######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0095700 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 388 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شأن الدعاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0095700 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-95700 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/95700 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد يوسف الدقاق #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الثقافة العربية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # [يقول أبو الفتح بن أبي الفرج: أخبرنا الشيخ الإمام الأديب أبو محمد سعيد ~~بن إسحق متع المسلمين بطول بقائه، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن ... بن نصر ~~اللبان الدينوري، قال: أخبرنا الشيخ الذكي .. الحسن (1) بن محمد بن محمد بن ~~إبراهيم الكرابيسي قال:] (2). # قال أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، رضي الله عنه: # الحمد لله المستحمد إلى خلقه بلطيف صنعه، البر بعباده، العاطف عليهم ~~بفضله، موئل المؤمنين ومولاهم، وكهف الآيبين به وملجئهم، الذي أمر بالدعاء، ~~وجعله وسيلة الرجاء، فكل من خلقه يفزع في حاجته إليه، ويعول عند الحوادث ~~والكوارث عليه، سبحانه، من لطيف لم تخف عليه مضمرات القلوب، فيفصح له ~~PageV01P001 # عنها بنطق بيان، ولم تستتر دونه مضمنات الغيوب، فيعبر له عنها بحركة ~~لسان، لكنه أنطق الألسن بذكره، لتستمر على وله العبودية وتظهر به شواهد ~~أعلام الربوبية، أحمده حمد الشاكرين، وأومن به إيمان العارفين، وأسأله أن ~~يصلي على نبيه محمد، شاهد الصدق لدين الحق، دليل العباد إلى سبيل الرشاد، ~~وعلى آله الطيبين وأصحابه المنتخبين وأن يسلم عليه (*) وعليهم تسليما، ~~وبعد: # فإنكم سألتم (1) -إخواني، أكرمكم الله- عن الدعاء، وما معناه؟ وفائدته؟ ~~وما محله في الدين؟ وموضعه من العبادة؟ وما حكمه (2) في باب الاعتقاد؟ وما ~~الذي يجب أن ينوي الداعي بدعائه؟ وما يصح أن يدعا به من الكلام مما لا يصح ~~منه؟ إلى سائر ما يتصل به من علومه وأحكامه، ويستعمل فيه من سننه، وآدابه، ~~وطلبتم إلى ذلك (3): أن أفسر لكم ما يشكل من ألفاظ الأدعية المأثورة،- عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - التي جمعها إمام أهل الحديث، محمد بن إسحق بن ~~خزيمة -رحمه الله-[ورضي عنه (4)] إذ كان أولى ما يدعا به، ويستعمل منه ما ~~صحت به الرواية، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وثبت عنه بالأسانيد ~~الصحيحة؟ فإن الغلط يعرض كثيرا في الأدعية التي يختارها الناس؛ لاختلاف ~~معارفهم (5)، وتباين PageV01P002 # مذاهبهم في الاعتقاد، والانتحال. # وباب الدعاء [مطية مظنة للخطر] (1) وما تحت قدم الداعي دحض (2)؛ فليحذر ~~فيه الزلل، [وليسلك] (3) منه الجدد ms01 (4) الذي يؤمن معه العثار (5)، وما ~~التوفيق إلا بالله [عز، وجل] (6). # وقد فعلت -أكرمكم الله- من ذلك (7) ما تيسر لي، وبلغه علمي، وتوخيت فيه ~~الإيجاز (8)، والاختصار، نفعنا الله وإياكم. [بمنه] (9). ### | معنى الدعاء # أصل هذه الكلمة مصدر، من قولك: دعوت الشيء، أدعوه، دعاء. أقاموا المصدر ~~مقام الاسم. تقول: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتا، وكما (10) تقول: اللهم ~~اسمع دعائي. وقد يوضع المصدر موضع الاسم. كقولهم: رجل عدل، وهذا (11) درهم ~~ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن. PageV01P003 # ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه -عز وجل- العناية واستمداده إياه ~~المعونة. # وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة ~~العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله [عز وجل] ~~(1)، وإضافة الجود، والكرم إليه؛ ولذلك # [1] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". # حدثنا: ابن الأعرابي، قال: حدثنا: بكر بن فرقد التميمي قال: حدثنا: أبو ~~داود قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن ~~بشير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وحدثنيه: محمد بن الحسن بن ~~عاصم. قال: حدثنا: محمد بن PageV01P004 # إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا: أبو موسى، قال: حدثنا: عبد الرحمن -[يعني (1) ~~-] ابن مهدي- قال: حدثنا شعبة: عن منصور، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن ~~بشير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] (2) قال: "إن الدعاء هي ~~العبادة"، وقرأ: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) [غافر/ 60]. [قال أبو ~~سليمان:] (3) # هكذا قال في رواية: "إن الدعاء هي العبادة"، وإنما أنث على نية الدعوة، ~~أو المسألة، أو الكلمة، أو نحوها، وقوله: "الدعاء هو العبادة" معناه أنه ~~معظم العبادة، أو أفضل العبادة، كقولهم: الناس بنو (4) تميم، والمال الإبل، ~~يريدون: أنهم أفضل الناس، أو أكثرهم عددا أو ما أشبه ذلك (5)، وإن الإبل ~~أفضل أنواع الأموال، وأنبلها. وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # [2] "الحج عرفة". يريد: أن معظم الحج الوقوف بعرفة. PageV01P005 # وذلك؛ لأنه إذا أدرك عرفة، فقد أمن فوات الحج. ومثله في الكلام كثير. # وقد اختلفت مذاهب الناس في الدعاء، فقال قوم: لا معنى ms02 للدعاء ولا طائل له ~~لأن الأقدار سابقة والأقضية متقدمة، والدعاء لا يزيد فيها، وتركه لا ينقص ~~شيئا منها ولا فائدة في الدعاء والمسألة. # [3] وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "قدر الله المقادير، قبل أن يخلق ~~الخلق، بكذا وكذا عاما". # [4] وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "جف القلم بما هو كائن". ~~PageV01P006 # [5] وروي [عنه - صلى الله عليه وسلم -] (1): "أربع قد فرغ [الله] (2) ~~منها: العمر، والرزق، والخلق والخلق]. أو كما قال. # وقالت [طائفة] (3) أخرى: الدعاء واجب. وهو يدفع البلاء، ويرد القضاء. # [6] واحتجوا بما روي [عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه] (4): "لا يرد ~~القضاء إلا الدعاء". PageV01P007 # [7] و [بما روي] (1): "أن الدعاء، والقضاء، يلتقيان فيعتلجان (2) ما بين ~~السماء والأرض". # وقال آخرون: "الدعاء واجب، إلا أنه لا يستجاب منه إلا ما وافق القضاء". ~~وهذا المذهب هو الصحيح، وهو قول أهل السنة والجماعة، وفيه الجمع بين ~~الأخبار المروية على اختلافها والتوفيق بينها. # فأما من ذهب إلى إبطال الدعاء، فمذهبه فاسد؛ وذلك أن الله. سبحانه- أمر ~~بالدعاء، وحض عليه، فقال: (ادعوني أستجب لكم) [غافر/60] وقال [عز وجل] (3): ~~(ادعوا ربكم تضرعا وخفية) [الأعراف/55]. وقال [تعالى] (3): (قل ما يعبأ بكم ~~ربي PageV01P008 # لولا دعاؤكم) [الفرقان/77] في آي ذوات (1) عدد في القرآن. # ومن أبطل الدعاء (2)، فقد أنكر القرآن، ورده. ولا خفاء بفساد قوله، وسقوط ~~مذهبه. # فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرتموه من أن الدعاء: لا يدفع ضررا، ولا ~~يجلب نفعا، لم يكن جرى به القضاء، فما فائدته؟ وما معنى الاشتغال به؟ ~~فالجواب: إن هذا من جملة الباب الذي وقع التعبد فيه بظاهر من العلم، يجري ~~مجرى الأمارة المبشرة، أو المنذرة، دون العلة الموجبة، وذلك -والله أعلم- ~~لتكون المعاملة فيه على معنى الترجي، والتعلق بالطمع الباعثين على الطلب ~~دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس، فيقضى بصاحبه إلى ترك العمل ~~والإخلاد (3) إلى دعة العطلة. فإن العمل (4) الدائر بين الظفر، بالمطلوب ~~(5) وبين مخافة فوته، يحرك على السعي له، والدأب فيه، واليقين يسكن (6) ~~النفس، [ويريحها] (7)، كما اليأس [يبلدها ويطفئها] (7)، وقد قضى الله ms03 ~~-سبحانه- أن يكون العبد ممتحنا، ومستعملا، ومعلقا بين الرجاء، والخوف ~~اللذين هما مدرجتا PageV01P009 # العبودية؛ ليستخرج (1) منه بذلك الوظائف المضروبة عليه، التي هي سمة كل ~~عبد، ونصبة كل مربوب، مدبر (2)، وعلى هذا بني الأمر في معاني ما نعتقده في ~~مباديء الأمور التي هي الأقدار، والأقضية، مع التزامنا الأوامر التي تعبدنا ~~(3) بها، ووعدنا عليها في المعاد، الثواب والعقاب. # ولما عرض في هذا من الإشكال، ما سألت الصحابة: رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا: # [8] "أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه، أم أمر نستأنفه؟ فقال: بل هو ~~أمر قد فرغ منه. فقالوا: ففيم العمل إذا؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق ~~له. قالوا: فنعمل إذا". # ألا تراه كيف علقهم بين الأمرين، فرهنهم (4) بسابق القدر المفروغ منه، ثم ~~ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد، لتكون تلك الأفعال أمائر (5) مبشرة، ~~ومنذرة، فلم يبطل السبب -الذي هو PageV01P010 # كالفرع- بالعلة التي هي له كالأصل، ولم يترك أحد الأمرين للآخر. وأخبر مع ~~ذلك أن فائدة العمل هو القدر المفروغ منه، وهو معنى قوله [- صلى الله عليه ~~وسلم -] (1): "فكل ميسر لما خلق له". يريد: أنه ميسر في أيام حياته للعمل ~~الذي سبق له القدر به قبل وقت وجوده، وكونه، إلا أن الواجب. [عليك ها هنا] ~~(2) أن تعلم فرق (3) ما بين الميسر، والمسخر (4)، فتفهم. # وكذلك القول في باب الرزق، وفي التسبب إليه بالكسب، وهو أمر مفروغ منه في ~~الأصل، لا يزيده الطلب، ولا ينقصه الترك. # ونظير ذلك؛ أمر العمر، والأجل المضروب فيه في قوله [عز وجل] (5): (فإذا ~~جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) [الأعراف/ 34]. # ثم قد جاء في الطب (6)، والعلاج، ما جاء، وقد استعمله عامة أهل الدين من ~~السلف، والخلف، مع علمهم بأن ما تقدم من الأقدار، والأقضية لا يدفعها ~~التعالج بالعقاقير (7)، والأدوية. PageV01P011 # وإذا تأملت هذه الأمور، علمت أن -الله سبحانه- قد لطف بعباده؛ فعلل ~~طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب؛ ليأنسوا (1) بها، فيخفف (2) عنهم ثقل ~~الامتحان التي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء، والخوف، وليستخرج ~~منهم وظيفتي الشكر، والصبر في طوري ms04 السراء، والضراء، والشدة، والرخاء، ومن ~~وراء ذلك علم الله [تعالى] (3) فيهم، ولله عاقبة الأمور، وهو العليم ~~الحكيم، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه (لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون) ~~[الأنبياء/23]. # فإن قيل فما تأويل قوله [سبحانه] (4): (ادعوني أستجب لكم) [غافر/60]، وهو ~~وعد من الله [جل وعز] (4) يلزم الوفاء به، ولا يجوز وقوع الخلف فيه؟ قيل ~~هذا مضمر فيه المشيئة [كقوله: (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء)] ~~(4) [الأنعام/ 41]، وقد يرد الكلام بلفظ عام، مراده خاص، وإنما يستجاب من ~~الدعاء ما وافق القضاء، ومعلوم أنه لا تظهر لكل داع استجابة دعائه؛ فعلمت ~~أنه إنما جاء في نوع خاص منه بصفة معلومة. وقد قيل: معنى الاستجابة: أن ~~الداعي يعوض من (5) دعائه عوضا ما، فربما كان ذلك [(6) إسعافا بطلبته التى ~~PageV01P012 # دعا لها، وذلك إذا وافق القضاء. فإن لم يساعده القضاء، فإنه يعطى سكينة ~~في نفسه، وانشراحا في صدره، وصبرا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى ~~كل حال فلا يعدم فائدة دعائه، وهو نوع من الاستجابة. # [9] وقد روى: أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من ~~مؤمن ينصب وجهه لله، عز وجل، يسأله مسألة إلا أعطاه إياه إما عجلها له في ~~الدنيا، وإما ادخرها له في الآخرة، ما لم يعجل، قالوا: وما عجلته؟ قال: ~~يقول: دعوت، دعوت، فلا أراه يستجاب لي". # قال الشيخ -رضي الله عنه-: وإذا ثبت معنى الدعاء، ووجوب العمل به؛ فإن من ~~شرائط صحته، أن يكون ذلك من العبد بإخلاص نيته، وإظهار فقر، ومسكنة، وعلى ~~حال ضرع، وخشوع، وأن يكون على طهارة من الداعي، واستقبال للقبلة، وأن يقدم ~~الثناء على الله -عز وجل- والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمام دعائه، ومن سنته أن يرفع إلى الله -عز وجل- يديه، باسطا PageV01P013 # كفيه، غير ساتر لهما بثوب، أو غطاء، ويكره فيه الجهر الشديد بالصوت، ~~وتكره الإشارة فيه بأصبعين، وإنما يشير بالسبابة من يده اليمنى فقط. # [10] وقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يشير ms05 بأصبعين، فقال ~~له: "أحد أحد". # ويستحب الاقتصار على جوامع الدعاء، ويكره الاعتداء فيه، وليس معنى ~~الاعتداء الإكثار منه. # [11] فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله يحب الملحين ~~في الدعاء". وقال: # [12] "إذا دعا أحدكم، فليستكثر، فإنما يسأل ربه". وإنما هو مثل ما روي عن ~~سعد: أنه سمع ابنا له يقول: PageV01P014 # [13] "اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمهما، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك ~~من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء" فإياك أن تكون منهم، فإنك ~~إذا سألتها، فأعطيتها، أعطيتها وما فيها، وإذا تعوذت من النار، فأعذت منها، ~~أعذت منها ومما فيها من الشر". # ويكره في الدعاء السجع، وتكلف صنعة الكلام له، ولا يجوز أن يدعا بالمحال، ~~وأن يطلب ما لا مطمع فيه، كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم، أن الله ~~-سبحانه- استأثر بالبقاء، وكتب الفناء على جميع خلقه. ولا يدعو بمعصية، ولا ~~بقطيعة رحم، ونحوها من الأمور المحظورة، وليتخير لدعائه، والثناء على ربه، ~~أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأجمعها للمعاني، وأبينها؛ لأنه مناجاة العبد سيد ~~السادات الذي ليس له مثل، ولا نظير، ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى ~~صاحبه، ورئيسه في حاجة، يرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه، لتخير له محاسن ~~الكلام، ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان، ولئن لم يستعمل هذا ~~المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه، أوشك أن ينبو سمعه ~~عن كلامه، وأن لا يحظى بطائل من حاجته عنده. PageV01P015 # فما ظنك برب العزة -سبحانه- وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن ~~يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه؟ وهذا رسوله، وصفيه - صلى الله عليه وسلم ~~- قد أظهر العجز، والانقطاع دونه؛ فقال في مناجاته: # [14] "وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك". فسبحان ~~من جعل عجز العاجزين عن شكره، والثناء عليه شكرا لهم، كما جعل معرفة ~~العارفين بأنهم لا يدركون كنه صفته إيمانا لهم، وقد أولع كثير ms06 من العامة ~~بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان وقد يوجد] ~~(1) في أيديهم دستور من (2) الأسماء، والأدعية يسمونه: "الألف الاسم" (3). ~~صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله، عز، وجل (4)، ~~أكثرها زور، وافتراء على الله، عز، وجل (5)، فليجتنبها (6) الداعي إلا ما ~~وافق منها الصواب. إن شاء الله، تعالى (7). PageV01P016 # ومما يسمع على ألسنة العامة وكثير من القصاص، قولهم: يا سبحان -يا برهان- ~~يا غفران- يا سلطان، وما أشبه ذلك. # وهذه الكلمات، وإن كان يتوجه بعضها في العربية على إضمار النسبة بذي، ~~فإنه مستهجن، مهجور، لأنه لا قدوة فيه، ويغلط كثير منهم في مثل قولهم: يا ~~رب طه - ويس، ويا رب القرآن العظيم. # وأول من أنكر ذلك ابن عباس -رحمه الله (1) - فإنه سمع رجلا، يقول عند ~~الكعبة: "يا رب القرآن". فقال: # [15] "مه! إن القرآن لا رب له، إن كل مربوب مخلوق". # فأما أغاليط من جمح به اللسان، واعتسف أودية الكلام من الأعراب، وغيرهم، ~~الذين لم يعنوا بمعرفة الترتيب، ولم يقومهم ثقاف التأديب، كقول بعضهم في ~~استسقاء الغيث: # رب العباد ما لنا وما لكا # قد كنت تسقينا فما بدا لكا # أنزل علينا الغيث لا أبا لكا (2) # وكقول القائل من قريش حين هدموا الكعبة في الجاهلية، PageV01P017 # وأرادوا بناءه (1) على أساس إبراهيم -صلوات الله عليه (2) - فجاءت حية ~~عظيمة، فحملت عليهم، فارتدعوا. فعند ذلك قال شيخ منهم كبير (3): # "اللهم لا ترع، ما أردنا إلا تشييد بيتك، وتشريفه" # وكقول بعضهم -وإن كان من المذكورين في الزهاد-: "نعم المرء ربنا، لو ~~أطعناه لم يعصنا" فإنها في أخواتها، ونظائرها عجرفية في الكلام، وتهور فيه، ~~والله -سبحانه- متعال عن هذه النعوت، وذكره منزه عن مثل هذه الأمور، وقد ~~روينا عن عون بن عبد الله، أنه كان يقول: # "ليعظم أحدكم ربه، أن يذكر اسمه في كل شيء، حتى يقول: أخزى الله الكلب، ~~وفعل الله به كذا". وكان بعض من أدركناه (4) من مشايخنا قل ما يذكر اسم ~~الله -جل وعز- إلا فيما PageV01P018 # يتصل (1) بطاعة، أو قربة، وكان يقول للرجل إذا ms07 جزاه خيرا: جزيت خيرا، وقل ~~ما يقول: جزاك الله خيرا، إعظاما للاسم أن يمتهن في غير قربة، أو عبادة. # ومما يجب أن يراعى في الأدعية، الإعراب الذي هو عماد الكلام، وبه يستقيم ~~المعنى، وبعدمه يختل، ويفسد، وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر، ~~إن اعتقده صاحبه. كدعاء من دعا، أو قراءة من قرأ: (إياك نعبد وإياك نستعين) ~~بتخفيف الياء من إياك، فإن الأيا ضياء الشمس، فيصير كأنه يقول شمسك نعبد. ~~وهذا كفر. # وأخبرني محمد بن بحر (2) الزهني، قال: حدثني الشاه بن الحسن قال: قال: ~~أبو عثمان المازني لبعض تلامذته: عليك بالنحو؛ فإن بني إسرائيل كفرت بحرف ~~ثقيل خففوه، قال PageV01P019 # الله -عز-وجل- لعيسى: (إني ولدتك) فقالوا: "إني ولدتك" فكفروا (1). # وأخبرني (2) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن المرزبان عن ~~الرياشي، قال: مر الأصمعي برجل يقول في دعائه: "يا ذو الجلال والإكرام" ~~فقال: ما اسمك؟ قال: ليث. فأنشأ يقول: # ينادي ربه باللحن ليث ... لذاك إذا دعاه لا يجيب # [قال أبو سليمان] (3): # وإذ قد أتينا بما قد (4) وجب تقديمه من شرائط صحة الدعاء، فلنعمد (5) ~~لتفسير ما جاء منه مأثورا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~PageV01P020 # ولنبدأ بتفسير أسماء الله -جل، وعز- التي هي تسعة وتسعون اسما. قال الله ~~سبحانه: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف/ 180]. ثم قال: (وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف/ 180]. فكان (1) ~~دلالة الآية أن [الغلط فيها والزيغ عنها إلحاد] (2). ونحن نسأل الله ~~التوفيق لصواب القول فيها برحمته. PageV01P021 ### | (باب ### | تفسير هذه الأسماء # ) (1) # [16] حدثنا مكرم بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: حدثنا ~~إسحق بن محمد الفروي، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين ~~(2) اسما، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر". # قال الشيخ (3): "إن لله تسعة وتسعين (2) اسما" فيه إثبات هذه PageV01P023 # الأسماء المحصورة بهذا (1) العدد، وليس فيه نفي ما عداها (2) من الزيادة ~~عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر ms08 لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، ~~وأبينها معاني وأظهرها، وجملة قوله: "إن لله تسعة وتسعين (3) اسما من ~~أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن" ~~في قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، لا في قوله.: "تسعة وتسعين اسما"، وإنما ~~هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة. وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب ~~من زاره خلعها عليه. وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف ~~[درهم] (4)، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعده ~~زيد من الدراهم للصدقة ألف [درهم] (4)، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب ~~للخلع مائة ثوب، والذي يدل على صحة هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود، ~~وقد ذكره محمد بن إسحق [بن خزيمة] (4) في المأثور: # [17] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: "اللهم إني عبدك، ابن ~~عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو ~~لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، PageV01P024 # أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك .. الخ (1) .. ~~". # فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم ~~يظهرها لهم. # وفي قوله [- صلى الله عليه وسلم -] (2): "إن لله تسعة وتسعين اسما"، دليل ~~على أن أشهر الأسماء، وأعلاها في الذكر -الله- ولذلك أضيفت سائر الأسماء ~~إليه. وقد جاء في بعض الروايات: "أن اسم الله الأعظم -الله- " (3). ~~PageV01P025 # وقوله: "من أحصاها [دخل الجنة] (1) ": [في الإحصاء أربعة أوجه] (2): # أحدها (3) -وهو أظهرها- الإحصاء الذي هو بمعنى العد، يريد: أنه (4) يعدها ~~ليستوفيها حفظا، فيدعو ربه بها. كقوله سبحانه: (وأحصى كل شيء عددا) ~~[الجن/28]. # ويدل على صحة هذا التأويل رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، حدثناه: ~~أحمد بن إبراهيم بن مالك، قال: حدثنا: بشر بن موسى، قال: حدثنا: الحميدي، ~~قال: حدثنا: سفيان، قال: أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة ms09 غير ~~واحد من حفظها دخل الجنة، وهو وتر، يحب الوتر" (5). PageV01P026 # والوجه الثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله -سبحانه-: (علم أن ~~لن تحصوه) [المزمل/ 20]، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: # [18] "استقيموا، ولن تحصوا"، أي: لن تطيقوا كل الاستقامة. والمعنى: أن ~~يطيقها، يحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب [سبحانه] ~~(1) بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن، يا رحيم، فيخطر بقلبه الرحمة، ~~ويعتقدها صفة لله -جل، وعز-، فيرجو رحمته (2)، ولا ييأس من مغفرته. كقوله ~~تعالى (3): (لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو ~~الغفور الرحيم) [الزمر/53]. وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه لا يخفى على ~~الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع؛ فيخافه (4) في PageV01P027 # سره، وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، وإذا قال: (الرزاق) اعتقد أنه ~~المتكفل برزقه، يسوقه إليه فى وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق [له] ~~(1) غيره، ولا كافي له سواه، وإذا قال: المنتقم؛ استشعر الخوف من نقمته، ~~واستجار به من سخطه، وإذا قال: (الضار النافع)؛ اعتقد أن الضر والنفع من ~~قبل الله -جل، وعز- لا شريك له، وأن أحدا من الخلق، لا يجلب إليه خيرا، ولا ~~يصرف عنه شرا، وأن لا حول لأحد، ولا قوة إلا به. وكذلك إذا قال: (القابض ~~الباسط)، و (الخافض الرافع)، و (المعز المذل). وعلى هذا سائر هذه الأسماء. # والوجه الثالث (2): أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناه ~~أن من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة (3)، وهي ~~العقل. قال طرفة (4): # وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل PageV01P028 # والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور. # والوجه الرابع: أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي ~~هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة. فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد ~~استحق دخول الجنة، وذهب إلى نحو من هذا أبو عبد الله الزبيري -[رحمه الله] ~~(1) - وقال: تأملت الأسماء التي جاءت في الأخبار، والآثار، فلما قابلتها ~~بما جاء ms10 في القرآن وجدتها مائة، وثلاثة عشر اسما، وإنما زادت على المبلغ ~~المذكور في الخبر؛ لأني حسبتها متكررة. كقوله: القدير، والقادر، والمقتدر، ~~والرازق، والرزاق، والغفور والغافر، والغفار، فحذفت التكرير، فوجدتها سواء ~~على ما وصفت لك، ثم سردت (2) الأسماء من القرآن، سورة سورة وتركتها كراهة ~~التطويل (3). # وقوله: إنه وتر يحب الوتر. فإن الوتر: الفرد. ومعنى الوتر في PageV01P029 # صفة الله -جل، وعلا (1) - الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير [له] (2)، ~~المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته: فهو -سبحانه- وتر. # وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجا. فقال (3) -سبحانه-: (ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين) [الذاريات/49]. وقوله [- صلى الله عليه وسلم -] (4): "يحب الوتر"، ~~معناه -والله أعلم- أنه: فضل الوتر في العدد على الشفع في أسمائه؛ ليكون ~~أدل على معنى الوحدانية في صفاته، وقد يحتمل أن يكون معنى قوله: "يحب ~~الوتر" منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص، ~~لا يشفع إليه شيئا، ولا يشرك بعبادته أحدا. ### | تفسير هذه الأسماء ### | 1 - # الله (5): قد قلنا فيما تقدم: إنة أشهر أسماء الرب [تعالى] (6)، وأعلاها ~~محلا (7) في الذكر، والدعاء؛ وكذلك جعل أمام سائر الأسماء، وخصت به كلمة ~~الإخلاص، ووقعت به الشهادة؛ PageV01P030 # فصار شعار الإيمان وهو اسم ممنوع، لم يتسم (1) به أحد، قد قبض الله عنه ~~الألسن؛ فلم يدع به شيء سواه، وقد كاد يتعاطاه المشركون اسما لبعض أصنامهم ~~التي كانوا يعبدونها، فصرفه الله [تعالى] (2) إلى "اللات" صيانة لهذا ~~الاسم، وذبا عنه. # واختلف الناس. هل هو اسم علم (3) موضوع؟ أو مشتق؟ فروي فيه عن الخليل ~~روايتان. أحدهما: أنه اسم [علم] (2) ليس بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام ~~منه، كما يجوز من الرحمن، و (4) الرحيم. وروى عنه (5) سيبويه أنه اسم مشتق. ~~وكان في الأصل إله، مثال (6) فعال. فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة ~~(7). وقال غيره: أصله في الكلام "إله" وهو [مشتق من "أله الرجل إلى الرجل ~~يأله إليه": إذا فزع إليه من أمر نزل به فألهه إلهة (8). أي: أجاره، وآمنه، ~~فسمي إلاها، كما يسمى الرجل إماما] (9) إذا أم الناس فائتموا (10) به، وكما ms11 ~~يسمى الثوب رداء، PageV01P031 # ولحافا؛ إذا ارتدي به، والتحف به. ثم إنه لما كان اسما لعظيم (ليس كمثله ~~شيء) [الشورى/ 11] أرادوا تفخيمه بالتعريف الذي هو الألف واللام؛ لأنهم ~~أفردوه لهذا (1) الاسم دون غيره. فقالوا: الإلاه. واستثقلوا الهمزة في كلمة ~~يكثر استعمالهم إياها، وللهمزة في وسط الكلام ضغطة شديدة، فحذفوها فصار ~~الاسم كما نزل به القرآن. # وقال بعضهم: [أصله: ولاه، فانبدلت (2) الواو همزة، فقيل: إلاه، كما ~~قالوا: وساد، وإساد (3). ووشاح، وإشاح. واشتق من الوله؛ لأن قلوب العباد ~~توله نحوه. كقوله -سبحانه (4) -: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون) ~~[النحل/53]. # وكان القياس أن يقال: مألوه (5)، كما قيل: معبود، إلا أنهم خالفوا به ~~البناء؛ ليكون اسما، علما (6) فقالوا: إلاه. كما قيل (7): للمكتوب كتاب، ~~وللمحسوب حساب. وقال بعضهم: أصله: من أله الرجل، يأله؛ إذا: تحير، وذلك؛ ~~لأن القلوب تأله عند التفكر PageV01P032 # في عظمة] (1) الله -سبحانه- أي: يتحير، ويعجز (2) عن بلوغ كنه جلاله. # [وحكى بعض أهل اللغة: أله، يأله، إلاهة. بمعنى: عبد، يعبد، عبادة. # وروي عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: (ويذرك وإلاهتك) (3) [الأعراف/ 127] أي: ~~عبادتك. قال: والتأله: التعبد. وأنشد لرؤبة (4): # لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي # قال فمعنى الإله: المعبود] (5). # [وقول (6) الموحدين: "لا إله إلا الله" معناه: لا معبود غير PageV01P033 # الله. و"إلا" في هذه الكلمة بمعنى: غير، لا بمعنى الاستثناء، لأن ~~الاستثناء ينقسم إلى قسمين (1): إلى جنس المستثنى منه، وإلى غير جنسه. ومن ~~توهم في صفة الله -سبحانه [وتعالى] (2) - واحدا من الأمرين فقد أبطل. # وزعم بعضهم: أن الأصل فيه الهاء التي هي للكناية (3) عن الغائب، وذلك؛ ~~لأنهم أثبتوه موجودا في فطر عقولهم، وأشاروا إليه بحرف الكناية، ثم زيدت ~~فيه لام الملك. إذ قد علموا: أنه خالق PageV01P034 # الأشياء، ومالكها، فصار "له"، ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما، وفخموه ~~توكيدا لهذا المعنى] (1)، ومنهم من أجراه على الأصل بلا تفخيم، كقول ~~الشاعر: # قد جاء سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغله (2) # فهذه مقالات أصحاب العربية والنحو في هذا الاسم، وأعجب هذه (3) الأقاويل ~~إلي قول من ذهب ms12 إلى أنه اسم علم وليس بمشتق كسائر الأسماء المشتقة. # [والدليل على أن الألف واللام في بنية هذا الاسم، ولم تدخلا للتعريف، ~~دخول حرف النداء عليه: كقولك: يا ألله. # وحرف النداء لا يجتمع مع الألف واللام للتعريف. ألا ترى أنك لا تقول: يا ~~الرحمن! ولا يا الرحيم! كما تقول: يا ألله! فدل [على] (4) أنهما من بنية ~~الاسم. والله أعلم] (5). ### | 2 - 3 - # الرحمن الرحيم: اختلف الناس في تفسير: الرحمن، ومعناه، وهل هو مشتق من ~~الرحمة، أم لا؟ فذهب بعضهم PageV01P035 # إلى أنه غير مشتق، واحتج بأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر ~~المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده. كما يقال: رحيم بعباده. # فلما لم يستقم صلته بذكر المرحوم، دل على أنه غير مشتق من الرحمة. وقال: ~~لو كان (1) هذا الاسم مشتقا من الرحمة، لم تنكره العرب حين سمعوه! إذ كانوا ~~لا ينكرون رحمة ربهم. وقد حكى الله عنهم الإنكار له والنفور عنه في قوله: ~~(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن. قالوا: وما الرحمن) الآية [الفرقان/ 60]. ~~وزعم بعضهم: أنه اسم عبراني [وذهب الجمهور من الناس إلى أنه اسم مشتق من ~~الرحمة مبني على المبالغة. ومعناه: ذو الرحمة. الذي (2) لا نظير له فيها، ~~ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع] (3). # وبناء فعلان في كلامهم بناء المبالغة، يقال لشديد (4) الامتلاء: ملآن، ~~ولشديد (4) الشبع: شبعان. ويدل على صحة مذهب (5) الاشتقاق في هذا الاسم. # [19] حديث عبد الرحمن بن عوف، [رضي الله عنه] (6): حدثناه: أحمد بن عبد ~~الحكيم (7) الكريزي، وعبد الله بن PageV01P036 # شاذان (1) الكراني، قالا: حدثنا: محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، قال: ~~حدثنا: حجاج بن منهال، قال: حدثنا: حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي ~~(2) سلمة: أن أباه عاد أبا الرداد (3)، فقال له أبو الرداد (3): ما أحد من ~~قومي أوصل لي منك. قال PageV01P037 # عبد الرحمن: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن ربه: "أنا ~~[الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ثم ~~أبته" اللفظ للكريزي. ms13 فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في ~~أرزاقهم، وأسباب معاشهم، ومصالحهم، وعمت المؤمن، والكافر، والصالح، ~~والطالح] (1). # وأما الرحيم: فخاص للمؤمنين، كقوله [تعالى] (2): (وكان بالمؤمنين رحيما) ~~[الأحزاب/43]، وقد سمى الله -جل، وعز- الرزق، والمعاش في كتابه: رحمة، ~~فقال: (أهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) ~~[الزخرف/32]. # وقال: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق) ~~[الإسراء/ 100]. وكقوله [جل جلاله] (3): (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ~~ربك ترجوها، فقل لهم قولا ميسورا) [الإسراء/ 28]. # والرحيم، وزنه: فعيل، بمعنى فاعل. أي: راحم. وبناء فعيل أيضا للمبالغة. ~~كعالم، وعليم، وقادر، وقدير. وكان أبو PageV01P038 # عبيدة يقول: تقدير هذين الاسمين، تقدير: ندمان (1)، ونديم، من المنادمة. # [20] [وجاء في الأثر: "أنهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر". # وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله]-سبحانه- ومعنى ~~الرقيق ها هنا: اللطيف. يقول: أحدهما ألطف من الآخر، ومعنى اللطف في هذا: ~~الغموض دون الصغر الذي هو نعت في الأجسام. # ويقال: إن الرحمن خاص في التسمية، عام في المعنى. # والرحيم: عام في التسمية، خاص في المعنى. ### | 4 - # الملك (2): هو التام (3) الملك، الجامع لأصناف PageV01P039 # المملوكات (1). فأما (2) المالك، فهو الخاص الملك. والمصدر من الملك: ~~الملك، مضمومة الميم. ومن المالك: الملك، مكسورتها. # وقد يسمى بعض المخلوقين ملكا، إذا اتسع ملكه. إلا أن الذي يستحق هذا ~~الاسم: هو الله، -جل، وعز-، لأنه مالك الملك، وليس ذلك لأحد غيره، يؤتي ~~الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده ~~الخير، وهو على كل شيء قدير. ### | 5 - # القدوس: [القدوس: [هو] (3) الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد، ~~والأولاد، والقدس: الطهارة. ومنه سمي بيت المقدس، ومعناه: بيت المكان الذي ~~يتطهر فيه من الذنوب. وقيل للجنة: حظيرة القدس؛ لطهارتها من آفات الدنيا. ~~والقدس: السطل الكبير؛ لأنه يتطهر فيه. ولم يأت من الأسماء على فعول [بضم ~~الفاء] (4)، إلا قدوس، وسبوح، وقد يقال أيضا: قدوس مفتوحة (5) القاف. وهو ~~القياس في الأسماء. كقولهم: سفود وكلوب] (6) ونحوهما. ويقال في تفسير ms14 ~~القدوس: إنه المبارك (7). PageV01P040 ### | 6 - # السلام: معناه ذو السلام (1)، والنسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه: # أحدها بالياء: كقولك: أسدي وبكري. # والثاني: على [الجمع: كقولهم (2)]: المهالبة، والمسامعة، والأزارقة. # والوجه الثالث: بذي، وذات (3)؛ كقولهم: رجل مال، أي: ذو مال، وكبش صاف، ~~أي: ذو صوف، وامرأة عاشق، أي (4): ذات عشق. وناقة ضامر، أي: ذات ضمر. # [فالسلام في صفة الله -سبحانه- هو الذي سلم من كل عيب وبرىء من كل آفة ~~ونقص يلحق المخلوقين. # وقيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه] (5)، وذهب بعض أهل اللغة: إلى أن ~~السلام الذي هو التحية، معناه: السلامة. # يقال: سلم الرجل سلاما وسلامة. كما قيل: رضع الصبي رضاعا ورضاعة. قال: ~~ومن هذا قول الله -سبحانه-: (والله يدعوا إلى دار السلام) [يونس/ 25] أي: ~~[إلى] (6) الجنة. لأن الصائر إليها يسلم من الموت، والأوصاب، والأحزان. ~~وعلى هذا: تؤول قوله PageV01P041 # تعالى (1): (وأما إن كان من أصحاب اليمن. فسلام لك من أصحاب اليمين) ~~[الواقعة/ 91]. أي: نخبرك عنهم بسلامة. وإلى نحو من هذا أشار سفيان بن ~~عيينة في قوله -[عز وجل] (2) -: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا) [مريم/15]. # [21] أخبرني أحمد بن إبراهيم بن مالك قال: حدثنا موسى (3) بن إسحق ~~الأنصاري، عن صدقة بن الفضل، قال: سمعت [سفيان] (4) بن عيينة يقول: أوحش ما ~~تكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد (5)، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ~~ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. ~~قال: فأكرم الله فيها يحيى، فخصه بالسلام. فقال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم ~~يموت، ويوم يبعث حيا) [مريم/15]. # كأنه أشار إلى أن الله -جل، وعز- سلم يحيى من شر هذه المواطن الثلاثة، ~~وأمنه (6) من خوفها (7). PageV01P042 # فعلى هذا إذا سلم المسلم على المسلم، فقال: السلام عليكم. فكأنه يعلمه ~~بالسلامة من ناحيته، ويؤمنه من شره وغائلته، كأنه يقول له: أنا سلم لك، غير ~~حرب، وولي غير عدو، والعرب تقول في التحية سلم، بمعنى: السلام. وأنشد ~~الفراء (1): # وقفنا فقلنا إيه سلما فسلمت ... كما انكل بالبرق (2) الغمام اللوائح # ودليل هذا ms15 القول: # [22] حديث النبي (3) - صلى الله عليه وسلم -: "المسلم من سلم المسلمون ~~PageV01P043 # من يده ولسانه". وذهب آخرون إلى أن "السلام" الذي هو التحية إنما هو اسم ~~من أسماء الله -جل وعز (1) - فإذا قال المؤمن لأخيه "السلام (2) عليكم" ~~فإنما يعوذه بالله، ويبرك عليه باسمه. ودليل صحة هذا التأويل. # [23] حديث أبي هريرة: أخبرنا (3) محمد بن هاشم قال: أخبرنا الدبري عن عبد ~~الرزاق قال: حدثنا بشر بن رافع (4) عن PageV01P044 # يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن السلام اسم من أسماء الله، ~~فأفشوه بينكم " ### | 7 - # المؤمن: أصل الإيمان في اللغة: التصديق، فالمؤمن: المصدق، وقد يحتمل ذلك ~~وجوها: # أحدها: أنه يصدق عباده وعده، ويفي بما ضمنه (1) لهم من رزق في الدنيا، ~~وثواب على أعمالهم الحسنة في الآخرة. # والوجه الأخر: أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين، ولا يخيب آمالهم. # [24] كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكيه (2) عن ربه -جل وعز-: ~~"أنا عند ظن عبدي [بي فليظن عبدي بي] (3) ما شاء". # وقيل: بل المؤمن الموحد نفسه بقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط) [آل عمران/ 18]. # [وقيل: بل المؤمن الذي آمن عباده المؤمنين في القيامة من PageV01P045 # عذابه] (1)، وقيل: هو الذي آمن خلقه من ظلمه. ### | 8 - # المهيمن: [هو] (2) الشهيد، ومنه [قول الله] (3) -سبحانه-: (مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) [المائدة/48]. فالله -جل وعز- المهيمن أي: ~~الشاهد على خلقه بما (4) يكون منهم من قول أو فعل، كقوله: (وما تكون في ~~شأن، وما تتلوا منه من قرآن، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه) [يونس/ 61]. # وقيل: المهيمن، الأمين. وأصله (5)، مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء لأن الهاء ~~أخف من الهمزة. قالوا: ولم يأت مفيعل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف، ~~مسيطر، ومبيطر، ومهيمن. # وقيل: المهيمن: الرقيب على الشيء، والحافظ له. وقال بعض أهل اللغة: ~~الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشد: # ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في ms16 العرف والنكر (6) ~~PageV01P046 # [يريد: القائم على الناس بعده وبالرعاية لهم] (1). ### | 9 - # العزيز: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه. ~~أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: # من عز بز (2)، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ~~ومنه [قول الله سبحانه] (3): (وعزني في الخطاب) [ص / 23]. # والثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من "يعز" ~~(4)، كقول الهذلي (5) -يصف العقاب-: # حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف PageV01P047 # جعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير. # والوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر ~~العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه ~~لا مثل له، ولا نظير. والله أعلم. ### | 10 - # الجبار: [هو الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره ونهيه يقال: جبره ~~السلطان وأجبره بالألف. ويقال: هو الذي جبر (1) مفاقر الخلق وكفاهم أشباب ~~المعاش والرزق] (2) ويقال: بل الجبار: العالي فوق خلقه من قولهم: تجبر ~~النبات: إذا علا واكتهل. ويقال للنخلة التي لا تنالها اليد طولا: الجبارة ~~(3). ويقال: جبار بين الجبرية، والجبروة والجبروت. ### | 11 - # المتكبر: هو المتعالي (4) عن صفات الخلق، ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة ~~خلقه إذا نازعوه العظمة، فيقصمهم والتاء في المتكبر (5) تاء التفرد والتخصص ~~بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف. # والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين، وإنما سمة العبيد الخشوع، والتذلل. ~~PageV01P048 # [25] وقد روي: "الكبرياء رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه". # وقيل: إن المتكبر من الكبرياء [الذي هو (1) عظمة الله، لا من الكبر الذي ~~هو مذموم في الخلق. ### | 12 - # الخالق: هو المبدع للخلق، والمخترع له على غير مثال سبق. قال -سبحانه-: ~~(هل من خالق غير الله) [فاطر/3]. فأما (2) في نعوت الآدميين فمعنى الخلق: ~~التقدير. كقوله -جل وعز-: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) [آل عمران/ ~~49]. وكقول زهير (3): # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري PageV01P049 # يقول: إذا قدرت شيئا قطعته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه أي: يتمنى ما لا ~~يبلغه. ms17 ومن هذا قوله (1) -جل وعز-: (فتبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون/ ~~14]. ### | 13 - # البارىء: هو الخالق. يقال منه: برأ الله الخلق يبرؤهم (2). والبرية: ~~الخلق -فعيلة بمعنى مفعولة- وأصله الهمز، إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمزة ~~(3) فيه، ويقال: بل أخذت البرية من بريت العود: إذا قطعته وأصلحته. ويقال: ~~بل أخذت من البرى (4): وهو التراب. إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص ~~بالحيوان ما ليس لها بغيره من الخلق، وقلما (5) يستعمل في خلق السموات ~~والأرض والجبال فيقال: برأ الله السماء كما يقال: برأ الله PageV01P050 # الإنسان وبرأ النسم، وكان يمين على بن أبي طالب رضي الله عنه التي يحلف ~~بها: # [26] "لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة". ### | 14 - # المصور: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها. فقال (1) [الله ~~تعالى] (2): (وصوركم فأحسن صوركم) [غافر/64]. وقال [تعالى] (2): (يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ~~ركبك) [الانفطار/7]. ومعنى التصور: التخطيط، والتشكيل. # [27] وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا PageV01P051 # ما خلقتم". وخلق الله -جل (1) وتعالى- الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق ~~(2): جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعلها صورة، وهو التشكيل (3) الذي به يكون ذا ~~صورة وهيئة يعرف بها ويتميز [بها] (4) عن غيره بسماتها (5) (فتبارك الله ~~أحسن الخالقين) [المؤمنون/14]. ### | 15 - # الغفار: [هو الذي] (6) يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى. كلما تكررت التوبة ~~في الذنب [من العبد] (6) تكررت المغفرة. كقوله -سبحانه-: (وإني لغفار لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [طه/82]. وأصل الغفر في اللغة: الستر ~~والتغطية، ومنه قيل (7) لجنة الرأس: المغفر، وبه سمي زئبر الثوب غفرا وذلك ~~لأنه يستر سداه؛ فالغفار (8): الستار لذنوب عباده، والمسدل (9) عليهم ثوب ~~عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا (10) يكشف أمر العبد لخلقه ولا ~~يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في PageV01P052 # عيونهم ويقال: إن المغفرة مأخوذة (1) من الغفر: وهو فيما حكاه بعض أهل ~~اللغة نبت يداوى به الجراح (2)، يقال إنه إذا ذر عليها دملها وأبراها. ### | 16 ms18 - # القهار (3): هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة وقهر الخلق كلهم ~~بالموت. ### | 17 - # الوهاب: هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استثابة، ومعنى الهبة: ~~التمليك بغير عوض يأخذه الواهب من الموهوب له، فكل من وهب شيئا من عرض ~~الدنيا لصاحبه، فهو واهب، ولا يستحق أن يسمى وهابا إلا من تصرفت مواهبه في ~~أنواع العطايا فكثرت نوافله ودامت. # والمخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالا، أو نوالا في حال دون حال، ولا ~~يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدا لعقيم، ولا هدى لضلال، ولا عافية لذي ~~بلاء، والله الوهاب -سبحانه- يملك جميع ذلك، وسع الخلق جوده، ورحمته، فدامت ~~مواهبه واتصلت مننه وعوائده. PageV01P053 # [قال الشيخ] (1): وبلغني عن أبي عمر الزاهد (2)، صاحب أبي العباس، أن بعض ~~الوزراء أرسل إليه يستعلمه (3) مبلغ ما يحتاج إليه لقوته في كل سنة؛ ليجريه ~~عليه، فقال للرسول: قل لصاحبك أنا في جراية (4) من إذا غضب علي، لم يقطع ~~جرايته (5) عني. ### | 18 - # الرزاق: هو المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وسع ~~الخلق كلهم رزقه ورحمته (6)، فلم يختص (7) بذلك مؤمنا دون كافر، ولا وليا ~~دون عدو، [يسوقه إلى الضعيف الذي لا حيل له ولا متكسب] (8) فيه كما يسوقه ~~إلى الجلد القوي ذي المرة السوي. قال -سبحانه-: (وكأين من دابة لا تحمل ~~رزقها الله يرزقها وإياكم) [العنكبوت/ 60] وقال [تعالى] (9): (وما من دابة ~~في الأرض إلا على الله رزقها) [هود/6]. PageV01P054 # [28] وكان من دعاء داود، صلوات الله عليه (1): "يا رازق النعاب في عشه" ~~يريد: فرخ الغراب، وذلك أنه يقال: إنه (2) إذا تفقأت عنه البيضة خرج أبيض ~~كالشحمة، فإذا رآه الغراب أنكره لبياضه؛ فتركه. فيسوق الله -[جل وعز] (3) - ~~إليه البق (4)؛ فتقع عليه لزهومة ريحه فيلقطها ويعيش بها إلى أن يحمم ريشه ~~فيسود، فيعاوده الغراب عند ذلك، ويألفه (5) ويلقطه الحب. فهذا (6) معنى: ~~رزقه النعاب في عشه. # وقد يكون وصول الرزق بسبب وبغير سبب، ويكون ذلك بطلب وبغير طلب، وقد يرث ~~الإنسان مالا؛ فيدخل في ملكه من غير قصد إلى تملكه، ms19 وهو من جملة الرزق. وكل ~~ما وصل [منه إليه] (7) من مباح وغير مباح فهو رزق الله على معنى أنه قد ~~جعله له قوتا ومعاشا. كقوله -سبحانه-: (رزقا للعباد) [ق/11] إثر قوله ~~-سبحانه (8) -: (والنخل باسقات لها طلع نضيد) [ق/10]. # وكقوله: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) [الذاريات/22] إلا أن PageV01P055 # الشىء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما، وما كان منه غير مأذون ~~له فيه فهو حرام حكما. وجميع ذلك رزق على المعنى الذي بيناه. ### | 19 - # الفتاح: هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين، إذا فصل ~~بينهما. ومنه قول الله -سبحانه-: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت ~~خير الفاتحين) [الأعراف/89]. معناه ربنا احكم بيننا. ويقال للحاكم: الفاتح. ~~وقال (1) امرؤ القيس (2): # أبعد الفاتح الوهاب عمرو ... حليف الجود والحسب اللباب؟ # و [قد] (3) يكون معنى الفتاح أيضا الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده ~~ويفتح المنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم. ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم ~~ليبصروا الحق، ويكون الفاتح أيضا بمعنى الناصر، كقوله -سبحانه-: (إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) [الأنفال/19]. قال أهل التفسير [إن] (3) معناه: ~~إن تستنصروا فقد جاءكم النصر (4). PageV01P056 ### | 20 - # العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله ~~[تعالى] (1): (إنه عليم بذات الصدور) [لقمان/23]. وجاء على بناء فعيل ~~للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: (وفوق كل ذي علم عليم) ~~[يوسف/76]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف (2) منهم ~~إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد ~~تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد ~~منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ~~(3) ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال (قد أحاط بكل ~~شيء علما) [الطلاق/12]، (وأحصى كل شيء عددا) [الجن/ 28]. ### | 21 - 22 - # القابض الباسط: قد يحسن في مثل هذين الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر ~~بالآخر، وأن يوصل به بيكون ذلك أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة. كقوله ~~[تعالى] (4): (والله يقبض ويبسط، ms20 وإليه ترجعون) [البقرة/245]. وإذا ذكرت ~~القابض مفردا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة (5) على المنع والحرمان، ~~PageV01P057 # وإذا أوصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت [بين الصفتين] (1) منبئا عن وجه ~~الحكمة فيهما -فالقابض الباسط- هو الذي يوسع الرزق ويقتره، ويبسطه بجوده ~~ورحمته، ويقبضه بحكمته على النظر لعبده كقوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) [الشورى/27] فإذا زاده لم يزده ~~سرفا وخرقا، وإذا نقصه لم ينقصه عدما ولا بخلا، وقيل: القابض هو الذي يقبض ~~الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد. ### | 23 - 24 - # الخافض الرافع: وكذلك القول في هذين الاسمين يستحسن أن يوصل أحدهما في ~~الذكر بالآخر. فالخافض: هو الذي يخفض الجبارين ويذل الفراعنة المتكبرين. ~~والرافع: [هو] (2) الذي رفع أولياءه بالطاعة فيعلي مراتبهم، وينصرهم على ~~أعدائه ويجعل العاقبة لهم لا يعلو إلا من رفعه الله، ولا يتضع إلا من وضعه ~~وخفضه. ### | 25 - 26 - # المعز: (3) المذل: و (4) والقول في "المعز و (4) المذل" كهو فيما تقدم من ~~ذكر القابض والباسط. يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا مذل لمن أعز، ولا معز ~~لمن أذله. كقوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) [المنافقون/8]، وقال: ~~(أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) [النساء/139]. أعز بالطاعة ~~أولياءه؛ فأظهرهم على PageV01P058 # أعدائه (1) في الدنيا، وأحلهم دار الكرامة في العقبى، وأذل أهل الكفر في ~~الدنيا؛ بأن ضربهم بالرق وبالجزية والصغار، وفي الآخرة بالعقوبة والخلود في ~~النار. ### | 27 - # السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء ~~المبالغة. كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر ~~والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع ~~بمعنى القبول والإجابة. # [29] كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إني أعوذ بك من قول لا ~~يسمع"، أي: من دعاء لا يستجاب، ومن هذا قول المصلي: # [30] "سمع الله لمن حمده" معناه قبل الله حمد من حمده. PageV01P059 # وأنشد أبو زيد لشتير بن الحارث الضبي: # دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول (1) # أي: لا يجيب، ولا يقبل ms21 (2). ### | 28 - # البصير: هو المبصر. فعيل بمعنى مفعل. كقولهم، أليم: بمعنى مؤلم، وكقول ~~عمرو بن معد يكرب: # أمن ريحانة الداعي السميع (3) PageV01P060 # يريد: المسمع. ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور. ### | 29 - # الحكم: الحكم الحاكم، ومنه المثل: "في بيته يؤتى الحكم" (1). وحقيقته: هو ~~الذي سلم له الحكم، ورد إليه فيه (2) الأمر. كقوله [تعالى] (3): "له الحكم ~~وإليه ترجعون) [القصص/ 88] وقوله: (أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون) [الزمر/ 46]. وقيل: للحاكم حاكم؛ لمنعه الناس عن التظالم، وردعه ~~إياهم. يقال: حكمت الرجل عن الفساد: إذا منعته منه. وكذلك: أحكمته -بالألف- ~~أنشدني أبو عمر قال: أنشدني أبو العباس لجرير (4): # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # ومن هذا قيل: حكمة اللجام، وذلك لمنعها الدابة من التمرد والذهاب في غير ~~جهة (5) القصد. PageV01P061 ### | 30 - # العدل: هو الذي لا يميل به (1) الهوى فيجور في الحكم. وأصله المصدر. من ~~قولك (2): عدل، يعدل، عدلا، فهو عادل. أقيم مقام الاسم، وحقيقته ذو العدل. # كقوله -سبحانه (3) -: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق/2] ويقال: عدلت ~~الشيء أعدله عدلا: إذا قومته. ومنه الاعتدال في الأمور، وهو الاستقامة ~~فيها. ### | 31 - # اللطيف: هو البر بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم ~~مصالحهم من حيث لا يحتسبون. # كقوله -[سبحانه] (4) -: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي ~~العزيز] [الشورى/19]. وحكى أبو عمر (5) عن أبي العباس عن ابن الأعرابي (6) ~~قال: اللطيف، الذي يوصل إليك أربك في رفق، ومن هذا قولهم: لطف الله لك، أي: ~~أوصل إليك ما تحب في رفق. ويقال: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية. وقد ~~يكون اللطف بمعنى الرقة، والغموض، ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام، وذلك ~~مما لا يليق بصفات الباري -سبحانه-. PageV01P062 ### | 32 - # الخبير: هو العالم بكنه الشىء. المطلع على حقيقته (1). # كقوله [تعالى]: (فاسأل به خبيرا) [الفرقان/59]. يقال فلان بهذا الأمر ~~خبير؛ وله به خبر، وهو أخبر به من فلان؛ أي: أعلم. إلا أن الخبر في صفة ~~المخلوقين إنما يستعمل في نوع العلم الذي يدخلة الاختبار، ويتوصل إليه ~~بالامتحان، والاجتهاد، دون النوع ms22 المعلوم ببدائه (2) العقول. # وعلم الله -سبحانه- سواء فيما غمض من الأشياء و [فيما] (3) لطف، وفيما ~~تجلى به (4) منه وظهر. وإنما تختلف مدارك علوم الآدميين الذين يتوصلون ~~إليها بمقدمات من حس، وبمعاناة من نظر، وفكر؛ ولذلك قيل لهم: ليس الخبر ~~كالمعاينة، وتعالى الله عن هذه الصفات علوا كبيرا. ### | 33 - # الحليم: هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ~~ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو ~~الصفوح مع القدرة. [و] (5) المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض ~~الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (6): PageV01P063 # لا يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام # ويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين ~~وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا ~~بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه (1) - دعا ربه فقال: (رب هب لي ~~من الصالحين) [الصافات/ 100] فأجيب بقوله: (فبشرناه بغلام حليم) ~~[الصافات/101] فدل على أن الحلم أعلى مآئر (2) الصلاح -والله أعلم- ويقال: ~~حلم الرجل يحلم حلما، بضم اللام في الماضي والمستقبل، وحلم في النوم، بفتح ~~اللام يحلم حلما، اللام في المستقبل، والحاء في المصدر منه، مضمومتان. ### | 34 - # العظيم: هو ذو العظمة والجلال، ومعنى العظم في هذا منصرف إلى عظم الشأن، ~~وجلالة القدر دون العظم الذي هو من PageV01P064 # نعوت الأجسام لما يوجد فيها من زيادة الأجزاء ويقال للرجل السيد: هو عظيم ~~قومه. # وقال [الله] (1) -سبحانه- حكاية عن الكفار: (وقالوا: لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم) [الزخرف/31]. ويقال: أعظمت الرجل أعظمه (2) ~~إعظاما: إذا جللته، وأكبرته. وهو أعلى من قولك: عظمته تعظيما. ### | 35 - # الغفور: هو الذي تكثر منه المغفرة. وبناء فعول: بناء المبالغة في الكثرة. ~~كقولك: صبور، وضروب، وأكول. وما أشبهها من النعوت. وقد تقدم الكلام في ~~تفسير: الغفار، ومعنى اشتقاقه في اللغة، وسبيل الاسمين من أسماء الله -جل ~~وعز (3) - المذكورين على بناءين مختلفين- وإن ms23 كان اشتقاقهما من أصل واحد ~~-أن تطلب لكل واحد منهما فائدة مستجدة، وأن لا يحملا على التكرار. # فيحتمل -والله أعلم- أن يكون الغفار، معناه: الستار لذنوب عباده في ~~الدنيا بأن لا يهتكهم ولا يشيدهما عليهم، ويكون معنى الغفور: منصرفا إلى ~~مغفرة الذنوب في الآخرة، والتجاوز عن العقوبة فيها. ### | 36 - # الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ~~ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر. كقوله -سبحانه-: (إن ربنا ~~لغفور PageV01P065 # شكور) [فاطر/34]. ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد ~~والقبول له. وإعظام الثواب عليه -والله أعلم- وقد يحتمل أن يكون معنى ~~الثناء على الله -جل وعز (1) - بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة. قلت أو كثرت ~~لئلا يستقلوا القليل من العمل فلا (2) يتركوا اليسير من جملته إذا أعوزهم ~~الكثير منه. ### | 37 - # العلي: هو العالي القاهر. فعيل بمعنى فاعل، كالقدير والقادر والعليم ~~والعالم، وقد يكون ذلك من العلو الذي هو مصدر: علا، يغلو، فهو عال. كقوله: ~~(الرحمن على العرش استوى) [طه/5]. ويكون ذلك من علاء المجد والشرف. يقال ~~منه: علي يعلى علاء. ويكون: الذي علا وجل أن تلحقه صفات الخلق (3)، أو ~~تكيفه أوهامهم (4). ### | 38 - # الكبير: هو الموصوف بالجلال، وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير. ويقال: ~~هو الذي كبر عن شبه المخلوقين. # وقد يحتمل أن يكون قول المصلي (الله أكبر) من هذا كأنه يقول: الله أكبر ~~من كل شيء. وقدم هذا القول أمام أفعال الصلاة تنبيها PageV01P066 # للمصلي. كي يخطره بباله عند قيامه إلى الصلاة فلا يشغل خاطرة بغيره، ولا ~~يعلق قلبه بشيء سواه. إذا (1) كان يعلم أنه أكبر مما يشتغل به. وكان أبو ~~العباس، محمد بن يزيد النحوي (2) لا يرتضي هذا القول. ويقول: "ليس يقع هذا ~~على محض الرؤية لأنه تبارك وتعالى: (ليس كمثله شيء) [الشورى/11] ومثل هذا ~~إنما يكون في الشيئين يكونان من جنس [واحد] (3). فيقال: هذا أكبر من هذا: ~~إذا شاركه في باب" (4)، وقال أبو عبيدة: الله أكبر معناه: الله (5) كبير. ~~وأنشد للفرزدق (6): # إن الذي سمك السماء ms24 بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # [أي: عزيزة طويلة] (7). ### | 39 - # الحفيظ: هو الحافظ. فعيل بمعنى: فاعل. كالقدير والعليم. يحفظ السموات ~~والأرض وما فيهما؛ لتبقى مدة بقائها؛ فلا تزول ولا تدثر. كقوله -عز وجل (8) ~~-: (ولا يؤوده PageV01P067 # حفظهما) [البقرة/255]. وقال: (وحفظا من كل شيطان مارد) [الصافات/ 7] أي: ~~حفظناها حفظا. والله أعلم. # وهو الذي يحفظ عبده من المهالك (1) والمعاطب، ويقيه مصارع السوء. كقوله ~~-سبحانه-: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ~~[الرعد/11] أي: بأمره (2) ويحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ~~ويعلم نياتهم وما تكن صدورهم، ولا (3) تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عليه ~~خافية، ويحفظ أؤلياءه، فيعصمهم عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم عن مكايدة (4) ~~الشيطان، ليسلموا من شره، وفتنته. ### | 40 - # المقيت: هو المقتدر. روي عن ابن عباس -[رضي الله عنه] (5) - في قوله: ~~(وكان الله على كل شيء مقيتا) [النساء/85] قال: مقتدرا. وقال: ألم تسمع قول ~~الشاعر: # وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا (6)؟ PageV01P068 # والمقيت أيضا: معطي القوت. قال الفراء: يقال: قاته، وأقاته بمعنى واحد. ### | 41 - # الحسيب: هو المكافىء. فعيل بمعنى: مفعل، كقولك (1): أليم بمعنى مؤلم. ~~تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأحسبني، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: ~~حسبي. ومنه قول الشاعر (2): # ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع # وأخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا: العباس الدوري عن يحيى بن معين قال: ~~قال [شعبة] (3): سمعت سماك بن حرب يقول PageV01P069 # في كلام له: "ما أحسبوا ضيفهم" (1). أي: ما أكرموه. قلت (2): وهذا راجع ~~إلى المعنى الأول لأنهم إذا كفوه المؤونة وأحسبوا القيام -عافه (3) -، فقد ~~أكرموه. والحسيب أيضا بمعنى المحاسب (4) كقولهم: وزير، ونديم: بمغنى موازر ~~ومنادم. ومنه قول الله (5) -سبحانه-: (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) ~~[الإسراء/ 14] أي: محاسبا -والله أعلم-. ### | 42 - # الجليل: هو من الجلال، والعظمة. ومعناه: منصرف إلى جلال القدرة وعظم (6) ~~الشأن فهو الجليل الذي يصغر لونه كل جليل، ويتضع معه كل رفيع. ### | 43 - # الكريم: قال بعض أهل اللغة: الكريم .. الكثير الخير. # والعرب تسمي الشىء النافع الذي يدوم ms25 نفعه ويسهل تناوله: تكريما (7). ~~ولذلك قيل للناقة الحوار (8): كريمة، وذلك لغزارة لبنها، PageV01P070 # وكثرة درها. وللنخلة التي لا يخلف حملها، وكانت مع ذلك غير مرقلة يصعب ~~الرقى فيها: هذه نخلة كريمة. وقيل لشجرة العنب: كرمة، بمعنى: كريمة. وذلك ~~لكثرة خيرها وقرب جناها. وقد يسمى الشىء الذي له قدر وخطر: كريما، ومنه ~~قوله -سبحانه- في قصة سليمان [عليه السلام] (1) وبلقيس: (إني ألقي إلي كتاب ~~كريم) [النمل/29]. جاء في تفسيره: كتاب جليل، خطير، وقيل: وصفته بذلك؛ لأنه ~~كان مختوما. وقيل كان حسن الخط، وقيل لأنها وجدت فيه كلاما حسنا. وقال بعض ~~الأعراب، وباع ناقة له: # وقد تنزع الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين # ومن كرم الله -سبحانه-[أن يبدأ بالنعمة قيل استحقاق، ويتبرع] (2) ~~بالإحسان من غير استثابة، ويغفر الذنب، ويعفو (3) عن المسيء، ويقول الداعي ~~في دعائه. يا كريم العفو، فقيل: إن من كرم عفوه، أن العبد إذا تاب عن ~~السيئة، محاها عنه وكتب له مكانها حسنة. ### | 44 - # الرقيب: قال الزجاج (4): الرقيب، الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، ومنه قول ~~الله -سبحانه، وتعالى (5) -: (ما يلفظ PageV01P071 # من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق/18]. قال الشيخ (1) أبو سليمان، وهو في ~~نعوت الآدميين، الموكل بحفظ الشيء، والمترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، ~~يقال منه: رقبت الشيء أرقبه رقبة. ### | 45 - # المجيب (2): هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه. ~~فقال: (ادعوني أستجب لكم) [غافر/ 60]، [و] (3) قال: (وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) [البقرة/186] ويقال: أجاب واستجاب ~~بمعنى واحد. ### | 46 - # الواسع: الواسع [هو] (4) الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده ووسع رزقه جميع ~~خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى. # ويقال: الله يعطي عن سعة، أي: عن غنى، ومن هذا قول الشاعر: # رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله عن يشقيك أغنى وأوسع (5) PageV01P072 ### | 47 - # الحكيم: هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم ~~بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: (آلر، تلك آيات الكتاب ~~الحكيم) [يونس/1] وقال في موضع ms26 آخر: (كتاب أحكمت آياته) [هود/ 1]. فدل على ~~أن المراد بالحكيم هنا الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل. ومعنى ~~الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير ~~لها. إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، ~~وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون ~~الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر ~~معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: (الذي أحسن كل شيء خلقه) ~~[السجدة/7] لم تقع (1) الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا ~~المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف ~~المعنى فيه PageV01P073 # إلى حسن التدبير في (1) إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه ~~وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله [تعالى] (2): (وخلق كل ~~شيء فقدره تقديرا) [الفرقان/2]. ### | 48 - # الودود: هو اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون فعولا في محل ~~مفعول. كما قيل: رجل (3) هيوب بمعنى: مهيب، وفرس ركوب بمعنى: مركوب -والله ~~(4) سبحانه- مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه من إحسانه إليهم وكثرة ~~عوائده عندهم، والوجه الآخر: أن يكون الودود بمعنى: الواد، أي: أنه يود ~~عباده الصالحين بمعنى أن يرضى عنهم ويتقبل أعمالهم، وقد يكون معناه أن ~~يوددهم إلى خلقه؛ كقوله -جل وعز (5) -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا) [مريم/96]. ### | 49 - # المجيد: المجيد [هو] (6) الواسع الكرم، وأصل المجد في كلامهم: السعة. ~~يقال: رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء، وفي بعض الأمثال: "في كل شجر نار ~~واستمجد المرخ PageV01P074 # والعفار" (1) أي: استكثرا منها. وقيل (2) في تفسير قوله -[جل وعز] (3) -: ~~(ق، والقرآن المجيد) [ق/ 1] إن معناه: الكريم، وقيل: الشريف. ### | 50 - # الباعث: هو الذي يبعث الخلق بعد الموت، أي: يحييهم فيحشرهم للحساب ليجزي ~~(4) الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ويقال: هو الذي ~~يبعث عباده عند السقطة وينعشهم بعد الصرعة. ### | 51 - # الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: ms27 شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: ~~كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء. وقد قال -سبحانه (5) -: (فمن شهد ~~منكم الشهر PageV01P075 # فليصمه) [البقرة/185]. أي: من حضر منكم في الشهر [فليصمه] (1)، ويكون ~~الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) [آل عمران/18] ~~قيل: معناه: علم الله. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى معناه: بين الله أنه ~~لا إله إلا هو، وهو أيضا الشاهد للمظلوم الذي لا شاهد له ولا ناصر على ~~الظالم المتعدي الذي لا مانع له في الدنيا؛ لينتصف (2) له منه. ### | 52 - # الحق: هو المتحقق كونه ووجوده وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق، ومنه قول ~~الله -سبحانه (3) -: (الحآقة. ما الحآقة) [الحاقة/ 1 - 2] معناه: -والله ~~أعلم- الكائنة حقا لا شك في كونها، ولا مدفع لوقوعها، ويقال: الجنة حق ~~والنار حق والساعة حق. يراد ان هذه الأشياء كائنة لا محالة. والعرب تقول: ~~[إن] (4) فلانا الرجل حق الرجل. والشجاع حق الشجاع، وحاق الشجاع، وحاقة ~~الشجاع، إذا أثبتوا له الشجاعة وحقيقتها، وقد تكون الحق أيضا بمعنى الواجب؛ ~~كقول أبي محمد الأنصاري: "إن الوتر حق" (5). فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو ~~محمد، PageV01P076 # يريد (1): أن الوتر واجب، وليس هذا من الأول في شيء. ### | 53 - # الوكيل: قال الفراء: الوكيل: الكافي، ويقال معناه: أنه الكفيل (2) بأرزاق ~~العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول ~~إليه ومن هذا قول المسلمين: (حسبنا الله ونعم الوكيل) [آل عمران/173] أي: ~~نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها. ### | 54 - # القوي: القوي قد يكون بمعنى القادر. ومن قوي على شيء فقد قدر عليه، ويكون ~~معناه: التام القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال. والمخلوق ~~وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية. وعن بعض الأمور قاصرة. ### | 55 - # المتين: والمتين: الشديد القوي (3) الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في ~~أفعاله مشقة ولا يمسه لغوب. وقد رواه (4) بعضهم: PageV01P077 # المبين مكان المتين. ومعناه: البين (1) أمره في الوحدانية، وأنه لا شريك ~~له، يقال: بان الشيء وأبان، وبين، واستبان. بمعنى واحد، والمحفوظ هو الأول؛ ~~كقوله -جل ms28 وعز (2) -: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات/58]. ### | 56 - # الولي: هو الناصر. ينصر عباده المؤمنين. # كقوله -سبحانه-: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ~~[البقرة/257]، وكقوله [تعالى] (3): (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن ~~الكافرين لا مولى لهم) [محمد/11] المعنى (4): لا ناصر لهم. -والله أعلم-. ~~والولي (5) أيضا المتولي للأمر والقائم به. # كولي اليتيم، وولي المرأة في عقد النكاح عليها، وأصله من الولي؛ وهو ~~القرب. ### | 57 - # الحميد: هو (6) المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى مفعول، ~~وهو الذي يحمد في السراء (7) والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه حكيم لا ~~يجري (8) في أفعاله الغلط، ولا يعترضه الخطأ؛ فهو محمود على كل حال. ~~PageV01P078 ### | 58 - # المحصي: هو الذي أحصى كل شيء بعلمه؛ فلا يفوته منها دقيق ولا يعجزة جليل، ~~ولا يشغله شيء منها عما سواه. # أحصى حركات الخلق، وأنفاسهم وما عملوه من حسنة، واجترحوه من سيئة. كقوله ~~[تعالى] (1): (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) ~~[الكهف/49]. وقال -[عز وجل] (2) -: (أحصاه الله، ونسوه) [المجادلة/ 6]. ### | 59 - 60 - # المبدي المعيد: المبديء الذي أبدأ الأشياء، أي: ابتدأها مخترعا فأوجدها ~~(3) عن عدم. يقال: بدأ وأبدأ (4)؛ بمعنى واحد. # والمعيد: [هو] (5) الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات ثم يعيدهم بعد ~~الموت إلى الحياة كقوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~إليه ترجعون) [البقرة/28]، وكقوله [تعالى] (6): (إنه هو يبدىء ويعيد) (7) ~~[البروج/13]. ### | 61 - 62 - # المحيي المميت: المحيي (8) هو الذي يحيي النطفة الميتة PageV01P079 # فيخرج منها النسمة الحية ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند ~~البعث ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال (1) الغيث، ~~وإنبات الرزق. # [و] (2) المميت: هو الذي يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقوياء ~~(يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) [الحديد/2]. تمدح سبحانه بالإماتة كما ~~تمدح بالإحياء ليعلم أن مصدر الخير والشر والنفع والضر من قبله وأنه لا ~~شريك له في الملك استأثر بالبقاء وكتب على خلقه الفناء. ### | 63 - # الحي: [و] (3) الحي من صفة الله -تعالى (4) - هو الذي لم يزل ms29 موجودا، ~~وبالحياة موصوفا، لم تحدث له الحياة بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة. ~~وسائر الأحياء يعتورهم الموت أو العدم في (5) أحد طرفي الحياة (6) أو فيهما ~~معا (7) و (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص/ 88]. ### | 64 - # القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال، ووزنه (8)، PageV01P080 # فيعول. من القيام وهو نعت المبالغة في (1) القيام على الشىء ويقال: هو ~~القيم على كل (2) شيء بالرعاية له [و] (3) يقال قمت بالشىء (4) إذا وليته ~~بالرعاية والمصلحة. ### | 65 - # الواجد: هو الغني الذي لا يفتقر، والوجد والجدة: الغنى، يقال: رجل واجد؛ ~~أي: غني ومنه: # [31] قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لي الواجد ظلم" يريد: مطل الغني ~~ظلم. ويكون الواجد أيضا من الوجود، وهو الذي لا يؤوده طلب ولا يحول بينه ~~وبين المطلوب هرب. فالخلق كلهم في قبضته (5) يتقلبون وعلى مشيئته يتصرفون. ~~PageV01P081 ### | 66 - # الماجد: [و] (1) قد تقدم تفسير "المجيد" وبينا معنى المجد واشتقاقه وأن ~~أصله فى الكلام: السعة. وقد يحتمل أن يكون إنما أعيد هذا (2) الاسم ثانيا، ~~وخولف بينه في البناء وبين المجيد؛ ليؤكد (3) به معنى الواجد الذي هو ~~الغني، فيدل به على السعة والكثرة في الوجد، وليأتلف الاسمان (4) أيضا ~~ويتقاربا في اللفظ؛ فإنه قد جرت عادة العرب باستحسان هذا النمط من الكلام ~~وهو من باب مظاهرة البيان. ### | 67 - # الواحد (5): هو الفرد الذي لم يزل وحده؛ [و] (6) لم يكن معه آخر. وقيل هو ~~المنقطع القرين، المعدوم الشريك، والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام ~~المؤلفة؛ إذ كل شيء سواه يدعى واحدا فهو واحد من جهة غير واحد من جهات. # والله -سبحانه- الواحد الذي ليس كمثله شيء، والواحد لا يثنى من لفظه ولا ~~يقال واحدان (7). ### | 68 - # الأحد: قال النحويون: أصله في الكلام: الوحد PageV01P082 # [و] (1) يقال: وحد الشيء يوحد فهو وحد. كما يقال: حسن [الشيء] (2) يحسن ~~فهو حسن. ثم أبدلوا عن الواو الهمزة. والفرق بين الواحد، والأحد [أن ~~الواحد] (3) هو المنفرد [بالذات لا يضامه آخر، والأحد: هو المنفرد] (3) ~~بالمغنى لا يشاركه فيه أحد (4) ولذلك قيل للمتناهي في العلم والمعرفة هو ~~أحد الأحدين. ومما يفترقان به ms30 في معاني الكلام: أن الواحد في جنس المعدود، ~~وقد يفتتح به العدد. والأحد ينقطع معه العدد. # وإن الأحد يصلح في الكلام في موضع الجحود. والواحد في موضع الإثبات. ~~تقول: لم يأتني من القوم أحد. وجاءني منهم واحد. ولا يقال: جاءني منهم أحد. # فأما الوحيد فإنما يوصف به، في غالب العرف، المنفرد عن أصحابه (5)، ~~المنقطع عنهم [(6) وإطلاقه في صفة الله -سبحانه- ليس بالبين عندي (7) ~~صوابه. ولا أستحسن التسمية بعبد الوحيد كما أستحسنها بعبد الواحد، وبعبد ~~الأحد. وأرى كثيرا من العامة قد PageV01P083 # تسموا به. فإن احتج محتج بقول الله -عزوجل (1) -: (ذرني ومن خلقت وحيدا) ~~[المدثر/11] وادعى أنه من صفة الله -جل وعز (2) - قيل: بل هو من صفة ~~المخلوق. والآية إنما نزلت (3) في الوليد بن المغيرة المخزومي، والمعنى: ~~ذرني ومن خلقته وحيدا فردا فقيرا، لا مال له ولا ولد، ثم جعلت له مالا ~~ممدودا وبنين شهودا وقد روي أن الوليد كان يسمى الوحيد في قريش، وقد قال ~~بعضهم معناه: ذرني ومن خلقته وحدي. أي (4): فإني أتولى عذابه يوم القيامة ~~وحدي كما تفردت بخلقي إياه وحدي. والأول: أصوب القولين -والله أعلم- قال ~~أبو سليمان [رحمه الله] (5) وقد يقع الغلط كثيرا في باب التسمية. وأعرف ~~رجلا من الفقهاء كان سمى ولده: عبد المطلب. فهو يدعى به إلى اليوم، وذلك ~~أنه سمع بعبد المطلب، جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى في التسمية ~~به (6) على التقليد ولم يشعر أن جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~دعي به لأن هاشما أباه كان تزوج أمه بالمدينة، وهي امراة من بني النجار، ~~فولدت له هذا الغلام، وسماه شيبة. ومات عنه وهو طفل فخرج عمه المطلب بن عبد ~~مناف أخو هاشم في طلبه إلى المدينة فحمله إلى مكة فدخلها، وقد أردفه خلفه، ~~فقيل له: من هذا الغلام؟ PageV01P084 # فقال: هذا عبدي، وذلك لأنه لم يكن قد كساه، ولا نظفه، فيزول عنه شعث ~~السفر؛ فاستحيا أن يقول: ابن أخي. فدعي بعبد المطلب باقي عمره. على أنه لا ~~اعتبار بمذاهب أهل الجاهلية ms31 في هذا، فقد تسموا: بعبد مناف، وعبد الدار، ~~ونحوهما من الأسامي. ### | 69 - # الصمد: هو السيد، الذي يصمد إليه (1) في الأمور، ويقصد في الحوائج ~~والنوازل، وأصل الصمد: القصد، يقال للرجل: اصمد صمد فلان. أي: اقصد قصده، ~~وجاء في التفسير: أن الصمد [الذي قد انتهى سؤدده. وقيل: الصمد] (2): ~~الدائم. # وقيل: الباقي بعد فناء الخلق. وأصح هذه الوجوه ما شهد له معنى الاشتقاق. ~~والله أعلم (3). ### | 70 - # القادر: هو من القدرة على الشيء. يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، ~~كقوله [تعالى]: (وكان الله على كل شيء قديرا) [الأحزاب/27] ووصف الله نفسه ~~بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر ~~بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: (فقدرنا ~~فنعم القادرون) [المرسلات/23] أي: نعم المقدرون. وعلى هذا يتأول قوله ~~-سبحانه-: (فظن أن لن نقدر عليه) [الأنبياء/87] أي: لن نقدر عليه الخطيئة ~~(4) أو العقوبة إذ لا يجهز على نبي الله PageV01P085 # أن يظن عدم قدرة الله -جل وعز- عليه فى حال من الأحوال. ### | 71 - # المقتدر: هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يحتجز عنه بمنعة ~~وقوة، ووزنه مفتعل من القدرة إلا أن الاقتدار أبلغ واعم لأنه يقتضي ~~الإطلاق. والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه، قال الله- ~~سبحانه (1) -: (عند مليك مقتدر) [القمر/55] أي: قادر على ما يشاء. ### | 72 - 73 - # [32] المقدم المؤخر: هو المنزل الأشياء منازلها يقدم ما يشاء منها ويؤخر ~~ما شاء] (2)، قدم المقادير قبل أن خلق الخلق وقدم من أحب من أوليائه على ~~غيرهم من عبيده ورفع الخلق بعضهم PageV01P086 # فوق بعض درجات وقدم من شاء بالتوفيق إلى مقامات (1) السابقين، وأخر من ~~شاء عن مراتبهم، وثبطهم عنها، وأخر الشيء عن (2) حين توقعه لعلمه بما في ~~عواقبه من الحكمة لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم. # والجمع بين هذين الاسمين أحسن من التفرقة كما قلناه في بعض ما تقدم من ~~الأسماء. ### | 74 - # الأول: هو السابق للأشياء كلها، الكائن [الذي] (3) لم يزل قبل وجود الخلق ~~فاستحق الأولية إذ ms32 كان موجودا ولا شيء قبله ولا معه وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول في دعائه: # [33] "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء". PageV01P087 ### | 75 - # الآخر: هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ما له الانتهاء. كما ~~ليس معنى الأول ما له الابتداء؛ فهو الأول والآخر (1) وليس لكونه أول ولا ~~آخر. ### | 76 - # الظاهر: هو الظاهر بحججه الباهرة، وبراهينه (2) النيرة وبشواهد أعلامه ~~الدالة على ثبوت ربوبيته، وصحة وحدانيته ويكون الظاهر فوق كل شيء بقدرته، ~~وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة. # [34] وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: "أنت (3) الظاهر فليس ~~فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء". ### | 77 - # الباطن: هو المحتجب عن أبصار الخلق، وهو الذي لا يستولي عليه توهم ~~الكيفية، وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه ~~لبصائر المتفكرين. ويكون معناه: العالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما ~~بطن من الغيوب. PageV01P088 ### | 78 - # الوالي (1): هو المالك للأشياء، والمتولي لها، والمتصرفة (2) مشيئته ~~فيها، يصرفها كيف شاء، ينفذ فيها أمره، ويجري عليها حكمه، وقد يكون الوالي ~~بمعنى المنعم، عودا على بدء، ومن هذا (3) قول ذي الرمة (4): # لني ولية تمرع جنابي فإنني ... لوسمي ما أوليتني منك شاكر # [وأصله من الولي الذي يلي الوسمي] (5) وهو أول مطر يسم وجه الأرض. ### | 79 - # المتعالي: هو المتنزه عن صفات المخلوقين، تعالى أن يوصف بها، وارتفع عن ~~مساواتهم في شيء منها، وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه. ### | 80 - # البر: هو العطوف على عباده، المحسن إليهم، عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل ~~عليهم برزقه، وهو البر بأوليائه، إذ خصهم PageV01P089 # بولايته واصطفاهم لعبادته، وهو البر بالمحسن في مضاعفة الثواب له والبر ~~بالمسيء في الصفح، والتجاوز عنه. وفي صفات المخلوقين: رجل بر وبار إذا كان ~~ذا خير ونفع، ورجل بر بأبويه وهو ضد العاق. ### | 81 - # التواب: هو الذي يتوب على [عبده، ويقبل توبته] (1) كلما تكررت التوبة ~~تكرر القبول وهو حرف يكون لازما ويكون متعديا. يقال: تاب الله على العبد: ~~بمعنى وفقه ms33 للتوبة. فتاب (2) العبد كقوله [تعالى] (3): (ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا) [التوبة/118] ومعنى التوبة: عود العبد إلى الطاعة بعد المعصية. ### | 82 - # المنتقم: هو الذي يبالغ في العقوبة لمن شاء كقوله [تعالى] (3): (فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) [الزخرف/55]. والانتقام: افتعال من ~~نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد (4) السخط. ### | 83 - # العفو: وزنه فعول من العفو، وهو بناء المبالغة. والعفو: [الصفح عن ~~الذنوب، وترك مجازاة المسيء وقيل: إن العفو] (5) PageV01P090 # مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته (1) فكان العافي عن الذنب يمحوه ~~بصفحه عنه. ### | 84 - # الرؤوف: هو الرحيم العاطف (2) برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ ~~الرحمة وأرقها. ويقال: إن الرافة أخص، والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في ~~الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة؛ فهذا موضع الفرق ~~بينهما. ### | 85 - # مالك الملك: معناه أن الملك بيده يؤتيه من يشاء كقوله [تعالى] (3): (قل ~~اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء [وتعز من تشاء] ~~(3)) [آل عمران/26]. # وقد يكون معناه: مالك الملوك، كما (4) يقال: رب الأرباب. وسيد السادات. ~~وقد يحتمل أن يكون معناه: وارث الملك يوم لا يدعي الملك مدع ولا ينازعه ~~منازع. كقوله [تعالى] (5): (الملك يومئذ الحق للرحمن) [الفرقان/26]. ### | 86 - # ذو الجلال والإكرام: الجلال: مصدر الجليل. يقال: جليل بين الجلالة ~~والجلال. والإكرام: مصدر أكرم يكرم إكراما والمعنى: أن الله -جل وعز- مستحق ~~أن يجل ويكرم فلا يحجد، ولا يكفر به، وقد يحتمل أن يكون المعنى أنه يكرم ~~أهل ولايته، ويرفع PageV01P091 # درجاتهم بالتوفيق لطاعته في الدنيا، ويجلهم بأن يتقبل أعمالهم ويرفع في ~~الجنان درجاتهم، وقد يحتمل [أن يكون] (1) أحد الأمرين، وهو الجلال، مضافا ~~إلى الله -سبحانه (2) - بمعنى الصفة له، والآخر مضافا إلى العبد بمعنى ~~الفعل منه، كقوله -سبحانه: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) [المدثر/56] ~~[فانصرف أحد الأمرين وهو المغفرة إلى الله سبحانه] (3) والآخر إلى العباد ~~(4) وهو التقوى. والله أعلم. ### | 87 - # المقسط: هو العادل في حكمه ولا يحيف ولا يجور. # يقال: أقسط فهو مقسط، إذا عمل في الحكم، كقوله [تعالى] (5): (وأقسطوا إن ~~الله يحب ms34 المقسطين) [الحجرات/9] وقسط فهو قاسط؛ إذا جار، كقوله [تعالى] ~~(5): (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) [الجن/ 15]. ### | 88 - # الجامع: هو الذي يجمع الخلائق ليوم لا ريب فيه بعد مفارقة الأرواح ~~الأبدان، وبعد تبدد الأوصال، والأقران ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى. ويقال: الجامع هو الذي جمع الفضائل وحوى المآثر ~~والمكارم. ### | 89 - # الغني: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم PageV01P092 # وتأييدهم لملكه فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء. محتاجون كما وصف ~~نفسه [تعالى] (1) فقال [عز من قائل] (2): (والله الغني وأنتم الفقراء) ~~[محمد/ 38]. ### | 90 - # المغني: هو الذي جبر مفاقر الخلق وساق إليهم أرزاقهم وأغناهم (3) عمن ~~سواه، كقوله [تعالى] (2): (وأنه هو أغنى وأقنى) [النجم/48]. ويكون المغني ~~بمعنى الكافي من الغناء، ممدودا مفتوحة الغين، وهو الكفاية. ### | 91 - # المانع: هو الناصر الذي يمنع أولياءه، أي (4): يحوطهم وينصرهم على عدوهم ~~ويقال: فلان في منعة من قومه، أي: في جماعة تمنعه وتحوطه. ويكون المانع من ~~المنع، والحرمان لمن لا يستحق العطاء. # [35] كقوله [- صلى الله عليه وسلم -] (5): "لا مانع لما أعطيت ولا معطي ~~لما PageV01P093 # منعت" فهو -سبحانه- يملك المنع والعطاء، وليس منعه الشيء بخلا (1) به، ~~لكن منعه حكمة، وعطاؤه جود ورحمة. ### | 92 - 93 - # الضار النافع: وهذان الاسمان (2) مما يحسن القران في الذكر بينهما لأن في ~~اجتماعهما وصفا له بالقدرة على نفع من شاء، وضر من شاء، وذلك أن من لم يكن ~~على النفع والضر قادرا لم يكن مرجوا ولا مخوفا. وفيه إثبات أن الخير والشر ~~من قبل الله -جل وعز (3) - وقد يكون معناه أيضا: أنه يقلب الضار بلطيف ~~PageV01P094 # حكمته منافع؛ فيشفي بالسم القاتل إذا شاء، كما يميت به إذا شاء؛ ليعلم أن ~~الأسباب إنما تنفع وتضر إذا اتصلت المشيئة بها. ### | 94 - # النور: هو الذي بنوره يبصر ذو العماية وبهدايته يرشد (1) ذو الغواية وعلى ~~مثل هذا يتأول، قوله [جل وعز] (2): (الله نور السموات والأرض) [النور/35] ~~أي: منه نور السموات والأرض. ولا يجوز أن يتوهم أن الله -تعالى (3) - نور ~~من الأنوار، وأن يعتقد ذلك فيه -سبحانه-؛ فإن النور تضاده ms35 الظلمة، وتعاقبه ~~فتزيله (4)، وتعالى الله (5) أن يكون له ضد أو ند، وقد يحتمل أن يكون ~~معناه: ذو النور، إلا أنه لا يصح أن يكون النور صفة ذات له، كما يصح ذلك من ~~اسم السلام، إذا قلناه (6)، إنه ذو السلام. # وإنما يكون ذلك صفة فعل على معنى إضافة الفعل إليه إذ هو خالق النور ~~وموجده (7). ### | 95 - # الهادي: هو الذي من بهداه على من أراد من عباده، فخصه بهدايته، وأكرمه ~~بنور توحيده، كقوله [تعالى] (8): (ويهدي PageV01P095 # من يشاء إلى صراط مستقيم) [يونس/25] وهو الذي هدى سائر الخلق من الحيوان ~~إلى مصالحها وألهمها كيف تطلب (1) الرزق، وكيف تتقي المضار، والمهالك، ~~كقوله [تعالى] (2): (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) [طه/50]. ### | 96 - # البديع: هو الذي خلق الخلق، وفطره مبدعا (3) له مخترعا، لا على مثال سبق ~~(4)، ووزنه فعيل بمعنى مفعل، كقولك (5): أليم بمعنى مؤلم. ### | 97 - # الباقي: هو الذي لا تعترض عليه عوارض الزوال وهو الذي بقاؤه غير متناه، ~~ولا محدود، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما؛ وذلك أن ~~بقاءه أزلي أبدي (6) وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، ومعنى الأزل: ما لم ~~يزل. ومعنى الأبد: ما لا يزال، والجنة والنار مخلوقتان كائنتان بعد أن لم ~~تكونا، فهذا فرق ما بين الأمرين. والله أعلم. ### | 98 - # الوارث: هو الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم (7) بعد ~~موتهم، ولم يزل الله باقيا مالكا لأصول الأشياء PageV01P096 # كلها، يورثها من يشاء ويستخلف فيها من أحب. [قال أبو سليمان -رحمه الله-] ~~(1) وأخبرني أبو عمر عن أبي العباس قال: قال أبو عمرو بن العلاء: أول شعر ~~قيل في الجاهلية في الزهد قول يزيد بن خذاق (2): # هون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي # [في أبيات أنشدناها] (3). ### | 99 - # الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى: مفعل ويكون بمعنى ~~الحكيم في الرشد لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله. ### | 100 - # الصبور: هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم بل يؤخر ذلك إلى أجل ~~مسمى ويمهلهم لوقت معلوم. فمعنى PageV01P097 # الصبور في صفة الله -[سبحانه] ms36 (1) - قريب من معنى الحليم إلا أن الفرق ~~بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يسلمون منها في ~~صفة الحليم، -والله أعلم-[بالصواب] (2). # قال [الشيخ] (3) أبو سليمان -[رحمه الله] (3) - فهذا تفسير الأسماء ~~التسعة والتسعين التي رواها محمد بن إسحق [بن خزيمة] (4) -رحمه الله- في ~~المأثور من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ~~حدثنيه غير واحد من أصحابنا منهم. محمد بن الحسين بن عاصم. قال: حدثنا محمد ~~بن إسحق قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: حدثني صفوان بن صالح ~~قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا شعيب، وحدثنيه أحمد بن إبراهيم بن ~~مالك، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا صفوان بن صالح مثله سواء. # [36] وقد رويت هذه الأسماء من طريق ابن سيرين عن أبي PageV01P098 # هريرة بزيادات ليست في خبر الأعرج عن أبي هريرة (1) أخبرنا (2) ابن ~~الأعرابي، قال: حدثنا سليمان بن الربيع النهدي، قال: حدثنا خالد (3) بن ~~مخلد القطواني، قال: حدثنا عبد العزيز بن الحصين، قال: حدثنا أيوب وهشام بن ~~حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن ~~لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة فذكرها، وعد منها: # الرب -[الحنان] (4) المنان - الباديء (5) - الكافي- الدائم- المولى- ~~النصير- الجميل- الصادق- المحيط (5) - المبين- القريب- الفاطر- العلام- ~~المليك- الأكرم- المدبر- الوتر- ذو المعارج-[ذو الطول] (6) - ذو الفضل. # إلا أن رواية عبد العزيز بن الحصين ليس بالقوي في الحديث. قال محمد بن ~~إسماعيل [البخاري] (7): عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان: ليس بالقوي ~~عندهم، غير أن أكثر هذه الأسماء مذكورة في القرآن. # فأما الرب: فقد روي عن غير واحد من أهل التفسير PageV01P099 # في قوله [تعالى] (1): (الحمد لله رب العالمين) [الفاتحة/1] أن معنى الرب: ~~السيد. وهذا يستقيم إذا جعلنا (2) العالمين معناه: المميزين، دون الجماد، ~~لأنه لا يصلح أن يقال: سيد الشجر والجبل (3) ونحوها، كما يقال: سيد الناس، ~~ومن هذا قوله -سبحانه-: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة) [يوسف/ 50]. ~~أي: إلى سيدك ومنه قول الشاعر (4): # بقتل بني مالك ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل # يريد سيدهم. # وقيل: ms37 إن الرب: المالك، وعلى هذا تستقيم الإضافة على العموم. وذهب كثير ~~منهم إلى أن اسم العالم يقع على جميع المكونات. واحتجوا بقوله -سبحانه-: ~~(قال فرعون، وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين) [الشعراء/ 23 - 24]. # وأما المنان: فهو كثير العطاء. والمن: العطاء لمن لا PageV01P100 # تستثيبه. ومن هذا قوله -سبحانه-: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) ~~[ص/39]. # وأما البادي فمعناه (1): معنى المبدي؛ وهو مذكور في خبر أبي الزناد (2) ~~يقال: بدأ وأبدأ بمعنى واحد؛ وهو الذي ابتدأ الأشياء مخترعا لها من (3) غير ~~أصل. # وأما الكافي: فهو الذي يكفي عباده المهم، ويدفع عنهم (4) الملم؛ وهو الذي ~~يكتفى بمعونته عن غيره، ويستغنى به عمن سواه. # وأما الدائم: فهو الموجود لم يزل، الموصوف بالبقاء الذي (5) لا يستولي ~~عليه الفناء. # [المولى] (6): والمولى: الناصر: والمعين (7)، وكذلك النصير؛ فعيل بمعنى ~~فاعل كما تقول: قدير وقادر، وعليم وعالم. # كقوله تعالى: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) ~~[الحج/78]. PageV01P101 # والجميل: [هو المجمل المحسن؛ فعيل بمعنى مفعل. وقد يكون] (1) الجميل ~~معناه: ذو النور والبهجة. # [37] وقد روي في الحديث: "إن الله جميل يحب الجمال". # والصادق: هو الذي يصدق قوله، ويصدق وعده. # كقوله [تعالى] (2): (ومن أصدق من الله قيلا) [النساء/122] وقوله [تعالى] ~~(3): (الحمد لله الذي صدقنا وعده) [الزمر/74]. # [و] (4) المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء ~~علما، وأحصى كل شيء عددا. # [و] (4) المبين: هو البين أمره في الوحدانية، وإنه لا شريك له. يقال: بان ~~الشيء، وأبان، واستبان بمعنى واحد. # [و] (4) القريب: معناه: أنه قريب بعلمه من خلقه، PageV01P102 # قريب ممن يدعوه بالإجابة كقوله [تعالى] (1): (وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) [البقرة/186]. # والفاطر: هو الذي فطر الخلق: أي: ابتدأ خلقهم كقوله [تعالى] (2): (قل ~~الذي فطركم أول مرة) [الإسراء/ 51] ومن هذا قولهم: فطر ناب البعير، وهو أول ~~ما يطلع. # [38] وأخبرني الحسن بن عبد الرحيم، قال: حدثنا عبد الله بن زيدان، قال: ~~قال أبو روق عن ابن عباس: (لم أكن أعلم ms38 معنى "فاطر السموات والأرض" حتى ~~اختصم أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها). يريد أنا الذي استحدثت ~~حفرها. # [و] (3) العلام: بمنزلة العليم، وبناء فعال بناء التكثير. وقد تقدم تفسير ~~العليم. # [و] (3) المليك: هو المالك، وبناء فعيل للمبالغة في الوصف، و [قد] (4) ~~يكون المليك بمعنى الملك كقوله [عز وجل] (5): (عند مليك مقتدر) [القمر/55]. # والأكرم: هو أكرم الأكرمين لا يوازيه كريم، ولا PageV01P103 # يعادله فيه نظير. وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم كما جاء: الأعز، والأطول، ~~بمعنى العزيز والطويل، وقد تقدم تفسير الكريم فيما مضى. # والمدبر: هو العالم (1) بأدبار الأمور وعواقبها، ومقدر المقادير ومجريها ~~إلى غاياتها. يدبر الأمور بحكمته، ويصرفها (2) على مشيئته. # والوتر: هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير. # وذو المعارج: المعارج: الدرج، واحدها معرج، وهو المصعد. يقال: عرج يعرج ~~عروجا بمعنى: صعد. ومنه قوله -سبحانه-: (يدبر [الأمر] من السماء إلى الأرض ~~ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) [السجدة/5]. وهو الذي ~~يصعد إليه بأعمال العباد، وإليه يصعد بأرواح المؤمنين. # [39] على ما جاء في الحديث. من عروج الأرواح في المعارج، وهي الطرائق ~~التي [يصعد بالدرج فيها] (3). # وذو الطول [وذو الفضل] (4): معناه أهل الطول PageV01P104 # والفضل. وذو: حرف النسبة. كقوله (1) [تعالى] (2): (ذو الجلال والإكرام) ~~[الرحمن/ 27]. # قال أبو سليمان -[رحمه الله] (3) -: ومما يدعو به الناس، خاصهم وعامهم، ~~وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولهم: ~~[الحنان والمنان] (4). # قوله: الحنان: معناه: ذو الرحمة والعطف، والحنان -[مخفف] (5) -: الرحمة. ~~قال طرفة (6): # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # ومن ذلك قولهم: # (الديان): وهو المجازي. يقال: دنت الرجل (7)؛ إذا جزيته، أدينه. والدين: ~~الجزاء. ومنه المثل: (كما تدين تدان) (8) والديان أيضا: الحاكم. ويقال: من ~~ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها؟. PageV01P105 # [40] وقال أعشى بني مازن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم ~~عليه: # يا سيد الناس وديان العرب # ومما جرت به عادة الحكام في تغليظ الأيمان وتوكيدها، إذا حلفوا الرجل ~~لخصمه، أن يقولوا: بالله الطالب الغالب المهلك ms39 المدرك (1) في نظائرها، وليس ~~يستحق شيء من هذه الأمور أن يطلق في باب صفات الله -جل وعز- وأسمائه، وإنما ~~استحسنوا ذكرها في الأيمان ليقع الردع بها فتكون أدنى (2) للحالف أن لا ~~يستحل حق أخيه بيمين كاذبة لأنه إذا توعد بالطالب والغالب، استشعر الخوف، ~~وارتدع عن الظلم، إذ كان يعلم أن الله [تعالى] (3) سيطالبه بحق أخيه، وأنه ~~سيغلبه على انتزاعه منه، ويقهره عليه. وإذا قال: المهلك المدرك، علم أنه ~~يدركه إذا طلبه، ويهلكه إذا عاقبه. وإنما إضافة هذه الأفعال إليه على معنى ~~المجازاة منه لهذا الظالم على ما يرتكبه من الإثم، وعلى ما يستبيحه من حق ~~أخيه المسلم. ولو جاز أن يعد ذلك في أسمائه وصفاته، لجاز أن PageV01P106 # يعد في أسمائه: المخزي، والمضل؛ لأنه (1) قال: (وأن الله مخزي الكافرين) ~~[التوبة/2]. وقال كذلك: (يضل الله (2) من يشاء ويهدي من يشاء) [المدثر/31] ~~فإذا لم يصح أن يدخل مثل هذا في صفاته؛ لأنه كلام لم يرصد (3) للمدح ~~والثناء به عليه، لم يصح كذلك (4) أن يعد منها سائر ما تقدم ذكره -والله ~~أعلم-. # [قال الشيخ] (5): ومما (6) جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه: # [41] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يسبن (7) أحدكم الدهر، فإن الله ~~هو PageV01P107 # الدهر" إذ لست أبعد أن يظن بعض من لا علم له أن الدهر من أسماء الله ~~-سبحانه (1) -. وذلك ما (2) لا يجوز، ولا يسوغ توهمه بحال. وإنما معنى هذا ~~الكلام أن أهل الجاهلية كان من عاداتهم، إذا أصاب الواحد منهم مكروه، أو ~~ناله ضرر، أو نزلت به مصيبة أن يضيفها [إلى الدهر] (3)؛ فيقول: (يا خيبة ~~الدهر) [ويا سوءة الدهر] (4) ونحوها من الكلام، يسبون الدهر على أنه الفاعل ~~لهذه الأمور ولا يرونها صادرة من قبل الله -[جل وعز] (5) - وكائنة بقضائه ~~وقدره، فنهاهم عن هذا القول وأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله -سبحانه- وأن ~~مصدرها من قبله وأنكم مهما سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله ~~-سبحانه-[وتعالى] (6) وكان أبو بكر بن داود الأصبهاني لا يرى أن يروى هذا ~~الحديث على هذا اللفظ، ms40 وكان يزعم أنه إنما اختصره بعض الرواة ثمن (7) لا ~~بصر له بمعاني الكلام. وكان يرويه من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة بزيادة ~~ألفاظ (8) محتملة للتأويل (9)، وقد حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك، قال: ~~حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا الحميدي، قال: PageV01P108 # حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: # [42] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (1) -: "قال الله تعالى: يؤذيني ~~ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار"، كان أبو ~~بكر يرويه وأنا الدهر، مفتوحة الراء، منصوبا على الظرف أي: أنا طول الدهر، ~~بيدي الأمر، اقلب الليل والنهار. وكان يقول: لو كان مضموما لانقلب الدهر ~~اسما من أسماء الله -جل وعز وعلا (2) -. قلت (3): ووجه الحديث ومعناه ما ~~ذكرته أولا [والله أعلم] (4) وهاهنا حرف يروى عن مجاهد، أنا مرتاب بصحته ~~(5) أبدا- وهو ما يروى عنه (6) من قوله: # [43] "لا يقولن أحدكم جاء رمضان، وذهب رمضان فلعله PageV01P109 # اسم من أسماء الله" (1). # حدثنا ابن السماك، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا عبد الوهاب ~~بن عطاء، قال: حدثنا طلحة بن عمرو عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: ذلك. وهذا ~~شيء لا أعرف له وجها بحال، وأنا أرغب عنه ولا أقول به. PageV01P110 ### | فصل # (*) # [قال أبو سليمان -رضي الله عنه-] (1): # ومن علم هذا الباب، أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه [ويتعلق ~~به من شرائط] (2) أنه لا يتجاوز فيها التوقيف ولا يستعمل فيها القياس؛ ~~فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارف الكلام، فالجواد: لا يجوز أن ~~يقاس عليه: السخى وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام. وذلك أن السخى، لم يرد ~~به (3) التوقيف كما ورد بالجواد، ثم إن السخاوة موضوعة في باب الرخاوة ~~واللين، يقال: أرض سخية وسخاوية إذا كان فيها لين ورخاوة وكذلك لا يقاس ~~عليه السمح لما يدخل السماحة من معنى PageV01P111 # اللين والسهولة. وأما (1) الجود فإنما هو سعة العطاء من قولك: جاد السحاب ~~إذا أمطر فأغزر، ومطر جود، و (2) فرس جواد؛ إذا: بذل مما في ms41 وسعه من الجري. # وقد جاء في الأسماء: "القوي" ولا (3) يقاس عليه الجلد وإن كانا يتقاربان ~~في نعوت الآدميين، لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد ولا يقاس على ~~"القادر" المطيق ولا المستطيع لأن الطاقة والاستطاعة إنما تطلقان على معنى ~~قوة البنية، وتركيب الخلقة ولا يقاس على "الرحيم" الرقيق، وإن كانت الرحمة ~~في نعوت الآدميين نوعا من رقة القلب، وضعفه عن احتمال القسوة. # وفي صفات الله -سبحانه (4) -: "الحليم" و "الصبور" فلا يجوز أن يقاس ~~عليها الوقور والرزين. # وفي أسمائه "العليم" ومن صفته العلم؛ فلا يجوز قياسه (5) عليه أن يسمى ~~"عارفا" لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل (6) إلى علم ~~الشيء. وكذلك لا يوصف بالعاقل. وهذا PageV01P112 # الباب يجب أن يراعى، ولا يغفل، فإن عائدته عظيمة، والجهل به ضار [وبالله ~~التوفيق] (1). # [وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا] (2). PageV01P113 # بسم الله الرحمن الرحيم # [قال الشيخ] (1): فهذا (2) ما حضرني في تفسير الأسماء ومعانيها، ونحن ~~نتبعه (3) الآن: تفسير الدعوات المأثورة فصلا فصلا على نظم الكتاب وترتيبه، ~~بعون الله وتوفيقه، [إن شاء الله، وهو المستعان] (4). PageV01P114 ### | من باب ما يقول إذا أصبح # [44] [قال] (1): إذا أصبحت فقل: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ~~وإليه النشور" قال الشيخ (2): معنى قوله (3) [- صلى الله عليه وسلم -] (4): ~~"أحيانا بعدما أماتنا" مع إحاطة العلم منا أن الحياة في حالتي اليقظة ~~والنوم قائمة غير زائلة، هو أنه جعل النوم الذي يكون معه زوال العقل، وسكون ~~الحركات بمنزلة الموت الذي يكون به عدمها وبطلانها، وهذا (5) على سبيل ~~التشبيه، والتمثيل لا على وجه التحقيق. وقال بعض أهل اللغة أصل الموت في ~~الكلام السكون PageV01P115 # يقال: ماتت الريح إذا ركدت، وأنشد (1): # يا ليت شعري هل تموت .. الريح فأسكن اليوم وأستريح # ثم عقبه (2) بقوله [- صلى الله عليه وسلم -] (3): "وإليه النشور" ليدل ~~بإعادة اليقظة بعد النوم على إثبات البعث بعد الموت. والنشور مصدر، يقال: ~~أنشر الله الميت [إنشارا: إذا أحياه، فنشر الميت] (4) نشورا، فهو ناشر بلفظ ~~فاعل. قال الأعشى (5): # حتى تقول (6) الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر # [45] [وقوله] (7): [وأصبحنا ms42 على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين ~~نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: معنى الفطرة: ابتداء PageV01P116 # الخلقة، وهي إشارة إلى كلمة التوحيد حين أخذ الله العهد من ذرية آدم، ~~[فقال] (1): (ألست بربكم قالوا بلى] [الأعراف/172] وقد تكون الفطرة بمعنى ~~السنة، ومن هذا قوله [- صلى الله عليه وسلم -] (1): # [46] "عشر من الفطرة فذكر السواك والمضمضة وأخواتها" (2)] (3). # [47] وقوله [- صلى الله عليه وسلم -] (4): "نسألك من خير هذا اليوم وخير ~~ما PageV01P117 # قبله وخير ما بعده ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما قبله وشر ما بعده". ~~قد (1) يسأل عن هذا فيقال: ما معنى استعاذته من سوء (2) زمان قد مضى وقته ~~وتقضى (3) حكمه؟ والمعنى: أنه طلب عفو الله عن ذنب كان [قد] (4) قارفه في ~~أمسه. والوقت -وإن كان قد مضى- فإن تبعته باقية. ومعنى مسألته خير ما قبله: ~~قبول الحسنة التي كان قدمها في أمسه. والزمان -وإن كان فائتا- فإن الحسنة ~~التي عملها فيه موجودة وبركتها مرجوة (5) والخير والشر لا يتعلقان بأعيان ~~الأيام، وإنما أضيفا إليها على معنى أنها أوقات وظروف لهما يوجدان فيها ~~بكسب الفاعلين لهما (6). # [48] وقوله: "وأعوذ بك من الكسل والهرم، وسوء الكبر"؛ PageV01P118 # الكسل: خصلة ذميمة تصد عن الحقوق، وتحرم صاحبها خير الدنيا والآخرة، وهو ~~عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع وجود الاستطاعة له. والعجز: ~~عدم القوة والاستطاعة له (1)، والعاجز معذور، والكسلان غير معذور. # [49] وأخبرني (2) أبو محمد [أحمد بن محمد] (3) الكراني، قال: PageV01P119 # حدثنا عبد الله بن مسيب (1)، قال: حدثنا زكريا بن يحيى المنقري، قال: ~~حدثنا الأصمعي، قال: قال الأحنف بن قيس: "إياك والكسل والضجر؛ فإنك إن ~~كسلت. لم تطلب حقا وإن ضجرت لم تؤد حقا". # وأما سوء الكبر فإنما استعاذ بالله من آفات (2) طول العمر، وما يجلبه ~~الكبر من الخرف، وذهاب العقل وضعف القوى. # [50] وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أنزل الله ~~PageV01P120 # [من] داء إلا جعل له دواء إلا الهرم"، فجعل الهرم [داء من لا دواء له] ~~(1). # [51] [قال أبو سليمان] (2): وأخبرني (3) إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري، ~~قال: حدثني ms43 ابن أبي قماش، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: حدثنا حماد عن حميد ~~عن الحسن، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو لم يكن لابن آدم ~~إلا السلامة والصحة لكان كفى بهما داء قاضيا" قال ابن (4) عائشة: فحدثت به ~~(5) أبي فقال: يا بني ما علمت أن في هذا خبرا، وإنما كنت أعرف فيه قول حميد ~~بن ثور (6): # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما PageV01P121 # وقد رواه بعضهم: من سوء الكبر، ساكنة الباء. من كبر النخوة. والصواب هو ~~الأول (1). # [52] وقوله: "أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه" يروى هذا على ~~وجهين. أحدهما: الشرك، بكسر الشين وسكون الراء، ومعناه: ما يدعو إليه ~~الشيطان ويوسوس به من الإشراك بالله -سبحانه-. والوجه الآخر: وشركه، بفتح ~~الشين والراء، يريد: حبائل الشيطان ومصايده. PageV01P122 # [53] [وقوله] (1): "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" يحتمل وجهين مختلفي ~~المحلين. # أحدهما: إني مقيم على ما عاهدتك عليه # من الإيمان بك والاعتقاد لوحدانيتك لا أزول عنه ما استطعت، وإنما استثنى ~~بقوله: ما استطعت موضع القدر السابق في أمره (2)، يقول: إن كان قد تقدم ~~القدر في أمري، وجرى القضاء بأني انقض العهد يوما ما، وأزول عنه فإني (3) ~~أفزع عند ذلك إلى التنصل، والاعتذار بعدم الاستطاعة لدفع ما قضيته علي ~~والامتناع من وقوعه بي (4). # والوجه الآخر: أن يكون معناه: إني متمسك بما عهدته (5) إلي من أمرك، ~~ونهيك، ومبل العذر (6) في الوفاء به قدر الوسع، PageV01P123 # والاستطاعة، وإن كنت لا أبلغ كنه الواجب من حقك ولا أفي بما يلزمني من ~~مواجب (1) طاعتك. ونظير هذا. # [18 مكرر] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "استقيموا ولن تحصوا" أي: لن ~~تطيقوا (2) كل الاستقامة. أي: فاجتهدوا وأبلوا العذر فيما تطيقون منها. # [54] وقوله [- صلى الله عليه وسلم -] (3): "أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي" ~~معناه: التزام المنة بحق النعمة والاعتراف بالتقصير في شكرها واحتمال ~~اللائمة فيه، وأصله من قولك: بؤت بكذا، إذا احتملته، ومنه قول الله (4) ~~-سبحانه-: (فباؤوا بغضب من الله) [آل عمران/112] قال [بعض] (5) أهل ~~التفسير، [معناه] (5): احتملوه ms44 ورجعوا به. # [55] وقوله (6): "اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ~~ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من PageV01P124 # تحتي" أقسام الجهات ستة وكلها سبل للآفات، وطرق لها لا يؤمن ورودها منها، ~~وقد روي عن غير واحد من أهل التفسير في قوله -جل وعز-: (ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم [ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) ~~[الأعراف/17] قالوا: "من بين أيديهم"] (1): الدنيا. "ومن خلفهم": الآخرة. ~~"وعن أيمانهم": الحسنات. "وعن شمائلهم": السيئات. والمعنى: أنه يزين: لهم ~~الدنيا، ويثبطهم عن الآخرة، ويصدهم عن الحسنات، ويدعوهم إلى السيئات. # وأما جهة فوق: فمنها ينزل البلاء، والعذاب والصواعق. # ومن تحت: تقع الزلازل (2) والخسف، وقد يكون معناه: أن يستدرج، فيؤتى من ~~حيث لا يشعر؛ فيغتال، ويهلك. # [56] وأخبرني أبو عمر (3) عن أبي العباس أحمد بن يحيى، قال: العرب تقول: ~~"اللهم واقية كواقية الوليد". قال: وذلك أن الصبي قد يتعرض للآفات فيقيه ~~الله، ويحفظه من غير حذر ولا اتقاء. PageV01P125 # [57] وحدثني في إسناد له أن بعض الأنبياء -صلوات الله عليهم- كان يقول في ~~دعائه: "اللهم احفظني حفظ الصبي" وهذا قد يكون من الوجه الذي ذكرناه، وهو ~~ما يحدث عليه في الدنيا من آفاتها. وقد يتأول (1) أيضا على معنى طلب العصمة ~~وأن يحفظ من الذنوب كما حفظ الصبي؛ فلم يكتب عليه ذنب. # والاغتيال: أن يؤتى المرء من حيث لا يشعر وأن يدهى بمكروه لم يرتقبه، ~~ويقال: قتل فلان غيلة إذا ظفر به في حال غرة، وأوان غفلة فقتل. وأصل هذا من ~~الغول، الذي (2) يقال: إنها تغول الناس، وتضلهم، ويقال: الخمر غول العقل؛ ~~وذلك أنها تذهب العقل، ومن هذا قولهم: غالت فلانا غائلة إذا أصابته داهية ~~قال ذو الرمة (3): # فأيقن (4) قلبي أنني لاحق أبي ... وغائلتي غول الرجال الأوائل # يريد الموت. # [58] و (5) قوله: "اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في PageV01P126 # بصري. لا إله إلا أنت" قد (1) تكون العافية في السمع والبصر بأن يسلما من ~~الآفات، كالصمم (2) والعمى، والرمد والأوجاع، [وتكون بمعنى السلامة مما ~~يسوء السامع له والناظر إليه، ms45 وقد] (3) تكون بمعنى العصمة من المآثم فلا ~~ينظر بعينه (4) إلى محظور ولا يصغي بأذنه (4) إلى مكروه. # [59] وقوله: "لبيك اللهم لبيك وسعديك". لبيك: كلمة PageV01P127 # معناها سرعة الإجابة، وإظهار الطاعة. وقال النحويون: أصله مأخوذ من لب ~~الرجل بالمكان، وألب به، إذا لزمه وأقام به؛ ومنه قول الشاعر (1): # لب بأرض ما تخطاها الغنم (2) # أي: أقام بها. وأخبرني ابن مالك، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ~~العبدي، قال: سمعت ابن عائشة يقول: دعا أعرابي غلاما له فأبطأ في الإجابة، ~~ثم قال: لبيك. فقال: لب PageV01P128 # عمود (1) جنبيك. دعا عليه بأن يضرب على جنبيه فيلزمهما (2) العمود (3) ~~بالضرب، قالوا: وكان الأصل في لبى لبب (4) فأبدلوا من إحدى الباءات ياء ~~طلبا للخفة كما قالوا: تقضى [البازي] (5) [الطائر] (5) من تقضض. وتظني من ~~تظنن (6). كقول النابغة: # قواف كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد مذهبها التظني # قالوا: ومعنى التثنية (4) فيه: التوكيد، كأنه قال: إلبابا ببابك بعد ~~إلباب، ولزوما لطاعتك بعد لزوم، وكذلك قوله: وسعديك، معناه: إسعادا بعد ~~إسعاد وطاعة لك بعد طاعة. كما قالوا: حنانيك، أي: تحننا بعد تحنن. وهذا ~~ذيك، أي: هذا بعد هذ (7) وأصل الهذ: الإسراع. # [60] وقوله: "اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو PageV01P129 # نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله". الصواب: أن تنصب المشيئة على ~~إضمار فعل، كأنه قال: فإني أقدم مشيئتك في ذلك [كله] (1) وأنوي الاستثناء ~~فيه طرحا للحنث عني عند وقوع الخلف. وفيه حجة لمن ذهب مذهب المكيين في جواز ~~الاستثناء منفصلا عن اليمين. ومما يحتجون به في ذلك. # [61] حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والله ~~لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا". ثم سكت ساعة ثم ~~قال: "إن شاء الله". أخبرناه ابن الأعرابي. قال: حدثنا الحسن (2) بن مكرم، ~~قال: حدثنا الحسن بن قتيبة، قال: حذثنا مسعر عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ~~ابن عباس. # ومن رواه، بضم المشيئة كان معناه الاعتذار بسابق الأقدار العائقة عن ~~الوفاء بما ألزمه نفسه منها وفيه طرف من مذهب ms46 الجبر، والأول PageV01P130 # أحسن وأصوب. والله [تعالى] (1) أعلم. # [62] وقوله: "اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت [من لعنة] ~~(2) فعلى من لعنت". [و] (3) الوجه أن ترفع التاء من "صليت" ومن "لعنت " في ~~الأول وأن تنصبها منهما (4) في الآخر، والمعنى كأنه يقول: اللهم اصرف صلاتي ~~ودعائي إلى من أحققته لصلاتك، ورحمتك، واجعل لعني (5) على من استحق اللعن ~~عندك، واستوجب الطرد والإيعاد (6) في حكمك، ولا تؤاخذني بالخطأ مني في ~~وضعهما غير موضعهما، وإحلالهما في غير محلهما. # وهو (7) إنما يصح على هذا التأويل إذا كان قد سبقت منه صلاة، أو بدر منه ~~لعن لغير المستحقين (8)، وقد يحتمل أن يكون إنما دعا بالتوفيق واشترط في ~~مسألته العصمة؛ لأن لا يجري على لسانه ثناء إلا لمن يستحق الثناء من ~~أوليائه، ولا ذم إلا لمن يستحقه (9) من PageV01P131 # أعدائه، كأنه يقول: اللهم احفظني (1) حتى لا أوالي إلا أولياءك، ولا ~~أعادي إلا أعداءك. فالوجه (2) الأول إنما ينصرف إلى الماضي، و [الوجه] (3) ~~الآخر إلى المستقبل. والله أعلم. # [63] وقوله: "اللهم إني أسألك الرضى بعد [نزول] (4) القضاء، وبرد العيش ~~بعد الموت" إنما سأل الرضى بعد نزول القضاء به لأن الرضى قبل ذلك دعوى من ~~العبد، وإنما يتحقق ذلك عند وقوع القضاء به (5)، وورود كراهته عليه، سأل ~~الله [تعالى] (6) التثبيت له، وتوطين النفس عليه. وبرد العيش: خفضه، ~~ونعمته. وأصل البرد في الكلام: السهولة. ومنه: PageV01P132 # [64] قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: [(1) "الصوم في الشتاء الغنيمة ~~الباردة" أي: السهلة. وقال بعضهم: إنما قيل له: الغنيمة الباردة؛ لأنه لم ~~يشهد فيه (2) حر قتال. وقيل: لأن حرة (3) العطش لا تنال PageV01P133 # الصائم فيه. قال الشاعر (1): # قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد # أي: ناعم سهل. # [65] وقوله عند سماع الأذان: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة ~~القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي (2) ~~وعدته". # [66] قال: وقال [النبي] (3)، - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى علي صلاة ~~صلى الله عليه عشرا". PageV01P134 # قال [الشيخ] (1) أبو سليمان: إنما وصف هذه الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله ~~[تعالى] (1) يدعا ms47 بها إلى طاعة الله، وعبادته، وهذه (2) الأمور هي (3) التي ~~تستحق صفة الكمال، والتمام وما سواها من أمور الدنيا فإنها بعرض النقض ~~والفساد، وكانت دعواتهم في الجاهلية إنما هي دعوى القبائل، كقولهم: يا لبكر ~~(4) ويا آل خندف، أو دعوة نعي [وندبة] (5)، كقولهم عند موت الرجل الشريف ~~منهم: يا نعاء فلانا، ويا فلاناه، أو دعوة إلى طعام ونحوه. # وكل هذه الأمور لا تخلو من آفة (6) أو نقص يدخلها، ودعوة الأذان إنما ~~شرعت في الإسلام لإقامة ذكر الله -جل وعز (7) - فوصفها بالتمام تحريضا ~~عليها، وترغيبا فيها، وصرفا للوجوه إليها. والله أعلم. # ونظير هذا # [67] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ~~PageV01P135 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P136 # ما خلق، وذرأ، وبرأ" فوصفها بالتمام؛ إذ لا يجوز [أن يكون] (1) في شيء من ~~كلامه عيب، أو نقص، كما يكون ذلك في كلام الآدميين. وقيل فيه وجه آخر، وهو ~~أن كل كلمة كانت على حرفين؛ فإنها عندهم ناقصة، والتامة منها ما كان أقله ~~على ثلاثة أحرف، وقد أخبر الله -سبحانه- أنه إذا أراد أمرا قال له: (كن ~~فيكون) [يس/82]. وكلمة (كن) ناقصة في الهجاء: فنفى - صلى الله عليه وسلم ~~(2) - النقص عن كلمات الله قطعا للأوهام. PageV01P137 # نسخة الشيخ: قال أبو سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي رحمه الله] (1): # واعلم أن حكم كلامه. # [(2) خلاف حكم كلام بني آدم، وإن نقص الهجاء [في الكتابة] (3) لا يسلبه ~~صفة الكمال والتمام، وقيل: إن معنى التمام فيها أنها تنفع المتعوذ بها، ~~وتشفيه، وتحفظة [من الآفات] (4)، وتكفيه. وكان أحمد بن حنبل -رحمه الله- ~~يستدل به على أن القرآن غير مخلوق، قال (5): وذلك لأنه ما من مخلوق إلا ~~وفيه نقص. # وأما الوسيلة: فقد # [68] روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عنها فقال: "هي درجة ~~PageV01P138 # في الجنة لا ينالها عبد غيري". # وقيل في "المقام المحمود": إنه الشفاعة. # وأما قوله # [66 مكرر]- صلى الله عليه وسلم -: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا" ~~فإن هذه فضيلة عظيمة، ومرتبة في الاختصاص والاصطفاء جليلة، وهو مشبه في عرف ~~أهل الدنيا وعاداتهم ms48 بالرجل يكون له الحميم والصديق، قد غاب عنه، فيذكره ~~بعض من يحضره بالجميل من القول فيرد عليه صاحبه جميلا، ويضاعف الثناء عليه ~~مجازاة له ونيابة في الشكر عنه" (1). PageV01P139 # بسم الله الرحمن الرحيم # أخبرنا الشيخ الحافظ أبو مسلم عمر بن علي الليثي البخاري بقراءتي عليه، ~~قلت: أخبركم الشيخ أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد بن محمد الخطابي قراءة ~~عليه، قال: قال أبو سليمان الخطابي] (1): # [69] [و] (2) قوله: عند دخول الخلاء: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث"، الخبث -مضمومة الباء- جمع الخبيث. # والخبائث: جمع الخبيثة، يريد: [به] (3) ذكران (3) الشياطين وإناثهم. # وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث -ساكنة الباء- وضمها أصوب على ما ~~فسرناه. ورواة أبو عبيد: "من الخبث" -ساكنة PageV01P140 # الباء- وقال: معناه ذو الخبث (1). # [70] قوله عند خروجه (2) من الخلاء: "غفرانك [ربنا وإليك المصير] (3) ". ~~[الغفران: مصدر كالمغفرة، ونصبه على إضمار الطلب والمسألة، كأنه يقول: ~~اللهم إني أسألك غفرانك. كما يقول: "عفوك يا رب ورحمتك" أي: هب لي عفوك ~~ورحمتك. والمعنى في تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا الدعاء يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه إنما استغفر لتركه ذكر الله -سبحانه- مدة لبثه على الخلاء. ~~وكان - صلى الله عليه وسلم -: "لا يهجر ذكر الله إلا عند الحاجة والخلاء". ~~فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحال تقصيرا، وعده على نفسه ذنبا فتداركه ~~بالاستغفار. وقيل: معناه: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها ~~الله عليه؛ فأطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه؛ فرأى شكره قاصرا عن ~~بلوغ حقوق هذه النعمة (4)؛ ففزغ إلى الاستغفار] (5) [منه] (6) وكان ~~PageV01P141 # الحسن البصري يقول إذا بال: "يا لها نعمة، تدخل لذة، وتخرج سرحا". # وأخبرني أبو محمد الكراني، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثنا ~~زكريا بن يحيى المنقري، قال: حدثنا الأصمعي، قال: دخل ابن السماك (1) على ~~هارون، فقال له: "عظني" فقال: " [يا] (2) أمير المؤمنين، أرأيت (3) إن منعت ~~شربة ماء عند العطش أكنت تفديها بنصف ملكك؟ قال (4): نعم، فقال: أرأيت إن ~~منعت خروجها عند الحاجة، أكنت تفديه (5) بالشطر الآخر؟ قال: نعم، قال: فما ~~فرحك بشيء قيمته شربة ms49 وبولة (6)؟! ". # [71] [و] (7) قوله: عند الفراغ من وضوئه: "سبحانك اللهم PageV01P142 # وبحمدك". قال النحويون: "سبحان" مصدر من قولك: سبحت الله تسبيحا وسبحانا، ~~أي: نزهته تنزيها و [برأته] (1) تبرئة. ومنه قول الأعشى (2): # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر # يريد: التعجب (3) من فخره، والتبرؤ. منه. ويقال: إن التسبيح مأخوذ من ~~قولك: سبح الرجل في الأرض، إذا: ذهب فيها. ومنه قيل للفرس -إذا كان جيد ~~الركض-: سابح. # وأما دخول الواو في قوله: "وبحمدك" (4) فإن الحسن بن خلاد أخبرني، قال: ~~سألت عنه الزجاج؛ فقال: سألت عما سألتني [عنه] (5) أبا العباس، محمد بن ~~يزيد، فقال: سألت أبا عثمان المازني عما سألتني [عنه] (5)، فقال: المعنى: ~~سبحتك اللهم بجميع PageV01P143 # آلائك، وبحمدك سبحتك قال: ومعنى سبحانك: سبحتك. # قال أبو سليمان يريد بقوله: "وبحمدك سبحتك" أي: وبمعونتك التي هي نعمة ~~توجب علي حمدا (1) سبحتك، لا بحولي وقوتي. # وسمعت أبا عمر (2) يقول: سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن قوله: "وبحمدك" ~~فقال: أراد: "سبحتك بحمدك" كأنه يذهب إلى أن الواو صلة. # [72] [و] (3) قوله: "اللهم اجعل في قلبي نورا واجعل في لساني نورا واجعل ~~في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل [من] (4) خلفي نورا، ومن أمامي ~~نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا". # معنى النور في هذا: ضياء الحق وبيانه، كأنه يقول: اللهم استعمل هذه ~~الأعضاء مني في الحق، واجعل تصرفي وتقلبي في هذه PageV01P144 # الجهات على سبيل الحق. وكذلك معنى قوله بعد ركعتي السنة (1): # [73] "اللهم اجعل نورا في قلبي، ونورا في سمعي، ونورا PageV01P145 # في بصري، ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ~~ونورا في عظامي". وإنما ذلك لأن القلب أمير البدن، وهو الذي يستعمل سائر ~~الأعضاء، وهي (1) على إرادته تتصرف، فإذا استنار القلب انبث نوره في سائر ~~البدن (2)، وفاض على جميع أجزائه. وقد يكون أيضا معنى النور: في اللحم، ~~والدم، والعظام، والشعر، والبشر منصرفا إلى القوت الذي به يغتذي البدن ومنه ~~تستمد هذه الأعضاء (3) قواها. سأل الله بأن (4) PageV01P146 # يجعل رزقه طيبا، فإن أكل الحلال ms50 يصلح عليه القلب وتحسن معه الأخلاق، وأكل ~~الحرام يفسد عليه القلب وتخبث معه الأخلاق. # وقد ضرب الله -سبحانه- مثل الحق والباطل بالنور والظلمات، كقوله -سبحانه ~~(1) -: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) [البقرة/257] وذلك أن أمر ~~الضلالة (2) والباطل مظلم غير بين، وأمر [الهدى و] (3) الحق بين واضح كبيان ~~النور. # [74] [و] (4) قوله: [- صلى الله عليه وسلم -] (5): "أسالك يا قاضي الأمور ~~ويا # شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ومن دعوة ~~الثبور و [من] (6) فتنة القبور". # أصل الثبور: الهلاك، [يقال] (6): ثبر الرجل فهو مثبور، إذا: أصابه ~~الهلاك. ومن هذا [قول الله تعالى] (7): (وإني أظنك PageV01P147 # يا فرعون مثبورا) [الإسراء/ 102] أي: [أظنك] (1) مهلكا. وقال الفراء في ~~قوله: "مثبورا" أي: ملعونا ممنوعا من الخير. يقال: ما ثبرك عن هذا الأمر؟ ~~أي: ما منعك [منه] (2) وما صدك عنه؟ # ودعوة الثبور: دعوة أهل النار، يدعون على أنفسهم بالهلاك وبالموت (3)، ~~ليتخلصوا من العذاب. بالله نستعيذ من عذابه وسخطه. # وفتنة القبور؛ معناها: مسألة القبر، # [75] [و] (4) روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر فتنة القبر ~~فقال: "بي تفتنون وعني تسألون" يريد قول الملك: "من ربك؟ ومن نبيك؟ " ومعنى ~~الفتنة: الامتحان. # وأخبرني أبو عمر عن أبي العباس، قال: أصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب، ~~إذا أدخلته [في] (5) النار؛ تمتحنه؛ لتعرف جيده من رديئه. PageV01P148 # [76] [و] (1) قوله: "اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، حربا ~~لأعدائك، سلما لأوليائك". الحرب: المحارب. # والسلم: المسالم، أقيم الاسم فيه مقام الفعل. يقال: رجل حرب وقوم حرب، ~~ورجل سلم، وقوم سلم الواحد والجمع فيه سواء ومثله رجل عدو، وقوم عدو، كقوله ~~[تعالى]: (وهم لكم عدو) [الكهف/ 50] ويقال: هو لك صديق، وهم صديق. # وحكى أبو حاتم: أن عجوزا من الأعراب أقبلت من السوق، وكان الطريق غاصا ~~بأصحاب أبي زيد النحوي فقالت (2): # تنح للعجوز عن طريقها # إذ أقبلت جاثية من سوقها # دعها فما النحوي من صديقها # تريد: من أصدقائها. # [77] [و] (3) قوله: "اللهم ذا ms51 الحبل الشديد، والأمر الرشيد، PageV01P149 # أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود" الحبل: السبب الذي يتمسك به، ~~والحبل: العهد؛ ومنه قوله [تعالى] (1): (واعتصموا بحبل الله جميعا) [آل ~~عمران/103] قال الأعشى (2): # وإذا تجوزها حبال (3) قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها # وقيل: حبل الله: القرآن. وفيه عهده، وأمره، ونهيه. # ووصف الحبل بالشدة لأن من تعلق به أمن انبتاته وانقطاعه. # [78] [و] (4) قوله: "سبحان من (5) تعطف العز وقال به، سبحان الذي لبس ~~المجد وتكرم به". تعطف مأخوذ من العطاف، وهو الرداء. وإنما هو مثل كما جاء: ~~"أن الكبرياء رداء الله" (6) ومعناه: الاختصاص بالعز والاتصاف به لا يفارقه ~~بمنزلة الرداء للابسه الذي اتخذه زينة ولباسا، لا يضعه ولا يفارقه. ومعنى ~~"قال به": حكم به فينفذ حكمه، ولا يرد أمره. يقال منه: قال الرجل، واقتال، ~~إذا: تحكم فمضى حكمه، ومنه سمي "القيل" وهو الملك. # وأنشد أبو العباس عن ابن الأعرابي (7): PageV01P150 # نحن ضربناه على نطابه ... قلنا به قلنا به قلنا به # قال أبو العباس: معناه: حكمنا به. # وقال علقمة بن عبدة (1): # فلو أن ميتا يفتدى لفديته (2) ... بما اقتال من حكم علي طبيب PageV01P151 # وقوله: "لبس المجد" مثله (1)، والقول فيه كما قلنا في "تعطف" سواء. # [79] [و] (2) قوله: "والخير كله في يدك والشر ليس إليك" PageV01P152 # معنى هذا الكلام الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى (1) ~~والمدح له بأن تضاف إليه محاسن الأمور (2) دون مساوئها ولم يقع القصد إلى ~~إثبات شيء وإدخاله له (3) تحت قدرته ونفي ضده عنها، فإن الخير والشر صادران ~~عن خلقه (4)، وقدرته، لا موجد لشيء من الخلق غيره. وقد تضاف محاسن الأمور ~~ومحامد الأفعال إلى الله تعالى (5) عند الثناء عليه دون مساوئها ومذامها ~~كقوله [تعالى] (6): (وإذا مرضت فهو يشفين) [الشعراء/ 80] [وكقوله تعالى] ~~(7): (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) [يوسف/100] ولم يضف سبب وقوعه في ~~السجن إليه. # وكما تضاف معاظم الخليقة إليه عند الثناء والدعاء فيقال: "يا رب السموات ~~والأرضين" كما يقال: "يا رب الأنبياء والمرسلين" ولا يحسن أن يقال: يا رب ~~الكلاب، ويا رب القردة والخنازير، ms52 ونحوها من سفل الحيوان، وحشرات الأرض، ~~وإن كانت إضافة جميع المكونات إليه من جهة الخلق (8) لها، والقدرة عليها ~~شاملة لجميع أصنافها. # وسئل الخليل عن قوله: "والشر ليس إليك" فقال: معناه: PageV01P153 # ليس مما يتقرب به إليك؛ كأنه يذهب إلى مثل قول القائل لرئيسه: أنا منك ~~وإليك، أي: عدادي منك (1)، وميلي وانقطاعي إليك، في نحو هذا من الكلام. # [80] (2) [و] (3) قوله [- صلى الله عليه وسلم -] (4) في الركوع [والسجود] ~~(4): "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". السبوح: المنزه عن كل عيب. [جاء] (5) ~~بلفظ: فعول من قولك: سبحت الله؛ أي: نزهته. وقد # [81] روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه سئل عن تفسير قوله: ~~"سبحان الله" فقال: "إنكاف الله من كل سوء"؛ أي: تنزيهه. # والقدوس: قد فسرناه في الأسماء. # والروح: فيه قولان: # أحدهما: أنه جبريل -صلوات الله عليه (6) - خص بالذكر PageV01P154 # تفضيلا له على سائر الملائكة، ويقال: إن الروح خلق من الملائكة يشبهون في ~~الصور بالإنس وليسوا بإنس (1). # [82] [و] (2) قوله: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك (3) # الحمد ملء السموات وملء الأرض. وملء ما شئت من شيء بعده". قد يحتمل أن ~~يكون قوله: "سمع الله لمن حمده" دعاء من الإمام للمأمومين لأنهم يقولون: ~~"ربنا لك الحمد" (4) وهذا على مذهب من يقول: إن المأموم لا يقول: "سمع الله ~~لمن حمده" وعلى مذهب أكثر العلماء يجمع الإمام والمأموم بين الكلمتين فتشيع ~~الدعوة من كل من الطائفتين لنفسه، ولأصحابه. ومعنى سمع: استجاب. # فأما (5) قوله: "ملء السموات وملء الأرض" فإن هذا كلام تمثيل وتقريب، ~~والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تحشى به الظروف، ولا تسعه الأوعية وإنما ~~المراد به (6) تكثير العدد. حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجساما تملأ ~~الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ (7) السموات والأرضين. PageV01P155 # وقد يحتمل أيضا (1) أن يكون المراد به (2) أجرها وثوابها. ويحتمل أن يراد ~~به التعظيم لها والتفخيم لشأنها؛ كما يقول القائل: تكلم فلان اليوم بكلمة ~~كأنها جبل، وحلف بيمين كالسموات والأرضين؛ وكما يقال: هذه كلمة تملأ طباق ~~الأرض، أي: أنها تسير وتنتشر في الأرض، كما قالوا ms53 كلمة تملأ الفم وتملأ ~~السمع، ونحوها من الكلام. والملء -بكسر الميم- الاسم. والملء: المصدر من ~~قولك ملأت (3) الإناء ملئا. # [83] [و] قوله: "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" عوام الناس يولعون ~~-بكسر الميم- من المسيح، وتثقيل السين -ليكون ذلك عندهم فرقا بين عيسى ~~[عليه السلام] (4) وبين مسيح الضلالة (3). والاختيار في كل واحد [منهما: ~~فتح الميم] (5) وتخفيف السين. وإنما سمي الدجال مسيحا لأنه ممسوح (3) إحدى ~~العينين. # وسمي عيسى -[صلوات الله عليه] (6) - مسيحا لأنه [كان] (7) إذا مسح ذا ~~عاهة برأ. فهو في نعت عيسى [عليه السلام] (7) فعيل PageV01P156 # بمعنى فاعل. وفي نعت الدجال فعيل بمعنى مفعول. # [84] [و] (1) قوله: "اللهم أنت السلام" إلى قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد". # قد (2) فسرنا السلام [في الأسماء] (1)، وذكرنا أن معناه: ذو السلام. ~~وأشبعنا بيانه هناك (3) فأغنى ذلك عن إعادته. وأما قوله: "ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد"، فإن الجد يفسر على وجهين، أحدهما: الغنى، ومنه # [85] قوله - صلى الله عليه وسلم - في الفقراء: "أنهم يدخلون الجنة وإذا ~~PageV01P157 # أصحاب الجد محبوسون" يريد أن أصحاب الأموال محبوسون للمحاسبة. # والجد (1) أيضا بمعنى البخت، يقال: لفلان جد في هذا الأمر، أي: حظ. يقول: ~~إن المال والغنى والبخت لا ينفع أحدا إنما النفع والضر من قبل الله ~~-سبحانه-. # وأما قول الله -جل وعز-: (وأنه تعالى جد ربنا) [الجن/3]، فمعناه: الجلال ~~والعظمة. وقوله: "منك الجد" من -ها هنا- بمعنى البدل، كقوله -عز وجل-: (ولو ~~نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) [الزخرف/ 60] أي: بدلكم. # [86] [و] (2) قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك (3)، ~~وأعوذ بك منك". PageV01P158 # قلت (1): الرضى: ضد السخط، والنقمة: ضد العفو. # فلذلك قابل الضد بالضد [في موضع اللغة] (2)، فلما انتهى إلى ذكر ما لا ضد ~~له ولا ند -سبحانه- أظهر العجز. والانقطاع، وفزع منه إليه، واستعاذ به منه، ~~واستجار بفضله من عدله. وفيه دليل على أن النفع والضر والخير والشر مصدرهما ~~جميعا من قبل الله -عز وجل-. # [87] [و] (3) قوله: "سبحان الله عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد ~~كلماته" المداد: مصدر كالمدد، يقال: مددت الشيء ms54 أمده مددا ومدادا قال ~~الشاعر (4): # رأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد # أي: بزيت يمدها. وروى سلمة عن الفراء، قال: قال الحارثي: يجمعون المد: ~~مدادا. وأنشدني (5): PageV01P159 # مايرن في البحر بخير سعر ... وخير مد من مداد البحر # فعلى هذا يكون معناه المكيال، والمعيار. وكلمات الله -سبحانه- لا ينتهي ~~إلى أمد، ولا تحد، ولا تحصى بعدد، ولكنه ضرب بهما (1) المثل ليدل على ~~الكثرة والوفور، ونصب "العدد، والمداد" على المصدر. و"زنة العرش": ثقله ~~ورزانته. والعرش: خلق عظيم لله -عز وجل (2) - لا يعلم قدر عظمه ورزانة ثقله ~~أحد غير الله -[سبحانه] (3) - وهو مخلوق، ومحدود؛ ألا تراه يقول: (وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش)؟ [الزمر/75] وهو محمول على كواهل الملائكة، ~~والله -سبحانه- حامل حملته، لا حاجة به إلى العرش، وليس بمكان له، ولا هو ~~متمكن فيه ولا معتمد عليه لأن هذا كله من صفات الحدث (4)، لكنه بائن منه ~~ومن جميع خلقه، وإنما جاء في التنزيل: (الرحمن على العرش استوى) [طه/5] ~~فنحن نؤمن بما أنزل، ونقول كما قال، ولا نكيفه، ولا نحده، ولا نتأوله. كما ~~فعله نفاة الصفات، وهذا باب من العلم الذي يجب علينا الإيمان بظاهره، ولا ~~يجوز لنا الكشف عن باطنه. # [88] [و] (5) قوله: [- صلى الله عليه وسلم -] (6): "أفضل الكلام أربع هن ~~من PageV01P160 # القرآن ولسن (1) بقرآن "سبحان الله" و "الحمد لله" و "لا إله إلا الله" و ~~"الله أكبر". # يريد بقوله: "هن من القرآن" أن (2) هذه # الكلمات موجودة في القرآن وليست بقرآن من جهة النظم، فيكون آية متلوة. ~~[وهذا يدل على أن إعجاز القرآن إنما هو في لفظه ونظمه معا لا في لفظه فحسب] ~~(3). # [89] [و] (4) قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة". معنى ~~الكنز في هذا: الأجر الذي يحوزه (5) قائله، والثواب الذي يدخر له (6) ومعنى ~~كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" إظهار PageV01P161 # الفقر إلى الله -جل وعز- وطلب المعونة منه على كل ما يزاوله من الأمور، ~~وهو حقيقة العبودية. # وقال ابن الأنباري: الحول معناه في كلام العرب: الحيلة، يقال: ما للرجل ~~حول، ms55 وماله، احتيال، وماله محالة، وماله محال؛ بمعنى واحد. يريد: أنه لا ~~حيلة له في دفع شر، ولا قوة له في درك خير إلا بالله، ومعناه: التبرؤ من ~~حول نفسه وقوته، والانقطاع إلى الله [عز وجل] (1) في جميع الأمور. # وقال أبو الهيثم الرازي قوله: "لا حول" أصله من حال الشيء إذا تحرك، ~~يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بالله. وقد روي عن ابن مسعود أنه قال في ~~تفسيره: "لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا ~~بعون الله". # قال أبو سليمان: وهذا (2) أحسن ما جاء فيه. # [90] [و] (3) قوله: "أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم PageV01P162 # الخوف"، العيلة: الفقر، يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة، إذا: "افتقر، ~~وعال يعول، إذا: جار. وأعال يعيل [إعالة] (1)، إذا: كثر عياله. # [91] [و] (1) قوله: "اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن (2) شر ما ~~منعتنا". قال أبو سليمان: من رواه "عائذ" بضم الذال -كان معناه: أنا عائذ ~~بك (3)، وأضمر (3) الاسم. ومن رواه: "عائذا بك" -مفتوحة الذال- كان معناه: ~~المصدر. كأنه يقول: "أعوذ بك عياذا" وقد جاء من المصادر على وزن فاعل ~~"العافية" وفلج الرجل "فالجا" وما باليت به "بالية وبالة". # [92] [و] (1) قوله: "ألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين" ~~PageV01P163 # خزايا: جمع خزيان. [و] (1) أصل الخزي [الذل] (2) الذي يستحيا من مثله لما ~~يخاف من الفضيحة [فيه. يقال] (3): خزي الرجل يخزى خزيا، إذا: هان وذل. وخزي ~~خزاية، إذا: استحيا. # [93] [و] (4) قوله: "اللهم أعني ولا تعن علي، وامكر لي ولا تمكر علي" ~~معناه: أن ينفذ مكره وحيلته في عدوه، ولا ينفذ مكر عدوه وحيلته فيه. وقد ~~يكون معنى المكر: الاستدراج في الطاعات؛ فيتوهم أنها مقبولة منه وهي مردودة ~~عليه، ويحسب أنه محسن وهو مسيء. كقوله -سبحانه-: (وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا) [الكهف/104] [وكقوله -تعالى-] (5): (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون) [الزمر/47]. PageV01P164 # [94] وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه (1) قال: "إذا رأيت ~~الله يعطي العبد ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج"، ms56 ثم ~~ترجم بهذه الآية: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) [الأنعام/ 44]. # حدثناه ابن الأعرابي، قال: أنبأنا أبو إسماعيل الترمذي (2)، قال: أنبأنا ~~أبو صالح [هو] (3) كاتب الليث، قال: حدثني حرملة بن عمران عن [عقبة] (4) بن ~~مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # [95] [و] (5) قوله: "رب اجعلني [لك] (6) شكارا، لك PageV01P165 # ذكارا، مخبتا لك أواها، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، واسلل سخيمة قلبي". # المخبت: الخاشع، ويقال: المخلص في خشوعه. والأواه: الموقن. ويقال: ~~البكاء. # وروي في قوله -[سبحانه] (1) -: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) [هود/75]: ~~أنه كان إما ذكر النار [ضج وتأوه] (2). # والحوبة: كل ما يتحوب منه، أي: يتحرج من فعله؛ والاسم منه (3): الحوب ~~والحاب، يقال: حاب الرجل يحوب، قال الشاعر: # وإن مهاجرين تكنفاه ... غداة ئذ لقد ظلما وحابا (4) # والسخيمة: غل القلب ونغله. # [96] [و] (5) قوله: (اللهم عافني في سمعي وبصري ما PageV01P166 # أبقيتني، واجعله الوارث مني" معنى الوارث -ها هنا- الباقي، وحقيقة الوارث ~~أنه هو (1) الذي يرث ملك الماضي. سأل الله أن يبقي له قوة هاتين الحاستين ~~إذا أدركه الكبر، وضعف منه سائر القوى؛ ليكونا وارثي سائر الأعضاء ~~والباقيين بعدها. وقيل: إنه (2) دعا بذلك للأعقاب والأولاد (3). وقوله: ~~"واجعله الوارث مني" بلفظ الواحد، وقد ذكر قبله السمع والبصر، وهما اثنان؛ ~~فإنه رد الفعل إلى واحد منهما كقول الشاعر (4): # إن شرخ الشباب] (5) والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # ولم يقل: ما لم يعاصيا؛ لأنه أراد: ما لم يعاص كل واحد منهما. وفيه وجه ~~آخر، وهو أن كل شيئين تقاربا في معنييهما، فإن الدلالة على أحدهما دلالة ~~على الآخر (6). # [97] [و] (7) قوله: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى". ~~PageV01P167 # الرفيق: الخليط المرفق، فعيل بمعنى مفعل. كقولهم: أليم بمعنى مؤلم، يقال ~~للواحد وللجماعة: رفيق. كما يقال (1) للواحد وللجماعة (2): صديق. يريد ~~الملائكة المقربين، وهم الملأ الأعلى. # كقوله [تعالى] (3): (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) [الصافات/8] يريد ~~الملائكة. والله أعلم. # [98] [و] (3) قوله: "يا كائن قبل ms57 أن يكون شيء، والمكون لكل شيء، والكائن ~~بعدما لا يكون شيء" الوجه (4) في حركة الأول ضم النون لأنه نداء مفرد، وفي ~~الثاني نصبها لأنه عطف على موضع المنادي. كقوله -جل وعز (5) -: (يا جبال ~~أوبي معه، والطير) [سبأ/ 10] [و] (6) كما قال الشاعر (7): PageV01P168 # ألا يا زيد والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق # فعطف على موضع المنادى. # [قوله] (1): "والكائن بعدما لا يكون شيء" مضموم النون على استئناف ~~النداء؛ إذا طال الكلام قطع، واستؤنف ما بعده، وكأنه أضمر (2) فيه أنت. # [99] [و] (3) قوله: "اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من ~~الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت ~~بين المشرق والمغرب" [قال أبو سليمان] (4): معنى ذكره (5) الثلج والبرد ~~توكيد للتطهير، ومبالغة فيه، وذلك أن الثلج والبرد ماءان مفطوران على ~~خلقتهما، لم تمترسهما الأيدي، ولم (6) تخضهما الأرجل كسائر المياه التي قد ~~PageV01P169 # خالطت تربة الأرض، وجرت (1) في الأنهار والحياض ونحوها (2)؛ فكانا أحق ~~بكمال الطهارة، وكذلك هذا المعنى في قوله: "كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس" إشباع في بيان (3) التطهير، وتوكيد له. # والله -سبحانه (4) - مستغن عن (5) أن يضرب له الأمثال، وأن يظاهر له ~~البيان من طريق التشبيه، والتمثيل، ولكنه عادة الكلام، وبه يحسن البيان، ~~ويقرب الشيء من الأفهام. [والله أعلم] (6). # [100] [و] (7) قوله: "اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع". قال أبو ~~عبيد: الطبع: الدنس، والعيب، وكل شين في دين أو دنيا فهو طبع (8)، يقال ~~منه: رجل طبع (8)، وأنشد الأعشى (9): PageV01P170 # له أكاليل بالياقوت فصلها ... صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا # [101] قوله (1): "وأعوذ بك من الغرق والحرق" (2) والحرق (3) -مفتوحة ~~الراء-. # [102] [و] (4) قوله: "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة" ~~فإن جار البادية يتحول. سأل (5) سائل عن هذا فقال: ما معنى هذا الشرط؟ وما ~~وجه التخصيص فيه؟ والمعنى (6) -والله أعلم- أن حكم الشيء الخاص النادر خلاف ~~حكم الشيء العام الدائم. واليسير من الأذى والمشقة محتمل فلم يستعذ بالله ~~منه لأن في احتماله، والصبر عليه أجرا ومثوبة وقد أمرنا بالصبر والرضى ms58 في ~~PageV01P171 # المكروه ما احتمله الإنسان، واستقل به، فأما الكثير الدائم منه فغير ~~محتمل ولا مستطاع وإذا ابتلي به الإنسان افتتن في دينه، وخيف عليه الوقوع ~~في المأثم، فاستعاذ بالله منه، وفزع إليه في صرفه عنه. # وجوار (1) البوادي جوار نجعة ومقامهم فيها مقام قلعة؛ لأنهم إنما يبتغون ~~(2) مواقع الغيث، فإذا نفدت تلك المياه انتقلوا، وتباينت بهم المحال. وجوار ~~المقام في البلدان جواز يتصل مدى العمر، ويدوم ولا ينقطع، ويقال: هذه دار ~~مقام، ودار مقامة، ونظير هذا (3). # [103] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعوذ بك من الصمم، والبكم، # والجنون، والجذام، والبرص، وسيىء الأسقام" فيقال كيف لم # يستعذ من الحمى، والصداع، والرمد ونحوها من العلل والأمراض؟ والجواب (4) ~~في هذا كالأول أو قريب منه، وذلك أن هذه الأمور آفات (5) وعاهات تفسد ~~الخلقة، وتغير الصورة، وتورث PageV01P172 # الشين، وتؤثر في العقل، والمحنة بها تعظم، والبلاء فيها يجهد ويشتد. # [104] وقد كان [النبي] (1) - صلى الله عليه وسلم - "يستعيذ بالله من جهد ~~البلاء". فأما الحمى والصداع والرمد ونحوها من الأوجاع (2) فإنها [-وإن ~~كانت أعراضا مؤلمة-] (3) تزول ولا تدوم وفيها أجر وتكفير للذنوب، فلم يصرف ~~(4) الاستعاذة إليها لخفة الأمر فيها (5)، وإمكان الصبر عليها. # [105] [و] (6) قوله: "اللهم إني" (7) أعوذ بك من الذلة PageV01P173 # والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر". معنى استعاذته من الفقر والمسكنة، إنما هو ~~فقر النفس وما يعتريها من الحرص والجشع، ولم يرد به (1) قلة المال، وعدم ~~اليسار، فقد كان معلوما من أمره - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يؤثر ~~الإقلال من الدنيا ويكره الاستكثار من حطام أعراضها (2). وقال بعض العلماء ~~قد جاء في الحديث مدح الفقر، وذمه، والاستعاذة منه، وإنما المذموم من الفقر ~~أن يكرهه خوفا من الذل والصغار وانحطاط القدر عند الناس، فأما ما كره من ~~ذلك لأجل ما يخاف من فتنته. فليس بمذموم؛ لأن سوء احتمال الفقر ربما دعا ~~إلى التقصير في إقامة الفرائض، والذهاب عن الحقوق الواجبة. # [106] [و] (3) قوله: "واجعلني في النداء الأعلى" وقد يروى: " [في] (4) ~~الندي الأعلى". # النداء مصدر ناديته نداء، ومعناه أن ينادى للتنويه به. والرفع ms59 منه، وقد ~~يحتمل [أن] (5) يكون أراد PageV01P174 # ب "النداء الأعلى" نداء أهل الجنة أهل النار كقوله [تعالى] (1): (ونادى ~~أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) [الأعراف/44] ~~والنداء الأسفل: نداء أهل النار أهل الجنة: (أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله) [الأعراف/50]. ولهذا قيل: ليوم القيامة: "يوم التنادي" (2) ~~وقيل إنما سمي يوم التنادي (2)، لأن كل واحد يدعى باسمه فيعطى كتابه. وأما ~~الندي: فأصله المجلس الذي قد اجتمع فيه أهله. يقال منه ندوت القوم أندوهم ~~ندوا: إذا جمعتهم. ومنه سميت (3) "دار الندوة" ويقال: فلان في ندي قومه ~~وناديهم. وقال حاتم الطائي (4): # ودعيت في أولى الندي ولم ... ينظر إلي بأعين خزر # فالندي الأعلى: هم الملائكة -صلوات الله عليهم (5) - ويقال (5): لا يكون ~~الندي إلا الجماعة من أهل الندى والكرم. # [107] [و] (6) قوله: "ما من مسلم يبيت طاهرا على ذكر الله PageV01P175 # [تعالى] (1) فيتعار من الليل يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا ~~أعطاه". # يتعار: معناه: يستيقظ من نومه. قالوا: ولا يكاد يكون ذلك إلا مع صوت أو ~~كلام ويقال (2): إنه مأخوذ من عرار الظليم. وهو صوته. # [45 مكرر] [قوله: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين ~~نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -" (3). معنى الفطرة ابتداء الخلقة، وهي ~~إشارة إلى كلمة التوحيد حين أخذ الله العهد من ذرية آدم فقال: (ألست بربكم ~~قالوا بلى) [الأعراف/172]. وقد تكون الفطرة بمعنى السنة ومن هذا قوله: "عشر ~~من الفطرة فذكر السواك والمضمضة وأخواتها"] (4). PageV01P176 # [آخر كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله أجمعين، التي جمعها محمد بن إسحاق بن خزيمة وفرغ من تسويده في ~~الليلة الخامسة من ذي القعدة من شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة علي بن محمد ~~بن عثمان المؤذن النيسابوري حامدا لله تعالى ومصليا على رسوله محمد وعلى ~~آله وسلم] (1). PageV01P177 # بسم الله الرحمن الرحيم (1) ### | ومن لواحق الدعاء الذي لم يذكر في (2) المأثور # [108] قوله - صلى الله عليه وسلم - عند الخروج إلى السفر: "اللهم بك ~~ابتسرت، وإليك توجهت، ms60 وبك اعتصمت". معنى ابتسرت: ابتدأت سفري، وكل شيء ~~أخذته غضا فقد بسرته، وابتسرته، ويقال: بسرت النبات أبسره بسرا: إذا رعيته ~~غضا، وهذا هو الصحيح في الرواية. والعوام ترويه: "اللهم بك انتشرت" وهو ~~صحيح في المعنى أيضا، إلا أن الرواية ما ذكرته لك أولا، وقد فسرناه في غريب ~~الحديث (3). PageV01P178 # [109] [و] (1) قوله - قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من السفر: ~~"ثوبا (2) لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا" الثوب (3): مصدر ثاب يثوب ~~[ثوبا] (4)، ونصبه على المصدر كأنه قال: أثوب ثوبا، وقوله أوبا مصدر آب ~~يؤوب إذا رجع ومعناه (5): الرجوع عن الذنب. # كقوله -سبحانه-: (فإنه كان للأوابين غفورا) [الإسراء/25]. # وكقوله: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) [ص/17]. # [قالوا] (6) الأواب: الكثير الرجوع إلى الله [عز وجل] (7). PageV01P179 # والحوب -بضم الحاء- المأثم، والحوب (1) -بفتحها- مصدر حاب يحوب: إذا أثم. # [110] [و] (2) قوله: [- صلى الله عليه وسلم -] (3) إذا سافر: "اللهم إني ~~أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون (4) وسوء المنظر في ~~الأهل والمال". # وعثاء السفر: شدة النصب والمشقة، وأصله من الوعث وهو الدهس، والمشي (5) ~~يشتد فيه على صاحبه فصار مثلا لكل ما يشق على فاعله. وقوله: "كآبة المنقلب" ~~يعني أن ينقلب من سفره إلى أهله بأمر يكتئب منه. مثل أن يصيبه في طريقه مرض ~~أو يناله خسران أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى، أو يكون قد هلك بعضهم إلى ما ~~يشبه ذلك من الأمور التي يكتئب لها الإنسان. # قوله (6): الحور بعد الكون [هكذا يروى] (7) بالنون؛ ومعناه، PageV01P180 # النقصان بعد الزيادة، وذلك أن يكون الإنسان على حالة جميلة، فيحور عن ~~ذلك؛ أي: يرجع. وأخبرني عبد الرحمن بن الأسد عن (1) الدبري عن عبد الرزاق، ~~قال: سئل معمر عن ذلك فقال (2): هو الكنتي، ومعنى الكنتي أن يكون الإنسان ~~قد بلغ حالة من النقص لا يزال يخبر الراهن منها بالماضي فيقول (3): كنت ~~موسرا فأهب، وكنت شابا فأغزو، ونحو هذا من الأمر (4). وأنشد أبو زيد (5): # إذا ما كنت ملتمسا صديقا ... فلا تظفر بكنتي كبير # وقد جاء في غير هذا الحديث. الكور، وهو ms61 مأخوذ من كور العمامة. يقول: قد ~~تغير وانتقض كما ينقض (6) كور العمامة. # [111] [و] (7) قوله - صلى الله عليه وسلم - عند دخول الخلاء: ["اللهم إني ~~PageV01P181 # أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث [المخبث] (1) الشيطان الرجيم". الرجس ~~النجس، زعم الفراء أنهم إذا بدؤوا بالنجس ولم يذكروا الرجس فتحوا النون ~~والجيم، وإذا بدؤوا بالرجس ثم أتبعوه (2) النجس كسروا النون. وقوله: ~~"الخبيث المخبث" الخبيث (3) هو ذو الخبث في نفسه، والمخبث: هو الذي أصحابه ~~وأعوانه خبثاء. كقولهم (4): قوي مقو، وضعيف (5) مضعف، ونحوهما (6). # [112] [و] (7) قوله [- صلى الله عليه وسلم -] (8) إذا استفتح الصلاة: ~~"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه " (9) فقيل: يا رسول الله ما ~~همزه ونفثه ونفخه؟ قال: "أما همزه فالموتة، وأما نفثه PageV01P182 # فالشعر؛ وأما نفخه فالكبر". قال أبو عبيد: فهذا (1) تفسير من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولتفسيره تفسير؛ فالموتة: الجنون، وإنما سماه همزا؛ لأنه ~~جعله من النخس والهمز (2) وكل شيء دفعته فقد همزته، فأما (3) الشعر فإنما ~~سماه نفثا لأنه كالشيء. ينفثه الإنسان من فيه مثل الرقية ونحوها. وأما ~~الكبر. فإنما سمي (4) نفخا لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه فيعظمها عنده ~~ويحقر الناس في عينه حتى يدخله لذلك الكبر والنخوة (5). # [113] [و] (6) قوله [- صلى الله عليه وسلم -] (7) - إذا عوذ الحسن ~~والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من [شر] كل (8) شيطان وهامة، ومن كل ~~عين لامة". الهامة يعني: الواحدة من هوام الأرض، وهي دوابها المؤذية، ~~كالحية، والعقرب ونحوهما. وقوله: "لامة" ولم يقل PageV01P183 # ملمة، وأصلها (1) من ألممت إلماما فأنا ملم. يقال: ذلك الشيء (2) يأتيه ~~ويلم به، وذلك لأنه (3) لم يرد طريق الفعل، ولكن أراد أنها ذات لمم. كقول ~~النابغة (4): # كليني لهم يا أمية ناصب # أي (5): ذي نصب، ومن هذا قول الله -سبحانه (6) -: (وأرسلنا الرياح لواقح) ~~[الحجر/ 22] واحدتها: لاقح؛ يعني أنها ذات لقح ولو كان على مذهب الفعل لقال ~~(7): ملقح؛ لأنها تلقح (8) السحاب والشجر (9). وأما قوله: "كلمات الله ~~التامة" فقد فسرناه فيما تقدم، وبينا معنى التمام فيها؛ فأغنى ذلك عن ~~إعادته ها هنا (10). # [114] [و] (11) قوله: "إنه (12) - صلى الله عليه وسلم - كان ms62 يتعوذ من ~~[خمس] (13) العيمة PageV01P184 # والغيمة والأيمة والكزم والقرم". # العيمة: شهوة اللبن حتى لا يصبر عنه، يقال: عام الرجل يعيم عيما، ورجل ~~عيمان. والغيمة: أن يكون الإنسان شديد العطش، كثير الاستسقاء للماء. ~~والأيمة: طول التعزب، من قولك رجل: أيم، وامرأة أيم. إذا كانا عزبين. ~~وأخبرني أبو عمر (1) عن أبي العباس، أحمد بن يحيى (2)، قال: العرب تقول في ~~الدعاء على الإنسان: ما له! عام وغام وآم، فمعنى (3): عام: أن تهلك إبله ~~وماشيته؛ فلا يجد لبنا يحلبه. # ومعنى غام: أن يشتد عطشه فلا (4) يجد ماء يشربه. # ومعنى (5) آم: أن تطول أيمته؛ فلا يجد نكاحا. وأما القرم: فهو في اللحم ~~كالعيمة في اللبن؛ يقال: قرمت إلى اللحم فأنا قرم إليه. # وأما الكزم: فشدة الأكل، [من قولك] (6): كزم الرجل الشيء بفيه يكزمه ~~كزما؛ إذا كسره، المصدر ساكن الزاي، والاسم بفتحها. ويقال: كزم، وأزم، ~~وبزم، وكدم، وعذم، كله بمعنى واحد. PageV01P185 # [115] [و] (1) قوله -[صلى الله عليه وسلم] (1) - إذا نزل من (2) سفره ~~أرضا: "يا أرض، ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما يدب ~~عليك من أسد، وأسود، ومن ساكن البلد، ومن (3) والد وما ولد". يعني بالأسود: ~~الحية، وساكن البلد: الجن (4)؛ وذلك أنهم سكان الأرض. والعرب تسمي الأرض ~~المستوية: بلدا، وإن لم تكن مسكونة ولا ذات أبنية. قال الشاعر (5): # وبلد ليس به أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس PageV01P186 # وقال النابغة (1): # ها إن تا (2) عذرة إن لم تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد # يريد متائه الأرض ومجاهلها. والوالد (3): إبليس، وما ولد: نسله وذريته. # [116] [و] (4) قوله -[صلى الله عليه وسلم] (5) -: (اللهم إني أعوذ بك من ~~PageV01P187 # الضبنة في السفر (1)، وكآبة الشطة، وسوء المنقلب". الضبنة: عيال الرجل ~~[ومن يلزمه في نفقته] (2). وسموا ضبنة؛ لأنهم في ضبن من يعولهم. والضبن: ما ~~بين الكشح والإبط؛ تعوذ بالله من كثرة العيال، وخص به (3) حال السفر، لأنه ~~مظنة الإقواء (4). # وفيه وجه آخر: وهو (5) أن يكون إنما تعوذ من صحبة من لا غناء (6) فيه، ~~ولا كفاية، وإنما هو كل، وعيال عليه. والشطة: ms63 بعد المسافة. يقال: شط ~~المكان: إذا بعد يشط ويشط. ويقال: شطت به النوى إذا بعدت. # [117] [و] (7) قوله -[صلى الله عليه وسلم] (8) - حين قنت في صلاة الفجر ~~فقال: "اللهم قاتل كفرة أهل الكتاب، واجعل قلوبهم كقلوب نساء كوافر". ~~PageV01P188 # المعنى (1): كقلوبهن في الاختلاف، وقلة الائتلاف، وأراه عنى الضرائر منهن ~~لأن ذلك أشد لاختلافهن ومنافسة بعضهن بعضا. وفي الكوافر وجهان؛ أحدهما: ~~الكفر بالله -جل وعز (2) - وذلك أشد لاختلافهن. قال الله [تعالى] (3): ~~(وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة/64]. # والقول الآخر: أن يكون ذلك من كفران النعم وهن من أقل الناس شكرا للعوارف ~~وكذلك (4) # [118] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن ~~العشير". # وفيه وجه آخر؛ وهو أن الكوافر يرعن أبدا بالصباح والبيات في عقر دارهن ~~فقلوبهن تجب (5) أبدا. # [119] [و] (6) قوله (7) -حين استأذن عليه رهط من PageV01P189 # اليهود فقالوا: "السام عليكم أبا القاسم، فقالت عائشة [رضي الله عنها] ~~(1): عليكم السام واللعنة والأفن والذام". # السام: فسره أبو عبيد فقال: هو الموت. وقال قتادة: هو السآم ممدود مهموز؛ ~~أي: تسأمون دينكم. مصدر سئم سآمة وسآما، والأفن: النقص. والذام: العيب. ~~ومثله الذان. # [120] [و] (2) قوله: [كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول] (3): ~~"إذا هاجت الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا". معنى ذلك -والله ~~أعلم- أن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثر المطر (4) فزكت الزروع والثمار ~~وإذا لم تكثر وكانت ريحا (5) واحدة؛ فإنها تكون عقيما وربما كانت عذابا. ~~والعرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. # وقال الأصمعي عن بعض الأعراب: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض. # [121] وقد روي معنى ما ذكرناه عن ابن عباس، حدثناه PageV01P190 # الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا من لا أتهم، ~~قال: أخبرنا العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: في كتاب الله -يعني ~~آية الرحمة- (وأرسلنا الرياح لواقح) [الحجر/22] وقال: (وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته) [الأعراف/57]. وقال (1) -يعني في آية العذاب-: ~~(وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) [الذاريات/ 41]. وقال: (إنا أرسلنا ~~عليهم ريحا ms64 صرصرا) [القمر/19]. # [122] [و] (2) قوله: "اللهم على الآكام والظراب" الأكام: جمع الأكمة، ~~والظراب: "الهضاب جمع الظرب (3). قال الشاعر (4): # إن جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسر فوق الظراب # [123] [و] (1) قوله: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، PageV01P191 # واجعلها [عليهم] (1) سنين كسني يوسف" معنى الوطأة: العقوبة والمشقة (2)، ~~وأريد به (3) ها هنا: ضيق المعيشة وهو (4) مأخوذ [من وطء الدابة الشيء] ~~(5)، وركضها إياه برجلها، وقد يوصف بعض السلاطين بثقل الوطأة. يراد: سوء ~~السيرة، والعنف في السياسة. # قال (6) الشاعر (7): # ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد يابس (8) الهرم (9) # وسني يوسف: هي المجاعة التي ذكرها الله في قوله [تعالى] (10): (قال ~~تزرعون سبع سنين دأبا) الآية [يوسف/47]. # [124] [و] (1) قوله لعلي: "سل الله الهدى وأنت تعني PageV01P192 # بهداك هداية الطريق وسل الله السداد وأنت تعني بذلك سداد السهم" معنى هذا ~~الكلام: أن الرامي لا يرمي إلا بالسهم الذي قد سوي قدحه وأصلح ريشه وفوقه، ~~حتى يعتدل ويتسدد، وإنه مهما قصر عن شيء [من هذا] (1) لم يتسدد رميه ولم ~~يمض (2) نحو الغرض سهمه. فأمر الداعي إذا سأل الله السداد أن يخطر بباله ~~(3) صفة هذا السهم المسدد، و [أن] (4) يحضرها لذكره؛ ليكون ما يسأل الله ~~-جل وعز- منه على شكله ومثاله؛ وكذلك هذا المعنى في طلب الهدى، جعل هداية ~~الطريق مثلا له، إذ كانت (5) الهداة لا يجورون عن القصد، ولا يعدلون عن ~~المحجة، إنما يركبون الجادة فيلزمون (6) نهجها [و] (7) يقول: فليكن ما تؤمه ~~من الهدى، وتسلكه من سبيله كذلك. # [125] [و] (7) قوله: "أعوذ بك من الهم والحزن وضلع الدين" [الهم: لما ~~يستقبل، والحزن: لما مضى] (8) وضلع الدين: PageV01P193 # ثقله، وغلظه؛ والضليع: الغليظ (1) من كل شيء، ومنه قولهم: أكل الرجل حتى ~~تضلع. # [126] [و] (2) قوله: "اللهم (3) إني أعوذ بك من فقر مرب أو ملب". الملب: ~~المقعد (4) الملزق بالأرض. يقال: أرب بالمكان، وألب به؛ إذا أقام، وهذا ~~كقول الناس قد لزق فلان بالتراب (5) إذا افتقر، قلت (6): وليس هذا بخلاف. # [127] لقوله: "اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة ~~المساكين" ومعنى المسكنة، ها هنا (7)، التواضع، والإخبات، وإنما سأل الله ~~أن لا يجعله ms65 من الجبارين المتكبرين، وأن PageV01P194 # لا يحشره في زمرتهم، وقال بعضهم: المسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: ~~تمسكن الرجل: إذا لان، وخشع. قال: والميم فيه زيادة (1)، وهذا كما قيل (2): ~~تمدرع الرجل، وأصله: تدرع من الدراعة (3). # قلت (4): وتعوذه من الفقر في سائر الأخبار إنما هو فقر النفس، وقد يكون ~~إنما تعوذ من سوء احتمال الفقر، وقلة الرضا به. # [128] [و] (5) قوله: "اللهم إني أسألك غناي، وغنى مولاي" المولى: الولي ~~ها هنا (6). وكل ولي للإنسان فهو مولاه، مثل الأب والأخ وابن الأخ، والعم ~~وابن العم ومن وراءهم من العصبة PageV01P195 # كلهم؛ ومنه قول الله -سبحانه (1) -: (وإني خفت الموالي من ورائي) ~~[مريم/5] ومما يبين لك أن (2) المولى كل ولي # [129] قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~مواليها فنكاحها باطل" أراد بالموالي: الأولياء. # [130] [و] (3) قوله لعائشة [رضي الله عنها] (4): وسمعها تدعو على سارق ~~سرقها: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه" قال الأصمعي: يريد لا تخففي عنه بدعائك. ~~ويقال (5): اللهم سبخ عني الحمى؛ أي: سلها وخففها. ومن هذا قيل لقطع القطن ~~إذا ندف: سبائخ. PageV01P196 # وقال (1) أعرابي في كلامه: الحمد لله على تسبيخ العروق، وإساغة الريق. # [131] نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقال: "بالرفاء والبنين"، قال ~~الأصمعي: معناه: الاتفاق، وحسن الاجتماع، ومنه أخذ رفؤ الثوب لأنه يرفأ ~~فيضم بعضه إلى بعض، ويكون الرفاء (2) من الهدوء والسكون أيضا. قال أبو خراش ~~(3): # رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه: هم هم (4) # [132] [و] (5) قوله: "عطس عند النبي [- صلى الله عليه وسلم -] (6) رجلان ~~PageV01P197 # فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر" قوله: شمت، معناه: دعا له، # [133] كقوله: "يرحمكم الله، أو يهديكم الله ويصلح بالكم". [أخبرني عمر بن ~~أحمد المتوثي، قال: سمعث أبا مسلم الكجي (1) يقول: سمعت أبا زيد، (2) يقول: ~~شمت، وسمت: لغتان، والشين أعلى في كلامهم. # [134] [و] (3) قوله -[- صلى الله عليه وسلم -] (4) -: "إنه ليغان على ~~قلبي حتى أستغفر الله كذا [و] (5) كذا مرة" [و] (5) قال أبو عبيدة (6): ~~يعني PageV01P198 # أنه يتغشى القلب ما يلبسه، وقال غير أبي عبيدة (1): كأنه يعني (2) من ~~السهو. ms66 وقال (3) الأصمعي: غينت السماء غينا، قال (4): وهو إطباق الغيم ~~السماء (5). قلت (6): وليس هذا على أنه كان يغشى قلبه شك بعد المعرفة، أو ~~ريب بعد اليقين، وإنما ذلك لأنه -[- صلى الله عليه وسلم -] (7) -: كان لا ~~يزال في مزيد من الذكر، والقربة، ودوام المراقبة. فإذا سها عن شيء منها في ~~بعض الأحوال، وغلب عليه النسيان لما فيه من الطبع البشري عده على نفسه ~~ذنبا، وفزع إلى التوبة والاستغفار. ### | ومن دعائه [- صلى الله عليه وسلم -] في الاستسقاء # (8): # [135] "اللهم ضاحت بلادنا، واغبرت أرضنا، وهامت PageV01P199 # دوابنا، اللهم ارحم بهائمنا الحائمة (1)، والأنعام السائمة، والأطفال ~~المحثلة" (2). # [و] (3) قوله: "ضاحت بلادنا" [إنما هو "فاعلت"] (4)، من ضحى المكان، وضحي ~~-لغتان- إذا برز للشمس يضحى. # [وضحي الرجل يضحى؛ إذا أصابه حر الشمس] (5)؛ قال الله [تعالى] (6): (وأنك ~~لا تظمأ فيها ولا تضحى) [طه/119] وقوله: "هامت دوابنا" أي: عطشت، والهيمان: ~~العطشان، والحائمة: هي التي تنتاب أماكن الماء فتحوم عليه؛ أي: تطوف، ولا ~~ترد. يريد: أنها لا تجد ماء ترده. والأطفال المحثلة: هم الذين انقطع رضاعهم ~~والحثل: سوء الرضاع. قال ذو الرمة (7): PageV01P200 # عواء فصيل آخر الليل محثل # [136] [و] (1) قوله: إذا مطر: "اللهم سيبا هنيئا". # [هكذا] (2) قال سفيان بن عيينة في روايته: وربما (3) روي لنا صيبا، وهو ~~أجود. و (4) السيب: العطاء -بفتح السين- والسيب: مجرى الماء -بكسرها-، ~~يقال: ساب الماء سيوبا: إذا جرى. فأما (5) الصيب فأصله: الصوب، يقال: صاب ~~المطر يصوب صوبا؛ إذا نزل، ومنه قول الله -سبحانه (6) -: (أو كصيب من ~~السماء) [البقرة/ 19]. ووزنه (7) فيعل، من صاب يصوب: إذا نزل. PageV01P201 # [137] [و] (1) قوله: "تعوذوا بالله من (2) الأعميين، ومن قترة وما ولد". ~~يريد بالأعميين: السيل والحريق. وقيل (3) لهما الأعميان، لأنه (4) لا هداية ~~لهما، إنما يتعسفان بمنزلة العميان. # ويروى أيضا: الأيهمين ومعناهما واحد. ومن هذا قيل للمفازة (5) التي لا ~~يهتدى فيها للطريق (6) اليهماء. # وقترة: اسم إبليس، ويقال: كنيته أبو قترة. وابن قترة حية خبيثة. # [138] [و] (7) قوله: [- صلى الله عليه وسلم -] (8) في الاستسقاء: "اللهم ~~اسقنا PageV01P202 # غيثا مغيثا، وحيا ربيعا، وجدا طبقا [غدقا] (1)، مغدقا مونقا هاميا (2)، ~~هنيئا مريئا مريعا مربعا (3) مرتعا ms67 وابلا سابلا مسبلا مجللا ديما. دررا ~~نافعا غير ضار [و] (4) عاجلا غير رائث، تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، ~~وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد [اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها وأنزل ~~علينا في أرضنا سكنها] (5). # الغيث: هو المحيي بإذن الله، وكذلك الحيا، مقصور، هو الذي تحيا به الأرض، ~~والمال. يقال: فيه إحياء الناس (6). والجدا: المطر العام، وهو مقصور ومنه ~~أخذ جدى العطية والجدوى. والطبق PageV01P203 # الذي يطبق وجه الأرض، والمغدق (1) والغدق: الكثير القطر. # والمونق: المعجب، يقال: آنقني الشيء، أي: أعجبني. والمريع: ذو المراعة ~~والخصب، يقال: أمرع الوادي: إذا أنبت، فإن قدمت العين فقلت (2): أمعر ~~الوادي كان ضد ذلك. ويقال (3): أمعر (4) الرجل (4): إذا ذهب ماله، ومتاعه، ~~وفي الحديث: # [139] "ما أمعر حاج قط" أي: ما افتقر. والمرتع إذا رويته بالتاء، كان ~~[من] (5) رتعت الإبل إذا رعت؛ يريد أنه ينبت لها ما ترتع فيه، وإن رويته ~~بالباء كان من قولك: ربعت بالمكان إذا أقمت به؛ يريد: أن هذا المطر يربعهم؛ ~~أي: يحبسهم ويغنيهم عن الارتياد والنجعة، ويكون المربع أيضا بمعنى: المنبت ~~للربيع. # والوابل: المطر الشديد الضخم القطر، ومنه يكون السيل. والديمة: ~~PageV01P204 # المطر يدوم مع سكون، والجود الذي يروي كل شيء. والسابل: من السبل، وهو ~~المطر. يقال: سبل سابل. والمجلل (1): الذي يجلل الأرض بمائه أو بنباته، ~~كأنه يكسوها ذلك. ودرر: جمع درة، والرائث: البطيء، يقال: راث علينا؛ أي: ~~أبطأ. وزينة الأرض: النبات، كقوله -[جل وعز] (2) -: (حتى إذا أخذت الأرض ~~زخزفها وازينت) [يونس/ 24]. # وسكنها: قوتها، وهو مأخوذ من سكنت المكان. أسكنه سكونا. وإنما قيل له: ~~سكن، لأنه المكان الذي (3) يسكن به. وهو مثل قولهم: نزل العسكر؛ لأن النزول ~~إنما يكون به لأهل العسكر. # [140] قوله -[- صلى الله عليه وسلم -] (4) -: "اللهم لا تطع فينا تاجرا ~~(5) ولا مسافرا" معناه لا تستجب فينا دعاءهما في إمساك المطر؛ فإن التاجر ~~يريد الغلاء، والمسافر يكره المطر لئلا (6) يحبسه عن السير (7). ~~PageV01P205 # روي (1) عن قتادة أنه قال: "لو أطاع الله الناس في الناس لم يكن ناس" ~~يريد: أن الناس يدعون الله أن يرزقهم الذكران ms68 من الولد، ولو رزقوا كلهم ~~الذكور لم تبق أنثى، وانقطع النسل. # [141] قوله: [- صلى الله عليه وسلم -] (2): "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء ~~قبلي، بعرفات، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو ~~على كل شيء قدير" معناه: أكثر ما أفتتح به دعائي (3) وأقدمه أمامه من ثنائي ~~على الله -عز وجل (4) - وذلك أن الداعي يفتتح (5) دعاءه بالثناء على الله ~~-سبحانه- ويقدمه أمام مسألته، فسمى الثناء دعاء؛ إذ كان مقدمة له وذريعة ~~إليه على مذهبهم في تسمية الشيء باسم سببه. # وحدثني أحمد بن المظفر، قال محمد بن صالح الكيلاني، قال: حدثنا الحسين بن ~~الحسن المروزي، فال: سألت سفيان بن عيينة عن [هذا؛ فقلت له: هذا ثناء] (6)، ~~وليس بدعاء!. PageV01P206 # [142] فقال: أما (1) بلغك حديث منصور عن مالك بن الحارت: "يقول الله ~~-سبحانه: إذا شعل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ~~فقلت: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، وحدثني أنت عن ~~منصور عن مالك بن الحارث فقال: هذا تفسيره. ثم قال: أما بلغك ما قال أمية ~~بن أبي الصلت حين أتى ابن جدعان يطلب فضله ونائله، فقال: # أأطلب حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء (2) # ثم قال: يا حسين هذا مخلوق يكتفى بالثناء عليه دون مسألته فكيف بالخالق ~~-جل وعز-؟!!. # [143] [قوله: عند رفع المائدة: "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا PageV01P207 # مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا". # معنى قوله "غير مكفي ولامودع ولا مستغنى عنه ربنا: إن الله تعالى هو ~~المطعم والكافي، وهو غير مطعم ولا مكفي، كما قال -عز وجل-: (وهو يطعم ولا ~~يطعم) [الأنعام/14] وقوله "غير مودع" أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة مما ~~عنده، ومنه قولة -سبحانه-: (ما ودعك ربك وما قلى) أي: ما تركك ولا أهانك، ~~ومعنى المتروك: المستغنى عنه] (1). # كمل (2) معاني الدعوات وتفسيرها من قبل الشيخ أبي سليمان PageV01P208 # أحمد بن محمد الخطابي، رضي الله عنه، والحمد لله أولا ms69 وآخرا وظاهرا ~~وباطنا. وصلى الله على محمد وآله أفضل الصلوات وأزكاها بمنه وفضله. # والصلاة على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. # PageV01P209 ms70