ~~المسلم الذي يكون به مسلما، وذكر حسن إسلام المرء وعلامة محبة الله عز وجل ~~له وذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين، وذكر ~~سنن الجسد وذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع، وذكر ما جاء في فضل بعض ~~ذلك واستحسانه، وكتاب ما ذكر من نوافل الركوع وما يكره من النقصان منه. # الفصل السابع والثلاثون: فيه كتاب شرح الكبائر وتفصيلها ومسألة في محاسبة ~~الكفار. # الفصل الثامن والثلاثون: فيه كتاب الإخلاص وشرح البيان والأمر بتحسينها ~~في تصرف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال. # الفصل التاسع والثلاثون: فيه كتاب ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة ~~الأقوات. # الفصل الأربعون: فيه كتاب الأطعمة وما يجمع الأكل من السنن والآداب وما ~~يشتمل على الطعام من الكراهية والاستحباب. # الفصل الحادي والأربعون: فيه كتاب فرائض الفقر وفضائله ونعت عموم الفقراء ~~وخصوصهم وتفصيل قبول العطاء ورده وطريق السلف فيه. # الفصل الثاني والأربعون: فيه كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار. # الفصل الثالث والأربعون: فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمامة والمأموم. # الفصل الرابع والأربعون: فيه كتاب الأخوة في الله عز وجل والصحبة ومحبة ~~الإخوان فيه تبارك وتعالى وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين. # الفصل الخامس والأربعون: فيه كتاب ذكر التزويج في فعله وتركه أيهما أفضل ~~ومختصر أحكام النساء في ذلك. # الفصل السادس والأربعون: فيه كتاب ذكر دخول الحمام. # الفصل السابع والأربعون: فيه كتاب الصنائع والمعايش والبيع والشراء وما ~~يجب على التاجر والصانع من شروط العلم في أحكام التصرف. # الفصل الثامن والأربعون: فيه كتاب تفصيل الحلال والحرام وما بينهما من ~~الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان. # PageV01P010 ### | الفصل ms0004 الأول # في ذكر الآي التي فيها ذكر المعاملة # قال الله تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا) الإسراء: 19، وقال عز وجل: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له ~~في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ~~(الشورى: 20، وقال سبحانه وتعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه ~~سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى (النجم: 39و04و41، وقال جلت قدرته: (كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) الحاقة: 24، وقال عز من قائل: ~~(ولكل درجات مما عملوا) الأنعام: 132، وقال تبارك وتعالى: (وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء ~~الضعف بما عملوا) سبأ: 37، وقال سبحانه وتعالى: (ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون) الأعراف: 43، وقال سبحانه وتعالى: (فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) السجدة: 17، وقال ~~سبحانه وتعالى: (نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) ~~العنكبوت: 58 - 59، وقال سبحانه: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما ~~كانوا يعملون) الأنعام: 127 # PageV01P011 ### | الفصل الثاني # في ذكر الآي التي فيها أوراد الليل والنهار # قال الله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا) الفرقان: 62، وقال جل ثناؤه: (إن لك في النهار سبحا طويلا ~~واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) المزمل: 7 - 8، وقال سبحانه: (واذكر اسم ~~ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) الدهر: 25 - 26، ~~وقال تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه ~~وأدبار السجود) ق: 39 - 40، وقال تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل ~~فسبحه وإدبار النجوم) الطور: 48 - 49، وقال تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطأ وأقوم قيلا) المزمل: 6، وقال تعالى: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف ~~النهار لعلك ترضى) طه: 130، وقال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين ms0005 يعلمون والذين لا ~~يعلمون) الزمر: 9، وقال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا) السجدة: 61، وقال عز اسمه: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) ~~الفرقان: 64، وقال سبحانه وتعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ~~وبالأسحار هم يستغفرون) الذاريات: 17 - 18، وقال تعالى: (أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد ~~به نافلة لك) الإسراء: 78 - 79، وقال: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) هود: 114، وقال سبحانه ~~وتعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون) الروم: 17 - 18. # PageV01P012 ### | الفصل الثالث # في ذكر عمل المريد في اليوم والليلة ### | من فرائض الأوامر وفضائل النوادب # فمن ذلك يستحب عند طلوع الفجر، وهو البياض المشتق من سواد الليل المعترض ~~في قطر السماء الشرقي عند إدبار النجوم وإدبارها افتراقها وذهاب ضوئها ~~لغلبة ضوء الفجر عليها، وهو الوقت الذي أمر الله تعالى فيه بذكره إذ يقول ~~تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) الطور: 49، فليصل العبد ركعتي ~~الفجر، يقرأ فيهما: (قل يا أيها الكافرون) الكافرون: 1 و (قل هو الله أحد) ~~الإخلاص: 1، فهو أكثر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيهما، فإن ~~شاء خافت وإن شاء جهر. # فقد روي حديثان أحدهما يدل على المخافتة؛ وهو حديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف ركعتي الفجر حتى أقول قرأ ~~فيهما بفاتحة الكتاب أم لا، والآخر يدل على الجهر، وهو حديث ابن عمر: رمقت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عشرين يوما فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر (قل يا ~~أيها الكافرون) الكافرون: 1 و (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1، وفي حديث أبي ~~هريرة وابن عباس أنه قرأ في الركعة الأولى الآية التي في سورة البقرة ~~(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل) البقرة: ~~631، إلى آخرها، وفي الركعة الثانية (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ~~فاكتبنا مع الشاهدين) ms0006 آل عمران: 53، فليقرأ بذلك أحيانا، ثم يستغفر الله ~~تعالى سبعين مرة يقول في كل مرة: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو ~~الحي القيوم وأسأله التوبة ثم يسبح الله ويهلله مائة مرة بالكلمات الأربع ~~الجامعات المختصرات التي في القرآن وليست # PageV01P013 # بقرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأستغفر الله ~~وتبارك الله مرة واحدة، وليدع بهذا الدعاء فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يدعو به بعد ركعتي الفجر. # روينا عن ابن أبي ليلى عن داود عن علي عن أبيه عن ابن عباس قال: بعثني ~~العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله فأتيته ممسيا وهو في بيت ~~خالتي ميمونة فقام يصلي من الليل فلما صلى الركعتين قبل صلاة الفجر قال: ~~اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها ~~شعثي، وترد بها ألفتي، وتصلح بها علانيتي، وتقضي بها ديني، وتحفظ بها ~~غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلقني بها رشدي، ~~وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطني إيمانا صادقا، ويقينا ليس بعده كفر، ~~ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك الفوز عند ~~القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء، ~~اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن قصر رأيي، وضعف عملي، وافتقرت إلى رحمتك ~~فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من ~~عذاب السعير، ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأيي، ~~وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي، ومنيتي من خير وعدته أحدا من خلقك أو خير ~~أنت معطيه أحدا من عبادك، فإني أرغب إليك فيه وأسألك يا رب العالمين اللهم ~~اجعلنا هادين مهديين غير ضالين، ولا مضلين، حربا لأعدائك، وسلما لأوليائك، ~~نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك، اللهم هذا الدعاء وعليك ~~الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا ~~قوة ms0007 إلا بالله ذي الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد ~~والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، والركع السجود، والموفين بالعهود، ~~إنك رحيم ودود، أنت تفعل ما تريد، سبحان الذي تعطف بالعز وقال به، سبحان ~~الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي ~~الفضل والنعم، سبحان ذي القدرة والكرم، سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه، ~~اللهم اجعل لي نورا في قلبي، ونورا في قبري، ونورا في سمعي، ونورا في بصري، ~~ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في ~~عظامي، ونورا من بين يدي، ونورا من خلفي، ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ~~ونورا من فوقي، ونورا من تحتي، اللهم زدني نورا، وأعطني نورا، واجعل لي ~~نورا هذه الأنوار التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله في كل ~~جزء من أجزائه، إنما هو دوام النظر من نور النور يشاهد القيومية في كل سكون ~~وحركة، منه يكلؤه بنظره، ويتولاه بحيطته، فينظر إليه بدوام نظره ليستقيم له ~~بتولي حفظه فلا يزيغ بصره ولا يطغى ولا # PageV01P014 # تستهويه النفس بهوى، فليدع العبد بهذا الدعاء بعد ركعتي الفجر، لكن يقدم ~~على دعائه المسألة لله تبارك وتعالى في الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله فيستجيب سبحانه وتعالى دعوته ولا يرده، لقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إذا سألتم الله تعالى حاجة فابدؤوا بالصلاة علي فإن الله تعالى أكرم ~~من أن يسأل في حاجتين فيعطي إحداهما ويرد الأخرى، ثم ليصل العبد صلاة ~~الغداة في جماعة ليكون في ذمة الله وجواره، وفي الحديث صلاة الغداة في ~~جماعة أفضل من قيام ليلة وصلاة العشاء الآخرة في جماعة أفضل من قيام نصف ~~ليلة وليكن قائما في صلاته بإلقاء سمع، وشهود قلب، وحضور عقل، وجمع هم، ~~وصحة تيقظ، وحسن إقبال، وتدبر للكلام، وترتيل وتفهم بالتماس غرائب التنزيل. # فإذا سلم من صلاته قال ما يستحب من الذكر. # PageV01P015 ### | الفصل الرابع # في ذكر ما يستحب من الذكر ms0008 ### | وقراءة الآي المندوب إليها بعد التسليم من صلاة الصبح # استخرجناها من الآثار، اللهم صل على محمد وآله، اللهم أنت السلام، ومنك ~~السلام، وإليك يعود السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام، ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ليقل سبحان الله العظيم ويحمده ثلاثا، ثم ~~يستغفر الله ثلاثا، ثم يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ثم ليقل وهو ثان رجله من قبل أن يتكلم هذه ~~الكلمات عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ~~يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ثم ليقرأ ~~وهو كذلك: قل هو الله أحد عشرا، ويقول: أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون عشر ~~مرات، وليقل: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون الصافات: 180 إلى آخر السورة ~~ثلاث مرات، وليقل: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الروم: 71 إلى آخر ~~الثلاث آيات ثلاث مرات، ثم يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد كذلك، ويكبر أربعا ~~وثلاثين، فتلك مائة مرة وإن أحب جعلها خمسا وعشرين زاد فيها التهليل، وإن ~~قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسا وعشرين مرة ~~استوعب ذلك مائة تسبيحة وكان أيسر عليه لأجل المداومة، ثم يقرأ سورة الحمد ~~وآية الكرسي وخاتمة البقرة من قوله: (آمن الرسول) البقرة: 285، و (شهد ~~الله) آل عمران: 18 الآية، و (قل اللهم مالك الملك) آل عمران: 62، الآيتين ~~ثم يقرأ: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) التوبة: 128 إلى آخرها، ثم يقرأ: (وقل ~~الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) الإسراء: 111 الآية، ثم يقرأ: (لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا) الفتح: 27 إلى آخر السورة، ثم يقرأ خمسا من أول سورة الحديد ~~وثلاثا من آخر سورة الحشر، ثم ليقل: اللهم إني أسألك بكرم وجهك الصلاة على ~~محمد وآله؛ وأسألك الجنة وأعوذ بك من النار سبع مرات، ms0009 # PageV01P016 # وقال قبيصة بن مخارق للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني كلمات ينفعني الله ~~بها وأوجز فقد كبر سني وعجزت عن أشياء كنت أعملها، فقال: أما لدنياك فإذا ~~صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده لا ~~حول ولا قوة لا بالله فإنك إذا قلتهن أمنت من عمى وجذام وبرص وفالج، أما ~~لآخرتك فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد واهدني من عندك وأفض علي من فضلك ~~وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أما أنه إذا وافى بهن يوم القيامة لم يدعهن فتح له أربعة أبواب من ~~الجنة يدخل من أيها شاء وإن قال المسبعات العشر التي أهداها الخضر عليه ~~السلام إلى إبراهيم التيمي ووصاه أن يقولها غدوة وعشية وقال له الخضر: ~~أعطانيها محمد صلى الله عليه وسلم وذكر من فضلها وعظم شأنها ما يجل عن ~~الوصف وإنه لا يداوم على ذلك إلا عبد سعيد قد سبقت له من الله عز وجل ~~الحسنى وحذفنا ذكر فضائلها اختصارا، فإن قال ذلك فقد استكمل الفضل ~~والمداومة عليهن تجمع له جميع ما فرقناه من الأدعية، روى ذلك سعيد بن سعيد ~~عن أبي طيبة عن كرز بن وبرة قال: وكان من الأبدال، قال: أتاني أخ لي من ~~الشام فأهدى لي هدية، وقال: يا كرز اقبل مني هذه الهدية فإنها نعم الهدية، ~~فقلت: يا أخي من أهدى لك هذه الهدية؟ قال: أعطانيها إبراهيم التيمي، قلت: ~~أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه؟ قال: بلى، قال: كنت جالسا في فناء الكعبة، ~~وأنا في التهليل والتسبيح والتحميد فجاءني رجل فسلم علي وجلس عن يميني فلم ~~أر في زماني أحسن منه وجها ولا أحسن منه ثيابا ولا أشد بياضا ولا أطيب ~~ريحا، فقلت: يا عبد الله من أنت ومن أين جئت؟ فقال: أنا الخضر، فقلت: في أي ~~شيء جئتني؟ قال: جئتك للسلام عليك، وحبا لك في الله عز وجل، وعندي هدية ~~أريد أن أهديها إليك، فقلت: ما ms0010 هي؟ قال: هي أن تقرأ قبل طلوع الشمس وتبسط ~~على الأرض، وقبل أن تغرب سورة الحمد سبع مرات، وقل أعوذ برب الناس سبع ~~مرات، وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات، وقل هو الله أحد سبع مرات، وقل أيها ~~الكافرون سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، وتقول سبحان الله والحمد لله ولا ~~إليه إلا الله والله أكبر سبع مرات # وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم سبع مرات، وتستغفر لنفسك ولوالديك ~~وما توالدا ولأهلك وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات سبع مرات، ~~وتقول اللهم يا رب افعل بي وبهم عاجلا وآجلا في الدين والدنيا والآخرة ما ~~أنت له أهل ولا تفعل بنا يا مولاي ما نحن له أهل، إنك غفور حليم، جواد كريم ~~رؤوف، رحيم سبع مرات، وانظر أن لا تدع ذلك غدوة وعشية، فقلت: أحب أن تخبرني ~~من أعطاك هذه العطية، فقال: أعطانيها محمد صلى الله عليه وسلم، فقلت: ~~أخبرني # PageV01P017 # بثواب ذلك، فقال لي: إذا لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فسله عن ثوابه ~~فإنه سيخبرك، فذكر إبراهيم التيمي رحمه الله أنه رأى ذات ليلة في منامه أن ~~الملائكة جاءته فاحتملته حتى أدخلوه الجنة فرأى ما فيها، ووصف وصفا عظيما ~~مما رأى في صفة الجنة، قال: فسألت الملائكة فقلت: لمن هذا كله؟ فقالوا: ~~للذي عمل مثل عملك وذكر أنه أكل من ثمرها وسقوه من شرابها فأتاني النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعه سبعون نبيا وسبعون صفا من الملائكة، كل صف مثل ما بين ~~المشرق والمغرب فسلم علي وأخذ بيدي، فقلت: يا رسول الله إن الخضر أخبرني ~~أنه سمع منك هذا الحديث، فقال: صدق الخضر وكل ما يحكيه فهو حق وهو عالم أهل ~~الأرض وهو رئيس الأبدال وهو من جنود الله عز وجل في الأرض، فقلت: يا رسول ~~الله فمن فعل هذا ولم ير مثل الذي رأيت في منامي، هل يعطى مما أعطيته؟ قال: ~~والذي بعثني بالحق إنه ليعطي العامل بهذا وإن لم يرني ولم ير الجنة إنه ~~ليغفر له جميع الكبائر ms0011 التي عملها ويرفع الله عز وجل عنه غضبه ومقته ويؤمر ~~صاحب الشمال أن لا يكتب عليه شيئا من السيئات إلى سنة والذي بعثني بالحق ~~نبيا ما يعمل بهذا إلا من خلقه الله تعالى سعيدا ولا يتركه إلا من خلقه ~~شقيا، وقد كان إبراهيم التيمي رحمه الله مكث أربعة أشهر لم يطعم طعاما ولم ~~يشرب شرابا فلعله بعد الرؤيا والله تعالى أعلم ذكره الأعمش عنه فهذا من جمل ~~ما أتى مما يستحب أن يقرأ ويقال بعد صلاة الغداة، ولذلك فضائل جمة وردت بها ~~الأخبار حذفنا ذكرها للاختصار. # PageV01P018 ### | الفصل الخامس # في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح # الجامعة المختصرة المأثورة في الأخبار المتفرقة روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا افتتح دعاء افتتحه بقوله سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب، ~~وأنه كان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ~~ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ~~أهل النعمة والفضل والثناء الحسن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين ~~له الدين ولو كره الكافرون، وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لعائشة رضي الله عنها: عليك بالجوامع الكوامل، قولي: اللهم إني أسألك ~~الصلاة على محمد وآله، وأسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم ~~أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك ~~الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من ~~قول وعمل، وأسألك من الخير ما سألك به عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأسألك ما ~~قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدا برحمتك يا أرحم الراحمين. # وعن أنس بن مالك قال، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة ما ~~يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي يا حي ms0012 يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني ~~ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، وعلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه هذا الدعاء فقال: قل اللهم إني ~~أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وكليمك وعيسى روحك وكلمتك ~~وبكلام موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد صلى الله عليه وسلم وكل ~~وحي أوحيته أو قضاء قضيته أو سائل أعطيته أو غني أقنيته أو فقير أغنيته أو ~~ضال هديته وأسألك باسمك # PageV01P019 # الذي أنزلته على موسى وأسألك باسمك الذي ثبت به أرزاق العباد وأسألك ~~باسمك الذي وضعته على الأرض فاستقرت وأسألك باسمك الذي وضعته على السموات ~~فاستقلت وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فأرست وأسألك باسمك الذي استقل ~~به عرشك وأسألك باسمك الطهر الطاهر الأحد الصمد الوتر المنزل في كتابك من ~~لدنك من النور المبين وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار وعلى ~~الليل فأظلم وبعظمتك وكبريائك وبنور وجهك أن تصلي على محمد نبيك وعلى آله ~~وأن ترزقني القرآن والعم وتخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري وتستعمل به جسدي ~~بحولك وقوتك فإنه لا حول لي ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين. # وروينا عن ابن عمر أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلمه هذا الدعاء: يا نور السموات والأرض يا جمال السموات والأرض يا عماد ~~السموات والأرض يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا صريخ ~~المستصرخين يا غوث المستغيثين يا منتهى رغبة الراغبين والمفرج عن المكروبين ~~والمروح عن المغمومين ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء وأرحم الراحمين وإله ~~العالمين منزول بك كل حاجة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع أن ~~يدعو بهؤلاء الكلمات حين يصبح، وحين يمسي: اللهم إني أسألك العافية في ~~الدنيا والآخرة، وأسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وفي أهلي ومالي، ~~اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، وأقلني عثراتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن ms0013 ~~خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي. # وقال بريد الأسلمي: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بريد ألا ~~أعلمك كلمات من أراد الله عز وجل به خيرا علمهن إياه ثم لم ينسهن إياه ~~أبدا، قال: قلت بلى يا رسول الله صلى الله عليك، قال: قل اللهم إني ضعيف ~~فقو في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضاي، اللهم ~~إني ضعيف فقوني وإني ذليل فأعزني وإني فقير فأغنني برحمتك يا أرحم ~~الراحمين. # وروينا عن أبي مالك الأشجعي قال: حدثني أبي قال كنا نغدو إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيجيء الرجل أو تجيء المرأة فيقول كيف أقول يا سول الله إذا ~~أصبحت؟ قال: تقول اللهم صل على محمد وآله واغفر لي وارحمني واهدني وارزقني ~~وعافني وأجبرني فقد جمعن لك خير دنياك وآخرتك. # وروينا عن أبي زرعة قال: كتب إلي أبو هريرة فيما أكاتبه وشافهني به فيما ~~ألقاه أن الشيطان لا يطيف بإنسان يقول حين يصبح وحين يمسي اللهم إني أعوذ ~~باسمك وكلمتك التامة من شر السامة والهامة وأعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر ~~عذابك وشر عبادك وأعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر الشيطان الرجيم، اللهم ~~إني أسألك بأسمائك وكلمتك التامة أن تصلي على نبيك محمد وآله وأسألك من خير ~~ما تعطي وما تسأل ومن خير ما تخفي وخير ما تبدي، اللهم إني أعوذ باسمك ~~وكلمتك التامة من شر ما يجري به # PageV01P020 # النهار إن ربي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~وإن كان مساء قال ومن شر ما جاء به الليل يقول ذلك ثلاثا. # وروينا عن عمر بن عبد العزيز عن محمد بن عبيد الله قال: أتى أبو الدرداء ~~فقيل له احترقت دارك، فقال: ما كان الله عز وجل ليفعل، ثم أتاه آت فقال: يا ~~أبا الدرداء إن النار حيث دنت من دارك طفئت، فقال: قد علمت، فقيل له: ما ~~ندري أي قوليك أعجب، ms0014 قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ~~قال هؤلاء الكلمات في ليل أو نهار لم يضره شيء وقد قلتهن، وهي اللهم أنت ~~ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم لا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم ما شاء الله عز وجل ربي كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ بك من ~~شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. # وقد روينا عن أبي الدرداء أنه قال: من قال في كل يوم سبع مرات فإن تولوا ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم كفاه الله عز ~~وجل ما يهمه من أمر آخرته صادقا كان أو كاذبا، وروينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ما أصاب أحدا هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن ~~عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم ~~هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت ~~به في علم الغيب عندك، أن تصلي على نبيك وحبيبك محمد وآله وأن تجعل القرآن ~~ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله عز وجل همه، ~~وحزنه وأبدله مكانه فرحا، قال: قيل يا رسول الله ألا تتعلمها؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها، وروينا في الأخبار أن ~~إبراهيم الخليل كان يقول إذا أصبح: اللهم هذا خلق جديد فافتحه علي بطاعتك ~~واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكها وضعفها لي ~~وما عملت فيه من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود كريم، قال: ومن دعا ~~بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه وكذلك إذا أمسى، وروينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: من قال ms0015 إذا أصبح وإذا أمسى ثلاث مرات رضيت بالله ~~عز وجل ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا كان حقا على ~~الله أن يرضيه يوم القيامة، وروينا عن معمر عن جعفر بن برقان أن عيسى بن ~~مريم صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ~~ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيدك لا بيد غيرك وأصبحت مرتهنا بعملي ~~فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسيء بي صديقي ولا تجعل ~~مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ولا غاية أملي ولا ~~تسلط علي من لا يرحمني. # وروينا عن عطاء عن ابن عباس قال: يلتقي الخضر وإلياس في كل موسم فيفترقان # PageV01P021 # عن هذه الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء ~~الله كل نعمة من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله عز وجل ما شاء الله ~~لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن قالها ~~إذا أصبح ثلاث مرات أمن الحرق والغرق والسرق، ويقال: إن هذا من استغفار ~~الخضر عليه السلام: اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه ~~اللهم إني أستغفرك من كل عقبد عقدته لك ثم لم أف لك به اللهم إني أستغفرك ~~من كل نعمة أنعمت بها علي فقويت بها على معصيتك اللهم إني أستغفرك من كل ~~عمل عملته لوجهك خالطه ما ليس لك. # وحكى سعيد بن أبي الروحاء الجمال وكان من أهل الخير أنه توحد ذات ليلة في ~~أرض قفرة فاستوحش وفزع فظهر له شخص قال: فاشتد جزعي منه حتى سمعته يقرأ ~~القرآن ثم قال: ألا أدلك على شيء إذا أنت قلته أنست إذا استوحشت واهتديت ~~إذا ضللت ونمت إذا أرقت، قلت: علمني رحمك الله قال، قل: " بسم الله ذي ~~الشأن عظيم البرهان شديد السلطان كل يوم هو في شأن لا حول ولا ms0016 قوة إلا ~~بالله العلي العظيم ". # وحدثونا عن يعقوب بن عبد الرحمن الدعاء قال: سمعت محمد بن حسان يقول: قال ~~لي معروف الكرخي رحمه الله ألا أعلمك عشر كلمات خمسة للدنيا وخمسة للآخرة ~~من دعا الله عز وجل بهن وجد الله سبحانه وتعالى عندهن قلت: اكتبها، قال: لا ~~ولكن أرددها عليك كما رددها علي بكر بن حبيش: حسبي الله تبارك وتعالى ~~لديني، حسبي الله عز وجل لدنياي، حسبي الله الكريم لما أهمني، حسبي الله ~~الحكيم القوي لمن بغى علي، حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله ~~الرحيم عند الموت، حسبي الله الرؤوف عند المسألة في القبر، حسبي الله ~~الكريم عند الحساب، حسبي الله اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند ~~الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وادع ~~بهؤلاء الكلمات: اللهم يا هادي المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات ~~العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم المسلمين كلهم أجمعين واجعلنا من ~~الأحياء المرزوقين الذي أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين آمين يا رب العالمين، يقال إن عتبة الغلام رئي في المنام فقال: ~~دخلت الجنة بهذه الدعوات، وليقل بعد ذلك هذا الدعاء: اللهم عالم الخفيات ~~رفيع الدرجات ذا العرش تلقي الروح من أمرك على من تشاء من عبادك غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذا الطول لا إله إلا أنت إليك المصير، رئي إبراهيم ~~الصائغ في النوم فقيل له: بأي شيء نجوت؟ فقال: بهذه الدعوات وليقل هذا ~~الدعاء: يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تشتبه عليه الأصوات يا من لا تغلطه ~~المسائل ولا تختلف عليه اللغات يا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد ~~عفوك وحلاوة رحمتك، يقال إن الخضر عليه السلام علم علي بن أبي طالب عليه ~~السلام هذا الدعاء وليسبح تسبيحات أبي المعتمر وهو سليمان التيمي فقد روى ~~من فضلها # PageV01P022 # أن يونس بن عبيد رأى رجلا كان قد قتل شهيدا ببلاد الروم فقال له: ما أفضل ~~ما رأيت ثم من الأعمال قال: ms0017 رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله سبحانه ~~وتعالى بمكان. # وقال المعتمر بن سليمان: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ ~~قال: خيرا، قلت: نرجو للخاطئ شيئا، قال: يلتمس تسبيحات أبي المعتمر فإنها ~~نعم الشيء، وهذه هي التسبيحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق الله وعدد ما هو خالق ~~وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق وملء ما خلق وملء ما هو خالق وملء سمواته وملء ~~أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ~~ومبلغ علمه ورضاه وحتى يرضى وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى ~~وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من ~~الساعات ونسمة وشم ونفس ولمحة وطرفة من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا وأبد ~~الآخرة وأكثر من ذلك لا ينقطع أولاه ولا ينفد أخراه وليدع بهذا الدعاء فإنه ~~دعاء التوبة مرجو فيه الإجابة. # روينا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أراد ~~الله عز وجل أن يتوب على آدم طاف سبعا بالبيت وهو يومئذ ليس بمبنى ربوة ~~حمراء ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل ~~معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم ~~إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما ~~كتبت لي والرضا بما قسمت لي يا ذا الجلال والإكرام فأوحى الله عز وجل إليه ~~إني قد غفرت لك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا ~~غفرت له وكشفت غمومه وهمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وأتجرت له من وراء كل ~~تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها وليقل هذه الكلمات ~~المنثورة فإنها مما روى في اسم الله سبحانه وتعالى الأعظم بأخبار في ذلك ~~مأثورة: اللهم إني ms0018 أسألك بأن الحمد لك لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع ~~السموات والأرض ذو الجلال والإكرام أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد يا حي يا قيوم ياحي حين لا حي في ديمومية ملكه وبقائه ~~يا حي محيي الموتى يا حي مميت الأحياء وارث أهل الأرض والسماء اللهم إني ~~أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الأجل الأعز الأكرم ~~الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت يا نور النور يا مدبر الأمور يا ~~عالم ما في الصدور يا سميع يا قريب يا مجيب الدعاء يا لطيفا لما يشاء يا ~~رؤوف يا رحيم يا كبير يا عظيم يا الله يارحمن يا ذا الجلال والإكرام الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم وعنت الوجوه للحي القيوم يا إلهي وإله كل شيء ~~إلها واحدا لا إله إلا أنت، # PageV01P023 # اللهم إني أسألك باسمك الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم أنت الأول ~~الآخر الظاهر الباطن وسعت كل شيء رحمة وعلما كهيعص حمعسق الر حم ن يا واحد، ~~يا قهار، يا عزيز، يا جبار، يا أحد، يا صمد، يا ودود، يا غفور، هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم إني أدعوك باسمك المكنون المخزون المنزل ~~السلام، الطهر الطاهر، القدس المقدس، يا دهر، يا ديهور، يا ديهار، يا أبد ~~يا أزل، يا من لم يزل، ولا يزول، هو يا هو، لا إله إلا هو، يا من لا هو إلا ~~هو، يا من لا يعلم ما هو إلا هو، يا كان يا كينان يا روح يا كائن قبل كل ~~كون يا كائن بعد كل كون يا مكنون لكل كون اهيا ms0019 شر اهيا أدناي أصباؤت يا ~~مجلي عظائم الأمور فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ~~رب العرش العظيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد ~~كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وليقل هذه الأدعية ~~المأثورة اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر ~~نعمتك وحسن عبادتك وأسألك اللهم يا رب قلبا سليما ولسانا صادقا وعملا ~~متقبلا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم ~~فإنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واغفر ~~لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت فإنك أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت ~~على كل شيء قدير وعلى كل غيب شهيد اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيما ~~لا ينفد وقرة عين الأبد ومرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جنة ~~الخلد اللهم إني أسألك الطيبات وفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين ~~أسألك اللهم يا رب الصلاة على محمد وعلى آله أجمعين وأسألك حبك وحب من يحبك ~~وحب عمل يقرب إلى حبك وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة ~~فاقبضني إليك غير مفتون يا أرحم الراحمين اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على ~~الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي أسألك ~~اللهم يا رب خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد ~~في الغنى والفقر ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء ~~مضرة # وفتنة مضلة اللهم يا رب زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ومن ~~طاعتك ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم ~~صل على ms0020 محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور رجاء الموعود حتى ~~نجد لذة ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صل على محمد وعلى آل # PageV01P024 # محمد سيد الأولين والآخرين وصل على محمد وعلى آله أجمعين وألبس وجوهنا ~~منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحا، وأسكن في نفوسنا من عظمتك، وذلل جوارحنا ~~لخدمتك واجعلك أحب إلينا مما سواك واجعلنا أخشى لك مما سواك اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد وأسألك تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية بدوام العصمة ~~وأداء الشكر بحسن العبادة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأعوذ بك من فتنة ~~الغنى وفتنة الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر وأعوذ بك ~~من غنى مطغي ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي اللهم إني أسألك الصلاة ~~على محمد وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم صل على محمد ~~نبيك وصفيك ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن أعوذ بك يا الله من ~~الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما خفي منها وما علن. وفتنة ~~مضلة اللهم يا رب زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ~~ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور رجاء الموعود حتى نجد لذة ~~ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صل على محمد وعلى آل محمد سيد الأولين ~~والآخرين وصل على محمد وعلى آله أجمعين وألبس وجوهنا منك الحياء واملأ ~~قلوبنا بك فرحا، وأسكن في نفوسنا من عظمتك، وذلل جوارحنا لخدمتك واجعلك أحب ~~إلينا مما سواك واجعلنا أخشى لك مما سواك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صل على محمد ms0021 وعلى آل محمد وأسألك ~~تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية بدوام العصمة وأداء الشكر بحسن ~~العبادة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأعوذ بك من فتنة الغنى وفتنة ~~الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر وأعوذ بك من غنى مطغي ~~ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي اللهم إني أسألك الصلاة على محمد ~~وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ~~ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن أعوذ بك يا الله من الفتن ما ظهر ~~منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما خفي منها وما علن. # اللهم إني أسألك الصلاة على نبيك محمد وعلى آله وأسألك خير هذا اليوم ~~وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ما فيه أعوذ بك اللهم يا رب من شر طوارق ~~الليل والنهار ومن بغتات الأمور وفجأة الأقدار ومن شر كل طارق يطرق إلا ~~طارقا يطرق منك بخير يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما اللهم صل على محمد ~~وعلى آله واجعل يومنا هذا أوله صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد واجعل أوله رحمة وأوسطه نعمة وآخرة تكرمة اللهم صل ~~على محمد نبيك وعلى آله وأعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو ~~أظلم أو أجهل أو يجهل علي عز جارك وجل ثناؤك وتبارك أسماؤك ولا إله غيرك ~~اللهم صل على محمد وعلى آله وأعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة ~~المحيا والممات ومن فتنة المسيح والدجال وإذا أردت بقوم سوءا أو فتنة ~~فاقبضني إليك غير مبدل ولا مفتون اللهم صل على محمد وعلى آله اللهم أحيني ~~ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خير الحياة ~~وبركة الحياة وأعوذ بك من شر الوفاة، وأسألك خير ما بينهما وخير ما بعد ذلك ~~أحيني حياة السعداء حياة من تحب بقاءه وتوفني وفاة الشهداء وفاة من تحب ~~لقاءه يا ms0022 خير الرازقين، ويا أحسن التوابين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم ~~الراحمين ويا رب العالمين، أعوذ بك من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، الحمد لله الذي تواضع كل شيء ~~لعظمته وذل كل شيء لعزته وخضع كل شيء لملكه واستسلم كل شيء لقدرته، والحمد ~~لله الذي سكن كل شيء لهيبته والحمد لله الذي أظهر كل شيء بحكمته وتصاغر كل ~~شيء لكبريائه اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته # PageV01P025 # في العالمين إنك حميد مجيد كريم، اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك ~~النبي الأمي الرسول الأمين وأعطه المقام المحمود يوم الدين، اللهم إني أعوذ ~~بك من حدة الحرص وشدة الطمع وسورة الغضب وسنة الغفلة وتعاطي الذلة، أعوذ بك ~~من مباهاة المكثرين والإزراء على المقلين وأن أنصر ظالما أو أخذل مظلوما ~~وأن أقول في العلم بغير العلم وأعمل في الدين بغير يقين، اللهم إني أعوذ بك ~~أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، اللهم إني أعوذ بك من اتباع ~~خطوات الشيطان وشركه في المال والأهل وقبول أمره في السوء والفحشاء، اللهم ~~إني أسألك الصلاة على نبيك محمد، وعلى آله وأسألك حسن الاختيار وصحة ~~الاعتبار وصدق الافتقار، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وافتح بخير واختم ~~بخير وأنت الفتاح العليم، اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد، وارحم ما ~~خلقت واغفر ما قدرت وطيب مارزقت وتمم ما أنعمت وتقبل ما استعملت واحفظ ما ~~استحفظت ولا تهتك ما سترت فإنه لا إله لنا إلا أنت، أستغفرك من كل لذة بغير ~~ذكرك ومن كل راحة بغير خدمتك ومن كل سرور بغير قربك ومن كل فرح بغير ~~مجالستك ومن كل شغل بغير معاملتك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، واجعلنا ~~من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين وعبادك الصالحين، اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، واستعملنا بمرضاتك عنا ووفقنا لمحابك منا وصرفنا بحسن ~~اختيارك لنا، اللهم صل على نبيك ms0023 محمد وعلى آله، ونسألك جوامع الخير وفواتحه ~~وخواتمه ونعوذ بك من جوامع الشر وفواتحه وخواتمه، اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد، واحفظنا فيما أمرتنا واحفظنا عما نهيتنا واحفظ لنا ما أعطيتنا يا ~~حافظ الحافظين ويا ذاكر الذاكرين ويا شاكر الشاكرين، بحفظك حفظوا وبذكرك ~~ذكروا وبفضلك شكروا، يا غوث يا مغيث يا مستغاث يا غياث المستغيثين لا تكلني ~~إلى نفسي يا رب طرفة عين فأهلك ولا تكلني إلى الخلق فأضيع اكلأني كلاءة ~~الوليد ولا تخل عني وتولني بما تتولى به عبادك الصالحين، اللهم صل على نبيك ~~محمد وعلى آله وبقدرتك علي تب علي إنك أنت التواب الرحيم، وبحلمك عني اعف ~~عني إنك أنت الغفار وبعلمك بي ارفق بي إنك أنت الرحمن الرحيم وبملكك لي ~~ملكني نفسي ولا تسلطها علي إنك أنت الملك الجبار سبحانك وبحمدك لا إله إلا ~~أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنك أنت ربي لا إله إلا أنت، إنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وألهمني رشدي ~~وقني شر نفسي، اللهم صل على # محمد، وعلى آل محمد وارزقني حلالا لا تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني ~~واستعملني به صالحا تقبله مني، اللهم إني أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى ~~آل محمد، وأسألك العفو والعافية وحسن اليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة، # PageV01P026 # اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك ~~من سخطك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أبوء ~~بنعمتك إليك وأبوء بذنوبي إليك، هذه يداي بما كسبت أنا عبدك ابن عبدك ~~ناصيتي بيدك، جار في حكمك نافذ في قضاؤك، عدل في مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك ~~أنا، وإن ترحم فأهل ذلك أنت فافعل. حمد، وعلى آل محمد وارزقني حلالا لا ~~تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني واستعملني به صالحا تقبله مني، اللهم إني ~~أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك العفو والعافية وحسن ~~اليقين والمعافاة في ms0024 الدنيا والآخرة، اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد ~~وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك أبوء بنعمتك إليك وأبوء بذنوبي إليك، هذه يداي بما ~~كسبت أنا عبدك ابن عبدك ناصيتي بيدك، جار في حكمك نافذ في قضاؤك، عدل في ~~مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك أنا، وإن ترحم فأهل ذلك أنت فافعل. # اللهم يا مولاي يا الله يارب، افعل بي ما أنت له أهل، ولا تفعل اللهم يا ~~رب يا الله بي ما أنا له أهل، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة، يا من لا تضره ~~الذنوب ولا تنقصه المغفرة هب لي اللهم يا رب ما لا يضرك وأعطني ما لا ~~ينقصك، أفرغ اللهم علينا يا رب صبرا وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز ~~الحكيم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إني أسألك أن تصلي ~~على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك الصيانة والعون على الطاعة والعصمة من ~~المعصية وإفراغ الصبر في الخدمة وإيزاع الشكر على النعمة، وأسألك يا مولاي ~~يا الله يا رب الصلاة على نبيك محمد وعلى آل محمد وحسن الخاتمة اللهم إني ~~أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك اليقين وحسن المعرفة بك ~~وأسألك المحبة وحسن التوكل عليك وأسألك الرضا وحسن المنقلب إليك، ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا ~~تخزنا يوم القيامة إنك لا ms0025 تخلف الميعاد، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا إلى آخرها. # اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وطهر قلوبنا في قلوب الأبرار، وزك ~~أعمالنا في عمل الأخيار وصل على أرواحنا في أرواح الشهداء يا أكرم الأكرمين ~~ويا أجود الأجودين ويا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وعلما ~~وزهدا وعبادة وأمنا ورزقا من حلال وفي الآخرة حسنة رضوانك والجنة، وقنا ~~برحمتك عذاب النار وعذاب القبر، وقنا سخطك وغضبك وعذابك وأهواله عاجلا ~~وآجلا في الدين والدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين، وإن تمجد الله ~~تعالى غدوة وعشية بما مجد به نفسه عز وجل، فقد روي من ثواب ذلك ما هو غاية ~~الطالبين، روينا عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~الله تبارك وتعالى يمجد نفسه في كل يوم، يقول سبحانه وتعالى: إني أنا الله ~~رب العالمين، إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي # PageV01P027 # القيوم، إني أنا الله لا إله إلا أنا العلي العظيم، إني أنا الله لا إله ~~إلا أنا العفو الغفور، إني أنا الله لا إله إلا أنا مبدئ كل شيء وإلي يعود، ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا لم ألد ولم أولد، إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~العزيز الحكيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا مالك يوم الدين، إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير ~~والشر، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الجنة والنار، إني أنا الله الذي ~~لا إله إلا أنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، إني ~~أنا الله لا إله إلا أنا الفرد الوتر، إني أنا الله لا إله إلا أنا عالم ~~الغيب والشهادة، إني أنا الله لا إله إلا أنا الملك القدوس، إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن، إني أنا الله لا ms0026 إله إلا أنا العزيز ~~الجبار المتكبر، إني أنا الله لا إله إلا أنا الخالق البارئ، إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا الأحد المصور، إني أنا الله لا إله إلا أنا الكبير المتعال، ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا المقتدر القهار، إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~الحكيم الكبير، إني أنا الله لا إله إلا أنا القادر الرزاق، إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا أهل الثناء والمجد، إني أنا الله لا إله إلا أنا أعلم السر ~~وأخفى، إني أنا الله لا إله إلا أنا فوق الخلق والخليقة، إني أنا الله لا ~~إله إلا أنا الجبار المتكبر، فيختم ويقول فسبحان الله رب العرش العظيم، فمن ~~دعا بهذه الكلمات فليقل أنت الله كذا وأنت الله كذا، ومن دعا بهذه الأسماء ~~كتب من الشاكرين الساجدين المخبتين الذين يجاورون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين صلوات الله عليهم أجمعين في دار الجلال وله ~~ثواب العابدين في السموات والأرضين، وليقل اللهم صل على محمد وآل محمد صلاة ~~تكون لك رضاء ولحقه أداء، وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود ~~الذي وعدته وأجزه عنا ما هو أهله وأجزه أفضل ما جازيت نبيا عن أمته وأعطه ~~الشرف والشفاعة يوم الدين، اللهم صل على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة وعلى ~~جميع إخوانه النبيين وصل على أبينا آدم وأمنا حواء ومن ولدا بينهما من ~~الصالحين والمسلمين، وصل على ملائكتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، وصل ~~علينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، واغفر لي ولوالدي وما توالدا، ~~وارحمهما كما ربياني صغيرا واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ~~الأحياء منهم والأموات، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم ~~وأنت خير الراحمين وخير الغافرين، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وحسبنا الله وحده لا ~~شريك له، فهذا جامع ما جاء من فضائل ما يقال من الدعاء عن المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم وعن الصحابة وعن ms0027 أئمة الهدى، وحذفنا ذكر فضائل ذلك وما جاء فيه ~~من الروايات إيجازا، يقول هذا الدعاء بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس في ~~كل يوم، فإن قاله بعد صلاة مكتوبة فقد استكمل الفضل بفضل الله عز وجل ~~ورحمته. # PageV01P028 ### | الفصل السادس # في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة # وهو أنه يأخذ في تلاوة القرآن وفي أنواع الذكر من التسبيح والحمد والثناء ~~وفي التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وآلائه وفي تواتر إحسانه ونعمائه، ~~من حيث يحتسب العبد ومن حيث لا يحتسب وفيما يعلم العبد وفيما لا يعلم، ~~ويتفكر في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها وعجزه عن القيام بما ~~أمره به من حسن الطاعة ودوام الشكر على النعمة، أو يتفكر فيما عليه من ~~الأوامر والنوادب فيما يستقبل، أو يتفكر في كثيف ستر الله تبارك وتعالى ~~عليه ولطيف صنعه به وخفي لطفه له وفيما اقترف وفرط فيه من الزلل وفي فوت ~~الأوقات الخالية من صالح العمل، أو يتفكر في حكم الله تعالى في الملك ~~وقدرته في الملكوت وآياته وآلائه فيهما، أو يتفكر في عقوبات الله عز وجل ~~وبلائه الظاهرة والباطنة فيهما ومن ذلك قوله عز وجل: (وذكرهم بأيام الله) ~~إبراهيم: 5، قيل بنعمه وقيل بعقوباته ومنه قوله عز وجل: (فاذكروا آلاء الله ~~لعلكم تفلحون) الأعراف: 69، ومثله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) الرحمن: 25 أي ~~بأي نعمة تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم وهما الثقلان، ففي أي نوع ~~من هذه المعاني أخذ فيه فهو ذكر، والذكر عبادة، وهو يخرج إلى الفكر والفكر ~~يدخل في الخوف، والذكر إذا قوي صار مشاهدة، كما قال عز وجل: (يذكرون الله ~~قياما) آل عمران: 191، ثم قال: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) آل عمران: ~~191 ثم قال: (سبحانك فقنا عذاب النار) آل عمران: 191 ولا يكون مشاهدة إلا ~~عن يقين واليقين روح الإيمان ومزيده وفن المؤمن، وقال بعض العلماء في تفسير ~~الخبر تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وهو التفكر الذي ينقل أي من المكاره إلى ~~المحاب ومن الرغبة والحرص ms0028 إلى القناعة والزهد، وقيل هو التفكر الذي يظهر ~~مشاهدة وتقوى ويحدث ذكرا وهدى، كقوله تعالى: (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) ~~البقرة: 63، ولقوله تعالى: (لعلهم يتقون) الزمر: 28، أو يحدث لهم ذكرا ~~ومثله: (يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) البقرة: 219 في الدنيا ~~والآخرة أي يفعلون لما يبقى ويرغبون فيما يدوم ويزهدون فيما يفنى وقد جعل ~~الله عز وجل البيان # PageV01P029 # يعلمنا اقتضاء الشكر عليه فقال: (يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) ~~المائدة: 89 وكما قال تعالى: (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة: 63 وقد ~~وصف أعداءه بعد ذلك فقال: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى) الكهف: 101، ~~وقالت أم الدرداء كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر، وقد كان يقول: ما ~~يسرني أن أريح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل الله عز وجل، قيل: ~~ولم ذلك؟ قال: يشغلني ذلك عن التفكر، أو يعتقد حسن النيات وينوي جميل ~~الطويات فيما بينه وبين الخالق تعالى وفيما بينه وبين الخلق أو يستغفر الله ~~تعالى، ويجدد التوبة لما مضى من عمره ولما يأتنف من مستقبله، أو يخلص ~~الدعاء بتمسكن وتضرع وتملق وتخشع ووجل وإخبات إلى أن يعصمه من جميع المنهى، ~~وأن يوفقه لصالح الأعمال ويتفضل عليه برغائب الأفضال وهو في ذلك فارغ القلب ~~مجرد الهم موقن بالإجابة راض بالقسم، أو يتكلم بمعروف وخير ويدعو به إلى ~~الله تعالى وينفع به أخاه، ويعلم من هو دونه في العلم، فهذه كانت أذكار ~~المتقدمين وأفكار السالفين، وقد كان الذكر والفكر من أفضل عبادة العابدين ~~وهو طريق مختصر إلى رب العالمين ففي أي هذه المعاني أخذ فهو ذاكر لله عز ~~وجل، فلا يزال كذلك وهو في جميع ذلك مستقبل القبلة في مصلاه، ولا يستحب له ~~أن يتكلم أو يعمل غير ما ذكرناه من الأذكار، وقد كانوا يكرهون الكلام بغير ~~معروف وتقوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومنهم من شدد في ذم الكلام من ~~الفجر إلى صلاة الغداة بغير ذكر وبر، وهذه سنة قد خملت فمن عمل بها فقد ms0029 ~~ذكرها. # PageV01P030 ### | الفصل السابع # في ذكر أوراد النهار # وهي سبعة أوراد، وهذا هو الورد الأول من النهار، وفي النهار سبعة أوراد ~~أولها من طلوع الفجر، الثاني إلى طلوع الشمس وهو كما ذكرناه من الأذكار وهو ~~الذي أقسم الله عز وجل به فقال: (والصبح إذا تنفس) التكوير: 18، فتنفسه من ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو الظل الذي أمده الله تعالى لعباده ثم قبضه ~~إليه ببسطه الشمس عليه وأظهر من آياته وجعل الشمس كشفا له ودليلا عليه فقال ~~سبحانه: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) الفرقان: 45، يعني بسطه ولو شاء ~~لجعله ساكنا يعني مقيما على حاله لا يتجول، (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) ~~الفرقان: 45 يقول كشفناه بها ففيه أن الدليل هو الذي يكشف المشكل ويرفع ~~المشتبه (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) الفرقان: 46 يعني أن الظل من تحت ~~الشمس قبض قبضا يسيرا أي خفيفا لا يفطن له ولا يرى فاندرج الظل في الشمس ~~بقدرته اندراج الظلمة في النور إذا دخل عليها بحكمته وهو الإصباح والفلق ~~الذي يمدح الله عز وجل بخلقه وأمرنا بالتنزيه له عنده والاستعاذة من شر ما ~~خلق فيه فقال عز وجل: (فالق الإصباح) الأنعام: 96 وقال: (فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون) الروم: 17، أي فسبحوه بالصلاة عندهما وقال: (قل أعوذ ~~برب الفلق من شر ما خلق) الفلق: 1 - 2 يعني فلق الصبح فإذا أمن العبد ~~الفتنة والكلام فيما لا يعنيه والاستماع إلى شبهة من القول وأمن النظر إلى ~~ما يكره أو يشغله عن الذكر أو يذكره الدنيا أمن من دخول الآفة عليه من ~~التزين والتصنع للناس ورزق الشغل بمولاه والإخلاص له بالإعراض عمن سواه ~~فقال ما ذكرناه من الذكر في مصلاه في مسجد الجماعة فهو أفضل، فلذلك أمر ~~الله برفع المساجد في قوله عز وجل: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه) النور: 36، وإن لم يأمن الفتنة وخشي دخول الآفة عليه من لقاء من ~~يكره، ومن يلجئه إلى تقية ومداراة أو خاف الكلام فيما لا يعنيه ms0030 أو الاستماع ~~إلى ما لا يندب إليه انصرف إذا صلى الغداة إلى منزله أو إلى موضع خلوة بعد ~~أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت ~~وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات في مصلاه، وهو ~~ثان رجله قبل أن يقوم، ويقرأ بعدها (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1 # PageV01P031 # عشرا قبل أن يتكلم، فقد اشترط ترك الكلام في هذين الحديثين اللذين وردا ~~فيهما، ثم أتى ببقية ورده في بيته أو في خلوته، وهو في ذلك مستقبل القبلة ~~وهذا حينئذ أفضل له وأجمع لقلبه، ولا يقدم على التسبيح لله عز وجل والذكر ~~له بعد صلاة الغداة، وقبل طلوع الشمس إلا أحد معنيين معاونة على بر وتقوى ~~فرض عليه أو ندب إليه ما يختص به لنفسه أو يعود نفعه على غيره، ويكون ذلك ~~أيضا مما يخاف فوته بفوت وقته، والمعنى الآخر يكون إلى تعلم علم أو استماعه ~~مما يقربه إلى الله تعالى في دينه وآخرته ويزهده في الدنيا، والهوي من ~~العلماء بالله عز وجل الموثوق بعلمهم وهم علماء الآخرة أولو اليقين والهدى، ~~الزاهدون في فضول الدنيا، ويكون في طريقه ذاكرا لله عز وجل أو متفكرا في ~~أفكار العقلاء عن الله عز وجل فإن اتفق له هذان فالغدو إليهما أفضل من ~~جلوسه في مصلاه لأنهما ذكر الله عز وجل وعمل له، وطريق إليه على وصف مخصوص ~~مندوب إليه، قال الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه) الأنعام: 52، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من غدا من بيته ~~في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. # وقال ابن مسعود: اغد عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك ~~والغدو والغداة تكون قبل طلوع الشمس، وفي الخبر من خرج من بيته في طلب ~~العلم فهو في سبيل الله عز وجل حتى يرجع، ومن خرج من منزله يلتمس علما وضعت ~~له الملائكة أجنحتها رضا بما ms0031 صنع، واستغفر له دواب الأرض وملائكة السماء ~~وطير الهواء وحيتان الماء، وفي حديث أبي ذر الغفاري رحمه الله حضور مجلس ~~علم أفضل من صلاة ألف ركعة وأفضل من شهود ألف جنازة ومن عيادة ألف مريض، ~~قيل: ومن قراءة القرآن؟ فقال: وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم، فإن لم يتفق ~~له أحد هذه المعنيين فقعوده في مصلاه أو في مسجد جماعته أو في بيته أو في ~~خلوته ذاكرا الله عز وجل بأنواع الأذكار أو متفكرا فيما فتح له بمشاهدة هذه ~~الأفكار في مثل هذه الساعة أفضل له مما سواها، روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لأن أقعد في مسجد أذكر الله عز وجل فيه من صلاة الغداة إلى طلوع ~~الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا صلى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس، وفي بعضها، ويصلي ركعتين، ~~وقد ندب إلى ذلك في غير حديث، وجاء من فضل الجلوس بعد صلاة الصبح إلى طلوع ~~الشمس وفي صلاة ركعتين بعد ذلك ما يجل وصفه، اختصرناه. # روينا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر من رحمة ربه أنه ~~قال يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة أكفك ~~ما بينهما، فإذا ارتفعت الشمس وابيضت صلى الضحى ثماني ركعات وهذا الوقت هو ~~الذي ذكره الله عز وجل في قوله (يسبحن بالعشي والإشراق) ص: 18 ثم ينظر، فإن ~~علم مريضا عاده، وإن حضرت جنازة شيعها، وإن كانت معونة على بر وتقوى سعى ~~فيها، وإن كانت حاجة لأخ من إخوانه # PageV01P032 # قضاها، وإن كانت فرضا يلزمه القيام به سارع إليه، وإن لاح له فضل ندب ~~إليه انتهزه قبل فوته، فهذا أفضل شيء يعمله بعد الأذكار والأفكار من بعد ~~طلوع الشمس. # فإذا فرغ من ذلك ولم يتفق له ما ذكرناه من القربات أخذ في الصلاة أو ~~تلاوة القرآن أو صنوف الأذكار مما أمر به أو ندب إليه أو ms0032 المحاسبة لنفسه ~~فيما سلف أو المطالبة لها والاستخراج منها فيما يأتنف أو المراقبة لربه في ~~كل حال إلى أن تنبسط الشمس وترمض الفصال ويرتفع النهار، هذا هو الورد ~~الثاني من النهار وهو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به فقال: (والضحى) ~~الضحى: 1، أي إذا أضحت الأقدام بحر الشمس، وإذا كان العبد على ذلك فقد اتبع ~~ما أنزل إليه ربه عز وجل، وقد سمع قوله عز وجل: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم) الأعراف: 3، لأنه قال: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) ~~النمل: 91، ثم قال: (وأن أتلوا القرآن) النمل: 92، كما قال تعالى: (أتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر) العنكبوت: 45 وصلاة الضحى في هذا الوقت أفضل وهو حقيقة وقتها ~~وجود اسمها، قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى إذا رمضت الفصال، ~~وخرج على أصحابه عليه الصلاة والسلام يوما وهم يصلون عند الإشراق فنادى ~~بأعلى صوته ألا إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال، وقوله الأوابين يعني ~~التوابين إلى الله عز وجل في كل وقت، ثم ليأخذ العبد بعد ذلك فيما ندب إليه ~~وأبيح له من التصرف في معاش إن كان من تجارة بصدق أو صناعة بنصح إن أحوج ~~إلى ذلك وليكتف إن كفى، وأدنى أحواله الصمت والنوم ففيهما سلامة من الآثام ~~ومخالطة الأنام فقد جاء في العلم يأتي على الناس زمان يكون أفضل علمهم ~~الصمت وأفضل أعمالهم النوم، ومن الناس من يكون أحسن أحواله النوم وليت ~~العبد يكون في اليقظة كالنوم إذ في نومه سلامة والسلامة متعذرة في يقظته ~~وإنما الفضائل للأفاضل الذين زادوا على السلامة والعدل بالإحسان والفضل، ~~هذا لدخول المشكلات في الكلام ووجود الآفات في الأحوال وخروج الإخلاص من ~~الأعمال. # وكان سفيان الثوري يقول: كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلبا للسلامة، ~~فمن الناس من يكون أحسن أحواله النوم وليت العبد يكون يقظته كالنوم إذ في ~~نومه السلامة وأفضل أعماله في هذا الوقت السلامة، وإنما ms0033 الفضائل لأهل ~~الأفضال الذين زادوا على السلامة والعدل بالإحسان، والفضل، فإن نام في هذا ~~الوقت فهو حينئذ نوم القائلة وما تسبب فيه من المعايش يصنعه في هذا الوقت ~~من الضحى الأعلى إلى زوال الشمس، وهذا هو الورد الثالث من النهار، ثم يتوضأ ~~للصلاة قبل دخول وقتها وكذلك ويستحب وهو من المحافظة عليها والإقامة لها ~~فإن حصلت كفايته في يومه وقوته في وقت من النهار ترك السوق ودخل بيته أو ~~قعد في # PageV01P033 # بيت مولاه تعالى واشتغل بخدمته متزودا لعاقبته، وقد كان الصالحون كذلك ~~يفعلون، كان يقال لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن: مسجد يعمره، أو بيت ~~يستره، أو حاجة لا بد له منها، فإذا زالت الشمس فإن أبواب السماء تفتح ~~للمصلين والذاكرين ويستجاب الدعاء للمؤمنين، فهذا هو الورد الرابع من ~~النهار، فليصل بعد الزوال أربع ركعات يقرأ فيهن بمقدار سورة البقرة أو ~~سورتين من المائتين أو أربع من المثاني يطيلهن ويحسنهن ولا يفصل بينهن ~~بتسليم هذه الصلاة وحدها من بين صلاة النهار أربع ركعات بتسليمة واحدة، ~~وهذا الورد هو الإظهار الذي ذكر الله عز وجل الحمد فيه فقال: (وله الحمد في ~~السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون) الروم: 18، وليتق العبد الصلاة عند ~~استواء الشمس في كبد السماء وهو قبل زوالها عند تقلص الظل وقيام ظل كل شيء ~~تحته، فإذا زال الظل فقد زالت وقد خفي استواؤها في الشتاء لقصر النهار ~~ولعدول الشمس في سيرها عن وسط الفلك فتقطع عرضا فيكون أقرب لغروبها فليقدر ~~ذلك تقريبا ومقدار استوائها قبل الزوال نحو أربع ركعات بجزء من القرآن أو ~~قدر جزء وهو آخر الورد الثالث، وإنما فيه ورد القراءة والتسبيح والتفكر وهو ~~أحد الأوقات الخمسة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيهن ~~والأربعة الأخر عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمحين في عين الناظر وعند ~~تدليها للغروب حتى تحتجب وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وأحب له الإحياء ~~ما بين الأذان والإقامة بالركوع، لأنها ساعة مستجاب فيها الدعاء وتفتح فيها ~~أبواب ms0034 السماء وتزكو فيها الأعمال، وأفضل أوقات النهار أوقات الفرائض فإن لم ~~يقرأ بين الأذانين من درسه فاستحب له أن يقرأ في تنفله الآي التي فيها ~~الدعاء مثل آخر سورة آل عمران ومن تضاعيف السور الاثنين والثلاث مثل قوله ~~تعالى: (أنت ولينا فاغفرلنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) الأعراف: 155، ومثل ~~قوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) آل عمران: 8، وقوله: (ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) الممتحنة: 4، وإن قرأ الآي التي فيها ~~التعظيم والتسبيح والأسماء الحسنى فحسن، مثل أول سورة الحديد وآخر سورة ~~الحشر ومثل آية الكرسي وقل هو الله أحد ليكون بذلك جامعا بين التلاوة ~~والدعاء وبين الصلاة والتعظيم والمدح بالأسماء، ثم ليصل الظهر في جماعة ولا ~~يدع أن يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا بعد ركعتين، وهذا آخر الورد الرابع ~~من النهار وهو أقصر الأوراد وأفضلها، فإن كان قد رقد قبل الزوال فلا يرقد ~~في هذا الورد فإنه يكره له نومتان في يوم كما يكره له نوم النهار من غير ~~سهر بالليل. # وروينا عن بعض العلماء، ثلاث يمقت الله عليها: الضحك من غير عجب، والأكل ~~من غير جوع، ونوم النهار من غير سهر بالليل، وإن لم يكن قد رقد فأحب أن ~~ينام بين # PageV01P034 # الظهر والعصر ليتقوى بذلك على قيام الليل فلينم، فإن نومه بعد الظهر ~~لليلة المستقبلة ونومه قبل الظهر لليلة الماضية، فإن دام سهره بالليل ~~واتصلت أوراده بالنهار حسن أن ينام قبل الظهر لما سلف من ليله، وينام بعد ~~الظهر لما غبر من الأخرى، إلا أنه لا يستحب له أن يزيد في اليوم والليلة ~~أكثر من نوم ثمان ساعات، ومن الناس من يقول إنه إن نقص من نوم هذا المقدار ~~في اليوم والليلة اضطرب بدنه لأن النوم قوت الجسم وراحته، قال الله تعالى: ~~(وجعلنا نومكم سباتا) النبأ: 9، أي راحة كما قال: (وجعلنا النهار معاشا) ~~النبأ: 11، إلا أن يكون السهر عادة فإن العادة قد تعمل عمل الطبع وتنقل عن ~~العرف فلا يقال عليها، وإحياء ما بين الظهر والعصر وهو ms0035 صلاة الغفلة وهو ~~يشبه بقيام الليل، ويستحب العكوف في المسجد بين الأولى والعصر للصلاة ~~والذكر ليجمع بين الاعتكاف والانتظار للصلاة فقد كان ذلك من سنة السلف، ~~قال: كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوي ~~النحل من التلاوة إلا أن يكون بيته أسلم لدينه وأجمع لقلبه فالأسلم هو ~~الأفضل،، كذلك إحياء الورد الثالث الذي هو بين الضحى الأعلى إلى زوال الشمس ~~فوق هذا الفضل يدرك به العبد فوت قيام الليل لأن الناس في هذين الوقتين ~~مشغولون بطلب الدنيا وخدمة الهوى والقلب المتيقظ لربه عز وجل يفرغ في هذين ~~الوقتين ويسكن، ويجد العامل للعمل حلاوة وللإقبال والتفرغ لذة ويكون لفراغه ~~من الخلق وشغله بالخالق تعالى مزيد وبركة، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى: ~~(وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) ~~الفرقان: 62 أي جعلهما خلفتين يتعاقبان في الفضل فيخلف أحدهما الآخر، فمن ~~فاته شيء من الليل قضاه في هذين الوردين من النهار، أحدهما من الضحى الأعلى ~~إلى الزوال، والثاني ما بين الأولى والعصر، والوجه الثاني أن النهار كله ~~خلفة من الليل فمن فاته شيء من عمل الليل قضاه بالنهار فكان منه بدلا، ومن ~~فاته شيء من أوراد النهار كان الليل خلفا إذ لكل واحد منهما خلف من صاحبه، ~~ففيه درك ما فات، وخلف ما سلف من الذكر والشكر، والذكر اسم جامع لأعمال ~~القلوب كلها من مقامات اليقين، ومشاهدة العلوم من الغيب، والشكر أيضا ~~يستعمل على جمل أعمال الجوارح من شرائع الإسلام، وهذان جملة عمل العبد وكنه ~~خدمته، وهذان المعنيان اللذان هما ذكرهما الكليم للجليل في قوله تعالى: (كي ~~نسبحك كثيرا) (ونذكرك كثيرا) طه: 33 - 34، انتظم التسبيح والذكر في جمل ~~تصرف الجسم وتصرف القلب، وهذا الورد الخامس الذي هو ما بين العصرين من أطول ~~الأوراد وأمتعها للعبادة وهو يضاهي الورد الثالث في الطول وهو أصيل النهار ~~وأحد الآصال التي ذكر الله عز وجل فيه سجود كل شيء، وقرنه بالغدو فقال: ~~(ولله يسجد من ms0036 في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والأصال) ~~الرعد: 15، فما أقبح أن تكون الأشياء الموات لربها # PageV01P035 # ساجدات ذاكرات والمؤمن الحي عن ربه معرض ذو غفلات، ثم ليصل قبل صلاة ~~العصر أربعا ويغتنم الصلاة بين الأذان والإقامة كما ذكرنا آنفا فإنها ساعة ~~مرجوة فيها الإجابة فإذا دخل وقت العصر دخل العبد في الورد السادس من ~~النهار وقد أقسم الله عز وجل به في قوله: (والعصر) العصر: 1، وهذا أحد ~~المعنيين في الآية وهو أحد الوجهين من الوقت في الآصال الذي ذكره الله عز ~~وجل، وهو العشي الذي ذكر الله عز وجل التسبيح فيه والتنزيه والحمد له فقال: ~~(وعشيا وحين تظهرون) الروم: 18، وقال بالعشي والإشراق وليس في هذا الورد ~~صلاة إلا ما كان بين الأذانين ثم ينتقل بعد العصر فيما شاء من ذكر أو فكر ~~من أعمال القلوب والجوارح فيما فرض عليه أو ندب إليه، وأفضل ذلك تلاوة ~~القرآن بتدبر وترتيل وتفهم وحسن تأويل، فإذا اصفرت الشمس ومات حرها وارتفعت ~~إلى أطراف الجدر ورؤوس الشجر فكانت مثلها حين تطلع دخل في الورد السابع من ~~النهار، فهذا للتسبيح والذكر والتلاوة والاستغفار إلى # غروب الشمس، ومن أفضل ما قيل في هذا الوقت وفي مثله من أول النهار أن ~~يقال: أستغفر الله لذنبي وسبحان الله بحمد ربي، لجمعه بين الاستغفار ~~والتسبيح في الكلام بلفظ الأمر بهما في القرآن لقوله تعالى: (واستغفر لذنبك ~~وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) غافر: 55، وإن قال أستغفر الله الحي القيوم ~~وأسأله التوبة سبحان الله العظيم وبحمده، فقد جاء فضل ذلك في الأثر والأفضل ~~الاستغفار على الأسماء كما في القرآن مثل أن يقول أستغفر الله إنه كان ~~غفارا أستغفر الله إنه كان توابا أستغفر الله إن الله غفور، أستغفر الله ~~التواب الرحيم رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت ~~خير الغافرين، وهذا الورد في الفضل مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس، وهو المساء الذي ذكر الله تعالى التنزيه فيه فقال: (فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون) الروم: ms0037 71، أي سبحوا الله عز وجل، فأقام الاسم مقام ~~الفعل وهو الطرف الثاني من النهار الذي أمر الله عز وجل فيه بالتسبيح بقوله ~~عز وجل: (فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) طه: 130، ويستحب أن يقرأ قبل غروب ~~الشمس (والشمس وضحاها) الشمس: 1 (والليل إذا يغشى) الليل: 1 والمعوذتين وأن ~~تغرب الشمس عليه وهو في الاستغفار فذلك مما أمر به في هذا الوقت من ~~الأذكار، وكل ما يستحب من التسبيح والحمد والدعاء والذكر في أول النهار قبل ~~طلوع الشمس فإنه يستحب في هذا الورد قبل غروب الشمس لأن الله تعالى قرنهما ~~في الذكر فقال تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) طه: 031، ~~وقال تعالى: (وأطراف النهار لعلك ترضى) طه: 031، وقال تعالى: (بالعشي ~~والإبكار) غافر: 55، وقال تعالى: (قل أعوذ برب الفلق) ، (من شر ما خلق) ~~(ومن شر غاسق إذا وقب) الفلق: 1 - 2 - 3، # PageV01P036 # أي من شر الليل إذا دخل، فليعد العبد ما ذكرناه في الورد الأول من ~~الأدعية والتسبيح وليقل عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار ~~نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ملائكتك، صل على محمد وعلى آله وأعطه ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، ثم ليقل: رضيت بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا؛ ثلاثا، ففي هذا أثر ~~وفضل، وكذلك فليقل مثله إذا سمع أذان الفجر إلا أنه يقول: عند إدبار ليلك ~~وإقبال نهارك والنص بهذا في صلاة المغرب، وكان الحسن البصري يقول: كانوا ~~أشد تعظيما للعشي منهم لأول النهار، وقال بعض السلف: كانوا يجعلون أول ~~النهار للدنيا وآخره للآخرة، فإذا توارت بالحجاب انقضت أوراد النهار ~~السبعة، فانظر أيها المسكين ماذا انقضى لك معها وماذا انقضى منك عندها ~~وماذا قضى عليك فيها، فقد قطعت من عمرك مرحلة ونقصت من أيامك يوما، فماذا ~~قطعت في سفرك بقطع مرحلتك وماذا ازددت في غدك بما نقصت من يومك، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: الناس غاديان: فغاد لنفسه فمعتقها أو راهن نفسه ~~فموبقها، وقد قال الله عز وجل ms0038 في تصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(إن سعيكم لشتى) الليل: 4، وقال في معناه: (كل نفس بماكسبت رهينة) (إلا ~~أصحاب اليمين) المدثر: 83 - 93، وجاء في الخبر: لا بورك لي في يوم لا أزداد ~~فيه خيرا، وجاء في الأثر: من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من ~~أمسه فهو محروم، ثم دخلت أوراد الليل الخمس فتدارك الآن رحمك الله تعالى ~~فيما يستقبل من الليل ما فات فيما مضى من النهار، فقد روى أبو هريرة رضي ~~الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يبغض كل جعظري جواظ ~~أي سمين كثير الأكل سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر ~~الدنيا جاهل بأمر الآخرة. # PageV01P037 ### | الفصل الثامن # في ذكر أوراد الليل الخمسة # وفي الليل خمسة أوراد أولها أن يصلي بعد المغرب ست ركعات، ويستحب ذلك قبل ~~أن يكلم أحدا، يقرأ في الأوليين: (قل يا أيها الكافرون) الكافرون: 1 (قل هو ~~الله أحد) الإخلاص: 1 وليسرع بهما بعد صلاة المغرب من قبل أن يتكلم ويشتغل ~~بشيء، وفي الخبر: أسرعوا بركعتين بعد المغرب فإنهما يرفعان معها: فإن كان ~~منزله قريبا من مسجده فلا بأس أن يركعهما في بيته وليطل الأربعة الأخر، ~~وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يستحب أن يصليهما الرجل في بيته، وكذلك كان ~~يفعل ويقول: هو سنة، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليهما في ~~بيته، ولكن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مؤخر المسجد، وقد ~~صلاهما في المسجد، ثم ليصل بين العشاءين ما تيسر إلى أن يغيب الشفق الثاني ~~وهو البياض الذي يكون بعد ذهاب الحمرة وبعد غسق الليل وظلمته لأنه آخر ~~مابقي من شعاع الشمس في القطر الغربي إذا قطعت الأرض العليا ودارت من وراء ~~جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا هو الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة، ~~وهذا آخر الورد الأول من أوراد الليل، والصلاة فيه ناشئة الليل أي ساعاته ~~لأنه أول نشوء ساعاته، وهو آن من ms0039 الآناء التي ذكرها الله عز وجل في قوله: ~~(ومن آناء الليل فسبح) طه: 031، فالآناء جمع آن أي وقت منه فصل وقيل ناشئة ~~الليل قيام الليل، هذا وافق لسان الحبشة تقول نشا إذا قام، وقد أقسم الله ~~تعالى به فقال: (فلا أقسم بالشفق) الانشقاق: 61 والشفق ما بين العشاءين، ~~وهي صلاة الأوابين ويقال أيضا صلاة الغفلة، قال يونس بن عبيد عن الحسن في ~~قوله عز وجل: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) السجدة: 61، قال الصلاة بين ~~العشاءين، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه وقد سئل عمن نام بين المغرب ~~والعشاء، فقال لاتفعل فإنها هي الساعة التي وصف الله عز وجل المؤمنين ~~بالقيام فيها فقال عز وجل: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) السجدة: 61، يعني ~~الصلاة بين المغرب والعشاء وقد أسند ابن أبي الدنيا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) السجدة: 61، ~~قال الصلاة فيما بين العشاءين، ثم قال عليكم بالصلاة فيما بين العشاءين # PageV01P038 # فإنها تذهب بملاغاة أول النهار وتهذب آخره، قوله الملاغاة: جمع ملغاة من ~~اللغو أي تسقط اللغو أي تطرح المطرح عن العبد من الباطل واللهو وتهذب له ~~آخره أي تصفيه وتجوده، ويستحب العكوف في المسجد بين العشاءين للصلاة وتلاوة ~~القرآن، فقد روي فضل ذلك لا أن يكون بيته أسلم له لدخول آفة عليه فما سلم ~~فيه فضل به، ثم ليصل قبل العشاء الآخرة أربعا وبعدها ركعتين ثم أربعا ويقال ~~إن الأربع بعد صلاة العشاء في بيته يعدلن مثلهن من ليلة القدر، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصليهن في بيته أول ما يدخل قبل أن يجلس، وكان ابن ~~مسعود يكره أن يصلي بعد كل صلاة مثلها وكانوا يستحبون أن يصلي بعد المكتوبة ~~ركعتين ثم أربعا، وإن قرأ في الأربع في الأولى آية الكرسي والآيتين اللتين ~~بعدها وفي الثانية (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) البقرة: 582، والآية ~~قبلها وفي الثالثة أول الحديد إلى قوله عز وجل: (وهو عليم بذات الصدور) ~~الحديد: 6، وفي ms0040 الرابعة آخر الحشر من قوله تعالى: (هو الله لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة) الحشر: 22، فقد أحسن وأصاب، فإن صلى بعد الأربع ثلاث ~~عشرة ركعة آخرهن الوتر إن أحب، فإن هذا العدد أكثر ما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى به من الليل إلا في خبر مقطوع وهو سبعة عشر ركعة، ~~والمشهور أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة وربما حسبوا فيها ~~ركعتي الفجر واستحب له أنه يقرأ في ركوعه هذا ثلاثمائة آية فصاعدا فإذا فعل ~~ذلك لم يكتب من الغافلين ودخل في أحوال العابدين، فقد قيل إن الأكياس ~~يأخذون أوقاتهم من أول الليل والأقوياء يأخذون أورادهم من آخر الليل، فإن ~~قرأ في ركوعه هذا سورة الفرقان وسورة الشعراء ففيهما ثلاثمائة آية فإن لم ~~يحسنهما قرأ خمسا من المفصل فيهن ثلاثمائة آية سورة الواقعة، وسورة نون، ~~وسورة الحاقة، وسورة المدثر، وسورة سأل سائل، فإن لم يحسنهن قرأ من سورة ~~الطارق إلى آخر القرآن # ثلاثمائة آية، ولا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في ~~هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة، فإن قرأ في هذا الورد الثاني ~~أعني بعد صلاة العشاء الآخرة وقبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل وكتب ~~له قنطار من الأجر وكتب من القانتين، وأفضل الآي أطولها لكثرة الحروف وإن ~~اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول العدد، ومن سورة الملك إلى ~~آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ: (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1 مائتي ~~وخمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم وفي الخبر من ~~قرأها عشر مرات بنى الله عز وجل له قصرا في الجنة. ئة آية، ولا يستحب للعبد ~~أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في هذا العدد من الركوع بعد صلاة ~~العشاء الآخرة، فإن قرأ في هذا الورد الثاني أعني بعد صلاة العشاء الآخرة ~~وقبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل ms0041 وكتب له قنطار من الأجر وكتب من ~~القانتين، وأفضل الآي أطولها لكثرة الحروف وإن اقتصر على قصار الآي عند ~~فتوره أدرك الفضل لحصول العدد، ومن سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية فإن ~~لم يحسن قرأ: (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1 مائتي وخمسين مرة في ثلاث عشرة ~~ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم وفي الخبر من قرأها عشر مرات بنى الله ~~عز وجل له قصرا في الجنة. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في السور التي لم يكن يدعها في كل ~~ليلة ثلاثة أحاديث أشهرها أنه لم يكن ينام حتى يقرأ سورة السجدة، وتبارك ~~الملك والذي بعده أنه كان يقرأ في كل # PageV01P039 # ليلة بني إسرائيل والزمر، والقريب منها أنه كان يقرأ المسبحات في كل ليلة ~~ويقول فيها إنه أفضل من ألف آية، قال: وكان العلماء يجعلونها ستا ويزيدون ~~فيها (سبح اسم ربك الأعلى) الأعلى: 1 وفي الخبر: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب (سبح اسم ربك الأعلى) الأعلى: 1 فهذا يدل على أنه كان يكثر ~~قراءتها ولا يدع أن يقرأ هذه الأربع سور في كل ليلة سورة يس، وسورة لقمان، ~~وسورة الدخان، وتبارك الملك فإن ضم إليها سورة الواقعة، وسورة الصف، ~~والحاقة، والزمر، فقد أكثر وأحسن فإن لم يكن من عبادته القيام من الليل قدم ~~الوتر بنية الخبر المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن لا أنام إلا على وتر، وإن كان معتادا لصلاة الليل ~~فالأفضل تأخير الوتر إلى آخر صلاته من تهجده أو إلى السحر على حديث ابن عمر ~~رضي الله عنه: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة، وفي حديث ~~عائشة رضي الله عنها: أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ومن ~~أوسطه ومن آخره وانتهى وتره إلى السحر، فإن نام على وتر ورزق القيام لم ~~يوتر بعده وكفاه وتره الأول على الخبر الذي جاء: لا وتران في ms0042 ليلة، وقد قال ~~بعض العلماء: يصلي ركعة واحدة يشفع بها وتره من أول الليل ثم يصلي صلاته من ~~الليل ويوتر آخر صلاته، وقد روي في هذا أثر عن عثمان وعلي رضي الله عنهما، ~~وإن كان قد صلى ركعتين من جلوس بعد وتره الأول ثم استيقظ للصلاة شفعتا وتره ~~الركعة الواحدة لأنهما بمنزلة ركعة واحدة يشفع بها ركعة الوتر التي صلاها ~~قبلها، ثم ليصل من الليل مستأنفا ما بدا له ثم يوتره بركعة واحدة في آخر ~~صلاته فيكون له في ذلك ثلاثة أعمال: قصر الأمل، وتحصيل الوتر، والوتر من ~~آخر الليل، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين جالسا بعد ~~وتره والله تعالى أعلم، فليقرأ فيهما جالسا بسورة الزلزلة وسورة ألهاكم ~~التكاثر فقد جاء ذلك في حديثين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~فيهما بذلك لما في الزلزلة والتكاثر من التخويف والوعظ، وفي رواية قل يا ~~أيها الكافرون لما في سورة الكافرون من التنزيه من عبادة سوى المعبود ~~وإفراد العبادة لله سبحانه فيها بالتوحيد، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ بها عند النوم وأوصى رجلا بقراءتها عند منامه وتقديم الوتر مستحب ~~لمن لم يكن عادته قيام الليل ولمن كان الأغلب عليه النوم وتأخير الوتر يكون ~~لمن أخر صلاته قبل طلوع الفجر أفضل وليقل بعد التسليم من الوتر: سبحان ~~الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السموات والأرض بالعظمة والجبروت ~~وتعززت بالقدرة وقهرت العباد بالموت، يقول هذا ثلاث مرات وهذا هو الورد ~~الثاني من الليل أعني الصلاة بعد العشاء الآخرة إلى حد نومة الناس فقد أقسم ~~الله عز وجل في قوله: (والليل وما وسق) الانشقاق: 71، أي وما جمع من ظلمته ~~وذكره الله عز وجل في قوله: (إلى غسق الليل) الإسراء: 87، فهناك يغسق الليل ~~وتستوسق ظلمته ثم ينام إن أحب وهو على طهارة وعن ذكر، # PageV01P040 # وقد كان الصالحون لاينامون إلا عن غلبة ويكرهون التعمد للنوم وهو التهيؤ ~~للعادة وقد كان منهم من يمهد لنفسه بالنوم ليتقوى بذلك ms0043 على صلاة أوسط الليل ~~وآخره للفضل في ذلك ومن غلبه النوم حتى شغله عن الصلاة والذكر فإن السنة أن ~~ينام حتى يعقل ما يقول وينشط في خدمته، وقد كان ابن عباس يكره النوم قاعدا، ~~وفي الخبر لا تكابدوا الليل، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فلانة ~~تصلي من الليل فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى عن ذلك وقال ليصل أحدكم من ~~الليل ما تيسر فإذا غلبه النوم فليرقد، وقال: اكفلوا من العمل ما تطيقون ~~فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا، وقيل له: إن فلانا يصلي الليل لاينام ~~ويصوم الدهر لا يفطر، فقال صلى الله عليه وسلم: خير هذا الدين أيسره، ثم ~~قال: لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر فهذه سنتي، فمن رغب عن سنتي، فليس ~~مني، وقال صلى الله عليه وسلم: لا تشادوا هذا الدين فإنه متين فمن يشاده ~~يغلبه ولا # تبغض إلى نفسك عبادة الله عز وجل، والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو ~~التهجد الذي ذكره الله في قوله: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) الإسراء: 97 ~~ولا يكون التهجد إلا بعد النوم وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله عز وجل ~~من القائمين آناء الليل فقال تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ~~الذاريات: 71، فالهجوع النوم والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضا وهذا ~~يكون نصف الليل، فهذا أوسط الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار في ~~أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد وأمتعها للعبادة، وقد أقسم الله عز وجل به في ~~قوله تعالى: (والليل إذا سجى) الضحى: 2، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل ~~عين فيه وغفلتها إلا عين الله تبارك وتعالى فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ~~ولا نوم، وقيل إذا سجى إذا امتد وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أي الليل أسمع فقال: جوف الليل الغابر. ض إلى نفسك عبادة ~~الله عز وجل، والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو التهجد الذي ذكره الله ~~في قوله: (ومن الليل ms0044 فتهجد به نافلة لك) الإسراء: 97 ولا يكون التهجد إلا ~~بعد النوم وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله عز وجل من القائمين آناء ~~الليل فقال تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) الذاريات: 71، فالهجوع ~~النوم والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضا وهذا يكون نصف الليل، فهذا أوسط ~~الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار في أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد ~~وأمتعها للعبادة، وقد أقسم الله عز وجل به في قوله تعالى: (والليل إذا سجى) ~~الضحى: 2، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل عين فيه وغفلتها إلا عين الله ~~تبارك وتعالى فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وقيل إذا سجى إذا امتد ~~وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الليل أسمع ~~فقال: جوف الليل الغابر. # وروينا في أخبار داود عليه السلام: إلهي إني أحب أن أتعبد لك فأي وقت ~~تقبل؟ فأوحى الله عز وجل إليه: ياداود لا تقم أول الليل ولا آخره، فإنه من ~~نام أوله نام آخره ومن قام آخره لم يقم أوله ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي ~~وأخلو بك وارفع إلي حوائجك، والورد الرابع يكون بين الفجرين أحدهما الفجر ~~الأول وهو بدو سلطان شعاع الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة وسطع ضوءها ~~في وسط السماء حتى يقطعها بمقدار طلوع الفجر الأول ثم تغرب في الفلك الأسفل ~~المتجانف وتحجبها الأرض السادسة فيذهب الضوء ويعود سواد الليل كما كان ~~لغيبة الشمس وهو الثلث الأخير وفيه وردت الأخبار باهتزاز العرش وانتشار ~~الرياح من جنات عدن ومن نزول الجبار إلى سماء الدنيا وفيه الخبر الذي جاء ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الليل أفضل؟ فقال: نصف الليل الغابر ~~يعني الباقي وهذا هو الورد الرابع من نصف الليل إلى وقت السحر الأول، ثم ~~يدخل الورد الخامس وهو السحر الأخير وفيه يستحب السحور، فمن لم يتسحر في ~~أوله بغته الفجر وهو قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار قراءة جزء من القرآن، # PageV01P041 # في هذا ms0045 الورد الخامس الاستغفار وقراءة القرآن وقد ذكره الله عز وجل في ~~قوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) الإسراء: 87، قيل تشهده ~~ملائكة الليل وملائكة النهار لتوسط هذا الورد بينهما، ومن ذلك ذهب أهل ~~الحجاز إلى أن الصلاة الوسطى التي نص الله تعالى على المحافظة عليها هي ~~صلاة الفجر تعظيما لهذا الوقت وتشريفا له لتوسطه بين آخر الليل وأول ~~النهار، فهذا الورد هو أقصر الأوراد ومن أفضلها وهو من السحر الأول إلى ~~طلوع الفجر الثاني إلا ما كان من صلاة نصف الليل فذلك هو أفضل شيء من ~~الليل، وهو أوسط الأوراد لأنه هو الورد الثالث، ويصلح في هذا الورد الخامس ~~من السحر الأخير الصلاة لمن استيقظ من ساعته أو لمن تمم به صلاته، فالصلاة ~~فيه لها فضل وشرف وهو بمنزلة الصلاة في أول الليل بين العشاءين، ولأن معنى ~~قوله عز وجل عند بعض المفسرين: (وبالأسحار هم يستغفرون) الذاريات: 81، أي ~~يصلون وكذلك قوله عز وجل: (وقرآن الفجر) الإسراء: 87 يعني به الصلاة فكنى ~~بذلك القرآن والاستغفار عن الصلاة لأنهما وصفان منها، كما قيل للصلاة تسبيح ~~وسبحة لأن فيها التسبيح، وكذلك يقال للصلاة استغفار لأنه يطلب بها المغفرة ~~وتكون هذه الصلاة في السحر بدلا من السحور إلى طلوع الفجر الثاني وقد أمر ~~بها سلمان أخاه أبا الدرداء ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره: فلما كان ~~الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم، فنام ثم ذهب ليقوم فقال ~~له: نم، فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن فقاما، فصليا، ~~فقال: إن لنفسك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لربك عليك حقا وإن لضيفك ~~عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه، وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه ~~لاينام الليل، قال: فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: صدق ~~سلمان، وهذا الورد الخامس يشبه الورد السابع من النهار قبل الغروب في فضل ~~وقتيهما وهذا قبل الفجر الثاني، والفجر الثاني هو انشقاق شفق ms0046 الشمس وهو بدو ~~بياضها الذي تحته الحمرة وهو الشفق الثاني على ضد غروبها، لأن شفقها الأول ~~من العشاء وهو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهو الشفق الثاني من ~~أول الليل وهو آخر سلطان الشمس، وبعد البياض سواد الليل وغسقه، ثم ينقلب ~~ذلك إلى الضد فيكون بدو طلوعها الشفق الأول وهو البياض وبعده الحمرة وهو ~~شفقها الثاني وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس، والفجر ~~هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه الأرض الدنيا يستر ~~عينها الجبال والبحار والأقاليم المسروقة العالية ويظهر شعاعها منتشرا إلى ~~وسط السماء عرضا مستطيرا فهذا آخر الورد الخامس وعنده يكون الوتر فإذا طلع ~~الفجر فقد انقضت أوراد الليل الخمسة ودخلت أوراد النهار، فانظر هل دخلت في ~~دخوله عليك في جملة العابدين أم خرج عنك وأنت فيه من الغافلين وتفكر أي ~~لبسة ألبسك فإن الليل جعل لباسا هل ألبست فيه حلة النور بتيقظك فتربح تجارة ~~لن # PageV01P042 # تبور أم ألبسك الليل ثوب ظلمته فتكون ممن مات قلبه بموت جسده بغفلتك، ثم ~~يقوم العبد حينئذ فيصلي ركعتي الفجر # وهما معنى قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) الطور: 94، قيل ~~ركعتي الفجر ثم يقرأ: نعوذ بالله من سخطه وبعده شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~إلى آخرها ويقول: أنا أشهد بما شهد الله به لنفسه وشهدت به ملائكته وأولو ~~العلم من خلقه، وأستودع الله العظيم هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة حتى ~~يؤديها وأسأله حفظها حتى يتوفاني الله عليها، اللم احطط بها عني وزرا، ~~واجعل لي بها عندك ذخرا، واحفظني بها واحفظها علي، وتوفني عليها حتى ألقاك ~~بها غير مبدل تبديلا، وأفضل ما عمل العبد في ورد من أوراد الليل والنهار ~~بعد القيام بفرض يلزمه أو قضاء حاجة لأخيه المؤمن يعينه الصلاة بتدبر ~~الخطاب، ومشاهدة المخاطب، فإن ذلك يجمع العبادة كلها ثم بعد ذلك التلاوة ~~بتيقظ عقل وفراغ هم ثم أي عمل فتح له فيه من فكر أو ذكر برقة ms0047 قلب وخشوع ~~جوارح ومشاهدة غيب فإن ذلك أفضل أعماله في وقته. # PageV01P043 ### | الفصل التاسع # فيه ذكر وقت الفجر وحكم ركعتيه # الأداء والقضاء وحكم الوتر ووقت القضاء له والأداء، وفي الشهر ليلتان ~~يعتبر بهما وقت الفجر: إحداهما يطلع القمر فيها عند طلوع الفجر الأول وهي ~~ليلة ست وعشرين، والأخرى يغيب القمر فيها عند طلوع الفجر وهي ليلة اثنتي ~~عشرة من الشهر، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مقدار ثلثي سبع تلك الليلة، ~~وهذ يكون في الصيف، ويكون في الشتاء أقل من ذلك، لأنه يكون نصف سدس تلك ~~الليلة، وهذا الورد الأول من النهار ووقت الأداء للوتر من بعد صلاة العشاء ~~الآخرة إلى طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني فقد ذهب وقت الأداء ~~وهو وقت القضاء للوتر فليصل الوتر حينئذ من لم يكن أداه إلى قبل صلاة ~~الصبح، فإذا صلى الصبح ذهب وقت قضاء الوتر أيضا ووقت الأداء لركعتي الفجر ~~إذا طلع الفجر الثاني، فالمستحب له أن يصليهما في منزله وقبل صلاة الغداة ~~والسنة أن يخففهما فإذا صلى الصبح ولم يكن صلاهما فقد ذهب وقت الأداء وبقي ~~له وقت القضاء، فليمهل حتى تطلع الشمس وتحل الصلاة فليقدمها على سبحة ~~الضحى، وهذا وقت القضاء لركعتي الفجر إلى صلاة الظهر، فإذا صلى الظهر ولم ~~يكن صلاهما فقد ذهب وقت قضائهما أيضا، ومن فاته ورد من الأوراد فاستحب له ~~فعل مثله في وقته أو قبله إذا ذكره لا على وجه القضاء، فإنه لا يقضي إلا ~~الفرائض ولكن على وجه التدارك ورياضة النفس بذلك ليأخذ بالعزائم كيلا يعتاد ~~التراخي والترخص، ولأجل الخبر المأثور أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها ~~وإن قل كيف، وفي حديث عائشة رضي الله عنها الوعيد على ترك العادة في ~~العبادة روت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله تعالى عبادة ثم تركها ~~ملالة مقته الله تعالى وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غلبه ~~النوم أو عاقه مرض فلم يقم في تلك الليلة صلى من النهار اثنتي ms0048 عشرة ركعة، ~~ومن دخل المسجد لصلاة الصبح ولم يكن صلى ركعتي الفجر في منزله صلاهما # PageV01P044 # وأجزأتا عنه تحية المسجد، ومن كان قد صلاهما في بيته نظر، فإن كان دخوله ~~المسجد بغلس عند طلوع الفجر واشتباك النجوم صلى ركعتين تحية المسجد، وإن ~~كان دخوله عند انمحاق النجوم ومسفرا عند الإقامة قعد ولم يصل ركعتين لئلا ~~يكون جامعا بين صلاة الصبح وبين صلاة قبلها، ولا يصلي بعد طلوع الفجر ~~الثاني شيئا إلا ركعتي الفجر فقط، ومن دخل المسجد ولم يكن صلى ركعتي الفجر، ~~فإن كان قبل الإقامة صلاهما وإن دخل وقت الإقامة وقد افتتح الإمام الصلاة ~~فلا يصليهما وليدخل في الصلاة المكتوبة فإنه أفضل والنهي فيه. # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا ~~المكتوبة وليقل من قعد في المسجد من غير صلاة ركعتين تحية المسجد: سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الأربع كلمات يقولها أربع ~~مرات فإنها عدل ركعتين في الفضل وكذلك من دخله وكان على غير وضوء أو مر في ~~المسجد عابر طريق ومن دخل مسجدا فلا يقعد حتى يصلي ركعتين وأكره له دخول ~~المسجد والقعود فيه على غير وضوء. # PageV01P045 ### | الفصل العاشر # كتاب معرفة الزوال # وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام واختلاف ذلك في الصيف والشتاء، قال الله ~~جلت قدرته: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا) الفرقان: 45 وقال تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) ~~الإسراء: 12، الآية إلى قوله عدد السنين والحساب، وقال سبحانه: (الشمس ~~والقمر بحسبان) الرحمن: 5، وفي حديث أبي الدرداء وكعب الأحبار في صفة هذه ~~الأمة يراعون الظلال لإقامة الصلاة وأحب عباد الله إلى الله عز وجل الذين ~~يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله عز وجل، وقال بعض العلماء بالحساب ~~والأثر من أهل الحديث: إن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة وإن الساعة ~~ثلاثون شعيرة يأخذ كل واحد منهما من صاحبه في كل يوم شعيرة حتى تستكمل ~~الساعة في الشهر، وبين ms0049 أول الشهر وآخره ثلاثون درجة، الشمس كل يوم في درجة، ~~قال: وتفسير ذلك أنه إذا مضى من أيلول سبعة عشر يوما استوى الليل والنهار، ~~ثم يأخذ الليل من النهار من ذلك اليوم في كل يوم شعيرة حتى يستكمل ثلاثين ~~يوما فيزيد ساعة حتى يصير سبعة عشر يوما من كانون الأول فينتهي طول الليل ~~وقصر النهار وكانت تلك الليلة أطول ليلة في السنة وهي خمس عشرة ساعة وكان ~~ذلك اليوم أقصر يوم في السنة وهو تسع ساعات، ثم يأخذ النهار من الليل كل ~~يوم شعيرة حتى إذا مضى سبع عشرة ليلة من آذار استوى الليل والنهار وكان كل ~~واحد منهما اثنتي عشرة ساعة ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى إذا ~~مضى سبعة عشر يوما من حزيران كان نهاية طول النهار وقصر الليل فيكون النهار ~~يومئذ خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ثم ينقص من النهار كل يوم شعيرة حتى ~~إذا مضى سبع عشرة ليلة من أيلول استوى الليل والنهار ثم يعود الحساب على ~~ذلك، قال: فمواقيت الصلاة من ذلك أن الشمس إذا وقفت فهو قبل الزوال فإذا ~~زالت بأقل القليل فذلك أول وقت الظهر، فإذا زادت على سبعة أقدام بعد الزوال ~~فذلك أول وقت العصر؛ وهو آخر وقت الظهر، قال: والذي جاء في الحديث أن الشمس ~~إذا زالت بمقدار شراك فذلك وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله فذلك آخر ~~وقت الظهر # PageV01P046 # وأول وقت العصر، وهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول يوم ثم ~~صلى من الغد الظهر حين صار ظل كل شيء مثله فذلك آخر وقت الظهر وأول وقت ~~العصر، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وقال ما بين هذين وقت فإذا ~~أردت أن تقيس الظل حتى تعرف ذلك فانصب عودا أو قم قائما في موضع من الأرض ~~مستو ثم اعرف موضع الظل ومنتهاه فخط على موضع الظل خطا ثم انظر أينقص الظل ~~أم يزيد فإن كان الظل ينقص ms0050 فإن الشمس لم تزل بعد ما دام الظل ينقص فإذا قام ~~الظل فذلك نصف النهار ولا يجوز في هذا الوقت الصلاة فإذا زاد الظل فذلك ~~زوال الشمس إلى طول ذلك الشيء الذي قست به طول الظل وذلك آخر وقت الظهر ~~فإذا زاد الظل بعد ذلك قدما فقد دخل وقت العصر حتى يزيد الظل طول ذلك الشيء ~~مرة أخرى فذلك وقت العصر الثاني فإذا قمت قائما تريد أن تقيس الظل بطولك ~~فإن طولك سبعة أقدام بقدمك سوى قدمك التي تقوم عليها فإذا قام الظل فاستقبل ~~الشمس بوجهك ثم مر إنسانا يعلم طرف ذلك بعلامة ثم قس من عقبك إلى تلك ~~العلامة فإن كان بينهما أقل من سبعة أقدام سوى ما زالت عليه الشمس من الظل ~~فإنك في وقت الظهر ولم يدخل وقت العصر حتى يزيد الظل على سبعة أقدام سوى ما ~~تزول الشمس عليه من الظل فذلك وقت العصر ثم إن الأقدام تختلف في الشتاء ~~والصيف فيزيد الظل وينقص في الأيام، فمعرفة ذلك أن استواء الليل والنهار في ~~سبعة عشر يوما من آذار فإن الشمس تزول يومئذ وظل الإنسان ثلاثة أقدام وكذلك ~~ظل كل شيء تنصبه، فإن الشمس تزول يومئذ وظل كل شيء ثلاثة أسباعه ثم ينقص ~~الظل وكلما أمضى ستة وثلاثون يوما نقص الظل قدما حتى ينتهي طول النهار وقصر ~~الليل في سبعة عشر يوما من حزيران فتزول الشمس يومئذ وظل الإنسان نصف قدم ~~وذلك أقل ما تزول عليه الشمس ثم يزيد الظل فكلما مضت ستة وثلاثون يوما زاد ~~الظل قدما حتى يستوي الليل والنهار في سبعة عشر يوما من أيلول فتزول الشمس ~~يومئذ، والظل على ثلاثة أقدام ثم يزيد الظل وكلما مضى أربعة عشر يوما زاد ~~الظل قدما حتى ينتهي طول الليل وقصر # النهار في سبعة عشر يوما من كانون الأول فتزول الشمس يومئذ على تسعة ~~أقدام ونصف قدم وذلك أكثر ما تزول الشمس يومئذ عليه ثم كلما مضى أربعة عشر ~~يوما زاد الظل قدما حتى ينتهي إلى سبعة ms0051 عشر يوما من آذار فذلك استواء الليل ~~والنهار، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه ~~الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوما قدم في الصيف والقيظ وزيادته في كل ~~أربعة عشر يوما قدم في الربيع والشتاء، وهذا ذكره بعض علماء المتأخرين من ~~أهل العلم بالنجوم وقد ذكر غيره من القدماء قريبا من هذا وذكر زوال الشمس ~~بالأقدام في شهر تشرين وخالف هذا في حدين من نهاية الطول والقصر قدمين فذكر ~~أن أقل ما تزول عليه الشمس في حزيران على قدمين وأن أكثر # PageV01P047 # ما تزول عليه الشمس في كانون ثمانية أقدام فكان الأول هو أدق تحديدا ~~وأقوم تحريرا وذكر أن الشمس تزول في أيلول على خمسة أقدام وفي تشرين الأول ~~على ستة وفي تشرين الأخير على سبعة وفي كانون على ثمانية قال: وذلك منتهى ~~قصر النهار وطول الليل وهو أكثر ما تزول عليه الشمس، قال: ثم ينقص الظل ~~ويزيد النهار فتزول الشمس في كانون الأخير على سبعة أقدام وتزول في شباط ~~على ستة أقدام وفي آذار على خمسة وذلك استواء الليل والنهار وتزول في نيسان ~~على أربعة أقدام وتزول في أيار على ثلاثة أقدام وتزول في حزيران على قدمين ~~فذلك منتهى طول النهار وقصر الليل وهو أقل ما تزول الشمس عليه فيكون النهار ~~حينئذ خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات وتزول الشمس في تموز على ثلاثة أقدام ~~وفي آب على أربعة أقدام وفي أيلول على خمسة أقدام وفيه يستوي الليل ~~والنهار. ر في سبعة عشر يوما من كانون الأول فتزول الشمس يومئذ على تسعة ~~أقدام ونصف قدم وذلك أكثر ما تزول الشمس يومئذ عليه ثم كلما مضى أربعة عشر ~~يوما زاد الظل قدما حتى ينتهي إلى سبعة عشر يوما من آذار فذلك استواء الليل ~~والنهار، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه ~~الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوما قدم في الصيف والقيظ وزيادته في كل ~~أربعة عشر يوما قدم في الربيع والشتاء، ms0052 وهذا ذكره بعض علماء المتأخرين من ~~أهل العلم بالنجوم وقد ذكر غيره من القدماء قريبا من هذا وذكر زوال الشمس ~~بالأقدام في شهر تشرين وخالف هذا في حدين من نهاية الطول والقصر قدمين فذكر ~~أن أقل ما تزول عليه الشمس في حزيران على قدمين وأن أكثر ما تزول عليه ~~الشمس في كانون ثمانية أقدام فكان الأول هو أدق تحديدا وأقوم تحريرا وذكر ~~أن الشمس تزول في أيلول على خمسة أقدام وفي تشرين الأول على ستة وفي تشرين ~~الأخير على سبعة وفي كانون على ثمانية قال: وذلك منتهى قصر النهار وطول ~~الليل وهو أكثر ما تزول عليه الشمس، قال: ثم ينقص الظل ويزيد النهار فتزول ~~الشمس في كانون الأخير على سبعة أقدام وتزول في شباط على ستة أقدام وفي ~~آذار على خمسة وذلك استواء الليل والنهار وتزول في نيسان على أربعة أقدام ~~وتزول في أيار على ثلاثة أقدام وتزول في حزيران على قدمين فذلك منتهى طول ~~النهار وقصر الليل وهو أقل ما تزول الشمس عليه فيكون النهار حينئذ خمس عشرة ~~ساعة والليل تسع ساعات وتزول الشمس في تموز على ثلاثة أقدام وفي آب على ~~أربعة أقدام وفي أيلول على خمسة أقدام وفيه يستوي الليل والنهار. # وقد روينا عن سفيان الثوري رحمه الله أكثر ما تزول عليه الشمس تسعة أقدام ~~وأقل ما تزول عليه قدم وهذا أقرب إلى القول الأول في التحديد، وقد جاء في ~~ذكر الأقدام لوقت الصلاة أثر من سنة فلذلك ذكرنا منها ما شرحه من عرفه، ~~روينا عن أبي مالك سعد بن طارق الأشعري عن الأسود بن زيد عن ابن مسعود قال: ~~كان قدر صلاة الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيف ثلاثة أقدام ~~إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى ستة أقدام وفصل الخطاب أن معرفة ~~الزوال بهذا التحديد ليس بفرض ولكن صلاة الظهر بعد تيقن زوال الشمس فرض متى ~~زالت الشمس مبلغ علمك ويقين قلبك ومنظر عينك فكانت الشمس على حاجبك الأيمن ~~في ms0053 الصيف إذا استقبلت القبلة فقد زالت لا شك فيه فصل إلى أن يكون ظل كل شيء ~~مثله فهذا آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ثم صل العصر إلى أن يصير ظل كل شيء ~~مثليه، فهذا آخر وقت العصر المستحب ثم إلى أن تصفر الشمس وتدلى للغروب، ~~فهذا وقت الضرورات وهو مكروه إلا لمريض أو معذور، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن ~~أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح فإذا كانت الشمس على ~~حاجبك الأيسر وأنت مستقبل القبلة في الصيف فإن الشمس لم تزل مبلغ علمك ~~ومنظر عينك، فإذا كانت بين عينيك فهو استواؤها في كبد السماء نظر عينك ~~ويصلح أن تكون قد زالت لقصر النهار وفي أول الشتاء وقد لا تكون زالت إذا ~~طال النهار وتوسط الصيف فإذا صارت إلى حاجبك الأيمن فقد زالت في أي وقت ~~كان، ثم إن هذا يختلف في الشتاء فإذا كانت على حاجبك الأيسر في الشتاء وأنت ~~مستقبل القبلة فيصلح أن تكون زالت لقصر النهار في أول الشتاء وقد لا تكون ~~زالت إذا امتد النهار وفي أول الصيف فإذا كانت الشمس بين عينيك في الشتاء ~~فقد زالت لا شك فيه # PageV01P048 # فصل الظهر فإذا صارت إلى حاجبك الأيمن فهذا آخر وقت الظهر في الشتاء وهو ~~أول وقت الظهر في الصيف وهذا التقدير إنما هو لأهل إقليم العراق وخراسان ~~لأنهم يصلون إلى الحجر الأسود وتلقاء الباب من وجهة الكعبة فأما إقليم أهل ~~الحجاز واليمن فإن تقديرهم على ضد ذلك وقبلتهم إلى الركن اليماني وإلى مؤخر ~~الكعبة فلذلك اختلف التقدير وتضادد الاختلاف للتوجه إلى شطر البيت وتفاوت ~~الأمصار في الأقاليم المستديرة حوله فهذا كان تقدير المتقدمين وما سوى ذلك ~~من التدقيق والتحرير فمحدث إلا أنه علم لأهله، ومن أشكل عليه الوقت لجهل ~~بالأدلة أو لغيم اعترض فليتحر بقلبه ويجتهد بعلمه ولا يصل صلاة إلا بعد ~~تيقن دخول وقتها وإن تأخر ms0054 ذلك فهذا أفضل حينئذ ولكن قد جاء في الخبر ثلاث ~~من مناقب الإيمان: الصيام في الصيف، وإسباغ الوضوء في الشتاء، وتعجيل ~~الصلاة في يوم دجن، ومن أمثال العرب يوم الدجن يضرب فيه عبد السوء هذا لأن ~~الوقت في الغيم كأنه يقصر لغيبة الشمس فيغفل الإنسان عن مراعاة الوقت أو ~~يتشاغل عنه لأن الفرائض لا تقبل إلا عن يقين فأداؤها بعد دخول الوقت على ~~اليقين أفضل من أدائها في الوقت على الشك، ألم تسمع إلى قوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن غم عليكم فأكملوا عدد شعبان ثلاثين، فترك الاحتياط لليقين، ومن ~~صلى وهو يرى أنه الوقت أو توجه إلى القبلة فيما يعلم ثم تبين له بعد أنه ~~صلى قبل الوقت أو صلى لغير القبلة نظر فإن كان في الوقت أو بعده قليلا أعاد ~~الصلاة احتياطا وإن كان للوقت قد خرج فلا شيء عليه وهو معفو الخطأ وأحب أن ~~يعيد تلك الصلاة متى ذكرها. # وقال بعض العلماء: للشمس سبعة أزولة، ثلاثة منها لا يعلم بها البشر: ~~الزوال الأول نزوله عن قطب الفلك الأعلى لا يشهده ولا يعلمه إلا الله عز ~~وجل، والزوال الثاني عن وسط الفلك لا يعلمه من خلق الله تعالى إلا خزان ~~الشمس الموكلون بها الذين يرمونها بجبال الثلج ليسكن حرها ويحتبسوا شعاعها ~~عن العالمين ويسوقونها على العجلة المركبة في الفلك، والزوال الثالث يعلمه ~~ملائكة الأرض، ثم إن الزوال الرابع يكون على ثلاث دقائق وهو ربع شعيرة، ~~والشعيرة جزء من اثني عشر جزءا من ساعة، فهذا الزوال تعرفه الفلاسفة من ~~المنجمين أهل العلم بمساحة الفلك وتركيب الأفلاك فيه وتقدير سير الشمس في ~~الشتاء والصيف في فلكها منه فيقومون ذلك بالنظر في المرتجلات الطالعة على ~~التقويم، فإذا زالت الشمس الزوال الخامس نصف شعيرة وهي ست دقائق عرف زوالها ~~أهل الحساب والتقاويم بالإسطرلاب الطالع فإذا زالت شعيرة وهو الزوال السادس ~~المشترك وهو جزء من اثني عشر جزءا من ساعة عرف زوالها علماء المؤذنين ~~وأصحاب مراعاة الأوقات فإذا زالت ثلاث شعيرات فهو الزوال ms0055 السابع، وهو ربع ~~ساعة عرف الناس كلهم # PageV01P049 # زوالها، وعند هذا الوقت صلاة الكافة وهو أوسط الوقت وأوسعه، وذلك واسع ~~برخصة الله سبحانه وتعالى ورحمته، وهذا كله لبعد منصب السماء ولاستواء ~~تقويم صنعتها في الأفق الأعلى ولإتقان صنعتها في الجو المتخرق علوا وفي ~~الأقطار المتسعة المستديرة استواء ومتناسبا، وقد يروى في الخبر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام فقال: هل زالت الشمس؟ فقال: لا ~~نعم، فقال: كيف هذا فقال بين قولي لك لا نعم قطعت في الفلك خمسين ألف فرسخ ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن زوالها على علم الله سبحانه وتعالى ~~به، وقد قال بعض الفلاسفة إن السماء تدور كما تدور الرحى فتدير الأفلاك ~~بدورانها على القطب ولكن لا يرى ذلك منها لبعدها وعلوها وتقويم استدارتها، ~~وقد ذكره بعض العلماء من السلف فتبارك الله أحسن الخالقين وذكر بعض ~~العارفين أعجب من هذا وألطف من قدرة الله عز وجل وخفي صنعه ذكر أن الليل ~~والنهار أربعة وعشرون ساعة وإن الساعة اثنتا عشرة دقيقة كل دقيقة اثنتا ~~عشرة شعيرة وكل شعيرة أربعة وعشرون نفسا فتظهر الأنفاس من خزانة الجسم ~~فتنشئ الشعائر وتنشأ الشعائر فتظهر الدقائق فتنتج الساعات وتتحرك الساعات ~~فتدير الأفلاك وتدور الأفلاك فتنشر الليل والنهار في الجو والأقطار وينشر ~~الليل والنهار فتدير السماء في الآفاق وينعقد الحسبان بالتفصيل فإذا خفي ~~الإحساس انقطعت الأنفاس فانفكت الأفلاك فعندها تنتشر النجوم وتنشق السماء ~~وتخرب الديار وتظهر دار القرار فسبحان الله ألطف الصانعين وأقهر القادرين ~~وقد قال سبحانه وتعالى: (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت) التكوير: 1 - ~~2، وقال سبحانه وتعالى: (يوم تمور السماء مورا) الطور: 9، يعني تدور دورا ~~فسبحان اللطيف الحكيم أدار تلك الأفلاك الكثاف بهذه الأنفاس اللطاف كما حجب ~~الفلك الكثيف بستر الفضاء اللطيف، فالفلك العظيم لا يحجب السماء والفضاء ~~الرقيق يحجب الفلك، لأنه أراد سبحانه وتعالى أن يرينا السماء وأحب أن يخفي ~~عنا الفلك فلم نر إلا ما أرانا، فالعبد هو سبب لذلك ومحرك لذلك ولا يشعر ms0056 ~~بذلك فمداره أنفاسه وأنفاسه ساعاته وساعاته عمره وعمره أجله وأجله آخرته ~~وهو في غفلة بدنياه وفي لعب بما يهواه، فإن نظرت إلى السماء رأيتها تنشئ ~~الأنفاس وإن نظرت إلى الأنفاس، رأيتها تدير الأفلاك، وإن نظرت إلى فوق ~~الفوق عميت عما سواه، فلا إله إلا هو رب العرش العظيم (صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء) النمل: 88 إن ربي لطيف لما يشاء، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم) فصلت: 35، (وفي الأرض آيات للموقنين) الذاريات: 02، (وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون) الذاريات: 12، (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) الحاقة: ~~83، (سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى) الأعلى: 01 فأما صلاة المغرب فأفضل ما ~~صليت فيه إذا تدلى حاجب الشمس الأعلى وهو غيبتها عن الأبصار، روي عن عمر ~~رضي الله عنه أنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة. # PageV01P050 # وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق ~~رقبتين، وأفضل ما صليت فيه عشاء الآخرة إذا غاب البياض الغربي وأظلم مكانه ~~وهو الشفق الثاني إلى ما بعد ذلك فتأخيرها أفضل إلى ربع الليل ما لم تنم ~~والنوم قبلها مكروه شديد ووقت حسن في سنة أن تصلي بمقدار غيبة القمر ليلة ~~ثلاث من الشهر وهذا يكون بعد سبع ونصف من الليل لأنا روينا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء الآخرة لسقوط القمر ليلة ثلاث، وأفضل ~~ما صليت فيه صلاة الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهي الصلاة الوسطى التي أفرد ~~الله تبارك وتعالى محافظتها لأنها تختص بمعان ثلاث من التوسط لا توجد في ~~سائر الصلوات، منها أنها بين الليل والنهار، والثاني أنها بين صلاتين من ~~صلاة الليل وصلاتين من صلاة النهار، والثالث أنها متوسطة بين صلاتي جهر ~~وصلاتي مخافتة، وأيضا فإنها أقصر الصلاة عددا لا ثلاثا ولا أربعا، فلما ~~اختصت بتوسط هذه المعاني دون غيرها كانت هي الوسطى، وأيضا فإن الله تعالى ~~نص على ذكر الفجر في قوله عز وجل: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) ms0057 ~~الإسراء: 78، وقيل في تفسير ذلك تشهده ملائكة الليل والنهار فكان هذا ذكرا ~~لها بوصف آخر توكيدا للمحافظة عليها فإن صح الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر بطل ما قلناه وثبت قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الحق وبه نقول ولا أحسب الخبر إلا ثابتا ~~فقد جاء بأشد اليقين أخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: هي ~~التي شغل عنها أخي سليمان حتى توارت بالحجاب، والسنة أن تقرأ في صلاة الصبح ~~بسورة من المثاني أو بطوال المفصل لأنها قصرت وعوض عنها طول القيام فإن كان ~~أجمع للمصلين وأكثر لعددهم إذا توسط الوقت فحسن قبل أن تمحق النجوم فأما أن ~~يسفر حتى ينتشر البياض تحت الحمرة وذلك هو شيء من شعاع الشمس فلا، وإن ~~كثروا فصلاتها بغلس في القليل أفضل، والمحافظة على أوائل الأوقات من كل ~~صلاة من أفضل الأعمال إلا ما ذكرناه من تأخير صلاة العشاء الآخرة للأثر فيه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الصلاة في أول الوقت على الصلاة في ~~آخر الوقت كفضل الآخرة على الدنيا وفي الخبر أن العبد ليصلي الصلاة في آخر ~~وقتها ولما فاته من الوقت الأول خير له من الدنيا وما فيها، والخبر المشهور ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها، ~~وقد جاء في الأثر الوقت الأول رضوان الله عز وجل والوقت الأخير عفو الله ~~تبارك وتعالى، قيل: فرضوان الله عز وجل يكون للمحسنين وعفو الله سبحانه ~~وتعالى يكون عن المقصرين، والوقت الأول من كل صلاة من عزيمة الدين وطريقة ~~المقيمين للصلاة المحافظين، والوقت الثاني رخصة في الدين وسعة من الله عز ~~وجل ورحمة للغافلين. # PageV01P051 ### | الفصل الحادي عشر # كتاب فضل الصلاة في الأيام والليالي ### | ذكر ما جاء في صلاة النهار من الفضائل # روينا عن أبي سلمة وعن أبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين ms0058 يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك فصل ~~ركعتين يمنعانك مدخل السوء، عن سعيد بن أبي سعيد الطويل سمع أنس بن مالك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الصبح: من توضأ ثم توجه إلى ~~مسجد يصلي فيه الصلاة كان له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة، والحسنة بعشر ~~أمثالها، فإذا صلى ثم انصرف عند طلوع الشمس كتب له بكل شعرة في جسده حسنة ~~وانقلب بحجة مبرورة فإن جلس حتى يركع كتب الله له بكل جلسة ألف ألف حسنة، ~~ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بحجة وعمرة مبرورة، عن عطاء بن يسار عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى أربع ركعات بعد زوال ~~الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى ~~الليل ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع أربعا بعد الزوال يطيلهن ~~ويقول إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة وأحب أن يرفع لي فيها عمل، قيل: ~~يا رسول الله فيهن سلام فاصل، قال: لا، وروي عنه صلى الله عليه وسلم رحم ~~الله عبدا صلى أربعا قبل العصر. ### | ذكر صلاة يوم الأحد # وروي عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى ~~يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآمن الرسول مرة كتب ~~الله عز وجل له بعدد كل نصراني ونصرانية حسنات وأعطاه ثواب نبي وكتب له حجة ~~وعمرة وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله عز وجل في الجنة بكل حرف ~~مدينة من مسك أذفر، وروينا عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: وحدوا الله تبارك وتعالى بكثرة الصلاة في يوم الأحد فإنه سبحانه ~~وتعالى واحد أحد لا شريك له، فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر # PageV01P052 # أربع ركعات بعد الفريضة والسنة قرأ في الركعة الأولى فاتحة اللكتاب ~~وتنزيل السجدة وفي الثانية فاتحة الكتاب وتبارك الملك، ثم ms0059 تشهد وسلم، ثم ~~قام فصلى ركعتين أخريين قرأ فيهما فاتحة الكتاب وسورة الجمعة وسأل الله ~~تبارك وتعالى حاجته كان حقا على الله سبحانه وتعالى أن يقضي حاجته ويبرئه ~~مما كانت النصارى عليه. ### | ذكر صلاة يوم الاثنين # روينا عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الاثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~مرة وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد مرة، والمعوذتين مرة فإذا سلم استغفر ~~الله عز وجل عشر مرات وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات غفر الله ~~عز وجل له ذنوبه كلها. # ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الاثنين اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي ~~مرة فإذا فرغ من صلاته قرأ اثنتي عشرة مرة قل هو الله أحد واستغفر الله ~~اثنتي عشرة مرة ينادي به يوم القيامة أين فلان بن فلان ليقم فيأخذ ثوابه من ~~الله عز وجل فأول ما يعطي من الثواب ألف حلة، ويتوج ويقال له ادخل الجنة، ~~فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يسعون به حتى يدور على ألف قصر من ~~نور يتلألأ. ### | ذكر صلاة يوم الثلاثاء # يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات لم يكتب عليه خطيئة إلى ~~سبعين يوما فإن مات إلى سبعين يوما مات شهيدا وغفر له ذنوبه سبعين سنة. ### | ذكر صلاة يوم الأربعاء # أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صلى يوم الأربعاء اثنتي عشرة ركعة عند ارتفاع النهار يقرأ فاتحة الكتاب ~~وقل هو الله أحد ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى به ملك عند العرض يا ~~عبد ms0060 الله استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ودفع الله عز وجل عنه ~~عذاب القبر وضيقه وظلمته ودفع عنه شدائد القيامة ورفع له من يومه عمل نبي، # PageV01P053 ### | ذكر صلاة يوم الخميس # روينا عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الخميس ما بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الركعة الأولى فاتحة ~~الكتاب مرة ومائة مرة آية الكرسي وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة ~~ومائة مرة قل هو الله أحد ويصلي على النبي مائة مرة أعطاه الله عز وجل ثواب ~~من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل ~~من آمن بالله عز وجل وتوكل عليه. ### | ذكر صلاة يوم الجمعة # روينا عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبيه عن جده ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجمعة صلاة كله ما من ~~عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس وارتفعت قيد رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ ثم ~~أسبغ الوضوء فصلى تسبيحة الضحى ركعتين إيمانا واحتسابا كتب الله له مائتي ~~حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ومن صلى أربع ركعات رفع الله تبارك وتعالى له في ~~الجنة أربعمائة درجة ومن صلى ثماني ركعات رفع الله له في الجنة ثمانمائة ~~درجة وغفر الله له ذنوبه كلها ومن صلى اثنتي عشرة ركعة كتب الله عز وجل له ~~ألفا ومائتي حسنة ومحا عنه ألفا ومائتي سيئة ورفع له في الجنة ألفا ومائتي ~~درجة. # أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ~~الصبح يوم الجمعة في جماعة ثم جلس في المسجد يذكر الله سبحانه وتعالى حتى ~~تطلع الشمس كان له في الفردوس الأعلى سبعون درجة بعد ما بين الدرجتين حضر ~~الجواد المضمر سبعين سنة، ومن صلى صلاة الجمعة في جماعة كان له في الفردوس ~~خمسون درجة حضر الجواد خمسين سنة، ومن صلى العصر ms0061 في جماعة فكأنما أعتق ~~ثمانية من ولد إسماعيل كلهم رب بيت، ومن صلى المغرب في جماعة فكأنما حج حجة ~~مبرورة وعمرة متقبلة. # نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل الجامع ~~يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة الجمعة قرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل ~~هو الله أحد خمسين مرة فإنه لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو يرى له. # PageV01P054 ### | ذكر صلاة يوم السبت # سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى يوم ~~السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل يا أيها الكافرون ~~ثلاث مرات، فإذا فرغ وسلم قرأ آية الكرسي، كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة ~~ورفع له بكل حرف أجر سنة صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله عز وجل بكل ~~حرف ثواب شهيد وكان تحت ظل عرشه مع النبيين والشهداء. ### | فضل صلاة الجماعة # أبو كامل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى أربعين ~~يوما في جماعة لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإمام كتب الله عز وجل له ~~براءتين: براءة من النار وبراءة من النفاق. ### | ذكر ما جاء في صلوات الليل وما دخل فيه من الصلاة بين العشائين # صلاة ليلة الأحد # عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة قرأ في كل ركعة الحمد لله مرة وقل هو ~~الله أحد خمسين مرة والمعوذتين مرة ثم استغفر الله عز وجل مائة مرة واستغفر ~~لنفسه ولوالديه مائة مرة وصلى على النبي وتبرأ من حوله وقوته والتجأ إلى ~~حول الله عز وجل وقوته وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن آدم صفوة ~~الله تبارك وتعالى وفطرته وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح ~~الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله تبارك وتعالى، كان له من الثواب ~~بعدد من دعا ms0062 لله عز وجل ولدا ومن لم يدع لله عز وجل ولدا وبعثه الله تبارك ~~وتعالى يوم القيامة مع الآمنين وكان حقا على الله سبحانه وتعالى يوم ~~القيامة أن يدخله الجنة مع النبيين، ### | فصل صلاة ليلة الاثنين # روينا عن الأعمش عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ~~ليلة الاثنين أربع ركعات قرأ في الركعة الأولى الحمد لله وقل هو الله أحد ~~عشر مرات، وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشرين مرة، وفي ~~الركعة الثالثة الحمد مرة وقل هو الله أحد # PageV01P055 # ثلاثين مرة، وفي الركعة الرابعة الحمد مرة وقل هو الله أحد أربعين مرة، ~~ثم تشهد وسلم، وقرأ قل هو الله أحد خمسا وسبعين مرة واستغفر الله لنفسه ~~ولوالديه خمسا وسبعين مرة وصلى على محمد خمسا وسبعين مرة ثم سأل الله ~~سبحانه وتعالى حاجته كان حقا على الله عز وجل أن يؤتيه سؤله ما سأل وهي ~~تسمى صلاة الحاجة. # القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من صلى ليلة الاثنين ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو ~~الله أحد خمس عشرة مرة وقل أعوذ برب الفلق خمس عشرة مرة وقل أعوذ برب الناس ~~خمس عشرة مرة ويقرأ بعد التسليم خمس عشرة مرة آية الكرسي ويستغفر الله ~~سبحانه وتعالى خمس عشرة مرة، جعل الله عز وجل اسمه في أصحاب الجنة وإن كان ~~من أصحاب النار، وغفر له ذنوب السر وذنوب العلانية، وكتب له بكل آية قرأها ~~حجة وعمرة، وإن مات ما بين الاثنين إلى الاثنين مات شهيدا. ### | ذكر صلاة ليلة الثلاثاء # في الخبر من صلى ليلة الثلاثاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب مرة وإذا جاء نصر الله خمس عشرة مرة بنى الله له بيتا في الجنة عرضه ~~وطوله وسع الدنيا سبع مرات. ### | صلاة ليلة الأربعاء # في الخبر: من صلى ليلة الأربعاء ركعتين يقرأ في أول ركعة فاتحة الكتاب ~~مرة وقل أعوذ ms0063 برب الفلق عشرة مرات، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة ~~وقل أعوذ برب الناس عشر مرات، نزل من كل سماء سبعون ألف ملك يكتبون ثوابه ~~إلى يوم القيامة، ### | فضل صلاة ليلة الخميس # أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ~~ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~وأية الكرسي خمس مرات وقل هو الله أحد خمس مرات والمعوذتين خمس مرات فإذا ~~فرغ من صلاته استغفر الله تبارك وتعالى خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه ~~فقد أدى حقهما وإن كان عاقا لهما وأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين ~~والشهداء. ### | فضل صلاة ليلة الجمعة # أبو جعفر محمد بن علي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى ~~ليلة الجمعة # PageV01P056 # بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة ~~وقل هو الله إحدى عشرة مرة فكأنما عبد الله سبحانه وتعالى اثنتي عشرة سنة ~~صيام نهارها وقيام ليلها، وروينا عن كثير بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ليلة الجمعة العشاء الآخرة في جماعة ~~وصلى ركعتي السنة ثم صلى بعدهما عشر ركعات قرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو ~~الله أحد مرة والمعوذتين مرة ثم أوتر بثلاث ركعات ونام على جنبه الأيمن ~~ووجهه إلى القبلة فكأنما أحيا ليلة القدر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أكثروا علي من الصلاة في الليلة الغراء والىوم الأزهر يعني ليلة الجمعة ~~ويوم الجمعة. ### | فضل صلاة ليلة السبت # عن كثير بن شنظير عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~صلى ليلة السبت بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في ~~الجنة وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة وتبرأ من الىهودية وكان حقا على الله ~~عز وجل أن يغفر له. ### | ذكر فضل الصلاة بين العشاءين وما يختص به ذلك الوقت في كل ms0064 ليلة # روينا عن سليمان التيمي أن رجلا حدثه قال: قيل لعبيد مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالصلاة غير ~~المكتوبة؟ قال: ما بين المغرب والعشاء. # أبو صخر سمع محمد بن المنكدر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~صلى ما بين المغرب والعشاء فإنها من صلاة الأوابين. # عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: ما أتيت عبد الله بن مسعود في تلك ~~الساعة إلا وجدته يصلي فقلت له في ذلك فقال نعم ساعة الغفلة يعني بين ~~المغرب والعشاء، وسئل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شيء كان يصنع ~~النبي لله بين المغرب والعشاء إذا دخل منزله؟ قال: يصلي. # ثابت البناني قال: كان أنس بن مالك يصلي بين المغرب والعشاء ويقول هي ~~ناشئة الليل حدثنا عن فضيل بن عياض عن أبان بن أبي عياش قال: سألت امرأة ~~أنس بن مالك فقالت إني أرقد قبل العشاء فنهاها وقال: نزلت هذه الآية فيما ~~بينهما (تتجافى # PageV01P057 # جنوبهم عن المضاجع) السجدة: 16. # حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان الداراني: أصوم النهار ~~وأقعد تعشى بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر النهار وأحيي ما بينهما؟ ~~فقال: إن جمعتهما فهو أفضل، قلت: فإن لم يتيسر لي، قال: فافطر بالنهار وصل ~~بين المغرب والعشاء. # هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن أفضل الصوات عند الله عز وجل صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم ~~فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار، فمن صلى المغرب وصلى بعدها ~~ركعتين بنى الله له قصرين في الجنة - لا أدري من ذهب أو فضة - ومن صلى ~~بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة أو قال أربعين سنة. # أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ست ~~ركعات بعد المغرب عدلت له عبادة سنة أو كأنه أحيا ليلة ms0065 القدر. # سعيد بن جبير عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عكف ~~نفسه ما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان ~~حقا على الله سبحانه وتعالى أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما ~~مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الدنيا لوسعهم. # محمد بن الحجاج سمع عبد الكريم بن الحرث يحدث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: من ركع عشر ركعات ما بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة، ~~فقال عمر: إذا تكثر قصورنا يا رسول الله، قال: الله أكبر وأفضل أو قال ~~وأطيب. # أبو عائشة السعدي وأبو حفص العوفي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من صلى المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين ولم يتكلم ~~بشيء فيما بين ذلك من أمر الدنيا يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وعشر ~~آيات من أول البقرة وآيتين من وسطها وهي: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم) البقرة: 163، إلى آخر الآيتين (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1، ~~خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد فإذا قام إلى الركعة الثانية قرأ بفاتحة الكتاب ~~وآية الكرسي وآيتين بعدها إلى قوله تعالى: (أولئك # PageV01P058 # أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة: 257، وثلاث آيات من آخر البقرة من ~~قوله عز وجل: (ما في السموات) البقرة: 284، إلى آخرها (وقل هو الله أحد) ~~الإخلاص: 1، خمس عشرة مرة بني له في جنات عدن ألف مدينة من الدر والىاقوت ~~في كل مدينة ألف قصر في كل قصر ألف دار في كل دار ألف حجرة في كل حجرة ألف ~~صفة في كل صفة منها ألف خيمة في كل خيمة ألف سرير من أصناف الجواهر على كل ~~سرير ألف فراش بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور منضد وألف مرفقة من هذا ~~الطرف من السرير وألف مرفقة من الطرف الآخر فوق تلك الفرش زوجة من الحور ~~العين لا توصف بشيء ms0066 إلا زادت عليه جمالا وكمالا لا يراها ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا افتتن بحسنها قد ملأ مأكمتاها مابين طرفي السرير على كل زوجة منهن ~~ألف حلة لا تواري حلة حلة ولا تواري الحلل كلها الجلد يرى بعضها من تحت بعض ~~كما يرى السلك من الىاقوتة وكما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء لكل ~~زوجة منهن مائة ألف وصيف ومائة ألف جارية ومائة ألف قهرمان على قصورها ~~وضياعها هذا لها خاصة سوى خدم زوجها في كل خيمة منهن نهر من التسنيم ونهر ~~من الكوثر وعين من الكافور وعين من الزنجبيل وعين من السلسبيل وغصن من شجرة ~~طوبى وغصن من سدرة المنتهى في كل خيمة ألف مائدة من الدر والىاقوت أدنى ~~مائدة منها مثل استدارة الدنيا مرتين على كل مائدة منها ألف صحفة صحاف من ~~ذهب مكللة بالدر والجوهر في كل صحفة منها مائة ألف لون من طعام مختلف طعمه ~~ولونه وريحه يعطي الله سبحانه وتعالى وليه المؤمن من القوة ما يأتي على تلك ~~الأطعمة ومثلها من الأشربة ويأتي على أولئك الأزواج كلهن في مقدار يوم من ~~أيام الدنيا فسبحان الملك الوهاب القادر على مايشاء رب العالمين. # عبد الرحمن بن منصور عن سعد بن سعيد عن كرز بن وبرة قال: وكان وبرة من ~~الأبدال قال: قلت للخضر عليه السلام: علمني شيئا أعمله في ليلي، فقال: إذا ~~صليت المغرب فقم إلى صلاة العشاء الآخرة مصليا من غير أن تكلم أحدا وأقبل ~~على صلاتك التي أنت فيها وسلم في كل ركعتين واقرأ في ركعة بفاتحة الكتاب ~~مرة وقل هو الله أحد سبع مرات، فإذا فرغت في صلاتك انصرف إلى منزلك ولا ~~تكلم أحدا وصل ركعتين واقرأ بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد سبع مرات في ~~كل ركعة ثم اسجد بعد تسليمك واستغفر الله سبحانه وتعالى سبع مرات وصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم سبع مرات وقل سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ms0067 العلي العظيم سبع مرات ثم ارفع رأسك ~~من السجود واستو جالسا وارفع يديك وقل: يا حي، يا قيوم، يا ذا الجلال ~~والإكرام، يا إله الأولين والآخرين، يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيمهما، # PageV01P059 # يا رب، يا رب، يا رب، يا الله، يا الله، ياالله، ثم قم وأنت رافع يديك ~~وادع بهذا الدعاء ثم نم حيث شئت مستقبل القبلة على يمينك وصل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأدم الصلاة عليه حتى يذهب بك النوم، فقلت له: أحب أن ~~تعلمني ممن سمعت هذا الدعاء، فقال: إني حضرت محمدا صلى الله عليه وسلم حيث ~~علم هذا الدعاء وأوحي إليه وكنت عنده وكان ذلك بمحضر مني فتعلمته ممن علمه ~~إياه ويقال إن هذه الصلاة وهذا الدعاء من داوم عليه بحسن يقين وصدق نية رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه قبل أن يخرج من الدنيا وقد فعل ذلك ~~بعض الناس فرأى أنه دخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ورأى فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكلمه وعلمه ولهذا فضائل كثيرة اختصرناها للإيجاز. # PageV01P060 ### | الفصل الثاني عشر # في ذكر الوتر وفضل الصلاة بالليل # عن مبارك بن عوف الأحمسي عن عمر بن الخطاب قال: إن الأكياس الذين يوترون ~~أول الليل وإن الأقوياء يوترون آخر الليل، وهو أفضل، وقد يروى في خبر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر رضي الله عنه متى توتر؟ فقال: من ~~أول الليل قبل أن أنام، وقال لعمر رضي الله عنه متى توتر؟ فقال: من آخر ~~الليل، فقال لأبي بكر حذر هذا وقال لعمر قوي هذا، وفي بعض الأخبار أنه قال ~~لأبي بكر مثلك كالذي قال أحرزت نهبي وابتغي النوافلا وقال لعمر إنك لقوي ~~مكين. # وروينا عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: أما أنا فأوتر أول الليل فإذا ~~استيقظت صليت ركعة شفعت بها وتري فما شبهتهما إلا كالغربية من الإبل ضممتها ~~إلى أخواتها ثم أوترت من آخر صلاتي والمشهورة عنه من فعله أنه كان يحيي ~~الليل كله بركعة ms0068 واحدة يختم فيها القرآن وهي وتره. # وروينا عن علي عليه السلام أنه قال: الوتر على ثلاثة أنحاء إن شئت أوترت ~~أول الليل ثم صليت ركعتين، ركعتين، وإن شئت أو ترت بركعة، فإذا استيقظت ~~شفعت إليها أخرى، ثم أو ترت من آخر الليل، وأن شئت أخرت الوتر حتى يكون آخر ~~صلاتك، وفي حديث ابن عمر صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة، ~~وهذا أحب الوجوه إلي، وقال مجاهد قال عبد الله بن عمر: من صلى أربعا بعد ~~العشاء كن كعدلهن من ليلة القدر، وقال حصين: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: كان ~~عبد الله بن مسعود يكره أن تتبع كل صلاة بمثلها، وكانوا يصلون العشاء ثم ~~يصلون ركعتين ثم أربعا، فمن بدا له أن يوتر أوتر ومن أراد أن ينام نام، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوتروا يا أهل القرآن من كل الليل، ~~وقالت عائشة رضي الله عنها: قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله ~~وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر، وفي الخبر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوتر عند الأذان ويصلي ركعتين عند الإقامة # PageV01P061 # وسأل رجل عليا عليه السلام عن وقت الوتر فسكت عنه ثم خرج إلىهم عند ~~الأذان لصلاة الفجر فقال أين السائل عن الوتر هذا وقت وتر حسن. # أبو أمامة عن عمرو بن عنبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إن أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الأخير فإن استطعت ~~أن تكون ممن يذكر الله سبحانه وتعالى في تلك الساعة فكن. # أبو ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله أي الليل الصلاة فيه أفضل؟ قال: ~~نصف الليل الغابر يعني الباقي، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ~~عليه السلام أي الليل أسمع؟ فقال: إن العرش يهتز من السحر، وقد روي في ~~الخبر أن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه، ~~وروي في خبر آخر يصلي أو يدعو إلا استجاب ms0069 له وهي في كل ليلة، ويقال إن في ~~الليل وقتا لا بد أن ينام فيه أو تغفل كل ذي عين إلا الحي الذي لا يموت ~~فلعلها هذه الساعة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مضى نصف الليل، ~~وفي لفظ آخر إذا بقي ثلث الليل الأخير نزل الجبار سبحانه وتعالى إلى السماء ~~الدنيا فقال لا يسأل عن عبادي غيري هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر ~~فأغفر له، هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، كذلك حتى يطلع الفجر، ~~وفي حديث عمرو بن عنبسة عليك بصلاة آخر الليل فإنها مشهودة محضورة يعني ~~يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار. # PageV01P062 ### | الفصل الثالث عشر # كتاب جامع ما يستحب أن يقول العبد إذا استيقظ من نومه ### | للتهجد وفي يقظته عند الصباح # ليقل إذا استيقظ من منامه بكرة أصبحنا وأصبح: الملك لله، والعظمة لله، ~~والسلطان لله، والبهاء لله، والقدرة لله، والعزة لله، والتسبيح لله، أصبحنا ~~على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ~~وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، الحمد لله الذي أحيانا ~~بعد ما أماتنا، وإليه النشور، اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في يومنا هذا إلى ~~كل خير، ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءا أو نجره إلى مسلم، فإنك قلت: وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ~~اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، أسألك خير ~~هذا اليوم وخير ما فيه، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه، بسم الله، ما شاء ~~الله، لا قوة إلا بالله، ما شاء الله، كل نعمة من الله، ما شاء الله، الخير ~~كله بيد الله، بسم الله، لا يصرف السوء إلا الله، رضيت بالله عز وجل، ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير، ~~وليقرأ المعوذتين فإذا أمسى قال مثل ذلك كله إلا أنه يقول: أمسينا، وأمسى ~~الملك لله، عز وجل، أسألك خير هذه ms0070 الليلة، ولا يدع أن يقول في كل ليلة: بسم ~~الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ~~أعوذ بكلمات الله التامات، وأسمائه كلها من شر ما ذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي ~~شر، ومن شر كل دابة، أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم وإن يقل ~~دخوله من الخلاء عند وقت السحر كان أفضل، كيلا يشغله عن الذكر، يجعل ذلك في ~~آخر النهار أو من أول الليل فقد فعل ذلك كثير من الصالحين، وهو حسن، إلا أن ~~دخول الخلاء عند الصباح أصلح للجسد من جهة الطب وأنظف للطهارة، سيما لمن ~~يأكل بالنهار. ### | ذكر ما يستحب من القول # إذا أخذ العبد مضجعه للنوم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم # PageV01P063 # إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاعصمها واحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين. # وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب أن يقول إذا أخذ مضجعه ~~ليلا: اللهم إني وجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ~~ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك ~~الذي أرسلت. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم: اللهم قني ~~عذابك يوم تبعث عبادك وأنه أمر أن يقال الحمد لله الذي علا فقهر، الحمد لله ~~الذي بطن فجبر، الحمد لله الذي ملك فقدر، الحمد لله الذي هو يحيي الموتى، ~~وهو على كل شيء قدير، وليقل بعد ذلك: اللهم إني أسألك الراحة بعد الموت، ~~والعفوعند الحساب، اللهم إني أعوذ بك من غضبك وسوء عقابك وشر عبادك وشر ~~الشياطين وشركهم، وليقرأ خمسا من أول سورة البقرة وثلاثا من آخرها وآية ~~الكرسي والآيتين اللتين بعدها، وليقرأ قوله عز وجل: (وإلهكم إله واحد لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم) البقرة: 163، والآية التي بعدها إلى قوله تعالى: ~~(لقوم يعقلون) البقرة: 164، ويقال من قرأ هذه الآية عند منامه حفظ عليه ~~القرآن فلم ينسه ولا يدع ms0071 أن يقرأ آخر بني إسرائيل الآيتين: (قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن) الإسراء: 110، وهذه الآية من سورة الأعراف: (إن ربكم الله ~~الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) الأعراف: 54، فإنه يدخل في شعاره ملك ~~يوكل بحفظه ويستغفر له وليقرأ الخمس الآيات من أول سورة الحديد والثلاث من ~~آخر سورة الحشر، وقل: يا أيها الكافرون وقل: هو الله أحد والمعوذتين، وينفث ~~بهن في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده. # كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وليقرأ عشرا من أول ~~الكهف وعشرا من آخرها وهذه الآي لقيام الليل وأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقراءة: قل يا أيها الكافرون عند النوم، وكان عليه السلام يقول: ما ~~أرى أن رجلا مستكمل عقله ينام قبل أن يقرأ الآيتين من سورة البقرة آمن ~~الرسول، وليقل: اللهم أيقظني في أحب الساعات إليك واستعملني بأحب الأعمال ~~لديك التي تقربني إليك زلفى وتبعدني من سخطك بعدا أسألك فتعطيني وأستغفرك ~~فتغفر لي وأدعوك فتستجيب لي، اللهم لا تؤمنني مكرك ولا تولني غيرك ولا ترفع ~~عني سترك ولا تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين، يقال: من قال هذه الكلمات ~~عند نومه أهبط الله سبحانه وتعالى ثلاثة أملاك يوقظونه للصلاة فإن صلى ودعا ~~أمنوا على دعائه وإن لم يقم تعبدت الأملاك في الهواء وكتب له ثواب عبادتهم، ~~ثم ليسبح ثلاثا وثلاثين مرة، وليحمد ثلاثا وثلاثين مرة، وليكبر ثلاثا ~~وثلاثين مرة، وإن أحب ربعها خمسا وعشرين مرة، فقال: سبحان الله، والحمد ~~لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسا وعشرين مرة، فهن يجمعن له مائة ~~كلمة وهو أخف عليه للمداومة. # PageV01P064 # وروينا عن مطرف عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آخر ما يقول حين ينام وهو واضع خده على يده الىمنى وهو ~~يرى أنه مقبوض في تلك الليلة: اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ~~ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، فالق الحب ~~والنوى، أعوذ ms0072 بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس ~~قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر، وليسبح ثلاثا ~~وثلاثين مرة وليحمد ثلاثا وثلاثين مرة وليكبر أربعا وثلاثين مرة وإن شاعر ~~بها خمسا وعشرين مرة وزاد فيها التهليل فهن يجمعن له مائة كلمة وهو أخف ~~عليه للمداومة، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وندب إليه في ~~إدبار الصلوات الخمس وعند النوم فهذا جامع ما يستحب من قراءة الآي والدعاء ~~عند النوم. ### | ذكر هيئة العبد عند النوم وأهبته للمضجع # ومعنى الإعتبار بذلك لذوي الأبصار يستحب للعبد أن ينام على طهارة سابعة، ~~وإلا مسح أعضاءه بالماء مسحا، وقد كانوا يستحبون السواك عند النوم، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان بعض السلف يجعل عند رأسه سواكه ~~وطهوره، فإذا انتبه من الليل استاك ومسح أعضاءه بالماء مسحا، وكانوا يذكرون ~~الله عز وجل بالتلاوة والتسبيح في تقلبهم ويعدون هذا يعدل قيام الليل، وقد ~~روي هذا الخبر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن غيره، وروينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نحوه وأنه كان يستاك في ليلة مرارا عند كل قومة من ~~نومه فليعد العبد طهوره وسواكه عند رأسه وينوي قيام الليل فأي وقت استيقظ ~~توضأ وصلى أو قعد فقرأ أو دعا وذكر الله عز وجل واستغفره أو تفكر في آلائه ~~وعظمته ومعاني قدرته ففي أي وجه أخذ من هذه المعاني فهو ذكر، وقد استعمل ~~بذلك وفيه قربة إلى الله عز وجل، وهو فضل من الله تعالى ورحمته عليه، ولا ~~ينبغي للعبد أن يبيت وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده فإنه لا يأمن ~~القبض بالوفاة، وقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله: لا ~~ينبغي لعبد أن ينام ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده، ~~ويقال: من مات عن غير وصية ms0073 لم يؤذن في الكلام في البرزخ إلى يوم القيامة، ~~تتزاور الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم فيما بينهم إلى يوم القيامة فيقول ~~بعضهم لبعض: هذا المسكين مات عن غير وصية فيكون ذلك حسرة عليه بينهم، وموت ~~الفجأة تخفيف ومستحب للمؤمن الفقير للثواب الذي حلب لا مال له ولا دين عليه ~~فأما المثقل بالدين والمخلط في الدين ومن له مال أو هو مصر على مطل فإن موت ~~الفجأة لهؤلاء عقوبة ومكروه، ولا ينبغي للعبد أن يبيت إلا تائبا من كل ذنب، ~~سليم القلب لجميع المسلمين، لا يحدث نفسه بظلم أحد، ولا يعقد على الخطيئة ~~إن استيقظ، وقد جاء في الخبر: من أوى إلى فراشه لا ينوي ظلم أحد ولا يحقد ~~على أحد غفر له ما اجترم # PageV01P065 # وليستقبل في نومه القبلة واستقبال القبلة، على ضربين إن كان مستلقيا ~~فاستقباله القبلة أن يكون وجهه إليها مع أخمص قدميه كحال الميت المسجى وإن ~~كان نائما على جنب فاستقبال القبلة أن يكون وجهه إليها مع شقه الأيمن كهيئة ~~الملحد في قبره فسيصير إليه عن قريب وليذكر بنومه على هذين الحالين عند ~~موته وحين اضطجاعه في قبره، وقد قال الله عز وجل: (ألم نجعل الأرض كفاتا) ~~(أحياء وأمواتا) المرسلات: 25 - 26، في أحد الوجهين وهو مذهب أهل التفسير ~~أي يكفتهم ويجمعهم أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها، وقد جعل الله سبحانه ~~وتعالى النوم من آياته الدالة عليه لأهل السمع منه وهو سمع اليقين وقرنه ~~بالابتغاء من فضله فقال عز وجل: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) الروم: 23، وكان فقراء أهل ~~الصفة وبعض زهاد التابعين إذا رقدوا لا يجعلون بينهم وبين الأرض شيئا، كان ~~أحدهم يباشر التراب بجلده ويطرح ثوبه فوقه ويقول: منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم، كأنهم كرهوا الترفع عليها والوقاية منها يجدون ذلك أرق لقلوبهم ~~وأبلغ في تواضعهم، ومثل النوم عند أهل الاعتبار مثل البرزخ هو بين الدنيا ~~والآخرة كذلك النوم بين الحياة والموت فإذا كشف حجاب النوم ظهرت الدنيا ms0074 ~~بالحكمة وكذلك إذا كشف الغطاء ظهرت الآخرة بالقدرة فصارت الدنيا كلاأحلام ~~في النوم وقد قال الله عز وجل: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه) الانعام: 60 وكان بعضهم يقول عجبا لمن يعصي الله عز ~~وجل ثم ينام بعد ذلك. # وذكر بعض العلماء عن الله عز وجل: إن كنتم تعصوني فاخرجوا من بساطي ولا ~~تناموا في قبضتي، وقال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، ~~فكما أنك تنام فكذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فإذا نمت فلا تنتبه، فكما ~~أنك تنتبه بعد نومك فكذلك تبعث بعد موتك، فيلتذكر العبد عند نومه حين موته ~~وليعلم أن الله تعالى يكون له يعد موته كما كان العبد له قبل نومه فلينظر ~~على أي حال نام وعلى أي هم توفاه الله عليه وليتذكر بانتباهه البعث فإن ~~العبد يبعث على ما مات عليه في الدنيا فيبعث بهمه ويحشر مع محبوبه كما ~~ينتبه النائم عن همه إلى محبوبه الذي نام عنه، وفي الخبر أن المرء مع من ~~أحب وله ما احتسب، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: من مات على مرتبة من ~~المراتب بعث عليها يوم القيامة، وروينا عن كعب الأحبار قال: إذا نمت فاضطجع ~~على شقك الأيمن واستقبل القبلة بوجهك فإنها وفاة. ### | بيان آخر من الاعتبار لأهل التبصرة والتذكار # وليعلم العبد أن الله عز وجل يكون له بعد بعثه من قبره كما كان العبد له ~~بعد بعثه من نومه، فلينظر إلى أي حال يبعث، وإن كان العبد لنظر مولاه مكرما ~~ولشأنه معظما ولحرماته معظما وإلى محبوبه ومرضاته ومسرته من النعيم المقيم ~~مسرعا كان الله تعالى في # PageV01P066 # آخرته لوجهه مكرما، وان كان العبد في حق مولاه متهاونا وبأمره مستخفا ~~ولشعائره مستصغرا كان الله تعالى له مهينا وبشأنه متهاونا، قال الله تعالى: ~~(وما يستوي الأعمى والبصير) فاطر: 19، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء، ثم قال: (قليلا ما تذكرون) الأعراف: 3، موبخا لهم بذلك، وقال في ~~مثله: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) القلم: ms0075 35، ثم قال: (ما لكم كيف تحكمون) ~~القلم: 36، ذاما عائبا لحكمهم؟ ثم أخبر بحكمه فيهم فقال: (أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون) الجاثية: 12، هكذا تقدير الكلام وهو من المقدم ~~والمؤخر، فرفع حسناتهم وأخبر بسوء حكمهم ثم ذكر حكمهم عنده في المحيا ~~والممات فقال: (سواء محياهم ومماتهم) الجاثية: 21، أي كما كانوا في الحياة ~~كذلك يكونون بعد الوفاة، ثم عقب ذلك بذكر عدله في خلقه فقال: (وخلق الله ~~السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) الجاثية: 22 ~~فكان هذا فصل الخطاب وتذكار أولي الألباب، وقال في معناه وأمر بتدبر كلامه ~~وأمر بتذكر العقلاء عن خطابه فقال: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب) ص: 29، هل يتدبرون فيجدون أنا نجعل المفسدين ~~كالمصلحين أو نجعل المتقين كالفاسقين وهو قوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ص: 28، ~~فالتدبر التفهم، والتذكر التقوى والعمل، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أحب أن يعلم منزلته عند الله عز وجل فلينظر كيف منزلة الله تعالى ~~من قلبه فإن الله عز وجل ينزل العبد عنده بحيث نزله العبد من نفسه، فإذا ~~نام العبد على طهارة وذكر وعن مثل هذه المشاهدة والفكر فإن مضطجعه يكون ~~مسجدا وإنه يكتب مصليا حتى يستيقظ ويدخل في شعاره ملك فإن تحرك في نومه ~~فذكر الله عز وجل دعا له الملك واستغفر له، وفي الخبر: إذا نام العبد على ~~طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة، وإن لم ينم على طهارة قصرت ~~روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق، فإن غلبه النوم حتى ~~يصبح حسب له قيام ليلة وكان نومه عليه صدقة ومن كان هذا وصفه في منامه يسبق ~~كثيرا من العباد في قيامهم عن شهود غفلة وسهو. وقد روينا في خبر نوم العالم ~~عبادة ونفسه تسبيح. ### | ذكر ما يستحب من القول عند القيام إلى التهجد ms0076 # فإذا قام من الليل متهجدا فليقل: الحمد لله الذي أحياني بعد إذ توفاني ~~وإليه النشور، وليقرأ العشر الأواخر من سورة آل عمران، وليستك وليتوضأ ~~ويقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأسألك التوبة فاغفر لي وتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ~~واجعلني صبورا شكورا # PageV01P067 # واجعلني أذكرك كثيرا وأسبحك بكرة وأصيلا، ثم يرفع رأسه إلى السماء فيقول: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أنا عبدك ابن عبدك، ناصيتي بيدك، جار في ~~حكمك، عدل في قضاؤك، هذه يدي بما كسبت، هذه نفسي بما اجترحت، لا إله إلا ~~إنت سبحانك إني كنت من الظالمين عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنك ~~أنت ربي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإذا قام إلى الصلاة متوجها فليقل ~~الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثم ليسبح ~~عشرا وليحمد عشرا وليهلل عشرا وليكبر عشرا وليقل الله أكبر ذو الملكوت ~~والجبروت والكبرياء والجلال والعظمة والقدرة، وليقل هذه الكلمات فإنها ~~مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه للتهجد: اللهم لك الحمد، ~~أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد، أنت بهاء السموات والأرض، ولك الحمد ~~أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت زين السموات والأرض، ولك الحمد أنت ~~قيام السموات والأرض، ومن فيهن ومن عليهن، أنت الحق، ومنك الحق، ولقاؤك حق، ~~والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك ~~أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر اللهم يا رب ~~لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا ~~إله إلا أنت، اللهم آت نفسي تقواها، اللهم زكها، أنت خير من زكاها، أنت ~~وليها، ومولاها، اللهم اهدني لأحسن الأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا ms0077 أنت، ~~واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، أسألك مسألة البائس المسكين ~~وأدعوك دعاء المفتقر الذليل فلا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا ~~رحيما، يا خير المسؤولين، ويا أكرم المعطين، ويستحب أن يفتح صلاته بركعتين ~~خفيفتين، ويستحب له أن لا يأكل شيئا ولا يشرب ماء حتى يقضي همته من صلاته ~~فإن العبد إذا استيقظ من نومه يكون جام القلب فارغ الهم، فإذا أكل وشرب ~~تغير قلبه عن هيئته فليغيب أكله إلا أن يخاف أن يفجأه الفجر إن لم يتسحر أو ~~يشرب فليبدأ حينئذ بذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV01P068 ### | الفصل الرابع عشر # في ذكر تقسيم قيام الليل ونومه ### | ووصف القائمين والمتهجدين # قد قرن الله سبحانه وتعالى قوام الليل برسوله المصطفى وجمعهم معه في شكر ~~المعاملة وحسن الجزاء فقال تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك) المزمل: 20، وقد أخبر الله سبحانه ~~أن قراءة الليل أشد وطئا للقلب وأقوم قيلا للحفظ والذكر أي يواطئ القلب ~~اللسان بالفهم والحفظ، وقدسمى الله تعالى أهل الليل علماء وجعلهم أهل الخوف ~~والرجاء وأخفى لهم قرة العين من الجزاء فقال: (أمن هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) الزمر: 9، ثم قال: (قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9، وهذا من المحذوف ضده لدلالة ~~الكلام عليه والمعنى أمن هو هكذا عالم قانت مطيع لا يستوي مع من هو غافل ~~نائم ليله أجمع فهو غير عالم بما يحذر وبما يرجو من ربه عز وجل، وقال عز ~~وجل في وصفهم في الدنيا، ووصف ما أعد لهم في الآخرة والذين يبيتون لربهم ~~سجدا وقياما: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) السجدة: ~~16، أي تنبو عن الفراش فلا تطمئن لما فيها من خوف الوعيد ورجاء الموعود، ثم ~~قال: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ~~السجدة: 17، قيل: كان عملهم قيام الليل وقيل بل كانوا ms0078 أهل خوف ورجاء، وهذان ~~من أعمال القلوب عن مشاهدة الغيوب فلما أخفوا له الإخلاص بأعمال السرائر ~~أخفي لهم من الجزاء نفيس الذخائر ولا تقر أعين هؤلاء المحبين إلا بوجهه كما ~~لم يعملوا إلا لوجه الله تعالى، وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ~~(واستعينوا بالصبر والصلاة) البقرة: 45 قال: هي صلاة الليل استعينوا بها ~~على مجاهدة النفس ومصابرة العدو، ثم قال: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) ~~البقرة: 45، يعني الخائفين المتواضعين لا تثقل عليهم ولا تجفو بل تخف ~~وتحلو، وفي الخبر: قيل يارسول الله إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق ~~فقال سينهاه ما تقول، وقال صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله بن عمر ~~لو كان يصلي من الليل قال فما فاتته بعد ذلك ليلة حتى يقوم فيها، وفي ~~الخبر: عليكم بقيام الليل فإنه مرضاة لربكم # PageV01P069 # ومكفر سيئاتكم وهو دأب الصالحين قبلكم ومنهاة عن الإثم وملقاة للوزر ~~ومذهبة لكيد الشيطان ومطردة للداء عن الجسد، وقد جعل الله سبحانه قيام ~~الليل من أوصاف الصالحين بقوله: (يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) ~~آل عمران: 113، إلى قوله: (وأولئك من الصالحين) آل عمران: 114 فيستحب من ~~قيام الليل ثلثاه وأقل الاستحباب من القيام سدسه، لأنا روينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقم ليلة قط حتى أصبح، بل كان ينام منها، ولم ينم ليلة ~~حتى يصبح بل كان يقوم منها، ويقال إن الصلاة أول الليل للمتهجدين، وقيام ~~أوسطه للقانتين، وقيام آخره للمصلين، والقيام من الفجر للغافلين، وحدثنا عن ~~عبد الله بن عمر قال: حدثنا يوسف بن مهران قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في ~~صورة ديك براثنه من لؤلؤ وصئصئتاه من زبرجد أخضر فإذا مضى نصف الليل الأول ~~ضرب بجناحه وزقى، وقال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحه وزقى ~~وقال: ليقم المتهجدون، فإذا مضى ثلث الليل ضرب بجناحه وزقى وقال: ليقم ~~المصلون، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحه وزقى، وقال: ليقم الغافلون وعليهم ~~أوزارهم وقال بعض العلماء أهل الليل على ms0079 ثلاثة أصناف قوم قطعهم الليل فكان ~~هؤلاء المريدون ذوو الأوراد والأجزاء كابدوا الليل فغلبهم قال وقوم قطعوا ~~الليل فكان هؤلاء العالمون الذين صبروا وصابروا فغلبوه وقال قوم قطع بهم ~~الليل فكان هؤلاء المحبون والعلماء أهل الفكر والمحادثة وأهل الأنس ~~والمجالسة وأهل الذكر والمناجاة وأهل التملق والملاقاة نغص عليهم الليل ~~حالهم وقصر النعيم عليهم ليلهم ورفع الحبيب عنهم نومهم وخفف الفهم عليهم ~~قيامهم وأذهب مزيد الوصل عنهم مللهم وأوصل العتاب لهم سهرهم. # وقيل لبعض أهل الليل كيف أنت والليل؟ فقال: ما رعيته قط يريني وجهه ثم ~~ينصرف وما تأملته، وقال آخر: أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ~~ومرة يقطعني عن الفكر، وقيل لبعضهم: كيف الليل عليك؟ فقال: هو ساعة أنا ~~فيها بين حالين، أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به ~~قط، ولا اشتفيت منه قط وقيل لبعض المحبين: كيف الليل عليك؟ فقال: والله ما ~~أدري كيف أنا فيه إلا أنا بين نظرة ووقفة يقبل بظلامه فأتدرعه ثم يسفر قبل ~~أن أتلبسه ثم أنشد: # لم أستتم عناقه لقدومه ... حتى بدا تسليمه لوداع # وقال بعضهم: # وزارني طيفك حتى إذا ... أراد أن يمضي تعلقت به # فليت ليلي لم يزل سرمدا ... والصبح لم أنظر إلى كوكبه # PageV01P070 # وشكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهره بالليل وأن السهر قد أضر به ثم ~~قال: أخبرني بشيء أجتلب به النوم، فقال له أستاذه: يا بني أن لله نفحات في ~~الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطئ بالقلوب النائمة فتعرض لتلك ~~النفحات ففيها الخيرة، فقال: يا أستاذ تركتني لا أنام بالليل ولا بالنهار، ~~وتذاكر قوم قصر الليل عليهم فقال بعضهم: أما أنا فإن الليل يزورني قائما ثم ~~ينصرف قبل أن جلس، وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع ~~الفجر وقال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بدخول الظلام لخلوتي فيه ~~بربي، فإذا طلع الفجر حزنت لدخول الناس علي، وقال أبو سليمان: أهل الليل في ~~ليلهم ألذ من أهل ms0080 اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، ~~وقال أيضا: لو عوض الله عز وجل أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه في ~~قلوبهم من اللذة لكان ذلك أكبر من أعمالهم وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا ~~وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة ~~المناجاة، وقال بعضهم: قيام الليل والتملق للحبيب والمناجاة للقريب في ~~الدنيا ليس من الدنيا هو من الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا، لا ~~يعرفه إلا هم، ولا يجده سواهم روحا لقلوبهم، وقال عتبة الغلام: كابدت الليل ~~عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة وقال يوسف بن أسباط: قيام ليلة أسهل علي ~~من عمل قفة وكان يعمل كل يوم عشر قفاف، وقال غيره: ما رأيت أعجب من الليل ~~إذا اضطربت تحته غلبك، وإن ثبت له لم يقف، وبكى عامر بن عبد الله حين حضرته ~~الوفاة فقيل له ذلك فقال: والله ما أبكي حبا للبقاء ولكن ذكرت ظمأ الهواجر ~~في الصيف وقيام الليل في الشتاء، وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا ~~إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة، وقال بعض ~~العارفين: إن الله عز وجل ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا ~~فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب ~~الغافلين. # وقال بعض العلماء: إن الله عز وجل ينظر إلى الجنان عند السحر نظرة فتشرق ~~وتضيء وتهتز وتربو وتزداد جمالا وحسنا وطيبا ألف ألف ضعف في جميع معانيها، ~~ثم تقول: قد أفلح المؤمنون فيقول الله عز وجل: هنيئا لك منازل الملوك وعزتي ~~وجلالي وارتفاع مكاني لا أسكنك جبارا ولابخيلا ولا متكبرا ولا فخورا، وينظر ~~إلى العرض نظرة فيتسع ألف ألف سعة ويزداد بكل سعة ألف ألف عالم منها كل ~~عالم لا يعلم وسعه إلا الله عز وجل، ثم يهتز فيثقل على الحملة حتى يموج ~~بعضهم في بعض ويحطم بعضهم بعضا وهم بعدد جميع ما خلق الله عز وجل وأضعاف ms0081 ما ~~خلق الله عز وجل فيقول العرش سبحانك أينما كنت وأينما تكون، فينادي حملة ~~العرش: سبحان من لا يعلم أين هو إلا هو، سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو. # PageV01P071 # وروينا عن بعض العلماء من القدماء أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الصديقين: ~~أن لي عبادا من عبادي يحبونني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكرونني ~~وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم ~~مقتك، قال: يا رب وما علامتهم؟ قال: يراعون الظلام بالنهار كما يراعي ~~الراعي الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطيور إلى أوكارها عند ~~الغروب، فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل ~~حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا ~~لي بأنعامي، فبين صارخ وباك ومتأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد ~~بعيني ما يتحملون لأجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي، أول ما أعطيهم أقذف من ~~نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم، والثانية لو كانت السموات السبع ~~والأرض وما فيهما من موازينهم لاستقللتها لهم، والثالثة أقبل بوجهي عليهم ~~فترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه، وقال مالك بن دينار: ~~إذا قام العبد يتهجد من الليل ورتل القرآن كما أمر قرب الجبار تعالى منه ~~قال: وكانوا يرون أن ما يجدون في قلوبهم من الرقة والحلاوة والفتوح ~~والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب، وفي الأخبار من الجبار عز وجل: أي ~~عبدي أنا الله الذي اقتربت لقلبك وبالغيب رأيت نوري، وفي الخبر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء إذنه لحسن الصوت بالقرآن يعني ما ~~استمع إلى شيء كاستماعه إليه، وفي الحديث الآخر لله أشد أذنا إلى قارئ ~~القرآن من صاحب القينة إلى قينته وأهل اللهو في غفلة عما أهل الآخرة فيه ~~وفي عمى عما ينظر هؤلاء الحاضرون إليه وكأين من آية في السموات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون بل قلوبهم في غمرة ms0082 من هذا، وطبع على قلوبهم ~~فهم لا يسمعون، يقال إن وهب بن منبه اليماني ما وضع جنبه إلى الأرض ثلاثين ~~سنة كانت له مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها، وخفق خفقات ثم ~~يفزع إلى القيام وكان يقول لأن أرى في بيتي شيطانا أحب إلي من أن أرى فيه ~~وسادة يعني لأنها تدعو إلى النوم، وقال رقبة بن مسقلة: رأيت رب العزة تعالى ~~في النوم فسمعته يقول: وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى ~~الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة، ويقال إنه كان مذهبه أن النوم إذا ~~خامر القلب وجب الوضوء. ### | ذكر من روي عنه أنه أحيا الليل كله # ومن اشتهر بإحياء الليل كله وصلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة ~~أو ثلاثين سنة حتى نقل عنه ذلك أربعون من التابعين منهم: سعيد بن المسيب ~~وصفوان بن سليم المدنيان وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد المكيان وطاوس ووهب ~~بن منبه اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم بن عيينة الكوفيان وأبو سليمان ~~الداراني وعلي بن بكار الشاميان وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم العباديان ~~وحبيب أبو محمد وأبو جابر # PageV01P072 # السلماني الفارسيان ومالك بن دينار وسليمان التيمي ويزيد الرقاشي وحبيب ~~بن أبي ثابت ويحيى البكاء البصريون وكهمس بن المنهال، وكان يختم في الشهر ~~تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأه مرة أخرى وأيضا من أهل المدينة أبو حازم ~~ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم، هؤلاء المشهورون منهم، فإن أحب ~~المريد نام ثلث الليل الأول وقام نصفه ونام سدسه الأخير، وإن أراد نام نصف ~~الليل وقام ثلثه ونام سدسه، فقد روي أن هذا من أفضل القيام وإنه كان قيام ~~نبي الله عز وجل داود عليه السلام، جاء ذلك في روايتين وإن أحب العبد قدم ~~القيام فيهما وأخر وتره إلى السحر فإن قام نصف الليل قسم نومه في أول الليل ~~وآخره فإن قام ثلث الليل نام سدسه الأخير وإن اختار أن يقوم من أول الليل ~~حتى يغلبه النوم ثم ينام ثم ms0083 يقوم متى استيقظ ثم ينام متى غلبه النوم ثم ~~يقوم آخر الليل فيكون له في الليل نومتان وقومتان فهذا من مكابدة الليل وهو ~~من أشد الأعمال وهذه طريقة أهل الحضور واليقظة وأهل التذكار والتذكرة فقد ~~كان هذا من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنس ابن مالك ما كنت ~~تريد أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما إلا رأيته ولا كنت تريد أن ~~تراه قائما إلا رأيته وكان هذا مذهب ابن عمر وأولي العزم من الصحابة في ~~قيام الليل وفعله جماعة من التابعين، وقد رأينا من كان له في الليل قومات ~~ونومات في تضاعيف ذلك، فإما أن يكون المنام والقيام موزونا عدلا فليس ذلك ~~إلا لنبي بقلب دائم اليقظة وبوحي من الله عز وجل ولا يسلك هذا الطريق إلا ~~بأسباب هي زاده لأن كل طريق يقطع بزاد مثله فمن أراده احتقب وأخذ من زاده ~~فالأسباب أحدها هم يلزم القلب وحزن يسكن فيه أو يقظة دائمة يحيا بها القلب ~~وفكر في الملكوت متصل وخلو المعدة من الطعام وقلة الشرب وأن يقيل بالنهار ~~ولا يكثر تعب جوارحه في أمر الدنيا فهذه رياضة المريد إلى أن يألف القيام ~~وليستوطن حينئذ فيتجافى جنبه لما في قلبه من الخوف والرجاء الذي قد استكن ~~فيه. # وروي عن الله سبحانه وتعالى: إن عبدي الذي هو عبدي حقا الذي لا ينتظر ~~بقيامه صياح الديك ففي هذا حث على القيام قبل السحر ونوم آخر الليل نستحبه ~~لمعنيين: أحدهما أنه يذهب بالنعاس بالغداة وقد كانوا يكرهون النعاس بالغداة ~~ويأمرون الناعس بعد صلاة الصبح بالنوم، والمعنى الثاني أنه يقل صفرة الوجه ~~فلو قام العبد أكثر الليل ونام سحرا ذهب نعاسه بالغداة وقلت صفرة وجهه ولو ~~نام أكثر الليل وسهر من السحر جلب عليه النعاس بالغداة وصفرة الوجه فليتق ~~العبد ذلك فإنه باب غامض من الشهرة والشهوة الخفيفة وليقل شرب الماء بالليل ~~فقد يكون منه الصفرة سيما في آخر الليل وبعد الانتباه من النوم. # وقالت عائشة رضي الله ms0084 عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر ~~من آخر الليل فإن كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى ~~يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة # PageV01P073 # وقالت أيضا ما ألفيته السحر الأعلى إلا نائما تعني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وفي الخبر الآخر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوتر من آخر ~~الليل اضطجع على شقه الأيمن ضجعة حتى يأتيه بلال فيخرج معه إلى الصلاة فقد ~~كان السلف يستحبون هذه الضجعة بعد الوتر وقبل صلاة الصبح حتى قال بعضهم فهي ~~سنة - منهم أبو هريرة ومروان - والنوم من آخر الليل وفي الثلث الأخير مزيد ~~لأهل المشاهدة والحضور لأنه كشف لهم من الملكوت واستماع العلوم من الجبروت ~~وهو راحة وسكن للعمال وأهل المجاهدة ولذلك حظرت الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد ~~صلاة العصر ليستريح عمال الله عز وجل وأهل أوراد الليل والنهار فيهما، ~~والنوم من آخر الليل هو نقصان لأهل السهو والغفلة من حيث كان مزيدا لأهل ~~الشهود واليقظة لأنه آخر خدمة أولئك ففيه راحتهم وهو تطاول النوم والغفلة ~~بهؤلاء فهو نقصهم وليفصل العبد في تضاعيف صلاة الليل بجلوس يسبح فيه مائة ~~تسبيحة فذلك ترويح له وعون على الصلاة وهو داخل في قوله تعالى: (ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود) سورة ق: 40، أي أعقاب الصلاة في أحد الوجهين على ~~قراءة من نصب وإن أراد المزيد أحيا الوردين اللذين من أول الليل أحدهما بين ~~العشاءين والثاني قبل نومة الناس فإن إحياء هذين الوردين عند بعض العلماء ~~أفضل من صيام يوم ثم ليقم الورد الرابع وهو ما بين الفجرين وهو أول ثلث ~~الليل الأخير أو الورد الخامس وهو السحر الخير قبل طلوع الفجر الثاني وهو ~~يصلح للقراءة والاستغفار إن كان لم يعتد للقيام في جوف الليل، وفي خبر أبي ~~موسى ومعاذ لما التقيا قال معاذ لأبي موسى: كيف تصنع في قيام الليل؟ قال: ~~أقومه أجمع لا أنام منه شيئا وأتفوق القرآن فيه تفوقا، قال معاذ: لكني أنام ~~ثم أقوم وأحتسب ms0085 في نومتي ما أحتسب في قومتي، فذكرا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لأبي موسى: معاذ أفقه منك، وقد كان بعضهم لا ينام حتى يغلبه ~~النوم، وكان بعض السلف يقول: هي أول نومة فإن انتبهت ثم عدت إلى نومة أخرى ~~فلا أنام الله عيني، وسئل فزارة الشامي عن وصف الأبدال وكانوا يظهرون له ~~فقال أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة وصمتهم حكمة وعلمهم قدرة، وقيل ~~لآخر صف لنا الخائفين، فقال: أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى ولا يدع ~~العبد أن يقوم مقدار خمس الليل أو سدسه وهو ورد من أوراد الليل أو وردان ~~على اختلافهما في الطول والقصر متفرقا كان قيامه أو متصلا وأي ورد أحياه من ~~الليل بأي نوع من الأذكار فقد دخل في أهل الليل وله معهم نصيب ومن أحيا ~~أكثر ليلته أو نصفها كتب له إحياء جميعها وتصدق عليه بما بقي منها، ومن صلى ~~في ليلة عشرين ركعة وأوتر بعدها بثلاث حسب له كأنه أحياها بفضل الله ~~ورحمته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم ليلة نصف الليل وليلة ~~ثلثه وليلة ثلثيه وذلك مذكور في أول الآيتين من قيام الليل في سورة المزمل ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم ليلة نصف الليل ونصف سدسه معه ~~ويقوم # PageV01P074 # ليلة ربعه ويقوم ليلة سدس الليل حسب وذلك مذكور في آخر الآيتين من قيام ~~الليل وهذا على قراءة من كسر ونصفه وثلثه فأما من نصب فقال ونصفه وثلثه ~~فإنه يعني يقوم النصف مع نصف السدس والنصف وحده والثلث وحده وهو الذي ~~ذكرناه من الآية الأولى. # وقد جاء في التفسير نحو هذا وهو صلى الله عليه وسلم مفترض عليه صلاة ~~الليل، فالآية الأولى أمره تعالى بقيام الليل فيها والأخرى أخبر عنه بقيامه ~~كيف هو فالأجود أن يكون ما أخبر عنه مواظبا لما أمره به فالذي أمره به أنه ~~قال تعالى: (قم الليل) المزمل: 2، ثم استثنى القليل منه فقال: (إلا قليلا) ~~المزمل: 2، ثم فسر أمره فقال ms0086 نصفه أو أنقص منه قليلا يعني والله أعلم أنقص ~~نصف السدس أو نصف الثلث هذان أقل أسماء النقصان عند العرب، ثم قال: (أو زد ~~عليه) المزمل: 4 أو زد عليه يعني زد على النصف كأنه رد عليه نصف سدس الليل ~~لأنه أخبر عنه في الآية الأخرى بأقل من الثلثين فقال: إن ربك يعلم أنك تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل يكون هذا نصفا ونصف سدس وهو أقل التسمية عندهم، ثم قال: ~~ونصفه أي ويعلم أنك تقوم نصفه أيضا وثلثه أي وتقوم ثلثه، فهذه الأخبار أشبه ~~بوطء الأمر من قراءة من كسر فقال ونصفه وثلثه يريد وتقوم أدنى من نصفه وهو ~~الربع أو الثلث وأدنى من ثلثه وهو السدس أو نصف السدس. # وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من ~~الليل إذا سمع الصارخ يعني الديك فهذا يكون من السحر فقط فكان هذا يكون سدس ~~الليل أو نصف سدسه ففيه رخصة وسعة لقوام الليل، قلنا هذا تقريب لا تحديد ~~والله أعلم والنصب اختيارنا في القراءة على معنى كثرة القيام ولمواطأة ~~الخبر عنه للأمر، وقد جاء في الأثر صل من الليل ولو قدر حلب شاة فهذا قد ~~يكون أربع ركعات وقد يكون ركعتين، وقال أبو سليمان: من أحسن في نهاره كوفئ ~~في ليله ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره وكان يقول: أهل الليل على ثلاث ~~طبقات منهم إذا قرأ متفكرا بكى ومنهم إذا تفكر صاح وراحته في صياحه ومنهم ~~من إذا قرأ وتفكر بهت فلم يبك ولم يصح، قلت له: من أي شيء صاح هذا ومن أي ~~شيء بهت هذا؟ فقال: لا أقوى على التفسير، وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني ~~أبيت معافى وأحب قيام الليل وأتخذ طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك ~~قيدتك يا ابن أخي، وكان الحسن إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم قال أظن ليل ~~هؤلاء ليل سوء ما يقيلون. # وقال بعض السلف: كيف ينجو التاجر من سوء الحساب وهو ms0087 يلغو بالنهار وينام ~~بالليل، وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل له: ما ~~هو؟ قال رأيت رجلا بكى فقلت في نفسي هذا مراء، وقال بعضهم: دخلت على كرز بن ~~وبرة وهو يبكي، فقلت: ما بالك أتاك نعي بعض أهلك؟ فقال: أشد، فقلت وجع ~~يؤلمك؟ قال: # PageV01P075 # أشد، قلت فما ذاك؟ قال: بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ جزئي البارحة وما ~~ذاك إلا بذنب أحدثه، وقال محمد بن شبانة: سمعت بعض الشيوخ الثقات المستورين ~~ببغداد يقول: سمعت ابن الصافي البقال بدينور يقول: كان بدينور سجان قال إني ~~بقيت على باب السجن نيفا وثلاثين سنة فما من أحد حمل إلى السجن من الذين ~~أخذهم الطوف بالليل إلا سألته فقلت له هل صليت صلاة العشاء الآخرة في جماعة ~~إلا قال لا، وقال أبو سليمان: لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب وكان ~~يقول: الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة البعد فكأنه بعد من الصلاة والتلاوة ~~إذ في ذلك قرب ومن هذا قوله تعالى: (فبصرت به عن جنب) القصص: 11، وكان ~~الحسن يقول إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار. # وقال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر ~~فإن العبد ليأكل الأكلة فينقلب قلبه عما كان عليه فلا يعود إلى حاله الأول، ~~وقال آخر: كم من أكلة منعت قيام الليل، وكم من نظرة حرمت قراءة سورة وإن ~~العبد ليأكل الأكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة فبحسن التفقد تعرف ~~المزيد من النقصان وبقلة الذنوب يوقف على التفقد وكان الفضيل يقول: لو رزقت ~~من فهم القرآن وقيام الليل في أول أمري ما رزقت الآن، ما كتبت حديثا قط ولا ~~اشتغلت بغير القرآن، ويقال إن طول القيام راحات القيامة وإن صلاة الليل ~~كفارات الكبائر وقيل إنه جبران لما نقص من الفرائض من صلاة الليل، وقد ~~كانوا يستحبون في صلاة النهار كثرة الركوع والسجود وفي صلاة الليل طول ~~القيام، واعلم أن صلاة الليل نافلة لرسول الله ms0088 صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~متمما لفرائضه وصلاة الليل تكملة لفرائضنا، وفي الخبر: إذا نام العبد عقد ~~الشيطان على رأسه ثلاث عقد فإن قعد وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت ~~عقدة، وإن صلى ركعتين انحلت العقد كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح ~~كسلانا خبيث النفس، وفي الخبر أن الرجل إذا نام حتى يصبح بال الشيطان في ~~أذنه، وقد روينا في الخبر الآخر أن للشيطان سعوطا ولعوقا وذرورا فإذا أسعط ~~العبد ساء خلقه وإذا ألعقه ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام بالليل حتى يصبح ~~ويستعان على قيام الليل بثلاث: أكل الحلال، والاستقامة على التوبة، وغم خوف ~~الوعيد أو شوق رجاء الموعود، والذي يحرم العبد به قيام الليل أو يعاقب معه ~~بطول الغفلة ثلاث: أكل الشبهات أو إصرار على الذنب وغلبة هم الدنيا على ~~القلب. # PageV01P076 ### | الفصل الخامس عشر # في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر ### | والصلاة في اليوم والليلة # وفضل صلاة الجماعة وذكر أفضل الأوقات المرجو فيها الإجابة و ### | ذكر صلاة التسبيح # وما يستحب أن يكون شعاره ليكن للعبد في كل يوم وليلة ورد من التسبيح وأقل ~~ذلك تسعمائة مرة من أنواع الأذكار التي وردت بها الأخبار، فليقل: لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي، لا ~~يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة، فإذا قال ذلك مائتي مرة لم ~~يعمل أحد في يومه أفضل من عمله بأثر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وليقل سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وتبارك الله ~~مائة مرة، وليقل: اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي مائة ~~مرة، وليقل: أستغفر الله الحي القيوم، وأسأله التوبة مائة مرة، ليقل: سبحان ~~الله العظيم وبحمده مائة مرة، وليقل: لا إله إلا الله الملك الحق المبين ~~مائة مرة، وليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله مائة مرة، يقول هذا في كل ~~يوم وفي كل ليلة فإن ms0089 رزق مزيدا عليه فهو فضل وإلا كان هذا معلومه وقد كان ~~في الصحابة من ورده كل يوم اثنا عشر ألف تسبيحة، وكان من التابعين من ورده ~~في كل يوم ثلاثون ألفا، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم عن بعض الأبدال أنه قام ~~ذات ليلة يصلي على شاطئ البحر فسمع صوتا عاليا بالتسبيح ولم ير أحدا فقال: ~~من أنت أسمع صوتك ولا أرى شخصك، فقال أنا ملك من الملائكة موكل بهذا البحر ~~أسبح الله عز وجل هذا التسبيح منذخلقت قلت فما اسمك؟ قال مهيهيائيل، قلت: ~~فما ثواب من قاله؟ قال: من قاله مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو ~~يرى له، وهو هذا التسبيح: سبحان الله العلي الديان، سبحان الله شديد ~~الأركان، سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار سبحان من لا يشغله شأن عن ~~شأن، سبحان الله الحنان، المنان، سبحان الله المسبح في كل مكان، وإن كان ~~للعبد من الصلاة أوراد معلومة فحسنا قد فعل كان من التابعين من ورده في كل ~~يوم ثلاثمائة ركعة وأربعمائة ركعة وكان منهم من ورده ستمائة ركعة إلى ألف ~~ركعة وأقل ما نقل عنه من الأوراد مائة ركعة في اليوم، وكان كرز بن وبرة ~~مقيما بمكة وكان # PageV01P077 # يطوف في كل يوم سبعين أسبوعا وفي كل ليلة سبعين أسبوعا، قال: فحسبنا ذلك ~~فكان عشرة فراسخ، فلهذه الأسابيع مائتان وثمانون ركعة، قال: وكان يختم مع ~~ذلك القرآن في اليوم والليلة مرتين، وقال هشام بن عروة: كان أبي يواظب على ~~ورده من التسبيح كما يواظب على جزئه من القرآن، وروي عنه أيضا: كان يواظب ~~على جزئه من الدعاء كما يواظب على جزئه من القرآن ولا يدع العبد أن يسبح ~~أدبار الصلوات الخمس مائة تسبيحة عند كل صلاة مكتوبة وكذلك عند النوم مائة ~~وليواظب على أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى ما جاء في تفسير قوله عز وجل: (له ~~مقاليد السموات والأرض) الزمر: 63 فإن لذلك ثوابا عظيما. # وروينا عن عثمان رضي الله عنه أنه سأل النبي ms0090 صلى الله عليه وسلم عن تفسير ~~هذه الآية: له مقاليد السموات والأرض، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني ~~عنه أحد قبلك هو لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله ~~الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، من قالها عشرا حين يصبح وحين يمسي ~~أعطي بها ست خصال فأول خصلة يحرس من إبليس وجنوده والثانية يعطى قنطارا من ~~الأجر والثالثة يرفع له درجة في الجنة والرابعة يزوجه الله عز وجل من الحور ~~العين والخامسة يحضرها اثنا عشر ملكا والسادسة يكون له من الأجر كمن حج ~~واعتمر وقد روينا في تفسيرها قولا آخر من رواية أخرى واتصل به ذكر كنز أهل ~~الجنة ما هو فإن ضم هذا إليه فقد جمع الروايتين واستوعب الفضيلتين، رواه ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسائل فأجابه عنها فقال: ما مقاليد السموات والأرض؟ فقال: ~~إن يقول العبد لا إله إلا الله محمد رسول الله وأما كنز أهل الجنة فيقول: ~~سبحان من في السماء عرشه سبحان من في السماء موضع أثره سبحان من سبقت رحمته ~~غضبه سبحان من لا ملجأ ولا مهرب إلا إليه يا عثمان من قالها كل يوم عشر ~~مرات كتب له بها ست خصال ينجيه الله من إبليس وجنوده وإن مات مات شهيدا ~~وبني له قصرا في الجنة وكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~وكأنما اشترى ثمانية من ولد إسماعيل وأعتقهم ولا يدع قراءة هذه الآيات الست ~~عند كل صلاة يصليها فريضة أو تطوع، ففي ذلك ثواب عظيم: (سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون) الصافات: 180 إلى آخر السورة وقوله: (فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون) الروم: 17 إلى قوله: (وكذلك تخرجون) الروم: 19 واستغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم خمسين مرة خمسا وعشرين إذا أصبح وخمسا وعشرين ~~إذا أمسى فإنه يكتب من ms0091 الأبدال بأثر في ذلك، رويناه من ذلك ولفظ الاستغفار ~~الذي جاء في الخبر أن يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين ~~والمسلمات حيهم وميتهم شاهدهم وغائبهم قريبهم وبعيدهم إنك تعلم متقلبهم # PageV01P078 # ومثواهم وليقل هذا الاستغفار في تشهده أيضا فقد جاء ذلك وليقل في كل عشر ~~مرات اللهم أصلح أمة محمد اللهم ارحم أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم يقال من قاله في كل يوم كتب له ثواب بدل من الأبدال وليقل ~~إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا اللهم أنت خلقتني وأنت هديتني وأنت تطعمني ~~وأنت تسقيني وأنت تميتني وأنت تحييني وأنت ربي لا رب لي سواك ولا إله إلا ~~أنت وحدك لا شريك لك فإن في ذكر شكر نعمة يومه ولا يدع أن يقول كلما استيقظ ~~من نومه وكلما أراد المنام هذه الكلمات بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله ما شاء ~~الله لا يصرف السوء إلا الله ففي هذا عصمة من الله عز وجل وحرز له من ~~الشيطان وقد جاء في الخبر من قالهن مائة مرة يوم عرفة قبل غروب الشمس ناداه ~~الله عز وجل من فوق عرشه قد أرضيتني وعلي رضاك سلني ما شئت أعطك ولا يدع أن ~~يقول كل غداة وكل عشية فإن تولوا فقل: حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه ~~توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، وكذلك يسأل الله الجنة ويستعيذ به ~~من النار سبعا وكلما سمع الأذان قال كما يقول المؤذن، فإذا فرغ فليقل رضيت ~~بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، اللهم بهذه ~~الدعوة التامة والكلمة الصادقة والصلاة القائمة صل على محمد وآله وأعطه ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، فإن كان الأذان لصلاة ~~الصبح أو صلاة المغرب زاد في ذلك، اللهم هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك ~~وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ملائكتك صل على محمد وآله ثم ms0092 ليدع بما أحب ~~وليغتنم الصلاة والدعاء بين الأذان والإقامة فإنه يستحب، ولتكن هذه الكلمة ~~هجيره وشعاره في الأوقات فإنها من دعاء الأبدال فيما بينهم وشعارهم في ~~أوقاتهم: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، العفو الغفور، يا سلام، سلم، ~~يارب، يا رب، يا ذا الجلال والإكرام، افتح بخير واختم بخير، فلا # إله إلا الله الحي القيوم، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، يا رب، ~~يا رب، يالله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا حليم، يا ~~ستار، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، يا الله، يا الله، يا عزيز، يا ~~عزيز، يا قريب، يا قريب، يا كريم، يا غفار، يا واسع المغفرة، اغفر لي ~~عافنا، واعف عنا نسألك العفو والعافية، يا غياث المستغيثين، وفي جميع ما ~~ذكرنا فضائل وردت بها الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال ~~وإنما أردنا شرح أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ من نوم النهار ~~وبالليل فإنه يقال من خير خصال الصائم إلا بعد العصر فقد كره للصائم. إلا ~~الله الحي القيوم، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، يا رب، يا رب، ~~يالله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا حليم، يا ستار، ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، يا الله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، ~~يا قريب، يا قريب، يا كريم، يا غفار، يا واسع المغفرة، اغفر لي عافنا، واعف ~~عنا نسألك العفو والعافية، يا غياث المستغيثين، وفي جميع ما ذكرنا فضائل ~~وردت بها الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال وإنما أردنا شرح ~~أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ من نوم النهار وبالليل فإنه يقال ~~من خير خصال الصائم إلا بعد العصر فقد كره للصائم. # وفي الخبر طيبوا طرق ms0093 القرآن من أفواهكم بالسواك، وفي الحديث السواك مطهرة # PageV01P079 # للفم مرضاة للرب عز وجل، ويقال إن الصلاة بعد السواك تفضل على الصلاة ~~بغير سواك سبعين ضعفا وأوكد ما استعمل فيه السواك أربعة أوقات قبل الزوال ~~للصائم ويوم الجمعة مع الغسل لها وفي قيام الليل وبالغداة عند الاستيقاظ من ~~النوم وقد كانوا يستحبون أن لا يأتي على العبد يوم وليلة إلا تصدق فيه ~~بصدقة وإن قل مثل لقمة أو ثمرة حتى كان بعضهم يتصدق ببصلة وبخيط لأنه جاء ~~في الأثر كل امرئ يوم القيامة في ظل صدقته والله سبحانه يشكر القليل الدائم ~~وهو أحب إليه من الكثير المنقطع ألم تر كيف ذم من أعطى وقطع في قوله تعالى: ~~(وأعطى قليلا وأكدى) النجم: 34 أي قطع ومدح فواكه الجنة يعيب بذلك فواكه ~~الدنيا في تدبر الخطاب فقال: (وفاكهة كثيرة) (لا مقطوعة ولا ممنوعة) ~~الواقعة: 32 - 33 أي فازهدوا من فوكه الدنيا فإنها مقطوعة ممنوعة رغبة في ~~هذه الدائمة وكان من أخلاق السلف أن لا يردوا سائلا إلا بشيء وإن قل لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم: للسائل حق ولو جاء على فرس مطوق بفضة ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~لا ترد السائل ولو بظلف محترق ودفعت عائشة رضي الله عنها إلى السائل عنبة ~~واحدة قال فنظر بعضنا إلى بعض فقالت: ما لك إن فيها لمثاقيل ذرة كثيرة وقد ~~كان من أخلاقهم أن لا يسأل أحد شيئا أو يراد بأمر مباح فيقول لا لكراهتهم ~~الخلاف ومحبتهم الائتلاف وكان من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~سئل شيئا قط فقال: لا، فإن لم يقدر عليه سكت وقد كانوا يجتمعون على الأمر ~~الواحد بقلب واحد ولا يستبد بعضهم بأمر دون بعض ولا يستأثر أحدهم بشيء دون ~~أخيه وبذلك وصفهم الله عز وجل في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم ومما ~~رزقناهم ينفقون) الشورى: 38 أي أمورهم مشاعة فيما بينهم غير مقسومة هم فيها ~~سواء، ms0094 ويستحب للعبد أن يجمع بين هذه الأعمال الأربعة صوم وصدقة وعيادة مريض ~~وشهود جنازة وقد كان هذا طريق المريدين يسارعون إليه ويحرصون عليه، وفي ~~الخبر من جمع بين هذه الأربع في يوم غفر له، وفي بعضها دخل الجنة فإن اتفق ~~له منها ثلاث أو اثنان فأعجزه ما بقي حسب له تمامها لحسن نيته، ولا يدعن ~~الجماعة سيما إذا سمع التأذين أو كان في جوار المسجد، وحد الجوار أن يكون ~~بينه وبين المسجد ثلاث دور، وأولى المساجد أن يصلي فيه أقربها منه إلا أن ~~يكون له نية في الأبعد لكثرة الخطأ أو لفضل الإمام فيه والصلاة خلف العالم ~~الفاضل أفضل أو يريد أن يعمر بيتا من بيوت الله عز وجل بالصلاة فيه وإن ~~بعد، وقال سعيد بن المسيب: من صلى الخمس في جماعة فقد ملأ البرين والبحرين ~~عبادة وليتوضأ لكل صلاة قبل دخول وقتها فإنه من المحافظة عليها ومن حسن ~~معاملتها، وقال أبو الدرداء: وحلف بالله وما سمعته حالفا بالله قط قال: من ~~أحب الأعمال إلى الله عز وجل ثلاث: أمر بصدقة، وخطوة إلى صلاة جماعة، أو ~~إصلاح بين الناس، # PageV01P080 # ويستحب له كلما دخل المسجد أو منزله أن يصلي ركعتين فإن ذلك من عمل ~~الأبرار وكلما خرج منه صلى ركعتين وقد كان السلف لا يخرجون من منازلهم حتى ~~يتوضؤوا ويستحب له كلما أحدث أن يتوضأ وكلما توضأ أن يصلي ركعتين فإن ذلك ~~من عمل الأبرار وهو لمن مات على هذا العمل شهادة وإذا خرج من منزله قال: ~~بسم الله ما شاء الله حسبي الله توكلت على الله لا قوة إلا بالله اللهم ~~إليك خرجت وأنت أخرجتني اللهم سلمني وسلم مني في ديني كما أخرجتني اللهم ~~إني أعوذ بك أن أزل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي عز جارك ~~وجل ثناؤك ولا إله غيرك وليقرأ سورة الحمد والمعوذتين ولا يدع صلاة الضحى ~~أربع ركعات ويزيد ما شاء الله إلى ثمان ركعات إلى اثنتي عشرة ركعة ولا يزيد ms0095 ~~على ذلك إن نشط أطالهن وإن فتر قصرهن وليجعل من قراءته فيهن والشمس وضحاها ~~وسورة والضحى وآخر سورة البقرة وآخر سورة الحشر، ثم ليتنفل بعد ذلك بما شاء ~~من غير أن تكون ورد الضحى فيلزمه المواظبة عليه، وفي حديث عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله، ~~وفي خبر عن الله عز وجل: يا ابن آدم صل لي أربع # ركعات في أول النهار أكفك آخره. ات في أول النهار أكفك آخره. # وفي حديث أم هانئ بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ~~ثمان ركعات، وفي الخبر يصبح ابن آدم: وعلى كل سلامى من جسده صدقة يعني في ~~كل مفصل وفي جسده ثلاثمائة وستون مفصلا، فأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن ~~المنكر صدقة، وحملك عن الضعيف صدقة، وهدايتك إلى الطريق صدقة، وإماطتك ~~الأذى صدقة، حتى ذكر التسبيح والتهليل ثم قال: وركعتا الضحى تأتي على ذلك ~~كله، أو قال: تجمعن لك ذلك، وقد كان من سيرة المتقدمين دخول المسجد سحرا ~~قبل طلوع الفجر والقعود فيه إلى صلاة الصبح ويفضلون هذا الفعل، حدثونا عن ~~رجل من التابعين قال: دخلت المسجد قبل طلوع الفجر فألفيت أبا هريرة قد ~~سبقني فقال: يا ابن أخي لأي شيء خرجت من منزلك هذه الساعة؟ فقلت لصلاة ~~الغداة، فقال: أبشر فإنا كنا نعد خروجنا وقعودنا في هذا المسجد هذه الساعة ~~ننتظر الصلاة بمنزلة غزوة في سبيل الله عز وجل، أو قال مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فأفضل الأوقات المرجو فيها الإجابة أربعة: عند السحر، وعند ~~طلوع الشمس، وعند غروبها، وبين الأذان والإقامة، وأفضل أوقات الليل والنهار ~~أوقات الصلوات المكتوبات، وإذا دعا الله وتعالى فليدعه بمعانى أسمائه فإنها ~~صفاته وهو يحب ذلك وإنما أظهرها ليعرف بها الداعي وليدع بها مثل أن يقول: ~~يا جبار اجبر قلبي، يا غفار اغفر ذنبي، يارحمن أصلحني، يارحيم ارحمني، يا ~~تواب تب علي، يا سلام سلمني، واستحب أن يدعو الله ms0096 عز وجل بأسمائه التسعة ~~والتسعين في كل يوم وليلة مرة، فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~من أحصاها دخل الجنة وهي متفرقة في جميع القرآن، فمن دعا الله عز وجل بها ~~موقنا كان كمن ختمه فإن تعذر عليه حفظها فإنها منشورة على غير ترتيب ~~فليتطرق إليها من # PageV01P081 # حروف المعجم فليذكر من كل حرف ما فيه كأن يبتدئ بالألف فينسق ما عليه من ~~الأسماء ثم بالباء ثم بالتاء فيقول: يا الله، يا أول، يا آخر، يا بارئ، يا ~~باطن، يا تواب، وقد يتعذر عليه وجود بعضها في بعض الحروف كغيرها إلا أنها ~~تخرج في سائر الحروف المتيسرة بالأسماء الظاهرة فإذا عد من الأحرف تسعة ~~وتسعين إسما أجزأه لأنه يجد في الحرف الواحد العشرة فأكثر ودون ذلك فلا ~~يضره إن لم يعرف في بعض الحروف اسما إذا أحصى العدد فقد حصل له الفضل للأثر ~~في ذلك. ### | ذكر صلاة التسبيح # استحب له أن يصلي صلاة التسبيح في الجمعة مرتين: مرة نهارا ومرة ليلا؛ ~~وهي ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات، إن صلاها نهارا لم يفصل بينهن بتسليم، ~~وإن صلاها ليلا سلم فيها سلامين فقد كان الصالحون يصلونها ويتعرفون بركتها ~~ويتذاكرون فضلها، وقد روينا فيها روايتين: إحداهما، حديث الحكم بن أبان عن ~~عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد ~~المطلب: ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك بشيء، إذا أنت فعلته غفر الله لك ~~ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، وخطأه وعمده، سره وعلانيته، تصلي أربع ~~ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ~~ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ~~خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ~~ثم تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد الثانية ~~فتقولها عشرا، ثم ترفع من السجود ثم تجلس فتقولها عشرا، ثم تقوم فذلك خمسة ~~وسبعون ms0097 في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم ~~مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن ~~لم تفعل ففي كل سنة مرة، وإن لم تفعل ففي عمرك مرة، حدثناه عن أبي داود ~~السجستاني فقال: ليس في صلاة التسبيح حديث أصح من هذا فذكر في هذه الرواية ~~أنه يسبح في القيام خمس عشرة مرة بعد القراءة وأنه يسبح عشرا بعد السجدة ~~الثانية في الركعة الأولى قبل القيام كأنه يجلس جلسة قبل أن ينهض، وفي ~~الركعة الثانية أيضا، كذلك قبل التشهد، وروينا في الخبر الآخر أنه يفتتح ~~الصلاة فيتوجه ويقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك، ثم يسبح خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة ثم يقرأ الحمد وسورة ثم يسبح ~~عشرا ثم يركع فيكون له في قيامه خمس وعشرون تسبيحة، ولا يسبح بعد السجود في ~~الجلسة الأولى بين الركعتين ولا في جلسة التشهد شيئا، وكذلك روينا في حديث ~~عبد الله بن زياد بن سمعان عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علمه صلاة التسبيح قال فيها: يفتتح الصلاة مكبرا، ~~ثم يقول فذكر الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~وقال # PageV01P082 # فيه: يقول ذلك خمس عشرة مرة، ولم يذكر بعد السجدة الثانية عند القيام أن ~~يقولها، وهذه الرواية أحب الوجهين إلي وهو اختيار عبد الله بن المبارك، ~~حدثونا عن سهل بن عاصم عن ابن وهب قال: سألت ابن المبارك عن الصلاة التي ~~يسبح فيها فقال: يقول سبحان الله، والحمد لله، الكلمات خمس عشرة مرة، ثم ~~يتعوذ ويقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم يقولها عشرا ثم يركع وذكرها قال: فذلك ~~خمس وسبعون يصلي أربع ركعات على هذا إن صليت ليلا فأحب أن يسلم في الركعتين ~~وإن صليت نهارا صليت أربعا وإن شئت سلمت وإذا عد في الركوع فعد بإصبعه على ~~ركبتيه وفي السجود بإصبعه ms0098 على الأرض، وحدثونا عن محمد بن جابر قال: قلت ~~لابن المبارك في صلاة التسبيح إذا رفعت رأسي للقيام من آخر السجدتين أسبح ~~قبل أن أقوم، قال: لا تلك القعدة ليست من سنة الصلاة، وقال ابن أبي رزمة عن ~~ابن المبارك: قلت له يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، سبحان ربي الأعلى ~~ثلاث مرات، قال: نعم، قلت: فإن سها يسبح في السهو عشرا، قال: لا إنما هي ~~ثلاثمائة تسبيحة، وأحب أن تكون السورة التي يقرأها في صلاة التسبيح مع ~~الحمد فوق العشرين آية، فقد روينا في حديث عبد الله بن جعفر الذي رواه ~~إسماعيل بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السورة التي بعد أم ~~القرآن عشرين آية فصاعدا وكذلك أحب زيادة لا حول ولا قوة إلا بالله لما ~~ذكرناه في الخبر الآخر فإن قرأ مع فاتحة الكتاب في كل ركعة عشر مرات قل هو ~~الله أحد فقد ضاعف العدد واستكمل الأجر. # PageV01P083 ### | الفصل السادس عشر # في ذكر معاملة العبد في التلاوة ووصف التالين ### | للقرآن حق تلاوته بقيام الشهادة # استحب للمريد أن يختم القرآن في كل أسبوع ختمتين؛ ختمة بالنهار وختمة ~~بالليل، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويختم ~~ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعة المغرب أو بعدهما ليستقبل بختمته أول ~~النهار وأول الليل فإن الملائكة تصلي عليه إن كانت ختمته ليلا حتى يصبح ~~وتصلي عليه إن كان ختمه نهارا حتى يمسي فهذان الوقتان يستوعبان كلية الليل ~~والنهار، وفي الخبر لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، وأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن يقرأ القرآن في كل سبع وكذلك جماعة ~~من الصحابة يختمون القرآن في كل جمعة، وروينا عن يحيى بن الحارث الديناري ~~عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يفتتح ليلة ~~الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد ~~بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم ms0099 موسى وفرعون وليلة الثلاثاء ~~بالعنكبوت إلى صاد وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة الخميس ~~وكذلك كان زيد بن ثابت وأبي يختمان القرآن في كل سبع، روينا عن ابن مسعود ~~أنه سبع القرآن في سبع ليال فكان يقرأ في كل ليلة بسبعه إلا أن تأليفة على ~~غير ترتيب مصحفنا هذا فلم يذكره لأن الاعتبار لا يتبين به وجماعة يذكر عنهم ~~ختم القرآن في كل يوم وليلة وقد كره ختمه في أقل من ثلاث طائفة والتوسط من ~~ذلك ما ذكرناه وهو أن يختم في كل ثلاثة أيام. ### | ذكر أحزاب القرآن وكيف حزبه الصحابة # رضي الله عنهم # وإن قرأ القرآن أحزابا في كل يوم وليلة حزبا فحسن، وهو سنة فذلك أشد ~~لمواطأة القلب وأقوم للترتيب وأدنى إلى الفهم وإن أحب قرأ في كل ركعة ثلث ~~عشر القرآن أو نصف ذلك يكون الجزء من الأجزاء الثلاثين في كل ركعة أو ~~ركعتين فإن قرأ في كل ورد حزبا أو حزبين أو دون ذلك فحسن وأحزاب القرآن ~~سبعة: فالحزب الأول ثلاث سور، والحزب الثاني خمس سور، والحزب الثالث سبع ~~سور، والرابع تسع سور، والخامس إحدى عشرة سورة، والسادس ثلاث عشرة سورة، ~~والمفصل من ق، فهذه كانت أحزاب # PageV01P084 # القرآن ولذلك حزبه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكانوا يقرؤونه كذلك، ~~وفي ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه حزبه على عدد هذه الآي ~~إذ عددها ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، وقد اعتبرت ذلك في كل حزب ~~فرأيته يتقارب، وهذا قبل أن تعمل الأخماس والعواشر والأجزاء فما سوى هذا ~~محدث يقال: إن الحجاج جمع قراء البصرة والكوفة منهم: عاصم الجحدري، ومطر ~~الوراق، وشهاب بن شريفة فأمرهم بذلك، وقد كان الحسن وابن سيرين ينكران هذه ~~الأخماس والعواشر والأجزاء، وروي عن الشعبي وإبراهيم كراهية النقط بالحمرة ~~وأخذ الأجر على ذلك وكانوا يقولون جردوا القرآن، وقال الأوزاعي عن يحيى بن ~~أبي كثير: كان القرآن مجردا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النقط على ~~الباء والتاء وقالوا: لا ms0100 بأس به فإنه نور له ثم أحدثوا بعده نقطا كبارا عند ~~منتهى الآي فقالوا: لا بأس به يعرف به رأس الآي ثم أحدثوا بعد ذلك الخواتيم ~~والفواتح وقالوا: لا بأس به لأنها علامة تعرف بها واعلم أنه لا يجد فهم ~~القرآن الفهم الذي يكشف بمشاهدته ويظهر من الملكوت قدره عبد فيه إحدى هذه ~~الخصال أدنى بدعة أو مصر على ذنب أو عبد في قلبه كبرا ومقارب لهوى قد استكن ~~في قلبه أو محب الدنيا أو عبد غير متحقق بالإيمان أو ضعيف اليقين ولا من هو ~~واقف مع مقراه ولا عبد مهتم يتبع حروفه واختياره ولا ناظر إلى قول مفسر ~~ساكن إلى عمله الظاهر ولا راجع إلى معقوله ولا قاض بمذاهب أهل العربية ~~واللغة في باطن الخطاب وسر المرء وهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم مردودون إلى ~~ما يقدر في علومهم موقوفون مع ما تقرر في عقولهم مزيدهم على مقدار علومهم ~~وغرائز عقولهم وهؤلاء مشركون بعقولهم ومعلومهم عند الموحدين فهذا داخل في ~~الشرك الخفي الذي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، قال ~~محمد بن علي بن سنانة إذ معقوله وعلمه عن عقل غير كامل لأن العقل الكامل ~~ماعقل عن الله عز وجل وفهم حكمه وكلامه، ويعقل به كلامه وقد قال الرسول ~~صلوات الله عليه في صفة كمال العقل العاقل: من عقل عن الله سبحانه وتعالى ~~أمره ونهيه، وفي الخبر أكثر منافقي أمتي قراؤها فهذا نفاق الوقوف مع سوى ~~الله تعالى والنظر إلى غيره لإنفاق الشرك والإنكار لقدرة الله عز وجل فهو ~~لا ينتقل عن التوحيد ولكنه لا ينتقل إلى مقام المزيد فإذا كان العبد ملقيا ~~السمع بين يدي سميعه مصغيا إلى سر كلامه شهيد القلب لمعاني صفات شهيده ~~ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله ومعهود علمه متبرئا من حوله وقوته معظما ~~للمتكلم واقفا على حضوره مفتقرا إلى الفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء ~~يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد علم غيب الجواب وأفضل القراءة ~~الترتيل لأنه يجمع الأمر والندب ms0101 وفيه التدبر والتذكر. # روي عن علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا ~~تدبر فيها، وعن ابن عباس لأن # PageV01P085 # أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله ~~هذرمة، وروي عنه أيضا لأن اقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن ~~أقرأ البقرة وآل عمران تهذرا، وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في صلاة فكان ~~قيامهما واحد إلا أن أحدهما قرأ البقرة والآخر قرأ القرآن كله فقال هما في ~~الأجر سواء لأن قيامهما كان واحدا وأفضل الترتيل والتدبر في القرآن ما كان ~~في صلاة ويقال إن التفكر في الصلاة أفضل منه في غير الصلاة لأنهما عملان ~~وهذا هو التفكر في معاني التدبر والفهم بخطاب الوعد والوعيد والزجر والأمر ~~تعظيما للمتوعد وإجلالا للآمر، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة ~~أفضل؟ فقال: طول القنوت، وروي في خبر آخر من سجد لله عز وجل سجدة رفعه الله ~~عز وجل بها درجة وأنه قال لأبي فاطمة خادمه وقد سأله مرافقته في الجنة فقال ~~أعني بكثرة السجود، وروينا عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال إنه ~~كثرة السجود بالنهار وإنه طول القيام بالليل ويقال إن العبد يحشر عند الموت ~~من قبره على هيئته في صلاته من السكون والطمأنينة وتكون راحته في الموقف ~~على قدر راحته وتنعمه بالصلاة، وروينا معنى هذا عن أبي هريرة وعلى هذا ~~المعنى تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: أرحنا بالصلاة أي ~~روحنا إليها نعمنا بها من الروح والراحة إليها ويقال أرحنا بالشيء أي روحنا ~~وأرحنا منه أي أسقطه عنا وخفف عنا منه ولم يقل أرحنا منها كيف وقرة عينه ~~فيها، وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ ~~منها حتى يطلع الفجر وما قضيت منها وطري، وقال سليمان بن أبي سليمان ~~الداراني إنه وعد ابن ثوبان أخا له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر ~~فلقيه أخوه من ms0102 الغد، قال: وعدتني أن تفطر عندي فأخلفت، فقال: لولا ميعادك ~~ما أخبرتك بالذي حبسني عنك إني لما صليت العتمة قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني ~~لا آمن ما يحدث من الموت، فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضة خضراء ~~فيها أنواع الزهر من الجنة، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت، وقال عز وجل: ~~(كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة: 22، قيل: القرآن قوى ~~إيمانهم بعلم القرآن، فالقرآن روح الإيمان، وتقويتهم استعمالهم به، وفي ~~التفسير يا يحيى خذ الكتاب بقوة، قيل: بجد واجتهاد ومثله خذوا ما آتيناكم ~~بقوة، قيل: بعمل به، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال أو ~~شيء أحب إلي من القرآن أحدث نفسي به؟ وهذه صفة قوي مكين، ويقال إن في ~~القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات، فالميمات ~~ميادين القرآن والراآت بساتين # PageV01P086 # القرآن والحاآت مقاصيره والمسبحات عرائس القرآن والحواميم ديباج القرآن ~~والمفصل رياضه والخانات ما سوى ذلك، فإذا جال المريد في الميادين وقطف من ~~البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديباج وتنزه في الرياض وسكن ~~غرف الخانات اقتطعه وأوقفه ما يراه وشغله الشاهد به عما سواه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها ~~عشرين مرة وكان له صلى الله عليه وسلم في كل ورده فهم، ومن كل كلمة علم، ~~فينبغي أن يكون قلب التالي بوصف كل كلمة يتلوها مشاهدا لمعناها إلى ما يفتح ~~الله عز وجل له من المزيد عليها من مجاورتها ومع ما يفهم بها من غيرها ~~ويشهد غيرها منها فقد كان بعضهم يقول: كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي ~~فيها لم أعد لها ثوابا، وكان بعض السلف إذا قرأ السورة ولم يكن قلبه فيها ~~أعادها ثانية، فإذا مر بتسبيح وتكبير سبح وكبر، وإن مر بدعاء واستغفار دعا ~~واستغفر، وإن مر بمخوف ومرجو استعاذ وسأل، فذلك معنى قوله عز وجل: (يتلونه ~~حق تلاوته) البقرة: 121، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0103 في تلاوته ~~وعلى هذا المعنى ما روي في الخبر من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل ~~فليقرأه على قراءة ابن أم عبد أي على معنى تلاوته لأنه كان يقرأ بقلب شهيد ~~وسمع عتيد وبصر حديد فكان يتلو القرآن على معاني الكلام وعلى شهادة وصف ~~المتكلم الوعيد منه بالتحزين والوعد بالتشويق والوعظ بالتخويف والإنذار ~~بالتشديد والتفسير بالترقيق والتبشير بالتوفيق لأنه كان عالما بصفات ~~المتكلم واجد الذوق الكلم، فمثل هذا العبد أحسن الناس صوتا بالقرآن كما جاء ~~في الخبر: أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله، ومن هذا ~~قيل إذا قرأتم القرآن فابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا، ومثل هذا أن القرآن نزل ~~بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا أي أن القرآن لما فيه من التهديد والوعيد ~~والوثائق والعهود يوجب البكاء والحزن، فإن لم تحزنوا وجدا ولم تبكوا نفسا ~~يقينا فتباكوا وتحازنوا لفظا لأجل التصديق والإقرار به، فندبهم إلى التحازن ~~في التلاوة والتباكي ليجتمع هم العبد في المتلو فيتدبر الكلام عسى أن يكون ~~قلبه بمعناه فيكون التباكي والتحزين سببا لجمع همه وفراغ قلبه، لأن ~~المتباكي الصادق مجتمع الهم فيما يبكيه والحزين حاضر القلب مجموع الفكر ~~ومشغول عن سوى مبكيه، من ذلك ما روينا عن ابن عباس إذا قرأتم سجدة سبحان ~~فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه فبكاء ~~القلب حزنه وخشيته، أي فإن لم تبكوا بكاء العلماء عن الفهم فتحزن قلوبكم ~~على فقد البكاء وليخش كيف لم يوجد فيكم وصف أهل العلم، وقد روينا في غرائب ~~التفسير من معنى قوله تعالى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) ~~البقرة: 74 قال: هي العين الكثيرة البكاء (وإن منها لما يشقق فيخرج منه # PageV01P087 # الماء) البقرة: 74 قال: هي العين القليلة البكاء (وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله) البقرة: 74 قال: هو بكاء القلب من غير دموع عين قال ثابت ~~البناني: رأيت في النوم كأني أقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القرآن، فلما فرغت قال ms0104 هذه القراءة فأين البكاء؟ وكان الحسن يقول: والله ما ~~أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حرنه وقل فرحه وكثر بكاؤه ~~وقل ضحكه وكبر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته. # والناس في التلاوة على ثلاث مقامات، أعلاهم من شهد أوصاف المتكلم في ~~كلامه ويعرف أخلاقه بمعاني خطابه، وهذا مقام العارفين من المقربين، ومنهم ~~من يشهد ربه تعالى يناجيه بألطافه ويخاطبه بإنعامه وإحسانه، فمقام هذا ~~الحياء والتعظيم وحاله الإصغاء والفهم، وهذا للأبرار من أصحاب اليمين، ~~ومنهم من يرى أنه يناجي ربه عز وجل فمقامه السؤال والتملق وحاله الطلب ~~والتعلق، وهذا للمعترفين والمريدين وهم من خصوص أصحاب اليمين، وينبغي للعبد ~~أن يشهد في التلاوة أن مولاه يخاطبه بالكلام لأنه سبحانه متكلم بكلام نفسه ~~وليس للعبد في كلامه كلام إنما جعل له حركة اللسان بوصفه وتيسير الذكر ~~بلسانه بحكم ربه عز وجل حدا للعبد ومكانا له، كما كانت الشجرة وجهة لموسى ~~عليه السلام وكلمة الله عز وجل منها، ويقال: إن كل حرف من كلام الله عز وجل ~~في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد ~~أن يتلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل وهو ملك اللوح المحفوظ فيرفعه فيقله ~~بإذن الله عز وجل ورحمته إذ كان الله تعالى أطاقه ذلك لما استعمله به، وقال ~~جعفر بن محمد الصادق: والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه ولكن لا ~~يبصرون، وقال أيضا: وقد سألوه عن شيء لحقه في الصلاة حتى خر مغشيا عليه ~~فلما سري عنه قيل له في ذلك فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها ~~من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته تعالى، وكذلك الخصوص يرددون ~~الآية بقلوبهم على قلوبهم ويتحققون بها في مشاهدتهم بمدد من شهيدهم وسيدهم ~~حتى يستغرقهم الفهم فيغرقون في بحر العلم، فإن قصرت مشاهدة التالي عن هذا ~~المقام فيشهد أنه يناجيه بكلامه ويتملقه بمناجاته، فإن الله عز وجل إنما ~~خاطبه بلسانه وكلمه بحركته وصوته ليفهم عنه بعلمه ms0105 الذي جعل له ويعقل عنه ~~بفهمه الذي قسم له حكمة منه ورحمة، إذ لو تكلم الجبار عز وجل بوصفه الذي ~~يدركه سمعه لما ثبت للكلام عرش ولا ثري لتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه ~~وسبحات أنواره فحجب ذلك في غيب علمه عن العقول وستر بصنع قدرته عن القلوب ~~وأظهر للقلوب علوم عقولها وأشهد للعقول عرف معقولها بلطفه وحنانه ورحمته ~~وإحسانه. # وبلغنا في الأخبار السالفة أن وليا من أولياء الله عز وجل من الصديقين ~~ابتعثه في # PageV01P088 # الفترة إلى ملك من الجبابرة يدعو إلى التوحيد وإلى شريعة الأنبياء، فسأله ~~الملك عن أشياء من معاني التوحيد فجعل الصديق يجيبه عنها بما يقرب من فهمه ~~ويدركه عقله من ضروب الأمثال بما يستعمله الناس بينهم ويتعارفونه عندهم إلى ~~أن قال له الملك: أفرأيت ما يأتي به الأنبياء إذا ادعيت أنه ليس بكلام ~~الناس ولا رأيهم، أمن كلام الله هو؟ قال الحكيم: نعم قال الملك: فكيف يطيق ~~الناس حمله؟ قال الصديق: إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب ~~والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب ~~والطير تحمل كلامهم فوضعوا لها من النقر والصفير والزجر ما عرفوا أنها تطيق ~~حمله، فكذلك الناس يعجزون أن يحملوا كلام الله ككنهه بكماله وصفته، فصاروا ~~بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت الزجر والنقر ~~الذي سمعت به الدواب من الناس ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك ~~الأصوات من أن شرف الكلام بشرفها وعظم بتعظيمها فكان الصوت للحكمة جسدا ~~ومسكنا والحكمة للصوت نفسا وروحا، فكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان ~~الروح التي فيها وكذلك أصوات الكلام تشرف وتكرم للحكمة التي فيها، والكلام ~~على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل وهو ~~القاضي العادل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام ~~كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس ولا طاقة للبشر أن ~~ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفدوا ms0106 بأبصارهم ضوء عين الشمس، ~~ولكنهم ينالون من شعاع الشمس ما تحيا به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم، ~~فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه الشاهد أمره كالشمس الغزيرة الظاهرة ~~مكنون عنصرها، وكالنجوم الزاهرة التي قد يهتدي بها من لا يقع على سرها، ~~فالكلام أعظم وأشرف من ذلك هو مفتاح الخزائن النفسية وباب المنازل العالية ~~ومراقي الدرجات الشريفة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت، ودواء ~~الأسقام التي من سقي منه لم يسقم إذا لبسه من لم يتسلح به أبدى عورته وإذا ~~تسلح به غير أهله لم يخرج إلا منهم نقلت هذا نقلا من كلام الصديق الحكيم ~~الذي خاطب به الملك فاستجاب له بإذن الله عز وجل فهذا وصف كلام الله عز وجل ~~الذي جعله الله لنا آية وعبرة ونعمة علينا ورحمة، فانظر إلى الحكيم كيف جعل ~~عقول البشر في فهم كلام الله العظيم بمنزلة فهم البهائم والطير بالنقر ~~والصفير إلى عقول البشر وجعل النقر والصفير والإفهام من الناس للأنعام ~~والهوام مثلا لما أفهم الله تعالى به الأنام من معاني كلامه الجليل بما ~~ألهم به من الكلام، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم، فهذه قدرة ~~لطيفة من قدرته التي لا تتناهى وحكمة محكمة من حكمه التي لا تضاهى، إنه ~~حكيم عليم، ثم ليشهد العبد أنه مقصود بجميع القرآن من فاتحته إلى خاتمه ~~مراد معنى به له # PageV01P089 # ضربت الأمثال به وفيه جميع ذكره وأوصافه لأن الله سبحانه وتعالى لما تكلم ~~بهذا الكلام وخاطب به المؤمنين كان هو واجدهم وكان حاضرا معهم وقد سوى الله ~~عز وجل بين المؤمنين في تنزيل القرآن عليهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمعنى من المعاني فقال: (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به) البقرة: 231 كما قال: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم) الأنبياء: 10 وكذلك قال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون) النحل: 44، وقال: (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) ~~محمد: 3 يعني صفاتهم وقال: ms0107 ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات كما قال: (ولقد ~~أنزلنا إليك آيات بينات) البقرة: 99، وقال عز وجل: (واتبع ما يوحى إليك ~~واصبر) يونس: 109 ثم قال: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) الأعراف: 3 وقال: ~~(فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) هود: 112 غير أنه سبحانه عم الجملة بالبصائر ~~والبيان وخص بالهدى والرحمة أولي التقي والإيمان، فمن ذلك قوله عز وجل: ~~(هذا # بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) الجاثية: 20: (هذا بيان للناس وهدى ~~وموعظة للمتقين) آل عمران: 138، فالموقنون هم المتقون، والمهديون هم ~~المرحومون وقد أمرنا بطلب فهم القرآن كما أمرنا بتلاوته. ائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون) الجاثية: 20: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) آل ~~عمران: 138، فالموقنون هم المتقون، والمهديون هم المرحومون وقد أمرنا بطلب ~~فهم القرآن كما أمرنا بتلاوته. # وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقرؤوا القرآن والتمسوا ~~غرائبه، وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن، ومن ~~حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق ~~نبيا لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على اثنين وسبعين فرقة كلها ضالة ~~مضلة يدعون إلى النار، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ ~~ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم وحكم ما بينكم وبين من خالفه من الجبابرة ~~قصمه الله ومن ابتغى العلم من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين ونوره ~~المبين وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يعوج فيقام ولا ~~يزيغ فيستقيم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه كثرة الرد، هو الذي سمعته الجن ~~فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين فقالوا: يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~يهدي إلى الرشد) الجن: 1 من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدي إلى ~~صراط مستقيم، وروينا معناه في حديث حذيفة لما أخبره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالاختلاف والفرقة بعده قال: فقلت يا رسول الله فما تأمرني إن ~~أدركت ذاك؟ ms0108 فقال: تعلم كتاب الله عز وجل واعمل بما فيه فهو المخرج من ذلك، ~~قال: فأعدت عليه فقال: تعلم كتاب الله عز وجل واعمل بما فيه فهو المخرج من ~~ذلك، قال: فأعدت عليه فقال: تعلم كتاب الله واعمل بما فيه ففيه النجاة ~~ثلاثا، وعن علي رضي الله عنه قال: ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا كتمه الناس إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في كتابه، وعنه رضي الله عنه ~~أنه قال: ومن فهم فسر جمل العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره في ~~قوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد # PageV01P090 # أوتي خيرا كثيرا) البقرة: 269، قال: الفهم في كتاب الله عز وجل وقال أحسن ~~القائلين: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) الأنبياء: 79 فرفع ~~الفهم مقاما فوق الحكم والعلم وأضافه إليه للتخصيص وجعله مقاما عاما فيهما ~~فإذا فهم العبد الكلام وعامل به المولى تحقق بما يقول وكان من أصحابه ولم ~~يكن حاكيا لقائله مثل أن يتلو منه: (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) ~~يونس: 15 ومثل أن يقول: (عليك توكلنا وإليك أنبنا) الممتحنة: 4، ومثل قوله: ~~(ولنصبرن على ما آذيتمونا) إبراهيم: 12 فيكون هو الخائف لليوم العظيم ويكون ~~هو المتوكل المنيب وهو الصابر على الأذى متوكل على المولى ولا يكون مخبرا ~~عن قائل قاله فلا يجد حلاوة ذلك ولا ميراثه فإذا كان هو كذلك وجد حلاوة ~~التلاوة وتحقق جزء الولاية، وكذلك إذا تلا الآي المذموم أهلها الممقوت ~~فاعلها مثل قوله تعالى: (وهم في غفلة معرضون) الأنبياء: 1 وقوله: (فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) النجم: 29، ومثل قوله عز وجل: ~~(ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) الحجرات: 11 فما أقبح من يعيب ذلك وهو من ~~أهله وما أعظم أن يذم أهل ذلك وهو بوصفه فهذا من حجج القرآن عليه فلا يجد ~~مع ذلك حلاوة المناجاة ولا يسمع خطاب المناجي لأن وصفه المذموم قد حجبه ~~وهواه المردي عن حقيقة الفهم قد حرمه، ولأن ms0109 قسوة قلبه عن الفهم صرفه وكذبه ~~في حاله عن البيان وأخرسه، فإذا كان هو المتيقظ المقبل فهو التائب الصادق ~~سمع فصل الخطاب ونظر إلى الداعي وله استجاب، وقد اشترط الله عز وجل للإنابة ~~التبصرة وحضور القلب للتذكرة فقال عز وجل: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) ق: 8 ~~وقال وما يذكر إلا من ينيب وقال عز وجل: (إنما يتذكر أولوا الألباب) الزمر: ~~9 الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، فالاستقامة على التوبة من ~~الوفاء بالعهد وتعدي الحدود من نقض الميثاق وقلة الصدق والإنابة هي التوبة ~~والإقبال على الله عز وجل، والألباب هي العقول الزاكية والقلوب الطاهرة ~~وينبغي للتالي الخائف الناصح لنفسه وللخلق السليم القلب إذا تلا آي الوعد ~~والمدح ومحاسن الوصف ومقامات المقربين أن لا يشهد نفسه هناك ولا يراها ~~مكانا لذلك بل يشهد للمؤمنين فيها وينظر إلى الصديقين منها سلامة ونصحا، ~~فإذا تلا الآي الممقوت أهلها المتهدد عليها # المذموم وصفها من مقامات الغافلين وأحوال الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو ~~المخاطب المقصود بذلك خوفا منه وشفقا، فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على ~~نفسه ومن هذه الملاحظة يسلم قلبه للعباد ويمقت نفسه. موم وصفها من مقامات ~~الغافلين وأحوال الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفا ~~منه وشفقا، فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على نفسه ومن هذه الملاحظة ~~يسلم قلبه للعباد ويمقت نفسه. # وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول اللهم إني أستغفرك ~~لظلمي وكفري قال: فقلت يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر؟ فتلا ~~قوله: (إن الإنسان لظلوم كفار) إبراهيم: 34 فإن قلب هذان المعنيان على عبد ~~حتى يشهد نفسه في المدح # PageV01P091 # والوصف ويشهد غيره في الذم والمقت انقلب قلبه عن وجهة الصادقين وتنكب ~~بقصده عن صراط الخائفين فهلك وأهلك لأن من شهد البعد في القرب لطف به ~~بالخوف، ومن شهد القرب في البعد مكر به في الأمن، وقال بعض العلماء: كنت ~~أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه ms0110 من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتلوه على أصحابه ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه ~~من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الله ~~بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم عز من قائل فعندها وجدت له نعيما ~~ولذة لا أصبر عنها، وقال عثمان رضي الله عنه: أو حذيفة لو طهرت القلوب لم ~~تشبع من تلاوة القرآن، وقال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت ~~به عشرين سنة، وقال بعض علمائنا: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها ~~أكثر، وعن علي رضي الله عنه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة ~~الكتاب، وعن أبي سليمان الداراني: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال ~~وذكر خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها لما جاوزتها إلى غيرها. # وروينا عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ منها، ~~وحدثنا عن بعض العارفين قال: لي في كل جمعة ختمة؛ وفي كل شهرختمة؛ وفي كل ~~سنة ختمة؛ ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، يعني ختمة التفهم ~~والمشاهدة، وكان هذا يقول أقمت نفسي في العبودية مقام الأجراء فأنا أعمل ~~مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة وإنما حجب الخلق عن فهم كنه الكلام ومعرفة ~~سر المراد لأنه حجبهم عن حقيقة كنه معرفته وإنما أعطاهم من معرفة الكلام ~~بقدر ما أعطاهم من معرفة المتكلم إذ بمعاني كلامه تعرف معاني صفاته وأفعاله ~~وأحكامه ولأن معاني كلامه من معاني أوصافه وأخلاقه، فلذلك جاء فيه السهل ~~اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف، لأن من أوصافه الرحمة واللطف ~~والانتقام والبطش، فلما لم يصلح أن يعرفوه كعلمه بنفسه لم يصلح أن يعلم كنه ~~كلامه إلا هو، ويعرف كنه صفاته إلا هو، فأعلم الخلق لمعاني كلامه أعرفهم ~~لمعاني الصفات وأعرف العباد بمعاني الأوصاف والأخلاق وغوامض الأحكام أعرفهم ~~بسرائر الخطاب ووجه الحروف ومعاني باطن الكلام، وأحقهم بذلك أخشاهم له ~~أقربهم منه، وأقربهم منه من خصه بأثرته وشمله ms0111 بعنايته، فقد جاء في الخبر: ~~أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه # PageV01P092 # يخشى الله، ولا يخشاه حتى يعرفه، ولا يعرفه حتى يعامله ولا يعامله حتى ~~يقربه، ولا يقربه حتى يعني به، وينظر إليه، فعندها يعرف سر الخطاب ويطلع ~~على باطن الكتاب، فإذا سجد العبد سجود القرآن فليدع في سجدته بمعاني الآية ~~من الخير وليستعذ من معاني شرها فإن ذلك فعل العلماء بالقرآن والله يحب ~~ذلك، ولتلك المعاني أسجدهم له مثل أن يقرأ قوله عز وجل: (خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) السجدة: 15، فيقول اللهم اجعلني من الساجدين ~~لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على ~~أوليائك، ومثل هذا قوله عز وجل: (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) ~~الإسراء: 109، فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وعلى هذه ~~المعاني ونحوها وليكن القرآن هو علمه وعمله وذكره ودعاؤه وهمه وشغله فعنه ~~يسأل وعليه يثاب ومقامه منه وذكره فيه وأحواله فيه مجموع له ذلك كله فيه، ~~فبكلامه عرفه العارفون وبمخاطبته شهد أوصافه الموقنون فعلومهم من كلامه ~~ومواجيدهم عن علومهم ومشاهدتهم عن معاني أوصافه وكلامهم عن مشاهدتهم لأن ~~ضروب الكلام عن الله هي معاني الصفات: فمنه كلام راض ومنه كلام غضبان ومنه ~~كلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر وحنان متعطف، فإذا كان العبد من ~~أهل العلم بالله والفهم عنه والسمع من الله عز وجل والمشاهدة له شهد ما غاب ~~عن غيره وأبصر ما عمي عنه سواه، وقد قال سبحانه وتعالى: (فلا أقسم بما ~~تبصرون) (وما لا تبصرون) الحاقة: 38 - 39 وقال عز وجل: (فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار) الحشر: 2 معناه في الفهم أعبروا إلي فقد أبصرتم فالتاء قد تكون ~~بمعنى تاء التفعل تدخل للتحقيق والوصول بالوصف والمبالغة في الفعل فلما ~~أعطاهم الأيدي والأبصار عبروا بقواهم إلى ما أبصروا ففروا إلى الله عز وجل ~~من الخلق حين ذكروه بما خلق فخرجوا على معيار حسن الابتلاء ولم ينقصهم ~~البلاء شيئا فكانوا كما أخبروا كالذي أمر في ms0112 قوله عز وجل: (ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 49، ففروا إلى الله ثم قال: (ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر) الذاريات: 51 فكانوا هم الموحدون المخلصون له ~~وكان هو المنفرد المستخلص لهم ثم جاوزوا التذكرة بالأشياء إليه فذكروه عنده ~~به، فحينئذ هربوا إليه منه حين هللوه به فلم يتألهوا إلى ما سواه كما لم ~~يعبدوا إلا إياه وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله ففروا إلى الله منه إني لكم ~~منه نذير مبين، وفي الخبر عن ابن مسعود وبعض الرواة يرفعه وقد روينا مسندا ~~من طريق وهو خصوص العارفين من المحبين والخالصين اطلعوا على السر وأوقفوا ~~على الخبر فكانوا مقربين شاهدين أن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا فنقول ~~فظهره لأهل العربية وباطنه لأهل اليقين وحده لأهل الظاهر ومطلعة لأهل ~~الأشراف وهم العارفون المحبون # PageV01P093 # والخائفون اطلعوا على لطف # المطلع بعد أن خافوا هول المطلع فأودعوا السر عند مقام أمين وأوقفوا على ~~الخبر في حال مكين فكانوا لديه مقربين إذ كانوا به شاهدين، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يرى الشاهد ما لا يرى الغائب فمن حضر شهد ومن شهد وجد ومن ~~وجد وحد ومن وحد عزز ومن غاب عمي ومن عمي فقد ومن فقد نسي ومن نسي فقد نسي ~~وقد قال الله عز وجل: (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) طه: 126 ~~أي تركتها فلم تعبأ بها ولم تنظر إليها وهكذا اليوم تترك فلا ينظر إليك ~~برحمة ولا تكلم بلطف ولا تزلف بقرب. # PageV01P094 ### | الفصل السابع عشر # كتاب ذكر نوع من المفصل والموصل من الكلام ### | وفيه مدح العالمين وذم الغافلين عنه وتفسيرالغريب والمشكل من القرآن # باختصار الأصول الدالة على المعنى فأما ظاهر الكلام فعلى معنيين عجيبين ~~وهو مجمل مختصر وموصل مكرر فإجماله واختصاره للبلاغة والإيجاز قال تعالى: ~~(إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) الأنبياء: 106 ومكرره وتفصيله للإفهام ~~والتذكار، قال الله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) القصص: ~~51، وقال عز وجل في المبهم المجمل والتوحيد المفصل: (آلركتاب أحكمت آياته ms0113 ~~ثم فصلت من لدن حكيم خبير) هود: 1 فهذه ثلاثة أسماء الله لطيف رحيم وقيل بل ~~هي حروف من اسم وهو الرحمن ثم أظهر السبب فقال كتاب أحكمت آياته يعني ~~بالتوحيد ثم فصلت أي بالوعد والوعيد ثم قال من لدن حكيم أي للأحكام خبير أي ~~بالأحكام خبير بالتفصيل للحلال والحرام ألا تعبدوا إلا الله هذا هو التوحيد ~~الذي أحكمه أنني لكم منه نذير وبشير هذا الوعد والوعيد الذي أعمله فمن ~~المختصر للإيجاز قوله تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) ~~الإسراء: 59، ففي هذا مختصر ومحذوفان فالمضمر قوله مبصرة المعنى آية مبصرة ~~فأضمر ومحذوفاه قوله فظلموا بها المعنى ظلموا أنفسهم بالتكذيب بها فاختصرت ~~كلمتان من كلمتين للإيجاز ومثله قوله: (وهي خاوية على عروشها) البقرة: 259 ~~الخواء الخلاء والعروش السقوف وهو جمع عرش فكيف تكون خاوية من العروش ~~والعروش موجودة فيها، فهذا من المختصر المحذوف ومعناه وهي خاوية من ثمرها ~~أو من أهلها واقعة على عروشها ومثله قوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر) البقرة: 177، حذف الفعل وأقيم الاسم مقامه فالمعنى فيه ولكن ~~البر بر من آمن بالله وقد يكون من المبدل فيكون المحذوف هو اسم أبدل الفعل ~~مكانه ولكن البر من آمن بالله فلما كان البر وصفه أقيم مكانه وممثل معنى ~~الأول قوله عز وجل: (وأشربوا في قلوبهم العجل) البقرة: 93 أي حب العجل، ومن ~~ذلك قوله عز وجل: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس) الكهف: 74، ولم يذكر قتله ~~والمعنى بغير نفس قتلها فحذف الفعل ومثله أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد ~~في # PageV01P095 # الأرض أضمر قوله بغير نفس قتلها أو بغير فساد في الأرض فاكتفى عنه بذكر ~~غير الأولى وكذلك قوله: (من في السموات والأرض) آل عمران: 83 معناه ومن في ~~الأرض وكذلك قوله: (فما يكذبك بعد بالدين) التين: 7 هو متصل بقوله سبحانه: ~~(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) التين: 4 وفصل بينهما النعت والاستثناء ~~والمعنى فما يكذبك بعد هذا البيان أيها الإنسان بالديانة فأي شيء يحملك ms0114 على ~~التكذيب بأن تدين الله تعالى وهو أحكم الحاكمين ومن المبدل المضمر أيضا: ~~(إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الإسراء: 75 المعنى ضعف عذاب الأحياء ~~وضعف عذاب الموتى فأضمر ذكر العذاب وأبدل الأحياء والموتى بذكر الحياة ~~فأقام الوصف مقام الاسم، ويصلح أيضا أن يترك الوصف على لفظه ويضمر أهل ~~فيكون ضعف عذاب أهل الحياة وضعف عذاب أهل الممات كما أضمر أهل في ذكر ~~القرية وذكر العير فقال: (وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا ~~فيها) يوسف: 82 والمعنى: واسأل أهل القرية وأسأل أهل العير، ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى: (ثقلت في السموات والأرض) الأعراف: 187 هو من المبدل المضمر، ~~فمبدله ثقلت ومعناه خفيت، أبدل بدلالة المعنى عليه لأن الشيء إذا خفي علمه ~~ثقل وكذلك قوله في السموات معناه على ومضمر أهل والمعنى خفيت على أهل ~~السموات وأهل الأرض لا تأتيكم إلا بغتة يعني فجأة، ومنه قوله عز وجل: ~~(تفتؤا تذكر يوسف) يوسف: 85 فيه مضمر ومحذوف، فمحذوفه تزال؛ ومضمره لا التي ~~هي جواب القسم، والمعنى: قالوا تالله لا تزال تفتؤا تذكر يوسف فأضمرت لا ~~وأبدلت تزال بقوله تفتؤا وهي من مختصر الكلام وفصيحه وبليغه وهي لغة لبعض ~~العرب وفي القرآن من كل لغة. # ومن هذا قوله عز وجل: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) الواقعة: 82 وقوله ~~سبحانه: (بدلوا نعمت الله كفرا) إبراهيم: 28 معناه تجعلون شكر رزقكم أنكم ~~تكذبون وكذلك بدلوا شكر نعمة الله كفرا بها ومثله (فكأين من قرية أهلكناها) ~~الحج: 45: (وكأين من قرية أمليت لها) الحج: 48 معناه أهل قرية مثل قوله: ~~(وسئل العير) يوسف: 82 المعنى أهل العير والعير هي الإبل المجهولة وهذا ~~الذي تسميه النحويون المجاز، وهكذا قوله: (إن هذ القرآن يهدي للتي هي أقوم) ~~الإسراء: 9 معناه للطريقة التي هي أقوم، ومثل هذا قوله عز وجل: (وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن) الإسراء: 53 أي يقولوا الكلمة التي هي أحسن ومثل هذا ~~قوله: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) المؤمنون: 96 أي بالكلمة أو بالفعلة ~~التي ms0115 هي أحسن ومثل قوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) الأنبياء: 101 أي ~~الكلمة الحسنى والوجه الآخر أن الحسنى اسم لا نعت فمعناه الجنة وهكذا قوله: ~~(على ملك سليمان) البقرة: 102 أي على عهد # PageV01P096 # ملك سليمان فأضمر قوله عهد، ومثل قوله: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك) آل ~~عمران: 194 أي على ألسنة رسلك فأضمر ألسنة ومن المكنى المضمر قوله تعالى: ~~(وما أنسانيه إلا الشيطان) سورة الكهف: 63 أضمر الحوت وذكره واسم موسى ~~للاختصار والمعنى، وما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان ومثله قوله: (إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر) القدر: 1 أي أنزلنا القرآن فكني عنه ولم يتقدم له ~~ذكر وكذلك قوله: (حتى توارت بالحجاب) ص: 32 يعني توارت الشمس بحجاب الليل ~~فكني عنها ولم يجر لها ذكر ومثله وقوله عز وجل: (وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا) فصلت: 35 أي الكلمة الطيبة أو الفعلة التي هي أحسن وبمعناه قوله ~~تعالى: (ولا يلقاها إلا الصابرون) القصص: 80 يعني كلمة الزهد في الدنيا ~~ومقالة الترغيب والرغبة في الآخرة عائد على قوله تعالى: (ويلكم ثواب الله ~~خير) القصص: 80 أي هذه المقالة ومن المبدل المختصر قوله عز وجل: (وإذا قيل ~~له اتق الله أخذته العزة بالإثم) البقرة: 206 معناه حملته العزة على الإثم ~~أي حمله التعزز والأنفة على الإثم ولم يبال فأخذته بمعنى حملته بالإثم ~~بمعنى على الإثم. # ومن هذا قوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم) البقرة: 255 أي لا تحمله سنة ولا ~~نوم لأن السنة تحمل العبد أي تذهب به عن التيقظ ومن المنقول المنقلب قوله ~~عز وجل: (يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه) الحج: 13 اللام في لمن منقولة ~~والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه ومثله: (لتنوأ بالعصبة) القصص: 76 معناه ~~لتنوء العصبة بها أي لتثقل بحملها لثقلها عليهم ومثله قوله: (وطور سنين) ~~التين: 2 سلام على آل ياسين وهو مما قلب اسمه لازدواج الكلم المعنى طورسينا ~~وسلام على الياسين قيل إدريس لأن في حرف ابن مسعود سلام على إدريس ونحوه ms0116 ~~جعلوا القرآن عضين أي أعضاء كأنهم عضوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وبمعناه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت المعني وجعل منهم عبد الطاغوت ~~ويصلح أن يكون معطوفا على قوله: (من لعنه الله وغضب عليه) المائدة 60، ومن ~~(عبد الطاغوت) المائدة: 60 ومن قرأ الطاغوت بالكسر فإنه يجعل عبد أسما ~~وأضافه إلى الطاغوت بمعنى وعبدة وعباد وفيه خمس لغات أخرى عباد الطاغوت ~~وعبد الطاغوت وعبدة الطاغوت وعباد الطاغوت وعبد الطاغوت، وأما عبد الطاغوت ~~نصبا فهو بمعنى الفعل من العبادة ومن المضمر المختصر أيضا قوله عز وجل: ~~(ألا إن عادا كفروا ربهم) سورة هود: 60 ضميره إحدى كلمتين كفروا نعمة ربهم ~~كفروا توحيد ربهم فأضمر للاختصار وانتصاب الاسم لسقوط الخافض وفيها وجه ~~غريب إلا أنه محمول على المعنى لأنه أي غطوا ربهم التغطية أي غطوا آياته ~~وما دعا إليه من الحق والمعنى كفرهم أي غطى عليهم بما غطوا ربهم هكذا حقيقة ~~في التوحيد إذ الأولية في كل فعل منه وهم ثوان فيما بعد فهو بمعنى قوله: ~~(وللبسنا عليهم ما يلبسون) الأنعام: 9 اللبس التغطية. # PageV01P097 # ومنه قوله: (الذين اتخذوا من دون الله أولياء) العنكبوت: 41، ما نعبدهم ~~مضمره يقولون ما نعبدهم ومثله فظلتم تفكرون إنا لمغرمون أي يقولون إنا ~~لمغرمون وعلى هذا المعنى وجه قوله: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا) النساء: 78 ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ~~المعنى فيه يقولون: ما أصابك على معنى الإخبار عنهم والذم لهم فهلكت بذلك ~~القدرية لجهلهم بعلم العربية فظنوا أنه ابتداء شرع وبيان من الله عز وجل ~~وقد أحكم الله عز وجل ابتداء شرعه وبيانه بأول الآية في قوله: (قل كل من ~~عند الله) النساء: 78، وقد كان ابن عباس يقول إذا اشتبه عليكم شيء من ~~القرآن فالتمسوه في كلام العرب فإن الرجل يتلو الآية فيعيا بوجهها فيكفره ~~وقرأتها في مصحف عبد الله بن مسعود فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا قالوا ما أصابك من حسنة فهذا كما أنبأتك وقد ms0117 رأيت في مصحف عبد الله ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم فهذا من ذلك، ومن المضمر ~~قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) الزخرف: 60 ليس ~~أنه يجعل من البشر ملائكة ولكن معناه لجعلنا بدلا منكم ملائكة ويصلح لجعلنا ~~بدلكم بمعنى منكم، ومن المبدل له قوله عز وجل: (وهم لها سابقون) المؤمنون: ~~61 اللام بدل من الباء المعنى وهم بها سابقون لأنهم لو سبقوها لفاتتهم، ~~وعلى هذا المعنى قال بعضهم إن قوله عز وجل: (فلما تجلى ربه للجبل) الأعراف: ~~143، أي بالجبل كان الجبل حجابا لموسى فكشفه عنه فتجلى به كما قال من ~~الشجرة أن يا موسى إنني أنا الله فكانت الشجرة وجهة لموسى كلمه الله عز وجل ~~منها ومثله: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) طه: 71 معناه على جذوع، وكذلك: (فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين) المؤمنون: 94 معناه أي مع القوم وبمعناه: (أم ~~لهم سلم يستمعون فيه) الطور: 38 أي عليه ويصلح به وكذلك قوله: (مستكبرين ~~به) المؤمنون: 67 أي عنه يعني عن القرآن، فعلى هذا مجاز قوله تعالى: (فاسأل ~~به خبيرا) الفرقان: 59 أي سل عنه، فحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض، ~~ومثله قوله: (السماء منفطر به) المزمل: 18 أي فيه يعني في اليوم مثله: ~~(لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) البقرة: 150 معناه ولا الذين ~~ظلموا فأبدلت إلا بقوله ولا يجوز أن تكون إلا مستأنفة بمعنى لكن الذين ~~ظلموا متصلة بخبرها من قوله: (فلا تخشوهم) البقرة: 150 فهو بمعنى قوله: (لا ~~يخاف لدي المرسلون) (إلا من ظلم) النمل: 10 - 11، أي لكن من ظلم ثم بدل ~~حسنا بعد سوء فيكون مبتدأ لذكر خبرها بعد وبمعناه قوله تعالى: (ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم) النساء: 2، أي مع أموالكم وكذلك قوله: (وأيديكم إلى ~~المرافق) المائدة: 6 أي مع المرافق لأنها داخلة في الغسل والحروف العوامل ~~تنوب بعضها عن بعض ولو أظهر مثل هذا المضمر ووصل مثل هذا المحذوف لكانت ~~القراءة ضعيفة. # PageV01P098 # ومن الموصول المكرر للبيان والتوكيد ms0118 قوله عز وجل: (وما يتبع الذين يدعون ~~من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن) يونس: 66 قوله له: (إن يتبعون) ~~يونس: 66 مردود رده للتوكيد والإفهام كأنه لما طال الكلام أعيد ليقرب من ~~الفهم والمعنى ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء (إلا الظن) يونس: 66 ~~أي أتباعهم الشركاء ظن منهم غير يقين ونحوه من المكرر المؤكد قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم اختصاره الذين ~~استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا فلما قدم الذين استضعفوا وكان المراد ~~بعضهم كرر المراد بإعادة ذكر من آمن منهم للبيان ومثله: (إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين) الحجر: 59 (إلا امرأته) الحجر: 60، فأدخل الاستثناء على ~~الاستثناء وهو يطول في كلامهم لأنه أراد بالنجاة بعض الآل فلما أجملهم أخرج ~~مستثنى من مستثنى وفي هذا دليل أن الأزواج من الآل لأنه استثنى امرأته من ~~آله ومن المكرر للتوكيد قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش) القصص: 19، ~~مختصره فلما أراد يبطش وقد قيل أن هذا من المختصر المضمر مما أضمر فيه ~~الاسم وحذف منه الفعل وهو غريب، فيكون تقديره فلما أن أراد الإسرائيلي أن ~~يبطش موسى: (بالذي هو عدو لهما) القصص: 19 فلم يفعل، (قال يا موسى أتريد أن ~~تقتلني) القصص: 19 فهذا حينئذ من أخصر الكلام وأوجزه ومن المكرر المؤكد ~~قوله عز وجل: (فينظر كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم ~~قوة) غافر: 21 مفهومه وجائزه فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا ~~أشد منهم قوة فوصل بمن ووكد فكان هم أشد، وقراءتها في مصحف ابن مسعود عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد قوة ليس فيها كانوا ولا قوله هم وبمعناه وإن قصر ~~قوله تعالى: (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) الزخرف: 33، ~~هذا مما طول للبيان والمعنى لجعلنا البيوت من يكفر بالرحمن فلما قدم من وهي ~~أسماء من يكفر أعيد ذكر البيوت مؤخرا ومن المكني المبهم المشتبه قوله عز ~~وجل: (ضرب الله ms0119 مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) النحل: 75 الشيء في هذا ~~الموضع الإنفاق مما رزق الله وقوله تعالى: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم لا يقدر على شيء) النحل: 76، فالشيء في هذا الموضع الأمر بالعدل ~~والاستقامة على الهدى وكذلك قوله: (فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء) الكهف: ~~70 الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم الذي علمه ~~الخضر عليه السلام من لدنه لا يصلح أن يسأل عنه حتى يبتدئ به فلذلك كني عنه ~~وكذلك العلم على ضربين: ضرب لا يصلح أن يبتدأ به حتى يسأل عنه وهو مما لا ~~يضيق علمه فلذلك وسع جهله وحسن كتمه، وعلم لا ينبغي أن يسأل عنه من معنى ~~صفات التوحيد ونعوت الوحدانية لا يوكل إلى العقول بل يخص بها المراد ~~المحمول فعلم الخضر الذي شرط على موسى عليهما السلام أن لا يسأل عنه حتى ~~يبادئه به من هذا النوع والله # PageV01P099 # غالب على أمره وقوله عز وجل: (أم خلقوا من غير شيء) الطور: 35 يعني الله ~~تعالى أي كيف يكون خلق من غير خالق، ففي وجودهم ثبوت خالق فهم دلالة عليه ~~أنه خلقهم، وروينا ذلك عن ابن عباس وعن زيد بن علي رضي الله عنهما قالا في ~~قوله عز وجل: (من غير شيء) النحل: 76، أي من غير رب كيف يكون خلق من غير ~~خالق وقوله عز وجل: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) النحل: 71 فالبعض ~~الأول المفضل في الرزق هم الأحرار والبعض الآخر المفضول هم المماليك ومثله ~~قوله تعالى: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد) ق: 23 قرنه هذا هو الملك الموكل ~~بعلمه أحضر ما عنده مما علمه من فعله، وقوله عز وجل: (قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته) ق: 27 قرينه هذا هو شيطانه المقرون به ومثله قوله تعالى: (وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) الأعراف: 202 الهاء والميم المتصلة بإخوان ~~أسماء الشياطين والهاء والميم المتصلة بيمدون أسماء المشركين أي # الشياطين إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ms0120 ولا يقصرون عنهم في ~~الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى: (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون) النحل: 100 الهاء الأولى المتصلة بيتولون كناية عن إبليس والهاء ~~المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله عز وجل وقد قيل أيضا إنها عائدة ~~على إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة ~~الله عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل: (فأثرن به نقعا) (فوسطن به جمعا) ~~العاديات: 4 - 5، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني ~~الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب ~~والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات ~~صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى ~~قوله عز وجل: (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) الأعراف: 57 ~~الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ~~ومكنى، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل ~~هذا قوله: (يشرب بها عباد الله) الإنسان: 6 أي منها وهو صريح قوله في ~~المفسر: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) النبأ: 14 يعني السحاب وهو قوله: ~~(سقناه لبلد ميت) الأعراف: 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل ~~الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان ~~الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن) البقرة: 185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر ~~أنهارا أنزل فيه أو ليلا، فقال في البيان الثاني: (إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة) الدخان: 3، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة ولم ~~يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: ~~1 فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه) ~~يوسف: 22. شياطين إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ولا يقصرون عنهم ~~في الإمداد ms0121 وبمعنى هذا قوله تعالى: (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون) النحل: 100 الهاء الأولى المتصلة بيتولون كناية عن إبليس ~~والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله عز وجل وقد قيل أيضا إنها ~~عائدة على إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه ~~بعبادة الله عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل: (فأثرن به نقعا) (فوسطن به جمعا) ~~العاديات: 4 - 5، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني ~~الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب ~~والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات ~~صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى ~~قوله عز وجل: (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) الأعراف: 57 ~~الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ~~ومكنى، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل ~~هذا قوله: (يشرب بها عباد الله) الإنسان: 6 أي منها وهو صريح قوله في ~~المفسر: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) النبأ: 14 يعني السحاب وهو قوله: ~~(سقناه لبلد ميت) الأعراف: 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل ~~الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان ~~الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن) البقرة: 185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر ~~أنهارا أنزل فيه أو ليلا، فقال في البيان الثاني: (إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة) الدخان: 3، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة ولم ~~يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: ~~1 فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه) ~~يوسف: 22. # PageV01P100 # فهذا البيان الأول زيادة على الأشد وهو الوصف إلا أنه غير مفسر ثم قال في ~~البيان الثاني: ms0122 (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) الأحقاف: 15، ففسر ~~الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح والوصف في أحد الوجهين ومعناه الجمع ~~قوله تعالى: (والعصر) (إن الإنسان لفي خسر) العصر: 1 - 2 معناه أن الناس ~~لفي خسر أي لفي خسران لقوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) مريم: 96 ~~ولا يستثنى جماعة من واحد وإنما يستثنى جماعة من جماعة أكثر منهم وإنما وحد ~~الاسم للجنس وكذلك قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا) ~~الانشقاق: 6 معناه يا أيها الناس إنكم كادحون دل عليه قوله عز وجل: (فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه) الانشقاق: 7 (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) ~~الانشقاق: 10 وإنما وحد النعت لتوحيد الاسم وكذلك قوله عز وجل: (وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) الأحزاب: 72 معناه حملها الناس كلهم وهذا أحب ~~الوجهين إلي لقوله عز وجل: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات) الأحزاب: 73 ومثله قوله عز وجل: (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا ~~رحمة فرح بها) الشورى: 48 معناه وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها ~~فلما وحد الاسم وحد نعته دل عليه قوله تعالى: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم) الشورى: 48 فأظهر الجمع ومن الجمع المراد به الواحد قوله عز وجل: ~~(كذبت قوم نوح المرسلين) الشعراء: 105 يعني نوحا وحده لأنه لم يرسل إلى قوم ~~نوح غيره ودل عليه قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح) الشعراء: 106، فوحد ~~الجمع ومثله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشاء يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحده يوم خيبر ومن الجمع المكني ~~قوله عز وجل: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) غافر: 57 يعني في ~~هذا الموضع الدجال ونزل ذلك في الذكر الدجال واستعظامهم لوصفه وكذلك قوله ~~تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) آل عمران: 173 يعني ~~رجلا واحدا قاله لهم وهو عروة بن مسعود الثقفي، فجمع لفظه لأجل جنسه والعرب ~~تجمع الواحد ms0123 للجنس، وكذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله عز وجل: (ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس) البقرة: 199 يعني آدم صلى الله عليه وسلم وحده وهو أول من ~~طاف بالبيت وأتاه جبريل وأشعر له المناسك وقد قرأت في بعض حروف السلف من ~~حيث أفاض آدم فهذا شاهد له ومن المقدم والمؤخر لحسن تأليف الكلم ومزيد ~~البيان والإظهار قوله عز وجل: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا) النحل: 106 اختصاره ومؤخره ~~من كفر بالله بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن وكد بقوله ولكن من شرح بالكفر صدرا لما استثنى ~~المكره وقلبه مطمئن بإيمان ولم يجعل المكره آخر الكلام لئلا يليه قوله: ~~(فعليهم غضب من الله) النحل: 106 فيتوهم انه خبره وجعل آخر الكلام فعليهم ~~غضب من الله وهو في # PageV01P101 # المعنى مقدم خبر الأول من قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأخر ليليه ~~قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) النحل: 107 لأنه ~~من وصفهم فيكون هذا أحسن في تأليف الكلام وسياق المعنى وكذلك قوله تعالى: ~~(وقيله يا رب إن هؤلاء قوم) الزخرف: 88، هذا من المعطوف المضمر ومن المقدم ~~والمؤخر فعاطفه قوله وعنده علم الساعة وضميره قوله وعلم قيله والمعنى وعنده ~~علم الساعة وعلم قيله يا رب هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه ~~مقدم أيضا ومحمول على أن المعنى أي وعنده علم الساعة ويعلم قيله يا رب، ~~فأما من رفع اللام فقرأ وقيله فتكون مستأنفة على الخبر وجوابها الفاء من ~~قوله: (فاصفح عنهم) الزخرف: 89 أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم، ~~وقد تكون الواو في قوله # وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله ~~يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل ~~على المعنى قوله عز وجل: (فالق الإصباح وجعل الليل ms0124 سكنا) الأنعام: 96ثم ~~قال: (والشمس والقمر حسبانا) الأنعام: 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت ~~الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس ~~والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو ~~بمعناه قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) المائدة: 6 في قراءة من نصب ~~اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) ~~المائدة: 6 أيضا، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز ~~وجل: (برؤوسكم وأرجلكم) المائدة: 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه ~~الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه ~~واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين ~~وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل. وقيله ~~للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب ~~جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على ~~المعنى قوله عز وجل: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا) الأنعام: 96ثم قال: ~~(والشمس والقمر حسبانا) الأنعام: 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس ~~والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر ~~حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه ~~قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) المائدة: 6 في قراءة من نصب اللام ~~محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) المائدة: ~~6 أيضا، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل: ~~(برؤوسكم وأرجلكم) المائدة: 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل ~~لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه ~~واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين ~~وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل. # وقوله عز وجل: (ولولا كلمة ms0125 سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى) طه: 129 من ~~المقدم والمؤخر، فالمعنى فيه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ~~وبه ارتفاع الأجل ولولا ذلك لكان نصبا كاللزام فأخر لتحسين اللفظ وبمعناه ~~قوله عز وجل: (يسألونك كأنك حفي عنها) الأعراف: 187 المعنى يسألونك عنها ~~كأنك حفي بها أي ضنين بعلمها ومثله قوله تعالى: (أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها) البقرة: 106 أي نأت منها بخير فقدم بخير وأخر منها فأشكل ومن المؤخر ~~بعد توسط الكلام قوله عز وجل: (لتركبن طبقا عن طبق) الانشقاق: 19 في قراءة ~~من وحد الفعل هو متصل بقوله عز وجل: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا) الانشقاق: 6 لتركبن طبقا عن طبق أي حالا بعد حال في البرزخ فأخر ~~الأحوال # PageV01P102 # للقرار في الدار وكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن أيها الناس فيكون ~~الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا، ويكون الجمع عطفا على المعنى وإنما ~~وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقا عن طبق فأخر هذا الخبر لما ~~توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم، ومثل هذا قوله عز وجل: ~~(ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان) النساء: 83 وقوله: (إلا ~~قليلا) النساء: 83 هو متصل بقوله: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا) ~~النساء: 83 وآخر الكلام: (لاتبعتم الشيطان) النساء: 83، وقد قيل إن قوله ~~إلا قليلا مستثنى من الأول في قوله: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به) النساء: 83 إلا قليلا منهم وفي هذا بعد والأول أحب إلي، وعلى ~~هذا المعنى قرأ ابن عباس في رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم جعله متصلا بقوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم) النساء: 147 إلا من ظلم وصار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول فاصلا ومثل هذا قوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض) الأنفال: 73 إنما هو ms0126 من صلة قوله: (وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر) الأنفال: 72 إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض. # وكذلك قوله في أول السورة: (لهم مغفرة ورزق كريم) الأنفال: 74 كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى ~~بقوله: (قل الأنفال لله والرسول) الأنفال: 1 و (كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق) الأنفال: 5، أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بإخراجك وهم ~~كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان ~~والصلاح فأشكل فهمه، وعلى هذا قوله عز وجل: (حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) الممتحنة: 4 إنما هو موصول بقوله تعالى: (قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ~~لك) الممتحنة: 4 لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ~~عند قوله: لأستغفر لك ربي فقالوا: فهلا نستغفر لآبائنا المشركين، فنزلت هذه ~~الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له ~~أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه الآية، وكذلك قوله عز وجل: (ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم) المائدة: 3، وهذا متصل بقوله: ~~(حرم عليكم الميتة) النحل: 115 إلى آخر المحرمات، ثم قال: (فمن اضطر في ~~مخمصة) المائدة: 3 يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما ~~نبهنا بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ~~ويتطرق به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب # PageV01P103 # ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطول للبيان والمختصر ~~للحفظ والمقدم والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ، لأن وصف البلاغة عندهم رد ~~الكثير المنثور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر ~~فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه ~~مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عي، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم ms0127 بعقولهم ~~ومستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما ~~يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفا، فذلك أيضا على هذه المعاني يفهم ~~الخصوص من مكانهم ومشهدهم على علو مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ~~ونصيب ما قسم لهم من العقل عنه، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب ~~تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه ~~وظاهر وباطن؛ فعمومه لعموم الخلق، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر ~~وباطنه لأهل الباطن والله واسع عليم. # فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإذا صفا القلب ~~بنور اليقين وأيد العقل بالتوفيق والتمكين وتجرد الهم من التعلق بالخلق ~~وتأله السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في ~~الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش عن معاني صفات ~~موصوف وأحكام خلاق مألوف وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم رؤوف فشهد عن ~~الكشف أوصاف ماعرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال سبحانه: (يتلونه ~~حق تلاوته أولئك يؤمنون به) البقرة: 121، فحق التلاوة للمؤمنين لأنه إذا ~~أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه ومعدنها حقيقة من مشاهدة، ~~فكانت تلاوته عن مشاهدة وكان مزيده عن معنى تلاوته وكان ذلك على معيار ~~حقيقة من إيمانه كما قال: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) الأنفال: ~~2، أولئك هم المؤمنون حقا فيكون العبد بوصف من نعت بالحضور والإنذار وخص ~~بالمزيد والاستبشار في قوله عز وجل: (فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين) الأحقاف: 29 وفي قوله عز وجل: (فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون) التوبة: 124 ويكون من نعت من مدحه بالعلم وأثنى عليه بالرجاء ~~وصفه بالخوف في قوله تعالى: (يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9، وقال عز وجل: (يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا) السجدة: 16 فكان هذا من أهل الله وخاصته ومن محبيه وخالصته. # كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0128 أهل القرآن أهل الله وخاصته ~~من خلقه وقال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان ~~يحب القرآن فهو يحب الله وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وهذا كما قال ~~لأنك إذا أحببت متكلما أحببت كلامه وإذا كرهته كرهت مقاله، وقال أبو محمد ~~سهل: من علامة الإيمان حب الله عز # PageV01P104 # وجل، ومن علامة حب الله حب القرآن ومن علامة حب القرآن حب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه، وعلامة اتباعه ~~الزهد في الدنيا، وحدثونا عن بعض المريدين قال: كنت في جدة إرادتي قد لهجت ~~بتلاوة القرآن ثم رهقتني فترة فبقيت أياما لا أقرأ فهتف بي هاتف من قبل ~~الله عز وجل: إن كنت تحبني فلم جفوت كتابي أما ترى ما فيه من لطيف عتابي ~~وقال بعض العارفين لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ~~ويعرف منه النقصان والمزيد ويستغني بالمولى عن العبيد وأقل ما قيل في ~~العلوم التي يحويها القرآن من ظواهر المعاني المجموعة فيه أربعة وعشرون ألف ~~علم وثمانمائة علم إذ لكل آية علوم أربعة: ظاهر، وباطن، وحد، ومطلع، وقد ~~يقال إنه يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتين من علوم إذ لكل كلمة علم وكل ~~علم وصف فكل كلمة تقتضي صفة وكل صفة موجبة أفعالا حسنة وغيرها على معانيها ~~فسبحان الفتاح العليم. # PageV01P105 ### | الفصل الثامن عشر # كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين # فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو ~~والغفلة والعمى والحيرة محدثا لنفسه مصغيا إلى هواه ووسوسة عدوه متوهما ~~للظنون عاكفا على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله عز وجل: ~~(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) البقرة: 78 يعني إلا تلاوة ~~القرآن لا غير وإن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن وهو ضد اليقين، كما أخبر عن ~~الظانين في قولهم: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبمعنى ما قال: ms0129 (وكأين ~~من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف: 105، فالقرآن ~~من أجل آيات الأرضين والسموات الدالة على فاطرهما ومنزله، وكان يوصف من ~~يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاونا به مناجيا لغيره أن ~~يقول تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى) ~~الإسراء: 47، وبمثل من يسمع وقلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ينفعه حتى ~~إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ماذا فهم من الخطاب الذي كان هو عنه ~~بغفلته قد غاب وقد كان حاضرا بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله عز وجل: (ومنهم ~~من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا) محمد: 16، قال الله تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) محمد: ~~16 أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب ولم تعه واتبعوا أهواءهم يعني ~~أباطيلهم وظنونهم الكاذبة، ويقال: إن العبد إذا تلا القرآن واستقام نظر ~~الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن وخلط ناداه الله عز وجل ما لك ولكلامي ~~وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي. # وروينا في الإسرائيليات أوحى الله عز وجل إلى نبيه موسى وداود عليهما ~~السلام مر عصاة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ~~ذكرني وإني أذكرهم بلعنة وكان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى: (فخلف من ~~بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأذنى ويقولون سيغفر لنا) الأعراف: ~~169 الآية، وهذا وصفهم الظن الكاذب والرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى ~~خوف وإشفاق عصوا خالقهم عاجلا وتمنوا عليه # PageV01P106 # المغفرة آجلا جهلا منهم بحكمته وإعراضا عن أحكامه، قال الله عز وجل: (ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه) ~~الأعراف: 169، ثم أخبر عن علمهم بذلك علم قول وخبر لا علم يقين ومعاينة، ~~قال سبحانه: (ودرسوا ما فيه) الأعراف: 169 أي قرؤوا هذا وعلموه ولم يعملوا ~~به فلم ينتفعوا بشيء منه، فكان هذا ms0130 توبيخا لهم وتقريعا كقوله تعالى: (قل ~~بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) البقرة: 93 وفيها وجه غريب ودرسوا ~~ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك: درست الريح الآثار إذا ~~محتها وخط دارس وربع دارس إذا محي وعفي أثره وهذا المعنى مواطئ لقوله ~~تعالى: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا ~~يعلمون) البقرة: 101 واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع وتهوى ومواطئ ~~لقوله تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) ~~آل عمران: 187 فسمي ترك العمل منهم به في كل حالة طرحا له وإلقاء ونفيا له ~~وبيعا له وبالدنيا اشتراء وكل آية في التهدد والوعيد فللخائفين منها وعظ ~~وتخويف وللغافلين عنها وصف وتعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار: ~~(ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون) الزمر: 16، وقال في خبرها أعدت ~~للكافرين، وقال بعض السلف: إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى ~~يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها، فقيل: وكيف ذلك؟ ~~قال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته، وقال بعض العلماء: إن ~~العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على ~~الظالمين وهو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم، وقال سفيان في ~~قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) الأعراف: ~~146، قال: أصرف عنهم فهم القرآن، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا عظمت أمتي الدنيا والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي، قال الفضيل: حرموا فهم القرآن ~~وفي الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر، فمنها ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها، وكان الحسن يقول: ~~إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا فأنتم تركبونه فتقطعون ~~به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل ms0131 أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها ~~بالليل وينفذونها بالنهار، وكان ابن مسعود من قبله يقول أنزل عليهم القرآن ~~ليعملوا به فاتخذوا دراسته # PageV01P107 # عملا إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد ~~أسقط العمل به. # وفي حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان ~~قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها ~~وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم القرآن، ~~ثم بعد لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرآ ما بين فاتحته ~~إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره ~~نثر الدقل وهذا كما قال لأن المراد والمقصود بالقرآن الائتمار لأوامره ~~والانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض ومسؤول عنه العبد ومعاقب عليه وليس ~~حفظ حروفه فريضة ولا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال الله عز ~~وجل: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) المزمل: 5 أي العمل به ثقيل وإلا فقد ~~يسره للذكرى، ومن ذلك الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم ~~تقرؤونه وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه. # وحدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال: قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت ~~رجعت إليه لأقرأ فانتهرني وقال: جعلت القرآن علي عملا اذهب فأقرأ على الله ~~عز وجل فانظر ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من لا يحفظ إلا الجزئ والجزءين والسور المعدودة وسورتين ~~وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علما فيهم، وقبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم ~~يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن ~~جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس على أبي ms0132 بن كعب وقرأ عبد ~~الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل ~~الصفة على أبي هريرة، وكلهم كان متبعا لأوامره مجتنبا لزواجره عالما به ~~فقيها فيه، وقال يوسف بن أسباط: وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو؟ ~~فقال بأي شيء أدعو أستغفر الله عز وجل مائة مرة من تلاوتي، وكان يقول: إني ~~لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح ~~والإستغفار وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له ~~والمشاهدة منه والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه وأعظم آياته ~~في أرضه الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر ~~تقواه، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم ~~وهيبته وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه ~~وأطال الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند ~~النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه: (واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون) البقرة: 63 وقال كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ~~ولعلهم يتذكرون لأن كل # PageV01P108 # كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه أو يهون ~~بسهولة شأنه، قال الله عز وجل: (ليس كمثله شيء) الشورى: 11 في العظمة ~~والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان، وقرأت في سورة الحنين من ~~التوراة: يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق ~~تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك ~~شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من القول وكم كررت ~~عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، أفكنت أهون عليك من بعض ~~إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه ~~بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت ms0133 إليه أن كف وها أنا ~~ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون عندك من بعض ~~إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب وثقل على أهل ~~النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى: (ثقلت في ~~السموات والأرض) الأعراف: 187 أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت عليهم فسمي ~~ما خفي علمه ثقيلا والله أعلم. # PageV01P109 ### | الفصل التاسع عشر # كتاب الجهر بالقرآن ### | ما في ذلك من النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: فضل قراءة السر على ~~قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية، وفي لفظ آخر الجاهر ~~بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر به كالمسر بالصدقة، وفي الخير العام يفضل ~~عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفا، وفي مثله من العموم خير الرزق ما ~~يكفي وخير الذكر الخفي، وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين ~~المغرب والعشاء، وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر بالقرآن في صلاته وكان حسن الصوت فقال ~~لغلامه برد اذهب إلى هذا المصلي فمره أن يخفض من صوته، فقال الغلام: إن ~~المسجد ليس لنا وإن للرجل فيه نصيبا فرفع سعيد صوته فقال: يا أيها المصلي ~~إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس فإنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا، قال: فسكت عمر وخفف ركعته فلما سلم أخذ نعليه ~~وانصرف، وهو يومئذ أمير المدينة، وعلى ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يسمع جماعة من أصحابه يجهرون بالقراءة في صلاة الليل فيصوب ذلك لهم ~~ويسمع إليهم وقد أمر بالجهر. # فيما روي عنه إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة ~~وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته ومر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ثلاثة من أصحابه في الليل مختلفي الأحوال؛ منهم من كان يخافت ms0134 وهو ~~أبو بكر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال: إن الذي أناجيه هو يسمعني ومنهم ~~من كان يجهر وهو عمر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال: أوقظ الوسنان وأزجر ~~الشيطان، ومنهم من كان يقرأ آيا من هذه السورة ومن هذه السورة وهو بلال ~~فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب فقال: كلكم قد أحسن وأصاب فنقول: ~~والله أعلم إن المخافتة بالقراءة أفضل إذا لم تكن للعبد نية في الجهر أو ~~كان ذاهبا عن المهمة والمعاملة بذلك لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول ~~الآفة وإن الجهر أفضل لمن كان له نية في الجهر ومعاملته مولاه به لأنه قد ~~قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه لنفسه والجهر نفعه له ولغيره وخير ~~الناس من ينفع الناس # PageV01P110 # والنفع بكلام الله عز وجل أفضل المنافع ولأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به ~~قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل وليجعل العبد مفتاح درسه أن ~~يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، وليقرأ (قل أعوذ برب الناس) الناس: 1، ~~وسورة: الحمد قبلها، وليقل عند فراغه من كل سورة: صدق الله، وبلغ رسول ~~الله، اللهم انفعنا به، وبارك لنا فيه، الحمد لله رب العالمين، أستغفر الله ~~الحي القيوم، ومن حفظ جوارحه وقلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن إلى خاتمه ~~لأنه مقسط على جملة العبد وجوارحه جملة، وفي الجهر بالقراءة سبع نيات منها ~~الترتيل الذي أمر به، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه في قوله صلى ~~الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم، وفي قوله: # ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى ~~أهل العربية، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء، وقد ~~يقال: من هذا الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر ~~الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر؛ ومنها أن يطرد ~~الشيطان والنوم ms0135 عنه برفع صوته، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله ~~عز وجل، فيكون هو سبب إحيائه؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق ~~إلى الخدمة فيكون معاونا له على البر والتقوى؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ~~ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر، ففي ذلك كثرة عمله، فإذا كان العبد ~~معتقدا لهذه النيات طالبا لها ومتقربا إلى الله سبحانه وتعالى عالما بنفسه ~~مصححا لقصده ناظرا إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له ~~فيه أعمالا وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت ~~أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد ~~عشر نيات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في ~~العمل أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصدا وأدبا وفي بعض التفاسير في قوله عز وجل ~~(وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى: 11، قال: قراءة القرآن. # وفي الخبر من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل كانت له نورا يوم ~~القيامة، وفي خبر آخر كتب له عشر حسنات والتالي شريك المستمع في الأجر لأنه ~~أكسبه ذلك، وقال بعضهم: للقارئ أجر وللمستمع أجران، وقال آخر: للمستمع تسعة ~~أجور وكلاهما صحيح، لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته ونيته، فإذا كان ~~التالي مكسبا لغيره هذه الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجرا يكتسبه ~~لقوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالما ~~بالقرآن فقيها فيه فيكون مقراه ووقوفه حجة وعلما لسامعه، وفي الخبر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه، فقال: ~~ماحبسك؟ فقالت: يارسول الله كنت أستمع قراءة رجل ماسمعت صوتا أحسن منه، ~~فقام صلى الله عليه وسلم حتى استمع إليه طويلا ثم رجع فقال: هذا سلام مولى ~~أبي حذيفة الحمد لله # PageV01P111 # الذي جعل في أمتي مثله واستمع أيضا ذات ليلة إلى قراءة عبد الله بن مسعود ~~ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلا ثم قال: من أراد ms0136 أن يقرأ ~~القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لابن مسعود: اقرأ فقال يارسول الله أقرأ وعليك أنزل، فقال إني ~~أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيضان ~~وذلك عند قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، ~~واستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: لقدأوتي هذا ~~مزمارا من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال: يا رسول الله لو علمت أنك ~~تسمع إلي لحبرت لك تحبيرا، وكان ابن مسعود يأمر علقمة بن قيس أن يقرأ بين ~~يديه فيقول له: رتل فداك أبي وأمي، وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الخبر كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة ~~من القرآن. # وقد كان عمر يقول لأبي مسعود رضي الله عنهما: ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى ~~كاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: ياأمير المؤمنين الصلاة الصلاة، فيقول: ~~أولسنا في صلاة؟ فكأنه يتأول قوله عز وجل، ولذكر الله أكبر، وقال بعض عباد ~~البصريين لما وضع بعض البغدادين كتابا في معاني الرياء ودقائق آفات النفوس، ~~قال: لقد كنت أمشي بالليل أسمع أصوات المتهجدين كأنها أصوات الميازيب، فكان ~~في ذلك أنس وحث على الصلاة والتلاوة حتى جاء البغداديون بدقائق الرياء ~~وخفايا الآفات فسكت المتهجدون فلم يزل ذلك ينقص حتى ذهب وانقطع وترك إلى ~~اليوم، فإن لم يكن للتالي نية في شيء مما ذكرناه وكان ساهيا غافلا عن ذلك ~~وكان واقفا مع شيء من الآفات أو لمح في قلبه شخص أو ساكن ذكرى هوى فقد اعتل ~~فعليه أن يحتمي الجهر فإن جهر على ثقل قلبه فسد عمله لاستكنان الداء فيه ~~وكان إلى النقصان أقرب ومن الإخلاص أبعد فعليه حينئذ بالإخلاص فهو دواؤه ~~يعالج به حاله فإنه أصلح لقلبه وأسلم لعمله وأحمد في عاقبته، وقد يكون ~~العبد واجدا لحلاوة الهوى في الصلاة والتلاوة ms0137 وهو يظن أن ذلك حلاوة الإخلاص ~~وهذا من دقيق شأن الشهوة الخفية ولطيف الانتقاص، وقد يلتبس ذلك على الضعفاء ~~ولا يفطن له إلا العلماء، وإنما يجد حلاوة الإخلاص الزاهدون في الدنيا وفي ~~مدح الناس لهم به ويتلذذون بنصح المعاملة وصدق الخدمة المحبون لله عز وجل ~~الخائفون منه واعتبار فقد ذلك بأحد شيئين: سقوط النفس باستواء المدح والذم ~~وهذا حال في مقام الزهد، أو الخلو من القلب بشهادة اليقين وهذا في مقام ~~المعرفة، وفي هذين المقامين يستوي السر والعلانية وقد تكون العلانية أفضل ~~لأئمة التقوى والعدل. # وحدثت عن رجل من أهل الخير قال: كنت أقرأ في السحر في غرفة لي شارعة # PageV01P112 # سورة طه فلما ختمتها غفوت بعدها فرأيت شخصا نزل من السماء بيده صحيفة ~~بيضاء فنشرها بين يدي فإذا فيها سورة طه وإذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة ~~إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محوا ولم أر تحتها شيئا فغمني ذلك فقلت: ~~قد والله قرأت هذه الكلمة ولم أر لها ثوابا ولا أراها أثبتت فقال الشخص ~~صدقت قد قرأتها وكتبناها لك الا أنا سمعنا مناديا ينادي امحوها وأسقطوا ~~ثوابها فمحوناها فبكيت في منامي وقلت: لم فعلتم ذلك قالوا: مر رجل فرفعت ~~صوتك بها لأجله فمحوناها. # وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يجهر بقراءته فناداه: ~~يافلان أسمع الله ولا تسمعني واعلم أن السمعة مقرونة بالرياء ومحكوم لها ~~بحكمه من فساد العمل ونقصان العامل وهي مأخوذة من السمع، كان العبد يسمع ~~بعمله غير الله عز وجل ويحب أن يسمع به مخلوقا ليمدحه به لغلبة هواه وضعف ~~نفسه فيكون قد أشرك في عمله غير الله عز وجل فيبطل عمله لجهله بالتوحيد إذ ~~لو علم يقينا أن لا نافع إلا الله عز وجل ولاضار ولا معطي ولا مانع إلا ~~إياه خلص له توحيد من الشرك فخلص له عمله من الرياء، وكذلك الرياء مأخوذ من ~~رأي العين فالسمعة هي بمعناه، وفي الخبر: لايقبل الله عز وجل من مسمع ولا ~~مراء، وفي ms0138 خبر آخر: من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به وصغره وحقره، ~~فأما من كانت له نية صالحة في أن يسمع أخاه كلام الله ليتعظ به ويتدبره أو ~~ينتفع باستماعه ويتذكر به فليس داخلا في السمعة لوجود حسن النية وصحة القصد ~~ولفقد اقتران الآفة لإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا، كماقال أبو موسى ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، فلم ~~ينكر عليه لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، وقال الآخر الذي رفع صوته ~~بالآية أسمع الله عز وجل ولاتسمعني فأنكر عليه لما شهد السمعة فيه. # وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجل فقال: من ~~كان معه يارسول الله؟ أتراه مرائيا؟ فقال: لابل أواه منيب واعلم أن الأكل ~~والنوم على السلامة والصدق أفضل في الحال وأرفع في المقام وأحمد في المآل ~~من القيام والصيام على يسير من التصنع والتزين للخلق، ومعرفة هذا والقيام ~~به هو موضع علم العلماء بالله عز وجل، وحدثنا عن الحسن البصري قال: تفقد ~~الحلاوة في ثلاث: فإن وجدتها فابشر وامض لقصدك وإن لم تجدها فاعلم أن بابك ~~مغلق عند تلاوة القرآن وعند الذكر وفي السجود وزاد غيره وعند الصدقة ~~وبالأسحار وقراءة القرآن في المصحف أفضل من قراءته عن ظهر قلب، يقال: ~~الختمة بسبع ختم لأن النظر في المصحف عبادة وكان كثير من الصحابة والتابعين ~~يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرجوا يوما إلا نظروا فيه وخرق عثمان ~~مصحفين من كثرة درسه فيهما. # PageV01P113 ### | الفصل العشرون # في ذكر أحياء الليالي المرجو فيها الفضل المستحب ### | إحياؤها وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة # ويستحب إحياء خمس عشرة ليلة في السنة خمس منها في شهر رمضان وهي وتر ~~ليالي العشر الأخير منه وليلة سبع عشرة من رمضان هي صبيحة يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وكان ابن الزبير يذهب إلى أنها ليلة القدر ~~وأما التسعة الأخر فأول ليلة من شهر المحرم ms0139 وليلة عاشوراء وأول ليلة من شهر ~~رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وفيه أسري برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج وليلة عرفة وليلة العيدين وليلة النصف من شعبان وقد ~~كانوا يصلون في هذه الليلة مائة ركعة بألف مرة: قل هو الله أحد عشرا في كل ~~ركعة ويسمون هذه الصلاة صلاة الخير ويتعرفون بركتها ويجتمعون فيها وربما ~~صلوها جماعة. # وروينا عن الحسن قال: حدثني ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله عز وجل إليه سبعين نظرة وقضى له ~~بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة، وقد قيل: إن هذه الليلة هي التي قال ~~الله عز وجل فيها (فيها يفرق كل أمر حكيم) الدخان: 4، وأنه ينسخ فيها أمر ~~السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم، والصحيح من ذلك عندي ~~أنه في ليلة القدر وبذلك سميت لأن التنزيل يشهد له إذ في أول الآية إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال: فيها يفرق كل أمر حكيم، فالقرآن ~~انما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة ~~لقوله عز وجل: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) القدر: 1. # ذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة وهي تسعة عشر يوما تستحب فيها ~~مواصلة الأوراد والدأب في العبادة يوم عاشوراء ويوم عرفة ويوم سبعة وعشرين ~~من رجب ويوم سبعة عشر من شهر رمضان ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوم ~~العيد والأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام ~~التشريق، وفي الخبر صوم يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة، وصوم ~~يوم عاشوراء كفارة سنة. # PageV01P114 # وقد روينا عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم يوم ~~الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض علمائنا: من ~~أخذ مهناه في هذه الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناه في الآخرة وقال هذه ~~الأيام يرجى فيها الفضل من ms0140 الله عز وجل والمزيد، فإذا اشتغلت فيها بهواك ~~وعاجل الدنيا فمتى ترجو الفضل والمزيد يعني بالأيام الخمسة العيدين ويوم ~~الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء، ومن فواضل الأيام بعد هذه يوم الاثنين ويوم ~~الخميس يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله عز وجل، ومن الفاضل الشهور ~~الأربعة الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب خصهن الله عز وجل ~~بالنهي عن الظلم فيهن لعظم حرمتهن، فكذلك الأعمال لها فيهن فضل على غيرها ~~وأفضلها ذو الحجة لوقوع الحج فيه ولما خص به من الأيام المعلومات والأيام ~~المعدودات ثم ذو القعدة لجمعه الوصفين معا وهو من الأشهر الحرم ومن أشهر ~~الحج فأما المحرم ورجب فليسا من أشهر الحج، وأما شوال فليس من أشهر الحرم ~~ولكنه من أشهر الحج وأفضل الأيام في الشهر العشران العشر الآخر والعشر ~~الأول من ذي الحجة وبعدهما عشر المحرم من أوله فالأعمال في هذه الأيام لها ~~فضل ومزيد على سائر الشهور. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام ثلاثة أيام من شهر حرام ~~بعده الله من النار سبعمائة عام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت، وفي ~~خبر آخر صوم يوم من شهر حرام يعدل صوم ثلاثين يوما من غيره، وصوم يوم من ~~شهر رمضان يعدل صوم ثلاثين يوما من شهر حرام، ثم إن أفضل الأوقات في جملة ~~الأيام أوقات الصلوات الخمس. # وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر الأواخر من ~~شهر رمضان طوى الفراش وشد المئزر، وفي حديث آخر: إذا دخلت العشر الأواخر ~~دأب وأدأب أهله يعني أدام وأداموا التعب والنصب في العبادة، وفي الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز ~~وجل من أيام عشر ذي الحجة، إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه ~~يعدل قيام ليلة القدر، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في ~~سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع منهما ms0141 بشيء، وفي لفظ آخر إلا ~~من عقر جواده وأهرق دمه، واذا أحب الله عز وجل عبدا استعمله في الأوقات ~~الفاضلة بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبدا استعمله بأسوأ ~~الأعمال في أفاضل الأوقات ليضاعف له السيئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك ~~المحرمات في الحرمات، ويقال من علامات التوفيق ثلاث: دخول أعمال البر عليك ~~من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها، وفتح باب اللجا والافتقار ~~إلى الله عز وجل في الشدة والرخاء، ومن علامات الخذلان ثلاث: تعسر الخيرات ~~عليك مع الطلب لها، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا ~~والافتقار إلى الله عز وجل، في كل حال فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق ~~والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار. # PageV01P115 ### | الفصل الحادي والعشرون # كتاب الجمعة ### | وذكر هيئاتها وآدابها وذكر مايستحب للمريد في يوم الجمعة وليلتها # صلاة الجمعة واجبة بأوصاف وساقطة بأوصاف فوجوبها يكون بالإقامة ~~والاستطاعة وحضور وقت الظهر وتكملة عدة أربعين رجلا أحرارا وسقوطها بالسفر ~~ودخول وقت العصر ونقصان العدد ووقوع العذر وهي من أعمال الأمراء تصلي خلف ~~كل من أقام بها منهم إلا اني أحب إعادتها ظهرا إذا صليت خلف مبتدع فإن ~~اجتمع في بلد كبير جامعان صليت خلف الأفضل من إماميهما، فإن استويا في ~~الفضل صليت في القديم من الجامعين، فإن تساويا صليت في الأقرب منهما إلا أن ~~تكون له نية في الأبعد لاستماع علم أو نشره أو تعلمه، فصلاتها في الجامع ~~الأعظم وحيث يكون المسلمون أكثر وأفضل، ومن صلى في أيهما أحب حسبت صلاته، ~~قال ابن جريج: قلت لعطاء إذا كان في المصر جامعان أو ثلاثة في أيها أصلي؟، ~~قال: صل حيث جمع المسلمون فإنها جمعة وهو يوم عظم الله تعالى به الإسلام ~~وزينه وشرف به المسلمين وفضلهم قال عز وجل: (ياأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) الجمعة: 9 الآية، ~~فالبيع والشراء محرم بعد الأذان للجمعة عند طائفة من العلماء لعموم النهي ~~عنه، ومنهم ms0142 من قال: يرد البيع لأنه فاسد إلا أني أحسب أن ذلك يحرم عند ~~الأذان الثاني وهو مع خروج الإمام إذا قعد على المنبر لأن هذا كان هو ~~الأذان على عهد رسول الله ### | صلى الله عليه وسلم # وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والأذان الأول أحدثه عثمان رضي الله ~~عنه لما كثر الناس، وقال الله عز وجل: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله) الجمعة: 01 الآية، فأمر عباده المؤمنين في يوم الجمعة ~~بالذكر له ونهاهم عن البيع وأمرهم فيه بطلب الفضل منه ووعدهم الخير والفلاح ~~وهما اسمان جامعان لغنيمة الدنيا والآخرة. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل فرض عليكم الجمعة ~~في يومي هذا في مقامي هذا وروي عنه صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا ~~من غير عذر طبع الله على قلبه، وفي لفظ حديث آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره ~~واختلف رجل إلى ابن عباس فسأله عن # PageV01P116 # رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال: في النار، فلم يزل يتردد إليه ~~شهرا يسأل عنه، كل ذلك يقول في النار، وتقصد الجمعة من فرسخين أو ثلاثة، ~~واستحب لمن بكر إليها من أهل القرى فأدركها وأدركه الليل فأواه إلى أهله ~~إذا رجع أن يشهدها إلا أنها ساقطة عن خمسة: الصبي، والمملوك، والمرأة، ~~والمسافر، والمريض، فمن شهدها من هؤلاء فصلاها أجزأت عنه وكان مؤديا لفرضه، ~~وفي الخبر أن أهل الكتابين أعطوا يوم الجمعة فقد اختلفوا فيه فصرفوا عنه ~~وهدانا الله عز وجل برحمته له ادخره لهذه الأمة جعله عيدا لهم فهم أول ~~الناس به سبقا وأهل الكتابين لهم تبع، وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: قال: أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآة بيضاء فقال: ~~هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك، قلت: فما لنا ~~فيها؟ قال: لكم فيها خير ساعة، من دعا فيها بخير هو له قسم أعطاه الله عز ms0143 ~~وجل أو ليس من قسم أدخره ماهو أعظم أو يتعوذ من شر هو عليه مكتوب إلا أعاده ~~الله تعالى من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم ~~المزيد، قلت: ولم قال إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ~~فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه وذكر الحديث قال فيه: ويتجلى ~~لهم حتى ينظروا إلى وجهه ذكرناه بتمامه في مسند الألف. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق ~~آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تقوم الساعة وهو عند الله ~~يوم المزيد كذلك تسمية الملائكة في السماء وهو يوم النظر إلى الله عز وجل ~~في الجنة في أخبار يطول ذكرها، وفي الحديث: ما من دابة إلا وهي قائمة على ~~ساق يوم الجمعة مصيخة أي مصغية تتوقع مشفقة من قيام الساعة إلا الشياطين ~~شقي بني آدم ويقال: إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضا في يوم الجمعة فتقول ~~سلام سلام يوم صالح، وفي الخبر أن الله عز وجل في كل يوم جمعة يعتق ستمائة ~~ألف عتيق من النار، وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سلم يوم ~~الجمعة سلم الأيام، وقال كعب في الخبر: إن الله عز وجل فضل من كل شيء من ~~خلقه شيئا ففضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة، وفي ~~الخبر أن جهنم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء ~~فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر ~~فيه فأفضل مايعمله العبد في يوم الجمعة البكور إلى الجامع في الساعة الأولى ~~فإن لم يفعل ففي الساعة الثانية فإن لم يفعل ففي الساعة الثالثة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راج في ms0144 الساعة الثالثة ~~فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح ~~في الساعة الخامسة فكأنما # PageV01P117 # أهدى بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام واجتمعت الملائكة ~~عند المنبر يسمعون الذكر، فمن جاء بعد ذلك فكأنما جاء لحق الصلاة وليس من ~~الفضل في شيء فالساعة الأولى تكون بعد صلاة الصبح والساعة الثانية تكون عند ~~ارتفاع الشمس والثالثة تكون عند انبساطها وهي الضحى الأعلى إذا رمضت ~~الأقدام بحر الشمس والساعة الرابعة تكون قبل الزوال والساعة الخامسة إذا ~~زالت الشمس أو مع استوائها وليس الساعة الرابعة والخامسة مستحبتين للبكور ~~ولا فضل لمصلي الجمعة بعد الساعة الخامسة لأن الإمام يخرج في آخرها فلا ~~يبقى إلا فريضة الجمعة، ويقال: إن الناس يكونون في قربهم من الله عز وجل ~~عند الزيارة للنظر إليه تعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة، ودخل ابن مسعود ~~يوم الجمعة بكرة فرأى ثلاثة نفر وقد سبقوه بالبكور فوجم لذلك وجعل يقول: ~~رابع أربعة يعني نفسه وما رابع أربعة من الله ببعيد وهذا من اليقين في هذه ~~المشاهدة للخبر، وقد جاء في الأثران: الملائكة يفتقدون العبد إذا تأخر عن ~~وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا عنه مافعل فلان وما الذي أخره عن وقته ~~فيقولون: اللهم إن كان أخره فقره فاغنه وإن كان أخره مرض فاشفه وإن كان ~~أخره شغل عنه ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو فأقبل بقلبه على طاعتك ولا ~~تقعد إلى القصاص يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في حلقة قبل الصلاة. # وروينا في خبر مقطوع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث لو يعلم الناس ما ~~فيهن لركضوا الإبل في طلبهن: الأذان، والصف الأول، والغدو إلى الجمعة، قال ~~أحمد بن حنبل وقد ذكر هذا الحديث أفضلهن الغدو إلى الجمعة، وقد يروى في خبر ~~آخر إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة ~~وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم. # وروينا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms0145 نهى عن التحلق يوم الجمعة ~~قبل الصلاة الا أن يكون عالما بالله تعالى، يذكر بأيام الله عز وجل ويفقه ~~في دين الله عز وجل، يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين ~~البكور إلى الجمعة والإستماع إلى العلم ولا يدع الغسل لها يوم الجمعة إلا ~~من ضرورة فإنه عند بعض العلماء فرض والاغتسال في البيت أفضل. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: غسل الجمعة واجب على كل محتلم، ~~والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر: من أتى الجمعة فليغتسل وكان أهل المدينة ~~يتسابون بينهم فيقولون لأنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وقد قال عمر ~~لعثمان رضي الله عنهما لما دخل وهو يخطب: أهذه الساعة فقال: مازدت بعد أن ~~سمعت الأذان أن توضأت وخرجت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر الغسل ولكن في ترك بالغسل رخصة لوضوء ~~عثمان مع علمه ويسند ذلك إلى الخبر المسند من # PageV01P118 # توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل. # وروينا عن الصحابة: أمرنا بالغسل يوم الجمعة فلما جاء الشتاء كان من شاء ~~اغتسل ومن لم يشأ ترك الغسل، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل فلذلك قال مالك بن أنس إن النساء ~~إذا حضرن الجمعة اغتسلن له ومن اغتسل من جنابة أجزأه لغسل الجمعة إذا نوى ~~ولا بد من النية لغسل الجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل، ويكون الغسل للجمعة ~~داخلا فيه، فإذا أفاض عليه الماء ثانية بعد غسله للجنابة لأجل الجمعة فهو ~~أفضل دخل بعض الصحابة على ابنه يوم الجمعة وهو يغتسل فقال: للجمعة غسلك ~~هذا؟ قال: لا بل من الجنابة، قال: فأعد غسلا ثانيا فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: واجب على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة، ومن اغتسل بعد ~~طلوع الفجر أجزأه ولكن أفضل الغسل لها عند الرواح إلى الجامع وأحب أن ~~لايحدث وضوءا بعد الغسل حتى ms0146 يفرغ من صلاة الجمعة فمن العلماء من كره ذلك ~~ولكن إن بكر إلى الجامع فتوضأ هناك من حدث لحقه لامتداد الوقت فإنه على غسل ~~الجمعة ويستحب أن يستاك وأن يلبس من صالح ثيابه ويجتنب الشهرة من الثياب ~~ومن أفضل ما لبس البياض أو بردين يمانيين ولبس السواد يوم الجمعة ليس من ~~السنة ولا من الفضل أن ينظر إلى لابسه وليقلم أظفاره ويأخذ من شاربه فقد ~~روي فضل ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمره. # وقد روينا عن ابن مسعود وغيره من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عز وجل ~~منها داء وأدخل شفاء وليتطيب بالطيب طيبه مما ظهر ريحه وخفي لونه فذلك طيب ~~الرجال وطيب النساء مما ظهر لونه وخفي ريحه، روينا ذلك في الأثر وتستحب ~~العمامة يوم الجمعة، وقد روينا فيها حديثا شاذا عن واثلة بن الأسقع عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل وملائكته يصلون على أصحاب العمائم ~~يوم الجمعة فإن أكربه الحر فلا بأس أن ينزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن يخرج ~~من منزله إلى الجامع وهو لابسها ولا يصلي إلا معتما بها لتحصل له فضيلة ~~العمة، فإن نزعها فليلبسها حينئذ عند صعود الإمام المنبر ثم ليصل وهي عليه ~~فإن شاء نزعها بعد ذلك وليخرج إلى الله عز وجل خاشعا متواضعا ذا سكينة ~~ووقار وإخبات وافتقار وليكثر من الدعاء والاستغفار وينوي في خروجه زيارة ~~مولاه في بيته والتقرب إليه بأداء فريضته والعكوف في المسجد إلى حيث ~~انقلابه ثم لينو كف جوارحه عن اللهو واللغو ويتق الشغل حين يخدم مولاه ~~وليترك راحته في ذلك اليوم في مهناه من عاجل حظ دنياه وليواصل الأوراد فيه ~~فيجعل أوله إلى انقضاء صلاة الجمعة للخدمة بالصلاة وأوسطه إلى صلاة العصر ~~لاستماع العلم ومجالس الذكر وآخره إلى غروب الشمس للتسبيح والاستغفار، ~~فكذلك كان المتقدمون يقسمون يوم الجمعة هذه الأقسام الثلاثة وإن صامه فحسن ~~يضم إليه يوم الخميس أو يضيف إليه يوم السبت وقد # PageV01P119 # كره إفراده بصوم ms0147 ومن لم يصمه وكان أهل فالمستحب أن يجامع فيه فقد روي فضل ~~ذلك وكان بعض السلف يفعله. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غسل واغتسل وغدا وبكر ~~ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها، وفي خبر آخر: ~~ودنا من الإمام واستمع كان له ذلك كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة ~~أيام، وفي لفظ آخر: غفر له إلى الجمعة الأخرى وقد اشترط في بعضها ولم يتخط ~~رقاب الناس، فمعنى قوله: من غسل بالتشديد أي غسل أهله كناية عن الجماع، ~~وبعض الرواة يخففه فيقول: غسل واغتسل فيكون معناه غسل رأسه واغتسل لجسده ~~وليتق أن يتخطى رقاب الناس فإن ذلك مكروه جدا وقد جاء فيه وعيد شديد إن من ~~فعل ذلك جعل جسرا يوم القيامة على جهنم تتخطاه الناس وقال ابن جريج حديثا ~~مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا ~~يتخطى رقاب الناس حتى تقدم وجلس فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ~~عارض الرجل حتى لقيه فقال يافلان مامنعك أن تجمع اليوم معنا؟ فقال: يانبي ~~الله قد جمعت فقال: أو لم أرك تتخطى رقاب الناس؟ وفي حديث مسند أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له: مامنعك أن تصلي معنا الجمعة؟ فقال: أو لم ترني؟ ~~قال: قد رأيتك تأنيت وآذيت، أي تأخرت عن البكور وآذيت بالحضور، ولا يقعد ~~إلى القصاص في يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في حلقة قبل الصلاة. # فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمران أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة إلا أن يكون عالما ~~بالله عز وجل يذكر بأيام الله ويفقه في الدين يتكلم في الجامع بالغداة ~~فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور إلى الجمعة وبين الاستماع إلى العلم، ~~وقد روينا عن بعض علماء السلف قال: إن الله تعالى فضلا من الرزق سوى أرزاق ~~العباد لا ms0148 يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة، وفي ~~الخبر المشهور: أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل ~~فيها شيئا إلا أعطاه، وفي لفظ آخر لا يصادفها عبد يصلي، واختلف في وقت هذه ~~الساعة فقيل: إنها عند طلوع الشمس، وقيل: إذا قام الناس إلى الصلاة، وقيل ~~عند الزوال، ويقال: مع الأذان، وقيل: هي إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في ~~الذكر، وقيل: بعد العصر من آخر أوقاتها، وقيل: عند غروب الشمس إذا تدلى ~~حاجبها الأسفل، كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تراعي ذلك ~~الوقت وتأمر خادمها أن ينظر إلى الشمس فيؤذنها بسقوطها فتأخذ في الدعاء ~~والاستغفار في ذلك الوقت إلى أن تغرب الشمس وتخبر أن تلك الساعة هي ~~المنتظرة وتؤثره عن أبيها صلى الله عليه وسلم فهذا جمل ماقيل في هذه الساعة ~~بروايات جاءت في ذلك متفرقة حذفنا ذكرها للاختصار فليتوخ هذه الأوقات ~~وليتعهد الدعاء فيها والصلاة فيما صلح منها. # وقد قال بعض العلماء إن هذه الساعة مبهمة في جميع اليوم لا يعلمها إلا ~~الله عز # PageV01P120 # وجل كأنها بمنزلة ليلة القدر مبهمة في جميع شهر رمضان وكأنها مثل الصلاة ~~الوسطى في جملة الصلوات الخمس، وقد قيل: إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة ~~كتنقل ليلة القدر عند بعضهم في ليالي الشهر، ذلك ليكون العبد طالبا إلى ~~الله عز وجل وراغبا متضرعا مفتقرا في جميع ذلك اليوم، فمن واصل الأوراد فيه ~~وعمر بالذكر كل ساعة صادفها بإذن الله عز وجل فإن لم يواصل الساعة في يوم ~~واحد فليواصلها في جمع شتى وقتا على وقت على ترتيب أوقات يوم فإنها تقع في ~~جميع الأوقات لا محالة وليكثر الدعاء والتضرع وفي وقتين خاصة عند صعود ~~الإمام المنبر إلى أن تقام الصلاة ويدخل فيها وعند آخر ساعة وقت تدلي الشمس ~~للغروب، فهذان الوقتان من أفضل أوقات الجمعة ويقوي في نفسي أن في أحدهما ~~الساعة المرجوة، وقد اجتمع كعب الأحبار مع أبي هريرة واجتمع رأي كعب ms0149 أنها ~~في آخر ساعة من يوم الجمعة، فقال أبو هريرة: كيف تكون آخر ساعة وقد سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لايوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة، فقال ~~كعب: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قعد ينتظر الصلاة فهو في ~~صلاة، قال: بلى، قال: فذاك صلاة، فسكت أبو هريرة فكأنه وافقه وليكثر من ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلتها وأقل ذلك أن ~~يصلي عليه صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة مرة. # وقد جاء في الخبر من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ~~ثمانين سنة، قيل: يارسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: تقول اللهم صل على ~~محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وتعقدها واحدة فكيف ما صلى عليه بعد أن ~~يأتي بلفظ ذكر الصلاة عليه فهي صلاة، والصلاة المشهورة هي التي رويت في ~~التشهد وإن جعل من صلاته عليه أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة وابعثه المقام المحمود الذي ~~وعدته وأجزه عنا ماهو أهله وأجزه أفضل ماجزيت نبيا عن أمته وصل على جميع ~~إخوانه من النبيين والصالحين ياأرحم الراحمين. # تقول هذا سبع مرات، ففي هذا فضل عظيم ويقال: من قاله سبع جمع في كل جمعة ~~سبعة مرات وجبت له شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن زاد هذه الصلاة ~~فهي مأثورة: اللهم اجعل فضائل صلواتك وشرائف زكواتك ونوامي بركاتك ورأفتك ~~ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين ورسول رب ~~العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي الرحمة وسيد الأمة، اللهم ابعثه مقاما ~~محمودا تزلف به قربه وتقربه عينه يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم أعطه ~~الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة، ~~اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع، اللهم عظم ~~برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى المقربين درجته، اللهم احشرنا ~~في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته ms0150 وأحينا على سنته وتوفنا على ملته وأوردنا # PageV01P121 # حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولانادمين ولاشاكين ولا مبدلين ولافتانين ~~ولا مفتونين آمين، رب العالمين، وليكثر من الاستغفار يوم الجمعة وليلتها ~~وأي لفظ ذكر فيه سؤال المغفرة فهو مستغفر، وإن قال: اللهم اغفر لي وتب علي ~~إنك أنت التواب الرحيم فهو أفضل، وإن قال: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ~~وأنت خير الراحمين فحسن، واستحب له أن يقرأ ختمة يوم الجمعة، فإن ضاق عليه ~~ذلك فليشفع إليه ليلتها ليكون ابتداؤه من ليلة الجمعة، وإن جعل ختمه للقرآن ~~في ركعتي الفجر من يوم الجمعة أو في ركعتي المغرب ليلة الجمعة فحسن، ~~ليستوعب بذلك كله اليوم والليلة، وإن جعل ختمه بين الأذان للجمعة والإقامة ~~للصلاة ففيه عظيم، ويستحب أن يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة وبعدها ست ~~ركعات، وإذا دخل الجامع فليصل أربع ركعات يقرأ فيهن: قل هو الله أحد مائتي ~~مرة في كل ركعة خمسين مرة ففيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له، وإذا دخل الجامع فلا يقعدن ~~حتى يصلي ركعتين قبل أن يجلس وكذلك إن دخل والإمام يخطب صلاهما خفيفتين وإن ~~سمعه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه قد جاء في حديث غريب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سكت له حتى صلاهما فقال الكوفيون إن سكت له ~~الإمام صلاهما، ولعل سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص له لوجوب ~~قوله، وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي ~~نورا من حيث يقرأها إلى مكة وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام ~~وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الجنب ~~والبرص والجذام وفتنة الدجال، واستحب أن يصلي يوم الجمعة أربع ركعات بأربع ~~سور سورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة ms0151 يس، فإن لم يحسن ذلك قرأ ~~سورة يس وسجدة لقمان وسورة الدخان وسورة الملك ولا يدع قراءة الأربع سور في ~~كل ليلة جمعة ففي ذلك أثر وفضل كبير فإن لم يحسن جميع القرآن قرأ ما يحسن ~~منه فذلك له ختمة فقيل ختمة من حيث علمه، وقد كان العابدون يستحبون أن ~~يقرؤوا يوم الجمعة ألف مرة: قل هو الله أحد، فإن قرأها في عشر ركعات أو ~~عشرين فهو أفضل من ختمة، وقد كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ألف ~~مرة، ومن التسبيح والتهليل بالكلمات الأربع ألف مرة وهذه ثلاثة أوراد حسنة ~~في يوم الجمعة أعني قراءة: قل هو الله أحد والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتسبيح والتهليل ألفا ألفا فلا يدعن ذلك من رزقها أو أحدها فإنه من ~~أفضل الأعمال في هذا اليوم وإن صلى يوم الجمعة قبل الزوال صلاة التسبيح وهي ~~ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات فقد أكثر وأطاب. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلها في كل جمعة مرة، ~~وذكر أبو الجوزاء # PageV01P122 # عن ابن عباس أنه لم يكن يدع هذه الصلاة كل يوم بعد الزوال وأخبر عن فضلها ~~ما يجل وصفه، وإن قرأ المسبحات الست في يوم الجمعة أو ليلتها، فحسن، وليس ~~يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السور بأعيانها إلا يوم الجمعة ~~وليلتها، فإنا روينا أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: قل يا أيها ~~الكافرون، وقل هو الله أحد وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة ~~وسورة المنافقين، وقد روي أنه كان يقرأ بهاتين السورتين في صلاة الجمعة ~~وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة سجدة لقمان وسورة هل أتى على ~~الإنسان واستماعه إلى علم اليقين والمعرفة وحضور مجالس الذكر أفضل من صلاته ~~وصلاته أفضل من حضوره مجالس القصاص وروينا في حديث أبي ذر حضور مجلس علم ~~أفضل من صلاة ألف ركعة وفي خبر آخر لأن يتعلم أحدكم بابا من العلم أو ms0152 يعلمه ~~خير له من صلاة ألف ركعة وفي خبر قيل: يا رسول الله ومن قراءة القرآن فقال: ~~وهل ينفع القرآن إلا بعلم والصلاة إذا عدم مجلس العلم بالله والتفقه في دين ~~اللهه عز وجل أزكى من حضور مجلس القصص ومن الاستماع إلى القصاص فإن القصص ~~كان عندهم بدعة وكانوا يخرجون القصاص من الجامع، روي أن ابن عمر جاء ذات ~~يوم إلى مجلسه في المسجد فإذا قصاص يقص فقال له: قم من مجلسي فقال لاأقوم ~~وقد جلست فيه أو قال: قد سبقتك إليه قال: فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة ~~فأقامه فلو كان ذلك من السنة لما حل لابن عمر أن يقيمه من مجلسه سيما وقد ~~سبقه إلى الموضع كيف وهو الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا قال: فكان ابن ~~عمر إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه. # وروينا ثم يجلس فيه وقد روينا أن قاصا كان يجلس بفناء حجرة عائشة يقص ~~فأرسلت إلى ابن عمر أن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي قال: فضربه ابن ~~عمر حتى كسر عصا على ظهره ثم طرده وليحذر أن يمر بين يدي المصلي وإن كان ~~مروره لا يقطع الصلاة ففي الخبر لأن يقف أربعين سنة خير له من أن يمر بين ~~يدي المصلي وقد جاء فيه وعيد شديد لأن يكون الرجل رمادا تذروه الرياح خير ~~له من أن يمر بين يدي المصلي وقد سوى في ذلك بين المار والمصلي في الوعيد ~~ففي حديث زيد بن خالد الجهني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم ~~المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين خير له ~~من أن يمر بين يديه # PageV01P123 # وليدن المصلي من اسطوانة أو جدار فإذا فعل ذلك فلا يدعن أحدا أن يمر بين ~~يديه وليدفعه ما استطاع، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ms0153 عن أبيه ~~قال فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان، وكان أبو سعيد يدفع من يمر بين يديه ~~حتى يصرعه فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه مروان فيخبره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره بذلك فإن لم يتفق له اسطوانة فليجعل شيئا بين يديه ~~يكون طوله عظم الذراع، وقد قيل: إن كان حبلا ممدودا فحاجز بينه وبين ~~المارة، وقد قيل أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يصلي في الصف ~~الثاني ويترك الأول فارغا، أو يمسح جبهته في صلاته، أو يصلي بسبيل من يمر ~~بين يديه، وقد كان الحسن يقول: تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع ~~يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم وليقرب من الإمام وينصت ويسمع ويستقبله بوجهه ~~كذلك السنة إلا أن يخاف أن يسمع أو يرى منكرا من لبس نقش سواد أو حرير ~~أوديباج أو جميل سلاح ثقيل ولا يستطيع تغييره ليبعد حينئذ فهو أسلم ولا ~~يلغو ولا يتكم في خطبة الإمام وإن بعد ولايجلس في حلقة من يتكلم والإمام ~~يخطب ولا يقول لآخر اسكت ولكن يومئ إليه إيماء أو يحصبه بحصاة فإن لغا ~~والإمام يخطب بطلت جمعته ولا يتكلم في العلم في خطبة الإمام ومن لم يقرب من ~~الإمام ولم يستمع فلينصت وإن بعد كذلك المستحب. # وقد روينا عن عثمان وعلي رضوان الله عليهما: من استمع وأنصت فله أجران ~~ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا ~~فعليه وزر واحد، وفي حديث أبي ذر لما سأل أبيا والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب فقال: متى أنزلت هذه السورة فأومأ إليه أن اسكت، فلما نزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له أبي: اذهب فلا جمعة لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: صدق أبي، وكذلك جاء في الخبر: من قال لصاحبه والإمام ~~يخطب أنصت أومه فقد لغا ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له وليقطع الصلاة ~~إذا قام المؤذنون للأذان بين يدي الإمام. # فقد ms0154 روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليهم: تكره الصلاة في ~~أربع ساعات، بعد الفجر، وبعد العصر، ونصف النهار، والصلاة والإمام يخطب، ~~وقد جاء في الأثر خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وسجود العامة ~~عند قيام المؤذنين للأذان قبل الخطبة ليس بسنة فإن وافق ذلك سجوده في صلاته ~~أو سجود قرآن فلا بأس أن يمتد في الدعاء إلى فراغهم لأنه وقت مفضل ولا أعرف ~~في ذلك أثرا غير أنه مباح، ومن العلماء من كره الصلاة في المقصورة لأجل ~~أنها قصرت على السلطان وأوليائه وذلك بدعة عند أهل الورع ابتدعت في المساجد ~~لأنها غير مطلقة لجملة الناس، فلذلك نقل في الخبر: كان الحسن وبكر المزني ~~لا يصليان في المقصورة. # وروي: رأيت أنس بن مالك يصلي في المقصورة وعمران بن حصين أيضا ومنهم من ~~لم يكره ذلك ورأيت فيه فضلا لأجل السنة في الدنو من الإمام واستماع الذكر ~~فإن # PageV01P124 # أطلقت للعامة زالت الكراهة عنها وإن خص بها أولياء السلطان تركت عليهم ~~فإن صلى سبعا يصلي فيها فإن بعض العلماء كره الصلاة في فناء المنبر من قبل ~~أن المنبر يقطع الصفوف وكان عندهم أن تقدمة الصفوف إلى فناء المنبر بدعة ~~وكان الثوري يقول: الصف الأول: هو الخارج من بين يدي المنبر ومن خشي الفتنة ~~والآفة في قربه من الإمام بأن يسمع ما يجب عليه إنكاره أو يرى ما يلزم ~~الأمر فيه أو النهي عنه من لبس حرير أو لبس ديباج أو الصلاة في السلاح ~~الثقيل للشغل كان بعده من الصفوف المقدمة أصلح لقلبه وأجمع لهمه لقلة ~~ملاقاة الناس ولترك النظر إليهم، فالأصلح للقلب والأجمع للهم هو الأفضل ~~حينئذ وقد كان جماعة من العلماء والعباد يصلون في أواخر الصفوف إيثارا ~~للسلامة وقيل لبشر بن الحرث: نراك تبكر يوم الجمعة وتصلي في أواخر الصفوف ~~فقال: يا هذا إنما نريد قرب القلوب لا قرب الأجساد، ونظر سفيان الثوري إلى ~~شعيب بن حرب عند المنبر يستمع إلى خطبة أبي جعفر فلما جاءه بعد الصلاة ms0155 قال: ~~شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ~~ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد قلت: يا أبا عبد الله أليس في الخبر إذن ~~واستمع فقال ويحك ذاك للخلفاء الراشدين المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت ~~عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب لك إلى الله عز وجل. # وقد روينا عن أبي الدرداء فضيلة في الصف المؤخر قال سعيد بن عامر صليت ~~إلى جنبه فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف فلما صلينا قلت له أليس ~~يقال خيرا الصفوف أولها قال: نعم إلا أن هذه أمة مرحومة منظور إليها من بين ~~الأمم وإن الله عز وجل إذا نظر إلى عبد منهم في الصلاة غفر لمن وراءه من ~~الناس فإنما تأخرت رجاء أن تغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه وقد رفعه بعض ~~الرواة أن أبا الدرداء سمع النبي صلى الله عليه وسلم: يقول ذلك: والصدقة ~~مستحبة مفضلة يوم الجمعة خاصة فإنها تضاعف إلا على من سأل والإمام يخطب ~~وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه قال صالح بن أحمد: سأل مسكين يوم ~~الجمعة والإمام يخطب وكان بجنب أبي فأعطاه رجل قطعة ولم يعرفه ليناوله ~~إياها فلم يأخذها منه أبي وقال ابن مسعود: إذا سأل الرجل في المسجد فقد ~~استحق أن لا يعطى وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه، ومن العلماء من كره ~~الصدقة على سؤال الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل قائما من غير ~~أن يتخطى المسلمين أو قاعدا في مكان. # وروينا عن كعب الأحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف يتصدق بشيئين مختلفين من ~~الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وخشوعهما وسجودهما ثم يقول: اللهم ~~إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي ~~القيوم لا تأخذه سنة ولانوم لم يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه، وقد روينا ~~عن بعض السلف على غير هذا الوصف قال: من أطعم مسكينا في يوم # PageV01P125 # الجمعة ms0156 ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام اللهم إني ~~أسألك ببسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أن تغفر لي وترحمني وأن تعافيني ~~من النار ثم دعا بما بدا له استجيب له وإن سمع قراءة الإمام لم يقرأ في ~~صلاته إلا سورة الحمد لا غير وإن لم يسمع قراءته قرأ سورة مع الحمد إن أحب ~~فأما من سمع قراءة الإمام وقرأ معه سورة الجمعة أو غيرها من السور فقد خالف ~~الأمة وعصى رسولا صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه مذهب أحد من المسلمين فإذا ~~سلم من صلاة الجمعة قرأ وهو ثان رجله قبل أن يتكلم الحمد سبع مرات وقل هو ~~الله أحد سبعا والمعوذتين سبعا سبعا، ففي ذلك أثر عن بعض السلف أن من فعله ~~عصم من الجمعة إلى الجمعة وكان ذلك حرزا له من الشيطان واستحب له أن يقول ~~بعد صلاة الجمعة: اللهم يا غني، ياحميد، يا مبدئ، يا معيد، يا رحيم، ~~ياودود، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، يقال: من داوم علي هذا ~~الدعاء أغناه الله عز وجل عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب، وقد روي ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وروى أبو هريرة ~~أنه كان يصلي بعدها أربعا، وروى علي وعبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي بعدها ستا فإذا صلى العبد ست ركعات فقد استوعب ~~جميع الروايات وأكره شراء الماء في المسجد للشرب أو لتسبيله لئلا يكون ~~مبتاعا في المسجد فقد كره الشراء والبيع في المسجد فإن بايعه أو دفع إليه ~~القطعة خارجا من المسجد وشرب أو سبل في المسجد فلا بأس وقد جاء عن بعض ~~السلف أنه كره الصلاة في رحاب الجامع عن بعض الصحابة أنه كان يضرب الناس ~~ويقيمهم من الرحاب ويقول: لا تجوز الصلاة في الرحاب فهذا عندي على ضربين ~~وهو أن الصلاة في رحاب الجامع الزوائد فيه المتصلة بالصفوف المحيط بها حائط ~~الجامع ms0157 الأعظم كالصلاة في وسطه غير مكروهة، والصلاة في رحابه المتفرقة في ~~أفنيته التي هي من وراء جدر الجامع كله مكروهة، وكذلك الصلاة في الطرقات ~~المنفردة عن الجامع غير المتصلة بالصفوف لحجز طريق أو بعد مكان فلا يجوز، ~~وهذا الذي كرهه من كان ينهي عن الصلاة فيه، فإذا صلى الجمعة انتشر في أرض ~~الله عز وجل يطلب من فضل الله عز وجل ومن الفضل طلب العلم واستماعه، ويقال: ~~هو مزيد يوم الجمعة للعالم والمتعلم، قال الله عز وجل: (وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) النساء: 311 قال الله تعالى (ولقد آتينا ~~داود منا فضلا) سبأ: 01، يعني بدليل نظيرها من الآية الأخرى في قوله تعالى: ~~(ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الجمد لله الذي فضلنا) النمل: 15. # وروينا عن أنس بن مالك في قوله عز وجل: (فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله) الجمعة: 01، قال أما أنه ليس بطلب دنيا ولكنه ~~عيادة مريض # PageV01P126 # وشهود جنازة وتعلم علم وزيارة أخ في الله عز وجل فإن الذكر بالعلم وتعليم ~~الناس إياه والتذكير بالله عز وجل والدعوة إليه في يوم الجمعة له فضل على ~~سائر الأيام لأنه يوم المزيد، فللقلوب فيه إقبال وتحديد، وكذلك السعي إليه ~~والاستماع له وحضور مجالس الذكر يوم الجمعة لا مجالس القصاص أفضل من سائر ~~الأيام، والمستمع شريك القائل في الأجر وقد قيل إنه أقرب للرحمة وقد كره ~~العلماء الجلوس إلى القصاص سيمايوم الجمعة خاصة لأنهم يثبطون عن الغدو إلى ~~الجامع في الساعة الأولى والثانية لأن الكتاب ورد بالفضل فيهما، فمن اتفق ~~له عالم بالله عز وجل يذكره به ويدله عليه من علماء الآخرة الزاهدين في ~~الدنيا يوم الجمعة غدوة في الجامع أو بعد صلاة الجمعة جلس إليه واستمع منه ~~وإن حضر مفت يتكلم بعلم الدين وكان العبد محتاجا إلى ذلك وجالسه فهو الأفضل ~~فإن مجالس العلماء في الجامع من زين يوم الجمعة ومن تمام فضله. # قال الحسن: الدنيا ظلمة إلا مجالس العماء، فإن لم ms0158 يتفق له ذلك أحيا ما ~~بين الصلاتين وهو الورد الخامس من النهار، ويستحب صلاة العصر في الجامع إلا ~~لسبب لا بد منه مانع، وإن قعد إلى غروب الشمس فهو أثوب للساعة المنتظرة من ~~آخر النهار إذا أمن الفتنة والتصنع والكلام فيما لا يعنيه، ويقال: من صلى ~~العصر في الجامع كان له ثواب حجة ومن صلى المغرب كان له ثواب عمرة فإن خشي ~~دخول الآفة عليه أو لم يأمن التصنع والخوض فيما لا يعنيه انصرف إلى منزله ~~ذاكرا لله عز وجل مفكرا في آلائه وحسن نعمائه فراعى غروب الشمس بالأذكار ~~والتسبيح والاستغفار في منزله أو مسجد حيه فذلك حينئذ أفضل له، وقال بعض ~~السلف: أوفر الناس نصيبا يوم الجمعة من راعاها وانتظرها من الأمس وأخس ~~الناس منها نصيبا من يصبح يوم الجمعة فيقول: أيش اليوم وقد كان بعضهم يبيت ~~ليلة الجمعة في الجامع لأجل صلاة الجمعة ومنهم من كان يبيت ليلة السبت في ~~الجامع لمزيد الجمعة وكثير من السلف من كان يصلي الغداة يوم الجمعة في ~~الجامع ويقعد ينتظر صلاة الجمعة لأجل البكور ليستوعب فضل الساعة الأولى ~~ولأجل ختم القرآن وعامة المؤمنين كانوا ينحرفون من صلاة الغداة في مساجدهم ~~فيتوجهون إلى جوامعهم ويقال: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى ~~الجوامع. # قال: وكنت ترى يوم الجمعة سحرا وبعد صلاة الفجر الطرقات مملوءة من الناس ~~يمشون في السرج يزدحمون فيها إلى الجامع كما ترون اليوم في الأعياد حتى درس ~~ذلك وقل وجهل وترك أولا يستحي المؤمن أن أهل الذمة يبكرون إلى كنائسهم ~~وبيعهم قبل خروجه إلى جامعه أولا يعتبر بأهل الأطعمة المباعة في رحاب ~~الجامع أنهم يغدون إلى الدنيا والناس قبل غدوه هو إلى الله تعالى وإلى ~~الآخرة فينبغي أن يسابقهم إلى مولاه # PageV01P127 # ويسارعهم إلى ماعنده من زلفاه، ويجب أن يكون للمؤمن يوم الجمعة مزيد في ~~الأوراد والأعمال وليتفرغ فيه لربه عز وجل ويجعله يوم آخر إن لم يكن له يوم ~~السبت فيوم الجمعة في الأوراد المتصلة والمزيد من الأذكار على ms0159 المعلوم منها ~~فلا يكون الجمعة كالسبت في تجارة الدنيا والشغل بأسبابها وأكره له التأهب ~~ليوم الجمعة في باب الدنيا من يوم الخميس من إعداد المأكول والترفه من ~~النعمة والأكل والشرب، فقد روينا حديثا من طريق أهل البيت فيه نظر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: يأتي على أمتي زمان يتأهبون لجمعتهم في أمر دنياهم ~~عشية الخميس كما يتأهب اليهود لسبتها عشية الجمعة وإنما كان المؤمنون ~~يتأهبون فيه للآخرة بالأوراد الحسنة يزدادون من الأوراد المتصلة، وقد كان ~~أبو محمد سهل رحمه الله يقول: من أخذ مهنأه من الدنيا في هذه الأيام لم ينل ~~مهنأه في الآخرة منها يوم الجمعة وقال أيضا: يوم الجمعة من الآخرة ليس هو ~~من الدنيا، وقال بعضهم: لولا يوم الجمعة ما أحببت البقاء في الدنيا فهو عند ~~الخصوص يوم العلوم والأنوار ويوم الخدمة والأذكار لأنه عند الله عز وجل يوم ~~المزيد بالنظر إليه في المزار. # وروينا حديثا غريبا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ### | صلى الله عليه وسلم: # دعوا أشغالكم يوم الجمعة فإنه يوم صلاة وتهجد. # وروينا عن جعفر الصادق قال: يوم الجمعة لله عز وجل ليس فيه سفر، قال الله ~~تعالى: (وابتغوا من فضل الله) الجمعة: 10 وما ذكرناه من الصلاة والسور ~~المقروءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الذكر في يوم الجمعة ~~فإنه يستحب في ليلتها وهي من أفضل الليالي فلا يدعن ذلك من وجد إليه سبيلا، ~~فإن للصادق المريد في كل وقت مفضل من الله عز وجل مزيدا فإذا أحب الله ~~تعالى عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقت عبدا ~~استعمله في الأوقات المفضلة بسئ الأعمال ليكون أوجع في عقابه وأشد لمقته ~~لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت ومما يختص به يوم الجمعة من الذكر ~~والتمجيد بالأسماء فصول أربعة: أولها: الأربعون اسما التي دعا بها إدريس ~~صلى الله عليه وسلم خصه الله تعالى بها وذكر الحسن البصري أن موسى صلى الله ~~عليه وسلم قد كان دعا بهن وأنها ms0160 كانت من دعاء محمد صلى الله عليه وسلم. # والفصل الثاني: كان إبراهيم بن أدهم الزاهد يدعو بها كل يوم جمعة عشر ~~مرات إذا أصبح وإذا أمسى فكان ذلك من عمله في يومه. # والفصل الثالث: روينا عن علي رضي الله عنه رواه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الله عز وجل يمجد نفسه في كل يوم وليلة. # والفصل الرابع: تسبيحات أبي المعمر وهو سليمان التيمي الذي كان رأى ~~الشهيد # PageV01P128 # بعد قتله في المنام فقيل له: ما أفضل ما رأيت هناك من الأعمال؟ فقال: ~~رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله عز وجل بمكان، فأما هذان الفصلان من ~~تمجيد الرب سبحانه وتعالى نفسه، وتسبيحات أبي المعتمر فقد ذكرناهما في أول ~~الكتاب فيما اخترنا من الأدعية المختارة بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس ~~في كل يوم فاستثقلنا إعادتها ههنا، وأما الفصلان الآخران فنحن ذاكروهما. ### | ذكر دعاء إدريس النبي # صلى الله عليه وسلم # حدثنا الحسن بن يحيى الشاهد: حدثنا القاسم بن داود القراطيسي حدثنا عبد ~~الله بن محمد القرشي حدثنا محمد بن سعيد المؤذن حدثنا سلام الطويل عن الحسن ~~البصري قال: لما بعث الله عز وجل إدريس إلى قومه علمه هذه الأسماء فأوحى ~~الله إليه: قلهن سرا في نفسك ولا تبدهن للقوم فيدعوني بهن، قال: وبهن دعا، ~~فرفعه الله عز وجل مكانا عليا ثم علمهن الله عز وجل موسى عليه السلام ثم ~~علمهن الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وبهن دعا في غزوة الأحزاب قال ~~الحسن: وكنت مستخفيا من الحجاج فدعوت الله بهن فحبسه عني ولقد دخل علي ست ~~مرات فأدعو الله بهن فأخذ الله عز وجل بأبصارهم عني فادع الله عز وجل بهن ~~لالتماس المغفرة لجميع الذنوب ثم سل حاجتك من أمر آخرتك ودنياك فإنك تعطاه ~~إن شاء الله تعالى فإنهن أربعون اسما عدد أيام التوبة سبحانك لا إله ~~إلاأنت، يا رب كل شيء، ووارثه، ورازقه، وراحمه، يا إله الآلهة، الرفيع ~~جلاله، يا الله المحمود في كل فعاله، يا رحمن ms0161 كل شيء وراحمه، ياحي حين لا ~~حي في ديمومة ملكه وبقائه، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ولايؤده، ياواحد، ~~الباقي في أول كل شيء وآخره، يا دائم فلا فناء ولا زوال لملكه، ياصمد من ~~غير شبيه ولا شيء كمثله، يا بارىء فلا شئ كفؤه ولا مكان لوصفه، يا كبير أنت ~~الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته، يابارئ النفوس بلامثال خلا من غيره، يا ~~زاكي الطاهر من كل آفة تقدسه، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، ~~يانقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله، ياحنان أنت الذي وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما، يا ذا الإحسان قد عم كل الخلائق منه، يا ديان العباد كل يقوم ~~خاضعا لرهبته، يا خالق من في السموات والأرض وكل إليه معاده، يا رحيم كل ~~صريخ ومكروب وغياثه ومعاده، يا تام فلاتصف الألسن كل جلال ملكه وعزه، يا ~~مبدع البدائع لم يبلغ في إنشائها عونا من خلقه، يا علام الغيوب فلا يفوته ~~شيء من خلقه ولا يؤده، يا حليم ذا الأناة فلا يعادله شيء من خلقه، يا معيد ~~ما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته من مخافته، ياحميد الفعال ذا المن على ~~جميع خلقه بلطفه، يا عزيز المنيع الغالب على أمره فلا شيء يعادله، يا قاهر ~~ذا البطش الشديد أنت الذي لا يطاق انتقامه، يا قريب المتعالي فوق كل شيء ~~علو ارتفاعه، يا مذل كل جبار عنيد بقهر عزيز سلطانه، يانور كل شيء وهداه، ~~أنت الذي فلق الظلمات بنوره، # PageV01P129 # يا عالي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه، يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا ~~شيء يعادله من خلقه، يا مبدئ البرايا ومعيدها بعد فنائها بقدرته، يا جليل ~~المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده، يا محمود فلا تبلغ الأوهام كنه ~~ثنائه ومجده، ياكريم العفو ذا العدل أنت الذي ملأ كل شيء عدله، يا عظيم ذا ~~الثناء الفاخر وذا العز والمجد والكبرياء فلا يذل عزه، يا عجيب فلا تنطق ~~الألسن بكنه آلائه وثنائه، يا ms0162 غياثي عند كل كربة ويا مجيبي عند كل دعوة، ~~أسألك اللهم يا رب الصلاة على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأمانا من ~~عقوبات الدنيا والآخرة وأن تحبس عني أبصار الظالمين المريدين بي السوء وأن ~~تصرف قلوبهم عن شر ما يضمرون بي إلى خير ما لا يملكه غيرك، اللهم هذا ~~الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان ولاحول ولا قوة إلا بالله ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | ذكر دعاء إبراهيم بن أدهم # حدثنا أحمد بن الموصلي الوكيل بن الموكل حدثنا: جعفر بن نصير الخواص ~~الخراساني حدثني إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم قال: كان إبراهيم بن ~~أدهم يقول هذا الدعاء في يوم الجمعة إذا أصبح ويقوله إذا أمسى مثل ذلك ~~مرحبا بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب الشهيد يومنا هذا يوم عيد اكتب ~~لنا ما نقول بسم الله الحميد المجيد الرفيع الودود الفعال في خلقه ما يريد ~~أصبحت بالله مؤمنا وبلقائه مصدقا وبحجته معترفا ومن ذنبي مستغفرا ولربوبية ~~الله خاضعا ولسوى الله عز وجل في الإلهية جاحدا وإلى الله فقيرا وعلى الله ~~متوكلا وإلى الله منيبا، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه ورسله وحملة ~~عرشه ومن خلق ومن هو خالقه بأنه هو الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن الجنة حق والنار حق والحوض حق ~~والشفاعة حق ومنكرا ونكيرا حق ولقاءك حق ووعدك حق والساعة آتية لا ريب فيها ~~وأن الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء ~~الله، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ~~ما استطعت، أعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت، واصرف اللهم يا رب عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت ~~لبيك وسعديك والخير كله بيديك ms0163 أنا لك وإليك أستغفرك وأتوب اليك، آمنت اللهم ~~بما أرسلت من رسول، وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى الله على سيدنا ~~محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا خاتم كلامي ومفتاحه وعلى أنبيائه ورسله ~~أجمعين آمين يا رب العالمين، اللهم أوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشروبا رويا ~~سائغا هنيئا، لا نظمأ بعده أبدا # PageV01P130 # واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين ولاناكثين ولا مرتابين ولامفتونين ~~ولا مغضوبا علينا ولا ضالين، اللهم اعصمني من فتن الدنيا ووفقني لماتحب ~~وترضى من العمل وأصلح لي شأني كله وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة ولا تضلني وإن كنت ظالما سبحانك سبحانك يا علي، ياعظيم، يا بار، ~~يا رحيم، ياعزيز، يا جبار، سبحان من سبحت له السموات بأكنافها، وسبحان من ~~سبحت له الجبال بأصواتها، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها، وسبحان من ~~سبحت له الحيتان بلغاتها، وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراقها، ~~وسبحان من سبحت له الشجر بأصولها ونضارتها، وسبحان من سبحت له السموات ~~السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، سبحانك سبحانك يا حي، يا حليم، ~~سبحانك لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك تحيي وتميت وأنت حي لا تموت، بيدك ~~الخير وأنت على كل شيء قدير، فإذا دعا بهده الأدعية الأربع يوم الجمعة فقد ~~كمل الله عز وجل عمله وتم عليه فضله فإذا عمل بخير ما ذكرناه من الأعمال ~~والأذكار واجتنب سيء ما ذكرناه من الأقوال والأفعال فهو من أهل الجمعة وممن ~~له المزيد بها نصيبا موفورا وكان عمله الخالص وذكره الصادق عند الله عز وجل ~~مشكورا، وهذا آخر كتاب الجمعة وهيئاتها وآدابها. # PageV01P131 ### | الفصل الثاني والعشرون # كتاب الصيام ### | وترتيبه ووصف الصائمين وذكر مايستحب للعبد من الصيام وطرقات الصائمين في # الصوم # ووصف صوم الخصوص # قال الله عز وجل: (واستعينوا بالصبر والصلاة) البقرة: 351، جاء في ~~التفسير: الصبر يعني الصوم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي رمضان ~~شهرالصبر لأن الصبر حبس النفس عن الهوى وإيقافها وحبسها على أمر المولى، ~~وقد روينا ms0164 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصبر نصف الإيمان والصوم ~~نصف الصبر، وقال الله تعالى: (واستعينوا بالصبر) البقرة: 351، قيل: معناه ~~على مجاهدة النفس وقيل: على مصابرة العدو، وقال بعض العلماء: استعينوا ~~بالصبر على الزهادة في الدنيا بالصوم، لأن الصائم كالزاهد العابد، فالصوم ~~مفتاح الزهد في الدنيا وباب العبادة للمولى لأنه منع النفس عن ملاذها ~~وشهواتها من الطعام والشراب كما منعها الزاهد العابد بدخوله في الزهد وشغله ~~بالعبادة، ولذلك جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما في المعنى فقال: ~~إن الله عز وجل يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك ~~شهوته من أجلي المبتذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي، وقال في الصائم: ~~مثل ذلك يقول عز وجل: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه ~~وشرابه من أجلي، ففي الصوم عون على مجاهدة النفس وقطع حظوظها ومنع عادتها ~~وفيه إضعاف لها ونقصان لهواها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، فأضافه عز ~~وجل إليه تفضيلا له تخصيصا كما قال تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا) الجن: 18 وكما قال: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها) النمل: 91 فلما كانت المساجد أحب بيوت الدنيا إليه وكانت مكة أشرف ~~البلاد عنده أضافها إلى ذكره وله كل شيء كذلك لما كان الصيام أفضل الأعمال ~~عنده وأحبها إليه لأن فيه خلقا من أخلاق الصمدية ولأنه من أعمال السر بحيث ~~لا يطلع عليه إلا هو أضافه لنفسه، وقيل: ما في عمل ابن آدم شيء إلا ويقع ~~فيه قصاص ويذهب برد المظالم إلا الصوم # PageV01P132 # فإنه لا يدخله قصاص، ويقول الله عز جل يوم القيامة: هذا لي فلا يقتص منه ~~أحد شيئا، يقال: ما من عمل إلا وله جزاء معلوم إلا الصوم فإنه لا تعلم نفس ~~ماجزاؤه ويكون أجره بغير حساب يفرغ له إفراغا ويجازف مجازفة وهو أحد الوجوه ~~في ms0165 قوله عز وجل: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون) السجدة: 71، قيل: كان عملهم الصيام، وكذلك في تأويل قوله عز وجل: ~~السائحون قيل هم الصائمون كأنهم ساحوا إلى ربهم عز وجل بجوعهم وعطشهم ~~وتركوا قرة أعين أبناء الدنيا من أكلهم وشربهم فآواهم مولاهم فيما أخفي لهم ~~من قرة أعين جزاء لعملهم، وقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب) الزمر: 01، قيل: الصائمون والصبر اسم من أسماء الصوم فلما أخفي ذكره ~~بالصوم في نفسه أخفى الله عز وجل جزاءه إياه عن غير نفسه. # وفي الحديث: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، فالصوم ذكر الله عز وجل وهو ~~سر وليس أستحب للعبد أن يزيد على إفطار أربعة أيام نسقا فإن ذلك يقسي القلب ~~ويغير الحال ويولد العادات ويفتق الشهوات ولأنه لم يؤمر ولم يندب إلى أن ~~يوالي بين إفطار أكثر من أربعة أيام متوالية وهي النحر وأيام التشريق، ~~ويستحب له أن يصوم يوما ويفطر يوما أو يصوم يومين ويفطر يومين وذلك صوم نصف ~~الدهر وإن أحب فليصم يومين ويفطر يوما وذلك صوم ثلثي الدهر فإن أحب فليصم ~~يوما ويفطر يومين وهذا صيام ثلث الدهر، هذه طريق الصائمين وفيها روايات ~~حذفنا ذكر فضائلها للاختصار، فإن صام ثلاثا من أول الشهر وثلاثا من وسطه ~~وثلاثا من آخره فحسن، فإن صام الأثانين والأخمسة والجمع فذلك خير كبير وأقل ~~من ذلك أن يصوم الأيام البيض وأول يوم من الشهر وآخر يوم منه، وأفضل الصيام ~~ما كان في الأشهر الحرم وأفضل ذلك ماوقع في العشرين منها وهو المحرم وذو ~~الحجة وبعد ذلك ما كان في شعبان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر ~~الصيام فيه حتى يصله بشهر رمضان ولايدع أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ~~وليواظب على صوم الاثنين والخميس، وفي الخبر: أفضل الصيام بعد شهر رمضان ~~وشهر الله المحرم وصوم النصف الأول من شهر شعبان مستحب، وقد كانوا يفطرون ~~النصف الأخير منه، وقد روينا خبر: ms0166 إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يدخل ~~رمضان وليفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز، ولا يجوز أن ~~يستقبل رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق ذلك يوم اثنين أو خميس قد كان ~~يصومه، وقد كان بعض الصحابة يكره أن يصام رجب كله لئلا يضاهي به شهر رمضان ~~وكانوا يستحبون أن يفطروا منه أياما وقد كره قوم صيام الدهر كله وردت أخبار ~~في كراهته وقد تأول ذلك بأنهم كانوا يصومون السنة كلها مع يوم العيد وأيام ~~التشريق فوردت الكراهة لذلك، وإن كان يريد صلاح قلبه وانكسار نفسه واستقامة ~~حاله في صوم الدهر فليصمه، فهو حينئذ كالواجب # PageV01P133 # عليه إذا كان تقواه وصلاحه فيه، فقد روينا عن سعيد عن قتادة عن أبي تميمة ~~الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين معناه لم يكن له فيها موضع وقد دلت ~~الأصول على فضل صوم الدهر وقد صامه طبقات من السلف الصالح من الصحابة ~~والتابعين بإحسان إلا أن يكون الرجل يرغب عن السنة ولا يرى الرخصة في ~~الإفطار فيكره له صوم الدهر للمعاندة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~بالسعة في الدين وأخبر الله عز وجل بأنه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ ~~بعزائمه، وفي لفظ آخر: يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته، وقد دلت ~~الأخبار على فضل صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ويفطر يوما وذلك ليكون العبد ~~بين حالين حال صبر وحال شكر، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها فقلت: أجوع يوما وأشبع ~~يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت، ومن ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم: أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما ~~ومن ذلك منازلته عليه السلام لعبد الله بن عمرو في الصوم وهو يقول: إني ~~أريد أفضل ms0167 من ذلك حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: صم يوما وافطر يوما ~~قال: أريد أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك، وروي في الخبر: صوم يوم من شهر ~~حرام أفضل من صوم ثلاثين يوما من غيره وصوم يوم من رمضان أفضل من صوم ~~ثلاثين يوما من شهر حرام، وفي حديث: من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس ~~والجمعة والسبت كتب الله تعالى له عبادة سبعمائة عام، وقد روينا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان بل كان يفطر منه وقد ~~وصل مرة شعبان برمضان وفصل صوم رمضان مرارا من شعبان، وما ذكرنا من أنواع ~~الصوم فهو صيام جماعة من السلف الصالح وفي كل منه ورد فيه فضائل يكثر ذكرها ~~وكذلك في جميع ما نذكره من أعمال القلوب والجوارح في الأيام والليالي وكذلك ~~فيما نذكره من أخلاق الإيمان وأوصاف الموقنين، وقدجاءت في أكثر ذلك فضائل ~~ومثوبات إلا أنا لم نقصد تعديد ذلك وليس مذهبنا الاشتغال بذكر فضائل ~~الأعمال إنما طريقنا تهذيب قلوب العمال، فبطهارة القلوب وحقيقة الإيمان ~~تزكو # الأعمال وتقرب العاملون من ذي الجلال ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي ~~العظيم. ال وتقرب العاملون من ذي الجلال ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي ~~العظيم. ### | ذكر صوم الخصوص من الموقنين # اعلم وفقك الله تعالى أن الصوم عند الصائمين هو صوم القالب فأما صوم ~~الخصوص من الموقنين فإن الصوم عندهم هو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار ~~الدنيوية ثم صوم السمع والبصر واللسان عن تعدي الحدود وصوم اليد والرجل عن ~~البطش والسعي في أسباب النهي، فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك وقته في جملة ~~يومه # PageV01P134 # وصار له في كل ساعة من نهاره وقت وقد عمر يومه كله بالذكر، ولمثل هذا ~~قيل: نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وقد قرن الله عز وجل الاستماع إلى ~~الباطل والقول بالإثم إلى أكل الحرام ولولا أن في المسموعات والمقولات ~~حراما على المستمع والإصغاء إليه وحراما على القائل النطق ms0168 به ما قرنهما ~~إملي أكل الحرام وهو من الكبائر، فقال تعالى: سماعون للكذب أكالون للسحت، ~~وقال سبحانه وتعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت) المائدة: 36، فالعبد الحافظ لحدود الله عز وجل إن أفطر ~~بالأكل والجماع فهو صائم عند الله في الفضل للأتباع ومن صام عن الأكل ~~والجماع وتعدى الحدود وأضاع فهو مفطر عند الله عز وجل صائم عند نفسه، لأن ~~ما أضاع أحب إلى الله عز وجل وأكثر مما حفظ، ومثل من صام من الأكل وأفطر ~~بمخالفة الأمر بسائر الجوارح مثل من مسح كل عضو من أعضائه في وضوئه ثلاثا ~~ثلاثا ثم صلى فقد وافق الفضل في العدد إلا أنه تارك للفرض من الغسل فصلاته ~~مردودة عليه لجهله وهو مغتر بفعله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن ~~النهي مثل من غسل كل عضو من أعضائه في وضوئه مرة مرة فهو تارك للفضل في ~~العدد إلا أنه مكمل للفرض محسن في العمل فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل ~~ولعمله بالعلم، ومثل من صام من الأكل والجماع وحفظ جوارحه عن الآثام كمثل ~~من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا فقد تمم الفرض وأحسن بتكملة الفضل فهذا كما قال ~~تعالى تماما على الذي أحسن، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الوضوء، كذلك هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم عليه ~~السلام وقد قال الله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم) الحج: 87 أي عليكم بها ~~فائتموا واقتدوا به فيها، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: الطاعم ~~الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وجاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما الجوع والعطش في آخر النهار حتى كادتا أن ~~تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذناه في الإفطار فأرسل ~~إليهما قدحا وقال: قل لهما قيئا فيه ما أكلتما قال: # فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما عريضا وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ~~ملأتاه، فعجب الناس من ذلك فقال رسول الله صلى ms0169 الله عليه وسلم: هاتان صامتا ~~عما أحل الله عز وجل لهما وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل عليهما قعدت ~~إحداهما الى الأخرى فجعلا يغتابان الناس فهذا ما أكلا من لحومهم، وكان أبو ~~الدرداء يقول: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة ~~من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين وكل محظور ~~عليك أن تتفوه به فمحظور عليك أن تستمع إليه وكل حرام عليك أن تفعله # PageV01P135 # فمكروه أن تنظر إليه أو يخطر ببالك، وقد سوى الله عز وجل بين المستمع ~~والقائل في قوله تعالى: (إنكم إذا مثلهم) النساء: 041 ومثل الصائم مثل ~~التوبة لأن الصبر من أوصافها وإنما كانت التوبة مكفرة لما سلف من السيئات ~~لأجل أنه صبر عما سلف من سئ العادات ثم اعتقد ترك العود إلى مثل ما سلف ~~بصيانة جوراحه التي كانت طرائق المكروهات، كذلك كان الصيام جنة من النار ~~وفضيلة من درجات الأبرار، إذا صبر عليه الصائم فحفظ جوارحه فيه من المآثم ~~فإذا أمرحها في الآثام كان كالتائب المتردد الناقض للميثاق لم تكن توبته ~~نصوحا ولا كان صوم هذا صالحا وصحيحا ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الصوم جنة من النار ما لم يخرقها بكذب أو غيبة وأمره في قوله ~~عليه السلام: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولايجهل وان امرؤ شاتمه ~~فليقل: إني صائم، وفي لفظ آخر لايجعل يوم صومه ويوم فطره سواء أي يتحفظ في ~~صومه لحرمته، وفي خبر: آخر الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته، فحفظ الأمانة ~~من صيانة الجوارح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لماتلا هذه الآية: (إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) النساء: 58 وضع يده على سمعه ~~وبصره قال السمع أمانة والبصر أمانة فذلك مجاز قوله فليقل: إني صائم، أي ~~يذكر الأمانة التي حمل فيؤديها إلى أهلها ومن حفظ الأمانة أن يكتمها فإن ~~أفشاها من غير حاجة فهي خيانة لأن مودعها قد لا يجب أن يظهرها ms0170 وحقيقة حفظ ~~السر نسيانه وضياع السر أن يكثر خزانه فحقيقة الصائم أن يكون ناسيا لصومه ~~لا ينتظر الوقت شغلا عنه بالمؤقت. # PageV01P136 ### | الفصل الثالث والعشرون # كتاب محاسبة النفس ومراعاة الوقت # قال الله عز وجل: (ونضع الموازين القسط ليوم القىامة) الأنبياء: 47 إلى ~~قوله: (أتينا بها وكفى بنا حاسبين) الأنبياء 47 وقرئت: آتينا بها ممدودة أي ~~جازينا بها فالتخويف بهذا الحرف أشد وأبلغ، وقال تعالى يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا ليروا أعمالهم الآية، وأوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما عند موته، ~~فقال: إن الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء وإن الباطل خفيف وهومع خفته وبيء وإن ~~لله عز وجل حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لايقبله بالنهار وإنك ~~لو عدلت على الناس كلهم وجرت على واحد منهم لمال جورك بعدلك فإن حفظت وصيتي ~~لم يكن شئ أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن شيء أبغض ~~إليك من الموت ولن تعجزه، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على الله تعالى ~~يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية وإنما خف الحساب في الآخرة على قوم حاسبوا ~~أنفسهم في الدنيا وثقلت موازين قوم في الآخرة وزنوا أنفسهم في الدنيا وحق ~~لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، فمحاسبة النفس تكون بالورع ~~والموازنة تكون بمشاهدة اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك ~~الأكبر وهو حقيقة الزهد، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال ~~له: اتق الله أينما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن، ~~ووجدت هذه الوصية في كتاب الله عز وجل لعباده بقوله عز وجل: (ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) النساء: 131. # والكلمة الثانية في قوله تعالى: (ويدرءون بالحسنة السيئة) الرعد: 22 أي ~~يدفعون بعمل الحسنة ويتبعونها السيئة المتقدمة تكفرها، والكلمة الثالثة في ~~قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83 وقد أخبر الله عز وجل عن ms0171 وصية ~~عباده الصالحين بثلاث فقال: (إن الإنسان لفي خسر) العصر: 2 أي لفي خسران ~~ونقص بفوت أوقاته وفقد أرباحه، ثم استثنى فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) العصر: 3. # PageV01P137 # وقال في الوصف الثالث: (وتواصوا بالمرحمة) البلد: 17 واتباع الحق بمخالفة ~~الهوى فيه الصلاح، إذ في موافقة الهوى الفساد، والصبر قوام الأمر، وبمقداره ~~يكون الريح والرحمة للخلق باب الرحمة من الخالق ومفتاح حسن الخلق ومعها حسن ~~الظن وسلامةالقلب وعندها ينتفي الحسد والغل ويوجد التواضع والذل، وهذا وصف ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم لصحبة نبيه عليه السلام ~~وأنزل عليهم السكينة وأيدهم بروح منه فقال: (رحماء بينهم) الفتح: 29 وقال ~~تعالى في حقيقة الرحمة: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) الاسراء: 24 وقال ~~في مثله عن وصف أحبابه لإخوانهم: أذلة على المؤمنين، فهذه الثلاثة مفاتيح ~~رقة القلب ومغالق القسوة وفي الرقة الإقبال على الله عز وجل وعلى الدار ~~الآخرة والتيقظ لأمره والتفكر في وعده ووعيده وفي القسوة الإعراض وطول ~~الغفلة فمحاسبة النفس تكون بالورع وموزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين ~~والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد. # وروينا عن علي رضي الله عنه: أما بعد فإن المرء يسره درك مالم يكن ليفوته ~~ويسوءه فوت مالم يكن ليدركه، فمانا لك من دنياك فلا تكترث به فرحا وما فاتك ~~منها فلا تتبعه نفسك أسفا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ماخلفت وشغلك ~~لآخرتك وهمك فيما بعد الموت، وقال أيضا: الهوى شريك العمى، ومن التوفيق ~~الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الذم وفي الصدق ~~السلامة، رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق ~~غيبه ولايعدمك من حبيب سوء الظن، نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل ~~وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به نفسك سبب بينك وبين الله عز وجل إنما ~~لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق رزقان، رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم ~~تأته ms0172 أتاك وإن كنت جازعا على ما أتلفت من يديك فلا تجزعن على مالم يصل إليك ~~واستدلل على مالم يكن بما كان فإن الأمور أشباه، وقال عبد الله بن عباس: ~~لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الكسل وآفة اللب العجب وآفة ~~الظرف الصلف وآفة التجارة الكذب وآفة السخاء التبذير، وآفة الجمال الخيلاء ~~وآفة الدين الرياء وآفة الإسلام الهوى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~آفة أمتي الدينار والدرهم، وروينا عن وبرة السلمي عن مجاهد قال: أوصاني ابن ~~عباس بخمس لهن أحسن من الدرهم الموقوف ومن الذهب الموصوف قال: لا تتكلمن ~~فيما لا يعنيك فإنه أقرب لك من السلامة ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلمن فيما ~~يعنيك حتى ترى له موضعا، فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فلقي ~~عنتا، ولا تمارين حليما ولاسفيها أما الحليم فيقليك وأما السفيه فيؤذيك، ~~واخلف أخاك إذا غاب عنك بمثل ماتحب أن يخلفك به إذا غبت عنه واعفه مما تحب ~~أن يعفيك منه واعمل بعمل رجل يعلم أنه مكافأ بالإحسان مأخوذ بالإساءة، وفي ~~وصية العباس لابنه عبد الله قال: يا بني إني أرى هذا # PageV01P138 # الرجل يقدمك على الأشياخ ويكرمك فاحفظ عني هذه الخصال لا تفشين له سرا ~~ولا تعصين له أمرا ولاتغتابن عنده أحدا ولا يطلعن منك على خيانة ولا يجربن ~~عليك كذبة، هذا في روايتين دخلت إحداهما في الأخرى قال في إحداهما: قلت ~~للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف، فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف، ~~وقال يوسف بن أسباط: كان يقال ثلاث من كن فيه فقد استكمل إيمانه من إذا رضي ~~لم يخرج رضاه إلى باطل وإذا غضب لم يخرج غضبه عن حق وإذا قدر لم يأخذ ماليس ~~له، وقد روينا مسندا من طريق، وقال سري بن المغلس: ثلاث يستبين بهن اليقين، ~~القيام بالحق في مواطن الهلكة، والتسليم لأمر الله عز وجل عند نزول البلاء، ~~والرضا بالقضاء عند زوال النعمة نعوذ بالله منه، وقد روينا عن النبي ms0173 صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ~~ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ~~آثر الآخرة على الدنيا، وفي الخبر المشهورثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما ~~المنجيات فخشية الله في السر والعلانية وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد ~~في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، ~~وروينا في الخبر التكرم التقوى والشرف التواضع والغنى اليقين، وفي الحديث ~~الآخر: الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم، وفي حديث ~~عمار أسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالموت واعظا وكفى ~~بالخشية علما وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا. # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخطباء وخطيب الخطباء وحكيم ~~الحكماء في خطبة الوداع كلمات جامعات موجزات في الوعظ والتذكرة والتزهد ~~والتبصرة وينتظم جميع معاني ما قيل في معناها رواه أبان بن عياش عن أنس بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته فقال: يا أيها الناس ~~كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن من نشيع ~~من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا ~~مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة، طوبى لمن شغله عيب نفسه عن ~~عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط ~~أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذل نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن ~~الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ~~ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم حديث ~~جامع لهذه المعاني المبثوثة مختصر في اللفظ والمعنى يقال إنه نصف العلم وهو ~~قوله من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه، وما لم يؤمر به # PageV01P139 # العبد فرضا ولم يندب إليه فضلا ولا يحتاج إليه مباحا فهو مما لايعنيه وفي ~~حديث آخر هو ms0174 نصف الورع قوله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك فإن الإثم جوار القلوب أي دع ما تشكن فيه من قول أو فعل فإن فيه ~~غنيمة أو سلامة إلى شيء أنت على يقين من الفضيلة فيه أو السلامة معه وما حز ~~في قلبك ولم ينشرح له فدعه فإن ذلك إثم وإن قل ودق، وقد روينا عنه صلى الله ~~عليه وسلم في الوصف المبسوط من أوصاف المؤمنين كوصف الله تعالى أولياءه في ~~الكلام المشروح أنه بينما هو جالس صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ سجد ~~فأطال ثم رفع رأسه مادا يديه فقال: اللهم أكرمنا ولاتهنا وزدنا ولا تنقصنا ~~وأعزنا ولا تذلنا، قلنا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آيات من ~~أقامها دخل الجنة ثم تلا علينا قدأفلح المؤمنون إلى آخر العشر. # وروينا عنه في حديث مجمل أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله متى أعلم أني ~~من أهل الجنة، وفي لفظ آخر أني مؤمن حقا، فقال: إذا كنت بهذه الأوصاف، ثم ~~تلا عليه: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت، وروينا عنه ~~صلى الله عليه وسلم في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له ~~من عباده بالإخلاص في التوحيد والعمل فقال صلى الله عليه وسلم: لو لم تنزل ~~علي إلا هذه الآية كانت تكفي، ثم قرأ آخر سورة الكهف (فمن كان يرجو لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا) الكهف 110 إلى آخرها، فكان هذا أفصل الخطاب وبلاغا ~~لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة ونفي الشرك بالخلق هو ~~اليقين بتوحيد الخالق، وقد قال الله وهو أحسن القائلين في وصف أوليائه ~~الخائفين: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) (والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون) المؤمنون: 57 - 58 إلى قوله: (وهم لها سابقون) المؤمنون: 16، ~~فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة وتستحوذ على ~~معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية والإشفاق وختمها بالوجل والإنفاق ~~وجعل موجبها اليقين وهو الذي رجحت به ms0175 موازين المتقين صيره آخر وصفهم ونهاية ~~نعتهم وهو قوله تعالى: (أنهم إلى ربهم راجعون) المؤمنون: 60 أي لأجل يقينهم ~~بمرجعهم إليه خافوه وأشفقوا وآمنوا به وأخلصوا وأتوه نفوسهم وأموالهم فهذا ~~كقوله في الكلام المختصر: (واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين) ~~البقرة: 223 فللخائفين الأمن من الخوف عند اللقاء وحسن المنقلب والبشرى ~~بالقرب لديه والزلفى، فصورة المحاسبة أن يقف العبد وقفة عند ظهور الهمة ~~وابتداء الحركة ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب والاضطراب وهو تصرف الجسم ~~فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضي نية أو عقدا أو عزما أو فعلا ~~أو سعيا إن كان عز وجل وبه وفيه معنى عز وجل أي خالصا لأجله ومعنى به أي ~~بمشاهدة قربه لا بمقاربة نفسه وهواه ومعنى فيه أي # PageV01P140 # في سبيله وطلب رضاه عنه وما ندب عنده أمضاه وسارع في تنفيذه وإن كان ~~لعاجل دنيا أو عارض هوى أو لهو وغفلة سرى بطبع البشرية ووصف الجبلية نفاه ~~وسارع في نفيه ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه والمحادثة له فيولد ~~فيه هما رديا يصعب عليه بعد حين طرحه وينتج منه فكرا دنيا يعسر بعد وقت ~~نفيه ويؤثر ذلك في قلبه أثرا يستبين له بعد حين فعله، معنى قولنا: إن كان ~~الله تعالى أي خالصا لأجله ومعنى قولنا به أي بمشاهدة قربه لا بمقارنة نفسه ~~ووصفه وهواه ومعنى قولنا فيه أي في سبيله وطلب ماعنده لا لأجل عاجل حظه فإن ~~اشتبه عليه الخاطر فلم ينكشف له ماورد به أمحمود هو الله عز وجل فيه رضاه ~~وعلى العبد فيه سبق وتنفيذ أم مكروه وليس لله فيه محبة وللعبد في نفيه مزيد ~~وقربة فيكون أشكال ذلك لأحد معان ثلاث؛ ضعف يقين عن نقص معرفة بالمبتلي، أو ~~قلة علم عن جهل بغامض الحكم الباطل، أو لغلبة هوى كامن في النفس متولد من ~~طبائع الحس، وقد قال بعض العلماء: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر هذا ~~العاقل يعرفه ولكن العالم من يعرف خير الشرين ms0176 يعني يفعله إذا اضطر إليه ~~وعرف شر الخيرين يعني فاجتنبه لما يؤول إليه واعلم أن حكم الله فيما اشتبه ~~من الأمور الإمساك والوقوف وأن لا يقدم العبد على ذلك بعقد ولا عزم إن كان ~~من أعمال القلوب ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن كان من عمل الجوارح بل يقف ~~ويوقف الأمر حتى يتبين له وهو صورة الورع لأن الورع هو الجبن والتأخر عن ~~الإقدام على المشكلات وعن الهجوم في الشبهات لا بقول ولا بفعل ولا بعقد حتى ~~تنكشف وانكشافها بغامض العلم لغموضها وتدقيق معرفة المعاني لدقتها وخفائها ~~كما جاء في الخبر: أعلم الناس أعرفهم بالحق إذا اختلف الناس، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات والعقل ~~الكامل عند هجوم الشهوات. # وجاء عن ابن مسعود في وصف كثرة الشبهات: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه ~~المسارع وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المئبت كما وقف طائفة من الصحابة ~~عن القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليه الحال منهم سعد وابن عمر ~~وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم، فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان ~~متعبا لهواه معجبا برأيه وهذا من معنى الخبر الذي جاء في ذم من كان هذا ~~وصفه، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة ~~نفسك فلم يذم بوجود الشح لأنه صفة النفس وإنما ذم من أطاع النفس في شحها ~~بإمساك محبوبها على إيثار محبة الله عز وجل من الإنفاق ومثله وهوى متبع فلم ~~يغب بوجود الهوى لأنه روح النفس مستكن فيها وإنما عيب باتباعه وكذلك قوله: ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه لم ينقصه # PageV01P141 # بوجود رأيه مما رآه من الأمر لأنه نتيجة عقله وثمرة فهمه وإنما نقصه ~~بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه وبنور هداه وبإيثار رأيه ~~على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارا برأيه، وقد قال ~~الله عز وجل: (فلا ms0177 تزكوا أنفسكم) النجم32: وقد وصف أهل الرأي من أوليائه في ~~قوله عز وجل: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر75:، وقال تعالى: (على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف: 108، وجاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنا فهو ~~عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح، وجاء: أنتم شهداء ~~الله في أرضه، وعن بعض السلف: أفضل العبادة الرأي الحسن؛ فأما ما أشكل ~~لتجاذب الأمثال ولم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف ولا تمضي حتى ~~ينكشف، وأما ما اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين ~~من الحرام والحلال ثم ترده إلى أشبههما به وهذا ظاهر مثل ماأحلت طائفة ~~النظر إلى الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه ~~مشتبه قال الله عز وجل: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) الأنعام: 99، وقال: (قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) النور: 30 فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس ~~ومثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى ~~القرآن حلالا والاستماع إلى الغناء حراما وكانت القصائد بالغناء أشبه ~~فكرهناه لغير أهله، وكذلك القول في تلحين القرآن: إذا جاوز الحد في مد ~~المقصور وقصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني ومثل لبس القطن ولبس الحرير ~~فكرهنا لبس الملحم والعمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام ~~على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل ~~عن عقود سوء الظن بها والقطع بظاهر الأمر عليها وهو معنى قول الله عز وجل ~~عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد وتهدده عليه بمساءلة ~~الجوارح عنه في قوله تعالى: (ولاتقف ما ليس لك به علم) الإسراء: 36، أي لا ~~تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة ~~العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا) الإسراء: 36 وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم ~~والظن، فإن ms0178 الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى ~~ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على صاحبه فقد أساء ~~كيف # وقد جاء في الخبر: من حدث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه الله عز وجل ~~من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا لكشف ستر الله على ~~عباده ومحبته للساترين منهم، ولذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه: اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا ~~متشابها فنتبع الهوى، وكذلك روينا عن عيسى عليه السلام: إنما الأمور ثلاثة: ~~أمر استبان لك رشده # PageV01P142 # فاتبعه، وأمر استبان غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه، وقد ~~كان من دعاء علي رضى الله عنه: اللهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير ~~علم فنعمة الله سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلا وبيان الضلال ضلالا مثل ~~نعمه في إظهار الحق وبيان الصدق لأنه باب من اليقين،، ولذلك تجمل الله به ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله من تفصيل آياته في قوله سبحانه وتعالى: ~~(وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) الأنعام: 55 فنصب سبيل على ~~إضمار اسمه ورفعه على كشف دلالاته وتبيان طرقه وقد وعد الله ذلك للمتقين ~~وقدمه على تكفير السيئات والمغفرة وأخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله عز ~~وجل: (ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم) الأنفال: 29 أي نورا في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات ومثله، ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا أي من كل أمر أشكل على الناس ورزقه من حيث لا يحتسب ~~علم بغير تعليم بل إلهام وتوفيق من لدن الخبير العليم، وقد وعد ذلك ~~المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم وهو الكبر والحسد، وحرم ذلك ~~المنافقين الذين لايصدقون بالآيات والقدر والغائبات فقال عز وجل في ذلك: ~~(وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) ~~البقرة: 213 فهدى ms0179 الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فصنع ~~الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء وما ~~يعيد على العبد من الأحكام، وقد يكون الباطل اسما للعدو ويكون وصفا للنفس ~~ألم تسمع قوله عز وجل: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) سبأ: 49 أي: ~~لما جاء الحق أبدى الباطل وأعاده فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا وقد قيل إن ~~الباطل يعني به إبليس ههنا فتدبروا وقال: (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~لا يهديهم الله) النحل: 104 وكما أن الله عز وجل في البيان نعمة لأنه لاتقع ~~إلا بقدرة كما قال: فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فكذلك ~~على العبد فيه شكر وقد يكون سببا للإنعام بالبيان وعلى الله المزيد على ~~الشكر، كما قال: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) المائدة: 98، ~~وقال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف: (كذلك نصرف الآيات لقوم ~~يشكرون) الأعراف: 58 فإذا وقف العبد في الشبهات عن الإمضاء وأوقف الخاطر ~~على الابتداء حتى يكشفه الله عز وجل له بمزيد علم أو قوة يقين أو كشف حجاب ~~الهوى فقد وفق للصواب وهو من معنى قوله عز وجل: (آتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب) ص: 20 وداخل في قوله: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) ~~البقرة: 269 هذا إذا لم يرد بالطلب ولم يجعل لعالم آخر فيه مكان كشفه للعبد ~~بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه وجعل للعلماء مكانا للدلالة عليه اضطره ~~أن يسأل عالما بالله وبباطن أحكامه عارفا بلطيف حجابه وخفي كشفه فيكشف له ~~على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه # PageV01P143 # لتحقيق قوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43 ولتصديق ~~قوله الرحمن فاسأل به خبيرا والله تعالى هو المسير الأول والمبين الآخر إلا ~~أن السير والسؤال على العبد والهدى والبيان على الهادي المبين، كما قال: ~~(قل سيروا في الأرض فانظروا) النمل: 69 وقال تعالى: (فإن كنت في شك مما ms0180 ~~أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب) يونس: 94 الآية، ثم قال: (إن علينا ~~بيانه) القيامة: 19 إن علينا للهدى وعلى الله قصد السبيل كذلك سننه التي قد ~~خلت من # قبل ولا تبديل لها ولا تحويل، ألم تسمع قول الله تعالى: (وعلم آدم ~~الأسماء كلها) البقرة: 31 فهذا هو المجتبي للتعليم الآخذ نصيبه من الله عز ~~وجل بتفهيم المصطفى لمكان التخصيص، ثم قال: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم) ~~البقرة: 33، فلما أنبأهم بأسمائهم ترك آدم ورد إليه وذكر نفسه بالعلم منه ~~بعد أن دل بالواسطة عليه، فقال: ألم أقل لكم إني أعلم ولم يقل إن آدم يعلم ~~فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه لمكان رتبته وأخذت الملائكة أنصبتها من الله ~~عز وجل من نصيب آدم بواسطته والله هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو ~~الخلاق، هل من خالق غير الله يرزقكم؟ والعبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من ~~حيث هي طرق وسبب لهم، وهذا حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب، والتحقيق ~~بالمحاسبة هو أول المراقبة عن رؤية رقيب، والمقام من المراقبة هو حال من ~~أحوال الموقنين، وعلم اليقين هو آخر علم الإيمان وآخر نصيب العبد من علم ~~اليقين أعني نهايته أول عين اليقين وهو شهادة المعرفة والمعرفة على هذا ~~الوصف أول المشاهدة؛ وهذا هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ~~ببعد النفس فيستولي عليها فيغيب بعدها في قربه وينتبه عقله تحت ظنه وتنطوي ~~حكمته في قدرته كمحو نور القمر في ضياء الشمس والله غالب على أمره وعلم ~~معاني الأسماء والصفات وتعريف الأخلاق وباطن أحكام الذات يكون في مقامات ~~القرب بمرآة نور الوجه فيرفع نور حكم المكان ويشهد كأن رفع كون المرآة ~~ويشهد الوجه بنورها وتغيب المرآة عن كونها فيكون العبد قائما بقصر قيوميته ~~فيصير العبد شبه ميتة مشاهدا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور ~~المرآة لا بجسمها ولا يكون هذا إلا بعد معاينة وصف وبعد حسن المراقبة في ~~جميع المعاملة وحسن الأدب في محاضرة الرب بتنفييذ خواطر الخبر وسرعة نفي ~~خواطر السر ms0181 حتى لا يبقى شئ منها وهذا حال المشاهدة والقرب، وذلك يخرج العبد ~~إلى صفاء القلب بعلم اليقين، وصفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى ~~لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق فإن عصاه عصى الحق وفي ترك هذا والغض عنه كدر ~~القلب وفي كدره ظلمته وذلك مقامات في القسوة وهي أول البعد وبلغني أن ما من ~~فعلة وإن صغرت إلا وينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأول لم # PageV01P144 # والثاني كيف، والثالث لمن، فمعنى لم أي لم فعلت؟ وهذا موضع الابتلاء عن ~~وصف الربوبية بحكم العبودية أي أكان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك ~~بهواك فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن ~~الديوان الثاني، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ وهو مكان المطالبة بالعلم وهو ~~البلاء الثاني أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته أبعلم أم بجهل؟ ~~فإن الله تعالى لا يقبل عملا إلا من طريقته وطريقة العلم، فإن سلم من هذا ~~نشر عليه الديوان الثالث فقيل لمن؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه ~~الربوبية وهو البلاء الثالث وهم بغية الله عز وجل من خلقه الذين قال في ~~حقهم: (إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر: 40 وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ~~ماسواه وهي لا إله إلا الله وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد ~~عملته بعلم فلمن عملته لوجه الله عز وجل خالصا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ ~~أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته ~~لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في ~~الفعل فجميع ماأردت به سواه فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك ~~وجهل ما لمولاك إذ كنت عبدا لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي ~~وإذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا ~~لله الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت وما ms0182 أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقول له: ويلك أما سمعتني أقول إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه فهده أمثال ~~القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها ~~العارفون أذكارهم فيكون توبيخ الله عز وحل للغافلين بعزائم كلامه وغليظ ~~خطابه أشد عليهم وأوجع لهم من أليم عقابه، وذلك أن الله تعالى استخلص الدين ~~لنفسه ولم يشرك فيه أحدا من خلقه فقال: (ألا الله الدين # الخالص) الزمر: 3 يعني الطريق الموحد غير المشترك الصافي غير الكدر لأن ~~الإخلاص التصفية من أكدار الهوى والشهوة وضده الشرك وهو الخلط بغيره من ~~النفس والناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص من بين الفرث والدم فتمت به ~~النعمة فقال: (نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا) النحل: 66 ~~فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به النعمة علينا، فكذلك ينبغي أن يكون ~~عملنا له خالصا من الهوى والشهوة لنستحق به الأجر والحظوة منه مع القيام ~~بواجب الحق علينا فكما أنا لو رأينا في اللبن الذي أنعم به علينا فرثا أو ~~دما عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطا من ~~رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله وكما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعاما ~~ذللها لنا منها # PageV01P145 # ركوبنا ومأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملا صالحا كما أمرنا ~~بعد إذ أنعم الله علينا، فقال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) المؤمنون: ~~51 فمن جهل ما جعل الله لنفسه وترك ماأمر به من الإخلاص بالدين لوجهه ~~استوجب المقت لجهله واستحق العقاب لمخالفته وفي تدبر ماقلناه الهرب من ~~الخلق والبكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد ووقف وأريد بالحضور فلم ~~يصرف. # PageV01P146 ### | الفصل الرابع والعشرون # ذكر ماهية الورد للمريد ### | ووصف حال العارف بالمزيد # اعلم أن الورد اسم لوقت من ليل أو نهار يرد على العبد مكررا فيقطعه في ~~قربة إلى الله ويورد ms0183 فيه محبوبا يرد عليه في الآخرة؛ والقربة اسم لأحد ~~معنيين: أمر فرض عليه أو فضل ندب إليه، فإذا فعل ذلك في وقت من ليل أو نهار ~~ودوام عليه فهو ورد قدمه يرد عليه غدا إذا قدم، وأيسر الأوراد صلاة أربع ~~ركعات أو قراءة سورة من المثاني أو سعي في معاونة على بر وتقوى، قال أنس بن ~~سيرين: كان لمحمد بن سيرين في كل ليلة سبعة أوراد، فكان إذا فاته منها شيء ~~قضاه بالنهار فسمي العمل الموظف المؤقت وردا، وقال المعتمر بن سليمان: ذهبت ~~ألقن أبي عند الموت فأومأ إلي بيده دعني فإني في وردي الرابع فسمي الحزب من ~~أحزاب القرآن لوقت ما وردا، فمن العمال من كان يجعل الأوراد من أجزاء ~~القرآن ومنهم من كان يجعله من أعداد الركوع وفوق هؤلاء من العلماء كانوا ~~يجعلون الأوراد من أوقات الليل والنهار، فإن قطع الوقت بآية أو ركعة أو ~~فكرة أو شهادة فذاك ورده، وأما العارفون فإنهم لم يوقتوا الأوراد ولم ~~يقسموا الأوقات بل جعلوا الورد واحدا لمولاهم وجعلوا حاجاتهم من الدنيا ~~ضرورتهم، وصيروا الوقت متساويا لسيدهم وتصريفهم لمصالحهم يدخل عليهم فوضعوا ~~رقابهم في رق العبودية وصفوا أقدامهم في مصاف الخدمة فكانوا في كل وقت بحكم ~~مايستعملون وبوصف ما به يطالبون ذلك وردهم وتلك علامتهم عن حسن اختيار الله ~~عز وجل لهم وجميل توليه إياهم لا يكلهم إلى نفوسهم ولا يوليهم بعضهم وهو ~~يتولى الصالحين مشاهدتهم ذكرهم وقرب الحبيب حبهم ليس يشهدون فضيلة في غير ~~محبوبهم ولا يرجون قربة بغير معروفهم؛ به يتقربون إليه، وإليه، به يسبحون ~~له، وعليه يتوكلون له، ومنه يخافون عنه، وإياه يحبون منه لو أسقطوا الأعمال ~~كلها غير ماتعلق بالتوحيد ثبوته ما نقص من توحيدهم ذرة ولو تركوا أوراد ~~المريدين كلهم ما أثر في قلوبهم بقسوة ولا فترة لأنهم لا يزيدون بالأعمال ~~فينقصون # PageV01P147 # بها ولا يتفقدون قلوبهم وأحوالهم بالأوراد فيعرفون النقصان والمزيد منها ~~ولا تجتمع قلوبهم بسبب ولا تقوى نفوسهم بطلب فتتشتت لفقد سبب ويضعف يقينهم ~~لطلب هذه ms0184 المعاني هي أحوال المريدين وجملة تغييرهم في شيئين: ضيقهم بالخالق ~~فهربوا منه، واتساعهم بالخلق فاستراحوا إليه، ولو دام قربهم منه لدامت ~~راحتهم به ولو وقفت شهادتهم عليه لما نظروا إلى سواه، وأما العارفون فقد ~~فرغ لهم من قلوبهم واجتمعت المتفرقات بمجامعها لهم وأقامهم القائم لهم ~~بشهادتهم له فلهم بكل شيء مزيد ومن كل شيء توحيد، كل خاطر بهم يردهم إليه ~~وكل منظور إليه يدلهم عليه وكل نظرة وحركة طريق لهم إليه، فتوحيدهم في مزيد ~~ويقينهم في تجديد بغير تغيير ولا تصريد ولا إيقاف ولا تحديد، ولربما طلب ~~أحدهم التسبب بالأسباب فيجمعه بها رب الأرباب لأنه مراد بالاجتماع وإنما ~~استروح بالشتات لاستجمام ماهو في قلبه آت ثقة منه بحبيبه وتمكنا عند محبوبه ~~إذ قد علم أنه طالب فطرح نفسه ليحمله فحمله بما تولاه ولم يكله إلى نفسه ~~وهواه، فهذه مقامات لأهلها لا يعرفها سواهم ولا تصلح إلا لهم ولا تليق إلا ~~بهم ولا يقاس عليها ولا يدعى مكانها ولا تنتظر فتترك لها الأوراد ولا تتوقع ~~فيقصر لأجلها في الاجتهاد والمرادون بها محمولون بها مواجهون بعلمها مسلوك ~~بهم طريقها مزودون زادها وهي محبوسة عليهم مقصورة لهم فهم لها سابقون، ~~فأولياء الله عابدوه وقد عكفوا بقلوبهم لمن عبدوه ونظروا إلى معبودهم الذي ~~عكفوا عليه ففهموا عنه فصل الخطاب بما آتاهم من شهادة حكمه حكم الكتاب إذ ~~يقول: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) طه: 97 بعد قوله للغافلين ~~فصيرهم معرضا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين مع قوله: (أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم) ص: 6، إن هذا الشيء يراد إلى قوله: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ~~الطور: 84، فعلموا أن الإخلاص الذي أمروا به هو العبادة ولا عبادة إلا ~~بمجانبة الهوى وبعدها الإنابة إلى المولى، أما سمعت قوله عز وجل: (والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) الزمر: 17وأيقنوا ~~أن الصلاة عماد الدين ولا صلاة إلا للمتقين ولا تقوى إلا بإنابة، كما قال ~~تعالى: (منيبين إليه واتقوه) الروم: 31ثم قال: # (وأقيموا الصلاة ms0185 ولا تكونوا من المشركين) الروم31 فهذه عبادة العارفين ~~على سنة النبيين فإنابتهم مشاهدتهم لمذكورهم كقوله في وصف ضدهم: (كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكرى) الكهف: 101 فهم عن كشف من ذكره إذ كانوا بضد وصفهم ~~وحقيقة ذكرهم نسيانهم لسوى مذكورهم بمعنى قوله: (واذكر ربك إذا نسيت) ~~الكهف: 24 فأخرجهم الذكر له إلى الفرار إليه كما فهموا عنه إذ يقول: (لعلكم ~~تذكرون) الأنعام: 152 ففروا إلى الله فلما هربوا أواهم بقربه ووهب لهم ~~هداية إلى حبه ونشر لهم من رحمته وطواهم في قبضبته فلم يرهم إلا هم ولم ~~يعرفهم سواهم، وقد قال تعالى: ( # PageV01P148 # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته) الكهف: 16 وقال تعالى: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) الصافات: 99. ### | ذكر الأوراد وما يرجى بها من الازدياد # ولكن بمواصلة الأوراد المرسومة والأعمال الموقتة المعلومة يستبين للمريد ~~النقصان من المزيد ويعرف قوة العزم والشره من وهن العادة والفترة في ~~الأوراد أيضا فضيلة وهو أن العامل إذا شغل عنها بمرض أو سفر كتب له الملك ~~مثل ثواب ما كان يعمل في الصيحة، وقد يكون نوم العارف أفضل من صلاة الجاهل ~~لأن هذا النائم سالم وهو ذلك الزاهد العالم إذا استيقظ وجد وهذا الصائم ~~القائم لا يؤمن عليه الآفات وتطرقه الأعداء في العبادات وهو ذلك الجاهل ~~المغتر إذا وجد فقد، وقد روينا في خبر نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح وفي ~~الحديث عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، وروينا في خبر مقطوع لو ~~وقعت هذه على هذه يعني السماء على الأرض ما ترك العالم علمه لشيء ولو فتحت ~~الدنيا على عابد ترك عبادة ربه ولأن العالم قد يكاشف في نومه بالآيات ~~والعبر ويكشف له الملكوت الأعلى والأسفل ويخاطب بالعلوم ويشاهد القدرة من ~~معنى ما تشهده الأنبياء في يقظتهم فيكون نوم العارف يقظة لأن قلبه حياة ~~ويكون يقظة الغافل نوما لأن قلبه موات فيعدل نوم العالم يقظة الجاهل وتقرب ~~يقظة الجاهل الغافل من نوم العالم، كيف وقد ms0186 جاء في خبر أبي موسى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال: هذا جبل أحد ولا يعلم خلق وزنه وإن ~~من أمتي من تكون التسبيحة منه والتهليلة أوزن عند الله عز وجل منه، وفي ~~حديث ابن مسعود إذ قال لعمر: ما أنكرت أن يكون عمل عبد في يوم واحد أثقل من ~~في السموات والأرض ثم وصف ذلك بأنه هو العاقل عن الله عز وجل الموقن العالم ~~به، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان فقالت: ما كان يخص رمضان بشيء دون غيره ولا كان يزيد في رمضان على ~~سائر السنة شيئا وقال أنس بن مالك: ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نائما من الليل إلا رأيته ولا تريد أن تراه قائما إلا رأيته، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام قدر ما ~~قام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام ثم يخرج إلى الصلاة، وقالت عائشة رضي الله ~~عنها: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط إلا رمضان ولاقام ~~ليلة إلى الصبح حتى ينام منها، قالت: وكان يصوم من الشهر ويفطر ويقوم من ~~الليل وينام، وفي الخبر الآخر: كان يصوم، حتى تقول لايفطر ويفطر حتى تقول ~~لا يصوم وكان يصبح صائما ثم يفطر ويصبح مفطرا ثم يصوم وفي الخبر الآخر: كان ~~يدخل من الضحى فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قدم إليه شيء أكل وإلا قال إني ~~صائم وخرج يوما فقال إني صائم ثم دخل، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس ~~فقال: أما إني كنت أردت الصوم ولكن قريبه وكان ورده صلى الله عليه وسلم # PageV01P149 # حكم ما ورد عليه فعن هذا المعدن يكون تصريف العارفين ومن هذا المعنى تكون ~~مشاهدة الموقنين ليسوا مع الله بإيراد توقيت ولا يقطع على تحديد كما قيل ~~لبعضهم بأي شيء عرفت الله عز وجل؟ فقال: بفسخ العزائم وحل ms0187 العقد ولكن ~~الأوراد طريق العمال والوظف أحوال العباد منها دخلوا وفيها يرفعون إلى أن ~~يشهدوا الواحد فتكون الأوراد كلها وردا واحدا ويكونون بشهادتهم قائمين، قال ~~بعض العلماء من السلف الإيمان ثلاثمائة خلق وثلاثة عشر على أعداد الأنبياء ~~المرسلين كل مؤمن على خلق منها هو طريقه إلى الله عز وجل ووجهته من الله عز ~~وجل ونصيبه وفي كل طريقه من المؤمنين طبقة وبعضهم أعلى مقاما من بعض، وقال ~~عالم آخر الطرق إلى الله عز وجل بعدد المؤمنين، وقال بعض العارفين: الطرق ~~إلى الله بعدد الخليقة يعني أن للشهيد بكل خلق طريقا فقد صارت المكونات ~~للمكون طرقات. # وروينا في الخبر: الإيمان ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون طريقة من لقي الله عز ~~وجل بالشهادة على طريقة منها دخل الجنة، ومن هذا قوله عز وجل: (قل كل يعمل ~~على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) الإسراء: 84 فدل أنهم كلهم ~~مهتدون وبعضهم أهدى من بعض بمعنى أنه أقرب إلى الله عز وجل وأفضل، وقد ندب ~~إلى القرب في الأمر بطلبه وأخبر عن المقربين بالمنافسة في طلب القرب فقال: ~~(ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة: 35 يعني ~~القرب، وقال تعالى فيما أخبر: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب) الاسراء: 57 فأقرب الخلق من الله عز وجل أعلاهم عند الله عز وجل ~~وأعلاهم عنده أعرفهم به وأفضلهم لديه. # وروينا في التفسير: (قل كل يعمل على شاكلته) الإسراء: 84، قال: على ~~وحدانيته؛ يعني بذلك على توحيده الذي يوحد الله عز وجل به ويعرفه منه، ~~والشاكلة الطريقة والخلق قد شاكله وقد شكل فيه ومن ذلك قول علي رضي الله ~~عنه: لكل مؤمن سيد من عمله فهذا السيد من العمل هو الذي يرجو به المؤمن ~~النجاة ويفضل به عند مولاه، وقال بعض العلماء: كان عباد الكوفة أربعة؛ ~~أحدهم صاحب ليل ولم يكن صاحب نهار، والآخر صاحب نهار ولم يكن صاحب ليل، ~~وبعضهم صاحب سر ولم يكن صاحب علانية، والآخر صاحب علانية ولم يكن صاحب سر، ms0188 ~~وقد كان بعضهم يفضل عبادة النهار على عبادة الليل لما فيها من مجاهدة النفس ~~وكف الجوارح لأن النهار مكان حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين فإذا سكن ~~العبد عند حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين كان هو التقي المجاهد والفاضل ~~العابد، وقد قيل إن العبادة ليست الصوم والصلاة حسب بل أفضل العبادة أداء ~~الفرائض واجتناب المحارم وتقوى الله عز وجل عند اكتساب الدرهم وهذا من ~~أعمال النهار، وقد قال الله عز وجل: (وهو الذي # PageV01P150 # يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) الأنعام60 رأى ماكسبت جوارحكم ~~فعلق الاجتراح بالنهار ثم يبعثكم فيه فإذا لم يعلم من عبد اجتراحا بالنهار ~~ولم يبعثه فيه في مخالفة فمن أفضل منه؟ وكان الحسن يقول: أشد الأعمال قيام ~~الليل بالمداومة على ذلك ومداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطرائق ~~العابدين وهي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان وسئلت عائشة رضي الله عنها عن ~~عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملا ~~أتقنه وهذا كان سبب ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من صلاته بعد العصر ~~ركعتين أنه كان ترك مرة ركعتي النافلة بعد الظهر شغله الوفد عن ذلك فصلاهما ~~بعد العصر ثم لم يزل يصليهما بعد العصر كلما دخل منزله روت ذلك عنه عائشة ~~وأم سلمة ولم يكن يصليهما في المسجد لئلا يستن الناس به، وفي الخبر ~~المشهور: أكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا، ~~وفي الحديث الآخر: أحب الأعمال إلى الله عز وجل ما ديم عليه وإن قل، وقد ~~روينا في خبر: من عوده الله عز وجل عبادة فتركها ملالة مقته الله تعالى، ~~وفي خبر عن عائشة رضي الله عنها وقد أسنده بعض الرواة من طريق كل يوم لا ~~أزداد فيه علما فلا بورك لي في صباح ذلك اليوم، وقد جاء في الخبر كلام تارة ~~يروى عن الحسن بن علي وتارة يروى عن الحسن البصري ومرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمع يقول من استوى ms0189 يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من ~~أمسه فهو محروم ومن لم يكن في مزيد فهو في النقصان وفي لفظ آخر من لم يتفقد ~~النقصان من نفسه فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له ولعمري إن ~~المؤمن شكور والشاكر على مزيد. # PageV01P151 ### | الفصل الخامس والعشرون # ذكر تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين # اعلم أن النقصان يبدو من الغفلة والغفلة تنشأ من آفات النفس والنفس ~~مجبولة على الحركة وقد أمرت بالسكون وهو ابتلاؤها لتفتقر إلى مولاها وتبرأ ~~من حولها وقواها ومثل ذلك قوله تعالى: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل ~~عمران: 102 لتفزعوا إليه فتقولوا: ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين، ~~وكما قال: (وكان الإنسان عجولا) الإسراء: 11 (خلق الإنسان عجل) الأنبياء: ~~37 ثم قال: (سأريكم آياتي فلاتستعجلون) الأنبياء: 37 قال: (أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه) النحل: 1 فأخبر عن وصفه بالعجلة ثم أمره بتركها للبلوى، فإن ~~نزلت السكينة وهي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى بإذن منفسها وإن حجب ~~القلب بالغفلة وهي علامة على الإفتقار والتضرع تحركت النفس بطبعها، فإن ~~سكنت عن حركتها فبالمنة والفضل وإن تحركت بوصفها فبالابتلاء والعدل، فأول ~~البلاء اختلافها وأول اختلافها خلافها ومقدمته الهمة وبابه السمع وهو طريق ~~إلى الكلام والنظر والقول طريق إلى الشهوة والشهوة مفتاح الخطيئة والخطيئة ~~مقام من النار حتى يزحزح عنها الجبار بالتوبة في الدنيا والعفو في العقبى، ~~وقد تكون المخالفة على المحب العارف أشد من النار كما حدثت عن بعضهم قال: ~~لأن أبتلي بدخول النار أحب إلي من أن أبتلي بمعصية، قيل: ولم؟ قال: لأن في ~~المعصية خلاف ربي تعالى وسخطه وفي النار إظهار قدرته وانتقامه لنفسه قال: ~~فسخطه أعز علي وأعظم من تعذيب نفسي، وكذلك حدثونا في معناه عن بعض الموقنين ~~من العمال أنه قال: ركعتان تتقبل مني أحب إلي من دخول الجنة، قيل: وكيف؟ ~~قال: لأن في الركعتين رضا ربي عز وجل ومحبته وفي الجنة رضاي وشهوتي فرضا ~~ربي عز وجل أحب إلي من محبتي، وقد قال ms0190 وهيب بن الورد المكي في لبن سئل أن ~~يشر به فلم يفعل لأنه سأل عن أصله فلم يستطبه فقالت له أمه: اشرب فإني أرجو ~~إن شربته أن يغفر الله لك، فقال: ما أحب أني شربته وأن الله غفر لي، قالت: ~~ولم؟ قال: لا أحب أن أنال مغفرته بمعصيته، فجملة وصف النفس معنيان، الطيش ~~والشره، فالطيش عن الجهل والشره عن الحرص، # PageV01P152 # وهما فطرة النفس فمثلها في الطيش كمثل كرة أو جوزة في مكان أملس مصوب ~~سكونها بالمنة فإن أشرت إليها أو حركتها أدنى حركة تحركت بوصفها وهو خفتها ~~واستدارتها وصورتها في الشره المتولدة من الحرص، إنها على صورة الفراشة ~~إنها تقع في النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها الضوء وفيه هلاكها فإذا وصلت إلى ~~شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على الغاية منه وتطلب عين الضوء ~~وجملته وهونفس المصباح فتحرق، ولو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت فكذلك ~~النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة وفي شرهها الذي ينتج من الحرص والطمع، ~~والحرص والطمع هما اللذان كانا سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة لأنه ~~طمع في الخلود فحرص على الأكل وكان ذلك عن الجهل، فكانت معصيته سبب عمارة ~~الدنيا فصارت الطاعة سبب عمارة الآخرة، فلذلك قيل: حب الدنيا رأس كل خطيئة ~~فصار الزهد أصل كل طاعة، فانظر كيف أخرج من الجنة بعد أن جعل فيها بذنب ~~واحد وأنت تريد أن تدخلها ولم تملك النظر إليها بذنوب كثيرة، وفي الحديث ~~الآخر: الإيمان عريان فلياسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم، من ثم ~~قيل: إن الجنة طيبة لا يسكنها إلا الطيب فمتى طابوا لها دخلوها، ألم تسمع ~~إلى وفاته بين ذلك في قوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون ~~سلام عليكم) ، النحل: 23، وقال تعالى: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتتم ~~فادخلوه خالدين) ، الزمر: 73 لأنه قال: (ومساكن طيبة في جنات عدن) التوبة: ~~72 والذنوب خبائث كما قال: (ويحرم عليهم الخبائث) الأعراف: 157 فلما طابوا ~~لها طابت لهم وقد أجمل ذلك بقوله تعالى: (الخبيثات ms0191 للخبيثين) النور: 26 ~~وبقوله: (والطيبات للطيبين) النور: 26، وقد مثل بعضهم النفس في شرهها بمثل ~~ذباب مر على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقبله وآخر مر ~~به فدنا من بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالما وقد مثل بعض الحكماء ابن ~~آدم مثل دود القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل ~~نفسه ويصير # القز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم ~~الخروج منه فيشمس وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز ~~صحيحا، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما ~~شقي به فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في ~~المعصية لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره ~~لغيره أو نظره إلى ماله في ميزان غيره، ومما سمعت في علم شره النفس ما ~~حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال: قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا ~~من جار لنا جملا مشويا ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل ~~وأخذ لقمة وجعلها في فيه لفظها ثم اعتزل وقال: كلوا # PageV01P153 # أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل، فقلنا: لا نأكل إن لم تأكل ~~معنا، فقال: أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف، قال: فكرهنا أن نأكل ~~دونه، فقلنا: لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا ~~مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت ~~إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق اأنكم اشتريتموه، قال: فمزقناه للكلاب، ~~قال: ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض؟ ~~فقال: أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به ~~فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه شرها ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك ~~الطعام علة فتركت أكله لأجل شره ms0192 النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في ~~شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا في التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع ~~والمحاسبة وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع ~~للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد ~~صاحبهم ثم تدارك البائع بعد وقوعه لصدق المشتري وحسن نيته. قز لغيره وربما ~~قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس وربما ~~غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا، فهذه صورة ~~المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا ~~به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه ~~أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو نظره ~~إلى ماله في ميزان غيره، ومما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض إخواني ~~عن بعض هذه الطائفة قال: قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا جملا ~~مشويا ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة ~~وجعلها في فيه لفظها ثم اعتزل وقال: كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني ~~من الأكل، فقلنا: لا نأكل إن لم تأكل معنا، فقال: أنتم أعلم أما أنا فغير ~~آكل ثم انصرف، قال: فكرهنا أن نأكل دونه، فقلنا: لو دعونا الشواء فسألناه ~~عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر ~~أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق اأنكم ~~اشتريتموه، قال: فمزقناه للكلاب، قال: ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته ~~لأي معنى تركت أكله وبأي عارض؟ فقال: أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ ~~عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه شرها ~~ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت أكله لأجل شره النفس ~~إليه فانظر رحمك الله كيف ms0193 اتفقا في شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا في ~~التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة وترك الجاهل مع شره النفس ~~بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق بحسن ~~الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم تدارك البائع بعد وقوعه ~~لصدق المشتري وحسن نيته. # وجبلات النفس الأربعة هي أصول ماتفرع من هواها وهي مقتضى ما فطرها عليه ~~مولاها: أولها الضعف وهو مقتضى فطرة التراب، ثم البخل وهو مقتضي جبلة ~~الطين، ثم الشهوة وموجبها الحمائم، الجهل وهو ما اقتضاه موجب الصلصال وهذه ~~الصفات على معاني تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج ففيه بدء الأمت والإعوجاج، ~~ذلك تقدير العزيز العليم، ثم إن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة: أولها ~~معاني صفات الربوبية نحو الكبر والجبرية وحب المدح والعز والغنى ومبتلاة ~~بأخلاق الشياطين مثل الخداع والحيلة والحسد والظنة ومبتلاة بطبائع إليها ثم ~~وهو حب الأكل والشرب والنكاح وهي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل ~~الخوف والتواضع والذل بمعنى ما قلناه، قيل: إنها خلقت متحركة وأمرت بالسكوت ~~وإني لها بذلك إن لم يتداركها المالك وكيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها ~~بالخير فلا يكون العبد عبدا مخلصا حتى يكون للمعاني الثلاث مخلصا فإذا تحقق ~~بأوصاف العبودية كان خالصا من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية، ~~فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في ~~المعاملة عند العاملين، وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب وذلك أنه لا يكون ~~عندهم عبدا حتى يكون مما سوى الله عز وجل حرا فيكف يكون عبد رب وهو عبد عبد ~~لأن ما قاده إليه فهو إلهه وماترتب عليه فهو ربه وهذا شرك في الإلهية عند ~~المتألهين ومرج بالربوبية عند الربانيين فهو متعوس منكوس بدعاء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إذ يقول: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة، ~~تعس عبد الحلة، فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم: إن كل من في السموات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم # PageV01P154 # وعدهم عدا أصحاب النفوس ms0194 الأمارة بالسوء المسولة الموافقة للهوى المخالفة ~~للمولى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر وصفهم أولو النفس ~~المرحومة المطمئنة المرضية هم عباد الرحمن أهل العلم والحكمة علمهم من لدنه ~~واختارهم لنفسه ولا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات ~~العبودية وبأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين وبطبائع البهائم أوصاف ~~الروحانيين من الأذكار والعلوم، فعندهاكان بدلا مقربا والطريق إلى هذا بأن ~~يملك نفسه فيملكها وتسخر له فيسلط عليها فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها ~~وضيق عليها ولا توسع لها فإن ملكتها ملكتك وإن لم تضيق عليها اتسعت عليك ~~فإن أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها واحتبسها عن معتاد بلاها فإن لم ~~تمسكها انطلقت بك وإن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها وحبس ~~مواد شهواتها وإلا قويت عليك فصرعتك فأول الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة ~~وتراقب حسبتها في كل وقت وتقف عند كل همة من خواطرها فإن كانت الهمة لله عز ~~وجل سابقت الموت وبادرت الفوت في إمضائها وإن كانت الهمة لغير الله تعالى ~~سابقت وبادرت في محوها لئلا تثبت وعملت في الإستبدال بها كيلا تستبدل بك، ~~وفي تأويل الخبر المروي البر يزيد في العمر وهو معنى الدعاء المشهور من قول ~~الناس: جعل الله في عمرك البركة، وقد بورك له في عمره، فإن البركة في العمر ~~أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك من عمره الطويل بغفلته فيرتفع ~~لك في سنة ما لا يرتفع له في عشرين سنة وللخصوص من المقربين في مقامات ~~القرب عند التجلي بصفات الرب الحاق برفيع الدرجات وتدارك ما فات عند ~~أذكارهم وأعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات، فكل ذرة من ذكر بتسبيح أو ~~تهليل أو حمد أو تدبر وتبصرة وتفكر وتذكرة بمشاهدة قرب ووجد برب ونظرة إلى ~~حبيب ودنو إلي قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين الذين هم ~~بنفوسهم واجدون وللخلق مشاهدون مثل العارفين فيما ذكرته من قيامهم ~~بمشاهدتهم ورعايتهم لأمانتهم وعهدهم في وقت قربهم وحضورهم ms0195 مثل العامل في ~~ليلة القدر العمل فيها لمن وافقها خير من ألف شهر، وقد قال بعض العلماء كل ~~ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر. # وروينا عن علي رضي الله عنه: أنه قال كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو ~~لنا عيد وكان الحسن إذا تلا قوله تعالى: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية) ، الحاقة: 24 قال: يا إخواني هي والله أيامكم هذه فاقطعوها ~~بالجد والاجتهاد ولا تضيعوها فخلوها فراغا من حسن المعاملة وبطالتك فيها عن ~~الشغل بمعادك المحصول عليك منها، كما قال المبطلون: يا حسرتنا على ما فرطنا ~~فيها يعني في الأيام الخالية التي هي محصولهم ومرجعهم ومثواهم، وكما قالت ~~النفس الأمارة بالسوء: يا حسرتا على ما # PageV01P155 # فرطت في جنب الله يعني أيام الدنيا التي ضيعت العمر فيها فخلت من الثواب ~~والجزاء غدا، وهذا أحد الوجهين في قوله الأيام الخالية، والوجه الآخر ~~الخالية أي الماضية خلت أوقاتها وخلدت أحكامها وذهبت شهواتها وبقيت ~~عقوباتها فإن قصرت عن هذه المحاسبة للحسيب ولم يكن لك مقام المراقبة للرقيب ~~ولا مكان المحاسبة للحبيب فلا يفوتنك مقام الورعين ولا تبن عن حال التائبين ~~وهو أن تجعل لك وردين في اليوم والليلة لمحاسبة النفس وموافقتها مرة بعد ~~صلاة الضحى لما مضى من ليلتك وماسلف من غفلتك، فإن رأيت نعمة شكرت الله وإن ~~رأيت بلية استعفرت فإن وجدت في حالك أوصاف المومنين التي وصفهم الله عزوجل ~~ومدحهم عليها رجوت وطمعت واستبشرت، وإن وجدت من قلبك وحالك وصفا من أوصاف ~~المنافقين أو خلقا من أخلاق الجاهلين التي ذمهم الله عز وجل بها ومقتهم ~~عليها حزنت وأشفقت وتبت من ذلك واستغفرت، والمرة الثانية أن تحاسب نفسك بعد ~~الوتر وقبل النوم لمامضى من يومك من طول غفلتك وسوء معاملتك ومافعلته من ~~أعمالك كيف فعلتها وماتركته من سكوتك وصمتك لم تركته ولمن تركته فتنعقد ~~الزيادة والنقصان وتعرف بذلك التكلف والإخلاص من حركتك وسكونك فما تحركت ~~فيه وسكنت لأجل الله عز وجل به فهو الإخلاص ثوابك فيه على الله ms0196 عز وجل عند ~~مرجعك إليه فأعمل في الشكر على نعمة التوفيق وحسن العصمة من التهلكة وما ~~سكنت فيه أو تحركت لهواك وعاجل دنياك فهو التكلف، الذي أخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه هو والأتقياء من أمته برآء من التكلف وقد استوجبت فيه ~~العقاب عند نشر الحساب إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب فاعمل حينئذ في ~~الاستغفار بعد حسن التوبة وجميل الاعتذار وخف أن يكون قد وكلك إلى نفسك ~~فتهلك، فلعل مشاهدة هذين المعنيين من خوف ما سلف منك والطمع في قبول ما ~~أسلفت يمنعك من المنام ويطرد عنك الغفلة فتحيي ليلتك بالقيام فتكون ممن وصف ~~الله عز وجل في قوله: (تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) ~~السجدة: 16قد قال بعض السلف: كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك ~~لشريكه، وقد قال بعض العلماء: من علامة المقت أن يكون العبد ذاكرا لعيوب ~~غيره ناسيا لعيوب نفسه ماقتا للناس على الظن محبا لنفسه على اليقين وترك ~~محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عز وجل والغافلون في ~~الدنيا هم الخاسرون في العقبي لأن العاقبة للمتقين قال الله عز وجل: ~~(وأولئك هم الغافلون) النحل: 108لاجرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون وطول ~~الغفلة من العبد عن طبائع االقلب من المعبود والغفلة في الظاهر غلاف القلب ~~في الباطن، تقول العرب غفله وغلفه بمعنى كماتقول جذب وجبذ وخشاف وخفاش ~~وطبائع القلب عن ترادف الذنب # PageV01P156 # بعضه فوق بعض وهوالران الذي يتعقب الكسب فيكون عقوبة له. # قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوايكسبون) المطففين: 14، ~~قيل: الكاسب الخبيثة وأكل الحرام، وفي التفسير: هو الذنب على الذنب حتى ~~يسود القلب، وأصل الرين الميل والغلبة وهو التغطية أيضا، يقال: ران عليه ~~النعاس إذا غلبه ورانت الخمر على عقله أي غطته، ومن هذا قول عمر رضي الله ~~عنه في سابق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين به أي مال به الدين فغلبه، ~~وأصل ترادف الذنوب من إغفال المراقبة وإهمال المحاسبة وتأخير التوبة ms0197 ~~والتسويف بالاستقامة وترك الاستغفار والندم، وأصل ذلك كله هوحب الدنيا ~~وإيثارها على أمر الله عز وجل وغلبة الهوى على القلب، ألم نسمع إلى قوله عز ~~وجل: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) النحل: 107 إلى قوله عز ~~وجل: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) النحل: 108 وقال في دليل الخطاب: ~~(ونهى النفس عن الهوى) النازعات: 40 يعني عن إيثار الدنيا لأن صريح الكلام ~~وقع في وصفهم بالطغيان وإيثار الحياة الدنيا، ثم قال: (طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهواءهم) محمد: 16، فاتباع الهوى عن طبائع القلب وطبائع القلب عن ~~عقوبة الذنب وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب، أما سمعته يقول: لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون وقد جعل علي رضي الله عنه ~~الغفلة مقاما من مقامات الكفر فقال في حديثه الطويل: فقام إليه سلمان فقال: ~~أخبرنا عن الكفر على ما بني فقال: على أربع مقامات: على الشك، والجفاء، ~~والغفلة، والعمى، فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملك للعبد وهو سمع القلب ~~لأن طول الغفلة يصمه عن السمع وعدم سمع الكلام من الملك عقوبة الخطايا ~~وتثبيت الملك للعبد على الخير والطاعة وحي من الله عز وجل إليهم وتفضيل ~~للعبد، أما سمعت قول الله عز وجل: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا) الأنفال: 12، وفي الخبر: إن آدم عليه السلام حجب عن ~~سمع كلام الملائكة فاستوحش بذلك فقال: يا رب مالي لا أسمع كلام الملائكة؟ ~~فقال: خطيئتك يا آدم، فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم يفهم كلام ~~الملك، وإذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم إنما يستجيب الذين يسمعون، ~~وقال الحسن: إن بين العبد وبين الله عزوجل حدا محدودا من الذنوب فإذا بلغه ~~العبد طبع على قلبه فلم يوفقه للخير أبدا فبادر أيها المجاوز للحدود ~~بالتوبة والرجوع قبل أن تبلغ الحد فتلقى عيا وجهدا، وفي حديث ابن عمر ~~الطابع معلق بقائم عرش الرحمن فإذا انتهكت المحارم بعث الله عزوجل بالطابع ~~على القلوب فأعماها وهذا هوالقفل ms0198 الذي قال الله عز وجل: (أفلا يتدبرون ~~القرآن) النساء: 82 أم على قلوب أقفالها # PageV01P157 # واعلم أن القسوة التي يهدد الله عز وجل عليها بالويل المتولدة من طول ~~الغفلة في قوله عزوجل (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) الزمر: 22 وقد ~~قرنها الله عز وجل بالنفاق وأخبر أنه يجعل إلقاء الشيطان فتنة لأهل النفاق ~~والقسوة، فإلقاءالشيطان يكثر عند قلة إلهام الملك كماذكرنا آنفا ينتظم ذلك ~~قوله عز وجل: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم) الحج: 53 أي ~~وللقاسية قلوبهم أيضا، والقسوة ثمرة البعد والبعد عقوبة الخيانة والله لا ~~يحب الخائنين، فذلك من تدبر الخطاب من قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) المائدة: ~~13 أي فبنقضهم الميثاق وماصلة في الكلام فهذا هوالخيانة، لعناهم أي ~~أبعدناهم وجعلنا قلوبهم قاسية بترادف الذنوب بعد القسوة من الكذب والنسيان ~~وكثرة الإطلاع على الخيانة منهم والبهتان فأصيبوا بالذنوب فوقع الطابع على ~~القلوب فصمت عن سمع كلام المحبوب، كما قال: (أصبناهم بذنوبهم ونطبع على ~~قلوبهم) الأعراف: 100، فجلاء هذا الطابع التقوى فهو مفتاح السمع كما قال: ~~اتقوا الله واسمعوا والله تعالى الموفق. # PageV01P158 ### | الفصل السادس والعشرون # كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة # أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين، وذلك إن من كان مقامه ~~المراقبة كان حاله المحاسبة ومن كان مقامه المشاهدة كان وصفه المراقبة فأول ~~شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت وإن قصر من أحد ثلاثة ~~معان: أن يكون لله عز وجل عليه فرض، والفرض على ضربين شيء أمر بفعله أو شيء ~~أمر بتركه وهو اجتناب المنهي، والمعنى الثاني ندب حث عليه وهو المسابقة ~~بخير يقربه إلى الله عز وجل والمسارعة بعمل بر يبتدره قبل فوته، والمعنى ~~الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وليس للمؤمن وقت رابع فإن أحدث وقتا ~~رابعا فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد أحدث في دين ~~الله سبحانه وتعالى ومن أحدث في دين الله فقد سلك غير طريق المتقين، ألم ~~تسمع إلى ms0199 قوله عز وجل: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ~~أو أراد شكورا) الفرقان: 62 فهل ترى بين هذين وقتا يجهل أو هوى كما لا ترى ~~بين الليل والنهار وقتا ثالثا، فالذكر الإيمان والعلم، فهذان ينتظمان جهل ~~أعمال القلوب والشكر والعمل بأخلاق الإيمان وأحكام العلوم، وهذان يشتملان ~~على جميع أعمال الجوارح، قال الله عز وجل: (اعملوا آل داودشكرا) سبأ: 12 ~~وقال: (فاتقوا الله لعلكم تشكرون) آل عمران: 123 وقال: (كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم) البقرة: 151 إلى قوله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون) البقرة: 152 وقال الله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم) النساء: 416 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد عوتب في طول ~~قيامه حتى تورمت قدماه فقال: أفلا أكون عبدا شكورا، ففسر الشكر بالعمل كما ~~فسر الله عزوجل العمل بالشكر، والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه ~~معين عليهما وبه استقامة العبد فيهما، وقد كان بعض العلماء يقول: لنا في ~~معاصي الطاعات هم وشغل عن معاصي المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر ~~بيقظته في أدنى وقت هل عز وجل فيه فرض من أمر أو نهي؟ فيبدأ بذلك حتى يفرغ ~~منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب وفضائل # PageV01P159 # فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه ~~لنفسه ومن يومه لأمسه ومن ساعته ليومه ومن دنياه لآخرته، كما أمره مولاه في ~~قوله سبحانه وتعالى: (ولاتنس نصىبك من الدنيا) القصص: 77 أي لا تترك أن ~~تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك وهو أن تحسن كما أحسن الله إليك ولا تطلب ~~الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الد نيا ولا تترك أن تأخذ نصيبك ~~من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الدي أعد لأحبابه كما قال: (نسوا الله ~~فنسيهم) التوبة: 67 أي تركوه فتركهم، وتركهم له ترك نصيبهم منه وتركه عز ~~وجل لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ العبد الفطن فيأخذ من عمره ووقته ~~فيجعله لآخرته التي ms0200 أيقن بها ثم يأخذ من وقته أعلى ما فيه مما يختص به ~~الوقت ولا يوجد إلا فيه ويفوت دركه بفوت وقته وهو نأفضل ما يقدر عليه مما ~~أداه علمه إليه فيجعله لمولاه، ثم إن العبد لا يخلو في كل وقت وإن قل من ~~أحد مقامين، مقام نعمة، أو مقام بلية فحاله عن مقام النعمة الشكر وحاله عن ~~مقام البلية الصبر، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين شهود نعمة أو شهود منعم من ~~حيث لا يخلو من وجود مالك وحضور مملوك فعليه الخدمة للموجود وعليه الحضور ~~في خدم المعبود والمراقبةعلامة الحضور والمحاسبة دليل المراقبة ويكون له ~~أيضا في أدنى أوقاته وهو الوقت الثالث الذي هو لمباحه وهو أدنى أحوال ~~المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا ~~فارغا من دنياه ولا يعود عليه شيء من ذكرمولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم ~~أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ العاقبة للمتقين فإن شهد منعما ~~اقتطعه الحياء بالسكينة والوقار للهيبة وهذا مخصوص بخصوص، وإن شهد نعمة ~~استغرقه بالشكر والاعتبارفكان لديه تبصرة وتذكار، وهذا العموم الخصوص قال ~~الله عزوجل في وصف الأولين: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) ~~الذاريات: 49 ففروا إلى الله، وقال في المقام الثاني: # (ولاتجعلوا مع الله إلها آخر) الذاريات: 51 وقال في مقام الأولين: (قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه) المؤمنون: 84 إلى قوله: (أفلا ~~تتقون) الأعراف: 56 وقال في وصف الآخرين؟: (قل لمن الأرض ومن فيها) ~~المؤمنون: 84 إلى قوله: (قل أفلا تذكرون) المؤمنون: 85. وا مع الله إلها ~~آخر) الذاريات: 51 وقال في مقام الأولين: (قل من بيده ملكوت كل شيء ~~وهويجيرولا يجارعليه) المؤمنون: 84 إلى قوله: (أفلا تتقون) الأعراف: 56 ~~وقال في وصف الآخرين؟: (قل لمن الأرض ومن فيها) المؤمنون: 84 إلى قوله: (قل ~~أفلا تذكرون) المؤمنون: 85. # وقد روينا في الأثر من صفات العاقل وحال المراقب وحشو الأوقات بما ينبغي ~~أن تملأ به جمل ما ذكرناه من حديث ms0201 أبي ذر الطويل ولا يكون المؤمن ظاعنا إلا ~~في ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وبمعناه وعلى العاقل ~~أن يكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه عز وجل، وساعة يحاسب فيها ~~نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب، فإن ~~في هذه الساعة عونا له على الساعات وفيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل ~~ومن علامة العاقل أن يكون # PageV01P160 # مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه وفي بعضها مكرما لإخوانه فأول ~~وقت المباح من الأوقات فالنوائب والحاجات تطرقه به والفاقات تدخله عليه فلا ~~يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد في مشاهدة الملك على أربع ~~مقامات: كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله فمنهم من ينظر إلى الملك ~~بعين التبصرة والعبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب وهم ~~أولو الأيدي والأبصار الذين أقامهم مقام الإعتبار وهذا مقام العلماء الذين ~~هم ورثة الأنبياء، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين الرحمة والحكمة وهذا ~~مقام الخائفين، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين المقت والبغضة وهذا ~~مقام الزاهدين ومنهم من ينظر إلى الملك بعين الشهوة والغبطة وهذا مقام ~~الهالكين وهم أبناء الدنيا الذين لها يسعون وعلى فوتها يتحسرون، فإن أعطى ~~العبد النظر إلى الملك بعين العبرة والحكمة أدخله الملك على الملك فاستغنى ~~به عما سواه وإن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين الرحمة اغتبط بمقامه ~~وعظمت لربه تعالى عليه النعمة وإن أعطى الزاهد النظر إلى الملك بعين البغضة ~~أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوضه من فوت الملك الصغير درك الملك ~~الكبير، ومن ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة والحسرة أوقعه الملك في ~~الهلكة فسلك طريق المهالك، ومن شاهد معنى خلق من أخلاق الذوات أو معنى وصف ~~من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود نعيم أو عذاب وهو ~~مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف وهذه شهادة العارفين من كل ~~ماشهدوه ms0202 من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق والأوصاف لأنه أظهرها عنه ~~ليستدل عليه بها وينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من شهوات النفس بعين ~~الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين وهوت به الريح في مكان سحيق ~~وتنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب وتقعده عند الحبيب في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر، فمن فاته القرب وقع في التيه والبعد فهو اليائس ~~المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرا من أمسه وغده شرا من يومه، ~~فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده وبقاءه عن السبيل يصده ~~ووجده لهواه يفقده وظهور نفسه عليه من السوابق يقعده لأنه إذا كان في إدبار ~~وكان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت وقت واحد وفوت شيء واحد ~~لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد لأنه ينشأ وقتا بعد وقت ~~وإنما يفوت جزءا جزءا على حكمة من الله عز وجل وتمهل واستدراج منه وقتا بعد ~~وقت ويوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد الدراج في الدرج مرقاة مرقاة، ~~كذلك يشغله في وقت عنه ويفرغه وقتا آخر لغيره ويذكره في وقت سواه وينسيه ~~وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه وذكره يومئذ كنسيانه وعلى هذا سائر ~~أوقاته تارة يقطعه عنه وتارة # PageV01P161 # يصله بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت وتنقضي الأوقات إلى الموت وفي ذلك ~~يسبل عليه الستر ليغتر ويسبغ عليه النعم كيلا يعلم ويديم له العوافي لئلا ~~يفطن ويبسط له الأمل ليزداد من سوء العمل ويقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل ~~وينشر له الرجاء ويطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم ويأخذهم ~~بغتة في حال غمرتهم كما قال: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) ~~النمل: 50 ومن معنى ماذكرناه قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء) الأنعام: 44 أي لماتركوا ما وعظوا به وخوفوا أسبغنا ~~عليهم النعم وأنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب وأنسيناهم الإستغفار، ثم ~~قال: (حتى إذا ms0203 فرحوا بما أوتوا) الأنعام: 44 أي سكنوا إلى ذلك واطمأنوا ولم ~~يريدوا التحويل عنه ولا الاستعتاب # منه: (أخذناهم بغتة) الكهف: 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد ~~أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير، واعلم أن العبد ~~إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم ~~يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان ~~كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر ~~لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد ~~وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال ~~تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) ~~الكهف: 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار ~~بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله ~~تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق: 22، ~~قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع ~~النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي ~~الأمر وهم في غفلة) مريم: 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا ~~وقيل: كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني ~~أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به ~~عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل: (حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه) النور: 39. (أخذناهم بغتة) ~~الكهف: 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون ~~متحيرون باهتون آيسون من كل خير، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه ~~قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم ms0204 لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها ~~وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت ~~وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت ~~وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر ~~الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى: (ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) الكهف: 28 وكمن كان حاله الغفلة ~~عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما ~~كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق: 22، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ~~ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى ~~في قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة) مريم: 39 قيل ~~جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل: كانوا متشاغلين في شأن النساء ~~وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم ~~الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر ~~عنه بالإياس في قوله عز وجل: (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه) النور: 39. # وقد كان أبو محمد يقول لايبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من هذا الأمر ~~حتى يكون فيه هذه الأربع: أداء الفرائض بالسنة، وأكل الحلال بالورع، ~~واجتناب النهي في الظاهر والباطن، والصبر على ذلك إلى الممات، وكان الحسن ~~يقول: والله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت والله ما المؤمن الذي يعمل ~~الشهر والشهرين والسنة والسنتين إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف ~~من مكر الله، إنما الإيمان شدة في لين وعزم في يقين واجتهاد في صبر وعلم في ~~زهد وكان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله # PageV01P162 # تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) الأحقاف: 13 ms0205 يقول قد ~~قالها الناس ثم رجعوا، فمن استقام على أمر الله في السر والعلانية والعسر ~~واليسر ولم يخف في الله لومة لائم وقال مرة استقاموا والله لربهم ولم ~~يروغوا روغان الثعالب، وقال بعض العلماء: من كان طلب الفضائل أهم إليه من ~~أداء الفرائض فهو مخدوع ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به، وقال سفيان ~~الثوري وغيره: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته ~~بنفسه ووقوفه على حده وأحكامه لحاله التي أقيم فيها، فابتداؤه بالعمل بما ~~افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك وورع يحجزه عن ~~الهوى في ذلك ولا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد ~~حوز السلامة كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت ~~عليه السلامة كان من الفضل أبعد والى الإغترار أقرب وقد تلتبس الفضائل ~~بالفرائض لدقة معانيها وخفي علومها فيقدم العبد النفل وهو يحسب أنه الواجب، ~~فمن ذلك أن أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عز وجل بالغيب أفضل له ~~فلما سلم جاءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مامنعك أن تجيبني حين ~~دعوتك فقال: كنت أصلي فقال: ألم تسمع الله عز وجل يقول: (استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال: 24 فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعاه وهو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل ~~وكان إجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة ~~له فهو مطيع الله عز وجل في الغيب باختياره وإجابته لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع لله تعالى في الشهادة ~~بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته لنفسه كفضل ~~الفرض على النفل، وقد قال سبحانه: (من يطع الرسول فقد أطاع ms0206 الله) النساء: ~~80 وقال تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) الفتح: 10 والله ~~تعالى معه في المكانين معا وهو عند الرسول عليه السلام على يقين، فعبادة ~~الله عز وجل ههنا أبلغ في مرضاته وأثوب له في آخرته، وفي هذا الحديث دليل ~~أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه وكلية ما تعلق به حتى تخص ~~السنة أو الإجماع بعض شأنه ومن ذلك أن قول الله عز وجل: (استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال: 24، إن ظاهره مقصور على الاستجابة ~~للرسول لله بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا الإجابة له في التصويت ~~خاصة في الصلاة وهذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن المعلى عليه وتأوله من ~~الآية فأشكل عليه، ومثل هذا فعل عمار في التيمم لما نزلت آية الإباحة ~~للتيمم في صلاة الفجر وهم في سفر، فقال عز وجل: (فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) النساء: 43 ولم يكن يسمع من النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال: # PageV01P163 # فتيممنا إلى المناكب واستوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين، وفي خبر: إلى الزندين ~~باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض اليد في ~~المسح وكذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه السنة، فمن ~~ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تآخيا في ~~العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه: هلم اليوم فلننفرد عن الناس # ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا، قال: فاعتزلا في ~~خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا ~~عليه السلام، قال: فسمعناه يقول حين جاوزنا: هلك المعتمقون المتنطعون ~~فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل، ~~ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة ms0207 فنظر إلى ~~مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل ~~المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له: كيف ترى ~~أن نعمل؟ فقال: أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على ~~عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز ~~وجل، فقال: ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا، وفي لفظ آخر أنه ~~قال له: أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن التجسس فقال: صدقت فأخذ بيده وانصرف. ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا ~~فإنه أبلغ في عبادتنا، قال: فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام، قال: فسمعناه يقول حين ~~جاوزنا: هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتابا من ذلك إلى الله عز وجل، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على ~~شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به ~~إلى الباب فنظر وقال له: كيف ترى أن نعمل؟ فقال: أرى والله أنا قد أتينا ~~مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا ~~وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل، فقال: ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما ~~أنفذ عنك فانصرفنا، وفي لفظ آخر أنه قال له: أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ~~ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال: صدقت فأخذ بيده ~~وانصرف. # ورينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من ~~خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر وقينة تغنيه فتسور عليه وقال: ماأقبح بشيخ ~~مثلك أن يكون على مثل هذه ms0208 الحال، فقام إليه الرجل فقال: ياأمير المؤمنين ~~أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم فقال له: قل فقال: إن كنت قد عصيت الله ~~عز وجل في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث، قال: وماهي؟ قال: قد تجسست وقد ~~نهاك الله عز وجل عن ذلك وتسورت وقد قال الله عز وجل (وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها) البقرة: 189 ودخلت بغير إذن وقد قال الله عز وجل (لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) النور: 27 فقال ~~عمر: صدقت فهل أنت غافر لي ذلك فقال: غفر الله لك فخرج عمر وهو يبكي حتى ~~علا نشيجه وهو يقول: ويل لعمر إن لم يغفر الله له، تجد الرجل كان يتخفى ~~بهذا عن ولده وجاره فالآن يقول: رآني أمير المؤمنين ونحو ذلك، وجاء في ~~الخبر: إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كان صائما فليقل ~~إني صائم، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ولكن إظهار عمله من ~~حيث لايؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب ~~أخيه لتفضيل المؤمن وحرمته على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل وإنما ~~يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على ~~غيره في العمل الواحد فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له: ارفع ~~التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من # PageV01P164 # إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم ~~تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه إن كان صادقا في ~~دعائك. # وبمعنى هذا من خفي الأعمال ما يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة ~~فيقرأ في نفسه سرا لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مر بآية فيها سجدة سجد ~~بين الملأ فكنا نعرف بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول: إن هذا ~~قدأظهر عمله إذ فعل ما يدل عليه فلو ms0209 ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه ~~قد أظهر ما أخفاه فهذا يدل على جهله بالمعاملة، وقد سمعت بعض العلماء يطعن ~~على هذا بفعله بمعنى ما ذكرناه من القول وهكذا يكون علم المريدين القصيرين ~~العلم وليس الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل ~~الفقه بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين والعامل الذي نقل ~~عنه هذا الفعل فقيه مخلص وذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما ~~أخفى إذ ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لايكون إلا ظاهرا لم يصلح ~~أن يترك قربة إلى الله عز وجل من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به ويقرأ كما ~~ندب إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عز وجل كما أخفى ~~لأجله ولأنه ترك مراقبة الناس ولم يترك عمله لأجلهم ولو كان الفضل في ترك ~~السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله وهو يصلي أن يقعد ~~لأجلهم. # وقد وردت السنة في ذلك أن له أجرين: أجر السر وأجر العلانية، كيف وقد ~~كانوا يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم فشرك، وقد ~~قيل: لا تعمل للرياء ولا تترك العمل للحياء، فالحياء من الخلق شرك كما إن ~~الحياء من الخالق إيمان. # وأيضا لو أنه أطاع العدو في ترك العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في ~~العمل لأجلهم، ومثل هذا كمثل من كان يصوم ويصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم ~~به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلي مقيما ~~فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ليدع مانواه من العكوف في المسجد لأجل ~~نظرهم إليه ولم يضره ظهور عمله لثباته على نيته ولمزيد من الاعتكاف إذا كان ~~عالما متمكنا، وأيضا فان الإمام المتمكن المقتدى به لايضره ظهور الناس على ~~أعماله إذا لم يقصد ذلك ولم يحب مدحهم وربما كان له أجر، إن في ذلك لتنبيه ~~الغافلين عن الذكر وتشويق العاملين إلى البر كيف ms0210 وعند بعض العلماء أن سجود ~~القرآن فرض وأن على من سمع آية سجدة أو تلاها وكان على غير وضوء أن يسجد ~~لها إذا توضأ، ونحو هذه المعاني ما هو حال للعبد وأولى به من حال غيره ما ~~رواه أبو نصر التمار أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال: قد عزمت على الحج ~~أفتأمرني بشيء؟ فقال له بشر: كم أعددت للنفقة؟ قال: ألفي درهم قال: فأي شيء ~~تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عز وجل، قال: ~~ابتغاء مرضاة الله عز وجل قال: فإن أصبت # PageV01P165 # رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عز ~~وجل أتفعل ذلك؟ قال نعم: قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس؛ مدين يقضي بها دينه، ~~وفقير يرم شعثه، ومعيل يحيي عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوى قلبك أن ~~تعطيها لواحد فافعل، فإن ادخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان ~~وتكشف ضر محتاج وتعين رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام ~~قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال: ياأبا نصر سفري أقوى ~~في قلبي فتبسم بشر وأقبل عليه، وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات ~~والشبهات اقتضت النفس إلى أن تقضي به وطرا ويشرع إليه فظاهرت أعمال ~~الصالحات وقد آلى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين، وفي نحوه قيل لبشر ~~أيضا إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال: المسكين ترك حاله ودخل في ~~حال غيره إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا ~~أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء، وقد ~~يكون اختفاء الأوجب من الفرائض والتباسه بالفضائل محنة من الله عز وجل ~~لعباده وحكمة له فيهم فيرتكبون التأويل للسعة ويتركون الضيق لخفائه عليهم ~~لينفذ فيهم العلم ويجري عليهم الحكم ويكون ذلك تأديبا لهم وتعريفا ومزيدا ~~في التسليم وتوفيقا، وقد قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلى الله ms0211 عليه ~~وسلم ووعظه وزجره في قوله تعالى: (عبس وتولى) (أن جاءه الأعمى) (ومايدريك ~~لعله يزكى) عبس: 1 - 2 - 3، يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغتم ~~في عمره كغمه حين أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه ~~الحبيب الرشيد ومع ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك ~~للمؤمنين ونبه على فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس وتولى: أي انظروا ~~أيها المؤمنون، أو اعجبوا إلى الذي عبس وتولى أن جاءه الأعمى، ولذلك روي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ ~~بهم إلا بسورة عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بذلك عنده وعند قومه ومثله قوله عز وجل عاتبا على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم (عفا الله عنك لم أذنت لهم) التوبة43 ونحوه: (لم تحرم ما ~~أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك) التحريم: 1 وبمعناه قوله عز وجل: (وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) الأحزاب: 37حتى ~~قالت عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~القرآن كتم هذه الآية، ومن أعجب ما سمعت في هذا المعنى ماحدثونا في ~~الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما ~~قبضه الله عز وجل خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس ويعظمونه برهة من ~~الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه وترك شريعتهم ~~وتكبر في الأرض وطغى وقال بني جدي داود وأبي سليمان مسجدا فما لي لا # أبني مسجدا مثل ما بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا # PageV01P166 # فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس وادعى على الله عز وجل أنه أمره بذلك ~~وصرف الناس إليه وبذل لهم الأموال وأخرب مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس ~~في دينه رغبة ورهبة، قال: فابتعث الله نبيا من بعض أهل ms0212 القرى فقال: اركب ~~أتانك هذه وأت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى ~~صوتك: يامسجد الضرار إن الله عز وجل حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن ~~أهلك فيك وليشدخنهم بخشبك وجندلك ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك ~~وناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل ~~عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس ~~إليه يضربونه بالخشب ويشجونه بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ~~ذلك أذى كثير وضرب عظيم ثم كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها ~~وقد أدى الرسالة وصبر على الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق ~~سمع به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله وسلم عليه فقال: إنك قد أديت ~~رسالة ربك وإنك أمضيت أمره وإنك قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت ~~جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح ~~واغسل جسدك وثيابك فقال إن الله عز وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا ~~آكل ولا أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فإني من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك في الدين فلا أرى الله عز وجل عني ~~بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم ~~وتستظل عندهم ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ولا الأكل من طعامي لأني شريكك ~~في الأخوة والنبوة قال: فصدقه وانصرف معه إلى منزله، فلما وضع الطعام بين ~~يديه وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي ~~الذي دعاه إلى منزله قل له: آثرت شهوتك وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا ~~تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها ولولا أنك ~~اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني ms0213 ~~عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه ~~فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني، ~~فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع فافترسه وانتصب السبع مقعيا على ~~قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى ~~يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى ~~بينه وبينه قال: فكفنه وواراه وانصرف برحله وأتانه إلى أهله، فقال: يارب ~~عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان أجهده البلاء # PageV01P167 # فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز وجل إليه ليست ~~هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة، إنه خالف أمري ~~وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت ~~له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ودرجة فوق نبوته ~~فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من ~~علم خير الخيرين، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله ~~عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلى به وعلم ~~شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه المعاني دقائق ~~العلوم وغرائب الفهوم وأدلة للسائلين وعبرة وآيات للعالمين فأما شر الشرين ~~ومعرفة الخير من الشر فهو معروف بأدلة العقول وظاهر العلوم. مسجدا مثل ما ~~بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس وادعى ~~على الله عز وجل أنه أمره بذلك وصرف الناس إليه وبذل لهم الأموال وأخرب ~~مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس في دينه رغبة ورهبة، قال: فابتعث الله ~~نبيا من بعض أهل القرى فقال: اركب أتانك هذه وأت هؤلاء القوم أحفل ما ~~يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى صوتك: يامسجد الضرار إن الله ms0214 عز وجل ~~حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن أهلك فيك وليشدخنهم بخشبك وجندلك ~~ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك وناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ~~ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك ~~التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه يضربونه بالخشب ويشجونه ~~بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ذلك أذى كثير وضرب عظيم ثم ~~كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها وقد أدى الرسالة وصبر على ~~الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق سمع به نبي آخر كان في بعض ~~القرى استقبله وسلم عليه فقال: إنك قد أديت رسالة ربك وإنك أمضيت أمره وإنك ~~قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك ~~وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح واغسل جسدك وثيابك فقال إن الله عز ~~وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا آكل ولا أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى ~~أهلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فإني من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك ~~في الدين فلا أرى الله عز وجل عني بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم ~~أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم وتستظل عندهم ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ~~ولا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوة والنبوة قال: فصدقه وانصرف معه ~~إلى منزله، فلما وضع الطعام بين يديه وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به ~~أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي الذي دعاه إلى منزله قل له: آثرت شهوتك ~~وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى ~~قريتك التي خرجت منها ولولا أنك اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما ~~العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي، ~~فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل ms0215 ~~أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ~~ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني، فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع ~~فافترسه وانتصب السبع مقعيا على قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما ~~أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما ~~نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى بينه وبينه قال: فكفنه وواراه وانصرف برحله ~~وأتانه إلى أهله، فقال: يارب عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان ~~أجهده البلاء فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز ~~وجل إليه ليست هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة، ~~إنه خالف أمري وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه ~~بما يكره فقيضت له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ~~ودرجة فوق نبوته فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم ~~عند العلماء من علم خير الخيرين، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض ~~عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه ~~وابتلى به وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه ~~المعاني دقائق العلوم وغرائب الفهوم وأدلة للسائلين وعبرة وآيات للعالمين ~~فأما شر الشرين ومعرفة الخير من الشر فهو معروف بأدلة العقول وظاهر العلوم. # PageV01P168 ### | الفصل السابع والعشرون # كتاب أساس المريدين # قال بعض العلماء: الخلق محجوبون بثلاث؛ حب الدرهم، وطلب الرياسة وطاعة ~~النساء، وقال بعض العارفين: الذي قطع العباد عن الله عز وجل ثلاثة أشياء؛ ~~قلة الصدق في الإرادة،، والجهل بالطريق، ونطق علماء السوء بالهوى، وقال بعض ~~علمائنا: إذا كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والاختلاف موجودا لم ينكشف ~~الحق، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد، واعلم أن المريد لابد له من خصال ~~سبع: الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بد له من التسبب إلى الطاعة ~~وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بد له من ms0216 المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك ~~استكشاف آفات النفس ولا بد له من مجالسة عالم بالله وعلامة ذلك إيثاره على ~~ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة ~~وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه ولا بد له ~~من طعمة حلال لا يذمها العلم وعلامة ذلك الحلال المطالبة عنه وحلول العلم ~~فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بد له من قرين صالح يؤازره على ~~ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر والتقوى ونهيه إياه عن الإثم ~~والعدوان، فهذه الخصال السبع قوت الإرادة لا قوام لها إلا بها ويستعين على ~~هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه؛ أولها الجوع، ثم السهر، ~~ثم الصمت، ثم الخلوة، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها ~~بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في ~~القلب، فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيض وفي بياضه نوره ويذيب شحم ~~الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا ~~نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف ~~سلطان العدو منه لأن في غلظ القلب سلطانه والفلاسفة يقولون إن النفس كلية ~~الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه، ~~والعلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في ~~التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا: ياموسى لا تأكل العروق فإنها # PageV01P169 # مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس ~~فقالوا: إذا مات في الماء من الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون ~~الخنافس والصراصر والعناكب، ففي الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدو ~~وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها، وفي خبر عن عيسى عليه السلام: يامعشر ms0217 ~~الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله ~~عز وجل يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة ~~وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ~~ما في الجوع إيثار الصمت وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء، وقال سهل ~~رحمه الله: اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال، وبها صار الإبدال إبدالا ~~إخماص البطون والصمت والسهر والاعتزال عن الناس، وقال: من لم يصبر على ~~الجوع والضر لم يتحقق بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما ~~تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي ~~استنارته معاينة الغيب وفي جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على ~~البياض والرقة فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب ~~فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر ~~من وبال العقاب ويرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل ~~عاجلا ويكون العاجل غائبا ويصير الغائب حاضرا والحاضر آفلا يطلبه ويرغب فيه ~~فلا يحب الآفل ولا يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ~~ويظهر له بواطن الأسرار ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا ~~بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول: عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي ~~تعالى بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون، ~~وكذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤن في قوله: القلوب أربعة؛ ~~قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا # PageV01P170 # وتجرده من الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب # وقال بعض علمائنا: من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان ~~يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن ~~غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ~~ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ms0218 ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر ~~بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل ~~الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل ~~سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام ~~الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل: (واستعينوا بالصبر والصلاة) ~~البقرة: 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل: استعينوا بالجوع وصلاة الليل ~~على مجاهدة النفس وقيل: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي. قال بعض ~~علمائنا: من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع ~~الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام ~~بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة ~~الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل ~~الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم ~~إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون ~~وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة ~~النهار وقد قيل في قوله عز وجل: (واستعينوا بالصبر والصلاة) البقرة: 54 قيل ~~بالصوم على قيام الليل وقيل: استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس ~~وقيل: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي. # وأما الصمت فإنه يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله عز وجل ~~به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجا ويوفقه بإيثار الصمت للقول ~~السديد والعمل الرشيد، وقد قال بعض السلف: تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ~~ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت، وقال بعضهم: جعلت ~~على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك علي ~~فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهل علي فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل ~~كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت، وقال عقبة بن عامر: يارسول الله فيم ~~النجاة؟ ms0219 قال: أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال صلى الله ~~عليه وسلم في الخبر الجامع المختصر: من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في ~~آخر وصيته: ألا أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله، هذا وأومأ بيده إلى ~~لسانه فقلت: يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال: ثكلتك ~~أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت ~~فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه، ~~قال: قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال: ~~قل ربي الله ثم استقم قال: قلت فما أتقى بعد ذلك، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط ~~آخر فأخبرني بأضر شيء علي فقال هذا وأومأ إلى لسانه، وفي الخبر لا يتقي ~~العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه. # PageV01P171 # وفي الحديث لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم ~~لسانه وقال ابن مسعود: ليس شيء أحق بطول سجن من لسان، وقال بعض السلف: فتشت ~~الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان، وقال بعض العلماء: مااستقام لسان ~~عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر ~~عمله وقال بعض الحكماء: إذا كثر العقل قل الكلام، وإذا قل العقل كثر ~~الكلام، وقال أحمد بن حنبل: علماء أهل الكلام زنادقة، وقال بعض هذه ~~الطائفة: من تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت، وقال ذو النون ~~المصري: الخوف يقلق والحياء يسكت، وقال بعض العارفين: قد جزئ العلم على ~~قسمين: نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه، وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم ~~وما يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام، وقال الحسن عن أنس ~~بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت ~~وهو: أول ms0220 العبادة، والتواضع، وذكر الله عز وجل، وقلة الشيء، وقال حماد بن ~~زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ فقال: يابني الكلام اليوم ~~أكثر والعلم فيما مضى كان أكثر وقيل: كانوا ينتفعون بصمت العلم مثل ما ~~ينتفعون بكلامه، وقد قيل: من لم ينتفع بسكوت المتكلم لم ينتفع بكلامه، وقيل ~~لبعض العلماء: فلان أعلم أم فلان؟ فقال فلان أعلم وفلان أكثر كلاما ففرق ~~بين العلم والكلام، وقيل لبعض علماء خراسان عند وفاته: دلنا على رجل نجلس ~~إليه بعدك فقال لهم: فلان فذكر لهم رجلا صموتا متعبدا لا يعرف بكثير علم ~~فقيل له: إن فلانا ليس عنده من العلم ما يجيب عن كل ما نسأله عنه من العلم ~~فقال: قد علمت، ولكن عنده من الورع مالا يتكلم بما لايعلم وكان الأعمش ~~يقول: من الكلام كلام جوابه السكوت، وقال بعض السلف: الصمت زين العالم وستر ~~الجاهل، وقال غيره: الصمت جوابه وفي الخبر: الصمت زين للعالم وشين للجاهل، ~~وقال بعضهم: ليس شيء أشد على الشيطان من عالم حليم إن تكلم تكلم بعلم وإن ~~سكت سكت بحلم، يقول الشيطان: انظروا إليه سكوته أشد علي من كلامه، وقال بعض ~~السلف: تعلم الصمت كما تتعلم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك ~~ولك في الصمت خصلتان تدفع به جهل من هو أجهل منك وتعلم به علم من هو أعلم ~~منك، وقال بعض العلماء: تعلم لاأدري ولا تتعلم أدري فإن قلت لاأدري علموك ~~حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري، وقد قال العلماء: إذا أخطأ ~~العالم قول أدري أصيبت مقاتله، وقال عيسى عليه السلام: الخير كله في ثلاثة: ~~في الصمت، والكلام، والنظر، فمن لم يكن صمته تفكرا فهو في سهو، ومن لم يكن ~~كلامه ذكرا فهو في لغو، ومن لم يكن نظره عبرا فهو في لهو، وقال بعضهم: يأتي ~~على الناس زمان يكون أفضل أعمالهم النوم وأفضل علومهم الصمت يعني لفساد ~~الأعمال ولاشتباه # PageV01P172 # العلم، ويقول أيضا مع ذلك: وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام وغموض ms0221 ~~الحلال، وقال بعض العلماء: الصمت نوم العقل والنطق يقظته وكل يقظة تحتاج ~~إلى نوم وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه، وفي وصية ابن عباس ~~مجاهدا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلم ~~فيما لايعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه ~~فعنت، وقال بعض العلماء: يستبين ورع الرجل في منطقه وفي الخبر: من كثر ~~كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه مات قلبه، ويقال: إذا قل الكلام كثر الصواب، ~~وعن جماعة السلف: إن تسعة أعشار السلامة في الصمت، ويقال: كل كلمة من هزل ~~أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ وتقرير، أولها أن يقال له ~~لم قلت كلمة كذا أكانت فيما يعنيك؟ والثانية هل نفعتك إذ قلتها؟ والثالثة ~~هل ضرتك لو لم تقلها؟ والرابعة ألا سكت فربحت السلامة من عاقبتها؟ والخامسة ~~هلا جعلت مكانها قول سبحان الله والحمد لله فغنمت ثوابها، ويقال ما من كلمة ~~إلا وينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأول لم، والثاني كيف، والثالث لمن، ~~فإن نجا من الثلاث وإلا طال وقوفه للحساب، وقال الحسن: لسان المؤمن وراء ~~قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك، وقلب ~~المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر بقلبه تكلم به ولا يتوقف ولا ينثني، ~~وفي الخبر: من آفة العالم أن يكون الكلام أعجب إليه من الصمت # وفي الكلام تنميق وزيادة، وفي الصمت سلامة وغنم، وفي موعظة النبي صلى ~~الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله ~~وأمسك الفضل من قوله، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ~~ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر ~~الخالق وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم ~~وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار ~~لأن العين باب القلب ms0222 ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته، وقد قال ~~بعض العلماء: من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد ~~الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود، ~~والخلوة من أكبر العوافي، وذلك أنه قد جاء في الحديث: سلوا الله العافية ~~فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية، ثم قد روي في الخبر: العزلة عن ~~الناس عافية، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين ~~على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة ~~والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما ~~لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في ~~السر، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من ~~المحبة، الخوف يصلح لجميع العابدين # PageV01P173 # والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح لجميع ~~المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة ~~تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان. ي الكلام تنميق ~~وزيادة، وفي الصمت سلامة وغنم، وفي موعظة النبي صلى الله عليه وسلم طوبى ~~لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، ~~والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما ~~الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوي العزم على ~~الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل ~~الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ~~ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته، وقد قال بعض العلماء: من كثرت ~~لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد ~~به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود، والخلوة من أكبر ~~العوافي، وذلك أنه قد جاء في الحديث: سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد ~~اليقين أفضل من العافية، ms0223 ثم قد روي في الخبر: العزلة عن الناس عافية، فدخل ~~ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ~~ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا ~~يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ~~ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر، ومثل الخلوة ~~في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة، الخوف يصلح ~~لجميع العابدين والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح ~~لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن ~~الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان. # وقد روينا عن سفيان الثوري وعن بشر بن الحرث: إذا استوحشت من الوحدة ~~واستأنست بالخلق لم آمن عليك الرياء، وكان أبو محمد يقول: اجتمع الخير كله ~~في هذه الخصال الأربع وبها صار الإبدال إبدالا: إخماص البطون، والصمت، ~~واعتزال الخلق، وسهر الليل، وحدثت عن عبد العزيز عن سهل رحمه الله قال: ~~مخالطة الولي للناس ذل وتفرده عز وقل مارأيت وليا لله عز وجل إلا منفردا، ~~وقال بعض العارفين: الأنس بالوحدة علامة وجود الطريق فمن علامة صدق الإرادة ~~بعد صحة التوبة وقوة العزم على الاستقامة إيثار هذه الأربع التي ذكرناه على ~~أضدادها ووجود القلب عندها وانشراح الصدر بها وحسن الخلق معها لأن ضدها هو ~~أبواب الدنيا ومفاتيح الغفلة وطرقات الهوى، من ذلك فإن في الشبع قسوة القلب ~~وظلمته وفي ذلك قوة صفات النفس وانتشار حظوظها وفي قوتها وبسطها ضعف ~~الإيمان وخمود أنواره وفي ضعف النفس وخمود طبعها قوة الإيمان واتساع شعاع ~~أنوار اليقين وفي ذلك قرب العبد من القريب ومجالسته للحبيب والشبع مفتاح ~~الرغبة في الدنيا، وقال بعض الصحابة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الشبع إذ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم شهواتهم. # وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ms0224 وسلم ~~وأصحابه يجوعون من غير إعواز أي مختارين لذلك، وقال ابن عمر: ماشبعت منذ ~~قتل عثمان رضي الله عنه، وقال هذا في زمن الحجاج، وفي حديث أبي حجيفة لما ~~تجشأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اكفف عنا جشاءك فإن أطولكم ~~شبعا في الدنيا، أكثركم جوعا في الآخرة، فقال: والله ما تمليت طعاما من ~~يومئذ إلى يومي هذا، وأرجو أن يعصمني الله عز وجل فيما بقي، ويستحب على هذا ~~أن يكون جوع العبد في الدنيا أكثر من شبعه وهي علامة الأولياء، فمن كان له ~~أكلة بين جوعتين إلى منتهاهما فجوعه حينئذ أكثر من شبعه، ومن كان له بعد ~~جوعة بالغة شبعة متوسطة فقد اعتدل شبعه وأكله وجوعه، ومن أكل في يوم مرتين ~~أو أكل من غير جوع ثم شبع فشبعه أكثر من جوعه، وهذا مكروه، وكل من أكل بعد ~~الجوع، ورفع يده قبل الشبع فجوعه أكثر من شبعه وهذا أوسط الأحوال، وقال ~~هشام عن الحسن: والله لقد أدركت أقواما كانوا لا يشبعون يأكل أحدهم حتى إذا ~~رد نفسه أمسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية يعيش عمره كله ما طوى له ثوب قط ~~ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط، وقال جعفر بن ~~حيان عن الحسن: المؤمن لا يأكل في كل بطنه، ولا تزال وصيته تحت جنبه. # وروينا عن الثوري: خصلتان تقسيان القلب؛ طول الشبع، وكثرة الكلام، وروينا ~~عن # PageV01P174 # مكحول خصال ثلاث يحبها الله عز وجل وثلاث يبغضها الله عز وجل، فأما ~~اللاتي يحبها: فقلة الأكل، وقلة النوم، وقلة الكلام، وأما اللاتي يبغض: ~~فكثرة الأكل، وكثرة الكلام، وكثرة النوم، فأما النوم فإن في مداومته طول ~~الغفلة وقلة العقل ونقصان الفطنة وسهوة القلب، وفي هذه الأشياء الفوت وفي ~~الفوت الحسرة بعد الموت، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالت أم ~~سليمان بن داود لابنها: يابني لاتكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم تترك ~~العبد فقيرا يوم القيامة وقيل كان شبان يتعبدون في ms0225 بني إسرائيل فكانوا إذا ~~حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرا ~~فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا، وكان بعض السلف يقول: أدنى ~~أحوال المؤمن: الأكل والنوم، وأفضل أحوال المنافق: الأكل والنوم، وقال بعض ~~الناس لفيلسوف من الحكماء: صف لي شيئا أستعمله حتى أكون أنام النهار، فقال: ~~ياهذا ماأضعف عقلك إن نصف عمرك نوم والنوم من الموت، تريد أن تجعل ثلاثة ~~أرباعه نوما وربعه حياة؟ قال: وكيف؟ قال: أنت إذا عشت أربعين سنة فإنما هي ~~عشرون سنة أفتريد أن تجعلها عشر سنين؟ وأما كثرة الكلام فإن فيه قلة الورع ~~وعدم التقوى وطول الحساب وكثرة المطالبين وتعلق المظلومين وكثرة الأشهاد من ~~الأملاك المكاتبين ودوام الإعراض من الملك الكريم، لأن الكلام مفتاح كبائر ~~اللسان، فيه الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وفيه شهادة الزور، وفيه قذف ~~المحصن والافتراء على الله تعالى والإيمان، وفيه القول فيما لايعني والخوض ~~فيما لاينفع، وقد جاء في الخبر: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه وأكثر الناس ~~ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لايعنيه، وفي اللسان التزين والتصنع ~~للخلق والتحريف والإحالة لمعاني الصدق، وفيه المداهنة والمواراة والتملق ~~لأهل الأهواء وفي اجتماع هذا على العبد شتات قلبه وفي شتاته تفريق همه، وفي ~~تفريق همه سقوطه من مقام المقربين، وفي وصية ابن عباس لمجاهد لا تمارين ~~حليما ولا سفيها فإن الحليم يقلاك وإن السفيه يؤذيك، وفي الخبر: إن العبد ~~ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وفي ~~لفظ آخر ليتكلم بها فيهوي في جهنم سبعين خريفا، وقال لقمان لابنه: لأن تعيش ~~أخرس يسيل لعابك على صدرك خير لك من أن تنطق في نادي القوم بما لايعنيك، ~~وفي خبر: من افتتح بكلمة سوء ثم خاض الناس في مثلها كان عليه مثل أوزارهم، ~~وفي الخبر: لايأتي بخير السوء إلا رجل السوء، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم ~~أنه كان إذا صحبه رجل فجاء بخبر سوء فارقه، وروينا في الحديث: من حدث بما ~~سمعت أذناه ورأت ms0226 عيناه كتبه الله تعالى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في ~~الذين آمنوا. # وروينا عن علي رضي الله عنه: مذيع الفاحشة في الناس كفاعلها، وفي الخبر: ~~إن بعض فقراء أهل الصفة استشهد في سبيل الله عز وجل فقالت أمه: هنيئا لك في ~~الجنة # PageV01P175 # جاهدت في سبيل الله وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت ~~شهيدا، طوبى لك الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أنه ~~في الجنة؟ فلعله كان يتكلم فيما لا ينفعه أو يبخل بما لا يضره وفي لفظ آخر: ~~لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لايغنيه، وفي الخبر: إن بعض ~~الصحابة قال لرجل إنه لنؤوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغتبتم ~~أخاكم سلوه أن يستغفر لكم، وفي خبر آخر: إنهم قالوا ماأعجز فلانا فقال: ~~أكلتموه، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، قالت لامرأة: ماأطول ذيلها وفي لفظ ~~آخر قالت: إنها لقصيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغتبتها وفي ~~خبر آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: لقد تكلمت بكلمة لو مزج ~~بها ماء البحر لامتزج، فهذا من وصف المبالغة في الشدة، وفي الخبر الجامع ~~لهذه المعاني في وصف الغيبة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~قال في أخيه مافيه فقد اغتابه. # وفي حديث أبان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد من ذلك أنه ~~قال الغيبة ما إن قلت في أخيك لم تزكه به فهذا نهاية القول من الشدة وغاية ~~التشديد في الغيبة والغيبة اسم لغوي معناه شرعي مشتق من غيب الإنسان وفسرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أن يقول العبد في أخيه ما فيه وعظمها ~~بقوله هي أشد من الزنا، فمتى قال العبد لأخيه في غيبته ما يعلمه يقينا فيه ~~مما لا يقوله بمحضره أو مما ينقصه به أو لا يزكيه فيه فقد اغتابه، فلو لم ~~يكن في الصمت إلا السلامة من الغيبة لكان ms0227 ذلك غنيمة موفورة، كيف وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة أمر ~~بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل، وأما مخالطة الناس فإنها تضعف ~~العزم الذي كان قويا في أعمال البر وتحل العقد المبرم الذي استوطنه العبد ~~في الخلوة لقلة المتعاونين على البر والتقوى وكثرة المتعاونين على الإثم ~~والعدوان، وفي مخالطة الناس قوة الطلب والحرص على عاجل الدنيا لما يعاين من ~~إقبال أهلها عليه وفيه الفتور عن الخدمة بالنظر إلى أهل الغفلة والملل ~~للطاعة بمجالسة أهل البطالة ونقصان حلاوة المعاملة وذهاب نور العلم وسرعة ~~خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام أهل الجهالة والنظر إلى الموتى من أبناء ~~الدنيا كما روي عن عيسى عيه السلام: لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم، قيل: ~~ومن الموتى؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها، وقد كان الحسن يقول في ~~قوله عز وجل: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) فاطر: 22، قال: الفقراء ~~والأغنياء كان الفقراء حيوا بذكر الله عز وجل والأغنياء ماتوا على الدنيا، ~~وأعظم ما في مخالطة الناس ومجالسة أهل البطالة وذوي غفلتهم ضعف اليقين ~~برؤيتهم، وأضر ما ابتلي به العبد وأعمله في هلاكه وأشده لحجبه وإبعاده ضعف ~~يقينه بما وعد به بالغيب وتوعد عليه في الشهادة وهذا أخوف ما خافه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أمته فيما روينا عنه أنه قال: أخوف ماأخاف على ~~أمتي ضعف اليقين، وذلك أن ضعف اليقين هو أصل الرغبة في الدنيا والحرص على ~~التكاثر منها والتضرع إلى أبنائها والطمع فيهم، كما قال ابن مسعود: إن ~~الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع إلى بيته وما معه من دينه # PageV01P176 # شيء يلقى هذا فيقول: إنك لذيت وذيت ويلقى هذا فيقول أنت كيت وكيت ولعله ~~لا يخلى منهم بشيء ويرجع إلى بيته وقد أسخط الله عز وجل، وقد قال بعض ~~التابعين: إن العبد ليقعد في الخلوة على خصال من الخير فيخرج إلى الناس ~~فيحللون ما عقده عقدة عقدة حتى يرجع ms0228 وقد انحلت العقد كلها، وقوة اليقين أصل ~~كل عمل صالح لأن في قوة يقينه سرعة منقلبه وطول مثواه في دار إقامته إيثار ~~التقلل من الفاني وتقديمه للباقي وضعف حرصه وقلة طلبه وفقد طمعه وفراغه من ~~الاشتغال بعاجله وإقباله وشغله بما ندب إليه من مستقره، وفي جميع ذلك ~~إخلاصه في أعماله وحقيقة زهده في تصرف أحواله وفي قصر أمله وتحسين عمله، ~~ألم تسمع إلى وصف من أخبر الله عز وجل عنه بالتكاثر الذي ألهاه حتى زار ~~برزخه ومثواه كيف تهدده حتى يعلم يقينا وتوعده إذا رأى آخرته عيانا فقال ~~سبحانه: (ألهاكم التكاثر) التكاثر: 1 أي شغلكم الجمع للمكاثرة حتى حللتم ~~القبور، ثم قال: (كلا لو تعلمون علم اليقين) التكاثر: 5 أي لشغلكم العمل ~~الصالح للآخرة عن اللعب واللهو الذي هو مقتضى الشك إذ هو ضد اليقين ~~فاشتغلتم بالآخرة عن التكاثر من الدنيا كما شغلكم التكاثر باللهو واللعب ~~لعدم علم اليقين، كما قال: (أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) ~~السجدة: 12بعد أن قال: (بل هم في شك يلعبون) الدخان: 9 ثم ثوعدهم على ذلك ~~مرتين وتهددهم بالسؤال عن النعيم الذي شغلهم وهو التكاثر في فضول العاجل ~~وقيل: هو الجمع والمنع، فاعلم أن الذي قطع العباد عن التوبة وعرج بالتائبين ~~عن الاستقامة ثلاثة أشياء: الكسب، والإنفاق، والجمع، وهذه الأسباب متعلقة ~~بالخلق وموجودة بوجودهم ومفقودة بالانفراد عنهم فمن زهد في هذه الثلاثة فقد ~~زهد في الخلق ومن رغب في الخلق فقد رغب في هذه الثلاث، وقال الثوري: من ~~خالط الناس داراهم ومن داراهم راياهم ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما ~~هلكوا، وقد قال بعض هذه الطائفة # من الصالحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى ~~التحقيق؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى ~~في كل وقت مع الدوام فقال: لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت: لا ~~بد لي من ذلك، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي ms0229 من ذلك، ~~قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد من ~~معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذه العلة ~~فقال: ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد ~~أن تجد قلبك مع الله عز وجل على الدوام هذا ما لايكون، وقد جاء في فضل ~~العزلة والانفراد وفي فضل الصمت، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن ~~مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. من الصالحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: ~~كيف الطريق إلى التحقيق؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي ~~مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال: لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ~~ظلمة قلت: لا بد لي من ذلك، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد ~~لي من ذلك، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد ~~من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذه العلة ~~فقال: ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد ~~أن تجد قلبك مع الله عز وجل على الدوام هذا ما لايكون، وقد جاء في فضل ~~العزلة والانفراد وفي فضل الصمت، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن ~~مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # PageV01P177 ### | الفصل الثامن والعشرون # كتاب مراقبة المقربين ومقامات الموقنين ### | ذكر المقام الأول من المراقبة # العبد إذا قوي يقينه علم علم يقين أن أوقاته هذه التي وكل تربيته إليها ~~وجعل سبب نمائه وحياته منها وهي مكررة عليه في البرزخ ومردودة إليه يوم ~~القيامة ومعادة عليه في الجنة إن دخلها ليس يجازى هناك إلا بمقدار ms0230 ما أعطي ~~من المعاملة ههنا، ولا يعطي ثم إلا بقدر ما وفق ههنا، لا يسأل إلا عن ~~أوقاته، ولا يحاسب إلا بساعاته، ولا يجازى إلا عليها ولا ترد عليه أوقات ~~غيره، كما لا يعاد هو في صورة غيره ولا يعطى جزاء سواه كما لم يعامل ههنا ~~معاملة سواه ولكن الله يبدئ ويعيد، فيمن ذلك قوله تعالى: (كما بدأكم ~~تعودون) الأعراف: 92 وقال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) القلم35 ~~(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) ص: 29 من تدبره: (أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ص: 28 ~~أي تدبروا آياته هل ترون جزاء هؤلاء لوصف هؤلاء أم هل تجدون وصف هؤلاء له ~~جزاء أو لا ومثله قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) النساء: ~~123 فنفى أمانيهم بليس وأنبت حكمه بلكن وهي مضمرة في الكلام المعني لكن من ~~يعمل سوءا يجزيه، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المؤمن يجزى ~~بسيئته في الدنيا من المصائب والجوع والعري، والمنافق تبقى ذنوبه عليه حتى ~~يوفي يوم القيامة كأنه حمار يجازى بها في الآخرة، وكان الحسن يقول: عباد ~~الله، اتقوا هذه الأماني، فإنها أودية النوكى يحلون فيها، والله ما أتى عبد ~~الله بأمنيته خيرا من دنياه ولا آخرته، وقال بعض العلماء: كلما قل العقل ~~كثرت الأماني، وكتب بعض السلف إلى بعض إخوانه من أبناء الد نيا يعظه: ~~أخبرني عن هذا الذي تكدح فيه وتحرص عليه من أمر الدنيا هل بلغت فيه ما تريد ~~وأدركت ما تتمنى؟ فقال: لا والله، فقال: أرأيتك هذا الذي أنت حريص عليه لم ~~تنل منه ما تريد فكيف تنال من الآخرة وقد أعرضت عنها وصرفت عنها فما أراك ~~تضرب إلا في حديد بارد، وقال بعض العلماء: من ظن أنه يدخل الجنة بغير عمل ~~فهو متمن ومن قال أدخلها بعمل فهو متعن، وقال بعضهم: الأماني تنقص العقل، ~~وفي الخبر: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما # PageV01P178 # وقر في القلب وصدقه العمل ومن هذا ms0231 قول الله عز وجل: (هل جزآء الإحسان إلا ~~الإحسان) الرحمن: 60 وقال في ضده: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) غافر: ~~40 وقال في معناه: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) ~~التوبة: 16 وكذلك قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم) البقرة: 214 وقال في مثله: (أم حست الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) الجاثية: 21 ثم قال: (ساء ~~ما يحكمون) العنكبوت: 4 فأبطل حسبانهم وأدحض حكمهم ثم أحكم ماعنده بقوله: ~~(سواء محياهم ومماتهم) الجاثية: 21 أي هم كما كانوا في المحيا محسنين ~~يعملون الصالحات كانت لهم الحسنى في الممات وكما كانوا في المحيا مفسدين ~~يعملون السيئات كانت لهم السوأى والمكروهات، وقيل: كانت هذه الآية مبكاة ~~للعابدين لأنها محكمة غير متشابهة، وكذلك جميع ما ذكرناه من نظائرها هو من ~~المحكم الذي هو أم الكتاب غير منسوخ ولا متشابه، وهذه الآي من عزائم القرآن ~~وهو من أحسن ما أنزل علينا من ربنا الذي أمر الله سبحانه وتعالى باتباعه ~~ووصف أهل الهدى وأولي الألباب باستماعه في قوله تعالى: (الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنة) الزمر: 18 قيل عزائمه ووعيده، وقد قيل في قوله تعالى: ~~(وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) الزمر: 47 قبل الرجاء الخائب ~~بالإغترار والظن الكاذب، وقيل: عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فوجدوها عند ~~المحاسبة سيئات، والصحيح ما صح بعد الحساب والحق ماثقل عند الميزان كما قال ~~تعالى: (والوزن يومئذ الحق) الأعراف: 8 قيل: العلم والعمل، كما قال تعالى: ~~(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) # الأعراف: 52 ثم قال: (فلنقصن عليهم بعلم) الأعراف: 7 ثم قال تعالى: (وبدا ~~لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) الزمر: 48 قيل: كانوا ~~يقدمون الذنب ويؤخرون التوبة ويسوفون بالمغفرة، وكانت هذه الآية محزنة ~~للخائفين ومخافة للعارفين وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أعد النار ~~للكافرين ثم أمر المؤمنين باتقائها ثم وصف الكافرين فيها وخوف عباده ms0232 بها ~~فقال تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) آل عمران: 131 وقال سبحانه: ~~(لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون) الزمر: 16 ويقال: إن العبد يستحق النار بأول معصية عصى مولاه بها ~~بعد المعرفة ثم هو بعد ذلك في المشيئة وإن في كل عبد خصلة كريهة يخاف عليه ~~منها وكان عبد الواحد ابن زيد يقول: ما صح خوف خائف قط ظن أنه لا يدخل ~~النار وما صدق خوف من ظن أنه يدخل النار فظن أنه يخرج منها أي أن حقيقة ~~الخوف خشية دخول النار ثم الخلود فيها، وقد روينا مثل ذلك عن الحسن وقد ذكر ~~له الرجل الذي يخرج من النار بعد ألف عام فبكى ثم قال: ياليتني مثل ذلك ~~الرجل، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال إني في الجنة فهو في ~~النار ومن قال: إني عالم فهو جاهل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: # PageV01P179 # من أراد أن يعلم كيف منزلته من الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله في ~~قلبه، فإن الله ينزل العبد منه بحسب ما أنزله من نفسه. ### | ذكر المقام الثاني من المراقبة # ثم يعلم العبد يقينا أن لكل عمل صالح نعيما في الجنة وروحا في البرزخ ولك ~~عمل حسن ومعرفة خالصة مقاما في الجنة، وقد قسم جزء هناك لعطاء معاملة ههنا ~~وأن لكل عمل سيء وجهل قبيح عذابا في الآخرة وكربا في البرزخ ومقاما من ~~النار قد قسم جزء هناك لعمل ههنا ثم قد أخفى الله ذلك الجزء من الخير والشر ~~وأظهر أعمالهما للحمكين وأبان لهما طريقين يجريان إلى دارين بن حكمة منه ثم ~~قدم المعاملات من المعنيين وأخر المثوبات من النوعين إحكاما منه للأفعال ~~واستسعاء للعبد بالأعمال ابتلاء منه لتجزي كل نفس بما تسعى منة منه ورحمة ~~وقدرة منه ومحبة لا يسئل عما يفعل لأنه ملك قهار عزيز جبار وهم يسئلون ~~لأنهم عبيد مقهرون وذلل مجبورون ولا تضرب لهم الأمثال لأنه قد ms0233 جاوز ~~الإحتجاج والاعتدال ولا يسوى بالعبيد لأنه قد فات التقدير والتحديد فله ~~الحجة والقدرة النافذة في كل شيء ليس كمثله شيء في جميع ذلك كله، وقد أحكم ~~الله تعالى ما ذكرناه في توحيد نفسه بالمشيئة والأفعال ونهيه عن الشرك به ~~وضرب الأمثال وعجب ممن يسوي بينه وبين خلقه في الأحكام وجعل ذلك جحود ~~النعمة وشركا في ملكه وأخبر به عن المشركين وإضلالهم أتباعهم بعد ضلالهم ~~المبين وإضلالهم بتسويتهم بينه وبين عباده في الأحكام في قوله تعالى: ~~(قالوا وهم فيها يختصمون) (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) (إذ نسويكم برب ~~العالمين) (وما أضلنا إلا المجرمون) الشعراء: 96، 97، 98، 99، قيل: أنزلت ~~في القدرية لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى الخلق فسووا بينهم وبين ~~الخالق، وقد قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات: 96 فأضاف ~~الأعمال إلى أنه خلقها كخلقه إياهم فهم المجرمون الذين أنزلت فيهم هذه ~~الآية التي ذكر فيها القدرية فوصفوا بإنكارهم في قوله تعالى: (إن المجرمين ~~في ضلال وسعر) (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) (إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر) القمر: 47، 48، 49 هم المجرمون الذين أضلوا أتباعهم وهم ~~الغاوون الذين كبكبوا في النار مع أشياعهم وقد أحكم الله تعالى تفضيل ما ~~ذكرناه آنفا في خمس آيات محكمات تنظم جمل معاني ما ذكرناه تركنا شرح ذلك ~~وبسطه خشية الإطالة لأنا لم نقصد الإحتجاج في الاستدلال من ذلك قوله تعالى: ~~(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) النحل: 71 يعني: فضل الموالي على ~~العبيد فماالذين فضلوا يعني الموالي برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم ~~فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون، والآية الثانية قوله تعالى: (ضرب لكم مثلا ~~من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سوآء) # PageV01P180 # الروم: 28 أي: فكذلك أنا لا شريك لي من عبيدي فلا تجعلوا لي ما لم أجعل ~~أحد لا خلقي ولا عبيدي عليكم إذ لم أسو بينكم وبين عبيدكم فلا تشركوا عبيدي ~~في حكمي، والثالثة قوله تعالى: ms0234 (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء) النحل: 75 يعني: الإنفاق، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~فجعلهما على وصفين أحدهما بخيل لم يقدره على الإنفاق ثم ذم بالبخل والعجز ~~وهو الذي أعجزه ومنعه وجعل الآخر جوادا إذا قدره وأعطاه الإنفاق ثم مدحه ~~بالجود، وقال في الآية الرابعة: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر ~~على شيء) النحل: 76 هو الحكمة والعلم ثم قال: (هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل) النحل: 76 فجعل له عبدين: أحدهما سفيه جاهل أبكم عن الحكمة ولم ~~يقدره على علم ولم يعطه استقامة ثم ذمه بوصفه ومقته لمنعه وجعل الآخر آمرا ~~بالعدل عن أمره مستقيما على صراطه المستقيم الذي هو عليه وهو أقامه كما ~~قال: (هذا صراط علي مستقيم) فهل يسلك أحد طريقه إلا به وهل يجوز عبد على ~~سبيله إلا بحوله ثم مدحه بإعطائه إياه ووصفه بوصفه ثم علم سبحانه أن للعقل ~~في هذا تشبيها وتمثيلا بخلقه وتجويزا وتظليما من خالقه على قياس العقول، إن ~~من فعل بعبدين له مثل هذا ثم مدح أحدهما وهو أعطاه وأقدره وذم الآخر وهو ~~الذي منعه وأعجزه أنه قد ظلمه فحسم ذلك عزوجل بنهيه # وأحكم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا ~~فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال، فقال سبحانه ~~وتعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) النحل: 74 ~~فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه: (لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون) فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من ~~عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم ~~فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه ~~فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال ~~وهلكوا غدا في المآل. كم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة ~~القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له ms0235 بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من ~~الأفعال، فقال سبحانه وتعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون) النحل: 74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله ~~سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فسلم الراسخون في العلم الأحكام ~~كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة ~~من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من ~~فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل ~~فوقعوا في الضلال وهلكوا غدا في المآل. # وقد روى الضحاك عن ابن عباس تصديق ما ذكرناه قبيل قوله عزوجل: (لها سبعة ~~أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) الحجر: 44 قال ابن عباس: طبق أسفل من طبق ~~سبع دركات على قدر أعمالهم كذلك يقتسمون الدركات بقدرما اجترموا كما اقتسم ~~أهل الجنة الدرجات بالفضائل لكل باب منهم جزء مقسوم يعني نصيبا معلوما ~~مفروضا لكل طبقة سكان، وقال بعض العلماء: تالله ما في الجنة قصر ولا نهر ~~ولا نعيم إلا عليه اسم صاحبه مكتوب واسم ذلك العمل الذي هو جزاؤه مكتوب ~~وكذلك جهنم ما فيها غل ولا قيد ولاشعب ولاعذاب إلا وعليه وصف ذلك العمل ~~الذي هو جزاؤه واسم صاحبه مكتوب، # PageV01P181 # وقال: قد أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه وأدخلهم النار قبل أن يعصوه، وقال ~~بعض العارفين أيضا: الخالق أهون من أن يعصوه عزوجل بما لم يردوا لله أعز من ~~أن يرضيه إلا من أحب لكنه غضب على قوم في العدم فلما أظهرهم استملهم بأعمال ~~أهل الغضب ليحلهم دار الغضب ورضي عن قوم في القدم فلما أظهرهم استعملهم ~~بأعمال أهل الرضا ليحلهم دار الرضا، وقال بعض أهل المعرفة: أظهر الخلق في ~~العدم وأوجدهم سبعا إياهم اقتدارا ثم أظهر لهم أعمالهم وخيرهم الأعمال منه ~~اختيارا فاختار كل عبد منهم عملا بعينه ثم طوى الأعمال فيهم وطواهم في ~~الغيب فلما أظهرهم الآن في الوجود حجبهم بالعقول وأجرى كل عبد منهم اختياره ~~لنفسه فبذلك وقعت الحجة عليهم ms0236 إذا كشف لهم غدا ما حجبه عنهم اليوم وحدثت عن ~~بعض هذه الطائفة قال: كان قد بقي في نفسي شيء من القدر وكنت أستكشفه من ~~العلماء فلا ينكشف حتى قيض الله تعالى لي بعض الأبدال فاستكشفته إياه فقال: ~~ويحك ما تصنع بالاحتجاج نحن يكشف لنا عن سر الملكوت فننظر إلى الطاعات تنزل ~~صورا من السماء حتى تقع على جوارح قوم فتتحرك الجوارح بها وننظر إلى ~~المعاصي صورا مصورة تنزل من السماء فتقع على جوارح قوم فتتحرك بها، قال: ~~فكشف عن قلبي القدر وأوقع لي العلم بمشاهدة القدرة وكنت أنا مرة خاطبت بعض ~~إخواننا في شيء من الاستطاعة مع الفعل لا أنه قبله ولا بعده فتكلمت في ذلك ~~بمذهب المثبتة من أهل الكلام قبل أن يكشف لي بمشاهدة علم اليقين فرأيت في ~~النوم كأن قائلا يقول: القدر من القدرة، والقدرة صفة القادر، فيقع القدر ~~على الحركة ولا يتبين فتظهر الأفعال من الجوارح، أو قال فتتحرك الجوارح ~~بالأفعال ولا تتبين فكيف يتكلم في شيء لا يتبين فجعلت على نفسي أني لا ~~أناظر أحدا منهم بعد ذلك في شيء من هذا الباب، وقد حدثونا عن بعض العابدين ~~قال: صليت من السحر ركعتين ثم غفوت بعدهما فرأيت قصرا عاليا ذا شرف بيض ~~كأنها الكواكب فاستحسنته فقلت لمن هذا القصر؟ قيل لي: هذا ثواب هاتين ~~الركعتين ففرحت فجعلت أطوف حوله فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت فشانه ذلك ~~فاغتممت وقلت: لو كانت هذه الشرافة في أعلاه في هذا الموضع لتم حسن هذا ~~القصر فإن ثلمها قد شانه فقال لي غلام هناك: قد كانت هذه الشرافة في مكانها ~~من القصر إلا أنك التفت في صلاتك فسقطت، وحدثونا عن بعض الزهاد أنه كوشف ~~مقامه من الجنة فرأى الحور العين وقلن نحن أزواجك، فلما خرجت تعلقت بي ~~الحور وقلن: ننشدك الله إلا ماحسنت أعمالك فإنك # PageV01P182 # كلما حسنتها ازددنا لك حسنا وازددت بنا نعيما، وحدثونا عن رابعة العدوية ~~رحمها الله تعالى قالت: سبحت ذات ليلة تسبيحات من السحر ثم ms0237 نمت فرأيت شجرة ~~خضرة نضرة لا توصف عظما وحسنا وإذا عليها ثلاثة أنواع من الثمر لا أعرفه من ~~ثمار الدنيا كثدي الأبكار ثمرة بيضاء وثمرة حمراء وثمرة صفراء، فهن يلمعن ~~كالأقمار والشموس في خلال خضرة الشجرقالت: فاستحسنتها فقلت: لمن هذه؟ فقال ~~لي قائل: هذه لك بتسبيحاتك آنفا، قالت: فجعلت أطوف حولها فإذا تحتها ثمرة ~~منتشرة على الأرض في لون الذهب فقلت: لو كانت هذه الثمرة مع هذه الثمار على ~~هذه الشجرة لكان أحسن فقال لي الشخص: كانت هناك إلا أنك حين سبحت تفكرت هل ~~اختمر العجين أم لا فانتثرت هذه الثمرة فهذه عبرة لأولي الأبصار ومواعظ ~~لأهل التقوى والأذكار. ### | ذكر المقام الثالث من المراقبة # روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو لقيت الله تعالى ~~بعمل سبعين نبيا لخشيت أنك لا تنجو من هول ذلك اليوم، وقال بعض السلف: لو ~~أن العبد كان يجر على وجهه من أول الدنيا إلى قيام الساعة في طاعة الله ~~وعبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل والأهوال، وفي الحديث: ~~معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وإن ألم شعرة من الموت لو وضع على ~~جميع الخلائق لماتوا وإن بين الخلائق وبين الموت وبين دخول الجنة مائة ألف ~~هول كل هول منها يزيد على ألم الموت مائة ألف ضعف لا ينجو العبد من كل هول ~~منها إلا برحمة فيحتاج العبد إلى مائة ألف رحمة تنجيه من تلك الأهوال يكون ~~ذلك العدد من الرحمة مقسوما على مائة ألف حسنة أعطيها من حسناته في الدنيا ~~التي أحسن بها إليه يكون مكانا لظهور الرحمة وطريقا لعطائها غدا حكمة من ~~الحكيم وقسما مدبرا من الرحيم لأن الصالحات طرق الجزاء والحسنات كلها عن ~~الرحمة الواحدة التي سبقت له بها النجاة ثم سقطت في طرقات الأعمال أماكن ~~الثواب فيعطى ذلك ههنا اليوم وهوالعطاء الأول يحسن توفيقه ولطف عنايته ~~ويعطى الجزاء هناك غدا بفضل رحمته وتمام نعمته ذلك تقدير العزيز العليم كما ~~قال تعالى: (هل جزاءالإحسان ms0238 إلا الإحسان) الرحمن: 60 قيل في الخبر: ما جزاء ~~من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة، وقال بعض العلماء: وليس لقول لا إله ~~إلا الله جزاء إلا النظر لوجه الله تعالى والجنة جزاء الأعمال ألم تر أنه ~~لو حرم التوحيد اليوم لحرم الجنة ولو منع الإسلام اليوم لم يغفر الله له ~~أبدا كما قال عز وجل: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) ~~المائدة: 72 وقال: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار ~~فلن يغفر الله لهم) محمد: 34 فهذا مما لاحيلة فيه ولا سبيل إليه، وقد قال: ~~(هو أهل التقوى وأهل المغفرة) المدثر: 56 قيل: هو أهل أن يعطى التقوى ومن ~~أعطاه التقوى فهو أهل أن يعطيه المغفرة # PageV01P183 # كقوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) الفتح: 26 ~~وقال: (واتقوا الله لعلكم ترحمون) الحجرات: 10 وقال: (إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين) الأعراف: 56 وقال سبحانه تماما على الذي أحسن وقال تعالى: ~~(وسنزيد المحسنين) البقرة: 58، إلى قوله ماعلى المحسنين من سبيل، وقال ~~تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) الشورى: 23، فمن كانت أعماله ~~الحسنات فهو من المحسنين ومن كانت أعماله سيئة فهو من المسيئين فاشتقاق ~~الحسنة من الحسن وجزاؤها الحسنى وهي الجنة واشتقاق السيئة من السوء وجزاؤها ~~السوأى وهي النار وقدسبق خلقهما قبل خلق الخلائق وفرغ من نصيب العباد من ~~الجنة والنار وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: أن تعبد ~~الله كأنك تراه، فهذا أول المراقبة لأنها عن غير المشاهدة ترى الرقيب ثم ~~تراقب، وقد خص الله تعالى بالطيبات من الأعمال الطيبين من العمال وابتلى ~~بالخبيثات من الأعمال الخبيثين من العمال وفرغ من ذلك بعلمه وقدره بحكمه ~~وأخفاه بلطفه فقال تعالى: (الخبيثات للخبيثين) النور: 26 قيل الخبيثات من ~~الأفعال والأقوال للخبثين من الرجال، وقال: (الطىبات للطيبين) النور: 26 ~~وقيل: الطيبات من الأعمال والمقال للطيبين من الرجال، ثم أخبر بحسن خاتمة ~~أوليائه وسوء خاتمة أعدائه فقال تعالى: (الذين تتوفاهم ms0239 الملائكة طيبين ~~يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) النحل: 32، قيل: طابت ~~حياتهم فطابت وفاتهم وطابت أعمالهم فطاب الموت لهم، وقال في وصف الظالمين: ~~(الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) النحل: 28 قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا أظلمت حياتهم وأعمالهم فأظلمت قبوررهم ومثواهم فمن ~~شهد ما ذكرناه يقينا دامت مراقبته وحسنت معاملته فاتصلت أوراده وكثر من ~~الخير ازدياده ونفدت مشاهدته لصفاء يقينه ودوام مزيده فكان # ممن ندب الله عز وجل في قوله تعالى: (لمثل هذا فليعمل العاملون) الصافات: ~~61 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول: (يسارعون في الخيرات ~~وهم لها سابقون) المؤمنون: 61 أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون ~~الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالا من الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم ~~يتوهم علينا بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما ~~نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان ~~من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه ~~أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه ~~لأنه حكيم عليم. ندب الله عز وجل في قوله تعالى: (لمثل هذا فليعمل ~~العاملون) الصافات: 61 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول: ~~(يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) المؤمنون: 61 أي يسارعون الموت ~~ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالا من ~~الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم يتوهم علينا بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا ~~شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء، فهو المعطي ~~الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء ~~الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ~~ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم. ### | ذكر المقام الرابع من مراقبة الموقنين # ثم يعلم ms0240 العبد يقينا أنه تنشر له سنوه في الآخرة شهورا وتبسط شهوره أياما ~~وتفترش أيامه ساعات وتكشف ساعاته أنفاسا ثم يسأل عن كل نفس وينشر له بكل ~~فعلة فعلها وإن # PageV01P184 # صغرت ثلاثة دواوين: الأول لم فعلت وهذا مكان الابتلاء بالأحكام فإن سلم ~~له نشر له، الديوان الثاني وهو كيف فعلت وهو موضع المطالبة بصحة العلم فإن ~~صح له هذا نشر عليه، الديوان الثالث وهولمن فعلت وهذا مكان المطالبة في ~~الإخلاص فإن اعتل بكيف أو بلم أو بلمن خيف عليه الهلكة إلا أن يتعطف عليه ~~الكريم المنان بحيث لا يحتسب فيستنقذه ويسمج له وقد قال تعالى: (وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها) الأنبياء: 47 أي جئنا بها أي أحضرناها وقرئت ~~بالمد آتينا بها بمعنى جازينا بها، وقال عزوجل: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره) (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) الزلزال: 7 - 8 وقيل: هذه أحكم آية في ~~كتاب الله عز وجل وهي مجملة مبهمة عامة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا سئل عن شيء لم يوح إليه فيه بشيء يقول: ما عندي فيه إلا هذه الآية ~~الجامعة الفاذة، فمن يعمل مثقال ذرة الآية، ولما تعلم صعصعة جد الفرزدق من ~~أسفل القرآن إلى هذه السوة قال: حسبي حسبي قد عرفت الخير والشر فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: انصرف الرجل فقيها وقيل الذرة قشرة الهباء الذي ~~يظهر في شعاع الشمس مثل رؤس الإبر. # وروي عن ابن عباس أنه قال إذا وضعت كفك على التراب ثم رفعتها فكل شيء ~~تعلق بها من التراب فهو ذرة، وقد قيل أربع ذرات خردلة، وذكر بعض العلماء أن ~~الذرة جزء من ألف جزء من شعيرة، ففي الأعمال مايزن هذا الشبح ومايثقل به ~~هذا الخفاء، فلذلك أخبر به الخبير وحذر منه الرؤوف وفي معنى ما ذكرنا آنفا ~~من حسب أنه يدخل الجنة بعمل فهو متعن ومن حسب أنه يدخلها بغير عمل فهو متمن ~~يعني أنه ينبغي أن يعمل ما عليه ولا ينظر إليه ms0241 ثم يتوكل في ذلك على الله ~~عزوجل ويرجو قبوله بكرمه ويخاف رده بعدله ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى ~~عباده الصابرين له المتوكلين في أعمالهم عليه فأنعم أجرهم فقال: (نعم أجر ~~العاملين) (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) العنكبوت: 58 - 59 فالمزيد في ~~الجنة بفضل الله ورحمته هو تأبيد جزاء المعاملة الموهوبة اليوم ودوام خلود ~~العامل في تأبيد جزائه ألم تسمع قوله تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا) الشورى: 23 مع قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) إلى قوله: (فأولئك ~~لهم جزاء الضعف بما عملوا) سبأ: 37 ومثله (ولكل درجات مما عملوا) الأنعام: ~~132 ونحوه: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة) ~~القصص: 54 أي وبما يدرؤون بالحسنة الحديثة السيئة القديمة فلما استعملهم في ~~الدنيا بعملين بالصبر وبدرء السيئة الماضية بالحسنة المستأنفة أعطاهم في ~~الآخرة أجرين، وهذا من الكلام المحذوف الموجز فمحذوفه وبما يدرأون أي وبما ~~يدفعون أيضا فلما حذفت بما أشكل الكلام فأشبهت # PageV01P185 # الواو واو النسق ومؤخره السيئة والمعنى يدفعون السيئة التي تقدمت منهم ~~بالحسنة التي يعملونها بعدها فتكون الحسنة المستقبلة رافعة لعقاب السيئة ~~الفارطة منهم ومن أحسن الصبر: الصبرعلى المصيبة ومن أحسن الحسنات: التوبة ~~النصوح بعد ماسلف من الذنوب والفضوح فكأنهم قد عملوا عملين صبروا عن الشهوة ~~ودفعوا بالتوبة ما سلف من السيئة فأعطاهم أجرين لما استعملهم بعملين إذ لا ~~صبر إلا به ولا توبة لهم إلا منه كما قال تعالى: (وما صبرك إلا بالله) ~~النحل: 127 وقال: (توبة من الله) النساء: 92 وليس من العبد أو إليه فيما من ~~الله وإلا كان مشركا في اسم أول، ومن أحسن الحسنات مراقبة الرقيب عند خطرات ~~القلوب ومن أفضل القربات محاسبة النفس للحسيب واستجابتها بطاعة الحبيب ~~وكذلك حكمته في مزيد أهل النار ودركات بعضهم على بعض في العتو والفساد فقال ~~تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) النساء: 167 زدناهم عذابا فوق ~~العذاب أي زدناهم عذابا فوق عذاب الذين كفروا ولم يصدوا عن سبيل الله ~~وبمعناه قوله تعالى: ms0242 (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا) النساء: 168 فلم يغفر لهم بكفرهم ولم ينور لهم طريق الهداية ~~بظلمهم، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الظلم ظلمات يوم القيامة ~~ومثل ذلك قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج: 10 فصار عليهم عذابان: عذاب جهنم ~~بما لم يتوبوا وعذاب الحريق بما فتنوا المؤمنين، ومثله قوله تعالى: (فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة: 55 أي يريد أن يعذبهم بها في الدنيا ~~ويريد أيضا أن تزهق أنفسهم على الكفر ليعذبهم بها في الآخرة وهذا نص صريح: ~~إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر لأن تزهق انتصب بالعطف على يريد الأول ~~والواو فيه للجمع وقد قيل إن في هذه الآية تقديما وتأخيرا فيكون المعنى: ~~ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم في الآخرة ~~فأراد أن يجمع العذابين عليهم في جهنم: أحدهما الأموال والأولاد، والثاني ~~لإرادته تعالى أن تخرج نفوسهم على الكفر فمن لا مال له ولا ولد له منهم كان ~~عليه عذاب واحد في جهنم لأجل قوله تعالى: بها أي بسببها، وهذا مواصل للخبر ~~الذي جاء أن # فقراء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي ~~كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء ~~بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك. اء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم ~~بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من ~~المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك. # وفي الخبر أيضا وتدخل المرضى إلى الجنة قبل الأصحاء بأربعين خريفا ويدخل ~~المقتول في سبيل الله مقبلا قبل المقتول في الله مدبرا بأربعين خريفا وتدخل ~~المماليك قبل الموالي بأربعين خريفا ويدخل سليمان بن داود الجنة بعد ~~الأنبياء بأربعين خريفا # PageV01P186 # لمكان ملكه فالحسرة العظمى والفوات الأكبر الذي ms0243 لا درك له وهو تأبيد ~~حرمان ما أعطي غيرك من المزيد هناك لفوت أوقاتك في الدنيا ههنا ثم درك ذلك ~~بأوقاته العامرة ههنا تأبيد مزيد جزائه ثم وهذا هو التغابن؛ غبن العاملون ~~البطالين وغبن السابقون المخلفين وغبن المسارعون المثبطين ثم خلود العبد ~~البطال المغبون في الدنيا في تأبيد حرمان مزيد الغابن العامل ومن هذا قوله ~~صلى الله عليه وسلم: ما من ساعة تأتي على ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها ~~إلا كانت عليه حسرة وان دخل الجنة، وفي لفظ آخر، وهو أشد إلا كانت عليه ترة ~~يوم القيامة أي مطالبة ومؤاخذة، فالحسرة في الجنة بعد دخولها والظفر ~~بنعيمها هو ما ذكرناه من حرمان مزيد العاملين فيها ثم دوام الحرمان مؤبد ~~بها وهو كون العبد في نقصان درجة غيره ثم هو مخلد في النقصان سرمدا ومع ذلك ~~فلا يؤبه له ولا يفطن به كيلا ينقص عليه نعيمه والطرفة والنفس إذا خلتا من ~~اليقظة والذكر فيهما بمنزلة الساعة الخالية إلا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص على الساعة ولم يذكر ما دونها لأن اسم الساعة أقل الزمان المستعمل ~~عند العرب ليواطىء بقوله قول الله سبحانه وتعالى: (فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الأعراف: 34 ومعلوم أنه إذا جاء الأجل لا ~~يستأخرون نفسا ولا طرفة عين وكذلك لا يستقدمون طرفة ولانفسا، فذكرت الساعة ~~دون ما نقص منها لئلا يخرج الكلام عن حد استعمالهم وعرفهم وليستدل بها على ~~ما دونها في القلة من النفس والطرفة، وكذلك دل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بنصه على الساعة على ما دونها لأن حكمته من حكمة مولاه وكلامه على ~~معاني كلامه وقد دخلت الساعة فما دونهافي الأيام التي قال الله تعالى: ~~(كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) الحاقة: 24 قيل: هي ~~والله أيامكم هذه وستخلو فأشغلوها بالأعمال الصالحة قبل خلوها منكم ~~وانقضائها عنكم، وكان الحسن يقول: يا ابن آدم إنما أنت مراحل كلما مضى منك ~~يوم أو ليلة قطعت مرحلة فإذا ms0244 فنيت المراحل بلغت المنزل إلى الجنة أو النار، ~~فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا، وكما قال بعض الحكماء: مثل العبد في عمره ~~مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد كذلك العبد يدنو من الآخرة وهو غافل ويقال: ~~إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعة ~~وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيما ولذة وعطاء وجزاء لما كان أودع خزانته ~~من ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسره ذلك ويغتبط به، فإذا مرت به في ~~الدنيا ساعة لم يذكر الله تعالى فيها رآها في الآخرة خزائن فرغا لا عطاء ~~فيها ولا جزاء عليها فيسوءه ذلك ويتحسر كيف فاته أن لم يدخر فيها شيئا فيرى ~~جزاءه مدخرا ثم يلقى في نفسه الرضا والسكون فلو لم يتحسر العبد إلا على فوت ~~الفضائل والمندوب إليه من الخيرات لكان في فوت المسابقة والمسارعة حسرات ~~فكيف بمن فاته أوقاته في السيئات وفرطت منه في الخسارات ولو لم يشتغل العبد ~~في عمره إلا بالحلال # PageV01P187 # والمباحات لكان ذلك نقصانا من الدرجات له فكيف بمن شغل بالمحظورات؟ ~~فسبحان الله ما أعظم الخطر وأصعب الأمر وأقل المشاهدين لذلك وأغفل ~~البطالين، وقد قال بعض العلماء: هب أن المسيء قد غفر له، أليس قد فاته ثواب ~~المحسنين، وقد جاء في الأثر أن بعض أهل الجنة بيناهم في نعيم إذ سطع لهم ~~نور من فوقهم أضاءت منه منازلهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فنظروا إلى ~~رجال من فوقهم أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء قد ~~فضلوا عليهم في الأنوار والنعيم والجمال كما فضل القمر على سائر الكواكب ~~فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء حيث شاؤوا ويتزاورون ~~بعضهم بعضا يزورون ذا الجلال والإكرام فينادون هؤلاء: يا إخواننا ما ~~أنصفتمونا، كنا نصلي كماتصلون ونصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به ~~علينا؟ قال: فإذا النداء من الله عز وجل إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ~~ويعطشون # حين تروون ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ~~ويخافون ms0245 حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم، فذلك قوله تعالى: (فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا بعملون) السجدة: 17، وقد جاء ~~في الخبر: أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب. ن تروون ويعرون حين ~~تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك ~~فضلواعليكم اليوم، فذلك قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا بعملون) السجدة: 17، وقد جاء في الخبر: أكثر أهل الجنة ~~البله وعليون لذوي الألباب. ### | ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين # قال الله تعالى مخوفا للكافة: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت) ثم أجابه فقال: كلا وحقق قوله تعالى فقال: ~~(إنها كلمة هو قائلها) المؤمنون: 100 ثم نهى المؤمنين نهيا صريحا عن مثل ~~هذه الحال وأخبر بنقصان من فعل ذلك فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) المنافقون: 9 أي لا تشغلكم عن الطاعة ~~الله تعالى ثم قال: (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) المنافقون: 17 أي ~~المغبونون المنقوصون في الآخرة لأنهم آثروا المال والولد على الخالق الرازق ~~ثم أمر بالإنفاق مما رزق وقرنه بالإيمان وأخبر أنه استخلفنا في ملكه ~~اختبارا لنا فقال: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ~~الحديد: 7 فيه فسمع الغافلون نصف الكلام فآمنوا ولم ينفقواوعقل العاملون كل ~~الكلام فآمنوا وأنفقوا ومايعقلها إلا العالمون، وقال سبحانه: (وأنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين) المنافقون: 10 أي بالأعمال وكان ابن عباس يقول: ~~هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد لأنه لا يتمنى التأخير والرجوع إلى ~~الدنيا أحد له عند الله خير في الآخرة، # PageV01P188 # ومثل هذا قوله سبحانه: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) ~~الزمر: 56 الحسرة هي أعظم الندامة وهي اسم لفوت شيء لا تدارك فيه فرطت أي ~~ضيعت ms0246 وونيت وفرط مني أي ذهب وفات وجنب الله قيل: على ما فاتني من الجزاء ~~منه في الآخرة وقيل: ما فات من النصيب في أيام الدنيا إلى قوله أو تقول حين ~~ترى العذاب: (لو أن لي كرة) الزمر: 58 يعني إلى الدنيا عودة أخرى (فأكون من ~~المحسنين) الزمر: 58، وقوله أن تقول نفس من الكلام المضمر المعطوف ومضمره ~~من قبل أن تقول أو خشية أن تقول ومعطوفه هو قوله: (وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له) الزمر: 54، أي اقبلوا إليه وتوبوا واستسلموا وسلموا قلوبكم ~~ونفوسكم وأموالكم في طاعته وعبادته (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) ~~الزمر: 55، أي اتبعوا العزائم من الأمور والفواضل من الأعمال فهو أحسن من ~~الرخص والمباحات مثل الزهد والورع والخوف والإيقان فهذا من أحسن ما أنزل ~~إلينا من ربنا ثم قال تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله) الزمر: 56، فلما طال الكلام وأضمر معطوفه وبعد عاطفه للاختصار أشكل ~~فهمه، وفي القرآن ما هو أشد اختصارا وأبعد من هذا إضمارا كقوله تعالى: (فما ~~يكذبك بعد بالدين) التين: 7، المعنى: فما الذي يحملك على التكذيب أيها ~~الإنسان الذي خلقناه في أحسن تقويم بعد هذا البيان والبرهان بالدين ~~بالغائبات والكائنات من أمور الدين والحسنات والجزاء ثم أحكم ذلك برده إليه ~~فقال: (أليس الله بأحكم الحاكمين) التين: 8 وكذلك قوله: (ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا) القصص: 77، المعنى: لا تترك أن تعمل في الدنيا بأيامك هذه فتدرك ~~نصيبك غدا من الآخرة في الدنيا فإنك لا تدكه إلا فيها ثم أحكمه بقوله: ~~(وأحسن كما أحسن الله إليك) القصص: 77، أي أحسن إلى نفسك وإلى إخوانك ~~الفقراء كالذي أحسن إليك به من المال والغنى، فبذلك تدرك نصيبك من الدنيا ~~في الآخرة، ثم أخبر الله سبحانه الكل وحذرهم فقال: (حتى إذا جاءتهم الساعة ~~بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) الأنعام: 31، أي: يا ندامتنا على ~~ما ضيعنا في الدنيا وفاتنا في الآخرة، وفي الخبر: لا يموت أحد إلا بحسرة ~~وندامة إن كان مسيئا كيف ms0247 لم يحسن وإن كان محسنا كيف لم يزدد وذلك أن الله ~~تعالى جعل أهل السلامة والنجاة طبقتين بعضهم أعلى من بعض وجعل أهل الهلكة ~~طبقة واحدة بعضهم أسفل من بعض فكان صاحب الشمال يتحسر كيف لم يكن من أصحاب ~~اليمين لقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) (إلا أصحاب اليمين) المدثر: ~~38 - 39 وصاحب اليمين يتحسر كيف لم يكن من المقربين # والصالح من المقربين يتمنى أن يكون من الشهداء والشهيد يود أنه من ~~الصديقين فهو يوم الحسرة الذي أنذر به أهل الغفلة فكيف بهم في ذلك اليوم ~~إذا كانوا اليوم أمواتا ولم يكن له حسنة فإني لهم النذارة والتذكرة كما ~~قال: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة) مريم: 93، وقد قال: ~~(لينذر من كان حيا) يس: 07، كما قال: ( # PageV01P189 # إنما أنت منذر من يخشاها) النازعات: 54 (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب) ، وقال تعالى: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق: 22، ~~يعني إلى ماقدمت وقيل حديد إلى لسان الميزان تخاف النقصان وقال تعالى: ~~(وجاءت سكرة الموت بالحق) ق: 91 قيل بالسابقة لهم وعليهم فهو الحق سبقت لهم ~~منا الحسنى حقت عليهم كلمة ربك لايؤمنون وسقط ما دونها وقد قيل إنما يوزن ~~من الأعمال خواتيمها والخواتم من السوابق وما بينهما زاهق والوزن يومئذ ~~الحق ما سبق من العدل والصدق وتمت كلمة ربك صدقا لأوليائه وعدلا على أعدائه ~~ألا له الخلق والأمر. ### | ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين # الخيرات هي من ثمرات الإيمان، والصالحات هي مقتضى اليقين، واللعب مقتضى ~~الشك، والسمع والبصر وصفان للمتقين، والعمى والصمم وصفان للشك، تنتظم هذه ~~المعاني في قول الله تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) ~~البقرة: 93فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر والتقوى وقوله تعالى مخبرا ~~عمن أيقن فسمع وأبصر فينال العمل الصالح: (ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون) السجدة: 12قوله تعالى في وصف اللاعبين: (بل هم في شك ~~يلعبون) الدخان: 9، ثم ذكر حالهم لعدم اليقين فقال تعالى: (ما ms0248 كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) هود: 20 لأنهم لم يكونوا موقنين، فلما ~~جاءهم اليقين وهو المعاينة أبصروا وسمعوا فقالوا: وكنا نكذب بيوم الدين حتى ~~أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع والبصر حينئذ لما أيقنوا فقال عز وجل: ~~(أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) مريم: 38أي ما أسمعهم وأبصرهم اليوم لما ~~جاؤونا فرأوا ما عندنا وهذا للمبالغة في الوصف كما تقول: أكرم وأعظم به أي: ~~ما أكرمه وأعظمه، فكذلك إذا أتيته اليوم وأنت موقن سمعت مالم تسمع وأبصرت ~~ما لم تر قبل ذلك ولكن شغلتك الأزواج التي خلق والأشكال والأشباه التي أظهر ~~فتألهت إليها ووقفت معها ولو فررت منها إلى الله تعالى لفررت إلى خير مفر ~~ولأواك عنده في أحسن مقر وقد أمرك بالفرار منها إليه لو قبلت ونهاك عن ~~التأله إليها لو سمعت وبين لك النذارة لو فهمت وجعل ما خلق من الأزواج ~~تذكرة به ولو عرفت ورادة إليه لو أنك للذكر اتبعت ومشوقة إليه لوكنت لقربه ~~أحببت أما سمعته يقول: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 49 ~~أي مثلين وشكلين لكي تذكروا الله بها وتشتاقوا إليه منها ثم قال: (ففروا ~~إلى الله) الذاريات: 50 أي عنها بالزهد ثم قال: (ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر) الذاريات: 51 أي لا تؤلهوا معه إلها ولا تشركوا بتألهكم إليه إياها ~~فهذا فهم المقربين عن سمعهم بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له ~~كما قال: إنما يستجيب الذين يسمعون وقال: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله) الشورى: 26 ولكن # PageV01P190 # كيف يسمع من ينادي من مكان بعيد وكيف يبصر من القفل على قلبه عتيد وكيف ~~يستجيب من لا يسمع وكيف يشهد من لا يبصر وقد قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: حبك للشيء يعمي ويصم، فالهوى يعمي عن الحق والشهوة تصم عن النصح ~~والصدق، وكذلك لو أحببته لنظرت إليه ولو نظرت إليه لعميت عمن سواه ولو ~~أقبلت عليه لاستمعت إليه ولو سمعت لصممت عن غيره ولو أحبك لكان سمعك وبصرك ~~وقلبك ms0249 ويدك وناصرك ومؤيدك تدعوه فيجيبك وتسأله فيعطيك وتنصح له فينصح لك، ~~كذلك جاء الخبر بذلك فشغلك به عنك وفرغك له منك فكيف تسمع عنه وتنظر إليه ~~وتتقلب عنده وتتحرك به لا بنفسك وهواك ولا بشهوتك ودنياك فهذا وصف حبيب عن ~~تقلب حبيب وخبر محبوب عن تثبيت محبوب فإذا تيقن العبد يقين عين لا يقين ظن ~~وسمع بما ذكرناه من سرعة فوت الوقت وفوت دركه شغله الغم والحزن على مافات ~~عن مثل ما سلف مما ندم عليه في مستقبل الأوقات فلم يضم إلى الفوت الأول ~~فوتا ثانيا لحزنه وندمه عليه فكيف يردفه في الحال بما يشبه ما ندم عليه من ~~سوء الأعمال وما لا يحمد عاقبته ولا يغتبط به في المال، فمثل العبد المتيقظ ~~في آخر غفلته مثل عبد كان عليه عمل لا بد أن يعمله في يومه ذلك إلا أنه لهي ~~عنه لغفلة ملهية أو نومة منسية فلم يفق لعمله ذلك الذي لا بد منه إلا بعد ~~العصر فلا يسأل عن حرصه وانكماشه وتشهيره وبداره في بقية نهاره ليدرك به ما ~~فاته من أول النهار فهو يود أن وقته ذلك إلى الليل مد له أضعافه أو رد إلى ~~أول النهار ليدرك ما فاته فهذا حال التائب المتيقظ من رقدته وهذا لا يستبين ~~له إلا بعد الموت لمعاينة تقضي الأوقات ولليقين بعدم درك مافات، فهناك وقعت ~~الندامة الكبرى وحينئذ حلت الحسرة العظمى، فالحزم عند العقلاء الموقنين هو ~~الانكماش والتشمير فيما بقي من العمر القصير لأن الاشتغال بما فات في وقت ~~درك مثله في المستقبل هو إضاعة ثانية لما هو آت، فحرص هذا المتيقظ واجتهاده # أن يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته ~~التي هي خزائن أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على ~~فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول ~~البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ~~ما فرط منه ms0250 من الغفلة في القديم، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن ~~يكن الأمر صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من ~~صعوبته وإن كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل ~~مقامات. يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ~~ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر ~~على فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في ~~طول البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث ~~الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم، فهذا هو الحزم والاحتياط عند ~~العلماء فإن يكن الأمر صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله ~~تعالى من صعوبته وإن كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات ~~والفضائل مقامات. ### | ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين # اعلم أن ما ذكرناه من تدارك الأوقات خوف فوتها ليس هو بتمني مكان دون ~~مكان ولا هو بانتظار وقت ثان الذي هو في الأصل فكر الوقت الذي هو فيه ولا ~~توقع حال # PageV01P191 # سوى الحال الذي هو يليه إنما هو صوم يوم أو قيام ليلة أو ذكر في ساعة أو ~~جمع هم عن شتات قلب أو قطع لأثر في خطر ويكون ذلك أيضا غض طرفه وصون سمعه ~~وكف يده وحبس قدمه وصمتا عن كلمة دنية وترك لقمة شهية ونقصانا من قوت ~~وزيادة جوع للمقيت وأمرا بكلمة رشيدة ونهيا عن فعلة دنية وعقد نية حميدة ~~وحل نية ذميمة وتجديد توبة وإعمال قلب في فكرة وإخراج سوء ظن واعتقاد حسن ~~ظن واستقامة وصحة عزم في قصد وتسببا إلى ما يقوي العزم ومعونة على بر ~~وتقوى؛ وهذا كله يكون في الوقت ويحدثه في الحال لا يسوف به ولا ينتظر منه ~~ولا يتوقعه في وقت ثان ولا يؤخر إلى زمان دون وقته ولا يتربص به في مكان ~~دون مكان فهذا هو التدارك للأوقات في وقتك ms0251 الذي أنت فيه خشية فوت الوقت ~~فيحصل على التسويف والتمني أو في الانتظار والتراخي؛ فهذه من جنود إبليس ~~يقطع بها المريدين وهو مقام المغترين وأحوال البطالين الذين وكلوا إلى ~~أنفسهم وتركوا مع هواهم ولم يتداركوا في أحوالهم ولم يقدموا لغدهم نسوا ~~الله فنسيهم والوقت إذا انقضى فقد، ولم يوجد إلى يوم القضاء والساعة إذا ~~مرت طويت فلم تنشر إلى يوم النشور وإنما ينشر مثلها ويخلق شبهها فإذا أيقن ~~العقد علم أن عمره كله يوم وأن يومه كله ساعة وأن ساعته كلها وقته الآن وأن ~~وقته حاله وأن حاله قلبه فأخذ من حاله لقلبه ما يقربه إلى مقلبه بنهاية ~~عمله، فعمل أفضل ما دل علمه عليه وما ندبه مولاه إليه ومما يجب أن يفجأه ~~عليه فيكون ذلك خاتمة عمله الذي يلقى مولاه به ثم أخذ من وقته لحاله ما ~~يصلح حاله لقلبه ويقوي قلبه ويخلصه لربه وأخذ من ساعته لوقته ما يزين به ~~حاله عند ربه وأخذ من يومه لساعته صلاحه فيها وحاجته إليها وأخذ من شهره ~~ليومه فكان شهره يومه وكان يومه ساعته فشغله وقته عن ساعته وشغله حاله عن ~~وقته فكان على هذا مراعيا لوقته محافظا على حاله قائما على نفسه جامعا لهمه ~~محصيا لأنفاسه مراقبا لرقيبه مجالسا لحبيبه لا يخرج عنه نفس في أدنى وقت ~~إلافي ذكر لمذكور أو شكر على نعمة لمنعم أو صبر في محبة عتيدة أو رضا عند ~~شدة شديدة ويكون في ذلك كله ناظرا إلى الرقيب مصغيا إلى القريب سائحا إلى ~~الحبيب لا ينظر إلا إليه ولا يعكف إلا عليه وقد جعل العمر يوما واليوم ساعة ~~والساعة وقتا والوقت حالا والحال نفسا والنفس مراقبة والمراقبة مواجهة ~~فتوجه في وجهته فلم ينثن وساح في قربه فلم ين فكان من الإيمان على مزيد ومن ~~اليقين في تجديد وأعطي من الحياة الطيبة بغير حساب وكشف له عن قلبه الحجاب ~~فكانت المعرفة مقامه وقصرت عليه أيامه فكان وقته وقتا واحدا لواحد وكان ~~قلبه واحدا لواحد وهمه منفردا لمنفرد، ms0252 وهذا حال الأبدال الذين هم من الرسل ~~أمثال، وعددهم في الموقنين قليل ونصيبهم من اليقين وافر جليل، وهم المقربون ~~والصديقون ومن علم ما ذكرناه على يقين فهو من # PageV01P192 # الصالحين ومن آمن به ولم يشك فيه لأهله إيمان تصديق فهو من الموقنين ومن ~~شهد منه شهادة يكون له منها مطالعات وزيادة فهو من الشاهدين وجميع ماذكرناه ~~من مراقبة المؤمنين وشهادة المقربين يدرك بأحد مقامين: من أقيم في أحدهما ~~جمع له ذلك استقامة في توبة وعمل بعلم فمن كان مقامه التوبة وحاله ~~الاستقامة رفع إلى شهادة المحبين ومن كان مقامه العلم وحاله العمل بعلمه ~~تحقق بنعت الخائفين وهما حالا العارف الدائم الوجد بقرب القائم بالشهادة ~~بحضور الشهيد فأنفاسه وطرفاته صالحات وتصرفاته وآثاره حسنات وأفكاره ~~وأذكاره مشاهدات فهو حاضر في تصريفه متيقظ في تقلبه وبهذا وصف العارف ~~والدائم الوجد وحدثت عن بعض هذه الطائفة أنه دخل على بعض المنقطعين إلى ~~الله تعالى من أهل المراقبة فقال له: أحصيت من نعم الله تعالى علي في نوع ~~واحد أربعة وعشرين ألف نعمة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: حسبت أنفاسي في اليوم ~~والليلة فوجدتها أربعة وعشرين ألف نفس، ويقال: أن الطرفات ضعف ذلك لأن كل ~~نفس طرفتان وسمعت أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الأنبياء كيف تؤدي شكر نعمتي ~~عليك ولي في كل شعرة نعمتان إن لينت أصلها وإن طمنت رأسها، وقال بعض ~~العلماء: روي ذلك أيضا عن علي عليه السلام: ليس # شيء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد، قال: ولا يعرف مقدار ~~مابقي من عمره إلا نبي أو صديق. يء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من ~~عمر العبد، قال: ولا يعرف مقدار مابقي من عمره إلا نبي أو صديق. # وقال بعضهم: لا يعرف قدر ما بقي من عمره في العزة إلا من عرف ينبوع ~~الكبريت الأحمر فإنه يقال: إنه عيون تنبع في الظلمات لا يعرفها إلا الأبدال ~~والكبريت الأحمر هو كيمياء الذهب الذي يعمل منه الذهب الخالص واذا ألقى ms0253 منه ~~اليسير على كيمياء الذهب المستعمل ثبت على حاله وإلا استحال وتغير بعد سنين ~~ولا أعلم ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الكبريت الأحمر إلا في حديث علي ~~عليه السلام الذي وصف فيه الأبدال فذكر عدتهم ونعمتهم وقال في آخر وصفهم: ~~هم في أمتي أعز من الكبريت الأحمر ولا ذكر الذهب الإبريز إلا في حديث ~~الابتلاء، إن الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ~~فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ومنهم من يخرج أسود محترقا ومنهم من يخرج بين ~~ذلك. # PageV01P193 ### | الفصل التاسع والعشرون # ذكر أهل المقامات من المقربين ### | وتمييز أهل الغفلة المبعدين # فإذا كان العبد يوصف ما ذكرنا كان كما قال الله تعالى: (والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون) (والذين هم بشهاداتهم قائمون) المعارج32 - 33 وقال ~~بعض العارفين: عمر العبد أمانة الله تعالى عنده يسأله عند موته، فإن كان ~~فرط فيه ضيع أمانة الله تعالى وترك عهده، وإن راعى أوقاته فلم تخرج ساعة ~~إلا في طاعة الله حفظ أمانته ووفى بعهده فله الوفاء من الله على الوفاء، ~~كما قال سبحانه وتعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) البقرة: ~~40 أي في تضييع العهد وفي ترك الوفاء وكما قال تعالى: (أفمن كان على بينة ~~من ربه ويتلوه شاهد منه) هود: 17أي شهد مقام الله تعالى منه بالبيان فقام ~~بشهادة الإيقان فليس هذا كمن زين له سوء عمله واتبع هواه فآثره على طاعة ~~مولاه بل هذا قائم بشهادته متبع لشهيده مستقيم على محبة معبوده وكان كمن ~~وصف في قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه) وكمن مدحه بحقيقة الإيمان في قوله تعالى: ~~(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) الأنفال: 2 أي علامته ودلائله (وعلى ~~ربهم يتوكلون) أي به يثقون وإليه ينظرون وعليه في كل حال يعتمدون ولديه من ~~كل شيء يطمئنون وعنده دون كل شيء يوجدون ثم قال سبحانه: (أولئك هم المؤمنون ~~حقا لهم درجات عند ربهم) الأنفال: 4 الآية، وليس أهل ms0254 الحقائق من المتوكلين ~~الذين مدحهم الحق بالحق وأعد لهم الدرجات العلى، والكريم من الرزق كمن ذكره ~~بعدهم فقال: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين ~~لهم مع قوله ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، فجعل حال هؤلاء وصفا ~~مشبها لمقام أعدائه لما بقي عليهم من أهوائهم وجعل مقام الصالحين بمعنى من ~~وصفهم في الآية بحقيقة زهدهم فقال تعالى: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ~~فأولئك لهم الدرجات العلى) طه75 فهو العلي وأحباؤه الأعلون وإنما كانو ~~أعلين لأن الأعلى معهم وكنا نحن الأدنين لأن الدنيا عندنا، قال الله سبحانه ~~في وصف من أعرض عن ذكره ولم يرد إلا الحياة الدنيا إذا أمر الحبيب بالإعراض ~~عنه لأنه طلب # PageV01P194 # الأدنى عاجلا أو سوف بالمغفرة آجلا لقوة جهله وضعف يقينه فقال تعالى: ~~(يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) الاعراف: 169 وقال: (فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) النجم: 29، وقال في وصف ~~الصادقين المؤمنين: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الأحزاب: 23 وقال في ~~نعت غيرهم: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) الصف: 2، كبر ~~مقتا عند الله فشتان بين من وصف بصدق العهد وبين من ذكر بالخلف وعرض للمقت، ~~وقال في وصف طائفة: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين) سبأ: 20فخص أولياءه بترك أتباعه وأدخل بعض المؤمنين في تصديق ظنه ~~واتباعه إلا فريقا فهم الصديقون والشهداء ولاصالحون وحسن أولئك رفيقا وهم ~~المتوكلون المؤمنون حقا الذين قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون وليس من باع ماله ونفسه محبة لمولاه كمن لم يسأله مولاه دون ~~نفسه لئلا يحفيه فيخرج ضغنه عليه كما قال لطائفة من المؤمنين: (يؤتكم ~~أجوركم ولا يسألكم أموالكم) محمد: 36، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم الأحفاء الاستقصاء أي سألكم سأل الجملة كلها وأحب منكم الزهد في ~~نفوسكم بعدها؛ والأضغان جمع ضغن وهو الحقد تقول: فلستم في مكان سؤال إذ لا ms0255 ~~يكون البخيل زاهدا لأن أول الزهد الجود، فمن لم يجد لم يزهد ومن لم يزهد في ~~الدنيا لم يحبه المولى لأنه محب لما يبغض ومريد لما لا يحب فلم يعامل مولاه ~~بأخلاقه ولم يوافقه في مرضاته فباعده وحجبه عن مشاهدة أوصافه كما قال ~~تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) الأنفال: 67، وكما قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: المبلغ عن المآل إذا أردت أن يحبك الله فازهد ~~في الدنيا ولا تقدر أن تصف حشو قلوب هذه # الطائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم ~~أضغانهم لأنهم من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن ~~الله كان بعباده بصيرا إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن ~~يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل ~~سأل الكلية وهو المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه ~~فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض ~~الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ~~ملكا كان الجواد عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله ~~سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا ~~يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى ~~نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه. طائفة من ~~المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم ~~من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه ~~يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل ~~الكلية وهو المال والنفس إلا ms0256 أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى ~~لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض ~~الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ~~ملكا كان الجواد عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله ~~سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا ~~يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى ~~نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه. # وهذه علامة المحبة الخالصة التي لاشرك فيها لسواه ولا دخل عليها من غيره ~~إياه # PageV01P195 # ولا يصلح أيضا أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجل عن الوصف ~~ومقامهم يجاوز علوم العقل والوقت، إلا أن الله تعالى أحكم ذلك بقوله عز ~~وجل: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) الزخرف: 17وبقوله: (تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام) الأحزاب: 44 مع قوله: (ولكم فيها ما تدعون) (نزلا من غفور ~~رحيم) فصلت31 - 32 وقوله: (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان) الواقعة: ~~88 - 89، وأحكم ذلك بقوله تعالى: (وهو وليهم بما كانوا يعملون) الأنعام: ~~127وبقوله تعالى: (هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون) آل عمران: 163 ~~ففيه وصف لأهل الولايات والحب ومدح لأهل الدرجات والقرب بقوله: بصير بما ~~يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده، ولقوله: وليهم بما كانوا يعملون بما ~~تولاهم به قربهم منه وفيه أيضا ذم المنافقين على القراءة الأخرى والله بصير ~~بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ لم تكن أعمالكم ~~كأعمالهم فهذا كما قال: (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم ~~فتحا قريبا) الفتح: 18 ثم قال في وصف قلوبنا: (والله يعلم ما في قلوبكم ~~وكان الله عليما حليما) الأحزاب: 15 ثم قال في فصل من القول: ليس بهزل سوى ~~بين هؤلاء وهؤلاء: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم ms0257 خيرا) ثم قال في ضد ~~أولئك كلاما فاصلا لمفصل مفسر للمجمل: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون) الأنفال23 أي ليس لهم فيه شيء ولا لهم منه نصيب ~~لأنه لم يجعل عندهم مكانا لخير فيوجد فيه خيرا فكان هذا فصل الخطاب وبلاغا ~~لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال: (أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا) الرعد: 13. # فأيس المؤمنون من هداية هؤلاء فلم يرجو منهم مجاهدة فيه أبدا لأن الله ~~تعالى لا يهدي من يضل وقيل ييأس لغة بمعنى يعلم أي فقد علموا مما أعلمهم ~~الله تعالى، ويشهد لهذا المعنى الحرف الآخر لأنه بمعناه أفلم يتبين الذين ~~آمنوا فبين لهم بما بين المبين فسلموا له وأقبلوا عليه وأعرضوا عنهم فسلموا ~~منهم فكذلك قال الولي الحميد، وكذلك تولى بعض الظالمين بعضا وقال: (تشابهت ~~قلوبهم) البقرة: 118، فيتبعون ما تشابه منه فكم بين من ثبت قلبه فرسخ العلم ~~فيه وبين من أزاغه فمال إلى فتنة التأويل يبتغيه وشتان بين من تولاه بنفسه ~~إذ صلح له وبين من ولاه إذا أعرض عنه فهذه مقامات المبعدين كما تلك مقامات ~~المقربين فقد دخلوا تحت حكمين لم يخرجوا منهما أعلاهم دخل تحت فضله وأدناهم ~~لم يخرج من عدله وقد أجمل سبحانه وصفهم بقوله: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من فضله) الروم: 45 وقال في ذكر العموم: (ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط) يونس: 4، بالقسط فخص أولياءه بالفضل وعم خلقه ~~بالعدل، فكم من قلب لا يشهد إلا الله ولا يسمع إلا منه ولا إليه والله هو ~~الأغلب على همه والأقرب إلى قلبه وبين قلب حشوه الخلق وهمه الرزق لا ينظر ~~إلا إليهم ولا يطمع إلا # PageV01P196 # فيهم ولا ينظر إلا هم الخلق أغلب شيء عليه والخلق أقرب شيء إليه، فهذا من ~~المبعدين بهم لأن البعد صفتهم وظهور النفس عليه وتحكم سلطانها فيه مكان ~~البعد الذي يوجد البعد معه والأول من المقربين به لأن القرب صفته وخنوس ~~نفسه عنه وتسخيرها له مكان ms0258 القرب الذي يوجد القرب عنده فذلك من السابقين ~~إلى ربه والمبعد مثبط بنفسه عن ربه وقد قال تعالى: (فلا تدع مع الله إلها ~~آخر فتكون من المعذبين) الشعراء: 213، فالبعد حجاب والمبعد في عذاب والقرب ~~نعيم والمقرب على مزيد، ألم تسمع قوله تعالى في تعذيب المحجوب: (كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون) المطففين: 15، ثم إنهم لصالوا لجحيم وقال في ترويح ~~المقربين: (فأما إن كان من المقربين) (فروح وريحان وجنة نعيم) الواقعة: 88 ~~- 89 روح بقريب وريحان من حبيب وجنة نعيم بقرب منعم وقال المروح بالقرب ~~المحيا بالحضور: # فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا ... وإن غبت فالدنيا على محابس # إذا لم أنافس في هواك ولم أغر ... عليك ففيمن ليت شعري أنافس # وقال المكروب بالبعد المغصص بالفقد: # فكيف يصنع من أقصاه مالكه ... فليس ينفعه طب الأطباء # من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء # وشتان بين عبد منقطع إلى ربه يخدمه وآخر منقطع لخدمة الخلق يعبدهم وكم ~~بين عبد منقطع عن الناس وبين عبد موصول به الوسواس وشتان بين عبد منقطع ~~بالشوق إلى المولى وبين عبد منقطع بالهوى معانق للدنيا فهذه مقامات ~~المقربين بالحسنى وأضدادها مقامات المبعدين بالسوء فإذا كان العبد على وصف ~~من الحقيقة وفي مقام من التقوى استحق الثناء من مولاه لتحققه بالوصف ونال ~~القرب من القريب لتبعده عن حظوظ النفس، وفي حسن الثناء من العظيم الأعظم ~~غاية الطالبين ونهاية رغبة الراغبين ولا يكون ذلك إلا لأوليائه المتقين ~~وحزبه المفلحين وعباده الصالحين وهم أهل القلوب السليمة الطاهرة وذوو ~~الجوارح الخاشعة الذاكرة وأولو الألباب الراجحة الفاخرة وهم ثلاث طبقات من ~~مقربي أصحاب اليمين؛ أهل العلم بالله تعالى، وأهل الحب لله تعالى، وأهل ~~الخوف من الله تعالى فهؤلاء خصوص أوليائه المقربين استحضرهم فحضروا ~~واستحفظهم العلم فحفظوا واستشهدهم عليه فشهدوا فهم الأدلة منه عليه وهو ~~دليلهم إليه وهم جامعو العباد به وهو جامعهم عنده لديه أبدال الأنبياء ~~والربانيون من العلماء أئمة المتقين وأركان الدين أو القوة والتمكين الذين ~~كشف لهم الكتاب ms0259 المستبين وهداهم إليه الطريق المستقيم عليه وهم المنظور إلى ~~قلوبهم كفاحا والمقصودون بالمزيد والتحف مساء وصباحا ومن سواهم من عموم ~~المؤمنين من القراء والعباد وأهل المجاهدة والزهد والأوراد قد أعطاهم ~~الولايات وفرقهم في الأعمال والسياحات وأظهر لهم الآيات تسكينا لقلوبهم بها ~~وطمأنينة # PageV01P197 # منهم إليها لئلا تدخل عليهم الشبهات فيهلكوا ولا تجذبهم الشهوات فيرجعوا ~~فشغلوا بالإظهار عن الظاهر وحجبوا بالظواهر عن الباطن واغتبطوا بالحجاب ~~وسكنوا إلى الأسباب وعكفوا على المقامات واستتروا بالملكوت والآيات فهم ~~مغبوطو الأموات من أهل الدنيا وهم مرحومو الأحياء من أهل الأعلى لأن قربهم ~~بعد عند المقربين وكشفهم حجب عند المشاهدين وعطاءهم رد عند المواجهين إلا ~~أن الله تعالى نظر إليهم لما نظروا لنفوسهم حكمة ورحمة منه لهم فسكنهم في ~~حالهم ورضاهم بمقامهم كيلا تشتت قلوبهم ولا تتحير عقولهم والسابقون الأولون ~~هم الوجهة العليا والمتمسكون بالعروة الوثقى نظروا إليه سبحانه وتعالى به ~~فنظر إليهم منه فهم كما وصفهم: (ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة ~~الله) لايرجعون إلى مال ولا ينظرون إلى حال يحبهم ويحبون رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فهم كما وصفوا في الكتب السالفة، قال الحواريون: ~~ياروح الله صف لنا أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون فقال: هم ~~الذين نطق بهم الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا وبهم قام الكتاب ~~وبه قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وعاينوا أجل ~~الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ماخشوا أن يميتهم وتركوا منها ~~ما علموا أن سيتركهم فصار دركهم منها فواتا وفرحهم بها حرمانا ما عارضهم ~~منها رفضوه وما أشرف لهم بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها ~~وخربت فيما بينهم فلم يعمروها وماتت في صدورهم فلم يحيوها قدموها فبنوا بها ~~آخرهم أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ~~ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم أعجب الخبر العجيب، وقال ~~عز وجل في وصفهم: (ومن أحسن من الله) المائدة: 50حديثا والربانيون ms0260 والأحبار ~~بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء وقال تعالى: (شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) آل عمران: 18 وفيها مقرأ ~~غريب بمعنى الجمع للشهداء وكأنه جعل وصفا لما تقدم من ذكرهم في قوله تعالى: ~~(الصابرين والصادقين) آل عمران: 17، إلى قوله: (والمستغفرين بالأسحار) آل ~~عمران: 17 شهد الله أنه لا إله إلا هو وقال: (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب) الرعد43، فهذا وصف يزيد على كل وصف ويستغرق نعت ~~الواصفين ويجمع هذه المقامات السبعة من المراقبة والمشاهدة حالان عن مقامين ~~مدار المقامات كلها عليهما ومستخرج المزيد من الكرامات منهما؛ فأحدهما ~~الخوف عن مقام العلم والحال الثاني الرجاء عن مقام العمل، فمن كان مقامه ~~العلم بالله # كان حاله الخوف منه ومن كان مقامه الرجاء لله تعالى كانت حاله المعاملة ~~له، ألم تسمع إلى قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28 ~~وقوله: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا) الكهف110. # PageV01P198 ### | الفصل الثلاثون # فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب ### | وصفة القلب وتمثيله بالأنوار والجواهر # قال الله سبحانه وتعالى: (ونفس وما سواها) (فألهمها فجورها وتقواها) ~~الشمس: 7 - 8 أي ألقي فيها وقذف فيها، وقال عز وجل: (ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه) ق: 16وقال: (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله) ~~المائدة: 30 وقال تعالى: (من شر الوسواس الخناس) الناس: 4 الآية، وقال: (إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه) فاطر: 6 وقال تعالى: ~~(استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) المجادلة: 19 وقال عز وجل: ~~(الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) البقرة: 268 وقال سبحانه مخبرا عن ~~العدو: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) الأعراف: 16 (ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم) الأعراف: 17 إلى آخر الآية، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ~~ودين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له ms0261 بطريق الهجرة فقال: أتهاجر فتذر أرضك ~~وسماءك فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: أتجاهد وهو جهد النفس ~~والمال فتقاتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه فجاهد، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من فعل ذلك فمات كان حقا على الله تعالى أن يدخله الجنة وقد ~~أخبر الله تعالى عنه أنه قال: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم) النساء: 119 ~~إلى آخر الآية. # وروينا أن عثمان بن أبي العاص قال: يارسول الله حال الشيطان بيني وبين ~~صلاتي وقراءتي فقال ذلك الشيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه ~~واتفل عن يسارك ثلاثا قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني، وفي الخبر: أن ~~للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه، وقد روينا أن الشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم والحديث المشهور: ما منكم من أحد إلا وله شيطان ~~قالوا: وأنت يا رسول # PageV01P199 # الله: قال: وأنا، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم، وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: وقد روينا من طريق مسند في القلب لمتان؛ لمة من الملك إيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن ~~الخير، وروينا عن الحسن رحمه الله أنه قال: هما همان يجولان في القلب هم من ~~الله تعالى وهم من عدوه فرحم الله عبدا وقف عند همه فما كان الله أمضاه وما ~~كان عدوه يجاهد، وقال مجاهد في قوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس) الناس: ~~4 قال: هو منبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض وإذا غفل ~~انبسط على قلبه وقال عكرمة الوسواس محله في الرجل في فؤاده وعينيه ومحله في ~~المرأة في عينيها إذا أقبلت وفي عجيزتها إذا أدبرت، وقال جرير بن عبدة ~~العدوي: شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال: إنما مثل ~~ذلك مثل النقب الذي تمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا ~~وتركوه، وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ms0262 عليه وسلم، ~~قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر وتاب ~~صقل وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكره الله تعالى: (كلا ~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) المطففين: 14. # وروينا عن جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا ~~أذنب ذنبا نكت في قلبه بذلك نكتة سوداء فإن تاب محيت من قلبه فترى قلب ~~المؤمن مجلوا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الذي ~~يتتابع في الذنوب كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه ~~حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه وقد أخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر في تقسيمه القلوب. # روينا عن أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري وبعضه أيضا عن حذيفة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القلوب أربعة، قلب فيه سراج يزهر فذلك ~~قلب المؤمن، وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر، وقلب أغلف مربوط على غلافه ~~فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه مثل البقلة ~~يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي ~~المدتين غلبت عليه حكم له بها، وفي لفظ بعضهم: غلبت عليه ذهبت به، وقال ~~الله تعالى: (ومن أحسن من الله) المائدة: 50 وقال تعالى: (إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) الأعراف: 201 فأخبر أن ~~جلاء القلوب الذكر به يبصر القلب وأن باب الذكر التقوى به يذكر العبد، ~~فالتقوى باب الآخرة كما أن الهوى باب الدنيا، وأمر الله تعالى بالذكر وأخبر ~~أنه مفتاح التقوى لأنه سبب الاتقاء وهو الاجتناب والورع فقال تعالى: ~~(واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) الأعراف: 171 وأخبر أنه أظهر البيان للتقوى ~~في # PageV01P200 # قوله: (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) البقرة: 187 وقال تعالى: ~~(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) (الذي خلقك ms0263 فسواك فعدلك) الانفطار: 6 ~~- 7 وقال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) التين: 4 وقال: (ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 49 فمن السواء والتعديل والازدواج ~~والتقويم أدوات الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب. # فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد ~~عدلها الله تعالى بحكمته وسواها على مشيئته وقومها إتقانا بصنعته وأحكاما ~~بصنعه، أولها النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ~~ملقيان للفجور والتقوى، ومنها غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى ~~عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء، ومنها نوران ساطعان في ~~القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والإيمان، فهذه أدوات القلب وحواسه ~~ومعانيه الغائبة وآلاته، والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك، وهذه جنوده ~~تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه ~~فيجدها، فتفصيل ذلك على الإيجاز أن جمل الخواطر ستة: هي حدود القلب وقوادحه ~~من ورائها خزائن الغيب وملكوت القدرة وهي جنود الله تعالى عتيدة وسلطان منه ~~مبين والقلب خزانة من خزائن الملكوت قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت ~~والرهبوت وشعشع فيه من أنوار العظمة والجبروت ما شاء لأهل الرفيق الأعلى ~~وذوي الملكوت الأدنى فأول التفصيل خاطر النفس وخاطر العدو وهذان لا يعدمهما ~~عموم المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء لا يردان إلا بالهوى وضد ~~العلم وخاطر الروح وخاطر الملك وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين وهما ~~محمودان لا يردان إلا بحق وبما دل عليه العلم وخاطر العقل وهومتوسط بين هذه ~~الأربعة يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم ~~المعقول لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له واختيار لا يعسر عليه من حيث ~~لا يعقل ولا إجبار ويصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر ~~الروح ويثاب العبد في حسن النية وصدق المقصد وإنما كان خاطر العقل تارة مع ~~النفس والعدو وتارة مع الروح والملك حكمة من الله تعالى لصنعته وإتقانا ~~لصنعه ليدخل العبد في الخير والشر بوجود ms0264 معقول وصحة شهود وتمييز فيكون ~~عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه إذ قد جعل سبحانه هذا الجسم ~~مكانا لجريان أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته كذلك جعل العقل ~~مطية للخير والشر يجري معهما في خزانة الجسم إذ كان مكانا للتكليف وموضعا ~~للتصريف وسببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة النعيم ~~أو عذاب أليم فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن العقل ذاهبا ولم تكن ~~الشهوة عازبة فتكون النفس # PageV01P201 # مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة الله تعالى عليه ووهن لبرهانه لأن العقل ~~شاهد الحجة والشهوة في النفس مكان البلوى والنية في القلب طريق الججة وذلك ~~أصل سبب عود جزاء الأمر والنهي فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين ~~والتقبيح والنفس مجبولة على الشهوة مطبوعة على الأمر بالهوى وهذا نصيبهما ~~من عطائه وهداه لهما إلى رشاده وإغوائه وخطهما من الكتاب وقسمهما من ولي ~~الأسباب، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في ~~علمه: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقال تعالى: (أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب) الأعراف: 37 وقال تعالى: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه ~~إلى عذاب السعير) الحج: 4 والخاطر السادس هو خاطر اليقين وهو روح الإيمان ~~ومزيد العلم يردان إليه ويصدران عنه وهذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا ~~الموقنون وهم الشهداء والصديقون لا يرد إلا بحق وإن خفي وروده ودق ولايقدح ~~إلا بعلم اختيار لمراد مختار وإن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به ولكن ~~ليس يخفى هذا إلا الخاطر على مقصود به ومراد له وهم الذين وصفهم الله تعالى ~~بالذكرى. # ورد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم الفتيا فقال سبحانه: (إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب) ق: 37، أي من تولى الله حفظ قلبه، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما حاك في صدرك فدعه والإثم حواز القلوب يعني ما يؤثر ~~فيها فيحزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها وقال للرجل الذي سأله عن ms0265 البر ~~والإثم وهما أصلا أعمال الخير والشر استفت قلبك وان أفتاك المفتون أي أن ~~المتقين يعلمون معاني التأويل والرخصة عن علمهم العلانية وأنت على علم ~~فوقهم مطالب بالتحقيق والعزيمة عن علمك السر وأهل الظاهر أيضا يعلمون حكم ~~الله تعالى الظاهر عن علم اللسان الظاهر الذي هو حجة على أهل العلم الظاهر ~~وقلبك فقيه منور بالإيمان تنظر به أو ينطق به حكم الله تعالى الباطن عن علم ~~القلب الباطن الذي هوحقيقة الإيمان ومنفعته لأهل العلم الباطن ولا يصلح أن ~~يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم سائلا إلا إلى فقيه فلولا أن علم القلب ~~هو حقيقة الفقه ما رد صاحبه من فتا أهل الظاهر إليه ولا حكم على المفتين به ~~فقد صار علم القلب هو علم العلم إذ جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قاضيا ~~على المفتين بالحكم وصار عالم الباطن هوعالم العلماء إذ لم يسعه تقليد ~~العلماء، وفي الحديث الآخر: البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس وإن ~~أفتوك وأفتوك فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة ~~والبر كما وصف من قلوب المؤمنين في صريح الكلام وفي دليل الخطاب، فأما ~~صريحه فقوله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب) الرعد: 28 وقوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) الفتح: 4 وأما دليل الكلام الذي يشهد ~~بالتدبر فقوله تعالى في # PageV01P202 # وصف قلوب أعدائه المحجوبين: (كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا ~~لايستطيعون سمعا) الكهف: 101 ومثله: (أعنده علم الغيب فهو يرى) النجم: 35 ~~ففي تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ناظرون ~~إلى غيبه، وقال تعالي في مثله (مثل الفريقين كالأعمى والأصم) هود: 24 هذا ~~فريق المتبعين للسبل المتفرقة عن سواء السبيل بهم الضالين عن سواء الصراط، ~~(والبصير والسميع) هود: 24 هو فريق المهتدين المتبعين للصراط المستقيم، ~~وقال تعالى: (ما كانوا يستطعون السمع وما كانوا يبصرون) هود: 20 أو ألقي ~~السمع وهو شهيد ms0266 إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وقال صلى الله عليه ~~وسلم في مجمل صفة القلب التقوى ههنا وأشار إلى القلب وقال الله سبحانه ~~وتعالى في ذكر القلوب المقفلة بالذنوب: (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على ~~قلوبهم فهم لا يسمعون) الأعراف: 100 وقال تعالى في فض طابعها بالتقوى: ~~(واتقوا الله واسمعوا) المائدة: 108 و (اتقوا الله ويعلمكم الله) البقرة: ~~282 وفي الخبر: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل الله زاجرا من نفسه وواعظا من ~~قلبه، وفي الخبر الآخر: من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ. # وروينا في تفسير قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان) آل ~~عمران: 193 قال سمعناه من قلوبنا وقال في ضده لأعدائه: (أولئك ينادون من ~~مكان بعيد) فصلت: 44 عن قلوبهم، وقال الله تعالى في التوبة من ميل القلوب ~~وهمها: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) التحريم: 4، وبمعناه وهموا بما ~~لم ينالوا فإن يتوبوا يك خيرا لهم، وقال في تحقيق العمى للقلب: (فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج: 46 فأهل القلوب ~~يتعظون بلا واعظ من خلق ويزدجرون بلا زاجر في ظاهر وسائر ما ذكرناه من ~~الخواطر لا تعدمه المؤمنون والقلب خزانة الله تعالى من خزائن الغيب وهذه ~~المعاني جنود الله تعالى مقيمة حول القلب يخفي منها ما يشاء ويظهر ويبدي ~~منها ما يريد ويعيد ويبسط القلب بما يشاء منها ويقبضه فيما شاء عنها وكل ~~قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن يضعف الخاطر ويخفي ~~لضعف المعاني ودقتها ويقوي اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاثة مكان ~~اليقين أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار والثاني العلم ~~ومكانه موضع الزناد والثالث العقل وهو مكان الحراق فإذا اجتمعت هذه الأسباب ~~قدح خاطر اليقين في القلب، ومثل القلب في قوته بقوة مدده وفي صفائه بجودة ~~عدده مثل المصباح في القنديل إلى مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وهو ~~روح المصباح وبمدده يكون ظهور ms0267 اليقين والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله ~~وقوامه الذي يظهر بها، فعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين وهو ~~مثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته ~~واتساعه تضيء النار التي هو اليقين وهو مثل العلم في مدد الزهد وفقد # PageV01P203 # الهوي فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان، ~~وقد قال الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) محمد: 19 وقال تعالى: ~~(فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو) هود: 14 فقدم العلم علي ~~التوحيد فصار أوله فكلما اتسع القلب بالعلم بالله وزهد في الدنيا ازداد ~~إيمانا وعلا لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره ويعلم في اتساعه ما لا يعلمه ~~سواه فيكبر المؤمن فيكون ذلك مزيد إيمانه وقوته ثم يشهد كل ما آمن به فيكون ~~بذلك قوة نفسه وسعة مشاهدته وكلما قصر علم القلب بالله تعالى وبمعاني صفاته ~~وأحكام ملكوته قل إيمان هذا العبد ثم أشهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب ~~عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر ~~فيضعف بذلك إيمانه ويتخيل مشاهدته ولا يتحقق فليس من علم من صفات الله ~~سبحانه وتعالى وقدرة آياته مائة ألف معنى ثم شهدها كلها من قرب عن كشف مثل ~~من علم منها عشرة معان ثم شهدها من بعد عن حجاب وهما مؤمنات معا لكن بين ~~إيمانهما في القرب والعلو والزيادة والنقصان كما بين العشرة إلى مائة ألف ~~فيكون إيمان قلب المسلم معشار معشار عشر إيمان قلب الموقن والمعشار هو عشر ~~العشر جزء من مائة جزء ويكون إيمان قلب المؤمن فيما بين ذلك من الزيادة على ~~العشر والنقصان من مائة ألف على قدر قسمه. # ومثل ذلك فيما نعقله مثل رجل قال لك: إن عندي فلانا فقد حصل لك علم زنه ~~عنده غير زن هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون ~~قد كان عنده ثم ms0268 خرج وليس هو الآن عنده وهذا مثل إيمان المسلم هو على علم ~~خبر لا خبر، ثم إنك تأتي إلي فتسمع كلامه من وراء حجاب فقد علمت الآن أنه ~~عندي لأنك سمعت كلامه واستدللت به على كونه، إلا أن هذا العلم أيضا غير ~~تحقيق لأن الأصوات تشتبه والأجرام تتقارب، ولو قلت لك بعد ذلك: لم يكن عندي ~~وإنما كان ذلك غيره أشبه صوته تشككت فيه لاحتمال ذلك ولم يكن عندك يقين عين ~~تدفع به قولي ولا شهادة نظر تنكر بها علي وهذا مثل لإيمان عموم المؤمنين ~~فهو إيمان خبر لعمري وفيه يقين استدلال ممتزج بظنه إلا أنه غير مشاهدة ~~العارفين لأنه قد يدخل عليهم التخييل والتشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ثم ~~إنك تدخل إلى الآن بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده ~~جالسا لا حجاب بينك وبينه، فهذا هو يقين المعرفة وهذه شهادة الموقن وعندها ~~انتفى كل شك وتحقق خبر العلم وهذا مثل لعلم إيمان الموقنين الذي قد اندرج ~~فيه إيمان عموم المؤمنين من علم الخبر المحتمل ومن سماع الكلام المشتبه من ~~وراء حجاب واسم الإيمان واقع على جميعهم ولكن الأول علم أنه عندي بما قيل ~~له فصدق والثاني علم بما سمع فاستدل ولم يشهد فيقطع والثالث هو الذي عاين ~~فقطع وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالمزيد فقال # PageV01P204 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الخبر كالمعاينة وقال: وليس المخبر ~~كالمعاين، ومثل هذا أيضا أن ترى الشيء بالنهار فتعرفه معرفة عين وتعرف ~~مكانه بنظر لا تخطئه ثم إنك تحتاج إليه ليلا فلست تعرف مكانه رأي عين وإنما ~~تقصده بمعرفة استدلال عليه وبحسن ظن أنه موجود على حاله أو يعرف بشيء معهود ~~أنه لا يتحول، وكذلك الأدلة هي الغائبات وسقوطها مع المشاهدات وبمعناها ~~رؤية الشيء بنور القمر فإنه يشبح ويلوح المشكلات ورؤيته في ضياء الشمس ~~فإنها تكشف الأمر على ما هو به، فهذا مثل نور اليقين إلى نور الإيمان ومثل ~~رابع في تفاوت المؤمنين ms0269 في حقيقة الكمال ودخولهم في الاسم والمعنى مثل صلاة ~~رباعية أقيمت فجاء رجل فأدرك تكبيرة الإحرام ثم جاء آخر فأدرك الركوع ثم ~~جاء آخر فأدرك الركعة الثانية ثم جاء ثالث فأدرك الركعة الثالثة ثم جاء رجل ~~رابع فأدرك الركعة الآخرة فكلهم قد صلوا وأدركوا الصلاة في جماعة ونال ~~فضلها لقوله صلى الله عليه وسلم: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة، ~~ولكن ليس من أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة وإدراك حقيقتها كمن أدرك ~~الثالثة والرابعة ولا يكون أيضا من أدرك التكبيرة للإحرام في الفضل كمن لم ~~يدرك شيئا من القيام وهما مدركان معا فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان ~~وحقائقه لا يستوون وإن استووا في الاسم والمعنى وكذلك في تفاوتهم في ~~الآخرة. # فقد جاء في الخبر أنه يقال: أخرجوا من قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصف ~~مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة من إيمان فقد حصلوا متفاوتين في الإيمان ما ~~بين الذرة إلى المثقال وكلهم قد دخل النار إلا أنهم على مقامات فيها وفيه ~~دليل أن من كان في قلبه وزن دينار من إيمان لم يمنعه ذلك من دخول النار ~~لعظم ما اقترف من الأوزار وأن من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان لم يحق عليه ~~الخلود في دار الهوان لتعلقه بيسير الإيقان وأن من زاد إيمانه على وزن ~~دينار لم يكن للنار عليه سلطان فكان من الأبرار وأن من نقص إيمانه عن ذرة ~~لم يخرج من النار وإن كانت سيماه واسمه في الظاهر في المؤمنين لأنه في علم ~~الله من المنافقين الفجار، وقد قال الله تعالى في وصفهم: (وإن الفجار لفي ~~جحيم) الانفطار: 14 ثم قال: (وما هم عنها بغائبين) الانفطار: 16 ثم صار ~~صاحب المثقال والذرة في الجنة على تفاوت درجات وكان الزائد إيمانه على ~~مثقال في أعلى عليين علا هؤلاء وترفع أهل الدرجات العلى على أهل عليين ~~ارتفاع الكوكب الذي في أفق السماء وكلهم قد اجتمع في الجنة على تفاوت ~~مقامات وتعالي درجات، وروينا عن رسول ms0270 الله صلى الله عليه وسلم ليس شيء خيرا ~~من ألف مثله إلا الإنسان فلعمري إن قلب المؤقن خير من ألف قلب مسلم لأن ~~إيمانه فوق مائة إيمان مؤمن وعلمه بالله تعالى أضعاف علم مائة مسلم، ويقال ~~إن واحدا من الأبدال الثلاثمائة قيمته قيمة ثلاثمائة مؤمن، وكان أبو محمد ~~يقول: يعطي الله تعالى بعض المؤمنين من الإيمان بوزن جبل أحد ويعطي # PageV01P205 # بعضهم مثل ذرة، وقد قال الله تعالى: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) آل ~~عمران: 139، بالعلو ولا نهاية لعلو الإيمان فصار علو كل قلب على قدر إيمانه ~~ولذلك رفع العلماء على المؤمنين درجات في قوله تعالى: (يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ، ففسرها ابن عباس رضي الله عنه ~~فقال: (الذين أوتوا العلم) الروم: 56 فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض، وفي الخبر: أكثر أهل الجنة البله وعليون ~~لأولي الألباب، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: فضل العالم على العابد كفضل ~~القمر على سائر الكواكب. # وروينا في لفظ أبلغ من هذا كفضلي على أمتي، فالموقنون من المؤمنين أعلى ~~إيمانا والعالمون من الموقنين أرفع مقاما ثم على قدر بياض الماء يستبين من ~~القنديل حسنه وصفاؤه ومثل هذا العقل في صحته من الإعتلال وصفائه من كدر ~~الأحوال والأموال ويجمع ذلك كله القنديل وهو القلب، فعلى قدر رقة القلب ~~ولطف جوهره وصفائه من كدره وحسن طهارته عن الآثار تكون هذه العلوم فيه ~~والأنوار وجوهر الزجاجة في الصفاء محتاج إلى صفاء الماء كما أن صفاء الماء ~~محتاج إلى صفاء الجوهر وبمعيارهما يكون القلب والعقل ووقود النور محتاج إلى ~~قوة الفتيلة ومدد الزيت فبموضعها في القوة والمدد يكون العلم بالله تعالى ~~واليقين ذلك تقدير العزيز العليم وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم يفارقه ~~خواطر الهوى الجهل والطمع وحب الدنيا ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر ~~تمكن هذه الثلاثة من النفس وحقائقها على مثل ماذكرناه من تمكن خواطر اليقين ~~وضعفها لوجود مكانها وهو العلم والإيمان والعقل، وفي القلب ms0271 يظهر سلطان ذلك ~~أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب، وروينا عن علي عليه السلام أن الله فى ~~أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه أرقها وأصفاها وأصلبها، ثم فسره فقال: ~~أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان فمثل القلوب مثل ~~الأواني في تقارب جوهرها، فأرقها وأصفاها وأعلاها يصلح للملك والوجه ~~والطيب، وأكثفها وأرداها يصلح للأدناس، وما بين ذلك يصلح لما بينهما، ~~ومثلهما أيضا مثل الموازين الطيار اللطيف والمعيار يصلح لوزن الذهب ~~بالتحرير والمعيار والكثيف الجافي يصلح للقت والأنعام وما بينهما يصلح لما ~~بين ذلك فيوزن بكل ميزان ما يصلح له من كل شيء موزون كما يجعل في كل إناء ~~ما يليق به من كل شيء مرذول أو مصون، كذلك الحكم والحكمة في الملكوت الباطن ~~كالحكمة والحكم في الملكوت الظاهر بتعديل الظاهر الباطن، وفي تفسير قوله عز ~~وجل: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة) النور: 35، فسره أبي ~~بن كعب قال: مثل نور المؤمن وكذلك كان يقرأه قال: فقلب المؤمن هو المشكاة ~~فيها مصباح، فكلامه نور وعمله نور ويتقلب في نور، ثم قال في قوله تعالى: ~~(أو كظلمات في بحر لجي) النور: 40 قال قلب المنافق فكلامه # PageV01P206 # ظلمة وعمله ظلمة ويتقلب في ظلمة وكان زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى: ~~(في لوح محفوظ) البروج: 22، قال قلب المؤمن وقال أبو محمد سهل مثل القلب ~~والصدر مثل العرش والكرسي. # وروينا في حديث ابن عمر قال قيل يا رسول الله أين الله في الأرض؟ قال: في ~~قلوب عباده المؤمنين، وفي الخبر المأثور عن الله تعالى لم يسعني سمائي ~~ولاأرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن، وفي بعضها اللين الوادع فاللين يعني السهل ~~الرقيق القريب والوادع يعني الساكن المطمئن، وفي الخبر: ما ألبس العبد لبسة ~~أحسن من خشوع في سكينة فهذه لبسة المتقين وصبغة الله تعالى للعارفين، وفي ~~الحديث قيل: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: كل مؤمن محموم القلب، ثم فسره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو التقي الذي ms0272 لا غش فيه ولا بغي ولا ~~غل ولا حسد، وقال بعض العارفين في معنى قوله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب ~~سليم) الشعراء: 89 أي مما سوى الله ليس فيه غير الله وفي قول أهل التفسير: ~~سليم من الشرك والنفاق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشرك في أمتي ~~أخفى من دبيب النمل وهذا لا يعدمه المؤمنون إلا الصديقين وقال: أكثرمنافقي ~~أمتي قراؤها، وهذا لا يعدمه العابدون إلا العارفين، ومن خواطر اليقين ما ~~يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه وغموض شواهده فليس يعلم إلا ~~بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط ~~منفهم التنزيل وتعليم التأويل كما قال الحبيب الخليل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لابن عباس: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، كما قال علي بن ~~أبي طالب: ماعندنا شيء أسره إلينا رسول الله سوى كتاب الله تعالى إلا أن ~~يؤتي الله تعالى عبدا فهما في كتابه، وكما جاء في تفسير قوله تعالى: (يؤتي ~~الحكمة من يشاء) البقرة: 269 قال: الفهم في كتاب الله، وقال أصدق القائلين: ~~(ففهمناها سليمان) الأنبياء: 79 فخصه بفهم منه زاده به فوق الحكم والعلم ~~الذي شرك فيه أباه فزاده على فتيا أبيه. # وروينا عن علي عليه السلام في الحديث الطويل الذي يقول فيه: واليقين على ~~أربع شعب، على تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، ~~فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة ~~كان في الأولين إلا أن أهل اليقين المرادين به العارفين بأحكام الله تعالى ~~الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب ~~وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور الله الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه ~~النافذ، كما جاء في الخبر: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى ~~أي باليقين، وفي لفظ آخر: اتقوا فراسة العالم فكأنه مفسر له ومنه قوله ~~تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر: 75 وقوله: (قد بينا الآيات لقوم ~~يوقنون) البقرة: 118 ms0273 أي بنور اليقين، وكان أبو الدرداء يقول: المؤمن ينظر ~~إلى الغيب # PageV01P207 # من وراء ستر رقيق والله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ~~ألسنتهم، وقال بعض العلماء: ظن المؤمن كهانة أي كأنه سحر من نفاذه وصحة ~~وقوعه، وقال بعض العلماء: يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا ~~بما هيأ الله عز وجل لهم من الحق، وقال آخر: لو شئت لقلت إن الله يطلع ~~الخاشعين على بعض سره، وكتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء ~~الأجناد: احفظوا ما تسمعون من المتعظين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة، وقال ~~الله تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا) النساء: 87: (يا أىها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) الأنفال: 29 قيل نور تفرقون به بين الشبهات ~~ويقين تفرقون به المشكلات، ومن هذا قوله سبحانه وتعالى: (ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا) الطلاق: 2 قيل مخرجا من كل أمر ضاق على الناس ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب يعلمه علما بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح والحق ~~الصريح، ومثله قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت: ~~69 قيل: الذين يعملون بما يعلمون، قال يوفقهم ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى ~~يكونوا علماء حكماء، وقال بعض السلف: نزلت هذه الآية في المتعبدين ~~المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى المستوحشين من الناس فيسوق الله تعالى ~~إليهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة. # وفي الخبر: من علم بما يعلم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ووفقه ~~فيمايعمل حتى يستوجب الجنة، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق ~~فيما يعمل حتى يستوجب النار، فمعنى أورثه علم ما لم يعلم أي من علوم ~~المعارف التي هي مواريث أعمال القلوب مثل الفرق بين الاختبار والاختيار ~~والابتلاء والاجتباء والمثوبة والعقوبة ومعرفة النقص من المزيد والقبض ~~والبسط والحل والعقد والجمع والتفرقة إلى غير ذلك من علوم العارفين بعد حس ~~التفقه والأدب عن مشاهدة الرقيب والقرب لصحة المواجيد والقلوب، وقال بعض ~~التابعين: من ms0274 عمل بعشر ما يعلم علمه الله تعالى ما يجهل، وقد قال حذيفة: ~~أنتم اليوم في زمان من ترك عشر ما يعلم هلك وسيأتي بعدكم زمان من عمل بعشر ~~ما يعلم نجا، وقال بعضهم: كلما ازداد العبدعبادة واجتهادا ازداد القلب قوة ~~ونشاطا، وكلما مل العبد وفتر ازداد القلب ضعفا ووهنا، وليس يكاد علم اليقين ~~يقدح في معدن العقل لأن علوم العقل مخلوقات ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه ~~التدبر فما أنتجته الأفكار واستخرجته الفطرة من الخواطر والعلوم فتلك علوم ~~العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين فأما خاطر اليقين فإنه يظهر ~~من عين اليقين ينادي به العبد مناداة ويبغته مفاجأة لأنه مخصوص به مراد ~~مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا يجده إلا عارف أو خائف أو محب ومن سوى ~~هؤلاء فبحاله محجوب وبعاداته مطلوب وإلى مقامه ناظر وفي طريقه بمعقوله سائر ~~فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين فإنهم مسيرون # PageV01P208 # محمولون سابقون مستهترون قد وضعت الأذكار عنهم الأوزار، كما جاء في ~~الخبر: سيروا سبق المفردون بالفتح والمفردون أيضا بالكسر فهم مفردون لله ~~تعالى بما أفردهم الله تعالى كما قال جل ذكره: (حافظات للغيب بما حفط الله) ~~النساء: 34، قيل: ومن المفردون؟ قال: المستهترون بذكر الله وضع الذكر ~~أوزارهم فوردوا القيامة خفافا، فلما أفردهم الله تعالى ممن سواهم له أفردوه ~~عما سواه به فذكرهم فاستولى عليهم ذكره فاصطلم قلوبهم نوره تعالى فاندرج ~~ذكرهم في ذكره فكان هو الذاكر لهم وكانوا هم المكان لمجاري قدرته عز وجل ~~فلا يوزن مقدارهذا الذكر ولا يكتب كيفية هذا البر فلو وضعت السموات والأرض ~~في كفة لرجح ذكره تعالى لهم بهما وهم الذين قال لهم فترى من واجهته بوجهي ~~لعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه لوكانت السموات والأرض في موازينهم ~~لاستقللتها لهم أول ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما ~~أخبر عنهم وهذا هو ظاهر أوصافهم وأول عطاياهم فطلب هؤلاء لا يعرف ونصيبهم ~~لا يكيف ومطلوبهم كنه قدره لا يوصف عطاؤهم ms0275 غير مخلوق ومشاهدتهم وصف التحقيق ~~بعين اليقين إلى حق اليقين فأول نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين وهو صفاء ~~المعرفة بالله تعالى وآخر علم الإيمان أول عين اليقين وهو مشاهدة وصف معروف ~~وهذه وجهة التوحيد ولا آخر لأول علم اليقين ولا انقطاع لآخر نصيبهم من ~~مشاهدتهم، فظاهر التوحيد توحيد الله تعالى في كل شيء وتوحيده بكل شيء ~~ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء ولا نهاية لعلم التوحيد ولا غاية لمزيد عطاء ~~الموحدين ولكن لهم نهايات يوقفون تحتها وغايات يصدرون عنها تجعل أماكن ~~لمزيدهم ويزدادون في وسعها ويمدون بعلوم يطلبون بها ما يكاشفون به لما ~~وراءها أبدا لا بديلا آخر ولا أمد ولا يصل العبد إلى مشاهدة علم التوحيد ~~إلا بعلم المعرفة وهونور اليقين ولا يعطي نور اليقين حتى تمخض الجوارح ~~بالأعمال الصالحات، كمايمخض الزق باللبن حتى تظهر الزبدة، وهي اليقين، ~~وليست هذه الزبدة غاية الطالبين ولا بغية الصديقين لأن وراءها صفوها ~~وخالصها ثم تذاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها وهو صفوها ونهايتها وهذا مثل ~~لعين اليقين بعد علمه وبعد مشاهدة الوجه بمرآة القرب وهي نوره فحينئذ لا ~~يفارقه وجده وحضوره فيرفع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة الصفات بعد ذوب ~~علم الخواطر يتجوهر نور شعاع وجه الذات وهذا مقام الإحسان وإن الله لمع ~~المحسنين بعد مجاهدتهم النفوس فيه وبيعها مع الأموال منه فأحسن إليهم ~~باشترائها منهم وكان معهم كما قال سيجزيهم وصفهم فإنما كانوا محسنين لأن ~~المحسن معهم كما كانوا أعلين إذ الأعلى معهم فقد قال: (وأنتم الأعلون والله # معكم) محمد: 35 وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: أن ~~تعبد الله كأنك تراه، وينتقل العبد من أعمال الجوارح وهي # PageV01P209 # المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل وتحفظ له ما استحفظ ~~إلى علم اليقين وهو الروح والرضا وهذا هو هداية السبيل، وأول هذا كله أن ~~يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال المريدين وأعمال المجاهدين للنفس ~~والعدو ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين، كما قال: ms0276 (والذين ~~جاهدوا فينا) العنكبوت: 69 يعني نفوسهم وأموالهم وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم ~~الفقر ويأمرهم بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا النفوس والأموال فأعتقوا من ~~رق الهوى ونجوا من أهوال الحساب: (لنهدينهم سبلنا) العنكبوت: 69 أي ~~لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ولنسمعنهم غرائب الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب ~~الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا، ثم ختم الأمر بقوله تعالى: (وإن الله لمع ~~المحسنين) العنكبوت: 69 هذا مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا ~~بالتوفيق فيه صبروا له بالتأييد وكان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى ~~نفوسهم غدا.) محمد: 35 وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: ~~أن تعبد الله كأنك تراه، وينتقل العبد من أعمال الجوارح وهي المجاهدة التي ~~طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل وتحفظ له ما استحفظ إلى علم اليقين ~~وهو الروح والرضا وهذا هو هداية السبيل، وأول هذا كله أن يدخل العبد بعد ~~التوبة النصوحة في أحوال المريدين وأعمال المجاهدين للنفس والعدو ثم ينتقل ~~إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين، كما قال: (والذين جاهدوا فينا) ~~العنكبوت: 69 يعني نفوسهم وأموالهم وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم الفقر ويأمرهم ~~بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا النفوس والأموال فأعتقوا من رق الهوى ونجوا ~~من أهوال الحساب: (لنهدينهم سبلنا) العنكبوت: 69 أي لنطرقنهم إلى مكاشفات ~~العلوم ولنسمعنهم غرائب الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن ~~مجاهدتهم فينا، ثم ختم الأمر بقوله تعالى: (وإن الله لمع المحسنين) ~~العنكبوت: 69 هذا مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق ~~فيه صبروا له بالتأييد وكان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم ~~غدا. # وروينا عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلم علمان، ~~فعلم باطن في القلب فذاك هو النافع، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~معنى قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الأنعام: 125 ~~ما هذا الشرح؟ قال: هو التوسعة يعني: أن النور إذا قذف في القلب اتسع له ~~الصدر وانشرح، وقال بعض العارفين: لي ms0277 قلب إذا عصيته عصيت الله تعالى يعني ~~أنه لا يقذف فيه إلا طاعة ولا يقر فيه إلا حق فقد صار رسوله إليه فإذا عصاه ~~فقد عصا المرسل بمعنى الخبر الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل وبقوله ~~صلى الله عليه وسلم: المؤمن ينظر بنور الله، فمن نظر بنور الله كان على ~~بصيرة من الله تعالى وكان عمله بنوره طاعة تعالى، وقال بعض العارفين: منذ ~~عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة وما ساكنته طرفة عين، وسئل بعض ~~العلماء عن علم الباطن أي شيء هو؟ فقال: سر من سر الله تعالى يقذفه في قلوب ~~أحبابه لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا. # وقد روينا فيه خبرا مسندا أحببنا أن نسنده وقد جاء رجل إلى النبي فقال: ~~علمني من غرائب العلم فقال: هل عرفت الرب فأخبر أن غرائب العلوم في المعرفة ~~وقد أمر صلى الله عليه وسلم بأصل العلوم الذي فيه غرائب الفهوم فقال: ~~اقرأوا القرآن والتمسوا غرائبه يعني تدبر معانيه واستنباط بواطنه إذ بكلامه ~~عرفه أولياؤه وقد قيل: تكلموا تعرفوا، فمن عرف معاني الكلام ووجوه الخطاب ~~عرف به معاني الصفات وغرائب علوم أسماء الذات، وقال ابن مسعود: من أراد علم ~~الأولين والآخرين فليثور القرآن، وقال بعض أهل المعرفة في فهم هذه الآية: ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان قال: العدل تدبر القرآن وفهمه والإحسان ~~مشاهدة الفهم، وفي تأويل قوله عليه الصلاة والسلام في صفة العدل شاهد لقوله ~~هذا في حديثه الذي وصف فيه شعب الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم: على ~~الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، ثم قال والعدل على أربع شعب: غائص الفهم، ~~وزهرة # PageV01P210 # العلم، وروضة الحلم، وشرائع الحكم، فمن فهم فسر جمل العلم ومن علم عرف ~~شرائع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا، وقال بعض ~~المكاشفين ظهر لي الملك: فسألني أن أملي عليه شيئا من ذكري الخفي من ~~مشاهدتي من التوحيد وقال: ما نكتب لك عملا ونحن نحب أن نصعد لك بعمل نتقرب ~~به إلى الله ms0278 تعالى فقلت: أليس يكتبان الفرائض؟ قال: بلى، قلت: فيكفيهما ~~ذلك. # وقال بعض العارفين قال: سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهدة اليقين ~~فالتفت إلى شماله وقال: ما تقول رحمك الله ثم التفت إلى يمينه فقال ماتقول ~~رحمك الله ثم أطرق إلى صدره وقال: ما تقول رحمك الله ثم أجابني بأغرب جواب ~~ماسمعته قط وأعلاه فقلت رأيتك التفت عن شمالك ويمينك ثم أقبلت على صدرك ~~فماذا؟ فقال: سألتني عن مسألة لم يكن عندي فيها علم عتيد فالتفت إلى صاحب ~~الشمال فسألته عنها وظننت أن عنده منها علما فقال: لا أدري فسألت صاحب ~~اليمين وهو أعلم منه فقال: لا أدري فنظرت إلى قلبي فسألته فحدثني بما أجبتك ~~وإذا هو أعلم منها، وقد كان أبو يزيد وغيره يقولون: ليس العلم الذي يحفظ من ~~كتاب الله فإذا نسي ما حفظ صار جاهلا إنما العلم الذي يأخذ علمه من ربه عز ~~وجل أي وقت شاء بلا تحفظ ولا درس فهذا لعمري لا ينسى علمه وهو ذاكر أبدا لا ~~يحتاج إلى كتاب وهو العالم الرباني وهذا هو وصف قلوب الأبدال من الموقنين ~~ليسوا واقفين مع حفظ إنما هم قائمون بحافظ. # وقد روينا في الخبر: إن من أمتي محدثين ومكلمين وإن عمر منهم وقرأ ابن ~~عباس: وما أرسلنامن قبلك من رسول ولا نبي ولامحدث يعني الصديقين وهذا كان ~~طريق السلف من الصحابة وخيار التابيعن إذا سئلوا وفقوا وألهموا الصواب ~~لقربهم من حسن التوقيق وسلوكهم حقيقة محجة الطريق فخاطر اليقين إذا ورد على ~~قلب مؤمن اضطرته مشاهدته إلى القيام به وإن خفي على غيره وحكم عليه بيانه ~~وبرهانه بصحة دليله وإن التبس على من سواه. # وقد قال الله تعالى في تخصيص الموقنين: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) ~~البقرة: 118 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون، وقال في نعت المتقين: ~~(وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) يونس: 6 وقال تعالى: ~~(هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) آل عمران: 138 وقال في فضل العلماء: ~~(بل هو ms0279 آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) العنكبوت: 49 وقال: (قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون) الأنعام: 97 فحقيقة العلم إنما هو من التقوى ~~واليقين وهذا هوعلم المعرفة المخصوص به المقربون وهب لهم الآيات وخصهم ~~بالبيان والدلالات بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فهذه ~~الخواطر تبدو في القلوب عن هذه الأواسط التي هي خزائن الله تعالى من # PageV01P211 # خزائن الأرض وخزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون والفقه صفة ~~القلب لا لسان العرب، تقول: فقهت بمعنى فهمت، وابن عباس يفسر قول الله عز ~~وجل: (لهم قلوب لا يفقهون بها) الأعراف: 179 يقول لا يفهمون بها ويجعل ~~الفقه الفهم فخاطر اليقين والروح والملك من خزائن الله وخاطر العقل والنفس ~~والعدو من خزائن الأرض كما قيل النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى ~~التراب والروح روحاني خلق من الملكوت فهي ترتاح إلى العلو والقلب خزانة من ~~خزائن الملكوت مثله كالمرآة تقدح هذه الخواطر عن أوساطها من خزائن الغيب ~~فتوقد في القلب فيتلألأ فيه للتأثير، فمنها مايقع في سمع القلب، فيكون ~~فهما، ومنها ما يقع في بصر القلب فيكون نظرا وهو المشاهدة، ومنهاما يقع في ~~لسان القلب فيكون كلاما وهو الذوق، ومنها ما يقع في شم القلب فيكون علما ~~وهو الفكر وهو العقل المكتسب بتلقيح العقل الغريزي وهذا أقلها لبثا وأيسرها ~~عناء وما وقع في ناظر القلب وحسه فخرق شفافه ووصل إلى سويدائه وهو المباشرة ~~كان وجدا وهذا هو الحال عن مقام مشاهدة، ومن هذا قوله: أسألك إيمانا يباشر ~~قلبي. # وقال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة ~~وللدنيا وكان مرة مع الله تعالى ومرة مع نفسه فإذا دخل الإيمان إلى باطن ~~القلب أبغض العبد الدنيا وهجر هواه وقد قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: ~~للقلب تجويفان، أحدهما باطن وفيه السمع والبصر وكان يسمى هذا قلب القلب، ~~والتجويف الآخر ظاهر القلب وفيه العقل، ومثل العقل في القلب مثل النظر في ~~العين هو صقال لموضع مخصوص فيه ms0280 بمنزلة الصقال الذي في سواد العين فإذا كانت ~~هذه الخواطر عن أواسط الهداة به وهي الملك والروح كانت تقوى وهدى ورشدا ~~وكانت من خزائن الخير ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا وطيبا أدركه ~~الحفظة وهم أملاك اليمين فأثبتوهاحسنات وإن كانت الخواطر عن أواسط الغواة ~~وهم العدو والنفس كانت فجورا وضلالا وهي من خزائن الشر ومعالق الأعراض قدحت ~~في القلوب ظلمة ونتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيئات وكل ~~هذا إلهام وإلقاء من خالق النفس ومسويها وجبار القلوب ومقلبها حكمة منه ~~وعدلا لمن شاء، ومنة وفضلا لمن أحب، كما قال: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) ~~الانعام: 115 أي بالهداية صدقا لأوليائه ما وعدهم من ثوابه وبالاضلال عدلا ~~على أعدائه ما أعد لهم من عقابه. # ثم قال تعالى: (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) الأنبياء: 23 فهذه جنود ~~منقادة لأمره وهو ملك جبار عزيز قهار تعالى عن مباشرة الأشياء إذا كانت ~~تنقاد لمشيئته وتطوع لقدرته فتنفذ قدرته إرادته تظهر حكمته أفعاله إذا أراد ~~شيئا قال له: كن بخفي قدرته فكان بظاهر حكمته، والرب سبحانه قادر على كل ~~شيء، بيده ملكوت كل شيء حكيم في كل شيء، والعبد ضعيف عاجز جاهل لا يقدر على ~~شيء قد ابتلي بالأسباب ووقع عليه # PageV01P212 # الحجاب وجعل مكانا للأحكام بالعقاب والثواب فالأسباب أواسط البلاء والعبد ~~موضع الابتلاء. # والأول سبحانه وتعالى هوالمبلي المريد المبدئ المعيد وينشئكم فيما لا ~~تعلمون وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا وليس يشهد العبد إلا ما أشهد فكذلك ~~تفاوت العباد في المشاهدة ولا يستبين له إلا ما أبين له وأريد به فعند ذلك ~~اختلفوا في الأدلة فإذا أراد الله عز وجل إظهار شيء من خزائن الغيب حرك ~~النفس بلطيف القدرة فتحركت بإذنه فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة تكتب في ~~القلب همة سوء فينظر العدو إلى القلب وهو مراصد ينتظر والقلوب له مبسوطة ~~والنفوس لديه منشورة يرى ما فيها ما كان من عمله المبتلي به المصرف فيه ~~فإذا رأى همة قد قدحت في النفس ms0281 فأثرت ظلمة في القلب ظهر مكانه فقوي بذلك ~~سلطانه والهمة ترد على أحد ثلاث معان لا تحصى فروعها لأن همة كل عبد على ~~قدر بغيته أحدهما هوى وهو عاجل حظ النفس أو أمنيته وهذا عن الجهل الغريزي ~~أو دعوى حركة أو سكون وهو آفة العقل ومحبة القلب، فأي هذه الثلاث قدح في ~~القلب فهو وسوسة نفس وحضور عدو منسوب إليه محكوم عليه بالذم ليست تصدر إلا ~~بأحد ثلاثة أصول بجهل، أو غفلة، أو طلب فضول دنيا، وهن مما لا يعني ومضافات ~~إلى الدنيا وأعمالها. # والأفضل مجاهدة النفس والعدو عن إمضائها وحبس الجوارح عن السعي فيها إن ~~كن من فضول الدنيا المباحات فإن كن هذه الثلاث وردن بمحرمات ففرض عليه كف ~~الجوارح عن السعي فيها فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن ~~حجابا بين قلبه وبين اليقين وإن كن وردن بمباحات ففضل له بنفيها عن قلبه ~~كيلا يكون قلبه موطنا للغفلات وأصلهن الابتلاء من الله تعالى بالتقليب ~~والامتحان منه في التصريف ولذلك خلق النفس والروح والموت والحياة وجعل ما ~~على الأرض زينة لها ليظهر أحسن العمل بالزهد فيها وينظر كيف تعملون فإذا ~~أراد الله تعالى سلامة هذا العبد بعد أن أشرف على الهلاك والبعد بتسليط ~~العدو عليه وتسويل النفس له نظر القلب عند الابتلاء فهدى النفس بنور إيمانه ~~إلى الله تعلى فأسر الالتجاء إليه وأخفى التوكل عليه عائذا لائذا به واضطر ~~مخلصا له فهناك توكل عليه فكان حسبه وعندها فوض إليه أمره فوقاه مكر عدوه ~~وحينئذ اضطر إليه واتقاه فجعل له مخرجا ونجاه فينظر الله تعالى إلى القلب ~~نظرة تخمد النفس وتمحق الهمة وتخنس العدو لسقوط مكانه وتذهب لخنوسه شدة ~~سلطانه فيصفو القلب من التأثير بنور السراج المنير ويملس من التحرير بقوة ~~القهار العزيز فيخاف العبد مقام الرب لصفاء القلب عن نظر الرب تعالى فيفزع ~~من الخطيئة ويهرب أو يستغفر منها ويتوب ويظهر عليه شعار تقواه. # وإن أراد الله تعالى بعبد هلكة وكان قد حكم بوقوع الشر ms0282 نظر القلب بعد ~~الهمة # PageV01P213 # بهوى النفس إلى العقل فرجع العقل إلى النفس فسولت وطوعت فسكن العقل ~~واطمأن إلى تسويل النفس وطوعها فانشرح الصدر بالهوى لسكون العقل وانتشر ~~الهوى في القلب لشرح الصدر وتوسعته فقوي سلطان العدو لاتساع مكانه فأقبل ~~بتزيينه وغروره وأمانيه ووعده يوحي بذلك زخرفا من التحول وغرورا فيضعف ~~سلطان الإيمان لقوة سلطان العدو وخفاء نور اليقين فغلب الهوى لقوة الشهوة ~~فأحرقت الشهوة العلم والبيان فارتفع الحياء واستتر الإيمان بالشهوة فظهرت ~~المعصية لغلبة الهوى وارتفاع الحياء، وهذان المعنيان من ظهور الخيروالشر ~~والطاعة والمعصية فلهذه الأسباب يوجدان في طرفة عين فتصير أجزاء العبد جزأ ~~واحدا ومفصلاته تعود بالمراد منه فصلا واحدا كالبرق في السرعة بتغليب ~~القدرة على المشيئة إذا قال جل وعلا له: (كن فيكون) آل عمران: 59. # وإن أراد الله تعالى إظهار خير وإلهام تقوى من خزائن الملكوت حرك الروح ~~بخفي اللطف فتحركت بأمره جلت قدرته فقدح من جوهرها نور سطع في القلب همة ~~عالية وهمة الخير ترى بأحد ثلاثة معان لا تحصى فروعها لأن كل عبد همته في ~~الخير مبلغ علمه ومنتهي مقامه، فأحد الأصول مسارعة إلى أمر يفرض أو ندب ~~لفضل يكون عن عمل حال العبد أو علم يكون فطنة له أظهر عليه من مكاشفة غيب ~~من ملك أو ملكوت، والمعنى الثالث بتحمل مباح من تصرف فيما يعني مما يعود ~~صلاحه عليه واستراحة النفس بما أبيح له يكون نفعه لغيره أو ترويحات من ~~الأفكار لقلبه الغائص في البحار يكون حملا لكربه وتخفيفا لثقله، فهذه مرافق ~~للعبد باختيار من المعبود وحكمة من الحكيم وفي كلها رضاه سبحانه وتعالى ~~فإمضاؤها أفضل للعبد وبعضها أفضل من بعض، وهذه الأصول الستة من الخير والشر ~~هي الفرق بين لمة الملك وبين لمة العدو وبين إلهام التقوى وإلهام الفجور ~~التي هي النية والوسوسة، وهما الاختيار أو الاختبار، وقد تكون هذه المعاني ~~مكاشفات مزيد للعبد ينظر إلى الله منها ويجد الله تعالى بما أوجده منه ~~عندها ويكون تعريفا من الله يتعرف إليه بها ويفتح له ms0283 باب الأنس والشوق منها ~~ثم تتفاوت العباد في مشاهدتها على حسب علوهم في اليقين وعلى قدر قوتهم ~~ومكانهم من التمكين إلا أن أصول معاني الخير وأواسطها إلهام الملك والإلقاء ~~في الروح وقوادح الأنوار في كتب الإيمان وفروعها الآخرة والعلم مما أمر به ~~أو ندب إليه والمباح وأصول معاني الشر أضدادها أواسطها النفس والعدو ~~وأسبابها الشهوة والهوى يظهرن عن الجهل ويوقعن الحجاب ويصدرن إلى عقاب. # فإذا أراد الله تعالى إظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نورا في ~~القلب فأثرت فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر ~~مكانه فيتمكن على مثال فعل العدو في خزانة الشر، وهي النفس، والملك مجبول ~~على الهداية مطبوع على # PageV01P214 # حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على حب المعصية فيلقي ~~الملك الإلهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك ويحسنه له ~~ويحثه عليه وهذا هو إلهام التقوى والرشد وينظر الملك إلى اليقين كما ينظر ~~العدو إلى النفس فيشهد اليقين للملك بذلك فيطمئن العقل ويسسكن إلى شهادة ~~اليقين ويصير العقل الآن بإذن الله تعالى مع الملك بتأييد الله تعالى كما ~~كان مع النفس أول مرة مطمئنا إليها فينشرح الصدر لطمأنينة العقل فتظهر أدلة ~~العلم لانشراح الصدر فيقوى سلطان اليقين لصفاء الإيمان وتندرج ظلمة الهوى ~~في نور اليقين وتنطفئ شعلة الشهوة لظهور نور الإيمان ويزين الإيمان بزينة ~~الحياء فتضعف صفات النفس لسقوط الشهوة ويقوى القلب لضعف النفس ويزيد ~~الإيمان بقوة اليقين وظهور أدلة العلم فتغلب الهدايةلمزيد الإيمان ولبسة ~~الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون. ### | ذكر نوع آخر من البيان # وقد تختلف اللمتان من الملك والعدو ويتفاوت الإلهام والوسوسة في المعاني ~~من الخير والشر، فربما تقدمت لمة العدو بالأمر بالشر وتقدح بعدها لمة الملك ~~نصرة للعبد وتثبيتا على الخير وعناية من الرب تعالى فينهي عن ذلك، فعلى ~~العبد أن يعصي الخاطر الأول ويطبع الخاطر الثاني، وقديتقدم إلهام الملك ~~بالأمر بالخير ثم يقدح بعده ms0284 خاطر العدو بالنهي عنه والتثبيط والإملاء فيه ~~بالتأخير محنة من الله تعالى للعبد لينظر كيف يعمل وحسدا من العدو فعليه أن ~~يطيع الخاطر الأول ويعصي الخاطر الثاني، ثم تدق الخواطر من إلهام الملك ~~بالخير ومن وسوسة العدو بالشر، وقد يتفاوت ذلك من ضعف خاطر الخبر لقوة ~~الرغبة في الدنيا ومن قوة خاطر الشر لقوة الشهوة والهوى وفي المزيد والنقص ~~منهما والتقديم والتأخير بهما لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ومن قبل ~~تقليب القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة لأن له في خزانة الخير خزانة الشر ~~إذا شاء وله في خزانة الشر خزائن الخير إذا أحب لمن يحبه لئلا يسكن إلى ~~سواه ولا يدل العبد بما منه أبداه، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ولم ~~يدل به أبدا لأنه لا يأمن مكر الله تعالى بتقليب خزائن الشر من خزائن الخير ~~إذا عليه أبداه ولم ييأس من شر عليه أبداه لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من ~~خزئان الشر فيكون بين الخوف والرجاء ولا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم ولطائف ~~الفهوم وغوامض الفطن وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار، فما كان للعبد ~~يجد بعد خطرة الشر خطرة خير منها تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك وهذا هو ~~الواعظ القائم في القلب والزاجر المؤيد للعقل، وقد تترادف خواطر الشر من ~~النفس والهوى فلا يتعاقبها خاطر خير من الملك وهذا علامة البعد ونهاية قسوة ~~القلب، وقد تتابع خواطر الخير والبر من الروح والملك ويعافى العبد من ~~خاطريالهوى # PageV01P215 # والنفس وهذا علامة القرب وهو حال المقربين وقد ترد خواطر العدو ووساوسه ~~بالخير والبر ابتلاء من الله تعالى لعبده وحيلة من العدو ومكرا من النفس ~~يريد العدو بذلك الشر أو يخرجه آخر إلى إثم أو خير ليقطعه بذلك عن واجب أو ~~يشغله به عن الأفضل في الحال فيكون ظاهره برا وباطنه إثما ويكون أوله خيرا ~~وآخره إثما، وبغية العدو من ذلك باطنه وآخره، وشهوة النفس في ذلك هواها ~~ومناها قد لبسا ظاهره بالخير تزيينا وموها أوله بالبر تحسينا وهذا من ms0285 أدق ~~ما يبتلى به العاملون ولا يعرف بواطنه وسرائره إلا العالمون. # فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخبر صريح وبر محض على كل حال إذا ورد لأن ~~الخداع والحيلة ليس من وصف الملائكة ولكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب ~~إذا اشتدت قسوته ودامت معصيته من المتعبدين فيخلى بين القلب وبين نوازع ~~العدو اللعين ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ويقترن بالعبد نعوذ بالله من ~~إبعاده وعدم خيره وإرشاده ولايزال العبد مع إلهام الملك في مقام الإيمان، ~~فإذا رفع إلى مقام اليقين تولاه الله تعالى بواسطة أنوار الروح، فكان الروح ~~مكان إلقاء الحق حتى يرد عليه من الله تعالى بواسطة أنوار الروح، من ~~السرائر ما لا يطلع عليه الملك ولا يكون ذلك حتى تفنى خواطر النفس بالهوى ~~ولا تبقى منها باقية، وتطوى النفس فتندرج في الروح فلا يظهر منها داعية ثم ~~يتولاه الله تعالى بنور اليقين فيسطع له نور اليقين من خزانة الغيب المحجوب ~~بمكاشفات الجبروت فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة الغيب بفقد كونه ~~ووجد كينونته وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه، وهذا ~~يكون في مقام التوحيد وهذا أنصبة المقربين. ### | ذكر بيان آخر من تفصيل المعاني # وكل عمل وإن قل لا بد فيه من ثلاثة معان قد استأثر الله تعالى بتوليها ~~أولها التوفيق وهو الإتفاق أن يجمع بينك وبين الشيء ثم القوة وهو اسم لثبات ~~الحركة التي هي أول العقل ثم الصبر وهو تمام الفعل الذي به يتم، فقد رد ~~الله عز وجل هذه الأصول التي يظهر عنها كل عمل إليه، فقال سبحانه: (وما ~~توفيقي إلا بالله) هود: 88، وقال: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) الكهف: ~~39، وقال عز وجل: (واصبر وما صبرك إلا بالله) النحل: 127، وقد أجمل الله عز ~~وجل ذكر تقليب الكون بمشيئته في قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار) ~~النور: 44، والمعنى بما فيهما لأنهما ظرفان للأشياء فعبر عنهما بهما كقوله ~~تعالى: (بل مكر الليل والنهار) سبأ: 33، والمعنى مكركم في الليل والنهار ms0286 ~~فعبر بهما عن مكرهم لأنهما مكان لمكرهم، وكذلك قوله تعالى: (وله ما سكن في ~~الليل والنهار) الأنعام: 13 فيها وجهان أحدهما أي ما أقام من السكن والثاني ~~ما سكن من السكون وإنما # PageV01P216 # ذكر السكون دون الحركة لأنه هو الأصل حتى تحرك وهو الأقرب إلى العجز ~~والعدم والتحريك حادث جار بأحداث الله تعالى وإجرائه، ويجوز أيضا ذكر ~~السكون ليستدل به على الحركة لأنه ضدها، كما قال الله تعالى: (سرابيل تقيكم ~~الحر) النحل: 81 وهي أيضا تقي البرد فذكر أحد الوصفين ليستدل به على الآخر. # وقال سبحانه: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) الأنعام: 110، وكان قسم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب لما شهد من عظيم القدرة ولطيف الصنع في ~~التقليب، ولما رأى من سرعة نفاذ القدرة بالمراد في المقلبات مما لم يشهد ~~سواه فجعله قسما له تعظيما لقدرة المحلوف به وخوفا من سابق العلم بالتقليب ~~فكان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ~~قالوا له: وتخاف يا رسول الله؟ قال وما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن يقلبها كيف يشاء، وفي لفظ حديث آخر: إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء ~~أن يزيغه أزاغه، وقد روي عنه: مثل القلب مثل العصفور في تقلبه يتقلب في كل ~~ساعة، وفي خبر آخر: مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليا والخبر ~~المشتهر مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن، فالقلب ~~مكان للتقليب بما فيه من خزائن الغيب كالليل والنهار مكان للأحكام بالتصريف ~~من اختلاف الأزمان في الأوقات والإيمان بتقليب القلوب وبأن المقلب يحول بين ~~القلب وبين صاحبه واجب. # وقد قرن الله عز وجل الإيمان بالبعث الأمر بهما في قوله تعالى: (واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) الأنفال: 24، وفسره ابن ~~عباس فقال: يحول بين المؤمن وبين الكفر ويحول بين الكافر وبين الإيمان وقيل ~~يحول بين العبد وبين الاستجابة لله تعالى والرسول وقيل: يحول بين المؤمن ~~وبين سوء الخاتمة وبين ms0287 الكافر # PageV01P217 # وبين حسن الخاتمة وقيل يحول بين المؤمن وبين أن يلقيه في كبيرة يهلك فيها ~~وبين المنافق وبين أن يوفقه لطاعة فينجو بها ويحول بين الموحد وبين الخاتمة ~~بالتوحيد، وهذه مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد وكذلك الكون بأسره عند ~~الموحدين في القدرة بالتقليب كمثل ريشة في ريح عاصف تقلبه القدرة على مشيئة ~~القادر وليس في القدرة ترتيب ولا مسافة ولا بعد ولا يحتاج إلى زمان ولا ~~مكان، فما ظهر من الملك وثبت للعيون بمكان وزمان فلأجل الحكمة والصنعة ~~والإتقان وما خفي من الملكوت وتقلب ببصائر القلوب فبلطف القدرة وقهر ~~السلطان ونصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد ونصيبه من ~~التوحيد حسب قسمه من اليقين وقسمه، من اليقين على قربه من القريب وقربه علي ~~حسب قرب الله تعالى من قلبه وقرب الله تعالى منه بقدر علمه بالله تعالى ~~واتساعه في العلم بالله عز وجل على نحو مكانه من مزيد الإيمان ومزيد إيمانه ~~على قدر إحسان الله تعالى إليه وإحسانه إليه على قدر عنايته به وإيثاره له ~~وعلم الله من وراء ذلك وذاك سر القدرة المحجوب المخزن ونصيب كل عبد من ~~الجهل على قدر نصيبه من الغفلة ونصيبه من الغفلة على حسب حب الدنيا وحبه ~~للدنيا على قدر قوة الهوى وقوة الهوى على قدر غلبة سلطان النفس ونشر صفاتها ~~عليه وقوة صفات النفس على قدر ضعف اليقين وضعف يقينه على كثافة الحجاب ~~والبعد بينه وبين الله عز وجل والحجاب والبعد ميراثه الكبر وقسوة القلب ~~والقسوة تورث الانهماك في المعاصي وإدمان المعاصي عن الإعراض والمقت، ~~والإعراض والمقت، من قلة عناية المولى بعبده وسوء نظره له، ومن وراء ذلك سر ~~القدر الذي به عن الخلق قد استأثره، فهذه الأوصاف المذمومة العبد مبتل بها ~~على تضاد تلك الصفات المحمودة التي هي من المنعم بها ولكل وجهة هو موليها ~~ومكان الهوى من القلب على قدر تزيين العدو له وتسليطه عليه، فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ms0288 ضيقا حرجا، (إن ~~ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) آل ~~عمران: 160، وان يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله، فإذا كان الهادي هو المضل فمن يهدي؟. # وقد قال تعالى: (فإن الله لا يهدي من يضل) النحل: 37 أي فإن الله من شأنه ~~أن أحدا لا يهدي من أضله ومن كان أضله الله في سابق علمه فكيف يهديه الآن، ~~كذلك قال على الحرف الآخر فإن الله لا يهدي من يضل فإذا كان المعطي هو ~~المانع فمن يعط ولو كان الخير كله في قلب عبد ما قدر أن يوصل إلى قلبه من ~~قلبه ذرة ولا استطاع أن ينفع نفسه بنفسه خردلة لأن قلبه وان كان جارحته فهو ~~خزانته وله فيه ما لا يعلم هو فهو لا يطلع على ما فيه كما قال معجبا لمن ~~جهله وأضله أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا فكيف به أن يملك ما فيه ~~فيصرفه بما يحب، وقد قال: سبحان مصرف القلوب وقد # PageV01P218 # خاطب الله تعالى سيد البشر وأمره أن يخبر فقال: (قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله) الأعراف: 188، ثم قال بعد ذلك: (قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا) الجن: 21، ثم قال بعد ذلك: (قل إني لن يجيرني من الله ~~أحد ولن أجد من دونه ملتحدا) الجن: 22، وإذا كان المالك عزيزا جبارا وكان ~~كل شيء بيده لم يوصل إلى ما عنده بقوة ولا حيلة فليس الطريق إليه إلا الصدق ~~والإخلاص والذل والافتقار وقد حجب العقل المكيد عن النظر إلى المبدئ المعيد ~~بما أظهر له من صورته وحركته فستره عن الأول المصور وعن القادر المحرك ~~فادعى عن نظره إلى حركته وسكونه التي هي حجة له عن المحرك لغيب ادعاء ~~الحركة والسكون بنفسه لوقوف نظره على نفسه إذ كان مشهودا وعمي عن النظر إلى ~~الشاهد المحرك المسكن لبعد مقامه لأنه غيب من وراء الحركة والغيب لا يشهد ~~إلا ms0289 بغيب وهو اليقين كما لا تدرك الشهادة إلا بشهادة وهي العين فمن عمي ~~بصره لم ير من الملك شيئا كذلك من حجب قلبه لم ير من الملك شيئا، فلعدم ~~اليقين عمي عند المشاهدة ولإيقاع الحجة والحجاب أدرك بالمعقول الشهادة، ولو ~~كان من أولي البصائر لاعتبر الحركة الغيبية بالمتحرك المشاهد فكما أن ~~الحركة غيب في الجسم ظهر عنها المتحرك فأظهر سبحانه المتحرك وأخفى الحركة ~~فيه وأظهر الصنعة وأخفى الصنع فيها لتفصيل حكمته كذلك الصانع ذو الصنعة ~~الأول والحاكم الأعلى ذو الحكمة الأغلب غيب عن الحركة التي أخفاها هو من ~~ورائها بلطائف القدرة فشهد المعقول ما أشهدهما أظهر له ووجه به لأنه معقول ~~عليه محدود له وعمي عما غيب عنه لفقد اليقين منه فعندهما ادعى الحركة ~~والسكون للشاهد فحجبه ذلك عن الشهيد وشهد الموحد بشهادة التوحيد فوجد لما ~~كشف له الملكوت بنور اليقين فأفرد، وقد قال بعض العارفين: من نظر في توحيده ~~إلى عقله لم ينجه توحيده من النار ومن كان توحيده في الدنيا معلقا بمعقوله ~~لم يحمل توحيده معه لي اليقين أحسب أن هذا إيمان الذي يقال أخرجوا من النار ~~من كان في قلبه وزن مثقال من إيمان فما زاد على هذا المقدار فهو متصل ~~باليقين وهو مؤيد بالروح يمده روح التأييد فلا ينطفئ فهو المزحزح عن النار # وقد قال بعض علمائنا: من ظن أنه يصل إلى الله بغير الله تعالى قطع به، ~~ومن استعان على عبادة الله تعالى بنفسه وكل إلى نفسه، ثم إن الخلق محجوبون ~~بعد هذا الحجاب بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض أحدها أواسط وأسباب معترضة ~~وشهوات جاذبة وعادات راجعة صادرة، فالأسباب توقفهم عليها والشهوات تجذبهم ~~إليها والعادات تردهم فيها، فأي هذه الحجب ظهر في القلب وبعضها أشد عليه من ~~بعض فهو مكان للعدو أوسع من مكان فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه فقويت ~~النفس بتزيين العدو وسولت # PageV01P219 # بتأميلها فملكت العبد ملكا أشد من ملك، فإذا ملكت النفس العبد كان ~~مملوكها وأسيرها وكانت بالهوى أميرة فاستهواه الشيطان ms0290 حينئذ بالغواية ~~والإضلال واستحوذ عليه بمعاني المشاركة في الأولاد والأموال، فشغله بذلك عن ~~الله سبحانه وتعالى وأنساه ذكر الله عز وجل، وهذا هو الاقتران الذي ذمه ~~الله تعالى في قوله: (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) النساء: 38 وهو ~~فوق النزغ الهمز والخاطر بعد الهمة وهو خطور العدو على القلب بالوسوسة يزين ~~الهمة ويملي للعبد ويرجيه ويفسح له في أمله ويمنيه بالتوبة حتى تهون عليه ~~المصية ويعده بعدها بالمغفرة حتى يجرئه على الخطيئة وهذا هو الوعد بالغرور ~~وبعده الهلاك والثبور، كما قال يعدهم أي التوبة ويمنيهم المغفرة وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا، وهذا كله تصديق ظن العدو بالعبد واتباع العبد له بالهوى ~~عن مقام البعد وكشف لعلم الله تعالى بإظهار الحكم وإنفاذ المشيئة وهو ~~الابتلاء بالأسباب فصار العدو سببا لقوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) سبأ: 20، ثم أحكم ذلك بسابق علمه فقال (وما ~~كان له عليهم من سلطان) سبأ: 21، يعني بحوله وقوته وبقهره ومشيئته إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك أي لنرى وقيل لنعلم العلم الذي ~~يجازي عليه بالثواب والعقاب وقيل: لنختبر ونكشف وقيل: لنعلم المؤمنين ذلك ~~فيستبين لهم ويعلم من عمل تلك الأعمال التي ظهرت منه فتوقع عليه بذلك الحجة ~~ويتبين له كذبه كما قال: (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ~~العنكبوت: 3، فعلى هذه المعاني مجاز كل ما في كتاب الله عز وجل من قوله ~~لنعلم وحتى نعلم إذ كان علمه تعالى قد سبق المعلومات وإذا كانت الأشياء عن ~~علمه بعلمه جاريات فجعل تسليط العدو بسلطانه كشفا وإظهارا لما أخفاه من ~~سابق علمه كما جعل أفعال العباد الظاهر كشفا وإظهارا لإرادته الباطنة، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبق العلم وجف القلم وقضى القضاء ~~وتم القدر بالسعادة من الله تعالى لأهل طاعته وبالشقاء من الله تعالى لأهل ~~معصيته. ### | ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل أسمائها # فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من علم الخبر فهو إلهام ms0291 وما ~~وقع من علم الشر فهو وسواس وما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس وما كان ~~من تقدير الخير وتأميله فهو نية وما كان من تدبيرالأمور المباحات وترجيها ~~والطمع فيها فهو أمنية وأمل وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو ~~تذكر وتفكير وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة وما كان من ~~تحدث بمعاشها وتصريف أحوالها فهو هم وما كان من خواطر العادات ونوازع ~~الشهوات فهو لمم، ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدو بحسد ~~أو خطرة ملك بهمس، ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في ~~القلب على ستة معان، وهذه حدود الشيء المظهر ثلاثة منها معفوة وثلاثة منها ~~مطالب بها، فأول ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء # PageV01P220 # يجده العبد بالحس كالبرقة فإن صرفها بالذكر امتحت وإن تركها بالغفلة كانت ~~خطرة وهو خطور العدو بالتزيين وإن نفى الخاطر ذهب وإن ولي عنه قوي فصار ~~وسوسة وهذا محادثة النفس للعدو وإصغاؤها إليه وإن نفى العبد هذه الوسوسة ~~بذكر الله خنس العدو وصغت النفس، وهذه الثلاث معفوة برحمة الله تعالى غير ~~مؤاخذ بها العبد وإن أمرج العبد النفس في محادثة العدو وطاولت النفس العود ~~بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسة فصارت نية فإن أبدل العبد هذه النية بنية ~~خير فاستغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدا فإن حل هذا العقد بالتوبة وهو ~~الإصرار والأقوى فصار عزما وهو القصد. # وهذه الثلاثة من أعمال القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها فإن تداركه ~~الله تعالى بعد العزم وإلا تمكن العزم فصار طلبا وسعيا وأظهر العمل على ~~الجوارح من خزائن الغيب والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك ~~والشهادة، فهذه الأعمال توجد من أعمال البر والإثم، فما كان منها من البر ~~همة ونية وعزما كان محسوبا للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادة ~~له به حسنات وما كان منها من الشر نية وعقدا وعزما فعلى العبد فيه مؤاخذه ~~من باب أعمال ms0292 القلوب ونيات السوء وعقود المعاصي وليس شيء مجانس للعدو مؤاخ ~~له إلا النفس جمع الله تعالى بينهما في الوسوسة بقوله: (الوسواس الخناس) ~~الناس: 4، وقوله: (ونعلم ما توسوس به نفسه) ق: 16، وكل شيء خلقه الله تعالى ~~فله مثل وضد، فمثل النفس الشيطان وضدهما الروح، ثم إن أعمال الجوارح من ~~النوعين الطاعة والمعصية أعظم في الأجر والوزر معا إلا ما لا يتأتى أن ~~يعمله بظاهر الجسم من شهادة التوحيد أو وجود شك أو كفر أو اعتقاد بدعة. ### | باب آخر من البيان والتفصيل # فأما ما كان من لائح يلوح في القلب من معصية ثم يتقلب فلا يلبث فهذا نزغ ~~من قبيل العدو وما كان في القلب من هوى ثابت أو حال مزعج دائم لابث فهو من ~~قبل النفس الأمارة بطبعها أو مطالبة منها بسوء عادتها وما ورد على العبد من ~~همه بخطيئة ووجد العبد فيها كراهتها، فالورود من قبل العدو والكراهة من قبل ~~الإيمان وما وجده العبد وجدا بهوى أو معصية ثم ورد عليه المنع من ذلك ~~فالوجد من النفس والوارد بالمنع من الملك وما وجده العبد من فكر في عاقبة ~~الدنيا أو تدبير الحال ونظر إلى معهود فهذا من قبل العقل وما وجد من خوف أو ~~حياء أو ورع أو زهد أو من شأن الآخرة فهذا عن الإيمان وما شهد القلب من ~~تعظيم أو هيبة أو إجلال أو قرب فهذا من اليقين وهو من مزيد الإيمان وإليه ~~يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه كما قال صاحب الأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أعوذ بك وإنما هذا تفصيل الحدود وإظهار المكان وإحكام العلم كما ~~قال تعالى: (وكل شيء فصلناه تفصيلا) الإسراء: 12، وقال: (قد فصلنا الآيات ~~لقوم يعلمون) الأنعام: 97، وليس في التوحيد ولا في المشاهدة تفكر ولا في ~~الإشارة عيان ولا في القدرة ترتيب ولكن لا بد # PageV01P221 # من علم التفصيل لا عن التوحيد وهو التفرقة بلسان الشرع عن عين الجمع ~~لإظهار الطرق واستنارة السبل وتطريق السالكين وترتيب العاملين ليهلك من هلك ~~عن بينة ms0293 ويحيا من حي عن بينة والله غالب على أمره، وقد فصل بعض العلماء ~~أعمال العباد وفرق بين الأمر والإرادة فقال: إن أعمال العباد لا تخلو من ~~ثلاثة أنواع: فرض وفضل ومعصية، قال: فنقول إن الفرض بأمر الله تعالى ومحبة ~~الله ومشيئة الله، تجتمع هذه المعاني الثلاثة في الفرائض قال: ونقول إن ~~النفل لا بأمر الله لأنه لم يوجبه ولم يعاقب على تركه ولكن بمحبة الله ~~ومشيئته جل وعلا أي لأنه شرعه وندب إليه فقال: ونقول إن المعصية لا بأمر ~~الله لأنه لم يشرعها على ألسنة المرسلين ولا بمحبة الله لأنه قد كرهها إذ ~~لم يأمر بها ولم يندب إليها ولكن بمشيئة الله جلت عظمته أن لا يخرج شيء من ~~إرادته كما لم يخرج شيء من علمه، والإرادة والمشيئة اسمان بمعنى واحد فقد ~~دخل كل شيء فيها كما دخل كل شيء في العلم فالله سبحانه عالم بما أراده وقد ~~سبق به علمه كذلك هو مريد لما علمه أظهرت إرادته سابق علمه وكشف علم الغيب ~~بظهور إرادته الشهادة فهو عالم الغيب والشهادة فالغيب علمه والشهادة معلومة ~~فكيف يخالف المعلوم العلم وهو إجراؤه والإرادة نفذت العلم في معلومات الخلق ~~وهذا فرض التوحيد فخرجت النوافل عن الأمر خرجت المعاصي عن المحبة في تفصيل ~~الأحكام، وتبين الحلال والحرام ولم تخرج معصية عن مشيئة، وقد قال الله جل ~~ثناؤه: (وكل صغير وكبير مستطر) القمر: 53، وقد قال رسول الله: كل شيء بقضاء ~~وقدر حتى العجز والكيس فذكر عرضين لطيفين هما سببا المنع والعطاء وقد فرق ~~عالمنا بين الأمر والإرادة فرقا لطيفا فحدثني بعض أصحابنا أنه سئل عن قول ~~الله عز وجل لما أمر إبليس بالسجود لآدم أراد منه ذلك أم لا فقال أراده ولم ~~يرده منه يعني أراده شرعا وإظهارا وعليه إيجابا ولم يرده منه وقوعا ولا ~~كونا إذ لا يكون إلا ما إراد الله تعالى إذ لو أراد كونه لكان ولو أراده ~~فعلا لوقع لقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ms0294 يس: ~~82، فلما لم يكن علمت أنه لم يرده، فقد كان الأمران معا إرادته بالتكليف ~~والتعبد وإرادته بأن لا يسجد كما لم يقدر من أن يمتنع من أن يؤمن، فكذلك ~~القول في نهيه لآدم عن أكل الشجرة إنه أراد الأكل منه ولم يرده له أي أراده ~~وقوعا وكونا لأنه قد وجد وكان كقوله إذا أردناه أن نقوله له كن فيكون فلما ~~كان علمت أنه أراده ولم يرده شرعا ولاأمرا لأنه لم يأمره به ولاشرعه له فقد ~~كان الأمران جميعا إرادته أن يكون العبد مكلفا مأمورا وإرادته الأكل منه ~~لأنه قد كان وكذلك القول في كل ما أمر به وأراده إنه أراد الأمر والنهي لهم ~~ليكونوا مكلفين متعبدين ولم يرده ممن لم يكن منه الائتمار والانتهاء لأنه ~~قال تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) النحل: 40، ~~فأخبر أنه إذا أراد شيئا كونه كما أنه إذا كون شيئا فقد أراده # بدلالة # PageV01P222 # كونه، فلما لم يمكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان، ~~ولما كان النهي من المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن، ~~فصار كون الشيء دليلا على إرادته، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان ~~الكل مأمورين منتهين ولم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده ~~كان وهذا أصل الابتلاء وإرادة ظهور البلاء، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد ~~كون ضده وقد أراد الأمر به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي ~~عنه فقط، وقد كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر ~~والخير وفي الابتلاء والقهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد ~~أي يظهر الأمر بالترك ويظهر النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر ~~الجوارح بالجبر على إرادته للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله ~~وهو إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما ~~بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة اليوم وإليه ms0295 نسبوا لما اعتزل عن ~~الحسن البصري بعد أن صحبه ولم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا ~~يقضي بالشيء ثم يعذب عليه فقال له: ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان ~~حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا ~~به لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه ~~بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه ~~وهذا من شؤم النفس وتكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره ~~والأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن واجتمعت على ~~قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء دون ~~بعض والحول في اللغة هو الحركة والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه ~~إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة ~~هو الثبات بعد الحركة وهو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى، وقد ~~روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله ~~إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. ة كونه، فلما لم يمكن ~~الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان، ولما كان النهي من ~~المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن، فصار كون الشيء دليلا ~~على إرادته، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان الكل مأمورين منتهين ولم ~~يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان وهذا أصل الابتلاء ~~وإرادة ظهور البلاء، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد كون ضده وقد أراد الأمر ~~به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي عنه فقط، وقد كان عالمنا ~~أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر والخير وفي الابتلاء والقهر ~~بمعان ms0296 لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد أي يظهر الأمر بالترك ويظهر ~~النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر الجوارح بالجبر على إرادته ~~للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله وهو إمامنا في هذا العلم بين ~~التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام ~~المعتزلة اليوم وإليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن البصري بعد أن صحبه ولم ~~يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه فقال ~~له: ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة ~~أمره، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به لم يجعل فيه أمرا ولا ~~نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه ~~على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه وهذا من شؤم النفس وتكدير ~~الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره والأمة مجتمعة على قول ما شاء ~~الله كان، وما لم يشأ لم يكن واجتمعت على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء دون بعض والحول في اللغة هو الحركة ~~والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه ~~فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة هو الثبات بعد الحركة وهو أول ~~الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى، وقد روينا في تفسير ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على ~~طاعة الله إلا بعون الله. # وهذا التفصيل في هذه المعاني من الأحكام هو ظاهر العلم وفرض القدر وفحوى ~~التنزيل والشرع والجبر للملك الجبار يجبر خلقه على ما شاء كما خلقهم لما ~~شاء ويردهم إلى ما شاء كما ينشئهم فيما يشاء فالحكم لله العلي الكبير ~~الواحد القهار يقهر عباده كيف شاء ويجري عليهم ما يشاء ms0297 وله الحجة البالغة ~~والعزة القاهرة والقدرة النافذة والمشيئة السابقة بوصف الربوبية وبحكم ~~الجبرية وعليهم الاستسلام والانقياد والطاعة والاجتهاد طوعا وكرها بوصف ~~العبودية وبحق الملكة إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين، (لله الأمر ~~من قبل ومن بعد) الروم: 4 # PageV01P223 ### | الفصل الحادي والثلاثون # كتاب العلم وتفضيله # وأوصاف العلماء وذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم وكشف طرق العلماء ~~من السلف الصالح وذكر بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلم والفرق ~~بين العلم الظاهر والباطن وبين علماء الدنيا والآخرة وفضل أهل المعرفة على ~~علماء الظاهر وذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا ووصف العلم وطريق ~~التعليم وذم ما أحدثه المتأخرون من القصص والكلام وباب ذكر ما أحدث الناس ~~من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف وبيان فضل الإيمان ~~واليقين على سائر العلوم والتحذير من الرأي. # وذكر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم وفي ~~الحديث الآخر اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم، ~~قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: أراد بذلك علم حال يعني علم حال العبد ~~من مقامه الذي أقيم فيه بأن يعلم أحدكم حاله الذي بينه وبين الله عز وجل في ~~دنياه وآخرته خاصة فيقوم بأحكام الله تعالى عليه في ذلك، وقال بعض العارفين ~~معناه طلب علم المعرفة وقيام العبد بحكم ساعته وما يقتضي منه في كل ساعة من ~~نهاره، وقال بعض علماء الشام إنما عنى به طلب علم الإخلاص ومعرفة آفات ~~النفس ووساوسها ومعرفة مكايد العدو وخدعه وغروره وما يصلح الأعمال ويفسدها ~~فريضة كله من حيث كان الإخلاص في الأعمال فريضة ومن حيث أعلم بعداوة إبليس ~~ثم أمر بمعاداته وذهب إلى هذا القول عبد الرحيم ابن يحيى الأرموي ومن ~~تابعه، وقال بعض البصريين في معناه: طلب علم القلوب ومعرفة الخواطر ~~وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد ووسواس العدو ms0298 والنفس ~~فيستجيب لله تعالى بتنفيذ ما منه إليه ومنها ابتلاء الله تعالى للعبد ~~واختبار تقتضيه مجاهدة نفسه في نفيها ولأنها أول النية التي هي أول كل عمل ~~وعنها تظهر الأفعال وعلى قدرها تضاعف الأعمال فيحتاج أن يفرق بين لمة الملك ~~ولمة العدو وبين خاطر الروح ووسوسة النفس وبين علم اليقين وقوادح العقل ~~ليميز بذلك الأحكام، وهذا عند هؤلاء فريضة وهو مذهب مالك بن دينار وفرقد ~~السنجي وعبد الواحد بن زيد وأتباعهم من النساك وقد كان أستاذهم الحسن ~~البصري يتكلم في ذلك وعنه حملوا علوم القلوب، وقال عباد أهل الشام معناه ~~طلب علم # PageV01P224 # الحلال فريضة إذ قد أمر الله تعالى به وأجمع المسلمون على تفسيق آكل ~~الحرام، وقد جاء في خبر مفسر طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ومال إلى هذا ~~القول إبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط ووهيب بن الورد وحبيب بن حرب. # وقال بعض هذه الطائفة من أهل المعرفة: معناه طلب علم الباطن فريضة على ~~أهله قالوا وهذا مخصوص لأهل القلوب ممن استعمل به واقتضى منه دون غيره من ~~عوام المسليمن ولأنه جاء في لفظ الحديث: تعلموا اليقين فمعناه اطلبوا علم ~~اليقين وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين وهو من أعمال الموقنين ~~المخصوص في قلوب العارفين وهو العلم النافع الذي هو حال العبد عند الله ~~تعالى ومقامه من الله تعالى كما شهد له الخبر الآخر في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: وعلم باطن في القلب وهو العلم النافع فهذا تفسير ما أجمل في غيره، ~~وقال جندب: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان ثم يعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا وسيأتي زمان قوم يتعلمون القرآن قبل الإيمان يعين ~~تعلمنا علم الإيمان وهذا مذهب نساك أهل البصرة، وقال بعض السلف: إنما معناه ~~طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد وأصول الأمر والنهي، والفرق بين ~~الحلال والحرام إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك وكلها يقع عليه اسم علم من ~~حيث هي معلومات ثم قد أجمعوا أن ليس ms0299 تعليم ما زاد على ما ذكرناه فرضا وإنما ~~فيه فضل أو ندب، وقال بعض فقهاء الكوفة: معناه طلب علم البيع والشراء ~~والنكاح والطلاق وإذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع دخوله في ذلك طلب علمه ~~لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يتجر في سوقنا هذا إلا من تفقه وإلا ~~أكل الربا شاء أم أبى وكما قيل تفقه ثم اتجر ومال إلى هذا سفيان الثوري ~~وأبو حنيفة وأصحابهما، وقال بعض المتقدمين من علماء خراسان: هو أن يكون ~~الرجل في منزله فيريد أن يعمل شيئا من أمر الدين أو يخطر على قلبه مسألة ~~الله سبحانه وتعالى فيها حكم وتعبد وعلى العبد في ذلك اعتقاد أو عمل فلا ~~يسعه أن يسكت على ذلك ولا يجوز له أن يعمل فيه برأيه ولا يحكم بهواه فعليه ~~أن يلبس نعليه ويخرج فيسأل عن أعلم أهل بلده فيسأله عن ذلك عند النازلة ~~فهذا فريضة وحكي هذا القول عن ابن المبارك وبعض أصحاب الحديث. # وقال آخرون: يعني طلب علم التوحيد فرض وإنما اختلفوا في كيفية الطلب ~~وماهية الإصابة، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار، ومنهم من قال ~~من طريق البحث والنظر، ومنهم من قال من طريق التوفيق والأثر، وقالت طائفة ~~من هؤلاء: إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها العبد وابتلى بها ~~وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل التسليم ومعتقد جملة ~~المسلمين لا يقع في وهمه ولا يحيك في صدره شيء من الشبهات فيسعه ترك البحث ~~فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك ووقر في # PageV01P225 # قلبه ولم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ومعرفة تمييز حقه من باطله لم يحل له ~~أن يسكت عليه لئلا يعتقد باطلا أو ينفي حقا فافترض عليه طلب ذلك من العلماء ~~به فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق وينفي الباطل ~~ولا يقعد عن الطلب فيكون مقيما على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكا في الدين ~~فيعدل عن طريق المؤمنين أو ms0300 يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة ومذهب الجماعة ~~وهو لا يعلم، ولهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في دعائه: ~~اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه ولا تجعل ذلك ~~متشابها علينا فنتبع الهوى، وهذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ~~وداود بن علي والحسين الكرابيسي والحرث بن أسد المحاسبي ومن تابعهم من ~~المتكلمين، فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر: حكينا ذلك عن علمنا ~~بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة واحتججنا لكل قول، فالألفاظ لنا والمعنى ~~لهم وهذا كله حسن ومحتمل وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ ~~فإنهم متقاربون في المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمونه ~~وأهل الباطن تأولوه على علمهم ولعمري أن الظاهر والباطن علمان لا يستغني ~~أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام والإيمان مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم ~~والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه، وهؤلاء المختلفون في الأقوال مجمعون أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية والفتاوى ولا علم الاختلاف ~~والمذاهب ولا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه وإن كان الله تعالى لا يخلى ~~من ذلك من يقيمه بحفظه والذي عندنا في حقيقة معنى هذا الخبر والله أعلم أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة يعني علم هذه الفرائض الخمس التي ~~بني الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها، ثم إن العمل لا يصح ~~إلا بعلمه فأول العمل العلم به فصار علم العمل فرضا من حيث افترض العمل. # فلما لم يكن على المسلمين فرض من الأعمال إلا هذه الخمس فصار طلب علم هذه ~~الخمس فرضا لأنه فرض الفرض وعلم التوحيد داخل فيها لأنه في أوله شهادة أن ~~لا إله إلا الله بإثبات صفاته المتصلة بذاته ونفي صفات سواه المنفصلة عن ~~إياه كله داخل في علم شهادة: أن لا إله إلا الله وعلم الإخلاص داخل في صحة ~~الإسلام إذا لا يكون مسلما إلا بإخلاص العمل لقوله صلى الله عليه ms0301 وسلم ثلاث ~~لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله فبدأ به واشترط للإسلام والأصل في ~~هذا أنه لم يرد صلى الله عليه وسلم علم كل ما جاز أن يكون معلوما بإجماع ~~الأمة، إنه لم يعن بذلك علم الطب أو علم النجوم ولا علم النحو أو الشعر ~~أوالمغازي وهذه تسمى علوما لأنها تكون معلومة وأربابها علماء بها إلا أن ~~الشرع لم يرد بالأمر بمقتضاها والأمة مجمعة أيضا أنه لم يرد بذلك علم ~~الفتيا والقضاء ولا علم افتراق المذاهب واختلاف الآراء وهذه تسمى علوما عند ~~أهلها وبعضها فرض على الكفاية وكلها ساقطة عن الأعيان، والخبر جاء بلفظ ~~العموم بذكر الكلية وبمعنى الاسم فقال: # PageV01P226 # طلب العلم فريضة ثم قال: على كل مسلم بعد قوله: اطلبوا العلم فكان هذا ~~على الأعيان فكأنه على ما وقع عليه إسم العلم ومعناه المعهود المعروف ~~بإدخال التعريف عليه فأشير بالألف واللام إليه فإذا بطلت هذه الوجوه صح أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم أي طلب علم ما بني ~~الإسلام عليه فافترض على المسلمين علمه فريضة بدليل قوله صلى الله عليه ~~وسلم للأعرابي حين سأله: أخبرني ماذا افترض الله تعالى علي، وفي لفظ آخر: ~~أخبرنا بالذي أرسلك الله تعالى إلينا به، فأخبره بالشهادتين والصلوات الخمس ~~والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: لا إلا أن ~~تطوع فقال: والله لا أزيد عليه شيئا ولا أنقص منه شيئا فقال: أفلح ودخل ~~الجنة إن صدق فكان علم هذه الخمس فريضة من حيث كان معلومه فريضة إذ لا عمل ~~إلا بعلم. # وقد قال عز وجل: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) الزخرف: 86، وقال في ~~مثله: (حتى تعلموا ما تقولون) النساء: 43، وقال: (هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن) الأنعام: 148، وقال: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ~~بغير علم فمن يهدي من أضل الله) الروم: 29، وقال تعالى: (ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون) (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) الجاثية: ms0302 18 - 19، وقال ~~سبحانه وتعالى: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو) هود: 14، ~~وقال: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الأنبياء: 7، فهذه الآية افترض ~~الله فيها طلب العلم وذلك الخبر الذي جاء في أبنية الإسلام الخمسة افترض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هذه الأعمال ثم قال مجملا: طلب العلم ~~فريضة ثم وكده بقوله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم فكان تفسير ذلك ~~وتفصيله أن علم هذه الخمس التي هي بنية الإسلام فرض لأجل فرضها. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق مرسل أنه مر برجل ~~والناس مجتمعون عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا رجل علامة فقال: بماذا؟ قالوا ~~بالشعر والأنساب وأيام العرب، فقال: هذا علم لا يضر جهله، وفي لفظ آخر: علم ~~لا ينفع وجهل لا يضر، وروينا في الخبر: إن من العلم جهلا وإن من القول عيا، ~~وفي الخبر الآخر: قليل من التوفيق خير من كثير من العلم، وفي خبر غريب: كل ~~شيء يحتاج إلى العلم يجتاج إلى التوفيق والخبر المشهور قوله صلى الله عليه ~~وسلم: أعوذ بك من علم لا ينفع فسماه علما إذ له معلوم وأن أصحابه علماء عند ~~أصحابهم ثم رفع المنفعة عنهم واستعاذ بالله منه. # PageV01P227 # وقد روينا في خبر أن الشيطان ربما سبقكم بالعلم، قلنا: يا رسول الله كيف ~~يسبقنا بالعلم؟ قال: يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم فلا يزال في العلم ~~قائلا وللعمل مسوفا حتى يموت وما عمل، ففي هذا الخبر دليلان، أحدهما أنه ~~أريد به طلب فضول العلم الذي لا نفع له في الآخرة ولا قربة في طلبه من الله ~~والثاني أن العلم المفضل المندوب إليه إنما هو الذي يقتضي العمل لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعمل بغير علم ولايكره طلب علم للعمل به ألا ~~تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر: فضل من علم أحب إلي من ~~فضل من عمل وخير دينكم الورع. ### | ذكر فضل علم ms0303 المعرفة واليقين على سائر العلوم وكشف طريق علماء السلف # الصالح من علماء الدينا والآخرة # قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ألوف من صحابته كلهم علماء بالله ~~فقهاء عن الله تعالى أهل رضوان من الله تعالى ولم ينصب نفسه إلى الفتيا ولا ~~حملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلا، وكان ابن عمر إذا سئل عن ~~الفتيا قال: اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه، وروى ذلك ~~عن أنس ثم جماعة من الصحابة والتابعين بإحسان، وكان ابن مسعود يقول: إن ~~الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون، وكان ابن عمر رضي الله عنهما ~~يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة ويسكت عن تسعة، وكان ابن عباس على ضد ذلك ~~كان يسئل عن عشرة فيجيب في تسعة ويسكت عن واحدة، وكان من الفقهاء من يقول ~~لا أدري أكثر من أن تقول أدري، منهم: سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد بن ~~حنبل وفضيل بن عياض وبشر بن الحرث رضي الله عنهم، وكانوا في مجالسهم يجيبون ~~عن بعض ويسكتون عن بعض ولم يكونوا يجيبون في كل ما يسألون عنه. # وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو ~~فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك، وفي لفظ آخر كانت المسألة تعرض على أحدهم ~~فيردها إلى الآخر ويردها الآخر للآخر حتى يرجع إلى الذي سئل عنها أول مرة، ~~وروي عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما من التابعين، وقد روينا مسند ألا يفتي ~~الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف، تفصيل ذلك أن الأمير هو الذي ~~يتكلم في علم الفتيا والأحكام كذلك كان الأمراء يسئلون ويفتون والمأمور ~~الذي يأمره الأمير بذلك فيقيمه مقامه ويستعين به لشغله بالرعية والمتكلف هو ~~القاص الذي يتكلم في القصص السالفة ويقص أخبار من مضى لأن ذلك لا يحتاج ~~إليه في الحال ولم يندب ms0304 إليه من العلوم وقد تدخله الزيادة والنقصان ~~والاختلاف، فلذلك كره # PageV01P228 # القصص فصار القاص من المتكلفين. # وقد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه: لا يتكلم على الناس إلا ~~ثلاثة: أمير أو مأمور أو مراء فكان قولهم: أمير هو المفتي في الأقضية ~~والأحكام كما ذكرنا آنفا ومعنى مأمور هو العالم بالله عز وجل الزاهد في ~~الدنيا يتكلم في علم الإيمان واليقين وفي علم القرآن والحث على مصالح أعمال ~~الدين بأمر من الله تعالى أذن الله تعالى له في ذلك بقوله تعالى: (وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) آل عمران: 187، ~~وقد كان أبو هريرة وغيره يقولون: لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثتكم ~~بحديث أبدا ثم يتلو هذه والآية التي قبلها ويقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ما أتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ ~~على النبيين أن يبينه ولا يكتمه، وأما المرائي فهو المتكلم في علوم الدنيا ~~الناطق عن الهوى يستميل بذلك قلوب الناس ويجتلب بكلامه المزيد من الدنيا ~~والرفعة فيها، وقال بعض العلماء: كان الصحابة والتابعون بإحسان يتدافعون ~~أربعة أشياء: الأمانة والوديعة والوصية والفتيا، وقال بعضهم: كان أسرعهم ~~إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا لها وتوقفا عنها أروعهم، وقال بعض ~~السلف: كان شغل الصحابة والتابعين بإحسان في خمسة أشياء: قراءة القرآن، ~~وعمارة المساجد، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ~~ثلاثا: أمر بمعروف، أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى، وقال الله أصدق ~~القائلين: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس) النساء: 114، ورأى بعض أصحاب الحديث بعض فقهاء الكوفة من أهل ~~الرأي بعد موته في المنام قال: فقلت له ما فعلت فيما كنت عليه من الفتيا ~~والرأي قال: فكره وجهه وأعرض عني وقال ما وجدناه شيئا وما حمدنا عاقبته. ms0305 # وحدثونا عن علي بن نصر بن علي الجهضمي عن أبيه قال: رأيت الخليل بن أحمد ~~في النوم بعد موته فقلت: ما أجد أعقل من الخليل لأسألنه فقال لي: أرأيت ما ~~كنا فيه؟ فإني لم أر شيئا ما رأيت أنفع من قول: سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله والله، أكبر، وحدثونا عن بعض الأشياخ قال: رأيت بعض ~~العلماء في المنام فقلت له: ما فعلت تلك العلوم التي كنا نجادل فيها ونناظر ~~عليها قال: فبسط يده ونفخ فيها وقال طاحت كلها هباء منثورا ماانتفعت إلا ~~بركعتين حصلتا لي في جوف الليل وحدثت عن أبي داود السجستاني قال: كان بعض ~~أصحابنا كثير الطلب للحديث حسن المعرفة به فمات فرأيته في المنام فقلت ما ~~فعل الله بك فسكت فأعدت عليه فسكت فقلت غفر الله لك قال: لا، # PageV01P229 # قلت لم؟ قال: الذنوب كثيرة والمناقشة دقيقة ولكن قد وعدت بخير وأنا أرجو ~~خيرا، قلت: أي الأعمال وجدتها فيما هناك أفضل، قال: قراءة القرآن والصلاة ~~في جوف الليل، قلت: فأيما أفضل ما كنت تقرأ أو تقرئ؟ فقال: ما كنت أقرأ ~~قلت: فكيف وجدت قولنا فلان ثقة وفلان ضعيف فقال: إن خلصت فيه النية لم يكن ~~لك ولا عليك، وحدثت عن بعض الشيوخ قال: حدثني أحمد بن عمر الخاقاني قال: ~~أريت في منامي كأني في طريق أمضي إذ صادفني رجل فأقبل علي وهو يقول: وإن ~~تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله فقلت له: لي تعني؟ فقال: لك ولذاك ~~الذي خلفك، فالتفت فإذا سري رحمه الله فأعرضت عن الرجل وأقبلت على السري ~~وقلت: هذا أستاذنا ومؤدبنا الذي كان يؤدبنا في الدنيا، ثم قلت له: يا أبا ~~الحسن إنك قد صرت إلى الله تعالى فأخبرنا بأي عمل تقبله الله تعالى فأخذ ~~بيدي ثم قال تعال فجئت أنا وهو إلى بنية مثل الكعبة فوقفنا إلى جانبها إذا ~~أشرف علينا من البنية شخص فأضاء ذلك الموضع منه فأومأ سري إليه وأشالني ~~نحوه وكان سري قصيرا وأنا أيضا ms0306 قصير فمد ذلك الشخص الذي كان فوق البنية يده ~~فأخذني فشالني إليه فلم أقدر أفتح عيني من أنواركانت في ذلك المكان، ثم قال ~~لي: قد سمعت كلامك مع الشيخ كل خلق في القرآن محمود تفعله وكل خلق في ~~القرآن مذموم تنتهي عنه وحسبك هذا. # وقد حدثونا عن سري السقطي قال: كان شاب يطلب علم الظاهر ويواظب عليه ثم ~~ترك ذلك وانفرد واشتغل بالعبادة فسألت عنه فإذا هو قد اعتزل الناس وقعد في ~~بيته يتعبد فقلت له: قد كنت حريصا على الطلب لعلم الظاهر فما بالك انقطعت؟ ~~قال: رأيت في النوم قائلا يقول لي: كم تضيع العلم ضيعك الله فقلت إني ~~لأحفظه فقال: إن حفظ العلم العمل به فتركت الطلب وأقبلت على النظر فيه ~~للعمل، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ليس العلم بكثرة الرواية ~~وإنما العلم الخشية، وقال غيره من الفقهاء: إنما العلم نور يقذفه الله ~~تعالى في القلب، وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول: اعلموا ما شئتم أن ~~تعملوا فو الله لا يؤجركم الله تعالى عليه حتى تعملوا فإن السفهاء همتهم ~~الرواية وإن العلماء همتهم الرعاية. # وروينا عنه أيضا أنه قال: إن الله لا يعبأ بذي قول ورواية إنما يعبأ بذي ~~فهم ودراية، وقال أبو حصين: إن أحدهم ليفتي في مسألة لو وردت على عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر، وقال غيره: يسأل أحدهم عن الشيء ~~فيسرع للفتيا ولو سئل أهل بدر عنهالأعضلتهم، وقال عبد الرحمن بن يحيى ~~الأسود وغيره من العلماء: إن علم # PageV01P230 # الأحكام والفتاوى كان الولاة والأمراء يقومون به وترجع العامة إليهم فيه ~~ثم ضعف الأمر وعجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى الدنيا وشغلهم بالحروب عنها ~~فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر وبالمفتين في الجوامع، فكان الأمير ~~إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه وشماله مفتيان يرجع إليهما في القضاءوالأحكام ~~ويأمر الشرط بمثل ذلك فكان من الناس من يتعلم علم الفتيا والقضاء ليستعين ~~بهم الولاة على الأحكام والقضاء حتى كثر المفتون ms0307 رغبة في الدنيا وطلبا ~~للرياسة ثم اختلف الأمر بعد ذلك حتى تركت الولاة الاستعانة بالعلماء ومما ~~يدلك على ذلك حديث عمر رضي الله عنه حيث كتب إلى ابن مسعود عقبة بن عامر ~~ألم أخبر أنك تفتي الناس ولست بأمير ولا مأمور، وفي حديث أبي عامر الهروي ~~قال: حججت مع معاوية فلما قدمنا مكة حدث عن رجل يقضي ويفتي الناس مولى لبني ~~مخزوم فأرسل إليه فقال: أمرت بهذا قال: لا، قال: فما حملك عليه؟ قال: نفتي ~~وننشر علما عندنا، فقال معاوية: لو تقدمت إليك قبل يومي هذا لقطعت منك ~~طابقا ثم نهاه ولم يكونوا يقولون ذلك في علم القلوب ولا علم الإيمان ~~واليقين بل قد كتب عمر إلى أمراء الأجناد: احفظوا ما تسمعون من المطيعين ~~فإنهم تجلى لهم أمور صادقة وقد كان عمر رضي الله عنه يجلس إلى المريدين ~~فيستمع إليهم. # وفي الخبر: إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتا وزهدا فاقتربوا منه فإنه تلقى ~~الحكمة، وقال بعض أصحاب الحديث: رأيت سفيان الثوري حزينا فسألته فقال وهو ~~برم: ما صرنا إلا متجر الأبناء الدنيا قلت: وكيف؟ قال: يلزمنا أحدهم حتى ~~إذا عرف بنا وحمل عنا جعل عاملا أو جابيا أو قهرمانا، وكان الحسن يقول: ~~يتعلم هذا العلم قوم لا نصيب لهم منه في الآخرة يحفظ الله تعالى بهم العلم ~~على الأمة لئلا يضيع، وقال المأمون رحمه الله: لولا ثلاث لخربت الدنيا: ~~لولا الشهوة لانقطع النسل ولولا حب الجمع لبطلت المعايش ولولا حب الرياسة ~~لذهب العلم، فهذا كله وصف علماء الدنيا وأهل علم الألسنة، وأما علماء ~~الآخرة وأهل المعرفة واليقين فإنهم كانوا يهربون من الأمراء ومن أتباعهم ~~وأشياعهم من أهل الدنيا وكانوا ينتقصون علماء الدنيا ويطعنون عليهم ويتركون ~~مجالستهم، وقال ابن أبي ليلى أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة ~~ما سئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلاود أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال ~~مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ~~ويحيل الآخر على ms0308 صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم ولم يكونوا إذا سئل ~~أحدهم عن مسألة من علم القرآن أو علم اليقين والإيمان يحيل على صاحبه ولا ~~يسكت عن الجواب. # PageV01P231 # وقد قال الله سبحانه: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43 ~~فهم أهل الذكر لله تعالى وأهل التوحيد والعقل عن الله تعالى ولم يكونوا ~~يتلقنون هذا العلم دراسة من الكتب ولا يتلقاه بعضهم من بعض بالألسنة إنما ~~كانوا أهل عمل وحسن معاملات فكان أحدهم إذا انقطع إلى الله تعالى واشتغل به ~~واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب وكانوا عنده في الخلوة بين يديه ~~لايذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم الله ~~تعالى رشدهم ووفقهم لسديدقولهم وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة عن ~~قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية فآثرهم بحسن توفيقه أن ~~ألهمهم حقيقة العلم وأطلعهم على مكنون السر حين آثروه بالخدمة وانقطعوا ~~إليه بحسن المعاملة فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة الله تعالى لهم ~~وبجميل أثره عندهم فتكلموا بعلم القدرة وأظهروا وصف الحكمة ونطقوا بعلوم ~~الإيمان وكشفوا بواطن القرآن وهذا هو العلم النافع بين العبد وبين الله ~~تعالى وهو الذي يلقاه به ويسأله عنه ويثيبه عليه وهو ميزان جميع الأعمال. # وعلى قدر علم العبد بربه تعالى ترجح أعماله وتضاعف حسناته وبه يكون عند ~~الله تعالى من المقربين لأنه لديه من الموقنين فهم أهل الحقائق الذين وصفهم ~~علي عليه السلام وفضلهم على الخلائق، فقال في وصفهم القلوب أوعية وخيرها ~~أوعاها والناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع ~~كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، ~~العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكيه العمل ~~والمال تنقصه النفقة، محبة العلم دين يدان به يكسبه الطاعة في حياته وجميل ~~الأحدوثة بعد موته، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومنفعة المال تزول ~~بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر ثم تنفس ~~الصعداء فقال: ها إن ms0309 ههنا علما جما لو أجد له حملة بلى أجد لقنا غير مأمون ~~يستعمل الدين في طلب الدنيا ويستطيل بنعم الله تعالى على أوليائه ويستظهر ~~بحججه على خلقه أو منقادا لأهل الحق ينزرع الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ~~لا بصيرة له وليسا من رعاة الدين في شيء لا ذا ولا ذاك فمفهوم باللذة سلس ~~القيادة في طلب الشهوات أو مغرى بجمع الأموال والإدخار منقاد لهواه أقرب ~~شبها بهما الأنعام السائمة، اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه بل لا ~~تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة، إما ظاهر مكشوف وإما خائف مقهور لئلا ~~تبطل حجج الله تعالى وبيناته وأين أولئك الأقلون عددا الأعظمون قدرا ~~أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى ~~يودعها نظراءهم ويزرعوها في القلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ~~فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما # PageV01P232 # استوحش منه الغافلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ~~أولئك أولياء الله من خلقه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه، ثم بكى وقال: ~~واشوقاه إلى رؤيتهم فهذه كلها أوصاف علماء الآخرة وهذه نعوت علم الباطن ~~وعلم القلوب لا علم الألسنة وكذلك وصفهم معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصف ~~العلم بالله تعالى. # فيما رويناه من حديث رجاء بن حيوة بن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ قال: ~~تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدراسته تسبيح والبحث عنه ~~جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة ~~والصاحب في الخلوة والدليل على السراء والضراء والزين عند الإخلاء والقريب ~~عند الغرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم الله في ~~الخيرقادة وهداة يقتدي بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أعمالهم ويقتدى ~~بفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم حتى كل ~~رطب ويابس لهم مستغفر حتى حيتان البحر وهوامه وسابع البر ونعامه والسماء ~~ونجومها لأن العلم حياة القلوب من العمى ms0310 ونور الأبصار من الظلم وقوة ~~الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه ~~يعول بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله تعالى وبه يعبد وبه يوحد وبه ~~يتورع وبه توصل الأرحام العلم إمام والعمل تابعه تلهمه السعداء وتحرمه ~~الأشقياء، فهذه أوصاف علماء الآخرة ونعت العلم الباطن. # وقد كان من أفضل الأمراء بعد الخلفاءالأربعة: عمر بن عبد العزيز فحدثونا ~~عن زكريا بن يحيى الطائي قال: حدثني عمي زجر بن حصين أن عمر بن عبد العزيز ~~كتب إلى الحسن رحمهما الله: أما بعد فأشر علي بقوم أستعين بهم على أمر الله ~~تعالى فكتب إليه: أما أهل الدين فلن يريدوك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ~~ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة، وكان الحسن ~~يتكلم في بعض علماءالبصرة ويذمهم وكان أبو حازم وربيعة المدنيان يذمان ~~علماء بني مروان، وقد كان الثوري وابن المبارك وأيوب وابن عون يتكلمون في ~~بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة، وكان الفضيل وإبراهيم ابن أدهم ويوسف بن ~~أسباط يتكلمون في بعض علماءالدنيا من أهل مكة والشام كرهنا تسمية المتكلم ~~فيهم لأن السكوت أقرب إلى السلامة، وكان بشر يقول: حدثنا باب من أبواب ~~الدنيا فإذا سمعت الرجل يقول: حدثنا فإنما يقول: أوسعوا لي، وقدكان سفيان ~~الثوري إمامه من قبله يقول لأهل علم الظاهر: طلب هذا ليس من زاد الآخرة، ~~وقال ابن وهب ذكر طلب العلم عند مالك، فقال: إن طلب العلم لحسن، وإن نشره ~~لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ماذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن ~~حين تمسي إلى حين تصبح فلاتؤثرن عليه شيئا. # PageV01P233 # وقال أبو سليمان الداراني: إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب ~~المعاش فقد ركن إلى الدنيا، وأما علم الإيمان والتوحيد وعلم المعرفة ~~واليقين فهو مع كل مؤمن موقن حسن الإسلام وهو مقامه من الله وحاله بين يدي ~~الله ونصيبه منه في درجات الجنة، به يكون من المقربين عنده والعلم بالله ~~تعالى والإيمان به قرينان ms0311 لا يفترقان، فالعلم بالله تعالى هو ميزان الإيمان ~~به يستبين المزيد من النقصان لأن العلم ظاهر الإيمان يكشفه ويظهره والإيمان ~~باطن العلم يهيجه ويشعله، فالإيمان مدد العلم وبصره والعلم قوة الإيمان ~~ولسانه وضعف الإيمان وقوته ومزيده ونقصه بمزيدالعلم بالله عز وجل ونقصه ~~وقوته وضعفه، وفي وصية لقمان الحكيم لابنه: يابني كمالايصلح الزرع إلا ~~بالماء والتراب كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل ومثل المشاهدة من ~~المعرفة من اليقين من الإيمان كمثل النشاء من الدقيق من السويق من الحنطة، ~~والحنطة تجمع ذلك كله كذلك الإيمان أصل ذلك والمشاهدة أعلى فروعه كالحنطة ~~أصل هذه المعاني والنشاء أعلى فروعها فهذه المقامات موجودة في أنوار ~~الإيمان يمدها علم اليقين، ثم إن المعرفة على مقامين: معرفة سمع ومعرفة ~~عيان، فمعرفة السمع في الإسلام وهو أنهم سمعوا به فعرفوه، وهذا هو التصديق ~~من الإيمان ومعرفة العيان في المشاهدة وهو عين اليقين والمشاهدة أيضا على ~~مقامين: مشاهدة الاستدلال ومشاهدة الدليل عنها، فمشاهدة الاستدلال قبل ~~المعرفة وهذه معرفة الخبر وهو في السمع لسانها القول والواجد بها واجد يعلم ~~علم اليقين من قوله تعالى: (سبإ بنبإ يقين) (إني وجدت) النمل: 22 - 23، ~~فهذا العلم قبل الوجدوهو علم السمع وقد يكون سببه التعليم ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: تعلموا اليقين أي جالسوا الموقنين واسمعوا منهم علم اليقين ~~لأنهم علماؤه وأما مشاهدة الدليل فهي بعد المعرفة التي هي العيان وهو ~~اليقين لسانه الوجد والواجد بها واجد قرب وبعد هذا الوجد علم من عين اليقين ~~وهذا يتولاه الله تعالى بنوره على يده بقدرته، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: فوجدت بردها فعلمت فهذا التعليم بعد الوجد من عين اليقين باليقين ~~وهذا من أعمال القلوب، وهؤلاء علماء الآخرة وأهل الملكوت وأرباب القلوب وهم ~~المقربون من أصحاب اليمين وعلم الظاهر من علم الملك وهو من أعمال اللسان ~~والعلماء به موصوفون بالدنيا وصالحوهم أصحاب اليمين وجاء رجل إلى معاذ بن ~~جبل فقال: أخبرني عن رجلين، أحدهما مجتهد في العبادة كثير العمل قليل ~~الذنوب إلا أنه ms0312 ضعيف اليقين يعتريه الشك في أموره فقال معاذ: ليحبطن شكه ~~أعماله، قال: فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين وهو في ذلك ~~كثير الذنوب فسكت معاذ فقال الرجل: والله لئن أحبط شك الأول أعمال بره ~~ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها قال: فأخذ معاذ بيده وقام قائما ثم قال: ما ~~رأيت الذي هو أفقه من هذا وقد # PageV01P234 # روينا معناه مسندا قيل: يا رسول الله رجل حسن اليقين كثيرالذنوب ورجل ~~مجتهد في العبادة قيل اليقين: فقال ما من آدمي إلا وله ذنوب ولكن من كانت ~~غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه كلما أذنب تاب واستغفر ~~وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة. # وروينا في حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أقل ما ~~أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام ~~الليل وصام النهار، وفي وصية لقمان لابنه: يا بني لا يستطاع العلم إلا ~~باليقين ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ولا يقصر عامل حتى يقصر يقينه وقد ~~يعمل الضعيف إذا كان متيقنا أفضل من العمل القوي الضعيف في يقينه ومن يضعف ~~يقينه تغلبه المحقرات من الإثم، وقد كان يحيى بن معاذ يقول: إن للتوحيد ~~نورا وللشرك نارا وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك ~~لحسنات المشركين واليقين على ثلاث مقامات: يقين معاينة وهذا لا يختلف خبره ~~فالعالم به خبير وهو للصديقين والشهداء، ويقين تصديق واستسلام وهذا في ~~الخبر والعالم به مخبر مسلم وهذا يقين المؤمنين وهم الأبرار منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك كقوله تعالى جده: (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) الأحزاب: ~~22، وقد يضعف هؤلاء بعدم الأسباب ونقصان المعتاد ويقوون بوجودها وجريان ~~العادة ويحجبون بنظرهم إلى الأواسط ويكاشفون بها ويجعلون مزيدهم وأنسهم ~~بالخلق ويكون نقصهم ووحشتهم بفقدهم ويكون من هؤلاء الاختلاف ويتلونون ~~بالخلاف لتلوين الأشياء وتغيرها نقصها. ### | المقام الثالث من اليقين # وهو يقين ظن يقوى بدلائل العلم والخبر وأقوال العلماء ويجد هؤلاء المزيد ~~من ms0313 الله تعالى والنصيب منه لهم ويضعف بفقدالأدلة وصمت القائلين وهذا يقين ~~الاستدلال وعلوم هذا في المعقول وهو يقين المتكلمين من عموم المسلمين من ~~أهل الرأي وعلوم العقل والقياس والنظر وكل موقن بالله تعالى فهو على علم من ~~التوحيد والمعرفة ولكن علمه ومعرفته على قدر يقينه ويقينه من نحو صفاء ~~إيمانه وقوته وإيمانه على مقتضى معاملته ورعايته، فأعلى العلوم علم ~~المشاهدة عن عين اليقين وهذا مخصوص للمقربين في مقامات قربهم ومحادثات ~~مجالستهم ومأوى أنسهم ولطيف تملقهم، وأدنى العلوم علم التسليم والقبول بعدم ~~الإنكار وفقد الشكوك وهذا لعموم المؤمنين وهو من علم الإيمان ومزيد التصديق ~~وهذا لأصحاب اليمين، وبين هذين مقامات لطيفات من أعلى طبقات المقربين إلى ~~أوسط المقامات ومن أدنى طبقات أصحاب اليمين إلى أعلى أواسط الأعلين. # PageV01P235 ### | ذكر بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلوم # وروينا في الخبر: العلم ثلاثة، كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري، وعن ~~الشعبي أنه قال: لا أدري، نصف العلم يعني أنه من الورع وكان الثوري رضي ~~الله عنه يقول: إنما العلم الرخصة من ثقة فأما التشديد فكل أحد يحسنه يعني ~~أن التورع والتوقف في الأمور هو سيرة المؤمنين وإن لم يكونوا علماء لأن ~~الورع هو الجبن عن الإقدام والهجوم على الشبهات والوقوف عند المشكلات بسكون ~~أو سكوت، واليقين هو الإقدام على الأشياء ببصيرة وتمكين والقطع بالأمر على ~~علم وخبر فهذا صفة العلماء الموثوق بعلمهم لا يحسنه سواهم كما قال علي عليه ~~السلام لابنه محمد بن الحنفية وقدمه أمامه يوم الجمل وجعل يقول له: أقدم ~~أقدم ومحمد يتأخر وهو يركزه بقائم رمحه، فالتفت إليه محمد ابنه فقال: هذا ~~والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه علي برمحه، ثم قال: تقدم لا أم لك ~~أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها والمرء إذا قال: لا أدري فقد عمل بعلمه ~~وقام بحاله فله من الثواب بمنزلة من درى فقام بحاله وعمل بعلمه فأظهره، ~~فلذلك كان قول لا أدري نصف العلم ولأن حسن من سكت لأجل الله تعالى تورعا ~~كحسن من نطق لأجله ms0314 بالعلم تبرعا، وقال علي بن الحسين ومحمد بن عجلان: إذا ~~أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته، وقاله مالك والشافعي بعدهما واعلم ~~أن مثل العلم والجهل في تفاوت الناس فيهما مثل الجنون والعقل والمجانين ~~طبقات، كالعقلاء طبقات، وكذلك الجهال طبقات كالعلماء فخصوص الجهال يشبهون ~~عموم العلماء فهم يشتبهون على العامة حتى يحسبوهم علماء وهم مكشوفون عند ~~العلماء بالله تعالى وكذلك العارفون يشتبهون على عموم العلماء وهم ظاهرون ~~للموقنين، وقال بعض العلماء: العلم علمان، علم الأمراء وعلم المتقين، فأما ~~علم الأمراء فهو علم القضايا وأما علم المتقين فهو علم اليقين والمعرفة. # وقد قال الله سبحانه في وصف علم المؤمنين وذكر علم الإيمان: (يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة: 11، فجعل المؤمنين ~~علماء فدل على أن العلم والإيمان لا يفترقان والواو هنا عند أهل اللغة ~~للمدح لاللجمع، العرب إذا مدحت بالأوصاف أدخلت الواو للمبالغة فقالوا: فلان ~~العاقل والعالم والأديب، ومثل هذا قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم ~~والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكوة) النساء: 162 كله نعت، فالمؤمنون هم الراسخون في العلم وهم ~~المقيمون والمؤتون أيضا وكلهم وصف الراسخون في العلم ولذلك انتصب قوله ~~والمقيمين الصلاة لأنه مدح والعرب تنصب وترفع بالمدح وبمعناه قوله تعالى: ~~(والراسخون في العلم يقولون آمنا به) آل عمران: 7، فوصف العلماء بالإيمان ~~كما وصف المؤمنين بالعلم وكذلك قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان) الروم: 56، ومن هذا حديث أنس عن # PageV01P236 # النبي صلى الله عليه وسلم: أمتي خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما فطبقتي ~~وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان والذين يلونهم إلى الثمانين البر والتقوى ~~والذين يلونهم إلى مائة وعشرين أهل التواصل والتراحم، فقرن العلم بالإيمان ~~وقدمهما على سائرالطبقات. # وقد قرن الله سبحانه الإيمان بالقرآن وهو علم: كما قرن القرآن بالإيمان ~~كما قال تعالى: (كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة: 22، قيل ~~القرآن وتكون الهاء عائدة إلى الله تعالى في أكثر الوجوه، كما قال: (ما كنت ~~تدري ms0315 ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا) الشورى: 52، فأهل الإيمان هم ~~أهل القران وأهل القرآن أهل الله وخاصته، وقال المهدي لسفيان بن الحسين لما ~~دخل عليه وكان أحد العلماء أمن العلماء أنت فسكت فأعادعليه فسكت فقيل: ألا ~~تجيب أمير المؤمنين؟ فقال: يسألني عن مسألة لا جواب لها، إن قلت لست بعالم ~~وقد قرأت كتاب الله تعالى كنت كاذبا وإن قلت إني عالم كنت جاهلا، وقال أبو ~~جعفر الرازي عن الربيع عن أنس في قوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ~~فاطر: 28، قال: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم ألا ترى أن داود صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة والإيمان بك فما علم من ~~لم يخشك وما حكم من لم يؤمن بك، وقد سمى عبد الله بن رواحة العلم إيمانا ~~فكان يقول لأصحابه: اقعدوا بنا نؤمن ساعة فيتذاكرون علم الإيمان وقدجعل ~~الله للمؤمنين سمعا وبصرا وقلبا، وهذه طرائق العلم التي يؤخذ العلم منها ~~ويوجد بها وهي أصول العلم والنعم التي أنعم الله على الخلق بها وطالبهم ~~بالشكر عليها، فقال سبحانة: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل: 78، فأثبت العلم ~~بها بعد النفي بها له، وقال تعالى في وصف من لم يكن مؤمنا ونفي الغنية ~~بالعلم بها: (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدوان بآيات الله) الأحقاف: 26، فمن ~~آمن بآيات الله تعالى أغنى عنه سمعه وبصره وقلبه فكانت طرق العلم إليه. # وقال عز وجل في معنى ذلك أيضا: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء: 36، فلولا أن العلم يقع ~~بالسمع والبصر والقلب ما نهى عما لا يعلم هذه الأشياء ففي النهي عن قفو ما ~~لا يعلم هذه الأواساط ويتبعه إثبات العلم بها فكل مؤمن هو ذو سمع وبصر وقلب ~~فهو عالم بفضل الله ورحمته. # ومما فضل ms0316 الله تعالى به هذه الأمة على سائر الأمم وخصها به ثلاثة أشياء: ~~تبقية الإسناد فيهم يأثره خلف عن سلف متصلا إلى نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإلى من خلا من علمائنا وإنما كانوا فيهم يستنسخون الصحف كلما اختلقت ~~صحيفة جددت فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثاني حفظ كتاب الله تعالى المنزل ~~عن ظهر غيب، وإنما كانوا يقرؤون كتبهم # PageV01P237 # نظرا ولم يحفظ جميع كتاب أنزله الله تعالى قط غير كتابنا هذا إلا ما ~~ألهمه الله تعالى غزيرا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها عند ~~إحراق بيت المقدس، فلذلك قال سبط من اليهود إنه ابن الله تعالى عز عن ذلك ~~علوا كبيرا لما خصه به وأفرده من حفظ جميع التوراة، والثالث أن كل مؤمن من ~~هذه الأمة يسئل عن علم الإيمان ويسمع قوله ويؤخذ من رأيه وعلمه مع حداثة ~~سنه ولم يكونوا فيما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان ~~لا غير من الناس، وزادها رابعة على أمة موسى صلى الله عليه وسلم ثبات ~~الإيمان في قلوبهم لا يعتريه الشك ولا يختلجه الشرك مع تقليب القلوب في ~~المعاصي، وكانت أمة موسى عليه السلام تتقلب قلوبهم في الشك والشرك كما ~~تتقلب جوارحهم في المعاصي، فلذلك قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة بعد أن رأوا الآيات العظيمة من انفلاق البحر وسلوكهم فيه طرائق ~~وأنجاهم من الغرق وأهلك فرعون. # وروينا بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة: يا بني إسرائيل لا تقولوا ~~العلم في السماء من ينزل به ولا في تخوم الأرضين من يصعد به ولا من وراء ~~البحار من يعبره يأتي به العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بآداب ~~الروحانيين وتخلقوا لي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يعطيكم ~~ويغمركم، وفي الإنجيل مكتوب: لا تطلبوا علم ما لم تعملوا حتى تعملوا بما قد ~~علمتم، وفي أخبارنا نحن: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم حتى ~~قيل: من علم بعشر ما يعلم ورثه ms0317 الله علم ما يجهل، وقد روينا عن حذيفة بن ~~اليمان: إنكم اليوم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك ويأتي بعدكم زمان ~~من عمل منهم بعشر ما يعلم نجا، هذا لقلة العاملين وكثرة البطالين، وفي ~~كتابنا المجمل المختصر: واتقوا الله ويعلمكم الله واتقوا الله واعلموا ~~واتقوا الله واسمعوا، واعلم أن من عمل بعلم أو نطق به فأصاب الحقيقة عند ~~الله تعالى فله أجران، أجر التوفيق وأجر العمل - وهذا مقام العارفين، ومن ~~نطق بجهل أو عمل به وأخطأ الحقيقة فعليه وزران - وهذا مقام الجهال، ومن قال ~~أو عمل بعلمه وأخطأ الحقيقة فله أجر لأجل العلم وهذا مقام علماء الظاهر، ~~ومن قال بجهل أو عمل عملا وأصاب الحقيقة فعلية وزر لتركه طلب العلم وهذا ~~مقام جهلة العابدين، ومثل العالم مثل الحاكم وقد قسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم الحكام ثلاثة أقسام فقال صلى الله عليه وسلم: القضاة ثلاثة: قاض قضى ~~بالحق وهو يعلم فذاك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو قضى بالجور وهو ~~لا يعلم فهما في النار، ومن أحسن ما سمعت في قوله تعالى: (يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم) الأعراف: 26 قيل العلم وريشا قيل اليقين ~~ولباس التقوى أي الحياء. # وروينا عن وهب بن منبه اليماني في معناه: الإيمان عريان ولباسه التقوى ~~وزينته الحياء وثمرته العلم وقد أسنده حمزة الخراساني عن الثوري فرفعه إلى ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P238 # وقد رويناه أيضا مسندا، قال مسعر عن سعد بن إبراهيم وسأله سائل: أي أهل ~~المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم لله عز وجل، وقال بعض العلماء: لو قال لي قائل ~~أي الناس أعلم لقلت أورعهم ولو قال لي قائل أي أهل هذه المدينة خير؟ لقلت: ~~تعرفون أنصحهم لهم، فإذا قالوا نعم قلت هو خيرهم وقال آخر: لو قيل لي من ~~أحمق الناس لأخذت بيد القاضي فقلت هذا وقال الله تعالى: (واتقوا الله ~~واسمعوا) المائدة: 108 و (اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) الأحزاب: 70، فجعل ms0318 ~~تعالى مفتاح القول السديدوالعلم الرشيد والسمع المكين التقوى، وهي وصية ~~الله تعالى من قبلنا وإيانا إذ يقول الله سبحانه وتعالى: (ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن أتقوا الله) النساء: 131، وهذه الآية قطب ~~القرآن ومداره عليها كمدار الرحى على الخشبان. # وروينا عن عيسى عليه السلام كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، ~~وهو مقبل على دنياه وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به وهو لا ~~يطلبه ليعمل به، وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا ~~الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام، وفي الحديث: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه ~~إلا أعطوا الجدل ثم قرأ: ماضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون، وفي قوله عز ~~وجل: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) آل عمران: 7، الآية هم أهل الجدل الذين ~~عنى الله تعالى فاحذروهم، وعن بعض السلف: يكون في آخر الزمان علماء يغلق ~~عنهم باب العمل ويفتح عليهم باب الجدل، وفي بعض الأخبار: إنكم في زمان ~~ألهمتم فيه العلم وسيأتي قوم يلهمون الجدل، وعن ابن مسعود: أنتم اليوم في ~~زمان خيركم فيه المسارع ويأتي بعدكم زمان خيركم فيه المتبين يعني الآن ~~لبيان الحق واليقين في القرن الأول وبعد ذلك في زماننا هذا لكثرة الشبهات ~~والالبتاس ودخول المحدثات مداخل الليل في السير، فأشكل الأمر إلا على الفرد ~~الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله. # وروينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق ~~عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبدسوءا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب ~~الجدل، وفي الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعض الخلق إلى ~~الله عز وجل الألد الخصم، وقد روينا في خبر الحياء والعي شعبتان من الإيمان ~~والبذاء والبيان شعبتان من النفاق وفي بعضها مفسرا والعي عي اللسان لا عي ~~القلب، والخبر الآخر ما روى الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~قال رسول الله صلى ms0319 الله عليه وسلم: ما أوتي قوم المنطق إلا منعوا العمل، ~~وفي الحديث أن الله تعالى ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه ~~كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها، والخلاء هو الحشيش الرطب، وكان أحمد بن ~~حنبل يقول: العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهاما من غير تعليم وقال ~~أيضا: علماء أهل الكلام زنادقة، وقال قبله أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام ~~تزندق. # PageV01P239 ### | بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر # مما يدلك على أن العلم الذي فضله العلماء وأعظموا ذكره وخطره ووصفوا به ~~العالم ومدحوه به وجاءت بفضله الآثار وندب إليه وفضل في الأخبار أهله إنما ~~هو العلم بالله تعالى الدال على الله تعالى الراد إليه الشاهد بالتوحيد في ~~علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة والمعاملة دون سائر علوم الفتيا ~~والأحكام، إنهم يقولون من عمل بعلمه ويذكرون العمل بالعلم ويصفون جملته ~~بالخشية والخشوع فهذا إنما هو علم القلوب لا علم اللسان الذي يكون به العلم ~~ولا تتأتى عنه المعاملات من أعمال الإيمان مثل أعمال القلوب التي هي مقامات ~~اليقين وصفات المتقين ومثل أعمال الجوارح من الصالحات التي هي مزيد الإيمان ~~والذين أربابها أهل الفقر والزهد وذو التوكل والخوف وأصحاب الشوق والمحبة ~~وليس يعنون أن يكون الإنسان إذا علم علم الأحكام والقضايا عمل بها والتزم ~~الدخول في أحكامها ليعامل منها مثل أن يطلب القضاء فيقضي بين الناس إذا كان ~~عالما به أويقتني المال ويدخل في البيع والشراء إذا كان عالما بالزكوات ~~والبياعات أو يتزوج النساء ويطلق لأنه عالم بالنكاح والطلاق ليكون بهذه ~~الأشياء عاملا بعلمه، هذا ما قاله أحد بل قد روي في كراهة ذلك وذمه ما يكثر ~~ذكره، وأهل هذه العلوم موصوفون بالرغبة في الدنيا والحرص على جمعها ~~ويلابسون الأمراء فيعاملون لهم فبطل أنهم هم المعنيون بالعلم الموصوفون ~~بالخشوع والزهد، ومثل ذلك أيضا تفضيل الجمهور من السلف العلم على العمل ~~وقولهم ذرة من علم أفضل من كذا من العمل وركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة ~~من عابد، وحديث ms0320 أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضل ~~العالم على العابد كفضلي على أمتي، والخبر المشهور: كفضل القمر على سائر ~~الكواكب، وقول ابن عباس وسعد، وقدروينا مسندا: عالم واحد أشد على الشيطان ~~من ألف عابد وكذلك قيل في موته أحب إليه من موت ألف عابد إنما يعنون بذلك ~~العلم بالله تعالى أفضل من العمل لأن العلم بالله تعالى وصف من الإيمان ~~ومعنى من اليقين الذي لم ينزل من السماء أعز منه فهو لا يعادله شيء لا يصح ~~عمل ولا يقبل إلا به ولأنه معيار الأعمال كلها على وزنه تتقبل الأعمال ~~قبولا حسنا بعضه أحسن من بعض ويثقل في الميزان ثقلا فوق ثقل ويرفع به ~~العاملون في درجات عليين بعضها من بعض، وقد قال تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم) الأعراف: 52، ثم قال: (فلنقصن عليهم بعلم) الأعراف: 7، ~~وقال تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه) الأعراف: 8 فما كان ~~العائد منه إلى الربوبية أقرب كان أفضل والعمل وصف العامل وحكم العبودية لا ~~أنهم يعنون العلم بالفتيا والأحكام والقضاء التي هي أماكن الخلق عائدة ~~عليهم أفضل من معاملات الله سبحانه وتعالى بالقلوب من مقامات التوكل والرضا ~~والمحبة التي هي # PageV01P240 # معاينة اليقين الذي هو مقام المقربين هذا لا يقوله عالم. # وقد روينا عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد أما أهل ~~العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم ~~على ما جاءت به الرسل، ألا تراه كيف جعل العلم دالا على الله تعالى ~~كالجهاد، وكذلك جاء في الخبر: أول من يشفع الأنبياء ثم الشهداء، وفي الخبر: ~~للأنبياء على العلماء فضل درجة وللعلماء على الشهداء فضل درجتين، وقال ابن ~~عباس في معنى قوله عز وجل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات) المجادلة: 11، قال: للعلماء درجات فوق الذين آمنوا بسبعمائة درجة ما ~~بين الدرجتين ms0321 خمسمائة عام، وقال ابن مسعود: لما مات عمر رضي الله عنهما: ~~إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل: تقول هذا وفينا جله الصحابة ~~فقال: ليس أعني العلم الذي تريدون إنما أعني العلم بالله تعالى، فجعل العلم ~~بالمعلومات غير حقيقة العلم وفضل العلم بالله تعالى بتسعة أعشارها وليس ~~يزيد علم الظاهر على الأعمال كثير زيادة إذ هو من الأعمال الظاهرة لأنه صفة ~~اللسان ولأنه للعموم من المسلمين، فأعلى مقاماته الإخلاص فإن فاتهم فهو ~~دنيا كسائر الشهوات والإخلاص هو أول حال العالم بالله تعالى بالعلم الباطن ~~ولا نهاية لمقاماتهم إلى أعلى مقامات العارفين ودرجات الصديقين. # PageV01P241 ### | باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة وذم علماء السوء الآكلين # بعلومهم الدنيا # وقد فرقت العلماء بين العلم بالله تعالى وبين العلم بأمر الله تعالى ~~وفرقوا بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، فقال سفيان: العلماء ثلاثة، عالم ~~بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل، وعالم بالله تعالى فذاك التقي ~~الخائف، وعالم بأمر الله تعالى غير عالم بالله تعالى فذاك العالم الفاجر، ~~وقيل أيضا: عالم لله تعالى وهو العامل بعلمه، وعالم بأيام الله تعالى وهو ~~الخائف الراجي، وسئل سفيان عن العلم ما هو؟ فقال هو الورع، قيل: وأي شيء هو ~~الورع؟ فقال: طلب العلم الذي يعرف به الورع وهو عند قوم طول الصمت وقلة ~~الكلام وما هو كذلك إنما هو المتكلم العالم عندنا افضل من الصامت. # وروينا عن لقمان في وصيته: للعلم ثلاث علامات، العلم بالله وبما يحبه ~~الله تعالى وبما يكره فجعل حقيقة العلم ودليل وجوده هذه الثلاث، ومما يدلك ~~على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا ~~يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم إلا العلماء بالله عز وجل ~~فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة، فهذه صبغة الله ~~تعالى لأوليائه ولبسته للعلماء به، ومن أحسن من الله صبغة فمثلهم في ذلك ~~كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعه دون ms0322 سائر الصنائع ~~ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع، فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه ~~إذ صارت له لبسة وصفةلالتباسها بمعاملته، فكانت سيماه كما قيل: ما ألبس ~~الله تعالى عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكنية هي لبسة الأنبياء وسيما ~~الصديقين والعلماء فاعلم الناس بلطف ما يحب الله تعالى وخفي ما يكره أهل ~~القلوب الفاقهة عن الله تعالى وهم العارفون به، وقد كان سهل رحمه الله ~~يقول: العلماء ثلاثة، عالم بالله تعالى، وعالم لله تعالى وعالم بحكم الله ~~تعالى يعني العالم بالله تعالى العارف الموقن، العالم لله عز وجل هو العالم ~~بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والعالم بحكم الله تعالى هو العالم ~~بتفصيل الحلال والحرام فسرنا ذلك على معاني قوله ومعرفة مذهبه، وقد قال مرة ~~في كلام أبسط من هذا: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم ~~المؤمنون، وعالم بأمر الله لابأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، ~~وعالم بالله تعالى عالم بأيام الله وهم # PageV01P242 # الصديقون، يعني قوله بأيام الله أي بنعمته الباطنة وبعقوباته الغامضة، ثم ~~قال: الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون ~~منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل ~~حال، وقد كان يقول: طلاب العلم ثلاثة، واحد يطلبه للعمل به، وآخر يطلبه ~~ليعرف الاختلاف فيتورع ويأخذ بالاحتياط، وآخر يطلبه ليعرف التأويل فيتناول ~~الحرام فيجعل حلالا فهذا يكون هلاك الحق على يديه، وقد حدثت عن أبي يوسف ~~أنه كان إذا صار رأس الحول وهب ماله لامرأته واستوهبها مالها فتسقط عنهما ~~الزكاة فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال: ذلك من فقهه فإنما يطلب لعلم المعرفة ~~الورع والاحتياط للدين فهذا هو العلم النافع فإذاطلب لمثل هذا ولتأويل ~~الهوى كان الجهل خيرا منه وصار هذا العلم هو الضار الذي استعاذ الرسول منه. # وروينا عن عمر وغيره: كم من عالم فاجر وعابد وجاهل، فاتقوا الفاجر من ~~العلماء والجاهل من المتعبدين، وعن عمر أيضا: وقد رويناه مسندا: اتقوا كل ~~منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ms0323 ما تنكرون، وروينا عنه أيضا تعلموا ~~العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع لكم من ~~يتعلم منكم ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وروينا عن ~~علي وابن عباس رضي الله عنهما وعن كعب الأحبار: يكون في آخر الزمان علماء ~~يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان ~~الولاة ولا ينتهون ويؤثرون الدنيا على الآخرة ويأكلون الدنيا بألسنتهم أكلا ~~يقربون الأغنياء ويباعدون الفقراء يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء ~~على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذاجالس غيره ذلك حظهم من العلم، وفي حديث ~~علي رضي الله عنه: علماؤهم شر الخليفة، منهم بدت الفتنة وفيهم تعود، وفي ~~حديث ابن عباس: أولئك الجبارون أعداء الرحمن، وروينا عن علي عليه السلام: ~~ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان، عالم فاجر، ومبتدع ناسك، فالعالم الفاجر ~~يزهد الناس في علمه لما يرون من فجوره والمبتدع الناسك يرغب الناس في بدعته ~~لما يرون من نسكه، وقال صالح بن حسان البصري: أدركت المشيخة وهم يتعوذون ~~بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة، وقال الفضيل بن عياض: إنما هما ~~عالمان، عالم دنيا وعالم آخرة، فعالم الدنيا علمه منشور وعالم الآخرة علمه ~~مستور، فاطلب عالم الآخرة واحذر عالم الدنيا لا يصدنك بشكره، ثم قرأ إن ~~كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله، قال: فالأحبار العلماء والرهبان الزهاد، وقال سهل بن عبد الله: طلاب ~~العلم ثلاثة، فواحديطلب علم الورع مخافة دخول الشبهة عليه، فيدع الحلال خوف ~~الحرام فهذا زاهد تقي، وآخر يطلب علم الاختلاف # PageV01P243 # والأقاويل فيدع ما عليه ويدخل فيما أباح الله تعالى بالسعة ويأخذ للرخصة، ~~وآخر يسأل عن شيء فيقال: هذا لا يجوز فيقول: كيف أصنع حتى يجوز لي، فيسأل ~~العلماء فيخبرونه بالاختلاف والشبهة، فهذا يكون هلاك الخلق على يديه وقد ~~أهلك نفسه وهم علماء السوء، واعلم أن كل محب للدنيا ناطق بعلم فإنه آكل ~~للمال بالباطل وكل من أكل أموال الناس بالباطل فإنه يصد عن سبيل الله ms0324 لا ~~محالة وإن لم يظهر ذلك في مقاله ولكنك تعرفه في لحن معناه بدقائق الصد عن ~~مجالسة غيره وبلطائف المنع من طرقات الآخرة لأن حب الدينا وغلبة الهوى ~~يحكما عليه بذلك شاء أم أبى. # وقال بعض العلماء: إن الله عزوجل يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار من ~~العلماءومن تواضع لله تعالى ورثه الله تعالى الحكمة، وفي الخبر عن ابن ~~مسعود: إن الله تعالى ليمقت الحبر السمين، وقال رسول الله لمالك بن الصيف: ~~حبر من أحبار اليهود، فقال: نشدتك الله تعالى ألم تجدفيما أنزل تعالى على ~~موسى عليه السلام أن الله تعالى يبغض الحبر السمين، وكان ابن الصيف سمينا ~~فغضب عندها فقال: (ما أنزل الله على بشر من شيء) الأنعام: 91، ففيه نزلت ~~هذه الآية تعريفا لبهته: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا) ~~الأنعام: 91، فقال له أصحابه: ويحك ماذا قلت جحدت كتاب موسى فقال: إنه ~~محكني فقلت ذلك ويقال ما آتى الله تعالى عبدا علما إلا أتاه معه حلما ~~وتواضعا وحسن خلق ورفقا فذلك علامة العلم النافع، وقد روينا معناه في ~~الأثر: من آتاه عز وجل زهدا وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين، وكان الحسن ~~يقول: الحلم وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله، وفي أخبار داود عليه ~~السلام: إن الله تعالى أوحى إليه يا داودلاتسألن عني عالما قد أسكرته ~~الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، يا داود إن ~~أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا ~~داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما، يا داود من رد إلي هاربا كتبته عندي ~~جهبذا ومن كتبته جهبذا لم أعذبه أبدا. # وروينا عن عيسى عليه السلام: مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر ~~لا هي تشرب الماء ولا تترك الماء يخلص إلى الزرع، وكذلك علماء الدنيا قعدوا ~~على طريق الآخرة فلا هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون الله عز وجل، قال: ~~ومثل علماء السوء كمثل قناة الحش ظاهرها حسن وباطنها ms0325 نتن ومثل القبور ~~المشيدة ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى، # PageV01P244 # وقال بشر بن الحارث: من طلب الرياسة من العلماء فتقرب إلى الله تعالى ~~ببغضه فإنه مقيت الله في السماء والأرض، وكان الأوزاعي يروي عن بلال بن سعد ~~أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي والعون فيستعيذ بالله تعالى من حاله ~~ويمقته وينظر إلى عالم الدنيا قد تصنع للخلق وتشوف للطمع والرياسة فلا ~~يمقته، هذا العالم أحق بالمقت من ذلك الشرطي، وقد كان أبو محمد يقول: لا ~~تقطعوا أمرا من الدين والدنيا إلابمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند الله ~~قيل: يا أبا محمد من العلماء؟ قال الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ويؤثرون ~~الله تعالى على نفوسهم، وقد قال عمر رضي الله عنه في وصيته: وشاور في أمورك ~~الذين يخشون الله تعالى. # وروينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفا في ~~الحكمة حتى وصف بالحكم فأوحىالله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان قد ملأت الأرض ~~نفاقا ولم تردني بشيء من ذلك وإني لا أقبل شيئا من نفاقك قال: فأسقط في ~~يديه وحزن وترك ذلك وخالط العامة ومشى في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع ~~في نفسه فأوحى الله تعالى إلى النبي عليه السلام: قل له الآن وافقت رضاي، ~~وقال بعض العلماء: كان أهل العلم على ضربين، عالم عامة وعالم خاصة، فأما ~~عالم العامة فهو المفتي في الحلال والحرام وهؤلاء أصحاب الأساطين، وأما ~~عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد والمعرفة هؤلاء أهل الزوايا وهم ~~المنفردون وقد كانوا يقولون مثل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثل دجلة ~~كل أحد يعرفها، ومثل بشر بن الحارث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد ~~بعد واحد، وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ ~~فقال: العلم فيما مضى كان أكثر والكلام اليوم أكثر، ففرق بين العلم والكلام ~~وقد كانوا يقولون فلان عالم وفلان متكلم وفلان أكثر كلاما وفلان أكثر علما، ~~وكان أبو سليمان يقول: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام، ms0326 وقال بعض ~~العارفين هذا العلم على قسمين: نصفه صمت ونصفه تدري أين تضعه، وزاد آخر: ~~ونصفه وجد ونصفه نظريعني تفكرا واعتبارا، وسئل سفيان عن العالم من هو؟ ~~فقال: من يضع العلم في مواضعه ويؤتي كل شيء حقه، وقال بعض الحكماء: إذا كثر ~~العلم قل الكلام، وقد كان إبراهيم الخواص رحمه الله يقول: الصوفي كلما ~~ازداد علما نقصت طينته، وقال بعض شيوخنا: قلت للجنيد يا أبا القاسم يكون ~~لسان بلاقلب، قال # PageV01P245 # كثير: قلت فيكون قلب بلا لسان فقال: نعم قد يكون، ولكن لسان بلا قلب بلاء ~~وقلب بلا لسان نعمة قلت فإذا كان لسان وقلب قال: فذاك الزيد بالنرسبان يعني ~~العسل. # وقد روينا حديثا مقطوعا عن سفيان عن مالك بن مغول قال: قيل يا رسول الله ~~أي العمل أفضل؟ قال: اجتناب المحارم ولايزال فوك رطبا من ذكر الله تعالى، ~~قيل: يا رسول الله فأي الأصحاب خير؟ قال: صاحب إن ذكرت أعانك وإن نسيت ~~ذكرك، قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال: صاحب إن سكت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك، ~~قال: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله تعالى خشية، قال فاخبرنا بخيارنا ~~نجالسهم قال: الذين إذا رأوا ذكر الله تعالى قالوا: فأي الناس شر يا رسول ~~الله؟ قال: اللهم اغفرا قالوا أخبرنا يا رسول الله قال: العلماء إذا فسدوا ~~وقد وصف علي عليه السلام علماء الدنيا الناطقين عن الرأي والهوى بوصف غريب. # رويناه عن خالد بن طليق عن أبيه عن جده وجده عمران بن حصين قال: خطبنا ~~علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي عنه فقال: ذمتي رهينة وأنا زعيم لا يهيج ~~على التقوي زرع قوم ولا يظمأ على الهدى شح أصل، وإن أجهل الناس من لا يعرف ~~قدره وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل ~~قمش علما أغار في أغباش الفتنة عمي عما في غيب الهدنة سماه أشباه الناس ~~وأرذالهم عالما ولم يغن في العلم يوما سالما بكر فاستكثر مما قل منه خير ~~مما كثر ms0327 حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل جلس للناس مفتيا لتخليص ما ~~التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ؟ لها عشوالرأي من رأيهم فهو ~~من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب الجهالات ~~خباط عشوات ظلمة لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض على العلم بضرس قاطع ~~فيغنم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث وتستحل بقضائه الفروج الحرام، ~~لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما قرطبه أولئك الذين حلت ~~عليهم النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا، ووصف علي عليه السلام علماء ~~الآخرة في حديث كهيل بن زياد الذي يقول فيه الناس: ثلاثة عالم رباني يعني ~~عالما بالربوبية فننسبه إلى رب كما سماهم الله في قوله: (كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب) آل عمران: 79 الآية، فسمى العالم بكتابه ربانيا ~~والدارس له ربانيا فهذا قد جمع العلم والعمل وكذلك يقال: العالم الرباني هو ~~الذي يعلم ويعمل ويعلم الناس الخير، قال: فذاك الذي يدعى عظيما في ملكوت ~~السماء، وقال تعالى في تقدمتهم: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) المائدة: ~~63 فقدم الربانيين على الأحبار وهم علماء الكتب # PageV01P246 # وكذلك رويناه عن مجاهد قال: الربانيون فوق الأحبار درجة، وقال غيره: ~~والأحبار فوق الرهبان يعني علماء القلوب أرفع من علماء الألسنة والعلماء ~~بالكتب أفضل من العباد بدرجة، وقد ضمهم الله تعالى إلى أنبيائه في النصرة ~~له والصبر معه في قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) آل ~~عمران: 641، ثم وصفهم بالثبات لأمره والقوة في دينه والصبر لحكمه في تمام ~~الآية وربيون جمع ربي يقال ربي ورباني فجمع ربي ربيون وجمع رباني ربانيون. # وكذلك جاء عن رسول الله: يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم ~~الشهداء فقدم العلماء على الشهداء لأن العالم إمام أمة فله مثل أجور أمته ~~والشهيدعمله لنفسه، وفي خبر آخر: حبر العلماء يوزن بدم الشهداء فأعلى حال ~~الشهيد دمه وأدنى وصف العالم حبره، فسوى بينهما وزاد العالم على الشهيد ~~بأعلى ms0328 مقامه وكان علي عليه السلام يقول العالم أفضل من الصائم القائم ~~والمجاهد في سبيل الله وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمةلا يسدها إلاخلف ~~منه. # وقد روينا معناه مسندا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها ~~شيءما طرد الليل والنهار إلا موت العالم بحم طمس وموت قبيلة أيسر من موت ~~عالم ثم قال علي عليه السلام في حديث كهيل ومتعلم على سبيل النجاة يعني ~~مريدا طالبا للعلم متعلما من العلماء بالله تعالى على طريق معاملة وإخلاص ~~لطلب السلامة وأن ينجو من الجهل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة، ثم قال: ~~وهمج رعاع الهمج الفراش الذي يتهافت في النار لجهله واحدته همجة رعاع خفيف ~~طياش لاعقل له يستفزه الطمع ويستخفه الغضب ويزدهيه العجب ويستطيله الكبر ثم ~~بكى علي عليه السلام وقال: هكذا يموت العلم بموت حامليه ثم تنفس عند وصف ~~الربانيين فقال: واشوقاه إلى رؤيتهم يعني الربانيين من العلماء وقد ذكرنا ~~هذا الحديث بطوله في الباب الذي قبل هذا، فهؤلاء الذين بكى عليهم شوقا هم ~~الذين اشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم قبله فقال: واشواقاه إلى ~~لقاء إخواني ووددت أني قد رأيت إخواني، ثم قال: هم قوم يجيئون بعدكم، ثم ~~وصفهم فإنما كانوا إخوانه لأن قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم السلام ~~وأخلاقهم بمعاني صفات الإيمان وهم أبدال هذه الأمة جاء في وصفهم ما يجل عن ~~الوصف هم على ثلاث طبقات: صديقون، وشهداء، وصالحون، وإن منهم من قلبه على ~~قلب إبراهيم الخليل ومنهم من قلبه على قلب موسى الكليم وعيسى الروح ومحمد ~~الحبيب صوات الله عليهم وسلم أجمعين، ومنهم على قلب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل والأخوة تقع بين الاثنين في المجالسة وقرب الشبه في الأفعال ~~والأخلاق كما قال الله عز وجل: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا) الحشر: 11 لما كانوا على أوصافهم في القلوب من أسرار الكفر ~~واعتقاد الشك جعلهم إخوانا، وكذلك قال: إن # PageV01P247 # المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وهؤلاء ليسوا أمثالهم في الخلقة ولا ~~بينهم ms0329 أبوة ولا أمومة لأن الشياطين من ولد إبليس والمبذرين أولاد آدم عليه ~~السلام، ولكن تشابهت قلوبهم في المواجيد والأخلاق والأفعال، فآخى بينهم ~~للتشابه، فمن كان من علماء الآخرة فعقله يستضيء من أنوار قلبه وفهمه ينبئ ~~عن استنباط علمه ومشاهدته وأخلاقه على معاني يقينه وقوته وطريقه وسلوكه في ~~منهاج سنته وسبيله فهو من إخوانه وإخوان النبيين الذين اشتاق إلى رؤيتهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الغرباء بين الملأ الذين قال بدا الإسلام ~~غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا ~~فسد الناس، وفي لفظ آخر الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ~~ما أمات الناس من سنتي يعني أنهم يظهرون طريقته التي تركها الناس وجهلوها، ~~وفي خبر آخر: هم المتمسكون بسنتي وما أنتم عليه اليوم، وفي حديث آخر: ~~الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس سوء كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم، ~~فهؤلاء الغرباء الذين قد أنعم الله عليهم بمرافقة النبيين في أعلى عليين ~~فقال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا، وقد كان الثوري ~~يقول: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فأعلم أنه مخلط، وقال أيضا إذا رأيت ~~الرجل محببا إلى إخوانه محمودا في جيرانه فأعلم أنه مراء، وقد وصف الله ~~تعالى علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد ~~فقال تعالى في علماء الدنيا: (وإذ أخذالله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا) آل ~~عمران: 187، وقال في نعت علماءالآخرة: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ~~وما أنزل إليكم) آل عمران: 199 إلى قوله: (لهم أجرهم عند ربهم) آل عمران: ~~199 # وقد روينا عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: علماء هذه ~~الأمة رجلان، فرجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر ~~به ثمنا فذاك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام ~~الكاتبون يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيدا ms0330 شريفا حتى يرافق المرسلين، ~~ورجل أتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به عن عباد الله عز وجل وأخذ عليه ~~طمعا واشترى به ثمنا يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار ينادي مناد على ~~رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به على ~~عبادالله تعالى وأخذعليه طمعا واشترى به ثمنا يعذب حتى يفرغ من حساب الناس، # PageV01P248 # ومن أغلظ ما سمعت فيمن أكل الدنيا بالعلم ما حدثونا عن عتبة بن واقد عن ~~عثمان بن أبي سليمان قال: كان رجل يخدم موسى صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: ~~حدثني موسى صلى الله عليه وسلم وحدثني موسى نجي الله، حدثني موسى كليم ~~الله، حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى صفي الله فجعل يسأل عنه فلا يحس له ~~أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى ~~عليه السلام: أتعرف فلانا قال الرجل: نعم هوذا الخنزير: فقال موسى: يا رب ~~أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا فأوحى الله تعالى إليه: ~~يا موسى لو دعوتني بما دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكني أخبرك لم ~~صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين. # وروينا عن الحسن بأنه انصرف يوما من مجلسه فأستأذن عليه رجل من أهل ~~خراسان فوضع بين يديه كيسا فيه خمسة آلاف درهم وأخرج من حقيبته رزمة فيها ~~عشرة أثواب من دقيق بر خراسان، فقال الحسن: ما هذا؟ فقال: يا أبا سعيد هذه ~~نفقة وهذه كسوة، فقال له: عافاك الله ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا ~~بذلك، إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم ~~القيامة لاخلاق له، وفي خبر: إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق ~~والمغرب وما يزن عند الله جناح بعوضة وعلماء الدنيا الطالبون لها بالعلم ~~الآكلون لها بالدين المتخذون الأصدقاء والأخلاء من أبنائها المكرمون ~~المحبون لهم المقبلون بالبشر والبشاشة عليهم ms0331 هم معرفون في كل زمان بأوصافهم ~~ولحن قولهم وسيماهم، وقد روينا في مقامات علماء السوء حديثا شديدا نعوذ ~~بالله من أهله ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه فرويناه مرة مسندا من طريق ~~ورويناه موقوفا على معاذ بن جبل رضي الله عنه وأنا أذكره موقوفا أحب إلي، ~~حدثونا عن منذر بن علي عن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل ~~يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقته أنا على معاذ قال: من ~~فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، وفي الكلام تنميق وزيادة ~~ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم، ومن العلماء من يخزن علمه ~~فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار، ومن العلماء من ~~يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه ~~فغضب فذلك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب ~~علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلا فذلك في الدرك الثالث ~~من النار، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطا والله عز وجل يبغض ~~المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتكلم بكلام ~~اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء ~~من يتخذ علمه مروءة ونبلا وذكرا في الناس فذلك في الدرك السادس من النار، ~~ومن العلماء من يستفزه الزهو # PageV01P249 # والعجب فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار عليك ~~بالصمت فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب. # وقد روينا حديثا يدل على أوصاف علماء الآخرة وفيه أصول ما يدعون الخلق ~~إليه من مقامات الإيمان وأسباب الدين والإيقان، رويناه عن شقيق بن إبراهيم ~~البلخي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر ذكره عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وواقفته أنا على جابر بن عبد الله ms0332 قال: لا تجلسوا عند كل عالم ~~إلا عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ~~ومن الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومما ~~يدلك أن علم اليقين والتقوى وعلم المعرفة والهدى هو العلم المذكور، المقصود ~~عند السلف أن الصحابة والتابعين كانوا يشفقون من فقد ذلك ويخافون عدمه ~~ويخبرون عن رفعه وقلته في آخر الزمان وإنما يعنون بذلك علم القلوب ~~والمشاهدات الذي هو نتيجة التقوى وعلم المعرفة واليقين الذي هو من مزيد ~~الإيمان وثمرة الهدى، فإذا فقد المتقون وقل الخائفون وعدم الزاهدون ذهبت ~~هذه العلوم لأنها قائمة بهم موجودة عندهم هم أربابها والناطقون بها وهي ~~أحوالهم وطرائقهم هم السالكون لها والقائمون بها فلأجل معرفة الصحابة ~~والتابعين عزة ذلك كانوا يبكون على فقده، وقدوصف الله العلماء بالزهد في ~~الدنيا والاستصغار لها وبعمل الصالحات والإيمان بها كما وصف أبناء الدنيا ~~بالرغبة فيها والإستعظام لها قال تعالى في معنى ذلك: (فخرج على قومه في ~~زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم) القصص: 79، (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا) ، ثم قال عز وجل: (ولا يلقاها إلا الصابرون) القصص: 80، أي ~~لا يلقى هذه الحكمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا التي خرج فيها قارون. # وروينا عن جندب بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غلمانا حزاورة فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا ~~إيمانا، وعن ابن مسعود قال: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا ~~وسيأتي قوم يثقفونه تثقيف الغناء ليسوا بخياركم، وفي لفظ آخر: يقيمونه ~~إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه، وروينا عن ابن عمر وغيره لقد عشنا برهة ~~من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها ~~وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يتوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم ~~اليوم القرآن ولقد رأيت رجالا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان ms0333 فيقرأ ما بين ~~فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده وينثره ~~نثر الدقل، وفي الخبر الآخر بمعناه: كنا أصحاب رسول الله أوتينا الإيمان ~~قبل القرآن وسيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ~~ويضيعون حدوده ويقولون قرأنا، فمن أقرأ منا وعلمنا فمن أعلم منا فذلك حظهم ~~منه، وفي لفظ آخر: # PageV01P250 # أولئك شرار هذه الأمة، فأما العلم المأثور الذي نقله خلف عن سلف والخبر ~~المرسوم في الكتب المستودع في الصحف الذي يسمعه من غبر عمن قدم فهذا علم ~~الأحكام والفتيا وعلم الإسلام والقضايا طريقه السمع ومفتاحه الاستدلال ~~وخزانته العقل وهو مدون في الكتب ومحبر في الورق يتلقاه الصغير عن الكبير ~~بالألسنة وهو باق بقاء الإسلام وموجود بوجود المسلمين لأنه حجة الله تعالى ~~على عباده ومحجة العموم من خلقه فضمن إظهاره فلم يكن ليظهر إلا بحملة تظهره ~~ونقلة تحمله فقال تعالى: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الصف: 9، ~~وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بمعناه وعلم ظاهر على اللسان فذلك حجة ~~الله تعالى على خلقه وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تسمعون ويسمع منكم ~~ويسمع ممن سمع منكم فأخبر صلى الله عليه وسلم بالعلم العتيد المستودع ظهور ~~الكتب الذي هو ظاهر الدين وفي جهله وعدمه وجود الشرك كما ضمن الله تعالى ~~تبقية الإسلام على كره المشركين وقال صلى الله عليه وسلم: رحم الله من سمع ~~منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه، وقد أخبر أن حامل الفقه قد يكون غير فقيه القلب إذا لم يعمل ~~بعلمه وأنه قد يحمله إلى من هو أفقه منه إذا عمل به إذا وعاه كما قال في ~~الخبر الآخر: رب مبلغ أوعى من سامع فمدحه بالعمل به إذا وعاه، فتذكر به ~~وتفكر فيه وإن لم يكن سمعه منه صلى الله عليه وسلم. # وقال الله سبحانه وتعالى: (وتعيها أذن واعية) الحاقة: 12 يعني أذن القلب ~~الحافظة ما ms0334 سمعت الذاكرة لما وعت كما قال تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ق: 37 يعني أصغي بسمعه إلى سامعه وشهد ~~بقلبه ما سمعه من شاهده، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) ~~الحاقة: 12، قال: أذن عقلت عن الله تعالى أمره ونهيه فوعته وعملت به كما ~~وصف سبحانه وتعالى المؤمنين الذين نعتهم بقوله في تمام وصفهم: (والحافظون ~~لحدود الله) التوبة: 112، وقدروينا عن علي رضي الله عنه: اطلبوا العلم ~~تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، وقال أيضا رضي الله عنه: إذا سمعتم ~~العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب وقال بعض السلف: من ضحك ~~ضحكة مج مجة من العلم، وقال الخليل بن أحمد رحمه الله: ليس العلم ما حواه ~~القمطر إنما العلم ما وعاه الصدر، وإذا جمع العالم ثلاثا تمت النعمة به على ~~المتعلم الصبر والتواضع وحسن الخلق، وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به ~~على العالم العقل والأدب وحسن الفهم والله أعلم. ### | ذكر وصف العلم وطريقة السلف وذم ما أحدث المتأخرون من القصص والكلام # لا بد للعالم بالله تعالى من خمس هي علامة علماء الآخرة: الخشية، ~~والخشوع، # PageV01P251 # والتواضع، وحسن الخلق، والزهد، قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) فاطر: 28 وقال تعالى: (خاشعين لله) آل عمران: 199 الآية فلا بد له ~~من التواضع وحسن الخلق، قال الله عز وجل: (واخفض جناحك للمؤمنين) (وقل إني ~~أنا النذير المبين) الحجر: 88 - 89، وقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت ~~لهم) آل عمران: 159 الآية والزهد في الدنيا، قال الله تعالى: (الذين أوتوا ~~الكتاب) التوبة: 29 ويلكم ثواب الله خير فمن وجد فيه هذه الخلال فهو من ~~العلماء بالله عز وجل واعلم أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين ~~ويحتاج إلى العارف عند شبهات حاكت الصدور كما قال عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه: لا تزالون بخير ما إذا حاك في صدر أحدكم شيء وجد من يخبره به ~~ويشفيه ms0335 منه وأيم الله أوشك أن لا تجدوا ذلك، وكما قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أي الناس أعلم فقال: الله ورسوله أعلم، فقال أعلمهم بالحق ~~إذا اشتبهت الأمور ووقعت المشكلات، وإن كان يزحف على أسته، فكذلك إذا اختلف ~~الناس وإن كان في عمله تقصير وكما قال في حديث عمران بن حصين: إن الله ~~تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات ~~ويحب السخاء ولو على تمرات ويحب الشجاعة ولوعلى قتل الحيات، وقد حصلنا في ~~زماننا هذا في مثل ما خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد ~~وشبهة لو اختلجت في صدر مؤمن من معاني صفات الموحد وأردت كشف ذلك على حقيقة ~~الأمر بما يشهده القلب الموفق ويثلج له الصدر المشروح بالهدى كان ذلك عزيزا ~~في وقتك هذا ولكنت في استكشاف ذلك بين خمسة نفر، مبتدع ضال يخبرك برأيه عن ~~هواه فيزيدك حيرة، أو متكلم يفتيك بقصور علمه عن شهادة الموقنين وبقياس ~~معقوله على ظاهر الدين وهذا شبهة فكيف تنكشف به شبهة، أو صوفي شاطح تائه ~~غالط يجاوز بك الكتاب والسنة لا يباليهما ويخالف بقوله الأئمة لا يتحاشاها ~~فيجيبك بالظن والوسواس والحدس والتمويه ويمحو الكون والمكان ويسقط العلم ~~والأحكام ويذهب الأسماء والرسوم، وهؤلاء تائهون في مفازة التيه لم يقفوا ~~على الحجة قد غرقوا في بحر التوحيدلم يجعلوا أئمة المتقين ولا حجة للمتقين ~~وهذا ساقط القول إذ ليس معه حجة ولا هو على سنن المحجة، أو مفت عالم عند ~~نفسه موسوم بالفقه عند أصحابه يقول هذا من أحكام الآخرة ومن علم الغيب لا ~~نتكلم فيه لأنا لم نكلفه وهو في أكثر مناظرته يتكلم فيما لم نكلف ويجالد ~~فيما لم ينطق به السلف ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف ولا يعلم المسكين أنه ~~كلف علم يقين الإيمان وحقيقة التوحيدومعرفة إخلاص المعاملة وعلم ما يقدح في ~~الإخلاص ويخرج من جملته قبل ما هو فيه لأنه متكلف لبعض ما هو يبتغيه لأن ~~علم الإيمان وصحة التوحيد وإخلاص ms0336 العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من ~~الهوى الدنيوية # PageV01P252 # وما يتعلق بها من أعمال القلوب هو من الفقه في الدين ونعت أوصاف المؤمنين ~~إذ مقتضاه الإنذار والتحذير لقوله تعالى: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم) التوبة: 122 الآية، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: تعلموا اليقين ~~فإني متعلم معكم ولقول الصحابة رضي الله عنهم تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا فهذا مزيدا الهداية بالإيقان وهو زيادة المؤمنين في ~~الإيمان كما قال تعالى: (فزادهم إيمانا) آل عمران: 173 وقال عز وجل: (ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى) مريم: 76 ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ~~ويقين هو من صفات الموقنين وذلك هو حال العبد في مقامه بينه وبين ربه عز ~~وجل ونصيبه من ربه تعالى، وحظه من مزيد آخرته. # وذلك معقود بشهادة التوحيدالخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب ~~النفاق وهو مقترن بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة وإن علم ما سوى ~~هذا مما قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم إنما هو ~~حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشتغال عنه، فآثر هذا الغافل لقلة ~~معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده، آثر حوائج ~~الناس وأحوالهم على حاجته وحاله وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من ~~نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى لأجل آخرته ~~التي هي خبر وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها، فآثر التقرب منهم ~~على القربة من ربه عزه وجل وترك للشغل بهم حظه من الله تعالى إلا جزل وقدم ~~التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لغده من تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب ~~رضاه واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله وكان ~~سبب ما بلي به حب الرياسة وطلب الجاه عند الناس والمنزلة بموجب السياسة ~~والرغبة في عاجل الدنيا وعزها بقلة الهمة وضعف النية في عاجل الآخرة وذخره ~~فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما ~~وليكون في ms0337 قلوب البطالين عندهم فاضلا فورد القيامة مفلسا وعندما يراه من ~~أنصبة المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وريح الرضا العالمون ولكن أنى ~~له وكيف بنصيب غيره؟ وقد جعل الله تعالى لكل عمل عاملا ولكل علم عالما ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب كل ميسر لما خلق له هذا فصل الخطاب بينهما ~~فإن الأمة لم تختلف، إن علم التوحيد فريضة سيما إذا وقعت الشبهات وأدخلت ~~فيه المشكلات وإنما اختلفوا في مسألتين أي شيء هو التوحيد وفي كيفية طلبه ~~والتوصل إليه، فمنهم من قال بالبحث والطلب ومنهم من يقول بالاستدلال ~~والنظر، ومنهم من قال بالسمع والأثر، وقال بعضهم: بالتوقيف والتسليم وقال ~~بعض الناس: يدرك دركه بالعجز والتقصير عن بلوغ دركه، والرجل الخامس # PageV01P253 # من العلماء هو صاحب حديث وآثار وناقل رواية الأخبار يقول لك إذا سألته ~~اعتقد التسليم وأمر الحديث كما جاء ولا تفتيش وهذا يتلو المفتي في السلامة ~~وهو أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خليقة ليس عنده شهادة يقين ولا معرفة ~~بحقيقة ما رآه ولا هو مشاهد واصف لمعنى ما نقله إنما هو للعلم رواية وللأثر ~~والخبر ناقلة عن غير خبر يخبره ولا فقه في نقله فهو على بينة من ربه وليس ~~يتلوه شاهد منه، وقدكان الزهري يقول: حدثني فلان، وكان من أوعية العلم ولا ~~يقول وكان عالما وكان مالك بن أنس رحمه الله يقول: أدركت سبعين شيخا من ~~التابعين منهم عباد ومنهم مستجاب الدعاء ومنهم من يستسقى به ما حملت عنهم ~~علما قط قيل: ولم ذاك قال لم يكونوا من أهل هذا الشأن وفي رواية لم يكونوا ~~يدرون ما يحدثون به ولم يكن لهم فقه فيما يسألون عنه قال مالك وتقدم علينا ~~ابن شهاب الزهري وهو حديث السن فنزدحم عليه حتى نصل إليه لأنه كان عالما ~~بما يحدث به فهذا بمعنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب حامل ~~فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. # وقال بعض السلف ما كانوا يعدون علم من لا ms0338 يعرف اختلاف العلماء علما وقال ~~آخرين: من لم يعرف اختلاف العلماء لم يحل له أن يفتي ولم يسم عالما وقال ~~قتادة وسعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس وقيل للإمام أحمد رضي ~~الله عنه إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي، قال: لا، قيل: فمائتي ~~ألف حديث قال: لا قيل فثلاثمائة ألف حديث قال أرجو وفي التوراة مكتوب ~~الطبيب الحاذق للعلة الباطنة يصلح. # وكتب سلمان الفارسي من المدائن إلى أبي الدرداء وكان قد آخى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهما فيمن آخى: يا أخي بلغني أنك أقعدت طبيبا تداوي ~~المرضى فانظر فإن كنت طبيبا فتكلم فإن كلامك شفاء وإن كنت متطببا فالله ~~الله لا تقتل مسلما، قال: فكان أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل عن شيء ~~وسأله إنسان عن شيء فأجابه ثم قال ردوه فقال له: أعد علي فأعاد فقال: متطبب ~~والله فرجع في جوابه ولعمري أنه قدجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~تطبب ولم يعلم منه طب فقتل فهو ضامن، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: ~~سلوا جابر بن زيد فلو نزل أهل البصرة على فتياهل وسعهم وكان من صالحي ~~التابعين، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سئل عن شيء يقول: سلوا سعيد بن ~~المسيب، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سلوا مولانا الحسن فإنه قد ~~حفظ ونسينا، وقال بعض البصريين: قدم علينا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتينا الحسن فقلنا ألا نذهب إلى هذا الصحابي فنسأله عن حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيء معنا؟ قال: نعم فاذهبوا، قال: فجعلنا ~~نسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يحدثنا حتى حدثنا عشرين ~~حديثا قال: والحسن ينصت يستمع إليه، ثم جثا الحسن # PageV01P254 # على ركبتيه فقال: يا صاحب رسول الله أخبرنا بتفسير ما رويت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى نفقه فيه، فسكت الصحابي وقال ما عندي إلاما ms0339 سمعت، ~~قال: فابتدأ الحسن رحمه الله يفسر ما رواه، فقال: أما الحديث الأول الذي ~~حدثتنا به فإن تفسيره كيت وكيت والحديث الثاني تفسيره كذا وكذا حتى سرد ~~عليه الأحاديث كلها التي حدثنا بها وأخبرنا بتفسيرها، قال: فلا ندري نعجب ~~من حسن حفظه إياه وأدائه الحديث أو من علمه وتفسيره، قال: فأخذ الصحابي كفا ~~من حصى وحصينا به ثم قال: تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم فهؤلاء ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يردون الأمور في الفتيا وعلم اللسان إلى من ~~هو دونهم في القدر والمنزلة وهو في علم التوحيد والمعرفة والإيمان فوقهم ~~درجات ولا يرجعون إليهم في الشبهات ولا يردون إليهم في علم المعرفة واليقين ~~فهذا كما قيل: إنما العلم نور يقذفه الله تبارك وتعالى في قلوب أوليائه فقد ~~يكون ذلك تفضيلا للنظراء بعضهم على بعض، وقديكون تخصيصا للشباب على الشيوخ ~~ولمن جاء بعد السلف من التابعين وربما كان تكرمة للخاملين المتواضعين لينبه ~~عليهم ويعرفون شأنهم ليعظمواويرفعوا كما قال الله تعالى: (ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة) القصص: 5 والنور إذا جعل في الصدر ~~انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق اللسان بحقيقة البيان وهو الحكمة ~~التي يودعها الله تعالى في قلوب أوليائه كما جاء في تفسير قوله عز وجل: ~~(وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) ص: 20 قيل: الإصابة في القول فكأنه يوفقه ~~للحقيقة وقوله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا) البقرة: 269 قيل: الفهم والفطنة. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الهداية حين تلا قوله عز ~~وجل (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الأنعام: 125 فقيل: يا رسول ~~الله ما هذا الشرح؟ فقال: إن النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر ~~وانفسح، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دارالغرور والإنابة ~~إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله فذكر سببه الزهدفي ~~الدنياوالإقبال على خدمة المولى وحسن التوفيق والإصابة في العلم مواهب ms0340 من ~~الله عز وجل وأثرة يختص بها من يشاء كما سئل أبو موسى الأشعري وهو أمير ~~الكوفة عن رجل قتل في سبيل الله مقبلا غير مدبر أين هو؟ فقال أبو موسى: في ~~الجنة، فقال ابن مسعود للسائل: أعد على الأمير فتياك فلعله لم يفهم، قال ~~السائل: قلت أيها الأمير ما قولك في رجل قاتل في سبيل الله فقتل مقبلا غير ~~مدبر أين هو؟ فقال أبو موسى: في الجنة، فقال ابن مسعود رضي الله عنه أعد ~~على الأمير فلعله لم يفهم فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول أبو موسى في الجنة، ~~ثم قال ما عندي غير هذا فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود لكني لا أقول هكذا، ~~قال: فما قولك؟ فقال: أقول إن قتل في سبيل الله فأصاب الحق # PageV01P255 # فهو في الجنة فقال أبو موسى صدق لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين ~~أظهركم والقول في تسليم أخبار الصفات والسكوت عن تفسيرها كما قال أصحاب ~~الحديث إلا أن بمعرفة معاني الأسماء والصفات وشهودها ينفي الظن والوسواس ~~فيها وترك التشبيه والتمثيل بها والطمأنينة إلى اليقين بالمعرفة بمشاهدتها ~~هو مقام الموقنين واعتقاد أنها صفات لله تعالى يتجلى بها وبما شاء من غيرها ~~بلا حد ولا عدد يظهر بصفة صفة كيف شاء غير موقوف على صفة ولا محكوم عليه ~~بصورة بلا إظهار غيرته بل هو كيف ظهر وبأي وصف تجلى مع نفي الكيفية ~~والمثلية لفقد الجنس والجوهرية هو مقام المقربين من الشهداء، وهؤلاء هم ~~الصديقون وخصوص الموقنين فمن عدل به عن وجهة هؤلاء ولم يواجه بشهادتهم عدل ~~إلى التسليم والتصديق فوقف عنده فكان معقله واستراحته وليس بعد هؤلاء مقام ~~يمدح ولا وصف يذكرفمن فتش ذلك بعقله وفسره برأيه دخل عليه التشبيه أو خرج ~~إلى النفي والإبطال. # ومن الدليل على فضل هذا العلم على سائر العلوم ما جاء في الأخبار ~~المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في فضل مجالس ~~الذكر وفضل الذاكرين: إنما يريدون به علم الإيمان والمعرفة وعلوم ms0341 المعاملات ~~والتفقه في بصائر القلوب والنظر بعين اليقين إلى سرائر الغيوب وليس يريدون ~~به مجالس القصص ولا يعنون بذلك القصاص لأنهم كانوا يرون القصص بدعة ويقولون ~~لم يقص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر حتى ظهرت ~~الفتنة فلما وقعت الفتنة ظهر القصاص ولما دخل علي رضي الله عنه البصرة جعل ~~يخرج القصاص من المسجد ويقول: لا يقص في مسجدنا حتى انتهى إلى الحسن وهو ~~يتكلم في هذا العلم فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه وجاء ابن عمر إلى مجلسه ~~من المسجد فوجد قاصا يقص فوجه إليه صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد فأخرجه، ~~فلو كان القصص من مجالس الذكر والقصاص علماء لما أخرجهم ابن عمر من المسجد، ~~هذا مع ورعه وزهده، وقد روينا عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن ~~إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء ويمدون أيديهم ~~فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء بدعة ومد الأيدي بالدعاء بدعة، وروى أبو ~~الأشهب عن الحسن: القصص بدعة، وقيل لابن سيرين: لو قصصت على إخوانك فقال: ~~قد قيل لا يتكلم على الناس إلا أحد ثلاثة: أمير أو مأمور أو أحمق فلست ~~بأمير ولا مأمور وأكره أن أكون الثالث. # وروينا عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: سألت الحسن البصري قلت: ~~أعود مريضا أحب إليك أوأجلس إلى قاص، فقال: عد مريضك فقلت أشيع جنازة أحب ~~إليك أو أجلس إلى قاص قال: شيع جنازتك قلت: وإن استعان بي رجل في حاجة ~~أعينه # PageV01P256 # أو أجلس إلى قاص قال: اذهب في حاجتك حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ، ~~فلوكانت مجالس الذكر عندهم هي مجالس القصاص ولو كان القصص هو الذكر لما وسع ~~الحسن أن يثبط عنه ولا يؤثر عليه كثيرا من الأعمال لأنه قد كان يدعو إلى ~~الله تعالى بالتوحيد ويتكلم في علم المعرفة واليقين والذاكرين لله تعالى ~~وحضور مجلس الذكر من مزيد الإيمان وقد رفع الله تعالى مقام الذاكرين فوق ~~مقام المؤمنين في ms0342 قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) ~~الأحزاب: 35 فجعل الذاكرين والذاكرات أعلى المقامات. # وقد روينا في خبر أبي ذر حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وحضور مجلس ~~علم أفضل من عيادة ألف مريض وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة، قيل يا ~~رسول الله ومن قراءة القرآن فقال: وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم؟ وقال ~~بعض السلف: حضور مجلس ذكر يكفر عشرة من مجالس الباطل وأما عطاء فإنه قال ~~مجلس ذكريكفر سبعين مجلسا من مجالس اللهو وحدثونا عن معاذ الأعلم قال: رآني ~~يونس بن عبيدوأنا في حلقة المعتزلة فقال تعال فجئت فقال: إن كنت لا بد ~~فاعلا فعليك بحلقة القصاص، وقد كان الحسن البصري أحد المذكرين وكانت مجالسه ~~مجالس الذكر يخلو فيها مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل ~~مالك بن دينار وثابت البناني وأيوب السجستاني ومحمد بن واسه وفرقد السنجي ~~وعبد الواحد بن زيد فيقول: هاتوا انشروا والنور فيتكلم عليهم في هذا العلم ~~من علم اليقين والقدرة في خواطرالقلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس وربما ~~قنع بعد أصحاب الحديث رأسه فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك فإذا رآه الحسن قال ~~له: يا لكع وأنت ما تصنع ههنا؟ إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر والحسن رحمه ~~الله هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به أثره نقفو وسبيله نتبع ومن ~~مشكاته نستضيء أخذنا ذلك بإذن الله تعالى إماما عن إمام إلى أن ينتهي ذلك ~~إليه، وكان من خيار التابعين بإحسان قيل: ما زال يعي الحكمة أربعين سنة حتى ~~نطق بها وقدلقي سبعين بدريا ورأى ثلاثمائة صحابي وولد لليلتين بقيتا من ~~خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة عشرين من التاريخ ولد بالمدينة وكانت ~~أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ويقال إنها ألقمته ثديها ~~تعلله حين بكى فدر ثديها عليه وكان كلامه يشبه بكلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورأى عثمان بن عفان ولعي بن أبي طالب ومن بقي في وقته من ms0343 العشرة ~~ثم رأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد عثمان ومن سنة نيف ~~وعشرين من الهجرة إلى سنة نيف وتسعين. # PageV01P257 # ومن آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبصرة أنس بن ~~مالك وبالمدينة سهل بن سعد الساعدي ومكة أبو الطفيل وباليمن أبيض بن جمال ~~المازني وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى وبالشام أبو قرصافة وبخراسان بريدة ~~الأسلمي ودخلت سنة مائة من التاريخ ولم يبق على وجه الأرض عين تطرف رأت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أطراف الأرض ثم توفي الحسن في سنة ~~عشر ومائة وكان أبو قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ فو الله ما رأينا ~~أحدا لم يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منه وكانوا يقولون كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل صلى الله عليه ~~وسلم في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته فكان على شمائله ونذرت امرأة بالبصرة ~~نذرا إن فعل الله تعالى ذلك بها أن تنسج ثوبا من غزلها وصفته وتكسوه خير ~~أهل البصرة فرأت تمام نذرها فوفت بما نذرت ثم سألت: من خير أهل البصرة؟ ~~فقالوا: الحسن، وكان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا العلم وفتق ~~الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه وكان يتكلم فيه بكلام ~~لم يسمعوه من أحد من إخوانه فقيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم في هذا العلم ~~بكلام لم نسمعه من أحد غيرك، فممن أخذت هذا؟ فقال: من حذيفة بن اليمان قيل: ~~وقالوا الحذيفة بن اليمان نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لا نسمعه من أحد ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أين أخذته فقال خصني به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر ~~مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني وقال مرة فعلمت أن من لا يعرف ~~الشر لا يعرف الخير. # وفي لفظ آخر ms0344 كان الناس يقولون يا رسول الله مالمن عمل كذا وكذا يسألونه ~~عن فضائل الأعمال وكنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني ~~أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم وكان حذيفة قد خص بعلم المنافقين ~~وأفرد بمعرفة علم النفاق وبسرائر العلم ودقائق الفهم وخفايا اليقين من بين ~~الصحابة فكان عمر وعثمان وأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسألونه عن الفتن العامة والفتن الخاصة ويرجعون إليه في العلم الذي خصه به ~~ويسألونه عن المنافقين وهل بقي منهم ممن ذكر الله تعالى وأخبر عنهم أحد ~~فكان يخبر بأعدادهم ولا يذكر أسماءهم وكان عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه ~~شيئا من النفاق فبرأه منه ثم يسأله عن علامات النفاق وآية المنافق فيخبر من ~~ذلك بما يصلح مما أذن له فيه ويستعفي مما لا يجوز له أن يخبر به فيعذر في ~~ذلك وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر ~~حذيفة صلى عليها وإن لم ير حذيفة لم يصل عليها وكان حذيفة يسمى صاحب السر ~~وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئلوا عن علم يقول أحدهم ~~تسألوني عن هذا وصاحب السر فيكم يعني حذيفة. # وروينا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه لما حدث عن النبي في فضل مجلس ~~الذكر لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي ~~من أن # PageV01P258 # أعتق أربع رقاب، قال: فالتفت إلى يزيد الرقاشي وزياد النميري فقال لم تكن ~~مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم ويخطب على أصحابه ويسرد الحديث سردا ~~إنما كما نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه في الدين ونعد نعم الله ~~تعالى علينا وقد كان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: تعالوا حتى نؤمن ساعة فيجلسون إليه فيذكرهم العلم بالله تعالى ~~والتوحيد والآخرة وكان يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قيامه فيجتمع ~~إليه الناس يذكرهم الله ms0345 تعالى وأيامه ويفقههم فيما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فربما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجتمعون عنده ~~فيسكتون فيجلس إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه ويقول صلى الله عليه ~~وسلم بهذا أمرت وإلى هذا دعوت، وروي نحو هذا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~وقد كان يتكلم بهذا العلم، وقد روينا هذا مفسرا في حديث جندب: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فسمي علم ~~الإيمان إيمانا كما سماه ابن رواحة لأن علم الإيمان وصف الإيمان والعرب ~~تسمي الشيء بوصفه وتسميه بأصله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مثله: تعلموا اليقين، وكما قال تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن) يوسف: 84 أي ~~من البكاء فسماه بأصله لأن الحزن أصل البكاء. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم فرأى مجلسين، ~~أحدهما يدعون الله تعالى ويرغبون إليه والآخر يتفقهون في الدين ويعلمون ~~الناس فوقف بينهما ثم قال: أما هؤلاء فيسألون الله تعالى فإن شاء أعطاهم ~~وإن شاء منعهم وأما هؤلاء فيعلمون الناس ويفقهون في الدين وإنما بعثت معلما ~~ثم عدل إلى الذين يفقهون الناس في الدين ويذكرون الله تعالى فجلس معهم، ~~ويحكي عن بعض السلف قال: دخلت المسجد ذات يوم فإذا بحلقتين، أحدهما يقصون ~~ويدعون والأخرى يتكلمون في العلم وفقه الأعمال قال: فملت إلى حلقة الدعاء ~~فجلست إليهم فحملتني عيناي فنمت فهتف بي هاتف أو قال لي شخص: جلست إلى ~~هؤلاء وتركت مجلس العلم أما لو جلست إليهم لوجدت جبريل لله عندهم، فحقيقة ~~الذكر هو العلم بالله تعالى، ألا تسمع إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أفضل الذكر قول لا إله إلا الله، وقال سبحانه وتعالى: في تصديق: ~~(فاعلم أنه لا إله إلا الله) محمد: 19 وقال في مثله: (فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو) هود: 14، ثم إن العلم من الذكر علم المشاهدة ms0346 ~~والمشاهدة، صفة عين اليقين فإذا كشف غطا العين شهدت معاني الصفات بأنوارها ~~وهو مزيد نور اليقين الذي هو كمال الإيمان وحقيقته، فهنالك ذكرت الموصوف ~~بمشاهدة المذكور بنور وصفه: ألم تر إلى قوله تعالى: (كانت أعينهم في غطاء ~~عن ذكري) الكهف: 101، فمن كانت عينه في كشف من ذكره شهد المذكور فعندها ذكر ~~ثم توجد حقيقة العلم بعد نسيان الخلق كقوله تعالى: (واذكر ربك إذا # PageV01P259 # نسيت) الكهف: 24، فحق الذكر نسيان ما سواه كما أن حقيقة الإيمان الكفر ~~بكل إله كقوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) البقرة: 256، وقال ~~بعض أهل الحديث: جاءني رجل من إخواني من أهل المعرفة، فقال: قد وجدت من ~~قلبي غفلة فأريد أن تحملني إلى مجلس من مجالس الذكر فقلت نعم فسمى له مذكرا ~~يتكلم في علوم العامة قال: فحضرنا عنده واجتمع الخلق فأخذ في شيء من القصص ~~وذكر الجنة والنار فنظر إلي صاحبي فقال أليس زعمت أن هذا يذكر الله ويذكر ~~ربه عزوجل ويذكر أيامه فقلت: نعم هكذا هو عندنا فقال: ما أسمع إلا ذكر ~~الخلق فأين ذكرالله تعالى؟ ثم توقف ساعة ينتظر منه ما يريد من علم المعرفة ~~ومما سمعه من شيوخه الصوفية قال: فليس إلا القصص والحكايات فالتفت إلي ~~وقال: قم بنا فإنه لا يسعني الجلوس لأنه لا نية لي في ذلك فقلت أما أنا ~~فأستحي أن أتخطى الناس فاصنع أنت ما ترى فقام يتخطى الناس حتى خرج. # وقد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه خرج من المسجد وقال: ما أخرجني ~~إلا القصاص ولولاه ما خرجت وقال ضمرة: قلت للثوري رحمه الله نستقبل القاص ~~بوجهنا فقال: ولوا البدع ظهوركم وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما ~~كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا، وحدثنا عن أبي معمر ~~عن خلف بن خليفة قال: رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد وقاص يقص ~~في المسجد فجاءه رجل فقال: يا أبا الحكم إن الناس ينظرونك فقال: إني في خير ~~مما هم ms0347 فيه أنا في سنة وهم في بدعة وقد فعل الأعمش أبلغ من ذلك دخل البصرة ~~وكان فيها غريبا فنظر إلى قاص في الجامع وهو يقول: حدثناالأعمش عن أبي ~~إسحاق وحدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: فتوسط الأعمش الحلقة ورفع يده وجعل ~~ينتف شعر إبطه فبصر به القاص فقال: يا شيخ ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل ~~هذا؟ فقال له الأعمش: الذي أنا فيه أفضل من الذي أنت فيه، قال: كيف؟ قال: ~~لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا فلما سمع ~~الناس ذكر الأعمش انفضوا عن القاص واجتمعوا حوله وقالوا حدثنا يا أبا محمد، ~~وأخبرونا عن محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثه قال: صليت مع الإمام أحمد بن ~~حنبل رضي الله عنه صلاة العيد فإذا قاص يقص يلعن المبتدعة ويذكر السنة فلما ~~قضينا الصلاة وصرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد الله القاص فقال ما أنفعهم ~~للعامة وإن كان عامة ما يحدثون به كذبا وأخبرت عن محمد بن جعفر أن أبا ~~الحرث حدثه أنه سمع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول أكذب الناس ~~القصاص والسؤال وحدثونا عنه أيضا أنه قال: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق ~~لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر قلت له: أنت تحضر مجالسهم؟ قال: لا. # وروينا عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد النميري قال: أتيت أنس بن مالك وهو # PageV01P260 # بالزاوية فقال لي: قص فقلت كيف؟ والناس يزعمون أنه بدعة فقال: ليس شيء من ~~ذكر الله تعالى بدعة، قال: فقصصت وجعلت أكثر قصصي ودعائي رجاء أن يؤمن، ~~قال: فجعلت أقص وهو يؤمن وقد كانوا يجعلون الدعاء قصصا وحدث يوسف بن عطية ~~عن محمد بن عبد الرحمن الخراز قال: فقد الحسن عامر بن عبد الله العنبري ~~فقال: اذهبوا بنا إلى أبي عبد الله فأتاه الحسن فإذا عامر في بيت قد لف ~~رأسه وليس إلا رمل فقال له الحسن: يا أبا عبد الله لم نرك منذ أيام، فقال: ~~إني كنت أجلس ms0348 هذه المجالس فأسمع تخليطا وتغليظا واني كنت أسمع مشيختنا فيما ~~يروون عن نبيينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إن أصفى الناس إيمانا يوم ~~القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا وأكثر الناس ضحكا في الجنة أكثرهم بكاء في ~~الدنيا وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا فوجدت البيت أخلى ~~لقلبي وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها، قال الحسن: أما إنه لم يعن ~~مجالسنا هذه إنما عنى مجالس القصاص في الطرق الذين يخلطون ويغلطون ويقدمون ~~ويؤخرون وقد قسم بعض العلماء المتكلمين ثلاثة أقسام فوصفهم بأماكنهم فقال ~~المتكلمون ثلاثة أصحاب الكراسي وهم القصاص وأصحاب الأساطين وهم المفتنون ~~وأصحاب الزوايا وهم أهل المعرفة فمجالس أهل العلم بالله تعالى وأهل التوحيد ~~والمعرفة هي مجالس الذكر وهي التي جاءت فيها الآثار، وفي الخبر: إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا فيها قيل: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر، وفي ~~الحديث أن لله تعالى ملائكة سياحين في الهواء فضلا عن كتاب الخلق إذا رأوا ~~مجالس الذكر ينادي بعضهم بعضا: ألا هلموا إلى بغيتكم فيأتوهم حتى يجلسوا ~~إليهم فيحفون بهم ويستمعون منهم ألا فاذكروا الله واذكروا أيامه، وقال وهب ~~بن منبه اليماني: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إلي من قدره صلاة لعل أحدهم ~~يسمع الكلمة فينتفع بها السنة أو ما بقي من عمره، وسئل أحمد بن حنبل رحمه ~~الله تعالى عن مجالس الذكر وفضلها فرغب فيها وقال رحمه الله: وأي شيء أحسن ~~من أن يجتمع الناس فيذكرون الله عز وجل ويعددون نعمه عليهم كما قالت ~~الأنصار. # وروينا عن علي كرم الله وجهه: ما يسرني أن الله تعالى أماتني طفلا ~~وأدخلني الدرجات العلى من الجنة قيل: ولم؟ قال: لأنه أحياني حتى عرفته، ~~وقال مالك بن دينار: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا طيب شيء فيها قيل: وما ~~هو؟ قال: المعرفة ثم أنشأ يقول: # إن عرفان ذي الجلال لعز ... وضياء وبهجة وسرور # وعلى العارفين أيضا بهاء ... وعليهم من المحبة نور # فهنيا لمن عرفك إلهي ... هو والله دهره ms0349 مسرور # PageV01P261 # وقال يحيى بن معاذ الرازي: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم ~~يستوحش، قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى، وقال آخر: لم يخطئك من العارف ~~إحدى ثلاث خلال تدل عليه هيبة أو حلاوة أو أنس، وقال عالمنا أبو محمد سهل ~~رحمه الله: خرج العلماء والزهاد والعباد وقلوبهم مقفلة ولم يفتح إلا قلوب ~~الصديقين والشهداء ثم تلا وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو يعني مقفلة ~~عن مفاتح المعرفة وشهادة عين التوحيد فمجالس الذكر هذه قديما كانت لأهل ~~المعرفةوأصحاب معاملات القلوب وعلم الباطن وهم علماء الآخرة وأهل الفقة في ~~الدين، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين) التوبة: 122 الآية، فذكر الفقة الذي هو من صفة ~~القلب والخوف الذي هو سبب الفقه وعلم العقل داخل في علم الظاهر والعلم ~~بالله داخل فياليقين كما روي في الخبر اليقين الإيمان كله، وقال الله ~~تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت: 43 فجعل العقل وصفا من العلم ~~وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم اليقين كما أمر بطلب العلم ~~فكان هذا الحديث مخصوصا من ذاك فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: تعلموا ~~اليقين للخصوص لأن اليقين مقام فوق العلم ويكون قوله طلب العلم فريضة ~~للعموم وفي قوله تعلموا اليقين أمر بمجالسة الموقنين لأن اليقين لا يظهر ~~بذاته وإنما يوجد عندا لموقنين فقد أمرهم ولم يقل تعلموا علم المعقول ولا ~~علم الفتاوى وكان علماء الظاهر قديما يسمون المفتين ومن ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فرده إلى فقه القلب وصرفه عن فتيا ~~المفتين فلولا أن القلب فقيه لم يجز أن يدله صلى الله عليه وسلم على غير ~~فقيه ولولا أن علم الباطن حاكم على الظاهر ما دفعه من علوم أهل الظاهر وهم ~~علماء الألسنة إلى علم الباطن وهو علم أهل القلوب مارده إليه ولا يجوز أن ~~يرده من فقيه إلى فقيه دونه كيف وقد ms0350 جاء هذا الحديث بلفظه مؤكدة بالتكرير ~~والمبالغة فقال استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك، وهذا مخصوص لمن كان له قلب ~~وألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعرى عن شهواته ومعهوده لأن الفقه ليس من وصف ~~اللسان ألم تسمع قوله تعالى: (لهم قلوب لا يفقهون بها) الأعراف: 179، فمن ~~كان له قلب سميع بسميع شهيد بشهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب ~~وذكر في قوله تعالى: (ليتفقهوا في الدين) التوبة: 122 وصفين ظهرا عن الفقه ~~أحدهما النذارة وهو مقام في الدعوة إلى الله عز وجل ولا يحكون النذير إلا ~~مخوفا ولا يكون المخوف إلا خائفا والخائف عالم والثاني الحذر وهو حال من ~~المعرفة بالله عز وجل وهو الخشية له، والفقه والفهم اسمان لمعنى واحد ~~والعرب تقول: فقهت بمعنى فهمت وقد فضل الله تعالى الفهم عنه على العلم ~~والحكمة ورفع الإفهام على القضاء والأحكام فقال تعالى: (ففهمناها سليمان) ~~الأنبياء: 79، فأفرده بالفهم عنه وهو الذي فضله به على حكم # PageV01P262 # أبيه في القضية بعد أن أشركهما في الحكم والعلم، وقد فضل الحسن بن علي ~~رضي الله عنهما علماء الهداية إلى الله سبحانه وتعالى الدالين عليه عزوجل ~~وسماهم العلماء وحققهم بالعلم في كلام روي لنا عنه منظوما وقد رويناه أيضا ~~عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه: # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء # ووزن كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء # فمن كان عالما يعلم معلومه الله سبحانه وتعالى فمن أفضل منه وأي قيمة ~~تعرف له إذ كل علم قيمته معلومة ووزن كل عالم علمه، وقد قال عبد الواحد بن ~~زيد إمام الزاهدين كلاما في هذا المعنى ويفرد به العلماء بالله تعالى ويرفع ~~طريقهم فوق كل طريق أنشدونا عنه رحمه الله تعالى: # الطرق شتى وطرق الحق مفردة ... والسالكون طريق الحق أفراد # لايعرفون ولا تسلك مقاصدهم ... فهم على مهل يمشون قصاد # والناس في غفلة عما يراد بهم ... فجلهم عن سبيل الحق رقاد # وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ms0351 لما مات عمر رضي الله عنه: إني ~~لأحب هذا الرجل قد ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل له: تقول هذا وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون ~~إليه إنما أعني العلم بالله عز وجل، وكان ابن مسعود يقول: المتقون متوارون، ~~وكذلك كان يقول: المتقون سادة والعلماء قادة ومجالستهم زيادة يعني أن ~~المتقين سادة الناس كماقال الله عز وجل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ~~الحجرات: 13 والعلماء قادة المتقين أي أئمتهم يقتفون آثارهم لأنه قال ~~تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما) الفرقان: 74، ففضل العلماء على المتقين ~~وجعلهم أئمة لهم صار المتقون أصحابه وأخبر بالمزيد في مجالستهم أي مجالستهم ~~زيادة على مجالسة المتقين غير العلماء لأن كل عالم تقي وليس كل تقي عالما ~~كما روى بمعناه العلماء كثير والحكماء من العلماء قليل والصالحون كثير ~~والصادقون من الصالحين قليل، وسئل ابن المبارك من الناس؟ قال: العلماء، قيل ~~فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: من يأكل بدينه، وقال مرة ~~في رواية الذين يتلبسون ويطلبون ويتعرضون للشهادات وقال فرقد السنجي للحسن ~~رحمهما الله تعالى في شيء سأله عنه، فأجابه: يا أبا سعيد إن الفقهاء ~~يخالفونك فقال: ثكلتك أمك فرقد وهل رأيت بعينيك فقهاء؟ إنما الفقيه ~~الزاهدفي الدنيا الراغب في الآخرة البصيربدينه المداوم على عبادة ربه الورع ~~الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم جمعنا قوله هذا ~~في ثلاث روايات عنه مختلفة فهذه صفات العالم بالله تعالى وهم العارفون. # وحدثنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: بلغنا أنك كنت تختلف ~~إلى # PageV01P263 # معروف أكان عنده حديث؟ فقال: يا بني كان عنده رأس الأمر تقوى الله عز وجل ~~وقيل للإمام أحمد رضي الله عنه: بأي شيء ذكر هؤلاء الأئمة ووصفوا؟ فقال: ما ~~هو إلا الصدق الذي كان فيهم قيل له: وما الصدق؟ قال: هو الإخلاص قيل له: ~~فالإخلاص ما هو؟ قال: الزهد، قيل: وما الزهد؟ فأطرق ثم قال: سلوا الزهاد ~~سلوا بشر بن الحرث وقد ms0352 حدثت عن بشر في منصور بن عمار رحمهما الله حكايات ~~ظريفة كان منصور بن عمار من الواعظين المذكرين ولم يكن العلماء في وقته مثل ~~بشر وأحمد وأبي ثور يعدونه عالما كان عندهم من القصاص وكانت العامة تسمية ~~عالما فحدثت عن نصر بن علي الجهضمي أنه مزح ذات يوم مزاحا أفرط فيه فقيل ~~له: تقول هذا وأنت من العلماء؟ فقال: ما رأيت أحدا من العلماء إلا وهو يمزح ~~فقيل له: قد رأيت بشر بن الحرث فهل سمعته يمزح قال: نعم كنت جالسا معه ذات ~~يوم في بعض الدروب فجاء منصور بن عمار يعدو، فقال: يا أبا نصر الأمير قد ~~أمر بجمع العلماء والصالحين فترى لي أن أختفي؟ فدفعه بشر وقال: تنح عنا لا ~~يمر حمل شوك فيلقيك علينا فنحترق فهذا كان محل القصاص عندالعلماء فيما سلف ~~حتى ذهب أهل هذا العلم وجهلت مجالس الذكر وعلوم اليقين والمعاملات إلا من ~~عرف سيرة المتقدمين وطريقة السالفين الذين كانوا يفرقون بين مجالس الذكر ~~وبين القصاص ويميزون بين العلماء وبين المتكلمين وبين علم اللسان وفقه ~~القلب وبين علم اليقين وعلم العقل لأن الفرق بين العالم والقاص أن العالم ~~يسكت حتى يسأل فإذا سئل أجاب فيما يعلم بما هيأ الله تعالى له وكشف وينطق ~~فيما أجراه الله عزوجل عليه وعرف فإن كان الصمت أفضل آثر السكوت لعلمه ~~بالأفضل فإن لم ير أهله تربص حتى يضعه في أهله وأهله من عرفه وكان له نصيب ~~من مشاهدته ووجده. # وقال الله سبحانه وتعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: ~~43، ففي ذلك معنيان، أحدهما أن أهل الذكر هم العلماء بالله تعالى لقوله: إن ~~كنتم لا تعلمون فلا يجوز أن يقول سلوا من لا يعلم وهم جاهلون فيزدادوا ~~جهلا، والمعنى الثاني يدل على أن العلماء سكوت حتى يسألوا فإذا سئلوا وجب ~~عليه أن يجيبوا لقوله تعالى لمن لا يعلم فاسئلوا فدل أن مجالس الذكر هي ~~مجالس العلماء التي وردت الأخبار بفضائلها وفي تدبره أن أهل الذكر هؤلاء ~~المسؤولون هم ms0353 الذين وصل لهم القول لعلهم يتذكرون فلما وصل لهم المفصل ~~تذكروا عما وعد تعالى فلما تذكروا علموا فعندها أمر أن يسألوا، ولذلك روينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للجاهل أن يستقر على جهله ولا ~~ينبغي للعالم أن يسكت على علمه. # وقد قال الله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون) النحل: 43 ~~وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه من طريق أهل ~~البيت: العلم خزائن مفتاحها السؤال # PageV01P264 # فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والعالم، والمستمع، والمحب لهم، ~~وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن من يفتي الناس في كل ما يستفتونه ~~لمجنون، وقال الأغمش: من الكلام كلام جوابه السكوت، وقال ذو النون المصري ~~رحمه الله تعالى: حسن سؤال الصادقين مفتاح قلوب العارفين، فأما القاص فهو ~~الذي يبتدئ فيقص الأخبار ويذكر القصص والآثار ولذلك سمي قاصها أي يتبع قصة ~~من سلف، ومنه قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه) القصص: 11، أي تتبعي أثر موسى ~~تعرفي قصته وأخبريني خبره، وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: من اذالة ~~العلم أن ينطق به قبل أن يسأل عنه، وقال مرة من إذالة العلم أن يجيب عن كل ~~ما يسأل عنه أي من إهانته ووضعه، يقال أشل هذا وأذل هذا أي ارفع وضع، يقال: ~~إذا تكلم بالعلم قبل أن يسأل عنه ذهب ثلثا نوره، وقد قال إبراهيم بن أدهم ~~وغيره: سكوت العالم أشد على الشيطان من كلامه لأنه يسكت بحلم وينطق بعلم ~~فيقول الشيطان: انظروا إلى هذا سكوته أشد علي من كلامه، ولذلك يقال: الصمت ~~زين العالم وستر الجاهل وعن القاسم بن محمد أنه قال: من أكرم المرء نفسه أن ~~يسكت على ما عنده حتى يسأل عنه، وكذلك هو لعمري لأنه إذا تكلم بعد السؤال ~~فهو صاحبها وربما كان فرضا وليس الحاجة إلاالقيام بالفرض من الشهوات، ~~ولقوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر) النحل: 43 فأوجب أن يجيبوا من حيث أمر أن ~~يسألوا وقال صلى الله عليه وسلم: من ms0354 سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار ~~فتوعد عليه بالعقاب، وقد يكون الابتداء بالشيء من خفايا الشهوات والشهوات ~~من الدنيا ووصف رجل لمالك بن أنس فقال: لابأس به لولا أنه يتكلم بالشيء قبل ~~أن يسأل عنه، وقال مرة: لابأس به إلا أنه يتكلم بكلام شهر في يوم، وقد قيل ~~في معنى ما ذكر: إن الكلام من الشهوات، قال: هو الذي يبتدئ به قبل أن يسأل ~~عنه ووصف بعضهم الأبدال فقال في وصفهم: أكلهم فاقة وكلامهم ضرورة وكانوا لا ~~يتكلمون حتى يسألواعن شيء فيجيبوا، ومن لم يتكلم حتى يسأل فليس يعد ~~لاغياولا متكلما فيما لايعنيه لأن الجواب بعد السؤال كالفرض بمنزلة رد ~~السلام وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأرى رد الجواب واجبا كرد ~~السلام، وقد قال أبو موسى وابن مسعود رضي الله عنهما: من سئل عن علم فليقل ~~به ومن لا فليسكت وإلا كتب من المتكلفين ومرق من الدين، ورويناه عن ابن ~~عباس أيضا وقد كانوا يخافون من دخول التكلف عليهم في كل شيء ويعد بعضهم ~~بالابتداء بالكلام من غير حاجة تدعو إليه أو قبل سؤال عنه من غير أن يرى له ~~موضعا أو يجد له أهلا يعدونه من التكلف، وفي وصية ابن عباس لمجاهد: لا ~~تتكلم فيما لا يعنيك فإنه أفضل ولاآمن # PageV01P265 # عليك الخطأ ولا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه ~~قد وضعه في غير موضعه فعنت. # وروي في حديث الأنصاري الذي قالت له أمه عند موته: هنيئا لك الجنة جاهدت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله تعالى فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أنه في الجنة ولعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ~~ويبخل بما لا يغنيه، ومن أظهر علما من غير أن يسأل عنه ونشره في غير أهله ~~فأنكر عليه سئل عنه وكان عليه فيه مطالبة لأنه قد تكلف إظهاره فإن كان سئل ~~عنه ثم تكلم فيه لم يكن عليه فيه مطالبة ms0355 فيمن أنكر لأنه خرج جوابا على ~~سؤال، ومن هذا كان السلف المتكلمون في هذا العلم يسكتون حتى يسألوا عنه، ~~وكان أبو محمد يقول: العالم يقعد فيسكت ويرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه ~~في حسن توفيقه ويسأله أن يلهمه الصواب فأي شيء سئل عنه تكلم بما فتح له ~~مولاه فجعل العالم في حالة سكوته ونظره إلى سيده محتاجا إلى التوكل ومنتظرا ~~للوكيل في أي شيء يجريه، وقال بعضهم: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسألة ~~كأنما تقلع ضرسه وقال رقبة بن مصقلة وغيره ليس العالم الذي يجمع الناس فيقص ~~عليهم إنما العالم الذي إذا سئل عن العلم كأنما يسعط الخردل، وقد روينا أنه ~~قاله الأعمش وقد كان محمد بن سوقة يسأله عن الحديث فيعرض عنه ولا يجيبه ~~فالتفت الأعمش إلى رقبة فقال له هو إذا أحمق مثلك إن كان يدع فائدته لسوء ~~خلقي فقال محمد بن سوقة: ويحك إنما أجعله بمنزلة الدواء أصبر على مرارته ~~لما أرجو من منفعته، وقد روينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنه مر ~~برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول اعرفوني، وحدثني بعض علماء خراسان عن ~~شيخ له عن أبي حفص النيسابوري الكبير، وكان هذا هناك نظير الجنيد ههنا أنه ~~قال إنما العالم الذي يسأل عن مسألة في الدين فيغتم حتى لو جرح لم يخرج منه ~~دم من الفزع يخاف أن يسأل في الآخرة عما سئل عنه في الدنيا ويفزع أن لا ~~يتخلص من السؤال إلا أن يرى أنه قد افترض عليه الجواب لفقد العلماء، ومن ~~ههنا كان ابن عمر رضي الله عنهما يسكت عن تسع مسائل ويجيب عن واحدة ويقول: ~~تريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون عليه في جهنهم، تقولون أفتانا ابن عمر بهذا، ~~وكان إبراهيم التميمي إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: لم تجد من تسأله غيري ~~أو احتجتم إلي؟ قال: وجهدنا بإبراهيم النخعي أن نسنده إلى سارية فأبى وكان ~~إذا سئل عن شيء بكى وقال: قد احتاج الناس إلي وقد كان سفيان ms0356 بن عيينة تفرد ~~في زمانه بعلوم انفرد بها في وقته وكان مع ذلك يضرب المثل لنفسه ويقول: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد # وأما أبو العالية الرياحي فكان يتكلم على الاثنين والثلاثة فإذا صاروا ~~أربعة قام، وكذلك كان إبراهيم والثوري وابن أدهم رحمهم الله تعالى يتكلمون ~~على النفر فإذا كثر # PageV01P266 # الناس انصرفوا وكان أبو محمد سهل رحمه الله يجلس إليه خمسة أو ستة إلى ~~العشرة وقال لي بعض الشيوخ: كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضع عشرة، قال ~~وما تم أهل الجلسة عشرون، وقد حدثت عن أبي الحسن بن سالم شيخنا رحمه الله: ~~أن قوما اجتمعوا في مسجده فأرسلوا إليه بعضهم، إن إخوانك قد حضروا ويحبون ~~لقاءك والسماع منك فإن رأيت أن تخرج إليه فذاك وكان المسجد على باب بيته، ~~ولم يكن يدخل عليه في منزله فقال للرسول بعد أن خرج إليهم: من هم؟ فقال: ~~فلان وفلان وسماهم فقال: ليس هؤلاء من أصحابي هؤلاء أصحاب المجلس ولم يخرج ~~كأنه رآهم عموما لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته لوقتهم وكذلك العالم ~~خلوته تعز عليه فإن وافق خصوص أصحاب آثرهم على خلوته فكان ذلك مزيدا لهم ~~وإن هو لم يوافق لم يؤثر على خلوته غيره فيكون مناخا للبطالين، وقد كان ابن ~~سالم أبو الحسن يخرج إلى إخوانه ممن يراه موضعا لعلمه فيجلس إليهم ويذاكرهم ~~وربما أدخلهم إليه نهارا أو ليلا ولعمري أن المذاكرة تكون بين النظراء ~~والمحادثة تكون مع الإخوان والجلوس للعلم يكون للأصحاب، والجواب عن السوال ~~نصيب العموم، وكان عند أهل العلم أن علمهم مخصوص لا يصلح إلا للخصوص ~~والخصوص قليل، ولم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله ويرون أن ذلك من حقه وأنه ~~واجب عليهم كما وصفهم علي كرم الله وجهه في قوله حتى يودعوه أمثالهم ~~ويزرعوه في قلوب أشكالهم وكذلك جاءت الآثار بذلك عن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وعن عيسى عليه السلام: لا تضيعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا ~~تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا ms0357 كالطبيب الرفيق الذي يضع الدواء في موضع ~~الداء، وفي لفظ آخر: من وضع الحكمة في غيرأهلها جهل ومن منعها أهلها ظلم، ~~إن للحكمة حقا وإن له أهلا وإن لأهلها حقا فأعط كل ذي حق حقه وفي حديث عيسى ~~صلاة الله وسلامه عليه لا تعلقوا الجوهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير ~~من الجوهر ومن كرهها فهو شر من الخنزير، وكان بعض هذه الطائفة يقول: نصف ~~هذا العلم سكوت ونصفه تدري أين تضعه. # وقد قال بعض العارفين: من كلم الناس بمبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم ~~بقدر حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقم بحق الله عز وجل فيهم وكان يحيى بن ~~معاذ يقول: اغرف لكل واحد من نهره واسقه بكأسه ونحن نقول بمعناه كل لكل عبد ~~بمعيار عقله وزن له بميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلاوقع الإنكار ~~لتفاوت المعيار، وحدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران وهو ~~المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتابي وكان سمحا بهذا العلم ~~بذولا له لجميع الفقراء فجعل أبو عمران يعاتبه وينهاه عن بذله له وكثرة ~~كلامه فيه إلى أن قال: أنا منذ عشرين سنة أسأل # PageV01P267 # الله تعالى أن ينسيني هذا العلم قال: ولم؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المنام فسمعته يقول إن لكل شيء عن الله تعالى حرمة ومن أعظم ~~الأشياء حرمة الحكمة، فمن وضعها في غير أهلها طالبه الله تعالى بحقها ومن ~~طالبه خصمه وقد كان بعض السلف يقول: إذا استند الرجل إلى سارية أو أحب أن ~~يسأل فلا تجلس إليه ولا ينبغي أن يسأل ولم ير في مجالس أهل هذا العلم فيما ~~سلف ثلاثون رجلا ولاعشرون إلا نادرا غير لزام ولا دوام إنما كانوا من ~~الأربعة إلى العشرة وبضعة عشر، وقد كان يجتمع في مجالس القصاص والمذكرين ~~والواعظين مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا فهذا أيضا من الفرق بينهما أن ~~العلم مخصوص لقليل وأن القصص عام لكثير. # وقال بعض علمائنا: كان في البصرة ms0358 مائة وعشرون متكلما في الذكر والوعظ ولم ~~يكن من يتكلم في علم المعرفة واليقين والمقامات والأحوال إلاستة منهم: أبو ~~محمد سهل والصبيحي وعبد الرحيم، وقد قيل من لم ينتفع بسكوت العالم لم ينتفع ~~بكلامه أي ينتغي أن يتأدب بصمته وخشوعه وورعه ويقتدي بيقينه في ذلك كما ~~يتأدب بنطقه ويقتدى بكلامه على أنهم كانوا يقولون علم الظاهر من علم الملك ~~وعلم الباطن من علم الملكوت يعنون أن ذلك من علم الدنيا لأنه يحتاج إليه في ~~أمور الدنيا وهذا من علم الآخرة لأنه من زادها وهذا كما قالوه لأن اللسان ~~ظاهر فهو من الملك وهو خزانة العلم الظاهر والقلب خزانة الملكوت وهو باب ~~العلم الباطن فقد صار فضل العلم الباطن على الظاهر كفضل الملكوت على الملك ~~وهو الملك الباطن الخفي وكفضل القلب على اللسان وهو الظاهر الجلي. # وقد كان بشر بن الحرث رحمه الله يقول: حدثنا وأخبرنا باب من أبواب ~~الدنيا، وقال مرة: الحديث ليس من زاد الآخرة، وحدثنا بعض أشياخنا عن بعض ~~أصحابه قال: دفنا له بضعة عشر ما بين قمطر وقوصرة كتبا لم يحدث منها بشيء ~~إلا ما سمع منه نادرا في الفرد وكان رحمه الله تعالى يقول: إني أشتهي أن ~~أحدث ولو ذهب عني شهوة الحديث لحدثت ثم قال: أنا أجاهد نفسي منذ أربعين ~~سنة، وقال إذا سمعت الرجل يقول حدثنا وأخبرنا فإنما يقول أوسعوا إلي وكان ~~زاهدا عالما وقال هو وغيره: إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث وإذا لم تشته أن ~~تحدث فحدث، وقد كانت رابعة العدوية رحمها الله تعالى قبله تقول للثوري رضي ~~الله عنه: نعم الرجل سفيان لولا أنه يحب الحديث، وكانت تقول: فتنة الحديث ~~أشد من فتنةالمال والولد وقالت مرة: لولا أنه يحب الدنيا يعني اجتماع الناس ~~حوله للحديث، # PageV01P268 # وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: من تزوج أو كتب الحديث ~~أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا، وقال بعض هذه الطائفة: كل من أدرك العلوم ~~غير العلم بالله عز وجل فقد استدرك والذي ms0359 أدرك العلم بالله فقدتدورك ثم ~~تلاقوله تعالى: (لولا أن تداركه نعمةمن ربه لنبذ بالعراء) القلم: 49، أي ~~تدورك بعلم المعرفة لطرح في بعد الهوى والعرا البعد وعلم المعقول بعد إلى ~~جنب علم اليقين، وقال أيضا في فهم قوله تعالى: (ولولا أن ثبتناك لقدكدت ~~تركن إليهم) الإسراء: 74 أي ثبتناك بالمعرفة لقد كدت تسكن إلى علوم العقل. # وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: (واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا) الإسراء: 80 قال لسانا ينطق عنك لاعن سواك وفضل العلم بالله ~~عز وجل والعلم بالإيمان وعلم اليقين على العلم بالأحكام والقضايا كفضل ~~المشاهدة على الخبر، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس الخبر ~~كالمعاينة، وفي لفظ آخر: ليس الخبر كالمعاين، وقد روى عياض بن غنم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: في تفسير قوله عز وجل: (ألهاكم التكاثر) (علم اليقين) ~~التكاثر: 1 - 5، كرأي العين، وفي هذا الخبر أن من خيار أمتي قوما يضحكون ~~جهرا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه أقدامهم في الأرض وقلوبهم ~~في السماء أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يمشون بالسكينة ويتقربون ~~بالوسيلة، فالفتيا هي الأخبار والاستفتاء هو الاستخبار، ومنه قوله تعالى: ~~(فاستفتهم) الصافات: 11 وقوله تعالى: (ويستفتونك) النساء: 127 أي ~~يستخبرونك، فعلم الخبر قد يدخله الظن والشك والمشاهدة ترفع الظن وتزيل الشك ~~كما قال تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) النجم: 11 فأثبت الرؤية للقلب ~~بالعين فرؤية القلب هو اليقين وذو القلب هو الموقن، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: كفى باليقين غنى ففي علم اليقين غنية عن جميع العلوم لأنه حقيقة ~~العلم وخالصه وليس في جميع العلوم غنى عن علم اليقين ولأن الفقر بالشك ~~والحاجة إلى اليقين في علم التوحيد وعلم الإيمان أشد من الفقر بالحاجة إلى ~~علوم الفتيا وغيرها فلذلك صار الغني باليقين أعظم من الاستغناء بسائر ~~العلوم ففي هذا العلم مثل من فاتحة الكتاب إلى سائر القرآن. # كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة ms0360 الكتاب تجزي من كل القرآن ~~وليس القرآن كله يجزي من فاتحة الكتاب، فكذلك مثل العلم بالله عز وجل إلى ~~العلم بما سواه، ففي العلم بالله تعالى عوض من كل العلوم، وليس في سائر ~~العلوم عوض من العلم بالله عز وجل من حيث كان في الله تعالى عوض به عن كل ~~ما سواه، وكل علم موقوف على معلومه فعلم اليقين معلومه الله تعالى ففضله ~~كفضل الله تعالى على ما سواه، وقد قال بعض الحكماء في معنى ما ذكرناه: من ~~عرف الله تعالى فماذا جهل ومن جهل الله تعالى فماذا عرف؟ فالعلماء بالله ~~تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى فماذا ~~عرف؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياءلأنهم ورثوا عنهم الدلالة على ~~الله تعالى والدعوة إليه # PageV01P269 # والاقتداء بهم في أعمال القلوب، وقد قال الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا) فصلت: 33، وكما قال تعالى: (أدع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة) النحل: 125، وكما أمره بالدعاء وأشرك معه أتباعه في الدعاء إلى ~~الله تعالى لا في البصيرة فقال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف: 108، ويحشرون يوم القيامة مع الأنبياء كما قال ~~تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) النساء: 69، وما قال ~~تعالى: (وجيء بالنبيين والشهداء) الزمر: 69، ثم فسره فقال بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء. # وقد روينا معناه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد، أما أهل العلم فدلوا ~~الناس على ما جاءت به الأنبياء وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما ~~جاءت به الرسل وعلماء الدنيا يحشرون مع الولاة والسلاطين، وقد قال بعض ~~السلف: العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين، ~~وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي من علماء أهل الدنيا ومن سادة القضاة ~~وعقلائهم وكان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد، وكان هذا من أهل المعرفة ~~فلما ms0361 ولى إسماعيل القضاء هجره ابن أبي الورد ثم إنه اضطر إلى أن دخل عليه ~~في شهادة فضرب بن أبي الورد يده على كتف إسماعيل القاضي وقال: يا إسماعيل ~~علم أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرا منه، فوضع إسماعيل رداءه على وجهه ~~وجعل يبكي حتى بله، وعلماء الظاهر هم زينة الأرض والملك وعلماء الباطن زينة ~~السماء والملكوت وعلماء الظاهر أهل الخبر واللسان وعلماء الباطن أرباب ~~القلوب والعيان. # وقال بعض العلماء: لما خلق الله تعالى اللسان قال هذا معقل خبري إن صدقني ~~نجيته ولما خلق الله تعالى القلب قال هذا موضع نظري إن صفا لي صافيته، وقال ~~بعض الخلف: الجاهل ينجو بالعلم والعالم ينجو بالحجة والعارف ينجو بالجاه، ~~وقال بعض: العارفين: علم الظاهر حكم وعلم الباطن حاكم، والحكم موقوف حتى ~~يجيء الحاكم يحكم فيه، وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة ~~لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم بالله لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد ~~من الهوى والمعصيةمنهم: الشافعي رحمه الله تعالى كان إذا اشتبهت عليه ~~المسألة لاختلاف أقوال العلماء فيها وتكافؤ الاستدلال عليها رجع إ لى علماء ~~أهل المعرفة فسألهم قال: وكان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي ~~بين يدي المكتب ويسأله كيف يفعل في كذا وكيف يصنع في كذا فيقال له مثلك يا ~~أبا عبد الله في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي فيقول: إن هذا وفق لما علمناه، ~~وكان الشافعي رحمه الله قد اعتل علة شديدة وكان يقول: اللهم إن كان في هذا ~~رضاك فزدني منه فكتب إليه المعافري من سواد مصر: يا أبا عبد الله لست وإياك ~~من # PageV01P270 # رجال البلاء فنسأل الرضا الأولى بنا أن نسأل الرفق والعافية، فرجع ~~الشافعي رحمه الله عن قوله هذا، وقال: أشتغفر الله تعالى وأتوب إليه، فكان ~~بعد ذلك رحمه الله يقول: اللهم اجعل خيرتي فيما أحب وقد كان أحمد بن حنبل ~~ويحيى بن معين رضي الله عنهما يختلفان إلى معروف بن فيروز الكرخي رحمهم ~~الله ولم يكن يحسن من ms0362 العلم والسنن ما يحسناته فكانا يسألانه، وقد روي في ~~الخبر قيل: يا رسول الله كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله ~~تعالى ولا في سنة رسول الله فقال سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينهم ولا ~~تقضوا فيه أمرا دونهم. # وفي حديث معاذ رضي الله عنه: فإن جاءك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة ~~رسول الله قال: أقضي فيه بما قضى الصالحون فقال: الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسوله، وفي بعضها اجتهد رأيي وحدثونا عن الجنيد قال: كنت إذا قمت من عند ~~سري السقطي قال لي: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي فقال: نعم ~~خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه للكلام ورده على المتكلمين، قال: فلما ~~وليت سمعته يقول جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صوفيا صاحب حديث يعني ~~أنك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت ~~تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال ~~شغلت به عن العلم والسنن فخرجت إما شاطحا أو غالطا لجهلك بالأصول والسنن ~~فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر، وكتب الحديث لأنه هو الأصل الذي ~~تفرع عليه العبادة والعلم وأنت قد بودئت بالفرع قبل الأصل، وقد قيل: إنما ~~حرموا الوصول بتضييع الأصول هو كتب الحديث ومعرفة الآثار والسنن فإذا أنمت ~~رددت إلى الأصل فقد انحططت عن مرتبة الناقدين ونزلت من درجة العارفين وفاتك ~~مزيد اليقين والإيمان. # وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا ~~عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا وقال آخر: العالم إذا هرب من الناس فاطلبه ~~وإذا طلب الناس فاهرب منه، وقال أبو محمد: سهل العلم يهتف بالعمل فإن أجابه ~~وإلا ارتحل، وقال ذو النون: يقول اجلس إلى من تكلمك صفته ولا تجلس إلى من ~~يكلمك لسانه، وقد كان الحسن قبله يقول: جالس من تكلمك أعماله ولا تجالس من ~~يخاطبك مقاله، وقد كان طائفة يصحبون كثيرا من أهل المعرفة للتأدب بهم ~~والنظر إلى هديهم ms0363 وأخلاقهم إن لم يكونوا علماء لأن التأديب يكون بالأفعال ~~والتعلم يكون بالمقال، ومن أبلغ ما سمعت منهم في هذا المعنى ما قال بعض ~~الحكماء: وعظ واحد لألف بفعل أنجح فيهم وأوقع من وعظ ألف لواحد بقول، وكان ~~سهل يقول: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به والعمل هباء إلا الإخلاص، ~~وقال مرة: الناس موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين، # PageV01P271 # والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يختم له به ولم يكن ~~العالم عند العلماء من كان عالما بعلم غيره ولا حافظا لفقه سواه، هذا كان ~~اسمه راوية وواعيا وحاملا وناقلا. # وقد كان أبو حازم الزاهد يقول: ذهب العلماء وبقيت علوم في أوعية سود، وقد ~~كان الزهري يقول: كان فلان وعاء للعلم وحدثني فلان وكان من أوعية العلم ولا ~~يقول كان عالما، وكذلك جاء الخبر: رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى ~~من هو أفقه منه، وكانوا يقولون حماد الراوية يعنون أنه كان راويا ودخول ~~الهاء في الاسم للمبالغة في الوصف كما يقال علامة ونسابة، وإنما كان العالم ~~عندهم الغني بعلمه لا بعلم غيره وكان الفقيه فيهم هو الفقيه بفقه علمه ~~وقلبه لا بحديث سواه، كما جاء في الأثر: أي الناس أغنى؟ قال: العالم الغني ~~بعلمه إن احتيج إليه نفع وإلا اكتفى عن الناس بعلمه لأن كل عالم بعلم غيره ~~فإنما صار عالما بمجموعه، فمجموعه هم العلماء وكل فاضل بوصف سواه فموصوفه ~~هم الفضلاء، فإذا تركهم وانفرد سكت، فلم يرجع إلى علم لنفسه يختص به فصار ~~في الحقيقة موصوفا بالجهل واصفا لطرائق أهل الفضل موسوما بعلم السمع والنقل ~~فمثل العالم بعلم غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ~~ولا حال له ولا مقام فليس يعود عليه من وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام، ~~وسبق العارفون بالله في الحجة بالأعمال والمقام، فمثله كما قال الله تعالى: ~~(ولكم الويل مما تصفون) الأنبياء: 18، وكقوله عز وجل: (كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) البقرة: 20 لا يرجع إلى ms0364 بصيرة فيه بما اشتبه من ~~ظلمات الشبه عليه مما اختلف العلماء فيه ولا يتحقق بوجد منه فيه يجده عن ~~حال ألبسها بوجده وإنما هو متواجد بوجد غيره فغيره هو الواجد وشاهد على ~~شهادة سواه، فالسوي هو الشاهد، وقد كان الحسن يقول: إن الله تبارك وتعالى ~~لا يعبأ بصاحب رواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية، وقال أيضا: من لم يكن له ~~عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته للحديث وقد أنشدنا لبعض الحكماء في معنى ~~ذلك: # العلم علمان فمصنوع ومطبوع ... ولا ينفع مجموع إذا لم يك مصنوع # كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع # وكان الجنيد رحمه الله كثيرا ينشد: # علم التصوف علم ليس يعرفه ... إلا أخو فطنة بالحق معروف # وليس يعرفه من ليس يشهده ... وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف # لأن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد ~~من الناس وانتحاء قوله والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه محدث لم ~~يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني، وهذه المصنفات من الكتب ~~حادثة بعد سنة # PageV01P272 # عشرين ومائة من التاريخ وبعد وفاة كل الصحابة وعلية التابعين، يقال إن ~~أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن ~~مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن ~~جمع فيه سننا منثورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس رضي الله ~~عنه في الفقه ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب وكتاب ~~التفسير في أحرف من علم القرآن وجامع سفيان الثوري الكبير رضي الله عنه في ~~الفقه والأحاديث، فهذه من أول ما صنف ووضع من الكتب بعد وفاة سعيد بن ~~المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ فكان ~~العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات الصحابة الأربعة ومن بعد موت ~~الطبقة الأولى من خيار التابعين هم الذين انقرضوا قبل تصنيف الكتب وكانوا ~~يكرهون كتب الحديث ووضع الناس الكتب لئلا يشتغل بها عن القرآن ms0365 وعن الذكر ~~والفكر، وقالوا: احفظوا كما حفظنا ولئلا يشتغل الناس عن الله تعالى برسم ~~ولا وسم كما كره أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلية الصحابة تصحيف القرآن ~~في مصحف وقالوا: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~وخشوا اشتغال الناس بالصحف واتكالهم على المصاحف فقالوا: نترك القرآن ~~يتلقاه الناس بعضهم من بعض تلقنا بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم وهمتهم ~~وذكرهم حتى أشار عليه عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة أن يجمع القرآن في ~~المصاحف لأنه أحفظ له وليرجع الناس إلى المصحف لما لا يؤمن من الاشتغال ~~بأسباب الدنيا عنه فشرح الله تعالى صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك فجمع ~~القرآن في الصحف المتفرقة في المصحف الواحد، وكذلك كانوا يتلقون العلم ~~بعضهم عن بعض ويحفظونه حفظا هذا لطهارة القلوب من الريب وفراغها من أسباب ~~الدنيا وصفائها من الهوى وعلو الهمة وقوة العزيمة وحسن النية ثم ظهرت بعد ~~سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام ~~وكتب المتكلمين بالرأي والمعقول والقياس وذهب علم المتقين وغابت معرفة ~~الموقنين من علم التقوى وإلهام الرشد واليقين فخلف من بعدهم خلف فلم نزل في ~~الخلف إلى هذا الوقت ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا، فصار ~~المتكلمون يدعون علماء والقصاص يسمون عارفين والرواة والنقلة يقال علماء من ~~غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين. # وروينا عن ابن أبي عبلة قال: كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح ~~فيتكلم علينا فاحتبس ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان ~~يتكلم به عطاء فأنكر صوته رجاء بن أبي حيوة فقال: من هذا المتكلم؟ فقال: ~~أنا فلان فقال: اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله، وكذلك كانوا ~~يقولون أبى أهل العلم بالله تعالى أن # PageV01P273 # يسمعوا هذا العلم إلا من أهله الزاهدين في الدنيا وكرهوا أن يسمعوه من ~~أبناء الدنيا وزعموا أنه لا يليق بهم، واعلم أن العبد إذا كان يذكر ms0366 الله ~~تعالى بالمعرفة وعلم اليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء، وكذلك كان ~~المتقدمون إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين ~~والإفهام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ ~~على أبي بن كعب ثم خالف زيدا في الفقه وأبيا في القرءة. # وقال بعض الفقهاء من السلف: ما جاءنا عن رسول الله قبلناه على الرأس ~~والعين وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ به ونترك وما جاءنا عن التابعين فهم ~~رجال ونحن رجال قالوا: ونقول ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد ~~ويقولون: لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء أي فيختار منها ~~على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين، فلو كانوا يستحبون أن يفتى العالم ~~بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف ولكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه، ومن ~~ثم قيل: إن العبد يسأل غدا فيقال ماذا عملت فيما علمت؟ ولا يقال له فيما ~~علم غيرك. # وقد قال الله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) الروم: 56 ففرق ~~بينهما يدل به أن من أوتي إيمانا أوتي علما كما أن من أوتى علما نافعا أوتي ~~إيمانا وهذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه: (كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدههم بروح منه) المجادلة: 22 أي قواهم بعلم الإيمان، فعلم الإيمان هو ~~روحه وتكون الهاء عائدة إلى الإيمان وكذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط ~~والاستدلال من الكتاب والسنة فإنه أداة الصنعة وآلة الصنع لأنه ذو تمييز ~~وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة، فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد ~~العلماء ولعالم عموم أيضا أن يقلد عالم خصوص وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد ~~من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رد من علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب ولم يرد أهل القلوب في علمهم ~~الذين يختصون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من ms0367 المفتين فتياهم ثم يجدون في ~~قلوبهم حيكا وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله: استفت قلبك بعد قوله وإن ~~أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ما حاك في صدرك فدعه وإن ~~أفتوك وأفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من نطق بكلام وصنعه غرب على ~~السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالما وكل كلام مستحسن زخرف رونقه لا ~~أصل له يسمى عالما لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ولقلة معرفة السامع بوصف ~~من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون وصار ~~كثير من الكلام والرأي والمعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين فلا ~~يفرقون بين المتكلمين والعلماء ولا يميزون بين العلم والكلام، # PageV01P274 # وقد قلنا: إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء فيشتبهون على مجالسيهم في ~~الحال، فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة المتقدمين وأعلمهم بطرائق ~~السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من هو من المتعلم والمتعالم ~~وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما قال صلى الله عليه وسلم ~~طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح ~~طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا العالم من هو ليطلبوا عنده ~~العلم إذ العلم عرض ولا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله كما قيل لعلي ~~كرم الله وجهه وقيل له إنك خالفت فلانا في كذا فقال خيرنا أتبعنا لهذا ~~الدين، وكما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها فقال: ~~إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ولا على أبيه ثم قرأ أو ننسها فأعلم ~~الناس في هذا الوقت وأقربهم من التوفيق والرشد أتبعهم لمن سلف وأشبههم ~~بشمائل صالحي الخلف، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل من أعلم الناس؟ فقال: أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور. # وقال بعض السلف: أعلم الناس أعرفهم باختلاف الناس، وكان الحسن البصري رضي ms0368 ~~الله عنه يقول: محدثان أحدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن ~~رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما ~~إلى النار اعرفوا إنكارهم لربهم بأعمالهم أن رجلا أصبح في هذه الدنيا بين ~~مترف يدعو إلى دنياه وصاحب هوى يدعو إلى هواه قد عصمه الله تعالى منهما ~~يجيء إلى السف الصالح يسأل عن فعالهم ويقتص آثارهم لتعرض لأجر عظيم فكذلك ~~فكونوا وكما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه وقد جاء مسندا إنما هما اثنان ~~الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله تعالى وأحسن الهدى هدى محمد لله ألا ~~وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ~~ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم، ألا كل ما هو آت قريب، ألا ~~إن البعيد ما ليس بآت، وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها عن ~~أبان عن أنس: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير ~~معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذل والمعصية، طوبى لمن ذل في ~~نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه ~~وأنفق الفضل ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة، ~~وقال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا هذا كأنه شاهده: # ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر # وبقيت في خلف يزكي بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور # أبني إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر # PageV01P275 # فطنا بكل مصيبة في ماله ... فإذا أصيب بدينه لم يشعر # فسل الفقيه تكن فقيها مثله ... من يسع في أمر بفقه يظفر # وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: حسن الهدى في آخر الزمان خير من ~~كثير من العمل، وقال في وصف زمانه باليقين وفي وصف زماننا بالشك فقال: إنكم ~~في زمان خيركم في المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم فيه ~~المتثبت المتوقف يعني لكثرة ms0369 الشبهات، وقال حذيفة رضي الله عنه: أعجب من هذا ~~قال إن معروفكم هذا منكر زمان قد مضى، وإن منكركم معروف زمان قد يأتي وإنكم ~~لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مستخف وكان يقول أيضا: ~~يأتي في آخر الزمان قوم يكون العالم فيهم بمنزلة الحمار الميت لا يلتفتون ~~إليه يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم المؤمن فيهم أذل من ~~الأمة، وفي حديث علي كرم الله وجهه يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة ~~أعشارهم لا ينجو منهم يومئذ إلا كل مؤمن نومة يعني صموتا متغافلا أولئك ~~مصابيح العلم وأئمة الهدى وليسوا بالمذاييع البذر يعني المتكلمين كثيرا ~~المتظاهرين بالكلام افتخارا، وفي خبر: يأتي على الناس زمان من عرف فيه الحق ~~نجا قيل فأين العمل؟ قال: لا عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من ~~شاهق إلى شاهق وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: يأتي على الناس زمان من ~~عمل منهم بعشر ما أمر به نجا وفي بعضها بعشر ما يعلم، وعن بعض الصحابة أنتم ~~اليوم في زمان من ترك منكم عشر ما يعلم هلك ويأتي عيلكم زمان من علم فيه ~~بعشر ما يعلم نجا، وقال بعض الخلفاء: يأتي عليكم زمان يكون أفضل العلم ~~الصمت وأفضل العمل النوم يعني لكثرة المنافقين بالشبهات فصار الصمت للجاهل ~~علما ولكثرة العاملين بالشهوات فصار النوم عبادة البطال ولعمري إن الصمت ~~والنوم أدنى أحوال العالم وهما أعلى أحوال الجاهل وكان يونس بن عبيد يقول ~~أصبح اليوم من يعرف السنة غريبا وأغرب منه من يعرفه يعني طريقة السلف، ~~يقول: فمن يعرفه عرف طريق من مضى وهو غريب أيضا لأنه قد عرف غريبا، وقال ~~حذيفة المرعشي: كتب إلى يوسف بن أسباط ذهب الطاعة ومن يعرفها وكان أيضا ~~يقول ما بقي من يؤنس به. # وقال: ما ظنك بزمان مذاكرة العلم فيه معصية قيل ولم ذلك؟ قال: لأنه لا ~~يجد أهله وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إنكم لن تزالوا بخير ms0370 ما ~~أحببتم خياركم وقيل فيكم الحق فعرف ويل لكم إذا كان العالم فيكم كالشاة ~~النطيح، وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست ~~في زماننا وكان للصالحين معان وطرائق يسلكونها ويسألون عنها قد ذهبت في ~~وقتنا وكان لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها ويطلبون أربابها ~~قد عفت آثارها عندنا لقلة # PageV01P276 # الطالبين لها ولعدم الراغبين فيها وفقد العلماء بها وذهاب السالكين في ~~طرقها منها طلب الحلال وعلم الورع في المكاسب والمعاملات وعلم الإخلاص وعلم ~~آفات النفوس وفساد الأعمال وعلم نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق العلم ~~والعمل والفرق بين نفاق القلب ونفاق النفس وبين إظهار النفس شهوتها ~~واخفائها ذلك والفرق بين سكون القلب بالله وسكون النفس بالأسباب والفرق بين ~~خواطر الروح والنفس وبين خاطر الإيمان واليقين والعقل وعلم خلائق الأحوال ~~وأحوال طرائق العمال وتفاوت مشاهدات العارفين وتلوينات الشواهد على ~~المريدين وعلم القبض والبسط والتحقيق بصفات العبودية والتخلق بأخلاق ~~الربوبية وتباين مقامات العلماء إلى غير ذلك مما لا نذكره من علم التوحيد ~~ومعرفة معاني الصفات وعلوم المكاشفة بتجلي الذات وإظهار الأفعال الدالة على ~~معاني الصفات الباطنة وظهور المعاني الدالة على النظر والإعراض والتقريب ~~والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة والاختباء والاختيار، وقد ذكرنا ~~من جميع هذه المعاني فصولا ورسمنا جملا وأصولا تنبه على فروعها وندل على ~~أشكالها لمن وفق لتدبرها وأريد بتذكرها وجعل له نصيب منها. # وقال بعض علمائنا: أعرف للمتقدمين سبعين علما كانوا يتحاورونها ~~ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد يعرف، قال: وأعرف في ~~زماننا هذا علوما كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور، وقد ظهرت وسميت ~~علوما لم تكن فيما مضى تعرف فهذا كالشراب الذي وصفه الله تعالى فقال: ~~(يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) النور: 39، وكان الجنيد رحمه ~~الله تعالى من قبله يقول: علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين ~~سنة وإنما نتكلم في حواشيه وكان يقول أيضا قد كنت أجالس قوما سنين يتحاورون ~~في علوم لا أفهمها ولا أدري ms0371 ما هي وما بليت بالإنكار قط كنت أتقبلها وأحبها ~~من غير أن أعرفها وكان أيضا يقول كنا نتجارى مع إخواننا قديما في علوم ~~كثيرة ما تعرف في وقتنا هذا ولا سألني عنها أحد، وهذا باب قد أغلق وردم، ~~ولما صنف شيخنا أبو سعيد بن الأعرابي كتاب طبقات النساك ووصف أول من تكلم ~~في هذا العلم وأظهره ثم من بعده من البصريين والشاميين وأهل خراسان إلى أن ~~كان آخرهم البغداديين، وقال آخر: من تكلم في هذا صاحبنا جنيد القواريري ~~وكانت له بصيرة فيه وحقيقة وحسن عبارة وما بقي بعده إلا من مجالسته غيظ، ~~وقال مرة أخرى: ما بقي بعد جنيد إلا من يستحي من ذكره وقد كان إمامنا أبو ~~محمد سهل رحمه الله يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه ~~يحدث قوم يتصنعون للخلق ويتزينون بالكلام لتكون مواجيدهم لباسهم وحليتهم ~~كلامهم ومعبودهم بطونهم، وقد كان حذيفة رضي الله عنه إذا سئل أي الفتن أشد ~~فقال: إن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تأخذ لكثرة الشبهات كما كان ~~سهل يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يصح لأحد توبة لأنه يفسد # PageV01P277 # خبزهم وهم لا يصبرون عن الخبز يعني أن أول التوبة أكل الحلال وقد روينا ~~في خبر يأتي على الناس زمان يضلون فيه دينهم فلا يعرفونه يصبح الرجل على ~~دين ويمسي على دين يضل أمره على غير يقين وتسلب عقول أكثر أهل ذلك الزمان ~~وأول ما يرفع عنهم الخشوع ثم الإجابة ثم الورع ويقال: أول ما يرفع من الناس ~~الألفة. ### | ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف # كان الناس قديما إذا التقوا يقول أحدهم: لصاحبه ما خبرك وما حالك؟ يعنون ~~بذلك ما خبر نفسك في مجاهدتها وصبرها وما حال قلبك من مزيد الإيمان وعلم ~~اليقين ويريدون أيضا ما خبرك في المعاملة لمولاك وما حالك في أمور الدنيا ~~والآخرة هل ازددت أم انتقصت فيتذاكرون أحوال قلوبهم ويصفون أعمال علومهم ~~ويذكرون ما وهب الله ms0372 تعالى لهم من حسن المعاملة وما فتح لهم من غرائب ~~الفهوم فكان هذا من تعديد نعم الله تعالى عليهم ومن جميل شكرهم ويكون مزيدا ~~لهم في المعرفة والمعاملة، وقد كان بعضهم يقول: أكثر علومنا ومواجيدنا ما ~~يعرفه بعضنا من بعض وما يخبر به أحدنا أخاه إذا التقينا فقد جهل هذا اليوم ~~فترك، فهم إذا تساءلوا عن الخبر والحال إنما يريدون به أمور الدنيا وأسباب ~~الهوى ثم يشكو كل واحد مولاه الجليل سبحانه وتعالى إلى عبده الذليل ويتسخط ~~أحكامه ويتبرأ بقضائه وينسى نفسه وما قدمت يداه فمثله كما قال تعالى: (ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) الكهف: 57، وكما قال ~~تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) العاديات: 6 قيل كفور بنعمته يعدد المصائب ~~وينسى النعم كل ذلك جهالة بالله تعالى وغفلة عنه، ومنه قولهم: الآن كيف ~~أصبحت وكيف أمسيت؟ هذا محدث، إنما كانوا إذا التقوا قالوا: السلام عليكم ~~ورحمة الله. # وفي الخبر: من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وإنما حدث هذا في ~~زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من الموت الذريع، كان الرجل ~~يلقى أخاه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون ويلقاه عشية فيقول كيف أمسيت ~~منه لأن أحدهم كان إذا أصبح لم يمس وإذا أمسى لم يصبح، فبقي هذا إلى اليوم ~~ونسي سببه وكان من عرف حدوثه من المتقدمين يكرهه، حدثونا عن أحمد بن أبي ~~الحواري قال: قال رجل لأبي بكر بن عياش: كيف أصبحت أو كيف أمسيت فلم يكلمه، ~~وقال: دعونا من هذه البدعة قال: وقلت لبعض السلف: كيف أصبحت فأعرض عني وقال ~~ما كيف أصبحت قل بالسلام. # وروى أبو معشر عن الحسن رضي الله عنه إنما كانوا يقولون السلام عليكم ~~سلمت والله القلوب، فأما اليوم كيف أصبحت أصلحك الله كيف أمسيت عافاك الله، ~~فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة ألا ولا كرامة فإن شاؤوا غضبوا علينا ومن ذلك ~~ابتداء الرجل في عنوان الكتاب باسم المكتوب إليه وإنما السنة أن يبتدئ ~~بنفسه فيكتب ms0373 من فلان إلى فلان، # PageV01P278 # قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: غبت غيبة فكتبت إلى أبي فابتدأت باسمه ~~فكتبت إلي يا بني إذا كتبت إلي فابدأ بأسمك في الكتاب فإن ابتدأت بإسمي قبل ~~اسمك لا قرأت لك كتابا ولا رددت إليك جوابا، وكتب العلاء بن الحضرمي رضي ~~الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه وكتب من العلاء بن ~~الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويقال أول من أحدثه زياد فعابه ~~العلماء عليه وعدوه من إحداث بن أمية، وقد بقي سنة هذا في كتب الخلفاء ~~والأمراء إلى اليوم على نحو ما مضى فهم يقدمون أسماءهم في كتبهم ومن ~~الأحداث قول الرجل إذا جاء منزل أخيه يا غلام يا جارية فيه مخالفة لأمر ~~الله عز وجل وأمر رسوله عليه السلام، قال الله عز وجل: (لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) النور: 27قال أهل التفسير: ~~الاستئناس الدق أو التنحنح أو الحركة حتى يؤذن بذلك أن وراءها إنسانا وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم منزل أخيه فليسلم ثلاثا فإن ~~أذن له فليدخل وإلا فليرجع وكان السلف يقرع أحدهم باب أخيه ثم يسلم ثلاثا ~~يقف بعد كل تسليمة هنيهة فإن أذن له دخل وقد لا يحب صاحب المنزل أن تدخل ~~عليه في ذلك الوقت لسبب عذر له فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله ارجع عافاك ~~الله فإني على شغل فيرجع عنه غير كاره لرجوعه ولا يؤثر ذلك عليه في نفسه، ~~وقد يكون قوله ارجع أحب إليه لأنه أفضل له رجاء الإجابة والتزكية لقوله ~~تعالى: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم) النور: 28، فربما رجع في ~~اليوم مرتين أو ثلاثا بعد رد صاحبه له وهو يعود لأن ذلك لم يؤثر في قلبه ~~شيئا وهذا لو فعل ببعض الناس من أهل عصرنا هذا لكرهه، ولعل أن لا يعود يومه ~~ذلك فأما العلماء فقد كان بعض الناس لا يستأذن عليهم إلا لمهم لا بد منه ms0374 بل ~~كانوا يقعدون على أبوابهم وفي مساجدهم ينتظرون خروجهم لأوقات الصلاة إجلالا ~~للعلم وهيبة للعلماء. # وحدثونا عن أبي عبيد قال: ما قرعت على عالم قط بابه كنت أجيء إلى منزله ~~فأقعد على بابه انتظر خروجه من قبل نفسه أتأول قول الله عز وجل: (ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) الحجرات: 5، وقد روينا مثل هذا عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما في موضعه من العلم والشرف أن المار كان يمر به وهو ~~قائم على باب منزل الرجل من الأنصار تسفي عليها الرياح فيقول: ما يجلسك ~~ههنا يا ابن عم رسول الله؟ فيقول: انتظر خروج صاحب المنزل، فيخرج الرجل ~~فيقول ابن عم رسول الله: لو أرسلت إلي لجئتك فيقول: لا أنا كنت أحق أن ~~آتيك، فيسأله عما يريد من حديث بلغه أنه يرويه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن هو سمعه منه، ومن ذلك استقصاء الرجل في المسألة عن حال أخيه ~~وخبره، وقد كره ذلك، تزوج سلمان الفارسي رضي الله عنه فلما دخل على أهله ~~خرج إلى الناس من الغد فقال له رجل: كيف أنت يا أبا عبد الله قال بخير أحمد ~~الله تعالى قال: # PageV01P279 # كيف حالك وكيف بت البارحة. # وفي لفظ آخر كيف وجدت أهلك فغضب سلمان وقال: لم يسأل أحدكم فيخفي المسألة ~~وليسأل عما وراء البيوت يكفي أحدكم أن يسأل عن ظاهر الأمر وأما سليمان بن ~~مهران الأعمش فإن رجلا قال له في منزله: كيف أنت يا أبا محمد؟ قال: بخير ~~قال: كيف حالك؟ قال في عافية، قال: كيف بت البارحة؟ فصاح: يا جارية انزلي ~~بالفراش والمخاد فأنزلت بذلك فقال: افشي واضطجعي حتى أضطجع إلى جنبك لنرى ~~أخانا كيف بت البارحة وكان يقول يلقى أحدهم أخاه فيسأله عن كل شيء حتى عن ~~الدجاج في البيت ولو سأله درهما ما أعطاه وكان من مضى من السلف إذا لقي ~~أخاه لا يزيد على قول: كيف أنتم أو حياكم الله بالسلام، ولو سأله شطر ماله ~~قاسمه، ومن ms0375 ذلك قول الرجل لأخيه إذا لقيه ذاهبا في الطريق إلى أين تريد أو ~~من أين جئت فقد كره هذا وليس من السنة ولا الأدب وهو داخل في التجسس ~~والتحسس لأن التحسس في الآثار والتجسس في الأخبار وهذا السؤال عن ذلك ~~يجمعهما وقد لا يحب الرجل أن يعلم صاحبه أين يذهب ولا من أين جاء. # وقد كره ذلك مجاهد وعطاء قالا: إذا لقيت أخاك في طريق فلا تسأله من أين ~~جئت ولا أين يذهب فلعله أن يصدقك فتكره ذلك ولعله أن يكذبك فتكون قدحملته ~~عليه وقد كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها وكان بعضهم لبيعها أكره منه ~~لشرائها، وقد ابتدع الناس علوما لم تكن تعرف فيما سلف منها: علم الكلام ~~والجدل وعلوم المقايس والنظر والإستدلال على سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأدلة الرأي والمعقول ومنها إيثار علم العقل والرأي والقياس على ظواهر ~~القرآن وعلى الأخبار ومنها: إظهار الإشارات بالمواجيد من غير علومها ولا ~~بيان تفصيلها، وفي ذلك تحيير للسامعين وإضلال للعاملين وإنما كان العلماء ~~بهذا العلم يظهرون علوم المواجيد ويخفون الإشارة بالوجد فيظهرون للناس ما ~~ينفع ويخفون ما يضر ولأن المواجيد أحوال قلوبهم فكتمها أفضل وعلومها أنصبة ~~المريدين والعاملين فإظهارها هو البغية لهم فأظهروه وأخفوا وجدهم لأنه سر ~~لهم فسلموا من التصنع والدعوى وأعطوا السامعين نصيبهم ومنعوهم ما ليس لهم ~~فعدلوا في الوصفين معا ففضلوا في الحالين جميعا فجهل هذا الآن فأظهر ضده ~~وكان إلى الضرر أقرب ومن السلامة أبعد، فمن لم يحسن التفصيل ولم يرزق ~~العبارة فإنه يحسن الصمت فهو واسع إن من لم يتكلم بعلم على سنة فسكوته أقرب ~~له إلى الله تعالى فمثله في ذلك كما قال الله عز وجل: (ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) الطلاق: 7، ومما ظهر ~~إظهار علوم المعرفة بمعاني الرغبة ليتميزوا عن الفقراء تكبرا منهم فلا ~~يجعلون مجعلهم فليصرف إليهم من الأسباب على قدر أنسهم وأحوالهم، وهذا من ~~أكبر أبواب الدنيا وأضره على مريدي الآخرة ms0376 وألطفه تمويها في الدين ومنها ~~الكلام # PageV01P280 # في التوحيد بمخالفة علم الشرع وأن الحقيقة تخالف العلم والحقيقة هي علم ~~وهي أحد طرقات الشريعة وعلم الشرع عنها فكيف تنافيها وهي التي أوجبته وإنما ~~هي عزيمة وضيقة وعلم الظاهر هو الرخصة والسعة فمن تكلم في علم الباطن على ~~غير قواعد العلم الظاهر وأصوله فذلك من الإلحاد في الشريعة والوليجة بين ~~الكتاب والسنة. # وقد قال بعض العارفين: نظرت إلى هؤلاء الشاطحين فما وجدت إلا جاهلا ~~مغرورا أو خاسئا حبورا أو مستظهرا بلا شيء، ومنها الكلام في الدين بالوساوس ~~والخطرات عن غير رد مواجيدها إلى الكتاب والسنة والواجب معرفة تفصيلها، ~~ونفى ما لم يشهد له الكتاب والسنة منها، إذ في المواجيد ضلال وغرور وفي ~~المشاهدات باطل وزور، مع دعواهم المحبة وإنكارهم الصفة التي جاءت بها السنة ~~وعن غير شهادة موصوف وادعائهم المعرفة من غير تعرف معروف ومما أحدثوا السجع ~~في الدعاء والتغريب فيه ولم يرد الكتاب به ولا نقل عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا الصحابة بل كانوا ينهون عن الاعتداء في الدعاء ويجتنبون ~~محاوزة ما أخبر الله تعالى عن أوليائه من الأدعية الجامعة المختصرة ~~المعروفة. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والسجع في الدعاء، حسب ~~أحدكم أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك ~~من النار وما قرب إليها من قول وعمل، وفي الخبر سيأتي قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور، وسمع عبد الله بن مغفل ابنه يدعو بدعاء يغمق فيه فقال: يا بني ~~إياك والحدث والاعتداء في الدعاء، وفي قوله عز وجل: (ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين) الأعراف: 55، قيل في الدعاء: فالاعتداء في ~~الدعاء هو ترك ما أخبر الله عز وجل عن أوليائه الصالحين من الدعاء بالمغفرة ~~والرحمة والتوبة ومعنى ذلك من الدعاء المعروف والقول المشهور إلى التنطع ~~والتعميق والتغريب والتدقيق، ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيد أحدهم على ~~سبع كلمات في الدعاء ووجدت تصديق ذلك في الكتاب إن الله ms0377 تعالى ما أخبر عن ~~عباده في الدعاء في مكان واحد أكثر من سبع دعوات، وهي التي في أخر سورة ~~البقرة، وإلا إنما يخبر عنهم بالدعوتين والثلاث والأربع إلى الخمس في مواضع ~~من الكتاب متفرقة. # ومر بعض السلف بقاص يدعو يسجع في دعائه ويتعمق فقال له: ويلك على الله ~~تبالغ، أشهد لقد رأيت حبيبا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا ~~جيدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، قال: والناس يبكون ~~من كل ناحية وكنا نتعرف إجابة دعائه وبركته، وكان أبو يزيد البسطامي يقول: ~~سله بلسان الحاجة لا بلسان الحكمة، وقال الحسن: ادع بلسان الاستكانة ~~والافتقار لا بالفصاحة والانطلاق، ومما أحدثوه أخذ القرآن بالإدارة وتنازع ~~الاثنين الآية أو تلقي الرجلين للآيتين في مكان واحد بمنزلة الاختلاس ~~والنهبة من غير خشوع للقرآن ولا هيبة، وقراءة القرآن تحتاج إلى حزن وسكون # PageV01P281 # وخشوع، ومن ذلك أخذ المقرئ على الاثنين وليته قام بقراءة الواحد لسهو ~~القلب كما قيل لإبراهيم الحربي إن فلانا يأخذ على الاثنين فقال هاه يحتاج ~~اثنان أن يأخذا على واحد، ومن البدع التلحين في القراءة حتى لا تفهم ~~التلاوة وحتى يجاوز إعراب الكلمة بمد المقصور وقصد الممدود وإدغام المظهر ~~وإظهار المدغم ليستوي بذلك التلاحن ولا يبالي باعوجاج الكم وإحالته عن ~~حقيقته فهو بدعة ومكروه استماعه، قال بشر بن الحرث: سألت ابن داود الحربي ~~أمر بالرجل يقرأ فأجلس إليه قال: يقول يطرب قلت: نعم، قال: لا هذا قد أظهر ~~بدعته، ومن ذلك التلحين في الأذان وهو من البغي والاعتداء فيه، قال رجل من ~~المؤذنين لابن عمر رضي الله عنهما: إني لأحبك في الله تعالى فقال له: لكني ~~أبغضك في الله تعالى قال: يا أبا عبد الرحمن لم: قال لأنك تبغي في أذانك ~~وتأخذ عليه أجرا، وكان أبو بكر الآجري رحمه الله يقول: خرجت من بغداد وما ~~يحل لي المقام بها قد ابتدعوا في كل شيء حتى في قراء ةالقرآن وفي الأذان ~~وكان يعني بذلك قراءة الإدارة والتلحين وقدم علينا مكة ms0378 في سنة ثلاثين ومن ~~جمل ما أحدث الخلف فخالفوا به سنن السلف أنهم شددوا في أشياء كان السلف ~~يسهلون فيها وسهلوا أشياء كان السلف يشددون فيها، فمثلهم في ذلك كالخوارج ~~شددوا في الصغائر من الذنوب وسهلوا في الآثار والسنة وفي ترك مذهب الجماعة ~~حتى فارقوهم فمما شدد فيه الخلف مما كان السلف يسهلونه كتب الأحاديث من ~~أنواع طرقها وتتبع الغرائب من طرقاتها وتحري الألفاظ فيها. # وقد قال ابن عون: أدركت ثلاثة يرخصون في المعاني: إبراهيم، والشعبي، ~~والحسن رحمهم الله تعالى، وعن جماعة من علماء السلف والصحابة التوسعة في ~~معاني الأحاديث وإن لم يؤد ألفاظها ومن ذلك تجريد الحروف وتحري المقرئ ~~الواحد في جميع اختياره حتى كأنه فرض عليه، ومن ذلك التدقيق في القياس ~~والنظر والتبحر في علوم النحو والعربية، كما قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ~~تعالى: أعربنا في الكلام فلم نلحن ولحنا في الأعمال فيا ليتنا لحنا في ~~الكلام وأعربنا في الأعمال. # وذكرت العربية عند القاسم بن المخيمرة فقال: أولها كبر وآخرها بغي، وقد ~~قال بعض السلف: النحو يذهب الخشوع من القلب، وقال آخر: من أحب أن يزدري ~~الناس كلهم فليتعلم العربية وشددوا في الطهارة بالماء وتنظيف الثياب وكثرة ~~غسلها من عرق الجنب ولبس الحائض ومن أرواث ما يؤكل لحمه وأبواله وغسل ~~اليسير من الدم ونحو ذلك وكان السلف يرخصون في هذا كله ومما سهلوه مما كان ~~السلف يشددون فيه أمر المكاسب وترك التحري فيها والكلام فيما لا يعني ~~والخوض في الباطل والغيبة وا لنميمة # PageV01P282 # والاستماع إليهما والعقد على البلاغات وسوء الظن لأجلها، وهو اشتراك في ~~الغيبة والنميمة، وكل بلاغة تزيد وتنقص إن كان شرا ازددت فيه وإن كان خيرا ~~نقصت منه وسهلوا في النظر إلى الزور واللهو ومجالسة البطالين والمشي في ~~أسباب الهوى والتعصب وشدة الحرص في الدنيا، وهذا كله كان السلف يشددون فيه ~~ومما أحدثوا دخول النساء الحمام من غير ضرورة ودخول الرجل بغير مئزر وهو ~~فسق، وسئل إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى عمن يشرب النبيذ ولا ms0379 يسكر أيصلى ~~خلفه؟ قال: نعم، قيل: فمن دخل الحمام بغير مئزر فقال لا يصلي خلفه، هذا لأن ~~شرب النبيذ يختلف فيه إذا لم يسكر ودخول الحمام بغير مئزر محرم بإجماع، ~~وكان بعض العلماء يقول: يحتاج داخل الحمام إلى مئزرين مئزر لوجهه ومئزر ~~لعورته وإلا لم يسلم في دخوله، وكان ابن عمر يقول: الحمام من النعيم الذي ~~أحدثوه، ومن المنكر في الحمام تولي القيم لعورة الرجل المسلم في الأطلاء ~~بالنورة، وقد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في جلسته فينصب ~~ركبتيه ومنهم من يقعد على قدميه ويضع مرفقيه على ركبتيه كذلك كان شمائل كل ~~من تكلم في هذا العلم خاصة من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~زمن الحسن البصري وهو أول من أظهر هذا العلم وفتق الألسن به إلى وقت أبي ~~القاسم الجنيد قبل أن تظهر الكراسي، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقعد القرفصاء ويحتبي بيديه، وفي رواية أخرى: أنه كان يقعد ~~على قدميه ويجعل مرفقيه على ركبتيه وأول من قعد على كرسي من أهل هذا العلم: ~~يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى بمصر، وتبعه أبو حمزة ببغداد، فعاب الأشياخ ~~عليهما ذلك، ولم يكن ذلك من سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة ~~واليقين إنما كان يجلس متربعا، النحويون واللغويون وأبناء الدنيا من ~~العلماء المفتين وهي جلسة المتكبرين، ومن التواضع الاجتماع في الجلسة. ### | ذكر تفصيل العلوم # ومعروفها وقديمها ومحدثها ومنكرها # اعلم أن العلوم تسعة: أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين وخمسة ~~محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، فأما الأربعة المعروفة فعلم الإيمان وعلم ~~القرآن وعلم السنن والآثار، وعلم الفتاوى والأحكام، وأما الخمسة المحدثة، ~~فالنحو والعروض، وعلم المقاييس، الجدل وفي الفقه، وعلم المعقول بالنظر، ~~وعلم علل الحديث وتطريق الطرقات فيه وتعليل الضعفاء وتضعيف النقلة للآثار ~~فهذا العلم من المحدث إلا أنه علم لأهله فيسمعه أصحابه منهم، وقد كانوا ~~يرون القصص بدعة وينهون عنه ويكرهون مجالسة القصاص، وقال بعض ms0380 العلماء نعم ~~الرجل فلان لولا أنه يقص، وقال بعض هذه الطائفة: مثل أصحاب الحكايات في أهل ~~المعرفة مثل القصاص في الفقهاء، وقال آخر: مثل # PageV01P283 # القصاص في العلماء مثل أهل السواد في أهل المدن، فأما أكل الدنيا بالدين ~~وأخذها على الصلاح وبيع العلم بالدنيا والتصنع والتزين للعموم فمن قبيح ما ~~أحدث، وهو أظهر من أن يدل على فساده عند من عرف ظاهر العلم، وقد سمى هؤلاء ~~في زماننا هذا الجاهلون بالعلم علماء وجعلهم الناقصون عن الفضل فضلاء لقلة ~~معرفتهم بطريق المتقدمين وعدم بصيرتهم بحقيقة علم الدين، وأعلم أن الكلام ~~ينقسم عندنا سبعة أقسام: العلم منه قسم واحد، وسائر الستة لغو مطرح يلتقطه ~~من لا يعرفه ولا يفرق بين العلم والجهل، والعرب تقول: لكل ساقطة لاقطة ولكل ~~قائلة ناقلة، فالستة إفك وسفه وخطأ وظن وزخرف ووسوسة، فهذه أسماؤها عند ~~العلماء يفصلون ذلك بما فصل الله تعالى لهم من بيانه واستحفظهم من كتابه ~~وجعلهم شهداء على دينه وعباده، فالقسم السابع من الكلام هو ما عدا هذه ~~الستة، ولم يقع عليه اسم منها مذموم، فهو علم وهو نص القرآن والسنة أو ما ~~دلا عليه، واستنبط منهما أو وجد فيهما اسمه ومعناه من قول وفعل، والتأويل ~~إذا لم يخرج عن الإجماع داخل في العلم والاستنباط إذا كان مستودعا في ~~الكتاب يشهد له المجمل ولا ينافيه النص فهو علم، وقد كان ابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان ~~يكون العلم فيه تابعا للهوى. # وقد جمع الله تعالى بين رونق العقل ومتعة الدنيا بتسمية الزخرف فقال ~~تعالى: (ولبيوتهم أبوابا وسررا علىها يتكئون) الزخرف: 34 وزخرفا وكما قال ~~زخرفا من القول غرورا فذهاب الجاهل بالاستحسان لزخرف القول من المموه من غل ~~الدنيا كمتعة الجاهل من أبناء الدنيا بزخرف الذهب ذاهبا عن حقيقة الأمر ~~والزخرف ما يموه على الذهب، فيشبه به يحسبه الجاهل والصبي عين الذهب، كذلك ~~الزخرف من القول: ما يموه ويشبه على العلم يحسبه المستمع من الجهال ms0381 علما، ~~فكذلك جمع بينهما في التسمية الزخرف، وقد قيل إن الزخرف هو الذهب فعلى هذا ~~شبه قول الغرور بالذهب الذي يذهب بقاؤه وتقل حقيقته عند الربانيين وأهل ~~الحقيقة الزاهدين إذ شبهه الأنبياء والصديقون كالحجر والمدر، وكان الإمام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغراس، ما أقل ~~العلم فيهم والله المستعان، وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: لم يكن ~~الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء ~~يقولون حرام ولا حلال في أكثر الأمور أدركتهم يقولون مستحب ومكروه، وكان ~~مالك كثير التوقف في الأجوبة إذا سئل ويكثر أن يقول لا أدري سل غيري وقال ~~رجل لعبد الرحمن بن مهدي ألا ترى إلى قول فلان في العلم حلال وحرام وقطعه ~~في الأمور بعلمه يعني رجلا من أهل الرأي وإلى قول مالك: إذا سئل أحسب، فقال ~~عبد الرحمن: ويلك قول مالك أحسب أحسب أحب إلي من قول # PageV01P284 # فلان: أشهد أشهد، وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا ~~فإنهم قد أعدوا له جوابا، ولكن اسألوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها، وكان ~~الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي والهوى يقول: ~~لقد كان القعود في هذا المسجد أحب إلي مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء ~~المراؤون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على مزبلة أحب إلي من أن أجلس ~~فيه وكان يقول ما حدثوك عن السنن والآثار فخذ به وما حدثوك عما أحدثوا من ~~رأيهم فامخط عليه، وقد قال مرة: فبل عليه، وقد كان السلف يستحبون العي ~~والبله عن علوم المعقول، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان ~~إذ قرنه بالحياء فقال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان ~~شعبتان من النفاق. # وقال عليه السلام: أبغض الخلق إلى الله عز وجل البليغ الذي يتخلل الكلام ~~بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها يعني الحشيش الرطب، وقال في حديث ~~آخر: العي ms0382 عن اللسان لا عي القلب، وقال: إن الله عز وجل كره لكم البيان كل ~~البيان فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب سبحانه وتعالى وصار فقه ~~اللسان بالبيان إنما هو عي القلب عن الشهادة والإيقان وعي اللسان وطول ~~الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب، ومن المتكلمين من لا يعرف من ~~كلام البدع وعلم المنافقين الذي ذمه القدماء هو اليوم سنة وأهل النطق به هم ~~العلماء اليوم، ولقد صار المعروف منكرا والمنكر معروفا وصار السنة بدعة ~~والبدعة سنة، وكذلك جاءت به الأخبار في وصف علماء آخر الزمان، وفي الخبر ~~المشهور: إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين، فمن غلب عليه هذا الوصف ~~فكان متشدقا بليغا في علم الرأي والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم ~~الإيمان كان إلى النفاق أقرب، ومن حقيقة الإيمان أبعد، وقد كان أبو سليمان ~~الداراني يقول: لا ينبغي لمن ألهم شيئا من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في ~~الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه. # وقال بعض العارفين: ما قبلت خاطرا من قلبي حتى يقيم لي شاهدي عدل من كتاب ~~وسنة وكان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول: لا يبلغ العبد حقيقة ~~الإيمان حتى يكون فيه هذه الأربع: أداء الفرائض بالسنة، وأكل الحلال ~~بالورع، واجتناب النهي من الظاهر، والباطن والصبر على ذلك حتى الممات، وقد ~~كانوا يعيبون على من تكلم بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بغير ذكر الله ~~تعالى وكانوا يخرجون المتحدثين من المساجد فلا يبقى فيه إلا مصل أو ذاكر ~~لله تعالى، وقد كان السلف يستعظمون يسير الحديث في الدين ودقائق البدع في ~~الإسلام لعظم الإيمان والسنة في قلوبهم ولمعرفتهم بحقيقة المعروف، قال عبد ~~الله بن مغفل لابنه وقد سمعه يقرأ خلف الإمام: يا بني إياك والحدث إياك ~~والحدث، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه # PageV01P285 # يسجع في كلامه: هذا الذي يبغضك إلي لا قضيت حاجتك أبدا، وكان قد جاءه ~~يسأله حاجة له، ms0383 وقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أتي امرؤ شرا من ~~طلاقة في لسانه، وقال صلى الله عليه وسلم لابن رواحة حين سجع سمعه فوالى ~~بين ثلاث وقال: إياك والسجع يا ابن رواحة، فكان السجع ما زاد على كلمتين، ~~وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أمره بدية الجنين، لما ~~قال كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل فمثل هذا بطل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أسجع كسجع الأعراب. # وروينا أن مروان لما أحدث المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو ~~سعيد الخدري فقال: يا مروان ما هذه البدعة فقال: إنها ليست بدعة هي خير مما ~~تعلم، إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت، قال أبو سعيد رضي الله ~~عنه: ولا تأتون بخير مما أعلم أبدا والله لاصليت وراءك اليوم، فانصرف ولم ~~يصل معه صلاة العيد، فالخطبة على منبر في صلاة العيد وخطبة الاستسقاء بدعة، ~~وكان عليه السلام يخطب فيهما على الأرض متوكئا على قوس أو عصا، وروي أن عمر ~~رضي الله عنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة، وفعله عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه أيضا فأعتق رقبة استنانا بعمر وهو جده لأمه. # وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر صلاة المغرب حتى طلع كوكبان ~~فأعتق رقبتين وفي الخبر: لا تزال أمتي على مسكة من دينها ما لم يؤخروا صلاة ~~المغرب إلى اشتباك النجوم تشبها باليهودية ولم يؤخووا صلاة الصبح إلى ~~افتراق النجوم تشبها بالنصرانية، وقال سفيان الثوري رحمه الله ويوسف بن ~~أسباط: لا تقلد دينك من لا دين له، وقال وكيع: لأن أزني أحب إلي من أن أسأل ~~مبتدعا عن ديني، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قد أكثر عن عبيد ~~الله بن موسى العبسي ثم بلغه عنه أدنى بدعة قيل إنه كان يقدم عليا على ~~عثمان، وقيل: بل ذكر معاوية بسوء، فانصرف أحمد ومزق جميع ms0384 ما حمل عنه ولم ~~يحدث عنه شيئا، وقيل له مرة: يا أبا عبد الله أوكيع أشبه بالسلف أم عبيد ~~الله فقال: وكيع وإن زنى، وحدثونا عن إبراهيم الحربي قال: كتبت عن علي بن ~~المديني رضي الله عنه جملا لله تعالى على أن لا أحدث عنه بحرف، قيل: ولم يا ~~أبا إسحاق فذكرصلاته خلف مبتدع وكان رحمه الله تعالى يقول: صحبت الفقهاء ~~وأصحاب الحديث وأهل العربية واللغة سبعين سنة ما سمعت هذه المسائل التي ~~أحدثت في هذا الوقت من أحد منهم قط يعني الاسم والمسمى ونحو ذلك، وقال: ~~وأخرج على من كان من أهل الكلام والجدل أن يحضر مجلسي أو يسألني عن شيء ~~فإنه لا علم لي بالكلام ولا أنا أحسنه ولا أقول بأهله، ولو عرفت أحدا منهم ~~ما كلمته ولا أجبته عن شيء، وهجر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أبا ~~ثور صاحب الشافعي لما سئل عن # PageV01P286 # معنى قول النبي: إن الله تعالى خلق آدم على صورته قال: إن الهاء عائدة ~~على آدم فغضب وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم يخلقه عليها؟ ويله يقول إن ~~الله تعالى خلق على مثال فأي شيء يعمل في الحديث المفسر إن الله تعالى خلق ~~آدم على صورة الرحمن، فبلغ ذلك أبا ثور فجاءه واعتذر وحلف أنه ما قلت عن ~~اعتقاد وإنما هو رأي رأيته والقول ما قلت وهو مذهبي، وهجر أيضا حارثا ~~المحاسبي رحمه الله تعالى في رده على المبتدعة وكان من أهل السنة فقال: أين ~~ترد عليهم وقد حكيت قولهم وأيضا فإنك تحملهم على التفكر والرأي فيما قلت ~~فيكون سببا لرد الحق بالباطل، وهجر أيضا يحيى بن معين في كلمة تكلم بها وهو ~~قوله: لو أعطاني الشيطان شيئا أخذته، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: ليس ~~من السنة أن تجادل عن السنة ولكن تخبر بها فإن قبل منك وإلا فاسكت، وقيل ~~لعبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنه: إن فلانا يرد على المبتدعة فقال: بكتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ms0385 عليه وسلم قالوا: لا بل بالمعقول قال بئسما ~~صنع رد بدعة ببدعة. # وحدث زيد بن أحزم عن وهب بن جرير قال: سمعت شعبة رحمه الله تعالى يقول: ~~أتيت الحرث العكلي فقلت: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا تبع ~~أحدكم جنازة فلا يجلس حتى توضع قال: أرأيت إن جئنا ولم يحفر له ينبغي لنا ~~أن نقوم قياما فحيث قال لي: أرأيت تركته وروى محمود بن غيلان أيضا عن وهب ~~أيضا عن شعبة قال: أتيت المنهال بن عمرو أسأله عن حديث فسمعت من منزله صوت ~~طنبور فرجعت ولم أسأله ثم ندمت بعد ذلك فقلت: هلا سألته فعسى: كان لا يعلم ~~به، ومما أحدثوا البيع والشراء على الطريق وكان الورعون لا يشترون شيئا ممن ~~قعد يبيعه على طريق وكذلك إخراج الرواشن من البيوت وتقديم العضايد بين يدي ~~الحوانيت إلى الطريق مكروه، ومما كرهه أهل الورع البيع والشراء من الصبيان ~~لأنهم لا يملكون وكلامهم غير مقبول، وحدثت عن أبي بكر المروزي أن شيخا كان ~~يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ذا هيبة فكان أحمد يقبل عليه ~~ويكرمه فبلغه عنه أنه طين حائط داره من خارج قال: فأعرض عنه في المجلس ~~فاستنكر الشيخ ذلك فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك عني حدث أحدثته؟ قال: نعم ~~طينت حائطك من خارج قال: ولا يجوز قال: لا لأنك قد أخذت من طريق المسلمين ~~أنملة قال: فكيف أصنع؟ قال: إما أن تكشط ما طينته وإما أن تهدم الحائط ~~وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج قال: فهدم الرجل الحائط ~~وأخره أصبعا ثم طينه من خارج قال: فأقبل عليه أبو عبد الله كما كان، ومما ~~كرهه السلف طرح السنور والدابة على المزابل في الطرقات فيتأذى المسلمون ~~بروائح ذلك، وكان شريح وغيره إذا مات لهم سنور دفنوها في دورهم ومثله إخراج ~~الميازيب وصيها إلى الطرقات، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأهل ~~الورع # PageV01P287 # يجعلون ميازييهم إلى داخل دورهم، وقال إبراهيم النخعي رحمه ms0386 الله: كان ~~أحدهم يكذب مرتين ولا يشعر يقول: لا شيء إلا شيء ليس بشيء يعني قول الناس ~~للشيء اليسير الذي لا يوصف بكثير لا شيء فاستعظم هذا ورآه كذبا مرتين. # وروينا عن عمر رضي الله عنه: إنه قال لعوانه: كنت أرثي لك من العمى فصرت ~~الآن غبطك به قال وكيف؟ قال: صرت لا ترى أبا الصغري بعينيك مبتدع كان ~~بالمدينة، وقيل لقتادة: تود لو أنك بصير؟ فقال: لا على من كنت أفتح عيني بل ~~لو كان في وقت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أنظر إليهم، وحدثونا ~~عن الفضل بن مهران قال: قلت ليحيى بن معين: أخ لي يقعد إلى القصاص فقال: ~~انهه فقلت: لا يقبل قال عظه قلت: لا يقبل أأهجره؟ قال: نعم قال: فأتيت ~~الإمام أحمد بن حنبل فذكرت له نحو ذلك فقال: قل له يقرأ في المصحف ويذكر ~~الله تعالى في نفسه ويطلب حديث رسول الله لله قلت: فإن لم يفعل قال: بلى إن ~~شاء الله تعالى فإن هذا الاجتماع محدث قلت: فإن لم يقبل أأهجره؟ فتبسم ~~وسكت، وسأل رجل بشر بن الحارث رحمه الله تعالى عن مسألة من علم القلوب ~~فتوقف ثم أجابه ثم سأله مسألة أخرى من علم المعاملات فسكت ونظر إليه ثم ~~قال: من تجالس من الناس فقال: منصور بن عمار وابن السماك فقال: ألا تستحي ~~تسألنا عن علم القلوب ثم تجالس القصاص؟ قال: وأعرض عنه حتى قلنا له: يا أبا ~~نصر إنه لا بأس به، إنه من أهل السنة وقد كانوا يكرهون الصلاة في المقصورة ~~ويرونها أنها أول بدعة أحدثت في المساجد ويكرهون تزويق المساجد وكذا القبلة ~~بالزخرف وتحلية المصاحف وهذا من البدع، وفي الخبر: إذا ما زخرفتم مساجدكم ~~وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم وقد كانوا يكرهون كثرة المساجد في المحلة ~~الواحدة. # روي أن أنس بن مالك رضي الله عنهما لما دخل البصرة جعل كلما خطا خطوتين ~~رأى مسجدا فقال: ما هذه البدعة؟ لما كثرت المساجد قل المصلون، أشهد لقد ~~كانت القبيلة ms0387 بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد، وكان أهل القبائل يتبانون ~~المسجد الواحد في الحي من الأحياء واختلفوا في أيهما يصلي إذا اتفق مسجدان ~~في محلة، فمنهم من قال في أقدمهما وإليه ذهب أنس بن مالك وغيره من الصحابة، ~~قال: وكانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى المساجد العتق، وكان الحسن يقول: ~~يصلي في أقربهما منه ويقال: أول ما حدث من البدع أربع: الموائد، والمناخل، ~~والأشنان، والشبع، وكانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير الخزف ولا يتوضأ ~~أهل الورع في آنية الصفر والنحاس، قال الجنيد: قال لي سري السقطي: اجتهد أن ~~لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين، ويقال: لا حساب عليه، ومما ~~كرهه السلف تشييد البناء بالجص والآخر، يقال: أول من طبخ الطين هامان أمره ~~به فرعون، ويقال: هو بناء الجبابرة، # PageV01P288 # وكرهوا النقوش والتزويق في السقوف والأبواب، وكانوا يغضون من النظر إلى ~~ذلك وغاب الأحنف بن قيس غيبة فرجع وقد خضروا سقف بيته وصفروه فلما نظر إليه ~~خرج من منزله وحلف أن لا يدخله حتى يقلعوا ذلك منه ويعيدوه كما كان، وقال ~~يحيى بن معاذ من أصحاب الثوري رحمه الله: كنت أمشي مع الثوري في طريق ~~فمررنا بباب منقوش مزوق فنظرت إليه فجذبني سفيان حتى جزت فقلت: ما تكره من ~~النظر إلى هذا؟ فقال: إنما بنوه لينظر إليه ولو كان كل من مر به لا ينظر ~~إليه ما بنوه، فكأنه خشي أن يكون بنظره إليه معاونا له على بنائه، ومما ~~أحدث الناس مما كانوا يكرهونه الثياب الرقاق مثل القصب ورقيق بز مصر للنساء ~~والرجال وهو للنساء أكره وأغلظ وكانوا يقولون: الثياب الرقاق لباس الفساق ~~ومن رق ثوبه رق دينه ويقولون أول النسك الزي. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب، ~~وخطب بشر بن مروان وعليه ثوب رقيق فجعل رافع بن خديج رضي الله عنه يهزأ به ~~ويقول: انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق، ولما جاء عبد الله ~~بن عامر بن ms0388 ربيعة في بزته إلى أبي ذر رضي الله عنه وسأله عن الزهد وأخذ ~~يتكلم فيه فجعل أبو ذر يضرط به في كفه ثم أعرض عنه ولم يكلمه، فغضب ابن ~~عامر وكان قرشيا شريفا وشكاه إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال له: أنت فعلت ~~نفسك تأني أبا ذر في هذه الثياب وتسأله عن الزهد، وفي الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: وقد وصف نساء يكن في آخر الزمان فقال: كاسيات عاريات ~~مائلات مميلات على رؤوسهن أمثال أسنمة البقر يعني المعاجر والأكوار لا يجدن ~~رائحة الجنة، كان ابن عباس يفسر التبرج أنه منه لبس ما رق من الثياب وقال ~~في قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) الأحزاب: 33، قال: كانت ~~المرأة تلبس ثيابا قيمتها كذا وكذا لا توارى لها عورة مما لا يجوز فيه ~~الصلاة لأنه يصف أو يشف فمكروه لبسه وإنما كانت ثياب السلف السنبلاني ~~والقطواني وعصب اليمن ومعافري مصر والقباي مثل كسوة الكعبة والثياب ~~السحولية اليمانية والكرابيس الحضرمية، وهذه كلها غلاظ كثيفة، وكانت ~~الأثمان من خمسة دراهم إلى ثلاثين درهما وما بين ذلك، ثم أحدث الناس الثياب ~~الرقاق من كتان مصر وقطن خراسان، وكان طول مئزر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعة أذرع ونصفا وثمنه إلى الأربعة والخمسة، وكانت أثمان ثيابهم ~~القمص من الخمسة إلى العشرة فيما بينهما من الثمن، ولكن قد جاء في الخبر: ~~لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا، وكان ابن عاس رضي ~~الله عنهما يقول: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه ~~بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع وإنما قيل منكر لأنه لا يعرف، فإذا خفي ~~الحق فلم يعرف وقع عليه اسم منكر، وكذلك قيل معروف لأنه مشهور مألوف، فإذا ~~فشا الباطل وكثر الجهل حتى ألف وعرف وقع عليه اسم المعروف، وكذلك # PageV01P289 # قيل: يكثر الجور حتى يولد فيه من لا يعرف العدل. # وكان الشعبي رحمه الله يقول: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج ~~وهذا ms0389 قد أتى منذ زمان لأن الحجاج قد ابتدع أشياء أنكرها الناس عليه في ~~زمانه هي اليوم سنن معروفة وأعمال مستحسنة يترحم الناس ويغبطن من أحدثها ~~ويحسبون أنه مأجور عليها مشكور له سعيه فيها إلا أنهم لا يعرفون أنه أحدثها ~~فهم وإن لم يفوهوا بالصلاة عليه قولا فإن استعمالهم لما أحدث واستحسانهم ~~لما ابتدع ترحم منهم عليه، والترحم هو الصلاة، وأيضا فإنه ابتدع أشياء من ~~الخير وداخله في أبواب الآخرة ثم ظهرت ولاة بعده أحدثوا احداثا من الجور ~~وابتدعوا بدعا من الفسوق فصارت سننا بعدهم فوجب بذلك الصلاة على الحجاج إلى ~~جنب ما أظهر بعده فمما أحدث هذه المحامل والقباب التي خالف بها هدي السلف ~~بالتنعم والرفاهية وإنما كان الناس يخرجون على الرواحل والزوامل فيضحون ~~للشمس وينصبون في سبيل الله تعالى ويشعثون ويغبرون ويقل أكلهم ونومهم وتكثر ~~رفاهة الإبل وتقل المشقة والحمل عليها فيكون ذلك أثوب لهم وأزكى لحجهم ~~وأدنى إلى السلامة لإبلهم، ويوافقون به سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~فأخرجهم من جميع ذلك بما أدخلهم فيه من بدعته فصاروا يخرجون في بيوت ظليلة ~~مع الحمل على الإبل ما لا تطيق فيكون سبب تلفها فيشركونه فيه ويشركهم ~~بسنته. # وابتدع أيضا هذه الأخماس والعواشر ورؤوس الآي وحمر السواد وخضره وصفره ~~فأدخل في المصحف ما ليس فيه من الزخرف وكان السلف يقولون: جردوا القرآن كما ~~أنزله الله تعالى ولا تخلطوا به غيره، فأنكر العلماء ذلك عليه حتى قال أبو ~~رزين: يأتي على الناس زمان ينشأ فيه نشء يحسبون أن ما أحدث الحجاج في ~~المصاحف هكذا أنزله الله تعالى يذمه بذلك وحتى نقل الاختلاف وأن بعضهم كان ~~لا يقرأ في مصحف منقوط بحمرة لأن بعضهم كان لا يرى القراءة في مصحف منقوط ~~كما نقل أن بعضهم كان يرى شراء المصحف ويكره بيعه أي: وكذلك إذا لم تنقطه ~~أنت فلا بأس أن تقرأ فيما نقطه غيرك، وقد كانوا يكرهون أخذ الأجر على تنقيط ~~القرآن لأجل أنه مبتدع، وقال أبو بكر الهذلي: سألت الحسن رحمه ms0390 الله عن ~~تنقيط المصاحف بالأجر قال: وما تنقيطها قلت: يعربون الكلم بالعربية فقال: ~~أما إعراب القرآن فلا بأس به، وقال خالد الحذاء: دخلت على ابن سيرين فرأيته ~~يقرأ في مصحف منقوط وقد كان يكره النقط، وقال فراس بن يحيى: وجدت ورقا ~~منقوطا بالنحو في سجن الحجاج فعجبت منه وكان أول نقط رأيته فأتيت به الشعبي ~~فأخبرته فقال لي: اقرأ عليه ولا تنقطه أنت بيدك، ومنها أنه جمع من القراء ~~ثلاثين رجلا فكانوا يعدون حروف المصحف ويعدون كلمه شهرا، ولو رآهم عمر أو ~~عثمان أو علي يصنعون هذا بالقرآن أي يعدون حروفه وكمله لأوجع رؤوسهم ضربا ~~وهذا # PageV01P290 # الذي كرهته الصحابة ووصفوا به قراء آخر الزمان أنهم يحفظون حروفه ويضيعون ~~حدوده وكان الحجاج أقرأ القراء وأحفظهم لحروف القرآن كان يختم القرآن في كل ~~ثلاث وكان أضيع الناس لحدوده، ومنها أنه ابتدع إخراج الحصى والرمل من ~~المساجد وفرشها بالبواري، كما روى أن قتادة سجد فدخلت في عينه قصبة وكان ~~ضريرا فقال لعن الله الحجاج ابتدع هذه البواري يؤذي بها المصلين وقد كانوا ~~يستحبون السجود على الأرض والتراب تواضعا لله تعالى وتخشعا وذلا إلى غير ~~ذلك من بدعه التي لم نقصد تعديدها عليه ولا جمعها فهي اليوم سنن معروفة ~~وشرائع مألوفة مع ما أحدث غيره مما يكثر عدده منكر كله عند من عرف المعرو ف ~~من سيرة المتقدمين وشمائل الصالحين. # وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: يظهر المنكر والبدع حتى إذا غير منها ~~شيء قيل غيرت السنة وقال في آخر حديثه: أكيسهم في ذلك الزمان الذي يروغ ~~بدينه روغان الثعالب، وقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه في سنة ثمانين ~~وأيام الحجاج يقول: ما أعرف اليوم شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا قد غير إلا شهادة أن لا إله إلا الله قيل: فالصلاة يا أبا ~~حمزة قال: أوليس قد أحدثوا في الصلاة ما علمتم يعني تأخيرها والتثويب قبلها ~~وتعين السلام حتى أنهم يضاهون به الإقامة فجعلوه كالسنة، ms0391 وكان يقول للقراء ~~إذا دخلو عليه مثل يزيد الرقاشي وزيد النميري وفرقد السنجي: ما أشبهكم ~~بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيفرحون فيقول نعم رؤسكم ولحاكم فهذا كما ~~قال المجنون: # أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائه # وعن جماعة من الصحابة: لو نشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوكم ~~لما عرفوا شيئا مما أنتم عليه الآن إلا الصلاة في جماعة، وفي لفظ آخر: إلا ~~أنكم تصلون جميعا، وكان الحسن يقول: صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم مجانين ~~ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، وقال أبو حازم: أدركت القراء ~~وهم القراء حقا ولو كان حامل القرآن في مائة رجل لعرف بشدة تواضعه وحسن ~~سمته وخشوعه وقد وقره القرآن في سمته وقد خضعه القرآن وأخشعه، فأما هؤلاء ~~فو الله ما هم بالقراء ولكنهم الجراء، وقد قال بعضهم: كنا نشهد الجنازة فلا ~~نعرف صاحب المصيبة ولا ندري من نعزي من شدة حزن القوم قال: وكان أحدهم يبقى ~~بعد شهود الجنازة ثلاثا لا ينتفع به، وكان الفضيل رحمه الله يحذر من قراء ~~زمانه فقال: إياك وصحبة هؤلاء القراء فإنك إن خالفتهم في شيء كفروك، وقال ~~سفيان الثوري رحمه الله ما شيء أحب إلي من صحبة فتى ولا شيء أبغض إلي من ~~صحبة قارئ، وكان كثيرا يقول: من لم يحسن يتغنى لم يحسن يتقرى، # PageV01P291 # وكان بشر بن الحارث يقول: لأن أصحب فتى أحب إلي من أن أصحب قارئا فإياك ~~وصحبة القراء فإنهم يذمون غير مذموم وإن تركت الصلاة معهم في جماعة تشاهدوا ~~عليك، كل ذلك لأنهم يجاوزون الحد في الشيء ويسرعون الإنكار إلى كل شيء ~~لغلبة الجهل عليهم وقلة مجالستهم للعلماء ومعاناتهم للعلم وإنهم موصوفون ~~بدقائق الرياء والتصنع للعامة فينكرون غير منكر ويتعصبون بالبغضة والهجر في ~~الشيء اليسير الذي قد يغتفر مثله وهم غير موصوفين بمحاسن الأخلاق ولا ~~موسومين بالبشاشة والانطلاق إذ فيهم كزازة وتغليظ على الناس ولزازة وحنق ~~على الأغنياء حتى كأنهم يأكلون أرزاقهم وكأنهم يعملون العبادة لهم وفيهم ms0392 ~~كثرة مقت لأهل البشر والطلاقة، فلذلك قال بعضهم: الشريف إذا تقرى تواضع ~~والوضيع إن تقرى تكبر، وقال آخر السفلة: إذا تقرى أكثر الأمر بالمعروف ~~واعترض على جيرانه في كل شيء يعني أكثر الأمر بالمعروف ليعرف به، فمن أجل ~~ذلك رفضهم العلماء وذمهم الحكماء لأن العلم يبسط ويوسع وتكون معه الأخلاق ~~الحسنة والآداب والمروءات الواسعة والعالم يضع الأشياء في مواضعها من الناس ~~ولا يجاوز بها ولا بهم المقادير ويستخرج لهم المعاذير، ومن صفة العلماء ~~الانقباض في بسط خلق، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله الانقباض على الناس ~~مكسبة لعداوتهم فكن بين المنقبض والمنبسط. # وفي الخبر: إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فليسعهم منكم وجه طلق وخلق حسن، ~~وفي لفظ آخر: وبشر وبشاشة وهذا كله معدوم من القراء ولا يعرفونه، وقد جعل ~~الله تعالى لكل شيء قدرا فمن تعدى حد الشيء فقد أفسده، وقال بعض السلف: ~~قليل التواضع يكفي من كثير العمل وقليل الورع يكفي من كثير العلم، ومن ~~أخلاق السلف مما تهاون به الخلف أنهم كانوا يعدون من النفاق أن يتكلم الرجل ~~فيمن يكلمه أو يكلم من تكلم فيه لأنهم كانوا إذا كلموا أحدا أو سلموا عليه ~~سلمت له قلوبهم ولم يتكلموا فيه وإذا تكلموا في أحد لبدعته أو ظهور فسقه لم ~~يكلموه وكانوا إذا مدحوا أحدا بقول لم يذموه بفعل وإذا ذموا واحدا يفعل ~~يمدحوه بقول لأن في ذلك لسانين واختلاف وجهين واختلاف سر وعلانية وكانوا ~~يقولون معنى سلام عليك إذا لقيته أي سلمت مني أن أغتابك وأذمك فكان اختلاف ~~هذا عندهم من أبواب النفاق. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي ~~هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه وفي حديث آخر: من كان ذا لسانين في الدنيا جعل ~~الله له يوم القيامة لسانين من نار، وكان بعضهم يقول: ما ذكر عندي إنسان قط ~~إلا مثلته جالسا فقلت في غيبته بما يجب أن يسمع، وقال آخر: ما ذكر عندي رجل ~~إلا تصورت في نفسي مثاله فكل ما ms0393 أحب أن يقال لي قلته له، وقال بعض السلف: ~~قليل التواضع يكفي عن كثير العمل وقليل الورع يكفي عن كثير العلم، فهذه ~~كانت صفات المسلمين الذي يسلم الناس على أيديهم # PageV01P292 # وقلوبهم، كان أحدهم إذا ذكر عنده غيره بسوء وقف وتفكر في شأن نفسه فإن ~~كان فيه مثل ذلك السوء قطعه الحياء عن الكلام في أخيه فسكت وإن لم يكن ذلك ~~فيه حمد الله عز وجل ورحم أخاه فشغله الشكر لمولاه إذ عافاه، فهذه كانت ~~سيرة السلف، ويقال في بعض كتب الله تعالى: عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه ~~كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب، وأعجب من ذلك من أحب نفسه ~~على اليقين وأبغض الناس على الشك، ومن طريقة السلف مما كانوا يشددون فيه حب ~~المدح وطلب الحمد حتى قال بعضهم: من أحب المدح وكره الذم فهو منافق، وقال ~~عمر رضي الله عنه لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تقل، ~~وكتب محمد بن كعب فانتسب فقال القرظي قيل له: قل الأنصاري قال أكره أن أمن ~~على الله عز وجل بما لم أفعل، وقال الثوري رضي الله عنه: إذا قيل لك بئس ~~الرجل أنت تغضب فأنت بئس الرجل، وقال آخر: لا يزال فيك خير ما لم تر أن فيك ~~خيرا، وسئل بعض العلماء: ما علامة النفاق؟ قال: الذي إذا مدح بما ليس فيه ~~ارتاح لذلك قلبه، وكان سفيان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الرجل يحب أن ~~يحبه الناس كلهم ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق فهذا داخل في وصف ~~الله تعالى المنافقين بقوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم) النساء: 91، فينبغي لمن أمن في أهل السنة أن يخاف في أهل ~~البدع وهذا مما دخل على القراء الذي ذمهم العلماء مداخل الليل في النهار ~~ولعل مغرورا جاهلا يتأول الحديث الذي جاء إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في ~~قلبه على غير تأويله ويحمله على غير محمله فإنما قال ربا ms0394 الإيمان ولم يقل ~~ربا المؤمن فربو الإيمان زيادته وزيادته بالخوف والإشفاق من المكر به ~~والاستدراج وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العلي إلى المومن الأعلى ~~فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي به تولاه فيرد الصنعة إلى صانعها ~~ويشهد في الفطرة فاطرها فيكون ذلك مدحا للصانع ووصفا للفاطر لا ينظر إلى ~~نفسه لا يعجب بوصفه وهذه طرقات قد درست وانقطع سلاكها إلا من رحم ربك. ### | باب تفضيل علم الإيمان واليقين ### | على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه ووبيان ما ذكرناه: # اعلم أن كل علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك ~~إذا رغب فيه وحرص عليه لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل إلا علم الإيمان ~~واليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من ~~قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيمان، فهو آيات الله تعالى ~~وعهده عن مكاشفة قدرته وعظمته # PageV01P293 # وآيات الله تعالى لا تكون للفاسقين وعهده لا ينال الظالمين وعظمته وقدرته ~~لا تكون شهادة للزائغين ولا وجد للمبطلين إذ في ذلك توهين لآيات الله وحججه ~~وانتقاص لبراهينه وقدرته ودخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين ~~والذين هم بقية الله من عباده واشتباه الباطل بالحق الذي هو وصف أهل الصدق ~~الذين هم أدلته عليه من أهل وداده وهذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة ~~على غيره قال الله عز وجل: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) ~~الشعراء: 197، وقال تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) ~~العنكبوت: 49، وقال سبحانه وتعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر: 75، ~~وقال: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) ، البقرة: 118وقال عز وجل: (ولنبينه ~~لقوم يعلمون) ، الأنعام: 105 فهؤلاء العلماء بالله تعالى الناطقون عن الله ~~عز وجل جعل لهم أنصبة منه ومكانا عنده، ولا يكون ذلك لمن ليس أهلا له ولا ~~حقيقا به لأنهم آيات الله تعالى وبيناته وشهوده وبصائره كاشفو طريقه ومظهرو ~~بيانه إذ يقول تعالى: (ثم إن علينا بيانه) ms0395 القيامة: 19، ثم قال تعالى: (خلق ~~الإنسان) (علمه البيان) الرحمن: 3 - 4 بعد قوله: (وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين) الروم: 47، مع قوله تعالى: (وكانوا أحق بها وأهلها) الفتح: 26 ~~فنصروه بما نصرهم به وتحققوا بما حققهم منه وشهدوا له ما شهد لهم عنه ~~فكانوا للمتقين إماما وإلى الهداية أعلاما. # وقال بعض أهل المعرفة: من لم تكن له مشاهدة من هذا العلم لم يعر من شرك ~~أو نفاق لأنه عار من علم اليقين ومن عري من اليقين وجد فيه دقائق الشك، ~~وقال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة ~~وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله وقال آخر من كان فيه خصلتان لم ~~يفتح له من هذا العلم شيء بدعة أو كبر، وقال طائفة من أهله: من كان محبا ~~للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به، وقال أبو محمد سهل: أقل عقوبة من أنكر ~~هذا العلم أن لا يرزق منه شيء أبدا، واتفقوا على أنه علم الصديقين وأن من ~~كان له منه نصيب فهو من المقربين وينال درجة أصحاب اليمين، وأعلم أن علم ~~التوحيد ومعرفة الصفات مباين لسائر العلوم، فالاختلاف في سائر العلوم ~~الظاهرة رحمة والاختلاف في علم التوحيد ضلال وبدعة والخطأ في علم الظاهر ~~مغفور وربما كانت حسنة إذا اجتهد والخطأ في علم التوحيد وشهادة اليقين كفر ~~من قبل أن العباد لم يكلفوا حقيقة العلم عند الله تعالى في طلب العلم ~~الظاهر وعليهم واجب طلب موافقة الحقيقة عند الله في التوحيد ومن ابتدع شيئا ~~ردت عليه بدعته وكان مسؤولا عنه ولم يكن حجة لله تعالى على عباده ولا غيثا ~~نافعا في بلاده بل كان موصوفا بالدنيا وفيها من الراغبين ولم يكن دليلا على ~~الله عز وجل ولا من دعاة الدين ولا إماما للمتقين، وقد جاء في الخبر: ~~العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم ~~على دينكم، والخبر المشهور: من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد. ms0396 # PageV01P294 # وقد روينا عن عيسى عليه السلام وقيل له: من أشد الناس فتنة فقال: زلة ~~عالم إذا زل بزلته عالم، وقد روينا معناه عن نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم: مما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق في القرآن، وكان بعض السلف ~~يقول: مثل العالم إذا زل مثل سفينة إذا غرقت غرق معها خلق كثير ومثل كسوف ~~الشمس يصيح الناس يا غافلون الصلاة وإنها عند العامة آية يفزع منها. # ويروى في خبر غريب: من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~قيل: يا رسول وما غش أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة في الإسلام يحمل الناس ~~عليها، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل للعالم من الأتباع وويل ~~للأتباع من العالم يزل العالم بزلة فيتبعه عليها فئام من الناس وتبلغ ~~الآفاق وما أعلم أحدا أعظم جرما ممن ابتدع في دين الله عز وجل فنطق في كتاب ~~الله تعالى وفي علم المعرفة بما لم يأذن به الله ثم لم يعبأ بسنن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذي هو حجة الله تعالى على جميع خلقه وطريق مقربيه من ~~عباده فأضل بذلك عباد الله عز وجل فإن مثل من ابتدع في الدين واتخذ وليجة ~~دون الكتاب والسنة وبين طريق المؤمنين إلى جنب من يكاثر في أمور الدنيا ~~وارتكب فيها شهوات الأهواء كمثل من اجترح المظالم بين الناس في الأموال ~~والدماء إلى جنب من ظلم نفسه بكسب الذنوب بينه وبين ربه، إن مظالم العباد ~~أعظم وهو الديوان الذي لا يترك، كذلك التمويه في الدين أعظم لأنه مظالم ~~الآخرة وقطع طرقات المؤمنين ومحو شريعة المرسلين، ومثله أيضا مثل من أذنب ~~وجحد ذنبه واحتج لنفسه إلى من أذنب واعترف بذنبه واعتذر من نفسه فهو أقرب ~~للعفو وأرجى للرحمة من الآخر، كذلك من اعتل بالتقصير والتفريط في العمل ولم ~~ينصح لنفسه إلا أنه أظهر حقيقة العلم ونصح لله تعالى ولرسوله ببيان كتابه ~~وذكر سنته أقرب إلى حسن الإخلاص وأولى بالتدارك في العافية ممن شرع في ms0397 دين ~~الله تعالى وابتدع في الأمة ما يخالف به الكتاب والسنة، هكذا كأنه قد قلب ~~ملة وبدل شريعة، فهذا يولد النفاق في قلبه حتى يختم له به ومثل من ابتدع في ~~الملة مخالفا للسنة إلى من أساء إلى نفسه بالذنوب مثل من عصى الملك في قلب ~~دولته وتظاهر عليه في ملكه بالإزالة إلى جنب من عصى أمره وقصر في حقه من ~~الرعية، وقد قال بعض الحكماء: ثلاث لا يحسن من الملك أن يغفرها، من قلب ~~دولة من رعيته، أو عمل فيما يوهن الملك، أو أفسد حرمة من حرمه. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم من ~~خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعته، وقال علي كرم الله ~~وجهه: الهوى شريك العمى، وقال الله تعالى: (ومن أصدق من الله) النساء: 87 ~~قيلا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم، ثم قال تعالى: ~~(أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) ~~الأنعام: 93 فسوى بين الكذاب في العزية على الله تعالى وبين المتشبه ~~المضاهي للربوبية، # PageV01P295 # وكذلك من أعظم المنكر بعد هذا إنكار الحق من أهله ورده عليهم بالتكذيب، ~~وقد سوى تعالى أيضا بين التكذيب بالحق وبين ابتداء الكذب على الخالق في ~~قوله عز وجل: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) ~~العنكبوت: 68، وقال تعالى في مثله: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق ~~إذ جاءه) الزمر: 32 كذلك أيضا في ضده سوى كما سوى عز وجل بين الصادق بالصدق ~~والمصدق به فقال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) ~~الزمر: 33 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العالم والمتعلم شريكان في العلم، ~~وقال عيسى عليه السلام بمعناه: المستمع شريك القائل ولكن الله تعالى قد جعل ~~هذه الطائفة من أهل العلم بالله تعالى ترد على جميع الطوائف من الشاطحين ~~والمبتدعين أهل الجهالة ms0398 بالدين والحيدة عن سبيل المؤمنين بما أراهم الله ~~تعالى من علم اليقين وبما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعلم ~~والتعديل في قوله: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فالغالون هم الشاطحون لأنهم قد جاوزوا ~~العلم ومحوا الرسم فأسقطوا الحكم، والمبطلون هم المدعون المبتدعون لأنهم ~~جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق وافتروا بالدعوى وابتدعوا بالرأي والهوى، ~~والجاهلون هم المنكرون لغرائب العلم المفترون لما عرفوا من ظاهر العقل، كما ~~روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه ~~إلا أهل المعرفة بالله عز وجل، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الإغترار ~~بالله تعالى: ولا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما فإن الله عز وجل لم ~~يحقره إذ أتاه وكل من تأول السنن بالرأي أو المعقول أو نطق بما لم يسبق ~~إليه السلف من القول أو بمعناه فهو متكلف مبطل، فأهل العلم بالله تعالى ~~يردون علوم المعقول بعلم اليقين وعلم الرأي بعلم السنة يثبتون أهل الآثار ~~ويؤيدون نقلة الأخبار بما يفصلون من أخبارهم ويفسرون من حديثهم مما لم يجعل ~~للنقلة طريق إليه ولم يهتد الرواة إلى كشف منه بما أشهدهم الله عز وجل ~~واستودعهم ونور به قلوبهم ونطقهم فهم ينطقون عن الله سبحانه وتعالى فيما ~~يخبرون عنه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون. # وقد قال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء وما سكت عنه ~~السلف فالكلام فيه تكلف وقال آخر: الحق ثقيل من جاوزه ظلم ومن قصر عنه عجز ~~ومن وقف معه اكتفى وقال علي رضي الله عنه عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع ~~إليه العالي ويرتفع عنه القالي وهكذا سيرة السلف إنه لا يستمع إلى مبتدع ~~لأنه منكر ولا يرد عليه بالجدال والنظر لأنه بدعة، ولكن يخبر بالسنن ويحتج ~~بالأثر فإن قيل فهو أخوك في الله عز وجل ووجبت عليك موالاته وإن لم ms0399 يرجع ~~وأنكر نقض بإنكاره وعرف ببدعته وحقت عداوته وهجر في الله تعالى، وهذا طريق ~~لا يسلكه في وقتنا هذا إلا من عرف # PageV01P296 # فضله وطريقه السلف فيه. # وحدثت عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة فرجعوا إليه ~~محسورين فقال: ما شأنكم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء القوم ما نصيب منهم ~~شيئا قد أتعبونا فيقول: إنك لا تقدرون عليهم قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ~~ربهم ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم، فلما جاء التابعون بث جنوده ~~فيهم فرجعوا إليه منكسرين منكوسين، فقال: ما شأنكم، قالوا: ما رأينا أعجب ~~من هؤلاء القوم نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الخطايا فإذا كان من آخر ~~النهار أخذوا في الاستغفار فتبدل سيئاتهم حسنات فقال: إنكم لن تنالوا من ~~هؤلاء شيئا لصحة توحيدهم واتباعهم سنة نبيهم ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر ~~أعينكم بهم تلعبون بهم لعبا وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم إن استغفروا ~~لم يغفر لهم ولا يتوبون فتبدل حسناتهم سيئات قال: فجاء قوم بعد القرن الأول ~~فبعث فيهم الأهواء وزين لهم البدع فاستحلوها واتخذوها دينا لا يستغفرون ~~منها ولا يتوبون إلى الله قال فتسلطت عليهم الأعداء وقادتهم أين شاؤوا، وقد ~~قال ابن عباس رضي الله عنه: إن للضلالة حلاوة في قلوب أهلها. # وقد قال الله تعالى: (اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) الأنعام: 70، وقال تعالى: ~~(أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) فاطر: 8 كما قال تعالى: (أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) هود: 17 فالعلم رحمك الله هو الذي كان عليه ~~السلف الصالح المقتفي آثارهم والخلف التابع المقتدي بهديهم وهم الصحابة أهل ~~السكينة والرضا ثم التابعون لهم بإحسان من أهل الزهد والنهي والعالم هو ~~الذي يدعو الناس إلى مثل حاله حتى يكونوا مثله فإذا نظروا إليه زهدوا في ~~الدنيا لزهده فيها كما كان ذو النون رحمه الله يقول: جالس من يكلمك علمه لا ~~من يكلمك لسانه، وقد قال الحسن رضي الله عنه قبله: عظ الناس بفعلك ولا ~~تعظهم بقولك، ms0400 وقال سهل رحمه الله: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، ~~وقد روينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أي ~~جلسائنا خير فقال: من ذكركم بالله تعالى رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكركم ~~بالآخرة عمله، فأما الذي يطلب دنياهم حتى يكون مثلهم فإذا رأوه اعتبطوا ~~بحالهم فهذا شر منهم لأنه يدعو إلى نفسه لا إلى مولاه ولأنه طامع فيهم وهم ~~زاهدون فيه، فالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء هم الورعون في دين الله عز ~~وجل، الزاهدون في فضول الدنيا الناطقون بعلم اليقين والقدرة لا علم الرأي ~~والهوى، والصامتون عن الشبهات والآراء لا يختلف هذا إلى يوم القيامة عند ~~العلماء الشهداء على الله تعالى برأي قائل ولا بقول مبطل جاهل. # كما روي عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم: صلح أول هذه ~~الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل، وقال يوسف بن أسباط: كتب ~~إلى حذيفة المرعشي ما ظنك بمن قد بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا ~~كان آثما وكانت مذاكرته معصية وذلك # PageV01P297 # أنه لا يجد أهله قلت ليوسف: يا أبا محمد وتعرفهم قال: لا يخفون علينا ~~ويقال: إن الأبدال إنما انقطعوا في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور ~~لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء هذا الوقت ولا يصبرون على الاستماع ~~لكلامهم لأنهم عندهم جهال بالله تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء، ~~فقد صاروا من أهل الجهل وأهل الجهل بالجهل على الوصف الذي قال سهل رحمه ~~الله: إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل ~~الغفلة أيسر عندهم لأنهم لا يعدمون ذلك حيث كانوا من أطراف الأمصار لأن ~~العامة لا يموهون في الدين ولا يغرون المؤمنين ولا يدعون أنهم علماء لأنهم ~~يتعلمون وبالجهل معترفون، فهم إلى الرحمة أقرب ومن المقت أبعد. # وكان أبو محمد أيضا يقول: قسوة القلب بالجهل بالعلم أشد من القسوة ~~بالمعاصي لأن الجاهل بالعلم تارك ومدع والعاصي بالفعل مقر بالعلم، ويقول ms0401 ~~أيضا: لأن العلم دواء به تصلح الأدواء فهو يزيل فساد الأعمال بالتدراك، ~~والجهل داء يفسد الأعمال بعد صلاحها فهو يزيل الحسنات فيجعلها سيئات، فكم ~~بين ما يصلح الفاسد وبين ما يفسد الصالحات، وقد قال الله تعالى: (إن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين) يونس: 81، وقال تعالى: (إنا لا نضيع أجر المصلحين) ~~الأعراف: 170 فهذا من أدل دليل على فضل العالم المقصر على العابد المجتهد، ~~وأعلم أن العبد إذا باين الناس في كل شيء من أحوالهم انفرد عن جمعهم ولم ~~يألف أحدا منهم وإن باينهم في أكثر أحوالهم اعتزل عن الأكثر منهم فإن ~~فارقهم في بعض الأحوال ووافقهم في بعض حاله خالط أهل الخير وفارق أهل الشر. ### | باب تفضيل الأخبار وبيان طريق الأرشاد وذكر الرخصة والسعة في النقل # والرواية # جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~عن الصحابة وعن التابعين وتابعيهم رسمناه حفظا وسقناه على المعنى إلا يسيرا ~~اتفق وجوده في أيدينا وقرب تناوله منا من أخبار فيها طول فإنا نقلناها من ~~مواضعها وما بعد علينا فلم نفقه ولم نشغل همتنا به فما كان فيه من صواب ~~وبيان وتثبت فمن الله تعالى بحسن توفيقه وقوة تأييده، وما كان فيه من خطأ ~~وعجلة وهوى فمنا بالسهو والغفلة ومن عمل الشيطان بالعجلة والنسيان، كذلك ~~رويناعن ابن مسعود رضي الله عنه في قضيته التي قضاها برأيه وقولنا لرأيه ~~تبع. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيان والتثبت من الله عز وجل ~~والعجلة والنسيان من الشيطان يعني بواسطته وبقلة التوفيق، ولم أعتبر ألفاظ ~~الأخبار في أكثره ولم آل عن سياق المعنى في كله إذ ليس تحرير الألفاظ عندي ~~واجبا إذا أتيت بالمعنى بعد أن تكون عالما بتصريف الكلام وبتفاوت وجوه ~~المعاني مجتنبا لما يكون به تحريف أو إحالة بين اللفظين وقد رخص في سوق ~~الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة # PageV01P298 # منهم: علي وابن عباس وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو هريرة ms0402 ثم جماعة ~~من التابعين يكثر عددهم منهم: إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن ~~دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة رضي الله عنهم نقلنا ذلك عنهم في كتب ~~سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ، وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة ~~المعنى واحد والألفاظ مختلفة، ولذلك اختلف الصحابة في رواية الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من يرويه تاما ومنهم من يجيء به مختصرا ~~ومنهم من يرويه على المعنى وبعضهم يغاير بين اللفظتين ويراه واسعا إذا لم ~~يخالف المعنى ولم يحل البغية وكلهم لا يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ~~ومعنى ما سمع ولا يحيل البغية فلذلك وسعهم وكانوا يقولون: إنما الكذب على ~~من تعمده. # وقد روينا عن عمران بن مسلم قال: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إنك تحدث ~~بالحديث أنت أحسن له سياقا وأجود تحبيرا وأفصح به لسانا منا إذا حدثتنا به، ~~فقال: إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك، وقد قال النضر بن شميل: كان هشام ~~لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة يعني بالإعراب وكان النضر نحويا ونحن ~~قائلون في جميع ما رويناه أو كما قيل ونحوه وشبهه، وبمعناه كذلك قال ابن ~~مسعود في حديثه: وكان سليمان التميمي يقوله في كل ما يحدث به وقد كان سفيان ~~رحمه الله يقول: إذا رأيت الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه ~~يقول: اعرفوني قال: وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث ~~على لفظه فقال له يحيى: يا هذا ليس في أيدينا أجل من كتاب الله تعالى، وقد ~~رخص بالقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد، وفي بعض ما رويناه ~~مراسيل ومقاطع ومنها ما في سنده مقال وربما كان المقطوع والمرسل أصح من بعض ~~المسند إذ رواه الأئمة وجار لنا رسم ذلك لمعان أحدها أنا لسنا على يقين من ~~باطلها والثاني أن معنا حجة بذلك وهو روايتنا له وأنا قد سمعنا فإن أخطأنا ~~الحقيقة عند الله تعالى فذلك ساقط عنا، كما قال الأسباط: ms0403 وما شهدنا إلا بما ~~علمنا وما كنا للغيب حافظين في قولهم: إن ابنك سرق فأخطؤوا الحقيقة عند ~~الله تعالى إلا أنهم كانوا معذورين لوجود الدليل وهو شهادتهم للصاع مستخرج ~~من رحل أخيهم والثالث أن الأخبار الضعاف غير مخالفة الكتاب والسنة لا ~~يلزمنا ردها بل فيهما ما يدل عليها والرابع أنا متعبدون بحسن الظن منهيون ~~عن كثير من الظن مذمومون بظن السوء والخامس أنه لا يتوصل إلى حقيقة ذلك إلا ~~من طريق المعاينة ولا سبيل إليها فاضطررنا إلى التقليد والتصديق بحسن الظن ~~بالنقلة مع ما تسكن إليه قلوبنا وتلين له أبشارنا ونرى أنه حق كما جاء في ~~الخبر وأيضا فإنه ينبغي أن نعتقد في سلفنا المؤمنين أنهم خير منا ثم نحن لا ~~نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على التابعين فكيف نظن بهم أن ~~يكذبوا وهم فوقنا على أنه قد جاءت أحاديثا ضعاف بأسانيد صحاح فكذلك يصلح أن ~~نورد أحاديث صحاحا بسند ضعيف لاحتمال أن يكون قد روي من وجه صحيح إذ لم نحط ~~بجملة العلم أو لأن بعض من يضعفه أهل الحديث يقويه بعضهم وبعض من يجرحه ~~ويذمه أحد # PageV01P299 # يعد له ويمدحه آخر فصار مختلفا فيه فلم يرد حديثه بقول واحد دون من فوقه ~~أو مثله أو لأن بعض ما يضعف به رواة الحديث وتعلل به أحاديثهم لا يكون ~~تعليلا ولا جرحا عند الفقهاء ولا عند العلماء بالله تعالى مثل أن يكون ~~الراوي مجهولا لإيثاره الخمول، وقد ندب إليه أو لقلة الأتباع له إذ لم يقم ~~لهم الأثرة عنه أو ينفرد بلفظ أو حديث حفظه أو خص به دون غيره من الثقات أو ~~يكون غير سائق للحديث على لفظة أو لا يكون معتنيا بحفظ ودرسه وقد يتكلم بعض ~~الحفاظ بالإقدام والجراءة فيجاوز الحد في الجرح ويتعدى في اللفظ ويكون ~~المتكلم فيه أفضل منه، وعند العلماء بالله تعالى: أعلى درجة فيعود الجرح ~~على الجارح أو يكون رأى عليه لباسا أو سمع منه كلاما يجرحه عند الفقهاء ~~علله به ms0404 بعض القراء من الرواة وأن بعض من يضعفه أصحاب الحديث هو من علماء ~~الآخرة ومن أهل المعرفة بالله تعالى وله في الرواية والحديث مذاهب غير ~~طريقة بعض أصحاب الحديث فيعمل في روايته بمذهبه فلا يكون أصحاب الحديث حجة ~~عليه إلا كان هو حجة عليهم إذ ليس هو عند أصحابه من العلماء دون أصحاب ~~الحديث ممن ضعفه إذ رأى غير رأي مذهبه. # وقال بعض العلماء: الحديث وإن كان شهادة فقد وسع فيه بحسن الظن كما جوز ~~فيه قبول شهادة واحد أي للضرورة كشهادة القابلة ونحوها، وروينا معناه عن ~~الإمام أحمد بن حبنل رضي لله عنه: والحديث إذا لم ينافه كتاب أو سنة وإن لم ~~يشهدا له إن لم يخرج تأويله عن إجماع الأمة فإنه يوجب القبول والعمل بقوله ~~صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل: والحديث الضعيف عندي آثر من الرأي والقياس ~~وهذا مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والحديث إذا ~~تداوله عصران أو رواه القرون الثلاثة أو دار في العصر الواحد فلم ينكره ~~علماؤه وكان مشهورا لا ينكره الطبقة من المسلمين احتمل ووقع به حجة وإن كان ~~في سنده قول إلا ما خالف الكتاب والسنن الصحيحة أو إجماع الأمة أو ظهر كذب ~~ناقليه بشهادة الصادقين من الأئمة، وقال وكيع بن الجراح: ما ينبغي لأحد أن ~~يقول هذا الحديث باطل لأن الحديث أكثر من ذلك، وقال أبو داود: قال أبو زرعة ~~الرازي: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف عين تطرف، كل واحد ~~قد روى عنه ولو حديثا ولو كلمة أو رواية فحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكثر من أن يحصى وذكر رجل عند الزهري حديثا فقال: ما سمعنا بهذا فقال: ~~أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت؟ قال: لا، قال: فثلثاه؟ قال: ~~لا، قال: فنصفه فسكت وقال: عد هذا من النصف الذي لم تسمعه، وقال الإمام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه: كان يزيد بن هارون يكتب عن ms0405 الرجل وهو يعلم أنه ~~ضعيف وكان له ذكاء وعلم بالحديث وقال إسحاق بن راهويه: قيل للإمام أحمد بن ~~حنبل: هذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن نكتب الجيد منها، فقال: ~~المنكر أبدا منكر قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليه في وقت كأنه لم ير ~~بالكتابة عنهم بأسا. # وقال أبو بكر المروزي عنه: إن الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه ومما يدلك # PageV01P300 # على مذهبه في التوسعة أنه أخرج حديثه كله في المسند المأثور عنه الذي ~~رويناه عن أشياخنا عن ابنه عبد الله عنه ولم يعتبر الصحيح منه وفيه أحاديث ~~كثيرة يعلم الثقات أنها ضعيفة وهو أعلم بضعفها منهم ثم أدخلها في مسنده ~~لأنه أراد تخريج المسند ولم يقصد تصحيح السند فاستجاز رواياتها كما سمعها ~~وقد كان قطع أن يحدث الناس في سنة ثمان وعشرين وتوفي في سنة إحدى وأربعين ~~فلم يسمع أحد منه في هذه المدة إلا ابنه عبد الله وابن منيع جزءا واحدا ~~بشفاعة جده أحمد بن منيع، وحدثونا عنه أعني الإمام أحمد قال: كان عبد ~~الرحمن ينكر الحديث ثم يخرج إلينا بعد وقت فيقول: هو صحيح قد وجدته، قال: ~~وأما وكيع فلم ينكر ولكن يقول إذا سئل عنه لا أحفظه، وحدثونا عن ابن أخت ~~عبد الرحمن بن مهدي قال: كان خالي قد خط على أحاديث ثم صحح عليها بعد ذلك ~~وقرأتها عليه فقلت: قد كنت خططت عليها قال: نعم، ثم تفكرت فإذا إني إن ~~ضعفتها أسقطت عدالة ناقليها فإن جاءتني بين يدي الله تعالى وقال: لم أسقطت ~~عدالتي رأيتني سمعت كلامي لم يكن لي حجة، هذا كان مذهب الورعين من السلف، ~~وقد كان بعضهم يقول: كنا نترك مجالسة شعبة لأنه كان يدخلنا في الغيبة وإنما ~~كان كلامه في التضعيف وقال بعضهم في تضعيف الرواة: إن خلصت نيتك يعني أن ~~أردت الله عز وجل والدين بذلك لم يكن لك ولا عليك فهذه الفصول الذي ذكرناها ~~هي أصول في معرفة الحديث وهو علم لأهله وطريق هم سالكوه ثم حدثت قوم ms0406 لم يكن ~~لهم علم يختصون به ولا حال من علم يوصفون به ولا شغل من عبادة تقطعهم ~~فجعلوا لنفوسهم علما تشاغلوا به وشغلوا من استمع إليهم فصنفوا كتبا وأخذوا ~~يتكلمون في نقلة الأخبار بالتعليل وتتبع العثار فطرقوا لأهل البدع إلى رد ~~السنن وإيثار الرأي والمعقول عليها لما يرون من طعنهم فيها واغتبطوا ~~بالقياس والنظر لما وجدوا من زهدهم في السنة والخبر سيما في زمانك هذا ~~والأحاديث في الترغيب في الآخرة والتزهيد في الدنيا والترهيب لوعد الله ~~تعالى وفي فضائل الأعمال وتفضيل الأصحاب متقبلة محتملة على كل حال مقاطيعها ~~ومراسيلها لا تعارض ولا ترد، وكذلك في أهوال القيامة ووصف زلازلها وعظائمها ~~لا تنكر بعقل بل تتقبل بالتصديق والتسليم كذلك كان السلف يفعلون لأن العلم ~~قد دل على ذلك والأصول قد وردت به، وقد روينا من بلغه عن الله فضيلة أو عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أعطاه الله ثواب ذلك وإن لم يكن ما ~~قيل والخبر الآخر من روى عني حقا فأنا أقوله وإن لم أكن قلته ومن روى باطلا ~~فإني لا أقول بالباطل، وفي كل ما رسمنا من هذا الكتاب نقول: الله أعلم ~~وأحكم وعلمه المقدم وعنده حقائق العلوم وإليه ترجع الأمور وما شاء كان ~~والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا آخر كتاب العلم وتفصيل ~~العلوم ووصف طريق السلف ونشر ما أحدث بعدهم الخلف. # PageV01P301 ### | الفصل الثاني والثلاثون # شرح مقامات اليقين وأحوال الموقنين # أصول مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة، أولها ~~التوبة، والصبر، والشكر، والرجاء، والخوف، والزهد، والتوكل، والرضا، ~~والمحبة وهذه محبة الخصوص وهي محبة المحبوب. ### | ذكر فروض التوبة # وشرح فضائلها ووصف التوابين # قال الله تعالى في البيان الأول من خطاب العموم: (وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور: 31 معناه: ارجعوا إليه من هوى نفوسكم ~~ومن وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم في المعاد وكي تبقوا بقاء ~~الله عز وجل في نعيم لا زوال له ولا نفاد ولكي ms0407 تفوزوا وتسعدوا بدخول الجنة ~~وتنجوا من النار فهذا هو الفلاح، وقال في البيان الثاني من مخاطبته الخصوص: ~~(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) التحريم: 8، فنصوحا من النصح ~~جاء على وزن فعول للمبالغة في النصح، وقد قرئت نصوحا بضم النون فتكون حينئذ ~~مصدر نصحت له نصحا ونصوحا فمعناه خالصة لله تعالى وقيل اشتقاقه من النصاح ~~وهو الخيط أي مجردة لا تتعلق بشيء ولا يتعلق بها شيء وهو الاستقامة على ~~الطاعة من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب وأن لا يحدث نفسه بعود إلى ~~ذنب متى قدر عليه وأن يترك الذنب لأجل الله تعالى خالصا لوجهه كما ارتكبه ~~لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه وشهوته، فمتى أتى الله عز وجل بقلب سليم من ~~الهوى وعلم خالص مستقيم على السنة فقد ختم له بحسن الخاتمة، فحينئذ أدركته ~~الحسنى السابقة وهذا هو التوبة النصوح وهذا العبد هو التواب المتطهر الحبيب ~~وهذا إخبار عمن سبقت له من الله الحسنى ومن تداركه نعمة من ربه رحمه بها من ~~تلوث السوأى وهو وصف لمن قصده بخطابه إذ يقول في كتابه: ( # PageV01P302 # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة: 222، وكما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: التائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ~~وسئل الحسن عن التوبة النصوح: فقال هي ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك ~~بالجوارح وإضمار أن لا يعود إليه. # وقال أبو محمد سهل رحمه الله ليس من الأشياء أوجب على هذا الخلق من ~~التوبة ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة وقد جهل الناس علم التوبة ~~وقال: من يقول إن التوبة ليست بفرض فهو كاف، ومن رضي بقوله فهو كافر وقال: ~~التائب الذي يتوب من غفلته في الطاعات في كل طرفة ونفس، وقد جعل علي كرم ~~الله وجهه ترك التوبة مقاما في العمى وقرنه باتباع الظن ونسيان الذكر فقال ~~في الحديث الطويل: ومن عمي نسي الذكر واتبع ms0408 الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولا ~~استكانة ففرض التوبة الذي لا بد للتائب منه ولا يكون محقا صادقا إلا به ~~الإقرار بالذنب والاعتراف بالظلم ومقت النفس على الهوى وحل الإصرار الذي ~~كان عقده على أعمال السيئات وإطابة الغذاء بغية ما يقدر عليه لأن الطعمة ~~أساس الصالحين ثم الندم على ما فات من الجنايات. # وحقيقة الندم إن كان حقا إذ لكل حق حقيقة أن لا يعاود إلى مثل ما وقع ~~الندم عليه ثم اعتقاد الاستقامة على الأمر ومجانبة النهي وحقيقة الاستقامة ~~أن لا يقابل ما استقبل من عمره بمثل ما وقع الاعوجاج به وأن يتبع سبيل من ~~أناب إلى الله وأن لا يصحب جاهلا فيرديه ثم الاشتغال بإصلاح ما أفسد في ~~أيام بطالته ليكون من المصلحين الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوا فإن الله عز ~~وجل لا يصلح عمل المفسدين كما لا يضيع أجر المحسنين ثم الاستبدال بالصالحات ~~من السيئات والصالحات من الحسنات ليكون ممن تبدل سيئاته حسنات لتحققه ~~بالتوبة وحسن الإنابة لأن التبديل يكون في الدنيا يبدل بالأعمال السوأى ~~أعمالا حسنى بدليل قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم) الرعد: 11 فإذا غير ما بهم من سيء حسنا بدل سيئاتهم حسنات ثم ~~الندم ودوام الحزن وحقيقة الندم والحزن على الفوت أن لا يفرط ولا يني في ~~وقت دركه ولا يرجع ولا ينثني في حيز استبداله فيفوت نفسه وقتا ثانيا إذ كان ~~يعمل في درك ما فات ولا يفوت ما أدرك في حال تيقظه فتكون يقظته شبيها بما ~~مضى من غفلته إذ كان في درك ما فات شبيها بما مضى من غفلته إذ لا يدرك ~~الفوت بالفوت ولا ينال النعيم بالنعيم ليكون كما وصف الله تعالى: (وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا علما صالحا وآخر سيئا) قيل: الاعتراف والندم، وقال ~~أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على فوت ما ~~مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف بمن ms0409 يستقبل ~~ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله. # وقال سهل بن عبد الله: التائب لا يقله شيء يكون قلبه متعلقا بالعرش حتى ~~يفارق النفس ولا عيش له إلا الضرورة للقوام ويغتم على ما مضى والجد في ~~الأمر ومباينة النهي # PageV01P303 # فيما بقي ولا يتم له ذلك إلا باستعمال علم اليقين في كل شيء ثم المتابعة ~~بأعمال الصالحات ليكون ممن قال الله تعالى: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) ~~الرعد: 22 الآية أي يدفعون ما سلف من السيئات بما يعلمون من الحسنات. # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر فإذا عملت سيئة فأعمل ~~بعدها حسنة السر بالسر والعلانية بالعلانية وفي وصية معاذ أتبع السيئة ~~الحسنة تمحها وليدخل في الصالحين كما قال الله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين) العنكبوت: 9، ثم المسارعة إلى الخيرات إذا ~~قدر عليها ليدرك بها ما ضيع وفات ليكون من الصالحين وفي هذا المقام يصلح ~~لمولاه فيحفظه ويتولاه كما قال الله: (وهو يتولى الصالحين) الأعراف: 196، ~~وجمل ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال، أولها فرض عليه أن لا ~~يعصي الله تعالى، والثانية إن ابتلى بمعصية لا يصر عليها، والخصلة الثالثة ~~التوبة إلى الله تعالى منها، والرابعة الندم على ما فرط منه، والخامسة عقد ~~الاستقامة على الطاعة إلى الموت، والسادسة خوف العقوبة، والسابعة رجاء ~~المغفرة، والثامنة الاعتراف بالذنب، والتاسعة اعتقاد أن الله تعالى قدر ذلك ~~عليه وأنه عدل منه، والعاشرة المتابعة بالعمل الصالح ليعمل في الكفارات ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وفي جميع هذه الخصال ~~جمل آثار رويناها عن الصحابة والتابعين يكثر ذكرها، ويقال: إن ملك الموت ~~إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين ~~قال: فيبدو للعبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا من أولها إلى ~~آخرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها أو ~~يستبدل بها فلا يجد إلى ذلك سبيلا، ms0410 وهذا تأويل قوله عز وجل: (وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون) سبأ: 54 قيل: التوبة وقيل: الزيادة في العمر وقيل: حسن ~~الخاتمة حيل بينهم وبين ذلك كما فعل بأشياعهم من قبل أي بنظرائهم وأهل ~~فرقتهم قال: فإذا كل ساعة تمضي على العبد فهي بمنزلة هذه الساعة قيمتها ~~الدنيا كلها إذا عرف قيمة ذلك فلذلك قيل ليس لما بقي من عمر العبد قيمة إذا ~~عرف وجه التقدير من الله تعالى بالتصريف والحكمة # وقيل في معنى قوله تعالى: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا ~~أخرتني إلى أجل قريب) المنافقون: 10 قال: الوقت القريب أن يقول العبد عند ~~كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعبد فيه ربي وأعتب فيه ذنبي وأتزود ~~صالحا لنفسي فيقول: فنيت الأيام فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة فيقول فنيت ~~الساعات فلا ساعة، قال: فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة فيغلق ~~باب التوبة ويحجب عنه وتنقطع الأعمال وتذهب الأوقات وتتصاع الأنفاس يشهد ~~فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه ~~فيدركه ما سبق له من السعادة فتخرج روحه على # PageV01P304 # التوحيد فذلك حسن الخاتمة أو يدركه ما سبق له من الشقوة فتخرج روحه على ~~الشرك فهذا الذي قال الله عز وجل: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) النساء: 18، فهذا سوء الخاتمة نعوذ ~~بالله منه وقيل: هذا هو المنافق ويقال: المدمن على المعاصي المصر عليها. # وقد قال الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب) النساء: 17، قيل: قبل الموت وقبل ظهور آيات الآخرة وقبل ~~الغرغرة أي تغرغر النفس في الحلقوم لأنه تعالى قد حكم أن التوبة بعد ظهور ~~إعلام الآخرة لا تقبل، ومنه قوله عز وجل: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) الأنعام: 158 يعني من قبل معاينة الآيات ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قيل: التوبة هي كسب الإيمان وأصول ms0411 الخيرات وقيل: ~~الأعمال الصالحة هي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان وقد قيل: ثم يتوبون من ~~قريب أي عن قريب عهد بالخطيئة لا يتمادى فيها ولا يتباعد عن التوبة وتوبته ~~من قريب أن يعقب الذنب عملا صالحا ولا يردفه ذنبا آخر وأن يخرج من السيئة ~~إلى الحسنة ولا يدخل في سيئة أخرى وقيل: أول من يسأل الرجعة من هذه الأمة ~~من لم يكن أدى زكاة ماله أو لم ييكن حج بيت ربه فذلك تأويل قول الله تعالى: ~~(فأصدق وأكن من الصالحين) المنافقون: 10، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: ~~هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد هذا لقوله تعالى في أولها: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) المنافقون: 9، وقد ~~قيل: لا يسأل عبد الرجعة عندا لموت وله عند الله عز وجل مثقال ذرة من خير. # وروينا بمعناه من كان له في الآخرة مثقال ذرة من خير لو أن له الدنيا بما ~~فيها من أولها إلى أخرها لم يحب أن يعود إلى الدنيا، وقال بعض العارفين: إن ~~لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه يوجده ذلك بإلهام يلهمه، أحدهما إذا ~~ولد وخرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا ~~واستودعتك عمرك ائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وأنظر كيف تلقاني كما ~~أخرجتك، وسر عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها ~~حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء أو أضعتها فألقاك ~~بالمطالبة والعقاب؟، فهذا داخل في قوله عز وجل: (والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون) المؤمنون: 8، وفي قوله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) ~~البقرة: 40 عمر العبد أمانة عنده إن حفظه فقد أدى الأمانة وإن ضيعه فقد خان ~~الله، إن الله لا يحب الخائنين، وفي خبر ابن عباس رضي الله عنه من ضيع ~~فرائض الله عز وجل خرج من أمانة الله وعند التوبة النصوح تكفير السيئات ~~ودخول الجنات، وكان بعضهم يقول: قد علمت متى يغفر الله لي ms0412 قيل: ومتى؟ قال: ~~إذا تاب علي، وقال آخر: أنا من أن أحرم التوبة أخوف مني من أن أحرم ~~المغفرة، وقال الله تعالى: (ومن أصدق من الله # PageV01P305 # حديثا) النساء: 87 فتاب عليكم وعفا عنكم وقال تعالى في مثله: (وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) الشورى: 25 # وقال بعض العلماء: لا تصح التوبة لعبد حتى ينسى شهواته ويكون ذاكرا للحزن ~~لا يفارقه قلبه ذاهبا عن الذنب لا يخالج سره، وقال بعض علماء الشام: لا ~~يكون المريد تائبا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال معصية عشرين سنة، وقال بعض ~~السلف: من علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة ~~وبفرح ركوب الذنب الحزن عليه والسرور بحسن الإنابة، وقال بعض العلماء في ~~معناه: لا يكون العبد تائبا حتى يدخل مرارة مخالفة النفس مكان حلاوة ~~موافقتها، وحدثنا في الإسرائيليات: إن الله عز وجل قال لبعض أنبيائه وقد ~~سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في العبادة ولم ير قبول توبته فقال ~~له: وعزتي وجلالي لو شفع فيه أهل السموات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك ~~الذنب الذي تاب منه في قلبه ومن بقيت حلاوة المعصية في قلبه أو نظر إليها ~~إذا ذكرها بفكره خيف عليه العود فيها إلا بشدة مجاهدة وكراهة لها ونفي ~~خاطرها عن سره إذا ذكرها بالخوف والإشفاق منها، وقال أبو محمد سهل: أول ما ~~يمر به المبتدئ المريد التوبة وهو تحويل الحركات المذمومة إلى حركات محمودة ~~ويلزم نفسه الخلوة والصمت ولا تصح له توبة إلا بأكل الحلال ولا يقدر على ~~الحلال حتى يؤدي حق الله تعالى في الخلق وحق الله تعالى في نفسه ولا يصح له ~~هذا حتى يتبرأ من حركته وسكونه إلا بالله تعالى وحتى لا يأمن الاستدراج ~~بأعمال الصالحات وحقيقة التوبة أن يدع ما له حتى لا يدخل فيما عليه ولا ~~يكون يسوف أبدا إنما يلزم نفسه الحال في الوقت. # وحدثونا عن سري السقطي أنه قال: من شرط التوبة أن ينبغي للتائب المنيب ms0413 ~~أنه يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصى الله تعالى لها ولا ~~ينيلها إلا ما لا بد منه ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصية أبدا ويلقى ~~عن الناس مؤونته ويدع كل ما يضطره إلى جريرة ولا يتبع هوى ويتبع من مضى من ~~السلف، وينبغي لأهل التوبة أن يحاسبوا نفوسهم في كل طرفة ويدعوا كل شهوة ~~ويتركوا الفضول وهي ستة أشياء: ترك فضول الكلام، وترك فضول النظر، وترك ~~فضول المشي، وترك فضول الطعام، والشراب، واللباس، قال: ولا يقوى على ترك ~~الشبهات إلا من ترك الشهوات، وسئل يحي بن معاذ رحمه الله كيف يصنع التائب؟ ~~فقال: هو من عمره بين يومين، يوم مضى ويوم بقي، فيصلحهما بثلاث: أما ما مضى ~~فبالندم والاستغفار، وأما ما بقي فبترك التخليط وأهله ولزوم المريدين ~~ومجالسة الذاكرين والثالثة لزوم تصفية الغذاء والدأب على العمل، ومن علامة ~~صدق التوبة رقة القلب وغزارة الدمع، وفي الخبر: جالسوا التوابين فإنهم أرق ~~شيء أفئدة ومن التحقق بالتوبة أن يستعظم ذنوبه فإنه يقال إن الذنب # PageV01P306 # كلما استعظمه العبد صغر عند الله تعالى ويقال: إن استصغار الذنب كبيرة، ~~كما جاء في الخبر: المؤمن الذي يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه ~~والمنافق الذي يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره، وقد روينا في خبر مرسل: ~~ليتق أحدكم أن يؤخذ عند أدنى ذنوبه في نفسه. # وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد: ليت كل شيء عملته مثل هذا ~~فهذا كما قال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت. # وقد حدثنا عن الله تعالى أنه أوحى إلى بعض أوليائه: لا تنظر إلى قلة ~~الهدية وانظر إلى عظمة مهديها ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء ~~من واجهته بها فإنما عظمت الذنوب من تعظيم المواجه بها وكبرت في القلوب ~~لمشاهدة ذي الكبرياء ومخالفة أمره إليها فلم يصغر ذنب عند ذلك وكانت ~~الصغائر عند الخائفين كبائر وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى: (ذلك ومن ms0414 يعظم ~~حرمات الله فهو خير له) (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج: ~~30 - 32 قيل: الحرمات تعظم في قلبه فلا ينتهكها، ومن هذا قول الصحابة ~~للتابعين: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات ليسوا يعنون أن الكبائر التي كانت ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صارت بعده صغائر ولكن كانوا يستعظمون ~~الصغائر لعظمة الله تعالى في قلوبهم لعظيم نور الإيمان، ولم يكن ذلك في ~~قلوب من بعدهم، وأوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه: كم من ذنب رأيته منك قد ~~أهلكت بدونه أمة من الأمم. # وقد روينا عن أبان بن إسماعيل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ~~أهلك الله تعالى أمة من الأمم كانوا يعبثون بذكورهم فأما نسيانه الذنوب ~~وذكرها فقد اختلف قول العارفين في ذلك فقال بعضهم: حقيقة التوبة أن تنصب ~~ذنبك بين عينيك وقال آخر: حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك، وهذا طريقان لطائفتين ~~وحالان لأهل مقامين فأما ذكر الذنوب فطريق المريدين وحال الخائفين يستخرج ~~منهم بتذكرها الحزن الدائم والخوف اللازم، وأما نسيان الذنوب شغلا عنها ~~بالأذكار وما يستقبل من مزيد الأعمال فطريق العارفين وحال المحبين ووجهة ~~هؤلاء شهادة التوحيد وهي مقام في التعريف ووجهة الأولين مشاهدة التوقيف ~~والتحديد وهي مقام في التعريف، ففي أي المقامين أقيم عبد قام بشهادة وجهته ~~وعمل بحكم حالته ومقام شهادة التوحيد أفضل عند العارفين من مقام مشاهدة ~~التعريف وإن كانت هذه أوسع وأكثر إلا أنها في أصحاب اليمين وفي عموم ~~المقربين، وشهادة التوحيد أضيق وأقل وأهلها أعلى وأفضل وهي في المقربين ~~وخصوص العارفين وقد يعترض المريد بقصة دواد عليه السلام في تذكره ونوحه على ~~خطيئة فإن الأنبياء لا يقاس عليهم لمجاوزتهم حدود من دونهم وقد يقلبون في ~~أحوال المريدين ويسلك بهم سبيل المتعلمين وذلك لأجل الأمة ليكون طريقا ~~للعالمين، # PageV01P307 # وأعلم أنه لا يؤمن على ضعيف اليقين قوي النفس عند تذكر الذنوب نظر القلب ~~إليها ms0415 بشهوة أو ميل نفس معها بحلاوة فيكون ذلك سبب فتنته فيفسد من حيث صلح ~~كما لا يؤمن على معتاد خطيئة بالنظر إلى سببها حركة النفس إليها وإن كان ~~الأفضل الإتفاق معها ما لم يكن الإتفاق معصية لمجاهدة النفس بالصبر عنها ~~إلا أن ذلك غرور وفيه خطر فترك الاجتماع وقطع الأسباب حينئذ أسلم وما كان ~~أسلم للمريد فهو أفضل وفي نسيان الذنوب الذكر لما يستقبل والانكماش على ما ~~يفوت من الوقت خوف فوت الثاني. # وقد كان بعض أهل المعرفة يكره للمريد أن يكون وسواسه الجنة أو نذكر ما ~~فيها من النعيم واللباس والأزواج وقال: واستحب للمريد أن يكون وسواسه ذكر ~~الله تعالى وخواطره وهممه متعلقة بالله تعالى لا سواه قال: لأن المريد حديث ~~عهد بتوبة غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة، فإذا تذكر نعيم الجنة لم آمن ~~عليه لضعف قلبه أن يشتهي مثله مما يشاهد في الدنيا من اللباس والطيبات ~~والنكاح لأن هذا عاجل وذاك آجل فتطلب نفسه مثل ما تذكرت من نعيم الآخرة ~~معجلا في الدنيا قال: فإذا كان همه الله تعالى كان أبعد له من زينة الدنيا ~~وشهواتها ولم يجتر العدو بتمثيل ذلك له من العاجل إلى أن يقوى يقينه وتنتقل ~~عادته وتدوم عصمته، وقد اختلف أهل العلم أيضا في عبد ترك ذنبا وعمل في ~~الإستقامة ونفسه تنازعه إليه وهو يجاهدها، وفي آخر: ترك الذنب وانكمش في ~~الإصلاح فلم تكن نفسه تطالبه فلا تنازعه إلى الذنب ولم يكن على قلبه منه ~~ثقل ولا مجاهدة، أي هذين أفضل فقال بعض علماء أهل الشام: الذي تنازعه نفسه ~~إلى الذنب وهو يجاهدها أفضل لأن عليه منازعة وله فضل مجاهدة، ومال إلى هذا ~~القول أحمد بن أبي الحواري وأصحاب أبي سليمان الداراني. # وقال علماء البصرة: الذي سكنت نفسه عن المنازعة بشاهد من شواهد اليقين ~~والطمأنينة فلم يبق فيه فضل لعود ولا طلب لمعتاد أفضل، ومال إلى هذا رباح ~~بن عمرو القيسي وهو من كبار علماء البصريين، وقال: لو فتر هذا لكان هذا ~~أقرب إلى ms0416 السلامة ولم يؤمن على الآخر الرجوع وهذا كما قال، وقد اختلف ~~العلماء أيضا في عبدين سئل أحدهما شيئا: من بذل ماله في سبيل الله فأبت ~~نفسه عليه وثقل عليها ذلك فجاهدها وأخرج ماله، وسئل آخر، بذل ماله فبذله مع ~~السؤال طوعا من غير منازعة نفس ولا ثقل عليها ولا مجاهدة منه لها أيهما ~~أفضل؟ فقال: قوم المجاهد لنفسه أفضل لأنه جتمع له الإكراه والمجاهدة فحصل ~~له عملان، وذهب إلى هذا القول ابن عطاء وأصحابه، وقال آخرون: الذي سمحت ~~نفسه بالبذل طوعامن غير إكراه ولا اعتراض أفضل قال: لأن مقام هذا في سخاوة ~~النفس والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة، ومن ~~بذل ماله على ذلك ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة # PageV01P308 # لأيا من غلبتها له في كرة ثانية أو ثالثة إذ ليس السخاء من مقامها لأنها ~~كانت محمولة عليه وإلى هذا ذهب الجنيد رحمه الله وهو عندي كما قال اللفظ ~~لنا. # وسئل أبو محمد سهل عن الرجل يتوب من الشيء ويتركه ثم يخطر ذلك الشيء ~~بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة فقال: الحلاوة طبع البشرية ولا بد من ~~الطبع وليس له حيلة إلا أن يرفع قلبه إلى مولاه بالشكوى وينكره بقلبه ويلزم ~~نفسه الإنكار ولا يفارقه ويدعو الله تعالى أن ينسيه ذكر ذلك ويشغله بغيره ~~من ذكره وطاعته، وقال: فإن هو غفل عن الإنكار طرفة عين أخاف عليه أن لا ~~يسلم وتعمل الحلاوة في قلبه ولكن مع وجدان الحلاوة يلزم قلبه الإنكار ~~والحزن فإنه لا يضره، وهذا عندي هكذا لأن التوبة لا تصح مع بقاء الشهوة، ~~ويكون العبد مرادا بالمجاهدة، وهذا حال المريدين ومحو الشهوات من القلب ~~بدوام التولي وصف العارفين وربما تعلق بالذنب ذنوب كثيرة هي أعظم منه مثل ~~الإصرار عليه والاغتباط به وتسويف التوبة بعده ووجد حلاوة الظفر بمثاله أو ~~وجد الحزن والكراهة على فوته والسرور بعمله أو حمل غيره عليه إن كان ذنبا ~~بين اثنين أو إنفاق مال الله سبحانه ms0417 وتعالى فيه فهو كفر النعمة به، وقد ~~قيل: من أنفق درهما في حرام فهو مسرف ومن ذلك أن يستصغر الذنب ويحتقره ~~فيكون أعظم من اجتراحه أو يتهاون بستر الله تعالى عليه ويستخف بحلم الله ~~تعالى عنه، فيكون ذلك من الإغترار والأمن أو يجهل نعمة الله تعالى عليه في ~~ستره وإظهار ضده كما قال في الدعاء المأثور الذي يمدح الله سبحانه وتعالى ~~به: يا من أظهر الجميل وستر على القبيح ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر ~~ويقال كل عاص تحت كنف الرحمن فإذا رفع يديه عنه انهتك ستره # ومن ذلك المجاهرة بالذنب والصول به والتظاهر وهذا من الطغيان، وفي الخبر: ~~كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على الذنب، قد ستره الله تعالى ~~عليه فيصبح فيكشف ستر الله تعالى ويتحدث بذنبه وربما سن العاصي بالذنب سنة ~~أتبع عليها فتبقى سيئات ذنبه عليه ما دام يعمل به وقد قيل: طوبى لمن إذا ~~مات ماتت ذنوبه معه ولم يؤاخذ بها بعده وطوبى لمن لم يعدد ذنبه غيره، قال ~~بعضهم: لا تذهب فإن كان لا بد فلا تحمل غيرك على الذنب فتكسب ذنبين، وقد ~~جعل الله تعالى هذا المعنى وصفا من أوصاف المنافقين في قوله تعالى: ~~(المنافقون والمنافقات بعضهم منع بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) ~~التوبة67 فمن حمل أخاه على ذنب معه فقد أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وقال ~~بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصيته ثم ~~يهونها عليه وقد يعيش العبد أربعين سنة ثم يموت فتبقى ذنوبه بعده مائة سنة ~~يعاقب عليه في قبره إذا كان قد سنها سنا وأتبع عليها إلى أن تندرس أو يموت ~~من كان يعمل بها ثم تسقط عنه # PageV01P309 # ويستريح منها، ويقال: أعظم الذنوب من ظلم من لا يعرفه ولم يره من ~~المتقدمين مثل أن يتكلم فيمن سلف من أهل الدين وأئمة المتقين، فهذه المعاني ~~كلها تدخل على الذنب الواحد وهي أعظم منه ومن ذلك قوله تعالى: (ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم) ms0418 يس: 12 قيل: سننهم التي عمل بها بعدهم، وفي الخبر: من سن ~~سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم ~~شيئا، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ويل للعالم من الأتباع يزل زلة ~~فيرجع عنها ويحتملها الناس فيذهبون بها في الآفاق، وقال بعض أهل الأدب: مثل ~~زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق الخلق معها، وفي الخبر ~~الإسرائيلي: إن عالما كان يضل الناس بالبدع ثم أدركته توبة فرجع إلى الله ~~تعالى وعمل في الإصلاح دهرا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل له إن ذنبك لو ~~كان فيما بيني وبينك لغفرته لك بالغا ما بلغ ولكن كيف بمن أضللت من عبادي ~~فأدخلتهم النار، فأما استحلال المعصية أو إحلالها للغير فليس من هذه ~~الأبواب في شيء إنما ذلك خروج عن الملة وتبديل للشريعة وهو الكفر بالله ~~تعالى كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما آمن بالقرآن من استحل ~~محارمه وقد سمى الله تعالى عملة السوء جهلة فقال تعالى: (أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة) الأنعام: 54، وقال تعالى: (بل أنتم قوم تجهلون) النمل: 55 ~~وقال: (بل أنتم قوم مسرفون) الأعراف: 81، ويقال: إن العرش يهتز ويغضب الرب ~~تعالى لثلاثة أعمال: لقتل النفس بغير نفس، وإتيان الذكر الذكر، وركوب ~~الأنثى الأنثى، وفي خبر: لو اغتسل اللوطي بالبحار لم يطهره إلا التوبة ولو ~~لم يكن في يسير المعصية من الشؤم إلا حرمان الطاعة وفقد حلاوة الخدمة ومقت ~~المولى لكان هذا من أعظم العقوبات، كما قال وهيب بن الورد وقد سئل: هل يجد ~~العاصي حلاوة الطاعة قال: لا ولا من هم بمعصية، ولذلك سمى الله تعالى يحيى ~~سيدا لأنه لم يهم بمعصية فصار علامة السيد بقدر سؤدد من لا يهم بالمعاصي ~~فصار من لا يهم بالمعاصي سيدا، وفي خبر من لبس ثوب شهرة وفي بعضها: من نظر ~~إلى عطفيه فاختال أعرض الله تعالى عنه وإن كان عنده حبيبا كيف وفي المخالفة ~~وجود البعد والوحشة والانقطاع ms0419 من المعاملة. # وروينا في خبر: إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن ~~جسده وبدت عورته قال: فاستحيا التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه ~~جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه ونوديا ~~من فوق العرش: اهبطا من جواري فإنه لا يجاورني من عصاني، فالتفت آدم إلى ~~حواء باكيا وقال: هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب، وروينا أن ~~سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم لما عوقب على خطيئته من أجل التمثال ~~الذي عبد في داره أربعين يوما وقيل: إن المرأة سألته أن يكون الحكم لأبيها ~~على خصمه فقال: نعم # PageV01P310 # ولم يفعل وقيل: بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها فسلب ~~ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه وكان يسأل بكفه فلا يطعم فإذا قال: ~~أطعموني فإني سليمان بن داود شج وضرب، ولقد بلغني أنه استطعم من بيت فطرد ~~وبزقت امرأة في وجهه، وفي رواية قال: فأخرجت إليه عجوز جرة فيها بول فصبته ~~على رأسه إلى أن خرج له الخاتم من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين وهي ~~أيام العقوبة قال: فجاءت الطير فعكفت عليه وجاءت الجن والشياطين والوحوش ~~فاجتمعت حوله، فلما عرفه الصيادون عقروا بين يديه واعتذروا إليه مما كانوا ~~طردوه وشجوه فقال: لا ألومكم فيما صنعتم قبل ولا أحمدكم فيما تصنعون الآن، ~~هذا أمر من السماء فلا بد منه ولقد بلغني أنه كان في مسيره والريح تحمله في ~~جنوده إذ نظر إلى قميصه نظرة وكان عليه قميص جديد فكأنه أعجبه فوضعته الريح ~~بالأرض فقال لها لم فعلت ولم آمرك قال: إنما نطيعك إذا أطعت الله تعالى. # وقد قال بعض العلماء في معنى هذا: من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن ~~خاف غير الله تعالى أخاف الله تعالى من كل شيء، فكذلك أيضا: من أطاع الله ~~تعالى سخر له كل شيء ومن عصاه سخره لكل شيء أو سلط عليه كل شيء ولو لم يكن ms0420 ~~في الإصرار على المعصية من الشؤم إلا أن كل ما يصيب العبد يكون له عقوبة إن ~~كان سعة عوقب بذلك ولم يأمن بها الاستدراج وإن كان ضيقا كان عقوبة له، وفي ~~الخبر أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وقد قيل: الرزق من الحرام من قلة ~~التوفيق للأعمال الصالحة، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إني لأحسب أن ~~العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه ولو لم يكن من بركة التوبة والعلم ~~والاستقامة على الطاعة إلا أن كل ما يصيب العبد فهو خير له إن: كان سعة فهو ~~رفق من الله تعالى به عليه ولطف له منه وإن كان ضيقا فهو اختبار من الله ~~تعالى وخيره للعبد ويجد حلاوة ذلك ولذته لأنه في سبيله وقد أصابه وهو مقيم ~~على طاعته ولو لم يكن من شؤم الناس ووجد النقص لمخالطتهم إلا أن المعصية ~~معهم أشد وهي بهم أعظم لتعلق المظالم في أمر الدنيا وشأن الدين وكل من قلت ~~معارفه قلت معهم خطاياه، وقال بعض السلف: ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصا ~~في المال إنما اللعنة أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه وذلك أن ~~اللعنة هي الطرد والبعد فإذا طرد من الطاعة فلم تيسر له بعد عن القربات فلم ~~يوفق لها فقد لعن. # وقد قيل في معنى الخبر الذي رويناه آنفا: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه قيل: إن يحرم الحلال ولا يوفق له بوقوعه في المعصية وقيل: يحرم ~~مجالسة العلماء ولا ينشرح قلبه لصحبة أهل الخير وقيل: يمقته الصالحون وأهل ~~العلم بالله تعالى فيعرضون عنه وقيل: يحرم العلم الذي لا صلاح للعمل إلا به ~~لأجل إقامته على الجهل، ولا تنكشف له الشبهات بإقامته على الشهوات بل تلتبس ~~عليه الأمور فيتحير فيها بغير عصمة من الله # PageV01P311 # تعالى ولا يوفق للأصوب والأفضل، وقد كان الفضيل يقول: ما أنكرت من تغير ~~الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك ويقال: نسيان القرآن بعد حفظه من ~~أشد العقوبات والمنع من تلاوته وضيق الصدر ms0421 بقراءته والاشتغال عنه بضده ~~عقوبة الإصرار، وقال بعض صوفية أهل الشام: نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه ~~فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فأستحييت منه فقلت: ~~يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة ~~المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي وقال: لتجدن عقوبته بعد حين قال: فعوقبت ~~بعد ثلاثين سنة، وقال بعضهم: إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري، وقال ~~آخر: أعرف العقوبة حتى في نار بيتي. # وحدثونا عن منصور الفقيه قال: رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت: ~~ما فعل الله بك قال: أوقفني بين يديه في العرق حتى سقط لحم خدي قلت: ولم ~~ذاك قال: نظرت إلى غلام مقبلا ومدبرا والعقوبة موضوعها الشدة والمشقة، ~~فعقوبة كل عبد من حيث يشتد عليه، فأهل الدنيا يعاقبون بحرمان رزق الدنيا من ~~تعذر الإكساب وإتلاف الأموال وأهل الآخرة يعاقبون بحرمان رزق الآخرة من قلة ~~التوفيق للأعمال الصالحات وتعذر فتوح العلوم الصادقة ذلك تقدير العزيز ~~العليم، وكان أبو سليمان الداراني يقول: الاحتلام عقوبة: وقال: لا يفوت ~~أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب يحدثه فدقائق العقوبات على قدر ترافع الدرجات، ~~وقد جاء في الأخبار ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم، وفي الخبر ~~يقول الله عز وجل: إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن ~~أحرمه لذيذ مناجاتي فهذه عقوبة أهل المعاملات ولو ظهر تغير القلب عند ~~المعصية على وجه العاصي لا سود وجهه ولكن الله تعالى سلم بحلمه وستره فغطى ~~ذلك في القلب مع تأثيره فيه وحجابه لصاحبه وقسوته عن الذكر وعن طلب الخير ~~والبر والمسارعة إلى الخير وهو من أكير العقوبات ويقال: إن العبد إذا عصى ~~أظلم قلبه ظلمة يثور على القلب منها دخان يشهده الإيمان فهو مكان حزن العبد ~~الذي تسوءه سيئته ويكون ذلك الدخان حجابا له عن العلم والبيان كما تحجب ~~السحابة للشمس فلا ترى ويكون غلفا يجده في نفسه للخلق فإذا تاب العبد وأصلح ms0422 ~~إنكشف الحجاب فيظهر الإيمان فيأمر بالعلم كما تبرز الشمس من تحت الحجاب. # ومن هذا قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) المطففين: ~~14 قيل: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب ويصير الإيمان تحت الحجاب فلا ~~يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وعندها ينكس أعلاه أسفله إذا استكمل سواده، ~~فحينئذ مرد على النفاق فأملس فيه واطمأن به وثبت إلى أن ينظر الله تعالى ~~إليه فيعطف بفضله عليه، وقد كان الحسن # PageV01P312 # رضي الله عنه يقول: إن بين العبد وبين ربه عز وجل حدا من المعاصي معلوما ~~إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه بعدها للخير، وفي حديث ابن عمر: ~~الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله ~~تعالى الطابع فطبع على القلوب بما فيها، وفي حديث مجاهد: القلب مثل الكف ~~المفتوحة فكلما أذنب ذنبا انقبضت أصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فتشد على ~~القلب فذلك هو القفل، ويقال لكل ذنب نبات ينبت على القلب فإذا كثرت الذنوب ~~قام النبات حول القلب مثل الكم للثمرة فانضم على القلب فذلك هو الغلاف، ~~ويقال: إنه الكنان أحد الأكنة التي ذكر الله تعالى أن القلب لا يسمع معها ~~ولا يفقه، وقد حدثني بعض هذه الطائفة عن أبي عمرو بن علوان في قصة تطول قال ~~فيها: فكنت قائما أصلي ذات يوم فخامر قلبي هواء طاولته بفكري حتى تولد منه ~~شهوة الرجل قال: فوقعت إلى الأرض واسود جسدي كله فاستترت في البيت ثلاثة ~~أيام فلم أخرج وقد كنت أعالج غسله في الحمام بالصابون والألوان الغاسلة فلا ~~يزداد إلا سوادا قال ثم انكشف عني بعد ثلاث فرجعت إلى لوني البياض قال: ~~فلقيت أبا القاسم الجنيد رحمه الله وكان وجه إلي فأشخصني من الرقة فلما ~~أتيته قال لي: أما أستحيت من الله تعالى كنت قائما بين يديه فسامرت نفسك ~~شهوة حتى استولت عليك برقة فأخرجتك من بين يدي الله تعالى لولا أني دعوت ~~الله عز وجل لك وتبت إليه عنك للقيت الله تعالى بذلك ms0423 اللون قال فعجبت كيف ~~علم بذلك، وهو ببغداد وأنا بالرقة ولم يطلع عليه إلا الله عز وجل، فذكرت ~~هذه الحكايات لبعض العلماء فقال: كان هذا رفقا من الله تعالى به وخيرة له ~~إذ لم يسود قلبه وظهر السواد على جسده ولو بطن في قلبه لأهلك ثم قال: ما من ~~ذنب يرتكبه العبد يصر عليه إلا اسود القلب منه مثل سواد الجسم الذي ذكره لا ~~يجلوه إلا التوبة ولكن ليس كل عبد يصنع له صنع ابن علوان ولا يجد من يلطف ~~له به مثل أبي القاسم الجنيد رحمه الله ولكل ذنب عقوبة إلا أن يعفو الله ~~والعقوبة ليست على قدر الذنب ولا من حيث يعلم العبد لكنها على تقدير ~~المشيئة وعن سابق علم الربوبية فربما كانت في قلب وهي من أمراض القلوب ~~وربما كانت في الجسد وقد تكون في الأموال والأهل وتكون في سقوط الجاه ~~والمنزلة من عيون علماء الإسلام والمؤمنين وقد تكون مؤجله في الآخرة وهذه ~~أعظم العقوبات وهي لأهل الكبائر من الموبقات الذين ماتوا عن غير توبة ولأهل ~~الإصرار والعزة والاستكبار لأنها إذا كانت في الدنيا كانت يسيرة على قدر ~~الدنيا وإذا تأخرت كانت عظيمة على قدر الآخرة. # وفي الخبر: إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه وإذا أراد ~~به شرا أخره حتى يوافي به الآخرة، وأعلم أن الغم على ما يفوت من الدنيا ~~والهم بالحرص عليها من العقوبات والفرح والسرور بما نال من الدنيا مع ما لا ~~يبالي ما خرج من دينه من # PageV01P313 # العقوبات، وقد يكون دوام العوافي واتساع الغنى من عقوبات الذنوب إذا كانا ~~سببين إلى المعاصي، وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله أو أعظم منه كما يكون ~~مثوبة الطاعة طاعة مثلها أو أفضل منها، وفي أحد الوجوه من معنى قوله تعالى: ~~(وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) آل عمران: 152، قال: الغنى والعافية كما ~~يكون الفقر والسقم برحمة من الله تعالى إذا كانا سببا للعصمة وهما أمهات ~~المعاصي إذا كانا سببين لها ومطرقين ms0424 إليها، واعلم أن الحلم لا يرفع العقوبة ~~ولكن يؤخرها، ومن شأن الحليم أن لا يعجل بالعقوبة وقد يعاقب بعد حين. # وروينا في معنى قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء) الأنعام: 44، أي الرخص والرغد حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ~~قيل بعد ستين سنة، وفي الخبر: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب ~~المعيشة، وفي لفظ آخر: لا يكفرها إلا الهموم والأحزان والإهتمام بالمباحات ~~من حاجات الدنيا للفقراء كفارات وهو على ما يفوت من قربات الآخرة للمؤمنين ~~درجات وهو على محب الدنيا والجمع منها والحرص عقوبات، وقال بعض السلف: كفى ~~به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا وقال آخر: لو لم يكن للعبد من الذنوب إلا ~~أنه يقيم بمصائب الدنيا بما لا يقيم بما لا يفوته فيها من نصيب الآخرة ~~والتزود لها. # وفي حديث عائشة رضي الله عنها: إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من ~~الأعمال ما يكفرها أدخل الله عز وجل عليه الغموم والهموم فتكون كفارة ~~لذنوبه ويقال: إن الهم الذي يعرض للقلب في وقت لا يعرف العبد سبب ذلك فهو ~~كفارات الهم بالخطايا ويقال: هو حزن العقل عند تذكره الوقوف والمحاسبة لأجل ~~جنايات الجسد فيلزم العقل ذلك الهم فيظهر على العبد منه كأنه لا يعرف سبب ~~غمه، ومن أخبار يعقوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه: لولا ما سبق ~~لك في علمي من عنايتي بك لجعلت نفسي عندك أبخل الباخلين لكثرة تردادك إلي ~~بطول سؤالك لي وتأخيري إجابتك ولكن من عنايتي بك أن جعلت نفسي في قلبك إني ~~أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، وقد سبق لك عندي منزلة لم تكن تنالها بشيء ~~من علمك إلا بحزنك على يوسف فأردت أن أبلغك تلك المنزلة، وكذلك ما روينا أن ~~جبريل عليه السلام لما دخل على يوسف عليه السلام في السجن قال له: كيف تركت ~~الشيخ الكئيب؟ قال: قد حزن عليك حزن مائة ثكلى، قال: فماذا له عند الله ~~تعالى؟ قال: أجر مائة ms0425 شهيد، وفي خبر رويناه عن السلف: ما من عبد يعصى إلا ~~استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه ~~كسفا فيقول الله عز وجل للأرض والسماء كفا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم ~~تخلقاه ولو خلقتماه # PageV01P314 # لرحمتماه لعله يتوب إلي فأغفر له لعله يستبدل صالحا فأبدله حسنات فذلك ~~معنى قوله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) فاطر: 41 أي من ~~معاصي العباد: (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما) فاطر: ~~41 أي عن معاصيهم غفورا لمساوئهم وقيل في تفسير ذلك: إن الله عز وجل إذا ~~نظر إلى معاصي العباد غضب فترجف الأرض وتضطرب السماء فتنزل ملائكة السماء ~~فتمسك أطراف الأرضين وتصعد ملائكة الأرضين فتمسك على أطراف السموات، ولا ~~يزالون يقرؤون: (قل هو الله أحد) الإخلاص: 1، حتى يسكن غضبه سبحانه وتعالى ~~فذلك قوله تعالى: (إن الله يمسك السموات) فاطر: 41 الآية. # وقال بعض العلماء: إذا ضرب الناقوس في الأرض ودعى بدعوة الجاهلية اشتد ~~غضب الرب سبحانه وتعالى فإذا نظر إلى صبيان المكاتب ورأى عمار المساجد ~~وقيل: إذا نظر إلى المتحابين في الله أو المتزاورين له وسمع أصوات المؤذنين ~~حلم وغفر فذلك قوله تعالى: (إنه كان حليما غفورا) فاطر: 41 فإذا أتبع العبد ~~الذنب بالذنب ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة لأن هذه حال المصر ~~ولأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه ودوام مقامه مع النفس على هواه وهذا ~~مقام المقت في البعد وأفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون ~~عنده الهوى إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر كما ليس لبدايتها أول يرتسم فإن لم ~~يقطع ذلك لم يكن له نهاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة ووجد حلاوة ~~العبادة وإلا أخذ نفسه بالصبر والمجاهدة فهذا طريق الصادقين من المريدين. # وقيل في قوله تعالى: (استعينوا بالله واصبروا) الأعراف: 128 أي استعينوا ~~به على الطاعة واصبروا على المجاهدة في المعصية، وقال علي كرم الله وجهه: ~~أعمال ms0426 البر كلها إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتفلة إلى جنب ~~البحر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله تعالى ~~كتفلة في جنب بحر والجهاد في سبيل الله تعالى إلى مجاهدة النفس عن هواها في ~~اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجي، وعلى هذا معنى الخبر الوارد رجعتم من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة النفس، وكان سهل بن عبد الله يقول: ~~الصبر تصديق الصدق وأفضل منازل الطاعة صبر على معصية ثم الصبر على الطاعة، ~~وقد روينا في الإسرائيليات: إن رجلا تزوج امرأة في بلدة وأرسل عبده يحملها ~~إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها واستعصم بالله قال: فنبأه الله ~~تعالى فكان نبيا في بني إسرائيل. # وفي بعض قصص موسى عليه السلام: إنه قال للخصر عليه السلام: بأي شيء أطلعك ~~الله تعالى على علم الغيب؟ فقال: بترك المعاصي لأجل الله تعالى، فالجزاء من ~~الله تعالى يجعله غاية العطاء لا على قدر العمل لكن إذا عمل له عبد شيئا ~~لأجله أعطاه # PageV01P315 # أجره بغير حساب ثم إنه لا يتخذ التائب عادة من ذنب فيتعذر بها توبته فإن ~~العادة جند من جنود الله تعالى لولاها لكان الناس كلهم تائبين ولولا ~~الابتلاء لكان التائبون مستقيمين ثم إن يعمل في قطع معتاد إن كان ثم ليصبر ~~على مجاهدة النفس في هوى إن بلي به، فهذه الخصال من أفضل أعمال المريدين ~~وأزكاها ومعها تلهم النفس المطمئنة رشدها وتقواها وبها تخرج من وصف الأمارة ~~بالسوء إلى وصف المطمئنة إلى أخلاق الإيمان وهذا أحد المعاني في الخبر الذي ~~روى: أفضل الأعمال ما أكرهتم عليه النفوس، لأن النفس تكره خلاف الهوى، ~~والهوى هو ضد الحق والله تعالى يحب الحق فصار جبار النفس على خلاف الهوى ~~وعلى وفاق الحق لأن محبة الحق من أفضل الأعمال كما قال تعالى: (والوزن ~~يومئذ الحق) الأعراف: 8 الآية، واستثنى من أهل الخسر الذين تواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر وهذا أول اليقين، وحدثت عن بعض أهل الاعتبار: إنه كان يمشي ~~في الوحل ms0427 فكان يتقي ويشمر ثيابه عن ساقيه ويمشي في جوانب الطريق إلى أن ~~زلقت رجله في الوحل فأدخل رجليه في وسط الوحل وجعل يمشي في المحجة قال: ~~فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ~~ويجانبها حتى يقع في ذنب منها وذنبين فعندها يخوض الذنوب خوضا وعلى العبد ~~أن يتوب من الغفلة التي هي كائنة فإذا عرف هذا لم تنقطع أبدا توبته وقد جعل ~~الله تعالى أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران في العقبى، فقال عز من ~~قائل: (أولئك هم الغافلون) الأعراف: 179، لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الخاسرون ولكن غفلة دون غفلة وخسران دون خسران ولا تستحقرن الغفلة فإنها ~~أول المعاصي وهي عند الموقنين أصل الكبائر وقد جعل علي كرم الله وجهه ~~الغفلة إحدى مقامات الكفر وقرنها بالعمى والشك وأمال صاحبها عن الرشد ~~ووصفها بالحسرة فقال في الحديث الذي يروى من طريق أهل البيت: فقام عمار بن ~~ياسر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني؟ فقال: على أربع ~~دعائم: على الجفاد، والعمى، والغفلة، والشك، فمن جفا احتقر الحق وجهر ~~بالباطل ومقت العلماء، ومن عمى نسي الذكر ومن غفل حاد عن الرشد وغرته ~~الأماني فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن شك ~~تاه في الضلالة. # وقال بعض العلماء: من صدق في ترك شهوة وجاهد نفسه لله تعالى سبع مرات لم ~~يبتل بها، وقال آخر: من تاب عن ذنب واستقام سبع سنين لم يرجع إليه أبدا، ~~وقال بعض العلماء: كفارة الذنب المعتاد أن تقدر عليه عدد ما أتيته ثم لا ~~تقع فيه فيكون كل ترك كفارة لفعل وهذا حال الأقوياء من التوابين وليس هو ~~طريق الضعفاء من المريدين بل حال الضعفاء والهرب والبعد، ومن حدث نفسه ~~بمعصية في عدمها لم يملك نفسه عند وجودها فليعمل المريد في قطع وساوس النفس ~~بالخطايا وإلا وقع فيها لأن الخواطر تقوى فتكون # PageV01P316 # وسوسة، فإذا كثرت الوساوس صارت طرقا للعدو بالتزيين والتسويل فأضر ms0428 شيء ~~على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالإصغاء إليه فإنه يدب في هلكته وكل ~~سبب يدعو إلى معصية أو يذكر بمعصية فهو معصية وكل سبب يؤول إلى ذنب ويؤدي ~~إليه فهو ذنب وإن كان مباحا وقطعه طاعة وهذا من دقائق الأعمال وكان يقال: ~~من أتى عليه أربعون وهو العمر وكان مقيما على الذنب لم يكد يتب منه إلا ~~القليل من المتداركين، وقد روي في الخبر: المؤمن كل مفتن تواب وإن للمؤمن ~~ذنبا قد اعتاده الفيئة بعد الفيئة يعني حينا بعد حين. # وفي الحديث: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين المستغفرون، وفي الخبر الآخر: ~~المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه أي واه بالذنوب راقع بالتوبة ~~والاستغفار، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بترك متابعة الذنوب وترادف السيئة ~~بالحسنة في قوله تعالى: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) الرعد: 22، وقد جعل هذا ~~من وصف العاملين الذين صبروا فقال تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة) القصص: 54 فجعل تعالى لهم صبرين عن الذنب ~~وعلى التوبة فآتاهم به أجرين وقد اشترط الله تعالى على التائبين من ~~المؤمنين ثلاث شرائط وشرط على التائبين من المنافقين أربعة لأنهم اعتلوا ~~بالخلق في الأعمال فأشركوهم بالخالق في الإخلاص فزاد عليهم الشرط تشديد ~~الشدة دخولهم في المقت واعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال عز وجل: ~~(إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) البقرة: 160 قوله تعالى تابوا أي رجعوا ~~إلى الحق من أهوائهم، وأصلحوا يعني ما أفسدوا بنفوسهم، وبينوا فيها وجهان، ~~أحدهما بينوا ما كانوا كتموا من الحق وأخفوا من حقيقة العلم وهذا لمن عصى ~~بكتم العلم ولبس الحق بالباطل وقيل: بينوا توبتهم حتى تبين ذلك فيهم فظهرت ~~أحكام التوبة عليهم، وقال في الشرطين الآخرين: (إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) النساء: 145 (إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) النساء: 146، لأنهم كانوا يعتصمون ~~بالناس وبالأموال وكانوا يراؤون بالأعمال فلذلك اشترط عليهم الاعتصام بالله ~~والإخلاص لله عز وجل فينبغي أن ms0429 تكون توبة كل عبد عن ضد معاصيه قليلا بقليل ~~أو كثيرا بكثير ويكون التائب على ضد ما كان أفسد ليكون كما قال الله تعالى: ~~(إنا لا نضيع أجر المصلحين) الأعراف: 170، ولا يكون العبد تائبا حتى يكون ~~مصلحا ولا يكون مصلحا حتى يعمل الصالحات ثم يدخل في الصالحين. # وقد قال الله تعالى: (وهو يتولى الصالحين) الأعراف: 196، وهذا وصف للتواب ~~وهو المتحقق بالتوبة والحبيب لله تعالى كما قال تعالى: (إن الله يحب ~~التوابين) البقرة: 222 أي يتولى الراجعين إليه من أهوائهم المتطهرين له من ~~المكاره، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التائب حبيب الله، وسئل ~~أبو محمد سهل: متى يكون العبد التائب حبيب الله تعالى؟ # PageV01P317 # فقال: حتى يكون كما قال الله تعالى: (التائبون العابدون) التوبة: 112 ~~الآية، ثم قال الحبيب: لا يدخل في شيء لا يحبه الحبيب، وقال: لا تصح التوبة ~~حتى يتوب من الحسنات، وقد قال غيره من العارفين: العامة يتوبون من سيئاتهم ~~والصوفية يتوبون من حسناتهم يعني من تقصيرهم في أدائها العظيم ما يشهدون من ~~حق الملك العزيز سبحانه وتعالى المقابل بها ومن نظرهم إليها أو نظرهم إلى ~~نفوسهم بها وهي منة الله تعالي إليهم واصلة، وكان سهل يقول: التوبة من أفضل ~~الأعمال لأن الأعمال لا تصح إلا بها ولا تصح التوبة إلا بترك كثير من ~~الحلال مخافة أن يخرجهم إلى غيره، والاستغفار قوت التوابين ومفزع الخطائين، ~~قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) هود: 52، ~~وقال تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه) المائدة: 74 فابتدئ التوبة ~~بالاستغفار وعقب الاستغفار بالتوبة، فالاستغفار مع الذنب سؤال الستر من ~~الله تعالى ومغفرة الله تعالى لعبده في حال ذنبه ستره عليه وحلمه عنه ~~ويقال: ما من ذنب ستره الله تعالى على عبده في الدنيا إلا غفره له في ~~الآخرة، إن الله تعالى أكرم من أن يكشف ذنبا كان قد ستره وما من ذنب كشفه ~~الله في الدنيا إلا جعل ذلك عقوبة عبده في الآخرة فالله أكرم من أن ms0430 يثنى ~~عقوبته على عبده. # وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما نحو ذلك وقد أسنداه من طريق ~~الاستغفار بعد التوبة وهو سؤال العبد مولاه العفو عن المؤاخذة ومغفرة الله ~~تعالى لعبده بعد التوبة تكفيره لسيئاته وتجاوزه عنها بالعفو الكريم وهو ~~تبديل السيئات حسنات كما جاء في الخبر أن تفسير قول العبد: يا كريم العفو ~~قال: هو إن عفا برحمته عن السيئات ثم بدلها بكرمه حسنات وقد أحكم الله ~~تعالى ذلك بقوله: (فاستقيموا إليه واستغفروه) فصلت: 6 بعد قوله تعالى: (إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا) فصلت: 30، أي وحدوا الله تعالى ثم استقاموا على التوحيد فلم يشركوا ~~وقيل: استقاموا على السنة فلم يحدثوا وقيل: استقاموا على التوبة فلم يروغوا ~~معها أن لا تخافوا عقاب الذنوب فقد كفرها عنكم بالتوحيد ولا تحزنوا على ما ~~فاتكم من الأعمال فقد تداركها الله تعالى لكم بالتوبة وبلغكم منازل ~~المحسنين بالاستقامة، ثم قال تعالى: (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) ~~فصلت: 30 في السابق (نحن أولياؤكم) فصلت: 31 أي نليكم ونقرب منكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة بالتثبيت لكم على الإيمان ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي ~~أجسامكم من النعيم المقيم ولكم فيها ما تدعون أي ما تمنون بقلوبكم من النظر ~~إلى الملك الرحيم، وفي الخبر: التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من ~~الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله تعالى: وكان بعضهم يقول: أستغفر ~~الله من قولي أستغفر الله # PageV01P318 # باللسان عن غير توبة وندم بالقلب، وفي بخبر: الاستغفار باللسان من غير ~~توبة وندم بالقلب توبة الكذابين، وكانت رابعة تقول: استغفارنا هذا يحتاج ~~إلى استغفار فكم من توبة تحتاج إلى توبة في تصحيحها والإخلاص من النظر ~~إليها والسكون والإدلال بها، فمن عقب السيئات بحسنات وخلط الصالحات ~~بالطالحات طمع له في النجاة ورجا له الاستقامة قبل الوفاة، قال الله تعالى: ~~(خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم) التوبة: 102 أي يعطف ~~عليهم وينظر إليهم ms0431 وقيل: خلطوا علملا صالحا هو الاعتراف بالذنوب والتوبة ~~المستأنفة وآخر سيئا ما سلف من الغفلة والجهالة، وقد كان ابن عباس يقول: ~~غفور لمن تاب رحيم حيث رخص في التوبة، وقد قال الله تعالى (وإني لغفار لمن ~~تاب) طه: 82 أي من الشرك وآمن بالتوحيد وعمل صالحا؛ أدى الفرئض واجتنب ~~المحارم ثم اهتدى كان على السنة وقيل: استقام على التوبة فهذه صفات ~~المؤمنين فلم يرد الله تعالى المخلصين إلى ما رد إليه المنافقين وهو التوبة ~~وكذلك رد إليها المشركين إذ لا طريق للكل إلا منها ولا وصول إلى المحبة ~~والرضا إلا بها. # وقال تعالى في وصف المنافقين: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم) ~~التوبة: 106 أي مع الإصرار وإما يتوب عليهم أي بالاستغفار وأحكم ذلك وفصله ~~بما شرط له، كما قال في شأن الكافرين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم) التوبة: 5 وقد قرن الله تعالى الاستغفار للعبادة ~~ببقاء الرسول لله في الأمة ورفع العذاب عنهم بوجوده فضلامنه ونعمة، وقال ~~تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ~~الأنفال: 33، وكان بعض السلف يقول: كان لنا أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر، ~~فإن ذهب الآخر هلكنا يعني الذي ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم والذي بقي ~~الاستغفار، وسئل سهل رحمه الله عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال: أول ~~الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة فالاستجابة أعمال الجوارح ~~والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه وترك الخلق، ثم يستغفر من ~~تقصيره الذي هو فيه ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر، فعند ذلك يغفر له ويكون ~~عنده مأواه ثم ينقل إلى الانفراد ثم الثبات ثم البيان ثم القرب ثم المعرفة ~~ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم محادثة السر وهو الخلة، ولا يستقر ~~هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه والذكر قوامه والرضا زاده والتفويض ~~مراده والتوكل صاحبه، ثم ينظر الله تعالى إليه فيرفعه إلى العرش فيكون ~~مقامه مقام حملة العرش وكان يقول العبد لا بد له من ms0432 مولاه على كل حال، ~~وأحسن حاله أن يرجع إليه في كل شيء إذا عصي يقول: يا رب استر علي فإذا فرغ ~~من المعصية قال: يا رب تب علي فإذا تاب قال يا رب ارزقني العصمة فإذا عمل ~~قال: يا رب تقبل مني، ومن أحسن ما يتعقب الذنب من الأعمال بعد التوبة وحل ~~الإصرار مما يرجى به كفارة الخطيئة # PageV01P319 # ثمانية أعمال: أربعة من أعمال الجوارح وأربعة من أعمال القلوب، فأعمال ~~الجوارح أن يصلي العبد ركعتين ثم يستغفر سبعين مرة. # ويقول: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم يتصدق بصدقة ويصوم يوما، ~~وأعمال القلوب هي اعتقاد التوبة منه وحب الإقلاع عنه وخوف العقاب عليه ~~ورجاء المغفرة له، ثم يحتسب على الله تعالى بحسن ظنه وصدق يقينه كفارة ~~ذنبه، فهذه الأعمال قد وردت بها الآثار، إنها المكفرة للزلل والعثار، وقد ~~يشترط في بعضها فيتوضأ ويسبغ الوضوء ويدخل المسجد فيصلي ركعتين وفي بعض ~~الأخبار فيصلي أربع ركعات، قال: ويقال إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب ~~الشمال وهو أمير عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم ~~يكتبها عليه وإن لم يستغفر كتبها، ويقال صدقة الليل تكفر ذنوب النهار وصدقة ~~السر تكفر ذنوب الليل، وفي بعض الأخبار إذا علمت سيئة فأتبعها حينة تكفرها ~~السر بالسر والعلانية بالعلانية، وفي أخبار متفرقة جمعناها: ما من يوم طلع ~~فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما: يا ~~ليت هذا الخلق لم يخلقوا ويقول الآخر: ويا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا ~~خلقوا فيقول الآخر: ياليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا، وفي ~~بعضها: تجالسوا فتذاكروا ما علموا فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا بما ~~علموا تابوا مما عملوا، فأول ما يجب لله عز وجل على عبده أن لا يعصيه بنعمه ~~لئلا تكون معصيته كفرانا لنعمته وجوارح العبد وما له من نعم الله تعالى لأن ~~قوام الإنسان بجوارحه وثبات جوارحه بالحركة ومنافع الحركة بالعافية، فإذا ~~عصاه بالنعمة فقد بدلها كفرا، ms0433 كما قال تعالى: (بدلوا نعمت الله كفرا) ~~إبراهيم: 28 قيل: استعانوا بها على معاصيه ثم توعد على التبديل بالعقاب ~~الشديد فقال: (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) ~~البقرة: 211، على تبديل النعمة بالمعصية معجلا في الدنيا ويكون مؤجلا في ~~الآخرة. # وقد يكون العقاب في أسباب الدنيا، وقد يكون في حرمان أسباب الآخرة لأنها ~~مآله ومثواه، وقد يكون فيهما معا، وقد تكون نفس المعصية بالنعمة عقوبة ~~والجهل بالنعمة وتضييع الشكر عليها واستصغارها والسكون إليها والتطاول ~~والتفاخر والتكابر بها كل هذه الأسباب عقوبات ثم يفترض على العبد إذا عصاه ~~الرجوع إلى مولاه وهو التوبة عقيب وقوفه مع نفسه وهو موافقة الهوى بالخطيئة ~~فتأخيره بالتوبة وإصراره على الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة، فإذا تاب من ~~ذنبه وأحكم التوبة منه اعتقد الاستقامة على الطاعة ودوام الافتقار إلى الله ~~تعالى في العصمة ثم يتوب أبدا من الصغائر إلى الهم والتمني، ومن الخوف ~~والطمع في المخلوق، وهي ذنوب الخصوص إلى الطرفة والنفس والسكون إلى شيء ~~والراحة بشيء وهذه ذنوب المقربين حتى لا يبقى على العبد فيما يعلم # PageV01P320 # مخالفة وحتى يشهد له العلم بالوفاء فتبقى حينئذ ذنوبه من مطالعة علم الله ~~تعالى فيه لما أستأثر به عنه من علم غيبه يكاشفه به ومن معنى نفس العبودية ~~وكون الخلقة عن تسليط الربوبية بوصفها وكبرها فيكون هذا الخوف مثوبة له لما ~~فزع من علم نفسه إلى ما لا يمكن ذكره ولا يعرف نشره من ذنوب المقربين التي ~~هي صالحات أصحاب اليمين لفقد مشاهدتها وللجهل بمعرفة مقاماتها عند العموم ~~فيكون حال هذا المقرب الإشفاق من البعد في كل طرفة ونفس إلى وقت اللقاء ~~والخوف من الإعراض والحجب في كل حركة وهم في هذه الدار إلى دار البقاء. # وقد روينا في خبر غريب: إن الله عز وجل أوحى إلى يعقوب عليه السلام أتدري ~~لم فرقت بينك وبين يوسف، قال: لا، قال: لقولك لإخوته إني أخاف أن يأكله ~~الذئب لم خفت عليه الذئب ولم ترجني له ولم ms0434 نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر ~~إلى حفظي له فهذا معنى قول يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قال الله تعالى: ~~(فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) يوسف: 42، فهذا مما يعتب ~~على الخصوص من خفي سكونهم ولمح نظرهم إلى ما سوى الله تعالى وإنما حرم بعض ~~التابعين ذلك المزيد ولم يجدوا حلاوة التوبة لتهاونهم بحال الرعاية ~~وتسامحهم بترك حسن القيام بشاهد المراقبة وذلك يكون من قلة أحكام أمر ~~التوبة ولو قاموا بحكم التوبة من الذنب الواحد وأحكموا حال تواب من ~~الصادقين في التوبة لم يعدموا من الله تعالى المزيد لأنهم محسنون فهم في ~~تجديد، قال الله تعالى: (سنزيد المحسنين) البقرة: 58 فإذا رآك مستقيما على ~~التوبة عاملا بالصالحات ولم تجدك على مزيد من مبرات بوجد حلاوة أو حسن ~~خليقة أو عروض زهد أو خاصية معروفة فارجع إلى باب المرقبة أو موقف الرعاية ~~فتفقدهما وأحكم حالهما فمن قبلهما أتيت، وقال بعض العلماء: من تاب من تسعة ~~وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين ولا تغفلن عن ~~التفقد وتجديد التوبة إدبار الصلوات فإنما دخل الخسران على العمال من حيث ~~لا يعلمون من تركهم التفقد ومحاسبة النفس وبمسامحتها مما يعملون، واعلم أن ~~حقيقة كل ذنب عشرة أعمال لا يكون العبد توابا يحبه الله تعالى ولا تكون ~~توبته نصوحا التي شرطها الله تعالى وفسرتها النبوة إلا أن يحكم العبد عشر ~~توبات من كل ذنب أولها ترك العود إلى فعل الذنب ثم يتوب من القول به ثم ~~يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب ثم التوبة من السعي في مثله ثم التوبة من ~~النظر إليه ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به ثم التوبة من الهمة ثم ~~التوبة من التقصير في حق التوبة ثم التوبة من أن لا يكون أراد وجه الله ~~تعالى خالصا بجميع ما تركه لأجله ثم التوبة من النظر إلى التوبة والسكون ~~إليها والإدلال بها ثم يشهد بعد ذلك تقصيره عن القيام بحق الربوبية لعظيم ~~ما ms0435 يشهد بالمزيد من الإشراف على التوحيد من كبير جلال الله تعالى وعظم ~~كبريائه فتكون # PageV01P321 # توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة مشاهدته ويكون استغفاره لما ~~ضعف قلبه ونقص همه عن معاينة مشاهدة لعلو مقامه ودوام فريدة وإعلامه ولا ~~نهاية لتوبة العارف ولا لغاية وصفه لما هو عليه عاكف ولا وصف محتمل ذكر ~~دقيق بلائه ولا يكبر عن التوبة نبي فمن دونه ولكل مقام توبة ولكل حال من ~~مقام توبة ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة فهذا حال التائب المنيب الذي هو من ~~الله تعالى مقرب وعنده حبيب وهذا مقام مفتن تواب أي مختبر بالأشياء مبتلى ~~بها تواب إلى الله تعالى منها لينظر مولاه أينظر بقلبه إليه أو إليها أو ~~يعتكف بهمته عليه أو عليها أو يطمئن إليه بوجودها أو إليها أو يطلب إياه ~~هربا منها أو إياها فعليه لكل مشاهدة لسواه ذنب وعليه في كل سكون إلى سواه ~~عتب كما له في كل شهادة علم ومن كل إظهار في الكون حكم بذنوبه لا تحصى ~~وتوباته إلى الله تعالى لا تستقصى، فهذه حقيقة التوبة النصوح وصاحبها مسلم ~~وجهه لله تعالى محسن من نفسه مستريح ودينه عند الله تعالى مستقيم ومقامه ~~وحاله من الله تعالى سليم. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب كل مفتن تواب، واعلم ~~أن الذنوب على سبعة ضروب بعضها أعظم من بعض، كل ضرب منها مراتب في كل مرتبة ~~من المذنبين طبقة منها معاص يعتل بها العبد من معاني صفات الربوبية مثل ~~الكبر والفخر والجبرية وحب الحمد والمدح ووصف العز والغنى، فهذه مهلكات ~~وفيها من العموم طبقات ومعاصي تكون من معاني أخلاق الشياطين مثل: الحسد ~~والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد، فهذا موبقة وفيها من أهل الدنيا ~~طبقات ومعاصي تكون من ضد السنة وهو ما خالفها إلى بدعة والأحداث المبتدعة ~~وهي كبائر منها ما يذهب الإيمان وينبت النفاق، وست من كبائر البدع، وهي ~~تنقل عن الملة: وهي القدرية والمرجئة الرافضية والإباضية والجهمية ~~والشاطحون من المغالطين وهم ms0436 الذين لا يقولون بخلق ولا رسم ولا حكم في تعدي ~~الحدود ومجاوزات العلم فهم زنادقة هذه الأمة ومعاص متعلقة بالخلق من طريق ~~المظالم في الدين والإلحاد بهم عن طريق المؤمنين، وهو ما أضل به عن الهدى ~~وأزاغ به عن السنن وحرفه من الكتاب وتأوله من السنة ثم أظهر ذلك ودعا إليه ~~فقبل منه وأتبع عليه. # وقد قال بعض العلماء: لا توبة لهذه المعاصي كما قال بعضهم في القاتل: لا ~~توبة له للأخبار بثبوت الوعيد وحق القول عليه، والضرب الخامس من المعاصي ما ~~تعلق بمظالم العباد في أمر الدنيا مثل ضرب الإنسان وشتم الأعراض وأخذ ~~الأموال والكذب والبهتان، فهذه موبقات ولا بد فيها من القصاص للموافقة بين ~~يدي الحاكم العادل والقطع منه بقضاء فاصل إلا أن يقع استحلال أو يستوهبها ~~الله عز وجل من أربابها في المآل بكرمه ويعوض المظلومين عليها من جنابه ~~بجوده، وقد جاء في الخبر: الدواوين ثلاثة: ديوان يغفر، وديوان لا يغفر، ~~وديوان لا يترك، فأما الديوان الذي يغفر فذنوب العباد بينهم وبين الله ~~تعالى وأما الديوان الذي لا يغفر فالشرك بالله تعالى وأما الديوان الذي لا # PageV01P322 # يترك فمظالم العباد أي لا يترك المطالبة به والمؤاخذه عليه، والضرب ~~السادس من الذنوب ما كان بين العبد وبين مولاه من نفسه إلى نفسه متعلق ~~بالشهوات والجري في العادات وهذه أخفها وإلى العفو أقربها، وهذه على ضربين ~~كبائر وصغائر، فالكبائر ما نص عليه بالوعيد وما وجبت فيه الحدود، والصغائر ~~دون ذلك إلى نطرة وخطرة والتوبة النصوح تأتي على الجميع ذلك بعموم قوله ~~تعالى: (فتاب عليكم وعفا عنكم) وبإخباره عز وجل عن حكمه إذ يقول: ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا، وبظاهر قوله تعالى (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم ~~لم يتوبوا) البروج: 10، ومثله: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) ~~النحل: 110 إلى قوله: (إن ربك من بعدها لغفور رحيم) النحل: 110 هكذا قراءة ~~أهل الشام بنصب الفاء والتاء ولأن البغية من التوبة إذا كانت غفران الذنب ~~والزحزحة عن النار ونحن ms0437 لا نرى أبدية الوعيد على أهل الكبائر بل نجعلهم في ~~مشيئة الله ونجوز تجاوز الله تعالى عنهم في أصحاب الجنة، كما جاء في الخبر ~~في تفسير قوله تعالى: (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء: 93، أي إن جازاه، ~~وكما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: من وعده الله تعالى على عمل ثوابا ~~فهو منجزه له ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء ~~عفا عنه، وكما قال ابن عباس رضي الله عنه: يغفر لم يشاء الذنب العظيم ويعذب ~~من يشاء على الذنب الصغير، وقد قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء: 48، فلم يجد للمغفرة ذنبا غير الشرك ~~وترك المسلمين مع سائر الذنوب في مشيئته فقد يحتج محتج بالخبر المأثور في ~~ترك قبول توبة المبتدع إن الله تعالى احتجر التوبة على كل صاحب بدعة فهذا ~~مخصوص لمن لم يتب ممن حكم عليه بدرك الشقاء، ألا ترى أنه لم يقل إن الله ~~تعالى احتجر قبول التوبة عمن تاب إنما أخبر عن حكم الله تعالى فيمن لم يتب ~~بأن الله تعالى حجب التوبة عنه، فهكذا نقول أيضا: إن القاتل إذا كان قد سبق ~~له سوء الخاتمة بأنه يموت على غير توحيد، وكذلك المبتدع إن جعل اسمه في ~~أصحاب النار ثم كان القتل والبدعة علامة ذلك وسببه أنهما جميعا ممنوعان من ~~التوبة فإنها محتجرة عنهما، سورة وكذلك القول فيمن حقت عليه كلمة العذاب ~~بسبق سوء الخاتمة فلو أنه تاب سبعين توبة لم تنقذه من النار وليست توبته ~~بأكثر من قوله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين ~~سنة حتى يقول الناس: إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبينها إلا شبر ثم يدركه ~~الشقاء. # وفي لفظ آخر: ثم يسبق عليه الكتاب بعمل أهل النار فيدخلها فقد دخلت ~~التوبات في صالح أعماله الحسنات ثم أحبطها عنه في جملة عمله بسبق الكتاب ~~بالشقاء له، وأما من لم يسبق له ms0438 سوء الخاتمة ووهب له التوبة النصوح ولم ~~يدركه الشقاء فإنها لم تحتجر # PageV01P323 # عنه وإن الله تعالى يعفو عنه بما وهب له من التوبة كقوله تعالى في ~~المنافقين: (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) التوبة: 106، وليس النفاق دون ~~البدعة ولا كل المنافقين تاب عليهم ولا جميعهم ختم لهم به، ولعموم قوله ~~تعالى: (فتاب عليكم وعفا عنكم) البقرة: 187، فهذا مجمل فيمن تاب والخبر ~~مخصوص فيمن لم يتب، ولقوله تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) التوبة: 118، ~~ولقوله تعالى: (عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) التوبة: 102، ثم ~~إن الناس في التوبة على أربعة أقسام، في كل قسم طائفة، لكل طائفة مقام، ~~منهم: تائب من الذنب مستقيم على التوبة والإنابة لا يحدث نفسه بالعود إلى ~~معصية أيام حياته مستبدل بعمل سيئاته صالح حسناته، فهذا هو السابق بالخيرات ~~وهذه هي التوبة النصوح ونفس هذا المطمئنة المرضية، والخبر المروي في مثل ~~هذا سيروا سبق المفردون المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوريوا ~~القيامة خفافا والذي يلي هذا في القرب عبد عقده التوبة ونيته الإستقامة لا ~~يسعى في ذنب ولا يقصده ولا ينجوه ولا يهتم به وقد يبتلي بدخول الخطايا عليه ~~عن غير قصد منه ويمتحن بالهم واللمم، فهذا من صفات المؤمنين يرجى له ~~الاستقامة لأنه في طريقها وهو ممن قال الله تعالى: (يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) النجم: 32 وداخل في وصف المتقين ~~الذين قال الله تعالى فيهم: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) آل ~~عمران: 135 الآية، ونفس هذا هي اللوامة التي أقسم الله تعالى بها وهو من ~~المقتصدين وهذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها وغرائز جبلاتها ~~وأوائل أنسابها من نبات الأرض وتركيب الأطوار في الأرحام خلقا بعد خلق ومن ~~أختلاط الأمشاج بعضها ببعض ولذلك عقبه تعالى بقوله: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم ~~من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) النجم: 32 الآية، فلذلك نهى عن ~~تزكية النفس المنشأة من الأرض والمركبة في الأرحام بالأمشاج للاعوجاج ms0439 فقال ~~تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) النجم: 32 أي فهذا وصفها عن بدء إنشائها وكذلك ~~وصف مشيج خليقته بالابتلاء في قوله: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) الإنسان: 2، شوح هذا يطول ويخرج إلى علم ~~تركيبات النفوس ومجبول فطرتها. # وقد ذكرنا أصوله في بعض الأبواب من هذا الكتاب: وفي مثل هذا العبد معنى ~~الخبر الذي جاء المؤمن مفتن تواب والمؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا وتميل ~~أحيانا فإزراء هذا العبد على نفسه ومقته لها عن معرفته بها وترك نظره إليه ~~وسكونه إلى خير إن ظهر عليها يكون من كفارات ذنوبه لأنه من تدبر الخطاب في ~~قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) النجم: 32، والعبد الثالث ~~هو الذي يقرب من هذا الثاني في الحال عبد يذنب ثم يتوب ثم يعود # PageV01P324 # إلى الذنب ثم يحزن عليه بقصد له وسعي فيه وإيثاره إياه على الطاعة، إلا ~~أنه يسوف بالتوبة ويحدث نفسه بالاستقامة ويحب منازل التوابين ويرتاح قلبه ~~إلى مقامات الصديقين ولم يأن حينه ولا ظهر مقامه لأن الهوى يحركه والعادة ~~تجذبه والغفلة تغمره إلا أنه يتوب خلال الذنوب ويعاود لتقدم المعتاد فتوبة ~~هذا فوت من وقت إلى وقت ومثله ترجى له الاستقامة لمحاسن عمله وتكفيرها ~~لسالف سيئته وقد يخاف عليه الانقلاب لمداومة خطئه ونفس هذا هي المسولة وهو ~~ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه فيستقيم فيلحق ~~بالسابقين فهذا بين حالين، بين أن يغلب عليه وصف النفس فيحق عليه ما سبق من ~~القول وبين أن ينظر إليه مولاه نظرة تجبر له كل كسر ويغنى له كل فقر ~~فيتداركه بمنة سابقة فتلحقه بمنازل المقربين لأنه قد سلك طريقهم بفضله ~~ورحمته ونيته الآخرة، والعبد الرابع أسوأ العبيد حالا وأعظمهم على نفسه ~~وبالا وأقلهم من الله نوالا عبد يذنب ثم يتبع الذنب مثله أو أعظم منه ويقيم ~~على الإصرار ويحدث نفسه به متى قدر عليه ولا ينوي توبة ولا يعقد استقامة ~~ولا يرجو وعدا بحسن ظنه ولا يخاف وعيدا لتمكن ms0440 أمنه، فهذا هو حقيقة الإصرار ~~ومقام بين العتو والاستكبار، وفي مثل هذا جاء الخبر: هلك المصرون قدما إلى ~~النار ونفس هذا هي الأمارة وروحه أبدا من الخير فرارة ويخاف على مثله سوء ~~الخاتمة لأنه في مقدماتها وسالك طريقتها ولا يبعد منه سوء القضاء ودرك ~~الشقاء ولمثل هذا قيل من سوف الله تعالى بالتوبة أكذبه وأن اللعنة خروج من ~~ذنب إلى أعظم منه، وهذه الطائفة في عموم المسلمين، وهم في مشيئة الله من ~~الفاسقين، كما قال تعالى: (مرجون لأمر الله) التوبة: 106 أي مؤخرون لحكمه ~~إما يعذبهم بالإصرار وإما يتوب عليهم بما سبق من حسن الاختيار نعوذ بالله ~~تعالى من عذابه ونسأله نعيما من ثوابه، وهذا آخر كتاب التوبة. ### | شرح مقام الصبر # ووصف الصابرين وهو الثاني من مقامات اليقين # قد جعل الله عز وجل الصابرين أئمة المتقين وتمم كلمته الحسنى عليهم في ~~الدين فقال تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) الأنبياء: 73 لما صبروا، ~~وقال تعالى: (وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) الأعراف: ~~137، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الصبر على ما تكره خيرا ~~كثيرا، وقال المسيح عليه السلام: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ~~ما تكرهون، وقال بعض الصحابة: ماذا جعل الله تعالى من الشقاء والفضل في ~~التقى والصبر، وقال ابن مسعود: الصبر نصف الإيمان، وقد جعل علي كرم الله ~~وجهه الصبر ركنا من أركان الإيمان وقرنه بالجهاد والعدل والإيقان فقال: بني ~~الإسلام على أربع دعائم، على اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل، وقال علي ~~كرم الله وجهه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد لا جسد لمن لا رأس ~~له ولا إيمان لمن لا صبر له، ورفع رسول الله: الصبر في العلو والفضل إلى ~~مقام اليقين # PageV01P325 # وقرنه به، وكذلك قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة: 24، وأخبر النبي لله: إن من أوتي نصيبه ~~منهما لم يسأل ما فاته، وأخبر عليه السلام: إن الصبر كمال العمل والأجر، ~~فقال في ms0441 حديث يرويه شهر بن حوشب الأشعري عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه ~~منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على مثل ما ~~أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم، ولكني أخاف ~~أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا وينكركم أهل السماء عند ذلك، ~~فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه،، ثم قرأ ما عندكم ينفد وما عند الله باق ~~وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. # وفي حديث ابن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله عن الإيمان فقال الصبر ~~والسماحة، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا) القصص: 54، وقال عز وجل: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ~~الزمر: 10 فضاعف أجر الصابرين على كل عمل ثم رفع جزاء الصبر فوق كل جزاء ~~فجعله بلا نهاية ولا حد فدل ذلك أنه أفضل المقامات وجمع للصابرين ثلاثا ~~فرقها على جمل أهل العبادات، الصلاة، والرحمة، والهدى بعد البشارة في ~~الآخرة والعقبى، وكان عمر رضي الله عنه يقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة ~~للصابرين، يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الهدى، والعلاوة ما يعلى ~~به فوق الحملين على البعير فيكون كعدل ثالث، وقد أخبر الله تعالى أنه مع ~~الصابرين، ومن كان الله تعالى معه غلب، كما أن من كان معه علا، فقال تعالى: ~~(واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال: 46، كما قال الله عز وجل: (وأنتم ~~الأعلون والله معكم) محمد: 35 واشترط الصبر لإمداده بجنده ولنصرة تأييده ~~بقوله تعالى: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتونكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) آل عمران: 125، وكان سهل يقول: الصبر تصديق ~~الصدق وأفضل منازل الطاعة الصبر على المعصية ثم الصبر على الطاعة، وقال في ~~معنى قوله عز وجل: (استعنوا بالله واصبروا) الأعراف: 128 أي استعينوا بالله ~~على أمر الله، وأصبروا على أدب الله، ms0442 وقال: لم يمدح الله تعالى أحدا إلا من ~~صبر للبلاء والشدة فبذلك يثني عليه، وكان يقول: الصالحون في المؤمنين قليل، ~~والصادقون في الصالحين قليل، والصابرون في الصادقين قليل، فجعل الصبر خاصية ~~الصدق وجعل الصابرين خصوص الصادقين، وكذلك الله تعالى وهو أصدق القائلين، ~~قد رفع الصابرين على الصادقين في ترتيب المقامات، فجعل الصبر مقاما في ~~الصدق إن كانت الأوصاف المنسوقة نعتا واحدا للمسلمين، وكانت الواو للمدح ~~وإن كانت مقامات فالواو للترتيب، فقد جعل الله الصابرين فوق الصادقين ~~والقانتين أعني في # PageV01P326 # قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) الأحزاب::35 ~~الآية، وفي حديث عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الأنصار قال: أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا فقال عمر رضي الله ~~عنه: نعم يا رسول الله قال: وما علامة إيمانكم؟ قال: نشكر في الرخاء ونصبر ~~على البلاء ونرضى القضاء فقال: مؤمنون: ورب الكعبة، والصبر ينقسم على ~~عملين، أحدهما لا صلاح للدين إلا به، والثاني هو أصل فساد الدين، ثم يتنوع ~~الصبر فيكون صابرا على الذي فيه صلاح الدين فيكمل به إيمانه ويكون صابرا عن ~~الذي فيه فساد الدبن فيحسن به يقينه. # روينا في معنى هذا عن علي رضي الله عنه: أنه لما دخل البصرة واستاقم له ~~الأمر دخل جامعها فجعل يخرج القصاص ويقول القصص بدعة، فانتهى إلى حلقة شاب ~~يتكلم على جماعة فأستمع إليه فأعجبه كلامه فقال: يا فتى أسألك عن شيئين فإن ~~خرجت منهما تركتك تتكلم على الناس وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك، فقال: سل ~~يا أمير المؤمنين فقال: أخبرني ما صلاح الدين وما فساده؟ قال: صلاحه الورع ~~وفساده الطمع قال: صدقت تكلم فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس، يقال: إن هذا ~~الشاب هو إمامنا في هذا العلم وهو إمام الأئمة الحسن بن يسار مولى الأنصار ~~البصري، وكان ميمون بن مهران يقول: الإيمان والتصديق والمعرفة والصبر واحد، ~~وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: دروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر، ~~وأعلم أن الورع أول الزهد وهو ms0443 أول باب من أبواب الآخرة والطمع أول الرغبة، ~~وهو باب كبير من أبواب الدنيا، وهو استشعار الطمع من حب الدنيا، وحب الدنيا ~~رأس كل خطيئة، ويقال: أول معصية عصى الله تعالى بها الطمع، وهو أن آدم عليه ~~السلام طمع في الخلود فأكل من الشجرة التي نهى عنها وإبليس طمع في إخراج ~~آدم عليه السلام من الجنة فوسوس إليه فاتفقا في إسم المعصية لربهما تعالى ~~بالطمع، ثم افترقا في المطموع فيه وفي الحكم، فتدورك آدم عليه السلام بحسن ~~سابقته من الله تعالى وهلك إبليس بما سبق عليه من الشقوة ولاطمع هو تصديق ~~الظن، ولذلك وصف الله تعالى به عدوه في قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ~~ظنه) سبأ: 20، والظن ضد اليقين ولا يغني من الحق شيئا، وقال الله تعالى في ~~وصف المشركين: (إن نظن إلا ظنا وما نحن يمستيقنين) الجاثية: 32، فمن صبر عن ~~الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى الورع ومن صبر عن الورع في الدين أدخله ~~الصبر في الزهد ومن طمع في تصديق الظن الكاذب أدخله الطمع في حب الدنيا، ~~ومن استشعر حب الدنيا أخرجه حبها من حقيقة الدين. # وقد قال بعض العلماء: ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل الأذى ويصبر ~~عليه إيمانا وقد فعل الله تعالى ذلك بالمؤمنين اختبارا وأخبر أن ذلك ليس ~~منه عذابا وإنما هو فتنة لمن أراد فتنته وبلاءه من الناس، فصار ذلك فتنة ~~عليهم وابتلاء لهم وصار رحمة # PageV01P327 # للمؤذي وخيرا في قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) العنكبوت: 10 له، يعني فتنة الناس به ~~كعذاب الله تعالى يعني إياه أي ليس ذلك عذابا مني إنما هو رحمة باطنة فهو ~~كقوله تعالى: (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) (كلا) ~~سورة الفجر: 16 - 17 أي لم أهنك بالفقر كما لم أكرم الآخر بالإكرام ~~والتنعيم وعلى معنى هذا خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي أمره به ~~فقال تعالى: (اصبر ms0444 على ما يقولون واذكر عبدنا داود) ص: 17 فسلاه به وفضله ~~عليه. # وقد روينا في خبر: يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ~~ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له: أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ ~~فيقول: نعم يا رب فيقول الله تعالى: كما أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت ~~لأضعفن لك الأجر عليه فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين، وكتب ابن أبي نجيح يعزي ~~بعض الخلفاء فقال في كتابه: إن أحق من عرف حق الله فيما أخذ منه من عظم حق ~~الله تعالى عنده فيما أبقى، واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي ~~بعدك هو المأجور فيك، واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون فيه أعظم من ~~النعمة عليهم فيما يعافون به، وفي الأخبار: ما من عبد إلا يعطى أجره بحساب ~~وحد إلا الصابرين فإنهم يجازفون مجازفة بغير ميزان ولا حد، وجاء في الخبر ~~أن أبواب الجنة مصراعان يأتي عليها زحام كثير إلا باب الصبر فإنه مصراع ~~واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا، واحد بعد واحد. # وقد قال الله تعالى في جزاء المخلصين: (أولئك لهم رزق معلوم) الصافات: ~~41، وقال تعالى في جزاء الصابرين (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ~~الزمر: 10، قيل في التفسير: يغرف لهم غرفا، المعنى في ذلك أن الصبر أشق شيء ~~على النفس وأكرهه وأمره على الطبع وأصعبه فيه الألم والكظم عند الذل والحلم ~~ومنه التواضع والكتم وفيه الأدب وحسن الخلق وبه يكون كف الأذى عن الخلق ~~واحتمال الأذى من الخلق، وهذه من عزائم الأمور التي يضيق منها أكثر الصدور ~~وفيه إكراه النفوس وحملها على الشدة والبؤس، وقد جاء أفضل الأعمال ما أكرهت ~~عليه النفوس، ولأجل ذلك اشترط الله تعالى على المتقين والصادقين الصبر في ~~الشدائد والمكاره وحقق بالصبر صدقهم وتقواهم وأكمل به وصفهم وأعمال برهم ~~فقال تعالى: (والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون) البقرة: 177، فمعنى الصبر حبس النفس عن السعي في هواها ~~وحبسها أيضا عن مجاهدتها لمرضاة ms0445 مولاها بمثل ما يوجب المجاهدة على قدر ما ~~يبتلي به العبد لأن المجاهدة على قدر البلاء والحبس عن نحو الشرود وحبسها ~~على دوام الطاعة وصبرها عن شره الطبع الذي يظهر سوء الأدب بين يدي الرب ~~سبحانه وتعالى وصبرها على حسن الأدب في المعاملة، ثم يتفرع الصبر إلى معان ~~شتى: من الصبر عن تفاوت الأهواء والصبر على الثبات # PageV01P328 # في خدمة المولى فمن ذلك ما توجب المجاهدة صرف الهمة عنه وتطهير القلب منه ~~من خطرات الهوى ونزعات الأعداء وتزيين الدنيا، ومن الآفات ما يوجب الصبر كف ~~الجوارح عنها وحبس النفس عن المشي فيها، ومن الصبر حبس النفس على الحق ~~وعكوفها عليه بمعاملة اللسان والقلب والجسم، وبذلك؛ وصف الله تعالى ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات واشترط لصلاح أعمالهم الصبر وأخبر أن الناس ~~كلهم في خسران إلا من كان من أهل الحق والصبر وعظم الصبر فأفرده بإعادة ~~التواصي به، ومن الصبر حبس النفس على عبادة الخالق سبحانه وتعالى، وصبرها ~~على القناعة وعلى صنع الرازق، ومن الصبر كف الأذى عن الخلق، وهو مقام ~~العادلين يدخل في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) النحل: 90، ~~ثم احتمال الأذى عن الخلق وهو مقام المحسنين يدخل في قوله: والإحسان، ومن ~~الصبر الصبر على الإنفاق وإعطاء أهل الحقوق حقوقهم الأقرب فالأقرب وهذا ~~مقام المنفقين يدخل في قوله تعالى: (وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل: 90 ومنه الصبر على الفحشاء وهو ~~الأمر الفاحش في العلم والإيمان والصر عن المنكر وهو ما أنكره العلماد، ~~والصبر عن البغي وهو التطاول والغلو ومجاوزة الحد بالكبر والإسراف في أمور ~~الدنيا، فهذه الآية كلها جامعة لمعنى الصبر وهي قطب القرآن، ثلاث منها وهي ~~الأول الصبر على العدل والإحسان والإعطاء، وثلاث منها الصبر عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي. # وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: أجمع آية في كتاب الله عز وجل لأمر ~~ونهي هذه الاية، وقال الله تعالى: (ونعم أجر العاملين) آل عمران: 136 الذين ~~صبروا فما أنعم أجرهم حتى وصفهم ms0446 بالصبر وما أكرم رزقهم ووصفهم حتى مدحهم ~~بالصبر، والصبر يحتاج إليه قبل العلم، ومعه وبعده، يحتاج في أول العمل أن ~~يصبر على تصحيح النية وعزم العقود والوفاء بها حتى تصح الأعمال لأن النبي ~~عليه السلام قال: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وقال الله تعالى: ~~(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة: 5، وحقيقة النية ~~الإخلاص ولأن الله تعالى قدم الصبر على العمل فقال تعالى: (إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) هود: 11، والصبر: التأني في ~~العمل حتى يتم ويعمل لقوله تعالى: (ونعم أجر العاملين) آل عمران: 136 الذين ~~صبروا، والصبر بعد العمل هو الصبر على كتمه وترك التظاهر به والنظر إليه ~~ليخلص من السمعة والعجب فيكمل ثوابه كما خلص من الرياء، كما قال الله ~~تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) محمد: 33 # وقال تعالى في مثله: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264، وقال ~~بعض السلف لا يتم المعروف إلا بثلاث: تعجيله، وتصغيره، وكتمه، ومن الصبر ~~حبس النفس # PageV01P329 # عن المكافأة والصبر على الأذى توكلا على المولى عز وجل، ومنه قوله تعالى: ~~(ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) إبراهيم: 12 وهذا ~~صبر الخصوص ومنه قال بعض أهل المعرفة: لا يثبت للعبد مقام في التوكل حتى ~~يؤذى ويصبر على الأذى، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله عز وجل: (ودع أزاهم ~~وتوكل على الله) الأحزاب: 48، وفي قوله تعالى: (فاتخذه وكيلا) (واصبر على ~~ما يقولون) المزمل: 9 - 10 وهذا هو أول الرضا، والمقام الثاني من الرضا: هو ~~الصبر على الأحكام وهو صبر أهل البلاء الأمثل فالأمثل بالأنبياء لقوله: نحن ~~معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل، ولقوله تعالى في المجمل: ~~(ولربك فاصبر) # PageV01P330 # المدثر: 7، ثم فسره في الكلام المفسر، وأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، ومن ~~الصبر حبس النفس على التقوى، والتقوى اسم جامع لكل خير، فالصبر معنى داخل ~~في كل بر فإذا جمعهما العبد فهو من المحسنين وما على المحسنين من سبيل، ~~ومنه قوله ms0447 تعالى: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) يوسف: ~~90 وقال تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور) آل عمران: 186 أي إن تصبروا على الأذى عن المكافأة وتتقوا عند ~~الابتلاء والمكاره ولا تجاوزوا فإنه أفضل كما قال تعالى: (وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقتتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) النحل: 126، وقوله ~~تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) الشورى: 41 ثم قال ~~عز وجل: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) الشورى: 43، قال: فالأول ~~أعني المكافأة والانتصار بالحق من العدل والعدل حسن، والثاني أعني العفو ~~والصبر من الفضل وهو الإحسان وهذا مجاز قوله تعالى: (الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) الزمر: 18، ~~فاستماع القول هو العدل والعدل حسن وهو الانتصار والعفو أحسن وفيه المدح ~~بالهدى والعقل، وهذا هو مقام المخبتين قيل: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا ~~لم ينتصروا فالمدح بالوصف لأهل هذا المقام هو الإخبات وهو الخشوع ~~والطمأنينة بحسن الجزاء من الله سبحانه وتعالى في الآخرة لقرب اللقاء وسرعة ~~فناء الدنيا أمدح كما قال تعالى: (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) ~~الحجر: 85، والتقوى والصبر معينان أحدهما منوط بالآخر لا يتم كل واحد منهما ~~إلا بصاحبه فمن كانت التقوى مقامه كان الصبر حاله فصار الصبر أفضل الأحوال ~~من حيث كان التقوى أعلى المقامات إذ الأتقى هو الأكرم عند الله تعالى، ~~والأكرم على الله تعالى هو الأفضل، وقد شرف الله تعالى الصبر بأن أضافه ~~إليه بعد الأمر به فقال: (واصبر وما صبرك إلا بالله) النحل: 127 وقال ~~تعالى: (ولربك فاصبر) المدثر: 7 وإن كان كل شيء به وكل عمل صالح له ولا يصف ~~الله تعالى عبدا ولا يثني عليه حتى يبتليه فإن صبر وخرج من البلاء سليما ~~مدحه ووصفه وإلا بين له كذبه ودعواه، وقيل لسفيان الثوري رضي ms0448 الله عنه: ما ~~أفضل الأعمال قال الصبر عند الابتلاء. # وقال بعض العلماء: وأي شيء أفضل من الصبر وقد ذكره الله تعالى في كتابه ~~في نيف وتسعين موضعا ولا نعلم شيئا ذكره الله تعالى هذا العدد إلا الصبر ~~فلا يطمعن طامع في مدح الله له وحسن ثنائه عليه قبل أن يبتليه فيصبر له ولا ~~يطمعن أحد في حقيقة الإيمان وحسن اليقين قبل أن يمدحه الله تعالى ويثني ~~عليه، ولو أظهر الله تعالى على جوارحه سائر الأعمال ثم لم يمدحه بوصف ولم ~~يثن عليه بخير لم يؤمن عليه سوء الخاتمة، وذلك أن من أخلاق الله تعالى أنه ~~إذا أحب عبدا ورضي عمله مدحه ووصفه، فمن ابتلاه بكراهة ومشقة أو بهوى وشهوة ~~فصبر لذلك أو صبر عن ذلك، فإن الله تعالى يمدحه ويثني عليه بكرمه وجوده ~~فيدخل هذا العبد في أسماء الموصوفين ويصير واحدا من الممدوحين فعندها يثبت ~~قدمه من الزلل ويخت له بما سبق من صالح العمل، ومن الصبر، صبر على العوافي ~~أن لا يجريها في المخالفة والصبر على الغنى أن لا يبذله في الهوى، والصبر ~~على النعمة أن لا يستعين بها على معصية، فحاجة المؤمن إلى الصبر في هذه ~~المعاني ومطالبته بالصبر عليها كحاجته ومطالبته بالصبر على المكاره والفقر ~~وعلى الشدائد والضر، ويقال: إن البلاء والفقر يصبر عليهما المؤمن والعوافي ~~لا يصبر فيها إلا صديق، وكان سهل يقول: الصبر على العافية أشد من الصبر على ~~البلاء، وكذلك قالت الصحابة رضي الله عنهم: لما فتحت الدنيا فنالوا من ~~العيش واتسعوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ~~فعظموا الاختبار بالسراء وهو ما سر على الاختبار بالضراء وهو ما ضر. # وقد قال تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء) آل عمران: 134 فمدحهم ~~بوصف واحد في الحالين المختلفين لحسن يقينهم وسخاوة نفوسهم وحقيقة زهدهم، ~~ومن هذا المعنى قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله) المنافقون: 9 لأن فيهما ما يسر ويشغل عن الذكر، ثم ms0449 ~~قال عز وجل: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) التغابن: 14 لأن ~~في الأواج والأولاد ما يفرح به فيوافق فيه الهوى ويخالف بوجودهما المولى ~~فصار اعدوين في العقبى لما يؤول إليه من شأنهما، ومن هذا الخبر الذي روى عن ~~النبي لما نظر إلى ابنه الحسن يتعثر في قميصه فنزل عن المنبر واحتضنه ثم ~~قال صدق الله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) التغابن: 15 أي لما رأيت ابني ~~هذا لم أملك نفسي أن أخذته، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار، وروي عنه في ~~الحديث أيضا: الولد محزنة مبخلة مجبنة، فهذه مصادر الحزن والبخل والجبن أي ~~يحمل حب الأولاد والأموال على ذلك، فمن صبر على السراء وهي العوافي والغنى ~~والأولاد وغير ذلك وأخذ الأشياء من حقها ووضعها في حقها فهو من الصابرين ~~الشاكرين لا يزيد # PageV01P331 # عليه أهل البلاء والفقر إلا بحقيقة الرضا والشكر، وقد جمع الله تعالى بين ~~ما سر وضر وجعلهما من وصف المتقين ومدحهم بالإحسان معهما فقال تعالى: (أعدت ~~للمتقين) (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين) آل عمران: 133 - 134، ومن الصبر كتمان المصائب ~~والأوجاع وترك الاستراحة إلى الشكوى بهما فذلك هو الصبر الجميل قيل: هو ~~الذي لا شكوى فيه ولا إظهار. # وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر ~~على أداء الفرائض لله تعالى، وصبر عن محارم الله تعالى، وصبر في المصيبة ~~عند الصدمة الأولى، فمن صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة، ~~ومن صبر على محارم الله تعالى فله ستمائة درجة، ومن صبر في المصيبة عند ~~الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة، وهذا يحتاج إلى تفسير، ولم يفضل ابن عباس ~~الصبر على المصيبة لأنه أفضل من الصبر عن المحارم وعلى الفرائض بل لأن ~~الصبر على ذينك من أحوال المسلمين والصبر على المصيبة من مقامات اليقين ~~وإنما فضل المقام في اليقين على مقام الإسلام ومن ذلك ما روي من دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أسألك من ms0450 اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا، فأحسن ~~الناس صبرا عند المصائب أكثرهم يقينا وأكثر الناس جزعا وسخطا في المصائب ~~أقلهم يقينا، ومثل هذا الخبر الذي رويناه عن سلمة بن وردان عن أنس بن مالك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك المراء وهو محق بني له بيت في ~~أعلى الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له في وسط الجنة، ومن ترك الكذب ~~بني له في ربض الجنة، فقد علمت أن ترك الكذب وترك المراء مبطلا أفرض وأوجب ~~فينبغي أن يكون أفضل، ولكن المعنى فيه أن الكذب والمراء بالباطل يتركه ~~المسلمون، فأما المراء والعبد محق صادق ثم لا يماري زهدا في التظاهر ورغبة ~~في الصمت والسلامة فلا يصبر على هذا إلا الموقنون وهم خصوص المؤمنين، ~~فمقامه من اليقين، والزهد وإيثار الخمول والصمت على الكلام والشهوة به أفضل ~~وهو من اليقين فصار هذا المؤمن بمقامه أفضل من عموم المؤمنين الذين يتركون ~~الكذب والمماراة وإن كانا أفرض وأوجب فهذا بيان ذلك معناه، ومن الصبر إخفاء ~~أعمال البر ومنع النفس الفكاهة والتمتع بذكرها وإخفاء المعروف والصدقات فإن ~~كتمه من الأدب مع السلامة في الإعلان وبرء الساحة في الإخبار ولكن إخفاؤه ~~أفضل وأزكى وأحب إلى الله تعالى بل هي من كنوز البر أعني هذه الثلاثة إخفاء ~~الأوجاع والمصائب والصدقة أي من الذخائر النفيسة عند تبارك وتعالى، ومن ~~الصبر صون الفقر وإخفاؤه، والصبر على بلاء الله تعالى في طوارق الفاقات، ~~وهذا حال الزاهدين الراضين وأفضل الصبر: الصبر على الله تعالى بالمجالسة له ~~والإصغاء إليه وعكوف الهم وقوة الوجد به، وهذا خصوص للمقربين أو حياء منه ~~أو حبا # PageV01P332 # له أو تسليما أو تفويضا إليه وهو السكون تحت جريان الأقدار وشهودها من ~~الأنعام، ومن حسن تدبير الأقسام في شهود المسألة والحكمة فيها والقصد ~~بالابتلاء بها وهو داخل في قوله تعالى: (ولربك فاصبر) المدثر: 7، وفي قوله ~~تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) الطور: 48 وقال عمر بن عبد العزيز ~~رضي الله عنه وغيره من الأئمة: ms0451 أصبحت وما لي سرور إلا في مواضع القدر، وروي ~~أيضا إلا انتظار القضاء، ويقال: من علامة اليقين تسليم القضاء بحسن الصبر ~~والرضا، وهو مقام العارفين، وقال سهل في تأويل قول علي رضي الله عنه: إن ~~الله تعالى يحب كل عبد نومة قال: هو الساكن تحت جريان الأحكام يعني من غير ~~كراهة، ولا اعتراض، فأما اشتراط الصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى فلأنه يقال: إن كل ~~شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر، فاشترط ~~لعظم الثواب لها عند أول كبرها قبل صغرها وهي في صدمة القلب أول ما يبغته ~~الشيء، فينظر إلى نظر الله تعالى فيستحي فيحسن الصبر كما قال: فإنك بأعيننا ~~وهذا مقام المتوكلين على الله تعالى، والصبر أيضا عن إظهار الكرامات وعن ~~الإخبار بكشف القدرة والآيات داخل في حسن الأدب من المعاملات، وهو من معنى ~~الحياء من الله تعالى، وهذا طريق المحبين لله تعالى وهو حقيقة الزهد، ومن ~~فضائل الصبر حبس النفس عن حب المدح والحمد والرياسة. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا مقطوعا: الصبر في ثلاث، ~~الصبر في تزكية النفس، والصبر عن شكوى المصيبة، والصبر على الرضا بقضاء ~~الله تعالى على خيره وشره، ومن الصبر حبس النفس عن الخمول والتواضع والذلة ~~إيثارا للآخرة على الدنيا وهربا إلى الله تعالى وتحققا بوصف العبودية وترك ~~المنازعة والتشبه بمعاني أوصاف الربوبية تسليما للإلهية واستسلاما للأحدية ~~فلا يخرجك قلة الصبرعن ذلك إلى الطلب بشيء منه فتزل قدم بعد ثبوتها نعوذ ~~بالله من ذلك، ومن الصبر صبر على العيال في الكسب لهم والإنفاق عليهم ~~والاحتمال للأذى منهم، فإن في العيال طرقات إلى الله تعالى أدناها الإهتمام ~~بهم، وأعلاها الرضا عن الله تعالى والتوكل عليه فيهم، وأوسطها الإنفاق وحبس ~~الإنفاق وحبس النفس عليهم، واعلم أن أكثر معاصي العباد في شيئين: قلة الصبر ~~عما يحبون، أو قلة الصبر على ما يكرهون، وقد قرن الله تعالى ms0452 الكراهة بالخير ~~والمحبة بالشر في قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم) البقرة: 216 وحد الصبر وهو أوله فريضة بمثل أول ~~الإخلاص، والصبر أيضا حيلة من لا حيلة له لأن الأمر إذا كان بيد غيرك لم ~~يكن إلا الصبر عليه ولأن الشيء إذا كان لا يأتيك إلا قليلا قليلا وأنت ~~محتاج إليه لم يكن إلا الصبر عليه وإلا انقطع ذلك القليل، # PageV01P333 # وأصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن جزاء من صبرت له لأنه لو قوي يقينه كان ~~الأجل من الوعد عاجلا إذا كان الواعد صادقا فيحسن صبره لقوة الثقة بالعطاء ~~ولا يصبر العبد إلا بأحد معنيين مشاهدة العوض وهو أدناهما، وهذا حال ~~المؤمنين ومقام أصحاب اليمين أو النظر إلى المعوض وهو حال الموقنين ومقام ~~المقربين، فمن شهد العوض عني بالصبر، ومن نظر إلى المعوض حمله النظر وقد ~~جعل بعض العارفين الصبر على ثلاثة معان، وإنه في أهل مقامات ثلاث، فقال: ~~أوله ترك الشكوى قال وهذه درجة التائبين، والثانية الرضا بالمقدور وهذه ~~درجة الزاهدين، والثالثة المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصادقين وقد ~~نوع القدماء من السلف الصبر على ثلاثة أنواع. # وروينا عن الحسن وغيره: الصبر على ثلاثة معان صبر عن المعصية وهو أفضلها، ~~وصبر على الطاعة، وصبر في المصائب، وهذا داخل في جمل ما فرقناه من معاني ~~الصبر، ومجمل ذلك أن الصبر فرض وفضل يعرف ذلك بمعرفة الأحكام، فما كان أمرا ~~أو إيجابا فالصبر عليه أو عنه فرض، وما كان حثا وندبا فالصبر عليه أو عنه ~~فضل والتصبر غير الصبر وهو مجاهدة النفس وحملها على الصبر وترغيبها فيه وهو ~~التعمل للصبر والتصنع للصبور بمنزلة التزهد، وهو أن يعمل في أسباب الزهد ~~ليحصل الزهد والصبر، هو التحقق بالوصف وذلك هو المقام، ولا يخرج العبد من ~~الصبر كراهة النفس ولا وجدان المرارة والألم بل يكون مع ذلك صابرا لأن هذا ~~وصف البشرية لما ينافي طبعها، ولكن يكون حاله الكظم عن الشكوى ونفي السخط ms0453 ~~لحكم المولى لأن عدم ذلك وفقده هو الرضا وحقيقة التوكل، وهذان من أعلى ~~مقامات اليقين، وفقد مراتب اليقين لا يخرج عن حد الصبر والذي يخرج عن حد ~~الصبر ضده وهو الجزع ومجاوزة الحد من السعلم وإظهار السخط وكثرة الشكوى ~~وظهور الذم والتبرم، ومن رياضة النفس على التصبر وهو مقام المتصبرين وحال ~~ضعفاء المريدين أن النفس الأمارة إذا جنحت بك إلى فضول الشهوات أو نازعتك ~~إلى مطالبة متقدم العادات أن تمنعها حاجتها من كل شيء فيشغلها منع الحاجة ~~ووجود الفاقة مما لا بد منه عن طلب فضول الشهوات فإذا رضتها بالمنع ومنعتها ~~محبوبها بالتصبر عن الحلال انقادت لك بالصبر عن فضول الشهوات فتكون تاركة ~~لشهوة بعوض عاجل من مباح وتكون صابرة عن فضول شهوة لما منعتها من منال ~~الفاقة وتاركة للهوى طمعا في نوال الحاجة من الغذاء وهذا من أكبر أبواب ~~الرياضات للنفوس الطامحات وفيه فضل الأقوياء من المتصبرين الذين لم تستجب ~~لهم نفوسهم بالصبر والصلاة ولم تنقد بالجوع والظماء، فأما الضعفاء من أهل ~~الطبقة الثالثة لا من الأولين أهل الصوم والصلاة ولا من هؤلاء فإنهم لا ~~يصبرون على تصبر النفس عن الحاجة كما لا تصبر نفوسهم عن الشهوة فرياضة ~~هؤلاء لنفوسهم أن يقطعوها من كل حرام معناه من الحلال ومن كل شهوة مهلكة # PageV01P334 # وصفها من شهوة مقتصدة لتسكن نفوسهم بذلك في حبسها عن المحرمات وتنقطع ~~شهوتها عما وراء ذلك من الموبقات فبهذا تطمئن نفوس الضعفاء، وقد أختلف ~~الناس في الصبر والشكر أيهما أفضل وليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل ~~مقام طبقة متفاوتين، والمحققون من أهل المعرفة يقولون إنه لا يجتمع عبدان ~~في مقام بالسواء بل لا بد من أن يكون أحدهما أعلى بعلم أو عمل أو وجد أو ~~مشاهدة وإن كان الصواب والقصد والأصل واحدا وأعلى التفاوت مشاهدات الوجه. # وقد قال الله تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) النساء: 87 ولكل وجهة هو ~~موليها، وقال تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم يمن هو أهدى سبيلا) ~~الإسراء: ms0454 84، قيل: أقصد وأقرب طريقا، وظاهر الكتاب والسنة يدلان على تفضيل ~~الصبر لقوله تعالى: (يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) القصص: 54 فالشاكر يؤتى ~~أجره مرة فأشبه مقام الصبر مقام الخوف وأشبه مقام الشكر مقام الرجاء، وقد ~~قال الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) الرحمن: 46، وقد اتفق أهل ~~المعرفة على تفضيل الخوف على الرجاء من حيث اتفقوا على فضل العلم على ~~العمل، فالصبر حال من مقام الخوف فقرب حال الصابر في الفضل من مقامه والشكر ~~حال من مقام الرجاء كذلك يقرب حال الشاكر من مقامه ومن السنة قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الخبر الذي ذكرناه من قبل: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة ~~الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته وذكر الحديث المتقدم فقرن الصبر ~~باليقين الذي لا شيء أعز منه ولا أجل وارتفاع الأعمال وعلو اليقين به، وفي ~~مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه: يا أيوب إني ~~آليت على نفسي لا نشرت للصابرين ديوان توبيخ ولا نظروا إلى حد الصراط ولا ~~أروعهم نقص الميزان دارهم دار السلام. ### | بيان آخر من تفضيل الصبر # الصبر: حال البلاء، والشكر: حال النعمة والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق ~~لقول الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر: 10، فالشاكر ~~يوفي أجره بحساب لأن إنما تحقيق للوصف ونفي ما عداه. ### | بيان آخر من فضل الصبر # قد رفع علي كرم الله وجهه الصبر على أربع مقامات اليقين وجعلها دعائمه ~~التي بها يستبين وجعله فيه فوقها فقال في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب ~~الإيمان: والصبر على أربع دعائم: على الشوق، والشفقة، والزهد، والترقب، فمن ~~أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن ~~زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، فجعل ~~هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه وتحتاج إليه في جميعها وجعل الزهد ~~أحد أركانه، وقد جعل الله تعالى # PageV01P335 # الصبر حال التقوى ورفع للمتقين في الإكرام درجات، فقال ms0455 عز وعلا: (إنه من ~~يتق ويصبر) يوسف: 90 وقال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13، ~~فأكرم وأتقى فوق أن يقال كرامكم المتقون لأن أكرم وأتقى يدل على تفاوت، فمن ~~كان أتقى كان أكرم عند الله سبحانه وتعالى، ومن كان أصبر على ما يوجب ~~التقوى كان أتقى، وأعلم أن الصبر سبب دخول الجنة وسبب النجاة من النار لأنه ~~جاء في الخبر: خفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فيحتاة المؤمن إلى ~~الصبر على المكاره ليدخل الجنة ويحتاج إلى الصبر عن الشهوات لينجو من ~~النار، فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه، أحدها: أن المقامات أعلى من ~~الأحوال، وقد يكون الصبر والشكر حالين، وقد يكونان مقامين، فمن كان مقامه ~~الصبر كان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام، ومن كان مقامه الشكر ~~كان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار الصبر مزيدا للشاكر في ~~مقامه، الوجه الثاني من التفضيل: المقربون أعلى من أصحاب اليمين فالصابرون ~~من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين والشاكرون من المقربين أفضل ~~من الصابرين من أصحاب اليمين فإن قيل: فإن كان الشاكر والصابر من المقربين ~~فيهما أفضل قيل: فقد قلنا إن اثنين لا يتفقان في مقام من كل وجه لانفراد ~~الوجه بمعاني لطائف اللطيف بمثل ما انفردت الوجوه بلطيف الصنعة مع تشابه ~~الصفات واستواء الأدوات، فأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه أحبهما إلى الله ~~تعالى وأقربهما منه وأحسنهما يقينا لأن اليقين أعز ما أنزل الله تعالى. ### | وجه آخر من بيان التفضيل # نقول: إن الصبر عما يوجب الشكر أفضل وإن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل، ~~فقد يختلف باختلاف الأحوال تفسيره أن الصبر عن حظ النفس وعن التنعم والترفه ~~أفضل إن كان عبدا حاله النعمة فالصبر عن النعيم والغنى مقام في المعرفة وهو ~~أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله، ونقول إن الشكر على الفقر والبلاء ~~والمصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد والبلاء فالشكر عليه مقام له في ~~المعرفة فهو حينئذ أفضل لأن فيه الرضا المتفق على فضله. ms0456 ### | نوع آخر من الاستدلال على فضل الصابر وتفضيل الصبر جملة # الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف لأن الصبر حال الفقر والشكر حال ~~الغنى، فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضل الغنى على الفقر، ~~وليس هذا مذهب أحد من القدماء إنما هذه طريقة علماء الدنيا طرقوا لنفوسهم ~~بذلك وطرقوا الخلق إلى نفوسهم من ذلك، فإن من فضل الغنى على الفقر فقد فضل ~~الرغبة على الزهد والعز على الذل والكبر على التواضع، وفي هذا تفضيل ~~الراغبين والأغنياء على الزاهدين # PageV01P336 # والفقراء، ويخرج ذلك إلى تفضيل أبناء الدنيا على أبناء الآخرة: وإنما ~~فضلنا الصبر على الشكر في الجملة والمعنى، لأن الصبر حال من مقامه البلاء، ~~وأهل البلاء هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ولأن الصبر أبعد من أهواء النفوس ~~وأقرب إلى الضر والبؤس وأشد في مكاره النفوس وأنفر لطباعها وأشد مباينة لما ~~يلائمها فإذا سكنت معه وجد عندها كان أعجز لوصفها وأعجب في طمأنينتها فمدحت ~~بالسكون والطمأنينة وكانت راضية مرضية، وأيضا فإن الله تعالى أمر بالصبر ~~وبالغ فيه بالمصابرة ووكدهما بالمرابطة في قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) آل عمران: 200، قيل: في أحد الوجوه رابطوا ~~عليهما فهذه ثلاثة أمور في مكان واحد بمعنى الصبر، فهذا يدل على تعظيمه ~~للصبر ومحبته تعالى فمن وجد منه ذلك كان أشد تعظيما لشعائر الله عز وجل، ~~ومن عظم شعائر الله فهو أتقى لله تعالى، ومن كان أتقى لله كان أكرم على ~~الله لقوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج: 32، ~~ثم قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13، والصبر أيضا مقام ~~أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدوة بهم وباهى ~~الله تعالى بهم عبده فقال تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) ~~الأحقاف: 35 وأيضا فإن العزائم في الدين أولى من الرخص. # روينا عن سفيان الثوري رضي الله عنه عن حبيب بن أبي ثابت قال: سئل مسلم ~~البطين: أيما أفضل الصبر أم الشكر؟ فقال: ms0457 الصبر والشكر والعافية أحب إلينا، ~~وقد قيل في معنى قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الزمر: ~~18 قيل: شدائده وعزائمه لأن إباحة حلال الدنيا حسن والزهد فيه أحسن، وقد ~~جعل الله تعالى الصبر من العزائم في قوله: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور) آل عمران: 186، وقد شرك الله تعالى عباده في الشكر وأفرد عز ~~وجل لنفسه تعالى الصبر فينبغي أن يكون المفرد للمفرد أعلى من المشترك ~~بالعبد فقال تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) لقمان: 14 # وقال تعالى على لسان نبيه: من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل ولم ~~يشرك في الصبر من خلقه أحدا، فقال تعالى: (ولربك فاصبر) المدثر: 7، وقال: ~~واصبر لحكم ربك واعلم أن الشكر داخل في الصبر والصبر جامع للشكر، لأن من ~~صبر أن لا يعصي الله بنعمة فقد شكرها ومن أطاع الله فصبر نفسه على طاعته ~~فقد شكر نعمته، وقد سئل الجنيد رحمه الله عن غني شاكر وفقير صابر أيهما ~~أفضل؟ فقال: ليس مدح الغني للوجود ولا مدح الفقير للعدم إنما المدح في ~~الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما، فشرط الغني يصحبه فيما عليه أشياء تلائم ~~صفته وتمتعها وتلذها، والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تؤلم صفته وتقبضها ~~وتزعجها، فإذا كان الاثنان قائمين لله تعالى بشروط ما عليهما كان الذي آلم ~~صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها، هذا نقل كلام الجنيد رحمه الله # PageV01P337 # تعالى، وكان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك فيقال: إن الجنيد دعا ~~عليه فلحقه ما أصابه من البلاء منه، قتل أولاده، وإتلاف ماله، وزوال عقله ~~أربع عشرة سنة، فكان يقول: دعوة الجنيد أصابتني، ورجع عن قوله في تفضيل ~~الغنى على الفقر، فصار يفضل الفقر ويشرفه، وأيضا فقد روينا في الخبر: ~~أعرفكم بنفسه أعرفكم بما ابتلاه به منها وما ابتلاها به منه فأعظم ما ~~ابتلانا به محبتنا بها وابتلاها بعدواتنا، فمن أفضل ممن صبر على مجاهدة ~~عدوه على أنه مع ذلك عدو الله تعالى منازع لصفات الربوبية، ومن ms0458 أشد بلاء ~~ممن ابتلي بعداوتك وبتليت بمحبته وأنت في ذلك تترك محبته لمحبة الله تعالى ~~وتصبر على عداوته بدوام مجاهدته لمرضاة الله تعالى، فهذا أعدل العدل وأفضل ~~الفضل ولا سبيل إلى ذلك إلا بفضل أثرة من الله تعالى وحسن عنايته ودوام ~~نظره إذ لا توفيق ولا قوة ولا صبر إلا به سبحانه وتعالى، فأما المسألة التي ~~سئل عنها بعض القدماء عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، ~~فقال: كلاهما سواء قال: لأن الله تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر ~~شاكر بثناء واحد، فقال تعالى في وصف أيوب عليه السلام: (نعم العبد إنه ~~أواب) ص: 30 # وقال في وصف سليمان عليه السلام: (نعم العبد إنه أواب) ص: 30، ففي قول ~~هذا رحمه الله غفلة عن لطائف الأفهام وذهاب عن حقيقة تدبر الكلام إذ عندنا ~~بين ثناء الله عز وجل على أيوب في الفضل على ثنائه على سليمان عليهما ~~السلام ثلاثة عشر معنى، وشركه سليمان عليه السلام بعد ذلك في وصفين آخرين ~~وإفراد أيوب عليه السلام بفضل ثناء ثلاثة عشر معنى، أول ذلك قوله عز وجل في ~~أول مدحه: (واذكر) ص: 41 فهذه كلمة مباهاة باهى بأيوب عند رسوله المصطفى ~~عليه السلام وشرفه وفضله بقوله تعالى: (واذكر) ص: 41 يا محمد فأمره بذكره ~~والاقتداء به كقوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) الأحقاف: ~~35، قيل: هم أهل الشداء والبلاء منهم أيوب عليه السلام قرضوا بالمقاريض ~~ونشروا بالمناشير وكانوا سبعين نبيا وقيل: هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~وهؤلاء آباء الأنبياء وأفاضلهم لقوله تعالى: (واذكر في الكتاب ابراهيم) ~~مريم: 41 ولقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار) ص: 45 يعني أصحاب القوة والتمكن وأهل البصائر واليقين، ثم رفع ~~زيوب إلى مقامهم فضمه إليهم وجعله سلوة له ثم ذكره إياه وذكره به، ثم قال ~~تعالى: (عبدنا) ص: 41 فأضافه إليه عز وجل إضافة تخصيص وتقريب ولم يدخل بينه ~~وبينه لام الملك فيقول عبدا لنا فألحقه بنظرائه من أهل البلاء في ms0459 قوله ~~تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب) ص: 45 وهم أهل الابتلاء الذين ~~باهى بهم الأنبياء وجعل من ذرياتهم الأصفياء فأضاف أيوب إليهم في حسن ~~الثناء، وفي لفظ التذكرة به في الثناء ثم قال: (إذ نادى ربه) مريم: 3 ~~فأفرده بنفسه لنفسه وانفرد له في الخطاب بوصفه وقال: ( # PageV01P338 # مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) الأنبياء: 83 فوصفه بمواجهة التملق له ~~ولطيف المناجاة وظهر له بوصفه الرحمة فاستراح إليه به فناداه فشكا إليه ~~واستغاث به فأشبه مقامه، مقام موسى ويونس عليهما السلام في قولهما: سبحانك ~~تبت إليك، وفي قول الآخر: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، ~~وهذا خطاب المشاهدة ونظر المواجهة، ثم وصفه بالاستحابة له وأهله لكشف الضر ~~عنه وجعل كلامه سببا لتنفيذ قدرته ومكانا لمجاري حكمته ومفتاحا لفتح ~~إجابته، ثم قال بعد ذلك كله: ووهبنا له أهله فزاد على سليمان في الوصف إذ ~~كان بين من وهب لأهله وبين من وهب له أهله فضل في المدح لأنه قال في وصف ~~سليمان: ووهبنا لداود سليمان فأشبه فضل أيوب في ذلك على سليمان كفضل موسى ~~على هارون لأنه قال عز وجل في مدح موسى عليه السلام وتفضيله على هارون: ~~(ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) مريم: 53، وكذلك قال في مدح داود: ~~(ووهبنا لداود سليمان) ص: 30 فوهب لموسى أخاه كما وهب لداود ابنه وأشبه ~~مقام أيوب في المباهاة والتذكرة به مقام داود عليه السلام لأنه قال تعالى ~~في وصف داود لنبيه عليه السلام: (اصبرعلى ما يقولون واذكر عبدنا داود) ص: ~~17 وكذلك قال تعالى في نعت أيوب: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه) ص: 41، ~~فقد شبه أيوب بداود وموسى عليهما السلام في المعنى ورفعه إليهما في المقام، ~~وهما في نفوسنا أفضل من سليمان عليهم السلام، فأشبه أن يكون حال أيوب على ~~من حال سليمان، وعلم الله تعالى المقدم ولكن هكذا ألقى في قلوبنا والله ~~أعلم، ثم قال تعالى بعذ ذلك كل (رحمة منا) ص: 43 فذكر رنفسه ووصفه عند ms0460 عبده ~~تشريفا له وتعظيما، ثم قال عز وجل: (وذكرى لأولي الألباب) ص: 43 فجعله ~~إماما للعقلاء وقدوة لأهل الصبر والبلاء وتذكرة وسلوة من الكروب للأصفياء، ~~ثم قال تعالى: (إنا وجدناه صابرا) ص: 44 فذكر نفسه سبحانه وتعالى ذكرا ~~ثانيا لعبده ووصل اسمه باسمه حبا له وقربا منه، لأن النون والألف في وجدنا ~~اسمه تبارك وتعالى، والهاء اسم عبده أيوب، ثم قال صابرا فوصفه بالصبر فأظهر ~~مكانه في القوة وخلقه بخلقه، ثم قال تعالى في آخر أوصافه: (نعم العبد إنه ~~أواب) ص: 44، فهذان أول وصف سليمان وآخره ههنا شركه في الثناء وزاد أيوب ~~بما تقدم من المدح والوصف الذي لا يقوم له شيء # فمن قوله عز وجل: (واذكر عبدنا أيوب) ص: 41 إلى قوله: (نعم العبد إنه ~~أواب) ص: 44 عظيم من الفرقان عند أهل الفهم والتبيان وجعل في أول وصف ~~سليمان أنه وهبه لأبيه داود عليهما السلام فصار حسنة من حسنات داود عليه ~~السلام واشتمل قوله تعالى: (نعم العبد إنه أواب) ص: 44 على أول وصفه وأوسطه ~~وهو آخر وصف أيوب عليه السلام، وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام # PageV01P339 # وقد روينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: آخر الأنبياء دخولا ~~الجنة سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه، وآخر اصحابي دخولا الجنة ~~عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه، وفي لفظ آخر: يدخل سليمان بن داود الجنة بعد ~~الأنبياء بأربعين خريفا، وقد جاء في الآثار إن أول من يدخل الجنة أهل ~~البلاء إمامهم أيوب وهو إمام أهل البلاء وإن أبواب الجنة كلها مصراعان إلا ~~باب الصبر فإنه مصراع واحد، وأول من يدخله أهل البلاء فقد زاد أيوب على ~~سليمان عليهما السلام بعموم هذه الأخبار لأنه سيد أهل البلاء وتذكرة وعبرة ~~لأولي النهي وإمام أهل الصبر والضر والابتلاء، ولم نقصد بما ذكرناه التفضيل ~~بين الأنبياء لأنا قد نهينا عن ذلك فيما روينا عن نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: لا تفضلوا بين الأنبياء ولكن الله تعالى قد أخبرنا ms0461 أن بعضهم ~~مفضل على بعض في قوله: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) الإسراء: 55 وإنما ~~أظهرنا فضل الثناء المستودع في الكتاب فاستنبطنا باطن الوصف المكرر في ~~الخطاب في قصة أبوب على قصة سليمان عليهما السلام بما ظهر لنا من فهم فصل ~~الخطاب وتدبر معاني الكلام وعلم الله تعالى المقدم وهو عز وجل أعلم وأحكم ~~وقد ندبنا إلى الاستنباط في قول الرسول عليه السلام: اقرؤوا القرآن ~~والتمسوا غرائبه ولأن في ذلك عز الأهل الصبر والبلاء وتقوية لقلوبهم ~~وتعريفا لسوابغ نعم الله تعالى عليهم وإظهارا لبواطن النعم وتنبيها على ~~لطائف الكلم وتزهيدا في الدنيا والنفس وترغيبا في الآخرة والصبر وتفضيلا ~~لطريق أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء، فجاء من ذلك تفضيل ~~المتبلي الصابر على بلائه ورضاه بحكم مولاه وتسليما لمرضاته على المنعم ~~عليه، الشاكر على نعمائه، إذ النعم ملائمة للطبع موافقة للنفس لا يحتاج ~~معها إلى كد النفس بالصبر عليها ولا حملها على المشقة فيها بالرضا بها، ~~والبلاء مباين للطبع نافرة منه النفس يحتاج إلى حمل عليه ومشقة فيه، وما ~~كرهته النفس فهو خير وأفضل ولا سبيل إليه إلا بسكينة من الله تعالى وتصبر ~~عليه بقوة به عز وجل وعناية منه: (واصبر وما صبرك إلا بالله) النحل: 127، ~~وهذا آخر شرح مقامات الصبر. ### | شرح مقام الشكر # ووصف الشاكرين وهو الثالث من مقامات اليقين # قال الله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) النساء: 147 ~~فقرن الشكر بالإيمان ورفع بوجودهما العذاب، وقال تعالى: (وسنجزي الشاكرين) ~~آل عمران: 145، وروي عن النبي لله أنه قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الشكر نصف الإيمان، وقد أمر الله ~~تعالى بالشكر وقرنه بالذكر في قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون) البقرة: 152، قد عظم الذكر بقوله: (ولذكر الله أكبر) فصار الشكر ~~أكبر لاقترانه به ورضا الله تعالى بالشكر مجازاة من عباده لفرط كرمه لأن ~~قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكرو لي) البقرة: 152 # PageV01P340 # خروج من لفظ المجازاة لتحقيق الأمر وتعظيم ms0462 الشكر لأن الفاء للشرط ولاجزاء ~~والكاف المتقدمة للتمثيل، فقوله تعالى: فاذكروني متصل بقوله: (كما أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم) (فاذكروني) (واشكروا لي) البقرة: 151 - 152، والمعنى كمثل ~~ما أرسلت فيكم رسولا منكم فاشكروا لي، والعرب تكتفي من مثل بالكاف كما ~~اكتفت من سوف بالسين في قوله تعالى: (سنؤتيهم) (سنستدرجهم) الأعراف: 182 ~~وهذا تفضيل للشكر عظيم لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى. # وقد روينا في أخبار أيوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه: إني رضيت ~~بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل، وفي أحد الوجوه من قوله عز وجل: ~~(لأقعدن لهم صراطك المستقيم) الأعراف: 16، قال: طريق الشكر، فلولا أن الشكر ~~طريق يوصل إلى الله تعالى لما عول العدو على قطعه ولولا أن الشاكر حبيب رب ~~العالمين ما نقصه إبليس اللعين في قوله تعالى: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ~~الأعراف: 17 وكذلك قال الله تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) سبأ: 13، كما ~~قال تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) سبأ: ~~20، وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فيه واستثنى في خمسة ~~أشياء: في الإغناء، والإجابة، والرزق، والمغفرة، والتوبة، فقال تعالى: ~~(فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) التوبة: 28 وقال تعالى: (فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء) الأنعام: 41، وقال تعالى: (يرزق من يشاء) البقرة: 212 (ويغفر ~~لمن يشاء) المائدة: 40، وقال عز وجل: (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشاء) التوبة: 27، وختم بالمزيد عند الشكر من غير استثناء فقال تعالى: (لئن ~~شكرتم لأزيدنكم) إبراهيم: 7، فالشاكر على مزيد والشكور في نهاية المزيد وهو ~~الذي يكثر شكره على القليل من العطاء ويتكرر منه الشكر والثناء على الشيء ~~الواحد من النعم وهذا خلق من أخلاق الربوبية لأنه سماه باسم من أسمائه ~~والمزيد هو إلى المنعم يجعله ما شاء، فأفضل المزيد حسن اليقين ومشاهدة ~~الأوصاف، وأول المزيد شهود النعم، إنها من المنعم بها من غير حول ولا قوة ~~إلا به عز وجل، وأوسط المزيد دوام الحال ومتابعة الخدمة والاستعمال، وقد ~~يكون ms0463 المزيد أخلاقا وقد يكون علوما وقد يكون في الآخرة وتثبيتا عند فراق ~~العاجلة، وقد جعل الله تعالى الشكر مفتاح كلام أهل الجنة وختام تمنيهم في ~~قوله تعالى: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) الزمر: 74، وقال تعالى: (وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) يونس: 10، فلولا أنه أحب الأعمال إليه ما ~~بقاه عليهم لديه. # وروينا في مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه في صفة ~~الصابرين دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام وعند ~~الشكر أستزيدهم # PageV01P341 # وبالنظر إلي أزيدهم وهذا غاية الفضل، فأول الشكر معرفة النعم، إنها من ~~المولى وحده لا شريك له فيها، ولا ظهير له عليها، إذ قد نفى ذلك عن نفسه ~~لأنه هو الأول في كل شيء، لا شيء معه ولا ظهير له في شيء إذ قد جعل الضراء ~~والسراء منه وإليه جاريين على عباده فقال تعالى: (وما لهم فيهما من شرك وما ~~له منهم من ظهير) سبأ: 22، الشرك الخلط والظهير المعين، ثم قال تعالى (وما ~~بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون) النحل: 53، وقال ~~تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل ~~شيء قدير) الأنعام: 17، وقال تعالى في جمل النعم بعد إضافتها إليه: (وسخر ~~لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) الجاثية: 13، وقال تعالى: ~~(وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان: 20، فالأسباب مع صحتها والأواسط مع ~~ثبوتها إنما هي حكمه وأحكامه، فظروف العطاء وآثار المعطي لا تؤثر في الحكم ~~بها والجعل لها حكما ولاجعلا يعني لا تحكم ولا تجعل لأنها محكومات فكيف ~~تحكم ومجعولات فكيف تجعل لا حاكم إلا الله وحده ولا يشرك في حكمه أحدا وهذا ~~الحرف في مقرأ أهل الشام أبلغ وأوكد لأنه يخرج على الأمر لأنهم قرؤوه ~~بالتاء وجزم الكاف ولا تشرك في حكمه أحدا، فالأسباب أحكام حق وأواسط حكمه ~~فمشاهدة المنعم في النعمة وظهور المعطي عند العطاء حتى ترى النعمة منه ~~والعطاء عنه هو شكر القلب ms0464 لأن الشكر عند الشاكرين معرفة القلب ووصفة لا وصف ~~اللسان، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأمر باقتناء الشكر ~~وإتخاذه مالا في الآخرة عوضامن إاقتناء الأموال في الدنيا، فقال في حديث ~~ثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: حين نزل في الكنوز ما نزل سأله عمر: ~~أي المال نتخذ؟ فقال: ليتخذن أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا. # وروينا في أخبار موسى عليه السلام وداود عليه السلام: يا رب كيف أشكرك ~~وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك، وفي لفظ آخر: وشكري لك ~~نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد ~~شكرتني، وفي خبر آخر: إذا عرفت أن النعم مني فقد رضيت منك بذلك شكرا وشكر ~~اللسان حسن الثناء على الله تعالى وكثرة الحمد والمدح له وإظهار إنعامه ~~وإكرامه ونشر أياديه وإحسانه وأن لا يشكو لمالك إلى المملوك ولا المعبود ~~الجليل إلى العبد الذليل، وفي الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لرجل: كيف أصبحت قال: بخير فأعاد عليه النبي السلام السؤال ثانية كيف أنت؟ ~~فقال: بخير فأعاد عليه الثالثة كيف أنت؟ فقال: بخير أحمد الله تعالى ~~وأشكره، فقال: هذا الذي أردت منك يعني إظهار الحمد والشكر والثناء، وإنما ~~كان السلف يتساءلون عن أحوالهم إذا التقوا ليستخرجوا بذلك حمدا لله تعالى ~~وشكره فيكونوا شركاءه في ذلك لأنهم سبب ذكره لله تعالى فمن علمت أنه يشكو ~~مولاه # PageV01P342 # ويتكره عندك قضاءه إذا سألته عن حاله فلا تسأله فتكون أنت سبب شكواه ~~وشريكه في جهله، وما أقبح بالعبد أن يشكو المولى الذي ليس كمثله شيء والذي ~~بيده ملكوت كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء، ومن الشكر أن يشكر الله ~~تعالى على اليسير لأن القليل من الحبيب كثير ولأن الله تعالى حكيم فمنعه ~~حكمة وقدرة، فإذا عرف وجه الحكمة في المنع مع القدرة على العطاء علم أنه ~~منعه ليعطيه فثم صار المنع عطاء واليسير منه كثيرا، ويعلم أن الذل ms0465 والصبر ~~عند المنع عز وشرف، وهو أفضل وأنفس عند العلماء من التعزز بالعبيد والشرف ~~بهم، وأن الطمع والتذلل إليهم والاستشراف إلى عبد مملوك مثلك ذل ذليل وحسن ~~الذل للعزيز كحسن الذل للحبيب وقبح الذل للذليل كقبح الذل للعدو. # وقد قال الله تعالى: (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه) العنكبوت: 17، وقال تعالى في معناه: (إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) الأعراف: 194، والعبادة هي الخدمة ~~والطاعة بذل ولا يحسن للعبد المقبل أن يظهر فقره وفاقته إ لى غير مولاه ~~الذي يلي تدبيره ويتولاه لأنه عليم خبير بحاله يسمعه ويراه فهو أعلم بما ~~يصلحه منه، وقد قال الله تعالى في معناه: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض) الشورى: 27، فعلى الموقن أن يشكر في القبض والمنع كما يشكر في ~~العطاء والبسط ثم يشهد الشاكر بقلبه شهادة يقين ويعلم أن وصفه وصف العبودية ~~وحكمه أحكام العبيد محكوم عليه بأحكام الربوبية وأنه لا يستحق على الله ~~شيئا وأن الله عز وجل يستحق عليه كل شيء فالعبد خلقه وصنعته والرب صانعه ~~ومالكه، فإذا شهد العبد هذه الشهادة رأى لله عز وجل عليه كل شيء فرضي منه ~~بأدنى شيء ولم ير له على الله تعالى شيئا فلم يقنع لله تعالى منه بشيء ولم ~~يطالب مولاه بشيء، فكثرة الذكر وحسن الثناء وجميل النشر للنعماء وتعديد ~~النعم والآلاء هو شكر اللسان لأن معنى الشكر في اللغة هو الكشف والإظهار ~~يقال: كثر وشكر بمعنى إذا كشف عن ثغره فأظهره فيكون إظهار الشكر وكشفه ~~باللسان ما ذكرناه كما جاء في الخبر ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف ~~الحمد. # وفي الحديث: من قال سبحان الله فله عشر حسنات، ومن قال: لا إله إلا الله ~~فله عشرون حسنة، ومن قال: الحمد لله كتبت له ثلاثون حسنة ليس أن الحمد أعلى ~~من التوحيد ولكن لفضل مقام الشاكر ولأن الله تعالى افتتح به كلامه في ~~كتابه، وفي الخبر: الحمد رداء الرحمن عز ms0466 وجل، وفي الخبر أفضل الذكر لا إله ~~إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين، ويكون أيضا ظهور الشكر ~~وغلبته في القلب شكر القلب، ويكون شكر الله تعالى لعبده كشفه له ما ستره ~~عنه وإظهاره له ما حجبه منه من العلوم والقدر وهو المزيد فيفيده ذلك حسن ~~معرفته به سبحانه وتعالى وعلو مشاهدته منه وكله # PageV01P343 # يرجع إلى معنى الكشف والإظهار، وأما شكر الجوارح للمنعم المفضل سبحانه ~~وتعالى فهو أن لا يعصيه بنعمة من نعمه وأن يستعين بنعمته على طاعته ولا ~~يستعين بها على معاصيه فيكون قد كفرها كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمت الله كفرا) إبراهيم: 28، قيل: استعانوا بنعمه علي معاصيه فالخلق ~~لا يقدرون على تبديل نعمة الله عز وجل ولكن معناه: بدلوا شكر نعمة الله ~~كفرا وهذا من المضمر معناه لظهور دليله عليه لأنه أمرهم بالطاعة بالنعم ~~فخالفوه فعصوه بها فكان ذلك تبديلهم لما أمروا، ومثله قوله تعالى: (وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون) الواقعة: 82 المعنى شكر رزقكم تجعلونه تكذيبكم برسل ~~الله تعالى وهذا من المحذوف أيضا وهي في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~مظهرة مفسرة. # روينا عنه عليه السلام: أنه قرأ وتجعلون شكركم فهذا ظاهر وبمعناه: ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب أي يعاقب من كفر ~~بالنعمة فضيع شكرها بمعصيته بها يعاقبه بزوالها، وكذلك قوله تعالى: (ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد) إبراهيم: 7، قيل: إن كفرتم النعمة فقد يكون العذاب ~~في الدنيا تبديل النعمة عقوبات وتغييرها هوان ومذلات، وقد يكون العذاب ~~مؤجلا كقوله تعالى: (إن عذابها كان غراما) الفرقان: 65، قال: طالبهم على ~~النعم بالشكر فلم يكن عندهم فأغرمهم ثمن النعمة فحبسهم في جهنم، وقد قال ~~الله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان: 20، ثم قال: (وذروا ~~ظاهر الإثم وباطنه) الأنعام: 120 ففيه تنبيه لذوي الألباب الذين وصل لهم ~~القول ليتذكروا أن يذروا ظاهر الإثم شكر الظاهر النعم، ويذروا باطن الإثم ~~شكر الباطن النعم وظاهر النعم عوافي الأجساد ووجود الكفايات من ms0467 الأموال ~~وظاهر الإثم أعمال الجوارح من معاني حظوظ النفس وباطن النعم معافاة القلوب ~~وسلامة العقود، وباطن الإثم أعمال القلوب السيئة مثل الإصرار وسوء الظن ~~ونيات السوء، وقال مطرف بن عبد الله: لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أبتلى ~~فأصبر، لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة، فلذلك اختار حال الشكر على ~~الصبر لأن الصبر حال أهل البلاء. # وقد روينا عن الحسن البصري معنى ذلك الخبر الذي لا شر فيه العافية مع ~~الشكر والصبر عند المصيبة فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلى غير ~~صابر، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا في قوله: وعافيتك ~~أحب إلي، وقال لعلي رضي الله عنه حين سمعه يثول في مرضه: اللهم إني أسألك ~~الصبر، قال: لقد سألت الله تعالى البلاء فسله العافية، ومن الشكر الأعمال ~~الصالحة، وبالعمل فسر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الشكر للمنعم # PageV01P344 # فقال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا) سبأ: 13، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لما عوتب في اجتهاده وقيامه حتى تورمت قدماه: أفلا أكون عبدا ~~شكورا، فأخبر أن المجاهدة وحسن المعاملة شكر المستعمل وجزاء المنعم، وقد ~~قال بعض العلماء: شكر القلب المعرفة بأن بالنعم من المنعم لا غير وشكر ~~العمل كلما وهب الله عز وجل لك عملا أحدثت له عملا ثانيا شكرا منك للعمل ~~الأول، وعلى هذا يتصل الشكر بدوام المعاملة، وأول الشكر عند العارفين أن لا ~~تعصيه بنعمة من نعمه فتجعلها في طاعة الهوى، فأما شكر الشاكرين فهو أن ~~تطيعه بكل نعمة فتجعلها في سبيل المولى وهذا شكر جملة العبد، وحقيقة الشكر ~~التقوى وهو اسم يستوعب جمل العبادة التي أمر الله تعالى بها عباده في قوله ~~تعالى: (يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون) البقرة: 21، ثم عبر حقيقة عن الشكر بتقواه وأخبر سبحانه وتعالى أن ~~التقوى هو الشكر فقال سبحانه وتعالى: (فاتقوا الله لعلكم تشكرون) آل عمران: ~~123، وفي الشكر مقامان عن مشاهدتين: أعلاهما مقام شكور وهو الذي ms0468 يشكر على ~~المكاره والبلاء والشدائد واللأواء، ولا يكون كذلك حتى يشهد ذلك نعما توجب ~~عليه الشكر بصدق يقينه وحقيقة زهده وهذا مقام في الرضا وحال من المحبة، ~~وبهذا الوصف ذكر الله تعالى نبيه نوحا عليه السلام في قوله تعالى: (إنه كان ~~عبدا شكورا) الإسراء: 3 في التفسير أنه كان يشكر الله تعالى على كل حال من ~~خير أو شر أو نفع أو ضر. # وروينا في الخبر: ينادي مناد يوم القيامة ليقم الحمادون فيقوم زمرة فينصب ~~لهم لواء فيدخلون الجنة قيل: ومن الحمادون؟ قال: الذين يشكرون الله تعالى ~~على كل حال، وفي لفظ آخر: على السراء والضراء، وقد قال بعض العلماء في قوله ~~تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان: 20، قال: ظاهرة العوافي ~~والغنى وباطنه البلوى والفقر فهذه نعم الآخرة، كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخرة، والمقام الثاني من الشكر أن ينظر العبد ~~إلى من هو دونه ممن فضل هو عليه في أمور الدنيا وأحوال الدين فيعظم نعمة ~~الله تعالى عليه بسلامة قلبه ودينه وعافيته مما أبتلى الآخر به ويعظم نعمة ~~الدنيا عليه لما آتاه الله تعالى وكفاه فيما أحوج الآخر وألجأه إليه فيشكر ~~على ذلك ثم ينظر إلى من هو فوقه في الدين ممن فضل عليها بعلم الإيمان وبحسن ~~يقين فيمقت نفسه ويزري عليه وينافس في مثل ما رأى من أحوال من هو فوقه ~~ويرغب فيها، فإذا كان كذلك كان من الشاكرين ودخل تحت اسم الممدوحين. # وقد روينا معنى ذلك في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال من ~~نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه الله ~~صابرا شاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه ونظر في الدين إلى من هو ~~دونه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا، وقد شرحنا هذا في مقام الرضا، فكرهنا ~~إعادته ههنا، وكل وصف يكون العبد شاكرا به، يكون الشكر # PageV01P345 # مقاما له فيه، فإن كفر ms0469 النعمة يلزمه بضده لأن الكفر ضد الشكر، ومن كبائر ~~النعم ثلاث من جهلها أضاع الشكر عليها ومعرفتها شكر العارفين، أولها استتار ~~الله تعالى بقدرته وعزته عن الأبصار ولو ظهر للعباد لكانت معاصيهم كفرا ~~لأنهم لم يكونوا ينقصون من المعاصي المكتوبة عليهم جناح بعوضة ولأنه تبارك ~~وتعالى كان يظهر بوصف لا يمتنعون معه عن المعاصي، ووراء هذا سرائر الغيوب، ~~إلا أنهم كانوا يكفرون بالمواجهة لانتهاك حرمة المشاهدة أيضا لما كان لهم ~~في الإيمان به من عظيم الدرجات ما لهم الآن لأنهم حينئذ يؤمنون بالشهادة ~~وهم اليوم يؤمنون بالغيب، فرفعت لهم الدرجات بحسن اليقين، ولذلك مدحهم الله ~~تعالى ووصفهم، والنعمة الثانية إخفاء القدر والآيات عن عموم الخلق لأنها من ~~سر الغيب، وصلاح العبيد، واستقامة الدنيا والدين، ولو ظهرت لهم لكانت ~~خطاياهم الصغائر كبائر مع معاينة الآيات، ولما ضوعفت لهم على أعمالهم ~~الحسنات كمضاعفتها الآن للإيمان بالغيب، والنعمة الثالثة تغيب الآجال عنهم ~~إذ لو علموا بها لما كانوا يزدادون ولا ينقصون من أعمالهم الخير والشر ذرة، ~~فكان مع علمهم بالأجل أشد مطالبة لهم وأوقع للحجة عليهم فأخفى ذلك عنهم ~~معذرة لهم من حيث لا يعلمون، ولطفا بهم ونظرا لهم من حيث لا يحتسبون، ثم ~~بعد ذلك من لطائف النعم شمول ستره لهم فيحجب بعضهم من بعض، وسترهم عند ~~العلماء والصالحين، ولولا ذلك لما نظروا إليهم، ثم حجب الصالحين والأولياء ~~عنهم، ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من ولاية ~~الله تعالى لهم وقربهم منه لبطل ثواب المحسنين إليهم ولحرم قبول عملهم ~~ولحبطت أعمال المسيئين إليهم، ففي حجب ذلك وستره ما علم العاملون لهم في ~~الخير والشر على الرجاء وحسن الظن بالغيب من وراء حجاب اليقين، وتأخرت ~~عقوبات المؤذيين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند الله ~~تعالى وجليل قدرهم، ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة ~~دينهم وقلة فتنتهم ونعم جليلة عن المنتهكين لحرمتهم، المصغرين لشعائر الله ~~تعالى من أجلهم، إذ كانوا ms0470 أساءوا إليهم من وراء حجاب، فهذا هو لطف خفي من ~~لطف المنعم الوهاب سبحانه وتعالى، كما جاء في الخبر: يقول الله عز وجل: من ~~آذى وليا من أوليائي فقد بارزني # PageV01P346 # بالمحاربة، ثم أنا الثائر لولي لا أكل نصرته إلى غيري. # وعن جعفر الصادق رضي الله عنه في معنى هذه النعم التي أوجبنا الشكر في ~~إخفائها قال: إن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث، رضاه في طاعته، فلا تحتقروا ~~منها شيئا لعل رضاه فيه، وخبأ غضبه في معاصيه، فلا تحتقروا منها شيئا لعل ~~غضبه فيه، وخبأ ولايته في عباده المؤمنين، فلا تحتقروا منهم أحدا لعله ولي ~~الله تعالى، ويكون مثل ذلك مثل من آذى نبيا وهو لا يعلم بنبوته وإن الله ~~تعالى نبأه قبل أن يخبره أنه نبي الله عز وجل ورسوه إليه فلا يكون وزره وزر ~~من انتهك حرمة نبي قد أعلمه أنه نبي الله تعالى لعظيم حرمة النبوة، ~~وللشاكرين طريقان: أحدهما أعلى من الآخر أولهما شكر الراجين وهو حسن ~~المعاملة لما أملوه ورجوه من ظواهر النعم فعملوا رجاء إتمامها فكان حالهم ~~المسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة شكرا لما ابتدأهم به وخصهم دون ~~سائر خلقه، وأعلاهما شكر الخائفين وهو خوف سوء الخاتمة والإشفاق من درك ~~الشقاء بحكم السابقة نعوذ بالله تعالى منه فكان خوفهم دليلا على اغتباطهم ~~بموهبة الإيمان، وكان اغتباطهم يدل على عظيم قدر الإسلام في قلوبهم ونفيس ~~مكانه عندهم فعظمت النعمة به عليهم فمعرفتهم بذلك هو شكرهم فصارالخوف ~~والإشفاق طريقا لهم في الشكر للرازق. # وقد جعل الله تعالى ذلك نعمة وكل نعمة تقتضي شكرا في قوله تبارك وتعالى: ~~(قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) المائدة: 23 قال بعض ~~المفسرين: أنعم الله عليهما بالخوف وهذا أحد وجهي الكلام ولو لم يشكر العبد ~~مولاه إلا أنه تبارك وتعالى على هذه الأوصاف والأخلاق التي هي صفاته ~~وأخلاقه من نهاية الكرم والجود الذي لا غاية له ومن غاية التفضل والحلم ~~الذي لا نهاية له، فلما كان تبارك وتعالى بهذه الأخلاق ms0471 المرجوة والصفات ~~الحسنى وجب أن يشكره العبيد لأجله تعالى لا لأجل نعمه وأفعاله؛ وهذا ذكر ~~المحبين إذ لو كان الله تعالى على غير هذه الصفات والأخلاق التي عرفه بها ~~العارفون ولا بد لهم منه أي شيء كان يصنع # PageV01P347 # العباد وأي حيلة كانت لهم فله الحمد كله وله الشكر كله كما هو مستحقه ~~وأهله بحمده لنفسه، ولا ينبغي إلا له سبحانه وتعالى، كما ينبغي لكرم وجهه ~~وعز جلاله إذ كان ولم يزل على ما هو الآن ولايزال أبدا على ما كان من ~~الأوصاف والنعوت التامات والأسماء الحسنى والأمثال العلى، ومعرفة هذا هو ~~شكر العارفين ومشاهدته هو مقام المقربين فشكر هؤلاء لله تعالى لأجل الله ~~تعالى ودعاء هؤلاء التحميد والتقديس وأعمالهم الإجلال والتعظيم للأجل ~~وسؤالهم تجلي الصفات والنصيب من مشاهدة معاني الذات ووصف هذا لا يوصف وشرحه ~~بالمعقول لا يعرف، وهذا داخل في مشاهدة قوله لمن شهد سر الكلام إذ يقول عز ~~وجل: (ليس كمثله شيء) الشورى: 11 وعن هذه المشاهدة اغتبط موسى عليه السلام ~~بالربوبية وأنس بالتقريب فانبسط بالتمكين فقال لي: ما ليس لك فقال: الله ~~تعالى وما هو، فقال لي: مثلك وليس لك مثل نفسك فقال عز وجل: صدقت، يعني لي ~~أنت على هذه الأوصاف التي هي غاية الطالبين ولا مزيد عليها للراغبين وليس ~~لك كأنت إذ ليس كمثلك شيء وأن لا إله إلا أنت، فمن غامض النعم الشكر على ~~هذه المعاني ما روي عنك وصرفه من فضول الدنيا فإنه أقل للشغل والإهتمام ~~وأيسر للحساب، ثم ابتلي به غيرك من الدنيا مما شغله به عنه وقطعه دونه، ففي ~~صرف الدنيا عنك وابتلاء غيرك بها نعمتان عليهما شكران وكذلك إذا رأيت مبتلي ~~في دينه بصفات المنافقين أو مبتلي بنفسه بأخلاق المتكبرين أومنهما فيما ~~عليه من أفعال الفاسقين عددت جميع ذلك نعما من الله تعالى عليك إذ لم يجعلك ~~كذلك لأنك قد كنت أنت ذاك لولا فضل الله عليك ورحمته فتحسب كل ما وجه إلى ~~غيرك من الشر أو صرفه عنك من ms0472 الخيران تعده نعما عليك بمثل ما وجه إلىك من ~~الخير وصرف عنك من الشر لأن النفوس كنفس واحدة في الأمر بالسوء والمشيئة ~~والقدرة واحدة فقد رحمك بما صرف عنك من السوء فذلك من فضل الله تعالى عليك ~~فمعرفته بذلك شكر منك لله تعالى وأكثر عقوبات الخلق من قلة الشكر على النعم ~~وأصل قلة الشكر الجهل بالنعمة، وسبب الجهل بالنعمة قصور العلم بالله تعالى ~~وطول الغفلة عن المنعم وترك التفكر في نعمه والتذكر لآلائه، ومنه سبحانه ~~وتعالى فقد أمر بذلك في قوله تعالى: (فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) ~~الأعراف: 69 قيل: نعمه. # وقال المفسرون: واذكروا نعمة الله عيكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به وبمعناه قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون) البقرة: 185، يعني على نعمة الهداية وتوفيق الطاعة فإذا جهل ~~العبد النعمة لم يعرفها، وإذا لم يعرفها لم يشكر عليها وإذا لم يشكر عليها ~~انقطع مزيده، ومن انقطع عنه المزيد فهو في نقصان ما أدعى وأيضا فإن من لم ~~يشكر النعم لجهله بها لم يؤمن عليه # PageV01P348 # كفرها، فإن كفرها أدركه العذاب الشديد للوعيد إلا أن تداركه نعمة من ربه ~~وأصول نعم المرافق للأحراث أربعة؛ أولها: النطفة التي أخرجت من خزانة ~~الأرحام جميع البهائم والأنام، ثم الحرث الذي أخرج من خزانة الأرض جميع ~~الثمر، ثم الماء الذي لنا منه شراب ومنه شجر، ثم النار التي فيها ضياء ~~ومصالح الأطعمة وبها لأهل البصائر تذكرة، وهذه النعم هي التي ذكرها المنعم ~~في آخر سورة الواقعة وأضافها إلى نفسه عز وجل ولم يجعل فيه شريكا معه وفتح ~~للعباد العمال أبوابها. # ومن أفضل النعم وأجلها نعمة الإيمان به سبحانه وتعالى، ثم نعمة الرسول، ~~ثم نعمة القرآن، ثم أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وقبل ذلك أول نعمة ~~عقلناها أن جعلنا موجودين دون سائر المعدومات، ثم جعلنا حيوانا دون سائر ~~الموات، ثم جعلنا بشر دون سائرالحيوان ثم جعلنا ذكورا دون الإناث، ثم صورنا ~~في أحسن تقويم ثم عوافي القلوب ms0473 من الزيغ عن السنة ومن الميل إلى دواعي ~~النفس الأمارة، ثم صحة الأجسام ثم كشف الستر، ثم حسن الكفاية لحاجة، ثم ~~صنوف ما أظهر من الأزواج للأقوات، ثم تسخير الصنعة لنا مما بين السماء ~~والأرض؛ فهذه أمهات النعم فكلما كثرت هذه المعاني وحسنت كثر الشكر عليهما ~~فعظيم النعم بها، (وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها) إبراهيم: 34 وكان أبو ~~محمد سهل رحمه الله يقول: خص بمعرفة النعم وبمعرفة عظيم حلم الله تعالى ~~وستره الصديقون. # وقد قال الله تعالى أصدق القائلين وأحسن الواصفين: (وإن تعدوا نعمة الله ~~لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) إبراهيم: 34، فتمت النعمة بوصفيه اللذين هو ~~لهما أهل من المغفرة والرحمة ثم قال أيضا في مثله: (إن الإنسان لظلوم كفار) ~~إبراهيم: 34 فكان أعظم للنعمة وأوسع في الكرم والمنة على وصفي الإنسان ~~اللذين هو أهل لهما من الظلم والكفر، فهو سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل ~~المغفرة والعبد أهل لما وصفه به مولاه عز وجل إلى أن يجود عليه بقديم ما به ~~تولاه فبنعمته أطاعه العاملون، ومن نعمته جازاهم وبنعمته عصاه الجاهلون، ~~ومن نعمته ستر وحلم عنهم، ومن النعم إظهار الجميل وستر القبيح فلا ندري أي ~~النعمتين أعظم جميل ما أظهر أو قبيح ما ستر، وقد يمدح الله تعالى بالوصفين ~~معا في الدعاء المأثور: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ومن النعمة الصحة ~~والفراغ هما أول نعيم الدنيا وأصول أعمال الآخرة وبهما تكون المغابنات كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ~~والفراغ، وقال الفضيل بن عياض: عليكم بمداومة الشكر على النعم فقل نعمة ~~زالت عن قوم فعادت إليهم، وقال بعض السلف: النعم وحشية فقيدوها بالشكر، وقد ~~روي في خبر: ما عظمت نعمة الله تعالى على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه، ~~فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال. # PageV01P349 # وقد قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ~~الرعد: 11 قيل: لا يغير نعمه عليهم حتى يغيروها بتضييع ms0474 الشكر فيعاقبهم ~~بالتغيير والوجه الآخر لا يغير ما بهم من عقوبة حتى يغيروا معاصيهم ~~بالتوبة، فذكر بذلك السبب الأول من حكمه ثم ذكر السبب الثاني من حكمته وهو ~~مسبب الأسباب للحكمة والمشيئة ويقال: إن تحت كل شعرة من جسم العبد نعمة، ~~وبكل عرق في جسده نعمتان في تسكينه وتحريكه، وفي كل عظم أربع نعم، وبكل ~~مفصل سبع نعم، وفي جسم الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا، ومثل ذلك من العظام، ~~وفي كل طرفة نعمتان، وبكل نفس نعمتان، وفي كل دقيقة تأتي عليه من عمره نعم ~~لا تحصى، والدقيقة جزء من اثني عشر جزءا من شعيرة، والشعيرة جزء من اثني ~~عشر جزءا من ساعة، والأنفاس أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة، وفي ~~أخبار موسى عليه السلام: يارب كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان إن ~~لينت أصلها وإن طمنت رأسها. # وقد روينا في الأثر: من لم يعرف نعم الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه ~~فقد قل علمه وحضر عذابه؛ هذا مع سوابغ العوافي والكفايات والوقايات، ويقال: ~~إن في باطن الجسم من النعم سبعة أضعاف النعم التي في ظاهره، وإن في القلب ~~من النعم أضعاف ما في الجسم كله من النعم، وإن نعم الإيمان بالله تعالى ~~والعلم واليقين أضعاف نعم الأجسام والقلوب؛ فهذه كلها نعم مضاعفة على نعم ~~مترادفة لا يحصيها إلا من أنعم بها ولا يعلمها إلا من خلقها، ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير، سوى نعم المطعم والمشرب والملبس والمنكح من دخول ~~ذلك وخروجه وكثرة تكرره وتزايده بأن أدخل مهناه وأخرج أذاه وبأن طيب مدخله ~~ويسر مخرجه وبقى منفعته وما أحال من صورته وغير من صفته فللتزهيد والذلة ~~والاعتبار والتذكرة؛ وتلك أيضا نعم، قال: يقال إن الرغيف لا يستدير حتى ~~يعمل فيه ثلاثمائة وستون صنعة من السماء والأرض وما بينهما من الأجسام ~~والأعراض والأفلاك والرياح والليل والنهار وبني آدم وصنائعهم والبهائم ~~ومعادن الأرض، أولها ميكائيل الذي يكيل الماء من الخزائن فيفرغه على السحاب ~~ثم السحاب التي تحمله ms0475 فيرسله ثم الرياح التي تحمل السحاب والرعد والبرق ~~والملكان اللذان يسوقان السحاب وآخرها الخباز فإذا استدار رغيفا طلب سبعة ~~آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع؛ فهذه كلها نعم في حضور رغيف فكيف ~~بمازاد عليه مما وراءه، فعلى العبد بكل نعمة شكران طولب بشكرنعمة واحدة علي ~~حقيقتها هلك إلا أن تغمده رحمة من ربه فتغمره لتمام النعمة. # وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك ~~تمام النعمة، فقال: هل تدري ماتمام النعمة؟ قال: لا، قال: دخول الجنة وقيل ~~لبعض الحكماء: ما النعيم؟ قال: الغني فإني رأيت الفقير لا عيش له، قيل: ~~زدنا، قال العافية فإني رأيت السقيم لا # PageV01P350 # عيش له قيل: زدنا قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له، قيل: زدنا، ~~قال: الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له، قيل: زدنا، قال: لا أجد مزيدا، ~~وبعض ما ذكره هو أحد الوجوه في قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا) الأحقاف: 20 قيل: الشباب وقيل: الفراغ وقيل الأمن والصحة، وفي قوله ~~تعالى: (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) آل عمران: 152 قيل: العوافي ~~والغنى، وبمعناه في قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان: 20 ~~قيل: ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنه سبب نعيم الآخرة ومزيدها لقوله ~~تعالى: (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة: 155، وقد ~~جاء في الخبر: من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما ~~حيزت له الدنيا بحذافيرها وأنشدت في معناه لبعض أهل القناعة: # إذا القوت تأتي لك ... والصحة والأمن # وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن # وأنشد الآخر: # كن وفلقة خبز ... وكوز ماء وأمن # ألذ من كل عيش ... يحويه سحب وسجن # وحدثونا أن عابدا عبد الله تعالى سبعين عاما، فأرسل الله تعالى إليه ملكا ~~يبشره بدخول الجنة برحمة الله تعالى، فهجس في نفسه بل بعملي فاطلع الله ~~تعالى على ذلك منه فأوحى إلى عرق ساكن من عروقه أن تحرك عليه، قال: فاضطرب ~~لذلك وقلق وانقطعت ms0476 عبادته وذهبت أعماله شغلا منه بنفسه وقلق بنفسه، ثم أوحى ~~الله تعالى إلى العرق أن اسكن فسكن، فرجع العبد إلى عبادته فأوحى الله ~~تعالى إليه إنما قيمة عبادتك عرق واحد سكن من عروقك فاعترف. # وروينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر أن رجلا عبد الله ~~سبعين عاما قال: فيأمر الله عز وجل به إلى الجنة برحمته فيقول: بل بعملي ~~فيقول الله عز وجل: أدخلوا عبدي الجنة بعمله قال: فيمكث في الجنة سبعين ~~عاما فيأمر الله تعالى به أن يخرج، ويقال له: قد استوفيت ثواب عملك قال: ~~فيسقط في يديه ويندم فينظر أقوى شيء كان في نفسه بينه وبين ربه فإذا ~~هوالرجاء وحسن الظن فيقول: يارب اتركني في الجنة برحمتك لا بعملي قال: ~~فيقول الله عز وجل: دعوا عبدي في جنتي برحمتي، وحدثت عن رجل شكا إلى بعض ~~أهل المدينة فقره وأ ظهر لذلك غمه فقال له الرجل: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة ~~آلاف؟ قال: لا، قال: فيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف قال: لا، قال: فيسرك أنك ~~أقطع اليدين والرجلين ولك عشرة آلاف، قال: لا، قال: فيسرك أنك مجنون ولك ~~عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: أفما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ~~ألفا وهذا كما قال لأن في الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح وزيادة من ~~المال لأنها # PageV01P351 # ديات جوارحه لو قطعت. # وحدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين اشتد به الفقر حتى ~~أحزنه وضاق به ذرعا، قال: فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا ~~أنسيناك سورة الإنعام وأن لك ألف دينار؟ قال: لا، قال: فسورة هود؟ قال: لا، ~~قال: فسورة يوسف، قال: لا، قال: فمعك قيم مائة ألف وأنت تشكو الفقر فأصبح ~~وقد سرى عنه همه، وهكذا جاء في الخبر: تغنوا بالقرآن أي استغنوا به ومن لم ~~يستغن بآيات الله تعالى فلا أغناه الله عز وجل وإن القرآن هو الغنى الذي لا ~~فقر معه ولا غنى بعده، ومن آتاه ms0477 الله القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد ~~استهزأ بآيات الله تعالى، وفي لفظ آخر: فقد استخف بما أنزل الله عز وجل، ~~وفي الخبر: من لم يتغن بالقرآن فليس منا، وفي الخبر المجمل كفى باليقين غنى ~~والقرآن هو حق اليقين. # وروينا عن بعض السلف يقول الله عز وجل: إن عبدا أغنيته عن ثلاث فقد أتممت ~~عليه نعمتي عن سلطان يأتيه وطبيب يداويه وعما في يد أخيه. # وروينا في مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أوحى إليه: ما ~~من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان فإذا شكر على نعمائي قال الملكان: ~~اللهم زده نعما على نعمه، فإنك أهل الشكر والحمد فكن من الشاكرين قريبا ~~وزدهم شكرا وزدهم من النعماء وكفى بالشاكرين ياأيوب علو الرتبة عندي وعند ~~ملائكتي، فأنا أشكر شكرهم وملائكتي تدعو لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي ~~عليهم فكن لي ياأيوب شاكرا ولآلائي ذاكرا ولا تذكرني حتى أذكرك ولا تشكرني ~~حتى أشكر أعمالك أنا أوفق أوليائي لصالح الأعمال وأشكرهم على ما وفقتهم ~~وأقتضيهم الشكر ورضيت به مكافأة فرضيت بالقليل عن الكثير وتقبلت القليل ~~وجازيت عليه بالجزيل وشر العبيد عندي من لم يشكرني إلا في وقت حاجته، ولم ~~يتضرع بين يدي إلا في وقت عقوبته وذكر الكلام وقد جعل الله تعالى الشاكرين ~~بوصف الصالحين والمقربين والعالمين؛ وهذه الأوصاف الثلاث من أعالي مقامات ~~الموقنين، فقال عز وجل: وقليل من عبادي الشكور كما قال الله تعالى: (إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) ص: 24 وكما قال في وصف المقربين: ~~(ثلة من الأولين) (وقليل من الآخرين) الواقعة: 13 - 14 وكما قال عز وجل: ~~(ما يعلمهم إلا قليل) الكهف: 22 # وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: سلوا ~~الله العافية وما أعطى عبد أفضل من العافية إلا اليقين ففضل العافية على كل ~~عطاء ورفع اليقين، فوق العافية لأن بالعافية يتم نعيم الدنيا واليقين معه ~~وجود نعيم الآخرة؛ فلليقين فضل على العافية كفضل الدوام على ms0478 الانتقال، ~~والعافية سلامة الأبدان من الأسقام والعلل واليقين سلامة الأديان من الزيغ ~~والأهواء: فهاتان نعمتان تستوعبان عظيم الشكر من # PageV01P352 # العبد كما استوعب القلب والجسم جسيم النعم من الملك، ومن أقوى المعاني في ~~قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون) (إلا من أتى الله بقلب سليم) ~~الشعراء: 88 - 89 قيل: سالم من الشك والشرك والسالم الصحيح المعافى وبوجود ~~عافية اليقين في القلوب عدم الشك والنفاق وهي أمراض القلوب، كما قال تعالى: ~~(في قلوبهم مرض) البقرة: 10 قيل: شك ونفاق وعافية القلب أيضا من الكبائر ~~كما قال تعالى: (فيطمع الذي في قلبه مرض) الأحزاب: 32 يعني الرياء، ويقال: ~~ما من مصيبة إلا ولله تعالى فيها خمس نعم؛ أولها: أنها لم تكن في الدين ~~ويقال كل مصيبة في غير الدين فهي طريق من الدين، والثانية: إنها لم تكن ~~أكبر منها، والثالثة: أنها كانت مكتوبة عليه لا محالة فقد نفدت واستراح ~~منها، والرابعة: إنها عجلت في الدنيا ولم تؤجل في الآخرة فتعظم على مقدار ~~عذاب الآخرة، والخامسة: أن ثوابها خير منها فإن المصيبة إذا كانت في أمر ~~الدنيا فإنها طريق إلى الآخرة وعندنا في قوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم ~~كفار) إبراهيم: 34 قيل: ظلوم بالتسخط كفار بالمعاصي وبالنعم، وحدثت أن ~~العباس رضي الله عنه لما توفي قعد ابنه عبد الله رضي الله عنه للتعزية فدخل ~~الناس أفواجا يعزونه فكان فيمن دخل أعرابي فأنشده: # اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية بعد صبر الراس # خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس # فقال ابن عباس: ماعزاني أحد تعزية الأعرابي واستحسن ذلك، وفي قوله تعالى: ~~(إن الإنسان لربه لكنود) العاديات: 6 قيل: هو الذي يشكو المصائب وينسى ~~النعم، ولو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم بحذائها وزيادة قلت شكواه وبدلها ~~شكرا، ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله تعالى، إما ~~أن تكون درجة وهذا للمقربين والمحسنين، واما أن تكون كفارة، وهذا لخصوص ~~أصحاب اليمين وللأبرار، أو تكون هذا ms0479 عقوبة وهذا للكافة من المسلمين، فتعجيل ~~العقوبة في الدنيا رحمة ونعمة ومعرفة هذه النعم طريق الشاكرين، ومن أفضل ~~النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه، لأن دوام الشيء نعمة ثانية لأنه ~~بحكم ثان عن مشيئة ثانية لأن الإرادة منه تعالى بحكم الإظهار لا توجب دوام ~~المظهر فكان الشيء يظهر بإرادته ثم يتلاشى كأن لم يكن إلا أن يحكم سبحانه ~~وتعالى حكما ثانيا بنعمة ثانية بالثبات والدوام إذ لو لم يرد دوام السموات ~~والأرض ما داما ولو لم يرد دوام ثبات الجبال ما ثبتت، كذلك لو لم يرد دوام ~~الإيمان وثباته في القلوب بعد الكتب لظهر بالكتب ثم انمحى ورجع القلب إلى ~~الكفر لكنه أنعم نعما لا تحصى بدوامه وثباته في القلب، ومنه قوله تعالى: ~~(يمحوا الله ما يشاء ويثبت) الرعد: 39 أي يمحو ما لايشاء ثبوته ويثبت ما ~~يحب ولا يستطيع العبد شكر نعمة الإيمان ومعرفة بداية التفضل به وقديم # PageV01P353 # الإحسان من غير قدم من العبد ولا استحقاق بل بفضل الله وبرحمته، وهذا أحد ~~الوجوه في قوله تعالى: (كلا لما يقض ما أمره) عبس: 23 أي لا يقضي العبد ~~أبدا شكر ما أمره الله تعالى من نعمة الإسلام الي هي أصول النعم في الدنيا ~~والآخرة وهي سبب النجاة من النار ومفتاح دخول الجنة ولا أول للعبد فيها ~~ولاشفيع كان له إلى الله تعالى بها ثم دوام ذلك وثباته مع الطرف والأنفاس ~~بمدد منه نعم مترادفة. # ومن هذا قوله تعالى: (كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة: ~~22 أي قواهم بمدد يثبته ويقويه وهو معنى قوله تعالى: (يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) إبراهيم: 27 ومن ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: يامقلب القلوب أي عن الإيمان ومقلبها في الشك ~~والشرك ثبت قلبي على طاعتك، ومعرفة هذه النعمة اللطيفة العظيمة تستخرج من ~~القلب خوف سوء الخاتمة لمشاهدة سرعة تقليب القلب بالمشيئة وذلك مزيد شكرها ~~وهذا داخل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أحبوا الله ms0480 تعالى لما أسدى ~~إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا، فمن أفضل ما غذانا به نعمة الإيمان له ~~والمعرفة به وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في ~~تصريف الأحوال إذ هو أصل الأعمال التي هي مكان النوال، فلو قلب قلوبنا عن ~~التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب، ولو قلب قلوبنا في الشك والضلال كما ~~يقلب نياتنا في الأعمال أي شيء كنا نصنع وعلى أي شيء كنا نعول وبأي شيء كنا ~~نطمئن ونرجو؛ فهذا من كبائر النعم ومعرفته هو من شكر نعمة الإيمان والجهل ~~بهذا غفلة عن نعمة الإيمان يوجب العقوبة وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول ~~أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان وأخاف على من توهم ذلك أن يسلب ~~الإيمان لأنه بدل شكر نعمة الله كفرا. # وقد جعل الله تعالى الخيرات من كسب الإيمان وليس لنا فيما يكسبنا الخيرات ~~مكان بل الله تعالى من علينا أن هدانا للإيمان وجعله سببا يكسب لنا بإحسانه ~~الإحسان كما قال تعالى: (أو كسبت في إيمانها خيرا) الأنعام: 158 قيل ~~التوبة، وقيل: الصالحات كلها كسب الإيمان ومن النعم بعد الإيمان توفيقنا ~~للحسنى وتيسيرنا لليسرى، ثم صرف الكفر وأخلاق الكفرة وأعمالهم ثم تزيين ~~الإيمان وتحبيبه إلينا وتكريه الفسوق والعصيان فضلا منه ونعمة إلى ما لا ~~يحصى من نعمه فشكر ذلك لايقام به إلا بما وهب أيضا وأنعم به من المعرفة ~~بذلك والمعونة عليه، والحياء من تتابع النعم هو من الشكر والمعرفة بالتقصير ~~عن الشكر شكر، والاعتذار من قلة الشكر شكر، والمعرفة بعظيم الحلم وكثيف ~~الستر شكر، والاعتراف بما أعطى من حسن الثناء وجميل النشر أنه من النعم من ~~غير استحقاق من العبد بل هو مضاف إلى نعمه بل هو من الشكر، وحسن التواضع ~~بالنعم والتذلل فيها شكر، وشكر الخلق بالدعاء لهم وحسن الثناء عليهم لأنهم ~~ظروف العطاء وأسباب المعطى تخلقا بأخلاق المولى جل وعلا هو من الشكر، وقلة ~~الاعتراض وحسن # PageV01P354 # الأدب بين يدي المنعم شكر، وتلقي النعم بحسن القبول وتكثير ms0481 تصغيرها ~~وتعظيم حقيرها من الشكر، لأن طائفة هلكت باستصغار الأشياء واستحقار وجود ~~المنافع بها جهلا بحكمة الله تعالى واستصغار النعمة فكان ذلك كفرا بالنعم، ~~ومن الناس من يقول إن الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن التفضيل بينهما عند ~~أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من المؤمنين والترجيح بين جماعة ~~على جماعة لا يصح من قبل تفاوتهم في اليقين في المشاهدات لأن بعض الصابرين ~~أفضل من بعض الشاكرين لفضل معرفته وحسن صبره، وخصوص الشاكرين أفضل من عموم ~~الصابرين لحسن يقينه وعلو مشاهدته، ولكن تفضيل ذلك من طريق الأحوال ~~والمقامات أنا نقول: والله أعلم أن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد ~~والخوف؛ وهما أعلى المقامات وأن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء ~~والرضا، وأن الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من ~~قبل أنه أشق على النفس وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصي بذلك أفضل ~~من الشكر على النعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنعم أفضل من الطاعة بها ~~لمن جاهد نفسه فيها، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة، ~~وهذا أفضل لأنها مشاهدة المقربين، وإذا صبر عما يشكر عليه من النعم كان ~~أفضل لأنها حال المجاهدة. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء أشد الناس ~~بلاء ثم الأمثل فالأمثل يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب، فرفع أهل البلاء ~~إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه فمن كان برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكرا على ~~شدة بلائه كذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء إذ هو ~~الأقرب والأمثل بالأنبياء، وكل مقام من مقامات المقربين يحتاج إلى صبر ~~وشكر، وأحدهما لا يتم إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل، ~~والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد، وقد قرن الله تعالى بينهما ووصف ~~المؤمنين بهما فقال: (إن في ذلك لأيات ms0482 لكل صبار شكور) لقمان: 31 فذكرالشكر ~~بلفظ المبالغة في الوصف على وزن فعول، كما ذكرالصبر على وزن فعال وهو وصف ~~المبالغة أيضا، ولذلك اقتسما الإيمان نصفين، كما جاء في الخبر: الصبر نصف ~~الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله؛ لأن اليقين أصلهما وهما ~~ثمرتاه عنه يوجدان لأن الشاكر أيقن بالنعمة أنها من المنعم وأيقن بإنجاز ما ~~وعده من المزيد فشكر كما أيقن الصابر بمسه بالبلاء لأنه هو المبتلي وأيقن ~~بثواب المبلي وحسن ثنائه على الصابرين فصبر فلا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم؛ فهما حالا الموقن إذ لا يخلو في أدنى وقت من أحد اثنين؛ بلية ~~وتحية، إذ في كل شيء له آية فحاله في البلية الصبر، وحاله في التحية الشكر، ~~والله يحب الصابرين # PageV01P355 # ويحب الشاكر وهذا آخر شرح مقام الشكر والحمد لله رب العالمين. ### | شرح مقام الرجاء # ووصف الراجين وهو الرابع من مقامات اليقين # قال الله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء) الشورى: 19 وقال: جلت ~~قدرته: (وكان بالمؤمنين رحيما) الأحزاب: 43 وقال تعالى: (ياعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) ~~الزمر: 53 وروينا في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يبالي أنه هو ~~الغفور الرحيم، وفي الأخبار لمشهورة فقبض قبضة فقال: هؤلاء في الجنة ولا ~~أبالي المعنى والله أعلم أن رحمتي وسعت كل شيء فليس يضيق هولاء عنها ولا ~~أبالي بدخولهم فيها، ويكون هؤلاء أيضا في الجنة، ولا أبالي بأعمالهم السيئة ~~كلها، وقال سبحانه وتعالى في وصف المتقين: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله) آل عمران: 135 فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله، وقال عز وجل في وصف المتوكلين: (إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) ~~النجم: 32 وقال تعالى مخبرا عن الملائكة الحافين حول عرشه: (والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) الشورى: 5 وأخبر عز وجل أن النار ~~أعدها لأعدائه وأنه خوف بها أولياءه، فقال تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من ms0483 ~~النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده) الزمر: 16 ومثله قول عز وجل: ~~(واتقوا النار التي أعدت للكافرين) آل عمران: 131 وقال: (فأنذرتكم نارا ~~تلظى) الليل: 14 لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وقال تعالى في عفوه ~~عن الظالمين (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) الرعد: 6 # ورينا أن النبي عليه السلام لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له: أما ترضى ~~وقد أنزلت عليك هذه الآية: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) آل عمران: ~~135 وفي تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى: 5 قال: لا يرضى ~~محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل واحد من أمته النار، وكان أبوجعفر محمد بن ~~علي رضي الله عنه يقول: أنتم أهل العراق تقولون أرجى آية في كتاب الله ~~تعالى قوله تعالى: (ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة ~~الله) الزمر: 53 الآية، ونحن أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله تعالى: ~~(ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى: 5 وعده ربه عز وجل أن يرضيه في أمته، ~~وروينا في حديث أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى: أمتي أمة مرحومة لا عذاب ~~عليها في الآخرة جعل عقابها في الدنيا الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة ~~دفع إلى كل رجل من أمتي رجلا من أهل الكتاب فيقال هذا فداؤك من النار، ~~وروينا في لفظ آخر: يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم ~~فيقول: هذا فدائي من النار فيلقي فيها، وفي الخبر: إن الحمى من فيح جهنم ~~وهي حظ المؤمنين من النار، وروينا في تفسير قوله تعالى: (يوم لايخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه) التحريم: 8، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم: تريد أن أجعل حساب أمتك إليك؟ فقال: لا يارب أنت # PageV01P356 # خير لهم مني، قال: إذا لا نخزيك فيهم، وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: ~~ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني أعلم أن الله تبارك وتعالى ms0484 أرحم بي ~~منهما. # وروينا في خبر سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سأل ربه تعالى في ذنوب أمته فقال: يارب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على ~~مساوئهم غيري فأوحى الله تعالى إلىه: هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك ~~لا أجعل حسابهم إلى غيري كيلا تنظر في مساوئهم أنت ولا غيرك، وقد روينا عنه ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال حياتي خير لكم وموتي خيرلكم، أما حياتي فإني ~~أبين لكم السنن وأشرع الشرائع، وأما موتي فأعمالكم تعرض علي فما رأيت منها ~~حسنا حمدت الله عز وجل وما رأيت منها شيئا استغفرت الله عز وجل لكم. # وروينا في الأثر: إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله عز وجل ملائكته وبقاع ~~الأرض معاصيه وبدلها حسنات حتى يرد القيامة وليس شيء يشهد عليه، وكذلك ~~يقال: إن المؤمن إذا عصاه ستره الله تعالى عن أبصار الملائكة كيلا تراه ~~فتشهد عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: ياكريم العفو، ~~فقال له جبريل عليه السلام: تدري ما تفسير يا كريم العفو هو أنه عفا عن ~~السيئات برحمته ثم بدلها حسنات بكرمه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة، فقال: هل تدري ما تمام النعمة؟ ~~قال: لا، قال: دخول الجنة، وقد أخبرنا الله تعالى أنه قد أتم نعمته علينا ~~برضاه الإسلام لنا؛ فهذا دليل على دخول الجنة، فقال عز وجل: (اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة: 3 وقد ~~اشتركنا في ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نرجو المغفرة لذنوبنا ~~بفضله، فقال عز من قائل: (ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر يتم نعمته ~~عليك) ، وفي خبر علي رضي الله عنه: من أذنب ذنبا فستره الله تعالى عليه في ~~الدنيا، فالله تبارك وتعالى أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة، ومن أذنب ذنبا ~~فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى ms0485 أعدل من أن يثني عقوبته على عبده في ~~الآخرة، وفي لفظ آخر: لا يذنب عبد في الدنيا فيستره الله تعالى عليه إلا ~~غفر له في الآخرة. # وعن بعض السلف: كل عاص فإنه يعصي تحت كنف الرحمن، والكنف من الإنسان حضنه ~~ما بين يديه وصدره، قال: فمن ألقى عليه كنفه ستر عورته ومن رفع عنه كنفه ~~افتضح، ويقال: إن من فضح في الدنيا بذنب فهو كفارته ولا يفضح به في الآخرة. # وفي الخبر: إذا أذنب العبد فاستغفر الله، يقول الله سبحانه وتعالى ~~لملائكته: انظروا إلى عبد أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفرالذنب فيأخذ ~~بالذنب، أشهدكم أني قد غفرت له، وحدثت عن محمد بن مصعب قال: كتب إلى أسود ~~بن سالم بخطه: إن العبد إذا كان مسرفا على نفسه؛ يرفع يديه يدعو يقول: يارب ~~فإذا قال يارب، حجبت # PageV01P357 # الملائكة صوته، فإذا قال الثانية يارب، حجبت الملائكة صوته، فإذا قال ~~الثالثة يا رب حجبت الملائكة صوته، فإذا قال الرابعة يقول الله تعالى حتى ~~متى تحجبوا صوت عبدي عني، قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر الذنوب غيري، ~~أشهدكم أني قد غفرت له، وفي الحديث إذا أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان ~~السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني. # وفي حديث آخر: لو لقيني عبدي بقراب الأرض ذنوبا، لقيته بقرابها مغفرة ما ~~لم يشرك بي شيئا، وفي الخبر: إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ~~ساعات، فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة، وفي لفظ آخر: فإذا ~~كتبها عليه وعمل حسنة، قال صاحب الشمال وهو أمير عليه: ألق هذه السيئة حتى ~~ألقي من حسناته واحدة من تضعيف العشرة وأرفع تسع حسنات فيلقي عنه هذه ~~السيئة ويقال: إن الله تعالى جعل في قلب صاحب اليمين من الرحمة للعبد أضعاف ~~ما جعل في قلب صاحب الشمال مع أنه أمره عليه، فإذا عمل العبد حسنة فرح بها ~~ملك اليمين، ويقال: فرح بها الملائكة فيكتب للعبد بفرحه الحسنات. # وروينا في حديث أنس بن ms0486 مالك الطويل: إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه، فقال ~~الأعرابي: فإن تاب؟ محي من صحيفته، قال: فإن عاد؟ قال رسول صلى الله عليه ~~وسلم يكتب عليه، قال الأعرابي: فإن تاب؟ قال محي من صحيفته، قال: إلى متى ~~يارسول الله؟ قال: إلى أن يستغفر: ويتوب إلى الله تعالى، وأن الله لا يمل ~~من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار، فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب ~~اليمين حسنة قبل أن يعملها فإذا عملها كتبها عشر حسنات ثم ضاعفها الله عز ~~وجل إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت خطيئة ~~واحدة وراءها حسن عفوالله تعالى: وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولاأصلي إلا الخمس ~~لا أزيد عليهن وليس لله تبارك وتعالى في مالي صدقة ولاحج ولا أتطوع أين أنا ~~إذا مت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: في الجنة، قال: يا رسول الله معك ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إن حفظت قلبك من اثنين ~~الغل والحسد ولسانك من اثنين: الغيبة والكذب، وعينك من اثنين: النظر إلى ما ~~حرم الله تعالى وإن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين. # وروينا في الخبر الطويل عن أنس رضي الله عنه: أن الأعرابي قال: يا رسول ~~الله من يلي حساب الخلق؟ قال: الله عز وجل قال: هو بنفسه؟ قال: نعم، قال: ~~فتبسم الأعرابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مم ضحكت ياأعرابي؟ فقال: إن ~~الكريم إذا قدر عفا وروي تجاوز، وإذا حاسب سامح، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: صدق ألا ولا كريم أكرم من اله عز وجل هو أكرم الأكرمين، ثم قال عليه ~~السلام: فقه الأعرابي، وفيه أيضا: إن الله تبارك وتعالى شرف الكعبة وعظمها، ~~ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء ~~الله تعالى، قال الأعربي من أولياء الله؟ قال: المؤمنون ms0487 كلهم أولياء الله ~~تعالى، أما سمعت الله تعالى يقول: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات # PageV01P358 # إلى النور) البقرة: 257، وفي الخبر المفرد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~المؤمن أفضل من الكعبة، والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من ~~الملائكة، وفي الخبر المشهورعن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهما ~~وكعب الأحبار أنه نظر إلى الكعبة فقال: ما أشرفك وما أعظمك وللمؤمن أعظم ~~حرمة عند الله منك، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه بتطهير بيته ~~لأوليائه إجلالا لهم فشرف البيت بهم، وفي الخبر عن الله تعالى: من أهان ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا الثائر لوليي في الدنيا والآخرة، وفي أخبار ~~يعقوب عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلىه: تدري لم فرقت بينك وبين يوسف ~~عليه السلام هذه المدة؟ قال: لا قال: لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون، لم خفت الذئب عليه ولم ترجني له، ولم نظرت إلى غفلة ~~إخوته ولم تنظر إلى حفظي له، ومن سبق عنايتي بك أن جعلت نفسي عندك أرحم ~~الراحمين، فرجوتني ولولا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين، فالرجاء ~~هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشيء، ولذلك ~~أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية وأقام الحذر مقام الخوف ~~فقال: علت كلمته: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) وقال تعالى: (يحذر الآخرة ويرجو ~~رحمة ربه) وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان لا يصح إلا به ~~كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطير لايطير إلا ~~بجناحيه، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه وهو أيضا مقام من حسن ~~الظن بالله تعالى وجميل التأميل له، فلذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: لا يموتن أحدكم إلاوهو حسن الظن بالله تعالى لأنه قال عن الله ~~تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء، وكان ابن مسعود رضي الله عنه ~~يحلف بالله تعالى ماأحسن عبد ms0488 بالله تعالى ظنه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن ~~الخير كله بيده أي فإذا أعطاه حسن الظن بالله تعالى فقد أعطاه ما يظنه لأن ~~الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له. # وروينا عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه يقول في ~~قوله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) البقرة: 195 قال: أي أحسنوا ~~بالله تعالى الظن، وكذلك دخل رسول الله على الرجل وهو في سياق الموت فقال: ~~كيف تجدك؟ فقال: أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي، فقال عليه السلام: ما ~~اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما رجا وأمنه مما ~~يخاف، ولذلك قال علي كرم الله وجهه للرجل الذي أطار الخوف عقله حتى أخرجه ~~إلى القنوط فقال له: يا هذا أيأسك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنبك؟ صدق ~~رضي الله عنه لأن الإياس من روح الله تعالي # PageV01P359 # الذي يستريح إليه المكروب من الذنوب والقنوط من رحمة الله تعالى التي ~~يرجوها المبتلي بالذنوب أعظم من ذنوبه وهو أشد من جميع ذنوبه لأنه قطع ~~بهواه على صفات الله تعالى المرجوة وحكم على كرم وجهه بصفته المذمومة فكان ~~ذلك من أكبر الكبائر وإن كانت ذنوبه كبائر. # وهكذا جاء في التفسير: ولاتلقوا بأيدكم إلى التهلكة قال: هو العبد يذنب ~~الكبائر ويلقى بيده ولا يتوب ويقول: قد هلكت لا ينفعني عمل فنهوا عن ذلك ~~إلا أن الرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم، ~~والحياء وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف، يروحون به من الكرب ويستريحون ~~إلىه من مقارفة الذنب، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء، ومن لم يقم في ~~مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء ورجاء، كل عبد من ~~حيث خوفه ومكاشفته عن أخلاق مرجوة من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة، ~~فإن كان أقيم مقام المخوفات من المخلوقات مثل الذنوب والعبوب والأسباب، رفع ~~من حيث تلك ms0489 المقامات إلى مقامات الرجاء، بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق ~~الجنان وما فيها من الأوصاف الحسان؛ وهذه مواجهات أصحاب اليمين وإن كان ~~أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم وسوء الخاتمة ~~وخفي المكر وباطن الاستدارج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبروت، رفع من هذه ~~المقامات إلى مقام المحبة والرضا، فرجا من معاني الأخلاق وأسماء الكرم ~~والإحسان والفضل والعطف واللطف والإمتنان، وليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من ~~شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين، وهو ~~يفسد من لم يرزقه أشد الفساد فليس يصلح إلا بخصوصة ولا يجديه ولا يستجيب له ~~ولا يستخرج إلا من المحبة ولا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف، وأكثر ~~النفوس لا يصلح إلاعلى الخوف، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا ~~ثم يواجهون بالسيوف صلتا، ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا ~~في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة ~~اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء؛ والرجاء هو ~~ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا لأنهما وصفان لا ينفك ~~أحدهماعن الآخر، ومن مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما لشيء أو وصفا له أو ~~سببا منه، أن يعبروا عنه به فقالوا: مالك لا ترجو كذا وهم يريدون ما لك لا ~~تخاف؟ وعلى هذه اللغة جاء قول الله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) ~~نوح: 13 أجمعوا على تفسيره: مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو أيضا أحد وجهي ~~تفسير قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه) الكهف: 110 أي يخاف من لقائه ~~ومثل الخوف من الرجاء، مثل اليوم # PageV01P360 # من الليلة لما لم ينفك أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما ~~فيقال: ثلاثة أيام وثلاث ليال، ومنه قول الله تعالى مخبرا عن قصة واحدة ~~فقال عز وجل: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) مريم: 10 # ثم قال تعالى: (ثلاثة أيام إلا ms0490 رمزا) آل عمران: 41 فلما لم يكن اليوم ~~ينفك عن ليلته والليلة لا تنفك عن يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما ~~يشبه الآخر مندرج فيه، ولا يظهر إلا أحدهما بحكمة الله تعالى وقدرته لتفاوت ~~أحكامه فيهما، وافتراق إنعامه بهما، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه ~~بقدرته تعالى، وإذا ظهر الليل استتر النهار بحكمه تعالى، وهو حقيقة إيلاجه ~~أحدهما في الآخر، وتحقيق تكويره أحدهما على صاحبه، فكذلك حقيقة الرجاء ~~والخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا، وظهرت عليه أحكام ~~الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف مخوف، فسمي العبد خائفا لغلبته عليه وبطن ~~الرجاء في خوفه، وإذا ظهر الرجاء كان العبد راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء ~~عن مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه هو الأغلب عليه وبطن ~~الخوف في رجائه لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير، فالمؤمن بين الخوف ~~والرجاء كالطائر بين جناحيه وكلسان الميزان بين كفتيه ومنه قول مطرف: لو ~~وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع ~~في المرجو، فالمؤمنين في اعتدال الخوف والرجاء مقامان؛ أعلاهما مقام ~~المقربين، وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق ~~المرجوة، والثاني مقام أصحاب اليمين وهو ماعرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت ~~الأقسام، من ذلك أنه أنعم سبحانه وتعالى على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا ~~لا إجبارا، فلما أعلمهم ذلك رجو تمام النعمة من حيث ابتداؤها، ومن ههنا طمع ~~السحرة في المغفرة لما ابتدؤا بالإيمان فقالوا: إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا إن كنا أول المؤمنين، أي من حيث جعلنا أول المؤمنين من هذا المكان ~~نرجو أن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه، وقد ذم الله تعالى عبدا ~~أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان ~~منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور) هود: 9 ثم استثنى عباده الصابرين ~~عليه الصالحين له فقال تعالى: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) هود: 11 # وروي أن لقمان ms0491 عليه السلام قال لابنه خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه ~~مكره، وارجه رجاء أشد من خوفك، قال: وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ ~~قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما، ويرجو بالآخر؟ والمعنى أن ~~الخوف والرجاء وصف الإيمان لا يخلو منهما قلب مؤمن، فصار كذي قلبين حينئذ ~~ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات، في كل طبقة طائفة فمنهم من يعيش مؤمنا ~~ويموت مؤمنا، فمن ههنا رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين، إذ قد أعطاهم ~~فرجوا أن يتم عليهم نعمته # PageV01P361 # وأن لا يسلبهم بفضله ما به بدأهم، ومن الناس من يعيش مؤمنا ويموت كافرا ~~فهذا موضع خوفهم عليهم وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم الله ~~تعالى بعلمه السابق فيهم، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا، ومنهم من ~~يعيش كافرا ويموت كافرا؛ فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشترك إذا ~~رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك ~~الحال وأن يكون ذلك هو حقيقة عند الله تعالى، فعلم المؤمن بهذه الأحكام ~~الأربعة ورثه الخوف والرجاء معا، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به، وحكم ~~على الخالق بالظاهر، ووكل إلى علام الغيوب السرائر، ولم يقطع على عبد ~~بظاهره من الشر، بل يرجو له ما بطن عند الله تعالى من الخير، ولم يشهد ~~لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير، بل يخاف أن يكون قد استسر عند الله تعالى ~~باطن شر، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره لأن ذلك هو ~~وجد المؤمنين من قبل أنهم متعبدون بحسن الظن، فهم يحسنون الظن بالناس، ~~ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير ~~الأمور، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها، ويوقعون ~~الملاوم عليها ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم، ولخوف التزكية ~~منهم لهم، فمن قلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ~~ويسيء ظنه بغيره، فيكون خائفا على الناس، راجيا لنفسه، عاذرا ms0492 لنفسه، محتجا ~~لها، لائما للناس، ذاما لهم؛ فهذه أخلاق المنافقين، ثم إن للراجي حالا من ~~مقامه ولحاله علامة من رجائه، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرحو، دوام ~~المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمله ~~منه، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلا منه من حيث كرمه، لا من حيث الواجب ~~عليه، ولا الاستحقاق منا وأنه أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من ~~حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية لا من حيث اللزوم ~~له بل من حيث حسن الظن به، كما قال سفيان الثوري رضي الله عنه: من أذنب ~~ذنبا، فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه غفر الله عز وجل له ذنبه، ~~قال: لأن الله تعالى غير قوما فقال تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم) فصلت: 23 وقد قال سبحانه وتعالى في مثله: (وظننتم ظن السوء وكنتم ~~قوما بورا) الفتح: 12 أي هلكى، ففي دليل خطابه عز وجل أن من ظن حسنا كان من ~~أهل النجاة، وقد جاء في الأثر: إن من أذنب ذنبا فأحزنه ذلك غفر له ذنبه وإن ~~لم سيغفر، ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض وفضل، فعلى العبد فرض ~~أن يرجو مولاه وخالقه معبوده ورازقه، من حيث كرمه وفضله، لا من حيث نظره ~~إلى صفات نفسه ولؤمه، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: من سأل الله تبارك ~~وتعالى شيئا فنظر إلى # PageV01P362 # شيء وإلى أعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى الله تبارك وتعالى ~~وحده وإلى لطفه وكرمه، ويكون موقنا بالإجابة، ولعمري أن من سأل الله تعالى ~~ورغب إلىه في شيء، ورجاه ناظرا إلى نفسه وعمله، فإنه غير مخلص في الرجاء له ~~تعالى لشركه في النظر إليه، وإذا لم يكن مخلصا لم يكن موقنا، ولا يقبل الله ~~تعالى عملا ولا دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص، فإذا شهد التوحيد ونظر إلى ~~الوحدانية فقد أخلص وأيقن، وهكذا جاء في الخبر: إذا دعوتم فكونوا موقنين ms0493 ~~بالإجابة، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن ومن داع دعاء بينا من قلبه، ~~لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له بابا من العبادة. # وفي الخبر: الدعاء نصف العبادة ولايقبل الله تعالى من الدعاء إلا الناخلة ~~بمعنى المنخول وهو الخالص، فأقل ما يعطيه من دعائه أن يكون ذلك حسنة منه، ~~يضعفه له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وأعلاه أن يدخر له في الآخرة ماهو خير له ~~من جيمع الدنيا وما فيها مما لم يخطر على قلبه قط، ويكون ذلك حسن نظر من ~~الله تعالى له واختيار، وأوسط ذلك أن يصرف عنه من البلاء الذي هو لو كان ~~علمه كان صرفه أهم عليه وأحب إليه مما سأل فيه، وقد روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما من داع دعا موقنا بالإجابة في غير معصية ولا قطيعة رحم، ~~إلا إعطاه الله تعالى إحدى ثلاث؛ إما أن يجيب دعوته فيما سأل، أو يصرف عنه ~~من السوء مثله، أو يدخر له في الآخرة ما هو خير له، وفي أخبار موسى عليه ~~السلام: يارب أي خلقك أنت عليه أشد تسخطا؟ فقال تعالى: من لم يرض بقضائي، ~~ومن يستخيرني في أمر فإذا قضيت له كره ذلك، وفي الخبر الآخر: إنه قال يارب ~~أي الأشياء أحب إليك وأيها أبغض؟ فقال سبحانه وتعالى: أحب الأشياء إلي ~~الرضا بقضائي وأبغضها إلي أن تطري نفسك. # وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم: أنه قال للرجل الذي قال: أوصني ~~فقال: لاتتهم الله تعالى في شيء قضاه عليك، وفي الخبر الآخر: أنه نظر إلى ~~السماء وضحك صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال: عجبت لقضاء الله تعالى ~~للمؤمن في كل قضائه له خير، إن قضي له بالسراء رضي؛ وكان خيرا له وإن قضي ~~عليه بالضراء رضي به وكان خيرا له، ومن حسن الظن بالله تعالى لطف التملق له ~~سبحانه وتعالى، وهو من قوة الطمع فيه، وفي خبر: حسن الظن بالله عز وجل من ~~حسن عبادة الله ms0494 عز وجل، كما روينا في تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه) البقرة: 73 إن الكلمات هي قوله عليه السلام: يارب هذا ~~الذنب الذي أصبته كان من قبل نفسي أو من شيء سبق في علمك قبل أن تخلقني ~~قضيته علي، فقال: بل شيء سبق في علمي كتبته عليك، قال: يارب فكما قضيته علي ~~فاغفر لي، قال: فهي الكلمات التي لقاه الله تعالى إياها. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة: ~~ما منعك إذ رأيت المنكر # PageV01P363 # أن تنكره؟ قال: فإن لقن الله تعالى العبد حجته قال: يارب رجوتك وخفت ~~الناس، قال: لقد غفرت له، وفي الخبرالمشهور: أن رجلا كان يداين الناس فيسمح ~~لهم ويتجاوز عن المعسر فلقي الل تعالى ولم يعمل خيرا قط، فقال الله تعالى ~~سبحانه وتعالى: نحن أحق بذلك منك قال: فغفر له برجائه وظنه، ثم يتفاوت ~~الراجون في فضائل الرجاء، فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب ~~والمجالسة والتجلي بمعاني الصفات مما عرفوه؛ وهذا عن علمهم به وأصحاب ~~اليمين من الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه ~~يقينا بما وعد، ومن الرجاء: انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق ~~والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء ~~انتجاز الموعور وتقربا إلى الرحيم الودود، ومنه قول أصدق القائلين: (إن ~~الذين آمنواوالذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) ~~البقرة: 218 وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرة والمجاهدة فقال ~~المهاجر: من هجر السوء، والمجاهد: من جاهد نفسه في الله تعالى، وأقام ~~الصلاة التي هي خدمة المعبود، وبذل المال سرا وعلانية وقليلا وكثيرا، وأن ~~لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا، كما وصف الله سبحانه وتعالى المحققين من ~~الراجين إذ يقول عز من قائل: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) فاطر: 29 # ومن الرجاء القنوت في ساعات الليل؛ وهو طول القيام للتهجد، والدعاء ms0495 عند ~~تجافي الجنوب عن المضاجع لما وقر في القلوب من المخاوف، ولذلك وصف الله ~~الراجين بهذا في قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: ~~9 فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء، وحصل من دليل ~~الكلام: أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما، وهذا مما ~~يحذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه فالرجاء هو أول مقام ~~من اليقين عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين، ولايكمل في قلب عبد، ولا ~~يتحقق به صاحبه حتى يجتمع فيه هذه الأوصاف؛ الإيمان بالله تعالى، والمهاجرة ~~إليه سبحانه وتعالى، والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، والإنفاق ~~في سبيل الله تعالى، ثم السجود آناء الليل، والقيام والحذر مع ذلك كله؛ ~~فهذه جملة صفات الراجين، وهو أول أحوال الموقنين ثم تتزايد الأعمال في ذلك ~~ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب ~~بالأوصاف الموجودة وفصل الخطاب، إن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين؛ ~~فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم، # PageV01P364 # والرجاء طريق العمال إلى مقام العاملين، وقد وصف الله عز وجل الراجين مع ~~الأعمال الصالحة لقوة رجائهم بالخوف، تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة ~~به، فقال تعالى وتقدس: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) المؤمنون: 60 ~~وقال عز وجل مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهم: (إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين) (فمن الله علينا) الطور: 26 - 27 وقال عز وجل: (يوفون بالنذر ~~ويخافون يوما) الإنسان: 7 من قبل أن الخوف مرتبط بالرجاء، فمن تحقق بالرجاء ~~صارعه الخوف أن يقطع به دون ما رجا، وقال أهل العربية في معنى قوله تعالى: ~~(قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) (الجاثية: 14 أي للذين ~~لايخافون عقوبات الله تعالى، فإذا كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا يرجو فكيف ~~يكون غفره وفضله على من يرجو، وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى: (ويرجون من ~~الله ms0496 ما لا يرجون) النساء: 104 أي تخافون منه ما لا يخافون، فلولا أنهما ~~عند العلماء كشيء واحد ما فسر أحدهما بالآخر، ومن الرجاء الأنس بالله تعالى ~~في الخلوات، ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب من الأولياء، وارتفاع ~~الوحشة بمجالسة أهل الخير، وسعة الصدر والروح عندهم، ومن الرجاء سقوط ثقل ~~المعاونة على البر والتقوى، لوجود حلاوة الأعمال والمسارعة إليها، والحث ~~لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها، ومن ذلك الخبر المأثور من ~~سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن، والخبر المأثور: خيار أمتي الذين إذا ~~أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا لأن المؤمن على يقين من أمره وبصيرة ~~من دينه، والخوف والرجاء وصف الموقن بالله تعالى فهو إذا عمل حسنة، أيقن ~~بثوابها لصدق الوعد وكرم الموعد، وإذا عمل سيئة أيقن بالكراهة لها، وخاف ~~المقت عليها لخوف الوعيد وعظمة المتوعد من قبل أن دخوله في الطاعة، دخول في ~~محبة الله تعالى ومرضاته لما دل العلم عليه؛ فهذا رضا الله سبحانه وتعالى ~~في الدنيا، فكيف لا يسره رضاه ومن قبل أن دخوله في المعصية دخول في غضب ~~الله تعالى ومكارهه، بما دل العلم عليه فذلك الذي يسوءه لأن مقت الله تعالى ~~اليوم معاصيه وسخطه غدا تعذيبه، ومن هذا قول الله عز وجل وهو أصدق ~~القائلين: (ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) غافر: 10 قال: لما ~~نظروا إلى أنفسهم بتشويه خلقهم في النار مقتوها فنودوا لمقت الله في الدنيا ~~على معاصيه أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم في العذاب، كما أن رضاه غدا تنعيمهم ~~في جنته كذلك رضاه اليوم عملهم بطاعته ومرضاته؛ وهذا وصف عبد مراد مكاشف ~~بعلم اليقين. # ومن هذا حديث زيد الخيل إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جئتك أسألك عن ~~علامة الله تعالى فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد فقال: كيف أصبحت فقال: ~~أصبحت أحب الخير وأهله وإذا قدرت على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه ~~وإذا فاتني شيء منه حزنت عليه # PageV01P365 # وحننت إليه فقال صلى الله عليه وسلم: هذه علامة الله ms0497 تعالى فيمن يريد ولو ~~أرادك للأخرى هيأك لها، ثم لم يبال في أي أوديتها هلكت، ومن الرجاء التلذذ ~~بدوام حسن الإقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال وحسن الإصغاء إلى محادثة ~~القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في العفو الجميل ومنال الفضل ~~الجزيل، وقال بعض العارفين: للتوحيد نور وللشرك نار، ونور التوحيد أحرق ~~لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك، ولما احتضر سليمان التيمي قال ~~لابنه: يابني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله تعالى على حسن ~~الظن به، وكذلك لما حضر سفيان الثوري رضي الله عنه الوفاة جعل العلماء حوله ~~يرجونه، وحدثنا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت: ~~اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن، فلولا أن الرجاء وحسن الظن من ~~فواضل المقامات ما طلبه العلماء في آخر الأوقات عند فراق العمر ولقاء ~~المولى لتكون الخاتمة به وهم يسألون الله حسن الخاتمة طول الحياة، ولذلك ~~قيل: إن الخوف أفضل مادام حيا فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل، وقد كان يحيى ~~بن معاذ رحمه الله تعالى يقول في مقامات الرجاء: إذا كان توحيد ساعة يحبط ~~ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ماذا سيصنع بالذنوب؟ وقال أبو محمد سهل ~~رضي الله عنه: لا يصبح الخوف إلا لأهل الرجاء، وقال مرة: العلماء مقطوعون ~~إلا الخائفين، والخائفون مقطوعون إلا الراجين، وكان يجعل الرجاء مقاما في ~~المحبة وهو عند العلماء أول مقامات المحبة، ثم يعلو في الحب على قدر ~~ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ~~في الرجاء لا يصلح ذكرها لعموم الناس ولكن نذكر من ذلك ما ظهر خلق الله ~~تعالى لجهنم من فضل رحمته سوطا يسوق الله عز وجل به عباده إلى الجنة، وخبر ~~آخر، يقول الله تعالى: إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح ~~عليهم، وفي حديث عطاء بن يسارعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ماخلق الله تعالى شيئا إلا ms0498 جعل له ما يغلبه وجعل رحمته ~~تغلب غضبه، والخبر المشهور: إن الله تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق: ~~إن رحمتي تغلب غضبي، والأخبار المشهورة عن معاذ بن جبل وأنس بن مالك رضي ~~الله عنهما: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن كان آخركلامه قول: لا ~~إله إلا الله لم تمسه النار، ومن لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا حرمت عليه ~~النار ولا يدخل النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان، وقد قال في خبر آخر: لو ~~يعلم الكافر سعة رحمة الله تعالى ما أيس من رحمته أحد وقد قال تعالى في حسن ~~عفوه عن أكبر الكبائر بعد ظهور الآيات: (ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم ~~البينات فعفونا عن ذلك) النساء: 153، # PageV01P366 # وقال في خطاب لطيف لأوليائه يعرفهم نفاذ أحكامه فيهم وجريان مشيئته ~~عليهم: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم، ~~عزيز لا يوصل إليه إلا به، حكيم حكم بمشيئته على عباده، ثم يغفر الذنوب ~~جميعا فلا يبالي كما أجرى على من فضله على العالمين، مقالة الكافرين فلم ~~يضرهم مع تفضيله لهم إذ قالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة، فقال: أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين؛ وبهذا المعنى ~~عارض علي كرم الله وجهه رأس الجالوت لما قال له: لم تلبثوا بعد نبيكم عليه ~~السلام إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف فقال علي كرم الله ~~وجهه: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى: اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا ~~تحدثوهم بمايفزعهم وينفرهم، وقال في حديث آخر: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا ~~تعسروا، ولما وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا الحديث، فهبط جبريل عليه السلام فقال: إن الله ~~تعالى يقول: لم تقنط عبادي؟ فخرج إليهم رسول الله ms0499 صلى الله عليه وسلم ~~فرجاهم وشوقهم، ولما تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم) الحج: 1 قال: أتدرون أي يوم؟ هذا يوم يقال لآدم عليه ~~السلام: قم فابعث نصيب النار من ذرتك، فقال: كم؟ قيل من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، قال: فبكوا يومهم ذلك وتركوا ~~الأشغال والعمل، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P367 # فقال: ما بالكم أنتم في الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود، والخبر ~~المشهور: لو لم تذنبون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم، وفي لفظ ~~آخر: لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرحيم أي أن ~~وصفه سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة، فلابد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق ~~وصفه عليه هذا كما يقول في علم المعرفة: إن له سبحانه وتعالى من كل اسم ~~وصفا ومن كل وصف فعل، وفي هذا سر المعرفة ومنه معرفة الخصوص، وحكي لنا ~~معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: خلا لي الطواف ذات ليلة، وكانت ~~ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت: يارب اعصمني حتى ~~لاأعصيك أبدا، فهتف بي هاتف من البيت: ياإبراهيم أنت تسألني العصمة وكل ~~عبادي المؤمنين يطلبون ذلك، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر؟ وكان ~~الحسن البصري رضي الله عنه يقول: لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا ولكن ~~الله تعالى قمعه بالذنوب. # وفي الخبر مثله: لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب، قيل: وما ~~هو؟ قال: العجب، ولعمري أن العجب من صفات النفس المتكبرة، وهو يحبط ~~الأعمال، وهو من كبائر أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية، ~~ولأن يبتلي العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلي ~~بصفة من صفات النفس مثل الكبر، والعجب، والبغي، والحسد، وحب المدح، وطلب ~~الذكر؛ لأن هذه منها؛ معاني صفات الربوبية، ومنها أخلاق الأباسلة، وبها هلك ~~إبليس، وشهوات النفس من وصف الخلقة ms0500 وبها عصى أدم ربه فاجتباه بعدها وتاب ~~عليه وهدى، وقد قال بشر بن الحرث: سكون النفس إلى المدح أضر عليها من ~~العاصي، ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه، فالتفت إليه ~~المخنث وقال: وأنت أيضا يكفيك مابك ففزع من قوله، فقال: وأي شيء تعلم؟ قال: ~~لأن عندك أنك خير مني، فاعترف يوسف بقوله، فتاب واستغفر وكان بعض الراجين ~~من العارفين إذا تلا هذه الآية، آية الدين التي في سورة البقرة، يسر بذلك ~~ويستبشر لها ويعظم رجاؤه عندها، فقيل له في ذلك: إنها ليس فيها رجاء ولا ما ~~يوجب الاستبشار فقال: بلى فيها رجاء عظيم، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إن الدنيا ~~كلها قليل ورزق الإنسان فيها قليل من قليل وهذا الدين من رزقه قليل، ثم إن ~~الله تبارك وتعالى احتاط في ذلك ورفق النظر لي بأن وكد ديني بالشهود ~~والكتاب وأنزل فيه أطول آية في كتابه، ولو فاتني ذلك لم أبال به فكيف يكون ~~فعله بي في الآخرة التي لا عوض لي من نفسي فيها. # وكذلك كان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلا: (وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون) الزمر: 47 يرجو من ذلك بوادي الجود والإحسان مما لم ~~يحسبه في الدنيا قط، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول: إن بدت عين من الكرم ~~ألحقت المسيئين # PageV01P368 # بالمحسنين، وعلى ذلك جاء في الخبر: ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ~~ماخطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس يتطاول رجاء أن تصيبه، وفي الخبر: إن ~~لله تعالى تسعا وتسعين رحمة أظهر منها في الدنيا رحمة واحدة بها يتراحم ~~الخلائق فتحن الوالدة إلى ولدها وتعطف البهيمة على ولدها، فإذا كان يوم ~~القيامة ضم هذه الرحمة إلى تلك التسعة والتسعين، ثم بسطها على جميع خلقه ~~وكل رحمة منها طباق السموات والأرضين، قال: فلا يهلك على الله تعالى إلا ~~هالك، وقد قال بعض العلماء: إن الله تعالى إذا غفر لعبد في موقف القيامة ~~ذنبا غفر ذلك الذنب لكل من عمله، ms0501 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا ~~وأبشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله. # وفي الحديث الآخر: ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار، ~~قالوا: ولا أنت يارسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة ~~وفضل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي، وفي لفظ آخرأترونها للمصفين المتقين بل هي للمخلصين المتلوثين وقال ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما، وقد بعثهما واليين على ~~اليمن فأوصاهما فيما أمرهما به فقال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، فعلم ~~المؤمنين بكرم الله تعالي وخفي لطفه، ولطيف منه لا يقعدهم عن تأميله، ولا ~~يقصر بهم عن رجاءه، ولا حسن ظنهم به، ولا يقوى الخوف فيخرجهم إلى الأياس من ~~رحمته، لأجل علمهم بجبريته وكبريائه، من قبل أن المهوب هو المحبوب فمحبته ~~تؤنسهم وترجيهم، وهيبته تزعجهم وتخيفهم فخوفهم في المهابة في لذاذة ونعيمهم ~~بالحب في مهابة فهم في مقام الخوف والمحبة معتدلون، وبقوة العلم بهما ~~متمكنون، وفي مشاهدة المخوف والمحبوب مستقيمون، وهذا المقام هو وصف ~~العارفين من الموقنين؛ وهم أهل كمال الإيمان وصفوة خصوص ذوي الإيقان إذ قد ~~عرفوا أن الله تبارك وتعالى كامل في صفاته لا يعتريه نقصان في وصف دون وصف ~~وإنما الرحمة لسعة العلم، كما العلم لسعة القدرة لما شهدوا من وصفه بما ~~سمعوا من كلامه أنه كان عليما قديرا. # كذلك قال تعالى: (وسعت كل شيء رحمة وعلما) غافر: 7 وكذلك فهموا من قوله ~~تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) الأعراف: 156 فدخلت جهنم وغيرها في توسعة ~~الرحمة من حيث كن شيئا وقوله عز وجل: (فسأكتبها للذين يتقون) الإسراء: 44 ~~معناه خصوص الرحمة، وصفها لا كنهها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم ~~الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء كما لم يخرج من حكمته وقدرته ~~شيء، لأن جهنم والنار الكبرى وغيرهما ليس كنه عذابه ولا كلية تعذيبه، فمن ~~ظن ذلك به لم يعرفه، ms0502 ولأنه لما أظهر من عذابه مقدار طاقة الخلق كما أنه ~~أظهر من ملكه ونعمه مقدار مصالح الخلق وما لا يصلح للخلق، ولا يطيقون ~~إظهاره أكثر مما أظهر من النعيم والعذاب، بل لا ينبغي لهم أن يعرفوا فوق ما ~~أبدى لأن نهاية تعذبيه وتنعيمه من نهاية ملكه الذي هو قائم به # PageV01P369 # وملكه عن غاية قدرته وسلطانه، ولانهاية لذلك، ولا يطيق الخلق كله إظهار ~~ذلك، وذلك أيضا عن تعالي صفاته وبهاء أسمائه المتناهيات، ولا سبيل إلى كشف ~~ذلك من الغيوب، فسبحان من لا نهاية لقدرته ولا حد لعظمته ولا أمد لسلطانه، ~~وكذلك شهدوا ما سمعوا من قوله عز وجل: (إنه كان حليما غفورا) الإسراء: 44، ~~وقال: (وكان الله عليما حليما) الأحزاب: 51، فعلموا أن المغفرة على سعة ~~الحلم، كما أن الحلم سعة العلم، فلما رأوا عظيم حلمه رجو عظيم مغفرته، ولما ~~شهدوا كثيف ستره أملوا جميل عفوه، وكذلك يقال: إن حملة العرش يتجاوبون ~~بأصوات سبحانك على حلمك بعد علمك، سبحانك على عفوك بعد قدرتك، فللراجين من ~~العارفين فهوم من السمع للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعاني الصفات، ~~وكل صاحب مقام يشهد من مقامه ويسمع من حيث شهادته، فأعلاهم شهادة الصديقون، ~~ثم الشهداء ثم الصالحون، ثم خصوص المؤمنين، فبه تبارك وتعالى استدلوا عليه، ~~ومنه إليه نظروا، هم درجات عند الله والله بصير بمايعلمون، وكان سهل رضي ~~الله عنه يقول: المحسن يعيش في سعة الرحمة والمسيء يعيش في سعة الحلم، ~~وصفاته تبارك وتعالى كاملات، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص ~~من مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء، ولأجل مقامه المراد ~~به دون طريق الصديقين من الأقوياء، فعاد ذلك على العبد فصار ذلك مقاما له ~~في القرب والبعد تعالى وصف المشهود عن النقصان والحد، ومثل الرجاء من الخوف ~~مثل الرخصة في الدين من العزائم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، وفي لفظ آخر أبلغ من ms0503 هذا: ~~وأؤكد أن الله يحب أن يقبل رخصه كما يكره أن يوتى معاصيه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق: ~~ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى، وخيرالدين أيسره، وقال هلك المتعمقون، ~~هلك المتنطعون، وقال عليه الصلاة والسلام: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: أحب أن يعلم أهل الكتاب أن في ديننا سماحة، وقال ~~الله عز وجل: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف: 157، ~~واستجاب للمؤمنين في قولهم: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا، فقال عز وجل: قد فعلت؛ فهذه العلوم هي أسباب قوة الرجاء في أولي ~~الألباب كيف وقد جاء ما يغلب حكم الرجاء من غير اغترار ماروي عن الله تعالى ~~أنا إلى الرحمة والعفو أقرب مني إلى العقوبة، وفي الخبر: إذا حدثتم الناس ~~عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم، وفي كلام لعلي رضي الله عنه: ~~إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم مكر الله ~~تعالى، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: ما لك وحدانيا؟ ~~قال: عاديت # PageV01P370 # الخلق فيك، قال: أما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل ~~هنالك، أكتبك من أوليائي وأحبابي ولا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء ولا قسوة، ~~فإذا أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا: خالص حبيبي مخالصة، وخالف أهل ~~الدنيا مخالفة، ودينك فقلدنيه، وعن داود وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام: أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا رب هذا أحبك وأحب ~~من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ فقال عز وجل: اذكرني لحسن الجميل واذكر ~~آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لايعرفون مني إلا الجميل. # وروي عن يزيد الرقاشي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا ~~أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء ~~بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور يعرفون عليها، قالوا: من هم؟ قال: ~~الذين يحببون ms0504 عباد الله إلى الله تعالى ويحببون الله عز وجل إلى عباده ~~ويمشون في الأرض نصحاء، فقلنا هذا حببوا الله إلى عباده فكيف يحببون عباد ~~الله إلى الله؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما حرم الله فإذا ~~أطاعوهم أحبهم الله، ورؤي أبان بن عياش في النوم بعد موته، وكان من أكثر ~~الناس حديثا بالرخص وأبواب الرجاء فقال: أوقفني ربي عز وجل بين يديه فقال: ~~ما حملك على أن حدثت عني بما حدثت به من الرخص؟ قال: فقلت يا رب أردت أن ~~أحببك إلى خلقك، قال: قد غفرت لك، وحدثت عن مالك بن دينار: أنه لقي أبانا ~~فقال: إلى كم تحدث للناس بالرخص فقال: يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو ~~الله تعالى يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح. # وفي حديث ربعي بن حراش عن أخيه، وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد ~~الموت، قال: لما مات أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه ~~واستوى قاعدا وقال: إن لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان ورب غير غضبان، ~~وإني رأيت الأمر أيسر مما تظنون ولا تغتروا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ينتظرني وأصحابه حتى أرجع إليهم قال: ثم طرح نفسه فكأنه كانت حصاة وقعت في ~~طست فحملناه فدفناه، وقال بكر بن سليمان: دخلنا على مالك رحمه الله تعالى ~~في العشية التي قبض فيها فقلنا كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم إلا ~~أنكم ستعاينون غدا من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب، قال: فما ~~برحنا حتى أغمضناه ودفناه، ورؤي يحيى بن أكثم في النوم فقيل: ما فعل الله ~~تعالى بك: فقال: أوقفني بين يديه وقال: ياشيخ السوء فعلت وفعلت قال: فأخذني ~~من الرعب والفزع ما يعلم الله تعالى، ثم قلت يارب ما هكذا حدثت عنك، فقال: ~~وما حدثت عني؟ فقلت: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك عن ~~نبيك صلى الله عليه وسلم ms0505 عنك أنك قلت: تباركت وتعاليت أنا عند ظن عبدي بي ~~فليظن بي ما شاء، وقد كنت أظن بك أن لا تعذبني، فقال عز وجل: صدق نبيي وصدق # PageV01P371 # أنس صدق الزهري وصدق معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت، قال: فغلفت وخلع علي ~~وألبست ومشى بين يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة. # وفي الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يشدد على الناس ويقنطهم من رحمة ~~الله تعالى فيقول الله تعالى له يوم القيامة: اليوم أؤيسك من رحمتي كما كنت ~~تقنط عبادي منها، وفي الحديث: أن رجلين تواخيا في الله تعالى من بين ~~إسرائيل فكان أحدهما عابدا والآخر مسرفا على نفسه، فكان هذا العابد ينهاه ~~ويزجره فيقول له: دعني وربي أبعثت علي رقيبا؟ حتى رآه ذات يوم على كبيرة ~~فغضب فقال: لا يغفر الله لك قال: فيقول الله تعالى له يوم القيامة: أتستطيع ~~أن تحظر رحمتي على عبادي اذهب فقد غفرت لك، ثم قال للعابد: وأنت فقد أوجبت ~~لك النار، قال: فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه وآخرته، ~~وروينا في معناه أن لصا كان يقطع الطريق أربعين سنة في بني إسرائيل فمر ~~عليه عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني اسرائيل من الحواريين فقال ~~للص في نفسه: هذا نبي الله يمر وإلى جنبه حواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا، ~~قال: فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري نفسه تعظيما للحواري ويقول ~~في نفسه: مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال وأحس به الحواري فقال في ~~نفسه: هذا يمشي إلى جانبي قال: فضم نفسه وتقدم إلى عيسى عليه السلام فمشى ~~إلى جانبه فبقي اللص خلفه، قال: فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: قل ~~لهما يستأنفان العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما، أما الحواري فقد أحبطت ~~حسناته لعجبه بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه قال: ~~فأخبرهما بذلك وضم اللص إلىه سياحته وجعله من حواريه. # وروينا عن مسروق بن الأجدع: إن نبيا ms0506 من الأنبياء كان ساجدا فوطئ بعض ~~العتاة على عنقه حتى الزق الحصى بجبهته قال: فرفع النبي عليه السلام رأسه ~~مغضبا فقال: اذهب فلن يغفر الله قال: فأوحى الله تعالى إليه تتألى علي في ~~عبادي أني قد غفرت له. # قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت يدعو ~~علي لمشركين ويلعنهم في صلاته فنزلت ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم ~~إلي قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) آل عمران: 128 ~~قال: فترك الدعاء عليهم، قال: فهدى الله تعالى عامة أولئك الإسلام. # والأخبار فيما يوجب الرجاء وحسن الظن أكثر من أن تجمع ولم نقصد جمعها، ~~وإنما دللنا بقليل على كثير، ونبهنا عقول ذوي التبصير، وقد قال الله سبحانه ~~وتعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) الانفطار: 6 فنبه العبد مع ~~غرته على كرمه، وذكره مع جهله حسن تسويته إياه بتعديله، يدل على نعمته. # PageV01P372 # وروينا عن الضحاك إن العبد ليدنو من ربه تبارك وتعالى عند العرض فيقول: ~~عبدي أتحصي عملك؟ فيقول: إلهي كيف أحصيه من دونك وأنت الحافظ للأشياء، ~~فيذكره الله تعالى جميع ذنوبه في الدنيا في ساعاتها، فيقول: أنت عبدي فقر ~~بما عرفتك وذكرتك، فيقول نعم سيدي، فيقول الله سبحانه أنا الذي سترتها عليك ~~في الدنيا، فلم أجعل للذنوب رائحة توجد منك، ولم أجعل في وجهك شينها، وأنا ~~أغفرها لك اليوم على ما كان منك، بإيمانك بي وتصديقك المرسلين. # وروينا عن محمد الحنفية عن أبيه علي كرم الله وجهه قال: لما نزلت هذه ~~الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاصفح الصفح الجميل) الحجر: 85 ~~قال: يا جبريل وما الصفح الجميل؟ قال: يا محمد إذا عفوت عمن ظلمك فلا ~~تعاتب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل فالله مع كرمه تعالى ~~أولى أن لا يعاتب من عفا عنه، قال فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فبعث الله عز وجل إليهما ميكائيل فقال: إن ms0507 ربكما يقرئكما السلام ~~ويقول لكما: كيف أعاتب من عفوت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي. # ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه الكريم وسرعة التنافس في كل نفيس ~~ندب إليه الرحيم، فأما الرجاء الذي هو همة جملة الناس من الإقامة في ~~المعاصي والانهماك في الخطايا وهو يرجو المغفرة وينتظر الكرامة، فليس هذا ~~برجاء عند العلماء، لأن الرجاء مقام من اليقين، وليس هذا وصف الموقنين؛ لأن ~~هذا اسمه هو اغترار بالله تعالى، وغفلة عن الله تعالى، وجهل بأحكام الله ~~تعالى. # وقد تهدد الله تعالى قوما ظنوا مثل هذا، وأصروا على حب الدنيا والرضا ~~بها، وتمنوا المغفرة على ذلك، فسماهم خلفا، والخلف: الرديء من الناس، ~~وتوعدهم بشديد البأس في قوله عز وجل: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) الأعراف: 169 والأخبار في حقيقة ~~الرجاء تزيد المغترين اغترارا وتزيد المستدرجين بالستر والنعيم خسارا، وهي ~~مزيد للتوابين الصادقين، وقرة عين المحبين المخلصين، وسرور لأهل الكرم ~~والحياء، وروح ارتياح لذوي العصمة والوفاء، ينتفع به، ويشتد عنده حياؤه، ~~ويروح به كروبهم، وترتاح إليه عقولهم، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء وحسن الظن ~~من العبادات ما لا يستروحه الخوف، إذ المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات، فصار ~~الرجاء طريقا لأهله وصاروا رائجين به كما قال عمر رضي الله عنه: رحم الله ~~صهيبا لو لم يخف الله تعالى لم يعصه: أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف، ~~فصار الرجاء طريقه، فهؤلاء هم الراجون حقا وهذه علامتهم، ولمثل هذا ذكرنا ~~الأسباب التي توجب الرجاء، وتولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء. # ومن الرجاء تحسين الأخلاق مع الخلق، وجميل الصبر عليهم، وحسن الصفح، ~~ولطيف المداراة لهم تقربا إلى الله عز وجل بذلك، وتخلقا بأخلاقه رجاء ~~ثوابه، وطمعا # PageV01P373 # في تنجيز وعده، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # ومن الرجاء ترك الأهواء الرديئة، والشهوات المطغية ويحتسب في ذلك على ~~الله نفيس الذخائر العالية. # فقد روينا عن حميد عن أنس قال: مقابل عرش الرحمن غرفة يرسل إليها جبريل ms0508 ~~عليه السلام، فإذا انتهى إليها خر لله ساجدا، ثم يقول: يارب لمن خلقت هذه، ~~لأي نبي؟ لأ صديق؟ لأي شهيد؟ قال: فيرد عليه عز وجل: لمن آثر هواي على ~~هواه. # ومن الرجاء افتعال الطاعات، وحسن الموافقات، ينوي بها، ويسأل مولاه ~~الكريم عظيم الرغائب وجليل المواهب، لما وهب له من حسن الظن به. # كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سألتم الله تعالى فأعظموا ~~الرغبة، وسلوه الفردوس الأعلى، فإن الله عز وجل لا يتعاظمه شيء. # وفي حديث آخر فأكثروا وسلوا الدرجات العلى، فإنما تسألون جوادا كريما، ~~وفي الآثار أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة، فإذا دخلا ~~الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه، فيقول الآخر: يارب ما كان ~~هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين، فيقول الله سبحانه ~~وتعالى: إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وكنت أنت تسألني النجاة من ~~النار، فأعطيت كل عبد سؤله. # وروينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا يخرج من النار ~~فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول له: كيف وجدت مكانك؟ فيقول: يارب شر مكان، ~~فيقول: ردوه إلى مكانه، قال: فيمشي ويلتفت إلى ورائه، فيقول الله عز وجل: ~~إلى أي معنى تلفت؟ فيقول له: يارب قد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ ~~أخرجتني منها، فيقول تعالى: اذهبوا به إلى الجنة فقد صار الرجاء طريقه إلى ~~الجنة، كما كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها. # كما روينا: إن الآخر سعى مبادرا إلى النار لما قال: ردوه فقيل له في ذلك، ~~فقال: لقد ذقت من وبال معصيتك في الدنيا ماخفت من عذابه في الآخرة فقيل: ~~اصرفوه إلى الجنة، وقال الله سبحانه في وصف قوم: (أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) الإسراء: 57 فطرق ~~لأوليائه من القرب والوسيلة الرجاء، كما طرق الخوف منه إليها، وهذا أحد ~~الوجهين في الآية لمن لم يجعله وصفا للأصنام لأنها قرئت بالتاء ms0509 تدعون قرأها ~~طلحة بن مصرف، فكذلك ندب المؤمنين إلى طلب القرب منه قي قوله عز وجل: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة: 35 فهذه جملة ~~أحكام الرجاء وأوصاف الراجين، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل ~~الرجاء، وهو عند الله تعالى من المقربين، ومن كان فيه وصف من هذه # PageV01P374 # الأوصاف فله مقام من الرجاء. # واعلم أن مقام اليقين لا يزيل بعضها بعضا ولكن يندرج بعضها في بعض، فمن ~~غلب عليه حال مشاهدته وصف بما غلب عليه واستمر بما سوى ذلك من المقامات ~~فيه، ومن عمل بشرط مقام منها وقام بحكم الله تعالى فيه نقل إلى ما سواه، ~~وكان المقام الأول له علما والثاني الذي أقيم فيه له وجدا، فكتم الوجد لأنه ~~سره وعبر عن العلم لأنه قد جاوزه فصار له علانية، ومقام الرجاء هو جند من ~~جنود الله عز وجل يستخرج من بعض العباد ما لا يستخرج غيره لأن بعض القلوب ~~تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان وتقبل وتطمئن بمعاملة النعم ~~والإحسان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف والترهيب بل قد يقطعها ذلك ~~ويوحشها إذ قد جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه قلوبها. # ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي والغنى في الإنسان من يقبل قلبه ~~ويجتمع همه عندهما ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما. # كما روينا عن الله سبحانه وتعالى: إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو ~~أفقرته لأفسده ذلك ومن عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، ~~إني أدبر عبادي بعلمي، إني بهم خبير، فكذلك من عبادي من لا يصلحه إلا ~~الرجاء ولا يستقيم قلبه إلا عليه ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن الظن فهو ~~طريقه إليه ومقامه منه ومنه علمه به وعنده يجد قلبه معه، إلا أنه وإن كان ~~طريقا يخرج إلى الله عز وجل فإن الخوف أقرب منه، وما كان أقرب فهو أعلى، ~~كما أن الغنى والعوافي طرقان إلى الله تعالى إلا أن الفقر والبلاء عندي ~~أقرب منهما وأعلى ms0510 والله غالب على أمره. # وقد روينا عن معمر عن الحسن: أنه قال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم ~~بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق ~~فأساء بالله الظن ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ### | شرح مقام الخوف # ووصف الخائفين وهو الخامس من مقامات اليقين # قال الله عز وجل: (وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت: 43 فرفع العلم على ~~العقل وجعله مقاما فيه وقد قال سبحانه وتعالى: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) فاطر: 28 فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها، والخشية حال من ~~مقام الخوف، والخوف اسم لحقيقة التقوى، والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة ~~الله تعالى للأولين والآخرين، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى: (يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 21 ~~وقوله تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا ~~الله) النساء: 131، وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها والتقوى # PageV01P375 # سبب أضافه تعالى إليه تشريفا له، ومعنى وصله به وأكرم عباده عليه تعظيما ~~له فقال: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) الحج: ~~37 وقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13 وفي الخبر: إذا جمع الله ~~الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع ~~أدناهم يقول: يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، ~~فأنصتوا إلي اليوم، فإنما هي أعمالكم ترد عليكم، أيها الناس إني جعلت نسبا ~~وجعلتم نسبا، فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم، قلت: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ~~الحجرات: 13 وأبيتم إلا فلان بن فلان أغنى من فلان، فاليوم أضع نسبكم وأرفع ~~نسبي، أين المتقون؟ قال: فينصب للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم ~~فيدخلهم الجنة بغير حساب. # والخوف حال من مقام العلم، وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على ~~المؤمنين، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وهذه جمل مقامات أهل الجنان، ~~فقال تعالى: (هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) الأعراف: 154 وقال: (إنما ~~يخشى الله ms0511 من عباده العلماء) فاطر: 28 وقال جل ذكره: (رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه ذلك لمن خشي ربه) البينة: 8 # وفي خبر موسى عليه السلام: وأما الخائفون فلهم الرفيق الأعلى، لا يشاركون ~~فيه، فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى، كا حققهم اليوم بشهادة ~~التصديق، وهذا مقام من النبوة، فهم مع الأنيباء في المزية من قبل أنهم ورثة ~~الأنبياء، لأنهم هم العلماء، قال تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين) النساء: 69، ثم قال تعالى في وصف منازلهم: (وحسن ~~أولئك رفيقا) النساء: 69 بمعنى رفقا، عبر عن جماعتهم بالواحد، لأنهم كانوا ~~كأنهم واحد، وقد يكون رفيقا مقاما في الجنة من أعلى عليين، لقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عند الموت وقد خير بين البقاء في الدنيا وبين القدوم على ~~الله تعالى فقال: أسألك الرفيق الأعلى. # وفي خبر موسى عليه السلام: فأولئك لهم الرفيق الأعلى، فدل أنهم مع ~~الأنبياء بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وشرف مقامهم فوق كل مقام، ~~لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. # فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإيقان، وهو سبب ~~اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر، وليس شيء يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار ~~آفاتها إلا مقام الخوف. # وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: كمال الإيمان العلم، وكمال العلم ~~الخوف، وقال مرة: العلم كسب الإيمان، والخوف كسب المعرفة. # وقال أبو الفيض المصري: لايسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج # PageV01P376 # الخوف قلبه وقال: خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجي، ~~وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، ولكن خوفه على قدر قربه، فخوف الإسلام: ~~اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى، وتسليم القدرة والسطوة له، والتصديق لما ~~أخبر به من عذابه وما تهدد به من عقابه. # وقال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا كفرت، ~~وإن قلت نعم فليس وصفك وصف من يخاف. # وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال: ألا ترى إلى هؤلاء ms0512 أعظهم وأذكرهم فلا ~~يرقون؟ فقال: وكيف تنفع الموعظة من لم يكن في قلبه لله تعالى مخافة، وقد ~~قال الله تعالى في تصديق ذلك: (سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى) الأعلى: 10 ~~- 11 أي يتجنب التذكرة الشقي، فجعل من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة فخوف ~~عموم المؤمنين بظاهر القلب عن باطن العلم بالعقد، وخوف خصوصهم وهم الموقنون ~~بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد: فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء ~~العارفين عن مشاهدة ما آمن به من الصفات المخوفة. # وقد جاء في خبر إذا دخل العبد في قبره لم يبق شيء كان يخافه دون الله عز ~~وجل إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة فأول خوف اليقين الموصوف الذي ~~هو نعت الموصوفين من المؤمنين، المحاسبة للنفس في كل وقت، والمراقبة للرب ~~في كل حين، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شيء من العلوم بغير يقين ~~بها ومن الأعمال بغير فقه فيها. # وفي خبر موسى عليه السلام: وأما الورعون فإنه لايبقى أحد إلا ناقشته ~~بالحساب وفتشته عما في يديه إلا الورعين، فإني أستحييهم وأجلهم أن أوقفهم ~~للحساب، فالورع حال من الخوف، ثم كف الجوارح عن الشبهات وفضول الحلال من كل ~~شيء، بخشوع قلب، ووجود إخبات. # وقال علي كرم الله وجهه: ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق ~~من النار رجع عن المحرمات، ثم سجن اللسان وخزن الكلام، لئلا يدخل في دين ~~الله عز وجل ولا في العلم ما لم يشرعه الله في كتابه أو لم يذكره رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في سنته، أو لم ينطق به الأئمة من السلف في سيرهم مما لم ~~يكن أصله موجودا في الكتاب والسنة، وتسميته واضحة في العلم، فيجتنب ذلك ~~كله، (ولاتقف ما ليس لك به علم) الإسراء: 36 خوفا من المساءلة، ولا يدخل ~~فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظيم حظ دنيا يدخل فيه وأن ينصح نفسه لله ~~تعالى لأنها أولى الخلق، ثم ينصح الخلق في الله تعالى فيبتدئ بالنصح في ~~أمور ms0513 الدين والآخرة، ثم يعقبه في أسباب الدنيا لأن أمور الآخرة أهم، والغش ~~في الدين أعظم، والتزود للمنقلب آثر. # PageV01P377 # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من غش أمتي فعليه لعنة ~~الله، قيل وما غش أمتك يا رسول الله؟ قال: أن يبتدع لهم بدعة فيتبع عليها، ~~فإذا فعل ذلك فقد غشهم. # وثمرة الخوف العلم بالله عز وجل والحياء من الله عز وجل وهو أعلى سريرات ~~أهل المزيد يستبين أحكام ذلك في معنيين؛ هما جملة العبد إن يحفظ رأسه وما ~~حواه من السمع والبصر واللسان وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج ~~واليد والرجل: وهذا خوف العموم، وهو أول الحياء. # فأما خوف الخصوص فهو أن لا يجمع ما لا يأكل ولا يبني ما لا يسكن، ولا ~~يكاثر فيما عنه ينتقل ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل، وهذا هو الزهد وهو ~~حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين، وقد روينا معنى ما ذكرناه في ~~حديثين، أحدهما عام والآخر خاص، وكل من لم يستعمل قلبه في بدايته، ويجعل ~~الخوف حشو إرادته لم ينجب في خاتمته، ولم يكن إماما للمتقين عند علو ~~معرفته. # وأعلى الخوف أن يكون قلبه معلقا بخوف الخاتمة، لا يسكن إلى علم ولا عمل، ~~ولا يقطع على النجاة بشيء من العلوم وإن علت، ولا لسبب من أعماله وإن جلت، ~~لعدم علمه تحقيق الخواتم، فقد قيل: إنما يوزن من الأعمال خواتمها. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة ~~حتى يقال إنه من أهل الجنة، وفي خبر: حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر، ~~ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار ولا يتأتى في هذا المقدار من ~~الوقت شيء من عمل الجسم بالجوارح، إنما هو من أعمال القلوب بمشاهدة العقول، ~~وهو شرك التوحيد الذي لم يكن متحققا به، وشك في اليقين الذي لم يكن في ~~الحياة الدنيا مشاهدا له، فظهر له بيان ذلك عند كشف الغطاء، فغلب عليه ms0514 وصفه ~~وبدت فيه حاله كما يظهر له أعماله السيئة فيستحليها قلبه أو ينطق بها لسانه ~~أو يخامرها وجده، فتكون هي خاتمته التي تخرج عليها روحه، وذلك في سابقته ~~التي سبقت له من الكتاب كما قال تعالى: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ~~الأعراف: 37 تكون عند مفارقة الروح من الجسد (وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص) هود: 109 وقد جاء في خبر حتى لايبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة، ~~فيختم له بعمل أهل النار، وهذا يكون عند بلوغ الروح التراقي، وتكون النفس ~~قد خرجت من جميع الجسد، واجتمعت في القلب إلى الحلقوم فهذا هو شبر، وفواق ~~ناقة: هو ما بين الحلبتين، وقيل: هو شوط من عدوها بين سيرين؛ وهذا من ~~تقلبات القلوب عند حقيقة وجهة التوحيد إلى وجهة الضلال والشرك عندما يبدو ~~له من زوال عقل الدنيا، وذهاب علم المعقول فيبدو له من الله ما لم يكن ~~يحتسب. # وأكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس: أهل البدع والزيغ في ~~الدين، # PageV01P378 # لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول، فأول آية تظهر لهم من قدرة الله تعالى أن ~~يطيح عقله عند شهودها فيذهب إيمانه ولا يثبت لمعاينتها، كما تحترق الفتيلة ~~فيسقط المصباح. # والطبقة الثانية أهل الكبر والإنكار لآيات الله عز وجل وكراماته لأوليائه ~~في الحياة الدنيا، لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة ويمده الإيمان؛ ~~فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين. # والطبقة الثالثة ثلاثة أصناف: متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة، وجميعهم ~~دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة، لأن سوء الختم على مقامات أيضا كمقامات ~~اليقين والشرك في عمر الحياة، منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه ~~وعمله ناظرا، والفاسق المعلن، والمصر المدمن، يتصل بهم المعاصي إلى آخر ~~العمر، ويدوم تقلبهم فيها إلى كشف الغطاء، فإذا رأوا الآيات تابوا إلى الله ~~تعالى بقلوبهم، وقد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأتى منهم، فلا تقبل ~~توبتهم، ولا تقال عثرتهم، ولاترحم عبرتهم، وهم من أهل هذه الآية، (وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: ms0515 إني تبت الآن) ~~النساء: 18 فهم مقصودون بقوله عز وجل: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) سبأ: 54 ~~وهم معنيون بمعنى قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده) ~~غافر: 84، فنصوص الآية للكفار ومعناها ومقام منها لأهل الكبائر وذوي ~~الإصرارمن الفاسقين الزائغين، من حيث اشتركوا في سوء الخاتمة ثم تفاوتوا في ~~مقامات منها، تظهر لهم شهوات معاصيهم، ويعاد عليهم تذكرها، لخلو قلبهم من ~~الذكر والخوف حتى يختم لهم بشهادتها؛ فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ~~ذوي الألباب. # وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: المريد يخاف أن يبتلي بالمعاصي، ~~والعارف يخاف أن يبتلي بالكفر. # وكذلك قال أبو يزيد رحمه الله تعالى قبله: إذا توجهت إلى المسجد كان في ~~وسطي زنار أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فيقطع ~~عني الزنار، فهذا لي في كل يوم خمس مرات، هذا لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في ~~قدرة علام الغيوب. # وقد روينا معنى ذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال: يا معشر الحواريين أنتم ~~تخافون المعاصي ونحن معشر الأنبياء نخاف الكفر. # وروينا في أخبار الأنبياء: أن نبيا شكا إلى الله تعالى الجوع والقمل ~~والعري سنين فأوحى الله تعالى إليه: أما رضيت أن عصمت قلبك أن تكفر بي حتى ~~تسألني الدنيا، فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال: بلى قد رضيت يارب فاعصمني ~~من الكفر فلم يذكر له نعمته عليه بنبوته وعرضه للكفر، وجوز دخوله عليه بعد ~~النبوة، فاعترف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ورضي به واستعصم. # PageV01P379 # وقد كان عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين قبلهما يقول: ماصدق خائف قط ظن ~~أنه لا يدخل النار وما ظن أن يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا. # وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إمام العلماء قبلهم: يخرج من النار ~~رجل بعد ألف عام وياليتني ذلك الرجل، هذا لشدة خوفه من الخلود في الأبدية، ~~قال فبعد أن أخرج منها بوقت لا أبالي. # والعدو يدخل على العارفين من طريق الإلحاد في ms0516 التوحيد والتشبيه في اليقين ~~والوسوسة في صفات الذات، ويدخل على المريدين من طريق الآفات والشهوات، ~~فلذلك كان خوف العارفين أعظم، ومن قبل أن العدو يدخل على كل عبد من معنى ~~همه فيشككه في اليقين كما يزين له الشهوات، فأرواحهم معلقة بالسابقة ماذا ~~سبق لهم من الكلمة، هناك مشاهدتهم، ومن ثم فزعهم، لايدرون أسبق لهم قدم صدق ~~عند ربهم فيختم لهم بمقعد صدق، فيكونون ممن قال تعالى: (إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) الأنبياء: 101 ويخافون أن يكونوا قد حقت ~~عليهم الكلمة، فيكونون ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: يقول الله ~~سبحانه وتعالى هؤلاء في النار ولا أبالي فلا ينفعهم شفاعة شافع، ولاينقذهم ~~من النار دافع، كما قال مولاهم الحق: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ ~~من في النار) الزمر: 19 وكقوله تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم) ~~السجدة: 13 فهذه الآية ومعناها تخويف لأولي الأبصار. # وقال عالمنا رحمه الله في قوله تعالى (وإياي فاتقون) البقرة: 41 عموم أي ~~فيما نهيت عنه: وقوله تعالى (وإياي فارهبون) البقرة: 40 أي في السابقة وهذا ~~خصوص. # وقد نوع بعض العارفين خوف المؤمنين على مقامين فقال: قلوب الأبرار معلقة، ~~بالخاتمة يقولون: ليت شعري ماذا يختم لنا به؟ وقلوب المقربين معلقة ~~بالسابقة يقولون: ليت شعري ماذا سبق لنا به؟ وهذان المقامان عن مشاهدتين: ~~إحداهما أعلى وأنفذ من الأخرى لحالين: أحدهما أتم وأكمل، فهذا كما قيل ذنوب ~~المقربين حسنات الأبرار: أي ما يرغب فيه الأبرار فهو عندهم فضائل، قد زهد ~~فيه المقربون، فهو عندهم حجاب، ومن حقت عليه كلمة العذاب، وسبق له من مولاه ~~الختم بسوء الاكتساب، لم ينفعه شيء، فهو يعمل في بطالة لا أجر له ولا عاقبة ~~قد نظر إليه نظرة بعذ؛ فهو يزداد بأعماله بعدا من قبل أن سوء الخاتمة قد ~~تكون في وسط العمر، فلا ينتظر بها آخره يوافق معصية تكون سببها كعند ~~الخاتمة، إذ هما في سبق العلم سواء، فالخاتمة حينئذ فاتحة، والوقتان واحد. # فإذا ms0517 انقطعت الآجال وانتهت الأعمال تناهي في الإبعاد فحل في دار البعد، ~~وقد روينا في الخبر والله لا يقبل الله تعالى من مبتدع عملا إنه رد على ~~الله تعالى سننه فرد عليه عمله كلما ازداد اجتهادا ازداد من الله تعالى ~~بعدا، كما قال الحكيم: # من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء # PageV01P380 # بل كيف يصنع من أقصاه مالكه ... فليس ينفعه طب الأطباء # وعن مشاهدة هذا المعنى كان خوف الحسن البصري رحمه الله تعالى وحزنه، ~~لعلمه بأنه عز وجل لايبالي ما فعل، فخاف أن يقع بوصف الجبرية في ترك ~~المبالاة، وأن يجعله نكالا لأصحابه، وموعظة لأهل طبقته. # ويقال إنه ما ضحك أربعين سنة وكنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قدم ليضرب ~~عنقه، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها، وإذا سكت كأن النار ~~تسعر بين عينيه، وعوتب في شدة حزنه فقال: ما يؤمنني أن يكون قد اطلع علي في ~~بعض ما يكره فمقتني، فقال اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معمل، فنحن ~~أحق بهذا من الحسن رحمه الله، ولكن ليس الخوف يكون لكثرة الذنوب، فلو كان ~~كذلك لكنا أكثر خوفا منه، إنما يكون لصفاء القلب وشدة التعظيم لله تعالى. # وقد بشر العلاء بن زياد العدوي بالجنة وكان من العباد فغلق عليه بابه ~~سبعا ولم يذق طعاما، وجعل يبكي ويقول: أنا في قصة طويلة، حتى دخل عليه ~~الحسن فجعل يعذله في شدة خوفه وكثرة بكائه، فقال يأخي من أهل الجنة إن شاء ~~الله تعالى، أقاتل نفسك؟ فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف، وقد كان من ~~فوقهم من عليه الصحابة يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا وقد بشروا بالجنة يقينا ~~في غير خبر. # من ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه: ليتني مثلك ياطير وأني لم أخلق بشرا، ~~وقول عمر رضي الله عنه: وددت أني كنت كبشا ذبحني أهلي لضيفهم، وأبوذر رضي ~~الله عنه يقول: وددت أني شجرة تعضد، وطلحة والزبير رضي الله عنهما يقولان: ~~وددنا أنا ms0518 لم نخلق، وعثمان رضي الله عنه يقول: وددت أني إذا مت لا أبعث، ~~وعائشة رضي الله عنها تقول: وددت أني كنت نسيا منسيا، وابن مسعود رضي الله ~~عنه يقول: ليتني أني أكون رمادا، وفي رواية عنه: ليتني كنت بعرة، ليتني لم ~~أك شيئا في طبقة يكثر عدهم ونحن في ارتكاب الكبائر ونحدث نفوسنا بالدرجات ~~العلى والقرب من سدرة المنتهى، ونسينا أن أبانا آدم صلوات الله عليه أخرج ~~من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد ونحن لم نرها بعد فإنما نضرب في حديد ~~بارد. # وروينا في خبر أن رجلا من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا فقالت أمه ~~هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقتلت في سبيل الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك فلعله ~~كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره، وفي حديث آخر بمثل هذه القصة ~~أنه دخل على بعض أصحابه وهو عليل، فسمع أمه تقول هنيئا لك الجنة، فقال: من ~~هذه المتألية على الله عز وجل فقال الرجل: هي أمي يا رسول الله فقال: وما ~~يدرك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه. # PageV01P381 # وروينا بمثل معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على طفل منفوس، ~~ففي راوية: إنه سمع يقول في دعائه: اللهم قه عذاب القبر وعذاب جهنم وفي ~~رواية ثانية: إنه سمع قائلة تقول: هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة، فغضب ~~وقال: ما يدريك؟ إنه كذلك والله، إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي، إن ~~الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا لا يزاد ~~فيهم ولاينقص منهم، وقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة عثمان ~~بن مظعون، وكان من المهاجرين الأول واستشهد لما قالت أم سلمة رضي الله عنها ~~ذلك، وكانت تقول: والله لا أزكي أحدا بعد عثمان رضي الله عنه، وأعجب من ذلك ~~أنا روينا عن محمد ms0519 بن الحنفية رضي الله عنه أنه قال: والله لا أزكي أحدا ~~غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني قال: فتكلمت الشيعة، ~~فأخذ يذكر من فضائل علي كرم الله وجهه ومناقبه؛ فهذه المعاني أحرقت قلوب ~~الخائفين ولعل ذكر البعد في الأبعاد الذي شيب الحبيب القريب في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: شيبتني هود وأخواتها وسورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم ~~يتساءلون لأن في سورة هود ألا بعدا لثمود (ألا بعدا لعاد قوم هود) هود: 60 ~~ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود، وفي سورة الواقعة: (ليس لوقعتها كاذبة) ~~الواقعة: 2 يعني وقعت السابقة لمن سبقت له وحقت الحاقة بمن حقت عليه خافضة ~~رافعة خفضت قوما في الآخرة كانوا مرفوعين في الدنيا حين ظهرت الحقائق وكشفت ~~عواقب الخلائق، وأما سورة التكوير ففيها خواتم المصير وهي صفة القيامة لمن ~~أيقن وفيها تجلي معاني الغضب لمن عاين آخر ذلك، وإذا الجحيم سعرت وإذا ~~الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت هذا فصل الخطاب أي عند تسعير النيران ~~واقتراب الجنان، حينئذ يبتين للنفس ما أحضرت من شر يصلح له الجحيم أوخير ~~يصلح له النعيم وتعلم إذ ذاك من أي أهل الدارين تكون وفي أي منزلين تحل، ~~فكم من قلوب قد تقطعت حسرات على الأبعاد من الجنان بعد اقترابها وكم من ~~نفوس تصاعدت زفرات عن يقينها بمعاينة لنيران أنها تصيبها، وكم من أبصار ~~ذليلة خاشعة لمشاهدة الأهوال، وكم من عقول طائشة لمعاينة الزلزال. # وحدثنا عن أبي سهل رحمه الله تعالى قال: رأيت كأني أدخلت الجنة فلقيت ~~فيها ثلاثمائة نبي، فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدنيا؟ فقالوا لي: ~~سوء الخاتمة، فالخاتمة هي من مكر الله تعالى الذي لا يوصف، ولا يفطن له ولا ~~عليه يوقف، ولا نهاية لمكره، لأن مشيئته وأحكامه لا غاية لها. # ومن ذلك الخبر المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل بكيا خوفا من ~~الله تعالى، فأوحى الله إليهما لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن ~~مكرك؟ فلولا أنهما ms0520 علما أن مكره لانهاية له، لأن حكمه لاغاية له، لم يقولا ~~ومن يأمن مكرك مع قوله: قد أمنتكما ولكان قد انتهى مكره بقوله، ولكانا قد ~~وقفا على آخر مكره، ولكن خافا من بقية المكر الذي هو # PageV01P382 # غيب عنهما، وعلما أنهما لا يقفان على غيب الله تعالى، إذ هو علام الغيوب، ~~فلا نهاية للعلام في علم، ولا غاية للغيوب بوصف، فلم يحكم عليهما القول ~~لعنايته بهما وفضل نظره إليهما، ولأنهما على مزيد من معرفة الصفات، إذ ~~المكر عن الوصف وإظهار القول لايقضي على باطن الوصف، فكأنهما خافا أن يكون ~~قوله تعالى: قد أمنتكما مكري مكرا منه أيضا بالقول على وصف مخصوص عن حكمة ~~قد استأثر بعلمها يختبر بذلك حالهما، وينطر كيف يعملان تعبدا منه لهما به، ~~إذ الابتلاء وصفه من قبل أن المبتلي اسمه فلا يترك مقتضى وصفه لتحقق اسمه، ~~ولا تبدل سنته التي قد خلت في عباده، كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى ~~به المنجنيق في الهواء، فقال حسبي الله ربي فعارضه جبريل عليه السلام فقال ~~ألك حاجة؟ قال لا، وفاء بقوله حسبي الله فصدق القول بالعمل فقال الله ~~تعالى: (وإبراهيم الذي وفى) النجم: 37 بقوله حسبي اللهولأن الله تعالى لا ~~يدخل تحت الأحكام؛ ولا يلزمه ما حكم به على الأنام، ولا يختبر صدقه سبحانه ~~وتعالى، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق وأن بدل الكلم هو بتبديل منه، لأن ~~كلامه قائم به، فله أن يبدل به ماشاء، وهو الصادقين في الكلامين، العادل في ~~الحكمين، الحاكم في الحالين، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه، لأنه قد ~~جاز العلوم والعقول التي هي أماكن للحدود من الأمر والنهي، وفات الرسوم ~~والمعقول التي هي أواسط الأحكام والأقدار. # وفي مشاهدة ما ذكرناه علم دقيق من علوم التوحيد، ومقام رفيع من أحوال ~~التوحيد وبمثل هذا المعنى وصف صفيه موسى في قوله تعالى (فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى) طه: 66 بعد قوله تعالى (لا تخافا إنني معكما) طه: 46 الآية، فلم يأمن ~~موسى أن يكون ms0521 قد أسر عنه في غيبه، واستثنى في نفسه سبحانه ما لم يظهره له ~~في القول، لمعرفة موسى عليه السلام بخفي المكر وباطن الوصف، ولعلمه أنه لم ~~يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور، فخاف خوفا ثانيا حتى أمنه أمنا ثانيا ~~بحكم ثان، فقال: (لا تخف إنك أنت الأعلى) طه: 68 فاطمأن إلى القائل ولم ~~يسكن إلى الإظهار الأول، لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية ~~لها، ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم عليه الأحكام كما لا تعود عليه ~~الأحكام، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام، ثم تعود على المحكومات ~~أبدا، ولأنه جلت قدرته لا يلزمه مالزم الخلق الذي هم تحت الحكم، ولايدخل ~~تحت معيار العقل والعلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، عند من عرفه فأجله ~~وعظمه عن معارف من جهله. # ومن هذا قول عيسى عليه السلام من قوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) المائدة: 116 لما قال له: (أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) المائدة: 116 ومثل هذا قوله في يوم ~~القيامة (إن تعذبهم فإنهم عبادك) المائدة: 118 فجعلهم في مشيئة لعزته ~~وكحمته ولا يصلح أن نكشف حقيقة ما فصلناه في # PageV01P383 # كتاب، ولا ينبغي أن نرسم ما رمزناه من الخطاب خشية الإنكار، وكراهة تفاوت ~~علم أهل المعقول والمعيار إلا أن يسأل عنه من أقيم فيه وأريد به من ذوي ~~القوة والإبصار، فينقل من قلب إلى قلب، فحينئذ يتلوه شاهد منه، أويكشفه ~~علام الغيوب في سرائر القلوب بوحي الإلهام، ويقذفه بنور الهدى للإعلام، ~~والله الموفق لمن شاء من العباد، لما شاء من الحيطة بالعلم وهو الفتاح ~~العليم إذا فتح القلب علمه وإذا نوره بالقين ألهمه. # ومن خوف العارفين علمهم بأن الله تعالى يخوف عباده بمن شاء من عباده ~~الأعلين، يجعلهم نكالا لأدنين ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص ~~من عباده حكمة له وحكما منه. # فعند الخائفين في علمهم أن الله تعالى قد أخرج ms0522 طائفة من الصالحين نكالا ~~خوف بهم المؤمنين؛ ونكل طائفة من الشهداء خوف بهم الصالحين، وأخرج جماعة من ~~الصديقين خوف بهم الشهداء؛ والله تعالى أعلم بما وراء ذلك. # وقد أخرج جماعة من الملائكة وعظ بهم النبيين، وخوف بهم الملائكة ~~المقربين، فصار من أهل كل مقام عبرة لمن دونهم وموعظة لمن فوقهم، وتخويف ~~وتهديد لأولي الأبصار، وهذا داخل في بعض تفسير قوله عز وجل: (آتيناه آياتنا ~~فانسلخ منها) الأعراف: 175 قال بعض أهل التفسير في أخبار بلعم بن باعوراء: ~~إنه أوتي النبوة، والمشهور أنه أوتي الاسم الأكبر، فكان سبب هلاكه، وهو ~~مقتضى وصف من أوصافه، وهو ترك المبالاة بما أظهر من العلوم والأعمال، فلم ~~يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام، ولا نظر أحد من أهل الأحوال إلى ~~حال، ولا أمن مكر الله تعالى عالم به في كل حال، كيف وقد سمعوه تبارك ~~وتعالى يقول: (إن عذاب ربهم غير مأمون) المعارج: 28 فأجهل الناس من أمن غير ~~مأمون، وأعلمهم من خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين. # وهذا خوف لايقوم له شيء؛ وكرب لا يوازيه مقام ولا عمل، لولا أن الله ~~تعالى عدله بالرجاء لأخرج إلى القنوط، ولولا أنه روحه بروح الأنس بحسن الظن ~~لأدخل في الإياس، ولكن إذا كان هو المعدل وهو المروح كيف لا يعتدل الخوف ~~والرجاء، ولا يمتزج الكرب بالروح والرضا، حكمة بالغة، وحكم نافذ، لعلم ~~سابق، وقدر جار، ماشاء الله تعالى لا قوة إلا بالله. # وفي شهود ما ذكرناه علم عن مشاهدة توحيد لمن أشهده، فأقل ما يفيد علم هذا ~~الخائفين ترك النظر إلى أعمالهم ورفع السكون إلى علومهم وصدق الافتقار في ~~كل حال ودوام الانقطاع بكل هم والإزراد على النفس في كل وصف؛ وهذه مقامات ~~لقوم، فيكون هذا الخوف سبب نجاتهم من هذه الوقائع إذ قد جعل الله تعالى ~~التخويف أمنة من الأخذ بالمفاجأة وسببا للرأفة والرحمة لمن ألبسه إياه، وهو ~~أحد الوجهين وفي قوله # PageV01P384 # تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن ms0523 يخسف الله بهم الأرض) النحل: 45 ~~الآية، ثم قال تعالى: (أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم) النحل: 47 ~~وليس يصلح أيضا أن نكشف سر المخاوف من الخاتمة والسابقة لأن ذلك يكون عن ~~حقائق معاني الصفات التي ظهرت عن حقيقة الذات فأظهرت بدائع الأفعال وغرائب ~~المآل وأعادت الأحكام على من أظهر بها وجعل لها ممن حقت عليه الكلمات وجعل ~~نصيبه من معاني هذه السريرة من الصفات فيؤدي ذلك منا إلى كشف باطن الأوصاف؛ ~~وهذا غير مأمور به ولا مأذون فيه، لأنه لا يجب فلم يؤمر به، ولأنه لم يبح ~~فلم يؤذن فيه، وهو من سر القدر وقد نهي عن إفشائه في غير خبر ولو لم يطلع ~~الأولياء عليه لما قيل: فلا تفشوه، فإن أقام الله تعالى عبدا مقام هذه ~~المشاهدة أغناه بالمعاينة عن الخبر، وآنسه بالمحادثة عن الأثر، وذلك هو ~~العلم النافع الذي يكون العلام معلمه، وذلك هو الأثر اللازم الذي يكون ~~الجاعل مؤثره، (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه) الطلاق: 3 فالكتب الذي لا يمحي ما كان من نوره ~~والعين التي لا تخفى لأنها بحضوره والنور الذي لا يطفأ لأنه من روحه والروح ~~الذي لا كرب فيه لأنه من ريحانه والمدد الذي لا ينقطع فمن روحه، وقد كتب ~~وأيد وكل كتاب بيد مخلوق فغيرمحفوظ وقد يضيع وكل أيد بغير روحه فمقطوع وما ~~كتبه الصانع بصنعه في قلب حفيظ فمثبت عتيد. # وقد روينا عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: (في لوح محفوظ) البروج: 22، ~~قال: قلب المؤمن وقال آخر في قوله: (والبيت المعمور) الطور: 4 قلب العارف، ~~وقال بعض أهل المعرفة: (في بيوت أذن الله أن ترفع) النور: 36 قلوب المقربين ~~رفعت إلى وصف الخالق عن ذكر المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالتوحيد على تجريد ~~الوحدانية عن شهادة الأحدية. # وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول: الصدر هو الكرسي والقلب هو ~~العرش والله تبارك وتعالى واضع عليه ms0524 عظمته وجلاله، وهو مشهود بلطفه وقربه، ~~فصدرالمومن أوله صمدية وآخره روحانية وأوسطه ربوبية، فهو صمدي روحاني رباني ~~وقلبه أوله قدرة وآخره بر، وأوسطه لطف، فإذا كان كذلك فهو مشكاة فيها مصباح ~~يرى به الزجاج كأنها كوكب دري تشهد به الآلاء، فهو مرآة جسدي يرى فيرى به ~~الوجه ويجده عنده كما يراه به من وراء مرآة مشاهدة من قلب موقن بعين يقين، ~~يشهد الصدر الكرسي والقلب العرش والله تعالى عليه. # ولا يحل للعلماء أيضا كشف علامات سوء الخاتمة فيمن رأوها فيه من العمال ~~لأن لها علامات جلية عند المكاشفين بها وأدلة خفية عند العارفين المشرف بهم ~~عليها، ولكنها من سر المعبود في العبد خبيئة وخبأة في خزائن النفوس لم يطلع ~~عليها إلا الأفراد وقد ستر ذلك وعطاه بسعة رحمته وحلمه وكثيف ستره وفضله ~~وسيخرج ذلك الخباء يوم تبلى # PageV01P385 # السرائر عند غضبه وعظيم سطوته، فما له من قوة، من عمل، ولا ناصر من علم ~~لا قوة له فينتصر بها، لأن النصرة عزة وهو ذليل، ولا ناصر، لأن الناصر هو ~~الخاذل والمقوى هو المضعف، فما أسوأ حال من لا ينصر نفسه، وليست له من ~~مولاه صحبة، ولو صحبه لنصره، ولو نصره لأعزه ولو وليه لهرب منه عدوه. # قال تعالى: (لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون) الأنبياء: 43 ~~وقال تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض) الفرقان: 6 ~~الآية. # فمن حكمته غفره ومن رحمته ستره، وقال تعالى: (يخرج الخبء في السموات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) النمل: 25؛ فهذه العلوم التي ذكرناها ~~توجب حقائق المخاوف، وهي من سر الملك وخباء الملكوت. # على أن للعبد عند الموت علامات ليس يخفى على العارف بسوء الخاتمة بها ~~لمشاهدته لها وللأحياء علامات عند المكاشفين على الاطلاع يعرفون بها سوء ~~الخاتمة منهم، وهذا علم مخصوص به: من أقيم مقام مقامات المكاشفات عن مشاهدة ~~حقيقة من ذات، وهوسر علام الغيوب عند من أطلعه عليه من أهل القلوب، لأن ~~الكشف يتنوع أنواعا من المعاني، فمنه كشف معاني ms0525 الآخرة، ومنه كشف بواطن ~~الدنيا، ومنه الاطلاع على حقائق الأشياء المستورة لظواهر الأحكام، فهذا من ~~سر الملكوت، ومن معاني كشوف الجبروت. # وقد جاء في خبر القدر سر الله فلا تفشوه فهذا خطاب لمن كوشف به، وفي خبر ~~آخر ستر الله فلا تكشفوه فهذا خطاب لمن لم يكاشف به، وهذا نهي عن السؤال ~~عنه، وهو داخل في قوله تعالى (ولاتقف ما ليس لك به علم) الإسراء: 36 أي لا ~~تتبع نفسك علم ما لم تكلف، ولا تسأل عما لم يجعل من علمك ولم يوكل إليك، ~~ولأنه إذا علمه لم ينفعه علمه شيئا، وإنما ينفعه علم الأحكام والأسباب، ~~لأنها طرقات، وبمثل مخاطبة المؤمنين خاطب أنبياءه عليهم السلام في هذا ~~المعنى في قوله تعالى لنوح عليه السلام حين قال: (إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق) هود: 45 لأنه قدكان وعده نجاة أهله فقال سبحانه وتعالى: (إنه ليس من ~~أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم) هود: 46 أي دعاءك ~~ومسألتك لي ما لم أجعله من علمك ولم أكله إليك عمل غير صالح، فعندها استغفر ~~ربه واسترحمه. # وإن العبد عند موته في آخر ساعة من عمره يكشف له عند كشف الغطاء عن بصره ~~وجوه كثيرة قد اتخذت آلهة من دون الله أو أشرك بها مع الله تعالى وكلها ~~تزيين وغرور فإن وقف القلب مع أحدها، أو زين له بعضها أوتقلب قلبه في شيئ ~~منها عند آخر أنفاسه ختم له بذلك، فخرجت روحه على الشك أو الشرك، وهذا هو ~~سوء الخاتمة، وهو نصيب العبد من الكتاب في السابقة عند خلق الأرواح، معدومة ~~لها في الأشباح في الآباد # PageV01P386 # والآزال قبل إظهار الأكوار والأدوار، فشهدتها الأرواح هناك غرورا، ووقفت ~~معها وقد زادت لها زورا رسوم في القلب في التخطيط قبل خلق الأجسام لها، ~~وقبل حجبها بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود، وقبل إقامتها بشاهد العقل، ~~لكن بشاهد الأولية بدت، وبمعنى القيومية وجدت، وبوصف الجامع جمعت ثم فرقت ~~ههنا، فظهرت الآن عند ms0526 الفراق، لما كانت شهدت في التلاق، واعترفت في الآخر ~~بما كانت نطقت في الأول وخرجت الروح على ما شهدت، وهذا كان خبر السابقة ~~التي أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة. # ومن ذلك جاء في الأثر: يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول: يارب أذكر ~~أم أنثى؟ أسوى أم معوج، ما رزقه، وما عمله؟ ما أثره ماخلقه؟ قال: ثم يخلق ~~الله تعالى على يده كما قال: فإذا صورة قال: يارب أنفخ فيه بالسعادة أو ~~بالشقاوة فلذلك خرجت الروح بما دخلت به (فأما إن كان من المقربين فروح ~~وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين، ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم، وتصلية جحيم) الواقعة: 88 - ~~94 (كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) الأعراف: 29 (كما ~~بدأنا أول خلق نعيده) الأنبياء: 104 (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني) السجدة: 13 وقال سبحانه وتعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) ~~الأنبياء: 101 (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك) يونس: 96 (ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس) الأعراف: 179 (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) ~~المؤمنون: 63 (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) الزمر: 47 (إن في ~~هذا لبلاغا لقوم عابدين) الأنبياء: 106 فهذه الآي ونظائرها وردت في السوابق ~~الأول والخواتم الآخر، وفيها سرائر الغيوب وغرائب الفهوم، وهي من آي المطلع ~~لأهل الإشراف على شرفات العرش والأعراف. # وقال بعض العارفين: لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني ~~وبينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب. # وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند ~~كل حركة، وكل خطرة وهمة، يخافون البعد من الله تعالى، وهم الذين مدح الله ~~تبارك وتعالى (وقلوبهم وجلة) وقال لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات كما ~~يخاف من السيئات. # وقال أيضا: أعلى ms0527 الخوف أن يخاف سابق علم الله تعالى فيه، ويحذر أن يكون ~~منه حدث خلاف السنة يجره إلى الكفر، وقال: خوف التعظيم ميزان خوف السابقة. # وكان بعض العارفين يقول: لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على ~~الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة، قيل ولم؟ قال: لأني لا ~~أدري ما يعرض # PageV01P387 # بقلبي من المشاهدة فيما بين باب الحجرة وباب الدار فيغير التوحيد. # وروينا عن زهير بن نعيم الباني قال: ما أكبر همي ذنوبي، إنما أخاف ما هو ~~أعظم علي من الذنوب وهو أن أسلب التوحيد، وأموت على غيره، وروي ابن المبارك ~~عن أبي لهيعة عن بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس أينما كان يكون ~~وحده فجاء أبو الدرداء فقال: أنشدك الله تعالى ما يحملك على أن تعتزل ~~الناس؟ قال: إني أخشى أن أسلب ديني وأنا لا أشعر، قال: أترى في الحي مائة ~~يخافون ما تخاف؟ فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة قال: فحدثت بذلك رجلا من أهل ~~الشام فقال ذلك شرحبيل بن سمط يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~كان أبوالدرداء يحلف بالله تعالى ويقول: ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه ~~عند الموت إلا سلبه، وقد كان بعض علمائنا يقول: من أعطى التوحيد أعطيه ~~بكماله، ومن منعه منعه بكماله إذا كان التوحيد في نفسه لا يتبعض. # ولما احتضر سفيان الثوري رضي الله عنه جعل يبكي ويجزع فقيل له: يا أبا ~~عبد الله عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك فقال: أو على ذنوبي ~~أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال أن ألقى الله تعالى بأمثال ~~الجبال من الخطايا، وقال مرة: ذنوبي أهون من هذه ورفع حبة من الأرض إنما ~~أخاف أن أسلب التوحيد في آخر الوقت، وقد كان رحمه الله أحد الخائفين، كان ~~يبول الدم من شدة الخوف، وكان يمرض المرضة من المخافة، وعرض بوله على بعض ~~الكتابيين فقال: هذا بول راهب من الرهبان وكان يلتفت إلى حماد بن سلمة ms0528 ~~فيقول: يا أبا سلمة ترجو لمثلي العفو أو يغفر لمثلي؟ فيقول له حماد: نعم ~~أرجو له. # وقد كان بعض العلماء يقول: لو أني أيقنت أن يختم لي بالسعادة كان أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل الله تعالى. # وحدثني بعض إخواني الصادقين وكان خائفا أنه أوصى بعض إخوانه فقال: إذا ~~حضرتني الوفاة فاقعد عند رأسي فإذا عاينت فانظر إلي فإن رأيتني مت على ~~التوحيد فاعمد إلى جميع ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل ~~المدينة وقل: هذا عرس المنفلت، وإن رأيتني مت على غير التوحيد فأعلم الناس ~~أني قد مت على غير التوحيد حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب ~~على بصيرة لئلا يلحقني الرياء فأكون قد خدعت المسلمين فقلت: ومن أين أعلم ~~أنك قد مت على التوحيد؟ فذكر له علامة تظهر من بعض الأموات لم نحب ذكرها، ~~قال: فكنت عند رأسه أنظر إليه كما أمر، حتى أعاين فرأيت علامة حسن الخاتمة ~~وأمارة الموت على التوحيد قد ظهرت وفاضت روحه، قال: فنفذت وصيته كما أمر ~~ولم أحدث بذلك إلا خصوص إخواني من العلماء؛ وذلك أن العبد مهما عمل في ~~حياته من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة ووقعت مشاهدته فيه عند ~~آخرساعة من عمره، فإن استحلى ذلك بقلبه أو استهواه بنفسه وقف معه # PageV01P388 # فإذا وقف معه حسب عليه عملا له وإن قل وكان ذلك خاتمته وكذلك ما عمل من ~~خير أعيد ذكره ومشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحب وقف معه فحسب عملا ~~له وكان ذلك حسن خاتمته. # وقال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى: (خلق الموت والحياة ليبلوكم) ~~الملك: 2 قال: يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة بخواطر الذنوب وفي حال ~~الموت بإلحاد عن التوحيد، فمن خرجت روحه على التوحيد وجاوزت البلاوي كلها ~~إلى المبلى فهو المؤمن وذلك هوالبلاء الحسن، كما قال الله تعالى: (ولىبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا) الأنفال: 17 فهذه المعاني من العلوم أوجبت خوف ms0529 ~~الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة ~~معرفتهم بربهم؛ وهذا الخوف هو الثواب لعلمهم بما يعلمون، فلما سلموا من ~~مطالبة بما يعملون وصحوا على العلم ظهر لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة ~~من الله تعالى عليهم، فكان ذلك مقاما لهم، كما قال الله تعالى: (قال رجلان ~~من الذين يخافون أنعم الله عليهما) المائدة: 23 قيل بالخوف. # والمقام الآخر لأصحاب اليمين دون هولاء؛ خوف الجنايات والاكتساب، وخوف ~~الوعيد وسر العقاب، وخوف التقصير في الأمر وخوف مجاوزة الحد وخوف سلب ~~المزيد، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن ~~المعاملة، وخوف وهن العزم بعد القوة وخوف نكث العهد بنقض التوبة، وخوف ~~الوقوع في الإبتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة، وخوف عود الاعوجاج عن ~~الاستقامة، وخوف العادة بالشهوة وخوف الحور بعد الكور؛ وهو الرجوع عن الحجة ~~إلى طريق الهوى وحرث الدنيا وخوف اطلاع الله تعالى عليهم عندما سلف من ~~ذنوبهم ونظره إلىهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم ويمقتهم وهذه كلها مخاوف ~~وطرقات لأهل المعارف وبعضها أعلى من بعض وبعضهم أشد خوفا من بعض، ويقال: إن ~~العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد وجد في حال من الأحوال إلا ~~طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها العبد فإذا كان يوم القيامة ~~ووقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى نفسه على هيئته التي كان في ~~الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من الحياء والرعب ما يجل وصفه. # ويقال: إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يعامله بها لم يسلبه ~~إياها، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها، ولكن يرفع عنه البركة ويقطع ~~عنه المزيد. # وقد ذم الله تعالى عبدا أوجد له نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ~~ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله ونسي ما قدمت يداه، ولم يخف أن يعيده فيما قد ~~كان جناه في قوله تبارك وتعالى: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني إنه ms0530 لفرح فخور) هود: 10 # PageV01P389 # ومن المخاوف خوف النفاق، وقد كان السلف لصالح من الصحابة رضي الله عنهم ~~وخيار التابعين يخافون ذلك. # كان حذيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا حتى يلقى الله تعالى، إني لأسمعها ~~من أحدكم في اليوم عشر مرات. # وكان يقول: تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه ~~مغرز إبرة، ويأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لايكون للإيمان فيه مغرز ~~إبرة. # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إنكم لتعلمون أعمالا هي ~~أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الكبائر وفي لفظ آخر: من الموبقات. # وقد كان الحسن رحمه الله يقول: لوأني أعلم أني بريء من النفاق كان أحب ~~إلي مما طلعت عليه الشمس. # وقيل: لايعرى من النفاق إلاثلاث طبقات من المؤمنين: الصديقون والشهداء ~~والصالحون، وهؤلاء الذين مدحهم الله تعالى بكمال النعمة عليهم، وألحقهم ~~بمقامات أنبيائه لكمال الإيمان وحقيقة اليقين فيهم، وقيل من أمن من النفاق ~~فهو منافق. # وكان بعضهم يقول: علامة النفاق أن يكره من الناس ما يأتي مثله، وأن يحب ~~على شيء من الجور، وأن يبغض على شيء من الحق، ومن النفاق من إذامدح بما ليس ~~فيه أعجبه ذلك. # وعلامات النفاق أكثر من أن تحصى، يقال هي سبعون علامة، والحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أربع هن أصولها تتشعب منها الفروع فقال عليه ~~الصلاة والسلام أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ~~وإن كانت فيه خصلة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب؛ وإذا ~~وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر وفي لفظ آخر إذا عاهد غدر فصارت ~~خمسا. # وقال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على هؤلاء الأمراء ونصدقهم ~~بما يقولون فإذا خرجنا تكلمنا فيهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقا ms0531 على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وروينا عنه من طريق آخر أنه سمع رجلا يذم الحجاج ويقع فيه فقال له: أرأيت ~~لو كان الحجاج حاضرا أكنت تتكلم بما تكلمت به؟ قال لا، قال: كنا نعد هذا ~~نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأشد من ذلك أن نفرا قعدوا على باب حذيفة رضي الله عنه ينتظرونه، فكانوا ~~يتكلمون في شيء من شأنه، فلما خرج عليهم سكتوا حياء منه، فقال: تكلموا فيما ~~كنتم تقولون فسكتوا، فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وأعظم من هذا ما كان الحسن رحمه الله يذهب إليه، كان يقول: إن من النفاق ~~اختلاف السر والعلانية، واختلاف اللسان والقلب، والمدخل والمخرج. # PageV01P390 # فدقائق النفاق وخفايا الشرك عن نقصان التوحيد وضعف اليقين أوجبت المخاوف ~~على المؤمنين خشية مقت الله تعالى، وخوف حبوط الأعمال. # من ذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن الرجل ليخرج من منزله ومعه ~~دينه فيرجع إلى منزله وليس معه من دينه شيء، يلقى الرجل فيقول: إنك لذيت ~~وذيت ويلقى الآخر فيقول لأنت وأنت، ولعله لا يخلى منه بشيء، وقد سخط الله ~~تعالى عليه، يعني به التزكية لما لا يعلم، والمدح لمن يستحق الذم، واختلاف ~~قلبه ولسانه، ففي هذا مقت من الله تعالى. # وفوق هذه المخاوف سلب الإيمان الذي هو عندك في خزانة المؤمن، يظهره كيف ~~شاء، ويأخذه متى شاء، لا يدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك لكرمه؟ أو وديعة ~~وعارية أودعك إياه وأعارك هو؟ فيأخذه إذا لا محالة لعدله وحكمته، وقد أخفى ~~عنك حقيقة ذلك، واستأثر بعاقبته. # وقال بعض العارفين: إنما قطع بالقوم عند الوصول مع الخاتمة: وقال آخر: ~~واخطراه كما قال أبو الدرداء وحلف: ما أحد أمن من أن يسلب إيمانه إلا سلبه، ~~أفرأيت الوقت الذي قال حذيفة: يأتي على القلب ساعة فيمتلئ نفاقا حتى لا ~~يكون فيه للإيمان مغرز إبرة، إن صادف الموت ذلك الوقت وكان هو آخر وقت، ~~أليس تخرج روحه ms0532 على النفاق، وكذلك تقليبات القلوب في معاني الشرك وتلويحات ~~الشك إن وافق وقت الوفاة كان خاتمته عند لقاء مولاه، وإنما سميت الخاتمة ~~لأنها آخر عمله وآخر ساعة من العمر، وخاتم الشيء آخره ومن ذلك قوله تعالى: ~~(وخاتم النبيين) الأحزاب: 40 أي آخرهم، ومثله: (ختامه مسك) المطففين: 26 ~~وخاتمه مسك أي آخر الكأس، بدلا من الثفل يكون مسكا. # ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع بقية المعرفة المبتدأة ~~ليكون مستدرجا بها كما قال بعض العلماء: إن الله تبارك وتعالى إذا أعطى ~~عبدا معرفة فلم يعامله بها لم يسلبه تلك المعرفة ولكن بقاؤها فيه حجة عليه ~~ليحاسبه على قدرها وإنما يقطع عنه المزيد وقد يقسى قلبه وتجري عينه وذلك من ~~النقصان الذي لا يعرفه إلا أهل التمام لأنه يمنعه منه ما ينفعه عنده ويعطيه ~~ما يغتر به ويفتتن عند الخلق لأن عين الوجه من الملك للدنيا وعين القلب من ~~الملكوت للآخرة وقال مالك ابن دينار: قرأت في التوراة: إذا استكمل العبد ~~النفاق ملك عينيه فيبكي متى شاء وقد كانوا يستعيذون بالله عز وجل من بكاء ~~النفاق وهو أن يفتح للعبد ألوان البكاء ويغلق عنه باب الذل والخشوع. # وقد قال الله عز وجل: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) يوسف: 16 وكان السلف ~~أيضا يقولون: استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل: وما هو؟ قال: أن تبكي ~~العين والقلب قاس فلأن يعطي الإنسان رقة القلب في جمود عين خير من أن يعطي ~~دموع عين في قسوة قلب، # PageV01P391 # ورقة القلب عند أهل القلوب هو خشوعه وخوفه وذله وانكساره وإخباته، فمن ~~أعطاه هذا في قلبه لم يضره ما منعه من بكاء عينه فإن رحج له بفيض العين فهو ~~فضل، ومن أعطاه بكاء العين وحرمه خشوع القلب وذله وخضوعه وإخباته فهو مكر ~~به؛ وهذا هو حقيقة المنع وعدم النفع وجملة بكاء العين إنما هو في علم ~~العقل، فأما علم التوحيد بمشاهدة اليقين فلا بكاء فيه لأنه يظهر لشاهد ~~الوحدانية فيحمله على علم القدرة فتفيض الدموع بانتشاق القوة، ms0533 وقد وصف الله ~~تعالى الباكين: إن البكاء يزيدهم خشوعا في قوله تعالى: (يبكون ويزيدهم ~~خشوعا) الإسراء: 109 فإذا زادنا البكاء كبرا وفخرا علمنا بذلك عدم الخشوع ~~في القلب فكان تصنعا وعجبا لخفايا آفات النفوس، فأعلى المخاوف خوف السوابق ~~والخواتم كما كان بعض العارفين يقول: ما بكائي وغمي من ذنوبي وشهواتي لأنها ~~أخلاقي وصفاتي لا يليق بي غيرها إنما حزني وحسرتي كيف كان قسمي منه ونصيبي ~~حين قسم الأقسام وفرق العطاء بين العباد فكيف كان قسمي منه البعد، فهذا ~~الذي ذكرناه هو جمل خوف العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وهم أبدال النبيين ~~وأئمة المتقين، أولو القوة والتمكين، وسئل أبو محمد رحمه الله: هل يعطي ~~الله أحدا من الخوف مثقالا فقال: من المؤمنين من يعطي من الخوف وزن الجبل ~~قيل: فكيف يكون حالهم يأكلون وينامون وينكحون؟ قال: نعم يفعلون ذلك ~~والمشاهدة لا تفارقهم والمأوى يظلهم قيل: فأين الخوف قال: يحمله حجاب ~~القدرة بلطيف الحكمة ويستر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات البشرية ~~فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين، وهذا كما قال لأن مشاهدة التوحيد ~~بالتصريف والحكمة تقيمه بالقيام بالأحكام، وذلك أن نور الإيمان في القلب ~~عظيم لو ظهر للقلب لأحرق الجسم وما اتصل به من الملك إلا أنه مستور بالفضل ~~مغطى بالعلم لإيقاع الأحكام، وإيجاب التصريف فيها والقيام يجري مجرى ~~الغايات من معاني القدر والصفات لأن الأنوار محجوبة بالأسماء والأسماء ~~محجوبة بالأفعال والأفعال محجوبة بالحركات فتظهر الحركة بالقدرة وهي غيب من ~~ورائها، كذلك يظهر التصريف بالحكمة من نور الإيمان وأنوار الإيمان مستورة ~~من ورائه. # وقال بعض العارفين: لو كشف وجه المؤمن للخلق عند الله تعالى لعبدوه من ~~دون الله تعالى ولو ظهر نور قلبه للدنيا لم يثبت له شيء على وجه الأرض، ~~فسبحان من ستر القدرة ومعانيها بالحكمة وأسبابها حلما منه ورحمة وتطريقا ~~للخلق إليه للمنفعة، وفي قراءة أبي بن كعب مثل نور المؤمن، فولا أن نوره من ~~نوره ما استجاز إبدال حرف بغير معناه، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: ms0534 ~~الخوف مباينة للنهي والخشية الورع والإشفاق الزهد، وكان يقول: دخول الخوف ~~على الجاهل يدعوه إلى العلم، ودخوله على العالم يدعوه إلى الزهد، ودخوله ~~على العامل يدعوه إلى الإخلاص، # PageV01P392 # وقال أيضا الإخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف ولا ينال الخوف إلا بالزهد ~~فقد صار الخوف يصلح للكافة إذ دخوله على العامة يخرجهم عن الحرام، ودخوله ~~على الخاصة يدخلهم في الورع والزهد، لأن من خاف ترك، وقال أيضا: من أحب أن ~~يرى خوف الله تعالى في قلبه فلا يأكل إلا حلالا ولا يصلح علم الرجاء إلا ~~للخائف، وقال: الخوف ذكر والمحبة أنثى، ألا ترى أن أكثر النساء يدعون ~~المحبة يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى؛ وهذا كما ~~قال لأن الخوف حال العلماء، والرجاء حال العمال، وفضل العالم على العابد ~~كفضل القمر على الكواكب. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل من علم أحب إلي من فضل من ~~عمل، وخير دينكم الورع واعلم أن الخوف عند العلماء على غير ما يتصور في ~~أوهام العامة وخلاف ما يعدونه من القلق والاحتراق أو الوله والانزعاج لأن ~~هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين وليست من حقيقة العلم في شيء، بمنزلة ~~مواجيد بعض الصوفية من العارفين في أحوال المحبة، من احتراقهم وولههم. # والخوف عند العلماء إنما هو اسم لصحيح العلم وصدق المشاهدة، فإذا أعطى ~~عبد حقيقة العلم وصدق اليقين سمي هذا خائفا، فلذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أخوف الخلق، لأنه كان على حقيقة العلم ومن أشدهم حبا لله تعالى، ~~لأنه كان في نهاية القرب، وقد كان حالة السكينة والوقار في المقامين معا، ~~والتمكين والتثبيت في الأحوال كلها، ولم يكن وصفه القلق والانزعاج، ولا ~~الوله والاستهتار، وقد أعطي أضعاف عقول الخليقة وعلومهم، ووسع قلبه لهم، ~~وشرح صدره للصبر عليهم. # فكان صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي كأنه أعرابي، ومع الصبي بمعناه، ومع ~~المرأة في نحوها، يقاربهم في علومهم، ويخاطبهم بعقولهم، ويظهر منه مثل ~~وجدهم، ليعطيهم نصيبهم من الأنس به، ms0535 ويوفيهم حقوقهم من الدرك منه، ولئلا ~~تعظم هيبته في صدورهم، فينقطعون عن السؤال له والأنس به حكمة منه، لا ~~يفطنون لها ورحمة منه قد جبل عليها، قد ألبس مواجيدهم لبسة، وأدخل ذلك عليه ~~صبغة، بغير تكلف ولا تصنع، تعلم ذلك من الحكيم العليم، فلذلك وصفه عز وجل ~~بخلقه، وتعجب من وصفه فقال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4 قيل على ~~أخلاق الربوبية، وقرئت بالإضافة ليكون عظم اسم الله سبحانه لا يظهر من حاله ~~ونصيبه شيئا لقوة التمكين وفضل العقلاء ولا يبخس من نصيبهم منه شيئا لحقيقة ~~العدل، ولا يتظاهر بشيء لحقيقة الزهد ونهاية الخشوع والتواضع، ولا يظهر ~~عليه شيء لمكانة القوة ورسوخ العلم والحكمة، وعلى منهاجه وسنته وصف ~~العارفين من أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء. # وقال بعض أهل المعرفة: من طالب الخلق بعلمه وخاطبهم بعقله، فقد بخسهم # PageV01P393 # حقوقهم منه، ولم يقم بحق الله تعالى فيهم. # وقال بعض العلماء: لا يكون إماما من حدث الناس بكل ما علمه وأظهر لهم ~~نصيبه وكان يحيى بن معاذ يقول: لا تخرج أحدا من طريقه ولا تخاطبه بغير علمه ~~فتتعب، ولكن أغرف له من نهره، واسقه بكأسه. # وسئل بعض العلماء عن العارف، هل يستوحش من الخلق؟ قال: لا يستوحش، ولكن ~~قد يكون نفورا، قيل: فهل يستوحش منه؟ فقال العارف لا يستوحش منه، ولكن قد ~~يهاب. # ومما يدلك أن الخوف اسم لحقيقة العلم أن في قراءة أبي بن كعب في قوله ~~تعالى: (فخشينا أن يرهقهما) الكهف: 80 فخاف ربك أن يرهقهما. # وقال يحيى بن زياد النحوي: ومعناه فعلم ربك، وقال: الخوف من أسماء العلم ~~والله أعلم. ### | بيان آخر في معنى الخوف # والخوف أيضا من أسماء المعاني، فوجوده بانتفاء ضده فإذا عدم من القلب ~~الأمن من كل وجه من أحوال الدنيا وأمور الآخرة؛ فلم يأمن مكر الله تعالى في ~~كل الأحوال، في تصريف أحكام الدنيا وتقليب حركات القلوب والنفوس، وجواذب ~~الشهوات، وإثارة طبائع العادات، ولم يسكن إلى عرف ولا اعتياد، ولم يقطع ~~بسلامته وبراءته ms0536 في شيء كان هذا خوفا، وسمى العبد بفقد الأمن من جميع ذلك ~~خائفا، فهذا مستعمل فاش في كلام العرب، ومذهبهم، يقول أحدهم: أخاف من كذا ~~إذا لم يأمنه، أو أخاف أن يكون كذا إذا تحقق علمه. # وقيل لبعض العلماء: ما بال العارف يخاف في كل حال؟ فقال: لعلمه أن الله ~~تعالى قد يأخذ في جميع الأحوال. # ثم إن للخائفين بعد هذا طرقا ووجهة من قبل الخوف المقلق والإشفاق المزعج، ~~والوجل المحرق، وهي مجاوزات للطرق السابلة التي هي محاج للأئمة المختارة ~~الفاضلة، وفيها متاوه ومهالك، نقلت عنها العلماء السادة، والصفوة المختارة، ~~إلا أنه قد سلك ببعض الزهاد والعباد فيها وأريد بعض العارفين بها ليست ~~بمفضلة كل ذلك عن العلماء، ولا بمتنافس فيها مغبوط عليها عند العارفين، ~~لأنها قد تخرج من طرقات المسالك إلى مفاوز المهالك، وإنما أريد ببعضهم ~~التعريف لها والاطلاع عليها، ومنهم من أريد منه التيه والوله فيها إلا أنها ~~أشهر في أسماع العامة وأعجب وأهول عند العموم. ### | ذكر تفصيل هذه المخاوف # اعلم أن للخوف سبع مفائض تفيض إليها من القلب، فإلى أي مفيض فاض من # PageV01P394 # القلب إليه أتلف صاحبه به إلا ما يستثنيه. # قد يفيض الخوف من القلب إلى المرارة وهي أرق صفات الأدمة، وهي باطن ~~البشرة فيحرقها فيقتل العبد، وهؤلاء هم الذين يموتون من الغشى والصعق ~~وبداوة الوجه، وهم ضعفاء العمال. # وقد يطير الخوف من القلب إلى الدماغ فيحرق العقل فيتيه العبد فيذهب الحال ~~ويسقط المقام. # وقد يحل الخوف السحر وهو الرئة فينقبها فيذهب الأكل والشرب حتى يسل الجسم ~~وينشف الدم، وهذا لأهل الجوع والطي والاصفرار. # وقد يسكن الخوف الكبد، فيورث الكمد اللازم، والحزن الدائم ويحدث الفكر ~~الطويل والسهر الذاهب، وفي هذا المقام يذهب النوم ويدوخ السهر وهذا من ~~أفضلها، وفي هذا الخوف العلم والمشاهدة وهو من خوف العاملين، وقد يقدح ~~الخوف في الفرائص؛ والفريصة هي اللحمة التي تكون على الكتف، يقال للحمتي ~~الكتفين: الفريصتان وجمعها الفرائص، ومنه الخبر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يعجبه ms0537 الفريصتان من اللحم وهو أرق لحم الحيوان وأعذبه، فمن هذا ~~الخوف يكون الاضطراب والارتعاش واختلاف الحركة، وقد يبدو الخوف من القلب ~~فيغشى العقل فيمحي سلطانه لقهر سلطان القدرة ومحو الشمس إذا برزت ضوء القمر ~~للبادي الذي يبدو على السر من خزائن الملكوت فيضعف لحمله العقل فيضطرب ~~لضعفه الجسم فلا يتمكن العبد من القرار لضعف صفته وذلك أن أجزاء الإنسان ~~وإن كانت متفرقة في البنيان للحكمة والإتقان فهي كشيء واحد يجمعها لطيف ~~القدرة بإظهار المشيئة، فأسفل البنية منوط بأعلاها فإذا اضطراب أعلاها مال ~~أسفلها وإذا وصل الداء أو الدواء إلى عضو منها تداعى له سائرها، وهذه ~~الطائفة أشبه بالفضل وأدخل في وصف العلم وقد سلك في هذا الطريق أكابر ~~العماء وأفاضل أهل القلوب وقد كان هؤلاء في التابعين كثير منهم؛ الربيع بن ~~خيثم وأويس القرني، وزرارة بن أوفى، ونظراؤهم من الأخيار رضي الله عنهم، ~~ولم ينكر هذا علية الصحابة مثل عمر وابن مسعود رضي الله عنهم. # وقد كان عمر رضي الله عنه يغشى عليه حتى يضطرب مثل البعير ويسقط من قيام، ~~وقد كان ذلك يلحق سعيد بن جذيم، وكان من زهاد أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومن أمراء الأجناد بعثه عمر رضي الله عنه واليا على أهل الشام، ~~وكان يوصف له من زهده وشدة فاقته ما يعاتبه عمر في ذلك ويبعث إليه بالمائة ~~دينار وبأربعمائة دينار ليستنفقها على أهله فيفرق ذلك على الغزاة في قصة ~~طويلة، فكتب إليه أهل الشام يذكرون شأنه، وكان يغشى عليه في مجلسه فخشوا ~~عليه من دخيلة في عقله ولم يعرف ذلك أهل الشام فسأله عمر لما لقيه الذي ~~يصيبه إذا تحدث فأخبره بما يجد من مشاهدته وهو وجد الصوفية من أهل # PageV01P395 # الأحوال، فعرف عمر ذلك وعذره، وما زاده ذلك عنده إلا خيرا فكان يرمه ~~ويعرف له فضله، وكتب إلى أهل الشام أن لا تعنفوا في أمره ودعوه وقد كان ~~أقوى الأقوياء وهادي الهداة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم يغشى عليه ~~عند نزول ms0538 الوحي إذا لبسه أزال ترتيب العقل منه ورفع مكان الكون عنه ويغط ~~ويتربد وجهه وينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي، إلا أن هذا ~~كان يصيبه في ضرب من الوحي إذا تغشاه ونزل عليه روح القدس في روحه واستبطن ~~قلبه لأن الوحي على أربعة أضرب؛ ضربان متصلان هذا أحدهما، وضربان منفصلان، ~~ومن كل واحد يلحق العلماء بالله تعالى أهل القلوب الناظرة والشهادة ~~الحاضرة، وشرح هذا يطول وليس يعرفه علم يقين إلا من سلك طريقه ولا يشهده ~~شهادة تحقيق إلا من ذاق حقيقته ومن آمن به تصديق تسليم فله منه نصيب، إلا ~~أن هذا في أهل مقامات ثلاث من المقربين؛ مقام المعرفة؛ والمحبة والخوف، وكل ~~ضروب الوحي بعد هذه الأربعة وهي عشرة لأهل هذه المقامات الثلاث منه نصيب ~~خواطر أو وجد أوشهادة أوحال أو مقام؛ وهو وصف التمام إلا نوعين من أنواع ~~الوحي فإنهما ممتنع ومخصوص بهما المرسلون؛ أحدهما ظهور الملك في صورته وسمع ~~كلام الله بصفته ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام ~~في صورته بالأبطح فصعق. # وروى حمزة عن حمران بن أعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ آية في ~~سورة الحاقة فصعق وقال الله تعالى: (وخر موسى صعقا) الأعراف: 143 وقد يفيض ~~الخوف من القلب إلى النفس فيحرق الشهوات ويمحو العادات ويخمد الطبع ويطفئ ~~شعل الهوى وهذا أحد المخاوف وأعلاها عند أهل المعارف، وهؤلاء أفضل الخائفين ~~وأرفعهم مقاما؛ وهو خوف الأنبياء الصديقين وخصوص الشهداء، وليس فوق هذا وصف ~~يغبط عليه الخائف ولا يفرح به عارف، فإن جاوز الخوف هذه الأوصاف فقد خرج من ~~حده وجاوز قدره لأنه إذا أحرق الشهوات ومحا الأهواء فلم يترك شهوة ولا هوى ~~ثم إن لم يعصم العبد من مجاوزة حد الخوف خرج به الخوف إلى أحد ثلاثة معان ~~خيرها أن يسري إلى النفس فيحرقها فيتلف العبد فتكون له شهادة، وليس هذا ~~محمودا عند علماء الخائفين من أرباب العلوم والمشاهدات، إلا أنه قد قال بعض ~~العلماء ms0539 ما شهداء بدر بأعظم أجرا ممن مات وجدا؛ وهذه أوصاف ضعاف المريدين ~~إذ للعلماء الموقنين بكل شهادة من اليقين أجر شهيد وأوسطها أن يعلو إلى ~~الدماغ فيدنيه فتنحل عقدة العقل لذويه فتضطرب الطبائع لانحلال عقدة العقل ~~ثم تختلط المزاجات لاضطرابها فتحترق الصفراء فتحول سوداء فيكون من ذلك ~~الوسواس والهذيان والتوه والوله، وذلك أن الدماغ جامد وهو مكان للعقل هو ~~مركب عليه معقود به فإذا اختلطت المزاجات اشتعلت فتلهب شعلها إلى الدماغ ~~فأحرقه وأذابه، فحل محل العقل الذي مكانه مخ الدماغ وسلطانه صقال القلب # PageV01P396 # الظاهر كصقال الرقعة، وهو بمنزلة الشمس الطالعة، محلها الفلك العلوي، ~~وشعاعها على الأرض، كذلك العقل محله المخ، وسلطانه في القلب، وفي هذا ~~المقام الطيش والهيمان، وهذا مكروه عند العلماء؛ وقد أصاب ذلك بعض المحبين ~~في مقام المحبة فانطبق عليهم فولهوا بوجوده، ومنهم من فزع ذلك عن قلوبهم ~~فسرى عنهم فنطقوا بعلمه. # وقد كان أبو محمد رحمه الل تعالى يقول لأهل التقلل الطاوين المتقشفين: ~~احفظوا عقولكم، فإنه لم يكن ولى الله ناقص العقل. # والمعنى الثالث وهو شرها في مجاوزة الخوف، هو أن يعظم ويقوى، فيذهب ~~الرجاء إذا لم يواجه بعلم الأخلاق من الجود والكرم والإحسان التي تعدل ~~المقام، فتروح كروب الحال فيخرجه ذلك إلى القنوط من رحمة الله، والإياس من ~~روح الله تعالى، دخلت عليهم هذه المشاهدة من قبل العدل والإنصاف بمعيار ~~العقل فجاوزت بهم علم وصفه بالكرم، وخفى الألطاف، فتعدت بهم الحدود من قبل ~~قوة نظرهم إلى الاكتساب؛ وتمكن تحكم شهادة الأسباب، ورجوعهم إلى أنفسهم في ~~الحول والاستطاعة، وإثباتهم لتحقيق الوعيد عليهم خاصة لا محالة، والحكم علي ~~الحاكم الراحم بعقولهم وعلومهم، من غير تفويض منهم إلى مشيئته، ولا استلام ~~لقدرته، ولا تأميل لأحد معاني صفاته الحسنى التي تعم جميع صفاتهم السوأى، ~~فظهرت سيئاتهم الثواني أمامهم، فحجبتهم عن المحسن الأول، ولم يعلموا أنهم ~~بإحسانه إليهم أساءوا، وبسبق علمه فيهم تعدوا، وإن قلمه لم يكن بأيديهم إذ ~~جرى بما عليهم، وإن قهر قدرته وسلطان جبره أظهر منهم من خزائنه ms0540 ما فيهم، ~~يدلك على صحة ما ذكرناه أن أكثر هذه المخاوف كانت في البصريين، وأهل عبادان ~~والعسكريين، فكان مذهبهم القدر، والقول باللطف، وتفويض المشيئة وتقديم ~~الاستطاعة. # منهم العمرية أصحاب عمرو، والعبادية شيعة عباد، والفوطية والعطوية أصحاب ~~هشام الفوطى، وابن عطاء الغزالي. # ومنهم التيمية نفوا نصف القدر، ومنهم المنازلية أصحاب المنزلة بين ~~المنزلتين، والقول بمقدور من قادرين، وفعل من فاعلين، فابتلوا بالاعتماد ~~على الأسباب، وبالنظر إلى أولية الاكتساب فحجبهم ذلك عن المقدر الوهاب، ~~فهرب هؤلاء من الأمن والاغترار، فوقعوا في أعظم منهما من القنوط والإياس، ~~فصاروا في كبائر المعاصي من خوفهم منها. # فمثلهم مثل الخوارج، خرجوا على الأئمة بالسيف لإنكار المنكر، فوقعوا في ~~أنكر المنكر من تكفير الأئمة، وإنكارهم السلطان، وتكفيرهم الأمة بالصغائر، ~~وهذا من أبدع البدع، وهؤلاء كلاب أهل النار. # ومثلهم أيضا مثل المعتزلة، هربوا من طريق المرجئة أن الموحدين لا يدخلون ~~النار، # PageV01P397 # فحققوا الوعيد على الموحدين، وخلدوا الفاسقين في النار، فجاوزوا حد ~~المرجئة وزادوا عليهم، كما جاوزت المرجئة طريق أهل السنة وقصرت عنهم. # وكان شيخنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول: أهل البدعه كلهم يرون الخروج ~~على السلطان، ويرون السيف على الأمة، ويكفرون الأئمة، فهذا أضر الوجوه في ~~مجاورة الخوف عن قدره، وهو من التعدي لحدود الله تعالى وأمره (قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) الطلاق: 3 فصدق الرجاء ~~واعتدال الخوف به من نحقيقة العلم بالله تعالى، ومجاوزة الشيء كالتقصير ~~عنه، والمؤمن حقا هو المعتدل بين الخوف والرجاء، فالخوف المتلف للنفس ~~بالموت، أو المزيل للعقل بالفوت خير من هذا الوصف الذي هو القنوط، لأن هذا ~~مزيل للعلم؛ ومسقط للمقام، موقع في الكبائر. # على أن هذين المقامين من الخوف، ليس فيهما علم ولا مشاهدة على الكشف، ~~وإنما هو قوة وجد تصطلم مرارته فتوجد إتلاف النفس، ومحو العقل من عبد ~~بمنزلة خوف الكروبيين خاصة من الأملاك أهل الكرب والتمكن، لأنهم لا ينقلون ~~في المقامات التي يعدلون بها كمقربي الروحانيين. # وبلغني أن منهم جيلا يخرج ms0541 كل يوم من تحت العرش بعدد البشر، قد أقلقه ~~الشوق وحقره الكرب، يريد النظر إلى وجه العلى الأعلى فيحرقهم شعاع سبحات ~~وجهه الكريم سبحانه وتعالى، فيحترقون احتراق الفراش في المصباح، ثم يعود ~~مثلهم من الغد، فهذا دأبهم إلى يوم القيامة، كل ملك لو جمع السموات ~~والأرضين في كفة غابت في قبضته. # ولعمري إن سائر الملائكة لا ينقلون في المقامات كالمؤمنين، بل لكل ملك ~~مقام معلوم لا ينتقل منه إلى غيره، إنما يمدون من ذلك المقام بمدد لا نهاية ~~له إلى يوم القيامة بأكثر ما يزاد جميع البشر، ولكن أولئك يحمل خوفهم ~~قواهم، ويثبت بمشاهدة وصف المخوف خوفهم وصفاتهم، فلا يئودهم ولا يقتلهم، ~~لأنهم يمدون بالقوى، ويعصمون من الموت، بحفظ آجالهم إلى وقتها في الآخر، ~~على أن منهم من يطيش عقله ويتوله قلبه ومنهم من يصبح في تيهه، ومنهم من ~~يتيه فلا يرد وجهه شيء إلى يوم القيامة، ومنهم من يفزع الفزعة فلا يرتد ~~إليه طرفه، ولا يرجع إليه عقله إلى يوم الحشر، ومنهم من يصعق صعقة فلا يزال ~~في صرخة واحدة إلى نفخ الصدور، وكثير منهم يصعقون عند سماع الكلام من الملك ~~الجبار (حتى إذا فزع عن قلوبهم) سبأ: 23 سألوا الروحانيين من المقربين ذوي ~~الحجب القريبة والرتب العلية، منهم جبريل وإسرافيل وميكائيل (ماذا قال ~~ربكم) فهؤلاء الحاضرون من الناظرين والتمكنون من الشاهدين حجبة القدس أولو ~~المحبة والأنس، قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فمثل هؤلاء الخائفني مثل ~~المخلصين من المؤمنين الذين قال الله: (أولئك لهم رزق # PageV01P398 # معلوم) الصافات: 41 ومثل الأقوياء من العالمين أولي البصائر والتمكين مثل ~~الصابرين الذين يؤتون أجرهم بغير حساب وهعلماء الموقنين ينقلون في مقامات ~~اليقين بمقتضى أحكامها من مقام خوف إلى مقام رجاء مثله، فإذا عملوا في هذه ~~المقامات بما يقتضيهم رفعوا إلى ما فوقها من مقام رجاء إلى مقام رجاء، هو ~~خيرمنه، ومن حال خوف إلى حال خوف أشرف منه، ثم ينتقلون من مقامات الإشفاق ~~إلى حال الإشتياق ومن أحوال الوجل والإحتراق إلى مقام التملق ms0542 والطمأنينة، ~~ومن حال الفزع إلى مقام الأنس ومن الإبعاد والوحشة والتهويل إلى الرضا ~~والمحبة والتأميل، فهذا مكن فضلهم على من وقف في مقامه لم يجاوزه من ~~العموم، ومن استتر بحاله وقام في ظل فلم يعطعه إلى ظل ممدود فوقه ولم يرفع ~~منه إلى محل رفيع أعلاه ومثل الخائفين من المؤمنين مثل الكروبيين من ~~الملائكة، ومثل الراجين من المحبين؛ كمثل الروحانيين من المقربين، وأصل ~~الرجاء وتفضيله أن عند العلماء بالله تعالى من عظيم الرجاء ما يضاهي عظيم ~~الخوف، فيعدل البنية ويحكم بين المقامين بالسوية، فلا يبدو على قلوبهم باد ~~من الخوف عن مشاهدة وصف من الصفات المخوفة تكربهم إلا طلع طالع وراء من ~~عظيم الرجاء أشهد خلقامن الأخلاق اللطيفة تروحهم ولا يطرأ على قلوبهم طارئ ~~من الخوف، يهربون منه إلا بدا عليهم باد من الرجاء يأنسون به إليه فتعتدل ~~صفاتهم وتستوي مقاماتهم عن معاينة معنى من معاني صفاته لا ستواء كمال ذاته ~~فتكون قلوبهم كلسان الميزان بين الخوف والرجاء، وتكون كالطائر مقوما بين ~~جناحيه عن شهود وصف وخلق اقتضاء ظهور البلاء والنعماء، فيحمل الخوف الرجاء، ~~ويستولي يالرجاء على الخوف ويفيضان معا في سعة القلب وقوته، فيغيبان فيه ~~لأنه قوي بقوي ووسع بواسع وقادر بمقتدر، وينفرد الهم عن المعنيين فيقف ~~بمشاهدة منفرد فيحكم عليه ما به أفرد، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بك أحول وبك أقول وبك أصول؛ ومن ذلك قوله في علو شهادته ونفاذ علمه ~~من كونه بشاهده أعوذ بك منك، ومثله قوله: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # فهذا نطق عن وجد في مقام البقاء بعد، فقد حال الفناء هنالك سمع قول ~~الباقي المغني: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك) الرحمن: 26 - 27 ومن ذلك ~~الأثر المشهور عن الله سبحانه وتعالى: لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب ~~عبدي المؤمن # PageV01P399 # الشاكر اللين الوادع، ولا يصلح تفصيل ما أجملناه ولاشرح ما رمزناه، وقال ~~بعض علماء السف: ما ألبس المؤمن لبسة أحسن من سكينة في خشوع وذلة ms0543 في خضوع ~~فهذا حالان من الخوف، وهي لبسة الأنبياء وسيما علماء الأولياء. # وقال لقمان لابنه: يا بني خف الله تعالى خوفا لا تيأس فيه من رحمته وارجه ~~رجاء لاتأمن فيه مكره، ثم فسره مجملا فقال المؤمن: كذي قلبين؛ يخاف بأحدهما ~~ويرجو بالآخر، ومعنى لك أن المؤمن ذو وصفين عن مشاهدتين لأن المؤمن الأول ~~والشاهد الأعلى ذو وصف مخوف مثل البطش والسطوة والعزة والنقمة. # فإذا شهد العبد ما آمن به من هذه الصفات خاف إذا عرفه بها وتجلى له ~~بشاهدها والمعروف أيضا هو المألوف ذو أخلاق مرجوة من الكرم والرفق والرحمة ~~واللطف. # فإذا شهد القلب ما آمن به من هذه الأخلاق رجا من شهده بها فصار العبد ~~لوصفيه الرجاء والخوف عن معنى شهادتيه المخوفة والمرجوة عن وصفي مخوفه ~~ومرجوة وصار كذي قلبين كأنه يرجو بقلب ويخاف بآخر، وإنما هما شهادتان في ~~قلب واحد لأنهما مقامان لقلب واحد عن شهود مخوف ومرجو واحد؛ فهذا تفسير قول ~~لقمان، وهو صفة المؤمن ذي الإيقان، إلا أن الخائف يوصف بما غلب عليه من ~~الحال عما قوي عليه من مشاهدة ويندرج الرجاء في مقامه، ويوصف الراجي بما ~~قوي عليه من الحال عن غلبة شهادته وينطوي الخوف في مقامه ولا كنه للمخوف ~~تعالى وعلا ولا نهاية للمرجو عز وجل سبحانه وتعالى، فأما الشهيد الموقن ~~العالم المقرب فبالحالين جميعا يوصف مع اعتدالهما وبالوصفين جميعا يعرف مع ~~استوائهما، ثم يغلب عليه الوصف التام والحال الكامل. # فإذا عرف به أدرج الوصفان فيه فيقال: صديق لأنه قد تحقق بالصدق فأغنى عن ~~أن يقال مخلص، ثم يقال عارف لأنه قد رسخ في العلم فكفى أن يقال صادق ثم ~~يقال مقر ب لأنه قد أشهد القرب فاقترب ولم يحتج إلى أن يقال عامل؛ وهذه ~~أسماء الكمال وأحوال التمام لا يفتقر إلى ذكر حال دونها ولايوصف بوصف كوصف ~~خائف أو راج لوجودهما فيه واعتدالهما عنده لأن الخوف والرجاء قد فاضا عليه ~~ثم غاضا فيه فإذا قلت عارف أو مقرب أو صديق، فقد دخل فيه ms0544 وصف حب خائف راج ~~عامل لا محالة كما إذا قلت فلان هاشمي استغنيت أن تقول قرشي أو عربي لأن كل ~~هاشمي يكون عربيا قرشيا لا محالة ثم تصفه بوصف التمام أيا فيندرج الوصفات ~~فيه فتقول: فلان حسني أو حسيني فاكتفيت أن تقول هاشمي أو قرشى أوعلوي، وإن ~~كان هاشميا قرشيا علويا لأنه قد عرف أن كل حسيني فهو هاشمي قرشى علوي ~~لامحالة، فأما أن تقول: فلان عربي أو هاشمي أو قرشي أو علوي فلا يعرف إلا ~~بما وسمته به لأنه قد يكون علويا وهو الغاية في النسب ولا يكون حسينيا وقد ~~يكون هاشميا غير علوي ويكون قرشيا غير هاشمي ويكون # PageV01P400 # عربيا غير قرشي فيلزمه وصف ما عرفته حسب، فكذلك قولك: عارف أو محب أومقرب ~~أو صديق هي اسم التمام والكمال في المقامات الي تحتوي على جميع الأسباب ~~كقولك: حسني هو اسم التمام وشرف الكمال الذي يفوق على كل الأنساب ولايصح ~~مقام المعرفة إلا بعين اليقين وشاهد التوحيد بعد أن لا يبقى من النفس بقية ~~في مقام اليقين ولا من الخلق رؤية في شاهد التوحيد فيكون روحانيا بعد فناء ~~النفس باليقين ربانيها عند شهود الخالق سبق منه التوحيد لأن العارف لا يوسم ~~بحال دون حال وقد استغرق الأحوال ولا يوسم بمقام دون مقام إذ قد جاوز ~~المقامات؛ فحقيقة معناه عارف بالمعروف الذي هو بكل نهاية وفضل موصوف وغموض ~~غريبة عند غير أبناء جنسه أن ينكروه فإن تعرف إليهم أوعرفوه فليس بعارف. # وقال بعضهم في وصف العارف: أن يعرف كل شيء ولا يتعرف إلى شيء وقيل: ~~حقيقته أن يعرف ولا يعرف عن مقتضى وصف من أوصاف الربوبية لأنه روحاني ~~رباني، وثلاث مقامات لا يقاس عليها ولايتمثل بها، فمن قاس عليها أخطأ، ومن ~~تمثل بها ادعى مقام النبوة ومقام المعرفة ومقام محبوب، وقد ذكرنا وصفه في ~~شرح مقام المحبة في كتاب المحبين؛ فهذه طرائق الخائفين وجل صفات العارفين ~~لأنهم متفاوتون في القرب والاقتراب متعالون في التقرب والتقريب مترافعون في ~~التعرف والتعريف، فالموقنون من ms0545 الشهداء وهم المقربون من الصديقين بشهادتهم ~~قائمون لهم من القرب الاقتراب ومن التقرب التقريب ومن التعريف التعرف ومن ~~الإيلاف التأليف لأن مقامهم من القريب العالي الطريق الأقرب والجهة العليا ~~هم السابقون لأهل مقامات اليمين أول القرب والتقرب وأوهل الحب التحبب ولهم ~~التألف والتعريف وهؤلاء الأبرار، ومن أفضل طرقات الخائفين ما سرى خوفه إلى ~~النفس قاطعا شغل الهوى وأخمد نار الشهوات فسقطت له أثقال المجاهدة وخفت ~~عنده مؤنه المكابدة ووجدت معه حلاوة الطاعة لفقد حلاوة المعصية واجتمع لهم ~~بالحق عند زوال التشتت بالهوى والخلق وسكنت النفس بالطمأنينة لمعاينة القلب ~~للشهادة وظهر نعيم الزهد والرضا لباطن الصدق والإخلاص ثم سكن الخوف في ~~القلب بعد ذلك ولم يجاوزه فيتعدى الحد إلى بعض المفائض التي ذكرناها بل كان ~~منه الحزن الدائم والهم اللازم والخشوع القائم وهذا هو وصف القلب المنكسر ~~وحال العبد المنجبر الذي يوجد عنده الجبار فجبره بعد كسره فصلح له بعد أن ~~عطل من غيره وصار مزيدا لعالم الخائف من الله تعالى كشوف اليقين وتنقيله ~~لديه في شهادة المقربين فكان القريب لدي موجودا وصار الحبيب عنده مطلوبا ~~لأنه من المنكسرة قلوبهم من أجله وبأنه صار عنده من أهله، واعلم أن الذي ~~قطع الخلق عن هذه حلاوة الهوي ولا يخرجها إلا أحد كأسين؛ تجرع مرارة الخوف ~~فيغلب حلاوة الهوى فيخرجه أو غلبة حلاوة المحبة فيستغرق حلاوة # PageV01P401 # الهوى فيغمره، فإن عدم أحد هذين فهو من المذبذبين بن ذلك. # وروينا أن عليا رضي الله عنه قال لبعض الخائفين، وقد تاه عقله فأخرجه ~~الخوف إلى القنوط: ما أصارك إلى ما أرى؟ فقال: ذنوبي العظيمة، فقال: ويحك ~~إن رحمة الله تعالى أعظم من ذنوبك فقال: إن ذنوبي أعظم من أن يكفرها شيء ~~فقال: إن قنوطك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنوبك والخوف جند من جنود الله ~~تعالى قد يستخرج من قلوب المريدين والعابدين لا يستخرجه الرجاء فتستجيب له ~~القلوب المرادة به بنهايات الزهد وحائق التوبة وشدة المراقبة، وقد يفعل ~~الله تعالى جميع ذلك بأهل الرجاء في ms0546 المحبة ومقام الرجاء مستخرج منهم الكرم ~~والحياء والخوف اسم جامع لمقامات الخائفين ثم يشتمل على خمس طبقات، في كل ~~طبقة ثلاث مقامات، فالمقام الأول من الخوف هو التقوى؛ وفي هذا المقام ~~المتقون والصالحون والعاملون، والمقام الثاني من الخوف هو الحذر؛ وفي هذا ~~المقام الزاهدون والورعون والخاشعون، والمقام الثالث هو الخشية؛ وفي هذا ~~طبقات العالمين والعابدين والمحسنين، والمقام الرابع هو الوجل؛ وهذا ~~للذاكرين والمخبتين والعارفين، والمقام الخامس هو الإشفاق وهو للصديقين وهم ~~الشهداء والمحبون وخصوص المقربين وخوف هؤلاء عن معرفة الصفات لأجل الموصوف ~~لا عن مشاهدة الاكتساب لأجل العقوبات، كما جاء في الخبر: أوحى الله تعالى ~~إلى داود عليه السلام: يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، فالسبع إنما ~~يخاف لوصفه بالبطش والسطوة ولما ألبس وجهه من الهيبة والكبر لا لأجل ذنب ~~كان من الإنسان إليه، وكذلك لهؤلاء من الرجاء العظيم والنصيب الأوفر على ~~معنى خوفهم ما لا يسع للعموم أن يذكر، فطلبهم برجائهم وحسن ظنهم بما هو لهم ~~لا يصفه إلا هم ولا يعرفه سواهم، جمل ذلك أنصبة القرب ونعيم الأنس وروح ~~اللقاء وسرور التملق وحلاوة الخدمة وفرح المناجاة وروح الخلوة وارتياح ~~المحاورة فلهم منه تجلي معاني الصفات وظهور معاني محاسن الأوصاف فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ولأصحاب اليمين إظهار نعيم الأفعال ومواهب ~~العطاء والأفضال، وقد كان يحيى بن معاذ يقول من عبد الله تعالى بالخوف دون ~~الرجاء غرق في بحار الأذكار، ومن عبده بالرجاء دون الخوف تاه في مفاوز ~~الاغترار، ومن عبده بالخوف والرجاء معا استقام في محجة الأذكار، وقال مكحول ~~النسفي رحمه الله تعالى في معناه: إلا أنه جاوز فيه الحد فقال: من عبد الله ~~تعالى لخوف فهو جروري، ومن عبده # PageV01P402 # بالرجاء فهو مرجئ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء ~~والمحبة فهو موحد والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | شرح مقام الزهد # ووصف أحوال الزاهدين وهو المقام السادس من مقامات اليقين # قد سمى الله تعالى أهل الزهد علماء بقوله تعالى إذ وصف قارون ms0547 فخرج على ~~قومه في زينته إلى قوله تعالى: (وقال الذين أوتفوا العلم ويلكم ثواب الله ~~خير لمن آمن) القصص: 80 قيل: هم الزاهدون في الدنيا، وقال عز وجل: (أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) القصص: 54، جاء في التفسير صبروا على الزهد ~~في (الدنيا وقال جل وعلا: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم) الرعد: 23 - 24 قيل على الفقر، ويشهد للصبرعن الدنيا في هاتين ~~الآيتين قوله عز وجل في وصف العلماء الزاهدين لما قال: (وقال الذين أوتوا ~~العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن) القصص: 80، قال عقيب ذلك في بقية ثنائه ~~عليهم: (ولا يلقاها إلا الصابرون) القصص: 80 أي عن زينة الدنيا، ثم قال في ~~مدحهم بوصف آخر: (يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) القصص: 54 فقد حصل ~~للزاهدأجران بصبره على الفقر وبوجود زهده، وللفقير المعدم أجر واحد على ~~الغني لوجود فقره وعدم زهده وعلى ذلك تأويل الخبرين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في أحدهما: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين ~~خريفا، وقال في الخبر الآخر يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء ~~بخمسمائة عام لأن الفقير الزاهد يدخل الجنة قبل الغني المصلح بخمسمائة عام، ~~وهؤلاء خصوص الفقراء، وإن الفقير غير الزاهد يدخل الجنة قبل الأغنياء ~~بأربعين خريفا لأجل فقره فقط؛ وهم عموم الفقراء، فصار الأغنياء مفضولين في ~~الحالين معا، وإن جملة الفقراء يدخلون الجنة قبلهم لمكان غناهم في الدنيا، ~~وإن عموم الأغنياء من أهل الدنيا وأبنائها موقوفون للحساب ومطالبون ~~بالإنفاق والاكتساب بالخبر الثالث: اطلعت في # PageV01P403 # الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فإذا أكثر أهلها الأغنياء ~~وفي معناه الخبر الآخر فقلت: أين الأغنياء؟ فقال: حبسهم الجد أي الحظ، وقد ~~سمى الله تعالى الفقراء الزاهدين محسنين ووضع عنهم السبيل فقال تعالى: (ولا ~~على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) التوبة: 91، ثم قال: (ما على المحسنين ~~من سبيل) التوبة: 91 ثم نص عى ذكر من عليه الحجة والمطالبة فقال جل وعلا: ~~(إنما السبيل على الذين ms0548 يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ~~التوبة: 93 يعني النساء. # وعلى هذا المعنى جاء تأويل قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا) الكهف: 7 قيل: أزهد في الدنيا فصار الإحسان مقام ~~الزاهدين؛ وهو وصف اليقين، كذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل ~~ماالإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، يعني على اليقين وهو المشاهدة ~~ولعمري أن الزهد حال الموقن لأن مقتضى يقينه، وقد يحتج متوهم بفضل الأغنياء ~~على الفقراء عنده لقوله تعالى مخبرا عن الفقراء: (تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) التوبة: 92، يعلم أن هذا عند أهل التدبر ~~للقرآن مزيدا للفقراء لتمام حالهم لما كانوا محسنين كما قال سبحانه وتعالى: ~~(وسنزيد المحسنين) البقرة: 58 فكان مزيدهم الحزن والإشفاق وخوف التقصير ~~لمشاهدة عظم حق الربوبية عليهم حتى كأنهم مسيئون حتى بشرهم الله تعالى ~~بأنهم محسنون لما قال عز وجل: (ما على المحسنين من سبيل) التوبة: 91 لأنه ~~ضمهم إليهم في الوصف وعطفهم عليهم في المعنى، وأيضا فلم يكن بكاؤهم على فوت ~~الدنيا ولا على طلب الغنى، والله تعالى يمدحهم بصبرهم عن الدنيا ويذم ~~الدنيا إليهم بل حزنهم على طلب المزيد من الفقر ليجدوا الإنفاق فيخرجوه ~~فيفتقروا منه فيزدادون فقرا ببذله إلى فقرهم فعلى كثرة الإنفاق وحقيقة ~~الفقر من الدنيا كان حزنهم فهذا فضل ثان للفقراء لا على الجمع والادخار ~~والموضع الأعلى الذي فضل الفقراء من هذه الآية عن أهل الاستنباط والتفكر ~~وهو مشاركتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حاله، ووصف الله تعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل حالهم في قوله تعالى: (قلت لا أجد ما أحملكم ~~عليه) التوبة: 92 ثم نعتهم بمثله لأنهم هم الأمثل، فالأمثل به فقال تعالى: ~~(ألا يجدوا ما ينفقون) التوبة: 92 فمن كان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمثل فهو أفضل، كيف وقد روينا عن النبي: تحفة المؤمن في الدنيا الفقر فجعل ~~الفقر تحية له من ذي التحيات ms0549 المباركات مع الخبر المشهور: الفقر على المؤمن ~~أزين من العذار على خد الفرس الجواد، والفقر اختيار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشعار الأنبياء وطريقة علية الصحابة والأصفياء. # PageV01P404 # وروينا في الخبر: آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود لمكان ملكه ~~وآخر أصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لأجل غناه في الدنيا وفي الخبر ~~الآخر رأيته يدخل الجنة زحفا ولا نعلم في الأمة أفضل من طائفتين؛ المهاجرون ~~وأهل الصفة وجميعا مدح الله تعالى بالفقر، فقال (للفقراء المهاجرين الذين ~~أحصروا في سبيل الله) البقرة: 372 (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم) الحشر: 8 فقدم وصفهم بالفقر على أعمالهم الهجرة والحصر، والله ~~تعالى لا يمدح من يحب إلا بما يحب ولا يصفه حتى يحبه. # وروينا في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) الأنبياء: 73 لما ~~صبروا قيل: عن الدنيا، وفي خبر: العلماء أمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا ~~فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم، وجاء في الأثر لا يزال لا إله ~~إلا الله ترفع عن العباد سخط الله تعالى ما لم ينالوا ما نقص من دنياهم، ~~وفي خبر آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك وقالوا: ~~لا إله إلا الله قال الله عز وجل: كذبتم لستم بها صادقين. # وقد روينا في خبر عن أهل البيت: إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه، فإذا ~~أحبه الحب البالغ اقتناه، قيل: وما اقتناؤه؟ قال لم يترك له أهلا ولا مالا، ~~وفي أخبار أهل الكتب: أوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه: احذر إذا مقتك ~~فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صبا ويقال: ليس عمل من أعمال البر يجمع ~~الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا، وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم: تابعنا ~~الأعمال كلها فلم نر أبلغ في أمر الآخرة من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة ~~لصدر التابعين: أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم، قيل ولم ذلك؟ قال كانوا أزهد منكم في ms0550 ~~الدنيا، وفي وصية لقمان لابنه: واعلم أن أعون الأشياء على الدين زهادة في ~~الدنيا، ويقال: من زهدفي الدنيا أربعين يوما أجرى الله تعالى ينابيع الحكمة ~~في قلبه وأنطق بها لسانه، وفي خبر آخر: إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا ~~في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة، وقد قال الله تعالى: (من يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) البقرة: 269 # وروينا في الآثار جمل هذه الأخبار: من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى ~~عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم ينل من الدنيا إلا ما ~~كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في ~~قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، وقال الله تعالى في معنى ذلك: (من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن # PageV01P405 # كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) الشورى: 20 وقد ~~روينا في خبر قلنا: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: مجموم القلب صدوق ~~اللسان قلنا: يا رسول الله وما مجموم القلب؟ قال التقي النقي الذي لا غل ~~فيه ولا غش ولاحسد ولا بغي قيل: يا رسول الله فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ ~~الدنيا ويحب الآخرة والشيء يعرف بضده كما يعرف بمثله وضد الشنئان المحبة ~~وضد الزهد الرغبة، وفي دليل خطابه: إن شر الناس الذي يحبه الدنيا وإن ~~الراغب فيها هو المحب لها، والإقتناء لها والاستكثار منها علامة الرغبة ~~فيها، كيف وقد جاء أيضا: إن أردت أن يحبك الله تعالى فازهد في الدنيا فجعل ~~الزهد سبب محبة الله تعالى فصار الزاهد حبيب الله تعالى فينبغي أن يكون ~~الزهد من أفضل الأحوال إذ المحبة أعلى المقامات، وفي دليل الكلام: إن من ~~رغب في الدنيا فقد تعرض لبغض الله تعالى الذي لاشيء أعظم منه وأن المحب ~~للدنيا بغيض الله تعالى، وكان أبو محمد رحمه الله تعالى يقول: اجعلوا أعمال ~~البركلها في موازين الزهاد ويكون ثواب زهدهم زيادة لهم، وقال أيضا: العباد ~~في ms0551 موازين العلماء والعلماء في موازين الزهاد يوم القيامة فلا يطمعن طامع ~~في محبة الله تعالى وهو محب للدنيا لأن الله تعالى يمقتها، وفي خبر: ما نظر ~~إليها منذ خلقها، يقول لها: اسكتي يا لاشيء أنت وأهلك إلى النار، وفي ~~الخبر: يقول الله تعالى: يوم القيمة للدنيا ميزوا ما كان منها لي وألقوا ~~سائرها في النار، وكذلك روينا في الأثر: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ~~ذكر الله تعالى وما والاه، وفي لفظ آخر: فمثل الدنيا مثل إبليس خلقه الله ~~تعالى للعبد واللعنة ليبتليه ويبتلي به، ويهلكه ويهلك به، وقد شهد ذلك بعض ~~المكاشفين فقال: رأيت الدنيا في صورة جيفة ورأيت إبليس في صورة كلب وهوجاثم ~~عليها، ومناد ينادي من فوق: أنت كلب من كلابي، وهذه جيفة من خلقي وقد ~~جعلتها نصيبك مني، فمن نازعك شيئا منها فقد سلطتك عليه فجاء من هذا أنها ~~مكانه فمن تمكن في شيء منها تسلط العدو بالمكانة منه بقدر ما أصاب منها وقد ~~كوشف بها بعض الأولياء في صورة امرأة ورأى أكف الخلق ممدودة إليها هي تجعل ~~في أيديهم شيئا، قال: فقلت له ما هو قال قال شيء يلتذ وطائفة تمر عليها ~~مكتوفي الأيد تعطيهم شيئا وكوشف بها مورق العجلي في صورة عجوز شمطاء ~~دندانية مسمجة عليها ألوان المصبغات وأنواع الزينة قال: فقلت أعوذ بالله ~~منك فقالت: إن أردت أن يعيذك الله # PageV01P406 # تعالى مني فابغض الدرهم، وكذلك جاء في الخبر: الدنيا موقوفة منذ خلقها ~~الله تعالى بين السماء والأرض لا ينظر إليها فتقول يوم القيامة: يارب ~~اجعلني لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول: اسكتي يا لا شيء أنا لم أرضك لهم ~~في الدنيا أرضاك لهم اليوم وقال بعض السلف الدنيا دنيئة وأدنى منها قلب من ~~يحبها. # وروي عن علي كرم الله وجهه: الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مزاحمة ~~الكلاب، وفي أخبار موسى عليه السلام: إن لم تلق الفقير بمثل ما تلقى به ~~الغني فاجعل كل علم علمتك تحت التراب وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا ms0552 ~~بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وقال إمامنا ~~أبومحمد رحمه الله تعالى وروينا عن بعض علمائنا في أخبار داود عليه السلام: ~~إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد وخلقت ما خلقت لأجل ولد آدم، فمن ~~اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ومن اشتغل منهم بي سقت إليه ما خلقته ~~لأجله، وكان يقول: الصديقون في بداياتهم طلبوا الدنيا من الله تعالى فمنعهم ~~فلما تمكنوا من أحوالهم عرضها عليهم فامتنعوا منها، وكان عيسى عليه السلام ~~يقول للدنيا: إليك عني ياخنزيرة، وقد روينا هذا القول عن يزيد بن ميسرة، ~~وكان من علماء الشام قال: كان أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة ولو وجدوا لها ~~اسما شرا من هذا سموها به قال: وكانت إذا أقبلت على أحدهم الدنيا قال لها: ~~إليك عنا يا خنزيرة، لا حاجة لنا بك إنا قد عرفنا إلهنا عز وجل معناه قد ~~عرفناه بلا ابتلاء بك لينظر كيف نعمل في الزهد فيك والأثرة له سبحانه ~~وتعالى، وعرفناه أيضا بالمقت لك فوافقناه في ذلك وعرفناه أيضا فتألهت ~~قلوبنا إليه أعرضنا عما سواه، وكذلك كان الحسن رحمه الله تعالى يصف أشياخه ~~كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال فيقال: خذه فاستغن به فيقول لا حاجة لي ~~فيه أخاف أن يفسد على قلبي فهذا كان له قلب صالح راعاه فخاف تغيره كذلك. # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه مر بجدي ميت أجرب فقال: ~~أترون هذا هان على أهله قلنا: يا رسول الله من هو؟ إنه ألقوه فقال للدنيا ~~أهون على الله تعالى من هذا على أهله، وفي لفظ آخر: أنه قال: أيكم يحب أن ~~هذا له بدرهم قلنا: لا أينا وأي شيء يساوي هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~الدنيا أهون على الله تعالى من هذا عليكم، وكذلك أخبر بالغاية في قلتها ~~وعدم قيمتها بقوله: ولو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى ~~كافرا منها شربة ماء، وضرب المثل في نتنها وانقلابها على أهلها ms0553 بقوله ~~للأعرابي: أرأيت ما تأكلون وتشربون ألستم تتغوطون وتبولون؟ قال: بلى، قال: ~~فإلى أي شيء يصير؟ قال: إلى ما علمت يا رسول الله قال أليس يقعد أحدكم خلف ~~بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه، قال: نعم قال: فإن الله تعالى جعل ~~الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم، # PageV01P407 # وكذلك روينا في تأويل قوله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات: 21 ~~قيل: مواضع الغائط والبول، وقال سبحانه وتعالى: (وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع) الرعد: 26 قال بعض أهل اللغة: متاع أي جيفة، سمعت عن ~~الأصمعي، قال بعض العرب يقول متع اللحم إذا تغير وأنتن، وقد كان الحسن رحمه ~~الله تعالى يقول لما هبط آدم عليه السلام إلى الدنيا كان أول شيء عمل فيها ~~أنه أحدث. # وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنه نظر إلىما خرج منه فآذاه ~~ريحه فاغتم لذلك فقال له جبريل: هذه رائحة خطيئتك فشهد العقلاء عن الله ~~تعالى الدنيا في صورة كنيف فلم يدخلوا فيها إلا ضرورة فكلما استغنيت عن ~~دخولك الكنيف كان أفضل وشهدها بعضهم جيفة فلم ينالوا منها إلا بلغة فكلما ~~تقللت من الجيفة كان خيرا، وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض الكتب: يا بابن ~~آدم إن تردني أترك الدنيا وإن ترد الدنيا طال عناك، وفي بعض كتب الله ~~تعالى: يا ابن آدم أنا بدك اللازم فلا تؤثر على ما منه بد، وقال بعض ~~المخبرين عن الله سبحانه وتعالى: إنه أوحى إلى الدنيا: اخدمي من خدمني ~~واتعبي من خدمك، وقال آخر: وقد روينا مسندا أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا: ~~تمرري لأوليائي حتى تكون رغبتهم فيما عندي واحلولي لأعدائي حتى يكرهوا ~~لقائي، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: من أحب لقاء الله تعالى أحب الله ~~لقاءه، ومن كره لقاء الله تعالى كره الله لقاءه؛ فهذه الآثار كلها، قاصمة ~~لظهر زبناء الدنيا، مسخنة لعين محبيها ووأضدادها من الأخبار الحسنى في فضل ~~الزهد وشرف الفقر، رافعة لرؤوس الفقراء الصادقين، وقرة عين ms0554 الصالحين لله عز ~~وجل الزاهدين؛ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرهة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون، وأصل الرغبة في الدنيا من ضعف اليقين لأن العبد لو قوي يقينه نظر ~~بنوره إلى الآجل فغاب في نظره العاجل فزهد فيما غاب وأحب الحاضر فآثر ما هو ~~أعود عليه وأبقى وأنفع له ولمولاه، أرضى وقدم ما يفنى وينقطع إلى ما يدوم ~~ويتصل؛ وهذا هو صورة الزهد وشهادة الموقن وإن الحاضرلا يحب ما غاب وانتقل: ~~ألم تر إلى وصفه عز وجل لإبراهيم وليكون من الموقنين قال: لا أحب الآفلين، ~~والموقن مأمور باتباع ملة إبراهيم بقوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم) الحج: ~~78 أي عليكم ملة أبيكم إبراهيم واتبعوا ملته وليس يشهد الوعد والوعيد الآجل ~~بنور العقل إنما يشهد بنور اليقين على أنا نقول: إن الأنوار أربعة والقلب ~~موجه جهات أربعة إلى الملك والملكوت وإلى العز والجبروت؛ فبنور العقل يشهد ~~الملك، وبنورالإيمان يشهد الملكوت وهو الآخرة، وبنور اليقين يشهد العزة وهي ~~الصفات، وبنور المعرفة يشهد الجبروت وهو الوحدانية، والجبار تعالى فوق ~~القلب محيط به يكاشفه بما شاء فيغلب عليه وجد ما أشهده، وضعف اليقين قد ~~يدخل # PageV01P408 # في كل شيء، وقوة اليقين تحتاج إليه في كل عمل وإلا فهو دنيا يهتدي إلىه ~~بنور العقل، فمن لم يعط نور اليقين لم ير الملك الكبير فاستهواه الملك ~~الصغير فأحب لا شيء فلم تكن همته في العلو ولا عنده الأعلى شيئا. ### | ذكر ماهية الزهد # أي شيء هو ليس يمكن عبد أن يعرف الزهد حتى يعرف الدنيا أي شيء هي، فقد ~~قال الناس في الزهد أشياء كثيرة ونحن غير محتاجين إلى ذكر أقوالهم بما بين ~~الله تعالى وأغنى بكتابه الذي جعل فيه الشفاء والغنى، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هو الحبل المتين والصراط المستقيم من طلب الهدى في ~~غيره أضله الله وقال سبحانه تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله) الشورى: 10 وقال عز وعلا: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق ms0555 بإذنه) البقرة: 213 فقد ذكر الله جل اسمه في كتابه: إن الدنيا سبعة ~~أشياء وهو قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث) آل عمران: 14 # ثم قال تعالى في آخرها: (ذلك متاع الحياة الدنيا) آل عمران: 14 ووصف حب ~~الشهوات بالتزين ثم نسق الأوصاف السبعة على الحب لها ثم أشار لها، بقوله ~~تعالى ذلك فذا إشارة إلى الكاف والكاف كناية عن المذكورالمتقدم المنسوق ~~واللام بين ذا والكاف للتمكين والتوكيد فحصل من تدبر الخطاب أن هذه السبعة ~~جملة الدنيا وأن هذه الدنيا هذه الأوصاف السبعة، وما تفرع من الشهوات رد ~~إلى أصل من هذه الجمل، فمن أحب جميعها فقد أحب جملة الدنيا نهاية الحب ومن ~~أحب أصلا منها أو فرعا من أصل فقد أحب بعض الدنيا فعلمنا بنص الكلام أن ~~الشهوة دنيا وفهمنا من دليله أن الحاجات ليست بدنيا لأنه تقع ضرورات فإذا ~~لم تكن الحاجة دنيا دل أنه لا تسمى شهوة، وإن كانت قد تشتهى لأن الشهوة ~~دنيا، ولتفرقة الأسماء لإيقاع الأحكام عليها، واستند ذلك إلى خبر رويناه عن ~~الله سبحانه وتعالى في الإسرائيليات: إن إبراهيم صلوات الله عليه أصابته ~~حاجة فذهب إلى صديق يستقرض منه شيئا فلم يقرضه فرجع مغموما فأوحى الله ~~تعالى إلىه: لو سألت خليلك لأعطاك فقال: يا رب عرفت مقتك للدنيا فخشيت أن ~~أسألك منها فتمقتني فأوحى الله تعالى إلىه: ليس الحاجة من الدنيا ثم سمعناه ~~تعالى وجل قد رد هذه السبعة الأوصاف في مكان آخر إلى خمسة معان فقال جل من ~~قائل: (اعملوا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر) ~~فهذه الخمسة هي وصف من أحب تلك السبعة، ثم اختصر الخمسة في معنيين منها # PageV01P409 # هما جامعان للسبعة فقال: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، ثم رد الإثنين إلى ~~وصف واحد وعبر عنه بمعنيين فصارت الدنيا ترجع إلى شيئين جامعين مختصرين ~~يصلح أن يكون كل واحد منهما هو الدنيا، فالوصف الواحد الذي رد الاثنين ms0556 إليه ~~اللذان هما اللعب واللهو هو الهوى اندرجت السبعة فيه. # فقال عز وجل: (ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) النازعات: 40 - ~~14 فصارت الدنيا طاعة النفس للهوى بدليل قوله تعالى: (فأما من طغى) (وآثر ~~الحياة الدنيا) (فإن الجحيم هي المأوى) النازعات: 37 - 38 - 39، فلما كانت ~~الجنة ضد الجحيم كان الهوى هو الدنيا لأن النهي عنه صد الإيثار له، فمن نهى ~~نفسه عن الهوى فإنه لم يؤثر الدنيا وإذا لم يؤثر الدنيا فهذا هو الزهد، ~~كانت له الجنة التي هي ضد الجحيم التي هي لم ينه نفسه عن الهوى بإيثاره ~~الدنيا فصارت الدنيا هي طاعة الهوى وإيثاره في كل شيء فينبغي أن يكون الزهد ~~مخالفة الهوى من كل شيء، وأما المعنى الآخر الذي عبر به عن هذا الوصف الذي ~~هو الهوى فجعله دنيا أيضا فهو حب البقاء لمتعة النفس، استنبطنا ذلك من قوله ~~تعالى: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) ~~النساء: 77، فالقتال هو فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف ~~والفناء بين السيفين فقالوا: هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا ~~بالقتل وهذا هو حب البقاء ففسر حب البقاء بأنه هو الدنيا، فقال تعالى: (قل ~~متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) النساء: 77 فانكشف الناس وافتضح ~~المنافقون وابتلى المؤمنون عند فرض القتال وظهر المحبون الذي يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعندها ربح الذين هم لأنفسهم وأموالهم بائعون ~~وخسر الذين هم للحياة الدنيا بالآخرة مشترون لما قال الله تعالى: (إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة: 111 فلما ~~اشتراها باعوها وقال في المشترين الخاسرين: (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) ~~البقرة: 86 يعني رغبوا في البقاء الأدنى لما اشتروه ببيع البقاء الآخرة إذ ~~باعوه، فمن اشترى ثلاثين سنة وأربعين سنة بألف ألف وبأبد الأبد فما ربحت ~~تجارته ولا هدى سبيله؛ فهذه تجارة من رغب في حياة دنياه فاشتراها ببقاء ~~الأبد فقد صار بائعا للحياة العالية بما استبدل ms0557 به من اشتراء ضدها فهذا ~~تدبر قوله تعالى: (اشتروا الحياة الدنيا) البقرة: 86 أي باعوا الحياة ~~العليا وذلك الأول تجارة من باع حياة نفسه وفرق مجموع ماله فاشتراه الله ~~تعالى منه وعوضه داره وأسكنه عنده جواره فقد ربحت تجارته واهتدى سبيله؛ لما ~~باع حياة عشرين سنة وثلاثين سنة بحياة أبدالأبد؛ فهذا ربح تجار الآخرة ~~الزاهدين في الدنيا وذلك خسر تجارالدنيا الراغبين في الهوى، فشتان بين ~~التجارتين، # PageV01P410 # فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون بعد الموت، وقد كان ~~الناس مستورين بإظهار الزهد في البقاء ومظنونا بهم حب الباقي الأعلى حتى ~~نزلت: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) ~~النساء: 77 الآية، وحتى نزل: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون) ~~الصف: 2، كانوا قالوا: إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه، ~~فلذلك قال تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا) الصف: 3 - 4 ولذلك قال ابن مسعود رضي الله ~~عنه: ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد الدنيا حتى نزلت (منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة) آل عمران: 251، وكذلك قاله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: حين نزلت (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل منهم) النساء: 66 # قال ابن مسعود قال لي رسول الله عليه السلام: قيل لي: أنت منهم؛ أي من ~~القليل الذي كان يفعل ذلك، فإذا كان حب البقاء هو الدنيا فينبغي أن يكون حب ~~بقاء الباقي هو الزهد فصار الزهد في الدنيا هو الزهد في البقاء، فمن زهد في ~~الحياة الفانية وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس والإنفاق في سبيل الله فقد ~~زهد في الدنيا، ومن زهد في الدنيا أحبه الله تعالى كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ولذلك صار ms0558 الجهاد أفضل الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ~~ولأن الله تعالى يحب من زهد في الدنيا ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد ~~لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا، وقد عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الزهد في الدنيا إذ قال في الحديث الأول: ازهد في الدنيا يحبك الله ~~تعالى، ثم قال في الخبر الثاني بمعناه: اجتنب المحارم يحبك الله تعالى، ~~واجتنابهم زهد في الدنيا، فالزاهد في الدنيا حبيب ربه تعالى، والراغب في حب ~~البقاء لنفسه منافق في دين ربه تعالى، ومنه الخبر الذي جاء: من مات ولم يغز ~~ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق، وبه كشف الله تعالى الكاذبين ~~ووصفهم بمرض القلوب. # فقال سبحانه وتعالى: (فرذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القيال رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض) يعني نفاقا (ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت، فأولى ~~لهم) محمد: 20 تهدد ووعيد أي ولهم العذاب وقرب منهم ثم قال: (طاعة وقول ~~معروف فإذا عزم الأمر) محمد: 21 وحقت الحقائق كذبوا ونكثوا، فلو صدقوا الله ~~أي في الوفاء لكان خيرا لهم، وهذا من الكلام المضمر، فلذلك أشكل والبقاء ~~والحياة اسمان لمعنى، ولذلك جعل الله تعالى الدنيا وصفا للحياة فتكون ~~الدنيا هي الحياة ونعتها بالدنيا نعت مؤنث لدخول الهاء في الإسم الي هي ~~إحدى علامات التأنيث، فصارت الحياة هي الدنيا وصار قوله الدنيا نعتها ~~بالدناءة، ولو كان الإسم مذكرا مثل البقاء نعته بمذكر فقال: الأدنى، وقد # PageV01P411 # قال في مثله: (يأخذون عرض هذا الأدنى) الأعراف: 169 فالأدنى تذكير ~~الدنيا، والدنيا تأنيث أدنى كالأعين والأقنى والأشعث؛ تذكير عيناء وقنواء ~~وشعثاء، والعرض اسم لما يعرض ويقل بقاؤه فمن أحب ذلك فقد أحب الدنيا بحبه ~~الأدنى، وهذا يرجع إلى حب حياة الأصل لأنه إنما يريد العرض الأدنى لأجل ~~الحياة فصار حب البقاء الذي لأجله يريد عرض الأدنى هو الدنيا وصار حب العرض ~~لأجل البقاء من الدنيا فجاء من هذا الذي ذكرناه أن حقيقة الدنيا حب البقاء ~~لطاعة الهوى وموافقة الهوى ms0559 في حب العرض لأجل البقاء، فدخل أحد هذين في ~~الآخر لأن حب البقاء لأجل المتعة، هو من الهوى الذي هو صفة النفس الأمارة ~~بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النفس إنما يكون لحب البقاء، لأن العبد لو ~~أيقن بالموت ساعته لآثر الحق على الهوى ولو أيس من البقاء لما رغب في العرض ~~الأدنى، فصار حب البقاء من الهوى وصار إيثار الهوى إنما هو لحب البقاء، ~~فكان ذلك حقيقة الدنيا، وكان أقصر الناس أملا للبقاء أزهدهم في الدنيا حتى ~~لا يدخر شيئا لغد لأنه عنده غير باق إلى غد وصار أرغب الناس في الدنيا ~~أطولهم أملا لأن رغبته اشتدت فيها وحرصه كثر عليها الإمتداد أمله للحياة ~~فيها إذ ولو قصر أمله لغد لاختار الفقر حينئذ واختيار الفقر هو الزهد. ### | بيان آخر الزهد # أي شيء هو؟ قال الله سبحانه وتعالى: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا ~~فيه من الزاهدين) يوسف: 20 فهذه تسمية لهم بالزهد لتحققهم بالمعنى نحتاج أن ~~نكشفه ليكون من يتحقق بمعنى ذلك زاهدا قوله تعالى: وشروه باعوه، العرب ~~تقول: شريت بمعنى بعت لأنهم يقولون: ابتعت بمعنى اشتريت، فلما باعوه وخرج ~~من أيديهم صاروا زاهدين، كذلك العبد إذا باع نفسه وماله من الله تعالى وخرج ~~من هواه إلى سبيل مولاه فهو من الزاهدين، وكذلك قال المولى عز وعلا: (إن ~~الله اشترى من المؤمنن أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة: 111 كما قال ~~عز من قائل: (ونهى النفس عن الهوى) (فإن الجنة هي المأوى) النازعات: 40 - ~~41 فإذا كان العوض واحدا وهو الجنة ذكر في المعنيين كان بيع النفس والمال ~~وإخراجهما لله تعالى بمعنى النهي عن الهوى فيهما الذي هوالحياة الدنيا وهو ~~اقتناؤه النفس وحبس النفس عليه أعني المال، فاستبدال ذلك بضده من إخراج ~~الهوى من النفس وإدخال الفقر على المال هو الزهد في الدنيا، وليس ذلك من ~~أمر النفس الأمارة بالسوء لأن هذا نهاية الخير فصار نهيا لها من الهوى الذي ~~هو اقتناء المال للجمع والمنع، وهذا هو الدنيا بوصف ms0560 النفس الأمارة بالسوء ~~لأن هذا حينئذ سوء كله، فمن كان بهذا الوصف فنفسه غير مرحومة لأمرها ~~بالسوء، وإذا لم تكن مرحومة لم يكن صاحبها بائعها وإذا لم يبعها لم تكن ~~مشتراة فلا يكون صاحب هذه النفس إلا جامعا للمال ما نعا له راغبا في الدنيا ~~محبا لها وليس هذا من صفة المؤمن والله أعلم. # PageV01P412 ### | وصف آخر من البيان والتفصيل # لما حقق الله تعالى الزهد بغنى النفس وإخراج المال في ذكر المبيع ~~والمشترى في قوله تعالى: (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) التوبة: ~~111 وكان الزهد هو ترك طاعة الهوى وبيع النفس بنهيها عنه من المولى، وكان ~~العوض من ذلك الجنة، كان الزاهد هو الخائف مقام ربه البائع نفسه طوعا قبل ~~أن يخرج نفسه إليه كرها، وكان الله تبارك وتعالى هو المحبوب له القريب منه ~~فصار العبد محبا له، فجعله من المقربين عنده تعالى، وإذا كانت الدنيا هي ~~طاعة الهوى وحب الحياة الدنية لمتعة النفس الشهوانية كان الراغب في ذلك ~~آمنا لمكر الله تعالى مشتريا للحياة الدنيا بائعا بذلك الحياة العليا فلم ~~يكن محبا له، وكان من المبعدين عنه بسوء اختياره وحق عليه الخسران والجحيم ~~في الآخرة لأنه ضد الزاهد المقرب الظافر بدار القرب في جوارالحبيب القريب. ### | ذكر بيان حقيقة الزهد وتفصيل أحكامه ووصف الزاهد # اعلم أن الزهد يكون بمعنيين؛ إن كان الشيء موجودا فالزهد فيه إخراجه ~~وخروج القلب منه ولا يصح الزهد فيه مع تبقيته للنفس لأن ذلك دليل الرغبة ~~فيه؛ وهذا زهد الأغنياء، وإن لم يكن موجودا وكان العدم هوالحال فالزهد هو ~~الغبطة به والرضا بالفقد؛ وهذا هو زهد الفقراء، وكذلك القول في الزهد في ~~ترك الهوى لا يصح إلا بعد الابتلاء به والقدرة عليه، ألم تر أن إخوة يوسف ~~عليهم السلام هموا بالزهد فيه بقولهم: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا لم ~~يسمهم الله تعالى زاهدين وتكلموا بالزهد فيه بقولهم: اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم ولم يسموا زاهدين، وأرادوا الزهد فيه بقولهم: أرسله ~~معنا ms0561 غدا يرتع ويلعب، ولم يتحققوا بالزهد فيه وعزموا على الزهد فيه وأجمعوا ~~عليه ولم يسمهم الله تعالى زاهدين مع قوله تعالى مخبرا عنهم: (فلما ذهبوا ~~به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب) يوسف: 15 لأن هذا كله من أسباب الزهد ~~ومقدماته قد يلتبس ويشكل على من لا يعرف حقيقة الزهد فيظنه زهدا وليس هو ~~زهدا لأنه في أيديهم فلما خرج من أيديهم واعتاضوا منه سواه حق زهدهم فيه ~~فقال تعالى مخبرا عن حقيقتهم وشروه أي باعوه: (وكانوا فيه من الزاهدين) ~~يوسف: 20 وكذلك الثوب تهم ببيعه وتريد بيعه ويغلب عليك بيعه ولا تكون زاهدا ~~ولكن تكون موصوفا بالإرادة للزهد حتى تبيعه وتعتاض منه فحينئذ حق زهدك فيه، ~~ففي تدبر الخطاب من قوله: وكانوا فيه من الزاهدين أن من أخرج الشيء من يده ~~طوعا ونفسه تتبعه فله مقام في الزهد بالمجاهدة، ومن أمسك الشيء وأظهرت نفسه ~~الزهد فيه بالإرادة والهمة فلا مقام له في الزهد لأن الإمساك علامة الرغبة، ~~والرغبة ضد الزهد فكيف يوصف بالشيء وضده في حال قائمة، # PageV01P413 # فالممسك للشيء المتوهم للزهد فيه بإظهار نفسه ذلك بأحد وصفين؛ إما أن لا ~~يعرفه الزهد أو لا يعرف خفي شهوة النفس؛ هذا إن لم يموه على الراغبين ~~والمخرج لقلبه عنه هو المتحقق بالزهد فيه، وهذا هوالذي وصف الله تعالى به ~~إخوة يوسف، والممسك للشيء المغتبط به الذي همه فيه وقلبه عاكف عليه هو ~~المتحقق بالرغبة فيه؛ وهذا وصف عزيز مصرفي يوسف لما اشتراه فحققه الله ~~تبارك وتعالى بالرغبة فيه لا قتنائه له فقال مخبرا عنه بعدما اشتراه: أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكذلك وصف امرأة فرعون في رغبتها في ~~موسى عليه السلام بقولها قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا، فكذلك كل من أمل شيئا ادخره لنفسه لا يكون زاهدا فيه حتى يخرجه عن ~~يده وقلبه إذ لم يكن ذلك وصف إخوة يوسف الزاهدين فيه إلا بعد أن أخرجوه ~~استصغارا له وتعوضوا منه. ### | بيان ms0562 آخرمستنبط من الكتاب # اعلم أن زهد إخوة يوسف عليهم السلام في أخيهم قد كان يقارب زهدهم في يوسف ~~عليه السلام لأنه كان نظيره عند أبيه وقد كانوا هموا بالزهد فيه أيضا ليخلو ~~لهم وجه أبيهم منهما، ألم تسمع إلى قولهم: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا، ~~وكذلك جاء في الخبر: إنهم أرادوا أن يلقوا أخاه معه في الجب حتى ألقى نفسه ~~عليه يهوذا فشفع فيه فرحمه ومنعهم منه وكان شديدا منهم منيعا مهيبا فيهم، ~~وقد قيل إنه استوهبه منهم وقال: دعوه يكون فيه سلوة للشيخ الكبير لا تفجعوه ~~بهما ولا تفقدوه إياهما معا فوهبوه له ثم إن الله تعالى لم يقل مع إرادتهم ~~لذلك وهمهم به وكانوا فيهما من الزاهدين من قبل أنهم لم يتحققوا بالزهد فيه ~~كالزهد في أخيه لأنه كان في أيديهم لم يخرجوه فكذلك أنت إذا كان الشيء ~~موجودا عندك وأنت ممسكه لنفسك ثم توهمت أنك زاهد فيه لخواطر الإرادة أو ~~لإرادة الزهد فقد كذبت علي نفسك بتمسكك إياها زاهدا وكذبتك نفسك بوجودها ~~جهلا منها بالعلم زهدا أو كذب وجدك على العلم جهلا منك بربك عز وجل أو موهت ~~على نفس غيرك ممن لا يعرف الزهد؛ وهذا زهد منك في الزهد ورغبة منك أيضا في ~~الدنيا حتى يخرج الشيء الذي تظن أنك زهدت فيه وتعتاض منه محبة الله تعالى ~~وطلب مرضاته تبارك وتعالى أو ما عنده من ثوابه، فحينئذ يصح زهدك فيه على ~~العلم، وعند العلماء فتكون صادقا، فهناك وصفك الزاهد بالزهد وسماك الزاهدون ~~زاهدا، فأما إذا لم يكن الشيء موجودا لك فإن زهدك فيما لا تملك لا يصح ~~والزهد في معدوم باطل من قبل أن تصرفك لا يصح فيما لا تملك، فكذلك لايصح ~~زهدك فيه، ولعله لو كان موجودا تغير قلبك به وتقلب فيه إذ ليس الخبر ~~كالمعاينة لأن الخبر قد يشتبه ويوهم والمعاينة تكشف الحقيقة وتحكم على ~~الخلقة ولأن النفس ذات بدوات لما طبعت عليه من # PageV01P414 # حب المتعة بالرفاهية فكذلك لا يجعل ظنا معدوما كيقين ms0563 موجود إذ لو كان كيف ~~كان الأمر ولكن قد يكون لك مقام من الزهد في المعدوم بقيامك بشرطه وهو أن ~~لا تحب وجود الشيء ولا تأسى على فقده أو تكون مغتبطا بعدمك مسرورا بفقرك ~~يعلم الله تعالى ذلك من غيبك ويطلع على سرك أنك لا تفرح بوجوده لو وجدته ~~وتخرجه إن دخل عليك وإن قلبك قانع بالله سبحانه وتعالى راض عن الله تعالى ~~بحالك التي هي العدم من الدنيا غير محب للاستبدال بها من الغنى بصدق يقينك ~~بفضيلة الزهد، فإذا كنت بهذا الوصف حسب لك جميع ذلك زهدا وكان لك بأحد هذه ~~المعاني ثواب الزاهدين وإن لم تكن للدنيا واجدا وهذا زهد الفقراء الصادقين ~~وهو التحقق بالفقر. # وقد قال بعضهم: حقيقة الفقير أن يكون مغبتطا بفقره خائفا أن يسلب الفقر ~~كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر، وقد كان مالك بن دينار رحمه الله ~~تعالى يقول: إذا قيل له إنك زاهد قال: إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته ~~الدنيا وملكها فزهد فيها، فأما أنا ففي أي شيء زهدت؟ وقد يصح الزهد للعارف ~~في الشيء مع وجحه عنده إذا لم يقتنيه لمتعة نفسه ولم يتملكه ويسكن إلىه بل ~~كان موقوفا في خزانة الله سبحانه وتعالى، التي هي يده منتظرا حكم الله ~~تعالى فيه ومحنة ذلك استواء وجوده وعدمه والمسارعة إذا رأى حكم الله تعالى ~~إلى تنفيذه فيكون في ذلك كأنه لغيره من عيلته أو إخوانه أوسبيل من سبيل ~~الله تعالى، وهذا المقام زائد على الزهد فكذلك لم يخرج منه بل كان مخصوصا ~~فيه بخصوص وهو أيضا مقام من التوكل وبيان آخر مستنبط من السنة في ماهية ~~الزهد أي شيء هو الزهد أيضا تقليل الدنيا وتقريبها واحتقارها بالقلب ~~واستصغارها، من ذلك الخبر الذي جاء في ساعة يوم الجمعة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: هي في آخر ساعة قال: وجعل يزهدها يقللها أي يقرب وقتها ~~ويدينه من الغروب، والمعنى الآخر في الخبر الثاني من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms0564 لعلي رضي الله عنه لما نزلت آية الأمر بالصدقة لمناجاة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال له: كم ترى أن نجعل عليهم من الصدقة مقدمة ~~للمناجاة فقال شعيرة من ذهب قال إنك لزهيد أي مقلل مصغر للدنيا ولكن نجعل ~~عليهم دينارا وزهيدكأنه معدول من زاهد للمبالغة في الوصف بالزهد كما عدل ~~شهيد من شاهد ومجيد من ماجد وكما عدل عليم وقدير ورحيم من عالم وقادر وراحم ~~للمبالغة في العلم والقدرة والرحمة. ### | ذكر وصف الزاهد وفضل الزهد # قوت الزهد الذي لابد منه وبه تظهر صفة الزاهد وينفصل به عن الراغب هو أن ~~لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك وأن يأخذ ~~الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سد ~~الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة، وأول الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم ~~وجود حلاوة المعاملة لله # PageV01P415 # تعالى ولا يدخل غم الآخرة حتى يخرج هم الدنيا ولا تدخل حلاوة المعاملة ~~حتى تخرج حلاوة الهوى، وكل من تاب من ذنب ولم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن ~~عليه الرجوع فيه وكل من ترك الدنيا ولم يذق حلاوة الزهد رجع في الدنيا ولا ~~يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى وخالص الزهد إخراج الموجود من ~~القلب، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد وهو عدم الموجود على الاستصغار له ~~والاحتقار والتقالل لهوان الدنيا عنده وصغرها في عينه فبهذا يتم الزهد، ثم ~~ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا في زهده لرغبته في مزهده، وبهذا يكمل ~~الزهد؛ وهذا لبه وحقيقته؛ وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين، وهوالزهد في ~~النفس لا الزهد لأجل النفس ولا للرغبة في الزهد للزهد؛ وهذه مشاهدة ~~الصديقين، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين، ودون هذا مقامات إخراج ~~المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه وعلى مجاهدة النفس فيه؛ وهو زهد ~~المؤمنين، وذلك العمل بالزهد عقد وعمل إذ كان الزهد عن الإيمان، والإيمان ~~قول وعمل، وكذلك الزهد عقد وعمل، ms0565 فعقده خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب ~~الآخرة في القلب، والعمل بالزهد إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى ~~معتاضا منه ما عنده سبحانه وتعالى من وجهه الكريم جل وتعالى أو قرب جواره ~~في داره وإن لم تكن الدنيا موجودة فإن ترك الأسف عليها وقلة الحرص فيها، ~~وترك الطلب والتمني لها، وسكون القلب مع العدم ورضاه بيسير القسم بحسب ~~للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير، فإذا قام بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام ~~به، والورع هو من الزهد كما الزهد من الإيمان والحياء والإيمان في قرن ~~واحد، كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما تبعه الآخر. # وروينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت: الزهد والورع يجولان في القلب كل ~~ليلة، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا، والقناعة ~~باب من الزهد أيضا، والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد والتقلل في ~~الأشياء مفتاح الزهد، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: قد حجبت قلوبنا ~~بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود ~~والحزن على المفقود والسرور بالمدح، فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص والحريص ~~محروم، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب، وإذا سررت بالمدح ~~فأنت معجب والعجب يحبط العمل، وقال الله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: 23 أي منها وهذان الوصفان هما أتم حال في ~~الزهد من أعطي أحدهما تبعه الآخرة لأن الذي لايأسى على ما فاته من الدنيا، ~~هو الذي لا يفرح بما أتاه منها لأنه مثله والذي لا يفرح بما أتاه منها هو ~~الذي لا يحزن على ما فاته، وهذا وصف عبد غير متملك لملك وسيما # PageV01P416 # عبد قائم بحكم رب ونعت عبد موقن محب قد شغلته مشاهدة الآخرة عن التفرغ ~~لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال بما يغني، وفي أحد ~~الوجوه من قوله تعالى: (وأنه هو أغنى وأقنى) النجم: 48 قيل: أغنى أهل ~~الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن ms0566 الدنيا بالآخرة وأقنى أهل الدنيا من ~~الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من قوله تعالى: (جمع ~~مالا وعدده) الهمزة: 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة لكذا فهدده بالويل ~~فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل الأحوال وكنزه وذخره ~~وطوبى له وحسن مآب. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: كفى باليقين غنى وكفى ~~بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا؛ وهذا جملة وصف الزاهد الموقن، الذي هو ~~للموت مرتقب مع الخبر المشهور، ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى ~~النفس، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة ~~الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة: عرفت ~~فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا مؤمن حقا قال: وما حقيقة إيمانك، ~~فابتدأ بالزهد فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني ~~بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل ~~النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف ~~المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام، ففسر قوله تعالى: (فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام) الأنعام: 521 قيل: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ ~~قال: إن النو إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح، قيل يا رسول الله هل ~~لذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ~~والاستعداد للموت قبل نزوله؛ فهذا هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام. # وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد ~~في الدنيا فقال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء قلنا: إنا لنستحي قال: ~~تبنون ما لا # PageV01P417 # تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون، وبمعنى هذا تمم إيمان الوفد الذي سألهم ما ~~أنتم؟ فقالوا: مؤمنون، قال: وما علامة إيمانكم؟ فذكروا الصبر على البلاء ~~والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت ~~بالأعداء فقال ms0567 عليه الصلاة والسلام: إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ~~ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون؛ فهذا هو الزهدجعله ~~تكملة إيمانهم وعلو مقامهم وتماما على إحسانهم وأعظم من هذه كلها الخبر ~~الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهد من شرط إخلاص ~~التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له ~~الجنة، فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما ~~لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسر ه لنا فقال: حب الدنيا وطلبا لها واتباعا ~~لها وقوم يقولون قول الأنبياء، ويعملون أعمال الجبابرة، فمن جاء بلا إله ~~إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة، فلذلك كان علي رضي الله عنه ~~يجعل الزهد مقاما في الصبر، ويجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما ~~عنه؛ أولهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة وعتبة بن حميد والحرث ~~الأعور وقبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال: الإيمان على أربع ~~دعائم، على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، ثم قال فيه: والصبر منها على ~~أربع شعب؛ على الشوق، والشفق، والزهادة، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا ~~عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت ~~عليه المصيبات، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات. # والخبر الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو ~~قوله: والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، لا جسد لمن لا رأس له، ولا ~~إيمان لمن لا صبر له، وروينا في خبر مقطوع: السخاء من اليقين ولا يدخل ~~النار موقن، والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك، فكان هذا الحديث مفسرا ~~للخبر المجمل السخي، قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من ~~النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب ms0568 من النار، فسر في ذلك ~~الخبر بأي معنى يكون السخي قريبا من الله تعالى، قريبا من الجنة لأن السخاء ~~من اليقين وبأي معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى، قريبا من النار لأن ~~البخل من الشك، فالسخاء وصف الزاهد ولا يكون الزاهد إلا سخيا، والبخل وصف ~~الراغب، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ولايكون البخيل زاهدا لأن # PageV01P418 # الزهد يدعو إلى إخراج الشيء، والبخل يدعو إلى إمساكه، فنفس السخاء زهد، ~~فلذلك ذم البخل لأنه رغبة في الدنيا، ثم إن الحرص علامة البخل لأنه دليل ~~الرغبة، والقناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد، فلذلك قيل: سخاء النفس عما ~~في أيدي النفس أفضل من سخاء البذل، ثم يفترقان في الحكم بعد اجتماعهما في ~~الإسم، فمن جاد بملكه لله تعالى كان زاهدا فيه لله تعالى ووقع أجره على ~~الله، ومن جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ذلك موصوفا بالسخاء، ~~ولكن ذلك لنفسه ولأجل هواه ولا أجر له عند الله تعالى إذ لم يكن من عمال ~~الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه وحصل شكره وذكره في الدنيا لأنه عمل ~~لأجل الناس. # كما قال ابن المبارك رحمه الله: ما رأيت بين الفتوة والقراءة فرقا إلا في ~~شيء واحد ماحظرت القراءة شيئا إلا قبحته الفتوة وإنما يفترقان في أن ~~القراءة يراد بها وجه الله تعالى، والفتوة يراد بها وجوه الناس ومدحهم وقد ~~كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول: من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترى ~~أي من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف ~~التقري حتى يوصف بأنه قارئ، ثم إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما ~~يجاهدها على مخالفة الهوى وكما يجاهدها بالصبر على الحق بأن يهرج المرغوب ~~وينفق المحبوب على كراهة من النفس وجمل بالزهدعليها فيكون له مقام في الزهد ~~ينال البر ويستوجب مدحا من البر، والمتزهد غير الزاهد، وهو الذي يتصنع ~~للزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ورثاثة الحال في كل شيء، فمثله مثل ms0569 ~~المتصبرين من الصابر الذي يجهل على نفسه بالصبر ويصابرها على العلم، فيكون ~~له مقام من الصبر، وصفوة الزهد انتظارالموت وقصر الأمل لأن فيهما ترك ~~الادخار وتحسين الأعمال. # وقال ابن عيينة: حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء. # وقال بشر بن الحارث رحمه الله: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس، من ~~زهد فيهم فقد زهد في الدنيا، وكذلك قال بعض الحكماء: إذا طلب الزاهد الناس ~~فاهرب منه، وإذا هرب من الناس فاطلبه، وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله: متى ~~يكون الرجل زاهدا؟ فقال: إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان ~~زاهدا، وقال قاسم الجوعي: الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك ~~من بطنك، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات، وقال ~~فضيل بن عياض رحمه الله: الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص ~~والشره، وقال الثوري: الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل، ~~وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: الدنيا كل ما يشغلك عن ~~الله تعالى # PageV01P419 # فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى، وقد قال: إنما الزاهد من تخلى عن ~~الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد، فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة ~~لنفسه، وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول: كل ما شغلك عن الله تعالى ~~من أهل أو مال فهوعليك شؤم. # وقال أبو سليمان: من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا ~~وقرأ قوله تعالى: (إلامن أتى الله بقلب سليم) الشعراء: 89 قال: هو القلب ~~الذي ليس فيه غير الله تعالى، وقال: إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من ~~همومها للآخرة، وقد قال أويس القرني رحمه الله تعالى: إذا خرج يطلب ذهب ~~الزهد وكان إمامنا وشيخ شيخنا أبومحمد سهل بن عبد الله رحمه الله يقول: أول ~~الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة وقال: لا يزهدالعبد زهدا حقيقيا لا رجعة ~~بعده إلابعد مشاهدة قدرة، فإن أول القدرة عندي أن يشهد ما سمع ms0570 من كلام ~~القادر المزهد إذ يقول تبارك وتعالى: (ومما توقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد مثله) الرعد: 71، فالحلية الذهب والفضة؛ وهما قيم الأشياء ~~اللذان ملكا النفوس ونكسا الرؤوس فالمتاع ما سواهما من معادن الأرض، فإذا ~~شهد العبد الذهب الذي هو سبب الدنيا ولأجله أشرك من أشرك وبحبائله ارتبك من ~~ارتبك ولوقوع حلاوته في القلب وقع من وقع، فإذا شهد جوهر الذهب والفضة زبدا ~~طافيا على وجه الماء لا نفع فيه ولا غنية به ولا قيمة له زهد فيه حينئذ ~~زهدا صادقا فكان زهده معاينة لا خبرا وكان من المؤمنين حقا الذين وصفهم ~~الحق بالحق في قوله تعالى: (اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا) الأنفال: 2 فالزهد مزيد الإيمان ثم قال: وعلى ربهم ~~يتوكلون، فالزهد يدخل في التوكل ثم قال: فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون، ~~فالتوكل يوقف على الصبر، وكان هذا قد سمع من كلام الله تعالى ففعله فأبلغه ~~الله تعالى مأمنه في المقام الأمين في جنات وعيون، واستحق وصف الله تعالى ~~بالإيمان إذا تلا القرآن بحقيقة الإيقان فقال عز وجل: (الذين آتيناهم ~~الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) البقرة: 121 وذلك أن هذا الزبد ~~تشبيه من الله تعالى لمثل ضربه للحق والباطل، فالمثل هو الماء والزبد فمثل ~~الحق في نفعه وبقائه بالماء، ومثل الباطل في ذهابه وقلة نفعه بالزبد، ثم ~~شبه الذهب لذهابه عن الحقيقة بالزبد تشبيه مماثلة لا تشبيه مجاز لقوله: زبد ~~مثله، والمماثلة مستقصاة، ثم قال: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا ~~لربهم الحسنى أي الجنة والبقاء. # وقال تعالى: (للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء) النحل: 06 هم المريدون ~~للحياة الدنيا وزينتها، الراضون المطمئنون بها، ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار، فسبحان من نفد بصره الأبصار وسبحان مقلب الليل والنهار، وسبحان من ~~كل شيء عنده بمقدار، يبصر ما لا نبصر، كما يقدر على ما لا نقدر، خص ~~المشاهدين بمعنى مشاهدته كما خصهم # PageV01P420 # بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما ms0571 شاء، لما أحاط لهم ما شاء فكان ~~الذهب والفضة زبدا طافيا تفرقه الرياح فيكون فوق الماء متجافيا؛ وهما من ~~معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ثابتة بإثبات وساكنة بتسكين تحسبها ~~جامدة، وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء وصارت الأرض بحرا ~~عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من المدن والقفار للاستواء والاعوجاج ~~وصار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين المناكب والأحداب، أظهر فيهما من ~~كل شيء موزون بمقدار، كتنفس النهار في الليل وكالغشاء على السيل، ذلك لظهور ~~حكمته وخفي قدرته ولطيف صنعه ودقيق صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره ~~وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وهم من كل حدب ~~ينسلون، إن ربي لطيف لما يشاء فاجتمع الفرق وارتتق الفتق وغاب كل متفرق ~~ونطق وكان عرشه على الماء ليبلوكم، فهذه مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من ~~زهدهم في الدنيا، وافترق الجمع وافتتق الرتق وظهر من الماء كل شيء حي ظاهر ~~واتسع الفضاء واستتر الغطاء ووجد التفصيل وحكم الحسبان بالتحصيل، كانتا ~~رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلايؤمنون هذه مشاهدة أبناء ~~الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من غيبهم وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ~~ماكنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد، ~~والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا؛ هذه مشاهدة العموم عند ~~الموت فيعظمه عليهم بالحسرة والفوت، وقد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ~~ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم ~~متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا وباطنا ولطيفا ومستترا ومعروفا ومنكرا والله ~~غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فما غلب عليه لا يظهر وما غلبه ~~عليهم إيامهم قهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها ~~الشاعر: # ألا كل شيء ماخلا الله باطل # وقال: فالحق والحق أقول: خلق سبع سموات ومن الأرض مثهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل ms0572 شيء علما، وكان ابن ~~عباس رضي الله عنهما يقول: لو فسرت لكم هذه لآية لكفرتم قيل: وكيف؟ قال: ~~كنتم تنكرونها وإنكاركم له كفر بها، وفي لفظ آخر: لو فسرت الآية التي في ~~سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا يقتلون ~~إلا كافرا عندهم، وروينا عنه قي قوله تعالى جميعا منه قال: في كل شيء اسم ~~حرف من أسمائه، فاسم كل شيء من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله ~~ناطقا بقدرته وظاهرا بحكمته وبمعناه، كان أبو محمد رحمه الله تعالى يتأول ~~قوله: ما نزل من السماء أعز من اليقين فغابت السبع سبعا في السبع العلي ~~والسبع السفلي لما طوى نفس الهوى وغابت # PageV01P421 # العليا والسفلى في ملكوت العرش والثرى لما طوي طي النفس وغاب العرض ~~والثرى في جبروت الأعلى لما محي طي الطي وحضر الأزلي الأول إذا غاب الحدثان ~~الثاني وظهرالباطن الآخير حين بطن الظاهر الساتر فصار العبد شهيدا لقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا كل شيء ماخلا الله باطل، وأراه الآيات في ~~الأفاق فتبين الحق بقول الحق سبحانه وتعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ىكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت: ~~53، (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط) فصلت: 54 # وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال: اللهم أرني الدنيا ~~كما تراها فقال: لا تقل هكذا فإن الله تعالى لايرى الدنيا كما تراها ولكن ~~قل أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك؛ وهذه شهادة أهل الله تعالى، ~~وغابت فيه الشهادة الأولى كما غيبت تلك الأولى مشاهدة أهل الدنيا فكشف هذا ~~المقام وإظهار هذه الشهادة لا تحل إلا لشهيد ذي مقام في الصديقين عتيد، ~~وقال الحكيم: لقد عزت معانيه فغابت عن الأبصار: إلا الشهيد وهم أولو المطلع ~~في القرآن الذين سلموا من هول المطلع في العيان، وإفشاء سر الربوبية معصية ~~وإعلان سر السر كفر ولكن يحتاج هذا الزاهد أن يشهد المزهود بمنزلة ms0573 الزبد إن ~~لم يبلغ نظره شهادة المزهد الأحد ليكون من أهل السمع والشهادة فينسى بذكر ~~قلبه معارفه والعادة يكون عند الله شهيدا له أجره ونوره كما قال الشاهد ~~الأعلى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكيف يكون شهيدا من لم يشهد ~~بشهادته بل كيف يشهد وصف الأولية بغير نورها أم كيف يقوم بشهادته من لم ~~يشهد قيوميته بل كيف يرى قيوميته بغير نور وحدانيته؟ فإن لم يقرب في هذا ~~المكان فكما قال أو ألقى السمع وهو شهيد فيسمع من مكان هو إلى جنب القرب ~~بعيد ويكون من أهل البيان والفكر كقول الحق المبين: (كذلك يبين لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) البقرة 219 - 220 أي تتفكرون في فناء ~~الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فتؤثرون الباقي الدائم وترغبون فيه ~~على الزائل الفاني وتزهدون فيه لأن ما يكون آخره فناء يشبه آخره أول أمره ~~وأوله لم يكن ومايكون آخره بفاء فكأنه لم يزل فأشبه أوله آخره في البقاء، ~~وكذلك قال العليم الحكيم: (والآخرة خير وأبقى) الأعلى: 17 فوصفها لبقائها ~~في المآل بوصفين من صفاته. # كما قال تعالى: (والله خير وأبقى) طه: 73، ولأنه قال تعالى: (ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق) النحل: 96 فنسب الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل ~~الغناء وليزهدنا فيها، وأضاف الآخرة إليه ليعزها به لأنه أهل البقاء ~~وليرغبنا فيها، فإذا شهد العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما عقله ~~الذي هو فهم سمعه وإدراك خبره ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه ~~لم يزل كان من المتفكرين في هذه الآية المشاهدين لها، وممن تلاها حق # PageV01P422 # تلاوتها فآمن حقيقة الإيمان وزهد في الدنيا حقيقة الزهد ورغب في الآخرة ~~حق الرغبة وكان من أولي الأيدي والأبصار أي من ذوي القوى في الدين والبصائر ~~في اليقين، فلما أبصر بقواه عبر الدنيا إلى الله تعالى وكان زاده تقواه، ~~كما قال تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 49 أي ~~تذكرون الفرد ففروا إلى الله ms0574 أي من الأشكال والأضداد، وكما قال: فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار فعبر لما أبصر معه عندها كان ممن أخذ الكتاب بقوة قيل: ~~بعمل فيه وقيل: بيقين فيه ويقال: بجد واجتهاد، فكان من المحسنين الذين ~~يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض) آل ~~عمران: 191 الآية، وقال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويل لمن تلاها ومسبح ~~بها سبلنه وذلك أن السموات والأرض عبر بهما عما وراءهما من درجات الجنات ~~ودركات النيران، وهو الملكوت إلى الملك الباطن والملك الكبير فكشف هذان عما ~~علا وسفل وأحاط بهما من العرش والثرى لمن تفكر فيهما ثم كشف ذلك له ورآه من ~~العزة وجاوز الأفكار الملكوت لما شرحت القلوب بأنوار اليقين إلى الأفق ~~الأعلى والجبروت فنفذت أبصار المتفكرين بقواها إلى مشاهدة ذلك وبقيت أنوار ~~يقنيهم معاينة ما أحاط بذلك وهو ما قدمنا ذكره آنفا مما لم يظهر كشفه ~~كنحوما نبه الله تعالى العباد بما يشهدون إلى ما وراءه مما به أيقنوا ~~وللمؤمنين مشاهدة للدنيا قريبة دون هذه من طريق العقول يشهدون أنها عقوبة ~~كما قيل: ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له. # وسمعنا في أخبار داود عليه السلام: أن الله تعالى أوحى إليه: تدري لم ~~ابتليت آدم بأكل الشجرة لأني جعلت معصيته سببا لعمارة الدنيا فينبغي في ~~دليل لخطاب أن تكون الطاعة سبب خرابها وهو الزهد فيها، فصح بذلك الخبر ~~المشهور: حب الدنيا رأس كل خطئة لأنه كان أساسها ولكن لايسع ذلك العامة ~~لأنهم مرادون بالعمارة وصلح لنفرمن الخاصة لأن نقصان عددهم من الكافة لا ~~ينقص عمارة الدنيا إذ المراد عمارتها بأهلها، ويقال عن آدم عليه السلام: ~~لما أكل الشجرة تحركت معدته لخروج الثفل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من ~~أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة، فلذلك نهيا عن أكلها قال: فجعل يدور في ~~الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له: ms0575 أي شيء تريد؟ فقال آدم عليه ~~السلام: أريد أن أضع ما في بطني من أذى فقيل للملك: قل له في أي مكان تضعه ~~علي الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا ~~موضعا يصلح لذلك ولكن اهبط إلى الدنيا، قال: وتلطف الله تعالى له بهذا ~~المعنى فأهبطه إلى الأرض وقد نغص الله تعالى فاكهة الدنيا وغيرها بحشو ~~العجم والثفل ليزهد فيها وأخبر أنها مقطوعة ممنوعة ليرغب في الدائم ~~الموهوب. # وكان بعض العلماء يقول: ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه # PageV01P423 # فظهر لي عزوف عنه فهذه عناية من الله تعالى بمن وليه من أوليائه المقربين ~~منه، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم ~~يعجب بظاهرها، ومن كوشف بعاقتبها لم يستهوه زخرفها، وكان عيسى عليه السلام ~~يقول: ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنها نتن، وقال ~~مالك بن دينار رحمه الله: اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني ~~الدنيا، فمن حرص على الدنيا بالباطل فقد قتل نفسه، فإن قوى حرصه عليها ~~واشتد عشقه لها قتل غيره، قال الله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم) النساء: 29 وقال في قتل غيره بصده إياه عن سبيل ~~الله: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله) التوبة: 43 وروينا في أخبار عيسى عليه السلام: إنه مر في ~~سياحته ومعه طائفة من الحواريين بذهب مصبوب في الأرض فوقف عليه ثم قال: هذا ~~القاتول فاحذروه، ثم عبروا أصحابه فتخلف ثلاثة لأجل الذهب فأقام اثنان ~~ودفعا إلى واحد شيئا منه يشتري لهم من الطيبات من أقرب الأمصار إليهم فوسوس ~~إليهما العدو: ترضيان أن يكون هذا المال بينكم أثلاثا اقتلوا هذا فيكون ~~المال بينكم نصفين، فأجمعا على قتله إذارجع إليهما، قال: وجاء الشيطان إلى ~~الثالث فوسوس إليه أرضيت لنفسك أن تأخذ ثلث المال اقتلهما فيكون المال كله ~~لك قال: فاشترى سما فجعله ms0576 في الطعام فلما جاءهما به وثبا عليه فقتلاه ثم ~~قعدا يأكلان الطعام فلما فرغا ماتا، فرجع عيسى عليه السلام من سياحته فنظر ~~إليهم حول الذهب صرعى والذهب بحاله فعجب أصحابه وقالوا: ما شأن هؤلاء ~~فأخبرهم بهذه القصة، وقيل لابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء؟ قيل: فمن ~~الملوك؟ قال: الزاهدون، وروينا عن ابن المسيب عن أبي ذر قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من زهد في الدنيا أدخل الله تبارك وتعالى الحكمة قلبه ~~وأنطق بها لسلانه وبصره داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار ~~السلام. # وروينا في الخبر: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع ~~من لا عقل له، وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: رأيت سبعين بدريا ~~كانوا والله فيما أحل تعالى لهم أزهد منكم فيماحرم الله تعالى عليكم، وفي ~~حديث آخر: كانوا بالبلاء والشدة تصيبهم أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء لو ~~رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم قالوا: ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا ~~أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب قال: وكان أحدهم يعرض له المال ~~الحلال فلا يأخذه ويقول: أخاف أن يفسد على قلبي، فمن كان له قلب حفظه من ~~فساده وخاف من تغيره وإبعاده وعمل في صلاحه وإرشاده، ومن لم يكن له قلب فهو ~~يتقلب في ظلمات الهوى فربما انقلب على وجهه خسر # PageV01P424 # الدنيا والآخرة، أو يكون من أهل الرضا بالدنيا وأهل الغفلة عن آيات الله ~~تعالى فيكون قد رضي بلاشيء وآثره على من ليس كمثله شيء كوصف من أخبر الله ~~تعالى عنه قي قوله تعالى: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ~~آياتنا غافلون) يونس: 7 فيستحق الإعراض من الحبيب ويستوجب المقت من القريب ~~كمثل من أمر الله تعالى بالإعراض عنهم وترك القبول منهم إذ يقول عز من ~~قائل: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) (ذلك مبلغهم ~~من العلم) النجم: 29 - 30 وقال عز وجل: (ولا تطع من أغفلنا قلبه ms0577 عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا) الكهف: 28 أي مجاوزا لما نهي عنه مقصرا عما أمر ~~به وقيل: مقدما إلى الهلاك، وقد نهى الله تعالى رسوله أن يوسع نظره إلى أهل ~~الدنيا مقتا لهم وأخبر أن ما أظهره من زهرة الدنيا فتنة لهم وأعلمه أن ~~القناعة والزهد خير وأبقى، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى: (ولاتمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى) طه: 131، قيل: القناعة وقيل: فوت يوم بيوم ويقال: الزهد في ~~الدنيا وهذا الوجه أشبه بكتاب الله تعالى بدليل قوله تعالى: (والآخرة خير ~~وأبقى) الأعلى: 17 وكذلك قوله تعالى: (ورزق ربك خىر وأبقى) طه: 131 يعني ~~الزهد في الدنيا، وقال أيضا في مثله: (بقية الله خير لكم) هود: 86 يعني ~~القناعة وقيل: الحلال، وفي خبر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في ~~أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسه ~~عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والولد والوبر؛ وهي الرواحل من الإبل ~~التي ضرب النبي عليه السلام بها مثل خيار الناس فقال عليه السلام الناس ~~كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة أي الإبل كثيرة والراحلة التي تجمع هذه ~~الأوصاف الخمسة من الإبل قليل وهي العشار التي ذكر الله تعالى في قوله: ~~(وإذا العشار عطلت) التكوير: 4 أي تركها أهلها وهربوا لهول قيام الساعة ~~شغلا بنفوسهم عنها قال: فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره ~~فقيل له: يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لما تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني ~~الله تعالى عن ذلك، ثم تلا هذه الاية: (لا تمدن عينيك) الحجر: 88، وفي حديث ~~عمر رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة) ~~االتوبة: 43، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبا للدينار والدرهم قال: ~~فقلنا نهانا الله تعالى عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ليتخذ أحدكم لسانا ms0578 ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة ~~تعينه على أمر الآخرة وفي حديث حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله تعالى بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا ~~وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا. # وروينا حديثا مرسلا عن علي بن معبد عن علي بن أبي طلحة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب ~~إليه من أن يعرف، وحتى # PageV01P425 # يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرة الشيء، وروينا عن عيسى عليه السلام: ~~الدنيا قنطرة خلقت يعبر عليها إلى الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال له ~~رجل: احملني معك في ساحتك فقال: أخرج مالك والحقني قال: لا أستطيع فقال ~~عيسى عليه السلام بشدة: يدخل الغني الجنة أو قال بعجب: وقالوا له: لو ~~أمرتنا يا نبي الله أن نبني بيتا نعبد الله فيه فقال: اذهبوا فابنوا بيتا ~~على الماء قالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء قال: فكيف تستقيم عبادة على ~~حب الدنيا وقال: لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد بعبادة ~~الله تعالى ولايبالي من أكل الدنيا، وكان بشر بن الحارث يقول: لا تحسن ~~التقوى إلا بزهد وقال مرة: العبادة لا تليق بالأغنياء مثل العبادة على ~~الغني مثل روضة على المزبلة، ومثل العبادة على الفقير مثل عقد الجوهر في ~~جيد الحسناء، وقد استنبطنا ذلك من كتاب الله تعالى فمعنى وصف الفقراء في ~~العبادة في قوله سبحانه وتعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) ~~البقرة: 273 ثم قال: (تراهم ركعا سجدا) الفتح: 29 فحسنت لبسة العبادة عليهم ~~لحسن سيماهم بالفقر، وروينا في وصية لقمان لابنه وهو يحذره مداخل العدو ~~قال: وإذا جاءك من قبل الفقر فأخبره أن الغني من أطاع الله تعالى والفقير ~~من انتهك معصيته وإذا شهى إليك الغني فأخبره أنه لا يحسن جمع الغنى ~~والقراءة، وقال بعض السلف: أبي أهل العلم بالله تعالى أن يسمعوا الحكمة ~~والوعظ إلا من الزاهدين في الدنيا ms0579 وقالوا: ليس أهل الدنيا لذلك أهلا ولا ~~يليق بهم. # وروينا عن عيسى عليه السلام فيما أوحى الله تعالى إليه: يا ابن آدم ابك ~~أيام الحياة بكاء من ودع الدنيا وارتفعت رغبته إلى ما عند الله تعالى، اكتف ~~بالبلغة من الدنيا ليكفك منها الجشب والخشن بحق أقول لك ما أنت إلا بيومك ~~وساعتك مكتوب عليك ما أخذت الدنيا وفيما أنفقته فاعمل على حسب هذا، فإنك ~~مسوؤل عنه، لو رأيت ما وعدت الصالحين لزهقت نفسك، فكان عيسى عليه السلام ~~يقول: حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وجودة الثياب خيلاء القلب يعني إعجابه ~~وكبره وملء البطن جمام النفس يعني قوتها واجتماعها، بحق أقول لكم: لكما لا ~~يلذ المريض بطيب الطعام كذلك لا يجد حلاوة العبادة من أحب الدنيا، ومن ~~الزهد في الدنيا ترك الملبس الناعم والمنظور إلىه المرتفع واجتناب النزهات ~~من لطائف الطعام والتفتق في الشهوات التي يرغب فيها المتنعمون # PageV01P426 # وترك الزينة والمفاخر من الآلة والأثاث الذي يستأنس فيه المترفون، ومن ~~الزهد أن يكون الشيء الواحد يستعمل في أشياء كثيرة، كذلك كان سيرة السلف في ~~الأثاث وهو التقلل، كما أن أبناء الدنيا يستعملون للشيء الواحد أشياء ~~كثيرة؛ وهو وصف من التكاثر وذلك من أبواب الدنيا، وقال بعض السلف: أول ~~النسك الزي، وقال بعض العلماء: من رق ثوبه رق دينه، وقال ابن مسعود رضي ~~الله عنه: لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب. # وفي الخبر المشهور: البذاذة من الإيمان قيل: هو التقارب في اللباس، ~~والحديث المفسر من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى خيره الله ~~تعالى من حلل الإيمان أيها شاء، وفي لفظ آخر: من ترك زينة لله تعالى ووضع ~~ثيابا حسنة تواضعا لله تعالى وابتغاء وجهه كان حقا على الله تعالى أن يدخر ~~له من عبقري الجنة في تخات الياقوت، ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة بعسل، فوضع القدح من يده قال أما أني لست ~~أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله تعالى وأتى ms0580 عمر رضي الله عنه بشربة من ماء ~~بارد وعسل في يوم صائف فقال: اعزلوا عني حسابها، وأوحى الله تعالى إلى نبي ~~من أنبيائه: قل لأوليائي: لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تدخلوا مداخل أعدائي ~~فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي، ولما خطب بشر بن مروان على منبر الكوفة قال ~~بعض الصحابة: انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب لفساق قلت: وما كان ~~عليه، ثياب رقاق، وجاء عامر بن عبد الله بن ربيعة إلى أبي ذر رضي الله عنه ~~في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبو ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب ~~عامر فأتى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: ألم تر ما لقيت من أخيك أبي ذر قال ~~وما ذاك؟ قال: جعلت أقول في الزهد فأخذ يهزأ بي فقال ابن عمر: أنت صنعت ~~بنفسك تأتي أبا ذر في هذه البزة وتتكلم في الزهد. # وقال علي كرم الله وجهه: إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في ~~مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره، وقد عوتب ~~عمر رضي الله في لباسه وكان يلبس الخشن من القطن قيمة قميصه ثلاثة دراهم ~~وخمسة دراهم ويقطع ما فضل عن أطراف أصابعه وقال هذا أدنى إلى التواضع وأجدر ~~أن يقتدي بي المسلم، وأتت برود من اليمن إلى عمر رضي الله عنه فقسمها على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا بردا، ثم صعد المنير بوم الجمعة ~~فخطب الناس في حلة منها والحلة عند العرب ثوبان من جنس واحد، وكان ذلك من ~~أحسن زيهم فقال: ألا اسمعوا ألا اسمعوا، ثم # PageV01P427 # وعظ فقام سلمان فقال: والله لا نسمع والله لا نسمع قال: وما ذاك؟ قال: ~~لأنك قد أعطيتنا ثوبا ثوبا ورحت في حلة فقد تفضلت علينا بالدنيا، فتبسم ثم ~~قال: عجلت يا أبا عبد الله رحمك الله إني كنت غسلت ثوبي الحلق فاستعرت برد ~~عبد الله بن عمر فلبسته مع بردي: فقال سلمان: قل الآن حتى نسمع ونهى وسول ms0581 ~~الله صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال: إن عباد الله تعالى ليسوا ~~بالمتنعمين ورؤي فضالة بن عبي وهو والي مصر أشعث حافيا فقيل له: أنت الأمير ~~وأنت هكذا فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأرفاه وأمرنا أن ~~نحتفي أحيانا. # وروينا أن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال: أنشد الله رجلا علم في عيبا ~~لا أخبرني به، فقام شاب فقال: فيك عيبان اثنان قال: وما هما رحمك الله؟ ~~قال: تذيل بين البردين وتجمع بين الأدمين قال: فما أذال بين البردين وما ~~جمع بين الأدمين حتى لقي الله تعالى، هكذا حدثنا به قال الشيخ: بإسناده ~~يذيل بالذال فمعناه تجمع بين ذيليهما فيتفق ذيل الأعلى على ذيل الأسفل من ~~طول البرد الأعلى وأنا أحسب أن معناه تديل بالدال أي تبدل أحدهما بآخر دولة ~~ذا ودولة ذا ويصلح أن يكون بالذال من الإذالة أي الوضع يقال: أشل هذا وأذل ~~هذا مثل قول الناس من إذالة العلم أن يجيب العالم عن كل ما يسأل عنه كأنه: ~~أراد تضعهما عندك معا وهو راجع إلى معنى تديل من الدولة، وقال علي لعمر رضي ~~الله تعالى عنهما: إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارقع القميص ونكس الأزرار ~~واخصف النعل وكل دون الشبع، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: اخلولقوا ~~واخشوشنوا وتمعددوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر، وقال علي رضي الله تعالى ~~عنه: من تزيا بزي قوم فهو منهم. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد من هذا أن من شرار أمتي ~~الذي غذوا بالنعيم الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في ~~الكلام، ولما قدم عمير بن سعد أمير حمص على عمر رضي الله عنه قال له: ما ~~معك من الدنيا يا عمير؟ قال: معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ~~ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل فيها وأعسل فيها رأسي وثوبي ومعي ~~مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة يعني السطيحة، فما كان بعد هذا من ~~الدنيا ms0582 فهو تبع لما معي فقال له عمر صدقت # PageV01P428 # رحمك الله وكان عمر رضي الله عنه قد كتب إلى أهل حمص أن عدوا لي فقراءكم ~~فسموا له في الكتاب نفرا وذكروا فيهم سعيد بن جذيم ويقال: بل عمير بن سعد ~~فقال عمر: من سعيد بن جذيم؟ فقالوا أميرنا يا أمير المؤمنين، قال: أو فقير ~~هو؟ قالوا: نعم ما فينا أفقر منه، قال: فما فعل عطاؤه قالوا: يخرجه كله لا ~~يترك لنفسه ولا لأهله شيئا منه، فوجه إليه عمر رضي الله عنه بأربعمائة ~~دينار وسأله أن ينفقها على نفسه وأهله، فلما وصلت إليه دخل على زوجته وهو ~~يبكي فقالت له ما شأنك؟ مات أمير المؤمنين؟ قال: أعظم من ذلك قالت: فتق فتق ~~في المسلمين؟ قال: أشد من ذلك، قالت: فما هو؟ قال: أتتني الدنيا قد كنت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تفتح الدنيا علي وكنت في أيام أبي بكر ~~رضي الله عنه فلم تفتح الدنيا علي وخلفت إلى أيام عمر رضي الله عنه ألا وشر ~~أيامي أيام عمر، ثم حدثها فقالت: نفسي فداؤك فاصنع بها ما بدا لك فقال: أو ~~تساعديني على ما أريد؟ قال: نعم، قال: أعطيني خلق ذلك البرد قال: فجعل ~~يمزقه ويصرها فيه صررا ما بين العشرة والخمسة والثلاثة حتى أفناها ثم جعلها ~~في مخلاة وتأبطها وخرج فاعترض جيشا من المسلمين يريدون الغزو فجعل يدفع ~~إليهم صرة صرة على نحو ما يرى من حالهم ثم رجع ولم يترك لأهله منها دينارا؛ ~~فهذه كانت شمائل جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم ~~بإحسان رضي الله تعالى عنهم. # وروينا في حديث عياض بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الأخيار: ~~إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة ~~ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة ~~يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان، أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش، وفي ~~حديث أبي الدرداء رضي ms0583 الله عنه لما وصف الأبدال قال: فقلت له: فكيف لي أن ~~أكون بهذا الوصف وأنى لي أن أكون مثلهم؟ فقال: يا ابن أخي ما بينك وبين أن ~~تكون في أول ذلك وأوسطه إلا أن تزهد في الدنيا فتعاين الآخرة بقلبك فتعمل ~~لها. # وروينا في الخبر: أن الله تعالى يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس، وقال ~~الثوري وفضيل رحمهما الله تعالى: جعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه الرغبة ~~في الدنيا، وجعل الخيركله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وسئل يوسف ~~بن أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى: أي الأعمال أفضل؟ فقالا: الزهد ~~في الدنيا وهذا موجود في ظاهر الخبر المنقول عن عيسى عليه السلام، ورويناه ~~عن نبينا صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا رأس كل خطيئة ففي تدبره أن بعضها ~~رأس كل طاعة، كذلك كان بعض السلف يقول: # PageV01P429 # كفى به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا، وأشد من ذلك ما رواه سفيان عن يحيي ~~بن سليم الطائفي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن عبدا عبد ~~الله تعالى عبادة أهل السموات والأرض ولقيه محبا للدنيا لأقامه الله تعالى ~~في الموقف مقاما شهره فيه بين الخلائق، ألا أن فلان بن فلان قد أحب ما أبغض ~~الله تعالى، وقال يحيى بن جابر الطائي: قال عمرو بن الأسود العنسي: لا ألبس ~~مشهورا أبدا ولا أنام بليل على دثار أبدا ولا أركب على مابور أبدا ولا أملأ ~~جوفي من طعام أبدا. # فقال عمر رضي الله عنه: من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلينظر إلى عمرو ابن الأسود، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سفر فدخل على فاطمة رضي الله تعالى عنها فرأى على بابها سترا وفي يديها ~~قلبين من فضة فرجع، فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي، فأخبرته برجوع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: من أجل الستر والسوارين، فهتكت الستر ونزعت ~~السوارين فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله ms0584 صلى الله عليه وسلم وقال: قد ~~تصدقت به فضعه حيث ترى فقال: اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين ~~بدرهمين ونصف وتصدق به عليهم فدخل عليها وقال: بأبي أنت قد أحسنت، وفي ~~الخبر ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله تعالى عنه حتى ينزعه وإن كان ~~عنده حبيبا، وقال سفيان الثوري وغيره: البس من الثياب ما لم يشهرك عند ~~العلماء ولايحقرك عند الجهال وكان يقول: إن الفقير ليمر بي وأنا أصلي فأدعه ~~يجوز ويمر، بعض هؤلاء من أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته فلا أدعه ~~يجوز، قال بعضهم: ما رأيت الغني في مجلس قط أذل منه في مجلس الثوري رحمه ~~الله تعالى ولا رأيت الفقير أعز منه في مجلس الثوري، وقال آخر: كنا إذا ~~جلسنا إلي سفيان تمينا أنا كنا فقراء لما نرى من إقباله عليهم وإعظامه لهم ~~وقال بعضهم: إنما العالم هو الذي يقوم الفقير من عنده غنيا والغني من عنده ~~فقيرا، وقال بعضهم قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانيق، وقال ابن ~~شبرمة: خير الثياب ما خدمني وشرها ما خدمته. # وقال بعض السلف: أحب الثياب إلي ما لا يستخدمني وأحب الطعام إلي ما لا ~~أغسل يدي منه، وقال بعض العلماء: البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس ~~منها ما يشهرك فينظر إليك قال: وعددنا في قميص عمر رضي الله عنه أربعة عشر ~~رقعة بعضها من أدم، وكان بعض العلماء يقول: كثرة الثياب على ظهر ابن آدم ~~عقوبة من الله تعالى له وكان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من ~~قطعتين؛ إزارين أو قميص ومئزر تحته ويعطف ذيل قميصه على رأسه ويحله في وسطه ~~فيغطي به رأسه، وكذلك استحب للفقير وهو حد اللباس، وقال أبو سليمان ~~الداراني رحمه الله تعالى: الثياب ثلاثة، ثوب لله تعالى، وثوب للنفس، وثوب ~~للناس، فالذي لله تعالى ما ستر العورة وأديت فيه الفريضة، والذي للنفس ما ~~طلبت لينه ونقاءه، والذي للناس ما طلبت جوهره وحسنه، ثم قال: وقد # PageV01P430 # يكون ms0585 الثوب الواحد لله تعالى وللنفس. # وقد كان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمة ~~أربعين درهما وبعضهم يقول: إلى المائة ويعد سرفا فيما جاوزها، وكان جمهور ~~العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين، وكان ~~المتقدمون من الصحابة أثمان إزارهم اثنا عشر درهما، فكانوا يلبسون ثوبين ~~قيمة نيف وعشرين درهما، واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا بأربعة ~~دراهم وكان قيمة ثوبيه عشرة إلى دينار، وكان طول إزاره أربعة أذرع ونصف، ~~واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف وكانت تسمى ~~حلة لأنها ثوبان من جنس واحد وربما لبس ثوبين من جنس واحد وربما لبس بردتين ~~يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ، وفي الخبر: كان قميص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كأنه قميص زيات وقد لبس عليه السلام يوما واحدا ثوب سيراء من ~~سندس قيمته مائتا درهم فكان أصحابه يلمسون ويقولون: أنزل عليك هذا من الجنة ~~تعجبا منه وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بقبول ~~هديته ويلبسه ثم نزعه، وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لبس ~~الحرير والديباج، وقد يكون لبسه إياه توكيدا للتحريم بعده كما لبس خاتما من ~~ذهب يوما واحدا، ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال، وكما قال لعائشة رضي الله ~~عنها في شأن بريرة: اشترطي لأهلها الولاء، فلما اشترطته صعد المنبر فحرمه ~~فهذا يكون مؤكدا للتحريم، وكما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتوكيد أمر ~~النكاح، وقد يحتج بمثل هذا علماء الدنيا ويطرقون به لنفوسهم ويدعون الناس ~~منه إليهم ويظهرون الدعوة إلى الله تعالى تأولا بمتشابه الحديث كما تأول ~~أهل الزيغ متشابه القرآن على أهوائهم ابتغاء الفتنة وطلبا للدنيا لأن حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاني كلام الله تعالى فيه: ناسخ ومنسوخ ~~ومحكم ومتشابه وخاص وعام، وعدل علماء الدنيا وأهل الأهواء عن المحكم السائر ~~من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله إلى ما ذكرناه ms0586 وقد صلى رسو ل ~~الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها علم، فلما سلم قال: شغلني النظر إلى ~~هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بانبجانيته يعني كساءه فاختار لبس ~~الكساء على الثوب الناعم. # ورأى على باب عائشة رضي الله عنها سترا فهتكه وقال: كلما رأيته ذكرت ~~الدنيا: أرسلي به إلى آل فلان، وفرشت له عائشة رضي الله عنها ذات ليلة ~~فراشا جديدا وكان ينام على عباءة مثنية، فما زال يتقلب ليلته فلما أصبح ~~قال: أعيدي العباءة الخلقة ونحي هذا الفراش عني قد أسهرني الليلة، وكذلك ~~أتته دنانير خمسة أو ستة عشاء فبيتها فسهر ليلته حتى آخرجها من آخر الليل، ~~قالت عائشة: فنام حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال: ما ظن محمد بربه لو لقي ~~الله تعالى وهذه عنده، وكان شراك نعله العربي قد أخلق فأبدل بسير جديد، ~~فصلى فيه فلما سلم قال: أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت # PageV01P431 # إليه في الصلاة ولبس خاتما فنظر إليه وهو على المنبر بنظرة فرمى به وقال: ~~شغلني هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم، وقد قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله) آل عمران: 31 وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أحبني فليستن بسنتي، وقال في الخبر المشهور: عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وقد كان أبو محمد ~~سهل رحمه الله يقول: من علامة حب الله تعالى حب النبي عليه السلام، ومن ~~علامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ومن علامة حب السنة بغض ~~الدنيا، وعلامة بغضها أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: إن أردت اللحوق بي ~~فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه، وكان صلى الله عليه ~~وسلم قد احتذى نعلين جديدتين فأعجبه حسنهما فخر ساجدا وقال: أعجبني حسنهما ~~فتواضعت لربي خشية أن يمقتني، ثم خرج بهم فدفعهما إلى أول مسكين رآه وأمر ~~عليا رضي الله ms0587 عنه فاحتذى له نعلين سنديتين قال: فرأيته وقد لبسهما يعني ~~جرداوين أي معطوفتين وقال صلى الله عليه وسلم: إن أقرب الناس مني مجلسا يوم ~~القيامة من كان على مثل ما أنا عليه من الدنيا، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا، وقال عليه السلام: لا يعذب الله عبدا ~~جعل رزقه في الدنيا قوت يوم بيوم، وقال عليه السلام: طوبى لمن هدي إلى ~~الإسلام وكان رزقه في الدنيا قوتا وقنع به، وفي لفظ آخر: وصبر عليه، وقال ~~عليه السلام: أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أن رزقه كان في الدنيا ~~قوتا. # وروينا عنه صلى الله عليه وسلم: اللهم من أحبني وأجاب دعوتي فأقلل ماله ~~وولده، من أبغضني ولم يجب دعوتي فأكثر ما له وولده وأوطئ عقبيه كثرة ~~الأتباع، وكانت هذه دعوة الصحابة على من مقتوه، وروينا في الخبر: نقصان ~~الدنيا زيادة الآخرة وزيادة الدنيا نقصان الآخرة وفي الأثر: ما من أحد أعطي ~~من الدنيا شيئا إلا نقص من درجته وإن كان على الله تعالى كريما. وقال ~~إبراهيم بن أحمد الخواص رحمه الله في وصف المدعين: وقوم ادعوا الزهد ولبسوا ~~الفاخر من الثياب يموهون بذلك على الناس ليهدوا إليهم مثل لباسهم ولئلا ~~ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقرون فيعطون كما يعطى ~~المساكين ويحتجون لنفوسهم باتساع العلم وإنهم على السنة وإن الأشياء داخلة ~~عليهم وهم خارجون # PageV01P432 # منها، وإنما يأخذون بعلة غيرهم، هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى ~~المضايق، وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب ~~أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوا حالا لهم مائلون إلى ~~الدنيا متبعون الهوى، وكان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين ~~إزارين وقميص ومئزر تحته، ويعطف ذيل قميصه على رأسه ويغطي به رأسه، وكذلك ~~استحب للفقير هذا اللباس والأخبار في فضائل الفقر وفضل الفقراء وفي ذم ~~الدنيا ونقص الأغنياء أكثرمن أن تذكر ولم نقصد جمعها ولا كثرة الاستدلال ~~بها، ومن الزهد ms0588 ترك فضول للبنيان وأن لايبنى عاليا ولا مشيدا ولا من الطين ~~إلا ما يحتاج إليه وقيل: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المناخل والموائد، وأول شيء ظهر من طول الأمل التدريز والتشييد يعني دروز ~~الثياب وإنما كانت تشل شلا والبنيان الجص والآجر وهو التشييد، وإنما كانوا ~~يبنون بالسعف والجريد. # وقد جاء في الأثر: يأتي على الناس زمان يوشون بينانهم كما توشى البرود ~~اليمانية، ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر ~~فكبر وقال: ما كنت أظن أن في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون يعني ~~قول فرعون فأوقد لي يا هامان على الطين يعني به الآجر، يقال: أول من بنى ~~بالجص والآجر فرعون وأول من عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة، فهذا هو ~~الزخرف، وذكر بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال: أدركت هذا المسجد مبنيا ~~من الجريد والسعف ثم رأيته مبنيا من رهوص ثم رأيته الآن مبنيا باللبن، فكان ~~أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهوص، وكان أصحاب الرهوص خيرا من أصحاب اللبن، ~~وقد كان في السلف من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله ~~ولزهده في إتقان البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبه ~~لجيرانه فإذا رجع أعاده، وكانت بيوتهم من الحشيش والثمام والجلود وعلى ذلك ~~العرب ببلاد اليمن إلى اليوم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس ~~رضي الله عنه أن يهدم علية كان قد علا بها، ومر عليه السلام بجنبذة معلاة ~~فقال: لمن هذه؟ قالوا: لفلان، فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه ~~كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبروه فرجع فهدمها، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموضع فلم يرها ~~فسأل عنها فأخبر أنه هدمها فدعا له بخير، وكان سمك بناء السلف قامة بسطة ~~وقال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0589 ضربت بيدي ~~إلى السقف، وقال عمرو بن دينار: إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ~~ملك إلى أين يا فاسق الفاسقين؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى ~~فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة ومر عمر رضي الله عنه ببيت عال ~~فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج رؤوسها ومر بعامل له فرآه قد علي وشيد فقال ~~لي: على كل خائن أمينان الماء والطين ثم شاطره ماله فجعله في بيت المال، ~~وفي الخبر: كل نفقة يؤجر عليها العبد إلا ما # PageV01P433 # أنفعه على الماء والطين. # وقد روينا عن بعض السلف: إذا مقت الله تعالى مال عبد سلط عليه الماء ~~والطين، وقال يحيى بن يمان رحمه الله: كنت أمشي مع الثوري رحمه الله في ~~طريق فنظرت إلى باب مشيد قال: لا تنظر إليه فقلت يا أبا عبد الله ما تكره ~~من النظر قال إذا نظرت إليه كنت عونا له على بنائه لأنه إنما بناه لينظر ~~إليه ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه ما عمله وقد قال بعض السلف قبله: ~~ولا تنظر إلى بنيانهم فإنهم إنما زخرفوه لأجلكم وفي قول الله تعالى: (تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) القصص: 83 ~~قيل: حب الكثرة والرياسة والتطاول في البنيان، وكذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو ~~برد، وقال للرجل الذي شكا إليه ضيق منزله اتسع في السماء أي في الجنة وهذا ~~أحد التأويلين، والثاني اتسع في المعرفة ولا تطلب اتساع المكان واعلم أن ~~الزهد لا ينقص من الرزق ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر فيكون هذا ~~رزقا للزاهد من الآخرة على هذا الوصف من حرمان نصيبه من الدنيا وحمايته عن ~~التكثر منها والتوسع فيها ويكون الزهد سببه فيكون ما صرفه عنه ومنعه من ~~الغني والتوسع رزقه من الآخرة والدجات العلى بحسن اختيار من الله تعالى ~~وحيطة نظركما. ms0590 # حدثنا عن بعض العلماء: أن بقالا جاءه فقال: إني كنت أبيع في محلة لا بقال ~~فيها غيري، فكنت أبيع الكثير ثم قد فتح علي بقال آخر فهل ينقص ذلك من رزقي ~~شيئا فقال: لا ولكن يزيد في بطالتك عن البيع، فلعله بطالا لاعبا يحتج ~~لتوسعه وهواه ويموه على أبناء الدنيا ممن يتولاه فيقول بأن الزهد في الدنيا ~~لما لم ينقص من رزقي شيئا قد صح مقاما لي مع التوسع والاستكثار وعلى التنعم ~~والرفاهية والاستئثار لأني إنما آكل رزقي وآخذ قسمي فلي في الزهد مقام ومن ~~الرضا والتوكل حال أو يقول: إن الزهد قد يصبح مع التكاثر والزينة يزخرف ~~بقوله على من لا يعرف الزهد ويغر بمقالته من لايعرف طريق الزاهدين ولعله ~~ممن يأكل الدنيا بالدين أو يزخرف القول ويشبه العلم على الغافلين، فمثله ~~كما قال علي رضي الله عنه للخوارج حين قالوا: لا حكم إلا الله فقال: كلمة ~~حق أريد بها باطل وصدق رضوان الله عليه لأنهم أرادوا بذلك إسقاط حكم الأئمة ~~وترك الطاعة للإمام العادل. # كما أراد القائل: إنما آكل رزقي وآخذ من الأشياء قسمي، الاحتجاج لنفسه ~~بهواه والاعتذار عند الجاهلين خيفة لومهم إياه ولا يعلم المغرور بداء ~~الغرور أنه وإن كان يأكل رزقه من الدنيا ويأخذ قسمه من العطاء فبحكم النقص ~~والبعد وبوصف الرغبة والحرص لأن السارق والغاصب أيضا يأكل رزقه ويأخذ قسمه ~~ولكن بحكم المقت وسوء الاختيار إذا كان الله سبحانه وتعالى يرزق الحرام ~~للظالمين كما يرزق الحلال للمتقين # PageV01P434 # وإنما بينهما سوء القضاء ودرك الشقاء للأعداء وحسن التوفيق والاختيار ~~بالسعادة للأولياء من المولى الكريم فقد حرم المدعي لذلك رزقه من الزهد ~~وبخس نصيبه الأوفر من حب الفقر ونقص حظه الأفضل من الآخرة إذ كانت الدنيا ~~ضدها وجعل ما صرف فيه وما صرف إليه سببا لنقصان مرتبته من طرائق الزاهدين، ~~وأنه قد اختبر بالدنيا وبما فتح عليه من السراء ليظهر صدقه من كذبه فوقع في ~~الفتنة ولم يفطن للابتلاء وصارت مشاهدته هذه إذا كان صادقا فيها غير كاذب ms0591 ~~على وجده حجابا له عن علوم العارفين المعصومين، واستدرج بعلمه هذا لأنه علم ~~من علوم الدنيا يفنى بفنائها لا ثمرة له في الباقية مكر به فيه وعدل به ~~إليه عن علوم الخائفين ومشاهدة الورعين الزاهدين الذين نظروا من الحلال في ~~الدقيق وصدقوا القول في ترك الرغبة بالعمل بالزهد للتحقيق وإن كان كاذبا في ~~مشاهدته ظالما لنفسه بما ادعاه من وجده فهو من أولياء الشياطين ومن أئمة ~~المضلين قيض للاعبين وسيق إليهم فتنة لهم ليس إماما للمتقين بل من الأئمة ~~المضلين المحرومين أبناء الدنيا الغافلين رغبة في الدنيا وزهدا في طرائق ~~السلف لوجود الطمع وعدم اليقين فقد مكر بهذا المعدول به عن علوم الموقنين ~~وحقائق مشاهدتهم على هذا الوصف الذي أريد به بالذي تقلب فيه وهولا يشعر ~~بالمكر ولا يعرف الاستدراج بالنعم وأنى له بعلم ذلك والله تبارك وتعالى ~~يقول: (سنستدرجهم من حيث لا يعملون) الأعراف: 182 # قال تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) النمل: 50 فهيهات ~~هيهات أن يفطن الممكور لما مكر به أو يعلم المستدرج ما درج فيه لأن الماكر ~~ألطف الماكرين والمدرج أحكم الحاكمين نعوذ بالله تعالى من الاغترار بعلم ~~الإظهار ونسأله الصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين وحسن التوفيق لمشاهدة علم ~~التحقيق، وبمثل ما قلناه جاءت الآثار وكثرت الأخبار إن مثل الدنيا والآخرة ~~كضرتين رضا إحداهما في سخط الأخرى وأنهما بمنزلة المشرق والمغرب من استقبل ~~أحدهما استدبر الآخر، وأنهما بمنزلة كفتي الميزان رجحان إحداهما بنقصان ~~الأخرى وكان عمر رضي الله عنه يقول: والله إن هما إلا بمنزلة قد حين لك ملئ ~~أحدهما فما هو إلا أن تفرغ أحدهما في الآخر يعني أنك إن امتلأت من الدنيا ~~تفرغت من الآخرة وإن امتلأت من الآخرة تفرغت من الدنيا، وإن كان لك ثلث قدح ~~الآخرة أدركت ثلثي قدح الدنيا وإن كان لك ثلثا قدح الآخرة يكون لك ثلث قدح ~~الدنيا، وهذا تمثيل حسن إلا أن فيه شدة وتدقيقا، وقال بعض السلف: مثل من ~~زهدفي الدنيا مع التنعم فيها ms0592 كمثل من يغسل يديه من الغمر بسمك، وقال آخر: ~~مثل من زهد وهو يطلب الدنيا مثل يطفئ النار بالحلفاء، وكان بعض الزاهدين من ~~أهل الشام يتكلم عليهم؛ فكان رجاء بن حيوة فقيه أهل الشام # PageV01P435 # يحضر مجلسه، فاحتبس يوما عنهم وقد اجتمعوا فتكلم عليهم مؤذن الجامع فأنكر ~~صوته رجاء بن حيوة فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان فقال: اسكت عافاك الله إنا ~~نكره أن نسمع الزهد إلا من أهله، وفي لفظ آخر: إنا نكره أن نسمع الوعظ إلا ~~من أهل الزهد، وقال عيسى عليه السلام: لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن ~~بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم وقال بعض العلماء: تقليب الأموال يمص حلاوة ~~الإيمان. # وروينا في الخبر: لكل أمة عجل، وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم؛ وكان أصل ~~العجل من الحلية، وقال عز وجل: (ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) الرعد: 17 ~~فكان فهم هذه السنة عن سمع هذه الآية يقال: مامن يوم ذي شارقة إلا وأربعة ~~أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات؛ ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب، يقول ~~أحدهما من المشرق: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر، ويقول الآخر: ~~اللهم أعط منفعا خلفا واعط ممسكا تلفا، ويقول أحد اللذين في المغرب: لدوا ~~للموت وابنوا للخراب، ويقول الآخر: كلوا وتمتعوا لطول الحساب، وقال بعض ~~العلماء: إن الله تعالى وسم الدنيا بالوحشة ليجعل أنس المطيعين به وبلغنا ~~أن من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه: اللهم إني أسألك الذل عند النصف ~~من نفسي والزهد فيما جاوز الكفاف. # وقال بعض العارفين: ما من شيء إلا وهومطروح في الخزائن إلا الفقر مع ~~المعرفة فإنه مخزوم مختوم عليه لا يعطاه إلا من طبع بطابع الشهداء، وقد ~~يحتج بعض علماء الدنيا لأنفسهم بتفضيل الغنى على الفقر بتأويل الخبر من ~~قوله تعالى: (ذلك فضل الله يوتيه من يشاء) الجمعة: 4 وهذا عند أولي الألباب ~~في تدبر الخطاب معني به الفقراء لأنه قيل لهم في أول الكلام: إن فعلتم كذا ~~لم يسبقكم أحد قبلكم ولم يدرككم ms0593 أحد بعدكم فثبت هذا القول من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصح لأنه معصوم في قوله كما هو معصوم في فعله، فلا ينبغي أن ~~ينقض أول الكلام آخره، فما جاء بعده محمول عليه ولم يصلح أن ينقلب لأنه ~~إخبارعن شيء فلا يجوز الرجوع عنه، ولما فعل الأغنياء ما أمر به الفقراء وقف ~~الفقراء في نظر الرسول صلى الله عليه وسلم لمنظرهم إلى مزيد الأغنياء عليهم ~~بالقول فرجعوا إليه يستفتون منه ما أخبر به قال: لاتعلجوا فإن الذي قلت لكم ~~كما قلت هو فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء وأنتم ممن شاء أن يؤتيه فضله، فصح ~~تأويلنا هذا وبطل تأويلهم بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم الأول، فكان ~~قوله الثاني بالآخر مواطئا لقوله الأول ولم يناقض الأول بالآخر، كيف وقد ~~جاء دليل ما قلنا مكشوفا في الحديث المفسر الذي رويناه عن زيد بن أسلم عن ~~أنس رضي الله عنه قال: بعث الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ~~فقال: إن رسول الفقراء إليك فقال: مرحبا بك وبمن جئت من عندهم من عند قوم ~~أحبهم قال: قالوا: يا رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالجنة يحجون ولا نقدر ~~عليه ويعتمرون ولانقدر عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم فقال ~~رسول # PageV01P436 # الله صلى الله عليه وسلم: أبلغ عني الفقراء أن لمن صبر واحتسب منكم ثلاث ~~خصال ليست للأغنياء، أما خصلة واحدة فإن في الجنة غرفا ينظر إلها أهل الجنة ~~كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير ~~أو مؤمن فقير، والثانية يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو ~~خمسمائة عام، والثالثة إذا قال الغني: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، وقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني الفقير، وإن أنفق ~~فيها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال البر كلها فرجع إليهم فقالوا: رضينا فهذا ~~يدل على صحة تأويلنا. # وقد روينا معنى هذا مجملا في الخبر الذي رويناه عن ms0594 إسماعيل بن عياش عن ~~عبد الله ابن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأصحابه: أي الناس خير؟ قالوا: موسر من المال يعطي حق الله في نفسه ~~وماله فقال: نعم الرجل هذا وليس به قالوا: فمن خير الناس؟ مؤمن فقير يعطي ~~جهده، فذهب القوم إلى علم العقل فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علم ~~اليقين فكذلك من فضل حال الغنى على حال الفقر فإنه ينظر في العلم بعين ~~العقل وإنما يشهد الآخرة والحقيقة بعين اليقين وهذا نص في تفضيل حال الفقر، ~~فمن فضل الغنى بعده فقد عاند السنة إن كان عالما فأحسن حاله الجهل بالآثار ~~وإن كان جاهلا فمقامه في الجهل أضر عليه من نطقه بالعلم بهوى، وفي الخبر ~~الآخر: خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها، وقال صلى ~~الله عليه وسلم لبلال: إلق الله تعالى فقيرا ولا تلقه غنيا قال: وكيف لي ~~بذلك؟ قال: إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ أفتراه كان يأمر بلالا ~~بأدنى الحالين فكيف وهو من أعلى الصحابة فأشبه الفقر في الأحوال اليقين في ~~الإيمان، كما قال لابن عمر: اعمل لله بالرضا واليقين فإن لم يكن فإن في ~~الصبر على ما تكره خيرا كثيرا فرفعه إلى اليقين لفضله كما رفع بلالا إلى ~~الفقر لشرفه في الأحوال فلم يكن صلى الله عليه وسلم يرضى لبلال إلا ما ~~يرضاه لنفسه فصار الفقر حال الموقن لأنه يكشف الآخرة، وصار الشكر في الغنى ~~حال المؤمن لأنه يوجد الدنيا ففضل الفقير الزاهد على الغني الشاكر كفضل ~~الموقن الشاهد على الموقن المجاهد. # وكذلك روينا في حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا ولم يكن ليأمر بلالا بأدنى ~~الحالين فيقول: إلق الله تعالى فقيرا كما لم يندب ابن عمر إلى أخفض ~~المقامين لقوله: اعمل لله تعالى بالرضا في اليقين، وكذلك جاء في الخبر ~~المشهور الذي دعا فيه صلى ms0595 الله عليه وسلم لنفسه أن يحييه الله تعالى مسكينا ~~ويتوفاه مسكينا ويحشره في زمرة المساكين، كل ذلك لتفضيل الفقر وتشريف ~~الفقراء مع قوله صلى الله عليه وسلم يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم ~~بنصف يوم يعني خمسمائة عام، وروينا عن عيسى عليه السلام أنه قال: إني لأحب ~~المسكنة وأبغض المال للغني وإن في المال داء كثيرا قيل: ياروح الله وإن كان ~~يكتسبه من حلال قال يشغله كسبه عن ذكر # PageV01P437 # الله تعالى قال وهب بن منبه لابن عباس: إنا نجد في التوراة أن الفقير ~~المصلح خير من الغني المصلح، قال ابن عباس: أما علمت أنه لا شيء أحب إلى ~~الله تعالى من الفقير إذا كان صالحا وقيل: كان أحب الأسماء إلى عيسى عليه ~~السلام أن يدعى به أن يقال له يا مسكين وكان يقول: من شر الغنى أن العبد ~~يعصي ليستغني ولا يعصي ليفتقر، وقد قال بعض حكمائنا في كلام منظوم: # يا عائبا للفقر تبغي الغنى ... عيب الغنى أعظم لو تعتبر # إنك تعصي لتنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر # وروينا في حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري: يا أيها الناس لا تحملنكم ~~العسرة والفاقة على أن تطلبوا الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة ~~المساكين، وقال لقمان لابنه: يا بني إن من أعون الأخلاق على صلاح الدين ~~زهدا في الدنيا، من يزهد في الدنيا يرغب فيما عند الله تعالى، ومن يرغب ~~فيما عند الله تعالى يعمل لله تعالى، ومن يعمل الله تعالى يأجره الله ~~تعالى، وقال الحواريون: يا روح الله نحن نصلي كما تصلي ونصوم كما تصوم ~~ونذكر الله تعالى كما أمرتنا ولا نقدر نمشي على الماء كما تمشي أنت، فقال: ~~أخبروني كيف حبكم للدنيا قالوا: إنا لنحبها فقال: إن حبها يفسد الدين لكنها ~~عندي بمنزلة الحجر والمدر، وفي خبر آخر: إنه رفع حجرا فقال: أيهما أحب ~~إليكم هذا أو الدنيار والدرهم؟ قالوا الدنيار، قال: ms0596 فإنهما عندي سواء ويقال ~~إن من صح زهده في الدنيا حتى يستوي عنده الذهب والحجر مشى على الماء وقد ~~اشتهر ذلك في العامة حتى قال الشاعر: # لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في ... وصلي مشيت بلا شك على الماء # وروينا أن عيسى عليه السلام مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه ~~وقال: قم يا نائم فاذكر الله تعالى فقال: ما تريد مني؟ إني قد تركت الدنيا ~~لأهلها فقال له عيسى عليه السلام: نم حبيبي إذا نم، وروينا عن موسى عليه ~~السلام أنه مر برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ولحيته في التراب ~~وهو متزر بشمل عباءة فقال: يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع، فأوحى الله ~~تعالى إليه: يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبدي بوجهي كله زويت عنه ~~الدنيا كلها، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه إسماعيل عليه السلام: ~~اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال يا رب ومن هم قال الفقراء الصادقون، فهذا ~~كأنه مفسر لخبر موسى عليه السلام في وقوله أين أجدك قال: عند المنكسرة ~~قلوبهم # PageV01P438 # وقد كان أحمد بن عطاء وهو من المتأخرين يفضل حال الغنى على الفقر لشبهة ~~دخلت عليه، وهو أن بعض الشيوخ سأله عن الوصفين أيهما أفضل؟ قال: الغني لأنه ~~صفة الحق فقال له الشيخ: فالله غني بالإعراض والأسباب فانقطع ولم ينطق ~~بحرف، وهذا كما قال الشيخ لأن الله تعالى غني بوصفه، فالفقير أحق بهذا ~~المعنى لأنه غني بوصفه بالإيمان لا بالأسباب لانفرادها عنه، فهو الأفضل ~~فأما الغني فإنه مشتت مجتمع بالأسباب فهو مفضول بالارتياب وقد خالفه الخواص ~~فوفق للصواب وكان فوقه في المعرفة فقال في كتاب شرف الفقر والفقر صفة الحق ~~أي صفة منه يصف به الفقراء فوافقنا في التأويل يعني أنه تعالى متخل عن ~~الأشياء منفرد عنها، ووجه آخر من الغلط الذي دخل عليه من جهة الغنى الذي ~~ذكره لأنه إن كان فضل الغنى على الفقر لأنه صفة الحق فينبغي أن يفضل ~~المتكبر الجبار ومن أحب المدح ms0597 والعز والحمد لأن ذلك كله صفة الحق فما أجمع ~~أهل القبلة على ذم من كان هذا وصفه كان من وصفه الغنى في معناه لأن وصف ~~الغنى صفة الحق مقترن بالعز والكبر، وينبغي أن يسلم صفات الحق للحق ولا ~~ينازع إياها ولا يشارك فيها، فبطل قول ابن عطاء لصحة قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: يقول الله تعالى العز إزاري والكبرياء ردائي من نازعني أحدهما ~~قصمته في النار، وقد خالفه أيضا ووافقنا من لا يشك الخاص والعام في فضل ~~معرفته عليه أبو محمد سهل بن عبد الله فقال: من أحب الغنى والبقاء والعز ~~فقد نازع الله تعالى صفاته وهذه صفات الربوبية يخاف عليه الهلكة فإذا ثبت ~~ذلك كان الفقر أفضل لأنه وصف العبودية، فمن جعله وصفه فقد تحقق بالعبودية ~~وأوصاف العبودية هي أخلاق الإيمان وهي التي أحبها الله تعالى من المؤمنين ~~مثل الخوف والذل والتواضع والفقر مضاف إليها وأوصاف الربوبية ابتلى به قلوب ~~أعدائه الجبارين والمتكبرين مثل العز والكبر والبقاء والغنى مضموم إليها. # وكان الحسن رحمه الله يقول: مارأيت الله تعالى جعل البقاء إلا لأبغض خلقه ~~إليه وهو إبليس، وكذلك كان العلماء يقولون: لا ترغبوا في البقاء في هذه ~~الدنيا فإن شرار الخلق أطولهم بقاء وهم الشياطين، والغنى إنما يراد للبقاء ~~ويقال: إن الجنيد رحمه الله تعالى باهل بن عطاء في هذه المسألة ودعا عليه ~~لأنه أنكر قوله أشد الإنكار وكان يقول: الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ~~وإن تساويا في القيام بحكم حالهما لأن الغني التقي يمتع نفسه وينعم صفته ~~والفقير الصابر قد أدخل على صفته الآلام والمكاره فقد زاد عليه بذلك، وهذا ~~كما قال وكذلك كان أحمد بن حنبل يقول: ما أعدل بالفقر شيئا وكان يفضل حال ~~الفقر يعظم شأن الفقير الصابر وقال المروزي وذكر بعض الفقراء فجعل يمجده ~~ويكثر السؤال عنه قال: فقلت له # PageV01P439 # يحتاج إلى علم فقال ويحك اسكت صبره على الفقر ومقاساته للضر فيه خير من ~~كثير من العلم ثم قال هؤلاء خير منا بكثير وأقول ms0598 إن من فضل حال الغنى على ~~الفقر فإنه لم يذق مرارة الفقر ولا حلاوته فهو غر بشدته فاقد لحلاوته لأنه ~~لو ذاق مرارته من الضر والهم لفضله ولوأذيق حلاوته من الزهد والرضا لما فضل ~~عليه. # وقد روينا في الخبر: يقول إبليس لم ينج الغني مني من إحدى ثلاث خصال؛ أن ~~أحبب إليه المال فيكتسبه من غير حقه أو يضعه في غير حقه أو يمنعه من حقه، ~~فلولم يعلم العدو أن الفقر من أفضل الأحوال ما قعد على طرقه وقد قال لأقعدن ~~لهم صراطك المستقيم فأخبر الخبر عنه فقال: الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم ~~به، فجاء الفقير الصادق فسلك الطريق المستقيم إلى الآخرة واطرح تخويف العدو ~~بحول الله وقوته وقيل: الأغنياء المغتبطون بغناهم تخويف العدو فجاء بنو ~~الفقر فحلق بهم مثل السوء، من ذلك قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ~~فلا تخافوهم وخافون) آل عمران: 175 فقبلوا تخويف الشيطان وخالفوا ندب ~~الرحمن فكانوا كمن قيل فيهم: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه) ~~الحج: 11، الآية فلو لم يكن من فضل الزاهدين إلا أنهم توسطوا الطريق الذي ~~هرب الناس منه وأمنوا بالتوكل على الله والرضا عنه ماخافه أبناء الدنيا ~~لكفاهم. ### | ذكر ماهية الدنيا # وكيفية الزهد فيها وتفاوت الزهاد في مقاماتهم، # ثم إن الدنيا هي نصيب كل عبد من الهوى وما دنا من قلبه من الشهوات، فمن ~~زهد في نصيبه وملكه من هواه المذموم فهذا هو الزهد المفترض، ومن زهد في ~~نصيبه من المباح وهو فضول الحاجة من كل شيء، فهذا هو الزهد المفضل يرجع ذلك ~~إلى حظوظ جوارحه التي هي أبواب الدنيا منه وطرقها إليه، فالزهد في محرماتها ~~هو زهد المسلمين به يحسن إسلامهم، والزهد في شبهاتها هو زهد الورعين به ~~يكمل إيمانهم، والزهد في حلالها من فضل حاجات النفس هو زهد الزاهدين به ~~يصفو يقنيهم، وروينا في حديث عمرو بن ميمون عن الزبير بن العوام أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له: يازبير اجهد نفسك عند نزول الشهوات ms0599 والشبهات ~~بالورع الصادق عن محارم الله عز وجل تدخل الجنة بغير حساب، وكان سهل يقول ~~في فضائل الزهد وأعلى مقاماته: لا يتم زهد عبد حتى يزهد في هذه الثلاث؛ في ~~الدرهم الذي يريد أن ينفقه في أبواب البر يتقرب بذلك إلى الله تعالى، ويزهد ~~في الثياب التي تستر بدنه في الطاعات، ويزهد في قوته الذي يستعين به على ~~العبادة، وإنما قال هذا لأن عنده حقيقة الزهد من أفضل المقامات كلا لأنه ~~كان يقول: يعطى الزاهد جميع ثواب العلماء والعباد، ثم يقسم على المؤمنين ~~ثواب أعماله، وقال: لا يوافي القيامة أحد أفضل من ذي زهد وعلم ورع، وقال ~~أيضا: لا ينال الزهد إلا بالخوف لأن من خاف ترك فجعل الزهد مقاما في الخوف ~~رفعه مزيدا لهم عليه. # وقد روى مسروق عن ابن مسعود: ركعتان من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله # PageV01P440 # تعالى من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا ولانهاية ~~للزهد عند طائفة من العارفين لأنه يقع عن نهاية معارفهم بدقائق أبواب لدنيا ~~وخفايا لوائح الهوى، وقال بعضهم: نهاية الزهد أن تزهد في كل شيء وتتورع عن ~~كل شيء للنفس فيه متعة وبه راحة فهذا كما روى عن عيسى عليه السلام أنه وضع ~~تحت رأسه حجرا فكأنه لما ارتفع رأسه عن الأرض استراح بذلك فعارضه إبليس ~~فقال: يا ابن مريم ألست تزعم أنك قد زهدت في الدنيا قال: نعم، قال: فهذا ~~الذي وطأته تحت رأسك من أي شيء هو؟ قال: فرمى عيسى عليه السلام بالحجر، ~~وقال: هذا لك مع ما تركت ومثله. # روينا عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى نقب جلده ~~فسألته أمه أن ينزع مدرعته الشعر ويلبس مكانها جبة من صوف ففعل فأوحى الله ~~تعالى إليه: يا يحىى آثرت علي الدنيا قال: فبكى ونزع الصوف ورد مدرعته ~~الشعر على جسده، وكان الحسن يقول: أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ~~ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط، كان إذا أراد النوم ms0600 باشر ~~الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه واعلم أني رأيت جمل النعم ثلاثا وتمامها ~~بالزهد، وذلك أن أصل النعم كلها الإسلام، لأن من ورائه مقامات كثيرة أخطأوا ~~فيها حقيقة التوحيد، ثم النعمة الثانية السنة، إذ من ورائها بدع كثيرة كلهم ~~أخطأوا حقيقة السنة، والنعمة الثالثة العلم بالله تعالى لأن من ورائه جهلا ~~كثيرا بعظمة الله تعالى وقدرته، ثم الزهد في الدنيا فمن أعطيه مع الثلاث ~~تمت عليه النعم فكان مع الذين أنعم الله تعالى عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، أي تمت نعمة الله عليهم لأن من ورائه حرصا كثيرا على ~~الشبهات ورغبة عظيمة في الشهوات. # وقد كان سهل رحمه الله تعالى يجعل الزهد من شرط السنة والاتباع لقوله ~~تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) آل عمران: 31 قال: فمن السنة ~~اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وكان زاهدا ثم تفاوت الزاهدون لأي شيء ~~زهدوا مقامات على نحو علو المشاهدات، فمنهم من زهد إجلالا لله تعالى، ومنهم ~~من زهد حياء من الله تعالى، ومنهم من زهد خوفا من الله تعالى ومنهم من زهد ~~رجاء موعود الله تعالى ومنهم من زهد مسارعة منه لأمر الله تعالى ومنهم من ~~زهد حبا لله تعالى وهو أعلاهم وأدناهم من زهد مخافة طول الوقوف ومناقشة ~~الحساب كما قيل: ذو الدرهمين أشد حسابا يوم القيامة من ذي الدرهم ولأن طريق ~~المتقين لا يسلكه من ملك في الدنيا زوجين من شيء، ما أحد يعطي من الدنيا ~~شيئا إلا قيل: خذه على ثلاثة أثلاث؛ ثلث هم، وثلث شغل، وثلث حساب، وأن ~~الرجل من الأغنياء ليوقف للحساب ما لو ورد مائة بعير عطاش على عرقه لصدرن ~~رواء وإنه ليرى منازله من الجنة فلما وقر هذا في قلوب الورعين أشفقوا من ~~طول الحساب فزهدوا في الجمع والمنع وفارقوا فضول الآمال طلبا لخفة السؤال ~~وسرعة # PageV01P441 # الوقوف في الأهوال، ومن الزهد في الدنيا حب الفقر وأهله ومجالسة المساكين ~~في أوطانهم والتذلل لهم كما كان مطرف رحمه الله تعالى يجالس المساكين في ~~بزته ms0601 يتقرب بذلك إلى ربه، وكان محمد بن يوسف الأصفهاني عالما زاهدا ومن ~~الناس من كان يفضله على الثوري رحمها الله تعالى، إلا أنه كان يؤثر الخمول ~~فلم يكن يعرفه إلا العلماء، وكان من حسن رهعايته وشدة يقظته يعمل في كل وقت ~~أفضل ما يقدر عليه في ذلك الوقت، فلما طلبه ابن المبارك بالمصيصة قال له ~~بعض من يعرف حاله: إن ذاك لا يكون في المصر إلا في أفضل موضع فيه قال: فهو ~~إذا في الجامع فطلبه فقيل له: إنه لا يقعد إلا في أفضل مكان قال: فطلبه عند ~~الفقراء فإذا هو دس رأسه وأخمل نفسه مع المساكين فكان عنده أن أفضل وطن في ~~المصر الجامع لأنه يقال: إن الصلاة فيه بخمسين صلاة وإن أفضل الأماكن موضع ~~الفقراء من الجامع وإن أفضل الأحوال الخمول، فلذلك أخمل نفسه فيما بين ~~الفقراء في الجامع ليحوز فواضل الأعمال، ومن الزهد أن يكون بفقره مغتبطا ~~مشاهدا لعظيم نعمة الله تعالى عليه به يخاف أن يسلب فقره ويحول عن زهده، ~~كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر ثم وجودحلاوة الزهد حتى يعلم الله ~~تعالى من قلبه أن القلة أحب إليه من الكثرة وأن الذل أحب إليه من العز وأن ~~الوحدة آثر عنده من الجماعة وأن الخمول أعجب إليه من الاشتهار فهذا من ~~إخلاصه في زهده. # وروينا عن عيسى عليه السلام وعن نبينا عليه السلام: أربع لا يدركن إلا ~~بعجب الصمت، وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء، وقال الثوري ~~رحمه الله تعالى: لا يكون الرجل عالما حتى يعد البلاء نعمة والرخاء عقوبة، ~~وقال بعض السلف: لا يفقه العبد كل الفقه حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى ~~والذل آثر عنده من العز، وقد روينا خبرا مقطوعا: لا يبلغ العبد حقيقة ~~الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب ~~إليه من كثرته، وكان السلف الصالح يقولون: نعمة الله علينا فيما صرف عنا من ~~الدنيا أعظم من نعمته فيما ms0602 صرف إلينا، وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول ~~الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح ~~برخاء ولم يحزن على شقاء، وكان سهل بن عبد الله رحمه الله يقول: لا يصح ~~التعبد لأحد ولايخلص له عمل حتى لا يجزع ولا يفر من أربعة أشياء: الجوع، ~~والعرى، والفقر، والذل. # كما روينا أن إبراهيم التميمي رحمه الله تعالى دفع إليه خمسون ألف درهم ~~فردها فقيل له: لم رددتها فقال: أكره أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بخمسين ~~ألفا، ومن الزهد عند الزاهدين ترك فضول العلوم التي معلوماتها تؤول إلى ~~الدنيا وتدعو إلى الجاه # PageV01P442 # والمنزلة عند أبنائها وفيما لا نفع فيه في الآخرة ولا قربة به عند الله ~~تعالى وقد تشغل عن عبادة الله تعالى وتفرق الهم عن اجتماعه بين يدي الله ~~تعالى وتقسي القلب عن ذكر الله تعالى وتحجب عن التفكر في آلائه وعظمته، وقد ~~أحدثت علوم كثيرة لم تكن تعرف فيما سلف اتخذها الغافلون علما وجعلها ~~البطالون شغلا انقطعوا بها عن الله تعالى وحجبوا بها عن مشاهدة علم الحقيقة ~~لا نستطيع ذكرها لكثرة أهلها إلا أن نسأل عن شيء منها أعلم هو أم كلام أم ~~حق أو تشبيه أو صدق وحكمة أو زخرف وغرور أم سنة، هو عتيق أو محدث وتشديق، ~~فحينئذ نخبر بصواب ذلك، ومن أفضل الزهد: الزهد في الرياسة على الناس، وفي ~~المنزلة والجاه عندهم، والزهد في حب الثناء والمدح منهم لأن هذه المعاني هي ~~من أكثر أبواب الدنيا عند العلماء، فالزهد فيها هو زهد العلماء، كان الثوري ~~رحمه الله تعالى يقول: الزهد في الرياسة ومدح الخلق أشد من الزهد في ~~الدنيار والدرهم قال: لأن الدنيار والدرهم قد يبذلان في طلب ذلك وكان يقول: ~~هذا باب غامض لا يبصره إلا سماسرة العلماء. # وقال الفضيل رحمه الله تعالى: نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسة ~~قد ثبتت في قلب جاهل، وذهب أويس القرني رحمه الله تعالى إلى أن الزهد هو ~~ترك الطلب ms0603 للمضمون، قال هرم بن حبان: لقيته على شاطئ الفرات يغسل كسرا ~~وخرقا قد التقطها من المنبوذ وكان ذلك أكله ولباسه قال: فسألته عن الزهد أي ~~شيء هو؟ فقال: في أي شيء خرجت قلت: أطلب المعاش فقال: إذا وقع الطلب ذهب ~~الزهد وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: لا زهد إلا زهد أويس بلغ به ~~العري حتى قعد في قوصرة، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: ~~الزهد في النساء أن تختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة ~~والمرأة الشريفة، وذهب إلى هذا مالك بن دينار، وقال سهل بن عبد الله رحمه ~~الله تعالى: لا يصح الزهد في النساء لأنهن قد حببن إلى سيد الزاهدين ووافقه ~~ابن عيينة فقال: ليس في كثرة النساء ذنب لأن أزهد الصحابة علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه وكان له أربع نسوة وبضعة عشر سرية، وكان الجنيد يقول: أحب ~~للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بهذه الثلاث وإلا تغير حاله التكسب وطلب ~~الحديث والتزوج، وقال: أحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، وفي ~~الخبر: إنما الزهد أن تكون بما في يد الله سبحانه وتعالى أوثق منك بما في ~~يديك، فهذا مقام التوكل، وذهب قوم إلى أن الزهد ترك الادخار وكانت الدنيا ~~عندهم هو الجمع. # وقال بعضهم: الدنيا هو ما شغل القلب واهتم به فجعلوا الزهد ترك الاهتمام ~~وطرح النفس تحت تصريف الأحكام، وهذا هو التفويض والرضا، وقال أحمد بن أبي ~~الحواري: قلت لأبي سليمان الداراني: إن مالك بن دينار قال للمغيرة: اذهب ~~إلى البيت فخذ الركوة التي كنت أهديتها لي فإن العدو يوسوس إلي أن اللص قد ~~أخذها، فقال أبو سليمان: هذا # PageV01P443 # من ضعف قلوب الصوفيين هو قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها، فأراد أبو ~~سليمان منه حقيقة الرضا بجريان الأحكام وأراد مالك من نفسه حقيقة الزهد بأن ~~يصرف عن قلبه الاهتمام. # وقال بعض العلماء: الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول، والزهد إنما هو ~~اتباع العلم ولزوم ms0604 السنة، وهذه طريقة أهل الحديث، وهذا القول من الظواهر ~~يشبه قول علماء الظاهر، كما روينا عن سفيان قال: قالوا للزهري: ما الزهد؟ ~~قال: ما لا يغلب الحرام صبره ولا يمنع الحلال شكره يعني أين يكون العبد ~~صابرا عن الحرام حتى لا تغلبه شهوة الحرام ويكون شاكرا في الحلال حتى لا ~~يغلبه الحلال فيشغله عن الشكر، وأما الحسن فإنه قال: الزاهد هو الذي إذا ~~رأى أحدا قال: هذا أفضل مني، فذهب إلى أن الزهد هو التواضع، وكان الفضيل ~~يقول: القناعة هو الزهد، وقال أبو سليمان: الورع هو أول الزهد، وقال أحمد ~~ابن أبي الحواري قلت: لأبي هشام المغازلي أي شيء الزهد قال: قطع الآمال ~~وإعطاء المجهود وخلع الراحة، وكان يوسف بن أسباط يقول: من صبر على الأذى ~~وترك الشهوات وأكل الخبز من حلاله فقد أخذ بأصل الزهد، وقال أحمد: قلت لأبي ~~صفوان الرعيني: ما الدنيا التي ذمها الله تعالى في القرآن وينبغي للعاقل أن ~~يجتنبها؟ قال: كل ما عملت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت ~~فيها تريد به الآخرة فليس منها، فحدثت به مروان فقال: الفقه ما قال أبو ~~صفوان إنما قال ذلك لأن الدنيا كل شيء إلا الإخلاص، فما وافق العلم فهو ~~مباح وما خلفه فهوى، والهوى حظ النفس، الإخلاص حظ الرب عز وجل فالمخلصون ~~بينة الله عز وجل من عباده على عدوه، وهم أهل الآخرة في الدنيا، وكان ابن ~~السماك يقول: الزاهد قد خرجت الأفراح والأحزان من قلبه، فهو لا يفرح بشيء ~~من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها، فإنه لا يبالي على عسر أصبح أم على ~~يسر. # وقال أبو سعيد بن الأعرابي عن أشياخه الصوفية: إنما الزهد عندهم خروج قدر ~~الدنيا من القلب إذ هي لا شيء ولا يكون في نفسه زاهدا لأنه لم يترك شيئا إذ ~~كانت لا شيء، وهذا لعمري هو الزهد في الزهد لأنه زهد، ثم لم ينظر إلى زهده ~~فزهده إذ لم ير شيئا لأنه زهد في لا شيء ms0605 وهذا يشبه ما نقول: إن حقيقة الزهد ~~هو الزهد في النفس لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض فيكون ذلك رغبة ~~على صفة، فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو حقيقة ~~الزهد وهذا يشبه قول من قال: إن حقيقة الزهد في الفناء هو الزهد في البقاء ~~لأن العبد ربما زهد في الفناء فلم يزهد في البقاء فيكون فيه بقية من الرغبة ~~فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الفناء إذ كان الفناء يراد للبقاء. ### | فصل آخر # PageV01P444 # إن الرغبة في الهوى حقيقة الدنيا وإن كان العبد زاهدا في المال من قبل ~~أنه يعطي الزهد في شيء دون شيء، كما يزهد في الثناء ولا يزهد في المال، ولا ~~يعطي الزهد في الأطعمة وقد يعطى الزهد في المال، ولايعطى الزهد في منصبه ~~لغلبة الهوى، فإذا أعطي الزهد في الهوى كائنا ما فقد أعطي حقيقة الزهد في ~~الدنيا، وهذا هو الزهد في النفس، لأن النفس عين الرغبة والهوى روح النفس، ~~فاعرف هذا، وكان يونس بن ميسرة الجيلاني يقول: ليس الزهادة في الدنيا ~~بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد ~~الله تعالى أوثق منك بما في يديك، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم ~~تصب بها سواء، وأن يكون ذامك ومادحك في الحق سواء، وقال سلام ابن أبي مطيع ~~رحمهما الله: الزهد على ثلاثة أوجه، واحد أن تخلص العمل لله عز وجل والقول ~~فلا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني ترك ما لا يصلح والعمل بما يصلح، ~~والثالث الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع. # وكان إمامنا في هذا العلم إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول: الزهد ثلاثة ~~أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالزهد الفرض في الحرام، والزهد ~~الفضل والسلامة الزهد في الشبهات، وأما أيوب السختياني رحمه الله فكان ~~يقول: الزهد أن يقعد أحدكم في منزله فإن كان قعوده لله تعالى رضا وإلا خرج، ~~وإن يخرج فإن كان خروجه لله تعالى ms0606 رضا وإلا رجع، فإن كان رجوعه لله تعالى ~~رضا وإلا ساح ويخرج درهمه، فإن كان إخراجه لله رضا وإلا حبسه ويحبسه، فإن ~~كان حبسه لله تعالى رضا وإلا رمى به ويتكلم، فإن كان كلامه لله تعالى رضا ~~وإلا سكت، فإن كان سكوته لله تعالى رضا وإلا تكلم فقيل: هذا صعب فقال: هذا ~~الطريق إلى الله عز وجل وإلا فلا تلعبوا فقد ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة، ~~والمراقبة هي الإخلاص، وسئل حاتم الأصم صاحب شقيق البلخي رحمهما الله تعالى ~~عن الزهد فقال: أوله الثقة وأوسطه الصبر وآخره الإخلاص، فإذا كان الإخلاص ~~عندهم هو آخر الزهد فكيف يصح لعبد آخر الزهد قبل أوله أم كيف يجاوز الإخلاص ~~إلى مقامات المعرفة فقد صار آخر الزهد عندهم أول المعرفة وذهبت طائفة إلى ~~أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين لأن حقيقة الإخلاص هو الزهد عندهم ~~فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص ومال إلى هذا القول عبد الرحيم ~~بن يحيى الأسود. # وقد روينا معناه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قيل لأحمد: بأي شيء ~~ذكر القوم وصاروا أئمة فقال: بالصدق، قالوا: وما الصدق؟ قال: الإخلاص، قيل: ~~وما الإخلاص؟ قال: هو الزهد قيل: وما الزهد يا أبا عبد الله فأطرق ثم قال: ~~سلوا الزهاد # PageV01P445 # سلوا بشر بن الحارث، وقال قوم الزهد في الدنيا طلب الحلال وإنه واجب ~~مفترض في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء وغلبة الشبهات قالوا: فقد تعين ~~فرض الزهد وهذا مذهب إبراهيم ابن أدهم ووهيب بن الورد وسليمان الخواص ~~وجماعة من أهل الشام، وقد كان سهل يقول: أزهد الناس في الدنيا أصفاهم ~~مطعما، وقال أقصى مقام في الورع أدنى مقام من الزهد. # وقد روينا عن يوسف بن أسباط ووكيع رحمهما الله قالا: لو زهد عبد في ~~زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء ما سميناه زاهدا لأن الزهد عندنا ~~إنما هو في الحلال المحض، ولا نعرف الحلال المحض اليوم، وكذلك كان الحسن ~~البصري رحمه الله إمام الأئمة يقول لا شيء ms0607 أفضل من رفض الدنيا، وقال الفضيل ~~بن ثور قلت للحسن: يا أبا سعيد رجلان يطلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها ~~فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه ورجل رفض الدنيا، قال: أحبهما إلي الذي رفض ~~الدنيا قلت: يا أبا سعيد هذا طلبها بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم ~~منها لنفسه قال: أحبهما إلي الذي جانب الدنيا وإنما شرف الحسن الذي رفض ~~الدنيا لأن مقام الزهد يجمع التوكل والرضا ألا تسمع إلى الخبر الذي جاء: ~~الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك فهذا هو التوكل، ثم قال: ~~وأن تكون بثواب المصيبة أفرح منك ولو أنها بقيت لك وهذا هو الرضا، ثم إن ~~المعرفة والمحبة بعد الزهد داخلان عليه فأي مقام أعلى من مقام جمع هذه ~~الأربعة وهي غاية الطالبين، ولعمري أنه هكذا لأنه روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما حديث فيه شدة قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء ~~زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال: أتعرفون هذه؟ ~~فيقولون: نعوذ بالله تعالى من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم ~~عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في ~~جهنم فتنادي أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله: ألحقوا بها أتباعها ~~وأشياعها. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أشد من هذا حدثنا عن ~~عبد الواحد بن زيد عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم ~~إلى النار قالوا: يا رسول الله مصلين قال: نعم، كانوا يصلون ويصومون ~~ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه، وكذلك كان ~~الحرث بن أسد المحاسبي رحمه الله يقول: إنما الزهد إسقاط قيمة الدنيا من ~~القلب وأن لا يكون لشيء عاجل في القلب وزن، فإذا سقطت قيم الأشياء واستوت ~~في القلب فهو الزهد، # PageV01P446 # فأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فإنه كان يقول ليس ms0608 الزاهد من لا يملك ~~شيئا إنما الزاهد من لا يملكه شيء وقال عالم مثله في معناه: الزاهد من لا ~~يتملك الأشياء ولم يسكن إليها، وكان يقول: الزاهد قوته ما وجد وثوبه ما ستر ~~وبيته ما أواه وحاله وقته. # وقال بعض العارفين: الزهد إنما هو ترك التدبير والاختيار والرضا والتسليم ~~لاختياره شدة كان أو رخاء، وهذا طريق الخواص والثوري وذي النون رحمهم الله ~~تعالى، وقال أبو يزيد رحمه الله مرة: إنما الزاهد من لا يملك شيئا ولا ~~يملكه شيء، وقال: حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة والعاجز لا يصح ~~زهده هو أن يعطيه كن ويطلبه على الاسم ويقدره على الأشياء بإظهار الكون ~~فيزهد في ذلك حياء من الله تعالى ويتركه حبا له، وكان يستعيذ بالله من ~~أربعة وعشرين مقاما من إظهار القدرة وقال لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء ~~تتكلم؟ قلت: في الزهد قال: في أي شيء قلت: في الدنيا قال: فنفض يده وقال: ~~ظننت أنه يتكلم في الزهد في شيء الدنيا لا شيء أيش تزهد فيه، وذهب إلى هذا ~~المعنى سهل وغيره، وقال سبعة عشر مقاما في المعرفة أدناها المشي على الماء ~~وفي الهواء وظهور كنوز الأرض وهذا كله من زخرف الدنيا. # وقد حكي لنا معنى هذا عن الجنيد قال: اجتمع أربعة من الأبدال في جامع ~~المنصور ليلة العيد فلما أسحروا قال أحدهم: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد ~~في بيت المقدس، وقال الآخر: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس، وقال ~~الثالث: أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بمكة، وسكت الرابع وكان أعرفهم ~~فقيل له: أنت أي شيء نويت فقال: أما أنا فقد نويت اليوم ترك الشهوات لا ~~أصلي إلا في هذا المسجد الذي بت فيه فقالوا: أنت أعلمنا فقعدوا عنده فصار ~~عند هؤلاء كما ذكرناه آنفا أن هذه الآيات هي من الشهوات إذ ليست حاجات ~~مقامات والشهوة من الدنيا لأنها من الهوى وأيضا ففيها تدبير واختيار، وعند ~~الزهاد العارفين والمحبين أن هذا ms0609 مكر وخداع يبتلون به ويقتطعون لينظر كيف ~~يعملون إذا ابتلاء كل عبد على قدر مرتبته وحاله فيلزمه الزهد فيه ويقال: هي ~~في المقام السابع عشر من المعرفة فمن سلك به الطريق رآها فيه وفوقها نيف ~~وسبعون مقاما أفضل من ذلك. # وقد سئل الجنيد عن الزهد فقال معنيان: ظاهر وباطن، فالظاهر بغض ما في ~~الأيدي من الأملاك وترك طلب المفقود، والباطن زوال الرغبة عن القلب ووجود ~~العزوف والانصراف عن ذكر ذلك، فإذا تحقق بذلك رزقه الله تعالى الإشراف على ~~الآخرة والنظر إليها بقلبه، فحينئذ يحد في العلم بتقصير الأمل وتقريب الأجل ~~لأن الأسباب عن قلبه منقطعة والقلب منفرد الآخرة، وحقيقة الزهد قد خلصت إلى ~~قلبه فامتلأ من الذكر الخالص لربه سبحانه وتعالى، فالزهد عن حقيقة الإيمان ~~والمشاهدة للآخرة تكون بعد الزهد واستواء الأشياء، # PageV01P447 # فيكون عدمها كوجودها بعد المشاهدة لاستواء القلب ومعه يستوي المدح والذم ~~لسقوط النفس وذهاب رؤية الخلق فعندها خلص الإخلاص إلى قلبه لصفاء الزهد ~~وثبت الزهد لسقوط النفس دليل ذلك: الخبر الذي رويناه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل: هل استويت؟ قال: وكيف أستوي؟ قال: يستوي عندك المدح ~~والذم؟ وقول حارثة لما سأله عن حقيقة الإيمان: عزفت نفسي عن الدنيا فابتدأ ~~بالزهد ثم ذكر الاستواء لحجرها وذهبها ثم ذكر المشاهدة بعد ذلك الحديث، ~~وهذه كلها مقامات في الزهد وكل من جعل شيئا الدنيا مبلغ علمه وعلو مشاهدته ~~جعل الزهد ضده. # وقد نوع أهل المعرفة الإيمان في القلب على مقامين فجعل لهما زهدين فقال: ~~إذا تعلق الإيمان بطاهر القلب أحب العبد الدنيا وأحب الآخرة وعمل لهما، ~~فإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ولم ~~يعمل لها، وقد كان أبو سليمان يقول: من شغل بنفسه شغل عن الناس؛ وهذا مقام ~~العاملين، ومن شغل بربه سبحانه وتعالى شغل عن نفسه؛ وهذا مقام العارفين، ~~ولهذين المقامين دليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس ~~خير؟ فقال: من يشنأ الدنيا ويحب الآخرة فأوقع ms0610 الشنآن للدنيا لوقوع ضده من ~~حب الآخرة والمقام الأعلى دليله من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله تعالى ~~أمر آخرته ودنياه والهم الواحد بوجد واحد لرب واحد هو وصف عبد متوحد لواحد ~~مقاله إلى واحد، وقد وهب له خلقا من أخلاقه فهو الأحد بوحدانية صفته، وعبد ~~متوحد بوجده بين خلقه، فهو منفرد الهم مجتمع القلب وانفراد الهم يكون بعد ~~محو الهوى ومحوه بعد امتحان القلب للتقوى، واجتماع القلب يكون مع طيب النفس ~~وطمأنينتها بالإيمان أو فلاحها بالتزكية والرضا، ما قال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: طيب النفس من النعيم، وقال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها) ~~الشمس: 9 وقال تعالى: (راضية مرضية) الفجر: 28 فيكون متوحدا بالروح مخلقة ~~بأخلاق الإيمان مواطئة للقلب بمشاهدة اليقين، وقال وهب بن منبه: وجدت فيما ~~أنزل الله تعالى على موسى عليه السلام: من أحب الدنيا أبغضه الله تعالى، ~~ومن أبغضها أحبه الله تعالى، ومن أكرم الدنيا أهانه الله تعالى، ومن أهانها ~~أكرمه الله تعالى، وأما علماء الظاهر فقالوا: الزهد في الدنيا هو موافقة ~~العلم والقيام بأحكام الشرع وأخذ الشيء من وجهه ووضعه في حقه، وما خالف ~~العلم فهو هوى كله فذكروا فرض الزهد وظاهره ولم يعرفوا دقائقه وبواطنه. # وقد روينا عن سفيان بن عيينة والثوري معنى هذا أنهما سئلا: أيكون الرجل ~~زاهدا وله مال؟ قالا: نعم إذا كان إذا ابتلى فصبر، وإذا أنعم عليه شكر، قال ~~ابن أبي الحواري # PageV01P448 # فقلت له: يا أبا محمد يعني ابن عيينة قد أنعم عليه فشكر وابتلى فصبر وحبس ~~النعمة كيف يكون زاهدا؟ فضربني بيده وقال: اسكت، من لم تمنعه النعماء من ~~الشكر ولا البلوى عن الصبر فذلك الزاهد، ووافقهما الزهري فقال كذلك، وقد ~~فصل ذلك أبو سليمان فقال ابن أبي الحواري: قلت له: أكان داود الطائي رحمه ~~الله تعالى زاهدا؟ قال: نعم، قلت: بلغني أنه ورث من أبيه عشرين دينارا ~~فأنفقها في عشرين سنة فكيف يكون زاهدا وهو يمسك الدنانير؟ فقال: أردت منه ~~أن يبلغ حقيقة الزهد ولعمري أنا ms0611 روينا عن رسول صلى الله عليه وسلم نعما ~~بالمال الصالح للمرء الصالح والمال الصالح هو الحلال والمرء الصالح المنفق ~~ماله بالليل والنهار سرا وعلانية في سبيل الله ابتغاء مرضاته كما وصفه الله ~~تعالى ومدحه. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى يعطي الدنيا ~~من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب والذي يحبه الله تعالى ممن ~~أعطاه الدنيا لا يخالف حبيبه إلى هواه ولا يؤثر نفسه على محبة مولاه تبارك ~~وتعالى إذ قد تولاه فيما أعطاه. # وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر والطاعم الشاكر هو الذي يستعين بطعمته على خدمة مولاه ويعبده شكرا ~~لما أولاه، وقد قالوا في الزهد وصفان جامعان لأحوال القلوب، قال مضاء بن ~~عيسى: قلت للسباع الموصلي: يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم الزهد؟ قال: ~~إلى الأنس بالله تعالى، وقال عثمان بن عمارة: كان يقال: الورع يبلغ بالعبد ~~إلى الزهد والزهد يبلغ به حب الله تعالى؛ فهذان الحالان غاية الطالبين الحب ~~للجليل والأنس باللطيف، فمن لم يتحقق بالزهد لم يبلغ مقام الحب ولم يدرك ~~حال الأنس ثم إن سرائر الغيوب في مقام الحب والخلة، وفي حال الأنس والقربة ~~وفقنا الله وإياكم لما يحب وبلغنا ما نؤمل بفضله ورحمته ولا حول ولاقوة إلا ~~بالله العلي العظيم وهذا آخر كتاب الزهد. # تم الجزء الأول من قوت القلوب ويليه الجزء الثاني أوله ### | شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين # PageV01P449 # بسم الله الرحمن الرحيم # شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين ### | وهو المقام السابع من مقامات اليقين # التوكل من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين قال الله الحق ~~المبين: (إن الله يحب المتوكلين) آل عمران 159فجعل المتوكل حبيبه وألقى ~~عليه محبته وقال الله عز وجل: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) إبراهيم ~~12يرفع المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه، وقال جلت قدرته: (ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه) الطلاق: 3 أي كافيه مما سواه فمن كان الله تعالى ms0612 كافيه فهو ~~شافيه ومعافيه ولا يسأل عما هو فيه، فقد صار المتوكل على الله تعالى من ~~عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم ~~الكفاية، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه: (وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا) الفرقان: 63إلى آخر أوصافهم، وهم الذين كفاهم في هذه ~~الدار المهمات ووقاهم بتفويضهم إليه السيئات بقوله تعالى: (أليس الله بكاف ~~عبده) الزمر: 36 وقوله تعالى: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) ~~(فوقاه الله سيئات ما مكروا) غافر: 44 - 45 وليس هؤلاء من عباد العدد فقط ~~الذين قال الله عز وجل: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) ~~(لقد أحصاهم وعدهم عدا) مريم 93 - 94. # وقال بعض الصحابة وغيره من التابعين: التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر، ~~وحدثونا عن بعض السلف قال: رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت: ~~ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قلت: فأي الأعمال وجدت هناك ~~أفضل؟ قال: التوكل وقصر الأمل فعليك بهما وقال أبو الدرداء: ذروة الإيمان ~~والإخلاص والتوكل والاستسلام للرب عز وجل، وكان أبو محمد سهل رحمه الله ~~يقول: ليس في المقامات أعز من التوكل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه ~~صبابة انتشقها الصديقون والشهداء فمن تعلق بشيء منه فهو صديق أو شهيد. # PageV02P003 # وقال بعض العارفين وهو أبو سليمان الداراني: في كل المقامات لي قدم إلا ~~هذا التوكل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح، وقال لقمان في وصيته لابنه: ~~ومن الإيمان بالله عز وجل التوكل على الله، فإن التوكل على الله يحبب ~~العبد، وإن التفويض إلى الله من هدي الله، وبهدي الله يوافق العبد رضوان ا، ~~وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله، وقال لقمان أيضا: ومن يتوكل ~~على الله، ويسلم لقضاء الله، ويفوض إلى الله، ويرضى بقدر الله، فقد أقام ~~الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد ~~أمره. # وقال بعض علماء الأبدال، وهو أبو محمد سهل: ms0613 العلم كله باب من التعبد، ~~والتعبد كله باب من الورع، والورع كله باب من الزهد، والزهد كله باب من ~~التوكل، قال: فليس للتوكل حد ولا غاية تنتهي إليه، وقال أيضا في قول الله ~~عز وجل: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) هود: 7، قال أصدق توكلا، وقال: التقوى ~~واليقين مثل كفتي الميزان والتوكل لسانه، به تعرف الزيادة والنقصان، وسئل ~~عن قول الله عز وجل: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن: 16 قال: بإظهار ~~الفقر والفاقة إليه، وسئل عن قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) آل ~~عمران102 فقال: اعبدوه بالتوكل، وقال أبو يعقوب السوسي: لا تطعنوا على أهل ~~التوكل فإنهم خاصة الله الذين خصوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله، واكتفوا به، ~~واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة، وقال: من طعن في التوكل، فقد طعن في ~~الإيمان لأنه مقرون به، ومن أحب أهل التوكل فقد أحب الله تعالى، فأول ~~التوكل المعرفة بالوكيل وأنه عزيز حكيم، يعطي لعزه، ويمنع لحكمه، فيعتز ~~العبد بعزه ويرضى بحكمه، وكذلك أخبر عن نفسه ونبه المتوكلين عليه فقال ~~سبحانه: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) الأنفال: 49 عز من أعز ~~بعطيته ونظر لمن منعه بحكمته، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما ~~بالقسط والتدبير والتقدير، عنده خزائن كل شيء، وكل شيء عنده بمقدار لاينزله ~~إلا بقدر معلوم، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السموات من ~~الأحكام والأقدار الغائبات، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب ~~المشاهدات، فخزائن السموات ماقسمه من الرزق، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي ~~الخلق، وفي السماء رزقكم وما توعدون، وفي الأرض آيات للموقنين، ولكن ~~المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كل شيء وأنه يملك السمع ~~والأبصار ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار، وأنه حسن التدبير ~~والأحكام للموقنين، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين، ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون، ثم استوى على العرش يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز، فقوي بنظره إليه، وعز ms0614 بقوته ~~به، واستغنى بقربه منه، وشرف بحضوره عنده. # PageV02P004 # وكذلك جاء في الخبر: كفى باليقين غنى، حينئذ نظر إليه في كل شيء، ووثق ~~به، واعتمد عليه دون كل شيء، وقنع منه بأدنى شيء، وصبر عليه، ورضي عنه، إذ ~~لا بد له منه، فثم لا يطمع في سواه، ولا يرجو إلا إياه، ولا يشهد في العطاء ~~إلا يده، ولا يرى في المنع إلا حكمته، ولا يعاين في القبض والبسط إلا ~~قدرته، هناك حقت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه، وطلب الرزق ~~عند معبوده ورازقه، وقام بشهادة ما قال تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم) الأعراف: 194قال: (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه) العنكبوت: 17. فعندها لم يحمد ~~خلقا ولم يذمه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأول ~~المعطي، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه، ~~واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته ~~لمولاه بموافقته هواه، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذم الباخلين، والفرق ~~بين الحمد والشكر: أن الحمد مفرد لا ينبغي إلا وهو الاعتراف بأن النعمة من ~~الله عز وجل، وحسن المعاملة بها لوجه الله لاشريك له فيه، ولذلك قال: الحمد ~~لله رب العالمين، أي الحمد كله لا يكون ولا ينبغي إلا، لأنه رب العالمين، ~~وفي الخبر: الحمد رداء الرحمن عز وجل، والشكر إظهار الثناء، وأسرار الدعاء ~~للأواسط، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان، وهو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر ~~من الناس، حدثونا عن يوسف بن أسباط قال: قال لي الثوري: لا تشكر إلا من عرف ~~موضع الشكر، قلت: وكيف ذاك؟ قال: إذا أوليتك معروفا، فكنت به أسر منك، وكنت ~~منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا، وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم ~~يكن معه، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم، فعرضه عليه فلم يقبله ~~وقال: أو كل من بذل ms0615 لنا شيئا قبلناه منه؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله ~~عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ، وحدثونا عن الحسن في قصة ~~طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فرده، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص: ~~عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته، فانصرف حزينا، وأنت تأخذ من ~~مالك بن دينار ومحمد بن واسع الشيء بعد الشيء، فقال له الحسن: ويحك إن ~~مالكا وابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما، فعلينا أن نقبل، # PageV02P005 # وإن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي، فرددنا عليه صلته، وعندها لاتذم ~~أحدا ولا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأول، وإذ ~~له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة، ولكن نذمه وننقصه ~~ونبغضه إن كان استوجب ذلك من مولاه، فيكون موافقا له، والله تعالى يشهد يده ~~في العطاء، ويمدح المنفقين نهاية في كرمه، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته، ~~ويذم الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام ~~وتفصيل الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام، فقد أظهر الأمر ~~واستأثر بسر القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر. # وروى بعض العلماء عن الله تعالى: لو أن ابن آدم لم يخف غيري ماأخفته من ~~غيري، ولو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري، وروى أعظم من هذا ~~قال: وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عز وجل يفزعه ~~في قبره إلى يوم القيامة، وقال الفضيل بن عياض: من خاف الله خاف منه كل ~~شيء، ويقال: إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق، وإن ذلك ~~من قلة الفقه عن الله تعالى وقد قال الله أحسن القائلين في معناه: (لأنتم ~~أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) الحشر: 13 فكان العبد ~~إذا تم خوفه من الله تعالى، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه، وحول ms0616 ~~ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو، كما إذا كملت مشاهدة ~~العبد وقام بشهادته وغيبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عز وجل فلم ~~يرها، وقام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرغ قلبه لمعاينة الملك، وقال ~~سنيد عن يحيى بن أبي كثير: مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله، ~~وقال سنيد: يعني أن يقول: لولا فلان هلكت، ولولا كذا ما كان كذا، ويقال: إن ~~قول العبد لولا كذا ماكان كذا من الشرك، وقال في الخبر: إياكم ولو فإنه ~~يفتح عمل الشيطان. # وقال بعض العلماء: سوف جند من جنود إبليس، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ~~(فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) العنكبوت: 65 قالوا: كان الملاح ~~فارها، ومثله في قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ~~يوسف106، قيل قالوا: لولا نباح الكلاب وزقاء الديكة لأخذنا السرق، وروينا ~~عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: من اعتز بالعبيد أذله ~~الله، وقد جاء في الخبر: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق ~~الطير تغدو خماصا وتروح بطانا، ولزالت بدعائكم الجبال، وقد كان عيسى عليه ~~السلام يقول: انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله يرزقها ~~يوما بيوم، فإن # PageV02P006 # قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله لها هذا ~~الخلق، ويقال: لا يدخر من الدواب إلا ثلاثة: النملة والفأرة وابن آدم، وقال ~~أبو يعقوب السوسي: المتوكلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره على ~~يد خصوص عباده بلا شغل ولا تعب، وغيرهم مكدودون مشغولون، وقال أيضا: ~~المتوكل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدع لا يصح له التوكل، وأول التوكل ~~ترك الاختيار والمتوكل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق، لا يشكو ما به إليهم، ~~ولا يذم أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد، فقد شغله عما سواه، ~~وقيل لسهل: ما أدنى التوكل؟ قال: ترك الأماني، وأوسطه ترك الاختيار، ms0617 قيل: ~~فما أعلاه؟ قال: لا يعرفه إلا من توسط التوكل وترك الاختيار، أعطى فذكر ~~كلاما طويلا. # وقال بعض هذه الطائفة: العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم من المولى، ثم يفترقون ~~في المشاهدات، فمنهم من يأكل رزقه بذل، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان، ومنهم ~~من يأكل رزقه بانتظار، ومنهم من يأكل رزقه بعز لا مهنة ولا انتظار ولا ذلة، ~~فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذل، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلون لهم، ~~والذين يأكلون بامتهان، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة وكره، والذين يأكلون ~~أرزاقهم بانتظار، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذب ~~بانتظاره، والذين يأكلون أرزاقهم بعز من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل ~~فالصوفية، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة، فأما الذين يأكلون من ~~أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذل الواضح. # وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور: الخلق عيال الله فأحبهم إلى ~~الله أنفعهم لعياله فقال: هذا مخصوص وعيال الله خاصته، قيل: كيف؟ قال: لأن ~~الناس أربعة أقسام: تجار وتجارة وصناع وزراعة، فمن لم يكن منهم فهو من عيال ~~الله، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء، وهذا كما قال: لأن الله سبحانه ~~وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا ~~تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم على التجار والصناع، ألا ترى أن الزكاة لا ~~تجوز على تاجر ولا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة ~~لغني ولا لقوي مكتسب، فأقام الاكتساب مقام الغني. # وقال الله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) الحجر20 ~~فكان من تدبر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في ~~الأرض، وقال عامر بن عبد الله: قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل استعنت ~~بهن على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا راد # PageV02P007 # لفضله) يونس: 107 فقلت: إن أراد أن يضرني ms0618 لم يقدر أحد أن ينفعني، وإن ~~أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني، وقوله: (فاذكروني أذكركم) البقرة: 152 ~~فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه، وقوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها) هود: 6، فوالله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت، وقد كان ~~سهل بن عبد الله يقول: المتوكل إذا رأى السبب فهو مدع، وقال: ليس مع ~~الإيمان أسباب، إنما الأسباب في الإسلام؛ معناه ليس في حقيقة الإيمان رؤية ~~الأسباب والسكون إليها، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام. # ومن ذلك ما قال لقمان لابنه: للإيمان أربعة أركان: لا يصلح إلا بهن كما ~~لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين: التوكل على الله، والتسليم لقضائه، ~~والتفويض إلى الله، والرضا بقدر الله، فحال المتوكل سكون القلب عن ~~الاستشراف إلى العبيد والتطلع وقطع الهم عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمع، ~~عاكف القلب علي المقلب المدبر، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر، لا يحمله ~~عدم الأسباب على ماحظره العلم عليه وذمه، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل ~~به أو يوالي في الله ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق، فيترك الحق ~~حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة، ولا تدخله نوازل ~~الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو ~~الصمت عن حق لزمه، أو يوالي في الله عدوا أو يعادي وليا، ليرب بذلك حاله ~~عندهم، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكف عنهم، ولا يرب الصنعة التي قد عرف ~~بها لنظره إلى الصانع، ولا يتصنع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام ~~مشاهدته، ولا يسكن إلى عادة من خلق، ولا يثق بمعتاد من مخلوق؛ إذ قد أيقن ~~برزقه ونفعه وضره من واحد، فهذه المعاني من فرض التوكل، فإن وجدت في عبد ~~خرج بها عن حد التوكل دون فضائله وتدخله في ضعف اليقين، وقد كان الأقوياء ~~إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكلهم، قطعوا تلك الاسباب، ~~وحسموا أصولها واعتقدوا تركها، وعملوا في مفارقة الأمصار ms0619 والتغرب عن ~~الأوطان وترك الآلاف والإيلاف، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم، ووضعوا عليه ~~دواءه وضده من حيث تطرق إليهم، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل ~~الظاهر إلى علوم الباطن وحكم مشاهدتهم وقيامهم بحق أحوالهم، إذ ليس أهل ~~الظاهر حجة عليهم في شيء إلا وهم عليه حجة في مثله، لأن الإيمان ظاهر ~~وباطن، والعلم محكم ومتشابه، ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة ~~الحقيقة، كل ذلك رعاية لصحة توكلهم ووفاء بحسن عهدهم وعملا بأحكام حالهم ~~لئلا تسكن قلوبهم لغير الله، ولا تقف هممهم مع سوى الله، ولا تطمئن نفوسهم ~~إلى غيره، ولا يتخذوا سكنا سواه، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا ~~لسكونها عن سكون القلب، فيسيء ذلك يقينهم # PageV02P008 # ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل، ويستأسر قلوبهم التي هي المكان للكشف ~~والشهادة، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة الحال، فماذا يرتجون وبأي شيء ~~يقومون؟ وهذا لا يفطن له إلا العاقلون ولا تشهده العيون. # وقد قال بعض المقربين في حقيقة التوكل لما سئل عنه فقال: هو الفرار من ~~التوكل يعني ترك السكون إلى المقام من التوكل؛ أي يتوكل ولا ينظر إلى ~~توكلهم إنه لأجله يكفى أو يعافى أو يوقى، فجعل نظره إلى توكله علة في توكله ~~يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل، ويقوم له بشهادة ~~منه بلا ملل، فلا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه، أو يعول عليه، أو ~~يدل به، حتى التوكل أيضا الذي هو طريقه. # وكذلك قال قبله بعض العارفين في معنى قوله عز وجل: (أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه) النمل: 26، فقال: المضطر الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع إليه يديه ~~بالمسألة فلا يرى بينه وبين الله حسنة يستحق بها شيئا، فيقول: هب لي مولاي ~~بلا شيء فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس، ويصير حاله مع كل الأعمال ~~الإفلاس، فهذا هو المضطر، فهؤلاء القوم من الذين وصفهم الله عز وجل بالتقوى ~~والمخافة، وجعلهم أهلا للدعوة والنذارة، وأخبر أنهم لا يرون بينه وبينهم ~~سببا يليهم ms0620 ولا شفاعة فقال تعالى يأمر رسوله بإنذارهم بكلامه فجعلهم وجهة ~~لخلقه ومكانا لكلمه، كما جعل رسوله وجهة لهم ومكانا لتكليمهم، فقال تعالى: ~~(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون) الانعام: 51 ثم قال تعالى في وصف أمثالنا من أهل اللعب واللهو ~~والغرة والسهوة متهددا لنا متوعدا: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ~~وغرتهم الحياة الدنيا) الانعام: 70 وقيل لبعض علمائنا: ماالتوكل؟ قال: ~~التبري من الحول والقوة؛ والحول أشد من القوة، يعني بالحول الحركة، والقوة ~~الثبات على الحركة، وهو أول الفعل، يعني بهذا لا ينظر إلى حركتك مع المحرك ~~إذ هو الأول ولا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في تثبيته إذ هو المثبت الآخر ~~فتكون الأولية والآخرية حقيقة شهادتك له به أنه الأول الآخر بعين اليقين؛ ~~أي فعندها صح توكلك بشهادة الوكيل، وقال مرة: التوكل ترك التدبير، وأصل كل ~~تدبير من الرغبة، وأصل كل رغبة من طول الأمل، وطول الأمل من حب البقاء؛ ~~وهذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في وصف البقاء، وقال: الله سبحانه ~~خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه، وإنما جعل حجابهم تدبيرهم، وقد كثر قوله ~~رحمه الله في ترك التدبير، وينبغي أن يعرف مامعناه، ليس يعني بترك التدبير ~~ترك التصرف فيما وجه العبد فيه وأبيح له، كيف وهو يقول: من طعن على التكسب ~~فقد طعن على السنة، ومن طعن في ترك التكسب فقد طعن على التوحيد، إنما يعني ~~بترك التدبير ترك الأماني، وقوله: لم كان كذا؟ إذا وقع ولم لا يكون كذا؟ أو ~~لو كان كذا فيما لايقع، لأن ذلك اعتراض وجهل بسبق العلم، وذهاب عن نفاذ ~~القدرة وشهادة الحكمة، وغفلة عن رؤية المشيئة وجريان الحكم بها، ويعني ترك # PageV02P009 # التدبير فيما بقي وما يأتي بعد أي لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك وعلمك ~~فيقطعك عن حالك في الوقت الذي هو ألزم لك وأوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من ~~الأحكام. # والتصريف في ترك التدبير والتقدير لها بالزيادة والنقصان، ms0621 أو نقلها من ~~وقت إلى غيره أو من عبد أي آخر، بالتقديم والتأخير، تكون في ذلك كما كنت ~~فيما قد مضى، ألا ترى أن الإنسان لا يدبر ما قد مضى؟ قال: فينبغي أن يكون ~~فيما يستقبل تاركا للتدبير له، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه، كتركه ~~إياه فيما مضى، فيستوي عنده الحالان، لأن الله أحكم الحاكمين، ولأن العبد ~~مسلم للأحكام والأفعال، راض عن مولاه في الأقدار، مع جهله بعواقب المآل، ~~وترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين، واليقين هو مكان المعرفة، إذ جعل ~~الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما يليق به، وكان ~~يقول: يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون، فلما كنت اليوم قلت أنا وأنا ~~كن فيما أنت الآن كما لم تكن، فإنه هو اليوم كما كان، وكان يقول أيضا: ~~الزهد إنما هو ترك التدبير، فهذا يعني به ترك الأسباب التي توجب التدبير، ~~وإخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا متيقنا للأسباب وهو ترك ~~تدبيرها، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو التمييز والقيام بالأحكام ووضع ~~الأشياء مواضعها، فكيف لا يكون العبد كذلك مع وجود الأشياء وهو عاقل مميز ~~متعبد بالعلم مطالب بالأحكام؟ وإنما يقول: اترك الأشياء المدبرة وازهد في ~~الأسباب المميزة حتى يسقط عنك التدبير والتقدير، فيكون بتركها تاركا ~~للتدبير بسقوط أحكامها عنك، واستراحتك من القيام بها، والنظر فيها؛ فهذا هو ~~تفصيل جملة قوله في ترك التدبير، وهذا هو حال المتوكلين، والمتوكل لا يهتم ~~بما قد كفي كما لا يهتم الصحيح بالدواء إذا عوفي، ولكن قد يحتمي قبل النزال ~~كما يحتمي المعافى قبل ورود العلل. # قال الله سبحانه: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) هود: 6 ~~(وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) العنكبوت: 60 فالمتوكل ~~قد علم بيقينه، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرة فما فوقها، أن ذلك رزقه من ~~خالقه، وأن رزقه هو له وأن ما له واصل إليه لامحالة على أي ms0622 حال كان، وإن ما ~~له لا يكون لغيره أبدا، وكذلك ما لغيره من القسم والعطاء لا يكون لهذا ~~أبدا، فقد نظر إلى قسمه ونصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به تولاه من إحدى ~~ثلاث مشاهدات، وإن دنت مشاهدته نظر إلى قسمه من العطاء في الصحيفة التي ~~كتبت له عند تصوير خلقه، فكتب فيها رزقه وأجله وأثره، وشقي أو سعيد، فكما ~~لايقدر أحد من الخلق أن يجعله سعيدا إن كان قسمه شقيا، فلا يقدر أحد أن ~~يجعله شقيا إن كان قسمه سعيدا، كذلك لا يقدر أحد أن يمنعه ما أعطاه مولاه ~~من القسم، فيجعله محروما، ولا يعطيه ما منعه من الحكم فيجعله مرزوقا، لأن ~~ذلك قد كتب كتبا واحدا وجعل مجعلا سواء، فإن ارتفعت مشاهدته نظر إلى هذا في ~~اللوح المحفوظ مفروغا له # PageV02P010 # منه، وهو أم الكتاب الذي استنسخ منه هذه الصحيفة، فكان يقينه يكتب رزقه ~~في اللوح، وأنه لا يزاد فيه بحول ولا حيلة ولا ينقص منه لعجز ولا سكينة، ~~كيقينه بما كتب فيه من أنه من أهل الجنة فهو داخلها لامحالة، وإن عمل أي ~~عمل بعد أن يكون قد كتب اسمه في اللوح وجعل له فيها أثر كقوله تعالى: (ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) الأنبياء: ~~105 فقد كتبت الآثار والأرزاق من كل شيء كتبا واحدا في ثلاث مواضع، توكيدا ~~للعلم وتسكينا للقلب في القسم، كتب ذلك في الذكر الأول وهو اللوح المحفوظ ~~ثم في الزبر الأولى وهي الصحف، ثم أنزل ذلك في كتابنا هذا الذي به عرفنا ما ~~سلف من ذلك، وإن علت مشاهدة كل عبد عن مقامه ومن معبوده ومن مكانه في دنوه ~~وعلوه يشهد هذا الذي ذكرناه معلوما في علم الله تعالى قبل خلق اللوح، فسكن ~~قلبه واطمأن إلى علم الله سبحانه وتعالى وما سبق له منه، ولهذا جاء في ~~الأثر أن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن ~~يكون ثواب المصيبة ms0623 أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك، أي فيقل حرصك لنفاذ ~~شهادتك ويذهب في الخلق طمعك؛ فهذا هو الرضا والزهد، فقد جمع التوكل ~~المقامين معا، فما في يد الله سبحانه وتعالى هو رزقك الواصل إليك، لا شك ~~فيه على أي حال، وهو الذي لك عند الله، وهو معلوم علم الله تعالى الذي لا ~~ينقلب، وذلك أحد ثلاثة أشياء: ماأكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأمضيت، فهذا هو الذي لك في الدنيا والآخرة. # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: يقول ابن آدم مالي تعجب من جهل ابن آدم ~~وغفلته، ثم قال: إنما لك من مالك، فذكر هذه الثلاث واشترط مع كل واحدة آخر ~~غايتها فقال: ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، فاشترط ~~الإفناء والإبلاء والإمضاء، ثم قال بعد ذلك: وما سوى ذلك فهو مال الوارث، ~~فهذه الثلاث على هذه الأوصاف هي رزق العبد، وهي التي في يد الله عز وجل له، ~~الواصلة إليه، فأما ما جعله في يد العبد فقد لا لايكون له، وإنما هو مستودع ~~إياه ومستخلف فيه، وإن تملكه وحازه خمسين سنة وإنما للعبد ما فرغ منه العبد ~~وهو الذي فرغ له منه لما سبق له به، فإن تملك سوى هذا وادعاه لأجل أنه في ~~خزانته، أو قبض يده فذلك لجهله بالله تعالى وقلة فقهه عن الله سبحانه ~~وغفلته عن حكمة الله تعالى في أرضه، يودعها من يشاء إلى الوقت الذي يشاء، ~~حتى يستقر إلى كيف يشاء، فقد قال تعالى: (فمستقر ومستودع) الأنعام: 98 ~~وقال: (لكل نبإ مستقر) الأنعام: 67 وقال سبحانه: (وخزائن السموات والأرض) ~~الأنعام: 7 وهكذا # PageV02P011 # روينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: وإن لكل عبد رزقا هو آتيه لا محالة، فمن قنع به ~~ورضي بورك له فيه، ومن لم يقنع به ولم يرض لم يبارك له فيه ولم يسعه. # ويقال: لو هرب العبد من رزقه كما لو هرب من الموت ms0624 لأدركه، وفي وصية النبي ~~صلى الله عليه وسلم لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله، واعلم أن الخلائق لو جهدوا أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا ~~على ذلك، ولو جهدوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله سبحانه لك لم يقدروا على ~~ذلك، طويت الصحف وجفت الأقلام، فمن كانت هذه مشاهدته في القسم المعلوم سقط ~~عنه جملة من الهموم واستراح من النظر إلى الخلق واستراح الخلق، ومن أذاه، ~~وشغل عنهم بخدمة مولاه، وكان قد فهم شيئا من الخطاب، وممن أقبل على الله ~~الكريم بصالح ما دعاه إليه واستجاب، كما روي أن رجلا لزم باب عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كل غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له: ياهذا هاجرت ~~إلى عمر، أو إلى الله، إذهب فتعلم القرآن، فإنه سيغنيك عن باب عمر، فذهب ~~الرجل فغاب زمانا حتى افتقده عمر، فسأل عنه فدل عليه فأتاه، فإذا هو قد ~~اعتزل الناس وأقبل على العبادة فقال له عمر رضي الله عنه: إني قد افتقدتك ~~حتى اشتقت إليك، فما الذي شغلك عنا؟ فقال: إني قد قرأت القرآن فأغناني عن ~~عمر وعن آل عمر، فقال له عمر: رحمك الله فما الذي وجدت فيه؟ فقال: وجدت فيه ~~وفي السماء رزقكم وما توعدون فقلت: رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، ~~فبكى عمر، وكانت موعظة له منه، فكان عمر بعد ذلك يشابه في الأحايين فيجلس ~~إليه ويستمع منه. # وجاء رجل إلى بشر بن الحارث فقال: إني قد عزمت على سفر إلى الشام وليس ~~عندي زاد فما ترى؟ فقال: ياهذا أخرج فيما قصدت له، فإن لم يعطك ما ليس لك ~~لم يمنعك ما لك، وشكا رجل إلى فضيل حاله فقال ياهذا مدبر غير الله تريد؟ ~~وكان الحسن يقول: التوكل هو الرضا، وفي تفسير قوله عز وجل: (وقدر فيها ~~أقواتها) فصلت: 10 قال: خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام فالمتوكل لا ~~يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه مولاه بعمل غد، ms0625 فأما المتوكل في المضمون ~~من الرزق المعلوم من القسم فهو توكل العموم يستحي الخصوص من ذكره، ويتكرمون ~~عن نشره إذا كان الله تعالى قد أقسم بنفسه أن الرزق في السماء حق، كما أقسم ~~بنفسه أن كلامه حق، فجمع بينهما في الحقيقة بالقسم بالذات دون سائر الأفعال ~~لتسكن بذلك نفوس الخليقة عن النظر إلى الأدوات، ليرتفع الشك فيهما ويحصل ~~اليقين بحقيقتهما، فقال سبحانه: (فورب السماء والأرض إنه لحق) # PageV02P012 # الذاريات: 23 كما قال تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق) ~~يونس: 53 وليس في القرآن قسم بالذات فيما سبرناه إلا خمسة: القسم الذي في ~~سورة النساء على تسليم الأحكام (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم) النساء: 65 الآية، وفي سورة التغابن على بعث الكافرين وأبنائهم (زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن) التغابن: 7 وفي سورة المعارج ~~من (سأل سائل) المعارج: 1 في تبديل الخلق خلقا خيرا منهم (فلا أقسم برب ~~المشارق والمغارب) المعارج: 40 إلى قوله: (بمسبوقين) المعارج: 41 وهذان ~~القسمان المتقدمان وسائر الأقسام بالأفعال، ولأن العبد قد وكل برزقه من ~~يقوم له به من الخلق، فإن لم يرزق من كسبه وعن يده رزق من كسب غيره ويده، ~~ولكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة، وما يفوتهم من القربات إلى الله عز وجل، ~~وبالخدمة للمولى الذي وكل إليهم، فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم، ~~ولم ينب غيره من الدنيا منابه، لقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ~~النجم: 93، وقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة) (لسعيها راضية) الغاشية: 8 - 9 ~~ولقوله تعالى: (والآخرة خير وأبقى) الأعلى: 71، وقوله تعالى: (والله يريد ~~الآخرة) الانفال: 76 ولقوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه) الشورى:، 2، ولم يقل هذا في أرزاق الدنيا، ومعنى الزيادة أن لا ~~يحاسبه على مايعطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم. # وقد قيل: إن الله تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على ~~نية الدنيا، وهذا لعلو ms0626 الآخرة ودناءة الدنيا، وكان علي رضي الله عنه يقول: ~~إلا أن حرث الدنيا المال، وحرث الآخرة العمل الصالح، وقد قيل: إن الزيادة ~~في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيته وقصده ولها يعمل، فشغل الخصوص بما ~~وكل إليهم وبما لا يعمله غيرهم لهم عما تكفل به لهم، فأقيم غيرهم فيه ~~مقامهم وناب أيضا عنه مثله من أسباب دنياهم، كما روي في أخبار داود عليه ~~السلام: إني خلقت محمدا لأجلي، وخلق آدم لأجل محمد، وخلقت ما خلقت لأجل ~~آدم، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني، ومن اشتغل منهم بي سقت ~~إليه ماخلقته لأجله، وتوكل الخصوص أيضا في الصبر على الأذى من القول ~~والفعل، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى: (فاتخذه وكيلا) (واصبر على ~~ما يقولون) المزمل: 9 - 1 مع قول الرسل عليهم السلام: ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون، وكذلك أمر نبيه عليه السلام لما قال ~~تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) الأنعام: 90 فأمره باتباعهم ~~وقال: (ودع أذاهم وتوكل على الله) إلى قوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من ~~الرسل ولا تستعجل لهم) الاحقاف35. # وقال بعض العارفين: لا يثبت لأحد مقام في التوكل حتى يستوي عنده المدح ~~والذم من الخلق فيسقطان، وحتى يؤذى فيصبر على الأذى، يستخرج بذلك منه رفع ~~السكون إلى # PageV02P013 # الخلق، والنظر إلى علم الخالق الذي سبق، ثم التوكل في الصبر على حسن ~~المعاملة، وترك الطلب للمعارضة حياء من الله وإجلالا له وتخوفا منه وحبا ~~له، فقد وصفهم بذلك ظاهرا وباطنا، فالظاهر قوله تعالى: (نعم أجر العاملين) ~~(الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) العنكبوت: 58 - 59، فلما علموا صبروا على ~~علمهم، ثم توكلوا عليه في جميع ذلك، فأنعم أجرهم وأجزل ذخرهم، والباطن فيما ~~أخبر عنهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فقطعهم الخوف ~~عن الطلب، ففي قوله: منكم، وجه حسن غريب، وهو باطن الآية قد يكون بمعنى لا ~~نريد بدلا منكم، كقوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ms0627 ~~يخلفون) الزخرف: 60 ليس أنه جعل من البشر ومنكم ملائكة، ولكن المعنى بدلا، ~~هذا أحد الوجهين في الآية وهو أعلاهما، والوجه الظاهر أن يكون الكاف والميم ~~أسماء المطعمين أي لا نريد من عندكم جزاء أي مكافأة ولا شكورا أي حسن ثناء، ~~فلما لم يطلبوا العوض من أجلهم ولا المكافأة من عندهم وقالوا: إنا نخاف من ~~ربنا، جزاهم أفضل الجزء، وأحسن لهم غاية العطاء فقال تعالى: (وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا) (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) الدهر: 21 - 22، إذ ~~لم يطلبوا جزاء ولا شكورا جعل جزاءهم شرابا طهورا، وجعل سعيهم لديه مشكورا، ~~ثم التوكل عليه في تسليم الحكم والرضا به، ومنه قول يعقوب عليه السلام حين ~~سلم الحكم توكلا على الوكيل الحاكم: إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، لأن ~~العبد إذا كان مريد المراد نفسه من الأشياء قد لا يوجد في كل شيء إرادته، ~~ثم هو على يقين من إرادة مولاه لكل شيء، وأن كل شيء مراد لوكيله فينبغي أن ~~يريد ما يريد مولاه إذا لم يتفق له مايريد بل ينبغي أن يكون مراد مولاه أحب ~~إليه وأبر عنده لأن ما أراده مولاه مما لاعقوبة على العبد فيه، ولا مسخطة ~~لمولاه فإنه محبوب لله مختار له، فلتكن محبة الله عز وجل مقدمة لديه على ~~محبته هو واختياره، إذ لله عاقبة الأمور وقد شرف المتقين ونزههم عن أمور ~~العاجلة الدنية بقوله عز وجل: (والعاقبة للمتقين) القصص: 83، وكما روي في ~~أخبار موسى عليه السلام إذا لم يكن ما تريد فرد ما يكون، فإن أبيت إلا ما ~~تريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد. # وروي عن الحسن: وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار، وهذا من ~~نهاية التوكل، وليس ذلك إلا في تسليم الأحكام والرضا بها كيف جرت بهم، لأن ~~هذا كلام قد جاوز المعقول، وقد كان وهيب بن الورد المكي يقول: لو كانت ~~السماء نحاسا، والأرض رصاصا، ثم اهتممت برزقي لظننت أني مشرك، ويقال: من ~~اهتم برزق ms0628 غد وعنده اليوم قوت غد فهي خطيئة تكتب عليه، وقال سفيان: الصائم ~~إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتب عليه خطيئة، وكان سهل يقول: إن ذلك ينقص ~~من صومه، وقال أعرف في البصرة # PageV02P014 # مقبرة عظيمة يغدو على موتاهم برزقهم من الجنة بكرة وعشية يرون منازلهم من ~~الجنان وعليهم من الغموم والكروب ما لو قسم على أهل البصرة لماتوا أجمعين، ~~قيل: ولم؟ قال: كانوا إذا تغدوا قالوا بأي شيء نتعشى؟ وإذا تعشوا قالوا بأي ~~شيء نتغدى؟ وقال مرة أخرى: لم يكن لهم من التوكل نصيب، وهذه المقامات من ~~فضائل التوكل وفوقها ما لا يصلح رسمه في كتاب من مكاشفات الصديقين ومشاهدات ~~العارفين، منها أنه أعطاهم كن بإطلاعه إياهم على الاسم فزهدوا في كون كن ~~لأجل كان، توكلا عليه وحياء منه أن يعارضوه في قدرته، ويرغبوا عن تقديره، ~~أو يضاهوه في تكوينه، لأن تدبيره عندهم أحكم وأيقن، وهم بالعواقب أعلم، ~~وأخبروهم له أشد إجلالا وإعظاما مما نقدر نحن ونعلم، فأما التوكل عليه في ~~القوت فإنه عندهم فرض التوكل يستحيون من ذكره مع الوكيل، وكذلك التوكل عليه ~~في تسليم الأقدار حلوها ومرها خيرها وشرها من الله حكمة وعدلا، كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس، وكما ~~قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وكذلك ~~قال الله عز وجل: (وكل صغير وكبير مستطر) القمر: 53، فالعلم بهذه الأشياء، ~~وطمأنينة القلب بها، وسكينة العقل عند ورودها، وأن لا يضطرب بالرأي ~~والمعقول، ولا ينازع بالتشبيه والتمثيل، فإن هذا عندهم من فرائض الإيمان، ~~لا يصح إيمان عبد حتى يسلم ذلك كله، وليس هذا من التوكل في شيء، ومنه قول ~~ابن عباس: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر كان تكذيبه بالقدر ~~نقصا لتوحيده، فجعل الإيبمان بالأقدار كلها أنها من الله مشيئة وحكما ~~بمنزلة الخيط الذي ينتظم عليه الحب، وأن التوحيد منتظم فيه، يقول: إذا ~~انقطع الخيط سقط الحب، قال: كذلك إذا كذب ms0629 بالقدر ذهب الإيمان، فالتوكل فرض ~~وفضل، ففرضه منوط بالإيمان وهو تسليم الأقدار كلها للقادر واعتقاد أن ~~جميعها قضاؤه وقدره، ألم تر إلى ربك كيف أقسم بنفسه في نفي الإيمان عمن لم ~~يحكم الرسول فيما اختلف عليه من حاله فقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما) النساء: 65، فكيف بالحاكم الأول والقاضي الأجل؟ فأما فضل التوكل ~~فإنه يكون عن مشاهدة الوكيل فإنه في مقام المعرفة ينظر عين اليقين، كما قال ~~العبد الصالح: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فظهرت منه قوة عظيمة بقوي، ~~وأخبر عن عزيز بعز فكأنه قيل: ولم ذاك وأنت بشر مثلنا ضعيف؟ فقال: إني ~~توكلت على الله ربي وربكم، فكأنه سئل عن تفسير توكله كيف سببه فأخبر ~~بمشاهدة يد الوكيل آخذة # PageV02P015 # بنواصي دواب الأرض، فقال: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ثم أخبر عن ~~عدله في ذلك وقيام حكمته، وإنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر ~~والنفع والضر، فإن ذلك مستقيم في عدله، فقال: إن ربي على صراط مستقيم، وقال ~~تعالى في فرض التوكل: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) المائدة: 23، ~~وقال تعالى في مثله: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) ~~يونس: 84، وقال تعالى في فضله: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) إبراهيم: 12، ~~وقال تعالى: (إن الله يحب المتوكلين) آل عمران: 159. ### | ذكر إثبات الأسباب والأواسط لمعاني الحكمة ونفي أنها تحكم وتجعل لثبوت # الحكم والقدرة: # اعلم أن الله عز وجل ذو قدرة وحكمة، فأظهر أشياء عن وصف القدرة، وأجرى ~~أشياء عن معاني الحكمة، فلا يسقط المتوكل ما أثبت من حكمته لأجل ما شهد هو ~~من قدرته من قبل أن الله تعالى حكيم، فالحكمة صفته، ولا يثبت المتوكل ~~الأشياء حاكمة جاعلة نافعة ضارة، فيشرك في توحيده من قبل أن الله قادر ~~والقدرة صفته، وأنه حاكم جاعل ضار نافع، لا شريك له في أسمائه، ولا ظهير له ~~في أحكامه، كما قال عز وجل: (إن الحكم ms0630 إلا لله) يوسف: 40 وقوله: (ولا يشرك ~~في حكمه أحدا) الكهف: 26، وكما قال تعالى: (وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير) سبأ: 22 الظهير المعين على الشيء، فالمتوكل مع مشاهدته قدرة ~~الله على الأشياء وأنه منفرد بالتقدير والتدبير قائم بالملك والمملوك هو ~~أيضا عالم بوجوه الحكمة في التصريف والتقليب بإظهار الأسباب الأواسط لإظهار ~~الأشخاص والأشباح لإيقاع الأحكام على المحكوم وعود الثواب والعقاب على ~~المرسوم، من حيث كان المتوكل قائما بأحكام الشريعة ملتزما لمطالبات العلم ~~مع تسليمه الحكم الأول لله، واعترافه أن كلا بقدر الله إذ سمع الله تعالى ~~يقول: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأن الله تعالى في جميع ما أظهر أخفى ~~قدرته في حكمه فظهرت حكمته في الأشياء لعود الأحكام على المظهرين لها، ~~وبطنت قدرته في الأشياء لرجوع الأمر كله إليه ولإتقان الصنعة الظاهرة لصنع ~~الباطن. # فلذلك قال عز وجل: (صنع الله الذي أتقن كل شيء) النمل: 88، أي صنعه ~~الباطن أتقن صنعه الظاهر، ثم قال تعالى: (وإليه يرجع الأمر كله) هود: 123، ~~من الظاهر والباطن فاعبده وتوكل عليه في جميع ذلك، فللعارف المتوكل من ~~الصنع الباطن شهادة هو قائم بها، وله في الحكمة الظاهرة علم شرع وتسليم اسم ~~ورسم هو عامل به، وهذا هو شهادة التوحيد في عبادة التفضيل، وهو مقام ~~العلماء الربانيين، وكل مؤمن بالله متوكل على الله، ولكن توكل كل عبد على ~~قدر يقينه، فتوكل الخصوص ما قدمناه من ذكر المشاهدة ومعاني الرضا، وتوكل ~~العموم ما عقبناه من الإيمان بالأقدار خيرها وشرها، وقد أخبر الله تعالى ~~أنه هو الرزاق، كما هو الخالق، كما هو المحيي المميت، فقرن بين # PageV02P016 # هذه الأربع في قرن واحد مع ترتيب الحكمة والقدرة، فكيف يختلف حكمها أو ~~يتبعض وصفها لظهور الأسباب ووجود الأواسط. # فقال سبحانه وتعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) ~~الروم: 4،، فكما ليس في الثلاث الأخر جاعل ومظهر إلا الواحد، فكذا ليس في ~~الرابعة من الرزق إلا هو، ألا ترى أنك لا تقول: خلقني أبي ms0631 وإن كان هو سبب ~~خلقك؟ ولا تقول أحياني وأماتني فلان وإن كان أواسط في الإحياء والقتل، لأن ~~هذا شرك ظاهر اشتهر قبحه فترك؟ ولذلك قال الله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون) ~~(أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) الواقعة: 58 - 59، وكذلك قال تعالى: ~~(أفرأيتم ما تحرثون) (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) الواقعة: 63 - 64، ~~فأضاف الإمناء والحرث إلينا، لأنها أعمال ونحن عبيد عمال، ولأنها صفاتنا ~~وأحكامها عائدة علينا، وأضاف الخلق والزرع إليه لأنها آيات عن قدرته، ~~وحكمته والله هو القادر الحكيم، وكذلك كل ما ذكر في الكتاب من الأعمال ~~والاكتساب أضيف إلى الجوارح المجترحة، ونسب إلى الأدوات المكتسبة، وما كان ~~من القدرة والإرادة وصف نفسه به، لأنه المريد الأول والقادر الأعلى، فافهم ~~عن الله خطابه كيلا يزيغ قلبك فيما تشابه، ثم قد يقول العبد أعطاني ومنعني ~~فلان لأن هذا شرك خفي، ولأن الأسباب تظهر على أىديهم، وتجري بأواسطهم، ~~فحجبوا بها عن المسبب واستتر عنهم المعطي المانع، فقبح هذا أيضا عند ~~الموقنين كقبح ذاك، لأن الله تعالى نفى الرزق عن سواه كما نفى الخلق، فقال ~~تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم) فاطر: 3، ولم يرد اللفظ على اللفظ وإن ~~حسن فيقول: يخلقكم لأنه أراد سبحانه أن يفيدنا فضل بيان ويعلمنا اقتران ~~الرزق بالخلقة، وأنهما مسببان عن القدرة، فالمتوكل قد أيقن أنه لم يكن على ~~الله أن يخلقه، فلما خلقه كان عليه أن يرزقه، وهكذا روي عن الله تعالى: ~~أأخلق خلقا ولا أرزقه؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا مانع لما أعطيت ~~ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ردا عليهم حين قالوا: جدي في ~~كذا وجدي في كذا، يعنون صنوف الأسباب، فنفى ذلك بقوله هذا في صلاته وأسمعهم ~~إياه خشية دخول الشرك عليهم، أي جد العبد لا ينفعه منك شيئا فهذا كما قال ~~الله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) النجم: 28. # قال بعض العلماء في معنى ذلك: من جد في الطلب وحرص وجد منك المنع لم ~~ينفعه جده في ms0632 طلبه وحرصه شيئا، وقال أيضا في معنى قول الله عز وجل: (ويمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت) الرعد: 39، قال: يمحو الأسباب من قلوب العارفين ويثبت ~~القدرة ويمحو المشاهدة من قلوب الغافلين ويثبت الأسباب في صدورهم، وقال هذا ~~أيضا: خلق الله النفس متحركة ثم أمرها بالسكون، وهذا هو الابتلاء، فإن ~~تداركها بالعصمة سكنت وهذا خصوص، وإن تركها تحركت بطبعها وجبلتها وهذا هو ~~الخذلان، وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اردد رغبتك إلى الله إن شاء أعطاك ~~وإن شاء منعك، فإن حيلتك لن تزيديك ولن # PageV02P017 # تنقصك من قسمة الله التي قسم لك، واعتبر رزقك بخلقك، فإن استطعت أن تزيد ~~في خلقك بحيلتك فإنك إذا تزيد في رزقك، وإلافاعلم أن الله هو الذي عدل ~~الخلق وقسم الرزق، فلن تستطيع أن تزيد في أحد منها، فإن منهم المحتال الجلد ~~البطوش ولا يزداد إلا فقرا، ومنهم المعيي الواهن المهين ولا يزداد ماله إلا ~~كثرة، ولو كان من الحيلة لسبق القوي الضعيف إلى كل شيء، ولكن الله يخلق ~~ويرزق ولا يملك العباد من ذلك شيئا، وهكذا حكى أن بعض الأكاسرة سأل حكيما ~~في زمانه فقال: ما بالي أرى العاقل محروما والأحمق مرزوقا؟ فقال: أراد ~~الصانع أن يدل على نفسه، ولو كان كل عاقل مرزوقا، وكل أحمق محروما، لوقع في ~~العقول، إن العاقل يرزق نفسه والأحمق حرم نفسه فلما رأوا الأمر بخلاف هذا ~~علموا أن الصانع هو الرازق. # وروينا عن ابن مسعود في إعطاء هذا المال فتنة، وفي منعه فتنة، إن أعطيه ~~عبد مدح غير الذي أعطاه، وإن منعه عبد ذم غير الذي منعه، وقد روينا معناه ~~في حديث مطرف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب فقال: ألا إن ~~في إعطاء هذا المال فتنة،، وفي منعه فتنة، يغدو الرجل إلى ابن عمه فيسأله ~~الحاجة التي قد كتبها الله له فلا يملك منعه فيعطيه ما كتب له فيظل يشكره ~~ويثني عليه بها خيرا، ثم يعود إليه العام المقبل فيسأله الحاجة التي لم ~~يكتبها الله له ms0633 فلا يملك أن يعطيه كما لم يعطه في العام الأول أن يمنعه ~~فيمنعه ما لم يكتب له، فيرجع فيحتقبها عليه ذنبا، ويثني عليه بها شرا، إلا ~~أن في إعطاء هذا المال فتنة وفي منعه فتنة، واللفظ للخبر ولم آل يعني ~~بالفتنة الاختبار وصدق صلى الله عليه وسلم يختبر بذلك الموقنون للخير ~~والغافلون لينظر كيف يعملون، فأما أهل اليقين فيعتبرون بالأسباب ويعجبون من ~~التسبب فيزدادون بذلك هدى وإيمانا لشهودهم المعطي المانع واحدا في العطاء ~~والمنع، ولمعرفتهم بجريان الحكمة فيما جادت به الشريعة ثبت لهم مقامان: ~~الشكر له والصبر عليه، وأما الغافلون فيضطربون لذلك ويثبتون بنظرهم إلى ~~الأسباب والأيدي، فيمدحون المعطين ويذمون المانعين عندهم فينقصون ذلك، فقد ~~صار المال فتنة للفريقين يكشف إيمانهم وتمتحن للتقوى قلوبهم، وكذلك جاء في ~~الخبر: إن العبد ليهم من الليل بالأمر من أمور الدنيا من التجارة وغيرها ~~الذي لو فعله كان فيه هلكته، فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح ~~كئيبا حزينا يتطير بجاره وبابن عمه من سبقني من دهاني وما هو إلا رحمة رحمه ~~الله بها، وعن ابن مسعود أنه قال: من الإخلاص أن لا تحب أن يحمدك الناس على ~~عبادة الله وأن لا تمدحهم على ما رزقك الله. # وقد روينا عن عيسى عليه السلام وعن ابن مسعود وغيره: أن من اليقين أن لا ~~تحمد أحدا على ما أعطاك الله ولا تذمه على ما لم يؤتك الله، وقال: الصبر ~~نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، وفي حديث الإفك الذي ~~رواه معمر بن # PageV02P018 # أبان عن حمدان الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فقام ~~إلي أبواي فقبلاني في صدورهما فقلت بغير حمدكما ولا حمد صاحبكما، أحمد الله ~~تعالى الذي عززني وبرأني، وفي حديث غيره فقال لها أبو بكر: قومي فقبلي رأس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعها يا أبا بكر، فهذه المعاني التي ~~قدمناها تكون ms0634 من ضعف اليقين، ونقصان المعرفة، فإذا انطوت في سر العبد وخلده ~~وكثرت من قوله وفعله أذهبت حقيقة الإيمان، كما قال عبد وأن العبد ليخرج من ~~منزله ومعه إيمانه فيرجع إلى منزله وليس معه من إيمانه شيء يلقى الرجل لا ~~يملك له ضرا ولا نفعا، فيقول إنك لذيت وذيت، ويلقى الآخر كذلك حتى يرجع إلى ~~منزله، ولعله لم يخل منه بشيء وقد أسخط الله عليه. # وسئل بعض علمائنا عن معنى الخبر المنقول من التوراة: من تواضع لغني ذهب ~~ثلثا دينه، فقال: لأن الإيمان عقد وفعل وقول، فإذا تواضع للغني لأجل دنياه ~~بالثناء والحركة إليه، ذهب ثلثا إيمانه وبقي الثلث وهو العقد، فإن جعلت ~~الأواسط في الرزق أوائل في الجعل لثبوتها فإن الله تعالى قد أظهرها أسبابا ~~وأثبت نفسه فيها فقال تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) السجدة: ~~11، ثم رفعه وأظهر نفسه فقال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الزمر: ~~42، وكذلك قال: (أفرأيتم ما تحرثون) الواقعة: 63، فذكر الأواسط ثم قال: ~~(أنا صببنا الماء صبا) (ثم شققنا الأرض شقا) عبس 25 - 26، وقال في التفصيل: ~~(فأرسلنا إليها روحنا) مريم: 17، ثم قال تعالى في التوحيد: (فنفخنا فيها من ~~روحنا) الانبياء: 91، وكان النافخ جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: (فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه) القيامة: 18. # قال أهل التفسير: فإذا قرأه عليك جبريل فخذه عنه بعد قوله تعالى: (لاتحرك ~~به لسانك لتعجل به) القيامة: 16 وكذلك قال جبريل: لأهب لك غلاما ذكيا لأن ~~الله تعالى وهب له أن يهب لها، فذكر نفسه وهو يشهد ربه ثم قال في الحرف ~~الآخر: ليهب لك يعني الله تعالى، ومثله قول موسى عليه السلام: لا أملك إلا ~~نفسي وأخي لأجل أن الله تعالى قال: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه) مريم: 53، ~~وهو في الحقيقة لا يملك نفسه ولا آخاه إذ لا مالك أصلا إلا الله عز وجل، ~~وهذا على أحد الوجهين إذا كان وأخي في موضع نصب والوجه الآخر أن يكون قوله ~~وأخي في موضع رفع فيكون المعنى وأخي أيضا لا ms0635 يملك إلا نفسه وكذلك قال ~~سبحانه في التفصيل والأمر: (اقتلوا المشركين) التوبة: 5، وقال في مثله من ~~ذكر واسطة الأمر: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) التوبة: 14 ثم قال في ~~التوحيد: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) الأنفال: 71، وقال في إثبات ~~الأسباب ورفع حقائقها: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) الأنفال: 17، وقال ~~تعالى في ذكر الأواسط: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله # PageV02P019 # ليعذبهم بها) التوبة: 55، وقال في مثله: (الذي علم بالقلم) العلق: 4، ثم ~~قال تعالى: (الرحمن) (علم القرآن) الرحمن: 1 - 2 وقال تعالى: (علمه البيان) ~~الرحمن: 4، ثم قال: إن علينا بيانه، وقال في تثبيت الأملاك وبيعها منه ~~بالأعواض كرما منه وفضلا: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، فجاز ~~ذلك لما ملكهم ما له كقوله تعالى: (إلا ما ملكت أيمانكم) النساء: 24، وعند ~~أهل المعرفة أن لا فاعل حقيقة إلا الله عز وجل، لأن حقيقة الفاعل هو الذي ~~لا يستعين بغيره بآلة ولا سبب، وعندهم إن فعلا لا يتأتى من فاعلين وإلا كان ~~شركا، لأن الفاعل الثاني المظهر الذي فعل بيده وأجرى الفعل بواسطته هو ثان ~~ومحدث، والأول القديم هو الفاعل الأصلي، كما أن عندهم أن حقيقة المالك هو ~~خالق الشيء، ومن جعل في يده فهو مملك، لأنه لم يخلق مابيده كما المجري على ~~يده الفعل مفعول، لأن الله تعالى هو الأول القيوم بنفسه لا يستعين بغيره، ~~وقد جعل الله أيضا بحكمته وعزته للخلقة والحياة واسطة وهوملك الأرحام، في ~~الخبر أنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده ثم يصورها جسدا فيقول يا رب أذكر ~~أم أنثى؟ أسوي أم معوج؟ فيقول الله ما شاء ويصور الملك، وفي لفظ آخر: يخلق ~~الملك ثم ينفخ فيها الروح بالشقاوة أو بالسعادة، ويقال: إن الملك الذي يقال ~~له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجساد، ويقال: إنه يتنفس بوصفه، فيكون ~~كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم، ولذلك سمي الروح. # وقد قال الله تعالى في وصف نفسه: (البارئ المصور) الحشر: 24، كما قال ~~الخالق، وقال تعالى: ms0636 (خلق الموت والحياة) الملك: 2، وقد جعل للإحياء واسطة ~~كما جعل للموت وهو إسرافيل صاحب الصور ينفخ في النفخة الثانية فيحيا كل ميت ~~ثم يرفعه الله تعالى، فقال: يوم ينفخ في الصور، ووصف نفسه بأنه المحيي ~~المميت، وفي بعض الأخبار أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: ~~أنا أميت الأحياء، وقال ملك الحياة: أنا أحيي كل ميت، فأوحى الله إليهما ~~كونا على عملكما وما سخرتما له من الصنع، فأنا المميت وأنا المحيي ولا مميت ~~ولا محيي سواي، وكذلك أيضا قيل عن الله تعالى: أنا الدليل على نفسي ولا ~~دليل علي أدل مني، ولم يمنع وجود هذه الأواسط أن يكون الله سبحانه هو الأول ~~في كل شيء، وهو الفاعل لكل شيء، وحده لا شريك له في شيء، ولم يقل أحد من ~~المسلمين: الملك خلقني ولا عزرائيل أماتني ولا إسرافيل قد أحياني كذلك، ~~أيضا لا يصلح أن يقول الموقن المشاهد للتوحيد، فلان أعطاني أو منعني، كما ~~لا يقول فلان رزقني ولا فلان قدر علي، وإن جعل واسطة في ذلك وأجرى على يديه ~~ذلك لأن العطاء هوالرزق والمنع هو القدر، ولا كان عندهم شركاء في أسماء ~~الله غيره إذ كان الله هو المعطي المانع الضار النافع كما هو المحيي ~~المميت، لا شريك # PageV02P020 # له في ملكه ولا ظهير له من عباده في خلقه ورزقه، وهذا عندهم يقدح في ~~حقيقة التوحيد للعبد وهو من الشرك الخفي الذي جاء في الأثر: الشرك في أمتي ~~أخفى من دبيب النمل في الليلة المظلمة. # وقال بعضهم في معنى قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ~~يوسف: 106 قال مؤمن بالإقرار: إن الله هو المقدر المدبر، ومشرك في الاعتماد ~~على الأسباب ورد الأفعال إليها، ومن الإخلاص عند المخلصين بلا إله إلا ~~الله، ولامعطي ولا مانع إلا الله ولا هادي ولا مضل إلا الله، كما لا إله ~~إلا الله، هذا عندهم في قرن واحد ومشاهدة واحدة، وهو أول التوحيد، وإن كان ~~قد جعل هادين ومضلين ومعطين ومانعين ولكن ms0637 بعد إذنه ومن بعد مشيئته وحكمه، ~~كما قال تعالى: (أحسن الخالقين) المؤمنون: 14 (خير الرازقين) المؤمنون: 72، ~~لأنه خلقهم وخلق خلقهم ورزقهم ورزق رزقهم، وكذلك هو هداهم وهدى بهم، وأضلهم ~~وأضل بهم، فعن هدايته هدوا به، وعن إضلاله ضلوا بعد إرادته، كما عن خلقه ~~خلقوا، ومن رزقه رزقوا، وكيف وقد فسر ماذكرناه بقوله: وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير بإذني وبقوله تعالى: (لو هدانا الله لهديناكم) إبراهيم: 21، ~~وقال في مثله: (فأغويناكم إنا كنا غاوين) الصافات: 32، فبمشاهدة ما ذكرناه ~~يخرج العبد من الشرك الخفي وهو تحقيق قوله: لا إله إلا الله بعد التصديق، ~~أي ليس من تأله، القلوب وتأله إليه إلا الله، ثم يقول معها: وحده لاشريك ~~له، أي وحده في قدرته وتوحيده لا شريك له في ملكه من خلقه، ثم وكد ذلك ~~بقوله: له الملك، أي جميع ما أظهر، وله الحمد في جميع ما أعطى ومنع، يستحق ~~الحمد كله، فهو لا يستحقه غيره، وهوعلى كل شيء قدير أي من الخلق والأمر، ~~فالقدرة كلها له والخلق كله له يحكم في خلقه بأمره ما شاء كيف شاء، ومثل ~~الأواسط مثل الآلة بيد الصانع، ألا ترى أنه لا يقال: الشفرة حذت النعل ولا ~~السوط ضرب العبد، إنما يقال: الحذاء حذ النعل وفلان ضرب عبده بالسوط، وإن ~~كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها، وكذلك الخليقة ~~يباشرون الأسباب في ظاهر العيان، والله من ورائهم محيط، القادر الفاعل ~~بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ألم تر إلى قولهم: الأمير أعطاني كذا وخلع ~~علي كذا؟ وإن لم يناوله بيده ولا يصلح أن يقول: خادم الأمير أعطاني لأجل ~~أنه جرى على يده، وإن كان باشر العطاء بنفسه، إذ قد علم أن الخادم لا يملك ~~ولا يتصرف في ملك الأمير إلا أن يسأل الإنسان: بيد من أعطاك الأمير؟ أو على ~~يد من وجه إليك بالعطاء؟ لبغية تكون للسائل في معرفة أي عبد جاء به، فيجوز ~~أن يقول حينئذ: بيد عبده فلان فإما أن يبتدئ المعطي من غير أن ms0638 يسأل إذا ~~أراد أن يظهر العطاء فيقول الأمير أعطاني على يد عبده فلان، فإن هذا لغو لا ~~يحتاج إلى ذكر العبدمع ذكر الملك، لأن البغية إظهار العطاء من الملك ~~المعطي، فلا معنى لذكر العبد الذي جرى العطاء على يده فافهم، # PageV02P021 # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ناوله التمرة: خذها، لو ~~لم تأتها لأتتك، والتمرة لا تأتي، ولم يقل: لجاءك بها رجل إذ لا بغية في ~~ذكر ذلك، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال: أتوب إلى الله ~~ولا أتوب إلى محمد فقال: عرف الحق لأهله، وإنما ذكرالله تعالى الأسباب لأن ~~الأسماء متعلقة بها والأحكام عائدة على الأسماء بالثواب والعقاب، فلم يصلح ~~أن لا تذكر فتعود الأحكام على الحاكم تعالى، عن هذا أنه هو يبدىء ويعيد، ~~يبدئ الأحكام من الحاكم ويعيدها على المحكوم، وهذا هو سبب إظهار المكان من ~~الموات والحيوان لئلا يكون تعالى محكوما وهو الحاكم ولا يكون مأمورا وهو ~~العزيز الآمر، فعادت على المحكومات المأمورات، ومن هذا قوله تعالى: (ما ~~عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل: 96، فجميعا عنده، وفي خزائنه، إلا أنه ~~أضاف الدنيا إلينا لرجوع الأحام علينا وليزهدنا فيها وأضاف الآخرة إليه ~~تخصيصا لها، وتفضيلا ليرغبنا فيها، وكما أخبر عن عيسى: وإذ تخلق من الطين، ~~ومثله: فارزقوهم فيها، فسماه خالقا، إذ خلق الله على يده وسماهم رازقين لما ~~أجرى على أيديهم رزق أهليهم، فهو عندي كقوله لمريم: (وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا) مريم: 25، وقد علمت أن الرطب لم يتساقط بهزها ولا ~~جعل ولا فعل لهزها في الرطب، ولكن أراد أن يظهر كرامتها ويجعل الآلة منه ~~بيدها، ومثله: (اركض برجلك هذا مغتسل # بارد وشراب) ص: 42، فنبعت عينان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى ولا ~~فعل لرجله في إظهار اليعنين، وقد نفى لبيد ما سوى الله في قوله: د وشراب) ~~ص: 42، فنبعت عينان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى ولا فعل لرجله في ~~إظهار اليعنين، وقد نفى لبيد ما ms0639 سوى الله في قوله: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنشد ذلك صدق، وفي لفظ آخر إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصدق بيت قاله الشاعر: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن في الأشياء أواسط حق وأسباب صدق، ثم لم ~~يمنعه ذلك أن قال أصدق بيت قاله الشاعر: كذا، إيثارا منه للتوحيد وتوحيدا ~~للمتوحد، هذا مع قرب عهدهم بتكذيب الرسل وإبطال الكتب، ولكن لما كانت ~~الأشياء بعد أن لم تكن ولا تكون، بعد أن كانت أشبهت الباطل الذي لا حقيقة ~~له أولية، ولا ثبات له آخرية، وكان الله تعالى الأول الأزلي، الآخر الأبدي، ~~فهو الحق ولا هكذا سواه، ومثله الأسباب أيضا في ثوانيها وأواسطها إلى جنب ~~الأول المسبب مثل ما يقول في القرآن: قال الله كذا، ولك أن تقول قال نوح، ~~وقال يوسف كذا، فكل صواب، فإذا قلت قال الله سبحانه وتعالى فهو القائل ~~الأول قبل القائلين، متكلما بوصفه مخبرا عن علمه بغير وقت لموقت ولا حد ~~لمحدود ولا حدثان، وإن قلت قال صالح وقال شعيب فقد قالوه بأنهم ثوان في ~~القول وأواسط به، وقالوا ذلك عنه بحدوث أوقات وظهور أسباب، كذلك الأسباب في # PageV02P022 # أواسطها فهي ثوان عن الأول المبدئ، ومن ههنا، وفي مثله دخلت الشبهة على ~~المبتدعين فقالوا بخلق القرآن، فلو لم يدخل عليهم إلا إنهم جعلوا قول ~~القائلين قبل قول الله أحكم الحاكمين، فأثبتوا قبل قوله قيلا وهو القول ~~منهم لنفيهم قدم الكلام، فوقعوا بجهلهم في أعظم مما هربوا منه لأنهم هربوا ~~من إثبات قديم آخر بزعمهم، فوقعوا في إثبات حدث أولا وإحداث قدم ثانيا، ~~تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وسبحانه بكرة وأصيلا، ولم يعلموا ~~بجهلهم أنهم إنما قالوا بعد قوله، فصار قولهم عن قوله، وكان هو الأول في ~~القول من حيث كان هو الأول بالقدم والسابق بالعلم، وصاروا هم ثوان في ~~المقال من حيث كانوا حوادث من ms0640 الأفعال، فكذلك أيضا تدخل الشبهة على ~~الغافلين من ضعف اليقين لشهود المانعين والمنفقين أوائل في الفعل من قبل أن ~~الله تعالى أظهر العطاء والمنع بأيديهم، فشهدوهم معطين مانعين لنقصان ~~توحيدهم فأشركوا في أسماء الله كما أشركت المبتدعة في صفات الله عز وجل أن ~~حجبوا عن شهادة سبق علم الله كما حجب الزائغون عن حقيقة توحيد الله تعالى، ~~إلا إن شرك الزائغين ضلال ينقل عن الملة وهو شرك جلي وشرك ضعفاء اليقين ~~غفلة وجهل لا ينقل عن الملة لأنه شرك خفي، وحكي أن بعض العلماء صلى خلف ~~رجل، فلما انفتل الإمام نظر إليه في زي غير مكتسب فقال: يا شيخ من أين ~~تأكل؟ فقال: اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك، وحدثونا في ~~معناه عن آخر أنه لزم العكوف في المسجد ولم يكن ذا معلوم من عيش فقال له ~~الإمام: الذي يصلي بالناس لوتكسبت وتعبست كان أفضل لك فلم يجبه، فأعاد عليه ~~وقتا آخر نحو ذلك، فقال يهودي في جوار المسجد: قد ضمن لي كل يوم رغيفين ~~فقنعت بذلك وتركت التكسب، فقال الإمام: إن كان صادقا في ضمانه فإن عكوفك في ~~المسجد خير لك، فقال له الرجل: يا هذا أنت لو لم تكن إماما للمسليمن تقوم ~~بينهم وبين الله لنقص توحيدك كان خيرا لك. # وحدثت أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين: أدرك لي لطف الفطنة وخفي ~~اللطف فإني أحب ذلك، قال: يا رب وما لطف الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة ~~فاعلم أني أوقعتها فسلني أرفعها، قال وماخفي اللطف؟ قال: إن أتتك فولة ~~مسوسة فاعلم أني قد ذكرتك بها، وهذاالذي ذكرناه من أن الله سبحانه وتعالى ~~هو المعطي المانع الضار النافع حيث كان، هو الخالق الرازق كيف شاء، ومتى ~~شاء، وبمن شاء، هو في عقود عموم المؤمنين وفي علمهم، ألا إن فيهم جهلا ~~بالحكمة وغفلة عن الحاكم، يحيلون ذلك إلى عاداتهم ويريدون أن يكون رزقهم من ~~حيث معتادهم، أو من حيث معقولهم باختيارهم ومعقولهم بالعز والفخر والتطاول ~~والأنفة، ms0641 لا على الذل والتواضع والفقر والمسكنة، ولا يكلون أمورهم إلى الله ~~ويرضون بتدبيره وتقديره أن يرزقهم كيف شاء وبيد مم شاء فيؤثرون # PageV02P023 # أخلاق الجبابرة على أخلاق المؤمنين، لبعدهم من مشاهدة اليقين ولاستيلاء ~~أخلاق النفس عليهم، ثم إن نفوسهم مع علمهم أن الخلق والأرض كله لله عز ~~وجله، وأن الحمد والملك له، قد تطمع في غير الله وترجو سواه، وقد تضطرب ~~بجبلتها عن أثقال الحقائق، وقلوبهم لا تطمئن بل تنزعج عند الابتلاء ~~بالمصائب والفاقات، ولاتصبر للخالق، وإن ألسنتهم قد تسبق بالمدح والفرح مع ~~رؤية الأواسط أو بالذم والأسى على فوت العطاء لوجود الغفلة وذهابهم عن ~~مشاهدة ما يعلمون، فهذا دليل نقص توحيدهم وضعف يقينهم، وإن معرفتهم معرفة ~~سمع وخبر لامعرفة شهادة وخبر، وقد شركهم الموقنون بتسليم ذلك لله في العلم ~~والقدرة وإثبات الأواسط والأسباب لمجاري الحكمة وعود الثواب والعقاب على ~~الخليقة، ولكن زادوا عليهم بحسن اليقين وقوة المشاهدة وجميل الصبر وحقيقة ~~الرضا، فسكنت القلوب واطمأنت النفوس عند النوازل والبؤس، وثبتوا في ~~الإبتلاء لشهود المبلي يدبر الخلائق كيف شاء، فحصل لهم في اليقين وحال من ~~التوكل ونصيب من الرضا، وخرج أولئك من حقائق هذه المعاني ودخلوا في عمومها، ~~ودخل عموم المؤمنين مع الموقنين في فرض التوكل، قد جاوزهم الموقنون ~~فارتفعوا عليهم وعلوا في فضله ووقف العموم ونكصوا عن العلو لقعود اليقين ~~بهم وحجب الأسباب لهم، وسبق المقربون إلى الفضل، ويؤت كل ذي فضل فضله، هم ~~درجات عند الله، والله بصير بما يعملون، وقال بعض العلماء: احتجب عن العموم ~~بالأسباب فهم يرونها، وحجب الأسباب بنفسه عن الخصوص فهم يرونها ولا يرونها، ~~وحدثونا عن سري السقطي قال: ثلاث يستبين بهن اليقين، القيام بالحق في مواطن ~~الهلكة، والتسليم لأمر الله عند نزول البلاء، والرضا بالقضاء عن زوال ~~النعمة، وقال يوسف بن أسباط قبله: كان يقال: ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه، ~~من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا ~~قدر لم يتناول ما ليس له. ### | ذكر التكسب ms0642 والتصرف في المعايش # ولا # يضرالتصرف # والتكسب لمن صح توكله ولايقدح في مقامه ولا ينقص من حاله قال الله ~~سبحانه: (وجعلنا النهار معاشا) النبأ: 11، وقال تعالى: (وجعلنا لكم فيها ~~معايش قليلا ما تشكرون) الأعراف: 10 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحل ~~ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور، وقد كان الصانع بيده أحب إليهم من ~~التاجر، والتاجر أحب إليهم من البطال، وقال ابن مسعود: إني لأكره أن يكون ~~الرجل بطالا ليس في عمل دنيا، ولا في عمل آخرة، ولأن التوكل من شرط الإيمان ~~ووصف الإسلام، قال الله تعالى: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين) يونس: 84، فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكل عليه، فإن كان ~~حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب ~~في تصريفه، معتمد عليه واثق به في حركته، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه، ~~متعيش # PageV02P024 # فيما يسببه له ويوجهه فيه، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع ~~خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتح رزقه، ويكون أيضا متبعا للسنة والأثر تاركا ~~الترفه والتنعم، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله ~~فساكنها، وقد ذكر لنا عن بعض العلماء أنه رؤي يطحن برجله، وكان قد ترك ~~العمل أربعين سنة فقيل له: دخلت في التكسب بعد أن كنت قد تركته؟ فقال: يا ~~هذا، إذا عدمنا عز التوكل لم نصبر على ذل الاستشراف، فكذلك الأمر فيمن دخلت ~~عليه الآفة في ترك التكسب، فليخرج منها إلى الاحتراف، ومن دخل عليه اليقين ~~فاقتطعه فليقعد عن الاكتساب، فالتكسب خير من التشرف إلى الخلق واعتياد ~~المسألة، وسالك على طريق فهو يصل وإن كان في طريقه بعد، والتوكل لمن أقعد ~~به ناظر إلى الوكيل أفضل لمن صح له لفراغ قلبه من الخلق وشغله بالخالق، وهو ~~طريق قريب فصاحبه مقرب، والتارك للتكسب طمعا في الخلق وترفها للنفس وحبا ~~للمسألة واتباعا للهوى، سالك على غير طريق لا قريب ولا بعيد هو عن المحجة ~~جائر، ms0643 كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم فأسه وحبله ~~فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو ~~منعوه، وقال صلى الله عليه وسلم: استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك يعني ~~بمضغه، وقال: من يضمن لي خصلة واحدة، أضمن له الجنة، لا يسأل الناس شيئا، ~~وقال بعض علمائنا: من أنكر التكسب فقد طعن في السنة، ومن أنكرالقعود عن ~~التكسب فقد طعن في التوحيد، وقال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق ~~وهم أصناف كما هم اليوم، منهم التاجر، والصانع، والقاعد، ومن يسأل الناس، ~~ومن لم يسأل الناس، فما قال للتاجر اترك تجارتك ولا قال للقاعد: اكتسب ~~واصنع، بل جاءهم بالإيمان واليقين في جميع أحوالهم وتركهم مع الله في ~~التدبير، فعمل كل واحد بعمله في حاله، وقد كان بعض المتوكلين يقول: من لم ~~يصبر على جوع ثلاثة أيام أخاف أن لا يسعه ترك العمل إذا وجده، وقال أيضا: ~~من فقد الأسباب فضعف قلبه، أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها، لم يصح له ~~القعود عن المكاسب لأن فيه انتظار لغير الله، وقال بعض العلماء: من طرقته ~~فاقة تسعة أيام، فتصور في قلبه طمع في خلق أو استشراف إلى عبد، فالسوق أفضل ~~له من المسجد، وقال أبو سليمان الداراني: لا خير في عبد لزم القعود في ~~البيت وقلبه معلق بقرع الباب متى يطرق بسبب، وقال بعض علمائنا: إذا استوى ~~عنده وجود السبب وعدمه، وكان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم، لم يشغله ذلك عن ~~الله تعالى، ولم يتفرق همه، فترك التكسب والقعود لهذا، أفضل لشغله بحاله ~~وتزوده لمعاده، وقد صح له مقام في التوكل، وقال سهل وقد سئل: متى يصح للعبد ~~التوكل؟ فقال: إذا دخل عليه الضر في جسده، والنقص في ماله، فلم # PageV02P025 # يلتفت إليه ولم يحزن عليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله عليه، وقال ~~إبراهيم الخواص وهو إمام المتوكلين: من المتأخرين: ثلاثة مواطن حمل الزاد ~~فيهن من آداب التوكل: القعود في ms0644 المسجد والركوب في سفينة وصحبه القافلة، ~~وقال سفيان الثوري: العالم إذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة، والعابد ~~إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة كان سفيرا ~~للفساق، وقال بعض أهل المعرفة: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه فهذه ~~درجة # الفائزين، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين، وآخر شغله معاشه عن ~~معاده فهذه صفة الهالكين. لفائزين، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال ~~الناجين، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين. # وروينا عن علي رضي الله عنه الرزق رزقان: رزق يطلبك ورزق تطلبه، ففسره ~~بعض العلماء فقال: الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء، والرزق الذي تطلبه رزق ~~التمليك، وهو طلب فضول القوت، وقال أبو يعقوب السوسي وقد كان له مقام مكين ~~في التوكل: التوكل على ثلاثة مقامات، عام وخاص عام وخاص خاص، فمن دخل في ~~الأسباب واستعمل العلم وتوكل على الله تعالى ولم يتحقق باليقين فهو عام، ~~ومن ترك الأسباب وتوكل على الله وحقق في اليقين فهو خاص عام، ومن خرج من ~~الأسباب على حقيقته لوجود اليقين، ثم دخل في الأسباب فتصرف لغيره فهذا خاص ~~خاص، وهذا وصف الطبقة العليا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة ~~وغيرهم، جودهم اليقين من الدنيا فأدخلهم العلم في الأسباب لغيرهم ردت عليهم ~~أحوال الغير، واتسعوا بالعلم على حقيقة اليقين، ولذلك كان الخواص رحمه الله ~~تعالى يقول: دخول الخصوص في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير وجعلوا ~~رازقين لهم، فتصرفوا فيها لأجلهم وهم بريئون من التعلق بها، وقد كان أبو ~~جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين وقال: أخفيت التوكل عشرين سنة ولا ~~فارقت السوق، أكتسب في كل يوم دينارا وعشرة دراهم، أبيت منه دانقا ولا ~~أستريح فيه إلى قيراط، أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل، وكان الجنيد ~~لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر يقول: أستحي من الله أن أتكلم في مقامه ~~وهو حاضر، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم ms0645 للعطاء ترك المسألة والاستشراف ~~تنزيها للفقراء وردا لهم إلى الله تعالى، لأن في مسألة العبد الفقير ذلا ~~ذليلا وحرصا على الدنيا جليلا، وفي الاستشراف إلى العبيد طمع في غير مطمع، ~~ونظر إلى غير الله، وإتيان البيوت من غير أبوابها، ومنه ماروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن فتح علىه ~~نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر، فكان الفقراء الصادقين جعل لهم أخذ ~~العطاء، بل ندبوا إلى قبوله عوضا لهم من ذلك لما منعوا من الاستشراف ~~والسؤال تنزيها لهم وتفضيلا، فمثلهم في ذلك مثل أهل البيت جعل لهم خمس ~~الخمس من الغنائم لما حرمت عليهم الصدقة تفضيلا لهم وتشريفا، # PageV02P026 # وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء ~~شيئا فيه فضل عما كان استأجره عليه فرده، فلما ولي قال له أحمد: ألحقه ~~فادفعه فإنه يأخذه قال: فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ، فسأل أحمد عن ذلك: ~~كيف رد في الأول وأخذ في الثاني؟ فقال: إنه كان قد استشرف لذلك فرده، وقد ~~أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل، وقد كان الخواص إذا نظر إلى عبد ~~في العطاء أو خاف اعتياد النفس له، لم يقبل منه شيئا، وكان يقول: صوفي لا ~~يكون بحريف، وهذا كله يحسن في حال المنفرد، فأما ذو العيال فالأمر عليه ~~واسع من ذلك، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس، لأن عياله ~~عيال الله عنده، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده، فإن طلب لهم وحث على ~~استخراج حقهم مما أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله، وآخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد: ~~أشاطرك مالي وأهلي، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني ~~على السوق، فعمل يومه ذلك ms0646 فراح بشيء من سمن وأقط، فلو كان التكسب في ~~الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله، ~~ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم، كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ: إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، ورؤي ~~فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر، فقيل له: لم أنت هكذا؟ فقال: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا، ~~ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن ~~الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب، وأعلى من عبد الرحمن مقاما ~~إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب ~~تحت حضنه ودخل السوق ينادي: هذا في أتم أحواله، حين أهل للخلافة وأقيم مقام ~~النبوة، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال: لا # تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت ~~أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه، ~~ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله ~~عليه لأهله، وتواضع لله في حال رفعته، وأسقط الخلق عن عينه، حتى كره ~~المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول، حتى ~~ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان، وقد كان بعض علماء السلف يجمع ~~إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول: لو أعلم # PageV02P027 # أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم، ففي هذا بيان وبرهان لمن ~~لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا ~~من بطالته، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم ~~بالبرهان، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى ~~وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو ~~المعطي والمانع، وأنه هو المسبب الرازق، وأنه هو الأول ms0647 في التصريف والآخر ~~في التقليب، فقلته ناظر إلى القسام، ونفسه ساكنة إلى القسم، وقلبه قانع راض ~~بالمقسوم، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له، وهو عارف بمقامه، ~~وبالمراد منه، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه، والذي ينقص ~~المتوكل، ويخرجه من حد التوكل، اكتساب الشبهات للاستكثار، أو السعي بالتكسب ~~للجمع والافتخار، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره ~~المنال منه، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر، أو ترك لنصح لمن ~~عامله بأن يحتال عليه، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب؛ فهذا ~~كله لا يصح معه التوكل، وقد قال بعض العلماء: إن العبد إذا دخل السوق ~~للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره، لم ينصح للمسلمين في المبايعة، ~~وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها، لقصور علم أو غلبة هوى ~~يخرج العبد من التوكل، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم، أو ~~يتصدى لهم بالتعرض والتصنع، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه ~~لا يرزق إلا من كده، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب ~~أنه إن افتقر انقطع رزقه، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له؛ عدة لكذا وعدة ~~لكذا، فهذه المعاني تخرج من التوكل، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على ~~جهابذة العلماء الرابحين في العلم، المتضلعين باليقين، القائمين على الدوام ~~بالشهادة؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون ~~أنس، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة ~~في توكله. عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت ~~أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه، ~~ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم؛ ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله ~~عليه لأهله، وتواضع لله في حال رفعته، وأسقط الخلق عن عينه، حتى كره ~~المسلمون ذلك فتركه ms0648 بحكم ثان، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول، حتى ~~ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان، وقد كان بعض علماء السلف يجمع ~~إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول: لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ~~ما تكلمت عليكم، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار ~~التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته، ولا يسع العلماء ~~في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان، فالتكسب والأسباب طرق ~~أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص، ~~فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع، وأنه هو المسبب ~~الرازق، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب، فقلته ناظر إلى ~~القسام، ونفسه ساكنة إلى القسم، وقلبه قانع راض بالمقسوم، وجسمه متحرك في ~~المعلوم الذي وجه فيه وسبب له، وهو عارف بمقامه، وبالمراد منه، راض بحاله ~~وما قد استسعى فيه وألزم إياه، والذي ينقص المتوكل، ويخرجه من حد التوكل، ~~اكتساب الشبهات للاستكثار، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار، أو الحرص على ~~طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه، أو التسخط للأقدار إذا ~~لم تؤاته على ماقدر، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه، أو يدبر أو ~~التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل، وقد قال ~~بعض العلماء: إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم ~~غيره، لم ينصح للمسلمين في المبايعة، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول ~~الآفات ومساكنتها، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل، وهو أن ~~يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع، أو ~~يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده، أو يكون ~~متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه، ~~وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له؛ عدة لكذا وعدة لكذا، فهذه المعاني تخرج من ~~التوكل، ms0649 فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في ~~العلم، المتضلعين باليقين، القائمين على الدوام بالشهادة؛ فمن نظر إلى هذه ~~المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس، فيقوى قلبه بوجودها ~~فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله. # وروينا عن بشر بن الحرث قال: إن العبد ليقرأ، إياك نعبد وإياك نستعين، ~~فيقول الله تعالى: كذبت، ما إياي تعبد ولا بي تستعين؛ لو كنت تعبد إياي لم ~~تؤثر هواك على رضاي، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى حولك ولا قوتك ولا إلى ~~مالك ونفسك، وإن التارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية ~~وأعين بالصبر والقناعة، في مثل زماننا هذا أفضل وأتم حالا من المتكسب إذا ~~خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله من دخوله في شبهة عيانا أو خيانة ~~لإخوانه المسلمين، ولأنه قد تعذر القيام بشرائط العلم مع مباشرة الأسباب ~~وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب، فترك ملابسة أهل # PageV02P028 # الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية ~~الأشياء، وفقده مباشرتها، لأن الحكم متعلق بالرؤية، ومثل الحرام مثل المنكر ~~إذا لم تره سقط عنك حكمه، وليس الخبر كالمعاينة ولا المجاورة كالمباشرة ولا ~~المعاين كالمخبر، وذلك كخبر من زل عن حقيقة الكعبة على البعد إلا أنه متوجه ~~إلى الشطر، فصلاته جائزة ولو زل عنه أنملة مع المعاينة لها بطلت صلاته، ~~والتكسب ليس بفرض وقد يفترض بأحد معنيين بوجود العيال وعدم كفايتهم من وجه ~~من الوجوه المباحة، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ويضعف عنه مع فقد ما يقام به ~~الفرض مما لابد منه، وقد كان بشر بن الحرث ترك التكسب، وكان يتكلم في ~~الحلال ويشدد فيه فقيل له: ياأبا نصر، فأنت من أين تأكل؟ فقال: من حيث ~~تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي مثل من يأكل وهو يضحك، وقال مرة: ولكن ~~يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة، وقد كان للثوري خمسون دينارا يتجر له ms0650 ~~بها، ثم أخذها في آخر أمره ففرقها على إخوانه وترك التكسب، ويقال إنه فعل ~~ذلك لما مات عياله، وليس للعبد أن يحمل حال عياله على حاله إلا أن يكون ~~اختيارهم كاختياره، وصبرهم على فقرهم ومعرفتهم بفضله كمعرفته، فجائز حينئذ ~~أن يسير بهم سيريه، ويسقط عنه التكسب لأجلهم، لأنهم كهو في الحال مع سقوط ~~المطالبة منهم بحقوقهم عليه، وقد فعل ذلك جماعة من السلف، وبعض العارفين ~~يفضلون من لا معلوم له على من له معلوم، وهم لا يرون ترك التكسب أفضل لأنه ~~معلوم، ويعد هؤلاء سكون القلب مع وجود المعلوم علة، ولكن إذا سكن قلبه مع ~~غير معلوم، واجتمع همه وانقطع طمعه في حال المعدوم؛ فهذا هو المقام وتفصيل ~~هذا في التوسط من المقال عندي والله أعلم أن العبد لا يفضل بنفس عدم ~~المعلوم، كما لا يفضل بنفس القعود عن المكاسب، وإنما يفضل بحاله من مقامه؛ ~~فإذا كان ذو المعلوم أحسن معرفة وأقوى يقينا، فضل على من لامعلوم له، ولا ~~يكون سكون القلب وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال على قدر ~~المقام، ولكن لا يكون مقاما يرفع به ولا حالا يفضل فيه، إلا أن الطمع في ~~الخلق وتشتت القلب مع وجود معلوم الكفاءة نقصان عند الكل وعندي، وقطع الطمع ~~في الخلق واجتماع القلب مع العدم أفضل وأعلى درجة عند الجماعة. # وفي حديث حية وسوار ابني خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: ~~لاتيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن ابن آدم تلده أمه أحمر ليس عليه ~~قشر ثم يرزقه الله بعد، وقال صلى الله عليه وسلم: # PageV02P029 # للرجل الذي ناوله التمرة لو لم تأتها لأتتك، ويقال إن العبد لو هرب من ~~رزقه لأدركه كما لو هرب من الموت لأدركه الموت، وأن الرزق لا ينقطع عن ~~العبد حتى يظهر له ملك الموت، فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق ~~الآخرة، فيكون أول رزق الآخرة آخر رزق الدنيا ولا آخر لهذا الرزق، وقال سهل ~~بن عبد الله الدستوائي: ms0651 لو أن العبد سأل الله أن لا يرزقه لم يستجب له ~~ولقال له: ياجاهل، أنا خلقتك ولا بد من أن أرزقك أبدا، وقال وقد سئل عن ~~القوت فقال: هو الحي الذي لا يموت فقيل: إنما سألتك عن القوام، فقال: ~~القوام هو العلم، قيل: سألناك عن الغذاء، فقال: الغذاء هو الذكر، قيل: ~~سألناك عن طعمة الجسد، فقال: مالك وللجسد، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا، ~~إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه؛ أما رأيت الصنعة إذا عابت ردوها إلى ~~صانعها حتى يصلحها، وقال الخواص وقد روينا عن سهل: إن الله تعالى يلقي على ~~الخصوص الفاقة ويحوجهم إلى الخلق بالطمع فيهم، ويلقي في قلوب الخلق المنع ~~لهم فيحرمهم ما في أيديهم ليردهم إليه فإذا رجعوا إليه آيسين منقادين رزقهم ~~من حيث لا يحتسبون، ومن علامة الخصوص أنهم إذا استشرفوا إلى شيء حرموا ذلك ~~الشيء وإذا سكنوا إلى عبد سلط عليهم ليرفع سكونهم إليه، وقد كان بعضهم إذا ~~جاءه السبب بعد تطلع إليه رده، ومنهم من كان يخرجه ولا يتناول منه عقوبة ~~لنفسه، وكان ذو النون المصري يتكلم على إخوانه في علم التوحيد والمعرفة ~~فسأله غلام شاب عن الخبز: من أين هو؟ فقال: خذوا بيده واذهبوا به إلى ~~الصوفية حتى يعلموه الأدب، وقد حكي عن معروف أبي محفوظ الكرخي أنه ذكر له ~~انقباض بشر عن الأسباب التي تفتتح له فقال: إن أخي بشرا قبضه الورع، وأنا ~~نشطتني المعرفة، إلا أن معروفا كان لا يأخذ السبب إلا عند الحاجة، ويأخذ ~~منه ما لا بد له منه، وكان لايدخر، وكان قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من ~~وقت صلاة إلى صلاة أخرى؛ كان إذا صلى الظهر يقول للجيران: اطلبوا؟ لكم من ~~يصلي صلاة العصر، وكان يقول: إنما أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت متى ~~أطعمني، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني، وقد كان أبو محمد سهل يقول: المتوكل ~~لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر. ### | ذكر الادخار مع التوكل # ولا يضر الادخار مع صحة التوكل ms0652 إذا كان مدخرا لله وفيه، وكان ماله موقوفا ~~على # PageV02P030 # رضا مولاه لا مدخرا لحظوظ نفسه وهواه، فهو حينئذ مدخرا لحقوق الله التي ~~أوجبها عليه، فإذا رآها بذل ماله فيها، والقيام بحقوق الله لا ينقص مقامات ~~العبد بل يزيدها علوا، وحدثونا عن بعض أصحاب بشر بن الحرث قال: كنت عنده ~~ضحوة من النهار، فدخل عليه كهل أسمر خفيف العارضين، فقام إليه بشر قال: وما ~~رأيته قام لأحد غيره قال: ودفع إلي كفا من دراهم فقال: اشتر لنا من أطيب ما ~~تقدر عليه من الطعام والطيب، قال: وما قال لي قط مثل ذلك، قال: فجئت ~~بالطعام فوضعته بين يديه، فأكل معه، وما رأيته أكل مع غيره، قال: فأكلنا ~~حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير، فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده ~~وانصرف قال: فعجبت من فعله ذلك وكرهته له إذ لم يأمره بشر بذلك ولا هو ~~استأذنه فيه، فقال لي بشر بعد ذلك: لعلك أنكرت فعله ذلك، قلت: نعم، أخذ ~~بقية الطعام من غير إذن، فقال: تعرفه؟ قلت لا، قال: ذلك أخونا فتح الموصلي، ~~زارنا اليوم من الموصل، وإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه ~~الادخار، وترك الادخار إنما هو حال من مقامه قصر الأمل، وقد يصح التوكل مع ~~تأميل البقاء، فإن كان أمله للحياة لطاعة مولاه وخدمته والجهاد في سبيل ~~الله فضل ذلك، وهذا طريق طائفة من الراجين والمستأنسين، وإن كان أمله ~~للحياة لأجل متعة نفسه، وأخذ حظوظها من دنياه، نقص ذلك من زهده في الدنيا، ~~فسرى النقص إلى توكله، وما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه، وليس ما زاد ~~في الزهد يزيد في التوكل بحسابه، لأن الزهد من شرط خصوص التوكل، وليس ~~التوكل من شرط عموم الزهد، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة، وليس كل زاهد ~~في مقام متوكلا لأن التوكل مقام والزهد حال، والمقامات للمقربين والأحوال ~~في أصحاب اليمين إلا أن من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة، ~~لأن حقائق ms0653 الأحوال وثبوتها، ودوام استقامة أهلها فيها، ولزومها لقلوبهم هي ~~مقامات؛ فإذا جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك، ~~إلا أن طول الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص ولا يخرجه من حده عندي، ~~وأكره للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوما، كما يكره تأميل البقاء لأكثر ~~من أربعين، ومن ادخر لصلاح قلبه وتسكين نفسه وقطع تشرفه إلى الناس؛ إن كان ~~مقامه السكون مع المعلوم، فالادخار له أفضل، فأما من ادخر لعياله لتسكن ~~قلوبهم ولوجود رضاهم عن الله، ولسقوط حكمهم عنه ليتفرغ لعبادة ربه، فهو ~~فاضل في ادخاره اتفقوا عليه، ولأنه في ذلك قائم بحكم ربه راع لرعيته التي ~~هو مسؤول عنها، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ليسن ~~ذلك، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا لغد، ونهى بلالا أيضا عن الادخار ~~ليقتدي به أهل المقامات في ذلك، كما روي أنه قبض صلى الله عليه وسلم وله ~~بردان في الحف ينسحبان، وقد كان عليه السلام أقصر # PageV02P031 # أملا من ذلك، كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء، فيقال له في ذلك إن ~~الماء منك قريب، فقال: وما يدريني لعلي لا أبلغه، ولكن فعله لئلا يهلك من ~~طال أمله من أمته، فجعل فعله نجاة له، فهذا يدلك أن الادخار يتسع ويضيق على ~~قدر مشاهدات العارفين، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة؛ فالعزائم ~~من الدين للأقوياء الحاملين، والرخص من الدنيا للضعفاء المخمولين، وقد كان ~~الخواص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من حد التوكل، ولم يكن ~~يفارقه أربعة أشياء، وكان يقول: ادخارها من تمام حال المتوكل لأنها من أمور ~~الدين؛ الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض، وكان سهل يضرب لمدخر مثلا ~~في قصر الأمل وطوله فيقول: مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول: أريد أن أخرج ~~إلى الأيلة فيقال له: خذ رغيفا فإن قال: أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ ~~رغيفين فإن قال: أريد أن أخرج إلى العسكر قيل ms0654 له: خذ أربعة أرغفة قال: ~~فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل وطوله، وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ~~ما حكي أن موسى والخضر اجتمعا، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال: أقعد فقعد، ~~فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي مخيض حتى وقف بينهما، فوقع نصفين نصفه إلى ~~الخضر مشويا ونصفه إلى موسى نيئا، فقال له الخضر: قم فاقدح # نارا واشو نصيبك، وأخذ الخضر يأكل، ففعل ذلك موسى ثم سأله: لم وقع نصفه ~~إليك مشويا؟ فقال: إنه لم يبق لي في الدنيا أمل، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص ~~من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد، وفي حديث شهر بن حوشب عن ~~أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~وأسامة، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه: إنه يبعث يوم القيامة ~~ووجهه كالقمر ليلة البدر، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية ~~فقلنا: وما هي يا رسول الله قال: إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله، غير ~~أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة ~~الشتاء لشتائه من قابل، ثم قال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن ~~أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، وحدثونا عن بعض ~~العارفين قال: رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت، وكان الناس # PageV02P032 # يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات، قال: فنظرت إلى طبقة أحسن الناس ~~هيئة، وأعلاهم مرتقى، وأسرعهم سبقا، فقلت هذه أفضلهم، أكون فيهم قال: فذهبت ~~لأخطو إليهم، وأدخل معهم في طريقهم، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني، وقالوا: ~~قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت: تمنعوني أن أكون مع هؤلاء ~~السابقين، فقالوا: هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد، ومن ~~كل شيء واحد، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان، قال: فانتبهت باكيا حزينا ~~فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا، وقد كان حذيفة المرعشي ms0655 ~~يقول: منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا، وكان كثير من السلف إذا ~~استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما، وكانوا يستعملون الشيء الواحد من ~~الأشياء الكثيرة؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل المتوكلين، ~~والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين، فقال: ~~كيتان، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة، فلا يقول له ذلك لأن هذا ~~كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار. ا واشو نصيبك، وأخذ الخضر ~~يأكل، ففعل ذلك موسى ثم سأله: لم وقع نصفه إليك مشويا؟ فقال: إنه لم يبق لي ~~في الدنيا أمل، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما ~~يمنع من حقيقة الزهد، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير ~~الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة، فغسلاه وكفنه ببردته ~~فلما دفنه قال لأصحابه: إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ~~ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا: وما هي يا رسول الله ~~قال: إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ~~ادخر حلة الصيف لصيفه، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل، ثم ~~قال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما ~~فاته من قيام الليل وصيام النهار، وحدثونا عن بعض العارفين قال: رأيت في ~~النوم كأن القيامة قد قامت، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على ~~طبقات، قال: فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة، وأعلاهم مرتقى، وأسرعهم سبقا، ~~فقلت هذه أفضلهم، أكون فيهم قال: فذهبت لأخطو إليهم، وأدخل معهم في طريقهم، ~~فإذا بملائكة حولهم قد منعوني، وقالوا: قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل ~~معهم فقلت: تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين، فقالوا: هذا طريق لايسلكه ~~إلا من لم يكن له إلا قميص واحد، ms0656 ومن كل شيء واحد، وأنت لك قميصان ومن ~~الأشياء زوجان، قال: فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل ~~شيء إلا واحدا، وقد كان حذيفة المرعشي يقول: منذ أربعين سنة لم أملك إلا ~~قيمصا واحدا، وكان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما، ~~وكانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة؛ وهذا كله داخل في التحقق ~~بالزهد وهو من فضائل المتوكلين، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي ~~فما وجدوا له كفنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فتشوا ثوبه قال فوجدنا ~~داخل أزاره دينارين، فقال: كيتان، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف ~~عدة، فلا يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار. ### | ذكر التداوي وتركه للمتوكل # وتفصيل ذلك ولا ينقص التداوي أيضا توكل العبد لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر به، وأخبر عن حكمة الله تعالى فيه فقال صلى الله عليه وسلم: ما من ~~داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السأم يعني الموت، وقال ~~عليه الصلاة والسلام تداووا عباد الله، وسئل عن الدواء والرقي، هل يرد من ~~قدر؟ فقال: هي من قدر الله، وفي الخبر المشهور: ما مررت بملأ من الملائكة ~~إلا قالوا: أمر أمتك بالحجامة، وفي الحديث أنه أمر بها فقال: احتجموا السبع ~~عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، ولا يبيغ بكم الدم فيقتلكم، وفي ذكر تبيغ ~~الدم دليل على توقيت هذا العدد من الأيام للحجامة، إلا أنه أريد به هذه ~~الأيام من الشهر، وأحسبه لأهل الحجاز خاصة لشدة حر البلد، كقول عمر رضي ~~الله عنه في الماء المشمس أنه يورث البرص، سمعت أن ذلك في أرض الحجاز خاصة، ~~وكان من # PageV02P033 # سيرة السلف أن يحتجموا في كل شهر مرة إلى أن يجاوز الرجل الأربعين وكانوا ~~يستحبون الحجامة في آخر الشهر، وقد يروى في خبر منقطع: من احتجم يوم ~~الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة، وقد روينا ms0657 من طريق ~~أهل البيت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ~~ويشرب دواء كل سنة، والتداوي رخصة وسعة، وتركه ضيق وعزيمة، والله يحب أن ~~يؤخذ برخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج) الحج: 78 أي ضيق، وربما كان المتداوي فاضلا في ذلك ~~لمعنيين: أحدهما أن ينوي اتباع السنة، والأخذ برخصة الله، وقبول ما جاءت به ~~الحنيفية السمحة، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير واحد من ~~الصحابة بالتداوي والحمية، وقطع لبعضهم عرقا، وكوى آخر، وقال لعلي رضي الله ~~عنه، وكان رمد العين: لا تأكل من هذا يعني الرطب، وكل من هذا فإنه أوفق لك، ~~يعني سلقا قد طبخ بدقيق أو شعير، وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غير حديث من العقرب وغيرها، وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي صدع رأسه ~~فكان يغلفه بالحناء، وفي الخبر أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء: ~~وهو أعلى المتوكلين، وأقوى الأقوياء، فإن قيل إنما تداوى لغيره، وليسن ذلك، ~~قلنا: فلا نرغب عن سنته، ولا نزهد في بغيته، إذا كان فعل ذلك لنا، لئلا ~~يكون فعلا لغوا، وتكون الرغبة عن سنته إلى توهم حقيقة التوكل طعنا في ~~الشرع، وقد كان صلى الله عليه وسلم ظاهرة للخلق ليقتفوا آثاره، من ذلك أنه ~~صام في السفر في شدة الحر، فكان يصب على رأسه الماء، ويستظل بالشجر، ليسن ~~بذلك الرخصة في التبرد بالماء للصائم، فقيل له: إن قوما صاموا وقد شق ~~عليهم، فدعا بقدح فيه ماء فشرب، فأفطر الناس فترك حاله صلى الله عليه وسلم ~~لأجلهم، فقيل له: إن قوما لم يفطروا فقال: أولئك العصاة، والمعنى الثاني ~~الذي يفضل به المتداوي، أنه يحب سرعة البرء للطاعة ولخدمة مولاه، والسعي في ~~أوامره، إذ كانت العلل قاطعة عن التصرف في العمل ومشغلة للنفس عن الشغل ~~بالآخرة، وذكر بعض علمائنا أن موسى عليه السلام اعتل علة، ms0658 فدخل عليه بنو ~~إسرائيل، فعرفوا علته، فقالوا: لو تداويت بكذا لبرأت، فقال: لا أتداوى حتى ~~يعافيني هو من غير دواء، قال: فطالت علته، فقالوا له: إن دواء هذه العلة ~~معروف مجرب وإن تتداو به تبرأ، فقال: لا أتداوى، فدامت علته، فأوحى الله عز ~~وجل إليه: وعزتي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك، فقال لهم: داووني بما ~~ذكرتم فداووه، فبرأ فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى الله إليه أردت أن تبطل ~~حكمتي لتوكلك على من أودع العقاقير منافع الأشياء، وفي بعض الأخبار: شكا ~~نبي من الأنبياء إلى الله علة يجدها، فأوحى الله إليه: كل البيض، وفي خبر ~~آخر إن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى الضعف فأوحى الله إليه: كل ~~اللحم باللبن فإن فيهما القوة، قال الشيخ أحسبه الضعف عن الجماع، وذكر وهب ~~بن منبه # PageV02P034 # أن ملكا من الملوك اعتل علة وكان حسن السيرة في أهل مملكته، فأوحى الله ~~تعالى إلى شعياء النبي صلى الله عليه وسلم قل له: اشرب ماء التين فإنه شفاء ~~من علتك، وقد روينا أعجب من ذلك أن قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم، فأوحى ~~الله تعالى إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبالى السفرجل، فإنه يحسن الولد # فقد كانوا يطعمون الحبالى السفرجل والنفساء الرطب، وهذا والله أعلم يكون ~~في الشهر الثالث والرابع من حملها، وعلى ذلك كله فإن ترك التداوي أفضل ~~للأقوياء، وهو من عزائم الدين، وطريقة أولي العزم من الصديقين، لأن في ~~الدين طريقين: طريق تبتل وعزيمة، وطريق توسع ورخصة، فمن قوي سلك الطريق ~~الأشد فهو أقرب وأعلى، وهذه للمقربين وهم السابقون، ومن ضعف سلك الطريق ~~الأرفه وهو الأوسط إلا أنه أبعد، وهو لأصحاب اليمين وهم المقتصدون، وفي ~~المؤمنين أقوياء وضعفاء ولينون وأشداء. قد كانوا يطعمون الحبالى السفرجل ~~والنفساء الرطب، وهذا والله أعلم يكون في الشهر الثالث والرابع من حملها، ~~وعلى ذلك كله فإن ترك التداوي أفضل للأقوياء، وهو من عزائم الدين، وطريقة ~~أولي العزم من الصديقين، لأن في الدين طريقين: طريق تبتل وعزيمة، ms0659 وطريق ~~توسع ورخصة، فمن قوي سلك الطريق الأشد فهو أقرب وأعلى، وهذه للمقربين وهم ~~السابقون، ومن ضعف سلك الطريق الأرفه وهو الأوسط إلا أنه أبعد، وهو لأصحاب ~~اليمين وهم المقتصدون، وفي المؤمنين أقوياء وضعفاء ولينون وأشداء. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي أحب إلى الله من ~~المؤمن الضعيف وفي كل خير، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: في المؤمنين من هو ~~أشد في الله عز وجل من الحجارة، وفيهم من هو ألين من اللبن، وقال في وصف ~~الأقوياء: مثل المؤمن كمثل النخلة لايسقط ورقها، وقال الله تعالى في معنى ~~ذلك: (أصلها ثابت وفرعها في السماء) إبراهيم: 24 وقال صلى الله عليه وسلم: ~~مثل المؤمن كمثل السنبلة تفيئها الرياح يمينا وشمالا، وقال عليه السلام في ~~وصفة المؤمن المطعم مثل المؤمن؛ كمثل النخلة أكلت طيبا ووضعت طيبا، وقال في ~~وصف المستطعم: مثل المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها، فأوصاف ~~المؤمنين متفاوتة في الضعف والقوة، وفي الجبن والشجاعة، وفي الصبر والجزع ~~فشتان بين من شبه في القوة والعلو بالنخلة؛ قلبه ثابت، وهمه في السماء، ~~يطعم جناه ولا يدخر، إلى من شبه بالنملة في الضعف والذي يستطعم ويحتكر، وقد ~~فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومدحهم أنهم لا يسترقون، ولا ~~يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، وذكر أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، فعلل ~~بالتوكل وأخبر أنهم تركوا ذلك توكلا، ثم سأله عكاشة أن يدعو الله أن يجعله ~~منهم، ففعل، لأنه رأى ذلك طريقه ورأى # PageV02P035 # معه زاده، وشهد فيه القوة فأهله لذلك، فلما قال له الآخر: ادع الله أن ~~يجعلني منهم، والمقامات لا يقتدى بها ولا يتمثل فيها، كما لا تدعى، لأنها ~~مواجيد قلوب باتحاد قريب ومشاهدات غيوب بإشهاد حبيب، فلما لم ير ذلك طريقه ~~ولم يشهد معه زاده لم يؤهله لذلك، فأوقفه على حده وحكم عليه بضعفه، فرده ~~ردا جميلا، لأنه كان حبيبا كريما، فقال: سبقك بها عكاشة، فهذا كما يقول ~~الحاكم الحكيم: إذا ضعف أحد الشاهدين زدني شاهدا آخر، ms0660 ولا يصرح بجرح الشاهد ~~ولو عدله لقبله، ولم يطلب الزيادة، وإلا فالمقامات لا تضيق لمن سبق إليها، ~~والرسول غير بخيل مع قوله تعالى شاهدا له: (وماهو على الغيب بضنين) ~~التكوير: 42، ولكن لم ير فيه شاهد ذلك من القوة، وتبين فيه الضعف عن الحمل ~~فلم يخاطر به، وقد نهى عن الكي في غير حديث وقال لرجل أراد أن يداوي أخاه ~~إلا أنه مات من علته، فقال: أما لو برأ لقلت برأته لعلمه بما يهجس في بعض ~~النفوس أن الشفاء والنفع من فعل الدواء، وذلك من الشرك فكره المحققون ~~بالتوحيد التداوي خشية دخول ذلك عليهم. # وروي عن موسى عليه السلام: يارب ممن الدواء والشفاء؟ قال: مني، قال: فما ~~يصنع الأطباء؟ قال: يأكلون أرزاقهم، ويطيبون نفوس عبادي، حتى يأتي شفائي أو ~~قبضي، وقد كان ابن حنبل يقول: أحب لمن اعتقد التوكل، وسلك هذا الطريق ترك ~~التداوي من الأشربة وغيرها، واعتل عمران بن حصين فأشاروا عليه أن يكتوي ~~فامتنع، فلم يزالوا به، وعزم عليه زياد بذلك، وكان أميرا حتى اكتوى، فكان ~~يقول: كنت أرى نورا، وأسمع صوتا، وأسمع تسليم الملائكة علي، فلما اكتويت ~~انقطع ذلك عني، وفي خبر كانت الملائكة تزوره فيأنس بها حتى اكتوى، فكان ~~يقول: اكتوينا كيات، فوالله ما أفلحنا ولا أنجحنا، ثم ناب من ذلك، وأناب ~~إلى الله تعالى، فرد الله عليه ما كان يجد من أمر الملائكة، وقال لمطرف بن ~~عبد الله: ألم تر أن الكرامة التي كان أكرمني الله بها قد ردها علي؟ بعد أن ~~كان أخبره بفقدها، فلولا أن ذلك كان عنده ذنبا له، لما ندم عليه وتاب منه، ~~ولولا أن ذلك كان نقصا ما صرفت الملائكة عنه، ومرض أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه فقيل له: لودعونا لك طبيبا، فقال: قد نظر إلي الطبيب، فقال: إني فعال ~~لما أريد، وقيل لأبي الدرداء في مرضه: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قيل: فما ~~تشتهي؟ قال: مغفرة ربي، قيل: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني، وقيل ~~لأبي ذر وقد رمدت ms0661 عيناه: لو داويتهما، فقال: إني عنهما لمشغول، قيل: فلو ~~سألت الله أن يعافيك، فقال: أسأله فيما هو أهم إلي منهما، وقيل لأبي محمد: ~~متى يصح لعبد التوكل؟ قال: إذا دخل عليه الضر في جسمه، والنقص في ماله، فلم ~~يلتفت إليه شغلا بحاله للنظر إلى قيام الله عليه، وقد كان أصاب الربيع بن ~~خيتم الفالج، فقيل له: لو تداويت فقال: قد هممت، ثم ذكرت عادا وثمودا ~~وقرونا بين ذلك كثيرا كانت فيهم # PageV02P036 # الأوجاع، وكانت فيهم الأطباء، فهلك المداوي والمداوى ولم تغن الرقي شيئا، ~~وقد أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج فعطل عن القيام، فسأل الله أن يطلقه في ~~أوقات الصلاة ثم يرده إلى حاله بعد ذلك، فكان إذا جاء وقت الصلاة فكأنما ~~أنشط من عقال، فإذا قضى الصلاة رجع إليه الفالج وكما كان قبل ذلك، ومن لم ~~يتداو من الصديقين والسلف الصالح أكثر من أن يحصى، إلا أنه مخصوص لمخصوصين؛ ~~ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر السبعين ألفا الذين يدخلون ~~الجنة بغير حساب، ثم وصفهم بأنهم لا يكتوون، ولا يسترقون، فقام إليه عكاشة ~~بن محصن الأسدي فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له، فقام رجل آخر ~~فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة، فلم يمنعه من الدعاء ~~بخلا عليه، إلا أن طريق الخصوص الأقوياء لا يسلكه العموم الضعفاء، كما أن ~~طريق العموم قد زهد فيه الخصوص. # وأعجب ماسمعت قال بعض العارفين: أصفى ما أكون قلبا إذا كنت محموما، أو من ~~مواجيد العارفين ما حكي لنا أن موسى والخضر عليهما السلام اجتمعا في فلاة ~~من الأرض، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال له الخضر: اجلس بنا حتى ندعو، ~~فتكلم الخضر بشيء، فأقبل ظبي حتى وقع بينهما نصفين: نصفه إلى الخضر مشويا ~~ونصفه إلى موسى نيئا، فقال له الخضر: قم فاحمل هموما كما حملت همومها، ~~فأوقد نارا واشو نصيبك وكل، قال: فقدح موسى نارا وأشعل حطبا وسوى نصيبه، ~~فلما فرغ قال للخضر: كيف وقع ms0662 نصفه إليك مشويا؟ قال: إنه لم يبق لي في ~~الدنيا أمل، وقيل عنه أيضا مرة أخرى: إنه ليس لي في هذه الخلق حاجة، وقد ~~كان مذهب سهل أن ترك التداوي، وأن أضعف عن الطاعات، وقصر عن الفرائض أفضل ~~من التداوي لأجل الطاعات، وكانت به علة فلم يكن يتداوى منها، وقد كان يداوي ~~الناس منها، وكان إذا رأى العبد يصلي من قعود، أو لا يستطيع أعمال البر من ~~الأمراض، فيتداوى للقيام في الصلاة، والنهوض إلى الطاعة، يعجب من ذلك ~~ويقول: صلاته من قعود مع رضاه بحاله أفضل له من التداوي للقوة، ويصلي من ~~قيام، وسئل عن شرب الدواء فقال: كل من دخل إلى شيء من الدواء فإنما هو سعة ~~من الله لأهل الضعف، ومن لم يدخل في شيء منه فهو أفضل، لأنه إن أخذ شيئا من ~~الدواء ولو كان الماء البارد سئل عنه: لم أخذت؟ ومن لم يأخذ فليس عليه ~~سؤال، وقال: من لم # PageV02P037 # يأخذ الماء البارد فليس عليه سؤال، وقال: من يأخذ الماء البارد على سبيل ~~الدواء سئل، وأصله في هذا أن عنده من أفضل الأعمال أن يضعف العبد قوته، حتى ~~لا يكون لنفسه حراك لأجل الله تعالى، وإن ذرة من أعمال القلوب؛ مثل التوكل ~~والرضا والصبر أفضل من أعمال جبال من عمل الجوارح، وهذا مذهب البصريين في ~~إسقاط القوة بالتجوع الطويل والطي الكثير لتضعف النفس، لأن عندهم أن في قوة ~~النفس قوة الشهوات وغلبة الصفات، وفي ذلك وجود المعاصي وكثرة الهوى وطول ~~الرغبة والحرص على الدنيا وحب البقاء، يقول: إذا أدخل الله عليها الأمراض ~~من حيث لا تحتسب، فلا يتعالج لرفع الأمراض عنها، فإن لامرض من نهاية الضعف ~~ومن أبلغ ما ينقص به الشهوة، وقد كان يقول: علل الأحسام رحمة وعلل القلوب ~~عقوبة، وقال مرة: أمراض الجسم للصديقين، وقد كان ابن مسعود يقول: تجد ~~المؤمن أصح شيء قلبا وأمرضه جسما، وتجد المنافق أصح شيء جسما وأمرضه قلبا، ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحبون أن تكونوا كالحمر الصيالة؛ ms0663 لا ~~تمرضون ولا تسقمون، وقد قيل: لا يخلوا المؤمن من علة في جسمه أو قلة في ~~ماله، وقيل: لا يخلو من غلبة أو ذلة، وللعبد إن لم يتداو أعمال حسنة؛ منها ~~أن ينوي الصبر على بلاء الله تعالى، والرضا بقضائه والتسليم لحكمه إذ قد ~~حسن عنده لأنه موقن وإذ قد عرف الحكمة في ذلك والخيرة في العاقبة، لأنه ~~حكيم، ومنها أن مولاه أعلم به منه وأحسن نظرا واختيارا، وقد حبسه وقيده ~~بالأمراض عن المعاصي، كما روي عن الله تعالى: الفقر سجني والمرض قيدي، أحبس ~~بذلك من أحب من خلقي، فلا يأمن إن تداوى فعوفي أن تقوى النفس فيفسده هواها، ~~لأن المعاصي في العوافي، وعلة سنة خير من معصية واحدة، لقي بعض الناس بعض ~~العارفين، فقال له والعارف: كيف كنت بعدي؟ قال: في عافية فقال: إن كنت لم ~~تعص الله فأنت في عافية، وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوى من المعصية ماعوفي ~~من عصى، وقال علي رضي الله عنه لما رأى زينة النبط بالعراق يوم عيدهم: ~~ماهذا الذي أظهروه؟ قالوا: ياأمير المؤمنين، هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم ~~لايعصى الله فيه فهو عيد لنا. # وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) ~~آل عمران 125قيل: العوافي والغنى، وقال بعضهم: إنما حمل فرعون أن قال: أنا ~~ربكم الأعلى طول العوافي، لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، ولم يحم له ~~جسم، ولم يضرب عليه عرق، فادعى الربوبية، ولو أخذته الشقيقة والمليلة في كل ~~يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية # PageV02P038 # واعلم أن الإنسان قد يطغى بالعوافي كما يطغى بالمال، لأنه قد يستغني ~~بالعافية كما يستغني بالمال، وكل فيه فتنة، وقد قال الله تعالى: (كلا إن ~~الإنسان ليطغى) (أن رآه استغنى) العلق: 6 - 7، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ، والعصمة في ~~حال العافية نعمة ثانية، كالعصمة في الغنى نعمة النعمة، وهذا أحد الوجوه في ~~قوله عز وجل: (أذهبتم ms0664 طيباتكم في حياتكم) الأحقاف: 20 ومنها أن الأمراض ~~مكفرة للسيئات؛ فإذا كره الأمراض بقيت ذنوبه عليه موفورة، وفي الخبر: ~~لاتزال الحمى والمليلة بالعبد حتي يمشي على وجه الأرض وما عليه خطيئة، وفي ~~خبر: حمى يوم كفارة سنة، وأحسن ما سمعت في معناه، قال: لأن حمى يوم تهد قوة ~~سنة، وقيل: في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا، يدخل حمى يوم في جميع المفاصل ~~فيكون له بكل مفصل كفارة يوم، ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كفارة الذنوب بالحمى، سأل زيد بن ثابت ربه أن لا يزال محموما، قال: فلم تكن ~~الحمى تفارقه في كل يوم حتى مات، وسأل ذلك طائفة من الأنصار، وكذلك لما ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أذهب الله كريمته لم يرض له ثوابا دون ~~الجنة، قال: فقد رأيت الأنصار يتمنون العمى، ولما جاءت الحمى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تستأذن عليه قال: اذهبي إلى أهل قباء، وهذا أحد الوجهين في ~~قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) التوبة: 108 أي بالأمراض من ~~الذنوب، وعن عيسى عليه السلام يقول: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول ~~المصائب على جسده، وما له لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه، والصديقون ~~يبتلون بعلل الجوارح، والمنافقون يبتلون بأمراض القلوب، لأن في أمراض ~~الأجسام ضعفها عن الآثام والطغيان، وفي أمراض القلوب ضعفها عن أعمال الآخرة ~~والإيقان وفي معنى قوله عز وجل: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) لقمان:، ~~2، قيل ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنها نعم الآخرة، وروي أن موسى عليه ~~السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: يارب ارحمه، فأوحى الله عز وجل إليه: ~~كيف أرحمه؟ مما به أرحمه؟ وقد قال الله وهو # PageV02P039 # أصدق القائلين في تصديق هذا المعنى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ~~للجوا في طغيانهم يعمهون) المؤمنون: 75 فأخبر أن في ترك الرحمة لهم لطفا ~~ورحمة. # وروينا عن عبد الواحد أنه خرج في نفر من إخوانه إلى بعض نواحي البصرة، ~~فأواهم المسير إلى كهف جبل، ms0665 فإذا فيه عبد مقطع بالجذام يسيل جسده قيحا ~~وصديد الأطباخ به، فقالوا: ياهذا، لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الداء ~~الذي بك، فرفع طرفه إلى السماء، وقال: سيدي، بأي ذنب سلطت هؤلاء علي ~~يسخطوني عليك، ويكرهون إلي قضاءك، سيدي أستغفرك من ذلك الذنب، لك العتبى ~~إني لا أعود فيه أبدا، قال ثم أعرض بوجهه فانصرفنا وتركناه، وفي الحديث: ~~نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي العبد على قدر ~~إيمانه؛ فإن كان صلب الإيمان شدد عليه البلاء، وإن كان في إيمانه ضعف خفف ~~عليه البلاء، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار؛ فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، ~~ومنهم دون ذلك، ومنهم من يخرج أسود محترقا، وقد روينا حديثا من طريق أهل ~~البيت: إذا أحب الله عبدا ابتلاه؛ فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه، ومنها ~~أن الملك يكتب له مثل أعماله الصالحة التي كان يعملها في صحته، وأنه يجري ~~له الحسنات، مثل ما كان يجري له على أعمالهم، فيكتب الملك له أعمالا صالحة ~~خيرا له من أعماله، لأنه قد يدخلها الفساد، واختيار الله له أن يستعمله ~~بالأوجاع، خير له من اختياره لنفسه أن يستقل إلى الله بالأعمال الصالحة، ~~وهذا أحد المعنيين، في معنى الخبر: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، ~~قيل: هو ما دخل عليها من المصائب في الأنفس والأموال، فهي تكره ذلك وهو خير ~~لها، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم) البقرة: 216 قد يكره العبد الفقر والعيلة والضر ~~والخملة، وهو خير له في الآخرة وأحمد عاقبة، وقد يحب الغنى والعوافي ~~والشهرة وهو شر له عند الله وأسوأ عاقبة. # وفي الخبر أيضا يقول الله تعالى لملائكته: اكتبوا العبدي صالح ما كان ~~يعمل فإنه في وثاق؛ إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ~~وإن توفيته توفيته إلى رحمتي، فإبدال صفة لحسن اختيار الله له، خير له من ~~الدنيا والآخرة ومن شهوته، والأصل في التوكل ms0666 وتركه، أن المتوكل على الله قد ~~علم في توكله أن للعلة وقتا إذا انتهت إليه برأ العليل بإذن الله لا محالة، ~~ولكن الله عز وجل قد يحكم أنه إن تداوى شفاه # PageV02P040 # في عشرة أيام، وإن لم يتداو أبرأه في عشرين يوما، ليترخص العليل بما ~~أباحه الله له، فيطمع في تعجيل البرء في عشرة أيام، ليكون أسرع لشفائه، ~~وأقرب إلى عاقبته، على أنه معتقد أن الدواء ولا يشفى وإن التداوي لا ينفع ~~لعينه، لأن الله هو الشافي وهو النافع فالشفاء والنفع فعله لعبده وجعله في ~~الدواء من لطائف حكمته، لا يجعله سواه ولا يفعله إلا إياه، إذ كانت ~~العقاقير مطبوعة مجبولة على خلقها، فجاعل الأسباب فيها هو جابلها، لأن ~~الجعل فيها والخاصية منها ليس من عمل المتطبب، وإن كان يعمل بها ويجمع ~~بينها وبين العليل لأنه ظهر على يديه سببا لرزقه، فالله خالق جميع ذلك ~~وفاعله، وكذلك قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات: 96 وكذلك ~~أيضا عند العارفين أن الخبز لا يشبع وأن الماء لا يروي كما أن المال لا ~~يغني، والعدم لا يفقر، لأن الله هو المطعم المسقي وهو المشبع والمروي، كما ~~هو المغني المفقر بما شاء، كيف شاء وهو جاعل الشبع والري في المطعوم ~~والمشروب، وفي النفس بالغنى والفقر لحكمته ورحمته، كما أن الله تعالى هو ~~المجيع المظمئ، فيدخل الطعام والشراب على الجوع والعطش الذين جعلهما ~~فيذهبهما بما أدخل عليهما، كما يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على ~~الليل، فيغلب سلطان كل واحد على الآخر فيذهبه، فسواء هذا عند الموحدين من ~~وصف الليل والنهار، ومن العلل والأدوية يتسلط الشيء على ضده فيزيله بقلبه، ~~فهذه بإذن الله، والشرك في هذه الأشياء في العموم أخفى من دبيب النمل على ~~الصفا، والموقنون الصحيحو التوحيد من جميع ذلك برآء، وعلى هذه المعاني أحد ~~الوجهين في قوله تعالى: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) طه: 50 أي أعطى كل ~~لون وجنس خلقته وطبعه أي صورة الشيء، ووصفه للضر والنفع، فإن تعجل ms0667 العليل ~~البرء بالتداوي فبرأ، كان ذلك بقضاء الله وقدره، على وصف السرعة من ~~المعافاة، فإن كان ناويا في تداويه واستعجاله شفاءه الطاعة لمولاه، والقيام ~~بين يديه للخدمة، كان مثابا على ذلك فاضلا فيه غير منقوص في مقام توكله، ~~وإن أراد بذلك صحة جسمه لنفسه والنعيم بالعوافي كان ذلك بابا من أبواب ~~الدنيا، ودخولا فيما أبيح له منها، وهو يخرجه من فضيلة التوكل، وحقيقته ~~بمقدار ما نقصه من الزهد في الحياة والنعيم، وإن أراد باستعجال العوافي قوة ~~النفس لأجل الهوى، وليسعى في مخالفة المولى، كان مأزور السوء نيته ووجود ~~عزيمته وخرج من المباح إلى المحظور، وذلك يخرجه من حد التوكل وأوله، وهذا ~~من مذموم أبواب الدنيا وممقوتها، وإن كانت نيته في تعجيل العوافي التصرف في ~~المعايش والتكسب للإنفاق والجمع، نظر في شأنه؛ فإن كان يسعى في كفاف وعلى ~~عيلة ضعاف، وعن حاجة وإجحاف لحق هذا بالطبقة الأولى، وهذا باب من أبواب ~~الآخرة وهو مأجور عليه، ولا يخرجه من التوكل، وإن كان يسعى في تكاثره، ~~وتفاخر، ولا يبالي من أين كسب، وفيما أنفق، لحق هذا في الطبقة الثالثة من ~~العاصين، وهذا من أكبر الدنيا المبعدة عن الله عز # PageV02P041 # وجل، فهذه نيات الناس في التداوي المحمودة والمذمومة، فإن لم يتداو ~~المتوكل تسليما للوكيل وسكونا تحت حكمه ورضا باختياره وصنعه، إذ قد أيقن أن ~~للعلة وقتا إذا جاء برئ بإذن الله تعالى، إلا أنها بعد عشرين يوما، فيصبر ~~ويرضى ويحمل على نفسه ألم عشرة أيام رضا بقضاء الله، وصبرا على بلائه، وحسن ~~ظن باختياره له، ولا يتهمه في قضاءه عليه، فهذا هو أحد الوجوه في حسن الظن ~~باختيار الله أن لا يتهم الله في فضيلة كيف، وقد روي فيه نص أن رجلا قال: ~~يارسول الله، أوصني، فقال: لا تتهم الله في شيء قضاه عليك. # وقد روي في معنى هذا خبر فيه شدة، يقول الله تعالى: من لم يصبر على بلائي ~~ويرض بقضائي ويشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي، وهذا باب من الزهد في الدنيا ~~بمقدار ms0668 ما نقص من الرغبة في نعيم النفس، لأن الجسم من الملك فما نقص منه ~~نقص من الدنيا، والقلب من الملكوت فما زاد فيه زاد في الآخرة وهو باب من ~~الصبر بقدر ما صبر عليه من النقص، كما قال تعالى: (ونقص من الأموال ~~والأنفس) البقرة: 155 يعني أمراضها وأسقامها، وبشر الصابرين ونقص الأموال ~~إقلالها وإذهابها، فكذلك جعلناه زهدا لاقترانه بالمال، ومع هذا فهو لا يأمن ~~في تعجيل العوافي من المعاصي، فإذا انتهى وقت العلة، برئ من غير دواء بإذن ~~الله، وله في الأمراض تجديد التوبة، والحزن على الذنوب، وكثرة الاستغفار، ~~وحسن التذكرة، وقصر الأمل، وكثرة ذكر الموت، وفي الخبر: أكثروا من ذكر هادم ~~اللذات: ومن أبلغ ما يذكر به الموت وتوقع نزوله الأمراض فقد قيل: الحمى ~~بريد الموت، وفي قوله عز وجل: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين) التوبة: 126 الآية، قيل: بالأمراض والأسقام يختبرون بها، ويقال: إن ~~العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب قال ملك الموت: يا غافل، جاءك مني رسول بعد ~~رسول فلم تقبل، وقد كانوا يستوحشون إذا خرج عنهم عام لم يصابوا فيه بنقص أو ~~مال، ويقال: لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروع بروعة أو يصاب ~~بنكبة، فكانوا يكرهون فقد ذلك في ذهاب هذا العدد من غير أن يصابوا فيه ~~بشيء، وروي أن عمارا تزوج امرأة فلم تكن تمرض فطلقها، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عرضت عليه امرأة فذكر من وصفها حتى هم أن يتزوجها، فقيل له: إنها ~~ما مرضت قط فقال: لا حاجة لي فيها، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~الأوجاع من الصداع وغيره، فقال رجل: وما الصداع؟ ما # PageV02P042 # أعرفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إليك عني، من أراد أن ينظر إلى رجل ~~من أهل النار فلينظر إلى هذا، لأن في الخبر أن الحمى حظ المؤمن من نار ~~جهنم، وفي حديث أنس وعائشة: يا رسول الله، هل يكون مع الشهداء يوم القيامة ~~غيرهم؟ فقال: نعم، ms0669 من ذكر الموت في كل يوم عشرين مرة، وفي لفظ الحديث ~~الآخر: الذي يذكر ذنوبه فتحزنه، وإن ترك التداوي وبرئ بغير دواء، كان هذا ~~من قضاء الله وقدره على وصف الإبطاء، وقد اختلف رأي الصحابة في مثل هذا ~~المعنى، عام خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام، فلما بلغوا الجابية انتهي ~~إليهم خبر الشام أن به وباء عظيما وموتا ذريعا، فوقف الناس وافترقوا ~~فرقتين، فمنهم من قال: لا ندخل على الوباء نلقي بأيدينا إلى التهلكة فنكون ~~سببا لإهلاك أنفسنا، وقالت طائفة أخرى: بل ندخل ونتوكل على الله ولا نهرب ~~من قدره، ولا نفر من الموت فنكون كمن قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) البقرة: 243، فرجع الجميع إلى عمر ~~فسألوه عن رأيه، فوافق عمر الذين قالوا نرجع ولا ندخل على الوباء، فقال له ~~آخرون: أنفر من قدر الله؟ فقال عمر: نعم، نفر إلى قدر الله، ثم ضرب لهم ~~مثلا فقال: أرأيتم لو كان لأحدكم غنم وله شعبتان، إحداهما مخصبة والأخرى ~~مجدبة، أليس إن رعى الخصبة رعاها بقدر الله، وإن رعى المجدبة رعاها بقدر ~~الله؟ فسكتوا، ثم دعا عمر بعبد الرحمن بن عوف يسأله عن رأيه فقيل: هو غائب، ~~قد تأخر في المنزل الذي نزلنا فيه، فثبت عمر وأصحابه على ذلك الرأي، وعلى ~~أن يسأل عبد الرحمن عن رأيه فيه، فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن بن عوف فسأله ~~عمر عن ذلك، فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين، شيء سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر يقول: إذا سمعتم بالوباء ~~في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، ~~ففرح عمر بذلك إذ وافق رأيه فرجع بالناس من الجابية. ### | بيان آخر من التمثيل في التداوي وتركه # ومثل التداوي وتركه في أنهما مباحان، وأن أحدهما طريق الأقوياء الصابرين ~~وهو تركه، مثل التكسب وتركه أن التكسب عند الجوع الذي هو علة الجسم ليستعجل ms0670 ~~العبد الدواء بالخبز جائز له، لا يقدح في توكله لأنه مباح له مأمور به، فإن ~~نوي بالتكسب القوة على الطاعة والسعي في سبيل الله والمعاونة على البر ~~والتقوى، كان فاضلا فيه، وإن نوى # PageV02P043 # بالتكسب الأكل للشهوات والقيام بحظوظ النفس من الرفاهية نقص ذلك من توكله ~~وأخرجه من حقيقته، فكان طريقا من طرقات الدنيا إلا أنه مباح، وإن قصد ~~بتكسبه التكاثر والحرص للجمع والمنع كان عاصيا بكسبه مخالفا لربه، وهذا من ~~أكبر طرق الهوى، ثم إن لم يتكسب وصبر على الجوع ورضي بالقلة والفقر، فإن ~~رزقه يأتيه لا محالة لمجيء وقته، وإن كان قليلا دون سعة، ولكنه يحتاج إلى ~~فضل صبر، وحسن رضا، وسكون نفس، وطمأنينة قلب، فإن وجد هذه المعاني فهذا هو ~~التوكل، وكان فاضلا في ترك التكسب بحسن يقينه وثقته برازقه وشغله بما هو ~~أفضل وأنفع له في عاقبته، وإن تشتت همته، واضطربت نفسه، وتكره قضاء ربه، ~~فأخرجه ذلك إلى الجزع والهلع والتبرم والشكوى، فالتكسب لهذا أفضل وهو منقوص ~~بتركه، كذلك أيضا من أكبر الشكوى من علته وتسخط حكم ربه وتبرم وضجر وسطا ~~على الناس، وساء خلقه بمرضه فإن الأفضل لهذا أن يتداوى وهو ناقص بتركه. # وروينا عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق ~~الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا ~~يرده كره كاره، إن الله بحلمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، ~~وجعل الغم والحزن في الشك والسخط. ### | ذكر استواء شهادة المتوكل مع اختلاف ظهور الأسباب # ويستوي عند الخصوص بعين يقينهم ما جاءهم بواسطة أيديهم، وأسباب كسبهم وما ~~جاءهم بأيدي غيرهم وبغير كسبهم إذا كان المعطي عندهم واحدا والعطاء كله ~~رزقا إذ كانت الأيدي ظروف العطاء فيستوي وكأن الظرف يدك أو يد غيرك، وسواء ~~كان الكسب كسبك أو كسب غيرك لك إذ جميعه رزقك، ولأن لكل ms0671 شيء حكما وفي كل ~~شيء حكمة وبكل شيء نعمة، قال الله تعالى: (إرم ذات العماد) (التي لم يخلق ~~منثلها في البلاد) الفجر: 7 - 8 فأضافها إليه في الخلق بعد أن بنوها ~~بأيديهم وفرغوا منها، ومثل هذين أيضا يستوي عندهم ما ظهر بيد القدرة لا خلق ~~فيه ولا واسطة به، وما ظهر بأيديهم عن الحكمة وترتيب العرف، لأن القدرة ~~أيضا بمنزلة ظرف للعطاء ظهر العطاء بها، فهي كأيدي العباد من يد الإنسان ~~نفسه أو يد غيره، إذ القدرة والحكمة خزانتان من خزائن الملكوت والملك، فهذه ~~المعاني الثلاث أعني ما ظهر عن يدك وتكسبك، وما ظهر بيد غيرك، وعن كسبه لك، ~~وما أظهرته القدرة عن غير عرف معتاد ولا واسطة مرت به، هذا كله عند ~~الموقنين سواء، لا يترجح بعضه على بعض لرجحان إيمانهم وقوة يقينهم ونفاذ # PageV02P044 # مشاهدهم، إذ كله حكمة بالغة وقدرة نافذة عن حكيم واحد وقادر واحد. # ومما يدلك على استواء ما ظهر بيد الأواسط وما أظهرته القدرة عند العلماء ~~أن كل من جمع كرامات الأولياء واجبات الصديقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن ~~القدرة، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق عند وقت الفاقات عن غير ~~مسألة ولا استشراف نفس، فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من ~~الإجابات، وحسبوا كل ذلك من الآيات، على أن العارفين يشهدون ما يوصل العبيد ~~إليهم من أقسام رزقهم، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم يؤدونه ~~إليهم قليلا قليلا، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلا أنهم لا يسألونهم إياه ~~ولا يطالبونهم به، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأن من حسن ~~الاقتضاء ترك الطلب، ولقوة يقينهم برازقهم أنه يوفيهم نصيبهم غير منقوص، ~~فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده، وكذلك مشاهدة العالمين ~~الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم، يشهدون أنهم قد خرجوا إليهم ~~من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم، فيستريحون إلى إخراج ذلك، ويفرحون بأدائه إلى ~~أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ذلك عنهم، ms0672 كما يفرح ~~من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه، وهذا مقام للموصلين ~~في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة، وهو مشاهدة عالية للآخذين من ~~المتوكلين. ### | ذكر تشبيه التوكل بالزهد # اعلم أن التوكل لا ينقص من الرزق شيئا، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في ~~الجوع والفاقة، فيكون هذا رزق المتوكل ورزق الزاهد من الآخرة، على هذا ~~الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها، والتوسع فيها ~~فيكون التوكل والزهد سبب ذلك، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في ~~الآخرة من الدرجات العلى، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نقصان الدنيا زيادة الآخرة، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة، ومن أعطى من ~~الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة، وإن كان على الله كريما، وقيل إن ~~الدنيا والآخرة مثل ضرتين، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى، وقال رجل لبعض ~~العلماء: كنت في محلة ليس فيها بقال غيري، ففتح إلى جنبي بقال آخر فأخاف أن ~~ينقص ذلك من رزقي شيئا، فقال: ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد في بطالتك، ~~تقعد كثيرا لا تبيع شيئا، وقد غلط في هذا الطريق قوم ادعوا التوكل والزهد ~~واتسعوا في المآكل والملابس، على أن ذلك لا ينقصهم من رزقهم شيئا، فموهوا ~~على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل. ### | ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها # الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأن ذلك من كنوز البر ولأنها معاملات ~~بينه # PageV02P045 # وبين خالقه، فسترها أفضل وأسلم له إلا أن يكون له نية في الإظهار أو يكون ~~إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار، ويكون مكينا في المعرفة يخبر بعلته ~~وقلبه راض عن الله فيما قدره، أو يكون ممن يشهد البلاء نعمة فيكون إخباره ~~بمثابة التحدث بنعمة الله، وإلا فإظهار العلل لمن لا يتداوى نقص لحاله، ~~وداخل في الشكاية لمولاه، لأن في الشكوى استراحة النفس من البلوى ~~كالاستراحة بالدواء، وهذا لا يفعله عالم لأن الاستراحة بالدواء الذي أباحه ~~له المولي خير من استراحته ms0673 إلى العبيد بالشكوى، على أنه لا يأمن دخول ~~الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلة وغير ذلك، وقيل في ~~قوله عز وجل: (فصبر جميل) يوسف: 18، قال: لا شكوى فيه، وقال بعضهم: من بث ~~شكواه فلم يصبر، وقيل ليعقوب عليه السلام: ما الذي أذهب بصرك؟ فقال: من ~~الزمان وطول الأحزان، فأوحى الله إليه: تفرغت تشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا ~~رب، أتوب إليك، وعن طاووس ومجاهد: يكتب على المريض أنينه في مرضه، قال: ~~وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على شكوى، قيل: ما أصاب ~~إبليس من أيوب إلا أنينه في مرضه، فجعل الأنين حظه منه، وفي الخبر: إذا مرض ~~العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين: انظرا إلى عبدي ما يقول لعواده فإن حمد ~~الله وأنثى عليه بخير، ادعوا له وإن شكا وذكر شرا قالا: لا، كذلك يكون، ~~وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية وخوف الزيارة في القول أن يخبر ~~عن العلة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا لنعمة بين بلاءين، وكان بعضهم إذا ~~مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ، فيخرج إليهم، منهم فضيل ووهيب، ~~وبشر كان يقول: أشتهي أن أمرض بلا عواد، وقال فضيل: ما أكره العلة إلا لأجل ~~العواد، وقد رأينا من الصالحين من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة، ولا ينقص ~~توكل المتوكل إخباره بعلته على معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس، إذا ~~كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين ~~يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه المؤمنين، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها ~~شكرا، وقد حكي أن بشر بن الحرث كان يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه، فيصف ~~له أشياء، وقيل عن أحمد بن حنبل أنه كان يخبر بأمراضه ويقول: إنما أصف قدرة ~~الله تعالى في. وروي عن الحسن البصري: إذا حمد المريض الله عز وجل وشكره ثم ~~ذكر علته، لم # PageV02P046 # يكن ذلك شكوى، وقد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها، ms0674 ثم ~~رجع إلى قول الحسن هذا، فكان بعد ذلك يحمد الله ويثني عليه ويقول: أجد كذا ~~وأجد كذا، وروي أنه قيل لعلي رضي الله عنه في مرضه: كيف أنت؟ فقال: بشر، ~~فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال: أتجلد على الله، كأنه أحب أن ~~يظهر افتقاره إلى الله، وأراد أيضا أن يعلمهم أنه لا بأس بذلك لأن من يقول: ~~بخير إذا سئل كثير، كما قال الثوري: إنما العلم الرخصة من ثقة، فأما ~~التشديد فكل أحد يحسنه، فكان علي رضي الله عنه أراد أن يتحقق بتأديب النبي ~~صلى الله عليه وسلم له ونهيه إياه عن إظهار القوى، لأنه روي أنه مرض فسمعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم، صبرني على البلاء فقال: لقد سألت ~~الله البلاء ولكن سل الله العافية، ومن هنا قال مطرف: لأن أعافى فأشكر أحب ~~إلي من أن أبتلي فأصبر، لأن البلاء طريق الأقوياء، وكره أهل الإشفاق ~~والخشية إظهار الجلد والقوة بين يدي القوي العزيز، وقد حكي أن الشافعي مرض ~~مرضة شديدة بمصر فكان يقول: اللهم، إن كان في هذا رضاك فزدني منه، فكتب ~~إليه بعض العلماء وهو إدريس بن يحيي المعافري، يا أبا عبد الله، لست من ~~رجال البلاء فسل الله العافية، فرجع عن قوله هذا واستغفر منه، فبعد هذا ~~والله أعلم، لعله ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه: اللهم إجعل خيرتي فيما ~~أحببت. ### | ذكر فضل التارك للتكسب # قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب، من حيث فضل المتقدمون ~~الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا ومنفقه في سبيل الله، وسئل الحسن عن ~~رجلين، أحدهما محترف والآخر مشغول بالتعبد: أيهما أفضل؟ فقال سبحان الله ما ~~اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كفى بالموت واعطا وبالتقوى غنى وبالعبادة شغلا، وقد علم التارك ~~للتكسب توكلا على الله وثقة به ورعاية لمقامه وصبرا على فقره وشغلا بمعاده ~~عن معاشه ومقاساة الفتنة، إن مولاه قد تكلل له برزقه ms0675 في الدنيا وقد وكل ~~إليه عمل الآخرة، وأنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من يقوم ~~بكفايته من دنياه، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره، وإن عمل آخرته الذي ~~وكله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه، وإن الله تكفل له بعمل ~~الدنيا، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء، فهذا هو الفرق بين ماتكفل له به ~~من عمل الدنيا وبين ما وكله به من عمل الآخرة، قال الله سبحانه في رزق ~~الدنيا الذي تكفل به: (وكأين # PageV02P047 # من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) العنكبوت: 60 وقال تعالى في ~~رزق الآخرة الذي وكل به: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) النجم: 39، ثم قد ~~علم المتوكل بعدتوحيده أن هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد، كشيء ~~واحد يقع وقعة واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم ولا يتقدم ~~ولايتأخر بسبب محكوم، لا ينقلب عند أثر مكتوب ولايتغير، فالرزق بفضل الرازق ~~والوقت الذي يظهر فضل العطاء لا يقع إلا في ظرف، والسبب حكمة القاسم والأثر ~~حد المرزوق، فلما أيقن المتوكل بهذا كان إن تصرف بحكم، وإن قعد قعد بعلم، ~~فاستوى تصرفه وقعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم ~~مصرفه ومقعده، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه، فصرفه في معاملته ~~دون معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه وبيد من شاء من العبيد، ~~يحفظه له عن مجاوزة الحدود، كما قال تعالى: (حافظات للغيب بما حفظ الله) ~~النساء: 34، وبتوليه له وعصمته إياه عن التورط في محظور، كما أخبر عن ~~أوليائه في قوله عز وجل: (وهو يتولى الصالحين) الأعراف: 196، وكان العبد ~~فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده، بانقطاعه إلى معاملة الملك دون ما ~~يقطعه من معاملة الملوك، وبهمة الآخرة عن الدنيا، وكان داخلا في وصف ما ~~أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل كفاية الله، فيما روي عنه من جعل ~~الهموم ms0676 هما واحدا، كفاه الله آخرته، وخارجا عن وصف من قطعه عن الله بهمة ~~غيره وعرضه للهلكة في أودية الهموم، في قوله عليه السلام: من أصبح وهمه غير ~~الله فليس من الله، وفي قوله: ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي ~~أوديتها هلك، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه وكسب جارحته ~~فهو خزانة من خزائن الملك وهو عبد من عبيد الملك، يوصل إليه عن يد نفسه بما ~~يوصله إليه عن يد غيره وسواه، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى الرزق بعد أن ~~يرزقه، لأن ما لقيته فقد لقيك، والعبد متوكل على الله في الحالين، ناظر ~~إليه بالمعنيين، قائم بحكم حاله في الأمرين، عارف بحسن اختيار الله له في ~~الحكمين، ومن ترك التكسب لأجل الله ثقة به وسكونا إليه أو لدخول الآثام ~~وتعذر القيام بالأحكام، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله لأن الترك عمل ~~يحتاج إلى نية صالحة وأفضل الناس عندالله أتقاهم له وأتقاهم له أعرفهم به ~~متصرفا كان أو قاعدا، هذا هو فصل الخطاب. # وروينا في حديث عبد الله بن دينار عن عمرو بن ميمون عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حين استوى ~~على عرشه ونظر إلى خلقه: عبادي، أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا ~~تتعبوا أنفسكم فيما تكفلت لكم به، واطلبوا أرزاقكم مني وانصبوا أنفسكم لي، ~~وارفعوا حوائجكم إلي أصب عليكم أرزاقكم، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: عبدي أنفق أنفق عليك ووسع # PageV02P048 # أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، إن أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا ~~نهارا، فأنزل الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته، فمن ~~أكثر أكثر له ومن أقلل أقلل له، ومن أمسك أمسك عليه، يا زبير إن الله يحب ~~الإنفاق ويبغض الإقتار، فكل وأطعم ولاتقتر فيقتر الله عليك ولا تعسر فيعسر ~~عليك، أطعم الإخوان ووقرالأخبار وصل الجار ولاتماش الفجار تدخل الجنة بغير ~~حساب، ms0677 فهذه وصبة الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام: والأسواق موائد ~~الآباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته ~~وجبن في متاجرته، قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (ما ~~أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) الذاريات: 56 - 57، وقال بعض أهل ~~العربية من القدماء: ما أريد أن يرزقوا خلقي إن الله هو الرزاق، أي لهم لا ~~يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه، فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار ~~لنفسه أحدها وهي الخدمة، وعليه الكفاية، واختار من العبيد أحدهم فجعله ~~عابده وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له، وصرف عموم ~~العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب، وضرب هذا مثلا بينه ~~وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السموات والأرض، فبقي العبيد مع ~~الله تعالى بحكمين، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه ~~الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا، والثاني ماصرف ~~العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم على ~~هذا الوصف، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي المولى ~~مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها المثل ~~بينه وبينهم، أيها اختاره كان ذلك لهم، وتفسير ذلك أن للمولى من الخلق أن ~~يقول لعبده: اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي، فأنا أملك كسبك كما أملك ~~نفسك، وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أن الله تنزه عنه وتعالى علوا كبيرا فقال ~~تعالى: (ما أريد أن يطعمون) الذاريات: 57، كما يريد الموالي من عبيدهم هذا ~~ثم يقول المولى منا لعبده: اذهب فأطعم نفسك واسع في قوتك فقد أبحت لك ذلك، ~~ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضل مني عليك، وبهذا صار المكاتب لعبده في ~~فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون له الميراث في حال، لأنه ~~منعم عليه بالكتابة له كالمعتق، وإن كان العبد هو الذي سعى في ms0678 فكاك رقبة # PageV02P049 # نفسه بكسبه من قبل أن المولى يستحق عليه كسبه ويملك رقبته، فلما ملك عبده ~~ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم العبيد مع الله تعالى، لأنه مولاهم الحق ~~وهم عبيده، قن فقال: اذهبوا فتكسبوا، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته ~~لكم، وهذا هو الوجه الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم، فلم يستسعهم ~~وقطعهم فشغلهم بخدمته عن خدمة نفوسهم وخليقته، وتوكل لهم بكفايتهم ولم ~~يوكلهم فيها كما وكل غيرهم، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى ~~قوله تعالى (ما أريد منهم من رزق) الذاريات: 57 لنفوسهم بدليل قوله تعالى ~~(إن الله هو الرزاق) الذاريات: 58، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله: ~~وما أريد أن يطعمون، فكانت هذه الياء اسمه مكنى بها وهذه إرداة مخصوصة لا ~~عامة لكل مراد، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحب: ومخصوصة بمخصوصين من ~~عباده، كما كان قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات: ~~56، كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها: مؤمني الجن والإنس لا ~~عامة لجميع خلقه، والوجه الثالث أن يقول المولى منا لعبده: اخدمني وعلي ~~طعمتك، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره ~~الله # تعالى، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له، ~~وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه، وهو قوله تعالى: (إلا ~~ليعبدون) (ما أريد منهم من رزق) الذاريات: 56 - 57، أي أن يرزقوا نفوسهم ~~بكسبهم الذي أبحته لهم، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له: اذهب فتكسب، فقد أردت ~~منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها ~~خلقتهم فكل ميسر لما خلق له، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها، يسرت له، ~~ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها، يسرت له، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل ~~صانع وصنعته، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع ~~كلها، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته، فلما أبداهم ms0679 في الوجود أجرى على كل ~~واحد ما اختار لنفسه قال: وانفردت طائفة فلم تختر شيئا، فقال لها: اختاري ~~فقالت: ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال: فأظهر مقامات العبادات فقالت: قد ~~اخترنا خدمتك فقال: وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم، وفي الخبر: ~~أوحى الله تعالى إلى الدنيا: اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي ~~الخدمة، ومن ذلك قولهم: إياك نعيد ولك نصلي ونسجد، وإليك # PageV02P050 # نسعي ونحفد، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى: (بنين وحفدة) النحل: 72 ~~أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع، والعرب تقول: طريق ~~معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام، ويقولون: بعير معبد إذا كان ~~ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه، ومنه قول القبط: أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون، يعنون بني إسرائيل، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم ~~بالكد والعمل، وقال بعض العارفين: إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب ~~طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته، فرحمها فوهب لها ~~العبادات والأعمال الصالحات، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير ~~جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها، ~~ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار والدرهم، تعس عبد ~~الزوجة، تعس عبد الخميصة؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها، وفي ~~أخبار داود عليه السلام: إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد، وخلقت ~~جميع ما خلقت لأجل ولد آدم، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني، ومن ~~اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله. وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من ~~العبيد من خصوص العاملين له، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه ~~بنفسه، وهو قوله تعالى: (إلا ليعبدون) (ما أريد منهم من رزق) الذاريات: 56 ~~- 57، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم، فيكونوا كغيرهم ممن قلت ~~له: اذهب فتكسب، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك، أي أنا أريد ~~من هؤلاء العبادة ولها ms0680 خلقتهم فكل ميسر لما خلق له، فمن كانت صنعته العبادة ~~وخلق لها، يسرت له، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها، يسرت له، وفي الخبر أن ~~الله تعالى خلق كل صانع وصنعته، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في ~~العدم أظهر لهم الصنائع كلها، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته، فلما أبداهم ~~في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال: وانفردت طائفة فلم تختر ~~شيئا، فقال لها: اختاري فقالت: ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال: فأظهر ~~مقامات العبادات فقالت: قد اخترنا خدمتك فقال: وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ~~ولأسخرنهم لكم، وفي الخبر: أوحى الله تعالى إلى الدنيا: اخدمي من خدمني، ~~وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة، ومن ذلك قولهم: إياك نعيد ولك نصلي ~~ونسجد، وإليك نسعي ونحفد، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى: (بنين وحفدة) ~~النحل: 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع، والعرب ~~تقول: طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام، ويقولون: بعير معبد ~~إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه، ومنه قول القبط: أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون، يعنون بني إسرائيل، خدمنا نستذلهم ~~ونمتهنهم بالكد والعمل، وقال بعض العارفين: إن الله سبحانه وتعالى اطلع على ~~قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته، فرحمها ~~فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه ~~فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته، فاستعملهم للدنيا وعبدهم ~~لأهلها، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار والدرهم، ~~تعس عبد الزوجة، تعس عبد الخميصة؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها، ~~وفي أخبار داود عليه السلام: إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد، ~~وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته ~~عني، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله. ### | ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت # فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج، ms0681 إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ~~ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم) ~~النساء: 71، وقال تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك) المائدة: 49، وقد يروي في خبر ~~اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه، ~~ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه، غير مختار ~~لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده، لأن الله تعالى إذا ~~رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء، كما لا يكون ~~توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه ~~بالأشياء وفيها، فلذلك قال الله تعالى: (إن الله يحب المتوكلين) آل عمران: ~~159، كما قال: (إن الله يحب التوابين) البقرة: 222، مع قوله: (وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون) إبراهيم: 12، أي ليتوكل عليه في كل شيء، من توكل عليه ~~في شيء، هذا أحسن وجوهه، والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكله من توكل ~~عليه في الأشياء لأن # PageV02P051 # الوكيل في شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء، ~~فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء؛ من ~~تحقق به فقد تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد، وانتفى عنه دقائق ~~الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه، قال الله سبحانه وتعالى: (إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه) النحل: 99 - 100 يعني العدو، والذين هم به مشركون يعني الله ~~سبحانه، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام ~~التوكل في اليقين، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من ~~التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال ~~المتقين، كما قال عبد الله بن مسعود: التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى ~~المتوكل في توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني، كما يبتلى ~~سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران ms0682 ~~والاستحواذ، يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ~~ليجزى جزاء الصادقين المقربين، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه، فيكون ~~مردودا إلى التوبة، كما قال تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) الأحزاب: ~~24، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ~~ثم قال تعالى: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) الأحزاب: 24، فأحسن ~~حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم، وقال تعالى: (أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت: 2، ثم أخبر بسنته التي قد ~~خلت في عباده فقال: ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فليقل المتوكل عند خروجه من ~~منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة: اللهم إن جميع ما في منزلي ~~إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه، فإن أخذ ما في ~~منزله كان له في ذلك سبع معاملات: إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله ~~أمره كيف شاء، واختيار الله له نقصان الدنيا، وإذهاب ما لعله يفتتن ~~بتبقيته، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ~~ليظهر صدقه ومسألته، أو ليستيبن للعبد كذبه، فإن حمد الله وشكره على حسن ~~بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين، كما جاء في العلم ~~المكنون عن بعض أنبيائه قال: يا رب من أولياؤك؟ قال: الذين إذا أخذت منه ~~المحبوب سالمني، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن ~~الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين، ~~والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف له بطلان ~~دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان ~~وخضع، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان، فيعلم إنه # PageV02P052 # كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو # بسخطه ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي ms0683 هي ~~في يد غيره، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه، وأن ما حوله منها لم يكن له ~~وإنما # PageV02P053 # كان قد استودعه، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره ~~أو دفعها إلى من هي رزقه، وكانت له من قبل، أن المتوكل قد علم أن الله ~~تعالى، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من ~~الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على ~~رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه، وفضل الرغبة والشره إذ قد ~~علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين ~~موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله ~~إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في ~~القلوب، لم يأخذه أبدا؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى ~~يفنيه ويبليه، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا ~~بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد، ولكن قد يعير ويستودع من ~~أمور الدنيا وأمور الآخرة، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا ~~لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه، فلا ينبغي للمتوكل ~~الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره ~~واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعله يهبه له أو يبتليه ~~بأحكامه فيه، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء، ~~ولله حكمة وابتلاء في كل شيء؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين ~~جناية، ومن المؤمنين خيانة، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من ~~المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت ~~الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد ~~علمه قد كتبه وبعد كتبه قد ms0684 أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين؛ ~~أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، ~~فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق، وهذا قوله ~~تعالى: (من قبل أن نبرأها) الحديد: 22، قيل: من قبل أن نخلق الخليقة وقبل ~~أن نبرأ الأرض وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وقيل: من قبل أن نبرأ المصيبة، ~~ثم قال تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: ~~32، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده، أفلا يستحي العبد أن يكون ~~على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه؟ فيأسى على ماليس له ويحزن ~~على ما أخذ منه واستودعه، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له، ~~فيبقي عليه، أو قد أعيره فيؤخذ منه، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى ~~قبضه، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء، فهذا لما ~~أيقن شك، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه، فأي شك مع ذلك يتوهم ~~المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله، الشاهدين لمجاري ~~قدر الله في تصاريف حكمه، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين ~~وتاب توبة المدعين، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين، ~~فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله، وهذا مزيد ~~الناقصين. ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي ~~هي في يد غيره، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه، وأن ما حوله منها لم يكن له ~~وإنما كان قد استودعه، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها ~~غيره أو دفعها إلى من هي رزقه، وكانت له من قبل، أن المتوكل قد علم أن الله ~~تعالى، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من ~~الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته، ms0685 فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على ~~رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه، وفضل الرغبة والشره إذ قد ~~علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين ~~موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله ~~إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في ~~القلوب، لم يأخذه أبدا؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى ~~يفنيه ويبليه، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا ~~بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد، ولكن قد يعير ويستودع من ~~أمور الدنيا وأمور الآخرة، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا ~~لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه، فلا ينبغي للمتوكل ~~الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره ~~واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعله يهبه له أو يبتليه ~~بأحكامه فيه، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء، ~~ولله حكمة وابتلاء في كل شيء؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين ~~جناية، ومن المؤمنين خيانة، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من ~~المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت ~~الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد ~~علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين؛ ~~أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، ~~فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق، وهذا قوله ~~تعالى: (من قبل أن نبرأها) الحديد: 22، قيل: من قبل أن نخلق الخليقة وقبل ~~أن نبرأ الأرض وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وقيل: من قبل أن نبرأ المصيبة، ~~ثم ms0686 قال تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: ~~32، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده، أفلا يستحي العبد أن يكون ~~على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه؟ فيأسى على ماليس له ويحزن ~~على ما أخذ منه واستودعه، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له، ~~فيبقي عليه، أو قد أعيره فيؤخذ منه، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى ~~قبضه، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء، فهذا لما ~~أيقن شك، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه، فأي شك مع ذلك يتوهم ~~المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله، الشاهدين لمجاري ~~قدر الله في تصاريف حكمه، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين ~~وتاب توبة المدعين، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين، ~~فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله، وهذا مزيد ~~الناقصين. # والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم، كأنه قد أنفقه ~~في سبيل الله، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته ~~استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة ~~قرارها: إن له أجر غلام ولد، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله، وإن ~~كان لم يولد له فقال: أنت تخلقه، وأنت ترزقه إليك، محياه إليك، مماته أقرها ~~قرارها ولك ذلك. # والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة ~~عليه، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه، وحسن نظره للعصا من حيث لا ~~يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين، ويتحقق ~~بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله، فيخفي له ما لا تعلم نفس من ~~قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء، وأنه ~~قد عوفي إذ لم يكن ms0687 هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ، ويحمد الله على ~~ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه، قال بعض العارفين لبعض ~~أصحابه: لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت: لاأدري قال: ~~لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم، وذلك داخل في نصر ~~أخيه الظالم لنفسه، وطاعة لأمر رسوله في قوله: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما؛ ~~أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم، لأنه لو رآه منعه من ~~أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته. # والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب، وقال أبو سليمان الداراني ~~لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة: اذهب فخذ تلك الركوة من البيت ~~فلا حاجة لي بها، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال: ولم؟ قال يوسوس إلى ~~العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان ~~يقول: لولا الكلاب ما شددته أيضا، فقال أبو سليمان: هذا من ضعف قلوب ~~الصوفيين، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها، وهذا كما قال أبو ~~سليمان: لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن ~~يعصي الله به، فيكون هو سبب معصية الله، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل ~~التوكل والرضا، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال ~~في سفر أو حضر، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا ~~اعتقدها بقلبه # PageV02P054 # وكانت في خلده ووجده، وإن لم ينطق بها أو يظهرها: فأكثر الناس إيمانا ~~وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا، وأحسنهم رضا ~~وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا، وأقل الناس إيمانا ~~وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات، وأطولهم شكوى وأقلهم ~~شكرا، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة، ألم تسمع إلى الحديث ~~الذي جاء فيه هذا الدعاء: وأسألك ms0688 من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ~~فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله ~~الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه، فإن وجد المتوكل ~~رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات، ولا ~~أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه ~~في سفر ينفعه شيئا ولا يضره، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا ~~يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه، ومع ذلك فيكون له حال من ~~التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق ~~الورع، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه، وفوض إليه أمره ~~به، ثم رد عليه، لم يستحب له في الورع أن يتملكه، ولا أن يرجع فيه في حسن ~~الأدب، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك ~~توكله، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا، فيكون رده عليه لأنه ~~قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه. # وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا، ثم قال: في سبيل الله، ~~فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن ناقتك في ~~مكان كذا، فلبس نعله وقام ثم نزعها، ثم قال: أستغفر الله، وجلس فقيل له: ~~ألا تذهب فتأخذها فقال: إني قد كنت قلت: في سبيل الله، وحدثت عن بعضهم قال: ~~رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت: مافعل الله بك؟ فقال: غفر لي ~~وأدخلني الجنة، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها، قال وهو في ذلك كئيب حزين ~~فقلت: قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين، فتنفس الصعداء ثم قال: نعم إني ~~لاأزال حزينا إلى يوم القيامة، قلت: ولم ذلك؟ قال: إني لما رأيت منازلي من ~~الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت، ففرحت ms0689 بها، فلما ~~هممت بدخولها، نادى مناد من فوقها: اصرفوه عنها فليست هذه له، إنما هذه لمن ~~أمضى السبيل فقلت: وما أمضى السبيل؟ قيل لي: قد كنت تقول للشيء إذا ذهب ~~منك: في سبيل الله، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك، وقد ~~حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا، وكان قائما يصلي ~~فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال: أما إني قد كنت ~~رأيته وهو # PageV02P055 # يحله، قيل: وما منعك أن تزجره؟ قال: كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني ~~الصلاة قال: فجعلوا يدعون عليه فقال: لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها ~~صدقة عليه، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له: ألا تدعو على ظالمك؟ فقال: ~~ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه، قيل: أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت ~~تأخذها؟ قال: ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها، وقيل لآخر: أدع ~~الله على من ظلمك، قال: ماظلمني أحد ثم قال: إنما ظلم نفسه فلا يكفيه ~~المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه ~~عليه فقال: ما تعزوني على أمر الدنيا، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ~~ذهاب شيء منها قيل: ولم؟ قال: شغلني الشكر عليه عن الحزن، وقد كانوا ~~يقولون: إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك، هذه نعمة الله علينا إذ لم ~~يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة، وقد كان السلف ~~يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على ~~مظلمتهم. # وقد روينا: من دعا على ظالمه فقد انتصر، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض ~~السلف فقال له: لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ~~ينتصف منه لمن أخذ ماله، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة، فلا يزال يشتم ~~ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد ~~عليه يقتص له من المظلوم، وقال ms0690 بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع ~~الطريق وأخذ ماله فقال له: إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل ~~هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير ~~وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال: أعلى الدنانير تبكي؟ فقال: ~~لا والله، ولكن على المسكين، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة، ~~وقيل لبعضهم في معنى هذا: أدع على من ظلمك، فقال: إني مشغول بالحزن عليه عن ~~الدعاء عليه؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه، ~~إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ ~~نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى ~~صدقته عليه، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير، وقد كان بعضهم إذا أخذ له ~~الشيء يشترط فيقول: إن كان فقيرا فهو صدقة عليه، وإن كان محتاجا فهو في حل، ~~وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج ~~بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه، فقال له: كم كان فيه فأخبره، فحمله ~~إلى منزله فوزن له من المال، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا ~~هميانه وهو نائم، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله، فقال: ما كانت ~~لتعود إلي بعد إذ خرجت هي # PageV02P056 # لكم، فقلنا: لاحاجة لنا فيها فقال: خذوها، قال: فأبينا، فقال: يابني، ~~ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها، وهذا كانت ~~نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى ~~سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه: إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل ~~يعزله لسائل آخر أو فقير غيره، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين، وقد رأينا من ~~كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره، فمن عمل به فقد أحياه ms0691 ~~وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء. ### | ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل # اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ~~ولا حفظها عليه، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد، ~~بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد، هكذا هو عند ~~الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له، ولأجل من نفي الشيء من ~~الدنيا، قال الله سبحانه وتعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة) الشورى: ~~36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي، كان صادقا في توكله، وهذه أحوال ~~المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه ~~للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من ~~مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ ~~لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن ~~بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه، وهذا مقام الضعفاء، وإن نقص من ~~الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء، الأمثل فالأمثل بالأنبياء، ولولا ~~الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب ~~العوافي ولا يعجلها، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها، بل هو إلى الازدياد ~~منها أقرب للتمحيص والابتلاء، ومنه قوله عز وجل: (وليمحص الله الذين آمنوا ~~ويمحق الكافرين) آل عمران: 141، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال ~~نعمة توجب عليه الشكر، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها، ~~فما فاته من جهل النعمة، وترك الشكر، أعظم مما يترك من جميع الدنيا، وأخاف ~~عليه لطيفة من المحق، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته ~~لقوله تعالى: ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه، بمقدار ما ~~كفر شكر نعمته، وقد قال سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة: 155 ms0692 فهذا النقص من هذه ~~الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا ~~كما قال تعالى: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) ~~الشورى: 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم، ثم توكلوا رهم لشهادة ~~وكيلهم # PageV02P057 # ولحسن ظنهم به، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم، ويعلو بذلك فيه مقامهم: ~~فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء، والشكر أعلى من ذلك ~~هو شهود البلاء نعمة، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين ~~من المتوكلين، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين: (وما عند الله خير ~~وأبقى أفلا تعقلون) القصص: 60، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما ~~أصابه، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد ~~وأول التوكل، وقال تعالى في وصف الخصوص: (وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) الشورى: 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم ~~المتوكلون عليه، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا ~~الخطاب، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ~~ليرغبوا فيه، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه، ~~ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم، إذ قد باعوها منه، فكيف يتملكون ~~ماعندها؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه، ~~وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) ~~النحل: 96 ### | ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل # اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين ~~على علم أعلمهم به، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده، ثم زاد كل واحد من ~~الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا، ثم كشف لهم العواقب ~~وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم ~~على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة، ثم قال لهم: دبروا الملك بما أعطيتكم ~~من العلوم ms0693 والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له، ~~لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع ~~والضر جناح بعوضة، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا ~~العلوم المشاهدات غير هذا التدبير، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ~~ويقلب فيه، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف ~~والمعتاد من الأمور، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع ~~العقول فيه وجبل العقول عليه، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى ~~المثاوب، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا ~~المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون، ويقال: أصغر ماخلق الله من الحيوان ~~والموات البعوضة والخردلة، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة، ثم ~~يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من ~~الهدى، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم ~~الحجاب نهاية أمانيهم، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في # PageV02P058 # تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم، خير لهم من كون أمانيهم، وأفضل لهم عند ~~الله من قبل إن الله، أحكم الحاكمين، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا ~~للتمني لقلة الإيقان: (أم للإنسان ما تمنى) (فلله الآخرة والأولى) النجم: ~~24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى: (ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) المؤمنون: 71 فالمتوكل محب لله ~~تعالى مسرور بربه فرح له بملكه، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء، ~~والعبد عاجز لا يقدر على شيء، فهذا أول مقام في المحبة، فقد كفى الخلائق ~~هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير، وإنما يحتاجون إلى معرفة ~~بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا ~~يضطرب، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من ~~لطيف التدبير وباطن التقدير، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند ~~المعاينة، وقد كشف الغطاء وظهر ms0694 ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض، ~~وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر ~~وأخفى، ففي كل واحد منهما نعمة، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة، ولكن قد خلق ~~الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف، وليس يعرفون من ~~سر قدره إلا بمعيار ما عرف، وقال تعالى: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم) الحجر: 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده، وقال ~~أبو سليمان الداراني: إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر، وقال ~~بعض العارفين: إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد، رأيت ما لم ~~تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق، وقال بعضهم: لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن ~~لم تر عجبا رأيت العجب. ### | ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين # اعلم أن العلماء بالله سبحانه؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم، ~~ولا لأجل تبليغهم مرادهم، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون، ولا ~~ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما ~~يعقلون، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار، هو ~~أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا، لو اعتقد عارف بالله ~~أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله ~~معصية، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت، فطالبوا قلوبهم ~~بالرضا عنه كيف جرت، وقال رجل لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إني تعلقت ~~بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل، فقال له: ~~ويحك، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك، وأنشدنا بعض ~~العلماء لبعض الحكماء: # PageV02P059 # لما رأيت القضا جاريا ... لا شك فيه ولا مرية # توكلت حقا على خالقي ... وألقيت نفسي مع الجرية # وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله، فذلك كراهة ما ms0695 كره حبا لله واكتراما ~~لحكمه عليهم، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا: فلم قضيت ما تكره ولم ~~كرهت ما قضيت؟ هو أجل وأعظم، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب ~~في قول أو عقد، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به، وإنما توكل العلماء ~~به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب ~~التسليم له، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول: والله ~~على شيء وكيل، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ~~وحين فقهوا قوله: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، ولما عقلوا من خطابه: ~~أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل، وندب إليه وحقق الإيمان ~~به؛ إذ سمعوه تعالى يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يدبر الأمر؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ~~وفي السماء رزقكم، وما توعدون، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه ~~إستحياء، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة ~~بالاعتقاد عليه؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها، ومنهم من توكل ~~عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه، وكل عرفه عن ~~العذر المتجلي الذي عرفه؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه، وكل يقرب على قدر ~~علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه، وكل بعلمه على قدر ~~عنايته به ومن ورائه سر القدر، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد ~~شهادته وجزاؤه نحو معاملته، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله، والله ~~بصير بما يعملون، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون، ~~فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم، وهو ~~يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات، ~~الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، ومن الخصوص ms0696 من توكل عليه ~~تعظيما له وإجلالا، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ ~~الموعود بيده إذ يقول تعالى: ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا، ~~ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره، ومنهم من توكل ~~عليه ليحفظ عليه ماله فيه، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه ~~في ماله عليه، # PageV02P060 # ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته، ومنهم من توكل عليه ~~تسليما له عن جميل معاملته، ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم ~~تقديره، ومنهم من توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته، ذلك يقتضيه، ~~فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب، ~~وبعضهم أعلى مقاما من بعض، وبعض هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل ~~عليه للإجلال والتعظيم، وأوسطها من توكل عليه للمحبة والخوف، وأدناها من ~~توكل عليه تسليما له وتحببا إليه، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما يستحي ~~العارفون من ذكره، وينزهون قلوبهم عن فكره، وهو التوكل عليه في القلوب، وقد ~~طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا ~~يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل، والله المستعان ~~فدخل من عرفه فيما يحب لأجله، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم ~~به الولي حسن ثناء، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه. ### | ذكر بيان آخر في التوكل # وما لا ينقص المتوكل ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما ~~أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة، إذ لم يقصد غير مطلوب، وكان مفوضا إلى ~~الله الأمور، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا ~~إذا كان العطاء شغلا عنه، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد، وقد يكون ~~فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته، لا فيما يعقل العبد عاجل ~~منفعته، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم، فإن سأل تكاثرا من ~~الدنيا، أو ms0697 مالا يحتاج إليه، وما ليس فيه صلاح قلبه، ولا قربة إلى ربه، ~~أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد؛ وإن انقطع بالذكر عن ~~المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد ~~الكفاية ورضي بجميع التصرف، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو ~~حال المقربين، ولا يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا ~~فاقة، ورزقه معلوم لا بد منه، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه ~~إلى القاسم، ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه، ولكن إن تشرف إلى الزيادة، ~~وخرج من القناعة، وطلب العادة، وأراد الشيء قبل وقته، أو كره تأخره عنه إلى ~~وقت مقدوره، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده، ولو كان الشرف إلى الرزق ~~منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من ~~تعالج من علله بالدواء، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء، فجاء ~~من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح، ~~وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد، فلهم منها مقامات، # PageV02P061 # ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة، لأنه قد ~~شوق إلى ذلك وندب إليه، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى ~~علو درجة الصديقين من المتوكلين، وقد يكون مزيدا على قدر حاله، إلا أنه لا ~~يدخله في إخلاص المحبين، ولايرفعه في درجات المقربين، ولا يصح التوكل إلا ~~بزهده في الدنيا، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام، وأول أحوال المتوكل في ~~القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت، وأعلى التوكل التوكل عليه في ~~الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام، وهو إطراح النفس ~~ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد ~~الوكيل، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل ~~توكلك، واستسلمت إليه فسلمك، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما، يضطرك الحكم ~~إلى الحاكم ويوقفك الوصف على ms0698 الوكيل، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك ~~وعليك ماشاء من القسم، فأعلى توكلك عليه حياء منه، وإشهاده إياك توكله لك ~~بحسن التدبير، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه: فإما أن يقتضيك تصبرا ~~له، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو ~~استراحة من تدبيرك لنفسك، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك، ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء، فقد قيل: حسبه ~~أي التوكل، وقد قيل: التوكل حسبه من سائر المقامات، وقيل: الله حسبه أي ~~يكفيه ممن سواه، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة: (إن الله بالغ ~~أمره) الطلاق: 3؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن ~~من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا، ولا يزيد ~~من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من ~~رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على ~~تقواه، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب ~~والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته، ~~ويلقي عليه رضاه ومحباته، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه، ~~والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار ~~إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور ~~الدنيا وأمور الآخرة، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود، فجرى عليه الأحكام ~~في الدارين، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين، والله هو ~~الغني الحميد المبدئ المعيد، وقيل لأبي محمد سهل: متى يصح للعبد # التوكل؟ فقال: إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه، فإن نظر ~~مولاه له أحسن من نظره لنفسه، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون، ~~فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور. ms0699 كل؟ فقال: إذا ~~علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره ~~لنفسه، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون، فيترك التدبير ولله عاقبة ~~الأمور وهو على كل حال محمود شكور. # PageV02P062 ### | ذكر أحكام مقام الرضا # الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله، وقد قال ~~تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) الرحمن: 60، فمن أحسن الرضا عن الله ~~جازاه الله بالرضا عنه، فقابل الرضا بالرضا، وهذا غاية الجزاء ونهاية ~~العطاء، وهو قوله عز وجل: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) التوبة100 وقد رفع ~~الله الرضا على جنات عدن، وهي من أعلى الجنات، كما فضل الذكر على الصلاة ~~فقال تعالى: (ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر) التوبة: 27 كما ~~قال تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) العنكبوت: ~~45 والذكر عند الذاكرين المشاهدة، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من ~~الصلاة وهو أحد الوجهين من الآية، والوجه الثاني ذكر الله للعبد أكبر من ~~ذكر العبد لله، وقال أبو عبد الله الساجي: من خلق الله عباد يستحيون من ~~الصبي يتلقفون مواقع أقداره بالرضا تلقفا، وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: ~~أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء، فالراضون عن الله عز وجل هم ~~الذاكرون لله بما يحب ويرضى، فالراضون الأكبر جزاء أهل الذكر الأكبر، وهذا ~~أحد المعاني في قوله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين؛ أي الرضا عنه، لأن السائلين يسألونه لهم فأعطاهم العفو، ~~والذاكرون ذكروه فأعطاهم الرضا عنه عز وجل، ويكون أيضا معناه: أعطيته النظر ~~إلي لأن الذكر يدخل في المشاهدة، فقابل النظر إليه اليوم بالنظر إليه غدا ~~كما قابل الوصف بالوصف في قوله عز وجل: (وجوه يومئذ مسفرة) (ضاحكة مستبشرة) ~~عبس: 38 - 39 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يتجلى لنا ربنا ضاحكا، ~~والذكر قرب السمع. # والسمع يخرج إلى النظر، والرضا هو حال الموفق، واليقين هو حقيقة الإيمان، ~~وإلى هذا ندب النبي ms0700 صلى الله عليه وسلم ابن عباس في وصيته له فقال: إعمل ~~لله باليقين في الرضا، فإن لم يكن فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، ~~فرفعه إلى أعلى المقامات ثم رده إلى أوسطها، كذلك قال لابن عمرو: اعبد الله ~~كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فند المشاهدة وهو الإحسان لأنه سأل: ~~ما الإحسان؟ قال: تعبد الله كأنك تراه، ثم رده إلى الصبر والمجاهدة وهو ~~الإيمان، وهذا مكان العلم بأن الله يراه، وليس بعد هذا مكان يوصف، وقد رفع ~~الله تعالى الرضا منه فوق ما أعطي من النظر، ففي الخبر أن الله تعالى يتجلى ~~للمؤمنين فيقول: سلوني، فيقولون: رضاك، فسؤالهم الرضا بعد النظر تفضيل # PageV02P063 # عظيم للرضا، ولأن بالرضا دام لهم النظر لما كان الرضا موجب النظر، سألوا ~~دوام الرضا ليدوم القرب والنظر، فسألوه تمام النعمة من حيث بدايتها، ولا ~~يصلح أن يظهر في معنى قولهم: رضاك أكبر من هذا، ولا يرسم في كتاب حقيقة ~~الأمر لأنه على كشف وصف من صفات الذات، يوجب على العبد هيبة الربوبية، وخوف ~~هذا عن القلوب محجوب وحكمة من سرائر الغيوب، وهذا في الدنيا ثواب لأهل ~~الخشية عن معرفة خاصية، قال الله سبحانه: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن ~~خشي ربه) البينة: 8، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: (ولدينا مزيد) ق: 35 ~~قال: يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين: أحدها ~~هدية من عند الله ليس عندهم في الجنان مثلها، وذلك قوله تعالى: (فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) السجدة: 17والثانية السلام عليهم من ربهم ~~فيزيد ذلك على الهداية، فهو قوله تعالى: (سلام قولا من رب رحيم) يس: 58 ~~والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية ومن ~~التسليم، فذلك قوله تعالى: (ورضوان من الله أكبر) التوبة: 72 من النعيم ~~الذي هم فيه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لطائفة من المؤ منين: ~~ماأنتم؟ قالوا نحن المؤمنون، فقال: ms0701 ماعلامة إيمانكم قالوا: نصبر عند البلاء ~~ونشكر عند الرضا ونرضى بمواقع القضاء، فقال: مؤمنون ورب الكعبة، وفي خبر ~~آخر أنه قال: حلماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، فشهد لهم ~~بالإيمان بعد وصف الرضا، وكذلك جعل لقمان الحكيم الرضا من شرط الإيمان ~~لايصلح إلا به، فقال في وصيته: للإيمان أربعة أركان لا يصلح إلا بهن، كما ~~لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين: ذكر منها الرضا بقدر الله وحدثونا في ~~الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا، فرأي في المنام فلانة الراعية ~~رفيقتك في الجنة، فسأل عنها إلى أن وجدها، فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها ~~فكان يبيت قائما وتبيت نائمة، ويظل صائما وتظل مفطرة، فقال: أما لك عمل غير ~~مارأيت؟ قالت: ما هو والله إلا مارأيت، لا أعرف غيره، فلم يزل يقول: تذكري ~~حتى قالت: خصيلة واحدة هي في، إن كنت في شدة لم أتمن في رخاء، وإن كنت في ~~مرض لم أتمن أني في صحة، وإن كنت في الشمس لم أتمن أني في الظل قال: فوضع ~~العابد يده على رأسه فقال: أهذه خصيلة؟ هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها ~~العبد، وقد روينا عن ابن مسعود: من رضي بما ينزل من السماء إلى الأرض غفر ~~له، وقال أبو الدرداد: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر. # وروي عن محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه وسلم: من خير ما أعطي ~~العبد الرضا بما قسم # PageV02P064 # الله له، وفي الخبر المشهور: طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه كفافا ~~ورضي به، وفي مثله أيضا من رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي الله ~~منه بالقليل من العمل، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا: من ~~طرق أهل البيت إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه، ~~فالرضا عن الله عز وجل والرحمة للخلق وسلامة القلب والنصيحة للمسلمين ~~وسخاوة النفس مقام الأبدال من الصديقين، وقد روينا في أخبار موسى عليه ~~السلام أن بني إسرائيل قالوا: سل ms0702 ربك أمرا إذا فعلناه يرضى به عنا، قال ~~موسى: إلهي قد سمعت ما يقولون، فقال: يا موسي قل لهم يرضون عني حتى أرضى ~~عنهم، ويشهد لهذا الخبر المروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ~~يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده، فإن الله ينزل العبد منه بحيث ~~أنزله من نفسه، وقد روينا حديثا حسنا كالمسند عن حماد بن سلمة عن ثابت ~~البناني عن أنس بن مالك: إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائقة من أمتي ~~أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاؤوا قال: ~~فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حسابا فيقولون: هل ~~جزتم الصراط فيقولون: ما رأينا الصراط فيقال لهم: رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما ~~رأينا شيئا فتقول الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيقولون: نشدناكم الله، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا ~~فيقولون: خصلتان كانتا فينا فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته فيقولون: ~~وما هما؟ فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم الله ~~لنا، فتقول الملائكة: يحق لكم هذا، هكذا كان في كتاب شيخنا عن أنس، وقال ~~فيه لطائفة من أمتي ففيه دليل على المسند، وقد جاء الأثر: من رضي من الله ~~بالقليل من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل، وقال بعض علمائنا: أعرف ~~في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم من الجنان، في قبورهم بغدى عليهم ويراح ~~من الجنة بكرة وعشيا، وهم في غموم وكروب في البرزخ، لو قسمت على أهل البصرة ~~لماتوا أجمعين، قيل: وما كانت أعمالهم؟ قال: كانوا مسلمين، إلا أنهم لم يكن ~~لهم التوكل ولا من الرضا نصيب، وقد جاء في فرض الرضا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أعطوا الله الرضا من قلوبكم تطفروا بثواب فقركم، وإلا فلا، وقرن ~~لقمان الرضا بالتوحيد فقال في وصيته لابنه: أوصيك بخصال تقربك إلى الله ~~وتباعدك من سخطه: الأولى تعبد الله لا تشرك به شيئا، والثانية ms0703 الرضا بقدر ~~الله فيما أحببت وكرهت، وقال في وصيته: ومن يتوكل على الله ويرضى بقدر الله ~~فقد أقام الإيمان وفرغ يده ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي ~~تصلح للعبد أمره، # PageV02P065 # فمن الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل ~~حال، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وقناعة العبد بكل ~~شيء، واغتباطه بقسمة ربه وفرحه بقيام مولاه عليه، واستسلام العبد للمولى في ~~كل شيء ورضاه منه بأدنى شيء وتسليمه له الأحكام والقضايا باعتقاد حسن ~~التدبير وكمال التقدير فيها، ولتسليم العبد إلى مولاه ما في يديه رضا بحكمه ~~عليه، وإن لا يشكو الملك السيد إلى العبد المملوك ولا يتبرم بفعل الحبيب، ~~ولا يفقد في كل شيء حسن صنع القريب، ومن الرضا أن عند أهل الرضا لا يقول ~~العبد: هذا يوم شديد الحر ولا هذا يوم شديد البرد، ولا يقول: الفقر بلاء، ~~ومحنة والعيال هم وتعب، والاحتراف كد ومشقة، ولا يفقد بقلبه من ذلك ما لا ~~يغره به بل يرضي القلب ويسلم ويسكن العقل، ويستسلم بوجود حلاوة التدبير ~~واستحسان حكم التقدير، كما قال عمر بن عبد العزيز: أصبحت وما لي سرور إلا ~~في انتظار مواقع القدر، وقال ابن مسعود: الفقر والغنى مطيتان ما أبالي ~~أيهما ركبت، إن كان الفقر فإن فيه الصبر، وإن كان الغنى فإن فيه البدل، ~~وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إن فلانا قال: وددت أن الليل ~~أطول مما هو فقال: قد أحسن، وقد أساء، أحسن حيث تمنى طوله للعبادة وأساء ~~إذا لم يحب ما لم يحب الله. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت ~~من شدة أو رخاء، وقال ذات يوم لامرأته عاتكة وقد غضب: والله لأسوءنك: فقالت ~~أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد أن هداني الله له؟ قال: لا، قالت: فأي ~~شيء تسوءني إذا، وقال جعفر بن سليمان الصنعي قال سفيان الثوري يوما عند ~~رابعة: اللهم ارض عنا، فقالت: أما ms0704 تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنك غير ~~راض عنه؟ فقال: أستغفر الله، قال جعفر فقلت لها: متى يكون العبد راضيا عن ~~الله تعالى؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة، وقال فضيل ~~بن عياض: إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي، وفي أخبار داود: ما ~~لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، وفي بعضها: ~~يا داود، إياك والاهتمام بالدنيا، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا ~~يغتمون، إياك والغم ولاتهتم للخير وأنت تريدني، ويقال: أكثر الناس هما في ~~الدنيا أكثرهم هما في الآخرة، وأقلهم هما في الدنيا أقلهم هما في الآخرة، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن، ~~واعلم أن الفرح بالدنيا يخرج هم الآخرة من القلب، والغم على الدنيا يحجب عن ~~الحزن على فوت الآخرة، وذكر عند رابعة عابد له عند الله منزلة، وكان قوته ~~ما يقمم من منزلة لبعض # PageV02P066 # ملوكهم فقال رجل عندها: فما يضر هذا إذا كانت له عند الله منزلة أن ~~يسأله، فيجعل قوته في غير هذا فقالت له: اسكت يا بطال، أماعلمت أن أولياء ~~الله هم أرضى عنه أن يتخيروا عليه إن ينقلهم من معيشة حتى يكون هو الذي ~~يختار لهم، وقال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان: إن الله تعالى من ~~كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت: وكيف ذلك؟ قال: أليس ~~مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه؟ قلت: نعم قال: فإن محبة الله من ~~عبيده أن يرضوا عنه، وقال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان، نعم الرب ~~ربنا لو أطعناه ما عصانا، وقال الله عز وجل في معناه: (ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) الشورى: 26، أي يعطيهم ويستجيب لهم، والاستجابة الطاعة ~~كقوله تعالى: (فليستجيبوا لي) البقرة: 186، فلما استجابوا له استجاب لهم، ~~أطاعوه فيما أحب فأطاعهم فيما يحبون، وهذا أحد وجهي الآية كقوله تعالى: ~~(وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) البقرة: 40 وهو على تأويل من قرأ: ms0705 هل يستطيع ربك ~~أن يطيعك؟ قال ابن عباس: كان الحواريون أعلم بالله أن يشكوا أن الله يقدر ~~على ذلك، وإنما معناه: هل يستطيع أن يطيعك؟ وروينا أيضا عن عائشة مثله، ~~وقال الفضيل: من أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء، ومن خاف من الله خاف منه كل ~~شيء، وفي أخبار موسى عليه السلام يا رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله، ~~فأوحى الله تعالى إليه إن رضاي في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره، قال: يا ~~رب دلني عليه قال: فإن رضاي في رضاك بقضائي، وقد يروى على وجه آخر أن بني ~~إسرائيل سألوا موسى فقالوا: لو علمنا في أي شيء رضا ربنا لفعلناه، فأوحى ~~الله إليه قل لهم: رضاي في رضاهم بقضائي وفي مناجاة موسى عليه السلام يا رب ~~أي خلقك أحب إليك؟ قال: من إذا أخذت منه المحبوب سالمني قال: فأي خلقك أنت ~~عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائي، وقد ورد أشد ~~من هذا كله أن الله تعالى قال: (أنا الله لا إله إلا أنا) طه: 14، من لم ~~يصبر على بلائي ويرض بقضائي ويشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي، وقد رويناه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ومثله في الشدة يقول الله تعالى: قدرت ~~المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع، فمن رضي فله الرضا مني حين يلقاني ~~ومن سخط فله السخط مني حين يلقاني، وفي الخبر: أول ما كتب لموسى عليه ~~السلام: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا) طه: 14، من رضي بحكمي واستسلم ~~لقضائي وصبر على بلائي كتبته صديقا وحشرته مع الصديقين يوم القيامة. # وروينا في الخبر المشهور بمعناه يقول الله جل جلاله: قدرت الخير والشر ~~وأجريتهما على أيدي عبادي، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه ~~وويل # PageV02P067 # لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال: لم وكيف؟ وفي ~~الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله الجوع والفقر عشر سنين، ~~كل ذلك لا ms0706 ينظر في مسألته فأوحى الله إليه: لم تشكو؟ هكذا كان بدوك عندي في ~~أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض، وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك ~~قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما ~~قدرت عليك، فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد، وعزتي ~~وجلالي لن تخالج في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة، وروينا أن آدم ~~عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على جسمه وينزلون، يجعل أحدهم ~~رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه ثم ينزل على أضلاعه، كذلك قال ~~وهو مطرق إلى الأرض ولا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت، ألا ~~ترى مايصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال: يا بني، إني رأيت ما لم تروا، ~~وعلمت ما لم تعلموا، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار ~~الهوان، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى فيصيبني ~~ما لا أعلم، روينا في بعض الأخبار أنه قال: إن الله ضمن لي إن حفظت لساني ~~أن يردني إلى الدار التي أخرجني منها، وقال أبو محمد سهل: حظ الخلق من ~~اليقين على قدر حظهم من الرضا، وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله، وروى ~~عطية عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله بحكمه وجلاله ~~جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط، ومن ~~الرضا أن لا تذم شيئا مباحا ولا تعيبه إذا كان بقضاء مولاه، شاهدا للصانع ~~في جميع الصنعة ناظرا إلى إتقان الصنع والحكمة وإن لم يخرج ذلك عن معتاد ~~المعقول والعادة، وبعض العارفين يجعل هذه الأشياء في باب الحياء من الله عز ~~وجل، ومنهم من يقول: هي من حسن الخلق مع الله تعالى، ومنهم من جعله من باب ~~الأدب بين يدي الله، فإذا كان هذا كذلك كان ذم الأشياء التي أبيحت ms0707 وعيبها ~~من سوء الخلق مع الله، وكانت من سوء الأدب بين يدي الله، وأعظم من ذلك أنها ~~تدخل في باب قلة الحياء من الله، ويصلح أن يكون هذا أحد معاني الخبر الذي ~~جاء: قلة الحياء كفر، يعني كفر النعمة بأن يذم ويعيب بعض ما أنعم الله به ~~عليه من الإرفاق والإلطاف، إذ كان فيها تقصير عن تمام ملها أو كانت مخالفة ~~لهواه منها، فيكون ذلك كفرا للنعمة وقلة حياء العبد من المنعم، إذ قد أمره ~~بالشكر على ذلك، فبدل الشكر كفرا لأن أحدا لو اصطنع لك طعاما فعبته وذممته ~~كره ذلك منك، فكذلك تعالى يكره ذلك منك، وهذا داخل في معرفة معاني الصفات، ~~وفي معنى ما قيل أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه، لأنك إذا عرفت صفات نفسك في ~~معاملة الخلق عرفت منها صفات خالقك، # PageV02P068 # وبعض الراضين يجعل ذم الأشياء وعيبها بمنزلة الغيبة لصانعها لأنها صنعته ~~ونتاج حكمته، ونفاد علمه وحكم تدبيره وتدبير مقاديره، لأنه أحكم الحاكمين ~~وخير الرازقين وأحسن الخاقين، له في كل شيء حكمة بالغة وفي كل صنعة صنع ~~متقن، ولأنك إذا عبت صنعة أحد وذممتها سرى ذلك إلى الصانع، لأنه كذلك صنعها ~~وعن حكمته أظهرها، إذ كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها في ~~خلقتها، وكان الورعون لا يعيبون صنعة عند كراهة الغيبة له وذلك أن الراضي ~~عن الله متأدب بين يدي الله يستحي أن يعارضه في داره أو يعترض عليه في ~~حكمه، فصاحب الدار يصنع في حكمه ما شاء والحاكم يحكم بأمره كيف شاء، والعبد ~~راض بصنع سيده مسلم لحكمة حاكمه # وروي في الإسرائيليات أن عيسى عليه السلام مر مع نفر من أصحابه بجيفة كلب ~~فغطوا آنافهم وقالوا: أف أف، ما أنتن ريحه فلم يخمر عيسى عليه السلام أنفه ~~وقال: ما أشد بياض أسنانه، أراد أن ينهاهم بذلك عن الغيبة ويعلمهم ترك عيب ~~الأشياء، كيف هو يرى بعين نفسه أن الصنعة من صانعها، فهو يقلبها ويصرفها ~~على معاني نظره، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه ms0708 وسلم أنه ما عاب طعاما ~~قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشر سنين، ليس كل امرئ كما يريد صاحبي، ما قال لي لشيء فعلته: لما ~~فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته، ولا قال في شيء كان: ليته لم يكن ولا ~~لشيء لم يكن: ليته كان، وكان يقول: لو قضى شيء لكان، وهذا وصف الراضي ~~الموقن القائم بشهادته، فبالنظر في هذه الدقائق والوقوف عندها رفع القوم ~~عند الله إلى مقام المقربين، وبالتهاون بها والغفلة عنها نغلت القلوب ففسدت ~~حتى لم تصلح للمحبة والرضا، وهذه المعاني من الاعتراضات، والتخير هو تقدم ~~بين يدي الله وذاك التدبير الذي يشير إليه سهل ويقول: إن تدبير الخلق حجبهم ~~عن الله عز وجل، وحكي لنا أن بعضهم صحب بعض العارفين في طريق فعبث بشيء ~~فنحاه من مكان إلى مكان آخر فقال له العارف: ماذا صنعت؟ أحدثت في الملك ~~حدثا عن غير ضرورة ولا سنة، ولا تصحبني أبدا فلو لم يكن لنا من الذنوب إلا ~~هذه الأشياء لقد كان كافيا، وفوق ذلك تهاوننا بها وأعظم من ذلك ترك التوبة ~~والاستغفار منها، وأعمال طلاب الرضا من الله مضاعفة على أعمال المجاهدين في ~~سبيل الله لأن أعمال المجاهدين تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وتضعيف طالبي الرضا ~~لا تحصى، قال الله تعالى: (والله يضاعف لمن يشاء) البقرة: 261، وقال تعالى: ~~(فيضاعفه له أضعافا كثيرة) البقرة: 245، قيل: الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، ~~وقد قال سبحانه: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء # PageV02P069 # مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة) البقرة: 265، فكم في هذه ~~الحنة من سنبلة وحبة، فهؤلاء الذين قال: والله يضاعف لمن يشاء هم أهل الرضا ~~عنه، وهم الذين أقرضوا الله قرضا حسنا لأجله لمضاعفته لهم أضعافا كثيرة، ~~فمن عقل عن الله حكمته كان مع الله تعالى فيما حكم مسلما له ما شهد، لأنه ~~سبحانه باختياره أنشأ الأشياء، وبمشيئته أبداها وعنه يتصرف المقدور وإليه ~~عواقب الأمور، لا يكون مع نفسه فيما يهواه ولا ms0709 مع معتاده وعرفه فيما يعقل، ~~وقال بعض العارفين: قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا، فما لي منه إلا مشام ~~الريح، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار لكنت بذلك ~~راضيا، وقيل لعارف فوقه: نلت غاية الرضا عنه فقال: الغاية لا، ولكن مقام من ~~الرضا قد نلته حتى لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة، ثم ~~ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه، ورضيت به من ~~قسمه، وحدثونا عن الروذباري قال: قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول ~~فلان: وددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوه، مامعناه قال: يا ~~هذا، إن كان من طريق الإشفاق على الخلق والنصح فأعرف، وإن كان من طريق ~~التعظيم والإجلال فلا أعرف، قال ثم غشى عليه، وقد كان عمران بن حصين استسقى ~~بطنه فلبث ملقى على ظهره ثلاثين سنة سطحيا، لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في ~~سرير من جريد كان تحته موضعا لغائطه وبوله، فدخل عليه مطرف أو أخوه العلاء ~~فجعل يبكي لما يرى من حاله، فقال: لم تبكي؟ فقال لأني أراك على هذه الحال ~~العظيمة فقال: لا تبكي فإن أحبه إلي أحبه إلى الله ثم قال: أحدثك شيئا لعل ~~الله أن ينفعك به، واكتم عني حتى أموت أن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم ~~علي فأسمع تسليمها، أراد عمران رحمه الله بذلك أن يعلم أن هذا البلاء ليس ~~بعقوبة: لأن مثل هذه الآية إنما هو درجة ورحمة، وبلاء العقوبات لا يكون معه ~~الآيات ولا يوجد عنده الحلاوات، ولا مزيد القلوب من نسيم ريحان الغيوب ~~ولأنه كان حزن عليه فأراد أن يبشره: فلا تذكر الحبيب ولا حب لقاء الطبيب، ~~كما أنشد بعض المحبين: # با حبيبا بذكره نتداوى ... وصفوه لكل داء عجيب # من أراد الطبيب سر إذا ... اعتل اشتياقا إلى لقاء الطبيب # من أراد الحبيب سار إليه ... وجفا الأهل دونه والقريب # ليس داء المحب داء يداوى ... إنما برؤه لقاء الحبيب # قال: ms0710 ودخلنا على سويد بن شعبة نعوده، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته ~~شيئا حتى كشف، فقالت له امرأته: أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال: طالت ~~الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا، ~~فذكر أياما ثم قال: وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر، # PageV02P070 # واعتل حذيفة علة الموت فجعل يقول: أخنق خناقك فوعزتك أنك لتعلم أني أحبك، ~~فلما حضره الموت جعل يقول: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم، وروى أيضا ~~مثل هذا عن أبي هريرة، ولما قدم سعد إلى مكة وكان قد كف بصره جاءه الناس ~~يهرعون، كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة، دعا ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال عبد الله بن السائب: فأتيته ~~وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم، فذكر قصة ~~قال في آخرها فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك ~~بصرك، فتبسم ثم قال: يابني، قضاء الله عندي أحسن من بصري، وقال إن بعض هذه ~~الطائفة ضاع ولده وكان صغيرا ثلاثة أيام لا يعرف له خبرا فقيل له: لو سألت ~~الله أن يرده عليك فقال: اعتراضي عليه فيما قضى أشد من ذهاب ولدي، وقد ~~روينا عن بعض العباد أنه قال: أذنبت ذنبا فأنا أبكي عليه منذ ثلاثين سنة، ~~وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب قيل له: وما هو قال: ~~قلت مرة لشيء كان: ليته لم يكن، وقال بعض السف: لو قرض جسمي بالمقاريض كان ~~أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه، وحدثونا عن بشر الحافي ~~قال: رأيت بعبادان رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه، وهو في ~~ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله، قال وإذا هو قد صرع من حبه به قال: فوضعت ~~رأسه في حجري وجعلت أسأل الله عز وجل كشف مابه، وأدعو له، فأفاق ms0711 فسمع دعائي ~~فقال: من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي ويعترض عليه في نعمه علي؟ ~~قال ونحى رأسه، قال بشر فاعتقدت أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من ~~البلاء، وقيل لعبد الواحد ابن زيد: ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال: ~~حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال: لا قال: هل أنست به قال: لا قال: فهل ~~رضيت عنه قال: لا قال: فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال: نعم قال: لولا ~~أني أستحي منك لأخبرتك أن معاملتك خمسين سنة مدخوله، أراد بذلك أنه لم ~~يقربك فيجعلك في المقربين فيكون مزيدك لديه من أعمال القلوب، وكذلك يصنع ~~بأوليائه، إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين، فمزيد العموم من أعمال ~~الجوارح، وقد يكون الرجل مخلصا في مقامه وإن كان فوقه فوق، وقد روينا عن ~~ابن محيريز، وكان من عباد أهل الشام وعلمائهم، كلمة غريبة المعنى دقيقة في ~~معنى المخالفة لله عز وجل، وإن كان قد فسرها فإنه لم يكشف معناها لفهم ~~السامعين منه والحاضرين عنده فيحتاج تفسيرها إلى تفسير، روينا عنه أنه قال: ~~كلكم يلقى الله تعالى، ولعله قد كذبه وذلك أن أحدكم لو كان له أصبع من ذهب ~~ظل يشير بها، ولو كان به شلل ظل يواريها، يعني بذلك أن الذهب من زينة ~~الدنيا، وقد ذم الله تعالى الدنيا وأن البلاء زينة أهل الآخرة وقد مدح الله ~~الآخرة، أي فأنت إذا أعطاك زينة الدنيا أظهرتها # PageV02P071 # وفخرت بها وإذا أعطاك زينة الاخرة وهي المصائب والبلاء كرهتها وأخفيتها ~~لئلا تعاب بذلك، فحسب عليه حب الدنيا والتزين بها وكراهة البلاء تكذيبا لله ~~وردا عليه ما وصفه، وهذا يدخل في باب الزهد وفي باب الرضا، ويدخل على من ~~أخفى الفقر والبلاء حياء من الناس لئلا يعاب بذلك، فهو من ضعف يقينه بقوة ~~شاهد الخلق، ويدخل فيه من أظهر الغنى من غير نية ولا تحدث بنعمة الله، فذلك ~~أيضا من قوة شاهد حب الدنيا، وكذلك قال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقامات ms0712 ~~لا حد لها، الزهد والورع والرضا، وخالفه سليمان ابنه، وكان عارفا، ومن ~~الناس من كان يقدمه على أبيه فقال: بلى، من تورع في كل شيء فقد بلغ حد ~~الورع، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حد الزهد، ومن رضي عن الله في كل شيء فقد ~~بلغ حد الرضا، ولا ينقص الراضي من مقام الرضا مسألة مولاه مزيد الآخرة ~~وصلاح الدنيا، تعبدا بذلك وافتقارا إليه في كل شيء لأن في ذلك رضاه ومقتضى ~~تمدحه بمسألة الخلائق له، فإن صرف مسائله إلى طلب النصيب من المولى وابتغاء ~~القرب # منه حبا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك، لأنه قد رد قلبه إليه ~~وجمع همه بذلك، وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته، وهو مقام المقربين ~~ومقتضى حاله، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت من أحواله كما يسأل عن جملة ~~عماله بعلومه في جملة عمره، وهذا أصل فاعرفه، فهو طريق الصوفيين وعليه عمل ~~العارفين من السلف، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف من خالف، وإن كان دعاؤه تمجيد ~~السيدة وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولها بحبه، لأنه مستوجب لذلك ~~بوصفه، ولأنه واجب عليه، فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله، فهذا أفضل وهو ~~مقام المحبين، وهو من القيام بشهادته، وقد دخل فيما ذكرناه من مقتضى حاله ~~بالعمل بعمله في وقته، وللعلماء مسألة قد اختلفوا فيها: في أهل المقامات ~~ثلاث، أيهم أفضل؟ عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، وعبد يحب البقاء للكد ~~والخدمة للمولى، وعبد قال: لا أختار شيئا بل أرضى مايختار لي مولاي، إن شاء ~~أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا، قال: فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال: ~~صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم فضولا، وهذا كما قاله في الاعتبار بترك ~~الاعتراض والاختبار، لأنه دخل في الدار بغير اختيار، وكذلك يكون خروجه منها ~~على معنى دخوله بلا اختيار، لأن مقام الرضا أعلى من مقام التشوق، ثم الذي ~~يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، وهذا مقام في المحبة ms0713 وفي ~~حقيقة الزهد في الحياة. ه حبا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك، لأنه ~~قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك، وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته، وهو ~~مقام المقربين ومقتضى حاله، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت من أحواله كما ~~يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره، وهذا أصل فاعرفه، فهو طريق ~~الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف من خالف، ~~وإن كان دعاؤه تمجيد السيدة وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولها ~~بحبه، لأنه مستوجب لذلك بوصفه، ولأنه واجب عليه، فقد استغرقه وجوب ما عليه ~~عماله، فهذا أفضل وهو مقام المحبين، وهو من القيام بشهادته، وقد دخل فيما ~~ذكرناه من مقتضى حاله بالعمل بعمله في وقته، وللعلماء مسألة قد اختلفوا ~~فيها: في أهل المقامات ثلاث، أيهم أفضل؟ عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، ~~وعبد يحب البقاء للكد والخدمة للمولى، وعبد قال: لا أختار شيئا بل أرضى ~~مايختار لي مولاي، إن شاء أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا، قال: فتحاكموا ~~إلى بعض العارفين فقال: صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم فضولا، وهذا كما قاله ~~في الاعتبار بترك الاعتراض والاختبار، لأنه دخل في الدار بغير اختيار، ~~وكذلك يكون خروجه منها على معنى دخوله بلا اختيار، لأن مقام الرضا أعلى من ~~مقام التشوق، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، ~~وهذا مقام في المحبة وفي حقيقة الزهد في الحياة. # وفي الخبر: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، والذي يحب البقاء للخدمة ~~وكثرة # PageV02P072 # المعاملة هو فاضل، بعد هذين مقامه قوة الرجاء وحسن الظن في العصمة، وله ~~أيصا مطالعات من الأنس وملاحظات في القرب، به طاب مقامه وعنده سكنت نفسه ~~وقصرت أيامه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل المؤمنين إيمانا ~~أو قال: أكمل المؤمنين إيمانا من طال عمره وحسن عمله، هذا لأن الأعمال ~~مقتضى الإيمان إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول وعمل، وليس بعد ms0714 هؤلاء مقام ~~يفرح به ولا يغبط صاحبه عليه، ولا يوصف بمدح إنما هو حب البقاء لمتعة النفس ~~وموافقة الهوى، وقد تشرف النفس على الضعفاء من أهل هذا الطريق ويختفي فيها ~~علة، وهو أن يحب البقاء لأجل النفس وللمتعة بروح الدنيا وما طبعت عليه من ~~حب الحياة، وتكره الموت لمنافرة الطبع ولطول الأمل، فيتوهم أنه ممن يحب ~~البقاء لأجل الله وطاعته، وهذا هو من الشهوة الخفية التي لا يخرجها إلا ~~حقيقة الزهد في الدنيا، ولا يفضل في هذا الطريق االثالث إلا عارف زاهد دائم ~~المشاهدة باليقين، فأما المعتل بوصفه وهواه فليس يقع به اعتبار في طريق ولا ~~مقام، واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال ~~الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم، فأما اليوم فوددت أني مت فقال ~~له يوسف: ولم؟ قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء ~~فقال الثوري: ولم تكره الموت قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا ~~فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت فقال: أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى ~~الله قال: فقبل الثوري ما بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة، يعني مقام ~~الروحانيين وهم المقربون أهل الروح والريحان، وأولو المحبة والرضوان، كما ~~قال تعالي (فروح وريحان) الواقعة: 89، يعني لهم ريح من نسيم القرب وريحان ~~من طيب الحب، وأيضا أنه تعالى لما ذكر أن، لأصحاب اليمين في كل شدة وهول ~~سلامة، وكان المقربون هم الأعلون، كان أيضا فيما دل الفهم عليه، أن ~~للمقربين من كل هول روحا به لشهادتهم القريب، وفي كل قرب منه ريحان لقرب ~~الحبيب فبذلك علوا وبذلك فضلوا، وهكذا قال بعض الصوفية: سر العارف في ~~الأشياء واقف مثل الماء في البئر لا يختار المقام وإن أخرج خرج، فإن ذم هذا ~~الراضي ما ذمه الله، وكره ما كرهه الله لم ينقص ذلك رضاه، وكان محسنا في ~~فعله لموافقته مولاه، وإن لم يرض بحاله نقص في الدين والآخرة أو كره مزيد ~~الدنيا ms0715 من الكثرة والجمع والادخار لم يقدح ذلك في رضاه لأنه من التحقق ~~بالزهد، وهو في جميع ذلك موافق للعلم، والله تعالى أعلم بأحكامه من العبد ~~وأغير على نفسه من الغير، وأعلى مشاهدة من الخلق، له المثل الأعلى، فهو على # PageV02P073 # ذلك يشهد أحكامه ويذم المحكوم عليه إذ تعدى حدود أمره، وينفذ علمه ~~بمشيئته ويمقت العاصين له باجتراح نهيه، حكمة منه وعدلا، كما أنه يشهد يده ~~في العطاء ويمدح المنفقين، ويمضي إرادته بالقضاء بتوفيقه، ويشكر العاملين ~~كرما منه وفضلا، كذلك الراضي عنه موافق فيما حكم ومتبع له فيما رسم، ومسلم ~~له فيما قدر وعالم منه راض بما دبر، ومستعمل لما شرع ومواطئ لرسوله، يذم ما ~~ذمه مولاه ويمدح ما مدحه لأجل مولاه لا لأجل نفعه إياه، والتحدث بالأوجاع ~~والإخبار عن المصائب لا ينقص حال الراضي إذا رآها نعمة من الله عليه، وكان ~~القلب مسلما راضيا غير متسخط ولا متبرم بمر القضاء، وأول الرضا الصبر ثم ~~القناعة، ثم الزهد ثم المحبة، ثم التوكل، فالرضا حينئذ حال المتوكل والتوكل ~~مقام الرضا، وقال فضيل: إذا استوى العطاء والمنع عند العبد فهو الرضا، وقال ~~غيره: إذا لم يختلف قلبه في العدم والوجود وفي الصحة والسقم فقد رضي، وقال ~~الثوري: منع الله عطاءه لأنه يمنع من غير بخل ولا عدم، فمنعه اختبار وحسن ~~نظر، وهذا كما قال لأن حقيقة المنع إنما يكون لمن لك عنده شيء فمنعك أو ~~تستحق عليه شيئا فلم يعطك، فأما من لا تستحق عليه شيئا، ولا لك معه شيء ~~لأنه الأول قبل كل شيء، والمظهر لكل شيء، والمالك لما أظهر، والمختار لما ~~خلق وليس لأحد من خلقه اختيار، ولا في حكمه اشتراك، له الخلق والأمر ولا ~~يشرك في حكمه أحدا، والعبد لم يكن شيئا مذكورا، فكل شيء اختاره فهو عطاء ~~منه على تفاوت مقادير وضروب أحكام، وتصاريف تدبير حلو # ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى مما ~~لطبعها لا يوافق، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام ~~الموقنين، ms0716 ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين، ومشاهدة ~~المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه، لا يكون في ~~ملكه إلا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء، ثم يرد ذلك إلى تفصيل ~~العلم وترتيب الأحكام، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه، رضي به ~~العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر، وماكان من شر نهى عنه وتهدد عليه، ~~فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما، وعليه أن يصبر ~~عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما، ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب، ~~وأنه اجترحه بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه، وأن لا عذر ~~له فيه، ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء، ~~أو عقوبة له بعدله وحقه إن شاء، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء القضاء عقد إلا ~~من نفسه فعلا، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن الموقنين والمحبين ~~لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن # PageV02P074 # المنكر، ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن ~~الإيمان فرضها، والشرع ورد بها ولأن الحبيب كرهها، فكانوا معه فيما كره كما ~~كانوا معه فيما أحب، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان، ومشاهدة التوحيد ~~لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط أتباعه، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ~~ورسوله، وكذب على الموقنين والمحبين، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا ~~بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق، فقال سبحانه: (رضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) يونس: 7، فذمهم بذلك وقال تعالى: (ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) ~~الأنعام: 113، فعابهم به وقال تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) التوبة: ~~87، يعني النساء، وهذا جمع التأنيث وطبع على قلوبهم، فهم لا يفقهون، فمن ~~رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره، وأحب لأجلها ووالى ونصر عليها ms0717 أو ~~ادعى أن ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين ~~الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت. ومر ولطف ~~وعنف وشدة ورخاء، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى مما لطبعها لا ~~يوافق، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام الموقنين، ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، ~~واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين، ومشاهدة المتوكلين وهو ~~داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه، لا يكون في ملكه إلا ما قضاه ~~فعلى العارفين به الرضا بالقضاء، ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب ~~الأحكام، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه، رضي به العبد وأحبه شرعا ~~وفعلا ووجب عليه الشكر، وماكان من شر نهى عنه وتهدد عليه، فعلى العبد أن ~~يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما، وعليه أن يصبر عنه ويقر به ~~ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما، ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب، وأنه اجترحه ~~بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه، وأن لا عذر له فيه، ~~ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء، أو عقوبة ~~له بعدله وحقه إن شاء، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء القضاء عقد إلا من نفسه ~~فعلا، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن الموقنين والمحبين لا ~~يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ينكرون إنكار المعاصي ~~وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها، والشرع ورد بها ولأن ~~الحبيب كرهها، فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب، ومقام اليقين ~~لا يسقط فرائض الإيمان، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط ~~أتباعه، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله، وكذب على الموقنين ~~والمحبين، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا ~~بالتخلف عن السوابق، فقال سبحانه: (رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) ms0718 ~~يونس: 7، فذمهم بذلك وقال تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون ~~بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) الأنعام: 113، فعابهم به وقال ~~تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) التوبة: 87، يعني النساء، وهذا جمع ~~التأنيث وطبع على قلوبهم، فهم لا يفقهون، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه ~~أو من غيره، وأحب لأجلها ووالى ونصر عليها أو ادعى أن ذلك في مقام الرضا ~~الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم، ~~فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت. # وفي الخبر الدال على الشر كفاعله، وعن ابن مسعود أن العبد ليغيب عن ~~المنكر ويكون عليه مثل وزر فاعله، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به، وقد ~~جاء في الحديث لو أن عبدا قيل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب، كان شريكه ~~في قتله، وقد روينا حديثا حسنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مرسل: ~~من نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا كتبه الله صابرا ~~شاكرا، ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا لم يكتبه الله ~~صابرا ولا شاكرا، وقد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين، ممن لا ~~علم له ولا يقين، فحمل الرضا على جميع ما يكون منه من معصية وهوى لجهله ~~بالتفضيل وقلة فهمه بعلم التأويل، ولاتباعه ما تشابه من التنزيل طلبا ~~للفتنة وغربة الحال وابتداعا في القول والفعال، لأن أوقاته قد ذهبت فلا ~~يذهب وقت غيره بذكرها، وبطلان قول هذا عند العلماء أظهر من أن يدل على ~~فساده، والاشتغال بالبطال بطالة، وإنما الرضا فيما كان غير مخالفة لله ولا ~~معصية مثل مايكون من نقص الدنيا ونقص الأموال والأنفس من الأهل والولد، ~~وفيما على النفس فيه مشقة ولها منه كراهة، وفيما كان مزيدا في الآخرة لا ~~عقوبة فيه من الله ولا وعيد عليه ولا ذم لفاعليه، وقد يحتج أيضا بطال لبخله ~~وقلة مواساته وبذله أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا واستئثاره على الفقر، إن ~~الذي يمنعه من البذل ms0719 والإيثار والزهد فيما في يديه والإخراج رضاه بحاله ~~وقلة اعتراضه على مجريه فيه، # PageV02P075 # وإن هذا مقام من مقامات الرضا خص به عند نفسه، وهذا قول لاعب ذي هوى، وهو ~~من خدع النفوس وأمانيها ومن غرور العدو ومكايده، لأن الرضا لا يمنع من ~~اختيار الفقر والضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد وأوصافه كيف يكون، فالراضي ~~لا يأمر بالاستيثار والاتساع لما كره من النعمة والاستكثار، لأن الرضا لا ~~يوقف عما ندب العبد إليه ولا يحمل على ما كره له، وهذا اعتذار من النفس ~~وتمويه على الخلق ليسلم منهم، ولا عذر بهذا عند مالكه ولا سلامة له فيه من ~~خالقه، ومجمل ما ذكرناه أن الرضا لا يصح إلا فيما يحسن الصبر عليه والشكر ~~عليه، لأن الرضا مقام فوق الصبر والشكر ومزيد الصابرين والشاكرين، فأما إن ~~كان العبدعلى نقصان من الدين وفي مزيد من الدنيا ثم رضي بحاله، فرضاه بحاله ~~شر من أعماله لمخالفة الأمر، قال الله عز وجل: (اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة) المائدة: 35، وقال تعالى: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) ~~الإسراء: 57، وقال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) الحديد: 21 وقال ~~تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) آل عمران: 133، وقال تعالى: (وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون) المطففين: 26، وقال تعالى: (يسارعون في الخيرات وهم ~~لها سابقون) المؤمنون: 61، فندب إلى المسارعة والسوابق وذم التخلف عنها ~~والتتثبط بالعوائق، فعلى هذا طريق المؤمنين وفيه مقامات الموقنين، وإنما ~~كان سبب ترك سري السقطي السوق وزهده في الدنيا قوله: الحمد لله لأنها كلمة ~~رضا ظهرت منه في موضع الاسترجاع للمصيبة وذلك أنه بلغه أن الحريق وقع في ~~سوقه فأحرق دكانه، فخرج في قطع من الليل فاستقبله قوم فقالوا: يا أبا ~~الحسن، احترقت دكاكين الناس إلا دكانك فقال: الحمد لله: ثم تفكر في ذلك ~~فقال: قلت الحمد لله في سلامة مالي وهلك أموال إخواني المسلمين، فتصدق ~~بجميع ما كان في دكانه من السقط والآلة كفارة لكلمته هذه، وخرج من السوق ~~فشكر الله له فعله، فزهد في الدنيا ورفعه إلى مقام ms0720 المحبة فأوصله ترك الرضا ~~إلى الرضا، وبلغني عنه أنه كان يقول: قلت كلمة فأنا أستغفر الله منه ثلاثين ~~سنة يعني قوله الحمد لله. # وقد جاء في الخبر: من لم يهتم بأمر المسليمن فليس من المسلمين، وفي الخبر ~~المشهور: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه، فجعل ذلك من أوثق ~~العرى لأنه منوط بالإيمان، لا يستطيع الشيطان حله ولا سلطان له عليه كما لا ~~سبيل له # PageV02P076 # على حل الإيمان لأن الله يحول بينه وبينه، وقد تولى تأبيد الإيمان بروحه ~~بعد كتبه في القلوب برحمته وفي الحب في الله الولاة والنصرة بالنفس والمال ~~والفعل والمقال، وفي البغض في الله ترك ذلك فبغض المبتدع والفاجر المجاهر ~~والظالم المعتدي، وترك موالاتهم ونصرتهم واجب على المؤمنين، فلأجل ذلك صارت ~~الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه من أوثق عرى الإيمان لأنك قد تعصي ~~وتخالف مولاك تسليط العدو وغلبة هواك، إلا أنك تبغض العاصين ولا تواليهم ~~على المعاصي، ولا تحبهم لأجلها من قبل أن العدو لم يسلط على حل عقد إيمانك، ~~كما سلط على فعله من نفسك، كما أنه لم يسلط على حل عقد إيمانك كما سلط على ~~حل المراقبة والخوف منك، ولم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم ولا ~~استحسانها ولا التدين بها، ولا في ترك التوبة منها ولا بالرضا بها كما سلط ~~عليك بافتراقها، فإن سلط على مثل هذا منك العدو حتى تحب الفساق وتواليهم ~~وتنصرهم على فسقهم، أو تستحل ما ارتكب من الحرام أو ترضى به أو تدين به، ~~فقد انسلخ منك الإيمان كما انسلخ النهار من الليل، فلست منه في كثير ولا ~~قليل لأن هذه العقود منوطة بعرى الإيمان، وهي وهو في قرن واحد مقترنان، ألم ~~تسمع الله تعالى يقول: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) آل عمران: 28، أو ما سمعته تعالى يقول: ~~(لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولىاء بعض ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم) المائدة: 51، ومثله: (لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ms0721 ~~المؤمنين) آل عمران: 28، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا أي حجة ~~قاطعة، أن يجمعكم وإياهم في النار، وكذلك قال الله تعالى: (وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) الجاثية: 19، وقال تعالى: (وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) الأنعام: 921، ثم قال تعالى: (ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) النساء: 115، وقد روينا في خبر ~~أن الله تعالى أخذ على كل مؤمن في الميثاق أن يبغض كل منافق، وأخذ على كل ~~منافق أن يبغض كل مؤمن، وفي الخبر المشهور: المرء مع من أحب وله ما احتسب. # وفي حديث آخر: من أحب قوما ووالاهم في الدنيا جاء معهم يوم القيامة، وفي ~~معنى قوله: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه، وجه خفي هو أن يحبك ~~المؤمنون ويبغضك المنافقون، فيكون ذلك علامة وثيقة عرى إيمانك لأن قوله ~~الحب في # PageV02P077 # الله، يصلح أن يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت، فكأنك تتحبب إلى المؤمنين ~~حتى يحبوك وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بإظهار التباعد عنه وبترك ~~الممالاة له وبنصحك إياهم، فيدل ذلك على قوة إيمانك، لم تأخذك في الله لومة ~~لائم منهم، كما وصف تعالى بذلك من يحبهم ويحبونه، ويكون ذلك أبعد لك من ~~المداهنة والنفاق، وأقرب إلى الورع والإخلاص فإذا فعلت ذلك بهم أبغضوك أو ~~مقتوك، فهذا على معنى ما قال الله سبحانه: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) ~~الفتح: 29، وقال: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة: 54، وكما ~~أمر نبيه عليه السلام في قوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~وليجدوا فيكم غلظة) التوبة: 123 وروي عن عيسى عليه السلام أن الله عز وجل ~~قال: أحب عبادي إلي الذين يذكروني بالأسحار ويبغضون إلى الفجار، معناه أن ~~يظهرلهم البغض وينابذهم العداوة حتى يبغضوه، فإذا أبغضوه أبغضهم الله، ~~فيكون بغضهم إليه بهذا المعنى أي كان سبب عقوبة لهم بالبغض والمقت، وقد كان ~~الثوري يقول: إذا رأيت الرجل محببا إلى جيرانه فاعلم أنه منافق، وقال كعب ~~الأحبار لأبي إدريس الخولاني وكان من علماء ms0722 الشام: كيف أنت في قومك؟ قال ~~يحبوني ويكرموني قال كعب: ما صدقتني التوراة إذن قال: وما في التوراة؟ قال ~~أجد في التوراة أن الرجل العالم لا يحبه جيرانه، وقال بعض المريدين: قلت ~~لبعض أهل المعرفة: أني كثير الغفلة عن الله قليل المسارعة إلى مرضاته، ~~أوصني بشيء أعمله أدرك به ما يفوتني من هذا، قال: يا أخي، إن استطعت أن ~~تتحبب إلى أولياء الله وتتقرب من قلوبهم فافعل، لعلهم يحبونك فإن الله عز ~~وجل ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين نظرة، فلعله أن ينظر إليك في ~~قلوبهم لمحبتهم لك فيجيرك جيرة الدنيا والآخرة، إذا لم تكن ممن ينظر إليه ~~كفاحا، وكذلك يقال: إن الله تعالى عز وجل ينظر إلى قلوب الصديقين والشهداء ~~مواجهة، ثم ينظر إلى قلوب قوم في قلوب قوم وإلى قلوب قوم من قلوب آخرين، ~~فهكذا عندي من عزائم الدين وسبيل الورعين أن تتبغض إلى أعدائه وتتمقت إليهم ~~من المبتدعين والظالمين، ليبغضوك ويمقتوك، فيكون لك من القربة كحب أوليائه ~~لك وحبك لهم، فهذا من أسباب ولاية الله. # وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم، لا تجعل لفاجر عندي يدا ~~فيحبه قلبي، ووصل بعض الأمراء أبا هريرة بألف دينار وعشرة أثواب فردها عليه ~~وقال، ما كنت لأقبل منه يأخذ المال من غير حله ويضعه في غير حقه، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا هدية الفاجر # PageV02P078 # عليه لا يرى أنكم ترضون عمله، وأقل مالك في هذا الزهد وهو باب كبير من ~~أبواب الدين، إذا كانت المداهنة والممالأة من أكبر أبواب الدنيا، لأن بذلك ~~يستوي عيش أهل الدنيا وتتم سلامتها لهم، فهذا هوالطرف الآخر من معنى قوله: ~~الحب في الله والبغض في الله، وهو وجه غامض، ومعناه إذا كشف جلي ظاهر موجود ~~عند علماء الآخرة، وقد جعل الله من أراد أن يحبه الفاسقون ويأمن فيهم، وجعل ~~من يسارع بالأدهان وإظهار المتابعة للظالمين خشية دور الدوائر عليه علمين ~~من أعلام النفاق، فقال سبحانه: (ستجدون آخرين يريدون ms0723 أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) النساء: 91، وقال تعالى في ~~المعنى الثاني: (فترى الذين في قلوبهم مرض) المائدة: 52، يعني المافقين: ~~(يسارعون فيهم) المائدة: 52، يعني يواطئون الكافرين سرا: (يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة) المائدة: 52، أي نخاف أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين، ~~قال تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) المائدة: 52، فينبغي ~~لمن آمن في المؤمنين وأهل السنة وأحبوه أن يخاف في المنافقين وأهل البدع أن ~~يبغضوه، وينبغي لمن سارع في مواطأة المؤمنين أن ينئ ويبطئ في مداهنة ~~الظالمين ومتابعتهم، حتى يخلص له إيمانه من النفاق وتستقيم طريقه من ~~الضلال، وقد نفى الله الإيمان عمن أحب من حاده، وأثبت الإيمان والتأييد ~~باليقين لمن أبغض فيه أعداءه، فقال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) المجادلة: 22 الآية، فأما من قال ~~من الجاهلين بأن الرضا قد يكون بالمعاصي منه أو من سواه، كما يكون في ~~الطاعات، فقد جعل المعاصي والمخالفات من القربات وسوى بينهما، وفي هذا هدم ~~شرائع الأنبياء وإبطال تفصيل الله ما أحل لنا مما حرم علينا، وما أمرنا به ~~مما نهانا، وقد روي في خبر: من شر الناس منزلة عند الله من يقتدي بسيئة ~~المؤمن ويترك حسنته، وقال بعض العلماء: من حمل شاذ العلماء فقد حمل شرا ~~كثيرا، ومن حسن الأدب في المعالمة إذا عملت صالحا فقل: يا سيدي، أنت ~~استعملتني وبحولك وقوتك وحسن توفيقك أطعتك، لأن جوارحي جنودك، وإذا عملت ~~شيئا ظلمت نفسي، وبهواي وشهوتي اجترحت جوارحي وهي صفاتي، ثم يعتقد في ذلك ~~أنه بقدره ومشيئته كان ما قضاه، فتكون بالمعنيين قد وافقت مرضاة مولاك ~~وتكون في الحالين عاملا بما يرضيه بالقول والعقود، وينتفي عنك العجب في ~~أعمال برك ويصح منك المقت لنفسك واعترافك بظلمك، وقد ثقلت هذه المشاهدة على ~~الجاهل، فإذا عمل حسنا شهد نفسه ونظر إلى حوله وقوته، فهلك بالكبر وبطل ~~عمله بالعجب، وإذا عمل سيئا لم يعترف بالذنب ولم يقر على نفسه ms0724 بالظلم، ولم ~~تصح له توبة ولم يرض له عملا، نعوذ بالله من مشاهدة الضلال، # PageV02P079 # وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: إذا عمل العبد حسنة فقال: يا رب أنت ~~استعملتني، شكر الله له ذلك فقال: أنت عملت، فإذا نظر إلى نفسه فقال أنا ~~عملت، يقول الله بل أنا استعملت، قال وإذا عمل سيئة فقال: أنت قدرت وأنت ~~أردت، يقول الله تعالى: أنت ظلمت وأنت عصيت بشهوتك وهواك، فإن قال العبد: ~~ظلمت نفسي وعصيت بجهلي استحيا الله منه فقال: بل أنا قدرت وأنا قضيت، قد ~~غفر لك باعترافك بالظلم على نفسك، فهذه آداب العاملين ومشاهدة العالمين، ~~وهذا داخل قي قوله: أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه، فكذلك يحب ابن آدم ممن عامله ~~الاعتراف والتواضع، وهذا أيضا أحد المعاني في قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) التوبة: 1، 2، قيل: هو الاعتراف عقيب ~~العمل السيئ لأنه قد تقدم ذكره فكان الصالح بعده اعترافه. # وفي الحديث الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم آنفا أنه قال: من ~~نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا، كتبه الله صابرا شاكرا، ~~ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا، لم يكتبه صابرا ولا ~~شاكرا، فيه أربعة معان حسان إذا تدبرها العبد وتفكر فيها لم يعدم أن يرى ~~أهلها، لأنه لا يخلو أن يرى بعينه أو بقلبه لسيرة المتقدمين، فيرى من فوقه ~~في باب الدنيا فيشكر الله على حاله ويقنع منه برزقه فيكون صابرا شاكرا ~~بمعرفة ما قنع به، ورضي باختيار ما صرف عنه من الفضول، وروي عنه من الحساب ~~الطويل، ولا يخلو أن يرى من فوقه في أمر الدين يسارع إليه ويسابقه إذ قد ~~ندب إلى ذلك، فيكون حضا له وحثا على افتعال الخيرات وأعمال الصالحات، وأقل ~~ما يفيده ذلك الإزراء على نفسه والمقيت لها في تقصيره، ثم ينظر في الأمرين ~~الآخرين من وجه آخر، فلا يخلو أن يرى من هو دونه في الدنيا من ذوي الفاقات ~~والحاجات، ms0725 فيحمد الله على تفضيله عليه وحس صونه له ويشكر نعمته لفضل إحسانه ~~وكفايته له، ويجد أيضا في المعنى الآخر من هو دونه في أمر الدين من الفجرة ~~والظالمين وأهل البدع والزائغين، فيفرح بفضل الله ورحمته ويشكر الله على ~~حسن إسلامه وجميل معافاته مما ابتلي به غيره، فيكون أيضا صابرا شاكرا، ~~فيكون للعبد في هذه الطبقات من الناس أربع معاملات بما وهب الله من البصيرة ~~والاعتبار، ويشهد لما ذكرناه قوله: لا حسد إلا في اثنين؛ رجل آتاه الله ~~حكمة فهو يبثها في الناس ويعملها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في ~~الحق، وفي لفظ حديث آخر: ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~وآناء النهار فيقول # PageV02P080 # الرجل: لو آتاني الله ما آتى هذا فعلت كما يفعل، فندب إلى الحسد على ~~أعمال البر وفضل الحاسد لما ندب الله إليه من المنافسة في أعمال الخير، فمن ~~حسد على هذه المعاني من أعمال الخير، كان ذلك مزيدا له في مقام الرضا ~~للغبطة به والطلب له، فأما من قلبت عليه هذه المعاني فجهل عواقب الأمور، ~~وغلبت عليه الغفلة واستحوذت عليه الجهالة، فجعل ينظر إلى من فوقه في الدنيا ~~فيغبطه على حاله، أو يتمنى مكانه أو يدخله نظره إليه في استصغار نعمة الله ~~عليه ويزدري يسير ما قسمه الله له، ثم ينظر إلى من دونه في الدين من عموم ~~المسلمين فيرضى بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذرة له وتأسيا به، ويثبطه عن ~~المسارعة إلى القربات ولعله أن يداخله العجب والكبر حتى يتفضل عليه بحاله، ~~أو ينظر إلى نفسه بأعماله، لتقصير غيره عن مثل فعاله، فهذا إذا يكتب جزوعا ~~عن الصبر كفور النعمة بإضاعة الشكر، لأنه ليس بصابر ولا شاكر، وهذا وصف من ~~أوصاف المنافقين، وهو مقام الهالكين، إذ الصبر والشكر من صفات المؤمنين، ~~وقد وصف هذا البلد بمثل هذا المعنى: فالله المستعان، وقد حدثونا عن عبد ~~الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال: طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا ~~شرا من بغداد، قيل: ms0726 وكيف ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هو بلد تزدري فيه ~~النعمة وتستصغر فيه المعصية، وحدثونا عنه أنه قيل له حين قدم خراسان: كيف ~~رأيت الناس ببغداد؟ قال: ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو ~~قارئا حيران، وقيل إنه كان يتصدق كل يوم بدينار لأجل مقامه ببغداد، إلى أن ~~يخرج إلى مكة، فبلغني أنه كان يتصدق بستة عشر دينارا، وقد وصفها الشافعي ~~أنها هي الدنيا، فروينا عنه أنه قال: الدنيا كلها بادية وبغداد حاضرتها. # وروينا عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: يايونس، رأيت بغداد؟ ~~قلت: لا قال: ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس، وقد ذم العراق جماعة منهم عمر ~~بن عبد العزيز وكعب الأحبار، فروينا عن عمر أنه قال لمولى له: أين تسكن؟ ~~قال: العراق، فقال له: ما تصنع هناك بلغني أنه ما من أحد سكن العراق إلا ~~قيض له قرين من البلاء، وذكر كعب الأحبار العراق يوما فقال: فيه تسعة أعشار ~~الشر، وفيه الداء العضال، ومن سكن بلدا كثير المنكر ظاهر المعاصي، فكان ~~منزعجا فيه غير مطمئن إليه يرغب إلى الله عز وجل في إخراجه منه لحسن ~~اختياره له، وكان مضطرا في المقام فيه لعيلة ثقيلة أو قلة ذات يد حقيقة، لا ~~يستطيع حيلة في الخروج ولا يعرف طريقا، وهو على يقين من سلامة دينه فيه، ~~فإنه معذور عند الله لحسن تفضل من الله، وهو أقرب إلى العفو والسلامة ممن # PageV02P081 # اغتبط بمقامه واطمأن ورضي بحاله، أو كان مقامه على هوى أو لاختلاف أسباب ~~الفتنة والدنيا، قال الله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ~~النساء: 97 في التفسير: إذا كنت في بلد يعمل فيه بالمعاصي فتحول منه إلى ~~غيره، وقيل: إذا كان العبد في بلد من يعمل فيه بالمنكر والمعاصي أضعف أو ~~أقل من أهل الدين والمعروف، ثم لم ينكر ذلك فقد وجب الخروج منه، ثم قال عز ~~وجل في قوم من المستضعفين عذرهم وأرجى إلى العفو أمرهم: (والمستضعفين من ~~الرجال والنساء ms0727 والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها) النساء: 75 وقال تعالى في تمام وصفهم واستثنائهم من غيرهم: (ولا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) النساء98 ~~- 99 ولا يصح الرضا إلا بالعصمة من جميع الهوى، وأول الرضا القناعة، وقال ~~بعض أهل المعرفة: لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما ~~يرغب فيه أهل الدنيا من الاتساع والنعمة، فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم ~~يفتح بابه قناعة منه بحاله، والعصمة حال الراضي عن الله عز وجل، وهي ظاهر ~~الرحمة، والرحمة أول الرضا من الله تعالى، قال الله سبحانه وتعالى: (إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي) يوسف: 53 وقال تعالى: (لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم) هود: 43 فالعصمة من الله لعبده دليل على الرحمة ~~منه، ثم تدخله في مقام المحبة وهي رحمة المحبوبين، ثم ترفعه إلى الرضا ~~فتكون المحبة مقامه عن شهادة محبوب، ويكون الرضا حاله في جميع تصريف البقية ~~والمطلوب، وهذا آخر كتاب الرضا. ### | ذكر أحكام المحبة ووصف أهلها وهو المقام التاسع من مقامات اليقين # المحبة من أعلى مقامات العارفين، وهي إيثار من الله تعالى لعباده ~~المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم، قال الله جلت قدرته: (يحبهم ويحبونه) ~~المائدة: 54 ثم قال تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) الحديد: 21 وهذا ~~الخبر متصل بالابتداء في المعنى لأن الله تعالى وصف المؤمنين المحبين بفضله ~~عليهم، وما اعترض بينهما من الكلام فهو نعت المحبوبين، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما كان الله ليعذب حبيبه بالنار، وقال الله عز وجل مصداق ~~قول نبيه عليه السلام، ردا على من ادعى محبته واحتجاجا عليهم: (قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) المائدة: 18 وقال زيد بن أسلم: إن ~~الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اصنع ماشئت فقد غفرت لك، ~~وروينا عن إسماعيل بن أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى ms0728 الله عليه وسلم: ~~إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم تلا: ~~إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقد اشترط الله للمحبة غفران الذنوب ~~بقوله تعالى: (يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) آل عمران: 31 فكل مؤمن بالله ~~فهو محب لله، ولكن محبته على قدر إيمانه، وكشف مشاهدته وتجلي المحبوب له ~~على وصف من أوصافه، دليل ذلك استجابتهم له # PageV02P082 # بالتوحيد والتزام أمره وتسليم حكمه، ثم تفاوتهم في مشاهدات التوحيد، وفي ~~دوام الالتزام للأوامر وفي تسليم الأحكام، فليس ذلك يكون إلا عن محبة، وإن ~~تفاوت المحبون على حسب أقسامهم من المحبوب، وليس يقصر عن المحبة صغير كما ~~لا يصغر عن المعرفة من عرف، ولا يكبر عن التوبة كبير ولو كان على كل العلوم ~~قد أوقف، لأن الله تعالى وصف المؤمنين بشدة الحب له فقال تعالى: (والذين ~~آمنوا أشد حبا لله) البقرة: 165 وفي قوله أشد دليل على تفاوتهم في المحبة ~~لأن المعنى أشد فأشد ولم يقل شديد، والحب لله، فأشبه هذا الخطاب قوله ~~تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13 فدل على تفاوتهم في ~~الإكرام على قدر تفاضلهم في التقوى ولم يقل: إن الكرام المتقون. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن ~~لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فالمؤمنون متزايدون في الحب لله عز ~~وجل عن تزايدهم في المعرفة به والمشاهدة له، وقد جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان قال: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وفي حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وفي خبر آخر أشد توكيدا وأبلغ من هذين قوله: والله، لا يؤمن العبد ~~حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين، وفي خبر آخر: ومن نفسك، ~~وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحبة لله فيما شرعه من الأحكام فقال أحبوا ~~الله لما أسدى إليكم من نعمه، ms0729 وأحبوني لحب الله، فدل ذلك على فرض الحب لله ~~وإن تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله، ومن أفضل ما أسدى إلينا من نعمه ~~المعرفة به، فأفضل الحب له ما كان عن المشاهدة، والمحبون لله على مراتب من ~~المحبة؛ بعضها أعلى من بعض، فأشدهم حبا لله أحسنهم تخلقا بأخلاقه مثل العلم ~~والحلم والعفو وحسن الخلق، والستر على الخلق، وأعرفهم بمعاني صفاته وأتركهم ~~منازعة له في معاني الصفات كي لا يشركوه فيها، مثل الكبر والحمد وحب المدح ~~وحب الغنى والعز وطلب الذكر، ثم أشدهم حبا لرسوله إذ كان حبيب الحبيب ~~وأتبعهم لآثاره أشبعهم هديا لشمائله، وقد روي أن رجلا قال: يا رسول الله ~~إني أحبك فقال: استعد للفقر فقال: إني أحب الله فقال: استعد للبلاء، والفرق ~~بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي وهو الله تعالى المبتلي، فلما ذكر محبته ~~أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه، كما قال تعالى: (ولربك # PageV02P083 # فاصبر) المدثر: 7 فدل على أحكامه وبلائه، والفقر من أوصاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما ذكر محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره لقوله ~~عليه السلام: أحيني مسكينا وأتني مسكينا واحشرني في جملة المساكين، ومن ~~علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل ~~مننه على خلقه، وفي الخبر أن لله في كل يوم صدقة يمن بها على خلقه، وما ~~تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره. # وفي حديث سفيان عن مالك بن معول قيل: يارسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: ~~احتناب المحارم، ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله، وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بكثرة الذكر لله كما أمر بمحبة الله، لأن الذكر مقتضى المحبة ~~فقال: أكثر من ذكر الله حتى يقول الناس إنك مجنون، وقد روينا: أكثروا من ~~ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون، وفي حديث أبي سلمة المدني عن ~~أبيه عن جده: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى مسجد قباء، ~~فذكر حديثا فيه طول قال في آخر: ms0730 من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه، ومن أكثر ~~ذكر الله أحبه الله، وقد أخبر أن الذاكرين هم السابقون المفردون، ورفعهم ~~إلى مقام النبوة في وضع الوزر، ورفع الذكر إن كان الذكر موجب الحب في قوله: ~~سيروا سبق المفردون، قيل: من المفردون؟ قال: المستهترون بذكر الله، وضع ~~الذكر عنهم أوزارهم يردون القيامة خفافا، ومن أعلام المحبة: حب لقاء الحبيب ~~على العيان، والكشف في دار السلام ومحل القرب وهو الاشتياق إلى الموت، لأنه ~~مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المعاينة، وفي الحديث: من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، وقال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم، وقال ~~بعض السلف ما من خصلة أحب إلى الله تكون في لعبد بعد حب لقائه من كثرة ~~السجود، فقدم حب لقاء الله وقد شرط الله لحقيقة الصدق القتل في سبيله، ~~وأخبر أنه يحب قتل محبوبه في قوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4، بعد قوله تقريرا لهم: لم تقولون ما ~~لا تفعلون؟ حيث قالوا: إنا نحب الله، فجعل القتل محنة محبته وعلامة أخذ مال ~~محبوبه ونفسه، إذ يقول تعالى: (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) ~~التوبة: 111، وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما: الحق ثقيل وهو مع ثقله ~~مريء، والباطل خفيف وهو مع خفته وبيء؛ فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك ~~من الموت وهو مدرك، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن ~~تعجزه، وكان # PageV02P084 # الثوري وبشر بن الحرث يقولان: لا يكره الموت إلا مريب، وهو كما قالا: لأن ~~الحبيب على كل حال لا يكره لقاء الحبيب، وهذا لا يجده إلا عبد يحب الله بكل ~~قلبه، عندها يشتاق إليه مولاه فينزعج القلب لشوق الغيب، فيحب لقاءه، وروي ~~أن أبا حذيفة بن عتبة بن زمعة لما تبنى سالما مولاه، عاتبته قريش في ذلك ~~وقالوا: أنكحت عقيلة من عقائل قريش بمولى فقال: والله، لقد أنكحته إياها ~~وأني لأعلم أنه خير ms0731 منها، فكان قوله أشد عليهم قالوا: وكيف؟ وهي أختك وهو ~~مولاك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أراد أن ينظر إلى ~~رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم، فمن الدليل أن من المؤمنين من يحب ~~الله ببعض قلبه فيؤثره بعض الإيثار، ويوجد فيه محبة الاعتبار، ومنهم من ~~يحبه بكل قلبه فيؤثره على ما سواه، فهذا عابده ومألوهه الذي لا معبود له ~~ولا إله إياه، وفيه دليل على أنهم على مقامات المحبة عن معاني مشاهدات ~~الصفات ما بين البعض في القلوب والكلية، وقد كان نعيمان يؤتي به رسوله الله ~~صلى الله عليه وسلم فيجده في معصية يرتكبها إلى أن أتى به يوما فحده فلعنه ~~رجل وقال: ماأكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا تفتعل فإنه يحب الله ورسوله، فلم يخرجه من المحبة ~~مع المخالفة، وقد قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب يعني ~~على الفؤاد كان المؤمن يحب الله حبا متوسطا، فإذا دخل الإيمان باطن القلب ~~فكان في سويدائه أحبه الحب البالغ، ومحبة ذلك أن ينظر؛ فإن كان يؤثر الله ~~على جميع هواه ويغلب محبته على هوى العبد، حتى تصير محبة الله هي محبة ~~العبد من كل شيء، فهو محب لله حقا، كما أنه مؤمن به حقا، وإن رأيت قلبك دون ~~ذلك فلك من المحبة بقدر ذلك، فأدل علامات المحبة الإيثار للمحبوب على ذخائر ~~القلوب، ولذلك وصف الله المحبين بالإيثار، ووصفه العارفون بذلك، فقال تعالى ~~في وصفه المحبين: (يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة) الحشر: 9، ~~ثم قال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم) الحشر: 9، وقال في # وصفه: تالله لقد آثرك الله علينا، وقال بعض العلماء: إن ظاهر القلب محل ~~الإسلام، وإن باطنه مكان الإيمان، فمن ههنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل ~~الإيمان على الإسلام، وفضل الباطن على الظاهر، وفرق بعض علمائنا البصريين ~~بين القلب والفؤاد، فقال: الفؤاد مقدم القلب وما استدق منه، والقلب ms0732 أصله ~~وما اتسع منه، وقال مرة: في القلب تجويفان، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو ~~مكان العقل، والتجويف الباطن هو القلب وفيه السمع والبصر وعنه يكون # PageV02P085 # الفهم والمشاهدة، وهو محل الإيمان، وقد قال الله: (كتب في قلوبهم ~~الإيمان) المجادلة: 22 وقال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق وهي متصلة بأداء الفرائض واجتناب ~~المحارم طاعة لله ومحبة له، فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني الصفات ~~وبعد معرفة أخلاق الذات، وهي مخصوصة بمخصوصين، والأصل في هذا أن المحبة، ~~إذا كانت عن المعرفة فإن المعرفة عموم وخصوص؛ فلخصوص العارفين خاصة المحبة، ~~ولعمومهم عموم المحبة. صفه: تالله لقد آثرك الله علينا، وقال بعض العلماء: ~~إن ظاهر القلب محل الإسلام، وإن باطنه مكان الإيمان، فمن ههنا تفاوت ~~المحبون في المحبة لفضل الإيمان على الإسلام، وفضل الباطن على الظاهر، وفرق ~~بعض علمائنا البصريين بين القلب والفؤاد، فقال: الفؤاد مقدم القلب وما ~~استدق منه، والقلب أصله وما اتسع منه، وقال مرة: في القلب تجويفان، ~~فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو مكان العقل، والتجويف الباطن هو القلب وفيه ~~السمع والبصر وعنه يكون الفهم والمشاهدة، وهو محل الإيمان، وقد قال الله: ~~(كتب في قلوبهم الإيمان) المجادلة: 22 وقال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق وهي متصلة ~~بأداء الفرائض واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة له، فأما محبة المقربين فعن ~~مشاهدة معاني الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات، وهي مخصوصة بمخصوصين، والأصل ~~في هذا أن المحبة، إذا كانت عن المعرفة فإن المعرفة عموم وخصوص؛ فلخصوص ~~العارفين خاصة المحبة، ولعمومهم عموم المحبة. # ويروى في الأخبار السالفة: أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه ~~السلام، انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت، فكان يدعوها إلى فراشه نهارا ~~فتدافعه إلى الليل، فإذا دعاها ليلا سوفته نهارا فقالت: يا يوسف إنما كنت ~~أحبك قبل أن أعرفه، فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه، وما ms0733 أريد به ~~بدلا حتى قال لها: فإن الله أمرني بذلك، وأخبرني أنه مخرج منك ولدين ~~وجاعلهما نبيين فقالت: أما إذا كان الله أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه فطاعة ~~لأمر الله، فعندها سكنت إليه، وقال بعض العلماء بالله: إذا تم التوحيد تمت ~~المحبة، وإذا جاءت المحبة تم التوكل، فتم إيمانه وخلص فرضه وسمي ذلك يقينا، ~~وقال الفضيل بن عياض في فرض المحبة: إذا قيل لك: تحب الله؟ فاسكت فإن قلت: ~~لا، كفرت وإن قلت: نعم، فلس وصفك وصف المحبين، فاحذر المقت، وقال بعض ~~علمائنا: ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة، ولا في جهنم ~~عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة، ولم يتحقق بشيء من ذلك، وقال ~~عالم فوقه: كل أهل المقامات يرجى أن يعفى عنهم ويسمح لهم إلا من ادعى ~~المعرفة والمحبة، فإنهم يطالبون بكل شعرة مطالبة، وبكل حركة وسكون وكل نظرة ~~وخطرة لله وفي الله ومع الله، واعلم أن المحبة من الله لعبده ليست كمحبة ~~الخلق، إذ محبة الخلق تكون حادثة لأحد سبع معان؛ لطبع أو لجنس أو لنفع أو ~~لوصف أو لهوى أو لرحم ماسة أو لتقرب بذلك إلى الله، فهذه حدود الشيء الذي ~~يشبهه الشيء، والله يتعالى عن جميع ذلك لا يوصف بشيء منه إذ ليس كمثله شيء ~~في كل شيء ولأن هذه أسباب محدثة في الخلق لمعان حادثة ومتولدة من المحبين ~~لأسباب عليهم داخلة، وقد تتغير الأوقات وتنقلب لانقلاب الأوصاف، ومحبة الله ~~سابقة للأسباب عن كلمته الحسنى، قديمة قبل الحادثات عن عنايته العليا، لا ~~تتغير أبدا ولا تنقلب لأجل مابدا لقوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى، يعني الكلمة الحسنى، وقيل المنزلة الحسنى فلا يجوز أن يسبقها سابق ~~منهم بل قد سبقت كل سابقة، تكون: # PageV02P086 # كقوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) ~~الأنبياء51 فكذلك قال: هو سماكم المسلمين من قبل، وقال تعالى: (لهم قدم صدق ~~عند ربهم) يونس: 2، وقال تعالى في آخر آياتهم: (في مقعد صدق عند ms0734 مليك ~~مقتدر) القمر: 55، ولا يصلح أن يكون قبل قدمه الصدق منهم قدم، كما لا يصلح ~~أن يكون قبل علمه بهم منهم عمل بهم منهم، لأن عمله سبق المعلوم ومحبته ~~لأوليائه سبقت محبتهم إياه ومعاملتهم له، ثم هي مع ذلك خاصية حكم من أحكامه ~~ومزيد من فضل أقسامه وتتمة من سابغ إنعامه، خالصة لمخلصين، ومؤثرة لمؤثرين ~~بقدم صدق سابق لخالصين، يؤول لي مقعد صدق عند صادق لسابقين، ليس لذلك سبب ~~معقول ولا لأجل عمل معمول، بل يجري مجرى سر القدر ولطف القادر، وإفشاء سر ~~القدر كفر، ولا يعلمه إلا نبي أو صديق ولا يطلع عليه إلا من يظهره، وما ظهر ~~في الأخبار من الأسباب، فإنما هو طريق الأحباب ومقامات أهل القرب من أولي ~~الألباب، وإنما تستبين المحبة وتظهر للعبد لحسن توفيقه وكلاءة عصمته، ~~ولطائف تعليمه من غرائب علمه وخفايا لطفه، في سرعة ردهم إليه في كل شيء ~~ووقوفهم عنده، ونظرهم إليه دون كل شيء وقربه منهم أقرب من كل شيء، وكثرة ~~استعمالهم لحسن مرضاته وكشف اطلاعهم على معاني صفاته، ولطيف تعريفه لهم ~~مكنون أسراره وفتوحه لأفكارهم من بواطن إنعامه واستخراجه منهم خالص شكره ~~وحقيقة ذكره، فهذه طريقات المحبين له عن كشوف اطلاعه لهم من عين اليقين، ~~يقال: إذا أحب الله عبدا استخدمه؛ فإذا استخدمه اقتطعه، وقيل إذا أحب الله ~~عبدا نظر إليه، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه، وروي بعض هذا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وروينا في الخبر: إذا أحب الله عبدا ابتلاه، وإذا أحبه الحب البالغ ~~اقتناه، قيل: وما اقتناؤه؟ قيل: لم يترك له أهلا ولا مالا، فالمحبة مزيد ~~إيثار من المحب الأول وهو الله، لعبده وأحكام تظهر من المحبوب وهو العبد، ~~في حسن معاملته، أوحقيقة علم يهبه له، كما قال إخوة يوسف عرفوا محبة الله ~~ليوسف عليهم: تالله، لقد آثرك الله علينا، ثم قالوا: وإن كنا لخاطئين؟ ~~فذكروا سالف خطاياهم وأنه آثره بما لم يؤثرهم به، فقال الله تعالى في وصفه ~~إياه: (قال اجعلني على ms0735 خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف: 55، وقال في ~~موهبته له: آتيناه حكما وعلما، وكذلك نجزي المحسنين، فذكر ما سلف من إحسانه ~~لما آثره به، وقالت الرسل: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء ~~من عباده، وقال تعالى: (الله # PageV02P087 # يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) الحج: 75 وفي الخبر: إذا أحب الله ~~عبدا ابتلاه يعني اختبره؛ فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه، وقال بعض ~~العلماء: إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك، وقال بعض ~~المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة فقال: يا بني هل ابتلاك بمحبوب ~~سواه فآثرت عليه إياه؟ فقال: لا فقال: فلا تطمع في المحبة، فإنه لا يعطيها ~~عبدا حتى يبلوه، ومن دلائل المحبة حب: كلام الحبيب وتكريره على الأسماع ~~والقلوب، وحدثونا عن بعض المريدين قال: كنت وجدت حلاوة المناجاة في سوء ~~الإرادة، فأدمنت على قراءة القرآن ليلا ونهارا، ثم لحقتني فترة فانقطعت عن ~~التلاوة، قال: فسمعت قائلا يقول لي في المنام: إن كنت تزعم أنك تحبني فلم ~~جفوت كتابي، أما ترى ما فيه من لطيف عتابي، قال: فانتبهت، وقد أشرب في قلبي ~~محبة القرآن فعاودت إلى حالي الأول، وقد قال بعض العارفين: لا يكون العبد ~~مريدا حتى يجد في القرآن كل مايريد، وقد كان ابن مسعود يقول: لا على أحدكم ~~أن يسأل على نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن لم يكن ~~يحب القرآن فليس يحب الله، ومن علامة حب القرآن حب أهل القرآن وكثرة تلاوته ~~آناء الليل وأطراف النهار، وقال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن ~~وعلامة حب القرآن وحب الله حب النبي عليه السلام وعلامة حب النبي عليه ~~السلام حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا، ~~وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرةوقال تعالى ~~وهو أحسن القائلين: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ms0736 ويحبونه) المائدة: 54 أي لا يرتدون لأنهم أبدال المرتدين، ~~ولا ينبغي أن يكونوا أمثالهم، كما قال: يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم، ومن علامة محبة المولى تقديم أمور الآخرة من كل ما يقرب من الحبيب ~~على أمور الدنيا من كل ما تهوى النفس، والمبادرة بأوامر المحبوب وبواديه ~~قبل عاجل حظوظ النفس، ثم إيثار محبته على هواك واتباع رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فيما أمرك به ونهاك، والذل لأوليائه من العلماء به والعاملين، ثم ~~التعزز على أبناء الدنيا الموصوفين بها المؤثرين لها، كما قيل لابن ~~المبارك: ما التوضع؟ فقال: التكبر على المتكبرين، وقال الفتح بن شحرف، رأيت ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم فقلت: أنبئني بحرف خير فقال: ماأحسن ~~تواضع الأغنياء للفقراء رجاء ثواب الله، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على ~~الأغنياء ثقة بالله، وإنما وصف الله أحباءه بالذل للأولياء والعز على ~~الأعداء لأنه يصف من يحبه بأحسن الأوصاف، فالذل للحبيب حسن، والعز على ~~العدو في حسنه مثل العز على # PageV02P088 # الذليل، فلذلك وصف الله محبه بالذل للولي وبالعز على العدو، وقبح العز ~~على الحبيب كقبح الذل للعدو، والله لا يصف أولياءه بقبيح، ومن علامات الحب: ~~المجاهدة في طريق المحبوب بالمال والنفس، ليقرب منه ويبلغ مرضاته ويقطع كل ~~قاطع يقطعه عنه بالمسارعة إلى قربه، كما قال تعالى: (وعجلت إليك رب لترضى) ~~طه84 وكما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم في قوله: وتبتل إليه تبتيلا فيه ~~معنيان: أحدهما انقطع إليه انقطاعا عما سواه بالإخلاص له والأثرة على غيره، ~~والأخرى: اقطع كل ما قطعك عنه # إليه أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه، فهذان من أدل الدليل على المحبة، ثم ~~أن لا يخاف في حبه لومة لائم كمن الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه ~~بشق النفس وهجران الدار ورفض المال، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب ~~في حسن ثناء العباد بإيثارك له على الأهل والمال، ثم وجود الأنس في الوحدة ~~والروح بالخلوة، ولطف التملق في المناجاة ms0737 والتنعم بكلامه والتنعم بمر ~~أحكامه ووجد حلاوة الخدمة ورؤية البلاء منه نعمة، وقال ثابت البناني: كابدت ~~القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة، ومن المحبة ترك السكون إلى غير ~~محبوبه إذ هو السكن، وقال أبو محمد: خيانة المحب عند الله أشد من معصية ~~العامة، وهو أن يسكن إلى غير الله ويستأنس بسواه، وفي قصة برخ، العبد ~~الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى: إن برخا ~~نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا، قال: يارب، وما عيبه؟ قال: يعجبه نسيم ~~السحر فيسكن إليه، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء، فالسكون في هذا الموضع ~~الاستراحة إلى الشيء والأنس به، والسكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء ~~والإدلال به والطمأنينة والقطع به، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة ~~فقال: لم يرد بهذا برخا إنما أراد به موسى، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى ~~أن يواجهه بذلك، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه: إني سألته، لم أخبر موسى ~~بعيبه وهو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه، فأجاب بهذا: فالمقربون من ~~المحبين إنما نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه، ~~فإذا وجدوا ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها ~~إليه فيغفر لهم، وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا، فنظر إلى طير قد ~~عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة ~~فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام: قل ~~لفلان العابد: استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن ~~صدق المحبة وخالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به، ومصادفة الاستراحة ~~والروح عنده بمحادثة في المجالسة، ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ~~ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة، كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين: إليه أي ~~اقطع كل قاطع حتى تصل إليه، فهذان من أدل الدليل على المحبة، ثم أن لا يخاف ~~في حبه ms0738 لومة لائم كمن الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه بشق النفس ~~وهجران الدار ورفض المال، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب في حسن ثناء ~~العباد بإيثارك له على الأهل والمال، ثم وجود الأنس في الوحدة والروح ~~بالخلوة، ولطف التملق في المناجاة والتنعم بكلامه والتنعم بمر أحكامه ووجد ~~حلاوة الخدمة ورؤية البلاء منه نعمة، وقال ثابت البناني: كابدت القرآن ~~عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة، ومن المحبة ترك السكون إلى غير محبوبه إذ ~~هو السكن، وقال أبو محمد: خيانة المحب عند الله أشد من معصية العامة، وهو ~~أن يسكن إلى غير الله ويستأنس بسواه، وفي قصة برخ، العبد الأسود الذي ~~استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى: إن برخا نعم العبد هو ~~لي إلا أن فيه عيبا، قال: يارب، وما عيبه؟ قال: يعجبه نسيم السحر فيسكن ~~إليه، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء، فالسكون في هذا الموضع الاستراحة إلى ~~الشيء والأنس به، والسكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء والإدلال به ~~والطمأنينة والقطع به، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة فقال: لم يرد ~~بهذا برخا إنما أراد به موسى، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى أن يواجهه ~~بذلك، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه: إني سألته، لم أخبر موسى بعيبه وهو ~~يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه، فأجاب بهذا: فالمقربون من المحبين إنما ~~نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه، فإذا وجدوا ذلك ~~في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر لهم، ~~وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا، فنظر إلى طير قد عشش في شجرة يأوي ~~إليها ويصفر عندها فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا ~~الطائر قال: ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام: قل لفلان العابد: ~~استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق المحبة ~~وخالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به، ms0739 ومصادفة الاستراحة والروح ~~عنده بمحادثة في المجالسة، ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ترك ~~المخالفة لغلبة حب الموافقة، كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين: # ألذ جميل الصبر عما ألذه ... وأهوى لما أهواه تركا فاتركه # PageV02P089 # وقال نظيره في مثله: وأترك ما أهوى لمن قد هويته، وأرضى بما يرضى وإن ~~سخطت نفسي، ثم الطمأنينة إلى الحبيب وعكوف الهم على القريب ودوام النظر، ~~وسياحة الفكر لأن من عرفه أحبه، ومن أحبه نظر إليه، ومن نظر إليه عكف عليه، ~~أما فهمت هذا من قوله تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) طه: 97 ~~ومن فرائض المحبة وفضائلها؛ موافقة الحبيب فيما أحب حب الله، كما قال عمر ~~رضي الله عنه لصهيب رحم الله صهيبا: لو لم يخف الله لم يعصه؛ أي أن محبته ~~له تمنعه من مخالفته عن غير خيفة، فهو يطيعه حبا له، وكان صهيب يقول إنه ~~يستخرج من حبي لربي شيئا لا يستخرجه غيره؛ يعني من معاني الصفات المخوفة ~~والأفعال المرجوة، وقال بعض علمائنا: الإيثار يشهد للحب، فعلامة حبه إيثاره ~~على نفسك، وقال: ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيبا لله، ولكن كل من اجتنب ~~ما نهاه صار حبيبا وهذا كما قال: إن المحبة تستبين بترك المخالفة، ولا تبين ~~بكثرة الأعمال، كما قيل: أعمال البر يعملها البر والفاجر والمعاصي لا ~~يتركها إلا صديق، وقيل: أفضل منازل الطاعات الصبر على الطاعات، وإن الصبر ~~على الطاعة يضاعف إلى سبعين، والصبر عن المعصية يضاعف إلى سبعمائة كأنه ~~أقيم مقام المجاهد في سبيل الله، لأنه يقع اختبارا من الله وضرورة من كلية ~~النفس، فإذا ترك هواه فقد ترك نفسه، فأقل ما له في ذلك الزهد في الدنيا ~~والجهاد في سبيل الله، ومن أجل ذلك ضوعفت حسناته إلى سبعمائة، ومن أجله ~~ثبتت له المحبة بترك المخالفة، قال الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ~~الرحمن: 46 تفضله على غيره بحبه، وأعجب ما سمعت في هذا أن موسى سأل الخضر: ~~بأي شيء بلغت هذه المنزلة؟ فقال: ms0740 بترك المعاصي كلها، وقد كان أبو محمد يقول ~~في قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) التوبة: 111، ~~قال: عيش نفوسهم الفاني وهو عاجل حظوظهم من الشهوات، ومن المحبة وجود الروح ~~بالشكوى إليه والاستراحة إلى علمه به وحده، وإخلاص المعاملة لوجهه وحسن ~~الأدب فيها، وهو الإخفاء لها وكتم ما يحكم به من الضيق والشدائد، وإظهار ما ~~ينعم به من الإلطاف والفوائد وكثرة التفكر في نعمائه وخفي ألطافه، وغرائب ~~صنعه وعجائب قدرته وحسن الثناء عليه في كل حال، ونشر الآلاء منه والأفضال ~~والصبر على بلائه، لأنه قد صار من أهله وأوليائه، وقد يعسف بأوليائه ويعنف ~~بأحبابه لتمكنه منهم ومكانتهم عنده، ولعلمه أنهم لا يريدون له بدلا ولا ~~يبغون عنه حولا، إذ ليست لهم راحة لسواه ولا بغية في سواه ولا لهم همة إلا ~~إياه، كما قال بعض المحبين: ويلي منك وويلي عليك، أفزع منك وأشتاق إليك، إن ~~طلبتك أتعبتني وإن هربت منك طلبتني، فليس لي معك راحة ولا لي في غيرك ~~استراحة، ثم المسارعة إلى ما ندب إليه من أنواع البر بوجود الحلاوة وبشرح ~~الصدر كما جاء في الأثر، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ثم ~~الرضا بقضائه لأنه # PageV02P090 # مستحسن لأفعاله، ثم اللهج بذكره ومحبة من يذكره ومجالسة من يذكره، ودوام ~~التشكي والحنين إليه وخلو القلب من الخلق، وسبق النظر إلى الخالق في كل ~~شيء، وسرعة الرجوع إليه بكل شيء، ووجد الأنس به عند كل شيء، وكثرة الذكر له ~~والتذكر بكل شيء، ومن علامة المحبة طول التهجد، وروي عن الله سبحانه: كذب ~~من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني، إلا أن بعضهم جعل سهر الليل في مقام ~~بعينه، ذكر له هذا الخبر فقال: ذاك إذا أقامه مقام الشوق فأما إذا أنزل ~~عليه السكينة وأواه بالأنس في القرب، استوى نومه وسهره، ثم قال: رأيت جماعة ~~من المحبين، نومهم بالليل أكثر من سهرهم، وإمام المحبين وسيد المحبوبين ~~رسوله الله صلى الله عليه وسلم كان ينام مثل ما يقوم، وقد ms0741 يكون نومه أكثر ~~من قيامه ولم يكن تأتي عليه ليلة حتى ينام فيها، ومن المحبة الخروج إلى ~~الحبيب من المال بالزهد في الدنيا، والخروج إليه من النفس بإيثار الحق على ~~جميع الأهواء، وقال الجنيد: علامة المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة يفتر ~~بدنه ولا يفتر قلبه، وقد قال بعض السلف: العمل عن المحبة لا يداخله الفتور، ~~وقال بعض العلماء: والله ما استسقي محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل، ~~ومن المحبة التناصح بالحق والتواصي به والصبر # على ذلك، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين، فقال تعالى: (إن الإنسان ~~لفي خسر) (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ~~العصر: 2 - 3، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى: (يؤتكم أجوركم ~~ولا يسألكم أموالكم) (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) محمد: 36 ~~- 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه. ~~على ذلك، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين، فقال تعالى: (إن الإنسان لفي ~~خسر) (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ~~العصر: 2 - 3، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى: (يؤتكم أجوركم ~~ولا يسألكم أموالكم) (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) محمد: 36 ~~- 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه. # وروينا في مقرأ ابن عباس: ويخرج أضغانكم؛ يعني الأموال، فلو لم يدخل على ~~هؤلاء الضعفاء إلا الشرك في محبة الأموال والشغل بها عن ذكر ذي الجلال، ~~فخسروا ما ربح المخلصون من الأحباب، وفاتهم ما أدرك الصالحون من طوبى وحسن ~~مآب، فالله تعالى يسأل أحبابه أموالهم وأنفسهم حتى لا يبقى لهم محبوب سواه ~~ولئلا يعبدوا إلا إياه محبة منه وكشفا لمحبتهم واختبارا لأخبارهم في صدقهم ~~وصبرهم، ولأنه جواد ملك لايسأل إلا كلية الشيء وجملته، وهو غيور لا يحب أن ~~يشركه سواه في محبته، فلا يصبر عليه إلا من عرفه ولا يحبه إلا من صبر عليه، ~~ولا يرضى بحكمه فيه إلا من أيقن به، إلا أنه لا يسأل الجملة كلها ms0742 إلا لمن ~~أحبه المحبة الخاصة، وذلك كله من نظام حكمته، وقيل لبعض المحبوبين وكان قد ~~بذل المجهود في بذل ماله ونفسه، حتي لم يبق عليه منها بقية: ما كان سبب ~~حالك هذه من المحبة؟ فقال: كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت بي هذا البلاء، ~~قيل: وما هي؟ قال: سمعت محبا قد خلا بمحبوبه وهو يقول: أنا والله أحبك ~~بقلبي كله، وأنت معرض عني بوجهك كله، فقال له المحبوب: إن كنت تحبني فأي ~~شيء تنفق علي فقال: ياسيدي، أملكك ما أملك، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك، ~~فقلت: # PageV02P091 # هذا خلق لخلق وعبد لعبد، فكيف بخلق لخالق وعبد لمعبود، فكان ذلك سببه فقد ~~دخلت الأموال في الأنفس تحت الشراء، وقد باعوه نفوسهم فما دونها لمحبتهم ~~إياه، وقد اشتراها منهم لنفاستها عنده، فعلامة محبته لها اشتراؤها منهم، ~~وعلامة شرائها طيها عنهم؛ فإذا طواها فلم يكن عليهم منها بقية هوى في سواه، ~~فقد اشتراها، واعلم أن آفات النفوس هي أدواؤها، وطهرة النفوس من الأدواء هو ~~داؤها، كما قال تعالى: (قد أفلح من زكاها) الشمس: 9، فإذا صفاها من الآفات ~~فقد صافاها، وإذا امتحنها بالتمحيص من الشهوات للتقوى فقد اشتراها، ولكل ~~داء من النفس دواء على قدر صغره وعظمه، فضع الدواء على الداء من حيث دخل ~~عليك، بإدخال ضده عليه وبقطع أصله عنه، فعلامة النفوس المشتراة وهي ~~المحبوبة المجتباة، التوبة إلى الحبيب بالخدمة له وكثرة الحمد له بالسياحة ~~إليه ودوام الصلاة، بحسن الأدب بين يديه والأمر بما يحب والنهي عما يكره ~~والحفظ بحدوده التي حدها وترتيب العلم على مدارج العقل، بإخفاء علم التوحيد ~~وأسرار قيومية القدرة من المحافظة، لأن العقل حد، وذلك من كتمان علم ~~المحبة، فهو عند المحبين كحفظ حدوده على الجوارح التي شرعها بألسنة الرسل، ~~ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين، والله يحب المتقين، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من أراد أن يحبه الله فليزهد في الدنيا، فلا يطمعن ms0743 طامع في محبة ~~الله قبل الزهد في الدنيا، فهذه جمل أوصاف المحبين، ومن المحبة أن لا يطلب ~~خدمة سواه وأن يجتمع في محبته همه وهواه، ولا يهوي إلا ما فيه رضا المولى، ~~ولا يقضي عليه مولاه إلا بما يهواه. # وروي عن بعض العلماء إذا رأيته يوحشك من خلقه، فاعمل أنه يريد أن يؤنسك ~~به وفي أخبار داود عليه السلام أن الله تعالى أوحى إليه: إن أود الأوداء ~~إلي من عبدني لغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها، وفيما نقل وهب من ~~الزبور، ومن أظلم ممن عبدني لجنة أونار لو لم أخلق جنة ولا نارا لم أكن ~~أهلا أن أطاع، أو كما قال، وفي أخبار عيسى: إذا رأيت التقي مشغوفا في طلب ~~الرب فقد ألهاه ذلك عما سواه، وعن عيسى عليه السلام: المحب لله يحب النصب، ~~وروي عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان ~~البالية فقال: ماأنتم؟ فقالوا: نحن عباد قال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خوفنا ~~الله من النار فخفنا منها فقال: وحق على الله أن يؤمنكم ما خفتم، ثم جاوزهم ~~فمر بآخرين أشد عبادة منهم فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شوقنا الله إلى ~~الجنان وما أعد فيها لأوليائه فنحن نرجو ذلك، فقال: حق على الله أن يعطيكم ~~ما رجوتم، ثم جاوزهم # PageV02P092 # فمر بآخرين يتعبدون فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن المحبون لله، لم نعبده ~~خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلاله فقال: أنتم ~~أولياء الله حقا، معكم أمرت أن أقيم فأقام بين أظهرهم، وفي لفظ آخر أنه قال ~~للأولين: مخلوقا خفتم ومخلوقا أحببتم، وقال لهؤلاء: أنتم المقربون، وممن ~~روى عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين بإحسان منهم: أبو ~~حازم المدني كان يقول إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العقاب، فأكون ~~مثل العبد السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل، ولكن أعبده محبة له، وقد ~~روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم: ms0744 لا يكون أحدكم كالعبد ~~السوء؛ إن خاف عمل، ولا كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل، وقال بعض ~~إخوان معروف له: أخبرني عنك أي شيء أحاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ ~~فسكت فقلت: ذكر الموت؟ فقال: وأي شيء الموت؟ قلت: ذكر القبر والبرزخ فقال: ~~وأي شيء القبر؟ فقلت: خوف النار ورجاء الجنة فقال: وأي شيء هذا؟ إن واحدا ~~بيده هذا كله إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك ~~جميع هذا. # وحدثت عن علي بن الموفق قال: رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة، فرأيت رجلا ~~قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل، ~~ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه قوم، فيدخل بعضا ويرد بعضا، ~~قال: ثم جاوزتها إلى حظيرة القدس، فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ~~ينظر إلى الله عز وجل لا يطرف، فقلت لرضوان: من هذا؟ فقال: معروف الكرخي ~~عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له، فقد أباحه النظر ~~إليه إلى يوم القيامة، قلت: فمن الآخران قال: أخواك بشر بن الحرث وأحمد بن ~~حنبل، وهذا مقام الأبدال من الصديقين، لا يقامون مقام أبدال الأنبياء ولا ~~يعطون منازل الشهداء، حتى تغلب محبة الله على قلوبهم في كل حال فيتألهون ~~إليه، ويذهلون به عن غيره وينسون في ذكره من سواه، فيعبدونه لأجله صرفا، ~~وهم، المقربون ونعيمهم في الجنان صرف، ويمزج لأهل المزج وهم أصحاب اليمين، ~~كما قال تعالى في وصف نعيمهم: (إن الأبرار لفي نعيم) (على الأرائك ينظرون) ~~(تعرف في وجوههم نضرة النعيم) (يسقون من رحيق مختوم) المطففين: 22 - 23 - ~~24 - 25 # PageV02P093 # ثم قال في نعت شراب المقربين ومزاجه، يعني مزاج شراب الأبرار: من تسنيم ~~عينا يشرب بها المقربون؛ أي يشربها المقربون صرفا، ويمزج لأصحاب اليمين، ~~فما طال شراب الأبرار إلا بمزاج شراب المقربين، فعبر عن جمع نعيم الجنان ~~بالشراب، كما عبر عن العلوم والأعمال بالكتاب، فقال في نعت الأبرار مثله؛ ~~إن ms0745 كتاب الأبرار لفي عليين، ثم قال: يشهده المقربون؛ فما حسن علمهم ولا صفت ~~أعمالهم، ولا علا كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب منهم وحضروه، كذلك ~~كانوا في الدنيا تحسن علومهم بعلمهم وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم، ويجدون ~~المزيد في نفوسهم بقربهم منهم، كما بدأنا أول خلق نعيده، وقلا تعالى: (جزاء ~~وفاقا) النبأ: 26 أي وافق أعمالهم، وقال تعالى: (سيجزيهم وصفهم) الأنعام: ~~139 أي كوصفهم في الدنيا إنه حكيم عليم؛ فمن كان في هذه الدار نعيمه طيبات ~~الملك، فكذلك غدا يكون الملك نعيمه، ومن كان فيها نعيمه وروحه بالطيب ~~الملك، فهو غدا في مقعد صدق عند مليكه، كما قال أبو سليمان الداراني: من ~~كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو ~~غدا مشغول بربه، وقد روينا عن رابعة العدوية وكانت إحدى المحبين، وكان ~~الثوري يقعد بين يديها ويقول: علمينا مما أفادك الله من ظرائف الحكمة، ~~وكانت تقول: نعم الرجل أنت لولا أنك تحب الدنيا، وقد كان رحمه الله زاهدا ~~في الدنيا عالما، إلا إنها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس ~~من أبواب الدنيا، وقال لها الثوري يوما: لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة، ~~فما حقيقة إيمانك؟ فقالت: ماعبدت الله خوفا من الله، فأكون كالأمة السوء إن ~~خافت عملت، ولا حبا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيت عملت، ولكني عبدته حبا ~~له وشوقا إليه، وروى عنهاحماد بن زيد أنها قالت: إني لأستحي إن أسأل الدنيا ~~من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها، وكان هذا جوابا لأنه قال لها: اذكري ~~لي حوائجك حتى أقضيها، وخطبها عبد الواحد بن زيد فقالت: يا شهواني اطلب ~~شهوانية مثلك، أي شيء رأيت في من آلة الشهوة؟ وخطبها محمد بن سليمان أمير ~~البصرة على مائة ألف وقال لي: غلة عشرة آلاف في كل شهر أدفعها إليك، فكتبت ~~إليه: ما يسرني أنك لي عبد وأن كل ما تملكه لي وأنك شغلتني عن الله طرفة ~~عين، وقدقالت: في معنى المحبة أبياتا تحتاج إلى شرح، ms0746 حملها عنها أهل البصرة ~~وغيرهم، منهم جعفر بن سليمان الضبعي وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد ~~الواحد بن زيد: # أحبك حبين: حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراكا # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا # PageV02P094 # فأما قولها: حب لهوى وقولها حب أنت أهل له، وتفريقها بين الحبين فإنه ~~يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، ويخبره من لم يشهده، وفي تسميته ~~ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول، ممن لا ذوق له ولا قدم فيه، ولكنا نحمل ذلك ~~وندل عليه من عرفه يعني حب الهوى، إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، ~~لا عن خبر وسمع تصديق من طريق النعم والإحسان، فتختلف محبتي إذا تغيرت ~~الأفعال لاختلاف ذلك علي، ولكن محبتي من طريق العيان، فقربت منك وهربت إليك ~~واشتغلت بك وانقطعت عمن سواك، وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة فلما رأيتك ~~اجتمعت كلها فصرت أنت كلية القلب وجملة المحبة فأنسيتني ما سواك ثم إني مع ~~ذلك لا أستحق على هذا الحب، ولا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف ~~والعيان في محل الرضوان، لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه بل يوجب على كل ~~شيء لك مني كل شيء مما لا أطيقه ولا أقوم بحقك فيه أبدا، إذ كنت قد أحببتك ~~فلزمني خوف التقصير، ووجب علي الحياء من قلة الوفاء، فتفضلت علي بفضل كرمك، ~~وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم عندي ~~أولا، فلك الحمد على ما تفضلت به ذا عندي في الدنيا ولك الحمد على ما تفضلت ~~به في ذاك عندك في الآخرة، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي في ذاك هناك، ~~إذ كنت وصلت إليهما بك فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما، فهذا الذي ~~فسرناه هو وجد المحبين المحقين ظنا بقولها ذلك، ms0747 إذا كان لها في المحبة قدم ~~صدق، والله أعلم ولايسعنا أن نشرح في كتاب كشف حقيقة ما أجملناه ولا أن ~~نفصل وصف ما ذكرناه ومن لم يكن من المحبين كذلك حتى يدل بمحبته ويقتضي ~~الجزاء عليها من محبوبه ويوجب على حبيبه شيئا لأجل محبته، فهو مخدوع ~~بالمحبة ومحجوب بالنظر إليها، وإنما ذاك مقام الرجاء الذي ضده الخوف، وليس ~~من المحبة في شيء ولا تصح المحبة إلا بخوف المقت في المحبة، وقال بعض ~~العارفين: ماعرفه من ظن أنه عرفه، ولا أحبه من توهم أنه أحبه. ### | ذكر مخاوف المحبين ومقاماتهم في الخوف # وللمحب سبع مخاوف ليست بشيء من أهل المقامات، بعضها أشد من بعض: أولها ~~خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأعظم من هذا خوف البعد، وهذا المعنى في ~~سورة هود هو الذي شيب الحبيب إذ سمع المحبوب يقول: ألا بعدا لثمود ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود فذكر البعد في البعد، يشيب أهل القرب في القرب، ثم خوف ~~السلب للمريد والإيقاف مع التحديد، وهذا يكون للخصوص في الإظهار والاختيار ~~منهم، فيسلبونه حقيقة ذلك عقوبة لهم، وقد يكون عند الدعوى للمحبة ووصف ~~النفس لحقيقتها، وينقصون معه ولا يقنطون لذلك وهو لطيف من المكر الخفي، ثم ~~خوف الفوت الذي لا درك له، سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد المحبين قائلا يقول ~~في سياحته نظما: # PageV02P095 # كل شيء لك مغفور ... سوى الإعراض عني # قد وهبنا منك ما فا ... ت بقي ما فات مني # فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة، وهذا في قصة طويلة كانت له بعد ~~مقامات أقيم نقل عنها إلى هذا المكان، حتى قال في آخر ذلك: فسمعت النداء من ~~الجب: يا إبراهيم كن عبدا قال: فكنت عبدا، فاسترحت، معناه لا يملكك إلا ~~واحد تكون عبدا له حرا مما سواه، ولا تملك شيئا فإن الأشياء في خزانة ~~مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك، وتأسرك بمقدار ما ملكتها، وقد ضرب الله ~~مثلا بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون علىه من أهل ms0748 ومال ~~وشهوات، وآخر مسالما خالصا لواحد، إنهما لا يستويان في قوله تعالى: (ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون) الزمر: 29، أي الأكثر ليسوا علماء، هكذا الواحد ~~وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون، لأن حبا له كان به لا بهم ~~وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها شيء؟ فكذلك ~~سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به، فيدخل عليهم السلو عنه من حيث لا ~~يشعرون، من مكان ما دخل عليهم الحب له من حيث لا يعلمو، فتجد السلو به ~~كماوجدت الحب له، فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت، لأنه يدرجك ~~في ذلك إدراجا بلطائف الحكمة، كما أنك أحببته وأنت لا تدري لأنه أشهدك وصفه ~~باطلاع القدرة عن جنان الرحمة، فوجدت نفسك محبا له، كذلك ترجع المحبة كما ~~جاءت تحجبك عنه عن وصف المكر والجبرية، فتجد قلبك ساليا عنه بلا حول منه ~~ولا قوة ولا اجتلاب ولا حيلة، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه، ولا ~~يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به كان ذلك دليلا منه ~~أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به، وهذا هو تحقيق ~~المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور، وهو درك الشقاء ~~الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته، ولا يحول في الوهم لخفيته، ~~كقوله تعالى: (إذا لهم مكر في آياتنا) يونس: 21، أي معصية بالنعم، قل الله ~~أسرع مكرا أي أخفى تقليبا قد أظهر لهم نعما أحبوها، وكانت عقوبة ونقاما ~~باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة من حيث لا يعلمون، ~~وأشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه، وهذا حقيقة الاستدارج ~~يقع عن نهاية المقت من المحبوب، وغاية البغض منه والبعد، والسلو مقدمة هذا ~~المقام والإعراض والحجاب بداية ذلك كله، والقبض عن الذكر وضيق الصدر ms0749 بالبر ~~أسباب هذه المعاني المبعدة والمدارج المدرجة، إذا قويت وتزايدت # PageV02P096 # أخرجت إلى هذا كله، وإذا تناقصت وبدل بها الصالحات والحسنات أدخلت في ~~مقامات المحبة والقربات، كما جاء في الأثر الثابت عن حبيب الله، وكذلك في ~~تدبر الخطاب أن العاكف على هواه مقيت الله، فوجد هذه الأوصاف منك دلائل ما ~~عاد عنك من الاستبدال بك والإسقاط لك، والخوف من هذه المعاني علامة المعرفة ~~بأخلاقه الملوئة، ولا يصلح شرح هذه المقامات في كتاب ولا تفصيلها برسم ~~خطاب، إنما يشرح في قلبه بيقينه قد شرح وبفضل العبد من نفسه قد فصل، فأما ~~قلبه مشترك وعبد في هواه مرتبك، فليس لذلك أهلا والله المستعان، وثم خوف ~~ثامن عن شهادة حب عال يغرب اسمه فيلتبس، ويخفي وصفه لقلة اشتهاره في ~~الاستماع فيجهل، لم نسمه لأنه خوف عن مقام له اسم من المحبة، فيشتبه على ~~كثير من سامعيه فينكرونه ويتشنج في أوهام غير مشاهديه بالخلق فيمثلونه، لأن ~~أسماء صفات الخلق ملتبسة بمعنى صفات الخالق، وإنما لهم من ذلك مايعلمون وهم ~~بعلومهم محجوبون، فكيف بها يشهدون، فإن ذكرنا خوفه ثم على ذكر مقامه فظهر ~~بإظهاره، فكان طيه أفضل من نشره إلى أن يسأل عنه من ابتلي بمصدره عنه، بعد ~~أن نشرت منه لأن مقامات المحبة كلها إلى جنب مقامه، كنهر ضيف إلى بحر مثله، ~~كمثل مشاهدات اليقين كلها إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد، وهو وصف من ~~المحبة يعرف لأنه من شوق الحبيب إلى المحب، وهو من معنى قول رابعة آنفا: حب ~~الهوى، ومن معنى قول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: أرى ~~ربك يسارع إلى هواك، ومن صدر عن مقام محب بعد وروده رفع إلى هذا المقام ~~لأنه في مقام محبوب لجميل مشاهدات اليقين، وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد ~~هذين # البيتين كثيرا: تين كثيرا: # ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أحظى لديه وأعدل # ألا أن للرحمن سرا يسره ... إلى أهله في السر والستر أجمل # وقد ذكرنا معناه بعض المحبوبين في كلام ms0750 منظوم في بيتين وهما: # فمنك بدا حب بعز تمازجا ... بماء وصال كنت أنت وصلته # ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه ... فكان بلا كون لأنك كنته # وقال بعض العلماء: من عرف الله من طريق المحبة بغير خوف هلك بالبسط ~~والإدلال، ومن عرفه من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد ~~والاستيحاش، ومن عرف الله من طريق المحبة والخوف أحبه الله فقربه وعلمه ~~ومكنه، وليس العجب من خوف الخائفين إذ لا يعرفون إلا الصفات المخوفات ~~والأفعال القاصمات، وإنما العجب من خوف المحبين مع ما عرفوا من أخلاقه ~~وحنانه وشهدوا من تعطفه وألطافه مالم يعرف الخائفون، ثم هم مع حبهم يهابونه ~~وعلى أنفسهم به يحابونه، وفي فزعهم منه يشتاقون إليه، وفي بسطه لهم ينقبضون ~~بين يديه، وفي إعزازه لهم يذلون له، لأن من قبض فانقبض # PageV02P097 # فليس بعجب، ولكن من أعز وأكرم فتواضع وذل فهو العجب، فللمحبين الانقباض ~~في البسط، وللخائفين الانقباض في القبض، وللمحبين الذل مع العز والكرامة، ~~وللخائفين الذلة مع الهيبة والمهنة، فهذا يدل على أن معرفة المحبين به أعظم ~~المعارف إذ كانت أوائل أحوالهم المخاوف، فكل محب لله خائف وليس كل خائف ~~محبا يعني محبة المقربين، لأنه لم يذق طعم الحب لأن طعم محبة المسلمين ~~المفترضة لا يقع بها اعتبار في مقامات الخصوص، لأنه لا يوجد عنها مواجيد ~~الأحوال، ولا يعلى بها في مشاهدات الأنتفال، لأنها قوت الإيمان، منوطة ~~بصحته وموجودة بوجوده، والمحبة لا ترفع الهيبة، فلذلك كان محبا خائفا لأن ~~المحبوب مهوب، والخوف قد يقبض عن المحبة لشغل الخائف بوصفه السالف، وهذا ~~كشف الأبرار وهو حجاب المقرب من المحبة قوت، وهذا كما يقول في الرجاء ~~والخوف لأنهما وصفا الإيمان، إلا إن الخائف يتدرج الرجاء في حاله والراجي ~~ينطوي الخوف في رجائه، وفي سبق ترتيب المقامات من الله تعالى حكم غريب ~~وحكمة لطيفة لا يعرفها إلا من أعطى يقين شهادتها، إن سبق إلى العبد بمقام ~~الخوف كان محبا حب المقربين العارفين، وإن سبق إليه بمقام المحبة كان محبا ~~محبة أصحاب اليمين، ms0751 ولم يكن له مقامات المحبين المستأنسين ولا المشتاقين في ~~مقامات المقربين، وكل هؤلاء موقنون صالحون وإن خرجت أحوالهم عن ترتيب علوم ~~أهل الظاهر، لأن المنكر له أكثر من المقر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون، وربما كانت ~~المحبة ثوابا للخوف ومزيدا له وهذا في مقام العاملين، وربما كان الخوف مزيد ~~المحبة وثوابها وهذا في مقام العالمين، فمن كانت المحبة مزيده بعد الخوف ~~فهو من المقربين المحبوبين، ومن كان الخوف مزيد محبته فهذا من الأبرار ~~المحبين، وهم أصحاب اليمين. # وسئل بعض علمائنا البصريين: الحب أفضل أو الحياء؟ فقال: الحب الذي يورث ~~منه الخوف، الحياء أفضل من، والحب الذي يورث الحياء منه أفضل من الحياء وهو ~~الشوق، وقال الجنيد: المحبة نفسها قرب القلب من الله بالاستنارة والفرح، ~~فأما حب تجلي الصفات عن الأسماء الباطنة فإنا لم نذكر منها شيئا، وإنما ~~ذكرنا محبة الأخلاق عن الأسماء الظاهرة، ولا أحسب أنه يحل رسمه في كتاب ولا ~~كشفه لعموم الناس لأنه من سر المحبة لا يكاشف به إلا من اطلع عليه ولا ~~يتحدث به إلا من أعطيه، وما رأيت أحدا رسمه في كتاب لأنه لا يؤخذ من كتاب، ~~وإنما يتلقى من أفواه العلماء، وينسخ من قلب إلى قلب، وهو يشبه ماكتبنا عنه ~~آنفا من الخوف الثامن الذي لم نصفه لمن لا يعرفه، ومما نقل في الأثر من وصف ~~من أذيق منه ولم يفصح بذكر وصفه أنا روينا في الأخبار: أن بعض الصديقين ~~سأله بعض الأبدال أن يسأل الله أن يرزقه ذرة من محبته # PageV02P098 # ففعل ذلك، فهام في الجبال وحار عقله، ووله قلبه، وبقي شاخصا سبعة أيام لا ~~ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء، فسأل له الصديق ربه فقال: يارب انقصه من ~~الذرة نصفها، فأوحى الله إليه إنما أعطنياه جزءا من مائة ألف جزء من ذرة من ~~المعرفة، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني ~~هذا فأخرت إجابتهم إلى ms0752 أن شفعت أنت لهذا، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما ~~أعطيته، فقسمت ذرة من المحبة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك، فقلت: ~~سبحانك أحكم الحاكمين انقصه مما أعطيته، قال: فأذهب الله عنه جملة ذلك ~~الجزء وبقي فيه عشر معشاره وهو جزء من ألف جزء، فاعتدل خوفه وحبه وعلمه ~~ورجاؤه، وصار كسائر العارفين، ومن علم المحبة سهر الليل بمناجاة الجليل، ~~والحنين إلى الغروب شوقا إلى الخلوة بالمحبوب، ومناجاة القلب سرائر الوجد، ~~ومطالعة الغيب والمناجاة عند أهل المصافاة، إنما هي بالقلوب وهي مطالعاتها ~~بواطن الغيوب، وجولانها في سر الملكوت وعلوها في معاني الجبروت بأنوار ~~أرواحها، يحملها شعاع أنواره فيوقعها على خزائن أسراره، والمناجاة دليل ~~رؤية القرب وشاهد وجود الأنس، وفيما أخبرنا عن الله تعالى أنه قال: كذب من ~~ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه، فها ~~أنا ذا قريب من أحبابي أسمع سرهم ونجواهم وأشهد حنينهم وشكواهم. # وروينا عن بعض العلماء القدماء أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الصديقين: أن ~~لي عبادا من عبادي يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، يذكروني ~~وأذكرهم، وينظرون إلي وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم ~~مقتك، قال: يارب: وماعلامتهم؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي ~~الشفيق غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، ~~فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الأسرة، وخلا كل حبيب ~~بحبيبه، نصبوا لي أقدامهم، وافترشوا لي وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوا لي ~~بأنعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع ~~وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، فأول ما أعطيهم ~~ثلاثا أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم، والثانية لو كانت ~~السموات والأرض ومافيهما في موازينهم لاستقللتها لهم، والثالثة أقبل بوجهي ~~عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه لا يعلم أحد ما أريد أن أعطيه، وأما الشوق ~~فإنه مقام رفيع من مقامات المحبة، وليس ms0753 يبقى الشوق للعبد راحة ولا نعيما في ~~غير مشوقه، والمشتاقون مقربون بما أشهدوا من الشوق إليه، وهم المأمور ~~بطلبهم، الموجود الحبيب عندهم مثوبة منه لهم لما شوقهم إليه في قوله لموسى ~~عليه السلام: اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، هم المشتاقون من المحبين ~~والله أعلم، # PageV02P099 # وذلك أن الحبيب قرب منهم بوصفه تكرما، ففرحوا بقربه، وعاشوا بمشاهدته، ~~ونعموا لحضورهم عنده، ثم احتجب عنهم غيرة على نفسه لعزه فانكسرت قلوبهم ~~لأجله، فاشتاقوا إلى ما عودهم منه، فثبتت لديه حرمتهم، فأمر أولياءه ~~بطلبهم، وأوجد نفسه عندهم لمكانتهم عنده، ففرح هؤلاء من المحبين بقربه لا ~~يوصف، وانكسارهم، وحزنهم لأجله لا يعرف، والله سبحانه قد يعرض عن محبيه ~~تعززا ليزعجهم الشوق إليه، ويقلقهم الأسف عليه، وينظر إليه في إعراضه عنهم ~~من حيث لا يعلمون لينظروا إليه من حيث يعلمون، فسيكنون بالأدب بين يديه، ~~وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم، وكان أحد المشتاقين وهو من أبدال هؤلاء الذين ~~نتكلم في علمهم ونكشف طريقهم، وكانت له رحمه الله أماكن من المحبة رفيعة، ~~وكاشفات في القرب عليه، قال: قلت ذات يوم يا رب إن كنت أعطيت أحدا من ~~المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك، فقد أضر بي القلق، ~~قال: فرأيت في المنام أنه أوقفني بين يديه، فقال: يا إبراهيم، أما استحيت ~~مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه ~~أم هل يستروح المحب إلى غير مشوقه؟ قال: قلت: يا رب تهت في حبك فلم أدر ما ~~أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول، فقال: قل اللهم رضني بقضائك، وصبرني على ~~بلائك، وأوزعني شكر نعمائك. # وقد حدثونا بمعنى ذلك عن أحمد بن عيسى الخراز، وكان مشتهرا بالسماع كثير ~~الحركة والصعق عنده، ذكر بعض أصحاب سهل قال: رأيته في المنام بعد موته ~~فقلت: ما فعل الله بك فقال: أوقفني بين يديه، فقال لي: يا أحمد حملت وصفي ~~على ليلي وسعدي لولا أني نظرت إليك في مقام واحد أردتني به خالصا لعذبتك، ms0754 ~~قال: وأقامني من وراء حجاب الخوف فأرعدت وفزعت ما شاء الله، ثم أقامني من ~~وراء حجاب الرضا فقلت: يا سيدي لم أجد من يحملني غيرك، فطرحت نفسي فقال: ~~فقل: صدقت من أين تجد من يحملك غيري؟ قال: وأمر بي إلى الجنة، وفي هذا ~~تخويف للسامعين على التشبيه، الحائدين عن سمع أهل الفهم والتنبيه، لأن ~~السماع علم لا يصلح إلا لأهل الصفاء، فمن سمعه على كدر فذاك له محنة وضرر، ~~ويدخل من الآفات على نقصان المشاهدات إذا سمع من قبل النغمة والصوت مايدخل ~~على من نظر إلى الأيدي في العطاء، لأن الصوت ظرف للمعاني بمنزلة اليد ظرفا ~~للأرزاق، فالنظر الموقن يأخذ رزقه من اليد، ويترك النظر والسامع المحق، ~~يأخذ المعاني من الصوت ولا يلتفت إلى التنغيم بها، فمن سمع على التشبيه ~~والتمثيل ألحد، ومن سمع على الهوى والشهوة فهو لعب ولها، ومن سمع باستخراج ~~الفهم ومشاهدة العلم على معاني صفات حق ونظر وتطرق ودليل على آيات صدق، كان ~~سامعا على مزيد، وهذه طرائق أهل التوحيد، وفي السماع حرام وحلال وشبهة، فمن ~~سمعه بنفس بمشاهدة هوى وشهوة فهو حرام، ومن سمعه بمعقوله على صفة # PageV02P100 # مباح من جارية وزوجة كان شبهة لدخول اللهو فيه، وفعل هذا بعض السلف من ~~التابعين، ومن سمعه بقلب بمشاهدة معان تدله على الدليل وتشهده طرقات الجليل ~~فهذا مباح، لا يصح إلا لأهله ممن كان له نصيب منه، ووجد في قلبه مكانا له ~~لعبد أقيم مقام حزن، أو شوق أو في مقام خوف، أو محبة، فيحركه السمع ويخرجه ~~إلى الشهادة، فيكون ذلك مزيده من السمع، فأما من سمعه على نغمة، أو لأجل ~~صوت، أو ليلهو به، أو ليستروح إليه، فهذا لاعب لاه لا يحل له إذ ليس مرادا ~~به، وكان الجنيد يقول: تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن، عند ~~الطعام لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند المذاكرة لأنهم يتذاكرون أحوال ~~النبيين، ومقامات الصديقين، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا، ~~وكان بعض العارفين يقول: تعرف مواجيد ms0755 أصحابنا في ثلاثة أشياء، عند المسائل ~~وعند الغضب، وعند السماع، وإنما ذكرنا هذا لأنه كان طريقا لبعض المحبين ~~وحالا لبعض المشتاقين، فإن أنكرناه مجملا فقد أنكرنا على تسعين صادقا من ~~خيار الأمة، وقد دخل فيه غير أهله فأحالوه عن وجهته، وعدلوا به عن قصده، ~~وقد كان بعض السامعين يقتات السماع فيجعله قوته، ويتقوى به على زيادة طيه، ~~وأحدهم يطوي اليومين والثلاثة، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى ~~السماع، فأثار منه مواجيده، وأهاج فيه أذكاره، فحمله ذلك عن الطعام، وأغناه ~~عن الأنام، فهذا لا يصلح إلا لقلب صاف من الأكدار، نقي نظيف من الآثام، ومن ~~شهد فيه خلقا فذلك علامة كدر قلبه، ومن أحدث فيه لعبا ولهوا فهو دليل نقص ~~لبه. # حدثني بعض الشيوخ عن شيخ له قال: رأيت أبا العباس الخضر فقلت: ماتقول في ~~هذا السماع الذي يختلف فيه أصحابنا؟ فقال: هو الصفا الزلال لا يثبت عليه ~~إلا أقدام العلماء، وقد صدق في قوله: لأنا روينا عن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم: أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية والنغمة الملهية، وأن حماد روى ~~عن إبراهيم: الغناء ينبت النفاق في القلب، وعن مجاهد: ومن الناس من يشتري ~~لهو الحدث ليضل عن سبيل الله قال: الغناء وهداكما، قالاه: لأن سماع الغناء ~~حرام وأجور المغنيات وأثمانهن حرام، والفرق بين الأغاني والقصائد أن ~~الأغاني ما شبب به النساء وذكر فيه الغزل، ووصفن به، وشهدن منه، ودعا إلى ~~الهوى، وشوق إلى اللهو، فمن سمع من حيث قال القائلون بهذه المعاني فالسماع ~~عليه حرام، والقصائد ماذكر بالله، ودل عليه، وشوق إليه، وأهاج مواجيد ~~الإيمان، وأثار مشاهدات العلوم، وذكر به طرقات الآخرة ومقامات الصادقين، ~~فمن سمع من حيث شهد بهذه الشهادة فهو من أهله إذ له نصيب منه، وقال الله ~~سبحانه: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون، فالكلام روحان، منثور ~~ومنظوم، فالمنثور كلام العلامة، والمنظوم كلام الشعراء، فما ذكر به الله ~~ويذكر منه فهو طريق إليه، # PageV02P101 # ولم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في ms0756 أفضل أيام السنة وهي الأيام ~~التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها، أيام التشريق من وقت عطاء بن أبي رباح ~~إلى يومنا، هذا ما أنكره عالم، وقد كان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه ~~يستمعون إليهما، ويحمل القول في السماع أن من سمع فظهرت عليه صفات نفسه ~~وذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام، ومن سمع فظهر له به ذكر ربه، وتذكر ~~به أجل ما شوقه الله إليه وأعده لأوليائه، فهو له ذكر من الأذكار، وسئل ~~عالمنا رحمه الله فقيل له: بلغنا أنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري ~~السقطي وذو النون يسمعون فقال: كيف أنكر السماع وقد سمعه عبد الله بن جعفر ~~الطيار، يعني ابن أبي طالب، وإنما أنكر اللهو وأنكر اللعب في السماع، ~~ولعمري أن هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد كانوا يسمعون، ولكن كان منهم من ~~سمع السر دون العلانية، ومنهم من كان يسمع مع إخوانه ونظرائه دون الأتباع ~~والأصحاب، وكانوا يقولون: لا يصح السماع إلا لعارف مكين، ولا يصلح لمريد ~~مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له، فقال: ممن؟ فقيل له: فأنت، ~~فقال: مع من كانوا لا يسمعون إلا من أهله ومع أهله. # وحدثونا عن يحيى بن معاذ قال: فقدنا ثلاثا فما نراها ولاأراها تزداد إلا ~~عزة، حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الأخاء مع الوفاء، ~~وقد سمع من الصحابة غير عبد الله بن جعفر أربعة منهم: ابن الزبير والمغيرة ~~بن شعبة وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم قال: طفت ذات ليلة بالبيت، وكانت ليلة ~~مظلمة ذات مطر ورعد، فخلا الطواف، فلما انتهيت إلى الباب قلت: اللهم اعصمني ~~حتى لا أعصيك أبدا، قال: فسمعت قائلا يقول: من جوف البيت يا إبراهيم أنت ~~تسألني أن أعصمك وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن ~~أغفر؟ وفي خبر وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أنك تكثر ~~مسألتي ولا تسألني أن أهب لك الشوق، قال: يا رب وما الشوق؟ قال: إني خلقت ms0757 ~~قلوب المشتاقين من رضواني، وأتممتها بنور وجهي، فجعلت أسرارهم موضع نظري ~~إلى الأرض، وقطعت من قلوبهم طرقا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل ~~يوم شوقا إلي، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خروا لي سجدا فأقول: إني ~~لم أدعكم لعبادتي، ارفعوا روؤسكم أركم قلوب المشتاقين إلي فوعزتي وجلالي إن ~~سمواتي لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، معنى قول لداود ~~عليه السلام: ولا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي ~~الأنبياء كما غلط في هذا بعض الناس، ففضل العارف على النبي، ولكنه ذكر ذلك ~~لداود عليه السلام ليسأله إياه فيعطيه، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق ~~إليه، فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين، وإنما أراد أن يجعل ذلك على ~~لسانه ليريه فضل مكانه، ويظهر له ذلك عن مسألته ليفضله ويشرفه بسرعة ~~إجابته، كما أن قول داود عليه السلام: وماالشوق؟ ليس أنه لم يعرف الشوق وقد ~~اتاه # PageV02P102 # الحكمة والنبؤة، ولكن سكت بين يديه استحياء منه، واعترف لديه بالجهل لأنه ~~عند علام الغيوب، واراد أن يسمع منه حقيقة وصفه لأنه أصدق القائلين وأمدح ~~الواصفين. # وأما الغيرة فحال سنية من أحوال المحبين، لأنه قد أظهرهم على معاني نفسه ~~فضنوا بها لما امتلأت بها قلوبهم، وحارت فيها عقولهم، إلا أن هؤلاء خصوص ~~أصحاب اليمين، وهم عموم المحبين، إلا إنه إذا رفعهم إلى مقام التوحيد ~~فأشهدهم الإيجاد بالوحدانية والانفراد بالفردانية نظروا، فإذا هو لم يعط ~~منه لسواه شيئا ولا أظهر من معانيه وصفا، فانطوت الغيرة من توحيدهم ~~لماعرفوا بيقين التوحيد أنه مانظر إليه سواه، ولا عرفه إلا إياه، فتسقط ~~هممهم بالغيرة عليه، وعرفوا حكمته بتعريفه أنواع ما يظهر وأقسام ما ينشر، ~~وأنه في غيب غيبه لايظهر عليه سواه وفي سرسره لا يشهده إلا إياه، فقام لهم ~~مقام المعرفة بالتوحيد مقام الغيرة عليه، فهذا إذا طولعوا به مقام الموحدين ~~من الصديقن، وقد روينا في دلائل المحب وأوصافه أبياتا عن يحي بن معاذ، وأبي ~~تراب النخشبي، وعن أبي سعيد الخراز أي ms0758 أيضا على قافية واحدة في معان ~~متقاربة، وهي جامعة مختصرة في نعت المحبين من المريدين، وفي وصف السائحين ~~من المرادين بالتقرب والانقطاع أولى الأحوال والمشاهدات الرفاع، فالذي ~~روينا عن أبي تراب هذه الأبيات: # لا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل # منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل # فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام ولطف عاجل # ومن اللطائف أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل # ومن الدلائل أن يرى متبسما ... والقلب فيه من الحبيب بلابل # ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل # ومن الدلائل أن يرى متقشفا ... متحفظا من كل ما هو قائل # والذي رويناه عن يحيي بن معاذ: # ومن الدلائل أن تراه مشمرا ... في خرقتين على شطوط الساحل # ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل # ومن الدلائل أن تراه مسافرا ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل # ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل # ومن الدلائل أن تراه باكيا ... أن قد رآه على قبيح فاعل # ومن الدلائل أن تراه مسلما ... كل الأمور إلى المليك العادل # ومن الدلائل أن تراه راضيا ... بمليكه في كل حكم نازل # ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل # PageV02P103 # والذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه عنهما، وأحسب أنه أخذه ~~منها لأنهما أقدم منه، إلا أن قوله كان أحد عشر بيتا فقط، وجميع ما قدمنا ~~ذكره من العلامات والدلالات هي أوصاف المحبين، وكل محب لله فعن محبة الله، ~~لأن وجود العبد لمحبته لله علامة غيب محبة الله له، يبين ذلك الغيب له في ~~هذه الشهادة إلا أن في المحبة مقامين، مقام تعريف ومقام تعرف، فمقام ~~التعريف هومعرفة العموم وهذا قبل المحبة الخاصة، ومقام التعرف معرفة الخصوص ~~وهذا بعد محبة العموم، وهو مزيد الحب الأول، وهذا محبة خصوص، وكذلك في ~~المحبة مقامان، مقام محب وأعلى منه مقام محبوب، وهذا كما عبروا عن قولهم ~~مريد ومراد، وعلى الحقيقة كل مريد لله ms0759 فهو مراد بذلك، إلا أنهم جعلوا اسم ~~مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز معه المبتدئ من المبادئ، والمنيب من ~~المجتبي، والطالب من المطلوب، والراغب من المرغوب، والحافظ من المحفوظ، ~~فكذلك لعمري ليس الحامل مثل المحمول، ولا الزائر كالمزور ولا الاشتياق ~~كالحضور، ولا المحب مثل المحبوب، قال أبو موسى الدبيلي: عرضت على أبي يزيد ~~البسطامي كتاب صاحبنا عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلا حكاية أبي ~~عاصم الشامي في الشوق، يعني أن عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال: قيل ~~لأبي عاصم وافد أهل الشام يشتاق إلى الله، فقال: لا، قيل: ولم؟ قال: إنما ~~يشتاق إلى غائب، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق؟ قلت: سقط الشوق، ~~وهذا مقام محبوب، وفي المشاهدة مقامان؟ مقام شوق ومقام أنس، فالشوق حال من ~~القلق والانزعاج عن مطالعة العزة ومعاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب ~~بخفايا الألطاف، وفي هذا المقام الحزن والانكسار، والأنس حال من القرب عن ~~مكاشفة الحضور بلطائف القدرة، ففي هذا المقام السرور والاستبشار، وقال ~~ضيغم: عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلا، وعجبت لهاكيف أنست بسواك، وقال ~~الجنيد: علامة كمال الحب دوام ذكره في القلب بالفرح والسرور والشوق إليه ~~والأنس به، وأثرة محبة نفسه، والرضا بكل ما يصنع وعلامة أنسه بالله استلذاذ ~~الخلوة، وحلاوة المناجاة، واستفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها، ~~ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق، فيرتب على مدراج المعقول، كما لا يحمل ~~المحبة على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول، لأنه حال منها، أو إنما هو ~~طمأنينة وسكون إليه، ووجد حلاوة منه، واستراحة وروح بما أوجدهم، وقد أنكر ~~الأنس من لا مقام له فيه، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها لأنه ~~تخيل فيه محبة المخلوق، وتمثل لها صفاتهم، فقال: لا يعرف المحبة ولا يعقلها ~~إلا لمخلوق وليس إلا الخوف والهيبة، وممن ذهب إلى هذا القول: أحمد بن غالب ~~المعروف بغلام خليل، أنكر على الجنيد وأبي سعيد والثوري كلامهم في المحبة، ~~وليس # PageV02P104 # هذا مذهب السلف ولا ms0760 طريقة العارفين، كتب عامر بن عبد الله إلى بعض ~~إخوانه: آنسك الله بنفسه، وقيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل: من أين ~~أقبلت؟ قال: من الأنس بالله وأنشدونا لبعض العارفين: # الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال # والآنسون رجال كلهم نجب ... وكلهم صفوة لله عمال # وقد روينا في التفسير عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله عز وجل: ~~(الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله) الرعد: 28، قال: هشت إليه وأنست به، ~~وفي مقام الأنس يكون التملق والمناجاة، ومعه تكون المحادثة والمجالسة، ~~ومعنى من البسط، ولا يحب الله تعالى هذا النوع من الإدلال إلا ممن أقامه ~~مقام الأنس، ولا يحسن ذلك إلا منهم لنحو قول موسى عليه السلام في مقام ~~الأنس: يا رب لي ماليس لك، قال: وماهو؟ قال: لي مثلك وليس لك مثل نفسك، ~~قال: صدقت، معنى قوله: مثلك أي لي أنت كقوله تعالي: (ليس كمثله) الشورى: ~~11، معناه ليس كهو شيء لأنه لا مثل له، فيكون لمثله مثل إذ لا يكون لمثله ~~مثل، والعرب تعبر بالمثل عن نفس الشيء وفوق هذا من البسط ما أخبر الله ~~تعالى عنه أنه قال مواجها للجليل العظيم: إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون، وأعظم من هذا قوله: اذهب إلى فرعون، فقال مجيبا له، فأرسل إلى ~~هارون ولهم علي ذنب، ومثله قوله: إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري فحسن هذا ~~منه، لأنه أقامه مقام البسط بين يديه والأنس به، ولأن مكانه لديه مكان ~~محبوب، فأدل به عليه فحمله ذلك، وهذا من غير موسى في غير هذا المقام من سوء ~~الأدب بين يدي المرسل، ولم يحتمل ليؤنس عليه السلام خاطرا من هذا القول لما ~~أقيم مقام القبض والخوف، حتى عوقب بالسجن في بطن الحوت في البحر، في ظلمات ~~ثلاث، ونودي عليه إلى يوم الحشر، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم، وقيل: عراء القيامة، ونهي الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم ~~أن يقتدي به في القول والفعل ms0761 فقال تعالى: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادي وهو مكظوم) القلم: 48، وقد قال تعالى: (منهم من كلم الله ~~ورفع بعضهم درجات) البقرة: 253، واحتمل لإخوة يوسف ما عزموا عليه واعتقدوه ~~وما فعلوه وما أسروه من قولهم: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم إلى نحو ذلك من الكلام والفعال، ولقد عددت من أول قولهم ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشر من أخباره عنهم في قوله، وكانوا فيه من ~~الزاهدين نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض، قد يجتمع في الكلمة ~~الواحدة الأربعة والخمسة من الخطايا، ودون ذلك وفوقه بدقائق الاستخراج ~~ومعرفة خفايا الذنوب، فغفر لهم ذلك إن كانوا في مقام محبوبين، ولم يحتمل ~~لعزير # PageV02P105 # مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ديوان النبوة، وقد قال ~~الله تعالى فوق ذلك كله: (ثم اتخذتم العجل من بعده) البقرة: 92، ما جاءتكم ~~البينات فعفونا عن ذلك، فإن شاء أن يعفو عفا عن العظائم فلم يعظم عليه شيء، ~~وإن شاء طالب وناقش على الصغائر، ولا تصغر الذرة والخردلة عن مطالبته، وكيف ~~يصغر ذنب ممن واجه به الملك الجبار؟ ألا ترى من كشف عورته بين يدي نبي كفر ~~لانتهاك حرمة النبوة فكيف بالعظيم الأكبر لولا فضله ورحمته؟ وفي قوله ~~سبحانه: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) آل عمران: 129، قيل: يغفر لمن يشاء ~~على الذنب العظيم، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، وقيل: يشترك الجماعة في ~~المعصية فيغفرها لبعضهم ويبدلها حسنات، فلا تضره بل تكون عاقبتها ما يسره، ~~ويعذب البعض بذنبه ولا يغفر له، وقد لا ينفعه معه عمل لا يسأل عما يفعل، ~~وهم يسألون له الخلق والأمر، يحكم بأمره في خلقه ما يشاء، كيف شاء، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله، واحتمل لآصف بن برخيا فوق ذلك كله، يقال: إنه كان أحد ~~المسرفين، ولا يصلح أن تذكر ذنوبه لمكان علمه ولحسن عطف الله عليه، ثم ~~تداركه مولاه، واجتباه، وأعطاه العلم والفضل، وأيد به نبيه وخليفته، وجعله ms0762 ~~وزيره، وأطلعه على الاسم الأعظم بعد ما كان منه ما يتعاظم لئلا ييأس محب من ~~عطفه، ولكيلا يقنط متحجب من لطفه، ولم يسمح لبلعم بن باعوارء بذنب واحد من ~~ذنوب آصف بن برخيا إلا إن بلعم أكل دنياه بدينه وأدخل الهوى على العلم فضل ~~بذلك وهلك واشتد مقت الله له، وآصف كانت معاصيه في جوارحه بينه وبين خالقه، ~~فكان آصف مستبدلا به من بلعم لما أري تلك الآيات، فانسلخ منها بعد ~~العبادات، إذ لم يرد بحقائقها والنيات فيه، ويقال: إنه أوتي الاسم الأعظم ~~المتصل بكل المتصلة # بكان، وقد قيل: كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات فسكن إلى الدنيا ~~وهوى في الهالكات، ولم ينفعه ما كان منه من العبادة والزهادة كي لا يأمن ~~عامل من عماله مكره، ولئلا يدل عالم عليه بما أظهره، وكان آصف في كبائر ~~المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات لأنه بوصف مراد وفي مقام ~~محبوب، هذا بحضرة نبي الله وخليفته في الأرض سليمان عليه السلام.، وقد قيل: ~~كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات فسكن إلى الدنيا وهوى في الهالكات، ~~ولم ينفعه ما كان منه من العبادة والزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره، ~~ولئلا يدل عالم عليه بما أظهره، وكان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ~~ثم أوتي بعدها الآيات لأنه بوصف مراد وفي مقام محبوب، هذا بحضرة نبي الله ~~وخليفته في الأرض سليمان عليه السلام. # فأما قصة بلعم فهي أشهر من أن نذكرها، ولها مقدمات فيها قصص وإطالة لا ~~نشتغل بذكره، ولكن نذكر بعض ما انتهى إلينا من قصة آصف، وليس كل أحد على ~~قصته يقف، حدثونا أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام: يا ابن رأس ~~العابدين ويا ابن # PageV02P106 # محجة الزاهدين، إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عنه مرة بعد مرة، ~~فوعزتي وجلالي لئن أخذته عطفة من عطفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا ~~لمن بعده، قال: فلما دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى الله ms0763 إليه، فخرج ~~حتى علا كثيبا من رمل، ثم رفع يديه نحو السماء وهو يقول: إلهي وسيدي أنت ~~أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن ~~فأوحى الله إليه: صدقت أنت أنت وأنا أنا أستقبل التوبة إلي فقد تبت عليك ~~وأنا التواب الرحيم، وهذا كلام مدل به عليه، وهارب منه إليه، ومتملق له منه ~~ومن إدلال المحبوبين من المستأمنين مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله كليمه ~~أن يسأله أن يستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين، واستسقي لهم موسى ~~في سبعين ألفا، فأوحى الله إلى موسى كيف أستجيب لهم، وقد أظلمت عليهم ~~ذنوبهم وسرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين، ويأمنون مكري، ارجع فإن عبدا ~~من عبادي يقال له برخ قل له يخرج حتى أستجيب له، فسأل عنه موسى فلم يعرف، ~~فبينا موسى عليه السلام ذات يوم يمشي في طريق فإذا بعبد أسود استقبله بين ~~عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه، فعرفه موسى بنور الله ~~فسلم عليه وقال: ما اسمك؟ فقال: اسمي برخ قال: فأنت طلبتنا منذ حين، اخرج ~~فاستسق لنا، قال: فخرج فقال في كلامه: ماهذا من فعالك وما هذا من حلمك، فما ~~هذا الذي بدا لك؟ أنقصت عليك غيوثك، أم عاندت عن طاعتك الرياح، أم نفد ما ~~عندك، أم اشتد غضبك على المذنبين، ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت ~~الرحمة، وأمرت بالعطفة فتكون لما تأمر من المخالفين، أم ترينا إنك ممتنع، ~~أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟ قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر ~~وأنبت الله العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب، قال: فرجع برخ، قال: ففي هذا ~~ذكري الراجين، وأنس المشتاقين، وطمع للعالمين، وتحبب إلى المطيعين؛ هذا كما ~~قال بعض العارفين: الحبيب لا يحاسب والعدو لا يحسب. # وروي عن الله سبحانه أنه أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على ~~الهلكة: كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة ms0764 من الأمم، وقد ~~اشترك عبدان في اسم المعصية ثم تباينا في الاجتباء والعصمة؛ آدم عليه ~~السلام وإبليس لعنة الله عليه، ثم اجتبى آدم وهذا لما سبق له من الاصطفاء ~~والكلمة الحسنى، وإبليس أبلس من رحمته وأغوى لما سبق له من الشقوة والكلمة ~~السوء، وقد عاتب الله نبيه على الإعراض عن عبد، وكره له الإقبال على عبد ~~فقال تعالى: (وأما من يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى) عبس 8 - 9 - 10 وقال ~~تعالى في الأخرى: (أما من استغنى) (فأنت له تصدى) (وما عليك ألا يزكى) عبس: ~~5 - 6 - 7، وربهما واحد، وبمثله أمره بالإقبال والسلام على طائفة، وأمره ~~بالإعراض وترك القعود مع طائفة فقال تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) الأنعام: 45، (واصبر ~~نفسك مع # PageV02P107 # الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الكهف: 82، (وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) الأنعام: 68 (وإما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام: 68 وكلهم عبيد ~~لواحد ومثل المحبوب من المحب مثل مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم من مقام ~~موسى عليه السلام، قال موسى: رب اشرح لي صدري، وقال لمحمد: ألم نشرح لك ~~صدرك؟ وقال موسى: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، وقال لمحمد: ورفعنا لك ~~ذكرك، أي تقرن بي في الشهادة والآذان، لا أوازرك بغيري لأنك من أهلي، ~~والوزير القرين والظهير، أي فأنت من أهلي فقد وزرتك وقرنتك بذكري، فأنا ~~ظهيرك ومعينك لا أشد أزرك بغيري، فأشبه هذا ما رويناه عن ليث عن مجاهد في ~~قوله عز وجل: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) الإسراء: 79 قال يقعده على ~~العرش فكان العرش مكان الربوبية بمشيئته في الدنيا وهو مستغني عنه بقدرته، ~~فوهبه لحبيبه في الآخرة فجعله مكانه تفضلا له وتشريفا، ليكون هناك فوق ~~المرسلين في الجلالة، كما كان ههنا آخرهم في الرسالة، وقال لموسى عليه ~~السلام بعد المقام: قد أوتيت سؤالك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى، ms0765 ففي ~~هذا تحديد، وقال لمحمد عليه السلام بعد المقامات وقل: رب زدني علما فلم يحد ~~له حدا، فهذا غاية المزيد. # وقال موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك أي في محل العبودية، وقال لمحمد ~~عليه السلام: ما زاغ البصر وما طغى، فكان قاب قوسين أو أدنى؛ أي مكان ~~الربوبية، فبين المحب والمحبوب في التقليب، كما بين موسى ومحمد عليهما ~~السلام في التقريب، كم بين من رأى ما رأى عند نفسه في مكانه وبين من رأى ~~ربه في علوه، كم بين من عجل إليه شوقا منه ليرضى عنه وبين من عجل به شوقا ~~إليه ليرضاه إليه لرضاه عنه، كم بين من رأى ما رأى فلم يثبت، ففاضت عليه ~~الأنوار لضيقه، وبين من رأى ما رأى فثبت له وغاضت فيه الأنوار لسعته، فقد ~~جاوز المحبوب مقام المحب في التمكين، كما جاوز محمد صلى الله عليه وسلم ~~مقام موسى عليه السلام في المكان أدخل بينه وبين موسى لام الملك وأقام ~~محمدا مقامه في الملك # وقال تعالى لموسى: (واصطنعتك لنفسي) طه: 41 وقال لمحمد: (إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله) الفتح:، 1، فكم بين من صنعه لنفسه وبين من ~~جعله بدلا من نفسه تفضلا وتعظيما، كم بين من فصل مدحه من وصفه وبين من وصل ~~مدحه بوصفه، فقال تعالى في الفصل: (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني) ~~طه: 39 وقال في الوصل: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) الفتح: 9 ~~الآية، وقال في مثله: والله ورسوله أحق أن ترضوه، وقد قيل في قوله تعالى: ~~(يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين) الاعراف: 144 أي خذ ما آتيتك من # PageV02P108 # الكلام فتلا: واصطفيتك به على الناس، فاشكر عليه والنظر فقد خصصت به ~~محمدا، وعن ابن عباس وكعب أن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ~~فأعطى موسى الكلام وخص محمدا بالرؤية، ومما يؤيد هذا القول أن الذي آتاه ~~الكلام هو الذي ثبت له فدل أنه هو الذي أريد به ms0766 لأن الله تعالى إذا أراد ~~عبدا بشيء ثبته فيه وقواه عليه، وقد ثبت محمدا لما آتاه من الرؤية وقواه ~~لها ومكنه فيه، لأنه أراد بها، ومن وصف مقام المحبوب ما قيل لعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: صف لنا أصحابك، فقال: عن أيهم تسألون؟ قالوا: عن سلمان، ~~قال: أدرك علم الأول والآخر، قالوا: فعمار، قال: مليء إيمانا إلى مشاشه، ~~قالوا: حذيفة، قال: صاحب السر أعطى علم المنافقين، قالوا: فأخبرنا عن نفسك ~~فقال: إياي أردتم بهذا كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدأت؛ فهذا مقام ~~محبوب، لأنه إذا سأل سمع منه فاستجيب له، وإذا سكت نظر إليه فعطف عليه، وقد ~~روينا عنه من أحب من لا يعرف فإنما يمازح نفسه، أي من لا يعرف صفات حبيبه ~~وأخلاقه وأفعاله وأحكامه فيحبه بعد خبره فيسارع إلى مرضاته ويجانب مكارهه ~~فإنما يمازح نفسه؛ أي يلهو بها ويلعب ليس فيه شيء من حد المحبين ولا حقيقة ~~العارفين إذا لا يأمن انقلاب محبته لتقليب أفعال محبوبه، ولا يأمن تغيير ~~حبه لابتلاء حبيبه واختلاف أحكامه فكأنه كان مازحا بحبه لا محقا به، وفي ~~مثل هذا المقام من جهل المحبين بأفعال المحبوب اغترار عظيم. # ومن المحبة كتمان المحبة إجلالا للحبيب وهيبة له وتعزيزا وتعظيما له ~~وحياء منه؛ وهذا وصف المخصوصين من عقلاء المحبين وهو من الوفاء عند أهل ~~الصفاء، إذ كانت المحبة سر المحبوب في غاية القلوب؛ فإظهارها وابتذالها من ~~الخيانة فيها وليس من الأدب ولا الحياء النسبة إليها ولا الإشارة بها، لأن ~~في ذلك اشتهارا فتدخل عليه دقائق الدعوى والاستكبار، وقد قال بعض العارفين: ~~أبعد الناس من الله أكثرهم إشارة به هو الذي يكثر التعريض به في كل شيء ~~ويظهر التزين والتصنع بذكره عند كل أحد هذا ممقوت عند المحبين لله والعلماء ~~به. # دخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلي ~~ببلاء يجل عن الوصف فقال ذو النون، لا يحبه من وجد ألم ضربه، فقال الرجل: ~~لكني أقول لا يحبه من ms0767 لم يتنعم بضربه، فقال ذو النون: لكني أقول: لا يحبه ~~من شهر نفسه بحبه، فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه؛ وهذا كما قال ذو ~~النون هو من علامة الإخلاص في المحبة إذ كانت أعمال القلوب، فوجود الإشفاق ~~والحذر من إظهارها خشية السلب والاستبدال، وخوف المكر والاستدراج علامة ~~التحقق بها ودفعها عن النفس، وسترها عن أبناء الجنس، وترك التظاهر بها ~~علامة الظفر بها، لأن المحبوب غيور، وغيرته على نفسه وعلى ظهور محبته أشد ~~من غيرته على إظهار محبته، وغيرته على إظهارهم لغير أبناء # PageV02P109 # جنسهم أشد من غيرة جميع محبيه عليه؛ وهذا كلام على عالم صاح في مقام صحو ~~مكين، فأما السكرن بحاله والولهان بوجده فمغلوب، والمغلوب معذور، قال رجل ~~لأبي محفوظ، وقد رأى من بعض المحبين شيئا استجهله فيه فأخبر معروفا بذلك ~~فتبسم ثم قال: ياأخي له محبون صغار وكبار ومجانين وعقلاء، فهذا الذي رأيته ~~من مجانينهم ومن المحبة كتمان بلاء الحبيب بعد الرضا به لأن ذلك من السر ~~عنده وحسن الأدب لديه، وعوتب سهل في العلة التي كانت به علة مهولة كان ~~يداوي الناس منها ولا يداوي نفسه فقيل له في ذلك فقال: ضرب الحبيب لا يوجع، ~~وكان حينئذ يقول: من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها ~~عند نزول البلاء، إذ هو لطف من مولاه وفيه الغربة إلى محبوبه وقلة التأذي ~~بكل بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه، وقد كان بعض المحبين يقول: أصفى ما ~~أكون ذكرا إذا ما كنت محموما، وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في ~~المحبة عند بعض المحبين فقال له المحب: أرأيت هذا الذي تذكر محبته أهممت ~~بسواه قط؟ قال: نعم، قال: فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا؟ قال: لا، قال: ~~لولا أني أستحي لأخبرتك أن محبتك معلولة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في ~~ليلتك، ثم قال: لكني لا أدعي محبته وعلى ذلك ما اهتممت بسواه مذ عرفته، ~~وربما رأيته في ليلة سبع مرار، وذكر بعض المحبين ممن كان بدلا عن إبراهيم ~~بن ms0768 أدهم ممن تكلم في علم طريقه ووصفه حاله وذكر القصة بطولها قال: رأيت ~~الله عز وجل مائة وعشرين مرة وسألته عن سبعين مسألة أظهرت منها أربعة ~~فأنكرها الناس فأخفيت الباقي، وفيما ذكر من وصف المحب كفاية وغيبة عن وصف ~~المحبوب وليس يمكننا وصف المحبوب إذ كان حاله يجل عن الوصف، وكيف يوصف من ~~يسمع ويبصر من يحبه ويبطش ويعقل عن محبوبه فيكون هو سمعه وبصره وقلبه ويده ~~ومؤيده، كما جاء في الخبر: إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ~~يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقلبه الذي يعقل به، وإن سألني أعطيته وإن ~~سكت ادخرت له، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم؛ فهذا كله في مقام محبوب، ~~ويقال: إن هذه الآيات والقدر من سرائر الغيوب وخفايا الملكوت التي تسميها ~~العامة المعجزات والآيات وتسميها العلماء الكرامات والإجابات؛ وهي آيات ~~الله في أرضه مودعة وقدرته في عباده جارية، وعنايات له في ملكه مستقرة، ليس ~~للعباد منها إلا كشفها ونظرهم إليها إذا أقيموا مقام الأنس من مقام محبوب، ~~ويقال: إنها توجد في المقام السابع عشر من مقامات المعرفة، إذا أقيم العبد ~~هذا المقام في المعرفة يؤدي بها ظهرت له وفوقها ثلاثة وثمانون مقاما من ~~مقامات العارفين، أفضل من ذلك، ويقال: إنها لا # PageV02P110 # تكون لأبدال المرسلين من الصديقين، وإنما يعطاها أبدال النبيين من ~~الصالحين، فأبدال المرسلين فضلهم على أبدال النبيين كفضل المرسلين على ~~النبيين وكفضل الصديقين على من دونهم من الصالحين، كيف وقد قال بعض ~~العلماء: ما رأيت هذه الكرامات أظهرت إلا على أيدي البله من الصادقين. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من يدخل الجنة من أمتي البله، ~~وعليون لذوي الألباب، فأولو الألباب هم المواجهون بالخطاب، الشهداء عليه، ~~المستحفظون للكتاب، كما قال تعالى: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهداء) المائدة: 44، والعامة يحسبون أنها من أعلى مقامات المعرفة فجميع تلك ~~الأسرار من الغيوب التي تكنها الحجب والأستار لا يظهر عليه إلا مطلوب، ~~والمطلوب عن نفسه مسلوب، ms0769 فمن بقيت عليه من نفسه بقية، أو نظر إلى حركته ~~وسكونه بعينه نظرة خفية فسترها عليه رحمة له، لأنه لو كوشف هلك في حيرة ~~الهوى، وغرق في بحر الدنيا، ونفس حبه لها، وعين طلبه إياها هو حجابها عنه ~~واستثارها منه، حتى يكون كارها لظهورها كراهته لظهور الخلق عليه في معصيته، ~~وخائفا منها خيفته من نفسه في تظاهرها عليه بهلكته، فإذا بقي بباق وحي ~~بحياة حي صرفا منه وصرفا عنه بلا طلب ولا نظر ولا سبب ولا فكر، أدى ~~لعجائبه، وفتح له كنوز غرائبه، ويفعل الله ما يشاء. # وقال بعض العارفين ممن يكشف عن مشاهدته: عبدت الله ثلاثين سنة بأعمال ~~القلوب والجوارح على بذل المجهود، واستفراغ الطاقة، حتى ظننت أن لي عند ~~الله شيئا، فذكر أشياء من مكاشفات السموات في قصة طويلة قال في آخرها: ~~فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت: ما أنتم؟ قالوا: ~~نحن المحبوب لله نعبده ههنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ماخطر على قلوبنا قط طلب ~~لسواه ولا ذكرنا غيره، قال: فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد ~~تخفيفا عنهم في جهنم، وقال بعض العلماء: كل مقام أعبر عنه إلا مقام المحبة، ~~قيل: ولم؟ قال: لأن الشيء يعبر عنه بألطف منه ولا شيء ألطف من المحبة، وقيل ~~لمعروف: أخبرنا عن المحبة أي شيء هي؟ قال: ياأخي ليس المحبة من تعليم ~~الناس، المحبة من تعليم الحبيب، وقد كان الحذاق من العلماء لا يخبرون ~~بحقائق أربع مقامات؛ حقيقة التوحيد، وحقيقة المعرفة، وحقيقة المحبة، وحقيقة ~~الإخلاص، وقال بعض العارفين: كل المقامات عن أنوار الأفعال والصفات، إلا ~~المحبة فإنها عن نور حقيقة الذات، فلذلك عز وصفها، وعزب علمها، وقل من ~~المؤمنين المتحقق بها؛ وذلك أنها سر كالمعرفة إذا ظهر المحبوب أحببته كما ~~إذا رأيت المعروف عرفته؛ وذلك متعلق به وهو الظاهر لظاهر المعرفة والمحبة ~~الباطن لباطن المحبة، والمعرفة عن وصف باطن، ومن أدرك مقام المحبة لله لم ~~يضره فوت شيء من المقامات، ومن فاته # PageV02P111 # المحبة لم ms0770 يغبط بدرك شيء، وقد قيل في قوله عز وجل: (ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه) الطلاق: 3، إن الهاء عائدة على التوكل أي فالتوكل حسبه من جميع ~~المقامات والتوكل حال من مقام المحبة. # وقد قال الله تعالى: (ورضوان من الله أكبر) ، والرضا مقام من المحبة فقد ~~جلت المحبة أن توصف ودقت عن العلوم بالعقول أن يعرف مثلها مثل العلم بالله؛ ~~فكذلك أي قلب أجل من قلب يكون محبوبه الله، ولا أعلم من معلومه الله، وقيل: ~~إن للقلب حبة هي باطنه عليها يتعلق، المحبة، ومنه سميت محبة؛ كان اشتقاقه ~~من حبة القلب وهي التي يقال لها سويداؤه، والميم في الأسماء قد تزاد ~~للمبالغة في الوصف، ومن هذا قول الله عز وجل: (قد شغفها حبا) يوسف:، 3 لما ~~وصفها بنهاية الوصف في الحب؛ أي قد خرق حبه شغاف قلبها فوصل إلى حبة القلب، ~~وخرق الشغاف وهو حجاب القلب، وحبا منصوب على التفسير كأنه قيل: قد شغفها أي ~~خرق شغافها، فقيل: ماذا؟ فقيل: حبا، فالحب إذا وصل إلى هذا الموضع من العبد ~~لم يملك المحب نفسه، ففرغ قلبه له، وامتلأ به، ولم يجر على ترتيب ما ~~رسمناه، وربما خرج إلى الوله والاستهتار وجاوز معيار العقل في التصريف ~~والأذكار، والعرب تقول: قد دمغه وأرأسه وقاده وركبته، كذلك قولهم أشغفه إذا ~~أصاب شغاف قلبه فهتك حجابه وقد قرئت بالعين، ومعنى قد شغفها بلغ أعلى القلب ~~ونهايته لأن الشغف أعلى كل شيء وأبعده، فالمعنى ذهب به الحب أقصى المذاهب ~~وغايته، فحينئذ يملكه الحب فيكون أسيره، ويغلب عليه الحبيب فيصبر مأسوره ~~فيحكم عليه ولا يجاوز، ويفرغ له قلبه من كل شيء رسمه، ويمتلئ به فلا يبقى ~~فيه شيء رسمه، ولا يقدر على الكذب لظهور سلطان قهر الحب، فحينئ يكشف قناعه ~~ويرسل عذاره فيه ويصفه الحب بالحب وهو صامت بخيفة المحب إلا لمن أحب، وهو ~~ظاهر، وليس يكون هذا إلا في مقام شكر وحال عليه، فمن لم يعرف هذا المقام ~~أنكر هذا الكلام إلا أن يربط قلبه بتأبيده ويحفظ ms0771 سره بتمكينه كما قال ~~تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين) القصص: 10 أي من المصدقين إنا نرده إليها ولا ~~تظهر أنه ابنها فيقتل، وكما لطف للفتية الذين آمنوا وهم أصحاب الكهف لما ~~غلب حب الإيمان على قلوبهم، إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض لئلا ~~يظهروا إيمانهم لما غلب حبه عليهم فيقتلوا؛ فهذه لطائف الحكيم وخفي صنع ~~العليم، فالمحبون له حافظون للغيب بما حفظ، وقال سمنون لبعض الفقراء في قصة ~~ذكرها يفرح بحبه ويذكر المحبة، وقال بعض الناس في وصف المحبين أقامهم مقام ~~المحبة فلم يزن الملك في قلوبهم حبة فمحبة غير الله في محبة الله شرك عند ~~المحبين؛ وهي خيانة عند بعضهم، وهو من # PageV02P112 # نقض العهد وقلة الوفاء بالعقد. # وقال سهل: من أحب الدرهم لا يحب الآخرة، ومن أحب الخبز لم يحب الله عز ~~وجل، ولا يخرج حب الوالد والولد المحبين من المحبة، لأن ذلك جعل الله في ~~القلوب نصيبا لهم ولا يخرجه أيضا حب الزوجة بمعنى الرفق بها والرحمة لها، ~~ولا يخرجه أيضا حب مصالح الدنيا من حاجات الأقسام والقلوب مما لا بد منه، ~~وليس ذلك كله يكون في مكان محبة الله، لأن محبة الله في أنوار الإيمان، ~~ومحبة هذه الأشياء في مكان العقل، هكذا عندي في الفرق بين محبة الله ومحبة ~~المخلوق، ويخرجه جميع ذلك عند بعض المحبين من السلف، فأما الاشتغال بهده ~~الأشياء بالإيثار لها على التفرغ لمرضاة الله والإنحطاط في أهوائها دون ~~محبة الله فإن ذلك يخرجه عند الكل وعندي يخرج العبد من حقيقة المحبة السكون ~~إلى غير الله، والفرح بسواه، والحزن على فوت غيره إياه، وقيل لبعض العارفين ~~من الأبدال: الناس يقولون إنك محب فقال لست محبا المحب متعوب ولكني محبوب ~~وقيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة، فقال: أنا كل السبعة، وقال ~~هذا إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا، قيل: كيف وأنت شخص واحد؟ قال: ~~لأني قد رأيت أربعين ms0772 بدلا فأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه، وقيل له: بلغنا ~~أنك ترى الخضر فتبسم ثم قال: ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد ~~الخضر أن يراه فيحجب عنه فلا يقدر عليه ولعمري أن من كان عند الله لم يره ~~بشر ولا ملك. # حدثونا أن الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به ~~فدخل عليه الشرط، ففزع الحسن وذهب ليتسور الحائط ويهرب، فقال له حبيب أبو ~~محمد: اقعد حتى نبصر، فقال: فدخل عليه الشرط فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا ~~إنه عندك، فقال: هل ترون شيئا؟ ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه، ~~فقال له الحسن: كيف لم ينظروا إلي؟ قال لأنك كنت عند الله فلم يروك، ولو ~~كنت عندي لأبصروك، قال له الحسن: إني قد رأيتك لما دخلوا هممت بشيء، فهل ~~ذكرت اسم الله الأعظم؟ قال: لا، ولكن قلت اللهم اجعله عندك حتى لا يبصروه، ~~وهذا هو واحد من أصحاب الحسن، وقد كان الحسن فوقه بدرجات أحوجه الله إليه، ~~وقيل لأبي يزيد بلغت جبل قاف؟ فقال: جبل قاف أمره قريب الشأن في جبل كاف ~~وجبل عين وجبل صاد، قال: وما هذا؟ قال: هذه جبال محيطة بالأرضين السفلى، ~~حول كل أرض جبل بمنزلة جبل قاف محيط بهده الدنيا، وهو أصغرها، وهذه ~~أصغرالأرضين، وقد كان أبو محمد يخبر أنه صعد جبل قاف، ورأى سفينة نوح ~~مطروحة فوقه، وكان يصفه ويصفها، وقال لله عبد بالبصرة يرفع رجله وهو قاعد ~~فيضعها على جبل قاف، وقد قيل: الدنيا كلها خطوة للولي، وإن وليا لله خطا ~~خطوة واحدة خمسمائة عام، ورفع رجله على # PageV02P113 # جبل قاف والأخرى على جانب الجبل الآخر، فعبر الأرض كلها، وقيل لأبي يزيد: ~~دخلت إرم ذات العماد فقال: قد دخلت ألف مدينة لله في ملكه، أدناها ذات ~~العماد، ثم عدد كلها؛ البيت وتأويل وباريس وجايلق وجابرس ومسك، ولعل قائلا ~~يقول: فقد قال الله في وصفها: (التي لم يخلق مثلها في البلاد) الفجر: 8، ~~قيل: فإن معناه في بلاد اليمن ms0773 لأنهم خوطبوا بما في بلادهم، كما قال تعالى: ~~(أو ينفوا من الأرض) المائدة: 33، يعني أرض بلادهم، فذات العماد مدينة عاد ~~في اليمن بين إبتر والشحر، يقال: لها سور له ألف باب ما بين البابين، فرسخ ~~مركبة على أعمدة الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، فيها مائة ألف عمود من ~~ذلك، كانت الجن اصطنعتها لعاد بن شداد بن سام بن نوح، استخرجت الجن هذه ~~العمد من قعور البحار والقفار، وكانت سخرت الجن له قبل سليمان بن داود ~~بأربعة آلاف عام، تجتمع في يهذه المدينة طائفة من الأبدال ليالي الجمع وفي ~~الأعياد، يقال: فيها صناديق من حجارة، طول كل صندوق عشرة أذرع، فيها قبور ~~الأنبياء؛ أجسادهم صحيحة باقية إلى يومنا هذا، وهي محجوبة عن أبصار العباد، ~~وقد كان سهل رحمه الله يزورها في كل جمعة، وهذا واحد من المحبوبين وهذه ~~آيات يسيرة من قدرة الله الكبيرة. # وقيل لهذا العبد: حدثنا عن مشاهدتك من الله، فطاح ثم قال: ويلكم لا يصلح ~~لكم أن تعلموا ذلك، قيل: فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله، فقال: وهذا ~~أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه، قيل: فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتها، قال: ~~نعم، دعوت نفسي إلى الله في بعض الأمور فتلكعت علي، فعزمت عليها أن لا أشرب ~~الماء سنة ولا أذوق الغمض سنة، فوفت لي بذلك، وحكى عنه بجير بن معاذ في بعض ~~مشاهداته أنه رآه من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر مستوفزا على صدور ~~قدميه، رافعا أخمصها وعقبيه على الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه ~~لا يطرف، قال: ثم سجد عند السحر ثم قعد فقال: اللهم، إن قوما طلبوك ~~فأعطيتهم طي الأرض فرضوا بذلك، وإني أعوذ بك من ذلك، وإن قوما طلبوك ~~فأعطيتهم المشي على الماء والهوى فرضوا بذلك، وإني أعوذ بك من ذلك، وإن ~~قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فانقلبت لهم الأعيان فرضوا بذلك، وإني أعوذ ~~بك من ذلك، حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء، قال: ثم التفت ~~فرآني، فقال يحيى: قلت نعم ms0774 ياسيدي، قال: منذ متى أنت ههنا؟ قلت: من صلاة ~~العشاء، فسكت فقلت: ياسيدي، حدثني بشيء فقال: أخبرك بما يصلح لك، أدخلني في ~~الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلي، فأراني الأرضين وما تحتها إلى ~~الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السموات وأراني ما فيها من ~~الجنان إلى العرش، ثم # PageV02P114 # أوقفني بين يديه فقال لي: سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك، فقلت: ياسيدي، ~~مارأيت شيئا أستحسنته فأسألك إياه، فقال: أنت عبدي حقا، تعبدني لأجلي صدقا ~~لأفعلن بك ذكر أشياء، قال يحيى بن معاذ: فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه، ~~فقلت: ياسيدي، ولم لاسألته المعرفة به، وقد قال: سلني ماشئت، فصاح في صيحة ~~وقال: اسكت، ويلك غرت عليه مني، وقد كان أبو تراب النخشبي رحمه الله معجبا ~~ببعض المريدين، فكان يؤويه ويقوم بمصالحه، والمريد مشغول بعبادته ومواجيده، ~~فقال له أبو تراب يوما: لو رأيت أبا يزيد، فقال المريد: إني عنه مشغول، ~~فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله: لو رأيت أبا يزيد، هاج وجد المريد فقال: ~~ويحك ماأصنع بأبي يزيد، قد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد، قال أبو تراب: ~~فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت له: ويلك لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة، كان ~~أنفع لك من أن ترى الله عز وجل سبعين مرة، فبهت المريد من قولي وأنكره ~~وقال: وكيف ذلك؟ فقلت له: ويلك، إنما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك، ~~وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره، قال: فعرف ما أقول فقال: ~~احملني إليه، فذكر قصة قال في آخرها: فوقفنا على تل ننتظره يخرج إلينا من ~~النهر، قال: فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره، فقلت للفتى: هذا أبو يزيد ~~فانظر إليه قال: فنظر إليه الفتى فصعق، فحركناه فإذا هو ميت، قال: فتعاونا ~~على دفنه فقلت لأبي يزيد: ياسيدي، نظره إليك قتله؟ قال: لا ولكن كان صاحبك ~~صادقا وأسكن قلبه سر لم يكن ينكشف له بوصفه، فلما رآنا كشف له سر قلبه ms0775 فضاق ~~عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك، فهذه جمل من أوصاف ~~المحبوب المزاد، ورزق بغير حساب من المحب الجواد، بتيسير من الطالب للمطلوب ~~وعناية من المحب للمحبوب، ومقام الحبيب أعز من أن يظهر وأخفى من أن يعرف، ~~غيرة من عليهم سترهم بأفعالهم وضنا منه بهم حجبهم بأوصافهم، أهل المقامات ~~يشتاقون إليه وهو يشتاق إليهم، وأهل القرب ينظرون إليه وهو ينظر إليهم، ~~وأهل المحبة يحبون أن يسمعوا كلامه وهو يحب أن يسمع كلامهم، وأهل الأحوال ~~يسألونه وهو حسبهم ويحب أن يسألوه، وأهل المشاهدات يزورنه وهو في قلوبهم ~~يزورهم، وأهل الآخرة ينظرون إليه في الآخرة وهو ينظر إليهم في الدنيا، ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء كما ذكرنا في قصة داود الملك الرسول؛ إذ أرسله ~~الملك الجليل إلى أحبائه الأربعة عشر الأولياء أن يسألهم أن يسألوه حاجة، ~~فلما رأوه نفروا منه لئلا يشغلهم عنه، فذكرناها قبل هذا فلا تنكرن من هذا ~~شيئا فإنه يعطي المحبوب في الدنيا أول عطاء أهل الجنة في الآخرة؛ وهو: كن، ~~فيزهدون في ذلك لأجل بقائه ويكرهون ذلك لحبه، قد جاوزوا معارف من سواهم، ~~فإذا أعطاهم كن أمرهم أن يقولوا: كن في أمر الساعة ولا يقولوا: كن في كشف ~~الغطاء عن النيران والجنان، وما وراءها من # PageV02P115 # الكون # والمكان للعيان قبل اللقاء، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها مستورة بالصنع ~~للإيقان، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر والهم، وسألهم أن لا يظهروا ما ~~في الحكمة والعقل إخفاؤه، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق ولا يستقيم عليه أمر ~~المملكة، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير، وفيه سقوط الأحكام ~~ووقوع الهلكة للأنام، فإذا رأوا ذلك منه وما قد استثناه عليهم منها ~~استجابوا له أحسن استجابة، وردوها إليه أسرع مرد وأبلغه في مرضاته، وهو أن ~~يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى منها لوجهه، ورضوا بتصريف ~~قدرته في مجاري حكمته. ن للعيان قبل اللقاء، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها ~~مستورة بالصنع للإيقان، مقطوع عنها الوهم راجع ms0776 عنها الفكر والهم، وسألهم أن ~~لا يظهروا ما في الحكمة والعقل إخفاؤه، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق ولا ~~يستقيم عليه أمر المملكة، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير، وفيه ~~سقوط الأحكام ووقوع الهلكة للأنام، فإذا رأوا ذلك منه وما قد استثناه عليهم ~~منها استجابوا له أحسن استجابة، وردوها إليه أسرع مرد وأبلغه في مرضاته، ~~وهو أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى منها لوجهه، ورضوا ~~بتصريف قدرته في مجاري حكمته. # وهذا غاية الجهد ونهاية الزهد والحب، فيشكر لهم ذلك أحسن شكر ويدخر لهم ~~عنده أفضل ذخر، ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال، اجتمع ~~إلى سهل إخوانه فقالوا: لو سألت الله عز وجل في هذا الأمر، ولو دعوت، فسكت ~~ثم قال: لله تعالى عباد في هذه البلدة، لو دعوا على الظالمين لم يصبح على ~~وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة، ولكن لا يفعلون، قيل: ولم؟ قال: لأنهم ~~لايحبون ما لا يحب، ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا نستطيع ذكرها، حتى ~~قال: لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، واعلم أن العبد إذا بلغ من الله ~~تعالى هذا المكانة حتى يعطيه كن اقتضته الحال أن يقول: وفقني لما تحب ~~واعصمني مما تكره، فإني بشر جاهل لا أحسن التدبير ولا أعرف المقادير ولا ~~علم لي بعواقب الأمور، وأخاف أن يكون في قولي تفاوت وفي إرادتي اضطراب، ~~وإذا أجابه تعالى إلى ذلك، سكت فلم ينطق وسلم، ورضي بالتدبير فأطرق لأن ~~الذي يحب الله تعالى يحب أن تكون الأمور على ماهي عليه، لأنها عن تدبير ~~يظهر بمعاني الخير والشر لأنه تولى التدبير بنفسه كما استوى على العرش ~~بوصفه، ولم يجعل على العباد تدبير الملك إنما جعل عليهم الصبر والرضا ~~للملك، فمرجع العبد إلى الصمت والأدب في نفوذ المراد كما كان، وترك العبد ~~الفضول والاعتراض وحصل له مقام التوكل والرضا، ولذلك كان أبو محمد رحمه ~~الله تعالى إذا قيل له: مامراد الله تعالى من الخلق؟ يقول: ms0777 ماهم عليه، فكيف ~~تريد ما لا يريد وهو محب لصفاته التي عنها تظهر المرادات، ومنها تبدو ~~الأحكام، ولا بد مما يكون كما لابد مما كان، وكن منطو تحت كان ولولا كان لم ~~يكن، فكان أحب إليهم من كن لأن له ولهم مثل كن أمثال وليس لهم ولا له مثل ~~كان مثل، فهؤلاء هم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وهم ~~المحبون لله من عباده الزاهدون في ملكوته لوداده، وكذلك صنعوا مثل هذا فيما ~~استخلفهم فيه من الأموال لما سمعوه يقول: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، ~~فأخرجوا الكل لأجله، فكان هو خلفا لهم بعد أن كانوا وكلاء؛ فإذا قالوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل يقول الله تعالى لهم فانقلبوا بنعمة الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله رضي الله عنهم ورضوا عنه لأنهم عملوا بما ~~قالوا، فتحققوا بالإيمان، وقيل: إن الإيمان قول وعمل، ولا ينوب القول عن ~~العمل، وإذا قالوا: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى: صدقتم لأنهم لا ~~يخدمون ولا يذلون لسواه، ولا يعدون للنوائب إلا إياه، ولا يستعينون بغيره، ~~ولذلك صاروا صديقين لتصديق الصادق لهم، كما بلغنا أن العبد ليقرأ قوله: ~~إياك نعبد وإياك نستعين، فيقول الله تعالى: كذبت ولو كنت إياي تعبد لم تخف ~~ولم ترج سواي، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى مالك وأهلك، وكذلك بلغنا أن ~~العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلي عليه حتى يفرغ منها، إذا عمل بها فهذا ~~صديق، وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها، إذا لم يعمل ~~بما يقول فهذا كذاب، فأين الإيمان؟ ولا إيمان إلا بعمل فليس هذا مؤمنا حقا، ~~فالأولياء حققوا القول بالعمل، وشهدوا الإيمان باليقين، فإذا قالوا: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر توكلوا عليه ~~ورضوا عنه وتألهوا إليه، ولم يكن في صدورهم غيره فيقول الله تعالى: صدقتم، ~~فيكونون صديقين كما يقول للشيء: كن فيكون، فتدبروا فإذا قال: ونعم الوكيل، ~~قاموا مقام التوكل فصار ms0778 لهم في الصدق مقامات، يقول الصادق: صدقتم، فيكونون ~~صديقين، فيقول: عبادي، أنتم خيرتي من ذوي ودادي، وأنا وكيلكم رضيتم بي وأنا ~~حسبكم، فهؤلاء الذين انقلبوا بنعمة من # PageV02P116 # الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله فأعطاهم من الجزاء أربعة ~~معان: النعمة والفضل والتوكل عليه وصرف السوء واتباع الرضا برضاهم عنه رضي ~~الله عنهم، فالحبيب يعتذر له، والعدو لا يقبل عذره، والمحبوب لا يحاسب، ~~والمبغض لا يحسب له، وقد قال بعض الأدباء في معناه: # من لم يكن للوصال أهلا ... فكل إحسانه ذنوب # وقال آخر في وصف آخر: # في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب ويأتي بالمعاذير # وأنشدت لبعض المريدين المتحققين: # أني جعلت منظري في مهجتي ... وجعلت ودك لي إليك شفاعة # ولو إن وقتا منك بالدهر كله ... لكان قليلا ألف عام بساعة # فليتق الله تعالى عبد لم يطلعه الله عز وجل على ماذكرناه، فيزهد فيه ~~ويعلو همه عنه بمشاهدة قدرة عظيمة، ومعاينة آيات كثيرة ظاهرا وباطنا، أن ~~يدعى المعرفة أو يتوهم المحبة فما عنده منها إلا أماني وغرور وظنون وزور، ~~والله تعالى يعطي قوما الظنون كما يعطي أولياءه اليقين، ويعطي قوما ~~المزورات لعلل القلوب كما يعطي أحباءه المحققات في مقام محبوب، بآيات بينات ~~وشواهد من اليقين، بإثبات آيات في القرآن وآيات # PageV02P117 # الرسول، ولا يظهرهم على كن حتى ينكشف الكون عن قلوبهم، وفي الكون ما فيه ~~من نفيس الملكوت وعظيم الرغبوت، مما لا يصلح ذكره، واعلم أن آفات النفوس ~~وزينة الملك: حجب قلوب العموم وحظوظ العقل وشهوات الأرواح من رغبوت ~~الملكوت، حجب قلوب الخصوص وسمو القلب إلى معاني الدرجات التي يشاهدها، ~~ووقوفها مع خصائص الرحموت والرغبوت التي يطالع بها، حجب قلوب المحبوبين ~~لأنهم إذا جاوزوا شهوات النفوس ورفعت بحبهم عنه حجب العقول وقعوا في شهوات ~~الأرواح، فلا يواجهون بالوجه ولا ينظرون إلى الوصف حتى يجاوزوا أيضا شهوات ~~الأرواح وينكشف عنهم أيضا، حجب الأنوار فيخلفوا الرسم ويغيروا الوسم، فإذا ~~انكشفت المقامات وانقطعت الفضائل وحققت المطالعات وسقطت المنازل والدرجات، ~~اصطلم الطالب وغلب المطلوب وفنى الراغب ms0779 وبقي المرغوب، أظهر لهم التعلق ~~بالاسم وهو آخر الحجب وأول القرب، يبتليهم به لينظر كيف يعملون في الوسم، ~~فعندها حقت كل من عليها فان ويبقى وجه ربك الآية، وهناك صح له هذا المقام ~~وفي معناه: # ظهرت لمن أفنيت بعد بقائه ... فصار بلا كون لأنك كنته # فهذا مكان وجده بموجوده وقيامه بقيوميته بعد أن كان واجدا بكونه وقائما ~~بقيامه، وقد كان أبو يزيد يقول: إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة ~~إبراهيم صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين، فاطلب ما وراء ذلك، فإن عنده فوق ~~ذلك أضعافا مضاعفة، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به، وهذا هو بلاء مثلهم في مثل ~~حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء، فإذا لم ينظر العبد إلى جميع ~~المطلوب ولم يقف على كون مرغوب أقامه حينئذ مقام محبوب، فآواه في ظلة وعطف ~~عليه بحنانه، ونظر إليه بعينه وواجهه بوجهه فتوجه إليه ولم ينتن، وسارع إلى ~~قربه ولم ين فلم يشهد في وجهه وجها، ولا رأى في يده يدا، وقام بشهادته ~~لقيوميته مشاهدا فهذا غاية الطالبين من العارفين، وقد قال بعض العارفين ~~المحبين: كوشفت بأربعين حوراء، رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من فضة ~~وذهب وجوهر يتخشخشن، وتنثني معهن، فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما، ~~قال: ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء؛ فوقهن في الحسن والجمال، وقيل: انظر ~~إليهن قال: فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر، وقلت: أعوذ بك مما سواك، ~~لاحاجة لي بهذا، فلم أزل أتضرع حتى صرفن عني، ولله عز وجل مثل هذا العبد في ~~كل قرن وزمان ما يكثر عدده، متفرقين في أرضه ومنتشرين في بلاده ومخمولين ~~مختبين تحت ستره في عباده، لا تستطيع العقول حمل وصفهم لضعفها، ولا يثبت في ~~القلوب حق نعتهم لوصفها أقل مايوصفون به الإخلاص في الحركة والسكون، وهو ~~أجل ماعندنا، # PageV02P118 # والإخلاص عند المخلصين خراج الخلق من معاملة الخالق، فإذا لم يدخلوا كيف ~~يخرجون؟ وأول الخلق النفس، فإذا لم يتكدر القلب بها كيف يصفى منها؟ ~~والإخلاص عند المحبين أن لا يعمل عملا ms0780 لأجل نفس، ولا دخل عليه مطالعة العرض ~~والتشرف إلى حظ طبع، بل للتعظيم، ولا يشرك محبوبا في حب ذي الجلال والإكرام ~~ولا يعلق قلبه بما يروق نظره من جمال لما ملاه من نهاية الحسن وغاية ~~الجمال، ولا سبيل إلى هذا إلا بعد معرفته، ولا معرفة قبل معاينته إذ ليس ~~الخبر كالمعاينة، ولا معاينة إلا بنور اليقين، ولا حق يقين بوجود هوى نفس، ~~فإذا انكشف الحجاب وهوى الهوى طلعت عين اليقين، فأنوار الصفات من الحسن ~~والجمال والبهاء والكمال، في عين اليقين عينا بعد عين كنور فوق نور، إلى ~~نور النور، والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ~~وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال، ومن الإخلاص في الصدق عند الصديقين ~~سؤال الحجبة في قلوب الناس، كما قال بشر وقد سئل: بأي شيء بلغت هذه ~~المنزلة؟ فقال: كنت أكاتم الله تعالى حالي: معناه أسأله أن يكتم علي ويخفي ~~أمري، وحدثت أنه رأى الخضر عليه السلام فقال: ادع الله تعالى لي فقال: يسر ~~الله تعالى عليك طاعته، قال، قلت: زدني فقال: وسترها عليك، فقيل في تأويل ~~ذلك معنيان؛ منهم من قال: وسترها عليك أي يسترك حتى لا تعرف بها كما ذكرنا ~~آنفا. # وقال بعضهم: أراد سترها عنك حتى لا تنظر أنت إليها، وقال بعضهم: قلقني ~~الشوق إلى الخضر، فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه، ليعلمني شيئا كان ~~أهم الأشياء علي، قال: فرأيته، فما غلب على قلبي ولا همني إلا أن قلت له: ~~يا أبا العباس، علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة، فلم يكن لي فيها ~~قدر، ولم يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة، فقال: قل: اللهم أسبل علي كثيف سترك ~~وحط علي سرادقات حجبك، واجعلني في مكنون غيبك واحجبني في قلوب خليقتك، قال ~~ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك، قال فما تركت أن أقول هذه الكلمات ~~في كل يوم، فحدثت أن هذا كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون به في ~~الطريق، يحملونه الأشياء في ms0781 الطريق لسقوطه عندهم، وكان الصبيان يولعون به، ~~وكانت راحته في ذلك ووجود قلبه به واستقامة حاله عليه، وهذا طريق جماعة من ~~السلف وحال طبقة من صادقي الخلف، أخفوا أنفسهم وأسقطوا منازلهم فسموا عقلاء ~~المجانين، وهذا من الزهد في النفس وحقيقة التواضع، إلا أنه زهد مجانين ~~الأولياء وتواضع موقني الضعفاء؛ فالتكبر يكون بثلاثة معان: تكبر على الناس ~~عجبا بالنفس، وتكبر في قلوب الناس عزة من النفس، أي يحب أن يكبر في قلوبهم ~~فيكون ذلك تكبرا منه، وتكبر في القلب عن نظره إلى صلاحه ودينه فيكبر ذلك # PageV02P119 # عنده فيدل به، ولذلك رآه من نفسه لقصور علم اليقين منه، وهذا أدق معاني ~~التكبر ولا يتخلص منه إلا صحيحو التوحيد، صادقو اليقين مخلصو الصالحين، ~~وأما التكبر الظاهر الذي هو التطاول والفخر والتظاهر، فذاك جلي وهو من أكثف ~~حجب القلب وأقوى صفات النفس، فلذلك فزع العلماء من دقائقه لما عرفوه، ~~فطلبوا القلة والذلة للنفس ليمتهنوها بخفايا التواضع، لينتفي عنهم دقائق ~~الكبر لتخلص لهم الأعمال، والتواضع عند المتواضعين هو حقيقة أن يكون العبد ~~ذليلا صفة لا متذللا متعمدا للذلة، وأن يكون عند نفسه في نفسه وحيدا حقيرا ~~معتقدا لصغره وحقارته في نفسه، لا متواضعا متكلفا، وعلامة ذلك أن لا يغضب ~~إذا عابه ونقصه عائب، ولا يكره أن يذمه ويقذفه بالكبائر ذام، وبيان ذلك في ~~وجده أن لا يجد طعم الذل في ذلة ولا يشهد الضعة في تواضعه، إذ قد صار ذلك ~~له صفة، فمن ذل ووجد ذوق ذله فهو متعمل للتواضع، ومن تواضع وشهد تواضعه ~~وضعته فهذا متعذر؛ وهي علامة بقية الأنفة في نفسه لنفسه، ومتى غضب أو كره ~~ذمه من غيره فهو يفرح ويرضى بمدحه، فإذا كانت فيه هذه العلامات فهو محجوب ~~عن جميع ما ذكرناه من المقامات، ومتى ذل نفسه وتواضع عند نفسه فلم يجد لذله ~~ذوقا ولا لضعته حسا فقد صار الذل والتواضع كونه، فهذا لا يكره الذم من ~~الخلق لوجد النقص في نفسه، ولا يحب المدح منهم لفقد القدر والمنزلة من ~~نفسه، ms0782 فصارت الذلة والضعة صفته لا تفارقه، لا زمة له لزوم الزبالة للزبال ~~والكساحة للكساح؛ هما صنعتان لهما كسائر الصنائع، وربما فخروا بهما لعدم ~~النظر إلى نقصهما، فهذه ولاية عظيمة له من نفسه، قد ولاه على نفسه وملكه ~~عليها فقهرها بعزه، وهذا مقام محبوب وبعده المكاشفات بسائر العيوب، أول ذلك ~~دخول نور الحكمة في القلب وينبوع الحكم من قلبه، كما روينا أن عيسى بن مريم ~~عليه الصلاة والسلام قال: يابني إسرائيل، أين ينبت الزرع؟ قالوا: في التراب ~~فقال: بحق أقول لكم: لا تنبع الحكمة إلا في قلب مثل التراب، ومن كان حاله ~~مع الله تعالى الذل طلبه واستحلاه، كما يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا ~~وجده، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله، كما أن المتعزز إن ~~فارقه العز ساعة تكدر عليه عيشه لأن ذلك عيش نفسه، وممن روينا عنه اختيار ~~الذل وإسقاط المنزلة والقدر عند الناس ومحو جاهه وموضعه من قلوبهم، وأظهر ~~على نفسه ألوان معاني الذم أكثر من أن يحصى، وذكرهم يطول، وذاك أن حالهم ~~الصدق فتقتضيهم القيام بحكمها فلا بد من قيامهم بمقتضى حالهم. # حدثني بعض الأشياخ عن أبي الحسن الكريني أستاذ الجنيد، أن رجلا دعاه ثلاث ~~مرات إلى طعامه ثم يرده، فرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله المنزل في المرة ~~الرابعة، فسأله عن ذلك، فقال: قد رضيت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت ~~بمنزلة الكلب يطرد # PageV02P120 # فينطرد ثم يدعى فيرمي له عظم فيجيء وزاد غيره، وقال: لو رددتني خمسين مرة ~~ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت، وحدثني شيخ آخر عن أستاذه قال: نزلت في محلة ~~فعرفت فيها بالصلاح، فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب ~~فاخر فسرقتها ولبستها، ثم لبست مرقعتي فوقها، وخرجت وجعلت أمشي قليلا قليلا ~~ليفطن بي فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب، وصفعوني وأوجعوني ضربا، ~~فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام فسكنت نفسي، وحدثت عن بعض الصوفية أنه وقف ~~على رجل يأكل، فمد يده إليه فقال: إن كان ثم شيء لله ms0783 فقال له: اجلس فكل، ~~فقال: أعطني في كفي، فأعطاه في كفه فقعد في مكانه يأكله، فسأله عن امتناعه ~~من الجلوس معه، فقال: إن حالي مع الله عز وجل الذل، فكرهت أن أفارق حالي، ~~وكان هذا ربما مديده إلى الهراس فيضع فيها هريسته والعرب تأنف أن يوضع ~~الشيء في أكفها لعزة نفوسها، حتى روينا عن بعض الصحابة من المهاجرين؛ الأول ~~في أول النبوة فقال جعت ثلاثا لم أطعم شيئا، فبلغني أن إنسانا يتصدق بزبيب، ~~فسألته فقال: هات كفك فقلت: إني رجل من العرب ولا آخذ في كفي فاجعله لي في ~~شيء، قال فجعله في كيل ثم ناولنيه، فلما فرغته رددته إليه، فكانت فيه عزة ~~نفس، لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أنت رجل فيك جاهلية ~~فقال: على ما أنا عليه من كبر السن؟ قال: نعم، وكان قدخاصم رجلا فأرى عليه ~~تعززا، وإنما نبهنا ببعض ما ذكرناه له: العقول المستيقظة وحركنا بما بينا ~~القلوب الحية، ليحيا من حي عن بينة بذكر أوصاف الصادقين وطرقات المخلصين ~~ليستدل على الكثير باليسير، وقد كان شاهد من شهود بسطام عظيم القدر فيهم لا ~~يفارق مجلس أبي يزيد فقال له يوما: ياأبا يزيد، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم ~~الدهر لا أفطر، وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي شيئا من هذا العلم ~~الذي تذكر، وأنا أصدق به وأحبه، فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة ~~وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة، قال: ولم؟ لأنك محجوب بنفسك، قال: أفلهذا ~~دواء؟ قال: نعم، قال: قل لي حتى أعلمه قال: لا تقبل، قال: فاذكره لي، قال: ~~اذهب الساعة إلى المزين واحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة ~~وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا، واجمع الصبيان حولك وقل: كل من صفعني صفعة ~~أعطيته جوزة، وادخل الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك، ~~فقال الرجل: سبحان الله تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك سبحان الله ~~شرك قال: كيف؟ ms0784 قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها قال: هذا لا أفعله، ولكن دلني ~~على غيره قال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء فقال: لا أطيقه فقال: قد قلت لك إنك ~~لا تقبل، فهذا لما قال سبحان الله كان مشركا عنده لأنه سبحه برسم النفس، ~~وقد كان أبو يزيد يقول: سبحاني ما أعظم شأني وهو موحد لأنه وحد بأولية بدت. # PageV02P121 # وهذا الذي ذكره دواء من اعتل بنظره إلى نفسه، ثم سقم بنظر الناس إليه ~~لزمه سد نظره إلى نظرهم، ليس لها من دون الله كاشفة إلا إن هذا من طب ~~المجانين، يصلح لضعفاء اليقين، ولو أدخل الطبيب الأعلى ذرة من عين اليقين، ~~أخرج بها من قلبه كل نظرة فاستراح من كل دواء، ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا ليهلك من هلك عن بينة بشواهد الحق، ويحيا من حي عن بينة بشاهد الحق، ~~ويتلوه شاهد منه فلا تنكرن من جميع ما ذكرناه شيئا، فتخسر أقل أنصبة ~~المؤمنين من علم القدرة واليقين، لأن للمؤمنين أنصبة من هذا العلم؛ منها ~~المشاهدة لما وصفناه، والإدراك لما رمزناه، ومنها الوجد والحال، ومنها ~~المعاملة، والمنازلة، ومنها الذوق والشم، منه وآخرها التصديق والقبول، فأقل ~~النصيب من علم المعرفة إن لم يشهد فلا يجحد، وإن لم يعرف فليتعرف، ويكون ~~معقله التسليم وليس وراء هذا مكان، وهذه المقامات التي شرحناها وهي مقامات ~~اليقين؛ أولها التوبة إلى هذا المقام من المحبة، منوط بعضها ببعض، إن أعطي ~~العبد حقيقة من أحدها أعطي من كل مقام حاله ومع كل حال مشاهدة، ولكل مشاهدة ~~علم، إلا من شهد بالحق، وهم يعلمون وكلها مجموعة في حقيقة الإيمان، إن أعطي ~~العبد حقيقة من إيمان ويقين حتى يكون مؤمنا حقا، غير مرتد عنه ولا مستبدل ~~به في علم الله تعالى، وكان إيمانه منة وهبة لا عارية ولا وديعة، فيسترد ~~ويرتد على إظهار لبس أو إدراج مكر، محنة من الله تعالى وخبرة، ويكون ~~مستبدلا لا بدلا، فإذا لم يكن كذلك وكان بدلا من مستبدل به أعطي من جميعها ~~حالا فحالا، وشهادة ms0785 شهادة، وإن تفاوتوا في العلوم وتعالوا في القرب وذاك هو ~~كمال الإيمان، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف كمال ~~الإيمان، ثلاثة أحاديث من أصول هذه الأحوال وأساس هذه الأفعال منها؛ أنه ~~قال: لا يستكمل العبد إيمانه حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرة الشيء، ~~وحتى لا يعرف أحب إليه من أن يعرف، فهذان حالا الصادق الزاهد، وهما أول ~~الطريق المؤدي إلى التحقيق وأس البنيان الرافع، إلى أنه ألا يخاف في الله ~~لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر ~~للآخرة، آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا، فهذه أحوال المحب لله تعالى، ~~المخلص بمعاملة الله عز وجل، الراغب فيما عند الله تبارك وتعالى، والحديث ~~الثالث قوله صلى الله عليه وسلم: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون فيه ثلاث ~~خصال؛ من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، ~~وإذا قدر لم يتناول ماليس له، فهذه تجمع أحوال العدل والفضل والمراقبة ~~والزهد، وهي أصول المقامات ويشبه هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم، في ~~الحديث الرابع: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود، العدل في ~~الرضا والغضب، والقصد في # PageV02P122 # الغنى، والفقر وخشية الله تعالى في السر والعلانية، وتفسير ما ذكرناه ~~قبل، من أن هذه المقامات مرتبطة بعضها ببعض، وأن من أعطي حقيقة من أحدها ~~أعطي جميعها حالا، إذ يجمع ذلك كله الإيمان بالله تعالى ليتوب العبد إلى من ~~آمن به، وإلى ما آمن به من الوعد وما آمن به من الوعيد، ليحق إيمانه ويصح ~~يقينه، وليستقيم توحيده، كما قال تعالى: إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم ~~استقاموا، وقال تعالى: (فاستقيم كما أمرت ومن تاب معك) هود: 112 وقال: فآمن ~~له لوط وقال: إني مهاجر إلى ربي فذهب إليه لما آمن به، وهو الرجوع وهي ~~التوبة، ثم يزهد فيما تاب منه من هواه لتصح توبته وتخلص نيته، فيكون نصوحا، ~~كما قال تعالى: ms0786 (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل: 96، وقال: والآخرة ~~خير وأبقى، وقال: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين لما ~~أخرجوه من أيديهم وتركوه، وتابوا إلى أبيهم، وزهدوا فيه، ثم يصبر عما زهد ~~فيه ليحق زهده، كما قال: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وقال عزوجل: (ولربك ~~فاصبر) المدثر: 7، ثم يشكر على ما صبر عنه ليكمل صبره، كما قال: (لا قوة ~~إلا بالله) الكهف: 39، (وما بكم من نعمة فمن الله) النحل: 53، (واذكروا ~~نعمة الله عليكم) البقرة: 231، ثم يرجو من شكر له ليزيده من فضله فيعطيه ~~فوق سؤله بحسن ظنه به، كما قال تعالى: # (ويرجو رحمة ربه) الزمر: 9، وقد ذم من أيس من رحمته بقوله: ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه، إنه ليؤس كفور، ثم يخاف فوت ما رجا ويخاف ~~من تقصيره في الشكر لما أولى، لتحق غبطته برجائه ويتم إشفاقه من تبديل ~~الآية ويخاف نقصان المزيد كما قال سبحانه: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) السجدة: ~~16، وقال مخبرا عن أوليائه: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ~~وقد عاب الله من فرح بما أظهر له وفخر بما أوتي ومن عود البلاء ونسي أنه ~~كان مبتلي، في قوله تعالى: ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن: ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور، ثم يتوكل على من خافه فيسلم نفسه إليه ويستسلم ~~بين يديه، أن يحكم فيه ما أحب لقوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين) المائدة: 23، وقوله: نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون، ثم يرضى بمن توكل عليه وعمن توكل له لعلمه بحكمته البالغة وتدبيره ~~الحسن لقوله تعالى: (رضي الله عنهم رضوا عنه) المائدة: 119، ولقوله تعالى: ~~( # PageV02P123 # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) البقرة: 2، 7، ثم يحب من رضي ~~به ورضي عنه، إذ كان قد اختاره على ما سواه وإذ صار حسبه لما رآه، فصارت ~~هذه المقامات التسع كمقام واحد، بعضها منوط ببعض، ودليلها كتاب الله تبارك ~~وتعالى الحق اليقين النور المبين، الذي لا يأتيه ms0787 الباطل من بين يديه من ~~طريق الهوى، ولا من خلفه من خيل الأعداء، فأشبهت دعائم الإسلام الخمس في ~~مقام العموم من طريق الإسلام، إذ بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام الخصوص من ~~طريق المقربين، ثم يرجع بعد مقام المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة، ثم يتردد ~~في مقام المحبة رتبة رتبة، وليس فوق حال الرضا مقام يعرف، ولا فوق مقام ~~المحبة حال يوصف، وهما موجب المعرفة ومنتهاها المعروف وقرارها المألوف، وإن ~~إلى ربك المنتهى، إلى ربك يومئذ المستقر، فليس للرضا نهاية إذ ليس للمحبوب ~~غاية، وإن الرضا مزيد أهل الجنة، في الجنة وليس للحب نهاية لأنه عن الوصف ~~ولا غاية للصفات وليس لطلب المحب حد لأنه عن القرب، ولا غاية للقرب لأنه عن ~~وصف قريب، ولا حد لقرب فيترافع المؤمنون في الحب مقامات على تجلي الحبيب ~~بمعاني الصفات، ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم في علو ~~المشاهدات، ويتعالى أهل عليين في العلو غايات على قدر أنصبتهم من قوة ~~الإيمان وصفاء اليقين. يرجو رحمة ربه) الزمر: 9، وقد ذم من أيس من رحمته ~~بقوله: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه، إنه ليؤس كفور، ثم ~~يخاف فوت ما رجا ويخاف من تقصيره في الشكر لما أولى، لتحق غبطته برجائه ~~ويتم إشفاقه من تبديل الآية ويخاف نقصان المزيد كما قال سبحانه: (يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا) السجدة: 16، وقال مخبرا عن أوليائه: إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين فمن الله علينا وقد عاب الله من فرح بما أظهر له وفخر بما أوتي ومن ~~عود البلاء ونسي أنه كان مبتلي، في قوله تعالى: ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء ~~مسته ليقولن: ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور، ثم يتوكل على من خافه فيسلم ~~نفسه إليه ويستسلم بين يديه، أن يحكم فيه ما أحب لقوله تعالى: (وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) المائدة: 23، وقوله: نعم أجر العاملين الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون، ثم يرضى بمن توكل عليه وعمن توكل له لعلمه بحكمته ~~البالغة وتدبيره الحسن لقوله ms0788 تعالى: (رضي الله عنهم رضوا عنه) المائدة: ~~119، ولقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) البقرة: 2، ~~7، ثم يحب من رضي به ورضي عنه، إذ كان قد اختاره على ما سواه وإذ صار حسبه ~~لما رآه، فصارت هذه المقامات التسع كمقام واحد، بعضها منوط ببعض، ودليلها ~~كتاب الله تبارك وتعالى الحق اليقين النور المبين، الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه من طريق الهوى، ولا من خلفه من خيل الأعداء، فأشبهت دعائم الإسلام ~~الخمس في مقام العموم من طريق الإسلام، إذ بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام ~~الخصوص من طريق المقربين، ثم يرجع بعد مقام المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة، ~~ثم يتردد في مقام المحبة رتبة رتبة، وليس فوق حال الرضا مقام يعرف، ولا فوق ~~مقام المحبة حال يوصف، وهما موجب المعرفة ومنتهاها المعروف وقرارها ~~المألوف، وإن إلى ربك المنتهى، إلى ربك يومئذ المستقر، فليس للرضا نهاية إذ ~~ليس للمحبوب غاية، وإن الرضا مزيد أهل الجنة، في الجنة وليس للحب نهاية ~~لأنه عن الوصف ولا غاية للصفات وليس لطلب المحب حد لأنه عن القرب، ولا غاية ~~للقرب لأنه عن وصف قريب، ولا حد لقرب فيترافع المؤمنون في الحب مقامات على ~~تجلي الحبيب بمعاني الصفات، ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم ~~في علو المشاهدات، ويتعالى أهل عليين في العلو غايات على قدر أنصبتهم من ~~قوة الإيمان وصفاء اليقين. # قال الله تعالى: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) آل عمران: 139، فأعطاهم ~~من معاني وصفه العلو، ثم وصف نصيبهم بوصفهم فقال: إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين، وما أدراك ما عليون، فعليون لانهاية له في العلو إذ هو من أسماء ~~المبالغة في الوصف، وقيل: إنه اسم لا واحد له من جنسه، فهو علي في علوهم ~~يعلو بهم أبدا في علو علوهم في دار الأبد، وهم أعلون لأن الأعلى معهم، فهم ~~يعلون به، وعليون يلعو بهم هذا كله لأنه معهم، كما قال: وأنتم الأعلون ~~والله معكم، فالرضا الأول الذي هو قبل المحبة مقام ms0789 التوكل، وحال المحب ~~المحبوب حاله، والرضا الثاني الذي يكون بعد المحبة مقام المعرفة، وحال ~~المحبوب التوكل حاله، والمحبة من أشرف المقامات ليس فوقها إلا مقام الخلة، ~~وهو مقام في المعرفة الخاصة وهي تخلل أسرار الغيب، فيطلع على مشاهدة ~~المحبوب باب يعطي حيطة بشيء من علمه بمشيئته على مشيئته التي لا تنقلب، ~~وعلمه القديم الذي لا يتغير، وفي هذا المقام الإشراف على بحار الغيوب ~~وسرائر ما كان في القديم، وعواقب ما يؤت، ومنه مكاشفة العبد بحاله وإشهاده ~~من المحبة مقامه، والإشراف على مقامات العباد من المآل والإطلاع عليهم في ~~تقلبهم في الأبد حالا فحالا، وقد ذكر أبو يزيد البسطامي وأبو محمد سهل ~~أنهما أقيما في هذا المقام، ووصفا حاليهما منه، وقد كان لشقيق وابن أدهم ~~البلخيين مطالعات في هذه المعاني، وقد سلك # PageV02P124 # بابي الفيض في هذا الطريق، فظهر على ما فيه مما يبهر من رأى انقلاب ~~الأعيان وتبصرة بعظيم العيان، وهذا محجوب عن أوهام القلوب بعقولها، ومستقر ~~في جب غاية القلوب بأرواحها، فإذا خرجت النفس من الروح فكان روحانيا خروج ~~الليل من النهار تنفس المكروب، وإذا خلا العقل عن القلب فكان ربانيا انفرجت ~~الكروب، كما قال العارف: # بحياتي يا حياتي ... لا تبعد قرباتي # أخرج النفس من الرو ... ح وروح كرباتي # وقد قال أحسن القائلين: (ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) البقرة: ~~255، والاستثناء واقع على إعطاء الحيطة بشيء من شهادة علمه، بنور ثاقب من ~~وصفه وشعاع لائح من سبحته إذ شاء، وهذا معنى من سر التوحيد لا يكشفه إلا ~~عين اليقين، ولا نظهره حتى يظهر لنا منه عارف ما عليه قد أوقف، وما منه به ~~قد كوشف، فحينئذ يقع العين على العين ويضيء الكوكب الدري في جوهر مشكاة ~~القلب، وقد كان للشيخ أبي الحسن بن سالم رحمه الله تعالى من هذا الطريق، ~~مشاهدات ومطالعات وسياحات في الغيوب، وجريان في الآخريات، وانقلبت له ~~الأعيان وظهر له العيان، وطوى له المكان ورأى ألف ولي لله تعالى، وحمل عن ~~كل واحد علما، ثم انقطع ms0790 الطريق بعد فقده وعفا الأثر ودرس الخبر، ثم الله ~~تعالى أعلم بما هو صانع بهذا الطريق وأهله، هل ينشئ له أهلا وينهج له ~~غامضات الطريق طريقا أم يطويهم في طي طريقهم ويخفي طريقهم في خفاء الموج ~~الغامض في غامضات العلم السابق؟ نقول في ذلك كا قال إمام الأئمة علي بن أبي ~~طالب، كرم الله وجهه، بعد إذ ذكر في خطبته قيام الساعة واسقرار أهل الدارين ~~فيهما قال: ثم الله أعلم بما هو صانع بالدنيا بعد ذلك، فهذا من سر السر ~~الذي أودعه صاحب الأمر، وليس فوق الخلة مقام إلا درجة النبوة، وهو محجوب عن ~~القلوب كحجاب هذا المقام من الخلة عن قلوب العموم، فهذا لا فوت فيه لأنه ~~درك منه، ولا حزن عليه لأنه لا نصيب عنه، ولكن مقام الخلة لا يكون إلا مقام ~~محبوب على كل حال. # وما سمعت من أحد من أهل العلم الباطن والمعرفة الثاقبة رسما من علم الخلة ~~ولا من وصف محبوبه شيئا في كتاب الله تعالى، ولا إشاراته إلا نكتا في ~~الأخبار ولمعا من الآثار، أعلم أنه كلام محبوب من مقام خلة، ولكنه مستودع ~~في كتاب الله تعالى المكنون، وغامض من خطابه المصون، ومخبو في سر آياته عن ~~القلوب والعيون، وكاشف به الساجدين، وأظهر عليه أهل السر من العارفين، ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض، وقوله تعالى: (قل أنزله ~~الذي يعلم السر في السموات والأرض) الفرقان: 6، وقد كان الحسن رحمه الله ~~يروي في الخلة أخبار، منها أن الله عز وجل أوحى إلى بعض أوليائه: إنما أتخذ ~~لخلتي من لا يفتر عن ذكري ولا يكون له غيري # PageV02P125 # ولا يؤثر علي شيئا من خلقي، وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا، وإن ~~قطع بالمناشير لم يجد للمس الحديد ألما، وقد روينا عن الخليل الحبيب عليه ~~السلام أنه قال: تحابوا في الله وتصافوا وتباذلوا وتخاللوا فيها، وليس من ~~كرم الله تعالى أن اتخذ عبدا من عباده خليلا فنبه أن الخلة من الله تعالى ~~كانت ms0791 لأوليائه عن فرط كرمه وفضل آلائه، ألحقهم بكرامته وأهلهم بفضله لها ~~وعظمهم عن نصيب تعظيمه فيها، والله الواسع الكريم ذو الفضل العظيم، إذا رفع ~~عبدا جاوز به الحدود، وإذا خفضه وضعه تحت المحدود، وقد تكلم الجنيد رحمه ~~الله تعالى في مقام من هذا وقد سئل عنه فقال: هو غاية الحب وهو مقام عزيز ~~يستغرق العقول وينسي النفوس، وهو من أعلى علم المعرفة بالله تعالى، وقال: ~~في هذا المقام يعلم العبد أن الله عز وجل يحبه ويقول العبد: بحقي عليك ~~وبجاهي عندك ويقول: بحبك لي، قال: وهؤلاء هم المدلون على الله تبارك ~~وتعالى، والمستأنسون بالله تعالي، وهم جلساء الله تعالى، قد رفع الحشمة ~~بينه وبينهم وزالت الوحشة بينهم وبينه، فهم يتكلمون بأشياء هي عند العامة ~~كفر بالله لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم، وأن لهم عند الله جاها ~~ومنزلة، ثم قال عن بعض العلماء: أما أهل الأنس بالله تعالى فليس إلى ~~معرفتهم سبل، هذا من كلام الجنيد ونحو معناه حدثني به الخاقاني المقري، ~~ولولا أنا روينا عنه ما ذكرناه لا ما كنا نشرح حال هؤلاء إشفاقا على ~~الألباب كما قال المجلى: # وأن أشرح ثناءك غير أني ... أجلك عن كتاب في كتاب # وقد كان شيخنا أبو بكر بن الجلاء رحمه الله كتب إلى شيخنا أبي الحسن بن ~~سالم رحمه الله تعالى، يسأله عن مسائل من معاني السرائر في كتاب، فحدثني من ~~رآه: رمى بالكتاب وقال: أين صاحب هذه المسائل؟ فقيل: هو غائب بمكة فقال: ~~أنا لا أجيب عن هذا في كتاب، قولوا له: يحضر إن أراد، وقد حدثني ابن الجلاء ~~بهدا لأن مقام الخلة هو الذي أخفيناه وعظمناه، لا يعطاه العبد إلا في مقام ~~مع مقام، فالمقام الأول هو المعرفة الخاصية بظهور تعرف كشفا عن وصف الباطن، ~~ثم يدخل عليه المحبة المخصوصة وهو مقام محبوب، ثم يرفع من هذا المقام إلى ~~مقام الخلة وهو الإشراف على سرائر غيوب من شرفات العرش وسرادقات القدس وغير ~~ذلك، والأصل فيما ذكرناه أنه سبحانه يعطي ms0792 مقامات المعرفة في مقام عارف، ولا ~~يعطي فيه مقام محبوب، وقد يعطي مقامات من المحبة في مقام محب ولا يعطي ~~شهادته خلة لغير خليل عارف، فإذا جمع مقام معرفة تعرف إلى مقام محبة محبوب ~~أعطي مقاما من الخلة الذي وصفناه، وهذا من أعز ما أظهر في الكون لمظهر ~~مكنون، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس قبل موته ~~بثلاث فقال: إن الله تعالى قد اتخذ صاحبكم خليلا # PageV02P126 # كما اتخذ إبراهيم خليلا، فرفع صلى الله عليه وسلم في مقام محبوب إلى درجة ~~خليل كما نقل من مقام محب إلى حال محبوب، كما زيد بالمحبة في مقام محبوب ~~الصفوة، وقال أيضا في المقام الأول: إن الله عز وجل اتخذ موسى صفيا واتخذني ~~حبيبا، فأول العطاء هو الصفاء من الهوى ثم المحبة بعد الصفاء، ثم الزيادة ~~بوصف محبوب فوق المحبة، ثم ارتفع فعلا بعد القوة والاستواء إلى العلي ~~الأعلى، فدنا لما علا فتدلى حتى دنا فكان قاب قوسين أو أدنى وكانت البلد من ~~ورائه والوجه مواجها لوجهه: # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # إذ من العلوم علم لا ينبغي أن يسأل عنه حتى يبدي العالم ذكره، فهذا منها ~~فلا يبدي إلا بقدر معلوم بمقدار ما أبدى المبدئ، ويعيد منه بقدر ما أعاد ~~المعيد، وكان لديه خليلا كما كان عنده قريبا، فصارت الخلة مقاما في محبوب ~~وهو نهاية المزيد، كما كان مقام محبوب وزيادة على مقام محب كما رفعه إلى ~~المحبة بعد الصفوة من كدر الهوى، وكذلك أنت أيها السامع الشاهد، يجعل لك ~~بعد الصفاء نصيبا من نصيب وشهادة على شهادة، ووجدا من وجد وفقدا للنفس من ~~فقد، فلا يذهب كثير النبوة منه صغير العطية لك لأنه تعالى رفع الطائعين له ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم مقاما إلى مقام النبيين والصديقين، والصديقون ~~باقون إلى نزول الروح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وهم الأبدال عددهم ~~في كل الدنيا ثلاثمائة، وما شاء الله منهم الشهداء ms0793 والصالحون، فهم ثلاث ~~طبقات وكلهم مقربون سابقون، إيمان صديق منهم كإيمان جميع الشهداء، وإيمان ~~شهيد كإيمان كل الصالحين، وإيمان كل صالح بمقدار إيمان ألف مؤمن من عموم ~~المسلمين، وليس في الخلة شريك لغير الخليل على خليله، ولأنها حال مفردة ~~لفرده موحدة لواحد، ولو كان يصلح لها نظير ويوزر بها وزير كان أحق الأمة ~~بذلك الصديق، فقد أعطاه تعالى ثلاثا لم يعطها غيره منها: إنا روينا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن الله عز وجل أعطاك مثل إيمان، كل من ~~آمن بي من أمتي، وأعطاني مثل إيمان كل من آمن بي من ولد آدم، والحديث ~~الثاني أن لله تعالى ثلاثمائة خلق، من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل ~~الجنة، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، هل في منها خلق ~~واحد؟ # PageV02P127 # فقال: كلها فيك يا أبا بكر، وأحبها إلى الله عز وجل السخاء، والحديث ~~الثالث هو المستفيض، رأيت ميزانا دلي من السماء فوضعت في كفة فرجحت بهم، ~~ووضع أبو بكر في كفة، وجيء بأمتي فوضعت في كفة، فرجح بهم وليس بين الصديق ~~وبين الرسول إلا درجة النبوة والقطب اليوم الذي هو إمام لأثافي الثلاثة، ~~والأوتاد السبعة، والأبدال الأربعين والسبعين إلى ثلاثمائة، كلهم في ~~ميزانه، وإيمان جميعهم كإيمانه، إنما هو بدل من أبي بكر رضي الله تعالى عنه ~~والأثافي الثلاثة بعده، إنما هم أبدال الثلاثة الخلفاء بعده والسبعة هم ~~أبدال السبعة إلى العشرة، ثم الأبدال الثلاثمائة وثلاثة عشر، إنما هم أبدال ~~البدريين من الأنصار والمهاجرين أهل الرحمة والرضوان، فمع هذا الفضل العظيم ~~لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يصلح أن يشرك الحبيب الرسول المقرب ~~الخليل في مقام الخلة، كما صلح أن يشرك في مقام الأخوة، وهو المقام الذي ~~شرك فيه عليا كرم الله وجهه، فقال علي مني بمنزلة هارون من موسى، فهذا مقام ~~أخوة، كذلك في التفرد بمقام الخلة: لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله تبارك ms0794 وتعالى يعني نفسه صلوات الله عليه، ~~لأنه واحد لواحد، مفرد لفرد، فاعتبروا يا أولي الألباب بتدبر فهم الخطاب، ~~فمن أعطي من الصفاء نصيبا أعطي من الحب نصيبا، وكان له من المعرفة بقوة ~~محبته، ومن المعرفة بقدر معرفته، فأما المعرفة الأصلية التي هي أصل ~~المقامات ومكان المشاهدات، فهي عندهم واحدة، لأن المعروف بها واحد والمتعرف ~~عنها واحد، إلا أن لها أعلى وأول، فخصوص المؤمنين في أعلاها وهي مقامات ~~المقربين، وعمومهم في أولها وهي مقامات الأبرار، وهم أصحاب اليمين، ولكل ~~منهم وجهة من الصفات المخوفة عنها كانوا خائفين، أو الأخلاق المرجوة منها ~~كانوا راجين، أو الأفعال والأملاك عندها كانوا صابرين شاكرين، أو معاني ~~أوصاف ذات منها كانوا محبين متوكلين، قال الله سبحانه وتعالى: (ولكل وجهة ~~هو موليها فاستبقوا الخيرات) البقرة: 148، ويقال من أحب شيئا حشر معه. # PageV02P128 # وفي الخبر: المرء مع من أحب وله ما احتسب، وفي الخبر: من مات على مرتبة ~~من المراتب بعث عليها يوم القيامة، فأماجمل مقامات المحبين فمذكورة في ~~الكتاب العزيز، من الحبيب اثني عشر مقاما: خميس في دليل الخطاب وتدبر ~~الألباب، وسبعة في صريح الكلام بظاهر الأفهام، فأما السبع المصرحة فقوله عز ~~وجل: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة: 222، (والله يحب ~~الصابرين) آل عمران: 146، (والله يحب الشاكرين) آل عمران: 144، (والله يحب ~~المتقين) آل عمران: 76، (والله يحب المحسنين) آل عمران: 134، (والله يحب ~~المتوكلين) آل عمران: 159 وأما الخمسة المتدبرة فهم الموحدون لقوله: لا يحب ~~الكافرين والعادلون، لقوله: لا يحب الظالمين والمستقيمون، لقوله: لا يحب ~~الفاسقين والمتواضعون، لقوله: لا يحب المستكبرين والموفون، لقوله: لا يحب ~~الخائنين وهؤلاء طبقات المحبوبين تعريضا وتصريحا، وشرح هذه الأوصاف هي ~~مقامات اليقين، وفي كل مقام من هذه أحوال يكثر عددها، كل حال منها طريق إلى ~~الله عز وجل، في كل طريق طائفة من المحبين، محبتهم على قدر معرفتهم ~~ومعرفتهم على زنة تعرف المعروف إليهم، وعن نحو تعريف المعروف لهم، وذلك ~~معنى من معارفهم، فهم على زنة يقينهم، ويقينهم على حسب صفاء إيمانهم، ~~وإيمانهم على ms0795 نحو عناية الله بهم وتفضله عليهم وإيثاره لهم، ومن وراء ذلك ~~سر القدر المختزن المستأثر، وليس فوق المحبة مقام مشهور، ولا دون التوبة ~~حال مذكور، فأول المقامات التوبة، يخرج بها من الظلم والظلم حال من الشرك، ~~قال الله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) لقمان: 13، وقال الله تعالى: (الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون في الدنيا) ~~الأنعام: 82، وهذا فصل الخطاب لأضدادهم، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم أحق بالأمن غدا في المقام الأمين ~~وقال تعالى: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) الحجرات: 11، فآخر الظلم أول ~~التوبة وآخر التوبة أول المحبة، وآخر المحبة أول المعرفة وهي معرفة متعرف، ~~وهي الخاصية مزيد المحبة الأولى وآخر نصيب العبد من المعرفة وأول التوحيد، ~~وهو توحيد الشاهدين ولا آخر له، وأوسط المقامات الزهد وأول الزهد آخر ~~الهوى، وآخر الزهد أول العلم وآخر العلم أول الخوف وآخر الخوف، أول الحب ~~وهذا حب محبوب، والظالم لامقام له ولاجاه، ومن لا جاه له فلا شفاعة ومن لا ~~شفاعة فلا شهادة، ومن لاشهادة فلا يقين، فلو أعطي مثقالا من الإيمان لم ~~يتجه لأنه صلى الله عليه وسلم قال في وصف الداخلين: أخرجوا من النار من في ~~قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم قال في الخبر الآخر: السخاء من اليقين، ولا ~~يدخل في النار موقن، وقال سبحانه وتعالى في تقصيل ماوصلنا مما عنه شهدناه: ~~(لا ينال عهدي الظالمين) # PageV02P129 # البقرة: 124، ثم قال في البيان الثاني من الخطاب: (لايملكون الشفاعة إلا ~~من اتخذ عند الرحمن عهدا) مريم: 87، وقال في البيان الثالث: (ولايملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) الزخرف: 86، وقال في ~~وجد اليقين بعد شهادة العين في الرواية بعد المكاشفة: (وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) الانعام: 75، ثم قال بنبأ يقين: ~~إني وجدت، وكما أن اليقين بعد المشاهدة كذلك الوجد بعد اليقين، واليقين هو ~~حقيقة الإيمان وكماله، كما جاء في الأثر: الصبر نصف الإيمان، ms0796 والشكر نصف ~~الإيمان واليقين الإيمان كله. # وقد روينا في تفسير قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، قيل: الجاه وقيل: ~~الشفاعة ويقال: الولاية، وقيل: الإمامة، لا يكون الظالم إماما للمتقين لأن ~~من تبعه أمة من المؤمنين فهو إمام للمتقين، والظالم متهدد بالنار متوعد ~~بسوء المنقلب، مشفوع فيه فكيف يكون شفيعا محجوب عنه؟ فكيف يكون شهيدا؟ ألم ~~تسمع إلى قول الشاهد: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون وإلى قوله ~~تعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء: 227، مع قوله ~~تعالى: (فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين) المائدة: 29، ثم أجمل ~~ذلك بقوله: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، فصغير التوبة لصغير الظلم عن ~~صغائر المظالم، وكبير التوبة لكبير الظلم عن كبائر المظالم، والظلم ظلمة ~~اليوم في القلب، وظلمة غدا في القيامة، فالتوبة تخرج العبد من الظلم، ~~وبخروجه من الظلم يدخل في منازل العهد، وبرعاية العهد يعمل في الإصلاح، ~~والله لا يضيع أجر المصلحين، كما لا يصلح عمل المفسدين، فإذا كان مصلحا ~~بالتوبة ما أفسد بالهوى استعمل بالصالحات لأنه قد صلح، فإذا عمل بالصالحات ~~أدخل في الصالحين لأنه قد فضل، قال الله تعالى: (ويؤت كل ذي فضل فضله) هود: ~~3، وقال في البيان الأول: (وعملوا الصلحات لندخلنهم في الصالحين) العنكبوت: ~~9، فمن صلح له تولاه ومن تولاه علمه وحباه وكاشفه من نفسه وعافاه وأحبه، ~~فكان هو حسبه وكفاه وجعله تحت كنفه وآواه، فيكون ظاهر حاله العصمة من ~~الهوى، وأعلاه مشاهدة عين اليقين من المولى، ومن اكتسب من المظالم ظلم، ومن ~~ظلم ولاه مثله ومن ولاه مثله تولى عنه، ومن تولى عنه أفسد ومن أفسد قطع ما ~~أمر الله به أن يوصل، ومن قطع بعد فانقطع ومن انقطع فبعد لعن وطرد ومن طرد ~~عمي وصم تحت الهوى المعمي المصم، ومن عمي لم يشهد البصير ومن صم لم يسمع من ~~السميع، فكيف يتدبر الخطاب وقلبه مقفل وهمه على هواه # PageV02P130 # مقبل؟ والفتاح العليم عنه معرض؟ فهذا من توصيل القول بمطلع المقول من ~~قوله تعالى: (نولي بعض الظالمين ms0797 بعضا بما كانوا يكسبون) الأنعام: 129 ومن ~~قوله تعالى: (إن توليتم أن تفسدوا في الأرض) محمد: 22 الآية، فبينوا ~~وللتائب حال من أول المحبة، وللتواب مقام من حقيقة الحب، وللناس في التوبة ~~مقامات حسب كونهم في الهوى طبقات، وهم في الحب درجات نحو مشاهدتهم لمحاسن ~~الصفات، فتجلى لكل وجه بمعنى، حسن وجهه هذا في القلوب عن محاسن الإيمان، ~~وفي الآخرة على معاني محاسن الوجوه في العيان، فتحكم عليهم المشيئة منه لهم ~~بما يوجدهم به منه على معاني ما أوجدهم منه به اليوم، فسبحان من هذه قدرته ~~عن إرادته وسع كل شيء رحمة وعلما، ويلزم كل عبد من المجاهدة على قدر ما ~~ابتلى به من الهوى، ويثبت له من المحبة بقدر ما صح له من التوبة، ويسقط عنه ~~من المجاهدة بقوة ما يكشف له من المشاهدة، فيحمل الإشهاد عنه آلام الجهاد، ~~فيكون العبد في البلاء محمولا، ويكون يقينه بالشهادة واليقين موصولا، وهذا ~~من سوابغ العوافي وتمام من النعماء، وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء وهم الذين جاء الخبر فيهم. # إن لله عبادا ضنائن من خلقه، يغذوهم برحمته ويجعلهم في ظل عافيته، يضن ~~بهم عن القتل والبلاء ويحييهم في عافية، ويدخلهم الجنة في عافية أولئك ~~الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية، فالأفضل بعد ~~هذا لكل عبد معرفته بعلم حاله، ووقوفه على حده ولزوم الصدق في مقامه، وترك ~~التكلف والدعوي في جميع سكونه وحركته، فإنه هذا أبلغ فيما يريد، وأوصل في ~~طلب ما يرجو، فإن علم العلماء لا يغني عنه من علمه بنفسه شيئا لا يسأل عن ~~علومهم كما لا يسألون عن علمه، وهذا طريق رأس ماله الصدق، وزاده الصبر ~~وقوته التقوى، فمن عدم الصدق لم يربح، ومن لم يتزود الصبر انقطع، ومن لم ~~يقتت التقوى هلك، فذرة من صدق أنفع من مثقال عمل، وذرة من صبر خير من مثقال ~~من عمل، وذرة من تقوى أنفع من مثقال إيمان، فإن الظن لا يغني من الحق ms0798 شيئا، ~~ويعطي الله تعالى العبد بأداء الفرائض واجتناب المحارم مقاما من مقامات ~~اليقين، يرفع به إلى عليين، وربما أعطاه بهما مثل ثواب الأبدال بعد أن يريد ~~بالفعل والترك وجه الله تعالى وحده، وإن لم يسلك به طريق الأبدال قط ولم ~~يعرف منهم أحدا أبدا، ومن نقله مولاه باليقين الذي به تولاه لم يخف عليه ~~التنقيل، لأن النقل يضطره إلى التنقل في الأحوال، والمشاهدة تحكم علىه ~~بالأفعال، وربما بلغ الله تعالى العبد بحسن الظن به، وقوة الأمل والطمع فيه ~~جميع ما ذكرناه، بعد أن يكون حسن اليقين، وقد يعطيه مقام الصديقين بخلق من ~~أخلاقه إذا خلقه به، وربما بلغه منازل الشهداء بشيء واحد يتركه # PageV02P131 # له، أو شيء يؤثره به لأنه غفور شكور، وأضر شيء على العبد قلة معرفته به، ~~فلربما كان العبد على تسع كبائر فيترك العاشرة لوجه الله تعالى، فتكون تلك ~~الخصلة ذرة إلى جنب تسعة أجبل، فينظر الله تعالى إليه بوجهه لوجهه الذي ~~تركه له نظرة، فتمحو تلك النظرة الجبال التسعة فتصبر هباء منثورا، وربما ~~حسن الله تعالى وصفا واحدا من العبد يصفه به فيحبط عنه مائة وصف قبيح يصفه ~~الناس به، فتدبروا، فلا ييأس عبد من فضل مولاه ولا يقطعن من حبله رجاه بعد ~~إذ عرفه، فإن السيد كريم رحيم، ولا ينقطعن عبد عن بابه وأن يقطع بخلافه ولا ~~يبعدن عن فنائه وإن بعد بأوصافه، ولا يستوحش من التقرب إليه بما يحب بعد ما ~~توحش، تفحش لديه بما يكره، فهكذا يحب الله تعالى من عباده فتبينوا، ونحو ~~هذا يحب الله تعالى منهم أن يعرفوا فيفعلوا بعد المعرفة، فإن المعروف مفرط ~~الكرم واسع الرحمة فاضل الفضل، فإن أعطي المعرفة لم يمنع شيئا ولا يضر ما ~~منع وإن منع المعرفة لم يعط شيئا ولم ينفع منه ما أعطي، وقد تلتبس المحاب ~~فتدخل محبة النعم في محبة المنعم، وتدخل محبة النفس على محبة خالق، ويشتبه ~~ذلك عند عموم المحبين ممن لم يكشف له عين اليقين، فيكون العبد محبا للنعم، ~~وهو يظن ms0799 بوهمه أنه محب للمنعم، ويكون محبا لنفسه ويحسب أنه محب لمولاه، ~~وعلامة ذلك سكونه إلى الأشياء وفرحه بالموجودات، ووجود راحته ولذته في ~~هواه، فربما اختار الله تعالى أن يكشف له حاله قبل موته، وربما ستر عليه ~~حاله ولم يفضحه حتى يلقاه، فيثيبه ثواب مثله وجزاءه، وليس يظهر فرقان هذا ~~إلا في قلب موقن مراد بنورثاقب، وعلم نافذ ويقين صاف من عين التوحيد وشاهد ~~القيومية لأنه من باب مشاهدة الصفات الغيبية ومشاهدة الأفعال الملكوتية، ~~وهو الفرقان الذي وعده الله تعالى المتقين من المؤمنين فقال: (يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) الأنفال: 29، قيل: نورا ~~أتفرقون به بين الشبهات وهو المخرج الذي ضمنه الله تعالى لأهل التقوى، ~~والمنهج في قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) الطلاق: 2، قيل: من ~~كل أمر ضاق على الناس به فتفصيل معاني التوحيد من شواهد الناظرين أضيق ~~الضيق، وشهادة الجمع في التفرقة والبقاء في الفناء أخفى، وشرح غريب عن ~~الأسماع ينكر أكثره أكثر من سمعه، غير أن من له نصيب منه يشهد ما رمزناه، ~~فيكشف له به ما غطيناه، إلا أنه استولى على القلب أحد وجهين، فالخصوص أحبوه ~~من طريق مشاهدة الصفات، فحب هؤلاء بقلب ووجد لا يتغير أبدا، وهم مثبتون فيه ~~إلى لقاء الحبيب، وهؤلاء عبدوه على التعظيم والمحبة والإجلال والكبرياء، ~~وفي هؤلاء المقربون والمحبوبون # والخائفون والعاملون والمتوكلون والراضون، وهو المقام الأعلى وهم الأعلون ~~عنده في المنتهى، والعموم أحبوه من طريق مواجيد الأفعال، وهي النعم ~~والإحسان والأيادي والأفضال، وعما أظهر من العوافي # PageV02P132 # ومما أخبر عنه بما أسروهم الذين خدموه شهوة وعادة وحاجة، أحبوه لمنافعة ~~ومرافقه ولأجل ما في يده من ملكه، وحب هؤلاء يتغير لانقلاب الأحكام، وهؤلاء ~~لم يتحققوا بالإخلاص ولا الزهد، وقد بقي عليهم من نفوسهم هوى، حجبهم ذلك عن ~~مخالصته وبعدهم عن مضافاته، وهذه هي أوصافهم عائدة لهم وعليهم، فحب هؤلاء ~~حول قلب لأن الأفعال التي أحبوه لأجلها تحول فيحولون، وتختلف عليهم ~~بالمكاره والمرائر فيختلفون، وفي هؤلاء المريدون والعاملون والراجون ms0800 ~~والطامعون والتائبون وأصحاب اليمين من هؤلاء. ائفون والعاملون والمتوكلون ~~والراضون، وهو المقام الأعلى وهم الأعلون عنده في المنتهى، والعموم أحبوه ~~من طريق مواجيد الأفعال، وهي النعم والإحسان والأيادي والأفضال، وعما أظهر ~~من العوافي ومما أخبر عنه بما أسروهم الذين خدموه شهوة وعادة وحاجة، أحبوه ~~لمنافعة ومرافقه ولأجل ما في يده من ملكه، وحب هؤلاء يتغير لانقلاب ~~الأحكام، وهؤلاء لم يتحققوا بالإخلاص ولا الزهد، وقد بقي عليهم من نفوسهم ~~هوى، حجبهم ذلك عن مخالصته وبعدهم عن مضافاته، وهذه هي أوصافهم عائدة لهم ~~وعليهم، فحب هؤلاء حول قلب لأن الأفعال التي أحبوه لأجلها تحول فيحولون، ~~وتختلف عليهم بالمكاره والمرائر فيختلفون، وفي هؤلاء المريدون والعاملون ~~والراجون والطامعون والتائبون وأصحاب اليمين من هؤلاء. # وقد قال بعض العارفين: كل محبة كانت عن عوض إذا زال العوض زالت المحبة ~~فمنهم من عرف حاله في مقامه، فاعترف بنقصان محبته وتقصير شهادته واستغفر ~~منها وأناب، ومنهم من ليس عليه ذلك لنقصان مزيده وضعف يقينه، فكانت محبته ~~عن صفات متصلة بذات، ويخاف على مثل هذا الانقلاب عندكشف الغطاء، لأنه في ~~اغترار وفتنة والتباس ومحنة، وفي طريق مكر وهلكة إلا أن تداركه رحمة من ~~ربه، فيوقف في حده في مقامه ويرده إلى حاله من مكانه، فيتوب من محبته ~~ويستغفر من شهادته، فحينئذ يرحمه الله تعالى فيدخله في أهل العفو، ويستر ~~عليه في الآخرة كما ستر عليه في الدنيا، فلقيه تحت الستر في الدارين، وهذه ~~بعض مخاوف الصادقين من المحبين لأنها محبة إظهار لا ظهور، فصاحبها في تقلب ~~وغرور، إلا أن أهل محبة الأفعال ينقسمون قسمين: منهم من أحبه لأجل أفعاله ~~إلا أن يشهدها منه فيراه فيها، فهو يتبصر له ويتعمل في المجاهدة ويجتهد في ~~تنقية محلبه لبقاء حاله، فهذا أعلاهما وهذه محبة عموم أهل الآخرة الذين لا ~~يشهدون سواها، ولايطلبون إلا إياها، ومنهم من تتغير عليه الأفعال وتخرجه من ~~الاعتياد، ويتابع عليه البلاء وينقصه من العوافي في المال والنفس، فيخرج ~~صفته ويظهر من تسخطه وتبرمه به، فهذا قد افتضح بدعوى ms0801 المحبة وقد كشفه بعد ~~ستره، فلم يزن في المحبين حبة، وهذه محبة أهل الدنيا الذين هم لها يكدحون ~~وإياها يطلبون وقد سئل الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: الناس في ~~محبة الله خاص وعام: فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة ~~نعمه، فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم ~~والإحسان، فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظيم القدر والقدرة والعلم والحكمة ~~والتفرد بالملك، فلما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى، لم يمتنعوا أن ~~أحبوه إذا استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها، ولو زال عنه جميع النعم، ~~ومن الناس من يكون محبا لهواه أو لعدو الله إبليس، وهو يدعي لعظيم جهله ~~وطول غرته المحبة لله تعالى. # قال بعض علمائنا: عوتب أبو محمد في قوله: لكل أحد يادوست قال: وقلت له: # PageV02P133 # قد لا يكون حبيبا كما تقول فقال في أذني سرا لا يخلو: إما أن يكون مؤمنا ~~أو منافقا، فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عز وجل، وإن كان منافقا فهو حبيب ~~إبليس، ومن محبة الهوى إيثار عاجل حظ النفس على آجل ما وعدت به ويقدم ~~محبتها على محبة الله عز وجل، وهي مطبوعة على محبة الهوى، وكراهة الحق ~~أمارة بالسوء فيما تسر كذابة فيما تظهر من الخير، قال الله سبحانه تعالى: ~~(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شىئا وهو شر لكم) البقرة: ~~216، فقرن محبتها بالشر وقرن كراهتها بالخير، والعرب تسمي النفس كذبة أي ~~التي يكثر منها الكذب، يصفونها بالمبالغة فيه على معنى قوله: ويل لكل همرة ~~لمزة، أي الذي يكثر همز الناس ولمزهم، وكذلك وصفها الله تعالى بالمبالغة ~~بالأمر بالسوء فقال: أمارة بالسوء أي فعالة، التي يكثر منها الأمر يتكرر ~~مرة بعد مرة، من وصفها الفعل ومن محبة العدو طاعته وموافقته لأن فيها كراهة ~~الله تعالى ومخالفته وهو مجبول على ضد ما يحب الله تعالى، والله تعالى يحب ~~ضد ما جعله عليه وذلك ابتلاء من الله تعالى له، وابتلاء منه به لنا، ms0802 واعلم ~~أن قليل ما أعطاك الله عز وجل من الإيمان به وصحة التوحيد له، ويسير ما قسم ~~الله تعالى لك من الإخلاص والصدق وحسن المعاملة، خير لك وأنفع من كثير ما ~~أظهر لك وعرفك، وإنما لك مما رأيته ما طلبته ونلته بيدك، وما ملكته وسلطت ~~عليه من منازلتك، فأما ما لم تطلبه ولم تنله فهو لغيرك، لأنك قد قد ترى ~~السماء ولا تنالها، فهي أرض لمن سخرت له، وترى ما جعل لغيرك فلا ينفعك ولا ~~يغني عنك، وهو نافع مغن لمن سلط عليه فلكه، ومن الناس من يتوهم أن الإظهار ~~هبة له، وأن ما رآه وعرفه ملكه وحازه وتحقق به، واعلم أن ألف خاطر لا يجيء ~~منها حال، وألف حال يكون منها مقام، والمقام إنما هو ما ثبت ودام فمثل ~~الخواطر في ممرها كالسحاب في سيرها، وقيل في المثل: سحابة صيف عن قليل ~~تقشع، ومثل الأحوال في حيلولتها كمثل الأزمنة في أحوالها، في كل سنة أربعة ~~مشتا ومصيف ومربع وخريف، وإنما الهبة من الله تعالى ما وقر في القلوب من ~~المشاهدات، وما حققته الأعمال من المنازلات، فيورث ذلك علما خاصيا أو خلقا ~~مرضا أو حالا سنيا أو وصفا زكيا من أخلاق الصالحين، وسيما المتقين وعلوم ~~العارفين وملاحظات المقربين، ولا يصلح الكلام بهذا العلم إلا لمن له ~~مشاهدته منه، إن كان من علوم القدرة والتوحيد أو منازلة لمن كان له من ~~مواريث الأعمال، وعن تنقيل الأحوال وعن زهد في الدنيا، وسعي في طلب الأخرى، ~~إن كان من علم الوعظ والندب إلى الفضل، فذل كله بعد التوبة ومع حالك ~~الاستقامة، وعن كمال علم السنة والجماعة، بعد معرفة بعلم الأصول والسنن من ~~آثار الرسول، وإلا كان متكلفا، وفي الدعوى داخلا إلا أن يحكي شيئا سمعه ~~فيكون به لقائله محاكيا، ويضف حاله إلى # PageV02P134 # صاحبه فيكون عنه راويا، فأما التحلي وهو اللبس الظاهر والتصنع المفتعل ~~بالإشارة الفارعة، فهو من حلية الدنيا وزينة الهوى، وكذلك التمني، وهو ما ~~يظنه العقل أو توهمته النفس وقدره الوهم، أو ms0803 من وسوسة العدو الخناس لعنه ~~الله تعالي، فليس هذا كله من الإيمان ولا من علم اليقين في شيء، بل هو من ~~همزات الشياطين وخطراتهم وقرب محضرهم، لأن هذا داء القلوب من أدواء الذنوب، ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تطبب ولم يعلم الطب فقتل، هو ~~ضامن، فالمتكلم للناس بقتلهم يكون قاتلا، والإظهار الذي يقع به الإغترار ~~أكثر من أن يحصى، والظهور الذي يحق به الحقيقة أعز من أن يرى، والله تعالى ~~يظهر من خزائن ملكه ما شاء على الألسنه والجوارح فهي من خزائن الأرض، فيها ~~من التدبير والحكمة كما في ملك الأرض، وعلوم هذه الخزائن هي العلوم الظاهرة ~~وهي حجج الله تعالى في أرضه على عباده، ويظهر من خزائن ملكوته مايحب، وهي ~~القلوب والبصائر والكنوز والذخائر، فهذه كخزائن الملكوت وهي من خزائن ~~السماء وفيها من القدر والآيات كما في السموات وعلوم هذه الخزائن من علم ~~اليقين، وهو العلم الباطن النافع يخص به من يحب، وهم أولياؤه المقربون إن ~~الحكم إلا لله، ولا يشرك في حكمه أحدا يختص برحمته من يشاء، ولا # حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا آخر شرح مقام المحبة وهو آخر ~~شرح مقامات اليقين التسعة. # PageV02P135 ### | الفصل الثالث والثلاثون # ذكر دعائم الإسلام الخمس ### | التي بني عليها # أول ذكر فرض شهادة التوحيد للمؤمنين # ووصف فضائلها وهي شهادة المقربين وشهادة الرسول ### | صلى الله عليه وسلم # وفضلها للموقنين، قال الله تعالى وصدقت أنبياؤه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) محمد: 19، وقال لعباده ~~يأمرهم بمثل ذلك: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو) هود: ~~14، ففرض التوحيد هو اعتقاد القلب أن الله تعالى واحد لا من عدد، وأول لا ~~ثاني له، موجود لا شك فيه وحاضر لا يغيب، وعالم لا يجهل قادر لا يعجز، حي ~~لا يموت قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه سميع بصير، ملك لا يزول ملكه قديم بغير ~~وقت، آخر بغير حد كائن لم يزل ولا تزال ms0804 الكينونة صفته لم يحدثها لنفسه، ~~دائم أبد الأبد لا نهاية لدوامه، والديمومة وصفه غير محدثها لنفسه، لا ~~بداية لكونه ولا أولية لقدمه ولا غاية لأبديته، آخر في أوليته أول في ~~آخريته، وإن أسماءه وصفاته وأنواره غير مخلوقة له ولا منفصلة عنه، وإنه ~~إمام كل شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء ومع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من ~~نفس الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء، وإن الأشياء ليست محلا له، وإنه ~~على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وإنه بكل شيء عليم وعلى كل ~~شيء قدير وبكل شيء محيط، الجو وجه والفضاء من ورائه، والهواء وجه والمكان ~~من ورائه، والحول وجه والبعد من ورائه، وهذه كلها حجب مخلوقات من وراء ~~الأرضين والسموات متصلات بالأجرام اللطاف ومنفصلات عن الأجسام الكثاف، وهي ~~أماكن لما شاء داخلة في قوله ومن كل شيء خلقنا زوجين داخلة في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء ~~بعد، والله جل وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه لا يمتزج ولا ~~يزدوج إلى شيء، بائن من جميع خلقه لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ~~ذاته سواه ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخق إلا الخلق ولا في الذات ~~إلا الخالق، فتبارك الله أحسن الخالقين، وإنه تعالى ذو أسماء وصفات وقدرة ~~وعظمة وكلام ومشيئة وأنوار، كلها غير مخلوقة ولا محدثة، بل لم # PageV02P136 # يزل قائما موجودا بجميع أسمائه وصفاته وكلامه وأنواره وإرادته، وإنه ذو ~~الملك والملكوت والعزة والجبروت، له الخلق والأمر والسلطان والقهر، يحكم ~~بأمره في خلقه وملكه ما شاء كيف شاء، لا معقب لحكمه ولا مشيئة لعبد دون ~~مشيئته، إن شاء شيئا كان ولا يكون إلا ما شاء، لا حول لعبد عن معصيته إلا ~~برحمته، ولا قوة لعبد على طاعته إلا بمحبته، وهو واحد في جميع ذلك، لا شريك ~~له ولا معين في شيء من ذلك، ولا يلزمه إثبات الوعيد ms0805 بل المشيئة إليه في ~~العفو، ولا يجب عليه في الأحكام ما أجرى علينا، ولا يختبر بالأفعال ولا ~~يشار بالمقال، حكيم عادل بحكمة وعدل، هما صفتاه لا يشبه حكمته بحكمة خلقه، ~~ولا يقاس عدله بعدل عباده، ولا يلزمه من الأحكام ما ألزمهم، ولا يعود عليه ~~من الأسماء المذمومة كما يعود عليهم، قد جاوز العقول وفات الأفهام والأوهام ~~والعقول، هو كما وصف نفسه وفوق ما وصفه خلقه، نصفه بما ثبتت به الرواية ~~وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كمثله شيء في كل شيء ~~بإثبات الأسماء والصفات، ونفي التمثيل والأدوات، وأنه سبحانه وتعالى لم يزل ~~موجودا بصفاته، كلها لم تزل له، وإن صفاته قائمة به لم تزل كذلك، ولا يزال ~~بلا نهاية ولا غاية ولا تكييف ولا تشبيه ولا تثنية، بل بتوحيد هو متوحد به ~~وتفريد هو منفرد به، لا يجري عليه القياس ولا يمثل بالناس، ولا ينعت بجنس ~~ولا يلمس بحس ولا بجنس من شيء، ولا يزدوج إلى شيء، وإن ما سوى أسمائه ~~وصفاته وأنواره وكلامه من الملك والملكوت محدث كله ومظهر، كان بعد إن لم ~~يكن ولم يكن قديما ولا أول بل كان بأوقات محدثة وأزمان مؤقتة، والله تعالى ~~هو الأزلي الذي لم يزل، الأبدي الذي لم يحل، القيوم بقيومية هي صفته، ~~الديموم بديمومية هي نعته، أول بلا أول ولا عن أول، آخر لا إلى آخر بكينونة ~~هي حقيقته، أحد صمد لم يلد وبمعناه لم يولد، ومعنى ذلك لم يتولد هو من شيء ~~ولم يتولد منه شيء، ومثل ذلك لم يخلق من ذاته شيء، كما لم تخلق ذاته من ~~شيء، سبحانه وتعالى عما يقول الملحدون من ذلك علوا كبيرا. ### | ذكر فرض شهادة الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى الكبير المتعال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) آلعمران: ~~81، وقال عز وجل: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء: 80 وقال: (إن ~~الذين يبايعونك ms0806 إنما يبايعون الله) الفتح: 10 ففرض شهادة الرسول # صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم ~~الأنبياء لا نبي بعده، وكتابه خاتم الكتب لا كتاب بعده، وهو مهيمن على كل ~~كتاب، ومصدق لما سلف من الكتب قبله، وأن شريعته ناسخة للشرائع، قاضية عليها ~~إلا ما أقره كتابه ووافقه، وكتابه شاهد على الكتب وحاكم عليها، وأنه هو ~~الذي بشر به عيسى # PageV02P137 # عليه السلام أمته، وهو الذي أخبر به موسى عليه السلام أمته، وهو المذكور ~~في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله عز وجل المنزلة، وهو الذي أخذ الله ~~ميثاق النبيين أن يؤمنوا به وينصروه لو أدركوه، فأقروا بذلك وشهد الله ~~تعالى على شهادتهم، وهو الذي أخذت الأنبياء شهادة الأمم على الإيمان به ~~وأمرتهم بتصديقه وأخبرتهم بظهوره، وأن موسى وعيسى عليهما السلام لو أدركاه ~~لزمهما الدخول في شريعته، وأن بقية بني إسرائيل من اليهود والنصارى كفرة ~~بالله لحجودهم رسالته، وأن إيمانهم بكتابه مفترض عليهم مأمور به في كتبهم ~~وعلى ألسنة رسلهم، وأن طاعته ومحبته فريضة واجبة على الكافة كطاعة الله ~~تعالى، واتباع أمره واجتناب نهيه مفترضة على الأمة إيجابا أوجبه الله تعالى ~~له، وفرضا افترضه على خلقه متصل بفرائضه. ### | ذكر فضائل شهادة الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم) آل عمران: 31، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لايؤمن عبد حتى ~~أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين، وقال صلى الله عليه وسلم: لو ~~أدركني موسى وعيسى ما وسعهما إلا اتباعي، وروينا في لفظ آخر: ثم لم يؤمنا ~~بي لأكبهما الله في النار، وحدثونا في الإسرائيليات أن رجلا عصى الله تعالى ~~مائتي سنة، في كلها يتمرد ويجترئ على الله، فلما مات أخذ بنو إسرائيل برجله ~~وألقوه على مزبلة، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن غسله كفنه وصل ~~عليه في جميع بني إسرائيل، ففعل ما أمر به فعجب بنو إسرائيل من ذلك، ~~وأخبروه ms0807 أنه لم يكن في بني إسرائيل أعتى على الله ولا أكثر معاص منه، فقال: ~~قد علمت، ولكن الله تعالى أمرني بذلك، قالوا: فاسأل لنا ربك، فسأل موسى ~~عليه السلام ربه فقال: يا رب، قد علمت، ما قالوا، فأوحى الله تعالى إليه أن ~~صدقوا أنه عصاني مائتي سنة إلا أنه يوما من الأيام فتح التوراة فنظر إلى ~~اسم حبيبي محمد مكتوبا، فقبله ووضعه على عينه، فشكرت له ذلك، فغفرت له ذنوب ~~مائتي سنة، وحدثنا في معناه عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت مؤاخيا لأبي ~~لهب، مصافيا له، فلما مات وأخبر الله تعالى عنه بما أخبر، حزنت عليه وأهمني ~~أمره، فسألت الله تعالى عليه حولا أن يريني إياه في المنام، قال: فرأيته ~~يلتهب نارا فسألته عن حاله فقال: صرت إلى النار في العذاب، لا يخفف عني ولا ~~يروح إلا ليلة الإثنين في كل الليالي والأيام فإنه يرفع عني العذاب، قلت ~~وكيف ذلك؟ قال: ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءتني أميمة ~~فبشرتني بولادة آمنة إياه، ففرحت بمولده، # PageV02P138 # فأعتقت وليدة لي فرحا مني به، فأثابني الله تعالى بذلك أن رفع عني العذاب ~~في كل ليلة إثنين لذلك، وقال الله تعالى في تحقيق المحبة: (يحبون من هاجر ~~إليهم) الحشر: 9، ثم قال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ~~الحشر: 9، فمن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إيثار سننه على الرأي ~~والمعقول، ونصرته بالمال والنفس والقول، وعلامة محبته اتباعه ظاهرا وباطنا، ~~فمن اتباع ظاهره: أداء الفرائض واجتناب المحارم والتخلق بأخلاقه والتأدب ~~بشمائله وآدابه، والاقتفاء لآثاره والتجسس عن أخباره، والزهد في الدنيا ~~والإعراض عن أبنائها ومجانبة أهل الغفلة والهوى، والترك للتكاثر والتفاخر ~~من الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة، والتقرب من أهلها والحب للفقراء، ~~والتحبب إليهم، وتقريبهم وكثرة مجالستهم، واعتقاد تفضيلهم على أبناء ~~الدنيا، ثم الحب في الله للبعيد المبغض، وهم العلماء والعباد والزهاد، ~~والبغض في الله للقريب المحب، وهم الظلمة المبتدعة والفسقة المعلنة، ومن ~~اتباع حاله في الباطن مقامات اليقين، ومشاهدات ms0808 علوم الإيمان، مثل الخوف ~~والرضا والشكر والحياء، والتسليم والتوكل والشوق والمحبة، وإفراغ القلب لله ~~وإفرادا لهم بالله، ووجود الطمأنينة بذكر الله، فهذه معاملات الخصوص وبعض ~~معاني باطن الرسول، وهو من أتباعه ظاهرا وباطنا، فمن تحقق بذلك فله من ~~الآية نصيب موفور أعني قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله) آل عمران: 31وقد كان سهل يقول: علامة المحبة، إتباع الرسول، وعلامة ~~إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا، وقال أيضا في تفسير ~~قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) النساء: 69، ~~قال: يطع الله في فرائضه، والرسول في الدخول في سننه، فإذا اجتنب العبد ~~البدع، وتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فقد اتبعه وقد أحب الله ~~تعالى، وكان معه صلى الله عليه وسلم غدا موافقا في منزلته. ### | ذكر فضائل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين # قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ~~قائما بالقسط) آل عمران: 18، وقال سبحانه وتعالى: (والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون) المعارج: 33، فشهادة الموقن بيقينه أن الله تعالى هو الأول في كل ~~شيء، وأقرب من كل شيء، وهو المعطي المانع الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ~~ولا ضار ولا نافع إلا الله، كما لا إله إلا الله، وقرب الله منه ونظره إليه ~~وقدرته عليه وحيطته به، فيسبق نظره وهمه إلى الله عز وجل قبل كل شيء، ~~ويذكره في كل شيء ويخلو قلبه من كل شيء، ويرجع إليه في كل شيء، ويتأله إليه ~~دون كل شيء، ويعلم أن الله عز وجل أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى ~~الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره، وأقرب إلى اللسان من ريقه، بقرب ~~هو وصفه لا # PageV02P139 # بتقريب ولا بتقرب، وأنه تعالى على العرش في ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات ~~من الثرى وهو رفيع الدرجات من العرش، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء، كقربه ~~من العرش، وأن العرش غير ملامس له بحس ولا مفكر فيه بوجس، ولا ms0809 ناظر إليه ~~بعين ولا محيط به بدرك، لأنه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته، ولا نصيب ~~للعرض منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد بما أوجده منه من أن الله تعالى ~~عليه، وأن العرش مطمئن به، وأن الله تعالى محيط بعرشه فوق كل شيء وفوق، تحت ~~كل شيء، فهو فوق الفوق وفوق التحت، ولا يوصف بتحت فيكون له فوق، لأنه هو ~~العلي الأعلى أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يحد بمكان ولا يفقد ~~من مكان ولا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل والفوق للأعلى، وهو سبحانه فوق كل ~~فوق وفوق كل تحت في السمو، وهو فوق ملائكة الثرى، وهو فوق ملائكة العرش ~~والأماكن للممكنات ومكانه، مشيئته ووجوده قدرته والعرش والثرى وما بينهما ~~وحد للخلق الأسفل والأعلى، بمنزلة خردلة في قبضته، وهو أعلى من ذلك، ومحيط ~~بجميع ذلك بحيطة هي صفته وسعة هي قدرته، وعلو هو عظمته بما لا يدركه العقل ~~ولا يكيفه الوهم، ولا نهاية لعلوه ولا فوق لسموه ولا بعد في دنوه، ولا حس ~~في وجوده ولا مس في شهوده، ولا إدراك لحضوره ولا حيطة لحيطته، وقد قال الله ~~تعالى للكل: (يخافون ربهم من فوقهم) النحل: 50 وقال سبحانه: (سبح اسم ربك ~~الأعلى) الأعلى: 1، وقال عز وجل: (ألا إنه بكل شيء محيط) فصلت: 54، وإن ~~الله تعالى لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب من كل شيء بوصفه، ~~وهو القدرة والدرك، والأشياء مبعدة بأوصافها، وهو البعد والحجب، فالبعد ~~والأبعاد حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته، والمسافة والتلقاء مكانة ~~لسواه، والنواحي والجهات موضع للمحدثات، والنهار والليل مسكن للمصرفات، ~~والبعد والفضاء مكان للمخلوقين والتوسعة والهواء محل للعالمين، والأحكام ~~والأقدار واقعة على خلقه. # وهو سبحانه وتعالى قد جاوز المقدار والأحكام، وفات العقول والأوهام وسبق ~~الأقدار، واحتجب بعزه عن الأفكار، لا يصوره الفكر ولا يملكه الوهم، حجب عن ~~العقول تشج ذاته ولم تحكم العقول بدرك صفاته، إذ يس كمثله شيء فيعرف ~~بالتمثيل، ولا له جنس فيقاس على التجنيس، وهو الله ms0810 في السموات وفي الأرض، ~~ثم استوى على العرش، وهو معكم أينما كنتم، غير متصل بالخلق ولا مفارق، وغير ~~مماس لكون ولا متباعد، بل متفرد بنفسه متحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء ولا ~~يقترن به شيء، هو أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، هو محيط بكل شيء بحيطة هي ~~نعته، وهو مع كل شيء وفوق كل شيء، وهو أمام كل شيء ووراء # PageV02P140 # كل شيء، بعلو ودنو هو قربه، فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش، وهو ~~أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، وهو مع ذلك فوق كل شيء ومحيط بكل شيء، ~~وليس يحيط به شيء وليس هو تعالى في كل هذا مكانا لشيء، ولا مكانا له شيء، ~~وليس كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه، ولا ~~نظير له من عباده، ولا شبيه له في اتحاده وهو أول في آخريته بأولية هي ~~صفته، وآخر في أوليته بآخريتة هي نعته، وباطن في ظهوره بباطنية هي قربه، ~~وظاهر في باطنيته بظهور هو علوه، لم يزل كذلك أزلا، ولا يزال كذلك أبدا، لا ~~يتوجه عليه التضاد ولا تجري عليه الحوادث والآباد، ولا ينتقص ولا يزاد، هو ~~على عرشه باختياره لنفسه، فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه ~~تعالى، والعرش محتاج إلى مكان والرب غير محتاج إليه، كما كان الرحمن على ~~العرش استوى، الرحمن اسمه والاستواء نعته، متصل بذاته، والعرش خلقه منفصل ~~عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه، ولا حامل يحمله ولا حيطة تجمعه، ولا ~~خلق يوجده، هو حامل للعرش وللحملة بخفي لطفه، وجامع للعرش وللحفظة بلطيف ~~صنعه، وموجد ما أحب لمن يحب من التجلي بمعالي أسمائه وصفاته بخفي لطفه ~~ولطيف قربه، لاختصاص رحمته، وهو أظهر الكون من وراء الحول، هو ممكن للعرش ~~ببسطه في توسعة الحول، وهو محيط بالعرش والحول بالقدرة والطول، لا يسعه غير ~~مشيئته ولا يظهر إلا في أنوار صفته، ولا يوجد إلا في سعة البسطة، فإذا قبض ~~أخفى ما ms0811 أبدى، وإذا بسط أعاد ما أخفى، وكذلك جعله في كل رسم كون، وفعله بكل ~~اسم مكان مما جل فظهر، ومما دق فاستتر، لا يسعه غير مشيئته بقربه، ولا يعرف ~~إلا بشهوده، ولا يرى إلا بنوره، هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، ولهم ~~ذلك غدا في المشاهدة بالأبصار، ولا يعرف إلا بشيئته إن شاء وسعه أدنى شيء، ~~وإن شاء لم يسعه كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء وإن لم يرد لم يعرفه كل شيء، ~~إن أحب وجد عند أي شيء، وإن لم يحب لم يوجد بشيء، وقد جاوز الحدود والمعيار ~~وسبق القبل والأقدار، ذو صفات لا تحصى ولا تتناهى، ليس محبوسا في صورة ولا ~~موقوفا بصفة، ولا محكوما عليه بحكم ولا موجودا بلمم، لا يتجلى بوصف مرتين، ~~ولا يظهر في صورة لإثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه ~~صورة، ولكل عبد عند ظهوره له صفة، وعن كل نظرة كلام وبكل كلمة إفهام، ولا ~~نهاية لتجليه ولا غاية لأوصافه ولا نفاد لكلمه، ولا انقطاع لأفهامه ولا ~~تكييف لمعانيه هذه، إذ ليس في التوحيد كيف، ولا للقدرة ماهية، ولا يشبهه ~~بهذه الأوصاف خلق، إذ ليس للذات كفؤ، إذا احتجب عن العيان والأبصار رفع ~~ذاته عن # PageV02P141 # القلوب والأفكار، فلم يخيله عقل ولم يصوره فكر، لئلا يملكه الوهم، فيكون ~~مربوبا وهو رب، ولا ينظر إليه بفكر فيكون مقهورا وهو قاهر، لا يعقل بعقل ~~لأنه عاقل العقل، ولا يدرك بحيطة وهو محيط بكل حيطة، حتى يتجلى آخرا ~~بإحسانه، كما تجلى أولا بحنانه، فيشهد بحضوره وينظر بنوره وليس هذا لسواه ~~ولا يعرف بهذا إلا إياه. # وهذا منه لأوليائه اليوم بأنوار اليقين في القلوب، وهو لهم منه غدا ~~بمعاينة الأبصار في دار الحبيب أبد الأبد في الجنان، يتجلى لهم بعظائم ~~القدرة ولطائف الحنان، ويكلمهم بما لا غاية له من لذيذ المعاني، يتجلى ~~بصفات الجلال ويظهر بمعاني الحسن والجمال، ويبدو بلبس البهاء والكمال يجمع ~~لهم بأول معنى من معانيه بما يوجدهم به من النعيم ms0812 والسرور والفضل والحبور، ~~بكل نظرة أو كلمة أو قرب أو لطف أو عطف أو حنان أو إحسان جميع ما فرقه من ~~نعيم الجنان، وينظر إذا أحب إلى ما يحب اختيارا لا تهجم الأشياء عليه في ~~نظره اخبارا، ويعرض عما شاء اختيارا لا تعترض المنظورات في نظره اضطرارا ~~يعرض في نظره لكبرياء عزه، وينظر في أعراضه بلطائف عطفه، الملك في قبضته ~~والخزائن في كلمته والكون في مشيئته والملكوت كله بيده، والجبروت والعظمة ~~سبحات صفاته وجود الأشياء لا يضطره إلى النظر إليها إن أراد الإعراض عنها ~~لأنه مقتدر قهار وعدمها لا يضطره إلى أن يراها لسبق علمه بها، لأنها معلوم ~~علمه ذي الأخبار، ولأنه هو الجبار إذ الموجود والمعدوم يضطر غيره إلى النظر ~~لضعفه عن الامتناع، والعدم يضطر سواه إلى الفقد لعجزه عن الاختراع، وهو ~~تعالى مباين لسواه بعزه، غير مماثل لغيره بقهره، ولأن المعدوم كالمحجوب وهو ~~تعالى يرى المحجوب، من الذرة من تحت الثرى من وراء السموات والأرضين، ولا ~~يحجبن نفاذ نظره إليها ولا يمنعن قربه منها، ولا يحجزن قدرته عليها ولا ~~يجاوز دون حيطته بها، إذ الحجب واقعة على الخلق غيرمتصلة بالخالق، وبواطن ~~الأشياء وغوامضها منكشفة للخالق وهو أيضا يشهد المآل والأواخر إلى نهاية ~~نهاياتها في أبد أبدها، كما يشهد ذلك اليوم أعني من غد وبعد غد، وما وراءه ~~إلى يوم القيامة وما فيها، وهذا كله عدم لم يخلقه بعد، لأن علمه بذلك شهادة ~~له لأنه ليس بينه وبين علمه حجاب، فهو يشهد الكون من أوله إلى آخره من حيث ~~علمه بعلم هو وصفه، ومشاهدة هي نعته، ولأن كلامه بذلك يخبر بأنه قد كان ~~دليلا على شهوده المآب، لأنه شهد ما علم كما علم ما به تتكلم، فلم يتفاوت ~~كلامه وعلمه ولم يختلف علمه وشهادته، ومع ذلك كله فلا موجود في الأولية ولا ~~المشاهدة سواه، ولا شريك له في القدم ولا يقدم شاهد إلا إياه، قوته كنه ~~قدرته وقدرته دوام بقائه، ونظره سعة علمه وعلمه مدى نظره، يدرك الأشياء ~~كلها ms0813 على اختلاف أوصافها بصفة من صفاته، ثم يدرك بجميع أوصافه ما أدركه ~~بهذه الصفة، فصح بذلك أنه نظر وعلم وتكلم، # PageV02P142 # لا يدخل الترتيب في صفاته أعني بقبل وبعد، ولا يوصف بوقت وحد ولا يشبه ~~بالتعقيب بقوته وأحكامه أعني بثم ولم، وإذا وحتى، ولزم على ذلك أنه يعلم ~~بنظره وينظر بعلمه، فصارت الأوائل والأواخر لديه كشيء واحد، وكانت صفاته ~~كلها آحادا كاملات تامات، غير محدودة للمحدودات ولا مؤقتة مرتبة للمرتبات ~~المؤقتات، إذ لم يكن لها محدثات لأنها قديمة بقدمه وكائنة موجودة بكونه ~~ووجوده، إذ الترتيب في النعوت من وصف الخلق والأدوات لكونها محدثة مظهرات ~~بحدود وترتيب وأوقات، والله تعالى ليس كمثله شيء في كل الصفات، فصفاته ~~قديمة بقدمه وكائنة موجودة بكائنته ووجوده، والأفعال محدثة مظهرات بحدود ~~وترتيب، وأوقات بترتيب فلا موجود في الأولية ولا المشاهدة سواه ولا شريك له ~~في القدم، ولا قيوم له في الأبد والأزل سواه قبل وجود الوقت، والحدثان ليست ~~صفاته ذوات جهات فيتوجه إلى جهته فيدرك بصفة دون صفة، ولا ذاته ذو ذات ~~فيقبل على مكان دون مكان فيضطره الترتيب للمخلوقات، ولا يدبر الأمور بأفكار ~~فيشغله شأن عن شأن، ولا يدخل عليه الاعتراض فيتغير عما كان، ولا يخلق بآلة ~~فيستعين بسواه، ولا يعجزه قدرة فيحتاج إلى مباشرة يديه، يخلق بيده إذا شاء ~~وعن كلمته إن شاء، وبإرادته متى شاء وبمعاني صفاته كيف شاء، لا يضطره ~~التكوين إلى الكلام وكلامه إليه كيف شاء، كان خزائنه في كلمته وقدرته في ~~مشيئته، إذا تكلم أظهر وإن شاء قدر، ومتى أحب ظهر وبأي قدرة شاء استتر، هو ~~عزيز في قربه وقريب في علوه حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالفعال، كشف ~~العلم بالإرادة وأظهر الإرادة بالحركات، وأخفى الصنع بالصنعة وأظهر الصنعة ~~بالأدوات، هو باطن في غيبه وظاهر بحكمه وقدرته، غيب في حكمته، وحكمته شهادة ~~ظاهرة بمحكوماته، وهي مجاري قدرته، وصنع سر في صنعته وهي # علانية مشيئته، ليس كمثله شيء في كل صفة ولا كقوله في ماهية. لانية ~~مشيئته، ليس كمثله شيء في ms0814 كل صفة ولا كقوله في ماهية. # وقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كلمة مجملة بالغة في ~~وصف التوحيد أنه قال في خطبته: الحمد لله الذي لم يجعل السبيل إلى معرفته ~~إلا بالعجز عن درك معرفته، وروينا عن أحمد بن أبي الحواري عن بعض علماء أهل ~~المعرفه من أهل الشام أنه قال: رأى عز وجل خلقه قبل أن يخلقهم كما رآهم بعد ~~ما خلقهم، وروي عن أبي سليمان الداراني أن قال: أدخلهم الجنان قبل أن ~~يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه. # وقال أيضا: إن الله عز وجل أعز من أن يغضبه أفعال خلقه، لكنه نظر إلى قوم ~~بعين الغضب قبل أن يخلقهم، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الغضب فأسكنهم ~~دار الغضب؛ وهو أكبر من أن يرضيه أفعال خلقه، ولكنه نظر إلى قوم بعين الرضا ~~قبل أن # PageV02P143 # يخلقهم، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الرضا فأسكنهم دار الرضا، وقد ~~روينا عن ابن عباس في قوله عز وجل: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شىئا مذكورا) الدهر: 1؛ يعني كان في علم الله أنه يكونه وكأنه علق ~~قوله، لم يكن بقوله مذكورا والله تعالى يخبر بما يكون في الدنيا وبما يكون ~~في القيامة وبما بعدها، بلفظ أنه قد كان لاستواء ذلك في عمله آخرا كأول، إذ ~~لا ترتيب في العلم ولا حد ولا مسافة ولا بعد في القدرة، وقد قال الله ~~تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا) النساء: 122، أعنده علم الغيب، فهو يرى ~~فنقصه بذلك وذمه، وقال تعالى: (الذي يراك حين تقوم) (وتقلبك في الساجدين) ~~الشعراء: 218 - 219؛ أي ويرى تقلبك وبه انتصب التقلب بالعطف على القيام، ~~وجاء في التفسير تقلبك في الأصلاب الزاكية والأرحام الطاهرة، لم يتفق لك ~~أوان على سفاح قط، كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في أصلاب ~~الأنبياء: يقلبك بالتنقيل في صلب نبي بعد نبي حتى أخرجك من ذرية ورثة ~~إسماعيل. # وقد روينا يعني ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms0815 وقال تعالى في سمع ~~الأصوات قبل الأشباح وخلقها: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) ~~المجادلة: 1، فأخبر أنه سمع الأصوات في القدم في علمه قبل خلق المصوتين في ~~الحديث، فكيف لا يرى الكون عن آخره في القدم بعلمه قبل ظهورهم له متصورين ~~بفعله؟ وقد قال تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم) الأعراف: 11، والخلق والتصوير كانا بعد السجود لآدم، فأخبر عنه أولا ~~لشهوده له واستوائه في علمه إذ لا بد من كونه، فأشبه قوله تعالى: (خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) الأعراف: 54، والعرش قبل ~~السموات والأرض والاستواء صفته لم تزل به، ثم أخبر عنه أنه أخر الترتيب، ~~فالله سبحانه وتعالى عالم بالكون قبل الكون وناظر إلى علمه، لا حجاب بينه ~~وبين معلومه، وسامع لما شهد ومتكلم بما علم فقد سبق النظر والسمع والكلام ~~الكون كله من حيث سبق العلم والقدرة والمشيئة، فهو ناظر سامع متكلم بنفسه ~~من حيث كان عالما مقتدرا مريدا بنفسه، ثم أظهر الخلق عالما بعد عالم في وقت ~~بعد وقت، فجاؤوا على نظره وسمعه وكلامه كما كانوا في علمه وقدرته ومشيئته، ~~بغير زيادة ولا نقصان خردلة، ألا ترى أنه بقدرته وعلمه يرى يوم القيامة وما ~~فيها؟ والآخرة وما يكون منها على حقيقة ما أخبر عنه لا يمنعه عدم الكون ولا ~~يحجبه بعد التأخير؟ كذلك كان يشهد ما قد كان اليوم في قدمه بعلمه به ~~وبقدرته عليه وحيطته به، لا يمنعه عدم كونه ولا يحجبه، فقد ظهوره ولا يجوز ~~أن يدرك سبحانه وتعالى اليوم ما لم يكن أدركه في القدم، كما لا يجوز أن ~~يستفيد الآن علم ما لم يكن علمه فيما لم يزل، فيكون متكلما بما لم يشهد وهو ~~معلومه منطو في علمه، أو يكون مستزيدا بما أظهر حين ظهر وهو في قبضته ~~وغيبه، جل عن ذلك وصفه وعلا عن # PageV02P144 # هذا جلاله وعزه لأن نظر سعة علمه وعلمه حيطة نظره، فهو ناظر إلى ما علمه ~~بوصفه لا يختلف عليه ms0816 أوصافه، فالكون موجود له بعلمه لسبق علمه به، ولا بيان ~~له في علمه ولا أثر له في وصفه ولا وجود للكون في وجودكينونته، ولا قدم له ~~في قدم أزليته، ليس محلا للكون ولا هو حال فيه، ولأن أوليته سبقت الكون ~~والمكان فليس لهما في قدمه قدم، كما أنه تعالى يشهد الآن ما يكون من ~~العاقبة والمآل إلى آخر الأحوال، لا يختلف الأواخر والأول في صفاته ولا ~~تتفاوت صفاته على ترتيبها من نظر وعلم، لأنها معلوم علمه وموجود إرادته، ~~فهو سبحانه وتعالى واجد الأشياء به لا بها، وناظر إليها في علمه لا بوجودها ~~لاقتداره عليها وإحاطة علمه بها، والكون معدوم لنفسه لتلاشيه لأنه سبحانه ~~وتعالى خالق العدم كما هو خالق الوجود، ليس للعدم قدم مع قدمه فيكون ثانيا ~~معه، ولا الكون كائن موجود بنفسه فيكون أولا مع أوليته، جل الواحد المتحد ~~بنفسه عن ثان معه في الأزل أو شريك له في القدم، ثم ظهرت الأشياء لنفوسها ~~فظهر بعضها لبعض بإظهاره، فوجدت بإيجاده وظهر عليها بإظهاره بحد ووقت لا ~~أول لها ولا قبل بل هو الأول الذي لم يزل بلا أول، والقديم الأبد بلا وقت ~~ولا أمد قائم بصفاته، وصفاته موجودة له قائمة به، فمن شهد ما فصلناه بنور ~~اليقين لم يدخل عليه قدم العالم، إذ لا قديم مع الله في كينونية أزله، ومن ~~لم يهتد بما بيناه ووقف مع العقل ودخلت عليه شبهة قدم العالم، فالحد برؤيته ~~قدم الحدثان أو جحد قدم العلم، ينفي وجود الحدث فيه، وهذا شرك بالصفات ~~بترتيبه إياها بالعقل، ونحن بريئون من شهادته، مبطلون لدعواه منكرون لشركه ~~في القدم، موحدون باليقين ما ألحد بالعقل، لأن من قال: إن شيئا قديم مع ~~الله تعالى أو موجود بنفسه لنفسه، فقد أشرك في الصفات، ومن قال: إن الله ~~سبحانه نظر بعد أن لم ينظر أو علم بعد أن لم يعلم أو تكلم بعد أن لم يتكلم، ~~فقد قال بحدوث الصفات وقدم عليها لمعلومات، بل المعلومات منطوية في العلم ~~لا أثر ms0817 لها فيه، والله قديم بعلمه واجد لمعلومه بنفسه عن علمه به لقدرته ~~عليه يقهره، وناظر إليه بعلمه لا بعدم معلومه والمعلوم معدوم لنفسه غير ~~موجود بنفسه حتى أحدثه وأوجده، فظهر حين أظهره لمن أظهره بعضا لبعض لا ~~لنفسه، إذ قد فرغ منه لعلمه به # لا أنه قرب له نظره؛ كما لم يحدث به علمه لنفسه وعلمه صفته لم يزل له وهو ~~قائم بوصفه، ولا يجوز أن يحدث له شيئا لم يعلمه، كذلك لا ينبغي أن يفقد ~~شيئا لم يجده، ومن اختلف عليه ما ذكرناه دخل عليه مذهب المعتزلة والجهمية، ~~لأن المعتزلة مجمعة على اختلافهم أن الله تعالى لا يرى الشيء حتى يكون، ~~واختلفوا في العلم فقالت العبادية من القدرية وهم أصحاب عباد: إن الله ~~تعالى لا يرى الشيء، حتى يكون، # PageV02P145 # يضاهون بذلك قول النظام وبشر المريسي في أن الله تعالى لا يرى الأشياء ~~حتى تكون، والجهمية مجمعة على اختلافهم أن الله تعالى لم يتكلم بالشيء حتى ~~كان، ثم خلق الكلام فقدموا الكون قبل كلامه، كما قدمه أولئك قبل نظره، وقال ~~الجميع بحدوث النظر، كما قالوا بحدوث الكلام والنظر لأنهم قالوا بحدوث ~~الأسماء بعد حدوث المسميات، وتقدم الاستطاعة من الخلق على الإرادة من ~~الخالق، فاستوى بذلك شركهم خرجوا به من التوحيد، كذلك كذبت العبادية من ~~القدرية أصحاب عباد يضاهون قول النظامية والمريسية، تشابهت قلوبهم فيتبعون ~~ما تشابه منه، والمعتزلة أيضا مجمعة على نفي العلم والقدرة والمشيئة إلا ~~أنهم يقولون: عالم ولكن لا يضطر علمه إلى شيء ولا يوجب شيئا، فجعلوه كالظن ~~من الخلق فقالوا: عالم بلا علم قديم وقادر بلا قدرة ومريد بلا إرادة سابقة، ~~وقدموا الاستطاعة من الخلق فقالوا: لئلا يلزمهم سبق المعلومات وإن الإرادة ~~والكلام من نعوت الأفعال مخلوقان. لا أنه قرب له نظره؛ كما لم يحدث به علمه ~~لنفسه وعلمه صفته لم يزل له وهو قائم بوصفه، ولا يجوز أن يحدث له شيئا لم ~~يعلمه، كذلك لا ينبغي أن يفقد شيئا لم يجده، ومن اختلف عليه ما ذكرناه ms0818 دخل ~~عليه مذهب المعتزلة والجهمية، لأن المعتزلة مجمعة على اختلافهم أن الله ~~تعالى لا يرى الشيء حتى يكون، واختلفوا في العلم فقالت العبادية من القدرية ~~وهم أصحاب عباد: إن الله تعالى لا يرى الشيء، حتى يكون، يضاهون بذلك قول ~~النظام وبشر المريسي في أن الله تعالى لا يرى الأشياء حتى تكون، والجهمية ~~مجمعة على اختلافهم أن الله تعالى لم يتكلم بالشيء حتى كان، ثم خلق الكلام ~~فقدموا الكون قبل كلامه، كما قدمه أولئك قبل نظره، وقال الجميع بحدوث ~~النظر، كما قالوا بحدوث الكلام والنظر لأنهم قالوا بحدوث الأسماء بعد حدوث ~~المسميات، وتقدم الاستطاعة من الخلق على الإرادة من الخالق، فاستوى بذلك ~~شركهم خرجوا به من التوحيد، كذلك كذبت العبادية من القدرية أصحاب عباد ~~يضاهون قول النظامية والمريسية، تشابهت قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه، ~~والمعتزلة أيضا مجمعة على نفي العلم والقدرة والمشيئة إلا أنهم يقولون: ~~عالم ولكن لا يضطر علمه إلى شيء ولا يوجب شيئا، فجعلوه كالظن من الخلق ~~فقالوا: عالم بلا علم قديم وقادر بلا قدرة ومريد بلا إرادة سابقة، وقدموا ~~الاستطاعة من الخلق فقالوا: لئلا يلزمهم سبق المعلومات وإن الإرادة والكلام ~~من نعوت الأفعال مخلوقان. # والجهمية أيضا مجمعة أن الله تعالى لا يتكلم بوصفه أصلا وإنما يظهر في ~~أديم القضاء الكلام بخلق الأعراض في الأجسام، فكان هذا عندهم هو التوحيد ~~لئلا يثبتوا مع الله قديما، وهذا عند أهل السنة والجماعة هو الإلحاد لنفي ~~قدم الصفات والقول بحدوثها وانفصالها عن الذات، وليس يختلف أهل اليقين بحمد ~~الله تعالى في جميع ما ذكرناه، كما لا يختلفون في صحة التوحيد، وهذه شهادة ~~الموقنين وإيمان المقربين، فلا يتشبهن لك العقل بالمعقول عن شهود ما ذكرناه ~~فيعقلك عن النفاد للشهادة، فليس يشهد ما ذكرناه من صفات الشهيد بنور العقل، ~~وإنما يشهد بنور اليقين، لأن خالقا لا يشبه بمخلوق، ومن ليس كمثله شيء لا ~~يشهد إلا بما ليس كمثله شيء، وهو نور اليقين من نور القادر، ومن لم يجعل ~~الله نورا له فما له من ms0819 نور، وما ذكرناه من وصفه تعالى هو ظاهر التوحيد ~~المتصل بفرض الشهادة، لا يجري على ترتيب المعقول، ولا يمثل بقياس العقول، ~~لأن نفي الصفات وإثباتها بالمماثلات موجود في رأي العقول، كما أن الكفر ~~والضلال موجود في طبائع النفوس لعدم شهادة الأبصار، ولفقد وجود مشاهدة ~~الإلهية في تخيل الأفكار، ولجريان المعتاد والعرف في ظهور الأسباب، كما ~~حدثنا أن بعض الصديقين دعا إلى الله سبحانه وتعالى بحقيقة التوحيد فلم ~~يستجب له إلا الواحد بعد الواحد، فعجب من ذلك فأوحى الله تبارك وتعالى ~~إليه: تريد أن تستجيب لك العقول؟ قال: نعم، قال: احجبني عنهم قال: كيف ~~أحجبك وأنا أدعو إليك؟ قال: تكلم في الأسباب وفي أسباب الأسباب قال: فدعا ~~إلى الله تعالى من هذه الطرق فاستجاب له الجم الغفير، فإنما صحة التوحيد ~~بإثبات الصفات وأوصاف الذات # PageV02P146 # التي جاءت بها السنن وشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع نفي الشبه ~~والماهية ونفي الجنس والكيفية، ثم سكون القلب وطمأنينة العقد إلى الإيمان ~~بهذا، والتسليم له لأجل نور اليقين الموهوب لأن هذا إنما يشهد بنور اليقين ~~وعلمه، لا بعلم العقل ونوره، لأن خالقا لا يرى بمخلوق، فالعقل مرآة الدنيا ~~بنوره يشهد ما فيها، والإيمان مرآة الآخرة وبه ينظر إليها فيؤمن بما فيها. # والله تعالى إنما يرى بنور اليقين، وفي هذا النور مشاهدة الصفات وهو ~~حقيقة الإيمان، وأعز ما نزل من السماء وهو السكينة المنزلة في قلوب ~~المؤمنين لمزيد الإيمان ولتعريف صفاته المؤمن معها بترك ضرب الأخبار بعضها ~~ببعض، ومعارضة بعضها بعضا أو ترتيب بعضها على بعض، بل يؤمن بكل خبر ورد في ~~الصفات والقدرة على حدته، كما يسلم جميعها على الجملة بإسلامه وإلا أدى ذلك ~~إلى نفي بعضها أو إبطال جميعها، لأنا أخذنا الإيمان بمنة الله تعالى ورحمته ~~من قبل التصديق واليقين والنقل، لا من قبل التقليد وحسن الظن والعقل، ~~وأربعة أشياء تسلم ولا تعارض اعتراضا: أخبار الصفات وأصول العبادات وفضائل ~~الأصحاب وفضائل الأعمال، ولولا أن الله تعالى تولى قلوب المؤمنين فحبب ~~الإيمان إليها وزينه فيها، ms0820 وكره الكفر وشأنه عندها، لتاهوا في الظلمات ~~وغرقوا في بحار الهلكات لظهور الأغيار ومعاية الأسباب، ولغيب القدرة عن ~~العيان، ولما ابتلوا به من الحجب والأعيان، ولكن الله تعالى سلم وحبب ~~الإيمان في القلوب، وزين وكره الكفر والعصيان وشين، وكذلك مدح المؤمنين ~~بالغيب المستور، ومن ذلك سبق المقربون بمشاهدة النور فقال سبحانه وتعالى: ~~(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة: 257، فلولا ~~أنهم كانوا في ظلمة الطبع ما امتن عليهم من نور اليقين، وكذلك جاء الخبر أن ~~الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره؛ فمن أصابه اهتدى ومن ~~أخطأه ضل، وفي أحد المعاني من قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب قال: يمحو الأسباب من قلوب الموحدين ويثبت نفسه، ويمحو الوحدانية ~~من قلوب الناظرين ويثبت الأسباب ولولا أن التوحيد لم يرسمه عارف قط في كتاب ~~ولا كشفه علام في خطاب، لعجز علوم العموم عن درك شهادته، ولسبق إنكاره ~~القول لضعفها عن حمل مكاشفته، لذكرنا من ذلك ما يبهر القول ويبهت ذوي ~~المعقول، ولكنا كرهنا أن نبتدع ما لم نسبق إليه، أن نظهر ما يضطرب العقول ~~بالحيرة فيه، خفنا من عدم النصيب مما نذكره، فيعود على السامعين من نفعنا ~~ضرورة، وحقيقة علم التوحيد باطن المعرفة، وهو سبق المعروف إلى من به تعرف ~~بصفة مخصوصة بحبيب مقرب مخصوص لا يسع معرفة ذلك الكافة، وإفشاء سر الربوبية ~~كفر. # وقال بعض العارفين: من صرح بالتوحيد وأفشى الوحدانية فقتله، أفضل من ~~إحياء غيره، وقال بعضهم: للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة وللنبوة سر لو ~~كشف بطل العلم، # PageV02P147 # وللعلماء بالله سر لو أظهره الله تعالى لبطلت الأحكام، فقوام الإيمان ~~واستقامة الشرع بكتم السر، به وقع التدبير وعليه انتظم الأمر والنهي، الله ~~غالب على أمره، وفوق ذلك علم التوحيد والاسم منه وحداني، فالتوحيد وصفه ~~وفوقه علم الإتحاد، فالوصف منه متحد وفوقهما علم الوحدانية، والاسم منه ~~واحد، وفوق ذلك علم الأحدية والإسم منه أحد وهذه أسماء لها صفات، وأوصاف ~~لها ms0821 أنوار وأنوار عنها علوم، وعلوم له مشاهدات بعضها فوق بعض، فوق كل ذي ~~علم عليم، ثم علم التوحيد أول هذه العلوم وعموم هذه المشاهدات، وظاهر هذه ~~الأنوار وأقربها إلى الخلق، فالاسم منه موحد وههنا بان الخلق وظهر، فهذا ~~توحيده الذي وحده به الموحدون من جميع خليقته، فعاد ذلك عليهم برحمته، ~~والمشاهدات الأول توحيد الرب تعالى نفسه بنفسه لنفسه، قبل توحيد خلقه، ~~فتوحيدهم إياه عن توحيده فيما كتبنا عنه، وأخفينا فيما أظهرناه، فهو محجوب ~~في خزائن الغيوب عن البصائر والفهوم، قد جاوز علم الملكوت كله، فهو من ~~ورائها في خزائن الجبروت، وإنما ذكرنا من ذلك قوت القلوب من علم التوحيد، ~~وما لا بد للإيمان منه من المزيد، وقال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله ~~تعالى: للعالم ثلاثة علوم؛ علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر، وعلم باطن لا يسع ~~إظهاره إلا لأهله، وعلم هو سر بين الله وبين العالم هو حقيقة إيمانه، لا ~~يظهره لأهل الظاهر ولا لأهل الباطن، وقال بعض السلف قبله: ما من عالم يحدث ~~قوما بعلم لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم. ### | شرح ثاني ما بني الإسلام عليه من الخمس: وهو # الصلاة # وأول ذلك وصف الطهارة، أولها فرائض الاستنجاء وسننه، وفرائض الوضوء وسننه ~~وفضائله، وفرائض الصلاة وسننها وأحكام المصلي في وقت الصلاة وإدراكها، وما ~~يتعلق بها وهيئات الصلاة وآداب المصلي. ### | ذكر فرائض الاستنجاء # قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين) التوبة: 108 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور، وقال عليه الصلاة والسلام: الطهور نصف الإيمان، وقال: ~~مفتاح الصلاة الطهور، فأول الطهارة الاستنجاء وفيه فرضان وأربع سنن: أحد ~~الفرضين إزالة الحدث، والثاني طهارة المزيل، وهو أن لا يكون رجيع دابة ولا ~~مستعملا مرة، ولا عظم ميتة، ويكره له الاستنجاء بفحمة لأثر في ذلك، والسنن ~~الأربع: وتر الاستجمار ثلاثا أو خمسا أو سبعا، والاستنجاء بالماء، ومباشرة ~~الأذى بالشمال، ومسح اليد بالتراب، فأما كيفية الإستنجاء فأن يأخذ الحجر ms0822 ~~بشماله ويمره على مقدمته من مقدمها مسحا إلى مؤخرها، ثم يرمي به، هناك ثم # PageV02P148 # يأخذ الحجر الثاني فيبتدئ من مؤخر المقعدة فيمسحها مدا إلى مقدمها، ثم ~~يرمي به، ثم يأخذ الحجر الثالث، فيديره حول المسربة إدارة فإن احتاج إلى ~~حجر آخر فليجعلها خمسا، وإن اكتفى بحجر واحد فلا بد من ثلاث، وإن استجمر ~~بحجر كبير ذي ثلاث شعب أجزأه عن ثلاثة أحجار، وفي الخبر: من استجمر فليوتر، ~~وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد، وكان يتبوأ لحاجته كما ~~يتبوأ الرجل المنزل لأنه كان لا يقعد في فضاء، بل كان ينصب وراءه شيئا أو ~~يقعد إلى حائط، أو نشز من الأرض يستره أو كوم من حجارة يحجبه، ثم يستدبر ~~ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم لا يستقبل القبلة أيضا لغائط ولا بول، ولم ~~يكن يرفع ثوبه للغائط حتى يدنو من الأرض، فأما من أراد أن يبول قريبا من ~~صاحبه بحيث يراه ويحسه فلا بأس بذلك، فإنها رخصة من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رفع الحياء منها بفعله، لأنه كان عليه السلام أشد الناس حياء، ~~وكان يبول وإلى جانبه صاحبه ليسن التوسعة في ذلك، وقال رجل لبعض الصحابة من ~~الأعراب وقد خاصمه فقال: لا أحسبك تحسن الخراءة فقال: بلى وأبيك إني بها ~~لحاذق، قال فصفها لي قال: أبعد الأثر وأعد المدر واستقبل الشيح واستدبر ~~الريح وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النعام، والشيح نبت طيب الرائحة يكون ~~بالبادية، والإقعاء في هذا الموضع أن يستوفز على صدور قدميه والأجفال أن ~~يرفع عجزه. # وفي حديث سلمان: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة، ~~أمرنا أن لا نستجمر بعظم ولا روث، ونهانا أن لا نستقبل القبلة لبول أو ~~غائط، وأن يجلس أحدنا على رجله اليسرى وينصب اليمنى، فأما وصف الاستبراء ~~فهو أن يستفرغ الرجل بوله رويدا، ولا يحرك ذكره فينتشر البول على الحشفة، ~~فإذا انقطع البول على مهل مد ذكره ثلاثا من أصله إلى الحشفة مدا رفيقا، ~~لئلا ينتضح ms0823 البول، ثم ينتثره ثلاثا ويتنحنح ثلاثا، وإن فعل ذلك سبعا سبعا ~~فقد بالغ، ثم يأخذ الحجر بيمينه ويأخذ ذكره بشماله، ويمده عليه حتى يرى ~~موقعه جافا، فهناك طهرين انقطعت النداوة، ومن مده إلى الأرض أو إلى حائط ~~حتى يرى الجفوف عن أثره، فمثله وهذا كافيه من الماء ما لم ينتشر البول على ~~الحشفة ويسحب البول في أرض دمثة رخوة، وعلى تراب مهيل، ويكره له أن يبول ~~مستقبل الريح أو على أرض صلبة كيلا ينضح البول عليه، وقد شبه فقهاء المدينة ~~الذكر بالضرع، وقال بعضهم إنه لا يزال يخرج منه الشيء بعد الشيء ما دمت ~~تمده، وقيل: إذا وقع الماء على الذكر انقطع البول، وقد كان أخفهم استبراء ~~وأقلهم # PageV02P149 # استعمالا للماء في الطهور، أفقههم عندهم، وقد يكون ما يظهر من النداوة ~~بعد غسل الذكر بالماء أن ذلك من مرجع الماء يتردد في الإحليل لضيق المسلك ~~وتلاحم انضمامه عليه فإذا خشي الوسواس فلينضح فرجه بعد وضوئه، وهو أن يأخذ ~~كفا من ماء فليرشه عليه، وفي خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ويكره ~~مس الذكر باليمين ويخرج من الذكر خمسة أشياء؛ البول والمذي والودي وهو ~~لزوجة تتعقب البول إذا طال حبسه، والريح والمني ثم كلها توجب الوضوء إلا ~~المني، وهو الماء الدافق الذي يفتر عنه الذكر وتنقطع الشهوة، ومنه يخلق ~~الإنسان فإنه يوجب الغسل، وما خرج من الذكر من غير ذلك من دود أو حصى ففيه ~~الوضوء، وقد يخفي الريح، فلذلك يستحب الوضوء عند كل صلاة وهو من المرأة ~~أطهر. ### | ذكر فرائض الوضوء # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ كما أمر، وفي لفظ: من توضأ ~~فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا، خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه، وفي لفظ آخر: ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بما يكفر الله الخطايا به ~~ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء في المكاره، ونقل الأقدام إلى ms0824 المساجد ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، وتوضأ صلى الله عليه وسلم مرة ~~مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال: ~~من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ~~ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء إبراهيم عليه السلام. ### | ذكر فرائض الطهارة # وهي ثمانية: طهارة الإناء ثم الماء الطاهر والنية والترتيب على نسق ~~الكتاب وغسل الأعضاء الثلاثة المأمور بها، ومسح الرس، ولا ينفض يديه بالماء ~~عند غسل وجهه وذراعيه، فإن ذلك يكون مسحا، ولا يلطم وجهه بالماء لطما فإنه ~~مكروه، ولكن ليحمل الماء بيديه معا إلى وجهه ثم ليسنه عليه سنا، ويغسل وجهه ~~غسلا من أصول شعر رأسه إلى ما ظهر من لحيته وعلى ما استرسل منها، وليدخل ~~البياض الذي بين أذنه ولحيته في # PageV02P150 # غسل وجهه، وليدخل مرفقيه في غسل ذراعيه، وهذا فرض وينبغي أن يقطر الماء ~~من وجهه وذراعيه قطرا، ويكفيه في مسح الرأس أن يمسحه بماء، جديد يبتدئ ~~بمقدم رأسه ثم يرد يده إلى مؤخره، ثم يردها إلى يافوخه هذه مرة، وليمسح ~~رأسه أجمع وهذه الأربعة الأعضاء هي المنصوص عليها، فأما ذكر الواو في ~~الترتيب، فإني سمعت بعض فقهاء العرب من أهل اللغة بمكة يقول: إن الواو وإن ~~كانت للجمع فلا تقتضي الترتيب في الظاهر، فإنه إذا لم يرد به الجمع بين ~~شيئين واستحال أن يجمع بها بين اثنين معا فإنها تقوم حينئذ مقام ثم، تكون ~~للترتيب لا غير. ### | ذكر سنن الوضوء # وهي عشرة: التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار وهو إخراج ~~الماء من الأنف، وتخليل اللحية ومسح الأذنين وغسل كل عضو ثلاثا ثلاثا، وأن ~~يبدأ بالميامن وتخليل أصابع القدمين. ### | ذكر فضائل الطهارة # وما يقال عند غسل كل عضو من الأذكار # أول ذلك أن يتوضأ قاعدا مستور العورة، وأن لا يكون الماء مشمسا، وقد كره ~~ذلك وقيل: إن كراهيته في أرض الحجاز خاصة وإسباغ الوضوء سيما في الشتاء، ~~فإنه من عزائم الدين، وقال بعض السلف: وضوء المؤمن في ms0825 الشتاء بالماء البارد ~~يعدل عبادة الرهبان كلها، وأن لا يعتدي في الطهور فقد نهي عن ذلك، وهو أن ~~يغسل كل عضو فوق الثلاث، والوضوء على الوضوء نور، وهو أن يتوضأ لكل صلاة عن ~~غير حدث، فإن ذلك مستحب إذا أمكن، وله بكل وضوء عشر حسنات، ويجزيه أن يصلي ~~الخمس بوضوء واحد، فقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوضوء على ~~حدته قربة إلى الله تعالى، إذا نوى به العبد ذلك من غير أن يصلي به، وفي ~~الخبر: إذا توضأ العبد خرجت ذنوبه من جميع أعضائه، وتكون الصلاة نافلة، ~~ويستحب أن يتوضأ العبد كلما بال ما لم يشق ذلك عليه، وأن يصلي ركعتين كلما ~~توضأ، ثم أن لا يتكلم في الوضوء إلا بذكر الله تعالى، وأن يقول عند غسل كل ~~عضو ما يستحب من الدعاء، فيقول عند الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من ~~النفاق، وحسن فرجي من الفواحش، ويقول عند التسمية: أعوذ بك من همزات ~~الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون، # PageV02P151 # ويقول عند غسل يديه: اللهم إني أسألك اليمن والبركة، وأعوذ بك من الشؤم ~~والهلكة، ويقول عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك، ~~ويقول عند الاستنشاق: اللهم صل على محمد وأوجد لي رائحة الجنة، وأنت عني ~~راض، ويقول عند الاستنثار: اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء ~~الدار، ويقول عند غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض فيه وجوه أوليائك، ولا ~~تسود وجهي يوم تسود فيه وجوه أعدائك، وعند غسل يمينه: اللهم آتني كتابي ~~بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، وعند غسل الشمال: اللهم إني أعوذ بك أن تؤتيني ~~كتابي بشمالي أو من وراء ظهري، وعند مسح الرأس: اللهم غشني برحمتك وأنزل ~~علي من بركاتك، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، ويقول عند مسح الأذنين: ~~اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتبع أحسنه اللهم اسمعني منادي الجنة مع ~~الأبرار، ثم يمسح عنقه فيقول: اللهم فك رقبتي من النار، وأعوذ بك من ~~السلاسل والأغلال، ويقول ms0826 عند غسل قدمه اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط ~~مع أقدام المؤمنين، ويقول عند غسل اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تنزل قدمي ~~عن الصراط يوم تنزل فيه أقدام المنافقين، وأن يبتدئ بغسل الذراعين من أصابع ~~الكفين ويقطع من المرفقين كل غسلة، وأن يرفع في غسل الذراعين إلى إنصاف ~~العضدين، وأن يبتدئ بغسل القدمين من الأصابع ويخللهما في الميامن ويقطع ~~غسلهما من الكعبين، ويرفع في غسل الرجلين إلى إنصاف الساقين ويمين أصابع ~~اليد اليمنى خنصرهما، ويمين اليد اليسرى إبهامها، وإذا فرغ من وضوئه رفع ~~رأسه إلى السماء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، ~~عملت سوءا وظلمت نفسي، أستغفرك وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني شكورا ~~واجعلني أذكرك كثيرا، وأسبحك بكرة وأصيلا، هذا جميع ما روي من القول بعد ~~الفراغ من الوضوء بآثار متفرقة جمعناها، يقال إن من قال هذا بعد فراغه من ~~الوضوء ختم على وضوئه بخاتم، ورفع له تحت العرش، فلم يزل يسبح الله ويقدسه ~~ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة، وأكره الوضوء في إناء صفر، سمعت أن ~~العبد إذا توضأ احتوشته الشياطين توسوس إليه، فإذا ذكر الله خنست عنه ~~وحضرته الملائكة، فإن كان وضوءه في إناء صفر أو نحاس لم تحضره الملائكة. # وروي عن ابن عمر وأبي هريرة كراهة ذلك، وقال بعضهم: سألني شعبة أن أخرج ~~له وضوءا، فأخرجته في إناء صفر فلم يتوضأ به، وقال حدثني عبد الله بن دينار ~~عن ابن عمر أنه كره الوضوء في إناء صفر، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ركوة ومن إداوة ومن مهراس حجر، وقد روينا في حديث زينب بنت جحش أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ واغتسل، في # PageV02P152 # حديث آخر من مخضب لها وهو نحاس وهذه رخصة. ### | صفة الغسل من الجنابة ms0827 # يضع الإناء عن يمينه ثم يسمي الله تعالى، ويفرغ الماء على يديه ثلاثا قبل ~~إدخالهما الإناء ثم يغسل ذكره ويستنجي، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملا إلا ~~غسل قدميه، ثم يدخل يديه في الإناء بما حملتا من الماء فيصب على شقه الأيمن ~~ثلاثا ظهرا وبطنا إلى فخذه وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك ثلاثا ظهره ~~وبطنه إلى فخذه وساقه، ويدلك ما أقبل من جسده وما أدبر بيديه معا، ثم يدخل ~~يديه بما حملتا من الماء فيفيض على رأسه ثلاثا ويخلل شعر رأسه بأصابعه ويبل ~~الشعر وينقي البشرة، ثم يتنحي من موضعه قليلا فيغسل قدميه، فإن فضل من ~~الإناء ماء أفاضه على سائر جسده، وأمر يديه على ما أدركتا من بدنه؛ فإن قدم ~~غسل رجليه فأدخلهما في أول وضوئه فلا بأس ولا وضوء عليه بعد الغسل، وليتق ~~أن يمس ذكره في تضاعيف ذلك بيديه، فإن مس ذكره فليعد وضوءه وإن نسي المضمضة ~~والاستنشاق في غسل الجنابة حتى صلى أحببت أن يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة، ~~وإن نسيهما في الوضوء فلا إعادة عليه، وكيفما أتى بغسل جسده من الجنابة ~~فجائز بعد أن يعم جميع بدنه غسلا، ومن لم يتوضأ قبل الغسل أحببت له أن ~~يتوضأ بعده، ومن انغمس في نهر أجزاه عن الغسل وأحب أن يتوضأ وفرض غسل الميت ~~كغسل الجنابة. ### | كتاب الصلاة # ذكر فرائض الصلاة قبل الدخول فيها # وهي سبع: أول ذلك طهارة الجسد، وطهارة الثوب وطهارة البقعة، وستر العورة ~~وهي من السرة إلى الركبة، واستقبال القبلة وإصابة الوقت، والقيام إلا من ~~عذر، وفرائض الصلاة في صلبها اثنتا عشر خصلة، روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: مفتاح الجنة الصلاة، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: تحريمها ~~التكبير وتهليلها التسليم فأول ذلك النية وتكبيرة الإحرام بلفظ التكبير، ~~وليس للعرب في لفظ التكبير بمعنى الإكبار إلا وزن أفعل والأفعل فيقولون: ~~الله أكبر والله الأكبر، وليس يقولون: الله كبير، وهم يريدون معنى أكبر مما ~~سواه، إنما # PageV02P153 # يقولون كبير بمعنى عظيم لأن هذه لفظة أعجمية ms0828 عربت، وتقول العرب: الله ~~كبار، وليس بمعنى أكبر إنما هو بمعنى كبير، والتفخير للتعظيم، ثم يقرأ سورة ~~الحمد؛ أولها بسم الله الرحمن الرحيم، والركوع، ثم الطمأنينة في السجود ~~والجلسة بين السجدتين والتشهد الأخير، والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والتسليم الأول، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينظر الله ~~تعالى إلى من لا يقيم صلبه بين الركوع والسجود، وروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود، ورأى صلى ~~الله عليه وسلم رجلا يصلي لا يقيم ظهره في ركوعه وسجوده، فقال له: ارجع ~~فصل، فإنك لم تصل، ثم رآه لا يطمئن إلى الركوع والسجود فأمره أيضا بإعادة ~~الصلاة، ثم علمه الطمأنينة بينهما والقيام فيهما، فقال: حتى تطمئن مفاصلك ~~وتسترخي، ورأى حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما رجلا يصلي لا يتم ركوعه ~~وسجوده فقالا: لو مات هذا لمات على غير فطرة أبي القاسم صلى الله عليه ~~وسلم، وفي حديث أحدهما: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ فقال: منذ أربعين سنة ~~فقال: ما صليت منذ أربعين سنة، وعن كعب الأحبار قسمت الصلاة ثلاثة أثلاث: ~~ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود، فمن نقص أحدهما لم يقبل منه سائرها، ~~ويقال: من لم تقبل صلاته ردت أعماله كلها عليه. ### | ذكر سنن الصلاة # وهي اثنتا عشرة سنة: رفع اليدين بتكبيرة الإحرام، وصورة الرفع أن يكون ~~كفاه مع منكبيه وإبهامه عند شحمة أذنية وأطراف أصابعه مع فروع أذنيه، فيكون ~~بهذا الوصف من الرفع موطئا للأخبار الثلاثة المروية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه كان يرفع يديه إلى منكبيه وأنه كان يرفعهما إلى شحمة أذنيه، وأنه ~~رفع إلى فروع أذنيه يعني أعاليهما، ولفظ التكبير أن يضم الهاء من الاسم ~~بتخفيف الضمة من غير بلوغ، واو، ويهمز الألف من أكبر ولا يدخل بين الباء ~~والراء ألفا، ويجزم الراء، لا يجوز غير هذا فيقول: الله أكبر، ثم لا يرفع ~~يديه إذا كبر إلى قدام دفعا، ولا يردهما إلى ms0829 خلف منكبيه وتكون أصابعه تلقاء ~~أذنيه، ثم يكبر ويرسلهما إرسالا خفيفا رفيقا، ويكون إرساله يديه مع آخر ~~التكبير، لا يسلهما قبل انقضاء التكبير ولا يوقفهما بعد الفراغ من التكبير، ~~ثم يستأنف وضع اليمين # PageV02P154 # على الشمال بعد الإرسال، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~إذا كبر أرسل يديه، فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمين على اليسرى، وليقبض على ~~زند كفه الشمال وليجعلهما تحت صدره، ثم التوجه فيقول: وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، ثم يقول: إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ~~ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، فقد روي ~~جميع ذلك في روايات مختلفة وجمعه حسن، إلا أن يكون خلف الإمام ولا يكون ~~للإمام سكتتان، فلا يمكنه أن يأتي بهذا التوجه كله مع قراءة الحمد، ولا ~~يشتغلن حينئذ إلا بقراءة الحمد، يغتنم قراءتها في سكوت الإمام، واحذر أن ~~تقرأ في قراءة الإمام، أو تركع أو تسجد أو ترفع رأسك قبله، ثم الاستعاذة، ~~ثم قراءة سورة من القرآن أو ثلاث آيات من سورة بعد الحمد، والتأمين بعد ~~قراءة الحمد سنة حسنة، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر به ثم ~~رفع اليدين بالتكبير، للركوع أيضا سنة، ثم التسبيح للركوع وإذا أردت عشرا ~~أو سبعا ولا أقل من ثلاث، وإنما قيل: إن الثلاث أدنى الكمال لأن الكمال ~~عشرة، قال الله تعالى: (تلك عشرة كاملة) البقرة: 196، ولتكن الثلاث بعد أن ~~يضع يديه على ركبتيه وقبل أن يرفعهما، لأنه إذا لم يتحفظ في ذلك ويتمهل فيه ~~حصل من التسبيح واحدة بعد الركوع، وتكون الأولى والأخرى في الإنحطاط ~~والرفع، وهذا مكروه، وصورة الركوع أن يفرج بين أصابعه فيملأ بها ركبتيه، ~~ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يرفع رأسه ولا يخفضه، وليمد عنقه مع ظهره مدا ~~فيكون ظهره ورأسه سواء، ولا يكون مخفوضا إلى أسفل ولا مقبوا إلى فوق، ثم ~~رفع ms0830 اليدين بقول: سمع الله لمن حمده، سنة، ويقول: اللهم ربنا، لك الحمد ملء ~~السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، ثم التسبيح في السجود ~~إن شاء عشرا أو سبعا وأدناه ثلاث، ولتكن الثلاث بعد حصول جبهته على الأرض ~~وقبل رفعه إياه، وإلا كانت واحدة تذهب الأولى في حال وضع الوجه، والأخرى في ~~حال رفع الرأس، فتحصل تسبيحة واحدة في كل سجدة، وهذا غير مستحب أن ينقص من ~~ثلاث، وقال أنس بن مالك: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من إمامكم، هذا يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فكنا نسبح وراءه عشرا في ~~الركوع والسجود عشرا عشرا، # PageV02P155 # ويجعل رأسه بين كفيه في سجوده، فإنهما يسجدان إذا كانتا مفتوحتين فيجافي ~~عضديه عن جنبيه، ويمد ظهره ويرفع بطنه عن فخذيه، ويستحب أن يباشر الأرض ~~بكفيه، فإنهما يسجدان مع الوجه، ثم التكبير للسجود والرفع بين السجدتين ~~وللقيام بين السجود من غير رفع يديه، ثم يقول: رب اغفر لي وارحمني ثلاثا، ~~روي ذلك عن ابن عمر وإن قال: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت ~~الأعز الأكرم فجائز، روي ذلك عن ابن مسعود، وإن قال: رب اغفر لي وارحمني ~~واهدني وأجبرني وأنعشني، فحسن قد روي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه، ثم ~~التشهد الأول ثم السلام الأخير بالألف واللام وضم الميم من السلام من غير ~~تنوين، ومد الاسم وجزم الهاء منه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله حتى ~~يتبين خذاه لمن عن يمينه وشماله ويلوي به عنقه إلى منكبيه، كذلك كان تسليم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يحول جسمه عن القبلة ولا يرفع فخذه ~~عن # الأرض. الأرض. ### | ذكر أحكام الصلاة في الإدراك # ومن أدرك من صلاة رباعية ركعتين أو الثالثة من صلاة المغرب، فإن ما أدرك ~~هو أول الصلاة فليبن على ذلك ومن أدرك مع الإمام بعض القيام افتتح سورة ~~الحمد ولم يركع حتى يتمها، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبله رفع ms0831 بعده، ~~ومن لم يدرك مع الإمام من القيام شيئا كبر للإحرام، ثم كبر وركع وهي له ~~ركعة، وإن ركع الإمام وهو في قراءة سورة غير الحمد فليقطع حيث انتهى وليركع ~~بعده، ومن أدركه في التشهد أو في السجود ابتدأ التكبير للإحرام قائما، ثم ~~جلس وسجد للإتباع، فإذا سلم الإمام قام من غير تكبير يحدثه ثانيا، وابتدأ ~~بقراءة الحمد عند قيامه، ولا يعتد بشيء مما أدرك مع الإمام إلا بالركوع، ~~وهو أن يكون قد وضع يديه على ركبتيه واطمأن قبل أن يرفع الإمام رأسه، فهذه ~~له ركعة، ومن دخل في صلاة مكتوبة ثم ذكر أن عليه أخرى أحببت أن يتمها ثم ~~يصلي التي ذكر، ثم يعيد هذه الصلاة، ومن وافق الإمام في صلاة العصر ولم يكن ~~صلى الظهر صلاها معه، ثم يصلي الظهر ثم أعاد بعدها صلاة العصر، فعله بعض ~~الصحابة وهو أحب الوجوه إلي، ومن تكلم في صلاته ناسيا أو سلم من ركعتين من ~~صلاة رباعية، فليسجد سجدتي السهو بعد التشهد، فإن كان قد خرج من المسجد ~~وتطاول ذلك، ثم ذكر أحببت أن يعيد الصلاة، ومن تكلم أو سلم عامدا أو استدبر ~~القبلة، أو انكشفت عورته أو رعف في صلاته أو ذكر أنه نسي مسح رأسه، أو غسل ~~عضو من أعضائه، أعاد الصلاة، # PageV02P156 # ومن فاتته جماعة فتطوع رجل قام يصلي معه أحببت أن يكون هو المصلي به ~~فرضه، ولا يخرج من الخلاف ويدخل في فرض الجماعة، ولا أستحب أن يصلي فرضا ~~خلف رجل يتطوع، ولا أكره صلاة النوافل جماعة، ولا سجود سهو على العبد فيما ~~جهر فيه مما يخافت فيه مما يجهر، ومن شك في ثلاث ركعات أو اثنتين فليجعلهما ~~اثنتين، ومن شك في أربع أو ثلاث حسبها ثلاثا يبني أبدا على اليقين، وهو ~~الأقل، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، وعليه أن يتشهد ثانيا لسجدتي السهو ~~وصلاته تامة، ومن سها عن سجدتي السهو، فإن ذكر قريبا أو قبل أن يخرج من ~~المسجد فأحب أن يسجدهما ثم يتشهد ويسلم، فإن ms0832 تطاول الوقت أو كان قد خرج من ~~المسجد سقط عنه، ومن شك في القبلة لدخول ظلمة أو فقد أدلة تحرى جهده، فإن ~~تبين له أن القبلة بخلاف ذلك أحببت له أن يعيد ذلك، وأستحب سجود السهو فيما ~~زاد بعد التسليم وفيما نقص قبله، فإن سجدهما في الزيادة والنقصان قبل ~~السلام فحسن كل ذلك، قد رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: فإن لحقه وهم ~~في الصلاة ليس بشك، أو كثر وهمه في الصلاة أحببت أن يجعل سجوده أبدا بعد ~~السلام، ومن صلى في حال ضرورة بنقصان طهارة أو نقصان فرض من فرائض الصلاة ~~أحببت أن يعيد متى قدر على ذلك، ومن صلى في ثوب ثم رأى فيه نجاسة بعد ذلك ~~أعاد ما دام في الوقت قبل أن يدخل وقت صلاة أخرى، فإن خرج جميع الوقت فلا ~~إعادة عليه، ولو أعاد تلك الصلاة متى رأى تلك النجاسة كان أحب إلي، ومن كان ~~عليه صلوات فرط فيها بإضاعة أو نقصان حدود صلاها أحب إلي متوالية صلاة يوم ~~في وقت واحد إن أمكن، أو في أوقات متفرقة نسقا، وأن يكون ذلك في غير ~~الأوقات المنهي فيها عن الصلاة أحب إلي، ومن علم في صلاته أن عليه ثوبا فيه ~~نجاسة وأنه غير مستقبل القبلة، فليلق الثوب وليستقبل القبلة وليتم صلاته، ~~وإن أعاد فهو أحب إلي،. ### | ذكر هيئات الصلاة وآدابها # السواك قبل الصلاة من فضائلها، روي في الخبر: صلاة بسواك تفضل على صلاة ~~بغير سواك سبعين ضعفا، وأستحب له أن يقرأ، قل: أعوذ برب الناس، قبل دخوله ~~في # PageV02P157 # الصلاة، فإنه جنة له من العدو، وأن يستعيذ في كل ركعة قبل قراءة الحمد ~~لأنه يكون قارئا للقرآن ولأن كل ركعة صلاة، وأن يضم أصابع كفيه في التكبير ~~وأن يراوح بين قدميه في القيام، لا يضم كعبيه ولكن يجعل بين قدميه مقدار ~~أربع أصابع، فإن ذلك يستحب، قال بعضهم: كانوا يفتقدون الإمام إذا كبر في ضم ~~الأصابع، وإذا قام في تفرقة الأقدام، قال: فيستدلون بذلك على فقهه، ms0833 ونظر ~~ابن مسعود إلى رجل قد ألزق كعبيه في الصلاة فقال: لو رواح بينهما كان قد ~~أصاب السنة. # وقد يروى في خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصفن والصفد في ~~الصلاة، فأما الصفن فرفع إحدى الرجلين من قوله تعالى: (الصافنات الجياد) ص: ~~31، إذا عطف الفرس طرف سنبكه، وأما الصفد فهو اقتران القدمين معا ومنه قوله ~~تعالى: (مقرنين في الأصفاد) إبراهيم: 49، واحدها صفد، وقد رأيت بعض العلماء ~~يفرق بين أصابعه في التكبير، وتأول أن ذلك معنى الخبر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كان إذا كبر نشر أصابعه نشرا، وذلك محتمل لتوكيده بالمصدر، وهو ~~قوله نشرا، فيصلح أن يكون قوله نشرا، يريد به التفرقة، وقد تسمى التفرقة ~~بثاء ونشرا لأن حقيقة النشر البسط، وقد قال الله تعالى: (وزرابي مبثوثة) ~~الغاشية: 16، فهذا هو التفرقة وقال في معنى البث كالفراش المبثوث، ثم قال ~~في مثله: (كأنهم جراد منتشر) القمر: 7، فإذا كان النشر مثل البث، وكان البث ~~هو التفرقة، كان قوله نشرا بمعنى فرق، إلا أن إسحاق بن راهويه سئل عن معنى ~~قوله نشر أصابعه في الصلاة نشرا فقال: هو فتحها وضمها، أراد بذلك أن يعلم ~~أنه لم يكن يقبض كفه وهذا وجه حسن، لأن النشر ضد الطي في المعنى، والقبض ~~طي، ورأيت ثلاثة من العلماء يفرقون أصابعهم في التكبير منهم: أبو الحسن ~~صاحب الصلاة في المسجد الحرام وكان فقيها، ورأيت ثلاثة يضمون أصابعهم: منهم ~~أبو الحسن بن سالم وأبو بكر الآجري، وأحسب أن أبا زيد الفقيه كان يفرق في ~~أكثر ظني إذا تذكرت تكبيره، قول: آمين من فضائل الصلاة، روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين، ~~فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بآمين، وفي لفظ: آمين لغتان: المد ~~والقصر، والميم فيهما مخففة لأنك إذا شددت الميم أحلت المعنى، فيكون معناه ~~قاصدين من قوله ولا آمين ms0834 البيت الحرام، وأن يترك إحدى يديه على الأخرى ~~قابضا على الزندين بين السرة والصدر، فإن ذلك من الخشوع، وقال بعض العلماء: ~~ما أحسبه ذل بين يدي عزيز. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من سنن المرسلين، وفسر علي عليه ~~السلام قوله تعالى: فصل لربك وانحر، قال: وضع اليمين على الشمال، وهذا موضع ~~علم علي رضي الله تعالى عنه، ولطيف معرفته، لأن تحت الصدر عرقا، يقال له: ~~الناحر لا يعلمه العلماء، # PageV02P158 # فاشتق علي رضي الله عنه قوله: وانحر من لفظ الناحر: أي أوضع يدك على إلا ~~الناحر، وهذا هو العرق، كما يقال ادمغ؛ أي أصب الدماغ ولم يحمله على نحر ~~البدن، لأنه ذكر في الصلاة، ومن الناس من يظن اشتقاقه من النحر، والنحر هو ~~تحت الحلقوم عنده لمتقي التراقي، واليد لا توضع هناك إلا من قال من أهل ~~اللغة في معناه: وانحر أي وجه القبلة بنحرك، فهذا لعمري وجه لا يقعي في ~~الصلاة، وهو أن يجلس على قدميه وينصب ركبتيه، هذا مذهب أهل اللغة في ~~الإقعاء، أو على ركبتيه جاثيا وأصابع رجليه في الأرض، هذا مذهب أهل الحديث، ~~وليجتنب السدل والكف، فإما السدل فهو أن يرخي أطراف ثيابه على الأرض وهو ~~قائم، يقال: سدل وسدن بمعنى واحد، وقد تبدل اللام نونا لقرب المخرجين إذا ~~أرسل ثيابه، ومنه قيل: سدنة الكعبة أحدهم سادن، وهم قوامها الذين يسلبون ~~عليها كسوتها؛ وسدانة الكعبة ثيابها المسبلة، وهذا قول أهل اللغة ومذهب أهل ~~الحديث في السدل أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد كذلك، ~~ولأن هذا فعل اليهود في صلاتهم فنهوا عن التشبه بهم، والقميص في معناه؛ ولا ~~يركع ويسجد ويداه في بدن القميص إن اتسع، فأما أن يدخل يديه في جسد القميص ~~في السجود فمكروه، وقد قال بعض الفقهاء في السدل قولا ثالثا قال: هو أن يضع ~~وسط إزاره على رأسه، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على ~~كتفيه، وهذا قول بعض المتأخرين وليس بشيء عندي، والأولان أعجب ms0835 إلي، وهما ~~مذهب القدماء، وأما الكف فقد نهي عنه في الصلاة أيضا، وهو أن يرفع ثيابه من ~~بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود، وأكره أن يأتزر قوق القميص فإنه من ~~الكف، وقد روي عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه كراهية ذلك، وروينا عن بعض ~~أولاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرخصة في ذلك صلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم محتزما بعمامته فوق القميص، وقد يكون الكف في شعر الرأس، فلا يصلين ~~وهو عاقص شعره، وفي الحديث: أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف شعرا ولا ~~ثوبا، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة وعن الصلب، ~~فأما الاختصار فأن يضع يده على خاصرته، وأما الصلب فأن يضع يديه جميعا على ~~خصريه ويجافي بين # PageV02P159 # عضديه في القيام، ولتقع ركبتاه على الأرض قبل يديه، ويداه قبل وجهه، وأن ~~يسجد على جبهته وأنفه، فإنهما عضو واحد، ولينهض على صدور قدميه وإن ضعف ~~فليعتمد على الأرض بيديه، وأن لا يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلحظ عن ~~يمين وشمال، فإن لحظ فهو أيسر، وليرم ببصره إلى موضع سجوده، فإن لم يفعل ~~فليقابل بوجهه تلقاء القبلة ولا يعبث بشيء من بدنه في الصلاة. # وروي أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل يعبث بلحيته في صلاته، فقال: لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه، وقد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ~~ونهى عن المواصلة في الصلاة وهي في خمس: اثنان على الإمام أن لا يصل قراءته ~~بتكبيرة الإحرام، ولا يصل ركوعه بقراءته، واثنان على المأموم أن لا يصل ~~تكبيرة الإحرام بتكبيرة الإمام ولا تسليمه بتسليمه، وواحدة بينهما أن لا ~~يصل تسليم الفرض بتسليم التطوع، وليفصل بينهما، وقد قيل: التسليم حزم ~~والتكبير جزم، وقد جاء في الخبر: سبعة أشياء في الصلاة من الشيطان: الرعاف، ~~والنعاس، والوسوسة، والتثاؤب، والحكاك، والالتفات، والعبث بالشيء، وزاد ~~بعضهم: والسهو، والشك، وقال بعض السلف: أربعة أشياء في الصلاة من الجفاء: ~~الالتفات ومسح ms0836 الوجه وتسوية الحصى وأن يصلي بطريق من يمر بين يديه وزاد ~~بعضهم وأن لا يصلي في الصف الثاني، وفي الصف الأول فرجة وقد نهى عن صلاة ~~الحاقن، والحاقب، والحازق، فالحاقن من البول والحاقب من وجود الغائط ~~والحازق صاحب الخف الضيق فلا يصلي من كن به هذه الثلاثة لأنها تشغل القلب، ~~وأكره صلاة الغضبان والمهتم بأمر ومن عرضت له حاجة حتى يسري عن قلوبهم ذلك ~~ويطمئن القلب ويتفرغوا للصلاة ومن شغل قلبه حضور الطعام وكانت نفسه تائقة ~~إليه فليقدم الأكل لقوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة ~~فابدؤوا بالعشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب، وفي الخبر لا يدخلن ~~أحدكم الصلاة وهو مغضب ولا يصلين أحدكم وهو غضبان، وكان الحسن يقول: كل ~~صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرعز ### | ذكر فضائل الصلاة وآدابها وما يزكو به أهلها ووصف صلاة الخاشعين # قال الله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) طه: 14، وقال: (ولا تكن من ~~الغافلين) الأعراف: 205، وقال تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون) النساء: 43، قيل: سكارى من حب الدنيا وقيل: من الاهتمام ~~بها، وقال جل ثناؤه: (الذين هم على صلاتهم دائمون) المعارج: 23، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: من صلى ركعتين لم يحدث نفسه # PageV02P160 # فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~إنما الصلاة تمسكن، وتواضع، وتضرع وتباؤس، وتنادم، وترفع يديك وتقول: ~~اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج أي ناقصة، روينا عن الله سبحانه وتعالى في ~~الكتب السالفة أنه قال: ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أقبل صلاة من تواضع ~~لعظمتي ولم يتكبر علي، وأطعم الفقير الجائع لوجهي، فمن الإقبال على الصلاة ~~أن لا تعرف من على يمينك ولا من على شمالك من حسن القيام بين يدي القائم ~~على كل نفس بما كسبت، وكذلك فسروا قوله تعالى: (هم في صلاتهم خاشعون) ~~المؤمنون: 2، وقال سعيد بن جبير: ما عرفت من على يميني ولا على شمالي في ~~الصلاة ms0837 منذ أربعين سنة، منذ سمعت ابن عباس يقول: الخشوع في الصلاة أن لا ~~يعرف المصلي من على يمينه وعن شماله. # وروينا عن بشر بن الحرث قال: قال سفيان: من لم يخشع فسدت صلاته، وروينا ~~عن معاذ بن جبل، من عرف من عن يمينه وشماله في الصلاة متعمدا فلا صلاة له، ~~وقد أسنده إسماعيل بن أبي زياد عن بشر بن الحرث وغيره وعن الثوري أيضا: من ~~قرأ كلمة مكتوبة في حائط أو بساط في صلاته فصلاته باطلة، وقال بشر يعني ~~بذلك لأنه عمل في الصلاة، ومن الدوام في الصلاة السكون فيها، وعلى ذلك فسر ~~قوله تعالى: (الذين هم على صلاتهم دائمون) المعارج: 23، قيل: هو السكون ~~والطمأنينة في الصلاة من قولك: ماء دائم إذا سكن، وقال بعض الصحابة: يحشر ~~الناس يوم القيامة على مثال هيئاتهم في الصلاة، من الطمأنينة والهدوء، ومن ~~وجود النعيم بها واللذة، ثم إصغاء القلب للفهم وخشوعه للتواضع، وسكون ~~الجوارح للهيبة، ثم الترتيل في القراءة والتدبر لمعاني الكلام، وحسن ~~الافتقار إلى المتكلم في الإفهام والإيقاف على المراد، وصدق الرغبة في ~~الطلب للاطلاع على المطلع من السر المكنون المستودع في الكتاب، وإن مر بآية ~~رحمة سأل ورغب، أو آية عذاب فزع واستعاذ، أو مر بتسبيح أو تعظيم حمد وسبح ~~وعظم، فإن قال بلسانه فحسن وإن أسره في قلبه ورفع به همه نابه قصده عن ~~المقال، وكان فقره غاية السؤال، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى: (يتلونه ~~حق تلاوته أولئك يؤمنون به) البقرة: 121، هكذا كان وصفهم في التلاوة، ~~وينبغي أن يكون قلبه بوصف على ركن من أركان الصلاة، وهمه معلق بكل معنى من # PageV02P161 # معاني المناجاة، فإذا قال: الله أكبر أي مما سواه ولا يقال أكبر من صغير، ~~إنما يقال أكبر من كبير، فيقال: هذا كبير وهذا أكبر، فإن كان همه الملك ~~الكبير كان ذكر الله أكبر في قلبه فليواطئ قلبه قول مولاه في قوله تعالى: ~~(ولذكر الله أكبر) العنكبوت: 45، ويواطئ لسانه قلبه في مشاهدة الأكبر فيكون ~~يتلو وينظر، فإن الله تعالى ms0838 قدم العين على اللسان في قوله تعالى: (ألم نجعل ~~له عينين ولسانا وشفتين) البلد: 8 - 9. # فلا يقدم لسانه ويؤخر بصره ويكون عقده محققا لمقاله بالوصف حتى يكون ~~عاملا بما يقول في الحال، فقد أخذ عليه ذلك لما أمر به حجة عليه وتنبيها ~~له، ولا يكون بقوله: الله أكبر، حاكيا؛ ذلك عن قول غيره، ولا مخبرا به عن ~~سواه، بل يكون هو المتحقق بالمعنى القائم بالشهادة، وهذا عند أهل المعرفة ~~واجب لأن الإيمان قول وعمل في كل شيء، فإذا قلت: الله أكبر فإن العمل ~~بالقول أن يكون الله أكبر في قلبك من كل شيء، وهو من رعاية العهد، لتدخل ~~تحت الثناء والمدح في قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) ~~المعارج: 32، فالعهد ما أعطيت بلسانك، والرعاية والوفاء بالقلب ليستحق ~~الأجر العظيم كما قال تعالى: (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما) الفتح: 1،، ومن كان في قلبه الملك الصغير الفاني أكبر من الملك ~~الأكبر فما عمل بقوله تعالى: الله أكبر، وليس هذا حقيقة الإيمان لأنه لم ~~يأت بعمل وقول، وإنما جاء بالقول وهذا قائم بنفس من مشاهدته الآخرة، وكانت ~~قرة عينه الآخرة، كما قال تعالى: (ما عندكم ينفد) النحل: 96، يعني الدنيا، ~~(وما عند الله باق) النحل: 69، يعني الآخرة. # وقد قال: جعلت قرة عيني في الصلاة لأنه كان عند ربه فجعل قرة عينه به، ~~وقد قال سبحانه وتعالى: (ولذكر الله أكبر) العنكبوت: 45، فالمذكور أكبر ~~وأكبر، وقد أخبر تعالى أن الصلاة أريد بها الذكر في قوله تعالى: (وأقم ~~الصلاة لذكري) طه: 14، وروي معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنما فرضت الصلاة وأمرت بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله، ~~فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما ~~قيمة ذكرك؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنس بن مالك، وإذا صليت ~~صلاة فصل صلاة مودع لنفسه، مودع لهواه، مودع لعمره، سائر إلى مولاه، كما ~~قال: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا) ms0839 الإنشقاق: 6، وكقوله تعالى: ~~(واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه) البقرة: 223، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: جعلت قرة عيني في الصلاة، وكان يرى الأكبر فتقر عينه به، وقال: من لم ~~تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله # PageV02P162 # إلا بعدا، كما قال: من لم يترك قول الزور والخيانة فليس لله تعالى حاجة ~~أن يترك طعامه وشابه، فإنما المراد من الصلاة والصيام المخالفة من الآثام، ~~ومن إقامة الصلاة وإتمامها الوضوء لها قبل دخول وقتها لئلا يشغله عن أول ~~وقت غيرها، وينبغي أن يكون قلبه في همه، وهمه مع ربه، وربه في قلبه، فينظر ~~إليه من كلامه، ويكلمه بخطابه، ويتملقه بمناجاته، ويعرفه من صفاته، فإن كل ~~كلمة عن معنى اسم، أو وصف، أو خلق، أو حكم، أو إرادة، أو فعل؛ لأن الكلم ~~ينبئ عن معاني الأوصاف، ويدل على الموصوف، وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر ~~جهات للعارف، من كل جهة مقام ومشاهدات؛ أول الجهات الإيمان بها، والتسليم ~~لها، والتوبة إليها، والصبر عليها، والرضا بها والخوف منها، والرجاء لها، ~~والشكر عليها، والمحبة لها، والتوكل فيها، فهذه المقامات العشر هي مقامات ~~اليقين، لأن الكلمة هي حق اليقين، وهذه المعاني كلها منطوية في كل كلمة ~~يشهدها أهل التملق والمناجاة، ويعرفها أهل العلم والحياة، لأن كلام المحبوب ~~حياة القلوب، لا ينذر به إلا حي ولا يحيا به إلا مستجيب، قال الله تعالى: ~~(إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا) يس: 69 - 7،، وقال سبحانه: ~~(استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال: 42، ولا يشهد هذه ~~العشر مشاهدات إلا من نقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب؛ ~~أولها مقام المسلمين، وآخرها مقام الذاكرين، وبعد مقام الذكر هذه المشاهدات ~~العشر فعندها لا يمل المناجاة لوجود المصافاة، ولا يثقل عليه القيام للذاذة ~~والإفهام، ويسهل عليه الوقوف لدنو العطوف، ويتنعم بالعتاب بحلاوة الإقتراب، ~~هنالك يندرج طول القيام في التلاوة فلا يجده كاندراج القبلة في الصلاة فلا ~~يشهدها، فيكون من ورائه القبلة وهو أمامها، كذلك القيام يحمله ms0840 وهو مع ~~حامله. # حدثت أن الموقن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضين ~~خوفا منه، لأنه يتأهب للدخول على الملك، فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه ~~وبينه سرادق لا ينظر إليه، وواجهه الجبار بوجهه، فإذا قال: الله أكبر أطلع ~~الملك في قلبه، فإذا ليس في قلبه أكبر من الله تعالى فيقول: صدقت الله ~~تعالى في قلبك، كما تقول: قال فيتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش، ~~فيكشف له بذلك النور ملكوت السموات والأرض، ويكتب له حشو ذلك النور حسنات، ~~قال: وإن الغافل الجاهل إذا قام للوضوء احتوشته الشياطين، كما يحتوش الذباب ~~على نقطة العسل، وإذا كبر أطلع الملك في قلبه، فإذا كل شيء في قلبه أكبر من ~~الله تعالى عنده، فيقول له: كذبت ليس الله في قلبك كما تقول، قال: فيثور في ~~قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه، قال: فيرد ذلك # PageV02P163 # الحجاب صلاته، ويلتقم الشيطان قلبه، فلا يزال ينفخ فيه، وينفث ويوسوس ~~إليه، ويزين له، حتى ينصرف من صلاته ولا يعقل ما كان فيه، وقد جاء في ~~الخبر: لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت ~~السموات. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى في القبلة نخامة، فغضب ~~غضبا شديدا، ثم حكها بعرجون كان في يده، وقال: ائتوني بعبير فلطخ أثرها ~~بزعفران، ثم التفت إلينا فقال: أيكم يحب أن يبزق في وجهه؟ قلنا: لا أينا، ~~قال: فإن أحدكم إذا دخل في صلاته فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة، وفي ~~لفظ آخر واجهه الله تعالى؛ فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه، ولا عن يمينه، ولكن ~~عن شماله، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به ~~هكذا، وذلك بعضه ببعض، وقد روي: إذا قام العبد في صلاته فقال: الله أكبر، ~~قال الله لملائكته: ارفعوا الحجاب بيني وبين عبدي، فإذا التفت يقول الله ~~تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه، ثم إذا قام المقبل ms0841 ~~على صلاته شهد قلبه قيامه لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ~~ثم شهد وقوفه بالحضرة بين يدي الملك الجبار، إذ ليس من الغافلين، فتأخذه ~~غيبة الحضور، ويرهقه إجلال الحاضر، ويستولي عليه تعظيم القريب، وبجمعه خشية ~~الرقيب، فإذا تلا وقف همه مع المتكلم ماذا أراد، واشتغل قلبه بالفهم عنه ~~والانبساط منه، فإن ركع وقف قلبه مع التعظيم للعظيم، فلا يكون في قلبه أعظم ~~من الله تعالى وحده، فإن رفع شهد الحمد للمحمود، فوقف مع الشكر للودود، ~~فاستوجب منه المزيد، وسكن قلبه بالرضا، لأنه حقيقة الحمد، وإن سجد سما قلبه ~~في العلو فقرب من الأعلى بقوله تعالى: (واسجد واقترب) العلق: 19. # وأهل المشاهدة في السجود على ثلاث مقامات؛ منهم من إذا سجد كوشف بالجبروت ~~الأعلى فيعلو إلى القريب ويدنو من القريب، وهذا مقام المقربين من ~~المحبوبين، ومنهم من إذا سجد كوشف بملكوت العزة، فيسجد على الثرى الأسفل ~~عند # PageV02P164 # وصف من أوصاف القادر الأجل، فيكسر قلبه ويخبت تواضعا وذلا للعزيز الأعلى، ~~وهذا مقام الخائفين من العابدين، ومنهم من إذا سجد جال قلبه في ملكوت ~~السموات والأرض فآب بظرائف الفوائد وشهد غرائب الزوائد، وهذا مقام الصادقين ~~من الطالبين، وهناك قسم رابع لا يذكر بشيء ليس له وصف فيستحق المدح، وهم ~~الذين يجول همهم في أعطية الملك وأنصبة المماليك، فهم محجوبون بالهمم ~~الدنية عن الشهادة العلية مأسورون بالهوى عن السياحة إلى الإعلام، فإن دعا ~~هذا المصلي نظر إلى المدعو فكان هو المرجو فأخذ في التمجيد والثناء والحمد ~~والآلاء، ونسي حاجته من الدنيا واشتغل عن نفسه بالمولى وعن مسألته بحسن ~~الثناء، وإن استغفر هذا الداعي تفكر في أوصاف التوبة وأحكام التائب وتفكر ~~في ما سلف من الذنوب فعمل في تصفية الاستغفار وإخلاص الإنابة والاعتذار، ~~وجدد عقد الاستقامة، فيكون له بهذا الاستغفار من الله عز وجل تحية وكرامة، ~~ففي مثل صلاة هذا العبد وردت الأخبار أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع ~~الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء ~~فيصلون ms0842 بصلاته ويؤمنون على دعائه، وأن المصلي لينثر عليه البر من عنان ~~السماء إلى مفرق رأسه ويناديه مناد لو علم المناجي من يناجي ما انفتل، وأن ~~أبواب السماء، للمصلين، وأن الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلين، وفي ~~التوراة مكتوب: يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله ~~تعالى الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري، قال: وكنا نرى أن تلك الرقة ~~والبكاء وتلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب تبارك وتعالى ~~من القلب، وقال رجل للنبيصلى الله عليه وسلم: ادع الله تعالى أن يرزقني ~~مرافقتك في الجنة، فقال: أعني بكثرة السجود. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد ~~أحب إليه من الصلاة، ولو كان شيء أحب إليه من الصلاة لتعبد به ملائكته؛ ~~منهم راكع، وساجد، وقائم، وقاعد، أو كما قال بعض العلماء: الصلاة خدمة الله ~~عز وجل في أرضه، وقال آخر: المصلون خدام الله عز وجل على بساطه، إن المصلين ~~من الملائكة يسمون في السموات خدام الرحمن ويفخرون بذلك على سائر المرسلين ~~من الملائكة، ويقال: إن المؤمن إذا صلى ركعتين عجب منه عشر صفوف من ~~الملائكة؛ كل صف منهم عشرة آلاف، وباهى الله تعالى به مائة ألف ملك؛ وذلك ~~أن العبد قد جمع فيه أركان الصلاة الأربعة؛ من القيام والقعود والركوع ~~والسجود، وفرق ذلك على أربعين ألف ملك، والقائمون لا يركعون إلى يوم ~~القيامة، والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وكذلك الراكعون والساجدون، ~~ثم قد جمع الله له أركان الصلاة الستة؛ من التلاوة والحمد والاستغفار # PageV02P165 # والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفرق ذلك على ستين ألف ~~ملك لأن كل صف من الملائكة عبادته ذكر من الأذكار الستة، فإذا رأت الأملاك ~~ما جمع فيه من الأركان الستة والأذكار في ركعتين عجبت منه وباهاهم الله ~~تعالى به، لأنه قد فرق تلك الأعمال والأركان على مائة ألف ملك؛ وبذلك فضل ~~المؤمن على الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضا ms0843 في مقامات اليقين من أعمال ~~القلوب على الأملاك بالتنقيل في المقامات بأن جمعت فيه ورفع منها، ~~والملائكة لا ينقلون بل كل ملك موقوف في مقام معلوم لا ينقل عنه إلى غيره ~~مثل: الشكر والخوف والرجاء والشوق والأنين والخشية والمحبة، بل كل ملك له ~~مزيد وعلو من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب الموقن. # قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين: (قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) المؤمنون: ~~1 - 2 - 3، فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالإيمان، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما ~~افتتح بالصلاة أوصافهم، ثم قال في آخرها: (والذين هم على صلواتهم يحافظون) ~~المؤمنون: 9، فختم بها نعوتهم وقال في نعت عباده: المصلين الذين استثناهم ~~من الجزوعين من المصائب والفقر، المانعين للمال والخير، إلا المصلين الذين ~~هم على صلاتهم دائمون، ثم نسق النعوت وقال في آخرها: والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون، فلولا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبائه وختامها، ~~ولما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها، ومدحهم بالخشوع فيها؛ والخشوع هو ~~انكسار القلب وإخباته وتواضعه وذلته ثم لين الجانب وكف الجوارح وحسن سمت ~~وإقبال، والمداومة والمواظبة عليها وسكون القلب والجوارح فيها؛ والمحافظة ~~هي حضور القلب وإصغاؤه وصفاء الفهم وإفراده من مراعاة الأوقات وإكمال طهارة ~~الأدوات، ثم قال تعالى في عاقبة المصلين: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون) المؤمنون: 1، - 11، فجعل أول عطائهم الفلاح وهو ~~الظفر والبقاء، وآخره الفردوس وهو خير المستقر والمأوى، وقال في أضدادهم: ~~من أهل النار ما سلككم في سقر، قالوا: لم نك من المصلين، وقال موبخا لآخر ~~منهم فلا صدق ولا صلى، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من نهاه ~~عن الصلاة، ثم أمره بها وأخبره أن فيها القرب والزلفى في قوله تعالى: ~~(أرأيت الذين ينهى عبدا إذا صلى) العلق: 9 - 1،، ثم قال: (كلا لا تطعه ~~واسجد واقترب) العلق: 19، فالمصلون بقية من خلقه وورثة جنته من عباده وأهل ~~النجاة من ms0844 دار غضبه إبعاده جعلنا الله منهم بعطفه ورحمته. ### | ذكر الحث على المحافظة على الصلاة وطريقة المصلين من الموقنين # قال الله سبحانه وتعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا) الفتح: 29 الآية، فاختار لنفسه أصحابه صلوات ~~الله عليه ثم اختار لأصحابه # PageV02P166 # الصلاة فجعلها وصفهم في الإنجيل والتوراة، فهذا يدل أن الصلاة أفضل ~~الأعمال لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل العمال، وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها، وعن عمر ~~رضي الله تعالى عنه: إذا رأيت الرجل حافظا لصلاته فظن به خيرا وإذا رأيته ~~مضيعا لصلاته فهو لا سواها أضيع، وكان الحسن يقول: ابن آدم ماذا يعز عليك ~~من دينك إذا هانت عليك صلاتك؟ فهو على الله تعالى أهون، وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الصلاة عماد الدين من تركها فقد كفر، وفي حديث آخر بين ~~الكفر والإيمان ترك الصلاة، وفي الخبر: من حافظ على الصلوات الخمس بإكمال ~~طهورها ومواقيتها، كانت له نورا وبرهانا يوم القيامة، ومن ضيعها حشره الله ~~تعالى مع فرعون وهامان، وفي تفسير قوله تعالى: (لا يملكون الشفاعة إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا) مريم: 87، قال الصلوات الخمس، وعن ابن مسعود وسلمان: ~~الصلاة مكيال، فمن أوفى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في ~~المطففين، وفي الخبر: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته فلا يتم ركوعها ~~ولا سجودها، وفي الخبر: إذا صلى العبد في الملأ فأحسن وأساء صلاته في الخلا ~~فتلك استهانة يستهين بها ربه عز وجل، وفي الخبر: إذا أحسن العبد صلاته في ~~العلانية وأحسنها في السر قال الله تعالى لملائكته: هذا عبدي حقا، وعن كعب ~~وغيره: من قبلت صلاته قبلت أعماله كلها، ومن ردت عليه صلاته ردت عليه ~~أعماله كلها، ويقال: من تقبلت منه الصلوات الخمس كملا من غير أن تلفق، ولا ~~يرفع بعضها من بعض، أو غيرها من النوافل، أطلع على علم الأبدال وكتب صديقا، ms0845 ~~وعلامة قبول الصلوات أن تنهاه في تضاعيفها عن الفحشاء والمنكر والفحشاء ~~والكبائر، والمنكر ما أنكره العلماء، فمن انتهى رفعت صلاته إلى سدرة ~~المنتهى، ومن تحرقته الأهواء فقد ردت صلاته لما غوى فهوى، وقال مالك بن ~~دينار وإبراهيم بن أدهم: إني لأرى الرجل يسيء صلاته فأرحم عياله، وقال ~~الفضيل بن عياض: الفرائض رؤوس الأموال والنوافل الأرباح، ولا يصح ربح إلا ~~بعد رأس المال، وكان ابن عيينة يقول: إنما جرموا الوصول بتضييع الأصول، ~~وقال علي بن الحسين: من اهتم بالصلوات الخمس في مواقيتها وإكمال طهورها لم ~~يكن له في الدنيا عيش وكان عليه السلام إذا توضأ للصلاة # PageV02P167 # تغير لونه واصفر وأرعد، فقيل له في ذلك فقال: تدرون بين يدي من أريد أن ~~أقف وعلى من أدخل ولمن أخاطب؟ وقال بعض العارفين: للصلاة أربع فرائض؛ إجلال ~~المقام، وإخلاص السهام، ويقين المقال، وتسليم الأمر، وقال أبو الدرداء: ~~خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى وكان ~~وكيع يقول: من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يحافظ عليها ومن تهاون ~~بتكبيرة الإحرام فاغسل يدك منه. # وروينا في تفسير قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) الحديد: 21، ~~قال: تكبيرة الإحرام، وفي حديث أبي كاهل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا يفوته منها تكبيرة الإحرام كتب له ~~براءتان؛ براءة من النفاق، وبراءة من النار، وقال سعيد بن المسيب: منذ ~~أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة، وكان يسمى حمامة المسجد، ~~وقال عبد الرزاق: من عشرين سنة ما سمعت الأذان إلا في المسجد، ويقال: إنه ~~إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة زمرا، قال: فتأتي أول ~~زمرة كان وجههم الكوكب الدري فتستقبلهم الملائكة فيقولون: من أنتم؟ ~~فيقولون: نحن المصلون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقولون: ما كانت ~~أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا ~~يشغلنا غيرها، فتقول الملائكة: يحق لكم ذلك، ثم تأتي الزمرة الثانية ms0846 فوق ~~أولئك في الحسن والجمال كأن وجوههم الأقمار فتقول الملائكة: من أنتم؟ ~~فيقولون: نحن المصلون، فيقولون: وما كانت صلاتكم؟ فيقولون: كنا نتوضأ ~~للصلاة قبل دخول وقتها، فتقول الملائكة: يحق لكم ذلك، ثم تأتي الزمرة ~~الثالثة فوق هؤلاء في المنزلة والجمال كأن وجوههم الشمس الضاحية، فتقول ~~الملائكة: أنتم أحسن وجوهاوأعلى مقاما فما أنتم؟ فيقولون: نحن المصلون، ~~فيقولون: وما كانت صلاتكم؟ فيقولون: كنا نسمع الأذان في المسجد، فتقول ~~الملائكة: يحق لكم ذلك. # وقال بعض العلماء رضي الله عنهم: سميت الصلاة صلاة لأنها صلة بين العبد ~~وبين الله عز وجل ومواصلة من الله تعالى لعبده، ولا تكون المواصلة والمنال ~~إلا لتقي، قال الله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم) الحج: 37، ولا يكون التقي إلا خاشعا فعندها لا يعظم عليه طول ~~الوقوف ولا يكثر عليه الانتهاء عن المنكر والائتمار بالمعروف، كما قال ~~سبحانه وتعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت: 45، ~~والخاشعون من المؤمنين هم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، الحافظون ~~لحدود الله جزاؤهم البشرى، كما قال: (وبشر المؤمنين) الأحزاب: 47 والخاشعون ~~أيضا الخائفون، الذاكرون، الصابرون، والمقيمون الصلاة، فإذا كملت هذه ~~الأوصاف فيهم كانوا مخبتين، وقد قال سبحانه: (وبشر المختتين) الحج: 34، ~~وكان ابن مسعود إذا نظر إلى الربيع بن خيثم يقول: وبشر المختبين أما والله ~~لو رآك # PageV02P168 # محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك، وفي لفظ آخر لأحبك، يقال: إنه كان ~~يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة لا تحسب جارية ابن مسعود إلا إنه أعمى ~~لشدة غض بصره وطول إطراقه إلى الأرض بنظره، وكان إذا دق الباب عليه تخرج ~~إليه إنه أعمى لشدة غض بصره وطول طاقه إلى الأرض بنظره، وكان إذا دق الباب ~~عليه تخرج إليه الجارية فإذا رأته قالت لعبد الله صديقك ذاك الأعمى قد جاءك ~~فكان ابن مسعود يضحك ويقول: ويحك ذاك الربيع، ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في ~~الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النيران تلتهب، صعق وسقط مغشيا ~~عليه، وقعد ابن مسعود ms0847 عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق فحمله ابن مسعود على ~~ظهره إلى منزله، فلم يزل مغشيا عليه إلى الساعة التي صعق فيها حتى فاتته ~~خمس صلوات، وابن مسعود عند رأسه يقول: هذا والله الخوف، وكان هذا يقول: ما ~~دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي، وقد كان عامر بن عبد ~~الله من خاشعي المصلين، كان إذا صلى ضربت ابنته بالدف، وتحدث النساء بما ~~يردن في البيت، ولم يكن يعقل ذلك ولا يسمعه وقيل له ذات يوم: هل تحدث نفسك ~~في الصلاة بشيء؟ قال: نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ومنصرفي إلى إحدى ~~الدارين، قيل: فهل تجد شيئا مما نجده من أمور الدنيا؟ فقال: لأن تختلف ~~الأسنة في أحب إلي من أن أجد شيئا في الصلاة مما تجدون، وكان يقول: لو كشف ~~الغطاء ما ازددت يقينا، وقد كان مسلم بن يسار من الزاهدين العاملين، كان ~~إذا دخل في الصلاة يقول لأهله: تحدثوا بما تريدون وأفشوا سركم فإني لا ~~أستمع إليكم، وكان يقول: وما يدريكم أين قلبي، وكان يصلي ذات يوم في مسجد ~~البصرة، فوقعت خلفه أسطوانة معقود بناؤها على أربع طاقات، فتسامع بها أهل ~~السوق فدخلوا المسجد وهو يصلي كأنه وتد، وما انفتل من صلاته، فلما فرغ جاءه ~~الناس يهنونه فقال: أي شيء تهنوني؟ قالوا: وقعت هذه الأسطوانة العظيمة ~~وراءك فسلمت منها، قال: متى وقعت؟ قيل: وأنت تصلي، قال: ما شعرت بها، وقال ~~بعض المصلين: الصلاة من الآخرة، فإذا دخلت في الصلاة خرجت من الدنيا، وسئل ~~بعضهم: هل تذكر في صلاتك شيئا؟ قال: وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره ~~فيها؟ وكان أبو الدرداء يقول: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في ~~الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ. # وفي الخبر: أن عمار بن ياسر صلى صلاة فخففها فقيل له: خففت يا أبا ~~اليقظان، فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا؟ قالوا: لا قال: لأني ~~بادرت سهو الشيطان أن رسول الله صلى الله ms0848 عليه وسلم قال: إن العبد ليصلي ~~الصلاة لا يكتب له ثلثها ولا نصفها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا ~~عشرها، وكان يقول: إنما يكتب للعبد # PageV02P169 # من صلاته ما عقل منها، وقد ذكر هذا عبد الواحد بن زيد أنه إجماع، فروينا ~~عنه أنه قال: أجمعت العلماء أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل، وقال ~~الحسن: كل صلاة لا يحضرها قلبك فهي إلى العقوبة أسرع منها إلى الثواب، ~~ويقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الزبير وطلحة، كانوا ~~أخف الناس صلاة، فسئلوا عن ذلك فقالوا: نبادر بها وسوسة العدو، وروينا أن ~~عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام ~~وما أكمل لله تعالى صلاة، قيل: وكيف ذاك: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله ~~على الله تعالى فيها؟ وقال الله جل ذكره: (ومن أصدق من الله حديثا) النساء: ~~87، (حتى تعلموا ما تقولون) النساء: 43 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من تشعبت به الهموم لم يبال الله تعالى في أي أوديتها هلك، وسئل أبو ~~العالية عن قوله تعالى: (الذين هم عن صلاتهم ساهون) الماعون: 5، قال: هو ~~الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف، على شفع أم على وتر؟ سئل الحسن ~~عن ذلك فقال: هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى يخرج وقتها، وكان يقول: أما ~~والله لو تركوها لكفروا، ولكن سهوا عن الوقت، وقال بعض السلف فيها: هو الذي ~~إن صلاها في أول الوقت أو في الجماعة لم يفرح وإن صلاها بعد الوقت لم يحزن، ~~وقيل: هو الذي لا يرى تعجيلها برا ولا تأخيرها إثما ويقال: إن الصلوات ~~الخمس يلفق بعضها إلى بعض حتى يتم بها للعبد صلاة واحدة، وقيل: من الناس من ~~يصلي خمسين صلاة فيكمل له بها خمس صلوات وإن الله تعالى ليستوفي من العبد ~~ما أمره به كما فرضه عليه وإلا تممه من سائر أعماله النوافل لأنه ما فرض ~~على العبد إلا ما يطيقه بعونه إذ لم ms0849 يكلفه ما لا طاقة له به برحمته. # وروينا عن عيسى عليه السلام: يقول الله تعالى: بالفرائض نجا مني عبدي ~~وبالنوافل تقرب إلي عبدي وقد جاء مثله عن نبينا صلى الله عليه وسلم: يقول ~~الله: لا ينجو مني عبد إلا بأداء ما افترضته عليه، وفي الخبر المفسر: أول ~~ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن وجدت كاملة وإلا يقول الله تعالى: انظروا هل ~~لعبدي نوافل؟ فنتم فرائضه من نوافله؟ ثم يعمل بسائر الفرائض، كذلك يوفي كل ~~فرض من جنسه من النفل؛ فإذا كانت النوافل في السهو والتقصير كالفرائض أو لم ~~يوجد نوافل فكيف يكون حاله في الحساب؟ وكان ابن عباس يفسر قوله تعالى كلا ~~لما يقض ما أمره قال: يعني به الكافر، لأن عنده أن كل موضع في القرآن يذكر ~~به الإنسان خاصة أنه يعني به الكافر، وقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها) البقرة: 286 يعني طاقتها، وقال سبحانه وتعالى مخبرا عن ~~المؤمنين: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة: 286، في التفسير قد ~~فعلت؛ وفي هذه المسألة اختلاف وشبهة، والصواب من ذلك أن الله عز وجل لا ~~يكلف المؤمنين خاصة ما لا طاقة لهم به، فهم مخصوصون بذلك فضلا من الله ~~تعالى ونعمة آثرهم بها # PageV02P170 # على الكافرين، إذ له أن يؤثر بعض عباده على بعض لأن الفضل بيده يؤتيه من ~~يشاء، وهذا مفهوم من دليل الخطاب من قوله: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به أن ~~له تعالى أن يحمل الكافر ما لا طاقة له به عدلا منه وحكمة، كما قال تعالى: ~~(وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته) الأنعام: 115، قيل: صدقا ~~للمؤمنين وعدلا على الكافرين، قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف: (تالله ~~لقد آثرك الله علينا) يوسف: 91 فهذا نص في الإيثار لبعض خلقه على بعض، ثم ~~رأيت تصديق ما ذكرته عن ابن عباس رواها إسماعيل عن جويبر عن الضحاك عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصلحات لا نكلف نفسا إلا ms0850 وسعها) ~~الأعراف: 42، يعني إلا طاقتها من العمل لأن الله تعالى افترض على المؤمنين ~~أعمالا يطيقونها، ولم يفترض عليهم ما لا يطيقون، هذا نقل لفظ ابن مسعود في ~~تخصيص المؤمنين، كما ذكرناه آنفا، ويقول أيضا في تفصيل هذه المسألة: ~~للزائغين فيها تعلق ابتغاء التآويل أن الله تعالى كلف العباد ما لا يطيقونه ~~إلا به لافتقارهم إليه وعدم استغنائهم عنه في كل حركة وسكون، إذ لا مشيئة ~~لهم دون مشيئته ولا استطاعة إلا بتوفيقه ولا حول ولا قوة إلا به، ألم تسمع ~~إلى قوله تعالى في وصف الكافرين: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون) هود: 2،، وقال تعالى في مثله: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) الكهف: 1، ~~1، وقال فيمن استطاع به إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى كما أمر غفر له ما تقدم من ~~ذنبه، وقد يروى في خبر: يقول الله تعالى: ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما ~~أتقبل صلاة من تواضع لعظمتي وخشع قلبه لجلالي، وكف شهواته عن محارمي، وقطع ~~ليله ونهاره بذكري، ولم يصر على معصيتي، ولم يتكبر على خلقي، ورحم الضعيف، ~~وواسى الفقير من أجلي، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلم له نورا يدعوني ~~فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقوتي وأباهي به ملائكتي، ~~لو قسم نوره عندي على أهل الأرض لوسعهم، مثله كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ~~ولم يتغير حالها، وفي الخبر: كم من قائم حظه من قيامه السهر والتعب، ومن ~~صلى صلاة وراء إمام فلم يدر ماذا قرأ فهو نهاية السهو، فإنه تارك الأمر ~~للاستماع فيخاف عليه مجانية الرحمة لأن الله تعالى ضمن الرحمة بشرطين: ~~الاستماع والإنصات، وقال سبحانه في المعنيين: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون) الأعراف: 204 وقال تعالى: (فلما حضروه قالوا أنصتوا) ~~الأحقاف: 29، وروينا في خبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فترك في ~~قراءته، فلما انفتل قال: ماذا قرأت؟ # PageV02P171 # فسكت القوم، فسأل أبي بن ms0851 كعب فقال: قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما أدري ~~أنسخت أم رفعت، فقال: أنت لها يا أبي، ثم أقبل على الآخرين فقال: ما بال ~~أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم، لا يدرون ما يتلو ~~عليهم من كتاب ربهم إلا أن بني إسرائيل كذلكم فعلوا، فأوحى الله إلى نبيهم ~~أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني قلوبكم باطلا ما ~~تذهبون. # وقال بعض علمائنا: إن العبد يسجد السجدة عنده أنه يتقرب بهما إلى الله عز ~~وجل، ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا، قيل: وكيف يكون ذلك ~~يا أبا محمد؟ قال: يكون ساجدا عند الله وقلبه مصغ إلى هوى، ومشاهد لباطل قد ~~استولى عليه، وهذا كما قال لأن فيه انتهاك حرمة القرب وسقوط هيبة الرب ~~تعالى، واعلم أن طول الصلاة عليك غفلة وقصرها سهو لأنها إذا طالت عليك دل ~~على عدم الحلاوة ووجود الثقل بها وكبرها على جوارحك، وإذا قصرت عليك وخفت ~~دل على نقصان حدودها ودخول الغفلى والسهو فيها، فالنسيان قصرها، والاستقامة ~~في الصلاة أن لا تطول عليك لوجود الحلاوة، ولذة المناجاة، وحسن الفهم، ~~واجتماع الهم، ولا تقصر عليك لتيقظك فيها، ورعايتك حدودها، وحسن قيامك بها؛ ~~وهذه مراقبة المصلين ومشاهدة الخاشعين. ### | ذكر أحكام الخواطر في الصلاة # وما ذكر به العبد في الصلاة من الخير فليسارع إلى فعله فذلك من أحب ~~الأشياء إلى الله تعالى لأنه أذكره إياها في أحب المواطن إليه، وما ذكر به ~~من المكروه والممقوت إليه من المعتاد والمستأنف فليجتنبه؛ فإنه هو الذي ~~يبعده من قرب الله سبحانه وتعالى، وتذكيره إياه في محل القرب، توبيخا له ~~وتقريرا، وقد يكون عتبا وتنبيها، فترك ذلك مما يقرب إلى الله تعالى، ويدل ~~على حسن الاستجابة له؛ وهو مسلك طريقه إلى الله تعالى وما خطر به من خاطر ~~تمن أو هوى أو ذكر بهمة ما يأتي أو ما قد مضى، فإن ذلك وسوسة إليه من عدوه ~~حسدا له ليقطعه بذلك عن وقوف قلبه عند كل ركن ms0852 من أركان الصلاة ويشغل قلبه ~~عن الوقوف في المناجاة، بما يضره عما ينفعه ليحرمه بذلك أن يشهد عند كل ذكر ~~من أذكار الصلاة ما يوجبه الذكر من تدبير أو تعظيم أو حمد أو دعاء أو ~~استغفار، وإن خطر بقلبه أمر معاشه وتصريف أحواله وتدبير شأنه من المناجاة، ~~فذلك من قبل النفس وفكرها # PageV02P172 # بما توسوس به من أمور الدنيا، فأما إن خطرت همة محظورة أو فكرة في معصية ~~مأزورة؛ فهذا هو الهلاك والبعد، يكون عن وصف النفس الأمارة باستحواذ العدو ~~المغوي؛ فهو علامة الإبعاد، والحجاب دليل المقت، والإبعاد والإعراض، فإذا ~~ابتلي في صلاته بهذه المعاني فقد اختبر بذلك فعليه أن يعمل في نفيه مع نفس ~~بدوه، ولا يمكنه من الظهور من قلبه فيملكه، ولا يصغي إليه بعقله فيستولي ~~عليه، ولا يحادثه ولا يطاوله فيخرجه من حد الذكر واليقظة إلى مسامرة الجهل ~~والغفلة، وكل عمل محظور فالهمة به محظورة وفيه نقص، وكل عمل مباح فالهمة به ~~مباحة ونفيها فضيلة، وما خظر على قلبه من الخيرات المتأخر فعلها فليعقد ~~النية بذلك، فإنه قد ذكر به وأريد منه، ثم ليمض في صلاته ولا يشتغل ~~بتدبيره؛ كيف يكون؟ ومتى يكون؟ أو كيف أكون فيه؟ وعنده إذا كان فيفوته ~~الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل؛ وهذا هو استراق من العدو عليه ~~وإلقاء من خدوعه إليه، فإن جاهد هذا المصلي نفسه عن مسامرة الفكر وقابل ~~عدوه في قطع وسوسة الصدر، كان مجاهدا في سبيل الله تعالى، مقاتلا لمن يليه ~~من أعداء الله تعالى، له أجران: أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم، وأجر ~~المصارمة والمحاربة لعدوه الرجيم. # وقد كان الأقوياء من المؤمنين، أهل الغلظة على الأعداء والتمكين، إذا ~~ابتلوا بداخل يدخل عليهم في الصلاة من الأسباب، يخرجهم عن المشاهدة فيها ~~عملوا في قطع ذلك الشيء وإبعاده من أصله، إذ كان سبب قطعهم وإبعادهم من ~~قربهم، فيستخرج بإدخال ذلك عليهم إخراجهم من الدنيا؛ وهو الزهد فيها، فيكون ~~ذلك إحسانا من الله إليهم ومريدا منه لهم؛ وهذا أحد ما زهد ms0853 لأجله الزاهدون ~~في الدنيا لتصفو قلوبهم من الأسباب فتخلص أعمالههم من الوسواس بالاكتساب ~~ومن ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزع الجبة التي كانت ~~عليه في الصلاة لما نظر إلى علمها وقال: ألهتني هذه في الصلاة يعني شغلتني، ~~ونظر إلى شراك نعله في الصلاة وكان جديدا، فأمر أن ينزع منها ويعاد لها ~~الشراك الخلق، وكان قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال: تواضعت لربي ~~كيلا يمقتني، ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر عليا أن يشتري ~~له نعلين سبتيين جرداوين فلبسهما. # وكان الضعفاء من المؤمنين يعملون في نفيه وترك مساكنته ومحادثته في الحال ~~لقوادح اليقين في إيمانهم ولسرعة التيقظ في قلوبهم؛ لأن الآفات تدخل من ~~مكان الهوى وتمكن الأعداء، ومكان الهوى وقوة العدو لطول الغفلة وعدم حلاوة ~~الطاعة لاتساع النفس في الشهوات وقوة سلطانها على الصفات واتساع النفس وقوة ~~صفتها لضيق القلب، وضعف اليقين إذ لو قوي يقين العبد لانشرح صدره ولأطفأ ~~نور يقينه ظلمة هواه، ولاندرجت النفس في القلب اندراج الليل في النهار، ~~ولأسقط مكانه من الشهادة تمكن # PageV02P173 # أعدائه والعادة، ولعلم يقينا أن ما هو فيه من الذكر والصلاة أنفع له ~~وأحمد عاقبة مما تفكر فيه من عاجل دنياه، فيشتغل حينئذ بما هو فيه له من ~~الذكر عما هو عليه من سوء الفكر، وليس بعد هذين المقامين حال ينعت ولا يمدح ~~بشيء، وما قدح في قلبه من فهم الخطاب وتدبر معاني الكلام والإيقان على ~~المقصد والمراد فهو تعليم من الله تعالى وتوقيف وتنبيه منه وتعريف؛ وهذا ~~مزيد التلاوة وعلامة الإخلاص في المعاملة وبركة التدبر، دليل القبول والشكر ~~لحسن الخدمة، فليأخذ من ذلك ما عفا ويغترف منه ما صفا، ولا ينتظره ولا ~~يتمناه ولا يتبعه بعد انصرافه بالفكر في معناه، فيسترق العدو عليه السمع ~~ويلقي إليه الوسوسة ويطمع فيه بالغرة ويدخل عليه من باب الأمنية، لأنه قد ~~قرن الأماني بالإضلال؛ فهي مواعيد الكذب للإبطال، ألم تسمع إلى ربك تعالى ~~كيف أخبرك عنه ms0854 في قوله تعالى: (ولأضلنهم ولأمنينهم) النساء: 119، ثم قال في ~~مثله: (وعدهم وشاركهم في الأموال والأولاد وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) ~~الإسراء: 64، ثم استثنى عباده المسلطين عليه بسلطانه، الغالبين له بآياته، ~~فلم يصل العدو إليهم لمواصلته لهم وتوكلهم عليه بوكالته إياهم، تنتظم هذه ~~المعاني في قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) ~~الإسراء: 65، وقوله تعالى: (ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون) القصص: 35، مع قوله تعالى: (إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) النحل: 99. # وللعبد في التفكر والتدبر لما يستقبل من كل كلمة شغل عما فات مما كان ~~عمله، وله في الشغل في الحال اقتطاع بما قد فهمه وما فهمه من غير ما يتلوه ~~فاستدل به على ما سواه مما يعينه ويحتاج إليه؛ فهي أبواب من الفطنة تفتح له ~~فيكون التكلم مفتاحها، ثم يخرج العبد إلى سواها مما هو له أصلح أو عليه ~~أوجب، فليعرف بذلك ما عرف وليقف من ذلك على ما عليه وقف وما تفكر فيه من ~~غير تدبر التلاوة، أو شغل به من غير فهم المتلو فهو حجاب له من الفهم وقطع ~~له عن خالص العلم فليقطع ذلك، والتمام في التلاوة أن يتدبر التالي باطن ~~الكلام، ويتفكر في غوامض الخطاب، ويوقف قلبه على معاني المراد، ويعمل فكره ~~في تذكر الموصل والترداد، فإن الكلام عزيز من عزيز، ولطيف من لطيف، وحكيم ~~من حكيم، وعلى من على ظاهره سهل قريب، وباطنه بحر عميق، يقول السامع إذا ~~عقله قد فهمته، لتجلي فحواه، فإذا شهده كأنه ما سمعه لدقيق معناه يحسب ~~العاقل أنه قد عرفه لظهور بيانه وتفصيل حكمته، فإذا عرف المتكلم به كأنه ما ~~عقله لعمق بحاره وسعة أقطاره قد اغتر به قوم لما سمعوا بيانه فادعوا أنهم ~~يحسنونه، وخدع به آخرون لما عقلوا أمثاله فطلبوا غيره وسألوا أبداله، وأصغى ~~آخرون إلى سمعه فادعوا فهمه فأكذبهم الصادق، وعزلهم عن سمعه، ثم أخبرنا ~~بجميع ذلك عن جهلهم، وعجبنا من جراءتهم، فقال ms0855 في وصف الأولين: ( # PageV02P174 # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا) الأنفال: ~~31، (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن ~~غير هذا أو بدله) يونس: 15. # وقال في نعت الآخرين: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) الشعراء: 223، (إنهم ~~عن السمع لمعزولون) الشعراء: 212، (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون) الأنفال: 21، ثم وصف من أسمعه إياه وأفهمه معناه من الجن الذين هم ~~أسد قوة من الأنس وأعظمهم وصفا فقالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا) الجن: 1 ~~(يهدي إلى الرشد) الجن: 2، فهؤلاء ممن عقله فمدحم بفهمه وأخبر عن صاحب ~~التنزيل بمثله فقال: (بل عجبت ويسخرون) الصافات: 12، أي عجبت من القرآن ~~وتفصيله وتنزيله، ويسخر منه الجاهون، فإن فتح للتالي بالتلاوة عين نفس ~~المتلو باب الفكر في معاني العظمة والقدرة، وكشف له بواسطة الكلام مشاهدة ~~ما كان علمه من وعد الآخرة وعيدها فله أجران، من حيث كان منه عملان: الفكرة ~~والصلاة، وهذا كله لعموم المؤمنين مزيد، وهو بذلك للخصوص من المقربين دون ~~ذلك إلا ما وجهوا به من طوالع الغيوب، وأطلعوا عليه من مطالع سرائر ~~المحبوب، فكوشفوا به من بوادي اليقين من العزة والجبروت والإجلال والرهبوت، ~~فأهجم عليهم من غير تفكر منهم ولا تدبر مما استعملهم به، واضطرهم إلى ~~مشاهدته، القدير، فأخرس ألسنتهم عن المقال، وعقم عقولهم عن المجال، وأغنى ~~قلوبهم عن الطلب، ولم يوكل إلى فكرهم بنظر إلى سبب، بل من غير تعمل منهم ~~لتكييفه ولا روية ولا اختيار لماهيته، ثم يجاوزونه إذا أخذ منهم حقه ~~وأدركوا به نصيبهم إلى العالم الأكبر، فيقفون بين يديه ويحطون عنده، ولا ~~يقفون مع المشاهدة طرفة عين، ولا يسكنون إليها خطرة قلب لئلا يقطعهم البيان ~~عن المبين، ولا يشغلهم الخبر عن اليقين، ولا يحجبهم الشهادة عن الشهيد ولا ~~يحسبهم البادئ العائد عن المبدئ المعيد؛ بل قد أشرف بهم على المراد فأسقط ~~عنهم التشرف وأذهلهم عن الاعتراف والتعريف بما ناداهم به من التعرف، ~~واقتطعهم العيان فأغناهم عن الانقطاع، وتقطعوا بالمفصل فأنساهم الانتفاع، ~~وتوصلوا ms0856 بالموصل فأطلعهم عليه، وكان لهم حاملا إليه ودليلا أمامهم منه ~~عليه؛ وهذه صفة الأقوياء بالقوى، الأغنياء بالغنى، الواجدين للموجد، ~~الفاقدين للموجد، الذاكرين بذاكر، الصابرين بصابر ولا ينبغي للمصلي أن يدخل ~~في صلاته حتى يقضي نهمته، ويفرغ من حاجته، ولا يبقى عليه ما يزعج قلبه ~~ويفرق همه ليفرغ قلبه في صلاته، ويجتمع همه في وقوفه، ويصحو عقله لفهمه، ~~ويواطئ قلبه قيله ويقبل على المقبل عليه بمعقوله؛ وهذا يؤمر به القضاء عن ~~مجاهدة الأعداء والمرضى عن مسابقة الأولياء. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي أحب إلى الله ~~تعالى من المؤمن # PageV02P175 # الضعيف، وفي كل خير، وقد قال الله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) النساء: 95، إلى قوله: (فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) النساء: 95، مع قوله: (وكلا ~~وعد الله الحسنى) النساء: 95. ### | شرح ثالث ما بني الإسلام عليه وهو # الزكاة ### | كتاب الزكاة # فأما فرائض الزكاة فأربع: الحرية، وصحة الملك، ووجود النصاب؛ وهو مائتا ~~درهم وعشرون دينارا، واستكمال الحول وهو من شهر إلى مثله. ### | ذكر فضائل الصدقة # وآداب العطاء وما يزكو به المعروف ويفضل به المنفقون # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس في المال حق سوى ~~الزكاة، وأن جماعة من التابعين كانوا يذهبون إلى أن في المال حقوقا غير ~~الزكاة، منهم: إبراهيم النخعي، قال: كانوا يرون أن في المال حقوقا سوى ~~الزكاة؛ ومنهم: الشعبي سئل: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قال: نعم، أما سمعت ~~قوله تعالى: (وآتى المال على حبه ذوي القربى) البقرة: 177 الآية، ومنهم: ~~عطاء ومجاهد، وقد كان المسلمون يرون المساواة والفرض والقيام بمؤن العجزة ~~من أنفسهم وأهلهم من المعروف والبر والإحسان، وأن ذلك واجب على المتقين ~~وعلى المحسنين من أهل اليسار والمعروف، وكذلك مذهب جماعة من أهل التفسير أن ~~قوله عز وجل: (ومما رزقناهم ينفقون) البقرة: 3، وقوله: (وأنفقوا مما ~~رزقناكم) البقرة: 254، مأمور به، وأن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة، وأنه داخل ~~في حق ms0857 المسلم على المسلمين، وواجب بحرمة الإسلام ووجود الحاجة، فمن فضائل ~~الزكاة وأن يخرجها في أول ما تجب عليه، وأن يقدمها قبل وجوبها، إذا رأى لها ~~موضعا يتنافس فيه، ويغتنم خوف فوته من غاز في سبيل الله عز وجل، أو في دين ~~مطالب، أو جهاد وغزو، أو إلى رجل فقير فاضل طرأ في وقته، أو أن سبيل غريب ~~كان تقدمتها إلى هؤلاء وأمثالهم أفضل وأزكى، لأنه من المسارعة إلى الخير، ~~ومن المعاونة على البر والتقوى، وداخل في التطوع بالخير وفعله الذي أمر به، ~~ولا يأمن الحوادث إذ في التأخير آفات، وللدنيا نوائب وعوائق، وللنفس بدوات، ~~وللقلوب تقليب، وإن جعل رأس الحول أحد الشهرين كان أفضل، فإن في هذين خاصية ~~من الفضائل ليست # PageV02P176 # في غيرهما، فأما شهر رمضان فإن الله تعالى خصه بتنزيل القرآن وجعل فيه ~~ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وجعله مكانا لأداء فرضه الذي افترضه ~~على عباده من الصيام وشرفه بما أظهر فيه من عمارة بيوته بالقيام. # وقد كان مجاهد يقول: لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى، ولكن ~~قولوا: شهر رمضان، وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندا وأما ذو ~~الحجة فإنا لا نعلم شهرا جمع خمس فضائل غيره؛ هو شهر حرام وشهر حج وفيه يوم ~~الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات؛ وهي العشرة، والأيام المعدودات: وهي ~~أيام الشريق التي أمر الله تعالى بذكره فيها، وأفضل أيام في شهر رمضان ~~العشر الأواخر، وأفضل أيام في شهر الحجة العشر الأول، وقد استحب بعض أهل ~~الورع أن يقدم في كل سنة بشهر لئلا يكون مؤخرا عن رأس الحول، لأنه إذا أخرج ~~في شهر معلوم ثم أخرج القابل في مثله، فإن ذلك الشهر يكون الثالث عشر؛ وهذا ~~تأخير، فقالوا: إنه إذا أخرج في رجب فليخرج من القابل في جمادى الآخرة ~~ليكون آخر سنته بلا زيادة، وإذا أخرج في رمضان فليخرج من قابل في شعبان على ~~هذا لئلا يزيد على السنة شيئا؛ وهذا أحسن، وليتق أن يكون ms0858 مخرجا للفرض في كل ~~شهر، ثم أن يخرجها طيبة بها نفسه، مسرورا بها قلبه، مخلصا لربه، مبتغيا بها ~~وجهه لغير رياء ولا سمعة ولا تزين ولا تصنع، لا يحب أن يطلع عليها غير الله ~~عز وجل، ولا يرجو في إعطائها ولا يخاف في منعها سواه، وليكن ناظرا إلى الله ~~تعالى، عارفا بحسن توفيقه له، وأن يعتقد فضل من يعطيه من الفقراء عليه ولا ~~ينتقصه بقلبه ولا يزدريه، وليعلم أن الفقير خير منه، لأنه جعل طهرة وزكاة ~~ورفعة ودرجة في دار المقام والحياة، وأنه هو قد جعل سخرة للفقير وعمارة ~~لدنياه، كما حدثنا بعض العارفين قال: أريد مني ترك التكسب وكنت ذا صنعة ~~جليلة، فجال في نفسي من أين المعاش؟ فهتف بي هاتف: لا أراه تنقطع إلينا ~~وتتهمنا فيك علينا، أن نخدمك وليا من أوليائنا، أو نسخرلك منافقا من ~~أعدائنا، وأن يسر ذلك إلى الفقير سرا ولا يذكر ذلك، فقد جاء في تفسير قوله ~~تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264، قال: المن أن ~~تذكرها، والأذى أن تظهرها، وحدثت عن بشر بن الحارث قال: قال سفيان: من من ~~فسدت صدقته، قيل: كيف المن يا أبا نصر؟ قال: أن تذكره أو تحدث به، وبعضهم ~~يقول: المن هو أن تستخدمه بالعطاء، والأذى أن تعيره بالفقر وقيل: المن أن ~~يتكبر عليه لأجل أن يعطيه، والأذى أن تنهره أو توبخه بالمسألة، وفي الحديث: ~~أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر، وقال بعض العلماء: ثلاثة من كنوز ~~البر منها: إخفاء الصدقة، وقد روينا مسندا من طريق؛ وذلك أسلم لدينه وأقل ~~لآفاته وأزكى لعمله. # PageV02P177 # وقد روينا في الخبر: لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان، فجمع بين ~~المنة والسمعة، كما جمع بين السمعة والرياء ورد بهن الأعمال؛ فالمسمع الذي ~~يتحدث بما صنعه من الأعمال ليسمعه من لم يكن رآه، فيقوم ذلك مقام الرؤية، ~~فسوى بينهما في إبطال العمل لأنهما عن ضعف اليقين، إذ لم يكتف المسمع بعلم ~~مولاه، كما لم يقنع المرائي بنظره فأشرك ms0859 فيه سواء وألحق المنان بهما لأن في ~~المنة معناهما من أنه ذكره فقد سمع غيره به، أو رأى نفسه في العطاء ففخر به ~~وأداه سرا، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به محي من ~~السر والعلانية فكتب رياء، فلو لم يكن في إظهار الصدقة مع الإخلاص بها إلا ~~فوت ثواب السر لكان فيه نقص عظيم، فقد جاء في الأثر: تفضل صدقة السر على ~~صدقة العلانية سبعين ضعفا، وفي الحديث المشهور: سبعة في ظل عرش الله تعالى ~~يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله: أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله ما ~~أعطت يمينه، وفي لفظ آخر: فأخفى عن شماله ما تصدقت به يمينه؛ وهذا من ~~المبالغة في الوصف وفيه مجاوزة الحد في الإخفاء، أي يخفي من نفسه فكيف ~~غيره؟ وقد تستعمل العرب المبالغة في الشيء على ضرب المثل والتعجب وإن كان ~~فيه مجاوزة للحد، من ذلك أن الله عز وجل ذم قوما ووصفهم بالبخل وبالغ في ~~وصفهم فقال تعالى: (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) ~~النساء: 53، والنقير لا يريده أحد ولا يطلبه ولا يعطاه، لأنه هو النقطة ~~التي تكون على ظهر النواة، منه منبت النخلة وفيه معنى أشد من هذا وأغمض أنه ~~لما قال: فأخفى عن شماله، كان لهذا القول حقيقة في الخفاء فهو أن لا يحدث ~~نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه، وليس يكون هذا إلا أن لا يرى نفسه في العطاء ~~أصلا ولا يجري وهم ذلك على قلبه، كما يقول في سر الملكوت: إن الله تعالى لا ~~يطلع عليه إلا من لا يحدث نفسه به، بمعنى أنه لا يخطر على قلبه، ولا يذكره، ~~ولا يشهد نفسه فيه شغلا عنه بما اقتطع به، وبأنه لا يباليه؛ فعندها صلح أن ~~يظهر على السر، فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فاخف نفسك ~~فيها، حتى لا يعلم المعطى أنك أنت المعطي؛ وهذا مقام في الإخلاص، فإن أظهرت ~~يدك في الإعطاء ms0860 فاخفها سرا إلى المعطي؛ هذا حال الصادق، فقد كان بعض ~~المخلصين يلقي الدرهم بين يدي الفقير، أو في طريقه، أو موضع جلوسه، بحيث ~~يراه وهو لا يعلم من # PageV02P178 # صاحبه، وبعضهم كان يصر ذلك في ثوبه وهو نائم فلا يعلم من جعله، وقد رأيت ~~من يفعل ذلك، فأما من كان يوصل إلى الفقير على يد غيره ويستكمه شأنه فلا ~~يحصى ذلك من المسلمين. # وفي الخبر: صدقة السر، وقيل صدقة الليل، تطفئ غضب الرب تعالى، وقد أخبر ~~الله تعالى أن الإخفاء أفضل، ومعه يكون تكفير السيئات، فقال سبحانه وتعالى: ~~(وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم) البقرة: ~~271، فإن أظهر مسكين نفسه، وكشف نفسه للسؤال، وآثر التبذل على الصون ~~والتعفف؛ فلا بأس أن تظهر معروفك إليه، فإن أظهرت زكاتك إرادة السنة، ~~والافتداء بك، والتحريض على مثل ذلك من غيرك لينافسك فيه أخوك، فيسرع إلى ~~مثله أمثالك منهم فحسن؛ وذلك من التحاض على إطعام المسكين، وقد ندب الله ~~إليه وقد قيده في قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) الرعد: ~~22، قيل سرا التطوع، وعلانية الصدقة المفروضة، وكذلك قوله تعالى: (وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا) المزمل: 2،، القرض الحسن هو التطوع، وقد ~~قيل الحلال، كما قال: (ورزقني منه رزقا حسنا) هود: 88 أي حلالا، وقد قال ~~تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) البقرة: 271، فمدح المبدي بنعم إلا أن ~~ذلك لا يحسن إلا إلى من أبدى نفسه كأنه هذا السائل الذي يسأل بلسانه وكفه، ~~وقوله تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء) البقرة: 271 الآية، كأنها ~~للمستخفف بالمسألة وهي لخصوص الفقراء لا يظهرون نفوسهم بما يمنعهم الحياء ~~والتعفف، فمن أظهر نفسه فأظهر إليه، ومن أخفاها فأخفي له، ومن ذلك كشف عورة ~~الفاسق: إنما حرم عليك أن تظهر عورة من يخفي عنك نفسه ويستتر، فإذا أظهر ~~نفسه بها وأعلن فلا بأس أن يظهر عليه كما جاء في الخبر: من ألقى جلباب ~~الحياء فلا غيبة له، وينبغي أن يجعل صدقته من أفضل ما يحبه من المال، ms0861 ومن ~~جيد ما يدخر ويقتني وتستأثر به النفوس، فيؤثر مولاه به كما أمره، وضرب ~~المثل له فقال: (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) البقرة: 267 ثم قال: (ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون) البقرة: 276، وقال في ضرب المثل بالعبيد: ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، أي لا تقصدوا الرديء فتجعلوه لله تعالى، ولو ~~أعطى أحدكم ذلك لم يأخذه إلا على أغماض أي كراهية # PageV02P179 # وحياء، ولا يجعل ما لله تعالى دون ما يستجيد لنفسه، أو ما يكره أن يقتنيه ~~لعاقبته أو يأخذه من غيره، أو مالا يستحسن أن يهديه لنبيل من العبيد، فتكون ~~قد آثرت نفسك أو عبدا مثلك على مولاك فإن هذا من سوء الأدب ولا يقوم سوء ~~أدب واحد في معاملة بجميع المعاملات. # وقد روي في معنى قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) البقرة: ~~245، قال: طيبا، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وفي حديث أبان عن ~~أنس: # طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وفي الخبر: سبق درهم مائة ~~ألف درهم، وقد تهدد الله تعالى قوما جعلوا له ما يكرهون ووصفت ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم فأكذبهم في قوله تعالى: (ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار) النحل: 62، أي حقا ~~لهم النار، وفي الآية وقف غريب لا يعلمه إلا الحذاق من أهل العربية تقف على ~~لا فيكون نفيا لوصفهم أن لهم الحسنى، ثم يستأنف بجرم أن لهم النار، أي كسب ~~لهم جعلهم لله ما يكرهون النار، أي بجرمهم واكتسابهم، وإذا دعا لك مسكين ~~عند الصدقة فأردد عليه مثل دعائه حتى يكون ذلك جزاء لقوله: وتخلص لك صدقتك ~~وإلا كان دعاؤه مكافأة على معروفك، فقد كان العلماء يتحفظون من ذلك وهو ~~أقرب إلى التواضع، ولا نرى أنك مستحق لذلك منه لما وصلته به، لأنك عامل في ~~واجب عليك لمعبودك أو توفي للمعطي رزقه وما قسم له من تعبدك بذلك، وكانت ~~عائشة وأم سلمة رضي الله ms0862 عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول: ~~احفظ ما يدعو به ثم يردان عليه مثل قوله، ويقولان: حتى تخلص لنا صدقتنا، ~~وفعل ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما، ولا ينبغي أن ~~تقتضي من الفقير الدعاء لك، أو تطالبه بذلك، أو تحب منه الثناء والمدح على ~~ذلك، فإنه ينقص من الصدقة، وإذا كثر منك وقوي أحبطها، وإن كان عليه أن يدعو ~~لك ويثني به عليك فإنما يعمل فيما تعبده مولاه به، وأمره به فلا يرى ذلك من ~~حقك عليه، وإذا وصلت إلى الفقير معروفا فبحسن أدب ولين جانب ولطف كلام ~~وتذلل وتواضع. # وقد كان بعض الأدباء إذا أراد أن يدفع إلى فقير شيئا بسط كفه بالعطاء ~~لتكون يد الفقير هي العليا، وبعضهم كان يضعها بين يديه على الأرض، ويسأله ~~قبولها منه ليكون هو السائل، ولا يناوله بيده إعظاما له؛ وهذا يدل على ~~معرفة العبد بربه وحسن أدبه في عبادته، ومن أحب الثناء والذكر على معروفه ~~كان ذلك حظه منه وبطل أجره، وربما كان عليه فضل من الوزر لمحبته الذكر ~~والثناء فيما لله تعالى أن يفعله، وفي رزق الله لعبده الذي أجراه على يده، ~~فإن تخلص سواء بسواء فما أحسن حاله واستحب للفقير أن يخص ذا # PageV02P180 # المعروف إليه بدعوات شكرا لما أولاه وتأدبا وتخلقا بفعل مولاه، لأنه قد ~~جعله سببا للخير وواسطة للبر إذ الله سبحانه وتعالى يشهد نفسه بالعطاء، ثم ~~قد أثنى على عبده وشكر له في الإعطاء، فليقل طهر الله قلبك في قلوب ~~الأبرار، وزكى عملك في عمل الأخيار، وصلى على روحك في أرواح الشهداء؛ فذلك ~~هو شكر الناس، والدعاء لهم، وحسن الثناء عليهم، ومن شكرهم أيضا أن لا يذمهم ~~في المنع، ولا يعيبهم عند القبض. # فذلك تأويل الخبر: من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى فإن فيه إثبات ~~حكم الأواسط، واستعمال حسن الأدب في إظهار النعم والتخلق بأخلاق المنعم، ~~لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه، وكذلك في الخبر: العبد الموقن ms0863 يشهد ~~يد مولاه في العطاء، فحمد ثم شكر للمتقين، إذ جعلهم مولاه سبب حمده، وطرقا ~~لرزقه. # في الخبر: من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى ~~تروا أنكم قد كافأتموه، فأما شكر الله تعالى على العطاء فهو اعتقاد المعرفة ~~أنه من الله تعالى، لا شريك له فيها، والعمل بطاعته بها، ومن فضل الصدقة أن ~~يقصد بها الفقراء الصالحين الصادقين من أهل التصوف والدين، ممن يؤثر التستر ~~والإخفاء، ولا يكثر البث والشكوى، وممن فيه وصف من أوصاف الكتاب للفقراء، ~~الذين أحصروا في سبيل الله، أي حبسوا في طريق الآخرة لعيلة، أو ضيق معيشة، ~~أو إصلاح قلب، أو قصور يد، لا يستطيعون ضربا في الأرض، لأنهم مقصوصو ~~الجناح، إذ المال للغني بمنزلة الجناح للطائر بماله حيث شاء من البلاد ~~وينبسط في شهواته كيف شاء من المراد، والفقير محصور عن ذلك لا يستطيعه لقبض ~~يده وقد رزقه، ومن هذا قوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم ~~وريشا) الأعراف: 26، قيل: المال، وقيل: المعاش، يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف، فسمى الله تعالى من لا يعرفهم بالفقر ولا يشهد وصفهم بالتقلل، ~~لظهور تعففهم عن المسألة، جاهلا بوصف المؤمنين، ثم وكد وصفهم وأظهر للخلق ~~تعريفهم بيانا منه، وكشفا لحالهم، إذ ستروها بالعفة، فقال: تعرفهم بسيماهم ~~فالسيما هي العلامة اللازمة والخليقة الثابتة دون التحلي واللبسة الظاهرة، ~~لا يسألون الناس إلحافا، أي بهذه العلامة أيضا تعرفهم إن أشكلوا عليك، ~~فإنهم لا يسألون عفة وقناعة إلحافا، لا يلتحفون بالأغنياء ولا يلاحفون أهل ~~الدنيا تملقا وضراعة؛ أي هم منفردون بأحوالهم، أغنياء بيقينهم، أعزة ~~بصبرهم، والإلحاف مشتق من اللحاف الذي يلتحف به فيلزم الجسم، فقال: ليسوا ~~ممن يفعل ذلك، لا يلتحفون الأغنياء كاللحاف ولا يلتحفون المسألة إلزاما ~~كالصنعة، كما يلتحف بالثوب، فاحرص أن يكون معروفك فيمن فيه هذه الأوصاف أو ~~بعضها، فيزكو عملك ويشكر فعلك، والأفضل في المعروف أن يؤثر الرجل إخوانه من ~~الفقراء على غيرهم من الأجانب. # PageV02P181 # فقد روي عن علي رضي الله عنه: لأن أصل أخا ms0864 من إخواني بدرهم أحب إلي من أن ~~أتصدق بعشرين درهما، ولأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة ~~درهم، ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة، ولأن الله تعالى ضم ~~الأصدقاء إلى الأقارب فكان فضل الصدقة على الأقارب دون البعيد كفضل الصدقة ~~على القربة دون الأباعد، لأنه ليس يعد صلة الرحم في معناها أفضل من صلة ~~الإخوان، وكان بعض السلف يقول: أفضل الأعمال صلة الإخوان وليقصد ببره من ~~إذا دفع إليه العطاء حمد الله تعالى وشكره، ورأى النعمة منه، ولم ينظر إلى ~~واسطة في نعمة، فإن هذا أشكر العباد لله تعالى لأن حقيقة الشكر لله بشهود ~~النعمة منه والإخلاص بحس المعاملة له، وأن لا يشهد في النعمة بالعطاء ~~والنعمة بالعمل الصالح سواه. # وفي وصية علي رضي الله تعالى عنه: لا تجعل بينك وبين الله تعالى منعما، ~~وأعدد نعمة غيره عليك مغرما، فليقدم مثل هذا على من لو أعطاه ورزقه أثنى ~~عليه ومدحه وشهده فيه فحمده، فيكون قد حمد غير الذي أعطاه، ونظر إلى سواه، ~~وذكر غير الذي ذكره بالعطاء، لأن الذي يحمد الله ويشكره ويثني عليه برزقه ~~ويذكره يرى أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم المعطي، فينظر إليه من قرب؛ ~~فيقين هذا بالله أنفع لصاحب المعروف عند الله من دعاء الآخر المثنى، لأنه ~~كان سببا لنفع موقن فيكون واضعا للشيء في حقيقة موضعه، ومدح الآخرة ودعاؤه ~~له لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه فيمدحه، فضعف يقين هذا بربه أشد على ~~المنفق من دعائه له، إن كان ناصحا لله تعالى في خلقه ولخلق الله تعالى فيه، ~~إلا أن لا ينصح لمولاه لغلبة هواه على تقواه، وجهله بعائد النفع له في ~~عقباه، فنقص هذا حينئذ بمقامه من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته، على أنه ~~لا يؤمن الاستشراف من الآخر إليه، والاعتياد منه، والطمع فيه، بكلام يحبط ~~عمله، وأيضا فإنه إذا رآه في العطاء فإنه يراه عند المنع فيذمه ويقع فيه، ~~فيكون هو سبب حمله عليه، وهو ms0865 آمن مطمئن لهذا كله مع الموقن المشاهد، وفي ~~الخبر أن الصدقة تقع بيد الله تعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد ~~السائل، فالموقن يأخذ رزقه من يد الله تعالى فهو لا يعبد إلا الله تعالى، ~~ولا يطلب منه إلا كما أمره في قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق ~~واعبدوه) العنكبوت: 17، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفقراء ~~بمعروف، وقال للرسول: احفظ ما يقول، فلما أوصله إليه قال: الحمد لله الذي ~~لا ينسى من ذكره ولا يضيع من شكره، ثم قال: اللهم إنك لم تنسى فلانا، يعني ~~نفسه، فاجعل فلانا لا ينساك، فأخبر الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك فسر به وقال قد علمت أنه يقول ذلك. # وقد روي هذا عن عمر وعن أبي الدرداء مع جرير رضي الله عنهم وقال صلى الله ~~عليه وسلم لرجل: تب، فقال: أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: عرف الحق # PageV02P182 # لأهله، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك: نحمد الله ولا ~~نحمدك، فسره ذلك وقال لها أبو بكر لما نزل تحصينها وبراءتها: قومي فقبلي ~~رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها يا أبا بكر، وفي لفظ آخر أنها ~~قالت لأبي بكر: نحمد الله ولا نحمدك، ولا نحمد صاحبك، فلم ينكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك بل سره وأمر أباها بالكف عنها، وقد جعل الله تعالى ~~من وصف الكافرين أنهم إذا ذكر الله وحده في شيء انقبضت قلوبهم، وإذا ذكر ~~غيره فرحوا، وجعل من نعتهم أنهم إذا ذكر توحيده وإفراده عند شيء عصوا ذلك ~~وكرهوه، وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى: (وإذا ذكر الله وحده ~~اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون) الزمر: 45، وقال أيضا: (ذلكم بأنه إذا دعي الله ms0866 وحده كفرتم) ~~غافر: 12، والكفر: التغطية، (وإن يشرك به تؤمنوا) غافر: 12، والشرك: الخلط، ~~أن يخلط بذكره ذكر سواه، ثم قال: (فالحكم لله العلي الكبير) غافر: 12، يعني ~~لا يشركه في حكمه خلق، لأنه العلي في عظمته، الكبير في سلطانه، لا شريك له ~~في ملكه وعطائه ولا ظهير له من عباده، ففي دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب ~~أن المؤمنين إذا ذكر الله تعالى بالتوحيد والإفراد في الشيء انشرحت صدورهم، ~~واتسعت قلوبهم، واستبشروا بذكر الله تعالى وتوحيده، وإذا ذكرت الأواسط ~~والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت قلوبهم؛ وهذه علامة صحيحة فاعرفها من ~~قلبك ومن قلب غيرك لنستدل بها على حقيقة التوحيد في القلب، أو وجود خفي ~~الشرك في النفس، إن كنت عارفا، وينبغي أن يجعل صدقته من أجل ما يقدر عليه ~~وأطيبه في نفسه وجهده، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وزكاء الصدقة ~~ونماؤها عند الله تعالى على حسب حلها ووضعها في الأخص الأفضل من أهلها، ~~وينبغي أن يستصغر ما يعطي، فإن الاستكثار من العجب، والعجب يحبط الأعمال، ~~قال الله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) التوبة: 25، ويقال: إن ~~الطاعة كلما استصغرت كبرت عند الله تعالى، وإن المعصية كلما استعظمت صغرت ~~عند الله تعالى. # وعن بعض العلماء: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تصغيره وتعجيله وستره، وقد ~~كانوا يدفعون في الزكاة المئين، وفي التطوع الألوف، وكانوا يصلون الفقير ~~بما يخرجه من حد الفقر، ومن الحاجة والضر إلى حد الكفاية والغنية، ويبقى ~~لهم فضل، وعلى هذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: خير الصدقة ما أبقت غني؛ ~~أي تكفي الفقير لوقته، ويبقى له غنية واستغناء لوقت ثان تستقل به عن ~~المسألة والتشرف، فيكون كأنه عمل عملا ثانيا للمعطي غير عمله الأول ~~بالعطاء؛ وهذا أحد تأويل الخبر، وقد وصف الله تعالى أهل الحاجة بأوصاف خمسة ~~فرقها في كتابه فقال سبحانه # PageV02P183 # وتعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) الذاريات: 19، وقال تعالى: ~~(فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الحج: 36، وقال عز وجل: (فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير) الحج: 28، فأما ms0867 السائل فهو الذي يسأل بكفه ويظهر ~~السؤال بلسانه، وأما المحروم فهو المحارف الذي حارفه الرزق أي انحرف عنه، ~~فقد حرمه، وقيل: هو الذي لا معلوم له ولا كسب، قد حرم التصرف والتعيش، وأما ~~القانع فهو الذي يقعد في بيته ويقنع بما آتاه الله من غير طلب ولا تعرض، ~~وقيل: إن القنوع هو وصف من أوصاف المسألة من غير إلحاف ولا إلحاح، وهو اسم ~~من الأضداد يكون القنوع العفة والكف ويكون المسألة، وأما المعتر فهو الذي ~~يعرض بالسؤال ولا يصرح تحمله الحاجة على التعريض، ويوقفه الحياء عن ~~التصريح، وأما البائس فهو الذي به بؤس وشدة من مرض أو برد أو عضب وزمانة، ~~ثم إن الله تعالى قد فضل بين الفقراء والمساكين فقال أهل العلم: الفقير ~~الدي لا يسأل، والمسكين السائل، وقيل: الفقير المحارف وهو المحروم، ~~والمسكين الذي به زمانة، واشتقاقه من السكون، أي فقد أسكنه الفقر لما سكنه ~~وأقل حركته؛ وهذه أوصاف، يقال: قد تمسكن الرجل وسكن، كما يقال: تمدرع وتدرع ~~إذا لبس مدرعة، فكذلك الفقير إذا كانت المسألة لبسة له، وأهل اللغة مختلفون ~~فيهما، قال بعضهم: المسكين أسوأ حالا من الفقير لأن الله تعالى قال: (أو ~~مسكينا ذا متربة) البلد: 16، فهو الذي لا شيء له، قد لصق بالتراب من الجهد، ~~وذهب إلى هذا القول يعقوب بن السكيت ومال إليه يونس بن حبيب، وقال: قلت مرة ~~لأعرابي: أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكين أسوأ حالا من الفقير، وبعضهم ~~يؤوله على غير هذا فيقول: ذا متربة من الغنى، يقال: أترب الرجل إذا استغنى ~~فهو مترب من المال؛ أي قد كان متربا غنيا من أهل النعم، ثم افتقر فهذا أفضل ~~من أعطى. # وقال بعض أهل اللغة في قوله تعالى: ذا متربة، دليل أن المسكين أسوأ حالا، ~~قال: إن الله تعالى لما نعته بهذا خاصة علمت أنه ليس كل مسكين بهذا النعت، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: اشتريت ثوبا ذا علم نعته بهذا النعت، لأنه ليس كل ثوب ~~له علم، فكذلك المسكين الأغلب ms0868 عليه أن يكون له شيء، فلما كان هذا المسكين ~~مخالفا لسائر المساكين بين الله تعالى نعته؛ وبهذا المعنى استدل أهل العراق ~~من الفقهاء أن اللمس هو الجماع بقوله تعالى: (فلمسوه بأيديهم) الأنعام: 7، ~~أن اللمس يكون بغير اليد وهو الجماع، فلما قال: بأيديهم خص به هذا المعنى ~~فردوه على من احتج به من علماء الحجاز في قولهم: اللمس باليد، وقال آخرون: ~~بل الفقير أسوأ حالا من المسكين، لأن المسكين، يكون له الشيء والفقير لا ~~شيء له، قال الله تعالى في أصحاب السفينة: (فكانت لمساكين يعملون في البحر) # PageV02P184 # الكهف: 69، فأخبر أن لهم سفينة وهي تساوي جملة وقالوا: سمي فقيرا لأنه ~~نزعت فقرة من ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فهو مأخوذ من فقار الظهر، ومال ~~إلى هذا القول الأصمعي وهو عندي كذلك من قبل أن الله تعالى قدمه على ~~الأصناف الثمانية التي جعل لهم الصدقة فبدأ به فدل على أنه هو الأحوج ~~فالأحوج أو الأفضل فالأفضل، وقال قوم: الفقير هو الذي يعرف بفقره لظهور ~~أمره، والمسكين هو الذي لا يفطن له ولا يؤبه به لتخفيه وتستره، وقد جاءت ~~السنة بوصف هذا، في الخبر المروي: ليس المسكين الذي ترده الكسرة والكسرتان ~~والتمرة والتمرتان إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له ~~فيتصدق عليه. # وقد قال بعض الحكماء في مثل هذا، وقد سئل: أي الأشياء أشد؟ فقال: فقير في ~~صورة غني، وقيل لحكيم آخر: ما أشد الأشياء؟ قال: من ذهب ماله وبقيت عادته، ~~وقال الفقهاء: المسكين الذي له سبب ويحتاج إلى أكثر منه لضيق مكسب أو وجود ~~عيلة؛ فهذا أيضا قد وردت السنة بفقره، وذكر فضله في الحديث الذي جاء أن ~~الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال ويبغض السائل الملحف، وفي الخبر الآخر: ~~أن الله تعالى يحب عبده المؤمن المحترف؛ وكل هذه الأقوال صحيحة، فالأفضل أن ~~توضع الزكاة في الأحوج فالأحوج، والأفضل فالأفضل، من أهل العلم بالله ~~تعالى، وأهل المعاملة وأهل الدين لله، المنقطعين عن أهل الدنيا، المشغولين ~~بتجارة الآخرة عن تجارات ms0869 الدنيا، ثم في ذي العيال بقدر عياله بمقدار غناه ~~عن حاجاته، فيكون له بعددهم أجور أمثاله من المنفردين إذ هم جماعة، وقد كان ~~عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها، وكذلك ~~في السنة، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعطي العطاء على ~~قدر العيلة، ويعطي المتأهل ضعف ما يعطي العزب، ويعطي كل رجل على قدر أهل ~~بيته، وحدثنا عن بعض هذه الطائفة قال: صحبنا أقواما كان برهم لنا الألوف من ~~الدراهم انقرضوا وجاء آخرون كان برهم لنا المئين، ونحن بين قوم صلتهم لنا ~~العشرات نخاف أن يجيء قوم شر من هؤلاء، وقال بعض السلف: رأينا قوما ما ~~كانوا يفعلون، ونخاف أن يجيء قوم يقولون ولا يفعلون، وإن اتفق ذو دين في ~~عيلة من مساكين فذلك غنيمة المتقين، وذخيرة المنفقين، والمعروف في مثله ~~واقع في حقيقته، وسئل ابن عمر عن جهد البلاء ما هو؟ فقال: كثرة العيال وقلة ~~المال. # وقد جاء في الخبر: لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي، لأن ~~التقي تستعين به على البر والتقوى فيشركه في قصده، وفي الخبر أيضا: أطعموا ~~طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين، وفي لفظ آخر: أضف بطعامك من تحبه ~~لله تعالى، وينبغي للموقن أن يكون يفرح ويسر بقبول معروفه من الأتقياء، لأن ~~ذلك عمله، إن لم # PageV02P185 # يقبله منه عارف بالله تعالى وأحكامه، وقد ردت عليه أعماله، فينبغي أن ~~يحزن بردها عليه إذ كان ذلك ردا من الله تعالى له، ومن وصل فقيرا بمعروف ~~فرده عليه فعظم الفقير في عينه فذلك يدل على جهل المعطي بربه، لأنه لو ~~أخذها فأسقط منزلته عنده ثم أخرجها سرا إلى من هو أحوج إليها منه كان بذلك ~~فاضلا، ومن رد عليه فقير بره فلم يحزنه ذلك أو سره، ذلك دل على ضعف نيته في ~~الإخراج وقلة إخلاصه بمعروفه، لأن الصادق يسوءه رد معروفه إليه ويحزنه، ~~وينبغي أن لا يتملك ذلك أن رده عليه بل يدفعه إلى ms0870 فقير آخر، لأنه قد أخرجه ~~لله تعالى، فلا يرجع فيه، والفقراء شركاء في العطاء يرد عليهم من بعضهم إلى ~~بعض، وكذلك إن أخرج صدقة باسم فقير بعينه ليعطيه إياها فصادف غيره فذكر من ~~هو أحوج منه أو أفضل ووافق طالبا إليه في حق عليه فلا بأس أن يدفعها إلى من ~~يدفعها إلى الثاني ما لم تخرج عن يده، أو يكون قد وعده بها، وكذلك إن دفعها ~~إلى من يدفعها إلى فقير بعينه ثم رأى من أثر في قلبه فأخرج منه فله أن ~~يسترجعها من المأمور ويدفعها إليه، ما لم يكن قد نفدها أو أعلمه بها، ~~وينبغي أن يستبشر بقبول العارفين معروفه، لأن ذلك قبول من الله تعالى ~~لعلمه، إذ كان العارف بالله تعالى وأيامه يتصرف عن الله تعالى في الأفعال، ~~كما أنه ينطق عنه في المقال، وليس قبوله منه كقبول غيره ولا رده عليه كرد ~~غيره، إذ كان الشاهد فيه من الله سبحانه أقوى وأعلى من الشاهد في غيره ولما ~~هو إلى التوفيق والعصمة أقرب مما سواه من الفقراء. # حدثني بعض إخواني: أن فقيرا بمكة رد على بعض الأغنياء معروفه فأخذ يبكي، ~~فقال: أليس هذا عملي قد رد علي؟ قيل له: فإن غيره يقبله، فقال: من أين لي ~~مثل هذه العين؟ وهذا كما قال، لأن المؤمن ينظر بعين اليقين ونور الله ~~تعالى، فرده عن الله تعالى، كما قال تعالى: (ويتلوه شاهد منه) هود: 17، ~~والجاهل يتصرف بهواه عن نفسه فرده كقبوله، لأنه يأخذه لنفسه، ويرد بنفسه، ~~والعارف إن أخذ فبرب، وإن رد فعن رب تعالى، وليزدد في عينه من قبل منه ~~معروفه نبلا وجلالة، ويعظم في عينه محبة ومهابة، لأنه قد أعانه على بره ~~وتقواه، وأكرمه بقبول جدواه، فليشهد ذلك نعمة من الله تعالى وإحسانا منه ~~إليه، وعلى العبد أن يجتهد في طلب الأتقياء وذوي الحاجة من الفقراء ويبلغ ~~غاية علمه بذلك، فإن قصر علمه ولم تنفذ فراسته ومعرفته في الخصوص استعان ~~بعلم من هو أعلم منه، وأنفذ نظر، أو أعرف ms0871 بالصالحين وأهل الخير منه، ممن ~~يوثق بدينه وأمانته من علماء الآخرة، لا من علماء الدنيا، وعلماء الآخرة هم ~~الزاهدون في الدنيا، الورعون عن التكاثر منها، فإن حب الدنيا غامض قد هلك ~~فيه خلق كثير لم ينج منه إلا العلماء، ولم # PageV02P186 # يسلم من الدنيا إلا المتحققون بالعلم واليقين؛ وهم المتقللون من الدنيا، ~~وقد قال الله تعالى: (وتثبيتا من أنفسهم) البقرة: 265، أي يقينا، يعني أنهم ~~يتثبتون في صدقاتهم أن لا يضعوها إلا في يقين يستروح إليه القلب وتطمئن به ~~النفس، وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له: ~~لو عممت بمعروفك جميع الفقراء؟ فقال: لا أفعل بل أؤثر هؤلاء على غيرهم، ~~قيل: ولم؟ قال: لأن هؤلاء همهم الله سبحانه وتعالى، فإذا طرقتهم فاقة تشتت ~~هم أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله تعالى أحب إلي من أن أعطي ألفا من ~~غيرهم ممن همه الدنيا، فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد فاستحسنه، وقال: ~~هذا كلام ولي من أولياء الله تعالى، ثم قال: ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن ~~من هذا، وبلغني أن هذا الرجل اختل حاله في أمر الدنيا حتى هم بترك الحانوت ~~فوجه إليه الجنيد بمال كان صرف إليه فقال: اجعل هذا في بضاعتك ولا تترك ~~الحانوت، فإن التجارة لا تضر مثلك، ويقال: إن هذا الرجل كان بقالا ولم يكن ~~يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه، وأما ابن المبارك رحمه الله تعالى ~~فإنه كان يجعل معروفه في أهل العلم خاصة، فقيل له: لو عممت به غيرهم، فقال: ~~إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء، فإذا اشتغل قلب العالم ~~بالحاجة أو العيلة لم يتفرغ للعلم، ولا يقبل على تعليم الناس، فرأيت أن ~~أعينهم وأكفيهم حاجاتهم لتفرغ قلوبهم للعلم، وينشطوا لتعليم الناس؛ هذا ~~طريق السلف الصالح، والتوفيق من الله تعالى للعبد في وضع صدقته في الأفضل ~~كالتوفيق منه إطعام الحلال الذي في غيبه يوفقه لأوليائه ويستخرجه لهم من ~~علمه كيف شاء بقدرته. ### | شرح رابع ما بني ms0872 الإسلام عليه: وهو # الصيام ### | ذكر فرائض الصيام # اعتقاد الصوم إيجابا لله تعالى عليه وقربة منه إليه، وإخلاصا به له، ~~وسقوط فرض عنه، وأن يجتنب الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر الثاني، وأن ~~يتم الصيام إلى سقوط قرص الشمس، وأن لا ينوي في تضاعيف النهار الخروج من ~~الصوم. ### | ذكر فضائل الصوم ووصف الصائمين # صوم الخصوص حفظ الجوارح الست: غض البصر عن الاتساع في النظر، وصون السمع ~~عن الإصغاء إلى محرم، أو الوزر، أو القعود، مع أهل الباطل، وحفظ اللسان عن ~~الخوض فيما لا يعني جملة مما إن كتب عنه كان عليه وإن حفظ له لم يكن له، ~~ومراعاة القلب بعكوف الهم عليه، وقطع الخواطر والأفكار التي كف عن فعلها، ~~وترك التمني الذي لا يجدي، وكف اليد عن البطش إلى محرم من مكسب أو فاحشة، ~~وحبس الرجل # PageV02P187 # عن السعي فيما لم يؤمر به ولم يندب إليه من غير أعمال البر، فمن صام ~~تطوعا بهذه الجوارح الست وأفطر بجارحتين: الأكل والشرب والجماع؛ فهو عند ~~الله تعالى من الصائمين في الفضل لأنه من الموقنين الحافظين للحدود، ومن ~~أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتين: البطن والفرج، فما ضيع أكثر مما ~~حفظ؛ فهذا مفطر عند العلماء صائم عند نفسه، وقد قال أبو الدرداء: أيا حبذا ~~نوم الأكياس كيف يعيبون قيام الحمقى وصومهم، ولذرة من تقوى أفضل من أمثال ~~الجبال عبادة من المغترين، ومثل من صام عن الأكل وأفطر بمخالفة الأمر مثل ~~مسح كل عضو، فصلاته مردودة عليه لجهله، ومثل من أفطر بالأكل والجماع وصام ~~بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو مرة واحدة وصلى، فهو تارك للفضل في ~~العدد إلا أنه مكمل للرضى بحسن العمل، فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل وهو ~~مفطر للسعة صائم في الفضل، ومثل من صام من الأكل والجماع وصام بجوارحه الست ~~عن الآثام، كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا، فقد جمع الفرض والفضل وأكمل ~~الأمر والندب؛ فهو من المحسنين، وعند العلماء من الصائمين، وهذا صوم ~~الممدوحين في الكتاب الموصوفين بالذكر ms0873 من أولي الألباب، ومن فضائل الصوم أن ~~يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء وفضول الحلال، ويرفض الشهوات ~~الداعية إلى العادات، ولا يفطر إلا على حلال متقللا منه، فبذلك يزكو ~~الصيام، ولا يقبل امرأته في صومه ولا يباشرها بظاهر جسمه فإن ذلك إن لم ~~يبطل صومه فإنه ينقصه وتركه أفضل، إلا لقوي متمكن مالك لأربه، وليقل نومه ~~بالنهار ليعقل صومه بعمارة الأذكار، وليجد مس جوعه وعطشه، وقد كانوا ~~يتسحرون بالتمرتين والثلاث وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء، ومنهم من ~~كان يقضم من شعير دابته التماسا لبركة السحور، وليكثر ذكر الله تعالى، ~~وليقلل ذكر الخلق بلسانه، ويسقط الاهتمام بهم عن قلبه؛ فذلك أزكى لصومه، ~~ولا يجادل ولا يخاصم وإن شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم ولا ~~يهتم لعشائه قبل محل وقته، يقال: إن الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته ~~أو من أول النهار كتبت عليه خطيئة وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه ~~ويشكر الله تعالى عز وجل كثيرا عليه. # ومن فضائل الصيام التقلل من الطعام والشراب، وتعجيل الفطر، وتأخير ~~السحور، وليفطر على رطب إن كان وإلا على تمر إن وجد فإنه بركة، أو على شربة ~~من ماء فإنه ظهور. # هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يفطر على جرعة من ماء، أو ~~مذقة من لبن، أو تمرات قبل أن يصلي، وفي الخبر: كم من صائم حظه من صيامه ~~الجوع والعطش قيل: هو الذي يجوع بالنهار ويفطر على حرام، وقيل: هو الذي ~~يصوم عن الحلال من الطعام ويفطر بالغيبة من لحوم الناس، وقيل: هو الذي لا ~~يغض بصره ولا يحفظ لسانه عن الآثام ويقال: إن العبد إذا كذب، أو اغتاب، أو ~~سعى في معصية في ساعة من صومه، خرق # PageV02P188 # صومه، وإن صوم يوم يلفق له في صيام أيام حتى يتم بها صوم يوم ساعة ساعة، ~~وفي الحديث: الصوم جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة، وكانوا يقولون: الغيبة ~~تفطر الصائم، وقد كانوا ms0874 يتوضؤون من أذى المسلم، وروي عن جماعة في الوضوء ~~مما مست النار: لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب، ~~وروي عن بشر بن الحرث عن سفيان: من اغتاب فسد صومه، وروينا عن ليث عن ~~مجاهد: خصلتان يفسدان الصوم: الغيبة والكذب، وروي عن جابر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين ~~الكاذبة، والنظر بشهوة، ويقال: إن من الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في ~~عشر رمضانات، وفي عشرين، مثل سائر الفرائض من الصلاة والزكاة التي يحاسب ~~عليها العبد، فإن وجدت كاملة وإلا تممت من سائر تطوعه، ويقال: إن العبد يصح ~~له صوم في خمسة أيام كما يصح له صلاة واحدة بخمس صلوات ترفع له الأوقات، ~~وفي الخبر: من اغتاب خرق صومه فليرقع صومه بالاستغفار، ويقال: إن الله ~~تعالى لم يفترض شيئا فرضي بدونه، وأنه يطالب بما فرضه ويحاسب على ما أوجبه ~~وعفو الله سبحانه وتعالى يأتي على كثير من الذنوب، والمراد من الصيام ~~مجانبة الآثام لا الجوع والعطش، كما ذكرناه من أمر الصلاة أن المراد بها ~~الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم ~~يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه. ### | شرح خامس ما بني الإسلام عليه: # الحج # بالحج كمال الشريعة وتمام الملة ### | ذكر فرائض الحج # قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل ~~عمران: 97، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة، ~~فإذا وجد العبد زادا وراحلة لزمه فرض الحج، فإن أخره بعد وجود ذلك كان ~~مكروها، فإن مات ولم يحج، أو مات على عدم الإمكان بعد وجوده، كان عاصيا لله ~~تعالى من حين أمكنه إلى يوم موته، ولم يكن كامل الإسلام، لأن الله تعالى ~~أكمل الإسلام بالحج لما أنزل هذه الآية في الحج يوم عرفة (اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ms0875 المائدة: 3، وفي الخبر: ~~من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر ومات ولم يحج فلا يبالي مات ~~يهوديا أو نصرانيا، وقال عمر: لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية ~~على من لم يحج ممن # PageV02P189 # يستطيع إليه سبيلا، وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس: لو ~~علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه، وبعضهم كان ~~له جار موسر فمات قبل أن يحج فلم يصل عليه، وكان ابن عباس يقول: من مات ولم ~~يزك ولم يحج: سأل الرجعة إلى الدنيا، وكان يفسره في هذ الآية قال: (رب ~~أرجعون) (لعلي أعمل صالحا فيما تركت) المؤمنون: 99 - 100 قال: أحج ومثله ~~فيقول: (رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) المنافقون: ~~10 قال: أزكي وأحج، وكان يقول هذه الآية، أشد شيء على أهل التوحيد ومن كان ~~ذا قوة على المشي أو ممن يصلح له أن يؤجر نفسه وأمن التهلكة في خروجه فحج ~~على ذلك كان فاضلا في فعله، وللحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة، ~~وللراكب بكل خطوة تخطوها دابته سبعون حسنة، والقوة على المشي من الاستطاعة ~~عند بعض العلماء، فأما فرائض الحج عند جملة العلماء فستة اختلفوا منها في ~~ثلاث وهن: السعي، والبيتوتة بمزدلفة عند المشعر ليلة النحر، ورمي جمرة ~~العقبة يوم النحر، وأجمعوا على ثلاث وهن: الإحرام به، والوقوف بعرفة، وطواف ~~الزيارة، ولم يختلفوا في أن ما سوى هذه سنة واستحباب، ومذهبي في هذا وهو ~~مذهب الأكثر من العلماء أن فرائض الحج أربعة: أولها الإحرام به والوقوف ~~بعرفة بعد زوال الشمس من يوم عرفة، وآخر حد الوقوف قبل طلوع الفجر من يوم ~~النحر، وطواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة بعد رمي جمرة العقبة، والسعي بين ~~الصفا والمروة بعد الإحرام بالحج إن شئت قبل الوقوف بعرفة وإن شئت بعده، ~~وما سوى ذلك من المناسك فمسنون ومستحب، وبعضه أوكد من بعض، وفي ترك بعضه ~~كفارة وفي بعضه لا حرج فيه، وطواف الحج ms0876 ثلاثة: واحد فريضة إن تركه بطل حجه ~~وهو طواف الزيارة، وواحد سنة إن تركه كان عليه دم وحجه تام وهو طواف ~~الوداع، وواحد مستحب إن تركه فلا شيء عليه وهو طواف الورود، ولم نذكر من ~~فرائض الحج وأحكامه وهيئاته في هذا الباب إلا قوت الأعمال، مثل ما ذكرناه ~~من سائر الأبواب في هذا الكتاب، على ما يليق بيانه للمعنى الذي قصدناه فيه، ~~وقد أشبعنا أحكام الحج وما يقال في المشاعر في كتاب مناسك الحج المفرد. ### | ذكر فضائل الحج وآدابه # وهيئاته وفضائل الحجاج وطريق السلف السالكين للمنهاج # قال الله سبحانه وتعالى: (أالحج أشهر معلومات من فرض فيهن الحج) البقرة: ~~196، يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به وهو شوال وذو القعدة ~~وتسع من ذي الحجة فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، الرفث اسم جامع لكل ~~لغو # PageV02P190 # وخني وفجر من الكلام ومغازلة النساء ومداعبتهن والتحدث في شأن الجماع، ~~والفسوق جمع فسق وهو اسم جامع لكل خروج من طاعة ولكل تعدي حد من حدود الله ~~تعالى، والجدال وصف مبالغ للخصومة والمراء فيما يورث الضغائن وفيما لا نفع ~~فيه؛ فهذه ثلاثة أسماء جامعة مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى ~~بتنزيه شعائره ومناسكه منها لأنها مشتملة على الآثام وهن أصول الخطايا ~~والإجرام، والحج في اللغة هو القصد إلى من يعظم، وكانت العرب تقول نحج إلى ~~النعمان أي نقصده تعظيما له وتعزيزا، فينبغي أن يكون الحاج معظما لمن قصده ~~بالحج ليتحقق بمعنى هذا الاسم، والحج أيضا سلوك الطريق الواضح الذي يخرج ~~إلى البغية ويوقف على المنفعة واشتقاقه من المحجة بمنزلة النسك، وهو اسم ~~للطريق مشتق من المنسك، وهو من أسماء الطريق وإن كان أصله المذيح ومنه سمي ~~الناسك لأنه سالك لطريق الآخرة، فأول فضائل الحج حقيقة الإخلاص به لوجه ~~الله تعالى، وأن تكون النفقة حلالا واليد فارغة من تجارة تشغل القلب وتفرق ~~الهم، ويكون الهم مجردا والقلب ساكنا مطمئنا مملوءا بالذكر فارغا من الهوى ~~ناظرا أمامه غير ملتفت إلى ورائه، وصحة ms0877 القصد بحسن الصدق ثم طيب النفس ~~بالبذل والإنفاق والتوسع في النفقة والزاد وبذل ذلك، لأن النفقة في الحج ~~بمنزلة النفقة في سبيل الله تعالى؛ الدرهم بسبعمائة درهم، والحج من سبيل ~~الله، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر وغيره: من ~~كرم الرجل طيب زاده في سفره، وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم ~~نفقة وأحسنهم يقينا، وفي حديث ابن المنكدرعن جابر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وقال: سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما بر الحج، قال: طيب الكلام وإطعام الطعام، ويقال: إنما ~~سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وبعضهم يقول يسفر عن صفات النفس ~~وجوهرها إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر حسنت صحبته في السفر، وقال رجل ~~لآخر: إنه يعرفه، فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم ~~الأخلاق؟ قال: لا، قال: ما أراك تعرفه، ولا يجادل ولا يخاصم ولا يكثر ~~المراء ولا يرفث بلسانه. # وروينا عن بشر بن الحرث قال: قال سفيان: من رفث فسد حجه، وليتعلم أحكام ~~المناسك ومعالم الحج وهيئاته وآداب المشاهد قبل الخروج، وليكن ذلك أهم شيء ~~إليه وليقدمه على جميع أسباب السفر، فإن هذا هو المقصود والبغية فلا يتأبن ~~عنه، وليعد له رفيقا صالحا عالما محبا للخير معينا عليه، إن نسي ذكره، وإن ~~ذكر أعانه، وإن جبن شجعه، وإن عجز قواه، وإن أساء ظنه وضاق صدره وسع صدره ~~وصبره وحسن ظنه ولا يخالف رفيقه ولا يكثر الاعتراض عليه، وليحسن خلقه مع ~~جميع الناس، ويلين جانبه ويخفض جناحه، ويكف أذاه عن الخلق، ويحتمل أذاهم؛ ~~فبهذه المعاني يفضل الحج # PageV02P191 # وإن يحج على رحل أو زاملة فإن ذلك حج المتقين وطريق السلف، يقال: حج ~~الأبرار على الرحال، وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال: برزت من الكوفة إلى ~~القادسية للحج، ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل ~~وجوالقات ورواحل، وما رأيت في جميعهم إلا محملين، ms0878 وقال مجاهد لابن عمر وقد ~~دخلت القوافل: ما أكثر الحجاج، فقال: ما أقلهم، ولكن قل: ما أكثر الراكب، ~~قال: وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل والمحامل يقول: ~~الحاج قليل والركب كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحته جوالق فقال: ~~هذا نعم الحاج، فينبغي أن يكون رث الهيئة، خفيف المؤونة، متقللا من كل شيء، ~~لا يحمل معه من الزاد إلا ما لا بد له منه مما يحتاج إليه، ولا يسرف في ~~المبالغة والتناهي فيه، ولا يقتر، ولا يضيق على نفسه ورفيقه، بل يستعمل ~~الاقتصار في كل شيء والكفاية، ويجتنب من الزي الحمرة فإن ذلك مكروه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في سفر، فنزل أصحابه منزلا، ~~فسرحت الإبل، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال: أرى هذه الحمرة قد غلبت ~~عليكم، قال: فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل، ثم ~~ليجتنب من الزي الشهرة، وكل منظور إليه من الأثاث، ولا يتشبه بالمترفين ولا ~~بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر فيكتب من المتكبرين، ولا يكثر التنعم ~~والرفاهة فإن ذلك غير مستحب في سبيل الله تعالى، لأن المشقة والظمأ ~~والمخمصة والأواء كلما كثر في سبيل الله كان أفضل وأثوب، حج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على راحلة وكان تحته رحل رث وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم، ~~وطاف على الراحلة لينظر الناس إليه ويهتدوا بشمائله، وقال عليه الصلاة ~~والسلام خذوا عني مناسككم، وكان يقول: لبيك اللهم لبيك، حجا لا رياء فيه ~~ولا سمعة، وقال: لبيك، أن العيش عيش الآخرة، وأمر صلى الله عليه وسلم ~~بالشعث والاختفاء، ونهى عن التنعم والرفاهة، في حديث فضالة بن عبيد، وفي ~~الخبر: إنما الحاج الشعث التفل، يقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى زوار ~~بيتي قد جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق، وقال الله عز وجل: (ثم ليقضوا ~~تفثهم) الحج: 29، التفث الشعث والأغبار، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظافر، ~~وكتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: ms0879 اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا ~~الخلقان واستعملوا الخشونة من الأشياء، وبعض أصحاب الحديث يصف هذه الحروف ~~يقول: احلقوا من الحلق، ولا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة كيف، وقد قال لصبيغ ~~حين توسم في مذهب الخوارج: اكشف رأسك، فرآه ذا ضفيرتين فقال: لو كنت محلوقا ~~لضربت عنقك، ولينح مثال أهل اليمن في الزي والأثاث، فإن الاقتداء بهم ~~والاتباع لشمائلهم في الحج طريقة السلف على ذلك الهدى والوصف، كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما عدا # PageV02P192 # وصفهم وخالف هديهم، فهو محدث ومبتدع، ولهذا المعنى قيل: زين الحجيج أهل ~~اليمن لأنهم على منهاج الصحابة وطريقة السلف، وقيل في مدحهم بالتقلل ~~والانفراد: لا يغلون سعرا ولا يضيقون طريقا، وقد كان العلماء قديما إذا ~~نظروا إلى المترفين قد خرجوا إلى مكة يقولون: لا تقولوا خرج فلان حاجا، ~~ولكن قولوا: خرج مسافرا، ويقال: إن هذه المحامل والقباب أحدثها الحجاج بن ~~يوسف، فركب الناس سنته، وقد كان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب ~~فيها، وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل، ~~ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول الشقة وقلة الطعم، وينبغي أن يقلل من ~~نومه على الدابة، فإنه يقال: إن النائم يثقل على البعير، وقد كان أهل الورع ~~لا ينامون على الدواب إلا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة، وكانوا أيضا لا ~~يقفون عليها الوقوف الطويل لأن ذلك يشق عليها. # وفي الحديث: لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي، ولا يحمل على الدابة المكتراة ~~إلا ما قاضى عليه الجمال أو ما أعلمه به، وقال رجل لابن المبارك: احمل لي ~~هذا الكتاب معك، فقال: حتى أستأمر الجمال، فإني قد اكتريت، ولينزل عن دابته ~~غدوة وعشية يروحها بذلك، ففيه سنة وآثار عن السلف، وقد كان بعض السلف يكتري ~~لازما ويشترط أن لا ينزل، ثم إنه ينزل للرواح ليكون ما رفه عن الدابة من ~~حسناته محتسبا له في ميزانه، وبعض علماء الظاهر يقول: إن الحج راكبا أفضل ~~لما فيه من الإنفاق والمؤونة، ولأنه ms0880 أبعد لضجر النفس، وأقل لأذاه وأقرب ~~لسلامته وتمام حجه، فهذا عندي بمنزلة الإفطار يكون أفضل إذا ساء عليه خلقه، ~~وضاق به ذرعه، وكثر عليه ضجره، لأن حسن الخلق وانشراح الصدر أفضل، وقد يكون ~~كذلك لبعض الناس دون بعض ممن يكون حاله الضجر ووصفه التسخط وقلة الصبر، أو ~~لم يمكن المشي، وسألت بعض فقهائنا بمكة وكان ورعا عن تلك العمر التي تعتمر ~~من مكة إلى التنعيم، وهو الذي يقال له مسجد عائشة، وهو ميقاتنا للعمرة في ~~طول السنة أي ذلك أفضل المشي في العمرة، أو يكتري حمارا بدرهم يعتمر عليه ~~فيقال: يختلف ذلك على قدر شدته على الناس، فإن كان إنفاق الدرهم أشد عليه ~~من المشي فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه وشدته عليها، ومن كان ~~المشي عليه أشق فالمشي أفضل لما فيه من المشقة، ثم قال: هذا يختلف لاختلاف ~~أحوال الناس من أهل الرفاهية والنعمة، فيكون المشي عليهما أشد، وعندي أن ~~الاعتمار ماشيا أفضل، وكذلك الحج ماشيا لمن أطاق المشي ولم يتضجر به وكان ~~له همة وقلب، وقد روينا في خبر من طريق أهل البيت: إذا كان في آخر الزمان ~~خرج الناس للحج أربعة أصناف؛ # PageV02P193 # سلاطينهم للنزهة، وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للسمعة، ~~ويكره أخذ الأجرة على الحج فيجعل نصيبه وعناه لغيره ملتمسا عرض الدنيا، وقد ~~كره ذلك بعض العلماء، ولأنه من أعمال الآخرة ويتقرب به إلى الله، يجري مجرى ~~الصلاة والأذان والجهاد فلا يأخذ على ذلك أجرا إلا في الآخرة، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: واتخذ مؤذنا لا تأخذ على ~~الأذان أجرا، وسئل عن رجل خرج مجاهد فأخذ ثلاثة دنانير فقال: ليس له من ~~دنياه وآخرته إلا ما أخذ، فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة واضطر ~~إلى ذلك، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة ~~على نية الدنيا، رجوت أن يسعه ذلك، وفي الخبر: يؤجر على الحجة الواحدة ~~ثلاثة ويدخلون الجنة: الموصي بها، ms0881 والمنفذ للوصية، والحاج الذي يقيمها لأنه ~~ينوي خلاص أخيه المسلم والقيام بفرضه، وقد جاء مثل المجاهد الذي يأخذ أجرا ~~على جهاده مثل أم موسى يحل أجرها وترضع ولدها، هذا إذا كانت نيته الجهاد ~~واحتاج إلى معونة عليه، كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة، والتقرب إلى الله ~~تعالى بالطواف والعمرة بعد قضاء ما عليه، لم يضره أخذ أجرة على حجه إن شاء ~~الله تعالى. # ومن فضائل الحج أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن المسجد الحرام بالمال، ~~فإن المعونة والتقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس، والصد عن المسجد الحرام ~~يكون بالمنع والإحصار، ويكون بطلب المال، فليحتل في التخلص من ذلك فإن بعض ~~علمائنا كان يقول: ترك التنقل بالحج الرجوع عنه أفضل من تقوية الظالمين ~~بالمال، لأن ذلك عنده دخيلة في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، وإقامة ~~وإظهار لبدعة أحدثت من الآخذ والمعطي؛ وهذا كما قال لأنه جعل بدعة سنة ~~ودخولا في صغار وذلة ومعاونة على وزر أعظم في الحرم من تكلف حج نافلة قد ~~سقط فرضه كيف، وفي ذلك إدخال ذلة وصغار على الإسلام والمسلمين مضاهاة ~~للجزية، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل واحد من المسلمين ~~على ثغر من ثغور الإسلام، فإن ترك المسلمون فاشدد لئلا يؤتى الإسلام من ~~قبلك، وفي الخبر المشهور: المسلمون كرجل واحد ومثل المسلم من المسلمين كمثل ~~الرأس من الجسد، يألم الجسد لما يألم الرأس ويألم الرأس لما يألم الجسد، ~~وقد يترخص القائل في ذلك بتأويل أنه مضطر إليه، وليس كما يظن، لأنه لو رجع ~~لما أخذ منه شيء، ولو خرج في زي المترفين مما أحدث # PageV02P194 # من المحامل لما أخذ منه شيء، فقد زال الاضطرار وحصل منه بالطوع والشهوة ~~الاختيار، لعل هذا الذنب عقوبة ما حملوا على الإبل فوق طاقتها من البيوت ~~المسقفة التي علوها عليها، كان البعير يحمل الرجل ورحله فجعلوه يحمل مقدار ~~أربعة وزيادة، فأدى ذلك إلى تلفها، فهم مطالبون بقتلها، لأن من حمل بعيرا ~~فوق طوقه حوسب بذلك وطولب، أو ms0882 لعله ذنب ما خرجوا به من التجارات وفضول ~~الأسباب وشبهات الأموال أو لسوء النيات وفساد المقاصد، وروينا أن أبا ~~الدرداء قال لبعير له في الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم ~~أكن أحملك فوق طاقتك، وقد يعاقب الله على الذنب بذنب مثله أو فوقه، وينبغي ~~أن يكون في المشاعر والمناسك أشعث أغبر فإنه سنة، ويكثر ذكر الله في طريقه ~~وجميع مناسكه، ويذكر به الغافلين ويقل ذكر الناس ويلزم الصمت فيما لا ~~يعنيه، ولا يتكلف ما قد كفى، ولا يدخل فيما لم يكلف، وإن رأى موضعا للمعروف ~~أمر به أو منكرا نهى عنه، فهذه المعاني تضاعف أمر الحج وتفضل الحجاج واستحب ~~أن يقرن بين حجة وعمرة من ميقاته لأن فيه إيجاب هدى يقربه وليكون جامعا بين ~~نسكين من ميقات بلده، ويكون قد أتى بالعمرة لأنها مقرونة بالحج في الكتاب، ~~ولأن مذهب كثير من العلماء أنها فريضة كالحج، وجماعة من السلف كانوا ~~يستحسنون الابتداء بالعمرة وتقديمها على الحج، منهم: الحسن وعطاء وابن ~~سيرين والنخعي. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وأهل بهما معا في حديث ~~أنس، وقد حدثت عن شقيق بن سلمة عن الضبي بن معبد قال: أردت الغزو فأشار علي ~~رجل من أهل العلم أن أبدأ بالحج فاستشرت رجلا من أهل الفقه فأمرني أن أجمع ~~بين حج وعمرة جميعا، ففعلت، فأنشأت إلي بهما حتى قدمنا على عمر فأخبرته ~~بالذي فعلت، فقال: هديت لسنة نبيك وإن قدم العمرة فحج متمتعا ثم أفرد الحج ~~بعدها من عامه فهو أفضل؛ وهذا اختيار جماعة من العلماء، وإن حج مفردا كما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحج فيما روينا عن عائشة ~~وجابر، وإذا فرغ من حجه رجع إلى ميقات بلده فاعتمر من هناك فحسن، وقد قال ~~الله عز وجل: وأتموا الحج والعمرة لله فإفرادهما من إتمامهما؛ وهذا قول عمر ~~وعثمان في الإتمام، وليطف لقرانه ويسع طوافين وسعيين ليخرج بذلك من اختلاف ~~العلماء جمعهما أو ms0883 فرقهما، وليكثر العبد من التلبية في حال إحرامه فهي من ~~أفضل الأذكار فيه، وليرفع بها صوته وإن قال في تلبيته: لبيك يا ذا المعارج، ~~لبيك حجا حقا، تعبدا ورقا، والرغباء إليك والعمل، فقد روي هذا عن الصحابة ~~وإن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن، وفيها كفاية وبلاغ ~~وأحب أن يذبح وإن لم يجب عليه ويجتنب الأكل من يذبح ما كان واجبا عليه مثل ~~نسك قران أو متعة أو كفارة، واستحب أن يأكل مما لم يكن عليه واجبا وليجتنب ~~المعايب # PageV02P195 # الثمانية في ذبيحته التي وردت بها الآثار، وكذلك في الأضحية فقد نهي أن ~~يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء، ونهى عن الشرقاء والخرقاء والمقابلة ~~والمدابرة والعجفاء، التي لا تنقي، يعني المهزولة؛ وهذا جميع ما جاء في ~~عيوب الأضاحي بأخبار متفرقة، فالجدع في الأنف والأذن، والقطع فيهما، والعضب ~~الكسر في القرن، وفي نقصان القوائم، والجرباء من الجرب، والشرقاء المشقوقة ~~الأذن من فوق، والخرقاء المشقوقة من أسفل، والمقابلة المخروقة الأذن من ~~قدام، والمدابرة المخروقة من خلف، والتي لا تنقي المهزولة التي لا نقي لها؛ ~~والنقي هو المخ وقد روينا في تفسير قوله تعالى ذلك: (ومن يعظم شعائر الله ~~فإنها من تقوى القلوب) الحج: 32، قيل: تسمين الهدي وتحسينه، وأفضل الهدي ~~بدنة، ثم بقرة، ثم كبش أقرن أبيض، ثم الثني من المعز، وإن ساق هديه من ~~الميقات فهو أفضل من حيث لا يجهده ولا يكده، وقد كانوا يغالون بثلاث ~~ويكرهون المكاس، فيهن الهدي والأضحية والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا ~~وأنفسه عندأهله، وفي حديث ابن عمر أن عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة ~~دينار فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا، فنهاه ~~عن ذلك وقال: بل أهدها فهذه سنة في تخير الهدى، وحسن الأدب في المعاملة، ~~وترك الاستبدال بها طلبا للكثرة، لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون، إن ~~في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين، فكان الخالص الحسن كافيا من الكثير ~~المتقارب، وفي حديث ابن المنكدر عن جابر سئل رسول ms0884 الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما بر الحج؟ قال: العج والثج، فالعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج هو نحر ~~البدن. # وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما عمل ~~آدمي يوم النحر عملا أحب إلى الله عز وجل من إهراق دم، وأنها لتأتي يوم ~~القيامة بقرونها وأظلافها فإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، ~~طيبوا بها نفسا، وفي الخبر: لكم بكل # PageV02P196 # صوفة من شعرها وبكل قطرة من دمها حسنة، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا ~~ولا يضحى بجذع إلا من الضأن فقط، وهو ما كان في آخر حوله، وبالثني من المعز ~~والبقر والإبل، فالثني من المعز ما دخل في السنة الثانية، والثني من البقر ~~ما دخل في الثالثة، والثني من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، وإن أحرم من ~~بلده فقد قيل إنه من إتمام الحج والعمرة ومن عزائم الأعمال، روينا عن عمر ~~وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما: وأتموا الحج والعمرة لله، قالوا: إتمامها ~~أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ولتكن حاضر القلب، مشاهد القرب عند المواطن ~~المرجو فيها الإجابة، وفي المشاهد المبتغي منها المنفعة، كما قال الله ~~سبحانه وتعالى: ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم، واستحب ~~له أن يمشي في المشاعر من حين يخرج من مكة إلى أن يقف بعرفة، وإلى أن يرجع ~~من طواف الزيارة إلى منى، ومن استحب للحاج الركوب فإنه يستحب له المشي إلى ~~مكة في المناسك إلى انقضاء حجه، ولأن عبد الله بن عباس أوصى بنيه عند موته ~~فقال: يا بني حجوا مشاة، فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من ~~حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال الحسنة بمائة ألف وأوكد ما مشي فيه ~~من المناسك وأفضله، من مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى الموقف، ومن ~~الموقف إلى المزدلفة في الإفاضة، ومن المشعر الحرام غداة النحر إلى منى، ~~وفي أيام رميه الجمار وصومه يوم عرفة فيه فضل إن قوي معه ms0885 على الدعاء ~~والتلبية ولم يقطعه الصوم عن ذلك، فإن أضعفه فالفطر أفضل، ولم يصمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا أبو بكر ولا عمر وصامه عثمان رضي الله ~~عنه وعنهم، وليعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من الحكمة والقدرة من ~~تصريف الخلق، وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت فيكون له في كل شيء ~~عبرة، ومن كل شيء موعظة، فإنه على مثال طريق الآخرة، وليكن له بكل شيء ~~تذكرة، وفي كل شيء فطنة وتبصرة، ترده إلى الله تعالى، وتدله عليه، وتذكره ~~به، ويشهده منها فيتفكر في أمره، ويستدل به على حكمته، ويشهد منه قدرته. # وسئل الحسن ما علامة الحج المبرور؟ فقال: أن يرجع العبد زاهدا في الدنيا، ~~راغبا في الآخرة، وقيل في وصف الحج المبرور: هو كف الأذى، واحتمال الأذى، ~~وحسن الصحبة، وبذل الزاد، ويقال: إن علامة قبول الحج ترك ما كان عليه العبد ~~من المعاصي والاستبدال بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو ~~والغفلة مجالس الذكر واليقظة، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ~~ودليل نظر الله إليه في قصده، ومن أصيب بمصيبة في نفسه وماله فهو من دلائل ~~قبول حجه، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله تعالى، ~~الدرهم بسبعمائة، وبمثابة الشدائد في طريق الجهاد، وليستكثر من الطواف ~~بالبيت، لأنه يستوعب بطواف أسبوع مائة وعشرين رحمة يكون # PageV02P197 # بكل رحمة ما شاء الله، لأنه سبحانه يختص برحمته من يشاء، وأقل ماله بكل ~~رحمة عشر حسنات، لأن في حديث عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ينزل الله على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرين رحمة، ستون للطائفين، ~~وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين، وفي الحديث: استكثروا من الطواف بالبيت ~~فإنه من أقل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة، وأغبط عمل تجدونه، ولا تتحدث ~~في طوافك، وعليك بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى من التسبيح والتهليل والحمد ~~وتلاوة القرآن وامش بسكينة ووقار وخشوع وانكسار، ولا تزاحمن أحدا، واقرب من ~~البيت ms0886 ما أمكن، واستلم الركنين اليمانيين مع تقبيل الحجر في كل وتر من ~~طوافك إن أمكن. # وقد روينا في الخبر: من طاف بالبيت حافيا حاسرا كان له كعتق رقبة، ومن ~~طاف أسبوعا في المطر غفر له ما سلف من ذنوبه، روي ذلك عن الحسن بن علي قاله ~~لأصحابه ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: واتق الهمة الردية ~~والأفكار الدنية، فيقال: إن العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك البلد، وعن ابن ~~مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالإرادة قبل العمل إلا بمكة، وقال أيضا: ~~لو هم العبد أن يعمل سوءا بمكة عاقبه الله تعالى، ثم تلا: (ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) ؛ يعني أنه علق العذاب بالإرادة دون الفعل، ~~ويقال: إن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، وإن السيئات التي تكتسب ~~هنالك لا تكفر إلا هناك، وكان ابن عباس يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في ~~الحرم، وقيل: الكذب فيه من الإلحاد، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه، لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلي من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة؛ وركية ~~منزلة بين مكة والطائف، وقد كان الورعون من السلف منهم عبد الله بن عمر، ~~وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما يضرب أحدهم فسطاطا في الحرم وفسطاطا في الحل، ~~فإذا أراد أن يصلي أو يعمل شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل ~~المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام عندهم في جميع ما يذكر إنما هو الحرم ~~كله، وإذا أراد أن يأكل أو يكلم أهله أو يتغوط خرج إلى فسطاط الحل، ويقال: ~~إن آل الحجاج في سالف الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوي ~~تعظيما للحرم، وقد سمعنا من لم يكن يتغوط ولا يبول في الحرم من المقيمين ~~بمكة ورأينا بعضهم لا يتغوط ولا يبول حتى يخرج إلى الحل تعظيما لشعائر الله ~~تعالى، وتنزيها لحرمه وأمنه، وأعمال البر كلها تضاعف بمكة، والحسنة بمائة ~~ألف حسنة على مثال الصلاة في المسجد الحرام، روي معنى ذلك ms0887 عن ابن عباس ~~وأنس، وعن الحسن البصري: أن صوم يوم بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف درهم، ~~ويقال: إن طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة، # PageV02P198 # وإن ثلاث عمر تعدل حجة، وإن العمرة هي الحجة الصغرى؛ وهذا في دليل الخطاب ~~من قوله تعالى: يوم الحج الأكبر، فدل أن الحج الأصغر هو العمرة، ومن العرب ~~من يسمي العمرة حجا، وفي الخبر: عمرة في رمضان تعدل حجة، فمن وفق للعمل بما ~~ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده. ### | ذكر فضائل الحج والحاجين لوجه الله # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حج هذا البيت فلم ~~يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وفي حديث آخر: من خرج من بيته ~~حاجا أو معتمرا فمات أجري له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة، ومن مات ~~في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: أدخل الجنة، وروي في الخبر حجة ~~مبرورة خير من الدنيا وما فيها، وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة، وفي ~~الحديث: الحجاج والعمار وفد الله تعالى وزواره، إن سألوه أعطاهم، وإن ~~استغفروه غفر لهم، وإن دعوه استجيب لهم، وإن شفعوا شفعوا، وذكر بعضهم أن ~~إبليس ظهر له في صورة شخص بعرفة، فإذا هو ناحل الجسم، مصفر اللون، باكي ~~العين، مقصوم الظهر، فقال له: ما الذي أبكى عينك؟ فقال: خروج الحاج إليه ~~بلا تجارة، أقول قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك، قال: فما الذي أنحل ~~جسمك؟ قال: صهيل الخيل في سبيل الله تعالى، ولو كانت في سبيلي، كان أحب إلي ~~قال: فما الذي غير لونك؟ قال: تعاون الجماعة على الطاعة، ولو تعاونوا على ~~المعصية كان أحب إلي قال: فما الذي قصم ظهرك؟ قال: قول العبد أسألك حسن ~~الخاتمة، أقول: يا ويلتي متى يعجب هذا بعمله؟ أخاف أن يكون قد، ولقي رجل ~~ابن المبارك وقد أفاض من عرفة إلى مزدلفة فقال: من أعظم الناس جرما يا أبا ~~عبد الرحمن في هذا الوقت؟ فقال: ms0888 من قال إن الله عز وجل لم يغفر لهؤلاء، وقد ~~روينا حديثا مسندا من طريق أهل البيت: أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن ~~الله عز وجل لم يغفر له، ويقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف ~~بعرفة، وقد رفعه جعفر بن محمد فاسنده، ويقال: إن الله عز وجل إذا غفر لعبد ~~ذنبا في الموقف غفره لكل من أصابه في ذلك الموقف، وزعم بعض السلف: إذا وافق ~~يوم عرفة يوم جمعة غفر # PageV02P199 # لكل أهل الموقف، وهو أفضل يوم في الدنيا، وفيه حج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حجة الوداع، ولم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها، وعليه نزلت هذه ~~الآية وهو وافق بعرفة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا) المائدة: 3 وقال علماء أهل الكتاب: لو أنزلت علينا هذه الآية ~~لجعلنا يومها عيدا، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أشهد لقد أنزلت في ~~يوم عيدين اثنين؛ يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهو واقف بعرفة، وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ليشهدوا منافع لهم؛ عن ~~جماعة من السلف قال: غفر لهم ورب الكعبة، وفي تفسير قوله تعالى: لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم؛ قال: طريق مكة بصدهم عنه # وروينا عن مجاهد وغيره من العلماء: دخل حديث أحدهما في الآخرة، كانوا ~~يتلقون الحاج يدعون لهم قبل أن يتدنسوا ويقولون: تقبل الله منا ومنكم، وأن ~~الحاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان ~~الحمير واعتنقوا المشاة اعتناقا، وقال الحسن: من مات يعقب شهر رمضان، أو ~~يعقب غروا، أو يعقب حجا، مات شهيدا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: الحاج ~~مغفور له ولمن استغفر له شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول، ~~وقد كان من سنة السلف أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ويقبلوا بين ~~أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم، وفي الخبر: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له ~~الحاج. وحدثونا عن علي بن الموفق قال: ms0889 حججت سنة فلما كان ليلة عرفة بت بمنى ~~في مسجد الخيف، فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب ~~خضر فنادى أحدهما صاحبه: يا عبيد الله، فقال الآخر: لبيك يا عبد الله، قال: ~~تدري كم حج بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا أدري، قال: حج بيت ربنا ستمائة ~~ألف، فتدري كم قبل منهم؟ قال: لا، قال: قبل منهم ستة أنفس، قال: ثم ارتفعا ~~في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعا فاغتممت غما شديدا وأهمني أمري فقلت: إذا ~~قبل حج ست أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس؟ فلما أفضنا من عرفة وبت عند ~~المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم، ~~فإذا الشخصان قد نزلا من السماء على هيئتهما فنادى أحدهما: يا عبد الله، ~~قال: لبيك يا عبد الله، قال: تدري كم حج بيت ربنا؟ قال: نعم ستمائة ألف، ~~قال: فتدري كم قبل منهم؟ قال: نعم ستة أنفس، قال: فتدري ماذا حكم ربنا في ~~هذه الليلة؟ قال: لا، قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف، قال: ~~فانتبهت وبي من السرور ما يجل من الوصف، ذكر في هذه القصة ستة ولم يذكر ~~السابع؛ وهؤلاء هم الأبدال السبعة أوتاد الأرض المنظور إليهم كفاحا، ثم ~~ينظر إلى قلوب الأولياء من وراء قلوبهم، فأنوار هؤلاء عن نور الجلال وأنوار ~~الأولياء من أنوارهم، وأنصبتهم وعلومهم من أنصبة هؤلاء وعلومهم، فلم # PageV02P200 # يذكر السابع وهو قطب الأرض، والأبدال كلهم في ميزانه، ويقال إنه هو الذي ~~يضاهي الخضر من هذه الأمة في الحال ويجاريه في العلم، وإنهما يتفاوضان ~~العلم ويجد أحدهما المزيد من الآخرة، فإنما لم يذكر والله أعلم لأنه يوهب ~~له من مات، ولم يحج من هذه الأمة لأنه أوسع جاها من جميعهم وأنفذ قولا في ~~الشفاعة من الجملة. # وقد روينا عن ابن الموفق قال: حججت سنة، فلما قضيت مناسكي تفكرت فيمن لا ~~يتقبل حجه، فقلت: اللهم إني قد وهبت حجتي هذه وجعلت ثوابها لمن لا ms0890 يتقبل ~~حجه، قال: فرأيت رب العزة في النوم، قال لي: يا علي تتسخى علي وأنا خلقت ~~السخاء وخلقت الأسخياء، وأنا أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحق بالجود ~~والكرم من العالمين، وقد وهبت كل من لم يقبل حجه لمن قبلته، وكان ابن ~~الموفق هذا قد حج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حججا وقال: فرأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن الموفق حججت عني؟ قلت: نعم يارسول الله، ~~قال: ولبيت عني؟ قلت: نعم، قال: فهذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة ~~آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة والخلائق في كرب الحساب. ### | ذكر فضائل البيت الحرام وما جاء فيه # في الخبر: أن الله تعالى وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف فإن ~~نقصوا كملهم الله تعالى بالملائكة، وأن الكعبة تحشر كالعروس المزفوف وكل من ~~حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخون معها، وفي الخبر: ~~أن الحجر ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يبعث يوم القيامة، وله عينان، ولسان ~~ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقلبه كثيرا، وروينا أنه سجد عليه وكان يطوف على الراحلة فيجعل المحجن ~~عليه، ثم يقبل طرف المحجن، وقبله عمر ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك، ثم ~~بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فإذا علي، فقال: يا أبا الحسن ههنا ~~تسكب العبرات، فقال علي: يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع، قال: وكيف؟ ~~قال: إن الله عز وجل لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا، ثم ألقمه ~~هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، ويشهد على الكافر بالجحود، قيل: فذلك ~~معنى قول الناس عند الاستلام: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك ~~يعنون هذا الكتاب والعهد، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول ~~من تنشق عنه الأرض ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم آتي ms0891 أهل مكة فأحشر بين ~~الحرمين، وفي الخبر: أن آدم لما قضى مناسكه # PageV02P201 # لقيته الملائكة فقالوا: برجحك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي ~~عام، وجاء في الخبر: أن الله تعالى ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض، فأول من ~~ينظر إليه أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد الحرام، ~~فمن رآه طائفا غفر له، ومن رآه منهم مصليا غفر له، ومن رآه نائما مستقبل ~~القبلة غفر له، وذكرت الصلاة بعبادان لأبي تراب النخشي فقال: نومة في ~~المسجد الحرام أفضل من الصلاة بعبادان، وكوشف بعض الأولياء قال: رأيت ~~الثغور كلها تسجد لعبادان، ورأيت عبادان ساجدة لجدة، لأنها خزانة الحرم، ~~وفرضة أهل المسجد الحرام، وكنت أنا بمكة سنة فأهمني الغلاء بها حتى ضقت ~~ذرعا به، فرأيت في النوم شخصين بين يدي، يقول أحدهما للآخر: كل شيء في هذا ~~البلد عزيز كأنه يعني الغلاء، فقال الآخر: الموضع عزيز فكل شيء فيه عزيز، ~~فإن أردت أن ترخص الأشياء عليك فضحها إلى شرف الموضع حتى ترخص. ### | ذكر من كره المقام بمكة # كان سفيان الثوري يقول: والله ما أدري أي البلاد أسكن، فقيل له: خراسان، ~~قال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة، قيل: الشام، قال يشار إليك بالأصابع، قيل: ~~فالعراق، قال: بلدة الجبابرة، قيل: مكة، قال: تذيب الكيس والبدن، وقال رجل ~~للثوري: قد عزمت على المجاورة بمكة فأوصني، قال: أوصيك بثلاث؛ لا تصلين في ~~الصف الأول، ولا تصبحن قرشيا، ولا تظهرن صدقة، إنما كره له الصلاة في الصف ~~الأول لأنه يفتقد فيسأل عنه إذا غاب فيشتهر ويعرف إذا واظب، فيجب أن يرب ~~الحال بلزوم الموضع، فيذهب الإخلاص ويحصل التزين والتصنع، وجاء رجل إلى ~~سفيان بمكة فسأله فقال: أرسل معي رجل بمال فقال: ضعه في سدانة الكعبة، أو ~~قال: في سدنة الكعبة، فما ترى؟ قال سفيان: قد جهل فيما أمرك به، وإن الكعبة ~~لغنية عن ذلك، قال: فما ترى؟ قال: أصرفه للفقراء والأرامل، وإياك وبني فلان ~~فإنهم سراق الحاج، وقد كان بعض السلف يكره ms0892 المجاورة بمكة ويحب قصد البيت ~~للحج والخروج منه، إما لأجل الشوق إليه أو خشية الخطايا فيه، أو حبا للعود، ~~وقد قال الله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) البقرة: 125، أي ~~يثوبون إليه يعودون مرة بعد مرة ولا يقضون منه وطرا وكان بعضهم يقول تكون ~~في بلد وقلبك مشتاق متعلق بهذا البيت، خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم ~~بمقامك أو قلبك متعلق إلى بلد غيره، # PageV02P202 # وروى ابن عيينة عن الشعبي: لأن أقيم بحمام أعين أحب إلي من أن أقيم بمكة، ~~قال سفيان يعني إعظاما لها وتوقيتا عن الذنب فيها وقد كان عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول: يا أهل اليمن يمنكم ويا ~~أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم، وكان ابن عباس يقول: أجور بيوت مكة ~~حرام ولا تقوم الساعة حتى يستحل الناس اثنتين إتيان النساء في أدبارهن ~~وأجور بيوت مكة، وكان الثوري وبشر وجماعة من الفقهاء وأهل الورع يكرهون أن ~~يدفع الرجل كراء بيت مكة، حتى قال الثوري: إذا طالبوك ولم يكن لك بد من أن ~~تعطيهم فخذ لهم من البيت قيمة ما أخذوا منك، وقال بعض السلف من رجل بأرض ~~خراسان أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به ويقال إن لله عبادا تطوف هم الكعبة ~~تقربا إلى الله عز وجل، وحدثني شيخ لنا عن أبي علي الكرماني شيخنا بمكة ~~وكان من الأبدال إلا أني سمعت هذه الحكاية منه، قال: سمعته يقول: رأيت ~~الكعبة ذات ليلة تطوف بشخص من المؤمنين، وقال لي هذا الشيخ: ربما نظرت إلى ~~السماء واقعة على سطح الكعبة قد ماستها الكعبة ولزقت بها وأكثر الأبدال في ~~أرض الهند والزنج وبلاد الكفرة، ويقال لا تغرب الشمس من يوم إلا يطوف بهذا ~~البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد ~~وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ولا ~~يرون لها أثرا وهذا إذا أتى عليها سبع ms0893 سنين لم يحجها أحد ثم يرفع القرآن من ~~المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من ~~القلوب فلا تذكر منه كلمة ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار ~~الجاهلية ثم يخرج الدجال وينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله والساعة ~~عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب يتوقع ولادتها. # روينا عن وهيب بن الورد المكي قال كنت ذات ليلة أصلي في الحجر فسمعت ~~كلاما بين الكعبة والأستار يقول إلى الله تعالى أشكو ثم إليك يا جبريل ما ~~ألقى من الطائفين حولي تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا من ~~ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه، وفي الخبر لا ~~تقوم الساعة حتى يرفع الركن والمقام، وروي أن الحبشة يغزون الكعبة فيكون ~~أولهم عند الحجر الأسود وآخرهم على ساحل البحر بجدة فينقضونها حجرا حجرا ~~يناول بعضهم بعضا حتى يرمونها في البحر وكذلك يذكر عن بعض الصحابة وقراء ~~الكتب السالفة كأني أنظر حبشيا أصلع أجدع قائما عليها يعني الكعبة هدمها ~~بمعوله حجرا حجرا، وفي الخبر استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع ~~فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة ورفعه الذي ذكرناه يكون بعد # PageV02P203 # هدمه لأنه بيني من ذي قبل حتى يعود إلى مثل حاله ويحج مرارا ثم يرفع بعد ~~ذلك. # وروينا في حديث أبي رافع عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله ~~تعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم أخرب الدنيا على ~~أثره، وليس بعد مكة مكان أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والأعمال فيها مضاعفة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا ~~خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وكذلك قيل: إن فضل الأعمال ~~بالمدينة كفضل الصلاة، كل عمل بألف عمل، وبعد ذلك الأرض المقدسة فإن فضل ~~الصلاة فيها بخمسمائة صلاة، وكل عمل يضاعف بخمسمائة مثله، روينا عن عطاء عن ~~ابن عباس عن النبي صلى ms0894 الله عليه وسلم: صلاة في مسجد المدينة بعشرة آلاف ~~صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى بألف ~~صلاة، ثم يستوي الأرض بعد ذلك فلا يبقى مندوب إليه مقصود لفضل دل الشرع ~~عليه، كما جاء في الخبر: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى، وبعد ذلك فأي موضع صلح فيه قلبك، وسلم ~~لك دينك، واستقام فيه حالك؛ فهو أفضل المواضع لك، وقد جاء في الخبر: البلاد ~~بلاد الله تعالى، والخلق عباده، فأي موضع رأيت فيه رفقا، فأقم واحمد الله ~~تعالى، وفي الخبر المشهور من حضر له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء ~~فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه، وقال نعيم: رأيت الثوري قد جعل جرابه على ~~كتفه وأخذ قلته بيده، فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: إلى بلد أملأ ~~فيه جرابي بدرهم، وفي حكاية أخرى: بلغني أن قرية فيها رخص فأخرج إليها، ~~فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: نعم، إذا سمعت في بلد برخص فاقصده ~~فإنه أسلم لدينك، وأقل لهمك، وكان يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على ~~الخاملين فكيف بالمشهورين، هذا زمان تنقل الرجل ينتقل من قرية إلى قرية يفر ~~بدينه من الفتن، وقد كان الفقراء والمريدون # PageV02P204 # يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين، للنظر إليهم والتبرك والتأدب ~~بهم، وكان العلماء ينتقلون في البلاد، ليعلموا، ويردوا الخلق إلى الله ~~تعالى، ويعرفوا الطريق إليه، فإذا فقد العالمون وعدم المريدون فالزم موضعا ~~ترى فيه أدنى سلامة دين وأقرب صلاح قلب وأيسر سكون نفس ولا تنزعج إلى غيره ~~فإنك لا تأمن أن تقع في شر منه وتطلب المكان الأول فلا تقدر عليه، والله ~~غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV02P205 ### | الفصل الرابع والثلاثون # تفصيل الإسلام والإيمان ### | وعقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة # قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة: 1، وقال ~~سبحانه وتعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) المائدة: ms0895 89، وقال تعالى: ~~(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) الأحزاب: 5، وقال ~~جل ثناؤه: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) البقرة: 225، فعمد القلوب وكسبها ~~هو عقودها وأعمالها، وعقود القلب التي هي السنة المجتمع عليها نقلها الخلف ~~عن السلف، ولم يختلف فيه اثنان من المؤمنين، فيها ست عشرة خصلة؛ ثمان ~~واجبات في الدنيا، وثمان واقعات في الآخرة، فأما اللاتي هن في الدنيا أن ~~يعتقد العبد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ويقوى ~~بالعلم، ويضعف بالجهل، وأن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق، وعلمه ~~القديم صفة من صفاته، وهو متكلم به بذاته، وفي الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما تقرب العبد إلى الله عز وجل بأفضل من شيء خرج منه وهو ~~كلامه، وروينا عن ابن عباس: أن عليا رضي الله تعالى عنهما دعا عند قتال ~~صفين يا كهيعص أعوذ بك من الذنوب التي توجب النقمة، وأعوذ بك من الذنوب ~~التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتك الحرم، وأعوذ بك من الذنوب ~~التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تديل الأعداء، انصرنا على ~~من ظلمنا، قال الضحاك بن مزاحم: فكان علي رضي الله عنه يقدم هذه بين يدي كل ~~شديدة، وفيما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: أعوذ بكلمات الله ~~وأسمائه كلها، كما قال أعوذ بعزة الله وقدرته، دليل أن الكلام والأسماء ~~صفات، وعن علي رضي الله تعالى عنه حين حكم الحكمين فنقم عليه الخوارج ذلك ~~فقالوا: حكم في دين الله من المخلوقين، فقال: والله ما حكمت مخلوقا، ما ~~حكمت إلا القرآن، وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين # PageV02P206 # سمع قرآن مسيلمة الكذاب الذي افتعله وتخرصه يضاهي به كلام الله تعالى، ~~والله ما خرج هذا من آل ولا من تقي، قال أبو عبيدة: يعني ما خرج من الله ~~تعالى، قال: وفيه دليل أن القرآن غير مخلوق، وأنه خرج من الله تعالى تكلم ~~به، قال ومن هذا قوله ms0896 تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) التوبة: ~~10معناه الله عز وجل لا يرقبونه. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك في قوله: فضل كلام ~~الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه، وذلك أنه خرج منه، ~~وقرأت في مصحف ابن مسعود قال: يا موسى قد فضلتك برسالاتي وبكلامي على ~~الناس، وهذا لا يجوز فيه إلا التكلم بالذات مع قوله سبحانه وتعالى: (وكلم ~~الله موسى تكليما) النساء: 164، قال أهل اللغة: المصدر إذا أدخل في الفعل ~~فهو للمواجهة والوصف لا للأمر بالفعل، ولا على المجاز، ثم تسليم أخيار ~~الصفات فيما ثبتت به الروايات وصح النقل، ولا يتأول ذلك ولايشبه بالقياس ~~والعقل، ولكن يعتقد إثبات الأسماء والصفات بمعانيها وحقائقها لله تعالى، ~~وينفي التشبيه والتكييف عنها إذ لا كفؤ للموصوف فيشبه، ولا مثل له فيجنس ~~منه، ولا نشبه ونصف، ولا نمثل ونعرف، ولا نكيف، وفي رد أخبار الصفات بطلان ~~شرائع الإسلام من قبل أن الناقلين إلينا ذلك هم ناقلو شرائع الدين وأحكام ~~الإيمان، فإن كانوا عدولا فيما نقلوه من الشريعة فالعدل مقبول القول في كل ~~ما نقله، وإن كانوا كذبوا فيما نقلوا من أخبار الصفات فالكذاب مردود القول ~~في كل ما جاء به، والكذب على الله كفر، فكيف تقبل شهادة كافر؟ وإذ جاز أن ~~يجترئوا على الله عز وجل بأن يزيدوا في صفاته ما لم يسمعوه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهم إلى أن يكذبوا على الرسول فيما من الأحكام أولى، ~~ففي ذلك إبطال الشريعة، وتكفير النقلة من الصحابة والتابعين بإحسان، فلذلك ~~كفر أصحاب الحديث من نفي أخبار الصفات، ويعتقد تفضيل أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه كافة، ويسكت عما شجر ~~بينهم، وينشر محاسنهم وفضائلهم لتأتلف القلوب بذلك، ونسلم لكل واحد منهم ما ~~فعله، لأنهم أوفر وأعلى عقولا منا، فقد علم كل واحد بعلمه ومنتهى عقله فيما ~~أدى إليه اجتهاده، وإن كان بعضهم أعلم من ms0897 بعض، كما أن بعضهم أفضل من بعض، ~~إلا أن علومنا وعقولنا تضعف وتنقص عن علم أدناهم علما، كما فضلوا علينا ~~بالسوابق سبقا وتقدم من قدم الله ورسوله وأجمع المسلمون الذين تولى الله ~~إجماعهم على الهداية، وضمن لرسوله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهم وتشريفا ~~لهم أن لا يجتمعوا على ضلالة، وقد قال علي لما قيل له: ألا تستخلف علينا؟ ~~فقال: لا أستخلف عليكم بل أكلكم إلى الله عز وجل، فإن يرد بكم خيرا جمعكم ~~بعد نبيكم على خيركم. # PageV02P207 # قال إبراهيم النخعي: فلما سلم الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما الأمر ~~إلى معاوية سميت سنة الجماعة، وقال له رجل من الشيعة: يا مذل المؤمنين، ~~فقال: بل أنا معز المؤمنين، سمعت أبي عليه السلام يقول: لا تكرهوا إمارة ~~معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي، وإن فقدتموه رأيتم السيوف تبدر عن ~~كواهلها كأنها الحنظل، فليعتقد بقلبه من رضي الصحابة بإمامته، وأجمعوا على ~~خلافته واتفق الأئمة من أهل الشورى على تقدمته على حديث ابن عمر في ~~التفضيل، قال: كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر ثم ~~عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكر وعلى حديث ~~سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا، فهؤلاء الأربعة خلفاء النبوة؛ ~~وهم أئمة الأئمة من العشرة، وعيون أهل الهجرة والنصرة، وخيار الخيار من ~~الأصحاب، كما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل اختار ~~أصحابي على العالمين، واختار من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي، وفي كل ~~أصحابي خير، واختار أمتي على الأمم، واختار من أمتي أربعة قرن، فكل قرن ~~سبعون سنة فإنا نحن قوم متبعون نقفو الأثر غير مبتدعين بالرأي والمعقول نرد ~~به الخبر، إذ لا مدخل للقياس والرأي في التفضيل، كما لا مدخل لهما في ~~الصفات وأصول العبادات، وإنما يؤخذ التفضيل توقيفا وتسليما ومن طريق ~~الاجماع والإتباع ms0898 خشية الشذوذ والابتداع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ، ومن ~~شذ ففي النار، وقال تعالى في تصديق ذلك: (ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم) النساء: 115، وإنما جاء الترتيب في التفضيل والخلافة ~~مخالفا للقياس، والمعقول توكيدا للنبوة وتأكيدا للرسالة، لئلا تلتبس النبوة ~~بالملك ولا ينحو النبي صلى الله عليه وسلم في الخلافة نحو الأكاسرة ~~والأقاصرة في المملكة كما، كانت النبوة مخالفة للملك جاءت الخلافة على غير ~~سيرة الملوك من استخلاف أبنائهم وأهل بيتهم، ولو كان للمعقول والقياس مدخل ~~في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابنه، ~~لأن فيه النبوة والعباس عمه إذ فيه الأبوة، وقد أجمعوا على خلاف ذلك وبمعنى ~~هذا من إخراج الخلق من المألوف ورفع # PageV02P208 # سكونهم عن المعهود، أن أبا قحافة وأبا سفيان ماتا مؤمنين، وأن أبا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعمه ماتا كافرين، أجمع أهل النقل والتواريخ على ~~ذلك، وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما أسلم أبوه بين يدي رسول ~~الله عام فتح مكة: والله يا رسول الله لإسلام أبي طالب كان أحب إلي لو أسلم ~~من إسلام أبي ليقر الله به عينك، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا، ~~فلما سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء النبوة بما قدر ~~الله من أعمارهم، فلم يكن يتم ذلك إلا بترتيبهم على ما رتبوا في الخلافة، ~~فكان آخرهم استخلافا هو آخرهم موتا، فدبر خلافتهم على ما علم من آجالهم، ~~ووفى لهم بما وعدهم من استخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من ~~خلائف أنبيائه السوالف، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم أمناء بعد ~~خوفهم، كما قال الصادق فيما عهد، ومن أوفى بعهده من الله، فذلك تأويل قوله ~~عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم) النور: 55 الآية، وأن يعتقد ms0899 أن الإمامة في قريش ~~خاصة دون سائر العرب كافة إلى يوم القيامة، وأن لا يخرج على الأئمة بالسيف، ~~ويصبر على جورهم إن كان منهم، ويشكر على المعروف والعدل، ويطيع إذا أمر ~~بالتقوى والبر حتى تأتيه يد خاطئة أو منية قاضية، كذلك السنة، قال عالمنا ~~أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة: اثنتان وسبعون ~~هالكة، كلهم يبغض السلطان، والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان، وسئل أي ~~الناس خير؟ فقال: السلطان، قيل: كنا نرى أن شر الناس السلطان، فقال: مهلا ~~إن لله تعالى في كل يوم نظرتين، نظرة إلى سلامة أموال المسلمين ودمائهم، ~~ونظرة # إلى سلامة أفكارهم، فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه، وقال أبو محمد ~~الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال، وإذا كان صالحا فهو القطب الذي ~~تدور عليه الدنيا، قوله من الأبدال يعني أبدال الملك، كما حدثنا عن جعفر بن ~~محمد الصادق أنه قال: أبدال الدنيا سبعة، على مقاديرهم يكون الناس في كل ~~زمان من العباد، والعلماء، والتجار، والخليفة، وزير، وأمير الجيش، وصاحب ~~الشرطة، والقاضي وشهوده، روينا في الخبر: عدل ساعة من إمام عادل خير من ~~عبادة ستين سنة، ويقال: إن الإمام العادل يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته، ~~وكان عمرو بن العاص يقول: إمام غشوم خير من فتنة تدوم، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر، فإن ~~أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، ~~وفي الخبر الآخر، يليكم أمراء # PageV02P209 # يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا، ~~قلنا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا. لى سلامة أفكارهم، فيطلع في صحيفته ~~فيغفر له ذنوبه، وقال أبو محمد الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال، ~~وإذا كان صالحا فهو القطب الذي تدور عليه الدنيا، قوله من الأبدال يعني ~~أبدال الملك، كما حدثنا عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: أبدال الدنيا ~~سبعة، على مقاديرهم يكون الناس ms0900 في كل زمان من العباد، والعلماء، والتجار، ~~والخليفة، وزير، وأمير الجيش، وصاحب الشرطة، والقاضي وشهوده، روينا في ~~الخبر: عدل ساعة من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة، ويقال: إن الإمام ~~العادل يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته، وكان عمرو بن العاص يقول: إمام ~~غشوم خير من فتنة تدوم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يكون عليكم أمراء ~~يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر، ~~وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وفي الخبر الآخر، يليكم أمراء ~~يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا، ~~قلنا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا. # وفي الحديث الآخر: ما أقاموا الصلاة، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: من ~~أنكر إمامة لسطان فهو زنديق، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع، ومن أتاه ~~من غير دعوة فهو جاهل، وكان يقول: الخشيبات السود المعلقة على أبوابهم أنفع ~~للمسلمين من سبعين قاضيا يقضون في المسجد، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله ~~تعالى يقول: إذا كان السلطان صالحا فهو خير من صالحي الأمة، وإذا كان فاسقا ~~فصالحو الأمة خير منه؛ وهذا قول عدل، ولا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن ~~عظم، ولا ينزله جنة ولا نارا بل يرجو له ويخاف عليه، وإن من مات مصرا على ~~الكبائر عن غير توبة منها في مشيئة الله تعالى، إن أثبت وعيده عليه كان ~~عدلا، وإن عفا عنه وسمح له بحقه كان ذلك منه فضلا، ولا نحكم ولا نقطع على ~~الله تعالى بشيء، ولا نوجب لنا عليه شيئا إنما نحن بين عدله وفضله وبمشيئته ~~واختياره، إن حقق علينا وعيده فنحن أهل ذلك، وإن غفر لنا فهو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ~~وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو ينجزه له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو ~~فيه بالخيار، والحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ms0901 عن قوله ~~تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء: 93 فقال: ~~جزاؤه جهنم إن جازاه، ففي كل قضاء الله تعالى حكمة بالغة وعدل، وحكم صادق ~~وحق، وإن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها وشرها أنها من الله تعالى ~~سابقة في علمه جارية في خلقه بحكمه، وأنهم لا حول لهم عن معصيته إلا ~~بعصمته، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته، وأنهم لا يطيقون ما حملهم إلا ~~به، ولا يستطيعون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بمشيئته، ونؤمن بقدرة الله ~~وآياته في ملكه وغيب ملكوته مما ذكر في الأخبار من كرامته لأوليائه، ~~وإجاباته لأحبائه، وإظهار القدرة للصديقين والصالحين، مزيدا لإيمانهم ~~وتثبيتا ليقينهم وتكرمة وتشريفا لهم، وأنه ليس في ذلك إبطال لنبوة الأنبياء ~~ولا إدحاض حججهم من قبل أن هؤلاء غير مثبتين ولا مخالفين للأنبياء، ولا ~~ادعوا ما ظهر لهم بحولهم وقوتهم، ولا أظهروا دعوة إلى أنفسهم، ولا تظاهرا ~~به، ولا اجتلابا للدنيا، ولا طلبا للرياسة على أهلها، وإنما هو شيء كشفه ~~الله تعالى لهم من سر ملكوته كيف شاء، # PageV02P210 # وأظهرهم عليه من غيب قدرته أين شاء كما شاء، تخصيصا لهم وتعريفا، وهم ~~للأنبياء متبعون، وعلى آثارهم مقتفون، ولسنتهم مقتدون، فآتاهم الله تعالى ~~ذلك ببركة الأنبياء وبحسن اتباعهم لهم، ولأنهم إخوانهم أبدالا لا أشكالا ~~وعنهم أمثالا، وقد تواترت الأخبار من الصحابة والتابعين الأخيار بما ذكرنا ~~فغنينا بالتواتر عن التناظر. # وأما الثماني الواقعات في الآخرة فأن يعتقد العبد مساءلة منكر ونكير ~~يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد، فيسألانه عن التوحيد وعن الرسالة؛ ~~وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، وهما فتانا القبر، كذلك روينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو معنى قول الله عز وجل: (يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) إبراهيم: 27، قيل: عند مساءلة ~~منكر ونكير، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء، وعذاب القبر حق وحكمة ~~وعدل على الجسم والروح والنفس، يشتركون في ذلك حسب اشتراكهم في المعصية، ~~وإن كان نعيما ms0902 كان ذلك على الجسم والروح والنفس، يشتركون في النعيم كما ~~اشتركوا في الطاعة؛ وهذا من أحكام الآخرة، يكون بمجاري القدرة ليس على ~~ترتيب المعقول ولا عرف العقول، يوصل الله العذاب والنعيم إلى الأرواح ~~والأجسام وهي متفرقة فيتصل ذلك بهما كأنهما متفقان، وليس في القدرة مسافة ~~ولا ترتيب ولا بعد ولا توقيت، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان أنه حق ~~وعدل وحكمة وفضل، كما جاء وصفه في العظم، من أن طبقات السماوات والأرض توزن ~~فيه الأعمال بقدرة الله تعالى، والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل بحقيقة ~~العدل، وقد خاب من حمل ظلما فتكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور ~~فيثقل بها الميزان برحمة الله تعالى، وتكون السيئات في صورة سيئة تطرح في ~~كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى، ويعتقد أن الصراط حق على ما ~~جاء وصفه في الآثار كدقة الشعرة وحد السيف؛ وهو طريق الفريقين إلى الجنة أو ~~النار، دحض مزلة يثبت عليه أقدام المؤمنين بقدرة الله عز وجل، فيحملهم إلى ~~الجنة بفضل الله تعالى، وتزل عنه أقدام المنافقين فتهوي بهم في النار بحكم ~~الله عز وجل، وهو على متن جهنم بإذن الله تعالى، من قطعه نجا منها برحمة ~~الله، ومن زل عنه وقع فيها بحكمة الله تعالى، ويؤمن بوقوع الحساب وتفاوت ~~الخلق فيه، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا، ومنهم من يدخل النار بغير حساب؛ ~~وهم الكافرون، وكان إمامنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول: يسأل الأنبياء ~~عن تبليغ الرسالة، ويسأل الكفار عن تكذيب المرسلين، ويسأل المبتدعة عن ~~السنة، ويسأل المسلمون عن الأعمال، فقولنا لقوله تبع، ويؤمن بالنظر إلى ~~الله جل جلاله عيانا بالأبصار كفاحا مواجهة تكشف الحجب والأستار بقدرة الله ~~ومشيئته ونوره ورحمته كيف شاء؛ وهو معنى قول الله تعالى: (للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة) يونس: 26، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى الله تبارك # PageV02P211 # وتعالى، وكذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتقد إخراج الموحدين ~~من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله بشفاعة الشافعين ms0903 ~~من النبيين والصديقين، وأن لكل مؤمن شفاعة بإذن الله، فيشفع النبيون ~~والصديقون والعلماء والشهداء وسائر المؤمنين كل واحد وسع جاهه وقدر منزلته، ~~أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة وفي ~~إخراج الموحدين من النار؛ وهم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار؛ ~~وهو معنى قول الله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) الحجر: ~~2، قال أهل التفسير ذلك عند إخراج الموحدين من النار، ويبقى الباقي لرحمة ~~أرحم الراحمين، فيخرج من النار بمشيئته، وسعة رحمته، وفضل فضله، من لم يشفع ~~لهم الشافعون ولم يقدم في الشفاعة لهم المرسلون، هكذا روينا معناه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذه عقود السنة الهادية وطريقة الأمة الراضية، ~~وقد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل أنه لم ينقل عن أحد منهم ~~خلافه، ولا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضده، بل قد روي في كل ما ~~ذكرناه أخبار توجب إيجابه ومعان تشهد لإثباته وتولى الله تعالى إجماعهم على ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تولى إظهار دينه على الدين كله. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل ضمن لي، وفي لفظ ~~آخر: أعطاني أن لا تجتمع أمتي على ضلالة، فإذا رأيتم خلافا فكونوا مع ~~السواد الأعظم؛ والسواد الأعظم يعبر به عن الكثرة، فالمختلفون متفقون على ~~أن السواد الأعظم ما عليه العامة من المسلمين والكافة من العموم، وأن ~~المبتدعة والمخالفة لما ذكرناه إنما هم فرق وشراذم قليلون وشيع وأحزاب ~~متفرقون، لأن كل مبتدعة منهم فرقة، وكل شرذمة منهم مختلفة، وليس السواد ~~الأعظم والجم الغفير الدهماء إلا أهل السنة والجماعة؛ وهم السواد والعامة، ~~ولذلك كان عمر ابن عبد العزيز وغيره من الصالحين يقولون: ديننا دين العجائز ~~وصبيان المكاتب ودين الأعراب أي هو القوي السليم العام، فسر ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال: من كان على ما أنتم عليه اليوم، ~~فأجمعت الأمة على أن ms0904 ما أحدثت الفرق المختلفة لم تكن عليه الصحابة ولا ~~تكلموا فيه ولا نقل عنهم، وأنهم كانوا على ما ذكرناه آنفا، لأنه لم يرو عن ~~أحد منهم خلافه، بل قد نقل عنهم وفاقه في القرن الأول والثاني، ثم حدث ما ~~ذكرناه من الخلاف في بعض القرن الثالث، وفي القرن الرابع، وقد كان عمرو بن ~~دينار وأيوب وحماد بن زيد إذا ذكر أحدهم الأرجاء ومذهب جهم يقول: لعن الله ~~دينا أنا أكبر منه؛ يعني أنه سبق حدوث هذه المذاهب التي تدين بها المبتدعون ~~فلله الحمد؛ رب السموات ورب الأرض؛ العالمين على حسن توفيقه وجميل هدايته، ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فنعمة الله تعالى علينا بالسنة كنعمتة ~~علينا بالإسلام إذ نعمته علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم كنعمته علينا ~~بمعرفته لاقتران # PageV02P212 # طاعته بطاعته ولحاجة الكتاب العزيز إلى تفسير سنته. # وقد روينا في حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشيطان مع ~~الواحد وهو من اثنين أبعد، ذئب أحدكم كذئب الشاة، يتبع الشاذة والقاصية، ~~فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن شذ ففي النار، وروينا عن أبي ~~غالب عن أبي أمامة: أنه نظر إلى رؤوس الحرورية جيء بها من البصرة فنصبت على ~~الخشب بدمشق، قال: شر قتلى تحت ظل السماء وخير قتلى من قتلوه، ثم قال: كلاب ~~النار، ثم قرأ: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة) آل عمران: 7، ثم قرأ: (يوم تبيض وجوه وتسود) آل عمران: 160، فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم، ويشير بإصبعه إليهم، ثم بكى، فقلت: ~~يا أبا أمامة تقول فيهم ما تقول؟ ثم بكى، فقال: قاتل الله إبليس ما صنع ~~بهؤلاء الناس يا أبا غالب، إنهم كانوا على ديننا فأبكي مما هم لاقون، هؤلاء ~~بأرضك كثير فأعيذك بالله منهم ثلاث مرات، فقلت: آمين يا أبا أمامة أشيء ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء تقوله من قبل رأيك؟ قال: إني ~~إذا لجريء ثلاث مرات، لقد سمعت رسول ms0905 الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا ~~مرتين ولا ثلاث ولا أربع يقول: تفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، تزيد ~~أمتي عليها فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم فقال رجل كان معنا: يا ~~أبا أمامة إن في السواد الأعظم بني فلان قال: وإن فعلوا فإنما عليهم ما ~~حملوا وعليكم ما حملتم، والجماعة خير من الفرقة، والطاعة خير من المعصية، ~~ثم نظر إلى الرؤوس فقال: أيغضبون لنا ويقتلوننا هذه رؤوس الخوارج وهم ~~الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى ~~عنه بالنهروان؛ وهم أول قرن نبغ من المبتدعة وأول بدعة ابتدعت في الإسلام، ~~وكانوا قراء المصاحف في أعناقهم والسجادات كركب المعزى في جباههم، فأنكروا ~~عليه تحكيم الحكمين وسألوه أن ينقض حكمه فيرجع عنه وقالوا: لا حكم إلا لله، ~~وأنكروا أمر السلطان ورأوا الخروج على الإمام، وكفروا عثمان وصوبوا قتل ~~غوغاء المصريين له، وطالبوا عليا عليه السلام أن يوافقهم على رأيهم ~~ويتابعهم على أهوائهم على أن قاتلوا معه المسلمين إن رجع عن تحكيم الحكمين، ~~وكفروا أهل الكبائر بالمعاصي، فرأى على ما أراه الله تعالى وبما عهد إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل المارقين فقتلهم فهؤلاء في النار، ~~وقاتلوهم علي وأصحابه خير أهل الأرض علي يبغضه ويسبه قبل أن يظهر منه ما ~~ظهر، فخرج عليه عبد الله بن الكوافي ستة آلاف، فأرسل علي عليه السلام عبد ~~الله بن عباس إليهم يناظرهم ويحاجهم، فسبوه وبطشوا به، وجرأهم عليه ابن ~~الكوافي هذا فقام خطيبا فيهم فقال: أتعرفوني بهذا أنا أعرفكموه: هذا من ~~القوم الذين قال الله فيهم: ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون، # PageV02P213 # ثم تراجع بعضهم إلى ابن عباس فسأله فكشف له عن الحق واستتاب منهم ألفين، ~~وقاتل علي كرم الله وجهه أربعة آلاف؛ فهذه أول فرقة مرقت من الدين واتبعت ~~غير سبيل المؤمنين، ثم افترقت الفرقة الثانية بالمدائن فرأوا دين الأرجاء، ~~وأن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وكتب ms0906 بذلك إلى أمير الشام ~~فهم بقتالهم، ثم شغل عنهم بقتال الروم ثم افترقت الفرقة الثالثة بالبصرة ~~وهم القدرية إمامهم معبد الجهني، وتابعه عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال ~~وأصحابهم، ثم خرجت الفرقة الرابعة من الكوفة سموا بذلك لما رفضوا زيد ابن ~~علي بن الحسين حين خرج يقاتل هشاما فقالوا له: أتبرأ من أبي بكر وعمر رضي ~~الله تعالى عنهما؟ قال: هما جداي إماما عدل لا أتبرأ منهما فرفضوه، ثم ~~افترقت كل فرقة ثمان عشر فرقة، فتمت اثنتان وسبعون فرقة، وكلها نبع بأرض ~~العراق، ومنه طلع قرن الشيطان، وظهرت الفتن نعوذ بالله منها، ما ظهر منها ~~وما بطن، وقد روينا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن لله عز ~~وجل ثلاث أملاك؛ ملك على ظهر بيت الله تعالى، وملك على مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون في كل يوم، يقول الملك ~~الذي على ظهر بيت الله تعالى: من ضيع فرائض الله خرج من أمان الله، ويقول ~~الملك الذي على ظهر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خالف سنة رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول ~~الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل. لى ~~الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الملك ~~الذي على ظهر بيت المقدس: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل. ### | شرح معاملة القلب من العلم الظاهر # ذكر مباني الإسلام وأركان الإيمان # قال الله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) الأعراف: 172، وقال عز وجل: (واذكروا ~~نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا) المائدة: 7، ~~وقال تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد ~~أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين) الحديد: 8، فمباني الإسلام خمسة: أولها ms0907 شهادة ~~أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله؛ وهما ~~كواحدة لاتصال إحداهما بالأخرى في الوجوب والحكم، وإقام الصلوات الخمس وهن ~~كواحدة منها لتعلق كل واحدة بصاحبتها، وإيتاء الزكاة وهي كالصلاة، ~~لاقترانها بها والإشتراط بها، وصوم رمضان، وحج البيت؛ وهما كشيء واحد من ~~الفرض، فهذه الخمس كواحدة منهن في إيجاب العقد واعتقاد الوجوب، وإن اختلف ~~الحكم في سقوط فعل بعضها بشرط، # PageV02P214 # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: بني الإسلام على خمس: ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، وأركان الإيمان سبعة: الإيمان بأسماء ~~الله وصفاته، والإيمان بكتب الله تعالى وأنبيائه، والإيمان بالملائكة ~~والشياطين، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما قد خلقتا قبل آدم صلى الله عليه ~~وسلم، والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها، ~~حلوها ومرها أنها من الله تعالى قضاء وقدرا أو مشيئة وحكما، وأن ذلك عدل ~~منه، وحكمة بالغة، استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها، لا يسأل عما يفعل، ولا ~~تضرب له الأمثال بملزمات العقول وتميثلات المعقول، تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا، وقد شهد الله سبحانه وتعالى بالضلالة على من ضرب لعبده الأمثال فقال ~~تعالى جده: (أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا) الإسراء: 48، فكيف بمن ضرب ~~المثل للسيد الأجل بعد نهيه عن ذلك وإخباره بعلم غيب ذلك، إذ يقول: فلا ~~تضربوا لله الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، والإيمان بما صح من ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبول جميعه، وافتراض طاعته وأمره على ~~العباد، والتزام ذلك، إذ قد جعل الله تعالى طاعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من شرط الإيمان وقرنها بطاعته، فقال تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين) الأنفال: 1، واشترط للرحمة طاعة الرسول كما اشترط لها تقواه ~~فقال: (وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) النور: 56، وحذر من مخالفة أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الإستجابة له مقامه، وجعله في المبالغة ms0908 في ~~الوصف والمدح بدلا عنه، فقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) النور: 63، كما قال سبحانه وتعالى: ~~(ويحذركم الله نفسه) آل عمران: 28، وقال تعالى: (استجيبوا الله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم) الأنفال: 42، لأنه قال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله) الفتح: 1،، وهذه أمدح آية في كتاب الله تعالى وأبلغ فضيلة فيه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه، وفي الحكم مقامه، ~~ولم يدخل بينه وبينه كاف التشبيه كإنما ولا لام الملك فيقول لله تعالى وليس ~~هذا المقام من الربوبية لخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV02P215 ### | الفصل الخامس والثلاثون ### | ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم # وافتراقهما في التفصيل والاسم # وأن كل مؤمن مسلم، وتحقيق القول بالعمل، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية ~~والحرورية، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة، وفقنا الله تعالى لذلك، قال ~~قائلون: الإيمان هو الإسلام وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات، وهذا يقرب من ~~مذهب المرجئة وقال آخرون: إن الإسلام غير الإيمان، وهؤلاء قد أدخلوا التضاد ~~والتغاير وهذا قريب من قول الإباضية، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح ~~وتفصيل، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في ~~المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد؛ فهما شيئان في الأعيان ~~وإحداهما مرتبطة بالأخرى؛ فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا ~~إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا بد ~~للمسلم من إيمان به يحق إيمانه، من حيث اشترط الله سبحانه وتعالى للأعمال ~~الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: (فمن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) الأنبياء: 94، وقال في تحقيق ~~الإيمان بالعمل: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات ~~العلى) طه: 75، ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان ~~بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا ~~يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام؛ فهو ms0909 كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، ومن ~~كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه عاملا بما أمر به فهو ~~مؤمن مسلم، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما، ولجاز أن لا ~~يسمى كل مسلم مؤمنا بالله تعالى ورسله وكتبه، ومثل الإيمان من الأعمال كمثل ~~القلب من الجسم، لا ينفك أحدهما من الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ~~ولا ذو قلب لا جسم له؛ فهما سببان منفردان، وفي المعنى والحكم متصلان، ~~ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة لا يقال حبتان لتقارب ~~وصفيهما، فكذلك أعمال الإسلام من الإيمان، الإسلام هو ظاهر الإيمان # PageV02P216 # وهو أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو أعمال القلوب. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الإسلام علانية والإيمان سر، وفي لفظ ~~آخر: والإيمان في القلب، فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان، عقود الإسلام، ~~فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن؛ ~~أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، ومثله قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية؛ أي لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: إنما تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل ~~الجوارح من المعاملات، وأعمال القلوب من النيات، فمثل العلم من الإيمان ~~كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، ~~واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، كذلك في سقوط العمل ~~ذهاب الإيمان، ولذلك عدد الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر ~~الشفتين مع اللسان في قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين) ~~البلد: 8 - 9، المعنى: ألم نجعله ناظرا متكلما؟ فعبر عن الكلام باللسان ~~والشفتين لأنهما مكان له، وذكره الشفتين لأن الكلام الذي جرت النعمة به لا ~~يتم إلا بهما، ومثل الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر ~~متجاف وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال ~~العلانية والجوارح، ms0910 وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في ~~باطن الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط ~~إليهما، إذ لا استقامة له ولا قوة إلا بهما، كذلك الإسلام من أعمال ~~الجوارح، ولا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له ~~إلا بالإسلام؛ وهو صالح الأعمال، وقد عبر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام، ~~فلولا أنهما كشيء واحد ما عبر عن أحدهما بالآخر، فقال سبحانه: (فأخرجنا من ~~كان فها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) الذاريات: 35 - ~~36، ولم يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط وبناته، وقال عز وجل في ~~مثله: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) يونس: 84 فعطف ~~بقوله: إن كنتم مسلمين على قوله: إن كنتم آمنتم، فدل على أنهما اسمان بمعنى ~~واحد؛ وهذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي، لأن اليوم مرتبط ~~بالليلة وأنت تعلم أنهما شيئان، فقال في قصة واحدة: (قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) آل عمران: 41 وقال أيضا سبحانه: (آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا) مريم: 1،، وأيضا فإن الله تعالى قد جعل ضد الإسلام ~~والإيمان واحد، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما # PageV02P217 # واحد، فقال سبحانه: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) آل عمران: ~~86، وقال: (يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) آل عمران: 8،، فجعل ضدهما ~~الكفر، وعلى مثل هذا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام ~~بوصف واحد، فقال في حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، صوم رمضان، ~~وحج البيت، وفي حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر ~~هذه الأوصاف فدل بذلك أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام على ~~نية إلا بالإيمان سرا، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بغير ~~صاحبه، ولا يصح أحدهما إلا ms0911 بالآخر، كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ~~ضدهما وهو الكفر، كما روي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يكفر أحد إلا ~~بجحود ما أقر به، وأظهر من حديث ابن عباس آنفا أن في نفس حديث ابن عمر ذكر ~~الإيمان أيضا بدلا من لفظ الإسلام. # ورواه جرير عن سالم بن أبي الجعد عن عطية مولى بني عامر عن يزيد بن بشر ~~قال: أتيت ابن عمر فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله بن عمر ما لك تحج ~~وتعتمر وقد تركت الغزو؟ قال: ويلك إن الإيمان بني على خمس تعبد الله تعالى، ~~وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، كذلك حدثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد اشترط الله تعالى للإيمان العمل الصالح، ونفى ~~النفع بالإيمان إلا بوجود العمل، كما شرط للإيمان الإسلام فقال تعالى: (إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) الفرقان: 7،، ~~إجماع من أهل التفسير؛ إلا من تاب من الشرك كقوله تعالى: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) التوبة: 5، بعد قوله وخذوهم ~~واحصروهم، وقال سبحانه وتعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا) سبأ: 37، وقال تعالى: (الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون) يونس: 63، كما قال تعالى: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين) الزخرف: 69، فاشترط للإيمان الأعمال والتقوى، كما اشترط للأعمال ~~الصالحة الإيمان، فكما لو عمل العبد بالصالحات كلها لم تنفعه إلا بالإيمان، ~~كذلك لو آمن من الإيمان كله لم ينفعه إلا بالأعمال، وفي وصية لقمان لابنه: ~~يا بني كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب فكذلك لا يصلح الإيمان إلا ~~بالعمل والعلم، فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه ~~السلام لما سأله ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~بالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره، ثم قال: ما الإسلام؟ فذكر ~~الخصال الخمس؛ فإن ذلك # PageV02P218 # تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها، أن ~~تكون عقودا ms0912 من تفصيل أعمال الجوارح، فيما توجب الأفعال الظاهرة التي وصفها ~~أن تكون علانية، إلا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف ~~وتضاد، وليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، إذ قد يجتمعان في عبد واحد ~~مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية ~~وصف ظاهر جسمه، والدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين معنى واحدا في حديث ~~ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، وقد روى ذلك ~~مفصلا في حديث علي رضي الله تعالى عنه: الإيمان قول باللسان، وعقد بالقلب، ~~وعمل بالأركان، فأدخل أعمال الجوارح في عقود الإيمان، وأيضا فإن الأمة ~~مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه ~~السلام من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح ~~لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه ~~من الإيمان أنه لا يكون مسلما. # وقد أخبر صلى الله عليه وسلم: أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وليس فيه ~~دليل على أن الإسلام غير الإيمان، أو أن المسلمين سوي المؤمنين، أو أن ~~الإيمان ضد الإسلام، والوجه الثاني من تأويل الخبر أن معنى قوله أو مسلم ~~يعني به أو مستسلم، فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما ~~مؤمنا، ومن لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفر أبا بكر رضي الله تعالى عنه ~~وجهله في قتال أهل الردة وادعى عليه أنه قتل المؤمنين، لأن القوم جاؤوا ~~بعقود الإيمان ولم يجحدوا التوحيد ولا أكثر الأعمال وإنما أنكروا الزكاة ~~فاستحل قتلهم، وواطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم. # وأما الحديث الآخر الذي جاء ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين ~~المؤمن والمسلم في أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر، فقال له سعد: يا رسول الله ~~تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال: أو مسلم؟ فأعاد عليه، فأعاده ms0913 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أو مسلم؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان ~~والإسلام في التفاضل والمقامات؛ أي ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم، ~~فكشف مقامه الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه، إذ كان ~~خاملا لا يؤبه له فقال: كيف أصبحت؟ فنطق بوجده عن مشاهدته، فقال: عرفت ~~فالزم؛ فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام، وأن ~~المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام، ~~وأن الإيمان لا حد له وإن كانت صحته بمحدود الإسلام، فآثر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي آمن طوعا على المكره، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء، ومن لا يؤمن عاديته، وجمعه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أن تكلم فيه ~~فقيل له في ذلك، فقال: هذا أحمق مطاع، أو من يكثر عشيرته وأتباعه فيكون ~~ظهيرا على المؤمنين، # PageV02P219 # أو من فيه غنى للمسليمن ومنفعة وعزة للمسلمين، فأما الأتباع والسفلة من ~~المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء، بل كان يؤثر المؤمنين، يقدمهم على أراذل ~~المؤلفة وضعفائهم، كما فعل بالقسم الذي قسمه بين المؤمنين فأعطاهم، إلا ~~رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم يعطه وقال: إن هذه قسمة ما ~~أريد بها وجه الله تعالى، والله ما عدل فقال صلى الله عليه وسلم إن لم أعدل ~~فمن يعدل؟ وكان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج، أفلا تراه لم يعط هذا شيئا ولم ~~يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين، ولا ممن يتقي بأسه أو يظهر في ~~الإسلام غناه فيتألف بالعطاء؛ وهذا مثل قول فرعون حين ألجمه الله الغرق ~~فاضطره إلى الإسلام بقوله: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، ~~وأنا من المسلمين، أجمع أهل التفسير أن معناه من المستسلمين فإن قيل، فقد ~~روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ما يدل على ضد هذا التأويل، وأن ms0914 ~~الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما، وهو أن في الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إني لأعطي قوما وأمنع آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في ~~قلوبهم من الإيمان: منهم فلان، قيل: إن هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفاده القائل لأنه بعث بجوامع الكلم، وكان يسأل عن الشيء ~~فيخبر به ويزيد عليه للبيان والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع ~~عطائه وبضروب المعطين من الناس؛ هذا للحاجة، وهذا للفضل، وهذا للتآلف؛ لأن ~~الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل ~~لكان الإسلام أفضل من الإيمان، ولكان المسلمون أفضل من المؤمنين، ولم يقل ~~بهذا أحد من العلماء، إلا أن الإيمان خاص فيه التفاوت والمقامات؛ فهو يشتمل ~~على الإسلام، والإسلام داخل فيه، والمؤمنين هم خصوص المسلمين، منهم ~~المقربون والصديقون والشهداء، والإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين، ~~ويدخل فيه أهل الكبائر والإجرام، ولا يخرج منه من فارق الكفر ووقع عليه اسم ~~الإيمان، كما قال تعالى: (فمن افترى على الله الكذب) آل عمران: 94 وأخبر ~~عنه بالفسوق، (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين) الصف: 7، فعلى إجماعهم أن الإيمان أعلى ~~اسقاط وهم من توهم أن الرجل كان أفضل، كيف وقد روينا تخصيص الإيمان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نصا أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإسلام، ~~قيل: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، فجعل الإيمان مقاما في الإسلام، ففي ~~هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما، بمعنى قوله في ~~وصف الرجل أو مسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الرجل: أو مسلم، ~~فدل على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الإستفهام لا تستعمل في ~~عرف الكلام إلا في # PageV02P220 # الوصف الأنقص والحال الأدنى فافهم. # وأما قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ~~الحجرات: 14، فإن هذا أيضا من ms0915 هذا النوع معناه: قولوا: استسلمنا حذر القتل؛ ~~وهؤلاء ضعفاء المؤلفة وأراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إيثاره وتقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم، وإرجاءه إياهم فقالوا: لم لا ~~يعطينا كما يعطي المؤمنين؟ فإنا مؤمنون كهم، فأخبر الله تعالى بذلك عنهم ~~وأكذبهم في دعواهم وهم الذين قص الله تعالى أخبارهم في قوله تعالى: (ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) ~~التوبة: 58، ففي هذه الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يعطي هذا الضرب من المؤلفة، وليس في الآية تفرقة بين الإيمان والإسلام ~~بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا ~~علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) الجرات: 17، فسمى إسلامهم ~~إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض، ورد أوله إلى آخره، وإنما أسقط المنة ~~به على رسوله، وأثبت المن عليهم بنفسه، وعطف بآخر الإسم على أوله، وغاير ~~بين اللفظين، فلم يرد أحدهما على الآخر، فيقول: أن هداكم للإسلام لاتساع ~~لسان العرب وليفيدنا فضل بيان، وإن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد، كما ~~قال تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم) فاطر: 3، ولم يقل: يخلقكم، ليبين ~~أن الرازق هو الخالق وليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى: ~~(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ففما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) ~~الذاريات: 35 - 36، وهكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال: سبحانك تبت إليك، ~~وأنا أول المسلمين، فلولا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأا بخلاف المعنى، فأما ~~ما روي عن أبي جعفر بن علي: الإيمان مقصور في الإسلام؛ فمعناه هو باطنه، ~~قال: وأدار دائرة كبيرة فقال: هذا الإسلام، ثم، أدار في وسطها دارة صغيرة ~~فقال: وهذا الإيمان في الإسلام، فإذا فعل وفعل خرج من الإيمان وصار في ~~الإسلام، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان وكماله ولم يكن من الموصوفين ~~الممدوحين بالخوف والورع من المؤمنين، لأنه خرج من الإسم والمعنى ms0916 حتى لا ~~يكون مؤمنا بالله مصدقا برسله وكتبه، ألا ترى إلى الدارة الصغيرة غير خارجة ~~من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها وضرب المثل بها، لكنها ~~خالصها وليها ومخصومة فيها، ولو أراد أنه يخرج من الإيمان لجعلها دائرتين ~~منفردتين ولم يجعل إحداهما جوف الأخرى، وكذلك جاء الخبر: لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخر وهو مؤمن، معناه كامل الإيمان أو مؤمن ~~حقا، لأن حقيقة الإيمان وكماله بالخوف # PageV02P221 # والورع، إذ الأمة مجمعة أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، وإذا فسق بالزنا ~~وشرب الخمر خرج من حقيقة الإيمان، هو الخوف والورع، ولم يخرج من اسمه ~~ومعناه؛ وهو التصديق والتزام الشريعة، وفيه معنى لطيف كأنه يرتفع عنه إيمان ~~الحياء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء من الإيمان، والمستحي لا ~~يكشف عورته على حرام، ويبقى إيمان الإسلام والتوحيد وإيجاب الأحكام، وقد ~~روينا عن الحسن بيان ذلك أنه قال: الإيمان حقيقة الإسلام، وقيل لحذيفة: من ~~المنافق؟ فقال: الذي يتكلم بالإسلام ولا يعمل به فسمي علم الإيمان إسلاما ~~وقرن القول، بالعمل وقال الثوري رحمه الله: الناس عندنا مؤمنون مسلمون في ~~حدودهم، وفرائضهم، وفي النكاح، وفي المواريث، وفي الصلاة خلفهم، والصلاة ~~عليهم، لا يحاسب الأحياء ولا يقضي على الأموات، ونكل ما لم نعلم من سرائرهم ~~إلى الله تعالى، ونسمع بالتشديد فنخافه ونسمع اللين فنرجوه لأهل القبلة، ~~ونتهم رأينا لرأي السلف قبلنا، وما ذكرناه من أن الإسلام والإيمان قرينان ~~لا يفترقان؛ هذا مذهب فقهاء أصحاب الحديث وطريقة أئمة السلف رضي الله عنهم ~~أجمعين. ### | باب ذكر تفضيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما وما جاء في # معناه # فأما ما حكي عن بعض أصحاب الحديث، أنه فرق بين الإيمان والإسلام فقال ~~الزهري: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، وقال عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل ~~عن الإيمان والإسلام فقال: هما شيئان، وقال حماد بن زيد: الإسلام عام، ~~والإيمان خاص، فإن قول هؤلاء على جملة قولنا، وهو دليل له وشاهد عليه، ~~وأنهم لم يفرقوا بين الإيمان ms0917 والإسلام تفرقة اختلاف ولا تضاد، ولم يريدوا ~~أن أحدهما يوجد ويصح بعدم الآخر ليواطئوا مذهب المرجئة، لأنهم أبعد شيء ~~منهم، إذ هم أصحاب أثر وتوقيف، وإنما فرقوا بينهما تفريق تفاوت وتخصيص؛ أي ~~أن الإيمان أخص وأعلى، لأن الزيادة والنقصان فيه، والفضائل والمقامات عنه، ~~والإستثناء واجب فيه، وأن الاسلام عام لا يخرج منه إلا الكافرون، إذ ليس ~~وراءه شيء، وعند جماعة من العلماء أن الإستثناء غير واجب في الإسلام، لأنه ~~محدود معلوم، فهذا كان قصد من فرق بين الإسلام والإيمان، وهي طريقة بعض ~~السلف، وعبارة القدماء؛ وهو على نحو ما فصلناه وبمعنى ما بيناه، وإن كنا ~~نحن أظهر تفصيلا وأبين ترتيبا، وهذا مثل الخبر الذي روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل: أي الإيمان أفضل؟ قال: الإسلام قيل: فأي الإسلام خير؟ قال ~~الإيمان، فلم يفرق بينهما، ولكنه خصص فجعل الإيمان حقيقة الإسلام وخالصه ~~لأنه أخبر أنه منه فهذا من قوله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، # PageV02P222 # أي من تحققه بالإسلام ومن أعلى إسلامه؛ هذا الوصف، وهذا هو نعت المؤمن ~~الموقن الزاهد وهذا يشبه ما مثله أبو جعفر محمد بن علي في أنه أدار دائرة ~~كبيرة وأدار فيها دارة صغيرة تخصيصا، وجميع ما شرحناه وذكرناه عن السلف ~~يبطل قول المرجئة والكرامية الإباضية ويدحض دعواهم، في أن الإيمان قول أو ~~معرفة وعقد بلا عمل، وهو أيضا رد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين ~~المنزلتين، الذين يقولون: مؤمن، وفاسق، وكافر؛ فلا يجعلون الفاسق مؤمنا وهو ~~رد على الحشبية والجرمية والقطعية والحرورية، أصناف من الخوارج يقولون: من ~~أتى كبيرة خرج من الإيمان، وأن أهل الكبائر كفار يحل قتلهم، ويقولون إن أهل ~~البغي من الأئمة كفرة يجب على الرعية قتالهم، ومنهم من يقول: إن من بغى على ~~الإمام فقد كفر بخلاف قول الله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ~~إلى أمر الله) الحجرات: 9، فأمر بقتال أهل البغي بتسميته إياهم مؤمنين ولم ~~يجعل ms0918 لهم منزلة ثالثة، وقد ابتلينا بطائقتين مبتدعتين متضادتين في المقالة ~~المرجئة والمعتزلة، قال المرجئة: إن الموحدين لا يدخلون النار، وإن عملوا ~~بالكبائر والفسوق كله لأن ذلك لا ينقص إيمانهم، وقالت المعتزلة: إن ليس ~~الفاسق بمؤمن وإن مات على صغيرة من الصغائر من غير توبة دخل النار لا محالة ~~ولم يخرج منها خالدا من الكفار، والصواب من ذلك أن الفاسق مؤمن لا يخرجه ~~فسقه من اسم الاسمان وحكمه، ولكن لا يدخله في المؤمنين حقا من الصديقين ~~والشهداء، وأن أهل الكبائر قد استوجبوا الوعيد ودخول النار، وجائز أن يعفو ~~الله تعالى عنهم بكرمه ويسمح لهم بجوده، كما روينا عن علي أنه قال: عليكم ~~بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه الغالي ويرتفع عنه القالي. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في وصف علماء السنة ومدحهم: يحمل هذا العلم ~~من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين؛ فالغالون هم المجاوزون للسنن والآثار، والمبطلون هم المدعون ~~بالرأي والقياس، والجاهلون هم الشاطحون من المتصوفة الضلال، وعدول كل خلق ~~من اتبع سنة صالح من سلف، ولم يبتدع في الدين، ولا اتخد وليجة دون طريق ~~المؤمنين؛ وهم رواة الأخبار وجملة الآثار من المحدثين وفقهاء المسلمين، ~~ويوضح قولنا ويصححه قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) المائدة: 3، ~~إجماعا من المسلمين، وأنها نزلت بعد نزول الفرائض وإتمام الشرائع وفي حجة ~~الوداع؛ # PageV02P223 # وهي آخر حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول فرض الحج، لأن ~~سورة المائدة مدنية بإجماع من القراء، وهي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق ~~من الفقهاء، ولم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلا ~~ثلاثة أشهر وثلاثة أيام اتفق عليه أهل التاريخ، لأنها نزلت يوم التاسع من ~~ذي الحجة من آخر يوم عرفة وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ~~خلون من ربيع الأول، فقال الله تعالى بعد نزول الأحكام وأحكام الحلال ~~والحرام: (اليوم أكملت لكم دينكم) المائدة: 3، والإكمال هو إتمام الشيء ~~الذي بعضه ms0919 متعلق ببعض، فلا يقال أكمل لما كان بعضه قبل بعض، فإذا وجد جميعه ~~قيل: قد أكمل وتمم؛ هذا هو حقيقة هذه الكلمة، فلما كان الإيمان قد تقدم ~~بمكة، وأنزل الله تعالى الفرائض والدين شيئا بعد شيء، وكان الإكمال من ~~الدين دل أن بعضه متعلق ببعض إلى أكمله، فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان؛ ~~وهما الدين المكمل. # وقال بعض السلف: من لم يقل من المرجئة أن إبليس مؤمن لأنه قد أقر ~~بالإيمان وقال به انكسر عليه مذهبه، ولعمري أن إبليس لعنه الله موحد لله ~~تعالى عارف به إلا أنه لم يعمل بالتوحيد ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر، ~~فأما تعلقهم بقول الله تعال: (فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار) المائدة: 85، فإنه شرط القول للجنات أو علق الجنات بالقول فإنما ~~ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول، وأنه قول إيمان ويقين، وأنهم غير ~~متعوذين بالقول، ولا متخذوه جنة كالمنافقين، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم ~~إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) آل عمران: 761، فأراد سبحانه بأن قول ~~هؤلاء قول المؤمنين، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون ~~العمل وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان، وأنه يستحق عليه ثوابا، ~~لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأما أن يكون ~~فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى ~~عمل، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها ~~الأعمال، ومن قوله في الكفار: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا بالزكاة ~~فخلوا سبيلهم) التوبة: 5 وأيضا فإن في نفس هذه الأية بطلان دعوى المرجئة ~~لأن الله تعالى لم يقل فلم يثبهم الله إلا بما قالوا جنات وإنما قال عز ~~وجل: (فأثابهم الله بما قالوا جنات) المائة: 85، فأخبر أنه أجرهم على قولهم ~~بالحق، كما قال فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا، ثم أحكام ذلك وقيده بقوله ms0920 ~~تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة) البينة: 5، ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) آل عمران: 7، وكما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من ~~القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم؛ وذلك أن # PageV02P224 # الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع، فلم تقف المرجئة مع شيء ~~من هذا البيان والأحكام، فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب ~~تعلقوا به ووقفوا معه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان لا ~~نصيب لهما في الإسلام، وفي لفظ آخر: لا تنالهم شفاعتي: القدرية والمرجئة، ~~وفي الحديث الغربي: طائفتان لا يدخلون الجنة: من قال أن الإيمان كلام، ~~ورواه حذيفة فقال: إني لأعلم أهل دينين في النار قوم شرار بلا علم، وقوم في ~~آخر الزمان يقولون كانوا ألوفا ضلالا، نسأل الله تعالى أن لا يصرفنا عن فهم ~~آياته ولا يبلونا بالكبر، وإن يرينا سبيل الرشد ويوفقنا لاتخاذه سبيلا، وإن ~~يرينا سبيل الغي ويعصمنا من اتخاذه سبيلا، كما أخبر بذلك عمن بلاه به فقال ~~تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا) الأعراف: 146 الآية. ### | ذكر الاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك # فأما الاستثناء في الإيمان فإنه سنة ماضية وفعل الأئمة الراضية، على معنى ~~الخوف والتقصير، وكراهية التزكية للنفس، لا على وجه الارتياب في اليقين، ~~ولا بمعنى الشك في التصديق، إذ الإيمان مقامات والمؤمنون فيه درجات، ولذلك ~~قال الله تعالى لقوم موصوفين بأعيانهم: (أولئك هم المؤمنون حقا) الأنفال: ~~4، فهذا وصفهم بالكمال ومدحهم بخصال الأعمال، ففي دليل خطابه أن ثم مؤمنين ~~غير حق كيف وقد قال تعالى: (وأن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين) الأنفال: 5 ms0921 - 6، وقال سبحانه وتعالى في وصف آخرين: (يا ~~أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) الصف: 2، وقال في نعت الصادقين: ~~(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) الحجرات: 51، وقال في مثل وصفهم: ~~(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة) البقرة: 177، الآية، فذكر ~~عشرين وصفا إلى قوله: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة: 177، ~~منها الإيثار بالمال على حبه، والوفاء بالعهد، والصبر في الأمراض والجوع ~~والشدائد، فبعد ذلك شهد لهم بالصدق والتقوى وقال في وصف المحبوبين من ~~الموقنين: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و # PageV02P225 # أموالهم) التوبة: 111، وقال في نعت عموم المؤمنين: (وإن تؤمنوا وتتقوا ~~يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم) محمد: 36 - 37، فشتان بين من وصف بالمجاهدة والصدق وبين من نعت ~~بالخلف وعرض للمقت، وبين من وصف بالحق وبين من يجادل في الحق، وكم بين من ~~قبل منه المال والنفس وبين من رد عليه المال ولم يسأله لما علم منه من ~~البخل والضغن، واسم الإيمان يجمعهم ومعناه يجتمع عليهم، إلا أن مقامات ~~الإيمان ترفع بعضهم على بعض وتفاوت بين بعضهم وبعض، كما قال تعالى: (يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة: 11، وكقوله: ~~(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) الحديد: 1،، يعني الجنة على ~~تفاوت الدرجات فيها، فجمع بينهم في الدار كما جمع بينهم في اسم الإيمان، ~~ورفعهم في الدرجات علوا في المقامات، كما قال تعالى: (لهم درجات عند الله ~~والله بصير بما يعملون) آل عمران: 163، وقد روينا في خبر: الإيمان عريان ~~ولباسه التقوى وحليته الورع وثمرته العلم، ففيه دليل أن من لا تقوى له فلا ~~لبس لإيمانه ومن لا ورع له فلا زينة لإيمانه ومن لا علم له فلا ثمرة ~~لإيمانه فإن اتفق فاسق ظالم جاهل كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين وكان ~~إيمانه إلى النفاق ms0922 أقرب ويقينه إلى الشك أميل ولم يخرجه من اسم الإيمان إلا ~~أن إيمانه عريان لا لبسة له، معطل لا كسب له، كما قال: (أو كسبت في إيمانها ~~خيرا) الأنعام: 158، والنفاق مقامات قيل سبعون بابا والشرك مثل ذلك فيها ~~طبقات. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه فهو منافق خالص، وإن ~~صام وصلى وزعم أنه مؤمن؛ من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، ~~وإذا خاصم فجر، وفي بعض هذا الحديث: وإذا عاهد غدر؛ فصارت خمسا، فإن كانت ~~فيه واحدة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها، وفي حديث أبي سعيد الخدري ~~وأبي كبشة الأنماري: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب ~~المؤمن، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدها الماء ~~العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي المدتين غلبت ~~عليه حكم له بها، وفي لفظ آخر: أيهما غلبت عليه ذهب به، # PageV02P226 # وفي الخبر: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ففي تبعيض أخلاق الإيمان وفي وجود دقائق ~~الشرك وشعب النفاق ما يوجب الاستثناء في كمال الإيمان لجواز اجتماع الإيمان ~~والنفاق في القلب ولوجود شعب النفاق وعدم بعض شعب الإيمان من القلب، كيف ~~وقد جاء في الخبر: أكثر منافقي أمتي قراؤها، والحديث الآخر: الشرك أخفى في ~~أمتي من دبيب النمل على الصفا، وقال حذيفة: كان الرجل يتكلم بالكلمة على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت: إني ~~لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات، وفي حديث علي كرم الله وجهه: أن ~~الإيمان ليبدو لمعة بيضاء؛ فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيض ~~القلب كله، وأن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهكت الحرمات نمت وزادت حتى ~~يسود القلب فيطبع عليه؛ فذلك الختم، ثم قال تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون) المطففين: 41؛ فهذا كله موجب للاستثناء في الإيمان خشية ~~خفايا ms0923 الشرك ووجود دقائق النفاق وخوفا من الدعوى للحقيقة والكمال، لأن من ~~قال: إني مؤمن حقا فقد زكى نفسه وعصى ربه، لأن الله تعالى نهى عن الزكية ~~للنفس، وعرض المزكي نفسه للكذاب في قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم ~~بمن اتقى) النجم: 32، وبقوله: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي ~~من يشاء) النساء: 49، ثم قال تعالى: (انظر كيف يفترون على الله الكذب) ~~النساء: 5،، وقد قال إبراهيم عليه السلام في تفسير أحد الوجهين من قوله ~~تعالى: (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) الأنعام: 8،، ومثله ~~قال شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها، يعني ملة الكفر، إلا إن يشاء الله ~~ربنا، ثم عللا جميعا بسعة العلم وسبق المشيئة به فلم يأمنا أن يكونا في سعة ~~علم الله عز وجل وفي خفي مشيئته؛ وهذا هو خوف المكر، وحقيقة المكر معنيان؛ ~~أحدهما أن يظهر شيئا ويخفي ضده، والثاني أن يكشف ما كان ستره ويفشي ما كان ~~أسره بعد الطمأنينة والعزة، والأنبياء مع فضلهم ومكانهم يستثنون في الكفر ~~خيفة المكر، ولا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان ويغتر بظاهر أمره، بل ~~ينبغي أن يستثني في الإسلام أيضا وفي جميع أعمال البر، لأن القبول غير ~~العمل والسابقة غير ما ظهر من المعاملة، ولا ينبغي أن يدع الاستثناء في شيء ~~من الأحوال. # وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) ق: 19، ~~قال: # PageV02P227 # بالسابقة، وقال بعض السلف: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وكان أبو ~~الدرداء يحلف بالله عز وجل: ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه، ويقال: من ~~الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء الخاتمة؛ وهذا من أخوف ما خافه العاملون ~~من قوله تعالى: (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) المؤمنون: 63، وقيل: ~~من الذنوب ذنوب لا عقوبة لها إلا سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ بالله تعالى ~~من ذلك، وقيل: هذا يكون عقوبة الدعوى للولاية والكرامات للافتراء على الله ~~تعالى، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: من ms0924 علامة الأولياء أنهم يستثنون في ~~كل شيء، وقال من قال: أفعل كذا، ولم يقل إن شاء الله تعالى، سئل عن هذا ~~القول يوم القيامة فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وقد نهى الله تبارك وتعالى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يقول شيئا حتى يستثني، وأمره بالاستثناء ~~إذا نسي فقال تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) ~~الكهف: 23 - 24، ثم قال: (واذكر ربك إذا نسيت) الكهف: 24، أي الاستثناء، أي ~~فاستثن إذا ذكرت فتأدب صلى الله عليه وسلم بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في ~~الشيء يقع لا محالة،. # فروي أنه دخل المقابر فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون، وقال سبحانه معلما لعباده الاستثناء ورادهم إليه بمشيئته؛ ~~وهو أصدق القائلين وأعلم العالمين: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين) الفتح: 27، والاستثناء أصل يرد إليه من عرفه ولم ينكر الاستثناء، ~~والأصل هو أن يزيد وينقص فأما زيادته فقد ثبت بنص الكتاب من قوله تعالى: ~~(ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) مريم: 76، ومن قوله تعالى: (فزادهم إيمانا) ~~آل عمران: 173، إلى نظائرها وما يزيد فهو ينقص لأن معناه موجود في الكتاب ~~بدليل الخطاب من قوله تعالى: (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) الإسراء: 82، ~~وقوله: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) المائدة: ~~64، ومن قوله تعالى: (وفي آذانهم وقرا) الأنعام: 25، وفي قوله تعالى: (وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم) التوبة: 125، فما يزيد ~~الظالمين إلا خسارا ينقصهم رجحانا وربحا، وما يزيدهم إلا كفرا ينقصهم ~~إيمانا، وما يكون عليهم عمى ينقصهم بصيرة، وما يكون لهم رجسا يكون لهم من ~~الطهارة نقصا، من قبل أن مزيد الشر نقصان الخير، كما أن مزيد الخير نقصان ~~الشر،، فإذا ثبت أن الإيمان يزيد بالصالحات وينقص بالسيئات وجب الاستثناء ~~فيه، لأن الصالحات درجات يعلو فيها المؤمنون بحسن الولايات والمجاهدات، قال ~~الله تعالى في المجمل من الخطاب: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) آل عمران: ~~139، وقال: (والله ولي ms0925 المؤمنين) آل عمران: 68، وقال في المفسر: (ولكل ~~درجات مما عملوا) الأحقاف: 19، وقال في مثله: (وهو وليهم بما كانوا يعملون) ~~الأنعام: 127، وقال: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله) # PageV02P228 # إلى قوله: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراعظيما) النساء: 95. # وروينا في حديث وائلة بن الأسقع: الإيمان يزيد وينقص، وروي ذلك عن جماعة ~~من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين، وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنهما: ~~ما معنى الاستثناء في الإيمان؟ قال: أليس الإيمان قولا وعملا؟ قيل: نعم، ~~قال: فالتصديق بالقول والاستثناء بالعمل، وقال بعض العلماء: أقرب الناس من ~~النفاق من يرى أنه منه بريء، وقال مرة: آمنهم له، وقال عمر مولى عفرة: أقرب ~~الناس إلى النفاق الذي إذا زكى بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه، وأبعد الناس ~~منه من يتخوف أنه لا ينجيه حقيقة ما هو فيه، وقال بشر بن الحرث: سكون القلب ~~إلى قبول المدح أضر عليه من المعاصي، وكان سهل يقول: غفلة العالم السكون ~~إلى الشيء، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء، والسكون عندهم من الدعوى، ~~والدعوى من المعاصي، وقال حذيفة اليوم المنافقون أكثر منهم على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه، وقيل ~~للحسن: إن قوما يقولون لانفاق اليوم، فقال: يا ابن أخي لو هلك المنافقون ~~لاستوحشتم في الطرقات، وعنه وعن غيره: لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن ~~نطأ على الأرض، وسمع ابن عمر رجلا يطعن على الحجاج فقال: أرأيت لو كان ~~حاضرا بين يديك أكنت تتكلم فيه بما تكلمت الآن؟ قال: لا، قال: كنا نعد هذا ~~نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من كان ذا لسانين في الدنيا جعل له لسانان من نار في الآخرة، وفي خبر ~~آخر: شر الناس ذو الوجهين يأتي هولاء بوجه وهؤلاء بوجه، وقيل للحسن إن قوما ~~يقولون: لا نخاف النفاق، فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب ~~إلي ms0926 من تلاع الأرض ذهبا، وقال الحسن: إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب ~~والسر والعلانية والمدخل والمخرج، وقال رجل لحذيفة: إني أخاف أن أكون ~~منافقا، فقال: لو كنت منافقا ما خفت أن تكون منافقا، إن المنافق قد أمن ~~النفاق لأن النفاق على ضربين؛ نفاق ينقل عن الملة وهو الشك في دين الله ~~تعالى والرد لشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفاق لا ينقل عن الملة ~~ولا يخرج عن الإسلام، ولكنه ينقص الإيمان ويذهب حقيقته، ويطفئ أنواره، ~~ويحرم مزيده، ويحبط الأعمال، ويوجب المقت # PageV02P229 # والإعراض؛ وهو الرياء والمداهنة والتصنع للخلق والتزين بالحق وائتلاف ~~الألسنة واختلاف القلوب وتفاوت القول والعمل ومخالفة الأمر إلى ما ينهي عنه ~~واختلاف السر والعلانية وزيادة الظواهر على السرائر، وهذا المعنى من النفاق ~~الذي خالفه السلف وكانوا منه على إشفاق، وكان سهل يقول: المرائي حقا الذي ~~يحسن ظاهره، حتى لا تنكر العامة والعلماء من ظاهره شيئا وباطنه خراب، وقد ~~كان الحسن وأصحابه يسمون أهل البدع منافقين، وكان ابن سيرين وأصحابه ~~يسمونهم خوارج، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين ومائة، وفي رواية خمسمائة ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقال مرة: ~~ما منهم أحد يقول أنا على إيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام. # وقد روينا عن علي وأبي سعيد قال: الأرجاء بدعة وقال أبو أيوب: أنا أكبر ~~من الأرجاء، أول من أحدث الأرجاء رجل من أهل المدينة ذكره، وقال قتادة: لعن ~~الله دينا أنا أكبر منه، وإنما ظهر الأرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث يعني في ~~ولاية الحجاج، وقال سفيان الثوري: من قال أنا مؤمن عند الله فهو من ~~الكذابين، ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة، قيل: فما يقول؟ قال: (قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) البقرة: 136 الآية، فقيل ~~للحسن: أمؤمن أنت؟ قال إن شاء الله، فقيل: تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟ ~~فقال: أخاف أن أقول نعم فيقول الله تعالى: كذبت يا حسن فيحق علي الكلمة، ~~وكان يقول ما ms0927 يؤمنني أن يكون الله عز وجل قد اطلع علي في بعض ما يكره ~~فمقتني، وقال: اذهب لا قبلت لك عملا أبدا فأنا أعمل في غير معمل، وكان ~~جماعة من أهل العلم يرون السؤال عن قوله أمؤمن أنت؟ بدعة، ويقول بعضهم: إذا ~~قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وكتبه ورسله، وقال إبراهيم: إذا قيل لك ~~أمؤمن أنت؟ فقل: ما أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة. # وروينا عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم النخعي: إذا سئلت ~~أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله، ومنصور عن إبراهيم قال: سئل علقمة فقال: ~~أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو ذاك إن شاء الله، وكان الثوري يقول: نحن مؤمنون ~~بالله وملائكته ورسله وما ندري ما نحن عند الله، وقال بعض العلماء: أنا ~~مؤمن بالإيمان غير شاك فيه ولا أدري أناممن قال الله سبحانه أولئك هم ~~المؤمنون حقا أم لا. # وقال بعض العارفين: لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على ~~التوحيد # PageV02P230 # عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة، قيل: ولم؟ قال: لأني لا أدري ~~ما يعرض لقلبي من التغير عن التوحيد من باب الحجرة إلى باب الدار، وقال أبو ~~سليمان الداراني: سمعت فلانا - يعني بعض الأمراء - يتكلم على المنبر بكلام ~~أردت أن أقوم فأنكر عليه فخشيت أن يأمر بقتلي، فلم يكن بي أن أموت ولكن ~~خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق بأني أمرت بالمعروف على الإمام وقتلت في ~~الله عز وجل عند خروج روحي فكففت عن ذلك. # وقال بعض العارفين: لو عرفت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني ~~وبينه سارية ثم مات، لم أحكم أنه مات على التوحيد لعلمي بسرعة تقليب ~~القلوب، وقال منصور بن زاد: إن كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا سئل قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقال أبو وائل: قال رجل لابن ~~مسعود: لقيت ركبا فقالوا: نحن المؤمنون فقال: ألا قالوا نحن من أهل الجنة؟ ~~وقال بعض أصحاب عبد الله لرجل: أمؤمن أنت؟ ms0928 قال: نعم، فذكر ذلك لابن مسعود ~~فقال: سلوه أمن أهل الجنة أنت؟ فقال: أرجو، فقال: ألا رجيت الأولى كما رجيت ~~الثانية، ونقش ابن لبعض التابعين على خاتمه: فلان لا يشرك بالله تعالى شيئا ~~فقال أبوه: هذا أقبح من الشرك. # وقال بعض السلف: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه أبعدهم منه عند نفسه، ~~وفي الخبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه ~~فذكروا رجلا ومدحوه وأحسنوا الثناء عليه، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ~~يقطر وجهه ماء من أثر الوضوء قد علق نعليه بيديه وبين عينيه أثر السجود ~~فقالوا: يا رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفنا لك آنفا، فلما نظر إليه صلى ~~الله عليه وسلم قال: أرى على وجهه سفعة من الشيطان، يعني ظلمة، فجاء الرجل ~~حتى سلم وجلس مع القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نشدتك الله هل ~~حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك؟ فقال: اللهم نعم، في ~~الحديث: من قال إني مؤمن فهو كافر، ومن قال إني عالم فهو جاهل، ومن قال إني ~~في الجنة فهو في النار، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق ~~رضي الله تعالى دعاء قال: قل فيه: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم، وجاء في الخبر: الشرك # PageV02P231 # في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا، وكان من دعاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم، فقيل له: أتخاف يا رسول ~~الله؟ قال: وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف ~~يشاء، وقال الله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) الزمر: ~~74، قيل: عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات، فلما كان عند الحساب والميزان ~~وجدوها سيئات، وقيل كانت هذه الآية مبكاة العابدين، وقيل في معنى قوله ~~تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) الأنعام: 115، وقيل: صدقا لمن مات على ~~الإيمان وعدلا لمن ms0929 مات على الشرك كقوله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمت ~~ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية) يونس: 96 - 97، وقال سبحانه: (ولهم أعمال ~~من دون ذلك هم لها عاملون) المؤمنون: 63، وقال: (ينالهم نصيبهم من الكتاب) ~~الأعراف: 37، وقال: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) هود: 9، 1، وقال: ~~(ولله عاقبة الأمور) الحج: 41، وقال: (لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ~~إلا لله) النمل: 65، فالاستثناء في الإيمان هو من الإيمان، والاستثناء في ~~كل شيء من علامة الأولياء، والإشفاق من الشرك والنفاق، هو من مزيد الإيمان ~~لئلا يسكن العبد إلى شيء ولا يزكي نفسه بشيء، وقال سري السقطي: لو أن رجلا ~~دخل إلى بستان فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الأطيار فخاطبه كل طير ~~منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيرا في ~~أيديها. # PageV02P232 ### | الفصل السادس والثلاثون # فضائل أهل السنة والطريقة ### | وطرق السلف من الأئمة # السنة اسم من أسماء الطريق، وهو اسم للطريق الأقوم، يقال: طريق وطريقة ~~وسنن وسنة وحجة ومحجة، فمن فضائل السنة وطريق أهلها التقلل من الدنيا في كل ~~شيء، والقناعة من الله تعالى بأدنى شيء، والتواضع لله بكل شيء، وفي الخبر ~~فضل العبادة التواضع، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع لا ~~يوجدن إلا بعجب التواضع؛ وهو أول العبادة، والصمت، وذكر الله تعالى، وقلة ~~الشيء، واعلم أن التواضع يظهر بمعان خمسة: بالقول، والفعل، والزي، والأثاث، ~~والمنزل، يكون في المؤمن بعضها، فمن كملت فيه فهو متواضع، والكبر ضد ~~التواضع وهو يظهرأيضا بأضداد هذه الخمسة يبتلي المؤمن ببعضها ويعافى من ~~البعض، فمن كملت فيه فهو متكبر، وحقيقتها في القلب وظاهرها بالأفعال ~~والأقوال ثم الورع عن الشبهات والمشكلات من العلوم والأعمال أن يقدم عليها ~~بنطق أو عمل ولا يعتقد نفيها ولا إثباتها خشية أن يكون معتقد الباطل أو ~~نافيا لحق، بل يكون اعتقاده فيها تسليما لله عز وجل، ويقول: آمنت بحقائقها ~~عند الله تعالى فذلك تعبد من الله عز وجل للمؤمنين فيما تشابه من الأمور، ~~أن يسكتوا ms0930 ويسلموا، وبذلك وصف الراسخين في العلم وأقسم بنفسه على نفي إيمان ~~من لم يسلم تسليما وجعل التسليم مزيد الإيمان في قوله تعالى: (وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما) الأحزاب: 22، وفي الخبر: إنما الأمور ثلاثة أمر استبان ~~رشده فاتبعه، وأمر استبان غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليه فكله إلى عالمه، ~~وكذلك ابن مسعود يقول: إن لهذا القرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه ~~فاعملوا به، وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه، وكان أيضا يقول: أنتم اليوم في ~~زمان خيركم فيه المسارع، وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المتبين يعني ~~لوضوح الحق في القرن الأول ولدخول الشبهات في زماننا # PageV02P233 # هذا، فصار الحق غامضا فكان خير الناس اليوم المتثبت بالورع، كما أخبر أن ~~خيرهم يومئذ المسارع بالفضل ومما يدلك أن الإيمان هو التسليم، كما أن ~~الإيمان هو التصديق، أن في قراءة بعض التابعين منهم جعفر بن محمد، وقد ~~رويناه عن أبي جعفر ومحمد بن علي أنهما قرأا: (واجعلنا مسلمين لك) البقرة: ~~128 وقرأا أيضا: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) الزخرف: 69 فلولا ~~أنهما بمعنى واحد لم يجز أن يخالفوا المعنى في المقروء. # وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأمر المتشابه الذي يشبه ~~الحق من جهة ويشبه الباطل من جهة: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ولكن ~~قولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، هذا لأن الله سبحانه ~~وتعالى أنزل التوراة؛ فهي حق، ثم أخبر أنهم قد حرفوها فاحتمل أن يكون ما ~~يخبرون به المؤمنين مما أنزل الله تعالى فلا يحل التكذيب به ولا اعتقاد ~~نفيه، واحتمل ما يخبرون به المؤمنين أنهم حرفوا فلا يحل قبوله ولا اعتقاد ~~ثبوته، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإيقاف ذلك والإيمان بما أنزل الله ~~تعالى جملة، فإن كان ما أخبروهم حقا دخل فيه، وإن كان باطلا لم يضره، ~~فالمسلم هو الذي يسلم ما لم يظهر دليله في العقل لأجل القدرة والسنة ~~والنقل، كما أن المؤمن هو الذي يصدق بما لم يظهر بمشاهدة العين الإيمان ms0931 ~~بالغيب، لأن العقل بصره القلب كالعين بصر الجسم، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم رفع القلم عن المجنون حتى يعقل، كما قال الله تعالى: (ليس على ~~الأعمى حرج) النور: 61، ثم ترك ما لا يعني مما قد كفي ومما لم يكل إليه من ~~القول والفعل، لأن الدخول فيما لا يعني هو التكلف المنهي عنه الذي أخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأتقياء من أمته براء منه، وهو يشغل ~~ويقطع عما يعني، وفيما يعني شغل عما لا يعني لكل فطن عاقل، وهو أصل الحكمة ~~فيما أخبر به لقمان لما سئل: أنى أوتي الحكمة؟ قال: بشيئين لا أتكلف ما ~~كفيت ولا أضيع ما كلفت فهذا شيء لا يضر جهله ولا ينفع فعله، ولأنه شيء كتب ~~عليه لم يكن له فيه فضل وإن سمع منه وظهر به، ولم يكن له فيه مزيد ولا ~~لغيره نفع، ثم كف الأذى؛ فإن ذلك من الورع، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: ~~كف الأذى كسب العقل واحتمال الأذى كسب العلم، والنصيحة للخلق والرحمة لهم ~~كسب الإيمان من العمل في قطع ما قد اعتاد من عاجل حظوظ النفس مما يقطعه عن ~~العمل لأجل الآخرة وأعمال النفس وإجهادها، وأن لا يكون لها معتاد من شهوة ~~تعود على النفس منه منازعة، فإن العادة جند غالب لأجلها تعذرت التوبة ~~ولغلبتها رجع العبد عن الاستقامة؛ وهي باب من أبواب الهوى، إلا فيما أمر به ~~العبد أو ندب إليه، قال أبو سليمان الداراني: إن قدرت أن لا يكون لك وقت ~~معتاد في الأكل تنازعك نفسك إليه فافعل، وقال: لأن أترك لقمة من عشائي أحب ~~إلي من قيام ليلة، أي لنقص النفس من المعتاد والتقلل أيضا، وقال أيضا، ترك ~~شهوة من شهوات # PageV02P234 # النفس أنفع للقلب من صيام سنة، وقيامها هذا كله خشية إيلاف العادات، ~~فتنازع النفس إلى الألف فلا يمكنك ضبطها لغلبة الوصف، ثم حسن الصبر على ما ~~أمر به، وحسن الصبر عما نهى عنه؛ فإن ذلك من أفضل الأعمال وله فضائل ms0932 المزيد ~~والكمال. # وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتق المحارم تكن من ~~أعبد الناس، وفي لفظ آخر: تكن من أورع الناس، ومن أحسن ما سمعته من عظيم ~~المثوبة في الصبر عن المعصية ما حدثونا في الإسرائيليات: أن رجلا تزوج ~~امرأة من بلدة، وكان بينهما مسيرة شهر، فأرسل إلى غلام له من تلك البلدة ~~ليحملها إليه فسار بها يوما، فلما جنه الليل أتاه الشيطان فقال له: إن بينك ~~وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها ليالي هذا الشهر إلى أن تصل إلى زوجها، ~~فإنها لا تكره ذلك وتثني عليك عند سيدك فتكون أحظى لك عنده، فقام الغلام ~~يصلي فقال: يا رب، إن عدوك هذا جاءني فسول لي معصيتك، وإنه لا طاقة لي به ~~في مدة شهر وأنا أستعيذك عليه يا رب فأعذني عليه، واكفني مؤونته، فلم تزل ~~نفسه تراوده ليلته أجمع وهو يجاهدها حتى أسحر فشد على دابة المرأة وحملها ~~وسار بها، قال: فرحمه الله تعالى، فطوى له مسيرة شهر فما برق الفجر حتى ~~أشرف على مدينة مولاه، قال: وشكر الله تعالى له هربه إليه من معصيته فنبأه، ~~فكان نبيا من أنبياء بني إسرائيل، ثم إعداد العدة لما يستقبل إذا كان ذلك ~~من مريدي السعي للآخرة والشغل بالنفس والإقبال عليها دون الناس فقد وجب ~~ذلك، والزهد في فضول الشهوات واجتناب كثير من الشبهات فقد افترض ذلك، وقلة ~~الذكر للناس ولأمور الدنيا فقد حسن ذلك، ومنه غفلة وقسوة للقلب وكثرة الذكر ~~لله تعالى والتذكير به وذكر آلائه ونعمائه وحسن الثناء عليه والمدح له، وقد ~~كان بعض العلماء يقول: من جالسنا فليجتنب ذكر ثلاث خصال وليقض فيما يشاء: ~~يجتنب ذكر الناس فإنهم داء، ويجتنب ذكر الدنيا فإنها قسوة، ويجتنب كثرة ~~الطعام فإنها شره، وقال عالم آخر: من جالسنا فلا يذكر إلا الله وحده، فإن ~~كان لا بد من ذكر غيره فليذكر الآخرة وليذكر الصالحين، وكان سهل رحمه الله ~~تعالى ورضي عنه يقول: السنة ما كان عليه النبي صلى ms0933 الله عليه وسلم وأصحابه، ~~وأول السنة الزهد في الدنيا لأنهم كانوا زاهدين، وكذلك جاء الخبر في وصف ~~الفرقة الناجية: من كان على ما أنا عليه وأصحابي فقد كانوا على هذه الأوصاف ~~التي ذكرناها، فمن كان على ذلك فهو على السنة فهذه فضائل السنة وهو مزيد ~~الإيمان وحسن اليقين. ### | ذكر عري الإيمان وجمل الشريعة # قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها) # PageV02P235 # الجاثية: 18، فالشريعة اسم من أسماء الطريق، وهو اسم الطريق الواضح ~~المستقيم الواسع، وهو وصف لطريق جامع لجوامع المحاج كلها، كأنه طريق يستوعب ~~ويجمع سائر الطرق، وللطريق أسماء كثيرة منها الصراط المستقيم والسبيل ~~والمنهاج والمحجة والمنسك، وجاء من اشتقاق هذا اللفظ أربعة أسماء: شارع، ~~ومشرعة، وشرعة، وشريعة؛ وهو اسم لأوسعها وأوعبها لجميع الطرق، فالشريعة ~~تشتمل على اثنتي عشرة خصلة هي جامعة لأوصاف الإيمان؛ أول ذلك الشهادتان وهي ~~الفطرة، والصلوات الخمس وهي الملة، والزكاة وهي الطهرة، والصيام وهو الجنة، ~~والحج وهو الكمال، والجهاد وهو النصر، والأمر بالمعروف وهو الحجة، والنهي ~~عن المنكر وهو الوقاية، والجماعة وهي الألفة، والاستقامة وهي العصمة، وأكل ~~الحلال وهو الورع، والحب والبغض في الله وهو الوثيقة، وقد روينا بعض هذه ~~الخصال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء نحوها عن ابن عباس وابن ~~مسعود رضي الله عنهما. ### | ذكر شرط المسلم الذي يكون به مسلما # لا يكون معتقد البدعة، ولا مقيما على كبيرة، ولا آكل الحرام، ولا طاعنا ~~على صالح السلف، ويكون كاف اللسان واليد عن أعراض المسلمين وأموالهم، ويكون ~~ناصحا لجميع المسلمين مشفقا عليهم، يسره ما يسرهم ويسوءه ما يسوءهم، سيما ~~لأئمتهم، داعيا لجملتهم، ويكون مخلصا لأعماله كلها لله تعالى، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ~~ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، وروي عنه: ثلاث لا يغل عليهن قلب ~~مسلم: إخلاص العلم لله تعالى، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن ~~دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال ms0934 في زماننا هذا فهو من ~~أولياء الله عز وجل؛ وهذا أول ولاية وأول نظرة من الله تعالى حامية عاصمة ~~راحمة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله: اكتب إلي بسيرة عمر ~~رضي الله تعالى عنه في الناس فإني أحب أن أسير بها فكتب إليه: أما بعد فإنك ~~لست في زمان عمر، ولا لك رجال كرجال عمر؛ فإن عملت في زمانك هذا ورجالك ~~هؤلاء بسيرة عمر فأنت خير من عمر رضي الله عنه. ### | ذكر حسن إسلام المرء وعلامات محبة الله تعالى له # يكون محبا للخير وأهله، مجانبا للشر وأهله، مسارعا إلى ما ندب إليه أو ~~أمر به إذا # PageV02P236 # قدر عليه، حزينا على ما فات من ذلك إذا أعجزه، تاركا لما لا يعنيه من ~~الأقوال والأفعال، بريئا من التكلف؛ وهو اجتناب ما لم يؤمر به ولم يندب ~~إليه من ترك وفعل مصليا للخمس في جماعة إذا أمن الفتنة وسلم له دينه، ~~ومجتنبا للغيبة ولذكر الناس، يحب للكافة ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره ~~لنفسه، ومسارعا إلى الخيرات، مسابقا إلى أعمال البر والقربات، طويل الصمت، ~~لين الجانب، ذليلا للمؤمنين، عزيزا على المتكبرين، لا يماري في الباطل ولا ~~يداهن في الدين، ولا يبغض على شيء من الحق وإن كان عليه، أو من أبعد الناس ~~منه، ولا يحب على شيء من الباطل وإن كان له أو من أقرب الناس إليه، كارها ~~للمدح ممن يحبه، قابلا للنصح ممن يبغضه، يكون المدح والذم يجريان من قلبه ~~مجرى واحد، صدوقا فيما يضره، غير متصنع بما يستعجل نفعه، سريرته أفضل من ~~علانيته، محتملا لأذى الخلق، صابرا على بلائهم، منفردا بحاله عنهم، تاركا ~~الكثير من مجالسهم واجتماعهم خشية دخول الشبهات عليه، وخوفا من تغير قلبه ~~له، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في زماننا هذا فهو من المريدين للآخرة، وهذه ~~ولاية ثانية ونظرة ثانية، ويقال إن أبدال كل قرن على قدر زمانهم وفي كل قرن ~~سابقون ومقربون. # وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: (لتركبن طبقا عن ms0935 طبق) الإنشقاق: 19، ~~قال: لتركبن في كل قرن في طبقة من الناس على حال لم يكونوا عليه، وأكثر ما ~~قيل في القرن مائة سنة، وأقل ما قيل فيه أربعون، وأوسط ذلك وأعدله وأشبهه ~~بحمل الأحاديث والأخبار فيه أن القرن سبعون سنة؛ وهو قول علي رضي الله عنه، ~~لأن رأس المائتين تمام ثلاثة قرون من المبعث، ونحن الآن في القرن السادس من ~~أول سنة أربعين وثلاثمائة وآخره سنة عشر وأربعمائة، ويقال: إن الشمس تطلع ~~من المغرب بعد القرن السابع وهو رأس الثمانين وأربعمائة وعلى قول من قال: ~~القرن مائة سنة تطلع بعد سبعمائة سنة، وفي الخبر: أن ملك الموت إذا جاء ~~لقبض روح المؤمن قال له ملكاه: أنظرنا حتى نملأ مسامعه من الثناء الحسن، ~~فيقولان: جزاك الله عنا خيرا فإنك كنت ما علمنا سريعا في طاعة الله تعالى ~~بطيئا عن معاصية تحب الخير وأهله وتعمل بما استطعت منه، فرب كلام حسن قد ~~أسمعتنا ومجلس كريم قد أجلستنا فأبشر بالموعود الصدق بيننا وبينك الوقوف ~~بين يدي الله تعالى بالشهادة لك عنده غدا. ### | ذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين # وذلك عشر خصال مجموعة من ستة أحاديث؛ حديث علي رضي الله عنه: للمسلم على ~~المسلم ست خصال واجبة، وحديث أبي أيوب الأنصاري: حق المسلم على المسلم ست ~~خصال إن ترك منها شيئا ترك حقا واجبا عليه، وحديث البراء بن عازب: أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، وحديث ابن مسعود: للمسلم ~~على المسلم أربع خلال واجبات، وحديث سعد وأبي هريرة في معنى ذلك، وحديث ~~أنس: أربع من حق # PageV02P237 # المسلم عليك إلا أنه ذكر غير ذلك، فاختلفت الألفاظ في الخصال وأنفقت ~~المعاني، وذكر بعضهم في حديث ما لم يذكره الآخر، فجمعنا اختلافهم وعدد جمل ~~الخصال فكانت عشرة إلا ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه؛ فإنه حديث غريب ~~مؤكد للخصال وزائد عليها في الألفاظ نذكره بعدها، فأما الخصال العشر التي ~~كثرت الأخبار بها فهي أن يسلم ms0936 عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا ~~عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات، ويبر قسمه إذا أقسم عليه، ~~وينصح له إذا استنصحه، ويحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنه، ويحب له ما يحب ~~لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فأما حديث أنس: فروينا عن إسماعيل بن أبي ~~زياد عن أبان بن عياش عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع ~~من حق المسلم أن تعين محسنهم وأن تستغفر لمذنبهم وأن تدعو لمدبرهم وأن تحب ~~تائبهم؛ فهذه الخصال داخلة في تلك الخصال وجامعة لها في معنى النصيحة ~~لأخيك، وفي أن تحب له ما تحب لنفسك، وقد كان ابن عباس يؤكد هذا المعنى خاصة ~~للمسلم على المسلم، ويفرضه فرض الحلال والحرام، ويفسر به قوله: رحماء ~~بينهم، فحدثناه في رواية جبير عن الضحاك عنه في قول الله عز وجل: رحماء ~~بينهم؛ يعني متوادين بينهم، يدعو صالحهم لطالحهم، إذا نظر الطالح إلى ~~الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك له فيما قسمت له من ~~الخير، وثبته عليه، وانفعنا به؛ وإذا نظر الصالح إلى الطالح من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اهده، وتب عليه، واغفر له، قال ابن عباس هذه ~~الآية من حلالكم وحرامكم؛ فهذه الخصال المذكورة جامعة مختصرة في حرمة ~~المسلمين ووجوب حق بعضهم على بعض لا عذر لأحد منهم في تركها إلا من عذرته ~~السنة، ويشهد له العلم، وبعضها أوكد من بعض وأكمل المؤمنين إيمانا لقومهم ~~بها وأسرعهم إليها قد كثرت بها الروايات، وقد كان بعض السلف تركوا منها ~~ثلاثة: إجابة الدعوة، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، إلا أن هؤلاء اعتزلوا ~~الناس أصلا وكانوا أحلاس بيوتهم لم يخرجوا إلا إلى الجمعات، ومنهم من ترك ~~الجماعات وكان منهم من تبوأ الجبانات وفارق الأمصار والإخوان، وقال سهل: ما ~~أعلم شيئا أشد من حقوق الناس وكان يقول من كف أذاه عن الخلق مشى على الماء، ~~وقال أبو يزيد وغيره بغية العقلاء السلامة من الله تعالى، ms0937 ومن أراد السلامة ~~من الله فليسلم الناس منه، فمن أراد أن يسلم الناس منه فليبعد منهم، فقد ~~أنشدت لبعضهم في معناه: # الناس بحر عميق ... والبعد منهم سلامه # وقد نصحتك فانظر ... لا تدركنك ندامه # وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اتقوا الله واتقوا ~~الناس، وعن # PageV02P238 # ابن عباس مثلها: لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس، وقال مرة: لدخلت ~~بلادا لا أنيس بها وهل يفسد الناس إلا الناس؟ وقال بعض السلف: كلما كثرت ~~المعارف كثرت الغرماء وكلما أطالت الصحبة توكدت الحقوق، وقال بعض العلماء: ~~من عرف نفسه استراح، ومن عرف الناس تعنى، وقال بشر بن الحرث في ضده: من عرف ~~الناس استراح، وقد قيل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: مداراة الناس ~~صدقة، قال: مداراتهم في العلوم ومفارقتهم في العقول وفي أحد الوجوه من قوله ~~تعالى: (إدفع بالتي هي أحسن) المؤمنون: 96، قال هي المداراة، وفي الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير ~~الدنيا والآخرة، ومن منع حظه من الرفق منع حظه من الدنيا والآخرة. ### | ذكر سنن الجسد # وفي الجسد اثنا عشرة سنة، وذلك مأخوذ من ثلاثة أحاديث متفرقة: منها حديث ~~جبريل عليه السلام حين استبطأه النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي؛ خمس منها ~~في الرأس وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق شعر الرأس؛ ~~ومنها سبع في الجسد: وهي الختان، والاستحداد، وانتفاض الماء وهو الاستنجاء ~~ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وغسل البراجم، وتنظيف الرواجب، فأما البراجم ~~فهي معاطف ظهور الأنامل لم تكن العرب تكثر غسل ذلك لتركها غسل أيديها عقيب ~~الطعام، فكان يجتمع في تلك المكاسر الوسخ فأمروا بغسلها، قال أبو هريرة ~~وغيره من أهل الصفة: كنا نأكل الشواء ثم تقام الصلاة فندخل أصابعنا في ~~الحصباء، ثم نفركها في التراب ونكبر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما ~~كنا نعرف الأشنان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كانت ~~مناديلنا بواطن أرجلنا، كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا ms0938 بها، ويقال: أول ما ظهر ~~من البدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع: المناخل، والأشنان، ~~والموائد، والشبع؛ فهذه كلها في شأن الجوف وهو شر وعاء مجوف، وأما الرواجب ~~فهي جمع راجبة وهي واحدة الأنامل لم تكن العرب يتفق لها الجلمان في كل وقت ~~فيقصون أظفارهم فوقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقص الأظفار ونتف ~~الإبط وحلق العانة أربعين يوما، إلا أنه أمر بتنظيف ما تحت الأظافر لأنه ~~مجمع النفث؛ وهي الرواجب إلى أن يقصوا أظفارهم، وجاء في الأثر: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استبطأ الوحي فلما هبط جبريل عليه السلام قال له: كيف ~~ننزل عليكم وأنتم لا تغسلون براجمكم ولا تنظفون رواجبكم، وقلحا لا تستاكون؟ ~~مر أمتك بذلك. # PageV02P239 # ويقال لما تحت الأظافر من الوسخ الأف، وهو الذي يقال أف وتف؛ فالأف وسخ ~~الظفر، والتف وسخ الأذن، وقيل: بل التف كلمة اتباع للمبالغة في التأذي ~~بالقذر المؤذي؛ ومن ذلك قولهم في الإتباع جائع نائع وعطشان نطشان ولا أثر ~~له ولاعنبر، وقيل من هذا قول الله تعالى: (فلا تقل لهما أف) الإسراء: 23، ~~أي لا تعبهما بما تحت الظفر من الوسخ، وقيل: لا تؤذهما تأذيك بما تحت ظفرك ~~من الأذى أو لا تؤذهما بمقدار ذلك. ### | ذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع المحدثة # قد ذكر في بعض الأخبار: أن لله تعالى ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم ~~باللحي، ويقال: إن اللحية من تمام خلق الرجل وبها تميز الرجال من النساء في ~~ظاهر الخلق، في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان كث اللحية، ~~وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية دقيقها، وكان علي رضي الله تعالى ~~عنه عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه، ويقال: إن أهل الجنة مرد إلا هارون ~~أخا موسى عليهما السلام فإن له لحية إلى صدره تخصيصا له وتفضيلا، ووصف بعض ~~بني تميم من رهط الأحنف بن قيس قال: وددنا أنا اشترينا للأحنف اللحية ~~بعشرين ألفا فلم يذكر حنفه في رجله ms0939 ولا عوره في عينه وذكر كراهية عدم لحيته ~~وكان عاقلا حليما، وقد روينا من غريب تأويل قوله تعالى: (يزيد في الخلق ما ~~يشاء) فاطر: 1، قال اللحي وفيه وجوه كثيرة، وذكر عن شريح القاضي قال: وددت ~~لو أن لي لحية بعشرة آلاف، وقال بعض الأدباء في اللحية خصال نافعة منها ~~تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار، ومنها رفعه في المجالس ~~والإقبال عليه، ومنها تقديمه على الجماعة وتعقيله وفيها وقاية للعرض؛ يعني ~~إذا أرادوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه، وقال أبو يوسف القاضي: من عظمت ~~لحيته جلت معرفته، ففي اللحية من خفايا الهوى ودقائق آفات النفوس، ومن ~~البدع المحدثة اثنتا عشرة خصلة بعضها أعظم من بعض وكلها مكروهة، قد كنا ~~أجملنا ذلك عددا في باب آفات النفوس، فأما تفسيره فإن من ذلك خضابها ~~بالسواد لأجل الهوى وتدليس الشيبة، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية ~~تشبيها بالصالحين والقراء من السنة، وتبييضها بالكبريت وغيره استعجالا ~~لإظهار علو السن وستر الحداثة لأجل الرياسة والتعظيم ليشهد عند الحكام أو ~~لينفق بذلك حديثه ويدعي بالسن مشاهدة من لم يره، فعل ذلك بعض المحدثين وبعض ~~الشهود، ومن ذلك نتفها أو نتف الشيب منها تغطية للتكهل، ومنها تقصيصها ~~كالتعبية طاقة على طاقة للتزين والتصنع، ومن ذلك النقصان منها # PageV02P240 # والزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ من شعر الرأس حتى ~~يجاوز عظم اللحى وذلك هو حد اللحية، أو ينقص من العظمين إلى نصف الخد وذلك ~~مثله وهو نقصان من اللحية، ومن ذلك تسريحها لأجل الناس تصنعا أو تركها لأجل ~~الناس شعثة مفتلة مغبرة إظهارا للزهد أو التهاون بالقيام على النفس لأنه قد ~~عرف بذلك، ومن ذلك النظر إلى سوادها عجبا بها وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا؛ ~~ومن ذلك النظر إلى بياضها تكبرا بكبر السن وتطاولا على الشبان فيحجبه نظره ~~إليها عن النظر إلى نفسه من تعلم العلم وتعلم القرآن الذي لا يسعه جهله ~~والسؤال عما يجهله استصغارا لغيره من الشباب، أو حياء من شيبه، أو استنكافا ms0940 ~~منه، فيظن بجهله أن كثرة الأيام التي بيضت شعر لحيته أعطته فضلا أو جعلت ~~فيه علما، ولا يعلم أن العقل غرائز في القلوب وأن العلم مواهب من علام ~~الغيوب، ومن كانت غريزته الحمق وطبيعته الجهل كثرت حماقته كلما كبر وعظمت ~~هالته إذا أسن، وقد روينا جميع ذلك في كثير من الناس وهذا كله محدث وهو ~~ضاهي سنن الجسد الاثنتي عشرة في العدد، ومما جاء في جمل معاني ما ذكرناه من ~~الكراهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حفوا الشوارب واعفوا اللحى، ~~فقوله: حفوا أي اجعلوها حفافي الشفة أي حولها، لأن حفاف الشيء حوله، ومن ~~ذلك قوله عز وجل: (وترى الملائكة حافين من حول العرش) الزمر: 75، وكان بعض ~~العلماء يكره حلق الشارب حتى تظهر البشرة ويراه بدعة، وقد كان مالك بن أنس ~~وبعض علماء المدينة يقولون: حلق الشارب مثله إنما هو الأخذ منه حتى يبدو ~~الإطار والإطار حروف الشفة من فوق. # وفي الحديث لفظة أخرى: أحفوا الشوارب، والإحفاء هو الاستئصال والاستقصاء؛ ~~وهو أبلغ من قوله: حفوا، ومن هذا قوله عز وجل: (إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا) محمد: 37 أي يستقصي عليكم، وقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحفي شاربه، ونظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه، فقال: ~~ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقلت هكذا كانوا يحفون ~~شواربهم، فقال: نعم وأشد من هذا كالحلق، وليس الإحفاء حلقا إلا أنه شبيه ~~به، وقد روينا في هذا الحديث ثلاثة ألفاظ أخر وهو: خذوا من الشوارب فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من شاربه، وروي قصوا الشوارب، وجزوا ~~الشوارب؛ فهذه الثلاثة بمعنى واحد وهو يقتضي أخذ بعضه وترك البعض ليست ~~كالإحفاء، وقال المغيرة بن شعبة: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~عفا شاربي فقال تعال: فقصه لي على سواك فهذا نص من فعله في أخذ الشارب، وقد ~~رويت لفظة غريبة طروا الشوارب طرا؛ والطر أن يؤخذ من فوق الشارب ms0941 ومن تحته ~~يستدق، والطر الدقيق المستطيل المستخرج من شيء أكثر منه حتى يحمل على وصف # PageV02P241 # دونه أو أصغر منه؛ ومن هذا سميت الطرة كأنها مستخرجة من شيء كثير مجعولة ~~على وصف لطيف، وكان بعض السلف يترك سباليه وهما طرفا الشارب ويحفي وسط ~~شاربه، وروي هذا عن عمر وغيره، وكذلك رأيت أبا الحسن بن سالم رحمه الله ~~تعالى يفعل فأما قوله: وأعفوا اللحى يعني كثروها، ومن هذا قول الله عز وجل ~~(حتى عفوا) الأعراف: 95، أي كثروا، وفي الخبر أن اليهود يعفون شواربهم ~~ويقصون لحاهم، فخالفوهم ورد عمر بن الخطاب وابن أبي ليلى قاضي المدينة ~~شهادة رجل كان ينتف لحيته ونتف الفينكين بدعة؛ وهما جنبتا العنفقة، شهد رجل ~~عند عمر بن عبد العزيز بشهادة وكان ينتف فينكيه فرد شهادته. # وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: النهي عن نتف الشيب وقال: هو نور ~~المؤمن ونهى عليه السلام عن الخضاب بالسواد قال: هو خضاب أهل النار، وفي ~~لفظ آخر: الخضاب بالسواد خضاب الكفار، وأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن ~~يغير شيب أبيه، وقال: جنبه السواد وقال: هو خضاب أهل النار، وتزوج رجل على ~~عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل ~~المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضربا، وقال: غررت القوم بالشباب ودلست ~~عليهم شيبتك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصفرة خضاب المسلمين، ~~والحمرة خضاب المؤمنين، وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم ~~للصفرة، ويقال: أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله، وقال سري بن المغلس ~~السقطي: في اللحية شركان: تسريحها لأجل الناس وتركها متفتلة لإظهار الزهد، ~~وقال أيضا لو دخل علي داخل فمسحت لحيتي لأجله ظننت أني مشرك، وعن كعب وأبي ~~الجلد وصفا قوما يكونون في آخر الزمان يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقفون ~~نعالهم كالمناجل أولئك لا آخلاق لهم، وذكر أيضا عن جماعة أن هذا من أشراط ~~الساعة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: يكون ms0942 ~~في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة، ~~وروي أبو المهزم عن أبي هريرة أن أصحاب الدجال عليهم السيجان شواربهم ~~كالصياصي ونعالهم مخرطة؛ يعني شواربهم ملس تلوح، وأصل الصياصي القرون وهو ~~جمع صيصة ومنه صيصة الديك الظفر الثاني الأملس مؤخر رجله كأنه عظم، وقوله ~~عليهم # PageV02P242 # السيجان يعني الطيالسة وهو جمع ساج، وقوله: نعالهم مخرطة أي لها أعناق ~~طوال معرقفة كالخراطيم وهي أكمام الأباريق، وكان ابن عمر يقول للحلاق أبلغ ~~العظمين فإنهما منتهى اللحية؛ يعني حدها، ولذلك سميت لحية لأن حدها للحي ~~فالزيادة على ذلك الحد والنقصان منه محدث. ### | ذكر ما جاء في فعل بعض ذلك واستحبابه # إن من العلماء من كان يأخذ من لحيته في المناسك وغيرها وإن قبض الرجل على ~~لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس، قد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ~~واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وتركها عافية على خلقتها ~~أحب إلي، وقد روينا خبرا من سعادة المرء خفة لحيته، إلا أن بعض الرواة رواه ~~على معنى آخر فإن لم يكن صحفه فهو غريب، كان يقول فيه خفة لحيته أي بتلاوة ~~القرآن ولا أراه محفوظا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصالحون ~~بعده يسرحون لحاهم لأجل الدين والسنة وتنظيفا للطهارةونزع التفث من القمل ~~وغيره ولإسقاط شعر ميت إن كان هناك، وقد كان من الزهاد من يترك لحيته ~~متفتلة لا يسرحها شغلا عن نفسه، والصدق بعينه حسن والصدق في كل شيء حسن، ~~قال بعضهم: رأيت داود الطائي منفتل اللحية، فقلت: يا أبا سليمان لو سرحت ~~لحيتك، فقال: إني إذا لفارغ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدهن ~~شعره ويرجله غبا، وأمر بذلك فقال: وادهنوا غبا، وقال: من كانت له شهرة ~~فليكرمه ودخل رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال: أما كان لهذا دهن يسكن به ~~شعره؟ ثم قال: يدخل أحدكم كأنه شيطان. # وقد روينا في خبر غريب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرح لحيته ms0943 في ~~كل يوم مرتين، وفي خبر أغرب منه قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: اجتمع قوم ~~بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم فرأيته يطلع في الحب ليسوي ~~من رأسه ولحيته، وفي الخبر المشهور أنه كان يمشط لحيته في كل يوم، وأن ~~المشط والمدرى لم يكن يفارقه في سفر ولا حضر؛ فهذه سنة العرب المعروفة فيهم ~~وكان عليه الصلاة والسلام عليها، وكانت من أخلاقه، وقد كان الشباب يتشبهون ~~بالكهول تفضيلا للكهول غير عجب بالشباب ولا فخر بالحداثة. # وفي الخبر: خير شبابكم من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم، وفي ~~الحديث: أن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة لمسلم، وقد كان الشيوخ ~~يقدمون الشباب ويرون فضلهم بالعلم والدين تواضعا وإخباتا لا تكبرا بالكبر ~~ولا غلوا، كان عمر رضي الله تعالى عنه يقدم ابن عباس وهو حدث السن على ~~أكابر الصحابة ويسأله دونهم. # PageV02P243 # وروي عن ابن عباس وغيره: ما آتى الله تعالى عبدا العلم قط إلا شابا ~~والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله تعالى: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم) الأنبياء: 60 وتلا قوله سبحانه: (إنهم فتية آمنوا بربهم) الكهف: ~~13، وقوله تعالى: (وآتيناه الحكم صبيا) مريم: 12، وقد كان أنس بن مالك إذا ~~ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قبض، وليس في شعر رأسه وشعر لحيته ~~عشرون شعرة بيضاء فقيل ولم يا أبا حمزة وقد أسن؟ قال: لم يشنه الله تعالى ~~بالشيب، قيل: أو شين هو؟ قال: كلكم يكرهه، ويقال إن يحيى بن أكثم ولي ~~القضاء وسنه إحدى عشرون سنة فقال له رجل ذات يوم وهو في مجلسه يريد أن ~~يحشمه بذلك كم سن القاضي أيده الله تعالى؟ فقال مثل سن عتاب بن أسيد حيث ~~ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه، وروينا عن ~~مالك بن معول قال: قرأت في بعض كتب الله عز وجل: لا تغرنكم اللحى فإن التيس ~~له لحية، وقال بعض الأدباء كلما طالت اللحية تشمر العقل وقال ms0944 أبو عمرو بن ~~العلاء إذا رأيته طويل القامة صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق، ~~ولو كان أمية بن عبد شمس، وقال معاوية رحمه الله تعالى: يتبين حمق الرجل من ~~طول قامته وعظم لحيته، وفي كنيته ونقش خاتمه، وكان إبراهيم النخعي ومثله من ~~السلف يقول: عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته فيجعلها بين ~~لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن وأنشدت لبعض الظرفاء: # لا تعجبن بلحية ... كبرت منابتها طويله # يهوى بها عصف الريا ... ح كأنها ذنب الحسيله # قد يدرك الشرف الفتى ... يوما ولحيته قليله # وأنشد لبعض العرب: # لعمرك ما الفتيان ... إن تنبت اللحى # ولكنما الفتيان ... كل فتى ندي # ولم يكن الأشياخ يستنكفون أن يتعلموا من الشباب ما جهلوا ولا يزرون عليهم ~~لصغر سنهم إذ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا مانع لما أعطى الله من صبي ~~أو غيره ولا معطي لما منع الله من كبير أو غيره، وقال أبو أيوب السجستاني: ~~إني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه فيقال له تتعلم من ~~هذا؟ فيقول: نعم، أنا عبده ما دمت أتعلم منه، وقال علي بن الحسن من سبق ~~إليه العلم فهو إمامك فيه وإن كان أصغر سنا منك، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: ~~أيحسن للشيخ الكبير أن يتعلم من الصغير؟ فقال: إن كانت الحياة تحسن به فإن ~~التعلم يحسن، فإنه يحتاج إلى العلم ما دام حيا، وقال يحيى بن معين لأحمد بن ~~حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي رضي الله تعالى عنه: يا أبا عبد الله ~~تترك حديث سفيان بعلو وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟ فقال أحمد: لو ~~عرفت منه ما أعرف لكنت تمشي من الجانب الآخر، إن علم سفيان # PageV02P244 # إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ~~ولا نزول، وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول، إني لأرى الصبي يعمل الشيء ~~فأستحسنه فأقتدي به فيكون إمامي فيه وما رأيت أشد تواضعا منه على علمه ms0945 ~~وزهده، فأما معنى الخبر الذي روي لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن ~~أكابرهم، فإذا أتاهم عن أصاغرهم هلكوا، فإن ابن المبارك سئل عن معنى ذلك ~~فقال: أصاغرهم أهل البدع لأنه لا صغير من أهل السنة ممن عنده علم، ثم قال: ~~كم من صغير السن حملنا عنه كبير علم، وقد قيل: إن قوله عن أكابرهم يعني ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا مواطئ للخبر الآخر: لا تزال أمتي ~~بخير ما دام فيهم من رآني وليأتين عليهم زمان يطلب في أقطار الأرض فلا يوجد ~~أحد رآني، كيف وقد جاء بذلك لفظة ذكرتها لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم ~~عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أكابرهم، فإذا أتاهم عن أصاغرهم ~~استعصى الكبير على الصغير فهلكوا أي فذلك خشية أن لا يتعلم منه لما ذكرناه ~~من الحياء والتكبر والاستنكاف ووجه آخر هذا مجازه عندي على الخبر والكون لا ~~على الذم لأنه قد جاء في الأثر وصف هذه الأمة في أول الزمان بتعلم صغارها ~~من كبارها، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم، فإذا كان كذلك فهذا ~~تفضيل الأصاغر وتشريف هذه الأمة على سالف الأمم لأنهم لم يكونوا يحملون ~~العلم إلا عن القسيسين والرهبان والأشياخ العباد والزهاد، وأخبر أن هذه ~~الأمة في آخر الزمان تفضل سالف الأمم في أول أزمنتهم بأن يتعلم الكبير من ~~الصغير كما فضلهم الله تعالى به فذلك أشد وطأ للخبر الآخر: أمتي كالمطر لا ~~يدري أوله خير أم آخره، ولمثله من الشاهد: كيف تهلك أمة أنا في أولها ~~والمسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم في آخرها. # وقد روينا في الخبر: لا تحقروا عبدا آتاه الله تعالى علما فإن الله تعالى ~~لم يحقره إن جعل العلم عنده وكان شعبة يقول: من كتبت عنه حديثا أو تعلمت ~~منه علما فأنا عبده، وقال مرة: إذا كتبت عن الرجل سبعة أحاديث فقد استرقني، ~~فأما الخضاب بالسواد فقد يروى أن بعض العلماء ممن كان يقاتل في ms0946 سبيل الله ~~تعالى كان يخضب بالسواد ولكن لم يكن هذا يخضب به لأجل الهوى وتدليس الشيب ~~إنما كان يعد هذا من أعداد القوة من العدة لأعداء الله تعالى بمعنى قول ~~الله عز وجل: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال: 60 وإظهار الشباب من ~~القوة وقد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم واضطبع هو وأصحابه ليراهم ~~الكفار فيعلموا أن فيهم جلدا وقوة، ومن صنع شيئا بنية خالصة صالحة يريد ~~بذلك # PageV02P245 # وجه الله تعالى وكان عالما بمذهب له ذهب إليه فهو فاضل في علمه وفعله وإن ~~كان ذلك من دون أعماله لم يتبع أن يستن به فيه لأنا روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من شر الناس منزلة عند الله يقتدي بسيئة المؤمن ويترك ~~حسنته، فأخبر أن للمؤمن سيئة وأن من شر الناس من تأسى بها معذرة لنفسه في ~~هواها. ### | باب ما ذكر من نوافل الركوع وما يكره من النقصان منه # قال الله سبحانه وتعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) الطور: 49، ~~روينا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه فسره قال: ركعتا الفجر، وكذلك فسر ~~قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود) ق: 40، قال: ركعتا المغرب، ~~وهذا على قراءة من كسر الألف، فأما من نصبها فإن معناه إدبار الصلوات أي ~~أعقابها وأواخرها، والتسبيح اسم الصلاة النافلة لكون التسبيح فيها، وتسمى ~~النافلة سبحة، فمن سنن الركوع واستحبابه إدبار الصلوات وقبلها الذي لا ~~أستحب ترك شيء منه، وبعضه أوكد من بعض سبع عشرة ركعة مجموع من خمسة أحاديث: ~~حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالنهار فقال: ست عشرة ركعة، وحديث ابن عمر: حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشر ركعات، وحديث أبي أيوب الأنصاري في الصلاة قبل الظهر، وحديث ~~أنس بن مالك وعائشة في الصلاة بعد العشاء الآخرة، وفي الوتر وخبر أم حبيبة ~~الوارد بالفضل من العدد: من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة غير المكتوبة بنى ~~الله ms0947 تعالى له بيتا في الجنة، وخبر غريب رواه أهل البيت مواطئ لبعض ما ~~ذكرناه أن الله تعالى فرض عليكم في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة وسننت لكم ~~مثلها؛ أول ذلك ركعتا الفجر وهما سنة مؤكدة، وأربع قبل الظهر وهن مستحبات ~~مؤثرة في الاستحباب، وركعتان بعدها وهما سنة، وأربع قبل العصر رجاء أن يدخل ~~في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركعتان بعد المغرب وهما سنة مؤكدة، ~~وثلاث ركعات الوتر مؤكدة، فأما حديث علي رضي الله عنه فإنه ذكر من صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يذكره غيره: أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي الضحى ست ركعات في وقتين، إذا أشرقت الشمس وارتفعت قام فصلى ~~ركعتين وهذا هو الإشراق وهو الورد الثاني من النهار، وإذا انبسطت الشمس ~~وكانت في ربع السماء من المشرق، ومثلها حين تكون في ثلاثة أرباع السماء، من ~~صلاة العصر صلى أربعا وهذا هو الضحى الأعلى والورد الثالث من النهار، ~~والمواظبة على هذه الصلاة بمراعاة هذين الوقتين من عزائم الأعمال وفواضلها، ~~وذكرت أم هانئ أخت علي رضي الله عنه أنه صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن ~~وحسنهن ولم ينقل هذا العدد غيرها، وأما عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها ~~ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء لله فلم ~~تحد. # وقد روينا في حديث منفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ~~ركعات، وقد روى # PageV02P246 # أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا تفرد به: أنه لم ~~يكن يدع أن يصلي أربعا الزوال وقبل صلاة الظهر يقرأ فيهن بمقدار سورة ~~البقرة، قال: فسألته عن هذه الصلاة فقال: إن أبواب السماء تفتح هذه الساعة ~~ويستجاب الدعاء فأنا أحب أن يرفع لي فيها عمل صالح، وقد جاء في حديث أم ~~حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مفسرا: من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة ~~غير المكتوبة بنى الله له بيتا في الجنة، ركعتين قبل ms0948 الفجر، وأربعا قبل ~~الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، ورواه ابن ~~عمر في حديثه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم عشر ركعات ~~فذكرها إلا قوله: وركعتين قبل الفجر، فإنه قال: تلك الساعة لم تكن تدخل ~~فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدثتني أختي حفصة أنه كان يصلي ~~ركعتين في بيتها ثم يخرج، وقال في حديث: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد ~~العشاء، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بعد العشاء ~~الأخيرة أربع ركعات ثم ينام. # وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بعد العشاء ~~بثلاث ركعات، يقرأ الأولى: بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية: قل يا أيها ~~الكافرون، وفي الثالثة: قل هو الله أحد، وقد جاء في خبر أنه كان يصلي بعد ~~الوتر ركعتين جالسا وفي بعضها متربعا، وفي بعض الخبر إذا أراد أن يدخل في ~~فراشه زحف إليه وصلى فوقه ركعتين قبل أن يرقد، يقرأ فيهما: إذا زلزلت ~~الأرض، وسورة ألهاكم التكاثر. # وفي رواية أخرى: وقل يا أيها الكافرون، فإن أضعف العبد هذه السبع عشرة ~~ركعة فجعلها أربعا وثلاثين يداوم عليها ويجعلها ورده من الصلاة فهو أفضل؛ ~~وهذا مذهب أهل البيت واحتجوا فيه بخبر رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: فرض الله تعالى على أمتي في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة وسننت ~~لهم مثلهما وإن كان الحفاظ من أهل النقل يضعغون هذا الحديث إلا أنه قال ~~عليه الصلاة والسلام: الصلاة خير موضوع، فمن شاء أكثر ومن شاء أقل، وقال: ~~بين كل أذان وإقامة صلاة لمن شاء، فإن فعل ذلك وراعاها على ما يرتبه فهو ~~مقارب لما ذكرناه آنفا من السنن والاستحباب قبل الصلوات الخمس وبعدها ~~ركعتان قبل الفجر، وأربع من الضحى، وأربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع ~~قبل العصر، وست بعد المغرب، وأربع قبل العشاء وست بعدها، ثم يوتر بواحدة؛ ~~فهذا حينئذ نحو ما رسمناه وهو مشبه ms0949 لما نقلناه من الآثار، وليستند إلى ~~الخبر المأثور وإلى فعل أهل البيت، وأكثر ما روي من صلاته بين العشاءين مما ~~نقل عدده ست ركعات، وأكثر ما روي من صلاة الضحى ثمان ركعات، ومن صلاته ~~بالليل ثلاث عشرة ركعة، إلا حديثا مقطوعا موقوفا على طاووس رواه ابن ~~المبارك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل سبع عشرة ركعة، ~~فهو حديث شاذ ذو سائر الأخبار المسندة عن ابن عباس، وعائشة، وميمونة، وأم ~~حبيبة؛ إنما هي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة، واستحب أن يصلي العبد قبل ~~كل # PageV02P247 # صلاة أربعا وبعدها أربعا إلا ما لا صلاة قبلها ولا صلاة بعدها، ثم يزيد ~~بعد ذلك ما قسم الله تعالى له، وأن يصلي الضحى ثماني ركعات ويواظب عليهن ~~إذا أنشط أطالهن وإذا فتر قصرهن، فإن المداومة على العمل عمل ثان، وهو من ~~أفضل الأعمال وأحبه إلى الله تعالى، وإلا اقتصر على أربع يديمهن، ولا أكره ~~أن يصلي قبل المغرب ركعتين بعد غروب الشمس، فقد قال أنس بن مالك: كان ~~اللباب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ركعتين قبل المغرب، ~~وكان أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وأبو ذر، وزيد بن ثابت، وغيرهم من ~~أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلونها، وقال عبادة أو غيره: ~~كان المؤذن إذا أذن لصلاة المغرب ابتدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~السواري يصلون ركعتين، وقال أيضا بعضهم: كنا نصلي ركعتين قبل المغرب وذاك ~~داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة لمن شاء، وقد ~~كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يصليهما فعليهما الناس عليه، وقال مرة: ~~لم أر الناس يصلونهما فتركتهما، وقال: إن صلاهما الرجل في بيته أو حيث يراه ~~الناس فحسن وذلك استحب. # PageV02P248 ### | ال ### | فصل # السابع والثلاثون # شرح الكبائر التي تحبط الأعمال ### | وتوبق العمال وتفصيل ذلك ومنازل أهلها فيها ومسألة محاسبة الكفار: # قال الله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ms0950 ~~النساء: 31، فاشترط لتكفير الصغائر من السيئات اجتناب الكبائر الموبقات، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن ~~لمن اجتنب الكبائر، وفي لفظ آخر: كفارات لما بينهن إلا الكبائر، فاستثنى من ~~كفارات الذنوب الكبائر، فاختلف العلماء من الصحابة والتابعين في الكبائر من ~~أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة فما فوق ذلك، فكان ابن مسعود يقول: هن ~~أربع، وكان ابن عمر يقول: الكبائر سبع، وقال عبد الله بن عمر وهن تسع، وكان ~~ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر إن الكبائر سبع يقول: هي إلى سبعين أقرب ~~منها إلى سبع، وقال مرة: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو من الكبائر، وقال هو ~~وغيره: كل ما توعد الله تعالى عليه بالنار فهو من الكبائر، وقال بعض السلف: ~~كلما أوجب الحد في الدنيا فهو كبيرة، والصغائر عندهم من اللمم وهو ما لا حد ~~فيه وما لم يتهدد بالنار عليه، فقد روي هذا عن أبي هريرة وغيره، وكان عبد ~~الرزاق يقول: الكبائر إحدى عشرة وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملا، ~~وقيل: إنها مبهمة لا يعرف حقيقة عددها كإبهام ليلة القدر وساعة يوم الجمعة ~~والصلاة الوسطى ليكون الناس على خوف ورجاء فلا يقطعون بشيء ولا يسكنون إلى ~~شيء، وقد قال ابن مسعود فيها قولا حسنا من طريق الاستنباط، وقد سئل عن ~~الكبائر فقال: اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله: ~~(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) النساء: 31، فكل ما نهى ~~الله تعالى عنه من أول السورة إلى ها هنا فهو من الكبائر، فأشبه هذا ~~استدلال قول ابن عباس في استنباط ليلة القدر أنها ليلة سبع وعشرين، أنه عد ~~كلمات سورة القدر حتى انتهى إلى قوله هي فكان سبعا وعشرين كلمة، والله أعلم ~~بحقيقة هذين القولين والذي عندي في جملة ذلك مجتمعا من المتفرق سبع عشرة ~~تفصيلها: أربعة من # PageV02P249 # أعمال القلوب وهن: الشرك بالله تعالى والإصرار على معصية الله ms0951 تعالى ~~والقنوط من رحمة الله تعالى والأمن من مكر الله تعالى، وأربعة في اللسان ~~وهن شهادة الزور وقذف المحصن وهو الحر البالغ المسلم واليمين الغموس، وهي ~~التي تبطل بها حقا وتحق بها باطلا، وقيل: هي التي يقطع بها مال مسلم ظلما ~~ولو سواكا من أراك، وسميت غموسا لأنها تغمسه في غضب الله تعالى، وقيل: ~~لأنها تغمس صاحبها في النار، والسحر وهو ما كان من كلام أو فعل يقلب ~~الأعيان أو يغير الإنسان وينقل المعاني عن موضوعات خلقها، والسحرة هم ~~النفاثات في العقد الذين أمر الله تعالى بالإستعاذة منهم، وثلاثة في البطن ~~وهي: شرب الخمر، والسكر من الأشربة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا وهو ~~يعلم، واثنتان في الفرج: وهما الزنا، وأن يعمل قوم عمل لوط في الادبار ~~واثنتان في اليدين وهما: القتل والسرقة، وواحدة في الرجلين وهي الفرار من ~~الزحف الواحد من اثنين، غير متحرف إلى الأمام، ولا متحيزا إلى فئة، ولا ~~معتقد الكرة، وواحدة في جميع الجسد هي: عقوق الوالدين وتفسير العقوق جملة ~~أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما، وأن يسألاه في حاجة فلا يعطيهما، وأن ~~يأمناه فيخونهما، وأن يجوعا فيشبع ولا تطعمهما، وأن يستباه فيضربهما، وذكر ~~وهب بن منبه اليماني: أصل البر بالوالدين في التوراة أن تقي مالهما بمالك ~~وتؤخر مالهما وتطعمها من مالك، وأصل العقوق أن تقي مالك بمالهما وتوفر مالك ~~وتأكل مالهما، وفي حديث أبي هريرة: الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى ~~رمضان كفارة إلا من ثلاثة: إشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة، أن تبايع ~~الرجل ثم تخرج عليه بالسيف تقاتله. # وقد روينا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: من الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم ~~بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة، وأما عبادة بن الصامت وأبو سعد ~~الخدري وغيرهما من الصحابة فكانوا يقولون: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله ms0952 عليه وسلم من ~~الكبائر، وهي في بعض الألفاظ من الموبقات، وقالت طائفة كل عمد فهو كبيرة، ~~وقال بعض السلف: أربعة أشياء مبهمة لا يعلم حقائقها: الصلاة الوسطى، وليلة ~~القدر، وساعة يوم الجمعة المرجو فيها الإجابة، والكبائر ذلك ليكون الناس ~~على خوف من الوعيد في الإتقاء، وعلى رجاء من الوعود في الابتغاء، لئلا ~~يقطعوا بشيء ولا يسكنوا # PageV02P250 # إلى شيء ولله عاقبة الأمور، فالذي ذكرناه من الخصائل هو من أوسط الأقوال ~~وأعدلها وهو ما اتفقوا عليه، وكثرت الأخبار فيه، فهذه الكبائر الموبقات ~~التي من اجتنبها كفرت عنه السيئات وثبتت له النوافل من الفرائض الخمس التي ~~هي أبنية الإسلام، وذلك أن دعائم الإسلام وهذه الكبائر قرينان يعتلجان ~~ويتقاومان في العظم والمعنى بالتضاد، فالكبائر كبرت فكفر اجتنابها ما دونها ~~من الصغائر، والفرائض الخمس التي هي أبنية الإسلام إذا تممت كفرت ما بعدها ~~من السيئات وثبت للعبد نوافله وتبدل سيئاته حسنات فيكون له فضل عظيم يرجى ~~له الجنة ومنازل العاملين وهو السابق بالخيرات. # قال الله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ~~النساء: 31 وقال من بعد الكبائر: (إلا من تاب وآمن عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات) الفرقان: 7، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، فالفرائض الأربع التي ~~هي أبنية الإسلام منوطة بالصلوات الخمس، لا تصح إلا بها كالشيء الواحد ~~بمنزلة الأربع، فالصلوات مرتبطة بالشهادتين، إن ترك خصلة منها كان كترك ~~الخمس لأنها أس الإسلام وأبنية الإيمان، واجتناب الكبائر منوط بالشهادتين ~~لا يقع جميع ذلك إلا بهما، فإذا انتهكت الكبائر أحبطت الأعمال الفرائض ~~الخمس، أحبطت ما بينها من السيئات إلا الكبائر، فإنهاكبرت فلا تكفرها فلا ~~يبقى للعبد يوم القيامة مع ارتكاب الكبائر من الأعمال إلا الفرائض الخمس، ~~وقد أكل سائر نوافله ارتكاب الكبائر فيخاف عليه النار ومنازل المسرفين وهذا ~~هو ظالم لنفسه وهو الذي حذر الله تعالى المؤمنين عنه قال: (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) محمد: ms0953 33، ومنه قوله ~~تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) البقرة: 81 قيل: هي الكبائر ~~أحاطت بجميع حسناته فمحقتها، وعلى هذا اختيارنا هذا الحرف من مقرانا وعلى ~~الوجه الآخر وأحاطت به خطيئة هي الشرك الذي ختم له به فلم ينفعه عمل كان ~~قبله، فإن قصر في الفرائض الخمس التي هي مباني الإسلام إلا أنه مجتنب ~~الكبائر كفرت عنه سيئاته كلها، وتممت فرائضه بسائر نوافله لأنها ثابتة له ~~بعد أن يحصل له صحة التوحيد ويسلم من كبائر البدع التي تنقل عن الملة؛ وهذا ~~ممن استوت حسناته وسيئاته فيطول وقوفه للحساب ويشاهد الزلازل والأهوال ~~ليكون ذلك رجحان حسناته ويجعل من أصحاب الأعراف على أعراف السور هي شرفه ~~التي بين الجنة والنار هو الحجاب الذي بين أهل النار وأهل الجنة إلى أن ~~يتفضل الله تعالى عليه بفضل رحمته، فإن سمح له مولاه # PageV02P251 # فعفا عنه سقط عنه هذا كله وأدخل الجنة في أصحاب اليمين؛ وهذا هو المقصد ~~المتوسط بين الظالم لنفسه والسابق إلى ربه، فإن لم يكن له نوافل مع نقصان ~~فرائضه لم يبق له من أعماله إلا اجتناب الكبائر فيوزن ما بقي من عمله وهو ~~اجتنابه الكبائر بفرائضه النواقص، فإن رحج اجتناب الكبائر مثقال ذرة أو ~~فضلت له حسنة واحدة، ضاعفها الله تعالى بالمزيد وتجاوز عن سيئاته في أصحاب ~~الجنة ولم تكن له مقامات المقربين ولا درجات السابقين وهو ممن قال الله ~~سبحانه وتعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما) النساء: 40، يعني الجنة وإن خف أضاعته الفرائض لسنته كان ~~من الموقنين للحساب الطويل واحتاج إلى شفاعة الشافعين، فإن كان فرائضه ~~الخمس ناقصة، وكان مرتكبا للكبائر فهو من الهالكين، لأنه ممن خفت موازينه ~~من المؤمنين، وهذا من المسرفين هم أصحاب النار، فيدخل النار لنقص إسلامه ~~ولوفور سيئاته عليه إذ لم تمحها حسناته ولتطول نوافله بانتهاكه الكبائر، ~~ولأن هذا نقص من مثقال دينار إلا أنه لا يكون من المخلدين لصحة توحيده، ~~وعلى أنه أول من يخرج ms0954 من النار من كان في قلبه مثقال دينارمن إيمان فهو في ~~أول طبقة يخرج هذا إلى زنة شعيرة إلى ذرة من إيمان؛ وهؤلاء آخر الطبقات ~~خروجا إلى أن يبدو لبعضهم من الله تعالى ما لا يحتسبه ويظهر له غدا ما لا ~~يعلمه، فيعفي عن البعض ولا يجعل ممن حق عليه الوعيد لما سبق له من الكلمة ~~الحسنى، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة. # وقد جاء في الخبر: يؤتى بالرجل من هذه الأمة فيسد به ركن من أركان جهنم، ~~وقد جاء في الخبر: أن العبد ليوقف بين يدي الله عز وجل وله من الحسنات ~~أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنة، فيقوم أصحاب المظالم فيوجد قد ~~سب عرض هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيقص من حسناته حتى لا تبقى له حسنة، ~~فيقول الملائكة: يا ربنا قد فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير، فيقال: ألقوا ~~من سيئاتهم على سيئاته وصكوا له صكا إلى النار، وقد جاء في العلم أن آخر من ~~يبقى في جهنم من الموحدين سبعة آلاف سنة. # وروينا عن أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة: وفيه شدة، وقال: والله لا ~~يخرج # PageV02P252 # عبد من النار بعد أن دخلها حتى يقيم فيها سبعة آلاف سنة، وهذا والله أعلم ~~آخر من يخرج من النار لأنهم يخرجون زمرا متفاوتون من اليوم والجمعة والشهر ~~والسنة إلى ستة آلاف سنة فأكثرهم إيمانا أقلهم مقاما وأقلهم مكثا أولهم ~~خروجا، أما أول زمرة تخرج من في قلبه مثقال من الإيمان فهذا أقلهم لبثا ~~وأسرعهم خروجا إلى شعيرة إلى ذرة؛ فهؤلاء أقلهم إيمانا وأنقصهم توحيدا ~~وأعظمهم جرما وأشدهم على الله عتيا وهم أكثرهم مقاما وقد اشتهر خبر من يخرج ~~من النار بعد ألف عام ينادي: ياحنان يا منان، فقال الحسن لما روى هذا ~~الحديث يا ليتني كنت ذلك الرجل لشدة خوفه خاف أن يدخلها ثم عظم خوفه فخاف ~~أن لا يخرج منها فتمنى أن يخرج منها بعد ألف عام. # وقد جاء في الخبر: آخر من يخرج من ms0955 النار وهو أيضا آخر من يدخل الجنة، ~~فلعله والله أعلم بعد سبعة آلاف سنة فيعطى من الجنة مثل الدنيا كلها عشرة ~~أضعاف، رواه أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ومعنى الحكمة في إدخال البشر إلى النار على ترتيب الكون ~~أنهم خلقوا من ماء ثم خالطه ما امتزج به من الأهواء فلا يستخرج ذلك إلا ~~بالنار، فإنها تخرج الماء مما مازجه حتى يخلص، وأنهم أيضا خلقوا من تراب ~~الأرض بمنزلة الخشب المعوج يقوم بالنار حتى يستقيم، ثم يقطع عنه النار ~~ويستقيم ذلك فعندها يصلح لغير النار وموضع الحكمة في تخليد الكافرين ~~والشياطين في النار أن أرواحهم خلقت من جوهر النار فرجعت إلى معدنها، وهي ~~أيضا سوداء مظلمة نارية، وهم أيضا خلقوا لها لا يصلحون لغيرها بمنزلة الحطب ~~والشوك والحراق الذي لا يصلح إلا للنار، فتبارك الله تعالى حكمته معتدلة في ~~الأشياء وحكمه غامض فيها، ينظر بعين التعديل فيقسم بها المقادير بمعاني ~~التنقيص والتفضيل، ومجمل ما ذكرناه أن كل وصف يكون للعبد من الخير كفر عنه ~~سيئاته، فإن نوافله ساقطة وكل وصف يكون له من الشر لا يحبط نوافله، فإن ~~نوافله موفرة ثابتة ومن كان عاملا للحسنات وهو في ذلك يرتكب بعض الكبائر ~~فإن أعمال بره وفضائله موقوفة إلى التوبة، فإن تاب واستقام كفرت توبته ما ~~سلف من كبائره وبدلت استقامته على الطاعة سيئاته حسنات، وأكثر ما يوبق ~~الناس من الكبائر المظالم، وأكثر ما يدخلهم النار ذنوب غيرهم إذا طرحت ~~عليهم وكثير يدخلون الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة، ~~وقد تبطل حسناتهم لدخول الآفات عليها، بلغني عن أبي عبد الله بن الجلاء أن ~~بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه ليستحله فقال: لا أفعل، ليس في صحيفتي حسنة ~~أفضل من حسناته، أريد أن أزين صحيفتي بها، وفي الحديث: ذنب يغفر وذنب لا ~~يترك؛ فالذنب الذي يغفر ظلمك نفسك، والذنب الذي لا يترك مظالم العباد؛ ~~والتوبة طريق الكل، # PageV02P253 # والرحمة تسعهم، وباب التوبة ms0956 مفتوح للكافة إلى طلوع الشمس من مغربها، وكل ~~عبد توبته متقبلة ما لم تبلغ الروح الحلقوم ولم يعاين الملائكة فإذا بلغت ~~الروح التراقي وعاينت الأملاك غلق عليه باب التوبة ومات على الإصرار، وقيل: ~~من راق أي من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وظن أنه الفراق ~~أيقن أنه قد فارق الدنيا بمعاينة الآخرة وفارق الناس والأهل بمعاينة ~~الملائكة، فإن مات عن غير توبة كان ممن قال الله عز وجل: (وحيل بينهم وبين ~~ما يشتهون) سبأ: 54 قيل: التوبة كما فعل بأشياعهم من قبل. # ولما قال تعالى: (وليست التوبة للدين يعملون السيئات حتى إذا حضرأحدهم ~~الموت قال إنى تبت الآن) النساء: 18 وحضور الموت يكون عند معاينة ملك الموت ~~إذا خرجت الروح من جميع الجسم فلم يبق إلا ما بين القلب والعينين فهو الوقت ~~الذي قال الله عز وجلة: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) ~~الفرقان: 22 وهو الذي خوف منه في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة) الأنعام: 158 يعني عند الموت؛ وهذا لأهل المعاينة أو يأتي ربك، ~~يعني يوم القيامة؛ وهذا لأهل البرزخ يوم يأتي بعض آيات ربك وهو اليأس الذي ~~يقع عنده من الدنيا؛ اليأس من طلوع الشمس من مغربها وهو آخر التوبة ويؤمن ~~معه كل كافر، فقال سبحانه: (يوم يأت بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل) الأنعام: 158 أي من قبل المعاينة: (أو كسبت في إيمانها ~~خيرا) الأنعام: 158 قيل التوبة، وهوالوقت الذي قال الله تعالى: (فلما رأوا ~~بأسنا) غافر: 84 يعني كشف الغطاء قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده يعني طريقته وشأنه الذي مضى في الخلق لا تبديل له ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا، وحكم العباد كلهم في المعاد إلى الله عز وجل إن عذبهم فبما ~~اكتسبوا، ويعفو عن كثير، وإن شاء أن يغفر لهم وهو الغفور الرحيم، وقد ms0957 ~~يتفاوت الناس في جميع ما ذكرناه من أداء الفرائض ومن ارتكاب المعاصي ~~والعرف، والتخلق بأخلاق النفس من عادات أبناء الدنيا وعرف معاشرتهم فيما ~~بينهم؛ فإن ذلك حال الغافلين ومقام الجاهلين غير محمود العاقبة، ولامغبوط ~~الخاتمة، ولا يترك العمل الصالح أيضا خشية دخول الآفة، ولايدعه إن كان ~~داخلا فيه لما يعتريه فيه؛ ذلك بغية عدوه منه لكن يكون على نيته الأولى من ~~جهة القصد، فإن دخلت عليه علة وضع عليها دواءها فعمل في نفيها وإزالتها ~~وثبت على حسن نيته وصالح معاملته، ولا يدع عملا لأجل الخلق حياء منهم ~~وكراهة واعتقادهم فضله، لأن العمل لأجل # PageV02P254 # الناس شرك، وتركه لأجلهم رياء، وترك العمل لأجل دخول الآفة فيه جهل، ~~وتركه عند دخول العلة عليه ضعف ووهن، ومن دخل في العمل لله تعالى وخرج منه ~~لله تعالى لم يضره ما كان بين ذلك بعد أن ينفيه ولا يساكنه، وقد يضره ما ~~يكون بعد ذلك: مثل إن كان سرا فأظهره بعد زمان فصار علانية فنقل من ديوان ~~السر إلى ديوان العلانية، ومثل أن يتظاهر به ويفتخر ويدل به ويتكبر فيحبط ~~ذلك عمله لأنه قد أفسده، والله لا يصلح عمل المفسدين، ومن دخل في العمل لله ~~تعالى ودخل عليه في وسط العمل علة فخرج من العمل بها بطل عمله، ومن دخل في ~~العلم بآفة وخرج منه بصحة سلم له عمله وجبر بآخره أوله، وأفضل الأعمال ما ~~دخل في أوله لله تعالى وخرج منه بالله تعالى، ولما تطرقه فيما بينهما آفة ~~فيكون الله تعالى هوالأول فالآخر معه وعنده، ثم يظهره بعد ذلك ولا يتظاهر ~~به، وأفضل النيات أن لا تريد بعملك إلا وجه الله تعالى وحده تعظيما لحق ~~الربوبية وإلزاما للنفس وصف العبودية، فإن لم يكن هذا المقام عن مشاهدة وجه ~~ذي الجلال والإكرام فمشاهدة ما رغب فيه وشوق إليه من الآخرة عن مقام ~~الرجاء، ولا ينبغي للعبد أن يدخل في شيء حتى يعلم علمه فيكون داخلا في علم ~~يعلم مثله، لأن لله سبحانه وتعالى في كل شيء ms0958 حكما، فما علم من ذلك حمد الله ~~تعالى عليه وعمله، وما جهل سأل عنه من هو أعلم به، وما أشكل عليه أمسك عنه ~~حتى يستبين له وجهه فيقدم عليه أو يتركه، وليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو ~~توقف عن الإقدام عليه ابتغاء مرضاة الله تعالى تقريبا إليه لأجل الله ~~تعالى، فهذا أعلى النيات وهو غاية الإخلاص. # ومن أراد بأعماله ما عند الله تعالى من ثواب الآخرة من حظوظ نفسه ومعاني ~~شهواته ولذته من النعيم في الجنان، واتخاذ الحور الحسان، مما وصف الله ~~تعالى وندب، لم يقدح ذلك في إخلاصه ولم يغير صحة نيته من قبل أن الله تعالى ~~مدحه ورغب فيه ووصفه، وكان ذلك مزيد مثله، إلا أن هذا نقص في مقام المحبين ~~وعيب عندهم كعيب من عمل لعاجل حظه من دنياه، وهو شرك في إخلاص الموحدين ~~الذي اختصوا بالعبودية، فعتقوا من أسر الهوى بالحرية، فلم يسترقهم سوى ~~الوحدانية لما شهدوا من خالص الربوبية، وإخلاص العبودية للربوبية أشد من ~~إخلاص المعاملة ضرورة، إلا أن من رزق المقام منها دخل بحقيقة لإخلاص ~~المعاملة ضرورة، فلا ينقيه ولا يصفيه عمل ولا مجاهدة، فكانوا مخلصين؛ وهذا ~~مقام المحبين، وإنما أتعب المريدين بالتنقية والتصفية للمعاملة لما بقي ~~عليهم من الشرك الخفي والشهوة الخفية، كما أتعب خدام الدنيا بالجمع لها لما ~~استرقهم من الهوى فأما الأحرار فهم من خدمة الخلق برآء؛ وهذا يذهب الإخلاص ~~ويفسد النية ويدخل الانتقاص، وما تلف له من شيء أو ظلم من حقه فلينو بذلك ~~لذخر عند الله تعالى وليجعله في سبيل الله بحسن ظنه بالله تعالى وصدق يقينه ~~فإن له من ذلك ما نوى. # PageV02P255 # حدثونا عن رجل رؤي بعد وفاته فسئل منه كيف رأيت أعمالك؟ فقال كل شيء ~~عملته لله تعالى وجدته، حتى حبة رمان التقطتها من طريق، وحتى هرة ماتت لنا، ~~رأيت ذلك كله في كفة الحسنات، قال: وكان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته في ~~كفة السيئات، قال: وكان قد نفق لي حمار قيمته مائة دينار ms0959 فما رأيت له ~~ثوابا، فقلت: موت سنور في الحسنات وهذا حمار قيمته مائة دينار ولا أدري له ~~ثوابا؟ فقيل: إنه وجه حيث بعثت به لأنك قلت لما قيل لك مات الحمار فقلت: في ~~لعنة الله تعالى، أما بطل أجرك؟ ولو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك. # وفي رواية أخرى قال: وتصدقت يوما بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إلي ~~فوجدته لا علي ولا لي، قال سفيان: وقد رووا هذا ما أحسن حاله حيث وجدها لا ~~له ولا عليه قد أحسن إليه، ومن أوذي أو اغتيب فليحتسب عرضه عند الله تعالى، ~~فلعل ذلك يكون سبيا لنجاته، فقد روي أن العبد ليحاسب على أعماله كلها فتبطل ~~بدخول الآفات فيها حتى يستوجب النار، ثم ينشر له أعمال من الحسنات لم يكن ~~عملها فيستوجب به الجنة، فيعجب من ذلك فيقول: يارب هذه أعمال ما عملتها؟ ~~فيقال: هي أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك جعلت حسناتهم لك، ولا تحقرن ~~شيئا من الأعمال وإن قل فتخليه من النية أو تصغره فربما كان هلاكه وعطبه ~~فيه وهو لا يعلم، وقد روي ابن المبارك عن الحسن: أن الرجل ليتعلق بالرجل ~~يوم القيامة فيقول: بيني وبينك الله تعالى: فيقول: والله ما أعرفك، فيقول: ~~بلى أنت أخذت من حائطي تبنة وأن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: ~~هذا أخذ من ثوبي زبيرة، ومات حماد بن أبي سليمان وكان أحد علماء أهل ~~الكوفة، فقيل للثوري: ألا تشهد جنازنه؟ فقال: لو كانت لي نية لفعلت، ومات ~~الحسن البصري فلم يحضر ابن سيرين جنازته فسئل عن ذلك فقال: لم يكن لي نية، ~~وقد كان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء أو سعي فيه يقولون: إن رزقنا الله ~~نية فعلنا ذلك، وقال يحيى بن كثير: حسن النية في العمل أبلغ من العمل، وقال ~~بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون لهم في كل شيء نية، وقال الفضيل بن عياض: ~~لا تتحدث إلا بنية، وكان بعضهم يقول: الخوف على فساد النية وتغيرها أشد من ~~ترك الأعمال، وقال ms0960 الثوري: من دعا رجلا إلى طعامه وليس له نية في أن يأكل ~~فإن أجابه فأكل فعليه وزران، وإن لم يجبه فعليه وزر واحد فصير عليه وزرين ~~مع أكل طعامه بغير نية، لتعرضه للمقت وحمله أخاه على ما يكره، إذ لو علم ~~لما أجابه، فمن أفهمه الله تعالى إخلاص النية وزاده معرفة الإخلاص أخرجه ~~ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين، وإذا لا ~~ينفعه شيء إلا شيء بينه وبين الله عز وجل لا شرك فيه لسواه؛ وهذا المعنى هو ~~الذي أخرج طائفة الأبدال إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم ~~إلى النظر إليهم، فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال # PageV02P256 # من صلاة الجماعة وغيرها فقد تقرر عندهم أن اجتناب معصية واحدة خير من عمل ~~سبعين طاعة، فلذلك فارقوا فضول النوافل خشية دخول معصية واحدة عليهم، ~~والجاهل بالله عز وجل يعمل في طلب الفضائل ولا يبالي بيسير الذنوب وفيها ~~بعد من الله تعالى، وليس ذلك طريق المقربين، وقد تختلف النيات لاختلاف ~~المقاصد فيصير ما كان بعدا قربا بحسن النية وما كان حسنا سيئا لسوء النية ~~به، من ذلك أن داود المحبر لما صنف كتاب العمل جاء أحمد بن حنبل فطلبه منه ~~فنظر فيه أحمد صفحا ثم رده إليه فقال: ما لك؟ فقال فيه أسانيد ضعفاء فقال ~~له داود: أنا لم أخرجه على أسانيد فانظر فيه بعين الخبر، إنما نظرت بعين ~~العمل فانتفعت به، قال أحمد: رده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت بها، ~~فرده عليه فمكث الكتاب عنده طويلا حتى اقتضاه إياه ابن المحبر، ثم رده عليه ~~وقال: جزاك الله خيرا، قد انتفعت به منفعة بينة، وقال الحسن: النية أبلغ من ~~العمل، وقال: ابن آدم لا يهم بخير الآثار في قلبه منه نوران: فإن كانت ~~الأولى لله عز وجل فلا تضر هذا الآخرة؛ يعني إن كان عنده الإخلاص في الخير ~~في الهمة الأولى فلا تضره الوسوسة التي تخالجه بعد ذلك فإنها ضعيفة لا تحل ~~قوة العقد ولا ms0961 تحل محكم مبرمه، وقال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها ~~أشد على العاملين من طول الاجتهاد. # وحدثونا عن بعض الصوفية قال: كنت قائما مع أبي عبيد التستري وهو يحرث ~~أرضه بعد العصر من يوم عرفة، فمر به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشيء، ~~فقال أبو عبيد: لا، فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني، فقلت لأبي ~~عبيد: ما قال لك؟ فقال: سألني أن أحج معه فقلت لا، فقال: ألا فعلت؟ قال: ~~ليس لي في الحج نية، وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه ~~لأجله أتعرض لمقت الله تعالى لأني أدخل في عمل الله تعالى شيئا غيره فيكون ~~هذا عندي أعظم من سبعين حجة، ومن كان له في مباح نية ولم تكن له نية في ~~فضيلة فالأفضل هو المباح، حينئذ وقد انتقل المعنى فصار المباح هو الفضيلة ~~وصارت الفضيلة هي النقيصة لعدم النية، وهذا لا يعلمه إلا العلماء بباطن ~~العلم وهو غوامض التصريف: مثل أن يكون رجل قد ظلم فله أن ينتصر وإن عفا كان ~~أفضل إلا أنه له نية في الانتصار وليس له نية في العفو، فالانتصار هو ~~الأفضل، ومثل أن تكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليتقوى بها على الطاعة ~~ويريح بها نفسه لوقت آخر وليس له في الصوم ولا في القيام نية، فقد صار ~~الأكل والنوم حينئذ هو الأفضل، وقد كان أبو الدرداء يقول: إني لأستجم نفسي ~~ببعض اللهو ليكون ذلك عونا لي على الحق، وكل عمل مباح للعبد فيه نية فهو ~~مأجور عليه، وكل عمل فاضل لا نية للعبد فيه فأحسن حاله السلامة منه لا له ~~ولا عليه وربما كان مأزورا فيه إذا دخلت عليه نية دنيا، وكان عمل مباح أو ~~فضل ليس للعبد فيه نية فهو عقل لا شيء له فيه، ولكنه يسأل عن فراغ # PageV02P257 # وقته، وكل عمل فاضل للعبد فيه نية؛ فالعمل باطل ونيته هوى، وإنما وجد ~~النية فيه القصور واختفاء لشهرته، فإن أراد به وجه الله تعالى ms0962 سلم من ~~عاقبته ولا فضيلة له به، وإن كان قد خفي عليه الهوى أو دق عليه لطيف حب ~~الدنيا لجهله بالعلم فهو مأثوم فيه لتقصيره في طلب العلم الذي يعرف به ~~الإخلاص وسكوته على الجهل الذي يدخل منه الانتقاص، ولا عذر له في ذلك، وقد ~~جاء في الخبر: أن الله تعالى لا يعذر على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على ~~جهله ولا للعالم أن يسكت عن علمه، وقد قال الله سبحانه تعالى: (فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43. # وقد كان سهل رحمه الله تعالى سئل: ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من ~~الجهل؟ قال: نعم، قيل: ماهو؟ قال: الجهل بالجهل يعني أن يكون العبد جاهلا ~~وهو لا يعلم أنه جاهل، أو يحسب بجهله أنه عالم، فيسكت عن جهله ويرضى به فلا ~~يتعلم فيضيع فرض الفرائض وأصل الفرائض كلها وهو طلب العلم، ولعله أن يفتي ~~الجهل أو يتكلم بالشبهات وهو يظن أنه علم؛ فهذا أعظم من سكوته، وكذلك أيضا ~~ما أطيع الله تعالى بمثل العلم، ومن العلم العلم بالعلم أي شيء هو؟ وذلك ~~أيضا واجب من حيث كان العلم واجبا ليكون على بصيرة من تعلم العلم، لأنه قد ~~دخل مذهب المتكلمين وأقوال الغالطين من الصوفية والقصاص في شبهات العلم، ~~فصار زخرفا من القول غرووا يشبه العلم وليس بعلم لالتباس المعنى بعضه ببعض ~~ولإشكال دقائق العلوم وغرائبه وخفاء السنة من طريقة علماء السلف، فاختلط ~~لذلك القصاص والمتكلمون بالعلماء فصار معرفة العلم أي شيء هو والعلم ~~بالعالم من هو علم آخر، وصار العالم بالعلم ما هو دون الزخرف من القول كأنه ~~عالم فكان أيضا العلم بالمعلم بمنزلة فضل العلم ووجب وجوبه، كما كان الجهل ~~بالجهل أعظم من الجهل، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: قسوة القلب ~~بالجهل من قسوته بالمعاصي لأن الجهل ظلمة لا ينفع البصر فيه شيئا ونور ~~العلم يهتدي به القاصد وإن لم يمش. # وقد قيل في تفسير وقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ms0963 يحتسبون) ~~الزمر: 47 قال: عملوا أعمالا لجهلهم ظنوا أنها حسنات فوجدوها سيئات وقيل: ~~ذنوب غيرهم طرحت عليهم فعذبوا بها ولم يكونوا يحتسبون بها في الدنيا؛ يعني ~~هذا مثل ما روي في الخبر: أن العبد ليرى من أعماله الحسنات مما يرجو به ~~المنازل في الجنة فتلقى عليه سيئات لم يعملها فترجح بحسناته كلها فيستوجب ~~النار فيول: يارب هذه سيئات ما عملتها هلكت بها، فيقول: هذه ذنوب القوم ~~الذي اغتبتهم وآذيتهم وظلمتهم ألقيت عليك وتخلصوا منها، وقد روينا في معناه ~~حديثا مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن العبد ليوافي القيامة بحسنات ~~أمثال الجبال لو خلصت له دخل الجنة، ويأتي قد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا ~~فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى لا تبقى له حسنة، فتقول ~~الملائكة: يا # PageV02P258 # ربنا قد فنيت حسناته وقد بقي طالبون كثير، فيقول الله تعالى: ألقوا عليه ~~من سيئاتهم ثم صكوا له صكا إلى النار، وينبغي للعبد إن أراد أن يعمل عملا ~~أن يثبت له فيجدد له نية حسنة، ثم يقف وقفة فيتفقد هل يدخل عليه في ذلك آفة ~~واحدة أو أكثر، فيخرج ما دخل عليه من الآفات بمشاهدة اليقين، ثم يعمل ذلك ~~العمل لله وحده لا شريك له في قصده ووجده وطلبه وثوابه ثم يستقيم على ذلك ~~العمل؛ فإن دخلت عليه آفة في خلله نفاها حتى يكون قائما بشهادته؛ فهذا هو ~~الإخلاص لأن المخلص يحتاج في إخلاصه إلى شيئين ليس أحدهما أولى به من الآخر ~~صحة القصد لوجه الله تعالى وطلبه ما عنده من الآخرة، ثم إخراج الآفات ~~والحذر على ذلك العمل من دخولها عليه إلى فراغه منه، فبذلك يتم إخلاصه ~~ويصفو من كدرة الهوى ويخلص من الشهوة الخفية فيكون خالصا من الرياء ~~بالإخلاص، صافيا من الشهوة، يتفقد دخول الآفة، كما روي في الخبر: أخوف ما ~~أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية، قيل: حب الدنيا وقيل: العمل؛ لأنه ~~يؤجر العبد ويحمد ثم إذا هم العبد بعمل وقف قبله وقفة فتبدبره وتفكر كم ms0964 فيه ~~من نية، فربما وجد في العمل الواحد عشر نيات أو خمسا وما بين ذلك لما يحتمل ~~ذلك العمل من وجوه البر ومعاني القربات المندوب إليه ا، فيكون له بكل نية ~~عمل، فيؤجر على العمل الواحد عشرة أجور لأنه عشرة أعمال أو خمسة، يكون لكل ~~نية عمل وبكل عمل أجر؛ وهو من فضائل الأعمال وتضاعيف الحسنات، ولا يعلمه ~~إلا العلماء بالله تعالى وأحكامه؛ وهو طريق الأبدال من صالحي أهل الأحوال؛ ~~فبذلك زكت أعمالهم وارتفعت مقاماتهم وكثرت أجورهم وحسنت حالاتهم لا بكثرة ~~الأعمال لكن بتحسينها ووجود النيات الكثيرة فيها، وقد جاء في الأثر: من عمل ~~عملا لا يريد به وجه الله لم يزل في مقت من الله حتى يفرغ، وقد قال بعض ~~الأدباء: من لم يشكر لك حسن النية فيه لم يشكر لك حسن الصنيعة إليه وأنشدوا ~~في معناه: # لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك إذا لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المكتوب مصروف # ولو لم يكن في تجديد النية الحسنة وتفقد الهمة العالية إلا أن صاحبها ~~لايزال عاملا من عمال الله تعالى بقلبه وهمه، وإن لم يساعده القدر على ~~الأفعال بجوارحه، فيكون أبدا مأجورا، ولو لم يكن في نية الشر والهمة الدنية ~~إلا أن صاحبها في بطالة وخسارة وإن لم يساعده المقدور على الأفعال السيئة ~~بجوارحه فيكون خاسرا أبدا مأزورا، ونعوذ بالله من ذلك، # PageV02P259 # وقال بعضهم: إني لأستعد النية في كل شيء قبل الدخول فيه حتى في أكلي ~~ونومي ودخولي الخلاء، والنية في هذا التقوي على الطاعة والاستعانة به على ~~الخدمة لأن النفس مطيتك إن قطعت بها قطعت بك ونية التطهر من التحلي لأجل ~~الدين فكان الناس لشدة تفقدهم وحسن رعايتهم صادقين في ترك كثير من أعمال ~~البر لضعف النية ويعملون في أحكام الأصل، قال ابن عيينة: إنما حرموا الوصول ~~لتضييع الأصول، والنية أصل الأصول لأنها فرض الفرائض، وقال بعضهم: إنما ~~أبعد القلب من الله عز وجل مظاهر أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة ~~القصد؛ يعني ms0965 بذلك نقص الإخلاص بها لأجل الله تبارك وتعالى، فالنكاح من معظم ~~شأن الدين فنيته فيه أن لا يتزوج المرأة لجمالها ولا لمالها ولا لحسنها بل ~~لدينها وعقلها، ثم ينوي السنة لها والعفة والتحصين لهما، ويقنع بالمرأة ~~الدون عن غيرها. # وفي الخبر: من نكح لله عز وجل وأنكح لله تعالى استحق ولاية الله تعالى، ~~وأفضل الأعمال ما دخل فيه لله عز وجل وخرج منه لله ولم يعتوره بعد ذلك علة، ~~وأعلى من هذا من دخل في الأعمال بالله عز وجل وثبت فيها مع الله وخرج منها ~~بالله تعالى، وهذا مقام الموحدين من الموقنين والعارفين، فأصح الأعمال ~~وأخلصها ما كان لله تبارك وتعالى هو الأول في أولها، ومع العامل في أوسطها، ~~وللعبد عنده فيها، والله تعالى هو الآخرة عند آخرها، ثم لايظهرها بعد ذلك ~~ولايتظاهر بها ولايطالع عوضا عنها من الكبر الأكبر، بل ينساها ويشتغل بذكر ~~مولاه عنها، والقعود في المساجد من أفضل شأن الدين وفضائل أعمال المتقين، ~~فليكن له فيه عشر نيات منها زيارة مولاه عز وجل في بيته، كما روي: من قعد ~~في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره، ومنها انتظار ~~الصلاة بعد الصلاة، كما روي في معنى قوله تعالى: ورابطوا وهي المرابطة ~~ومنها كف سمعه وبصره وترهبه في تألهه، كما روي: رهبانية أمتي القعود في ~~المساجد، ومنها العكوف وحقيقته عكوف الهم على القلب، وعكوف السر بالتأله ~~إلى الله عز وجل، ومنها ذكر الله تعالى واستماع ذكره والتذكير به، كما روي: ~~من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله، ~~ومثل ذلك إذا جلس ليعلم علما أو يتعلمه كان أيضا كالمجاهد، أو جلس لاستفادة ~~أخ في الله عز وجل أو لتنزل رحمه الله أو لترك الذنوب للخشية والحياء، كما ~~روينا في حديث الحسن بن علي عليهما السلام: من أدمن الاختلاف إلى المساجد ~~رزقه الله تعالى إحدى سبع خصال: أخا مستفادا في الله تعالى، أو رحمة ~~مستنزلة، أو علما مستظرفا، أو كلمة ms0966 تدله على هدى أو تصرفه عن ردى، أو ترك ~~الذنوب خشية أو حياء منه، فإخلاص النية هو بخروج أضدادها من القلب وعن ~~القصد والهمة وإن كثر أعداده # PageV02P260 # لتنفرد النية بقصدها، ويخلص العمل بانفراد النية لوجه الواحد الفرد ~~المقصود بها، يروى عن بعضهم قال: غزوت في البحرفعرض بعضنا مخلاة فقلت: ~~اشتريها وانتفع بها في غزاتي، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها، ~~فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما ~~لصاحبه: أكتب الغزاة فأملي عليه، أكتب: خرج فلان متنزها وفلان مرائيا وفلان ~~تاجرا وفلان في سبيل الله، ثم نظر إلي فقال: أكتب: خرج فلان تاجرا، فقلت: ~~الله الله في والله ما خرجت أتجر ولا معي تجارة أتجر فيها، ما خرجت إلا ~~للغزو، فقال لي: يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت وقلت ~~لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه وقال: ما ترى؟ فقال: أكتب: خرج فلان غازيا ~~إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز وجل فيه ما يرى. ### | ### | فصل # # ومن المناقص المشبهة للفضائل الملتبسة على الأفاضل، لشهرة فضلها وروعة ~~الهموم للدخول فيها، والتصبر عليها، وهي منكشفة للعلماء بالله تعالى: ما ~~روي أن رجلين تآخيا في الله عز وجل بعد رفع عيسى بن مريم إلى السماء فترهب ~~أحدهما وهو سرجس ولزم أخوه الآخر الجماعة والمساجد ومخالطة الناس، وكان ~~أعلم منه بالله عز وجل، وكان يلقى آخاه سرجس فيقول: يا أخي إن هذا الأمر ~~الذي دخلت فيه بدعة، وإن عليك فيه رعاية لا تقوم بحقها، وإنه ليس لله فيه ~~رضا، فلو دخلت معي في الجماعة والإلفة كان ذلك لله تعالى رضا وأصبت السنة، ~~فكان المترهب يعرض عنه ولا يعبأ برأيه ويقول له: إنك قد ركنت إلى الدنيا ~~وأنست بالخلق، فلما أعياه قال له: فاجعل فطرك عندي الليلة حتى يتبين ذلك ~~ففعل فقدم إليه فرخين شواهما وقال له: تعال حتى نجعل هذين الفرخين قاضيين ~~بيننا قال: حتى يدعو الله كل ms0967 واحد منا، فمن كان سيرته وهديه أحب إلى الله ~~ورسوله يبعث بدعائه هذين الفرخين حتى يطيرا حيين، قال: نعم فادع أنت، فدعا ~~الراهب فقال: اللهم إن كان هذا الأمر الذي دخلت فيه أريد به رضاك أقرب إلى ~~الحق مما يدعوني إليه أخي هذا فابعث هذين الفرخين إلي قال: فلم يجب، فقال ~~الآخر: اللهم إن كان هذا الأمر الذي تمسكت به وخالفت فيه هذا وأصحابه أقرب ~~إلى الحق وأرضاهما عندك مما يدعوني إليه، أخي هذا من الاعتزال والفرقة ~~للجماعة، فابعث لي هذين الفرخين قال: فصارا حيين فطارا بإذن الله تعالى ~~فعلم الأخ أن ذلك ليس لله رضا فرجع إلى الجماعة والمساجد، ومن التباس ~~الفضائل العالية ترك العبد حاله في مقامه طلبا للفضيلة ليزداد بها قربا إلى ~~الله عز وجل فينقلب عليه فيهلك ما أدخل العدو على برصيصا العابد في تعليم ~~الاسم الأعظم وقصته مشهورة، فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين فسبق ~~إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منها، وعلم ~~أيضا خير الشرين ففعله # PageV02P261 # إذا اضطر إليه وابتلى به، وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب ~~بحجابين عنه وهذا من دقائق العلوم. ### | ### | فصل # # وقد تلتبس النية بالأمنية فتخفي والهمة وبالوسوسة فتشتبه، والنية ما كان ~~يراد به وجه الله عز وجل ويطلب به ما عنده، والأمنية ما تعلق بالخلق وطلب ~~منه عاجل الحظ من الملك الفاني، وقد تلتبس الإرادة بالمحبة والحاجة ~~بالشهوة؛ فالإرادة أن يريد وقوع الأمر وقد لا يحب كونه أو يريد أيضا وجود ~~ضده، والمحبة ما قهر العقل وغلب الوجد وحل في مجامع القلب وكره وجود غيره ~~ولم يرد فقده، والحاجة ما اضطررت إليه، ولم يكن منه بدا ولا يستغني عنه ~~بغيره، والشهوة مزيد لذة واستدعاء فضل فآفة واجتلاب تقدم عادة، وقد يختلط ~~الذكر بالقلب بالفكر في معاني القرب؛ فالذكر ما أظهر النسي وكشف الغي وأذكر ~~الشكر، والفكر ما صور الأمر وأظهر الخبر، وقد يلتبس الرجاء بالمحبة والهوى ~~بالنية، فالرجاء ما طمعت ms0968 فيه بسبب ما والمحبة ما تطمعت ذوقه وجدته بغير ~~تسبب تستخرجه وقد يلتبس ذل القلب بضعفه وموته للطمع في الخلق بذل النفس ~~لمشاهدة عز الخالق سبحانه وتعالى، وقد يتداخل ذل الطمع لدناءة الهمة والنفس ~~بذل العقل للاعتراف بالحق وخضوع العلم له، وقد يلتبس ذل النفس لغلبة الهوى ~~وقهره للعقل بذل القلب لسرعة الانقياد للعالم المحق، وقد يختلط عزة القلب ~~بمقلبه بدوام النظر إليه وعزة العقل بعمله الذي كبر عنده، وقد تلتبس عزة ~~النفس بوصفها المتسلط بعزة الإيمان، المعزز بغيبة اليقين؛ فهذه فروق ظاهرة ~~للعارفين وخروق متسعة ترهب الغافلين، وقد تلتبس العبادة بالعادة مثل أن ~~يكون للعبد نية في علم أو عمل أو صدقة أو نفقة الشهر والسنة ثم تعزب نيته ~~فيبقى على عادته يرب حاله الذي قد عرف به، لا يحب أن يخرج من عرف الناس ~~فيتعمل لاستقامة الحال على التكلف بتلك الأعمال فتذهب النية وتبقى العادة ~~فيخرج بذلك من إرادة الآخرة والسعي لها، ويدخل في إرادة الدنيا بالشهوات ~~على جريان العادة بها، وقد يشهد شهادة الدنيا من طلب الرياسة لوجود الهوى ~~بطرقات الآخرة في معنى العلوم والأعمال فما طلب من أعمال السلف وأريد به ~~تأديب النفس ويعلم به الزهد في الدنيا؛ فهذه طرقات الآخرة، وما كان على ضده ~~فهو طرقات الدنيا؛ إذ هو ضدها، وقالوا: كان الناس إذا علموا عملوا، وإذا ~~عملوا شغلوا، وإذا شغلوا هربوا، وقالوا: تفقه ثم اعتزل، وقد يلتبس إظهار ~~الأعمال وكشف ما كتم من الأحوال لأجل التأديب به والابتاع عليه، أو لاظهار ~~قدرة الله عز وجل وآياته لمزيد السامع من المعرفة به بفعل مثل ذلك للتزين ~~والفخر أو للمدح به وطلب الذكر، وسئل أبو سليمان عن الرجل يخبر بالشيء عن # PageV02P262 # نفسه فقالوا: إذا كان إماما يقتدى به فنعم، وقال مرة هو أو غيره: يختلف ~~ذلك على قدر الإرادة به إذا أراد التأديب للنفس حسن ذلك فهذا يلتبس بمداخلة ~~النفس أو بفنائها بقيومية شاهد اليقين للرب عز وجل. ### | فصل # ترك العمل عمل كثير يحتاج التارك للنهي ms0969 أو المكروه فرضا أو ورعا إلى نية ~~حسنة أن يتركه لله عز وجل طلب مأمنه أو رغبة فيما عنده، لا لوجود الخلق، ~~ولا ليرب به حاله أو يقيم به عند العبيد جاهه، لأن ترك المعصية من أفضل ~~الأعمال فيحتاج إلى أحسن النيات، إذ عليها من الله تعالى أجزل المثوبات ~~لبلوى النفس بهاواضطراب الوصف إليها، وقال بعضهم: من أحب أن يعرف ورعه غير ~~الله تعالى فليس من الله في شيء، وروي عن زكريا عليه السلام: أن قوما دخلوا ~~عليه وكان يعمل في حائط القوم بالطين، وكان صانعا يأكل من كد يديه، فقدم ~~إليه عندهم رغيفيه وجعل يأكل ولم يدعهم حتى فرغ، فسألوه عن ذلك لعلمهم ~~بزهده وكرمه فقال: إني أعمل لقوم بأجرة، وقربوا إلي هذين الرغيفين لأتقوى ~~بهما على عملهم، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم؛ فهذا ~~ممن ترك فضلا لفرض، وممن كانت له نية في الترك، كما تكون له في الفعل وقال ~~بعضهم: دخلت على سفيان بن أبي عاصم وهو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه، ثم ~~قال: لولا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه. # وقد روينا في الخبر: أن أعجميا مر بنفر قعود يتكلمون بكلام فيه استهزاء ~~ولهو فظن أنهم يدعون الله عز وجل فقال: مثل ما يقولون بحسن نيته، قال: فغفر ~~الله لهم بحسن نيته وقال الحسن: من علامة المسلم أن لا يبدره لسانه ولا ~~يسبقه بصره، ولا تقصر به نيته؛ يعني لا يضعف ولا تقعد به عن المسارعة إلى ~~القربات هي أبد في قوة وزيادة وإن قصرت أعماله فيها وعجزت قوى جوارحه وقال: ~~المؤمن تبلغ نيته وتضعف قوته، والمنافق تضعف نيته وتبلغ قوته، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لكل حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن ~~يحمد على شيء من عمل الله عز وجل، وقال الحواريون لعيسى بن مريم عليه ~~الصلاة والسلام: ياروح الله ما الإخلاص لله عز وجل؟ قال: الذي يعمل العمل ~~لله تعالى لا يحب ms0970 أن يحمده عليه أحد من الناس، قالوا: فمن الناصح لله عز ~~وجل؟ قال: الذي يبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإذا عرض له أمران؛ ~~أحدهما للدنيا والآخر للآخرة بدأ بأمر الله تعالى قبل أمر الدنيا، فحب ~~المحمدة من الناس أصل هو فرعها، وهو يحب أن يعرف مكانه، ويريد الاشتهار، ~~وينوي بقلبه محبة الإعظام له من وجوه الأنام، فلا ينفعه، مع هذه النية ~~اختفاؤه في الآجام وعمله غير مقبول، # PageV02P263 # كما روي أن عابدا من بني إسرائيل عبد الله تعالى في سرب أربعين سنة، ~~فكانت الملائكة ترفع عمله في السماء فلا يقبل، فقالت: ربنا وعزتك ما رفعنا ~~إليك إلا حقا فقال عز وجل: صدقتم ملائكتي ولكنه يحب أن يعرف مكانه، فلذلك ~~قال بعض السلف: من نجا من الكبر والرياء وحب الشهرة فقد سلم، وقال الثوري: ~~ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تفلت علي يعني تشرد أو تضعف، فتحتاج ~~إلى مداواة لها، كما قال المنصور: المداومة على العمل حتى يخلص أشد من ~~العمل، وقال الثوري: ما أعتد بما ظهر من عملي، وقال علي رضي الله تعالى ~~عنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لا يقل عمل مع تقوى ~~وكيف يقل عمل يتقبل؟ وقال بعضهم: من استوحش من الوحدة وأنس بالجماعة لم ~~يسلم من الرياء، وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العلم ~~الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهم أيتقبل منهم أم لا. # وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل، وقال ابن ~~عجلان: العمل لا يصلح إلا بثلاث؛ التقوى لله عز وجل، والنية الحسنة، ~~والإصابة وقد فسر الفضيل قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) هود: 7، ~~قال: أخلصه وأصوبه قيل: وما ذاك؟ قال: العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا ~~لم يقبل، وقال التياحي: للعمل أربع خصال لا يتم إلا بهن: معرفة الله عز ~~وجل، ومعرفة الحق، والإخلاص به والعمل على السنة، فأي عمل كان قبل هذه ~~الأربع لا ينفع فمنهم من ms0971 يكون حسن الأداء لفرضه، كثير الندم والإشفاق من ~~معاصيه، فيكون هذا أحسن حالا، ومنهم من يكون سيء الأداء، قليل الحزن والندم ~~على ذنوبه، فيكون هذا أسوأ حالا وليس يجدون في ذلك على قياس واحد، والله ~~تغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، لما سبق لهما ~~في علمه، ولما نفذ لهما من مشيئته وحكمه، وقد يشترك الإثنان في معصية ~~ويتفاوتان في حكم المشيئة ويتوب الله على من أحب ويتقبل ممن يحب، والقبول ~~غير العمل، على العبد العمل وإلى المولى القبول، يقبل ممن يحب ويرد ما يشاء ~~ممن يشاء، والسابقة غير المعصية؛ السابقة في المشيئة يغفر لمن سبقت له ~~الحسنى جميع معاصيه السوأى ويعذب من حقت عليه كلمة العذاب ويحبط أعماله ~~الحسنى، والخلق مردودن إلى السابقة ومحكوم عليهم بعلم الله تعالى فيهم، وفي ~~الخبر: هلك المصرون قدما إلى النار؛ والإصرار يكون بمعنى أن يعتقد بقلبه ~~متى قدر على الذنب فعله أو لا يعقد الندم عليه ولا # PageV02P264 # التوبة منه وأكبر الإصرار العسي في طلب الأوزار، وفي الخبر: سبق المفردون ~~المستهترون بذكر الله تعالى وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا؛ ~~فهؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى من المقربين أخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لهم أوزارا وضعتها الأذكار. # وقال تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون) الواقعة: 10 - 11، هذا ~~ما علمناه من أدلة العلوم وتأوى التنزيل وعفو الله تعالى وإرادته من وراء ~~ذلك كله وعلم القديم ولله عاقبة الأمور. ### | مسألة محاسبة الكفار # فأما محاسبة الكفار فهذه مسألة اختلف الناس فيها، فمنهم من ذهب إلى أنهم ~~يحاسبون، ومنهم من أنكر حسابهم، وقد اختلف الآثار في ذلك، فقد جاء في بعضها ~~ما يدل على حسابهم وبه تعلق من قال به، وجاء في كثير منها ما يدل على أنهم ~~لا يحاسبون، وبه احتج من أنكر حسابهم، وإنما يرجع عند الاختلاف إلى كتاب ~~الله تعالى، ففيه الشفاء وبه الغنى، فيفصل ما أجمل القائلون ونعدل في القول ~~الشديد فيما تأوله المتأولون، فنقول: والله أعلم أن ms0972 الله سبحانه ذكر في ~~كتابه آيتين تدل على مسألة الكفار عن الشرك الذي أدخلوا في التوحيد، وعن ~~إجابة المرسلين وتكذيبهم قال الله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون) القصص: 62 ثم قال في الآية الأخرى: (ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين) القصص: 65 فنقول أنهم على هذا يسألون عن التوحيد فقط ~~وعن تكذيب المرسلين هاتين الآيتين، وقال في الآيتين الآخرتين: (ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون) القصص: 78 وقال في الأخرى: (فيومئد لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جان) الرحمن: 39 ثم قال: (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام) الرحمن: 41 فهذا نص في ترك المسألة على الذنوب والأعمال، فنقول ~~بهاتين الآيتين: إنهم لا يسألون عن الأعمال، وإنما يحاسب على العمل من كانت ~~بينه وبينه معاملة ومن ثبتت له حسنات يقع بها ترجيح وموازنة. # وقد روينا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: (وففوهم ~~إنهم مسؤولون) الصافات: 42، قال عن قول لا إله إلا الله، وقد رويناه مرفوعا ~~إلى النبي فهذ على معنى ماذكرناه أنهم يسألون عن التوحيد، فالناس من أهل ~~الجنة والنار يحشرون يوم القيامة على ست طبقات؛ طائفة تدخل الجنة بغير حساب ~~وهم السابقون المقربون، وطائفة تدخل الجنة بعد الحساب اليسير وهم خصوص ~~المؤمنين والصالحين، ومنهم من يدخل بعد الحساب الطويل والمناقشة وهم أصحاب ~~اليمين وعموم المؤمنين وكذلك أهل النار ثلاث طبقات؛ طائفة تدخل النار بغير ~~سؤال ولا حساب، عالمان من عبدة الأوثان من ولد يافث بن نوح وهم يأجوج ~~ومأجوج خلق خلقوا للنار، وطائفة تدخل النار بعد الحساب الطويل والمناقشة، ~~وهم أهل الكبائر والمنافقون، وطائفة بسؤال وتوقيف من غير # PageV02P265 # محاسبة على الأعمال وهم، أمم الأنبياء المرسل إليه م المرسلون لقوله ~~تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم) الأعراف: 6. # وقد روينا في الخبر المشهور: من نوقش الحساب عذب فقيل: يا رسول الله أليس ~~الله تعالى يقول: فسوف يحاسب حسابايسيرا؟ فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب ~~عذب، وقد كان إمامنا سهل بن عبد الله يقول: يسأل ms0973 الكفار عن التوحيد ولا ~~يسألون عن السنة، ويسأل المبتدعون عن السنة، ويسأل المسلمون عن الأعمال، ~~فأما قوله تعالى: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم) الغاشية: 25 - 26 ~~ففيها وجهان: أحد الوجهين أن يكون هذا كلاما منفصلا عما قبله يراد به ~~المسلمون لأنه ذكر خبر الكفار فختمه بالعذاب، فقال في أول الكلام: (إلا من ~~تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر) الغاشية: 23 - 24 هذا آخر خبرهم، ثم ~~استأنف مخبرا عن غيرهم فقال إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم، والوجه ~~الآخر أن يكون قوله تعالى: (ثم إن علينا حسابهم) الغاشية: 25 أي جزاءهم، ~~فالحساب أيما ذكر للكفار يكون بمعنى المجازاة على أعمالهم السيئة وكذلك ~~قوله تعالى: (ووجد الله عنده فوفاه حسابه) النور: 39 يعني جزاءه، إلا إن ~~الفراء وغيره من أهل اللسان خالفونا في هذا فاعتبروه بما بعده فجعلوه دليلا ~~على المحاسبة قالوا: احتمل أن يكون قوله فوفاه حسابه أن يكون جزاءه كما ~~قلنا واحتمل أن يريد محاسبته، فلما قيل: والله سريع الحساب كشف التنزيل ~~التأويل بذلك أن حسابه يعني محاسبته، وكذلك قال الزجاج في تأويل ما ذكرناه ~~آنفا من قوله: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) القصص: 78 فقال معناه لا ~~يسألون لتوجه من قبلهم أو ليرجع إليه م من علم ذلك وسبقه عليهم، أي قد فرغ ~~الله عز وجل من ذلك فأحكمه بما سبق من علمه، وواطأه مقاتل بن سليمان على ~~هذا التأويل باختلاف معنى بمعنى صنعته التفسير، لأنه لم يكن له في اللغة ~~تمكين، فقال: معنى ذلك: ولا يسأل هؤلاء المجرمون عن ذنوب السالفين؛ فجعل ~~الهاء والميم على من تقدم ذكره من قارون وأصحابه والقرون السالفة، لأن ~~ذكرهم كان سياق هذا الخطاب في قوله تعالى: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا) القصص: 78، ثم قال: ولايسأل ~~عن ذنوبهم؛ يعني هؤلاء المجرمون؛ يعني مشركي هذه الأمة، وقال أيضا هو ~~وغيره: إن الكفار سألوا فقالوا: ترى ماذا فعل الله ms0974 تعالى بالقرون الأولى ~~الذين يقص علينا نبأهم؟ قال: فنزلت هذه الآية فهي بمنزلة قول فرعون، قال: ~~فما بال القرون الأولى؟ فقال موسى عليه السلام: علمها عند ربي، إلا أن الله ~~عز وجل قد قال في ذكر الحساب بمعنى الجزاء دعطاء حسابا يعني مجازاة، وقيل: ~~كفاية بمعنى كفاهم وأحسبهم ذلك، كما قال تعالى: (حسبهم جهنم) المجادلة: 8، ~~أي كافيهم ذلك. # PageV02P266 ### | الفصل الثامن والثلاثون # الإخلاص وشرح النيات ### | والأمر بتحسينها في تصريف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في # الأفعال: # قال الله الكبير المتعال: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ~~البينة: 5 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل ~~مسلم: إخلاص العمل لله تعالى، وقال: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما ~~نوى، وقد روينا في الحديث من طريق أهل البيت عليهم السلام: لايقبل الله ~~تعالى قولا إلا بعمل ولا قولا وعملا إلا بنية، وقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله ~~تعالى وصدق النية فيما عند الله عز رجل، فينبغي أن يكون للعبد في كل شيء ~~نية حتى في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه ونكاحه؛ فإن ذلك كله من أعماله التي ~~يسأل عنها؛ فإن كانت لله تعالى وفيه كانت في ميزان حسناته، وإن كانت في ~~سبيل الهوى ولغير المولى كانت في ميزان سيئاته، إذ لكل عبد ما نوى وإن كان ~~ذلك غفلة وسهوا من غير نية ولا عقد طوبة ولا حسبة، لم يكن له في ذلك شيء، ~~ولم يجد عمله في الآخرة شيئا، وكان فيه لا له ولا عليه، وكان ذلك في الدنيا ~~على مثال الأنعام التي تتصرف عن غير مقول ولا تكليف ولكن بإلهام وتوفيق، ~~وأخاف أن يدخل في وصف من قال الله تعالى: (أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~وكان أمره فرطا) الكهف: 28، أي غفلة وسهوا، وقيل: تفريطا وتضييعا، وقيل: ~~مقدما إلى الهلاك، فالنية الصالحة هي أول العمل الصالح وأول العطاء من الله ~~تعالى ms0975 وهو مكان الجزاء، وإنما يكون للعبد من ثواب الأعمال على حسب ما يهب ~~الله تعالى له من النيات، فربما اتفق في العمل الواحد نيات كثيرة على مقدار ~~ما يحتمل العبد من النية، وعلى مقدار علم العامل، فيكون له بكل نية حسنة، ~~ثم يضاعف كل حسنة عشر أمثالها، لأنها أعمال تجتمع في عمل، وصورة النية ~~معنيان، أحدهما: صحة قصد القلب إلى العمل بحسن التيقظ فيه والإخلاص به لوجه ~~الله تعالى ابتغاء ما عنده من الأجر، فكل عمل كان على علم بهذه النية فهو ~~صالح متقبل بفضل الله تعالى وبرحمته، لأن صاحبه قد اتقى الشرك والجهل ~~والهوى، فعمله مرفوع في الخزائن مدخر له الجزاء # PageV02P267 # وحقيقة الإخلاص سلامته من وصفين؛ وهما: الرياء والهوى، ليكون خالصا ~~كماوصف الله تعالى الخالص من اللبن، فكان بذلك تمام النعمة علينا، فقال: ~~(من بين فرث ودم لبنا خالصا) النحل: 66، فلو وجد فيه أحد الوصفين من فرث أو ~~دم لم يكن خالصا، ولم تتم النعمة به علينا ولم تقبله نفوسنا، فكذلك ~~معاملتنا لله عز وجل إذا شابها رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس، ولم تكن ~~خالصة لم يتم بها الصدق والأدب في المعاملة ولم يقبلها الله تعالى منا ~~فاعتبروا. # وروينا عن سعيد بن أبي بردة عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ~~إلى أبي موسى الأشعري: أنه من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين ~~الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله تعالى، ~~فما ظنك؟ وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزير: اعلم يا عمر أن ~~الله تعالى عون للعبد بقدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله تعالى إياه، ~~ومن قصرت عنه نيته قصر عنه من عون الله تعالى بقدر ذلك، وقد قال الله تعالى ~~في تصديق ذلك: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) النساء: 35، فجعل سبب ~~التوفيق إرادة الإصلاح؛ فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل ~~الصالح، وقال بعض السلف: رأيت الخير إنما ms0976 يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا ~~وإن لم ينصب رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبر تصغره النية، وكتب بعض ~~الأدباء إلى أخيه: أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل، وقال داود ~~الطائي: من أكبر همه التقوى لو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما ~~إلى نية صالحة، فكذلك الجاهل بالله تعالى وأيامه همه الدنيا والهوى، ولو ~~تعلقت جوارحه بكل أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا وموافقة ~~الهوى، لأن سرها كان همه النفس لعاجل عرض الدنيا، وقال محمد بن الحسين: ~~ينبغي للرجل أن تكون نيته بين يدي عمله، وقال أيوب السجستاني وغيره: تخلص ~~النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال، وقال الثوري: كانوا يتعلمون ~~النية للعمل كما يتعلمون العلم، وقال بعض العلماء: طلب النية للعمل قبل ~~العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير، وقال زيد بن أسلم: خصلتان هما كمال ~~أمرك تصبح ولا تهيم لله تعالى بمعصية وتمسي ولا تهيم لله تعالى بمعصية، ~~وكذلك قال بعض السلف في معناه: إن نعمة الله تعالى أكثر من أن تحصوها وإن ~~ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما ~~بين ذلك. # وروينا في الخبر عن بعض المريدين: أنه كان يطوف على العلماء يقول: من ~~يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني أحب أن لاتجيء علي ساعة من ~~ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله تعالى، فقيل له: قد وجدت صاحبك ~~اعمل الخير ما استطعت، فإذا أقترت أو تركته فهم بعمله، فإن الهام بعمل ~~الخير كعامله. # وروينا عن عيسى عليه الصلاة والسلام: طوبى لعين نامت ولا تهم بمعصية ~~وانتهت إلى غير إثم. # PageV02P268 # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له ~~حسنة، ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، وقد جاء في الخبر المشهور نية ~~المرء خير من عمله. ### | تفسير قوله نية المرء خير من عمله # فيه عشرة أوجه؛ قيل: إن النية سر ms0977 وأعمال السر تضاعف، وقيل: لأنها غيب لا ~~يطلع عليها غير الله تعالى، والظواهر مشتركة، وأيضا فإن الله عز وجل يهبها ~~للعبد خالصة لا يشوبها شيء إذا وهبها، ولا يدخل عليها الآفات؛ فهذا عطاء ~~مهيأ وسائر الأعمال مدخر له، وأيضا لأنها من شرط العمل حتى لا يصح عمل إلا ~~بها وهي تصح بمجردها، وكان عبد الرحيم بن يحىى الأسود يقول: معنى قوله نية ~~المرء خير من عمله يعني إخلاصه في العمل خير من العمل، قال: فالإخلاص بغير ~~عمل خير من عمل غير مخلص والنية عنده: هو الإخلاص نفسه، وعند غيره: هو ~~الصدق في الحال باستواء السريرة والعلانية، وقد قال الجنيد رحمه الله تعالى ~~في الفرق بين الإخلاص والصدق معنى لطيفا لم يفسره ويحتاج إلى تفسير، حدثنا ~~بعض الأشياخ عنه قال: شهد جماعة على رجل بشهادة فلم تضره وكانوا مخلصين، ~~ولو كانوا صادقين لعوقب؛ يعني أن صدقهم أن لا يعملوا عمله أومثل عمله الذي ~~شهدوا به عليه؛ فهذا صدق الحال، وهو حقيقة النية وإخلاصها عند المحققين، ~~وقد قيل في معنى قوله: نية المرء خير من عمله لأن نية المؤمن دائمة متصلة، ~~والأعمال منقطعة، وبالنية خلد أهل التوحيد في الجنة، وخلد أهل الشرك في ~~النار لدوام نياتهم على التوحيد ودوام نيات الآخرين على الشرك مدة الدهر؛ ~~فهذه المعاني كلها على هذا الوجه الذي يقول فيه: إن معناه أن النية خير من ~~العمل، وفيه وجه آخر يكون الكلام فيه على التقديم والتأخير أي نية المؤمن ~~هي من عمله خير، كأنه قال: هي بعض أعماله الخير، فهذا كقوله تعالى: (ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) البقرة: 160، معناه نأت منها بخير، ~~وكما قال: (يسألونك كأنك حفي عنها) الأعراف: 781، معناه: يسألونك عنها كأنك ~~حفي بهم، فآخر قوله عنها ومعناه التقديم فيكون هذا على التأويل أن النية من ~~أعمال القلوب، وأنها من أعمال العبد خير كثير، وهذه الأقوال كلها صحيحة وهي ~~موجودة في النية ففضلت النية العمل، لأن هذه المعاني من صفتها، وقال بعض ~~التابعين: ms0978 قلوب الأبرار تغلي بالبر وقلوب الفجار تغلي بالفجور والله تعالى ~~مطلع على نياتهم فيثيبهم بقدر ذلك فانظر ما همك وما نيتك. # وروينا عن الله سبحانه وتعالى في بعض الكتب أنه قال: ليس كل كلام الحكيم ~~أتقبل، ولكني أنظر إلى همه وهواه، فمن كان همه وهواه لي جعلت صمته ذكرا ~~ونظره # PageV02P269 # عبرا؛ وهذا داخل في عموم الخبرالذي رويناه عن نبيناصلى الله عليه وسلم: ~~أن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم، وسئل سفيان الثوري: هل يؤاخذ العبد بالنية؟ قال: نعم إذا كانت ~~عزما أخذ بها، وفي الخبر: أن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة ~~في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم ~~يرد بذلك وجهي، ثم ينادي الملائكة: اكتبوا له كذا واكتبوا له كذا، فيقولون: ~~ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك، فيقال إنه نواه، وفي حديث أبي كبشة ~~الأنماري: الناس أربعة: رجل آتاه الله عز وجل ومالا فهو يعمل بعلمه في ~~ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل؛ فهما في ~~الخير سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله ~~فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل؛ فهما في الوزر سواء، ~~ألا ترى كيف شركه بحسن النية في محاسن عمله وشرك الآخر بسوء النية بنيته في ~~مساوئ عمله؟ وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك قال: إن بالمدينة أقواما، ما قطعنا واديا ولا وطئنا ~~موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا نصبنا نصبا ولا أصابتنا مخمصة، إلا ~~شركونا في ذلك وهم بالمدينة، قالوا: وكيف ذلك يارسول الله وليسوا معنا؟ ~~قال: حبسهم العذر فشركونا بحسن النية. # وقال بعض السلف: صلاح الأعمال وفسادها بصلاح النيات وفسادها، وكان مطرف ~~يقول: صلاح عمل بصلاح قلب، وصلاح قلب بصلاح نية، ومن صفا صفي له، ومن خلط ~~خلط عليه، ms0979 وكذلك جاء في الخبر وهو أصل من أصول الدين قولهصلى الله عليه ~~وسلم: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوج بها فهجرته إلى ما هاجر إليه فأخبر أن لا عمل إلا بالنية، ثم جعل لكل ~~عبد نية ثم رد طالبي الدنيا والأزواج إلى نياتهم، وحكم عليهم بها، وجعلها ~~نصيبهم من الله تعالى، وفق ذلك لهم أو لم يوفقه، فبطلت هجرتهم بفساد نياتهم ~~وصارت همتهم بدنياهم وهواهم سبب حرمان ثواب المخلصين لله بحسن نياتهم، وطلب ~~آخرتهم؛ وكان ذلك في الآخرة حسرة عليهم في الدنيا وشيئا لهم. # وفي حديث ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة ~~منا فكان يسمى مهاجر أم قيس، وقال أبو داود: هذا الحديث ربع العلم، وذلك ~~أنه قال: جمعت السنن الصحاح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أربعة ~~آلاف حديث، ثم قال: قد أمررتها على أربعة أحاديث؛ كل حديث ربع العلم، قال: ~~وهذا الحديث أولها، وإنما قال ذلك لأنه فرض الفروض لا يتم فرض إلا به، ~~وكذلك جاء في الخبر: أن رجلا قتل في سبيل الله عز وجل فكان يدعى قتيل ~~الحمار، وذلك أنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى ~~نيته، وفي حديث أبي عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من غزا وهو لا # PageV02P270 # ينوي إلا عقالا فله ما نوى، وقال: إني استعنت رجلا يغزو معي، فقال: لا ~~حتى تجعل لي جعلا: فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ~~ليس له من ديناه وآخرته إلا ما جعلت له. # وروينا في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: ~~لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس، قال: فأوحى الله تعالى إلى ~~نبيهم أن قل له: إن الله تعالى قد قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ~~ما ms0980 لو كان طعاما فتصدقت به، وفي أخبار كثيرة: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت ~~له حسنة، وفي حديث عبد الله بن عمر: من تكن الدنيا نيته جعل الله فقره بين ~~عينيه وفارقها أرغب مايكون فيها، ومن تكن الآخرة نيته جعل لله غناه في قلبه ~~وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها، وحديث أم سلمة ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم جيشا يخسف بهم في البيداء فقلت: يا رسول الله يكون فيهم ~~المكره والأجير، فقال: يحشرون على نياتهم، وفي حديث عمر مثله: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما يقتتل المقتتلون على النيات، وفي حديث ~~فضالة: من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها، وكذلك قال في الخبر: إذا ~~التقى الصفات نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا، ~~فلان يقاتل عصبية إلا فلانا يقولون قتل فلان في سبيل الله فمن قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى. # وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث كل عبد على ما مات عليه، ~~وفي حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ~~لأنه أراد قتل صاحبه، والنية عند قوم الإخلاص بعينه، وعند آخرين الصدق، ~~وعند الجملة أنها صحة العقد وحسن القصد، وهي عند الجماعة من أعمال القلوب ~~مقدمة في الأعمال وأول كل عمل، وقد قال الله تعالى: (واذكروا الله ذكرا ~~كثيرا) الأحزاب: 41 قيل: في التفسير خالصا فسمي الخالص كثيرا، وهو ما خلصت ~~فيه النية لوجه الله تعالى، ووصف ذكر المنافقين بالقلة فقال: (يراءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا) النساء: 142 يعني غير خالص، وسميت سورة: (قل هو ~~الله أحد) سورة الإخلاص لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده، لا يختلط ~~بذكره جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولانهي وكذلك قيل سورة التوحيد ~~إذ لا شريك فيها من سواه فأول ms0981 سلطان العدو على القلب عند فساد النية فإذا ~~تغيرت من العبد طمع فيه فيتسلط عليه وأول ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف ~~النية، فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى، فإذا قويت النية صح العزم ~~وضعفت صفات النفس، ولأنه ينتقل العبد من معصية إلى معصية دونها فيكون تاركا ~~للأولى بنية الترك لله تعالى كان أنفع له وأحمد عاقبة # PageV02P271 # وأصلح لقلبه وأقرب إلى توبته من افتعال الطاعات مشوبة بالهوى وفساد ~~النيات، لأنه يكون حينئذ متقلبا في المعاصي بفساد نيته، وخالط عملا سيئا ~~بسيء مثله، ودرأ بالسيئة لسيئة قبلها، وهذا بخلاف وصف الله تعالى من قوله: ~~(خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) التوبة: 102 وقوله: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) ~~الرعد: 22، ومخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: اتبع السيئة ~~الحسنة تمحها، وفي حديث أبي هريرة: من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي ~~أداءه فهو زان، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق، وفي حديث ابن ~~مسعود ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء فقال: إن أكثر شهداء ~~أمتي لأصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، وقال ثابت ~~البناني: نية المؤمن أبلغ من عمله، إن المؤمن ينوي أن يصوم النهار ويقوم ~~الليل ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله، وقد ضرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثل القلب بالملك والجوارح جنوده، قال: فإذا صلح ~~القلب صلح الجسد، وإذا فسد فسد الجسد؛ معناه إذا صلحت للعبد نيته دامت ~~للعبد استقامته، وإذا خلص وصفا من شوب الكدر والهوى خلصت الأعمال من الرياء ~~وصفت من الشهوات والأهواء، وإذا فسدت نيته بحب الدنيا فسدت أعمال الجوارح ~~بحب المدح والرياء. # وقد حدثونا في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فجاءه ~~قوم فقالوا: إن ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب لذلك، فأخذ ~~فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: أين ~~تريد رحمك الله؟ قال: أريد أن أقطع ms0982 هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: ~~وما أنت وذاك؟ تركت عبادتك والاشتغال بنفسك وتفرغت لغير ذلك؟ فقال: إن هذا ~~من عبادتي، فقال له: إني لا أتركك تقطعها، قال: فقاتله فأخذه العابد فطرحه ~~إلى الأرض وقعد على صدره، فقال له إبليس: أطلقني حتى أكلمك، فقام عنه فقال ~~له إبليس: يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك، أنبي أنت؟ ~~قال: لا، قال: فلا عليك ممن كان يعبدها، فلو اشتغلت بعبادتك وتركتها فإن ~~لله تعالى في أرضه أنبياء لو شاء بعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال ~~العابد: لا بد لي من قطعها، قال: فنابذه إبليس للقتال فغلبه العابد فأخذه ~~وصرعه وقعد على صدره، فلما رأى إبليس أنه لا طاقة له به ولاسلطان له عليه ~~قال: يا هذا هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع من هذا الأمر ~~الذي جئت تطلبه قال: وما هو؟ قال: قم عني أخبرك به، فأطلقه العابد فقال له ~~إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب ~~أن تفضل على إخوانك، وتواسي جيرانك، وتتسع في حالك وتستغني عن الناس، قال: ~~نعم، قال: فارجع عن هذا الأمر الذي جئت فيه ولك علي أن أجعل عند رأسك في كل ~~ليلة دينارين، فإذا أصبحت أخذتهما فصنعت بهما ما # PageV02P272 # شئت، وأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك، فيكون لك أفضل من ذلك ~~وأنفع للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانه، ولا يضرهم قطعها شيئا ~~ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك لها، قال: فتفكر العابد فيما قال له وقال: ~~صدق الشيخ، لست بني فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله تعالى أن أقطعها ~~فأكون قد عصيت بتركها، وإنما هو شيء تفضلت به، وماذا يضرالموحدين من بقائها ~~وهذا الذي ذكره أكثرمنفعة لعموم الناس، قال: فعاهده على الوفاء بذلك وحلف ~~له فرجع العابد إلى متعبده فبات ليلته فأصبح فإذا ديناران عند رأسه ~~فأخذهما، ثم كذلك الغد، ثم أصبح اليوم ms0983 الثالث فلم ير شيئا، ثم أصبح بعد ذلك ~~فلم يجد فغضب وأخذ فأسه على عاتقه وخرج يؤم الشجرة ليقطعها وقال: إن فاتني ~~أمر الدنيا لا أتركن أمر الآخرة، قال: فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: ~~أين تريد؟ قال: أقطع تلك الشجرة، قال: كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا ~~سبيل لك إليه ا، قال: فتناوله العابد ليأخذه كما فعل أول مرة فقال: هيهات ~~قال: فأخذه إبليس فصرعه فإذا هو كالعصفور بين يديه، قال: وقعد إبليس على ~~صدره وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له ~~به، قال: يا هذا قد غلبتني فحل عني وأخبرني عنك كيف قد غلبتك أول مرة ~~فصرعتك والآن غلبتني فصرعتني؟ فكيف ذلك؟ قال له إبليس: لأنك أول مرة غضبت ~~لله تعالى وكانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك فغلبتني، وهذه المرة جئت ~~مغاضبا لنفسك وكانت نيتك الدنيا فسلطني الله تعالى عليك فصرعتك، وهكذا ~~حدثونا في قصة تطول أن ملكة من بني إسرائيل راودت عابدا عن نفسه فقال: ~~اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف، قال، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه ~~فأوحى الله عز وجل إلى ملك الهوى: الزم عبدي قال: فلزمه حتى وضعه بالأرض ~~على قدميه رويدا، فقيل لإبليس: ألا أغويته؟ فقال: ليس لي سلطان على من خالف ~~هواه وبذل نفسه لله تعالى. # وفي حديث معاذ بن جبل أن العبد يوم القيامة ليسأل عن كل شيء حتى عن كحل ~~عينيه وعن فتات الطينة بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه، وروينا في خبر مقطوع من ~~تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله ~~تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة، وليس الطيب من أكبر المأمور ~~به ولا من الإثم المنهى عنه، وإنما لصاحبه منه نيته، فإن كان نيته اتباع ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار النعمة لله تعالى، كان بذلك مطيعا ~~وكان له ثواب ما نواه، وإن تطيب لغير ذلك كان به ms0984 عاصيا لاتباعه هواه. # وعن بعض السلف الصالح قال: كتبت كتابا وأردت أن أتربه في منزل جاري # PageV02P273 # فتحرجت من ذلك ثم قلت: تراب وما تراب؟ فترتبه فهتف بي هاتف سيعلم من ~~استخف بتراب ما يلقى غدا من سوء الحساب، وقال بعض العلماء: إن لأستحب أن ~~يكون لي في لك شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي، وحدثت أن رجلا صلى مع ~~سفيان صلاة العيد وكان قد خرج معه بغلس، فلما أصبح نظر وإذ إزار سفيان ~~مقلوب فقال له: يا أبا محمد قد لبست ثوبك مقلوبا فأصلحه قال: فمد سفيان يده ~~ليسوي إزاره ثم قبضها فلم يسوه فقا له الرجل: ما منعك أن تسويه عليك؟ قال: ~~إني لبسته لله عز وجل فلا أريد أن أسويه لغير ذلك ونادى رجل امرأته وكان ~~فوق سطح يسرح شعره فقال: هاتي المدري ليفرق به شعره فقالت امرأته: وأجيء ~~بالمرآة فسكت هنية ثم قال: نعم، فقال له من سمعه لأي شيء سكت عن المرآة؟ ~~فقال له: إني قلت لها: هاتي المدري بينة، فلما قالت والمرآة؟ فلم يكن لي في ~~لمرآة نية، فتوفقت حتى هيأ الله لي نية فقلت نعم جيئي بها. # وحدثونا عن بعض أصحاب بشر أن فتحا الموصلي دخل عليه فقام له بشر، قال: ~~وما رأيته قام لغيره، فقمت فأجلسني، فلما انصرف قلت له: قمت أنت إليه فلما ~~قمت أنا أجلستني، فقال: أنا قمت إليه لأجل الله تعالى وأنت قمت لأجلي ~~فأجلستك، وحدثونا أن بعض الفقراء كان يصحب أبا سعيد الخراز فكان يخف بين ~~يديه في حوائجه، ويخدم الفقراء، ويسارع في قضاء حوائج أبي سعيد وأصحابه، ~~قال: فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركة فوقر ذلك قي قلب الشاب فكأنه أخذ ~~الإخلاص التفقد لحركته وخدمته فترك ما كان يعمله من قضاء حوائج أبي سعيد في ~~الخفة بين يدي إخوانه حتى أضر ذلك بأبي سعيد فقال له: يا بني قد كنت تسعى ~~في حوائج إخوانك ثم قطعت ذلك فما السبب؟ فقال يا أستاذ إنك تكلمت في ~~الإخلاص ms0985 وأني خشيت أن تكون أفعالي مدخولة فتركتها، قال أبو سعيد: لا تغفل ~~إن الإخلاص لايقطع المعاملة ولا ينبغي للعاقل أن يترك العمل لأجل الإخلاص ~~فيفوته الإخلاص والعمل، ولم أقل لك: اترك ما أنت عليه إنما قلت لك: أخلص ~~فيه فإن طلبك للإخلاص قد قطعك عن عمل البر وقد أضر ذلك بنا فارجع إلى ما ~~كنت فيه وأخلص فيه لله تعالى، فينبغي للعبد أن يكون له نية خالصة في جميع ~~تصرفه في حركته وسكونه وسعيه وتركه، فإن الحركة والسكون اللذين هما أصلا ~~الأعمال من أعماله التي يسأل عنها فيحتاج إلى النية والإخلاص فيهما، فليجعل ~~جميع ذلك لله تعالى وفيه بعقد واحد على مراتب من المقامات عنده، إما حبا له ~~وإجلالا له، وإما خوفا منه أو رجاء له، أو لأجل ما أمره به، فينوي أداء ~~الفرائض، أو لما ندبه فينوي المسارعة إلى الخير، وفيما أبيح له فتكون نيته ~~في ذلك صلاحا لقلبه، وإسكان نفسه، واستقامة حاله، وذلك كله لأجل الدين وعدة ~~الآخرة، وشكرا لربه تعالى، ودخولا فيما أحل له، # PageV02P274 # واعترافا بما أنعم عليه، واتباعا لسنة نبيه فيه ولا يكون واقفا مع طبع ~~ولا جاريا على العادة، وقال أبو عبدة بن عقبة: من سره أن يكمل عمله فليحسن ~~نيته، فإن الله عز وجل يأجرالعبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة، فأحسن تفسير ~~النية بما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال: ~~تعبد الله كأنك تراه فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين، فهم مخلصو ~~المخلصين، وقال ابن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية، وقال بعضهم: القصد ~~إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال بالصلاة والصيام ونحوه، وقال ~~الأنطاكي: إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح، وروي عن علي عليه ~~السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه، ومن كان باطنه أرجح من ~~ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة، وقال داود الطائي: رأيت الخير كله يجمعه حسن ~~النية فكفاك به خيرا، وإن لم ينصب، وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى: ms0986 ~~(وآتيناه أجره في الدنيا) العنكبوت: 27، قال: نيته الصادقة اكتسب بها الأجر ~~في الآخرة. # وروي عن عبد الرحمن بن مربح قال: من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا ~~الله عز وجل، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك أعطاه الله عز وجل بالأصل، ~~ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد إلا المراءاة ثم فكر ~~وبدا له فجعل آخر ذلك لله عز وجل أعطاه الله تعالى بالفرع ووضع عنه الأصل، ~~كأنه حسب ذلك توبة؛ والتوبة مكفرة لماسلف والله أعلم، وقد تلتبس الفضائل ~~بالمناقص لدقة معانيها وخفي علومها كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب، ~~من ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن ~~أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له، فلما سلم جاءه فقال له صلى ~~الله عليه وسلم: ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟ فقال: كنت أصلي، فقال: ألم ~~تسمع قول الله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ~~الأنفال: 24؟ فكان إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل له، لأن صلاته ~~نافلة وإجابة الرسولصلى الله عليه وسلم فرض عليه، قال بعضهم: من كان طلب ~~الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد ~~مكر به، وقال سفيان: إنماحرموا الوصول بتضييع الأصول: فأفضل شيء للعبد ~~معرفته بنفسه، ثم وقوفه على حده، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها، ثم قيامه ~~بعلمه الذي فتح له، فيبتدئ العمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه ~~مبلغ علمه ووسع وجده، لا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض، لأن الفضل ربح ~~لا يصح إلا بعد رأس المال، ولكل فضل آفة قاطعة، فمن سلم منها حاز فضله، ~~ولكل أمر نفيس مؤونة ثقيلة، فمن تحملها أدرك نفيسها، ومن تعذرت عليه ~~السلامة فهيهات أن يصير إلى فضل كرامة، ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك ~~علو مقامه، وقد يلتبس # PageV02P275 # التكلف بالإخلاص وإظهار العلم بظهور التزين ms0987 به، قال الثوري رحمه الله: ~~زين نفسك بالعلم لولا تزين به؛ أي أدبها لله عز وجل فتكون زينا في أوليائه، ~~ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه ويلتبس الاختبار بالاختيار ما كان عن ~~حاجة وتطرقت به إلى الله عز وجل، والاختيار ما زاد في الشهوة وكان سلما إلى ~~الخلق كالتباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها للنعمة والتكثر من ~~الأسباب، ووقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا وأحكام الفرض لجواز السلامة ~~هو الفضل. # وقد روي: إذا دعي أحدكم للطعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كن صائما فليقل ~~إني صائم، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل، ولكن إظهار عمله من ~~حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب ~~أخيه لتفضيل العمال على الأعمال، إذ الأعمال موقوفة على العامل، فإنما يعطي ~~الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء عز وجل على ~~غيره في العمل لواحد، فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له: ارفع ~~التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك؛ فهو خير من إخفاء العمل مع وجد ~~أخيك عليك، لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه ~~عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه ذلك إن كان صادقا في دعائك، قال ابن ~~شبرمة: سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه الاسم الأعظم على أن لا يسأله ~~شيئا من أمر الدنيا، فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل أن يقوي أن يختم القرآن في ~~اليوم والليلة ثلاث مرات، فقيل لكرز: أتعبت نفسك في العبادة، فقال: كم ~~مقدار الدنيا قيل سبعة آلاف سنة؟ قال: أما يرضى عبد أن يعمل سبعة آلاف سنة ~~وينجو من يوم مقداره خمسين ألف سنة؟ وقال سري السقطي: ركعتان تخلصهماخير لك ~~من أن تكتب سبعين حديثا أو قال سبعمائة حديث. # PageV02P276 ### | الفصل التاسع والثلاثون # ترتيب الأقوات ### | بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات # أما الأقوات فقد كان بعض السلف ينقص منها ms0988 حتى يرد النفس إلى أقل قوامها،، ~~فمن أراد هذا الطريق فلينقص في كل أكلة ربع سبع رغيف فيكون تاركا لرغيف في ~~شهر برياضة وتمهل، فلا يؤثر النقصان عليه شيئا حتى تقف النفس على الأكل في ~~ثلث بطنها وهو ثلث أكله المعتاد، وهذا طريق المريدين، ومن العلماء من لم ~~يكن يعرض للأقوات ولكن يعمل في زيادة الأوقات فيؤخر أكله وقتا بعد وقت حتى ~~ينتهي إلى أكثر طاقة النفس لحمل الجوع بضعف الجسم عن الفرض أو خشية اضطراب ~~العقل، فمن أراد هذا الطريق أخر فطره كل ليلة إلى نصف سبع الليل حتى يكون ~~قد طوى ليلة في نصف شهر؛ وهذا طريق من أراد الطي السبع والعشر والخمس عشرة ~~يوما إلى الأربعين، لأنه يعمل في تجوعه على مزيد الأيام ولا يعمل في نقصان ~~الطعام فلا يؤثر ذلك نقصا في عقله ولا ضعفا عن أداء الفرائض، إذا كان على ~~صحة قصد وحسن نية وصدق عقد، فإنه يعان على ذلك ويحفظ فيه ويكون طعمه إذا ~~أكل عند كل وقت يزيد فيه النقص ضرورة عن غيرتعمل لنقصانه، لأن معاه تضيق لا ~~محالة، فكلما زاد جوعه نقص أكله على هذا إلى أن ينتهي في الجوع، وينتهي في ~~قلة الطعم، ولا ينال فضيلة الجوع التي وردت به الأخبار إلا بالطي، ومن ~~الناس من يقول: حد الجوع الأول من الوقت إلى مثله كالغد أربعة وعشرون ساعة، ~~وحده الآخر اثنان وسبعون ساعة؛ فهذا حد الجوع من الأوقات فأما حده في ~~الأقوات فكان بعضهم يقول: حد الجوع أن لا تطلب نفسك الأدم، فمتى طلبت نفسك ~~الأدم مع الخبز فلست جائعا؛ فهذا حد الأول، وقيل: حده الجوع أن تطلب الخبز ~~فلا تميز بينه وبين غيره، فمتى تاقت النفس إلى الخبز بعينه فليست بجائعة ~~لأن لها شهوة في التخير، ومتى لم تميز بين خبز وغيره من مأكول؛ فهذا حد ~~الجوع وهو الفاقة والحاجة إلى الطعام الذي جعله الله تبارك وتعالى غذاء ~~للأجسام؛ وهذا يكون في آخر الحدين من الأوقات بعد الثلاث إلى خمس ms0989 وسبع، ~~ويكون طلب العبد عند هذا الجوع القوام من العيش والضرورة من القوت وهو ما ~~سد الجوعة وأعان على أداء الفريضة؛ وهذا حال # PageV02P277 # الصديقين وقد سمعت بعض هذه الطائفة يقول: حد الجوع أن يبزق العبد، فإذا ~~لم يقع على بزاقه ذباب فقد خلت معدته من الطعام يريد أن بزاقه قد خلا من ~~الدسومة والدهنية وصار صافيا مثل الماء فلا يسقط عليه الذباب مع نطق حاسته ~~التي ركبت فيه وخفي إدراكه لما يقع عليه، فأما أكل العادات والتنقل في ~~الشهوات والأكل حتى يشبع، فهذا عند العلماء مكروه، وأهله عندهم بمنزلة ~~البهائم وأما الأكل على شبع والامتلاء حتى يتخم فهذا فسق عند العلماء وقد ~~قاله لي بعض العارفين. # وروينا أنه قيل لأبي بكر: إن ابنك أكل البارحة حتى بشم، فقال: لو مات ما ~~صليت عليه، فأما الصوم فليس هو عندهم الجوع المقصود لإسكان النفس وإخماد ~~الطبع لأن الصوم يصير عادة ويرجع الصائم إلى قوة طبعه إذا أفطر، فأما إذا ~~كان يصوم ويفطر على الشهوت ويمتلئ من الأكل فإن صوم هذا لا يزيده إلا قوة ~~طبع وظهور نفس، وتفتق عليه الشهوات، ويدخل عليه الفتور عن الطاعات، ويجلب ~~عليه الكسل والسبات، وربما قوي طبعه جملة واحدة فظهرت عليه نفسه بقوة مجملة ~~إلا إنه لا يجري في نهاره إلا فيما أجريت عادته عليه وجعل حاله فيه من ~~أبواب الدنيا والتنقل في الهوى، وإن كان ظاهر حاله أسباب الآخرة عنده لقصور ~~علمه، فإن شهودها دنيا، فالتقلل وأخذ البلغة من القوت في الأوقات مع ~~الإفطار أصلح لقلب هذا، وأدوم لعمله، وأبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم، لأن ~~هذا الذي وصفناه هو صوم أبناء الدنيا المترفين ليس بصوم أهل الآخرة ~~الزاهدين ولكن بالتقلل والطي وترك الشهوات واجتناب الشبهات تنكسر النفس ~~وتذل، ويخمد الطبع، وتضعف الصفة عن العادة، وتقوي إرادة الآخرة، ويعمل ~~المريد في سعيها وتخرج حلاوة الدنيا من القلب فيصير العبد مع التجوع والطي ~~وترك النزهات كأنه زاهد. # وروينا في حديث أسامة بن زيد وأبي يزيد الطويل ms0990 اختصرته: إن أقرب الناس من ~~الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا، الأحفياء ~~الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، تعرفهم بقاع ~~الأرض وتحف بهم ملائكة السماء، نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز ~~وجل، افترش الناس الفرش وافترشوا الجباه والركب، ضيع الناس فعل النبيين ~~وأخلاقهم وحفظوهم، تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الله تعالى على كل بلدة ليس ~~فيها منهم، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف، أكلوا الفلق ~~ولبسوا الخرق، شعثا غبرا، يراهم الناس يظنون أن بهم داء، يقال: قد خولطوا ~~وقد ذهبت عقولهم، ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أن ذهبت الدنيا عنهم، فهم عند ~~أهل الدنيا يمشون بلا عقول، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس، لهم الشرف في ~~الآخرة، يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لتلك البلدة، لا يعذب ~~الله عز وجل # PageV02P278 # قوما هم فيهم، الأرض بهم رحيمة، والجبار عنهم راض، اتخذهم لنفسك أخدانا ~~عسى أن تنجو بهم، وإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فإنك ~~تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع النبيين، وتفرح بقدوم روحك الملائكة، ويصلي ~~عليك الجبار عز وجل، وممن اشتهر بالطي وكثر النقل عنه بذلك الخمس عشرة يوما ~~إلى عشرين إلى شهر، جماعة من العلماء يكثر عددهم؛ منهم: ابن عمرو العوفي، ~~وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وإبراهيم التميمي، وحجاج بن قرافصة، وحفص بن ~~العابد المصيصي، والمسلم بن سعد، وزهير البنائي، وسليمان الخواص، وسهل بن ~~عبد الله، وإبراهيم الخواص، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستا، ~~وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام، وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس ~~يطوي سبعا، وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا، وقد ~~رأينا من كان يطوي تسعا وخمسا، وكثيرا ممن يطوي ثلاثا ثلاثا. # وقد قال بعض العلماء: من طوى أربعين يوما من الطعام ظهرت له قدرة من ~~الملكوت، وكان يقول: لا يزهد العبد حقيقة الزهد الذي لا مشوبة ms0991 فيه إلا ~~بمشاهدة قدرة من غيب الملكوت، وبعضهم يقول: لا يوقن العبد يقينا ثابتا بحكم ~~عليه لاستقامة فيه، ولبسة حال لازمة، وعلم نافذ في الملكوت، إلا بمشاهدة ~~قدرة من قدرة الغيب، برأي عين تظهر له بشهادة دائمة، يقوم بها ويضطره؛ فعند ~~هذا يعرف من الله تعالى، ومنه المخصوص القيوم به، ويصح لعبد مراد بهذا ~~الطريق المنهج أربعين في سنة وأربعة أشهر، على ما نزلنا من تأخير الأوقات ~~وقتا بعد وقت، ورتبنا من رياضة النفس في الأوقات حتى تندرج الليالي في ~~الأيام، وتدخل الأيام في الليالي، فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد وليلة ~~واحدة، وهذا طريق بعض المقربين، لا يقدر عليه إلا مراد به، محمول فيه، ~~مكاشف بشهادة تشغله عن نفسه، وتقطعه عن طبعه وعادته، وتنسيه جوعه، ويكشف له ~~حقيقته ومرجوعه، وقد عرفنا من كان فعل ذلك، وظهرت له آيات من الملكوت، وكشف ~~له عن معاني قدرة من الجبروت، تجلى الله له عز وجل بها ومنها كيف شاء، وقد ~~وقف بعض هذه الطائفة على راهب فذاكره بحاله، وطمع في إسلامه، وترك ما هو ~~عليه من الغرور، فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب: فإن المسيح ~~كان يطوي أربعين يوما وأن معتقد إعجاز هذا وأنه لا يكون إلا النبي، فقال له ~~الصوفي: فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام، ~~وتعلم أن ما نحن عليه حق وأنك على باطل؟ قال: نعم فقعد عنده لا يبرح ولا ~~يذهب إلا من حيث يراه الراهب # PageV02P279 # إلى أن طوى خمسين يوما، فقال: أزيدك أيضا، فطوى إلى تمام الستين فعجب ~~الراهب منه واعتقد فضله وفضل دينه، وقال: ما كنت أظن أن أحدا يجاوز فعل ~~المسيح عليه السلام ولكن هذه أمة تشبه الأنبياء في العلم والفضل، فكان سبب ~~إسلامه، وممن كان يطوي أربعين يوما إبراهيم التميمي وحجاج بن قرافصة، فأما ~~الثلاثين والعشرين فقد حكي عن عدد كثير منهم: سهل بن عبد الله وجماعة من ~~البصريين، وأما من يأكل في الشهر أكلتين ms0992 وثلاثة وأربعة فهم كثير من ~~الشاميين والجزريين، وإن أحب المريد أن يقسم فطره قسمين فيأكل رغيفا عند ~~إفطاره في أول الليل فيسكن بذلك جوعه، ويأكل رغيفا عند السحر يستعين به على ~~صومه فحسن، وإن أحب عمل في تأخير الإفطار على رياضة، ووقف عند السحر فلم ~~يجاوزه، فيكون أكله سحرا فيحصل له بذلك خمسة أشياء جوع النهار للصائم، وجوع ~~الليل للقائم، وخلو القلب لفراغ المعدة، ورقة الفكر واجتماع الهم لخلو ~~القلب، وسكون النفس للمعلوم فلا ينازعه قبل وقته؛ وهذا أوسط الطرقات وأحبها ~~إلي وهو طريق السائرين. # وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: ما قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قيامكم هذا قط، وإن كان ليقوم حتى تزلع رجلاه، وما واصل ~~وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر. # وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يواصل إلى السحر، فإن كان المريد يصوم يوما ويفطر يوما؛ وهو أعدل طرقات ~~الصيام أيضا، أكل يوم فطره بعد الظهر وليلة صومه عند الفجر، فإن لم يفعل ~~فليأكل يوم فطره نصف أكله بالأمس فكأنه صائم، فإن لم يفعل اضطراب جسمه ~~وداخله الفتور في حاله، ومن لم يكن له معلوم فلا بأس أن يأكل شبعه ثم يتربص ~~حتى ينتهي جوعه؛ فعلامة جوعه، أن لا تختار نفسه الخبز دون غيره من ~~المأكولات، فإن اختارت نفسه الخبز ففيه بقية من الشبع، وعلامة شبعه بعد ~~الأكل أن يأكل الخبر البحت على شهوة، فإذا تاقت نفسه إلى الأدم فقد ابتدأ ~~شبعه، فإن تخيرت الأدام فهو شبعان، وترك المعلوم في الطعام طريق صوفية ~~البغداديين، والوقوف مع المعلوم طريقة البصريين، ولما قدم صوفية أهل البصرة ~~على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل رحمه الله تعالى قال لهم: كيف تعملون ~~في الصوم؟ فقالوا: نصوم بالنهار فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا، فقال: آه آه ~~لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتم لحالكم؛ أي لا تسكنون إلى معلوم، فقالوا: ~~لا نقوى ms0993 على هذا ولعمري أن طريق البغداديين بترك المعلوم من المطعوم أعلى؛ ~~وهو طريق المتوكلين من الأقوياء وطريقة البصريين بالمعلوم، والتوقيت أسلم ~~من آفات النفوس وأقطع للتشرف والتطلع؛ وهو طريق المريدين والعاملين. # PageV02P280 ### | ذكر رياضة المريدين في المأكول وفضل الجوع وطريقة السلف في التقلل # والأكل # كان أبو ذر يقول في بعض إنكاره: قد غيرتم بنخلكم الشعير ولم يكن منخل، ~~وخبزتم المرقق وجمعتم بين أدمين، واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ~~ثوب، ورجع في آخر، ولم يكونوا هكذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان يقول: قوتي في كل جمعة صاع من شعير والله العظيم لا أزيد عليه حتى ~~ألقاه، فإني سمعته يقول صلى الله عليه وسلم: أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا ~~يوم القيامة من مات على مثل ما تركته عليه، وقد كان قوت جماعة من الصحابة ~~صاع من حنطة في كل جمعة، فإذا أكلوا التمر اقتاتوا صاعا ونصفا، وكان قوت ~~أهل الصفة مد من تمر بين اثنين في كل يوم، والمد رطل وثلث، وكان الحسن ~~يقول: المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف، والقبضة من السويق، والجرعة ~~من الماء، والمنافق مثل السبع سرطا سرطا وبلعا بلعا، لا يطوي بطنه لجاره، ~~ولا يؤثر أخاه بفضله، وجهوا هذه الفضول أمامكم، وكان أبو يزيد البسطامي ~~يقول: إذا وجد الفقير الماء سقط عنك فرضه. # وفي الحديث المشهور العام: المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في ~~سبعة أمعاء، هذا على التمثيل في الاتساع والكثرة؛ أي يأكل أضعاف أكل ~~المؤمن، فكان المؤمن يأكل سبع أكل المنافق، والعرب ترفع في ذكر ضعف الشيء ~~وإضعافه إلى سبعة، وقد فسر ذلك عالمنا أبومحمد سهل فقال: معنى يأكل في سبعة ~~أمعاء؛ أحدها شره، وطمع، وحرص، ورغبة، وغفلة، وعادة، أي فالمنافق يأكل بهذه ~~المعاني، والمؤمن يأكل بمعنى الفاقة، والزهد، ولهذا كان يقول: لو كانت ~~الدنيا دما غبيطا كان قوت المؤمن منها حلالا، لأن أكل المؤمن عنده ضرورة ~~للقوام، ومن الناس من يضيف هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله ms0994 عليه وسلم ~~وهو مخطئ في ذلك، إنما هو كلام إمامنا سهل بن عبد الله التستري رحمه الله، ~~وقد سئل عن قوت المؤمن فقال: قوته الله تعالى، قال: سألت عن قوامه، فقال: ~~الذكر فقال: إنما سألت عن غذائه، فقال: غذاؤه العلم، قلت: سألت عن طعمة ~~الجسم، فقال: ما لك والجسم، دع الجسم على من تولاه قديما يتولاه الآن، ثم ~~قال: الجسد صنعة إذا عابت ردها إلى صانعها، وسئل أيضا عن الحلال، فقال: ما ~~لم يعص الله في أوله ولم ينس في آخره، وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه، ~~وكان يقول: القوت للمؤمنين والقوام للصالحين، والضرورة للصديقين، ومن كان ~~ذا معلوم فالمستحب له أن لا يزيد على رغيفين في يوم وليلة، وليجعل بينهما ~~وقتا # PageV02P281 # طويلا مرة وقصيرا أخرى على حسب الحاجة وتوقان النفس إلى الغذاء، لاعلى ~~طرد العادة والشهوة، والرغيف ستة وثلاثون لقمة يكون قوام النفس في كل ساعة ~~ثلاث لقمات، فإذا أراد أن يأكل الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد كل ثلاث ~~لقم جرعة ماء، فذلك اثنا عشر جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة، ففي ذلك ~~قوام الجسم وصلاحه في كل يوم وليلة على هذا الترتيب. # وقد روينا في مجمل هذا أثرا، كان أبوذر يقول: كان قوتي على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صاعا في كل جمعة، والله العظيم لا أزيد عليه حتى ألقاه؛ ~~فهذا يكون في كل يوم رطل أو نحوه، والأصل في جمل ما ذكرناه من التنزل في ~~القوت ما رويناه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل سمين فأومأ إلى ~~بطنه بأصبعه، فقال: لو كان هذا في غير ها كان خيرا لك؛ يعني لو قدمته ~~لآخرتك وآثرت به إخوانك فكان في غير جوفك لكان ذلك خيرا لك، ويعني قلة ~~الطعم خير من كثرته وتجشا أبو جحيفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~ثريد ولحم، قال: كنت أكلته، فقال: اكفف عنا جشاءك، فإن أكثركم شبعا في ~~الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة، قال: فوالله ms0995 ما ملأت بطني من طعام بعدها ~~إلى يومي هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، وقد روينا عن الحسن عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال البسوا الصوف وشمروا وكلوا في ~~إنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء. # وروينا عن عيسى عليه السلام: أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ~~ترى الله عز وجل، وقد رواه عبد الرحمن بن يحيى الأسود عن طاوس رفعه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: وقيل لأبي يزيد البسطامي وهو أعلى ~~هذه الطائفة إشارة بأي شيء نلت هذه المعرفة؟ قال: ببطن جائع وجسد عار، وفي ~~التوراة مكتوب: أن الله تبارك وتعالى ليبغض الحبر السمين، وفي بعض الكتب: ~~ويمقت أهل بيت لحمين، وقد جاءا مسندين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~طريق، وقد روينا عن ابن مسعود أن الله عز وجل يبغض القارئ السمين، وفي خبر ~~مرسل: أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش، ~~فإذا جعل العبد شبعه بين جوعين كان جوعه أكثر من شبعه وسلم من حديث أبي ~~خحيفة، ومن كانت له جوعة بعد كل شبعة اعتدل جوعه وشبعه، ومن أكل يوم في كل ~~مرتين فقد تابع الشبع وتحقق بخبر أبي جحيفة وشبعه، حينئذ أكثر من جوعه؛ ~~وليس ذلك من السنة # PageV02P282 # وهو من فعل المترفين وقد كانوا يعدونه سرفا. # وقد روينا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~إذا تغدى لم يتعش، وإذا تعشى لم يتغد، وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة، ~~وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: إياك ~~والإسراف، فإن أكلتين في يوم من الإسراف، وقد قال الله عز وجل: (والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) الفرقان: 67 فكأن أكلتين في يوم إسراف، وأكلة ~~في يومين إقتار وأكلة في يوم قواما بين ذلك، وأقول على هذا إن أكل أربعة ~~أرغفة سرف، وزغيفين قتر، وثلاثة أرغفة قوام حسن؛ ms0996 وهذا أعدل الأقوات ولا ~~يعجبني أكل أربعة أرغفة في مقام واحد لأني لا آمن به ازديادا فيصير ذلك ~~مقتا، وقد يروى في خبر الأكل على الشبع يورث البرص، وقال بعض السلف: إن من ~~السرف أن يأكل العبد كلما يشتهيه، وقد كان للصحابة أكلتان وشربتان، ~~فالأكلتان الوجبة والغبوق، فالوجبة من الوقت إلى الوقت، وكقولك الوقعة، ~~ومنه قوله: فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها؛ أي إذا وقعت جنوب البدن على ~~الأرض، والغبوق أن يشرب مذقه لبن، أو يأكل كف تمر عند النوم، أو بعد عتمة، ~~أو يكون عند الظهيرة، وقد يكون ذلك سحرا، والشربتان العلل والنهل، فالنهل ~~الشربة الأولى من اللبن بمنزلة الوجبة، والعلل الشربة الثانية بمنزلة ~~الغبوق من نقيع تمر أو زبيب يقوم مقام الأكلتين فهن تمام الري، والأولى ~~علالة النفس من العطش فسمي عللا، وكان من أخلاف السلف ترك الشبع اختيارا ~~لأنفسهم لخفة الجسم، أو مواساة الفقراء، أو مساواة لهم في الحال لئلا يفضل ~~عليهم في حالهم؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: أول بدعة حدثت بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الشبع، إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم ~~إلى الدنيا. # وروينا في خبر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوع لا من عوز أي ~~مختارا له مع الإمكان في الأوقات، وقال بعض العلماء: أبغض الأشياء إلى الله ~~عز وجل بطن مليء ولو من حلال. # وقد روينا معناه مسندا وفي الخبر الإسرائيلي أن يحيى عليه السلام ظهر له ~~إبليس فرأى عليه معاليق من ألوان الأصباغ من كل شيء، فقال له: ما هذه ~~المعاليق؟ قال: شهوات بني آدم، قال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعت ~~فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر، قال: هل غير ذلك؟ قال: لا، قال لله تبارك ~~وتعالى على أن لا أملا بطني من طعام أبدا، قال إبليس: ولله علي أن لا أنصح ~~مسلما أبدا، وقد كان من أخلاق التابعين الصبر على الطعم إلى أحد حدي الجوع؛ ~~الأول منها وهو أربعة وعشرون ساعة، ولم يكن ms0997 من # PageV02P283 # أخلاقهم الأكل للعادة ولا تخير الأطعمة، ولا تعمد الخبر خاصة دون غيره من ~~المأكولات إذا سد الجوعة وقامت به البلغة، وكان أبو سليمان الداراني يقول: ~~إذا عرضت لك حاجة من حوائج الآخرة فاقضها قبل أن تأكل، فما من أحد شبع إلا ~~نقص من عقله، أو قال: تغير تقله عما كان عليه، وكان يقول لأن أترك من عشائي ~~لقمة أحب إلي من قيام ليلة، هذا لإيثاره الجوع والتقلل على العباد مع ~~التكثر. # وروينا عن وهب بن منبه وغيره أن عابدا دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغيفان ~~فجعل أخوه يقلب بعض الأرغفة ليختار أجودها، فقال له العابد: من أي شيء ~~تصنع؟ أما علمت أن هذا الرغيف الذي رغبت عنه ولم تقنع به قد عمل فيه كذا ~~وكذا صانع، وظهرت فيه كذا وكذا صنعة؛ منها السحاب الذي يحمل الماء، والماء ~~الذي يسقي الأرض، والأرض التي أنبتتت، والرياح، والبهائم، وبنو آدم حتى صار ~~إلىك، ثم أنت بعد هذا تقلبه لا ترضى به؟ وقال الآخر زيادة في الخبر: إن ~~الرغيف لا يستدير فيوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا وصنعة؛ ~~أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تزجر ~~السحاب والشمس القمر والأفلاك وملكوت الهواء ودواب الأرض، وآخر ذلك الخباز، ~~(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) إبراهيم: 34 والخبر المشهور: ما ملأ ابن ~~آدم وعاء شرا من بطن فدل أن ما نقص من ملء البطن فذلك خير، ثم قال: حسب ابن ~~آدم لقيمات يشددن صلبه، ففي قوله: لقيمات معنيان؛ التقلل والتصغير، لأن ~~التاء تدخل للجمع القليل وهو ما دون العشرة من العدد، والمعنى الآخر هو ~~التصغير لأن لقيمة تصغير لقمة، ثم قال: فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب ~~وثلث للنفس، وفي لفظ آخر: وثلث للذكر، فدل أيضا أن ملء البطن يمنع من الذكر ~~وما منع من الذكر فهو شر، قال الله سبحانه وتعالى: (والله خير وأبقى) طه: ~~73، وقال: (والآخرة خير وأبقى) الأعلى: 17 ومعنى قوله صلى الله عليه ms0998 وسلم: ~~ثلث طعام أن يأكل شبعه المعتاد فيصير ثلث الشبع قوام الجسد باعتياد ثان، ~~كما كان ملء البطن من الشبع هو العادة الأولى، وثلث الشبع هو ثمان أواق؛ ~~فهذا على معنى الخبر الآخر: طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الانين يكفي ~~الأربعة، ففي هذا خمسة أوجه، قال بعض علمائنا البصريين: طعام الواحد شبعا ~~يكفي الاثنين قوتا، وطعام الاثنين # PageV02P284 # شبعا يكفي الأربعة قوتا، ومنهم من قال: طعام المسلم يكفي مؤمنين، وطعام ~~مسلمين يكفي أربعة من خصوص المؤمنين، ويجوز أيضا أن يكون طعام الواحد من ~~المنافقين يكفي مسلمين على معنى قوله: المؤمن يأكل في معى واحد والمنافق في ~~سبعة أمعاء، ويصلح أن يكون معناه طعام الواحد من الصناع المتصرفين في ~~المعايش يكفي اثنين ممن هو قاعد لا يتصرف، ويصلح أيضا طعام الواحد من ~~المفطرين يكفي طعام صائمين من الخصوص، وفي خبر عمر رضي الله عنه حين قال ~~لابن مسعود وأبي موسى في قصة المرتد الذي قتلاه قبل أن يستتيباه ويحكما: ~~ألا طينتم عليه بيتا وألقيتم إليه كل يوم رغيفا ثلاثة أيام، فلعله أن يتوب ~~ويرجع إلى الإسلام، اللهم إني لم آمر ولم أعلم ولم أرض إذ بلغني فدل هذا أن ~~في كل رغيف كفاية يوم وثلاثة أرغفة عندنا بالحجاز رطل، لأن الرطل المكي عدد ~~ستة أقراص مذ ذاك إلى يومنا، هذا فيكون كل رغيف ثمان أواق؛ فهذا كما قلناه: ~~إن ثماني أواق ثلث الشبع لقوله ثلث طعام بعد قوله لقيمات جمع لما دون ~~العشرة، وهذا مواطئ لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأكل سبع لقم، ~~وحدثونا في أخبار الخلفاء أن الرشيد جمع أطباء: هندي، ورومي، وعراقي، ~~وسوادي، فقال لهم: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه، فقال الهندي: ~~الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الاهليلج الأسود، وقال الرومي: الدواء الذي ~~لا داء فيه حب الرشاد الأبيض، وقال العراقي: الدواء الذي لا داء فيه الماء ~~الحار، فقال السوادي، وكان أعلمهم: إن الاهليلج يعفص المعدة وهذا داء، وإن ~~حب ms0999 الرشاد يرق المعدة وهذا داء، وإن الماء الحار يرخي المعدة وهذا داء، ~~قالوا: فما عندك؟ قال: الدواء الذي لا داء فيه أن لا تأكل الطعام حتى ~~تشتهيه وترفع يدك عنه وأنت تشتهيه، فقالوا: صدق. # وحدثني بعض العلماء قال: ذكرت لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس، فتعجب منه ~~واستحسنه وقال: ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا وإنه لكلام حكيم، ~~ثم قال: جهدت الأطباء من الفلاسفة أن يقولوا مثل هذا في التقلل من الأكل ~~فلم يهتدوا إليه فأكثر ما قالوا: لا تقعد على طعامك حتى تشتهيه وترفع يدك ~~عنه وأنت تشتهيه، ومنهم من قال: لا يأكل إلا بعد الجوع ويرفع قبل الشبع، ~~ومنهم من قال: لا يأكل إلا بعد الجوع المفرط ولا يشبع شديدا، وإنما كان ~~مراده هذا الذي ذكره نبيكم، وقد كان بعض علمائنا يقول: من أكل خبز الحنطة ~~بحتا بأدب لم يعتل إلا علة الموت، قيل له: وما الأدب قال: يأكل بعد الجوع، ~~ويرفع قبل الشبع، والأصل في هذا أن العلل داخلة على الأجسام من اختلاف نبات ~~الأرض، لأن المعدة مركبة على طبائع أربع: الحرارة، # PageV02P285 # والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وكذلك منابت الأرض على هذه الطبائع فإذا ~~أكثر من اختلاف منابتها أمالت الحرارة والبرودة من النبات غرائز الطبائع من ~~الحرارة والبرودة من المعدة، وأمالت الرطوبة واليبوسة من النبات غرائز ~~الطبائع من الرطوبة واليبوسة، فزاد بعض على بعض وقوي وصف على مثله فكانت ~~الأمراض من مثل ذلك، لأن كل مأكول من نبات الأكل يعمل في وصف من معاني ~~الجسم، وأن الحنطة مخالفة لسائر نبات الأرض المعتدلة في الطبائع الأربع ~~كاعتدال الماء في سائر الأشربة، وقد شبهوا لحم الدراج في خفته وقلة دهنه من ~~سائر اللحوم بطبع الحنطة في سائر الحبوب. # وقال بعض الأطباء: كل من الخبز بحتا ما شئت، فإن لا يضرك، وقال غيره: أكل ~~الخبز وحده خير من الأدم المردي، وقال بعضهم: لم يدخل الإنسان إلى معدته ms1000 ~~أنفع من الرمان، ولا أضر من المالح، ولأن يتقلل من المالح خير له من أن ~~يستكثر من الرمان، وقد مثل الأترج من سائر الفاكهة على سائر المعدة في ~~الطبائع الأربع، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بالأترجة ~~طعمها طيب وريحها طيب؛ فهذه لطيفة من اللطيف، وحكمة من الحكيم تعالى، إذا ~~أراد صحة جسم عبد أوحى إلى المعدة أن يأخذ كل طبع منها ضده من نبات الأرض ~~الذي وقع في المعدة، فيأخذ طبع الحرارة طبع البرودة، ويأخذ طبع الرطوبة طبع ~~اليبوسة من المأكول، فتعتدل الطبائع، فاستوى المزاج فيكون ذلك سببا لصحة ~~الجسم من علله، فإذا أراد أسقام جسم أمر كل طبيعة أن تأخذ جنسها ومثلها من ~~المأكولات من نبات الأرض مثله، فتضرب المزاجات، ثم يدور ذلك في الجسد ~~بمجاري العروق ومصباته إلى الأعضاء المتفاوتة الأدوات، فتقع كل أداة في عضو ~~ضدها فتثقل بها، ويغشي كل آلة من جارحة ما لا يلائمها من طبعها فيسقم الجسم ~~وتتفاوت العلل، فيكون هذا سبب الأمراض والعوارض، نعوذ بالله ذلك تقدير ~~العزيز العليم. # وقد روينا: أصل بنية الإنسان عن الله تعالى في صفة خلق آدم عليه السلام، ~~حدثنا عن البراء قال: حدثنا عبد المنعم بن إدريس قال: حدثني أبي عن ابن ~~منبه اليماني أنه وجد في التوراة صفة آدم عليه السلام حين خلقه الله عز وجل ~~وابتدعه، فقال: إني خلقت آدم ركبت جسده من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ~~ولده تنمي في أجسادهم، وينمون عليها ركبت جسده من رطب ويابس وسخن وبارد، ~~وذلك لأني خلقته من التراب، ورطوبته من الماء وحرارته من قبل النفس، ~~وبرودته من قبل الروح، ثم جعلت في الروح بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع ~~من الخلق هن ملاك الجسم بإذني وقوامه لا يقوم الجسم إلا بهن، ولا يقوم منهن ~~واحدة إلا بأخرى منهن المرة السوداء والمرة الصفراء والدم والبلغم، ثم أسكت ~~بعض هذا الخلق في بعض، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة ~~في المرة الصفراء، ومسكن ms1001 الحرارة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، فأيما ~~جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه فكانت كل واحدة ~~منهن ربعا لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته؛ # PageV02P286 # فإن زاد منهن واحدة عليهن قهرتهن ومالت بهن، ودخل عليه السقم من ناحيته ~~بقدر غلبتها حتى تضعف عن طاعتهن، وتعجز عن مقاربتهن، ثم ذكر الحديث بطوله: ~~وقد تغلب الحرارة على بعض المريدين من قبل قوة المزاج وحدة الشبهات، فيظهر ~~الطبع فيتسع المني على العزب، كما تقوى الحرارة فينبع الدم؛ لأن أصل المني ~~هو الدم يتصاعد في خرزات الصلب وهناك مسكنه فتنضجه الحرارة فيستحيل أبيض، ~~فإذا امتلأت منه خرزات الصلب وهو الفقار طلب الخروج من مسلكه فقويت الصحة ~~بذلك، فهذا حين هيجان الإنسان إلى النكاح، ولا يصلح لمثل هذا أن يأكل ~~الحرارات من الأطعمة، وليطفئ ذلك بأكل البرودات والأشياء القاطعة، وليجتنب ~~أكل كل حار يابس أو بارد رطب؛ فإنه يهيج الطبع ويقوي العضو. # وقد روينا عن قتادة في تفسير قوله تعالىك (ولا تحملناما لا طاقة لنا به) ~~البقرة: 286، قال الغلمة وقال فياض بن نجيح: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلث ~~عقله. # وقد روينا عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب) الفلق: 3 ~~قال: قيام الذكر، وقد أسند بعض الرواة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا أنه قال: الذكر إذا دخل، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول: أعوذ بك من شر سمعي وبصري ولساني وقلب ومنيي وروينا عن أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليهن أجمعين السلام أنهن كن يأكلن الخل ~~والبرودات بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطعن به الشهوة، وروى ~~بعض أشياخ الصوفية قال: اشتدت علي صفتي في بدء إرادتي بما لم أطق فكنت أضج ~~إلى الله تعالى في كل وقت فرأيت شخصا في النوم فقال لي: ما لك؟ فشكوت إليه، ~~فقال: تقدم إلي فتقدمت فوضع يده على صدري فوجدت بردها في فؤداي وجميع جسدي، ~~قال: ms1002 فأصبحت وقد انكشف مابي فبقيت معافى سنة، ثم عاودني ذلك بمثله أو أشد ~~فأكثرت الضجيج إلى الله عز وجل فجاءني شخص في المنام قال: تحب أن يذهب ما ~~تجد وأضرب عنقك؟ فقلت: نعم، فقال: مد رقبتك، فمددتها فجرد سيفا من نور فضرب ~~به عنقي، قال: فأصبحت وقد انكشف ما بي فبقيت معافى سنة، ثم عاودني بمثله من ~~الاغتلام وأشد فرأيت شخصا يخاطبني فيما بين صدري وثوبي: فقال ويحك كم تسأل ~~الله تعالى رفع ما لم يحب رفعه؟ قال: فتزوجت فانقطع عني ولم يعاودني، فكان ~~ذلك سبب ذريته وولد له، فإذا كان العبد ناسيا لجوعه ذاكرا لربه عز وجل فهو ~~يشبه الملائكة، وإذا كان شبعان مهموما في طلب الشهوات فهو أشبه بالبهائم. # PageV02P287 # ويقال إن الجوع ملك والشبع مملوك، إن الجائع عزيز والشبعان ذليل، وقيل: ~~الجوع عز كله، والشبع ذل كله، وقال بعض السلف: الجوع مفتاح الآخرة وباب ~~الزهد، والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل شيء بابا، وباب ~~العبادة الصوم، والخبر المشهور: صوموا تصحوا فصحة القلوب من علل الرؤوس ~~أعلى وأحسن من صحة الأجسام من علل الأسقام. # وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم، قلت: وكيف نديم قرع باب الجنة ~~يا رسول الله؟ قال: بالجوع والظمأ، وقد نوع أبو سعيد الخراز مقامات أهل ~~الجوع في مقاصدهم عن مواجيدهم وهممهم، فحدثني الجهضمي عن أحمد بن شاكر قال: ~~سمعت أبا سعيد يقول: سمعت الثقة من علمائنا يقول عن عبد الواحد بن زيد: إنه ~~كان يقسم بالله ما صافى أحد إلا بالجوع، ولا مشوا على الماء إلا بالجوع، ~~ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع. # وكان يعد الأخلاق السنية الشريفة المحمودة ويحلف أنهم ما نالوها إلا ~~بالجوع، قال أبو سعيد: معنى الجوع اسم معلق على الخلق افترقوا في الدخول ~~فيه والعمل به لعلل كثيرة، فمنهم من يجوع ورعا إذا لم يصب ms1003 الشيء الصافي، ~~ومنهم من وجد الشيء الصافي فتركه زهدا فيه من مخافة طول الحساب والوقوف ~~والسؤال، ومنهم من استلذ العبادة والنشاط بها والخفة فرأى النيل من الطعام ~~والشراب قاطعا له وشغلا عن الخدمة والخلوة، ومنهم من قرب من الله عز وجل ~~فلزم قلبه حقيقة الحياء حين علم أن الله تبارك وتعالى مشاهده، وكان الحياء ~~مقامه لا غير، فتوهم أن الله تعالى يراه وهو يمضغ بين يديه ويأكل ويشرب ~~فيؤديه ذلك إلى الكنيف فيجوع من هذه العين، وهكذا كان أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه، ومنهم من أدركه السهو عن حاجاته فسلا عن نيل مصلحتين حتى يذكر في ~~الغيب أو يذكر. # وقال أبو سعيد الخراز أيضا: قال جماعة من الحكماء: إن الله تعالى لا يكلم ~~أحدا، وفي بطنه شيء من الدنيا؛ فهذا يدل على أمره لموسى عليه السلام، يقول: ~~النيل ليلقاه خاليا من الدنيا، وبنفس ساكنة عن المنازعة إلى شيء من الملك، ~~وروح روحانية قد أحياها الحي لحياته فعند ذلك يصلح هذا الشخص لمخاطبته مثلا ~~بلا ترجمان. # وحدثني الحسن بن يحيى البستي عن ابن مسروق قال: لقيت سهل بن عبد الله، ~~فلما # PageV02P288 # دخلت عليه وبشرني وقبلني وكان في إرادة وتذلل فقلت له: أحب أن تصف لي ~~بدايتك وما كنت تقوت به، فقال: في كل سنة ثلاثة دراهم؛ كنت آخذ بدرهم دبسا، ~~وبدرهم سمنا، وبدرهم دقيق الرز، وأشوبه مخلصا ثلاثمائة وستين أكرة آخذ ليلة ~~أكرة أفطر عليها، فقلت: الساعة كيف تعمل؟ فقال: أكلا بلا حد ولا توقيف. # وحدثونا في أخبار الملوك أن ملك الهند أهدى إلى المنصور تحفا منها أنه ~~وجه إليه بفيلسوف طبيب قال: فأنزله المنصور وأحسن إليه، فلما دخل عليه قال ~~الفيلسوف: قد جئتك يا أمير المؤمنين بثلاث خصال يتنافس الملوك فيها لا ~~نصنعها إلا لهم قال: وماهي؟ قال: أخضب لحيتك بسواد لا تنصل أبدا ولا تتغير ~~عن حالها، قال: وما الخصلة الثانية؟ قال: أعالجك بعلاج تتسع به في المأكل ~~فتأكل أي شيء شئت فلا تتخم ولا يؤذيك الطعام، قال: ms1004 وما الثالثة؟ قال: أقوي ~~صلبك بقوة تبسط إلى الجماع فتجامع ما شئت لا تمل من ذلك ولا يضعف بصرك ولا ~~ينقص من قوتك، قال: فأطرق المنصور ثم رفع رأسه إليه فقال: قد كنت أظن أنك ~~أعقل مما أنت، أما السواد فلا حاجة لي به؛ فإن ذلك غرور وزور، والشيب هيبة ~~ووقار، ولم أكن لأغير نورا جعله الله تبارك وتعالى في وجهي بطلمة السواد، ~~وأما ما ذكرت من الأكل فوالله ما أنا بشره، وما لي في الاستكثار من الطعام ~~حاجة، لأنه يثقل الجسم ويشغل عن النوائب وأقل شيء فيه كثرة اختلافي إلى ~~الخلاء فأرى ما أكره وأسمع ما لا أحب، وأما ماذكرت من النساء فإن النكاح ~~شعبة من الجنون، وما أقبح بخليفة مثلي يجثو بين يدي صبية، ارجع إلى صاحبك ~~مذموما مدحورا فلا حاجة لي بما جئت به. # وحدثونا عن بعض هذه الطائفة قال: أتيت قاسما الجوعي فسألته عن الزهد أي ~~شيء هو؟ فقال لي: أي شيء فيه؟ فقلت: قالوا الزهد قصر الأمل، فقال: وأي شيء ~~سمعت فيه؟ فقلت: قالوا الزهد ترك الادخار، فقال: حسن؛ حتى عددت عليه أقوالا ~~فسكت، فقلت: أي شيء تقول أنت؟ فقال: أعلم أن البطن دنيا العبد وبمقدار ما ~~يملك من بطنه يملك من الزهد، وبمقدار ما يملكه بطنه تملكه الدنيا، وعلى هذا ~~المعنى قال وهب بن منبه حكيم هذه الأمة: لكل شيء وسط وطرفان، فإذا أمسكت ~~أحد الطرفين مال الآخر، وإن أمسكت الوسط اعتدل الطرفان، فكذلك البطن وسطا ~~بين الجوارح إن امسكتها اعتدلت الأطراف السمع والبصر واللسان والفرج ~~والرجلان، وكذلك كان شيخنا ابن سالم يقول: إذا أعطيت البطن حظه من الشبع ~~طلبت كل جارحة حظها من اللهو فجمحت بك النفس إلى الهلكة، وإذا منعت البطن ~~حظه قصرت عنك كل جارحة عن حظها فاستقام القلب لذلك. # وكان بشر بن الحارث قد اعتل فسأل عبد الرحمن المتطبب عن شيء يوافقه من ~~المأكول فقال له عبد الرحمن: تسألني؟ فإذا وصفت لك لم تقبل مني، فقا له ~~بشر: صف # PageV02P289 # لي ms1005 حتى أسمع، فقال: تحتاج تستعمل ثلاثة أشياء، فإن فيهن صلاح جسمك، قال: ~~ما هن؟ قال: تشرب سكنجبينا وتمص سفرجلا وتأكل بعد ذلك إسفيذاجا، فقال له ~~بشر: تعلم شيئا أقل شيء من السكنجبين يقوم مقامه؟ قال: لا، قال: فأنا أعرف، ~~قال: وما هو؟ قال: الهندبا بالخل يقوم مقامه فتعرف شيئا أقل ثمنا من ~~السفرجل يقوم مقامه قال: لا قال: فأنا أعرف قال: ما هو؟ الخرنوب الشامي؟ ~~قال: تعرف شيئا أقل ثمنا من الاسفيذاج يقوم مقامه؟ قال: أما هذا فلا، قال: ~~بلى، قال: ما هو؟ قال: ماء الحمص بسمن البقر في معناه، فقال له عبد الرحمن: ~~فأنت أعلم مني بالطب فلم تسألني؟. # ويستحب للعبد إذا كان جائعا فتاقت نفسه إلى الجماع أن لا يأكل لئلا يجمع ~~لنفسه بين حظين فيطلبهما، فربما طلبت الجماع للتعفف وهي تريد الأكل لتنبسط ~~به إلى الجماع، وفي الجمع بين شهوتين تقوية النفس واجراء عادة لها، ويستحب ~~للعبد إذا أكل أن لا ينام على أكله فيجمع بين غفلتين، فيعتاد الفتور ويقسو ~~قلبه لذلك، ولكن ليصل أو يجلس فيذكر الله تعالى، فإنه أقرب إلى الشكر، وفي ~~الحديث: أذيبوا طعامكم بالصلاة والذكر لا تناموا فتقسو قلوبكم، فأقل ذلك أن ~~يصلي أربع ركعات، ويسبح مائة تسبيحة، ويقرأ أجزاء من القرآن عقيب كل أكلة، ~~وقد كان سفيان الثوري إذا شبع في ليلة أحياها، وإذا شبع في يوم واصله ~~بالصلاة والذكر، وكان يتمثل فيقول: أشبع الزنجي وكده، ومرة يقول: أشبع ~~الحمار وكده، وكان إذا جاع كأنه يتراخى في ذلك، وينبغي للمتقشف أن يأكل ~~اللحم والدسم في الشهر مرتين، فإن أكله أربعا فلا بأس قد كان السلف يفعلون ~~ذلك، وفي خبر عن علي عليه السلام: من ترك أكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه، ~~ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه، وقد نهى عن مداومة اللحم، وقيل: إن له ~~ضراوة كضراوة الخمرة، وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول للمتقللين من ~~أهل عبادان: احفظوا عقولكم وتعاهدوها بالأدهان والدسم، فإنه ما كان ولي لله ~~عز ms1006 وجل ناقص العقل، وإن أحبه المريد أن يأكل شيئا من الطيبات والفاكهة ~~فليجعل ذلك بدلا من الخبز ويقطع به جوعه؛ فيكون ذلك له قوتا عند الحاجة إلى ~~طعم ولا يكون تفكها لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة، فإنه أسرع لملله لأنه ~~إذا شبع من الطيبات غير الخبز شبعة أو شبعتين كان أقرب إلى تركه وانقطاع ~~شهوته، ونظر أبو محمد سهل إلى ابن سالم شيخنا رحمه الله وفي يده خبز وتمر ~~فقال له: ابتدئ بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز بعده حاجتك، ~~قال: إن التمر مبارك، والخبز شؤم؛ يعني أنه كان سبب إخراج آدم من الجنة، ~~وأما بركة التمر فإن الله تعالى ضرب النخلة مثلا لكلمة التوحيد في قوله ~~تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها ~~في السماء) إبراهيم: 24. # PageV02P290 # قال ابن عباس: كلمة التوحيد لاشيء أحلى منها كشجرة طيبة وهي النخلة، وليس ~~في الثمار أحلى من الرطب، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~في حلاوته ولينه وقوته وثبات أصله بالنخلة، فقال: لا يسقط ورقها مثلها كمثل ~~المؤمن، يقول سهل رحمه الله: إذا استغنيت عن الخبز بغيره من الطعم كان خيرا ~~لك؛ يريد أن أتوقف نفسك مع عادة فتنازعك إليه ا، وقد ذكرت هذه الحكاية لأبي ~~بكر بن الجلاء فأعجبته، وقال: هذا كلام الحكماء، وكان هذا يلائم حاله، وإن ~~خشي المريد أن يكون شيء من المآكل والطيبات له عادة ولم يأمن تأله قلبه ~~وتوقان نفسه إليه ومنازعتها إياه، وكان العبد مبتدئا غرا لا يعرف خبء النفس ~~ودواهيها ولايفطن لمكرها وآفاتها؛ فإن ترك ذلك أفضل. # فليتركه حينئذ لأجل الله خوفا أن يشتهيه فيحرص على مثله، ويدخل مداخل ~~السوء من أجله، ويبيع دينه فيه أو خشية تمكن العادة فيه، فتعذر عليه التوبة ~~لدخوله في الشبهات عند اعتياد الشهوات لأن العادة جند الله تغلب العقل، ~~والابتلاء سلطان من سلطان الله تعالى يقهر العلم، لأجله تعذرت الاستقامة، ~~ولولا العداوة لكان الناس تائبين، ولولا ms1007 الابتلاء لكان التائبون مستقيمين، ~~فليترك حينئذ أكل الطيبات إذا صارت شهوات، وخشي منها مطالبة العادات، ~~ودعاوي النفس بالآفات، ناويا بذلك ما ذكرناه لصلاح قلبه، وتسكين نفسه، ~~ليملك بذلك نفسه قبل أن تملكه، ويفطم عادتها قبل أن تهلكه، ويغلب بالترك ~~طبعه وهواه قبل أن يكونا بالشهوة يغلبانه، كما قال بعض الحكماء: إن لأقضي ~~عامة حوائجي بالترك فيكون أروح لنفسي، وكما قال آخر: إذا أردت أن أستقرض من ~~غيري لشهوة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي، فيصير الترك ~~حينئذ والمنع للنفس غذاء وعادة، كما كان الأخذ والأكل عادة، ففي هذا عون له ~~على صلاح قلبه ودوام حاله، وكان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من ~~المأكول فيقال: إنه غال، فيقول له: أرخصو ه بتركه، وقال بعض الأدباء في ~~معناه: # وإذا غلا شيء على تركه ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا # وهو حينئذ تارك للشهوات لأجل الله تعالى وعامل من عمال الله؛ وقد كان هذا ~~طريق طائفة من السلف إلى الله تعالى، ثم انقرضوا فانمحى طريقهم وخلف بعدهم ~~خلف من العلماء ابتغوا الشهوات؛ ولم يقاموا في هذه المقامات ولاسلك بهم هذه ~~الطرقات، فلم يتكلموا في ترك الشهوات؛ فلذلك درس هذا الطريق وعفا أثره لفقد ~~سالكه وعدم كاشفه، فمن عمل به وسلكه فقد أظهره، ومن أظهر فقد أحيا أهله، ~~حدثني بعض علمائنا عن بعض المريدين من أهل البصرة قال: نازعتني نفسي خبز ~~أرزة وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها فاشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة، قال: ~~فمات، فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: لا أحسن، أصف إليك ما ~~يلقاني به ربي من النعيم والكرامة؟ وكان أول شيء استقبلني به خبز أرزة ~~وسمكا، فقال: كل شهوتك # PageV02P291 # اليوم هنيئا بغير حساب، وقد قال الله تعالى: (كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية) الحاقة: 24، فكأنهم أسلفوا ترك الشهوات لما ~~تركوها، وقدموا الجوع والعطش في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب، ~~ويقال: لكل عمل جزاء في الآخرة من جنسه وبمعناه، وقال سري القطي: منذ ms1008 ~~ثلاثين سنة أشتهي أن أغمس جزرة في دبس وأنا أمنع نفسي، وكان أبو سليمان ~~الداراني يقول: ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها، ~~وقال: لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ذلك إيثارا للتقلل وخفة ~~للعدة من الطعام أو خشية الاعتياد للشبع، وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول: ~~أنا أعرف إنسانا تقول له نفسه: أنا أصبر لك على طي عشرة أيام وأطعمني بعد ~~ذلك شهوة أشتهيها، فيقول لها: لا أريد أن تصبري على طي عشرة أيام، ولكن ~~اتركي هذه الشهوة التي تشتهيها، وقال لي رجل: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~في المنام فأخذ بجلد ذراعه وجعل يقول: جعت هذا الجوع كله؟ ولم يقل لي أترك ~~الجوع، ولو قال لي: أتركه لعله كان يتركه، وقد كان رحمه الله قد ترك أكل ~~الشهوات وأكل الخبز أيضا ثلاثين سنة، وكان الجنيد رحمه الله يقول: يقوم ~~أحدهم في صلاته فيجعل بينه وبين الله تعالى زنبيل طعام، ويريد أن يجد حلاوة ~~المناجاة، أو يسمع فهم الخطاب، ومثل البطن مثل الزهر وهو العود المجوف ذو ~~الأوتار، إنما حسن صوته لخفته ورقته، ولأنه أجوف غير ممتلئ، ولو كان ثقيلا ~~جالسا ممتلئا لم يكن له صوت، وكذلك الجوف إذا خلا من الامتلاء كان أرق ~~للقلب وأعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام، وروي عنه أن عتبة الغلام قل ~~لعبد الواحد بن زيد: إن فلانا يصف من قلبه منزلة لا أعرفها، قال: إن فلانا ~~لا يأكل التمر وأنت تأكله، قال: فأنا إن تركت التمر وأكله عرفت تلك ~~المنزلة، قال: نعم وغيرها، فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه أبكى الله عنك ~~أعلى التمر تبكي؟ فقال عبد الواحد: دعه فإن نفسه عرفت صدق عزمه في الترك، ~~هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبدا، وكان بعض أشياخنا ترك أكل الخبز الحار ~~لأن كان يحبه ويشتهيه سنين كثيرة فعوتب في ذلك فقال: لو طمعت نفس في أكل ~~الخبز عشرين سنة ما أطعمتها الساعة، وكان ربما ms1009 يبكي من شدة شهوة نفسه وشدة ~~عزم مجاهدته لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه، فتيأس من شهوتها آخر الدهر، ~~فكذلك كان يقع عليه البكاء للإياس من المشتهي، واعلم أن الشهوت لا حد لها، ~~ومثل القوة مثل العلم ذو حدود، فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية، فإن لم ~~تقطع الشهوات وتحسمها أحب ما كانت إليك أعطتك أرغب ما تكون فيها، فلا تقعد ~~عن التوبة تنتظر آخرها، فإن النفس لا آخر لشهواتها إلى أن ترى الملائكة ~~فعند ذلك تمحي صفاتها فتغيب الشهوات لأنها من أوصافها، فإن لم تترك الشهوات ~~المعتادة فلا تعمل في مثلها من الزيادة بل يكون عملك في النقصان؛ فهو أقرب # PageV02P292 # إلى أخلاق الإيمان، وقد كان بعضهم يقول لأصحابه: لا تأكلوا الشهوات فإن ~~أكلتموها فلا تطلبوها، فإن طلبتموها فلا تحبوها، وكانوا يقولون ما زاد على ~~الخبز فهو شهوة حتى الملح، وقال بعضهم: الخبز من أكبر الشهوات واعلم أن ~~مازاد على الخبز فهو فاكهة يتفكه به. # وقد روينا عن ابن عمر أنه قال ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من ~~الخبز، فإن كان لابد من تفكه بفاكهة مع الخبز الذي هو قوت النفس فكما أطعم ~~الله عز وجل الفقراء في الكفارة وهو التوسط في الأدام الذي أمر به وأحبه ~~لفقرائه مثل الخبز واللبن، لأن أعلى الأدام اللحم والحلو، وأدناه الملح ~~والخل، فلم يأمر سبحانه وتعالى بأعلاه لأن يشق على الأغنياء، ولم يأمر ~~بالأدنى لأنه يشق على الفقراء، وتوسط الأمر بينهما، فقال عز من قائل: (من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم) المائدة: 89 فهو ما ذكرناه، وعلى ذلك فإن ابتلى ~~العبد كل الشهوات وحبها فليظهر ذلك ولايخفيه وليشترها بنفسه ولا يسترها؛ ~~فإن هذا من صدق الحال؛ وهو طريق السلف إن فاته المجاهدة في الأعمال فلا ~~يفوتنه الصدق في الحال، وإن لم يكن صديقا فليصدق في كذبه؛ فإن الصدق في ~~الكذب أحد الصدقين، وإن خفاء الكذب والنقص وإظهار ضده من الإخلاص والتمام ~~هو كذبان لأنه نقص، وأظهر حال الكاملين واعتل وأبدى شعار المعصومين ms1010 فكذب من ~~طريقين، واستحق المقت من وجهين؛ فلذلك غضب الله عز وجل على المنافقين ~~ومقتهم مقتين ثم لم يرض منهم إلا بتوبتين واشترط علهيم شرطين فقال تعالى: ~~(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) النساء: 145 يعني أسفل من الكفار؛ ~~لأن الكافر أخلص في كفره فسوي بين باطنه وظاهره، والمنافق كفر وأشرك في ~~إيمانه فخالف بين باطنه وظاهره واستخف بنظر الله عز وجل إلى قلبه وعظم عين ~~المخلوق، فزاد الله عز وجل في هوانه وشدد في توبه بما وكد من شرطه فقال ~~تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) ~~النساء: 146 الآية، وهذا الضرب من الرياء مما لا يمتحن به عالم بالله عز ~~وجل ولا عاقل عن الله عز وجل ولله الحمد، وإن ابتلى بأكل الشهوات وببعض ~~المعاصي، كما تجري الذنوب على العارفين، ولايبتلون برياء المخلوقين وليس ~~للسلف في هذا الباب إلا طريقان؛ طريق هو المجاهدة للنفس وترك الشهوات، ~~فمنهم من كان يخفيه لأنه أسلم له، ومنهم من كان يظهره لأنه مؤمن قوي نيته ~~في ذلك القدوة والتأسي، وطريق آخر كان فيه طائفة من العلماء والعاملين ~~وكانوا يأكلون الطيبات ويتسعون في المآكل إذا وجدوها، إلا إنهم كانوا ~~يظهرون ذلك ويكسفون نفوسهم به، فإن فاتك الطريق الأعلى فاسلك الطريق الأوسط ~~الأسلم، فإما أن يكون عبدا يأكل الشهوات في السر ويخفيها في العلانية، أو ~~يظهر شعار # PageV02P293 # ضدها من الترك لها والزهد فيها؛ فليس هذا طريق الموقنين ولامسلك الصادقين ~~هذا وقد عرج طريق المسالك وسلك سبيل المهالك فإياك أن تترك محجة الطريق ~~فتقع في حيرة المضيق. # حدثنا أن عابدا من بني إسرائيل انتهى في سياحته إلى أرض لقوم رأى في ~~وسطها طريقا مستطرقا يسلك فيه السابلة فقال: هذه أرض لقوم كيف أسلكها؟ وشق ~~عليه أن يجاوز الأرض فيبعد عليه طريقه فتفكر وقال: هذا طريق مسلوك لا بأس ~~علي أن أسلكه فسلكه، فلما خرج من تلك الأرض عوقب على ذلك ونسي ذنبه فجعل ~~يستكشف فقيل له: لأنك سلكت إلى غير طريق ms1011 ودخلت في حرث قوم بغير إذنهم، ~~فقال: يارب معذرة إلىك إني رأيته قد جعل طريقا فأوحى الله عز وجل إليه، ~~وكلما اتخذ الظالمون طريقا جعلته إلي سبيلا، فمن سلك طريق ظالم بغرور لم ~~يكن في ذلك معذورا وأوقعه في الحيرة والغرور فهلك وأهلك من اقتدى به؛ وهذا ~~طريق متصنع جاهل متطرف بذلك إلى الدنيا، متشوف عند الناس بترك الشهوات، ~~مظلم التوحيد في الوجد، ضعيف اليقين في غيبة عن العيون، وقد كان من شأن ~~الصادقين من السلف اشتراء الشهوات بأنفسهم وتعليقها في منازلهم يظهرون ~~للناس شعار الراغبين وهم فيها عند الله عز وجل من الزاهدين، لا يأكلونها، ~~إنمايريدون بذلك إسقاط منزلتهم من قلوب الجاهلين، وإخفاء حالهم عن الناظرين ~~وليصرفوا عنهم قلوب الغافلين، يقطعون بذلك المقامات ويشترون به المعاملات، ~~لأن هذا مقام من زهد في الأشياء وأخفى زهده، فمن نهاية إخفاء الزهد إظهار ~~ضده واستشعار المزهود فيه، ثم لا يتناول ولايتمتع به فيكون هذا أشد على ~~النفس من المجاهدة، لأنه حمل عليها ثقلين: ثقل المنع من الحظ وثقل سقوط ~~المنزلة عنه، فعدمت النفس لذة المتعة به، وفقدت أسباب المنزلة بتركه فجرعها ~~كأس الصبر مرتين؛ فهذا حال الصادقين في تلك الشهوات، وطريق الأقوياء من أهل ~~الإرادات، وهو يشبه فعل الزاهدين في باب العطاء، إن منهم من كان يأخذ ~~العطاء علانية ثم يخرجه سرا فيكون له في الأخذ سقوط الجاه بظهور الرغبة، ~~ويكون له في الإخراج معاملة السر بحقيقة الزهد فلا هو متع نفسه بالجاه مع ~~الرد ولا هو أنالها حظها بتناوله مع الأخذ، فهذا أشد شيء على النفس، وهو ~~طريق علماء الزهد، ومن سلكه أخرجه إلى مقام الصديقين، وهذان طريقان قد درسا ~~وقد عفا أثرهما في وقتنا هذا لا يسلكه إلا من عرفه الفرد بعد الفرد ~~والسابلة من القراء على طرقات التصنع والتزين. # وروي عن جعفر الصادق رضوان الله عليه: إذا قدمت إلي شهوة نظرت إلى نفسي، ~~فإن أظهرت شهوتها لها أطعمتها منها، وكان ذلك أفضل من منعها، وإن أخفت ~~شهوتها # PageV02P294 # وأظهرت العزوف ms1012 عنه عاقتبها بالترك ولم أنلها منها شيئا؛ تفسير ذلك أن ~~إظهار النفس الشهوة أن لا تبالي أن تعرف بأكل الشهوات، وأن تحب أن يظهر على ~~ذلك من يعرف من أهل الديانات، وإخفاء النفس الشهوة أن تشتهي وتحب أن لا ~~يعلم أنها تشتهي، وتكره أن تعرف بأنها ممن تشتهى، فقال: هذه هي المعاقبة ~~بترك أكلها لأنه إذا ترك أكل شهوة لأجل الشهوات ثم اشتهى أن لا يعرف ~~بتركها؛ فهذا شهوة الشهوات، فقد وقع في أعظم مما كره، وتمتعه بشهوة النظر ~~إليه اوالمدح له أكثر من تمتعه بترك شهوته المأكولة؛ وهذا من الشهوة ~~الخفية، التي جاء في الخبر: أخوف ما أخاف على أمتي الرياء، والشهوة الخفية، ~~والرياء بالمعاملات، وخفي الشهوة أن تشتهي أن تعرف وتوصف بترك الشهوات. # وسئل بعض العلماء عن بعض الزاد فسكت عنه فقال: تعلم به بأسا؟ فقال: ما ~~أعلم به بأسا إلا في شيء واحد مكروه يأكل في الخلوة ما لا يأكله في ~~الجماعة، فأعله بذلك، ولعمري أنه موضع علة؛ لأن الصادقين قد كانوا يأكلون ~~في الجماعة ما لا يأكلون في الخلوة، فهذا ضد حالهم، فإن اتفق للعبد لونان ~~أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ فأكل الألطف منهما، فلعل كفايته تتم به فيستريح ~~من الآخرة، فإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على رقيقه ليتسعوا في الأكل ~~وتنفتق شهواتهم فيكون لكل لون لطيف مكان آخر، وشبه بعضهم المعدة بمنزلة ~~جراب ملأته جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز، فجئت بسمسم فصببته عليه، فأخذ ~~لنفسه موضعا في خلال الجوز، فوسع الجراب السمسم للطفه مع الجوز؛ فكذلك ~~المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا لطيفا بعد طعام غليظ خشن أخذته الشهوات ~~في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله والعرب تعيب ذلك ولا تفعله إذ من ~~سنتها أن تبتدئ باللحم قبل الثريد، قال رجل لبعض الأنباط: أنت من الذي ~~يبتدئون بالثريد قبل الشواء، يذم أهل العراق بذلك هذا إذا استوى اللونان في ~~الحكم أو لم يكن للمريد في ترك الأفضل منهما نية، فأما إن ms1013 كان قد ترك ~~الشهوات ثم قدمت إليه وكان على عقد نيته وقوة عزمه فلا بأس بأكل الأدون، ~~وقد كان بعض الصادقين ممن ترك أكل الشهوات في الانفراد إذا قدمت إليه نال ~~منها شيئا يسيرا ليستر عن نفسه أبصار الناظرين ويصرف عنه قلوب المادحين، ~~وقال أبو سليمان: إذا قدمت إلىك شهوة وقد كنت تاركا لها فأصب منها يسيرا ~~ولاتعط نفسك منتهاها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة، وتكون قد نغصت على ~~نفسك، إذ لم تبلغ في شهوتها؛ فإن فعل هذا فحسن، لأن أبا سليمان خاف عليه ما ~~ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير متعته باعتقاد فضله من ترك الشهوات ~~أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف على نفسه بلوغ شهوته التي كان تركها ~~بعلة الإخلاص، كما تقول العامة: بعلة الصبي تشبع الدابة، فإن قوي يقينه ~~وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن بالإيمان لأنه لم # قد نغصت على نفسك، إذ لم تبلغ في شهوتها؛ فإن فعل هذا فحسن، لأن أبا ~~سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير متعته باعتقاد ~~فضله من ترك الشهوات أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف على نفسه بلوغ ~~شهوته التي كان تركها بعلة الإخلاص، كما تقول العامة: بعلة الصبي تشبع ~~الدابة، فإن قوي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن بالإيمان لأنه ~~لم يعتل بالنظر فيتداوى بالتناول للبعض، # PageV02P295 # فأما إن كان قد اعتقد ترك شهوة لمعنى دخل علىه منها يخرجه من الورع، أو ~~يعزم على المجاهدة، ثم أتى بها؛ فهذا اختبار من الله سبحانه وتعالى لينظر ~~كيف يعمل في الوفاء بالعقد، فأحب إلي أن لا ينال منها شيئا وليتعلل ويدافع ~~عن نفسه بالمعاريض والمعاني حتى لا يفطن به أنه قد تركها للمجاهدة، فيكون ~~قد فعل الوصفين معا؛ الوفاء لعقد في تركها، والتورية بلطيف الحيلة من ~~الفطنة له في قصده؛ وهذا طريق المريدين وصفات المتقين؛ وهو الطريق الأدنى ~~الذي ذكراه أولا، فإن ظهر قرب الله تعالى منه وغلب نظره ms1014 إليه أغناه عن ~~الحيلة والاحتىال لقربه وشهادته ذا الجلال والإكرام؛ وهو الطريق الأعلى ~~الذي ذكرناه آخرا، وهذا للموقنين، فأما إن كان الغليظ الخشن هو الأحل في ~~الحكم وأبعد من الشبهة فهو الأطيب والأفضل في العلم فلا يأكل إلا منه، ~~يقال: أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنبه، فلعل الله ~~تعالى أن يشر له ترك لقمة شبهة لذيذة في الطعم إن كانت كريهة في الحكم، ~~يتركها لأجله فيغفر له ما سلف من ذنبه، إنه غفور شكور، قيل: غفور لذنوب ~~كثيرة، شكور لعمل يسير، كيف وقد صف المؤمنين أولي الهدى والتوحيد وذوي ~~الرحمة والرشد بحسن التفقد في الطعمة فقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى) الكهف: 13، (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا) الكهف: 14 يعني ~~بشهادتهم بالتوحيد، فكان من قيامهم حسن تفقدهم في المأكول، ومراقبتهم ~~للواحد في قولهم: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى ~~طعاما فليأتكم برزق منه) الكهف: 19 يعني أيها أحل وأفضل فأمروا رسولهم ~~يتحرى الحلال إذ قاموا لذي الجلال والإكرام لما أمرهم بأكله إذ قدمه على ~~الأعمال الصالحة في قوله تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) المؤمنون: ~~51، ورعا منهم وتقوى، وكذلك فافعل لتتبع سبيل المؤمنين فتكون معهم ولا تتبع ~~سبيل المجرمين الظالمين فتحشر معهم. # هذه رياضة المريدين وطريق المجاهدين، فأما العارفون فليس لهم في الأكل ~~تجربة وتقسيم إذا أطعموا تقللوا وشكروا، فإن رأوا له مكانا آثروا، وإن ~~جوعوا عملوا وصبروا، قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل ~~على أهله فيقول: هل عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل، وإن قالوا لا قال إني ~~صائم، وكان يقدم إليه الشيء فيقول: أما إني كنت أردت الصوم ثم يأكل، وفي ~~الخبر: أنه خرج صلى الله عليه وسلم يوما فقال: إني صائم ثم دخل فقالت ~~عائشة: قد أهدي لنا حيس فقال: قد كنت أردت الصوم ولكن قربيه وكانت بينه ~~وبين الله # PageV02P296 # علامة في فطره وصومه، كان الوجود علامة فطرة يكون مرادا به ms1015 وكان العدم ~~علامة صومه يكون معه مرادا، وعلى المعنى تصريف قلوب العارفين ومن هذه ~~المشكاة تضيء بصائر الشاهدين ولا يوكلون إلى حال، ولا يوقفون مع مقام، ولا ~~تصح هذه الثلاث إلا بثلاث خلال: أحدها عدم الهوى وتوقان النفس بالعادة، ~~والثانية: أن يكون له في أكله نية كما له في صومه نية فيكون أكله لله ~~فيستوي أكله وصومه إذ كان العامل فيهما واحدا، والثالثة أن يحفظ الجوارح ~~الست بحسن الرعاية فيكون صائما بما هو فرض علىه وأفضل له؛ وهن البصر، ~~والسمع، واللسان، والقلب، واليد، والرجل، ويكون مفطرا بالبطن والفرج فيكون ~~ما حفظ أكثر وأبلغ وأحب إلى الله عز وجل، ويكون أفضل ممن صام بجارحتىن؛ فإن ~~لم يكن من أصبح صائما ثم أفطر بهذه الأوصاف الثلاث دخلت علىه الشهوة الخفية ~~التي فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روينا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قال: أخاف علىكم الرياء والشهوة الخفية فقال: أن يصبح أحدكم ~~صائما ثم يعرض له الطعام يشتهيه فيفطر لأجله فالأفضل لمن عقد لله صوما أن ~~يتمه، فإن فسخه لغير الله تعالى عوقب على ذلك من عقوبات القلوب أو عقوبات ~~الجوارح في طرقات الآخرة؛ فتلك عقوبة ترك فضائل الأعمال، وفي خبر: نوم ~~العالم عبادة ونفسه تسبيح، هكذا رويناه، وقيل لبشر بن الحارث: إن فلانا ~~الغني يصوم الدهر، فقال: المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره، إنما حاله أن ~~يطعم الجياع، ويكسو العراة، ويواسي المحتاجين؛ فهذا أفضل له من صيامه ~~الدهر، ثم قال بشر: عبادة الغني كروضة على مزبلة، وعبادة الفقير كعقد ~~الجوهر في جيد الحسناء، ودخل سفيان الثوري يوما على أبي إسحاق الفزاري فقدم ~~إليه قصعة فيها خبيص، فقل: لولا أني صائم لأكلت معك، فقال الفزاري: دخل علي ~~أخوك إبراهيم بن أدهم فقعد في موضعك هذا فقدمت إليه خبيصا في هذه القصعة ~~فأكل، فلما أراد الانصراف قال: إني كنت صائما إلا إني أحببت أن آكل معك ~~أسرك بذلك، قال: فوضع الثور ي يده وجعل يأكل وتأدب بإبراهيم، ms1016 وحدثونا عن ~~سهل رحمه الله أنه سئل كيف كان في بدايته فأخبر بضروب من الرياضيات منها ~~أنه كان يقتات ورق النبق مدة، ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين، ثم ذكر ~~أنه اقتات ثلاثة دراهم في ثلاث سنين، قيل: وما هو؟ قال: كنت أشتري في كل ~~سنة بدانقين تمرا وأربعة دوانق كسبا، ثم أعجنها عجنة ثم أجزئها ثلاثمائة ~~وستين كبة أفطر في كل ليلة على كبة قال فقلت له فكيف أنت في وقتك هذا قال ~~آكل بلا حد ولا توقيت. # وقد كان معروف الكرخي يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل فيقال له: إن أخاك ~~بشرا لا يأكل من هذا، فيقول: أخي بشر قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة، ثم ~~قال: إنما أنا ضيف في دار مولاي إذا أطعمني أكلت، وإذا جوعني صبرت، ما لي ~~والاعتراض والتخير؟ وقال # PageV02P297 # بعض إخوان بشر الحافي: دخلت عليه وهو يأكل فقال لي: كل، فقلت: إني صائم، ~~فناولني كسرة وقال لي: كل، فأكلتها، فقال: سلمت من آفة الصوم وأدخلت علي ~~السرور، وكان بشر رحمه الله قد أصبح ذات يوم صائما فزاره فتح الموصلي، قال ~~حسين المغازلي: فدفع إلي كفا من دراهم فقال: اشتر لنا أطيب ما تجد من ~~الطعام وأطيب ما تجد من الحلاوة وأطيب ما تجد من الطيب، قال: وما قال لي ~~مثل ذلك قط، ففعلت فوضعت الطعام بين أيديهم فجعل يأكل معه وما رأيته أكل مع ~~غيره، وكان بعض هذه الطائفة يقول: إذ أعطاك مولاك بقطعة فقد شهاك أن تشتري ~~ما تشاء وتشتهي، وإن أعطاك مأكولا بعينه فكل ذاك ولا تتخير سواه، ودفع ~~إبراهيم بن أدهم إلى بعض أخوانه دراهم فقال: خذ لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا ~~حورانيا، فقلت: يا أبا إسحاق بهذا كله؟ فقال: ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل ~~الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال، وأصلح ذات يوم طعاما فأكثر ودعا نفرا ~~يسيرا منهم الثوري والأوزاعي فقال له: أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال: ~~ليس في الطعام إسراف، إنما الإسراف في الأثاث واللباس، وهكذا ms1017 حكي عن سيرة ~~السلف، قال: كانوا في الرجال مخاصيب وكان في الزي والثياب تقصير، وفي الخبر ~~أن رجلا صنع طعاما فدعا إليه بعض أخوانه فقال: إني صائم، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: صنع لك أخوك طعاما فلم تأكل ألا أفطرت يوما ~~مكانه. # وحدثونا عن بعض العلماء أنه كان قاضيا بصنعاء فدخل على أمير صنعاء فحضر ~~وقت غدائه فعرض عليه الأكل فقال: إني صائم، فلما أخذ الأمير في الأكل وهو ~~يحدثه إذ نظر القاضي فإذا قد جاؤوا بجمل مشوي، فجعل القاضي يزحف ويتقدم إلى ~~المائدة، ثم مد يده يأكل، فقال له الأمير: ألم تقل إني صائم، فقال: أيها ~~الأمير أنا على قضاء يوم أصومه أقدر مني على قضاء مثل هذا الجمل، وكان أبو ~~سليمان الداراني يقول: لا تضر الشهوات من لم يتكلفها إنما تضر من حرص ~~عليها، وكان يدعو أصحابه فيقدم إليه م الطيبات فيقولون له تنهانا عنها ~~وتقدمها إلىنا؟ فال: لأني أعلم أنكم تشتهونها فتأكلونها عندي خيرا، ولو ~~جاءني من يزهد ما زدته على الملح شيئا، وكان يقول: أكل الطيبات يورث الرضا ~~عن الله تعالى، وقال بعض الخلفاء: شرب الماء بثلج يخلص الشكر لله تعالى ~~وأوحى الله سبحانه إلى بعض أوليائه: أدرك لي لطف الفطنة وخفي اللطف فإني ~~أحب ذلك، قال: يارب وما ألطف الفطنة؟ قال: إذا وقعت عليك ذبابة فاعلم أني ~~أوقعتها فسلني حتى أدفعها، قال: وما خفي اللطف؟ قال: إذا أتاك فولة مسوسة ~~فأعلم إني ذكرتك بها فاشكرني عليها وأوحي إلى بعض الأنبياء: لا تنظر إلى ~~قلة الهدية، وانظر إلى عظمة مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى ~~كبرياء من واجهته بها؛ فإذا أصابك فقر وضر فلا تشكني إلى خلقي كما إذا صعدت ~~مساوئك لم أشكك إلى ملائكتي. # PageV02P298 ### | الفصل الأربعون # فيه كتاب الأطعمة ### | وذكر ما يجمع الأكل من السنن والآداب وما يشتمل على الطعام من الكراهة # والاستحباب: # قال الله الجليل جل جلاله: (يا أيها الذي آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا الله) ms1018 البقرة: 172، فقدم الأمر بالأكل على الأمر بالشكر، وقال ~~سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) النساء: ~~29، فقدم النهي عن الأكل للحرام على القتل للنفس تفضيلا للأكل الحلال ~~وتعظيما للأكل بالباطل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليؤجر ~~حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه أو إلى في امرأته وروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم ما أطعم المسلم نفسه وأهل بيته فهو صدقة له، وسئل صلى الله عليه وسلم: ~~الإيمان؟ فقال: إطعام الطعام وبذل السلام، وقال عليه السلام في الكفارات ~~والدرجات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور ~~فقال: إطعام الطعام ولين الكلام، وكان ابن عمر يقول: من كرم الرجل طيب زاده ~~في سفره وبذله لأصحابه، وروينا عن علي عليه السلام لأن أجمع إخواني على صاع ~~من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة. # ورينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا وضع الطعام وأقيمت ~~الصلاة فابدؤوا بالعشاء قبل الصلاة، قال: فكان ابن عمر ربما سمع الإقامة ~~وقراءة الإمام فلا يقوم من عشائه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل ~~الطعام ما كثرت عليه الأيدي، وقال عليه السلام: فضل عائشة على النساء كفضل ~~الثريد على الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ~~وبعده ينفي اللمم ويصح البصر يعني به غسل اليد، وقال أحمد بن حنبل: الأكل ~~من الطيب قدمه الله عز وجل على العمل، فقال عز وجل: (كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا) المؤمنون: 51، وكان سهل يقول: من لم يحسن أدب الأكل لم يحسن ~~أدب العمل، قال: والذي يتصنع في الأكل هو الذي يتصنع في العمل، وقل مرة ~~الذي يؤدي في الأكل هو الذي يؤدي في الصلاة، وكان بعض السلف يقول: إني لأحب ~~أن يكون لي نية في كل شيء حتى في الأكل والنوم، وقد كان السلف الصالح يكون ~~لأحدهم في الأكل نية صالحة كما يكون له في الجوع نية صالحة، والذي يأكل ~~بغير نية الآخرة ms1019 للعادة والشهوة والمتعة قد يجوع لغيره الآخرة للعادة ~~والشهوة أيضا والتزين للخلق، وهذا من دقيق آفات النفوس، # PageV02P299 # فحسن من يأكل بنية الآخرة ولأجل الله سبحانه وتعالى كحسن من جاع لله ~~تعالى وبنية الآخرة، وإلا كان من أبواب الدنيا، فالطعام والأكل يشتمل على ~~مائة وسبعين خصلة ما بين فرض، وسنة، وأدب، وفضيلة، واستحباب، وكراهة، ~~ومروءة، وفتوة من طريق السلف وصنائع العرب؛ أول ذلك أن يكون المأكول حلالا، ~~وعلامة الحلال ثلاث: تكون عينه معروفة لم يخالطها عين ذمها العلم من ظلم ~~وخيانة، ويكون سببه مباحا لم تحتوه بسبب محظور في الشرع لأجل هوى أو مداهنة ~~في دين ودنيا، ويكون قد وافق فيه حكم السنة لا يكون على وصف مكروه، ثم ينوي ~~بالأكل التقوى على البر والتقوى والاستعانة على خدمة المولى، ويعرف النعمة ~~فيها أنها من المنعم وحده لا شريك له فيها، ويعتقد الشكر له عليها، ويؤثر ~~التقلل على الاتساع، والقناعة على الحرص، والأدب فيه على الشره، ثم غسل ~~اليد في أوله للاستحباب، وفي آخره للنظافة والتسمية في أوله، والحمد في ~~آخره، والأكل باليمين، ويبتدئ بالملح ويختم به وأن لا يذم مأكولا ولا يعيبه ~~إن أعجبه أكل وإلا تركه والقناعة بالمأكول من القسم والرضا بالموجود من ~~الرزق وأن تكثر الأيدي على الطعام. # وفي الخبر: اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه وتصغير اللقمة وتجويد ~~المضغ، وأن لا ينظر في وجوه الآكلين، ولا يفقد مأكلهم، وأن يقعد على رجله ~~اليسرى وينصب اليمنى، ولا يأكل متكئا ولا مضطجعا، ولا يكون أول من يبتدئ ~~بالأكل حتى يسبق صاحب المنزل، والأكبر فالأكبر إلا أن يكون إماما يقتدى به، ~~أو يكون القوم منقبضين فيبسطهم بالابتداء، ولا يجمع بين التمر والنوى في ~~طبق ولا يجمعهما في كفه، وليضع النواة على ظهر كفه من فيه، ثم يلقيها كذلك ~~وما كان في معناه مما له عجم أو ثفل، ويستحب أن يأكل من التمر وترا سبعا أو ~~إحدى عشرة وإحدى وعشرين، وأن يفطر على رطب إن وجده، وإلا فتمر، فإن لم يجد ~~فعلى ms1020 الماء، وكان وهب بن منبه يقول: الصائم يزيغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة ~~رجع بصره، ولايقرن بين تمرتين في الجماعة إلا أن يفعلوا ذلك أو يستأذنهم، ~~وأن يأكل بعد الجوع، ويرفع يده قبل الامتلاء بمقدار ثلث بطنه أو نصفه، كذلك ~~سنة السلف وهو أصحح للجسم، وقال حكيم من أهل الطب: إن الدواء الذي لا داء ~~فيه هو أن لاتأكل الطعام حتى تشتهيه وترفع يديك عنه وأنت تشتهيه، وفي ~~الخبر: أصل كل داء البردة، يقال: هي التخمة، ويقال في اختيار الحكماء: إن ~~خادما لأرسطاطاليس استقضى رجلا من أهل السواد حاجة له فلم يفعل، فقال له: ~~لعلك تحتاج إليه، فقال: ما لي إليه من حاجة، فأخبر الخادم الحكيم بذلك، ~~فقال: إن كان يأكل بعد الجوع ويرفع قبل الشبع ويتقلل بين ذلك فقد صدق ما له ~~إلىنا من حاجة، وقد أحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ما ملأ ~~آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يشد بهن صلبه فإن لم يفعل فثلث ~~طعام وثلث شراب # PageV02P300 # وثلث للنفس والطعام، إنما وضع دواء من داء الجوع، إذا وجدته عالجته به، ~~فإذا لم تجده صار الأكل داء، لأن التأذي بالأكل مثل التأذي بالجوع أو أشد، ~~وليأكل ما يليه إلا الفاكهة له أن يجيل يده فيها ويأكل بثلاثة أصابع، إلا ~~الثريد فليأكل بأصابعه كلها، وأن لا يأكل من ذروة القصعة ولا وسط الطعام، ~~وليأكل من نواحيه، وأن لايصمتوا على الطعام فإنه من سيرة العجم فليتكلموا ~~بالمعروف، ولا يقطع اللحم بالسكين، فقد نهى عن ذلك، ولكن انهشوه نهشا، ولا ~~يقطع الخبر بالسكين ويأكل من استدارة الرغيف، إلا أن يكون في الخبز قلة وفي ~~الآكلين كثرة، فيستعان بتكسير الخبز على التفرقة، ولا يكثر قول: كل على، ~~أخيه فإن ذلك يحشمه وربما قطعه، ولا ينبغي لأخيه أن يحوجه إلى تفقده في ~~الأكل وتكرير قوله له: كل. # وقال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلا من لم يحوج صاحبه إلى تفقده في ~~الأكل، ومن حمل على أخيه مؤونة ms1021 القول، ولايدع شيئا من المأكول يشتهيه لأجل ~~نظر الغير إليه، فإنه من التصنع، فإن تركه إيثارا لإخوانه أو قدمه إلى أخيه ~~فحسن، ولا ينقص من أكله المعتاد في الوحدة، وإن زاد لأجل مساعدة الجماعة أو ~~بنية فضل الأكل مع الإخوان فلا بأس بذلك، والشرب في تضاعيف الأكل متسحب من ~~جهة الطب مما لم يبتدئ به أو يكثر منه، يقال: إنه دباغ المعدة، والشرب ~~متكئا مكروه للمعدة أيضا من جهة الطب، والأكل متكئا ونائما ليس من السنة ~~إلا ما يتناول أو يتنقل به من الحبوب وما في معناها، وقد رؤي علي رضي الله ~~عنه وهو يأكل على ترس مضطجعا كعكا، ويقال: منبطحا على بطنه، والعرب تفعله، ~~وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه، ~~واملكوا العجين فإنه أعظم للبركة، وما رد له من المأكول مع الجماعة فلا ~~يرده في القصعة مع الثقل، فيأكله غيره، إن وقع بيده أكله وإلا تركه مع ~~الثقل، ولا نتمم الخل بالدسم ليطبع بالخل قبل اللحم، ويقال: إن الملائكة ~~تحضر المائدة إذا كان عليها بقل، وفي الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني ~~إسرائيل من السماء كان عليها من كل البقول إلا الكراث، وكان فيها سمكة عند ~~رأسها خل وعند ذنبها ملح، وكان عليها سبعة أرغفة على كل رغيف زيتونتان وحب ~~رمان، فهذا من أحسن الطعام إذا اتفق، فإن لم يكن فكما قال بعض الأدباء: إذا ~~دعوت إخوانك فقدمت إليه م حصرمية وبورانية وسقيتهم ماء باردا فقد أكملت ~~الضيافة، ودعا # PageV02P301 # بعض الرؤساء إخوانه فأنفق مائتي درهم، فقال له بعض الحكماء: لم تكن تحتاج ~~إلى هذا كله إذا كان خبزك جيدا وخلك حامضا وماؤك باردا فهو كفاية، وقال ~~بعضهم: الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، والتمكن على المائدة خير ~~من زيادة لونين، وقال آخر: شرب الماء البارد على الطعام خيرمن زيادة ~~الألوان، وقال أبو سليمان الداراني: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله عز ~~وجل، وقال المأمون رحمه الله: شرب الماء بثلج يخلص ms1022 الشكر لله عزو جل. # وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه، ومن إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم، وأفضل ما قدم إليهم اللحم، ~~وخير اللحم السمين النضيج؛ فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع لهم الطيبات، ~~ينتظم هذه المعاني قوله عز وجل: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) ~~الذاريات: 24، قيل في المكرمين قولان؛ أحدهما: خدمته إياهم بنفسه، والثاني ~~أكرمهم بتعجيل الطعام إليه م، قوله تعالى: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) هود: ~~69 أي فما احتبس ولا أقام والحنيذ النضيج، وقال تعالى: (فراغ إلى أهله فجاء ~~بعجل سمين) الذاريات: 26، الروغان: الذهاب بسرعة، وقيل: الذهاب بخفية، ~~وقيل: إنه جاء بفخذ من لحم فسمى عجلا لأنه عجله ولم يلبث به، ثم وصف بأنه ~~سمين نضيج، يقال: حنيذ ومحنوذ أيضا، قال: كان نضيجا، وقال في وصف الطيبات: ~~(وأنزلنا عليكم المن والسلوى) البقرة: 57 المن: العسل، والسلوى: اللحم، سمي ~~سلوى لأنه يسلى به عن جميع الأدام، إن فيه غنية عن جميعها، وليس في كلها ~~مقامه، ثم قال تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) البقرة: 57، فاللحم ~~والحلاوة من طيبات الرزق، وليأكل الرجل في منزل أخيه سجية أكله في منزله ~~بغير تكلف ولاتزين، لأنه قد يدخل من الرياء والتزين في الطعام مثل ما يدخل ~~في سائر الأعمال من الصلاة والصيام؛ والأكل عمل وكل عمل يحتاج إلى نية ~~وإخلاص، فلتكن نيته في أكله الاستعانة على الطاعة، ولتكن نيته مع إخوانه ~~إكرامهم بذلك وإدخال السرور عليهم والتبرك بالجماعة، لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: الجماعة بركة، وينوي إقامة السنة في إجابة الدعوة ليكون مأجورا ~~في أكله، عاملا في جميع ذلك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا كله داخل في ~~حسن الخلق، وهو في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليدرك ~~بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وقد قال بعضهم: هو الرجل يسأل إخوانه أن ~~يفطر معهم نهارا، أو يسهر معهم ليلا، ويكون من عادته الصيام والقيام، ~~فيساعدهم تخلقا ms1023 معهم فيدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. # وقال بعض العلماء من أهل الأدب: ليس من السنة والمروءة أن يزور الرجل ~~إخوانه فيتشاغل عنهم بالصلاة النافلة، أو يستزيره إخوانه فيقدمون إليه ~~الطعام فلا يساعدهم عليه لأجل الصيام ولايقصر عن بغيته من الأكول فيترك ~~الأكل مع حاجته إليه، فإنه غير محمود # PageV02P302 # ولا مأجور عليه إن لم يكن سبب أوجب عليه ذلك، وقال جعفربن محمد عليه ~~السلام: أحب إخوان إلى أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة وأثقلهم علي من يحوجني إلى ~~تعاهده في الأكل، وقال أيضا: يتبين محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله، ~~فإن قلل الأكل مع الفقراء إيثارا لهم أو لقلة الطعام فحسن. # وروينا أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه إلى طعام فقصروا في ~~الأكل، فلما رفعوا الطعام قال له الثوري: إنك قصرت في الأكل فقال إبراهيم: ~~لأنك قصرت في الطعام فقصرنا في الأكل، قال: ودعا إبراهيم الثوري وأصحابه ~~إلى طعام فأكثر منه فقال له: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ ~~فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف، وليلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالخرقة، ~~وليأكل ما سقط من فتات الطعام، يقال: إنه مهور الحور العين يقال: من لعق ~~الصحفة وشرب ماءها، كان له عتق رقبة، وإن أكل حلالا فليقل: الحمد لله الذي ~~بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل ~~سيدنا محمد، وأطعمنا طيبا، واستعملنا صالحا، وليكثر شكر الله تعالى على ~~ذلك، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال، اللهم صل على سيدنا محمد، ~~وعلى آل سينا محمد، ولا تجعله قوة لنا على معصيتك، وليكثر الحزن ~~والاستغفار، وفي خبر: إذا دعي أحدكم إلى طعام فلم يجب فلا يقل: كل هنيئا، ~~فلعله يكون أخذه من غير حله، ولكن ليقل: أطعمك الله طيبا وليقل إذا أكل ~~لبنا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك لنا فيما رزقتنا، وارزقنا ~~خيرا منه. # كذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لأن اللبن أعم ms1024 نفعا ~~من غيره، وليقل في أول لقمة: بسم الله، وفي الثانية: بسم الله الرحمن، وفي ~~الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، وليشرب الكوز في ثلاثة أنفاس يقطعه، ~~وليقل في أول جرعة: الحمد لله وفي الثانية: الحمد لله رب العالمين، وفي ~~الثالثة يزيد: الرحمن الرحيم، وإن سمى في أول كل لقمة فحسن، وليقرأ بعد ~~فراغه من الطعام: قل هو الله أحد ولإيلاف قريش وتقديم الفاكهة قبل الطعام ~~أوفق، وفي كتاب الله عز وجل ترتيب ذلك من قوله سبحانه وتعالى: (وفاكهة مما ~~يتخيرون) الواقعة: 2، (ولحم طير مما يشتهون) الواقعة: 21، ولا يرفع يده قبل ~~إخوانه إذا كانوا يحتشمون أو يحتاجون إلى بسط، فإن كان قليل الأكل تربص حتى ~~يضعوا أيديهم فيأكلوا صدرا من الطعام، ثم يقعد بعدهم ليستوي أكله مع أكلهم، ~~فإن كانوا علماء لم يكرهوا ذلك منه، وقد فعله كثير من الصحابة، ولا يتكلف ~~لإخوانه من المأكول ما يثقل عليه ثمنه أو يأخذه بدين أو يكتسبه بمشقة أو من ~~شبهة ولا يدخر عنهم ما بحضرته ولا يستأثر بشيء دونهم ولا يضر بعياله. # وروينا أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه إلى منزله فقال: أجيبك على شرائط # PageV02P303 # ثلاث؛ لا تدخل من السوق شيئا، ولاتدخر ما في البيت، ولاتجحف بعيالك، وقد ~~كان من سيرة السلف إذا دعا أحدهم أخاه قدم جميع ما بحضرته أو أخرج من كل ~~شيء عنده شيئا، وكان بعض الرؤساء من الأجواد إذا دعا الناس إلى طعامه يدعو ~~الخباز فيقول: أعلم الناس بما عندك من الألوان، قال: ثم يدعهم يأكلون حتى ~~إذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام فأكل، وقال: ساعدوني ~~بارك الله عليكم، فكان السلف يسحسنون ذلك منه وليس من السنة أن يقصد الرجل ~~قوما يتحين حضور طعامهم ليصادفه؛ فإن ذلك من المفاجأة، فقد نهى عنه قال ~~الله سبحانه تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه) لأحزاب: 53 يعني منتظرين حينه ونضجه، وفي الخبر: من مشى إلى ~~طعام لم يدع إليه ms1025 مشى فاسقا وأكل حراما، ولكن إن صادفهم يأكلون فسألوه أن ~~يأكل معهم، وعلم أنهم يحبون أكله معهم فلا بأس، وليس ذلك داخلا في ~~المفاجأة، فإن لم يعلم أنهم يحبون أن يأكل معهم وإنما قالوه تعزيزا وحياء ~~كرهت له الأكل معهم، وإن كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتحين وقت ~~أكله فلا بأس بذلك، قد قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهم منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبا أيوب الأنصاريين لأجل طعام ~~يأكلونه وكانوا جياعا، ومن السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إذا انصرف إلى باب ~~الدار، وليس من السنة أن يخرج الضيف من النزل عن غير إذن صاحبه ولا أن يقيم ~~للضيافة فوق ثلاثة أيام حتى يخرجه أويتبرم به يتأثر في ذلك. # وقال بعضهم: إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر، وإذا استزرت فلا تبق ولا تذر، ~~وفي الخبر: دخلناعلى جابر بن عبد لله فقدم إلىنا خبزا وخلاة وقال: لولا أنا ~~نهينا عن التكلف لتكلفت لكم، وفي حديث يونس عليه السلام أنه زاره إخوانه ~~فقدم إليهم كسرا من شعير، وخبز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال: كلوا لولا أن ~~الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم، وروينا عن أنس بن مالك وغيره ~~من الصحابة: كانوا يقدمون إلى إخوانهم ما حضر من الكسر اليابسة والحشف من ~~التمر والدقل ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدم إليه أو ~~الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه. # وقد روينا في معناه خبرا مسندا وقد كان أنس وغيره يقدمون ما عندهم إلى ~~إخوانهم ويقولون إن الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق، وفي الخبر: أن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون على قراءة القران ولاذكر ولا ~~يفطرون إلا عن ذواق ولا ينبغي للمدعو أن يقترح على الداعي شيئا بعينه ~~فيقول: أريد كذا، فليس ذلك من القناعة، فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر ~~أقربهما منه وأيسرهما عليه كذلك السنة، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه ms1026 وسلم: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وحدثونا عن الأعمش عن أبي ~~وائل قال: مضيت مع صاحب لي إلى سلمان نزره فقدم إلىنا خبز شعير وملحا ~~جريشا، فقال صاحبي: # PageV02P304 # لو كان في هذا الملح سعتر لكان أطيب، فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا، ~~فما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت ~~بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة، فإن كان أخوه ممن يأنس به وعلم أن اقتراحه ~~عليه مما يحبه فلا بأس بذلك، قد فعله الشافعي مع الزعفراني رحمها الله ~~تعالى، كن نازلا عليه ببغداد فكانا يخرجان يوم الجمعة إلى الصلاة، فكان ~~الزعفراني يكتب في رقعة للجارية ما تصلح من الألوان، فدعا الشافعي ذات يوم ~~الجارية فنظر فيها ثم زاد لونا اشتهاه، فلما جاء الزعفراني وقدمت الجارية ~~ذلك اللون أنكره، إذ لم يأمرها به فسألها عنه فأخبرته أن الشافعي زاد ذلك ~~في الرقعة، فقال: أريني الرقعة، فلما نظر إلى خط الشافعي في الرقعة بذلك ~~اللون فرح بذلك وأعجبه، فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى فأعتقها سرورا منه ~~بفعل الشافعي ذلك، وإليه نسب درب الزعفراني بباب الشعير في الجانب الغربي ~~من بغداد، فإن شهاه أخوه وسأله فلا بأس أن يذكر له شهوة ليصنعها فيعينه على ~~فضيلتها. # فقد روينا في فضل ذلك غير حديث، منها الحديث المشهور: من صادف من أخيه ~~شهوة غفر له، ومن سر أخاه الممؤمن فقد سر الله عز وجل، وروينا عن ابن ~~الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لذذ أخاه بما ~~يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف درجة، ~~وأطعمه الله تعالى من ثلاث جنات؛ جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة الخلد، ~~والخلال بعد الأكل حسن فلا يبين عنه، ولا بأس بغسل اليد في الطست وليس من ~~الأدب التنخم فيه. # وروينا أن أنس بن مالك اجتمع هو وثابت البناني على طعام فقدم الطست إلى ~~ثابت ليغسل يده فامتنع، فقال ms1027 أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولاترده ~~فإنه إنما يكرم الله عز وجل، وروى أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير ~~فصب الرجل على يده في الطست، فلما فرغ قال له: يا أبا معاوية تدري من صب ~~على يدك؟ قال: لا، قال أمير المؤمنين قال: يا أمير المؤمنين، إنما أكرمت ~~العلم وأجللته فأجلك الله عز وجل وأكرمك، كما أجلت العم وأكرمته، وأكره ~~قيام الخادم أحب إلى أن يصب على يده جالسا، واجتماع الاثنين أو الثلاثة في ~~غسل اليد وجمع مائهم المستعمل في مرة واحدة في الطست حسن؛ وهو من التواضع، ~~ومن انفرد بغسل يده وحده فلا بأس أن يتنخم في الطست، ومن بزق فيه بعد أن ~~يرفع ويفرغ من غسل يده فلا بأس. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: لا يرفع الطست من بين يدي القوم إلا ~~مملوءا ولا تشبهوا بالعجم، وقد رويناه عن ابن مسعود أنه قال: اجتمعوا على ~~غسل اليد في طست واحد ولا تستسنوا بسنة العجم، ولا يزدردن ما أخرج الخلال ~~من أسنانه فإنه داء ومكروه، وما لاكه بأسنانه فلا بأس أن يزدرد وليتمضمض ~~بعد الخلال ففيه أثر عن بعض أهل البيت عليهم السلام، # PageV02P305 # وليقل عند فراغه من الطعام: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا ~~سيدنا ومولانا، ياكافي من كل شيء ولا يكفي منه شيء، أطعمت من جوع وأمنت من ~~خوف، لك الحمد، أويت من يتم، وهديت من ضلالة، وأغنيت من عيلة، لك الحمد ~~حمدا كثيرا دائما طيبا نافعا مباركا فيه، كما أنت أهله ومستحقه، اللهم صل ~~على محمد وعلى آله وأطعمنا طيبا واستعملنا صالحا لجعله عونا لنا على طاعتك ~~ونعوذ بك أن نستعين به على معاصيك. # وفي الأكل مع الإخوان ثلاث فضائل: روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام: ~~إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحتسب ~~عليكم من أعماركم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال الملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه ms1028 حتى ترفع. # وروي عن الحسن البصري رحمه الله: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه ~~فمن دونهم يحاسب عليها إلا نفقة الرجل إذا دعا إخوانه إلى طعام، فإن الله ~~سبحانه وتعالى يستحي أن يسأله عن ذلك، وقد روي عن بعض علماء خراسان أنه كان ~~إذا دعا إخوانه قدم إليه م نحو القفيز من صوف الأطعمة والحبوب والفواكه ~~اليابسة فسئل عن ذلك فقال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك الطعام، فأنا ~~أحب أن أستكثر مما أقدم إلىكم لنأكل فضل ذلك، وفي خبر عن بعض السلف: لا ~~يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، فكان بعضهم يكثر من الأكل في الجماعة ~~ويتقلل إذا أكل وحده، وفي الخبر: ثلاث لا يحاسب عليها العبد، أكلة السحور ~~وما أفطر عليه والأكل مع الإخوان، ومن لم يكن له نية في تقديم فضول الأطعم ~~بهذا الخبر، فإني أكره أن يقدم من الطعام إلا ما يريد أن يؤكل، ولا يترك ~~منه شيء ولا يستثنى هو ولا أهل البيت في أنفسهم رجوع شيء منه، وإلا كان ما ~~يقدمه مما ينوي رجوع بعضه، ولا يحب أكل كله تصنعا ومباهاة، فإن علم بذلك من ~~قدم إليه لم استحب له في الورع في أن يأكل منه لأن المأكول إذا قدم ليؤكل ~~بعضه فهو تصنع وتزين، لا يصنع الورعون ذلك ولا يأكل المتقون من هذا، لأنه ~~لا يدري كم مقدار ما يحبون أن يأكلوا منه. # وروينا عن ابن مسعود قال: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه، وقد كره ~~جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة والمباداة، وهذا مكروه لم يقدمه بهذه ~~النية إلى إخوانه لأنه # PageV02P306 # قد عرضهم لتناول ما يكرهون، وقد دلس عليهم ما لا يعلمون، وأيضا فإنه شيء ~~قد قدم لأجل الله تعالى فلا يصلح أن يستثنى ارتجاع شيء منه بمنزلة من يخرج ~~الرغيف أو الشيء إلى السائل فيجده قد انصرف فكره أن يرجع فيه فيأكله، وقال: ms1029 ~~يعزله حتى يأتي سائل آخر فيدفعه إليه. # وكان بعض أهل الحديث إذا أكل مع إخوانه ترك من الطعام على رغيف يعزله معه ~~وكان سيار بن حاتم إذا حضر على مائدة أكل لقيمات، ثم يقول: اعزلوا نصيبي، ~~وأكل ذات يوم على مائدة في جماعة فلما جاءت الحلوى نزع قلنسوته، ثم قال: ~~اجعلوا نصيبي في هذه، فينبغي أن يعزل أنصبة أهل البيت قبل تقديم الطعام إلى ~~إخوانه كيلا يحدثوا نفوسهم برجوع شيء منه فإنه مكروه لهم، ولعله لا يرجع ~~شيء منه فيكون ذلك إحراجا من الآكلين ومنقصة لهم؛ وهذا عليهم أشد من ~~إكرامهم بالطعام، أن يكون ذلك مضرا بالأهل فيكون مضيعا للأصل، ولا ينبغي له ~~أن يقدم إلا ما يحب أن يأكلوه من كل شيء أيضا ومقدار الحاجة والكفاية من ~~المأكول فيجمع بين السنة والفضيلة. # روي في الخبر: ما رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام ~~قط؛ هذا لأنهم كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم، ولا يأكلون ~~إلا بعد جوعهم، ولا يتركون الأكل وفي نفوسهم منه شيء وللاقتصار الذي كان ~~فيهم، ففيما ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنة، ~~وفي تقديم المأكول ليرجع أكثره نية حسنة، لما جاء فيه: أن من أكل ما فضل من ~~الإخوان لم يحاسب عليه، ومن كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم ~~من يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل ~~نفسه، وإذا حضر الطعام والصلاة فإن كانت نفوسهم تتوق إليه وفي الوقت سعة ~~قدموا الأكل وإن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم ~~الأكل صلوا أولا واستحب الأكل على الأرض، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتى بطعام وضعه على الأرض وكان يأكل مقعيا على قدميه ويقول: لا آكل ~~متكئا، إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وربماجثا ~~للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدمه، ونصب وجله اليمنى ms1030 وهي جلسة العرب ~~للأكل إلى اليوم، وإن أكلو على السفر فهو سنة فيتزود لسفره، وخير الزاد ~~التقوي، وأكره الأكل على الموائد العالية لأنهم كانوا يكرهون أن يعلون ~~الطعام على الأيدي؛ وهذا محدث وليس من التواضع، قال أنس بن مالك: ما أكل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوان ولا في سكرجة قط، قيل: فعلى ما كنتم ~~تأكلون؟ قال: على السفر، وقيل: أول ما أحدثت الأمة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV02P307 # هذه الأربع: الموائد، والمناخل، والأشنان، والشبع، ومن غسل بأشنان ابتدأ ~~بغسل فيه بعد غسل يده اليمنى، ويجعل الأشنان في بطن كفه اليسرى يابسا، ثم ~~يغسل فاه حتى ينقيه بأصابعه، ثم يبل الأشنان فيغسل يديه ولايعيد يغسل كفيه ~~وهو فعل ذوي المروءة، وينغي إذا حضرت الألوان أن يبتدئ بتقدمة الألطف ~~فالألطف والأطيب فالأطيب والأمثل أن يبتدئ بالشواء قبل اليريد ويقدم ~~الطباهج قبل السكباج؛ فذلك سنة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ~~ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه وأقل لأكلهم، فإن احتاجوا إلى مابعده من ~~غليط الألوان والطعام تناولوا منه قليلا، فإنما قدم أهل الدنيا اللون ~~الغليظ على اللطيف ليتسع أكفهم وتنفتق شهوتهم، فيكون اللون اللطيف في موضع ~~آخر، وليكونوا قد أكلوا من اللون الأجود الأطيب أقل؛ وهذا غير مستحب عند ~~أبناء الآخرة، وقد كان من سنة المتقدمين أن يقدموا جملة الألوان في مكان ~~واحد مما يشتهي، وليكون ماتقدم معلوما لهم وقال لهم إذ لم يكن عنده إلا لون ~~واحد: ليس يحضر إلا هذا ليستوفوا منه ولايتطلعوا إلى غيره كان صوابا، حدثني ~~بعض شيوخنا عن شيخ له قال: قدم إلى بعض أهل الشام لونا من طبيخ فقلت له ~~عندنا بالعراق يقدم هذا اللون آخر الآلوان فقال لي: هكذا هو عندنا بالشام، ~~قال: فاستحييت إذ لم يكن عنده غير ذلك اللون، وقال لي آخر: كنا في جماعة ~~عند رجل فجعل يقدم إلينا ألوان الرؤوس منها طبيخا وقديدا فجعلنا نقصر في ~~الأكل نتوقع بعده الألوان وجملا أو جديا، قال: فجاءنا ms1031 بالطست ولم يقدم ~~غيرها، فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوف وكان مزاحا: وهو تعالى يقدر أن ~~يخلق رؤوسا بلا أبدان، قال: فبتنا تلك الليلة جياعا فطلب بعضنا في آخر ~~الليل خبزا أو فتيتا لسحوره وينبغي أن يمكنهم من بقية الألوان ولا ~~يرفعهاحتى يرفعوا أيديهم، فإنه من الأدب، ولعل فيهم ما يكون عنده ما قدم ~~أشهى إليه مما يقدم بعد، وقد يكون فيهم من به حاجة إلى فضل أكل فينقص عليه ~~برفعه قبل أن يستوفي ما في نفسه. # حدثني بعض أصحابنا عن الستوري وكان صوفيا أنه حضر على مائدة أبناء الدنيا ~~وكان فيه بخل، قال: فقدم جملا فجعلوا يأكلون فلما رآهم يمزقون كل ممزق ضاق ~~صدره فقال: يا غلام ارفع إلى الصبيان قال: فرفع الجمل إلى داخل الدار، فقام ~~الستوري بعد وخلف الجمل فقال صاحب المنزل: إلى أين يا أبا عبد الله فقال: ~~آكل مع الصبيان، فاستحيا الرجل وأمر برد الجمل حتى استوفوا منه، وكان سفيان ~~الثوري يقول: من دعا رجلا إلى طعامه وهويحب أن لا يجيبه فإن لم # PageV02P308 # يجب كتبت عليه خطيئة، وإن أجاب كتبت عليه خطيئتان؛ فالمعنى في الخطيئة ~~الأولى لأنه أظهر بلسانه خلاف ما في قلبه فتصنع بالكلام وهذا من السمعة ~~وداخل في محبة أن يحمد بما لم يفعل، والمعنى في الخطيئتين أنه أجابه أخوه، ~~فالخطيئة الثانية لأنه حمل أخاه على ما لم يعلم حقيقته منه وعرضه لما يكره ~~فلم ينصحه فيما أظهر له من نفسه، لأن أخاه لو علم غير محب لإجابته لم يأكل ~~من طعامه، ولأنه قد أدخله في السمعة، فلذلك كانت عليه خطيئة ثانية، وقد كان ~~من المتقدمين من إذا دخل عليه وهو يأكل قوته لم يعرض على إخوانه الأكل إذا ~~لم يحب أن يأكل معه خشية التزين بالقول أو لئلا يعرضهم لما يكرهون. # دخل قوم على سمير أبي عاصم، وكان زاهدا، وهو يأكل فقال: لولا أني أخذته ~~بدين لأطعمتكم منه، وكان بعض السلف يقول في تفسير التكلف: أن تطعم أخاك ما ~~لا تأكله ms1032 أنت أي لا يكون من مأكلك في الجودة ومما له قيمة فتشق على نفسك ~~بذلك. # وكان الفضيل يقول: إنما تقاطع الناس بالتكلف، يدعو أحدهم أخاه فيكلف له ~~فيقطعه عن الرجوع إليه، وكان بعض السلف يأمر بتقديم ما حضر فإنه أدوم ~~للرجوع، وأذهب لكراهة صاحب المنزل، وقال بعضهم: ما أبالي من أتاني من ~~إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي، ولو أني تكلفت ماليس حاضرا ~~لمللته وكرهت دوام مجيئه، وقال لي بعض الشيوخ: كنت آنس بعض إخواني فكنت ~~أكثر زيارته، فكان يتكلف الأشياء الطيبة فقلت له يوما: حدثني عن شيء أسألك ~~عنه: إذا كنت وحدك تأكل مثل هذا الذي تقدمه إلي؟ قال: لا، قلت: وكذلك أنا ~~في منزلي إذا كنت وحدي لا آكل مثل هذا فلم إذا اجتمعنا نأكله ونحن لا نأكل ~~مثله على الانفراد هذا من التكلف فأما أن تقطع هذا وتقدم إلى ما تأكله على ~~الانفراد أو أقطع مجيئي إلىك، قال: فقطع ذلك، وكان يقدم ماعنده وما يأكل ~~مثله فدامت معاشرتنا، ومن دعي إلى طعام وعنده إنسان أو جماعة من حيث يعملون ~~فليستثن الواحد أو الجماعة معه، فإنه من السنة والأدب، فإن دعي وحده أو مع ~~نفر بأعيانهم أو أعدادهم فتبعهم واحد لم يكن في العدد فليذكر للداعي قبل ~~دخولهم إليه ليأذن له معهم، كذلك السنة ومن دعي في جماعة وفوض إليه الأمر ~~فيهم فليعرف صاحب المنزل عدتهم قبل مجيئهم ليستعد لهم بعد أن يعرض عددهم، ~~من دعا رجلا في غير دعوة عامة وعنده قوم أو رجل بعينه فليعلمه بمن عنده ~~ليدخل على بصيرة، فلعل أن يكون عنده من يكره هذا المدعو لاجتماع معه، أو ~~لعله أن يجيبه لأنه يحسب أن ليس عنده غيره لأن الأكل معاشرة وليس كل إنسان ~~يحب أن يعاشر كل أحد خاصة الرؤساء، ومن أكل مع رجل من طعامه فوقف عليه سائل ~~فلا يعطين شيئا إلا بأذنه أو يسأل صاحب الطعام حتى يكون هو الذي يعطيه، فإن ~~أعطاه بغير إذن كان الأجر لصاحب ms1033 # PageV02P309 # الطعام والوزر عليه، روي ذلك عن أبي الدرداء قال لإنسان كان يأكل معه ~~فأعطى سائلا بغير أمره: لقد كنت غنيا أن يكن الأجر لي والوزر عليك، ومثله ~~لا يدعو إلى طعام غيره أحدا بغير إذن صاحبه ومن دعا خصوص إخوانه فدخل عليه ~~داخل فلا يقعده معهم للأكل وليصرفه أو يفرده عنهم. # حدثني بعض أشياخنا عن بعض الخلف الصالح أنه دعا إخوانه من الصوفية على ~~طعام فدخل رجل من العامة فجلس يأكل معهم فقبض على يده ونحاه وقال: هذا ~~عملناه لهؤلاء خاصة لا يصلح أن يكون معهم غيرهم، ثم أفرده بطعام خصه به ~~وعمله لأجله عوضا مما فعل ومن دخل عليه داخل وهو يأكل فلا يرفع الطعام فليس ~~ذلك من السنة ولا من فعل المروءة ولعل الداخل أحوج إليه منه وقد بعث إليه ~~اختبارا له، وإذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو مرتين فلا تلحن عليه، وكذلك ~~إذا دعوته فكره فقد قالوا لا تكرم أخاك بما يشق عليه ولا تزيدن على ثلاث ~~مرات فإن إلالحاح واللجاج مازاد على ثلاث مرات وليس ذلك من الأدب، قالوا: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ~~ثلاث. # وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يقول: الطعام أهون من أن يحلف عليه، ~~وقال مرة: من أن يدعى إليه ذلك لعظيم حق، وكان الثوري يقول: إذا زارك أخوك ~~فلا تقل له تأكل أو أقدم إليك ولكن قدم ما عندك، فإن أكل وإلا فارفعه، وكان ~~الحسن وابن المبارك إذا أرادا الغداء أو العشاء فتحابا بهما فمن دخل عرضا ~~عليه الأكل، وقد كان هذا من سيرة السلف أنهم يفتحون الباب عند حضور الطعام ~~ومن صادف دخوله أكل معهم، ومنهم من كان يقعد في دهليز داره ويفتح الباب فكل ~~من مر عليه في الطريق دعاه إلى طعامه من غني أو فقير، وقال بعض التابعين: ~~إلا إن خياركم آكلكم في الأفنية وأوسعكم آنية وأحلاكم أطلية إلا إن شراركم ~~آكلكم في الأخبية وأصغركم أطلية، ms1034 ومن دعا رجلا إلى طعامه وهويعلم أن الأحب ~~إليه أن لا يأكل فمكروه له أن يأكل ولا يعبأ بقوله إذا علم منه خلافه، فإن ~~لم يعلم حقيقة ذلك فله أن يجيبه على ظاهر قوله وليس له أن يسيء الظن به، ~~دعا رجل الأحنف بن قيس في سفر إلى طعامه فقال له الأحنف: لعلك من العارضين، ~~قال: وما العارضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فسكت الرجل ~~فلم يجبه الأحنف إلى الطعام، وكان الثوري يمشي مع رجل فمر بباب منزله فعرض ~~عليه الدخول ليأكل عنده فقال له الثوري: أصدقني عن شيء أسألك: أيما أحب ~~إليك أدخل أو أنصرف؟ فسكت، فانصرف الثوري، ومن علم من أخيه أنه يحب أن يأكل ~~من طعامه فلا بأس أن يأكل بغير إذن لأن علمه بحقيقة حاله ينوب عن إذنه له ~~في الأكل. # وقد كان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون مايجدون بغير ~~إذن، وكان الحسن ربما دخل فيجدهم كذلك فيسر ويقول هكذا كنا، وروي عنه أنه ~~كان يأكل # PageV02P310 # من متاع بقال يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه فستقة فقال له هاشم ~~الأوقص: يا أبا سعيد تأكل من متاع الرجل بغير إذنه؟ فقال: يالكع أما قرآت ~~آية الأكل؟ ثم تلا عليه: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ~~آبائكم) النور: 61، إلى قوله تعالى: (أو صدىقكم) النور: 61، ثم قال الحسن ~~الصديق: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب فإذا كان كذلك فلا يأذن ~~له في ماله، وجاء قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب ~~وأنزلوا السفرة فجعلوا يأكلون ما فيها فدخل الثوري فجعل يقول: ذكرتموني ~~أخلاق السلف، هكذا كانوا، وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه ~~إليهم، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر ~~قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال: ~~كلوا، فجاء رب المنزل فلم ير الطعام، فسأل عنه فقيل له: قد جاء ms1035 فلان فأخذه، ~~فقال: قد أحسن، فلما لقيه قال: يا أخي إن عادوا فعد، وقد أكل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحما تصدق به على بريرة من غير أن يستأذنها، ولم تكن حاضرة، ~~لعلمه أنها تسر بذلك، وقال: إن الصدقة قد بلغت محلها هو عليها صدقة ولنا ~~هدية، وقال صلى الله عليه وسلم: رسول الرجل إلى الرجل إذنه أي قد علم بإذنه ~~له في الدخول عليه فأغناه عن الاستئذان، ففي تدبر فعله عليه السلام أن من ~~علمت كراهته لأكلك من طعامه أن لا تأكل وإن أذن لك بقوله، فتدبر عمل بعض ~~السلف صنيعا، فدعا رجلا فلم يصادفه الرسول، ثم أعلم وقد انصرف الناس من ~~عنده فقصد منزله، فدق عليه الباب، فخرج إليه الرجل فقال: هل من حاجة؟ قال: ~~إنك دعوتني فلم يتفق ذلك فقد جئت الآن لماعلمت، فقال: قد انصرف الناس، قال: ~~فهل بقي منه بقية؟ قال لا، قال: فكسرة، إن بقيت، قال: فلم يبق شيء، قال: ~~فالقدور أمسحها، قال: قد غسلناه فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في مسألته ~~عن ذلك فقال: وقد أحسن الرجل دعانا بنية فنفس؛ هذا في الضعة والذلة وسقوطها ~~من مراتب الأنفة والعزة تشبه نفس ابن الكديني، وهو أستاذ أبي القاسم الجنيد ~~دعاه صبي إلى دعوة أبيه فرده الأب أربع مرات في دعوة واحدة وهو يرجع في كل ~~مرة وهو يرده؛ فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد، مشاهدة بالبلوى من المولى المبلى ~~للعبيد، مذللة بالذلة، موضوعة على الضعة؛ وهذا طريق مفرد لأفراد وحال مجرد ~~لآحاد، والمتكبرون لا يجيبون الدعوات؛ وهم عند بعضهم من أنفة النفوس، قال ~~قائلهم: أنا لا أجيب دعوة، قيل: ولم؟ قال: انتظار المرقة ذل، وقال آخر: إذا ~~وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له رقبتي، ومنهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في ~~نفسه ويجيب الأغنياء لعظمهم في عينه، ومن أبناء الدنيا الموصوفين بها من ~~لايجيب إلا نظراءه وأشكاله من مثل طبقته # PageV02P311 # ومرتبته في الرياضة في الدنيا؛ وهذا على خلاف سنة رسول الله صلى ms1036 الله ~~عليه وسلم من أفعاله أنه كان يجيب دعوة المسكين ويجيب دعوة العبد، ومن ~~قوله: بئس الطعام وشر الطعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ~~ثم قال: من لا يجيب الدعوة فقد عصى الله تعالى، ومر الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نثروا ~~كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وكان على بغلته، فلما مر بهم سلم ~~عليهم فردوا عليه وقالوا: هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين ثم ثنى وركه فنزل عن دابته ~~وقعد معهم على الأرض وأقبل يأكل ثم سلم عليهم وركب، وفي خبر آخر - زيادة - ~~فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم فوعدهم المجيء في وقت من النهار ~~فجاؤوا فرحب بهم ورفع مجلسهم، ثم قال: يا واذات هاتي ما كنت تدخرين، فأخرجت ~~الجارية فاخر ما عندها من الطعام فأقبل يأكل معهم، وكان ابن المبارك يقدم ~~إلى إخوانه فاخر الرطب ويقول: من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما فكان يعد ~~النوى فيعطي من كان له فضل نوى بعددها دراهم. # وقال بعض أهل الاعتبار: ما أجبت إلا لأتذكر بها نعيم الجنة، طعام ينقل ~~بغير كلفة ولا مؤونة، ولذلك قيل: إن اجتماع الإخوان في وجود الكفاية على ~~الأنس والألفة ليس هو من الدنيا، وقد كان بعض الصوفية يقول: لا تجب دعوة ~~إلا من يرى لك أنك أكلت رزقك وأنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك ~~الفضل عليه في قبولها منه؛ فهذه شهادة العارف من الداعين، كذلك شهادة ~~المدعوين من الموحدين؛ أن يشهدوا الداعي الأول، والمجيب الآخر، والمعطي ~~الباطن، والرازق الظاهر، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين: بلغني أن ~~رجلا دعا إماما من الصوفية في أصحابه إلى طعام، فلما أخذ القوم مجلسهم ~~ينتظرون فضل الطعام إليهم، خرج إليهم شيخهم فقال: إن هذا الرجل زعم أنه ~~دعاكم وأنكم تأكلون طعامه ففي حرج، أو قال: حرام على من لم يشهده ms1037 في فعله ~~أن يأكل، قال: فقاموا كلهم فخرجوا ولم يستحلوا الأكل، إذ كانوا لا يرونه في ~~الفعل إلا غلاما حدثا، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته ولم ينفذ نظره العبارة ~~والمعنى لقائله مثله أو نحوه: وإن دعاك أخوك وأنت صائم فعلمت أنه يسر بأكلك ~~فلا بأس أن تفطر لأجله، فإن لم تعلم ذلك منه وقال لك: أنا أسر بأكلك فصدقه ~~وأحسن به الظن، وإن لم تعلم ذلك منه ولم يلفظ به لساني فإني أكره خروجك من ~~عقد الصوم لغير نية، هي أبلغ منه أو مثله، فصومك حينئذ أفضل، وإن أكلت مع ~~أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة، قد كان بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل ~~مع إخوانه ويحتسب في أكله ما يحتسب في صو مه. # وروينا عن ابن عباس أنه قال: من أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومن لم يرد ~~أن يطعم قوما من طعام فلا يظهرهم عليه ولا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو ~~لم يأكله، # PageV02P312 # وكان الثوري يقول: إذا أردت أن لاتطعم عيالك من شيء تأكله فلا تحدثهم به ~~ولا يرونه معك، وينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة نيات سبع؛ إذ الأعمال ~~بالنيات ولكل امرئ ما نوى، إذ الإجابة من الأعمال، فمن نواها دنيا كانت له ~~دنيا لعاجل حظه، ومن أراد بها آخرة فهي له آخرة بحسب نيته، وإن لم تحضر نية ~~أو أعتل بفسادها توقف حتى يهيئ الله عز وجل له نية صالحة تكون الإجابة ~~عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية، لأنها من أفاضل الأعمال، فتحتاج ~~إلى أحسن النيات لوجود العالم فيها فتكثر بها الحسنات، ولفقد الهوى منها ~~فيسلم فيها من السيئات وإلا كانت إجابته هزوا، وكان عاملا في باب من أبواب ~~الدنيا، وساعيا ف حظ نفسه وملء جوفه وقد قال الرسول عليه السلام: من كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فيصير مأزورا بفساد النية، ~~أو يكون غير مأجور لعدمها. # فأول النيات طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى ms1038 الله عليه وسلم لقوله ~~عليه السلام: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # والثانية إقامة سنته لقوله عليه السلام: لو دعيت إلى كراع لأجبت وهو موضع ~~على أميال من المدينة أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه ~~وقصر عنده في سفره، وقال في الخبر الآخر: لو دعيت إلى ذراع لأجبت؛ فهذا ~~ظاهر في الإجابة عن القليل، والأول محتمل في الإجابة إلى الموضع البعيد، ~~فقد نقل أن في التوراة أو في بعض الكتب سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع ~~جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله عز وجل، ~~فبعد في إجابة الدعوة وفضلها على العبادة وشهود الجنازة لأن فيها قضاء حق ~~الحي، وفيها إجابة داع. # والنية الثالثة إكرام أخيه، وفي الخبر: من أكرم أخاه المؤمن فإنما يكرم ~~الله تعالى، وفي حديث الحسن وعطاء: من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما ~~يرده على الله تعالى، فترك الإجابة رد العطاء، وفي تأويل الخبر عن الله ~~تعالى بمعناه أنه يقول للعبد يوم القيامة: جعت فلم تطعمني، فيقول: كيف ~~أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: جاع أخوك المسلم فلم تطعمه، ولو أطعمته كنت ~~قد أطعمتني، فمن ظاهره تعظيم حرمة المسلم لأنه أقامه مقامه، وفي باطنه في ~~الفهم أنه إذا أجابه فقد عاونه على إطعام نفسه، فكأنه أطعمها، فإذا لم يجب ~~دعوته فقد ترك معاونته على إطعامه فدخل تحت التفريع بأنه لم يطعم نفسه وهو ~~المسلم إذا لم يجب الدعوة فتفكروا. # والنية الرابعة إدخال السرور على أخيك المؤمن، والخبر الآخر: من سر مؤمنا ~~فقد سر الله عز وجل. # PageV02P313 # والنية الخامسة رفع الغم عن قلبه ووضع الهم عن نفسه في ترك إجابته من ~~ترجيم الظنون به وتوقيع الرجم بالغيب فيه لما لم يجب ولعله يجيب، وإلا كان ~~يجيب فيرفع عنه ذلك ويسقط عنه مؤونته سوء الظن به وتنزيل الشك فيه باليقين ~~به. # والنية السادسة أن ينوي زيارته فيصير ذلك نافلة له ms1039 تماما على الذي أحسن، ~~فقد جاء في فضل الزيارة في الله تعالى وأن بها يستحق ولاية الله تعالى، ~~وأنها علامة ولاية المتحابين في الله فاشترط لذلك شيئان: التباذل لله ~~والتزاور فيه، فقد حصل البذل من أحدهما بقيت الزيارة من الآخر على الخبر ~~السائر أن الإجابة من التواضع، كما ذكرنا قبل: أن المتكبرين لا يجيبون ~~الداعي فهذه سبعة أعمال نيات لمن وفق لعملها والعمل بها، ومن طرقته فاقة من ~~الفقراء فقصد بعض إخوانه يتصدى للأكل عنده فجائز له ذلك بشرطين: لا يكون ~~عنده موجود من طعام ونيته أن يؤجر أخاه ويكون هو الجالب لأجره لأنه عرضه ~~للمثوبة؛ فهذا داخل في التعاون على البر والتقوى وداخل في التحاض على طعام ~~المسكين ونفسه كغيره من الفقراء، ولأن أخاه لا يعلم بصورة حاله ولو علمه ~~لسره ذلك ففيه إدخال السرور عليه من حيث يعلم، وقد فعل هذا جماعة من السلف، ~~وقد روى بمعناه أثر من ثلاثة طرق للسلف الصالح منهم: عون بن عبد الله ~~المسعودي، كان له ثلاثمائة وستون صديقا، وكان يكون عند كل واحد يوما وآخر ~~كان له ثلاثون صديقا كان يكون عند كل واحد يوما وليلة وكانوا يقدمون هذه ~~الأخلاق السنية مع إخوانهم فيؤثرونها على المكاسب والمعلوم، فكان إخوانهم ~~معلومهم، ولم يكن هؤلاء يكتسبون ولا يدخرون، وكان لإخوانهم فيهم نية صالحة ~~يسألونهم ذلك ويقسمون عليهم فيه ويرونه من أفضل أعمالهم، وكان هؤلاء ~~للإنصاف يكرمون إخوانهم بإجابتهم وكونهم عندهم، ولم يكن سعيد بن أبي عروبة ~~يعرض على إخوانه الطعام، ولكنه كان يظهره ويعرض به فكان اللحم مسلوخا مصلقا ~~والخبز موجودا ظاهرا، وكذلك كان يفعل بالثياب والأثاث، كان جميع ما في ~~منزله مظهرا مسبلا، فكل من دخل عليه من إخوانه إن شاء قطع من المسلوخ فشوى ~~وطبخ، وإن شاء أكل من الخبز بما وجد من الأدم، ومن شاء لبس من الثياب ما ~~شاء فكان ذلك مشاعا في منزله لمن أراد تناوله، ومنهم من كان منقطعا في منزل ~~أخيه قد أفرده بمكان يقوم بكفايته ولا ms1040 يبرح من منزله على الدوام يحكم فيه ~~ويتحكم كما يكون في منزل نفسه، وقال بعض العلماء: أكلتان لا يحاسب العبد ~~عليهما: ما أكله في سحوره وما أكله # PageV02P314 # عند إخوانه إكراما لهم بذلك، ومن أكل عند قوم فليقل عند فراغه أفطر عندك ~~الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وقد روينا أيضا: أن يقول ~~عليكم صلاة قوم أبرار لسوا بآثمين ولا فجار يصلون الليل ويصومون النهار فقد ~~كان الصحابة يقولون ذلك. # ذكر غسل اليد ليس كل أحد يحسن أدب الغسل كما ليس كل إنسان يعرف سنة ~~الأكل، فمن غسل يده بأشنان ابتدأ بغسل أصابعه الثلاث أولا، ثم جعل الأشنان ~~في راحته اليسرى يابسا، ثم أمره على شفتيه جسا وأنعم غسل فيه بأصبعيه وظاهر ~~أسنانه وباطنه وحنكه ولسانه، ثم غسل أصابعه من ذلك بالماء، ثم دلك ببقية ~~الأشنان اليابس أصابعه وظهرا وبطنا، ثم لم يدخل الأشنان ثانيا إلى فيه لئلا ~~يعود بالغمر إليه من يديه؛ وهذا يكفيه من تثنية الغسل، ومن غسل يد إخوانه ~~بعد أكلهم من طعامه فمن الأدب أن يصب على أيدهم بالماء العذب، فبمثل هذه ~~اللطيفة ونحوها يعرف حسن تفقد الدعاة وليستبين تعاهد الرعاة كأن بعضهم ~~يقول: يدعو الرجل إخوان ينفق في الطيبات جملة ويحليهم بعدها بالحلاوة، ثم ~~يمرر أفواهم بالماء الملح؛ فهذا يكون من نقص التعاهد وقلة التفقد. ### | ذكر أخبار جاءت في الآثار رويناها منثورة في الأطعمة والأكل من بين نقص # وفضل # هي من طرائق السلف وصنائع العرب أدخلناها في تضاعيف كلامنا لأنها منقولة ~~من كلام القدماء من حديث إسحاق بن نجيح عن عطاء بن ميسرة عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة ~~وعوفي في ولده، وفي خبر سعيد بن لقمان عن عبد الرحمن الأنصاري عن أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الأكل في السوق دناءة هذا ~~غريب مسند أو ليس بذاك الصحيح أنه من قول التابعين؛ إبراهيم النخعي ومن ms1041 ~~دونه، وعن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سيرة عن علي عليه السلام قال: من ~~ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء، ومن أكل يوما سبع ~~تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، ومن أكل في كل يوم إحدى وعشرين زبيبة ~~حمراء لم ير في جسده شيئا يكرهه، واللحم ينبت اللحم، والثريد طعام العرب، ~~والسارحات تعظم البطن وترخي الأليتين، ولحم البقر داء ولبنها شفاء، وسمنها ~~دواء، والشحم يخرج مثله من الدواء ولن تستشفي النفساء بشيء أفضل من الرطب ~~والسمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن، والسواك يذهب البلغم، ومن أراد البقاء ~~ولا بقاء فليباكر الغداء، وليقل غشيان النساء، وليخفف الرداء وهو الدين، في ~~أخبار الأمراء أن الحجاج قال لبنادق المطيب: صف لي صفة آخذ بها ولا أعددها، ~~قال له: لا تنكح من النساء إلا فتاة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيتا، ولا ~~تأكل # PageV02P315 # المطبوخ حتى ينعم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولاتأكل من الفاكهة ~~إلا نضيجها، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، وكل ما أحببت من الطعام ولا ~~تشرب عليه، فإذا شربت فلا تأكل عليه شيئا ولا تحبس الغائط والبول، وإذا ~~أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة، وفيما ~~قاله الفلسوف حكمة، قد ورد ببعضها آثار، قد يروى في خبر مقطوع ذكره أبو ~~الخطاب بن عبد الله بن بكر يرفعه: من استقل بدائه فلا يتداوى فرب دواء يورث ~~داء، وكانت الحكماء تقول: دافع بالدواء ما حملت قوتك الداء، وقال بعضهم: ~~مثل شرب الدواء مثل الصابون للثوب ينقيه ولكن يخلقه. # وقال أبقراط الفيلسوف: الدواء من فوق والداء من تحت، فمن كان داؤه في ~~بطنه فوق سرته سقي الدواء، ومن كان داؤه تحت سرته حقن، ومن لم يكن به داء ~~من فوق ولا من تحت لم يسق الدواء، فإن سقى عمل في الصحة داء إذا لم يجد داء ~~يعمل فيه، وفي الخبر: قطع العروق مقة وترك العشاء مهرمة، والعرب تقول: ترك ~~الغداء يذهب ms1042 بشحم البكاذة يعني الألية، وقال بعضهم: نهاني الأطباء عن الشرب ~~في تضاعيف الطعام، والعرب تقول: تعش وتمش وتغد وتمد؛ يريدون تمدد فأبدلوا ~~الألف من الدال الثانية كراهية التكرار ولازدواج الكلام، ومنه قوله تعالى: ~~(ثم ذهب إلى أهله يتمطى) القيامة: 33 أي يتمطط، فأبدل من الثانية ألفا ~~بمعنى يمد مطاه يرفع ظهره، وأما في حبس الغائط: فقد قال بعض الفلاسفة: ~~الطعام إذا خرج نجوه قبل ست ساعات فهو مكروه من المعدة، وإذا بقي فيها أكثر ~~من أربع وعشرين ساعة فهو ضرر على المعدة، ويقال: إن حبس البول يفسد من ~~الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه ففاض من جوانبه، ويقال: إن ~~أرواح المفاصل ميراث حبس الريح، قال الشيخ أبو طالب: قرأت في الحكمة مدار ~~صلاح الأمور في أربعة: الطعام لا يؤكل إلا على شهوة، والمرأة لا تنظر إلا ~~إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وقيل ~~لبعض حكماء الروم: أي وقت الطعام فيه أصلح فقال: إما لمن قدر فإذا جاع وإما ~~لمن لم يقدر فإذا وجد، ويقال: إذا كثرت المقدرة نقصت الشهوة، وقال كسرى ~~لجلسائه: أي خصلة في الإنسان أضر؟ فقالوا: الفقر، فقال: البخل أشد من ~~الفقر، لأن الفقير لا يجد ولابخيل يجد ولا يأكل، وقيل لرجل رؤي سمينا ما ~~أسمنك؟ فقال: أكل الحار وشرب القار والاتكاء على شمالي والأكل من غير مالي، ~~وقيل # PageV02P316 # لأخر رؤي حسن الجسم: ما أحسن جسمك؟ قال: قلة الفكر وطول الدعة والنوم على ~~الكمطة، وقيل لآخر رآه حكيم سمينا: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فما هي؟ ~~قال: آكل اللباب وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان، والعرب تقول: ~~العاشية تهيج الآبية؛ يعني أن الذي لا يشتهي الطعام إذا نظر إلى من يأكل ~~هاجه ذلك على الأكل الذي يأباه لما رأى الآخر تعشى، وذكر الأصمعي أن بعض ~~الحكماء أوصى ابنه فقال: يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك؛ يعني ~~تتغذى وكذلك يقال في تناول الشيء قبل الخروج ms1043 إلى السوق وقبل لقاء الناس أنه ~~أقل للشهوة في الأسواق وأقطع للطعام بلقاء الناس، وأنشد هلال بن مجشم شعرا: # وأن قراب البطن يكفيك ملأه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها # ورؤي بعض الصوفية يمشي في السوق وهو يأكل وكان ممن يشار إليه قال: فقلت ~~له: تأكل في السوق؟ فقال: عافاك الله إذا جعت في السوق آكل في البيت، قلت ~~فلو دخلت بعض المساجد؟ فقال: أستحي منه أن أدخل بيته للأكل، هذا لأنه رأى ~~الأكل من أبواب الدنيا، فدخل في طريقها كما قيل: الأسواق موائد الآباق ~~أبقوا من الخدمة فجلسوا في الأسواق، وفي خبر ابن عمر قال: كنا نأكل في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، وقال بعض أهل ~~الطب: لحمية أحد العلتين، ويقال: الحمية للصحيح ضارة كما أنها للعليل ~~نافعة، والدواء إذا لم يجد ما يعمل فيه وجد الصحة فعمل فيها وأنشد بعض ~~العرب شعرا: # وربة حام كان للعبد علة ... وعلة جر الداء حفظ التقلل # وقال لقمان: من احتمى فهو على يقين من المكروه وفي شك مما يأكل من ~~العوافي، وكان يقال: ليس الطبيب من أحمى الملوك ومنعهم من الشهوات، إنما ~~الطبيب من خلاهم وما يريدون، ثم دبر سياستهم على ذلك حتى تستقيم أجسادهم، ~~وقال مدني عندنا بالحجاز لبعض الأعراب: أخبرني بما تأكلون وما تدعون، فقال: ~~نأكل ما أدب ودرج إلا أم حنين فقال المدني: ليهن أم حنين منكم العافية، وفي ~~الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد فقال ~~له: تأكل التمر وأنت رمد؟ فقال: يا رسول الله إنما آكل بهذا الشق الآخر ~~يعني جانب العين السليمة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV02P317 ### | ذكر أخبار جاءت في التقلل والحمية وذم البطنة # في حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: قال أبو الدرداء: بئس ~~العون على الدين قلب نجيب وبطن رغيب ونعظ شديد نجيب، يعني خفيفا ضعيفا، ~~ورغيب يعني واسعة طامعة، قيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟ ms1044 فال: الجوع ~~أعلم، أي به يطيب الطعام: كما قيل: نعم الإدام الجوع ما ألقيت إليه قبله، ~~قال العتبي: قال عبيد الله لرجل من أهل الدمينة: يا أخي إني لأعجب أن ~~فقهاءكم أظرف من فقهائنا، وعوامكم أظرف من عوامنا، ومجانينكم أظرف من ~~مجانيننا، قال: فتدري لم ذاك؟ قلت: لا، قال: الجوع ألا ترى أن العود إنما ~~صفي صوته من خلو جوفه؟ يقال دعا عبد الله بن الزبير الحسن بن علي رضي الله ~~عنهم فحضر هو وأصحابه فأكلوا ولم يأكل هو فقيل له في ذلك، قال: إني صائم، ~~ولكن تحفة الصائم قال: وماهي؟ قال: الدهن والمجمرة، وكذلك يقال: الكحل ~~والدهن أحد القرابين واللبن أحد اللحمين والفاكهة، والحديث للضيف أحد ~~الضيافتين، فيستحب لمن كان صائما فحضر ولم يأكل أن يطيب ويحيي فذاك زاده، ~~روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان على خوان معاوية فرأى معاوىة لقم عبد ~~الرحمن، فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة وحده فقال له: ما فعل ابنك ~~التلقامة؟ قال: اعتل، قال معاوية: مثله لا يعدم العلة، وقيل لأبي بكرة: إن ~~ابنك أكل حتى بشم، قال: لو مات ما صليت عليه، ويقال للبشم سكر كسكر الخمر، ~~وسئل الحارث بن كلدة طبيب العرب: ما الدواد الذي لا داء فيه، فقال: هو ~~اللازم؛ يعني الحمية، وقيل لجالينوس: إنك تقل من الطعام فقال: غرضي من ~~الطعام أن آكل لأحيا وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل، ويقال: ما أدخل ~~الإنسان جوفه أنفع من الرمان ولا أضر من المالح، ولأن يتقلل من المالح خير ~~من أن يستكثر من الرمان، هذا لذم الاستكثار وإن كان مما ينفع، ومدح القلة ~~وإن كان ما يضر، حدثت عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال: ~~قال لابنه: يا بني إن طول الجلوس على الخلاء يرفع الحرارة إلى الرأس ويورث ~~الباسور ويبجبع له الكبد، اجلس هوينا وقم، قال: حكمه على باب الحش، ويقال: ~~سأل الحجاج جلساءه: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ قالوا: أكل التمر، وقال ms1045 ~~بعضهم: الحمام، وقال بعضهم: الجماع، وقال آخر: الصمائخ، فقال يتاذوق: أذهب ~~الأشياء للإعياء قضاء الحاجة، حدثت عن بعض الأطباء أن رجلا شرب خبث الحديد ~~المعجون فبقي في جوفه واشتد به وجعه، قال: فسحقت له قطنة مغناطيس وسقيته ~~إياه فتعلق بالخبث وخرج مع الغائط. # وروى الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال: قال يتاذوق الفيلسوف: إن اللحم على # PageV02P318 # اللحم يقتل السباع في البرية، قال: ثم قال أبو جعفر: قالت جارية لنا: كان ~~لنا ظبي فمر بعجين قد هيئ فأكل منه حتى حبط؛ والحبط انتفاخ الجنينين فسلخ ~~فوجد قد شرق بالدم، فقال يونس الطبيب: هكذا يصيب الإنسان إذا بشم يشرق قلبه ~~بدمه، وقال الأصمعي عن جعفر والي البصرة إنه قال لأنسان أكول يقيء إذا أكل: ~~لا تفعل، فإن المعدة تضغن إلى القيء كما تضغن الدابة العلف ولا ينضج ~~الطعام؛ معنى تضغن أي تألف وتعتاد، وقال بعضهم: سئل يتاذوق عن البخر فقال، ~~دواؤه الزبيب يعجن بالشعير، ثم يؤكل أسبوعين أو ثلاثا، وقال الأطباء: معرفة ~~خفة الماء أن يكون سريع الغليان سريع البرد، ويكون قبالة الشمس مجراه على ~~الشمال ومروره على الطين الأحمر وعلى الرمل، ذكر أبو طالب أن هذا آخر ~~الزيادة من الأقوال، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أكرموا ~~الخبز فإن الله قد أنزله من السماء، فمن بركات الخبز أنه لا ينتظر به أدام ~~وىؤكل مع ما حضر معه من الملح والخل والبقل وغيره، وأن لا يجعل تحت شيء من ~~آلة المائدة ولا تحت غضارة، مثل أن يسند به شيء ولا يتخذ طبقا لشيء، فإن ~~وضع عليه ما يؤكل فلا بأس، ومن السنة والأدب أن لا ينتظر بالطعام غائب إذا ~~حضر جماعة، ولكن يأكل من حضر؛ فإن حرمة الحاضر مع حضور الطعام أوجب من ~~انتظار الغائب إلا أن يكون الغائب فقيرا فلا بأس أن ينتظر ليرفع من شأنه ~~ولئلا ينكسر قلبه، وإن كان الغائب غنيا لم ينتظر مع حضور الفقراء فإن ~~انتظار الغني معصية لما روى أن النبي صلى ms1046 الله عليه وسلم قال: شر الطعام ~~طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، فسمي الطعام شريرا لأجل ~~الأغنياء، والطعام لا تعبد عليه، وإنما الشر اسم لأهل الطعام الداعين ~~الأغنياء عليه التاركين للفقراء، فأما طعام المآتم فهو على ضربين؛ نوع منه ~~يصنعه أهل الميت للنوائح والبواكي ومن يينيهم على الجزع، فإن أكل هذا مكروه ~~منهي عنه، ونوع يحمل إليهم لشغلهم عن أنفسهم وإصلاح طعامهم بميتهم؛ فهذا لا ~~بأس به وبحمله إليهم، ويجوز الأكل منه إن أطعموه غيرهم لأنه من البر ~~والمعروف إن لم يرد به النوائح ولا المجالسسة على القبور للجزع والأسى. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما جاء نعي جعفر بن ~~أبي طالب: إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنيع طعامهم فاحملوا إليهم ما ~~يأكلون؛ فهذا سنة في حمل الطعام إلى أهل الميت، ومن دعي إلى طعام وكان في ~~بيت الداعي إحدى خمس خصال فلا يجبب دعوته ولا حرج في ترك إجابته إن كانت ~~مائدته يشرب بعدها مسكر، وإن لم يعاينه في الحال، أو كان في الأثاث فراش ~~حرير، أو ديباج، أو كان في الآنية ذهب، أو فضة، أو كان متخذ الحيطان مسترا ~~بالثياب كما تستر الكعبة، أو كان صورة ذات روح في # PageV02P319 # ستر منصوب أو في حائط، ومن أجاب الدعوة فرأى إحدى هذه الخمس فعليه أن ~~يخرج أو يخرج ذلك، فإن قعد فقد شركهم في فعلهم، دعي أحمد بن حنبل رحمه الله ~~إلى طعام فأجاب في جماعة من أصحابه، فلما استقر في المنزل رأى إناء من فضة ~~في البيت فخرج وخرج أصحابه معه ولم يطعموا، ويقال: إنه خرج من أشنانة رآها ~~كان رأسها المغطاة به فضة لم يصبر فخرج لذلك، حدثت عن أحمد بن عبد الخالق ~~قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى إلى ~~الوليمة من أي شيء يخرج؟ قال: خرج أبو أيوب حين دعي فرأى البيت قد ستر ودعي ~~حذيفة فرأى شيئا من زي العجم فخرج ms1047 وقال: من تزيا بزي قوم فهو منهم، قلت ~~لأبي عبد الله: فإن رأى شيئا من فضة ترى أن يخرج؟ قال: نعم أرى أن يخرج، ~~قال: وسمعته يقول: دعانا رجل من أصحابنا قبل المحسنة وكنا نختلف إلى عفان، ~~فإذا إناء من فضة فخرجت فأتبعني جماعة، فنزل بصاحب البيت أمر عظيم فقلت ~~لأبي عبد الله: الرجل يدعي فيرى المكحلة رأسها مفضضة قال: هذا يستعمل كل ما ~~لا يستعمل، فأخرج منه، إنما رخص في الضبة أو نحوها فهو أسهل، وسألته عن ~~الكلة فكرهها، قلت: فألقيه أو أخليها؟ فلم ير بها بأسا، قلت لأبي عبد الله: ~~إن رجلا دعا قوما فجيء بطست فضة أو إبريق فكسره هل يجوز كسره؟ قال: نعم، ~~قال أبو بكر المروزي: سألته عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج ترى أن يقعد عليه ~~أو يعقد في بيت آخر؟ قال: يخرج، قد خرج أبو أيوب وحذيفة. # وقد روي عن ابن مسعود الخروج قلت: ترى أن يأمرهم؟ قال: نعم، يقول: هذا لا ~~يجوز، قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون في بيت ديباج يدعي إليه للشيء؟ قال: ~~لا تدخل عليه ولا تجلس معه، قلت: الرجل يدعى فيرى الكلة فكرهها وقال: هو ~~رياء لا ترد من حر ولا ترد من برد، قلت: الرجل يدعى فيرى سترا فيه تصاوير، ~~قال: لا تنظر إليه قلت: قد أنظر إليه، قال: إن أمكنك خلعه خلعته، قال: سألت ~~أبا عبد الله عن الستر يكتب فيه القرآن فكره ذلك قال: ولا يكتب القرآن على ~~شيء منصوب لا ستر ولا غيره، قلت: الرجل يكتري البيت فيه التصاوير تري أن ~~يحكه؟ قال: نعم، قلت لأبي عبد الله: دخلت حماما فرأيت فيه صورة ترى أن أحك ~~الرأس؟ قال: نعم، وسألته عن الجوز ينثر إسناده جيد أبو حصين عن خالد بن ~~مسعود قال أبوبكر المروزي: دخلت على أبي عبد الله وقد حذق ابنه قد اشترى ~~جوزا يريد أن يعده على الصبيان يقسمه عليهم وكره النثر وقال: هذه نهبة، ~~وقال هاشم بن القاسم: حدثنا محمد قال: ms1048 كان طلحة والزبير يكرهان النثر في كل ~~شيئ في العرس وفي الحذاق وغيرهما من الجوز والسكر، قال: وسألت أبا عبد الله ~~عن # PageV02P320 # قرض الرغيف والخمير فلم ير به بأسا آخر الزيادة في الجديد، ومن الأصل ~~الأول خمسة لا تجاب دعوتهم وإن دعي رجل ولم يعلم ثم علم فلا حرج عليه، أن ~~يخرج من بيته المبتدع، وأعوان الظلمة، وآكل الربا، والفاسق المعلن بفسقه، ~~ومن كان الأغلب على ماله الحرام ولم يكن يردع عن الآثام في معاملته الأنام ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تأكل إلا طعام تقي وذاك لأن التقي قد ~~كفاك الاجتهاد في المأكول للتقوى فأغناك عن السؤال عنه، لأن التقي إذا ~~أطعمته استعان على الطعمة على البر والتقوى فتصير معاونا له عليها، كما قال ~~تعالى، فيشركه في بره والفاجر والظالم إن أكلت طعامهما صرت من أعوان الظلمة ~~بمشاركتك لهما في الطمعة، كما سأل خياط ابن المبارك فقال: إني أخيط لبعض ~~وكلاء هؤلاء يعني الأمراء فهل يخاف أن أكون من أعوان الظلمة؟ فقال: لست من ~~أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة، أعوان الظلمة من يبيع منك الخيوط والإبر، ~~وقد عمل ذو النون المصري أغمض من هذا الورع، وما سمعت أدق منه، إن السلطان ~~لما سجنه في كلام أنكره عليه العامة من العلم الغامض كانت المائدة من قبل ~~السلطان تختلف إليه فلم يكن يطعم منها شيئا، ولم يأكل أياما كثيرة مدة ~~مقامه في السجن، فكانت له أخت قد آخته في الله تعالى تبعث إليه من مغزلها ~~وتدفعه إلى السجان فيحمله إليه ويعرفه أنه من قبل تلك العجوز الصالحة، فلم ~~يأكل أيضا منه، فلما خرج لقيته العجوز فعاتبته على رد الطعام وقالت: قد ~~علمت أنه كان من مغزلي؟ فقال: نعم، إلا أنه جاءني على طبق ظالم فرددته لأجل ~~الظرف يعني بهذا يد السجان، ولعمري أنا روينا عن علي عليه السلام أنه أهدى ~~له دهقان بالكوفة في يوم عيد لهم خبيصا على جام من ذهب يكرمه بذلك، فرده ~~ولم يأكل منه، ms1049 قال: رددته لأجل ظرفه الذي كان فيه، وقيل: من أكل لقمة من ~~حرام قسا قلبه أربعين يوما، ويقال: أظلم قلبه، ومن أكل الحلال أربعين يوما ~~زهد في الدنيا وأدخل الله تعالى في قلبه وأجرى الحكمة على لسانه، وقال بعض ~~السلف: أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر الله تعالى له بها ما تقدم من ~~ذنبه، وقال الآخر: من أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه ~~كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء، وكان سهل يقول في السائحين في الأمصار ~~والمنقطعين بالأسفار: إن الرجل ليدخل قرية فيجوع، ولا يقدر على الشبهات فلا ~~يأكل، ويبيت تلك الليلة جائعا، فيجعل في ميزانه جميع أعمال أهل تلك القرية، ~~ومن أجبره سلطان على طعام أو قدم إليه شبهة أكرهه على أكلها، فليتعلل ~~بعلالة منه، وليتغير تغيرا، ولا يقصد طيبا ولا يكبر اللقمة، ولا يستكثر في ~~الطعمة وليأكل ما يسد رمقه، وما يخاف التلف بنفسه، إن هو فارقه، حدثني بعض ~~الشهود: إن مزكيا من بعض أهل العلم بخراسان رد شهادة شاهد أكل من طعام ~~سلطان كان أجبره فقال: إنه كان أجبرني على الأكل، فقال: قد علمت ذلك # PageV02P321 # ولم أرد شهادتك لأنك أكلت، ولكنك رأيتك تقصد الطيب وتكبر اللقمة فهل كان ~~أجبرك على هذا؟ فلهذا جرحتك عند الحاكم، قال لنا الشيخ وأجبر السطان هذا ~~المذكي على الأكل من ماله فقال: اختاروا إحدى # خصلتين: إما أن آكل كما أمرتم ولا أزكي أحدا بعد ذلك ولا أجرح ولا أعدل ~~شاهدا، وإما أن أترك على هذا في الجرح والتعديل بالتزكية ولا آكل من ~~طعامكم، قال: فنظرالسلطان وذووه فإذا هم محتاجون إليه لأنه كان قليل ~~النظير، ولم يكن له بد من حسن نظره ومن قيامه بشأن الحكام، فتركوه وحده فلم ~~يأكل من طعامهم شيئا وأجبروا من كان معه، وكانوا قد حملوا من نيسابور إلى ~~بخارى في قصة طويلة حذفت سببها، والمعنى هذا باختلاف الألفاظ التي سمعتها ~~ولكن توخيت ما سمعت على المعنى، وقد كان بشر بن الحارث يقول: في ms1050 الأكل من ~~الشبهات يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة، وكان إذا نفروا تكلم في الحلال ~~قيل له: فأنت يا أبا نصر من أين تأكل؟ وهو يضحك، وقد كان سري السقطي يقول: ~~لا نصبر على ترك الشبهات كما كان الزهري إذا عوتب في صحبة بني مروان يقول: ~~أصدقكم الحق اتسعنا في الشهوات فضاق علينا ما في أيدينا فانبسطنا إليهم؛ ~~وهذا فصل الخطاب لأولي الألباب والله أعلم. ين: إما أن آكل كما أمرتم ولا ~~أزكي أحدا بعد ذلك ولا أجرح ولا أعدل شاهدا، وإما أن أترك على هذا في الجرح ~~والتعديل بالتزكية ولا آكل من طعامكم، قال: فنظرالسلطان وذووه فإذا هم ~~محتاجون إليه لأنه كان قليل النظير، ولم يكن له بد من حسن نظره ومن قيامه ~~بشأن الحكام، فتركوه وحده فلم يأكل من طعامهم شيئا وأجبروا من كان معه، ~~وكانوا قد حملوا من نيسابور إلى بخارى في قصة طويلة حذفت سببها، والمعنى ~~هذا باختلاف الألفاظ التي سمعتها ولكن توخيت ما سمعت على المعنى، وقد كان ~~بشر بن الحارث يقول: في الأكل من الشبهات يد أقصر من يد ولقمة أصغر من ~~لقمة، وكان إذا نفروا تكلم في الحلال قيل له: فأنت يا أبا نصر من أين تأكل؟ ~~وهو يضحك، وقد كان سري السقطي يقول: لا نصبر على ترك الشبهات كما كان ~~الزهري إذا عوتب في صحبة بني مروان يقول: أصدقكم الحق اتسعنا في الشهوات ~~فضاق علينا ما في أيدينا فانبسطنا إليهم؛ وهذا فصل الخطاب لأولي الألباب ~~والله أعلم. # PageV02P322 ### | الفصل الحادي والأربعون # ذكر فضائل الفقر ### | وفرائضه ونعت عموم الفقراء وخصوصهم وتفصيل قبول العطاء ورده وطريقة السلف # فيه: # قال الله الكبير المتعال: (للققراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم) الحشر: 8، وقال تبارك وتعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض) البقرة: 273 فقدم وصف أوليائه بالفقر على ~~مدحهم بالهجرة والحصر، والله تعالى لا يصف من يحب إلا بما يحب، فلولا أن ~~الفقر أحب الأوصاف إليه ما مدح به أحباءه ms1051 وشرفهم به، وأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالفقر وأخبر بفضله في غير حديث؛ منها حديث إسماعيل بن عياش ~~عن عبد الله بن دينار عن ابن عمران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~لأصحابه: أي الناس خير؟ فقالوا: موسر من المال يعطي حق الله عز وجل في نفسه ~~وماله، فقال: نعم الرجل هذا وليس به، قالوا: من خير الناس يارسول الله؟ ~~قال: فقير يعطي جهده؛ ومنها حديث بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~له: إلق الله عز وجل فقيرا ولا تلقه غنيا، وفي الحديث الذي روي عن ابن ~~الأعرابي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لا أفضل من الفقير إذا كان ~~راضيا، وفي الحديث الآخر: أن الله تبارك وتعالى يحب الفقير المتعفف أبا ~~العيال، وفي الخبرين المشهورين: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم ~~بخمسمائة عام، والحديث الآخر: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في ~~زمرة المساكين؛ فهذا منه صلى الله عليه وسلم تفضيل الفقراء وإكرام لهم ~~وتنبيه وحث على فضل الفقر، وروينا عنه صلى الله عليه وسلم: خير هذه الأمة ~~فقراؤها وأسرعها تضجيعا في الجنة ضعفاؤها. # وروينا في خبر إسماعيل النبي عليه السلام المفسر لخبر موسى عليه السلام: ~~أن إسماعيل قال: يارب أين أطلبك؟ فقال الله عز وجل: عند المنكسرة قلوبهم من ~~أجلي، قال: ومن هم؟ فقال تعالى: الفقراء الصادقون، وقال أبو سليمان ~~الدارني: الأعمال كلها في الخزائن مطروحة إلا شيئين، فإنه مخزون مختوم عليه ~~لا يعطيه إلا من طبعه بطابع الشهداء، الفقر مع المعرفة، وكان يقول: تنفس ~~الفقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غني عمره كله، # PageV02P323 # وقد كان بشر يقول: مثل الغني المتعبد مثل روضة على مزبلة، ومثل العبادة ~~على الفقير مثل عقد جوهر في جيد الحسناء، وقال: العبادة لا تليق بالأغنياء، ~~وكان يقول: التقوى لا تحسن إلا في فقر، وقال له رجل فقير: يا أبا نصر ادع ~~الله عز وجل لي فقد أضر بي الفقر والعيال، فقال ms1052 له بشر: إذا قال لك عيالك: ~~ليس عندنا دقيق ولا خبز فادع الله تبارك وتعالى أنت في ذلك الوقت، فإن ~~دعاءك أفضل من دعائي، وقال بعض السلف: أي أهل المعرفة بالله عز وجل أن ~~يقبلوا هذا العلم وكرهوا أن يسمعوه من الأغنياء وزعموا أنه لا يليق بهم، ~~وقد كان بعض الفقراء يقول: هذا العلم يعني علم المعرفة عوضه الله سبحانه ~~وتعالى الفقراء بدلا من الدنيا لا يظهره إلا هم ولا يوجد إلا عندهم، روحهم ~~الله عز وجل به في الدنيا وجعله عوضا لهم مما تركوه له اليوم، فإذا كان غدا ~~فهم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وهو المزيد، وقد روينا في ~~تفسير قوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم) الرعد: 23 قال: الفقر في الدنيا. # فمن فرائض الفقر عند الفقراء: الصبر عليه بترك المسألة قبل ورود الفاقة، ~~وقطع الهم عن التشرف إلى الخلق، وأن لا يتناول عند الحاجة ما حظره عليه ~~العلم، ولا يجاوز حدا من حدود الأحكام، وإن سأل عند حاجة لم يستكثر ولم ~~يدخر، فإن أعطى فوق كفايته فاقتناه ليكف عن المسألة فلا بأس به، ويتوخى في ~~مسألته المتقين: ومن يعلم أنه يتحرى في مكسبه فإن مسألته عمل له يلزمه ~~التورع فيها، كما يلزمه الورع في مكسبه، ولا يسأل من يعلم أنه لا يبالي من ~~أين يأكل، ومن لا يردع عن الحرام في مكسبه والعبد بنفس الحاجة والجوع يستحق ~~على إخوانه شبعة يقيم بها صلبه ويسكن بها نفسه، وبنفس العري والعدم يستحق ~~عليهم ثوبا يواري به عورته، وذلك لازم للمسلمين وواجب له، فإن قام به بعضهم ~~سقط عن بعض وجوبه، وإن سأل ذلك فلا شيء عليه، ويقال إن كفارة المسألة صدق ~~السائل في مسألته وصدقه أن لا يسأل إلا بعد فاقته ومع خوف التقصير في أداء ~~فرائضه من اختلاف عقله وتشتت قلبه، وأن يكف مع أول الكفاية، ولا يدخر بعد ~~الشبع ليستكثر، ولا يجعل المسألة إن دفع إليها ms1053 له عادة وكدا ولا حرفة، ~~ومهما استغنى عن السؤال فليكن ذلك أحب إليه، فإنه أفضل له، وقد سأل ثلاثة ~~من الأنبياء عند فاقتهم سليمان عليه السلام لما سلب ملكه أربعين يوما، ~~وموسى والخضر عليهما السلام لما استطعما أهل القرية. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: للسائل حق وإن جاء على فرس، وفي ~~الحديث: ردوا السائل ولو بظلف محرق، فلو كانت المسألة إثما وعدوانا لم يحث ~~على الإعطاء فيكون معاونا على الإثم والاعتداء، ولكن ذلك من البر والتقوى، ~~لأنه سبب منه ودال عليه، فعاون بالأمر به لحرمة الإسلام، ولأن المواساة من ~~المعروف والإحسان، وسمع عمر # PageV02P324 # رضي الله عنه سائلا يسأل بعد المغرب فقال: يا يرفا عش الرجل، فعشاه، ثم ~~سمعه ثانية يسأل فقال: ألم أقل لك عش الرجل؟ فقال: قد عشيته، فنظر عمر فإذا ~~تحت يدة مخلاة مملوءة خبزا فقال: لست سائلا ولكنك تاجر، ثم نثر المخلاة بين ~~يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال: لست سائلا، أنت تاجر. # وروينا عن علي عليه السلام أن لله عز وجل في خلقه مثوبات فقر وعقوبات ~~فقر، فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه، ويطيع به ربه، ولا يشكو ~~حاله، ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علامات الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء ~~عليه خلقه ويعصي به ربه ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء؛ فهذا كما قال عليه ~~السلام، وهذا النوع الذي هو عقوبة من الفقر هو الذي استعاذ منه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو فقر النفس، لأن الفقر من المال إنما هو الافتقار إلى ~~الخلق والفقر إلى الأشياء مع عدم صدق الحال. # وقد روينا في الخبر: مسألة الناس من الفواحش ماأحل من الفواحش غيرها، ~~وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع ~~والطاعة، ثم قال كلمة خفيفة: ولا تسألوا الناس شيئا فكان صلى الله عليه ~~وسلم يأمر بالتعفف والكف عن المسألة ويقول: من سألنا أعطيناه ومن استغنى ~~أغناه الله عز وجل، وقال: من لم يسألنا فهو ms1054 أحب إلينا، وقال عليه السلام: ~~استغنوا عن الناس، وما قل من السؤال فهو خير، قالوا: ومنك يارسول الله قال: ~~ومني، فلو لم يكن في ترك المسألة لادعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم ~~القيامة ووجهه عظم يتقعقع ليس عليه لحم، وفي خبر آخر: كانت مسألته خدوجا ~~وكدوحا في وجهه، وفي الحديث: استغنوا بغنى الله عز وجل، قالوا: وما هو؟ ~~قال: غداء يوم أو عشاء ليلة، وفي الخبر: من سأل وله خمسون درهما أو عدلها ~~من الذهب، فقد سأل إلحافا، ومن كان معه هذا القدر من الدنيا لم يخرجه من ~~عموم الفقراء، فإن سأل مع ذلك أخرجه من عمومهم، ومن سأل قبل الجوع أو بعد ~~الشبع أو سأل ليدخر أو سأل وله غداء يوم أو عشاء ليلة أخرجه ذلك من خصوص ~~الفقراء، وسئل سفيان الثوري عن أفضل الأعمال فقال: التجمل عند المحنة، وعلى ~~الفقير أن لا يزكي غنيا لأجل عطائه، ولا يذمه ولا يمقته لأجل منعه، ولا ~~يعظم أهل الدنيا، ولا يكرمهم لأجل دنياهم، وقال ابن المبارك: من تواضع ~~الفقير أن يتكبر على الأغنياء، وعن علي عليه السلام في حكاية المنام: ما ~~أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله عز وجل، وأحسن منه تيه الفقير ~~على الغني ثقة بالله عز وجل، ومن فرائض الفقر أن لا يسكت الفقير عن حق، ولا ~~يتكلم بهوى لأجل دوام العطاء من أحد، ولا لاجتلاب نفع؛ فإن ذلك وليجة في ~~الدين ومداهنة للمؤمنين، ومن فضائل الفقر أن لا يدخر لأكثر من أربعين يوما، ~~ولا يكون المدخر أكثر من # PageV02P325 # أربعين درهما، والأصل في ذلك أن الله تبارك وتعالى قال عز من قائل: (وإذ ~~واعدنا موسى أربعين ليلة) البقرة: 51 فإذا فسح له في تأميل أربعين فالادخار ~~من الأمل؛ فإن أمل حياة أربعين يوما جاز له أن يدخر لأربعين، ومن قصر أمله ~~إلى يوم وليلة لم يدخر إلا ليومه وليلته، فترك ms1055 الادخار مقتضى قصر الأمل، ~~وقد جعل غنى الفقير في أربعين درهما فهذا لعموم الفقراء، فأما خصوصهم فإن ~~غناءهم غداء يوم أو عشاء ليلة لقصر أملهم، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه ~~آنفا: استغنوا بغنى الله عز وجل، قيل: وما غنى الله تبارك وتعالى؟ قال: ~~غداء يوم أو عشاء ليلة، ومن فضل الفقير أن لا يهتم برزق غد كما إن الله ~~تبارك وتعالى لا يطالبه بعمل غد قبل مجيئه، ولأن الرزق معلوم مقسوم والوكيل ~~حفيظ قيوم، وأن يكون راضيا بفقره شاكرا عليه ويغتبط بالفقر لعظيم نعمة الله ~~عز وجل عليه فيه، ويخاف أن يسلب فقره أشد من خوف الغني أن يسلب غناه لشدة ~~اغتباطه به. # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الفقراء أعطوا الله ~~عز وجل الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا، وروى عبد الرحمن بن ~~سابط عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: أحب ~~العباد إلى الله عز وجل الفقير القانع برزقه، الراضي عن الله عز وجل، ~~وينبغي أن يغتم بالاتساع ويفرج بالضيقة والمصيبة، ويحب المساكين ويفضلهم ~~على أبناء الدنيا، ويرحم الأغنياء ولا يذمهم لأجل غناهم، ويؤثر الفقراء ~~ويقربهم ويحسن على الفقير خلقه، ويحمل معه صبره، ويستر بالتعفف فقره، ويظهر ~~الغني ولا يكشف فقره بالتكره له والشكوى، في الخبر عن الله عز وجل: إذا ~~رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغني مقبلا فقل ذنب ~~عجلت عقوبته، وقال موسى: يا رب من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟ فقال: ~~كل فقير فقير التكرار فيه لمعنيين؛ أحدهما المتحقق بالفقر، والثاني الشديد ~~الحاجة والضر، وقال عيسى صلى الله عليه وسلم إني لأحب المسكنة وأبغض الغنى، ~~وقيل: كان من أحب أسمائه إليه أن يقال له: يامسكين، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه الذي تلقاه من ربه وأمره به: أسألك الطيبات، وفعل ~~الخيرات، وحب المساكين؛ ومما يعتبر به فضل الفقر على الغنى أن أفضل الخلق ~~رسول ms1056 الله صلى الله عليه وسلم، فمن شاركه وقارنه بمعنى وصفه فهو الأفضل ~~لأنه الأمثل فالأمثل وهم الفقراء، وصفهم الله عز وجل بوصفه فقال تعالى: ~~(ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) التوبة: 92 ~~الآية - فلما شاركوه في العدم وكان حال الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~الأفضل والأتم دل على فضل حالهم على غيرهم. # وقد قال الله عز وجل: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء) ~~التوبة: 39، # PageV02P326 # وقال تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) العلق: 6 - 7، فوصف ~~الأغنياء بالطفو وأوقع عليهم الحجة، وقال في وصف الفقراء: (يحسبهم الجاهل ~~أغنياء) البقرة: 372، فلولا أن الغنى مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص، ~~والغنى باب الدنيا وأصل التفاخر والتكاثر المذموم، والفقر باب الآخرة وأصل ~~الزهد والتواضع المحمود، وعند أهل المعرفة: إن الغنى من الصفات التي لا ~~ينبغي أن ينازع فيها ومكروهة لمن ابتلي بمعانيها، وأنه مثل العز والكبر وحب ~~المدح والذكر، فمن أحب شيئا من ذلك وطلبه فقد نازع الله تعالى لبسته، ~~وتركوا ذلك لأجل الله عز وجل لأنه من صفات الربو بية، وسلموه له خوفا منه ~~أو حبا له، وإن الفقر من صفات العبودية مثل الرجاء والخوف والتواضع والذل، ~~فمن طلب ذلك وأحبه فقد تحقق بوصف العبودية، والله سبحانه وتعالى يحب أن ~~يتحقق العبد بأوصافه لأنه عبد ذليل، ويكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك ~~جليل، ومن أحب الغنى دل على حبه البقاء، وكان سهل يقول: حب الغنى شرك في ~~الربوبية؛ أي لأن البقاء من صفات الباقي، ومن فضل الغنى على الفقر دل على ~~حبه للغنى فظهر بذلك محبة الأغنياء لأن حب الوصف دليل حب الموصوف، وحب ~~الشيء أيضا دليل على بغض ضده، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر، وبغض الفقر ~~لحب الغنى، فقد اختار الرغبة على الزهد، والكثرة على القلة، والعز في ~~الدنيا على الذل، وفي هذا إيثار الدنيا على الآخرة، وهدم الآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في ms1057 تفضيل الفقر وتشريف الأغنياء، ~~ويقال: كان الفقر شرف المؤمن وكان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة ~~الأشراف فيكم اليوم ولا خفاء بفساد هذا القول ونقصه عند العلماء بالله ~~تعالى، ثم إن الفقراء على منازل ثلاث؛ فقراء الأغنياء وهم السؤال عند ~~الفاقات، الكافون نفوسهم مع الكفاية، القانعون بالكفاف؛ وهم طهرة الأغنياء، ~~ومزيدهم من الله تعالى، وهم الذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء سهما، ~~لأن منهم السائل والمحروم، ومنهم القانع والمعتر، والطبقة الثانية فقراء ~~الفقراء وهم المتحققون بالفقر، المختارون له، المؤثرون إياه على الغنى، ~~لعظم معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفف والصيانة، لا يبتذلون للسؤال ولا ~~يعرضون في المقال، راضون بالميسور من مولاهم، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم: ~~يحسبهم الجاهل أغنياء لترك المسألة والشكوى، ومنهم المحروم حرم السعي ~~للدنيا، ومنهم المحارف انحرفت عنه الأسباب، ومنهم القانع قنع بما يصل إليه ~~من غير امتهان وتبذل فيه، ومنهم المعتر رضي عن الله عز وجل بما يعتريه، ~~وقيل: إنه ما أعطى أحد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة لثلاث؛ ~~شغل، وهم، وطول حساب، # PageV02P327 # وأما الطبقة الثالثة فهم أغنياء الفقراء وهم الأجواد الأسخياء أهل البذل ~~والعطاء، يأخذون ويخرجون، ولا يستكثرون ولا يدخرون، إن منعوا شكروا المانع ~~لأنه هو المعطي فصار منعه وإن ضيق عليهم حمدوا الواسع لأنه هو المحمود فصار ~~ضيقه رخاء، وإن أعطوا بذلوا وآثروا فهم الزاهدون في الدنيا لأنهم موقنون ~~فكفاهم اليقين غنى. # وقال إبراهيم بن أدهم لشقيق بن إبراهيم حين قدم عليه من خراسان: كيف تركت ~~الفقراء من أصحابك؟ فقال: تركتهم إن أعطوا شكروا، وإن أعطوا آثروا فقبل ~~رأسه وقال: صدقت ياأستاذ وقد كان بشر يقول: الفقراء ثلاثة؛ فقير لايسأل وإن ~~أعطى لم يأخذ؛ فهذا مع الروحانيين في عليين، وفقير لا يسأل وإن أعطى أخذ ~~فهو مع المقربين في حظيرة القدس، وفقير يسأل عند فاقته؛ فهذا مع الصادقين، ~~وصدقه في حاله كفارة مسألته، ودفع إلى إبراهيم بن أدهم ستون ألفا وكان عليه ~~دين وبه حاجات إليها فردها فعوتب في ذلك فقال: ms1058 كرهت أن أمحو اسمي من ديوان ~~الفقراء لستين ألفا، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف وإن درعها ~~لمرقوع فقالت لها الخادمة: لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه فقالت: لو ~~ذكرتني لفعلت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاها فقال: إن أردت ~~اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تنزعي ثوبا حتى ~~ترقعيه فأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للفقراء: ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء فلعل متوهما لم يتدبر أول الكلام فظن أن هذا تفضيل للأغنياء ~~على الفقراء وإنما هو تحقيق لقوله الأول: قولوا كذا وكذا، فإنه لا يسبقكم ~~أحد قبلكم، ولا يدرككم أحد بعدكم، فقالوه، فلما سمع الأغنياء بذلك فقالوا ~~كقولهم هجس في قلوب الفقراء منه شيء، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليتثبتوا في قوله فقال: الأمر كما قلت لكم لا يسبقكم أحد قبلكم إذ قد ~~صح منه هذا القول في الأول وهو معصوم فيه، فلو لم يكن كذلك لنقض آخر قوله ~~أوله، ولا يجوز ذلك، وأيضا فإن حمل على ظاهره كما تأوله، فإنه فضل الله ~~تعالى في الدنيا، لا تفضيل لهم به في الآخرة على مقامات الفقراء، إلا إن ~~الأولى قد قامت بفضلهم، ويصلح بمعناهم فضل أعطاهم الله تعالى بهذا القول ~~الذي قلتموه، زادهم الله به، لا أنه أفضل من مقامكم وحالكم بغيره، إذ قد ~~ثبت فضلكم عليهم بوصف الفقر وحال الصبر بغير هذا الذكر؛ وهذا التسبيح رجحان ~~لكم تماما على فضلكم بغيره، وهذا القول للأغنياء تفضيل من الله عليكم ~~ورحمة، إلا إنهم يفضلون به عليكم، ونحن فلم نقل: ليس الغنى طريقا للأغنياء ~~إلى الله وإنما فضلنا طريق الفقراء لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء، وعن ~~الحسن في قوله عز وجل: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) فاطر: 22، قال: ~~الفقراء والأغنياء، فجعل الفقراء أحياء بمولاهم، وجعل الأغنياء موتى ~~بدنياهم، وقال الثوري رحمه الله: إذا رأيت الفقير يداخل الأغنياء فاعلم أنه ~~مراء، وإذا خالط السلطان فاعلم أنه لص، وقال بعض العارفين: ms1059 إذا مال الفقير ~~إلى بعض الأغنياء نحلت عروته، # PageV02P328 # فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته، فإذا سكن إليهم ضل، فمن فضل الغنى على الفقر ~~بعد الأخبار التي وردت في تفضيل الفقر والفقراء والغنى والأغنياء فأحسن ~~حاله الجهل بالسنن لإيثار الرأي والهوى على ما فيه أثر وسنة، لأن الأثر إذا ~~جاء في شيء لم يكن للرأي فيه مدخل، وكان في مخالفته مع العلم به عناد ~~ومحادة، نعوذ بالله من الجهل والهوى ونسأله التوفيق للعلم والتقوى. ### | ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب # فإن لم يكن للفقير معلوم من الدنيا وكان رزقه قد أجرى على أيدى العباد من ~~غير تعويض منه لهم من صنائع الدنيا معتاد، فقد روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن هذا المال مال الله فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه ~~بإشراف نفس لم يبارك له فيه: فكان كالآكل ولا يشبع، وروينا من أتاه شيء من ~~هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه، ~~وفي لفظ آخر فلا يرده فإن كان محتاجا إليه وإلا فليصرفه إلى من هو إليه ~~أحوج منه، وروينا عن الحسن وعطاء حديثا مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: من أتاه رزقه من غير مسألة فرده فإنما هو يرده على الله، وروينا عن ~~عابد بن شريح عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما لمعطي من سعة ~~بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا، وقال بعض العلماء: لو هرب العبد من ~~رزقه لطلبه حتى يصل إليه كما لو هرب من الموت لأدركه، وقال أبو محمد رحمه ~~الله: لو أن العبد سأل ربه فقال: لا ترزقني لما استجاب له وكان عاصيا، ~~ويقال له: يا جاهل لا بد أن أرزقك كما خلقتك، وقد حدثنا بعض العارفين أنه ~~زهد في الدنيا فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار، وقال: لا أسأل ~~أحد أشياء حتى يأتيني رزقي إن كان لي رزق، قال: فأخذ يسيح ms1060 فأقام في سفح جبل ~~سبعا لم يأته شيء حتى كاد أن يتلف، قال: يارب إن أحييتني فأتني برزقي الذي ~~قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى الله تعالى إليه: وعزتي لا أرزقنك حتى ~~تدخل الأمصار وتقيم بين الناس، فدخل المصر للأمر، وأقام بين ظهراني الناس، ~~فجاءه هذا بطعام، وهذا بأدام، وهذا بشراب، فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، ~~فأوحى الله إليه: أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق ~~عبد بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد القدرة. # وقال بعض المنقطعين إلى الله من العارفين: كنت ذا صنعة جليلة، فأريد مني ~~تركها، فحاك في صدري: من أين المعاش؟ فهتف بي هاتف: لا أراه، تنقطع إلي ~~وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليا من أوليائي، أو أسخر لك منافقا من ~~أعدائي، وفي خبر عن بعض السلف: أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا: اخدمي ~~من خدمني واتعبي من خدمك، وقال بعض المجاورين بمكة: كانت عندي دراهم ~~أعددتها للإنفاق في سبيل الله، # PageV02P329 # فرأيت ذات لية فقيرا يطوف بالكعبة في طلمة الليل، حسن الهدى والسمت، قال: ~~فكنت أتتبع آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر، فلما قضى أسبوعه وقف في ~~الملتزم بين الباب والحجر، فسمعته يدعو دعاء خفيا، فأصغيت إليه، فإذا هو ~~يقول: جائع كما ترى، عريان كما ترى، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى، ~~قال: فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي: لا أجد ~~لتلك الدراهم موضعا خير من هذا، قال: فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة زمزم ~~يصلي ركعتي الطواف، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت: رحمك ~~الله أنت في مثل هذا الموضع، وعلى مثل هذه الحالة، فخذ هذه تنفقها، قال: ~~وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة ~~دراهم فقال: أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتفوت به ثلاثا، ثم قال: لاحاجة لي ~~بسائرها، قال: فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد ms1061 لبسهما، قال: ~~فهجس في نفسي من أمره شيء، فقبض على يدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها في ~~جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين، منها ذهب وفضة وياقوت ~~ولؤلؤ وجوهر، لم يظهر للناس، فقال: هذا كله قد أعطيناه فزهدنا فيه، ونأخذ ~~من أيدي الخلق أحب إلينا لأنه أحب إلى الله، وأخف علينا في المطالبة؛ وهذه ~~أثقال وفتنة، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة، وروينا في خبر: البلاد بلاد الله ~~والخلق عباده، فأينما وجدت رزقا فأقم واحمد الله. # وروينا عن ابن عباس: اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل، أجمعوا ~~على أن لا رازق إلا الله ولا مميت إلا الله، وقال: إن الله عز وجل لما خلق ~~الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها، فمن الناس من وقع ~~رزقه في مائة ألف موضع، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف موضع، ومنهم من ألف ~~موضع، ومنهم من مائة موضع، ومنهم في موضع وأقل وأكثر، ومنهم من وقع رزقه ~~على باب منزله يغدو ويروم إليه، وكل عبد يسعى بأثره الذي كتب له حتى يستوفي ~~رزقه الذي قسم له، فإذا فني أثره واستوفى رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه، ~~واعلم أن العبد لا ينقطع رزقه أبدا منذ أظهرت خلقته كان في بطن أمه، غذاؤه ~~مما تفيض الأرحام من دم الحيض، يعيش بذلك جسمه من ظاهره، ومعاه المستطيل من ~~سرته متصل بمعي أمه، يصل من بطنها مخ الطعام إلى بطنه، فيعيش بذلك؛ فإذا ~~أذن الله عز وجل بخروجه بعث إليه الملك، فقطع ذلك المعي من موضع اتصاله ~~بمعي أمه؛ فإذا دخل إلى الدنيا جعل رزقه من الدنيا؛ فإذا خرج منها فآخر ~~رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة؛ فإذا دخل في الآخرة كان رزقه من البرزخ ~~كما كان في الدنيا بتلك المعاني لمعاينته المختلفة المحتملة؛ لذلك فإذا خرج ~~من البرزخ ودخل في القيامة كان رزقه في الموقف على قدر حاله هناك؛ فإذا خرج ~~من الموقف دخل أحد الدارين ms1062 انتقل رزقه إليها فكان منها # PageV02P330 # إلى أبد الأبد؛ فإذا شهد العبد هذا بيقين إيمانه اطمأن قلبه فاستوى عنده ~~الرزق والأجل فعلم يقينا أن لا بد من رزق كما لابد من أجل، فلم يكن عليه ~~إلا مراعاة الأحكام فيه، وشهد من هذه الشهادة أن خلقا لا يقدر أن يزيد في ~~عمره ساعة ولا ينقص منه ساعة؛ فإذا أيقن بهذا كان مشغولا بالمخالصة لمولاه ~~فيما تعبده به وولاه، ثم أن الرزق على وجهين؛ عن معان لا تحصى وبأسباب لا ~~تعد ولا تضبط، فمن الرزق ما يأتي العبد بسكونه وقعوده فيكون الرزق هو الذي ~~تحرك إليه ويأتيه، ومنه ما يأتي العبد بحركته وقيامه فيكون يتسبب إليه ~~ويطلبه، والرزق فيهما واحد والرازق بهما واحد، الحكمة والقدرة في المتحرك ~~القائم وفي الساكن القاعد واحد، إلا إن الأحكام فيهما متفاوتة، ثم إن ~~الأشياء كلها على ضربين: مسخر لك ومسلط عليك، فما سخر لك سلطت عليه وهو ~~نعمة عليك وعليك الشكر عليه؛ وهذا مقام الشكر على معنى الرزق، وما سلط عليك ~~فقد سخرت له أنت وهو بلاء عليك وعليك الصبر فيه؛ وهذا مقام الصبر عن معنى ~~الابتلاء، فمن شهد ما ذكرناه عرف حاله من مقامه فقام بحكم ما عرف، ومن لم ~~يشهده جهل حاله ولم يدر مقامه فاضطرب فيه فضيع حكم الله عليه والمستحب لمن ~~لا معلوم له أن لا يأخذ مما آتاه إلا قدر الحاجة، وعلامة حاجته هو أن لا ~~يأخذ إلا ما يحتاج أن يشتريه فهو حاجته في وقته؛ فذاك رزق من الله تعالى ~~ومعونة له، فأخذ هذا أفضل وما آتاه مما لا يحتاج أن يشتريه أو عنده مثله ~~فهو اختبار له وابتلاء لينظر كيف زهده في فضول حاجته، وكيف رغبته في ~~الاستكثار، لأنه إذا ملك الشيء فكأنه قد كان له فيعلم الآن بمعرفته أن هذا ~~ابتلاء من الله، وفيه حكمان؛ أحدهما أن يأخذه في العلانية ويخرجه في السر ~~إلى من هو أحوج إليه منه؛ هذا طريق الأقوياء، ومن أشد الأشياء على النفس ~~وهو الذي ms1063 أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عمر وغيره؛ وهذا حال علماء ~~الزاهدين، والحكم الآخر أن لا يأخذه ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج إليه منه ~~لأن الله تعالى له عليه فيه أحكام؛ وهذا هو الطريق الأوسط من طرق الزهاد، ~~فإما أن يأخذه من غير حاجة ليتكثر به ويدخره فلا أعلم في هذا طريقا إلى ~~الله تعالى، وما لم يكن طريقا إلى الله فهو من طرقات الهوى إلى العدو، ثم ~~ينظر الآخذ فيما آتاه من الله إلى أحكامه فيه، فإن كان ما يأتيه من الزكاة ~~المفروضة على أربابها المشترط له الأوصاف الستة المنصوص عليها في الكتاب؛ ~~فذلك أضيق عليه وألزم له في الاحتياط لأخيه أن يضعه في حقيقة موضعه عند ~~أخيه نصحا لله تعالى في دينه ونصحا لإخوانه في ربه فإن الأفضل في ذلك أن لا ~~يضعه إلا في أربعة أشياء: مطعم، وملبس، ومسكن، ودين في قضائه عنه؛ فهذا من ~~أفضل ما صرفت فيه الواجبات. # وقد روينا عن ابن عباس: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه، ~~وفضول # PageV02P331 # الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه، والدين يحتاج إليه، فلا ~~ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من ~~دنياه، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة، والشهوات لا حد لها لأنه لا غاية ~~ينتهي إليها فيها، والقوت له حد وغاية ينتهي إليه فيها، وقد جاء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لا حق لابن آدم إلا في ثلاث؛ طعام يقيم صلبه، وثوب ~~يواري عورته، وبيت يكنه، فما زاد فهو حساب؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن ~~أمه، وفي قبره، وبين ذلك في دنياه، وبعد ذلك في عقباه، فالأخذ لمصالح هذه ~~الثلاث مأجور عليه العبد والرد لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ، وينبغي أن ~~يكون العبد الذي لا معلوم له عارفا بأحكام العطاء؛ فإن العطاء من الله ~~لعبده على أربعة أنواع: نوعان محمودان، ونوعان مكروهان، فالمحمودان ما كان ~~بمعنى الرفق والمعونة، ms1064 والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء، وبين ~~الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أن الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه ~~أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر ~~عمله فيه، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به في السر ~~مسقطا لمنزلته عند الناس في العلانية، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على ~~النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما ~~له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء ~~أو اعتقد التقلل في شيء قربه إلى ربه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح ~~قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحل عليه عقده، فرد هذا أفضل وهو من ~~الزهد والرعاية للعهد، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج؛ فهذا هو زهد الزهد، ~~وله في هذا معاملات؛ منها أن العبد مندوب إلى الإيثار، فإذا كان فقيرا وملك ~~شيئا فأخرجه كان في ميزانه، ومنها موافقة السنة في أنه قد أمر بأخذه أو ~~دفعه إلى من هو أحوج إليه منه، ومنها إن أخذ هذا في العلانية من الناس ورده ~~في السر إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلا على الخاشعين لأن النفس تسقط ~~في منزلتها، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلا الموقنون؛ وهذا مقام ~~الزاهدين في النفس؛ وهو حال أغنياء الفقراء، وعلماء الزهاد، وهم أهل الطبقة ~~العليا الذين قدمنا ذكرهم: والوجهان الآخران من العطاء هو الرفق وصورته أن ~~يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه، فيعلم الله ~~ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ~~ليرتفق بمنافعه، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه، الأفضل للعبد أن ~~يأخذه وربما خيف من رد مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ~~ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من ms1065 مكسب. # PageV02P332 # وقال بعض العلماء: من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط، وهذا من النوع الذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا ~~كان محتاجا، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة ~~في التقوى والبر المأمور بهما، ولا يضر هذا العطاء آخذه، وقد كان سري ~~السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري: يا أحمد إحذر آفة ~~الرد فإنها أشد من آفة الأخذ، فقال له أحمد: أعد علي ما قلت فأعاده، فقال ~~أحمد: ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك، فإذا كان بعد شهر ~~فأنفذه إلى، والرابع من العطاء هو المعونة؛ وهذا يكون مخصوصا لأهله هو أن ~~يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من ~~إطعام الطعام وإيثار الفقراء، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث الله ~~إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده، وينفذ له من المعروف ~~والبر عادته، ويعينه على خلقه ومروءته؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار ~~عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق؛ وهذا كان ~~طريقة كثير من السلف، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت ~~فيهم رغبة وهمم دنيئة، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه ~~واستأثروا به وزعموا أن هذا هو الاختبار، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء ~~من الاختبار لأن هذا عند العارفين، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا ~~أهواءهم في التوسع منه والتكثر به، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم ~~لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى، وقد كان بعض القاعدين من ~~الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به، فإذا رزقه قضاه، فإن مات هذا على هذه ~~النية فلا تبعة عليه فيه في دينه، على مولاه قضاؤه، وأن يرضى عنه غرماءه، ~~وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين، وكان آخرون لا ~~يقترضون حتى ms1066 يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه؛ وهذا أحد الوجوه ~~في قوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) الطلاق: 7، قال: ~~من ضيق عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه، وقد قيل: فليستقرض بجاهه فذلك آتاه ~~الله عز وجل. # وقال بعضهم: لله عباد ينفقون على قدر بضائعهم، وله عباد ينفقون على قدر ~~حسن الظن به، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرق على ثلاث طوائف: الأقوياء ~~والأسخياء والأغنياء فقيل: من هؤلاء؟ قال: أما الأقوياء فهم أهل التوكل على ~~الله، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله، وأما الأغنياء فهم أهل ~~الانقطاع إلى الله، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ~~ويتحرى المعطين لها، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب؛ لأن الله سبحانه ~~وتعالى له في كل شيء حكم، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها، والقاعد عن ~~الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب، لأن ترك # PageV02P333 # العمل عمل يحتاج إلى عمل، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل ~~أحد، ولا في كل وقت، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلا أن ~~يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول ~~منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه؛ لأن ذلك هو الذي يفرح ~~بقولك ويرى نعمة الله تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو ~~الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه. # وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاحتشم أحدهما من صاحبه ~~أو استوحش منه إلا من علة في أحدهما، فلا يستحب للفقير أن يأخذ إلا من ~~صديق، ولا يقبل إلا ممن يحب لأن لأهل المعرفة بالله عز وجل أن يحكموا في ~~الأسباب بما أراهم الله تعالى من الرد أو من القبول، فإن اعتل معتل بما ~~رويناه آنفا من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى، ~~وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله ms1067 سبحانه وتعالى فلا يصلح أن ~~يردوا عليه، قيل له: إن من يشهد العطاء من الله تعالى هو الذي يشهد الرد ~~أيضا منه، فإن يرد إليه له أو رد إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن ~~الرد منه وشكر الفعل له، فهو أيضا إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل الله عز ~~وجل، كان يشهد فعل نفسه بالرد، فعل الله تبارك وتعالى بالمنح؛ فالحالان ~~سواء عند من علم الأحكام، ولم يتبع الهوى، وقام بحكم ما منه يقتضي، فليس في ~~هذا حجة إلا لعالم مستكثر، أو لعابد جاهل غير مستبصر، على أن في القبول من ~~بعض الناس دون بعض، وفي رد بعض الهدية سنة، أهدي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط ورد الكبش، وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض، وقال: لقد هممت مرارا أن لا ~~أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين. # جاءت صرة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال: حدثنا عطاء أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: من أتاه رزق من غير مسألة فرده، فإنما يرده على ~~الله عز وجل، ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها، وقد كان الحسن ~~البصري يروي هذا الحديث أيضا، ثم حدثنا عنه أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ~~ورزمة فيها من دق خراسان، فرد ذلك، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال: من جلس ~~مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله عز وجل يوم القيامة، وليس له ~~عند الله عز وجل خلاق، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه، وكان إبراهيم التيمي ~~يسأل أصحابه الدرهم ونحوه، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ، وقد كان ~~بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئا، وكان بعضهم يقول: # PageV02P334 # أحب أن أعلم من أين يأكل؟ فقال له: من يخبر أمره؟ أنا أدري من أين يأكل، ~~له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين، لأن بعضهم ms1068 كان لا يقبل إلا من ~~نظرائه، لا من الأتباع، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته، ولم يكن ~~يظهر أمره، ولا يلتقي معه؛ هو سري بن المغلس السقطي، لأنا حدثنا عن بشر أنه ~~قال: ما سألت أحد قط شيئا من الدنيا إلا سريا السقطي، لأنه قد صح عندي زهده ~~في الدنيا، فهو يفرح بخروج الشيء من يده، ويتبرم ببقائه عنده، فأكون أعينه ~~على ما يحب. # وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه، وكان إذا ذكر ~~عند أحمد يقول: ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره، وكان بعض ~~العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول: دعه عندك، وأعرض على ~~قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني، فإن قال له: أنت ~~عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه، ~~وكان بعضهم يرد على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال: ماأرد إلا إشفاقا ~~عليهم ونصحا لهم، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط ~~أجورهم، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه ~~أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره، لأنه قيل في معنى قوله عز وجل: (لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264 قال: المن أن يذكره والأذى أن ~~يظهره، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد: ~~بل أفرقه على الفقراء، فقال: أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا، فقال ~~الجنيد: أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا، فقال: إني لم أقل لك أنفقه في الخل ~~والكامخ والبقل، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة فكل ما نفد ~~أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن يرد عليه، فقبله، فقال الرجل: ~~ما ببغداد أحد أعطم منة علي منك، فقال الجنيد: وما ينبغي لأحد أن يقبل منه ~~إلا من كان مثلك؛ فهذه كانت طرائق أهل الحقائق، ولا ينبغي ms1069 للقاعد عن ~~المكاسب إلا أن يكون تاركا ذلك لأجل الله سبحانه، عالما في قعوده بأحكام ~~الله عز وجل، قائما بعلم حاله، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه ~~بالمسبب الوهاب، ويحل تركه للمعلوم يقينا منه بالعالم. # وقد كان بعض العلماء يقول: لا تأكل إلا عند من يعلم أنك أكلت رزقك، ولا ~~تشكر عليه إلا ربك، ودعا بعض الناس شقيقا البلخي وكان في طبقة من أصحابه ~~نحو الخمسين رجلا، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة، فلما قعدوا ~~قال لهم شقيق: إن هذا الرجل يقول: من لم يرني صنعت هذا الطعام وأنا أقدمه ~~إليه فطعامي عليه حرام، قال: فقاموا كلهم خرجوا إلا شابا كان فيهم نقصت ~~مشاهدته عنهم، فقال صاحب # PageV02P335 # المنزل لشقيق: رحمك الله ماأردت إلي هذا؟ فقال: أردت أن أجرب توحيد ~~أصحابي أي كلهم، لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدم إلا ذلك الغلام ~~وحده. # وحدثونا عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يارب جعلت رزقي هكذا على ~~أيدي بني إسرائيل يغديني يوما هذا ويعشيني هذا الليلة، فأوحى الله إليه: ~~هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم، ~~والعالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف، والعالم المتكسب أفضل من ~~القاعد الجاهد، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف، والقوي ~~المتصرف أفضل من الضعيف التارك للتصرف. # وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة، ذكرهم في آيات ثلاث، فقال عز وجل في ~~الآية الأولى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) التوبة: 60 وقال في ~~الثانية: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) الذاريات: 19، وقال في الثالثة: ~~(فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الحج: 36، فمن لامعلوم له من تكسب أو ~~تصرف فهو أدخل شيء في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء، ومن كان ذا معلوم ~~يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم، ~~وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول في الآية: إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~نزلت في أهل الصفة، ومن كان في معناهم إلى ms1070 يوم القيامة، وكانوا أربعمائة ~~وخمسين رجلا لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار، ~~وكانوا نزاع القبائل، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المسجد، ~~وقسم الله عز وجل لهم الأموال، ثم إن الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة ~~عن جمل هؤلاء الستة، ووصفهم بأحسن الصفات، وفضل أجور المتقين بطيب الاكتساب ~~عليهم الطالبين وجه الله عز وجل فقال: (ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم) البقرة: 267 وقال: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) البقرة: 272، ~~وكل هذا متصل متعلق بقوله عز وجل: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض) البقرة: 372، إلى آخر أوصافهم، فوصفهم بالإحصار في ~~سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها، وأنهم لا يلتحفونها التحافا لزهدهم فيها ~~وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا؛ فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة ~~بالصدقات المقسوم عليها الزكوات، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من ~~الاكتساب للطيبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم، والله تبارك وتعالى لا يحب ~~عبدا إلا وصفه، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف، ~~دليل على الحب والمحبة، تدل على الفضل العظيم، كما قال تعالى في آخر وصف ~~المحبين: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) المائدة: 54 وقد قال بعض الصوفية في ~~معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يد المعطي هي العليا ويد المعطى # PageV02P336 # هي السفلى، إن المعطى هو الفقير وإن المعطي هو الغني، ويصلح أن يستدل له ~~بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها، فصار هو المعطى وصار ~~الغني هو المعطي، ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله: إن الصدقة ~~تقع بيد الله سبحانه وتعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ~~فقد صارت يد الفقير هي العليا، والخبر الآخر: يد الله العليا ويد المعطي ~~الوسطى فهذا يصحح أن الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه ~~لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى. # فإن قيل: قد رتب الأيدي ms1071 بقوله تعالى: يد الله هي العليا ويد المعطي هي ~~الوسطى ويد المعطى هي السفلى، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان ~~العطاء يظهر عندنا على الترتيب، قيل له: إن يد الله تبارك وتعالى فوقهما ~~معا وهي لا تدخل تحت الترتيب، فيده سبحانه وتعالى العليا عليهما جميعا، قال ~~تبارك وتعالى: يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أن أيديهم بعضها فوق بعض، ثم ~~أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأول لهما جميعا، فكما لا أول؛ ~~أول منه في العطاء، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء، وإنما الترتيب بين ~~الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا: إن المعطي في الحقيقة ~~إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول؛ وذلك هو العطاء ~~من الآخرة الباقية، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة ~~لأنه عمارة منازله فيها، والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه ~~الفانية، والدنيا موصوفة بلا شيء، فأي شيء يعطي منها؟ فأما يد الله تعالى ~~فإنها فوقهما، والذي أعطاهما جميعا، لأن يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف ~~بتحت ولا بأسفل، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى، وهو لا يدخل ~~تحت القياس والتشبيه، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال: رأيت أبا ~~الحسن النوري يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال: فأعظمت ذلك ~~واستقبحته، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم هذا عليك، فإن النوري لم ~~يسأل الناس إلا ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا ~~يضره، ثم قال: هات الميزان قال: فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على ~~المائة، ثم قال: احملها إليه، قال: قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف ~~مقداره فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا وهو رجل حكيم فاستحييت أن ~~أسأله عن ذلك، قال: فذهبت بالصرة إلى النوري فقال: هات الميزان، قال: فوزن ~~مائة درهم وقال: ردها عليه، وقل آه: أنا لا أقبل منك أنت شيئا، وأخذ مازاد ms1072 ~~على المائة، # PageV02P337 # قال: فقلت هذا أعجب فسألته: لم فعلت هذا؟ فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن ~~يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة، وطرح عليها قبضة ~~بلا وزن لله عز وجل، فأخذت ماكانت لله عز وجل، ورردت ما كان جعله لنفسه، ~~قال: فرددتها إلى الجنيد فبكى، وقا حلب أخذ ماله ورد مالنا والله أعلم. ### | ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أن الإظهار أفضل وتفضيل # ذلك: # قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء، ~~لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصون، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس ~~العامة، وأن فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه، ~~وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البر والتقوى في قوله عز وجل: (إن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) البقرة: 271، وللخير الذي جاء: أفضل الصدقة ~~جهد المقل إلى فقير في سر، ولأن عمل السر يفضل على عمل العلانية بسبعين ~~ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه، ولم يساعده على كتم معروفه فلم ~~يتم له ذلك بنفسه، لأنه سر بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه ~~فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف، وقدروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~استعينوا على أموركم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود، وهذا مذهب القراء من ~~العابدين، وقال أيوب السجستاني: إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث ~~في جيراني حسد، وقال بعض الزاهدين: ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني ~~يقولون من أين، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنه رأى صاحبا له عليه قميص ~~جديد فقال: من أين للك هذا؟ قال: كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا ~~به ما قبلته، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه آخر شيئا ~~في السر فقبله، فقيل له في ذلك فقال: إن هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في ~~معاملته فقبلنا عمله، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة ms1073 فرددنا ~~عمله عليه، ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئا بين الملاء فرده فقيل له: ~~لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك؟ فقال: إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى ~~فيما لله، ولم تقنع بعين الله عز وجل فرددت عليك شركك، وقد كان بعض العلماء ~~لا يقبل في العلانية ويأخذ في السر سئل عن ذلك فقال: إن في إظهار الصدقة ~~إذلالا للعلم وامتهانا لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم ~~وإذلال أهله، وكذلك حدثنا أن رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فرده ~~ثم # PageV02P338 # دفعه إليه في السر فقبله، فقيل له: رددت في الجهر وقبلت في السر؟ فقال: ~~لأنك أطعت الله تعالى في السر فأعنتك على برك بقبوله، وعصيته بالجهر فلم ~~أكن عونا لك على المصية، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أن أحدهم لا ~~يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله ~~تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من ~~أعمال السر، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قوله: من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها، وقال في الحديث ~~الآخر: أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا، فجعل الورق هدية ~~كالهدايا، وهو من أفضلها، كما قال: لأنه قيم الأشياء، فهذا الآخذ للهدية ~~جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلا أن يهبوا ذلك له، فإن لم يفعل لم ~~يعجبني ذلك. # وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أن الإظهار للآخذ ~~أفضل، لأنه أسلم له، وأدخل في الإخلاص والصدق، وأخرج من الثبات والقدر ~~والمنزلة والجاه بالرد والزهد، وقد قال الله سبحانه: (لاتكلف إلا نفسك) ~~النساء: 84، قالوا: فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط ~~جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس، بتولى الله عز وجل من ذلك ~~من به ابتلاه، وقالوا: ولأن في التوحيد أن الظاهر والباطن ms1074 هو المعطي فلا ~~معنى للرد عليه في الظاهر، وقد قال بعضهم: سر العارف وعلانيته واحد، لأن ~~المعبود فيهما واحد، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد، وقال بعض ~~العارفين: كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر فرفع يده به علانية، ثم قال: ~~هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل، ~~وقال بعض المريدين: سألت أستاذي وكان أحد العارفين عن إظهار السبب أو ~~إخفائه فقال: أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذا، فإنك لا تخلو من أحد ~~رجلين، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد، لأنه أسلم لدينك ~~وأقل لآفات نفسك، وينبغي أن تعمل في ذلك، فقد جاءك بلا تكلف، ورجل تزداد ~~وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك ~~وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده، وينبغي أن تعمل في ذلك، وقال بعض ~~العارفين: إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل، وإذا رددت فأخف ~~فإنه عمل لك وإسراره أفضل، وهذا لعمري قول فصل، وهو طريق العارفين، وقال ~~بعض علمائنا: إظهار العطاء من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من ~~الدنيا وكتمها آخرة، وكان هذا لا يكره الإظهار، وهذاكما قال الله تعالى: ~~(وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى: 11 وقد ذم الله تبارك وتعالى من كتم ما أتاه ~~الله من فضله وقرنه بالبخل؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى: (الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) النساء: 37، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة أحب أن ~~ترى عليه، وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين، لأنه مقتضى حالهم ~~وموجب مشاهدتهم # PageV02P339 # لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى المعطي الأول، ~~فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده، وفصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه ~~يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم: إن الخلق مبتلي بعضه ببعض، وفرض كل عبد ~~القيام ms1075 بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله، فعلى المعطي أن يخفي ويسر ~~جهده، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك، فكانت هذه آفة من آفات نفسه وبابا ~~من أبواب دنياه، وعلى المعطي أن يذكر وينشر، فإن أخفى وكتم فقد ترك الإخلاص ~~في عمله ونقص لذلك، وكانت آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه مثله. # وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلانا أعطيته دينارا ~~فأثنى بذلك وشكر، فقال: لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما ~~أثنى ولا شكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مريدا أن يشكره أو يثني ~~عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره: أما ما مدحتني به فألقه عنك، ~~وأما مامدحت به ربك عز وجل فهاته، فإنه يحب المدح لكنه أراد منه القيام ~~بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء حضا وتحريضا على المعروف والعطاء، ~~وأنه خلق من أخلاق الربوبية، أحبه الله عز وجل من نفسه فشكره للمنفقين وهو ~~الرازق، وأحب من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم، وإن شهدوا فيه ~~الأول، وكذلك لما قالت المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا ~~عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال كلاما شكرتم ~~لهم وأثنيتم به عليهم، ولذلك أمر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ~~فقال: من أسدي إليه معروف فيلكافئ به، فإن لم يستطع فليثن به، وفي لفظ آخر: ~~من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا وادعوا له ~~حتى يعلم أن قد كافأتموه، والخبر العام بمعنى ذلك: من لم يشكر الناس لم ~~يشكر الله، # PageV02P340 # وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين، وهو: من لم يذكر ~~الناس لم يذكر الله عز وجل أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به، والنوع ~~الثاني من التفضيل أن على المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن ~~علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه ms1076 وقوة آفات نفسه، فترك ~~الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ~~ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه، وقد قوى آفات نفسه، وهذا إذا فعله به من ~~المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما ~~من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب. ### | نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير: # إن من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء وإخفاؤه لصحة يقينه بذلك وإخلاص ~~نيته فيه ونفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول، فهذا إن قبلت منه ~~علانيته صلح وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره إلى ~~مولاه فيما وفقه به وتولاه، فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه، ولمثل هذا جاء ~~الخبر المشهور: إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه،، وقال بعض العارفين: ~~يمدح الرجل علي قدر عقله، وقال الثوري: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس له. ### | النوع الرابع من التفضيل # من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك واعتورته الآفات من التزين ~~والتصنع، فمثل هذا لايصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على ~~معصيته، وهذا أيضا لا يصلح أن يثني عليه، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به، كان ~~ذلك مفسدة له واغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه، فمن مدح ~~هذا فقد قبله ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه، ومدح رجل رجلا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضربت عنقه، لو سمعها ما أفلح وقد كان هو ~~صلى الله عليه وسلم يثني على قوم في وجوههم ومن حيث يسمعون لثقته بيقينهم ~~وعلمه أن ذلك مزيدا لهم، وقال لرجل أقبل إليه: هذا سيد أهل الوبر، وقال ~~لآخر من حيث يسمع: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وتكلم رجل بكلام فصل فأعجبه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البيان سحرا، وقد كان يخفي الثناء ~~على آخرين إذا علم أن ذلك خير لهم، ms1077 وقال الثوري ليوسف بن أسباط: إذا أوليتك ~~معروفا فكنت أنا أسر به منك ورأيت ذلك نعمة من الله تعالى علي وكنت أشد ~~حياء منك فاشكر، وإلا فلا، فجملة ذلك أن المعطي حاله الإخفاء وأن الآخذ ~~حلاه الإظهار، فمن خالف ذلك فارق حاله، وإن فرض المعطي أن يكره المدح ولا ~~يحب الثناء والذكر، فمن علمت منه ذلك فعليك أن تثني وتشكر وتنشر، ومن علمت ~~منه بحب الإظهار ويقتضي منك الاشتهار # PageV02P341 # فحالك أن تعاونه على ظلمه لنفسه، فترك الثناء لمثل هذا أفضل له وأسلم لك ~~فهذا تفصيل ما أجمله الصادقون ثم اختلفوا في الأخذ من الواجب أفضل أم ~~التطوع؟ فرأى بعضهم أن يأخذ من الواجب ولا يقبل من التطوع، أي لأن الواجب ~~يؤخذ بإذن الله تعالى عن قسمه، وإن الله تعالى أوجب عليه أن يأخذه من حيث ~~أوجب الزكاة، لأن الفقراء والمساكين لو تواطؤوا على أن لايقبلوا الزكوات ~~أثموا أجمعون ولعصوا كلهم بذلك لإسقاطهم فرض الله عز وجل من الأموال ~~بالزكوات، قالوا: ولأن هذا أدخل له في جملة الضعفاء والمساكين وأقرب إلى ~~التواضع والذلة، قالوا: ولا منة لأحد علينا فيه ولا حق يلزمنا عليه إذ كنا ~~نستحق ذلك منه، قالوا: ولأنه أسلم لديننا لئلايدخل علينا الأكل بالدين لأنا ~~إنما نستوجبه بالحاجة وحرمة الإسلام فقط، ونخاف أن يكون أخذنا التطوع أكلا ~~بديننا أو أنا أعطينا لصلاحنا واعتقاد فضلنا فلا نحب أن نخص بشيء دون ~~الفقراء، وهذا مذهب القراء من العابدين، ومن ينظر إلى صلاحه ونفسه في الدين ~~هو مقتضى حالهم وموجب شهادتهم، واختارت طائفة أن يأخذوا من النوافل دون ~~الفرائض أجروه مجرى الهدية وقالوا: قد أمر بقبولها وندب إلى التهادي للتآلف ~~والتحبب، قالوا: ولانزاحم المساكين في حقوقهم ولعلنا لانكمل أوصافهم، ونخاف ~~أن لايوجد فينا ما شرط الله عز وجل لواجبه، ولانضعه في حقيقة موضعه، أو لا ~~نحتاط لمن يسقط عنه الواجب به، فالتطوع أوسع علينا، ومع هذا فإنهم يشهدون ~~النعمة من الله تعالى وأن الدين إنما هو لله عز وجل، كا قال: (ألا ms1078 لله ~~الدين الخالص) الزمن: 3، وأنهم مستعملون بأنفسهم من حيث كانوا منعما عليهم ~~لا منعمين على أنفسهم، وهذه طريقة بعض أهل المعرفة، وممن ذهب إلى هذا ~~إبراهيم الخواص وأبو القاسم الجنيد ومن وافقهما، والأمر في ذلك عندي أن من ~~لم يأخذ من كلا إنسان ولا في كل أوان، ولم يقبل إلا عند الحاجة، وما لابد ~~له منه، ثم قام بحكم الله تعالى في الواجب وحكمه في التطوع أن الحالين ~~يتقاربان، لأن الواجب أمر الله تبارك وتعالى فيه حكم، والتطوع ندب، وله عز ~~وجل فيه حكم، فعلى العبد أن ينظر لدينه ويحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت ~~من الحكم من أيهما كان فسواء ذلك، ولا ينظر بظلمة في هوى الحظ ففي ذلك ~~سلامته. # PageV02P342 ### | الفصل الثاني والأربعون # كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار # فإن سنح لهذا المريد سفر ففي الحديث: البلاد بلاد الله عز وجل والخلق ~~عباده، فحيث ما وجدت رزقا فأقم واحمد الله عز وجل، والخبر المشهور: سافروا ~~تغنموا، فغنيمة أبناء الآخرة ريح تجارة الآخرة، وقد قال الله تعالى وهو ~~أصدق القائلين: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) النساء: 97، وقال ~~عز وجل: (قل سيروا في الأرض فانظروا) العنكبوت: 20 وقال تعالى: (وفي الأرض ~~آيات للموقنين) الذاريات: 20 وقال جل وعلا: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ~~الذاريات: 21، فمن جعلت آياته في نفسه تبصر ففطن، ومن جعلت له الآيات في ~~الآفاق سرب وسري، وكذلك قال الله عز وجل: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ~~وبالليل أفلا تعقلون) الصافات: 137 - 138 ومثله: (وكأين من آية في السموات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف: 105 فمن سار فكانت له بصيرة ~~اعتبر وعقل، ومن مر على الآيات فنظر إليها منها تذكر وأقبل، ومن أمر الله ~~عز وجل بالمشي في مناكب بساطه والأكل من رزقه بعد إظهار نعمته بتذليل مهاده ~~فقال سبحانه وتعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا ~~من رزقه) الملك: 15، قيل: في أسواقها، وقيل: قراها، وقيل: جبالها، وهو أحب ~~إلى أحداب الأرض قراها ms1079 ومناكبها جبالها لأنها أعاليها، وكان بشر الحافي ~~يقول: يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغير، ~~وقيل: إنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق النفس، وأيضا يسفر عن آيات الله ~~سبحانه وقدره وحكمه في أرضه، فإذا عزم على السفر فليصل ركعتي الاستخارة ~~وليعقد التوكل على الله عز وجل، فكفى ناظرا وساكنا إليه تبارك وتعالى واثقا ~~به ومعتمدا عليه مستورا حاله راضيا عنه عز وجل في تقلبه ومثواه، ولينو في ~~سفره الاعتبار بالآثار والنظر إلى الآيات بالاستبصار والابتغاء من فضل الله ~~سبحانه فيما ندبه إليه من الأسباب، ويقال: إن الله تبارك وتعالى وكل ~~بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطي كل واحد على نحو نيته، فمن ~~كانت نيته طلب الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر ~~بالحرص والرغبة شغله، ومن كانت # PageV02P343 # نيته طلب الآخرة وأهلها أعطي من البصيرة والفطنة، وفتح له من التذكرة ~~والعبرة بقدر نيته، وجمع له همه وملك من الدنيا بالقناعة والزهد شغله، ودعت ~~له الملائكة واستغفرت له، فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه ~~واستكشاف حاله وامتحان أوصافه، لأن النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في ~~الحضر، وربما استكانت وأجابت في السفر، فإذا وقعت علها أثقال الأسفار ~~ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها وانكشفت ~~دواعيها، فيكون المسافر في علوم وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها، ~~ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه الله عز وجل لمحبيه متى شاء، كما قال جل ~~وعلا: (يخرج الخبء في السموات والأرض) النمل: 25، فإن خرج سائحا في طلب ~~العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله عز وجل السائحون قيل: في طلب العلم، وقيل: ~~هم طلبة العلم، وقد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد، ~~وقال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى، ما ~~رأيت أن سفره كان ضائعا، ورحل جابر بن عبد الله من المدينة وغيره من ~~الصحابة إلى مصر فساروا ms1080 شهرا في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري ~~يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه، ومن سافر في طلب العلم ~~من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أن يحصى، وفي الخبر: من خرج من بيته ~~في طلب العلم، فهو في سبيل الله عز وجل حتى يرجع. # وفي خبر آخر: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله عز وجل له طريقا إلى ~~الجنة، ويقال: إن النفقة في العلم كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة، ~~وإن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر: كانوا يحجون للقاء، والحج من ~~أفضل الأسفار فجعلوه سببا للقاء الأخيار، فإن نوى القرب من الأمصار طمعا في ~~سلامة دينه وبعدا من تعلق النفس بما في الحضر من حظ دنياه فحسن، وربما خرج ~~طلبا للخمول والذلة، خشية الفتنة بالشهرة، ورجاء صلاح قلبه، واستقامة حاله ~~في البعد من الناس، ورياضة بالتفرق والتوحد إلى أن يقوي يقينه ويطمئن قلبه، ~~فيستوي عنده الحضر والسفر، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام ~~بهم، وقد قال الثوري: هذا زمان سوء لايؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين، ~~وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره، وقال ~~أبو نعيم: رأيت الثوي وقد علق قلته بيده، ووضع جرابه على ظهره، فقلت له: ~~إلى أين يا # PageV02P344 # أبا عبد الله؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها، ~~فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ قال: نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم ~~بها، فإنه أسلم لدينك، وأقل لهمك، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية: إذا ~~خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار، ومن أفضل الأسفار ما ~~خرج له في سبيل الله عز وجل من الجهاد والحج والرباط وزيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم زيارة أصحابه، محتسبا بذلك ما عند الله عز وجل، والسفر ~~في زيارة الأخ في الله عز وجل مستحب مندوب إليه، روينا في ms1081 خبر عن بعض أهل ~~البيت عليهم السلام وقيل: مكتوب في التوراة سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع ~~جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله تعالى، وفي ~~الخبر: أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله عز وجل على مدرجته ~~ملكا، فقال: أين تريد؟ فقال: أخا لي في هذه القرية أزوره، قال: أبينك وبينه ~~رحم تصلها؟ قال: لا، قال: فله عليك نعمة تردها، قال: لا إلا أني أحببته في ~~الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك ~~بزيارة أخيك، وإن سافر إلى بعض الثغور ناويا رباط أربعين يوما أو ثلاثة ~~أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثا فقد أسابها ثلاثمائة من ~~العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه. # روي عن علي عليه السلام أنه سأل رجلا بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثا ~~ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها ~~تسجد لعبادان، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشد ~~الرحال فهو أفضل، أولاها المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ومسجد بيت المقدس، فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته ~~غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد ~~الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخرج ابن عمر من المدينة قاصدا إلى ~~بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوا ت الخمس، ثم كر راجعا من الغد إلى المدينة، ~~وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى: إن من قصد هذا المسجد لا يهمه إلا ~~الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه، وأن تخرجه ~~من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك، وأما فضائل المسجدين في ~~الحرمين حرم الله عز وجل وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن ~~نذكرها، وإن سافر طلبا للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان، وقد ~~فعله صالحو السلف ms1082 في كل زمان، وليكن العبد في سفره مراعيا لهمه، حافطا ~~لقلبه من التشتت والطمع # PageV02P345 # في الخلق، والتعرض للمسألة، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام ~~الودود، وكان طريقه إليه صدق التوكل، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة ~~الأياس من الناس، وعليه حينئذ الصبر على بلائه، والرضا بتصريفه في قضائه، ~~ولاشكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء، لأنه في يد الوكيل ~~يقلبه كيف يشاء، والتوكل عند المتوكلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم ~~للحاكم، ومنه قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) العنكبوت: 59 ~~وقوله: (إن الحكم إلا لله عليه توكلت) يوسف: 67. # وقال رجل لبشر بن الحارث: إني أريد سفرا ولكني منعني أنه ليس عندي شيء، ~~فقال: لا يمنعك العدم من سفرك واخرج لقصدك، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ~~ما لك، وكان إبراهيم الخواص يقول: كف فارغ وقلب طيب ومر حيث شئت، ومن طرقته ~~فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر، لأنه ~~حينئذ يسأل لربه لا لنفسه، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله ~~الذي هو مكان تكليفه، وفي الأثر: من جاع فلم يسأل فمات دخل النار، لأن ترك ~~السؤال عند خوف رهق الموت، ومع عدم الصبر سبب التلف، إن كان الجوع أحد ~~الحنوف القاتلة، وقد تأول بعض متأخري الصوفية قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أحل ما أكل العبد من كسب يده قال: المسألة عند الفاقة وأنا بريء من ~~عهدة هذا التأويل، وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان هو ~~يستحسنه، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمد يده عند الفاقة ويقول: ثم شيء ~~لله. # وحدثونا عن أبي جعفر الحداد، وكان شيخا للجنيد، له علم في التوكل وحال من ~~الزهد، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين، فيكون ذلك ~~معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين، ولم يعب هذا عليه أحد من الخصوص، ~~وقد ms1083 رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول ~~النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك ~~وقال: دفع إليك شيء أخرجته كله، فلو تركت منه لعشائك شيئا؟ فقال: ما ظننت ~~أني أعيش إلى المساء، ولو علمت ذلك فعلت، وكان هذا زاهد قصير الأمل إلا أن ~~السؤال للمتوكل عند الخواص يخرجه من التوكل، وقد كان سهل يقول: المتوكل لا ~~يسأل ولا يرد ولا يحتكر، وليس يخرجه عندي من التوكل المسألة عند الفاقة، بل ~~عدم الصبر والقوة، ففقد ذينك وجود الإذن من الله له في السؤال إذا كان ~~ناظرا إلى تصريف والوكيل في كل حال، ولأن الولي الحميد يقلب وليه في جميع ~~الأحوال، ألم تر إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب وأهل الباطن والقلوب، ~~استطعما أهلها، لأن المسلم يستحق على إخوانه سد جوعته لحرمة الإسلام، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ليلة الضيف واجبة، وقال عليه الصلاة والسلام: ~~الضيافة حق، وفي الخبر: ولك أن تأخذ # PageV02P346 # من ماله مقدار ليلة، وفي الحديث: أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من ~~المسليمين جائعا فقد برئت منهم الذمة، وكان الثوري يسأل في البوادي من ~~الحجاز إلى صنعاء اليمن، فقال: كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة، ~~قال: فيخرجون إلي طعاما فآكل شبعي وأترك ما بقي، والمسافر هو ابن السبيل ~~الذي أوجب الله حقه في الأموال، لأن السبيل هو الطريق، وراكبها ابنها، لأنه ~~صاحب طريق وسالكه، وليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام ~~شيء، لأنه مقيم على ما أبيح له. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الضيافة ثلاثة، فما زاد فهو صدقة، ~~فلا يقيمن فوق ثلاث، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~ولايقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه، وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة، ~~أي مروه لامندوب إليه، ولا مأمور به، فإن اختار الصدقة ولم ينزه نفسه عنها ~~فهو أعلم، أي وما ms1084 كان في الثلاث فهو حق له وواجب على مضيفه، فإن سألوه ~~الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك، وقد تأول بعض ~~الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم: فما زاد فوق ثلاث فهوصدقة، إنه صدقة ~~على أصحاب المنزل من الضيف، تصدق عليهم لإقامته، لأنه مثوبة لهم، ولا ~~يعجبني هذا التأويل، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل أداء، ~~وليحفظ قلبه أن يتشتت، فإن السفر قد يشتت هم المريد، ويجمع هم العارفين، ~~ويشغل قلوب الضعفاء، ويروح قلوب الأقوياء، وهو محنة وكشف لأخلاق العبد، ~~وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكى عنده رجلا لما سأله عنه ~~ليقبل شهادته فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ ~~فقال: لا، قال: ما أراك تعرفه، وعن بعض السلف: إذا أثنى على الرجل معاملوه ~~في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه إذ ذاك، لأن السفر يسيء ~~الأخلاق، ويكثر الضحر، ويخرج مكامن النفس من الشح والشره، وكل من صلحت ~~صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر، وليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب ~~في السفر، وقال بعض السلف: ثلاثة لا يلامون على الضجر، الصائم، والمريض ~~والمسافر، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة، الركوة، والحبل، والإبرة ~~بخيوطها والمقراض، وكان الخواص من المتوكلين، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه، ~~وكان يقول: ليست من الدنيا، وبعض الصوفية كان يقول: إذا لم يكن مع الفقير ~~ركوة وحبل دل ذلك على نقصان دينه، وكان جماعة من أرباب القلوب وأهل ~~المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في ~~الغربة لرفع العادة وإيثارا للقلة والذلة، وقالوا: لا يخلو المؤمن من قلة ~~أو علة أو ذلة، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى الخلق خرجوا في # PageV02P347 # الأسفار لقطع ذلك وحسمه من الأذكار، وقد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر ~~من أربعين يوما ويرى إن ذلك علة في توكله فيعمل في اختبار نفسه وكشف حاله. # وحدثنا عن ms1085 بعض الشيوخ قال: لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا،، ~~وتطلعت نفسي أن تعرج على حشيش البرية، فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه، ~~فلما وليت عنه هاربا التفت إليه، فإذا هو قد رجع عني، فانظروا إلى ولي الله ~~عز وجل كيف لم يفسد على توكلي، فقيل له: لم هربت منه؟ قال: تشوفت نفسي أن ~~يقيتني، وعلى المسافر من أهل القلوب أن يفرق بين سكون القلب إلى الوطن ~~والسفر، وبين سكون النفس إليهما، فإن ذلك قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له، ~~ولا تفتيش لحاله، ولا صدق في أحواله، أن سكون النفس هو سكون القلب فينقص ~~بذلك ولا يفطن لنقصانه، فإن كان قلبه يسكن إلى أحدهما وفيه صلاح دينه ~~وعمارة آخرته ومحبة ربه، فهذا سكون القلب لأنه يسكن إلى أخلاق الإيمان ~~وماورد العلم به وإن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما فيه عاجل حظوظ وعمارة ~~دنياه وموافقة هواه، فهذا سكون نفس، لأنها تسكن إلى معاني الهوى، فليتحول ~~من الوطن إلى الغربة، وليرجع من الغربة إلى المصر، ومن كان في سفر على غير ~~هذا النعت من التفقد لحاله وحسن القيام بأحكامه فهو على هوى وفتنة، وسفره ~~بلاء عليه ومحنة، وفصل الخطاب أن من لم يكن له في سفره حال يشغله، وهم ~~يجمعه، ووقت يحبسه، ومأوى يظله، ومسكن يؤنسه، وزاد من باطنه، وعلم من ~~عالمه، فإن الحضر أرفق لحاله، وأصلح لقلبه، وأسكن لنفسه من السفر، لأنه ~~يكون في السفر مشتت السر، مفرق الهم، تارة بوجود معلوم يخاف عليه، ومرة ~~بفقد معتاد يحن إليه، مرة باستشراف إلى خلق يطمع فيه، فمرة يضعف قلبه مع ~~العدم، وتارة يقوى بالاستطلاع إلى البشر، ومرة يفزع بفقد ما عنده قد حضر، ~~فمثل هذا يكون في السفر نقصان ما ادعى، والسفر يجمع هم الأقوياء، ويشتت ~~قلوب الضعفاء، ويذهب أحوال أهل الابتداء، ثم إن لم يصلح قلبه ولم يستقم ~~حاله في الحضر فإنه لايصلح حاله ولا يستقيم قلبه في السفر، وأنشدوا لبعض ~~السائحين في التغرب: # ألفت التفرد والغربه ms1086 ... ففي كل يوم أطي تربه # فيوم مقيم على نعمه ... ويوم مطل على نكبه # ومما يطلب نفس الغري ... ب حبيب تطيب به الصحبه # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده فقال: الثلاثة ~~نفر، وقال: إذا كنتم في سفر ثلاثة فأمروا أحدكم، قال: فكانوا يفعلون ذلك، ~~ويقولون ذاك أمير أمر رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وكذلك يستحب. # وقد جاء في الخبر: خير الأصحاب أربعة، والأسفار، والنزه لا تطيب إلا في # PageV02P348 # جماعة، وأقل الجماعة اثنان، والثلاثة والأربعة أفضل، والسياحة لا تحسن ~~إلا على الانفراد والوحدة، فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد، وهم واحد، ~~على حال واحد، فهم كعبد واحد، فهو حسن وفيه معاونة على البر والتقوى، قال ~~الله عز وجل فيمن منعه النصرة وحرمه منه الصحبة: (لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون) الأنبياء: 43، فمن نصره الله على نفسه فقد صحبه، ومن لم ~~يصحبه سلط عليه نفسه وسخره لها، وجمله الأمر أن السفر عمل من الأعمال يحتاج ~~إلى نية وإخلاص، فمنه فرض وهو ما هرب به من معصية، ومنه فضل وهو ما طلب به ~~طاعة، ومنه مباح وهو ما ضرب به في تجارة، ومنه معصية وهو ما سعى به في ~~فساد. # PageV02P349 ### | الفصل الثالث والأربعون # فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمام والمأموم # فإن كان هذا المريد إماما لحيه كان عليه أن يقوم بحكم الإمامة حتى يتمها، ~~فيستحق الإمام بأن يكون له مثل أجر من صلى خلفه بأن يكون داعيا إلى الله عز ~~وجل، قائما بين الله تعالى وبين عباده هو وجهتهم وطريقتهم إليه، وفي الخبر: ~~إنما الإمام أمير، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا، وفي الحديث فإن تم ~~فله ولهم، وإن نقص فعليه ولا عليهم، وفي الخبر: أئمتكم وفدكم إلى الله عز ~~وجل، فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم، وفي الخبر المشهور: الإمام ~~ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين، وفي الحديث: ثلاثة ~~لا تقبل لهم صلاة، وفي لفظ آخر: لا تجاورصلاتهم رؤوسهم: ms1087 العبد الآبق، ~~وامرأة زوجها عليهاساخط، وإمام قوم وهم له كارهون، فأول ما عليه من الشروط ~~أن يكون مجتنبا للفسوق والكبائر وغير مصر على الصغائر، قارئا لكتاب الله عز ~~وجل، أو لما يحسن منه بغير لحن ولا إحالة معنى، عالما بفرائض الصلاة ~~وسننها، وما يفسدها وما يوجب السهو وما لا يوجبه منها، وإن حدثت عليه حادثة ~~في الصلاة، أو ذكر أنه على غير وضوء ورع واتقى الله عز وجل، وخرج من صلاته ~~وأخذ بيد أقرب الناس منه، فاستخلفه في مقامه، وقد أصاب ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إمام الأمة في الصلاة فخرج منها، وذلك أنه ذكر أنه كان جنبا ~~فاغتسل، ثم رجع فدخل في الصلاة، فإن كانت الحادثة في الصلاة فعل ذلك، وإن ~~كان ذكر أنه دخل في الصلاة على غير طهارة خرج ولم يستخلف وابتدأ القوم ~~صلاتهم، فليكن الإمام مأمونا على طهارته بإكمالها، مأمونا في صلاته ~~بإقامتها، مخلصا بالإمامة، يريد بها وجه الله تعالى وما عنده، ولايحل له أن ~~يأخذ على الصلاة أجرا ولا على الأذان الذي هوطريق إليها، أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص الثقفي فقال: واتخذ مؤذنا لا يأخذ على ~~الأذان أجرا، فهذا الداعي إلى الصلاة لا يحل له أن يأخذ على دعائه أجرا ~~فكيف المصلي القائم بين الله وبين عباده؟ وقد كان بعض السلف يقول: ليس بعد ~~الأنبياء أفضل من العلماء، ولا بعد العلماء # PageV02P350 # أفضل من أئمة المصلين، لأن هؤلاء قاموا بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه، ~~هذا بالنبوة، وهذا بالعلم، وهذا بعماد الدين، وهي الصلاة، وبهذه الحجة احتج ~~على علي رضي الله عنه في تقدمة أبي بكر رضي الله تعالى عنه للخلافة لما ~~أهله رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا قال: فنظرنا فإذا الصلاة عماد ~~الدين، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، وقال ~~ورجل: يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: كن مؤذنا، قال: لا ~~أستطيع، قال: كن إماما، قال: لا أستطيع، ms1088 قال: فصل بإزاء الإمام، وقد كان ~~بعض الورعين يتورع عن الإمامة لما فيها ولما على الإمام من ثقلها وتحملها، ~~وكانوا يختارون الأذان على الإمامة ويفضلونه عليها، منهم كثير من الصحابة، ~~وعليه أن يراعي أوقات الصلوات ليصلي في أوائلها، فيدرك رضوان الله عز وجل، ~~وبين فضل الصلاة في أول وقتها على الصلاة في آخر وقتها كفضل الآخرة على ~~الدنيا، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث آخر: أن العبد ~~ليصلي الصلاة في آخر وقتها ولم يفته ولما فاته من أول وقتها خير له من ~~الدنيا وما فيها، وليتم الركوع والسجود والاعتدال والقعود بنيهما، فيكون ~~ذلك قريبا من السواء، معتدلا كله، حتى يدرك من وراءه من الضعفاء والمرضى، ~~فتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يكون له ثلاث ~~سكتات. # كذلك روى سمرة بن جندب وعمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أولهن: إذا كبر وهي الطولى منها مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب لئلا ~~يقرؤوا في قراءته، فيكون عليه ما نقص من صلاتهم، فإن لم يقرؤوا فاتحة ~~الكتاب في سكوته واشتغلوا بغيرها، فذلك حينئذ عليهم، وقد فعل هو ما عليه، ~~والسكتة الثانية إذا فرغ هو من قراءة الحمد ليتمم من بقى علي شيء من فاتحة ~~الكتاب في هذه السكتة وهي على النصف من السكتة الأولى، والسكتة الثالثة إذا ~~فرغ من قراءة السورة قبل أن يركع وهي أخفهن على النصف من السكتة الثانية ~~لئلا يكون مواصلا في صلاته بأن يصل التكبيرة بالقراءة ويصل القراءة بالركوع ~~فقد نهى عن ذلك، وعلى المأموم أيضا أن لا يصل تكبيره الإحرام ولا تسليمه ~~بتسليم الإمام، وعليهما أن لا يصلا التسليمتين ليفصلا بينهما، فقد نهى عن ~~المواصلة في الصلاة وهي في هذه الخمس، وعلى المأموم أن يكبر ويركع ويسجد ~~ويرفع ويضع بعد الإمام ولا يخرون سجدا حتى تقع جبهة الإمام على الأرض وهم ~~قيام ثم يخرون بعده، كذلك كانت صلاة الصحابة خلف رسول الله صلى الله ms1089 عليه ~~وسلم، ولا يكبر حتى يعتدل الصف وراءه، وليلتفت يمينا وشمالا، فإن كان أعوج ~~أشار بيده، وإن رأى خللا أمر بسده فإن تسوية الصف من تمام الصلاة، وكانوا ~~يحذون بين المناكب ويتضامون في الكعاب، وقد قيل: إن الناس يخرجون من الصلاة ~~على ثلاثة أقسام، طائفة بخمس وعشرين # PageV02P351 # صلاة وهم الذي يتمون صلاتهم بعد ركوع الإمام وسجوده، وطائفة بصلاة واحدة ~~وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون معه مواصلة له ومبادرة، وطائفة تخرج بغير ~~صلاة وهم الذين يرفعون ويضعون قبله فيسابقون إمامهم، وليقرأ في صلاة الغداة ~~بسورتين من المثاني وهي مادون المائة، فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس ~~سنة، ولا يضره خروجه منها مسفرا إذا كان قد دخل فيها مغلسا، ولا أكره أن ~~يقرأ في الركعة الثانية منها بأواخر السور من نحو الثلاثين أو العشرين إلى ~~أن يختمها لأن في ذلك مزيد تذكرة وفضل تبصرة، لأنه يبعد طروقه على الأسماع ~~لكثرة الاعتياد لتلاوة السور القصار فهي أدنى إلى الانقطاع والتفكر، وإنما ~~كره أن يقرأ من أولها كذلك، ثم يقطع أو يقرأ من وسطها، ثم يركع قبل أن ~~يختمها هذا الذي كرهه بعض العلماء. # وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سوررة يونس فلما انتهى ~~إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع، وروينا حديثا أشهر منه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر مائة مرة من سورة البقرة قوله تعالى: (قولوا ~~آمنا بالله) البقرة: 136 الآية، وفي الثانية: (ربنا آمنا بما أنزلت) آل ~~عمران: 53، وفي رواية أنه قرأ فيهما: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) آل ~~عمران: 18، وأنه سمع بلالا يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال: أخلط ~~الطيب بالطيب، فقال: أحسنت أو أصبت، والخبر المشهور عن أبي بكر الصديق قال ~~الصنابحي: صليت خلفه المغرب فأصغيت إليه في الركعة الثالثة، فإذا هو يقرأ ~~هذه الآية: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) آل عمران: 8 الآية، فكذلك ~~يستحب أن يقرأ بهذه الآية خاصة في الثالثة من صلاة ms1090 المغرب، وروينا عن ابن ~~مسعود أنه أم الناس في صلاة العشاء الآخرة فقرأ في الركعة الثانية بالعشر ~~الأواخر من سورة آل عمران، وأنه قرأ أيضا في هذه الصلاة بآخر سورة الفرقان ~~من قوله تبارك وتعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا) الفرقان: 61 وقد ~~قال الفقهاء في المستحب من القراءة بعد سورة الحمد من الزيادة عليها أن ~~يقرأ ثلاث آيات من سورة، وبعضهم يقول: آيتين من سورة، فإن اكتفى بسور الحمد ~~أجزأه. # وقد روينا عن جابر بن زيد فقيه أهل البصرة وكان ابن عباس يستخلفه في ~~الفتيا ويأمر أن يستفتي أنه افتتح الصلاة ثم قرأ الحمد ثم قال: (مدهامتان) ~~الرحمن: 64 وركع، وهذه أقصر آىة في كتاب الله عز وجل وبعدها، ثم نظر وقد ~~رأيت بعض الأئمة في جامع عظيم من جوامع المسلمين قرأ في الركعة الثانية من ~~صلاة العشاء الاخرة بآخر سورة يونس وخلفه العلماء والأشهاد، فما أنكر عليه ~~أحد، وليقرأ في صلاة الظهر بطوال المفصل إلى الثلاثين آية، في صلاة العصر ~~بوسط المفصل على نصف صلاة الظهر، في المغرب بأواخر المفصل وآخر صلاة صلاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب قرأ فيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV02P352 # سورة والمرسلات ما صلى بعدها حتى قبض صلى الله عليه وسلم، وقال أنس: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخف الناس صلاة في تمام ثم قال أيضا: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف في الصلاة وإن كان ليؤمنا ~~بسورة والصافات. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخص إذا صلى أحدكم ~~بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ~~ما شاء، وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقومه صلاة عشاء الآخرة فافتتح بسورة ~~البقرة، فخرج رجل من الصلاة وأتم لنفسه، ثم انصرف فقالوا: نافق الرجل، ثم ~~تشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشكى الرجل وزر معاذ وقال: أفتان ~~أنت؟ اقرأ بسورة سبح والسماء والطارق والشمس ms1091 وضحاها، وليسبح في ركوعه ~~وسجوده سبعا أو خمسا ليدرك من وراءه ثلاثا ثلاثا لأنهم يركعون ويسجدون ~~بعده. # وروينا أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيزكان أميرا بالمدينة ~~قال: ما صلت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل صلاة هذا الشاب قال: ~~وكنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا، وقد روينا مجهلا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: كنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا، ~~فإن قرأ في الأخيرتين من الظهر والعصر وعشاء الاخرة بعد الحمد بسورة قصيرة ~~أو آيتين من سورة فحسن ليدرك من وراءه قراءة الحمد على مهل، وقد اختلف مذهب ~~السلف في الإمام يكون راكعا فيسمع خفق النعال هل ينتظر في ركوعه ويتوقف حتى ~~يدخلوا في الركعة أو لا يباليهم؟ فقال بعضهم: ينتظر حتى يلحقوا معه وممن ~~اختاره الشعبي، وقال آخرون: لا ينتظرهم فإن حرمة من معه في الصلاة أعظم من ~~حرمة من تأخر عنها، وقال بهذا إبراهيم النخعي، وكذلك قال فقهاء الحجاز: لا ~~ينتظرهم فإنه زيادة في الصلاة، ومن الإخلاص بها ترك التوقف بها لأجلهم، ~~وقال بعض فقهاء الكوفة إن انتظرهم فحسن ليدركوا معه الجماعة فيكون له فضل ~~إدراكهم، وقد قدم عثمان القنوت قبل الركوع في صلاة الغداة ليدركوا الناس ~~الركوع، والذي عندي في هذا التوسط وهو أنه ينتظر فإن سمع خفق نعالهم في أول ~~ركوعه فلا بأس أن يمد حتى يلحقوا، وإن سمعها في آخر ركوعه عند رفع رأسه لم ~~أحب أن لا يزيد في الصلاة لأجلهم فليرفع ولا يبالي، وأفضل التشهد عندي الذي ~~رواه ابن مسعود وجابر، وقد اختلفت الروايات في ألفاظ التشهد والذي اختاره، ~~وأقوله ما رويناه عن عبد الله بإثبات الواوات، وبتقديم اسم الله عز وجل في ~~أوله، وبزيادة المباركات، فأكون بذلك جامعا بين جميع الروايات لأن في حديث ~~عمر ذكر المباركات وتأخير قوله لله عز وجل، ومن رواية ابن عمر ذكر التسمية. # PageV02P353 # وقد روينا ذلك في حديث الثوري عن أيمن بن وائل عن ms1092 أبي الزبير عن جابر أن ~~رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يقول: بسم الله، وبالله، التحيات لله، ~~والصلوات والطيبات لله عز وجل، فهذا هو الأفضل عندي لأنه هو الأحوط ولدخول ~~روايات الجماعات فيه، ثم اختلفوا في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإشارة إليه في السلام، أو تركها، فالذي اختاره السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين لأنه قد جاء في بعض الأخبار كالتفسير لما ذكرناه، قال: كنا نقول ~~إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته، فلما قبض صلى الله عليه وسلم صرنا نقول: السلام على ~~النبي، وفي كل الروايات قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكذلك اختار إلا ~~في رواية عمر، فإنه ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثني بعض العلماء ~~عن بعض الصالحين قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا ~~رسول الله قد اختلف العلماء علينا في التشهد فيم نأخذ فقال: التشهد هو الذي ~~رواه ابن أم عبد، ولا يدع أن يستعيذ في تشهده بالكلمات الخمس فيقول: أعوذ ~~بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا، والممات، ومن فتنة ~~المسيح الدجال، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، قد فعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، والمسيح بنصب الميم مع التخفيف لأنه قيل ~~سمي كذلك معدول به من ماسح، أي يمسح الأرض مسحا، لأنه قيل: تطوى له الأرض، ~~وبعض أهل اللغة يقول: عدل به عن ممسوح العين أي مطموسها، والتكبير والتسليم ~~جزم والأذان جزم، قد قيل ذلك واستحب أن يكون المؤذن غير الإمام. # وقد روينا في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يكون الإمام ~~مؤذنا، وقد كان عمر رضي الله عنه إذا ذكر فضل الأذان يقول لولا الإمامة ~~لأذنت. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: الأذان إلى المؤذن والإقامة إلى ~~الإمام؛ ms1093 أي هو أملك بها، وللمؤذن أن ينتظر الإمام، وليس على الإمام ~~والمأموم انتظار المؤذن إذا دخل الوقت، ولا على المؤذن انتظار أحد إذا ~~انتظر الإمام ودخل الوقت، والصلاة في أول وقتها أفضل من انتظار الجماعة ~~لها، وأفضل من قراءة طوال السور فيها، وقيل: قد كانوا إذا حضر اثنان في ~~الصلاة لم ينتظروا الثالث، وإذا حضر أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس، ~~وقيل: انتظار المأموم مع شهود الإمام مكروه والنعي بالميت والإيذان به ~~بدعة، وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر وكانوا في سفر، ~~وإنما تأخر لطهارة، فلم ينتظر، وقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى فاتت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها، قال: فأشفقنا من ذلك فقال: ~~أحسنتم هكذا فافعلوا، وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه ~~حتى جاء وهم في الصلاة، فقام إلى جانبه، ليدخل في الصلاة مكبرا إذا قال ~~المؤذن: قد قامت الصلاة، ويكون الناس قد قاموا إذا # PageV02P354 # قال المؤذن: حي على الصلاة، كذلك السنة وعليه كان السلف. # وروينا عن علي عليه السلام وعبد الله وكانوا إذا قال المؤذن: حي على ~~الصلاة قام الناس للدعوة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، ويبقى ~~المؤذن وحده يتم الإقامة، ثم يدخل في الصلاة والإمام يقرأ سورة الحمد، لأن ~~حقيقة قوله قد قامت الصلاة أي قد قام الناس للصلاة، وقد قام المصلون لأن ~~الصلاة لا تقوم، فإذا قاموا عند قوله: قد قامت الصلاة كان المؤذن صادقا في ~~قوله، وإن كان جائزا على المجاز لقرب الوقت وظهور سبب القيام، ولذلك كره أن ~~يكون الإمام مؤذنا لأنه حينئذ يحتاج أن يكبر ويدخل الناس في الصلاة عند ~~قوله: قد قامت الصلاة، وكذلك جاء عن السلف من السنة أن يكون الأذان في ~~المنارة والإقامة في المسجد ليقرب على المؤذن الدخول في الصلاة، وكذلك قال ~~بلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبقني بآمين؛ أي تمهل حتى أدرك ~~النامين معك لفضله إذ قد ms1094 علم أنه يسبقه بافتتاح الحمد، وفي هذا دليل على ~~صحة اختيارنا فيما ذكرنا من انتظار الإمام لمن سمع خفق نعله إذا كان في أول ~~الركوع لقول بلال: لا تسبقني بآمين ولم يقل: لا تسبقني بالحمد ولا أستحب ~~للإمام الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كانت آية من سورة الحمد فأكثر ~~الروايات وأثبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الجهير بها، وأنه ~~الآخر من فعله فقد كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من أفعاله صلى الله عليه ~~وسلم ولأنه مذهب أكثر العلماء. # وروينا عن ابن مسعود أنه قال: من السنة أن لا يخفي الإمام أربعا؛ سبحانك ~~اللهم، والاستعاذة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، والتأمين، وقد روينا عن ~~علي كرم الله وجهه: الجهر بها، وعن ابن عباس: ليس من السنة الجهر بها ولا ~~أكره القنوت في صلاة الغداة بالكلمات الثمانية التي رويت عن الحسن عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقولها سرا ولا يرفع يديه، لأنها تجري مجرى ~~الدعاء، وإن ترك ذلك فحسن، قد تركه أكثر الفقهاء واستحب أن يقرأ في ليلة ~~الجمعة وغداتها من السور ما روينا عن رسول الله في حديثين؛ المشهور منهما: ~~أنه كان يقر في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة السجدة (هل أتى) الدهر: 1، ~~والحديث الآخر، أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة (قل يا أيها ~~الكافرون وقل هو الله أحد) الكافرون: 1، الإخلاص: 1، وفي عشاء الآخرة بسورة ~~الجمعة وسورة المنافقين، واستحب أن يقول في تشهده من الدعاء ما علم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عائشة من الجوامع والكوامل: اللهم إني سألك من ~~الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، أسألك مما سألك منه محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك ما استعاذك منه محمد صلى الله عليه وسلم، ~~أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها ~~من قول وعمل، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته رشدا، # PageV02P355 # ثم يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقول: (ربنا ms1095 لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) ~~آل عمران: 8 الآية، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار، وليس بعد هذا دعاء مفضل ولا كلام مأثور سوى ما ذكرناه آنفا من ~~الاستعاذة بالكلمات الخمس، وإن اقتصر عليها أجزأته ويكره للإمام أن يخص ~~نفسه بدعاء دون من خلفه فإن دعا في صلاته فليجمع بالنون فيقول نسألك ~~ونستعيذك وهو ينوي بذلك نفسه ومن خلفه. # وفي الخبر: من أم قوما فلا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن اختار المريد ~~التأذين على الإمامة فقد قال بعض السلف من العلماء: إن الأذان أفضل من ~~الإمامة، وإن المؤذن أعظم أجرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الإمام ~~أمير، ولقوله: الإمام ضامن، فشبهها بالإمارة والضمان، ثم قال: فإن نقص ~~فعليه لا عليهم، فالأذان أسلم، ولعله لا يقوم بحكم الإمامة، ولا يتم وصف ~~الإمام فيكون عليه بعض صلاة المصلين كما يكون له أيضا في الإتمام أجورهم، ~~وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للمؤذنين دعاء هو أمدح من ~~دعائه للإمام بقوله: اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين وبقوله: يغفر ~~للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس، ووصفه أيضا بوصف هو أبلغ فقال: ~~المؤذن مؤتمن، وفي لفظ آخر: مؤذنوكم وأئمتكم ضمناؤكم، فالأمين أرفع حالا من ~~الضامن لأن الضامن غارم، وقد لا يكون أمينا، والأمين مكينا، ولا ضمان عليه؛ ~~ومن هذا كره سهل بن سعد الساعدي الإمامة، قال أبو حازم: قلت لسهل بن سعد ~~وكان يقدم فيتان قومه يصلون به، فقلت: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولك من السابقة والفضل لو تقدمت فصليت بقومك، فقال: يا ابن أخي سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الإمام ضامن فأكره أن أكون ضامنا، وفي ~~الخبر: من أذن في مسجد سبع سنين وجبت له الجنة، ومن أذن أربعين عاما دخل ~~الجنة بغير حساب، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يوم ~~القيامة على كثيب من مسك يفزع الناس ولا يفزعون حتى يقضي ms1096 بين الخلائق؛ رجل ~~قرأ القرآن فأداه إلى الله سبحانه وتعالى بما فيه، ورجل أذن في مسجد ابتغاء ~~وجه الله تعالىى، ورجل ابتلى بالرق في الدنيا فأطاع الله عز وجل وأطاع ~~مواليه. # وروينا في تفسير قوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله) فصلت: 33؟ ~~قال: نزلت في المؤذنين وعمل صالحا قال: الصلاة بين الأذان والإقامة يستجب ~~إذا فرغ المؤذن من الأذان أن يقول: وأنا من المسلمين الحمد لله رب ~~العالمين، وتلا قوله وعمل صالحا، وقال: إنني من المسلمين، وقوله مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين، فاستحب أن يصلي المؤذن بين الأذان والإقامة ~~أربعا، وأن يجهد في الدعاء، قال: وكان السلف يكرهون أربعا ويتدافعونها ~~عنهم: الإمامة والفتيا والوصية والوديعة، وقال بعضهم: ما شيء أحب إلي من ~~الصلاة في جماعة، وأكون مأموما فأكفى سهوها ويتحمل غيري ثقلها، ولكن إذا ~~أقمت الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم ولا يتدافعونها، فقد جاء في العلم # PageV02P356 # أن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم، ولكن لا يقيم المؤذن ~~حتى يحضر الإمام، ولا ينتظروا الإمام قياما فإنه مكروه، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا تقوموا حتى تروني، وكان بشر بن الحارث يقول: من أراد ~~سلامة الدنيا وعز الآخرة فليجتنب أربعا: لا يحدث ولا يشهد ولا يؤم ولا ~~يفتي، وفي بعضها ولا يجيب دعوة، وقال مرة: ولا يقبل هدية وهذا من تشديده، ~~والذي اختار من التأذين والإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية الأذان، بالترجيع ~~وإفراد الإقامة، وأن يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين، وأن ~~يؤذن لها قبل دخول الوقت، خاصة ليتأهب لها المصلون وإنما هي الصلاة الوسطى ~~إلا أن يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، فليدع ~~الاختيار للآثار، وإن يمد المؤذن صوته ويرفعه جهده ويترسل أذانه، وقيل ~~كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلا في موضعين: في الأذان وعند ~~التلبية. # وفي الخبر: يتمهل المؤذن بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه، ~~والمعتصر من اعتصاره، فهذا توقيت ms1097 من مقدار المصلين بين الأذانين، فمن كانت ~~به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته، ~~ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدافعة الأخبثين في الصلاة، وأمر ~~بتبدئة العشاء في قوله: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء، ذلك ~~ليكون القلب فارغا لربه خاليا من نوائبه، فذلك من إقامة الصلاة وتمامها، ~~وأكره الإمامة لمن كثر سهوه في الصلاة، أو دام اشتغال قلبه عن فهم ~~المناجاة، أو لمن علم أن وراءه من هو أقرأ منه أو أفقه في الدين والعلم وإن ~~كان هو عابدا صالحا، أو لفقيه بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه وأصلح وأروع ~~بعد أن يكون مؤديا لفرض التلاوة، ولا يؤم الأمي القراء ولا الأعجمي الفصحاء ~~ولا المتيممون المتوضئين، وإن اتفق أميون قدم أقرؤهم وإن حضر أئمة قراء ~~فليتقدم بالعلم، وإن اتفق رجلان أحدهما قد جمع كل القرآن إلا أن الآخر أحسن ~~تجويدا وتثقيفا لما يقرأ منه، وليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان ~~عالما بالصلاة، وفي الخبر: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل، فإن كانوا ~~في القراءة سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا، ~~فلذلك الأمر الرجل أحق بالإمامة إذا كان في منزله إلا أن يأذن، واستحب ~~للإمام إذا سلم أن يسرع الانفتال بوجهه إلى الناس، وأكره للمأموم القيام ~~قبل انفتال إمامه، فقد روينا في ذلك سنة حسنة عن طلحة والزبير، أنهما صليا ~~في البصرة خلف إمام، فلما سلما قالا للإمام: ما أحسن صلاتك وأتمها، كما كنا ~~نصلي الأشياء، واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك، ثم قالوا للناس: ما أحسن ~~ما صليتم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم، ومن كرهه جيرانه # PageV02P357 # أو كرهه من وراءه من المأمومين فلا يحل له أن يتقدم، فإن اختلفوا فكرهه ~~قوم وأحبه آخرون، نظر إلى أهل الدين والعلم منهم فحكم بقولهم ولا يعتبر ~~الأكثر إذا كان الأقلون هو الأخير، ولا يصلي خلف مبتدع، فمن صلى خلف مبتدع ms1098 ~~ولا يعلم فليعد، ومن سمع الأذان من مسجد وهو في طريق يمشي فليدخل فليصل، ~~ولا يؤخر إلى مسجد آخر إلا لأحد معنيين: أن يكون على يقين من لحوق إمام آخر ~~أفضل من هذا، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق، وإلا فالصلاة مع أول من قام ~~بها من المسلمين أفضل. # وفي الخبر: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، وفي جار المسجد قولان: ~~أحدهما من سمع الأذان وروي هذا عن علي عليه السلام، والثاني من كان بينه ~~وبين المسجد ثلاث دور وهو الرابع، والتشديد في ترك الجماعة على من سمع ~~التأذين، ومن كان في جنبه مسجدان فأولاهما بالصلاة فيه أقربهما منه، وهذا ~~مذهب الحسن إلا أن يكون له نية في كثرة الخطا إلى الأبعد، أو يكون إمام ~~الأبعد هو الأفضل، وقيل: أقدمهما، وروي هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة، ~~أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى العتق، ومن كان مأموما فلا يقرأ ~~سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلا ولا يقرأ الحمد أيضا إلا في سكتات ~~الإمام وإن قطعها، فإن لم يكن للإمام سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به ~~الإمام، وكان ما عليه من وزر قراءته في قراءة الإمام على إمامه، لأنه قد ~~نقص صلاته وترك ما عليه، فالله عز وجل حسيبه، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد ~~وسورة إذا أمكنه ولا بد من قراءة الحمد وحدها، واستحب للإمام أن يتحول إذا ~~صلى المكتوبة فلا يصلي في موضعه نافلة، ففي الخبر: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سلم وثب، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا سلم وثب، وكان عمر ~~رضي الله عنه إذا سلم وثب، وفي الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلا قدر ~~قوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال ~~والإكرام، ثم ينصرف، وإن تحول المأموم فصلى النافلة في غير مكان الفريضة ~~ولو بقدم فحسن، ففي ذلك أثر، فإن جلسا قليلا للتسبيح والدعاء فلا بأس، وهذا ~~آخر كتاب الإمامة. # PageV02P358 ### | الفصل الرابع ms1099 والأربعون # كتاب الأخوة في الله ### | تبارك وتعالى، والصحبة والمحبة للإخوان فيه، وأحكام المؤاخاة وأوصاف # المحبين: # ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين، إذ ألف بين قلوبهم ~~بعد أن كانوا متفرقين، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين، وعلى البر ~~والتقوى مضطجعين، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه، وأمر بالاعتصام ~~بحبله وهداه، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار، وقرن ذلك بالمنة منه عليهم، ~~إذا أنقذهم من شفا حفرة النار، وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه ~~سبحانه وتعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه، فقال في جمل ما شرحناه: (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) آل عمران: 102 (ولا تفرقوا) (ولعلكم ~~تهتدون) آل عمران103 وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله ~~والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين، في كل طريق فريق، لما في ذلك ~~من الفضل، ولما جاء فيه من الأمر والندب، إذ كان الحب في الله عز وجل من ~~أوثق عرى الإيمان، وكانت الألفة والصحبة لأجله والمحبة والتزاور من أحسن ~~أسباب المتقين، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك والحث عليه، وليس قصدنا ~~الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن، ولكن نذكر الأفعال المستحسنة ~~وما تعلق بها مما لا بد منه، على أن رأي التابعين قد اختلف في التعريف، ~~فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف، فإنه أسلم لدينك وأقل غدا لفضيحتك، ~~وأخف لسقوط الحقوق عنك، لأنه يقال: كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق، وكلما ~~طالت الصحبة توكدت المراعاة، وقال بعضهم: هل رأيت شرا إلا ممن تعرف، فكلما ~~نقص من هذا فهو خير، وقال بعضهم: أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف، ~~وممن مال إلى هذا الرأي: سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي ~~والفضيل بن عياض، وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي وبشر ~~الحافي، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل، ~~بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين، لأن ذلك زين في الرخاء، وعون في الشدائد، ~~وتعاون على البر والتقوى، وألفة ms1100 في الدين، وقال بعضهم: استكثر # PageV02P359 # من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك، وكانوا ~~يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة، ويقال: إذا غفر للعبد شفع في إخوانه، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى: ~~(ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله) الشورى: 26، قال: ~~يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم، وممن مال إلى هذا الطريق: ابن ~~المسيب والشعبي، وابن أبي ليلى وهشام بن عروة، وابن شبرمة وشريح وشريك بن ~~عبد الله، وابن عيينة وابن المبارك، والشافعي وأحمد بن حنبل، ومن وافقهم، ~~وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم ~~أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. # وروينا عنه صلى الله عليه وسلم: المؤمن مألوف ولا خير فيمن يألف ولا ~~يؤلف، وقد قيل: أول ما يرفع من هذه الأمة، الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم ~~الألفة، وفي الخبر: من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا، إن نسي ذكره ~~وإن ذكر أعانه، وروينا في خبر مثل الأخوين: إذا التقيا مثل اليدين تغسل ~~إحداهما الأخرى، وما التقى مؤمنان إلا أفاد الله عز وجل أحدهما من صاحبه ~~خيرا، وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آخى أخا في الله ~~عز وجل، رفعه الله عز وجل درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله، ويقال إن ~~الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر، رفع الآخر معه ~~إلى مقامه، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين، والأهل بعضهم ببعض، لأن ~~الأخوة عمل كالولادة، وقد قال الله سبحانه بعد قوله: (ألحقنا بهم ذرياتهم ~~وما ألتناهم من عملهم من شيء) الطور: 21، أي وما نقصناهم، وقال تعالى مخبرا ~~عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) ~~الشعراء: 100 - 101 ومعنى حميم أي هميم، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما، مأخوذ ~~من الاهتمام أي مهتم بأمره، ففيه دليل أن الصديق لك هو ms1101 المهتم بك، وإن ~~الاهتمام حقيقة الصداقة، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن كثير ~~بأخيه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من ~~أخ صالح، وقال أيضا: إذا رأى أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به، فقلما تصيب ~~ذلك، وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا: # ما نالت النفس على بغية ... ألذ من ود صديق أمين # من فاته ود أخ صالح ... فذلك المقطوع منه الوتين # وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقا يقين، وروينا في الأخبار ~~السابقة إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا ابن عمران كن ~~يقظان وارتد لنفسك إخوانا، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو، ~~وفي خبر غيره عن داود عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه: يا ~~داود ما لي أراك منتبذا وحدانا، # PageV02P360 # قال: إلهي قليت الخلق من أجلك، فأوحى الله عز وجل إليه: يا داود كن يقظان ~~مرتادا لنفسك إخوانا، فكل خذن لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه، فإنه لك عدو ~~ويقسي قلبك ويباعدك مني، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا ~~مؤلفين ولا تكونوا منفرين، وفي الحديث: إن أحبكم إلى الله عز وجل الذين ~~يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله عز وجل المشاؤون بالنميمة، المفرقون ~~بين الإخوان، وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رب كيف لي أن ~~يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك، قال: خالق الناس بأخلاقهم وأحسن ~~فيما بيني وبينك، وفي بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهل ~~الآخرة بأخلاق الآخرة، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه ~~زيد: أنا كنت أحب إلى أبيك منك، وأنت أحب إلي من ابني، خصلتان أوصيك بهما ~~فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك ~~بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أن تخالص المؤمن، وقد قال أبو الدرداء قبله: ~~إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم، ms1102 فمعنى هذا على الثقة ~~والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (إدفع بالتي ~~هي أحسن) فصلت: 34، قيل السلام: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم) فصلت: 34 وكان ابن عباس يقول في معنى قوله عز وجل: (ويدرؤون بالحسنة ~~السيئة) الرعد: 22، قال: يدفعون الفحش والأذى وهو السيئة بالسلام، ~~والمداراة وهو الحسنة، وقد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومنه قوله عز ~~وجل: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) البقرة: 251، قيل بالرغبة والرهبة ~~والحياء والمداراة، وكذلك معنى قولهم: خالص المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة ~~بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في الله عز وجل، والمخالفة المخالطة في ~~المعاملة والمبايعة، وعند اللقاء، وكذلك جاء مفسرا: خالطوا الناس بأعمالهم ~~وزايلوهم في القلوب، وقد قال محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل ~~الله عز وجل له منه فرجا، فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار، ~~ومعاشرة التقي ومصافاته من حسن الاختيار. # وفي أخبار موسى عليه السلام فيما أوحى الله عز وجل إليه، إن أطعتني فما ~~أكثر إخوانك من المؤمنين، المعنى: إن واسيت الناس وأشفقت عليهم وسلم قلبك ~~لهم ولم تحسدهم، كثر إخوانك، ويقال إن أحد الأخوين في الله عز وجل إذا مات ~~قبل صاحبه. # وقيل له: ادخل الجنة سأل عن منزل أخيه، فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى ~~يعطي أخوه مثل منازله، قال: ولا يزال يسأل له من كذا وكذا، فيقال إنه لم ~~يكن يعمل مثل عملك # PageV02P361 # فيقول: إني كنت أعمل لي وله، قال: فيعطي جميع ما سأل له ويرفع أخوه إلى ~~درجته معه، فقد كانوا يتواخون ويتعارفون المنافع الآخرة الباقية، لا ~~لمرافقة الدنيا الفانية وأفضل الأخوة، كما قال بعض العلماء: المحبة الدائمة ~~والألفة اللازمة من قبل، أن الأخوة والمحبة عمل، وكل عمل يحتاج إلى حسن ~~خاتمة به ليتم العمل، فيكمل أجره، فإن لم يختم له بالآخرة ولم يحسن عاقبة ~~الصحبة والمحبة، فقد أدركه ms1103 سوء الخاتمة، بطل عنه ما كان قبل ذلك، فقد يصطحب ~~الاثنان ويتواخى الرجلان عشرين سنة، ثم لا يختم لهما بحسن الأخوة فيحبط ~~بذلك ما سلف من الصحبة، فلذلك شرط العالم المحبة الدائمة والألفة اللازمة ~~إلى الوفاة ليختم له به، ويقال: ما حسد العدو ومتعاونين على بر حسده، ~~متواخيين في الله عز وجل ومتحابين فيه، فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على ~~إفساد ما بينهما، وقد قال الصادق عز وجل: (وقل لعبادي يقولوا: التي هي أحسن ~~إن الشيطان ينزغ بينهم) الإسراء: 53 يعني يقولون الكلمة الحسنة بعد نزغ ~~الشيطان، وقال عز وجل مخبرا عن يوسف عليه السلام من: (بعد أن نزغ الشيطان ~~بيني وبين إخوتي) يوسف: 100 وقد يقال: ما تواخى اثنان في الله عز وجل ففرق ~~بينهما، إلا بذنب يرتكبه أحدهما، فقال بشر: إذا قصر العبد في طاعة الله ~~تبارك وتعالى، سلبه الله عز وجل من يؤنسه، ويقال للعدو شيطان، قد وكله ~~بالتفريق بين المتواخيين، ليس له عمل إلا ذلك، قد تفرغ له، ومن علامة التقى ~~حسن المقال عند التفرق، وجميل البشر عند التقاطع، أنشدنا بعض العلماء ~~الحكماء في معناه: # إن الكريم إذا تقضى وده ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا # وترى اللئيم إذا تصرم حبله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا # فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية، ألم تسمع إلى الدعاء ~~المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوله: يا من أظهر الجميل وستر ~~القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، فكذلك صفات المؤمنين على معاني ~~أخلاق المؤمن الأعلى، وقد كان أبو الدرداء يقول: معاتبة الصديق خير من ~~فقده، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك، ولن له ولا تطع الشيطان في أمره، غدا ~~يوافيه الموت فيكفيك فقده، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله، وقد ~~روينا عن علي عليه السلام: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، ~~وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وقد روينا عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ms1104 معناه: لا يكن حبك كلفا وبغضك تلفا، قال: اسلم، قلت: ~~وكيف ذاك، قال: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت ~~فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك، وفي وصية # PageV02P362 # عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي رويناها عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن ~~سعيد بن المسيب، قال: قال عمر رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في ~~أكمافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى ~~يحبك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلا الأمين، ولا أمين ~~إلا من خشي الله عز وجل، ولا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه على سرك ~~واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك وتعالى، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد ~~قال: حدثنا يحيى بن أكثم قال: حدثت المأمون أمير المؤمنين فقلت له: حدثني ~~سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبجر قال: لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة ~~دعا بابنه فقال: يا بني، إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا ~~خدمته صانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن ~~رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن ~~سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإذا ~~حاولت أمرا أمرك، وإن تنازعتما آثرك، قال ابن أكثم: فقال المأمون: وأين ~~هذا؟، وقيل للأحنف بن قيس: أي إخوانك أحب إليك فقال: من يسد خللي، ويستر ~~زللي، ويقبل عللي، وحدثونا عن الأصمعي قال: حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه ~~قال: قال الأحنف: من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث: أن يجاوز عن ظلم الغضب ~~وظلم الهفوة وظلم الدالة، وقال: الإخاء جوهرة رقيقة، فهي ما لم توق عليها ~~وتحرسها كانت معرضة للآفات، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه، وبالكظم ~~حتى تعتذر إلى من ظلمك، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك ~~التقصير، ويقال: ms1105 من لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم، لم يسلم ~~منهم، وكان أسماء بن خارجة الفزاري يقول: ما سئمت أحدا قط لأنه إنما يسأمني ~~أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل ~~فيها، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضا ثم تمثل شعرا: # واغفر عوراء الكريم اصطناعه ... وأعرض عن ذات اللئيم تكرما # وأنشدونا لمحمد بن عامر في الإخوان شعرا: # فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم # ولا تفحش وإن ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم # ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم # ولكن داو عورته برقع ... كما قد يرقع الخلق القديم # ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم # وأنشدونا في معناه عن أحمد بن يحيى بن ثعلب، قال: أنشدني عبد الله بن ~~شبيب: # PageV02P363 # إخاء الناس ممتزج ... وأكثر فعلهم سمج # فإن بدهتك مقطعة ... فليس وراءهم فرج # فقومهم بوصلهم ... فإن لم يوصلوا اعتوجوا # صروف الدهر دائبة ... تقطع دونها المهج # وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تمار ~~أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط ~~وجوه وحسن خلق، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل: خذ العفو وأمر ~~بالعرف، قال: خذ من أخلاق الناس ومن أعمالهم ما ظهر من غير تحسس، وقد ~~أنشدنا بعض الحكماء في ذلك: # خذ من خليلك ما صفا ... وذر الذي فيه الكدر # فالعمر أقصر من معا ... تبة الخليل على الغير # ومن عرف فضل الإخوة في الله عز وجل، وعلم درجة المحبة لله تعالى، صبر ~~لأخيه وشكر له وحلم عنه وإحتمل له، لينال ما أمله من مؤمله فيه ويبلغ ما ~~طلبه من طالبه به، فإن الصبر يحتاج إليه ليتم العمل والشكر، لا بد له منه ~~لدوام النعمة، ومن طلب نفيسا خاطر بنفيس ومن ms1106 رغب في رغبة بذل لها مرغوبا، ~~والله عز وجل الموفق من يحب لما يحب، وروينا في حديث ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: المتحابون في الله عز وجل على عمود من ~~ياقوتة حمراء، في رأس العمود سبعون ألف غرفة، مشرفون على أهل الجنة، يضيء ~~حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب سندس خضر، مكتوب ~~على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل، وروينا في حديث معاذ، وقد قال ~~له أبو إدريس الخولاني: إني لأحبك في الله عز وجل، فقال له: أبشر ثم أبشر، ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لطائفة من الناس كراسي ~~حول العرش يوم القيامة، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا ~~يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، فقيل: من هؤلاء يا رسول الله، قال: هم المتحابون في ~~الله عز وجل، ورواه أبو هريرة فقال فيه: إن حول العرش منابر من نور، عليها ~~قوم لباسهم نور ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء، فقالوا: يا رسول الله حلهم لنا، فقال: هم المتحابون في الله عز ~~وجل، والمتجالسون في الله تعالى، والمتزاورون في الله تعالى. # وروينا في حديث عبادة بن الصامت، يقول الله عز وجل: حقت محبتي للمتحابين ~~في، والمتزاورين في والمتباذلين والمتصادقين في، وكان ابن مسعود يقول في ~~قوله عز وجل: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم) # PageV02P364 # الأنفال: 63، قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز وجل، وأبو بشر ~~عن مجاهد قال: المتحابون في الله عز وجل إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض، ~~تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وروينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه، يوم لا ظل ~~إلا ظله، منهم كذا، واثنان تواخيا في الله عز وجل، اجتمعا ms1107 على ذلك وتفرقا، ~~وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول: نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة ~~عبادة، فلا تصح المحبة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من الرحمة في ~~الاجتماع، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة، واجتناب الغيبة، وتمام ~~الوفاء، ووجود الأنس، وفقد الجفاء، وإرتفاع الوحشة، ووجد الانبساط، وزوال ~~الاحتشام، وكان الفضيل يقول: إذا وقعت الغيبة، ارتفعت الأخوة وقال الجنيد: ~~ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاستوحش أحدهما من صاحبه واحتشم منه إلا ~~لعلة في أحدهما، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما تحاب ~~اثنان في الله عز وجل إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه، ~~وفي خبر: كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان إلى الله عز وجله ~~أرفقهما بصاحبه. # وفي الخبر المشهور: لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا ~~لله، وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد: ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ~~ما تحب أن تذكر به إذا غبت، وأعفه بما تحب أن تعفى به، وكان بعضهم يقول: ما ~~ذكر أخي عندي في غيب إلا تمثلته جالسا، فقلت فيه ما يحب أن يسمع في حضوره، ~~وقال آخر: ما ذكر أخ لي في غيبة إلا تصورت نفسي في صورته، فقلت فيه ما أحب ~~أن يقال في، فهذا حقيقة في صدق الإسلام، لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما ~~يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، وقال بعض الأدباء: من اقتضى من إخوانه ~~ما لا يقتضون منه ظلمهم، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم، ومن لم ~~يقتضهم فقد تفضل عليهم، وبمعناه روينا عن بعض الحكماء: من جعل نفسه فوق ~~قدره عند الإخوان أثم وأثموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها ~~دون قدره سلم وسلموا، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عز وجل قديما، لأن ~~هذا حقيقتها، فروى في الأخبار، إثنان عزيزان ولا يزدادان، إلا عزة درهم من ~~حلال وأخ ms1108 تسكن إليه، وقيل تأنس به، وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: ثلاثة ~~عزيزة في وقتنا هذا، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء، يعني بالوفاء أن يكون ~~له في غيبته، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته، ~~ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته، فهذا هو الوفاء، ~~وهو الذي شرطه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤاخاة في قوله: اجتمعا على ذلك ~~أو تفرقا، وجعل جزاءه أظلال العرش يوم القيامة. # PageV02P365 # وكذلك قال بعض الأدباء: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال ~~الحياة، وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره، قالوا: كان أحدهم يخلف ~~أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة، لا يفقدون إلا وجهه، ويقال إن مسروقا ~~أدان دينا ثقيلا، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة ~~وهولا يعلم، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرا وهو لا يعلم، فمن حقيقة ~~المؤاخاة في الله عز وجل إخلاص المودة له بالغيب، والشهادة واستواء القلب ~~مع اللسان، واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ~~ذلك فهو إخلاص الأخوة، وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في ~~المودة، وذلك دخل في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، ولا يكون ذلك مع ~~حقيقة الإيمان، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم، فشرط ~~له أشياء منها: أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلا لله عز وجل، ومن شرط المحبة ~~في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها، كما جاء في الأثر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية ~~أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فقال: أين تريد، قال: أردت أخا لي ~~في هذه القرية، قال: هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها، قال: ~~لا، إلا أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، إن الله ~~تبارك ms1109 وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه. # وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن ابنه عبد الله رضي الله ~~عنهما: لو أن رجلا صام النهار لا يفطر، وقام الليل وجاهد، ولم يحب في الله ~~عز وجل ويبغض في الله ما نفعه ذلك شيئا، وقد روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلمأنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الصلاة، قال: حسنة ~~وليس به، قالوا: الحج والجهاد، قال حسنة وليس به، قالوا: فأخبرنا يا رسول ~~الله، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى، والبغض فيه، وقد اختلف ~~مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عز وجل، ثم ينقلب الآخر عما كان ~~عليه ويتغير، هل يبغضه بعد ذلك أم لا؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عما كان ~~عليه وتغير، فأبغضه من حيث أحببته، وروينا عن أبي الدرداء أن شابا غلب على ~~مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأن ~~الشاب وقع في كبيرة من الكبائر، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه، وقالوا له: ~~لو أبعدته، قال: سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء، وروينا عن بعض ~~التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك، وقد قيل له فيه، فقال: إنما أبغض عمله ~~وإلا فهو أخي، وكذلك قال الله عز وجل لنبيه في عشيرته: فإن عصوك فقل إني ~~بريء مما تعملون، ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة ~~لحمة كلحمة النسب، وقيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك: # PageV02P366 # أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا، وكان الحسن يقول: كم من ~~أخ لك لم تلده أمك، ولذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج ~~إلى قرابة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما شتم القوم الرجل الذي ~~أتى فاحشة فقال: مه وزبرهم لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، وفي أثر عن ~~بعض العلماء في مثل زلات الإخوان، قال: ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل ~~هذا حتى ms1110 تقطعوه وتهجروه، فماذا بغيتم من محبة عدوكم؟ وقد كان أبو الدرداء ~~يقول: إذا تغير أخوك وحال عما كان، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ~~ويستقيم أخرى، وكان يقول: داو أخاك ولا تطع فيه حاسدا، فتكون مثله وقال ~~الحسن: أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند ~~الذنب، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا، وقال أيضا: لا تحدثوا الناس بزلة ~~العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها، وفي الخبر: اتقوا زلة العالم ولا ~~تقطعوه وانتظروا فيئته، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: شرار عباد الله ~~المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء الغيب، وقال سعيد ~~بن المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين. # وفي حديث عمر، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من ~~قدم عليه، فقال: ذاك أخو الشيطان قال: مه قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في ~~الخمر فقال: إذا أردت الخروج فأذني قال: فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، ~~حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب الآية، ثم ~~عاتبه تحت ذلك وعذله، فلما قرأ الكتاب قال: صدق الله ونصح لي عمر قال: فتاب ~~ورجع، ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان، وقرن ~~بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في الخبر: لا يؤمن عبدي حتى ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ثم جاء مثله: لا يجد العبد حلاوة ~~الإيمان حتى يحب المرء لله عز وجل، فمن مقتضى الحب في الله تعالى ما ذكرناه ~~آنفا من التزاور والتباذل والتصافي لله عز وجل، وفي حديث عبادة بن الصمامت ~~وقال موسى بن عقبة: كنت ألقى الأخ من إخواني مرة فأقيم عاقلا بلقائه أياما، ~~وقال جعفر بن سليمان: كمن إذا وجدت في نفسي فترة، نظرت، إلى محمد بن واسع، ~~فأعمل على ذلك جمعة، وكان محمد بن واسع يقول: ما بقي في الدنيا شيء ألذه ~~إلا ms1111 ثلاث: الصلاة في جماعة، والتهجد من الليل، ولقاء الإخوان، وكان بعضهم ~~يقول: لقاء الإخوان مسلاة للهم ومذهبة للأحزان، وكان الحسن وأبو قلابة ~~يقولان: إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا ~~وأخواننا يذكرونا الآخرة، وقال أحدهما: لأن الأهل والولد من الدنيا ~~والإخوان في الله عز وجل من آلة الآخرة، وقيل لسفيان بن عيينة: أي الأشياء ~~ألذ فقال: مجالسة الإخوان والانقلاب إلى # PageV02P367 # كفاية، وفي الخبر: ما زار رجل أخاه في الله عز وجل شوقا إليه ورغبة في ~~لقائه، إلا ناداه ملك من خلفه: طبت وطابت لك الجنة، وقال الحسن: من شيع أخا ~~له في الله عز وجل بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى ~~الجنة، وعن عطاء قال: كان يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى ~~فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم، وكان الشعبي ~~يقول: في الرجل يجالس الرجل فيقول: أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة ~~التوكل. # وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رأى عمر يلتفت يمينا وشمالا ~~فسأله، فقال: يا رسول الله أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه، فقال: يا أبا ~~عبد الله إذا أحببت أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه، وعن منزله فإن كان مريضا ~~عدته، وإن كان مشغولا أعنته، وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له: من أحب الناس ~~إليك، قال: جليسي، وكان يقول: ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة ~~تكون له إلي، فعلمت مكافأته من الدنيا. # وكان سعيد بن العاص يقول: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به وإذا حدث ~~أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له، وقال الأحنف بن قيس: الإنصاف يثبت المودة، ~~ومع كرم العشرة تطول الصحبة، وكان يقول: ثلاث خلال تجلب بهن المحبة: ~~الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة، وقال أكثم ~~بن صيفي لبنيه: يا بني، تقاربوا في المودة ولا تتكلوا على القرابة، وقد قيل ~~لأبي حازم: ما القرابة، قال: المودة، فأول ما تصح له المحبة ms1112 في الله عز وجل ~~أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصية، ولا على حظ من دنياه، ولا لسبب ~~موافقته على هواه، ولا لأجل ارتفاقه به اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله، ~~ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه، ولا لنعمة ويد يجزيه عليها، ~~فهذه ليس فيها طريق إلى الله عز وجل ولا للآخرة، لأنها طرقات الدينا ~~ولأسباب الهوى، فإذا سلم من هذه المعاني، فهذه أول المحبة لله عز وجل، ولا ~~يقدح في الأخوة لله تبارك وتعالى لأن هذه شبهة ثانية فيه مثل أن يحبه لحسن ~~خلقه، وفضل أدبه، وحسن حلمه، وكمال عقله، وكثرة احتماله وصبره، أو لوجود ~~الأنس به وارتفاع الوحشة منه، أو للألفة التي جعل الله بينه وبينه، وإنما ~~يخرجه عن حقيقة الحب في الله عز وجل، أن يحبه لما يكون دخلا في الدين ~~ووليجة في طرائق المؤمنين، ولما انفصل عنه ولم يكن متصلا به، مثل الأنعام ~~والأفضال ووجود الارتفاق، فهذا الحب لا يمنع القلب وجده، لما جبل الطبع ~~عليه، ولبغض من كان بضده، ممن أساء إليه وليس يأثم ولا يعصى بوجود هذه ~~المحبة لأجل هذه الأسباب المعروقة، كما أنه إذا أساء إليه ووجد بغضه لا ~~يأثم ما لم يخرجه البغض إلى مجاوزة حد بإيجاب حكم، إلا أن هذه محبة النفس ~~بالطبع، وإنما يفضل المرء بمحبة القلب لأجل الله عز وجل، والبغض فيه شيء، ~~وإن كان مباحا لأنها تحول وتزول، وكل محبة تكون # PageV02P368 # عن عوض، إذا ذهب العوض زالت المحبة، وصحة الحب في الله عز وجل والبغض فيه ~~لا ينقلب لسبب حب جعل في الطبع لمنافع الدنيا، ولا لأجل بغض في النفس ~~لمضارها، وحقيقة الحب في الله عز وجل أن لا يحسده عى دين ولا دنيا، كما لا ~~يحسد نفسه عليهما، وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه، ~~وهذا شرطا الحب في الله عز وجل اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: (يحبون ~~من هاجر إليهم) الحشر: 9، ثم وصف محبتهم، إذ كان يصف حقا ويمدح ms1113 محقا، فقال: ~~(ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) الحشر: 9، يعين: من دين ودنيا، ~~والحاجة في هذا الموضع: الحسد، أي كما لا يجدون في صدورهم حاجة لأنفسهم ~~حسدا، ثم قال عز وجل في الشرط الثاني: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة) الحشر: 9، فهذا فصل الخطاب، وجملة نعت الأحباب، فينبغي أن يؤثر أخاه ~~بنفسه وماله إن إحتاج إلى ذلك، فإن لم يكن في هذه المنزلة وهو مقام ~~الصديقين فيساويه في حاله، وهذا من مقام الصادقين، وهذا أقل منازل الأخوة، ~~وهو من أخلاق المؤمنين، وإنما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلمبين الغني ~~والفقير ليساوي الغني الفقير فيعتدلان، وينبغي أن يقدمه على أهله وولده، ~~وأن يحبه فوق محبتهم لأن محبة أولئك من الدنيا والنفس والهوى، ومحبة ~~الإخوان من الآخرة ولله تبارك وتعالى، وفي الدين وأمور الدين والآخرة مقدم ~~عند المتقين، وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان الحسن إذا جاؤوه، ~~لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم، فيقول لهم: لا تملوا الشيخ، فكان الحسن ~~إذا علم ذلك يقول: دعهم يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، فؤلاء يحبوني لله عز ~~وجل وأنتم تريدوني للدنيا، وقال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، ~~قيل: وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير ~~مني، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله، ولا ~~خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه، وكان الأعمش يقول: من أخفى عنا ~~بدعته لم يخف عنا ألفته، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم، فيستدل عليه ~~بهم، وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب: كرم ~~الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل رهق فقال شعرا: # لا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه # فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه # يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه # وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه # وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه # وأنشد محمد بن ms1114 جامع الفقيه شعرا: # PageV02P369 # تذلل لمن إن تذللت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله # وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له # وأنشدنا لبعض الأدباء: # كم من صديق عرفته بصديق ... صار حظي من الصديق العتيق # ورفيق رأيته في طريق ... صار عندي محض الصديق الحقيقي # وروينا عن الحسن بن علي عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا ~~مختصرا: # إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك # ولا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى، ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه، ولا ~~محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه، ولا ما يناله من عاجل مهناه، وقد تصح ~~المحبة بين الغني والفقي، وتوجد الأخوة إن لم يقم الغني بحقوق أخيه، إذا ~~آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به، فلم يفتضه، وقد تصح الأخوة بين العالم ~~والجاهل، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من أحدهما، والتقربة إلى الله عز ~~وجل، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه، أو لجميل ~~معاملته، أو لمعان محمودة تكون فيه، لأن لكل مؤمن سديدا من عمله يرجى له ~~به، والمؤمن لا يهلك كله، ولا يذهب جملة واحدة، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع ~~العالم والصالح في نفسه، فيراه في كل حال فوقه، أو لأجل الستر عليه لئلا ~~يلحقه النقص والشين من الغير، فهذه طرقات الإخوان، فيها حسن نيات، وينبغي ~~على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به أعلم، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله، ~~فإن فقر الجهل أشد من فقر المال، وإن الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة ~~إلى المال وكان الفضيل يقول: إنما سمي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه، فإن ~~كنت أغنى منه فأرفقه بمالك، وإن كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك، وينبغي أن ينصح ~~له فيما بينه وبينه، ولا يوبخه بين الملأ ولايطلع على غيبه أحدا، فقد قيل: ~~إن نصائح المؤمنين في آذانهم، وقال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: ~~قل لي في وجهي ما ms1115 أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما ~~يكره، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقا في حاله، أحبه على نصحه، فإن لم يحبه ~~وكره ذلك منه دل على كذب الحال، قال الله سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين: ~~(ولكن لا تحبون الناصحين) الأعراف: 79 وقد كان بعض الصالحين يقول: أحب ~~الناس إلي من أهدى عيوبي، وقد كان عمر بن # PageV02P370 # الخطاب رضي الله عنه يقول: ويأمر الإخوان بذلك رحم الله امرءا اهتدى إلى ~~أخيه عيوب نفسه، ولكن قد قيل لمسعر بن كدام: تحب من يخبرك بعيوبك، فقال: إن ~~نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وإن قرعني في الملأ فلا، ومن أخلاق السلف قال: ~~كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة، ~~وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة، وما كان ~~على العلانية فهو فضيحة، وقلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى، لأن فيه ~~شناعة، وكذلك الفرق بين العتاب والتوبيخ، فالعتاب ما كان في خلوة، والتوبيخ ~~لا يكون إلا في جماعة، ولذلك يعاتب الله عز وجل رجلا من المؤمنين يوم ~~القيامة تحت كنفه، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرا، ومنهم من يدفع ~~كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة، فإذا قاربوا ~~دخول الجنة، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤونها، وأما أهل التوبيخ فينادون ~~على رؤوس الأشهاد، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم، فيزداد ذلك في عذابهم، ~~وكذلك الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى ~~وطريق الآخرة، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه لله ~~تبارك وتعالى، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك، وكذلك الفرق ~~بين الغبطة والحسد، إن الغبطة أن تحب لنفسك ما رأيته من أخيك، ولا تحب ~~زواله عنه بل تبقيته له وإتمامه عليه والحسد ما أردت أن يكون ذلك منه لك، ~~وأحببت زواله عنه وكرهت تبقيته عليه، فهذا مكروه، فإن ms1116 سعيت في ذلك بقول أو ~~فعل فهو البغي زيادة على الحسد، وهو من كبائر المعاصي، وكذلك الفرق بين ~~الفراسة وسوء الظن إن الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد ~~يبدو منه أو علامة تشهدها فيه، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إن كان سوءا، ~~ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم، وسوء الظن ما ظننته من سوء ~~رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك، ~~تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك، فهذا هو سوء الظن والإثم، ~~وهو غيبة القلب وذلك محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى ~~حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وإن تظن به ظن السوء وقوله عليه السلام: ~~إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، فهذه خمس معان وأضدادها بينها فرق عند ~~العلماء، فاعرف ذلك، وينبغي أن ينصر أخاه ويعينه بماله ولسانه وقلبه ~~وأفعاله، فإن # النصرة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع: بالنفس إن احتاج إليك في ~~الأفعال، وباللسان إن ظلم في المقال، وبالمواساة إن احتاج إلى المال، وأقل ~~ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية ~~له، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر # PageV02P371 # فضله ويطوي زلله ويقبل علله. رة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع: ~~بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال، وباللسان إن ظلم في المقال، وبالمواساة ~~إن احتاج إلى المال، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد ~~السلامة فيه وجميل النية له، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه ~~وينشر فضله ويطوي زلله ويقبل علله. # ويقال: ما من الناس أحد إلا له محاسن ومساو، فمن ظهرت محاسنه فغلبت ~~مساوئه فهو المؤمن المقتصد، فالأخ الشفيق الكريم يذكر أحسن ما يعلم في ~~أخيه، والمنافق اللئيم يذكر أسوأ ما يعلم فيه، ومن هذا جاء في الخبر: ~~أستعيذ بالله من جار السوء الذي إن رأى خيرا ms1117 ستره، وإن رأى شرا أظهره، وهذا ~~المعنى هو سبب قول النبي صلى الله عليه وسلمإن من البيان سحرا، إذ لكل حديث ~~يروي آخره سبب يكون أوله خرج الحديث عليه، وهو أن رجلا أثنى على رجل عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان الغد ذمه وعابه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه، فقال: والله لقد صدقت ~~عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم، إنه أرضاني بالأمس، فقلت أحسن ما أعلم ~~فيه وأغضبني اليوم مفقلت أسوأ ما أعلم فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلمعند ذلك: إن من البيان سحرا كأنه كره ذلك إن شبهه بالسحر، لأن السحر ~~حرام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر البذاء والبيان شعبتان ~~من النفاق، وفي الحديث الآخر أن الله تعالى كره لكم البيان، كل البيان، وقد ~~قال الإمام الشافعي رحمه الله في وصف العدالة قولا استحسنه العلماء، وحدثنا ~~عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: ما أحد من ~~المسلمين يطيع الله عز وجل حتى لايعصيه، ولا أحد يعصي الله عز وجل حتى لا ~~يطيعه، فمن كانت طاعاته أكثر من معاصيه فهو العدل، قال ابن عبد الحكم: وهذا ~~كلام الحذاق، وقال أيضا قولا فصلا في التوسط بين الانقباض والانبساط، حدثنا ~~عنه قال: الانقباض عن الناس مكسبة لعداوتهم، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء ~~السوء فكن بين الانقباض والانبساط، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بالصبر ~~والرحمة في قوله عز وجل: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) البلد: 17، ~~ونعتهم الذلة في قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) ~~المائدة: 54، وقال تعالى: (رحماء بينهم) الفتح: 29، وهذا كله داخل في ~~الاهتمام به، وهو حقيقة صدقه في الصداقة له كما قال، ولا صديق حميم أي هميم ~~من الاهتمام به، وقد قال عيسى عليه السلام لأصحابه: كيف تصنعون إذا رأيتم ~~أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه، قالوا: نستره ونغطيه فقال: بل تكشفون ~~عورته، قالوا: سبحان الله من يفعل هذا، ms1118 فقال: أحدكم يسمع في أخيه بالكلمة ~~فيزيد عليه ويشيعها بأعظم منها، وهذا مخرجه من الحسد الكائن في النفس والغل ~~المستكن في القلب، أن يزيد الرجل على الشيء مما يسمع أو يتبعه بمثله، فيظهر ~~هذا غله، وهذا الذي استعاذ منه المؤمنون في قولهم: (ولا تجعل في قلوبنا ~~غلا) الحشر: 10 الآية، وينبغي أن لا يخالفه في شيء ولا يعترض عليه في مراد، ~~قال بعض العلماء: إذا قال # PageV02P372 # الأخ لأخيه قم بنا، فقال: إلى أين، فلا تصحبه وقال الآخر: إذا قال: أعطني ~~من مالك، فقال: كم تريد أو ماذا تصنع به لم يقم بحق الإخاء، قال أبو سليمان ~~الداراني: كان لي أخ بالعراق، فكنت أجيئه في النوائب فأقول: أعطني من مالك ~~شيئا فكان يلقي إلي كيسه فآخذ منه ما أريد، فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى ~~شي، فقال: كم تريد فخرج حلاوة أخاه من قلبي، وعن ابن عمر وأبي هريرة: لم ~~يكن أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا ولا تدابروا ولا ~~تحاسدوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا ~~يظلمه، ولا يحرمه، ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وفي ~~حديث علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من عامل الناس ~~فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته ~~وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته، وفي حديث أبي أسامة الباهلي: خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب ثم قال: ذروا المراء ~~لقلة خبره، ذروا المراء فإن نفعه قليل وهو يهيج العداوة بين الإخوان، وقال ~~بعض السلف: من لاص الإخوان وما رآهم، قلت: وذهبت كرامته، وقال عبد الله بن ~~الحسن: إياك ومعاداة الرجال، فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم، وقال ~~بعض الحكماء: ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد، ولا يزيدك لطف الحقد إلا ~~وحشة منه. # وقد روينا في الحقد على الإخوان لفظة شديدة، ms1119 وهو ما حدثونا عن عبد الرحمن ~~بن جبير بن نفير عن أبيه قال: كنت باليمن، وكان لي جار يهودي يخبرني عن ~~التوراة، فقدم علينا يهودي من سفر فقلت: إن الله تبارك وتعالى قد بعث فينا ~~نبيا، فدعا إلى السلام فأسلمنا، وقد نزل علينا مصدقا للتوراة فقال اليهودي: ~~صدقت، ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به، إنا نجد نعته ونعت أمته ~~أنه لا يحل لامرئ يعلم منهم أن يخرج من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة على أخيه ~~المسلم، وقال بعض السلف: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ~~ضيع من ظفر منهم، وقال الحسن: لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل، وقال عمر ~~بن عبد العزيز: إياك ومن مودته على قدر حاجته إليك، فإذا قضيت حاجته انقضت ~~مودته، ومن أخلاف السلف قال: لم يكن أحد منا يقول في رحله: هذا لي وهذا لك، ~~بل كان كل من احتاج إلى شيء استعمله عن غير مؤامرة، وقد وصف الله عز وجل ~~المؤمنين بهذا في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) ~~الشورى: 38، معنى أمرهم أي أمورهم ذكر جماعها كالشيء الواحد بينهم شورى أي ~~مشاع غير مقسوم، ولا يستبد به واحدهم فيه سواء، ومما رزقناهم ينفقون، أي ~~كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله من بعض أي شركاء، وجاء عتبة ~~الغلام إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال: أحتاج # PageV02P373 # من مالك إلى أربعة آلاف، فقال: خذ ألفين فأعرض عنه وقال: آثرت الدنيا على ~~الله عز وجل، أما استحيت أن تدعي الأخوة في الله عز وجل وتقول هذا، وجاء ~~فتح الموصلي إلى منزل أخ له وكان غائبا، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه ~~فأخذ من كيسه حاجته، فذهبت الجارية إلى مولاها فأعلمته فقال: إن كنت صادقة ~~فأنت حرة لوجه الله تعالى سرورا بما فعل. # وروي أن ابن أبي شبرمة قضى لبعض إخوانه حاجة كبيرة، فجاءه الرجل بهدية ~~جليلة، فقال: ما هذا فقال: ما أسديت إلي، فقال: خذ مالك، عافاك الله ms1120 إذا ~~سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة، وكبر عليه أربع ~~تكبيرات وعده في الموتى، وعلى ذلك قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم ~~يقضها لله فذكره ثانية، فلعله يكون قد نسي، فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد ~~يكون شغل عنها بعذر، فإن لم يقضها فكبره عليه واقرأ عليه هذه الآية: ~~(والموتى يبعثهم الله) الأنعام: 36، وقال ميمون بن مهران: من رضي من ~~الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور، وجاء رجل إلى أبي هريرة فقال: إني ~~أريد أن أؤاخيك في الله عز وجل، فقال: أتدري ما حق الإخاء قال: عرفني، قال: ~~لا تكون بدرهمك ودينارك أحق مني، قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد، قال: فاذهب ~~عني، وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما: الرجل هل يدخل أحدكم يده في كم ~~أخيه أو كيسه، فيأخد منه ما يريد من غير إذن قال: لا، قال: فلستم بإخوان، ~~ودخل قوم على الحسن فقالوا له: أصليت يا أبا سعيد، قال: نعم قالوا: فإن أهل ~~السوق لم يصلوا بعد، فقال: ومن يأخذ دينه عن أهل السوق، بلغني أن أحدهم ~~يمنع أخاه الدرهم، وقال محمد بن نصر: جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم وهو يريد ~~بيت المقدس فقال له: إني أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم: على أن أكون أملك ~~بشيئك منك قال: لا، قال: فأعجبني صدقك، وقال موسى بن طريف: كان إبراهيم بن ~~أدهم إذا رافقه رجل لم يخالفه، وكان لا يصحب إلا من يوافقه، وبلغني أن رجلا ~~شرا كأصحبه في سفر فأهدى إلى إبراهيم قصعة من ثريد في بعض المنازل، فأراد ~~أن يرد القصعة فأخذ جراب رفيقه ففتحه، وأخذ حزمة من شرك فجعله في القصعة، ~~ثم دفعها إلى صاحب الهدية، فلما جاء رفيقه قال: أين الشرك؟ قال: تلك القصعة ~~الثريد التي أكلتها أي شيء كانت، قال: فكنت تعطيه شراكين ثلاثة قال: اسمح ~~يسمح لك، وبلغني أنه أعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه لرجل رآه راجلا، ~~فلماء جاء رفيقه سكت فلم يكره ms1121 ذلك، وقد روي عن عون بن عبد الله قال: قال ~~ابن مسعود: لا تسأل امرءا عن وده إياك، ولكن انظر ما في قلبك فإن في قلبه ~~لك مثل ذلك، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: مروءة الحضر الإدمان إلى ~~المساجد وكثرة الإخوان في الله عز وجل، # PageV02P374 # ومروءة السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على إخوانك وقد روينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من طريق أهل البيت قال: ثلاثة من المروءة في الحضر: ~~تلاوة كتاب الله عز وجل، وعمارة مساجد، واتخاذ الإخوان في الله تعالى، فمن ~~فضل المؤاخاة في الله تعالى أنه قرنها بتلاوة كتابه وعمارة بيوته، وقد جعل ~~الاختلاف إلى المسجد سبب اجتلاب الإخاء، وفي حديث ابن عباس والحسن بن علي: ~~من أدمن الاختلاف إلى المسجد، أصاب إحدى خمس خصال أخا مستفادا في الله عز ~~وجل. # وقال أبو عيينة وقد أنشد هذا البيت: # وجدت مصيبات الزمان جميعها ... سوى فرقة الإخوان هينة الخطب # فقال: لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة، ما تخيل لي أن حسرتهم ~~ذهبت من قلبي، وقال بعضهم ما هدني شيء ما هدني موت الأقران، ويقال: إذا مات ~~صديق الرجل فقد فقد عضوا من أعضائه وأنشدونا عن العتبي: # ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم ... ووصلت ما قطعوا من الأسباب # فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب # وبلغني أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى، فأظهر عليه أخاه وقال: إني قد اعتللت ~~بالهوى، فإن شئت أن لا تعتقد علي محبتي لله تعالى فافعل فقال: ما كنت لأحل ~~عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدا، قال ثم عقد أخوه بينه وبين الله عز وجل أن لا ~~يأكل ولا يشرب حتى يعافي الله عز وجل أخاه من هواه، قال فطوى أربعين يوما ~~في كلها يسأله عن هواه: كيف أنت منه فكان يقول: القلب مقيم على حاله قال: ~~وما زال أخوه الآخر ينحل ويسقم من الغم عليه، ومن تركه الطعام والشراب قال: ~~فأزال الله الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين، فأخبره بذلك، فأكل وشرب ms1122 بعد أن ~~كاد يتلف هزلا وضرا، وبمعناه حدثت عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن ~~الاستقامة، فقيل لأخية التقي: ألا تقطعه وتهجره فقال: هو أحوج ما كان إلي ~~في هذا الوقت لما وقع في عثرته، أن آخذ بيده، وأتلطف له في المعاتبة، وأدعو ~~له بالعود إلى ما كان عليه، وفيما رويناه من الإسرائيليات أن أخوين عابدين ~~في جبل، نزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم، فبصر ببغي عند اللحام، ~~فهويها فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثا واستحى أن يرجع إلى أخيه من جنايته، ~~قال: فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل ~~عليه، فدخل عليه وهو جالس مع البغي، فاعتنقه وجعل يقلبه ويلزمه، وأنكر ~~الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه، فقال: قم يا أخي فقد علمت بشأنك وقصتك، ~~وما كنت أعز علي وأحب منك في يومك هذا وساعتك هذه، فلما رأى ذلك لا يسقطه ~~عنده، قام فانصرف معه، فهذا من أحسن النيات وهو طريق العارفين من ذوي ~~الآداب والمروءات، فإن أحب # PageV02P375 # هذا الأخ أن يؤثر أخاه بما آثره به، ولا يقتضيه حق إخائه، فحسن، قد فعل ~~ذلك عبد الرحمن بن عوف لما آثره سعد بن الربيع بالمال والنفس، فقال: بارك ~~الله لك فيهما، فآثره بما به آثره، فكأنه أستأنف هبته له لأنه قد كان ملكه ~~إياه لسخاوة نفسه، وحقيقة زهده، وصدق مودته، فكانت المساواة لسعد، والإيثار ~~لعبد الرحمن، فزاد عليه، وهذا من فضل المهاجرين على الأنصار إذ كانت ~~المساواة دون الإيثار، وقد كان مضر بن عيسى وسليمان يقولان: من أحب رجلا ثم ~~قصر في حقه فهو كاذب في حبه، وكان أبو سليمان الداراني يقول: هو صادق في ~~حبه مفرط في حقه، ثم قال: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني ~~لاستقللتها له، وقال: إني لألقم الأخ من إخواني اللقمة فأجد طعمها في حلقي، ~~وأعلم أن إطعام الطعام والإنفاق على الإخوان مضاعف على الصدقات وعلى العطاء ~~للأجانب، بمنزلة تضعيف الثواب في الأهل والقرابات. ms1123 # وروي عن علي عليه السلام: لعشرون درهما أعطيها أخي في الله عز وجل أحب ~~إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين، وقال أيضا: لأن أصنع من طعام ~~وأجمع عليه إخواني في الله عز وجل أحب إلى من أن أعتق رقبة، وأوصى بعض ~~الحكماء ابنه فقال: يا بني ادخل بين الأعداء ولا تدخلن بين الأصدقاء، قال: ~~وكيف ذلك قال: الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة والدخول بين الأصدقاء يورث ~~العداوة، ولا ينبغي للأخ أن يخون أخاه في غيبه بما يكره إن كان ذلك في شيء ~~مباح إذا كرهه، ولا ينكر عليه ما لا يقوم في علمه إذا فعله إن كان أخوه ~~أعلم منه، أو كان له وجه يخرج عليه، ولا ينبغي أن يكذبه في أمره ولا يفشين ~~له سرا، ولا يعرضنه لغيبة ولا نميمة، ولا يحوجه إلى مداراة، ولا يلجأ إلى ~~اعتذار، ولا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما لا يحبه هو منه، وقال العباس ~~لابنه عبد الله: إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~يقدمك على الأشياخ ويقربك دونهم فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشين له سرا، ولا ~~تغتابن عنده أحدا، ولا يجربن عليك كذبة، وفي بعض الروايات: ولا تعصين له ~~أمرا، ولا يطلعن منك على خيانة، قال: فقلت للشعبي وقد رواه: كل كلمة خير من ~~ألف قال: كل كلمة خير من عشرة آلاف، وأفشى بعضهم إلى أخيه سرا ثم قال له: ~~حفظت قال: بل نسيت وقيل لبعض الأدباء كيف حفظك السر قال: أنا قبره وقيل ~~لآخر كيف تحفظ السر فقال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر، ومن أحسن ما سمعت في ~~حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له، دخلوا على عبد الله بن المعتز ~~فاستنشدوه شيئا من شعره في حفظ السر، فأنشدهم على البديهة: # ومستودعي سرا تبوأت كتمه ... فأود عته صدري فصار له قبرا # قال فخرجنا من عنده، فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين ~~جئنا # PageV02P376 # فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السر، فاستوقفنا ms1124 ثم أطرق مليا ثم قال ~~سمعوا قولي: # وما السر في صدري كثاو بقبره ... لأني أرى المقبور ينتظر النشرا # ولكنني أنساه حتى كأنني ... بما كان منه لم أحط ساعة خبرا # ولو جاز كتم السر بيني وبينه ... عن السر والأحشا لم يعلم السرا # وقال علي عليه السلام: شر الأصدقاء من أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى ~~اعتذار، وقال أيضا: شر الأصدقاء من تكلف له، وقال الفضيل: إنما تقاطع الناس ~~بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ما لا يفعله كل واحد منهما في منزله، ~~فيحشمه ذلك من الرجوع إليه، وروينا عن عائشة رضي الله عنها: المؤمن أخو ~~المؤمن لا يغتنمه ولا يحشمه، وروينا في الانبساط إلى الإخوان شيئا استظرفته ~~ولولا أنه جاء عن إمام ما ذكرته، حدثنا الحرث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد ~~الجوهري قال: أهدي لهشام فرو كثير الثمن فقال: اذهب بها إلى سعيد الجوهري ~~فقل له: هذه فرو جاء به هشيم اشترها له قال: فذهب بها إليه فاشتراها، ثم ~~بعت بها إلى هشيم فصارت له ودراهمها، وقال علي بن المديني: قال أحمد بن ~~حنبل: إني أحب أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملك أو ~~تملني، لأنه يقال إن ملل الإخوان ليس من أخلاق الكرام وقال مكحول: قلت ~~للحسن إني أريد الخروج إلى مكة فقال: لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي ~~بينك وبينه، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: يستحسن الصبر عن كل شيء إلا عن ~~الصديق، وقال: أستحب للمتواخين في الله عز وجل أن يلتقيا في كل يوم مرتين ~~وقال أنس بن مالك: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون، فإذا ~~استقبلهم صخرة أو أكمة فرقت بينهم فالتقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعض، ~~وقال الحسن وأبو قلابة: ليس من المروءة أن يريح الرجل على صديقه، وقال ابن ~~سيرين لا تكرم أخاك بما يشق عليه. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما يتجالس المتجالسان ~~بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن ms1125 يفشي على أخيه ما يكره، وخرج ابن المبارك في ~~سفر، فصحبه قوم فقال لهم: إن أنكر أحد منكم شيئا فليخبرني، فلما أرادوا أن ~~يتفرقوا قال لهم: هل أنكرتم مني شيئا فقال شاب منهم: أنا قال: وما أنكرت ~~قال: لم أرك تستاك فقال: ويحك وهل يستاك الرجل بين يدي صديقه، وكان بشر بن ~~الحارث يقول: لا تخالط من الناس إلا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلا بخير، ولا ~~تخالط سئ الخلق فإنه لا يأتي إلا بشر، وقال الشافعي رحمه الله: من استغضب ~~فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان، وقال عمرو بن دينار: ~~زهدك في راغب فيك نقص حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل # PageV02P377 # نفس، وكان ابن سيرين يقول: يحتمل الرجل لأخيه إلى سبعين زلة ويطلب له ~~المعاذير، فإن أغناه ذلك وإلا قال: لعل لأخي عذرا غاب عني، وقال الثوري: ~~إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك، فإن قال خيرا ~~فاصحبه وقال غيره: لا تؤاخين أحدا حتى تبلوه وتفشي إليه سرا، ثم إجفه ~~واستغضبه وانظر، فإن أفشاه عليك فأجتنبه، وقيل لأبي يزيد: من أصحب من الناس ~~قال: من يعلم منك ما يعلم الله عز وجل، ويستر عليك ما يستر الله تعالى، ~~وكان ذو النون يقول: لا خير لك في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما، وقيل ~~لبعض العلماء: من يصحب من الناس قال: من يرفع عنك ثقل التكلف، وتسقط بينك ~~وبينه مؤونة التحفظ، وقد كان جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول: أثقل ~~إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون ~~وحدي، يريدون بهذا كله أن من لم يكن على هذه الأوصاف دخل عليه التصنع ~~والتزين، فأخرجاه إلى الرياء والتكلف، فذهبت بركة الصحبة وبطلت منفعة ~~الأخوة، وقال بعض الصوفية: لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا ~~تنقص بإثم، ومن يتوب عنك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل عنك مؤونة ms1126 ~~نفسه ويكفيك مؤونة نفسك، وهذه من أعز الأوصاف في هذا الوقت، كما قال رجل ~~للجنيد: قد عز في هذا الزمان أخ في الله تعالى قال: فسكت عنه، ثم عاد ذلك ~~فقال له الجنيد: إذا أردت أخا في الله عز وجل يكفيك مؤونتك ويتحمل أذاك ~~فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخا في الله تتحمل أنت مؤونته وتصبر على أذاه، ~~فعندي جماعة أدلك عليهم إن أحببت، فهذا لعمري يكون محبا لنفسه إذا أقتضى ~~هذا من أخيه لا محبا لأخ في الله تعالى، وليس الإخاء كف الأذى لأن هذا ~~واجب، ولكن الإخاء الصبر على الأذى، وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا ~~يصطحبون إلا على استواء أربع معان، لا يترجح بعضها على بعض، ولا يكون فيها ~~اعتراض من بعض إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم، وإن صلى الليل ~~أجمع لم يقل له أحد نم بعضه، وتستوي حالاه عنده، فلا مزيد لأجل صيامه ~~وقيامه، ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه، فإذا كان عنده يزيد بالعمل وينتقص ~~بترك العمل، فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل إن النفس مجبولة ~~على حب المدح وكراهة الذم، ومبتلاة بأن ترب حالها التي عرفت به، وأن تظهر ~~أحسن ما يحسن عند الناس منها، فإن صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك بطريق ~~الصادقين ولا بغية المخلصين، فمجانبة هؤلاء الناس أصلح للقلب وأخلص للعمل، ~~وفي معاشرتهم وصحبة أمثالهم فساد القلوب ونقصان الحال، لأن هذه أسباب ~~الرياء، وفي الرياء حبط الأعمال وحسن رأس المال، والسقوط من عين ذي الجلال ~~نعوذ به سبحانه وتعالى من ذلك، # PageV02P378 # وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول: من عاشر الناس داراهم، ومن داراهم ~~راءاهم، ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا، وكان بعض الناس يقول: ~~لا تؤاخ من الناس إلا من لا يتغير عليك في أربع: عند غضبه ورضاه وعند طمعه ~~وهواه، لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد ~~الانتفاع، وقال بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلا ms1127 من كان على هذا الوصف: ~~يكتم سرك وينشر برك ويطوي عيبك ويكون في النوائب معك وفي الرغائب يؤثر، فإن ~~لم تجده فلا تصحب إلا نفسك، وقد أنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء في معنى ~~هذه الأوصاف: # وندمان أخي ثقة ... كان حديثه خبره # يسرك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره # فساعد خله كرما ... وفي أخلاقه أثره # ويطوى سوءة أبدا ... وحسنا إن طوى نشره # ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره # وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين: رجلا تتعلم منه شيئا من أمر ~~دينك فينفعك، أو رجلا تعلمه شيئا من دينه فيقبل منك، والثالث هرب منه، وقال ~~ابن أبي الحواري: قال لي أستاذي أبو سليمان: يا أحمد لا تصحب إلا أحد ~~رجلين: رجل ترتفق به في دنياك، أو رجل تزيد معه وتنتفع به في آخرتك، ~~والاشتغال بغير هذين حمق كبير. # وكان المأمون يقول: الإخوان ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، ~~والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت، والثالث مثله مثل الداء لا ~~يحتاج إليه فالعبد مبتلي بهذا الثالث وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع عنده، ~~والأول نعمة من الله سبحانه وتعالى على العبد، فيه ألفة وأنس ومعه غنيمة ~~ونفع. # وكان أبو ذر يقول: الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من ~~الوحدة، وقال بشر بن الحارث: يكون للرجل ثلاثة إخوان: أخ لآخرته، وأخ ~~لدنياه، وأخ يأنس به، فأخبر أن أخ المؤانسة قد لا يكون متقربا عابدا، وأن ~~الأنس مخصوص يقال: لا يوجد إلا في كريم، وكان يوسف بن أسباط يعزز من فيه ~~أنس من الإخوان، فكان يقول ما في المصيصة ثلاثة يؤنس بهم، واعلم أن الأنس ~~لايوجد في كل عالم، ولا في كل عاقل، ولا في كل عابد زاهد، ويحتاج الأنس ألى ~~وجود معان تكون في الولي، فإذا اجتمعت فيه كمل فيه الأنس، وارتفعت عنه ~~الوحشة والحشمة، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس، ومن لم تكمل فيه وجد فيه ~~بعض الأنس، وإذا حصل الأنس ففيه الروح ms1128 من الكروب والاستراحة من الغم ~~والسكون وطمأنينة القلب، فكذلك عز من يوجد فيه الأنس لعزة خصاله وهي سبع: ~~علم وعقل وأدب وحسن خلق وسخاء نفس وسلامة قلب وتواضع، فإن فقد بعضها لم يجد # PageV02P379 # خلا يأنس بكماله، من قبل أن أضدادها وحشة كلها لأن الجاهل لا أنس فيه، ~~والأحمق لا أنس به، والبخيل سئ الخلق لا أنس عنده، والخبيث والمتكبر لا أنس ~~معه فاعرف هذا. # وروينا عن الأصمعي أنه ذكر عن بعض الحكماء قال: عاملوا أحرار الناس بمحض ~~المودة، وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمخافة، ومثل ~~جملة الناس كمثل جملة الشجر، منهم من له ظل ليس فيه ثمر وهذا الذي فيه نفع ~~من الدنيا ولا ثمرة له في العقبى، ويحتاج إليه في وقت، ومنهم من فيه ثمر ~~وليس له ظل وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا، ومنهم من فيه ظل وثمر، فهذا ~~الذي يصلح للدين والدنيا وهو أعزها، ومنهم من لا ظل له ولا ثمر وهذا هو ~~الذي لا يحتاج إليه، فمثله في الشجر مثل شجر الغضا وهو شوك البرية التي ~~تسميه العامة أم غيلان، تمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب، فهؤلاء من الناس ~~من يضر ولا ينفع ويكثر ولا يدفع، مثله كما قال الله تبارك وتعالى: (يدعو ~~لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) الحج: 13، ومثله في الدواب ~~مثل الفأرة والعقرب، وقد قيل في وصفهم: # الناس شيء إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر # ذارب ظل وهذا عنده ثمر ... وذاك ليس له ظل ولا ثمر # وقد أنشدنا في مثل وصف هذا لبعض الأدباء: # إذا كنت لا ترجى لدفع مهمة ... ولم تك يوم الحشر ممن يشفع # ولا أنت ذا مال يجود بماله ... فعود خلال من إخائك أنفع # قال بعض السلف: إذا ولى أخوك ولاية فثبت على نصف مودتك فكثير، وحدثنا ~~محمد بن القاسم القرشي عن الربيع بن سليمان، عن الإمام الشافعي رحمه الله، ~~أنه آخى رجلا ببغداد ثم إن أخاه ولي السيبين فتغير للشافعي ms1129 كما كان يعهده ~~منه فكتب إليه الشافعي رضي الله عنه هذه الأبيات: # اذهب فودك من ودادي طالق ... مني وليس طلاق ذات البين # فإن ارعويت فإنها تطليقة ... ويدوم ودك لي على ثنتين # وإذا امتنعت شفتها بمثالها ... فتكون تطليقتين في حيضين # فإذا الثلاث أتتك مني بتة ... لم تغن عنك ولاية السيبين # فذكر هذا الكلام لبعض الفقهاء فاستحسنه وقال: هذا الطلاق فقهي، إلا أنه ~~طلق قبل النكاح، وقد كان الشافعي عليه السلام آخى محمد بن عبد الحكم المصري ~~وكان يحبه ويقربه، ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، واعتل محمد فعاده الشافعي، ~~فحدثني القرشي عن الربيع قال: سمعت الشافعي ينشد وقد عاد محمدا: # PageV02P380 # مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه # وأتى الحبيب يعودني ... فبرأت من نظري إليه # وما شك أهل مصر أن الشافعي يفوض أمر حلقته إليه، وأنه يستخلفه بعد موته ~~ويأمر الناس بالحضور عنده، حتى سئل عن ذلك في علته فقيل له: يا أبا عبد ~~الله إلى من نجلس بعدك، ومن يكون صاحب الحلقة، وهم يظنون أنه يشير إلى محمد ~~فاستشرف لذلك محمد وتطاول لها، وكان جالسا عند رأسه فقال: سبحان الله أيشك ~~في هذا أبو يعقوب البويطي، فانكسر لها محمد ووجد في نفسه ومال أصحابه إلى ~~أبي يعقوب البويطي، وقد كان محمد حمل علم الشافعي ومذهبه وفارق مذهب مالك، ~~إلا أن البويطي كان أزهد وأورع، فحمل الشافعي نصحه للدين والنصيحة ~~للمسلمين، ولم يداهن في ذلك بأن وجه الأمر إلى أبي يعقوب، وآثره لأنه كان ~~أولى، فلما قبض الشافعي رضي الله عنه إنتقل محمد ابن عبد الحكم مذهبه، ~~وفارق أصحابه ورجع إلى مالك، وروى كتب أبيه عن مالك، وتفقه فيها، فهو اليوم ~~من كبار أصحاب مالك رضى الله عنه، وأخمل البويطي رحمه الله نفسه واعتزل عن ~~الناس بالبويطة من سواد مصر، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع ابن ~~سليمان ويعرف به، وإنما هو جمع البويطي لم يذكر نفسه فيه، وأخرجه إلى ~~الربيع فزاد فيه، وأظهره وسمعه منه وقد كان البويطي حمل في ms1130 المحلة ورفع من ~~مصر إلى السلطان، وحبس في شأن القرآن، فحدثنا عن الربيع قال: كتب إلي ~~البويطي من السجن يحثني على المجالس، ويأمرني بالمواظبة على العلم والرفق ~~بالمتعلمين والإقبال عليهم، وأن أتواضع لهم وقال: كثيرا ما كنت أسمع ~~الشافعي رضي الله عنه يقول: # أهين لهم نفس لكي يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها # وأوصى بعض السلف ابنه فقال: يا بني لا تصحب من الناس إلا من إن افترقت ~~قرب منك، وإذا استغنيت لم يطمع فيك، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك، إن ~~تذللت له صانك، وإن احتجت له مانك، وإن اجتمعت معه زانك، فإن لم تجد هذا ~~فلا تصحبن أحدا، ومن حق الأخوة في الله عز وجل ما نقل إلينا من سيرة السلف ~~قال: كان الرجل يجيء إلى منزل أخيه من حيث لا يعلم، فيقول لأهله: هل عندكم ~~دقيق، ألكم زيت تحتاجون إلى كذا، فإن قالوا ليس عندنا اشترى لهم مصالحهم، ~~قال: ولم يكن الأخ يفرق بين عياله وعيال أخيه، يقاسمهم المؤونة قال: ويلقى ~~أخاه فلا يعلمه بشيء من ذلك، وأما سعيد بن أبي عروبة، فكان يعلق كل ثوب ~~عنده على الحبل، ويظهر كل صنف من طعام فيصفه، وربما اشترى المسلوخ فيعلقه، ~~ويفتح بابه ويدخل عليه إخوانه في الله عز وجل، فكان من أراد طعاما أكل، ومن ~~اشتهى لحما قطع وشوى أو طبخ، ومن احتاج # PageV02P381 # إلى ثوب لبس من غير إذن ولا مؤامرة، قد عرفوا ذلك من أخلاقه، وكان مثله ~~جماعة متخلقين بهذه الأخلاق، وقد جعل الله تبارك وتعالى الألفة بين ~~المؤمنين من آياته، وتمدح بوصفها ولم يكلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال عز وجل: (وألف بين قلوبهم ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) الأنفال: 63، أي عزيز لا يؤلف ~~غيره ما فرق، ولا يفرق سواه ما ألف، حكيم تفرد بالحكم في التأليف، كما توحد ~~بالتوحيد بالتعريف، ومعنى آخر: عزيز عزز الألفة وعظمها عند المؤمنين، حكيم ~~جعلها ms1131 في الحكمة مع الحكماء من الصالحين، ونظر أبو الدرداء إلى ثورين ~~يحرثان في فدان، فوقف أحدهما يحك جسده فوقف الآخر فبكى أبو الدرداء فقال ~~له: هكذا الإخوان في الله عز وجل، يعملان لله تبارك وتعالى ويتعاونان على ~~أمر الله، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر لوقوفه، وكان أكثر عبادة أبي الدرداء ~~التفكر، وكان يقول: إني لأدعو لأربعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم. # وقد جاء في الحديث: دعاء الأخ لأخيه بالغيب لا يرد، ويقول الملك: ولك مثل ~~هذا، وفي لفظ آخر يقول الله تبارك وتعالى: بك أبدأ، والحديث المشهور: ~~يستجاب للمرء في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه، فمن واجب الأخوة تخصيصه ~~وإفراده بالدعاء، والاستغفار له في الغيب، فلو لم يكن من بركة الأخوة إلا ~~هذا كان كثير، وكان محمد بن يوسف الأصبهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح، ~~أهلك يقتسمون ميراثك وهو منفرد بحسرتك، مهتم بما قدمت، يدعو لك في ظلمة ~~الليل وأنت تحت أطباق الثرى، فقد أشبه الأخ الصالح الملائكة: لأنه جاء في ~~الخبر: إذا مات العبد قال الناس: ما خلف وقالت الملائكة: ما قدم، يفرحون ~~بما قدم من خير ويشفقون عليه، وقال بعض العلماء: لو لم يكن في اتخاذ ~~الإخوان إلا أن أحدهم يبلغه موت أخيه فيترحم عليه ويدعو له، فلعله يغفر له ~~بحسن نيته له ويقال: من بلغه موت أخيه فترحم عليه واستغفر له، كأنه شهد ~~جنازته وصلى عليه، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الميت ~~في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ، وإنه ~~ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء، من الأنوار أمثال الجبال ويقال: ~~الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء في الدنيا، قال: فيدخل الملك على ~~الميت معه طبق من نور، عليه منديل من نور فيقول: هذه هدية من عند أخيك ~~فلان، من عند قرينك فلان قال: فيفرح بذلك، كما يفرح الحي بالهدية، فقد كان ~~الإخوان يوصون إخوانهم بعدهم بدوام الدعاء لهم، ويرغبون في ms1132 ذلك لحسن يقينهم ~~وصدق نياتهم، وإن أعظم الحسرة من خرج من الدنيا ولم يؤاخ أخا في الله عز ~~وجل، # PageV02P382 # فيدرك بذلك فضائل المؤاخاة وينال به منازل المحبين عند الله تعالى، ومن ~~أشد الناس وحشة في الدنيا من لم يكن له خليل يأنس به وصديق صدق يسكن إليه، ~~كما قال علي عليه السلام: وغريب من لم يكن له حبيب ولا يوحشنك من صديق سوء ~~ظن، وأنشد بعض الشيوخ لبعضهم: # وليس غريبا من تناءت دياره ... ولكن من يجفي فذاك غريب # ومن كان ذا عهد قديم وذا وفا ... فلو جاوز السدين فهو قريب # وقيل لسفيان الثوري: بمن تأنس فقال: بقيس بن الربيع، وما رأيته منذ ~~سنتين، وكان بعضهم يقول: أنا بمودة من غاب عني من بعض إخواني أوثق مني ~~بمودة من يغدو علي ويروح في كل يوم مرتين، وقال محمد بن داود: قرب القلوب ~~على بعد المزار خير من قرب الديار من الديار، وليتق أن يعاشر أخاه بخمس ~~خصال، فليست من الأدب ولا المروءة: أولها أن لا يلزمه بما يكره مما يشق ~~عليه، والثانية أن لا يسمع فيه بلاغة ولا يصدق عليه مقالة، والثالثة أن لا ~~يكثر مسألته من أين تجيء وإلى أين تذهب، وأن لا يتجسس عليه ولا يتحسس عنه، ~~والفرق بينهما أن التجسس يكون في قفو الآثار، والتحسس يكون في تطلع ~~الأخبار، فقد روينا كراهة هذه الخمس في سيرة السلف، وقال محمد بن سيرين: لا ~~تلزم أخاك بما يشق عليه، وقال مجاهد إذا رأيت أخاك في طريق فلا تسأله من ~~أين جئت ولا أين تذهب فلعله أن يصدقك في ذلك أو يكذبك، فتكون قد حملته على ~~الكذب، وروينا أن حكيما جاء إلى حكيم فقال: جئتك خاطبا إليك مودتك فقال: إن ~~جعلت مهرها ثلاثا فعلت قال: وما هن قال: لا تخالفني في أمر، ولا تقبل علي ~~بلاغة، ولا تعطين في رشوة فقال: قد فعلت قال: قد آخيتك، وأما التجسس ~~والتحسس فقد نهى الله ورسوله عنهما، وجعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1133 ~~من شرط الأخوة مع ترك التدابر والتقاطع، فقد روينا في الخبر السائر: لا ~~تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ~~المقاطعة في الشهادة أن تقطع مواصلته، وتنحرف عن جريان عادته، والتدابر في ~~الغيب مأخوذ منه إذا ولاك الدبر أي لا تدابره إلا بما يحب، كما تكون له في ~~المقابلة كما أخذت الغيبة من الغيب أي لا تخلفه في غيبه بما يكره، وقد كان ~~الإخوان يتبايتون على العلوم والأعمال، وعلى التلاوة والأذكار وبهذه ~~المعاني تحسن الصحبة، وتحق المحبة، وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع ~~به في العاجل والآجل، ما لا يجدونه في التخلي والانفراد من تحسين الأخلاق، ~~وتلقيح العقول، ومذاكرة العلوم، وهذا لا يصح إلا لأهله، وهم أهل سلامة ~~الصدور والرضا بالميسور مع وجود الرحمة، وفقد الحسد، ووجد التناصر، وعدم ~~التظاهر، وسقوط التكلف، ودوام التآلف، فإذا عدمت هذه الخصال ففي وجود ~~أضدادها تقل المباينة، وقد قيل: من سقطت # PageV02P383 # كلفته دامت صحبته وألفته، ومن قلت مؤونته دامت مودته، وقال علي عليه ~~السلام: شر الأصدقاء من تكلف له، وقال يونس النبي عليه السلام لما زاره ~~إخوانه، فقدم إليهم خبز شعير وجزلهم من بقل كان زرعه وقال: لولا أن الله ~~تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم. # وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم: أنا والأتقياء من أمتي براء من ~~التكلف، فجملة التكلف هو عمل ما لا نية للعبد فيه، ودخول العبد فيما لا ~~يعنيه وتعاطيه ما قد كفيه، ومع وجود الحسد وكمون الغل، وهو ثبوت الحقد تكون ~~المباينة، وفي التطاول والتظاهر تقع المجانية، ومع الخبث والمكر تكون ~~المنافرة، وهذا كله يذهب الألفة وينقص المحبة ويبطل فضيلة الأخوة، وقال بعض ~~أهل البيت: أثقل إخواني علي من أحتشمه ويحتشمني، وقال بعض السلف: كانوا لا ~~يغتنمون ولا يحتشمون، وسئل الحسن عن الصديق الذي أكل ماله بغير إذن منه ~~فقال: من استراحت إليه النفس وسكن إليه القلب، فإذا كان كذلك فلا إذن له في ~~ماله، وسئل ذو النون عن الأنس فقال: أن تأنس ms1134 بكل وجه صبيح وكل صوت فصيح، ~~والله تبارك وتعالى فيما بينك وبين ذلك، وإذا علمت أن أخاك يسر بأخذك من ~~رحله وملكه، أو علمت أنه لا يكره ذلك إن فعلته، حل لك أن تأخذ، وإن كان لم ~~يأذن لك لأن علمك يقوم مقام إذنه، وعلامة هذا منك انشراح صدرك بذلك، وخفته ~~على قلبك، فذلك دليل على سروره به، وعلى قياسه من علمت من الناس أنه يكره ~~تناولك من ماله شيئا، أو عرفته يبخل ضنانة بما في يديه، فإني أكره لك أن ~~تأكل من ماله شيئا وإن أذن لك بعد أن تعلم أن الأحب إليه أن لا تأخذ، ففي ~~الورع وإن أعطاك أن لا تقبل فإن بذله مع علمك بأمره لغو لا حقيقة له، ودليل ~~ذلك ضيق صدرك به، ووجود الحشمة والوحشة في القلب، فقد جاء في الأثر الإثم ~~حواز القلب، وجاء الإثم ما حاك في صدرك، والبر حسن الخلق، والبر ما سكنت ~~إليه النفس واطمأن به القلب، فقد جاءت هذه الألفاظ في أحاديث متفرقة، وعلى ~~ما ذكرناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من لحم بريرة تصدق به عليها ~~وكانت غائبة لما علم أنه يسرها، فلم ينتظر إذنها فعلى ضد ذلك في القياس ما ~~ذكرناه، ونظر هاشم الأوقص إلى الحسن وهو يأكل من جون لبقال، من هذه بسرة ~~ومن هذه تينة، فقال له: يا أبا سعيد، تأكل من مال الرجل بغير إذنه فقال: يا ~~لكع، اتل علي آية الأكل، ثم قرأ الحسن (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم) النور: 61 إلى قوله تعالى: (أو صديقكم) النور: 61، وقد كان أصحاب ~~محمد بن واسع وفرقد السنجي يدخلون منزله فيأكلون من غير أن يؤذن لهم ويقول: ~~ذكرتموني أخلاق قوم مضوا هكذا كنا، قال: وكنا ندخل على أبي سليمان ~~الداراني، فيقدم إلينا الطيبات ولا يأكل معنا ويقول: إنما خبأته لكم فقلنا: # PageV02P384 # تطعمنا الشهوات ولا تأكلها فقال: لا آكلها لأني قد تركت أكلها، وأقدمها ~~إليكم لأني أعلم أنكم تشتهونها وقال: كنا نبايت ms1135 إبراهيم بن أدهم في ~~المصيصة. # وفي قرى السواحل، فكان يكسر لنا الصنوبر والبندق واللوز ليله أجمع ويقول: ~~كلوا فقلنا: لو أقبلت على صلاتك وتركت هذا فيقول: هذا أفضل، وكان بعض الناس ~~يفجؤه الضيف، فلا يكون عنده ما يقدمه إليه، فيذهب إلى منزل أخيه، فيأخذ ~~خبزا وقدرا قد كان طبخها، فيحمله إلى ضيفه، فيلقاه أخوه بعد ذلك فيستحسنه ~~منه ويأمره بفعل مثل ذلك في كل نائبة، وقال بعض العلماء: إذا عمل الرجل في ~~منزل أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده، ودخل الخلاء ونام وصلى، ~~فذكرت هذه الحكاية لبعض أشياخنا فقال: صدق، بقيت خصلة قلت: ما هي قال: معها ~~وجامع فإذا فعل هذا فقد تم أنسه به، لأن هذه الخمس لأجلها يتخذ البيوت، ~~ويقع الاستخفاء لما فيها من التبذل والعورة، ولولاها كانت بيوت الله سبحانه ~~أروح وأطيب، ففي الأنس بالأخ وارتفاع الحشمة من هذه الخمس، مثال حال الأنس ~~في الوحدة بالنفس من غير عيب من عائب ولا ضد لكن من اتفاق جنس، وهذا لعمري ~~نهاية الأنس ذاتا، فأما الخامسة، وهو قول شيخنا وجامع، فعلى ذلك يصلح أن ~~يستدل له بقول العرب في تسليمهم وترحيبهم: مرحبا وأهلا وسهلا أي لك عندنا ~~مرحب، وهو السعة في القلب والمكان، ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة منا، ~~وسهلا أي لك عندنا سهولة، ذلك يسهل علينا ولا يشتد فهو سهولة اللقاء ~~وسهولته من الأخلاق في الالتقاء، واعلم أن للناس في التعارف سبع مقامات ~~بعضها فوق بعض، فأول ذلك المعرفة عن الرؤية أو السمع فقط، فلهذا حرمة ~~الإسلام وحق العامة، ثم المجاورة وله حق الجوار، وهو ثاني حقوق الإسلام، ~~وهذا هو الجار الجنب، ثم المرافقة في طريق أو سفر وهذا هو الصاحب بالجنب في ~~أحد الوجهين من الآية، فلهذا ثلاثة حقوق لأنه قد جمع حرمة الإسلام وحرمة ~~الجوار وزاد عليها بأنه ابن سبيل، ثم الصحبة وهي الملازمة والاتباع، فهذا ~~فوق ذلك، ثم الصداقة وهي حقيقة الأخوة، ومعها تكون المعاشرة وهو اسم تكون ~~معه ms1136 المخالطة، وتوجد فيه المؤانسة، وهو يحكم بالمزاورة والمبايتة والمؤاكلة ~~وهذا جملة العشرة، فالمعاشرة مأخوذة من العشير، وهو الخليط المقارب، ولذلك ~~سمي الزوج عشيرا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ويكفرن العشير، وقد قال ~~الله عز وجل في تسمية المعاشر وفي قربه: (لبئس الولى ولبئس العشير) الحج: ~~13، يعني ابن العم المختلط به، فقيل منه معاشرة على زنة مفاعلة لأنه شيء ~~يقع بين اثنين لا محالة، كان كل واحد قد فعل مثله أي يفعل هذا مثل ما يفعل ~~هذا، مثل المضاربة والمقاتلة والمشاتمة، إذا فعل كل واحد بصاحبه كفعله به، ~~ثم الأخوة فوق الصداقة، وهذا لا يكاد يكون إلا بين النظراء في # PageV02P385 # الحال، والمتقاربين في الحسن، والمعاني بأن يوجد في أحدهما من القلب ~~والهمة والعلم والخلق، ما يوجد في الآخر وإن تفاوتا كما قال تبارك وتعالى: ~~(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) الأسراء: 27، وليسوا من جنسهم ولا على ~~وصفهم في الخلقة، ولكن لما تشابهت قلوبهم وأحوالهم آخى بينهم، فهذه أخوة ~~الحال وهي حقيقة الصداقة، ثم المحبة وهي خاصية الأخوة، وهذا يجعله الله ~~تبارك وتعالى من الألفة ويوجده من الأنس في القلوب، يتولاه بصنعه ولا يوليه ~~غيره، وهذا ارتياح القلوب وانشراح الصدور ووجد السرور، وفقد الوحشة، وزوال ~~الحشمة، ثم الخليل وهذا فوق الحبيب، ولا يكون هذا إلا في عاقلين عالمين ~~عارفين على معيار واحد، وطريق واحد، وهذا أعز موجود وأغرب معهود، والخلة ~~مأخوذة من تخلل الأسرار، ومعها تكون حقيقة الحب والإيثار، فكل خليل حبيب، ~~وليس كل حبيب خليلا، لأن الخلة تحتاج إلى فضل عقل، ومزيد علم، وقوة تمكين، ~~وقد لا يوجد ذلك في كل محبوب، فلذلك عز طلبه وجل وصفه، وقد رفع الله عز وجل ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في مقام المحبة، فأعطاه الخلة ليلحقه بمقام ~~إبراهيم، فكانت الخلة مزيد المحبة، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لو كنت متخذا من الخلق خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل ~~الله عز وجل، فلما أتخذه خليلا لم يصلح ms1137 أن يشرك في خلة الخالق خلة الخلق، ~~ثم قال: ولكن أخوة الإسلام فأوقفه مع الأخوة، لأن فيها مشاركة في الحال كما ~~فعل بعلي عليه السلام، وعدل به عن النبوة كما عدل بأبي بكر عن الخلة. # وفي الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فرحا مستبشرا ~~فقال: ألا إن الله تبارك وتعالى، قد اتخذني خليلا كما أتخذ إبراهيم خليلا، ~~فأنا حبيب الله عز وجل، وأنا خليل الله، وليس قبل المعرفة اسم يوجب حكما ~~إلا ظاهر الإسلام، ولا بعد الخليل وصف يعرف إلا نعت محب، ثم تتزايد الحرمات ~~في الأخوات ما بين المعرفة والخلة، وتعظم الحقوق بطول الصحبة وجميل العشرة، ~~ويقال صحبة سنة أخوة ومعرفة عشر سنين قرابة، قد ضم الله عز وجل الصديق إلى ~~الأهل ووصله بهم، ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق، وهو قوله عز وجل: (أو ما ~~ملكتم مفاتحه) النور: 61، كان الأخ يدفع مفاتح خزائنه إلى أخيه، ويتصرف في ~~الحضر ويتقلب في السفر، ويقول لأخيه: حكمك فيما أملك كحكمي، وملكي له ~~كملكك، فكان أخوه يتضايق ويتحرج فيقتر على نفسه لأجل غيبة أخيه، ويقول: لو ~~كان حاضرا لاتسعت وأكلت رغدا للورع الذي فيه، والنصح والإيثار لأخيه فرحم ~~الله عز وجل تضايقهم وشكر تورعهم، فأطلق لهم الإذن ووسع عليهم في الأكل ~~فقال عز وجل: (ولا على أنفسكم) النور: 61، أي لا إثم ولا ضيق أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبائكم، # PageV02P386 # ثم نسق الأقارب على ترتيب الأحكام، وضم إليهم الأخ لما وصفه بتمليكه ~~مفاتحه أخاه، فأقام ذلك مقام ملك أخيه، لأنه أقام أخاه مقامه فقال تعالى: ~~(أو ما ملكتم مفاتحه) النور: 61، ثم أخر الصديق بعده إذ لم يكن بحقيقة ~~وصفه، ثم قال عز وجل: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا) النور: 61، بحضرة ~~الإخوان أو أشتاتا في حال تفرقهم، فسوى بين غيبتهم وشهودهم لتسوية إخوانهم ~~بينهم وبين أملاكهم، واستواء قلوبهم مع ألسنتهم في البذل والمحبة، لتناول ~~المبذول وهذا تحقيق وصفه عز وجل لهم في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) ~~الشورى: ms1138 38، وقال بعض الأدباء: إذا ائتلف الإخوان جماعة، ثم اجتمع بعضهم ~~على لذة وفقد البعض نقص من اللذة بمقدار من نقص منهم، وهذا يكون بوجود ~~الأنس بهم ومواصلة الذكر، وروينا أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل ~~الحسن وكان غائبا، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت السرير فجعل ~~يأكل، فدخل الحسن فقال: هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض واعلم أنه ليس بين ~~الأخوين والصاحبين رياء في أعمالهما، وإن تراءى برأي العين أعمالهم لهم ~~ثواب السر والخلوة، لأنهما كالأهل في الحضر وكالصحابة في السفر، وليس بين ~~الرجل وأهل بيته ولا بين المسافر ورفقائه رياء ولا سمعة، ولا عليه منهم ~~اختفاء ولا خلوة، فإن صحبه أخوه هذا في سفر كانت حرمته عليه ألزم وحقه ~~أوجب، فينبغي أن لا يخالفه ولا يعترض عليه إن أحب النزول في منزل لم يكره ~~أخوه ذلك، وإن اختار أحدهما الرحيل لم يحب الآخر المقام، وإن سار أحدهما لم ~~يقف صاحبه، وإن استراح الآخر وقف له رفيقه، وإن اشترى شيئا لم ينهه عنه، ~~ولا يستأثر بمطعوم ولا مشروب بل يؤثره بذينك، وفي الخبر: ما اصطحب اثنان قط ~~إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أرفقهما بصاحبه. # وروينا أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل غيضة مع بعض ~~أصحابه، فاجتنى منها سواكين من أراك، أحدهما معوج والآخر مستقيم، فحبس ~~المعوج لنفسه ودفع المستقيم إلى صاحبه فقال: يار سول الله أنت كنت أحق ~~بالمستقيم فقال: ما من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار، إلا سأله الله عن ~~صحبته هل أقام فيه حق الله تعالى أو أضاعه، ومن كان ناظرا في أخوة أخيه أو ~~في صحبته إلى كثرة أعماله، أو واقفا مع أكمل أحواله، دل على جهله بهذا ~~الطريق الذي ينفذ إلى التحقيق لأنها تحول، وإنما المعول على حقائق القلوب ~~وسلامة العقول لأن إليها الأمر مردود، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الآخر ~~دل علىه التزين له والتصنع عنده لتعلو منزلته ويحسن ms1139 عنده أثره فيدخله ذلك ~~في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد، فتزل قدم بعد ثبوتها ويسقط من عين # PageV02P387 # مولاه، فلا يتولاه لأن النفس مبتلاة بحب الثناء والمدح وإثبات المنزلة ~~بإظهار الوصف، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أشأم الناس عليه وأضرهم له، ويصير ~~أحدهما بلاء على صاحبه، فليفارقه حينئذ لأنه جاهل ولا يصحبه، فإنه يجد ~~النقصان وتدخل عليه الآفات بمقارنته، فلينفرد بنفسه فيصدق في حاله عالية ~~كانت أو دنيئة، وضيعة كانت أم رفيعة، من غير مقارنة أحد ولا مباينة فهو خير ~~له وأحمد عاقبة، وهذا باب لطيف قد هلك فيه خلق كثير على ضربين منهم، من ~~صاحب وآخى وبايت على هذه العلل فساكنها، ومن هذه الآفات فقارنها الضعف ~~يقينه وقوة هواه، وكبر الناس في عينه وعظم قدر الدنيا مما يناله منهم في ~~قلبه، فهلك بالتزين والتصنع وأهلك أخاه بنحو ذلك، والضرب الثاني من ~~المتعبدين المعروفين بالستر والصلاح، خافوا ولم يحبوا أن يظهروا على حالهم ~~كراهة الذم وخيفة النقص لهم، فلم يحبوا أن يختبروا بالمباينة ولا ينكشفوا ~~في المصاحبة، ولا تعرف أحوالهم بطول الممارسة، وأحبوا مع ذلك أن يشار إليهم ~~من بعيد ويتوهم فيهم العبادة من غير طول ملاقاة، فأظهروا التفرد والعزلة، ~~وتركوا المباينة والصحبة، وأنكروا هذا وعابوه، يريدون أن يبينوا بذلك عن ~~نظرائهم وينفردوا به عن جملة الخلق بدعوى الحال، ليختصوا بغيرها عندهم من ~~غير حال، ولا انقطاع إلى الله سبحانه، ولا اشتغال، ولقلة معرفة العامة ~~بأحوال الصادقين، فهلك أيضا بالمباينة وغربة الحال وترك السنة من إجابة ~~الدعوى، ومخالطة الأمة كبرا وتطاولا على العامة، وتمويها منهم على من لا ~~يعرف سيرة الأمة، وأوهم بذلك أنه مشغول عنه بسلوك الطريق، لعلمه أنهم لا ~~يعرفون محجة التحقيق، ولعله مشغول بهم وأنهم وساوس قلبه، وهو في ذلك منكشف ~~للصادقين ظاهر جلي للعارفين، وقد جاء في مخالطة المسلمين، وفي الأكل مع ~~الإخوان والاختلاط بالعامة، والمشي في الأسواق واشتراء الحوائج، وحملها ~~للتواضع ما يكثر رسمه ويطول وصفه وكذلك كان سيرة الصحابة وشيمة التابعين ~~بإحسان منهم، عمر ms1140 رضي الله عنه، كان يحمل القربة على ظهره لأهله، وعلي رضي ~~الله عنه كان يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول: # لا ينقص الكامل من كماله ... ما جر من نفع إلى عياله # ومنهم أبي وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة، كانوا يحملون حزم الحطب وجرب ~~الدقيق على أكتافهم وظهورهم، وسيد المرسلين وإمام المتقين، ورسول رب ~~العالمين محمد صلى الله عليه وسلم كان يشتري الشيء فيحمله بنفسه، فيقول له ~~صاحبه: أعطني أحمله عنك فيقول: صاحب الشيء أحق بحمله، وكان الحسن بن علي ~~عليهما السلام يمر على السؤال في الطريق، وبين أيديهن كسر ملقاة في الأرض، ~~فيسلم عليهم فيقولون: هلم # PageV02P388 # الغداء يا بن بنت رسول الله، فيثني رجله عن بغلته وينزل، فيقعد معهم على ~~الأرض ويأكل، ثم يركب ويقول: إن الله تبارك وتعالى لا يحب المستكبرين ثم ~~يدعوهم بعد ذلك إلى منزله فيقول للخادم: هلمي ما كنت تدخرين فيأكلون معه، ~~وروينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصنفا في ~~الحكمة، حتى ظن أنه نال منزلة عند الله تعالى، فأوحى الله إلى نبيه: قل ~~لفلان أنك قد ملأت الأرض نفاقا، وإني لا أقبل من نفاقك شيئا، قال: فتخلى ~~وانفرد في سرب تحت الأرض وقال: قد بلغت محبة ربي فأوحى الله عز وجل إلى ~~النبي، قل له إنك لم تبلغ رضاي قال: فدخل الأسواق وخالط العامة وجالسهم، ~~وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم، فأوحى الله تبارك وتعالى الآن حين ~~بلغت رضاي، فلو أيقن اليائس المتصنع للخلق، الأسير في أيديهم، الرهين ~~لنظرهم، أن الخلق لا ينقصون من رزق، ولا يزيدون في عمر، ولا يرفعون عند ~~الله، ولا يضعون لديه، وأن هذا كله بيد الله عز وجل، لا يملكه سواه، ولو ~~سمع خطاب المولى لاستراح من جهد البلاء، إذ يقول الله عز وجل: (إن الذين ~~تدعون من دون الله) الأعراف: 194، لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله ~~الرزق واعبدوه، مع قوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) ~~الأعراف: 194 فلو ms1141 عقل ذلك لطرح، الخلق عن قلبه اشتغالا بمقلبه، ولأعرض عن ~~الناس بهمه نظرا منه إلى مهمه، وأظهر حاله وكشف أمره تقويا بربه وغنية ~~بعلمه، فلم يبال أن يراه الناس على كل حال يراه فيه مولاه، إذا كان لا يعبد ~~إلا إياه ولا يضره ولا ينفعه سواه، فعمل ما يصلحه وإن كان عند الناس يضعه، ~~وسعى فيما يحتاج إليه وإن كان عند المولى يزري عليه، ولكن ضعف يقينه فقوى ~~إلى الخلق نظره، وأحب أن يستر عنهم خبره لإثبات المنزلة عندهم، ولاستخراج ~~الجاه لنفسه، فيفخر بالخيلاء والعجب، فموه بحال على من لا حال له، ووهم ~~بمقام عند من ليس له مقام، واعتقدوا فضله بذلك لنقصهم، وتوهموا به علمه ~~لجهلهم، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم، حدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: ~~قال لي الشافعي رضي الله عنه: والله ما أقول لك إلا نصحا، أنه ليس إلى ~~السلامة من الناس سبيل، فانظر ما يصلحك فافعله، وحدثونا عن الثوري قال: رضا ~~الناس غاية لا تدرك، فأحمق الناس من طلب من لا يدرك وقد قال بعض الحكماء في ~~معناه قولا منظوما: # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # ونظر أبو محمد سهل إلى رجل من الفقراء فقال له: اعمل كذا وكذا فقال: يا ~~أستاذ لا أقدر على هذا لأجل الناس، فالتفت إلى أصحابه فقال: لا ينال العبد ~~حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين: عبد يسقط الناس عن عينه فلا يرى ~~في الدار إلا هو وخالقه، وأن أحد لا يقدر أن يضره ولاينفعه، أو عبد أسقط ~~الناس عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه، # PageV02P389 # وحدثونا عن إمام الأئمة الحسن بن يسار البصري رحمه الله أن رجلا قال له: ~~يا أبا سعيد إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك، ولا الأخذ عنك، ~~إنما همهم تتبع سقط كلامك وتعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك، فتبسم الحسن ثم ~~قال: هون عليك يا ابن أخي فإني حدثت نفسي بسكنى الحنان، فطمعت وحدثت نفسي ~~بمعانقة الحور الحسان، ms1142 فطمعت وحدثت نفسي بمجاورة الرحمن، فطمعت وما حدثت ~~نفسي قط بالسلامة من الناس، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ~~ومميتهم لم يسلم منهم، فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم، وبمعناه ما روي عن ~~موسىصلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رب احبس عني ألسنة الناس، فقال الله ~~تبارك وتعالى: يا موسى هذا شيء لم أفعله لنفسي، فكيف أفعله بك، وفي لفظ ~~آخر: لو خصصت بهذا أحدا لخصصت به نفسي، وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه ~~يقول: ما من يوم أصبح فيه حيا وأمسي ولا يرميني فيه الناس بداهية إلا عددته ~~نعمة من الله تعالى علي وأنشد: # وإن امرءا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنا لسعيد # وأوحى الله عز وجل إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه ~~الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين، ومثله روينا عن عيسى عليه السلام ~~أنه كان يقول يا معشر الحواريين، إن أردتم أن تكونوا إخوانا فوطنوا نفوسكم ~~عند العداوة والبغضاء من الناس، وقد جعل الله تبارك وتعالى في المخالطة ~~للمؤمنين من البركة، ما لو لم يجيء فيه الأثر إلا هذا، كان فيه كفاية، ~~وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت عدل إلى زمزم ليشرب ~~منها، فإذا التمر المنقع في الحياض الآدم قد مغثه الناس بأيديهم وهم ~~يتناولون منه يشربون فاستسقى منه فقال: اسقوني فقال العباس: يا رسول الله ~~إن هذا النبيذ شراب قد مغث وحيض بالأيدي، أفلا آتيك أنظف من هذا في جر مخمر ~~في البيت فقال: لا اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس، ألتمس بركة أيدي ~~المسلمين فشرب، وروينا في خبر آخر قيل: يا رسول الله، الوضوء من جر مخمر ~~أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال: بل من هذه المطاهر ~~إلتماس بركة أيدي المسلمين، وروينا في الخبر: إذا التقى المسلمان فتصافحا، ~~فتبسم أحدهما إلى صاحبه تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، وفي لفظ الحديث ~~الآخر: قسمت بينهما مائة رحمة ms1143 تسعة وتسعون لآنسهما بصاحبه وأحسنهما بشرا، ~~وروينا في الخبر: خير الأصحاب عند الله عز وجل أرفقهم بصاحبه، وخير الجيران ~~أرفقهم بجاره، وإياك أن تصحب جاهلا فتجهل بصحبته، أو غافلا عن مولاه متبعا ~~لهواه فيصدك عن سبيله فتردى، كما قال سبحانه وتعالى: (فاستقيما ولا تتبعان ~~سبيل الذين لا # PageV02P390 # يعلمون) يونس: 89، فأول الاستقامة صحبة العلماء بالله عز وجل وقال تعالى: ~~(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه) الكهف: 28، وقال تعالى: (فلا ~~يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) طه: 16، أي فتكون رديا وقيل ~~فتهلك وقال تعالى: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) النجم: 29، ففي دليله الإقبال ~~بالصحبة على من أقبل إلى ذكره تعالى، والإعراض عمن أعرض عن وجهه، فلا تصحبن ~~إلا مقبلا عليه كما قال الله عز وجل: (واتبع سبيل من أناب إلي) لقمان: 15، ~~وإياك أن تصحب من الناس خمسة: المبتدع والفاسق والجاهل والحريص على الدنيا ~~والكثير الغيبة للناس، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب مذهبة للأحوال، مضرة في ~~الحال والمآل. # وقد كان سفيان الثوري رحمه الله يقول: النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة ~~وقال سعيد بن المسيب: لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة، ولكن قد ~~كان صعصعة بن صوحان يقول: إذا لقيت المؤمن فخالطه مخالطة، وإذا لقيت ~~المنافق فخالفه مخالفة، وقد قال: أحسن الواصفين في وصف أوليائه المتقين، ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاما أي سلامة، الألف بدل من الهاء لازدواج ~~الكلم، والمعنى، أي سلمنا من إثمكم وسلمتم من شرنا، وقد كان أبو الدرداء ~~يقول في زمانه: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن ~~ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك، وكان ~~يقول: كل يوم أصبح لا يرميني الناس فيه بداهية أعده نعمة من الله تعالى ~~علي، وقال حكيم الحكماء صلى الله عليه وسلم: من خالط الناس وصبر على أذاهم، ~~أفضل ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم، وقال العلام ذو الجلال والإكرام: ~~(أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن ms1144 بالحسنة السيئة) القصص: 45، إي ~~يدفعون بالكلام الحسن السيء وقال عز وجل في الكلام المفسر: (ادفع بالتي هي ~~أحسن) فصلت: 34، يعني بالكلمة الحسنى: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم) فصلت: 34 ثم قال عز وجل وما يلقاها يعني الكلمة: (إلا الذين ~~صبروا) فصلت: 35، أي على أمر الله تعالى وعلى الغيظ، وعن الغضب: (وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: 35، أي من الحلم والعلم وقيل ذو حظ عظيم عند ~~الله عز وجل من النصيب والجزاء وقد قال لقمان الحكيم قولا متوسطا: يا بني ~~لا تكن حلوا فتبلع، ولا مرا فتلفظ، المعنى: لا تمكن الناس من نفسك ولا ~~تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك وينبسطوا إليك، ولا تنافرهم وتخالفهم في ~~كل شيء فيجانبوك ويرفضوك فيقعوا فيك، وقال بعض السلف: لا تصحب إلا مريدا، ~~وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته، وقال بعض علماء العرب: الصاحب ~~كالرقعة في الثوب إن لم تكن من جنسه شانته، وقال بعض الحكماء: كل إنسان مع ~~شكله كما أن كل طير مع جنسه، وقد كان # PageV02P391 # مالك بن دينار يقول مثل هذا، وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة، إلا ~~وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أشكال الناس كأجناس الطير، قال ورأى يوما ~~غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال: كيف اتفقا وليسا من شكل قال: ثم طارا ~~فإذا هما أعرجان فقال: من ههنا اتفقا ويقال: إذا اصطحب اثنان برهة من ~~الزمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يفترقا، وقد أنشدنا بعض العرب لبعض ~~الحكماء في معناه: # وقائل لما تفرقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف # لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وآلاف # وقد روينا في حديث أن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما ~~تناكر منها اختلف، تلتقي فتشام في الهواء، قيل معناه في المذهب والخلق، وفي ~~هذا الخبر زيادة ولو أن مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق وفيه مؤمن واحد، ~~لجاء حتى يجلس إليه، ولوأن منافقا دخل إلى مجلس فيه ms1145 مائة مؤمن وفيه منافق ~~واحد، لجاء حتى يجلس إليه، وقد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه، وهو أن ~~امرأة عطارة كانت بالمدينة من أحد فقدمت امرأة من مكة عطارة وكانت مزاحة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على من نزلت قيل: على فلانة فقال: ~~الأرواح جنود مجندة، وبعض العلماء يقول: إن الله خلق الأرواح ففلق بعضها ~~فلقا، وقدر بعضها قدرا، ثم أطافها حول عرشه، فأي روحين من فلقتين تعارفا ~~هناك فالتقيا تواصلا ههنا في الدنيا وترافقا، وأي روحين من قدرتين أو فلقة ~~وقدرة أختلفا ثم وتناكرا هناك فاختلفا في الجولان، فإن هذين إذا ظهرا اليوم ~~تباينا وتنافرا، فهذا تأويل الخبر عنده، فما تعارف منها أي في الطواف ~~فتقابلا تعارفا ههنا وترافقا ائتلفا، وما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا ~~تناكرا ههنا اليوم في الخلق والحال لما ظهرا فاختلفا، وليس الائتلاف يقع ~~بنفس الاجتماع ووقت الاتفاق، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال ومشاكلة ~~الأخلاق، لأنهم شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير، وقد يتفق الطيران من جنسين ~~ويتجامعان في مكان، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة ولا اتفاقا في الخليقة ~~لتباينهما في التشاكل، ولا يتبين ذلك في الاجتماع وإنما يتبين في الطيران ~~إذا طارا معا، فأما إذا ارتفع أحدهما ووقع الآخر وعلا أحدهما وقصر الآخر، ~~فلا بد من افتراق حينئذ لفقد التشاكل، ولا بد من مباينة لعدم التجانس عند ~~الطيران، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال والوصف ~~بعد الاتفاق، واعلم أن الائتلاف والاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا ~~وافترقا في أربعة معان، إذا استويا في العقود، واشتركا في الحال، وتقاربا ~~في العلم واتفقا في الأخلاق، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي: التشاكل ~~والتجانس ومعه يكون الائتلاف والاتفاق، وإن اختلفا في جميعها فهو التباعد ~~والتضاد وعنده يكون التباين والإفتراق، وإن اتفقا في بعضها واختلفا # PageV02P392 # في البعض كان بعض الاتفاق وبعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف بمقدار ما وجد ~~من التعارف، ويوجد من الإختلاف نحو ما فقد من الاتفاق، وهذا هو تناكر ms1146 ~~الأرواح لتباعد نشأتها وتشامها في الهواء، وذلك الأو ل هو تعارف الأرواح ~~بقرب التشام باجتماع الأوصاف. # حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف رحمهما الله قال: جاء الأسود بن سالم إلى ~~عمي معروف، وكان مؤاخيا له فقال: إن بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك، ~~وهو يستحي أن يشافهك بذلك، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك ~~وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها، إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر ~~بذلك، ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة، فإنه يكره كثرة الالتقاء، ~~فقال معروف رحمه الله: أما أنا، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا ~~نهارا، ولزرته في كل وقت ولآثرته على نفسي في كل حال، ثم ذكر من فضل الأخوة ~~والحب في الله عز وجل أحاديث كثيرة، ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينه وبين علي عليه السلام، فشاركه في العلم وقاسمه في ~~البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه، وخصه بذلك لمؤاخاته: وإني أشهدك أني ~~قد عقدت له أخو ة بيني وبينه وأعتقده أخا في الله عز وجل لرسالته ولمسألتك، ~~على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت، وآمره بلقائي في مواضع ~~نلتقي فيها، وآمره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه، وأن يطلعني على جميع ~~أحواله، قال: فأنصرف بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا، فرضي بذلك وسربه، ~~فهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس وفضلائهم، فكان فيه اتساع للأصحاب وصبر ~~عليهم، وهو الذي أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال: يا أبا ~~محفوظ، هذان الرجلان إماما هذا البلد، فأشر علي أيهما أصحب، فإني أريد أن ~~أتأدب به أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف: لا ~~تصحب أحدهما، فإن أحمد صاحب حديث، وفي الحديث: اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ~~ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر وحب الخلوة، وأما بشر فلا يتفرغ لك ولا يقبل ~~عليك شغلا بحاله، ms1147 ولكن اصحب أسود بن سالم، فإنه يصلح لك ويقبل عليك، ففعل ~~الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود دونهما، لأنه ~~كان أليق بحاله وأشبه بوصفه، وكذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فآخى بين إثنين شكلين في العلم ~~والحال آخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمن، وهما نظيران، وآخى ~~بين سلمان وأبي الدرداء وهما شكلان في العلم والزهد، وآخى بين عمار وسعد ~~وكانا نظيرين، وآخى بين علي وبينه رضي الله عنهم أجمعين، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله أجمعين، وهذا من أعلى فضائله لأن علمه من علمه، وحاله من # PageV02P393 # وصفه، ثم آخى بين الغني والفقير ليعتدلا في الحال، وليعود الغني على أخيه ~~الفقير بالمال، قال أبوسليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري: إذا آخيت ~~أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه على أمر تكرهه منه، فإنك لا تأمن أن يعنيك ~~بشر من الأمر الأول، قال أحمد: فجربته فوجدته كما قال، وقال بعض العلماء: ~~الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته، ومعاتبته خير من القطيعة، والقطيعة ~~أحسن من الوقيعة، وقال بعضهم: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة، ومثل الأخوة ~~مثل الزجاجة الرقيقة ما لم تحفظها وتوقها كانت معرضة للآفات، واستتمام ~~الإخاء إلى خير الوفاة أشد من ابتدائها في حال الحياة، وقال بعض الأدباء: ~~الناس أربعة: فواحد حلو كله فهذا لا يشبع منه، وآخر كله مر وهذا لا يؤكل ~~منه، واحد فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك، وآخر فيه ملوحة فخذ منه ~~إذ احتجت إليه، وقال بعض الأئمة: الناس أربعة فاصحب ثلاثة ولا تصحب واحدا، ~~رجل يدري ويدري أنه يدري، فهذا عالم فاتبعه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري ~~فهذا نائم فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه، ورجل ~~لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا منافق فاجتنبوه، ومثل هذا الرابع قول ~~سهل: ما عصي الله عز وجل بمعصية شر ms1148 من الجهل، وأعظم من الجهل الجهل بالجهل، ~~وقال بعض الأدباء: الناس ثلاثة: فاصحب رجلين وأهرب من الثالث: رجل أعلم منك ~~فاصحبه تتعلم منه، ورجل أنت أعلم منه يقبل منك فاصحبه تعلمه، ورجل معجب ~~بنفسه لا علم عنده ولا تعلم فاهرب من هذا، وقال محمد بن الحنفية رضي الله ~~عنه: ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل ~~الله له منه فرجا، فمعاملته عني يتقي ومخالطته إخوان الأضطرار ومعاشرة ~~التقي ومصافاته من أحس الإحسان، وكان أبو مهران # يقول: أخرج من منزلي فأنا بين ثلاثة، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم ~~فائدتي أتعلم منه، وإن لقيت من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي، وإن لقيت من هو ~~دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه فأحتسب فيه الأجر، وقال أبو جعفر محمد بن علي ~~لابنه جعفر بن محمد عليهم السلام: لا تصحبن من الناس خمسة، واصحب من شئت؛ ~~الكذاب فإنك منه على غرر، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك ~~القريب، والأحمق فإنك لست منه على شيء، يريد أن ينفعك فيضرك، والبخيل فإنه ~~يقطع بك أحوج ما تكون إليه، والجبان فإنه يسلمك وماله ونفسه عند الشدة، ~~والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو بأقل منها، قلت: وما أقل منها قال: الطمع. ~~قول: أخرج من منزلي فأنا بين ثلاثة، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي ~~أتعلم منه، وإن لقيت من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي، وإن لقيت من هو دوني فهو ~~يوم مثوبتي أعلمه فأحتسب فيه الأجر، وقال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر ~~بن محمد عليهم السلام: لا تصحبن من الناس خمسة، واصحب من شئت؛ الكذاب فإنك ~~منه على غرر، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب، والأحمق ~~فإنك لست منه على شيء، يريد أن ينفعك فيضرك، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما ~~تكون إليه، والجبان فإنه يسلمك وماله ونفسه عند الشدة، والفاجر فإنه يبيعك ~~بأكلة أو بأقل منها، قلت: وما أقل منها ms1149 قال: الطمع. # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا صحبه في طريق فدخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم غيضة، فاجتنى سواكين من أراك أحدهما معوج والآخر ~~مستقيم، فأخذ المعوج وأعطى صاحبه المستقيم، فقال الرجل: أنت أحق بالمستقيم ~~مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب يصحب رجلا # PageV02P394 # ولو ساعة من نهار إلا سأله الله عن صحبته، هل أدى فيها حق الله عز وجل أم ~~لا، فكرهت أن يكون لك علي حق لم أرده، واعلم أن الأخوة في الله عز وجل، ~~والمحبة في الله تعالى وحسن الصحبة كانت طرائق السلف الصالح، قد درست اليوم ~~محاجها وعفت آثارها، فمن عمل بها فقد أحياها، ومن أحياها كان له مثل أجر من ~~عمل بها، فمن رزقه الله أخا صالحا تطمئن به نفسه، ويصلح معه قلبه فهي نعمة ~~من الله عز وجل مضافة إلى محاسن نعمه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله. # PageV02P395 ### | الفصل الخامس والأربعون # ذكر التزويج ### | وتركه أيهما أفضل ومختصر أحكام النساء في ذلك # قال سبحانه وتعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) النور: 32 الآية، فأمر ~~المحتاجين وندب المعصومين، فالنكاح فرض مع الحاجة وسنة على الكفاية، ثم ~~وعدهم تعالى الغنى على الفقر، فالغنى على الغني يجعله على نحو الفقر من ~~الفقير، فقد يكون فقيرا من الأجر فيغنيه بالأجر، ويكون فقيرا من عدم الحكم ~~فيغنيه بإيجاب الحكم عليه، ويكون فقيرا بالضيعة والشتات وفقد المنزل ~~والأثاث فيغنيه بوجود ذلك، وأحكمه عز وجل بما عقبه من قوله تعالى وهو ~~الحكيم: (والله واسع عليم) البقرة: 247، فهو واسع لغناهم عن معاني فقرهم ~~عليهم بحالهم وما يصلحهم فيما لا يعلمون على مقادير رتبهم، وروى الحسن عن ~~أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك التزويج مخافة العيلة فليس ~~منا، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته ~~فأنكحوه ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. # وفي الخبر: من نكح لله عز وجل وأنكح لله تبارك وتعالى ms1150 استحق ولاية الله ~~تعالى، وهذا أدنى حال تنال به الولاية لأنها مقامات لكل مقام عمل من ~~الصالحات، إلا أنا روينا أن بشر بن الحارث قيل له إن الناس يتكلمون فيك، ~~فقال: وما عسى يقولون؟ قيل: يقولون إنك تارك لسنة يعنون النكاح، فقال: قل ~~لهم: إني مشغول بالفرض عن السنة، وقال مرة: ما يمنعني من ذلك إلا آية في ~~كتاب الله تعالى قوله: (ولهن مثل الذي عليهن) البقرة: 228، ولعسى أن لا ~~أقوم بذلك، وكان يقول: لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلادا على الجسر، ~~هذا يقوله في سنة عشرين ومائتين، والحلال والنساء أحمد عاقبة، فكيف بوقتنا ~~هذا؟ فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج إذا أمن الفتنة وعود ~~العصمة، ولم تنازعه نفسه إلى معصية، ولم يترادف خواطر النساء على قلبه حتى ~~يتشتت همه أو يقطعه عن حسن الإقبال على الخدمة من مسامرة الفكر ومحادثة ~~النفس بأمر النساء، وما لم يجمح بصره إلى محظور ولم يخالط ذكره شهوة تستولي ~~عليه، لأن أول خطايا الفرج شهوة القلب بمسامرة الفكر وهو معقول # PageV02P396 # الخطيئة الثانية: إنعاظ الفرج عن شهوة القلب وهذا عمل، وقبض الرجل على ~~فرجه متعظا معصية ثالثة، فإن ظهرت الشهوة من الفرج فهو معصية رابعة، ومس ~~الفرج باليمين مكروه، فمتى وقعت هذه المعاني فإنها تغير القلب عن الخشوع، ~~وتدخل عليه النقصان، ومتى لم يبتل العبد بها، فإن الخلوة أفضل المعاني، ~~وفيها يجد لذة الوجود وحلاوة المعاملة، ويقبل على نفسه ويشتغل بحاله ولا ~~يهتم بحال غيره، فيحمل حاله على حال غيره فيقصر، أو يقوم بحكم آخر فيعجز، ~~ويعالج شيطانا آخر مع شيطانه، وتنضم نفس أخرى إلى نفسه، وله في مجاهدة نفسه ~~ومصابرة هواه وعدوه أكبر الأشغال، ومنها أن المكاسب قد فسدت فليس ينال ~~أكثرها إلا يمعصية وهو مسؤول من أين اكتسبه وفيم أنفقه، فإن كان كسب من غير ~~حله حسب ذلك عليه، وإن أنفق على هواه لم يحسب ذلك له، ومنها أن أكثر النساء ~~قليلات الدين والصلاح، والأغلب عليهن الجهل والهوى، فلا ms1151 يأمن أن ينقاد لهن ~~لأجل هواه فيخسر آخرته، أو يمانعهن فيغالطهن، فلا ينقدن له فيتنغص عليه عيش ~~دنياه، وقال الحسن رحمه الله: والله ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما ~~تهوى إلا أكبه الله في النار، ومنها أن الأغنياء في مقام الظالمين للفقراء ~~لبخس حقوقهم عنهم، وتقصيرهم عما أوجب الله عز وجل عليهم لهم، فإن كان ~~المتأهل فقيرا لقي شدة وجهدا وعنتا وكدا ولم يأمن دخول الآفات عليه لأجل ~~عيلته، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء فقال: كثرة العيال، ~~وقلة المال، وقال بعض السلف: قلة العيال أحد اليسارين، وكثرة العيال أحد ~~الفقرين، ويقال: إن العيال عقوبة شهوة الحلال وإن الحرص عقوبة طلب فوق ~~الكفاية فهو عقوبة الموحدين. # وقد جاء في الأثر: الوحدة خير من قرين السوء وهو من القرين الصالح على ~~غير يقين، فلا يزال اليقين بالشك، فإن أكثر النساء من لا صلاح فيه لغلبة ~~الهوى وحب الدنيا عليهن، وفي الخبر: مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل ~~الغراب الأعصم من مائة غراب، يعني الأبيض البطن، وفي وصية لقمان لابنه: يا ~~بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا ~~يدعون إلى خير، وكان من خيارهن على حذر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في خيرات النساء: إنكن صواحبات يوسف عليه السلام، إن صرفكن أبا بكر رضي ~~الله عنه عن الإمامة ميل منكن إلى الهوى وتزيين وإغواء، كما أن زليخا حين ~~راودت يوسف عليه السلام كان ذلك منها غواية وتسويلا، ففيه اعتذار ليوسف ~~عليه السلام وإيقاع اللوم عليها وتشبه لهن بها، وقال الله فيهن حين أفشين ~~سر النبي صلى الله عليه وسلم: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) ~~التحريم: 4، يعن مالت إلى الهوى فأمرهما بالتوبة للميل إلى الهوى، ثم قال: ~~وإن تظاهرا عليه يعني تعاونا وهما من خير الأزواج فماظنك بمن شاكلته ~~الجهالة ووصف الهوى والضلالة؟. # PageV02P397 # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أفلح قوم تملكهم امرأة، ~~وقال ms1152 الله تعالى مخبرا بعداوة بعض الأزواج والأولاد: (إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) التغابن: 41، يعني في الآخرة لانحطاطكم في ~~أهوائهم وميلكم إلى وهن آرائهن، فصاروا عدوا غدا، كيف وقد تكون المرأة ~~والولد أعدى عدو للرجل اليوم بل يوم القيامة إذا خالفهم في أهوائهم وعمل ~~بالعلم في أحوالهم وقد كان إبراهيم بن أدهم يقول: من تعود أفخاذ النساء لم ~~يفلح، وكان بشر رحمه الله يقول: لوكان لي عيال لخشيت أن أكون جلادا على ~~الجسر، فالوحدة أروح للقلب وأقل للهم لخفة المؤونة وقلة المطالبة وأمن ~~المنازعة وسقوط حكم من أحكام الشرع عنه، وقد كان السلف يعملون في إسقاط ~~الحكم عنهم للعجز عن القيام بها، ويغتنمون ذلك، وفي التخلي قلة الاهتمام ~~بالأدخار والجمع، وترك المراعاة، والتحفظ للمبيت في البيت، وسقوط المسألة ~~والاستخبار، وترك التجسس للآثار التي نهى الله ورسوله عنها إذ لا يأمن ذلك ~~مع الزوجة السوء، وإنما زهد الزاهدون في الدنيا لراحة القلب واطراح الهم ~~وسقوط المطالبة، وقد أبيحت العزبة وفضل التعزب لهذه الأمة في آخر الزمان، ~~بعد المائتين أبيحت العزبة لأمتي، ولأن يربي أحدكم جرو كلب خير من أن يربي ~~ولدا، والخبر المشهور: خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاد الذي لا أهل له ~~ولا ولد، وفي خبر آخر: يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يدي زوجته ~~وأبويه وولده، يعيرونه بالفقر ويحملونه ما لا يطيق، فيدخل المداخل التي ~~يذهب فيها دينه فيهلك وربما كانت المرأة عقوبة للعبد. # وقد حدثونا في أخبار الأنبياء عليهم السلام أن قوما دخلوا على يونس عليه ~~السلام فأضافهم، وكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ~~ساكت، فعجبوا من ذلك، وهابوه أن يسألوه فقال: لا تعجبوا من هذا، فإني سألت ~~الله عز وجل فقلت: يا رب ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ~~فقال: إن عقوبتك ابنة فلان فتزوج بها، فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون ~~منها، وهذا كله لمن لم يخش العنت، فأما من خاف العنت وهو الزنا، ms1153 وأصل العنت ~~في اللغة هو الكسر بعد جبر، يقال للدابة إذا كسرت بعد ما جبرت قد عنتت، ~~فكأنه كان مجبورا بالعصمة وبالتوبة ثم كسر بالزلل أو العادة السوداء فنكاح ~~الأمة حينئذ خير له من العنت، والصبر عن نكاح الأمة خير من نكاحها، وهذا ~~معنى قوله عز وجل في نكاح الأمة: (ذلك لمن خشي العنت منكم) النساء: 25، ~~وكذلك إن كثرت الخواطر الردية والوساوس الدنية في قلبه بذكر النكاح فشغله ~~ذلك عن فرضه أو شتت ذلك همه، فإن نكاح الأمة أيضا خير له على أن نكاح الأمة ~~محرم على من وجد طولا بحرة، انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب ~~لم # PageV02P398 # يبرح، فأطال القعود فقال له ابن عباس: هل لك من حاجة فقال: نعم، لي حاجة ~~استحيت أن أسألك عنها بحضرة الملأ قال: سلني عما شئت قال: إني أهابك وأجلك ~~فقال ابن عباس: إنما العالم بمنزلة الوالد لا حشمة على السائل منه، فمهما ~~أفضيت به إلى أبيك فأفض به إلي فإنه لا عيب عليك عندي فقال: رحمك الله إني ~~شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي، وربما استمنيت بذكري فهل لي في ~~ذلك معصية، فأعرض عنه ابن عباس رضي الله عنهما ثم قال: أف وتف، نكاح الأمة ~~خير من هذا، وهذا خير من الزنا، ونكاح الأمة عند علماء العراق حرام على من ~~وجد عشرة دراهم، وعند بعض علماء الحجاز إذا كان واجدا ثلاثة دراهم لم يحل ~~له نكاح الأمة، وعن بعض أصحاب ابن المسيب إن وجد الرجل درهمين حرم عليه ~~الأمة، وقال بعض الناس: أحمق الناس حر تزوج بأمة، وأعقل الناس عبد تزوج ~~بحرة، لأن هذا يعتق بعضه وذلك يرق بعضه، لأنه يرق ولده وقد جاء في كراهة ~~الاستمناء وتحريمه والتغليظ فيه أخبار شديدة. # روينا أن الله عز وجل أهلك أمة من الأمم كانوا يعبثون بمذاكيرهم، وقد ~~أسنده إسماعيل بن أبان عن أنس بن مالك، وسئل أبو محمد عن النساء فقال: ~~الصبر عنهن ولا الصبر عليهن، والصبر ms1154 عليهن خير من الصبر على النار، وكذلك ~~قال بعض العلماء قبله: معالجة العزبة خير من معالجة النساء وقال بعض ~~علمائنا البصريين من أهل الورع واليقين، وقد سئل عن التزويج في مثل زماننا، ~~فذكر ضيق المكاسب وقلة الحلال وكثرة فساد النساء، فكرهه للورع وأمره ~~بالمدافعة فأعيد عليه في ذلك، فقال إنه يدخل في المعاصي لدخول الإنسان في ~~الآفات وفي المكاسب المحرمات ومن أكله بدينه وتصنعه للخلق، فلا يصلح ~~التزويج في هذالوقت إلا لرجل يدركه من الشبق ما يدرك الحمار إذا نظر إلى ~~أتان، لم يملك نفسه أن يثب عليها حتى يضرب رأسه، وهو لا ينثني، فإن كان ~~الإنسان على مثل هذا الوصف كان التزويج له أفضل، وقد روينا عن قتادة في ~~قوله عز وجل: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة: 286، قال الغلمة وعن ~~عكرمة ومجاهد رضي الله عنهما وخلق الإنسان ضعيفا قال: لا يصبر عن النساء. # وروينا عن فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله، وبعضهم يقول: ~~ذهب ثلث دينه، وروينا في نوادر التفسير عن ابن عباس ومن شر غاسق إذا وقب ~~قال: قيام الذكر وقد أسنده بعض الرواة، إلا أنه قال فيه: الذكر إذا دخل ولم ~~يذكر قام، وفي الخبر: إذا تزوج الرجل فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في ~~الشطر الآخر، وفي دعاء البراء بن عازب: أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي ~~ومني، فكان المني إذا امتلأ به خرز # PageV02P399 # الصلب، فطلب الخروج فخيف منه فساد القلب ومرضه بمنزلة الدم إذا كان في ~~العروق، فإذا تصاعد من الصلب طبخه وغيره فابيض وصار منيا بإذن الله عز وجل، ~~وذكر النساء في مجلس معاوية فذمهن قوم فقال: لا تفعلوا، فما علل المريض ولا ~~ندب الميت ولا عمر البيوت مثلهن، ولا احتاجت الرجال إلى مثلهن وفي بعض ~~التفسير قال: (أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) الكهف: 7 قال: النساء، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج، وكان يجمع ~~غلمانه لما ms1155 أدركوا عكرمة وكريب وغيرهما فيقول: إن أردتم النكاح أنكحتكم، ~~فإن العبد إذا زنا نزع نور الإيمان من قلبه، وقد قال عمر رضي الله عنه لأبي ~~الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجوز أو فجور، وحدثنا بعض علماء خراسان عن ~~شيخ له من الصالحين، كان يصحب عبدان صاحب ابن المبارك ووصف من صلاحه وعلمه ~~قال: فكان يكثر التزويج حتى لم يكن يخلو من اثنتين أو ثلاثة فعوتب في ذلك ~~فقال: هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله عز وجل مجلسا، أو وقف بين يدي ~~الله موقفا في معاملته، فخطر على قلبه خاطر شهوة، وأفكر في ذلك فقيل: قد ~~يصيبنا هذا كثير فقال: لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما ~~تزوجت ثم قال، لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته لأستريح ~~منه، وأرجع إلى شغلي ثم قال: منذ أربعين سنة ما خطر على قلبي خاطر معصية، ~~وسمع بعض العلماء بعض الجهال يطعن على الصوفية فقال: يا هذا ما الذي نقصهم ~~عندك فقال: يأكلون كثيرا فقال: وأنت أيضا، لو جعت كما يجوعون لأكلت كما ~~يأكلون ثم قال: ماذ؟ قال: ويتزوجون كثيرا فقال: وأنت أيضا، لو حفظت فرجك ~~كما يحفظون تزوجت كما يتزوجون وأي شيء أيضا قال: ويسمعون القول قال: وأنت ~~أيضا، لو نظرت كما ينظرون لسمعت كما يسمعون، وقد سئل بعض العلماء عن ~~القراء: لم يكثرون الأكل ويكثرون الجماع وتعجبهم الحلاوة فقال: لأنه يطول ~~جوعهم ويتعذر عليهم موجود الطعام، فإذا وجدوا استكثروا منه، وأما الحلاوة ~~فإنهم تركوا شرب الخمر وكثرة لذات النفوس فاجتمعت لذتهم في الحلاوة، فهم ~~يأكلونها، وأما الجماع فإنهم غضوا أبصارهم في الظاهر، فضيقوا على قلوبهم في ~~الخواطر، فاتسعوا في النكاح فأكثروا منه لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار ~~في الأبصار، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول: أحتاج إلى الجماع كما أحتاج ~~إلى القوت، وكان ابن عمر رضي الله عنه من زهاد أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلمائهم، وكان يصوم ms1156 كثيرا، وكان يفطر على الجماع قبل الأكل، وربما ~~جامع قبل أن يصلي بالمغرب ثم يغتسل ويصلي. # وروينا عنه أنه جامع أربعا من جواريه في رمضان قبل صلاة عشاء الآخر، وقد ~~كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: خير هذه الأمة أكثرها نكاحا، وكان سفيان ~~بن عيينة # PageV02P400 # يقول: كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا رضي الله تعالى عنه كان أزهد ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له أربع نسوة وسبعة عشر سرية، ~~فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم، وقد روينا في ~~أخيار الأنبياء أن عابدا تبتل وبلغ من العبادة ما فاق على أهل زمانه، ووصف ~~بذلك فقال: فذكر ذلك لنبي ذلك الزمان، فأثنى عليه بحسن الثناء فقال: نعم ~~الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة قال: فنمى ذلك إلى العابد فأهمه ~~فقال: ما ينفعني عبادتي ليلا ونهارا وأنا تارك للسنة، فجاء إلى ذلك النبي ~~فسأله فقال: نعم أنت تارك للتزوج فقال: ما تركته أنني حرمته ومنعني منه إلا ~~أني فقيرلا شيء عندي وأنا عيال على الناس، يطعمني هذا مرة وهذا مرة، فكرهت ~~أن أتزوج امرأة أعضلها وأرهقها جهدا، فقال: ما يمنعك إلا هذا قال: نعم قال: ~~فأنا أزوجك ابنتي قال: فزوجه النبي عليه السلام ابنته في قصة طويلة، وروينا ~~في نوادر أخبارهم أيضا: أن يحيى بن زكريا عليهما السلام تزوج امرأة ولم يكن ~~يقربها، قيل: لغض البصر وقيل: للفضل في ذلك، كأنه أراد أن يجمع الفضائل ~~كلها، وقيل: للسنة، وكان بشر بن الحارث رحمه الله يعتقد أحمد بن حنبل رحمه ~~الله ويقول: فضل علي بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره، وأنا أطلب الحلال ~~لنفسي واتساعه للنكاح وضيقي عنه وقد جعل إماما للعامة، وأنا أطلب الوحدة ~~لنفسي، ويقال إن أحمد بن حنبل رضي الله عنه تزوج اليوم الثاني من وفاة أم ~~عبد الله ولده، ويقال إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلا ليلة، ولكن قد كان ~~بشر رحمه الله يحتج لنفسه بحجة، قيل له إن ms1157 الناس يتكلمون فيك فقال: وما عسى ~~أن يقولوا قال: يقولون هو تارك للسنة في ترك النكاح فقال: قل لهم: هو مشغول ~~بالفرض عن السنة، وعوتب مرة أخرى في ترك التزوج فقال: ما يمنعني من ذلك إلا ~~حرف في كتاب الله عز وجل: (ولهن مثل الذي عليهن) البقرة: 228 قال: فذكر ذلك ~~لأحمد بن حنبل فقال: وأين مثل بشر أنه قعد على مثل حد السنان، وعلى ذلك فقد ~~بلغنا أنه رحمه الله رؤي في المنام بعد وفاته، فسئل عن حاله فقال: رفعت ~~سبعين درجة في عليين، وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل ~~المتأهلين، وبلغنا عنه أنه قال: وعاتبني ربي عز وجل وقال: يا بشر ما كنت ~~أحب أن تلقاني عزبا قال: فقلت له ما فعل أبو نصر التمار فقال: رفع فوقي ~~سبعين درجة فقلنا: بماذا، وقد كنا نراك فوقه فقال: بصبره على بناته ~~والعيال. # وقد كان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها ~~لأحببت أن أتزوج، ولا ألقى الله عز وجل وأنا أعزب، وماتت امرأة معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه في الطاعون، وكان هو أيضا مطعونا فقال: زوجوني فإني أكره أن ~~ألقى الله عز وجل عزبا، # PageV02P401 # وقد كان بعض الصحابة، انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ~~ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له: ألا تتزوج فقال: يا رسول الله، أنا ~~فقير لا شيء لي وأنقطع عن خدمتك، فسكت عنه ثم أعاد عليه ثانية: ألا تتزوج، ~~فقال له مثل ذلك، ثم تفكر الصحابي في نفسه فقال: والله لرسول الله أعلم بما ~~يصلح في دنياي وآخرتي، وما يقربني إلى الله عز وجل مني لئن قال لي الثالثة ~~لأفعلن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج قال: فقلت: يا ~~رسول الله زوجني قال: اذهب إلى بني فلان فقل لهم إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمركم أن تنكحوني فتاتكم قال: فقلت: يا رسول الله إنه لا شيء ms1158 لي ~~فقال لأصحابه: اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب، فجمعوا له وذهب إلى القوم ~~فأنكحوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولم فقال: يار سول الله ~~لا شيء عندي فقال لأصحابه: اجمعوا لأخيكم ثمن شاة، فجمعوا له وأصلح طعاما، ~~ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي الخبر المشهور: من ~~كان ذا طول فيلتزوج، وفي لفظ آخر: من استطاع منكم الباءة يعني الجماع ~~فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لا فليصم، فإن الصوم له وجاء، ~~وأصل الوجاء رض الخصيتين للفحل من الغنم لتذهب فحولته وضرابه، فكانت العرب ~~تجأ بحجرين فتقطع ضرابه، فيسكن لذلك عهره ويسمن، ومن ذلك الخبر ضحى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين موجوءين يعني أبيضين مرضوضي الخصية. # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا، تناسلوا فإني مكاثر بكم ~~الأمم يوم القيامة حتى بالسقط والرضيع، وفي الخبر الآخر: من أحبني فليستن ~~بسنتي يعني النكاح، وحديث أبي سعيد الخدري: من ترك النكاح مخافة العيلة ~~فليس منا، وقد كان عمر يكثر النكاح ويقول: ما أتزوج إلا لأجل الولد، وقد ~~كانت هذه نية جماعة من السلف، يتزجون لأجل أن يولد لهم فيعيش، فيوحد الله ~~تعالى ويذكره أو يموت، فيكون فرطا صالحا يثقل به ميزانه كيف، وقد روينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الطفل يجر أبويه بسرره إلى الجنة وأن ~~المولود يقال له: ادخل الجنة قال: فيقف على باب الجنة، فيظل محبنطئا أي ~~ممتلئا غيظا وغضبا فيقول: لا أدخل إلا وأبواي معي فيقال: أدخلوا أبويه معه ~~الجنة، وقد روينا خبرا غريبا: أن الأطفال يجمعون في موقف القيامة عند عرض ~~الخلائق للحساب فيقال للملائكة: اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة قال: فيقفون على ~~باب الجنة قال: فيقول لهم: مرحبا بذراري المسليمن، ادخلوا لا حساب عليكم ~~فيقولون: فأين آباؤنا وأمهاتنا قال: فتقول الخزنة: إن آباءكم وأمهاتكم ~~ليسوا مثلكم، إنهم كانت لهم ذنوب وسيئات، فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال: ~~فيتضاغون ويضجون على باب الجنة ضجة ms1159 واحدة فيقول الله عز وجل للملائكة، وهو ~~أعلم: ما هذه الضجة، فيقولون: يا ربنا، أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة ~~إلا مع آبائنا فيقول الله عز وجل: تخللوا الجمع، فخذوا بأيدي آبائهم ~~فأدخلوهم معهم الجنة، # PageV02P402 # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات له اثنان من الولد، فقد ~~احتظر له بحظار من النار، وفي خبر آخر: من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث ~~أدخله الله عز وجل الجنة، بفضل رحمته إياهم قيل: يا رسول الله، فاثنان قال: ~~واثنان، وكان بعض الصالحين يعرض عليه التزويج فيأباه برهة من دهره قال: ~~فانتبه من نومه ذات يوم فقال: زوجوني فسئل عن ذلك فقال: لعل الله يرزقني ~~ولدا أو يقبضني، فيكون مقدمة لي في الآخرة، ثم حدث عن سبب ذلك فقال: رأيت ~~في نومي كأن القيامة قد قامت، وكنت في جملة الخلائق في الموقف، وبي من ~~العطش ما كاد أن يقطع عنقي، وكذلك الخلائق في شدة العطش من الحر والشمس ~~والكرب قال: فبينما نحن كذلك، إذا الولدان يتخللن الجمع، عليهم مناديل من ~~نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد، ~~ويتخللون الجمع ويجاوزون أكثر الناس قال: فمددت يدي إلى أحدهم فقلت: اسقني ~~شربة فقد أجهدني العطش فقال: ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت: وما ~~أنتم فقالوا: نحن من مات، من أطفال المسلمين. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نسائكم الودود الولود، وروي ~~أيضا: حصيرة في البيت خير من امرأة لا تلد، وروي أيضا: سوداء ولود خير من ~~حسناء لا تلد، هذا كله لأجل هذا، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح، ومن أحبني فليستن بسنتي ~~ويقال: إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين وهم خمس ~~وثلاثون، وقد ذكرنا آنفا أن يحيى عليه السلام قد تزوج، وأما عيسى عليه ~~السلام فإنه سينكح إذا نزل من السماء ويولد له، ms1160 وقد قيل إن فضل المتأهل على ~~العزب كفضل المجاهد على القاعد، وإن ركعتين من متأهل أفضل من سبعين ركعة من ~~أعزب، وقال الله تعالى في وصف الرسل ومدحهم: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية) الرعد: 38، فعد الأزواج والذرية من مدحهم وذكرها ~~في وصفهم، وكذلك ألحق بهم أولياءه في المدح والفضل في قوله عز وجل: (والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) الفرقان: 74، فسألوا ~~الله عز وجل من فضله، وكل ما ذكرناه من فضل النكاح يشترك في فضل ذلك ~~النساء، بل هو لهن أفضل وأثوب لسقوط المكاسب عنهن، وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم المرأة بالتزوج وندبها # PageV02P403 # إليه، وأخبر بفضل الرجل وفضل المتزوجة على العزباء في غير حديث، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: لعن الله المتبتلين من الرجال الذين يقولون: لا نتزوج، لعن ~~الله المتبتلات من النساء اللاتي يقلن: لا نتزوج بعد ما ذكر من عظيم حق ~~الرجل على المرأة وثقل واجبه حتى قالت المرأة إذا لا أتزوج إذا قال: بل ~~تزوجي، فهو خير، والأخبار في فضل النكاح للزوجين معا أكثر، وليس مذهبنا ~~الإطالة والإكثار في الجمع، وقد ندب الله تعالى إلى النكاح في قوله تعالى: ~~(فاتوا حرثكم أنى شئتم) البقرة: 223، وفي أنى ثلاث، معان: معنيان منها هنا ~~يكون أنى بمعنى كيف شئتم من ليل أو نهار، فكيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وبين ~~ذلك بعد أن يكون في موضع الحرث، وقد يكون أنى في موضع آخر بمعنى أين، ولا ~~يصلح هذا الوجه ههنا ثم قال عز وجل (وقدموا لأنفسكم) البقرة: 223، قيل: ~~النكاح معطوف به الإتيان، وهو أحد الوجوه الثلاثة: لما فيه من فضل الاغتسال ~~من الجنابة، ولما فيه من فضل مباشرة المرأة وأن المرأة إذا لاعبها بعلها ~~وقبلها كثرت له من الحسنات ما شاء الله، فإذا اغتسلا خلق الله من كل قطرة ~~ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة، وجعل ثواب ذلك لهما، ولما في ذلك من ~~التحصين لهما ووضع النطفة في محلها، وفي ms1161 ذلك فضائل جمة، وقد أمر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا، ~~زوجة مؤمنة تعينه على آخرته. # والوجه الثاني في قوله تعالى: (وقدموا لأنفسكم) البقرة: 223، قيل: الولد ~~قدموا لآخرتكم، لأنه عمل من أعمالكم، كما قال عز وجل: (ألحقنا بهم ذريتهم ~~وما ألتناهم من عملهم من شيء) الطور: 21، أي ما نقصناهم أولادهم، أي ~~جازيناهم بهم وجعلناهم مزيدا في حسناتهم لأنهم من أعمالهم وأكسابهم، وكما ~~قال عز وجل: (ما أغنى عنه ماله وما كسب) المسد: 2، يعني ولده، ففي تدبره أن ~~الولد يغني المؤمن في الآخرة كما يغني المال عنه إذا أنفقه في سبيل الله ~~تعالى، وفي الخبر: ولد الرجل من كسبه فأحل ما أكل من كسب ولده، والوجه ~~الثالث في قوله عز وجل: (وقدموا لأنفسكم) البقرة: 223، قيل التسمية عند ~~الجماع أي اذكروا اسم الله تعالى عنده، فذلك تقدمة لكم، وأنه يستحب للمجامع ~~أن يسمي الله عز وجل عند جماعه، ويقرأ (قل: هو الله أحد) الإخلاص: 1 قبله، ~~وكان بعض أصحاب الحديث إذا أراد الجماع، هلل وكبر حتى يسمع أهل الدار ~~تكبيره، وإذا كانت المرأة معينة لزوجها على الطاعة، طالبة للتقلل والقناعة ~~فهي نعمة من الله عليه يطالبه بشكرها قال الله عز وجل: (وأصلحنا له زوجه) ~~الأنبياء: 90 فعد ذلك من نعمة الله عليه وإحسانه إليه، وقيل في التفسير: ~~كان خلقها سيئا فحسن، وقيل: كان في لسانها طول فقصر، # PageV02P404 # وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم: فضلت على آدم عليه السلام بخصلتين: ~~كانت له زوجة عونا له على المعصية وأزواجي عونا لي على الطاعة، وكان شيطانه ~~كافرا وشيطاني مسلما لا يأمرني إلا بخير، فعد ذلك صلى الله عليه وسلم في ~~فضائله، وإذا كانت المرأة حسنة الوجه خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر، ~~كبيرة العين بيضاء اللون، محبة لزوجها قاصرة الطرف فهذه على صورة الحور ~~العين قال الله تعالى في ذلك: (فيهن خيرات حسان) الرحمن: 7،، قيل: خيرات ~~الأخلاق حسان الوجوه وقال تعالى: (وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون) ms1162 ~~الواقعة: 22 - 23، والحور البيض والعين، كبار الأعين هو جمع عيناء، ~~والحوراء هي البيضاء شديدة بياض العين، شديدة سوادها وسواد الشعر وقال عز ~~وجل: (عربا) الواقعة: 157 العربة على معنيين: تكون العاشقة لزوجها، وتكون ~~المشتهية للجماع، وذلك يكون من تمام اللذة في الوقاع، لأن المرأة إذا لم ~~تكن محبة لزوجها ولا مشتهية لإفضائه إليها، نقص ذلك من لذته فلذلك وصف الله ~~عز وجل نساء أهل الجنة بتمام اللذة، ويقال: رجل شبق وامرأة عربة يوصفان ~~بشهوة الجماع كيف وقد روي: خير نسائكم الغلمة على زوجها وقال بعض الحكماء: ~~ثلاث من اللذات لا يؤبه لهن: المشي في الصيف بلا سراويل، والتبرز على الشط، ~~ومجامعة الربوخ يعني المشتهية للجماع وقال عز وجل في تمام وصفهن: (قاصرات ~~الطرف) الصافات: 48، أي قد قصر طرفها على زوجها وحده، فليست ترى أحسن منه ~~ولاتريد بدلا غيره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نسائكم التي ~~إذا نظر إليها الرجل سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسه ~~وماله. # وروينا عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في معنى قوله عز وجل: (ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة) البقرة: 102 قال: المرأة الصالحة، وفي بعض التفسير: ~~(فلنحيينه حياة طيبة) النحل 16قال: المرأة الصالحة وقد كان عمر رضي الله ~~عنه يقول: المرأة الصالحة ليست من الدنيا لأنها تفرغك للآخرة، إلا أنه كان ~~يقول: المنفرد يجد من حلاوة العبادة ما لا يجد المتزوج، وكان عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه يقول: ما أعطى عبد بعد إيمان بالله عز وجل خيرا من ~~امرأة صالحة، ووصف النساء فقال: منهن غنم لا يجزأ منه، يعني غنيمة لا يعتاض ~~منها بعطاء، الحديا هي العطاء، ومنهن غل لا يفدي منه أي لا قيمة له فيفدى ~~منه ويجوز أن لا راحة منه كالغل، فصاحبها أسير بحبها لا يفتدى أبدا إلا ~~بموتها وقال أيضا: قيل: كانت العرب من نهاية تعذيبها للأسير تسلخ جلد الشاة ~~ثم تلبسه إياه لحما طريا، فيلتزق على جسده وينقبض، ثم ms1163 لا تنزعه عنه حتى ~~يقمل وينتثر منه الهوام، فذلك؛ هو الغل مثل المرأة المكربة، واعلم أن ~~النساء على أوصاف النفس، من عرف صفات النفس عرف بها أوصاف النساء، وقاساهن ~~بالتجربة، والخبر: عرف بذلك صفات النفس: فمنهن المسولة وهي # PageV02P405 # أدناهن، ومنهن الأمارة بالسوء وهي شرهن لا تستر من الأذى ولا تني عن خلق ~~السوء والبذاء، ومنهن بمنزلة النفس اللوامة وهي من صالحي النساء، ومنهن ~~المطمئنة المرضية وهذه هي الصالحة الخيرة الساكنة الراضية، وفصل الخطاب: إن ~~كان صلاح قلب العبد واستقامة حاله في بالعزبة فلا أعدل بالوحدة شيئا، لأن ~~أقل ما فيها السلامة، والسلامة في وقتنا هذا فضيلة وغنيمة، وإن تاقت نفسه ~~إلى التزويج ولم يأمن دواعي الهوى فيتزوج إذا أدى إلى سلامة دينه، وإن لم ~~تتم كفايته بواحدة ضم إليها أخرى فإن لم تكن بهما غنيمته وتمام حاله ~~وتحصينه زاد ثالثة إلى أربع، فإن الأربعة مع توقان النفس إلى النكاح وقوة ~~شهوتها في التنقل في المناكح بمنزلة الواحدة، وإن الواحدة مع وقوع الكفاية ~~ووجود الاستغناء تنوب عن الأربع، كذلك خير الله عز وجل صورة النفس فيما ~~عليه جبلها، وفاوت بين الطبائع فيما عليه جعلها، يقال: إن الله عز وجل أباح ~~الجمع بين الأربع لأجل الطبائع الأربع، لكل طبيعة واحدة على قدر حركاتها ~~وتوقان النفس عندها، ولا نقص على العبد في ذلك إذا قام بما عليه لهن أو ~~سمحن بحقوقهن من النفقة والمبيت له، بل ذلك مزيد له. # ودلالة على قوته وتمكنه في الحال، وهذه طرائق الأقوياء والأئمة من ~~الرجال، وأيضا فإن الله عز وجل ما أنعم به من امتطاء الأربع من النساء من ~~الحكمة، وتلوين الطبع في الصنعة مثل ما أنعم به من تكوين سيرة المطايا، ~~التي جعلهن مراكب عباده، فجعل تفاوت تكوين وطء الأربعة بمنزلة تغاير مشي ~~دواب البر الأربعة فقال عز وجل: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) ~~النحل: 8، وقال عز وجل: (من الفلك والأنعام ما تركبون) الزخرف: 12، يعني ~~الإبل، فسير الناقة غير سير الفرس، وسير البغل مخالف لمشي الحمار، ms1164 وكذلك ~~جعل لمن جمع الأربع بالوطء ما لا يجعل بالآحاد والمثنى والثلاث، فحسن ذلك ~~وأباحه لمن جمع بنيهن أربعا كإطلاقه لمن جعل له المطايا أربعة ينتقل على ~~دابة بعد دابة، فكان له فرس وبغل وحمار إذا اتسع بذلك وأقام بمؤونتهن، وقد ~~يكتفي الواحد بدابة واحدة فيكون فيها بلاغ إلى حين، ذلك تقدير العزيز ~~العليم وإتقان صنع المنعم الحكيم، وقد شرط الله تعالى مع الزوجة ثلاثة ~~شروط، إن وجدت تمت بهن كفاية العبد وسكنت بها نفسه، وكان ذلك من آيات الله ~~الدالة عليه، وإن لم توجد الشروط الثلاثة مع الإحدى، كان له المزيد عليها ~~إلى الرباع، وكن في المعنى كالآحاد لعدم الشروط التي أخبر الله عز وجل ~~بسكون النفس عندها، وعند الأربع توجد الشروط في قلوب المؤمنين لا محالة كما ~~أخبر عز وجل، وكان ذلك أيضا من آياته وحكمته الدالة عليه فقال سبحانه: (ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) # PageV02P406 # الروم: 21، فإن وجد العبد سكون النفس ورحمة القلب ومودة المرأة في ~~الواحدة، فهو من آيات الله عز وجل وهي كفايته وغنيته، وإن لم يجد السكون ~~ولا الرحمة ولا المودة إلا في الأربع، فهن حينئذ كفايته وقنيته، والله ~~تبارك وتعالى يغني بالواحدة ويقني بالأربع، أي يجعل غنيا ويجعل قنية جماعة ~~ومدخرا، وذلك أيضا من آيات الله تعالى واختياره لمن قوي عليه واستقام به، ~~وقد شبه بعض الناس الأزواج بالقمص فقال: ليس من السرف أن يجمع الرجل أربعة ~~أقمصة، وما زاد على ذلك كان سرفا، كما إن الله عز وجل أمر بالجمع بين ~~الأربع من النساء، ويصلح أن يستدل له بقوله تعالى: (هن لباس لكم) البقرة: ~~187، فجعلهن في معنى الملبوس ورفع فيهن إلى الأربع وفي قوله تعالى: ~~(فانكحوا ما طاب لكم من النساء) النساء: 3، ثم ابتدأ فنص على مثنى ولم يقل: ~~إحدى على الندب والاستحباب للجمع بين اثنين، وإن العدل قد يوجد ويقدر عليه ~~معهما، ثم رد إلى الواحدة لمن خاف الجور فيهن فقال تعالى: (فإن ms1165 خفتم أن لا ~~تعدلوا فواحدة) النساء: 3، ففي دليل الخطاب أشتراط العدل في الأربع، ثم ~~ذكره بقوله: (ذلك أدنى أن لا تعولوا) النساء: 3، يعني أقرب أن لا تجوروا، ~~وقد قال بعض الفقهاء من أهل الحجاز واللغة: لا تعولوا، أي لا تكثر عيالكم، ~~والأول أحب إلي، لأنه أشبه بالقرآن كأنه عطف على النص لما قال: أن لا ~~تعولوا، قال: ذلك أدنى أن لا تجوروا، والأول أحب إلي، ويصلح هذا الوجه أيضا ~~في اللغة من قال: عال يعول، بمعنى أعال يعيل، وأكثر العرب فرقت بين ذلك ~~يقولون: عال يعول إذا جار، وأعال يعيل من العيلة إذا كثر عياله، وشاذ نادر ~~من يجعلها لغتين بمعنى فليتوخ العدل بين أزواجه، من جمع بينهن في النفقة ~~والكسوة والمبيت، ولا يحيف على بعض فيقصر عن كفايتها وواجبها في ذلك. # فقد جاء في الحديث: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، وفي ~~لفظ آخر، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ولا عدل عليه في ~~المحبة والجماع، لأن ذلك لا يملك إذا سوى بين البيتوتة، ولا عليه أيضا أن ~~يجامع من بات عندها إنما عليه المبيت ليلة وليلة وفي تفسير قوله تعالى: ~~(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) النساء: 129، قال: لا ~~تقدروا على العدل بينهن في الحب والجماع، لأن ذلك فعل الله عز وجل في ~~القلوب وفي شهوة النفس، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقسم بين نسائه في العطاء والمبيت، وكان يقول: اللهم هذا جهدي فيما أملك ~~ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك، يعني في المحبة والجماع، فقد كان يحب ~~بعضهن أكثر من بعض وكانت عائشة رضي الله عنها أحبهن، وكان يطاف به محمولا ~~في مرضه في كل يوم وليلة فيقول: أين أنا غدا ففطنت امرأة منهن فقالت: إنما ~~يسأل عن يوم عائشة رضي الله عنها فقلن: يا رسول الله إنه ليشق # PageV02P407 # عليك أن تحمل، فقد أذنا لك أن تكون في بيت عائشة رضي الله عنها ms1166 فقال: قد ~~رضيتن بذلك قلن: نعم قال: فحولوني إلى بيت عائشة، فلذلك كانت تقول: قبض في ~~بيتي وبين سحري ونحري تفتخر بذلك، ثم قال الله تعالى عز وجل: (فلا تميلوا ~~كل الميل) النساء: 129 يعني على واحدة دون الأخرى في التقصير والنفقة ~~فتذروها كالمعلقة أي موقوفة غير مستقرة، كأنها لا ذات زوج ولا مطلقة، أي لا ~~أيم فتتحمل لنفسها ولا ذات زوج ينفق عليها فتستغني بزوجها. # والعرب تقول: علقت الأمر إذا أوقفته، وقول معلق أي موقوف غير مطلق بحكم، ~~فعليه أن يقسم بينهن أيامه ولياليه، فيكون عند كل واحدة يوما وليلة، إلا أن ~~تهب لصاحبتها ليلتها أو تسمح له بذلك، فكذلك كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقسم بين نسائه، فأراد أن يطلق سودة بنت زمعة لما كبرت فوهبت ليلتها ~~لعائشة، وسألته أن يقرها على الزوجية لتحشر في نسائه، فتركها ولم يكن يقسم ~~لها، فكان يقسم لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلة ليلة، إلا أنه صلى الله ~~عليه وسلم لشدة عدله كانت نفسه إذا تاقت إلى واحدة في غير ليلتها أو نهارا ~~في غير يومها تاه فجامعها، ثم طاف في ليلته على سائرهن، وكذلك كان يفعل في ~~يومه، فمن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة واحدة، وعن أنس، طاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على تسع نسوة في ضحوة ومن لم يكن له إلا واحدة استحب له أن ~~يفضي إليها في كل ثلاث ليال بمنزلة من له أربع نسوة، ويكون يباشرها في ~~الليلة الرابعة، وبهذا قضى عمر وكعب بن الأسود رضي الله عنهما للرجل أن ~~يأتيها في كل أربع ليال ليلة، فإن علم أن حاجتها إلى أكثر من ذلك كان عليه ~~أن يفعل ماهو أقرب إلى تحصينها وأثبت لعفافها، وإن علم منها كراهة ذلك وقلة ~~همتها له لم يكن عليه الإفضاء إليها إلا في كل شهر مرة أو في كل سنة مرة، ~~وعليها أن ms1167 لا تمنعه ليلا ولا نهارا في كل وقت، وإن كانت صائمة فلا يحل لها ~~أن تصوم إلا بإذنه، وتزوج علي عليه السلام بعشر نسوة وتوفي عن أربع وسبع ~~عشرة سرية، وكان بعض أمراء الشام إذا بلغه عنه كثرة نكاحه يقول: ليست بنكحة ~~ولا طلقة يعرض له بذلك، ويقال أنه تزوج بعد وفاة فاطمة صلوات الله عليها ~~وعلى أبيها بتسع ليال، ونكح أمامة ابنة زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كانت فاطمة صلوات عليها أوصته بذلك، وتزوج الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما مائتين وخمسين امرأة وقيل ثلاثمائة، وقد كان علي عليه السلام يضجر من ~~ذلك ويكره حياء من أهليهن إذا طلقهن وكان يقول: إن حسنا مطلقا فلا تنكحوه ~~فقال له رجل من همدان: والله يا أمير المؤمنين، لننكحنه ما شاء فمن أحب ~~أمسك ومن كره فارق، فسر علي رضي الله عنه بذلك وأنشأ يقول: # ولو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام # PageV02P408 # وهذا أحد ما كان الحسن يشبه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~يشبهه في الخلق والخلق فقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشبهت ~~خلقي وخلقي، وقال حسن: مني وحسين: من علي، وكان الحسن ربما عقد على أربعة ~~وربما طلق أربعا فأرسل غلامه بطلاق امرأتين لهما وقال: قل لهما: اعتدا، ~~وأمر له أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم ففعل، فلما رجع إليه قال: ~~ماذا قالتا فقال له الرسول: أما احداهما فنكست رأسها وسكتت، وأما الأخرى ~~فبكت وانتحبت وسمعتها تقول: # متاع قليل من حبيب مفارق # فأطرق ورحم لها ثم قال: لو كنت مراجعا امرأة لراجعتها، ودخل على عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام فخطب ابنته فقال: إنك لأحب الناس إلي، ولكنك ~~مطلاق وأكره أن يتغير قلبي عليك، فإن ضمنت أنك لا تفارقها فعلت، فسكت ثم ~~اتكأ على بعض أصحابه ثم قال: ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا في ~~عنقي، وقد روينا عن رسول الله صلى الله ms1168 عليه وسلم أن الله عزوجل يحب النكاح ~~ويبغض الطلاق، فانكحوا ولا تطلقوا، وهذا لا يصلح لمن أراد أكثر من أربع، ~~وتزو ج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة، وقد كان في الصحابة من له الثلاث ~~والأربع، وكثير منهم لا يحصى كانت له اثنتان لا يخلو منهما، ويقال: إن كثرة ~~النكاح من شدة غض البصر وقطع المشي في الأثر، إذا خشع الطرف وقصر عن الحرام ~~وانقطع المشي على الأرض غاض البصر والنفس فاتسع في الحلال، وذلك أن للنفس ~~استراحات إلى ما جانسها، هو فتورها عن الذكر، فاستراحات نفوس المتقين إلى ~~المباح من ذلك قوله عز وجل: (ليسكن إليها) الأعراف: 189، وهذا سكون النفس ~~إلى الجنس لما تلائمه من الصفات المجانسة، وهو أحد المعاني في قول علي عليه ~~السلام: روحوا القلوب يعني، في الذكر قيل: روحوها باستراحة النفس إلى ~~المباح، يعني ذكر الآخرة لأن الذكر أثقال وهو بمعنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن لكل عالم شرها وفترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ~~والشره المكابدة والفترة الوقوف والاستراحة، وقد كان أبو الدرداء رضي الله ~~عنه يقول: إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فأقوى بذلك فيما بعد على الحق، ~~وقد كان النساء قديما على غير وصفهن الآن، كان الرجل إذا خرج من منزله تقول ~~له امرأته: يا هذا وتقول له ابنته: يا أبانا، لا تكسب اليوم شيئا من غير ~~حله فيدخلك النار، فنكون نحن سببه، فإنا نصبر على الجوع والضر ولانكون ~~عقوبة لك، وأراد رجل من السلف أن يغيب عن أهله في غزوة، فكره إخوانه ذلك ~~لأنسهم به فجاؤوا إلى أهله فقالوا: لم تتركين زوجك يسافر ولا يدع لك نفقة، ~~ويغيب عنك ولا تدرين متى يقدم فقالت: زوجي منذ عرفته أكال وما عرفته قط ~~رزاقا، يذهب الأكال ويبقى # PageV02P409 # الرزاق، ومع ذلك فلا أحب أن أكون مشؤومة عليه أقطعه عن سبيل الخير. # قال أحمد بن عيسى الخراز لما تزوج بامرأة علي: أي شيئ تزوجت بي ورغبت في ~~قالت: على أن أقوم بحقك علي ms1169 وأسقط حقي عليك، وخطبت رابعة بنت إسماعيل بن ~~أبي الحواري، فكره ذلك لما فيه من العبادة فألحت عليه وأكثرت فقال لها: يا ~~هذه، مالي همة في النساء لشغلي بحالي فقالت يا هذا، إني لأشغل بحالي من ~~شغلك بحالك، ومالي شهوة في الرجال، ولكني ورثت عن زوجي ثلاثمائة ألف دينار ~~وهي حلال، وأردت أن أنفقها عليك وعلى إخوانك، وأعرف بك الصالحين فتكون ~~طريقا إلى الله عز وجل فقال: حتى أستأذن أستاذي قال: فجئت إلى أبي سليمان ~~فذكرت قولها، وقد كان ينهاني عن التزويج ويقول: ما تزوج من أصحابنا إلا ~~تغير، فلما ذكرت له ما قالت، أدخل رأسه في جيبه وسكت ساعة، ثم رفع رأسه ~~وقال: يا أحمد، تزوج بها فإن هذه ولية لله تعالى، وهذا كلام الصديقين قال: ~~فتزوجت بها قال أحمد: فكان في منزلها كر من جص، فلم يبق منه شيء في غسل ~~أيدي المستعجلين للخروج بعد الأكل سوى من كان يغسل يده بالأشنان في البيت ~~قال: وتزوجت عليها بثلاث نسوة، فكانت تطعمني من الطيبات وتطيبني وتقول: ~~اذهب بقوتك ونشاطك إلى أزواجك، فكانت هذه من أرباب القلوب، وكان الصوفية ~~يسألونها عن الأحوال، وكان أحمد يرجع إليها في بعض المسائل، وكانت فاضلة ~~تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل البصرة، وقد كان أبو سليمان يقول ~~في التزويج قولا عدلا: من صبر على الشدة فالتزويج له أفضل، والوحيد يجد من ~~حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل، وقال مرة: ما رأيت أحدا من ~~أصحابنا تزوج وثبت على مرتبته الأولى، وروينا عنه أنه قال: ثلاث من طلبهن ~~فقد رغب في الدنيا، من طلب معاشا، أو تزوج أو كتب الحديث، ولعمري أن المرأة ~~تحتاج إلى فضل مداراة ولطيفة من الحكمة، وطرف من المواساة وباب من ~~الملاطفة، واتساع صدر للنفقة وحسن خلق، ولطف لفظ وهو لا يحسنه إلا عالم ~~حليم، ولا يقوم به إلا عارف حكيم، فمن لم يقم بذلك ولم يهتد إليه، ولم يعتد ~~للنفقة ولم يألف الجماعة، وكان قد ألف وحدته ms1170 وأعتاد الانفراد بأكلته، وكان ~~ضيق القلب بخيل الكف، سيء الخلق غليظ القلب، فظ اللفظ فالوحدة لهذا أصلح، ~~والبعد من النساء لقلبه أروح، فمتى تزوج من هذا وصفه عذب وعذب، وآذى وتآذى، ~~وأثم وآثم به لأن النساء يحتجن إلى فضل حلم يحمل سفههن، وإلى سعة علم يغمر ~~جهلهن، وإلى حسن لطف وحكمة يداري أخلاقهن ويتغافل عن زللهن، فإذا كان الرجل ~~جاهلا سفيها، أو كان سيء الخلق فظا غليظا، اجتمع الجهل فافترق العقل وتقادح ~~الجفاء، وغلظ القلب والأذى فسد أكثر مما يصلح، وتنافرا ولم يكن بينهما أبدا ~~صلح، وليس هو وصف العقلاء، # PageV02P410 # واستحب للرجل إذا أراد التزويج أن يشرح حاله ويبين أخلاقه للمرأة، حتى ~~تكون على بصيرة من أمره ويقين من حاله، ويدخل على إختيار منها، فذلك من ~~الورع وقد فعله بعض السلف، وقد تزوج رجل على عهد عمر رضي الله عنه، وكان ~~يخضب بالسواد فلما دخل بأمراته نصل خضابه فظهرت شيبته، فاستعدى أهل المرأة ~~وقالوا: نحن حسبناه شابا فأوجعه ضربا وقال: غررت القوم وفرق بينهما. # وروينا عن شعيب بن حرب، لما أراد أن يتزوج قال للمرأة: إني سيء الخلق ~~فقالت: يا هذا، أسوأ خلق منك من يحوجك إلى سوء الخلق. # وروي ضد هذا أن رجلا أراد أن يتزوج فقال للمرأة: إن لي أخلاقا أوقفك ~~عليها فإن رضيت بها تزوجتك فقالت: افعل فقال: أنا رجل ملول حقود، سيء الظن ~~غيور، ضيق الصدر واسع الضرب، إن كثرت عندي مللت، وإن أبعدت قلقت، وإن تكلمت ~~أوغرت صدري، وإن سكت أشغلت قلبي، فقالت المرأة: أما بعد فقد ذكرت من نفسك ~~أخلاقا ماكنا نرضاها لبنات إبليس فكيف نرضاها لبنات آدم، انصرف راشدا لا ~~حاجة لنا بك، ومن خشي على نفسه الآفات ووفق له امرأة فيها بعض الخصال ~~المحمودة، فالتزويج له أفضل فليكن له حينئذ في التزويج نيات، لأنه من أكبر ~~الأعمال ولا يكون نكاحه لأجل هواه مجردا فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه: إذا وافق الحق الهوى فذلك الزبد بالبر سيان، فلتكن نيته ms1171 إقامة ~~سنة وصلاح قلب، وسلامة دينه وغض بصره، وتحصين فرجه فقد أمر بذلك، ويحتسب في ~~الكسب على العيال التوبة من الله عز وجل، ويحتسب مثل ذلك في نصحه لها في ~~أمر الآخرة كما يحبه لنفسه، حتى يؤجر بسببها مثل ما يثاب لنفسه، فهو من ~~النصيحة لها والإشفاق عليها، وليجعل ذلك لوجه الله سبحانه فقد روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما أنفق الرجل على أهله فهو له صدقة، وإن الرجل ليؤجر ~~في رفع اللقمة إلي في إمرأته، ومنها إنه كالمجاهد في سبيل الله، وقال رجل ~~لبعض العلماء وهو يعدد نعم الله عز وجل عليه: من كل عمل قد أعطاني الله ~~تعالى نصيبا، حتى ذكر الحج والجهاد وصنوف العبادات فقال له العالم: فأين ~~أنت من عمل الأبدال قال: وما هو قال: كسب الحلال والنفقة على العيال، وقال ~~ابن المبارك لإخوانه وهم في الجهاد: تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه قالوا: ~~ما نعلم، ذاك جهاد في سبيل الله وقتال لأعدائه، أي شيء أفضل منه قال: لكني ~~أعلم قالوا: ما هو قال: رجل متعفف ذو عيلة، قام من الليل فنظر إلى صبيانه ~~نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه، فعمله هذا أفضل من جهادنا في سبيل الله ~~عز وجل وقال رجل لبشر: قد أضرني الفقر والعيال فادع الله لي فقال له بشر: ~~إذا قال لك عيالك: ليس عندنا خبز ولا دقيق ونحن جياع فادع الله لي أنت ذلك ~~الوقت، فإن دعاءك أفضل من دعائي، # PageV02P411 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: من حسنت صلاته وكثر عياله، وقل ~~ماله ولم يغتب المسلمين، فهو معي في الجنة كهاتين. # وفي حديث آخر: أن الله تعالى يحب الفقير المتعفف، أبا العيال ومن النية ~~في ذلك أن الأهتمام بمصلحتهم، والغم على نوائبهم زيادة في حسناتهم، لأنه ~~عمل من أعماله، وفي الخبر: إذا كثرت ذنوب العبد إاتلاه الله تعالى بالهم ~~ليكفرها، وقال بعض السلف: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال، وقد ~~روينا: أن من الذنوب ذنوبا لا ms1172 يكفرها إلا الهم بطلب المعاش، وله في الصبر ~~عليهن وجميل الاحتمال لأذاهن، وفي حسن العشرة لهن مثوبات وأعمال الصالحات، ~~وربما كان موت العيال عقوبة للعبد ونقصان حظ، إذا كان الصبر عليم والإنفاق ~~مقاما له كان عدم ذلك مفارقة لحاله نقص به، وحدثنا بعض العلماء: أن بعض ~~المتعبدين كان له زوجة، وكان حسن القيام عليها إلى أن توفيت، فعرض عليه ~~إخوانه التزويج فامتنع وقال: إن الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي قال: فرأيت ~~في المنام بعد جمعة من وفاتها، كأن أبواب السماء قد فتحت، وكان رجالا ~~ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا، وكلما نزل واحد نظر إلي فقال: ~~لمن وراءه هذا هو المشؤوم فيقول: نعم ويقول الثالث: لمن وراءه هذا هو ~~المشؤوم فيقول الرابع: نعم قال: فراعني ذلك وعظم علي، وهبتهم أن أسألهم إلى ~~أن مر بي آخرهم وكان غلاما فقلت له: يا هذا، من المشؤوم الذي تومؤون إليه ~~قال: أنت قلت: ولم ذلك؟ قال: كنا نرفع أعمالك في أعمال المجاهدين في سبيل ~~الله تعالى، فمنذ جمعة أمرنا أن نضعها في أعمال المخالفين، فما أدري ماذا ~~أحدثت فقال لإخوانه: زوجوني، زوجوني فلم يكن يفارقه زوجة أو زوجتان أو ~~ثلاث، وربما كانت النفس الأمارة أضر على العبد من أربع نسوة، وإنما كره من ~~كره الأهل والولد لأجل الشغل بهم عن الله تعالى وما قرب إليه، فإذا كان من ~~لا أهل له ولا ولد مشغولا ببطالته عن الله عز وجل، منهمكا في شهواته عن ~~سبيل هؤلاء، كان أسوأ حالا من ذي الأهل والولد وقد جعل من لا يطلب الأهل ~~والمال للكفاف به والإفضال في المنزل المكروه. # وقد روي في الخبر: أن من أهل النار الضعيف الذي لا دين له، هو فيكم تبع، ~~لا يبغون أهلا ولا مالا، قيل: هم السؤال المنهومون في المسألة، الذي همه ~~بطنه لا يبالي كيف طلب ولا على أي حال من الفحش تقلب، فمن لم يشغله أهله ~~وماله عن الله عز وجل كان أفضل ممن لا أهل له ولا ms1173 ولد، فهو عبد بطنه وفرجه، ~~أسير هواه وشهوته، وقد أخبر الله تعالى أن للمؤمنين أموالا وأولادا، ثم ~~أمرهم أن لا يشغلهم ذلك عن الله عز وجل، وقد وصف أقواما بأن بيعهم وتجارتهم ~~لا تشغلهم عن عبادته، وأنهم أهل خوف من يوم تنقلب فيه القلوب والأبصار، وقد ~~مدح قوما فسألوه الأزواج والذرية، # PageV02P412 # وجعل ذلك في وصفهم في قوله عز وجل: (يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين) الفرقان: 74، وقرة أعين لا يشغل ولا يحجب عن قرة العين ~~بل يكشف عنه ويقرب منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من ~~دنياكم ثلاث، الطيب، والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة، وقد كان أبو سليمان ~~يقول: إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم لذكره، وروينا عن ابن أبي الحواري ~~الحديث الذي رواه عن حبيش عن الحسن: إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل ~~ولا مال، قال أحمد رضي الله عنه: فناظرنا في الحديث جماعة من العلماء، وإذا ~~ليس معناه أنه لا يكون له امرأة ولا ولد ولكن يكونون له ولا يشغلونه، وإنما ~~يحس النكاح بمشغول الهم عن الفكر، فيه ذي نفس مطمئنة وعين خاشعة لرب ذي ~~سكينة وقلب ذي خشية، كما حدثونا عن داود الطائي أنه قال: منذ خمسين سنة ما ~~خالط ذكري ريح، وقيل لبعضهم: هل دخل ذكرك ريح بشهوة؟ فقال: أما منذ قرأت ~~القرآن فلا، وقال بعض العلماء: منذ عشرين سنة ما وقع نظري على فرجي قاما ~~بطال ذو نفس أمارة ونظرة ثاقبة وشهوة قوية، فالنكاح من أحسن أعماله وأرفع ~~أحواله، لأن المباح مقام من لا مقام له، فإن عزم العبد على النكاح فلا يكون ~~همه من النساء إلا ذات دين وصلاح، والعقل والقناعة فليس تخلص له النيات ~~التي ذكرناها آنفا إلا على هذه القواعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسنها ودينها فعليك بذات الدين، وفي لفظ آخر: ~~من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم مالها وجمالها، ومن نكحها لدينها رزقه ~~الله عز ms1174 وجل مالها وجمالها، وروينا أيضا: لا تنكحوا المرأة لجمالها فلعل ~~جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يطغيها، وانكحوا المرأة لدينها فنكاح ~~المرأة للدين والصلاح طريق من الآخرة، والرغبة في المرأة الناقصة الخلق ~~الدنيئة الصورة الكبيرة السن، السن باب من الزهد، وقد كان أبو سليمان يقول: ~~الزهد في كل شيئ حتى يتزوج الرجل العجوز أو غير ذات الهيئة إيثارا للزهد في ~~الدنيا، وكان مالك بن دينار يقول: يترك أحدهم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن ~~أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤونة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان، ~~يعني أبناء الدنيا، فتشتهي الشهوات عليه وتقول: اكسني ثوب كذا واشتر لي مرط ~~حرير فيتمرط دينه. # وقد أختار أحمد بن حنبل رضي الله عنه امرأة عوراء على أختها صحيحة جميلة، ~~فسأل من أعقلهما؟ قيل: العوراء، فقال: زوجوني إياها، وقد يكون في تزويج ~~المرذولة المجذوعة فيه بأن يرفع قلبها إذ لا يرغب في مثلها، واستحب له أن ~~ينظر إلى وجهها قبل التزويج بها وإلى ما يدعوه إليها، فإن ضم إلى الوجه ~~والكفين فلا بأس بذلك عند علماء الحجاز، ففي النظر إلى الوجه أحاديث ~~مأثورة، منها حديث محمد بن مسلمة قال: رأيته يتبع النظرة فتاة في الحي حتى ~~توارت بالنخل # PageV02P413 # فقلت له: تفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بهذا، قال: إذا أوقع الله عز وجل في ~~قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها ليرى منها ما يدعوه إليها، وفي الحديث ~~الآخر إن في أعين الأنصار شيئا، فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر ~~إليهن، في لفظ آخر: إذا أوقع في نفس أحدكم من امرأة شيئ فلينظر إليها فإنه ~~أحرى أن يؤدم بينهما، يعني يؤدم وقوع الأدمة على الأدمة، وهو أبلغ من ~~البشرة لأن البشرة ظاهر الجلد والأدمة باطنه جاء، هذا في المبالغة على ضرب ~~المثل، وقد كان الأعمش يقول: كل تزويج يقع عن غير نظر يكون آخره غما وهما ~~ولا يغالي في المهر، فقد تزوج ms1175 رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه على ~~عشرة دراهم وأثاث البيت، وكان رحى يد، وجرة، ووسادة من أدم وحشوها ليف، ~~وأولم على أحد نسائه بمدين من شعير، وعلى أخرى بمدي تمر، فالوليمة سنة وترك ~~الإجابة إليها معصية، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهي عن المغالاة ~~بمهور النساء ويقول: ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ~~ولا زوج على أكثر من أربعمائة درهم. # وروينا عن عائشة رضي الله عنها: كانت مهور أزواج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اثني عشرة وقية ونصفا، وقد كان يزوج أصحابه على وزن نواة من ذهب، ~~والنواة صغيرة وهي نواة التمر الصيحاني، يقال: قيمتها خمسة دراهم، وفي خبر: ~~زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على نواة من ذهب قومت ثلاثة ~~دراهم وثلث، وقد زوج سعيد بن المسيب، وهو من خيار التابعين وعلمائهم، ابنته ~~من أبي هريرة على درهمين، ثم حملها هو إليه ليلا، ولا أكره التزويج على ~~عشرة دراهم، وهو أكثر الاستحباب في القلة ليخرج من اختلاف العلماء، ولا ~~أستحب أن لا ينقص المهر عن ثلاثة دراهم، وهذا هو القول الأوسط من مذاهب ~~الفقهاء وفي هذه القيمة تقطع يد السارق، وهذا مذهب بعض أهل الحجاز. # وقد روينا: أبركهن أقلهن مهرا، وروينا أيضا من بركة المرأة سرعة تزويجها ~~وسرعة رحمها، يعني الولادة ويسر مهرها، قال عروة: وأقول فإن من شؤمها كثرة ~~صداقها، ولا يصلح للمتزوج أن يسأله أي شيئ للمرأة ولا يحل له أن يدفع شيئا ~~ليأخذ أكثر منه، ولا يحل لهم أن يهدوا إليه شيئا ليضطروه أن يكافئ بأكثر ~~منه، وليس عليه أن يزيد بأكثر من قيمته إن كافأ، وله أن لا يقبل هديتهم إن ~~علم ذلك منهم، وهذا كله بدعة في النكاح، وهو كالتجارة في التزويج، وهو داخل ~~في الربا، وهو يشبه القمار، ومن زوج أو تزوج على هذا بهذه النية فهي نية ~~فاسدة وليس نكاحه هذا للدين ولا للآخرة، وكان الثوري يقول: ms1176 إذا تزوج الرجل ~~وقال: أي شيء للمرأة فاعلم أنه لص، فلا تزوجوه، ولا ينكح إلى مبتدع، ولا ~~فاسق، ولا ظالم، ولا شارب خمر، ولا أكل الربا، فمن فعل ذلك فقد ثلم دينه، ~~وقطع رحمه، ولم يحسن الولاية لكريمته، لأنه ترك الإحسان، وليس هؤلاء أكفاء ~~للحرة المسلمة العفيفة، # PageV02P414 # وقد قال بعض السلف: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته، وقال ~~بعضهم: لا تنكح إلا الأتقياء فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها أنصفها، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء، ~~وأنكحوا إليهم، ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وإن كانت ثيبا فإن لم يكن ~~ولي فالسلطان ولي من لا ولي له أو من ولاه الحكم كذلك السنة، وليتعلم ~~المتزوج علم الحيض واختلاف أوقاته وزيادته ونقصانه وأحكام الاستحاضة من ~~ذلك، وعلم وقت الأطهار ليعلمها ذلك وليغنيها بذلك عن السؤال والظهور إلى ~~الرجال، ثم ليعلم أهله علم ما لا يسعهم جهله من الفرائض وأحكام الصلاة ~~وشرائع الإسلام واعتقادات المؤمنين من السنة وما عليه من مذهب الجماعة، فإذ ~~فعل ذلك لم يكن عليها أن تخرج إلى العلماء، وإن قصر عن علمها علم التوحيد ~~ومباني الإسلام وعقود الإيمان ومذهب أهل السنة فلها أن تخرج إلى السؤال عما ~~لا يسعها جهله وليس لها أن تخرج بغير إذنه لطلب علم يرجى فضله، وليس للمرأة ~~أن تحمل زوجها على المكاسب الحرام ولا تكلفه ما يقترف به الآثام، ولا للرجل ~~أن يدخل في مداخل السواء ولا يبيع آخرته بدنياه، فإن صبرت معه على البر ~~والتقوى أمسكها، وإن حملته على الإثم والعدوان فارقها، وإن يتفرقا يغن الله ~~كلا من سعته، ويقال: أول من يتعلق بالرجل يوم القيامة زوجته وولده، ~~فيوقفونه بين يدي الله عز وجل فيقولون: يا ربنا خذ لنا حقا من هذا، فإنه ما ~~علمنا ما نجهل، وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم، قال: فيقتص لهم منه، وفي ~~خبر: أن العبد ليوقف للميزان وله من الحسنات أمثال الجبال، فيسأله عن رعاية ~~عياله والقيام بهم، وعن ms1177 ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، حتى تستفرغ تلك ~~المطالبات جميع أعماله، فلا يبقى له حسنة، فينادي الملائكة: هذا الذي أكل ~~عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله، فلهذا قال بعض السلف: إذا ~~أراد الله بعبد شرا سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه، يعني العيال. # وروينا في الخبر: لا يلقى الله عبد بذنب أعظم من جهالة أهله، والخبر ~~المشهور: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وروي أن الآبق من عياله كالعبد ~~الآبق من سيده، لا يقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم، وقد قال عز وجل: ~~(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) التحريم: 6، فأضاف الأهل ~~إلى النفس وأمرنا أن نقيهم النار بتعليم الأمر والنهي كما نقي أنفسنا النار ~~باجتناب النهي، وجاء في تفسير ذلك: علموهن وأدبوهن، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالمرأة راعية على مال زوجها ~~وهي مسؤولة عنه، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم، ويقال: إذا أنفقت ~~المرأة من مال زوجها بغير إذنه لم تزل في سخط الله عز وجل حتى يأذن لها، ~~ولا يحل لها أن تطعم من منزله إلا الرطب الذي يخاف فساده، فإن # PageV02P415 # أطعمت وأنفقت عن إذنه ورضاه كان لها مثل أجره، وإن أطعمت بغير إذنه كان ~~له الأجر وعليها الوزر، وينبغي أن يعرفها أعظم حقه عليها في مقام الوالدة ~~بقوله للمرأة: عليك بطاعة زوجك، فإنة جنتك ونارك، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة، وكان رجل قد خرج في سفر وعهد ~~إلى امرأته أن لا تنزل من العلو إلى سفل الدار، وكان أبوها في السفل، فمرض ~~أبوها فأرسلت المرأة تسأذن أن تنزل إلى أبيها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أطيعي زوجك، فمات أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ~~تنزل إليه فقال: أطيعي زوجك، فدفن أبوها، قال: فأرسل إليها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخبرها أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها زوجها، ms1178 وقال صلى الله ~~عليه وسلم: إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها ~~دخلت جنة ربها، فأضاف: طاعة الزوج إلى أبنية الإسلام التي لا يدخل الجنة ~~إلا بها، واشترط طاعته لدخولها، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ~~فقال: حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن، لولا ما تأتين إلى أزواجهن ~~دخلت مصلياتهن الجنة وقال صلى الله عليه وسلم: أطلعت في النار فرأيت أكثر ~~أهلها النساد، وأطلعت في الجنة فرأيت أقل أهلها النساء فقلت: أين النساء ~~فقيل: شغلهن الأحمران الذهب والزعفران يعني الحلي ولبس المصبغات كانت العرب ~~مشتهرة بذلك وقال صلى الله عليه وسلم: تصدقن من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل ~~النار قلن: لم يا رسول الله قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير يعني الزوج ~~المعاشر، تكفرن نعمته عليكن فلذلك قالت الفتاة: يا رسول الله فلا أتزوج. # روينا عن أم عبد المغنية عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتت فتاة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني فتاة أخطب وإني أكره ~~التزويج فما حق الزوج على المرأة فقال: لو كان من فرقه إلى قدمه صديدا ~~فلحسته ما أدت شكره قالت: فلا أتزوج قال: بلى فتزوجي فإنه خير، فهذا مجمل ~~خبر الخثعمية وقد فسر حقه في حديثها، وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ~~من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني امرأة أيم، وإني أريد أن ~~أتزوج فما حق الزوج فقال: إن من حق الزوج على الزوجة إذا أرادها على نفسها ~~وهي على ظهر بعير أن لا تمنعه، وفي الخبر الجامع لفضائل الزوج: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لشيء سوى الله تعالى لأمرت ~~المرأة تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، ومن حقه أن لا تعطي شيئا من بيته لا ~~بإذنه فإن فعلت ذلك كان الإثم عليها والأجر له، ومن حقه أنه لا تصوم تطوعا ~~إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت # PageV02P416 # ولم يقبل منها، ومن حقه أن ms1179 لا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها ~~الملائكة حتى ترجع إلى بيتها أو تنوب، وينبغي أن تعرض نفسها عليه في كل ~~ليلة، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما تكون المرأة من وجه ~~ربها عز وجل إذا كانت في قعر بيتها، وإن صلاتها في صحن دارها أفضل من ~~صلاتها في المسجد، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها ~~في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، والمخدع بيت في بيت وذلك إنها عورة فما ~~كان أستر لها فهو أسلم، والأسلم هو الأفضل كيف وقد روي أن المرأة عوراء ~~فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وفي حديث غريب أن للمرأة عشر عورات، فإذا ~~تزوجت ستر الزوج عورة واحدة، فإذا ماتت ستر القبر عشر عورات، فإن أمرها بما ~~يصلحها مما أبيح لهما فخالفته وعظها وزجرها، فإن عادت لخالفه هجرها في ~~المضجع فبعض العلماء يقول: يوليها ظهره وبعضهم يقول: يعتزل فراشها في ليلة ~~إلى ثلاث إلى سبع ليال فإن لم ينجح فيها ذلك ولم تبال به ضربها والعلماء ~~يقولن: ضربا غير مبرح وتفسيره أن لا يكسر لها عظما ولا يدمي لها جسما، وله ~~أن يغضب عليها في الأمر من أمور الدين من عشرة أيام إلى شهر، فقد غضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شهرا في كلام كلمه بعض أزواجه، فأرسل بهدية إلى ~~بيت زينب فردتها عليه فقالت له التي هو في بيتها: لقد أقمتك إذا ردت عليك ~~هديتك فقال صلى الله عليه وسلم: أنتن أهون على الله أن تقمينني، ثم غضب ~~عليهن كلهن شهرا ومعنى أقمتك استصغرتك وأذلتك فهذه كلمة من الاتباع، تقول ~~العرب: أذللته وأقميته ويقولون: لتفعلن كذا صاغرا قميا، وما زال كذلك حتى ~~ذل وقمى فيبتغون بهذه الكلمة لسب بالتصغير والتذلل، للمبالغة في الوصف ولا ~~ينبغي أن يفتر على أهله من الإنفاق. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وكان لعلي ~~عليه السلام أربع نسوة، وكان يشتري لكل واحدة في كل ms1180 أربعة أيام بدرهم لحما ~~وقال الحسن: كانوا في الرحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب تقارب وقال ابن ~~سيرين: أستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل شهر، فالوذجة وإن كانت من أهله زلة ~~أو هفوة احتمل ذلك ورفق بها ولم يعسفها، وفي الحديث: خلقت المرأة من ضلع ~~أعوج إن قومته كسرته وإن تركتها استمتعت بها على عوج، وفي لفظ حسن: وكسرها ~~طلاقها، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه القول وتهجره ~~إحداهن يوما إلى الليل، ودفعت إحداهن في صدره فزجرتها أمها فقال: دعيها، ~~فإنهن يصنعن أكثر من هذا، وجرى بينه وبين عائشة رضي الله عنها كلام حتى ~~أدخل أبا بكر رضي الله عنه بينهما حكما واستشهد فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: تكلمين أو أتكلم قالت: بل تكلم أنت ولكن لا تقل إلا حقا، ~~فلطمها أبو بكر رضي الله عنه حتى دمي فوها وقال: أي عدوة نفسها، أو يقول ~~غير # PageV02P417 # الحق؟ بل أنت وأبوك تقولان الباطل ولا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا حقا، نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضبا له حتى استجارت بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وقعدت خلف ظهره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم ~~ندعك لهذا ولم نرد هذا منك وقالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم ~~أنك نبي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حلما وكرما، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها: إني لأعرف غضبك من رضاك ~~قالت: وكيف تعرف ذلك؟ قال: إن رضيت قلت: لا وإله محمد وإذا غضبت قلت: لا ~~وإله إبراهيم قالت: صدقت إنما أهجر اسمك وقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ~~مع أزواجه ويقاربهن في عقولهن في المعاملة والأخلاق، وفي الخبر: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه، وقد كان لقمان الحكيم ~~يقول: العاقل في بيته ومع أهله كالصبي فإذا كان في القوم وجد رجلا، وفي ~~تفسير الخبر ms1181 المروي أن الله يبغض الجعظري الجواظ قيل: هو الشديد على أهله ~~المتكبر في نفسه، وفي أحد المعاني في قوله عز وجل: (عتل بعد ذلك زنيم) ~~القلم: 13، قيل: الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله وما ملكت يمينه، وروينا ~~في في الخبر: غيرة يبغضها الله عز وجل، غيرة الرجل على أهله في غير رينة ~~كأنه يكون من سوء الظن الذي نهى الله عز وجل ورسوله عنه. # وروينا عن علي رضي الله عنه: لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من ~~أجلك ولعمري إن الغيرة لها حد فإذا جاوزها الرجل قصر عن الواجب وزاد على ~~الحق، وقد كان الحسن يقول: أتدعون نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق قبح ~~الله من لا يغار، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فقال بعض ولده: بلى والله ~~نمنعهن فضربه وغضب عليه وقال: تسمعني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تمنعوهن وتقول: بلى تمنعهن وقد قال الله عز وجل: (قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا) الطلاق: 3، وقال بعض الحكماء: من جاوز الشيئ فمذموم كمن قصر عنه، ~~فلا بأس بالحرة العفيفة أن تخرج لشيئ لا بد لها منه من قضاء حوائجها قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذن لكن أن تخرجن في حوائجكن كذلك تخرجن في ~~الأعياد خاصة، أطلق ذلك لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لا يخرجن ~~إلا بأذن أزواجهن وعن رضاهم: ولا يخرجن أيضا إلا فيما يعني مما لا بد منه ~~ومهما استغنين عن الخروج، وأن لا يراهن رجل فهو أفضل لهن وأصلح لقلوبهن، ~~وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة عليها السلام: يا ~~بنية، أي شيئ خير للمرأة فقالت: أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل، فضمها إليها ~~وقال: ذرية بعضها من بعض، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسدون ~~الثقب والكوى في الحيطان لئلا يطلع النسوان، وروينا إن معاذا رأى ms1182 امرأة ~~تطلع من كوة في الجدار فضربها، وأن امرأته دفعت # PageV02P418 # إلى غلام لها تفاحة قد أكلت بعضها فضربها. وقد كان عمر يقول: أعروا ~~النساء يلزمن الحجال وقال أيضا: عودوا نساءكم لا، وتكلم مرة في شيئ من ~~الأمر فأخذت امرأته تراجعه في القول فزبرها وقال: ما أنت لهذا إنما أنت ~~لعبة في جانب البيت إن كانت لنا إليك حاجة وإلا جلست كما أنت وهو مأجور على ~~احتماله هفوات أهله وصبره على أذاهن ومثاب على حسن عشرتهن، وقد كان محمد بن ~~الحنفية يقول ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، ~~حتى يجعل الله له منه فرجا ومخرجا، فإن كانت بذيئة اللسان قليلة القبول ~~عظيمة الجهل كثيرة الأذى، فطلاقها أسلم لدينهما وأروح لقلوبهما في عاجل ~~دنياه وآجل أخرته، وقد شكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاء ~~امرأته فقال له: طلقها فقال: إني أحبها قال: أمسكها إذا، فخشي عليه تشتت ~~همه بفراقها مع المحبة وتشتت الهم أعظم من أذى الجسم. # وفي معنى قوله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة) الطلاق: 1. قال ابن مسعود: إذا بذت على أهلها وآذت زرجها فهو ~~فاحشة، وهذا يعني به في العدة لأن الله يقول: (أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم) الطلاق: 6. فهو متصل بقوله: (وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن) ~~الطلاق: 1. أي في العدة، ومن الناس من يظن أن الطلاق محظور يتأول هذه الآية ~~على غير تأويلها، فالطلاق مباح إلا أنه مكروه بغير سب لتفرقه الألفة. وقد ~~يروى في خبر: ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق، ولا بأس أن تفتدي ~~المرأة من زوجها إذا خافت أن لا تقيم حدود الله فيه ولا تقوم بواجب حقوقه ~~عليها، وأكره أن يأخذ في الفدية أكثر مما أعطاها. وقد قال الله تعالى: (فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) البقرة: 229، ~~وهذا هو الخلع الجائز عند أكثر العلماء، ولا يحل لامرأة أن ms1183 تسأل زوجها ~~طلاقها ولا أن تختلع منه بغير رضاه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس لم ترح رائحة الجنة، وقال: ~~المختلعات هن المنافقات والنشوز، قد يكون من الزوجين معا إلا أنه أبيح ~~للزوج ضربها في النشوز وأبيح لها الصلح في نشوز الزوج قال الله عز وجل: ~~(والصلح خير) النساء: 128. وأصل النشوز أن يعلو أحدهما على صاحبه ويرتفع ~~عنه، كان يجفو عليه ويجتنبه فيكون في نحو غير نحوه، فيكون من هذا الكلام ~~الفاحش ويكون منه الأذى ويكون منه الهجر والانفراد، ويحكم الحكمان في هذا ~~أحدهما من أهله والآخر من أهلها، يعدلون وينظرون فيما بينهما. وقد وعد الله ~~عز وجل الغني مع الفرقة كما وعده مع النكاح فقال: (وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته) النساء: 130 كما قال: (وأنكحوا الأيامى منكم # PageV02P419 # والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) النور: ~~32. فقد يكون الغني بالمال ويكون بأن يستغني كل واحد منهما عن صاحبه بما ~~خصه الله عز وجل من خفي لطفه. # وجاء في خبر: ثلاث لا يستجاب دعوتهم: رجل له امرأة سوء يقول أراحني الله ~~منك وقد جعل الله الطلاق بيده إن شاء طلق، والآخر في المملوك السوء، وجار ~~السوء، وليحسن الرجل عشرة أهله والقيام بهن. فقد قال الله تعالى: (فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) النساء: 34. أي لا تطلبوا طريقا إلى الفرقة ~~ولا إلى خصومة ومكروه، وهذه حينئذ على صورة الأنفس المطمئنة إذا استجابت ~~للإيمان وطوعت لك إلى أخلاق المؤمنين فتولها من الإرفاق وأرفق بها في ~~منالها من المباح. وقد شبه الله عز وجل حسن القيام على الزوجة بحسن القيام ~~على الوالدين فقال فيهما: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) لقمان: 15. وقال في ~~أمر النساء: (وعاشروهن بالمعروف) النساء: 19 ثم أجمل في النساء ما فرقه من ~~حق الزوج في كلمة واحدة فقال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) البقرة: 228. ~~وقال في عظيم حقهن: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) النساء: 21. وقال عز وجل: ~~(والصاحب ms1184 بالجنب) النساء: 36. قيل: هي المرأة. وآخر ما أوصى به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه جعل ~~يقول: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، والله ~~الله في النساء فإنهن عوار في أيديكم يعني أسرى أخذتموهن بعهد الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حق ~~المرأة على الرجل قال: يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى. ولا يقبح الوجه ~~ولا يهجر إلا في البيت وينبغي أيضا إذا أراد النكاح أن يتعلم ما تحتاج إليه ~~المرأة من حسن العشرة والقيام بما لها عليه وجميل المداراة ولطف المفاوضة، ~~ويعلمها حسن قيامها بما يجب له عليها ويعرفها ما أوجب الله له عليها من ~~ذلك، ولا تملك المرأة شيئا من أمرك فإن الله عز وجل قد ملكك إياها فلا تقلب ~~بهواك حكمة الله فينقلب الأمر عليك، فكأنك قد أطعت العدو ووافقته في قوله، ~~ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وقد قال الله عز وجل: (ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما) النساء: 5 يعني النساء والصبيان ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الزوجة لأنه إذا أطاعها فيما تهوى دخل ~~تحت التعس، فكأنه قد بدل نعمة الله كفرا لأن الله عز وجل جعله سيدها في ~~قوله عز وجل: (وألفيا سيدها لدى الباب) يوسف: 25. يعني زوجها. قال الحسن: ~~ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار ولا ~~يعودها عادة فتجترئ عليه وتطلب المعتاد منك، فهي على مثال أخلاق النفس سواء ~~إن أرسلت عنانها جمحت بك، وإن أرخيت عنانها فترا جذبتك ذراعا، وإن شددت يدك # PageV02P420 # عليها وكبحتها ملكتها فلعلها أن تطوع لك. # وكان الشافعي رضي الله عنه يقول ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم ~~أكرموك، المرأة والخادم والنبطي. وكان نساء العرب يعلمن أولادهن اختبار ~~أزواجهن. كانت المرأة إن أنكحت ابنتها قال: يا بنية، اختبري حليلك قبل أن ~~تقدمي عليه، انزعي زج رمحه فإن ms1185 سكت لذلك فقطعي اللحم على ترسه، فإن أقر ~~فكسري العظام بسيفه، فإن صبر فاجعلي الأكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو ~~حمار. # وأوصى أسماء بن خارجة الفزاري، وكان من حكماء العرب، ابنته ليلة زفافها ~~فقال: يا بنية، قد كانت والدتك أحق بتأديبك مني لو كانت باقية، وأما الآن ~~فإني أحق بتأديبك من غيري افهمي عني ما أقول: إنك قد خرجت من العش الذي فيه ~~درجت وصرت إلى فراش لا تعرفينه وقرين لم تألفيه، كوني له أرضا يكون لك سماء ~~وكوني له مهادا يكون لك عمادا فكوني له أمة يكون لك عبدا، لا تلحفي به ~~فيقلاك ولا تتباعدي عنه فينساك، إذا دنى فاقربي منه وإن نأى فابعدي عنه، ~~واحفظي أنفه وسمعه وعينه، لا يشم منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر ~~إلا جميلا وأنا الذي أقول لأمك ليلة ينائي بها: # خذي العفة مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # ولا تنقريني نقرك الدف مرة ... فإنك لا تدرين ماذا المغيب # فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب # وأوصى بعض العرب بنيه فقال: لا تنكحوا من النساء ستة، أنانة ولا منانة ~~ولا حنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة، تفسير ذلك الأنانة وهي التي تعصب ~~رأسها كثيرا وتكثير الأنين والتوجع والتشكي والمنانة التي تمن على زوجها ~~تقول: فعلت بك وفعلت فأنا أفعل وأفعل والحنانة تكون على وجهين، تكون ذات ~~ولد من غيره فهي تحن إليه وقد تكون ذات زوج قبله فيحن قلبها إليه. وقوله ~~حداقة هي التي تومئ بحدقتها فتشتري كل شيئ وتطالب زوجها بما تشتهيه من كل ~~شيئ، وقد تلحظ الرجال كثيرا كما يلاحظ بعض الرجال النساء، والبراقة تحتمل ~~تأويلين، أحدهما أن تكون غضوبا في الطعام فتبرق لقلته أو لسوء خلقها ولا ~~تكاد البراقة للمأكول أن تأكل إلا وحدها لشرهها، وتكون أيضا تستقل نصيبها ~~من كل شيئ وهذه لغة يمانية نعرفها فأشبه عندهم يقال: قد برقت المرأة وبرق ~~الصبي الطعام إذا غضب عليه، والوجه ms1186 الثاني من البراقة أن تكون من البريق أن ~~تكثر صقال وجهها. وخضابه في بروقه أبدا، وأما الشداقة فهي التي تشدق بكثرة ~~الكلام وتكون ذربة اللسان مفوهة في النطق. # ومن ذلك الخبر الذي جاء أن الله عز وجل يبغض الثرثارين من المتشدقين. وفي ~~قصة الرجل السائح الأزدي أنه لقي إلياس عليه السلام في سياحته، فأمره ~~بالتزويج وقال: هو خير لك، ونهاه عن التبتل وقال: لا تنكح من النساء أربعا ~~وأنكح من سواهن # PageV02P421 # المختلعة والمبارية والعاهر والناشر، فالمختلعة هي التي تطلب الخلع من ~~زوجها من غير ما بأس وهو مع ذلك يحبها. والمبارية المباهية لغيرها، ~~المفاخرة بأسباب الدنيا التي تطلب من زوجها ما تباهي به غيرها وتفتخر به في ~~نظائرها. والعاهر الفاجرة التي تعرف بحليل أو خدن وهو الذي قال الله عز ~~وجل: (ولا متخذات أخدان) النساء: 25. والناشر التي تعلو على زوجها في ~~الفعال والمقال. # وقد كان علي عليه السام يقول: شرار خصال الرجل خيار خصال النساء، البخل ~~والزهو والجبن. فإن المرأة إذا كانت مزهوة أي معجبة استنكفت إن تكلم ~~الرجال، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيئ فلم تخرج من بيتها. وأكره العزل ~~كراهية شديدة فإنه دقيقة من الشرك الخفي، وفيه نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وكرهه جماعة من السلف الصالح، ولم يكن خيار المتقين يعزلون. وأقل ما ~~فيه، الخروج من التوكل على الله عز وجل، وقلة الرضا بحكم الله تعالى. وكان ~~ابن عباس رضي الله عنه يقول العزل هي الموؤودة الصغرى فلقوله هذا استنباط ~~حسن من السنة، وذلك أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الجماع: ~~أن الرجل ليجامع أهله فيكتب له من جماعة أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله عز ~~وجل. فقيل له: وكيف ذلك يا رسول الله فقال: أنت خلقته، أنت رزقته، أنت ~~هديته، إليك محياه إليك مماته. قالوا: بل الله خلقه، ورزقه، وهداه، وأحياه، ~~وأماته. قال: فأنت تراه في هذا المعنى في يقول: إذا جامعت فأمنيت في الفرج. ~~وقد قال الله ms1187 تعالى: (أفرأيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) ~~الواقعة: 58. فإذا لم يخلق الله من منيك خلقا حسب لك كأنه قد خلق منه ذكرا ~~على أتم أحواله وأكمل أوصافه بأن يقاتل في سبيل الله فيقتل، لأنك قد جئت ~~بالسبب الذي عليك وليس عليك خلقه ولا هدايته، وإنما يقدر على ذلك الله عز ~~وجل وهو فعله مجردا فكان لك أجر ما لو فعله الله تعالى إذا قد أتيت بما ~~أمكنك عمله، فلذلك قال ابن عباس: هو الموؤودة الصغرى لأنه يوجد العزل بعدم ~~هذا الفضل، إذا كان العبد سبب عدمه لأنه لم يفعل ما يتأتى منه الولد، فذهب ~~فضله وحسب عليه فتله، وإنما قلنا أن العزل دقيقة من الشرك لأن أهل الجاهلية ~~كان سبب قتلهم بناتهم معاني أحدها خشية العار بهن، ومنها كراهة الإنفاق ~~عليهن ومنها الشح وخوف الفقر والإملاق. وكان العرب من ولد له بنون وبنات ~~فمات البنون وعاش البنات سموه أبتر وذموه بذلك. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهذا الوصف الذي يكرهون مات ولده الذكر وعاش البنات، فلذلك كان ~~يسمونه مذمما أي مذموما عندهم. ومنه سبه العاص بن وائل حتى قال، إنك أبتر ~~فرد الله عز وجل عليه فقال تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) الكوثر: 3. أي لا ~~ذكر لك بعد موتك قد انقطع ذكرك بموت الذكور من ولدك فقال الله عز وجل بل: ( # PageV02P422 # إن شانئك هو الأبتر) الكوثر: 3. الذي ينقطع ذكره وثناؤه فلا يذكر بخير ~~بعد موته، فأما أنت فقد رفعت لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت. وكانت العرب تقول: ~~من كن له أحد الحوبات الثلاث، لم يشرف عشيرته ولم يسد قومه يعنون بالحوب ~~الأم والأخت والبنت، والحوبات جمع حوب وهي كبيرة قال الله تعالى: في أكلكم ~~(أموال اليتامى ظلما) (كان حوبا كبيرا) النساء: 2 - 10. عندي ليس هذا الذي ~~قلتم عندكم. # وكان من خيار التابعين المؤمنين من يستحب له الجمع بين هؤلاء الثلاث: ~~الأم والأخت والبنت، لما فيهن من عظيم المثوبة والفضل ليخالف بذلك سنة ~~الجاهلية. فقد توجد ms1188 هذه المعاني أو بعضها في العزل فلذلك سميناه شركا ~~وكرهناه، وهو مذهب الخوارج من النساء كأن فيهن تقزز وتعمق من استعمال كثرة ~~الماء للطهارة، ودخول الحمامات ومجاوزة الحد في الطهور. وكن أيضا يقضين ~~الصلاة أيام الحيض ويصمن في حيضهن، ولا يصلين في ثياب الحيض حتى يغلسنها، ~~ولا تدخلن الخلاء إلا عراة، وكانوا يكرهون الولادة طلبا للنظافة والتقرز ~~خلاف السنة. نساء العرب ابتدعوا هذه البدع ففارقوا بها سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنن نسائه من أنباط العراق وأهل النهر. وكان بعضهن دخل على ~~عائشة رضي الله عنها لما قدمت البصرة، فلم تأذن لهن في الدخول عليها. وأيضا ~~فإن الله ورسوله ندبا إلى اتخاذ الولادة بقوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم وقدموا لأنفسكم) البقرة: 223. قيل: الولد وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: خير نسائكم الودود الولود وقوله صلى الله عليه وسلم: سوداء ~~ولود خير من حسناد لا تلد، وحصير في البيت خير من امرأة لا تلد. ومن بركة ~~المرأة أن تيسر رحمها أحوج ما يكون إلى الجماع إذا طهرت من الحيض. وفي هذا ~~الوقت أكثر ما يعبر النساء بالحمل وأحمد ما يكون المولود عاقبة إذا علق به ~~قبل الطهر. فلهذه المعاني عقب الله عز وجل الأمر بالجماع والولد بعد الطهر ~~في قوله تعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) البقرة: 222، ~~ولأضدادها في الكراهة والذم أمر الله تعالى باعتزال النساء في الحيض، ويقال ~~إن كل مبذول كان أو مجنونا أو مجذوبا أو مختلا، أو في حاله وعتلا مخبلا ~~لأنه كان غرسه في سبخة من الأرض فلم يزرع ولم يزك، ومن زرع من حرث طيب زكا ~~زرعه وهو الغشيان في الطهر فلذلك قال: من حيث أمركم الله، وقد رخص طائفة في ~~العزل. # روينا في ذلك رخصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان سعد يعزل ~~وقد أنكر علي عليه السلام على ابن عباس رضي الله ms1189 عنهم في قوله: إن العزل هي ~~الموؤودة الصغرى وقال: # PageV02P423 # إنها لا تكون موؤودة إلا بعد سبع ثم تلا قوله عز وجل: (وإذا الموؤودة ~~سئلت) التكوير: 8، أنها ذكرت بعد سبع ثم تلا قوله عز وجل آية تنقيل الخلقة: ~~(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) المؤمنون: 12. ثم جعلناه نطفة إلى ~~قوله ثم أنشأناه خلقا آخر أي نفخ الروح فيه قال: فلا يكون موؤودة مقتولة ~~إلا بعد هذه السبع الخصال، ولأن الله عز وجل ذكرها في كورت بعد سبع معان ثم ~~جمع بينهما في الفهم فاستنبط ذلك، وهذا من دقيق العلم وغامض الفهم ولطيف ~~الاستدلال الذي تفرد به عليه السلام لثقوب علمه ونفاذ فطنته وخفي استدلاله، ~~فلا يجامعهن حتى يطهرن. فإذا تطهرن يعني بالماء ويكره الجماع مستقبل القبلة ~~لحرمة القبلة. وفي الخبر، إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجردا تجرد العيرين ~~يعني الحمارين. وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جامع غطى ~~رأسه وخفض صوته وقال للمرأة: عليك السكينة، ومن جامع مرة وأراد العود ~~فليغسل فرجه قبل ذلك، فإن احتلم فلا يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول، فإن جامع ~~بعد الاحتلام من غير غسل خيف على ولده إن كان من جماعة أن يصيبه لمم من ~~الشيطان. # ويكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر: في أول ليلة وفي آخر ليلة وفي ~~ليلة النصف. # يقال إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي وقيل إن الشياطين يجامعون ~~فيها، وروي عن علي عليه السلام كراهة ذلك وأبي هريرة ومعاوية رضي الله ~~عنهما. ومن العلماء من كان يستحب الجماع في يوم الجمعة لأحد التأويلين من ~~قوله صلى الله عليه وسلم: من غسل واغتسل أي غسل أهله. ويكره الجماع في أول ~~الليل لئلا ينام على غير طهارة، فإن الأرواح تعرج إلى العرش فما كان منها ~~طاهرا أذن له في السجود، وما كان جنبا لم يؤذن له. والرؤيا أيضا على طهارة ~~من غير جنابة، وعلى وضوء أصح وأفضل إلا أن يغتسل ثم ينام فإن لم يغتسل ms1190 ~~وجامع فلا ينام ولايطعم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة. وقد جاء رخصة في النوم بعد ~~الجماع من غير أن يمس ماء، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أكره أن ~~يحلق الرجل رأسه أو يقلم ظفره أو يستحد أو يتورى ويخرج دما وهو جنب، فإن ~~العبد يرد إليه جميع شعره وظفره ودمه يوم القيامة، فما سقط منه من ذلك وهو ~~جنب رجع إليه جنبا. وقيل: طالبته كل شعرة بجنابتها. # وقد روينا معنى هذا في حديث مقطوع موقوف عن الأوزاعي ويحيى بن كثير قال ~~الأوزاعي: قد كنا نقول: لا بأس أن يطأ الجنب، حتى سمعنا بهذا الحديث والنص ~~فيه على النهي أن يطأ الرجل جنبا، ولا يحل للرجل من امرأته إلا الفرج لا ~~غير على أي حال شاؤوا من جامع، فليتمهل على أهله وليتوقف حتى تقضي هي ~~نهمتها كما قضى هو نهمته. فربما أخر انزال المرأة بعد الرجل فيكون ذلك ~~كريها إليها، فإن علم أنها قد سبقت # PageV02P424 # بالشهوة لم يحتج إلى توقف وليس يخفي سبقها بالشهوة على فطن. وأوفق ما ~~يكون الجماع بينهما إذا اتفقت الشهوتان منهما معا، وأكثر ما يكون التباغض ~~بين الزوجين لاختلافهما من طبع الإنزال أن يكون طبعه سابقا لطبعها أيضا. # قود كان بعض العلماء من الأدباء لا يتأخر عن المرأة حتى يستأمرها في ذلك، ~~وينبغي أن يعلمها لأن المرأة إذا بلغت واحتلمت يجب عليه الغسل كما يجب على ~~الرجل، فإن في ذلك سنة لأن أم سليم سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمر بذلك قال: نعم، النساء نساء الأنصار لا يمنعهن الحياء أن يتفقهن ~~في الدين، وإذا كانت المرأة حائضا ائتزرت بمئزر صغير من حقويها إلى أنصاف ~~الفخذين وكان له المتعة بجميع جسدها كيف شاء إلا تحت المئزر، وهذا مذهب ~~فقهاء الحجاز وهو أحب الوجهين إلي، وبعض علماء أهل العراق يجوز من الحائض ~~المباشرة لما تحت خلا الفرجين، ولا يعجبني هذا ولا حرج عليه من الاستمتاع ~~ببدنها، وأستحب للرجل إذا دخل في لحافها أن ms1191 يأتزر بحقو صغير يكون في وسطه ~~وهو المئرز لئلا يتجرد عريانا، فإن هذا من الأدب. ويضاجع الرجل الحائض كيف ~~شاء وتناوله ما شاء، أو يؤاكلها ولا يجانبها في شيئ من الأشياء إلا الجماع ~~في الفرج إتفقوا عليه واختلفوا فيما دونه. فذكر أهل الحجاز كما ذكرناه آنفا ~~وهو استحباب، واتفقوا على تجويز ما فوق المئزر من السرر إلى أنصاف الفخذين، ~~فينبغي للمتزوج أن يعرف حكم الطلاق، فإن عرض عليه طلاق طلق واحدة واحدة في ~~طهر لا جماع فيه، لأن التطليقة الواحدة إذا انقضت عدة المرأة منها بحيض أو ~~أشهر تعمل عمل التحريم بالثلاث سواء، إلا أنه يربح في التطليقة الواحدة ~~أربع خصال: أحدها موافقة الكتاب والسنة من قوله عز وجل: (فطلقوهن لعدتهن) ~~الطلاق: 1، وفي قراءة عمر وابن عباس رضي الله عنهم بيان ذلك: فطلقوهن لقبل ~~عدتهن فقد دل أن الأقراء هي الأطهار، وكذلك هو عندي. وإن تكافأ ذلك في ~~اللغة وتساوى في المعاني بأن يكون الحيض أيضا. والثانية تيسير العدة عليها ~~وسرعة خروجها منها، فخروجها من الطلاق محتسب من الطهر الذي طلقها فيه من ~~غير جماع قرأ، فتستعجل الخروج من العدة لأنها من حدود الله عز وجل، ويربح ~~أيضا هو أنه ندم على طلاقها كان له رجعتها في العدة من غير إحداث عقد ثان ~~ولا مهر آخر، وإن أحب رجعتها بعد انقضاء العدة كان له تزويجها ثانية من غير ~~زوج ثان تحدثه، وهذا كله معدوم مع الثلاث دفعة واحدة وموجود فيه التحريم، ~~وإن ندم لم يجعل الله له مخرجا لأنه لا تحل له إلا بعد، زوج ويخسر العبد ~~خروج المرأة من يده فإن ابتلى بهواها يحتاج أن ينتظر فراغ الزوج الثاني أو ~~التجأ أن يعمل في تزويجها لغيره، فيكون محللا لنفسه ومفسد النكاح الثاني ~~بالتحليل فيقع في ثلاث معان من المعاصي. # PageV02P425 # وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. وقال بعض ~~العلماء: إن نكاح الأول بعده على التحليل لا يجوز أيضا، وهذا كله ثمرة ~~الجهل ومخالفة السنة. وقد ms1192 قال الله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) الطلاق: 1، ثم ~~قال: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني ندما من المطلق فتعجب ~~الزوجة، فإذا كان قد طلق تطليقة واحدة أو اثنتين حلت له من العدة من غير ~~عقد وبعد انقضائها بغير زوج ثم قال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) أي يتقي ~~الله فيطلق في العدة يجعل له مخرجا في جواز الرجعة كما ذكرناه ومن طلق ~~ثلاثا مرة واحدة أو طلق في الحيض، وقع الطلاق وحرمت المرأة ولم تحل له إلا ~~بعد زوج إن كان قد خالف السنة ووافق كراهة الأئمة بآثار، قد كثرت في ذلك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر وابنه وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن ~~عباس وجملة من الصحابة والتابعين، والأصل فيما ذكرناه من العزيمة والرخصة ~~في فعل النكاح وتركه قول الله عز وجل: (وانكحوا الأيامى منكم) النور: 32، ~~فأمر بالنكاح وهو أعلم بالخير والصلاح، والأيامى جمع أيم وهي التي لا بعل ~~لها، وقد يسمى به الرجل الذي لا زوجة له أيضا كما يقال ثيبا وبكرا ثم قال: ~~(والصالحين من عبادكم) النور: 32. فلولا أن النكاح فاضل ما خص به الصالحين ~~وضمه إلى فضلهم، وهم أهل ولايته لقوله عز وجل وهو يتولى الصالحين، ثم قال: ~~(إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) النور: 32، والله أعلم بالأغنياء كيف ~~هم وقد يغنيهم بالأشياء كقوله: (أغنى وأقنى) النجم: 48، وقد يغنيهم عن ~~الأشياء وهي القناعة والزهد، وقد يغني نفوسهم عن الإعراض لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ليس الغني بكثرة العرض إنما الغني غني النفس، وقد ~~يغنيهم باليقين كما قال أيضا: كفى باليقين غنى. وقد يغنيهم بغض البصر ~~وتحصين الفرج كما قال: من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ثم إن الله عز وجل قال في الخبر الثاني: من وعد الغني في التفرق وذلك ~~أيضا في قوله عز وجل: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) النساء: 3. فقد ~~أجمل وجوه الإغناء كلها في هذا المعنى الآخر ms1193 أيضا، ويزيد عليه الغنية ~~بالعصمة والاستغناء عن المكاسب وعن السؤال والمحاسبة على الاكتساب، والغنية ~~عن حال النساء وأحكامهن. ثم قال في الأمر الثاني من البيان الثاني: ~~(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) النساء: 3. فهذا أدون من ~~الأول لأنه علقه باختيارنا إن طاب لنا، ثم رفع فيه الأربع توسعة منه ~~وتفضيلا لعلمه بعلاج القلوب وطبائع النفوس وتفاوت سكونها وحركاتها، ووجود ~~كفايتها ومصالحها ثم رحمنا فقال: (فإن خفتم ألاتعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) النساء: 3. فرد إلى الواحدة وهو الحال الأوسط ~~بين الأربع وبين التعزب، وخير الأمور # PageV02P426 # أوسطها وفي قوله: ألا تعدلوا ثلاثة أوجه: تعدلوا تجوروا وهو أحسنها ~~وأحبها إلي لأنه يواطئ قوله تعالى: (فإن خفتم أن لا تعدلوا) النساء: 3، لأن ~~العدل ضد الجور فعطف عليه فقال: (ذلك أدنى ألا تعولوا) النساء: 3، أي ~~تجوروا من العدل. والعرب تقول: عال يعول عولا إذا جار، والوجه الثاني: ألا ~~تعولوا تفتقروا من العيلة وهي الفقر يقال: عال يعيل عيلة وأعاله إذا افتقر ~~ومنه قوله: (إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله) التوبة: 28، ومع العيال الفقر ~~لا محالة، والوجه الثالث: تعولوا تكثر عيالكم فيكون المعنى لذلك أقرب أن لا ~~يكثر من تعولونه، وحذفت الهاء التي هي اسم العيال وهذا مذهب لبعض أهل ~~الحجاز يرجع إلى قوله: عال الرجل عياله، يعولهم مثل مانهم يمونهم ومارهم ~~يميرهم وصانهم يصونهم، فيكون مشتقا من لفظ العيال والأولان أجود وأشهر ~~والله سبحانه ما افترض النكاح ولا العزبة، كما لم يوجب الأربع من النسوة ~~وافترض صلاح القلب وسلامة الدين وسكون النفس والدخول في الأوامر عند الحاجة ~~إليها. فمن كان صلاحه في التزويج فهو أفضل له، ومن كان استقامته وسكون نفسه ~~عند الأربع فجائز له طلب السكون وصحة الحال مع القيام بالأحكام، ومن وقعت ~~كفايته بواحدة فالواحدة أصلح وأفضل لأنها # إلى السلامة أقرب، ومن كان صلاح حاله واستقامة قلبه وسكون نفسه في العزبة ~~فذلك له أسلم، والإسلام لمثله في زماننا هذا أفضل إذا لهذا يراد النكاح فإن ms1194 ~~وجد لم يضر فقده. ى السلامة أقرب، ومن كان صلاح حاله واستقامة قلبه وسكون ~~نفسه في العزبة فذلك له أسلم، والإسلام لمثله في زماننا هذا أفضل إذا لهذا ~~يراد النكاح فإن وجد لم يضر فقده. # ولعمري أنا إذا قلنا إن في الدين طريقين: طريق عزيمة وطريق رخصة، فإنه في ~~النكاح أيضا لأنه من الدين، وفي تركه يكون لأجل الدين طريقان: طريق ~~الأقوياء وهم أهل النكاح، والصبر على أحكامه، وعلى معاشرة النساء، وطريق ~~آخر للأقوياء بالصبر عنهن ووجود العصمة منهن والتفرغ للآخرة وكفى بها شغلا، ~~وطريق آخر من وجود الوسوسة وخوف العنت لقوة الطبع وضعف الحال بوجود ~~الاختلاط، فيبدأ بالنكاح طلبا للاستقامة والصلاح. وقد كان الثوري رحمه الله ~~تعالى يقول: # يا حبذا العزبة والمفتاح ... ومسكن تخرقه الرياح # لا صخب فيه ولا صياح # ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله وحده. # PageV02P427 ### | الفصل السادس والأربعون # كتاب ذكر دخول الحمام # الأفضل في وقتنا هذا ترك دخول الحمام لكثرة العراة فيه والعجز عن القيام ~~بأحكامه. إلا أن دخوله مباح، وقداختلف مواجيد الصحابة في دخوله وكل فيه ~~قدوة وهدى فقال بعضهم: بئس البيت الحمام، يبدي العورة ويذهب الحياء، وروي ~~هذا عن ابن عمر رضي الله عنه وعن علي رضي الله عنه معناه. وقال بعضهم: نعم ~~البيت ينفي الدرن ويذكر النار، وروي هذا عن أبي الدرداء وأبي أيوب. ودخل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام الحمامات، فمن كان داخلا إلى ~~الحمام فلا يدخله لشهوة لعاجل حظ دنياه ولا عابثا لأجل الهوى لأنه عمل من ~~أعمال العبد، والعبد مسؤول عنه إن كان محاسبا على جهل أعماله فيقال: لم ~~دخلت؟ وكيف دخلت ولمن دخلت؟ كما يقال له: في كل عمل فعله وفي دخول الحمام ~~ثمانية أحكام أربعة فرائض وأربعة نوافل. فأما الفرائض فستر العورة وغض ~~البصر، وأن لا يباشر جسده غير يده وأن يأمر بالمعروف وهو أن يرى عريانا ~~فيقول له: استتر أو هذا حرام عليك وهذا لا يحل لك، أو قد نهى رسول الله صلى ms1195 ~~الله عليه وسلم أو حرم دخول الحمام بغير إزار، فأي هذه الألفاظ قاله سقط ~~عنه ماوراء ذلك من كل شيء يراه من المنكر، وليس عليه القبول ولا الإجبار ~~على المعروف لأن هذا على الإمام القائم بصالح الدين، والداعي لرغبة ~~المسلمين بالبطش والقوة والتمكين في الأرض والتسليط، وهو ساقط عن الرعية ~~بحمد الله ومنه، فأما النوافل الأربع، فأن يرى الطهارة لأجل الدين والنظافة ~~للعبادة لأن الطهارة من أفضل أمور الآخرة والحمام غاية الطهر، وأن يعطي ~~صاحب الحمام الأجرة قبل الدخول، وكذلك يستحب في كل ما يشتريه أو يستعمله ~~خاصة الشيء المجهول مقداره من شرب الماء وأجرة الحجام والذي لا يتقاضى عليه ~~ولا يشترط فيه، فكأنه يكون غير معلوم. وإذا نظر الحمامي إليه صار معلوما. # والثالثة أن لا يكثر صب الماء عليه من غير حاجة، ولا يستعمل ما يكفي ~~رجلين وثلاثة سيما من الماء الحار، فإن له موونة، ولا يستعمل من ذلك إلا ما ~~لو رآه الحمامي لم يكره ذلك منه ولم يسوءه، وما علم أن الحمامي لو رآه ~~يستعمله من الماء الكثير لشق عليه ذلك، فإنه مكروه له في غيبه. # PageV02P428 # والرابعة أن يتذكر النار بحرارة الحمام ولذع مسه وغشيان ظلمته، لأن ~~الحمام في الظلمة أشبه شيء بجهنم، الحرارة من تحتك والظلمة من فوقك، فهذا ~~وصف جهنم نعوذ بالله منها فليتذكر بقلة صبره على الحمام وعظم كربه فيه حبسه ~~في جهنم، وإنه لو أقام في الحمام فضل ساعة لضعف روحه حتى يخرج خفوقا، ويكون ~~له في الحمام موعظة وعبرة إذا عبر أولي الأبصار. ومواعظ أهل التقوى لا ~~تنقضي، ولهم في كل شيئ عبرة وموعظة وبكل شيئ تذكرة، لأن الله عز وجل قد ~~أحياهم حياة طيبة، وهذه علامة من كان له قلب ومن مقامه المزيد، ولا بأس أن ~~يظهر ذكر الله عز وجل بالتسمية والاستغفار، ومكروه له قراءة القرآن إلا في ~~نفسه سرا ولا يسلم على أحد فيه بلفظ السلام. # وروينا أن رجلا أسلم على الحسن بن علي رضي الله عنهما في الحمام ms1196 فقال: ~~ليس في الحمام سلام، فإن احتاج أن يتكلم رجل فيه فلا بأس أن يأخذ بيده ~~استئناسا للكلام أو يقول له: عافاك الله وأدام سلامتك. ومكروه له كثرة ~~الكلام فيه وأن يتكلم رجل بما لا يعنيه، ولكن يقول: بسم الله، إذا دخله ~~ويستعيذ بالله من الرجس الخبث الشيطان الرجيم. وإن أعطى الحمامي أجرة ~~ليخليه له أجر على ذلك. قال بشر: ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما أن يعطيه ~~لخلوة الحمامي. # وكان بشر يغطي ليخلي له الحمام، فكان يغلقه عليه من داخل ومن خارج، فإن ~~وليته جاريته للإطلاء في الحمام إذا كان خاليا ستيرا فلا بأس، قالب بعضهم: ~~رأيت ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام مستقبلا بوجهه الحائط، وقد عصب ~~عينيه بعصابة ومد يده على الحائط، وقيل لإبراهيم الحربي: تصلي خلف شارب ~~النبيذ قال: نعم قيل: فتصلي خلف من يدخل الحمام بلا مئزر قال: لا، ويكره ~~دخول الحمام عند الغروب وبين العشاءين، فإن تلك الساعتين وقتت انتشار ~~الشياطين، وليعرف بدخوله نعمة الله عز وجل وتسخيره له من شاء من خلقه ~~بالتعب منهم والكد فيه، فهذا من لطيف أفضال الله عز وجل على المتنعمين به، ~~ومن دخل الحمام وقام بهذه الأحكام كان دخوله أفضل لأن له فيه أعمالا كثيرة، ~~ودخل الأعمش فرأى عريانا فغمض عينيه وجعل يتلمس الحيطان، فقال له العريان: ~~متى كف بصرك يا هذا؟ فقال الأعمش منذ هتك سترك، وحكى الشافعي عن مالك رضي ~~الله عنهما ثلاثة أشياء فيها، ذلة حضور المجلس بغير محيرة ولا صحيفة، وركوب ~~السفينة بلا زاد، ودخول الحمام بغير كرنيب قال: فقلت للشافعي رضي الله عنه: ~~لم تذكر المئزر فقال: قد أحسن ترك المئزر فسوق، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: دخول الحمام على النساء حرام وعلى الرجال إلا بمئزر، وقد كان عمر رضي ~~الله عنه يقول: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، وفي أحد الوجوه من قوله ~~تعالى: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) التكاثر: 8، قال: الماء الحار في ~~الشتاء ولا بأس أن يباشره رجل ms1197 بالتدليك خلا موضع العورة، حدثني بعض إخواني ~~عن بعض أهل العلم أنه دخل معه الحمام قال: فأردت أدلكه # PageV02P429 # فأمتنع قال: ثم دخلت معه بعد ذلك فجعلت أدلكه فلم يمتنع فقلت له: قد كنت ~~أمتنعت أول مرة قال: كنت أعلم فيه أثرا ثم وجدت بعد ذلك أصبغ الراشني أن ~~رجلا دلكه في الحمام فرأى على فخذه مكتوب لله بعرق في جسده فقال: أما تنظر ~~أما أنه ما كتبه إنسان، وفي ذلك أيضا أثر عن يوسف بن أسباط أنه لما حضرته ~~الوفاة أوصى أن يغسله فلان إنسان لم يكن من أصحابه ولا كان معروفا بفضل، ~~فقيل له في ذلك فقال: أنه قد كان مرة دلكني في الحمام ولم أكافئه علي ذلك ~~وأنا أعلم أنه يحب أن يغسلني فأوصيت إليه فيكون ذلك مكافأة مني له، ويصلح ~~أن يستدل على ذلك أيضا بتجويز الغمز للجسد والظهر. # فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل منزلا في بعض أسفاره، ~~قال بعض أصحابه: فذهبت أمشي أتخلل النخل أو قال الشجر، فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نائم على بطنه وعبد أسود يغمز ظهره فقلت له: ما هذا يا رسول ~~الله فقال: أما أن الناقة تقحمت بي، وقال بعضهم: لا يحل دخول الحمام إلا ~~بمئزرين مئزر لوجهه ومئزر لعورته، ورأى ابن عمر رضي الله عنه رجلا عريانا ~~فخرج وهو يقول: أعوذ بالله من الشيطان رأيت شيطانا، وقال مالك رضي الله ~~عنه: من دخل الحمام وخرج عريانا فلا شهادة له، وإن كان قاعدا عند الحوض ~~ليغسل فلا بأس، وغسل الرجلين بالماء البارد عند الخروج من الحمام أمان من ~~النقرس، والتنورد بعده قبل غسل الوجه يشيب اللحية والخناء بعد، يقال: إنه ~~أمان من الجذام ويستحب أهل الطب البول قائما في الحمام بعد الإينار وقبل ~~غسل النورة، وأمر بعض أطباء العرب بالنورة في كل شهر وأخبر أنه يطفئ ~~المرارة وينقي اللون وأنها تزيد في الجماع وفي السنة الاستحداد في كل ~~أربعين يوما لا يستحب مجاوزة ذلك، ms1198 وبعض زهل الطب يقول: بولة في الحمام في ~~الشتاء أنفع من شربة دواء، والبول في المستحم مكروه من جهة السنة، وقيل: إن ~~البول في المستحم يورث الوسواس، وبعض أهل الطب يقول: نومة في الصيف بعد ~~دخول الحمام تعدل شربة دواء، ويستحبون أيضا الغسل بماء بارد بعد نومة في ~~الصيف، وأنه نافع للجسد، ويقال: إن الإنسان إذا جاوز الأربعين سنة نقص في ~~كل يوم إلا اليوم الذي يدخل فيه الحمام، وإن الحمام عندهم في الصيف أنفع ~~منه في الشتاء، ويكره شرب الماء البارد عند الخروج من الحمام، وحرم رسول ~~اله صلى الله عليه وسلم دخول الحمام عل النساء، وحرمه على الرجال إلا بمئزر ~~فإن دخلت المرأة الحمام ضرورة من علة أو حيض أو نفاس أو في شتاء فلا بأس، ~~وقد دخلت عائشة رضي الله عنها من سقم كان بها ولينه الرجل امرأته وأهله عن ~~دخول الحمام، فإن لم يقبلن لم يحل له أن يعطيهن أجرة الحمام، وكان الأمر ~~عليهن، ولا يحل لمسلمة في الحمام أن يليها للخدمة ذمية، فقد نهى عمر وأبو ~~عبيدة رضي الله عنهما عن ذلك وأكره للرجل أن يعطي امرأته أجرة الحمام فيكون ~~معينا لها على الإثم فإن نهاها فخالفته كان الإثم عليها. # PageV02P430 ### | الفصل السابع والأربعون # ذكر حكم المتسبب للمعاش ### | وما يجب على التاجر من شروط العلم # قال الله تعالى: (وجعلنا النهار معاشا) النبأ: 11، فذكره فيما عدد من ~~آياته ونعمته، وقال عز وجل: (وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون) ~~الأعراف: 1،، فجعل المعاش نعمة طالب بالشكر عليها، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعاش، قال ~~صلى الله عليه وسلم: أحل ما أكل المرء من كسب يده وكل عمل مبرور، وفي لفظ ~~آخر: أحل ما أكل العبد من كسب يد الصانع إذا نصح، وفي الخبر: التاجر الصدوق ~~يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء. # وقد جاء في الحديث: من طلب الدنيا حلالا وتعففا عن المسألة وسعيا على ~~عياله وتعطفا ms1199 على جاره لقي الله عز وجل ووجهه كالقمر ليلة البدر، وقد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات غداة جالسا مع أصحابه فنظروا إلى شاب ~~ذي جلدة وقوة وقد بكر يسعى فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل ~~الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا فإنه إن كان ~~يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن ~~كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، ~~وإن كان يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان، وقال ابن مسعود: إني ~~لأمقت الرجل أراه فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة، وقال إبراهيم ~~النخعي رحمه الله: كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر، وكان التاجر أحب ~~إليهم من البطالة، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ ~~للعبادة؟ قال: التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق ~~المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده وقد خالفه الحسن البصري ~~رضي الله عنه في هذا، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما من موطن ~~يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري في رحلي ~~وقال أيوب قال لي أبو قلابة: إلزم السوق فإن الغني من العافية يعني الغني ~~عن الناس والله أعلم والغني الذي يطاع الله تعالى # PageV02P431 # به، وكان يقول بعض السلف: اتجر وبع واشتر ولو برأس المال يجعل لك من ~~البركة مالا يجعل لصاحب الزرع، وقال ابن محيريز وكان من عباد أهل الشام: ما ~~من طعام أملأ به ما بين جنبي بعد غنيمة في سبيل الله من فيء المشركين أقيم ~~بها حق الله عز وجل أحب إلي من طعام تاجر صدوق، قال: وكانوا يعدون الكاسب ~~على عياله كالمجاهد في سبيل الله عز وجل ويرون فضله على غيره، وروي فيه أثر ~~أن الله عز وجل يحب المؤمن المحترف، وفي خبر آخر: أن ms1200 الله يحب العبد يتخذ ~~المهنة يستغني بها عن الناس. # وحدثني بعض إخواني عن أبي جعفر الفرغاني قال: كنا يوما عند الجنيد فجرى ~~ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية، ويقصرون عما يجب عليهم من حق ~~الجلوس، ويعيبون من يدخل السوق، فقال الجنيد: كم ممن هو في السوق حكمه أن ~~يدخل في المسجد فيأخذ بإذن بعض من هو فيه فيخرجه ويجلس مكانه، إني لأعرف ~~رجلا يدخل السوق وورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة، قال: ~~فسبق، وهمي أنه يعني نفسه، فإن كان العبد سوقيا فليبدأ فليتعلم علم البيع ~~والشراء والأخذ والعطاء ومعاملة الناس في البيوع ومعرفة أبواب الربا، ليعلم ~~ذلك قبل الوقوع فيه فيجتنب ذلك ويتقيه، وليغد إلى المفتي فيسأله عن علم ~~حاله كل يوم من وجوه معاملته، إن لم يكن قد تقدم علمه بذلك ولم يكن عالما ~~به في وقت المعاملة، فليجعل بكوره إلى المفتي قبل غدوه إلى السوق، فإن لكل ~~عمل علما، ولله في كل شيء حكم، فلا يغنيك كبير علم عن علم غيره، فإن لم ~~تفعل ذلك دخل عليك الربا والبيوع الفاسدة، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يطوف في الأسواق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلا ~~من تفقه وإلا أكل الربا شاء أو أبى، ثم لينصرف بعد العلم فيما يدخل فيه ~~فيما أبيح له من تجارة أو صناعة بصدق معاملة وصدق في مبايعة، ناويا في ذلك ~~إقامة سنة وأمرا بمعروف، ونهيا عن منكر، وجهادا في سبيل الله، لأن من أخذ ~~الحق وأعطاه وعامل بصدق ونصح فهو معاون على البر والتقوى وفي جهاد العدو ~~والهوى سيما في زمان يكثر فيه الباطل لأن صلاح الدين بصلاح الدنيا وفساده ~~بفسادها لتعلق أحدهما بالأخرى وحاجة كل واحد منهما بصاحبه. # وفي الخبر: لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم ~~لسانه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ms1201 مهتدون) الأنعام: 82، من هؤلاء؟ ~~فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعف فرجه وبطنه، ثم لينو ~~المتصرف في معاشه كف نفسه عن المسألة والاستغناء عن الناس وقطع الطمع فيهم، ~~والتشرف إليهم، فذلك عبادة إذا نوى نزعه، ثم ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة ~~عياله فهو له صدقة # PageV02P432 # وعليه الصدق في القول والنصح في معاملة إخوانه المسلمين لأجل الدين، ~~ويعتقد سلامة الناس منه نصحا لهم ورحمة بهم ويعمل في ذلك ويكون أبدا مقدما ~~للدين والتقوى في كل شيء، فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد الله وكان ذلك ربحا ~~ورجحانا، وإن تكدرت لذلك دنياه وتعذرت لأجل الدين والتقوى أحواله في أمور ~~الدنيا كان قد أحرز دينه وربحه، وحفظ رأس ماله من تقواه، وسلم له، فهو ~~المعول عليه والحاصل له، إلا أن من ربح من الدنيا مثل المال وخسر عشر الدين ~~فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله وهو عند الله من الخاسرين، وقال بعض السلف: ~~أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل ~~أحمده عاقبة في الآجل، وكذلك قال معاذ بن جبل: رضي الله عنه في وصيته أنه ~~لا بد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك ~~من الآخرة فخذه فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما ويزول معك ~~حيثما زلت. # قد قال الله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) القصص: 77، لا تترك نصيبك ~~في الدنيا من الدنيا للآخرة، لأنك من ههنا تكتسب الحسنات فتكون هناك في ~~مقام المحسنين، ففي الخطاب مضمر لدليل الكلام عليه في قوله تعالى: (وأحسن ~~كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض) القصص: 77، وقد قال بعض ~~العلماء: من دخل السوق ليشتري ويبيع فكان درهمه أحب إليه من درهم أخيه لم ~~ينصح المسلمين في المعاملة، وقال عالم آخر: من باع أخاه شيئا بدرهم وهو ~~يصلح له بخمسة دوانيق فإنه لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه حتى لا يبيع أخاه ~~شيئا بدرهم إلا وهو يصلح له اشتراؤه ms1202 به، فينبغي لهذا المتصرف أن يستوي في ~~قلبه درهمه ودرهم أخيه ورحله ورحل أخيه، ليعدل فيما يبيعه أو يشتري منه ~~سواء بسواء، ويكون مراعيا لموافقة حكم الله تعالى الذي ورد به الشرع في ~~الشراء والبيع، مراعيا للسبب الذي يصل به الدرهم أن يكون السبب معروفا في ~~العلم، مباحا في الحكم، فيكون متورعا في عين الدرهم المعتاض، لا يكون من ~~خيانة أو سرقة أو فساد أو غصب أو غيلة أو حيلة، فهذه وجوه الحرام التي تحرم ~~بها المكاسب المباحة، فإذا كان متجنبا لهذه المعاني لم يشهد أحدها بعينه أو ~~لم يعلمه من عدل فكسبه حينئذ من شبهة، ولا يكون مع ذلك حلالا لإمكان دخول ~~أمر هذه الأسباب فيه، ولأنه على غير يقين معاينة منه لصحة أصله وأصل أصله ~~لقلة المتقين وذهاب الورعين إلا أنه شبهة الحلال. # وفي الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلبن فقال: من أين لكم هذا؟ ~~فقيل له: من شاة كذا، فقال: ومن أين لكم هذه الشاة؟ فقيل: من وضع كذا، فشرب ~~منه ثم قال: إنا معاشر # PageV02P433 # الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل إلا صالحا، وقال الله تعالى ~~أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم) البقرة: 172، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصل ~~الشيء وأصل أصله ولم يسأل عما وراء ذلك، لأنه قد يتعذر ولا يوقف على ~~حقيقته، ولأن أموال التجار والصناع قد اختلطت بأموال الأجناد، وهم يأخذون ~~ذلك بغير استحاق، فكأنه من أكل المال بالباطل إذ قد أوقفوا نفوسهم، ~~وارتبطوا دوابهم في سبيل الهوى، فصاروا يأخذون العطاء بغير حق، ولا يملكون ~~ذلك، ثم ينتشر ذلك في أموال التجار واصناع وهم لا يميزون بين ذلك ولا ~~يرغبون عنه لقلة التقوى وعدم الورع، فلذلك غلب الحرام لأن الحلال إنما هو ~~فرع للتقوى والورع، إذا كثر المتقون وظهر الورعون كثر الحلال وظهر، وإذا ~~قلوا فشاء الحرام وانتشر فصار الحلال مستهلكا غامضا في الحرام لغربة ~~الورعين ms1203 وخفية المتقين، وإنما كان الحلال في القرن الأول موجودا لوجود ~~السلف الصالح، وكان الناس ورعين وكانوا لا يأخذون ما ليس لهم بحق فكانوا ~~متقين وكانوا يتركون بعض حقهم خشية دخول الشبهة عليهم، فمن أجل ذلك كان ~~الحلال كثيرا، وقد حكى عن بعض فقهاء العراق أعرف أنه قال: لا أقبل شهادة ~~شحيح، قيل: ولم؟ قال: الشح يحمله على استيفاء حقه، وفي استيفاء حقه أخذه ما ~~ليس له، ثم قال: حدثني عطاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أته قال: ما ~~استقصى كريم قط، وتلا قوله عز وجل: (عرف بعضه وأعرض عن بعض) التحريم: 3، ~~وفي الخبر: كما نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام، وقال ~~الحسن: أدركت من مضي يعرض على أحدهم المال الحلال فيقول: لا حاجة لي به، ~~أخاف أن يفسد على قلبي، قد كانت الأئمة عدولا فكانت الجنود معاونين لهم على ~~التقوى يأخذون عطاءهم بحق. # وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر الخيل: اختصرناه، ~~قال: والخيل لرجل وزر، وهو الذي يربطها فخرا ورياء وسمعة ونواء على ~~الإسلام، فما أكلت وشربت في أجوافها حتى أبوالها وأرواثها وآثارها أوزار في ~~ميزانه يوم القيامة، وقد قال الله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) ~~الصافات: 22، يعني وأشباههم وأعوانهم، فقال الثوري رحمه الله: يقال يوم ~~القيامة ليقم ولاة السوء وأعوانهم، قال: فمن لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ~~أو حمل لهم لبدا أو أعانهم على أمر فهو معهم، وجاء رجل إلى ابن المبارك ~~فقال: إني خياط وربما خطت شيئا لبعض وكلاء السلطان فماذا ترى أكون من أعوان ~~الظلمة؟ قال: لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من ~~يبيع منك الإبر والخيوط، وكان بعض العلماء قد جلس في ديوان بعض الأمراء ~~فكتب الأمير كتابا فقال: ناولني الطين أختم به الكتاب، فامتنع فقال: ناولني ~~الكتاب الذي كتبته حتى أنظر فيه، فلم # PageV02P434 # يناوله، وفعل مثل ذلك سفيان الثوري مع المهدي فكان بيد المهدي درج أبيض ms1204 ~~وقد أدخل عليه الثوري فقال له: يا أبا عبد الله أعطني الدواة حتى أكتب، ~~فقال: أخبرني بأي شيء تكتب، فإن كان حقا أعطيتك وإلا كنت عونا على الظلم، ~~وكان بمكة أمير قد أمر رجلا أن يقوم له على الصناع في عمارة ثغر من الثغور ~~قال: فوقع في نفسي من ذلك شيء، فسألت سفيان عن ذلك فقال: لا تفعلن ولا تكن ~~عونا لهم على قليل ولا كثير، فقلت: يا أبا عبد الله سور في سبيل الله تعالى ~~للمسلمين فقال: نعم ولكن أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفونك أجرتك، ~~فتكون قد أحببت من بغض الله عز وجل، وقد جاء في الخبر: من دعا لظالم ~~بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله عز وجل. # وفي الحديث: أن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، وفي خبر آخر: من أكرم فاسقا ~~فكأنما أعان على هدم الإسلام، وليجتنب هذا السوقي البيوع الفاسدة مثل بيع ~~الغرر والخطر والمجهول، ومثل بيعتين في بيعة، أحدهما مصارفة أو مشارطة، ولا ~~يبيع ما ليس عنده ولا ما اشتراه حتى يقبضه، ولا يبيع الدين بالدين ولا ~~يتبايعان الثمار حتى يبدو صلاحها ويؤمن عليها العاهة، ومن النخيل حتى تحمر ~~أو تصفر، ومن العنب حتى يلين أو يسود، ونهى، رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن النجش، وهو أن يعطي بسلعة شيئا وهو لا يريد أن يشتريها بشئ ليغر غيره ~~بها، ولا يبتاع شيئا من ذهب وخرز مثل القلادة ونحوها حتى يفصل كل واحد على ~~حدته، كذلك السنة، ولا يتبايعان ما لم يظهر من الحيوان والثمار، ويجتنب ~~القبالات مسانهة إلا شهرا بشهر أو سنة، فقد كره ذلك، وليتوق كل بيع وشراء ~~أخبر العلم ببطلانه من دخول ربا فيه أو خروج من حكم العلم به، فإن ذلك كله ~~منقصة للدين، مخبثة للكسب، فإن أشكل عليه شيء من هده الأمور لخفائها سأل ~~أهل العلم والفتيا فيأخذ عنهم على مذهب الورعين ورأي المتقين، وليحتط ~~لدينه، ولينظر لنفسه ولا يغمض في أمر آخرته، فذلك خير له وأحسن توفيقا، ms1205 ~~وليجتنب الصنائع المحدثة من غير المعروفة والمعايش المتبدعة في زماننا هذا، ~~فإن ذلك بدعة ومكروه إذا لم يكن فيما مضى من السلف، وكلما كان سببا للمعصية ~~من آلة وأداة فهو معصية، فلا يصنعه ولا يبيعه، فإنه من المعاونة على الإثم ~~والعدوان، وكلما أخذ من المال على عمل بدعة أو منكر فهو بدعة ومنكر، وكل ~~معين لمبتدع أو عاص فهو شريكه في بدعته ومعصيته، وأخذ المال على جميع ذلك ~~من أكل المال بالباطل، ومن أكل الحرام فقد قتل نفسه وقتل أخاه لأنه أطمعه ~~إياه، قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالم بينكم بالباطل) البقرة: 188، ~~وقال تعالى: (ولا # PageV02P435 # تقتلوا أنفسكم) النساء: 29، وليس هذا من سبيل المؤمنين، وقد قال الله ~~تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) النساء: 115، ~~ولا ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن الآخرة، ولا تقطعه تجارة الدنيا ~~عن تجارة الآخرة، ولا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، لأنه من الموقنين، ~~وبيوت الله عز وجل في الأرض هي أسواق للآخرة، قال الله عز وجل: (رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) النور: 37، ~~وقال الله عز وجل: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال) النور: 36، رجال، فليجعل العبد طرفي النهار لخدمة سيده ~~يذكره ويسبحه في بيته بحسن معاملته. # وقد كان عمر رضي الله عنه يأمر التجار فيقول: اجعلوا أول نهاركم لله عز ~~وجل وما سوى ذلك لنفوسكم، وفي أخبار السلف كانوا يجعلون أول النهار للآخرة ~~وآخره لدنياهم، ويقال: إن الهريسة والرؤوس لم يكن يبيعها في الشتاء إلا ~~الصبيان وأهل الذمة لأن الهراسين والرآسين يكونون في المساجد إلى طلوع ~~الشمس، ويقال إنهم: كانوا يجتمعون في المساجد بعد العصر للذكر والتسبيح حتى ~~يدخل الرجل فيقول: أصليتم العصر؟ يظن أنهم قعود للصلاة، وإنما كانوا يقعدون ~~للتسبيح إلى غروب الشمس وهذا طريق قد درس، فمن عمل به فقد كشفه، وقال بعض ~~العارفين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه فتلك ms1206 درجة الفائزين، ورجل ~~شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الناجين، ورجل شغله معاشه عن معاده فهو حال ~~الهالكين، وقال عالم فوقه: من أحب الله عاش ومن أحب الدنيا طاش، والأحمق ~~يغدو ويروح في لاش، وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق يقول: اللهم ~~إني أعود بك من الكفر والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق، اللهم إني أعوذ بك ~~من يمين فاجرة وصفقة خاسرة، ولذكر الله عز وجل في السوق ما لا يجد في سواه ~~فيلعتمد ذكر الله تعالى ساعات الغفلة وحين تزاحم الناس في البيع والشراء، ~~وكان الحسن يقول ذاكرا لله في السوق: يجيء يوم القيامة وله ضوء كضوء القمر ~~وبرهان كبرهان الشمس ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله. # وفي الخبر العام: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل عن الفارين وكالحي بين ~~الأموات، وفي الخبر الخاص: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده، لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو ~~على كل شيء قدير، كتب الله له ألفي ألف حسنة، وكان ابن عمر ومحمد بن واسع ~~رضي الله عنهم، يدخلان السوق قاصدين يذكران الله عز وجل طلبا للفضيلة، وفإن ~~دخلت سوقا أو كنت فيه فلا يفوتنك التهليل والذكر فهو عمل وقتك، ولا تقعدن ~~في السوق لغير ذكر الله أو غير معاش، فقد كره ذلك، وإذا سمعت التأذين ~~للصلاة فلتأخذ في أمر الصلاة ولا تؤخرها # PageV02P436 # عن الجماعة وإلا كان فاسقا عند بعض العلماء، إلا أن يكون في الوقت سعة أو ~~يكون ناويا للصلاة في جماعة أخرى في مسجد آخر، فإدراكه لتكبيرة الإحرام في ~~الجماعة أحب إليه من جميع ما يربح من الدنيا إلى أن يموت، وفوتها أشد عليه ~~من جميع ما يخسر من الدنيا، هذا إن عقل وأبصر تبين له ذلك، وقد كان السلف ~~من أهل الأسواق إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد يركعون إلى وقت الإقامة، ~~وكانت الأسواق تخلو من التجار، وكان في أوقات الصلاة معايش ms1207 للصبيان وأهل ~~الذمة، وكانوا يستأجرونهم التجار بالقراريط والدوانيق يحفظون الحوانيت إلى ~~أوان انصرافهم من المساجد، وهذه سنة قد عفت من عمل بها فقد نعشها، وجاء في ~~تفسير قوله عز وجل: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة) النور: 36، قيل: كانوا حدادين وخرازين وكان أحدهم ~~إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفا فسمع الأذان لم يخرج الأشفا من الغرزة ولم ~~يرفع المطرقة رمى بها وقاموا إلى الصلاة. # وروينا عن وهب قال: قال مالك رضي الله عنه في رجل باع بعد النداء يوم ~~الجمعة: يفسخ ذلك البيع، قيل: عامل ترك القيام إليها وهو حر: قال: يستغفر ~~ربه، وقال ربيعة: ظلم وأساء وقال مالك: يحرم البيع حتى يخرج الإمام يوم ~~الجمعة، وليجتنب الصانع عمل الزخرف من الأشياء وما يكون فيه لهو وزينة من ~~التصاوير والنقوش وتخريم العاج ودقائق النقوش من العاج وتشييد الجص ~~والتزويق بالأصباغ المشهاة، فإن عمل ذلك مكروه وأخذ الأجرة عليه شبهة، وقد ~~كان بعض السلف يقول: تخيروا لأولادكم الصنائع، وروي عن حذيفة: أن الله عز ~~وجل خلق كل صانع وصنعته، وقد كانوا يكرهون بيع الطعام وبيع الدقيق، وقد روي ~~في كراهة بيعها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر: أن الله ~~عز وجل يحب العبد الحاذق في صنعته، وفي خبر آخر: أن الله عز وجل إذا عمل ~~عبده عملا أحب أن يحكمه، وفي لفظ آخر: أن يتقنه، وأوصى بعض العارفين رجلا ~~فقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين، بيع الطعام وبيع الأكفان، ~~فإنما يتمنى الغلاء ويتمنى موت الناس، والصنعتان أن يكون جزارا فإنها صنعة ~~تقسي القلب، أو صواغا فإنه يزخرف الدنيا بالفضة والذهب. # وروى عثمان الشحام عن ابن سيرين أنه كره الدلالة، وسعيد عن قتادة أنه كره ~~أجر الدلال، وكانت العرب تقول: بع الحيوان واشتر الموتان كأنهم كرهوا رد ~~الثمن في الحيوان لما يخافون من تفله واستحبوا شراء الموات وهو ما لا روح ~~فيه، وقد كانوا يستحبون التجارة في البز، ms1208 قال ابن المسيب: ما من تجارة أحب ~~إلي من البزاز إن لم يكن فيه إيمان، وقد روي خبرا آخر: لو اتجر أهل الجنة ~~لاتجروا في البز، ولو اتجر أهل النار لاتجروا في الصرف، وقد كره الحسن وابن ~~سيرين رضي الله عنهما التجارة في الصرف، # PageV02P437 # وسئل الحسن عن الصيرفي فقال: الفاسق لا تستظلن بظله ولا تصلين خلفه، ~~والبستاني والحمال والملاح وصاحب الحمام والخشاش والمزين وقد كانت هذه ~~الصنائع العشر أعمال الأخيار والأبرار الخرز والتجارة والحمل والخياطة ~~والحذو والقصارة وعمل الخفاف وعمل الحديد وعمل المغازل وصيد البر والبحر ~~والوراقة. # وحدثونا عن عبد الوهاب الوراق قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما صنعتك؟ فقلت: ~~وراق، فقال: كسبك طيب وصنعتك طيبة ولو كنت صانعا شيئا بيدي لصنعت صنعتك، ~~وقال لي: لا تكتب إلا مواصفة واستثن الحواش وظهور الأجزاء، وكان مالك بن ~~دينار وراقا وكان السلف يستطيعون كسبه وبفضلونه، وكل عمل يتقرب به إلى الله ~~عز وجل ويكون من أعمال الآخرة ومن البر المعروف، فأخذ الأجر مكروه عليه مثل ~~تعليم القرآن، وتعليم العلم، أو مجالس الذكر والصلاة بالناس في رمضان، وغسل ~~الموتى، وما كان في هذا المعنى، لأن هذه تجارات الآخرة، فلا تأخذ أجرها إلا ~~من الآخرة، ومن أخذها من الدنيا فقد خسر خسرانا مبينا إذا ربح المحتسبون ~~فيها وأخذوا أجورهم التي صبروا عليها في دار الدنيا، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: واتخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان أجرا. # ورووي عنه في فضل الاحتكار: من جلب طعاما ما فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق ~~به، وفي لفظ، آخر: فكأنما أعتق رقبة، ومن العلماء من كان يجعل الاحتكار في ~~كل مأكول من الحبوب والأدام مثل العدس والباقلا والسمن والعسل والشيرج ~~والجبن والتمر والزيت، ويكره احتكار جميع ذلك، وروي نحو هذا عن ابن عباس في ~~قوله عز وجل: (ومن يرد فيه بإلحاد بطلم نذقه من عذاب أليم) الحج: 25، قيل: ~~الاحتكار من الظلم، وحدثونا عن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة ms1209 ~~إلى البصرة وكتب إلى وكيله: مع هذا الطعام في يوم تدخل البصرة فلا تؤخره ~~إلى غد، قال: فوافق السعر فيه سعة، قال له التجار: إن أخرته جمعة ربحت فيه ~~أضعافا فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب ~~الطعام: يا هذا قد كنا قنعنا أن نربح الثلث مع سلامة ديننا وإنك قد خالفت ~~أمرنا وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي فخذ المال كله فتصدق به على ~~فقراء أهل البصرة وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا علي ولا لي. # وحدث شيخنا عابد الشط مظفر بن سهل قال: سمعت غيلان الخياط يقول: اشترى ~~سري السقطي كر لوز بستين دينارا وكتب في رونامجه ثلاثة دنانير ربحه، فصار ~~اللوز بتسعين دينارا، فأتاه الدلال فقال له: إن ذلك اللوز أريده، فقال: ~~خذه، فقال: بكم؟ قال: بثلاثة وستين دينارا، قال له الدلال: إن اللوز قد صار ~~الكر بسبعين دينارا، قال له السري: قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ~~لست أبيعه إلا بثلاث وستين دينارا، قال له الدلال: وأنا قد عقدت بيني وبين ~~الله عقدا لا أحله، أن لا أغش مسلما، لست آخذ منك إلا # PageV02P438 # بسبعين دينارا، قال: فلا الدلال اشترى منه ولا سري باعه، وحدثونا عن رجل ~~من التابعين كان بالبصرة له غلام بالسوس فجهز إليه السكر فكتب إليه الغلام: ~~إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال: فاشترى سكرا ~~كثيرا، فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا، قال: فانصرف بها إلى منزله ~~فأفكر ليله في الربح فقال: ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين، ~~فلما أصبح غدا إلى الرجل الذي كان اشترى منه السكر فدفع إليه الثلاثين ألفا ~~فقال: هذه لك بارك الله لك فيها، قال: ومن أين صارت؟ قال: لما اشتريت منك؛ ~~السكر لم آت الأمر من وجهه، إن غلامي قد كان كتب إلي أن قصب السكر أصابته ~~آفة فلم أعلمك ذلك ولعلك لو علمت لم تكن تبيعني، فقال: رحمك الله قد ms1210 ~~أعلمتني الآن، وقد طيبتها لك، قال: فرجع إلى منزله فبات تلك الليلة ساهرا ~~أو جعل يتفكر في ذلك ويقول: لم آت الأمر من وجهه ولم أنصح مسلما في بيعه ~~لعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد فقال: عافاك الله خذ مالك فهو ~~أصلح لقلبي، قال: فدفع إليه ثلاثين ألفا، وقال سليمان التميمي: لقد ترك ~~محمد بن سيرين أربعين ألف درهم من شيء حاك في صدره، لم تختلف العلماء أن ~~ليس به بأس. # ويقال: إن هذا كان سبب غلبة الدين عليه، ثم ليتق البائع مدح السلعة ~~وتنفيقها من خرف الكلام وليحذر المشتري ذمها وعيبها بما ليس فيها للخداع، ~~وأما الإيمان على ذلك فهو معصية وممحقة للكسب، وقد كان السلف يشددون في ~~ذلك، قال أبو ذر: كنا نتحدث أن من نفر لا ينظر الله إليهم، التاجر الفاجر، ~~وكنا نعد من الفجور أن يمدح السلعة بما ليس فيها، قال يونس بن عبيد: وكان ~~خزازا فجاءه رجل يطلب ثوب خز، فأمر غلامه أن يخرج رزمة الخز، فلما فتحها ~~قال الغلام: أسأل الله الجنة، فقال شد الرزمة، ولم يبع منها شيئا خشية أن ~~يكون قد مدح، ويقال: إنه كانت عنده حلل على ضربين أثمان ضرب منها أربعمائة ~~كل حلة، وأثمان الآخر مائتان، فذهب إلى الصلاة وخلف ابن أخيه ليبيع فجاءه ~~أعرابي يطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها ~~فاشتراها منه ومشى بها هي على يده ينظر إليها خارجا من السوق فاستقبله يونس ~~بن عبيد خارجا من المسجد فعرف حلته فقال بكم أخذت هذه الحلة؟ فقال: ~~بأربعمائة، فقال: لا تسوي إنما قيمتها مائتان فقال: يا ذا الرجل إن هذه ~~تساوي ببلدنا خمسمائة درهم، فقال له يونس: إن النصح في الدين خير من الدنيا ~~كلها ثم أخذ بيده فرده إلى ابن أخيه فجعل يخاصمه ويقول: أما اتقيت الله؟ ~~أما أستحيت أن تربح مثل الثمن وتترك النصح لعامة المسلمين؟ فقال: والله ما ~~أخذه إلا عن تراضي، فقال: وإن رضي ألا رضيت له ما ms1211 رضيت لنفسك، ثم رد على ~~الأعرابي مائتي درهم، وقد فعل مثل ذلك محمد بن المنكدر وكانت عنده شقاق ~~جنابية وبصرية أثمان بعضها خمسة خمسة، وأثمان بعضها عشرة عشرة، فخلفه غلامه ~~في الحانوت فغلط فباع أعرابيا # PageV02P439 # شقة من الخمسات بعشرة، فجاء ابن المنكدر فتفقد الشقاق فعرف غلطه فقال: ~~ويلك أهلكتنا، اذهب فاطلب الأعرابي في الأسواق، فلم يزل يطلبه يومه أجمع ~~حتى وجده، فقال له ابن المنكدر: يا هذا إن الغلام غلط فباعك ما يسوى خمسة ~~بعشرة، فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت لنفسك فإنا لا نرضى لك إلا ما ~~نرضاه لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال، إما أن تأخذ شقة من العشرات بدراهك ~~وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد علينا شقتنا وتأخذ دراهمك، فقال: أعطني ~~خمسة، قال: فأعطاه من دراهمه خمسة فانصرف الأعرابي فجعل يسأل عنه فيقول: من ~~هذا الشيخ؟ فقيل: هذا محمد بن المنكدر فقال: لا إل إلا الله هذا الذي ~~نستسقي به في البوادي إذا قحطنا. # وقد سئل بعض العلماء عن الورع في المبايعة فقال: لا يصح الورع في البيع ~~إلا بحقيقة النصح، قال: وكيف ذلك؟ قال: إذا بعته شيئا بدرهم نظرت فإن صلح ~~لك أن تشتريه بدرهم فقد نصحته في البيع، وإن كان يصلح لك بخمسة دوانيق وقد ~~بعته بدرهم فإنك إن لم ترض له ما ترضى لنفسك فقد ذهب النصح قال: فإذا عدم ~~النصح ذهب الورع. # ويقال: إن البائع يوقف يوم القيامة مع كل رجل كان باعه شيئا وقفة ويحاسب ~~عن كل واحد محاسبة حتى عدد من عامله ومن اشترى منه في الدنيا، وذكر بعضهم ~~قال: رأيت بعض التجار في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: نشر علي خمسين ~~ألف صحيفة، فقلت: هذه كلها ذنوب، فقال: هذه معاملات الناس عدد ما كنت ~~عاملته في الدنيا لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بينك وبينه من أول معاملته ~~إلى آخرها، فإن كان البائع ذا ميزان فليرجح في الوزن إذا باع وأعطاه ولينقص ~~نفسه إذا أخذ سيما ms1212 إذا كان ذا ميزانين كان الأمر عليه أشد. # وكان بعضهم يقول: ألا أشتري الويل من الله بحبة؟ فكان إذا أخذ نقص نفسه ~~بحبة وإذا أعطى زاد غيره حبة، لقوله عز وجل: (ويل للمطففين) المطففين: 1، ~~يعني الذين رضوا بالتطفيف بالحبة والحبتين فباعوا بذلك جنة عرضها السموات ~~والأرض لجهلهم بأمر الله تعالى وقلة يقينهم بالآخرة إذا اشتروا الويل ~~بطوبى، ويقال: إن هذه المظالم لا ترد أبدا ولا تصح التوبة منها لتعذر معرفة ~~أصحابها. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى شيئا فلما وزن ثمنه قال ~~للوزان: زن وأرجح، ونظر الفضيل بن عياض رحمه الله إلى ابنه علي وهو يغسل ~~كحلا من دينار أراد أن يصرفه فجعل ينقيه ويغسله من كحله، فقال له: يا بني ~~فعلك هذا أفضل من عشرين حجة، وقال بعض أهل السلف: عجبا للتاجر والبائع كيف ~~ينجو يزن ويحلف بالنهار وينام بالليل، وقال سليمان عليه السلام: كما تدخل ~~الحية بين الحجرين كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين. # وحدثت أن بعض السلف صلى على مخنث قد كان يجمع بين النساء والرجال وغير # PageV02P440 # ذلك، فقيل له: إنه قد كان فاسقا وكان كذا وكذا، فسكت، فأعاد عليه القائل ~~فسكت، قال فمه كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين يأخذ بأحدهما ويعطي بالأخرى، ~~هذا على التغليظ والوعظ، أراد أن التطفيف مظالم بين الخلق وأن الفسق ظلم ~~العبد لنفسه وبين مظالم العباد وظلم العبد لنفسه بون كبير من قبل أن الخلق ~~فقراء جهلة نيام فيستوفون حقوقهم لحاجتهم إليها والله عز وجل عالم كريم غني ~~فيسمح بحقه، ولا ينبغي للمشتري أن يسأل البائع الرجحان إلا الله عز وجل ~~قال: (وأقيموا الوزن بالقسط) الرحمن: 9، أي بالعدل، وهو السواء، وهو استواء ~~اللسان في البكرة لا مائلا إلى إحدى الكفتين، وفي قراءة عبد الله: ولا ~~تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط باللسان ولا تخسروا الميزان فهذا ~~مفسر في هذا الحرف ومكروه المعاملة بالمزيفة، ولا يصلح بدرهم تكون الفضة ~~فيه مجهولة أو مستهلكة ولا بما لا تعرف قيمته وما يختلط ms1213 بالفضة من غيرها ~~فلا تمتاز منه، فقد كان بعض السلف يشدد في ذلك ويحرمه منهم الثوري والفضيل ~~بن عياض ووهب ابن الورد وابن المبارك وبشر بن الحارث والمعافى بن عمران رضي ~~الله عنهم، ويقال: إن كل قطعة من المزيفة ينفقها صاحبها يجدها ملصقة في ~~صحيفته بعينها وصورتها مكتوب تحتها ألف سيئة، خمسة آلاف سيئة على قدر ~~وزنها، ووزن ذرة منها سيئة، والذرة نقطة من هباء شعاع الشمس في الضوء. # حدثني بعض العلماء عن بعض الغزاة في سبيل الله عز وجل قال: حملت على فرسي ~~لأتناول بعض العلوج فقصر فرسي فرجعت، ثم دنا مني العلج فحملت عليه ثانية ~~لأتناوله فقصر فرسي، وحملت عليه ثالثة وقد قرب مني فنقر بي فرسي، ولم أكن ~~أعتاد ذلك منه: فرجعت حزينا، فجلست إلى جنب فسطاطي منكرا للذي فاتني من أخذ ~~العلج، ولما اختلف علي من خلق فرسي قال: فوضعت رأسي على عمود الفسطاط فنمت ~~وفرسي قائم بين يدي، فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي: بالله ~~عليك أردت أن تأخذ علي العلج ثلاث مرات، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت ~~في ثمنه درهما زائفا؟ لا يكون هذا أبدا، قال: فانتبهت فزعا فذهبت إلى ~~العلاف فقلت له: أخرج إلي الدراهم التي اشتريت بها منك بالأمس العلف، قال: ~~فأخرجها إلي، فأخذت منها الدرهم الزائف فقلت: إني كنت قد جوزت عليك هذا ~~الدرهم بالأمس، قال: فأبدلته له وانصرفت، وقال عبد الوهاب: سألت بشرا عن ~~المعاملة بالمزيفة فقال: سألت المعافى عنها فقال سألت الثوري عنها فقال ~~حرام. # وحدثنا عن أبي داود قال: سمعت أحمد أنكر التجارة والمعاملة بالمزيفة ~~والمكحلة، وقد كان بعض علمائنا يقول: إنفاق درهم مزيف أشد من سرقة مائة ~~درهم، قال: لأن سرقة مائة درهم معصية واحدة منقضية، وإنفاق دانق مزيف بدعة ~~أحدثها في الدين، وإظهار سنة سيئة يعمل بها بعده، وإفساد لمال المسلمين، ~~فيكون عليه وزره إلى مائة سنة، # PageV02P441 # فأكثر ما بقي ذلك الدرهم يدور في أيدي المسلمين ويكون عليه، ثم أفسد ونقص ~~من أموال ms1214 المسلمين إلى آخر فنائه وانقراضه، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه ~~معه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه بعده مائة سنة ومائتي سنة يعذب ~~بها في قبره، ويسأل عنها إلى آخر انقراضها، قال الله عز وجل: (ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم) يس: 12، ما قدموا ما عملوا، وآثارهم ما سنوه بعدهم فعمل به ~~وقال في وصفه: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر، قيل: بما قدم من عمل وما ~~أخر من سنة عمل بها بعده، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن سنة ~~سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها، ومثل وزر من علم بها لا ينقص من ~~أوزارهم شيئا، وإنفاق الدرهم الرديء على من يعرف النقد أشد وأعلظ، وهو على ~~من لا يعرف أسهل، فيكون به أعذر لأن هذا لا يتعمد الغش والآخر يتعمده ~~ويقصده، فإنما كان المسلمون يتعلمون جودة النقد لأجل إخوانهم المسلمين لئلا ~~يغشوهم بالرديء، وإلا فإن تعلم النقد بلاء وإثم على صاحبه لأنه علم علمه ~~ولم يعلمبه، فهو يسأل عن علمه، ومن ردت عليه قطعة فلينفقها ولا يجوزها على ~~بيع آخر، ويحتسب بذلك الثواب من الله عز وجل، فله بذلك من الأجر بوزن كل ~~ذرة منها حسنة، وله في طرحها أعمال كثيرة من الصوم والصلاة، فإن كان في ~~القطعة تجوز نقد ينصرف مثلها فأراد أن يشتري بها شيئا فليعلم البائع الثاني ~~أنها قد ردت عليه، فإن أخذها على بصيرة وعن سماحة فلا بأس، فإن لم يعلمه ~~فإنه لم ينصحه وربما كان على غير بصيرة بالنقد، فقد روي عن عمر رضي الله ~~عنه: من زافت عليه دراهمه فليضعها في كفه وليناد عليها في السوق من يبيعها ~~سحق ثوب بدرهم زائف، وهذا إذا كانت زائفة على وجهها كالصفر والرصاص كان لها ~~قيمة مثلها، وفي قول ابن عمر رضي الله عنه لنافع: لو حفظت عني كما يحفظ ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم لكان أحب إلي من أن يكون لي درهم زائف، ~~قيل له: أفلا جعلته جيدا؟ قال: كذلك ms1215 كان في نفسي. # وروينا عن النخعي: إذا كان في الدرهم شيء من الفضة وإن قل فلا بأس به، ~~وحدثت عن أبي داود قال: سألت إسحاق بن راهويه رحمهما الله عن إنفاق المزيفة ~~قال: فلا بأس به، ففيه ترخيص بالإنفاق بالزائف إذا عرف ومن سمح في النقد، ~~ويجوز في أخذ الرديء طلبا للآجر، فيما يحتسب، ثم إذا أخرج ذلك على المسلمين ~~وجوزه عليهم بعد ذلك فقد أثم في سماحته وتشديده حينئذ، ونقصه في أخذ الجيد ~~أفضل، وهذا من دقائق الأعمال وباطن الشر في ظاهر الخير، اللهم إلا أن يأخذ ~~الرديء ثم يلقيه ولا يخرجه إلى أحد، فإن فعل هذا كان فاضلا محتسبا محسنا في ~~سماحته وله باحتسابه ذلك مثوبة وأجر، # PageV02P442 # فينبغي للتاجر أن يكثر من الصدقة ليكون فيها كفارة خطاياه وإيمانه وكذبه، ~~فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم التاجر بالصدقة، لذلك فينبغي للتاجر ~~والصانع أن يكونا مستعملين لهذه الخصال، فإنها جامعة له تشتمل على جمل ~~أعمال البر، فليأخذوا أنفسهم بها فإنها من أخلاق المؤمنين وطرائق ~~المتقدمين، وقد ندبوا إلى جميعها، منها أن يسمح إذا باع، ويسمح إذا اشترى، ~~ويحسن إذا، قضى، ويحسن إذا اقتضى، وليمش الرجل بدين غريمه إليه ولا يحوجه ~~إلى اقتضائه فيشق عليه، وليصبر صاحب الدين على أخيه ويحسن تقاضيه، ويحسن له ~~النظرة ويؤخر حقه إلى ميسرته، وليغتنم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لهم على ذلك فينافسوا في مدحه لمن فعل ذلك، فقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إسمح يسمح لك، وقال: خير الناس أحسنهم قضاء، وقال: خذ حقك في ~~عفاف وافيا كان أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا، وقال: رحم الله عبدا ~~سمح البيع سمح الشراء حسن القضاء حسن الاقتضاء، وقال: من مشى إلى غريمه ~~بحقه أظلته الملائكة، وقال: من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا ~~يسيرا، وفي خبر آخر: أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وذكر عليه ~~السلام رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب ms1216 فلم يجد له حسنة فقيل له: هل عملت ~~خيرا قط؟ فقال: لا، إلا إني كنت رجلا أداين الناس وأقول لغلماني سامحوا ~~الموسر وانظروا المعسر، وفي لفظ آخر: وتجاوزوا عن المعسر، قال الله عز وجل: ~~(نحن أحق بذلك منك فغفر له) وفي خبر آخر: من أقرض دينا إلى أجل فله بكل يوم ~~صدقة إلى أجله فإذا حل الأجل فانظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة، ~~وفي حديث: من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له ~~حتى يقضيه، وكان جماعة من السلف يدانون وهم واجدون لأجل هذا الخبر، وكان ~~جماعة لا يحبون أن يقضيهم غرماؤهم دينهم لأجل ذلك الخبر الأول إذ له بكل ~~يوم تأخر قضاء صدقة. # وفي الحديث: رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض ~~بثمانية عشر، قيل: معناه لأن الصدقة تقع في يد محتاج وغيره، والقرض لا يقع ~~إلا في يد محتاج مضطر إليه، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم ~~رجلا بدين عليه فأومأ إلى صاحب الدين بيده: ضع الشطر ففعل، فقال للمديون: ~~قم فأعط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أدان دينا إلى أجل فجاءه صاحب ~~الدين عند حلول الأجل ولم يتفق عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الرجل ~~يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويشدد عليه الكلام فهم به أصحابه فقال: دعوه ~~فإن لصاحب الحق مقالا، واستحب أن تكون أكثر معاونة الإنسان بين البائعتين ~~مع المشتري منهم، واستحب أيضا أن يكون عونه بين المتداينين مع الذي له ~~الدين، إلا أن يعتدي من له الدين أو يعتدي المشتري فيكون حينئذ على ~~المشتري، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: المستبان بالسئة ربا والمستبان ~~ما قالا، فعلى المعتدي منهما ما لم يعتد المظلوم، # PageV02P443 # ويسير المغابنة في التجارات جائز، فإن موضوع التجارة على الغبن إذا كان ~~عن تراض، فإذا تفاوتت القيمة وعلم الغبن فمكروه، وقد يروى في حديث أن غبن ~~المستغفل حرام، وفي حديث: فيه مقال المغبون لا ms1217 محمود ولا مأجور، هذا والله ~~أعلم إذا تغابن وهو يعلم فيخسر نفسه حقه وحمل غيره على ظلمه، وكان إياس بن ~~معاوية قاضي البصرة من علماء الزمان ومن عقلاء التابعين وكانت لأبيه صحبة ~~كان يقول: لست بخب والخب لا يغبن يعني محمد بن سيرين، ولكن يغبن الحسين ~~ومعاوية بن قرة، وكان الزبير بن عدي يقول: أدركت ثمانية عشر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يحسن يشتري لحما بدرهم. # وقد روي أن الحسن باع بغلا له بأربعمائة درهم، فلما استوجب المال قال له ~~المشتري: اسمح يا أبا سعيد، قال: قد أسقطت عنك مائة قال له المشتري: فأحسن ~~يا أبا سعيد، قال: قد وهبت له مائة أخرى فنقص من حقه مائتي درهم، وفي رواية ~~أخرى قال: أحسن، قال: وهبت لك مائتي درهم، فقيل له: يا أبا سعيد هذا نصف ~~الثمن، فقال: هكذا يكون الإحسان وإلا فلا، وقد كان الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما وغيرهما من خيا رالسلف يستقصون في الاشتراء ثم يهبون مع ذلك الجزيل ~~من المال فقيل لبعضهم: تستقصي في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير ولا ~~تبالي، فقال قائلهم: إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله، وقال آخر: ~~إنما أغبن وبصيرتي، أو قال: معرفتي، ولا أمكن الغابن من ذلك، وإذا وهبت ~~فإنما أعطى لله عز وجل فلا استكثر له شيئا والأخبار في هذه المعاني تكثر ~~والفضائل فيها تطول، ولم نقصد جمع ذلك، فقد ذكرنا جملة وهذا كله داخل في ~~البر والتقوى ومن العدل والإحسان، ومن تطوع الخير وفعل المعروف فقد أمر ~~الله بذلك في مواضع من كتابه، وينبغي أن يستعمل النصح في البيع والشراء وفي ~~الصنعة ويستوي عملهما في المبيع والمشترى والمصنوع ويفطن كل واحد منهما ~~صاحبه بعيب إن كان في السلعة وينقص إن كان في الصنعةإن لم يفطن المشتري ~~لذلك والمستعمل ليتكافأ العلمان ويثني كل واحد منهما على صاحبه بإحسان، وفي ~~الخبر: البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وإذا كذبا وكتما أنزعت ms1218 ~~بيعهما، وفي حديث آخر: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا، فإذا تخاونا ~~رفع يده عنهما، ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم جريرا، على الإسلام ذهب ~~لينصرف جذب ثوبه، واشترط عليه النصح لكل مسلم، قال: فكان جرير إذا أقام ~~السلعة ليبيعها بصر عيوبها ثم أخبر: فقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقلنا ~~له: رحمك الله، إنك إذا قلت هذا لم ينفذ لك بيع، فقال: إنما بايعنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على النصيحة لأهل الإسلام، وكان واثلة بن الأسقع ~~واقفا بالناس في الكوفة فباع رجل ناقة بثلاثمائة درهم وغفل واثلة، وقد ذهب ~~الرجل بالناقة # PageV02P444 # فسعى وراءه وجعل يصوت به حتى رجع، وقال: يا هذا أللحم اشتريت هذه الناقة ~~أم للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: فإن بحقها نقنا قد رأيته وإنها لا تتابع ~~السير عليه، قال: فردها، فنقصه البائع مائة درهم، فقال لواثلة: رحمك الله ~~أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل ~~لأحد يبيع شيئا إلا يبين ما فيه ولايحل لمن يعلم ذلك إلا يبينه، فانظر رحمك ~~الله إلى النصح للمسلمين الذي يتعذر فعله علي كثير من المسلمين، إنما جعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط صحة الإسلام وكان يبايع عليه، إلا إنه ~~جعله من فضائل الدين، ولا نهاية لقرب المتقين، لأنه قال: الدين النصيحة ~~الدين النصيحة ثلاثا، ثم سوى بين طبقات الناس فيه فقال لله ولكتابه ولرسوله ~~ولأئمة المسلمين ولعامتهم. # وقد روي في خبر مشهور: لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ~~ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم، وفي خبر آخر: ما لم يبالوا ما نقص من ~~دنياهم بسلامة دينهم، فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله، قال الله ~~سبحانه: كذبتم لستم بها صادقين وفي لفظ آخر: ردت إليهم، في خبر: كأنه مفسر ~~لحديث مجمل: من قال لا إله إلا اللهه مخلصا دخل الجنة، قيل: وما إخلاصها؟ ~~قال: أن تحرزه عما يحرم ms1219 الله، وخبر مشهور: ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، ~~وقد روينا عن بعض التابعين: لو دخلت هذا الجامع وهو غاص بأهله فقيل له: من ~~خير هؤلاء؟ لقلت: نصحهم لهم، فإذا قالوا هذا قلت: هو شرهم، والغش في البيوع ~~والصنائع محرم على المسلمين، ومن كثر ذلك منه فهو فاسق، ومن الغش أن ينشر ~~على المشتري أجود الطرفين من المبيع، أو يظهر من المبيع أجود الثوبين، أو ~~يكشف من الصنعة أحسن الوجهين، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل ~~يبيع طعاما فأعجبه ظاهره فأدخل يده فرأى بللا فقال: ما هذا؟ فقال: أصابته ~~السماء، فقال: هلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غش فليس مني. # وفي حديث عبد الله بن أبي ربيعة: أنه مر على طعام مصير فارتاب منه فأدخل ~~يده فإذا طعام ممطور، فقال: ما هذا؟ فقال: هذا والله طعام واحد يا رسول ~~الله، فقال: هلا جعلت هذا وحده حتى يأتوك فيشترون شيئا يعرفونه من غشنا ~~فليس منا، وحدثني بعض إخواننا أن رجلا حذاء سأل: فكيف أسلم في بيع النعال؟ ~~فقال: استجد الأول وليكونوا سواء واجعل الوجهين شيئا واحدا لا يفضل اليمين ~~وجود الحشو، وقارب بين الخرز ولا تطبق أحد النعلين على الأخرى، فينبغي ~~للبائع والصانع أن يظهرا من البيع والمصنوع أردأ ما فيه وأرذله، ليقف ~~المشتري والصانع على عيوبه، ويكونا على بصيرة من باطنه، وباع ابن سيرين شاة ~~له فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيب فيها قال: وما هو: قال: تقلب العلف ~~برجلها، وباع # PageV02P445 # الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري إنها قد تنخمت مرة عندنا دما، ويبين ~~دقائق الإعلام والبيان في ذلك مما لا يعلمه المشتري أو المستعمل، فهو من ~~النصح والصدق، وذلك يكون عن التقوى والورع في البياعات والإجارات ويكون ~~الكسب عن ذلك أحل وأطيب فليجتنب المسلم محرم ذلك كله وكل مكروه، فهذه سيرة ~~السلف وطريقة صالحي الخلف، وأستحب له أن يتوخى في الشراء والبيع، ويتحرى ~~أهل التقوى والدين، ويسأل عمن يريد أن يبايعه ويشاريه وأكره له ms1220 معاملة من ~~لا يرغب عن الحرام أو من الغالب على ماله الشبهات. # وحدثت عن محمد بن شيبة أخت ابن المبارك قال: كتب غلام ابن المبارك إليه: ~~أنا نبايع أقوما يبايعون السلطان، فكتب إليه ابن المبارك إذا كان الرجل ~~يبايع السلطان وغيره فبايعه، وإذا قضاك شيئا فاقبض منه إلا أن يقضيك شيئا ~~تعرفه بعينه حراما فلا تأخذه وإذا كان لا يبايع إلا السلطان فلا تبايعه. # وحدثنا عن بعض الشيوخ عن شيخ له من الخلف الصالح قال: قال أتى على الناس ~~زمان كان الرجل يأتي إلى مشيخة الأسواق فيقول: من ترون لي أن أعامل من ~~الناس من أهل الصدق والوفاء؟ فيقال له: عامل من شئت، ثم أتى عليهم وقت آخر ~~فكان الرجل يقول: ترون لي أن أعامل من الناس؟ فيقال: عامل من شئت إلا فلانا ~~وفلانا قال: ونحن في زمن إذا قيل لنا: من نعامل من الناس؟ فيقال: عامل فلان ~~بن فلان وأخشى أن يأتي على الناس زمان يذهب فلان بن فلان أيضا، ولا يحلف ~~ولا يكذب ولا يخلف موعدا، فإن اليمين الكاذبة ممحقة للكسب، وقد قيل: ويل ~~للتاجر من يقول: لا والله، وبلى والله، وويل للصانع من اليوم وغد وبعد غد، ~~أبو عمرو الشيباني عن أبي هريرة قال: قال ر سول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، عبد متكبر ومنان بعطيته ومنفق سلعته ~~بيمينه، ولا يمدح إذا باع أو صنع صنعة ولا يذم إذا اشترى أو استعمل صانعا، ~~فإن هذا لا يزيد في رزقه ولا ينقص منه تركه، وهذا من اليقين في الرزق في ~~هذا الباب، وفعله يزيد في الذنوب فينقص من الدين، وعلى الصانع أن يبلغ غاية ~~النصح في صنعته لمستعمله لأنه أعرف بصلاح صنعته وفسادها وبسرعة فناء الصنعة ~~وكثرة بقائها، فينبغي أن يتقن نهاية علم الصانع بصلاح الصنعة وحسن بقائها ~~مع نهاية بغية مستعمله من تجويدها وأحكامها، ويتقي من فساد يسرع إلى فنائها ~~ما لا يفطن له مستعمله، فإذا فعل الصانع والتاجر ذلك ms1221 كانا قد عملا بعملهما ~~وسلما من المطالبة والمساءلة عنه، وإلا فهما يسألان فيقال لهما: ماذا عملتم ~~فيما علمتم؟ إذ كانوا على علم من التجارة والصناعة وبهذه الأشياء عمارة ~~المملكة، فلا بد أن يسألا عن ذلك كما يسأل من كان على علم من الدين ~~والإيمان، لأن لهم في علوم العقل والتمييز من أبواب الدنيا # PageV02P446 # أحوالا أيضا ومقامات من حيث كان عليهم في ذلك تكليف وعبادات، ويقال: إذا ~~أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا ~~تشكوا في صلاحه، وشهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة فقال: ~~ائتني بمن يعرفك، فأتاه رجل فأثنى عليه خيرا. # فقال له عمر رضي الله عنه: أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه قال: ~~لا قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال: لا قال: ~~فعاملته بالدينار والدرهم الذي يتبين به ورع الرجل قال: لا قال: أظنك رأيته ~~قائما في المسجد يصلي يخفض رأسه طورا ويرفعه له زمرة بالقرآن قال: نعم، ~~قال: اذهب فلست تعرفه فقال مرة: أنت القائل ما لا تعلم ثم قال للرجل: اذهب ~~فائتني بمن يعرفك، وقد كال من سيرة السوقة فيما سلف أنه كان للبائع دفتران ~~للحساب أحدهما ترجمته مجهول، فيه أسماء من لا يعرفه من الفقراء الضعفاء، ~~وذلك أن المسكين والضعيف كان يرى المأكول فيشتهيه أو يحتاج إليه ولا يمكنه ~~أن يشتريه فيقول للبائع: أحتاج إلى خمسة أرطال من هذا أو عشرة وليس عندي ~~ثمنه فيقول: خذ إلى ميسرة فإذا رزقت فاقض، ويكتب اسمه في الدفتر المجهول ~~قال: ولم يكن من يفعل هذا من خيار المسلمين بل كان الخير من الباعة من لا ~~يكتب اسمه في دفتره ولا يجعله دينا حتما عليه ولا مظلمة عنده، ولكن يقول: ~~خذ حاجتك مما تريد فإن وجدت فاقضني وإن لم تجد فأنت في حل، لا تضيقن قلبك ~~لذلك، وهذا طريق قد مات فمن قام به فقد أحياه فكان مثل هؤلاء في المتقدمين ~~أكثر من ms1222 أن يسعهم كتاب، وكان من ينصح دقائق النصح وشدد على نفسه غاية ~~التشديد وسمح لإخوانه نهاية الجود أكثر من ذلك، وإنما ذكرنا هؤلاء لتنبيه ~~الغافلين على أعمالهم ونكشف بعض ما عفا من طريقهم، ولم يكن هؤلاء المذكورون ~~من السوقة من خيار الناس كلهم إنما كان الأخيار المسجدية العباد والنساك ~~المنقطعون إلى الله الزهاد، فإذا حصلت كفاية السوقي في بعض يومه فليجعل ~~بقيته لأخيه، فقد كان بعض السلف منهم من ينصرف من حانوته بعد صلاة الظهر ~~ويجعل نصف يومه لربه، ومنهم من ينصرف بعد العصر فيكون آخر يومه لآخرته. # وكان بعضهم إذا حصلت كفايته في يومه وتأتي قوت عياله في أي وقت من نهاره ~~غلق حانوته وانصرف إلى منزله أو مسجده يتعبد بقية يومه، وكان منهم من إذا ~~ربح دانقا أو قيراطا انصرف قناعة وزهدا أو قلة حرص على الدنيا، وأعجب من ~~ذلك ما سمعت عن حماد بن سلمة أنه كان يبيع اللحم في سفط بين يديه، فكان إذا ~~ربح حبتين رفع سفطه وانصرف. # وقال إبراهيم بن يسار: قلت لإبراهيم بن أدهم أمر اليوم أعمل في الطين ~~فقال: يا # PageV02P447 # ابن يسار إنك طالب ومطلوب يطلبك ما لا تفوته وتطلب ما لا يفوتك، أما رأيت ~~حريصا محروما وضعيفا مرزوقا؟ فقلت: إن لي دانقا عند البقال فقال عز علي بك ~~تملك دانقا وتطلب العمل، وقد كان كثير من الصناع يعمل نصف يومه وثلثي يومه ~~ثم يأخذ ما استحقه من كفايته وينصرف إلى مسجده، ومنهم من كان يعمل في ~~الأسبوع يوما أو يومين ويتعبد سائر الأسبوع في خدمة سيده، وقد كانوا يجعلون ~~أول النهار وآخره للآخرة في تجارة المعاد والمرجع، ويجعلون وسط النهار ~~لتجارة الدنيا، وفي الخبر: أن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد من أول ~~النهار ومن آخره فيها خير وذكر كفر الله عز وجل عنه ما بينهما من سيئ ~~العمل، وفي الخبر: يلتقي ملائكة الليل والنهار، عند طلوع الفجر تنفرج ~~ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار، وعند صلاة العصر فتنزل ملائكة الليل ~~وتنفرج ملائكة ms1223 النهار فيقول الله عز وجل: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~تركناهم يصلون وجئناهم يصلون فيقول الله سبحانه وتعالى: أشهدكم أني قد غفرت ~~لهم، وقد كان علي رضي الله عنه يمر في سوق الكوفة ومعه الدرة وهو يقول: يا ~~معشر التجار، خذوا الحق وأعطوا الحق، تسلموا ولا تردوا قليل الربح فتحرموا ~~أكثر ما منع من حق إلا ذهب أضعافه في باطل، وقيل لعبد الرحمن بن عوف: ما ~~كان سبب يسارك؟ فقال: ثلاث، ما رددت ربحا قط ولا طلب مني حيوان وأخرت بيعه ~~ولا بعت بنسإ، ويقال إنه باع ألف ناقة فربح عقلها وباع كل عقال بدرهم فربح ~~فيها ألفي درهم، ألف أخذها وألف نفقة عليها في يومها، وقد كان الورعون ~~يكرهون ركوب البحر للتجارة ويقال: من ركب البحر للتجارة فقد استقصى في طلب ~~الرزق، وفي الخبر لا يركب البحر إلا حاج أو غاز أو معتمر، وعن زيد بن وهب ~~عن عمر رضي الله عنه كان يقول: ابتاعوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ~~وثمروها لهم بالأرباح، وإياكم والحيوان فإنه ربما هلك، وإياكم ولجج البحر ~~اتجروا لهم فيها مالا. # وكان عمرو بن العاص يقول: لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر خارج فإن بها ~~باض الشيطان وفرخ، وروينا عن معاذ وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن إبليس ~~قال لولده زلنبور: يا زلنبور سر بكتابيك وأنت صاحب السوق زين الحلف والكذب ~~والخديعة والمكر والخيانة والخلف، وكن مع أول داخل وآخر خارج منها. # وروينا عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينهي أن يدخل السوق أوائل النهار وأن يخرج منها آخر أهلها، فإذا كان ~~المتسبب في المعاش والمتصرف في الأسواق على هذه الأوصاف المحمودة بهذه ~~الشروط الموصوفة قائما بحكم حاله # PageV02P448 # حافظا لمقامه فإنه في سبيل من سبل الله عز وجل، أفعاله وآثاره حسنات وكل ~~ما تسبب به إلى الآخرة، وكان عونا له عليها وطريقا له إليها فهو من الآخرة، ~~وإذا خالف هذه الشروط ولم يستعمل العلم ms1224 في أحواله وفارق التقوى في تصرفه، ~~أو كان يسعى تكاثرا وحرصا على الدنيا جزوعا على ما فاته من الدنيا مستقلا ~~لما في يديه منها، لا يبالي ما ذهب من دينه إذا سلمت دنياه ولا يبالي من ~~أين اكتسب وفيما أنفق، فهذا يتقلب في المعاصي والمكاره ظهر البطن متعرضا ~~للمقت من الله عز وجل، يعمل في البعد والهرب غير مستعد للموت ولا موقن ~~بالحساب، أفعاله وآثاره سيئات وترك التجارة على هذه الأوصاف المكروهة خير ~~لهذا. ### | ذكر ما روينا من الآثار في البيوع والصنائع وطريقة الورعين من السلف # روينا عن علقمة رضي الله تعالى عنه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من جلب إلى مصر من أمصار المسلمين فباعه بسعر يومه كان له ~~عند الله تعالى أجر شهيد، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، وروينا ~~عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة ~~صاحب مكس، وروينا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من أقال نادما في بيع أقاله الله عز وجل يوم القيامة، روينا عن ~~هشام بن عروة ذكر لمعاوية أن رجلا من المعمرين من الجراهمة بالقرب منه ~~فأحضره فقال: ممن الرجل؟ قال من جرهم قال: وكم تعد من السنين؟ قال: خمسين ~~وثلاثمائة سنة قال: أخبرني أي المال أفضل؟ قال: عين خدارة في أرض خوارة ~~تعول ولا تعال قال: ثم ماذا؟ قال: فرس في بطنها بتبعها فرس قال: فقال: ~~الإبل والغنم لا أراك تذكرها قال: إنها لا تصلح لمثلك تصلح لمن يباشرها ~~بنفسه. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير مال المسلم سكة مأبورة أو ~~مهرة مأمورة، قوله سكة مأبورة يعني النخيل التي قد أبرت فهي طريق كالسكك، ~~وقوله مهرة مأمورة يعني الخيل النواتج مأمورة كثيرة. # ومن هذا قوله تعالى: (أمرنا مترفيها) الإسراء: 16 ms1225 أي أكثرناهم، يقال: أمر ~~القوم إذا كثروا، وحدثونا عن عبد الله بن أحمد قال: قدمت من عند معاوية ~~بثلاثمائة ألف دينار وليس بيدي منها إلا دقيق وغنم وأثاث، ففزعت من ذلك ~~فلقيت كعب الأحبار فذكرت له ذلك فقال: أين أنت من النخل، فإنا نجدها في ~~كتاب الله تعالى المطعمات في المحل الراسخات في الوحل وخير المال النخل، ~~بائعها ممحوق ومبتاعها مرزوق، مثل من باعها ثم لم يجعل ثمنها في مثلها كمثل ~~رماد صفوان، اشتدت به الريح في يوم عاصف ففزعت إلى النخل فابتعتها قال: ~~وقال مروان بن الحكم لوهب بن الأسود: ما المروءة؟ قال: بر الوالدين وإصلاح ~~المال، # PageV02P449 # حدثت عن عبد القدوس بن عبد السلام قال: كتب إبراهيم ابن أدهم إلى عباد بن ~~كثير: اجعل طوافك وسعيك وحجك كنومة غاز في سبيل الله عز وجل، فكتب عباد إلى ~~إبراهيم: اجعل حرسك ورباطك وغزوك كنومة كاد على عياله من حله، وروينا عن ~~العباس قال: سمعت أحمد بن ثور يقول: شيع رجل إبراهيم ابن أدهم إلى الصنوبر ~~فقال: يا أبا إسحاق أوصيني قال: أكثر وأوجز قال: ما الحاج المعتمر ولا ~~الغازي المرابط ولا الصائم والقائم بأفضل عندنا ممن أغنى نفسه عن الناس. # وروينا عن لقمان قال لابنه: يا بني، خذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها كل ~~الرفض فتكون عيالا على الناس. # وحدثون عن شاذان قال: سألت الحسن بن حي عن شيء من المكاسب فقال: إن نظرت ~~في هذا حرم عليك ماء الفرات ثم قال: طلب الحلال أشد من لقاء الزحف. # وروينا عن الهيثم بن جميل قال: قال ابن المبارك: اركب البر والبحر واستغن ~~عن الناس، قال الهيثم: ربما يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه ~~فيهون ذلك علي. # وروينا عن حماد بن زيد قال: قال أيوب: كسب فيه بعض الشيء أحب إلي من ~~الحاجة إلى الناس. # أنشدونا عن ابن أبي الدنيا قال: أنشدني عمر بن عبد الله: # لنقل الصخر من قلل الجبال ... أخف علي من منن الرجال # يقول الناس كسب فيه ms1226 عار ... فقلت العار في ذل السؤال # حدثنا عن موسى بن طريف قال: ركب إبراهيم بن أدهم البحر فأخذتهم ريح عاصف ~~أشرفوا على الهلكة فقالوا: يا أبا إسحاق، أما ترى ما نحن فيه من الشدة؟ قال ~~وهذه شدة؟ قالوا فأي شيء الشدة؟ قال الحاجة إلى الناس، وأنشدنا بعض العلماء ~~لبعض الأدباء: # لموت الفتى خير من البخل للغني ... وللبخل خير من سؤال بخيل # فلا تجعلن شيئا لوجهك قيمة ... ولا تلق مخلوقا بوجه ذليل # ولا تسألن من كان يسأل مرة ... فللفقر خير من سؤال سؤل # وأنشدنا بعض الأشياخ: # إذا عدت الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل # ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل # وأنشدنا لبعضهم: # إذا كنت لا بد مستطعما ... فمن غير من كان يستطعم # فإن الذي كان مستطعما ... إذا ذكر الجوع لا يطعم # PageV02P450 # وأنشدنا لبعضهم: # ما خلفت حواء أحمق لحية ... من سائل يرجو الغنى من سائل # وحدثونا عن زيد بن أسلم قال: كان محمد بن مسلمة في أرض يغرس النخل، فدخل ~~عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما تصنع يا محمد؟ قال: ما ترى قال: ~~أصبت، استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم كيف، قال صاحبكم لحيحة ~~بن الحلاج: # فلن أزال عن الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال # روينا عن ابن مسعود قال: ما كس دون درهمك فإن المغبون لا محمود ولا ~~مأجور، وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إذا قلت لصاحبك أحسن فأحسن فهو ~~صدقة، وحدثت عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: كان إبراهيم بن أدهم ورفقاؤه ~~في المسجد في شهر رمضان، فلما سلم الإمام قام رجل فسأل، فلم يعط شيئا ~~ووضعوا عشاءهم فقالوا لإبراهيم: يا أبا إسحاق ندعوه؟ قال: لا تدعوه، فبات ~~بغير عشاء فلما كان من الغد جاء رفيق لإبراهيم فقال له: يا أبا إسحاق، رأيت ~~الذي سأل البارحة وعلى رأسه حزمة حطب فقال: تدرون لم قلت لكم: لا تدعوه سبق ~~إلى ms1227 قلبي أنه لم يسأل قبلها فكرهت أن أدعوه فيتكل على عشائكم، قال عبد ~~الله: وقال رجل لإبراهيم: كيف أصبحت؟ قال: بخير ما لم يتحمل مؤونتي غيري، ~~وعن موسى بن طريف قال: كان إبراهيم بن أدهم لا يماكس إذا عمل مع أحد، ~~حدثونا عن يوسف بن سعيد قال: سمعت إنسانا يسأل علي بن بكار: أيهما أفضل، ~~اللقاط أو التكابة؟ فقال: اللقاط فيه معروف كثير، كان سليمان الخواص يلقط ~~ههنا عندنا وكان إبراهيم بن أدهم يؤاجر نفسه وكان حذيفة يضرب اللبن، أبو ~~عمرو بن العلاء قال: قال الحسن: الأسواق موائد الله تعالى فمن أتاها أصاب ~~منها، الحسن بن دينار عن قتادة قال: مكتوب في التوراة اتق توق وسل تعط ~~وأطلب تجد، ومكتوب في الإنجيل: ابن آدم اصبر تصبر. # عن أبي خلدة عن أبي العالية قال: إذا اشتريت شيئا فاشتر أجوده. # أبو الطفيل قال: كنت عن أنس بن مالك فقيل له: خرج الدجال فقال: كذبة ~~صباغ، حدثنا عن يحيى بن يمان عن بسام الصيرفي عن عكرمة قال: أشهد أن ~~الصيارفة من أهل النار. # وروينا عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل قال: ~~أقبلنا حجاجا حتى إذا كنا بالصفاح توفي صاحب لنا فحفرنا له، وإذا أسود قد ~~ملأ اللحد كله، ثم حفرنا له قبرا آخر فإذا الأسود قد ملأ اللحد، فحفرنا له ~~قبرا آخر فإذا الأسود قد ملأ اللحد كله، فتركناه وأتيناك نسألك ما تأمرنا، ~~قال: ذاك عمله الذي كان يعمل، وفي رواية # PageV02P451 # أخرى: ذاك غله الذي كان يغل به، اذهبوا فادفنوه في بعضها فو الله لو ~~حفرتم له الأرض كلها لوجدتم ذاك، قال: فألقيناه في قبر منها، فلما قضينا ~~سفرنا أتينا امرأته فسألنا عن عمله فقالت: كان رجلا يبيع الطعام، فيأخذ قوت ~~أهله كل يوم ثم ينظر مثله من قصب الشعير فيقطعه فيخلطه في الطعام مكان ما ~~أخذ فيبيعه، عن حجاج عن أبي جعفر محمد ابن علي: أن عليا رضي الله تعالى عنه ~~كان يضمن القصار والصباغ والخياط ms1228 ليحفظوا على الناس أمتعتهم، وروينا عن ~~هشام بن عمار قال: سئل مالك بن أنس: في الرجل يسلم الثوب إلى الحائك بالنصف ~~ودرهم والنصف ودرهمين قال: هذا شرط فاسد وله أجرة مثله إلا أن يخالف الشر ~~فعليه العزم، وحدثنا عن أحمد بن الحسن المقري قال: سئل أبو بكر المروزي: ~~وأنا أسمع الحائك ينسج الثوب على الخمسين ودرهمين وعلى الخمسين وثلاثة ~~دراهم وأكثر قال: لا بأس إذا رضينا قلت: فالنصف ودرهم والنصف ودرهمين قال: ~~لا بأس. # سئل أحمد بن حنبل عن هذه المسألة فقال: لا بأس، وحدثنا عن أبي داود قال: ~~سمعت ابن حنبل سئل عن الثوب يعطي على الثلث أو الربع للحائك قال: لا بأس ~~به، ثم قال هل هذا إلا مثل المضاربة ومثل قصة جبير، لعله أن يربح المضارب ~~شيئا ولا يخرج الأرض شيئا، كلها عندي قريبة، وعن ابن وهب قال: قال مالك في ~~رجل باع بعد النداء يوم الجمعة قال: يفسخ ذلك البيع قيل: عامل وترك القيام ~~إليها وهو حد قال: بئسما صنع، فليستغفر ربه عز وجل، وقال ربيعة: ظلم وإساء ~~قال: وقال مالك: يحرم البيع حتى يخرج الإمام يوم الجمعة. # حدثنا عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل غير مرة يكره التجارة ~~والمعاملة بالمزيفة والمكحلة، قال أبو داود: سألت إسحاق بن راهويه عن إنفاق ~~المزيفة فقال: لا بأس به، وقال عبد الوهاب الوراق: سألت بشرا عن المعاملة ~~بالمزيفة فقال: سألت المعافى عنها فقال: سألت سفيان الثوري عنها فقال حرام، ~~حدثنا عن الحسن الخياط قال: سمعت بشر ابن الحارث وقال له رجل من جيرانه: ~~أسلمت عمامة إلى الحائك الدقيق علي من قال على الحائك والخيوط لك، وحدثونا ~~عن بشر عن الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد أن مريم عليها السلام مرت بحاكة ~~قعود على ظهر طريق في طلب عيسى عليه السلام فقالت: كيف طريق موضع كذا وكذا؟ ~~فأرشدوها إلى غير الطريق التي أرادت، فضلت فدعت الله تبارك وتعالى عليهم ~~فقالت: اللهم، إانزع البركة من كسبهم وأمتهم فقراء ms1229 وحقرهم في أعين الناس، ~~قال بشر: أحسب أن الله عز وجل استجاب دعاءها فيهم، وروينا عن أبي عبد ~~الرحمن الجيلي عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~من فرق بين الوالد وولده في البيع، فرق الله عز وجل بينه وبين أحبته يوم ~~القيامة، # PageV02P452 # سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله أن أباه بعث بغلام له بمال إلى ~~أصبهان بأربعة آلاف، فبلغ المال ستة عشر ألفا أو نحو ذلك فبلغه أنه مات، ~~فذهب يأخذ ميراثه فبلغه أنه كان يقارف الربا فأخذ أربعة آلاف وترك البقية، ~~وحدثونا عن أبي بكر المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الذي يعامل بالربا ~~يؤكل عنده قال: لا قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: الذي يتعامل بالربا يأخذ ~~رأس ماله، وإن عرف أصحابه رده عليهم وإلا تصدق بالفضل، وروينا حديث ربيعة ~~بن يزيد عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ ~~العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لابأس به حذرا لما به بأس، وروينا ~~حديث عباس بن جليد قال أبو الدرداء: إن تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ~~ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حجابا بينه وبين الحرام، ~~حدثنا عن أبي بكر المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل: يكون معه ثلاثة ~~دراهم منها درهم حرام لا يعرفه قال: لا يأكل منه شيئا حتى يعرفه، واحتج أبو ~~عبد الله بحديث عدي بن حاتم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر فقال: لا تأكل حتى تعلم أن كلبك قد قتله، ~~وسألت أبا عبد الله عن الرجل: يدفع إليه الدراهم الصحاح بصوغها قال فيها: ~~نهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وأنا أكره كسر الدراهم ~~والقطعة قلت: فإن أعطيت دينارا أصوغه كيف أصنع؟ قال: تشتري به دراهم ثم ~~تشتري به ذهبا قلت: فإن كانت الدراهم من الفيء ms1230 ويستهي صاحبها أن تكون ~~بأعيانها قال: إذا أخذت بحذائها فهو مثلها. # وروى أبو عبد الله حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، قال أبو عبد ~~الله: البأس أن يختلف في الدراهم فيقول الواحد: جيد ويقول الآخر: رديء ~~فيكسره، لهذا المعنى قال: وسألت أبا عبد الله عن الرجل يكتسب بالأجر فيجلس ~~في المسجد فقال: أما الخياط وأشباهه فما يعجبني إنما بنى المسجد ليذكر الله ~~تعالى فيه وكره البيع والشراء فيه، قلت لأبي عبد الله: للرجل يعمل المغازل ~~ويأتي المقابر فربما أصابه المطر فيدخل في بعض تلك القباب فيعمل فيها قال: ~~المقابر إنما هي من الآخرة وكره ذلك قلت لأبي عبد الله: اشتري الدقيق فيزيد ~~في مثل القفيز المكوك قال: هذا فاحش، هذا لا يتغابن الناس فيه قلت: فكيلجة ~~أو دونها قال: هذا يتغابن الناس بمثله، قلت لأبي عبد الله: رفاء الوسائد ~~والأنماط يرفوا للتجار وهم يبيعون ولا يخبرون بالرفو قال: يعمله العمل الذي ~~يبتين لا يعمل الخفي الذي لايتبين إلا لمن يثق به، قلت لأبي عبد الله: ~~الثوب ألبسه ترى أن أبيعه مرابحة قال: لاوإن بعته مساومة فبين أنك قد لبسته ~~وإلا بعته في سوق الخلق، سألت أبا عبد الله عن إبريق فضة يباع قال: لا حتى # PageV02P453 # يكسر ويقول: لا يباع الحرير. # أمية بن خلد قال: كان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع أهل إلى وكيله بالسوس ~~أن أعلم من يشتري منه المتاع أن المتاع يطلب، وحدثنا عن المروزي قال: سألت ~~أبا عبد الله عن الجوز ينثر فكرهه وقال: يعطون يقسم عليهم يعني الصبيان ~~قال: ودخلت على أبي عبد الله وقد حذق ابنه، وقد اشترى جوزا يريد أن يعده ~~على الصبيان يقسمه عليهم وكره النثر وقال: هذه نهبة، وقال أبو عبد الله ~~وذكر مسائل ابن المبارك فقال: كان فيها مسألة دقيقة، سئل ابن المبارك عن ~~رجل رمى طيرا فوقع في أرض قوم: لمن الصيد؟ قال: ms1231 لا أدري، قلت لأبي عبد ~~الله: فما تقول أنت فيها؟ قال: هذه دقيقة ما أدري فيها، قلت لأبي عبد الله: ~~إن عيسى بن عبد الفتاح قال: سألت بشر بن الحارث: هل للوالدين طاعة في ~~الشبهة؟ قال: فقال أبو عبد الله: هذا شديد، قلت لأبي عبد الله: فللوالدين ~~طاعة في الشبهة قال: فقال أبو عبد الله: هذا محمد بن مقاتل قد رأيت ما قال، ~~وهذا بشر بن الحارث قد قال ما قال، ثم قال أبو عبد الله: ما أحسن أن ~~يداريهم، ثم قال أبو عبد الله: إلاثم حواز القلوب، قال المروزي: أدخلت على ~~أبي عبد الله رجلا فقال: إن لي أخوة وكسبهم من الشبهة، فربما طبخت أمنا ~~وتسألنا أن نجتمع ونأكل فقال له: هذا موضع بشر لو كان لك كان موضعا، أسأل ~~الله تعالى أن لا يمقتنا، ولكن تأتي أبا الحسن عبد الوهاب فتسأله فقال له ~~الرجل: فتخبرني بما في العلم قال: قد روي عن الحسن إذا استأذن والدته في ~~الجهاد فأذنت له، وعلم أن هواها في المقام فليقم، قال: سمعت أبا عبد الله ~~وسئل عن رجل له والدة يستأذنها يرحل يطلب العلم فقال: إن كان جاهلا لا يدري ~~كيف يطهر ولا يصلي فطلب العلم أوجب، وإن كان قد عرف فالمقام عليها أحب إلي، ~~قلت: فإن كان يرى المنكر فلا يقدر أن يغيره قال: يستأذنهما، فإن أذنا له ~~خرج. # حدثنا عن أبي الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان بالبصرة فقلت له: يا أبا ~~عبد الله، إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على المخنثين ونتسلق عليهم ~~الحيطان فقال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى، ولكن ندخل عليهم كيلا يفروا، ~~فأنكرذلك إنكاراشديدا وعاب فعالنا، فقال رجل: من أدخل هذا؟ فقلت: إنما دخلت ~~إلى الطبيب أخبره بدائي، فانتفض سفيان وقال: إنما هلكنا إذ نحن سقمى فسمينا ~~أطباء ثم قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من فيه ثلاث خصال، ~~رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عالم بما ينهي، عالم بما يأمر عدل بما ms1232 ينهي، ~~حدثنا عن أحمد بن محمد بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله قلت: أمر في السوق ~~فأرى الطبول تباع فأكسرها قال: إن قويت يا أبا بكر قلت: أدعي أغسل الميت # PageV02P454 # فأسمع صوت الطبل قال: إن قدرت على كسره وإلا فاخرج، سألته عن كسر الطنبور ~~قال: يكسر قلت: فإذا كان معطي؟ قال: إذا ستر عنك فلا قلت: فالطنبور الصغير ~~يكون مع الغلام قال: تكسره أيضا إذا كان مكشوفا قلت لأبي عبد الله: رجل له ~~قراح نرجس ترى أن يباع؟ فقال: إنهم يقولون الزئبق يعمل منه قلت: فإن كان لا ~~يشتريه إلا أصحاب المسكر قال: يسأل عن ذا فإن كان هكذا إلا يباع، سمعت أبا ~~عبد الله وسأله رجل فقال: إن أبي كان يبيع من جميع الناس وذكر من تكره ~~معاملته فقال يدع من ذلك بقدر ما ربح فقال له: فإنه له دينا وعليه دين قال: ~~يقتضي ويقضي عنه قلت: وترى له بذلك؟ قال: فتدعه محتسبا بدينه، سألت أبا عبد ~~الله عن قريب لي أكره ناحيته يسألني أن أشتري له ثوبا أو أسلم له غزلا ~~فقال: لا تعنه ولاتشتر له إلا أن تأمرك والدتك، فإذا أمرتك فهو أسهل لعلها ~~أن تغضب. # سمعت أبا عبد الله وسئل عن رجل له أب مراب يرسله أن يتقاضى له: ترى له أن ~~يفعل؟ قال: لا ولكن يقول: لا أذهب حتى تتوب، ذكرت لأبي عبد الله رجلا من ~~المحدثين فقال: رحمه الله أي رجل كان لولا خلة واحدة؟ ثم قال: ليس كل ~~الخلال يكملها الرجل فقلت له: أليس كان صاحب سنة قال: أي لعمري وقد كتبت ~~عنه ولكن خلة واحدة فقلت: مثل أيش؟ قال: كان لا يبالي ممن أخذ، سمعت أبا ~~عبد الله وذكر بشر بن الحارث فقال رحمه الله: لقد كان فيه أنس، وذكر له شيء ~~من الورع فقال يسأل عن مثل بشر: هذا موضع بشر وأنا لا ينبغي لي أن أتكلم في ~~هذا. # ذكرت لأبي عبد الله رجلا فقيرا في أطمار خلقان وقلت: ما ms1233 أحوجه إلى علم؟ ~~فقال لي: اسكت لصبره على فقره وعريه من العلم إني لأذكره وأنا في الفراش ~~وقال: هؤلاء خير منا، قلت لأبي عبد الله قيل لابن المبارك: كيف يعرف العالم ~~الصادق؟ قال: يزهد في الدنيا ويقبل على أمر آخرته فقال أبو عبد الله: نعم، ~~هكذا يريد أن يكون. # سألت أبا عبد الله عن امرأة كانت تجري على أخرى وتصلها وذكر المرأة ما ~~أمرني به أبو عبد الله من شيء صرت إليه قال: أن تصدق به وتسأل. # سمعت أبا عبد الله وذكر ابن عون فقال: كان لا يكري دوره من المسلمين قلت: ~~لأي علة؟ قال: لئلا يروعهم ابن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه عن سعيد بن ~~المسيب في البر بالدقيق قال: هو ربا، قلت لأبي عبد الله: أخبرت أن بشر بن ~~الحارث أرسل أخوه بتمر من الأيلة، فأبقت أمه تمرة من التمر الذي كانت تفرقه ~~يعني على أهل بيته، فلما دخل بشر قالت له أمه: بحقي عليك لما أكلت هذه ~~التمرة؟ فأكلها وصعد إلى فوق، وصعدت خلفه فإذا هو يتقيأ، وكان أخوه على شيء ~~فقال أبو عبد الله وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه نحو هذا، وسمعت أبا عبد ~~الله وذكر وهيب بن الورد فقال: قد كلمه ابن المبارك فيما يجيء # PageV02P455 # من مصر، وإنما أراد ابن المبارك أن يسهل عليه ولم يدر أنه يشدد عليه، ~~وكان لا يأكل مما يجيء من مصر، إلا الزبيب، وقال أبو عبد الله: بشر بن ~~الحارث كان يأكل من غلة بغداد قلت: لا هو كان ينكر على من يأكل فقال: إنما ~~قدر بشر لأنه كان وحده لم يكن له عيال، ليس من كان معيلا كمن كان وحده، ~~لوكان إلى ما باليت ما أكلت، وذهب أبو عبد الله إلى أن يأخذ من السواد ~~القوت ويتصدق بالفضل ثم قال: لايعجبني أن أبيع شيئا قلت لأبي عبد الله: ترى ~~أن يشرب الرجل من السواد؟ قال: هذا الذي نحن فيه ميراث إنما آخذ الغلة على ms1234 ~~الاضطرار، قيل لأبي عبد الله: فيشتري الرجل فيه؟ فقال للسائل: إن كنت في ~~كفاء فلا، ثم قال أكره أن يبيع الرجل داره ولا أرضى في شيء من السواد ولا ~~يشتري إلا مقدار القوت، فإذا كان أكثر من قوته تصدق به وقال: أنا أذهب إلى ~~أن السواد وقف على المسلمين، أما عمر رضي الله تعالى عنه، فترك السواد ولم ~~يقسمه، وهكذا عثمان تركه، إلا أنه أقطع قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن مسعود وسعدا وذكر غير واحد، وأما علي رضي الله تعالى عنه فأقره ~~ولم يقسمه، قال أبو عبد الله: من ذهب إلى قول ابن المبارك فذاك البلاء يزعم ~~أن السواد يقسم على من شهد الوقعة. # وقال ابن إدريس في دار ببغداد: يبيع أمرها حتى يردها إلى من فتحها بالسيف ~~قلت: ومن أين تقدر على هذا؟ فتبسم وقال: يصير إلى المدينة مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيسأل عنهم، قال أبو عبد الله: أهل المدينة على مذهب ابن ~~إدريس يقولون: المدينة إذا فتحت عنوة قسمت على من شهدها، قلت لأبي عبد ~~الله: فمن خالفهم؟ قال: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ~~أوقفاها على المسلمين، قلت لأبي عبد الله: فمن ورث دارا في القطيعة؟ قال: ~~قال ابن إدريس يردها على من شهد القادسية قلت: وهذا هو عندك القول؟ قال: ~~نعم، ما أحسن ما قال، ولكن مثل هذا الذي في أيدينا إنما هي قطائع لو أن ~~وجلا أراد أن يخرج مما في يديه كنا نأمره أن يوقفها لأنها فيء، سألت أبا ~~عبد الله عن الكوفة والبصرة: أليس افتتحت؟ قال: لا، إنما جاؤوا فابتنوا ~~فيها، وأدخلت على أبي عبد الله رجلا فقال: إني ورثت عن أبي أرضين من السواد ~~فقال له: أوقفها على قرابتك، فإن لم يكن فعلى جيرانك، وقيل له أيضا: ورث ~~رجل دارا في القطيعة فقال: يوقفها، ثم قال: السواد فيء للمسليمن رخص في ~~الشراء، قلت لأبي عبد الله: كيف أشتري في السواد ولا أبيع؟ ms1235 قال: الشراء ~~عندي خلاف البيع، واحتج أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصوا في ~~شراء المصاحف وكرهوا بيعها ابن عباس وجابر بن عبد الله، سئل أبو عبد الله: ~~أيما أحب إليك؛ سكني القطيعة أو الربض؟ فقال: الربض، قلت لأبي عبد الله: إن ~~القطيعة أرفق من سائر الأسواق فقال: أمرها معلوم تعرفها لمن كانت قلت فتكره ~~العمل فيها قد وقع في قلبي منه شيء، فقال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب، # PageV02P456 # قلت لأبي عبد الله: فرجل يريد الخروج إلى الثغر وله دار يريد أن يبيعها ~~قال: لا قلت: فإن قال: إنما أبيع النقض، فتبسم وقال: إن رضي المشتري كأنه ~~عنده حيلة ثم قال: قد ورث ابن سيرين أرضا من أرض السواد قلت: فهي رخصة قال: ~~هذا معروف عن ابن سيرين، قال أبو بكر: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أفرح ~~إذا لم يكن عندي شيء وقال: ما أعدل بالفقر شيئا وقال: هذه الغلة ما تكون ~~قوتنا، فأخبرته أن رجلا قال: لو أن عبد الله ترك هذه الغلة وكان يتصنع ~~صديقا له كان أعجب إلي فقال أبو عبد الله: هذه طعمة سوء أو قال: ردية من ~~تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال: هذا أعجب إلي من غيره. # حدثنا عن عبد الله بن نوح السراج قال: قال لي بشر: ياسراج، أنت بعد في ~~القطيعة قلت: نعم قال: أغناك الله عز وجل عن الدخول إليها، حدثت عن بعض ~~أصحاب بشر قال: وصف لي شيء أتداوى به وقال: ليس تجده إلا في بستان بني كذا ~~يعني القطيعة فقال: لو كان شفائي فيه ما أردته، محمد بن حاتم قال: سمعت ابن ~~أبي بشر يقول: كنت مع بشر وقد خرجنا من باب حرب فقال لي: يا أبا يعقوب، ~~فكرت في هذه القرية ومن كره الدخول إليها وأعلم أن الدباغ إذا كان في ~~المدبغة لا يشم رائحتها إنما يشم رائحتها من ورد عليها، قال بعضهم: وسمعت ~~بشرا يقول: من ذنوبي مقامي ببغداد، وقال شعيب بن حرب: ms1236 أي رجال ببغداد كان ~~لهم خير؟ وعن عبد الوهاب قال: خرج من ههنا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب قوم ~~فكلموه في النزول ببغداد فأشار علهم أن لايرجعوا، فتركوا دورهم وأقام بعضهم ~~ليستقي ماء بالمدائن، ولقد رأى شعيب بعضهم يستقي الماء فقال: لو رآك سفيان ~~لفرح بك، قلت لأبي عبد الله: جاءنا كتاب من طرسوس فيه أن قوما خرجوا من نيف ~~الأسل فطحنوا لهم طعاما على رحى، فتبينوا بعد أن الرحى فيه ما يكرهونه غصب، ~~فتصدق بعضهم بنصيبه وأبى بعضهم وقال: لست آمر فيه شيء لا أرضى أكله لا أرضى ~~أتصدق به فأي شيء تقول؟ فكان مذهب أبي عبد الله أن يتصدق به إذا كان شيئا ~~يكرهه، ورجل اشترى حطبا واكترى دواب وحمله، ثم تبين بعد أنه يكره ناحيتها، ~~كيف يصنع بالحطب؟ ترى أن يرده إلى موضعه وكيف ترى أن يصنع به؟ فتبسم وقال: ~~ما أدري، قلت إن رجلا قال لأبي عبد الله: ما تقول في نفاطة لمن تكره ناحيته ~~ينقطع شسعي أستضيء به قال: لا. # وذكر أبو عبد الله عثمان بن زائدة أن غلامه أخذ له نارامن قوم يكرههم ~~فأطفأها، فقال أبو عبد الله: النفاطة أشد، قلت لأبي عبد الله: تنور سجر ~~بحطب أكرهه فخبز فيه، فجئت أنا بعد فسجرته بحطب آخر فيه قال لا، أليس أحمى ~~بحطبهم وكرهه، قلت لأبي عبد الله: الخادم الخصي ينظر إلى شعر مولاته قال: ~~لا، قلت: المرأة # PageV02P457 # تكون بها الكسرة فيضع المجبر يده عليها قال: هذا ضرورة ولم ير به بأسا ~~قلت: قال المجبر: لابد لي أن أكشف صدر المرأة وأضع يدي عليها، قال طلحة: ~~يوجد، قلت لأبي عبد الله: فالكحال يخلو بالمرأة وقد انصرف من عنده النساء، ~~هل هذه الخلوة منهي عنها؟ قال: أليس هو على ظهر الطريق؟ قيل: نعم قال: إنما ~~الخلوة تكون في البيوت، قال أبو بكر: قلت لأبي عبد الله: إذا اضطر الرجل ~~إلى الميتة ووجد مع قوم طعاما ما يأخذ الطعام بغير إذن صاحبه أو يأكل ~~الميتة قال: ms1237 يأكل الميتة قد أحلت له، سألت أبا عبد الله عن الرجل يمر ~~بالحائط أو النخل يأكل منه فقال: قد سهل فيه قوم من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قلت: فماذا تقول إذا اضطر الرجل إلى الميتة ووجد مع قوم ~~طعاما يأخذ الطعام بغير إذن صاحبه أو يأكل الميتة؟ قال: يأكل ولا يحمل، ~~قلت: الرجل يمر بالبستان قال: إذا كان عليه حائط لم يدخل، وإذا كان غيرمحوط ~~أكل ولا يحمل، سألت أبا عبد الله عن أجور بيوت مكة فقال: لا يعجبني، قلت ~~لأبي عبد الله: فيكتري الرجل الدار ويخرج ولا يقضي الكراء قال: لايعجبني أن ~~لايخرج الكراء، ثم قال: هذا بمنزلة الحجام لابد من أن يعطي، قلت لأبي عبد ~~الله: فترى شراء دور مكة والبيع قال: لا، أما الدور الكبار فمثل دار فلان ~~وفلان سماها فتفتح أبوابها حتى يضرب الحاج فيها فساطيطهم وينزلوها لا يمنع ~~أحد من نزولها، قيل لأبي عبد الله: هذا عمر بن الخطاب قد اشترى السجن قال: ~~لا هذا لا يشبه ما اشترى عمر إنما اشترى السجن للمسلمين، يحبس فيه السراق ~~وغيرهم، سئل أبو عبد الله عن السقايات التي يعملها من تكره ناحيته، ترى أن ~~يتوضأ منها؟ قال: لا إلا أن يخاف فوت الصلاة يعني يوم الجمعة، سئل أبو عبد ~~الله عن السقايات التي تفتح إلى الطريق: ترى أن يشرب منها فقال: قد سئل ~~الحسن فقال: قد شرب أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما من سقاية أم سعيد ~~فمه، قلت لأبي عبد الله: حكي عن فصيل أن غلامه جاءه بدرهمين فقال: عملت في ~~دار فلان فذكر من يكره ناحيته قال: فرمى بها بين الحجارة وقال: لايتقرب إلى ~~الله عز وجل إلا بالطيب، فعجب أبو عبد الله وقال: رحمه الله، وذهب أبو عبد ~~الله إلى أن يتصدق كأنه كان أحوط وقال: يعجبني أن يتصدق به إذا تصدق به فأي ~~شيء بقي. # ذكر ما رأى أحمد بن حنبل الخروج منه، حدثت عن أحمد بن عبد الخالق قال: ms1238 ~~حدثنا أبو بكر المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى إلى الوليمة، ~~من أي شيء يخرج؟ فقال: خرج أبو أيوب حين دعاه ابن عمر، فرأى البيت قد ستر ~~ودعي حذيفة فخرج، وإنما رأي شيئا من زمي الأعاجم قلت: فإن لم يكن البيت ~~مستورا ورأى شيئا من فضة فقال: ما كان يستعمل يعجبني أن يخرج، وسمعت أبا ~~عبد الله: يقول دعانا رجل من أصحابنا قبل المحنة، وكنا نختلف إلى # PageV02P458 # عفان فإذا فضة، فخرجت فأتبعني جماعة فنزل بصاحب البيت أمر عظيم، قلت لأبي ~~عبد الله فالرجل يدعى فيرى المكحلة رأسها مفضض قال: هذا يستعمل فأخرج منه ~~إنما رخص في الضبة أو نحوها فهو أسهل، سألت أبا عبد الله عن الكلة فكرهها ~~قلت: فالقبة أو الحجلة فلم ير به بأسا، قلت لأبي عبد الله أن رجلا دعا قوما ~~فجيء بطست فضة أو إبريق فكسره، فأعجب أبا عبد الله كسره، سألت أبا عبد الله ~~عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج: ترى أن يقعد عليه أو يقعد في بيت آخر؟ قال: ~~يخرج، قد خرج أبو أيوب وحذيفة، وقد روي عن ابن مسعود قلت: فترى أن يأمرهم؟ ~~قال: نعم، فيقول: هذا لا يجوز، قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون في بيت فيه ~~ديباج فيدعو ابنه للشيء قال: لا يدخل عليه ولا يجلس معه، قلت لأبي عبد ~~الله: الرجل يدعى فيرى الكلة فكره وقال: هو رياء، لا يرد من حر ولا من برد، ~~قلت: الرجل يدعى فيرى تصاوير قال: لا ينظر إليه قلت: فقد نظرت إليه قال: إن ~~أمكنك خلعه خلعته، أبو صالح الفراء عن يوسف بن أسباط قال: قلت: من أجيب؟ ~~قال: لا تدخل على رجل، إذا دخلت عليه أفسد عليك قلبك، قد كان يكره الدخول ~~على أهل البسط يعني الأغنياء، المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الستر ~~يكتب عليه القرآن فكره ذلك وقال: لا يكتب القرآن على شيء منصوب لا ستر ولا ~~غيره، قلت: فالرجل يكتري البيت يرى فيه التصاوير ترى أن ms1239 يحكه قال: نعم، قلت ~~لأبي عبد الله: فإذا دخلت حماما فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس قال: نعم. # ذكر الورع في أشياء ابن عبد الخالق، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج قال: قلت ~~لأبي عبد الله: ترى الرجل الوصيء تسأله الصبية أن يشتري لها لعبة قال: إن ~~كانت صورة فلا، وذكر فيه شيئا قلت: أليس الصورة إذا كان يد أو رجل؟ فقال: ~~عكرمة يقول: كل شيء له رأس فهو صورة، قال أبو عبد الله: وقد يصيرون لها ~~صدرا وعينا وأنفا قلت: وأحب إليك أن تجتنب شراءها؟ قال: نعم، سألت أبا عبد ~~الله عن قبلة اليد فلم ير بها بأسا إن كان على التدين، قال: قد قبل أبو ~~عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وإن كان على طريق الدنيا، فلا ~~رجل يخاف سيفه أو سوطه، قال لي أبو عبد الله: قال لي سعيد الحاجب ألا يقبل ~~يد ولي عهد المسلمين فقلت: بيدي هكذا ولم أفعل، وروينا عن علي بن ثابت قال: ~~سمعت حفيان يقول: لا بأس بها للإمام العادل وأكرهه على الدنيا يعني تقبيل ~~اليد، قلت لأبي عبد الله: رجل يريد الخروج إلى الثغر وقد سألني أسألك، وهذا ~~الطريق طريق الأنبار مخيف، فإن عرض له اللصوص ترى أن يقاتلهم قال: إن طلبوا ~~أشياءه قاتلهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل دون ما له فهو ~~شهيد قلت: فإن عرضوا للرفقة، ترى أن يقاتلهم؟ قال: حتى إن يطلبوه هو ولم ير ~~أن يقاتل عن الرفقة بالسيف، # PageV02P459 # سئل أبو عبد الله عن الأسير: يفر؟ قال: نعم إذا قدر على ذلك، قلت لأبي ~~عبد الله: ترى للرجل إذا جاءه الرجل يسأل ترى أن يسأله له قوما قال: لا لكن ~~يعرض كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه القوم مجتابي النمار ~~فقال: تصدق رجل بكذا، سمعت أبا عبد الله يقول: عبد الوهاب أطيب طعمة من ~~غيره يريد الوراقة، سمعت أبا عبد الله يقول: كان يحيى بن يحيى ms1240 أوصى إلي ~~بجبته، فجاءني ابنه فقال لي فقلت: رجل صالح قد أطاع الله تبارك وتعالى فيها ~~أتبرك بها. # حدثت عن بعض العلماء أن يحيى بن يحيى قالت له إامرأته تشربه دواء: لو قمت ~~فترددت في الدار فقال: ما أدري ما هذه المسألة، أنا أحاسب نفسي منذ أربعين ~~سنة، حدثت عن موسى بن عبد الرحمن بن مهدي قال: لما قبض عمي أغمي على أبي ~~فلما أفاق قال: البساط نحوه أدرجوه لغلة الورثة، ابن أبي خالد قال: كنت مع ~~أبي العباس الخطاب، وقد جاء يعزي رجلا ماتت امرأته، وفي البيت بساط فقام ~~أبو العباس على باب البيت فقال: أيها الرجل معك وارث غيرك قال: نعم قال: ~~قعودك على ما لا تملك، فتنحى الرجل عن البساط، وحدثت عن ابن الضحاك صاحب ~~بشر بن الحارث قال: كان يجيء إلى أخته حين مات زوجها فيبيت عندها، فيجيء ~~معه بشيء يقعد عليه ولم ير أن يقعد على ما خلف من غلة الورثة، ابن عبد ~~الخالق عن المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه ~~الشيء أو الخشبة قال: يتصدق به، سألته عن الجص والآجر يفضل عن المسجد قال: ~~يصير في مثله، قلت لأبي عبد الله: إني أكون في المسجد في شهر رمضان فيجاء ~~بالعود من الموضع الذي يكره فقال: وهل يراد من العود إلا ريحه؟ إن خفت ~~خروجك فأخرج، روينا عن أبي عوانة عن عبد الله بن راشد قال: أتيت عمر بن عبد ~~العزيز بالطيب الذي كان في بيت المال فأمسك على أنفه وقال: إنما ينتفع ~~بريحه عبد العزيز بن أبي سلمة قال: حدثنا إسماعيل بن محمد قال: قدم علي عمر ~~رضي الله عنه مسك من البحرين فقالت: والله لوددت إني أجد امرأة حسنة الوزن ~~تزن لي هذا الطيب حتى أفرقه بين المسلمين فقالت امرأته عاتكة بنت عمرو بن ~~نفيل: إني جيدة الوزن فهلم أزن لك قال: لا قلت: ولم؟ قال: إني أخشى أن ~~تأخذيه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه وتمسحين عنقك ms1241 فأصيب فضلا عن المسلمين، ~~وسليمان التيمي قال: حدثني نعيم عن العطارة قال: كان عمر يدفع إلى امرأته ~~طيبا من طيب المسلمين قال: فتبيعه امرأته، فباعتني طيبا فجعلت تقوم وتزيد ~~وتنقص وتكسره بأسنانها فيعلق بأصبعها شيء منه فقالت به: هكذا بأصبعها ثم ~~مسحت به خمارها فدخل عمر فقال: ما هذه الريح؟ فأخبرته بالذي كان فقال: طيب ~~المسلمين تأخذينه أنت فتتطيبين # PageV02P460 # به؟ فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرا من ماء فجعل يصب على الخمار ثم ~~يدلكه في التراب ثم يشمه، ثم يصب عليه الماء ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ~~ففعل ما شاء الله، قالت العطارة: ثم أتيتها مرة أخرى فلما علق بأصبعها منه ~~شيء فعمدت فأدخلت أصبعها في فيها، ثم مسحت بإصبعها التراب. # أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: يحضر يوم الجمعة يوم بارد ترى ~~أن يسخن الماء من الموضع الذي أكره؟ قال: لا ترك الغسل أحب إلي من هذا، ~~سمعت أبا عبد الله ينكر على أبي ثور قوله، وإذا أجمع الأطباء أن شفاء الرجل ~~في الخمر أنه ليس به بأس فأنكر إنكارا شديدا عليه وقال: لقد كرهت أن يداوي ~~الدبر بالخمر فكيف بشربه؟ وتكلم بكلام غليظ. # حدثت عن شعيب بن حرب قال: لأن أرى ابني يسرق أو يزني أحب إلي من أن يأتي ~~عليه وقت لا يعرف الله تبارك وتعالى فيه، محمد بن أبي داود الأنباري قال: ~~قلت لأبي أسامة: أجيب وليمة فيها نبيذ قال: لا قلت: أخاف الحديث الذي جاء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يجب فقد عصى فقال: من لم يجب اليوم ~~فقد أطاع الله تعالى ورسوله، هارون بن معروف قال: جاءني فتى فقال: إن أبي ~~حلف علي بالطلاق أن أشرب دواء مع مسكر، فذهبت به إلى أبي عبد الله فلم يرخص ~~له وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام وكل مسكر خمر. # المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن خياط الملحم فقال: ما كان للرجال فلا، ~~وما كان ms1242 للنساء فليس به بأس، وسألته: يخاط للنساء هذه الزيقات العراض فقال: ~~إن كان شيء عرض فأكرهه هو محدث، وإن كان شيء وسطا لم ير به بأسا، وكره أن ~~يصير للمرأة مثل جيب الرجال، وقطع أبو عبد الله لابنته قميصا وأنا حاضر ~~فقال للخياط: صير جيبها من قدام، وقطع أبو عبد الله لابنته قميصا وأنا حاضر ~~فقال للخياط: صير زيقانها دقاقا وكره أن يصير عريضا، وقطعت لأبي عبد الله ~~جبة وصيرت زيقها دقيقا فقلت لأبي عبد الله: هل أدركت أحدا من المشايخ كان ~~له زيق عريض؟ قال: لا، وكنت يوما عند أبي عبد الله فمرت جارية عليها قباء ~~فتكلم بشيء فقلت: تكرهه قال: كيف لا أكرهه جدا، لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، وروينا عن عبد الصمد قال: دعا يزيد ~~ابن هارون خياطا من النساك فقال: اقطع لهذه الجارية قباء فوضع الخياط ~~المقراض من يده وقال: يا أبا خالد، قباء عمن فسكت يزيد المروزي، قال: ذكر ~~لأبي عبد الله رجل من المحدثين فقال: إنما أنكرت عليه أن لبس زيه زي ~~النساك، سألت أبا عبد الله عن الرجل يلبس النعل السبتي فقال: أما أنا فلا ~~أستعملها، ولكن # PageV02P461 # إذا كان للمخرج أو الطين فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا، ورأى نعلا ~~سنديا على باب المخرج فسألني: لمن هي؟ فأخبرته قال: يتشبه بأولاد لوط يعني ~~صاحبها، سألت أبا عبد الله قلت: أمروني في المنزل أن أشتري نعلا سنديا ~~للصبية قال: لا تشتر قلت: تكرهه للصبيان والنساك قال: نعم أكرهه، زياد ابن ~~أيوب قال: كنت عند سعيد بن عياض فأتاه صبي ابن ابنته وفي رجله نعل سندي ~~فقال: من ألبسك هذا قال: أمي قال: اذهب إلى أمك تنزعها. # المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن المرأة تلبس المقطوع الأحمر فكرهه ~~كراهة شديدة وقال: أما أن تريد الزينة فلا يقال أول من لبس الثياب الحمر آل ~~قارون، ثم خرج على قومه في زينته، قال في ثياب حمر، مجاهد عن عبد الله ms1243 بن ~~عمر قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم ~~يرد عليه، المروزي قال: رأى أبو عبد الله بطانة جنبي حمراء فقال: لم صبغتها ~~حمراء قلت: للرقاع التي فيها قال: وايش تبالي أن يكون فيها رقاع قلت: تكرهه ~~قال: نعم، وأمرني أن أشتري له تكة فقال: لا يكون فيها حمرة قلت: تكرهه قال: ~~نعم، قلت لأبي عبد الله: الثوب الأحمر تغطى به الجنازة فكرهه قلت: ترى أن ~~أجذبه قال: نعم، وأمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوبا عليه كتاب ~~فقال: قل لهم: إن أردتم أن أشتريه وأقلع الكتاب قلت: هم إنما يريدون الكتاب ~~قال: لاتشتره، وأخبرتني المرأة قالت: نهاني أبو عبد الله عن النقش في ~~الخطاب وقال: أغمسي اليد كلها، وسمعت أبا عبد الله وذكر المختضبة فقال: ~~قالت عائشة: أسليه وادعميه، سليمان التيمي عن أبي عثمان قال: أرسلت أم ~~الفضل ابنة غيلان إلى أنس تسأله عن القلادة في عنق المرأة وعن الخضاب، ~~فأرسل أنه يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها شيئا في الصلاة ولو سيرا وقال في ~~الخضاب: آمرها أن تغمس يدها كلها، المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل ~~يجصص فقال: أما أرض البيوت فثوقيهم من التراب، وكره تجصيص الحيطان، وذكرت ~~لأبي عبد الله مسجدا قد بني وأنفق عليه مالا كثيرا، فاسترجع وأنكر ما قلت ~~وقال: قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكحل المسجد فقال: لا عريش ~~كعريش موسى، قال أبو عبد الله: إنما هو شيء من الكحل يطلي فلم يرخص النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # حدثت عن أحمد بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي ~~عبد الله لا يبيع حاضر لباد كيف هو؟ فقال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو ~~الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، قال: والبادي ~~الأعرابي وأنت حاضر ويجيء الأعرابي ms1244 وهو لا يعرف السعر، فتقوم أنت وقد عرفت ~~السعر فتبيع له بما تعرف فهو الذي نهى عنه، قلت لأبي عبد الله: فتشتري له ~~إذا جاء لأنه لو ترك لأشتري منهم الغالي بمنزلته إذا جاء فباع منهم # PageV02P462 # الرخيص فقال: ليس هذا لو كان هذا هكذا ما اشترى الناس ولا باعوا، إنما ~~عليه لا يبيع له ولم ير بأسا أن يشتري له، قلت لأبي عبد الله: ما معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لا شرطين في بيع قال: قول الرجل أبيعك أمتي هذه ~~على أنك إذا بعتها فأنا أحق بها، سئل أبو عبد الله عن ربح ما لم يضمن قال: ~~الرجل يبيع الطعام قبل أن يقبضه، قيل لأبي عبد الله في الرجل يشتري الطعام ~~صبرة ترى له أن يبيعه قبل أن يكيله؟ فقال: لا، سئل عن بيع المباطح فقال: ~~جنية يوم بيوم، قلت لأبي عبد الله: يكون في سقف البيت الذهب بجانب صاحبه ~~قال: نعم هذا يكره وذهب، إلى أن يجفي، قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون له ~~القرابة سكران يجفي قال: أي شيء بقي إذا سكر؟ نعم يجفي أو يجانب، سألته عن ~~المكره يراد على شرب الخمر فقال: يروى عن عمر رضي الله عنه في شرب الخمر، ~~إلا أنه لا يفعل حتى ينال بعذاب، قلت: فإن أمر أن يقتل قال: أما القتل فلا ~~يكون عند الله المقتول، قلت لأبي عبد الله: الرجل يبيع داره من نصراني قال: ~~لا، أليس يكفر فيها وذكر المحاريب التي فيها، قال لي أبو عبد الله: أي شيء ~~قال لك عبد الوهاب في خروجي إلى مكة؟ قلت: ما أرى لك أن تخرج أنت ههنا ~~بالقرب ليس تسلم فكيف إن تباعدت؟ قال: أشار علي رجل صالح أن لا أخرج، أخبره ~~أني قد قبلت ما أشرت به علي وقد كنا اشترينا بعض حوائجه، سألت أبا عبد الله ~~عن رجل لبي بالحج وليس عنده شيء وعليه دين قال لا يجوز حتى يسأذن أصحاب ~~الدين ثم قال: قد أوجب على ms1245 نفسه الحج، سألت أبا عبد الله عن رجل له أم ~~ضريرة وله مال يحج عنها فقال: يحج عنها إذا لم تقدر الركوب، وقال يعجبني أن ~~لا يحج إلا عن قرابة، قلت لأبي عبد الله: إني دخلت أغسل رجلا من أصحابنا ~~فإذا قد دخل علينا رجل من أهل الخلاف قد سميته له فقال لي: قد وقفت حيث ثبت ~~وغسلته، لو خرجت كنت لا تأمن أن يجيء برجل من أصحابنا فيتولاه، سألت أبا ~~عبد الله عن رجل مات وترك كتبا وله ورثة قال: تدفن، فإن كانوا صبيانا صغارا ~~قال: يدفنها الوصي عليهم، سمعت أبا عبد الله يقول: حكم المخنثين أن ينفوا، ~~سئل أبو عبد الله عن المرأة إذا كانت موسرة وزوجها غائب: هل تحج؟ قال: تكتب ~~إليه فإن أذن وإلا خرجت مع ذي محرم، قيل فإن كان شاهدا يمنعها تخرج من غير ~~علمه مع محرمها؟ قال: نعم، ليس له أن يمنعها قال: ولا تخرج مع غيره، فإن ~~كان أخوها من الرضاعة خرجت، قيل لأبي عبد الله الرجل يستأجر الدار والحانوت ~~فيؤاجره بأكثر مما استأجره قال: فيها اختلاف ولم يجب، قيل له: رجل له شجر ~~في أرضه وأغصانها في أرض غيره قال: # PageV02P463 # يقطع أغصانها، قيل فإن صالحه على أن تكون الغلة بينهم قال: لا أدري، سمعت ~~أبا عبد الله يقول في المحرم إذا اضطر إلى الصيد قال: يأكل الميتة وقال: ~~اذهب في الميتة إلى حديث ابن حكيم، أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل وفاته بشهر: لا تنتفعوا من الميتة بشيء، سألت أبا عبد الله عن محرم ذبح ~~صيدا: يؤكل؟ قال: لا، هذا ليس بزكاة هذا لا يؤكل، قلت: فالرجل يقلع ضرسه ثم ~~يرده إلى موضعه، فمكث ثلاثا ثم يقلعه أيش تقول فيه؟ فإن الشافعي قال يعيد ~~الصلاة لأنه صلى في ميتة قال: لا تعجل علي، ثم سكت ساعة ثم قال: ما أبعد ما ~~قال، بلى لو أخذ سن شاة مما يؤكل لحمه فوضعه لم يكن به بأس. # وذكر في هذا أحب ms1246 إلي أن يعيد ما صلى، سألت أبا عبد الله: يباع الغزل في ~~الفلكة ولعلها ميتة قال: إن علم فلا قلت: لقد يخصف به الخف أو النعل فقال: ~~إذا كان من حمار فأكرهه قلت: فأي شيء ترى؟ قال: ما لا تعلم فلا تريد أن ~~تبحث قلت له: تنور شوي فيه خنزير ترى أن يخبز فيه قال: لا حتى يغسل ويقلع ~~ما فيه قلت: فيكسر قال: لا، سألته عن البر يداس بالحمير فيبال فيه ثم يطحن ~~قبل أن يغسل قال: لا يؤكل، قلت لأبي عبد الله: إن رجلا قال: من كان له ~~امرأة يسكن إليها وخبز يأكله فهو من المتنعمين قال أبو عبد الله: صدق، سمعت ~~أبا عبد الله وذكر المطاعم ففضل عمل اليدين قلت له: إن عبد الوهاب قال: قل ~~لأبي عبد الله: يخاف علي من أمر الحديث إن امتنعت شيء قال: وأي شيء يمنعه ~~من الحديث؟ قال: الكسب والمعاش قال: هذا أوجب عليه يعني الكسب، قال ~~المروزي: سمعت بعض أصحابنا يقول: رأيت أبا عبد الله في الجمعة وسائل يسأل، ~~فأعطى رجل لبس قطعة ليدفعها إلى السائل، فأخذها فدفعها إليه، قلت لأبي عبد ~~الله: إذا كان لي جار أعلم أنه يجوع قال: تواسيه قلت: فإذا كان قوتي رغيفين ~~قال: تطعمه شيئا، الذي جاء في الحديث إنما هو في الجار، قلت لأبي عبد الله: ~~إذا كان للرجل قميصان أو جبتان، تجب عليه المواساة؟ قال إذا كان يحتاج إليه ~~في هذا البرد، إلا أن يكون يفضل، قلت: الأغنياء تجب عليهم المواساة؟ فقال ~~إذا كان قوم يضعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم، قال المروزي: سمعت يحيى ~~الجلاء وأبا طالب صاحبنا قالا: سمعنا يزيد بن هارون، وسئل عن أنفاق المكحلة ~~قال: حرام لا نصلح، قيل له: فإن تراضيا أبا خالد قال: الزانيان يتراضيان ~~أفحلال هو؟ قال: قال وسمعت عبد الوهاب يقول: قال أبو أسامة: تقطع الأيدي في ~~المكحلة يعني الذي يعملها، قلت لأبي عبد الله: أقرضت رجلا عشرة دراهم فردها ~~على مكحلة فقبضت ms1247 درهما قال: لم تستوف حقك؟ قلت له: الرجل يدفع إلي الدنانير ~~فتكون مكحلة أحكها قال: حكها صلاح لصاحبها. # PageV02P464 # قال المروزي: سمعت يحيى الجلاء يذكر عن شعيب بن حرب قال: لأن أرى ابني ~~يحك درهما أحب إلي من أن أحمل على فرس في سبيل الله عز وجل، قال: ودفع إلى ~~أبو عبد الله دينارا فقال: صرفه بدراهم صحاح، فجئت بالدراهم فأعطيته فلما ~~كان بعد ذاك اليوم خرج في تلك الدراهم درهم رديء قلت: فهات حتى أبدله فقال: ~~قد اختلفوا فيه، وفيه أربعة أقاويل ثم قال: قال مالك: الصرف منتفض وأما ~~الثوري فيقول: مانقص من الدراهم فتكون له حصته من الدنانير، وهذا قول ما ~~أدري ماهو، قلت: إلى ما تذهب قال: أرجو أن لا يكون به بأس وأما ابن عمر ~~فيقول: ليس له أن يرد، قال أبو عبد الله: وليس هو بذاك، رواه رجل مجهول، ~~وأما قتادة فيقول: له أن يرده ثم قال: قول قتادة أوسع على الناس استخر الله ~~عز وجل ورده، فدفعه إلي فأبدلته، عن المغيرة عن إبراهيم أنه كره أن يشتري ~~الدراهم بدينار على أن كان فيها زيف رده، وعن وكيع عن سفيان عن رجل عن ~~الحسن في الرجل يصرف الدينار فيعطي الدرهم الزيف قال: لا بأس أن يستبدله، ~~قال سفيان: إذا كان ستوقا رده ويكون شريكه في الدينار بحصته، وسئل محمد ابن ~~جعفر عن رجل ابتاع دراهم بدنانير وشرط على صاحبها أنه ما رد فعليك بدله ~~قال: أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال: إن كان فيها زيف رده ولكن لا ~~يشترطان، سئل أبوعبد الله عن الرجل يستأجر يكتب الورق المائة بعشرة دراهم ~~فيدفع إليه دينارا فقال ابن عمر: قد اكترى شيئا فأعطاه دنانير وصارف ولم ير ~~به بأسا، قال: ولا يعطي الدنانير من الدراهم إلا بسعر يومها ولا زيادة ~~دانق، سألت أبا عبد الله عن حلق القفا فقال: هو من فعال المجوس قال: ودعي ~~حذيفة إلى شيء فرأى شيئا من زي الأعاجم فخرج وقال: من تشبه بقوم ms1248 فهو منهم، ~~وكان أبو عبد الله لا يحلق قفاه إلا في وقت الحجامة، قلت لأبي عبد الله: ~~فما ترى في تحذيف الوجه قال: أما الوجه فالمقاريض تأتي عليه، وكره أن يؤخذ ~~الشعر بالمنقاش من الوجه وقال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المتنمصات، سألت أبا عبد الله عن المرأة تصل شعرها بقرامل فكره، وسمعت ~~امرأة تقول: جاءت امرأة من هؤلاء الذين يمشطون إلى أبي عبد الله فقالت: إني ~~أصل رأس المرأة بقرامل وأمشطها فترى أن أحج مما كسبت قال: لا، وكره كسبه ~~لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يكون من مال أطيب منه، قلت لأبي عبد ~~الله: فالمرأة الكبيرة تصل رأسها بقرامل فلم يرخص لها وقال: إن كان صوفا ~~أبيض، وتبسم ودخلت على أبي عبد الله فرأيت امرأة تمشط صبية له فقلت للماشطة ~~بعد أن وصلت رأسها بقرمل فقالت: لم تتركي الصبية قالت: إن أبي نهاني وقالت ~~يغضب. # PageV02P465 # وروينا عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا، قال أبو بكر: سألت أبا عبد الله ~~عن حلق الرأس فكرهه قلت: تكرهه قال: أشد الكراهية، ثم قال: كان معمر يكره ~~الحلق واحتج أبو عبد الله بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال ~~لرجل لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، قال أبو بكر: رأيت رجلا من ~~أصحابنا صلى إلى جانب أبي عبد الله، وقد كان استأصل شعره وظن أبو عبد الله ~~أنه محلوق وكان رآه بالليل فقال لي: تعرفه قلت: نعم قال: أردت أن أغلظ له ~~في حلق رأسه، سألت أبا عبد الله عن الحقنة فقال: إذا اضطر إليها فلا بأس، ~~ورأيت أبا عبد الله ألقى لختان درهمين في الطست وسمعته يقول: الجوز إذا لعب ~~به الصبيان ما يعجبني أن يؤكل، سألته عن مسوك السباع: تفترش؟ فقال: لا ~~تفترش، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تفترش، ذكرت لأبي عبد الله أن رجلا ~~خلف ms1249 متاعه عند غلامه فباع ثوبا ممن يكره ناحيته، فأخذ الدراهم فألقاها في ~~كيسه فجاء الرجل فأخبره، فأخذ الكيس وانطلق به إلى يوسف بن أسباط فأخبره، ~~فذكر له يوسف عن الثوري وابن المبارك: ما أجد قلبي يسكن إلا أن أتصدق ~~بالكيس، فقال أبو عبد الله بارك الله فيه: سئل أبو عبد الله عن الرجل يكون ~~محتاجا فيجيئه الرجل من إخوانه بشيء يخاف عليه إن لم يقبله فقال: إن أتاه ~~من غير مسألة ولا استشراف نفس، أخاف أن يضيق عليه إن لم يقبل، قال: وجئته ~~بحمال دقيق فقال: أعطيته الكراء قلت: نعم، فأخرج رغيفا فقال لي: أعطه، ~~فدفعته إليه فقال: ويحك ما أعلم أني قبلت من أحد شيئا ولكن لا أرد على أبي ~~عبد الله، أتبرك به، وجئته به مرة أخرى فأخرج إليه رغيفا فقال: إن نفسي ~~استشرفت إليه، فتبسم أبو عبد الله وقال: لك أن ترد ونحن نحب أن تقبل فقبله، ~~سألت أبا عبد الله عن بيع المراوح الرقاق، وربما باعوا المروحة بالدرهم أو ~~أكثر فقال: هي بمنزلة الثياب الرقاق قلت: فأي شيء تقول فقال: إذا باعها من ~~تاجر فلا بأس، قال: سألت أبا عبد الله عن مصحف قد بلي: ماترى في دفنه؟ قال ~~يدفن، قلت: الرجل تدعوه أمه وهو في الصلاة. # قال: قد روي عن ابن المنكدر أنه قال: إذا كان في التطوع فليجبها، قلت ~~لأبي عبد الله: رجل سقطت منه ورقة فيها أحاديث وفوائد، فأخذتها أن أنسخها ~~وأسمعها قال: لا إلا أن يأذن صاحبها، سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر ~~الورع، فأطرق رأسه إلى الأرض وسكت وكان ربما تغير وجهه، يقول في بعض ما ~~أسأله: استغفر الله قلت: فأي شيء تقول يا أبا عبد الله؟ قال: أحب أن تعفيني ~~قلت: فإذا أعفيتك فمن أسأل، لقد أصبح الأدلاء متحيرين قال: هذا أمر شديد، ~~وسمعته يقول: أنا منذ أكثر من سبعين سنة في فقد وقال: ما قل من # PageV02P466 # الدنيا كان أقل للحساب، قلت له: إن رجلا قال: إن أحمد ms1250 بن حنبل وبشر بن ~~الحارث ليس هما عندي زهاد، أحمد له خبز يأكله وبشر له دراهم تجيئه من ~~خراسان، فتبسم أبو عبد الله ثم قال: من الزهاد أنا، وسمعته يقول: وقع ~~للتيمي فضرب فيه فسطاطا أو خباء عشرين سنة، وسمعته يقول: وذكر قوما من ~~المترفين فقال: الدنو منهم فتنة والجلوس معهم فتنة، قلت لأبي عبد الله: إن ~~مولى ابن المبارك حدثني أن سعيد بن عبد الغفار قال لابن المبارك: ما تقول ~~إذا نزل دار من تكره ناحيته بأجر قال: لا بأس بها، قلت لأبي عبد الله: فإذا ~~أجاز الذي تكره ناحيته رجلا فاشترى دار غلة ترى إن أنزلها بأجر قال: لا، ~~قال أبو وهب: قال أبو عبد الله يعني المبارك في رجل يشتري جارية من رجل ~~فإذا هي صافنة قال: يردها على الذي كانت له ولا يردها على الذي اشتراها منه ~~وهي صافنة، وذكره عن سفيان عباس العنبري عن رجل قال: كنت مع عبد الرحمن بن ~~مهدي بعبادان، وكنا نغسل أيدينا من ماء السيل وكان هو لا يفعل، يأمر غلامه ~~فيجيء من ماء البحر عبد الصمد ابن مقاتل، قال: كانوا يكتبون الكتاب ولا ~~يتربونه من دور السيل، يرسلون فيأخذون من طين البحر، قال: وكتب إلينا ابن ~~حشرم وكتب في كتابه أن بشرا كان لا يشرب بعبادان من الحياض التي اتخذها ~~الملوك، وكان يشرب من ماء البحر. # وروينا عن سعيد بن خيثم عن محمد بن خالد قال: مر إبراهيم النخعي على ~~امرأة يقال لها أم بكر من مراد وهي تغزل فقال: يا أم بكر، أما آن لك أن ~~تتركينه فقالت: يا أبا عمران كيف أتركه وقد سمعت علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه يقول: إنه من أطيب الكسب، قلت لأبي عبد الله: إن حسنا مولى ابن المبارك ~~حكى عن سعيد بن عبد الغفار أنه قال لابن المبارك: ما تقول في رجلين دخلا ~~على من تكره ناحيته فأجازهما، فقبل واحد ولم يقبل الآخر فخرج الذي قبل، ~~فاشترى منه الذي لم يقبل، ms1251 ما تقول؟ فسكت ابن المبارك فقال له ابن سعيد: ما ~~يسكتك، لم لا تجيبني فقال: لو علمت أن الجواب خير لي لأجبتك، قال سعيد: ~~أليس أصلنا على الكراهة: قال ابن المبارك: نعم فقال أبو عبد الله: ومن يقوى ~~على هذا؟ قال له: فما تقول في رجل أجازه فاشترى دارا؟ ترى أن أنزلها فسكت ~~ابن المبارك فقال: لم لا تجيبني فقال: هذا أضيق أكره أن أجيبك فقلت له: إن ~~الثوري قال: ما في أيدي الحشم سحت فأنكر أبو عبد الله أن عبد الوهاب قال في ~~الرجل: يجاز ثم يدفعها إلى الآخر إن المال عنده شيء واحد فقال: هذا شديد ~~قلت: إذا أعطي تكرهه للأول، والثاني لا ترى به بأسا قال: إنما اكرهه للأول ~~من طريق المحاباة، والثاني ليس هو مثل عطية الأول، قال: من أعطى هذا المال ~~أو حوبي على أثره فليقبل وليفرق كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ بعث عمر رضي الله عنه بمال # PageV02P467 # إلى أبي عبيدة ففرق، وبعث مروان إلى أبي هريرة ففرق، وبعث إلى ابن عمر ~~ففرق، وبعث إلى عائشة رضي الله تعالى عنها ففرقت، قلت: فعلى أي وجه قبلها ~~منهم ابن عمر؟ فإن قوما يحتجون يقولون: لو لم يكن مباحا لأخذ، فأنكر ذلك ~~وقال: إنه لما رأى أن حوبي كره أن يرد إليهم وفرقه بالسوية قلت: فإن معاذا ~~يروى عنه أنه فضل عنده دينار، فطلبت منه امرأته فأعطاها فقال: كانت محتاجة ~~إليه فقلت له: أنت تقول من بلى من هذا المال بشيء فليعدل في تفريقه، وعائشة ~~رضي الله عنها لما شكا ابن المنكدر إليها قالت: لو أن عندي عشرة آلاف ~~لأعنتك، فلما خرج أرسل إليها بعشرة آلاف فبعثت خلفه فأعطته فقالت: إنها ~~كانت بليت بقولها، ومع هذا قد أخرجته وذكر من زهدها وورعها وقال: كان أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها، مثل أبي موسى الأشعري وغيره ولم يكن في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلها وإنما كانت ابنة ثمانية عشرة سنة. # أبو ms1252 يحيى الناقد قال: حدثنا أبو طالب قال: قلت: حدثوني عن عبد الله بن ~~يحيى ابن أبي كثير عن أبيه عن رجل من الأنصار، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن إذن القلب فقال: نعم هكذا قلت، ما هذا الحديث؟ قال: نهى عن أكل إذن ~~القلب قال: لايؤكل، وعن عبد الله بن أحمد قال: قلت لأبي الغدة فقال: لا ~~تؤكل، النبي صلى الله عليه وسلم كرهها في حديث الأوزاعي عن واصل عن مجاهد، ~~وروينا عن عبد الله بن يزيد عن أم سلمة سألها النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~إذن القلب فقالت: ألقيته فقال: طاب قدرك، وهذا آخر كتاب المعاش وما اتصل به ~~من الآثار في الورع والله تعالى أعلم. # PageV02P468 ### | الفصل الثامن والأربعون # كتاب تفصيل الحلال والحرام ### | وما بينهما من الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان: # روينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان لا ~~يبقى فيه أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره يعني والله أعلم ~~أنه يدخل عليه، وإن لم يعمل به من غير قصد له ولا اكتساب، كما يدخل الغبار ~~في المشام للمجتاز لفشو الربا وانتشار مداخله مما لا يمكن التحرز منه، وفي ~~الخبر: درهم من ربا أعظم عند الله عز وجل من ثلاثين زنية في الإسلام، وما ~~تواعد الله عز وجل ولا تهدد في معصية مثل ما تواعد في أكل الربا، فإنه عز ~~وجل عظم شأنه بوصفين عظيمين إعظاما له وترهيبا منه، فذكر في أوله المحاربة ~~لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وفي آخره الخلود في النار ينتظم ~~ذلك في قوله: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين) البقرة: 278 ثم اشترط للإيمان ترك الربا بقوله: إن، وهي للشرط ~~والجزاء ثم قال: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) البقرة: 279 ~~ثم أوجب التوبة منه بعد إعلامه الظلم منه فقال: وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم، ms1253 لا تظلمون ولا تظلمون، ثم نص على تحريمه في قوله: (وأحل الله ~~البيع وحرم الربا) البقرة: 275 ثم تواعد بالخلود بعد ذلك كله فقال: (ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة: 275، وهذا من شديد الخطاب ~~وعظيم العذاب. # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: طلب الحلال ~~فريضة بعد الفريضة، فسوى بينه وبين العلم في الفرض فأوجب الطلب لهما، مثل ~~فرض الحلال # PageV02P469 # للأكل مثل طلب العلم للجاهل، والفرائض إذا شرعت ثبتت إلى يوم القيامة، ~~فإذا أمر بطلبها دل على وجودها لأنه لا يؤمر بطلب مفترض علينا يكون معدوما، ~~فالحلال موجود من حيث افترض علينا وأمرنا بطلبه، ولكن طريقه ضيق ووجوهه ~~غامضة والتسبب إليه فيه مشقة، والحاصل منه فيه خشونة وقلة، ومع ذلك فإن ~~المعاون عليه قليل والطالب غريب وهذه أسباب تكرهها النفوس، وعسى أن تكرهو ~~شيئا وهو خير لكم، ثم إن الفرائض لها علوم وأحكام؛ فمن لم يعرف علومها ولم ~~يقم بأحكامها فكأنه لم يعلمها، وكان عمر رضي الله عنه يضرب أهل السوق ~~بالدرة ويقول: لا يتجر في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا: وكان بعض ~~العلماء يقول: تفقه ثم ادخل السوق فبع واشتر، وتأول معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم قال: هو طلب علم الحلال ~~والحرام والبيع والشراء، إذا أراد الإنسان أن يدخل فيه افترض عليه علمه، ~~ففي الخبر: من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله عز وجل، ومن ~~طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء، ويقال: إن أول لقمة يأكلها ~~العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه في مقام ذل في طلب ~~الحلال، تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وكان ~~بعض العلماء يقول لبعض المجاهدين: أين أنت من عمل الأبطال: كسب الحلال ~~والنفقة على العيال؟ وقد كان شعيب بن حرب، وغيره يقول: لا تحقر دانقا من ~~حلال ms1254 تكسبه تنفقه على نفسك وعيالك أو أخ من إخوانك، فلعله لا يصل إلى جوفك ~~أو لا يصل إلى غيرك حتى يغفر لك، وفي الخبر: من أكل الحلال أربعين يوما نور ~~الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه، وفي بعض الروايات زهده الله في ~~الدنيا ويقال: من أكل حلالا وعمل في سنة فهو من أبدال هذه الأمة. # وقد كان سهل يقول: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يأكل الحلال بالورع. # وروينا عن إبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض رضي الله عنهما: لم ينبل من نبل ~~بالحج ولا بالجهاد ولا بالصوم ولا بالصلاة، وإنما ينبل عندنا من كان يعقل ~~ما يدخل # PageV02P470 # جوفه يعني الرغيف من حله، وقال يوسف بن أسباط لشعيب بن حرب: أشعرت أن ~~الصلاة جماعة سنة وأن كسب الحلال فريضة؟ قال: نعم، وسأل رجل إبراهيم بن ~~أدهم قال: أنا رجل أتكسب في السوق، فإذا عملت فاتتني الصلاة في جماعة فأيما ~~أحب إليك أصلي في جماعة أو أكتسب فقال: اكتسب من حلال وأنت في جماعة، وقد ~~كان إبراهيم بن أدهم يعمل هو وإخوانه في الحصاد في شهر رمضان، فكان يقول ~~لهم: انصحوا في عملكم بالنهار حتى تأكلوا حلالا ولا تصلوا بالليل، وإن لكم ~~ثواب الصلاة في جماعة وأجر المصلين بالليل، وقال بعض السلف: أفضل الأشياء ~~ثلاث؛ عمل في سنة ودرهم حلال وصلاة في جماعة. # وكان سهل رحمه الله يقول: لا يبلغ العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يؤدي هذه ~~الأربع؛ أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي في الظاهر ~~والباطن والصبر على ذلك إلى الممات، وقال: من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف ~~الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عن قلبه ولم يبال بصلاته وصيامه إلا أن ~~يعفو الله عز وجل عنه، وقال: من اختار أن يرى خوف الله في قلبه ويكاشف ~~بآيات الصديقين، لا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة، وكان ~~يقول: إنما حرموا مشاهدة الملكوت، وحجبوا عن الوصول بشيئين سوء الطعمة وأذى ~~الخلق، ms1255 وكان يقول: بعد سنة ثلاثمائة لا تصح لأحد توبة، قيل: ولم قال: يفسد ~~الخبز وهم لا يصبرون عنه، وقد روى مرة الطيب عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة، النار أولى ~~به، وفي الخبر: أنه أكل من كسب غلامه ثم سأله عنه فقال: رقيت لقوم فأعطوني، ~~وفي لفظ آخر: تكهنت لهم فأدخل يده في فيه وجعل يقيء حتى استقاءه عن آخر ~~لقمة ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الإمعاء. # وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: أو ما علمتم أن ~~الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا؟ وفي الخبر: أنه سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله مستجاب الدعوة فقال: ~~يا سعد، أطب طعمتك تستجب دعوتك، وقال العلماء: الدعاء محجوب عن السماء ~~بفساد الطعمة، ويقال: إنه الله لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضى ~~عمله، وقال جماعة من السلف: الجهاد عشرة أجزاء؛ تسعة في طلب الحلال، # PageV02P471 # وقال علي بن فضيل لأبيه: يا أبت، إن الحلال عزيز فقال: يا بني إنه وإن عز ~~فقليله عند الله كثير، يقال: إن من صلى وفي جوفه طعام حرام، أو على ظهره ~~سلك من حرام لم تقبل صلاته، وقال بعض السلف: يا مسكين إذا صمت فانظر عند من ~~تفطر وطعام من تأكل، فإن العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه وينغل كما نغل ~~الأديم، فلا يعود إلى حاله أبدا وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، قال: هو الذي يصوم ويفطر على ~~الحرام، وفي الخبر: من طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا ألقي الله عز وجل ~~وهو عليه غضبان، وحدثونا من آثار السلف أن الواعظ والمذكر كان إذا جلس ~~للناس ونصب نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون: تفقدوا منه ~~ثلاثا، انظروا إلى صحة اعتقاده وإلى ms1256 غريزة عقله وإلى طعمته، فإن كان معتقد ~~البدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق، وإن كان سيء الطعمة فاعلموا ~~أنه ينطق عن الهوى، وإن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح ~~فلا تجالسوه، وهذا التفقد والبحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه. # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا فذمه ثم قال: رب، أشعث ~~أغبر مشرد في الآفاق، مطعمه حرام وملبسه حرام غذي بالحرام، يرفع يده في ~~صلاته فيقول: يا رب يا رب، فأنى يستجاب له ذلك، وفي الحديث عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أن لله عز وجل ملكا على بيت المقدس ينادي في كل ~~ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل، قيل الصرف النافلة والعدل ~~الفريضة، وفي حديث أبي هريرة: المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة، فإذا ~~صحت المعدة صدرت العروق إليها بالصحة، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق إليها ~~بالسقم، ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان؛ فإذا ثبت الأساس وقوي # PageV02P472 # استقام البناء وارتفع، وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع، وقد ~~قال الله: (أحسن الخالقين) الصافات: 125، أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خيرا من أسس بنيانه على شفا حرف جرف هار فانهار به في نار جهنم. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: من اكتسب مالا من حرام وإن تصدق ~~به لم يقبل منه، وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار، وقيل في معنى قول الله ~~عز وجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم) النساء: 29، ~~قيل: من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه كان سبب هلاكها وتعذيبها، وفي الأخبار ~~المشهوة عن علي وغيره: أن الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب، وقال يوسف بن ~~أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله: لا طاعة للوالدين في الشبهة، وقال الفضيل ~~بن عياض: من قام في موقف ذل في طلب الحلال حشره الله مع الصديقين ورفعه إلى ~~الشهداء في موقف القيامة، وقال أبو ms1257 سليمان أو غيره من العلماء: لا يفلح من ~~استحيا من طلب الحلال، وفي بعض التفسير فإن له معيشة ضنكا، قيل أكل الحرام ~~كما قيل في قول: (فلنحيينه حياة طيبة) قال: نرزقه حلالا وقد قال الله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) البقرة: 172، قيل: ~~من الحلال كما قال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) ~~المؤمنون: 51، أي من الحلال، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح، وهكذا قال ~~بعض العلماء: زكاة الأعمال بأكل الحلال، فكلما كانت الطعمة أحل كان العمل ~~أزكى وأنفع، وكان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول: قد فضل علي ~~بثلاث؛ صبره على العيال وأنا أضيق عن ذلك وهو يطلب الحلال لنفسه ولغيره ~~وكان يقول: ما أترك الطيبات زهدا فيها وإنما أتركها لأنه لا يصفو لي ~~درهمها، ولو صح لي الدرهم الذي اشتريها به لأكلتها، وقد قال علماء الظاهر: ~~إن الحلال من عشرة أوجه ومنهم من قال: يوجد من سبعة أشياء وأصل ذلك كله ~~يرجع إلى ثلاثة أشياء: تجارة بصدق وصناعة بنصح وعطية بحكم، ثم تنقسم العطية ~~أربعة أقسام؛ فيكون فيئا أو ميراثا أو هبة عن طيب نفس، أو صدقة مع وجود ~~فقر، ومدار ذلك كله وقطبه أن الحلال مشتق من اسمه بمعنيين؛ ما انحل الظلم ~~عنه أو حل العلم فيه، فما انحل الظلم عنه انحلت المطالبة عنه، وما حل في ~~العلم حلت الإباحة والأمر به، والحلال عند العلماء ما لم يعص الله عز وجل ~~في أخذه، قال بعض علماء الباطن: الحلال ما لم يعص الله عز وجل في أوله ولم ~~ينس في آخره. # وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه، وكان سهل إذا سئل عن الحلال يقول: هو ~~العلم، وقال: لو فتح العبد فمه إلى السماء وشرب القطر ثم تقوى بذلك على ~~معصية أو لم يطع الله عز وجل بتلك القوة لم يكن ذلك حلالا، وقال طائفة من ~~أهل العلم: إن المتصنع # PageV02P473 # للناس والمتزين لهم يأكل حراما، لأنه لم ينصح مولاه في ms1258 عمله، وقال بعض ~~الموحدين: لا يكون حلالا حتى لا يشهد فيه سوى الله تعالى، وإن من أشرك في ~~رزق الله العباد فذلك شبهة وإن حل من طريق الأحكام، واحتجوا بقول عيسى عليه ~~السلام: يأكلون رزقه ويشركون فيه خلقه، ومن الأبدال من يقول الحلال ما لم ~~يؤخذ من أيدي الخلق ولم ينتقل إلى أملاكهم، وكان بعضهم لا يأكل إلا مما ~~أنبتت الأرض التي هي غير مملوكة، وقوله عدل أن الحلال ما لم يؤخذ من أيدي ~~الظالمين، وما أخذ من أيدي المتقين، وحدثت عن بعض الأبدال في قصة طويلة ~~ذكرها، أن بعض العامة من السياحين دفع إليه شيئا من الطعام فلم يأكله، ~~فسأله عن امتناعه فقال: نحن لا نأكل إلا حلالا، فلذلك تستقيم قلوبنا على ~~الزهد في الدنيا وتدوم على حالة واحدة، ونكاشف بالملكوت ونشاهد الآخرة ثم ~~قال: لو أكلت مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء مما نحن عليه من علم ~~اليقين، ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا في كلام طويل، قال له الرجل في ~~آخره: فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين ختمة فقال له البدل: ~~هذه الشربة من اللبن التي رأيتني فد شربتها أحب إلي من ثلاثين ختمة في ~~ثلاثمائة ركعة من أعمالك، وكانت شربة من لبن من أروى وحشية وهو الأنثى من ~~الوعل، وقال بعض السائحين: قلت لبعض الأبدال وقد حدثه عن أكل الحلال بمثل ~~هذا الحديث: أنتم تقدرون على الحلال ولا تطعمون إخوانكم من المسلمين فقال: ~~لا يصلح لجملة الخلق ولم نؤمر بذلك، لأنهم لو أكلوا كلهم حلالا لبطلت ~~المملكة وتعطلت الأسواق وخربت الأمصار، ولكنه قليل في قليل من الخلق وخصوص ~~في مخصوصين أو معنى هذا الكلام، وقال بعض العلماء: لا أعلم حلالا لا شك فيه ~~إلا ماء الغدران، وماأنبتت أرض غير مملوكة أوهدية من أخ صالح أو معاملة تقي ~~بصدق ونصح، وكان يحيى ابن معين قد صحب أحمد بن حنبل رضي الله عنه في السفر ~~سنين، ولم يكن أحمد يأكل معه لأجل كلمة بلغته ms1259 عنه وهو أنه قال: أنا لا أسأل ~~أحدا شيئا، ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته، فهجره أحمد رضي الله عنه حتى ~~اعتذر إليه يحيى وقال: إنما كنت أمزح قال: تمزح بالدين، أما علمت أن الأكل ~~بالدين قدمه الله على العمل فقال: كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، وقد كان ~~كثير من الورعين يقول: منذ أربعين سنة ما دخل جوفي إلا ماء أعلم من أين هو، ~~وبعضهم يقول: منذ ستين سنة ما أكلت إلا من حيث أعلم، وكان وهب بن الورد لا ~~يأكل إلا من حيث يعلم أو يشهد عنده شاهدان بصحته، وقد # PageV02P474 # كان بشر يقول: من فقر جاع، ومن تغافل شبع، وعند العلماء: إن من طلب ~~الدنيا حلالا فهو أزهد فيها ممن أكل الشبهات من غير طلب، وفي الخبر: من لم ~~يبال من أين مطعمه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار أدخله، وقيل: ذلك ~~في التوراة مكتوب. # ذكر تفصيل الحلال من الشبهة والأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير الحلال ~~بين والحرام بين والشبهات بين ذلك لا يعلمها كثير من الناس، من تركها فقد ~~استبرأ لدينه وعرضه ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه وإن لكل مالك حمى ~~وإن حمى الله في أرضه محارمه، يقال: إن هذا الحديث ثلث العلم، فالحلال ما ~~ظهر وتبين وكنت على يقين منه واطمأن به قلب المؤمن العالم، والحرام أيضا ما ~~تبين وانكشف على يقين منه ولم يختلف أحد من المسلمين فيه، ونفر قلب المؤمن ~~واشمأز منه وقد تطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها، وقد تنفر بعض القلوب ~~من شيء لقصور علمها وليس يقع بمثل هذين القلبين اعتبار، وإنما الاعتبار ~~بقلب المعيار الذي قد جعل كالمحك يختبر به معادن الملكوت وهو قلب المؤمن ~~الموقن العالم، وهذا القلب في القلوب أعز من الذهب إلابريز في سائر ~~المعادن. # وقد روينا عن بعض السلف عن تفسير قوله تعالى: (وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون) الأنعام: 129، قال: إذا فسدت أعمال الناس جعل عليهم ~~ولاة يشبهون أعمالهم، ms1260 وقال بعض العلماء في معناه: إذا فسدت أديان الناس ~~فسدت أرزاقهم والشبهات على وجوه، أحدها ما أشبه الحلال من وجه وما اختلط ~~أيضا بها فاختلط ولم يتميز منهما، والشبهة أيضا ما دل باطن العلم على ~~تحليله فهو حلال الحكم وأظهر باطن الورع الوقوف عنه، والشبهة ما أباحه علم ~~الظاهر وكرهه علماء الباطن لحبك القلوب وحوازها ولعدم الطمأنينة ومواجيد ~~القلوب، كنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على ما أسمع منه وهو يعلم ~~خلافه، فمن قضيت له على أخيه فإن أقطع له قطعة من النار، فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه يحكم بظاهر الأمر وردهم إلى حقيقة علم العبد بما شهد ~~وعرف من عيب نفسه المستتر عن الأبصار، والشبهة أيضا ما اختلف فيه لخفاء ~~أدلته ولتكافؤها بالسوية وما لم تره عينك فتقع على # PageV02P475 # غيبه، والحلال والحرام ما أجمعواعليه وظهرت الأدلة عليه، والشبهة أيضا ما ~~حل سببه وصودف فيه حكمه إلا أن عينه مجهولة غير متيقن تحليلها، والشبهة ~~أيضا ما فقد منه بعض القيام بالأحكام أو ما اعتل سببه الذي يوصل العبد ~~ويتطرق إليه من فضول جهل أو حدوث آفة من آفات النفوس، فهذه الأنواع كلها من ~~الشبهات، ثم تختلف نفس الشبهات فيكون ذلك شبهة الحلال وتكون شبهة الحرام، ~~شبهة كدرة، وتكون شبهة متقاربة لأن الحلال عند علماء الباطن على ثلاث ~~مقامات، حلال كاف وهذا عموم وكأنه ما حل من طريق الحكم، وحلال صاف وهذا ~~خصوص وكأنه ما ظهرت الأدلة فيه وحل سببه ووجدت السنة فيه، وحلال شاف وهذا ~~خصوص الخصوص، وكان ذلك ما علم أصله وأصل وجرى على أيدي المتقين ولم يخالطه ~~جهل، فلذلك تفاوتت الشبهات لتفاوت حلال ضدها، فأما الحرام فطعمة الفاسقين، ~~أكله فسوق وطلبه فسوق وإطعامه فسوق، والمعاونة عليه فسوق والمدمن عليه ~~فاسق، وهو من الكبائر وليس من حاجة المسلمين ولا يغنيهم، والحلال هو ما ~~أجله الكتاب والسنة وحللته الأحكام والعلوم من سائر ms1261 الأسباب والمعاني ~~المطلقة والمباحة التصرف في العلم، وهو بغية المؤمنين وطعمة المتقين ومقام ~~الصالحين، فطلبه جهاد وإطعامه بر والمعاونة عليه تقوى وأكله عبادة، والمدمن ~~عليه مؤمن تقي، والشبهة ما اختلف العلماء فيه ولم يجمعوا عليه، أو ما التبس ~~باطنه فاشتبه لغموض الأدلة أو خفاء الاستدلال فلم يكن بينا فلم يجمع أهل ~~الظاهر. # والورع عليه كما قال صلى الله عليه وسلم: لا يعلمه كثير من الناس فهذه ~~طعمة عموم المسلمين فإن ابتليت بهذا فخذ منها حاجتك وضرورتك من كل شيء، تكن ~~بذلك فاضلا ويصح لك مقام في الورع، والاستكثار منه والاقتناء مكروه، وتركه ~~إذا أمكن أفضل لأن في الخبر: من تركه فقد استبرأ لدينه أي تنزه وتنظف وتفقد ~~دينه واحتاط له، وقيل: إن الأيمان نزه نظيف فتنظفوا وتنزهوا، ومعنى التنزه ~~التباعد من الدناءة والأوساخ، ومن ذلك قيل: خرجنا نتنزه، وخرج فلان في نزهة ~~إذا تباعد عن المصر وفارق جملة الناس، ثم قال: وعرضه أي استبرأ لعرضه أن ~~يتكلم الناس فيه بسوء وينسبوه إلى فحش، وقد جعلنا الشبهة طريقا إلى الحرام ~~وموقعة فيه لأن في الخبر: من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه أي يطلب ~~الشبهة ويدمن عليها ويستكثر منها يسرع الوقوع في الحرام، أي تسرع إليه ~~وتدخله فيه، وقال بعض العلماء: ما أخذ من يد تقي عدل بحكم جائز فهو حلال، ~~وما أخذ من يد من لا يعرف بعدالة ولا جرح فهو شبهة، وما أخذ من يد ظالم أو ~~فاجر فهو حرام وإن أخذ بحكم جائز وهذا القول يقرب من الحق، ومثله من المقال ~~مثل ما قال بعض أهل العلم: إن من لم يعرف أن ماله خالطه خيانة ولا معاملة ~~ظالم فذلك حلال، ومن خالط # PageV02P476 # الظلمة واكتسب المال من خيانات فما في يده حرام وإن اختلط ماله فلم ~~يتميز، وكان يعامل بعض الظلمة ويعامل أهل التقوى والإيمان فما في يده شبهة. # وقد جاء في الخبر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الخير طمأنينة وإن ~~الشر ريبة، معناه دع ms1262 ما تشك فيه إنه حلال إلى شيء آخر لا شك فيه، فإن الشر ~~ريبة وليس بيقين، وفي لفظ آخر: الإثم حيك الصدور. # وقد جاء في الحديث: الإثم حواز القلوب أي ما حز في القلب وأثر فيه بنكث ~~فهو إثم، لأن الله تعالى علق الإثم بالقلب وجعله من أوصافه في قوله عز وجل: ~~(ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) البقرة: 283، وفي الخبر: البر ما اطمأن إليه ~~القلب وسكنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ~~فدعه لأنه قال: المؤمنون شهداء الله وقال: ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند ~~الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عندالله قبيح كما قال سبحانه: (فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105 لأن كراهتك نظر الله إليك دليل على ~~وجود الريبة فيك، وفصل الخطاب من ذلك أنه ليس على العبد أكثر من جهده ~~وطاقته، وأن يعمل في دينه بمبلغ علمه وما يؤدي إليه اجتهاده ووسعه، وأن لا ~~يخبأ لنفسه خبيئة ولا يرخص لنفسه بهواه رخصة، فإن قصر علمه استعان بعلم ~~غيره، فما أخطأ حقيقته وراء ذلك فهو معفو الخطأ، وبعض الورعين يقول: الحلال ~~ما لم يتناوله أيدي الظالمين، وقال بعضهم: ما لم تجر عليه يد ظالم، وقال ~~بعض العلماء: لا يكون حلالا حتى لا يتخالج في القلب منه شيء وحتى يسكن ~~القلب إليه ويطمئن به، وقال آخر: الحلال ما عرض على أهل الظاهر والباطن، ~~فإذا لم ينكروا منه شيئا فذلك الحلال، وقد كان اجتمع جماعة من العلماء ~~يتذاكرون أي الأعمال أشد فقال بعضهم: الجهاد وقال بعضهم: الصيام والصلاة ~~وقال آخر: مخالفة الهوى وقال بعضهم: الورع، فأجمعوا على الورع ورجعوا إلى ~~هذا القول، وقال حسان بن أبي سنان: ما شيء عندي أسهل من الورع قيل: وكيف؟ ~~قال: إذا حاك في صدري شيء تركته وهذا سهل على من ساعده القدر بالزهد وقواه ~~على ذي النفس # PageV02P477 # الشهوانية، كما أن الزهد سهل على من أمده الله بروح التأييد باليقين، ~~وعزيز على من ابتلي بحب الدنيا، وقد روي ms1263 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أفضل الأعمال والذي نقيم به وجوهنا عن الله عزوجل هو الورع، فقال له أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت، ولعمري أن اليقين إذا وجد والزهد إذا حصل ~~سهل والورع والإخلاص وهما عمدة الأعمال. # وحكي عن يوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهم من عباد أهل الشام أن ~~قائلهم يقول: منذ ثلاثين سنة ماحاك في صدري شيء إلا تركته، وبعضهم يقول: ~~منذ أربعين سنة ما وقف قلبي عن شيء وتخالج فيه إلا تركته، وقال بعضهم: منذ ~~ثلاثين سنة ما أبالي على أي حال رآني الناس إلا أن يكون حاجة الإنسان، وحكي ~~أن بعض الورعين وقع منه دينار فانكب ليأخذه، فوجد دينارين فلم يعرف ديناره ~~منها فتركهما معا، وحكي أن امرأة من المتعبدات من أهل القلوب سألت إبراهيم ~~الخواص عن تغير وجدته في قلبها فقال: عليك بالتفقد فقالت: قد تفقدت فما ~~وجدت شيئا أعرفه، فأطرق ساعة ثم قال: ألا تذكرين ليلة المشعل فقالت: بلى ~~فقال: هذا التغير من ذلك، فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها، ~~فمر مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا وأدخلت في غزلها، ونسجت منه قميصا ~~فلبسته قال: فنزعت القميص وباعته وتصدقت بثمنه، فرجع قلبها إلى الصفا، قد ~~حكي عن ذي النون المصري رحمه الله فوق ذلك أنه لما سجن لم يأكل طعاما ولم ~~يشرب أياما، فوجهت إليه امرأة يعرفها من العابدات بطعام إلى السجن وقالت: ~~هذا من حلال، فلم يأكله فقالت له بعد ذلك، فقال: ذلك الطعام من حلال إلا ~~أنه جاءني في طريق حرام فلم آكله فقالت: وكيف ذلك قال: جاءني في يد السجان ~~وهو ظالم فلذلك لم آكله وهذه خصال الورعين، والورع هو باب الزهد ومفتاح ~~الخوف وحقيقة الصدق، فعموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص الزهد. # فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده، فيجعل ما استطاب ~~من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه، فيجعل ذلك لحاجة نفسه فيما ~~يطعم ويلبس، ms1264 ويجعل مادخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في مؤونة ~~عياله وفيما يرتقق به من مؤونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس، مثل الحطب ~~والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك، وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى تعرفه، ~~وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به وصبر عليه، ~~وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند الله عز وجل، وتحرى بذلك لدين ~~الله عز وجل، فإن الله عز وجل يشكر له سعيه، ويجزل عليه أجره، وهذا طريق ~~يوصل إلى الله عز وجل وهو محجة كثير من السلف، ولو أن عبدا شك في شيء فتحرز ~~منه شكر الله له نيته، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء عنده فكان # PageV02P478 # الشيء حلالا في علم الله عز وجل ولو أنه أقدم على شيء بقلة مبالاة فلم ~~يدعه، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه، وإن ~~كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران: أجر العلم ومقام التوفيق، ~~ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عز وجل فعليه وزران: وزر الجهل ~~ونقص العصمة، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد، ومن عمل بجهل فأصاب ~~الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل، وحكى وهب اليماني مما نقل من ~~الزبور أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام: قل لبني إسرائيل: إني لا ~~أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي، ~~ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله: ~~أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي، قيل: وكيف؟ قال لأنكم توقدون ~~من كسبي، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي، وقد كان يقال: من تفقد من أين ~~يكسب الدرهم تبصر أين يضعه، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه، ~~وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له: احترف فإنه إذا ms1265 ~~كان لك كسب أكل عيالك دنياك، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك، وروي أن بعض ~~الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له: أنت قد زهدت في ~~الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال: إن طلبي هذه القطعة من ~~زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل ~~إلا من حيث أعلم، وقد كان بشر يقول: المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق ~~إلا في الشهوات، وقال سري السقطي: لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك ~~الشهوات، وفي الخبر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ~~فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال: إن لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن كان لا بد فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك، وفي الخبر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: لا تأكلوه، ~~وفي خبر آخر: إن كان جامدا فألقوها، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به، وعن جماعة ~~من علماء الكوفة: لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود. # وقد روينا فيه حديثا مسندا، فهذا حجة فيما ذكرناه من أن حكم الشبهات أن ~~ينفق منها فيما لايطعم ولا يلبس إلا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار ~~الحاجة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر ~~به، فسأل عن أصل أصله فأخبر به، فلما رضيه شرب منه، فهذا حكم الحلال أن ~~تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ~~ذلك، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك، # PageV02P479 # وفي الخبر: لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلاتقي، لأن التقي قد ~~استبرأ لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه ~~قد ناب عنك فيه وقام لك به، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه، فلذلك جاءت ~~الأحاديث على ms1266 هذا المعنى: إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعاما ~~فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل، لأنه قد كفى والسؤال ~~عما قد كفى تكلف، والتكلف ليس مما يعني المسلم، وفي الخبر الآخر: من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان ~~المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين. # وأما من لا يحتاط لنفسه ولا يستبرئ لدينه ولا يتقي في مكسبه حتى لا يبالي ~~من أين أكل ولا من أين اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدا، فهذا غير تقي ~~فحينئذ يلزمك أنت البحث لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به ~~غيرك ولم يكلفه أخوك، ففي مثل هذا جاء الخبر: لا يأكل طعامك إلا تقي ولا ~~تأكل إلا طعام تقي، والتقي هو الورع الدين المتقي للحرام المجتنب للآثام، ~~ففي دليل خطابه: لا تأكل طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى ~~يكون مستعملا في تجارته وصناعته حكم الكتاب والسنة، ويشهد له العلم بسلامته ~~وبراءة دينه من الخيانة والمكر في المعاملة، من الكذب والغبن في التجارة ~~والصنعة، بالصدق والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما، وكل ~~تجارة وصناعة يخالف العبد فيها حكم الكتاب والسنة فليست بتجارة ولا صناعة ~~حلال، وإن كان الاسم موجودا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم، لأن ~~وجود الأسماء فارغة لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئا، فإذا كان ما ~~يسميه الجاهلون تجارة وصناعة وما يسميه المستحلون بيعا وشراء ومعاملة، وهو ~~غير موافق للعلم، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة، ولا يستحل به أكل ~~الحلال لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة، أو غيلة أو حيلة أو ~~محاتلة، وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها ~~أحكام مذمومة،، لا يحل بها أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل، أن إيجاب ~~الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام، ~~فقد اعتزل هذا التصرف، وإن ms1267 وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح، وهو ~~حكم الكتاب والسنة، فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة ~~وصناعة، إلا أنهما لم يصادفا حكم الله تعالى فيه بالسلامة من الربا واجتناب ~~البيوع الفاسدة، فهذا حرام أيضا لعدم حكم الله عز وجل فيه بالإطلاق، وإن ~~كان الشراء مباحا وصودف الأحكام فيه إلا أن عين المأخوذ المعتاض حرام رأي ~~عين أو خبر من صدق، فهذا الكسب حرام أيضا لأنا على يقين من وجود الحرام فيه # PageV02P480 # حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد معنيين: إما بيقين أنه حلال ~~الأصل وحلال أصل الأصل، بأن لانعلم في عينه حراما رأيناه ولا أخبرناه، فيحل ~~به حينئذا أكل المال ونسميه مع ذلك شبهة، وهو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين ~~من حلاله، لا مكان دخول الحرام فيه لغلبة الأموال المأكلولة بالباطل ~~وبالأسباب المكروهة من قبل الأجناد، ومن قلة المتقين واختلاط ذلك بالأملاك ~~الصحيحة وبأموال التجار والصناع، فما كنا من حلاله على علم ظن سميناه شبهة ~~لفقد علم اليقين. # وفي الخبر: جاء عقبة بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إني تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة ~~فقال: دعها فقلت: إنها كاذبة فقال: وكيف؟ وقد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير ~~لك فيها دعها عنك، وفي لفظ آخر: كيف؟ وقد قيل، وفي حديث عبد الله بن زمعة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بالولد له لأنه ولد على فراشه، وأبطل دعوى ~~الرجل فيه وإن كان منه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا قال ~~لسودة: احتجبي عنه يا سودة وهي أخته ثم قال: الولد للفراش وكذلك يجب التقوى ~~في الفراش للورع، وإن الأحكام على الظاهر تجيزها فيكون تركها مقاما للورعين ~~والحلال عند الورعين اسم ما انحلت عنه المطالبة وحل فيه العلم على حلال ~~المقتبس في قوله عز وجل: (وحلائل أبنائكم) النساء: 23، وحلائل جمع حليلة ~~وقيل: إنما سميت المرأة حليلة الرجل لأن يحل معها أين ms1268 حلت، أي يوجد عندها ~~ويقيم كأنها فعيلة من فعول أي حلول، والمعنى الآخر سميت حليلة، والرجل ~~حليلها لأن الآثام قد انحلت بينهما، أي لأنها تحل له ويحل لها والحلال في ~~العلم اسم لما أباحه الكتاب والسنة بسبب جائز مباح، وكان الحلال هو ما وجد ~~فيه ثلاث معان: سبب مباح في العلم وعلم بأصل الدرهم والمعتاض به وبأصل أصله ~~أنه خالص من شبهة ومصادقة حكم الله عز وجل في المعاملة، فإذا فقد أحد هذه ~~المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب، وإذا فقد معنيان فهي شبهة الحرام، فإذا ~~فقدت المعاني الثلاث حتى يكون السبب الذي وصل به الدرهم والمعتاض منه ~~مكروها، أو يكون عين الدرهم مكروها مجهولا ولم يصادف فيه حكم الشرع في ~~البيع والشراء أو الهبة بطيب نفس، فهذا هو الحرام بعينه والحرام والحلال ~~ضدان ظاهران، والشبهات أعني شبهة الحلال وشبهة الحرام مشتبهان، فهي تشبه ~~الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه فمثل الحلال والحرام. # من أصول الألوان مثل: البياض والسواد، هما أصلان ليسا فرعين لشيء ولا ~~متوالدين من شيء ومثل شبهة الحلال كمثل الصفرة لأنه لون متولد من البياض، ~~ومثل شبهة الحرام كالخضرة لون متولد من السواد، # PageV02P481 # فإن رأيت الصفرة فهي علامة شبهة الحلال رددتها إليه وحكمت عليها به، كما ~~أن الخضرة أقرب إلى السواد، فإن اجتمع في لون صفرة وخضرة فهي الشبهات ~~المخلطة في الشيء، فانظر إلى الأغلب منها الأكثر، فاحكم عليه، فإن كانت ~~الصفرة هي الأكثر والأغلب، فهذا شبهة الحلال، تناول منه غير متسع فيه إذ ~~ليس حلالا صافيا وهذا مثل أموال التجار والصناع المختلطة بأرزاق الجند ~~والمعاملات، وإن رأيت الخضرة أكثر وأغلب فهذا شبهة الحرام، خذ منه ضرورتك ~~إذ ليس بشبهة صافية، وهذا مثلا أملاك أولياء السلطان، لالتباس ملك أيديهم ~~في خدمتهم لأمرائهم حتى تري البياض المحض الذي هو علامة الحلال فخذ كيف شئت ~~واتسع، لاجناح عليك على أنك لا تكون زاهدا بذلك، وهذا مثل لفيء المشركين ~~والغنائم في سبيل الله، ومثل المواريث الطيبة وما أنبتت الأرض ms1269 التي هي غير ~~مغصوبة، ومثل ماء السماء والسيح في الأنهار وصيد البر والبحر، وإن رأيت ~~السواد الغريب فهو علامة الحرام، فاجتنبه ولا تأخذ منه شيئا، فإن فعلت كنت ~~بذلك فاسقا وأكل الحرام من الكبائر، وهذا مثل المغصوب والجنايات، وما أكل ~~بأسباب المعاصي وما تملك من غير طيب نفس من الواهب، واعلم أن الحلال ~~والحرام فرعان للتقوى والفجور والعلم والجه، والعلم والتقوي هما حلالان ~~للمتقين العلماء، فإذا كثر المتقون ووجد المؤمنون كان الحلال أظهر وأكثر، ~~ووجود الحرام بظهوره وكثرته، بكثرته وجود الجهل والفجور وهما حالا الجاهلين ~~الفجار، فإذا كثر الجاهلون وظهر الفاسقون كان الحرام أغلب وأكثر، وأصل وجود ~~الحلال في الكافة عدل الأئمة واستقامة الولاة، وطاعة أوليائهم فيما لهم ~~معهم في سبيل الله عز وجل لصلاح الدين وحيطة المسلمين، كما إن أصل ظهور ~~الحلال وانتشاره هوالرعية، فإذا قل ذلك وكان الأمر على ضده غمض الحلال ~~واختفى، فظهر الحرام وفشا، فكان الحلال قليلا عزيزا، وكان في خصوص من ~~المسلمين يخص الله به من يشاء ويصرفه إلى من أحب، كيف أحب من طريق التوفيق ~~والهداية وبمعنى العصمة والوقاية؟ # وقد جاء في الخبر إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم، وقال بعض أهل ~~التفسير في قوله عز وجل: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) ~~الأنعام: 129، قال: إذا فسدت أعمال الناس، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم، ~~وقد روينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: رزق المؤمن، مثل قطر ~~الحب، فهذا يحتمله معنيان، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء، وهذا ~~على معنى ما قال سهل رحمه الله: لو كانت الدنيا دما غبيطا لكان قوت المؤمن ~~منها حلالا، فهذا على معنيين، أحدهما أن المؤمن موفق معصوم قد عمل لله عز ~~وجل بما علم، والله قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام # PageV02P482 # باختياره من عمله، كما يستخرج له العلم من الجهل، والتوحيد من الشرك بلطف ~~قدرته، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة، والمعنى الثاني ~~المؤمن عنده، ms1270 لا يتناول شيئا إلا فاقة أو ضرورة، فقد حلت له وإن حرمت على ~~غيره، وهذا هوالمؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك يظهر بعد المائتين عدل ~~فقال: تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة، فغضب وقال: إن استطعت أن تموت بعد ~~المائتين فمت، فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ووزراء ظلمة وأمناء ~~خونة، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم، التلاوم يسمون عند الله الأنتان، وقال ~~بعض السلف الصالح: إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأله بعد المائتين أن ~~يرزقني حلالا، ولكني أسأله رزقا لا يعذبني عليه، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه ~~الله: ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئا، يعني الملوك والأمراء، ويقال إن ~~عليا رضي الله عنه، لم يأكل بعد قتل عثمان، ونهب الدار إلا طعاما مختوما ~~عليه، وروي في الخبر العامل الذي أراد علي رضي الله عنه، أن يستعمله على ~~صدقات قال: فدعا بطينة مختومة طننت أن فيها جوهرا أو تبرا ففض ختامها، فإذا ~~فيها سويق شعير فنثره بين يدي وقال: كل من طعامنا، فقلت: أتختم عليه يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: نعم هذا شيء اصطفيته لنفسي، وأخاف أن يختلط فيه ما ليس ~~منه، والحديث فيه طول فاختصرت هذا منه. # وروي أن جماعة من الصحابة ما شبعوا من الطعام منذ قتل عثمان رضي الله عنه ~~لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار، منهم ابن عمر وسعد وأسامة بن زيد ~~رضي الله عنهم، وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان: الدنيا عندنا على ثلاث ~~منازل، حلال وحرام وشبهات، فحلالها حساب، وحرامها عقاب، وشبهاتها عتاب، فخذ ~~من الدنيا ما لا بد لك منه فإن كان ذلك حلالا كنت زاهدا، وإن كان شبهة كنت ~~ورعا وكان في عتاب بسير، وقد روينا عنهما أنهما قالا: لو زهد أحد في زماننا ~~هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في الزهد ما سميناه زاهدا قيل: ولم؟ ~~قال: لأن الزهد عندنا إنما يكون في الحلال المحض، والحلال المحض لا يعرف ~~اليوم، ومات يوسف ووكيع قبل المائتين، وقد كان ms1271 وكيع بن الجراح أشبه العلماء ~~بالسلف، وكان يشبه بعبد الله بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن ~~الحلال، فجعل يعزره ويقول: أين الحلال؟ وكيف لي بالحلال؟ ثم قال: لوسألنا ~~مسترشد عن علمنا في الحلال فقلنا له: كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في ~~الفرات قيل: وأنت يا أبا سفيان من أين تأكل؟ قال: آكل من رزق الله وأرجو ~~عفو الله، وقد كان بشر بن الحارث من المتقدمين، سئل عن الحلال قيل له: من ~~أين تأكل يا أبا نصر؟ فقال: من حيث تأكلون، # PageV02P483 # وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهويضحك، وقال مرة أخرى في رواية عنه: ~~ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة، وسأله رجل عما لا يسكر من النبيذ ~~فقال: انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو؟ فإن كان حلالا وإلا ~~هلكت دع عنك ما لا يسكر، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن ~~يأكل إلا من حيث يعرف، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه ~~وقال: تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء، وكان يقول: لا يقوى على ترك ~~الشبهات إلا من ترك الشهوات، ويقال إن بشر بن الحارث كان يأكل من قبله، ~~وذكر لنا أن سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال: يا ~~بشر، لعل يدا نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم: يعني قولهم بشر الحافي، ~~فسكت بشر، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا: يا أبا ~~نصر، إنه لم يرد إلا خيرا فقال: سبحان الله، هو سري كما سري، وكان سري رحمه ~~الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده، فجاء سري فكلمه ~~بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك ~~يرد عليه شيئا. # وحدثونا عنه أنه قال: انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض وعند غدير ~~ماء، ms1272 قال: وكنت جائعا فأكلت من الحشيش، وشربت من ذلك الماء بكفي، ثم استندت ~~على ظهري، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم، فهتف بي هاتف يقول: ~~يا سري زعمت أنك أكلت حلالا، فالقوة التي بلغتك إلى ههنا من أين هي؟ قال: ~~فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي، وكان شقيق البلخي رحمه الله ~~يقول: إن المكاسب اليوم قد فسدت، وإن التجارات والصناعات شبهات كلها، لا ~~يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود الغش وعدم النصح، قال: وإنما ينبغي ~~للمسليمن أن يدخلوا فيها ضرورة، وقال: الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، لأنهم أعانوا على إماتة السنن، ودرس طرق الأنبياء، ومن أبطل سنن ~~نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين ومائة، فإذا كان الأمر أيها المسلم ~~الموقن بتوحيد الله ووعيده، على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من ~~الخلف، في ذلك الوقت، فكيف بوقتك هذا؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا، وقد ~~وجب عليك الأخذ بالبلغة، مما لابد منه من كل شيئ، فإن استكثرت أو جمعت من ~~مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية، وكل ما يظهره الله عز وجل لك من غير الأمور ~~وبديهات المصائب، فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك، وكل ما صرف عنك ~~مثل هذا فهو خير، وإن كرهت، وفي الخبر: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ولو ~~كان من حلال، فإن كان لا بد فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس، فقد صار الأكل # PageV02P484 # في ثلث البطن خير من الأكل ملأه لأنه شر، وما نقص من الشر فهو خير، وفي ~~الخبر: ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء ولو من حلال. # وقد جاء في الخبر: لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوتا، وفي قوله ~~تعالى: (ورزق ربك خير وأبقى) طه: 131 قيل: يوم بيوم، وقيل: القناعة، وقد ~~كان المسلمون يتورعون عن الشبهات في وقت العدل، ومع وجود الفضل، حدثونا: أن ~~الفضل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك رضي الله عنهم، ms1273 اجتمعوا عند وهيب بن ~~الورد بمكة، فذكروا الرطب فقال وهيب: هو أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله، ~~قيل: ولم؟ قال: لأنه قد اختلط رطب مكة بهذه البساتين التي اشتروها هؤلاء، ~~يعني زبيدة وأشباهها، فقال له ابن المبارك: رحمك الله إن نظرت إلى مثل هذا، ~~ضاق عليك الخبز، فقال: وما سببه؟ قال: نظرت في أصول الضياع بمصر فإذا هي قد ~~اختلطت بالصوافي، قال: فغشي على وهيب، فقال له سفيان: ما أردت بهذا؟ قتلت ~~الرجل، قال ابن المبارك: والله ما أردت إلا أن أهون عليه، قال: فلما أفاق ~~وهيب قال لله علي أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه، قال: فكان يشرب اللبن، ~~قال: فأتته أمه بلبن فقال: من أين لك هذا؟ قالت من شاة بني فلان، قال: ومن ~~أين لهم ثمنها؟ قالت: من كذا وكذا، فرضيه، فلا أدناه من فيه، قال: قد بقي ~~شيء فأين ترعى هذه الشاة؟ فسكتت، فقال: لتخبريني، فإذا هي ترعى مع غنم لابن ~~عبد الصمد الهاشمي أمير مكة في الحي، فقال: هذا اللبن للمسلمين، فيه حق لا ~~يحل لي أن أشربه دونهم، وهم شركائي فيه، فقالت له أمه: اشربه فإن الله يغفر ~~لك، فقال: ما أحب أني شربته وأنه غفر لي، قالت: ولم؟ قال: أكره أن أنال ~~مغفرته بمعصية، وقد كان لطاووس اليماني بضاعة يتجر له فيها من التمر، ~~فاشترى مضاربه ببضاعة أديما من بعض أولياء السلطان وكتب إليه بذلك، وكتب ~~إليه طاووس: أفسدت علينا مالنا، ما أحب أن أتلبس بشيء منه فبع الأديم ~~باليمن، وتصدق بثمنه، ولا تدخل منه إلى الحرم درهما واحدا، وأنا أستغفر ~~الله من طعمة الفقراء، وأرجو أن أنجو كفافا لا علي ولا لي، فيقال: إن ذلك ~~كان سبب فقره ولم يكن له مال غيره، فبقي بغير معلوم من دنيا، وكان خالد ~~القشيري لما ولي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق أهل اليمن إلى مكة، ~~فكان طاووس ووهب بن منبه اليمانيان رضي الله عنهما إ ذا مرا عليه لم يتركا ms1274 ~~دوابهما أن تشرب منه، وقد كان سهل رحمه الله يقول: رجل بات في قرية جائعا ~~قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلي من الجوع، أعطاه الله في منزله جميع صلاة ~~المصلين القائمين في قريته، قيل: وكيف ذلك، قال: طلب الحلال، فلم يجده فكره ~~أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك الليلة وهو ~~سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة، فقيل له في ذلك، فقال: إنها تطحن ~~في هذا الأرحى، فقال: المسلمون شركاء في الماء # PageV02P485 # وهؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس. # وحدثت أن امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب، فقالت: هذه من صنيعة أبي ~~فردها بشر عليها، فقالت: سبحان الله تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي ~~منه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء، فقال: صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت ~~الكرم، قالت: بماذا؟ قال: سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب ~~بن عبد الله بن طاهر صاحب المأمون، وهذا النهر هوالخندق المعترض في الجانب ~~الغربي، لم يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول: منذ ~~ثلاثين سنة أشتهي شواء وما أتركه زهدا فيه ولو صح لي درهمه لأكلته، فهذه ~~سيرة المتقدمين وطريق السالفين، من سلكها لحق بهم وكان كأحدهم، ومن خالفها ~~فليس على سنة السلف، ولا من صالحي الخلف وسعة رحمة الله الواسعة بمشيئته ~~السابقة، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وقد كان من سيرة القدماء من أهل الورع ~~أن لا يستوعب أحدهم كلية حقه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله، فيقع ~~في الشبهة، فإنه يقال: من استوعب الحلال حام حول الحرام، فكانوايستحبون أن ~~يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، ومنهم من كان يترك من حقه ~~شيئا لغير هذه النية، ولكن لقول الله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان) النحل: 90 قالوا: فالعدل أن تأخذ حقك كله وتعطي الحق، والإحسان ms1275 ~~أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا، ولأن الله تعالى ~~كما أمر بالعدل قد أمربالإحسان لقوله: (حقا على المتقين حقا على المحسنين) ~~البقرة: 18، - 236، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها، حدثونا عن ~~بعضهم قال: أتيت بعض الورعين بدين له علي وكان خمسين درهما، قال: ففتح يده ~~فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهما فقبض يده، فقلت: هذا درهم قد بقي لك من ~~حقك، قال: قد تركته لك إني أكره أن أستوعب مالي كله، فأقع بما ليس لي، قد ~~كان عبد الله بن المبارك وغيره يقول: من اتقى من تسعة وتسعين شيئا ولم يتق ~~من شيء واحد لم يكن من المتقين، ومن تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ~~ذنب واحد لم يكن من التوابين، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئا ولم يزهد في شيء ~~واحد فليس من الزاهدين، وقد روى عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يكون الرجل من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا مما به البأس، ~~وروينا عن أبي الدرداء: إنما التقوى أن يتقي الله العبد في مثقال ذرة حتى ~~يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين ~~الحرام، وبمعنى هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنا نترك ~~سبعين بابا من الحلال # PageV02P486 # مخافة باب واحد من الحرام، وهذا طريق قد مات أهله، فمن سلكه فقد أحياهم ~~فأما أموال التجار والصناع والمتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة ~~في العلم، مع موافقة الكتاب والسنة فهي شبهات، ثم تتنوع بنوعين: فتكون شبهة ~~حلال إذا عاملت المتقين وأخذت من الورعين، وتكون شبهة حرام إذا عاملت قليلي ~~التقوى والورع، وأما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه ولمخالفة ~~الأحكام، فما كان عن معاملة لهم وكسب ولم تعلم شيئا بعينه غصبا ولا جناية ~~فهو أسهل، وما علمته فهو نص الحرام، فالله الله في نفسك انظر أيها المسكين ~~لمعادك واحفظ ms1276 لدينك، فإن كسبك من دينك وطمعتك من إيمانك، فإن تهاونت بذلك ~~فقد تهاونت بالدين، ونبذت الأحكام وضيعت اليوم نفسك ولم تنظر فيما قدمت لغد ~~ونعوذ بالله من سوء القضاء، ويقال إن العدو إذا ظفر من العبد بسوء الطعمة ~~لم يعترض عليه في الأعمال، وقال: قد ظفرت منك بحاجتي، اعمل الآن ما شئت ولم ~~يعد عليه من أعماله إلا ظلمة في قلبه، وقسوة وضعفا في عزيمة، وفتورا ومعصية ~~وحرم التوفيق والعصمة، ولم يورث علم المكتوب والحكمة، فإن كان المتصرف في ~~السوف على الوصف المكروه، مخالفا للعلم في تصرفه مفارقا للأحكام لايبالي من ~~أي وجه ظهر وبأي سبب عليه قدر، غير متق في كسبه ولا مرع لدين الله عز وجل ~~فيه وحكمه، فهوآكل للمال بالباطل قاتل لنفسه مفسد لدينه غاش للمسلمين، ~~والله لا يصلح عمل المفسدين كما لايضيع أجر المصلحين، ومع ذلك فهو غير ناصح ~~لله عز وجل ولخلقه في الدين، مقامه في # الظلم وحاله الهوى، والله لا يحب الظالمين، فهو مأمور بالتوبة في جميع ~~تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت، ~~فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى: (ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون) الحجرات: 11، وقال تعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ~~الشعراء: 227، وقال بعض الحكماء: الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة، فواحد ~~يغوص فيخرج درا، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون، وآخر يغوص فيخرج ~~آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون، وآخر يخرج سمكا، وهؤلاء ~~المقتصدون، وآخر في قعره قد غرق، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق ~~كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا، فقد غرقوا في بحر ~~الخطايا، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة، كلما رفعته موجة طمع في ~~النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة، وهؤلاء المريدون الاستقامة في ~~زماننا هذا، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة. لم وحاله ~~الهوى، والله لا يحب الظالمين، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه ~~الإنابة في ms1277 جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت، فيلقى الله تعالى ~~ظالما ذا هوى فقد قال تعالى: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) الحجرات: 11، ~~وقال تعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء: 227، وقال بعض ~~الحكماء: الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة، فواحد يغوص فيخرج درا، وهؤلاء ~~أبناء الآخرة الذين لها يعملون، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا ~~الذين عليها يحرصون، وآخر يخرج سمكا، وهؤلاء المقتصدون، وآخر في قعره قد ~~غرق، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا ~~عنها إلى السوق وشغلوا، فقد غرقوا في بحر الخطايا، وآخر طاف مع الأمواج ~~يضطرب يطلب النجاة، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى ~~فيخاف الهلكة، وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا، ترفعهم التوبة إلى ~~النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في ~~الدنيا، وأوحى الله عز # PageV02P487 # وجل إلى بعض أنبيائه لا تتخذوا الأهل والمال في زمن العقوبات، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. # نحمدك يا من هيأت القلوب للتيقظ لمرضاتك، وفتحت أقفالها بأسرار معرفتك ~~وأنوار هباتك، ونصلي ونسلم على من أرسلته بطب القلوب، وأيدته بما أنزلت ~~عليه من قوت القلوب وتبيين الغيوب، وعلى آله الذي تحققوا برياضة النفوس ~~فتحلوا بأنوار اليقين، وأصحابه السائرين على منهجه المبين. # أما بعد، فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب، ~~للأمام الفاضل والأستاذ الكامل سيدنا ومولانا الشيخ أبي طالب المكي رحمه ~~الله وأثابه رضاه، وهو كتاب له من اسمه أكبر نصيب، ومن المتكلم على آفات ~~النفوس والاستشهاد بالآي كلا مطرب غريب، وفي تبيين طريق السلف الصالح ما ~~يجعل الغائب كأنه حاضر مبصر، وفي أحوال أهل اليقين ما يزيح الخفاء ويجلو من ~~عين القلب النظر، وبالجملة، فهو كتاب شهرته طبقت الآفاق، وهي أقل مما فيه، ~~وليس الخبر يكفي ما العيان يكفيه. PageV02P488 ms1278