######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010777 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن المظفر الحاتمي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أبو علي (المتوفى : 388هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 388 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسالة الموضحة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الرسالة الموضحة #META# 030.LibURI :: JK_010777 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # نص الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الملك الحق المبين # الحمد لله وصلى الله على محمد النبي المصطفى وآله الطاهرين وسلم تسليما. ~~PageV01P001 قال أبو علي محمد بن الحسين الحاتمي الكاتب اللغوي: إن معاني ~~الآداب وإن كانت عاطلة الأطلال، مستحيلة الحال، دائرة العرصات، عافية ~~المعالم والآيات المغاني، محادثة بألسنة الحدثان، فإنها اليوم بالرئيس لأبي ~~الفرج محمد بن العباس حالية الجياد، صادقة الرواد، موسومة ربوعها بوسمي ~~العهاد. تهتز نضره ونعيما، ويتم رياها تضوعا ونسيما. فلا زالت معاقد الفضل ~~به منظومة، وإغفاله بمجده موسومة، ومجاهله بمحاسنه معلومة، ما نشرت أنابيب ~~القنا نثرة، واستضحكت لانتخاب الحيا زهرة، وتحيرت في مقلة عبره. أجد الرئيس ~~شديد العلاقة بمفاوضي إياه ما كانت المشاجرة وقعت فيه بيني وبين أبي الطيب ~~أحمد بن الحسين المتنبي، في المجلس الذي أثرت فيه آثاره، وسافرت في أطرار ~~البلاد أخباره، مستهترا بتكرير فصول منه تتعلق بحفظي منه، منازعا جمع شتيته ~~مشيرا إلى اليوم الذي شجرت تلك المنازعة فيه إشارة معني به معين على الشهر ~~والسنة والوقت من الزمان، وإلى ما أثمرت لي تلك المنازعة من بعد الصيت ~~وشراد الذكر وقدم السبق واللحاق به، في حال الغرارة ولين الغصن، بالغاية ~~التي لا يجري في مضمارها إلا المذكي من أهل الفضل. هذا إلى إناقة المكان، ~~وازلاق السلطان، وتناصر الأنصار والأعوان. وانتشار ما كان مطويا في تلك ~~الأيام من فضلي، ومغمورا بقوارع الحساد وسن الصبا من محاسني. وأرادني، أدام ~~الله قدرته، على إنشاء رسالة تشمل على إنشاء رسالة تشمل على أشتاته، وتنظم ~~منشور فصوله وأبياته. وأجدني لا أرتاح إلى ذلك ارتياحي - كان - قديما له، ~~ولا أهش إلى الحديث عنه هشاشة كانت إليه. لأمور أخصها ترفعي الآن، مع إبراق ~~غصني وإثماره وتبسم نواره واستطارة أنواره، عن ذكره. ولتصوني عن قوارص غلمة ~~لا أحلام لهم تنحط في شعبه وتنخرط في سلكه. ثم لأني أطلت عنان القول مع ~~الرجل إطالة ربما اتهم الحاكي لها والمخبر عنها، وإن كانت الحال اشرد خبرا ~~وأخلد أثرا من أن ينسخ صباحها أو يطفأ مصباحها. ms01 وقد حضر المجلس أعيان من ~~الناس تقع الإشارة إلى إخطارهم، والاستنامة إلى أخبارهم، من بين قاض يقطع ~~بقوله، وشيخ من شيوخ الدب يقضى بشهادته، وحدث من أبناء الكتابة يمور ماء ~~الحياء في أسارير وجهه وكانت للوزير أبي محمد الحسن بن محمد الحسن بن محمد ~~المهلبي، رحمه الله، هناك طليعة من طلائعه، وربيئة من ربايا مراعاته، وعين ~~من عيونه مذكاة. فإنه كان - نصر الله وجهه - لما تثاقل أبو الطيب عن خدمته، ~~وأساء التوصل إلى استنزاله عن عرفه، ولم يوفق لاستمطار كفه وكانت واكفة ~~البنان، منهلة باللجين والعقيان، سامني هتك حريمه، وتمزيق أديمه. ووكلني ~~بتتبع عواره، وتصفح أشعاره وإحواجه إلى مفارقة العراق واضطراره كراهية ~~لمقامه بعد تناهيه - كان - في إدنائه وإكرامه. وحسبي علم الرئيس بحقيقة ~~الحال وصدق المقال وتبريز الفعال ونهوضي في حدثان الشبيبة بما قصرت عن ~~جملته همم الرجال. وكانت أتيته رأد الضحى، وحين التقت الشمس قناها على ~~الأرض، فجمعت في داره بين صلاتي الظهر والعصر. وانصرفت عنه وقد نفضت الشمس ~~صبغها، وطفلت على الظلام بطفلها. وكنت استدركت في الحال ما تمكنت من ~~استدراكه من تلك المشاجرة وتلافيت ما أسعد المقدار بالتوفيق بجمعه منها. ~~وكان من مظاهرة الجماعة الحاضرة على نظمه وضمه، ومراعاة ما صدر عني وعنه، ~~والتنبيه على ما استسر عن ذكري منه، ما أنهض خاطري وإن كان خطارا، واقتدح ~~زناد فكري وإن كان يستطير نارا. فقيدته برسالة وسمت جبهة الأدب، وذهبت بها ~~أفواه الرواة في كل مذهب. وإذ كان الرئيس مؤثرا سمتها باسمه، وعرضها على ~~تصفحه ونقده، فأنا أصيل جناح هذه المقدمة بها، وأهذب ما أرى تهذيبه من ~~لفظها، وأبرأ إليه من العهدة في امتداد نفسي فيها، فإن يدي ولساني يجريان ~~في حلبة البيان، جري بنات الغصين غداة الرهان. وأرجو أن يسعدها التوفيق ~~بجميل رأيه، وأن تقع الموقع الذي توخيته بها من امتثال مرسومه. وسأتلو ذلك ~~بمنازعات نازعتها أبا الطيب تتعلق بشعره في عدة مجالس وإياه من بعد هذا ~~المجلس، وبمواقع طالعتها من اجتلاباته وسرقاته وسقطات أسقطها في شعره، ms02 لم ~~تجر فيها مراجعة ولا منازعة، وليكون ذلك أمتع لقاريه وأجمع لشمل ما توخيته ~~فيه. وأنسج بعضا ببعض من غير أن أميز آخرا عن أول، وماضيا عن مستقبل، وأشفع ~~القول بما يزيد الحق وضوحا، من شاهد PageV01P002 يتعلق به أو بيت يناسب ~~بيتا، أو بيت جرى صدره فأتمت عجزه، أو عجزه فألحقت به صدره، أو معنى ضممت ~~إليه شكله. وإن الحديث ذو لقاح والمثل السائر: )الحديث ذو شجون(. فقولهم ~~)ذو لقاح( من الناقة اللقوح وهي التي بها حمل، واللقاح الحمل، والمعنى حديث ~~ينضم إلى حديث كما انضم الولد إلى الأم لما صار في بطنها. ويقال: )حي ~~اللقاح( إذا كانوا أعزة لا ينضمون إلى أحد ولا يدينون لملك ولا يقدر عليهم. ~~كالناقة إذا حملت لا يقدر الفحل على أن يقربها. وأما قولهم )ذو شجون( فمن ~~شجون الوادي وطرقه وانعراجاته. فإن الإنسان يكون في حديث ثم يخرج منه إلى ~~غبره ثم يعود إلى حديثه الأول، شبه بالذي يمشي في وادي فيعرض له الطريق ~~فيأخذ فيه يؤديه ذلك إلى الطريق الأعظم. فلا يستطيل الرئيس مسالك الكلام ~~وإن أطلتها، فقد أجررت القلم مقود الخاطر، وأنصفت كل الإنصاف في تهذيب ما ~~حكيته عن رجل، وحذفت فضول الألفاظ، وكسوت احتجاجاته عبارات لعله لو اعتمدها ~~لقصرت مادته في البيان عنها. وأنا اسم هذه الرسالة )بالموضحة( تشبيها ~~بالموضحة من الشجاع، وهي التي تبين عن وضح العظم كما قال طرفة: # وتصد عنك مخيلة الرجل ... العريض موضحة عن العظم # بحسام سيفك أو لسانك ... الكلم الأصيل كأرغب الكلم # وهذا مأخوذ من قول امرئ القيس: وجرح اللسان كجرح اليد وقال حسان: # لساني وسفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي # وقال جرير: # لساني وسيفي صارمان كلاهما ... وللسيف أشوى وقعه من لسانيا # ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق. # لما ورد أحمد بن الحسن المتنبي، ويلقبه أحداث الشام والسواحل )المطمع( ~~لقوله: # )يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع( PageV01P003 ~~مدينة السلام، منصرفا عن مصر ومتعرضا للوزير أبي محمد المهلبي للتخييم عليه ~~والمقام ms03 لديه: التحف رداء الكبر، وأذال ذيول التيه، وصعر العراقيين خده، ~~وارهف للخصام حده، ونأى بجانبه استكبارا وثنى عطفه جبرية وازوارا، فكان لا ~~يلاقي أحدا إلا أعراض عنه تيها، وزخرف القول عليه تمويها يخيل عجبا إليه، ~~أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد نمير غيره، وروض لم ير نواره ~~سواه، فهو يجني جناه، ويقطف قطوفه دون تعاطاه، وكل مجر في الخلاء يسر، ولكل ~~نبأ مستقر. فغبر جاريا على هذه الوتيرة مديدة أجررته رسن البغي فيها يظل ~~يمرح في ثنييه، حتى تخيل أنه السابق الذي لا يجاري في مضمار، ولا يساوى ~~عذاره بعذار وإنه رب الكلام ومفتض عذارى الألفاظ، ومالك رق الفصاحة نثرا ~~ونظما، وقريع دهره الذي لا يقاع فضلا وعلما، وثقلت وطأته على كثير ممن وسم ~~نفسه بميسم الأدب، وأنبط من مائه مشرب، فطأطأ بعض رأسه، وخفض بعض جناحه، ~~وطامن على التسليم له طرف، وساء معز الدولة وقد صورت حاله أن يرد حضرته وهي ~~دار الخلافة ومستقر العز وبيضه الملك، رجل صدر عن حضرة سيف الدولة وكان ~~عدوا مباينا، فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية ~~والعزيمة الكسروية، والمهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ~~ولا دارت عليهم دوائره. وتخيل أبو محمد المهلبي، رجما بالغيب، أن أحدا لا ~~يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفوا له، ولا يضطلع بإعناته فضلا عن التعلق ~~بشيء من معانيه. وللرؤساء مذاهب تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة ~~من يراعونه ويكومونه. وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليفة ~~الانتقال، وتلك صورة الوزير أبي محمد في عوده عن رأيه هذا فيه. ولم يكن ~~هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلا عن ~~العتيق القارح إلا الشعر. فلعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة وجانيه عذبة. ~~PageV01P004 نهدت له متتبعا عواره، ومقلما أظفاره، ومذيعا أسراره، وناشرا ~~مطاويه، ومنتقدا من نظمه ما تسمح به، ومنتحيا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها، ~~فأجري أنا وهو في مضمار يعرف ms04 به السابق من المسبوق، واللاحق من المقصر عن ~~اللحوق. وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار، وزند في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفو ~~العقار، إذا وشيت بالحباب، ووشت بها الأكواب. هذا وغدير الصبا صاف، ورداؤه ~~ضاف، وديباجة العيش غضة، وأرواحه طلة، وغمائمه منهلة، وللشبيبة شرة، ~~وللإقبال من الدهر غرة، والخيل يوم الرهان بجدود أربابها، لا بعروقها ~~ونصابها. ولكل امرئ حظ من مواتاة زمانه، يقضى في ظله أرب، ويدرك مطلب، ~~ويتوسع مراد ومذهب. حتى إذا عدت عن اجتماعنا عواد من الأيام، قصدت مستقره، ~~وتحتي بغلة سفواء تنظر عن عيني باز مسجل، وتتشوف بمثل قادمتي نسر. وتتقيك ~~من هاديها بشطر خلفها، يعلوها مركب رائع كأنه كوكب وقاد، من تحته غمامة ~~يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدة من الغلمان الروقة، مماليك وأحرار، ~~يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا متبجحا به ولا متكثرا ~~بذكره بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال فلم ترعه روعته، ولا ~~استعطفه زبرجه، ولا زاده ما شاهد من تلك الجملة الجميلة التي ملأت طرفه ~~وقلبه إلا عجبا بنفسه، وسحبا لرداء تيهه، وإعراضا عني بوجهه. وقد كان أقام ~~هناك عند أغيلمة لم ترضهم العلماء، وعركتهم رحا النظر، ولا أنضو أفكارا في ~~مدارسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره، وسهله ووعره. نما غاية أحدهم ~~مطالعة شعر أبي تمام، وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه، وعلى ما يعلقه ~~الرواة مما تجوز فيه. ومن للرئيس بمن يضطلع بهذا، وإن كان التشاغل بغيره من ~~مراعاة أشعار الفحول الذين تكلموا عفوا بطباعهم، وجروا على عاداتهم، ولم ~~يتعاطوه تكلفا، ولا استكرهوه تعسفا، والبحث عن أعراضهم التي رموا إليها، ~~أولى فألفيت هناك فتية تأخذ شيا، فحين أوذن بضوري، واستؤذن عليه لدخولي، ~~نهض عن مجلسه مسرعا، ووارى شخصه عني مستخفيا، وأعجلته نازلا عن البغلة، وهو ~~يراني لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفه، ودخلت فأعظمت الجماعة قدري، ~~وأجلستني في مجلسه، وإذا تحته أخلاق عبادة قد ألحت عليها الحوادث فهي رسوم ~~دائرة وأسلاك متناثرة، فكان ms05 من سوء أدبه عند اللقاء ما أطويه عنان القول ~~فيه. فلم يكن إلا ريث ما جلست حتى خرج إلي، فنهضت فوفيته حق السلام غير ~~مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي، والغرض ~~كان في لقائه غير ذلك. فعركت ما جرى بجنبي، وطويت عليه كشحي، وحين لقيته ~~تمثلت بقول الشاعر. # وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع القرار # فتمثل بقول الآخر: # يشقى أناس ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام # وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق وأقسام # كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي # وإذا به لا بس سبعة أقبية كل قباء منها لون، وكنا في وغرة القيظ وجمرة ~~الصيف، وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، خليق بقول مضرس بن ربعي: # ويوم كأن الشمس فيه مقيمة ... على البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا # وبقول الآخر: # ويوم كأن الملح ينتشر وسطه ... ترى وحشه يركبن فيه النواصيا PageV01P005 ~~فجلست مستوفزا وجلس متحفرا، وأعرض عني لاهيا وأعرضت عنه ساهيا. أرنب نفسي ~~في قصده، وأسخف رأيها في تكلف ملاقاته. فغبر هنيهة ثانيا عطفه لا يعيرني ~~طرفه، وأقبل على تلك الزعنفة التي بين يديه، وكل يومئ إليه ويوحي بطرفه، ~~ويشير إلى مكاني بيده، يوقظه من سنة جهله، ويأبى إلا ازورارا ونفارا، وعتوا ~~واستكبارا. ثم رأى أن يثني جانبه إلي، ويقبل بعض الإقبال علي فأقسمت ~~بالوفاء فإنه من محاسن القسم إنه لم يزد أن قال: أي شيء خبرك؟ فقلت: بخبر ~~أنا، لولا ما جنيته على نفسي من قصدك، ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك، ~~وجشمته رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة، ولا أدبته بصيرة. ثم ~~تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت: ابن لي مم تيهك، وعجبك ~~وكبرياؤك، وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك، والرمي بمهمتك إلى ~~حيث يقصر عنه باعك، ولا تطول إليه ذراعك؟ هل هاهنا نسب انتسب إلى المجد به، ~~أو شرف علقت بأذياله، ms06 أو سلطان تسلطت بعزه، أو علم تقع الإشارة إليك به؟ ~~إنك لو قدرت نفسك بقدرها، أو وزنتها بميزانها، ولم يذهب بك التيه مذهبا، ~~لما عدوت أن تكون شاعرا متكسبا. فامتقع لونه، وعصب ريقه، وجعل يلين في ~~الاعتذار، ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر الأيمان أنه لم يشبتني، ولا ~~اعتمد التقصير بي فقلت: يا هذا إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم ~~في أدبه صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته، فهل المجد تراث لك ~~دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر سترا على نقصك، وضربته رواقا حائلا ~~دون مباحثتك. فعاود الاعتذار، فقلت: لا عذري لك مع الإصرار. وأخذت الجماعة ~~في الرغبة إلى في مياسرته وقبول عذره، واستعمال الأناة التي يستعملها ~~الحزمة عند الحفيظة. وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته، ~~وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها الفرصة في قضاء حقي. فأقول: ~~ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت ~~جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك ألم تر شارتي؟ أما شممت نشر عطري؟ ألم أتميز في ~~نفسك عن غيري؟ وهو في أثناء ما أخاطبه به وقد ملأت سمعه تأنيبا وتفنيدا ~~يقول: خفض عليك، اكفف من غربك، أردد من سورتك، أستأن فإن الأناة من شيم ~~مثلك. فأصبحت حينئذ جانبي له، ولانت عريكتي في يده، واستحييت من أجاوز ~~الغاية التي انتهت إليها في معاقبته، وذلك بعد أن رضته رياضته رياضة القضيب ~~من الإبل، والفلو المفتلى عن أمه من الخيل، وأقبل علي معظما، ووسع في ~~تقريظي مفخما وأقسم أنه ينازع أنه منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه ~~بالاجتماع معي، ويشوقها التعلق بأسباب مودتي. فحين استوفى هذا المعنى، ~~استأذن عليه في من فتيان الطالبيين الكوفيين فأذن له، وإذا حدث مرهف ~~الأعطاف تميل به نشوة الصبا، ويبسم ماؤه في أسارير وجهه، فتكلم فأعرب عن ~~نفسه، وإذا لفظ رخيم ن ولسان حلو، وأخلاق فكهة، وجواب حاضر، في أناة ~~الكهول، ووقار المشايخ. فأعجبني ما شهدته من ms07 شمائله، وملكني ما تبينته من ~~فضله. فجاراه أبياتا كان منها قول عدي بن زيد. # كدمى العاج في المحاريب أو ... كالبيض في الروض زهرة مستنير # فقال أبو الطيب: شبه النساء بصور العاج، والمحاريب صدور المجالس، وذكر ~~البيض في الروض لحسنه وأملاسه. فأقبل الطالبي علي فقال: ما تقول؟ المعنى ما ~~ذكره. قال: فما قوله)زهرة مستنير(؟ فقال: ليكون أحسن له. فلم يقنعه ذلك، ~~فقلت له: شبه ألوان الثياب التي عليهن بألوان نور الرياض، وزهره حمرته ~~وصفرته، فأعجبه ذلك فسأله عن قوله في هذه الكلمة: ثم بعد الفلاح والملك ~~والإمة وارتهم هناك القبور ثم أضحوا كأنهم ورق جف فألوت به الصبا والدبور ~~PageV01P006 فقال أبو الطيب: البقاء والإمة: النعمة فقال: كيف جمع بين ~~الصبا والدبور وإحداهما لينه والأخرى شديدة فقال: ليصبح الوزن والقافية. ~~فأقبل الطالبي علي فقلت: غنما اختار الصبا مع الدبور فجاء بألين ريح مع أشد ~~ريح، لأن الناس يموت بعضهم بالشدة وبعضهم بالسهولة، ومنهم من تخترمه المنية ~~هكذا، ومنهم من تخترمه هكذا، على حال تأتي وتأخذ. فقال أبو الطيب: ما سمعنا ~~بهذا. فقلت: ولا بغيره. ثم قلت: من الإنصاف أن لا تتعدى شعرك إلى غيره، لأن ~~في تصفح محاسبه واستثمار أفنانه ما ألهى عن غيره. وهاهنا أشياء تعتلج في ~~صدري منه، أحببت مراجعتك القول فيها: فقال: وما هي: أخبرني عن قولك: # )خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدود العواتق( # أهكذا ينسب بالمحبين؟ فقال: أما هكذا في كتابكم؟ فكفر، لعنه الله فقلت: ~~أين؟ فقال تعالى: )فلما رأينه أكبرنه( أي حضن شهوة له واستحسانا لصورته، ~~فقلت: لم يقل هذا أحد من محصلي أهل العلم، ولا شهد به ثقةوإنما روي بيت شاذ ~~لم ينسب إلى أحد: # نأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # قال: فما معنى أكبرنه؟ فقلت: أعظمنه، ولا يجوز أن يكون: حضنه، لأن تقدير ~~الكلام يوجب ذلك، إن كان الإكبار الحيض. قلت والدليل على أن معناه أعظمنه ~~قولهن: )ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم(. قال ms08 فاغتفر هذا القول لقولي في ~~هذه القصيدة: # )وليل دجوجي كأنا جلت لنا ... محيال فيه فاهدينا السمالق( # )فما زال لولا نوروجهك جنحه ... ولا جابها الركبان لولا الأيانق( # )شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحت ... ذفاريها كيرانها والنمارق( # )فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق( # )إذا الهند وانيات بالهام والطل ... فهن مداريها وهن المخانق( # )كأنك في الإعطاء لمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق( # )فما ترزق الأقدار من أنت حارم ... ولا تحرم الأمن أنت رازق( # )لك الخير غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق( # )هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... منزلك الدنيا وأنت الخلائق( # فقلت له: أما قولك )وليل دجوجي كأنا جلست لنا( فمن قول محمد بن مناذر: # لما رأينا صار لنا ... الململ نهارا بذكر هارونا # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى بالمطايا ضوء وجهك هاديا # أليس يزيد العيس خفة أذرع ... وإن كن حسرى أن تكون أماميا # فأخذ هذا مروان الأكبر فقال للمهدي: # إلى المصطفى المهدي خاضت ركابنا ... دجى الليل يخبطن السريح المخدما # يكون لها نور الإمام محمد ... دليلا به تسري إذا الليل أظلما # فأخذ هذا المعنى إدريس بن أبي حفصة فقال: # لما أتتك وقد كانت منازعة ... دانى الرضا بين أيديها بأقيادي # لها أمامك نور تستضيء به ... ومن رجائك في أعقابها حادي # فقال أشجع: # إذا غاب الفجر خضنا بوجهه ... دجى الليل حتى يستبين لنا الفجر # ونقل المعنى العباس بن الأحنف فقال: # لو لم يكن قمر إذا أنا زرتكم ... يهدي إلى سنن الطريق الواضح # لتوقد الشوق المنير بذكركم ... حتى تضيء الأرض بين جوانحي # فقال القصافي وأحسن: # ذكرتكم يوما فنور ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عني دياجره # فو الله ما أدري أضوء مسجر ... لذكراكم أم يسجر الليل ساجره # فقال بعض الشاميين المطبوعين، وعليه اعتمدت: # وليل وصلنا بين قطريه بالسرى ... وقد جد شوق مطمع في وصالك # أربت علينا من دجاه حنادس ... أعدن الطريق الوعر نهج المسالك # فناديت يا أسماء باسمك فانجلت ... وأسفر منها كل أسود حالك # بنا أنت من هاد نجونا بذكره ... وقد نشبت فينا أكف ms09 المهالك # منحتك إخلاصي وأصفيتك الهوى ... وإن كنت لما تخطريني ببالك # وأما قولك )غدا الهندانيات( فمن قول أبي الهول الحميري: PageV01P007 حسام ~~غذاه الروح حتى كأنه ... من الله في قبض النفوس رسول # وأما قولك: # )كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق( # فمن قول البحتري: # تسرع حتى قال من شهد الغي ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب # وأما قولك )فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى(، فمن قول بشار: # يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار # وقولك: )ومنزلك الدنيا( فمن قول علي بن جبلة: # ذريني أجول الأرض في طلب الغنى ... فما الكرخ الدنيا ولا الناس قاسم # وقولك: )وأنت الخلائق( فمن قول أبي نؤاس: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # وأبو نؤاس أخذه من قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # فنقله أبو نؤاس من القبيل إلى رجل. فلا معنى لك في هذه القافية إلا ~~مقتفى، ولا إحسان أشرت إليه إلا مستشرق محتذى. وعلى ذلك فأنت فيما استرقته ~~كما قال بعض المحدثين: # وفتى يقول الشعر إلا أنه ... فيما علمنا يسرق المسروقا # فقال في بعض صياغته: فأين أنت من قوله في الكلمة الأخرى: # )تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق( # )وصحبة قوم يذبحون قنيصهم ... بفضلات ما قد كسروا في المفارق( # )وليلا توسدنا الثوية تحته ... كأن ثراها عنبر في المرافق( # فقلت: أخذ البيت الخير من قول أبي عيينة: # بغرس كأمثال الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك # أو من قول عبد الصمد بن المعذل: # يمح نداها فيه عفراء جعدة ... كأن ثراها ماء ورد وعنبر # وقد أخذه منهما ابن المعتز فقال: # فكأنما سطعت مجامر عنبر ... أو فت فأر المسك فوق ثراك # وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأن ماء الورد قطر نداك # ثم قلت له: أين من تغزلك ما يناسب هذا؟ فأنفرد اثنان من الحاضرين لتعليق ~~ما ينجم من جواب أبي الطيب عما أورده، واثنان لتعلق ما أذكره وأعدده. فلما ~~اتسع نطاق الكلام، وماج بحره وترامت أواذيه، وغمرهم منه بما ms10 لم يستقلوا ~~برسمه في كتاب، اقتصروا على تعليقه وحيا، وعلى الكلمات في أوائل الأبيات، ~~ولمع نبذوها نبذا من الاحتجاجات في دفاترهم. وتنبهت عزائمهم من التلطف في ~~جمع ذلك لما أحتسب تنسبها له، ولم يجر شيء إلا وعملي محيط به. وقلت: أخبرني ~~عن قولك: # )فإن كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول( # أهذا من صريح المدح أم هجينه؟ فقال: بل من هجينه. فقلت: ما الذي اضطرك ~~إليه: إنها عثرة من عثرات الخاطر ينهض منها قولي: # )وإن الذي سمي علينا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظمالمه( # )وما كل سيف الهام حده ... وتقطع لزيات الزمان مكارمه( # وقولي في هذا المعنى: # )تحير في سيف أصله ... وطابعه الرحمن والمجد صاقل( # وفي هذا أقول مشيرا إلى هذا المعنى، وذاكرا حال رسول كان ورد إليه من ~~متملك الروم: # )وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل( # )ومن أي كان يسقي جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل( # فقلت: أخذت قولك: )والمجد صاقل( من قول أبي تمام: # متدفقا صقلوا به أعراضهم ... إن السماحة صقيل الأحساب # وأخذت قولك: )ولم تصف من مزج الدماء المناهل( من قول أبي سعد المخزومي: # لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل # وأبو سعد أخذه من بشار: # فتى لا يبيت على دمنه ... ولا يشرب الماء إلا بدم # فقال: وقولي: # )أما للخلافة من مشفق ... على سيف دولتها القاصل( # )يقد طلاها بلا ضارب ... ويسري إليهم بلا حامل( # وقولي في هذا المعنى: # )عاتق الملك الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السماوات قائمه( # فقلت: أخذت هذا من قول أبي تمام: # لقد خاب من سويداء قلبه ... لحد سنان في يد الله عامله PageV01P008 قال: ~~وقولي أيضا في هذا المعنى: # )أتحسب بيض الهند أصلها ... وأنك منها ساء ما تتوهم( # )إذا سمعت باسم الأمير حسبتها ... من التيه في أغمادها تتبسم( # فقلت: الثاني من قول أبي نقلا من جهة إلى جهة: # تتيه الشمس والقمر المنير ... إذا قلنا كأنهما الأمير # وقلت: فأخبرني عن ms11 قولك في مرثية أم سيف الدولة: # )ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعهم نفض النعال( # أهكذا يؤبن مثلها، وقد كانت بلقيس عصرها قدرا عظيما وملكا جسما، وحديثا ~~وقديما فقال: ألست في هذه الكلمة: # )مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال( # )وأبرزت الخدود مخبتات ... يضعن النفس أمكنه الغوالي( # )أتتهن المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال( # وأنشد أبياتا من محاسن هذه القصيدة: البيت الأول من هذه الأبيات من قول ~~الصنوبري: نؤوم الضحى أذهب القنافذ عنده إذا ما عراه النوم أهب الثعالب أو ~~من قول ابن الرومي: # لو أنها استلقت على شوك الحسك ... تحت الزباة وجدته كالفنك # والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول العباس بن الأحنف نظرا خفيا. ~~وهو من معانيه التي اخترعها: # )بكت غير آسية بالبكاء ... ترى الدمع في مقلتيها غريبا( # وعلى ذلك فمن الواجب ألا تدفع عن إحسان انتظمه شعرك، ولا عن معنى نكد طوح ~~به في البلاد فكرك. ولكنك في البيت من القصيدة والأبيات إحسانا لا يجهله ~~نقاد الكلام وأرباب البيان، إنجازا في عبارته، وإبداعا في نظمه، وصوابا في ~~معناه، وسلامة في لفظه. ثم تشفع ذلك بالأبيات السخيفة لفظا ومعنى، ~~وبالأبيات التي تغير على معانيها وبعض ألفاظها إغارة الذئاب المعط على سرح ~~النقد، فتاتي القصيدة بالشعر على غير مشاكهة. ومن أفحش المعايب ألا تقع ~~اللفظة مصاحبة أختها، ولا مزاوجة ما جاورها. وقد قال مروان بن سعيد بن عباد ~~بن حبيب ابن المهلب بن أبي صفرة، مخاطبا عبد الله بن محمد أبي عيينة: # ما بال شعرك ملتاثا ومختلفا ... بيتا ثنيا وبيتا ساقطا خرفا # وقال عمر بن لجأ لابن عم له: أنا أشعر منك. قال: وكيف؟ قال: لأني أقول ~~البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه ألا ترى إلى قول الشاعر: # وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل # يقول: هو مختلف المعاني متباين المباني جار على غير مناسبة ولا مشاكلة ~~ولا مقاربة، لأن بعر الكبش يقع متبددا متفرقا متباينا. وقد قال الكميت: # وقد رأينا ms12 بها حورا منعمة ... بيضا تكامل فيها الدل والشنب # فعاب هذا عليه نصيب وقال: هلا قلت كما قال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # وهذا لعمري عيب فاحش لأن الكلام لم يجر على نظم، ولا ورد على اقتران ~~وممازحة، ولا اتسق على اقتران. ومما يحتاج إليه القول أن ينظم على نسق ~~المماثلة وأن يوضع على رسم المشاكلة. # ومما ذهبت فيه هذا المذهب قولك: # )ما أبعد العيب والنقصان من شيمي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم( # وهذا أيضا كلام جار على غير مناسبة؛ لأن الثريا ليست من جنس الشيب والهرم ~~ولا هما من جنسها. وكان وجه الكلام أن قول: أن الثريا سفورا وعلوا وذان ~~السهى خفاء وخبوا. أو أن تقول: أنا الشباب وذان الشيب الهرم. وربما أوردت ~~البيت مشتملا مستودعا من المعنى المستحيل على ما يهيجن القصيدة بأسرها، ولو ~~كان من لباب اللفظ ونصاب الفصاحة، كقولك في القصيدة التي أولها: # )سرب محسنه حرمت ذواتها( # وكأن هذا البيت من كلام الشبلي أو سمنون الصوفي. ثم تغزلت فقلت: # )إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها( # وشتان هذا من قول الأول: # لا والذي تسجد الجباه له ... ما لي بما تحت ذيلها خبر # فقال أبو الطيب: إن ذاك، وعلى هذا فليس الذي قلته بأفحش من قوله امرئ ~~القيس: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فأنهيتها عن ذي تمائم محول PageV01P009 إذا ~~ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول # فقلت: أن امرأ القيس كان مفركا والحبلى الرغبة في الرجال. # فيقول: إذا أليتها فأنا إلى غيرها أحب. وقد أخذت هذا البيت من أسلم بيت ~~وأكرمه لفظا: # لا والذي تسجد الجباه له ... ما لي بما تحت ثوبها خبر # ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث والنظر # وقولك الآخر في هذا النحو أسمي وأكرم وهو: # )يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد( # فقال: ألم أقل في الكلمة الثانية: # )أقبلتهأ غرر الجياد كأنما ... أيدي ms13 بني في جبهاتها( # وفيها أقول: # )ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحشي من أقواتها( # فقلت: أما البيت الأول فمن أبي نؤاس يصف كلاب الصيد: # غر الوجوه ومحجلاتها ... كأن أيدينا على لباتها # والبيت الثاني من قوله في هذه الأرجوزة: # بأكلب تمرح في قداتها ... تعد عين الوحش من أقواتها # وأبو مؤاس أخذه من قول أبي النجم: # تعد عانات اللوى من مالها # وربنا أتيت بالبيت الجوف والمعتل، قال: وما المعتل والأجوف؟ فقلت: حكى ~~يونس بن حبيب أن الأجوف الفاسد الحشو، والمعتل ما اعتل طرفاه. وحدود الشعر ~~أربعة: وهي الفظ والمعنى والوزن والتقفية. ويجب أن يكون ألفاظه عذبة مصطحبة ~~ومعانيه واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة. وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن ~~متخير القافية، رائع الابتداء وربما أخليت وأخلفت وأعذرت وهلهلت، وما أراك ~~تتطلع على موجب هذه الألفاظ. قال: وأي موجب لها! وإنما توردها تسمحا وشغفا ~~بالإطالة وتسحبا بالدعاوى الباطلة. فقلت لا تطل عناج القول في ما يخرج عن ~~مذاهب أهل الفضل فتسمع من القول ما يضيق ذرع صبرك عنه. فقد قال امرؤ القيس: # إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... ليس على شيء سواه بخزان # بل يقال للشاعر إذا أتى بأبيات مشتملة على معان مبتكرة وألفاظ متخيرة، ثم ~~أورد في أثنائها بيتا خاليا من هذا الوصف: قد أخلى ويقال له إذا أتى بمعنى ~~لم يستوفه: قد أعذر. وإذا خالف بين قافية الضرب وقافية المصراع في افتتاح ~~القصيدة: قد أخلف كما قال ذو الرمة: # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # فكأنه لما قال )على البلى( وعد ينظم قصيدة على روي وكأنه لما قال )القطر( ~~أخلف ذلك الوعد إذ جعلها رائية. ثم قلت: ومن غزلك الذي باينت فيه مذاهب ~~المطبوعين والمرهفين قولك: # )ربحلة أستمر مقبلها ... سبحلة أبيض مجردها( # فالربحلة: العظيمة الجيدة الخلق، والسبحلة: الطويلة العظيمة، ورجل سبحل ~~ربحل. لذلك تستهجن هاتان اللفظتان في ألفاظ المحدثين، لأنهما من ألفاظ ~~العرب الجافية. وقد أخذتهما نسخا من قول بعض العرب في ترقيص بنية له: # سبحلة ربحله ms14 ... تنمي نبات النخلة # قلت: وأخبرني عن قولك واصفا فرسا: # )قد زاد في الساق على النقانق ... وزاد في الأذن على الحرانق( # )وزاد في الحذر على العقاعق( # قال: وما في ذلك ؟قلت: إقدامك على نظم هذا الكلام الساقط واجتراؤك على ~~قرع السماع بمثله غير مستحي ولا مراقب. فما تريد بقولك )زاد(أزاد في قوة ~~الساق أو في طوله، وفي خلق أذن الخرنق أو في لطف سمعها؟ما أسخف هذا لفظا ~~وأقله من البيان حظا، وإنما ذهبت في قولك: # )قد زاد في الساق على النقانق( # إلى قول أبي دواد: # له ساقا ظليم خا ... ضب فوجئ بالرعب # وفي قولك: # )وزاد في الحذر على العقاعق( # قول بعض العرب: # منيت بزمردة كالعصا ... ألص وأخبث من كندش # وقولهم: )هو أحذر من كندش(، وهو العقيق. وقد سمعت قول امرئ القيس # له أبطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقرب تتفل PageV01P010 ~~فليلهك عن وسواس فكرك هذه الألفاظ التي ذهبت بك في التيه، وانظر إلى جمعه ~~بين هذه الألفاظ المتباينة والأجزاء المتحاجزة. فإنه شبه في هذا البيت ~~أربعة أشياء، إذ كان مخرج هذا اللفظ في التشبيه حتى يكون المعنى المقصود ~~واقعا من البيان، على أن له أيطلين كأيطلي الظبي وساقين كساق النعامة ~~وإرخاء كإرخاء السرحان وتقريبا كتقريب التنقل. فضلت في أبياتك هذه عن مدرجة ~~الإحسان وأطفأت بهذه الألفاظ القلقة مصباح البيان. قال: ففيها أقول: # )يريك خرقا وهو عين الحاذق( # فاحفظني ذلك القول منه وقلت: أراك تعتدنا نعم! فقال: حاشى لله. فقلت: أما ~~هذا مسلوخ سلخ الإهاب من الرجز يصف ناقة: # خرقاء إلا أنها صناع # أو من قول حميد بن ثور: # فقال وسنان ولما يرقد ... إلى صناع الرجل خرقاء اليد # وهذان البيتان من أوجز ما قالته العرب. وما يجري معهما في الاختصار وحسن ~~الإيجاز وقرب المأخذ قول الآخر يصف سهما: # غادر داء ومضى صحيحا # ومثله قول الآخر يصف وحشا وسهما: # حتى نجا من جوفه وما نجا # وقد قال أبو نواس: # صنع اللطيفة واستلاب الأخرق # فكأنه من قول حميد بن ثور: # بنت بيته الخرقاء وهي ms15 لطيفة ... له بمراق بين عودين سلما # وفي هذه يقول في صفة الفرس: # )بذ المذاكي وهو في العقائق( # وإنما أخذه من قول الراجز: # قد سبق الأقرح وهو رابض ... فكيف لا يسبق إذ يراكض # يريد أن أمه قد سبقت وهو في بطنها. ثم قلت: وقد تبردت في هذه الأرجوزة ~~على عادتك بان قلت: # )أقام فيها الثلج كالمرافق ... يعقد فوق السن ريق الباصق( # وأشهد الله أن هذا من غث الكلام وسقط الشعر. فقال بعض صاغيته: أيقال ~~لكلام مثله غث؟: أجل أليس هو القائل: # )ألعبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنن أو ضرسه( # ومن براداته قوله: # )وإنما تحتال في حله ... كأنك الملاح في قلسه( # ونحو هذا قوله: # )لسري لباسه خشن القط ... ن ومروي مرو لبس القرود( # وقوله: # )وكنت من الناس في محفل ... فها أنا في محفل من قرود( # )فلا تسمعن من الكاذبين ... ولا تعبأن بمحل اليهود( # ومن قبيح التشبيه قولك تصف كتيبة: # )وملمومة سيفية ربعية ... يصيح الحصى فيها صياح اللقلق( # وقد أخذته من قول ابن المعتز: # وبلدة صائحة الصخور # وأحسن من هذا قول النامي في كلمة امتدح بها سيف الدولة أولها: # قفوا وعليه الدمع فهو كثيب # فقال فيها: # تتعتع ألفاظ الحصى بسنابك ... إذا كلمته عجمهن تحب # فقال: أما تشبه أصوات الحصى من تحت حوافر الخيل أصوات اللقالق؟ فقلت: هبه ~~أشبهه فهل هو من محاسن التشبيه؟ ألا ترى أنهم هجنوا قول لبيد: # . . . وتركا كالبصل # وهو تشبيه واقع، وذموا قول الآخر: # والخيل من خلل الغبار مغيرة ... كالتمر ينثر من وراء الجرم # والجيد قول الشعر: يقول: خرجت متساوية كتساوي أصابع المصطلي عند اصطلائه. # ومن جافي لفظه قوله: # )أين التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل( # فلفظة التوراب على سلامة مصدرها جافية جدا. وقد اعتمد في هذا البيت على ~~أرق بيت في معناه وأشجاه لفظا، وهو قول محمد بن يزيد الأموي السلمي: # فطمتك المنون قبل الفطام ... واحتواك النقصان قبل التمام # ومن سفاف الكلام وسقطه ومستعجمه قوله: # )صغرت كل مكبر وعلوت عن ... لكأنه وبلغت سن غلام( # فهذا من ms16 النسخ الغلق القلق، وهو مع قلقه مأخوذ من أعذب لفظ واسلمه. قال ~~بعض الشعراء المتقدمين في الدولة الأموية: # بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب # فهمك فيها جسام الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا # وأحسن من قوله: )صغرت كل مكبر( قول الأول: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # ومن براداته قوله: PageV01P011 )كريم نفضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما ~~جف من زاد قادم( # فتبا لهذا التشبيه، وضلة لهذا التمثيل، ويا رحمتا للممدوح به والمواجه ~~بإفساده. وقوله أيضا: # )يقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه، قضم سكر الأهواز( # وفي هذه الكلمة يقول واصفا سيفا: # )حملته حمائل الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خراز( # على أنه قد أخذه من قول البحري يصف سيفا: # حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل # ولعمري لقد فات فحول الشعراء في وصفه هذا السيف، وجرى وإياهم في حابه ~~الإحسان فقصروا عن غاية سبقه، وألهانا قول المتنبي هذا في وصفه سيفه: # )هي محتاجة إلى خراز( # عن قول طرفة في وصفه سلفه: # أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي # حسام إذا ما قمت منتصرا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد # وعن قول النابغة: # تقد السلوقي المضاعف نسخة ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # قوله: )إذا قيل مهلا( معناه إذا قال مهلا، قال الحاجز الذي بيني وبين ~~المضروب قد أتى على ما أراد من القطع. # وقول أبي النجم: # يذري بإرعاس يمين المؤتلي ... خضمة الساعد هدالمختلي # قلت: وهو القائل: # )من لي بفهم أهيل عصر يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقل( # فلو أن باقلا قائل هذا الشعرلكان منعيا عليه في مدة، وما أكثر إعجابه ~~بالتصغير، ولا يتفق له فيه تصغير مستعذب، ولعله احب أن يماثل قول القطامي: # قد يديمه التجريب والحلم إنني ... لأرى غفلات العيش قبل التجارب # أو قول النجاشي: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # وأتانا من تصغيره ما خرج عن هذا الباب، فضل فيه عن طريق الصواب وهو ~~القائل: ms17 # )قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهام( # فهذا، وإن كان غشا كما يرى الرئيس، فإنه دال على لكنه قائله. وكيف لا ~~ينسب إلى البرد وهو يأتي بهذا ونظائره! ومن الكلام الهجين والمعنى المهين ~~قوله: ولعمري إن هذا من نتائج خاطره واختراعات فكره وبنات صدره. # وكذلك قوله أيضا: # )ففي كل يوم ذا الدمستق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لائم( # وهذا من الطباق الغث، وكفى بقول عبد الصمد بن المعذل: # بد حسن الوجوه حسن قفاكا # ومما يشترك في هذا المعنى قول الآخر: # قفاه وجه ثم وجه الذي ... قفاء وجه يشبه النفسا # ومما نعي على الرمة قوله: # ومية أحسن الثقلين جيدا ... وسالفة وأحسنهم قذالا # ومما لا ترى في برده ولا ريب في لكنه قائله: # )فحذا ماء رجله وانضحا في ... المدن تأمن بواثق الزلزال( # ومن اللكنة وركاكة اللفظ والافتقار الشديد قوله: # )العارض الهتن ابن العرض الهتن ... ابن العرض الهتن ابن العارض الهتن( # وأحب أبا الطيب ناجي نجوم الدجى ليلة كلها حتى حياه بوجهه صبحها حين ~~انتظم له هذا البيت، وسوف يأتي فيما بعد: ومن أهجن الأقسام وأوهى معاقد ~~الكلام قوله: # )إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام( # وإنما احتذى في قول بعض القضاة في أيام المأمون: # برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... حكاه لك الواشون عني كما قالوا # ولكنهم لما رأوك غرية ... بوصلي تواصوا بالنميمة واحتالوا # وكأنه لم يسمع قسم النابغة في قوله مخاطبا النعمان: # ما إن نديت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي # إذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد # وينظر إلى هذا المعنى قوله في الكلمة الأخرى: # فلو كفي اليمين نبتك خوفا ... لأفردت اليمين من الشمال # إلى قول عمرو بن قميئة: # فما قلت ما نطقوا باطلا ... ولا كنت أكرهه أن يقالا # فإن كان حقا كما خبروا ... فلا وصلت لي يمين شمالا PageV01P012 ومن هاهنا ~~أخذ النابغة قوله: # إذن فلا رفعت سواطي إلى يدي # وهبه لم يرد هذا، أما روى قول ms18 أبي سعد المخزومي: # لا والذي خلق الصهباء من ذهب ... والماء من فضة لا ساد من بخلا # ولا روى قول علي بن محمد العلوي البصري: # يلقى الرماح بنحره وبصدره ... ويقيم هامته مقام المغفر # ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تغفر # وإذا تأمل شخص ضيف طارقا ... متسربلا سربال ليل أغبر # أومأ إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري # غث الكلام ومستكرهه قوله: # )فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع( # وقوله: # )فكلكم أتى مأتي أبيه ... وكل فعال كلكم عجاب( # فهذا لفظ مضطرب ونظم متهافت وقوله: # )يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبدا ونطرد باسمه إبليسا( # )خير على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا( # وفي هذه الكلمة يقول يقول خير الطيور على القصور فمن الطيور التي تألف ~~القصور المبينة اللقالق والهام، وليست بخير الطيور. # ومن سفساف الكلام قوله: # )حتى يقول الناس ما ذا عاقلا ... ويقول بيت المال ما ذا مسلما( # وإنما آذاه قول عبيد بن أيوب العنبري أحد اللصوص: # ما كان يعطي مثلها في مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون # وإلى هذا ذهب أبو نواس في قوله الذي تاه خاطره عن طريق الصواب فيه: جاد ~~بالأموال حتى قيل ما هذا صحيح فقال أبو تمام: # ما زال يهذي بالمكارم والندى ... حتى ظننا أنه محموم # فقال البحتري وأحسن في عبارته: # إذا معشر صانوا السماح تعسرت ... به همة مجنونة في ابتذاله # وكل هؤلاء أرادوا قول الأول: # في حب من يرجى فواصله ... فاستمطروا من قريش كل منخدع # تخال فيه إذا خادعته بلها ... عن ماله وهو رابي الدين والورع # فوقع إلى التيه، وتد هدى أبو الطيب في آثارهم على أم رأسه. وقد ألم بهذا ~~المعنى أبو تمام فتخطى العيب فيه: # ولهته العلى فليس يعد ... البؤس بؤسا ول النعيم نعيما # وقوله: # )كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... وكان بني الإسكندر السد من عزمي( # وهذا لفظ مستهجن، وتشبيه غير مستحسن. وإنما أراد به قول أبي تمام على أنه ~~لا خير فيه ms19 أيضا: # فطحطحت سدا سد يأجوج دونه ... من الهم لم يفرغ على زبره قطر # ومما لا طائل فيه قولك: # )دان بعيد مجيب مبغض بهج ... أعز حلو ممر لين شرس( # )ند أبي غرواف أخي ثقة ... جعد سري نه ندب رضى ندس( # أخذ قوله: )حلو ممر( من قول الشنفري بل من قول الهذلي: # حلو ومر كعطف القدح مرته ... في كل إني قضاه الليل ينتعل # ومما لا طائل فيه أيضا قولك: # )العارض الهتن ابن الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن( # ونحو هذا قولك أيضا: # )أطعنها بالقناة أضربها ... بالسيف جحجاحها موودها( # )أفرسها فارسا وأطولها ... باعا ومغوراها وسيدها( # )شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها( # وهو مع ذلك مركب تركيبا على قول أبي بكر دريد في قصيدة أولها: # ما شغلي بالطول أندبها # حجز فتى يعرب ومدرهها ... وسيفها المنتضى ومحربها # صنديدها حصنها خبعثنها ... أطعنها بالقنا وأضربها # لهمومها قرمها مقدمها ... ضيغمها نجمها عصبصها # وجرى في نحو هذا عدة أبيات. ولم نسمع بأحد شبه الرجل بالزبرجد قبله، وهذا ~~من معانيه الأبكار وألفاظه الأحرار. # ومن هجين الكلام قوله أيضا: # )وليس كبحر الماء يشتف قعره ... إلى حيث يفنى الماء حوت وضفدع( # ومن الغثاثة التي لا ريب فيها قوله: # )غثاته عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل( PageV01P013 ~~وأهجن من هذا لفظا وأقل من البيان حظا قوله: # أديب رست للعلم في ارض صدره ... جبال، جبال الأرض في جنبها قف # )جواد سمت في الخير والشر كفه ... سموا فود الدهر أن اسمه كف( # )فليس بدون يرتجى الغيث دونه ... ولا ينتهي الجود الذي خلفه خلف( # وقوله: # )واغتفار لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال( # وقوله في وصف الغيث: # )لساحيه على الأجداث حفشى ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي( # وإنما اغتره قول زهير: # . . . يحفشى الأكم وايله # لم يذكر البيت. # فأما أن يستقي مستسق للقبور غيثا يحفش تربها وينبث ثراها، فلم يقله أحد. ~~وإنما يستقى لديار الأحبة ولقبور الأغرة لتكلأ تلك الأرض، وتعشب تلك البلاد ~~فتنتجع. فيتذكر أهلوها ويترحم على من واراه الترب فيها. وينتج كل ms20 من نأي ~~عنها ثم يحترسون في السقيا من أن تدرس مغانيها وآثارها كما قال طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي # وقال الآخر: # سقى الله سقيا رحمة أهل بلدة # احترس بقوله: )سقيا رحمة( احتراسا لطيفا. فأما أن يستقي غيثا لها يعفي ~~الأثر وقعه كوقع أيدي الخيل تضرب الأرض، حتى يهدمها ويحفرها فلا. وقوله: # )وأظنه حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرني والآزادا( # وقد نعي على كثير قوله وهو دون هذا: # وهم أحلى إذا ما ذقت يوما ... على الأحناك من رطب ابن طاب # وغير عليه فجل: )من عسل اللعاب( وكلاهما لا خير فيه. ثم قال: # )فغدا أسيرا قد بللت ثيابه ... بدم وبل ببوله الأفخاذا( # وكذلك قوله: )الازاذا( وهذه قافية قلقة مجتذبة مجتلبة معلولة غير مقبولة. ~~وسبيل الشاعر أن يعنى بتهذيب القافية فإنها مركز البيت حمدا كان ذلك الشعر ~~أو ذما، وتشبيبا كان أو نسبيا، ووصفا كان أو تشبيها. وأن يتأمل الغرض الذي ~~يرميه فكره، فينتظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا، ومع أي القوافي يكون ~~أشد اطرادا، فيكسوه أشرف معارضه، ويبرزه في أسلم عباراته، ويعتمد إقرار ~~المعاني مقارها، وإيقاعها مواقعها. وقد حكى عن الحطيئة أنه قال: نقحوا ~~القوافي فإنها حوافر الشعر. فشتان ما بين قولك )الأفخاذا( وقول الحطيئة: # هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا # فلقوله )أضاءوا( موقع لطيف؛ وذلك أنها لفظة لا يستطاع تبديلها بغيرها، ~~ولا تغييرها بما يسد مسدها. وكذلك قول النابغة: # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعساليه وأسفله ندى # فلقوله: )وأسفله ندى( موقع عجيب في هذا الموضع؛ وذلك أن الأنوار. فكره أن ~~يشبه الثغر به في هذا الحال، فيكون الثغر كالمتركب بعضه على بعض، فشبهه ~~بالأقحوان إذا أصابته الشمس؛ فقال: )جفت أعاليه( أراد انبسطت وذهب تجعيدها ~~ثم قال: )وأسلفه ندى( فاحترس أن يكون ذوى وجف. وقولك: قد )بللت ثيابه . . . ~~وبل ببوله الأفخاذا( ينظر إلى قول الأول: # آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله # يقول: إنه إذا طعنه أحدث في سرجه، كنى عن ذلك بهذه الكناية ms21 البليغة ~~البديعة، وعبر بهذه العبارة الجزلة. ومن القول في المباني المسفرة قول امرئ ~~القيس: # فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # وقول زهير: # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمى # ومن ألفاظه القلقة ومعانيه الغلقة قوله: # )لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء( # وإنما نظر إلى قول أبي نؤاس: # إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها # حتى تهم بإقلاع فيمنعها ... خوف العقوبة عن عصيان باريها # ومما هذه سبيله قوله: # )يكاد من صحة العزيمة أن ... يفعل ما لا يكاد ينفعل( # ومن خروجه المتكلف المتعسف الذي باين مذاهب المحدثين قوله: # )أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم رعا( PageV01P014 ريع من ~~الروع. فما ابعد هذا الكلام من الإحسان، وأشد مباينته للبيان وأدله على ضيق ~~عطن قائله، وعلى فساد تخيله وما أحسبه سمع قول منصور النمري: # أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # صبرت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر # ولا طالع قول محمد بن وهيب: # ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن طلعته ... وجه الخليفة حين يمتدح # ولا قول البحتري يصف دارا: # ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما # وقد أخذت هذا فقلت: # )سقى مثواك غاد في الغوادي ... نظير نوال كفك في النوال( # ولا قوله: # وقاسين ليلا دون قاسان لم تكد ... أواخره من بعد قطريه تلحق # بحيث العطايا مومضات سوافر ... إلى كل عاف والمواعيد فرق # ولا قوله: # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد # كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد # بلى قد قرأت هذا، فإنك أخذت المعنى فيه فقلت: # )ردي الوصال سقى طولك عارض ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا( # )زجلا يريك الجو نارا والملا ... كالبحر والتلعات روضا ممرعا( # )كبنان عبد الواحد الذي ... أروى وآمن من يشاء وأجزعا( # ومن أحسن الخروج قول أبي ms22 تمام: # إساءة الحادثات استنبطي نفقا ... فقد أظلك إحسان ابن حسان # وقوله: # فعلت مقلتاه بالصب ما تفعل ... جدوى بديك بالآمال # وقوله: # لا تنكري عطل الكريم من الغني ... فالسيل حرب للمكان العالي # وتنظري خنبب الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال # بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال # أغلى عذاري الشعر أن مهورها ... عند الكريم إذا رخصن غوالي # ومن مستغلق كرمه وجافي تشبيبه قوله: # )إذا عذلوا فيها أجبت بأنه ... حبيبتا قلبي فؤادا هيا جمل( # ومن الغلق المستغلق قوله: # )أرض بها شرف سواها مثلها ... لو كان مثلك في سواها يوجد( # يقول: إن لهذه الأرض التي شرفا بحلولك إياها، ولو ألقي مثلك في أرض أخرى ~~غيرها لكانت مثل هذه. قوله: # )من في الأنام من الكرام ولا تقل ... من فيك شأن سوى شجاع يقصد( # يريد: لا تقل من فيك يا شأم بل من في الأنام أجمعين من يقصد. ومن ~~المستغلق فيها قوله: # )أتى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد( # تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان. وربما ~~يريد أنت الأنس والجن، وآدم واحد من الإنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا ~~البرية؟ وقد فصل بين المبتدأ الذي هو )أبوك( وبين الخبر الذي هو )محمد( ~~بالجملة التي هي قوله )والثقلان أنت(، وهذا تعسف شديد، ومذهب عن الفصاحة ~~بعيد. ومن المستعجم المبهم قوله: # )وكم وكم حاجة سمحت بها ... أقرب مني إلي موعدها( # وهذا من مستهجن الكلام، ومستكره التركيب. وإنما ذهب إلى مصر عمر موعده، ~~وقرب وعده في إنجازه، فأساء العبارة عن هذا المعنى كل الإساءة. ومن هذا ~~الجنس قوله: # )وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد( # يقول: أبعد ما كان بيننا من البعد فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، ~~وقرب قربنا فجعله مثل قرب البعاد كان بيننا، ذهب إلى أن قربه إليه كان بحسب ~~ما كان بينه وبينه من البعد. # ومن أسوأ العبارة قوله يصف فرسا: # )سبوح لها منها عليها شواهد( # وقوله: # )اخترت دهماء تين يا مطر ... ومن ms23 له في الفواضل الخبر( PageV01P015 يريد: ~~اخترت الدهماء من هاتين الفرسين يا رجلا يجري في جوده مجرى المطر وهذا كلام ~~يشهد تكلفه واستكراهه ببعده عن مدرجة البيان. ومن كلامه الهجين قوله في ~~هجاء ابن كيغلغ: # )وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم( # فقال أبو الطيب: أما طالعت في هذه القصيدة قولي: # )يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه ... ما بين رجلها الطريق الأعظم( # فقلت: هذا من قول الفرزدق: # وتركت عرسك يا جرير كأنها ... للناس باركة طريق معمل # فقال جرير يرد فيها عليه: # وعجان جعثن كالطريق المعمل # وفي هذه القصيدة يقول: # )يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم( # وهذا من قول أبي تمام: # بأبي من إذا رآها أبوها ... أقبلت قال ليت أنا مجوس # فقال: ما علي حرج في البيت يشذ عن مدرجة الإحسان، واللفظ يند عن شرك ~~البيان. قلت فأخبرني عن قولك: # )بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقف شحيح ضاع في الترب خاتمه( # كيف قلته أشحيح أم شجيج ؟ فقال: أنا قلته بحاء لا غير، هذا معنى اخترعته: ~~إنما اجتذبته من قول هميان بن قحافة: # فهن حيرى كمضلات الخدم # فبين اللفظتين بون بعيد وقد أوحشت في قولك: # )بليت بلى الأطلال إن أقف بها( # وأسأت في العبارة عنا أخذته فأتممت البيت به. فانظر إلى قول أبي نؤاس في ~~منى بيت هميان، ما أعجبه وأحسن مذهبه وأفصحه وأوضحه حين يقول: # لقد طال في رسم الديار بكائي ... وقد طال تردادي بها وعنائي # كأني مريغ في الديار طريدة ... أراها أمامي مرة وورائي # قلت: وقد كررت معنى قولك: )بليت بلي الأطلال( فقلت، إلا أنه لم يأت موجزا ~~إيجازك فيما تقدم: # )ما زال كل هزيم الودق ينحلها ... والسقم ينحلني حتى حكت جسدي( # وقد عمدت في هذا البيت إلى أحسن بيت وأشرفه عبارة، فأعدته في عبارته في ~~عبارة مجتذبة، وألفاظ غير مستعذبة. # قال محمد بن وهيب: # طللان طال علهما الأبد ... دثرا فلا علم ولا قصد # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد # فلو ms24 لم يكن في هذين البيتين من محاسن اللفظ إلا قوله: )لبسا البلى( فإنها ~~استعارة واقعة حلوة. ولو شاء قائل إنها في هذا الموضع أحسن موقعا منها معها ~~في قول الجعدي: # لبست أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا # أو من قول الآخر: # ما الضجيع ثناها إليه ... تداعت عليه فكانت لباسا # على أن بعض العرب قد قال وأوفى على كل مقال: # ألم تر أن الريح بين مويسل ... وجاوا إذا هبت عليك تطيب # وأحسن الآخر كل الإحسان بقوله: # لمن طلل وقفت به طريقا ... أسائل ربعه الخلق السحيقا # لسمى لا تغير ربع سلمى ... وألبست الرواعد والبروقا # وقول محمد بن وهيب: # لبسا البل فكأنما وجدا # مأخوذ من قول معلى الطائي: # لبسن البلى حتى كأن رسومها ... طعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب # ومن هذا أخذ البحتري قوله: # بين الشقيقة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع # فكأنما ضمنت مغانيها الذي ... ضمنته أحشاء المحب الموجع # وكإساءتك في أخذ هذين البيتين في قولك: # )وكم للهوى من فتى مدنف ... وكم للنوى من قتيل شهيد( # فإنك سرقت عجز هذا البيت افحش سرق من جميل، ومن محاسن قوله: # لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد # وما كنت أرى ذا روية يستجيز أن يهتك حرمه هذا البيت، ويأتي إلى هذه ~~الألفاظ الرطبة العذبة فيحيلها إلى ذلك اللفظ السفساف والنظم المتهالك ومن ~~تبديله الحسنة بالسيئة قوله # )تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد( # ولولا تسمحه في تناول هذه المعاني التي تقدم أربابها فيها، وسبق إلى ~~اختراعها، لخل لسانه كما يخل لسان الفصيل الملهج: وما يصنع بقوله: # )تهلل قبل تسليمي عليه( # مع قول زهير: PageV01P016 تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي ~~أنت سائله # وقد أخذ قوله: # كأنك تعطيه الذي أنت سائله # شاعر فقال في السري بن عبد الله: # كأن الذي يأتي السري بحاجة ... أناخ عليه بالذي جاء يطلب # وأخذه الكميت فقال: # كأنما جئته أبشره ... ولم أجيء راغبا ومجتلبا # ومع قول بعض العرب: # إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر ms25 # له في ذوي الحاجات نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر # ومما سرقه فلم يزد على أن كرر لفظه في غير وزن البيت المسروق منه قوله: # )فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد( # فإنك أخذته لفظا ومعنى من قول البحتري: # إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطيب # ومن هذا النوع قولك: # )فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صبغ اللجين العسجد( # فما تصنع بهذا مع قول ذي الرمة: # حوراء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب # ومن هذه الجذوة اقتبس بشار قوله: # قد لح بي في لعب ... ذو راحة من تعب # جسم من الفضة قد ... تشربت بالذهب # ومن هاهنا نقل أبو الشيص قوله في صفة الخمر: # كأنما أقداحها فضة ... قد بطنت بالذهب الأحمر # ومن تقصيرك في الأخذ قولك: # )لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي( # فإنك أخذته من قول الأول: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # وجعلته ملكا هماما وما تصنع بقولك وقول غيرك في هذا المعنى مع قول عامر ~~بن الطفيل: # فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من وماها بمقنب # ومن تقصيرك فيما سرقته قولك: # )بانوا بخرعوبة لها كفل ... يكاد ند القيام يقعدها( # فإنك أخذته بقول المحدثين: # تمشي فيقعدها روادفها ... فكأنما تمشي إلى خلف # فهذا هو الإعذار. ألا ترى أنك لم تستوف المعنى لأنك إنما أخذت الشطر ~~الأول الشطر الأول من هذا البيت وغادرت قوله: # فكأنما تمشي إلى خلف # ومن التقصير الشديد قولك: # )أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء( # وهذا من التكلف الشديد، البعيد من اللفظ السديد. ثم قلت: # )قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها بليل وهي ذكاء # ففي قولك )هتكها( هتك لحريم ودها. وقد سرقت البيت الأول من قول الشاعر: # تبسمت فانجلى الظلام ولم ... تخف وقد كان قبل أخفاها # ومن قول الآخر: # قمر نم عليه حسنه ... كيف ms26 يخفي الليل بدرا طالعا # وأخذت البيت الثاني من قول بشار: # أملي لا تأت في قمر ... لحديث واثق الدرعا # وتوق الطيب ليلك ذا ... إنه واش إذا سطعا # وقد أخذ بشار البيت الأول من قول عمر بن أبي ربيعة: # قالت صدقت ولكن في قمر ... ألا تبصرت حتى تأتي الدرع # ثم قلت له وأخرى من قولك: # )طلب الإمارة في الثغور ونشؤه ... ما بين كرخايا إلى كلواذا( # من أين لك هذه اللغة في )كلواذا(؟ ما أحسبك أخذتها إلا عن الملاحين. # قال: وكيف؟ قلت: وإنك أخطأت فيها خطأ تعثرت فيه ضالا عن وجه الصواب. قال: ~~ولم؟ قلت: لأن الصواب كلواذ بكسر الكاف وإسكان وإسقاط الياء. قال: وما ~~الكلواذ ؟ قلت: تابوت التوراة بها سميت المدينة. قال: وما الدليل على هذا؟ ~~قلت الراجز: # كأن أصوات الغبيط الشاذي ... زبر مهاريق على كلواد # والكلواذ: تابوت توراة موسى. وحكي في بعض الروايات أنه كان مدفونا بهذا ~~الموضع، فمن أجله سميت كلوذا. وأطرق لا يحير جوابا ثم قال: لم يسبق إلي علم ~~هذا، وقولك مقبول والفائدة غير مكفورة. قلت: وأخطأت في قولك: PageV01P017 ~~)وصلت إليك يد سواء عندها ... البازي الأشهب والغراب البقع( # فإنك شددت الياء في )البازي( لا وجه له، ووصلت ألف القطع في الأشهب. ولا ~~أعلم أحدا من الفصحاء شدد الياء في البازي إلا البحتري، وعليه اعتمدت، وعلى ~~لفظ بيته ركنت في قوله: # وبياض البازي أحسن لونا ... إن تأملت من سواد الغراب # وقد رد هذا على البحتري وخطئ في تشديده الياء. والمسموع في ذلك لغتان: ~~إحداهما باز وبزاة كما تقول قاض وقضاة ورام ورماة. قال امرؤ القيس: # على باز في السماء محلق # واللغة الثانية )باز( بالهمز )وأبؤز(، كما تقول كلب وأكلب ويجمع على ~~بئزان جاء ذلك في الشعر الفصيح فقال: لم أقل هكذا وإنما قلت البازي الأشهب ~~بسكون. فقلت: قد قطعت ألف الوصل في البازي الأشهب ووصلت ألف قطع فجمعت بين ~~ضرورتين في بيت واحد. فقال: قد جاء مثل ذلك في اشعر. إنما جاء شاذا وليس ~~بسائغ لمحدث. # فقال: قد قال ms27 الطرماح: # ألا أيها الليل الطويل ألا آصبح # فوصل. فقلت ك الطرماح قروي والرواية الصحيحة: # ألا أيها الليل الذي طال أصبح ... ببسم وما الإصباح فيك بأروح # قلت: وأخطأت أيضا في قولك: # )وأنك بالأمس كنت محتلما ... شيخ معد وأنت أمردها( # فإنك أجريت المضمر في قولك )أنك( مجراه مع الظاهر، وفيه قبح شديد. وإنما ~~يحسن )أنك( بمعنى أنك مع الظاهر، كقول الشاعر: # ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم # وقول الآخر: # وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان # فقال: قد قال الآخر: # فل أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أنجل وأنت صديق # فقلت له: هذا جائز على الضرورة، ووجه جوازه ضعيف جدا. وليس يحمل القياس ~~الشذوذ والضرورات. وعلى أنك نظرت إلى قول أبي تمام: # وأنك إذا ألبسته العز منعما ... وسربلته تلك الجلالة مفضلا # ثم قلت: وأخطأت أيضا في قولك: # )هزمت مكارمه المكارم كلها ... حتى كأن المكرمات قبائل( # )وقتلن دفرا والدهيم فما ترى ... أم الدهيم وأم دفر هابل( # قال: وما وجه الخطأ؟ قلت ما أردت بقولك )وقتلن دفرا والدهيم(؟ فقال: هما ~~من أسماء الداهية، وقد تسمى الدنيا دفرا. فقلت: هذا خطأ في الدفر لم يقله ~~أحد، ولا رواه، راو، ولا ادعاه على العرب مدع. فأما الدفر فالنن؛ والخبر عن ~~عمر، رحمة الله عليه و)ادفراه( والعرب تكني الدنيا أم دفر من أجل المزابل ~~التي فيها ويقال: دفرته دفرا إذا دفعت في صدره. وقالوا للأمة يا دفار ~~لنتنها. ويقال: دفرا دفرا لما يجي به فلان، إذا قبحت الأمر أو نتنته. وقال ~~صاحب كتاب العين: الدفر وقوع الدود في الطعام واللحم، والدنيا دفرة أي ~~منتنته. ونحو هذا ذكر ابن دريد في الجمهرة. هذا قول أهل العلم ومستودع كتب ~~اللغة ولا يعلم أحد أنه ادعى أن الداهية تسمى دفرا، ولا أن الدنيا تسمى ~~دفرا. وأما الدهيم فمن أسماء الداهية؛ والأصل في ذلك أن ناقة كانت لبعض ~~الملوك تسمى الدهيم، فقتل قوما وبعث برؤوسهم عليها في غرارة، فلما جاءت ~~قالوا: عليها بيض نعام. فقال الرسول: انظروا ms28 عما يفرخ البيض. فلما نظر إلى ~~رؤوس أولاده قال: # وعند الدهم لو أحل عقالها ... فتصعد لم تعدم من الجن حاديا # يريد أن الجن تعين على فعل المكروه. ثم كثر تشاؤمهم بهذا الاسم حتى جعلوا ~~الداهية دهيما. فقال: إذا كانت الدنيا تكنى أم دفر، سميت أيضا بدفر من أجل ~~أن كناهم لهذه الأشياء. فقلت: الأمر على خلاف ما تخيلته، ولو كان الأمر ~~كذلك لسميت الدنيا شملة، لأنهم قد كنوها أم شملة. أنشدنا محمد بن الحسن بن ~~مقسم، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، ابن الأعرابي: # من أم شملة ترمينا بوائقها ... غرارة رئيت منها التهاويل # ولكانت الخمر تسمى خلا، من أجل أنهم كنوها أم الخل كما قال الشاعر: # رميت بأم الخل حبه قلبه ... فلم يستفق منها ثلاث ليالي PageV01P018 ولم ~~يدع ذلك أحد من العلماء ممن يستضاء بنوره، ويورد نمير مائه. ولكانت هذه ~~الدنيا تسمى حبينا، لتكنيتهم إياها بأم حبين. ولكانت الحمى تسمى ملدما ~~إياها ملدم. فقولك: )أم الدهيم وأم دفر هابل( لا انتظام لمعناه ومحصول ~~المعنى في بيتك أن أم النتن وأم الداهية ثاكل. وهذا من المعاني الممقوتة ~~التي تصم ناطقها، وتهين قدره، وتسم بميسم النقص شعره، لأنه قد جمع فساد ~~المعنى والطاء في اللغة. وفي هذه القصيدة تقول: # )لو طاب مولد كل حي مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل( # ما أراك أردت إلا أنهن يتسعن حتى لا تحس المرأة عند مخاضها بخروج الجنين ~~عنها. وإلا فما وجه سقوط حاجتها إلى القابلة عند ولادتها، أما سمعت قول ~~الأول: # حملت به أم تباركه ... فكأنها بالحمل لم تدر # حملت به غراء مذكرة ... زهراء بنت عقائل زهر # فأتيت بما لا يأتي به ذو مرة سوية، ولا قريحة ذكية. وما أحسن ما قال ~~الكروس بن زيد الطائي: # لئن فرحت ب معقل عند شدتي ... لقد فرحت بي عند أيدي القوابل # أهل به لم استهل بصوته ... حسان الوجوه لينات الأنامل # فلما تردى بالحمائل وانتحى ... يصول بأطراف الرماح الذوابل # تبينت الأعداد أن سنانه ... يطيل حين حنين الأمهات الثواكل # فأحنقه هذا ms29 القول وغير من لونه، واستروح إلى قول حدث مأفون العقل كان ~~بحضرته: سبحان الله ما أعجب أول هذه القصيدة: # )لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت وهن منك أواهل( # فلم يستكمل البيت حتى قلت له: أعجب منه، أيقظ الله رقدتك، ما استرق هذا ~~منه وهو قول أبي تمام: # وقفت وأحشائي منزل للأسى ... به وهو قفز قد تعفت منازله # وأبو تمام احتذى في هذا القول ذئب الخزاعي: # ألا من لطرف لا يزال مسهدا ... ويا من لقلب لا يزال مصيدا # رماه الهوى حتى إذا شك قلبه ... تردد في أحشائه وتبددا # بنى لي قلبي منزل في فؤاده ... وأعطتك من إنسانها العين معقدا # وإلى هذا أشار قيس بن معاذ بقوله: # سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى ... بها السير وارتادت حمى القلب حلت # فللعين تهمال إذا القلب ملها ... والقلب وسواس إذا العين ملت # ووالله ما في القلب شيء من الهوى ... لأخرى سواها أكثرت أم أقلت # وهذا أبو عثمان الناجم يقول على تأخر زمانه: # إذا ساءني منه شحوط دياره ... وضاقت علي في هواه مذاهبي # عطفت على شخص له غير نازح ... منازله بين الحشا والترائب # قلت: وأخطأت في قولك: # )ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيام( # وكان من الصواب أن تقول: زهيت بمكانه. أتراك مع فضلك وتوسعك في أدبك لم ~~تطالع كتاب )الفصيح( وما تضمنه من قوله: )وقد زهيت علينا يا رجل، وأنت ~~مزهو، وكذلك يقال: زهي الرجل وزهيت المرأة كما يقال نخى الرجل ونخيت المرأة ~~من النخوة، فهما منخوان. وقالت عائشة، رضي الله عنها: الحلي مستعار للعرائس ~~وفلانة تزهى أن تلبسه. ولا يقال زها إلا في النبت إذا اصفر وظهر زهوه أي ~~صفرته. ونهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم آله، عن بيع التمر حتى يزهو. ~~وبعض أصحابنا يقول حتى يزهي من أزهى. وذكر أن )يزهو( خطأ والزهو البسر إذا ~~لون. يقال: أزهى البسر، والإزهاء، زعموا، في البسر أن يصفر ويحمر. والأصمعي ~~يقول حتى يزهى البسر، بفتح الهاء، ويأبى ما سواه البسر الأصفر، ms30 والزهو ~~الكذب وأنشد: # عند ابن عمران زهو غير ذي رطب ... وعنده رطب في النخل ممنوع # يقول عند كذب لا بسر. وقال الآخر: # ولا تقولن زهر ما تحدثنا ... لم يترك الشيب لي زهرا ولا العورا # والزهو أيضا: المنظر الحسن؛ والزهو الفخر، قال الشاعر: # متى ما أشأ غير زهو الملوك ... أجعلك رهطا على حيض PageV01P019 والزهو ~~أيضا أن تشرب الإبل ثم تمد في طلب المرعى ولا ترعى حول الماء. يقال: زهت ~~الإبل تزهوا. والريح تزهي النبات إذا هزته. والسراب يزهي الرفقة كأنما ~~يرفعها، والأمواج تزهي السفينة. قلت: وأخطأت أيضا في قولك: # )وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا( # أفتعرف مرئيا يتناوله النظر لا يقع عليه أسم شيء. وأحسبك نظرت فيه إلى ~~قول جرير: # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا # فأحلت المعني عن جهته، وعبرت منه بغير عبارته. وقول جرير من التخيل ~~المليح. وزعم الأخطل أنه أخذه من قول الله تعالى: )يحسبون كل صيحة عليهم(، ~~وخليق أم يكون أخذه من قول العوام بن شوذب الشيباني: # ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما # ومن التخيل المليح قول الآخر في تخيل السكران: # وما زلت أسقي الراح حتى حسبتني ... أميرا على من شيت أن أتأمرا # وحتى حسبت الليل والصبح مقبلا ... حصانين مختالين جونا وأشقرا # ومما يستحسن في هذا المعني قول ثابت قطنة: # تنشيت حتى خلت أن مطيتي ... لها سبع آذان نبتن لها بعدي # وحتى حسبت البر بحرا وخلتني ... أنوط النجوم الزهر في طرفي بردي # وأشدني أبي قال: أنشدني أبو عمر بن سعد القطربلي الكاتب قال: أنشدني ثعلب ~~لطحيم الأسدي، وينسب هذا إلى ابن الأعرابي: # ومستطيل على الصهباء باكرها ... في فتية باصطباح حذاق # فكل خلق رآه ظنه قدحا ... وكل شخص رآه خاله الساقي # حتى حساها فلم يلث وما برحت ... أن غادرته صريعا ما له راقي # ثم قلت: وأخطأت في قولك مخاطبا كافورا الإخشيدي: # )يفضح الشمس كلما ذرت الشمس ... بشمس منيرة سوداء( # فكيف توصف الشمس وصبغا البياض والضياء بالسواد؟ وما ms31 وجه استعارة المس ~~للأسود إن كنت ذهبت في ذلك إلى الاستعارة فقال إنما ذهبت إلى قول النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # فقلت له: إنما ذهبت في هذا إلى أنه في مجده وسؤدده وبإضافة الملوك إليه ~~كالشمس التي تستر النجوم عند ظلوعها. وأنت لم ترد إلا أن هذا الممدوح في ~~أوضافه يفضح الشمس طالعة، وهو مع ذلك شمس سوداء، والشمس لا تكون سوداء إلا ~~في حال كسوفها. ولم تذهب في هذا إلا إلى سواد جلدته، وقد أنبته في ظاهر ~~الكلام بقولك )سوداء( تأنيبا، عاد )معه( المدح هجاء، ولا فرق عندي بين قولك ~~هذا في مدحه، وقولك في الكلمة الأخرى في ذمه. # )إن امرأ مرأة حبلي تدبره ... لمستضام سخين العين مفئود( # قلت: وأخطأت في قوله مفتتحا قصيدة امتدحت هذا الرجل بها؛ فإنك قلت: # )كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا( # فإنك افتتحت مدحه بما تفتتح به المرائي واحتسبته كان طعمة المنايا عن ~~قليل من مواجهته بها. ومن سبيل الشاعر أن يتحرى لقصيدته أحسن الابتداء كما ~~يتحرى لها أحسن الانتهاء عند بلوغ حاجته، وأن يجعل افتتاح كلامه أحسن ما ~~يستطيعه لفظا ومعنى. وأن يبتدئ قصيدته بما شاكل المعنى الذي قصد له. فإن ~~أبا نؤاس لو كان معاتبا بقوله: # أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أجنك ودادي # أو مستبطئا، لم يستهجن ابتدؤه هذا، ولم البرمكي منه عند إنشاده إياه هذا ~~الشاعر، فإنه يتطير منه، فلما انتهى إلى قوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغادي # استحكمت طيرته، فلم تتصرم أيام حتى أوقع الرشيد بالبرامكة. وكذلك البحري ~~لو كان هاجيا بقوله: # لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك ذوي حي تزم أباعره PageV01P020 لكان ~~محسنا؛ لأن كل صنف من صنوف القول يقضي نوعا من أنواع الابتداء وضربا من ~~ضروب الاستفتاح لا يصلح لغيره. وقد قال أبو سعيد لما أنشده: " لك الويل من ~~ليل " بل لك الويل والحرب. فينبغي للمادح ms32 المستميح أن يفتتح شعره بما يكون ~~دالا على غرضه ومشيرا إلى مراده. وألا يشوبه بما يتطير منه ويستجفي في ~~كلامه: كنغي الشباب، وتفرق الأحباب، وذم الزمان، وتقطع الأقران، وذكر ~~الموحش من الأطلال والرسوم العافية البوالي. فقد قيل إن الأسود بن المنذر ~~لما أنشده الأعشى: # ما بسكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فمال يرد سؤالي # ذم هذا الافتتاح وكرهه. وبلغنا عن خلفاء بني مروان أنه استنشد ذا الرمة ~~شيئا فأنشده: # ما بال عينك منها الماء ينسكب # فرد فيه وأسكته. وأنشد الجعدي بعض الملوك قصيدته التي يقول فيها: # لبست أناسا فأفنيهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا # فقال: ذاك لفرط شؤمك. واستنشد أبو دلف بن عيسى راشد بن إسحاق الكتاب بعض ~~ما رثى به متاعه فأنشده: # ألا ذهب الأير الذي كنت تعرف # فغضت أبو دلف وقال: بل أمك كانت تعرفه. ولما أنشد الأخطل عبد الملك: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا # فقال: بل منك، تطيرا بذلك. وهذه كانت حال جرير معه لما أنشد # أتصحو بل فؤادك غير صاحي # فإنه رد فيه وقال بل فؤادك. ثم قلت: وأخطأت في قولك: # )أليس عجيبا أن وصفك معجز ... وأن ظنوني في معاليك تظلع( # فاستعرت الظلم لظنونك، وهي استعارة قبيحة، وتعجبت في غير متعجب منه، لأن ~~من أعجز وصفه لم يستنكر قصور الظنون وتحرها في معاليه. وإنما نقلته من قيل ~~أبي تمام فأفسدته: # رقت مناه طود عز لو ارتقت ... به الريح فترا لانشنت وهي ظالع # وقد قال مخلد يصف برية: # سماوية تستنزل الريح جودها ... وتظلم فيها الريح في واضح السبل # فقال: إنما جريت على عادة العرب في الاستعمار. فقلت: أجل إلا أنها ~~استعمار مستهجنة قلقة حلت في غير محلها، ووقعت في غير موقعها. # والاستعارة إذا لم يكن موقعها في البيان فوق موقع الحقيقة، لم تكن ~~استعارة لطيفة. وحقيقة الاستعمار أنها نقل كلمة من شيء قد جعلت له، إلى شيء ~~لم تجعل له. وهي على ثلاثة أضرب أفتعرفها؟ فقال: ما لي لهذا؟ قلت: فأنا ~~أذكرها ضرورة، لأبين أنك بمعزل عن الإحسان في ms33 قولك: # )فإن ظنوني في معاليك تظلع( # فأولها: الاستعمار المستحسنة وهي التي موقعها في البيان فوق موقع الحقيقة ~~كقول الله تعالى )إنا لما طغا الماء( فحقيقة طغا علا. فلما قال تعالى طغا ~~جعله علوا مفرطا، فصار لهذه الاستعمار حظ في البيان لم يكن للحقيقة. ومن ~~الاستعمار المستحسنة قول الأعشى: # ولقد سلبت الكاعب ... الحسناء حسن شبابها # يريد تمتعت بها إلى أن أفنيت شبابها. وقال أوس بن حجر: # ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة منا بجيش عرمرم # فاستعارته للأرض المرض مبالغة في وصف كثرة عددهم ووقع حوافر خيلهم. فكأن ~~الأرض حملت منهم ثقلا لا تنهض به، فكسبها ذلك مرضا. وحقيقة المرض النقصان، ~~فكأن استطاعة الأرض عجزت، وقواها قصرت وتناقصت عن الاستقلال بما حملوها ~~إياه وقال الشاعر: # وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء بها شمس ولا قمر # يريد بقوله " مرضت " نقص ضوءها. ومن الاستعمار اللطيفة قول الآخر: # وردن لتغوير وقد وقد الحصى ... وذاب لعاب الشمس فوق الجماجم # فاستعار للحصى وقدة، إخبارا عن توقد الهاجرة. واستعار للشمس اللعاب ~~إخبارا عن شدة الحر، ومن هاهنا أخذت قولك: # )وللشمس فوق اليعملات لعاب( # وقول الآخر: # رأيت فضيلة القرشي لما ... رأيت الخيل تسرج بالرماح # فاستعار للرماح " تسرج " ، أي مشعلة، إخبارا عن افتراشها وتلاحكها، وشدة ~~الطعن واستحراره، فكأنها ملتهبة لاصطكاكها وتلاحكها كما قال امرؤ القيس: # إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت واليوم قر # النوع الثاني: وهو الاستمارة المستهجنة؛ وإنما سميت مستهجنة لأنهم ~~استعاروا لما يعقل أسماء وألفاظ ما لا يعقل كقول الحطيئة: PageV01P021 فما ~~برح الولدان حتى رأيته ... على البكر بساق وحافر # وهذا الشاعر إنما وصف رجلا أضيف وأكرم فقال: ما برح الإماء والولدان يكر ~~منه حتى رأيته قد ركب راحلته وانصرف شاكرا عنهم. فالمعنى في نهاية الحسن، ~~إلا أنه قال في آخر البيت " يمريه بساق وحافر " فقبح لما استعار للرجل موضع ~~قدمه حافرا. ومن هذا قول الخطيئة أيضا: # قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره # فجعل له مشفرا في موضع الشفة، ومنه قول الآخر: # سأمنعها أو سوف ms34 أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق # فجعل للملك ظلفا موضع الظفر، ولم يقنعه حتى قال: " لم تشقق " والنوع ~~الثالث: من الاستعارة أحسن من الثاني لأنهم استعاروا لما لا يعقل اسما لما ~~يعقل كقول حميد بن ثور الهلالي: # عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # هذا الشاعر وصف حمامة وأراد أن يقول لم تفغر منقارا فقال " لم تفغر فما " ~~، فحسن. ولو قال الإنسان لم يغفر منقارا لقبح وساء في اللفظ. على أن ~~الأصمعي قد ذكر أن الفلم يستعمل في جميع الحيوان. وقال الراجز يصف فرسا: # وهاطل الجري أتي مقدمه ... ما لثمت كيف الصعيد قدمه # فجعل له مكان حافره قدما، فكان أحسن من قول الآخر في موضع قدم الرجل ~~حافره. # قلت: والاستعارة التي استعرتها منافية هذه الأقسام الثلاثة، من أجل أنه ~~ليس للظن فعل حقيقي استعرت الظلع موضعه. وإنما يقال ظن عازب، وظن كاذب، وظن ~~المعي، وظن مصيب. وهذه كلها استعارات واقعة. ولم يسمع من شاعر فصيح ولا ~~عربي صريح: ظن ظالع. واستعارة الظلع للريح وإن كانت بعيدة أولى وأقرب، ومن ~~أجل أنه يقال: ريح حسرى، وريح مريضة يراد كلالها ونقصان هبوبها، فجاز أن ~~يوضع مكان الكلال الظلع، لأنه من جنس قصور الهبوب. وكذلك الظلع في الريح ~~موضوع غير موضعه، وإنما يقال في هذا المعنى ريح حسرى؛ وحسرى ليست على ~~الحقيقة إنما تورد استعارة. وموقع تحسر في البيان أحسن من موقع تظلع. ~~فأبدلت استعارة واقعة لطيفة من قولهم: ظن عازب، وظن كاذب، وظن المعي ومصيب، ~~باستعارة خافية بعيدة من قولك: )في معاليك تظلع(. وحال القدم والحافر والفم ~~والمنقار فائدة الحال، لأنها أسماء مستعارة وضعت مواضع أسماء حقيقية ومن ~~الاستعارة البعيدة قولك: # )أسد الأسد الهزبر خضابه ... موت، فريص الموت منه يرعد( # فجعلت للموت فريصا وهي جمع فريصة، والوجه أن تجمع فريصة على فرائص، ~~والفريصة لحمة تحت الكتف يقال إنها مقتل، وهي استعارة بعيدة جدا. فضل عن ~~الجواب، واستبهم عليه إقليد هذا الباب، وسمع ما لم تجر سعادته باستماع ~~مثله، ms35 لأن الوادي الذي يسلكه في شعر مباين له. وإذا تكلف هذا المضمار، ~~وتعاطى الصنعة في شعره، ولم يحسن إحسانه فيها جرى في على شاكلته الأولى. ~~ألا ترى إلى قوله: # )وقيب كما قبل الرب قبله ... وكل كمي واقف متضائل( # فجانس بقبل وقله وبكم وكمي فلم يصف لفظه، ولا ما لأه على الإحسان طبعه، ~~وانقطعت دون الإصابة مادته. ثم قلت له: وأخطأت في قولك: # )لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود( # من أجل أنه لا يقال درع فاضة، إنما يقال: مفاضة، وجمعها مفاض. ويقال ~~الدرع أيضا فضفاضة وفضافضة إذا كانت واسعة. وقال أمرؤ القيس، وبعض أصحابنا ~~يرويها لأبي داود: # وأددت للحرب فضفاضة ... تضاءل في الطي كالمبرد # فإن كنت اشتققت فاضة من قول امرئ القيس: # تفض على المرء أردانها ... كفيض الأتي على الجد جد # فالوجه أن يقال فائضة لا فاضة. ولم تأت هذه الكلمة في شعر عربي صريح، ولا ~~في كلام مولد فصيح. ولا سمعنا بفاضة إلا من بيتك هذا، ومن بيت أبي الشيص: # ومنازل للقرن يحسب فاضة ... علق النجيع بثوبها الفضفاض # وأبو الشيض مستعمل من هذه اللفظة ما لا أصل له، وليس يجوز في اللغة. ~~وإنما اعتمد التجنيس فأسقط هذا الإسقاط. ثم قلت: وأخطأت أيضا في قولك: # )فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده( PageV01P022 ~~قال: وما وجه الخطاء؟ قلت إنك جعلته يخيلا لا يوصل إلى شيء من جهته. وشبهت ~~نفسك في وصولك إلى ما وصلت إليه منه بشربك من ماء يعجز الطير ورده، لبعد ~~مشربه وترامي مطلبه. وأخطأت في قولك مضللا: # )فلين كل وردنية ... ومصبوحة لبن الشائل( # والشائل: هي التي شال لبنها من النوق. ارتفع. وجمع الشائل: شول، وهي ~~القليلة اللبن من النوق وقد شولت: إذا قل لبنها. فكيف خصصتها بلبن الشائل ~~مع قلته وارتفاعه. وكان الأولى أن تجعلها غزيرة لا بكيئة، كما قال مطير بن ~~الأشيم وكان وصافا للخيل: # قصرت لها أربعا جلة ... وأكتبت حافرها أن يرودا # وقلت لقيمعا روها ... صويحا ولا تسأ من أن تزيدا ms36 # فلم يرضه أن يقصر عليها واحدة حتى ذكر أربعا لصنعها. وأنت لما اقتصرت بها ~~على واحدة جعلتها شلائلا. فقال: إنما أردت تؤثر باللبن مع قلته وارتفاعه ~~على العيال لعتقها وكرمها. فقلت: وأنت إذا أردت ذلك وذهبت إليه تخبر عن ~~اللزبة والشدة وانقطاع الألبان، وهذا مقصر بالفرس مع إيثارها وناقض من ~~صنعها ومخل بقوتها، وأحمد منه مطير وأدل على حسن الصنع. ويقال ناقة شائلة ~~وشائل أيضا وجمعها شول وشائلة للتي شالت يذنبها، ليعلم أنها لا قح وجمعها ~~شول قال أبو النجم: # كأن في أذنابهن الشول ... من عبس الصيف قرون الأيل # ثم قلت: وأخطأت في الكلمة التي أولها: # )كد عواك كل يدعي صحة العقل( # بأن قلت: # )تمر الأنابيت الخواطر بيننا ... وتذكر إقبال الأمير فتحلو لي( # فإنك أتيت ببيت مردف في قصيدة غير مردفة، وهذا شاذ. فقال: هذا وإن كان ~~شاذا كما ذكرت، فإنه عذب على اللسان غير قلق في الإشادة، وقد جاء مثله ~~للعرب: # وبالطوف نالا خير ما ناله الفتى ... وما المرء إلا بالتقلب والطوف # ثم قال: # فراق حبيب وانتهاء عن الهوى ... فلا تعذليني قد بدا لك ما أخفي # فقلت: لعمري إن قوما لا علم لهم يرون هذا شاذا، ولا يرون الواو المفتوح ~~ما قبلها ولا الياء شاذا ردفا، يزعمون أنهما ليسا بحر في مد، لأن الصوت لا ~~تمتد بهما كامتداده بالياء والواو المكسور والمضموم ما قبلهما. وذلك غلط من ~~قائله إذ فتح ما قبلهما عن جنسهما إذا كانت مخرجهما في الحالين من مكان ~~واحد من الفم، فصورتهما في اللفظ واحدة وإنما الفتحة تنقلهما قليلا، فلا ~~يمتد الصوت بها كل الامتداد، ولكنه يمتد امتدادا يسحقان به أن يسميا حرفي ~~مد. فإذا جاء للعرب بيت فيه ردف مع ما لا ردف فيه معا واعتد شاذا، كما لهم ~~الإقواء والإكفاء والإيطاء، فليس لمحدث أن يرتكب مثل ذلك، ولا يسمح في ~~قوافيه بشيء من المعائب، وإن كانت موجودة في أشعارهم على طريق الشواذ. ألا ~~ترى إلى قول ابن بيض يخاطب خالدا القسري وكان حبسه: # شاحب ms37 باطن كصدر يمان ... صارم الوقع لف في غير جفن # ومتى تم عاد عصبا حساما ... وجلا شفرتيه حد المسن # لم يكن جناية لحقني ... عن يساري ولا جنتها يميني # بل جناها أخ وخل كريم ... وعلى أهلها براقش تجسني # أفيجوز لمحدث أن يأتي بمثل هذا ويحتج به أو بمثله؟ كلا. فقال: قد أكثرت ~~القول فيما لا أعتد بشيء منه، وإنما أجري على طبعي، وأقول ما يسوغه لساني. ~~ومما يتعلق به عليه في التقفية قوله: # )أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره( # )وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أن الله يبغي نصره( # ما حرف الروي في هذين البيتين؟ قال: الهاء. فقلت له: فإن جعلت الهاء حرف ~~الروي لم يجز ذلك. لأن هاء الضمير لا يكون رويا، إلا إذا سكن ما قبلها كقول ~~طرفة: ألا يا أيها الظبي الذي يبرق شنفاه # ولولا الملك القاعد ... قد ألشمني فاه PageV01P023 فإن جعلت الراء حرف ~~الروي والهاء صلة، وهو الوجه، فما تصنع بقولك: )إذا ذكرتك أشبه( اللهم إلا ~~أن تذهب إلى أن تذهب أنه لم يصرع. فأقبل علي وقال: أنصف فإن النصفة من ~~شيمك، وأنعم النظر إنعام مثلك ممن تقدمت في العلم قدمه، الإشارة إلى موضعه ~~ولا تسلط الهوى على الرأي من الذي تناسبت مبادهيه، وتشابهت أعجاز شعره ~~وهوادبه؟ ومن ذا الذي برئ من معاب؟ وساء من يتبع ناظما كان أو ناثرا من ~~الشعر كان أو آخرا وما أنا ببدع منهم. وإذا أنصفت من نفسك، وألقيت رداء ~~الحمية عن كاهلك، ألقيت نفسك في جميع ما عددته من سقطاتي، ونعيته من ~~أبياتي، محجوجا. لأن من أحسن في الكثير، اغتفرت إساءته في القليل اليسير. ~~هذا امرؤ القيس وهو إمام الشعراء، والفائق لهم أكمام المعاني، ورب القصب ~~والسبق إلى كل لفظ مهذب، ومعنى مخترع، وتشبيه مخترع مبتكر، قد أحسن في ~~مواضع، وتوسط في مواضع. وأساء في حال، كما أحسن في حال. أليس هو القائل في ~~كلمته البائية: # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ms38 # فقس هذا بقوله في وصف هذه المرأة: # عقيلة أتراب لها لا ذميمة ... ولا ذات خلق إن تأملت جأنب # وهو القائل فيها يصف فرسا: # إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب # وهذا نهاية الوصف في الثقة يسبق الفرس وإدراكه ما يطلبه. فقس هذا بقوله ~~في وصف هذا الفرس # فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط منه وقع أخرج مهذب # وهو الذي يقول في اللامية يصف عقابا: # تصيد خزان الأنيعم بالضحى ... وقد حجرت منها ثعالب أورال # ثم قال في أثره: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # فما أبعد ما بين البيتين، وأشد تنافي ما بين الكلامين، وهو الذي يقول: # من ذكر ليلى وأين ليلى ... وخير ما رمت ما ينال # وهذا من أحسن كلام وأسهله وأجزله، وأشرده مثلا، وأعذبه نهلا. # وقال في الأخرى في نحوه: # أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص # تبوص وكم من دونها من مفازة ... ومن ارض جدب دونها ولصوص # فتأمل تفاوت ما بين الكلامين، وبعد منزلتها في البلاغة. فقلت له: فما في ~~هذا من لعب؟ فقال: لعمري إنه لا عيب فيه، ولكنه ليس كالأول ولا مقاربا له. ~~فقلت له: على ذاك فلم يحل كما أحلت ولم يخطئ كما أخطأت. فقال: كذاك، وهذا ~~النابغة الذبياني، وقد اعتده قوم أشعر من امرئ القيس، واعتده آخرون تاليا ~~له، وإلى هذا ذهب يقول في كلمته العينية التي سارت مسير الشمس: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عك واسع # فهذا عين من عيون الشعر الناظرة، وغرة من غروه الشادخة. ثم قال في أثره ~~فسقط دونه سقوطا تشهد به: # خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع # فقلت: وما في هذا البيت؟ إنما ذهب في هذا إلى أنه في قدرته عليه كالذي في ~~يده خطاطيف معوجة يجذب بها ما شاء جذبه من قليب وغيره. ومن هاهنا أخذ الأول ~~قوله يصف فرسا: # صبحته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفيا صاحبي وغيره الخافي ms39 # لا يوئل الوحش منه أن يلاوذه ... كأنه معلق منها بخطاف # فقال: ومما سبق إليه النابغة واتبعه الناس فيه قوله: # على أن حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملئ وقله منطق # ثم قال وأساء وأبعد: # إذا ارتعشت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق # لأن هذا دليل على إفراط طول العنق. فقلت له، وأي دليل في لبيت على إفراطه ~~وخروجه عن حد الاعتدال المستحسن في مثله. وإنما ذهب إلى أنها عيطاء جيداء، ~~فقد جمعت إلى جيد العنق طول القامة فبعد مهوى قرطها من أجل تمام خلقها وطول ~~عنقها. وارتعثت بقرط فيخاف الجبان من أهلها ومن يلي أمرها من والد ووالدة ~~وحاضنة ضياع رعاثها. فحذف، إذ كان فيما بقي من الكلام دلالة على ما حذف ~~منه. فاستحسنت الجماعة ذلك. ثم قال: هذا زهير ومكانه من الحذق وتصفية الشعر ~~وتهذيب اللفظ المكان المتعالم يقول: PageV01P024 على مكثريهم حق من يعتربهم ~~... وعند المقلين السماحة والبدل # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا # فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # قال: وهذا من سر الكلام وجوهره ثم قال في هذه الكلمة: # فأقسمت جهدا بالمحصب من مني ... وما سحفت فيه المقاديم والقمل # وهذا من أوضع وأرذل لفظ. فقلت: ما فيه مما يستجفى إلا قوله )القمل(، وما ~~سوى معنى ذلك فإنما جرى فيه على عادة العرب في أقسامها وزهير القائل: # سواء عله أي حين أتيته ... أساعة نحسن تتقى أم بأسعد # فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكن حمد المرء ليس بمخلد # فقال: وهذا لفظ شريف انتظم مثلين شرودين سارا شرفا وغربا ثم قال فيها: # تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنكة ذي قربى ولا بحقلد # قال: وكان هذا اللفظ مع جفائه وقلقه لم يجتمع وما تقدم من ذلك اللفظ ~~الجزل في صدر واحد فقلت: إنما جرى الرجل في قوله )بحقلد(، وهو الضيق السيئ ~~الخلق، على لغته ولسانه. من أجل أنها ms40 لفظ غريبة وجب أن تنعى عليه إلى ~~مساويه. والمعنى في هذا البيت لطيف؛ وذاك أنه أراد أنه لا يظلم قريبا ولا ~~وحيدا ولا ينتهك حقه من غنيمة يشهدها معه استضعافا له وتسلطا عليه واستيلاء ~~على نصيبه تكثرا منه لمنعمه وتوفيرا لمرباعه. فنفى عنه ما يسف إليه غيره ~~فقال: ومن أبياته السائرة التي لم يسبق إليها ولم ينازع فيها: # فإن الحق مقطعة ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء # يريد أن الحقوق إنما تصح بواحدة من هذه الثلاث، إما يمين أو محاكمة أو ~~حجة، قال: وفيها يقول: # تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء # تلجلج: تحركها ولا تزدرها وأنيص: لم ينضج. وأصلت: أروحت. وفرقان ما بين ~~هذا وبين ما تقدم غير خاف على من تعلق بالعلم وانتسب إلى أهله. فقلت: لا ~~أعرف متعلقا على البيت أكثر من استعماله ألفاظا من اللغة غير وحشية ولا ~~مهجورة. والمعنى على ذلك مستحيل ولا هجين فنا وجها لتعلق عليه مما لا متعلق ~~فيه؟ فقال: وهذا الأعشى، أنسبهم وأهجاهم وأمدحهم، وهو القائل: # كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا # تبيتون في المشي ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # وهذا من أهجى بيت قيل في غير فحش. وهو القائل: # فتى لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا # فقال بعض من مضر: ما معنى )ينادي(؟ فقلت: يجلس معها في ناد واحد، وهو ~~المجلس. قال: فما معنى )قناعها(؟ فقلت: أراد ضوءها فقال: فما قوله )لألقى ~~المقالدا(؟ فقلت: يريد سلم الحسن إليه وفوضه، كما يقال: ألقيت مقاليدي إلى ~~فلاف، أي فوضت أمري إليه. فقال أبو الطيب كأن الكلم وقوله لم يجتمع في ~~خاطرة واحدة ولا قذفت بهما فكرة، فإنه قال مادحا علقمة: # وهل تنكر الشمس شمس النهر ... والقمر الباهر الأبرص # ولو كانت لفظة الأبرص في كتاب الله تعالى لكدرت شرب بلاغته ولما أراده ~~الله تعالى ذكره، كنى عنه بأحسن كتابة من قوله جل اسمه )بيضاء من غير سوء( ~~وقال أيضا: # فرميت غفلة قبله عن ms41 شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها # فقلت: إنه إنما خص الطحال لأنه مقتل. فقال: هب ذاك كذاك، أما لفظة الطحال ~~بعيدة عن ألفاظ المحبين؟ ثم قال: فهؤلاء المبرزون في حلبات الشعر، السابقون ~~إلى حلو القول مره، والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما ~~استغلق من أبوابه، ليس منهم إلا من قد طن على شعره، ومن أخل بالإحسان مع ~~تناصر إحسانه. والكلام كله لا يجري على سنن واحد، ولا يأتي متناصفا ولا ~~متكافئا، ولا بد من سقطة يهفو بها خاطر، وعثرة يزل بها لسان. ومن هذا الذي ~~تناسب كلامه، أو سلم من التتبع شعره؟ وما أنا ببدع منهم، وإذا أنصفت من ~~نفسك ألفيتها محجوجة. PageV01P025 فقلت له: أما ما تخيلت أنك تتبعته على ~~هؤلاء الأربعة الذين هم فرسان الشعر وأمراء الكلام، فقد ظلت الشبه في ~~جمعيه، وأوضحت أنهم على مدرجه الصواب فيه. واحتججت في كل بيت بما لو أرعيته ~~سمعك وصرفت إليه تأملك لعدلت عن بيات الطريق وترهات القول وزخارف الظنون، ~~وعلمت أنه لا مماثلة بين الذي أوردته محتجا به وبين ما تعلقت به عليك. لكنك ~~تجري شأو الجموح عجبا بنفسك، ورميا بهمتك إلى حيث لا مرقى لها. وتضعها بحيث ~~لا تستحق وضعها به وتزنها بالميزان العائل تفخيما لها. وقلت: وقد أخطأت ~~أيضا في قولك: # )ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم( # وهو على ما فيه مأخوذ من قول أبي تمام: # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفح # فعمدت إلى هذه الألفاظ السليمة الكريمة، فأوردتها في عبارة فاسدة غير ~~مستقيمة وقولك )لأنت أسود( خطأ وإن كانوا قد أنشدوا: فقلت: هذا بيت مولد ~~محدث ليس بحجة. ولكنهم قد انشدوا: # جارية في رمضان الماضي ... أبيض من أخت بني إباض # تقطع الحديث بالإيمان وذكروا قول طرفة: # أما الملوك فأن اليوم أوسخهم ... عرضا وأبيضهم سربال طباخ # وهذه شذوذ لا يرخص لمحدث فيها. وقد تأول. وقد تأول قوم لا علم لهم بجوهر ~~الكلام، في بيت المتنبي تأولا ms42 بعيدا وقيل: أراد لأنت يا أسود في عيني من ~~الظلم. وهذا تأول بعيد. وكيف تقول يا أسود وهو أبيض؟ وكان وجه الكلام إذا ~~أراد هذا، أن يقول: وأنت مع بياضك أسود كأنك من سواد الظلم. ولو ذهب إلى ~~ذلك وأفصح عنه بعبارة مقبولة يقع بها الإفهام ويزول معها اللبس لكان الغرض ~~صحيحا. لكنه أبهمه وأسره. وقلت له: ومما أخطأت أيضا في نعته ولفقته من ~~موضعين قولك: # )ضيف ألم برأسي غير محتشم ... السيف أحسن فعلا منه باللمم( # فأما التلفيق فقولك )ضيق ألم برأسي( وهذا من قول دعبل. على أنك قد غادرت ~~بعض المعنى ولم تستوفه لأنه قال: أحب الشيب لما قيل ضيف فسماه ضيفا. ثم ذكر ~~محته إياه ثم أتبع ذاك بذكر العلة في محبته فقال: # كحبي للضيوف النازلينا # ودعبل أخذه من قول الأول: # ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل # وفي قوله )وأرخى من عمامته( معنى لطيف، وهو أنه أراد أنه في أمر سلم لا ~~حرب كما قال الآخر: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني # فذكر ذلك لنه لم يضع العمامة في سلم. وقيل بل أراد بقوله )متى أضع ~~العمامة( أي متى أغضب. وأخذت قولك: # )والسيف أحسن فعلا منه باللسمم( # من قول البحتري: # فليت بياض السيف يوم لفيتي ... مكان بياض الشيب كان بمفرقي # وأما الخطأ فقولك: )غير محتشم( تريد غير منقبض. وهذا خلاف ما عليه محصلو ~~أهل العلم؛ إذ كانت الحشمة في كلام العرب الغضب. وسمي حشم الرجل حشما، ~~لأنهم يغضبون له: فقال: ألم يقل الشاعر: # أخاف تكرار قولي )كل( فأحشمه ... والصمت ينزله مني على بخل # فقلت: هذا بيت مولد محدث ليس بحجة. ولكنهم قد أنشدوا: # لعمرك إن قرض أبي خبيب ... بطيء النضج محشوم الأكيل # فقيل: معناه مغضب الأكيل لأنه لا يرضيه؛ وقيل: مقبوض الأكيل عن أكله ~~والأول المعتمد. والحشمة مما وضعته العامة غير موضعه. ومما أسقطت أيضا فيه ~~وأسأت في أخذه: # )الأدب المهذب الأصيد الضرب ... الذكي الجعد الرئيس الهمام( # فإنك نسخا من ms43 قول البحتري: # سالمتني الأيام لما تحرمت ... بظل الرئيس ذي الإنعام # بالأديب المهذب الفاضل القمر ... الأبي الندب الوفي الهمام # وما ظننت أحدا تجرأ على هذا اجتراءك عليه، فإن أحداث المتأدبين ممن ~~يتعاطى نظم الشعر يترفع عن مثله. ولست أجد أيضا للجعد مذهبا في المدح، إذ ~~كان الجعد القصير. قال: # يا رب جعد منهم لو تدري، ... يضرب ضرب السبط المقاديم # بيض جعاد كأن أعينهم ... يكحلها في الملاحم السدف PageV01P026 يريد ~~الجعاد القصار. وذكر الباهلي أنه وصفهم بالجبن، لأن الجبان تسود عينه عند ~~الكرب. ويقال: فلان جعد الراحة، إذا كان بخيلا وأنشد: # سبط البنان بما في رحل صاحبه ... جعد البنان بما في رحله قطط # ويقال: فلان جعد الراحة إذا كان بخيلا، وجعد الخلق إذا كان ضيق الخلق، ~~وجعد اليد إذا كان قصير الأصابع. والذئب يكنى أبا جعدة، من أجل تقبضه. وشعر ~~جعد من هذا، وأنشد: )سبط البنان . . .( وذكر البيت. ومما أخذته فبترت معناه ~~وأفسدته قولك: # )مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا( # من أجل أن الهام لا تشبه بالعذب في حال على القنا، إلا إذا كانت ذات لمم ~~وضفائر، وإلا فهي مشبهة بالتيجان. ألا ترى قول أبي تمام، ومنه استرقت ~~المعنى فأحلته: # من كل ذي لمة غطت ضفائره ... صدر القناة فقد كادت ترى علما # فاللمة بالعذبة واقعة التشبيه، والهامة مشبهة بالتاج حتى يصح التمثيل. # وقد قال مسلم بن الوليد في تشبيهها بالنيجان: # يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # ومسلم أخذه من قول الأول: # كأن رؤوس القوم فوق رماحنا ... إذا أشرعت تيجان كسرى وقيصرا # وما كل هامة بذات لمة، وإن لم يكن ذات لمة أو ضفيرة فلا حظ لها في ~~التشبيه بالعلم. قلت: وأخطأت أيضا في قولك مع ضعف لفظك وسخف عبارتك: # )ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا( # )شرف ينطح النجوم بروقيه ... وعز يقلقل الأجبالا( # فإنك أغرت في البيت الأول على بكر بن النطاح في قوله: # يتلقى الندى بوجه ... وصدور القنا بوجه وقاح # هكذا هكذا ms44 تكون المعالي ... طرق المجد غير طرق المزاح # فقولك )فلا لا( ركيكة جدا، وأنت تعجب بتكرير هذه اللفظة قال: وكيف؟ قلت: ~~ألست القائل: # )جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا( # وأخذت البيت الثاني من قول أبي تمام فأفسدته: # همة تنطح النجوم وجد ... آلف للحضيض فهو حضيض # قال: وبأي شيء أفسدته؟ قلت: لأنك جعلت لشرف الرجل قرنين. قال: وما يدريك؟ ~~قلت تقل ينطح النجوم بروقية، والروقان القرنان؟ قال: أجل إنها استعارة. ~~لعمري إنها وإن كانت استعارة، ولكنها استعارة خبيثة جارية في المعاظلة التي ~~نفاها عمر بن الخطاب، رضوان الله عليه، عن زهير، وذكر اجتنابه إياها، فقال: ~~كان لا يعاظل بين الكلمتين، أي يداخل الكلمة، إذا لم تكن إحداهما من جنس ~~الأخرى، ولا كانت مناسبة لها ولا مشتقة منها. ويقال: تعاظلت الجرادتان، إذا ~~ركبت إحداهما الأخرى وتداخلت فيها. ومن مليح أبيات المعاني: # أخذوا قسيهم بأيمنهم ... يتعاظلون تعاظل النمل # يقول: نقد النبل وفنيت السهام وأخذوا القيسي بأيمنهم يتضاربون بها ~~ويتجالدون، وداخل بعضهم بعضا كتراكب النمل وتداخلها، لأن الرمي إنما يكون ~~باليسار. والمعاظلة المذمومة أحسن الاستعارة كما قال أوس ابن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # فجعل للمرأة تولبا، والتوب ولد الحمار كما جعلت أنت للشرف قرنين. وهذا من ~~أبعد الاستعارات وأشدها مباينة لمذاهب حذاق الشعراء. وقد تقدم القول في ~~أنواع الاستعارة وإن أرعيت لما أقوله سمع منصف، علمت أن مواجهة ملك من ~~الملوك كسيف الدولة، مع عظم شأنه ونباهة سلطانه واشتماله بشمائل الكرم دون ~~كثير من ملوك زمانه، بمثل ما واجهته به من تلك الاستعارة، من معاظم الأمور ~~التي لا يقدم عليها من راضته الحنكة وثقفت كلامه الروية. # وكل استعارة لطيفة، وتوجب بلاغة بيان بالحقيقة غير نائبة منابها، لأن ~~الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها من الاستعارة. ألا ترى إلى قول امرئ ~~القيس # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل PageV01P027 ~~وهذا النوع من الاستعارة يسمى الإرداف؛ وهو أن يريد الشاعر الدلالة على ~~معنى من ms45 المعاني فلا يأتي باللفظ الذي يدل على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على ~~معنى هو ردفه وتابع له. فإذا دل التابع دل على المتبوع ومثل ذلك )قيد ~~الوابد( وذلك أنه أراد وصف الفرس بالسرعة وانه جواد إذا أرسلته على الصيد ~~كالقيد لها وكانت كالمقيدة له؛ وذلك أن وشك سبقه ومعية إحضاره، يتبعها أن ~~تكون الأوابد كالمقيدة له. وحقيقة )قيد الوابد(، مانع الأوابد وحابسها. ~~)قيد الوابد(، أبلغ وأحسن وقيل المنين للأسير، وقيل في وصف الفرس قيد ~~الرهان، وقيل: النواظر قيد الخواطر وقيد العيون، وكل ذلك تركيب على لفظ ~~الفرس. # ومن الاستعارات قول الأعشى: # فإن عتاق سوف تزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق # به تنفض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتطلق # وقال تأبط شرا: # فخالط سهل الأرض لم تكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر # ومن بديع الاستعارة قول الهذلي: # ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها # وقول ابن هرمة، وأحسن ابن هرمة كل الإحسان: # فقلت إما تريني قد تخونني ... دهر أشت بهذا الناس مقلوب # قد روح الشيب في رأسي غريبته ... فما له عن شواة الرأس تغريب # فقد أجر فؤادي فضل مقوده ... وتتقى عبرتي البيض الرعابيب # وقال ابن الرقاع: # وهنانة تستعر القوم أعينهم ... حتى ترد إلى ذي النيقة النظرا # فقال أبو الطيب: هذا كله إغراق وغلو وبعد عن الحقيقة. وأراك علقا بهذا ~~المذهب من الشعر، دون ما سلمت ألفاظه، وصحت عند التأمل معانيه فإذا ورد ~~عليك شيء من جنسه، وإن كان بهرجا قدمته وألغيت غيره. فقلت له: هذا قول من ~~لا يفرق بين الاستعارة والحقيقة ولا بين الغلو والمبالغة. فقال: وهل بين ~~الغلو والمبالغة فرق؟ فقلت: كل الفرق قال عنترة يصف فرسه: # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم # فجعل اشتكاء الفرس إليه، إذ كان من لحيوان الذي ينطق بحمحمته وعبرته دون ~~النطق والعبارة. فلم يخرجه عما هو له، ثم كشف المعنى في البيت الأخير فقال: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ms46 # وقد أخذ هذا المعنى بشار بن برد وأحسن بقوله: # ولما تولى الحر واعتصر الثرى ... لظى القيظ من نجم توقد لاهبه # وطارت عصافير الشقائق واكتسى ... من الآل أمثال المجرة قاصبه # غدت عانة تشكو بأبصارها الصدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبو # فهذا المبالغة في الوصف من غير عدول عن الحقيقة. ونحوه قول ابن هرمة ~~واصفا كلبا # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # فقرن بهذه المبالغة )يكاد(. فأخرجه عن الغلو الذي يبتعد عن الحقيقة. ~~وانظر إلى قول المثقب العبدي في هذا المعنى حاكيا عن ناقته ما يبعد كل ~~البعد عن الحقيقة: # تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني # أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني # فهذا هو الغلو البعيد ن الحقيقة. وإنما ذهب إلى أن الناقة لو تكلمت ~~لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول. وبعض أصحابنا يجري هذا ونظائره في باب ~~المجاز. PageV01P028 وكانت الجماعة الحاضرة تستخدم أقلامها في تعليق أوائل ~~الأبيات التي جرت المنازعة فيها، وتراعي مواقع احتجاجاتي واحتجاته، وتثبته ~~رمزا ووحيا وكان جمعيه نصب عيني، وله كالمرآة من حفظي. فحين نهضت عن ~~المجلس، ولم أنض إلا بعد راجعت جميلا في خطابه، وأطنبت في تقريظه، وفي ~~تعفية أثر عقوبتهن وفي إلانة جانبي له. واتبعني القوم راغبين إلي في نظم ما ~~جرى وضم شيته، والرجوع إلى ما ثبت في تعليقهم من جملته، واستمداد قريحتي في ~~ذكره، وإنشاء رسالة أنبه في أثنائها عن أمره. وكان النهار قد تصرم شبابه، ~~وشابت هرما ساعاته، وكربت الشمس للمغيب وضرعت للأفول. وامتد عنان المشاجرة، ~~واستفحل الأمر عن المذكرة، فلم تتسع القدرة في الحال لنظم الرسالة. ~~واستصحبت ما ثبت في صحفهم، وعدت إلى داري فاتخذت الليل مطية ثلاث ليال لا ~~أطعم فيهن الكرى، إلى أن تغور أخرى النجوم، وتتولى أسراب الظلام ويبتسم ~~الصبح، إلى أن انتظمت الرسالة. وقدت ثلاثا أقعدتها أسهرهن نافيا عن عيني ~~الكرى إلى أن يمزق الفجر سربال الدجى، ويبسم ثغره في ثغرة الضحى. ونمي ~~الخبر واشتهرت الحال، ms47 ونودي بها في كل ناد. ورسم الوزير أبو محمد والرئيس ~~أبو الفرج محمد بن العباس - وإياه خاطبت هذه الرسالة وأمره المسموع في ~~نظمها امتثلت - وهما كوكبا المملكة وناظرا الدولة، شرحها فشرحتها، وأنهيا ~~الصورة إلى معز الدولة فأنعمت في مسرته، ووكد الوصاة بمراعاتي والتكرمة ~~الشديدة لي ثم رأى الوزير أبو محمد الجمع بيننا في مجلس، وأن تكون مراجعته ~~الكلام ومناقلته إياه بحضرته. وأنا مورد ذلك مجلسا مجلسا على هيئته. فإن ~~أبا محمد المهلبي رسم لإثباته كاتبين من خواص كتابه، ووكد القول عليها في ~~الاحتراس من أن تشذ واحدة منه؛ فحصلا ذلك تحصيلا شديدا. وكان ممن شاهد ~~الحال، وأبدى صفحته في الظاهرة والتنبيه عن مواقع إحساني في تلك المفاوضة ~~والمنازلة: هبة الله بن المنجم، وهو من الأدب بحيث لا يخرج مشهده، وعلي بن ~~محمد الشاعر المعروف بابن البقال، وله مكانه من الفضل. وأنا أذكر إن شاء ~~الله ما شجر بيننا، وأشفعه بما تعلقت به عمله من سرق وإحاله، ومن لفظ هجين ~~ومعنى فاسد، وأومئ إلى مواضع أحسن فيها من شعره، وأنبه على معان يكاد يكون ~~مخترعا لها، وعلى معان أخذها فأحسن العبارة عنها والزيادة فيها، متصرفا ~~الحق في جميع ما أفضي به، لتكون هذه الرسالة جامعة مستوعبة قناع اللبس في ~~أمره، وخاتمة الدعاوى والتحامل عليه بحول الله وقوته. # استحضر أبو الطيب وجماعة من أهل العلم. وحضرت مجلس الوزير أبي محمد ~~المهلبي ورسمت مناقشته. فأبدى تنكرا وتنمرا وإباء وامتناعا، فألنت له ~~جانبي، ثمت أعجلته القول وسألته عن قوله: # )أحاد أم سداس في أحاد ... ليلتنا المنوط بالتناد( # وقلت: ما أردت؟ فقال: أرادت أليلة واحدة أم ست ليال في ليلة، استطالة لها ~~واستبعادا لمداها. فقلت: أجل وأراك نظرت فيه إلى قول الأول: # لقد طال هذا الليل حتى كأنه ... بليلين موصولين ما يتزحزح # وإلى قول الآخر: # وليل أبي أن يسفر الصبح والدجى ... تردد منه بين عجز وأول # كان بهيم الليل أعمى مقيد ... تحير في تيه من الأرض مجهل # كأن الظلام حن أرخى سدوله ... بنجد على ليل ms48 بلبل موصل # وقد قال عدي بن الرقاع في هذا المعنى: # وكأن ليلي حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول # وإلى هذا المذهب الفرزدق بقوله: # وليلة يوم مرجحن ظلامها ... سواء علينا طولها وهمومها # كأن بها الأيام والليل وصلا ... وظلماء مسودا علينا بهيمها # وأحسن بشار كل الإحسان: # خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح # أضل النهار المستنير سبيله ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح PageV01P029 ~~قلت: فهؤلاء كلهم جرى على مدرجة واحدة في استطالة الليل، مغاليا كان فيها ~~أو مقتصدا، غير أنه لم يقرن إلى صدر بيته ما يناقص عجزه وينافيه، ويباينه ~~كل المباينة ولا يقتضيه، كفعلك. فإنك وصلت بينك بعجز أفسده، وبعد كل البعد ~~عنه؛ وذلك أنك قلت أليلة واحدة أم ست ليال في ليلة. ثم صغرت على مذاهب ~~العرب في تصغير المعظم في قولهم: )دويهية( و)عذيقها المرجب، وجذيلها ~~المحكك( وكما قال الأول: # فويق جبيل شامخ الرأس لم يكن ... ليبلغه حتى يكل ويعملا # وكما قال الآخر: # يا مي سقاك البريق الومضى ... والديم الغادية الفضافض # فقال: إلى هذا ذهبت. فقلت: ثم قلت: )المنوطة بالتنادي(، فأحلت. قال: كيف ~~ذلك؟ قلت: كيف تناط بالتناد ما تخيله ليلة واحدة أو ستا في واحدة؟ وإنما ~~نظرت في قولك )المنوطة بالتنادي( إلى قول الشاعر: # قلت لضيفي حين نبهته ... في ليلة ماطره # ما لي أرى الليل آخر ... كأنه قد نيط بالآخره # فهذا جعل في استطالته منوطا بالآخرة، فلم يقرن ذلك بما أفسده وشوه معناه، ~~ولا أحاله إحالتك بيتك حتى استفهمت استفهام شاك في أنها ليلة واحدة أو ست ~~في ليلة. ثم ناقضت بإخبارك أنها منوطة بالتنادي، فشتان ما استفهامك هذا ~~وقول الآخر على تأخر زمانه: # لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى # لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلى # وكأنك لم تسمح قول سويد بن أبي كاهل: # وإذا قلت ليلي قد مضى ... عطف الأول منه فرجع # واحتذي هذا المعنى خالد بن يزيد فقال: # تباعد الصبح حتى ما أؤمله ... وازداد ms49 هم فما يرجى ترحله # والليل وقف علينا ما يفارقنا ... كأنما كل وقت منه أوله # وهذا أحسن من قول الآخر وإن تقدم زمانه: # ليس لليل آخر ... يشفي منه عاشق # آخر الليل أول ... لا يرى فيه شارق # لأنه جعل آخره أولا، وخالد جعل كل وقت من أوقاته أولا. ونحو هذين البيتين ~~قول الحسن بن زياد الرصافي: # يا ليلة طالت على عاشق ... منتظر في الصبح ميعادا # كادت تكون الحبل في طولها ... إذا مضى أولها عادا # وهذا نهاية في معناه وفيه زيادة بقوله " منتظر في الصبح ميعادا " وعلى أن ~~قوله: # رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر # بديع جدا، متقدم كثيرا عما قيل في طول الليل، وكأن هذا من قول اليقطيني: # أقول له لما رست داجياته ... عدمتك من ليل أمالك آخر # فنمي إلي بعد ذلك أنه غير البيت أو غيره بعض شيعته فجعله )المنوطة ~~بالتنادي( وقال معناه تنادى القوم بالرحيل وهذا قول واه جدا، ومعنى لا طائل ~~فيه. وقلت في قصيدتك هذه: # )كأن بنات نعشى في دجاها ... خرائد سافرات في حداد( # ولا تعلق للخرائد من النساء دون غيرهن بهذا التشبيه؛ إذ كانت الخريدة ~~الحيية والخرد الحياء. وليست النجوم في الدجى أشبه مناسبة للخرائد في ~~السواد، منها لمن حياء من النساء. وإنما قلت )خرائد(، ليلتبس الموضع ويخفى ~~الأخذ، لأن ابن المعتز قال: # كأن نجوم الأفق في فحمة الدجى ... وجوه عذارى في ملاحف سود # فقال: ما وجه اختصاص العذارى دون العون؟ قلت: لأن العذراء تتميز عن العون ~~بكثرة ماء الوجه وغضارته ورقة ديباجته؛ ولذلك قالوا )درة بكر(، لم تثقب، ~~و)روضة بكر(، لم تزرع، و)خمر بكر(، لم تبز. ولذلك سموا الخمر )عذراء(، إذا ~~لم تفتض بمزاح أو لم تبزل من دن، كما قال الأخطل: # عذراء لم يجتل الخطاب بهجتها ... ولا اجتلاها عبادي بدينار # وقال ابن المعتز: # ورنا إلي الفرقدان كأنما ... زرقاء تنظر من نقاب أسود # قال أيضا: # وارى الثريا في السماء كأنما ... قدم تبدتفي ثياب حداد # فأحسن التصرف في هذا المعنى والتوكيد له، وأسأت في أخذه. ms50 وفي هذه القافية ~~تقول: # )جزى الله المسير إليه خيرا ... وإن ترك المطايا كالمزاد( PageV01P030 ~~وإنما ذهب إلى أن السير أنضى جرومها وتخون نيها. وذهبت إلى تشبيهها بالمزاد ~~المشنشنة فلم تستطع استيفاء التشبيه، وقصرت بك المادة، فاقتصرت على ذكر ~~المزاد، وليس كل مزادة بالية ولا مشنشنة وإنما نظرت إلى قول الراجز: # كأنما والشرك كالشنان ... تميس في حلة أرجوان # والشنان القرب اليابسة، وهذا تشبيه صحيح، وبيتك الذي استرقته منه فاسد ~~سقيم. ولو أوردت الصفة لدلت على الموصوف. فأما أن تورد الاسم الذي تعتوره ~~الصفات المتغايرة، فإنه لا يدل بذكر مجردا على ما ذهبت إليه من صفته. ألا ~~ترى إلى قول أبي النجم يصف إبلا: # تمشي من الردة مشي الحفل ... مشي الروايا بالمزاد المثقل # فلم يقتصر على ذكر المزاد حتى وصف بصفة حاله أخرجت التشبيه عن هجنة ~~الافتراق. ثم قلت: وفي هذه الكلمات تقول: # )تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى قبل الوساد( # وأحسب الأول قفا أثرك في هذا المعنى فقال: # مرارا ما دنوت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا # ومن أبكار معانيك فيها قولك: # )فظنوني مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادي( # وكأن أبا نؤاس سمع هذا فقال: # وإن جرت الألفاظ بمدحة ... لغيرك إنسانا الذي نعني # على أن كثيرا بن عبد الرحمن قد قال: # متى ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي إلا لابن ليلي المكرم # ثم قلت: وفي هذه الكلمة تقول، فتطول وتفخر وتصول وتوهم أن المعنى غير ~~مقول: # )كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد( # )وقد ضعت الأنسة من هموم ... فما يخطرن إلا في فواد( # فسبحان من ذلك أعناق الكلام لك، ووطأ كواهله وجمع شتيته، وقاد لك المعاني ~~بازمتها، حتى اخترعت منها ما قصرت عنه خواطر من تقدمك من فرسان الشعر ~~وأمراء النظم والنثر. وهذان البيتان هما من قول بعض الشاميين: # تخيل الهام أحداقا صوارمه ... ما بين أجفانها صيغت من الوسن # تعلو عوامل قد سددن من وجل ... يسلكن بالطعن منه مسلك الفطن # فقال بعض من حضر، وأحسبه أبا علي الحسين ms51 بن محمد الأنباري، وكان ضلعه معه ~~هذان البيتان مفتعلان مصنوعان لا يعرف قائلهما. قلت: فاصنع أنت مثلهما ~~ودعهما، قد أخذ البيت الأول من بيتيه من قول منصور النمري: # ذكر برونقه الدماء كأنما ... يعلو الرجال بأرجون فاقع # وكأنما خدر الحسام بهامه ... خدر المنية أو نعاس الهاجع # وأما قوله: )وقد صغت الأسنة( إلى آخره، فمن قول البحتري يصف ذئبا وهو من ~~أحسن ما قيل: # وأطلس ملء العين يقسم زوره ... وأضلاعه من جانبيه شوى نهد # طواه الطوى حتى استمر مريره ... فما فيه إلا العظم والروح والجلد # سما لي وبي من شدة الجوع ما به ... ببيداء لم تحسس بها عيشة رغد # فأوجرته خرقاء تحسب ريشها ... على كوكب ينقص والليل مسود # وأتبعتها أخرى فأضلت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد # والبحتري أخذ هذا من قول أبي تمام: # من كل أزرق نظار بلا نظر ... إلى المقاتل ما في عوده أود # كأنه كان ترب الحب مذ زمن ... فليس يعجزه قلب ولا كبد # أخذه من قول عمرو بن معدي كرب: # والضاربين بكل أبيض صارم ... والطاعنين مجامع الأضغان # فقال أبو الطيب: من أبو تمام والبحتري؟ ما أعلم أني سمعت بذكرهما إلا من ~~هذه الحاضرة. فقلت: أبو تمام والبحتري اللذان اختلبت ألفاظهما، واستلحقت ~~معانيهما، ووقعت دونهما وقوع السهم المقصر عن رميته. # ثم قلت: وأخطأت في قولك: # )غضبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصف والشعر تهذي طماطمه( # ومن أجل أن الهذيان كلام المهتر والعليل، ومن به طيف جنة. والهاذي ~~والهذاءة من الأوصاف المذموتة كما قال الأول: # هذريان هذر هذاءة ... موشك السقطة ذو لب نثر PageV01P031 والطمطة كلام ~~العجمي الذي لا يفهم، يقال: أعجمي طمطم وطمطماني، إذا كان كلانه غير مفهم، ~~قال عنترة: # تأوي له قلص النعان كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم # فجعلت شعرك واعتلاجه في صدرك ودبيبه على لسانك وما منحته قريحته منك ~~بمنزله كلام الهاذي والأعجمي الطمطم الذي لا يفهم كلامه. ولا خير في ما هذه ~~سبيله ووجه الكلام أن كنت تقول: والشعر يمور تياره، ويغطمط لجه، ويجيش ~~بحره، وتتغاير ms52 قوافيه في مدحه، هذا الكلام كما قال أبو تمام: # تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل # لكن القافية اضطرتك إلى ما هجن الكلام وأفسد معناه وأحاله عن الصحة. ~~فأقبل علي وقال: أنصف، فإن المنصف من يميز، وأنعم النظر إنعام من تقدمت في ~~العلم قدمه، ووقعت الإشارة إلى فضله. ولا تسلط الهوى على الرأي. فقلت: قل: ~~فقال: إنما أجري على سبيل الشعراء المبرزين في الإحسان واختراع المعاني، ~~فإذا استبهمت مسالك الإبداع، جريت على وتيرة من تقدمني في اقتفار الأثر ~~والملاحظة والنظر. وما أبرئ خاطري، وإن كان الصواب يتصرف به على سبيله، من ~~زلة تجوز بي وعثرة اعتمدها. فقلت له: أفمن اختراعاتك قولك في صفة نعلك: # )لا ناقتي تحمل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها( # )شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشوع مقودها( # فقال: أليس هذا مخترعا؟ فقلت: أجل وهو مخترع لأبي نؤاس في قوله: # إليك أبا العباس من مشى ... عليها، امتطينا الحضرمي الملسنا # قلائص لم تحمل حنينا طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا # وقولك: )ناقي( من قول أبي نؤاس " قلائص " وقد زدت المعنى وأشبعته في ~~البيت الثاني وتركت من قول أبي نؤاس: # قلائص لم تحمل حنينا على طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا # وزدت أنك لا تجهدها بالسوط، وأن شراكها كورها، وزمامها مشفوها، والشوع ~~مقودها. ومن معانيك المخترعة قولك: # )ماضي الجنان يريه الحزم غد ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غد( # وهذا من قول دريد بن الصمة معنى ولفظا: # يرى عاقبات الرأي والأمر مقبل ... كأن له في اليوم عينا على غد # وقد قال الآخر: # يصير بأعقاب الأمور كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبه # وقد كرر المتنبي هذا المعنى في موضع آخر ولم يحسن العبارة عنه فقال: # )مستنبط من علمه ما في غد ... وكأن ما سيكون فيه دونا( # وأول هذا المعنى قول أوي بن حجر: # الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا # وفي الكلمة يقول المتنبي: # )لما قفلت من السواحل نحونا ... قفلت إلها وحشة من ms53 عندنا( # وإنما أخذه من قول البحتري: # رحل الأمير محمد فترحلت ... عنا عصارة هذه النعماء # ومما يناسب هذا اختراعاتك قولك: # )متى ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي ازدياد( # وهذا منقول من قول محمود: # أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقباله أيامه # وقد أحسن ابن الرومي العبارة عن هذا المعنى فقال: # تخالسه الأوقات وهي نماؤه ... وتغتاله الأقوات وهي له طعم # إذا ما رأيت الشيء يبليه عمره ... ويفسد أن يبقى ففي دائه عقم # وهذا المعنى ينظر نظرا إلى قول حميد بن ثور الهلالي: # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء تصح وتسلما # وحميد فيه نظر إلى قول النمر: # يود الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل # فلو شئت لاقتصرت عن التعرض لما هذه سبيله، لا سيما وأنت غرض لكل عرض، ~~نهزة لكل متفرص. وما تصنع بقولك: # )فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأودا غصن به يتأود( # مع قول مسلم: # هيفاء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب على حقف النقا الدهس # كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس PageV01P032 ~~تجري محبتها في قلب عاشقها ... مجرى السلامة في أعضاء منتكس # وقلت: ومما استرقته وأفسدته قولك: # )ها فانظري أو فظمي بي ترى حرقا ... من لم ذق طرفا منها فقد وألا( # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا( # وذلك أنك عرضت الممدوح للقيادة، برجائك إياه أن يكون شافعا لك إلى من ~~تحبه. وهذا من أقبح خروج وأسخف معنى تعاطاه شاعر في مخاطبة ممدوح. وإنما ~~احتذيت فيه قول أبي نؤاس: # فلو شاء ربي لابتلاهم بما به ابتلانا ... فكانوا لا علينا ولا لنا # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا # وإنما ذهب أبو نؤاس في توجيه هذا إلى استعطاء الممدوح وإرفاده، أو تزوجها ~~إن كانت حرة ودل على ذلك قوله في البيت الخير: # أمير رأيت المال في نغماته ... ذليلا مهين النفس بالضيم مذعنا # إذا ضن رب المال ثوب جودة ... بحي ms54 على مال الأمير وأذنا # ويزيد هذا بيانا قوله في هذه الكلمة، ذاكرا رجلا أشار إليه بالدين عينة ~~وابتياع هذه الجارية: # يرى الفضل قد آلى على نهب ماله ... ويسألني المأفون أن أتعينا # فيا فضل داراك صبوتي بغبارها ... فلا خير في حبي إذا زنى # وهذا برهان واضح. فقال أبو الطيب: فاحتذيت معنى ومعنيين وثلاثة لأبي ~~نؤاس، وهو إمام المحدثين، فكان ماذا؟ فقلت ومن إنحائك عليه وتقصيرك نه ~~قوله: # إن الملوك رأوا أباك بأعين ... كحلت لهم بمراود الإعظام # فقلت: # )تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالدكاء مكتحل( # ومن هذا قول أبي نؤاس: # قد فهم الإيحاء والصفيرا ... والكضف أن تومئ أو تشيرا # فنقلته فقلت: # )وأدبها طول الطراد فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهضم( # وقال أبو نؤاس: # إلى فتى أم ماشله أبدا ... تسعى بجيب في الناس مشقوق # فقلت وأحسنت: # )ملك إذا امتلأت يوما خزائنه ... أذاقها طعم ثكل الأم للولد( # وقال أبو نؤاس: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام # فقلت، ولم تراقب سلبا للمعنى واللفظ: # )وتعذر الأحرار صير ظهرها ... إلا إليك علي فرج حرام( # قال وأول من فظن لهذا المعنى الفرزدق بقوله: # أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين # حرمت على الأزمة والولايا ... وأعلاق الرحالة والوضين # وقال أبو نؤاس: # يبكى فيذري الدمع من عينه ... ويلطم الورد بعناب # فأخذته فقلت: # )ترى إليك بعين الظبي مجهشة ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم( # وأول من نظر لهذا المعنى المرقش فقال: # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم # فقال عمر بن أبي ربيعة وأحسن: # مقبلات من أسفل الجزع بالريط ... اليماني يرفعن ذيل الرباب # بأكف كأنها قطع الثلج ... تطاريفها من العناب # وقال بعض المحدثين: # من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرفت عنابا # وكأن يمناها إذا نقفت بها ... ألقت على يدها الشمال حسابا # وقال أبو تمام: # قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقن خضابا # فاخضر تحت بنانها فكأنما ... غرست بأرض بنفسج عنابا # وأحسن المعلى الطائي كل الإحسان بقوله: # أهدت سلاما إلى قلبي مخالسة ... عين الرقيب برخص ms55 المتن كالعنم # كأنما شافهتني في إشارتها ... إلي، عناية أوفت على قلم # وقال الشاعر من جبل السماق: # قالوا الرحيل ضحى غد أو بعده ... فلطمن بالعناب والأقلام # فقال البحتري وغيره العبارة: # حسرت عن بنانها فأرتنا ... ذهبا من خضابها في لجين # فقال الناشئ المتكلم، وأحسن كل الإنسان: PageV01P033 متعانقان يكاتمان ~~هواهما ... قد نام بينهما العتاب فطابا # يتناقلان اللحظ من جفنيهما ... فكأنما يتدارسان كتابا # وإذا سهت عين الرقيب تخالست ... كفاهما خلس السلام سلابا # بأنامل منه تلوح مداهنا ... وأنامل منها كسين خضبا # فكأنما تجني له من كفه ... عنبا وتجنيه له عنابا # وحاذرت أعين الواشين فانصرفت ... تعض من عينها العناب بالبرد # وقال أبو نؤاس: # وقالوا قد أجدت فقلت إني ... وجدت القول أمكنني فجادا # فقلت أنت: # )وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن شعري فيه من نفسه شعر( # وقال أبو نؤاس: # ترى ضوءها ظاهر الكأس ظاهرا ... عليك ولو غطيتها بغطاء # فأخذته أخذا طريفا ونقلته إلى المدح فقلت: # )إذا بدا حجبت عينك هيبته ... وليس يحجبه شيء إذا احتجبا # وقال أبو نؤاس: # فبح باسم تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر # فقلت: # )الحب ما منع الكلام الألنسا ... وألد شكوى عاشق ما أعلنا( # وقال أبو نؤاس: # فإني لطرف العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفي علي ضمير # فقلت: # )وأبصر من زرقاء جو لأنسي ... إذا نظرت عيناي شاء هما علمي( # وقال أبو نؤاس: # إذا ضن رب المال ثوب جوده ... يحي على مال الأمير وأذنا # فقلت: # )ونادى الندى بالنائمين عن الندى ... فأسمعهم فقد هلك البخل( # وقال أبو نؤاس: # فلم يبق لي لحما ولم يبق لي دما # فقلت أنت: # )وخيال جسم لم يخل له الهوى ... لحما فينحله السقام ولا دما( # ثم قلت له: أيقنعك هذا من أي نؤاس وفيه أم أزيدك؟ فقال: زد إن شئت وانقص، ~~أما في أبي نؤاسك هذا الذي تنعى سرقي منه أسوة لغيره، وهو القائل: # وتدخل عينها في كل قلب ... مداخل لا تغلغلها المدام # وإنما أخذه من قول ذي الرمة: # وعينان قال الله كونا فكانتا ms56 ... فعولان في الألباب ما تفعل الخمر # وهو الذي يقول: # وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهم يدا من رامها بزليل # كأنا لديها بين عطفي نعامة ... جفا زورها عن منزل ومقيل # وإنما احتذى قول جرير: # ظللنا بمستن الأراك كأنما ... لدى فرس مستقبل الريح صائم # أغر من البلق الجياد يشفه ... أذى البق إلا ما احتمى بالقوائم # فقلت له: إنما أراد جرير أن خفوق الريح بالحاشية يشبه فرسا يرمح برجله ~~إذا قرصه البق، وذكر خباء مصنوعا من أثواب ألوان مختلفة من الثياب، ولذلك ~~شبهه بالفرس الأبلق. وليس بيت أبي نؤاس من هذا ومشاكلا له. فقال: : وقال ~~الأعشى: # بأشجع أخاذ على الدهر حكمه ... فمن أي ما يأتي به الدهر أفرق # فأخذ هذا أبو نؤاس: # دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا # فقلت له: لئن كان أخذه من الأعشى فلقد أحسن فيه. وإذا وقع الإنصاف علمت ~~أن بيت أبي نؤاس أكرم لفظا، وأعذب عبارة، وأكشف معنى، وفيه زيادة بقوله: ~~)ذل الزمان لهم(. فقال: وقد قال الأعشى: # وتحسب أنهم موتى إذا ما ... تمشت فيهم الروح العقار # فأخذه أبو نؤاس فقال: # إذا لم يجرهن القطب متنا ... وفي دوراتهن لنا نشور # فقال: وفي بيت أبي نؤاس زيادة وهو قوله: # وفي دوراتهن لنا نشور # وهذا بقول الأخطل أولى وهو: # أقمن بها نسقى سلافة قهوة ... تموت لها أوصالنا ثم تنشر # فقال: وهو القائل: # سائل القادمين من حكمان ... كيف خلفتهم أبا عثمان # فيقولون لي جنان كما سرك ... في حالها فسل عن جنان # وهذا مأخوذ من قول الأول: # وسائلة عن ركب كلهم ... ليسمع حسان بن زيد سؤالها # ثم قال: وكذلك قوله: PageV01P034 ذكرني الورد ريح إنسان ... أذكره عند كل ~~ريحان # إن فاح لم أملك البكا فإذا ... ما لاح كاد النديم ينعاني # وهذا مأخوذ من قولك مالك بن أسماء: # أن لي عند نفحة بستان ... من الورد أو من الياسمينا # نظرة والتفاتة أترجى ... أن تكوني حللت فيما يلينا # ثم قال: أزيدك أم حسبك؟ فقال أبو محمد، رحمه الله: بل حسبك، ففي بعض ما ms57 ~~تفاوضتماه غنى عن غيره. ومكانك يا أبا الطيب غير مجهول. ونهض عن مجلسه ونهض ~~أبو الطيب منصرفا، وتلومنا بدار الوزير، فاستدعى الشراب واستدعينا، ومنع من ~~حضور سماع. وأقبل يتصفح ما جرى ويكرر طرفه فيه، ويراجعني منه. وكان من ~~مراعاته في الحال إياي، وتكرمته لي، وصلته ما لم تزل عادته الكريمة جارية ~~به. # وقد عرف الرئيس حال أبي علي الحسين بن محمد الأنباري في خلافته المهلبي ~~على الوزارة، ومصاهرته إياه على ابنته، ولطف منزلته منه ما لا حاجة بي إلى ~~الإفاضة في ذكره، لأنه أشرد خبرا، وأبقي معلما وأثرا. وكان المهلبي مع ذلك ~~يريه بغير مرآته تفخيما لقدره، وتعظيما لأمره، وتقديرا أن هناك أدبا وفضلا ~~يتميز بهما عن غيره من نظرائه، ولم يك يبحث نحلته، وإنما هي أبيات يحاضر ~~بها، وألفاظ يموه بها ويحفظها مجتناة من الصحف، وملتقطة من ظواهر الكتب. ~~وكنت لا أسيغه ريقه ردا لكثير يورده، وتنكبا عن الوجه الذي يطلبه ويتعمده ~~فأحفظه ذلك، وأثر في نفسه تأثيرا لم تزل شماله تنطق به. فلم وقع الاجتماع ~~مع أبي الطيب بعد منصرفه، اختار أبياتا من شعره تفرد بنعانيها وسبق إلى ~~اختراعها، وواطأه على الممالأة علي، ووعده بتحديد الاجتماع معي وتفريعي ~~بتلك الأبيات، واضطراري إلى التسليم لها، والإقرار لسبقه إليها، وعدا حصله ~~ليوم عينه. واقترح على أبي محمد استدعاء أبي الطيب فاستدعاه. وكنت ملازم ~~حضرة أبي محمد في مجالس حفلته وخلوته، ومتخصصا كل التخصص به. وروسل أبو ~~سعيد السيرافي، وعلي بن عيس الرماني، وأبو الفتح وأبو الحسن الأنصاري ~~المتكلم، وغيرهم من أعلام أهل العلم، والذين تقع الإشارة إليهم في الأدب. ~~فحضرت جماعة كان فيهم علي بن هرون مقبلا على أبي الطيب فقال: ألست القائل: # )أعددت للغادرين أسيافا ... تجدع منهم طلي وآنافا( # من هؤلاء )الغادرين( الذين أعددت لهم هذه السياف؟ وما معنى قولك: # )تجدع منهم طلى وآنافا( # الطلى لها السيوف، والآناف تجتدع بالمواسي. وجعل يكرر هذا القول وأبو ~~الطيب معرض عنه. فأقبل المهلبي على أبي سعيد فقال: ما تقول في ذلك، أجائز ms58 ~~سائغ فصيح من كلام العرب قد أنشد أصحابنا في مثله أبياتا؟ فأقبل على علي بن ~~عيس الروماني فقال: الأمر على ما قاله، والتقدير: يجدع منهم آنافا ويقطع ~~طلى. فأقبل علي فقلت مثل قول الأول: # تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه أن مولاه ثاب له وفر # أراد يجدع أنفه ويفقأ عينيه ومثله: أراد علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا، ~~ونحوه قول طرفة: # وتبسم عن ألمى كأن منورا ... تخل حر الرمل دعص له ندى # ووجه كأن الشمس ألقت قناعها ... عليه نفي اللون لم يتخدر # أراد: تكشف عن وجه. إلا أن أبا الطيب الجدع للطلى ثم اتبعها الآناف. ولو ~~قدم الآناف ثم أتبعها الطلى، لكان محمولا على مثل ما ذكرناه. فأقبل المهلبي ~~على أبي الطيب كالملتمس كلامه، فقال أبو الطيب ولم يزد على هذا شاهدا: هذا ~~كقول الآخر: شراب ألبان وسمن وأقط فقلت: هذا كما ذكرناه آنفا، شراب ألبان ~~وأكال سمن وأقط؛ والاعتراض قائم بعينه، إلا أن تحمل الجدع للطلى على ~~الاستعارة لها. فقال أبو سعيد: حمل الكلام على التقديم والتأجير شائع كما ~~قال الله تعالى: )يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين( يريد، ~~والله أعلم اركعي واسجدي فبدأ بالسجود على التقديم والتأجير. ثم أقبل علي ~~بن هارون عليه فقال: أخبرني أمسلم أنت حين تقول: # )وأفضل آيات التهامي أنه ... أبوك وإحدى ما له من مناقب( # وحين تقول: # )وكل ما قد خلق الله ... لمه وما لم يخلق( # )محتقر في همتي ... كشعرة مفرقي( # وحين تقول: PageV01P035 )يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من ~~التوحيد( # ثم أسر إلي وقال: أخبرني والله مخبر أن عمور لثاته فاسدة وأن نكهته مريحة ~~فأضحكني. ولم يذكر أبو الطيب من هذا جوابا، فأحببت تسكين جأشه فقلت: ما ~~أحسن ما قال المجنون: # وإني إذا صليت وجهت نحوها ... بوجهي وإن المصلى ورائيا # ثم تدارك هذا فقال: # وما بي إشراك ولكن حبها ... كعظم الشجا أعيا الطبيب المداويا # أصلي فما أدري إذا ما ذكرته ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا # فقال أبو الطيب: في هذا المعنى ms59 لطيف. فقلت: إنه كان لا يحصل ما يصلي شغلا ~~بحبها، فكان يعد الركعات فإذا عد اثنتين انبسطت إصبعاه فتخليهما ثمانية ~~فاستظرف المهلبي هذا الجواب واستحسنه الحاضرون وتبسم أبو الطيب إلي واستدعى ~~أبو علي الأنباري مدرجا من صاحب دواته فقال: تكلموا على هذه المعاني، ~~وتأملوا إحسان هذا الرجل فيها وسبقه إليها. وأقبل علي والمدرج في يده فقال: ~~أنت المشار إليه في الحفظ، فاذكر ما عندك، ولنذكر الجماعة ما سنح لها، أو ~~فلنسلم غاية السبق إلى أبي الطيب فقلت: أقول على شريطة ألا يعترض كلامي ~~غيري، فإن ازدحام الكلام مضلة للفهم. أو فليقل غيري على شريطة تسليمي إليه ~~عنفوان القول وأعقابه. فاستروحت الجماعة إلي، وابتدأ أبو علي الأنباري فقال ~~ما ندك في قوله: # )وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا( # وأقبلت الجماعة تستحسن. فاقبل علي فقال: قل. فقلت: حسن. فقال: أما هو ~~بكر؟ قلت: لا! كيف يكون بكرا وبشار بن يقول: # ومكللات بالعيون ... طرقتنا وخرجن همسا # فأصبن من طرف الحديث ... لذاذة ورجعن ملسا # حور يرقن إذا حلي ... ن عطلن خشين نفسا # فقوله: " مكلللات بالعيون " هو البيت، وذلك المعنى. يول: إذا برزن صرف ~~الناظرون أعينهم إليهم لحسنهن، فكأنهن كللن بالعيون. " ورجعن ملسا " ، أي ~~لم يأتين ريبة. وقوله: " إذا حلين " ، أي لبسن الحلي، لا يلبسنه لحسنهن، ~~وإنما يلبسنه عوذا، لأنهن مستغنيات عن الزينة بجمالهن. وكذلك قوله: # وإذا عطلن خشين نفسا # يقول: خشين العين، فهن يدفعن العين بالحلي؛ فسرق هذا المعنى ابن الرومي: # وتلبس الحلي مجعولا لها عوذا ... لا زينة بل بها عن ذاك غنيان # وقد قال أبو جعفر . . . المصري في المعنى الأول يذكر عيونا ألحت بالنظر ~~إلى شخص: مسمرات عليه ليس تنقلع فقال ابن الأنباري فما تقول في قوله: # )أقامت في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام( # أما هذا مخترع؟ فقلت: كلا، بل هو من قول ابن الرومي: # إذا امتدحوا لم ينحلوا فضل غيرهم ... وهل تنحل الأطواق ورق الحمائم # وابن الرومي احتذى فيه قول محمد بن حازم الباهلي: # أبى لي أن ms60 أطيل الشعر قدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب # فأبعثهن أربعة وستا ... بألفاظ مشقفة عذاب # وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم في الرقاب # وهن وإن أقمت مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب # وابن حازم احتذى فيه قول الفرزدق: # فمن يك خائفا لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام # هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام # والأصل في هذا قول حسان بن ثابت، ولاحاه رجل فقال: اغرب وإلا طوقتك طوق ~~الحمامة: فقال أبو محمد فما تقول في قوله: # )كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني( # أمخترع هو؟ فقلت: كلا، هذا من بيتين أنشدناهما محمد يحيى: # لما بليت من الهوى ... خفت العيون من أن تراني # لولا كلامي ما اهتدت عين الجليس إلى مكاني وهذا المعنى ينظر إلى أبي ~~نؤاس: # شعر حي أتاك من لفظ ميت ... صار بين الحياة والموت وقفا # قد برته حوادث الدهر حتى ... كاد عن أعين الحوادث يخفى # لو تأملتني لتثبت وجهي لم ... تبن من كتاب وجهي حرفا # ولرددت طرف عينك في جسم ... براه الصدود حتى تعفى PageV01P036 فقال ~~المهلبي: ما احسب أنه قيل في النحول أحسن من هذا، فقلت: بلى، المجنون: # فلو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها # وما أساء كثير في قوله: # حملت عليها ما لو أن حمامة ... تحمله طارت به في القفاقف # قطوعا وأنساعا وأعظم ناحل ... أضربه طول الهوى والمخارف # وقلت: وتقدم الناس قول عمر بن أبي ربيعة: # قليل على ظهر المطية ظله ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # ويستحسن قول ابن الدمينة: # عظام براها الشوق حتى كأنها ... محاجن نبع ليس فيهن منزع # فلا هن بالموتى ولا ينبعثن بي ... ولا طائر مما عليهن يشبع # وقال بشار: # بين ثيابي جسد ناحل ... لو هبت الريح به طاحا # وقال أيضا: # إن في ثوبي جسما ناحلا ... لو توكأت عليه لانهدم # فأعجب هذا أبا محمد إعجابا شديدا، فقال: ما كنت أحسب أن أحدا سبق أبا ~~الطيب إلى معنى بينه المتقدم، ولا زاد على إحسانه في وصف نحوله. ms61 ما تصنع ~~بيته وهو مسوق على أنبأت الوزير به، وكل واحد من هؤلاء في هذا معنى لم ~~يشركه فيه غيره. فقال الأنباري: فإن كان سبق إلى المعاني فيما ذكرناه، فل ~~يسبق إلى قوله: # )وزائري كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في المنام( # )بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي( # )إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # فقلت له: حاله في هذا أسوأ منها فيما تقدم، فإنه أعتمد على قول ابن ~~القعقاع: # وزائرة بلا عدة أتتني ... فحلت بين جسمي والفؤاد # سنان للمنايا إن تراءت ... فنفسي والمنايا في طراد # كأن جوارحي إذ فارقتني ... عيون تستمد من الغوادي # وقلت: وقد أحلت في قولك: # )إذ ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام( # والحلال أولى بالغسل وأخص من الحرام، فكيف خصصت الحرام بوصف يشركه فيه ~~غيره، وله به اختصاص فوق اختصاصه. فقال أبو الطيب: أتيت بأحدهما فدل على ~~الآخر وإن لم أذكره. وفي القرآن: )سرابيل تقيكم الحر( وهي تقي البرد، وقد ~~قال الشاعر: # فلا تعدي مواعد كاذبات ... نهب بها رياح الصيف دوني # يريد ورياح الشتاء. فلما صدع بالحجة صدع الصباح رداء الظلام، وتخوفت أن ~~يوهم الوزير أبا محمد أنه لا علم لي بما ذكره، قلت: أجل لكن قولك يبعد بعض ~~البعد عن هذا، وإن كنت تحذو حذوه. من أجل أن الحلال أشد اختصاصا بالغسل من ~~الحرام، وليست السرابيل بأخص في وقاية الحر منها في وقاية البرد، ولا رياح ~~الشتاء بأخص في هبوبها دون المواعد من رياح الصيف. وعلى أن بعض أصحابنا ذكر ~~أنه خص رياح الصيف، لأنها أشد تعفية. فأعجب المهلبي هذا الاعتراض. قلت ومثل ~~الآية قول الآخر: # وما أدري إذ يممت وجها ... أريد الخير أيهما يليني # فقال: " أيهما " إنما ذكر وأحدا، لأنه دل على الثاني، ثم تلا ذلك بأن ~~قال: # أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغني # وقد تكلم أصحاب المعاني في قول أوس بن حجر: # وغيرها عن وصلنا الشيب إنه ... شفيع إلى البيض الحسان مجرب # فقال أبو العباس أحمد ms62 بن يحيى ثعلب: الهاء في " إنه " عائدة على الشباب، ~~وجاز ذلك وإن لم يذكره، لأن الشيب دال، هذا قول ابن الأعرابي، وقال ~~الأصمعي: يريد أنه كبر فأنست به. فقال أبو الطيب: لله درك فإن أحسن القول ~~ما نطق به لسانك. فقال الأنباري: قد قال: # )أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السلام اختصارا( # )تركتني اليوم في حيرة ... أموت مرارا وأحبا مرارا( # )فلو الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا( # وقال: # )أسير إلى إقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه( # وقال: # )إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحسب للعاقل( # )يراد من القلب نسيانكم ... وتأبني الطباع على الناقل( # فأنشد أبياتا كان منها: PageV01P037 )فإن كان يركم ما مضى ... فعودا إلى ~~حمص في القابل( # )فإن الحسام الصقيل الذي ... قتلستم به في يد القاتل( # فقال أبو الطيب: أما إحساني في هذه الأبيات عن إساءة، إن كانت، في غيرها؟ ~~فقلت: ما أعرف لك إحسانا، ولا أعترف لك باختراع إذا كانت هذه الأبيات التي ~~تتخيل أنك السباق إلى معانيها ورب الإحسان فيها مسترقة ملصقة، فيما تقدم من ~~نظمها وابتكره أصحابها من معانيها، شاغل عن تكرير لها، وتبديل لألفاظها، ~~وقد قيل: # ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم # أما قولك: # )أرى ذلك القرب صار ازورارا( # فمن قول بعض المحدثين: # أقبلت ثم أعرضت لذنب ... بأبي من دنوها عاد بعدا # وأما قولك: # )أموات مرارا وأحيا مرارا( # فمن قول العباس بن الأحنف: # لعمري لقد جعل القاد حون ... بيني وبينك يورون نارا # ونفسي معلقة بالرجاء ... تموت مرارا وتحيا مرارا # وقولك: # )لكانوا الظلام وكنت النهارا( # فمن قول الآخر: بيضاء في وجنتها احمرار # يعيبها جاراتها القصار ... هن الليالي وهي النهار # وقولك: # )أسير إلى إقطاعه في ثيابه( # البيت . . . من قول أحمد بن أبي طاهر: # لو كنت من أولاد يحيى لما ... زاد ولو كان أبوه أبي # من ماله مالي ومن جاهه ... جاهي ومن مركبه مركبي # وأحمد بن أبي طاهر أخذه من شاعر قديم: # فلحمي وما قد سيط باللحم من دمي ... وجاهي وقدري ms63 من ثراك ومالي # ولو لم يقم بالشكر لفظي لخبرت ... يميني بما أوليتني وشمالي # ونم به جلدي وعظمي ومفصلي ... وعبدي وبرذوني ونضرة حالي # وقد أخذت أيضا قوله " ونم به جلدي " فقلت: # )أقر جلدي بها علي فما ... أقدر حتى الممات أجحدها( # والأصل في ذلك المعنى قول النابغة الذبياني: # فإن تلادي إن نظرت وشكي ... ومهري وما انضمت عليه الأنامل # حباؤك والعيي الهجان كأنها ... هجان المها تردي عليها الرحائل # وقولك: # )إذا لم يعوذ مجده بعيوب( # من قول كشاجم: # شخص الأنام إلى جمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد # وقولك: # )بشق قلوب لا بشق جيوب( # مقو قول أعرابي: # ومن دون ما ألقاه من ألم الهوى ... تشق قلوب بل تشق جيوب # ولما نظرنا بالرقيب ولححظه ... والحظي على لحظ الرقيب رقيب # وقولك: # )ولا رأي في الحب للعاقل( # من قول الأول: # وما من فتى في الناس يحمد أمره ... فيوجد إلا وهو في الحب أحمق # وقولك: # )وتأبى الطباع على الناقل( # من قول الأول: # وكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا # وقال الآخر: # إن التخلق يأتي دونه الخلق # وقولك: # )فإن الحسام الصقيل الذي ... قتلتم به يد القاتل( # من قول عمرو بن الأهتم: # فإن الرديني الأصم كعوبه ... إذا عدت في ظلم الصديق يعود # فبهره ما أوردته وقيد نطقه. وأعجب المهلي ذلك كل الإعجاب، فقال الأنباري: ~~لله أبي الطيب في قوله: # )كذا قضت الأيام ما ببن أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد( # فقلت بل لله در أبي العتاهية في قوله: # موت بعض الناس في الأر ... ض على بعض فتوح # إلا أن أبا الطبي أكرم لفظا، وأول من نطق بهذا المعنى عمرو بن حلزة، أخو ~~الحارث، في كلمته التي أولها: # لم يكن إلا الذي كان يكون ... وخطوب الناس في الدهر فنون # ثم قال ي اثر هذا: # ربما قرت عيون بشجى ... مرمض قد سخنت منه عيون # فهذا قوله: # )مصائب قوم عند قوم فوائد( # فقال الأنباري: ومن قوم فوائد # )ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد( # فقلت: العجيب قول النظام ms64 البائس: PageV01P038 ومن نكد الدنيا على الحر أن ~~يرى ... عدوا فيهوى أن فيهوى أن يقال خليل # وإلى هذا المنى ذهب ابن المبارك بقوله: # من دليلي إلى طريق رشادي ... مضن معيني من طالب لي طريقا # لم تزل بي نوائب الدهر حتى ... تركتني لمن أعادي صديقا # على أن القاسم بن يحيى المريمي وخليق بأن تكون عليه عولت فقد قال في ~~قصيدة أولها # إن كان رأيك في أمورك ثاقبا ... فاصبر ولا تك للقضاء مغالبا # فقال فيها: # نفسي فداؤك ضائرا أو نافعا ... أو زاهدا في عبده أو راغبا # لأصبت ما كبت العدو وكان لي ... فرحا وكان على العدو مصائبا # وقد قال ابن الرومي: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من العظام أو الشراب # وقد أخذت البيت الأخير من هذين بأسره فقلت: # )يقول لي الطبيب أكلت شيئا ... وداؤك في شرابك والطعام( # وينظر إلى هذا المعنى قول أبي نؤاس وكان أوله: # إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وأبو نؤاس احتذى في هذا القول جرير: # دعون الهوى حتى ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق # فقال الأنباري: أتعرف لأحد هذا المعنى: # )بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار( # فقلت له: ليس كل معنى استرقه يحضرني، ولكنني أعرف له في هذه الكلمة: # )مضوا متسابقي الأعضاء فيه ... لأرؤسهم بأرجلهم عثار( # )إذا سلك السماوة غير هاد ... فقتلاهم لعينيه منار( # فأما قوله: # )لأرؤسهم بأرجلهم عثار( # فمن قول ابن المعتز: # صيروا هاماتهم ... في التراب أرجلا # وأما قوله: # )فقتلاهم لعينيه منار( # فمن قول ذي الرمة: # ودوية قفر يحار بها القطا ... أدلاء ركباها بنات النجائب # يحابي بها الجلد الذي هو حازم ... بضربة كفيه الملا راكب # قطعت بشعب كالنضال فاصبحوا ... مع الأهل جذلي في متون السباسب # ثم قلت: هذه القطعة من أبيات المعاني. وأقلبت على أي الطيب فقلت: هل ~~يحضرك فيها وقول؟ فاعرض من جواي وتشوف المهلبي إليه، فقلت: أراد بقوله " ~~يحاربها القطا " لسعتها واشتباها، وخصص القطا أهدى الطير، قوله: أدلاء ms65 ~~ركباها بنات النحائب هو قول أبي الطيب: # )فقتلاهم لعينيه منار( # فبنات النجائب أولادها تساقطها في الطريق من جهد السير، يستدلون بها. ~~وقوله: " يحايي " من الحياة أي يستحيي بها، وقوله بضربة كفيه الملا " يريد ~~أنه يتيمم بالتراب ويستسقي الماء ليستقيه صاحبة ولا يتوضأ به والنصال: نصال ~~السهام، شبه الركب بها في ضمورهم وشحوبهم، وقوله: " فأصبحوا مع الأهل " ~~يريد أنهم عرسوا فناموا فحملوا بأهلهم في نومهم. فقال أبو سعيد السيرافي: ~~هذا كقول الآخر: # قد ألقحت فتياننا الرحائلا ... ما تركوا منهن حنوا حائلا # يريد أنهم احتملوا على الرحال. فقال علي بن عيسى الرماني هذا كقول دعبل: # فلم أر مطروقا يحل بضيفه ... ولا طارقا يعطي المنى ويشيب # فاستحسن ذلك المهلبي، فقلت: ومله قول الراعي: # كفاني عرفان الكرى وكفيته ... كلوء النجوم والنعاس معانقه # فبات يريه عرسه وبناته ... وبت أري النجم أين مخافقه # وقلت: مثل قول ذي الرمة: # أدلاء ركباها بنات النجائب # قول الآخر: # بيهماء يستاف التراب دليلها ... وليس بها إلا اليماني مخلف # تجاوزتها وحدي ولم أرهب الردى ... دليلي نجم أو حوار مختلف # يقول: أجهضت الإبل م شدة السير فيها، فألقت أجنتها، فصارت كالمنار ~~لساكنها يستدل ويهتدي بها. فاقبل المهلبي على أبي سعيد وأبي الحسن الرماني ~~يستفهمها ويستزيد منهما فقالا: أمر على ما قال، وهكذا ذكر الأصمعي، فأعجبه ~~ذلك. ثم قلت: وأعرف من تلك القصيدة قول أبي الطيب: PageV01P039 )فكنت السيف ~~قائمه إليها ... وفي الأعداء حدك والغرار( # وهذا من قول الأول: # نقاسمهم أسيافنا قسمة ... فينا غواشيها وفيهم صدورها # فقال علي بن عيسى هذا كما قال الآخر، أنشدناه محمد بم الحسن ابن دريد: # ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا سعد بن بكر # لي الشطر الذي ملكت يميني ... فدونك فاعتجر منه بشطر # قلت وأعرف فيها: # )كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار( # وهذا قول الآخر: # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور # وأعرف منها قوله: # )فخلفهم برد البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار( # وهذا كأنه من كلام الصوفية. فقال الأنباري أتعرف لأحد مثل قوله: ms66 # )أملت ليلية ساروا كشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا( # فقلت: نعم قول محمود الوراق ومنه أخذ المعنى: # قلت ارفعي السجف نستمتع بمجلسنا ... فالشمس ما غيبت من وجهك الكلل # فقال الأنباري: أين هذا من ذاك؟ فقلت: هو هو إن أنعمت النظر فقال أبو ~~الطيب وفي هذه الكلمة أقول: # )أما الثياب فتعرى ومن محاسنها ... إذ نضاها ويكسى الحسن عريانا( # فأعجلته بأن قالت: هذا الذي التزمته في قوله: # زين الثياب وإن أثوابها استلبت ... على الحشية منها زانها السلب # فقال وفيها أقول: # )كأنهم يردون الموت من ظمأ ... أو ينشقون من الخطي ريحانا( # فقلت سرقته من البحتري: # يتزاحمون على القتال لدى الوغى ... كتزاحم الذود العطاش لمورد # قال: وفيها أقول: # )لا أستزيد على ما فيك من كرم ... أنا الفتى نمت إن نبهت يقظانا( # فقلت هذا مسروق من قول أبي تمام: # نعمة الله فيك لا أسأل الله ... سواها نعمى سوى أن تدوما # ولو أني فعلت كنت كمن ... يسأله وهو قائم أن يقوما # وقد قال جرير: # إني وحبك لو أردت زيادة ... في الحب عندي ما وجدت مزيدا # فقال أبو الطيب وفيها أقول: # )عليك منك إذا أخليت مرتقب ... لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا # فقلت هذا مسروق من قول الآخر: # لمن لا أرى أعرضت عن كل من أر ... وصرت على قلبي رقيبا لقاتله # وقد قال العباس: # أغض إذا نظرت إلى سواكم ... كأن لكم على قلبي رقيبا # فأحفظه ذاك، ورسم المهلبي الأناة به، وأومأ إلي. فقال أبو العلاء صاعد بن ~~ثابت، وكان في الحال يخلف المهلبي: أنا أستحسن قول أبي الطيب في سيف ~~الدولة: # )يمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع( # )من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع( # فقال المهلبي: هذا بكر لم يقله أحد. ثم أقبل على الجماعة وقال: هل تعرفون ~~هذا لأحد؟ فقال أبو الحسن الأنصاري، وكان متعلقا بأذيال الأدب: يرجع إلى ~~تواب الذي يخرج السرق، يريدني فقال: ما عندك فقلت: الأول مسروق من قول ~~الصنوبري: # وما كفاك ms67 بأن ألفيت متبعا ... في الجود حتى لقت ألفيت مبتدعا # وما الثاني فمسروق من قول بني دلامة، وبعض أصحابنا يرويه لماني: # لو كان يقعد فوق من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس # ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء فانتم سادة الناس # وأول من نطق بهذا المعنى زهير في قوله: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا PageV01P040 ~~فلما غشي أبا الطيب موج هذا الكلام قال: رويدا، أما ما نعيته علي من السرق ~~فما يدريك أني اعتمدته، وكلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض، وآخذ من بعض، ~~والمعاني تعتلج في الصدور، وتخطر للتقدم تارة وللمتأخرة أخرى، والألفاظ ~~مشتركة مباحة. وهذا هو عمرو ابن العلاء سئل عن الشاعرين يتفقان في اللفظ ~~والمعنى مع تباين ما ينهما، وتقاذف المسافة بين بلادهما، فقال: تلك عقول ~~رجال توافت على ألسنتها. وبعد، فمن هذا الذي تعرى من الأتباع، وتفرد ~~بالاختراع والابتداع لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا قد احتذى ~~واقتفى، واجتذب واجتلب، هذا امرؤ القيس يقول: # جؤجؤ حشر كأن لشجامه ... يعالى به في رأس جذع مشذب # وإنما اعتمد غيه على أبي داود: # وهاد تقدم لا عيب فيه ... كالجذع شذب عنه الكرب # وقال أيضا: # كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن رحيقا من سلاف مفلفل # وإنما اعتمد فيه على أبي داود الإيادي: # تخال مكاكيه بالضحى ... خلال الدقاري شربا ثمالا # وقال امرؤ القيس يصف فرسا: # كأن غلامي إذا علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق # وهو من قول أبي داود: # إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم باز إليه الجناحا # وقال امرؤ القيس: # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # وإنما اعتمد فيه على أبي داود في قوله: منفح مطرح معن مفن مخلط مزيل جموح ~~خروج وقال امرؤ القيس واصفا برقا: # ويهدا تارات سناه وتارة ... ينوء كما ناء الكسير المهيض # اعتمد فيه على أبي داود أيضا في قوله: # وانداح ينهض نهض الكسير ... جأجأه الماء حتى أسالا # وقد أخذه عدي ms68 بن زيد منهما فقال: # وحبي بعد الهدو تهاديه ... رياح كما يزجى الكسير # فهذا أمير الشعراء؛ ومن بعده النابعة، وقد قدمه عليه قوم، فقال # وتخالها في البيت إذ فاجأتها ... قد كان محجوبا سراج الموقد # وإنما اعتمد فيه على قول امرئ القيس: # تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة مسمى راهب متبتل # وقال زهير: # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # وإنما اعتمد فيه على قول مهلهل: # أنبضوا معجس القسي وأبرقنا ... كما توعد الفحول الفحولا # وقال الأعشى يصف الطيف: # يلويني ديني الغداة وأقتضي ... وديني إذا وقذ النعاس الرقدا # وإنما أخذه من قول عمرو بن قميئة: # نأتك أمامة إلا سؤالا ... وإلا خيالا يوافي خيالا # يوافي مع الليل ميعادها ... ويأبى مع الصبح إلا زوالا # فقلت له: من هاهنا أخذ قيس بن الخطيم: # أنى سربت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب # ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب # فأخذ هذا البحتري فقال: # بنفسي من تنأى ويدنو ادكارها ... ويبذل عنها طيفها وتمانع # قال: وأخذ الأعشى قوله: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # من قول الأشعر: # لا يصلح الجاران أن يتجاورا ... هذا أخو شبع وذا طاوي المعا # وهذا عبيد بن الأبرص أخذ قوله: # والناس يلحون الغوي إذا هم ... خطبوا الصواب ولا يلام المرشد # من قول المرقش الكبر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغولا يعدم على الغي لائما # وقال الأخطل: # أما السراة فمن ديباجة لهق ... وبالقوائم مثل الوشم بالقار # وإنما أخذه من قول المسيب بن علس في قوله: # كأن على الظهر ديباجة ... وسد القوائم يحسبن قارا # وهذا جرير أخذ قوله: # وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا أرض داري، احتماليا # من المنخبل السعدي في قوله: # إني لترزؤني النوائب في الغنى ... وأعف عند مشحة الإقتار PageV01P041 ~~ولجرير في هجاء الفرزدق: # تسيل عليهم شعب المخازي ... وهم كانوا لسوأتها قرار # وللفرزدق في هجاء جرير: # أنتم قرارة كل معدن سوأة ... ولكل سائلة تسيل قرار # وقد أخذاه جميعا من أعشى باهلة في هجاء ms69 الرقاد بن عمرو الجعدي: # بنو حصن قرارة كل لؤم ... كذاك لكل سائلة قرار # وأخذ الفرزدق قوله: # جرد القياد وفي الطراد كأنها ... عقبان يوم تغيم وطلال # وأخذ قوله: # وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلق # من سليك بن السلكة في قوله: # وكم أيم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عم وخال تلهف # ثم قال: وهذا نبذ يسير من شيء كثير لا يأتي عليه الجمع والاستقصاء، فضلا ~~عما تساعد به القريحة ويميله الحفظ للمذاكرة. فاشرأب الوزير إلى كلامه، ~~وأصغت الجماعة إلى قوله: وأظهرت استحسانا لا يستحقه ما أتى به. فقلت له: ~~أما قولك إن المعنى يعتلج في الصدر فيخطر للمتقدم تارة وللمتأخر أخرى، وإن ~~الألفاظ مشتركة، فليس الأمر كما تخيلته، ولا الكلام كله مشترك، ولا أن ~~الأول ليس بأولى به من الآخر. ولو كان كذلك لسقطت فضيلة السابق، ولبطلت ~~مهلة المتقدم ولما قدمت شعراء الجاهلية على شعراء الإسلام، وقدم الصدر ~~الأول من الإسلاميين على الصدر الأول من المحدثين ... وإنما حكم لهم ~~بالفضل، وسلم إليهم خصله من أجل ما ابتدعوه من المعاني، وسبقوا إليه من ~~الاستعارات، وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة، وذللوه من ~~طرق الشعر الحزنة ولما تغايروا بالسرق والاجتلاب والنقل والاجتذاب. ألا ترى ~~إلى قول قراد ابن حنش المري هاجيا بني عوف: # إذا ما انتدوا أقعوا بيوتهم ... جلوس إماء الحي حول المجازر # وإن نطقوا قالوا بما قيل قبلهم ... وإن وردوا حلو خلال الصوادر # وعير جرير الفرزدق باجتلابه فقال: # ستعلم من يكون أبوه قينا ... ومن عرفت قصائده اجتلابا # ولما قال كعب: # فمن للقوافي شانها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوز جرول # أعترضه مزرد بن ضرار، وأخو الشماخ، فقال: # مررت على كعب فخلت أوبدي ... أوابد تعلوا فوق كعب وجرول # فهل خضت بحرا قصر الناس دونه ... من الشعر أم هل قلت ما لم تقول # وقال ابن هرمة يذكر قوما استرقوا شعره، واستعاروا معانيه: # أغذو تلادا من الأشار أصلحها ... صلاح ذي الحزم للحاجات والرتل # احذو قصائد للراوين باقية ... كأنها بينهم موشية الحلل ms70 # أما نسيبا وإما مدح ذي فخر ... يبقى وإما ادخارا من ذوي خطل # حتى إذا امتلأت أسماعهم عجبا ... واستوقفت في قلوب القوم كالعسل # أهووا إليها لغوص في مسارحها ... لم يقرعوا أمهات الشول للحبل # فاستطلعوا عقلا لا يعقلون بها ... وأوضعوا قعد المجموع في الهملش # وما أشاركهم في طرق فحلهم ... ولا بسهل أراعيهم ولا جبل # ما إن أزال أرى وسمي فأعرفه ... في ذود آخر موسوما على قبل # وما وسمت قلاصا وهي راتعة ... حتى أتت رغم الاقياد والعقل # وما قولك: من هذا الذي من التباع والاحتذاء، وسلوك الطريق التي تقدم ~~إليها غيره من الشعراء؛ فلعمري إن الأمر على ما ذكرته، إلا أنه لا يحمد من ~~الكلام ما كان غابا، ولا المعاني ما كان مكررا مرددا. فلا يتسمح الشاعر بأن ~~يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقا ملصقا، ومجموعا ملفقا، ولا أن يكثر ~~الاعتماد في شعره، ويتناصر السرق في كلامه. ومن السبيل المحتذي أن يأخذ ~~المعنى دون اللفظ، ثم أن يطويه أن كان مكشوفا، ويكشفه إن كان مستورا، ويحسن ~~العبارة عنه، ويختار الوزن العذب له، حتى يكون بالأسماع عبقا وبالقلوب ~~علقا. ألا ترى إلى قول الأعشى: # وذرنا وقوما إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم # فأخذه الحطيئة، فأحسن العبارة عنه، واستوفى المعنى فيه، فصار أحق به من ~~المخترع له بقوله: PageV01P042 دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقد فإنك ~~أنت الطاعم الكاسي # وكما قال امرؤ القيس: # ولا مثل يوم في قذارن ظلته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا # فأخذه المرار وكشفه وقال: # كأن قلوب أدلائها ... معلقة بقرون الظباء # وكما قال المرقش في شبلين: # ما مر يوم إلا وعندهما ... لحم رجال أو يولغان دما # فنظر امرؤ القيس نظرا فقال: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وذلك أن امرأ القيس ذهب إلى أن العقاب مرزوقة وأن الصيد عندها، إلى هذا ~~ذهب المرقش في وصف اللبوة إلى أنها مرزوقة وإلى أن الفرائس عندها كثيرة. ~~وأنت إذا تأملت الأبيات التي احتجت بها وجدت كثيرا من المأخوذ فيها ms71 مبرزا ~~على المأخوذ منه، متقدما في ميدان البيان، محكوما فيه للآخذ بالإحسان، أو ~~مساويا له كل المساواة. فمن المساواة قول امرئ القيس: # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # فأخذه عبد بن الطيب، فكشفه ... وأرهفه وساوى فيه من تقدمه فقال: # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # ونظير هذا قول نابغة الذبياني: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # فأخذ المعنى أبو حية النميري فأحسن كل الإحسان لزيادة لطيفة زادها في ~~قوله: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # فوجبت له المساواة بهذه الزيادة، ولم يعط الفضل على النابغة لتقدم ~~النابغة في الاختراع لهذا المعنى. والزيادة قوله: " دونه الشمس " يريد مثل ~~الشمس، وبقوله: " بأحسن موصولين " . فأما أن يجتلب الشاعر المعنى ويقصر عن ~~استيفائه تقصيرك، ويسيء العبارة عنه إساءتك، ويقع أبدا دون الأول، فغير ~~محمل له، ولا متسمح فيه، ولا محكوم بالإحسان في شيء منه. ألا ترى إلى قول ~~طرفة: # لعمر إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد # فأخذه الراعي فقصر كل التقصير فيه بقوله: # وأعلم أن الموت يا أم عامر ... قرين محيط حبله من ورائيا # فانظر إلى تفاوت ما بين الكلامين مع سبق المتقدم إلى المعنى. وقال طرفة # فإن كنت ماكولا فكن أنت آ كلي ... فبعض منايا القوم أشرف من بعض # فأخذه عبد الله بين الحجاج الثعلبي فقال: # فأن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإن كنت مذبوحا فكن أنت تذبح # فأساء كل الإساءة، وأبدلنا من ذلك المثل السائر واللفظ الفصيح بما برهن ~~عن كلال حده وشح زنده وقال المرار يذكر الظليم: # ذو بردة خلتعلى جؤشوشه ... سوداء جافية من الغزل # وشقيقة بيضاء غير طويلة ... عن ركبتيه قليلة الفضل # قوله: " جافية من الغزل " لانتقاش ريشه. وشبه سواد أعاليه وصدره ببردة ~~سوداء قد خلت عليه. وشبه بياض أسافله إلى ركبتيه بشقيقة بيضاء، هو ما شق ~~باثنين، لأن إذا بل ركبتيه انقطع فأخذ هذا الطرماح فاختصر لفظه وأحسن ~~العبارة عنه بقوله: # مجتاب شملة ms72 برجد لسراته ... وزرا وأسلم ما سواه البرجد # يقول: ظهره مخطط. وقال النابغة يصف ثورا وحشيا وهو من معانيه التي ما سبق ~~إليها # من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # فأخذه الطرماح وزاد أحسن زيادة، وصار من أجلها أحق بالمعنى بقوله: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # فشبهه في حالي ظهوره وخفائه بالسيف في حالي سله وإغماده، وقد قال بعض ~~العرب: # تاهت علي بأن تمت محاسنها ... خود تكلم في أعطافها الفتن # همت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن # فأشار أبو نؤاس إلى هذا المعنى إشارة خفية وزاد زيادة لطيفة فقال: # تطلع في المراة فقال إيها ... أنا الشمس الني لا شك فيها PageV01P043 أنا ~~والله أصلح للمعاصي ... إذا أهل الذنوب تقارفوها # فانظر إلى لطفه في الأخذ، وحسن تأتيه للاتباع والاحتذاء. ثم قلت ولم ~~أجدهم يحمدون إكثار الشاعر من الأتباع، وإكثاره من الأخذ والرق، فإن ذلك ~~منه يدلب على ضيق المجم، على الفقر والاختلال، وعلى قصور الخاطر وبلادة ~~الفكر وجبن القريحة. فأعجب المهلبي بما أوردته، ووكد وصاة من كان نصبه من ~~كتابه لإثبات ما جرى وضبطه وتحصيله واستيفائه. وقال: إنما نأتيكم الفينة ~~بعد الفينة، فإذا أتيناكم فأحسنوا القرى. ونهض مغضبا، فأمر المهلبي برده ~~فرد مكرها، ول يطل الجلوس ونهض. فلما انصرف أقبل علي المهلبي وقال: أريد أن ~~تفاوضه الكلام في شعر أبي تمام والبحتري، وتلبو ما عنده فيهما. # ومضى أسبوع ولم يستدعه ولم يحضر مبتدئا، ثم حضر واعتذر من تأخره، وقد كان ~~أبو علي الأنباري جر له حبال الطمع، ووعده عن المهبلي بما كان بعيدا من ~~الوصول إليه، لسوء رأي المهلبي فيه. فأومأ إلي أن جاره ما وسمت لك مجاراته. ~~فسألته إنشاد كلمته التي أولها: # )واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بحالي وجسمي عنده سقم( # فتلكأ يسيرا، ثم ابتدأ فأنشدها إلى أن انتهى إلى قوله: # )والحيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم( # فاستحسنت الجماعة هذا البيت استحسانا أفرطت فيه. فلت: إنما أخذه من ~~إماميه. ms73 فقال: ومن إماماي اللذان استلحقت شعرهما، وهتكت حريمهما، وأنحيت ~~عليهما، وتناكرت معرفتهما؟ قلت: أبو تمام والبحتري، فأما البحتري فقال: # يا خليلي بالسواجير من أد ... بن معن وبحتر بن عتود # اطلبا ثالثا سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد # وأما أبو تمام فقال، وعليه اعتمد البحتري: # العيس والهم والليل التمام معا ... ثلاثة أبدا يقرن في قرن # وأبو تمام احتذى فيه قول الشنفرى: # ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل # ثلاثة أصحاب فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل # وإلى هذين البيتين نظر ذو الرمة في قوله: # وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # أصم علافي وأبيض صارم ... وأعيس مهري وأروع ماجد # فقال بعض لحاضرين، وأحسبه الأنباري: ما يشبه الليل من جلباب العروي؛ ~~فأمسكت. فقال المهلبي: ما تقول؟ فقلت له: لا يشبه الليل من جلباب العروس ~~شيئا إلا طوله وسبوغه. فقال المهلبي فما يريد بقوله: # بأربعة والشخص في العين واحد # فقلت: إنه يريد أنه نظر إلى هذه الجملة مجتمعة في ظلمة الليل، فتخيلها ~~شخصا واحدا. فقرع سمعه من كلامي ما أيقظ حميته وهز للشغب عزيمته وحرك سورته ~~فتمثل بقول الشاعر: # وقد تذكر الأشياء بالشيء بعدها ... ويرجع للود العدو المباين # وقال: أما أبو تمامكم هذا الذي يقول: # تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ... ودع حسي عين يحتلب ماءه الوجد # فأحال أقبح إحالة، واستعار أبع استعارة، بتصييره للعين حسيا، والأحساء ~~توصف بقلة الماء، ومن شأن الدموع أن توصف بالغزارة من ذوي الوجد والصبابة، ~~فكان الجماعة أصاخت إلى هذا القول. فقلت: ليس الأمر على ما تختليه، من أجل ~~أن الحسي الرمل الذي يكون تحته حجر صلب يرد الماء، فشرب الرمل الماء إلى أن ~~ينتهي إلى ذلك الحجر، فإذا احتاجوا إلى الماء احتفروا وأخرجوا شيئا بعد ~~شيء. هذا قول صاحب " العين " وجماعة من أهل العلم. فاستعار أبو تمام للعين ~~حسيا، من أجل أن الدموع تخرج شيئا بعد شيء، وهذه استعارة حقيقة لا استعارة ~~مبالغة. فأمسك هنيهة ثم قال: أبو تمام القائل في هذه القافية: ms74 # رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد # فهل امتدح أحد فبله أحدا برقة الحلم، ووصفه بالركانة والثخانة أولى، ألا ~~ترى إلى قول عدي بن الرقاع: # أبت لكم مواطن طيبات ... وأحلام لكم تزن الجبالا PageV01P044 قال: ثم أنه ~~شبه الحلم في رقته بالبرد، ورقة البرد دال على هلهلة نسجه وليس ذلك من ~~أوصافه ولا ممادحه. قال وفي هذه القصيدة يقول: # فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند # وإنما أخذه من قول الأضبط بن قريع السعدي، وكان سيدهم، فرأى منهم حسدا، ~~فرحل عنه ونزل في آخرين، فرآهم على مثل حالهم فقال: " أينما أذهب ألق سعدا ~~" ، أي الناس مثل قومي في حسدهم ساداتهم. فقلت له: لا دليل على فضل أبي ~~تمام أوضح من أخذه هذا الكلام ونظمه إياه في تلك العبارة السهلة الجزالة ~~البعيدة القرية. فقال: وأبو تمام القائل: # أقول لقرحان من البين لم يضف ... رسيس الهضوى بين الحشا والترائب # ما قرحان البين، أخرس الله لسانه؟ فقلت له: يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ~~ولم يبن عنه ألافه ولا اعتاده هوى ولا تعبد صبره وجد. والأصل في هذه الكلمة ~~أن القرحان الذي لم يجدر وقال جرير: # وكنت من زفرات الحب قرحانا # وفي هذه الكلمة يقول أبو تمام: # وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم يقصد لها كف قاطب # فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصارت لها أشباحهم كالغوارب # فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمن قول أبي نؤاس إلى أن تتأمل البيت ~~الثاني: # قوم تساقوا على الكوار بينهم ... كأس السرى فانتشى المسقي والساقي # كأن أرؤسهم والسكر يخفضها ... على المناكب لم تغمد بأعناق # وأبو نؤاس أخذه من قول أبي دهبل: # أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النعسة السهر # فقلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام: # ير أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب # وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب # فقال: أما البيت الأول فمأخوذ غارة من قول الأخطل: # رأين ms75 بياضا في سود كأنه ... بياض العطايا في المطالب # فقلت له: هذا البيت من اختلافات أحمد بن أبي طاهر تحاملا على أبي تمام. ~~وإلا فمن هذا الذي رواة الشعر، وفي أي قصيدة هو، وفي أي نسخة من نسخ ديوان ~~الأخطل يوجد؟ فقال: وما الذي بعث أحمد بن أبي طاهر على هذا، وأي سبب أوجبه ~~منه؟ فقلت أليس هو القائل: # البحتري إذا فتشت نسبته ... في بحتر في بني ثعل # كلاهما يتظنى عند نسبته ... وقلبه من تظنيه على وجل # ثم قلت: وفي هذه القصيدة يقول أبو تمام: # وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك من كل جاذب # بأنك لما اسحنكك الأمر واكتسى ... أهابي تسسفى في وجوه النوائب # وقلت: هذا المعوز المعجز المطمع الممتنع، القريب البعيد، اسهل الوعر، ~~وأنشدته منها: # فلو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب # ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # فقال أبو الطيب: أما البيت الثاني فمن قول أوس بن حجر: # أقول بما صبت عليهم غمامتي ... وجهدي في حبل العشيرة أحطب # فقلت: والله لئن كان أخذ كما تزعم، لقد طوى الأخذ، وزاد على المخترع ~~بالمعنى زيارة لطيفة بقوله: )ولكنه فيض العقول( فقال أبو الطيب: كيف يكون ~~أبو تمام محسنا في الأخذ وهو القائل: # يقود نواصيها جذيل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب # وقد أخذه من اجزل لفظ وأفضحه لبعض المتقدمين: # وركب بأبصار الكواكب أبصروا ... ضلال المهارى فاهتدوا بالكواكب # يكونون إشراق المشارق مرة ... وأخرى إذا غابوا غروب المغارب # ثم قال: وهو الذي يقول: # لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد # فقلت له: وهو المبتدئ هذه القصيدة بقوله: # غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وصار قتادا عندها كل مرقد # وأنقدها من غمرت الموت أنه ... صدود فراق لا فراق تعمد PageV01P045 فأجرى ~~لها الإشفاق دمعا موردا ... من الدم يجري فوق خد مورد # هي البدر يدنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد # وفيها يقول: # ولكنني لم أحو وفرا مجمعا ms76 ... وفزت به إلا بشمل مبدد # ويم تعطني الأيام نوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى أن ليست عليهم بسرمد # فقال أبو الطيب: أما قوله)فاغترب تتجدد( فمن قول لقيط ابن زرارة: # ومن أدمن المشواة في الحي أخلقا # وقال: قوله )فإني رأيت الشمس( من قول كثير: ولو لم تغب شمس النهار لملت ~~وقلت له: ومن لك بمن يلفظ بمثل هذا ويستطيعه، أو يأخذ معنى فيكسوه معرضا ~~أنيقا، ويسبكه يعذب مشربه، ويستبهم على القرائح مراده. وقلت: وفيها يقول: # وقد كانت الأرماح أبصرن قلبه ... فأرمدها ستر القضاء الممدد # وإني لأرجو أن تقلد جيده ... قلادة مصقول الذباب مهند # منظمة بالموت يحظى بحليها ... مقلدها في الناس دون المقلد # فقال أبو الطيب: وهو القائل: # فضربت الشتاء في أخذ عيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا # فقلت له: وهو القائل مبتدئا هذه الكلمة: # من سجايا الطول ألا تجيبا ... فصواب من مقلة أن تصوبا # وهذا من أحسن ابتداء، وفي تشبيبها يقول: # أكثر الأرض زائرا ومزورا ... وصعودا من الهوى وصبوبا # وكعابا كأنما ألبستها ... غفلات الشباب بردا قشيبا # بين البين فقدها قلما تعرف ... فقدا للشمس حتى تغيبا # وفي مديحها يقول: # سبق الدهر بالتلاد ولم ينتظر ... النائبات حتى تنوبا # وإذا ما الخطوب أعفته كانت ... راحتاه حوادثا وخطوبا # فقال أليس هو القائل: # مستسلم لله سائس أمة ... لذوي تجهضمها له استسلام # لو أنه قذف كبده كان أولى من قوله: )تضجهمها( فقلت له: الرواية في هذا ~~البيت )لذوي تكبرها( والتجهضم أخذك الشيء ببغي، ولذلك سمى الأسد جهضما، ~~وهذه القصيدة يقول: # أتحدرت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تصعصع الإظلام # لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # وهذا بكل شيء قاله محدث. وفيها يقول: # بالشدقميات العتاق كأنما ... أشباحها بين الإكام إكام # أوريت زند عزائم تحت الدجى ... أسرجن فكرك والبلاد ظلام # فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه ... حسن اليقين وقاده الإقدام # مشعنجر لجب ترى ms77 سلافه ... ولهم بمنخرق الفضاء زحام # ملأ الملا عصبا وكاد بأن يرى ... لا خلف فيه ولا له قدام # بسواهم لحق الأياطل شزب ... تعليقها الإسراج والألجام # مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام # آساد غيل مخدرات ما لها ... إلا الصوارم والقنا آجام # والضرب يعقد قرم كتيبة ... شرس الضريبة والحتوف قيام # فقصمت عروة جمعهم فيه وقد ... جعلت تفصم عن عراها الهام # ثم قال فيها: # متوطئو عقبيك في طلب العلى ... والمد ثمت تستوي الأقدام # فأخذ البحتري هذا فقال: # حزت المدى سبقا وصلى ثانيا ... ثم استوت من بعده الأقدام # ومن هاهنا أخذت يا أبا الطيب قولك: # )رأيت عليا وابنه قومه ... وهم خير قوم واستوى الحر والعبد( # وقلت في موضع آخر: # )يشتبهالمخدوم والخدم( # فقال أبو الطيب: قد أخطأ في قوله )كاد بان يرى( لأن المسموع من كلام ~~العرب: )كاد يفعل(. فقلت: قد جاء لبعض الشعراء في وصف طريق: # قد من طول البلى أن يمصحا PageV01P046 وإذا جعلت )كاد( بمعنى )أراد( حسن ~~دخول )أن( كما قال: # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من وصل الحبيبة ما مضى # فقال: قد أخذا قوله: تعليقها الإسراج والإلجام من قول الأول: # تراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلة فركوب # فقلت له: هذا وإن كان آخذا على ما ذكرت، احسن من المأخوذ منه وأكشف ~~للمعنى. قال: فأن الأعشى قد قال: # وفلاة كأنها ظهر ترس ... ليس إلا الرجيع فيها علاق # فقلت له: وهذا أيضا غير مكشوف كل الكشف، والسراج والإلجام أفصح وأوضح. ~~فقال: أبو تمام الذي يقول: # ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حث النجاء وخلفه التنين # أرأيت إنسانا شبه بتنين؟ وإنما أراد قول كثير: # يقلب عيني حية بمحارة # أو قول الأخطل: # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر # وهذا مذهب في المدح لم تزل ملوك بني أمية تتعلق به على شعرائها، وتنعاه ~~في مداحها. فقلت له: يتسمح له بذلك لقوله: # جادت عليها من جماجم أهلها ... ديم أمارتها طلى وشؤون # بحر من الهيجاء يهفو ما له ... إلا ms78 الجماجم والضلوع سفين # ملك تضيء المكرمات إذا بدا ... لملك منه غرة وجبين # لانت مهزته فعز وإنما ... يشتد من متن الرمح حين يلين # فتركت أرشق وهي يدعى باسمها ... صم الصفا فتلين منه عيون # لاقاك بابك وهو يزأر فأثنى ... وزئيره قد عاد وهو أنيشن # ورجا بلاد الروم فاستعصى بهش ... أجل أصم عن النجاء حرون # فقال: هو الذي يقول # كانوا رداء زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا # فقلت هو الذي يقول في هذه القصيدة: # يا منزلا أعطى الحوادث حكمها ... لا مطل في عدة ولا تسويفا # أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا # شعف الغمام بعرصتيك وربما ... روت رباك الهائم المشعوفا # وفيها يقول: # أيام لا تسطو بأهلك نكبة ... إلا تراجع مصروفا # وإذا رمتك الحادثات بلحظة ... ردت ظباتك طرفها مطروفا # وفيها يقول: # إن غاض ماء المزن فضت ... كبد الزمان علي كنت رؤوفا # فقال أبو الطيب: وهو الذي يقول: # تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب # فقلت له: لهذا البيت نبأ أوجب قوله، ولو استقريته لما استجزت الطعن على ~~قائله. ولو شاء قائل أن يقول: إنه لم تفتح قصيدة بأوجز ولا أخصر من قوله: # السف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # لما عنف. فقال أليس هذا من قول الأول: # فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا # فقلت: الأمر على ما ذكرته، وقد احتذيت هذا المعنى من أبي تمام فقلت: # )وهل تغني الرسائل في عدو ... إذا ما لم يكن ظبي رقافا( # وقلت: في هذه القصيدة يقول أبو تمام: # بكر فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب # رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب # فقال: أما هذا في كتابكم؟ فكفر لعنه الله )وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى( قلت: وفيها يقول: # فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب # لم يغز يوما ولم ينهد إلى بلد ... إلا تقدمه جيش من الرعب # لما رأى الحب رأي ms79 العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب # فقال أليس هذا من قول النابغة الجعدي: # ونستلب الدهم كان ربها ... ضنينا بها والحرب فيها الحائب # قلت: وفيها يقول: # بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب PageV01P047 ~~وقد أخذت هذا البيت على رسمك فقلت: # )وإذا كانت النفوس كبارا ... تعب في مرادها الأجسام( # فقال: وأبو القائل مبتدئا: # ما لكثيب الحمى إلى عقدة # فقلت: أجل هذه القصيدة التي أخذت منها: # كالخوط في القد والغزالة في الب ... هجة وابن الغزال في غيدة # ثم تدارك هذا فقال: # وما حكاه ولا نعيم له ... في جيده بل حكاة في جيدة # فقلت آخذا للبيت الأول: # )بدت قمرا ومالت غصن بان ... وفاحت عنبرا ورنت غوالا( # فما أنكرت من هذا الابتداء ونعيته عليه ؟ ألا نعيت قوله: أصم بك الناعي ~~وإن كان أسمعا ولم يقل في ابتداء مرثية بعد قول أوس بن حجر أسير ولا أخصر ~~من هذا. فإن العلماء بالشعر قاطبة تشير إلى قول أوس: # أيتها النفس أجملي جزعا # وقول أبي تمام، إن لم تنكر، أوفى منه. فقال هو مأخوذ من الأول: # نعى لي أبا المقدام فاسود منظري ... من الأرض واستكت علي المسامع # فقلت: هو منه، ولكن شتان ما هما قربا ولطفا واختصارا. ولو لم تكن إلا ~~فضيلة الإيجار لحكمت بالإحسان وأعطيته السبق. وقوله: # سعدت غربة النوى بسعاد # وقوله: # أرامة كنت مألف كل ريم # فقال هذا من قول زهير: وقوله في ابتداء أخرى: # لهان علينا أن نقول ونفعلا # وابتداء أخرى: # أجل أيها الربع الذي آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله # وقوله: # ما عهدنا كذا نحيب المشوق # وقوله: # أيها البرق بت بأعلى البراق ... واغد فيها بوابل غيداق # وتعلم بأنه ما لأنوا ... ئك ما لم تروها من خلاق # دمن طالما التقت أدمع المزن ... عليها وأدمع العشاق # فهذا من أحسن ابتداء وكذلك قوله: # خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوني ما أذلت من القناع # أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع # وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع # ثم قلت: ms80 وهو الذي يقول في الدالية التي هتفت في ابتدائها يصف لواء: # نعم لواء الخميس أبت به ... يوم خميس عالي الضحى أفده # خلت عقابا بيضاء في حجرات ... الملك طارت به وفي سدده # ومر تهفو ذؤابتاة على ... أسمر متن بوم الوغى جسده # تخفق أثناؤه على ملك ... يرى طراد الأبطال من طرده # فقال أبو الطيب: عذ عن هذا، أما أبو التمام القائل: # والمجد لا يرضى بأن يرضى بأن ... يرضى الذي يرجوك إلا بالرضا # هذا والله الهذيان الذي يشغل بطون المهارق ويطفئ نار القرائح. # قال: وأراه سمع بيت مسلم فاحب أن يركب الكلام ويعاظله تركيب مسلم ~~ومعاظلته في قوله: # سلت وسلت ثم سل سليلها ... فغدا سليل سليلها مسلولا # فأضحكني هذا التخيل منه وقلت: إن مسلما وإن كرر اللفظ، فلبيته معنى لطيف ~~أنا أورده، وقد أورده الباهلي في تاب )المعاني(، فزعم أنه يريد هذه الحمرة ~~سلت من الكرم باقتطافه، ثم سلت من العنب باعتصاره، ثم سل العصير من الدن ~~ببزله، وقوله: # فغدا سليل سليلها مسلولا # يريد بول شاربها. وقد قال بعد هذا البيت: # لطف المزاج لها فزين كأسها ... بقلادة جعلت لها إكليلا # يريد أن المزاج رفعها فجعل القلادة وهي في العين إكليلا. وقد نازعه أبو ~~نؤاس هذا المعنى وأحسن العبارة عنه بقوله: # تدور علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريه بالقسي الفوارس # فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # وأما قول أبي تمام: )والمسجد لا يرضى بأن يرضى( ينقصه مثلك وأنت القائل: # )فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عين كلهن قلاقل ( # والقائل: # )ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل( # وأنت القائل: PageV01P048 )وقوفين في وقفين شكر ونائل ... فنائله وقف ~~وشكرهم وقف( # وأنت القائل أيضا: # )ولا واحدا في ذا الورى بل جماعة ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف( # )ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف( # )أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف( # وأقبلت ms81 عليه فقلت: أتراك تغتفر أبي تمام في أثناء هذيانك هذا أم لا ~~تغتفره؟ وفي الضادية يقول أبو تمام: # عندي من الأيام ما لو أنه ... بازاء شارب مرقد ما غمضا # لا تطلبن الرزق بعد شماسه ... فترومه سبعا إذا ما غيضا # يا أحمد بن أبي دواد دعوة ... ذلت بشكرك لي وكانت ريضا # لما انتضيتك للخطوب كفيتها ... والسيف لا يكفيك حتى ينتضى # كن كيف شئت فيك خلائقا ... أضحى إليهن الرجاء مفوضا # فقال: أليس أبو تمام القائل يصف خمرا # إذا هي دبت في الفتى خال جسمه ... لما دب فيه قرية من قرى النمل # فقلت له: أما المعنى الفصيح، فما وجد الطعن عليهن وقد قال الأخطل: # تدب دبيبا في العظام كأنه ... دبيب نمال في نقا يتهيل # وقد قال الأول: # تدب دبيبا في العظام كأنه ... دبيب بنات النمل وهي سواري # وقال حسان بن ثابت، وعدل إلى تشبيه آخر: # تدب في الجسم دبيبا كما ... دب دبي وسط رقاق هيام # ولدبيبها سميت " دبابة " ، وقال ذو الرمة يصف غزالا قد أنحى في نومه: # كأنه في الحي ترمي الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم # قال أما أنا فيبعد عن وهمي ويند عن سمعي " قرية النمل " ، وما سوى ذلك ~~فله وجه. فقلت له: عد هذه التراهات، فمن أوضح البرهان على أنك قد تصفحت ~~الشعر هذا الرجل، وتأدبت بمعانيه، وقفوت مذهبه، واقتريت طرقه فيه، وتتبع ~~هذه المواضع عليه وتعيينك عليها، وإشارتك إليها وقدحك فيها. وه يسم أبا ~~تمام بمسيم النقيصة تتبعك وتتبع أمثالك عبيه ما تتبعونه وهو القائل: # ما أن رأى الأقوام شمسا قبلها ... أفلت فلم تثعقبهم بظلام # لو يقدرون مشوا على وجناتهم ... وجباههم فضلا عن الأقدام # وهو القائل: # علا الشيب مختطا بفودي خطة ... سبيل الرودى فيها إلى الموت مهيع # هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود اسفع # وهو القائل: # فإن ترم عن عمر تمادى به المدى ... فخانك حتى لم تجد فيه منزعا # فقال: أما هذا مأخوذ من ms82 قول البعيث: # وأنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع # ومن قوله أيضا: # أوفى به الدهر من أحداثه شرفا ... والسيف يمضي مرارا ثم ينقصد # وأبو تمام القائل: # لآل وهب أكف كلما أجتديت ... فعلن في المحل ما لا تفعل الديم # قوم تراهم غيارى دون مجدهم ... حتى كأن المالي دونهم حرم # وهو القائل: # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطى المهرية القود # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود # ومن البيت الثاني أخذت قولك: # )وجرين جرى في أفلاكها ... فقطعن مغربها وحزن المطلعا( # وهو الذي يقول: # راحت وفود الأرض من قبره ... فارغة الأيدي ملاء القوب # قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس عند الغروب # وهو الذي يقول: # ولم أر العلى ما لم ير الشعر بينهما ... لكا لأرض غفلا ليس فيها معالم # يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضى بما يقضي به وهو ظالم # ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة الندى من أين تؤتى المكارم # وهو الذي يقول: # مجرد سيف رأي من عزيمته ... للدهر صيقله الإطراق والفكر PageV01P049 عضبا ~~إذا هزه في وجه نائبة ... جاءت إليه صروف الدهر تعتذر # ومن البيت الأول أخذت: # )تحضير في سيف ربيعة أصله ... وطابعة الرحمن والمد صاقل( # وهو القائل أيضا: # فلا تحسب الأعداء عزلك مغنما ... فإن إلى الإصدار ما غاية الورد # وما كنت إلا السيف جرد للوغى ... فأحمد فيه ثن رد إلى العمد # وهو القائل أيضا: # يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمرجي جوده كثب # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب # وهو القائل أيضا: # لقد زدت أو ضاحي امتدادا ولم أكن ... بهيما ولا أرض مجهلا # ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر فأوفت بي أغر محجلا # فقال هو مأخوذ من قول أبي محلم: # أمسلم فاسلم يا ابن كل خليفة ... ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض # شكرتك إن الشكر مني سجية ... وما كل من أوليته نعمة يقضي # حييت لي ذكري وما كنت خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # فقلت ms83 وهو القائل: # وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تطو غياهبه # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # إليك جزعنا مغرب الشمس كلما ... قطعنا ملا صلت عليك سباسبه # إلى سالب الجبار بيضة ملكه ... وآمله غاد عليه فسالبه # إلى مللك لم يلق كلكل بأسه ... على ملك إلا وذلل جانبه # ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه # فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يحاربه # فيا أيها الساري آسر غير مراقب ... جنان ظلام أو ردى أنت هائبه # فقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه # فقال أما قوله: )وركب كأطراف الأسنة( فمن قول كثير: # أطافت بشعث كالأسنة هجد ... بخاشعة الأضواء غبر صحونها # وأما قوله: # لأمر عليهم أن تتم صدوره # فمن قول الأول: # غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الزمن الخؤون # وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون # وأما قوله: )صلت عليك سباسبه( فمن قول بشار: # إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما # وبشار أخذه من جرير: # منابر ملك كلها مضرية ... يصلي علينا من أعرناه منبرا # فقلت له: لئن كان تمام ناظرا إلى هذه المواضع فلقد تناول أخلاق أعبية ~~فأعادها يرف وشيها، كما ترف خدود الرياض غب الحيا. # وهذا كان مذهبه في جميع ما يلاحظه ويشير إليه من المعاني. ألا تر إلى قول ~~الأول: # سيوف لعمري يا صدي بن مالك ... حداد ولكن أين بالسيف ضارب # فاحتذى هذا أبو تمام: # وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا # فهذا البيت مخترع له: ثم قال محتذيا للبيت المتقدم ومفسرا لبيته هذا: # فآفة ذا ألا يصادف مضربا ... وآفة ذا ألا يصادف ضاربا # وقال الفرزدق، وذكر امرأة له ماتت بجمع، وهي التي تموت وولدها في جوفها: # وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا # وفي ضمنه من دارم ذو حفيظة ... لو آن الليالي أخطأته لياليا # فقال أبو تمام في اثنين ms84 صغيرين كانا لعبد الله بن طاهر، فماتا في يوم ~~واحد، وأشار إلى بيتي الفرزدق إشارة عجيبة، وزاد زيادات لطيفة من قصيدة: # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا # لو ينسبان لكان هذا غاربا ... للكرمات وكان هذا كاهلا # لهفي على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # إن الهلال إذا رأيت نماره ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا PageV01P050 ~~فهذا ما احتذاه وولده وسبطه وزاد فيه.، وأحسن العبارة عنه. من الباب قول ~~الآخر: # رأيت المال يكسبه رجال ... مآفين إذا اختبروا فسول # فلا ذو المال يكسبه بعقل ... ولا بالمال تكتسب العقول # كما تكسى سباغ الأرض ريا ... وتصرف عن كرائمها السيول # فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأختصره في بيت واحد فقال، وأحسن كل الإحسان: # لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي # وقال عمر ين أبي ربيعة: # وإذا جئتها لأشكو إليها ... بعض ما شفني وما قد عراني # ضل عنها لشدة الوجد عقلي ... وتعايا بذات نفسي لساني # ونسيت الذي جمعت من القو ... ل لديها وغاب عني بياني # فقال أبو حفص الشطرنجي سالكا هذا المذهب: # بني الحب على الجور فلو ... أنصف العاشق فيه لسمج # ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج # وقال أبو تمام موجزا هذا المعنى: # لم تنكرين وقد هويت تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا # فتأمل ما بين الكلامين تجد تفاوت بعيدا. وسمع أبو تمام قول ابن الزبير ~~عند قتل أخيه مصعب: " إنما التسلية والسلوة لحزماء الرجال، والهلع والجزع ~~لربات الحجال " فنظم هذا فأحسن كل الإحسان في نسخه وتأليفه بقوله: # خلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم # وسمع قول القائل " المحاب مقرونة بالمكاره " فقال، وبرز تبريز السابق ~~المتمطر إذا تطلمه الفرسان في حلبة تعثرت الجياد في طلبه بها: # سعى فاستنزل الأمل اقتسارا ... ولولا السعي لك تكن المسعى # وأنظر إلى قول أبان اللاحقي: # ولن تعرف النفس النعيم وعزه ... إذا جهلت حال المذلة والضر # فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأحسن صوغه ms85 وسبكه فقال: # والحادثات وإن اصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # فحاول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخذ هذا المعنى، فقصر عنه بقوله: # لا ينسينك حال نشلت رفعتها ... ما في عواقبها واذكر تصرفها # أن الفتى يجهل النعما إذا اتصلت ... حتى يلذع بالبلى فيعرفها # ومن إحسان أبي تمام في الأخذ قوله: # إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع # وهذه العبارة تطرب وتعجب، وتختدع وتخلب. وإنما احتذى في بيته هذا قول ~~عروة بن الورد في بيتين: # كريم رأى الإقتار عارا فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تمولا # فلما استفاد المال عاد ببذله ... لمن جاءه يبغي نداه مؤملا # فتأمل اختصار أبي تمام لهذا المعنى وحسن عبارته عنه. فتعاطى ابن الرومي ~~أخذه فلم يستطع استيفاءه إلا في أربعة أبيات، يقتضي بعضها بعضا وهي: # وما في الأرض أجود من شجاع ... وإن أعطى القليل من النوال # وذلك أنه يعطيك مما ... تفيء عليه أطراف العوالي # وحسبك جود من أعطاك مالا ... حواه بالطراد وبالنزال # شرى دمه ليحويه فلما ... حواه هوى به حمد الرجال # وأخبرني الصولي قال: سمعت أبا مالك يقول: من استطاع أن يأخذ المعنى فيصنع ~~به صنع أبي تمام، وإلا فلا يتعرض له. قال: فقلت مثل هذا؟ فقال: مثل قول أبي ~~نؤاس: # بشرهم قبل النوال اللاحق ... كالبرق يبدو قبل جود دافق # والغيث يخفى وقعه للرامق ... ما لم يجده بدليل البارق # فنظر أبو تمام إلى هذا فقال: # يستنزل الأمل البعيد ببشره ... بشرى المخيلة بالربيع المغدق # وكذا السحائب قلما تدعو إلى ... معروفها الرواد ما لم تبرق # ثم اختصر المعنى في بيت واحد فقال: # إنما البشر روضة فإذا ... أعقب بذلا فروضة وغدير # فاحتذى هذا المعنى البحتري فقال وأتى به في عدة مواضع قصر فيها إلى أن ~~قال: # متهلل طلق إذا وعد الغنى ... بالبشر أتبع بشره بالنائل PageV01P051 كالزن ~~إن ضحكت لوامع برقه ... أجلت به عن ديمة أو وابل # فقال أبو الطيب: نكتب عن هذا، فهل تجد لبي تمامكم هذا أو بحتريكم معنى ~~اخترعاه؟ فقلت: هل تستوفي ms86 اختراعاتهما مذاكرة، أو يأتي على جزء واحد منها ~~البحث والمناقشة؟ فقال: هلم معنى واحدا ولك الحصل. فقلت له: من اختراعات ~~أبي تمام التي وقع إجماع الرواة عليها قوله # تأبى على التصريد إلا نائلا ... إلا يكن محضا قراحا يمذق # عمدا كما استكرهت عائر نفحة ... من فارة المسك التي لم تفتق # فقال هذا من قول الأعرابي: # ولما تنازعنا سقاط حديثها ... غشاشا فلان الود منها فأطمعا # بحدثان هجران وساعة غفلة ... من الحي يخشى أعينا أن تطلعا # فرشت بقيل كاد يشفي من الهوى ... تكاد له أكبادنا أن تقطعا # كما استكره الصادي وقائع مزنة ... ركاما تولى مزنها حين نقعا # فقلت له: ما أبعد ما بين المعنيين، وما أجدك تجتلب ذاك إلا من أجل قول ~~هذا " كما استكره " وقول أبي تمام " عمدا كما استكرهت " . والألفاظ مباحة، ~~إلا استعارة لطيفة أو تجنيسا أو طباقا، فإن هذه تختص بأربابها. وإذا أتى ~~بها آخر بعد أول قضي عليه بالسرق، على أنه في المجاز أن يتورد آخر وأول في ~~بعض ذلك. فقال المهلبي: يا أبا الطيب ظلمت أبا تمام في هذه الدعوى عليه ~~ظلما لا شبهة فيه. وأقبل علي وقال: تمم كلامك. قلت ومن مخترعه قوله: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاوزت ... ما كان يعرف طيب نشر العود # فقال أبو الطيب: أما البيت الأول فمبتذل المعنى. فقال المهلبي: مثل ماذا؟ ~~فقال قول زهير: # محسدون على ما كان من كرم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا # وقال الآخر # وليس يفترق النعماء والحسد # وقول الآخر # محسدون وشر الناس منزلة ... من لم يبت ذات يوم وهو محسود # فقال المهلبي: هذا أيضا تحامل، ما يتناسب المعيان، وإن كانا معا في ~~الحسد، ألا ترى أن قوله: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # ليس من قول زهير: محسدون، لا ينزع الله عنهم ما حسدوا له، ولا من قول ~~الآخر: شر الناس من لم يكن محسودا، وقول الآخر: # وليس يفترق النعماء والحسد # وأن ms87 كان كل ذلك في معنى واحد وطريقة واحدة؟ فقلت له: هذا باب من الأتساع ~~في المعنى مما يشبه المأخوذ وليس بمأخوذ، وهذه منزلة لا يتوقلها إلا شثن ~~القدمين. فقال أبو الطيب: فقد أخذ قوله: " لولا اشتعال النار " من قول ~~بشار: # كحاوي المسك دل عليه نفخ # فقال علي بن عيسى النحوي: إن كان فعل ذاك فقد الله أحسن كل الإحسان. فقال ~~المهلبي مقبلا علي: هات ما حضرك من اختراعاته، فقلت: ومن اختراعاته قوله: # وضل بك المرتاد من حيث يهتدي ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع # ومن بدائعه: # يسرك أن تلقاه في صدر مجلس ... وفي نحر أعداء وفي قلب موكب # له خلق لو كان في الماء لم يغض ... وفي الغيث ما شام امرؤ برق خلب # وقوله: # خليلي من بعد الأسى والجوى قفا ... ولا تقفا فيض الدموع السواجم # لئن كان سيف الموت أسود صادئا ... لقد فل عنه حد أبيض صارم # أصاب امرأ كانت كرائم ماله ... عليه إذا ما سيل غير كرائم # وما نكبة فاتت به بعظيمة ... ولكنها من أمهات العظائم # ومن اختراعاته قوله يصف الرماح: # مشقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب سمرتها والعاشق القضفا # وقوله # والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من نفسه لم ينتفع بصقال # فقال: هذا من قول امرئ القيس: # يدعى صقيلا وهو ليس له ... عهد بتمويه ولا صقيل # وقوله: # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # وقوله: PageV01P052 وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الحلقة الأولى ~~لما كان يقطع # وقوله: # أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهن خدودا # فقال هذا من قول الأعشى: # وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا # فقال أبو سعيد النحوي: بيت أبي تمام أن أنصفته أشعر، وأن كان بيت الأعشى ~~أسير. ومن اختراعاته قوله: # طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئا أنكرت لون السواد # وقوله: # ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالب للنجح لم يخب # وقوله: # قالوا أتبكي على رسم فقلت لهم ... من فاته العين هدى شوقه ms88 الأثر # وقوله: # ومن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طرا عليه نوائبا # وقوله: # دمن طالما التقت أدمع المزن ... عليها وأدمع العشاق # ومن بدائعه قوله في صفات الإبل: # المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشرد الضلل # إذا تظلمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العز إلا أنها ذلل # وقوله: # متى يأتك المقدار لا تلف هالكا ... ولكن زمان غال مثلك هالك # فقال المهلبي: في بعض هذا كفاية، فهل يحضرك من اختراعات البحتري شي ؟ ~~فقلت، قوله: # إذا خطرت تأرج جانباها ... كما خطرت على الروض القبول # ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل # فقال أبو الطيب: البيت الأول من قول أبي نؤاس يصف خمرا: # كأنا لديها بين أكناف روضة ... إذا ما سلبناها من الليل طيبها # فقال أبو سعيد السيرافي: ما أبعد هذا المعنى. فقال: قل ما أقربه وأشد ~~شبهه. فقال: هو بقول الشنفري الأزدي أشبه: # فبتنا كأن البيت حجر حولنا ... بريحانة ريحت عشاء وطلت # وبقول الآخر: # أن لي عند كل نفحة بستان ... من الورد أو من الياسمينا # نظرة والتفاتة أتضرى ... أن تكوني حللت فيما يلينا # ونحوه قول سلم الخاسر: # كأنها روضة منورة ... تنسمت في أواخر السحر # وسلم أخذه من بشار: # كأنها روضة منورة ... تجمع طيبا ومنظرا حسنا # بانت بقلبي صفراء رداعة ... صبت علينا من حبها فتنا # وأحسن حبيب بن عيسى الكاتب في قوله: # تذكرني رياك ريح مريضة ... جرت بنسيم الروض في غلس الفجر # ثم قال: وكذا قوله: وقد يستحسن السيف الصقيل فمن قول أبي الشيص: # وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # فقلت: ما أبعد هذا الوادي من تلك الثنية، فإن يكن فهو نظر وملاحظة ولكن ~~انظر إلى ألفاظ البحتري الرطبة العذبة، وإلى مذهبه فيما يحتذيه ويشير إليه. ~~فإنه كان لا يستدعي من الكلام نافرا، ولا يستعطف معرضا، ولا ينشد ضالا، ولا ~~يؤنس وحشيا. وكانت ألفاظه فوق معانيه، وأعجازه غير منفكة عن هواديه. ولكن ~~أبا الشيص أخذ قوله من قول الآخر: # هو السيف إن ينته لان حده ... وبين غراريه المنايا اللوائح ms89 # ثم قلت: ومن اختراعات البحتري أيضا قوله: # ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسنا ولا قطه # فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه # فقال أبو الطيب: أما هذا مأخوذ من قول الآخر: # هي الدر منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدر منظوما إذا لم تكلم # فقال المهلبي: ومن لك بمن يحسن إحسان البحتري في أخذه هذا، إن كان أخذه ~~منه، وهل هو في ذلك إلا كمن اجتنى مر ثمرة، أو أخذ بعرة فأعادها جوهرة. ~~قلت: ومن اختراعات البحتري قوله يصف الطيف: # أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا # سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الريح تجلبه الصبا # ومن مخترعه قوله: # )متعود ليس الدروع تخالها ... في البرد خزا والهواجر رذا( # وقوله: PageV01P053 شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود ~~الخرائد # وقوله يصف: # كأنما غدرانه في الوهد ... يلعبن من حبابها بالنرد # فبهر أبا الطيب ما أوردته، واحتسبت عارضته، وعقل لسانه عن الجواب، وكاد ~~لولا أن هيبة الوزير أبي محمد ملأت قلبه. وقد كان من قبل يلاوذ المناظر ~~لياذ الغريم من التتبع. فحين انتهى في القول إلى هذا الموضع، نهض مغضبا، ~~وكان آخر العهد به في تلك الدار. وخرج مارا على وجهه، شاردا الظليم، ولم ~~يقم إلا ريثما تأهب للسفر، فارتحل عن العراق متوجها إلى الكوفة. وقد استخف ~~أحداث المتأدبين طمعا فيه، حتى مزق أديمه، وفري فري الإرهاب عرضه. وأولع ~~بهجائه سفيه من سفهاء البغداديين، صغير من أصاغر علمائهم يعرف بابن الحجاج، ~~لا حظ له في الفضل ولا قدم في الأدب، وحسبه أن اضطره مع دناءة قيمته وسخف ~~همته إلى الهرب، وترامي المطلب، وقلق الركاب في كل مذهب.وقد كنت اقتده ~~بعنان الصغار قود الجنيب، فلم يستطيع مقاما بمدينة السلام، فخرج عنها إلى ~~الكوفة، ومنها إلى فارس، منتجعا عضد الدولة، وملما بابن العميد، ومؤملا ~~الإقامة في ذراهما، والاستظلال بظلمها أو بظل أحدهما. فأحسن في بعض ما ~~مدحهما وأساء في بعض، وحصرت مادته وانقطع دون الغاية نفسه، ms90 فإنه كان استنفذ ~~في سيف الدولة إحسانه، واستغرق في مدحه باعه، فاضطر إلى الارتحال والعود ~~إلى العراق، فاخترم دون ذلك، وكان آخر العهد به. # وأنا أشفع هذه الرسالة بما تتبعه من عوراه، ووقفت عليه من سرقته، ومن سقط ~~لفظه وسخيف معانيه، وأذكر أيضا من محاسن شعره، ومن عيون مدائحه - فإن المدح ~~كان طعمته وشوارد أبياته - ما أجري في جميعه مع الحق الذي لا يسع تعديه، ~~منصفا ومنتصفا منه، لا ألته حقه، ولا أنحله ما ليس له.وأفراد بذلك كتابا ~~وأستقصيه، وأنتهي إلى الغاية التي تبلغها القدرة فيه، بحول الله وقوته ~~وفضله ورأفته. # نجزت الرسالة ولله الحمد، والمنة ولله وحده، وصلواته على سيدنا محمد ~~النبي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ووافق الفراغ من نسخه على يد أفقر عباد ~~الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن عبد الملك بن عساكر الشافعي ~~البعلبكي، غفر الله له، يوم الجمعة تاسع شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حامدا ~~ومصليا. PageV01P054 ms91