######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010589 #META# 000.BookURI :: #0388.IbnMuhammadShabushti.Diyarat #META# 010.AuthorAKA :: الشابشتي #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن محمد ، المعروف بالشابشتي (المتوفى : 388هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 388 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الديارات للشابشتي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التاريخ :: موضوعات تاريخية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الديارات للشابشتي #META# 030.LibURI :: JK_010589 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # دير درمالس # هذا الدير في رقة باب الشماسية ببغداد، قرب الدار التي بناها الديلمي ~~أحمد بن بويه، بباب الشماسية. وموقعه أحسن موقع. وهو نزه كثير البساتين ~~والأشجار. وبقربه أجمة قصب. وهو كبير، آهل برهبانه وقسانه والمتبتلين فيه. ~~وهو من البقاع المعمورة بالقصف، والمقصود بالتنزه والشرب. # وأعياد النصارى ببغداد، مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم: ~~فالأحد الأول منه: عيد دير العاصية، وهو على ميل من سمالو. # والأحد الثاني: دير الزريقية. # والأحد الثالث: دير الزندورد. # والأحد الرابع: دير درمالس هذا. وعيده أحسن عيد، يجتمع نصارى بغداد إليه، ~~ولا يبقى أحد ممن يحب اللهو والخلاعة إلا تبعهم. ويقيم الناس فيه الأيام، ~~ويطرقونه في غير الأعياد. # ولأبي عبد الله بن حمدون النديم، فيه: # يا دير درمالس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك # لئن سكنت الدير يا سيدي ... فإن في جوف الحشا مسكنك # ويحك يا قلب، أما تنتهي ... عن شدة الوجد بمن أحزنك # ارفق به، بالله، يا سيدي ... فإنه من حينه مكنك # وكان من خبر هذا الشعر، ما ذكره أحمد بن خالد الصريفيني، قال: كنا عند ~~أبي عبد الله بن حمدون، في الوقت الذي نفاه فيه المتوكل. فتذاكرنا ~~الديارات، وطيبها وحسنها في الأعياد، واجتماع الناس بها. فقال: قد، والله، ~~شهيتني لحضور هذه المواضع، والتفرج فيها، والتسلي بها، فأي دير منها قد حضر ~~عيده ؟ قلت: دير درمالس، وغدا عيده ! قال: فعلى بركة الله. فأعددت جميع ما ~~يحتاج إليه ويصلح لمثله، وبكرنا إلى الدير، ونظرنا إلى اجتماع الناس ~~وتعييدهم. وانصرف من انصرف، وأقمت معه في الدير ذلك اليوم ومن غده. وجلسنا ~~منه مجلسا يشرف على تلك البساتين والمزارع. فشرب، وطابت نفسه وطرب، وحضره ~~من أحداث الموضع من كان يقضي لنا الحاجة ويجيئنا بالطرفة والتحية. فشغف ~~بهم، واستطاب وقته معهم، وقال الأبيات المتقدمة. # وكان سبب نفي المتوكل له، أن الفتح بن خاقان، كان يعشق شاهك، خادم ~~المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه. وله فيه أشعار، منها: # أشاهك، ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دما بعد الدموع تسيل ms001 # وبي منك، والرحمن، ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل # أشاهك، لو يجزى المحب بوده ... جزيت، ولكن الوفاء قليل # وكان أبو عبد الله، يسعى فيما يحبه الفتح، فعرف المتوكل الخبر، فاستدعى ~~أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني، ليس لتقود على غلماني ~~! فأنكر ذلك، وحلف يمينا حنث فيها، فطلق من كانت حرة من نسائه، وأعتق من ~~كانت مملوكة، ولزمه حج ثلاثين سنة، فكان يحج كل عام. # قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت، فأقام بها أياما. ثم جاءه زرافة في ~~الليل على البريد، فبلغه ذلك، فظن أنه يعني المتوكل لما شرب بالليل وسكر، ~~أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله. فلما دخل عليه، قال: جئت في شيء ما كنت أحب ~~أن أجيء في مثله ! قال: وما هو ؟ قال: أمر أمير المؤمنين بقطع أذنك ! وقال: ~~قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان ! فرأى ذلك أسهل مما ظنه من ~~القتل. فقطع غضروف أذنه من خارج، ولم يستقصه، وجعله في كافور معه، وانصرف. ~~وبقي منفيا. ثم حدر أبو عبد الله إلى بغداد، إلى منزله. فأقام به مدة. قال ~~أبو عبد الله: فلقيت إسحق بن إبراهيم الموصلي، بعدما كف بصره. فسألني عن ~~أخبار الناس والسلطان. فأخبرته ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني. فجعل يسليني ~~ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه ~~؟ فقلت له: محمد بن عمر البازيار. فقال لي: ومن هذا الرجل ؟ وما مقدار أدبه ~~وعلمه ؟ فقلت: أما أدبه، فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب: ~~حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن ~~أبي حفصة، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: # بيضاء في وجناتها ... ورد، فكيف لنا بشمه PageV01P001 فسر المتوكل بذلك ~~سرورا شديدا، وأمر، فنثر عليه بدرة دنانير، وأن تلقط وتطرح في حجره، وأمره ~~بالجلوس، وعقد له على اليمامة والبحرين. فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت ~~كاليوم قط، ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السموات والأرض ! وقبل، قال له: ~~فما ms002 تقول في أدبه ؟ فقال: أأكثر من أن يقول كثير !. فقال لي إسحق: ويلك ! ~~جزعت على أذنك وغمك قطعها ؟ ولم ؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام ؟ ثم قال لي: ~~ويلك ! لو أن لك مكوك آذان، أيش كان ينفعك مع هؤلاء ؟ قال: وأعاده المتوكل ~~إلى خدمته. وكان إذا دعا به، قال على جهة المزاح: يا با عبيد. # ولما رضي عنه، قال له: هل لك في جارية أهبها لك ؟ فأكبر ذلك وأنكره. فوهب ~~له جارية يقال لها صاحب، من جواريه، حسنة كاملة الأدب، إلا أن بعض الخدم رد ~~السبطانة على فمها، وقد أرادت أن ترميه، فصدع إحدى ثنيتيها، فاسودت، فشانها ~~ذلك عنده. وحمل معها كل ما كان لها: وكان شيئا عظيما كثيرا. فلما مات أبو ~~عبد الله، تزوجت صاحب بعض العلويين. قال علي بن يحيى بن المنجم: فرأيته في ~~النوم وهو يقول لي: # أبا علي، ما ترى العجائبا ... أصبح جسمي في التراب غائبا # واستبدلت صاحب بعدي صاحبا # ولأبي عبد الله شعر جيد. ومن شعره يعاتب علي بن يحيى: # من عذيري من أبي حسن ... حين يجفوني ويصرمني # كان لي خلا وكنت له ... كامتزاج الروح بالبدن # فوشى واش، فغيره ... وعليه كان يحسدني # إنما يزداد معرفة ... بودادي حين يفقدني # قال: واتصل بنجاح بن سلمة، إن أبا عبد الله بن حمدون، يذكره ويتنادر به ~~بين يدي المتوكل. فلقيه نجاح يومان فقال له: يا أبا عبد الله: قد بلغني ~~ذكرك لي بحضرة أمير المؤمنين بغير الجميل، ولم يخف علي قولك ! أتحب أن أنهي ~~إليه قولك إذا خلوت به: أتراني أحبه، وقد فعل بي ما فعل ؟ والله، ما وضعت ~~يدي على أذني إلا تجددت له بغضة في قلبي. فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم ~~إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكرتك بغير ما تحبه أبدا ! قال: كان ~~إبراهيم بن محمد بن مدبر، يلاعب أبا عبد الله بالنرد. فإذا غلبه شيئا، دفعه ~~إلى كردية المغنية، جارية محمد بن رجا. فغلبه يوما عشرين دينارا، فأخذها ~~منه ودفعها إليها. فكتب إليه ms003 أبو عبد اله بعد ذلك: # تقضي الحقوق بمالي ... وأنت تعرف حالي # إن دام هذا علي ... أفقرتني وعيالي ! # وكان أبوه إبراهيم وأظن أنه الملقب بحمدون بن إسماعيل، ينادم المعتصم، ثم ~~الواثق بعده. وكان يعابث المتوكل في ذلك الوقت. وجاءه مرة بحية في كمه، ~~وأخرج رأسها تعريضا بأمه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق. # قال: فلما مات الواثق، نادم حمدون المتوكل. قال: فلما كان في بعض الأيام، ~~أمر المتوكل بإحضار فريدة جارية أخيه الواثق، وكانت من الحسن والاحسان على ~~ما لم ير مثله. وقال للخدم. إن لم تجيء فجيئوني برأسها ! فأحضرت مكرهة، ~~ودفع إليها عود، فغنت غناء يشبه الندبة والمرثية، فأسمعها، وأمرها أن تغني ~~غيره. فبكت وغنت غناء شجيا بحزن. فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة ~~التي تداخلته ! فغضب المتوكل، ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزنا ~~عليه، وكان يبغض كل من مالي إليه ! فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلثمائة سوط ~~! فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك. وأقام ~~منفيا ثلاث سنين. وتزوج المتوكل فريدة بعد ذلك، فولدت له ابنه أبا الحسن. # قال: دعا إبراهيم جماعة من المغنين، فيهم جحظة وقاسم بن زرزر، وكان فيها ~~عمه أبو محمد بن حمدون. فجعل إبراهيم يحاكي واحدا واحدا من المغنين. فقال ~~له عمه: لا تحاك جحظة، ولا يكن بينك وبينه عمل ! فلم يقبل، وحاكاه. فلم يزل ~~جحظة يحتال في شيء يكتب فيه، إلى أن وجد رقعة، فكتب فيها: # حصلت على حكاية من يغني، ... فحاك لنا العجوز إذا تغنت # وحاك لنا لبيبا إذ أتاها ... فأعطاها القمد كما تمنت # فقال له عمه: ألم أقل لك: عقرب، لا تقرب ! PageV01P002 وحكى جحظة، عن ~~إبراهيم بن القسم زرزر، إن لاكهكيفي كان حسن الغناء مجيدا، وكان يحسد ~~إبراهيم بن أبي العبيس على غنائه وشجا صوته. فلما مات إبراهيم وكانت وفاته ~~في أيام المكتفي، على لاكهكيفي والدموع في عيني. فقال: ما لك ؟ قلت: مات ~~إبراهيم ! قال: بسلام ! والله، لو لم يمت لقتلته ! # دير سمالو ms004 # وهذا الدير شرقي بغداد، بباب الشماسية، على نهر المهدي. وهناك أرحية ~~للماء، وحوله بساتين وأشجار ونخل. والموضع نزه، حسن العمارة، آهل بمن ~~يطرقه، وبمن فيه من رهبانه. # وعيد الفصح ببغداد، فيه منظر عجيب. لأنه لا يبقى نصراني إلا حضر وتقرب ~~فيه، ولا أحد من أهل الطرب واللهو من المسلمين إلا قصده للتنزه فيه. وهو ~~أحد متنزهات بغداد المشهورة، ومواطن القصف المذكورة. # ولمحمد بن عبد الملك الهاشمي، فيه: # ولرب يوم في سمالو تم لي ... فيه السرور وغيبت أحزانه # وأخ يشوب حديثه بحلاوة ... يلتذ رجع حديثه ندمانه # صافي الرحيق من المدام شرابة ... والمحسنات من الأوانس شانه # بكرت علي به الزيارة فاغتدى ... طربا إلي وسرني اتيانه # فأمرت ساقينا وقلت له اسقنا ... قد حان وقت شرابنا وأوانه # فتلاعبت بعقولنا نشواته ... وتوقدت بخدودنا نيرانه # حتى حسبت لنا البساط سفينة ... والدير ترقص حولنا حيطانه # ولخالد الكاتب، فيه: # يا منزل القصف في سمالو ... ما لي عن طيبك انتقال # واها لأيامك الخوالي ... والعيش صاف بها زلال # تلك حياة النفوس حقا ... ولك ما دونها محال # وهو أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب. وكان مليح الشعر رقيقه، لا يقول إلا ~~في الغزل، ولا يتجاوز الأربعة أبيات، ولا يزيد عليها. ولم يكن له شعر في ~~مدح ولا هجاء. # وذكر ميمون بن حماد، قال: دخل علي يوما أبو عبد الله ابن الاعرابي، فقلت: ~~يا أبا عبد الله، سمعت من شعر هذا الغليم شيئا ؟ قال: من هو ؟ قلت: خالد بن ~~يزيد. قال: لا، وإني لأحب ذلك! فصح به. فجاء حتى وقف. فقلت: أنشد أبا عبد ~~الله شيئا من شعرك. فقال: إنما أقول في شجون نفسي، لا أمدح ولا أهجو. فقلت: ~~أنشده، فأنشده. # أقول للسقم عد إلى بدني ... حبا لشيء يكون من سببك # فقال ابن الاعرابي: حسبك يا غلام ! فقد خيل إلي أن الرقة قد جمعت لك في ~~هذا البيت. # قال جحظة: حدثني خالد الكاتب، قال: كنت بدير سمالو، لم أشعر إلا ورسول ~~إبراهيم ابن المهدي قد وافاني. فدخلت إليه، فإذا برجل أسود مشفراني ms005 قد غاص ~~في الفراش، فاستجلسني، فجلست. فقال: أنشدني شيئا من شعرك، فقلت: أيها ~~الأمير، أنا غلام أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو. فقال: ذلك أشد ~~لدواعي البلاء، فأنشدته: # رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المضيئة بالأرض # عشية حياني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض # وناولني كأسا كأن رضابها ... دموعي لما صد عن مقلتي غمضي # وولى وفعل السكر في حركاته ... من الراح، فعل الريح بالغصن الغض # فزحف، حتى صار في ثلثي المصلى. ثم قال: يا بني، شبه الناس الخدود بالورد، ~~وشبهت أنت الورد بالخدود ! زدني، فأنشدته: # عاتبت نفسي في هوا ... ك، فلم أجدها تقبل # وأجبت داعيها إلي ... ك، ولم أطع من يعذل # لا والذي جعل الوجو ... ه لحسن وجهك تمثل # لا قلت أن الصبر عن ... ك من التصابي أجمل # فزحف، حتى صار خارج المصلى، ثم قال: زدني ! فأنشدته: # عش فحبيك سريعا قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي # ظفر الحب بقلب دنف ... بك والسقم بجسم ناحل # فهما بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل # وبكى العاذل لي من رحمتي ... فبكائي لبكاء العاذل # فصاح وقال: يا بليق: كم لي معك من العين ؟ قال: ستمائة وخمسون دينارا، ~~قال: اقسمها بيني وبينهن واجعل الكسر كاملا للغلام. PageV01P003 وذكر أحمد ~~بن صدقة المغني، قال: اجتزت بخالد الكاتب يومان فقلت له: اعمل لي أبياتا ~~أغني فيها أمير المؤمنين، يعني المأمون. قال: فأي حظ لي في ذلك ؟ تأخذ أنت ~~الجائزة، وأحصل أنا على الاثم ! فحلفت له، أنه إن وصلني بشيء، قاسمته إياه. ~~فقال لي: أنت أنذل من ذاك ! ولكن أذكره بي، فلعله يصلني بشيء. قلت: أفعل. ~~فأنشدني: # تقول سلا فمن المدنف ... ومن عينه أبدا تذرف # ومن قلبه قلق خافق ... عليك وأحشاؤه ترجف # فحفظت الشعر، وعملت فيه لحنا، وحضرنا عند المأمون من الغد مع المغنين. ~~وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة. فوجهت إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها ~~بالغالية: يا سيدي سلوت. وما علم الله أني عرفت شيئا من الخبر. وانتهى ~~الدور إلي وابتدأت أغني ms006 بشعر خالد. فلما غنيته إياه، احمر وجه المأمون ~~وانقلبت عيناه، ودارتا في أم رأسه، وظهر الغضب في وجهه، وقال: لكم على حرمي ~~أصحاب أخبار ؟ فقمت إعظاما لما شاهدت منه، وقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله ~~أن يظن بعبده هذا الظن، وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر ! قال: فمن ~~أين عرفت خبري مع جاريتي حين غنيت في معنى ما بيننا ؟ فحلفت له أني لا أعرف ~~شيئا من ذلك، وحدثته حديثي مع خالد. فلما انتهيت إلى قوله: أنت أبذل من ذاك ~~! قال: أشهد أنك كذاك، وأسفر وجهه. وقال: ما أعجب هذا الاتفاق ! وأمر لي ~~بخمسة آلاف درهم، ولخالد بمثلها. # ومن مليح شعر خالد: # كبد المستهام كيف تذوب ... ما تقاسي من العيون القلوب # بدن المستهام كيف تراه ... شجن ما له سواه طبيب # أين أين الرقاد يا مقلتي من ... حر أحشائه عليه رقيب # يا مكان الهوى خلوت من الصب ... ر، فما للسلو فيك نصيب # ومن مليح شعره: # ولم أدر ما جهد الهوى وبلاؤه ... وشدته حتى وجدتك في قلبي # أطاعك طرفي في فؤادي، فحازه ... لطرفك حتى صار في قبضة الحب # ومن شعره، وفيه لحن: # قد استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قده # لقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده # حتى تجارحنا بتكرارنا ... للحظ في خدي وفي خده # وله أيضا: # ما على الغضبان لو كان رضي ... ورثى لي من تمادي مرضي # قال لي لما تشكيت الهوى ... إحمد الله كذا قضي # قلت: حاشى الله أن يقضي بذا ... بل قضاه صاحب الوجه الوضي # أنت شردت رقادي ظالما ... فاجعل الانصاف منه عوضي # وله أيضا: # رحلتم، فكم من أنة بعد زفرة ... مبينة للناس شوقي إليكم # وقد كنت اعتقت الجفون من البكا ... فقد ردها في الرق حزني عليكم # وله أيضا: # زراني في مورد مثل خدي ... ه وعقد فصوله الكافور # ليلة لم يكن سوى قصر اللي ... لة فيها عيب ولا تقصير # قال جحظة: كنت يوما عند عبد اله بن المعتز، فطلبت نعلي، فلم أجده. فجعلت ~~أقول: # يا قوم من ms007 لي بنعلي ... أو في مصحف نعل # فسار هذا البيت حتى رواه الصبيان. # قال: ودعاني عبيد الله يوما، فأبطأت عنه، فكتب إلي: # لا تهجر الأمراء من بعدوا على ... فرس الح قيراط # فكتب إليه جحظة: # من كان خادم مثلكم فجواده ... فرس الحفاء ودينه طسوج # قال جحظة: كنت أعشق جارية في القيان، يقال لها شروين. فسكرت عندي ليلة، ~~فخرئت في سطلي وحميديتي وانصرفت. فكتب إلي الهداهدي: # قد زارني خل أسر به ... حلو الشمائل راجح العقل # فبحق شروين التي خرئت ... في الطست والابريق والسطل # إلا أتيت مبادرا عجلا ... وأرحت من نكد ومن مطل # حتى أراك إذا سكرت وقد ... شاركتها في ذلك الفعل ! # ولجحظة، إلى ابن طرخان يدعوه: # لنا يا أخي زلة وافره ... وقدر معجلة حاضره # وما شئت من خبر طيب ... ونادرة بعدها نادره PageV01P004 وراح تريك إذا ~~صفقت ... سنا البرق في الليلة الماطره # ومحسنة لم يخنها الصواب ... وزامرة أيما زامره # فايت ولو كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك من ذاك في الآخره # ألست أدري أين الفؤاد مقيما ... يا مكان الفؤاد، أين الفؤاد ؟ # دفعته الأحشاء عما يليها ... فأذابته حرقة واتقاد # وله: # نأيت فلم ينأ عنه الضنى ... وعدت فعاد إلى نكسه # وفارقه الصبر في يومه ... لما فاته منك في أمسه # ومستوحش آنس بالبكاء ... على قلبه وعلى انسه # يرق هواه لأحشائه ... ويرثي له الشوق من نفسه # دير الثعالب # وهذا الدير ببغداد، بالجانب الغربي منها، بالموضع المعروف بباب الحديد. ~~وأهل بغداد يقصدونه ويتنزهون فيه، ولا يكاد يخلو من قاصد وطارق. وله عيد لا ~~يتخلف عنه أحمد من النصارى والمسلمين. # وباب الحديد، أعمر موضع ببغداد وأنزهه: لما فيه من البساتين والشجر ~~والنخل والرياحين، ولتوسطه البلد وقربه من كل أحد. فليس يخلو من أهل ~~البطالات، ولا يخل به أهل المتطرب واللذاذات. فمواطنه أبدا معمورة، وبقاعه ~~بالمتنزهين مشحونة. # وقد قالت الشعراء في الدير وباب الحديد وقبرونيا، فأكثروا، ووصفوا حسن ~~تلك المواضع فأطنبوا. # ولابن دهقانة الهاشمي، فيه: # دير الثعالب مألف الضلال ... ومحل كل غزالة وغزال # كم ليلة أحييتها ومنادمي ... فيها أثج مقطع الأوصال # سمح ms008 يجود بروحه فإذا مضى ... وقضى سمحت له وجدت بمالي # ونعم دين ابن مريم دينه ... غنج يشوب مجونه بدلال # سقيته وشربت فضلة كأسه ... فشربت من عذب المذاق زلال # وابن دهقانة هذا، من ولد إبراهيم ب محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~ويعرف بأبي جعفر محمد بن عمر. وله شعر مليح. وذكر جحظة أنه أنشده: # أحين قطعت لك الواصلين ... وجدت عليك ولم أبخل # غدرت وأظهرت لي جفوة ... وجرت علي ولم تعدل ؟ # أأطمع في آخر من هواك ... ولم ترع لي حرمة الأول ؟ # وذكر جحظة، أنه كان والي البصرة في أيام الزنج، وأنه أخذ من الناجم بها ~~ثلاثين ألف دينار، وسلم إليه البصرة. وكان جحظة يكثر المكث عنده ولا يغبه. ~~قال: فتأخرت عنه في وقت من الأوقات، لعارض عرض لي، فوجه إي يدعوني، فكتبت ~~إليه: أنا والله عليل ! # وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدما # فوجه إلي بخمسين دينارا وخلعة، وقال: هذا يزيل العلة، فبحياتي إلا جئتني ~~! فمضيت إليه. # وذكر جحظة، أنه كان ينادم المعتمد والموفق، وكان عظيم الخلق، ثقيل الجسم، ~~وكان إذا قام الخليفة ورجع، وقام الندماء، نام هو، وقال: هذا عوض القيام ~~لما لم يكن يقدر عليه. وكان أكولا، فكان يقول: قد أكلت حتى زمنت، وأريد آكل ~~حتى أموت ! ومن شعره: # فلو أن في جزعي راحة ... لأصبحت أجزع من يجزع # سأصبر جهدي على ما ترى ... وإن عيل صبري، فما أصنع ؟ # وللناشىء، يذكر باب الحديد وقبرونيا: # ما جليد يوم الندى بجليد ... بعدت والمزار غير بعيد # خبرت عن ضميرها عبرات ... صرن عونا على الفؤاد العميد # يا ليالي اللذات بالله عودي ... بين قبرونيا وباب الحديد # بين تلك الربى وقد نسج الو ... بل بكف الربيع ريط البرود # خده ضد صدغه مثل ما الوع ... د إذا ما اختبرت ضد الوعيد # طلب الطبل طايلات من الزم ... ر وعاد السرور إذ عاد عودي # ومن رقيق شعره: # لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلو مكان # لكن رأيتك قد مللت مودتي ... فعلمت أن ms009 دواءك الهجران # دير الجاثليق PageV01P005 وهذا الدير، يقرب من باب الحديد، وهو دير كبير، ~~حسن، نزه، تحدق به البساتين والأشجار والرياحين. وهو يوازي دير الثعالب في ~~النزهة والطيب وعمارة الموضع، لأنهما في بقعة واحدة. وهو مقصود مطروق، لا ~~يخلو من المتنزهين فيه والقاصدين له. وفيه رهبانه وفتيانه ومن يألف من أهل ~~الخلاعة والبطالة. # وقالت الشعراء فيه ووصفته. ولمحمد بن أبي أمية الكاتب فيه، وفيه لحن خفيف ~~رمل: # لهفي على قمر في الدير مسجون ... في صورة الانس، في مكر الشياطين # والله ما أبصرت عيني محاسنه ... إلا خرجت له طوعا من الدين # وله في هذا الدير أيضا: # تذكرت دير الجاثليق وفتية ... بهم تم لي فيه السرور وأسعفا # بهم طابت الدنيا وتم سرورها ... وسالمني صرف الزمان وأنصفا # ألا رب يوم قد نعمت بظله ... أبادر من لذات عيشي ما صفا # أغازل فيه أدعج الطرف أهيفا ... وأسقى به مسكية الطعم قرقفا # فسقيا لأيام مضت لي بقربهم ... لقد أوسعتني رأفة وتعطفا # وتعسا لأيام رمتني بينهم ... ودهر تقاضاني الذي كان أسلفا # ومحمد بن أمية هذا، أحد المتقدمين في الشعر، رقيق الطبع، حسن التصرف فيه، ~~غريب المعاني. وأكثر شعره في الغزل. وكان هو وعلي أخوه يكتبان للفضل ابن ~~الربيع. وهو عم أبي حشيشة الطنبوري. # ومن مليح شعره: # رأيتك حليتي دنيا ودين ... حياة للضجيع وللقرين # بدا لي بعدما سبقت يميني ... بهجرك أن أكفر عن يميني # وله: # لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلو مكان # لكن رأيتك قد مللت مودتي ... فعلمت أن دواءك الهجران # ومن رقيق شعره: # يا غريبا يبكي لكل غريب ... لم يذق قبلها فراق حبيب # عزه الصبر فاستراح إلى الدم ... ع، وفي الدمع راحة للقلوب # ليت يوما أراك فيه كما كن ... ت قريبا، فأشتكي من قريب # وله: # رب يوم منك لا أنساه لي ... أوجب الشكر وإن لم تفعل # أقطع الدهر بظن حسن ... وأجلى غمرة ما تنجلي # وأرى الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي # كلما أملت يوما صالحا ... عرض الهجران دون الأمل # ومن نادر ms010 شعره: # لأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب # أظلمتني فيك الخطوب فلم أق ... و على أن أرد ظلم الخطوب # رب، ما أوجع الهوى للقلوب ... لا ولا سيما فراق الحبيب # لم أكن أعرف الفراق فأقدم ... ت عليه غرا بلا تجريب # وله أيضا: # اليوم أثكلني صبري فراقكم ... كذاك أعظم شيء فقد معشوق # قد كنت في فسحة من قبل بينكم ... فاليوم صرت من الأحزان في ضيق # واغتالني زمن قد كنت آمنه ... تعسا لغدرته من بعد توثيق # إني على العهد لم أنقض مودتكم ... يا من يرى حسنا نقض المواثيق # وله: # ما ذاقت النفس على شهوة ... ألذ من ود صديق أمين # من فاته ود أخ صالح ... فذلك المغبون حق اليقين # وله، وهو من مليح شعره: # فيا شوق لا تنفد، ويا دمع فض وزد ... ويا شوق راوح بين جنب إلى جنب # ويا عاذلي لمني، ويا عابد افتني ... عصيتكما حتى أغيب في الترب # إذا كان ربي عالما بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي # وله يصف روضة: # في جنان كأنما نشرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء # أعين النرجس الجني نجوم ... واخضرار الرياض فيها سماء # للثرى تحتها سبات وللما ... ء خرير وللغصون غناء # وله: # فها أنا مغض في رضاك وصابر ... على مثل مصقول الذبابين قاضب # ومنتزح عما كرهت وجاعل ... رضاك مثالا بين عيني وحاجبي # وله: PageV01P006 كم فرحة كانت وكم ترحة ... تخرصتها لي فيك الظنون # إذا قلوب أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون # وله: # يصعد في الحشا نفسا ... ويسهر إن فتى نعسا # يظل يعالج الزفرا ... ت إن أغفى وإن جلسا # غذا بالشوق مهجته ... وعلل نفسه بعسى # محب صير الشكوى إلى جلسائه أنسا # وكان أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، يختم أماليه في مجالسه بمقطوع من ~~شعر ابن أبي أمية، استحسانا له واستعذابا لألفاظه، ويقرظه دائما ويصفه. # دير مديان # وهذا الدير على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشق من المحول الكبير ~~ويمر على العباسية، ويشق الكرخ، ويصب في دجلة، وكان قديما عامرا، والماء ~~فيه جاريا، ثم ms011 انطم وانقطعت جريته بالبثوق التي انفتحت في الفرات. # وهو دير حسن، نزه، حوله بساتين وعمارة، ويقصد للتنزه والشرب، ولا يخلو من ~~قاصد وطارق، وهو من البقاع الحسنة النزهة. وللحسين بن الضحاك، فيه: # حث المدام فإن الكأس مترعة ... مما يهيج دواعي الشوق أحيانا # إني طربت لرهبان مجاوبة ... بالقدس بعد هدو الليل رهبانا # فاستنفرت شجنا مني ذكرت به ... كرخ العراق وإخوانا وأشجانا # فقلت، والدمع في عيني مطرد ... والشوق يقدح في الأحشاء نيرانا: # يا دير مديان، لا عريت من سكن ... ما هجت من سقم يا دير مديانا # هل عند قسك من علم فيخبرني ... أن كيف يسعد وجه الصبر من بانا # سقيا ورعيا لكرخايا وساكنه ... بين الجنينة والروحاء من كانا # قال: كان أبو علي بن الرشيد، يلازم هذا الدير ويشرب فيه. وكان له قيان ~~يحملهن إليه، ويقيم به الأيام، لا يفتر عزفا وقصفا، وكان شديد التهتك ! ~~وكان من يجاور الموضع يشكون ما يلقونه منه. فانتهى الخبر إلى إسحق بن ~~إبراهيم الطاهري، وهو خليفة السلطان ببغداد. فوجه إليه يقبح له فعله، ~~وينهاه عن المعاودة لمثله. فقال: وأي يد لاسحق علي ؟ وأي أمر له في ؟ أتراه ~~يمنعني من سماع جواري، والشرب بحيث أشتهي ؟. فلما أتاه هذا القول منه أحفظه ~~وتمهل، حتى إذا كان الليل، ركب إلى الموضع، وأحاط به من جميع جهاته، وأمر ~~أن يفتح باب الدير، وينزل به على الحال التي هو عليها. فأنزل وهو سكران في ~~ثياب مصبغة، وقد تضمخ بالخلوق، فقال له: سوءة لك ! رجل من ولد الخلافة على ~~مثل هذه الحال ؟. ثم أر، ففرش بساط على باب الدير، وبطح عليه، وضربه عشرين ~~درة، وقال: أن أمير المؤمنين لم يولني خلافته حتى أضيع الأمور وأهملها، ولا ~~حتى أدعك وغيرك من أهل تعرونه وتفضحونه وتخرجون إلى ما خرجت إليه من التبذل ~~والشهرة وهتك الحرمة وإخراجهن إلى الديارات والحانات. وفي تأديبك صيانة ~~للخلافة، وردع لك ولغيرك عن هذه الفضيحة. ثم أمر بعماريات كانت معه، فأركب ~~فيها مع حرمه، ورده إلى داره. فبلغ ذلك المعتصم، فكتب ms012 إليه يصوب رأيه ~~وفعله، ويأمره أن لا يرخص لأحد من أهل بيته في مثله. PageV01P007 وأم أبي ~~على هذا، تعرف بشكل. وكان الرشيد قد اشتراها وصاحبة لها تعرف بشذر في يوم ~~واحد. فحملت شذر وولدت أم أبيها؛ فحسدتها شكل، وبلغ بها الحسد إلى أمر عظيم ~~من العداوة؛ حتى اشتهر ذلك. وحملت شكل وولدت أبا علي. وماتت أماهما؛ وبقيت ~~العداوة بين أبي علي وأم أبيها، حتى بلغ الأمر بها إلى أن تهاجيا بالأشعار، ~~وشاع أمرهما في جميع آل الرشيد ! فلما قتل الأمين، وورد المأمون إلى بغداد، ~~جلس يوما وعمه إبراهيم بن المهدي وأبو إسحق أخوه والعباس ابنه، وتذاكروا ~~العداوة التي بين هذين. فقال: لقد سمعت بخبر عداوتهما بخراسان، ولقد هممت ~~أن أصلح بينهما. ووجه فأحضر أم أبيها، وأقبل يعاتبها وهي مطرقة لا ترد ~~جوابا. ثم أمر بإحضار أبي علي. فلما رأته أم أبيها، تنقبت وسترت وجهها. ~~فقال المأمون: كنت مسفرة، فلما حضر أخوك تنقبت ؟ قالت: والله يا أمير ~~المؤمنين، لسفوري بين يدي عبد الله بن طاهر وعلي بن هشام أوجب من سفوري ~~لأبي علي ! فوالله، ما هو لي بأخ ولا للرشيد بابن ! وقد قال الله عز وجل في ~~قريش: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. قال ابن عباس: آمنهم من البرص ~~والجذام، وهو والله أبرص، وما هو إلا ابن فلان الفراش ! فأمر المأمون أخاه ~~أبا إسحق، فجلدها حدا. فقالت: سوءة يا أمير المؤمنين أن تحد أختك لابن ~~الفراش، وسننت على بنات الخلفاء الحد ! فوالله، لقد ظننت أن أمره يستتر، ~~فأما الآن فوالله ليتناقلنه الرواة وليتحدثن به إلى أن تقوم الساعة !. ~~ونهضت فقال المأمون: قاتلها الله ! فلو كانت رجلا لكانت أقعد بالخلافة من ~~كثير من الخلفاء ! وقد أبا علي الصلاة على جنائز أولاد الخلفاء ليدرأ عنه ~~العيب. # ونرجع إلى ذكر إسحق بن إبراهيم، ونورد طرفا من أخباره، في حزمه وضبطه، ~~بقدر ما يليق بالكتاب. # إسحق هذا، هو ابن أخي طاهر ابن الحسين، ويكنى أبا الحسن. وكان المأمون ~~اصطنعه وولاه خلافة عبد الله ms013 بن طاهر بحضرته لما أخرج عبد الله إلى خراسان، ~~وكان أشد الناس تقدما عنده واختصاصا به. # فذكر عبد الله بن خرداذبه، أنه حضر مجلس المأمون يوما، وقد عرض عليه أحمد ~~بن أبي خالد رقاعا، فيها رقعة قوم متظلمين من إسحق بن إبراهيم. فلما قرأها ~~المأمون، أخذ القلم وكتب على ظهرها: ما في هؤلاء الأوباش إلا كل طاعن واش ! ~~إسحق غربي بيدي، ومن غرسته أنجب ولم يخلف، لا أعدي عليه أحدا. ثم كتب إلى ~~إسحق رقعة، فيها: من مؤدب مشفق إلى حصيف متأدب. يا بني، من عز تواضع، ومن ~~قدر عفا، ومن راعى أنصف، ومن راقب حذر. وعاقبة الدالة غير محمودة، والمؤمن ~~كيس فطن. والسلام. # وولي إسحق للمأمون، ثم للمعتصم، ثم للواثق، ثم للمتوكل. ومات في أيام ~~المتوكل. فأقام محمدا ابنه مكانه، فلبث يسيرا ومات. فاستدعي محمد بن عبد ~~الله بن طاهر من خراسان، ورد إليه ما كان إلى إسحق. # وذكروا أن بعض ولد الرشيد وكان له موضع من النسب ومكان من المعرفة والأدب ~~مرض ببغداد مرضا طال، ولم يقدر على الركوب واشتهى التفرج والتنزه في الماء. ~~فأراد أن يبني زلالا يجلس فيه، فمنعه إسحق، وقال: هذا شيء لا نحب أن يعمل ~~مثله إلا بأمر أمير المؤمنين وإذنه. فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك، فخرج ~~الأمر إلى إسحق بإطلاقه له. فكتب إسحق: ورد علي كتاب من أمير المؤمنين ~~بإطلاق بناء زلال لم يحد لي طوله ولا عرضه، فوقفت أمره إلى أن استطلع الرأي ~~في ذلك. فكتب إليه يحمده على احتياطه، ويحد له ذرع الزلال. # قال: لما انتق المعتصم على سر من رأى، كان الناس في يوم الموكب يغشون دار ~~المأمون، ويقعدون فيها على سبيلهم في حياته إجلالا للسلطان وتعظيما لأمره. ~~فانصرف محمد بن إسحق في يوم من الأيام الحارة، وقد أطال الركوب. واجتاز ~~بدار المأمون، وقد فتل قلنسوته على رأسه مستترا بها من الشمس، فبلغ أباه ~~ذلك، فضربه معاقبا له على اجتيازه بباب الخليفة متبذلا! PageV01P008 وذكر ~~عبد الله بن خرداذبه، أنه ms014 خرج يوما من بين يدي المأمون في أثر إسحق بن ~~إبراهيم، حتى إذا صار إلى الدهليز الثاني، وقف ووقف القواد والناس لوقوفه ! ~~ثم قال: أين خليفة علي بن صالح ؟، وكان علي ذلك الوقت صاحب أمر الدار ~~والموسوم بالحجبة. فأتي بخليفته، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس !. ثم ~~قال: هاتوا خليفة صاحب البريد. فأتي به، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس ~~!. ثم دعا بعلي بن صالح وبصاحب البريد، وقال لهما: تقلدان خلافتكما في دار ~~الخليفة من يضيع الأمور ويهملها ؟ كنتما بهذا الأدب أحق من هذين !. فقالا: ~~وما كان من أمرهما الذي أنكرته، أيها الأمير ؟ فقال: صاحب بريد يقعد في دار ~~الخليفة، فيضحك ويقهقه، وصاحب الدار جالس لا ينكر ؟ ثم خرج ! قال: فكنت ~~أدخل الدار بعدها، فلا أرى فيها ضاحكا ! قال: ودخل إسحق في يوم نوروز إلى ~~المتوكل، والسماجة بين يديه. وعلى المتوكل ثوب وشي مثقل، وقد كثر أصحاب ~~السماجة حتى قربوا منه للقط الدراهم التي تنثر عليهم، وجذبوا ذيله ! فلما ~~رأى إسحق ذلك، ولى مغضبا، وهو يقول: أف وتف ! فما تغني حراستنا المملكه مع ~~هذا التضييع !. ورآه المتوكل وقد ولى، فقال: ويلكم ! ردوا أبا الحسين، فقد ~~خرج مغضبا ! فخرج الحجاب والخدم خلفه، فدخل وهو يسمع وصيفا وزرافة كل ~~مكروه، حتى وصل إلى المتوكل. فقال: ما أغضبك، ولم خرجت ؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، عساك تتوهم أن هذا الملك ليس له من الأعداء مثل ما له من ~~الأولياء ! تجلس في مجلس يبتذلك فيه مثل هؤلاء الكلاب تجذبوا ذيلك، وكل ~~واحد منهم متنكر بصورة منكرة، فما يؤمن أن يكون فيهم عدو قد احتسب نفسه ~~ديانة وله نية فاسدة وطوية ردية، فيثب بك ! فمتى كان يستقال هذا، ولو أخليت ~~الأرض منهم؟. فقال: يا أبا الحسين، لا تغضب ! فوالله لا تراني على مثلها ~~أبدا. وبني للمتوكل بعد ذلك مجلس مشرف، ينظر منه إلى السماجة. # وذكر موسى بن صالح بن شيخ، أنه كلم إسحق بن إبراهيم في امرأة من أهله، ~~وسأله النظر لها فقال: يا أبا محمد، ms015 من قصة هذه المرأة، ومن حالها، ومن ~~بعلها، قال: فوالله إن زال يصفها حتى تحيرت. # قال أبو البرق الشاعر: كان إسحق يجري علي أرزاقا، فأنشدته يوما، فسألني ~~عن عيالي، وما احتاج إليه لهم، ثم قال لي: تحتاج عيالك في كل شهر من الدقيق ~~كذا، ومن كذا كذا... فما زال يخبرني بشيء من أمر منزلي جهلته وعلمه هو ! ~~قال: وورد على إسحق كتاب من المعتصم، وهو جالس يشرب، ومعه محمد بن راشد ~~الخناق، وكان خصيصا به أثيرا عنده. فما فرغ من قراءة الكتاب حتى قال: سياط ~~وعقابين وجلادين ! فأحضر ذلك. فأمر بمحمد بن راشد، فأقيم من مجلسه وشق عنه ~~ونصب في العقابين، وهو يقول: أيها الأمير، ما حالي ؟ ما قصتي ؟. فقال: الحق ~~الجوهر الذي كان لفلان، من صفته كيت وكيت، تحضرنيه الساعة، وإلا أتيت على ~~نفسك !. فذهب يتلكأ فقال: أوجعوا ! فلما أحس بالضرب، قال: أنا أحضره أيها ~~الأمير. قال: وحق أمير المؤمنين، لا برحت مكانك أو تحضره!. فأحضره لوقته. ~~فلما رآه إسحق، سري عنه وأسفر وجهه وقال: هاتوا ثيابا، فأتي بخلعة، ~~فألبسها. ورده إلى موضعه. وأجاب عن الكتاب، وأنفذ الحق لوقته إلى المعتصم. ~~فقال محمد: أيها الأمير، ما أبعد ما بين الفعلين ؟. فقال: ويحك ! وفيت ~~الخدمة والنصيحة، ووفيت المودة بعد ذلك حقها. # وذكر أبو حشيشة الطنبوري، قال: كنت يوما في منزلي، إذ طرق الباب صاحب ~~بريد، وقال: أجب ! فلما قال أجب، علمت أنه أمر عال. فلبست ثيابي، ومضيت معه ~~حتى دخلنا دار إسحق بن إبراهيم. فعدل بي إلى ممر طويل فيه حجر متقابلة، ~~تفوح من جميعها روائح الطعام. فأدخلت حجرة منها، وقدم إلي طعام في نهاية ~~النظافة وطيب الرائحة، فأكلت. وجاؤوني بثلاثة أرطال، فشربت. وأحضروا لي ~~صندوقا فيه طنابير، فاخترت طنبورا منها، وأصلحته على الطريقة، وأخرجت من ~~الموضع إلى حجرة لم أر أحسن منها. وإذا في مجلسها رجلان جالسان، على أحدهما ~~قباء ملحم وقلنسوة سمورية، وعلى الآخر ثياب خز؛ وستارة مضروبة فيه. فسلمت ~~وأمرت بالجلوس، فجلست. فقال لي صاحب السمورية: غن ms016 ! فغنيت: # ما أراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران # ملني واثقا بحسن وفائي ... ما أضر الوفاء بالانسان PageV01P009 فغنيته، ~~فشرب رطلا، ونقر الستارة وقال: غنوه ! فغني الصوت أحسن غناء في الدنيا، ~~وخلت أن البيت يرقص ! فقال لي: كيف ترى ؟ قلت: قد والله، يا مولاي، بغضوا ~~إلي هذا الصوت وسمجوه في عيني. فضحك واستعادنيه ثلاث دفعات، يشرب في كل ~~دفعة منها رطلا. ثم قال: أتعرفني ؟ قلت: لا ! قال: أنا إسحق بن إبراهيم، ~~وهذا محمد بن راشد الخناق. ووالله، لئن ظهر حديث هذا المجلس منك، لأضربنك ~~ثلثمائة سوط ! قم إذا شئت ! فقمت من بين يديه، فلحقني الغلام بصرة فيها ~~ثلثمائة دينار، فاجتهدت أن يأخذ منها شيئا، فأبى ! وذكر عمرو بن بانة، قال: ~~وجه إلي إسحق بن إبراهيم في آخر النهار، فصرت إلى داره وأدخلت عليه، وهو ~~جالس في طارمة ملبسة بالخز، على دجلة، وقد انبسط القمر على الروشن وعلى ~~دجلة، وهو من أحسن منظر رأيت قط ! والمعينون جميعا بين يديه، وبذل جالسة ~~وراء مقطع في الطارمة. فلم يزل جالسا بموضعه، ونحن في يديه، إلى أن نودي ~~بالفجر فقام وقمنا. وقال لنا الغلمان: انصرفوا ! فنزلنا إلى الشط، ودعونا ~~بسميرية، فجلسنا جميعا، وقلت لهم: إن منزلي أقرب من منازلكم، فاجعلوا ~~مقامكم اليوم عندي، ففعلوا. وحصلنا في المنزل، فطلبت فيه شيئا يؤكل، فلم ~~أجد ! فأمرت بإحضار المائدة، فأحضرت فارغة، وطرحت في وسطها مائة درهم صحاحا ~~وقلت: يوجه كل واحد منكم، فيشتري له ما يريد. فما كان بأسرع من أن امتلأت ~~بكل شيء ! فأكلنا وشربنا، ومر لنا يوم طيب، وتفرقنا آخر النهار، وفي قلوبنا ~~غصص مما فعله بنا إسحق، وما فاتنا من تلك الليلة الحسنة في ذلك الموضع ~~الحسن ! فمضيت بعد ذلك إلى بذل، وسألتها عن السبب فيما فعله، فقالت: قد ~~سألته عن ذلك، فقال: ويحك ! أنا أشتهي الشرب في مثل هذه الليلة منذ سنة، ~~وأدافع نفسي به، فلما حصل لي جميع ما أريده وأشتهيه، أردت أن أري نفسي ~~سلطاني عليها وقهري لها ومنعها ms017 مما تحبه، لئلا تقودني إلى ما تريد، ففعلت ~~ما رأيت. # وكان مع ذلك حسن المروءة، كريم النفس. فذكر أبو حشيشة، قال: دعاني في بعض ~~الأيام، فصرت إليه وجلست أغنيه، وعليه دراعة خز خضراء لم أر أحسن منها قط. ~~فجعلت أنظر إليها، وفطن بنظري، فدعا بالخازن وقال: كانوا جاؤونا منذ أيام ~~بعشرة أثواب خز خضر، هذا أحدها، فجئني ببقيتها. فأحضر تسعة أثواب، يتجاوز ~~حسنها كل وصف، فأعطانيها، فبعت من رذالها الثوب بمائة دينار ! وقال: طرق ~~أحمد بن يوسف الكاتب، إسحق بن إبراهيم، فقدم إليه كل شيء حسن من الأطعمة ~~والآلة، وضربت الستائر، وأحضرت الفواكه والنبيذ، ومر يوم لم يكن مثله. ثم ~~سأل أحمد أن يكون عنده من الغد، فقال أحمد: يفوتني الصيد. فأحضر جارية ~~وغلاما وفرسا لم ير أحسن منهم، وقال: هذا صيدك غدا. ثم تصنع له من الغد، ~~فرأى أحمد شيئا لم ير مثله قط. # وقال له إسحق: أمس كان فتوة، واليوم مروة. # وكان المأمون يصير إلى داره، فيقيم عنده الأيام هو وغلمانه وحشمه أنسا به ~~وثقة بمكانه. # واجتازت يوما زبيدة في دجلة في حراقتها، فصعدت إلى دار إسحق لبعض حاجتها، ~~فعرض عليها إسحق الطعام، فأمرت بإحضاره، فعجبت مما رأت ومما قدم. وقالت: ~~والله ما كانت بي حاجة إليه، وإنما أردت أن أختبر مروءته، فوجدته أتم الناس ~~مروءة، هذا من غير تصنع لي ولا علم بمجيئي. # دير أشموني # وأشموني، امرأة بني الدير على اسمها، ودفنت فيه. وهو بقطربل، غربي دجلة. ~~وعيده اليوم الثالث من تشرين الأول، وهو من الأيام العظيمة ببغداد، يجتمع ~~أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب واللعب ~~إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ومنهم في الزبازب والسميريات، كل إنسان ~~بحسب قدرته. ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيهم، ويباهون بما يعدونه ~~لقصفهم، ويعمرون شطه وأكنافه وديره وحاناته. ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم ~~والفساطيط، وتعزف عليهم القيان. فيظل كل إنسان منهم مشغولا بأمره، ومكبا ~~على لهوه؛ فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه ! وهناك أيضا ms018 دير يسمى دير ~~الجرجوث وحوله بساتين ومزارع، ومن ضاق به دير أشموني، عدل إليه. ~~PageV01P010 قال جحظة: خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل، فلما وصلت ~~إلى الشط، مددت عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه، أو قوما ظرافا أنزل ~~عليهم، فرأيت فتيين من أحسن الناس وجوها وأنظفهم لباسا، وأطرفهم آلة ! ~~فقدمت سميريتي نحوهما، وقلت: أتأذنون في الصعود إليكم ؟ فقالوا: بالرحب ~~والسعة ! فصعدت وقلت: يا غلام، طنبوري ونبيذي ! فقالا: أما الطنبور فنعم، ~~وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس أخلاقا وأملحهم عشرة. وأخذنا في ~~أمرنا. ثم تناولت الطنبور، وغنيت بشعر لي: # سقيا لأشموني ولذاتها ... والعيش فيما بين جناتها # سقيا لأيام مضت لي بها ... ما بين شطيها وحاناتها # إذا اصطباحي في بساتينها ... وإذ غبوقي في دياراتها # فنعر القوم، وشربوا بالأرطال وشربت، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار. # ثم قلت لأحدهما: جعلت فداك، ما أرى في هذا الجمع أرق منكما طبعا، ولا أرق ~~نبيذا. فقال لي مجيبا: # شرابي رقيق كما قد رأي ... ت، ود بسهم بذباب يساط # وأشار إلى القوم، ثم قال: # فكيف أكون نظيرا لهم ... أين لي بعقلك أم ذا ضراط # ثم قال: أزيدك ؟ قلت: لا. ومر لنا أطيب يوم وأحسنه ! قال محمد بن المؤمل ~~الطائي: كنت مع أبي العتاهية في سميرية، ونحن سائرون إلى أشموني. فسمع غناء ~~من بعض النواحي، فاستحسنه وطرب له. فقال لي: تحسن ترقص ؟ قلت: نعم ! فقال: ~~قم بنا نرقص. قلت: نحن في سميرية، وأخاف أن نغرق ! قال: وإن غرقنا نكون ~~ماذا ؟ أليس نكون شهداء الطرب ؟ وللثرواني، فيه: # إشرب على قرع النواقيس ... في دير أشموني بتغليس # لا تخف كأس الشرب، والليل في ... حد نعيم لا ولا بوس # إلا على قرع النواقيس ... أو صوت قسان وتشميس # فإنما الشيء بأسبابه ... ومحكم الوصف بتأسيس # فهكذا فاشرب، وإلا فكن ... مجاورا بعض النواويس # قال: كتب يحيى بن كامل إلى عبد الملك بن محمد الهاشمي في يوم أشموني: # اليوم أشموني أبا الفضل ... وهو عجيب طيب الظل # وأنت لليوم صريع فما ... يصنع يحيى يا أبا ms019 الفضل # فوجه إليه بما ركبه، وعرف الجماش الخبر، فكتب إليه: # قولا لعبد الملك الماهر ... ولابن عم المصطفى الطاهر # أما ترى اليوم، وأحواله ... تدعو إلى حثك بالدائر # عيد وغيم زار في يومنا، ... فقم بحق العيد والزائر # واليوم أشموني، فبادر بنا، ... تحثها في يومها الزاهر # حبوت يحيى ثم أغفلتني ... أحلت عن جماشك الشاعر # فوجه إليه وأحضره. ومر لهم يوم طيب. # ولأبي الشبل البرجمي، فيه: # شهدت مواطن اللذات طرا ... وجبت بقاعها بحرا وبرا # فلم أر مثل أشموني محلا ... ألذ لحاضريه ولا أسرا # به جيشان من خيل وسفن ... أناخا في ذراه واستقرا # كأنهما زحوف وغى ولكن ... إلى اللذات ماكرا وفرا # سلاحهما القواقز والقناني ... وأكواس تدور هلم جرا # وضربهما المثالث والمثاني ... إذا ما الضرب في الحرب استحرا # وأسرهما ظباء الدير طوعا ... إذا أسد الحروب أسرن قسرا # لقد جرت لنا الهيجاء خيرا ... إذا ما جرت الهيجاء شرا # وكان أبو الشبل هذا من الطياب، وله شعر مليح، وطبع رقيق. وكان منعكفا على ~~الشرب لا يفارقه ولا يوجد إلا سكران. وكان يتطرح في الديارات والحانات ~~ومواطن اللهو، لا يغبها ولا يتأخر عنها. # وكان بينه وبين محمود الوراق مودة، وكانا لا يفترقان. وذكر أبو الشبل، ~~قال: صرت أنا ومحمود إلى قطربل، فدعونا الخمار، فقلنا: ايتنا ببنت عشر قد ~~أنضجها الهجير. فجاءنا بها. فقلنا: اسقنا ! فسقانا. فقلنا: اشرب واسقنا ! ~~فقال: أنا مسلم، وكان يهوديا قد أسلم. فقال لي محمود: قوم يكون الخمار ~~عندهم مسلما متحرجا، وهم عند الخمار كفار، أترى لله فيهم حاجة؟. ~~PageV01P011 قال: كان أبو الشبل يعابث خنساء قينة هشام الضرير النحوي، ~~وكانت تقول الشعر؛ فعبث بها يوما وأفرط، فغضبت وقالت: ليت شعري، بأي شيء ~~تدل ؟ أنا والله أشعر منك ! ولئن شئت لأهجونك حتى أفضحك ! فأقبل عليها، ~~وقال: # خنساء قد أفرطت علينا ... فليس منها لنا مجير # تاهت بأشعارها علينا ... كأنما ناكها جرير # فخجلت حتى بان ذلك عليها وانقطعت عن جوابه. # ولأبي الشبل في جارية سوداء كان يهواها، فعوتب عليها، وكان مولعا ~~بالسودان: # غدت بطول الملام عاذلة ... تعذلني في السواد ms020 والدعج # ويحك، كيف السلو عن غرر ... مقيرات الوجوه كالسبج # يحملن بين الأفخاذ أسنمة ... تطير أوبارها من الوهج # لا عذب الله مؤمنا بهم ... غيري، ولا حان منهم فرجي # فإنني بالسواد مبتهج ... ولست بالبيض جد مبتهج # وله في جارية كان يحبها اسمها تبر: # لم تنصفي يا سمية الذهب ... تتلف نفسي وأنت في لعب # يا بنت عم المسك الذكي ومن ... لولاك يجتب ولم يطب # ناسبك المسك في السواد وفي الطي ... ب، فأكرم بذاك من نسب # دير سابر # وهذا الدير ببزوغى، وهي بين المزرفة والصالحية، في الجانب الغربي من ~~دجلة. وهي عامرة، نزهة، كثيرة البساتين والفواكه والكروم والحانات ~~والخمارين، معمورة بأهل التطرب والشرب، وهي موطن من مواطن الخلعاء. # والدير حسن، عامر، لا يخلو من متنزه فيه ومتطرب إليه. # وللحسين بن الضحاك، فيه: # وعواتق باشرت بين حدائق ... ففضضتهن وقد حسن صحاحا # أتبعت وخزة تلك وخزة هذه ... حتى شربت دماءهن جراحا # أبرزتهن من الخدور حواسرا ... وتركت صون حريمهن مباحا # في دير سابر والصباح يلوح لي ... فجمعت بدرا والصباح وراحا # فاذهب بظنك كيف شئت، فكله ... مما اقترفت تغطرسا وجماحا # وكان الحسين بن الضحاك، من الأدباء الشعراء وأهل الخلاعة والمجون، ~~وبالخليع يعرف. ونادم جماعة من خلفاء بني العباس، منهم: الأمين، والمعتصم، ~~والواثق، والمتوكل. فأما المأمون، فإنه لم يدخل إليه ولم يختلط به، وذاك ~~أنه رثى الأمين، فقال فيه: # هلا بقيت لسد فاقتنا ... فينا وكان لغيرك التلف # قد كان فيك لمن مضى خلف ... فاليوم أعوز بعدك الخلف # فلما ورد المأمون من خراسان إلى بغداد، أمر بأن تثبت له أسماء من يصلح ~~لمنادمته من أهل الأدب، فأثبت له قوم ذكر فيهم الحسين بن الضحاك وكان من ~~جلساء محمد المخلوع، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين فقال: أليس القائل ~~في محمد: وكان لغيرك التلف ؟ والله، لا حاجة لي فيه ولا رأى وجهي إلا على ~~قارعة الطريق ! فلم يحظ طول أيام المأمون بشيء ! وكان وقت خدمته المتوكل، ~~ضعف كبرا، فكتب إليه يستعفيه من الخدمة، فقال: # أسلفت أسلافك فيما مضى ... من خدمتي ms021 إحدى وستينا # كنت ابن عشرين وخمس فقد ... وفيت بضعا وثمانينا # إني لمعروف بضعف القوى ... وإن تجلدت أحايينا # وإن تحملت على كبرتي ... خدمة أبناء الثلاثينا # هدت قواي ووهت أعظمي ... وصرت في العلة عزونا # وخفت أن يعجل بي معجل ... إلى التي تعيي المداوينا # عزون هذا الذي ذكره، نديم كان للمعتصم، ثم نادم المتوكل. # وذكر عزون هذا، قال: كمنا مع المعتصم في بعض متنزهاته. فاحتجنا أن نخوض ~~نهرا، وكان معنا حسين بن الضحاك، فكاد أن يغرق. فقبض المعتصم على عضه، ~~وحمله من السرج حتى عبر به النهر إشفاقا عليه. # وكان الحسين مستهترا بالخدم جدا، ولم يقصر عن ذاك حتى مات. # قال المتوكل: أنشدني حسين قوله: # فلو شئت تيسرت ... كما سميت يا يسر # ولا والله لا تبر ... ح أو ينصرم الأمر # فأما المنع والذم ... وإما البذل والشكر # فدعني من مواعيد ... ك إذ حينك الدهر # فقل: أيهما كان ... فقال البذل والشكر PageV01P012 قال أبو عبد الله بن ~~حمدون: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه، وفيها تماثيل من ~~عنبر. وكان شفيع الخادم واقفا، وعليه أقبية موردة ورداء مورد، وهو فيها من ~~أحسن الناس وجه. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعة قطعة من ذلك العنبر، ~~ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده فيفعل ذلك. وكان آخر ما دفع إليه وردة ~~حمراء حياه بها، فأنشأ يقول: # وكالوردة البيضاء حيا بأحمر ... من الورد يسعى في غلائل كالورد # له عبثات عند كل تحية ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد # تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد # سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد # فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أمنيتك. # وكان حسين ينادم صالح بن الرشيد، فشرب معه مرة في متنزه بباري، وهي من ~~أعمال كلواذا. وكان له هناك بستان حسن جليل وسوره باق إلى الآن وآثاره. ~~وقال يصف البستان وصبوحهم فيه، وهي من مليح شعره: # أما ناجاك بالنظر الفصيح ... وإن إليك من قلب قريح ؟ # فليتك حين تهجره ms022 ضرارا ... مننت عليه بالقتل المريح # بحسنك كان أول حسن ظني ... أما ينهاك حسنك عن قبيح ؟ # وما ينفك متهما لنصحي ... بنفسي نفس متهم نصيح # أحب الفيء من نخلات باري ... وجوسقها المشيد بالصفيح # ويعجبني تناوح أيكتيها ... إلي بريح حوذان وشيح # ولن أنسى مصارع للسكارى ... ونادبة الحمام على الطلوح # وكأس في يمين عقيد ملك ... تزين صفاته غرر المديح # صريح مدامة هويت صريحا ... وهل تزري الصريحة بالصريح # ألا يا عمرو، هل لك في الصبوح ... هلم إلى صفية كل روح # فقام على تخاذل مقلتيه ... وسلسل بالسنيح وبالبريح # وأتبع سكرة سلفت بأخرى ... وخلى الصحو للحز الشحيح # وذكر عمرو بن بانة، قال: كنا عند صالح بن الرشيد في بستانه هذا، ومعنا ~~الحسين بن الضحاك، وحولنا من النرجس أمر عظيم، وقد طلع القمر على الشجر ~~والنور، ووقتنا من أحسن وقت رئي، وخادم لصالح كان يحبه يسقيه. فقال للحسين: ~~قل في مجلسنا هذا شيئا يتغنى به ابن بانة وأشار إلى الخادم، فقال: # وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا # وإذا ما تنفس النرجس الغ ... ض توهمته نسيم نشاكا # خدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا وبهجة ذاكا # لأدومن ما حييت على الود ... لهذا وذاك إذ حكياكا # قال عمرو: فغنيت فيه. ومر لنا أطيب وقت وأحسنه ! قال الحسين بن الضحاك: ~~كنت جالسا في داري يوم وشك، وقد أفطر المأمون، وأمر الناس بالافطار. ~~فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء، يقول فيها: # هززتك للصبوح وقد نهاني ... أمير المؤمنين عن الصيام # وعندي من بنات الكرخ عشر ... تطيب بها مصافحة المدام # ومن أمثالهن إذا انتشينا ... نرانا نجتني ثمر الحرام # فكنت أنت الجواب، فليس شيء ... أحب إلي من حذف الكلام # فوردت علي رقعته، وقد أرسل إلي محمد بن الحرث بن بسخنر غلاما له، نظيف ~~الوجه كان يتحظاه، ومعه ثلاثة غلمان أقران حسان الوجوه، ورقعة منشورة قد ~~ختم أسفلها مثل المناشير، فيها: # سر على اسم الله يا أح ... سن من غصن لجين # في ثلاث من بني الرو ... م إلى دار حسين # أشخص الكهل إلى ms023 مو ... لاك يا قرة عيني # أره العنف إن استع ... صى وطالبه بدين # ودع اللفظ وخاطب ... ه بغمز الحاجبين # واحذر الرجعة من وج ... هك في خفي حنين # فمضيت مع غلام بن الحرث، وتركت المضي إلى الحسن. # دير قوطا PageV01P013 وهذا الدير بالبردان، على شاطىء دجلة. وبين البردان ~~وبغداد بساتين متصلة ومتنزهات متتابعة. منها إلى بلشكر، ثم إلى المحمدية، ~~ثم إلى الطولوني الصغير، ثم إلى الطولوني الكبير، ثم إلى البردان. كل ذلك ~~بساتين وكروم وشجر ونخل. # والبردان، من المواضع الحسنة، والبقاع النزهة والأماكن الموصوفة. وهي ~~كثيرة الطراق والمتنزهين. # وهذا الدير بها. وهو يجمع أحوالا كثيرة، منها: عمارة البلد، وكثرة ~~فواكهه، ووجود جميع ما يحتاج إليه فيه؛ ومنها أن الشراب هناك مبذول، ~~والحانات كثيرة؛ ومنها أن في هذا الموضع ما يطلبه أهل البطالة والخلاعة من ~~الوجوه الحسان، والبقاع الطيبة النزهة، فليس يكاد يخلو. # ولعبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، فيه: # يا دير قوطا، لقد هيجت لي طربا ... أزاح عن قلبي الأحزان والكربا # كم ليلة فيك واصلت السرور بها ... لما وصلت لها الأدوار والنخبا # في فتية بذلوا في القصف ما ملكوا ... وانفقوا في التصابي المال والنشبا # وشادن ما رأت عيني له شبها ... في الناس، لا عجما منهم ولا عربا # إذا بدا مقبلا، ناديت: واطربا ! ... وإن مضى معرضا، ناديت: واحربا ! # أقمت بالدير حتى صار لي وطنا ... من أجله، ولبست المسح والصلبا # وصار شماسه لي صاحبا وأخا ... وصار قسيسه لي والدا وأبا # ظبي، لواحظه في العاشقين ظبى ... فمن دنا منه مغترا، بها ضربا # إن سمته الوصل أبدى جفوة ونبا ... أو سمته العطف ولى معرضا وأبى # وإن شكوت إليه طول هجرته ... وما ألاقيه من إبعاده قطبا # والله، لو سامني نفسي سمحت بها ... وما بخلت عليه بالذي طلبا # وكان عبد الله هذا، من الأدباء الظرفاء، وكان صاحب غزل ومجون، كثير ~~التطرح في الديارات والحانات، والاتباع لأهل اللهو والخلاعة ! وله شعر مليح ~~يغنى فيه ويتغنى هو أيضا فيه وفي غيره. # وقال له محمد بن عبد الملك الزيات يوما: ms024 أنشدني من شعرك. قال: وما قدر ~~شعري، أيها الوزير ؟ قال: ألست الذي يقول: # وشادن رام، إذ مر ... في الشعانين، قتلي # يقول لي: كيف أصبح ... ت ؟ كيف يصبح مثلي ؟ # من يقول هذا، يقول ما مقدار شعري ؟ قال: وكان عبد الله تعشق عساليج، ~~جارية عمته رقية، فقالت له بذل الكبيرة: أرني عساليج، فإما عذرتك وإما ~~عذلتك ! قال: فدعاها إلى منزله، وحضرت بذل، فابتدت عساليج، فغنت: # أأن خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلون إدلال المقيم على العهد # صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله ... وإلا، فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد # فأتت فيه بكل شيء حسن. فقال لبذل: كيف ترين يا ستي ؟ فقطعت عساليج ~~الغناء، وقالت: يا عبد الله، تشاور في ؟ فوالله ما شاورت فيك حين وددتك ! ~~فنعرت بذل وقالت: ايه ! أحسنت والله يا صبية ! ولو لم تحسني شيئا ولا كانت ~~فيك خصلة تحمد، لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة؛ أحسنت والله ؟ ثم قالت: أحسنت ~~والله يا عبد الله، عذرتك ! ومن شعر عبد الله: # اسقني الراح، قد خلعت العذارا ... وتحملت فيك قالا وقيلا # اسقني طارد الهموم ولا تم ... زج منه الغداة إلا قليلا # ومن شعره: # يا حبذا يومي بالدالية ... نشربها قفصية صافيه # مع كل قرم متلف ماله ... لم تبق في الدنيا له باقيه # فخذ من الدنيا ولذاتها ... فإنما نحن بها عاريه # قال: وكتب عبد الله إلى صديق له يدعوه: جعلت فداك، أنا وقلم، وأنت أعلم ! ~~وكان عبد الله يعشق جارية نصرانية ويهيم بها. فله فيها: # فتنتنا صورة في بيعة ... فتن الله الذي صورها # زادها الناقش في تحسينها ... أنه إذ صاغها نصرها # وله فيه لحن. # وكانت مصابيح، جارية الأحدب المقين، تغني بهذا الصوت، وتغني في كثير من ~~شعره. وكانت أروى الناس له وأعرفهم بغنائه. وكانت موصوفة بالحسن والاحسان. ~~وكان عبد الله يهواها. # ومما غنت فيه من شعر عبد الله: PageV01P014 ألا اصبحاني يوم الشعانين ... ~~من قهوة عتقت بكركين # عند أناس قلبي بهم كلف ... وإن تولوا دينا سوى ديني # ولعبد الله في مصابيح، وكان قال هذا الشعر وغنى فيه وهي ms025 حاضرة، فأخذته ~~عنه، وغنت فيه أيضا متيم الهشامية. # إني عشقت عدوة ... فسقى الاله عدوتي # وفديتها بأقاربي ... وبأسرتي وبجيرتي # جدلت كجدل الخيزرا ... ن وثنيت فتثنت # واستيقنت أن الفؤا ... د يحبها فأدلت # قال: وغاضب مصابيح عبد الله بن العباس في شيء بلغها عنه. فرام أن ~~يترضاها، فأبت. فكتب إليها رقعة، يحلف فيها أنه ما أتى شيئا مما أنكرته، ~~ويدعو على من ظلم. فلم تجبه عن شيء مما كتبه، ووقعت تحت الدعاء: على ~~الظالم. آمين ولم تزد على ذلك. فكتب إليها: # أما سروري بالجوا ... ب فليس يفنى ما بقينا # وأسر حرف فيه لي ... آمين رب العالمينا # ومن شعره: # ذهب في ذهب را ... ح به غصن لجين # فأتت قرة عين ... بيدي قرة عين # قمر يحمل شمسا ... مرحبا بالنييرين # الفا سكرين الفي ... ن معا مؤتلفين # لا جرى بيني ولا بي ... نهما طائر بين # بل غنينا ما بقينا ... أبدا معتنقين # في صبوح وغبوق ... لم نبع نقدا بدين # دير مرجرجس # هذا الدير بالمزرفة. وهو أحد الديارات والمواضع المقصودة. والمتنزهون من ~~أهل بغداد يخرجون إليه دائما في السميريات، لقربه وطيبه. وهو على شاطىء ~~دجلة. والعروب بين يديه، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له. وكل ما ~~يحتاج إليه المتنزهون فحاضر فيه. # والمزرفة، من أحسن البلاد عمارة، وأطيبها بقعة، وبها من البساتين ما ليس ~~ببلد من البلدان. # ولأبي جفنة القرشي فيه، وكان من الخلعاء ومدمني الشرب والمتطرحين في ~~الديارات والحانات. ولم يكن يخلو من غلمان مرد، بعضهم يخدمه، وبعضهم يغنيه: # ترنم الطير بعد عجمته ... وانحسر البرد في أزمته # وأقبل الورد والبهار إلى ... زمان قصف يمشي برمته # ما أطيب الوصل إن نجوت فما ... يلسعني هجره بحمته # ومثل لون النجيع صافية ... تذهب بالمرء فوق همته # نازعتها من سداؤه أبدا ... في العشق والفسق مثل لحمته # في دير مرجرجس وقد نفح ال ... فجر علينا أرواح زهرته # أريد منه وليس يمنعني ... من ذلك الشيء غير حشمته # وفي بميعاده وزورته ... وكنت أوفى له بذمته # ومن مليح شعره: # ومعرس طلب الصبوح وإنني ... لفتى يوافقني الصبوح بكورا # وقرعت ms026 صافية بماء سحابة ... فنتجن حين قرعتهن سرورا # فشربت ثم سقيته فكأنما ... سبسبت فوق لهاته كافورا # وفتى يدير عليك في طرباته ... خمرا تولد في العظام فتورا # وإذا رشفت شفتيك رضابها ... كتب العقار بحسن وجهك نورا # ما زلت أشربها وأسقي صاحبي ... حتى رأيت لسانه مكسورا # مما تخيرت التجار ببابل ... أو ما تعتقه اليهود بسورا # وله: # ومزور وجه لم ير الناس مثله ... أدرت عليه الكأس لما تغضبا # يؤاخذني إن رمت في الخد قبلة ... ويعرض عني كلما قلت: مرحبا # ولولا الذي يرتج تحت إزاره ... لألسعته مني، إذ صد، عقربا # أدرت عليه قهوة بابلية ... تريك حمياها على الكاس كوكبا # إذا شجها الساقي بماء تدرعت ... على المزج سربالا من الدر مذهبا # وللنميري، فيه: # نزلت بمرماجرجس خير منزل ... ذكرت به أيام لهو مضين لي # تكنفنا فيه السرور وحفنا ... فمن أسفل يأتي السرور ومن عل PageV01P015 ~~وسالمت الأيام فيه وساعفت ... وصارت صروف الحادثات بمعزل # يدير علينا الكأس ظبي مقرطق ... يحث بها كأساتها ليس يأتلي # فيا عيش ما أصفى، ويا لهو دم لنا، ... ويا وافد اللذات حييت فانزل # وهو أبو الطيب، محمد بن القاسم النميري. وكان من أهل الأدب والفضل، مليح ~~الشعر، رقيق الطبع. وكانت له حال ونعمة. وكان يكثر الشرب في الديارات ~~والحانات، ويلذ له ذلك. # وكان عبد الله بن المعتز، يأنس به ولا يفارقه، وكانت تجري بينهما مكاتبات ~~ومناقضات في الشعر ومداعبات طيبة. ونحن نذكر منها: قال عبد الله بن المعتز: ~~كتب إلي النميري يوما، وقد دعوته: # رأيتك تدعوني إلى الشرب معتما ... وتقطع عني الشرب والليل ممتع # فأما شربت الراح ليلك كله ... وإما شربت الراح والشمس تلمع # فأيهما آثرت وفيت حقه ... وذاك الذي تهواه شرب مخلع # قال: وكتبت إليه في يوم عيد، ولم يكن جاءني ذلك اليوم: # بأبي، هلا حلا بعينك شيء ... هو أسلاك، يا خليلي، بعدي # طعم كأسي مر، إذا لم تزرني ... وهو حلو، إذا رأيتك عندي # فكتب إلي: # سيدي أنت لم تردني فماذا ... حيلتي إذ بليت منك بصد # يعلم الله ما أقاسيه من شو ... قي ومن ms027 حسرتي وغمي ببعدي # قال عبد الله، وكتبت إليه مرة أدعوه، فكتب إلي: عندي قوم، ولعلي أتخلص ~~منهم. وعلق الوعد. فكتبت إليه: # يا من يسوف وعدي ... لو شئت جئت بمره # فاسقط علينا سقوطا ... ولا ترفرف لغدره # فإن ضبطت بساقي ... ك بعد هذي المره # لأحبسنك عندي ... على أذى ومضره # قال عبد الله: وكتب إلي النميري في آخر شعبان: # يا أبا العباس، قد ش ... مر شعبان إزاره # ومضى يسعى فما يل ... حق إنسان غباره # فاغد نشرب صفوة الد ... ن ونسلبه وقاره # وإذا ما ذكر العق ... ل شربنا يا دكاره # قال: وكتب إلي، وقد تأخر اجتماعنا: # بكم الموت في الجماعة خير ... من حياة في وحشة وانفراد # عرفوني اجتماعهم يومهم ذا ... واستبدوا علي في الميعاد # والحريري رأسهم وبحسبي ... بالحريري رأس كل فساد # إن رأى قينة تحرك للعش ... ق وأرخى جناحه للسفاد # وتصدى لها وحرك عطفي ... ه وراقت لشهوة الأولاد # فاعتذرت إليه، وسألته المصير إلينا، فجاءنا. # قال عبد الله: وكتب إلي: # إذا غبت لم أطلب، وإن جئت لم أصل ... وللعتب أولى بي ولست بعاتب # سأصبر للشوق المبرح كارها ... وأرقب يوما صالحا في العواقب # وما كل من صاحبته مثل قاسم ... فقسه وفكر في سبيل الذواهب # قال وكتب إلي في يوم خميس صمته: # أبا العباس يا خير الأنام ... تصوم، وليس ذا يوم الصيام # فهل لك في مدام أخ ظريف ... يساعد في الحلال وفي الحرام ؟ # قال: كتب إلي النميري، يستبطىء رسولي ويعتذر من تأخره عني ويذكر أنه ~~اشتغل بعمارة بستانه. فأجبته: أما ما ذكرت من تأخر رسولي عنك للسؤال عن ~~خبرك في هذه الأيام والتفقد لك، فإني رأيتك قلبت قول القائل: خذ اللص من ~~قبل أن يأخذك ! وإلا، فما قصرت في السؤال عنك والبعثة إليك. ولكن ما أقول ~~لمن نكس عليله فلم يعده ؟ واشتاق إليه فم يزره ؟ مشتغلا بطروق الحانات ~~والديارات، وركوب الزلالات، ومغازلة القيان، ومعاقرة ابنة الدنان، جامعا ~~بين طرفي نهاره بغبوق لا يهدأ سامره، وصبوح لا يفتر باكره، في عسكري لهو: ~~واحد يخبط الماء بمجاذيفه، وآخر يقرع ms028 الأرض بخببه ووجيفه. وسألت عن خبري في ~~هذه الأمطار، فما عسيت أن أقول في المنة الواجب لله تعالى الشكر عليها، إذ ~~تخطتنا بعد أن سلت سيفها وخفنا حيفها. # قال عبد الله: وكتب إلي النميري: # أمير كنت أرجوه لدهري ... إذا ما ناب بالخطب الجليل PageV01P016 مرضت، ~~فلم يعدني من سقامي ... وتاه عن العيادة والرسول # وما بي حاجة تدعو إلى ما ... أذل به لذي النبل المنيل # ولا لمتوج بالملك يزهى ... إذا ما كنت أقنع بالقليل # فكتبت إليه رقعة، في أخرها: # في كل يوم طاعة وعصيان ... وملل وملق وهجران # خلائق كأنهم غيلان # قال: ودعوته ليوم أسميته، فتأخر رسولي عنه، فكتب إلي: # دعوتنا وبدا لك ... نك في استه من وفى لك # قال: وكتب إلي النميري: # برح بي الشوق إلى الشرب ... مع سيد يهرب من قربي # ولم أكن أعهده جافيا ... فصار يجفوني بلا ذنب # والله، ما أعرف لي عنده ... ذنبا، سوى الافراط في الحب # وأنني ما سؤته ساعة ... في حاضر الجد ولا اللعب # فكتب إليه: # يا أيها الجافي ويستجفى ... ليس تجنيك من الظرف # إنك والشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف # محوت آثارك من ودنا ... غير أساطيرك في الصحف # وإن تجشمت لنا زورة ... يوما، تحاملت على ضعف # قال، وكتب إلي: # أتيتك مسرورا فطاب لي الشرب ... ونالت مناها عندك العين والقلب # فجارت علي الكأس حتى هجرتها ... ثلاثة أيام كما استوجب الذنب # فكتبت إليه: # علام هجرت الكأس إذ جار حكمها ... ولا لهو إلا أن تكون، فما الذنب # أدام لك الله السرور ودام لي ... بك العيش والنعماء واتصل القرب # قال عبدا لله: بعثت إلي النميري يوم جمعة رسولا، وقلت له: إركب معنا إلى ~~الصلاة، فوجده الرسول قد اصطبح. فقال له: قل له: أنا أصلي مذ صلاة الغداة. ~~فكتبت إليه: # يا من يصلي صلاة ... فيها لابليس طاعه # إن كنت تقبل شكري ... فالشكر في ذا رقاعه ! # قال: وكتبت إليه وقد اعتللت، فلم يعدني: # الحمد لله حتى أنت تجفوني ... بعد الصفاء جفاء ليس بالدون # قد كنت منتظرا هذا فجئت به ... وليس خلق ms029 على غدر بمأمون # فكتب يعتذر بشغل له واعتلال مركبه. فكتبت إليه: # لا تعتذر ! قد عرفنا ... ك سوف تفعل فعلك # ذكرت شغلا، فهلا ... جعلتني بعض شغلك ؟ # أو لم يكن لك عير ... فكت تركب نعلك # قال: فكتب إلي: # إن كنت أذنبت ذنبا ... فقد وثقت بفضلك # وقد أتيتك مشيا ... كما قضيت بعدلك # وجاءني ماشيا. # قال النميري: كان عبد الله بن المعتز، يعيب العشق كثيرا، إلى أن صار ~~يقول: هو طرف من الحمق، وإذا رأى منا مطرقا أو مفكرا، اتهمه بهذا المعنى ~~ويقول: وقعت يا فلان، وقل عقلك وسخفت ! إلى أن رأيناه قد حدث به سهو شديد ~~وفكر دائم، إلى أن كانت تبدر منه الأبيات في معنى العشق. فمرة يقول: # أسر الحب أميرا ... لم يكن قبل أسيرا # فارحموا ذل عزيز ... صار عبدا مستجيرا # ومرة يقول: # عقل المحب ساهي ... في قلبه الدواهي # فقلت: جعلني الله فداك ! هذه أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا، ونحن ننكرها ~~الآن منك ! فيرجع تصنعا، ثم لا يلبث أن تبدر منه بادرة. فقال مرة: # مكتوم يا أحسن خلق الله ... لا تتركيني هكذا بالله # ثم تنفس، فقلت: # قد ظفر العشق بعبد الله ... وانهتك الستر بحمد الله # فقل له: سم لنا، بالله، ... هذا الذي تهوى، بحق الله ! # فضحك وقال: لا، ولا كرامة، فكتبت إليه من غد: # بكت عينه وشكا حرقة ... من الوجد في القلب ما تنطفي # فقلت له: سيدي، ما الذي ... أرى بك ؟ قال: سقام خفي # فقلت: أعشق ؟ فقال: اقتصر ... على ما تراه، أما تكتفي ؟ # فكتب إلي: # يا من يحدث عني ... بظن سمع وعين # إن كنت تخطب سري ... فارجع بخفي حنين # فكتبت إليه: # هيهات حظك والل ... ه أن تبوح بعشقك PageV01P017 دع عنك خفي حنين ... ~~واحرص على حل ريقك # تعال نحتال فيما ... تهوى برفقي ورفقك # ثم صرت إليه. فأخبرني بقصته، فسعيت له بلطف الحيلة، وأعانني بحزم الرأي، ~~إلى أن فاز بالظفر وأدرك البغية. # دير باشهرا # وهذا الدير على شاطىء دجلة، بين سامراء وبغداد. وهو دير حسن، عامر، نزه، ~~كثير البساتين والكروم. وهو أحد المواضع ms030 المقصودة والديارات المشهورة. ~~والمنحدرون من سر من رأى، والمصعدون إليها، ينزلونه. فمن جعله طريقا، بات ~~فيه وأقام به إن طاب له. ومن قصده، أقام الأيام في ألذ عيش وأطيبه، وأحسن ~~مكان وأنزهه ! ولأبي العيناء فيه، وكان نزله وأقام به أياما، واستطابه، ~~وقال فيه: # نزلنا دير باشهرا ... على قسيسه، ظهرا # على دين أيسوع ... فما أفتى وما أسرا # فأولى من جميل الفع ... ل ما يستعبد الحرا # وسقانا وروانا ... من الصافية العذرا # وطاب الوقت في الدير ... فرابطنا به عشرا # وسقينا به الشمس ... وأخدمنا به البدرا # وأحيت لذة الكأس ... ولكن قتلت سكرا # ونلنا كل ما نهوا ... ه من لذاتنا، جهرا # تصابينا، وغنينا، ... وأرغمنا به الدهرا # فنكنا، وتهتكنا، ... ومثلي هتك السترا # وقد ساعدنا ربن ... طوعا منه، لا جبرا # جزاه الله عن خير ... به قابلنا خيرا # فقد أوسعته شكرا ... كما أوسعنا برا # وكان أبو العيناء من الطياب. وكان المتوكل يعجب بكلامه وسرعة جوابه ~~ونوادره. وعمي على رأس أربعين سنة من عمره. ومما يدل على ذلك، قول أبي علي ~~البصير، فيه: # قد كنت خفت يد الزما ... ن عليك إذ ذهب البصر # لم أدر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر # وكان حسن الشعر، جيد العارضة، مليح الكتابة والترسل، خبيث اللسان في سب ~~الناس والتعريض بهم. # ونحن نذكر طرفا من أخباره، بمقدار لا يخرج إلى الاطالة، ولا يخل بالشرط. # قال المتوكل لأبي العيناء: ما أشد شيء مر عليك في ذهاب بصرك ؟ قال: فوات ~~رؤيتك يا أمير المؤمنين، مع إجماع الناس على جمالك. # وقال له يوما: يا محمد، إلى كم تمدح الناس وتذمهم ؟ قال: ما أساءوا ~~وأحسنوا. # وقال له عبيد الله بن سليمان: قد أمرنا لك بشيء في هذا الوقت، فخذه ~~واعذر. قال: لا أفعل، أيها الوزير ! إذا كنت في النكبة تعتذر، وفي الدولة ~~تعتذر، فتى لا تعتذر ؟ وسأل صاعد بن مخلد كتابا يكبه إلى مصر. فجعل يقول: ~~إلى مصر يا أبا العيناء إلى مصر ؟ فقال: وما استبعادك، أعزك الله، لي مصر ؟ ~~والله ! لما في صناديقك أبعد علي مما في مصر! ms031 وخل إلى أبي الصقر، فقرب ~~مجلسه وأدناه، فقال: أيها الوزير ! تقريب الولي وحرمان العدو ! ودخل عليه ~~يوما، فقال: ما أخرك عنا، أبا عبد الله ؟ قال: سرق حماري ! قال: وكيف سرق ؟ ~~قال: لم أكن مع اللص، فأعرف كيف سرقه ! ثم جاءه بعد مدة، فقال: ما أخرك عنا ~~أبا عبد الله ؟ فقال: من العواري وذلة المكاري. فأمر له بخمسين دينارا. # قال: دخل أبو العيناء يوما إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلم يرفع طرفه ~~إليه، ولا كلمه ! فقال: إن من حق نعمة الله عليك، لما أهلك له في الحال ~~التي أنت عليها، أن تجعل البسطة لأهل الحاجة إليك خلقا، فإن من أوحش انقبض ~~عن المسئلة، وبكثرة السؤال مع النجح يدوم السرور، وبقضاء الحاجات تدوم ~~النعم. فقال له محمد: إني أعرفك فضوليا كثير الكلام. ترى، إن طول لسانك ~~يمنع من تأديبك إذ زللت ؟ وأمر به إلى الحبس ! فكتب إليه أبو العيناء من ~~الحبس: قد علمت أن الحبس لم يكن لذنب تقدم إليك، ولكن أحببت أن تريني قدرتك ~~علي، لأن كل جديد يستلذ. ولا بأس أن ترينا من عفوك ما أريتنا من قدرتك ! ~~فأمر بإطلاقه. # فلقيه بعد مدة طويلة على الطريق، فحبس محمد دابته وقال: ما أراك أبا عبد ~~الله تواصلنا بحسب انجائنا لك ! فقال أبو العيناء: أما المعرفة بعنايتك ~~فمتأكدة، ولكنني أحسب الذي جدد استبطاءك لي فراغ حبسك ممن فيه، فأردت أن ~~تعمره بي ! PageV01P018 قال: ودخل يوما على رجل قد عزل عن عمل كان يتولاه. ~~فقال: لئن قبحت عليك النعمة، لقد حسنت بك النقمة ! قال: ولم ذاك ؟ قال: ~~لأني سألتك أحقر من قدرك، فرددتني بأقبح من وجهك، ثم قال: # قل لزيد بن صاعد ... جاءك العزل في لطف # فاجرع الهم واصطبر ... فعلى ربك الخلف # أنت أيضا إذا ولي ... ت فلا تكثر الصلف # قال: اجتاز ابن بدر بأبي العيناء وهو على بابه جالس. فقال: هذا منزلك أبا ~~عبد الله ؟ قال: نعم! فإن شئت أن ترى سوء أثرك فيه، فانزل ! قال: ومر بدار ~~عبد الله بن ms032 منصور يوما وهو مريض وقد صح، فقال لغلامه: أي شيء خبر أبي محمد ~~؟ قال: كما تحب ! قال: فما لي لا أسمع الصراخ في الدار ؟ قال: وذكر أبو ~~العيناء ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمل رجل أفعاله فاجتنبها، لاستغنى عن ~~الآداب أن يطلبها ! قال أبو العيناء: قال لي محمد بن مكرم: أما تعرفني ؟ ~~قلت: بلى، ولكن معرفة أرثي لك منها ! وقال له محمد بن مكرم يوما: يا أبا ~~عبد الله، كل شيء لك من الناس حتى أولادك ! وقال أبو العيناء: رأيت ابن ~~مكرم، فرأيت بطنه بطن حبلى، ونفسه نفس ولهى، ومخاطه مخاط ثكلى، وفي استه ~~الداهية العظمى ! وقال له ابن مكرم يوما: يا أبا عبد الله، هو ذا تصوم معنا ~~في هذا الشهر شيئا، وكان شهر رمضان. فقال: وتدعنا العجوز نصوم ؟ قال رجل ~~لعبيد الله بن سليمن: إن رأيت، أعزك الله، أن تخرج لي رزقا. فقال: ممن ~~الرجل ليخرج الرزق على قدر ذاك. قال من ولد آدم ! قال أبو العيناء: احتفظ، ~~أعزك الله، بهذا النسب، فقد انقطع أصله ! قال: اجتمع الجاحظ وأبو العيناء ~~عند الحسن بن وهب، فقال له الجاحظ: علمت أن محمد بن عبد الله أحسن من عمرو ~~بن بحر، وأبو عبد الله أحسن من أبي عثمان. ولكن الجاحظ أحسن من أبي ~~العيناء. فقال أبو العيناء: هيهات ! جئت إلى ما يخفى من أمورنا، ففضلتني ~~عليك فيه، وإلى ما يعرف، ففضلت نفسك فيه. إن أبا العيناء يدل على كنية، ~~والجاحظ يدل على عاهة ! والكنية وإن سمجت، أصلح من العاهة وإن فلحت ! قال ~~أبو العيناء: عشقتني امرأة بالبصرة من غير أن تراني، وإنما كانت تسمع عذوبة ~~كلامي. فلما رأتني استقبحتني، وقالت قبحه الله، أهذا هو ؟ فكتبت إليها: # ونبئتها، لما رأتني، تنكرت ... وقالت: دميم، أحول، ما له جسم # فإن تنكري مني احولالا فإنني ... أديب، أريب، لا عيي ولا فدم # فوقعت في الرقعة: يا عاض بظر أمه، لديوان الرسائل أردتك ؟ ولأبي العيناء، ~~في علي بن الجهم: # أراد علي أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين، ms033 فأذنا # فقلت له: لا تعجلن بإقامة ... فلست على طهر، فقال: ولا أنا # قال أبو العيناء: أتيت عبد الله بن داود الخريبي، فسألته أن يحدثني، ~~فاستصغرني، وقال: إذهب فتحفظ القرآن. قلت: قد حفظته. قال: إقرأ من رأس ستين ~~من يونس، فقرأت العشر. فقال: أحسنت، إذهب فتعلم الفرائض. قلت: قد حفظتها. ~~قال: فأيهما أقرب إليك: عمك أو ابن أخيك ؟ قلت: ابن أخي. قال ولم ذاك ؟ ~~قلت: لأن هذا من ولد أبي وهذا من ولد جدي. قال: أحسنت. إذهب فتعلم العربية. ~~قلت: قد فعلت وتعلمت منها ما فيه كفاية. قال: فلم قال عمر بن الخطاب، يعني ~~حين طعن: يا لله، يا للمسلمين. قلت: لن الأول استغاثة، والثاني نداء. فقال: ~~لو كنت محدثا أحدا في سنك، لحدثتك ! PageV01P019 قال أبو العيناء: دخلت على ~~أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان يوما صائفا، وقوم بين يديه ~~يلعبون بالشطرنج. فقال: يا أبا عبد الله، إنا نلعب في ندب إلى أن يدرك ~~طعامنا، ففي أي الحزبين تحب أن تكون ؟ قلت: في حزب الأمير، أيده الله، فإنه ~~أعلى وأبهى. فغلبنا ! فقال أبو أحمد: يا أبا عبد الله، قد غلبنا ! وقد ~~أصابك بقسطك عشرون رطلا ثلجا. أحضره أيها الأمير. ووثبت، فصرت إلى أبي ~~العباس بن ثوابة، فأقرأته السلام من أبي أحمد، وقلت له: إنه يتشوقك، وأراد ~~أن يكتب إليك رقعة، فخاف مراوغتنك، فوجهني رسولا، وحملني رسالة، ولسنا ~~نفترق إلا بحضرته ! فركب معي، وجئنا. فلما وقفت بين يديه، قلت: أيها ~~الأمير، قد جئتك بجبل همذان ثلجا، فاقتض منه ما قمرنا، والعب مع أصحابك في ~~الباقي ! فضحك حتى استلقى! وسأل ابن ثوابة عن القصة، فعرف الخبر، فلما وقف ~~عليها، شتمني وانصرف ! قال أبو العيناء: دخلت على المتوكل، ودعوت له، ~~وكلمته. فاستحسن خطابي، وقال لي: بلغني أن فيك شرا ! فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله ~~جل وعز، وذم. فقال في التزكية: نعم العبد إنه أواب. وقال في الذم: هماز ~~مشاء بنميم. ms034 مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم. فذمه، تعالى اسمه. ~~وقد قال الشاعر: # إذا أنا بالمعروف لم أثن دائبا ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما # ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما # وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع النبي والذمي بطبع لا يميز فقد صان ~~الله عبدك عن ذلك. # فقال لي: وبلغني أنك رافضي. فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضيا ~~وبلدي البصرة، ومنشأي في مسجد جامعها، واستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة. ~~وليس يخلو الناس من إرادة دين أو دنيا. فإن أرادوا دينا، فقد أجمع المسلمون ~~على تقديم من أخروا وتأخير من قدموا. وإن أرادوا دنيا، فأنت وآباؤك أمراء ~~المؤمنين، لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك. أبوك مستنزل العيث، وفي يديك ~~خزائن الأرض، وأنا مولاك. فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك فيك ! فقلت: ومن ابن ~~سعدان ؟ والله ما يفرق ذاك بين الامام والمأموم والتابع والمتبوع، إنما ذاك ~~حامل درة ومعلم صبية وآخذ على كتاب الله أجرة. فقال: لا تفعل لأنه مؤدب ~~المؤيد. فقلت يا أمير المؤمنين، إنه لم يؤدبه حسبة وإنما أدبه بأجرة، فإذا ~~أعطيته حقه قضيت ذمامه. فقام ابن سعدان فقال: يا أبا العيناء، لا، والله ما ~~صدق أمير المؤمنين في شيء مما حكاه عني ! ثم أقبل على المتوكل فقال: أي شيء ~~أسهل عليك، يا أمير المؤمنين، من أن ينقضي مجلسك على ما تحب، ثم يخرج هذا ~~فيقطعني ! قال: فضحك المتوكل. # فقال: كيف داري هذه ؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت جعلت ~~الدنيا في دارك! فقال لي: ما تقول في عبيد الله بن يحيى ؟ فقلت: العبد لله ~~ولك، منقسم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح رعيتك ~~على كل لذة. # فقال: ما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم ؟ وكان عرف أني وجدت عليه ~~في تقصير وقع بي منه، فقلت: يا أمير المؤمنين: يد تسرق، واست تضرط ! هو مثل ~~يهودي قد سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى؛ ms035 ومعه إحجام لما بقى. إساءته ~~طبيعة، وإحسانه تكلف ! فقال: إني أريدك لمجالستي. فقلت: لا أطيق ذاك، ولا ~~أقوى عليه. وما أقول هذا جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف؛ ولكني رجل ~~حجوب، والمحجوب تختلف إشارته ويخفى عليه إيماؤك، ويجوز علي أن أتكلم بكلام ~~غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان. ومتى لم أميز بين هذين، هلكت ~~فأختار العافية على التعرض للبلاء. قال: صدقت ! ولكن تلزمنا. قلت: لزوم ~~الفرض الواجب. فوصلني بعشرة آلاف درهم. # وقال لي يوما، وقد دخلت إليه: يا محمد، ما بقي في المجلس أحد إلا اغتابك ~~غيري، فقلت: # إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها # وهو أبو عبد الله، محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان. وأصله من ~~اليمامة من بني حنيفة أنفسهم. وكان مسكنه بالبصرة. ثم انتقل إلى بغداد، ~~وانتجع سر من رأى، ولقي الموكل، وأقام بها PageV01P020 وكان حسن الكتابة، ~~بليغ الخطابة، مليح الشعر، طلق اللسان بالذم والاستبطاء، سريع الجواب، حاضر ~~النادرة، لا يقام له. # وقال المتوكل: اشتهى أنادم أبا العيناء لولا أنه ضرير ! فبلغ ذلك أبا ~~العيناء، فقال: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة،! ونظم اللآلىء ~~واليواقيت، وقراءة نقوش الخواتيم، فإني أصلح له. # وحجب محمد بن مكرم أبا العيناء، ثم كتب يعتذر منه. فكتب إليه أبو ~~العيناء: تحجبني مشافهة وتعتذر إلي مكاتبة ! وأخباره كثيرة، ولكنا أوردنا ~~بمقدار ما يحتمله الكتاب، ويقتضيه الشرط، ولا يخرج قارئه إلى الملل. # وكتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندي سكباج ترعب المجنون، وحديث يطرب ~~المحزون، وإخوانك المحازون ؟ فلا تعلو علي واتون. فأجابه أبو العيناء: ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون. # دير الخوات # هذا الدير بعكبرا. وهو دير كبير عامر، يسكنه نساء مترهبات متبتلات فيه. ~~وهو وسط البساتين والكروم، حسن الموقع، نزه الموضع. وعيده الأحد الأول من ~~الصوم. يجتمع إليه كل من يقرب منه من النصارى والمسلمين، فيعيد هؤلاء، ~~ويتنزه هؤلاء. وفي هذا العيد ليلة الماشوش، وهي ليلة تختلط فيها النساء ~~بالرجال، فلا يرد أحد يده عن ms036 شيء، ولا يرد أحد أحدا عن شي. وهو من معادن ~~الشراب، ومنازل القصف، ومواطن اللهو. # وللناجم أبي عثمان، فيه: # آح قلبي من الصبابة آح ... من جوار مزينات ملاح # وفتاة كأنها غصن بان ... ذات وجه كمثل نور الصباح # أهل دير الخوات بالله ربي ... هل على عاشق قضى من جناح # وكان أبو عثمان هذا، راوية ابن الرومي. وهو مليح الشعر، رفقي الطبع، جيد ~~المعاني في وصف الخمر والأغاني والغزل. # ومن مليح شعره: # أدر يا سلامة كأس العقار ... وضاه بشدوك شدو القماري # وخذها معتقة مزة ... تصب على الليل ثوب النهار # ينازعها الخد جريالها ... فيهديه للعين يوم الخمار # ومن مليح شعره: # سلامة بن سعيد ... يجيد حث الراح # إذا تغنى زمرنا ... عليه بالأقداح # وله: # ما نطقت عاتب ومزهرها ... إلا وهمنا باللهو والفرح # لها غناء كالبرء في جسد ... أضناه طول السقام والترح # تعبده الراح فهي ما نطقت ... إبريقنا ساجد على القدح # وله: # ما نطقت عاتب ومزهرها ... إلا ظللنا بالراح نعملها # تطلب أوتارهما الهموم بأو ... تار فما تستفيق تقتلها # وله، وفيه لحن: # ما دعاني الشوق إلا ... أذرت العين دموعا # إنما أبكي لأني ... صرت للحب رضيعا # أحسن الناس وأولى الن ... اس بالحسن جميعا # ما أرى لي عن حبيبي ... أبد الدهر نزوعا # دير العلث # والعلث، قرية على شاطىء دجلة، في الجانب الشرقي منها، وبين يديها من دجلة ~~موضع صعب، ضيق المجاز، كبير الحجارة، شديد الجرية، تجتاز فيه السفن بمشقة. ~~وهذه المواضع تسمى الأبواب. وإذا وافت السفن إلى العلث، أرست بها، فلا ~~يتهيأ لها الجواز إلا بهاد من أهلها يكترونه، فيمسك السكان ويتخلل بهم تلك ~~المواضع، فلا يحطها حتى يتخلص منها. # وهذا الدير راكب دجلة. وهو من أحسن الديارات موقعا وأنزهها موضعا، يقصد ~~من كل بلد، ويطرقه كل أحد. ولا يكاد يخلو من منحدر ومصعد. ومن دخله لم ~~يتجاوزه إلى غيره لطيبه ونزهته ووجود جميع ما يحتاج إليه بالعلث وبه. # ولجحظة، فيه: # أيها المالحان بالله جدا ... واصلحا لي الشراع والسكانا # بلغاني، هديتما، البردانا ... وانزلا بي من الدنان دنانا # واعدلا بي ms037 إلى القبيصة فالزهر ... اء، علي أفرج الأحزانا # وإذا ما أقمت حولا تماما ... فاقصدا بي إلى كروم أوانا # وانزلا بي إلى شراب عتيق ... عتقته يهوده أزمانا # واحططا لي الشراع بالدير بالعل ... ث، لعلي أعاشر الرهبانا PageV01P021 ~~وظباء يتلون سفرا من الان ... جيل، باكرن، سحرة قربانا # لابسات من المسوح ثيابا ... جعل الله تحتها أغصانا # خفرات حتى إذا دارت الكأ ... س، كشفن النحور والصلبانا # رق حتى حسبته خد من أب ... دلني من وصاله هجرانا # وللمعتمد: # يا طول ليلي بفم الصلح ... أتبعت خسراني بالربح # لهفي على دهر لنا قد مضى ... بالقصر والقاطول والشلح # بالدير بالعلث ورهبانه ... بين الشعانين إلى الدنح # وكان للمعتمد شعر جيد وشعر غير موزون، وربما قال الأبيات، فيصح بعضها ~~ويفسد باقيها. وكان يعطيه المغنين، فيعملون عليه ألحانا، فيغيب عيبه في ~~التقطيع والألحان، إلا على خاصة الناس. # قالت بدعة: كان المعتمد يوجه شعره إلى عريب لتصوغ له الألحان. فكانت ~~تقول: ويلي ! كم أغني في حروف ألف، با، تا، ثا ؟ قال الصولي: أنشدني عبد ~~الله بن المعتز من شعره الموزون: # الحمد لله ربي ... ملكت مالك قلبي # فصرت مولى لملكي ... وصار مولى لحبي # ومن شعره، لما أكثر الموفق نقله، من مكان إلى مكان: # ألفت التباعد والغربه ... ففي كل يوم أطا تربه # وفي كل يوم أرى حادثا ... يؤدي إلى كبدي كربه # أمر الزمان لنا طعمه ... فما إن نرى ساعة عذبه # وهذا شعر جيد صحيح في معناه. # ومن شعره الموزون: # بليت بشادن كالبدر حسنا ... يعذبني بأنواع الجفاء # ولي عينان دمعهما غزير ... ونومهما أقل من الوفاء # وذكر الصولي، إن المكتفي أخرج إليهم مدارج مكتوبة بالذهب من شعر المعتمد. ~~فكان فيها من الموزون: # طال والله عذابي ... واهتمامي واكتئابي # بغزال من بني الأص ... فر لا يعنيه ما بي # أنا مغرى بهواه ... وهو مغرى باجتنابي # وإذا ما قلت: صلني ... كان لا منه جوابي # وكان فيها أيضا: # عجل الحب بفرقه ... فبقلبي منه حرقه # مالك بالحب رقي ... وأنا ملك رقه # إنما يستروح الصب ... إذا أظهر عشقه # وللمعتمد، شعر غنت فيه شارية، في طريقة ms038 الرمل: # تأنيت بالحب دهرا طويلا ... فلم أر في الحب يوما سرورا # ومما غنت فيه من شعره: # يا نفس، ويحك ما لك ... أني لأنكر حالك # وله: # أصبحت لا أملك دفعا لما ... أسام من خسف ومن ذله # تمضي أمور الناس دوني ولا ... يشعر بي في ذكرها قله # إذا اشتهيت الشيء ولوا به ... عني، وقالوا: ها هنا عله # قال: طلب المعتمد ثلثمائة دينار، يصل بها عريبا، وقد حضرت عنده، فلم توجد ~~! فطلب مائتي دينار، فلم توجد.. ! فبكى، وقال # أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه ؟ # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه ! # إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه ! # وكان، لما فوض الأمور إلى أخيه أبي أحمد، واستروح إلى كفايته للقيام بها، ~~وتفريغه للهو والشرب واللعب، وترك النظر في شيء من أمر المملكة أو المسئلة ~~عنه، طمع أبو أحمد، واستبد بالأمر، وغلب على المملكة. ورام المعتمد بعد ذلك ~~تغيير الحال، فعزه وأعوزه وامتنع عليه وطمع الناس جميعا فيه، إذ رأوه ~~مغلوبا على أمره، ورأوا لا ضر ولا نفع في يده. PageV01P022 وذكر إسحق بن ~~روح، أن مفلحا وجهه إلى المعتمد، وقال: قل له: قد سمعت هزارا جارية أمير ~~المؤمنين، فأعجبتني وأحببت أن أملكها؛ ورأيت بدرا الجلنار فأعجبني، فأحببت ~~أن أملكه. فليوجه بهما أمير المؤمنين إلي. فأديت الرسالة إلى المعتمد بعد ~~أن استأذنته فيها. فلما سمعها غضب وخرق ثيابه وقال: هكذا يفعل العبيد ~~بالموالي، يغصبونهم على حرمهم وغلمانهم ؟ وتكلم بأشياء عظيمة، فخرجنا، ~~فردنا وقد سكن، ثم قال: مثل أبي صالح لا يرد عن طلبته. قد أمرت بحمل هزار ~~مع كسوتها وفرشها وجواريها وجميع ما لها. فأما بدر الجلنار فقد وقع على ~~خدمتنا وله منا موضع. فقل له يسعفنا بتركه. فعدت إلى مفلح فأخبرته بطرف من ~~الأول وبالآخر. وكان على الخروج إلى البصرة لحرب صاحب الزنج. فقال: يا أبا ~~إسحق، قد حصلت هزار، وإذا رجعنا من هذه الحرب، أخذنا بدرا الجلنار منه، شاء ~~أم أبى. فخرج، فأصابه سهم ms039 فمات. # وكان المعتمد من أسمح آل العباس، وكان يمثل بينه وبين المستمعين ويقال ما ~~ولي أسمح منهما. وكان جيد التدبير، فهما بالأمور. فلما قوض أمره وغلب على ~~رأيه، نقصت حاله عند الناس. # قال محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: بعث بي أبي إلى المعتمد في شيء، ~~فقال لي اجلس. فاستعظمت ذاك، فرد الأمر علي، فاعتذر بأنه لا يجوز لي. فقال ~~لي: يا محمد، إن أدبك في القبول مني خير من أدبك في خلافي. # قال: ظلم بعض أسباب موسى بن بغا محمد بن علي الكاتب المعروف بباذنجانة، ~~فلما مات موسى، هجاه، فقال: # مات قس الدير موسى ... لعن الرحمن موسى # فلقد كان ضعيفا ... في تقى الله خسيسا # فسروري مطلق والحز ... ن قد صار حبيسا # فبلغ هذا الشعر المعتمد، فنقضه فقال: # مات خير الناس موسى ... رحم الرحمن موسى # فلقد كان جليلا ... عالي القدر رئيسا # أطلق الحزن وخلى ... فرحي وقفا حبيسا # ومن شعره المرذول، قوله: # مالي وهذا الهوى مالي ... لو أمكنني افتديته بمالي # وهذا الحبيب ما يواصلني ... فأن مع هجرانه في قتال # بدا لي على ما أرى فيحبه ... وكنت والله ما بدا لي # وله من هذا الفن: # من قال إني أعشق لو صوروا ... الحب لكان رجلا أحمق # أدور السطوح فلا أراه ... كأنني سنور أبلق # تمنيت من شوقي إليه ... أن أطلع عليه فأكون لقلق # هوى الناس مجتمع عندي ... وهواهم عليهم مفرق # قال: فكت الراضي بخطه، تحت هذه الأبيات: # لم يقل ذا الشعر إلا ... جاهل بالشعر أحمق # أو مصاب ذو جنون ... ضائع الفكرة أبلق # ومن شعره: # عجبت من هذا الحب لا ... يجارى به المحبوب # أراك يا ظالم لا تريدني ... هذا والله هوى مقلوب # أنت في حسنك يوسف ... وأنا في ضري يعقوب # لست أعني يعقوب الصفار ... أنت الصفار مصلوب # وله: # عشقت إنسانا بكسكر ... وجهه كالقمر الأزهر # فلما شكوت إليه هواه ... طأطأ رأسه وفكر # هو الذهب الابريز في حسنه ... وهو الياقوت الأحمر # من دلني عليه فله عندي ... كل ما تمنى وقدر # لما ظننته بيدي حاصلا ... لا ms040 شك تركني وشمر # قال: ودخل يوما الجوسق، فرأى طائرا، فصاده. فقال الموفق: ما رأيت أحسن ~~منه، فهبه لي يا أمير المؤمنين، فأعطاه إياه. فلما حصل في يده، أفلت وجعل ~~يصفق بجناحيه ويطير، فضحك المعتمد ضحكا شديدا، وقال: # دخلت يوما الجوسقا ... فاصطدت طيرا أبلقا # أخذه مني الموفقا ... فحين أخذه صفقا # وطار منه فرقا # قال: ولما شخص أبو أحمد إلى البصرة والجيش معه، وبقي المعتمد بسر من رأى، ~~قال: # مهم مهم مهم مهم ... وأمر فظيع وأمر صرم # أيحسن أن تذهبوا كلكم ... أقعد في البيت كني حرم PageV01P023 ويمضي ~~الأمير أبو أحمد ... ويضرب بالطبل كردم كدم # قال: وخرجت بثرة على قدم بدر غلامه، فأخبر بذلك، فاغتم. فلما كان بعد ~~عتمة، خرج إلى حجرته عائدا له، وقال: # عدته بعد العتم ... لعلة حادثة على القدم # مضيت أمشي في الظلم ... وحدي فلا خلق علم # وله: # رمضان أتاك بخزم مقر ... فاقعدن خلف بابكن وتكسر # لنيتن ببستان سرهك فيه ... يأكل اللحم باردا حين يشطر # والرثيثا والجند معه دقوقا ... والطلعلع وقشر البيض الأحمر # دير العذارى # وهذا الدير أسفل الحظيرة، على شاطىء دجلة. وهو دير حسن عامر، حوله ~~البساتين والكروم، وفيه جميع ما يحتاج إليه. ولا يخلو من متنزه يقصده للشرب ~~واللعب. وهو من الديارات الحسنة، وبقعته من البقاع المستطابة. # وإنما سمي بدير العذارى، لأنه فيه جوار متبتلات عذارى، هن سكانه وقطانه، ~~فسمي الدير بهن. # وذكر يموت بن المزرع، عن الجاحظ، قال: حدثني ابن فرج الثعلبي، أن قوما من ~~بني ثعلب، أرادوا قطع الطريف على مال السلطان فأتتهم المعانية، فأعلمتهم أن ~~السلطان قد نذر بهم، فساروا ثم أزمعوا على الاستخفاء وقع حوافر الخيل في ~~طلبهم. فلما أمنوا وجاوزتهم الخيل، خلا كل واحد منهم بجارية هي عنده عذراء، ~~فإذا القس قد فرغ منهم، فقال بعضهم في ذلك: # وألوط من راهب يدعي ... بأن النساء عليه حرام # يحرم بيضاء ممكورة ... ويغنيه في البضع عنها غلام # إذا ما مشى غض من طرفه ... وفي الدير بالليل منه عرام # ودير العذارى فضوح لهن ... وعند اللصوص حديث تمام ms041 # وببغداد أيضا دير يعرف بدير العذارى في قطيعة النصارى على نهر الدجاج. ~~وسمي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة قبل الصوم الكبير، يسمى صوم العذارى. فإذا ~~انقضى الصوم اجتمعوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن طيب. # ولابن المعتز في دير العذارى المقدم ذكره: # خليلي قم حتى نموت من السكر ... بحانة خمار مماتا بلا قبر # ونشرب من كرخية ذهبية ... ونصفح عن ذنب الحوادث والدهر # ألا رب أيام مضين حميدة ... بدير العذارى والصوامع والقصر # وكم من ليال مسعدات لذي الهوى ... جسرت على اللذات فيهن بالجسر # خليلي فلا تطلب فلاحي وخلني ... فما لي على لمتني فيه من صبر # ولبعضهم، فيه: # قام عذري في ظبي دير النصارى ... حين أبصرت عاشقيه حيارى # فتنة عمت الخلائق واستو ... لت على مسلميهم والنصارى # قال: ولما خرج عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سر من رأى، ~~وكان المعتز استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب فيه، ثم ~~قال هذه الأبيات: # ما ترى طيب وقتنا يا سعيد ... زمن ضاحك وروض نضيد # ورياض كأنهن برود ... كل يوم لهن صبغ جديد # وكأن الشقيق فيها عشيق ... وكأن البهار صب عميد # وكأن الغصون ميلا قدود ... وكأن النوار فيها عقود # وكأن الثمار والورق الخض ... ر ثياب من تحتهن نهود # فاسقنيها راحا تريح من اله ... م وتبدي سرورنا وتعيد # واحثث الكأس يا سعيد فقد حث ... ك ناي لها وجرك عود # وافترع عذرة اللذاذات في دي ... ر العذارى، فعلها لا تعود # وعبيد الله من أحسن الناس أدبا وشعرا وتصرفا في سائر العلوم، مع كرم نفس ~~وحسن خلق. # ولما وصل عبيد الله في سفرته المذكورة إلى المعتز، أمره بالمقام عنده في ~~ذلك اليوم، فأقام. قال عبيد الله: فأرسل المعتز إلى شارية أن تخرج، فتعاللت ~~عليه، فقال: عندي من يحب أن يسمعك وأحب لك وله ذلك، ولا بد من حضورك. فخرجت ~~فجلست خلف الستارة، ثم قالت: لولا الزائر ما جئنا. فأول صوت غنته: # غشيت المنازل بالأنعم ... كمنعرج الوشم في المعصم # ثم غنت ms042 بعده: PageV01P024 لقد راعني للبين صوت حمامة ... على غصن بان ~~جاوبتها حمائم # فقال لي المعتز: كيف تسمع ؟ قلت: أسمع شيئا حظ العجب منه أكثر من حد ~~الطرب. فاستحسن هذا الكلام مني. ثم أسمعني زمر زنام الزامر، وقد ضعف وأرعش ~~وأزمنه النقرس. وأراني الآلة التي عملها أحمد بن موسى المهندس من صفر يرسل ~~فيها الماء فيسمع لها زمر السرناي. ثم أدخلني إلى شباك، وأمر أن يجمع بين ~~السبع والفيل، فرأيتهما كيف يتواثبان، ثم قال لي: أذكر أني أريتك اليوم ~~أشياء طريفة. قلت: نعم يا سيدي. قال: أيها أظرف عندك ؟ قلت: غناء شارية. ~~فقال لي: صدقت ! قال جحظة: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يوما، ~~فجاءه مشيخة، فأمرهم بالجلوس عن يمينه. وجاء كهول، فأمرهم بالجلوس عن ~~شماله. ودخل أحداث فوقفوا بين يديه ولم يأمرهم بالجلوس. فسألته عنهم، فقال: ~~هؤلاء بني، وأومأ إلى الشيوخ، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الكهول، وهؤلاء بنوهم ~~وأومأ إلى الأحداث. قلت: بنوك لأم أو لأمهات شنى ؟ قال: أم جميعهم شاجي، ~~وأنشد: # زرعت وشاجي بيننا في شبيبتي ... غراس الهوى فاعتم بالثمر العذب # فشاب بنو شاجي لظهري وأدركوا ... وشاب بنوهم وهي مالكة قلبي # قال: وهي معي مذ سبعون سنة. وكان بعض المنجمين حكم بموته قبلها، فماتت ~~قبله، فقال: # فيا عجبا مني وممن رعيته ... بأوكد أسباب الهوى ورعاني # وكنت أرجي أن أكون فداءه ... فلما أتى وقت الحمام فداني # وذكر ابن قدامة قال: حضرت جنازة شاجي، فلما انصرفنا، دخلت مع عبيد الله ~~مساعدا له ومؤنسا، وهو مطرق ودموعه تجري على خديه، فلم أر باكيا أحسن منه. ~~ثم رفع رأسه وأقبل علينا، فقال: # يمينا بأني لو بليت بفقدها ... وبي نبض عرق للحياة وللنكس # لأوشكت قتل النفس عند فراقها ... ولكنها مات وقد ذهبت نفسي # قال: ثم حضرت معه لزيارة قبرها، فلما هم بالانصراف، قال: # من زار دار أحبة لحياتهم ... ولما يؤمل من لقاء يقدر # فليأت دار أحبة سكنوا البلى ... كرما وحفظا واللقاء المحشر # قال: ومات ابن لعبيد الله من شاجي، فزار قبره، ثم ms043 أنشد: # أيا مجمع الأحباب بعد تفرق ... أراك قريبا والتلاقي شاسعا # فيا عجبا أني أزورك مكرها ... وفيك الألى أهوى وأجفوك طائعا # قال الصولي: لما ماتت شاجي، جزع عليها عبيد الله الجزع الذي لم ير مثله. ~~فرثاها جماعة من الأدباء، ورثاها عبيد الله بعدة قصائد. فكان أحسن ما مر بي ~~في ذلك، رسالة لعبد الله بن المعتز إليه وجوابها من عبيد الله بن عبد الله. ~~وكانت نسخة التعزية: اتصل بي، أعزك الله، خبر المصيبة. فوالله لقد أشركني ~~الهم بها معك، وألمني منها ما ألمك. فصبرا يا أخي على حكم القدر، ونهضا من ~~عثرة الجزع، وثباتا للمحنة، وشكرا لمفيد النعمة بتقديم الحرم وتحصيل الأجر ~~على حسن الصبر وإن كانت: # جليلة حظ من عفاف ومن تقى ... وقمرية في ذروة الغصن تسجع # تولت ولو لم تطعم الأرض غيرها ... كفتها ولكن لا أرى الأرض تشبع # وقد أطال لله إمتاعك بها منذ وهبها لك، وجعل فقده لمثوبتك التي هي أكبر ~~منها إذ ارتجعها منك. ومثلك، أيدك الله، لا يحض على حفظ دينه، لأنك تعلمه ~~وترغب فيه وتسارع إليه. لكن المصائب ربما عصفت بالجازع حتى يذكر أو يذكر، ~~فيراجع الرضا بحكم من لا يجور، ويسبق الصبر على المصيبة مختارا، للسلوة ~~التي لا بد من أن يصير إليها اضطرارا. ورب خيرة مرة، وحميد في مكروه، وهو ~~الدهر الذي نعرفه ولا تؤتى من غرة به. هذه سجيته وبهذا تقدمت سيرته كذلك ~~حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ولولا علة عائقة عن لقائك، ~~أعزك الله، لصرت إليك بدلا من كل كتاب ورسول، وقضيت بذلك حقك ورأيته من ~~واجبك. ورب حاضر لم يحضر وده، وغائب لم يغب غمه عنا. وأعظم الله أجرك، ~~وأجزل ثوابك، ودل على سبيل العزاء قلبك، وكفاك مكارهك، ووفقك لما يوافقك، ~~ورحم التي توفيت، وجعل ما اتصلت به من الآخرة خيرا مما انقطعت عنه من ~~الدنيا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. PageV01P025 فأجابه عبيد الله بن عبد ~~الله: أطال الله بقاء السيد المؤمل للدنيا والدين، وابن السادة ms044 المنعمين، ~~والخلفاء الراشدين، والآباء المنتجبين، وزاد الله السيد تشريفا وتفضيلا، ~~وأدام له العز والسعادة والكرامة والغبطة والسلامة، وجدد له النعم الظاهرة ~~والمنن المترادفة، وجعلني من كل سوء ومكروه فداه، وقدمني إلى كل مرهوب ~~ومحذور قبله. # وصل كتاب السيد، أطال الله بقاءه، مملوءا بالبر والفضل والانعام والتطول ~~وفرائد الأدب وجوامع المحاسن. فتلقيته بحقه من الاعظام والشكر والمعرفة ~~بعلو قدره وارتفاع درجته وارتقاء رتبته في حسن التأليف واتفاق المعاني ~~وجليل الصواب وجميل الخطاب. ولقد رفع الله الأدب والعلم ونواظر أهلهما ~~بالسيد، أيده الله بعنايته وقدرته. فأما المشاركة فمعهودة من تفضله، حتى لو ~~قلت أن التعزية بهذه المصيبة التي لحقتني لو شوفوه بها وعزى عنها جرى الأمر ~~مجراه ووضع القصد في أحق مقاصده. وأما الصبر فهو الذي لا بد منه اضطرارا أو ~~اختيارا. # إذا ما أصابت ذا حياة مصيبة ... فقابلها منه التحمل والصبر # فما بعدت من أن تحول نعمة ... يحق عليها الحمد لله والشكر # وأما الجزع، فما أصاب وأوجع وألم وروع، فلا محيد عنه. وإذا لم يتعد العين ~~والقلب إلى البدن واللسان فخطبه أسهل، وشكر المولى المخفف للمحن والمتمم ~~للنعم، المفزع في النوائب والعصمة في المصائب. ولو كان طول الامتاع، أعز ~~الله السيد، يسلى لا يسلو عنه إلا لمن ساعده ووهى عقده لما عمل عليه مميز ~~نظار، ولو كان على أشد المضض وأمر الغصص ولوعة الأبد ودوام الكمد، وأقول: # أسر أمور الدهر صار أغمها ... وكل جديد صار بعدك باليا # فأعجب من شهد تحول علقما ... ومن ضاحك لم يعد أن ظل باكيا # وأما السلوة، أعز الله السيد، فليست من فعل الأحرار المخلصين لا في محيا ~~ولا في ممات، إنما هو اغتنام الاحتساب واتصال الأكساب والعياذ بالله من فقد ~~العزاء وفقد أجره. وبالله يا سيدي، إن الشخص لخاشع وإن الطرف لدامع وإن ~~القلب لحران موجع. ولقد صادفت هذه الحال بدنا ما فيه عضو صحيح، أسقام ~~متطاولة ومصيبة موصولة بما بقي من الزمن. # وبينا الفتى يبكي ويندب شجوه ... ومألوفه إذ صار يبكى ويندب # وأما ما ذكره ms045 السيد، جعلني الله فداه، من أمر العلة التي لا كانت ولا سمع ~~لها بذكر أبدا، فإنه لولاها لكان وكان مما لا ينطلق بذكره اللسان. وأنا ~~أعيذه بالله العظيم الذي فضله بكل خلق كريم من تعنيف الفعل الذي لا يجزي ~~أدناه أقصى الشكر ففيما سلف من المخاطبة والمشاركة ما يبلغ أقصى منازل ~~الشرف، وحاول أعلى مآثر الفخر؛ وأنا أفاوض السيد، أطال الله بقاءه، الشيء ~~بعد الشيء، مما نطق به الحزن، وأبثه إياه. فمن ذلك: # وقعت على الأحباب والترب دونهم ... بنفسي وجوه تحت تلك المقابر # ومثل لي ما نال من حسنها البلى ... فسبحان ربي عالما بالسرائر # ثم بعث إليه بعدة قصائد قالها فيها. # قال: ولما اختلت حال عبيد الله، بعث إليه المعتضد يسأله أن يفسح لشاجي في ~~زيارته، فشق ذلك عليه، واحتج بأنها عليلة ومختلة الهيئة. فلج في طلبها حتى ~~ظهر منه تهديد له. فبعث بها إليه. فذكر عنها أنها قالت: احتقرت نفسي حين ~~دخلت على جواريه، لما رأيت عليهن من حليهن وحللهن، وحقرنني هن أيضا حتى ~~غنيت وغنين، فانتقل إعظامي لهن إلي منهن. فلما خرجت، حمل معها المعتضد عشرة ~~آلاف درهم وكسوة وطيب. فجاءت شاجي وعبيد الله واله. فلما رآها سري عنه، ثم ~~قال لها: هل رأيت شيئا لم تري مثله عندنا فاستحسنته ؟ فقالت: لا والله، إلا ~~عودا من عود، وذلك أنه محفور لا مبني، فاستطرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن ~~يدخل دار الخلافة فلا يمد عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عودا. # قال: وكان مما صنعته وغنته ذلك اليوم للمعتضد # ماذا استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قده # لقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده # حتى تجارحنا بتكرارنا ... للحظ في قلبي وفي خده # فأدرك الثأر وأدركته ... وسرني بالصد عن صده # وكان مما غنته أيضا: PageV01P026 هو الدهر لا يعطيك إلا تعلة ... ولا ~~يأخذ الموهوب إلا تغشما # عزاء إذا ما فات مطلب هالك ... وصبرا إذا كان التصبر أحزما # قال أبو علي محمد بن العلاء الشجري: لما تقلد عبيد الله بن سليمان ms046 ~~الوزارة للمعتضد، دفع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلي رقعة، سألني عرضها ~~على عبيد الله بن سليمان، فكان فيها: # أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نجل ونعظم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا، إن المهم المقدم # فاستحسن عبيد الله بن سليمان ما كتب به، وقال: أما ترى كيف تلطف لشكوى ~~حاله ؟ ثم أخذ جميع رقاعه فوقع له فيها بجميع ما أحب. # قال: وقال أبو العيناء يوما لعبيد الله أسكت أيها الأمير أم أقول ؟ قال: ~~إن سكت كفيت، وإن قلت أصغي إليك، وإنك لتقر منا إذا احتجنا إليك، وتبعد عنا ~~إذا احتجت إلينا. # ومن شعره، قوله: # لعمري لئن حدثت نفسي أنني ... أفوتك أن الرأي مني لعازب # لأنك مني بالمكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب # ذكر أبو علي الأوارجي، أن أبا بكر محمد بن السري السراج النحوي، كان يحب ~~جارية من القيان، فأنفق عليها مالا جزيلا. فلما ورد المكتفي من الرقة، خرج ~~الناس ينظرون إليه. فخرجت أنا وهو وأبو القاسم عبد الله الموصلي، فجلسنا ~~على روشن دار ابن جهشيار لنراه. فلما وافى ونظرنا إليه استحسناه كلنا. وكان ~~أبو بكر بن السراج واجدا على هذه الجارية ومغاضبا لها. فقال: قد حضرني شيء، ~~فاكتب، فكتبت: # قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي # والله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفى # ثم مضى للحديث مدة طويلة. وكان أبو عبد الله محمد بن إسمعيل زنجي الكاتب، ~~يهوى قينة، وهو إذ ذاك يكتب لأبي العباس ابن الفرات فكان يحدثه بحديثه معها ~~ولا يحتشمه، وكان اجتماعها معه في كل يوم جمعة، لأنه كان يوم نوبته في ~~داره. # قال أبو علي: فحدثني زنجي، قال: غدوت يوم سبت على أبي العباس ابن الفرات، ~~فقال لي: ما كان من خبرك أمس ؟ فحدثته باجتماعنا، فقال لي: فما كان صوتك ؟ ~~فقلت: # قايست بين جمالها وفعالها # فقال لي أبو العباس: لمن هذا الشعر ؟ قلت: لعبد الله بن المعتز. ثم ركب ~~أبو العباس بن الفرات ms047 إلى الوزير القاسم بن عبيد الله، فحدثه بهذا الحديث، ~~وأنشده الشعر، وسار معه إلى الثريا، ثم انصرف عنه جلس في ديوانه. فلما علم ~~أنه قد قرب انصرافه، خرج فتلقاه، فلما لقيه، حدثه أنه انشد المكتفي الشعر ~~وأنه سأله عن قائله، فعرفه أنه لعبيد الله بن عبد الله ابن طاهر. قال: ~~فأمرني أن أحمل إليه ألف دينار. فقلت: إنما قلت لك أن الشعر لعبد الله بن ~~المعتز، فنسبته إلى ابن طاهر. فقال: والله، ما وقع لي إلا أنك قلت إنه ~~لعبيد الله. وهذا رزق رزقه الله عبيد الله، لا حيلة لأحد فيه. قال زنجي: ~~فلما انصرف أبو العباس، حدثني بهذا الحديث وقال: خذ أنت الدنانير وامض بها ~~إلى عبيد الله وقل له: هذا رزق بعثه الله إليك من حيث لم تحتسب! فحملت إليه ~~الدنانير وحدثته الحديث، فحمد الله وشكر أبا العباس، فكان هذا من الاتفاق ~~العجيب ! وكان عبيد الله يقول: من صحب السلطان وخدمه، احتاج أن يدخل أعمى ~~ويخرج أخرس. # ومن شعره، قوله: # إذا أنت لم تفضل على ذي مودة ... وكنت وإياه بمنزلة سوا # فلا تك ذا تيه عليه فإنما ... يعاقب بالذنب الفتى لا على الرضا # وقال أيضا: # ألا إن قلبي منك بعد الذي مضى ... لملآن من أمرين يختلفان # هوى منك يتلوه أذى لك والأذى ... عدو الهوى لن يوجدا بمكان # وقال أيضا: # كفاك عن الدنيا الدنية مخبرا ... غنى باخليها وافتقار كرامها # وإن رجال النفع تحت مداسها ... وإن رجال الضر فوق سنامها # وقال أيضا: # وقالوا: غدا ينأى فما أنت صانع ... فما هو إلا أن تفيض المدامع # بلى زفرات بينهن تنفس ... يقطعن قلبي والهموم النوازع PageV01P027 وذل ~~وإطراق وفكر وحسرة ... وأعظم منها ما تجن الأضالع # قال عبد الله بن المعتز: كتبت إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين ولي ~~ابنه خلافة يونس على شرط بغداد: # فرحت بما أضعافه دون قدركم ... وقلت عسى قد هب من نومه الدهر # فترجع فينا دولة طاهرية ... كما بدأت والأمر من بعده الأمر # عسى الله، إن الله ليس ms048 بغافل ... ولا بد من يسر إذا ما انتهى العسر # فأجابه عبيد الله بن عبد الله: # فنحن لكم إن مسنا ضيم جفوة ... ومنا على لأوائها الصبر والعذر # فإن رجعت من نعمة الله دولة ... إلينا، فمنا عندها الحمد والشكر # ولعبيد الله شعر كثير وأخبار طريفة، اخترنا منها ما يليق بغرض الكتاب ولا ~~يخرج إلى حد الاطالة. # وكانت وفاة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ليلة السبت، لاثنتي عشرة ليلة ~~خلت من شوال سنة ثلثمائة. ولما توفي، وجهت شغب والدة المقتدر بالله بأم ~~موسى القهرمانة إلى ولده وحرمه فعزتهم عنه، وكفنته بكفن حظيري، وتصدقت في ~~جنازته بألف دينار وألف درهم، وقامت بجميع أمورهم. # وأما أخوه محمد بن عبد الله بن طاهر، فكان كريما سريا جوادا سمحا حسن ~~الأخلاق مع أدب وحسن معرفة وافتنان في سائر العلوم، وضبط وسياسة وتقدم في ~~التدبير. وكان المتوكل استدعاه من خراسان لما مات إسحق بن إبراهيم الطاهري ~~ومحمد ابنه، وولاه خلافته ببغداد، فأقر أخاه طاهر بن عبد الله على خراسان، ~~وكان أكبر أخوته. # ذكر الشاه بن ميكال، أن بعض البزازين، عرض على محمد بن عبد الله بن طاهر ~~ثوبي وشي، فعرفهما وعلم أنهما من ثيابه، فأحضر إبراهيم بن هارون النصراني ~~قهرمانه، فأمره أن يحضر الثوبين اللذين من صفتهما كيت وكيت، فذكر أنه لا ~~يعرفهما، وأنه رجع إلى الاحصاء، فلم يجدهما فيه، ورجع إلى الديوان فوجدهما ~~ثابتين فيه، أبتيعا بألف وخمسمائة دينار. قال: فسألت عن الخبر، فأخبرت أن ~~الكاتب في الخزانة باعهما وأسقط من الاحصاء عددهما. فأمر بحبس الكاتب. وقال ~~لابراهيم: ويلك ! تستكتب من يقدم هذا الاقدام ؟ فحلف أنه ما وقف على مثل ~~هذه الحال منه ولا عرف له مثل هذه الزلة. فقال: إن كان الأمر كذلك فليطلق، ~~وأمر له بخمسمائة دينار، وقال له: تعفف بهذه، فإني أظن الخلة حملتك على ~~ذلك، ورد الثوبين على التاجر وأطلقه. # قال: وكنا يوما عند إسحق بن إبراهيم بن مصعب، فقدمت المائدة، وكن قد تقدم ~~بعمل هريسة، فقدمت إليه الهريسة، فنظر إليها، ms049 فرأى شعرة، فأومأ إلى بعض ~~غلمانه بشيء لم نفهمه. فما لبث أن جاء بطيفورية عليها مكبة، فوضعها ورفع ~~المكبة، فإذا يد الطباخ بدمها في الطيفورية. فرفعنا أيدينا، وتنغص أكلنا ~~مما ورد علينا، وقمنا وليس منا أحد ينتفع بنفسه. # ثم اجتمعنا بعد ذلك بدهر على مائدة محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان قد ~~تقدم بإصلاح لون اشتهاه، فعمل له، وجاء به الطباخ بنفسه حرصا على التقرب من ~~قلبه. فلما قرب منه، عثر لعجلته، فأفلت الطيفورية على محمد، فصارت ثيابه ~~وما تحته من فرش آية، فقام للوقت، فغير ثيابه واغتسل وعاد إلينا بوجه طلق ~~لم يؤثر فيه ما جرى، وجلس على المائدة، ثم قال: علي بفلان الطباخ، فجيء به ~~وهو لا يشك في حلول النقمة. فقال له: أحسبنا قد رعناك، أنت حر لوجه الله جل ~~وعز. وفلانة الجارية لك وقد زوجتكما، وأمر له بصلة وكسوة. فأقبلنا بالدعاء ~~له، وتعجبنا من فعله وذكرنا فعل إسحق. # قال: كان ابن أبي فنن، ويكنى أبا عبد الرحمن شاعرا مطبوعا، وكانت له ضيعة ~~في قطيعة محمد بن عبد الله بن طاهر. فكان الحاشر يصير إليه فيؤذيه، وربما ~~أشخصه، فكتب إلى محمد يشكو الحاشر وما يلقى منه من الاعنات: # أبني حسين أنني ... أصبحت في كنف الأمير # ولنا معايش في قطي ... عته على الماء النمير # وبنيت بيتا وسطه ... سميته بيت السرور # فإذا جلست إزاءه ... وشربت من حلب العصير # قلت العفا لما روي ... ت على الخورنق والسدير # لولا تردد حاشر ... كالكلب في يوم مطير # غاد علي ورائح ... يصل الرواح إلى البكور PageV01P028 فإذا بدا لي وجهه ~~... أخرجت صفرا من سروري # فهل الأمير بجوده ... من قبح طلعته مجيري ؟ # فلما قرأ محمد الأبيات، وقع تحتها: قد أجراك أبا عبد الرحمن، وأمرنا ~~باحتمال خراجك، وكان مبلغه ثمانية آلاف درهم، ووجه إليه بألف دينار، وحلف ~~عليه أن يقبلها، وكان ابن أبي فنن لا يقبل من أحد شيئا، وكان حسن الحال ~~مستقلا. # ولمحمد بن عبد الله من الأفعال الكريمة ما يطول الشرح بذكرها، وفيما ~~ذكرنا ms050 كفاية. # ومن مليح شعره، قوله: # قالت بناظرها أقبل، فقلت لهما ... بالدمع: لبيك يا سمعي ويا بصري # حتى إذا علمت أن قد كلفت بها ... أومت إلي بدمع غير مستتر # يا كاتمي خيفة الواشي محبته ... إني وعيشك أقراه من النظر # قولي بطرفك ما تهوين أعرفه ... واستنطقي ناظري يخبرك بالخبر # وكان مولد محمد بن عبد الله سنة تسع ومائتين، في الليلة التي فتحت في ~~صبيحتها كيسوم، وفيها ولد عبيد الله بن يحيى بن خاقان وأحمد بن إسرائيل ~~والحسن بن مخلد وكلهم ولي الوزارة. # ومات محمد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثلاث وخمسين ~~ومائتين، وسنة أربع وأربعون سنة. وكانت وفاته من بثرة خرجت في حلقه. وتوفي ~~والقمر في الكسوف، وكان يقول: إذا تم الكسوف وبدأ في الانجلاء مت، فكان ~~كذلك. واستخلف أخاه عبيد الله فأقره المعتز، ووجه إليه بالخلع مع مفلح ~~خليفة باكياك. وكان طاهر بن محمد نازعه الأمر وأعانه مواليه والعامة حتى ~~جاءت الرسل والخلع، فاستقر الأمر لعبيد الله. # ولابن الرومي، يرثي محمد بن عبد الله بن طاهر: # بات الأمير وبات بدر سمائنا ... هذا يودعنا وهذا يكسف # قمر رأى قمرا يجود بنفسه ... فبكى أخاه أخ مؤاس منصف # فتكت به الأيام وهي عليمة ... أن سوف يتلف منه ما لا يخلف # وقال فيه: # وسألت عنه، فقيل: بات لما به ... قلت: الندى لا شك مات لما به # وكأنا....... ... .......... به # فلمن أصون مدامعي من بعده ... ولمن ترى تنهل من أسبابه # لصوابه، لخطابه، لجوابه، ... لشبابه، للغر من آدابه # ولعبيد الله أخيه، فيه. # كسيف البدر والأمير جميعا ... فانجلى البدر والأمير عميد # عاود البدر نوره لتجلي ... ه ونور الأمير ما لا يعود # وقال: # ذكرت أخي من غير نسيان ذكره ... ولكنها حال تزيد وتنقص # على حسب أخلاق الزمان وأنه ... ليصحبني عيش عليه منغص # ولما مات محمد بن عبد الله بن طاهر، اشتد وجد المعتز عليه، وكان يرى أن ~~الأتراك يهابونه من أجله ولمكانه، فقال فيه: # ذهبت بهجة الخلافة عنا ... حين أضحى محمد في القبور # عن قليل ms051 تكون أحداث دهر ... من سنا نارها يشب السعير PageV01P029 وقال: ~~وأما سليمان بن عبد الله بن طاهر، فكان ابن أخيه محمد بن ابن طاهر، أنفذه ~~إلى العراق في سنة خمس وخمسين ومائتين خليفة له، فأمضى المعتز ذلك وخوله ~~فأقره أياما. وخرج إليه عبيد الله فخلع عليه وولاه شرطة بغداد وعزل سليمان ~~بن عبد الله. فدخل عبيد الله إلى بغداد ومعه خلق عظيم من الأولياء والقواد، ~~فتلقاه الناس وفرحوا بولايته. وخرج سليمان قبل وصول أخيه إلى البردان، ~~فأقام بها إلى أن ورد موسى بن بغا من الجبل. فرد إليه أمر الشرطة ببغداد ~~وسر من رأى وأمر السواد، وعزل سليمان، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين، ~~فتسلم عبيد الله الولاية في الأولى. ثم اضطرب أمر الطاهرية بخراسان ودخل ~~يعقوب بن الليث نيسابور. فلما قرب منها، وذلك في سنة ثمان، وجه محمد بن ~~طاهر إليه يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له. فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقوه، ~~ودخل نيسابور ونزل طرفا من أطرافها، فركب إليه محمد بن طاهر ولقيه في ~~مضربه، فأقبل يوبخه على تفريطه في عمله. ثم وكل به وبأهل بيته وكتب إلى ~~الحضرة يذكر أنه على السمع والطاعة والضبط لما يتولاه، ويطعن على محمد. فرد ~~الموفق عليه أقبح رد، وأعلمه أنه لا يقاره على ذلك. ثم أقبل يعقوب بن الليث ~~إلى بغداد، وسار المعتمد نحوه، فالتقوا وكان الموفق في المقدمة، وموسى بن ~~بغا في الميمنة، ومسرور البلخي في الميسرة، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من ~~رجب، وكان يوم شعانين، فقتل من الأولياء خلق كثير. واشتدت الحرب، وكشف ~~الموفق عن رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي. ثم دارت الدائرة على يعقوب، ~~فانهزم أقبح هزيمة، واتبعهم الموفق وموسى بن بغا فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ~~وأطلق عليهم الماء فغرق أكثر ممن قتل. وكان محمد بن طاهر معه مثقلا ~~بالحديد، فأطلق من حديده وخلع عليه وأنزل دار عمه محمد بن عبد الله ابن ~~طاهر، ورد إليه عمله بخراسان وأطلق له خمسمائة ألف درهم. ورجع المعتمد إلى ~~بغداد، وسار ms052 الموفق إلى واسط، وعقد لعبيد الله على الحرمين. # وورد الخبر بموت يعقوب بن الليث وقيام أخيه عمرو، وأخذت البيعة على عمرو ~~وقلد خراسان وفارس وكرمان وسجستان وأصبهان والسند. وكتب عمرو إلى عبيد الله ~~بن عبد الله بتوليته الشرطة خلافة له، ووجه إليه بخلع وعمود ذهب، وأمضى ~~الموفق ذلك وخلع على عبيد الله أيضا. # ومات سليمان بن عبد الله بن طاهر، سنة ست وستين ومائتين في المحرم. فوقف ~~أخوه عبيد الله على قبره متكئا على سيفه، وقال. # النفس مني ترقى في مراقيها ... ودمعة العين تجري في مجاريها # لبقعة ما رأت عيني كقلتها ... ولا ككثرة أحباب ثووا فيها # ثم استخلف صاعد بن مخلد أبا عبد الله محمد بن طاهر بن عبد الله ابن طاهر ~~على مدينة السلام، في سنة سبعين ومائتين، فقبض على عمه عبيد الله وحبسه. ثم ~~استخلف المعتضد غلامه بدرا على مدينة السلام، وانقرض أمر الطاهرية منها ومن ~~خراسان. # وكان لسليمان شعر مليح وأدب وفهم ومعرفة. وأما عبد العزيز بن عبد الله بن ~~طاهر، فكان أصغر من أخويه، وكان له أدب وفهم وشعر مليح. فمن شعره إلى أخيه ~~عبيد الله، وكان أخواه عبد الله وسليمان حساه. # قد كنت أحسب أني منك إن نزلت ... إحدى النوائب بي آوي إلى جبل # حتى إذا وقع الأمر الذي وجبت ... في مثله نصرتي من غير ما فشل # أسلمتني لخطوب الدهر تلعب بي ... ما هكذا كان تقديري ولا أملي # لو كنت في بلد نائي المحل لما ... باليت عثرة أيامي ومثلك لي # إني أخوك الذي قد كنت تألفه ... ما حلت عن عهدكم يوما ولم أزل # إني أخوك وإن الله مطلع ... على السرائر، فاقطع بعد أو فصل # ومن شعره أيضا إلى أخيه لما حبس، وكان تهم بأنه كاتب السجستاني، فكتب من ~~الحبس يحلف على بطلان ذلك، وكتب آخر الرقعة بهذه الأبيات: # تقول وقد ريعت سليمى بمحبسي ... كما راع ثكل فاجع أم واحد # أبى الدهر إلا أن ينوبك صرفه ... كعادته النكراء في كل ماجد # فقلت لها: غضي عليك فإنما ms053 ... تصيب الرجال صائبات الشدائد # ولا تعجبي للحبس ويحك واعجبي ... لانكر ما حدثته في المشاهد PageV01P030 ~~حبست لحرب ما شهدت كفاحها ... وأصبح سجاني أخي وابن والدي # ومن مليح شعره: # يا أيها القمر المنير الزاهر ... المشرق الحسن البهي الباهر # أبلغ شبيهتك السلام وهنها ... بالنوم، واعلمها بأني ساهر # وكان المعتضد يستحسن هذا الشعر، فغنى فيه في طريقة خفيف الرمل، وكان أحد ~~أصواته. # ذكر أبو عبد الله بن حمدون، أن محمد بن عبد الله بن طاهر، كان يحجب ~~المتوكل بسر من رأى شهرين ثم ينحدر إلى بغداد فيقيم بها شهرين ويخلفه ~~خلفاؤه بسر من رأى. فقدمها قدمة أخذ فيها معه أخاه عبد العزيز، وكان قد ~~اشترى جارية، لها من قلبه محل. فاشتد عليه فراقها. قال: فسألني أن أستأذن ~~أخاه له في الرجوع إلى بغداد على أن يعطيني شهريا كنت رأيته تحته. ففعلت، ~~فأذن له، فأعطاني الشهري. ثم أنشدني هذا الشعر: # أقول لما هاج قلبي الذكرى ... واعترضت وسط السماء الشعرى # كأنها ياقوتة في مدرى ... ما أطول الليل بسر من را # يا رب فكا كفكاك الأسرى ... فإن تجد لي بنجاة أخرى # اجعل أدنى خطواتي بصرى ... حتى أؤوب بالمطايا حسرى # كأنها من الكلال سكرى ... ثم أعيش مثل عيش كسرى # ولم يدخل بغداد من ولد عبد الله بن طاهر غير هؤلاء الأربعة: محمد وعبيد ~~الله وسليمان وعبد العزيز. فأما عبد الله بن طاهر، فكان من سروات الناس ~~أدبا وفضلا وسياسة وتدبيرا وسخاء وكرما. # وكان المأمون تبناه ورباه. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة. فذكر ~~أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله أن أبا عبد الله بن طاهر انصرف ليلة من دار ~~المأمون وذلك بعد خروج طاهر إلى خراسان، وكان قد غلب عليه النبيذ، فبات في ~~القبة الطاهرية من دار طاهر بمدينة السلام. فتعلق طرف من الخيش، وقد يبس، ~~بالشمعة، فاحترقت القبة، واحتمل عبد الله فأخرج منها. واتصل الخبر بطاهر، ~~فكتب إلى عبد الله يعذله ويؤنبه ويقول: لو ورد الخبر بوفاتك كان أسهل علي ~~من وروده بفضيحتك، وأن يبلغ بك ms054 النبيذ مبلغا لا تحس معه باحتراق موضع أنت ~~فيه؛ ويأمره بالتجهز والخروج إليه. فأقلق عبد الله ذلك وكتمه عن جميع الناس ~~وختم الكتاب وجعله تحت مصلاه وتبين الهم عليه. فسأله المأمون عن خبره ~~فكتمه. ثم سأل من يخصه، فأعلمه أن كتابا ورد عليه لا يعلم ما فيه، فأقسم ~~عليه المأمون في إحضار الكتاب، فأحضره. فكتب المأمون إلى طاهر يعاتبه على ~~ما فعل، ويعلمه منزلته عنده وإحلاله محل الولد، وأنه لا يد لطاهر عليه إلا ~~بحق خلافته، فإن صرفه عنها فليس له أن يزعجه عن الحضرة. فأجاب طاهر بالشكر ~~لتطوله إذ كان هذا محله عنده. وأعيد بناء القبة، فلم تزل إلى أن نقضت في ~~سنة ثلاث وتسعين ومائتين. # وخرج عبد الله إلى الشام في سنة تسع ومائتين، فحارب نصر بن شبث إلى أن ~~ظفر به. PageV01P031 قال عبيد الله بن عبد الله: حدثني نصير وياسر وجماعة ~~من مشايخ موالينا، إن أبا العباس عبد الله بن طاهر، لما أشرف على كيسوم، ~~تحصن بها نصر بن شبت، فركب من الغد وقد عبأ جيشه للقاء، فوافى نصرا وقد خرج ~~من الحصن، فصف بإزائه وواقفه إلى الليل على غير حرب، ثم أوقد نصر النيران، ~~فشاور عبد الله قواده، فقالوا: هذا الليل، فننصرف ونبيت في معسكرنا، ثم ~~نغاديه الحرب فقال: إن انصراف المحارب نكوص، ولست أبرح من موضعي. فنزل، ~~وكان يحم حمى ربع، وكان نوبتها تلك الليلة، فوعك وعكا شديدا، فالتمس ما ~~يدفئه فلم يكن معهم، فقالوا: أحفروا حفيرة بأسيافهم، وأمر أن يجمع من مخالي ~~الدواب التبن فيلقي في الحفيرة، ففعل ذلك، ثم جلس فيها. وجاءت السماء بهطل ~~ووبق شديد. فقال: استروني بتراسكم، فلم نزل كذلك ليلتنا أجمع نستره حتى ~~أصبح، وصلينا وصلى وأعاد سلاحه وركب فرسه وتطرف، ونحن معه، فنظر فإذا ليس ~~خارج الحصن أحد. فقال: خدعنا الخبيث وأوهمنا أنه بإزائنا ودخل حصنه ووكل به ~~من يوقد النيران، والساعة يخرج عليكم بحدته. فخذوا حذركم. ودعا العزيز ~~فقال: إمض في ألفي فارس فأريحوا واستريحوا، وسمى لهم موضعا ms055 يكونون فيه، ولا ~~يبرح منكم أحد أو يأتيه طاهر بن إبراهيم بن مدرك برسالتي. فإذا أتاك، فإن ~~قدرت أنت وأصحابك أن تكونوا في أجنحة الطير حتى توافوني فافعلوا، فمضى. ولم ~~يستتم الكلام حتى خرج نصر وحمل عليهم، فبرز إليه عبد الله يقدم أصحابه، فلم ~~تزل الكرات بينهم والجلاد، وعبد الله يفدي اصحابه ويعدهم ويرمي نفسه كل ~~مرمى، إلى أن صارت الشمس في كبد السماء، وكل من معه وتبين فيهم الضعف ~~والعجز، فأرسل طاهر إلى العزيز يأمره بالاسراع، فوافى. فلما رأى نصر ومن ~~معه الرايات السود والأسود السود، وكان عبد الله من اتخذها، جزعوا وتبين ~~فيهم الفشل، وقال عبد الله للعزيز: شأنك وأصحابك نحو القوم ! فلم يكن إلا ~~ساعة حتى انهزم نصر ولجأ إلى حصنه. فدعا أبو العباس بالنقابين وأمر بنصب ~~العرادات والمجانيق والسلاليم، واطلعوا، فلم يروا في الحصن أحدا، وإذا نصر ~~قد نقب نقبا من وراء الحصن وخرج منه؛ وأمر الرجال ففتحوا الباب، ودخل فغنم ~~وأصحابه جميع ما في الحصن، وبشر في ذلك الوقت وهنيء بالفتح. فأنشده عوف بن ~~محلم الخزاعي: # أشكر لربك يوم الحصن نعمته ... فقد حباك بعز النصر والظفر # وهي قصيدة طويلة. # ومضى نصر، فلجأ إلى جبال لم تحصنه، فعاذ بالأمان. فكتب عبد الله إلى ~~المأمون يخبره، فكتب إليه: أعطه الأمان على أن يطأ بساط أمير المؤمنين ~~وينفذ فيه حكمه. فرضي بذلك، ووجه به عبد الله مع محمد بن الحسين بن مصعب ~~إلى حضرة المأمون. # قال: وكان نصر قد كبر، فرآه المأمون وغلامان له يحملانه على السرج: فقال: ~~نصر يحمله اثنان ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ولا ينزله مائتان ! ثم سار ~~عبد الله بن طاهر إلى مصر في سنة عشر وفتحها واستأمن إليه ابن السري؛ وأقام ~~بها إلى سنة إحدى عشرة. وقدم على المأمون وقد أصلح البلد وجبى أمواله ~~واستقامت أحواله، فتلقاه أبو إسحق والعباس بن المأمون، وقدم معه بالمتغلبين ~~على مصر. # قال: وقال المأمون يوما: هل تعرفون رجلا يزيد على جميع أهل دهره نزاهة ~~وحسن سيرة ؟ فذكر ms056 قوم ناسا فأطروهم، فقال: لم أرد هؤلاء. فقال علي بن صالح، ~~صاحب المصلى: ما أعلم يا أمير المؤمنين أحدا له مثل هذا النعت إلا عمر بن ~~الخطاب. فقال المأمون: اللهم غفرا، لم أرد قريشا، فأمسك القوم جميعا. فقال ~~المأمون: ذاك عبد الله بن طاهر، وليته مصر وأموالها جمة، فوجد لعبيد الله ~~بن السري من الأموال ما تقصر عنه الصفة، فما تعرض منه لدينار ولا لدرهم، ~~ولم يخرج من مصر إلا بعشرة آلاف دينار وثلاثة أفراس وحمارين؛ ولكنه غرس يدي ~~وخريج أدبي. ولأنشدنكم أبياتا في صفته، ثم أنشد: # حليم مع التقوى، شجاع مع الردى ... ند حين لا يندى السحاب سكوب # شديد مناط القلب في الموقف الذي ... به لقلوب العالمين وجيب # فتى هو من غير التخلق ماجد ... وعن غير تأديب الرجال أديب PageV01P032 ~~فأقام قبل المأمون سنة، ثم سيره إلى بابك، وقد كان ظهر وعظمت شوكته، فأقام ~~بإزائه سنة، وكان شرط على المأمون أنه إن ظفر ببابك رجع إلى الباب. فيكون ~~مقامه بحضرة المأمون ويختار لخلافته على خراسان من أحب من أخوته. فأقام ~~بالدينور تسعة أشهر يستعد لقتال بابك. فبينا هو كذلك، إذ ورد على المأمون ~~كتاب صاحب نيسابور يذكر أنا لمارقة أغارت على قرية منها يقال لها الحمراء ~~على طريق الجادة، وأنهم أحرقوا وسبوا وقتلوا النساء والأطفال. فعظم ذلك على ~~المأمون، ودعا إسحق بن إبراهيم وهو خليفة عبد الله بن طاهر على الشرط، ~~ويحيى بن أكثم، وبعث بهما إلى عبد الله وكتب معهما كتابا بخطه إلى عبد الله ~~يقسم عليه أن يحول مضربه من وجه بابك إلى وجه خراسان، فإن خراسان أهم من ~~المملكة كلها بعد الحضرة، وأن يشير عليه بمن يبعث به إلى بابك، فامتثل ما ~~أمره به، وأشار بعلي بن هشام، وكاتب من بخراسان بما أحب وقدم أخاه محمد بن ~~طاهر على مقدمته ووافاه علي بن هشام فوافقه على الطريق في محاربة بابك، ~~ومضى لوجهه إلى خراسان، حتى وافى نيسابور وكتب إلى المأمون أن أمير ~~المؤمنين انهضني إلى هذا الثغر ms057 بسبب ما قد غلب عليه من أمر الحمراء، وما ~~أحدثه المارقة بها. وإني وافيت نيسابور فوجدت ما حولها عش المارقة، ووجدتها ~~أهم الكور، والمهم أبدى وآدى. قال: فأعجب المأمون من الكتاب بهذه اللفظة، ~~ولم يزل الكتاب يتذاكرونها بينهم. وكان مقامه بخراسان، إلى أن توفى بها، ~~خمس عشرة سنة. # وذكر ابن جدان عن الجلودي، قال: جلس عبد الله يوما بخراسان انصف فيه من ~~وجوه القواد وأمراء الأجناد، وضرب الأعناق وقطع الأيدي والأرجل وعقد ~~العقود، فلما زالت الشمس، دخل داره. قال الجلودي: وكنت أقرب من قلبه وأدل ~~عليه. فتلقاه الخدم، فأخذ هذا قباءه، وأخذ آخر خفه، وآخر رانه، وبقي في ~~غلالة وسراويل. فرفع الغلالة على كتفه وجعل يقول: # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف البنيان عنم # قال: فأغلظت عليه، ونزعت ثوبه عن عاتقه ورددته إلى حاله وقلت له: تجلس ~~اليوم مجلس الاسكندر ودارا بن دارا، وتفعل الساعة فعل علويه ومخارق ؟ قال: ~~فنظر إلي نظر الصؤول، ورد ثوبه على كتفه وقال. # لا بد للنفس إذ كانت مصرفة ... من التنقل من حال إلى حال # ولما مات المأمون، أقر المعتصم عبد الله بن طاهر على خراسان وإسحق بن ~~إبراهيم على خلافته ببغداد وكان سيء الرأي فيه، فكتب إليه: أما بعد: عافانا ~~الله معا. فقد كانت في نفسي عليك حزازات غيرها بقاء الانتقام عليك لك. وقد ~~بقيت منها هنات أخاف منها عليك، فلا تقدم، وحسبك مما أنا منطو عليه لك ~~إظهاري إياك على ما في ضميري. والسلام. # قال الفضل بن مروان: ذكر المعتصم يوما عبد الله بن طاهر، فنال منه، ~~وتابعته الجماعة ووصفوه بسوء الطاعة وأنا حاضر. فقمت وقلت: اكتب إليه في ~~القدوم، فإنه لا يمسى حتى يشخص. فقال: اجلس واكتب إليه بالخبر. # فكتب إلى المعتصم كتابا، أنفذه درج كتابي إليه. وسألني أن أوصله من يدي ~~إلى يده، ففعلت. فقرأه المعتصم وأقبل يسألني عن الحرف بعد الحرف، فأفتح ~~عليه: فإذا هو قد كتب يحلف أن الكتاب لو ورد عليه بالشخوص لما أمسى حتى ~~يشخص. # قال أبو ms058 العميثل: دخل على عبد الله بن طاهر، فقال: إنك لناح الأدؤر قليلا ~~ما ترى، ومد يده إلي فقبلتها، فقال: ما عققتني به أكثر مما بررتني. قلت: ~~بماذا ؟ قال: بخشونة شاربك. قلت: إن شوك القنفذ لا يضر برثن الأسد. قال: ~~هذا والله أحب إلي من مدح مائة قافية، وأمر لي بعشرة آلاف درهم. # وكانت وفاة عبد الله بن طاهر في سنة ثلاثين ومائتين، في أيام الواثق. ~~PageV01P033 وذكر أحمد بن أبي داود، أن محمد بن عبد الملك، أشار على ~~الواثق، لما ورد الخبر بوفاة عبد الله ابن طاهر، أن يخرج إسحق بن إبراهيم ~~بن مصعب إلى خراسان، مكان عبد الله، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يكتب كتبه ~~وينظر تجهيزه. قال: ووجه إلي الواثق فحضرت الدار، فرأيت محمد بن عبد الملك ~~وإسحق بن إبراهيم جالسين، ومحمد يكتب الكتاب. فلما رآني، قلبه. فتفاءلت أن ~~الذي هما فيه سينقلب. ودخلت إلى الواثق، فذكر لي خبر وفاة عبد الله بن ~~طاهر، وأنه قد عمل على إخراج إسحق إلى خراسان، وأن يضم إليه خمسة آلاف رجل ~~من الجند ويطلق أرزاقهم، وأن يطلق لاسحق خمسة آلاف ألف درهم معونة. فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، إسحق رهينة القوم عندك، فإن أخرجته لم يكن في يدك من ~~القوم شيء؛ والجند، فأنت محتاج إلى الزيادة فيهم، فكيف تفرقهم، لا سيما مع ~~ما ينفق فيهم، وإخراج هذه الأموال لا وجه له. وها هنا ما هو خير من ذلك. ~~قال: وما هو ؟ قلت: طومار بدرهمين تكتب فيه إلى طاهر بن عبد الله بالتعزية ~~عن أبيه وبتجديد الولاية له، وتربح ما تنفقه، وتكون قد أتممت الصنيعة عند ~~عبد الله وولده وأحسنت الخلافة فيه. فقال: الصواب ما قلت ! وأمر محمد بن ~~عبد الملك بذلك والاضراب عما كان عمل عليه. # وكانت مدة حياة عبد الله بن طاهر، ثمانيا وأربعين سنة. # فأما طاهر بن الحسين، فكان من سروات الناس، وذوي الراي والبأس، سماه ~~المأمون بذي اليمينين، فكان يكتب وكاتب بها. # وسأل المعتصم جماعة من خواصه عن معنى تسمية ms059 طاهر بذي اليمينين فلم ~~يعرفوه. فقال محمد بن عبد الملك: معناه: ذو الاستحقاقين، استحقاق بجده ودنو ~~في الدولة، وكان أحد النقباء؛ واستحقاق بما له في دولة المأمون. قال الله ~~تعالى: لأخذنا منه باليمين أي بالاستحقاق. وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # ذكر جبهان الشيعي، قال: كان الحسين بن مصعب جيد الرأي حسن الاصابة بالظن. ~~قال: كنت يوما في دار علي بن عيسى بن ماهان وقد أمر بطاهر بن الحسين، فشد ~~بحبل إلى سارية، فقال لي الحسين: أما ترى هذا المشدود، يعني ابنه، ليقتلن ~~صاحب هذا القصر. فجرى هذا القول عندي مجرى الهزل. ثم كان من أمرهما ما كان، ~~فعجبت من قول الحسين. # قال: ولما أنفذ الأمين علي بن عيسى بن ماهان في الجيوش إلى خراسان، لأخذ ~~المأمون وإنفاذه إليه، عقد المأمون لطاهر بن الحسين على أربعة آلاف، ووجهه ~~إلى الري لحرب علي بن عيسى. فكتب إليه علي بن عيسى أن يقيم له الميرة ولم ~~يكن يظن أنه يحاربه. # قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: فحدثني عبد الرحمن بن فهم، عن عمه، ~~قال: شخصت أريد المأمون، فدفعت إلى عسكر طاهر يوم الوقعة، فرأيته يعبىء ~~الصفوف، ويذهب ويجيء، وبيده كسر من خبز. ومع غلام له كوز من رصاص فيه ماء. ~~فقلت: أيها الأمير، ليس هذا وقت أكل ! قال: معذرة إليك وإلى من لا يعرف ~~خبري. ما دخل جوفي طعام منذ ثلاث، لشغلي بهذا الأمر، وتخوفت أن أحتاج إلى ~~نفسي فتخونني في هذا الوقت. ففعلت ما رأيت. فقلت: الأمير أخبر بما يعاني. # قال عبيد الله: وحدثني جماعة من شيوخنا، قال: لما أقبل جيش علي، كان صاحب ~~علمهم حاتم الطائي، وكان قد ضرب ثمانمائة سوط حتى ذهب لحم اليتيه. وكان ~~عظيم الخلق شديد البأس، وكان له أربعة غلمان يحملونه حتى يقعد في سرجه، ~~فإذا استوى في سرجه عد بألف فارس. قال طاهر: فجعلته وكدي وحملت عليه. فلما ~~دونت منه، إذا به كفرا في الحديد لا تخلص إليه الضربة. ms060 فرأيت أمرا هالني. ~~فقلت: ليس إلا أن أضربه على البيضة، فإن عمل السيف فيها، وإلا فهو التلف. ~~فجمع يدي ثم ضربته على رأسه. فقددت البيضة والرأس، حتى نشب السيف بين ~~ثناياه. قال: فلما قتل حاتم، اضطرب القوم. وكان علي بن عيسى راكبا في قبة، ~~فنزل عنها وقدم إليه شهري أصدأ أرجل ليركبه، فطعنه داود سياه قبل أن يتمكن ~~في سرجه فقتله وهو لا يعرفه. وصار إلى طاهر فقال: قد قتلت قاضي العسكر، ثم ~~أتى برأسه. فنادى منادي طاهر: من أخذ شيئا فهو له، وبرئت الذمة ممن سفك ~~الدماء. وكتب إلى المأمون وذي الرئاستين: كتابي، ورأس علي بن عيسى بين يدي، ~~وخاتمه في إصبعي، والسلام. # ثم سار طاهر إلى بغداد، فكان من أمره ما كان. PageV01P034 قال: وكان ~~المأمون عند دخوله إلى بغداد قد سخط على محمد بن أبي العباس الطوسي، ~~فاستعاذ بطاهر بن الحسين، وكان له صديقا، وسأله سؤال المأمون في الصفح عنه ~~وكان يحجبه على النبيذ فتح الخادم، وياسر يتولى الخلع، وحسين يسقي، وأبو ~~مريم غلام سعيد الجوهري يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار، فدخل فتح، ~~فقال: طاهر بالباب ! فقال: أنه ليس من أوقاته، إيذن له. فدخل طاهر إلى ~~المأمون وهو يشرب. فسقاه رطلا وأمره بالجلوس. فقال: يا أمير المؤمنين ليس ~~لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيده. فقال المأمون: ذاك في مجلس العامة، فأما ~~في مجلس الخاصة فالجلوس له مطلق ثم سقاه رطلين آخرين وبكى المأمون وتغرغرت ~~عيناه. فقال له طاهر لم تبكي يا أمير المؤمنين، لا أبكى الله عينك، وقد ~~دانت لك البلاد وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمورك ؟ فقال: أبكي ~~لأمر في ذكره ذل وفي ستره حزن. وما يخلو أحد من شجو. فتكلم بحاجة إن كانت ~~لك ! فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ، فأقله عثرته وارض ~~عنه. قال: قد رضيت عنه وأمرت بصلته ورد مرتبته، ولولا أنه ليس من أهل الأنس ~~لأحضرته ! فشكر ذلك، ودعا للمأمون وانصرف، وقد شغل قلبه ms061 بكاؤه. فقال لمروان ~~بن جبغويه كاتبه: إن للكتاب لطافة، وأهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض. فخذ معك ~~ثلاثمائة ألف درهم، فأعط الحسين الخادم مائتي ألف، أعط كاتبه محمد بن هرون ~~مائة ألف، وتسأله أن يسأل أمير المؤمنين لم بكى ؟ قال: ففعل ذلك. فلما خلا ~~الحسين بالمأمون من غد، وطابت نفسه، سأله عن سبب بكائه. فقال له: ولم سألت ~~عن ذلك ؟ فقال: لغمي به وتنغصي من أجله. فقال: يا حسين هو شيء إن خرج من ~~رأسك قتلتك ! فقال: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سرا ؟ فقال: لما رأيت طاهرا، ~~ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الافاضة، ~~ولن يفوت طاهرا مني ما يكره. قال: فأخبر محمد بن هرون طاهرا بذلك. فركب ~~طاهر إلى أحمد بن أبي خالد وهو الوزير فقال له: إن المعروف عندي غير ضائع ~~والثناء مني ليس برخيص. فغيبني عن أمير المؤمنين. فقال له: بكر إلي غدا ~~فإني سأفعل. فغدا عليه وغدا ابن أبي خالد على المأمون. فلما وصل إليه قال: ~~إني ما نمت البارحة ! قال: ولم ويحك ؟ قال ! لأنك وليت غسان بن عباد ~~خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس. فأخاف أن يخرج عليه خارجي فيصطلمه. قال: لقد ~~فكرت فيما فكرت فيه. فمن ترى ؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك يا أحمد، هو ~~والله خالع. قال: أنا الضامن له. فلم يزل به حتى أجابه، ودعا بطاهر من ~~ساعته، فعقد له وشخص من يومه. فنزل بستان خليل بن هشام، وذلك يوم الجمعة ~~لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين. # فلما حصل طاهر بن الحسين بخراسان، وكانت الشراة قد كثرت هناك واشتد ~~أمرهم، فكتب إليه المأمون كتبا كثيرة يحثه على مناهضتهم وينكر عليه تضجعه ~~في أمرهم. فكتب طاهر يذكر غلظ أمرهم وقوة شكوتهم، وإنه يحتاج إلى زيادة عدة ~~في رجاله ليلقاهم. فأحفظ ذلك المأمون، فكتب إليه يغلظ له ويقول: لهممت أن ~~أردك إلى حيث أبيك. فذكر كلثوم بن ثابت بن أبي سعد وكان يكنى أبا سعدة، ~~وكان يتقلد ms062 البريد على طاهر بن الحسين بخراسان، أنه جلس يوم الجمعة بالقرب ~~من المنبر لما تبين ما حدث من طاهر عند ورود ما ورد عليه. فصعد طاهر المنبر ~~فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: اللهم أصلح أمة ~~محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى فيها وحشد عليها من لم ~~الشعت وحقن الدماء واصلاح ذات البين. قال: فعلمت أني أول مقتول، لأنني لم ~~أكن أقدر على ستر الخبر ولم يكن يستتر كتابي عن طاهر. فانصرفت واغتسلت بغسل ~~الموتى، وائتزرت بازار، ولبست قميصا وارتديت رداء وطرحت السواد فحملت نفسي ~~على أن كتبت إلى المأمون، فأتى الله من صنعه بقرب وفاة طاهر بما لم أحتسبه. # ولما ورد الخبر على المأمون بذلك، شق عليه، ودعا أحمد بن أبي خالد وقال ~~له: قد كنت قلت لك في طاهر لما أشرت بتقليده خراسان ما كنت أعلم به، فضمنت ~~ما يكون. وبالله، لئن لم تتلطف لاصلاح أمره كما كنت ضمنت فساده، لأضربن ~~عنقك، فأهدى ابن أبي خالد إلى طاهر هدايا وألطافا، وفيها كامخ أبيض مسموم ~~لعلمه بإعجابه به. فلما وصلت الهدايا إلى طاهر، أكل من الكامخ بتدارج ~~مشوية، فمات بعد يومين. PageV01P035 وكان مولد طاهر بن الحسين في المحرم، ~~سنة تسع وخمسين ومائة. ووفاته سنة سبع ومائتين. # ولما مات، شغب الجند بخراسان، وانتهبوا خزائن طاهر. فقلد المأمون مكانه ~~طلحة ابنه، ووجه بأحمد بن أبي خالد إلى خراسان ليعاونه في إصلاح الأمر. ~~فصار إلى هناك، وأصلح الأمور، وسكن اضطرابها. ووجه إليه طلحة بثلاثة آلاف ~~درهم وعروضا بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسة آلاف ~~درهم. # دير السوسي # وهذا الدير لطيف على شاطىء دجلة، بقادسية سر من رأى. وبين القادسية وسر ~~من رأى أربعة فراسخ، والمطيرة بينهما. وهذه النواحي كلها متنزهات وبساتين ~~وكروم. والناس يقصدون هذا الدير ويشربون في بساتينه. وهو من مواطن السرور ~~ومواضع القصف واللعب. # ولابن المعتز، فيه: # يا ليالي بالمطيرة والكر ... خ وجير السوسي بالله عودي # كنت عندي أنموذجات ms063 من الجن ... ة، لكنها بغير خلود # والقادسية، من أحسن المواضع وأنزهها، وهي من معادن الشراب ومناخات ~~المتطربين، جامعة لما يطلب أهل البطالة والخسارة. وبالقادسية بنى المتوكل ~~قصره المعروف ببركوار، ولما فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتز، وجعل أعذاره ~~فيه. وكان من أحسن أبنية المتوكل وأجلها. وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف ~~درهم. # قال: ولما صح عزمه على إعذار أبي عبد الله المعتز، أمر الفتح بن خاقان ~~بالتأهب له، وأن يلتمس في خزائن الفرش بساطا للايوان في عرضه وطوله، وكان ~~طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعا. فلم يوجد إلا فيما قبض عن بني أمية، ~~فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الايوان وعرضه. وكان بساطا ~~ابريسما غرز مذهب مفروز مبطن؛ فلما رآه المتوكل، أعجب به وأراد أن يعرف ~~قيمته. فجمع عليه التجار، فذكر أنه قوم على أوسط القيم عشرة آلاف دينار. ~~فبسط في الايوان، وبسط لخليفة في صدر الايوان سرير، ومد بين يديه أربعة ~~آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر والند والكافور المعمول ~~على مثل الصور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفردا، ومنها ما عليه ذهب وجوهر ~~وجعلت بساطا ممدودا، وتغدى المتوكل والناس، وجلس على السرير، وأحضر الأمراء ~~والقواد والندماء وأصحاب المراتب فأجلسوا على مراتبهم، وجعل بين صوانيهم ~~والسماط فرجة. وجاء الفراشون بزبل قد غشيت بأدم مملوءة دنانير ودراهم ~~نصفين، فصبت في تلك الفرج حتى ارتفعت. وقام الغلمان فوقها، وأمروا الناس عن ~~الخليفة بالشرب، وأن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك ~~المال. فكان إذ أثقل الواحد منهم ما اجتمع في كمه أخرج إلى غلمانه فدفعه ~~إليهم وعاد إلى مجلسه. وكلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملأونه به حتى ~~يعود إلى حاله. وخلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد، وأقاموا إلى أن ~~صليت العصر والمغرب وحملوا عند انصرافهم على الأفراس والشهاري. وأعتق ~~المتوكل عن المعتز ألف عبد، وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاثة أثواب. ~~وكان في صحن الدار بين ms064 يدي الايوان أربعمائة بلية عليهن أنواع الثياب، وبين ~~يديهن ألف نبيجة خيزران، فيها أنوا ع الفواكه من الأترج والنارنج على قلته ~~كان في ذلك الوقت والتفاح الشامي والليموه وخمسة آلاف باقة نرجس وعشرة آلاف ~~باقة بنفسج. وتقدم إلى الفتح بأن ينثر على البليات وخدم الدار والحاشية ما ~~كان أعده لهم وهو عشرون ألف ألف درهم، فلم يقدم أحد على التقاط شيء، فأخذ ~~الفتح درهما، فأكبت الجماعة على المال فنهب. وكانت قبيحة قد تقدمت بأن تضرب ~~دراهم، عليها: بركة من الله، لاعذار أبي عبد الله المعتز بالله. فضرب لها ~~ألف ألف درهم نثرت على المزين ومن في حيزه والغلمان والشاكرية وقهارمة ~~الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان. # وكان ممن حضر المجلس ذلك اليوم، محمد بن المنتصر، وأبو أحمد وأبو سليمان ~~ابنا الرشيد، وأحمد والعباس ابنا المعتصم، وموسى بن المأمون، وابنا حمدون ~~النديم، وأحمد بن أبي رؤيم، والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم، وعلي بن ~~يحيى المنجم، وأخوه أحمد. # ومن المغنين: عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، ~~سلمك الرازي، عثعث، سليمان الطبال، المسدود؛ أبو حشيشة، ابن القصار، صالح ~~الدفاف، زنام الزامر، تفاح الزامر. PageV01P036 ومن المغنيات: عريب، بدعة ~~جاريتها، سراب، شارية وجواريها، ندمان، منعم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان. # قال إبراهيم بن المدبر: لما طهر المعتز، اجتمع مشايخ الكتاب بين يدي ~~المتوكل. وكان فيهم يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله إذ ذاك الوزير وهو واقف ~~موقف الخدم بقباء ومنطقة. وكان يحيى لا يشرب النبيذ. فقال المتوكل لعبيد ~~الله: خذ قدحا من تلك الأقداح واصبب فيه نبيذا وصير على كتفك منديلا وامض ~~إلى أبيك يحيى فضعه في كفه. قال: ففعل. فرفع يحيى رأسه إلى ابنه، فقال ~~المتوكل: يا يحيى، لا ترده. قال: لا يا أمير المؤمنين، ثم شربه وقال: قد ~~جلت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك الله النعمة ولا سلبنا ما أنعم به ~~علينا منك. فقال: يا يحيى، إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ~~ولي ms065 عهد ! وقال إبراهيم بن العباس: سألت أبا حرملة المزين في هذا اليوم، ~~فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام ؟ فقال: نيف وثمانون ألف دينار، سوى ~~الصياغات والخواتيم والجواهر العتيدات. # قال: وأقام المتوكل ببركوارا ثلاثة أيام، ثم أصعد إلى قصره الجعفري. ~~وتقدم بإحضار إبراهيم بن العباس، وأمره أن يعمل له عملا بما أنفق في هذا ~~الاعذار، ويعرضه عليه. ففعل ذلك. فاشتمل العمل على ستة وثمانين ألف ألف ~~درهم. # وكان الناس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران، حتى أرخ ~~ذلك في الكتب، وسميت دعوة الاسلام. ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك. # وكانت الدعوات المشهورة في الاسلام، ثلاثا لم يكن مثلها. فمنها: دعوة ~~المعتز هذه المذكورة. ومنها عرس زبيدة بن جعفر بن أبي جعفر. فإن المهدي، ~~زوج ابنه الرشيد بأم جعفر ابنة أخيه، فاستعد لها ما لم يستعد لامرأة قبلها ~~من الآلة وصناديق الجوهر والحلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب ~~والطيب والكسوة. وأعطاها بدنة عبدة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة ~~هشام، ولم ير في الاسلام مثلها ومثل الحب الذي كان فيها. وكان في ظهرها ~~وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس مثله. ودخل بها ~~الرشيد في المحرم سنة خمس وستين ومائة، في قصره المعروف بالخلد. وحشر الناس ~~من الآفاق وفرق فيهم من الأموال أمر عظيم. فكانت الدنانير تجعل في جامات ~~فضة، والدراهم في جامعات ذهب، ونوافج المسك وجماجم العنبر والغالية في ~~بواطي زجاج، ويفرق ذلك على الناس، ويخلع عليهم خلع الوشي المنسوجة، وأوقد ~~بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار الذهب. وأحضر نساء بني هاشم، ~~وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة ~~وفضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشي مثقل. فلم ير في الاسلام مثلها. وبلغت ~~النفقة في هذا العرس من بيت مال الخاصة، سوى ما أنفقه الرشيد من ماله، ~~خمسين ألف ألف درهم. # واسم زبيدة أمة العزيز. وزبيدة لقب. وكان ms066 أبو جعفر يرقصها وهي صغيرة، ~~وكانت سمينة، ويقول: ما أنت إلا زبيدة، ما أنت إلا زبيدة. فمضى عليها هذا ~~الاسم. # ومنها عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، بفم الصلح. وكانت النفقة ~~عليه أمرا عظيما. وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس، فقالت: ما ~~بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سعة وثلاثين ألف ألف. فبلغ الحسن بن سهل، ~~فقال: كأن النفقة على يد زبيدة ! أنفقنا خمسة وثلاثين ألف ألف، وكان يجري ~~في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح. # وكان دخولها في المدينة التي بناها بفم الصلح على شاطىء دجلة، لثمان خلون ~~من شهر رمضان سنة عشر ومائتين. # قال: وأمهر المأمون بوران مائة ألف دينار وخمسة آلاف ألف درهم، وأوقد بين ~~يديه تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر وكثر دخانها. فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من ~~المروءة لكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع. # قال: ولما جليت بوران على المأمون، نثر عليها حبا كبارا كان في كمه، فوقع ~~على حصير ذهب كان تحته. فقال: لله در الحسن بن هانىء، ما أعظمه من شاعر ~~فصيح حيث يقول: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # قال: وامتنع من كان حاضرا أن يلتقط شيئا. فقال المأمون: أكرمنها ! فمدت ~~زبيدة يدها فأخذت حبة، فالتقط من حضر الباقي. PageV01P037 وكان اسم بوران، ~~خديجة. وكانت وفاتها في سنة إحدى وسبعين ومائتين، في أيام المعتمد، ولها ~~ثمانون سنة. # ولبوران، ترثي المأمون: # أسعداني على البكا مقلتيا ... صرت بعد الامام للهم فيا # كنت أسطو على الزمان فلما ... مات، صار الزمان يسطو عليا # ذكر ابن خرداذبه: أن المتوكل، أنفق على الأبنية التي بناها، وهي: ~~بركوارا، والشاة، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والجعفري، والغريب، ~~والبديع، والصبيح، والمليح، والسندان، والقصر، والجامع، والقلاية، والبرج، ~~وقصر المتوكلية، والبهو، واللؤلؤة: مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف ~~درهم. ومن العين مائة ألف ألف دينار. تكون قيمة الورق عينا بصرف الوقت مع ~~ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف دينار ms067 وخمسمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ~~ألف دينار. # قال: شرب المتوكل يوما في بركوارا، فقال لندمائه: أرأيتم إن لم يكن أيام ~~الورد لا نعمل نحن شاذكلاه ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يكون الشاذكلاه ~~إلا بالورد. فقال: بلى. أدعوا لي عبيد الله بن يحيى. فحضر، فقال: تقدم بأن ~~تضرب لي دراهم، في كل درهم حبتان. قال: كم المقدار يا أمير المؤمنين ؟ قال: ~~خمسة آلاف ألف درهم. فتقدم عبيد الله في ضربها، فضربت، وعرفه الخبر. فقال: ~~اصبغ منها بالحمرة والصفرة والسواد، واترك بعضها على حاله. ففعل. ثم تقدم ~~إلى الدم والحواشي، وكانوا سبعمائة، أن يعد كل واحد منهم قباء جديدا ~~وقلنسوة على خلاف لون قباء الآخر وقلنسوته، ففعلوا. ثم عمد إلى يوم تحركت ~~فيه الريح، فنصبت له قبة لها أربعون بابا، فاصطبح فيها، والندماء حوله. ~~ولبس الخدم الكسوة التي أعدها، وأمر بنثر الدراهم كما ينثر الورد. فنثرت ~~أولا أولا، فكانت الريح تحمل الدراهم فتقف بين السماء والأرض كما يقف ~~الورد. فكان من أحسن أيام المتوكل وأظرفه. # وكان البرج من أحسن ابنيته. فجعل فيه صورا عظاما من الذهب والفضة، وبركة ~~عظيمة جعل فرشها ظاهرها وباطنها صفائح الفضة، وجعل عليها شجرة ذهب، فيها كل ~~طائر يصوت ويصفر، مكللة بالجوهر، وسماها طوبى. وعمل له سرير من الذهب كبير، ~~عليه صورتا سبعين عظيمين، ودرج عليها صور السباع والنسور وغير ذلك، على ما ~~يوصف به سرير سليمان بن داود عليهما السلام. وجعل حيطان القصر من داخل ~~وخارج ملبسة بالفسيفساء والرخام المذهب. فبلغت النفقة على هذا القصر ألف ~~ألف وسبعمائة ألف دينار. وجلس فيه على السرير الذهب، وعليه ثياب الوشي ~~المثقلة. وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا في ثياب وشي منسوجة أو ديباج ظاهره. ~~وكان جلوسه فيه في سنة تسع وثلاثين ومائتين. ثم دعا بالطعام، وحضر الندماء ~~وسائر المغنين والملهين، وأكل الناس. ورام النوم فما تهيأ له. فقال له ~~الفتح: يا مولاي، ليس هذا يوم نوم. فجلس للشرب. فما كان الليل، رام النوم، ~~فما أمكنه، فدعا بدهن بنفسج، فجعل ms068 منه شيئا على رأسه وتنشقه فلم ينفعه. ~~فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم ينم. ثم حم حمى حادة. فانتقل إلى الهاروني قصر ~~أخيه الواثق، فأقام به ستة أشهر عليلا، وأمر بهدم البرج وضرب تلك الحلي ~~عينا. # دير مرمار # وهذا الدير بسر من رأى، عند قنطرة وصيف. وهو دير عامر كثير الرهبان. حوله ~~كروم وشجر. وهو من المواشع النزهة والبقاع الطيبة الحسنة. # وللفضل بن العباس بن المأمون، فيه: # أنضيت في سر من رى خيل لذاتي ... ونلت فيها منى نفسي وشهواتي # عمرت فيها بقاع اللهو منغمسا ... في القصف ما بين أنهار وجنات # بدير مرمار إذ نحيي الصبوح به ... ونعمل الكاس فيه بالعشيات # بين النواقيس والتقديس آونة ... وتارة بين عيدان ونايات # وكم به من غزال أغيد غزل ... يصيدنا باللحاظ البابليات PageV01P038 وذكر ~~الفضل هذا، أنه خرج ذات يوم مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب أنا ~~وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في ~~هذا الدير راهبا أعرفه له مودة حسنة خفيفة الروح. وفيه آلات جميلة. فهل ~~لأمير المؤمنين أن نعدل إليه ؟ قال: افعل. فصرنا إلى الديراني، فرحب بنا ~~وتلقانا أجمل لقاء، وجاءنا بماء بارد فشربنا. وعرض علينا النزول عنده وقال: ~~تبتردون عندنا ونحضركم ما تيسر في ديرا فتنالون منه ؟ فاستظرفه المعتز وقال ~~انزل بنا إليه. فنزلنا. فسألني الديراني عن المعتز ويونس بن بغا. فقلت هما ~~فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور ! فقلت: هذا ليس من ~~دينك ولا اعتقادك ! قال: هو الآن من ديني واعتقادي ! فضحك المعتز. ثم جاءنا ~~بخبز وأشاطير وما يكون مثله في الديارات، فكان من أنظف طعام وأطيبه وأحسن ~~آنية. فأكلنا وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه: من تحب أن ~~يكون معك من هذين ولا يفارقك ؟ قال: فقلت له، فقال: كلاهما وتمرا فضحك ~~المعتز حتى مال على حائط الدير من الضحك. فقلت: للديراني: لا بد من أن ~~تختار. فقال: الاختيار في هذا دمار ! ما خلق الله عقلا يميز بين ms069 هؤلاء. ثم ~~لحقنا الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي، لا تنقطع عما كنا ~~فيه، فإني لمن ثم مولى ولمن ها هنا صديق. فجلسنا ساعة، وأمر له المعتز ~~بخمسين ألف درهم. فقال: والله لا قبلتها إلا على شرط. قال: وما هو ؟ قال: ~~يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أحب. قال: ذاك إليك. فاتفقنا ليوم جئناه ~~فيه على ما أحب. فلم يبق غاية، وأقام بمن كان معه، وجاء بأولاد النصارى ~~فخدمونا أحسن خدمة. فسر المعتز سرورا ما رأيته سر مثله. ووصله في ذلك اليوم ~~بمال كثير، ولم يزل يطرقه إذا اجتاز به ويأكل عنده ويشرب مدة حياته. # قال: وكان المعتز سمح الأخلاق، واسع النفس، له أدب وفهم، ويقول شعرا ~~صالحا. وكان يحب يونس بن بغا ولا يصبر عنه. وكان هو ويونس بن بغا من أحسن ~~الناس وجها وأجملهم، ولم يكن في خلفاء بني العباس أحسن وجها من الأمين ~~والمعتز، وكان يضرب بهما المثل في الحسن والجمال. # قالت عريب: كنت لمحمد الأمين وصيفة في عداد الوصائف، ألبس قباء ومنطقة ~~وأقوم على رأسه وربما سقيته. وسني إذ ذاك سبع عشرة سنة. وكان أحسن خلق ~~الله، لم نر ذكرا ولا أنثى مثله جمالا وحسنا مع حسن خلق. قال أحمد بن عبد ~~الله بن إسماعيل المراكبي، وهو ابن مولاهما: أين كان المعتز منه ؟ فقد ~~رأيناه ولم نر الأمين. قالت: كان المعتز فيه لمحة منه، وأما مثله فلم يكن. # قال: وكان إلف المعتز ليونس بن بغا إلف الصبا. فلم يكن يفارقه، ولا يصبر ~~عنه. وله فيه أشعار كثيرة، فمن ذلك: # إني عرفت دواء الطب من وجعي ... وما عرفت دواء المكر والخدع # جزعت للحب والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي # من كان يشغله عن إلفه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي # وكان المعتز يشرب على بستان مملوء بالنمام، وبين النمام شقائق النعمان، ~~فأقبل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر، فقال المعتز: # شبهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام # ثم قال: أجيزوا. ms070 فبدر بنان المغني، فقال: # والقد منه إذا بدا متثنيا ... بالغصن في لين وحسن قوام # فقال: غن فيه الآن. فعمل فيه لحنا وغناه إياه. # قال: وشرب المعتز يوما ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون ~~بين يديه. وقد أعد الخلع والجوائز، فدخل بغا، فقال: يا سيدي، والدة عبدك ~~يونس في الموت، وهي تشتهي أن تراه فأذن له، فخرج. وفتر المعتز وتغير ثم نعس ~~فنام، ونام الجلساء وتفرق المغنون. فلما كان وقت المغرب وعاد المعتز إلى ~~مجلسه عاد يونس وبين يديه الشمع. فلما رآه المعتز دعا برطل فشربه وسقاه ~~مثله. ثم عاد الندماء وغناه المغنون ورجع المجلس إلى أحسن مما كان فيه، ~~فقال المعتز: # تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح # وإن كنت عذبتني ... بأنك لا تسمح # فأصبحت ما بين ذي ... ن لي كبد تجرح # على ذاك يا سيدي ... دنوك لي أصلح PageV01P039 ثم قال: غنوا فيه فجعلوا ~~يفكرون. فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري: ويلك ! ألحان الطنبور ~~أصلح وأخف، فغن فيه أنت، فغناه فيه لحنا، فدفع إليه دنانير الخريطة وهي ~~مائة دينار مكية فيها مائتان، مكتوب على كل دينار مها: ضرب هذا الدينار ~~بالجوسق لخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله. ثم دعا بالخلع والجواهر لسائر ~~الناس. # قال: واصطبح المعتز يوما ويونس بن بغا. وما رثي وجهان قط مثلهما حسنا. ~~فما مضت ثلاث ساعات حتى سكرا، فقال المعتز: # ما إن ترى منظرا إن شئته حسنا ... إلا صريعا تهاوى بين سكرين # سكر الشباب وسكر من هوى رشا ... تخاله والذي يهواه غصنين # ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين. # ومن شعره في يونس، وفيه لحن في طريقة الرمل: # علموني كيف أجفو ... ك على رغم من انفى # وجفائي لك يا يو ... نس مقرون بحتفي # غير أن الله قد يع ... لم ما أبدي وأخفي # فوقاني الله فيك الده ... ر أن يأتي بصرف # قال هرون بن عبد العزيز بن المعتمد: حدثني سعيد بن يوسف كاتب أبي، قال: ~~كنت أتقلد خزائن الكسوة، وكان إذا أمر المعتز ليونس بشيء أخذت له أجل ms071 ما في ~~الخزائن وأحسنه. وكان يبرني فلا أقبل بره. وربما دخل الخزانة فنجرته ~~ومازحته. فقلت له يوما يا سيدي، أنا عبدك وموفر لمالك، وأنت تشرف مسرور ~~المعتصمي بالتحية الحسنة مما يكون بين يدي أمير المؤمنين، وأنا فلا تشرفني ~~بمثل ذلك. فقال: الليلة نوبتك ! فلما كان في الليل، بعث إلي بوصيف الخادم ~~ومعه صينية ذهب فيها خوخ. فقل في نفسي ثم كبر إذ كان من مجلس الخليفة. ~~فأخذت واحدة فنظرتها، فإذا هي قد شقت، وأخرج ما فيها وجعل مكانه ند معجون ~~على مقدار ما كان فيها. فأجرت ما في جميعه، فكان شيئا كثيرا. # وللمعتز في يونس وقد خرج وعاد: # الله يعلم يا حبيبي أنني ... مذ غبت عني هائم مكروب # يدنو السرور إذا دنا لك منزل ... ويغيب صفو العيش حين تغيب # وكانت البيعة للمعتز، يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ~~ومائتين، وخلع لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. وقتل بعد الخلع ~~بخمسة أيام، وسنه أربع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوما. # قال: وكانت قبيحة حرضت المعتز على الأتراك، وقالت: يا بني، أقتلهم في كل ~~مكان. وأخرجت إليه قميص أبيه المتوكل مخضبا بدمائه. فقال: يا أماه ! إرفعيه ~~وإلا صار القميص قميصين. # وذكر أحمد بن حمدون، قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتا ~~قدرته له أمه ومثلت حيطانه وسقوفه، فكان أحسن بيت رئي. قال: فدعانا المعتز ~~إليه، فكنا في أحسن يوم رئي سرورا. وخلف الستارة مغنية تغني أحسن غناء ليس ~~لي بها عهد. قال: فنحن في ذاك، إذ دخل علينا خادم في يده طبق عليه مكبة. ~~فوضعه في وسط البيت، وكان في يد المعتز قدح فشربه وشربنا، ثم قال للخادم: ~~إرفع المكبة، فإذا رأس المستعين في الطبق. فلما رأيته شهقت وبكيت. فقال لي ~~المعتز: يا ابن الفاعلة، ما هذا ؟ كأنك داخلتك له رقة. فثاب إلي عقلي ~~وتماسكت وقلت: ما كان لرقة، ولكني ذكرت الموت ! فأمر الغلام برد المكبة ~~ورفع الطبق. فرفعه. وكأن المعتز داخلته فترة، وكذلك ms072 جميع من حضر، وافترقنا ~~عن الحال التي كنا عليها من السرور. قال: فنحن كذلك، إذ سمعنا وراء الستر ~~ضجة أفزعتنا، فإذا امرأة تصيح وامرأة أخرى تشتم الصائحة، والصائحة تقول: يا ~~قوم، أخذتموني غصبا ثم تجيئوني برأس مولاي فتضعونه بين يدي. فسمعنا صوت ~~العود قد ضرب به رأسها. قال: وكان الشاتم لها والضارب قبيحة، وكانت الجارية ~~من جواري المستعين. قال: فانصرفنا عن المجلس أقبح انصراف وقد تنغص علينا ما ~~كنا فيه. ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وثب الأتراك على المعتز فقتلوه، ثم ~~دعى بنا لننظر إليه، فدخلنا عليه في ذلك البيت، فإذا هو ممدود في وسطه ~~ميتا. # دير مريحنا PageV01P040 وهذا الدير إلى جانب تكريب، على دجلة. وهو كبير ~~عامر كثير القلايات والرهبان، مطروق مقصود، لا يخلو من المتطربين ~~والمتنزهين ولا من مسافر ينزله. ولكل من طرقه من الناس ضيافة قائمة على قدر ~~المضاف لا يخلون بها. وله مزارع وغلات كثيرة وبساتين وكروم. وهو للنسطور. ~~وعلى بابه صومعة عبدون الراهب، رجل من الملكية، بنى الصومعة ونزلها فصارت ~~تعرف به. وهو الآن المستولي على الدير والقيم به وبمن فيه. وقد بنى إلى ~~جانبه بناء ينزله المجتازون، فيقيم لهم الضيافة ويحسن لهم القرى. وقد قيل ~~في هذا الدير أشعار ووصف طيبه ونزهته. فمن ذلك قول عمرو بن عبد الملك ~~الوراق: # أرى قلبي قد حنا ... إلى دير مريحنا # إلى غيطانه الفيح ... إلى بركته الغنا # إلى ظبي من الأنس ... يصيد الأنس والجنا # إلى غصن من البان ... به قلبي قد جنا # إلى أحسن خلق الله ... إن قدس أو غنا # فلما انبلج الصبح ... بزلنا بيننا دنا # فلما دارت الكأس ... أدرنا بيننا لحنا # ولما هجع السما ... ر نمنا وتعانقنا # وكان عمرو هذا من الخلعاء المجان، المنهمكين في البطالة والخسارة ~~والاستهتار بالمرد والتطرح في الديارات: وله شعر كثير في المجون ووصف ~~الخمر. وقد ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. فمن شعره قوله: # وحظية فيها العطب ... غاليت فيها بالعطب # أتلفت فيها ما كسب ... ت وما جمعت من النشب # ما زلت حتى ms073 نلتها ... في بيت مضطرب الخشب # ومدامة كرخية ... حمراء من ماء العنب # عاقرتها في فتية ... ليسوا على دين العرب # في معشر مهروا المجا ... نة في اللذاذة والطرب # جعلوا المجانة سترة ... للعاذلين على الرتب # تمضي الصلاة عليهم ... والسكر منهم في العصب # فإذا تنبه من تنب ... ه كان منها في الطلب # وإذا مضت صلواتهم ... صلوا جمادى في رجب # ومن شعره في المجون أيضا: # أيها السائل عني ... لست من أهل الصلاح # أنا إنسان مريب ... أشتهي نيك الملاح # قد قسمت الدهر يو ... مين. لفسق ولراح # لا أبالي من لحاني ... لا أطيع الدهر لاح # ومن مجونه أيضا: # إذا أنت لم تشرب عقارا ولم تلط ... فأنت لعمري والحمار سواء # ولم تمل بيتا من قحاب ولم يبت ... فراشك أرضا ما عليه غطاء # ولم تك بالشطرنج عبدا مقامرا ... وفي النرد عند الخصل منك وفاء # ولم تك في لعب النوى متماحكا ... فتسلب مالا أو يكون نواء # ولم تتخذ كلبا وقوسا وبندقا ... وبرج حمام لم يصبك رخاء # ولم تدر ما عيش ولم تلق لذة ... فأنت حمار ليس فيك مراء # فإن أنت لم تفطن لعيش جهلته ... فدونكه ما دام فيك بقاء # وإياك أن تنفك من سكر طافح ... مساؤك صبحا والصباح مساء # ونك من لقيت الدهر منهم ولا يكن ... عليك إذا أعطوك منك إباء # دير صباعي # وهذا الدير شرقي تكريت، مقابل لها، مشرف على دجلة. وهو نزه عامر، له ظاهر ~~عجيب فسيح ومزارع حوله على نهر يصب من دجلة إلى الاسحاقي، وهو خليج كبير. ~~فيقصد هذا الدير من قرب منه في أعياده وأيام الربيع وهو إذ ذاك منظر حسن، ~~فيه خلق كثير من رهبانه وقسانه. # ولبعض الشعراء، فيه: # حن الفؤاد إلى دير بتكريت ... بين صباعي وقس الدير عفريت # دير الأعلى PageV01P041 هذا الدير بالموصل في أعلاها، يطل على دجلة ~~والعروب. وهو دير كبير عامر، يضرب به المثل في رقة الهواء وحسن المستشرف. ~~ويقال إنه ليس للنصارى دير مثله، لما فيه من أناجيلهم ومتعبداتهم. فيه ~~قلايات كثيرة لرهبانه. وله درجة منقورة في الجبل يفضي إلى ms074 دجلة نحو المائة ~~مرقاة، وعليها يستقى الماء من دجلة. وتحت الدير عين كبيرة تصب إلى دجلة، ~~ولها وقت من السنة يقصدها الناس فيستحمون منها، ويذكرون أنها تبرىء من ~~الجرب والحكة وتنفع المقرعين والزمنى. # والشعانين في هذا الدير حسن، يخرج إليه الناس فيقيمون فيه الأيام يشربون. ~~ومن اجتاز بالموصل من الولاة نزله. وقد قالت الشعراء في هذا الدير، ووصفت ~~حسنه ونزهته. # وللثرواني، فيه: # إسقني الراح صباحا ... قهوة صهباء راحا # واصطبح في الدير الأعلى ... في الشعانين اصطباحا # إن من لم يصطبحها اليو ... م، لم يلق نجاحا # ثم قلدني من الزي ... تون والخوص وشاحا # في الشعانين وإن لا ... قيت في ذاك افتضاحا # عظم الأعلام والره ... بان والصلب الملاحا # واجعل البيعة والقص ... ر جميعا مستراحا # لا كمن يمزح بالشهر ... ة والخلع مزاحا # أو دع الشهرة والزم ... كل من يهوى الصلاحا # والزم الجمعة والبك ... رة فيها والرواحا # وكان المأمون، اجتاز بهذا الدير في خروجه إلى دمشق، فأقام به أياما. ~~ووافق نزوله عيد الشعانين. فذكر أحمد بن صدقة، قال: خرجنا مع المأمون، ~~فنزلنا الدير الأعلى بالموصل لطيبه ونزاهته؛ وجاء عيد الشعانين، فجلس ~~المأمون في موضع منه حسن مشرف على دجلة والصحراء والبساتين، ويشاهد منه من ~~يدخل الدير. وزين الدير في ذلك اليوم بأحسن زي. وخرج رهبانه وقسانه إلى ~~المذبح، وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر قد تقلدوا الصلبان وتوشحوا ~~بالمناديل المنقوشة. فرأى المأمون ذلك، فاستحسنه. ثم انصرف القوم إلى ~~قلاليهم وقربانهم، وعطف إلى المأمون من كان معهم من الجواري والغلمان، بيد ~~كل واحد منهم تحفة من رياحين وقتهم، وبأيدي جماعة منهم كؤوس فيها أنواع ~~الشراب. فأدناهم، وجعل يأخذ من هذا ومن هذه تحية، وقد شغف بما رآه منهم، ~~وما فينا إلا من هذه حاله. وهو في خلال ذلك يشرب والغناء يعمل. ثم أمر ~~بإخراج من معه من وصائفه المزنرات، فأخرج إليه عشرون وصيفة كأنهم البدور، ~~عليهن الديباج، وفي أعناقهن صلبان الذهب، بأيديهن الخوص والزيتون. فقال: يا ~~أحمد، قد قلت في هؤلاء أبياتا، فغنني بها، وهي: # ظباء كالدنانير ... ملاح ms075 في المقاصير # جلاهن الشعانين ... علينا في الزنانير # وقد زرفن أصداغا ... كأذناب الزرانير # وأقبلن بأوساط ... كأوساط الزنابير # ثم أخرج نعم جاريته، وكانت وصيفة، فغنت: # وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في كبدي بسهم نافذ # فنعم ظلمتك فاصفحي وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ # وطرب وشرب واستعاد الصوت دفعات، ثم قال لليزيدي: أرأيت أحسن مما نحو فيه ~~؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تشكر من خولك فيزيدك منه ويحفظه عليك. ~~قال: بارك الله عليك فلقد ذكرت في موضع الذكرى. ثم أمر بثلاثين ألف درهم. ~~فتصدق بها للوقت. # وإلى جانب هذا الدير، مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي، ومسجد بنته بنو حمدان ~~يتصل بالقبر. ولعمرو بن الحمق صحبة، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب صلوات ~~الله عليه، وشهد معه مشاهده كلها. وكان معاوية طلبه دهرا، وهو ينتقل من ~~مكان إلى مكان، ثم ظفر به بالموصل، وكان قد سقي بطنه واشتدت علته، فدل عليه ~~عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي وهو ابن أخت معاوية، فكسبه في غار بالموصل ~~وقتله، وحمل رأسه إلى معاوية، وهو أول رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد، ~~ودفنت جثته في هذا الموضع. PageV01P042 وكانت امرأته آمنة بنت الشريد ~~بدمشق، فحبسها معاوية حبسا طويلا. فلما حمل رأس عمرو إليه، وجه به إلى آمنة ~~إلى السجن، وقال للرسول: ألقه في حجرها واحفظ ما تقول. فلما أتاها، ارتاعت ~~له وأكبت تقبله. ثم قالت: واضيعتا في دار هوان، نفيتموه طويلا وأهديتموه ~~إلي قتيلا. فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية، وأنا له غير ناسية، قل ~~لمعاوية: أيتم الله ولدك، وأوحش منك أهلك، ولا غفر لك ذنبك ! فعاد الرسول ~~بما قالت، فأمر بها، فأحضرت، وعنده جماعة فيهم إياس بن شرحبيل وكان في ~~شدقيه نتوء لعظم لسانه. فقال معاوية لها: يا عدوة الله ! أنت صاحبة الكلام ~~؟ قالت. نعم، غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له. وقد، لعمري، ~~اجتهدت في الدعاء وأنا اجتهد إن شاء الله، والله من وراء العباد وإن الله ~~بالنقمة من ورائك. فأمسك ms076 معاوية. فقال إياس: اقتل هذه، فما كان زوجها بأحق ~~بالقتل منها. فقالت: ما لك، ويلك، بين شدقيك جثمان الضفدع، وأنت تأمره ~~بقتلي كما قتل بعلي بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن ~~تكون من المصلحين. فضحك معاوية والجماعة وبان الخجل في إياس، ثم قال لها ~~معاوية: أخرجي عني فلا أسمع بك في شيء من الشام ! قالت: سأخرج عنك، فما ~~الشام لي بوطن، ولا أعرج فيه على حميم ولا سكن. ولقد عظمت فيه مصيبتي، وما ~~قرت به عيني، وما أنا إليك بعائدة ولا لك حيث كنت حامدة. فأشار إليها بيده ~~أن أخرجي ! فقالت: عجبا لمعاوية يبسط علي غرب لسانه ويشير إلي ببنانه. فلما ~~خرجت قال معاوية: يحمل إليها ما يقطع به لسانها وعني ويخف به إلى بلدها. ~~فقبضت ما أمر لها به، وخرجت تريد الكوفة، فلما وصلت إلى حمص توفيت بها. # دير يونس بن متى # وهذا الدير ينسب إلى يونس بن متى النبي صلى الله عليهن وعلى اسمه بني. ~~وهو في الجانب الشرقي من الموصل، بينه وبين دجلة فرسخان. وموضعه يعرف ~~بنينوى، ونينوى هي مدينة يونس عليه السلام. وأرضه كلها نوار وشقائق. وله في ~~أيام الربيع ظاهر حسن مونق، وهو مقصود. # وتحت الدير، عين تعرف بعين يونس. فالناس يقصدون هذا الموضع لخلال: منها ~~التنزه واللعب، ومنها التبرك بموضعه، ومنها الاغتسال من العين التي تحته. # وكان اليهود، في أيام الحسين بن عبد الله بن حمدان، دسوا واحدا منهم فدخل ~~الهيكل وأحدث فيه، واتصل الخبر إلى ابن حمدان، فجمع كل يهودي بالموصل، ~~فصادرهم على مال كثير أخذه منهم. # ولأبي شاس منير، فيه: # يا دير يونس، جادت صوبك الديم ... حتى ترى ناضرا بالنور تبتسم # لم يشف في ناجر ماء على ظمأ ... كما شفى حر قلبي ماؤك الشبم # ولم يحلك محزون به سقم ... إلا تحلل عنه ذلك السقم # استغفر الله من فتك بذي غنج ... جرى علي به في ربعك القلم # وكان أبو شاس هذا، من أطبع الناس، مليح الشعر، كثير ms077 الوصف للخمر، ملازما ~~للديارات، متطرحا بها، مفتونا برهبانها، ومن فيها. فمن شعره الذي وصف فيه ~~الخمر وملح، قوله: # أعارك الحلم والوقار ... ثوبا من الصمت لا يعار # فقم إلى الخمر فامتحنها ... إذا استقرت بك الديار # وغنت الطير في رياض ... زين عيدانها اخضرار # من التي صانها ملوك ... هم هم السادة الكبار # إذا بدت والدجى مقيم ... صار مكان الدجى نهار # كأنهم والمدام ركب ... يؤمهم في الظلام نار # ومن مليح شعره: قوله: # لا تعدلن عن ابنة الكرم ... بأبي، ففيها صحة الجسم # واعلم بأنك إن لهجت بغيرها ... هطلت عليك سحائب الهم # وإذا شربت فكن لها متيقظا ... حتى تبين طيبة الطعم # لو لم يكن في شربها من راحة ... إلا التخلص من يد الغم # وقال أيضا: # أعاذل، ما على مثلي سبيل ... وعذلك في المدامة مستحيل # أعاذل، لا تلمنا في هواها ... فإن عتابنا فيها طويل # كلانا يدعي في الخمر علما ... فدعني لا أقول ولا تقول # أليس مطيتي حقوي غلام ... ووصل أناملي كأس شمول PageV01P043 إذا كانت ~~بنات الكرم شربي ... ونقلي وجهه الحسن الجميل # أمنت بذين عاقبة الليالي ... وهان علي ما قال العذول # ومعتذر إلي بشطر عين ... له من كسر ناظرها رسول # صرفت الكأس عنه حين غنى ... وإن لسانه منها ثقيل # أرحني قد ترفعت الثريا ... وغالت كل ليلي عنك غول # دير الشياطين # وهذا الدير غربي دجلة، من أعمال بلد، بين جبلين، في فم الوادي. له منظر ~~حسن وموقع جليل. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار، وأرضه ~~كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة ~~والجبل. والناس يطرقونه للشرب فيه، وهو من مطارح أهل البطالة ومواطن ذوي ~~الخلاعة. # وللخباز البلدي، فيه: # رهبان دير سقوني الخمر صافية ... مثل الشياطين في دير الشياطين # مشوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفوا ... والراح تمشي بهم مشي الفرازين # وكان عبادة، لما نفاه المتوكل إلى الموصل، يمضي إلى دير الشياطين فيشرب ~~فيه، ولم يكن يفارقه. فهوي غلاما من الرهبان بالدير، وكان من أحسن الناس ~~وجها وقدا، فهام به وجن عليه ولزم الدير ms078 من أجله، ولم يزل يخدعه ويلاطفه ~~ويعطيه إلى أن سلخ الراهب من الدير وخرج معه. وفطن رهبان الدير بعبادة وما ~~فعل من إفساده الغلام، فأرادوا قتله بأن يرموه من أعلى الدير إلى الوادي. ~~ففطن بهم وهرب، فلم يعد إلى الموضع. # وكان عبادة، من أطيب الناس وأخفهم روحا وأحضرهم نادرة. وكان أبوه من ~~طباخي المأمون، وكان معه، فخرج حاذقا بالطبيخ. ثم مات أبوه، فتخنث وصار ~~رأسا في العيارة والخلاعة. فوصف للمأمون، وهو إذ ذاك حدث، فاستحضره. فلما ~~وقف بين يديه تنادر وحاكى ومازح، فاستطابه المأمون. فقال: أمضوا به إلى ~~زبيدة لتراه وتضحك منه، فمضوا به إليها، فلما دخل عليها وجدها على برذعة ~~تاختج وعلى رأسها جارية تذب بمذبة خوص. فقال عبادة: يا ستي، كأنك من ناطف ~~البركة. فضحكت منه واستطابته، فأقام عندها أياما، فوصلته وكسته وكانت لا ~~تكاد تصبر عنه. # قال جلس المأمون في بعض الأيام، وأمر بأن تحضر اللحوم والحيوان وما يحتاج ~~إليه من آلة الطبيخ وقال للندماء: ليطبخ كل واحد منكم قدرا. وطبخ هو أيضا ~~قدرا وطبخ أخوه أبو إسحق قدرا، ففاحت لها روائح غلبت على روائح قدورهم طيبا ~~وعطرية. فعجبوا من ذلك، وعبادة حاضر، فحسده. فقال: إن أردت أن تزيد في طيب ~~قدرك، فصب فيها سكرجة كامخ. فأخذ سكرجة كامخ كبر وصبها في القدر، فساعة صب ~~السكرجة، فاحت لها روائح منتنة. فقال المأمون: ويلكم ! ما هذه الرائحة ~~المنتنة ؟ قال عبادة: رائحة قدر أخيك الطباخ ! قال ماذا طرحت فيها حتى عادت ~~بعد الطيب إلى هذه الرائحة ؟ فقال سكرجة كامخ كبر أشار بها عبادة. فقال أما ~~علمت أنك إذا أدخلت جسما ميتا على جسم حي أفسده ؟ فحقدها المعتصم على ~~عبادة. فلما ولي المعتصم، أمر بقتله، ثم قال: ما لهذا الكلب من القدر ما ~~يقتل به، ولكن أنفوه. فنفي. فلما ولي الواثق رده، فكان معه ثم مع المتوكل ~~بعده. ثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى الموصل. # قال أبو حازم الفقيه، وقد جرى ذكر عبادة: ما كان أظرفه. قيل: وكيف ؟ قال: ~~كان ms079 المتوكل نفاه، فلما حصل بالموصل، تبعه غرماؤه وطالبوه، وقدموه إلى علي ~~بن إبراهيم الغمري وهو قاضي الموصل، فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر. فقال علي ~~بن إبراهيم: ويحك ! ترى هؤلاء أجمعوا على ظلمك ؟ فاتق الله وارجع إلى نفسك. ~~فإن كانت عسرة كان بإزائها نظرة. قال: صدقت، فديتك ! ليس كلهم ادعى الكذب ~~ولا كلهم ادعى الصدق، وإنما دفعت بالله ما لا أطيق. # ثم رده المتوكل. وكان من أحضر الناس نادرة وأسرعهم جوابا. # وقال المتوكل لعبادة ذات يوم: دع التخنث حتى أزوجك. قال: أنت خليفة أو ~~دلالة ؟ وقال له ابن حمدون: يا عبادة، لو حججت لاكتسبت أجرا ورآك الناس في ~~مثل هذا الوجه المبارك. فقال: اسمعوا، ويلكم، إلى هذا العيار: يريد أن ~~ينفيني من سامراء على جمل ! وقال له دعبل يوما: والله لأهجونك ! قال: والله ~~لئن فعلت لأخرجن أمك في الخيال ! قال سعد بن إبراهيم الكاتب: قلت له يوما: ~~يكون مخنث بغير بغاء ؟ قال: نعم. ولكن لا يكون مليح. يكون مثل قاضي بلا ~~دنية ! PageV01P044 وقال يوما لأبي حرملة المزين: حذقني. قال: يا مخنث، أضع ~~يدي على وجهك وأنا أضعها على وجه أمير المؤمنين ؟ قال: فأنت أيضا تضعها على ~~باب أستك كل يوم خمس مرات ! قال: دخل عبادة يوما الحمام بغير مئزر متبذلا ~~غير محتشم، وفي الحمام شيخ جليل. فقال: ويحك ! أما تستحي ؟ استتر بيدك ! ~~فقال: أيش أستر ؟ إنما هي هدية مكة: مقلتان ومسواك ! قال علي بن يحيى ~~المنجم: قال عبادة يوما للمتوكل، ويحيى بن أكثم القاضي حاضر: يا أمير ~~المؤمنين، قل ليحيى يعلمني فرائض الصلب. قال المتوكل ليحيى: هو ذا تسمع. ~~فقال، وقد علم أن المتوكل غمز عليه عبادة ليتنادر به: سأل محالا يا أمير ~~المؤمنين. قال: وكيف ؟ قال: لأن الشاعر يقول: # وإن من أدبته في الصبى ... كالعود يسقى الماء في غرسه # وهذا شيخ لا ينجع فيه التعليم. ولكن إن كان له ابن حدث ذكر فليأتني به، ~~أعلمه. فنظر إليه عبادة وقال: يا قاض، لو كنت من أهل صناعتنا، ما قوي بك ms080 ~~أحد. فقال: لست من أهل صناعتك وما بأحد علي قوة. # قال: وخرج عبادة يوما في السحر إلى الحمام، فلقي غلاما من أولاد الأتراك، ~~فأعطاه عشرة دراهم وقال: إقطع أمر عمك ! فبينا الغلام فوقه خلف الدرب، إذ ~~أشرفت عجوز من غرفة لها، فرأتهما، فصاحت: اللصوص ! فقال عبادة: يا عجوز ~~السوء ! النقب في استي، صياحك أنت من أيش ؟ وذكر أبو حازم القاضي، قال كنت ~~مقيما بدمشق من ابن مدبر، وكان لا يرد عليه كتاب إلا أقرأنيه. فورد عليه ~~كتاب سعيد الرسح خليفة له بسر من رأى، فقرأه وتبسم ولم يدفعه إلي. فسألته ~~عما فيه ؟ قال: كتب إلي سعيد يذكر أنه كان واقفا بباب المتوكل، إذ خرج موسى ~~بن عبد الملك وهو متغير الوجه، فقال لغلامه: احمل إلى عبادة ألف درهم وقل: ~~لا تعاود أن تكثر فضولك. فسألت عن الخبر، فقيل: دخل موسى على المتوكل وهو ~~جالس على بركة السباع، وعبادة بين يديه يتكلم ويعبث. فقال المتوكل: يا ~~موسى، قد صدع رأسي عبادة، فما تريحني منه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إطرحه ~~في بركة الأسد ! فقال عبادة: نعم، إطرحني أنا في بركة الأسد، واحمله هو إلى ~~أسد دمشق حتى يستخرج لك الأموال منه. فتغير موسى وقامت عليه القيامة، وبعث ~~إلى عبادة يمال أسكته به. # عمر الزعفران # هذا العمر بنصيبين، مما يلي الجانب الشرقي منها، في الجبل، والجبل مشرف ~~على البلد. وهو من الديارات الموصوفة والمواقع المذكورة بالطيب والحسن. ~~وحوله الشجر والكروم، وفيه عيون تتدفق. وهو كثير القلايات والرهبان. وشرابه ~~موصوف، يحمل إلى نصيبين وغيرها. وليس يخلو من أهل القصف واللعب، فهو وسائر ~~بقاعه معمورة بمن يطرقها. # وبهذا الجبل ثلاثة ديارات أخر، في صف واحد، أحسن شيء منظرا وأجله موقعا، ~~وهي: عمر الزعفران، ومر أوجي ومر يوحنا. والعمر الكبير بالموضع أحد متنزهات ~~الدنيا. وأسفل الجبل الهرماس، وهو نهر نصيبين، وعيون تتدفق من أصل الجبل، ~~ويعرف الموضع برأس الماء. وهذا الجبل أول طور عبدين، وهو على ثلاثة فراسخ ~~من نصيبين. ويجري هذا النهر بين جبلين. وعلى ms081 حافته الكروم والشجر، فإذا وصل ~~إلى نصيبين افترق فرقتين، فمنه ما يجتاز بباب سنجار، فيسقي ما هناك من ~~البساتين ويصب في الخابور، ومنه ما يعدل إلى شرقي البلد فيدير أرحية هناك ~~ويسقي البساتين أيضا وما هناك. # ولمصعب الكاتب، في دير عمر الزعفران: # عمرت بقاع عمر الزعفران ... بفتيان غطارفة هجان # بكل فتى يحن إلى التصابي ... ويهوى شرب عاتقة الدنان # بكل فتى يميل إلى الملاهي ... وأصوات المثالث والمثاني # ظللنا نعمل الكاسات فيه ... على روض كنقش الخسرواني # وأغصان تميل بها ثمار ... قريبات من الجاني دواني # تثنيها الرياح كما تثنى ... بحسن قوامه آوي جناني # وأنهار تسلسل جاريات ... يلوح بياضها كاللؤلؤان # وأطيار إذا غنتك أغنت ... عن ابن المارقي وعن بنان # نجاوبها إذا ناحت بشجو ... بقهقهة القواقز والقناني # وغزلان مراتعها فؤادي ... شجاني منهم ما قد شجاني # وبنوهم ويوحنا وشعيا ... ذوو الاحسان والصور الحسان PageV01P045 رضيت بهم ~~من الدنيا نصيبي ... غنيت بهم عن البيض الغواني # أقبل ذا وألثم خد هذا ... وهذا مسعد سلس العنان # فهذا العيش لا حوض ونوى ... ولا وصف المعالم والمغاني # وكان مصعب هذا، من أشد الناس تهتكا، وأكثرهم خلاعة ومجونا واستهتارا ~~بالمرد، وتطرحا في الحانات والديارات. وأشعاره كلها في الغلمان، لا تعدو ~~هذا المعنى إلى غيره. ونحن نورد من ذلك ما يستطرف ويستملح من معانيه. # ومن شعره، قوله: # أنا الماجن اللوطي ديني واحد ... وإني في كسب المعاصي لراغب # ألوط ولا أزني فمن كان لائطا ... فإني له حتى القيامة صاحب # أدين بدين الشيخ يحيى بن أكثم ... وإني عن دين الزناة لناكب # ومثل قضيب البان في زي شاطر ... إذا ما بدا للطرف فالعقل عازب # له نخرة، إن قلت: صلني بزورة ... تشيب لها يا ابن الكرام الذوائب # دعوت له من قوم لوط عصابة ... تذل لهم في النائبات المصاعب # فقال، وقد غص الزيار بحلقه ... مقالة من أعيت عليه المذاهب # كريم أصابته من الدهر نبوة ... وأي كريم لم تصبه النوائب # ومن شعره أيضا: # نصيحة من حوى أذنا وطرفا ... أتتك، وسوف تسعد إن فعلتا # عليك إذا لقيت بحسن بشر ... وكن من ms082 أكثر الثقلين سمتا # ولا تخل الأصابع من عقود ... وغت الناس بالآثار غتا # وعظهم وانههم عن منكرات ... ولا تدع البكاء إذا وعظتا # وواخ أبا الذي تهواه كيما ... يقال أخو أبيه وقد ظفرتا # وإن أبصرت شرطك بين قوم ... ولم تصبر، فسارق إن نظرتا # وإن فطنوا، فأطرق ثم فكر ... كأنك لم تكن نظرا أردتا # ودار المرد منك بحسن لطف ... ولا تدع الدبيب إذا سكرتا # وصاتي، يا سعيد، فلا تدعها ... فأنت من الفلاسف، إن قبلتا # وقال أيضا: # هجرت مجوني فاسترحت من العذل ... وكنت وما لي في التمادي من مثل # فيا ابن يمان هل سمعت بعاشق ... يعد من النساك في من مضى قبلي # ألم تراني حين أغدو مسبحا ... بسمت أبي ذر وفسق أبي جهل # وأخشع في مشيي وأصرف ناظري ... وسجادتي في الوجه كالدرهم البغلي # وآمر بالمعروف لا من تقية ... وكيف وقولي لا يصدقه فعلي # أقول إذا لاقيت قوما ألا اتقوا ... ولو عرفوا حالي لحل لهم قتلي # ومحبرتي رأس الرياء ودفتري ... ونعلي بالأسحار أو رائحا رجلي # أؤم فقيها ليس همي فقهه ... ولكن لديه المرد مجتمعي الشمل # فيا رب مغرور غررت بدفتري ... فلما ثناه الحزم عارضه فعلي # وكم أمرد قد قال والده له: ... عليك بهذا إنه من ذوي العقل # يفر به من أن يعاشر شاطرا ... كمن فر من حر الجراح إلى القتل # فأوسعته نيكا ولم ألف عاجزا ... وكنت له في الخفض واللين كالبعل # ولينته بالرفق من بعد عزة ... كما لين الرواض مستصعب الابل # وقال أيضا: # وقائلة، ترجو صلاحي، إلى متى ؟ ... فقلت لها: ما دام في الأرض أمرد # فقالت: لقد أنضيت في الغي جاهدا ... ركائب فسق أنت فيها تردد # أتبكي لنشء بعد نشء فما أرى ... بكاءك حتى ينفد الدهر ينفد # أعاذل، لولا المرد أصبحت عابدا ... هم أهلكوا ديني علي وأفسدوا # دعاني أناس زاهدا حين أبصروا ... خشوعي ألا في الزهد أصبحت أزهد # نصبت لهم تحت الخشوع مكايدي ... وللرفق أحيانا عواقب تحمد # تشبهت بالزهاد والحرب خدعة ... وراءيت بالتسبيح والكف تعقد # وقال أيضا: PageV01P046 كل حياة بلا دين ففاسدة ... والمرد يا ابن ms083 يمان ~~أفسدوا ديني # كم توبة بعدها أخرى استتبت بها ... فليس دهري على ديني بمأمون # لو امنتني الذي نفسي تخوفه ... منهم ببغداد يوما عذت بالصين # وقد سألت خبيرا من تجارهم ... فظل منه بحسن الوصف ينبيني # فقال: بالصين ألوان تلين لها ... صلب القلوب وأمر ليس بالدون # وقائل: عذ ببيت الله، قلت له: ... من لي من المرد في الاحرام ينجيني # إذا بدت كثب ليثت بها أزر ... وقفت نصبا لمن باللحظ يرميني # من لي إذا زاحموني في طوافهم ... هناك يبدي ضميري كل مكنون # ما لي من المرد إلا الله يعصمني ... رب المثاني وطه والطواسين # قد كنت في النسك قبل اليوم منغمسا ... يشوب حبي لهم سمت ابن سيرين # أدنوا بعين تقي حشو مقلتها ... حب لكل نقي الخد ذي لين # فالآن تبت، فحسبي منهم نظري ... استغفر الله، والتقبيل في الحين # وقال أيضا: # إني بكيت لجسمي في تنقصه ... لم أبك رسما ولا ربعا ولا دارا # وشاطر ذي اختيال في تكرهه ... كالغصن يألف فساقا وشطارا # ما زلت عنه بمكري والخداع إلى ... أن صار عرفانه للحق إنكارا # فاتلت عقل الفتى بالكأس أقرعها ... بالخمر أتبعها شعرا وأسمارا # حتى إذا ما استعار الليل مهجته ... وقبض النوم أسماعا وأبصارا # دببت أمشي على الكفين ألمسه ... كمشي مسترق للسمع أسرارا # وكر يمشق في قرطاسه قلمي ... والليل ملق على الآفاق أستارا # فقال لما انجلى عن عينه وسن ... وقد رأى تكة حلت وآثارا: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # وله أيضا: # ومغف على الكأس من سكره ... تبذلت ما صان من ظهره # وقبلته مائتي قبلة ... ولم أرض إلا على ثغره # وأعزز علي بما سرني ... من الاقتدار على أمره # فلما تنبه أبصرته من ... الغيظ يخرج من قشره # وقد كان في سقيه كادني ... ولكنه رد في نحره # وله أيضا: # يا أيها المرد قد نصحت لكم ... خافوا من الله فضل نقمته # إذا سطا أمرد وتاه على ... عاشقه كان غب سطوته # ان يبعث الله في محاسنه ... شعرا فيطفي ضياء بهجته # عقوبة الأمرد الذي كثرت ... ذنوبه في خروج ms084 لحيته # ينكره الناس بعد معرفة ... وقد تواصوا بطول جفوته # هذا نبي الاله قبلكم ... قد أنكرته عيون إخوته # وبعده أين حسن وجه أبي ... بكر وألحاظه بفتنته # قد عقرب الصدغ فوق وجنته ... على بياض من تحت حمرته # صار على الناس بعد عزته ... مثل قعيس بباب عمته # عمر أحويشا # وتفسير أحويشا بالسريانية الحبيس. وهذا العمر بسعرت، وسعرت مدينة كبيرة ~~من ديار بكر، بقرب أرزن، والعمر مطل على أرزن. وهو كبير عظيم، فيه أربعمائة ~~راهب في قلالي. وحوله بساتين وكروم. وهو في نهاية العمارة وحسن الموقع ~~وكثرة الفواكه والخمور. ويحمل منه الخمر إلى المدن المذكورة. وبقربه عين ~~عظيمة تدير ثلاث أرحاء. وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم. وهذا العمر مقصود ~~من كل موضع للتنزه فيه والشرب. والخلعاء والمتطربون أغلب عليه من أهله. # وللبادي الشاعر، فيه: # وفتيان كهمك من أناس ... خفاف في الغدو وفي الرواح # نهضت بهم، وستر الليل ملقى ... وضوء الصبح مقصوص الجناح # نؤم بدير أحويشا غزالا ... غريب الحسن كالقمر اللياح PageV01P047 وكابدنا ~~السرى شوقا إليه ... فوافينا الصباح مع الصباح # نزلنا منزلا حسنا أنيقا ... بما نهواه معمور النواحي # قسمنا الوقت فيه لاغتباق ... على الوجه المليح ولاصطباح # وظللنا بين ريحان وراح ... وأوتار تساعدنا فصاح # وساعفنا الزمان بما أردنا ... فأبنا بالفلاح وبالنجاح # وكان هذا اللبادي يكنى أبا بكر أحمد بن محمد، من طياب الناس وملاحهم، ~~وذوي المجانة والخلاعة. وسمي اللبادي، لأنه كان يلبس أبدا على ثيابه لبادا ~~أحمر. # ذكر أبو علي الأوارجي، أنه كان يتقلد أردبيل. قال: فقسطت في وقت من ~~الأوقات عشرين ألف دينار بالعدل فيهم على قدر أحوالهم. فكان في من لحقه ~~التقسيط اللبادي هذا. فكتب باسمه عشرون دينارا. قال: فبينا أنا جالس في ~~الديوان استخرج، إذ دخل على رجل قد طين وجهه بطين أحمر، وعليه لباد أحمر ~~وعمامة حمراء وبيده عكاز أحمر وفي رجليه خفان أحمران. فسلم ووقف، وبدأ ينشد ~~في قصيدة عملها، وقال فيها: # لئن كان الأمير به افتقار ... إلى الشعراء في كرم النصاب # لقد أودت به الأيام حتى ... لقد رام العراق من ms085 الكلاب # فقلت: من هذا ؟ قالوا: هذا أبو بكر اللبادي الشاعر. فرفعته ثم سألته عن ~~قصيدته في أحمد بن الحسن الماذرائي وخبره معه. فقال لي: قصدته، فوجدته ~~سائرا نحو قزوين، فوقفت له على طريقه خلف حجر، بهذا الزي الذي تراه علي. ~~فلما أن دنا مني خرجت إليه. فقلت: كما ترى صيرني. فقال: ماذا ؟ فقلت: # ........... ... قطعي قفار الدمن # أقطعها طورا وطو ... را بالسرى تقطعني # أسري على سباقة ... في سيرها لم تخن # لا تعرف الذل ولا ... قيدت بثني الرسن # أسعى بها معتسفا ... إليك يا ابن الحسن # مستعديا فأعدني ... على صروف الزمن # فقد، ورب الركن ... أوهى لي مشيي ركني # كم جرعة جرعني ... وغصة غصصني # كأنما يطلبني ... في مره بالاحن # فالحمد لله الذي ... أدال من دهري الدني # يا ذا الذي منه ثما ... ر الجود يجني المجتني # جودك من أعلى الذرى ... يدعو بصوت معلن # حي على ابن الحسن ... حي على البدر السني # حي على من جوده ... كصوب ماء المزن # فجئت أسعى والذي ... من عرشه وفقني # لحب آل المصطفى ... وحبهم أنقذني # دونكها قوافيا ... أجلت فيها فطني # لبسكها أحسن من ... لبس نسيج عدني # قال: فأمر لي بعشرة آلاف درهم، وحملني على دابة بسرجه ولجامه. قال أبو ~~علي: فوقعت إلى المستخرج بإعطائه براءة بما قسط عليه، فأخذ البراءة وشكرني ~~وانصرف. # ومدح اللبادي أبا القاسم يوسف بن ديوداذ بن أبي الساج، فصار إلى داره، ~~فلما دخل الدهليز، قال له الحاجب، وأنكر زيه ولباده: أي شيء أنت ؟ قال: ~~شاعر، وقد مدحت الأمير. فقال لبعض من بين يديه: زبطره ! فزبطره، وانصرف، ~~وكتب إلى أبي بكر محمد بن أحمد كاتب الأفشين: # مدحت الأمير أبا قاسم ... ونفسي لجدواه مستنظره # بمدح كوشي رياض الربيع ... غلسه الطل إذ باكره # وقالوا: همام جزيل البناء ... جزيل الأيادي ولما أره # فلما انتهيت إلى داره ... جزيت على مدحه زبطره # فأنكرت جائزتي منهم ... وكانت، لعمر أبي، منكره # وأمكنت نفسي من الحادثات ... وأيقنت أني صريع الشره # فبك على الشعر والمكرما ... ت وناد بهن من المقبره # فقد أسخن الله عين امرىء ... يقال له ms086 اليوم ما أشعره # فهل، يا محمد، من نائل ... يبل اللهاة أو الحنجره # فمن يفعل الخير خيرا يره ... ومن يفعل الشر شرا يره PageV01P048 فقل أبو ~~بكر: أي والله وكرامة ! ووجه إليه توقيعا بخمسين دينارا إلى الجهبذ. فأبى ~~الجهبذ أن يقبض التوفي إلا أن يقيم عنده، فأقام عنده ودفع إليه الخمسين ~~دينارا وخمسة من عنده، ثم أوصله أبو بكر إلى أبي القاسم يوسف، وحدثه حديثه. ~~فضحك منه وسمع شعره، وأعطاه وحمله وكساه. # دير فيق # وهذا الدير في ظهر عقبة فيق فيما بينها وبين بحيرة طبرية، في جبل يتصل ~~بالعقبة، منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه ومن يطرقه من النصارى لجلالة ~~قدره عنده، وغيرهم يقصده للتنزه والشرب فيه. والنصارى يزعمون أنه أول دير ~~عمل للنصرانية، وأن المسيح صلى الله عليه، كان يأوى إليه، ومنه دعا ~~الحواريين. وفيه حجر ذكروا أن المسيح كان يجلس عليه. فكل من دخل الموضع كسر ~~قطعة من ذلك الحجر تبركا به. وعمل هذا الدير في الموضع على اسم المسيح عليه ~~السلام. # ولأبي نواس، يذكره: # بحجك قاصدا ماسرجسان ... فدير النوبهار فدير فيق # وهي قصيدة طريفة، يخاطب فيها غلاما نصرانيا كان يهواه. أولها: # بمعمودية الدير العتيق ... بمطرنيها بالجاثليق # بشمعون بيوحنا بعيسى ... بما سرجيس بالقس الشفيع # بميلاد المسيح بيوم دنح ... بباعونا بتأدية الحقوق # بأشموني وسبع قدمتهم ... وما حادوا جميعا عن طريق # بمارت مريم وبيوم فصح ... وبالقربان والخمر العتيق # وبالصلبان ترفعها رماح ... تلألأ حين تومض بالبروق # بحجك قاصدا ما سرجسان ... بدير النوبهار فدير فيق # بهيكل بيعة الله المفدى ... وقسان أتوه من سحيق # وبالناقوس في البيع اللواتي ... تقام بها الصلاة لدى الشروق # بمريم بالمسيح وكل جر ... حواري على دين وثيق # برهبان الصوامع في ذراها ... أقاموا ثم في جهد وضيق # بإنجيل الشعانين المفدى ... وشمعلة النصارى في الطريق # وبالصلب العظيمة حين تبدو ... وبالزنار في الخصر الدقيق # وبالحسن المركب فيك إلا ... رحمت تحرقي وجفوف ريقي # أما والقرب من بعد التنائي ... يمين فتى لقائله عشيق # لقد أصبحت زينة كل دير ... وعيدا مع جفائك والعقوق # وأذن عاشقوك إلى ms087 النصارى ... من الاسلام طرا بالمروق # دير الطور # والطور، جبل مستدير مستطيل، واسع الأسفل مستدق الأعلى، لا يتعلق به شيء ~~من الجبال، وليس إليه إلا طريق واحد. وهو فيما بين طبرية واللجون، مشرف على ~~الغور ومرج اللجون والدير في نفس القلة، وعين تنبع بها، وحوله كروم تعصر، ~~فالشراب عندهم كثير. # ويعرف أيضا بدير التجلي، لأن المسيح، صلى الله عليه، على زعمهم تجلى ~~لتلامذته بعد أن رفع، حتى أراهم نفسه وعرفوه. والناس يقصدونه من كل موضع ~~فيقيمون به ويشربون فيه. فموقعه حسن، وهو من المواضع الطيبة. # ولمهلهل بن يموت بن المزرع، فيه: # نهضت إلى الطور في فتية ... سراع النهوض إلى ما أحب # كهمك من فتية أنفقوا ... تلادهم في سبيل الطرب # كرام الجدود، حسان الوجوه ... كهول العقول، شباب اللعب # فأي زمان بهم لم يسر ... وأي مكان بهم لم يطب # أنخت الركاب على ديره ... وقضيت من حقه ما يجب # وأنزلتهم وسط أعنابه ... أسقيهم من عصير العنب # وأحضرتهم قمرا مشرقا ... تميل الغصون به في الكثب # نحث الكؤوس بأهزاجه ... ومزموم أرماله بالعجب # وما بين ذاك حديث يروق ... وخوض لهم في فنون الأدب # فما شئت من مثل سائر ... ومن خبر نادر منتخب # فيا طيب ذا العيش لو لم يزل ... ويا حسن ذا السعد لو لم يغب PageV01P049 ~~وكان مهلهل، من المطبوعين في الشعر، والمنهمكين في الخلاعة واللعب والتطرح ~~في مواطن اللهو والطرب، ملازما للحانات والديارات. ونحن نورد من شعره ما ~~يليق بكتابنا هذا. # فمن مليح شعره في وصف الرياض والحث على الشرب، قوله: # لجون الهوى وهبت جناني ... فدعاني، يا أيها العاذلان # طربي زائد ففي حر من قد ... لامني في خلاعة أو نهاني # قد أبانت لي الرياض من الزه ... ر غريب الصنوف والألوان # وبدا النرجس المفتح يرنو ... من جفون الكافور بالزعفران # كعيون قد حدقت باهتات ... ناظرات إلى وجوه حسان # ينثنى زبرجد القضب منه ... طربا للجين والعقيان # وقف الطل في المحاجر منها ... ثم مات فانهل مثل الجمان # يا غلام اسقني فقد ضحك الو ... قت وقد تم طيب هذا الزمان # أدن ms088 مني الدنان، صف الأباريق، استحث الكؤوس، صف القناني بادر الوقت ~~واغتنم فرص العيش ولا تكذبن فالعمر فاني ومن مليح شعره في هذا المعنى، ~~قوله: # زمان الرياض زمان أنيق ... وعيش الخلاعة عيش رقيق # وقد جمع الوقت حاليهما ... فمن ذا يفيق ومن يستفيق # أيا من هو السؤل لي والمنى ... ومن هو بالحب مني حقيق # أدر لحظ عينك أمرجه في ... مروج الرياض فكل يروق # فقاع نثير وماء نمير ... وروض نضير وزهر أنيق # له نسخ حررت فاستنارت ... فخط جليل ومعنى دقيق # يضاحك وجهك وجه عشيق ... ويلقى مشمك مسك فتيق # إذا ضاحك الزهر زهر الرياض ... فكيف الخلاص وأين الطريق # بهار بهرت به غيره ... على نرجس وشقيق شفيق # فذا عاشق وجل خائف ... وذا خجل وكذاك العشيق # تروقك منه عيون تروق ... بألحاظها وخدود تشوق # مدان يحملن طل الندى ... فهاتيك تبر وهذي عقيق # تضمن أوراقها دره ... وينثر منه الذي لا يطيق # يميل النسيم بأغصانها ... فبعض نشاوى وبعض مفيق # فبادر بنا حادثات الزمان ... فوجه الحوادث وجه صفيق # ومن مليح شعره، قوله: # أعد شربك الكأس فيما تعيد ... وساعد فقد شملتنا السعود # وحث الصبوح لضوء الصباح ... فإن الحوادث عنا رقود # أما نشكر الفعل من يومنا ... ونبهى بما نحن فيه خلود # سماء تجود وروض نضيد ... وزهر جديد وغصن يميد # وند يفوح وراح تريح ... وساق مليح وناي وعود # وصوت يشوق وزمر رفيق ... وعيش أنيق وجد سعيد # أدام الاله لنا عيشنا ... ولا نال منا مناه الحسود # وقال في هذا المعنى، وتغني فيه: # قد قدمت للسرور أثقال ... وحث شهر الصيام شوال # وأقبل الغيم لابسا حللا ... مسكية ما لهن أذيال # ودبج الأرض روضها فغدا ... ينشر فيها والأرض تختال # واهتز عود وحن من طرب ... ناي وعبت بالراح أرطال # وبوعد الخوف من محاذرة ... وقربت للقلوب آمال # أيامنا في الحياة عارية ... تحثها للفناء آجال # فاغتنموا فرصة الزمان ولا ... تفرطوا فالزمان مغتال # ومما ملح فيه، قوله: # زمن كالشباب أو كالتراضي ... بعد طول الصدود والاعراض # ألقح الغيث كل أرض فأضحت ... في ولاد وبعضها في مخاض # يا غلام اسقني فقد ضحك العي ms089 ... ش إلينا وهش بعد انقباض # وأرى لؤلؤ الحباب يباري ... لؤلؤ الطل فوق زهر الرياض # وقال أيضا: # استودع الله من لم يزر عن نظري ... لما مضى خاطرا والردف يجذبه ~~PageV01P050 يحكيه من حركات الغصن أشكلها ... ومن نسيم ذكي المسك أطيبه # وقال أيضا: # وبديع يكل عن وصفه العق ... ل لافراط حيرة الأبصار # فهو كالخاطر الذي دق معنا ... ه فأضحى يجول في الأفكار # وقال أيضا: # كأن أجفانه من جسم عاشقه ... قد ركبت فهي في الأسقام تحكيه # في صدغه عقرب للجسم لادعة ... درياق لدغتها في الريق من فيه # وقال في غلام نصراني يحبه: # شد زناره على دقة الخص ... ر وشد القلوب في الزنار # وأسال الأصداغ فوق عذار ... أنا من عشقه خليع العذار # وبدت منه طرة تذكر النا ... ظر ليلا يلوح فوق نهار # وهو أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع بن يموت بن موسى بن حكيم بن جبلة ~~العبدي. وحكيم هو الشهيد بالبصرة الذي منع عائشة وطلحة والزبير الدخول ~~إليها وحرابهم حتى قتل. وكان من خبره ومقتله، أنه لما تمكن طلحة والزبير من ~~البصرة، وقتلوا حرس بيت المال وهم سبعون رجلا من غير ذنب ولا سبب، وأخذوا ~~عثمان بن حنيف الأنصاري، عامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، صلوات الله ~~عليه، ونتفوا لحيته وأرادوا قتله، قام حكيم في قومه خطيبا فقال لهم: يا ~~قوم، إن ابن حنيف دم مصون وأمانة مؤداة. والله لو لم يكن علينا أميرا ~~لمنعناه لحق الجوار ومكانه من رسول الله صلى الله عليه. فكيف وله الحق ~~والولاية. إلا أن الحي ميت والميت مسؤول، فأما أن تموتوا كراما وإما أن ~~تعيشوا أحرارا. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وقال في ذلك أبو أمية الأصم، ~~وكان فارس القوم: # معاشر عبد القيس موتوا على التي ... تسر عليا واحذروا سبة الغدر # ولا ترهبوا في الله لومة لائم ... وموتوا كراما فهو أشرف للذكر # وغدا حكيم في ثلاثمائة رجل من أصحابه إلى العدو وهو عائشة. فخرج طلحة ~~والزبير، وحملا عائشة على الجمل، وذلك اليوم يسمى يوم الجمل الأصغر. ms090 فقاتل ~~حكيم قتالا شديدا، وجعل يقول: إنما تريدان أن تصيبا من الدنيا حظا، اللهم ~~اقتلهما بمن قتلا، ولا تعطهما ما سألا، ولا تبلغهما ما أملا، ولا تغفر لهما ~~أبدا. # وحمل عليهما وهم في اثني عشر ألف ألفا وهو في ثلاثمائة، فهزمهم حتى ~~أدخلهم سكة، وشد رجل من الأزد على حكيم وهو غافل، فضربه على ساقه فقطع ~~رجله. فأخذ حكيم رجله فضرب بها الأزدي فصرعه، ثم جاء فقتله، وأنشأ يقول: # يا نفس لا تراعي ... إن معي ذراعي # إن قطعت كراعي # وقتل هو وثلاثة اخوة له، وأخرجوا ربيعة من البصرة وأجلوهم عنها. # ومن شعر يموت بن المزرع في ابنه مهلهل: # مهلهل سبقني صغرك ... وأسبل أدمعي عسرك # لدى أكناف شامهم ... أموت فيمحى أثرك # ولو سومحت في عمري ... لجل لديهم خطرك # فوا أسفي على لمة ... يطول إليهم سفرك # وإن أهلك فإن الله ... دون الخلق لي وزرك # وشعره وشعر ابنه مهلهل كثير في سائر فنون الشعر. وإنما ذكرنا ما احتمله ~~الكتاب واقتضاه الشرط. # دير البخت # وهذا الدير بدمشق، على فرسخين بمنها. وهو دير كبير حسن، وكان يسمى دير ~~ميخائيل، فسمي بهذا الاسم، لبخت كانت لعبد الملك بن مروان مقيمة هناك، فعرف ~~بها. # وكان لعلي بن عبد الله بن عباس بذلك الموضع جنينة مقدارها أربعة أجربة. ~~فكان يخرج إليها ويتنزه فيها أيام مقامه بدمشق. PageV01P051 فذكر علي بن ~~محمد بن أبي سيف المدائني، عن رجاله، قال: اشترى عبد الله بن عباس بالمدينة ~~أمة صفراء بربرية، فولدت في منزل عبد الله غلاما، فسماه سليطا، ونشأ في ~~منزله، فخرج جلدا ظريفا. ثم شخص مع علي بن عبد الله إلى الشام، فلم يزل في ~~خدمته حتى مات عبد الملك، وولي الوليد ابنه، فأظهر التحامل على علي بن عبد ~~الله، وعيبه بحضرة الناس، وسعى قوم من حسدة علي وأهل البغي، فأفسدوا سليطا ~~وزينوا له ادعاء ولادة عبد الله بن عباس، وقالوا: أنت شبيهه في جمالك ~~وهيئتك. فادعى سليط أنه ابن عبد الله بن عباس وخاصم عليا إلى الوليد. فأمر ~~الوليد برفعهما ms091 إلى قاضي دمشق، فأحضر سليط قوما شهدوا له على نسبه، وانهى ~~ذلك إلى الوليد، فألحقه بعبد الله بن عباس. فخاصم عليا في الميراث وطالت ~~منازعته إياه حتى قاربه علي وصيره في عياله. فكان يقوم لعلي بحوائجه ~~وأموره. فخرج علي يوما إلى جنينته بدير البخت، وكان له فيها قوم يعملون، ~~منهم أبو الدن، من ولد أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه، فوقعت بينهم ~~وبين سليط مشاجرة، فوثبوا عليه فقتلوه، بعد أن انصرف علي بن عبد الله إلى ~~دمشق واحتفروا له حفيرة بالجنينة فواروه فيها. فاحتبس سليط على أمه، ~~فاسترابت، فخرجت في طلبه فخبرت أنه دخل الجنينة ولم يخرج منها. فأتت باب ~~الوليد صارخة، فقال: من تتهمين ؟ قالت علي بن عبد الله. فقال: أحضريني من ~~يشهد على دخوله معه الجنينة. فأحضرت شهودا على ذلك. فأرسل إليه الوليد إلى ~~الجنينة ينظرون هل يرون شيئا أو أثرا. فأثاروا منها عدة مواضع، فلم يروا ~~شيئا. فقال لهم أكار كان في الجنينة: أمخروا عليها الماء حتى يتبين لكم. ~~فمخروها فانخسف الموضع، فأثاروه، فاستخرجوا سليطا. فبعث الوليد إلى علي ~~فعنفه وأغلظ له، وقال: والله، لئن صح عندي أنك قتلته لأقتلنك به ! فحلف أنه ~~ما قتله ولا أمر بقتله. فحبسه الوليد. وكتب إلى أمراء الأمصار وفقهائهم ~~بقصته وما أتهم به وما شهد عليه. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز من المدينة: ~~بأن يضرب ويلبس جبة صوف ويطاف به. فدعا الوليد بعلي بن عبد الله، فضربه ~~أحدا وستين سوطا، ويقال مائة، ثم أطافه، وأقامه في الشمس، وألبسه جبة شعر، ~~وصب على رأسه ماء فبلغ ذلك عباد بن زياد، وكان صديقا لعلي بن عبد الله، ~~وكان أثيرا عن الوليد. فجاء، فألقى ثيابه على علي، ودخل إليه فكلمه فيه ~~وقال: يا أمير المؤمنين، علي يتهم بالقتل ؟ علي أتقى لله وأفضل من أن يقتل ~~أحدا ! فأمر به الوليد، فسير إلى دهلك. فلما أخرج عن دمشق، تكلم فيه سليمان ~~بن عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، رده واحتبسه ! فعبث رسولا، فحبسه ms092 حيث ~~أدركه. وكان أدرك بالفرعاء، فحبس هناك في قرية منها حتى مات الوليد وولي ~~سليمان، فرده. فنزل الحميمة بالشراة من البلقاء، وباع على بستانه بدير ~~البخت من فاطمة بنت عبد الملك. # قال: وكان عبد الملك عند وفاته، وصى الوليد بثلاثة نفر: قال له: علي بن ~~عبد الله في نسبه وقرابته وانقطاعه إلينا: أكرمه واعرف حقه. وأخوك عبد ~~الله: أقره على مصر ولا تعزله عنها. وعمك محمد بن مروان: أقره على الجزيرة ~~واعرف له موضعه. فأول ما بدأ بأخيه: عزله عن مصر بقرة بن شريك. وعزل عمه عن ~~الجزيرة. وضرب عليا بالسوط مرتين ! وكانت بنو العباس لما ولوا الأمر، وجدوا ~~في خزائن بني مروان كتابا من سليمان بن عبد الملك إلى الوليد، يسأله في علي ~~بن عبد الله ويعرفه حقه، فكان هذا الكتاب سببا لترك سليمان في قبره بدابق، ~~ولم ينبشوا عنه كما نبشوا عن اخوته وبني حرب. PageV01P052 وكان أبو مسلم، ~~صاحب دعوتهم، يدعي أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس ! فكان مما قرعه به ~~أو جعفر: وادعيت أنك ابن سليط ابن عبد الله ابن عباس فكان هذا أول ما بدأ ~~به من خطابه، ثم تعريفه إياه بذنوبه فكتبت إلى أبي العباس تقول: إن إبراهيم ~~الامام أقر بما استودعه إياه محمد بن علي من نسبك وولادة عبد الله ابن عباس ~~إياك، وانك عبد الرحمن بن سليط بن عبد الله بن عباس، وأنه وعدك إذا تمم ~~الله هذه الدعوة وقتل الكفرة من بني أمية، أن يزوجك أم علي بنت علي بن عبد ~~الله. فما كنت قائلا لرسول الله، صلى الله عليه، وأنت المجهول النسب: علج ~~من علوج أصبهان. قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني بهذا أخوك إبراهيم بن محمد. ~~وكان هذا القول جرى بينهما في خطاب طويل قبل قتله إياه. # دير زكى # وهذا الدير بالرقة على الفرات. وعن جنبيه نهر البليخ. وهو من أحسن ~~الديارات موقعا وأنزهها موضعا. وكانت الملوك إذا اجتازت به نزلته وأقامت ~~فيه، لأنه يجتمع فيه كل ما ms093 يريدونه من عمارته ونفاسة أبنيته وطيب المواضع ~~التي به. ونزهه ظاهره، لأنه له بقايا عجيبة. وبناحيته من الغزلان والأرانب ~~وما شاكل ذلك مما يصطاد بالجارح من طير الماء والحبارى وأصناف الطير. وفي ~~الفرات، بين يديه، مطارح الشباك للسمك. فهو جامع لكل ما تريده الملوك ~~والسوقة. وليس يخلو من المتطربين لطيبه، سيما أيام الربيع: فإن له في ذلك ~~الوقت منظرا عجيبا. # وللصنوبري، فيه: # أراق سجاله بالرقتين ... جنوبي صخوب الجانبين # وأهدى للرصيف رصيف مزن ... يعاوده طرير الطرتين # معاهد بل مآلف باقيات ... بأكرم معهدين ومألفين # يضاحكها بالفرات بكل فج ... فيضحك عن نضار أو لجين # كأن الأرض من صفر وحمر ... عروس تجتلى في حلتين # كأن عناق نهري دير زكى ... إذا اعتنقا عناق متيمين # وقت ذاك البليخ يد الليالي ... وذاك النيل من متجاورين # أقاما كالسوارين، استدارا ... على كنفيه أو كالدملجين # أيا متنزهي في دير زكى ... ألم تك نزهتي بك نزهتين # أردد بين ورد نداك طرفا ... يردد بين ورد الوجنتين # ومبتسم كنظمي أقحوان ... جلاه الطل بين شقيقتين # ويا سفن الفرات بحيث تهوى ... هوي الطير بين الجانبين # تطارد مقبلات مدبرات ... على عجل تطارد عسكرين # ترانا واصليك كما عهدنا ... وصالا لا ننغصه ببين # ألا يا صاحبي خذا عناني ... هواي سلمتما من صاحبين # لقد غصبتني الخمسون فتكي ... وقامت بين لذاتي وبيني # وكان اللهو عندي كابن أمي ... فصرنا بعد ذاك لعلتين # ومن مليح شعره في وصف الرقتين: # أما الرياض فقد بدت ألوانها ... صاغت فنون حليها أفنانها # رقت معانيها ورق نسيمها ... وبدت محاسنها وطاب زمانها # نظمت قلائد زهرها كجواهر ... نظمت زمردها إلى عقيانها # هذا خزاماها وذا قيصومها ... هذا شقائقها وذا حوذانها # لو أن غدران السحاب تواصلت ... سحا إذا لتواصلت غدرانها # تبكي عليها عين كل سحابة ... ما أن تمل من البكا أجفانها # منقادة طوع الجنوب إذا بدت ... فكأنها بيد الجنوب عنانها # واها لرافقة الجنوب محلة ... حسنت بها أنهارها وجنانها # يا بلدة ما زال يعظم قدرها ... في كل ناحية ويعظم شأنها # أما الفرات فإنه ضحضاحها ... أما الهني فإنه بستانها # وكأن أيام الصبا أيامها ms094 ... وكأن أزمان الهوى أزمانها # مهما نصد غزلانها يوما فقد ... ظلت تصيد قلوبنا غزلانها # حث الكؤوس فإن هذا وقتها ... وصل الرياض فإن ذا إبانها # وله: # إن الزمان غدا بوجه كالح ... من بعد ما كنا نراه طليقا PageV01P053 أيام ~~أسحب فضل أيام الصبا ... في ظل عيش لا يزال أنيقا # بالرقة البيضاء إذ ترعى المها ... حقي ولا أرعى لهن حقوقا # أغدو على اللذات غير مراقب ... منعا ولا متخوف تعويقا # في فنية خلعوا أعنتهم فما ... يألون في طرق السداد مروقا # نازعتهم كأسها كأن نسيمها ... مسك تضوع في الاناء فتيقا # شقت قناع الليل لما غادرت ... كف النديم قناعها مشقوقا # صبغت سواد دجاه حمرة لونها ... فكأنها سبج أعيد عقيقا # ولقد أقول لصاحبي ألا صلا ... لي بالصبوح على الفرات غبوقا # إن الفرات هو الرحيق وإنما ... تتعاطيان على الرحيق رحيقا # وله: # قد أحدق الورد بالشقيق ... خلال بستانك الأنيق # كأنه حوله وجوه ... مستشرفات إلى حريق # فاشرب على ذا الشقيق كأسا ... تشرب عقيقا على عقيق # وقال أيضا: # أن شوقا وللمحب أنين ... حين فاضت على الخدود الجفون # آه من زفرة ينشئها الشو ... ق وداء بين الضلوع دفين # كيف يسلوا الشجي أم كيف ينسى ال ... صب أم كيف يذهل المحزون # لا تلمني بالرقتين ودعني ... إن قلبي بالرقتين رهين # يا نديمي أما تحن إلى القصف ... فهذا أوان يبدو الحنين # ما ترى جانب المصلى وقد أشر ... ق منه ظهوره والبطون # أقحوان وسوسن وشقيق ... وبهار يجنى وآذريون # أسرجت في رياضه سرج القط ... ر وطابت سهوله والحزون # إن آذار لم يذر تحت بطن ... الأرض شيئا أكنه كانون # وبدا النرجس البديع كأمثا ... ل عيون ترنو إليها عيون # ما ترى جانب الهنى وقد أشر ... ق فيه الخيري والنسرين # صاح فيه الهزار، ناح به القم ... ري، غنى في جوه الشفنين # فلهذا قيصومه وخزاما ... ه وذا الورد فيه والياسمين # وكأن الفرات بينهما عي ... ن لجين يعوم فيها السفين # كبطون الحيات أو كظهور المشر ... فيات أخلصتها القيون # ما أتى الناس مثل ذا العام ... عام لا ولا جاء مثل ذا الحين حين # بلد ms095 مشرق الأزاهير موع ... وسحاب جم العزالى هتون # تتلاقى المياه: ماء من المز ... ن وماء يجري وماء معين # كم غدا نحو دير زكي من قل ... ب صحيح فراح وهو حزين # لو على الدير عجت يوما لأله ... ك فنون وأطربتك فنون # لائمي في صبابتي قدك مهلا ... لا تلمني، إن الملام جنون # كم غزال في كفه الورد مبذو ... ل وفي الخد منه ورد مصون # فإذا ما أجلت طرفي في خد ... يه جالت في القلب مني الظنون # لا سعيد من ليس يسعده ... جد سعيد وطائر ميمون # ولسان مثل الحسام وقلب ... صادق عزمه ورأي رصين # وقال أيضا: # من حاكم بين الزمان وبيني ... ما زال حتى راضني بالبين # فأما وربعي اللذين تأبدا ... لا عجبت بعدهما على ربعين # ما لي نأيت عن الهني وكنت لا ... أسطيع أنأى عنه طرفة عين # يا دير زكى كنت أحسن مألف ... من الزمان به على إلفين # وبنفسي المرج الذي ابتسمت لنا ... جنباته عن عسجد ولجين PageV01P054 لو ~~حمل الثقلان م حملت من ... شوق لأثقل حمله الثقلين # وقال أيضا: # وإلى الرقتين أطوى قرى البي ... د بمطوية القرا مذعان # حبذا الكرخ، حبذا العمر، لا بل ... حبذا الدير، حبذا السروتان # قد تجلى الربيع في حلل الزه ... ر وصاغ الحمام حلي الأغاني # ألبستها يد الربيع من الأل ... وان بردا كالأتحمي اليماني # يا خليلي هاتما عللاني ... عاطياني الصهباء لا تدرأاني # أبعدا الماء، أبعدا الماء، قوما، ... أدنيا، أدنيا بنات الدنان # سقياني من كل لون من الرا ... ح على كل هذه الألوان # أخضر اللون كالزمرد في أح ... مر صافي الأديم كالارجوان # وأقاح كاللؤلؤ الرطب قد ... فصل بين العقيق بالمرجان # وبهار مثل الدنانير محفو ... ف بزهر الخيري والحوذان # وكأن النعمان حل عليها ... حللا من شقائق النعمان # وللرشيد، يذكر هذا الدير: # سلام على النازح المغترب ... تحية صب به مكتئب # غزال مراتعه بالبليخ ... إلى دير زكى فقصر الخشب # أيا من أعان على نفسه ... بتخليفه طائعا من أحب # سأستر، والستر من شيمتي ... هوى من أحب بمن لا أحب # وكان عند مسيره من الرافقة إلى ms096 بغداد، خلف بها ماردة أم أبي إسحق ~~المعتصم، فاشتاقها، فكتب إليها بهذه الأبيات. قال: فلما ورد كتاب الرشيد ~~عليها، قالت لبعض من يقول الشعر: أجبه! فقال عن لسانها: # أتاني كتابك يا سيدي ... وفيه مع الفضل كل العجب # أتزعم أنك لي عاشق ... وأنك بي مستهام وصب # ولو كان هذا كذا، لم تكن ... لتتركني نهزة للكرب # وأنت ببغداد ترعى بها ... رياض اللذاذة مع من تحب # فيا من جفاني ولم أجفه ... ويا من شجاني بما في الكتب # كتابك قد زادني صبوة ... وأسعر قلبي بحر اللهب # فهبني نعم قد كتمت الهوى ... فكيف بكتمان دمع سرب # ولولا اتقاؤك يا سيدي ... لوافتك بي ناجيات النجب # قال: فلما قرأ كتابها، وجه من يحدرها من وقتها إليه: وذكر صالح التركي، ~~وكان المعتصم في حجره، قال: عشق الرشيد ماردة عشقا مبرحا، فقال فيها: # وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكل موضع نظرة نبل # وتنال منك بحد ناظرها ... ما لا ينال بحده النصل # شغلتك وهي لكل ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل # فلقلبها حلم يباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهل # ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل # وللرشيد شعر صالح، وأبيات مفردات، كان يتمثل بها. وأكثر شعره في جواريه ~~وعشقه لهن. فمن شعره: # ملكت من أصبح لي مالكا ... لكنه في ملكه ظالم # لو شئت لاستاقته لي قدرة ... ولكن حكم الحب لي لازم # أحببت من بين هذا الورى ... وهو بحبي خبر عالم # قبيح فعل حسن وجهه ... يعذر في أمثاله اللائم # أحسن من أبصره مبصر ... لو أنه في حسنه راحم # وله: # صيرني الحب إلى ما ترى ... أنحل جسمي ولقلبي كوى # قد كتب الحب على جبهتي: ... هذا قتيل في سبيل الهوى # قال: وكان الرشيد قد استخص هيلانة، جارية أخيه الهادي. وأحبها حبا شديدا. ~~فخلفها في بعض أسفاره ببغداد، ثم اشتاقها، فقال هذه الأبيات: # أهدى الحبيب مع الجنوب سلامه ... فاردد عليه مع الشمال سلاما # واعرف بقلبك ما تضمن قلبه ... وتداولا بهواكما الأياما # مهما بكيت له فأيقن أنه ... ستفيض عيناه الدموع سجاما # فاحبس دموعك رحمة لدموعه ms097 ... إن كنت تحفظ أو تحوط ذماما PageV01P055 ومن ~~شعره في جواريه الثلاث: # إنني وزعت حبي طائعا ... بين شجو وضياء وخنث # يتنازعن الهوى من ذي هوى ... آمنات عقدة لا تنتكث # وإذا شجو أتت زائرة ... كشفت عني شجو كل بث # قال: وكان مولد الرشيد بالري، أول سنة ثمان وأربعين ومائة. وولد الفضل بن ~~يحيى قبله بسبعة أيام، فأرضعته أم الفضل. وبويع له بالخلافة، ليلة السبت ~~لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة. وولد في هذه ~~الليلة عبد الله المأمون، من جارية تسمى مراجل. ففي هذه الليلة مات خليفة، ~~وولي خليفة، وولد خليفة. وهذا من الاتفاقات الطريفة. # وتوفي الرشيد بقرية تدعى سناباذ، من عمل طوس. وله خمس وأربعون سنة، يوم ~~السبت لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ~~ثلاثا وعشرين سنة وشهرا ونصفا. # دير ماسرجيس # وهذا الدير بعانة. وعانة مدينة على الفرات عامرة، وبها هذا الدير. وهو ~~كبير حسن كثير الرهبان. والناس يقصدونه من هيت وغيرها للتنزه فيه. وهناك ~~كروم ومعاصر وبساتين وشجر. والموضع في نهاية الحسن، جامع لما يحتاج إليه ~~أهل التطرب والتفرج. # ولابن أبي طالب المكفوف الواسطي، فيه: # رب صهباء من بنات المجوس ... قهوة بابلية خندريس # قد تحسيتها بناي وعود ... قبل قرع الشماس للناقوس # وغزالس مكحل ذي دلال ... ساحر الطرف سامري عروس # دينه معلن لدين النصارى ... وإذا ما خلا، فدين المجوس # قد خلونا بظبيه نجتليه ... يوم سبت إلى صباح الخميس # بين ورد ونرجس وبهار ... وسط بستان دير ما سرجيس # يتثنى بحسن جيد غزال ... ذي صليب مفضض آبنوس # كم لثمت الصليب في الجيد منه ... كهلال مكلل بشموس # وبهذا الموضع، قبر أم الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك. وكان الرشيد، لما ~~أشخص من الرقة إلى بغداد يريد الحج شخص معه البرامكة، فتوفيت أم الفضل. ~~وكانت أرضعت الرشيد بلبن الفضل. وكان يحبها ويجلها. وكان مولد الفضل قبل ~~مولد الرشيد بسبعة أيام. فأمر الرشيد، فاشتريت لها عشرة أجربة من بستان عند ~~وادي القناطر، على شاطىء الفرات، فدفنت ms098 هناك وبنيت عليها قبة. فهي تعرف ~~بقبة البرمكية. # دير ابن مزعوق # وهذا الدير بالحيرة، في وسطها، قريب دير الحريق. وهو دير كثير الرهبان، ~~حسن العمارة، أحد المتنزهات المقصودة والأماكن الموصوفة. # ولمحمد بن عبد الرحمن الثرواني، فيه: # قلت له والنجوم طالعة ... في ليلة الفصح أول السحر: # هل لك في مار فاثيون وفي ... دير ابن مزعوق غير مختصر # يفيض هذا النسيم من طرف ... الشام ودر الندى على الشجر # ونسأل الأرض عن منابتها ... وعهدها بالربيع والمطر # يا لك طيبا وشم رائحة ... كالمسك يأتي بنفحة السحر # في شرب خمر وسمع محسنة ... تلهيك بين اللسان والوتر # والثرواني هذا كوفي من المطبوعين في الشعر، والمنهمكين في البطالات، ~~والمتطرحين في الحانات، والمدمنين لشرب الخمر، والمغرقين في اتباع المرد. ~~لا يعرف شيئا غير ذلك. ولا يوجد في شيء من أمر الدنيا إلا فيه. وكان آخر ~~أمره أن أصيب في حانة خمار بين زقي خمر وهو ميت ! ومن مليح شعره، قوله: # أتاك على الدخول المهرجان ... تشيعه المعازف والقيان # وزقت نحوك الصهباء صرفا ... تسير بها وتحملها الدنان # لهذا اليوم فضل مستبين ... على الأيام تعرفه وشأن # إذا وقرته عظمت كسرى ... وأكرمك الشريف الهرمزان # وأصفاك الهوى بهرام جور ... وسارع في رضاك الفيرزان # لتعظيم الذي قد عظموه ... ودان به أوائلهم ودانوا # فدع عنك الخلاف ولا وحتى ... وسوف أجيئكم ونعم والآن # خلافك لا يجوز على الندامى ... ولا يرضى بذاك المهرجان # وقال أيضا: PageV01P056 تقلب طرف عينك من بعيد ... شبيها بالمودة والوعيد # تقر بطرف عينك لي بوصل ... وفعلك لي مقر بالجحود # تشككني وأعلم أن هذا ... هوى بين التعطف والصدود # هواك هوى تجدده الليالي ... ولا يبلى على مر العهود # ومن شعره أيضا: # كر الشراب على نشوان مصطبح ... قد هب يشربها والديك لم يصح # والليل في عسكر جم بوارقه ... من النجوم وضوء الصبح لم يضح # والعيش لا عيش إلا أن تباكرها ... صهباء تقتل هم النفس بالفرح # حتى يظل الذي مذ بات يشربها ... ولا مراح به يختال كالمرح # دير سرجس # وهذا الدير كان بطيزناباذ، وهو بين الكوفة والقادسية، على ms099 حافة الطريق، ~~وبينها وبين القادسية ميل. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر ~~والحانات والمعاصر. وكانت إحدى البقاع المقصودة والنزه الموصوفة. وقد خربت ~~الآن وبطلت وعفت آثارها وتهدمت آبارها، ولم يبق من جميع رسومها إلا قباب ~~خراب وحجر على قارعة الطريق، تسميه الناس معصرة أبي نواس. # ولأبي نواس، فيها: # قالوا: تنسك بعد الحج ! قلت لهم: ... أرجو الاله وأخشى طيزناباذا # أخشى قضيب كرم أن ينازعني ... رأس الخطام وأن أسرعت إغذاذا # فإن سلمت ، وما نفسي على ثقة ... من السلامة لم أسلم ببغداذا # ما أبعد الرشد من قلب تضمنه ... قطربل فقرى بنا فكلواذا # وكان هذا الدير من أحسن الديارات عمارة وأنزهها موضعا. # وللحسين بن الضحاك، فيه: # أخوي حي على الصبوح صباحا ... هبا ولا تعدا النديم رواحا # مهما أقام على الصبوح مساعد ... وعلى الغبوق فلن أريد براحا # عودا لعادتنا صبيحة أمسنا ... فالعود أحمد مغتدى ومراحا # هل تعذران بدير سرجس صاحبا ... بالصحو أو تريان ذاك جناحا # إني أعيذكما بألفة بيننا ... أن تشربا بقرى الفرات قراحا # عجت قواقزنا وقدس قسنا ... هزجا وأصخبنا الدجاج صياحا # للجاشرية فضلها فتعجلا ... إن كنتما تريان ذاك صلاحا # يا رب ملتبس الجفون بنومة ... نبهته بالراح حين أراحا # فكأن ريا الكأس حين ندبته ... للكأس أنهض في حشاه جناحا # فأجاب يعثر في فضول ردائه ... عجلان يخلط بالعثار مراحا # فهتكت ستر مجونه بتهتكي ... في كل ملهية وبحت وباحا # ما زال يضحك بي ويضحكني به ... ما يستفيق دعابة ومزاحا # ديارات الاساقف # هذه الديارات بالنجف، بظاهر الكوفة، وهو أول الحيرة. وهي قباب وقصور تسمى ~~ديارات الأساقف. وبحضرتها نهر يعرف بالغدير. عن يمنيه قصر أبي الخصيب مولى ~~أبي جعفر، وعن شماله السدير، وبين ذلك الديارات. # وقصر أبي الخصيب هذا، أحد متنزهات الدنيا. وهو مشرف على النجف وعلى ذلك ~~الظهر. ويصعد من أسفله على درجة طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن ومجلس، ~~فيشرف الناظر على النجف والحيرة من ذلك الموضع، ثم يصعد منه على درجة أخرى ~~طولها خمسون مرقاة إلى سطح أفيح ومجلس عجيب. # وأبو الخصيب هذا، مولى أبي جعفر ms100 المنصور وحاجبه. # والسدير، قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان. وما بقي الآن منه ~~فهو ديارات وبيع للنصارى. # ولعلي بن محمد الحماني العلوي، يذكر هذه المواضع: # كم وقفة لك بالخور ... نق لا توازى بالمواقف # بين الغدير إلى السدي ... ر إلى ديارات الأساقف # فمدارج الرهبان في ... أطمار خائفة وخائف # دمن كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف # وكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف # وكأنما أنوارها ... تهتز بالريح العواصف # طرر الوصائف يلتقي ... ن بها إلى طرر الوصائف # تلقى أوائلها أوا ... خرها بألوان الزخارف # بحرية شتواتها ... برية فيها المصايف PageV01P057 درية الحصباء كا ... ~~فورية فيها المشارف # ثم انبرت سحا كبا ... كية بأربعة ذوارف # ولأبي نواس، يذكر أيامه بالسدير: # عدن لي بالدير أيام قصف ... وسرور مع الندامى وعزف # وعيون الظباء ترنو إلينا ... منعمات بكل بر ولطف # ورخيم الخطا يكاد من الر ... قة يدمي أدميه كل طرف # حل منه الصليب في موضع الجي ... د فقد خصه على كل إلف # قد أدرنا رحى النعيم ثلاثا ... ووصلنا النعيم كفا بكف # قال: ولما نزل الرشيد الحيرة، وقت منصرفه من الحج، ركب جعفر بن يحيى إلى ~~السدير، فطافه ونظر إلى بنائه. ثم وقعت عينه على كتاب في أعلاه فأمر من صعد ~~إلى الموضع فقرأه. فقال في نفسه: قد جعلته فألا لما أخافه من الرشيد. ~~فقرىء، فإذا هو: # إن بني المنذر عام انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب # أضحوا ولا يرجوهم راغب ... يوما ولا يرهبهم راهب # وأصبحوا أكلا لدود الثرى ... وانقطع المطلوب والطالب # فحزن جعفر لذلك وصار ينشد الأبيات ويقول: ذهب والله أمرنا ! ومن هذه ~~الأبنية: المسقطات. وهو قصر فيه آزاج مستطيلة مسقطة شرقي الحيرة على طريق ~~الحاج. ثم القصر. ثم كوة البقال. ثم قصر العدسيين. ثم الأقصى الأبيض. ثم ~~قصر بني بقيلة. وكان هذا القصر لعبد المسيح بن بقيلة الغساني. وإنما سمي ~~بقيلة، لأنه خرج يوما على قومه في حلتين خضراوين قد اتزر بإحداهما واشتمل ~~بالأخرى، فقال قومه: ما هو إلا بقيلة. فسمي بذلك. # وعبد المسيح هذا، هو ابن أخت سطيح ms101 الكاهن. وكان كسرى أنفذه إلى سطيح بسبب ~~الرؤيا التي رآها. فجاءه وهو يجود بنفسه، فقال: أصم أم يسمع غطريف اليمن، ~~في أبيات. ففتح سطيح عينه وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح جاء إلى سطيح، ~~وقد أوفى على الضريح، من قبل ملك بني ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود ~~النيران، ورؤيا الموبذان. والخبر مشهور تركناه لشهرته. # فلما نزل خالد بن الوليد الحيرة، خرج إليه عبد المسيح، فقال له خالد: من ~~أين أقصى أثرك ؟ قال: من صلب أبي ! قال: ما عن هذا سألتك ! قال: ولا أجبت ~~إلا عما سألت عنه ! قال: ما أنتم ؟ قال: عرب استنبطنا ! قال: فما بال هذه ~~الحصون ؟ قال: بنيناها نتحرز بها من الجاهل إلى أن يجيء العاقل فيردعه ! ~~قال: أتعقل ؟ قال: نعم، وأقيد ! قال: فما سنك ؟ قال: عظم ! قال: كم أتى ~~عليك ؟ قال: لوى أتى علي شيء لقتلني ! قال: كم مضى من عمرك ؟ قال: أربعمائة ~~سنة ! قال: فما رأيت من العجائب ؟ قال: رأيت السفن وهي ترفيء في هذا ~~الموضع، ورأيت المرأة وهي تخرج من الحيرة إلى الشام بمغزلها في يدها ~~ومكتلها على رأسها لا يروعها أحد، وهي الآن خراب يباب، وذلك دأب الله في ~~خلقه. # وكان في يده شيء يقلبه. قال خالد: ما هذا الذي في يدك ؟ قال: سم ساعة ! ~~قال: وما تصنع به؟: قال: إن أعطيتني ما أحب وإلا قتلت نفسي به. ولم أكن أول ~~من أدخل الذل على قومه وساق إليهم ما يكرهون. قال خالد هلمه إلي. فناوله ~~إياه، فطرحه في فيه، وقال: بسم الله، وازدرده. فأخذته غشية، ثم أفاق، كأنما ~~نشط من عقال. فرجع عبد المسيح إلى قومه فقال: جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة ~~وما ضره. وحمل إليه مالا صالحه عليه، وانصرف عنهم. # ومن بعده: دار عون، ثم قبة عصر كذا وهي ما يلي النجف. فهذه قصور الحيرة ~~الباقية الآن. # قبة الشتيق # وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج. وبإزائها قباب يقال لها ~~الشكورة، جميعها للنصارى. فيخرجون يوم عيدهم من الشكورة إلى القبة، في ms102 أحسن ~~زي، عليهم الصلبان، بأيديهم المجامر، والشمامسة والقسان معهم يقدسون على ~~نغم واحد، متفق في الألحان، ويتبعهم خلق كثير من متطربي المسلمين وأهل ~~البطالة، إلى أن يبلغوا قبة الشتيق. فيتقربون ويتعمدون، ثم يعودون بمثل تلك ~~الحال. فهو منظر مليح. # ولبعض الشعراء فيه: # والعذارى مشددي الزناني ... ر عليهن كل حلي وثيق # يتمشين من قباب الشعاني ... ن إلى صحن قبة الشتيق # يا خليلي فلا تعنفني يوم ... ترى اللهو فيه بالتحقيق # ولبكر بن خارجة: PageV01P058 يا خليلي، عرجا بي إلى الحيرة كم كم تراقبان ~~النجوما # واسقياني من بيت سجوم را ... حا قهوة لا تماكسا سجوما # حانة حشوها ظباء ملاح ... هيجوا بالدلال قلبا سقيما # وإذا ما سقيتماني شرابا ... خندريسا معتقا مختوما # فاقصدوا قبة الشتيق وظبيا ... سكن الدير قد سباني رخيما # عقد زناره توصل بالقل ... ب فأمسى بين الحشا مخزوما # وبكر بن خارجة هذا، من أهل الكوفة. وكان من المنهمكين في الخمر، ~~والمستهترين بالتطرح في الحانات والديارات. وكان أكثر شعره في ذلك. # فمن شعره أيضا: # راح من الحانة سكرانا ... فزادني هما وأحزانا # حانة سجوم التي صيرت ... من حبها في القلب نيرانا # يرنو بعيني شادن أحور ... تخاله للسكر وسنانا # ما رأت العينان شبها له ... إنسا إذا عد ولا جانا # معاقد الزنار في خصره ... عذبنني بالحب ألوانا # كتمت حبي وهواي له ... دهرا وأحوالا وأزمانا # حتى تولى جسدي للبلى ... فما أطيق اليوم كتمانا # دير هند بنت النعمان بن المنذر # بنت هند هذا الدير بالحيرة، وترهبت فيه وسكنته دهرا طويلا، ثم عميت. وهذا ~~الدير من أعظم ديارات الحيرة وأعمرها. وهو بين الخندق وحصراه بكر. # ولما قدم الحجاج الكوفة، في سنة أربع وسبعين، قيل له إن بين الحيرة ~~والكوفة ديرا لهند بنت النعمان، وهي فيه، ومن رأيها وعقلها. فانظر إليها ~~فإنها بقية. فركب والناس معه حتى أدير. فقيل لها: هذا الأمير الحجاج ~~بالباب. فاطلعت من ناحية الدير، فقال لها: يا هند، ما أعجب ما رأيت ؟ قالت: ~~خروج مثلي إلى مثلك ! فلا تغتر يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال ~~النابغة: ms103 # رأيتك من تعقد له حبل ذمة ... من الناس، يأمن سرحه حيث أربعا # ولم نمس إلا ونح أذل الناس. وقل إناء امتلأ إلا انكفأ. # فانصرف الحجاج مغضبا، وبعث إليها من يخرجها من الدير ويستأديها الخراج ~~فأخرجت مع ثلاث جوار من أهلها، فقالت إحداهن في خروجها: # خارجات يسقن من دير هند ... مذعنات بذلة وهوان # ليت شعري، أأول الحشر هذا، ... أم محا الدهر غيرة الفتيان ؟ # فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه، فاستنقذهن من أشراط الحجاج، وتغيب. فبلغ ~~الحجاج شعرها وفعل الفتى: فقال: إن أتانا فهو آمن، ون ظفرنا به قتلناه ! ~~فأتاه الفتى، فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: الغيرة ! فوصله وخلاه. # وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هندا إلى ديرها، فخرجت إليه، ~~فأكرمها وعرض عليها نفسه في حوائجها فقالت: سأحييك بتحية كانت أملاكنا تحيا ~~بها: مستك يد نالها فقر بعد غنى ولا مستك يد نالها غنى بعد فقر. ولا جعل ~~الله لك إلى لئيم حاجة. ولا نزع الله عن كريم نعمة إلا جعلك سببا لردها ~~عليه. # ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة، فاستأذن عليها، فقيل لها: ~~أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت ؟ ~~قال: لا ! قالت: فمن ولد المنذر بن ماء السماء ؟ قال: لا ! قالت فمن أنت ؟ ~~قال المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك ؟ قال جئتك خاطبا ! قالت: لو ~~جئتني لجمال أو حال لأجبتك. ولكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب، فتقول: ~~نكحت بنت النعمان بن المنذر ! وإلا، فأي فخر في اجتماع أعور وعمياء ؟ فبعث ~~إليها، قال: كيف كان أمركم ؟ قال: سأختصر لك الجواب. أمسينا مساء وليس في ~~الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس أحد إلا ونحن نرغب ~~إليه ونرهبه ! قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف ؟ قالت: اختصم إليه رجلان ~~منهم، في شيء، أحدهما ينتمي إلى إياد والآخر إلى بكر بن هوازن. فقضى به ~~للايادي، وقال: # إن ثقيفا لم تكن هوازنا ... ولم تناسب ms104 عامرا ومازنا # فقال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء ! # دير زرارة PageV01P059 وهو دير حسن، بين جسر الكوفة وحمام أعين، ناحية عن ~~الطريق على يمين الخارج من بغداد إلى الكوفة. وهو موضع نزه حسن، كثير ~~الحانات والشراب، عامر بمن يطرقه، لا يخلو مما يطلب اللعب ويؤثر البطالة. ~~وهو من المواطن المستصلحة لذلك. # قال: خرج يحيى بن زياد ومطيع بن إياس حاجين. فلما قربا من دير زرارة، قال ~~أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدم أثقالنا ونمضي إلى زرارة، فنشرب في ديرها ~~ليلتنا ونتزود من مردها وخمرها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا ؟ ~~ففعلا. وسار الناس، وأقاما. فلم يزل ذلك دأبهما إلى أن انصرف الحاج. فلما ~~وصل إلى الكوفة. حقا رؤوسهما وركبا بعيرين ودخلا مع الحاج. فقال مطيع: # ألم ترني ويحيى إذ حججنا ... وكان الحج من خير التجاره # خرجنا طالبي حج ودين ... فمال بنا الطريق إلى زراره # فآب الناس قد غنموا وحجوا ... وأبنا موقرين من الخساره # ثم قال فيه أيضا، وفيه لحن. وقيل أن الأبيات لأبي علي البصير: # خرجنا نبتغي مكة ... حجاجا وزوارا # فلما قدم الحير ... ة حادي جملي حارا # وقد كاد يغور النج ... م للاصباح أو غارا # فقلت: احطط بها رحلي ... ولا تحفل بمن سارا # فجددنا عهودا س ... لفت منا وآثارا # وقضينا لبانات لنا ... كانت وأوطارا # وصاحبنا بها ديرا ... وقسيسا وخمارا # وظبيا عاقدا بين ... النقا والخصر زنارا # شرحنا لك أخبارا ... وادمجناك أخبارا # ولأبي نواس، في هذا المعنى: # وقائل: هل تريد الحج ؟ قلت له: ... نعم، إذا فنيت لذات بغداذ # أما وقطربل منها بحيث نرى ... فقبة الفرك من أكناف كلواذي # فالصالحية، فالكرخ الذي اجتمعت ... شذاذ بغداد لي فيه بشذاذ # وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادة أو بيت نباذ # وهبك من قصف بغداد تخلصني ... كيف التخلص لي من طيزناباذ # وممن فعل فعل مطيع، سليمان بن محمد الأموي، وكان قد أعد البخاتي للحج ~~وصنعها طول سنته. فلما وصل إلى الكوفة، بدا له وأقام وقال: # حرصي على الحج ms105 أفسد الحجا ... إذ لم أجد مهربا ولا منجا # تبت إليه من الذنوب ومن ... عرض برىء بمنكر يهجا # فردني خاسئا إلى قدحي ... وقول شعر وعفوه يرجا # بحيث تضحي الزقاق خاضعة ... تحسبها من سوادها زنجا # إذا وضعنا للزق باطية ... وحل عنه رباطه مجا # زادي إلى الحج صار منتقلا ... لما احتسيت المدامة الزلجا # ومضجعي زكرتي نعمت بها ... مملوءة ما تفارق الخرجا # كذاك من يطلب الثواب ولا ... ينهض إلا بنية عرجا # وخرج أبو المضرحي وسلام بن غالب بن شماس وأبو البصير الشاعر، يريدون ~~الحج. فلما قدموا الكوفة، بدا لأبي البصير ولسلام، ثم مضى أبو المضرحي. ~~فقال أبو البصير يخاطب سلاما # خذ برأس القطا واستخر ... الله إلى دار قينة الرماح # حيث لا تنكر المعازف والخمر ... ووضع الأيدي على الأحراح # وكان مطيع بن إياس، من أظرف الناس وأحسنهم شعرا وأكثرهم نادرة وأشدهم ~~مجونا وخلاعة. وكان لا يغب الشرب واللعب والانهماك في الخسارة والتطرح في ~~مواضع اللذات. وكان مطيع ويحيى بن زياد وحماد عجرد وحماد الراوية، لا ~~يفترقون. وكان جميعهم على منهاج واحد في الخلاعة، وكلهم متهم بالزندقة ! ~~فذكر العتبى عن أبيه، قال: قدم علينا شيخ من أهل الكوفة، لم أر قط أحسن منه ~~حديثا. فكان يحدثني عن مطيع والحمادين وعن ظرفاء أهل الكوفة وعجائبهم، فلم ~~يكن يحدث عن أحد منهم بأحسن مما يحدثني به عن مطي بن إياس. فقلت له: كنت ~~والله أشتهي أن أرى مطيعا. فقال: والله لو رأيته للقيت منه بلاء عظيما ! ~~فقلت: وكيف ؟ قال: كنت ترى رجلا لا يصبر عنه العاقل إذا رآه، ولا يصحبه أحد ~~إلا افتضح به ! PageV01P060 وذكر ابن حبيب، قال: رأيت رجلا من أهل الكوفة، ~~فسألته عن مطيع، وكان قد صحبه، فقال: لا ترد أن تسأل عنه. قلت: ولم ذاك ؟ ~~قال: ما سؤالك عن رجل إذا حضرك ملكك، وإذا غاب عنك شاقك، وإذا عرفت بصحبته ~~فضحك ! وكان مطيع بن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. فقد مدح الوليد بن ~~يزيد ونادمه ومدح أخاه وخص به. # قال: حضر مطيع بن إياس وشراعة بن ms106 الزندبوذ ويحيى بن زياد ووالبة بن ~~الحباب وعبد الله بن عياش المنتوف وحماد عجرد مجلس بعض الأمراء بالكوفة. ~~فاجتمعوا كلهم على مطيع فكايدوه وهجوه، فغلبهم كلهم، ثم بدههم فقال: # وخمسة قد أبانا لي عداوتهم ... وقد تلظى لهم مقلى وطنجير # لو يقدرون على لحمي تقسمه ... قرد وكلب وجرواه وخنزير # فقطعهم وأقروا له. # قال: واجتمعوا يشربون، فأقاموا على ذلك أياما. فقال لهم يحيى بن زياد ~~ليلة، وهم سكارى: ويحكم ! ما صلينا منذ ثلاثة أيام. فقوموا بنا حتى نصلي. ~~فقالوا: نعم ! فقام مطيع فأذن وأقام. ثم قال للمغنية: تقدمي فصلي بنا. ~~فتقدمت، وكانت بلا سراويل، وعليها غلالة رقيقة. فلما سجدت انكشف متاعها، ~~فوثب إليه مطيع فقبل، ثم قال: # ولما بدا هنها جاثما ... كرأس حليق ولم تعتمد # سجدت له ثم قبلته ... كما يفعل العابد المجتهد # فقطعوا صلاتهم بالضحك، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه. # قال: كتب يحيى بن زياد يوما إلى مطيع: أنا نشيط للشرب، فإن كنت فارغا فصر ~~إلي. وإن كان عندك نبيذ طيب وغناء جئتك ! فجاءته الرقعة وعنده حماد الراوية ~~وحكم الوادي وغلام أمرد، فأجابه: # نعم، لنا نبيذ ... وعندنا حماد # وعندنا وادينا ... وهو لا عماد # وخيرنا كثير ... والخير يستزاد # ولهونا لذيذ ... لم تلهه العباد # أو تشتهي سفاد ... فعندنا فساد # أو تشتهي غلاما ... فندنا زياد # ما إن به التواء ... عنا ولا بعاد # فلما قرأ الرقعة، صار إليهم، فتمموا بقية يومهم. # وقال يحيى بن زياد له: انطلق بنا إلى فلانة المغنية، وكان يهواها، فإن ~~بيننا مغاضبة، فلعلك أن تصلح بيني وبينها، وبئس المصلح، والله، أنت ! فدخلا ~~إليها، فأقبل يحيى يعاتبها، ومطيع ساكت. فقال له: ما يسكتك، أسكت الله ~~نأمتك ؟ فقال مطيع: # أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهينا لنفسه في هواك # فأعجب يحيى ما قاله، وهش له، وقال: هيه ! فقال: # فدعيه، وواصلي ابن إياس ... جعلت نفسه الغداة فداك # فقام إليه يحيى بالوسادة يجلد بها رأسه، وقال: ألهذا دعوتك يا ابن ~~الفاعلة ؟ PageV01P061 قال: وكان بالكوفة مقين، يقال له أبو الأصبغ. وكان ~~له ابن يقال اصبغ، ms107 أحسن الناس وجها. وكان مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد ~~عجرد يغشون منزله ويعشقون ابنه ولا يقدرون عليه. فعزم أبو الاصبغ على أن ~~يصطبح يوما مع يحيى بن زياد. فأهدى إليه يحيى من الليل جداء ودجاجا وفراخا ~~وفاكهة وشرابا. فقال أبو الاصبغ لجواريه: إن يحيى بن زياد عندنا، فأصلحوا ~~له ما يشتهيه. فلما فرغ من الطعام، لم يجد رسولا يبعث به إليه سوى ابنه ~~اصبغ. فقال له: لا تبرح إلا ويحيى معك. فلما جاءه اصبغ، قال للغلام: أدخله: ~~وتنح أنت واغلق الباب، فإن أراد اصبغ الخروج فامنعه. فلما دخل إليه اصبغ ~~وأدى الرسالة، راوده يحيى عن نفسه، فامتنع. فثاوره يحيى، فصرعه، ورام حل ~~تكته، فلم يقدر على ذلك، فقطعها يحيى: فلما فرغ، أعطاه أربعين دينارا كانت ~~تحت مصلاه. فأخذها. وقال له يحيى: امض، فإني على أثرك. فخرج اصبغ من عنده، ~~واغتسل يحيى، وجلس يتزين ويتبخر. فدخل إليه مطيع، فرأى ما هو فيه، فقال له: ~~كيف أصبحت ؟ فلم يجبه، وشمخ بأنفه، وقطب حاجبه ! فقال له: أراك تتزين ~~وتتبخر، أين عزمت ؟ فلم يجبه. فقال: ويحك ! ما لك ؟ نزل عليك الوحي ؟ أو ~~كلمتك الملائكة؟ أو بويع لك بالخلافة ؟ وهو يومىء برأسه: لا، لا ! قال: ~~فأراك قد تهت علينا فما تتكلم، حتى كأنك قد نكت اصبغ بن أبي الاصبغ ! فقال: ~~أي والله ! الساعة، وأعطيته أربعين دينارا. قال: فإلى أين تمضي ؟ قال: إلى ~~دعوة أبيه. فقال مطيع: إمرأته طالق إن فارقتك أو أقبل أيرك ؟ فأبداه يحيى ~~له. فقبله. ثم قال له: كيف قدرت عليه ؟ فحدثه حديثه، وقام ليمضي إلى منزل ~~أبي الاصبغ، فاتبعه مطيع، وصبر ساعة، ثم دق الباب واستأذن. فخرج إليه ~~الرسول، فقال له: إنه اليوم على شغل لا يتفرغ لك، فتعذر ! قال: فابعث إلى ~~دواة وقرطاس. فكتب مطيع إلى أبي الاصبغ بهذه الأبيات: # يا أبا الاصبغ، لا زلت على ... كل حال عاليا ممتنعا # لا تصيرني في الود كمن ... قطع التكة قطعا شنعا # وأتى ما يشتهي لا ينتهي ... خيفة أو حفظ حق ضيعا ms108 # لو ترى الاصبغ ملقى تحته ... مستكينا خجلا قد خضعا # وله دفع عليه عجل ... شبقا ساءك ما قد صنعا # فادع بالاصبغ فاعرف حاله ... سترى أمرا قبيحا فظعا # فقال أبو الاصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية ؟ قال: لا ! فضرب بيده إلى ~~تكة ابنه، فوجدها مقطوعة، فأيقن بالفضيحة ! فقال يحيى: قد كان الذي كان، ~~وسعى إليك مطيع ابن الزانية. وهذا ابني، وهو أفره من ابنك. وأنا وهو عربي ~~ابن عربية، وابنك نبطي ابن نبطية. فنك ابني عشرا مكان المرة التي نكت ابنك، ~~فتكون قد ربحت الدنانير، وللواحد عشرة. فضحك أبو الاصبغ، وقال لابنه: هات ~~الدنانير يا ابن الفاعلة ! فرمى بها إليه، وقام خجلا. فقال يحيى: والله، لا ~~دخل مطيع ابن الزانية ! فقال أبو الاصبغ وجواريه: والله، ليدخلن إلينا، فقد ~~فضحنا ! فأدخل وجلس يشرب معهم، ويحيى يشتمه بكل لسان، ومطيع يضحك ! ولمطيع ~~أخبار كثيرة ظريفة، منع من إيرادها خوف الاطالة وما تدعو إليه من الملالة. # وله شعر حسن مليح، ويتغنى في شعره. فمن ذلك، قوله: # واها لظبي رجوت نائله ... حتى انثنى لي بوده صلفا # لانت حواشيه لي وأطمعني ... حتى إذا قلت نلته انصرفا # وقال أيضا، وله فيه غناء. # خليلي مخلف أبدا ... يمنيني غدا فغدا # وبعد غد وبعد غد ... كذا لا ينقضي أبدا # وليس بلابث جمر ال ... غضا أن يحرق الكبدا # ومن مليح، قوله: # إخلع عذارك في الهوى ... واشرب معتقة الدنان # وصل القيان مجاهرا ... فالعيش في وصل القيان # لا يلهينك غير ما ... تهوى فإن العمر فاني # وكان مطيع يبغض أباه ويهجوه. وهو من بني كنانة. وكان يوما يذكر قبائل ~~قريش والعرب ويصف قوما قوما. فقال له بعض من حضر: فأين بنو كنانة ؟ فقال ~~غير متمهل: بفلسطين يسرعون الركوبا، أراد قول الشاعر: # حلق من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا # عمر مر يونان PageV01P062 وهذا العمر بالأنبار، على الفرات. وهو عمر حسن ~~كبير، كثير القلايات والرهبان. وعليه سور محكم البناء، فهو كالحصن له. ~~والجامع ملاصقه. ولا يخلو من المتنزهين والمتظرفين. وله ظاهر حسن ومنظر ~~عجيب، سيما في ms109 أيام الربيع: لأن صحاريه وسائر أراضيه تكون كالحلل لكثرة ~~طرائف زهره وفنون أنواره. ومن اجتاز بالأنبار من الخلفاء ومن دونهم ينزله ~~مدة مقامه. # وقد وصفته الشعراء وذكرته في أشعارها. وللحسين بن الضحاك، فيه: # آذنك الناقوس بالفجر ... وغرد الراهب في العمر # واطردت عيناك في روضة ... تضحك عن حمر وعن صفر # وحن مخمور إلى خمره ... وجاءت الكأس على قدر # فارغب عن النوم إلى شربها ... ترغب عن الموت إلى النشر # ولكشاجم، فيه: # أغد، يا صاحبي، إلى الأنبار ... تشرب الراح في شباب النهار # واعمر العمر باللذاذة والقص ... ف حث الكؤوس والأوتار # ما ترى الدهر قد أتاك بوجه ... طلق بعد نبوة وازورار # لابسا حلة من الزهر كانت ... قبل محجوبة عن الأبصار # نرجس كالعيون يرقب من يه ... واه من غير رقبة أو حذار # وإذا ما بدا الشقائق فيها ... خاله الناظرون شعلة نار # أو كما نشرت مطارف حمر ... لأمير في جحفل جرار # وكأن البنفسج الغض فيها ... أثر القرص في خدود الجواري # وتراءى الخزامى السمائي فيها ... كاليواقيت نظمت في المذاري # وكأن المنثور حلة وشي ... مثلها ما حوت تخوت التجار # في طرار الربيع حيكت ولكن ... نمقت وشيها يد الأمطار # أقحوان وسوسن حسن النو ... ر وشيح منمنم مع بهار # فاغتنم غفلة الزمان وبادر ... وافترص لذة الليالي القصار # وكشاجم، أبو الفتح محمود بن الحسين الكاتب، مليح الشعر، رقيق الطبع، حسن ~~الوصف. له كتب كثيرة وتأليفات طريفة. فمن شعره في بعض ما كان يألفه: قوله: # من عذيري من عذاري رشأ ... عرض القلب لأسباب التلف # قمر جال نعيم الحسن في ... ماء خديه على ماء الترف # وله خط عذار خطه ... رونق العز بأقلام الشرف # حكمة في نعمة قد طرزت ... بطراز لم يجز حد الشنف # جمشا خديه ثم انعطفا ... آه ما أحسن ذاك المنعطف # علم الشعر الذي عاجله ... أنه جار عليه فوقف # فهو في وقفته معترف ... بالتناهي في التعدي والسرف # وله في صفة عود: # جاءت بعود كأن نغمته ... صوت فتاة تشكو فراق فتى # محفف حفت النفوس به ... كأنما الزهر حوله نبتا # دارت ملاويه فيه واختلفت ms110 ... مثل اختلاف الكفين شبكتا # لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا # يا حسن صوتيهما، كأنهما ... أختان في صنعة تراسلنا # وهو على ذا ينوب إن سكتت ... عنها، وعنه تنوب إن سكتا # وله في ذلك: # ومسمعة تحنو على مترنم ... له زجل عال وليس له سحر # إذا ما تأملت الحشى منه خلته ... تضمن شبعا وهو منخرق صفر # له نغم يفضين من كل سامع ... إلى حيث لا تفضي بشاربها الخمر # إذا طرقته بالأنامل والتقى ... على جسمه من جسمها النحر والصدر # بكى طربا فاستضحك اللهو نحوه ... وفضت عرى الاسباب واستلب الصبر # وتمنحه اليمنى حسابا مفصلا ... فتحمل فيه الخمس والست والعشر # فمت صريع السكر أطيب ميتة ... وما الحلم إلا أن يسفهك السكر # ومن مليح شعره: # يقولون: تب، والكأس في كف أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي ~~PageV01P063 فقلت لهم: لو كنت أضمرت توبة ... وأبصرت هذا كله لبدا لي # وله يصف معزفة: # معلقة الأوتار صخابة ... لها حنين كحنين الغريب # زادت على المزهر طيبا وقد ... تاهت عن الناي بخلق عجيب # مكسوة أحشاؤها جلدة ... بيضاء من جلد غزال ربيب # كأنما تسعة أوتارها ... نصبن أشراكا لصيد القلوب # وله في مضراب: # يا أيها الصلف المدل بحسنه ... جد للمحب، فأنت أهل الجود # بقبول مضراب حكاك بحسنه ... حسن التعطف مخطف مقدود # متشبه بك حين تخطو لاهيا ... وتميس بين مجاسد وعقود # لا تشمتن بي الحسود برده ... يفديك كل حسودة وحسود # لم أهده لك يا مناي وإنما ... أهديته متقربا للعود # وله يرثي قدحا له كان انكسر: # وعندي فجائع للنائبات ... وليس كفجعتنا بالقدح # وعاء المدام وتاج البنان ... وخدن السرور ومقصي الترح # يرد على الشخص تمثاله ... فلو تتخذه مراة صلح # يكاد مع الماء إن مسه ... لما فيه من شبهه ينسفح # فأفقدنيه على ضنة ... به للزمان غريم ملح # كأن له ناظرا ينتقي ... فما يتعمد غير الملح # فلا تبعدن فكم من حشى ... عليك كليم وقلب قرح # وله في النيل: # كأن النيل حين أتى بمصر ... وفاض بها وكسرت التراع # وأحدق بالقرى من كل وجه ... سماوات كواكبها ضياع # وقال في البطيخ: # وطيب ms111 أهدى لنا طيبا ... فدلنا المهدى على المهدي # يا جاني البطيخ من غرسه ... جنيت منه ثمر الحمد # لم يأتنا حتى أتتنا به ... روائح أغنت عن الند # كأنما تكشف منه المدى ... عن زعفران ديف في شهد # كأنما في جوفه قهوة ... ينقع فيها مندل هندي # وفيما أتينا به من طريف شعره وغريب صفاته، كفاية تفي بالشرط ولا تتجاوز ~~الحد. # دير قنى # ويعرف أيضا بدير مر ماري السليح # وهذا الدير، على ستة عشر فرسخا من بغداد، منحدرا في الجانب الشرقي، بينه ~~وبين دجلة ميل ونصف، وبينه وبين دير العاقول بريد. # وهو دير حسن، نزه، عامر. وفيه مائة قلاية لرهبانه والمتبتلين فيه، لكل ~~راهب قلاية. وهم يتبايعون هذه القلالي بينهم من ألف دينار إلى مائتي دينار ~~إلى خمسين دينارا. وحول كل قلاية بستان، فيه من جميع الثمار والنخل ~~والزيتون. وتباع غلته من مائتي دينار إلى خمسين دينارا. وعليه سور عظيم ~~يحيط به. وفي وسطه نهر جار. # وعيده الذي يجتمع الناس إليه عيد الصليب. # وقد وصفته الشعراء. ولابن جمهور، فيه: # يا منزل اللهو بدير قنا ... قلبي إلى تلك الربى قد حنا # سقيا لأيامك لما كنا ... نمتار منك لذة وحسنا # أيام لا أنعم عيش منا ... إذا انتشينا وصحونا عدنا # وإن فنى دن نزلنا دنا ... حتى يظن أننا جننا # ومسعد في كل ما أردنا ... يحكي لنا الغصن الرطيب اللدنا # أحسن خلق الله أدى لحنا ... وجس زير عوده وغنى # بالله، يا قسيس يا ما قنى ... متى رأيت الرشأ الأغنا # متى رأيت فتنتي يوحنا ... آه إذا ما ماس أو تثنى # يا منية القلب إذا تمنى ... فتكت بالصب بك المعنى # ثم قلبت في الهوى المجنا ... عذبته بالحب فنا فنا # وصارت الأرض عليه سجنا ... فما يلاقي الجفن منه جفنا # أفديك لا تهجر صبا مضنى ... قد كان من غدرك مطمئنا # أسأت إذ أحسنت فيك الظنا ... وصار قلبي في يديك رهنا # وقال فيه أيضا: PageV01P064 وكم وقفة في دير قنى وقفتها ... أغازل فيه ~~فاتن الطرف أحورا # وكم فتكة لي فيه لم أنس طيبها ... أمت بها ms112 عرفا وأحييت منكرا # وهو أبو علي محمد بن الحسين بن جمهور القمي. وكان أبوه من رواة أهل ~~البيت، صلوات الله عليهم، وحاملي الأثر عنهم. # وكان أبو علي ظريفا، متأدبا، مليح الشعر والكتابة. وقد سافر في طلب ~~العلم، وتطرح في مواطن اللعب، وعاشر أهل الخلاعة، وطرق الحانات والديارات. ~~ثم أقام بالبصرة وحسنت حاله بها، وصارت له نعمة كثيرة. # ومن شعره في جارية كانت في القيان تعرف بزاد مهر جارية المنصورية، وكانت ~~له معها في القيان أحاديث طريفة، ثم تأتى له أن اشتراها، قوله: # ربما استصعب واستب ... عد أمر وهو داني # يأتي الانسان ما يه ... واه في صفو الزمان # فيرى المستخذىء الآ ... يس من نيل الأماني # قد حوى ما كان يرجو ... في اغتباط وأمان # وقال أيضا: # كم قد أرتنا صروف الدهر من عجب ... ومن محب شديد السقم والوصب # صفا له الدهر حتى نال بغيته ... ممن تعشقه في أيسر الطلب # وأخباره معها ومع غيرها من القيان عجيبة. # قالت له زاد مهر هذه مرة، وهي في القيان، وقد دعاها: خذ لي الطالع في شيء ~~قد أضمرته. فأخذ الطابع وزرقها فقال: سألت عن رجل عليل القلب، شديد الكرب، ~~دائم الفكرة، طويل الحيرة، قد أشفى على أمر عظيم في طاعة إنسان عزيز. ~~فضحكت، ثم قالت مسرعة: على بظر أم الكاذب ! والله ما سألت إلا عن الثوب ~~المصمت الذي وعدتني به، متى تبعث به إلي. فخجل، وبعث به إليها. # وطرز مرة منديلا بهذه الأبيات، وأنفذه إليها: # أنا رسول من فتى عاشق ... آدمعه في خده جاريه # هذا ابن جمهور فجودي له ... منك بما يهواه يا قاسيه # وليست النفس وإن شفها ... حبك يا مولاته ساليه # فردت المنديل، وقد طرزت في وسطه: أم من يسخر بنا حتى ينيكنا زانيه ! وكتب ~~إليها، وقد كانت هجرته: يا سيدة عبدها، والله، إن الذي بلغك باطل، لكنني ~~أعترف به طاعة لك، وأقول كما قال ربيعة الأسدي: # هبيني امرءا أذنبت ذنبا جهلته ... ولم آته عمدا وذو الحلم يجهل # عفا الله عما قد مضى لست عائدا ms113 ... وها أنا ذا من سخطكم أتنصل # وقد قلت أيضا: # أملي إن كنت أخطأ ... ت رشادي في هواك # فلقد أسهرت عينا ... أرقت عند كراك # فاصفحي عني وجودي ... جعلت نفسي فداك # فوقعت على ظهر الرقعة: ما لك تغم نفسك، وتتنطع في كتب الأشعار ؟ وجه إلي ~~بالغلالة، وقد اصطلحنا ! وله فيها. # باتت عداك كما أبيت ... ولقي حسودك ما لقيت # يا من شقيت بحبه ... صل، لا شقيت كما شقيت # لا خنت عدك ما حييت ... ولا قطعت ولا نسيت # كن كيف شئت فإنني ... أرعى ودادك ما بقيت # وقال لها يوما: يا قحبة ! قالت له: يا ابن القحبتين ! فقال لها: ويلك ~~أقول لك يا قحبة، فتقولين لي يا ابن القحبتين ؟ فقالت: نعم ! أنا شموس، أرد ~~بالزوج ! وكنا نحضر مجلسه بالبصرة، فيملي أخبار أهل البيت، عليهم السلام. ~~فإذا فرغ من الاملاء، ابتدأ جواريه فقرأن بألحان ثم قلن القصائد الزهديات. ~~فإذا فرغن من ذلك، انصرف من انصرف واحتبس عنده من يأنس به، وعمل الغناء ~~والشرب. # قال: وكان عبدون بن مخلد، أخو صاعد بن مخلد، عند وفاة أخيه وإطلاقه من ~~الحبس، صابر إلى دير قنى، فأقام فيه وتعبد. # وكان عبدون هذا، ناقص الصنعة شديد التخلف. وبلغ مع ذلك مبلغا عظيما في ~~أيام أخيه. # قال: فأهدت ريق المغنية إلى عبدون فاكهة مبكرة، فيها تين ورمان وغيرهما. ~~فقال لكاتبه: اكتب إليها جواب رقعتها بشعر. فحلف أنه ما قال شعرا قط ! فغضب ~~عبدون غضبا شديدا، وقال: أنت بين يدي منذ سنين لا تحسن القصائد السبع ؟ يا ~~حمار، أكتب إليها: # قد أتتنا هديتانك ... في يوم مهرجانك # وأكلنا من رمانك ... لأنك جانجانتنا ونحن جانجانك PageV01P065 وكان صاعد، ~~من رجالات الناس حزما وضبطا وكفاية وكرما ونبلا. وكان كثير الصدقات ~~والصلوات ليلا ونهارا. وكان في أيام وزارته للموفق، يركب إلى دار الموفق، ~~فيقيم بحضرته أربع ساعات ثم ينصرف إلى منزله، فينظر في حوائج الناس وأمور ~~الحاضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدى وينام، ثم يجلس بالعشي فينظر في ~~الأعمال السلطانية إلى عشاء الآخرة، لا يبرح أو يحصل جميع ms114 الأموال ما حمل ~~منا وما أنفق وما بقي. ويعمل له بذلك عملا في كل يوم ويعرض عليه، وما يخفى ~~عنه شيء مما يجري في الأعمال كل يوم. ثم يأمر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدم ~~إلى وكلائه وخاصته بما يحتاج إليه. ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل ~~بحديثه ويأنس به. ثم ينام، ويقوم في آخر الليل فلا يزال يصلي إلى طلوع ~~الفجر، ثم يأذن للناس فيسلمون عليه، ثم يركب إلى دار الموفق. # قال: ولما انصرف صاعد من فارس، شكا إليه الموفق أمر عمرو بن الليث وقلة ~~الأموال وما يحتاج إليه لانهاض العسكر. والتمس منه احتيال مال يخرج به ~~راشدا إلى الصفار. فقال والله ما لي حيلة أكثر من حظر النفقات ومنع ~~المرتزقين. فقال الموفق: أين يقع ذلك مما أحتاج ؟ والذي أريد أن تأخذ من ~~التجار قرضا وتوظف عليهم وعليك وعلى الكتاب والعمال مالا نستعين به على ~~إخراج راشد. فإذا اتسعنا رددناه عليهم. فاستوحش صاعد من ذلك وأراد إعمال ~~الحيلة في التباعد عنه. فقال: أما بواسط، فلا يتهيأ لي. ولكن إن أذن لي ~~الأمير في المصير إلى مدينة السلام، رجوت أن أحتال على ما يريد. فقال: إعزم ~~على ذلك. وكتب إلى أبي العباس ابنه بالقبض على ما لصاعد بسر من رأى وبغداد ~~وجميع أسبابه. # قال إسحق بن إبراهيم الكاتب: فرأيت صاعدا في اليوم الذي قبض عليه فيه ~~متثاقلا عن المصير إلى الموفق. فلم أزل به إلى أن قعد في الطيار وهو على ~~غاية الكراهة، ووصل إلى حضرة الموفق، وقد واقف الموفق راشدا أن يسير إلى ~~دار صاعد عند حصوله بين يديه، فيقبض على ما فيها وعلى ابنه وأسبابه. فلما ~~رأى صاعد عند مسيره الجيش على الجسر، قال: ما هذا، أعز الله الأمير ؟ قال: ~~استأذنني راشد في عرض رجاله الذين يخرجون معه إلى فارس، وقد مضى لعرضهم. ~~قال فأقوم وأمضي نحوهم واحضر عرض الجمال معه. قال: إفعل. فوثب صاعد ليمضي، ~~فعدل به إلى الحجرة التي أعدت له، ووكل به، وقبض على ما ms115 كان له بواسط، وعلى ~~عبدون أخيه وجميع أموالهما في يوم واحد. وحصل مما قبض عنه وعن أخيه وابنه ~~من الضياع ما مقدار ارتفاعه ألف ألف دينار. ووجد لهم من المتاع والكسوة ~~والطيب والجوهر والفرش والآلات ما لا قيمة له كثرة، ونحو أربعة آلاف رأس من ~~الدواب والبغال، وأربعة آلاف غلام بين فحل وخادم. ولم يوجد له ما ظهر من ~~المال إلا نحو مائتي ألف دينار. ثم وضع يده في كشف أموالهم وودائعهم ~~ومصادارت أسبابهم، فكان ذلك أمرا عظيما. # ولم يزل محبوسا إلى سنة خمس وتسعين ومائتين، ثم نقل إلى دار ابن طاهر، ~~فمات هناك من خلفة أصابته. فدفن بإزاء الدار المعروفة به. # ومات أخوه عبدون، وهو مترهب بدير قنى، في سنة عشر وثلثمائة. # عمر كسكر # وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقي منها، بالقرية المعروفة ببرجوني. ~~وفيه كرسي المطران. وهو عمر كبير عظيم حسن البناء محكم الصنعة. حوله قلايات ~~كثيرة، كل قلاية منها لراهب، وسبيلها سبيل القلايات التي بدير قنى. ويحيط ~~بالموضع بساتين كثيرة فيها الشجر والنخل وسائر الثمار. فكل ذي ظرف يطرقه ~~وكل ذي شجن يسلى به. # ولمحمد بن حازم فيه، وكان قصده أيام مقام الحسن بن سهل بواسط، ومدح الحسن ~~بن سهل، وله معه حديث نذكره بعقب الشعر: # بعمر كسكر طاب اللهو والطرب ... واليادكارات والأدوار والنخب # وفتية بذلوا للكأس أنفسهم ... وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب # وأنفقوا في سبيل القصف ما وجدوا ... وانهبوا ما لهم فيها وما اكتسبوا # محافظين إن استنجدتهم دفعوا ... وأسخياء إن استوهبتهم وهبوا # نادمت منهم كراما سادة نجبا ... مهذبين نمتهم سادة نجب # فلم نزل في رياض العمر نعمرها ... قصفا وتغمرنا اللذات والطرب # والزهر يضحك والأنواء باكية ... والناي يسعد والأوتار تصطخب PageV01P066 ~~والكأس في فلك اللذات دائرة ... تجري ونحن لها في دورها قطب # والدهر قد طرفت عنا نواظره ... فما تروعنا الأحداث والنوب # وكان محمد بن حازم، أحد الشعراء المطبوعين، يجيد كل فن يركبه ويأتي ~~بالمعاني التي تستغلق على غيره. وكان أكثر شعره في القناعة ومدح التصون وذم ~~الحرص ms116 والطمع. # وذكر محمد بن حازم هذا، قال: عرضت لي حاجة في عسكر الحسن بن سهل، فأتيته ~~وقد كنت قلت في السفينة شعرا. فدخلت إلى محمد بن سعيد بن سالم الباهلي، ~~فانتسبت له فعرفني وأنزلني وأكرم مثواي. ثم قال لي: ما قلت في الأمير ؟ ~~قلت: لم أقل بعد شيئا. فقال رجل كان معي في السفينة: بلى، قد قال أبياتا. ~~فسألني أن أنشده إياها، فأنشدته: # وقالوا لي مدحت فتى كريما ... فقلت: وكيف لي بفتى كريم # بلوت الناس مذ خمسين عاما ... وحسبك بالمجرب من عليم # فما أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يعود على حميم # ويعجبني الفتى وأظن خيرا ... فأكشف منه عن رجل لئيم # تقيل بعضهم بعضا فأضحوا ... بني أبوين قدا من أديم # فطاف الناس بالحسن بن سهل ... طوافهم بزمزم والحطيم # وقالوا سيد يعطي جزيلا ... ويكشف كربة الرجل الكظيم # فقلت مضى بذم القوم شعري ... وقد يؤتى البرى من السقيم # وما خبر ترجمه ظنون ... بأشفى من معاينة الحليم # فإن يك ما تنشر عنه حقا ... رجعت بأهبة الرجل المقيم # وإن يك غير ذاك حمدت ربي ... وزال الشك عن رجل حليم # وليس المال يعطفني عليه ... ولكن الكريم أخو الكريم # فلما أنشدته الشعر: قال: بمثل هذا تلقى الأمير ؟ والله لو كان نظيرك لما ~~جاز لك أن تخاطبه بهذا. قلت: صدقت، ولذلك قلت أني لم أمدحه. ولكني سأمدحه ~~مدحة تشبهه. قال: إفعل ! ودخل إلى الحسن، فأخبره الخبر، وأنشده الشعر وعجبه ~~من جودة البيت الأخير. فأمر بإدخالي عليه لغير مدح. فأدخلت. فأمرني أن ~~أنشده الشعر، فاستعفيته: فلم يعفني، وقال: قد قنعت بهذا العذر، إذ لم ~~تدخلني في جملة من ذممت ! ومع هذا، فعلينا حسن مكافأتك. فأنشدته، فضحك ~~وقال: ويحك ! مالك وللناس تعمهم بالهجاء ؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق ~~عليهم. فقلت: قد وهبتهم للأمير ! قال: قد قبلت، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة ~~من أهديت له هدية فقبلها. ثم وصلني فأجزل. فقلت فيه، وأنشدته: # وهبت القوم للحسن بن سهل ... فعوضني الجزيل من الثواب # وقال: دع الهجاء وقل جميلا ... فإن القصد أقرب ms117 للصواب # فقلت له: برئت إليك منهم ... فليتهم بمنقطع التراب # ولولا نعمة الحسن بن سهل ... علي لسمتهم سوء العذاب # أكيدهم مكايدة الأعادي ... واختلهم مخاتلة الذئاب # وما مسخوا كلابا غير أني ... رأيت القوم أشباه الكلاب # فضحك ثم قال: ويلك ! الساعة ابتدأت بهجائهم ما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه ~~بقية طفحت على قلبي، وأنا كاف عنهم ما أبقى الله الأمير. # قال: وكان محمد بن حازم قد نسك وترك شرب النبيذ. فدخل يوما على إبراهيم ~~بن شكلة، فحادثه وأكل معه، وجلس إبراهيم للشرب، وسأله أن يشرب معه، فامتنع، ~~وقال: # أبعد خمسين أصبو ... والشيب للجهل حرب # سن وشيب وجهل ... أمر، لعمرك، صعب # يا ابن الامام فهلا ... أيام عودي رطب # وشيب رأسي قليل ... ومنهل الحب عذب # وإذ سهامي صياب ... ونصل سيفي عضب # وإذ شفاء الغواني ... مني حديث وقرب # فالآن لما رأى بي ... العذال ما قد أحبوا # وآنس الرشد مني ... قوم أعاب وأصبو # آليت أشرب كأسا ... ما حج لله ركب PageV01P067 وذكر حمدان بن يحيى، قال: ~~آخر ما فارقت عليه محمد بن حازم أنه قال لي: لم يبق علي شيء من اللذات إلا ~~بيع السنانير ! قال: فقلت له: أسخن الله عينك ! أيش لك في بيع السنانير من ~~اللذة ؟ قال: تعجبني العجوز الرعناء تخاصمني، وتقول: هذا سنوري سرق مني، ~~فأقول لها: كذبت، ثم تشتمني وأشتمها وتخاصمني وأخاصمها ! قال: وأنشدني: # صل خمرة بخمار ... وصل خمارا بخمر # وخذ بحظك منها ... زادا إلى حيث تدري # فقلت: إلى أين، ويحك ؟ فقال: إلى الهاوية، يا رقيع ! ومن مليح شعره، ~~قوله: # أيا ابن سعيد جزت بي غاية البر ... وحملتني ما لا أطيق من الشكر # وإن امرءا أعطاك مجهود شكره ... وفت ولم يبلغ مداك لفي عذر # تقلب حال للفتى بعد حالة ... وتبقى أياد حرة لفتى حر # ومن جيد شعره، قوله: # وإني لذو ود لمن دام وده ... وجاف لمن رام الجفاء ملول # وإن امرءا يأوي إلى دار ذلة ... تعبده فيها الرجاء ذليل # وفي اليأس من ذل المطامع راحة ... وفي الناس ممن لا تحب بديل # وقال في القناعة: ms118 # الله أحمد شاكرا ... فبلاؤه حسن جميل # أصبحت مستورا معافى ... بين أنعمه أجول # خلوا من الأحزان خف ... الظهر يقنعني القليل # لم يشقني طمع ولا ... حرص ولا أمل طويل # سيان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل # ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب لي المقيل # والناس كلهم لمن ... خفت مؤونته خليل # قال محمد بن حازم: بعث إلي بعض الطاهرية، وكنت قد بالغت في هجوه وأفرطت، ~~بألف درهم وتخت ثياب، وقال: أما ما قد مضى، فلا سبيل إلى رده، ولكني أحب ~~ألا تزيد عليه شيئا. فرددت الدراهم والثياب، وكتبت إليه: # لا ألبس النعماء من رجل ... ألبسته عارا على الدهر # ثم أمسكت عن هجائه. # قال: وكان سعيد بن مسعود القطربلي صديقا لي، فسألته حاجة فردني عنها، ~~فانقطعت عنه، فبعث إلي بألف درهم وترضاني، فرددتها، وكتبت إليه: # متسع الصدر رحيب لما ... يضيق عنه الحول القلب # راجع بالعتبى فاعتبته ... وربما أعتبك المذنب # أجل وفى الدهر على أنه ... موكل بالبين مستعتب # سقيا ورعيا لزمان مضى ... عني وسهم الشامت الأخيب # قد جاءني منك مويل فلم ... أعرض له والحر لا يكذب # أخذي مالا منك بعد الذي ... أوليتنيه مركب يصعب # أبيت أن أشرب عند الرضا ... والسخط إلا مشربا يعذب # أعزني اليأس وأغنى فما ... أرجو سوى الله ولا أرهب # قارون عندي في الغنى معدم ... وهمتي ما فوقها مذهب # فأي هاتين تراني بها ... أصبو إلى مالك أو أرغب # ومن شعره في القناعة، قوله: # من أعمل اليأس كان اليأس جاعله ... معظما أبدا في أعين الناس # ومن رماهم بعين الطامعين رأى ... ذلا وحسوه مر المنع في كاس # اليأس خير وما للناس من ثمر ... هات امرءا ذل بعد اليأس للناس # وقال في هذا المعنى: # جعلت مطية الآمال يأسا ... فآواني إلى كنف وسيع # فتلك مطية الآمال غفل ... بلا رحل يشد ولا نسوع # لعمرك، للقليل أصون وجهي ... به في الأوحدين وفي الجميع # أحب إلي من طلبي كثيرا ... تمد إليه أعناق الخضوع # فعش بالقوت يوما بعد يوم ... كمص الطفل فيقات الضروع # ولا ترغب إلى أحد بحرص ... رفيع في الأنام ms119 ولا وضيع # وقد رحل الشباب وحل شيب ... فهل لك في شبابك من رجوع PageV01P068 قال ~~محمد بن حازم: دخلت على المأمون، فلما مثلت بين يديه، قال: كيف بصرك بأيام ~~الناس وأخبار العرب ؟ قلت: أنا على الميدان، فليطلق من عناني ! قال: أنشد ~~ما بدا لك. فتركت ما أومأ إليه وعملت في صلاح شأني، وقلت: مجلس خلافة ولست ~~آمن نبوة، فأنشدته: # رزقت عقلا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال # إذا أردت مساماة تقاعد بي ... عما ينوه باسمي رقة الحال # قال المأمون: الشيخ يشكو رقة الحال، فليدفع إليه ألف درهم، وتبسم. فقلت: ~~ما وراء التبسم إلا خير، فأنشدته: # أنت سماء ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السما # فازرع يدا عندي محمودة ... تحصد بها في الناس حسن الثنا # قال: هذا المعنى أقوى من الأول، وأمر لي بألفي درهم، ثم قال: خدعتني ! ~~قلت: قد حضرني بيتان في الخديعة، فقال: وما هما ؟ فأنشدته: # وإذا الكريم أتيته بخديعة ... فرأيته فيما تروم يسارع # فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا ... إن الكريم بفعله يتخادع # فقال: هما والله أحسن من الأول. وأمر لي بمثل ما أمر به. وسألني أن ~~أنشده، فأنشدته: # لا ترهقنك ضجرة من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسؤولا # لا تجبهن بالمنع وجه مؤمل ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا # واعلم بأنك عن قليل صائر ... خبرا، فكن خبرا يروق جميلا # يلقى الكريم فيستدل ببشره ... وترى العبوس على اللئيم دليلا # فقال: لله درك، ما أحسن معانيك ! يا غلام، صك له بمثل ما أعطيناه. # وله من هذا الفن وغيره كل شيء حسن. # ولولا خروج الكتاب عن حده المرسوم وخوف الاطالة، لأوردت من غرر شعره ~~ومحاسنه ما يلتذ به سامعه. وفي ما أوردنا كفاية. # ديارات مصر التي تقصد للشرب فيها والتنزه بها فمنها: دير القصير # دير القصير # وهذا الدير في أعلى الجبل، على سطح قلته. وهو دير حسن البناء، محكم ~~الصنعة، نزه البقعة. فيه رهبان مقيمون به. وله بئر منقورة في الحجر يستقى ~~الماء له منها. وفي هيكله صورة مريم في حجرها ms120 صورة المسيح عليه السلام. ~~والناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصورة. وفي أعلاه غرفة بناها أبو ~~الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات. وكان كثير ~~الغشيان لهذا الدير. معجبا بالصورة التي فيه، يشرب على النظر إليها. وفي ~~الطريق إلى هذا الدير من جهة مصر صعوبة. فأما من قبليه فسهل الصعود ~~والنزول. وإلى جانبه صومعة لا تخلو من حبيس يكون فيها. وهو مطل على القرية ~~المعروفة بشهران وعلى الصحراء والبحر. وهذه القرية المذكورة، قرية كبيرة ~~عامرة على شاطىء البحر، ويذكرون أن موسى، صلى الله عليه، ولد فيها، ومنها ~~ألقته أمه إلى البحر في التابوت. # فدير القصير هذا، أحد الديارات المقصودة لحسن موقعه وإشرافه على مصر ~~وأعمالها. وقد قال فيه شعراء مصر وذكروا طيبه ونزهته. # ولأبي هريرة ابن أبي العصام، فيه: # كم لي بدير القصير من قصف ... مع كل ذي صبوة وذي ظرف # لهوت فيه بشادن غنج ... تقصر عنه بدائع الوصف # وقال فيه أيضا: # أذكرتني يا دير من قد مضى ... من أهل ودي ومصافاتي # كم كان لي فيك وفيهم معا ... من طيب أيام وليلات # أشكو إلى الله مصابي بهم ... وفقدنا أهل المروءات # ولمحمد بن عاصم، في هذا الدير: # إن دير القصير هاج ادكاري ... لهو أيامي الحسان القصار # وزمانا مضى حميدا سريعا ... وشبابا مثل الرداء المعار # عرفتني ربوعه بعد نكر ... فعرفت الربوع بالانكار # فلو أن الديار تشكو اشتياقا ... لشكت جفوتي وبعد مزاري # ولكادت نحوي تسير لما قد ... كنت فيها سيرت من أشعاري # فكأني إذ زرته بعد هجر ... لم يكن من منازلي ودياري # إذ صعودي على الجياد إليه ... وانحداري في المعنقات الجواري # بصقور إلى الدماء صواد ... وكلاب على الوحوش ضواري PageV01P069 منزلا لست ~~محصيا ما لقلبي ... ولنفسي فيه من الأوطار # منزلا من علوه كسماء ... والمصابيح حوله كالدراري # وكأن الرهبان في الشعر الأسود ... سود الغربان في الأوكار # غربه ذو البحار والأنهار ... في ثياب من سندس ذي اخضرار # غردت بيننا الطيور فطارت ... بفؤاد المتيم المستطار # كم خلعت العذار فيه ولم أر ... ع ms121 مشيبا بمفرقي وعذاري # كم شربنا على التصاوير فيه ... بصغار محثوثة وكبار # صورة من مصور فيه ظلت ... فتنة للقلوب والأبصار # أطربتنا بغير شدو فأغنت ... عن سماع العيدان والمزمار # يفتر الجسم حين ترميه حسنا ... بفنون من طرفها السحار # وإشاراتها إلى من رآها ... بخضوع وذلة وانكسار # لا وحسن العينين والشفة اللمي ... اء منها وخدها الجلناري # لا تخلفت عن مزاري لدير ... هي فيه ولو نأى بي مزاري # فاقصرا عن ملامي اليوم إني ... غير ذي سلوة ولا اقصار # فسقى الله أرض حلوان فالنخ ... ل فدير القصير صوب القطار # كم تنبهت من لذاذة نومي ... بنعير الرهبان في الأسحار # والنواقيس صائحات تنادي ... حي يا نائما على الابتكار # قبل أن يبلي الجديد الجديدا ... ن بليل معاقب لنهار # إنما هذه الحياة عوار ... وعلى المستعير رد المعار # ولابن الزنبقي المصري، في دير القصير، من شعر طويل: # يا حسرة في القلب ما أقتلها ... كأنها في القلب أطراف الأسل # كم كم وكم من ليلة أحييتها ... يا صاحبي بالدير في خير محل # دير القصير الفرد في صفاته ... يا من رأى الجنة في رأس جبل # أشربها راحا شمولا قرقفا ... تدب في الجسم صباحي والأصل # يديرها ذو غنج بظرفه ... يحيي من شاء، ومن شاء قتل # كأنه غصن من البان وقد ... زاد عليه بالقوام المعتدل # ألثغ، حتف النفس في لثغته ... تاه بها على الورى تيه مدل # إن قال نار قال ناغ أو يقل ... نور يقل نوغ بدل وغزل # وضرب الناقوس فيه راهب ... ضربا على ريث وضربا بعجل # فاحثث كؤوس الراح يا ساقينا ... واغتنم الدهر فللدهر دول # من قبل أن يطرقنا بين فلا ... ينفع عند البين ليت ولعل # دير مر حنا # وهذا الدير، على شاطىء بركة الحبش، قريب من البحر، وإلى جانبه بساتين ~~أنشأ بعضها الأمير تميم أخو أمير المؤمنين العزيز بالله عليهما السلام. ~~ومجلس على عمد حسن البناء مليح الصنعة مصور، أنشأه الأمير تميم أيضا. # وبقرب هذا الدير، بئر تعرف ببئر نجاتي، عليها جميزة، تجتمع الناس إليها ~~ويشربون عندها. # فهذا الموضع، من مواضع اللعب ومواطن اللهو ms122 والطرب، نزه في أيام النيل ~~وزيادته وامتلاء البركة، حسن المنظر، نزه البقاع، وكذلك في أيام الزرع ~~والنوار. ولا يكاد يخلو من المتطرحين والمتنزهين. وقد ذكرت الشعراء حسنه ~~وطيبه. # ولابن عاصم، فيه: # يا طيب أيام سفحت مع الصبى ... طوع الهوى فيها بسفح المنظر # فالبركة الغناء فالدير الذي ... قد هاج فرط صبابتي وتفكري # فاحثث كؤوسك يا غلام وأعفني ... فلقد سكرت وخمر طرفك مسكري # وأرى الثريا في السماء كأنها ... تاج تفصل جانباه بجوهر # فاشرب على حسن الرياض وغنني: ... أنظر إلى الساقي الأغن الأحور # فلعل أيام الحياة قليلة ... ولعلني قدرت ما لم يقدر # وقال أيضا: # عرج بجميزة العرجا مطياتي ... بسفح حلوان والمم بالتويتات PageV01P070 ~~والمم بقصر ابن بسطام فربتما ... سعدت فيه بأيامي وليلاتي # واقرأ على دير مر حنا السلام فقد ... أبدى تذكره مني صباباتي # وبركة الحبش اللاتي ببهجتها ... أدركت ما شئت من لهوي ولذاتي # كأن أجبالها من حولها سحب ... تقشعت بعد قطر عن سماوات # كأن أذناب ما قد كان صيد لنا ... من أبرميس وراي بالشبيكات # أسنة خضبت أطرافها بدم، ... أو دستج نزعوه من جراحات # منازلا كنت أغشاها وأطرقها، ... وكن قدما مواخيري وحاناتي # وقال أيضا: # أأيامي بشاطي البركتين ... سقاك الله نوء المرزمين # لقد أذكرتني طربي ولهوي ... ووكلت الفؤاد بلوعتين # ترى أيامنا فيك المواضي ... يعود وصالها من بعد بين # سقى الله البقاع ملث قطر ... وأعطش منزلا بالجلهتين # وطل الطيلسان بصوب طل ... إلى النخلات فالجميزتين # ودار على المدار وهام مزن ... تسير إلى جنان السروتين # وخص الربوتين فكم غزال ... ربيب بين تلك الربوتين # منازل قد شهدنا اللهو فيها ... بأكرم معهدين ومألفين # فكم من بيعة عقدت لقصف ... وعزف في رياض البقعتين # وكم من مدنف قد حاز وصلا ... ونال مناه وسط المنيتين # وللعباس بن البصري، من قصيدة: # يا حامل الكأس أدرها واسقني ... قد ذعر الشوق فؤادي فانذعر # أما ترى البركة ما أحسنها ... إذا تداعى الطير فيها فصفر # أما ترى نوارها أما ترى ... حسن مسيل مائها إذا انحدر # كأنما صفر الدنانير بها ... مبذولة ليس بها من متجر # كأنما الجوهر في ألوانه ... نثر ms123 في تلك النواحي فانتثر # كأنما كف جواد ولعت ... في ذلك الروض بتبديد البدر # وأبيض النرجس في أجفانه ... دمع الندى لولا التشاجي لقطر # ونظرة الورد إلى أترابه ... نظرة معشوق بلحظ منكسر # دعني فما أهلك إلا بالجوى ... ما عيشة العاشق إلا في كدر # ولصالح بن موسى مولى تميم، يذكر البركة: # وحسبك البركة مرأى لا يمل # تبذل وشيا لم يكن بمبتذل # متصل الأطراف غير منفصل # من شاطىء النيل إلى سفح الجبل # أكرم بتلك منزلا لمن نزل # قد نشطت أطياره بعد الكسل # وسجعت ورجعت على مهل # بين الثقيل والخفيف والرمل # كأنهن في مراء وجدل # ينحن لا للحزن لكن للجذل # يذكرننا أيامنا الغر الأول # وقال أيضا، يذكر الدير والبركة: # إني لمثلك ناصح ... فاجنح إلي ولا تغر # بكر إلى دير المعا ... فر، آن أوقات البكر # أو ما ترى حسن الريا ... ض وما اكتسين من الزهر # وجه الربيع، وحبذا ... وجه الربيع إذا ظهر # الوشي ينشر، والملا ... حف والمطارف، والحبر # هذا البنفسج في الحدا ... د بغير حزن قد ظهر # وأتى البهار بصفرة ... فلكل حسن قد بهر # وكأن آذريونه ... كاسات خمر تبتدر # وكأنما المنثور عق ... د في جوانبه انتشر # والأقحوان فضاحك ... عن عسجد فيه درر # وشقائق النعمان كال ... أعلام ثم لمن نظر # وتورد الورد الذكي ... وفاح مسكا في السحر # وتجاوبت طير الغصو ... ن بكل لحن مشتهر # فمغرد حسن الغنا ... ء شدا وآخر قد زمر # وتسرقت أنفاسنا ... بنسيم أنفاس السحر # دير نهيا PageV01P071 ونهيا بالجيزة. وديرها من أحسن الديارات وأنزهها ~~وأطيبها، عامر برهبانه وسكانه. وله في النيل منظر عجيب، لأن الماء يحيط به ~~من جميع جهاته. فإذا انصرف الماء وزرع، أظهرت أراضيه غرائب النوار وأصناف ~~الزهر. فهو من المتنزهات الموصوفة والبقاع المشهورة. وله خليج يجتمع إليه ~~سائر الطيور، فهو أيضا متصيد حسن. وقد وصفته الشعراء وذكرت حسنه وطيب ~~موضعه. # ولعباس بن البصري، فيه: # يا من إذا سكر النديم بكأسه ... غريت لواحظه بسكر الفيق # طلع الصباح فسقني تلك التي ... ظلمت فشبه لونها بالزنبق # والق الصباح بنور وجهك إنه ... لا يلتقي الفرحان حتى ms124 يلتقي # قلبي الذي لم يبق فيه هواكم ... إلا بقية نار شوق قد بقي # أواما ترى وجه الربيع وقد زهت ... أنواره بنهاره المتألق # وتجاوبت أطياره وتبسمت ... أشجاره عن ثغر زهر مونق # لم يغذها طل الرذاذ ببرده ... حتى تفتح كل جفن مطبق # والبدر في وسط السماء كأنه ... وجه مليح في قناع أزرق # يا للديارات الملاح وما بها ... من طيب يوم مر لي بتشوق # أيام كنت وكان لي شغل بها ... وأسير شوق صبابتي لم يطلق # يا دير نهيا، ما ذكرتك ساعة ... إلا تذكرت الشباب بمفرقي # والدهر غض والزمان مساعد ... ومقامنا ومبيتنا بالجوسق # يا دير نهيا إن ذكرت فإنني ... أسعى إليك مدى الخيول السبق # وإذا سئلت عن الطيور وصيدها ... وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق # فالغر، فالكروان، فالفارور إذ ... يشجيك في طيرانه المتحلق # أشهدت حرب الطير في غيطانه ... لما تجوق منه كل مجوق # والزمج الغضبان في رهط له ... ينحط بين مرعد ومبرق # ورأيت للبازي سطوة موسر ... ولغيره ذل الفقير المملق # كم قد صبوت بغرتي في شرتي ... وقطعت أوقاتي برمي البندق # وخلعت في طلب المجون حبائلي ... حتى نسبت إلى فعال الأخرق # ومهاجر ومكابر ومنافر ... قلق الفؤاد به وإن لم يقلق # لو عاين التفاح حمرة خده ... لصبا إلى ديباج ذاك الرونق # يا حامل السيف الغداة وطرفه ... أمضى من السيف الحسام المطلق # إرفق بعبدك لا تطل أشجانه ... وإرفق به يا صاحب الثغر النقي # وقال أيضا: # أتنشط للشرب يا سيدي ... فيومك هذا دقيق الدروز # فعندي لك اليوم مشويتان ... سرقتهما من دجاج العجوز # وخمسون بيضة مثل النجوم ... خبتهن مني في جوف كوز # فغافلتها وتناولتهن ... ولم تنتفع بالمكان الحريز # أتنشط عندي على نبقتين ... على لوزتين على قطرميز # ونقصد نهيا وديرا لها ... به مطرح الورد والمرنجوز # ونشرب فيها برطل وجام ... وكبرة وانخاب بكوز # فأما الطيور لفرط السرور ... فبين الرياض وبين الغروز # فهذا يصيح على الحادثات: ... تنحي، وهذا بنا: لا تجوزي # وخشف أتانا رخيم الدلال ... نشا في النعيم ولبس الخزوز # يحب الندامى وأشعارهم ... ويخبى ودائعهم في الكنوز # ويظفر مني بشيخ مليح ... ظريف أديب ms125 ضحوك طنوز # فزرني تجدني وفي المقال ... وإلا أفي، فاكسع اليوم طيزي ! PageV01P072 ~~وكان ابن البصري هذا من الخلعاء المجان. وله شعر يجري مجرى الهزل والطيب. ~~وخدم أبا القاسم أونوجور بن الاخشيد، فأحسن إليه وكساه وصار يركب معه. وكان ~~يلبس طيلسانا أزرق يتشبه بالقضاة. وكان أونوجور قد حمله على برذون أصفر ~~غليظ بطىء السير، فكان إذا سار مع أقوام من إخوانه، قال لهم: صفوا لي ~~موضعكم حتى ألحق بكم ! وكان مليح المجالسة، كثير النادرة. وكان يبيع ~~الصيدلة في مسجد عبد الله بمصر. # دير طمويه # وطمويه في الغرب بإزاء حلوان. والدير راكب البحر وحوله الكروم والبساتين ~~والنخل والشجر. فهو نزه عامر آهل. وله في النيل منظر حسن. وحين تخضر الأرض، ~~فإنه يكون بين بساطين من البحر والزرع. وهو أحد متنزهات مصر المذكورة ~~ومواضع لهوها المشهورة. # ولابن عاصم، فيه: # أقصرا عن ملامي اليوم أني ... غير ذي سلوة ولا إقصار # فسقى الله دير طمويه غيثا ... بغواد موصولة بسواري # كم ليال نبهت من نوم سكري ... بنعير الرهبان في الأسحار # والنواقيس صائحات تنادي ... حي يا نائما على الابتكار # وقال فيه أيضا: # واشرب بطمويه من صهباء صافية ... تزري بخمر قرى هيت وعانات # على رياض من النوار زاهرة ... تجري الجداول منها بين جنات # كأن نبت الشقيق العصفري بها ... كاسات خمر بدت في إثر كاسات # كأن نرجسها في حسنه حدق ... في خفية تتناجى بالاشارات # كأنما النيل في مر النسيم بها ... مستلئم في دروع سباريات # منازلا كنت مفتونا بها يفعا ... وكن قدما مواخيري وحاناتي # إذ لا أزال ملحا بالصبوح على ... ضرب النواقيس صبا بالديارات # الديارات المعروفة بالعجائب، على ما ذكره أهلها ووصفوه عنها. فمنها: # دير الخنافس # وهو بين الموصل وبلد، كبير، كثير الرهبان، له يوم في السنة يجتمع الناس ~~إليه من كل موضع، فتظهر فيه الخنافس ذلك اليوم حتى تغطي حيطانه وسقوفه ~~وأرضه، ويسود جميعه منها. فإذا كان اليوم الثاني، وهو عيد الدير، اجتمعوا ~~إلى الهيكل فقسوا وتقربوا وانصرفوا وقد غابت الخنافس حتى لا يرى منها شيء ~~إلى ذلك الوقت. # دير ms126 الكلب # وهو بين الموصل وبلد. يعالج فيه من عضه كلب كلب. فمن عضه كلب كلب بادر ~~إليه فعالجوه منه برىء. ومن مضت له أربعون يوما من العضة لم ينجع فيه ~~العلاج. # دير القيارة # وهو لليعقوبية، على أربع فراسخ من الموصل، في الجانب الغربي، من أعمال ~~الحديثة، مشرف على دجلة، تحته عين قير، وهي عين تفور بماء حار تصب في دجلة ~~ويخرج منه القير. فما دام القير في مائه فهو لين يمتد، فإذا فارق الماء ~~وبرد جف. وهناك قوم يجتمعون فيجمعون هذا القير يغرفونه من مائه بالقفاف، ~~ويطرحونه على الأرض. وله قدور حديد كبار وينخل له الرمل، فيطرح عليه بمقدار ~~يعرفونه ويوقد تحته حتى يذوب ويختلط بالرمل، وهم يحركونه تحريكا دائما. ~~فإذا بلغ حد استحكامه قلب على الأرض قطعا مجمدة ويصلب ويحمل إلى البلدان. ~~فمنه تقير السفن والحمامات وغير ذلك مما يستعمل فيه القير. # والناس يكثرون القصد لهذا الموضع للتنزه فيه والشرب، ويستحمون من ذلك ~~الماء الذي يخرج معه القير، لأنه يقوم مقام الحمات في قلع البثور. # وله قائم. وكل دير لليعقوبية والملكية فعنده قائم. فأما ديارات النسطور ~~فلا قائم لها. # دير برقوما # وهذا الدير بميافارقين، على فرسخين منها في جبل عال، له عيد يجتمع الناس ~~إليه وهو مقصود لذلك. وتنذر له النذور وتحمل إليه من كل موضع. ويقصده أهل ~~البطالة والخلاعة للشرب فيه. وتحته برك يجتمع فيها ماء الأمطار. # وبرقوما هذا، هو الشاهد الذي فيه يزعم النصارى أن له سبعمائة سنة، وأنه ~~ممن شهد المسيح. وهو في خزانة خشب، لها أبواب تفتح أيام أعيادهم، فيظهر منه ~~نصفه الأعلى، وهو قائم وأنفه وشفته العليا مقطوعان. وذلك أن امرأة احتالت ~~حتى قطعت أنفه وشفته ومضت بهما، فبنت عليهما ديرا في البرية في طريق تكريت. # دير باطا PageV01P073 وهذا الدير بالشرق. وهو دير حسن، عامر في أيام ~~الربيع. ويسمى أيضا دير الحمار. وشاهده يعرف بمريكس. وهو ناء عن دجلة وعن ~~المدينة. # وله باب حجر، ذكر النصارى أن هذا الباب يفتحه الواحد والاثنان حتى يتجاوز ms127 ~~السبعة. فإن تجاوزوا السبعة لم يقدر أحد منهم على فتحه، ولا يفتحه حينئذ ~~إلا سبعة. # وذكروا أيضا، أن فيه غرابين، تتناسل هناك، لا يخلو منها. فربما طرقه ~~اللصوص فدخلوه. فإن حصل فيه أحد، صعد الغرابان على مرج الدير، فإذا أقبل ~~إليه أحد ممن يطرقه أو يقصده تلقاه الغرابان يصيحان في وجهه كالمنذرين له، ~~فيعلم أن في الدير قوما، فيرجع. فإن لم يكن في الدير أحد لم يفعلا شيئا من ~~ذلك. # دير مار شمعون بنواحي السن # في هذا الدير كرسي الأسقف، وفيه أيضا بئر. فمن لحقه بهق، قصده واغتسل من ~~البئر، لم يبرح حتى يزول عنه. # دير العجاج # وهذا الدير بين تكريت وهيت، عامر كثير الرهبان وخارجه عين ماء تصب إلى ~~بركة هناك. وفي البركة سمك أسود وهو طيب عذب الطعم. وحوله مزارع وخضر تسقى ~~من تلك العين. # دير الجودي # والجودي هو الجبل الذي استقرت عليه السفينة. وبين هذا الجبل وجزيرة ابن ~~عمر سبعة فراسخ. وهذا الدير مبني على قلة الجبل. يقال أنه بني منذ أيام نوح ~~عليه السلام، ولم يتجدد بناؤه إلى هذا الوقت. # وزعموا أن فيه أعجوبة. حدثني بها بعض نصارى الجزيرة، وهي أن سطحه يشبر ~~فيكون عشرين شبرا. ثم يعاود قياسه فيكون ثمانية عشر شبرا. ثم يعاود فيكون ~~اثنين وعشرين شبرا، في كل دفعة يشبر يختلف عدده. وأنه اعتبر ذلك وقاسه ~~فوجده كما ذكر. # كنيسة الطور # وطور سينا، هو الجبل الذي تجلى فيه لموسى عليه السلام وصعق فيه. والكنيسة ~~في أعلى الجبل، مبنية بحجر أسود. وعرض حصنه سبعة أذرع، وله ثلاثة أبواب ~~حديد. وفي غربيه باب لطيف قدامه حجر لهم، إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإن قصدهم ~~أحد أرسلوه فانطبق على الموضع فلم يعرف مكان الباب. وداخله عين ماء وخارجه ~~عين أخرى. وزعم النصارى أن بها نارا من نوع الجديدة التي كانت بالبيت ~~المقدس، يوقدون منها في كل عشية، وهي بيضاء ضعيفة الحر لا تحرق ثم تقوى إذا ~~أوقد منها السرج. # وهو عامر بالرهبان، والناس يقصدونه لأنه من الديارات ms128 الموصوفة. # ولابن عاصم، فيه: # يا راهب الدير، ماذا الضوء والنور ... فقد أضاء به في ديرك الطور # هل حلت الشمس فيه دون أبرجها ... أو غيب البدر فيه فهو مستور # فقال: ما حله شمس ولا قمر ... لكن تقرب فيه اليوم قورير # بيعة أبى هور # وهذه البيعة بسرياقوس من أعمال مصر، عامرة، كثيرة الرهبان، لها أعياد ~~يقصدها الناس. وفيها، على ما ذكره أهلها، أعجوبة وهي إن من كانت به خنازير، ~~يقصد هذا الموضع ليعالج به. فيأخذه رئيس الموضع فيضجعه ويأتيه بخنزير ~~فيرسله على موضع الوجع، فيأكل الخنزير الذي فيه، لا يتعدى ذلك الموضع. فإذا ~~تنظف الموضع، ذر عليه من رماد خنزير فعل مثل هذا الفعل من قبل ومن زيت ~~قنديل البيعة فيبرأ، ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيذبح ويحرق ويعد رماده لمثل هذه ~~الحال. # دير يحنس # هذا الدير بدمنهور، من أعمال مصر. إذا كان يوم عيده، أخرج شاهده من الدير ~~في تابوت، فيسير التابوت على وجه الأرض لا يقدر أحد أن يمسكه ولا يحبسه حتى ~~يرد البحر فيغطس فيه ثم يرجع إلى مكانه. # بيعة اتريب # وعيدها اليوم الحادي والعشرين من بونة. يذكرون أن حمامة بيضاء تجيئهم في ~~ذلك العيد. فتدخل المذبح، لا يدرون من أين جاءت، ثم لا يرونها إلى يوم ~~مثله. # وبنواحي اخميم # دير كبير عامر، يقصدونه من كل موضع. وهو بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف. ~~وفي موضع من الجبل شق، إذا كان يوم عيد هذا الدير، ولم يبق من الطير ~~المعروف ببوقير شيء في ذلك المكان، وهم به كثير حتى يجيء إلى الموضع فيكون ~~أمرا عظيما لكثرته واجتماعهم وصياحهم عند ذلك الشق، ثم لا يزالون واحدا بعد ~~واحد يدخل رأسه في ذلك الشق ويصيح ويخرج ويجيء غيره فيفعل كفعله إلى أن ~~يعلق رأس أحدهم وينشب في الموضع، فيضطرب حتى يموت. فحينئذ يتفرق الباقون ~~ويرجعون إلى مواضعهم، فلا يبقى منها طائر. والله أعلم. # خاتمة المخطوط PageV01P074 تم كتاب الديارات بحمد الله وعونه وقوته وحسن ~~توفيقه. # ووافق الفراغ منه، في ليلة صباحها يوم الخميس، السادس ms129 عشر من شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى وثلاثين وستمائة. # كتبه العبد الفقير إلى رحمة الله: عبد الحليم بن محمد بن عبد الوهاب بن ~~أحمد بن عربي الدمشقي المعروف جده بالنحوي. وهو يسأل الله أن يغفر ذنوبه ~~ويستر عيوبه. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ~~أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P075 ms130