######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008660 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 392 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008660 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8660 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8660 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: 1420هـ- 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الأوقاف-المجلس الأعلى للشئون الإسلامية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # ومنه سبحانه نستمد العون، ونستلهم التوفيق، وعلى نبيه ورسوله محمد نصلي ~~ونسلم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. # وبعد: فهذه مقدمة نسوقها بين يدي المحتسب، ونورد فيها ترجمة مجملة ~~لصاحبه، وكلمة عن نشأة ### | الاحتجاج للقراءات # وتطوره إلى القرن الرابع، وكلمة أخرى عن الكتاب المحتسب كما عرفناه. # "ابن جني" # هو عثمان بن جني الأزدي بالولاء؛ إذ كان أبوه جني مملوكا روميا يونانيا ~~لسليمان بن فهد الأزدي، وزير شرف الدولة قراوش، ملك العرب وصاحب الموصل1. # وجني -بإسكان الياء، وليس منسوبا- معرب كني، ومعناه في العربية: فاضل، ~~كريم، نبيل، جيد التفكير، عبقري، مخلص2. # ولا يعرف من نسب ابن جني غير أبيه، وله شعر يذكر فيه أن الله عوضه من ~~نسبه علما إليه ينسب وبه يشرف، وأنه يرجع بأرومته إلى قياصرة الروم، الذين ~~دعا النبي لهم، قال: # فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي # على أني أءول إلى ... قروم سادة نجب # قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر ذو الخطب3 # أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفا دعاء نبي # وكنيته أبو الفتح، وهي الكنية التي يجريها في كتبه، ويصدر بها في المحتسب ~~كلامه في الاحتجاج، على نحو ما يفعل شيخه أبو علي في الحجة. PageV01P005 # وقد ولد ابن جني بالموصل، وفيها نشأ، وإليها ينسب، وتختلف الروايات في ~~تاريخ ميلاده؛ فابن خلكان في الوفيات وياقوت في المعجم يذكران أن مولده كان ~~قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأبو الفداء في مختصره يذكر أن مولده كان سنة ~~302ه. # ويؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أن ابن قاضي شهبة يقول في طبقات النحاة: إن ~~ابن جني توفي وهو في سن السبعين، وقد رجحنا في موضع آخر أن وفاته كانت في ~~سنة 392، فهذا يعني أن ولادته كانت سنة 322 أو سنة 321. # وقد يؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أيضا ويبعد رواية أبي الفداء قصة مرور ~~الشيخ أبي علي بابن جني سنة 337 وهو متصدر للتدريس في مسجد الموصل، ثم قولة ~~أبي علي له: تزببت وأنت حصرم، حين اعترض عليه في قلب الواو ألفا ms001 في نحو: ~~قال، فوجده مقصرا. # فأما أنها تؤيد رواية ابن خلكان وياقوت، فلأنها تقتضي أن يكون أبو الفتح ~~إذ ذاك في الخامسة عشرة من عمره، وهي من أنسب سني العمر لمقالة أبي علي ~~السابقة، فهي تعني أن ابن جني بجلوسه للتدريس فيها قد سبق أوانه، وتكلف من ~~الأمر ما لا قبل لمن في مثل سنه به، وغير بعيد أن يقصر ابن جني في هذه السن ~~في مسألة قلب الواو ألفا، ولا سيما حين يكون صاحب الاعتراض فيها إماما من ~~طراز أبي علي. # صحيح أنه يقل أن يجلس امرؤ للتدريس في الخامسة عشرة من عمره؛ ولكن نبوغ ~~ابن جني حقيق -فيما نعتقد- أن يجعله من هذا القليل، على أنه يجوز أن يكون ~~الأمر كله مجرد مساءلة دارت بين أبي الفتح وبعض قرنائه، وأن أبا علي اختصه ~~بالاعتراض؛ لأنه كان يبدو بينهم المقدم المرموق، وفهم الأمر بعد ذلك لسبب ~~من الأسباب على أنه جلوس للتدريس. # وأما أن هذه القصة تبعد رواية أبي الفداء، فلأنها تقتضي أن يكون أبو ~~الفتح إذ ذاك في الخامسة والثلاثين، وما كان أبو الفتح ليقصر -وهو في هذه ~~السن- في مسألة قلب الواو ألفا، ولا لأبي علي أن يقول قولته تلك، وإلا بدت ~~كلاما لا مناسبة بينه وبين المقام الذي قيل فيه. # وأخذ ابن جني علومه عن كثير من رواة اللغة والأدب؛ منهم: أحمد بن محمد ~~الموصلي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحاج، وأبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم، ~~ثم أبو علي الفارسي. # وقد صحبه ابن جني بعدما التقيا بالموصل سنة 337، ولازمه في السفر ~~والحضر1. PageV01P006 # وتذكر كتب التراجم أنه كان لأبي الفتح ثلاثة أولاد: علي، وعال، وعلاء. ~~وقد أخذوا جميعا عن أبيهم وتخرجوا عليه. ويتردد اسم عال وحده في كتب ~~الطبقات، ولا يذكر ياقوت أنه أخذ عن أبي علي، وكذلك السيوطي في البغية؛ لكن ~~القفطي يعده ممن أخذ العربية عن أبيه وعن أبي علي. # ويبدو أن أبا الفتح كان يعاني مع أسرته من هموم الحياة وتصاريفها، قال في ms002 ~~خطبة المحتسب بعد أن ذكر ما كان عليه الشيخ أبو علي "من خلو سربه، وإنبتات ~~علائق الهموم عن قلبه": # "ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكري أقصى الحجب المتراخية عني في جمع الشتات ~~من أمري، ودمل العوارض الحائجة لأحوالي، وأشكر الله ولا أشكوه، وأسأله ~~توفيقا لما يرضيه". # ويروي القفطي في الإنباه أن ابن جني توفي سنة ثنتين وسبعين وثلثمائة1، ثم ~~يعود فيذكر أنه خدم البيت البويهي: عضد الدولة، وولده صمصام الدولة، وولده ~~شرف الدولة، وولده بهاء الدولة. وفي زمانه مات، وكان يلازمهم في دورهم ~~ويبايتهم2. # ومعلوم أن بهاء الدولة إنما ملك من سنة "379" إلى سنة "403" 3، وقد أهدى ~~إليه أبو الفتح كتاب الخصائص. # ولهذا نرجح أن كلمة "سبعين" التي وردت في قول القفطي: "ثنتين وسبعين ~~وثلاثمائة" محرفة عن كلمة "تسعين"، وأن وفاة أبي الفتح كانت سنة 392، وعلى ~~هذا يكاد يجمع الرواة. # وكانت وفاته في بغداد، ودفن في مقابرها، رحمه الله. # وقد أحصي له في مقدمة الخصائص تسعة وأربعون كتابا، ومع كل كتاب كلمة عنه. ~~ونضيف هنا أن كتابه المسمى بالتمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد ~~السكري قد نشر في بغداد سنة 1381ه، سنة 1962م. PageV01P007 ### | الاحتجاج للقراءات # بدأ الاحتجاج للقراءات أول العهد به غضا يسيرا، كدأب كل ناشئ يقبل النمو ~~والتطور، فكان قليلا مفرقا لا يستوعب قراءة بعينها ولا عددا من القراءات، ~~وكان يعتمد على القياس وحمل القراءة على قراءة أخرى لمشابهة بينهما، إما في ~~مادة اللفظ المختلف في قراءته، وإما في بنيته، ثم أخذ يتجه مع ذلك إلى ~~التخريج والاستشهاد. # فابن عباس -المتوفى سنة 68ه- يقرأ: "ننشرها" بالنون المفتوحة والراء1، من ~~قوله تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} 2، ويحتج لقراءته بقوله تعالى: ~~{ثم إذا شاء أنشره} 3. # وعاصم الجحدري -المتوفى سنة 128ه- يقرأ: "ملك يوم الدين" بغير ألف، ويحتج ~~على من قرأها "مالك" بالألف، فيقول: يلزمه أن يقرأ: "أعوذ برب الناس، مالك ~~الناس"4. # وعيسى بن عمر -المتوفى سنة 149- يقرأ: {يا جبال أوبي معه والطير} 5 بنصب ~~الطير، ويقول: هو على النداء. # ويروون أن ms003 الكسائي قرأ أمام حمزة بن حبيب: "فأكله الذيب"6 بغير همز، فقال ~~حمزة: "الذئب" بالهمزة، فقال الكسائي: وكذلك أهمز الحوت "فالتقمه الحؤت"؟ 7 ~~قال: لا، قال: فلم همزت "الذئب" ولم تهمز "الحوت"، وهذا "فأكله الذئب"، ~~وهذا "فالتقمه الحوت"؟ فرفع حمزة بصره إلى خلاد الأحول ### | .... # فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه فلم يصنعوا شيئا، فقالوا: ~~أفدنا رحمك الله! # فقال لهم الكسائي: ... تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأب الرجل، ~~ولو قلت: قد استذاب بغير همز لكنت إنما نسبته إلى الهزال، تقول: قد استذاب ~~الرجل إذا استذاب شحمه بغير همز، فإذا نسبته إلى الحوت تقول: قد استحات ~~الرجل؛ أي: كثر أكله؛ PageV01P008 # لأن الحوت يأكل كثيرا، ولا يجوز فيه الهمز، فلهذه العلة همز الذئب ولم ~~يهمز الحوت. # وفيه معنى آخر: لا يسقط الهمز من مفرده ولا من جمعه، وأنشدهم: # أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذؤب ضاريات1 # ويكثر سيبويه المتوفى سنة 180 في كتابه من المفاضلة والاحتجاج لبعض ~~القراءات التي قرئت بها شواهده من القرآن الكريم، وأكثر معوله في ذلك على ~~العربية ومبلغ القراءة التي يعرض لها من الموافقة للكثير الشائع من ~~الأساليب واللغات، وعلى تحليل النص لإبراز معناه وإيضاح ما قد يكون بينه ~~وبين أشباهه من فروق. # فيقول في باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده: ~~"وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، وأهل المدينة ~~يقرءون: "وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم" يخففون وينصبون، كما قالوا: # كأن ثدييه حقان # وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله كما لم ~~يغير عمل: لم يك، ولم أبل، حين حذف. وأما أكثرهم فأدخلوها في حروف الابتداء ~~بالحذف كما أدخلوها في حروف الابتداء حين ضموا إليها ما"2. # وقال في باب الفاء: "وقال عز وجل: {فلا تكفر فيتعلمون} فارتفعت لأنه لم ~~يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعملون؛ ليجعلا كفره سببا لتعليم ~~غيره؛ ولكنه على كفروا فيتعلمون، ومثله: ms004 {كن فيكون} ، كأنه قال: إنما أمرنا ~~ذاك فيكون"3. # وفي كتب معاني القرآن تخريجات لاختلاف الإعراب، واحتجاج لوجوه هذا ~~الاختلاف، ونذكر على سبيل المثال كلام أبي يحيى زكريا الفراء -المتوفى سنة ~~207- عن آية: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين} 4، وآية: {فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} 5. # وبدا لبعض القراء أن يجمعوا القراءات المختلفة، ويبحثوا عن أسنادها، فكان ~~هارون بن موسى الأعور -المتوفى قبل سنة 200- أول من سمع بالبصرة وجوه ~~القراءات، وألفها، وتتبع الشاذ منها، فبحث عن أسناده فيما يقول عنه أبو ~~حاتم السجستاني6. PageV01P009 # وألف يعقوب بن إسحاق الحضرمي -المتوفى سنة 205- كتابا سماه الجامع، جمع ~~فيه عامة اختلاف وجوه القرآن، ونسب كل حرف إلى من قرأ به فيما يقول ~~الزبيدي1. # ويقول ابن الجزري في النشر عن أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224ه: ~~إنه كان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب، وجعلها فيما أحسب خمسا ~~وعشرين قراءة مع السبعة2. # ويقول ابن النديم عن محمد بن يزيد المبرد المتوفى سنة 285: إنه ألف فيما ~~ألف كتاب احتجاج القراءة3. # ثم يجيء أبو بكر بن مجاهد -المتوفى 324ه- فيؤلف كتابه الموسوم بقراءات ~~السبعة، فيكون هو أول من سبع السبعة كما يقولون4، فأوحى كتابه هذا إلى ~~العلماء بدراسات شتى تدور عليه أو تتصل به. # أ- فشرع أبو بكر محمد بن السري -المتوفى سنة 316- في تأليف كتاب يحتج فيه ~~للقراءات الواردة في كتاب ابن مجاهد، فأتم سورة الفاتحة، وجزءا من سورة ~~البقرة، ثم أمسك5. # ب - وألف أبو ظاهر عبد الواحد البزار -المتوفى سنة 349ه- كتاب الانتصار ~~لحمزة6. # ج- وألف محمد بن الحسن الأنصاري -المتوفى سنة 351ه- كتاب السبعة بعللها ~~الكبير7. # د- وألف أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار المتوفى سنة 362ه: ### | 1- # كتاب احتجاج القراءات. ### | 2- # كتاب السبعة بعللها الكبير. ### | 3- # كتاب السبعة الأوسط. ### | 4- # كتاب السبعة الأصغر8. # ه - وألف أبو علي الفارسي -المتوفى سنة 377- كتاب الحجة في الاحتجاج ~~للقراءات السبعة. # و ويجيء ابن جني -المتوفى سنة 392- فيوحي إليه كتاب الحجة بالاحتجاج ~~للقراءت الشاذة. # وبعد، فكأنما كان تأليف القراء الكتب في جمع القراءات ونسبتها ms005 والبحث عن ~~أسنادها داعيا لعلماء اللغة أن يؤلفوا الكتب في الاحتجاج لها، فقد مهدت ~~أمامهم السبيل، ومدت لهم الأسباب، فكان جمع القراءات الخطوة الأولى ~~والاحتجاج لها الخطوة التالية، والله أعلم. PageV01P010 ### | مقدمة الكتاب # "المحتسب": # ألف ابن مجاهد على رأس المائة الثالثة من الهجرة كتاب القراءات السبعة1؛ ~~فانقسمت القراءات إلى شاذة وغير شاذة، وغلب وصف الشاذ على ما عدا القراءات ~~السبع. # وبدا لأبي علي الفارسي أن يحتج للقراءات السبع؛ فألف كتابه الحجة، وفكر ~~بعض الوقت أن يؤلف كتابا مثله يحتج فيه للقراءات الشاذة؛ بل إنه فيما يقول ~~ابن جني في مقدمة المحتسب: "قد هم أن يضع يده فيه ويبدأ به؛ فاعترضت خوالج ~~هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه". # من أجل هذا تجرد ابن جني للقراءات الشاذة ينوب عن شيخه في الاحتجاج لها، ~~ويؤدي حقها عليه، كما أدى شيخه حق القراءات غير الشاذة عليه؛ إذ كانت داعية ~~الاحتجاج للنوعين ثابتة، والاستجابة لها لازمة؛ بل لعل داعية الاحتجاج ~~للشاذ أثبت، والاستجابة لها ألزم. # قال في المقدمة يشرح غرضه من الاحتجاج للشاذ: " ... غرضنا منه أن نرى وجه ~~قوة ما يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه، آخذ من سمت ~~العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يرى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه أو تهمة ~~له". # ويقول في موضع آخر منها يبين رأيه في الشاذ ومكانه عند الله: " ### | .... # إلا أننا وإن لم نقرأ في التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع ~~في القراءة كل جائز رواية ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه ~~مما أمر الله تعالى بتقبله، وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضي ~~من القول لديه". # وزاده رغبة في الإقبال على الشاذ والاحتجاج له أن أحدا من أصحابه لم ~~يتقدم للاحتجاج له على النحو الذي يريد، قال: "فإذا كانت هذه حاله عند الله ~~... وكان من مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابا فيه، ولا أولوه طرفان من ~~القول عليه؛ وإنما ذكروه مرويا مسلما PageV01P011 # مجموعا أو متفرقا، وربما اعتزموا ms006 الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه ... ~~حسن بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله، وبسط القول على غامضه ومشكله". # فبذلك كان المحتسب في الاحتجاج لشواذ القراءات، ألفه أبو الفتح وقد علت ~~به السن، وأشرف على نهاية العمر، قال الشريف الرضي: كان شيخنا أبو الفتح ~~النحوي عمل في آخر عمره كتابا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ1. # وقال أبو الفتح في مقدمة المحتسب: "وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك وصلتها ~~برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا، ما امتدت أسباب الحياة لنا، فإذا ~~انقضت علائق مددنا، واستوفي ما في الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، ~~واستؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا؛ فاقبلنا إلى كنز جنتك التي لم تخلق إلا ~~لمن وسع ظل رحمتك". # وهذا كلام قلما يقوله إلا امرؤ غلب عليه التفكير في الآخرة، واستبد به حب ~~التزود لها؛ لأنه يشعر أنه منيته قد دنت، وأن حياته قد آذنت بزوال، فهو ~~يتخشع لله، ويبتغي إليه الوسيلة؛ عسى أن يثيبه الله مغفرة منه ورضوانا، ~~ولعله لذلك سماه المحتسب، واختار أن يدل باسمه على الغرض الذي يريده به، لا ~~على الموضوع الذي يديره عليه. # ومنهج المحتسب كمنهج الحجة، لا يكاد يخالفه إلا بمقدار ما تقتضيه طبيعة ~~الاحتجاج لقراءة الجماعة والقراءة الشاذة، فأبو الفتح يعرض القراءة، ويذكر ~~من قرأ بها، ثم يرجع في أمرها إلى اللغة، يلتمس لها شاهدا فيرويه، أو نظيرا ~~فيقيسها عليه، أو لهجة فيردها إليها ويؤنسها بها، أو تأويلا أو توجيها ~~فيعرضه في قصد وإجمال، أو تفصيل وافتنان، على حسب ما يقتضيه المقام، ~~ويتطلبه الكشف عن وجه الرأي في القراءة. # وهو في الجملة أخذ بها واطمئنان إليها، وربما وقع في نفسك من كثرة ما عدد ~~من خصائصها، واستخرج من لطفائها أنه يؤثرها ويحكم لها على قراءة الجماعة، ~~كما في الاحتجاج لقراءة الحسن: "اهدنا صراطا مستقيما"2. # وإن هو لم يجد للقراءة وجها يسكن إليه؛ إما لشذوذه في اللغة، وإما لحاجته ~~في الاحتجاج إلى ضرب من التكلف والاعتساف، لم يتحرج أن يردها أو يضعف ~~القراءة بها، لا يكاد ms007 يأخذها هي نفسها بهذا أو ذاك؛ ولكن يأخذ به الوجه ~~الذي يتجه بها إليه، فهو أخذ غير مباشر ولا صريح. # فقال مثلا في الاحتجاج لقراءة ابن محيصن: "ثم أطره إلى عذاب النار"3 ~~بإدغام الضاد في PageV01P012 # الطاء: "هذه لغة مرذولة". وقال في الاحتجاج لقراءة أبي جعفر يزيد: ~~"للملائكة اسجدوا"1 بضم التاء: "هذا ضعيف عندنا جدا". # وليس عجيبا ولا منكورا أن يتشابه الكتابان في المنهج على هذا النحو؛ ~~فموضوعهما واحد، وصاحب الحجة أستاذ لصاحب المحتسب، ووحدة الموضوع تستدعي ~~تشابها في علاج مسائله، وللأستاذ في تلميذه تأثير، وللتلميذ في أستاذه ~~قدوة. # ولهذا كان المحتسب -كما كانت الحجة- معرضا حافلا، يزخر بكثير من الشواهد ~~والتوجيهات، وألوان من الآراء والبحوث اللغوية والصوتية، التي تدل على ~~الغزارة والتمكن، وعلى شمول الإحاطة، ودقة الملاحظة، وبراعة القياس، وصحة ~~الاستنباط. # وليس هذا بكثير على أبي الفتح، ولا هو مما يتعاظمه، فذلك دأبه في كل ما ~~عرفنا له من كتب، ثم هو بعد هذا قد ألف المحتسب في آخر حياته -كما سبق- أي: ~~حين استفاضت تجاربه، واستحصدت ملكاته، وبلغت معارفه غاية ما قدر لها من نضج ~~واكتمال. # على أن ابن جني كان يأخذ على الحجة أن الشيخ أبا علي قد أغمضه، وأطال ~~الاحتجاج فيه؛ حتى عي به القراء، وجفا عنه كثير من العلماء. # قال في مقدمة المحتسب: "فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير ~~من العلماء"، وقال في الاحتجاج لقراءة "تماما على الذي أحسن"2: وقد كان ~~شيخنا أبو علي عمل كتاب الحجة في قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع ~~كثيرا ممن يدعي العربية فضلا عن القرأة وأجفاهم عنه". # فلم يشأ أن يكون في المحتسب كما كان شيخه من قبله في الحجة؛ لهذا لا تراه ~~يكثر مثله من الشواهد، ولا يمعن إمعانه في الاستطراد، ولا يغمض إغماضه في ~~الاحتجاج، وهو يذكر هذا وينبه عليه في مواطن شتى من الكتاب. # فيقول في الاحتجاج لقراءة "لا تنفع نفسا إيمانها"3: "والشواهد على ذلك ~~كثيرة؛ لكن الطريق التي نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة". # ويقول ms008 في الاحتجاج لقراءة "فأكثرت جدلنا"4: ولولا أن القراء لا ينبسطون ~~في هذه الطريق لنبهت على كثير منه؛ بل إذا كان منتحلو PageV01P013 # هذا العلم والمترسمون به قلما تطوع1 طباعهم لهذا الضرب منه ### | .... # فما ظنك بالقراء لو جشموا النظر فيه والتقري لعزوره2 ومطاويه؟ # ولعزوف ابن جني عن الإسهاب والإمعان في الاستطرد نراه في مقدمة المحتسب ~~يفضل كتاب أبي حاتم السجستاني في الشواذ على كتاب قطرب "من حيث كان كتاب ~~أبي حاتم مقصورا على ذكر القراءات، عاريا من الإسهاب في التعليل ~~والاستشهادات التي انحط قطرب فيها، وتناهى إلى متباعد غاياتها". # على أن أبا الفتح -أحسن الله إليه- لم يلتزم الاقتصاد في الاستشهاد في كل ~~مقام، ولا سيما حين تكون القراءة غريبة، يدعو ظاهرها إلى التناكر لها ~~والتعجب منها. # فقد استشهد في قراءة: "اهدنا صراطا مستقيما" بعشرة شواهد، بعضها من شعر ~~المولدين، واحتج لقراءة: "ولا أدرأتكم به" فأطال الاحتجاج ما شاء الله أن ~~يطيل، ثم ختمه بقوله: وهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تعطى اليد ~~بفساده. # وعبارة المحتسب مرسلة متدفقة، فيها طلاوة بادية، وعليها مسحة ملازمة من ~~عذوبة الفن وأناقته، مبسوطة في غير حشو ولا فضول، يشيع فيها الازدواج، ~~ويطول الفصل، جزلة الألفاظ، لا تخلو أحيانا من بعض الغريب الذي يحتاج في ~~الكشف عن معناه الذي يقتضيه المقام إلى فضل تأول وإمعان، وفي مقدمة الكتاب ~~أمثلة له متفرقة. # أما شواهد المحتسب فكثيرة؛ لكن يشيع فيها التكرار؛ لتكرر مقتضيات ~~الاستشهاد بها، وجملتها من الشعر، وفيها قليل من حديث الرسول وكلام البلغاء ~~والأمثال السائرة، وطريقته في إيرادها لا تخالف طريقة العلماء الآخرين؛ فهو ~~ينسب بعضها ولا ينسب بعضها الآخر، ويرويها في أكثر الأمر أبياتا كاملة، وفي ~~أقله أجزاء من الأبيات، يبلغ أحدها شطر البيت، وقد يقل عنه أو يزيد عليه، ~~وربما روى الشاهد مع بعض صلته، فإذا هو معها بضعة أبيات. # وأكثر شواهده مما يتردد في كتب اللغة وعلومها، وبينها طائفة من أشعار ~~المولدين، يأتي بها للاستئناس والتمثيل، أو لإيضاح المعنى وتأييده، قال وقد ~~روى ms009 بيتا للمتنبي في أثناء الاحتجاج لقراءة "وليلبسوا عليهم دينهم"3 بفتح ~~الباء: "ولا تقل ما يقوله من ضعفت نحيزته، وركت طريقته: هذا شاعر محدث، ~~وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به PageV01P014 # في كتاب الله -جل وعز- فإن المعاني لا يرفعها تقدم، ولا يزري بها تأخر. ~~أما الألفاظ، فلعمري إن الموضع معتبر فيها". # ومصادر المحتسب -كما يقول في المقدمة- نوعان: كتب يأخذ منها، وروايات صح ~~لديه الأخذ بها. # فأما الكتب فهي: ### | 1- # كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة. ### | 2- # كتاب أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني. ### | 3- # كتاب أبي علي محمد بن المستنير قطرب. ### | 4- # كتاب المعاني للزجاج. ### | 5- # كتاب المعاني للفراء. # وأما ما صح عنده الأخذ به مما يرويه عن غيره فيقول عنه: "لا نألو فيه ما ~~تقتضيه حال مثله من تأدية أمانته، وتحري الصحة في روايته". # وقد نقل عن طائف من رواة اللغة وعلمائها، وسنقصر الكلام على نقله عمن ~~يبدو أثرهم في الكتاب، ويكثر ذكرهم فيه. # ولم يكن ابن جني يتقبل كل ما ينقله أو يأخذه على ما خيلت؛ ولكنه كان ينظر ~~فيه وينقده، في تلطف ورفق حينا، وفي قوة وعنف حينا آخر، صريحا واضحا، وحرا ~~مستقلا، وعادلا منصفا في كل حين، ينشد الحقيقة وينزل على حكمها أنى تكون. # لقد نقل عن سيبويه واستشهدج بكثير من شواهده، فوافقه وخالفه، وربما جاوز ~~الوفاق إلى الدفاع، وجاوز الخلاف إلى الإنكار والملام، كما في الاحتجاج ~~لقراءة: "ويعلمهم الكتاب"1 بسكون الميم، فقد أورد قول امرئ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # ثم قال: "وأما اعترض أبي العباس هنا على الكتاب، فإنما هو على العرب لا ~~علي صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن في الوزن أيضا غيره. وقول ~~أبي العباس: إنما الرواية "فاليوم فاشرب"، فكأنه قال لسيبويه: كذبت على ~~العرب، ولم تسمع ما حكيت عنهم! وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرف؛ فقد سقطت ~~كلفة القول معه". PageV01P015 # وكما في الاحتجاج لقراءة عيسى بن عمر "على ms010 تقوى من الله"1 بالتنوين، فقد ~~روى أن سيبويه سئل عن وجه التنوين هنا فقال: لا أدري، ولا أعرفه، وقال ابن ~~جني يبين الوجه: "وأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة، ~~فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث ... وكان الأشبه بقدر سيبويه ~~ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري ... فأما يقول سيبويه: لم يقرأ ~~بها أحد فجائز -يعني: فيما سمعه- لكن لا عذر له في أن يقول: لا أدري". # ونقل عن شيخه أبي علي الفارسي، فروى مما أنشده إياه من شواهد، وما أخذه ~~عنه من أصول، ما انتهيا إليه من رأي في المسائل التي دار بينهما فيها حوار ~~ومساءلة، يعرض كل أولئك في صراحة وأمانة، ثم يختم النقل ويعقب عليه بما قد ~~يكون عنده من مزيد. # فتراه مثلا يقول: # أنشدنا أبو علي ### | ..... # ، أو حدثني أبو علي، أو وهذا أخذناه عن أبي علي، ثم يقول: هذا آخر ~~الحكاية عن أبي علي، وينتقل إلى إضافة ما يريد أن يضيف، مما يستقل به من ~~رأي، فتراه مثلا يقول: "ينبغي أن يعلم ما أذكره"، أو: "وفيه عندي شيء لم ~~يذكره أبو علي ولا غيره من أصحابنا"، أو: "ووجه ذلك عندي ما أذكره"، أو نحو ~~ذلك مما يتردد كثيرا في مواضع مختلفات من المحتسب. # ونقل عن الكسائي فأعجب به وأنكر عليه؛ ففي الاحتجاج لقراءة: "وما يخدعون ~~إلا أنفسهم"2 بضم الياء وفتح الدال يقرر أنها جاءت "على خدعته نفسه لما كان ~~معناه معنى انتقصته نفسه أو تخونته نفسه، ورأيت أبا علي يذهب إلى استحسان ~~مذهب الكسائي في قوله: # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # لأنه قال: عدى رضيت "بعلى" كما يعدى نقيضها وهي سخطت به، وكان قياسه رضيت ~~عني، وإذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ، فهذا ~~مذهب الكسائي، وما أحسنه! # وفي الحديث عن قراءة يعقوب: "ويك أنه لا يفلح الكافرون"3 بالوقف على ~~"ويك" والابتداء "بأنه"، يقول بعد أن أورد بيت عنترة: # ولقد شفى ms011 نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم PageV01P016 # وقال الكسائي فيما أظن: أراد ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر نبي ~~ليقبل". # ونقل عن ابن مجاهد فوثق به في النقل والرواية، وتعقبه في اللغة بالإنكار ~~والمخالفة، فيقول في المقدمة عن كتابه في الشواذ: " ... أثبت في النفس من ~~كثير من الشواذ المحكية عمن له روايته ولا توفيقه ولا هدايته". # وينقل تفسيره لقراءة: "ولا يووده حفظها"1 بلا همز، ثم يقول: "خلط ابن ~~مجاهد في هذا التفسير تخليطا ظاهرا، غير لائق بمن يعتد إماما في روايته، ~~وإن كان مضعوفا في فقاهته". # وينقل قراءة يحيى وإبراهيم السلمي: "أفحكم الجاهلية يبغون"2 بالياء ورفع ~~الميم، وينقل معها قول ابن مجاهد فيها: وهو خطأ، ثم يقول: قول ابن مجاهد ~~إنه خطأ فيه سرف؛ لكن وجه غيره أقوى منه. # وينقل قراءة: "أنبهم" بوزن أعطهم، قراءة "أنبيهم" بلا همز، وقراءة ~~"أنبئهم"3، وينقل معها أيضا قول ابن مجاهد فيها: وهذا لا يجوز، ثم يمضي في ~~الاحتجاج لهذه القراءات، والتماس الوجه لكل منها، حتى إذا بلغ من ذلك غايته ~~قال: فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز، لا وجه له؛ لما شرحناه ~~من حاله، ورحم الله أبا بكر، فإنه لم يأل فيما علمه نصحا، ولا يلزمه أن يري ~~غيره مالم يره الله تعالى إياه. وسبحان قاسم الأزراق بين عباده، وإياه نسأل ~~عصمة وتوفيقا وسدادا بفضله. # ورأينا ابن جني في المحتسب يأخذ ببعض ما لم ير الأخذ به في الخصائص، فإذا ~~هو بذلك لا يخالف رأيا له وحسب؛ ولكنه يخالف مذهبه النحوي أيضا. # قال في الخصائص: وسمعت الشجري أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي ~~في نحو يعدو وهو محموم، ولم أسمعها من غيره من عقيل؛ فقد كان يرد علينا ~~منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته، وما أظن الشجري إلا استهواه كثرة ~~ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على ~~مذهب البغداديين ... وهذا قاسه الكوفيون، وأن كنا ms012 نحن لا نراه قياسا؛ لكن ~~مثل يعدو وهو محموم لم يرو عنهم فيما علمت4. # وقال في المحتسب في الاحتجاج لقراءة "إن يمسسكم قرح"5 بفتح القاف والراء: ~~قرح PageV01P017 # وقرح كالحلب والحلب ### | .... # وفيه أيضا قرح على فعل، يقرأ بهما جميعا، ثم لا أبعد من بعد أن تكون ~~الحاء لكونها حرفا حلقيا يفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنا من ~~حروف الحلق، نحو قولهم في الصخر: الصخر ... ولعمري إن هذا عند أصحابنا ليس ~~أمرا راجعا إلى حرف الحلق؛ لكنها لغات. # وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرا ~~معتدا معتمدا، فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم تحرك من ذلك ما لا يتحرك ~~أبدا لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نحوه، يريد: نحوه، وهذا ما لا توقف في ~~أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأن الكلمة بنيت عليه ألبتة، وبعد أن دلل على ~~ذلك، وذكر ما سمعه من الشجري قال: ولا قرابة بيني وبين البصريين؛ لكنها ~~بيني وبين الحق، والحمد لله. # وقد سمع ابن جني من عرب عقيل، ونقل عمن يثق بعربيته منهم إلى المحتسب ~~وغيره، كما فعل سيبويه من قبل؛ فتراه يقول في المحتسب مثلا: حضرني قديما ~~بالموصل أعرابي عقيلي، أو رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم، أو سمعت غلاما ~~حدثا من عقيل ... وهكذا. # ويبدو أن سبب اختصاصه بني عقيل بالأخذ والرواية أنهم كانوا بالكوفة ~~والبلاد الفراتية والجزيرة والموصل، هاجروا إليها بعدما غلبوا على مساكنهم ~~في البحرين1. # وأفاد ابن جني في الاحتجاج للشواذ من لهجات القبائل، يرجع إليها ويخرج ~~على مقتضاها؛ ولهذا ورد في المحتسب كثير منها. وقد أفرد المرحوم الأستاذ ~~تيمور ثبتا لهذه اللهجات في صدر كل جزء من جزأي نسخة المحتسب المحفوظة في ~~خزانته، رحمه الله. # ويذكرابن جني في المحتسب طائفة من أصول العربية وقواعدها العامة: من ~~لغوية ونحوية وعروضية، دعته دواعي الاحتجاج وتأييد الرأي إلى إيرادها في ~~مواطن شتى من الكتاب؛ من مثل: العرب إذا انطقت بالأعجمي خلطت فيه2، ويجوز ms013 ~~مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره3، ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش في ~~اللغة4، والخطاب بالتاء أذهب في قوة الخطاب5، والقوافي حوافر الشعر، وتشبع ~~العرب PageV01P018 # مدات التأسيس والردف والوصل والخروج عناية بالقافية؛ إذ كانت للشعر ~~نظاما، وللبيت اختتاما1، والأمثال تجري مجرى المنظوم في تحمل الضرورة2. # وفي الكتاب كذلك عرض لبعض مسائل البلاغة؛ ففي الاحتجاج لقراءة ابن عباس: ~~"إني أراني أعصر عنبا"3 كلام عن بعض صور المجاز المرسل، وفي الاحتجاج ~~لقراءة: "وعلم آدم الأسماء كلها"4 كلام عن نظم الأسلوب وعلاقته بإرادة ~~ناظمه، وفي الاحتجاج لقراءة: "اهدنا صراطا مستقيما"5 كلام عن التجريد، ~~وهكذا. # فرضي الله عنك يا أبا الفتح، وأثابك بما صنعت في المحتسب لكتابه ولغة ~~نبيه، لقد أعملت فيه عبقريتك، وبذلت له من جهدك ما شاء الله أن تبذل؛ حتى ~~استوى بين يديك سفرا جليلا، وظل على الزمان ذكرا حميدا وأثرا باقيا. # علي النجدي ناصف، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح شلبي PageV01P019 ### | النسختان اللتان اعتمدنا عليهما في تحقيق المحتسب # اعتمدنا في تحقيق المحتسب على نسختين: # أولاهما: نسخة دار الكتب المصرية برقم 78، قراءات، وتاريخ نسخها سنة 528، ~~وعدد أوراقها 169 ورقة، كتبت بخط مغربي، وتشتمل الصفحة الواحدة على 26 ~~سطرا، ويحتوي السطر الواحد في المتوسط على سبع عشرة كلمة، وفي الزاوية ~~اليمنى من صفحة العنوان سبعة أسطر على هيئة مثلث قاعدته إلى أعلى، ورأسه ~~إلى أسفل، والأسطر السبعة على النحو الآتي: # وإلى اليسار من هذا المثلث، وفي محاذاة السطر الثاني منه كتبت كلمتا: ~~"مكتوب بآخره"، ثم طبع بخاتم لم نتبينه. وإلى اليمين من هذا الخاتم وفوق ~~المحتسب من عنوان الكتاب ما يأتي: "بفتح السين كما ضبطه ... "، وبقية ~~الكلام لم نتبينه لانطماسه بالخاتم المذكور. # وإلى اليسار من أعلى هذا الخاتم، ومن وسطه الملاصق له عبارة لنا منها: من ~~كتب ... المدني، وبقية الكلمات لم نتبينها لعدم ظهور بعضها، ولترميج بعضها ~~الآخر. # وفي طرف الجانب الأيسر من الخاتم تمليك في ثلاثة أسطر: # من كتب # عبد ... أحمد بن محمد ### | .... ### | .... ### | .... # والمحذوف لم نتبينه. # PageV01P020 # وتحت هذا التمليك كلمتا: نعمان ms014 الحسنى في سطرين، وعبارة: "ثم صار في محاز ~~أحمد باحسن كان الله له آمين" في أربعة أسطر. # وفي أسفل الختم عنوان الكتاب واسم مؤلفه في ثلاثة أسطر على النحو الآتي: # الكتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها. # تأليف أبي الفتح عثمان بن جني النحوي رحمه الله، ويلي هذا ما كتبه الطاهر ~~السلفي بخطه، وهذا نصه: # قرأ علي هذا الكتاب الفقيه الأجل العالم البر عبد الله محمد بن الحسن بن ~~محمد بن سعيد الداني المقرئ حرسه الله من هذا النوع، وأنا أنظر في أصل كتاب ~~أبي الحسن نصر بن عبد العزيز بن نوح الشيرازي الذي عليه خط علي بن زيد ~~القاساني بسماعه، وكان يرويه عن مؤلفه أبي الفتح. # وقرأت أنا على مرشد بن علي بن القاسم المدني من أوله إلى ابتداء سورة ~~المائدة، وأجاز لي رواية باقيه عنه كما أجازه له شيخه أبو الحسين الشيرازي ~~عن القاساني عن مصنفه، وحضر قراءته من فقهاء الأندلس وغيرهم نفر لم يكمل ~~لأحد منهم سماع جميع الكتاب سوى ولده النجيب أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن ~~الحسن المقرئ وفقه الله تعالى. # وقد سمعا علي أيضا كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وهو كتاب مفيد ~~في علم الحديث، أخبرنا به أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد ~~الصيرفي ببغداد أنا أبو الحسن علي أحمد بن علي الفالي، أنا أبو عبد الله ~~أحمد بن إسحاق بزخر باذ النهاوندي، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد ~~الرحمن بن خلاد الرامهرمزي مؤلفه. وكتاب نكت إعجاز القرآن الذي أخبرنا به ~~أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي، أنا أبو عبد الله الحسين بن ~~محمد بن ميمون النصيبي الكاتب، أنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني مؤلفه. ~~وكتاب بيان إعجاز القرآن الذي أخبرنا به ابن بركات أنا سعيد بن علي ~~الزنجاني أبو القاسم الصيدلاني الثقفي، أنا علي بن الحسن السجزي، أنا أبو ~~سيلمان الخطابي. # وكتاب الجمعة وفضلها، ومسند عائشة تأليف القاضي أبي بكر أحمد بن علي ms015 بن ~~سعيد المروزي، أخبرنا به مرشد بن علي المديني، أنا علي بن محمد بن علي ~~الفارسي، أنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن المفسر الدمشقي، أنا المروزي. ~~وكتاب العلم الذي انتقاه عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي بكر أحمد بن ~~محمد بن أبي عيد المهندس، أخبرنا مرشد أنا عبد الملك بن # PageV01P021 # عبد الله بن مسكين، أنا المهندس. وكتاب الأربعين في الخطب والمواعظ، ~~أخبرنا به القاضي أبو نصر بن علي بن ودعان الموصلي مؤلفه. والمجالس الخمسة ~~التي أمليتها أنا بسلماس1 سنة ست وخمسمائة، وغير ذلك من الأجزاء المنثورة. # وأجزت لهما جميع ما يصح عندهما من مسموعاتي ومجموعاتي، وأذنت لهما في ~~رواية ذلك عني على الشرائط المرعية في الإجازات الشرعية. وكتب أحمد بن محمد ~~بن محمد بن إبراهيم السلفي2 الأصبهاني بالإسكندرية في صفر سنة ثمان وعشرين ~~وخمسمائة حامدا لله ومصليا على رسوله وآله وصحبه وأزواجه. وقد جعلنا هذه ~~النسخة أصلا. # وأما النسخة الأخرى التي استعنا بها، فهي محفوظة بدار الكتب المصرية ~~قراءات 252، وهي في مجلد واحد، عدد صفحاته 854 صفحة، وتم نسخها في 19 من ذي ~~الحجة سنة 1335ه، بخط الكاتب محمود بن عبيد الملقب بخليفة، المدرس بالمدارس ~~الثانوية المصرية، وهي بخط نسخ واضح، وتحتوي الصفحة على 21 سطرا، ويشتمل ~~السطر على تسع كلمات في المتوسط. # وطول الصفحة 24سم، شغل بالكتابة منها 18سم، وعرضها 17سم، شغل بالكتاب ~~منها 9سم، وورقها غليظ سميك. # وقد رمزنا لها بالحرف "ك". PageV01P022 ### | مقدمة المحقق # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم # قال أبو الفتح عثمان بن جني "رحمه الله تعالى وعفا عنه": # اللهم إنا نحمدك أقصى مدى الحامدين، ونعترف بآلائك كما أوجبت على ~~المطيعين من عبادك المعترفين، ونسألك أن تصلي على نبيك المرتضى محمد وآله ~~الطاهرين، وأن تحسن عوننا وتسديدنا على ما أجمعنا فيه القربة إليك في أملنا ~~به لطف المسعاة فيما يدني منك، ويحظي بالزلفة1 لديك، وأن تجعل أعمالنا لك، ~~واتصالاتنا بك، ومطالبنا مقصورة على مرضاتك، وإن قصرت ms016 أفعالنا عن مفروضات ~~وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا. # فإذا انقضت علائق مددنا، واستوفي ما في الصحف المحفوظة لديك من عدد ~~أنفاسنا، واستؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا، فاقلبنا إلى كنز2 جنتك التي لم ~~تخلق إلا لمن وسع ظل رحمتك، واجعل أمامنا هاديا من طاعاتنا لك، وزكوات ما ~~علمتناه من وجوه حكمتك، وشرحت صدورنا لمعرفته من لطائف مودعات لغة نبيك، ~~التي فضلتها على سائر اللغات، وفرعت بها فيه سامي الدرجات، وخصصت بأشرفها ~~طريقا وألطفها مسرى وعروقا، كتابك المنزل على لسان أمينك، المرسل إلى جنان ~~صفيك خاتم الرسل، ثم معقب الأنبياء والملل "صلى الله عليهم وسلم وبجل ~~وكرم". # وجعلت عنوان تصديقه، الباعث على سلوك طريقه، ما أودعته من إعجاز كلمه ~~الذي كد بمهله شد المجدين، واستولى بأوله على آخر غاية الناطقين، ورذيت3 ~~دون أدناه منن PageV01P031 # البرزين، وخطلت1 إليه المفوهين، وخرست لحكمه شقاشق الشياطين، فانتظم لغات ~~العرب على مثناتها2 ### | .... # 3 وارد القراءات من متوجهاتها، فأتى ذلك على طهارة جميعه، وغزارة ينبوعه ~~ضربين: # ضربا اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار، وهو ما أودعه أبو بكر أحمد بن موسى ~~بن مجاهد4 -رحمه الله- كتابه الموسوم بقراءات السبعة، وهو بشهرته غان عن ~~تحديده. # وضربا تعدى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذا؛ أي: خارجا عن قراءة القراء ~~السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف ~~بالروايات من أمامه وورائه، ولعله -أو كثيرا منه- مساو في الفصاحة للمجتمع ~~عليه. نعم، وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف5 بغيره فصاحته، وتمطوه6 قوى ~~أسبابه، وترسو به قدم إعرابه؛ ولذلك قرأ بكثير منه من جاذب ابن مجاهد عنان ~~القول فيه، وما كنه عليه، وراده إليه؛ كأبي الحسن [2ظ] أحمد بن محمد بن ~~شنبوذ7، وأبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم8، وغيرهما ممن أدى إلى رواية ~~استقواها، وأنحى على صناعة من الإعراب رضيها واستعلاها. # ولسنا نقول ذلك فسحا بخلاف القراء المجتمع في أهل الأمصار على قراءاتهم، ~~أو تسويغا للعدول عما أقرته الثقات عنهم؛ لكن غرضنا ms017 منه أن نري وجه قوة ما ~~يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه، PageV01P032 # آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يرى مرى1 أن العدول عنه إنما هو غض ~~منه، أو تهمة له. # ومعاذ الله! وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- والله تعالى يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه} ؟ 2 وهذا حكم عام في ~~المعاني والألفاظ، وأخذه هو الأخذ به، فكيف يسوغ مع ذلك أن ترفضه وتجتنبه. # فإن قصر شيء منه عن بلوغه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلن يقصر ~~عن وجه من الإعراب داع إلى الفسحة والإسهاب، إلا أننا وإن لم نقرأ في ~~التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع في القراءة كل جائز رواية ~~ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبله، ~~وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضي من القول لديه. # نعم، وأكثر ما فيه أن يكون غيره من المجتمع عندهم عليه أقوى منه إعرابا ~~وأنهض قياسا؛ إذ هما جميعا مرويان مسندان إلى السلف -رضي الله عنهم- فإن ~~كان هذا قادحا فيه، ومانعا من الأخذ به؛ فليكونن ما ضعف إعرابه مما قرأ بعض ~~السبعة به هذه حاله، ونحن نعلم مع ذلك ضعف قراءة ابن كثير3 "ضئاء"4 بهمزتين ~~مكتنفتي الألف، وقراءة ابن عامر5: "وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركائهم"6، وسنذكر هذا ونحوه في مواضعه متصلا بغيره، وهو أيضا مع ~~ذلك مأخوذ به. # ولعمري، إن القارئ به من شاعت قراءته، واعتيد الأخذ عنه، فأما أن نتوقف ~~عن الأخذ به؛ لأن غيره أقوى إعرابا منه فلا؛ لما قدمنا، فإذا كانت هذه حاله ~~عند الله -جل وعلا- وعند رسوله المصطفى، وأولي العلم بقراءة القراء، وكان ~~من مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابا فيه، ولا أولوه طرفا من القول ~~عليه؛ وإنما ذكروه مرويا مسلما مجموعا أو متفرقا، وربما اعتزموا ~~PageV01P033 # الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه، فأما أن يفردوا له كتابا مقصورا ~~عليه، أو يتجردوا للانتصار له، ويوضحوا أسراره ms018 وعلله فلا نعلمه -حسن1؛ بل ~~وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله وبسط القول على غامضه ومشكله، وما أكثر ما ~~يخرج فيه بإذن الله، وأذهبه في طريق الصنعة الصريحة، لا سيما إذا كان مشوبا ~~بالألفاظ السمحة السريحة2، إلا أننا مع ذلك لا ننسى تقريبه على أهل ~~القراءات؛ ليحظوا به، ولا ينأوا عن فهمه. # فإن أبا علي3 -رحمه الله- عمل كتاب الحجة في القراءات، فتجاوز فيه قدر ~~حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء "3و"، ونحن بالله وله وإليه، ~~وهو حسبنا. # على أن أبا علي -رحمه الله- قد كان وقتا حدث نفسه بعمله، وهم أن يضع يده ~~فيه، ويبدأ به، فاعترضت خوالج4 هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه، ~~هذا على ما كان عليه من خلو سربه، وسروح فكره، وفروده 5 بنفسه، وإنبتات ~~علائق الهموم عن قبله، يبيت وقواصي نظره محوطة عليه، وأحناء تصوره محوزة ~~إليه، مضجعه مقر جسمه ومجال همته، ومغداه ومراحه مقصوران على حفظ بنيته. ~~ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكري أقصى الحجب المتراخية عني في جمع الشتات من ~~أمري، ودمل العوارض الجائحة لأحوالي، وأشكر الله ولا أشكوه، وأسأله توفيقا ~~لما يرضيه. # وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذ عن السبعة، وقائل معناه ~~مما يمن به الله -عز اسمه- وإياه نستعين وهو كافي ونعم الوكيل. PageV01P034 # اعلم أن جميع ما شذ عن قراءة القراء السبعة1 -وشهرتهم مغنية عن تسميتهم- ~~ضربان: # ضرب شذ عن القراءة عاريا من الصنعة، ليس فيه إلا ما يتناوله الظاهر مما ~~هذه سبيله، فلا وجه للتشاغل به؛ وذلك لأن كتابنا هذا ليس موضوعا على جميع ~~كافة القراءات الشاذة عن قراءة السبعة؛ وإنما الغرض منه إبانة ما لطفت ~~صفته، وأغربت2 طريقته. # وضرب ثان وهو هذا الذي نحن على سمته؛ أعني: ما شذ عن السبعة، وغمض عن ~~ظاهر الصنعة، وهو المعتمد المعول عليه، المولى3 جهة الاشتغال به. ونحن نورد ~~ذلك على ما رويناه، ثم على ما صح عندنا من طريق رواية غيرنا له، لا نألو ~~فيه ما تقتضيه حال مثله من ms019 تأدية أمانته، وتحري الصحة في روايته، وعلى أننا ~~ننحي4 فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد -رحمه الله- الذي وضعه ~~لذكر الشواذ من القراءة؛ إذ كان مرسوما به محنو الأرجاء عليه، وإذ هو أثبت ~~في النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن ليست له روايته، ولا توفيقه ولا ~~هدايته. # فأما ما رويناه في ذلك فكتاب أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني5 ~~-رحمه الله- أخبرنا به أبو إسحق إبراهيم بن أحمد القرميسيني6، عن أبي بكر ~~محمد بن هارون الروياني7 PageV01P035 # عن أبي حاتم، وروينا أيضا في كتاب أبي علي محمد بن المستنير قطرب1 من هذه ~~الشواذ صدرا كبيرا، غير أن كتاب أبي حاتم أجمع من كتاب قطرب لذلك؛ من حيث ~~كان مقصورا على ذكر القراءات، عاريا من الإسهاب في التعليل والاستشهادات ~~التي انحط قطرب فيها، وتناهى إلى متباعد غاياتها. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن علي بن وكيع، عن أبي الحسن أحمد بن سعيد بن عبد ~~الله الدمشقي، قال: حدثني محمد بن صالح المصري2 وراق على بن قطرب، قال: ~~قرأت على أبي محمد بن المستنير قطرب من سورة النحل إلى آخر القرآن، قال: ~~وقرأت على علي بن قطرب من البقرة إلى النحل عن أبيه محمد بن المستنير بمصر ~~في سنة تسع وأربعين ومائتين. # قال أبو الحسن الدمشقي: وحدثني أبو بكر العبدي بسر من رأى "3ظ" في سنة ~~سبع وخمسين ومائتين، قال: سمعت أبا علي محمد بن المستنير قطربا يمليه في ~~مدينة السلام، فكتبت منه من البقرة إلى سورة مريم ثم قطع قطع الكتاب، قال: ~~وسمع مني أبو بكر العبدي من سورة مريم إلى آخر الكتاب، وسمعت منه من فاتحة ~~الكتاب إلى سورة مريم. # وأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي سماعا مع من قرأ عليه كثيرا من ~~هذا الكتاب، وأنا حاضره عن أبي الحسن بن محمد بن عثمان الفارسي عن الدمشقي ~~أيضا، وأخبرنا أيضا بما في كتاب المعاني عن أبي إسحاق إبراهيم بن السري ~~الزجاج3 بسماعه منه، وبمعاني الفراء عن ms020 ابن مجاهد عن الفراء، وروينا غير ~~ذلك مما سنذكر سنده وقت إحضاره المقول على مشكله إن شاء الله. # اللهم أخلص أعمالنا لوجهك، وأوسعنا من عافيتك وعفوك؛ إنك سميع الدعاء، ~~فعال لما تشاء. PageV01P036 ### | سورة فاتحة الكتاب # قراءة أهل البادية1: "الحمد لله"2 مضمومة الدال واللام، ورواها لي بعض ~~أصحابنا قراءة لإبراهيم بن أبي عبلة3: "الحمد لله" مكسورتان، ورواها أيضا ~~لي قراءة لزيد بن علي -رضي الله عنهما- والحسن البصري رحمه لله4. # وكلاهما شاذ في القياس والاستعمال؛ إلا أن من وراء ذلك ما أذكره لك؛ وهو ~~أن هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر من استعمالهم أشد ~~تغييرا، كما جاء عنهم لذلك: لم يك، ولا أدر، ولم أبل، وأيش تقول، وجا يجي، ~~وسا يسو، بحذف همزتيهما. # فلما اطرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما ~~بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر؛ فصارت "الحمد لله" كعنق وطنب، ~~و"الحمد لله" كإبل وإطل5. # إلا أن "الحمد لله" بضم الحرفين أسهل من "الحمد لله" بكسرهما من موضعين: # أحدهما: أنه إذا كان إتباعا فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا ~~للأول؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة ~~من المسبب، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال كما نقول: مد وشد، وشم وفر، ~~فتتبع الثاني الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثاني في اقتل ادخل، ومع ~~هذا فإن الإتباع -أعني: اقتل وبابه- لا يكاد يعتد؛ وذلك أن الوصل هو الذي ~~عليه عقد الكلام واستمراره، وفيه تصح وجوهه ومقاييسه6، وأنت إذا وصلت سقطت ~~الهمزة، فقلت: فاقتل زيدا، فادخل يا هذا، وليست كذلك ضمة الدال PageV01P037 # في مد، ولا فتحة الميم في شم، ولا كسرة الراء في فر؛ لأنهن ثوابت في ~~الوصل الذي عليه معقد القول، وإليه مفزع القياس والصوب1، فكما أن مد أقيس ~~إتباعا من: اقتل؛ لما ذكرنا من الوصل المرجوع إليه المأخوذ بأحكامه، ولأن ~~السبب أيضا أسبق رتبة من المسبب، فكذلك "الحمد لله" أسهل مأخذا من "الحمد ~~لله". # والآخر: أن ms021 ضمة الدال في "الحمد" إعراب، وكسرة اللام في "لله" بناء، ~~وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فإذا قلت "4و": "الحمد لله" فقريب أن ~~يغلب الأقوى الأضعف، وإذا قلت: "الحمد لله" جنى البناء الأضعف على الإعراب ~~الأقوى، مضافا ذلك إلى حكم تغيير الآخر الأول، وإلى كثرة باب عنق وطنب في ~~قلة باب إبل إطل فاعرفه، ومثل هذا في إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب ~~الكتاب2 في قول بعضهم: # وقال اضرب الساقين إمك هابل3 # كسر الميم لكسرة الهمزة، ثم من بعد ذلك أنك تفيد من هذا الموضع ما تنتفع ~~به في موضع آخر؛ وهو أن قولك: "الحمد لله" جملة، وقد شبه جزآها معا بالجزء ~~الواحد -وهو مد أو عنق- فيمن أسكن ثم أتبع، أو السلطان أو القرفصاء أو ~~المنتن، دل ذلك على شدة اتصال المبتدأ بخبره؛ لأنه لو لم يكن الأمر عندهم ~~كذلك لما أجروا هذين الجزأين مجرى الجزء الواحد، وقد نحوا هذا الموضع الذي ~~ذكرته لك في نحو قولهم في تأبط شرا: تأبطي، وقولهم في رجل اسمه زيد أخوك: ~~زيدي، فحذفوا الجزء الثاني، كما يحذفون الجزء الثاني من المركب في نحو ~~قولهم في حضرموت: حضرمي، وفي رام هرمز: رامي، وكما يقولون أيضا في طلحة: ~~طلحي، فاعرف ذلك دليلا على شدة اتصال المبتدأ بخبره، وما علمت أحدا من ~~أصحابنا نحا هذا الموضع على وضوحه لك، وقوة دلالته على ما أثبته في نفسك. # ومثله أيضا في الدلالة على هذا المعنى قراءة ابن كثير: "فإذا هي تلقف"4، ~~ألا ترى إلى تسكين حرف المضارع من "تلقف"؟ فلولا شدة اتصاله بما قبله للزم ~~منه تصور الابتداء PageV01P038 # بالساكن، لا بل صار في اللفظ قولك: "هيت"1 كالجزء الواحد الذي هو خدب2 ~~وهجف3 وهقب4، وهذا أقوى دلالة على قوة اتصال المبتدأ بخبره من الذي أريناه ~~من قبله لما فيه إن لم تنعم به من وجوب تصور الابتداء بالساكن. # نعم، ومن ورائه أيضا ما هو ألطف مأخذا؛ وهو أن قوله سبحانه: "تلقف" جملة، ~~ومشفوعة أيضا بالمفعول الموصول الذي هو "ما يأفكون"، ms022 وأصل تصور الجمل في ~~هذا المعنى: أن تكون منفصلة قائمة برءوسها، وقد قرأها هاهنا كيف تصورت ~~شديدة الحاجة إلى المبتدأ قبلها؟ فإذا جاز هذا الخلط له، ووكادة الصلة بينه ~~وبين ما قبله، فما ظنك بخبر المبتدأ إذا كان مفردا؟ ألا تعلم أنه به أشد ~~اتصالا، وإليه أقوى تساندا وانحيازا؟ فاضم ذلك إلى ما قبله. # ونحو مما نحن على سمته، وبسبيل الغرض فيه -حكاية الفراء عن بعضهم، وجرى ~~ذكر رجل فقيل: ها هو ذا، فقال مجيبا: نعم الها هو ذا هو، فإلحاقه لام ~~المعرفة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر من أقوى دليل على تنزلها عندهم ~~منزلة الجزء الواحد. نعم، وفي صدر هذه الجملة حروف التنبيه، وهو يكاد ~~يفصلها عن لام التعريف بعض الانفصال، وهما مع ذلك كالمتلاقيتين المعتقبتين ~~مع حجزه بينهما وإعراضه على كل واحد منهما "4ظ". # ومن ذلك: {وإياك نستعين} 5، قرأها الفضل الرقاشي: {وأياك} بفتح الهمزة. # قال أبو الفتح: قد ذكرنا في كتابنا الموسوم بسر صناعة الإعراب: ما تحتمله ~~إيا من المثل: هل هي فعل، أو فعيل، أو فعول، أو إفعل، أو فعلل؟ # أمن: آءة6، أم من أية، أم من أويت، أم من وأيت، أم من قوله: # فأو لذكراها إذا ما ذكرتها7 # فأما فتح الهمزة فلغة فيها: إياك وأياك وهياك وهياك، والهاء بدل من ~~الهمزة، كقولهم: PageV01P039 # في أرقت: هرقت، وأردت: هردت، وأرحت الدابة: هرحت، وأنرت الثوب: هنرت1، ~~قال: # فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره2 # وقرأ عمرو بن فايد3: "إياك نعبد وإياك نستعين" بتخفيف الياء فيهما جميعا، ~~فوزن إيا على هذا فعل كرضا وحجا وحمى، ونظيره: أيا الشمس، قال طرفة: # سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد4 # ويقال فيه: أياء الشمس بالفتح والمد، قال ذو الرمة: # تنازعها لونان ورد وحوة ... ترى لأياء الشمس فيه تحدرا5 # وإيا فعل، وأياء فعال، وكلاهما من لفظ الآية ومعناها، وهي: العلامة، وذلك ~~أن ضوء الشمس إذا ظهر علم أن جرمها على وجه الأرض. # وحدثنا أبو بكر محمد بن علي قال: ms023 كان أبو إسحاق يقول في قول الله سبحانه: ~~"إياك نعبد" أي: حقيقتك نعبد، وكان يشتقه من الآية وهي العلامة، وهذا يجيء ~~ويسوغ على رأي أبي إسحاق؛ لأنه كان يعتقد في "إياك" أنه اسم خص به المضمر، ~~فأما6 على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأن "إياك" اسم مضمر، والأسماء ~~المضمرة لا اشتقاق في شيء منها، وينبغي أن يكون عمرو بن فايد إنما قرأ ~~"إياك" بالتخفيف؛ لأنه كره اجتماع التضعيف مع ثقل الياءين والهمزة والكسرة، ~~ولا ينبغي أن يحمل "إياك" بالتخفيف على أنها لغة، وذلك أنا لم نر لذلك أثرا ~~في اللغة ولا رسما ولا مر بنا في نثر ولا نظم. نعم، ومن لم يخلد مع ثقته ~~إلى نظر يعصم به ويتساند إليه بأمانته، أتي من قبل نفسه من حيث يظن أنه ~~ينظر لها، وكان ما دهاه في ذلك من أجل فقاهته لا أمانته. # وإذا جاز أن تخفف الحروف الثقال مع كونها صحاحا وخفافا؛ فتخفيف الضعيف ~~الثقيل PageV01P040 # أحرى وأولى، فمن ذلك قولهم في رب رجل: رب رجل، وفي أر: أر1، وفي أي: أي، ~~أنشدنا أبو علي للفرزدق: # تنظرت نصرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره2 # ويبدلون أيضا ليختلف الحرفان فيخفا، وذلك قوله: # يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار3 # وقالوا في اجلواذ4: اجليواذ، "5و" وفي دوان: ديوان، والشيء من هذا ونحوه ~~أوسع؛ لكن كل واحد من هذه الحروف وغيرها قد سمع وشاع، فأما "إياك" بالتخفيف ~~فلم يسمع إلا من هذه الجهة، وينبغي للقرآن أن يختار له، ولا يختار عليه. # ومن ذلك قراءة الحسن رضي الله عنه: "اهدنا صراطا مستقيما"5. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أراد -والله أعلم- التذلل لله سبحانه، ~~وإظهار الطاعة له؛ أي: قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له: صراط مستقيم، ~~ولسنا نريد المبالغة في قول من قرأ: "الصراط المستقيم" أي: الصراط الذي ~~شاعت استقامته، وتعولمت في ذلك حاله وطريقته، فإن قليل هذا منك لنا زاك ~~عندنا وكثير من نعمتك علينا، ونحن له مطيعون، وإلى ms024 ما تأمر به وتنهى فيه ~~صائرون، وزاد في حسن التنكير هنا ما دخله من المعنى؛ وذلك أن تقديره: أدم ~~هدايتك لنا؛ فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم؛ فجرى حينئذ ~~مجرى قولك: لئن لقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتلقين منه رجلا ~~متناهيا في الخير، ورسولا جامعا لسبل الفضل؛ فقد آلت به الحال إلى معنى ~~التجريد؛ كقول الأخطل: # بنزوة لص بعدما مر مصعب ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل6 PageV01P041 # ومصعب نفسه هو الأشعث، وعليه قول طرفة: # جازت القوم إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر1 # وهي نفسها عنده اليعفور. # أنشدنا أبو علي: # أفاءت بنو مروان أمس دماءنا ... وفي الله إن لم يحكموا حكم عدل2 # وهو سبحانه أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر حكما عدلا، فأخرج اللفظ مخرج ~~التنكير، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف، وفيه مع ~~ذلك لفظ الرضا باليسير، فإذا3 جاز أن يرضى الإنسان من مخلوق مثله بما رضي ~~به الشاعر من محبوبه بما دل عليه قوله، أنشده ابن الأعرابي: # وإني لأرضى منك يا ليل بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلا بله # بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله4 # وأنشدني بعض أصحابنا لبعض المولدين: # عدينا واكذبينا وامطلينا ... فقد أومنت من سوء العقاب # فلسنا من وعيدك في ارتياب ... ولا من صدق وعدك في اقتراب # ولكنا لشؤم الجد منا ... نفر من العذاب إلى العذاب # وعليه قول الآخر: # علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به # ودعيني أعيش من ... ك بنجوى تطلبه # فعسى يعثر الزما ... ن بجنبي فينتبه5 PageV01P042 # ونظائره كثيرة، قديمة ومولدة -كان1 العبد البر والزاهد المجتهد أحرى أن ~~يسأل خالقه -جل وعز- مقتصدا في سؤاله، وضامنا من نفسه السمع والطاعة على ~~ذلك من يأمره. # ويؤكد عندك مذهب "5ظ" من أنشدته آنفا، ما حدثنا به أبو علي قال: لما قال ~~كثير: # ولست براض من خليلي بنائل ... قليل ولا أرضى له بقليل # قال له ابن أبي عتيق: هذا كلام ms025 مكافئ، هلا قلت كما قال ابن الرقيات: # رقي بعمركم لا تهجرينا ... ومنينا المنى ثم امطلينا2 # وأنشدني بعض أصحابنا: # وعلليني بوعد منك آمله ... إني أسر وإن أخلفت أن تعدي # وعليه قوله الله عز اسمه: {ولهديناهم صراطا مستقيما} 3 أي: هديناهم من ~~نعمتنا عليهم، ونظرنا لهم صراطا مستقيما. # وقال كثير: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم لا فرق بينهما؛ وذلك أن ~~مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته؛ من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته، ~~ألا ترى إلى قوله: # وأعلم إن تسليما وتركا ... للا متشابهان ولا سواء4 # فهذا في المعنى كقوله: إن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء. # ومن ذلك قوله: {أنعمت عليهم} 5. # ذكر أبو بكر أحمد بن موسى أن فيها سبع قراءات: "علهمو"، و"عليهم" بضم ~~الميم من غير إشباع إلى الواو، و"عليهم" بسكون الميم مع ضمة الهاء، ~~و"عليهمي"، و"عليهم" بكسر الهاء وسكون PageV01P043 # الميم، و"عليهمو" بكسر الهاء وواو بعد الميم، و"عليهم" مكسورة الهاء ~~مضمومة الميم من غير واو. # وزاد أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش1 على ما قال أبو بكر ثلاثة أوجه، ~~فصار الجميع عشرة أوجه؛ والثلاثة: "عليهمي" بضم الهاء وميم مكسورة بعدها ~~ياء، و"عليهم" بضمة الهاء وكسرة الميم من غير إشباع إلى الياء، و"عليهم" ~~بكسرة الهاء وكسرة الميم أيضا من غير بلوغ ياء، فتلك عشرة أوجه: خمسة مع ضم ~~الهاء، وخمسة مع كسرها. # قرأ "عليهمو" ابن إبي إسحاق2 ومسلم بن جندب3 والأعرج4 وعيسى الثقفي5 وعبد ~~الله بن يزيد6. # وقرأ: "عليهمي" الحسن وعمرو بن فايد، وروي عن الأعرج: "عليهم" مكسورة ~~الهاء مضمومة الميم من غير بلوغ واو. # وقرأ: "عليهم" مضمومة الهاء والميم من غير بلوغ واو، رويت عن الأعرج ~~أيضا. # قال أبو الفتح: أما "عليهمو" فهي الأصل؛ لأنها رسيلة7 عليهما في التثنية؛ ~~أعني: ثبات الواو كثبات الألف، وينبغي أن تعلم أن أصل هذا الاسم المضمر ~~الهاء، ثم زيدت عليها الميم؛ علامة لتجاوز الواحد من غير اختصاص بالجمع، ~~ألا ترى الميم موجودة ms026 في التثنية: "عليهما"؟ وأما الواو فلإخلاص الجمعية. # وأما "عليهمي" فطريقه: أنه كسرت الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة وضعف ~~الهاء، فأشبهت لذلك الألف، لا سيما وهي تجاورها في المخرج، لا بل أبو الحسن ~~يدعي أن مخرج الألف هو PageV01P044 # مخرج الهاء ألبتة. فكما أن الياء "6و" الساكنة إذا وقعت قبل الألف قلبتها ~~ياء، نحو قولك في تحقير كتاب: كتيب، كذلك كسرت الهاء، فكان انكسار الهاء ~~للياء قبلها تغييرا لحقها لهما، كما أن انقلاب الألف ياء لمكانها تغيير ~~لحقها من أجلها، فصار اللفظ بها من بعد "عليهمو"، فكرهوا الخروج من كسر ~~الهاء إلى ضم الميم الواو من بعدها، فكسروا الميم لذلك؛ فصارت "عليهمو"، ~~فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها؛ فصارت "عليهمي". # ومن كسر الهاء وضم الميم وحذف الواو فقال: "عليهم" فإنه لما انتهت به ~~الصنعة إلى كسر الهاء احتمل الضمة بعد الكسرة؛ لأنها ليست بلازمة، إذ كانت ~~ألف التثنية تفتحها؛ لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة التي ~~تجشمها. # ومن قرأ: "عليهم" بضم الهاء والميم، فإنه حذف الواو استخفافا، واحتمل ~~الضمة قبلها دليلا عليها. # لكن من قال: "عليهمي" بهاء مضمومة وياء بعد الميم ففيه نظر؛ وذلك أنه كره ~~ضمة الهاء وضمة الميم ووقوع الواو من بعد ذلك كما كره في الاسم المظهر وقوع ~~الواو طرفا بعد ضمة، وذلك نحو قولهم في دلو وحقو1: أدل وأحق، وأصلها أفعل ~~أدلو وأحقو، ككلب وأكلب، فأبدلوا من الضمة كسرة تطرقا إلى قلب الواو، فصارت ~~في التقدير: أدلو وأحقو، فقلبت الواو ياء بعذر قاطع؛ وهو وقوع الكسرة ~~قبلها، فصارت أدلي وأحقي، وكذلك أبدلت ضمة الميم من "عليهمو" كسرة فصارت ~~"عليهمو"، فأبدلت الواو ياء للكسرة قبلها؛ فصارت "عليهمي". # وأما "عليهم" بكسرة الميم من غير ياء، فإنه لما كانت الصنعة فيه إنما ~~طريقها الاستخفاف، اكتفي بالكسرة من الياء. # وكذلك من قال: "عليهم" بكسر الهاء مع ضم الميم اكتفي بالضمة من الواو، ~~وقد ذكرناه. # ومن قال: "عليهم" بكسر الهاء والميم من غير ياء، فإنه اكتفى بالكسرة أيضا ~~من ms027 الياء استخفافا، فأما قول الشاعر ورويناه عن قطرب: # فهمو بطانتهم وهم وزراؤهم ... وهم القضاة ومنهم الحكام2 # وروينا عنه أيضا: # ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... هم الناس لما أخصبوا وتمولوا3 ~~PageV01P045 # فقوله: وهم القضاة، ومنهم الحكام، فيتحمل كسر الميم وجهين: # أحدهما: أن يكون حركه لالتقاء الساكنين. # والآخر: أن يكون على لغة من قال "عليهمي"، فحذف الياء لالتقاء الساكنين ~~من اللفظ، وهو ينويها في الوقف. # ووجه ثالث: أن يكون على لغة من قال: "عليهم" بكسر الميم من غير ياء. # وقوله: "هم الناس" يحتمل أيضا هذه الأوجه الثلاثة. # وروينا عن قطرب أيضا: عافكم الله، ففيه أيضا ما فيما قبله، واللغات في ~~هذا ونحوه كثيرة. # ومن ذلك قراءة أيوب السختياني1: "ولا الضألين" بالهمز2. # قال أبو الفتح: ذكر بعض أصحابنا: أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هي ~~بدل من المدة لالتقاء الساكنين، واعلم أن أصل هذه ونحوه: الضاللين، وهو ~~"الفاعلون" من ضل يضل، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير ~~الصور المحتملة في ذلك، فأسكنت اللام الأولى وأدغمت في الآخرة، فالتقى ~~ساكنان: الألف واللام "6ظ" الأولى المدغمة فزيد في مدة الألف، واعتمدت وطأة ~~المد، فكان ذلك نحوا من تحريك الألف؛ وذلك أن الحرف يزيد صوتا بحركاته كما ~~يزيد الألف بإشباع مدته. # وحكى أبو العباس محمد بن يزيد3 عن أبي عثمان4 عن أبي زيد5 قال: سمعت عمرو ~~PageV01P046 # ابن عبيد1 يقرأ: "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن"2، قال أبو زيد: ~~فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب تقول: شأبه ومأده ودأبة، وعليه قول كثير: # إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت3 # وقال: # وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فادهأمت4 # وقد ذكرنا من هذا الضرب في كتابنا الموسوم بالخصائص5 ما فيه كفاية عن ~~غيره. # ومن طريف حديث إبدال الألف همزة ما حكاه اللحياني6 من قول بعضهم في ~~الباز: البأز بالهمزة، ووجه ذلك: أن الألف ساكنة، وهي مجاورة لفتحة الباء ~~قبلها، وقد أرينا في كتاب الخصائص وغيره7 من كتبنا: أن الحرف الساكن إذا ~~جاور الحركة فقد ms028 تنزله العرب منزلة المتحرك بها، من ذلك قولهم في الوقف على ~~بكر: هذا بكر، ومررت ببكر، ألا ترى حركتي الإعراب لما جاورتا الراء صارتا ~~كأنهما فيها. ومنه قوله جرير: # لحب المؤقدان إلي مؤسى8 PageV01P047 # فهمز الواو في الموضعين جميعا؛ لأنهما جاورتا ضمة الميم قبلهما، فصارت ~~الضمة كأنها فيهما، والواو إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، نحو: "أقتت" ~~في "وقتت"1، و"أجوه" في "وجوه"2، ونظائر ذلك كثيرة. # وكذلك الفتحة قبل الألف في باز لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كأنها ~~فيها، والألف إذا حركت همزت على ما ذكرنا في "الضألين" و"جأن"، فهذا وحهه. # فإن قلت: فقد حكي أيضا جمعه بئزان بالهمز، فصارت لذلك كرأل3 ورئلان، فما ~~أنكرت أن يكون ذلك لغة في الباز لا على البدل الذي رمته؟ # قيل: هذا وجه يذهب إلى مثله، لكنا لم نسمع الهمز في هذا الحرف أصلا إلا ~~في هذه الحكاية، والواو فيه هي الشائعة المستفيضة. # حدثنا أبو علي قال: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين4 يقال: بأز، وثلاثة ~~أبواز، فإذا كثرت فهي البيزان. # وقالوا: باز وبواز وبزاة، فباز وبزاة كغاز وغزاة، وهو مقلوب الأصل ~~الأول5، وأنشدنا لذى الرمة: # كأن على أنيابه كل سدقة ... صياح البوازي من صريف اللوائك6 # وقالوا في تصريفه: بزا فلان يبزو إذا غلب، فكأن البازي اسم الفاعل في ~~الأصل، ثم خص به هذا الجارح على وجه التسمية به له، كما أن الصاحب في أصله ~~اسم الفاعل من صحب، ثم خص بالتسمية به، ونسي أصل وصفيته. # وكما أن الوالد كذلك، فقد ترى إلى سعة تصرف هذا الأصل على الواو، ولم ~~نسمع في تصرفه شيئا من الهمز غير هذه الحكاية من هذه الجهة، على ما يقول في ~~صاحبها. "7و" PageV01P048 # وحدثني أبو علي قال: قال أبو بكر1 في نوادر اللحياني: إنه لا يترقى بهما ~~السماع إليه، وعلى أنه قد يمكن في الباز ما ذكرناه فلما سمع فيه بأز ~~بالهمزة أشبه في اللفظ، وإلا فقيل في تكسيره: بئزان، كما قيل: رئلان. # وإذا جاز استمرار البدل في نحو عيد ms029 وأعياد، وإجراؤه مجرى قيل وأقيال مع ~~أن البدل في حرف المد الذي لا يكاد يعتد البدل فيه للضعف، فأن يجوز استمرار ~~هذا في الهمزة لأنها أقوى، فالأمر لذلك فيها أثبت وأحرى وأجدر، ألا ترى ~~أنهم قالوا في تحقير قائم: قويئم، فأثبتوا همزه كما أثبتوا همزة سائل من ~~سأل؟ وقالوا في تحقير أدؤر: أديئر، فأجروها مجرى همزة أرؤس. ولو كان مكان ~~هذه الهمزة واو مبدلة من ياء لما ثبتت، وذلك قولك في تحقير عوطط2: عييطط، ~~ولا تقر الواو وإن كانت عينا. # وكذلك لو كسرت الطوبي والكوسي على فعل، لقلت: الطيب والكيس. # ولو كسرتهما على مثيل حبلى وحبالى لقلت: طيابى وكياسى. # وعلى هذا قالوا في تكسير ريح: أرواح، فلم يحفلوا بانقلاب العين من ريح؛ ~~لأن العمل إنما هو في الواو ليست3 لها عصمة الهمزة. # فأما ما حكي عن عمارة من قوله في تكسير ريح: أرياح، وعلى أن اللحياني ~~أيضا قد حكى هذا، فمردود عندنا، ومنعي عليه في آرائنا. # قال أبو حاتم4 وقد أغلظ في ذلك: أنكرتها على عمارة، قال: فقال لي: قد قال ~~الله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} 5 قال: ولم يعلم عمارة أن الياء في ~~الرياح بعد كسرة، فهذا أمر قاد إليه همز أيوب "الضالين"، وفيه أكثر من هذا، ~~ولولا تنكب الإطالة كراهية الإملال والسآمة لأتينا به، وعلى أنه مثبت في ~~أماكن من تأليفنا وإملائنا. PageV01P049 ### | سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة "أنذرتهم"1 بهمزة واحدة من غير مد. # قال أبو الفتح: هذا مما لا بد فيه أن يكون تقديره: "أأنذرتهم"، ثم حذف ~~همزة الاستفهام تخفيفا؛ لكراهة الهمزتين، ولأن قوله: "سواء عليهم" لا بد أن ~~يكون التسوية فيه بين شيئين أو أكثر من ذلك، ولمجيء "أم" من بعد ذلك أيضا، ~~وقد حذفت هذه الهمزة في غير موضع من هذا الضرب، قال: # فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتوني فقالوا: من ربيعة أم مضر؟ 2 # فيمن قال: أم؛ أي: أمن ربيعة أم مضر؟ # ومن أبيات الكتاب: # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ms030 ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر3 # وقال الكميت: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب؟ 4 # قيل: أراد: أوذو الشيب يلعب؟ # وقالوا في قول الله سبحانه: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} 5 ~~أراد: أوتلك نعمة؟ وقال: # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟ 6 ~~PageV01P050 # "7ظ" يريد: أبسبع؟ # وعلى كل حال فأخبرنا أبو علي قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس؛ ~~وذلك أن الحرف نائب عن الفعل وفاعله، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد ~~نابت "ما" عن "أنفي"، كما نابت "إلا" عن "أستثني"، وكما نابت الهمزة وهل عن ~~أستفهم، وكما نابت حروف العطف عن أعطف، ونحو ذلك. # فلو ذهبت تحذف الحرف لكان ذلك اختصارا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا ~~أنه إذا صح التوجه إليه جاز في بعض الأحوال حذفه؛ لقوة الدلالة عليه. # فإن قيل: فلعله حذف همزة "أنذرتهم" لمجيء همزة الاستفهام، فكان الحكم ~~الطارئ على ما يشبه هذا من تعاقب ما لا يجمع بينه. # قيل: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام على ما أرينا في غير هذا، فيجب أن ~~يحمل هذا عليه أيضا. # وأما همزة أفعل في الماضي، فما أبعد حذفها! فليكن العمل على ما تقدم بإذن ~~الله. # ومن ذلك قراءة أبي طالوت عبد السلام بن شداد1، والجارود ابن أبي سبرة: ~~"وما يخدعون إلا أنفسهم"2 بضم الياء وفتح الدال. # قال أبو الفتح: هذا على قولك: خدعت زيدا نفسه؛ ومعناه عن نفسه، فإن شئت ~~قلت على هذا: حذف حرف الجر، فوصل الفعل؛ كقوله عز اسمه: {واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا} 3 أي: من قومه، وقوله: # أمرتك الخير4 PageV01P051 # أي: بالخير. وإن شئت قلت: حمله على المعنى فأضمر له ما ينصبه، وذلك أن ~~قولك: خدعت زيدا عن نفسه، يدخله معنى: انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا ~~من أسد وأدمث مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام ~~فيأخذه إليه، ويصرفه بحسب ما يؤثره عليه. # وجملته: ms031 أنه متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر، فكثيرا ما يجرى ~~أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال به إليه، ويحتذى في تصرفه حذو ~~صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قوله الله جل ~~اسمه: {هل لك إلى أن تزكى} ؟ 1 وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما ~~دخله معنى: أجذبك إلى كذا وأدعوك إليه، قال: {هل لك إلى أن تزكى} ؟ وعليه ~~قول الفرزدق: # كيف تراني قاليا مجني ... قد قتل الله زيادا عني2 # فاستعمل "عن" هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عني؛ لأنه إذا قتله ~~فقد صرف عنه. # وعليه قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} 3، وأنت لا ~~تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها ومعها، لما كان الرفث بمعنى ~~الإفضاء عدي بإلى كما يعدى أفضيت بإلى، نحو قولك: أفضيت إلى المرأة، وهو ~~باب واسع ومنقاد، وقد تقصيناه في كتابنا "الخصائص"4، فكذلك قوله عز وجل: ~~"وما يخدعون إلا أنفسهم" جاء على خدعته نفسه، لما كان معناه معنى: انتقصته ~~نفسه، أو تخونته نفسه. # ورأيت أبا علي -رحمه الله- يذهب إلى استحسان مذهب الكسائي في قوله "8و": # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجنبي رضاها5 PageV01P052 # لأنه قال: عدى رضيت بعلى، كما يعدى نقيضها وهي سخطت به، وكان قياسه: رضيت ~~عني، وإذا جاز أن يجري الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ. # فهذا مذهب الكسائي، وما أحسنه! وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده، وذلك أنه ~~إذا رضي عنه فقد أقبل عليه، فكأنه قال: إذا أقبلت علي بنو قشير، وهو غور1 ~~من أنحاء العربية طريف ولطيف ومصون وبطين2. # ومن ذلك قال ابن دريد3 عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو: "في قلوبهم ~~مرض"4 ساكنة. # قال أبو الفتح: لا يحوز أن يكون "مرض" مخففا من مرض؛ لأن المفتوح لا ~~يخفف؛ وإنما ذلك في المكسور والمضموم كإبل وفخذ، وطنب وعضد، وما جاء عنهم ~~من ذلك في المفتوح فشاذ لا يقاس عليه، نحو ms032 قوله: # وما كل مبتاع ولو سلف صفقه ... يراجع ما قد فاته برداد5 # يريد: سلف، فأسكن مضطرا، وعلى أننا قد ذكرنا هذا في كتابنا الموسوم ~~"بالمنصف"6، وهو شرح تصريف أبي عثمان، وهذا ونحوه قد جاء في الضرورة، ~~والقرآن يتخير له ولا يتخير عليه. PageV01P053 # وينبغي أن يكون "مرض" هذا الساكن لغة في "مرض" المتحرك؛ كالحلب والحلب، ~~والطرد والطرد، والشل والشلل، والعيب والعاب، والذيم والذام. وقد دللنا في ~~كتابنا الخصائص على تقاود الفتح والسكون، ولأنهما يكادان يجريان مجرى واحدا ~~في عدة أماكن. # منها أن كل واحد منهما قد يفزع ويستروح إليه من الضمة والكسرة، ألا تراهم ~~قالوا في غرفات ونحوها تارة: غرفات بالفتح، وأخرى: غرفات بالسكون، كما ~~قالوا في سدرات تارة: سدرات بالفتح، وأخرى: سدرات بالسكون. # وأجروا أيضا الياء المفتوحة في اقتضائها الإمالة مجرى الياء الساكنة، ~~فأمالوا نحو: السيال1 والصياح، كما أمالوا نحو: شيبان وقيس عيلان، وقالوا: ~~ضرب يدها، فأمالوا فتحة الدال للياء المفتوحة، وقالوا أيضا في تكسير جواد: ~~جياد، فأعلوا العين كما أعلوها في ثوب وثياب، فأجروا "واو" جواد مجرى "واو" ~~ثوب، وقالوا: مرض مرضا فهو مارض، كما قالوا: حرد2 حردا فهو حارد، والفعل ~~كالأصل في مصادر الثلاثية لا سيما في المتعدي منها، والمتعدي أكثر من غير ~~المتعدي؛ فلذلك ساغ فيها فعل. # وإنما كان المتعدي أكثر من غيره من قبل أن الفعل قد يكون حديثا عن ~~المفعول به، نحو: ضرب زيد، كما يكون حديثا عن الفاعل، نحو: قام زيد. فكما ~~لا بد للفعل من الفاعل، فكذلك كثر المتعدي؛ لأن في ذلك تسببا إلى أن يكون ~~الفعل حديثا عن المفعول. # ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر3 وابن أبي إسحاق وأبي السمال4: "اشتروا ~~الضلالة"5. # قال أبو الفتح: في هذه الواو ثلاث لغات: الضم، والكسر، وحكى أبو الحسن ~~فيها الفتح: "اشتروا الضلالة"، ورويناه "8ظ" أيضا عن قطرب، والحركة في ~~جميعها لسكون الواو وما بعدها، والضم أفشى، ثم الكسر، ثم الفتح. ~~PageV01P054 # وإنما كان الضم أقوى لأنها واو جمع، فأرادوا الفرق بينها وبين واو "أو" ~~و"لو"؛ لأن ms033 تلك مكسورة، نحو قول الله سبحانه: {لو اطلعت عليهم} 1، ومنهم من ~~يضمها2، فيقول: "لو اطلعت"، كما كسر أبو السمال وغيره من العرب واو الجمع ~~تشبيها لها بواو "لو". # وأما الفتح فأقلها، والعذر فيه خفة الفتحة مع ثقل الواو، وأيضا فإن الغرض ~~في ذلك إنما هو التبلغ بالحركة لاضطرار الساكنين إليها، فإذا وقعت من أي ~~أجناسها كانت أقنعت في ذلك، كما روينا عن قطرب من قراءة بعضهم: " قم ~~الليل"3 بالفتح، و"قل الحق من ربكم"4، وبع الثوب. قال: وقيس تقول: "اشترءوا ~~الضلالة". قال: وقال بعض العرب: عصئوا الله مهموزة. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وقد ~~كتبنا في هذا بابا كاملا في الخصائص5، وذلك أنه شبه حركة التقاء الساكنين ~~-وليست بلازمة- بالضمة اللازمة في "أقتت" وأدؤر وأجوه، إلا أن همز نحو ~~"اشتروا الضلالة" من ضعيف ذلك. # ولو وقفت مستذكرا وقد ضمت الواو؛ لقلت: اشترووا، ففصلت ضمة الواو، فأنشأت ~~بعدها واوا، كأنك تستذكر "الضلالة" أو نحوها، فتمد الصوت إلى أن تذكر ~~الحرف. ولو استذكرت وقد كسرت لقلت: اشتروي، فأنشأت بعد الكسرة ياء. ولو ~~استذكرت وقد فتحت الوو لقلت: اشتروا6، كما أنك لو استذكرت بعد من، وأنت ~~تريد الرجل ونحوه لقلت: منا؛ لأنك أشبعت فتحة من الغلام، وفي منذ: منذو، ~~وفي هؤلاء: هؤلائي. وحكى صاحب الكتاب: أن بعضهم قال في الوقف: قالا، وهو ~~يريد قال. # وحكى أيضا: هذا سيفني، كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، ~~فأحدث بعده ياء. ولو استذكرت مع الهمز لقلت: اشترءوا، فالواو بعد الهمزة ~~واو مطل الضمة، وليست كواو قولك: اجترءوا، وأنت تريد: افتعلوا من الجرأة. ~~PageV01P055 # ومن ذلك قراءة الحسن وإبي السمال: "وتركهم في ظلمات"1 ساكنة اللام. # قال أبو الفتح: لك في ظلمات وكسرات ثلاث لغات: إتباع الضم الضم، والكسر ~~الكسر، ومن استثقل اجتماع الثقيلين فتارة يعدل إلى الفتح في الثاني يقول: ~~ظلمات وكسرات، وأخرى يسكن فيقول: ظلمات وكسرات، وكل جائز حسن. # فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعا، فتقول: ثمرة ms034 وثمرات، ~~قال: # ولما رأونا باديا ركباتنا ... على موطن لا نخلط الجد بالهزل2 # وقال النابغة: # ومقعد أيسار على ركباتهم ... ومربط أفراس وناد وملعب # وعليه قراءة أبي جعفر3: "من وراء الحجرات"4. # وقال بشر: # حتى سقيناهم بكأس مرة ... مكروهة حسواتها كالعلقم # وقد أسكنوا "9و" المفتوح، وهو ضروة، قال لبيد: # رحلن لشقة ونصبن نصبا ... لوغرات الهواجر والسموم5 # وقال ذو الرمة: # أبت ذكر عودن أحشاء قلبه ... خفوفا ورفضات الهوى في المفاصل6 # روينا ذلك كله، وروينا أيضا أن بعض قيس قال: ثلاث ظبيات، فأسكن موضع ~~العين، وروينا عن أبي زيد أيضا عنهم: شرية وشريات وهو الحنظل، والتسكين ~~عندي في هذا أسوغ منه في نحو رفضات ووغرات، من قبل أن قبل الألف ياء محركة ~~مفتوحا ما قبلها، وهذا شرط اعتلالها بانقلابها ألفا، وتحتاج أن تعتذر من ~~ذلك بأن تقول: # لو قلبت ألفا لوجب حذفها لسكونها وسكون الألف بعدها، وليس في نحو: رفضات ~~ما يوجب الاعتذار من الحركة، وكان رفضات أقرب مأخذا من ثمرات من قبل أن ~~رفضة حدث ومصدر، PageV01P056 # والمصدر قوي الشبه باسم الفاعل الذي هو صفة، والصفة لا تحرك في نحو هذا، ~~نحو: صعبة وصعبات، وخدلة1 وخدلات، ويدلك على قوة شبه المصدر بالصفة وقوع كل ~~واحد منهما موقع صاحبه، وذلك نحو قول الله تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم ~~غورا} 2 أي: غائرا، وقولهم: قم قائما؛ أي: قياما، وعليه قول الفرزدق: # ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائما ومقام # على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ... ولا خارجا من في زور كلام3 # أي: ولا يخرج خروجا. وعليه أيضا كسروا المصدر، وهو فعل عى ما يكسر عليه ~~فاعل في الوصف وهو فواعل. أنشدنا أبو علي: # وإنك يا عم ابن فارس قرزل ... معيد على قيل الخنا والهواجر4 # يريد جمع هجر، فكأنه كسر هاجرا على هواجر. # وأنشدنا أيضا: # فليتك حال البحر دونك كله ... وكنت لقى تجري عليه السوائل5 # يريد السيول جمع سيل، وهو كثير جدا، فكذلك سهل شيئا إسكان نحو: رفضة ~~ووغرة؛ لكونهما حدثين ومصدرين لشبههما بالصفة. ويزيد في ms035 أنسك تسكن عين ما ~~لامه حرف علة لما تعقب من الاعتذار من تحريك عينه، امتناعهم من تحريك العين ~~في فعلة إذا كانت حرف علة، وذلك نحو: جوزات ولوزات وبيضات، ألا ترى أنه لو ~~حرك فقال: جوزات وبيضات؛ لوجب أن يعتذر من صحة العين مع حركتها وانفتاح ما ~~قبلها بأن يقول: لو أعللت لوجب القلب، فأقول: جازات وباضات؛ فيلتبس ذلك بما ~~عينه في الواحد ألف منقلبة نحو: قارة6 وقارات، وجارة PageV01P057 # وجارات. # وإذا جاز إسكان العين الصحيحة، نحو: تمرات وشعرات؛ صار المعتل أحرى ~~بالضمة. نعم، وربما جاء الفتح في العين إذا كانت واوا أو ياء كما قال ~~الهذلي: # أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسع المنكبين سبوح1 # وعذره في ذلك: أن هذه الحركة إنما وجبت في الجمع، وقد سبق العلم بكونها ~~في الواحد ساكنة، فصارت الحركة في الجمع "9ظ" عارضة فلم تحفل، وفي هذا بعد ~~هذا ضعف، ألا ترى أن هذه الألف والتاء تبنى الكلمة عليهما، وليستا في حكم ~~المنفصل؟ يدلك على ذلك صحة الواو في خطوات وكسوات، ولو كانت الألف والتاء ~~في ذلك في حكم المنفصل لوجب إعلال الواو؛ لأنها لام وقبلها ضمة، كما أنك لو ~~بنيت فعلة على التذكير من غزوت لأعللت اللام فقلت: غزية، حتى كأنك نطقت ~~بفعل منه فقلت: غز. # ولو بنيتها على التأنيث لصحت اللام فقلت: غزوة، فعليه قلت: خطوات؛ لأنه ~~مبني على التأنيث، ولو كان على التذكير قلت: خطيات، كما قلت: غز في فعل من ~~الغزو. # قال أبو علي: يدلك على أن الكلمة مبنية على الألف والتاء اطراد إتباع ~~الكسر للكسر في سدرات وكسرات مع عزة فعل في الواحد، وإنما حكى سيبويه منه: ~~إبل لا غير، وهو كما ذكر2، إلا أن مما يؤنس بكون حركة العين غير ملازمة ما ~~رويناه عن قطرب فيما حكاه عن يونس من قوله في جروة: إذا قلت جروات فصحة ~~الواو وهي لام بعد الكسرة تدلك على قلة الاعتداد بها، وعلى ذلك أن يقال: إن ~~هذا شاذ، يدل على شذوذه امتناعهم أن يحركوا ms036 عين كلية ومدية، وأن يقولوا: ~~كليات ومديات؛ لما كان يعقب ذلك من وجوب قلب الياء إلى الواو، فدلنا ذلك ~~على أن نحو جروات شاذ. # وبإزاء هذا أن يقال: هلا قلبوا فقالوا: كلوات ومدوات، كما أنهم لو بنوا ~~مثل فعلة من قضيت ورميت على التأنيث قلبوا فقالوا: رموة وقضوة، فهذه أشياء ~~تراها متكافئة أو كذلك، وعلى كل حال فالاختيار خطوات بالإسكان، ألا ترى أن ~~الألف والتاء وإن بني الاسم عليهما فإن الجمع على كل حال خارج من الواحد ~~الذي هو الأصل، فمعنى الفرعية موجود في الجمع PageV01P058 # بتلفته إلى الواحد، وليست فعلة إذا بنيت على التأنيث مما خرج عن تذكيره ~~فيراعى فيه حكمه، كما روعي في الألف والتاء حكم الواحد، فاعرفه فصلا. # ومن ذلك ما حكاه الفراء عن بعض القراء فيما ذكر ابن مجاهد "يخطف"1 بنصب ~~الياء والخاء والتشديد. قال ابن مجاهد: ولم يرو لنا عن أحد. # قال أبو الفتح: أصله يختطف، فآثر إدغام التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج ~~واحد، ولأن التاء مهموسة والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتا من المهموس، ~~ومتى كان الإدغام يقوي الحرف المدغم حسن ذلك؛ وعلته أن الحرف إذا أدغم خفي ~~فضعف، فإذا أدغم في حرف أقوى منه استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم فيه ~~فقوي لقوته، فكان في ذلك تدارك وتلاف لما جني علي الحرف المدغم؛ فأسكن ~~التاء لإدغامها والخاء قبلها ساكنة، فنقلت الحركة إليها، وقلبت التاء طاء ~~وأدغمت في الطاء؛ فصارت "يخطف". # ومنهم من إذا أسكن التاء ليدغمها كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى ~~بحركتها عن نقل الحركة إليها، فيقول: يخطف. # ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعا لكسرة فاء الفعل ما بعده فيقول: يخطف، ~~وأنا إخطف، وأنشدو لأبي النجم: "10و" # تدافع الشيب ولم تقتل2 # أراد تقتتل، فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف6 لالتقاء الساكنين ~~بالكسر فصار تقتل، ثم أتبع أول الحرف ثانيه فصار تقتل. # وعلى هذا قالوا في ماضيه: خطف، وأصلها اختطف، فأسكن التاء للإدغام ~~فانكسرت الخاء لسكونها وسكون التاء، فحذف همزة الوصل لتحرك الخاء بعدها، ~~وأدغمت ms037 التاء في الطاء فصار "خطف". PageV01P059 # ومنهم من يتبع الطاء كسرة الخاء فيقول: خطف، وأنشدونا: # لا حطب القوم ولا القوم سقى1 # أراد: احتطب على ما مضى. # وحكى أبو الحسن عنهم: فتحوا الأبواب؛ أي: افتتحوا، على ما تقدم. # وكذلك الكلم في قوله: يهدي ويهدي ويهدي2، وجاء المعذورن والمعذرون ~~والمعذورن3، ومردفين ومردفين ومردفين4، تتبع الضم الضم، كما أتبعت الكسر ~~الكسر. وأصله كله: المعتذرون ومرتدفون، وهو باب منقاد، وهذه طريقه. # ومن بعد فيسأل فيقال: ما مثال "يخطف"؟ # قيل: إن أردت الأصل فيفتعل؛ أي: يختطف، وإن أردت اللفظ ففيه الصنعة وعليه ~~المسألة، فوزنه: يفطعل، وذلك أن التاء في يفتعل زائدة، فكما أنها لو ظهرت ~~لكانت زائدة فكذلك إذا أبدلت فالبدل منها زائد؛ لأن البدل من الزائد زائد، ~~ألا ترى أن الطاء من "اصطبر" بدل من التاء في "اصتبر" الذي هو افتعل؟ فكما ~~أن التاء زائدة فكذلك ما هو بدل منها -وهو PageV01P060 # الطاء- زائد، فوزن اصطبر على أصله: افتعل، وعلى لفظه: افطعل، فكذلك وزن ~~"يخطف" من الفعل على لفظه: يفطعل، فإذا ثبت ذلك -وقد ثبت بحمد الله- فوزن ~~خطف: فطعل، ووزن تقتل: تفعتل، ووزن مردفين: مفدعلين؛ لأن الدال فيه بدل من ~~التاء الزائدة، فهي زائدة من هذا الوجه، كما كانت الطاء في خطف زائدة من ~~هذا الوجه. # وكذلك لو قائل: ما مثل "ازينت"1 على أصله؟ # قلت: تفعلت؛ أي: تزينت، وعلى لفظه: ازفعلت. # وكذلك قالوا: "اطيرنا"2 ووزنه: اطفعلنا، وكذلك قول العجلي: # من عبس الصيف قرون الإجل3 # يريد الإيل، فإن اعتقدت أنه فعول أو فعيل في الأصل فوزنه بعد البدل: ~~فعجل؛ لأن الجيم على هذا بدل من واو فعول أو ياء فعيل، وهما زائدتان، فهي ~~زائدة، فاعرف ذلك وقسه. # قال ابن مجاهد: وحكى الفراء أن بعض أهل المدينة يسكن الخاء والطاء ويشدد ~~فيجمع بين ساكنين. # قال ابن مجاهد: ولا نعلم أن هذه القراءة رويت عن أهل المدينة. # قال أبو الفتح: هذا الذي يجيزه الفراء من اجتماع ساكنين في نحو هذا لا ~~يثبته أصحابنا؛ PageV01P061 # وإنما هو اختلاس وإخفاء عليهم فيرون أنه ms038 إدغام، وإنما هو إخفاء للحركة ~~وإضعاف للصوت، وهذا كما يروى في قوله: # ومسحه مر عقاب كاسر1 # أن الحاء مدغمة في الهاء، ويا ليت شعري كيف يجوز لذي نظر أو من يخلد ألى ~~أدني تفكير أن يدعي أن هنا "10ظ " إدغاما، أو أن تجمع بين ساكنين، وقد قابل ~~به جزء التفعيل، وإذا وقع التحاكم إلى بديهة الحس؛ فقد سقطت كلفة إتعاب ~~النفس، ألا ترى أن وزن قوله: "ومسحهي" مفاعلن، فالحاء مقابل بها عين "علن"، ~~والعين أول الوتد، وهي كما ترى وتعلم محركة، أفيقابل في الوزن الساكن ~~بالمتحريك؟ وإذا أفضى الأمر في السفور إلى هاهنا حسر شبهة اللبس والعناء، ~~وقد قلنا في كتابنا الموسوم "بسر الصناعة "2 في هذا ما فيه كفاية وغناء. # قال ابن مجاهد: وقد روي عن مجاهد والحسن "يخطف"، ولم يبلغنا أن أحدا قرأ ~~"خطف" بفتح الطاء، فيقرأ هذا الحرف يخطف، وأحسب أن هذا غلط ممن رواه. # قال أبو الفتح: قد قلنا في كتابنا الموسوم "بالمنصف" وهو شرح تصريف عثمان ~~في نحو هذا من قوله: # وما كل مبتاع ولو سلف صفقه ... يراجع ما قد فاته برداد3 # فإذا تأملته أغنى عن إعادته إن شاء الله، وجملته: أن يكون استغني بخطف عن ~~خطف في الماضي، وجاء المضارع عليه كما أن قوله: "سلف" يكون مسكنا من "سلف" ~~وإن لم يستعمل؛ استغناء بسلف عنه، وقد شرحناه هناك فتركناه هنا. ~~PageV01P062 # ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف ومجاهد وطلحة بن مصرف1 وعيسى الهمداني2: ~~"وقودها الناس"3. # قال أبو الفتح: هذا عندنا على حذف المضاف؛ أي: ذو وقودها، أو أصحاب ~~وقودها الناس؛ وذلك أن الوقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس؛ لكن قد ~~جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر؛ لقولهم: وقدت النار وقودا، ومثله: أولعت ~~به ولوعا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ، والباب هو الضم. # وكان أبو بكر يقول في قولهم: توضأت وضوءا: إن هذا المفتوح ليس مصدرا؛ ~~وإنما هو صفة مصدر محذوف، قال: وتقديره: توضأت وضوءا وضوءا؛ لقولك: توضأت ~~وضوءا حسنا؛ لأن الوضوء عنده صفة من ms039 الوضاءة. # وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: رجل ساكوت بين الساكوتة، فقال: قياس ~~مذهب أبي بكر في الوضوء أن يكون هذا على أنه أراد رجل ساكوت بين السكتة ~~الساكوتة. # وعليه قولهم فيما حكاه الأصمعي: رجل بين الضارورة؛ أي: بين الضرة، أو ~~المضرة الضارورة. # وأما قولهم: لص بين اللصوصية، وحر بين الحروية، وخصصته بالشيء خصوصية، ~~فإن شئت قلت: هو على مذهب أبي بكر لص بين اللصة اللصوصية، والخصة الخصوصية، ~~والحرية الحرورية. # وإن شئت قلت غير هذا؛ وذلك أن ما لا يجيء من الأمثلة بنفسه قد يجيء إذا ~~اتصلت ياء الإضافة به، وذلك كقول الأعشى: # وما أيبلي على هيكل ... بناه وصلب فيه وصارا4 PageV01P063 # فأيبلي كما ترى فيعلي، ولولا ياء الإضافة لم يجز ذلك، ألا ترى أنه لم يأت ~~عنهم فيعل؟ وكذلك قولهم في الإضافة إلى تحبة: تحوي، ومثاله: تفلي. وليس في ~~كلامهم اسم على تفل، فكذلك جاز خصوصية وأختاها، هذا مع ما حكي "11و" عنهم ~~من القبول والوضوء والولوع والوقود، فإذا جاء هذا المثال في المصدر من غير ~~أن تصحبه ياء الإضافة فهو بأن يأتي معهما أجدر. # ومن ذلك قراءة رؤبة: "مثلا ما بعوضة"1 بالرفع. # قال ابن مجاهد: حكاه أبو حاتم عن أبي عبيدة عن رؤبة. # وقال أبو الفتح: وجه ذلك: أن "ما" هاهنا اسم بمنزلة الذي؛ أي: لا يستحيي ~~أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ. # ومثله قراءة بعضهم: "تماما على الذي أحسن"2 أي: على الذي هو أحسن. # وحكى صاحب الكتاب عن الخليل: ما أنا بالذي قائل لك شيئا؛ أي: الذي هو ~~قائل لك شيئا. # وعليه قوله: # لم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقبها3 # أي: ينسون الذي هو عواقبها، وحذف الضمير من هنا ضعيف؛ لأنه ليس فضلة ~~كالهاء في نحو قولك: ضربت الذي كلمت؛ أي: كلمته. # وإن شئت كان تقديره: ينسون أي شيء عواقبها؟ فتكون ما استفهاما، وعواقبها ~~خبرا عنها، والجملة في موضع نصب بينسون، وجاز فيها التعليق؛ لأنها ضد ms040 ~~يذكرون ويعلمون، فيجري مجرى قولك: لا تنس أينا أحق بكذا، وأتذكر أزيد أفضل ~~أم عمرو؟ # ومن ذلك قراءة يزيد البربري: "وعلم آدم الأسماء كلها"4. PageV01P064 # قال أبو الفتح: ينبغي أن يعلم ما أذكره هنا؛ وذلك أن أصل وضع المفعول أن ~~يكون فضلة وبعد الفاعل؛ كضرب زيد عمرا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على ~~الفاعل، فقالوا: ضرب عمرا زيد، فإن ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل ~~الناصبه، فقالوا: عمرا ضرب زيد، فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب ~~الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد، فجاءوا به مجيئا ~~ينافي كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد، فحذفوا ~~ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره؛ رغبة به عن صورة الفضلة، وتحاميا ~~لنصبه الدال على كون غيره صاحب الجملة، ثم إنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة ~~حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو ~~مضمرا، فقالوا: ضرب عمرو، فاطرح ذكر الفاعل ألبتة. نعم، وأسندوا بعض ~~الأفعال إلى المفعول دون الفاعل ألبتة، وهو قولهم: أولعت بالشيء، ولا ~~يقولون: أولعني له كذا، وقالوا: ثلج فؤاد الرجل، ولم يقولوا: ثلجه كذا، ~~وامتقع لونه، ولم يقولوا: امتقعه كذا، ولهذا نظائر، فرفض الفاعل هنا ألبتة ~~واعتماد المفعول به ألبتة دليل على ما قلناه، فاعرفه. # وأظنني سمعت: أولعني1 به كذا، فإن كان كذلك فما أقله أيضا! # وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة؛ وإنما كانت كذلك لأنها تجلو2 ~~الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها، ألا ترى أنك إذا قلت: رغبت في زيد، أفيد ~~منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: رغبت عن زيد، أفيد منه اطراحك له، ~~وإعراضك عنه، ورغبت في الموضعين بلفظ واحد "11ظ"، والمعنى ما تراه من ~~استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت، وهذا الذي دعاهم إلى تقديم الفضلات في ~~نحو قول الله سبحانه: {ولم يكن له كفوا أحد} 3، وإنما موضع اللام التأخير؛ ~~ولذلك قال سيبويه: إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هي في المصحف ms041 يقرؤها: "ولم ~~يكن كفوا له أحد"4. # فإن قلت: فقد قالوا: زيدا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا ~~يشغل الفعل PageV01P065 # بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه، ومع هذا فالرفع فيه أقوى وأعرب، وهذا ~~ضد ما ذكرته من جعلهم إياه رب الجملة ومبتدأها في قولهم: زيد ضربته. # قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فإن فيه غرضا من موضع آخر؛ وذلك أنه إذا ~~نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به، وهو تقديمه في اللفظ ~~منصوبا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما ~~والفعل الناصب له لا يظهر أبدا مع تفسيره، فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو ~~الذي نصبه، وكذلك يقول الكوفيون أيضا. # فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، ~~وبنوا الفعل لمفعوله فقالوا: ضرب زيد -حسن. # قوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" لما كان الغرض فيه أنه قد عرفها ~~وعلمها، وآنس أيضا علم المخاطبين بأن الله سبحانه هو الذي علمه إياها ~~بقراءة من قرأ: {وعلم آدم الأسماء كلها} ، ونحوه قوله تعالى: {إن الإنسان ~~خلق هلوعا} 1، وقوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} 2، هذا مع قوله: {خلق ~~الإنسان من علق} 3، وقال سبحانه: {خلق الإنسان، علمه البيان} 4، وقال تبارك ~~اسمه: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} 5. # فقد علم أن الغرض بذلك في جميعه أن الإنسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم: ~~ضرب زيد، إنما الغرض منه أن يعلم أنه منضرب، وليس الغرض أن يعلم من الذي ~~ضربه، فإن أريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلا بد أن يذكر الفاعل فيقال: ضرب ~~فلان زيدا، فإن لم يفعل ذلك كلف علم الغيب. # ومن ذلك قراءة الحسن رحمه الله: "أنبهم"6 بوزن أعطهم، وروي عنه: "أنبيهم" ~~بلا همز، وروي عن ابن عامر: "أنبئهم" بهمز وكسر الهاء. قال ابن مجاهد: وهذا ~~لا يحوز. # قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: "أنبهم" كأعطهم، فعلى إبدال الهمزة ياء ~~على أنه يقول: أنبيت كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، ms042 ~~والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. PageV01P066 # وحدثنا أبو علي قال: لقي أبو زيد سيبويه فقال: سمعت العرب تقول: قريت ~~وتوضيت، فقال له سيبويه: فكيف تقول في المضارع؟ قال: أقرأ. هذا آخر الحكاية ~~عن أبي علي1. # وزاد أبو العباس محمد بن يزيد فيها: فقال له سيبويه: فقد تركت إذن مذهبك. # ونحوه قراءة: "أن تبويا"2. # ويجوز على هذه القراءة "أنبهم" على أصل حركة الهاء وهو الضم؛ كقراءة من ~~قرأ: "فخسفنا بهو وبدارهو الأرض"3. # وأما قراءته على الرواية الأخرى: "أنبيهم" فهو على قياس التخفيف الصريح، ~~ولك في هذه الهاء على "12و" هذه القراءة الضم والكسر. # أما الضم4 فمن وجهين: # أحدهما: وهو الأظهر؛ إخراجها على الأصل فيه. # والآخر: وفيه الصنعة؛ وهو أن هذه الياء ليست بلازمة؛ وإنما اجتلبها تخفيف ~~الهمزة؛ وذلك أن الهمزة إذا سكنت مكسورا ما قبلها فتخفيفها القياسي أن ~~تخلصها في اللفظ ياء، وذلك قولك في ذئب: ذيب، وفي بئر: بير، فقوله: ~~"أنبيهم" بياء ساكنة ينبغي أن يكون على التخفيف القياسي، لا على أنه أبدل ~~الهمزة ياء إبدالا مستكرها على حد قولهم في البدل: قريب كأعطيت، فإنما كان ~~ذلك كذلك من قبل أنه لو أبدل لكان قد أخرج الهمزة على أصلها إلى ذوات ~~الياء، ولو كان فعل ذلك لوجب حذفه كما تحذف لام: أعطيت وأغزيت للوقف ~~والجزم، كما حذفها في القراءة الأخرى لما أبدل فقال: "أنبهم"، ولو اعتقد ~~أنه قد أبدل ألبتة لما جاز إثبات الياء في موضع الوقف، كما لا يجوز: أعطيهم ~~ولا أغزيهم، إلا أن يحمل ذلك على الضرورة، وإثبات الياء في موضع الجزم ~~والوقف؛ كقوله: # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد 5 PageV01P067 # فإن فعل ذلك ففيه على هذا ضرورتان: # إحداهما: الإبدال، ولا ضرورة إليه. # والآخر1: إثبات حرف العلة في موضع الوقف، وذلك ضرورة أفحش من الأولى؛ ~~لكثرة الإبدال على قبحه، وقلة إثبات حرف اللين في موضع الوقف؛ لكن إذا ~~اعتقد أنه خفف لم يكن في هذه القراءة ضرورة ألبتة، وفي هذا كاف. # وإذا كان ms043 "أنبيهم" إنما هو على التخفيف القياسي، فكأن الهمزة حاضرة لأنها ~~هي الأصل؛ إذ كان التخفيف له أحكام التحقيق، ألا ترى إلى صحة الواو والياء ~~في تخفيف ضوء وفيء؛ وذلك قولك: هذا ضو وفي ونو وشي، بضمة الواو والياء مع ~~تحركهما وانفتاح ما قبلهما، وترك قبلهما ألفين لذلك يدل على أن الواو ~~والياء لما تحركتا بحركة الهمزة المحذوفة للتخفيف كانتا لذلك في حكم ~~الساكنين، فكما تصحان هنا سكانتين في ضوء ونوء وفيء وشيء، كذلك صحتا ~~متحركتين في ضو ونو وشي، وعلى ذلك صحت الواو والياء أيضا في تخفيف نحو: ~~جيئل2 وحوءب3 إذا خففت فقلت: جيل وحوب، فكما تكون الياء مضمومة مع التحقيق ~~في قوله: "أنبئهم"، فكذلك تكون مضمومة مع التخفيف في قولك: "أنبيهم"؛ لما ~~بيناه من أن حكم الهمزة المخففة حكم المحققة. # وسألت أبا علي -رحمه الله- فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم فقال: ~~في تخفيف الأحمر: لحمر، أيجوز له على هذا أن يقلب الواو والياء في حوب وجيل ~~ألفا، فيقول: حاب وجال؟ فقال: لا، وأومأ إلى أن حكم القلب أقوى من حكم ~~الاعتداد بالحركة في لحمر؛ أي: فلا يبلغ في الجواز ذلك لشناعته، وهو كما ~~ذكر. # وقد يجوز عندي في قراءة الحسن -رحمه الله- هذه أن يكون أراد "أنبهم" ~~كقراءته في الأخرى، إلا أنه أشبع الكسرة فأنشأ عنها ياء، فقال: "أنبيهم"، ~~كما قد يجوز ذلك في قوله: "ألم "12ظ" يأتيك"؛ فإنه أشبع الكسرة فمطها، ~~فبلغت ياء، وعليه الرواية PageV01P068 # الأخرى التي ذكرها أبو الحسن وهي قوله: "ألم يأتك"، وعليه أيضا ما وجه ~~بعضهم قوله: # كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا1 # قال: أراد لم تر، ثم أشبع الفتحة فأنشا عنها ألفا. # فإذا جاز ذلك ساغ الضم في الهاء أيضا على أصل ضمتها. # فإن قلت: فهل يجوز أن تقول: إنه لم يعتدد بالياء لما كانت زائدة مجتلبة ~~للإشباع، فجرت لذلك مجرى ما ليس موجودا، كما أن من مد "أوائل" إتباعا كما ~~ترى، على حد قوله: # نفي الدنانير تنقاد الصياريف2 # قال على هذا: أوائيل، أقر ms044 الهمزة بحالها بدلا من واو أواول؛ لبعدها من ~~الطرف بالياء الحاجزة؛ لأن هذه الياء لحق3 ونيف مجتلبة للإشباع، وليست لها ~~عصمة ولا مسكة، فجرت مجرى المنفردة ألبتة، كما يهمز فيقول: أوائل، فكذلك ~~يهمز، فتقول: أوائيل، ولا يحفل بالياء حاجزا لما ذكرنا، ولا يجرى عندي مجرى ~~ياء طواويس ونواويس؛ إذ كانت الياء هناك ثابتة القدم؛ لكونها بدلا من واو ~~ناووس وطاووس الثانية؟ # فالجواب: أنه إن ذهب إلى هذا على ما رمته كسر الهاء أيضا؛ وذلك أن أقصى ~~ما في PageV01P069 # هذا أن تكون الياء في "أنبيهم" مدة إشباعا لا حكم لها، فكأنها ليست هناك، ~~وإذا لم تكن هناك كسرة الياء -وهي تدعو إلى كسر الهاء- فعلى أي الوجهين ~~حملته، فكسر الهاء هو الكلام. # وأما حديث كسرها من القسمة الأولى1 -وأنت تنوي بأنبيهم التخفيف القياسي- ~~فهو على معاملة اللفظ؛ وذلك أن الملفوظ به الآن وإن كان تخفيفا إنما هو ~~الياء ألبتة، فعومل لفظها معاملة نحوه ونظيره، فكسرت الهاء مع هذه الياء ~~كما تكسر في نحو: عليهم وإليهم، كما أن قول الله عز وجل: {لكنا هو الله} 2 ~~أصله: لكن أنا، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على النون فانفتحت، فصارت في ~~التقدير: "لكننا"، فلما التقى الحرفان المثلان متحركين كره ذلك، وإن كانت ~~حركة النون الأولى غير لازمة من حيث كانت من أعراض التخفيف، وأجريت مجرى ~~اللازمة، فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية؛ حملا على حاضر الحال وإجراء غير ~~اللازم مجرى اللازم3. # وقد كتبنا في الخصائص بابا مفردا في إجراء العرب غير اللازم مجرى اللازم، ~~وإجراء اللازم مجرى غير اللازم، فاكتفينا به عن إعادته؛ لئلا يطول هذا ~~الكتاب4. # نعم، وإذا كانت العرب قد أجرت الحرف الصحيح في نحو هذا مجرى ما لا يعتد ~~به حتى لم يحفلوا بلفظ، نحو قولهم: منهم واضربهم، فأن يجروا الياء الساكنة ~~مجرى ذلك لخفائها، ولأن لفظها نفسها داع إلى الكسر -أجدر. # وأما الرواية عن ابن عامر: أنبئهم" بالهمز وكسر الهاء، فطريقه أن هذه ~~الهمزة ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين عندهم، فكأنه لا همزة هناك ms045 أصلا، ~~وكأن كسرة الباء على هذا مجاورة للهاء، فلذلك كسرت "13و" فكأنه على هذا ~~قال: "أنبهم". # ويدل على ما ذكرناه من ضعف الساكن أن يكون حاجزا حصينا قولهم: قنية5، وهي ~~وهي من قنوت، وصبية وهي من صبوت، وعلية وهي من علوت، وعذي6 وهو من قولهم: ~~أرضون عذوات، وبلي سفر لقولهم في معناه: بلو، وهو من بلوت، ومنه ناقة ~~عليان7 وهي من علوت، ودبة8 مهيار وهو من تهور، وفلان قدية في هذا الأمر وهو ~~من القدوة، وأصله PageV01P070 # كله: قنو، وصبوة، وعلوة، وعذو، وبلو سفر، وناقة علوان، ودبة مهوار، فقلبت ~~الواو في ذلك كله للكسرة قبلها، ولم يعتدد الساكن بينهما حاجزا لضعفه، فكأن ~~الكسرة تباشر الواو فتقلبها لذلك ياء، كما تقلبها لو لم تجد بينهما حاجزا، ~~فكذلك الهمزة في "أنبئهم" لا تحجز على هذا النحو الذي ذكرناه. # وروينا عن أبي زيد فيما أخذناه عن أبي علي، وعن غير أبي زيد: منهم ومنه ~~ومنكم وبكم، وأجرى كاف المضمر مجرى هائه، وسترى هذا فيما بعد إن شاء الله. # فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز لأوجه له؛ لما شرحناه من ~~حاله. # ورحم الله أبا بكر؛ فإنه لم يأل فيما علمه نصحا، ولا يلزمه أن يري غيره ~~ما لم يره الله تعالى إياه، وسبحان قاسم الأرزاق بين عباده، وإياه نسأل ~~عصمة وتوفيقا وسدادا بفضله. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "للملائكة اسجدوا"1. # قال أبو الفتح: هذا ضعيف عندنا جدا؛ وذلك أن "الملائكة" في موضع جر، ~~فالتاء إذن مكسورة، ويجب أن تسقط ضمة الهمزة من "اسجدوا" لسقوط الهمزة أصلا ~~إذا كانت وصلا، وهذا إنما يجوز ونحوه إذا كان ما2 قبل الهمزة حرف ساكن ~~صحيح، نحو قوله عز وجل: "وقالت اخرج"3، وادخل ادخل، فضم لالتقاء الساكنين ~~لتخرج من ضمة إلى ضمة، كما كنت تخرج منها إليها في قولك: اخرج. # فأما ما قبل همزته هذه متحرك -ولا سيما حركة إعراب- فلا وجه لأن تحذف ~~حركته ويحرك بالضم، ألا تراك لا تقول: قل للرجل ادخل، ولا: قل ms046 للمراة ~~ادخلي؛ لأن حركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغة ضعيفة، وهي ~~قراءة بعض البادية: "الحمد لله" بكسر الدال، ونحو منه ما حكاه لي أبو علي: ~~أن أبا عبيدة حكاه من قول بعضهم: دعه في حرمه، فحذف كسرة راء "حر"، وألقى ~~عليها ضمة همزة أمه، وهذا عندنا على شذوذه أعذر من قوله: "للملائكة ~~اسجدوا"؛ وذلك أنه خفف همزة تثبت في الوصل وهو قولك: في هن أمه، فإذا كانت ~~تثبت في الوصل جاز تخفيفها فيه؛ بل لا يكون التخفيف بإلقاء الهمزة ونقل ~~الحركة إلا في الوصل، وليس فيه إلا شيء واحد؛ وهو حذفه حركة الإعراب لحركة ~~غير ملازمة؛ وإنما هي للهمزة. PageV01P071 # وأما قوله: "للملائكة اسجدوا" فإن همزة "اسجدوا" يحذفها في الواصل ألبتة، ~~وإذا كانت محذوفة ألبتة لم يكن إلى تخفيفها سبيل؛ لأن الوصل يستهلكها أصلا، ~~فحركة ماذا -يا ليت شعري! - تنقل وقد حذف المتحرك بحركته أصلا فلم يبق إلا ~~الإتباع، وحركة الإتباع لا تبلغ مبلغ حركة تخفيف الهمز؛ من حيث كانت "13ظ" ~~حركة الهمزة موجودة فيها في الابتداء والوصل جميعا، فعلمت بذلك قوتها، ~~وحركة الإتباع تجري مجرى الصدى الذي لا اعتداد به، ولا هو عندهم مما يعقد ~~على مثله، فإذا ضعفت الحركة القوية فما ظنك بالحركة الضعيفة؟ # ونحو من هذه الحكاية عن أبي عبيدة: مارواه أحمد بن يحيى: قال: كنا عند ~~سعيد بن سلم1 أنا وابن الأعرابي فخرجا لصلاة العصر، وتأخرت لتجديد الطهر ~~بعدهما، فلما خرجت قال لي ابن الأعرابي: أين أنت؟ ألا تسمع لهذا؟ قلت: ما ~~هو؟ وإذا أبو سرار الغنوي يتحدث، قال: # كنت أحضر العراق فإذا أردت أهلي وقد اشتريت منها وتبتت2 أجتاز بامرأة ~~عجوز لها بنيات، فإذا نزلت عليها بهشن3 إلي وأطفن بي، فأفرز لهن مما اشتريت ~~شيئا أدفعه إليهن، فغبرت زمانا، ثم جئت العجوز فوجدتها غائبة عن بيتها، ~~وإذا أولئك الجواري قد صرن نساء، فبهشن إلي على عادتهن، وجاءت العجوز ~~فوجدتني خاليا معهن، فقالت: ما هذا؟ أفي السوتنتنه؟ أفي السوتنتنه؟ فقلت: ~~وما في هذا؟ أردات: ms047 أفي السوءة أنتنه؟ فحذفت الهمزة من السوءة تخفيفا، ~~وألقت حركتها على الواو فانفتحت الواو، وألقت حركة الهمزة في أنتنه على ~~كسرة التاء من السوءة فانفتحت، وحذفت همزة أنتنه فصارت: أفي السوتنتنه؟ 4 # هكذا قال أحمد بن يحيى على كسرة التاء، وله وجه، إلا أنه مع هذا ضعيف؛ ~~وذلك أن هذه الهمزة إذا خففت فحذفت، وألقيت حركتها على ما قبلها، لم يكن ~~ذلك الذي قبلها إلا ساكنا، نحو قوله تعالى في قراءة ورش عن نافع: "قد افلح ~~المومنون"5، "والارض". # وحكى أبو زيد في خبأة6: انه سمع بعضهم يقرأ: "ويمسك السماء أن تقع ~~علرض"7، يريد: على PageV01P072 # الأرض، فحذفت همزة أرض تخفيفا، وألقي حركتها على اللام وهي ساكنة كما ~~ترى، فصارت عللرض، فكره اجتماع اللامين متحركتين، فأسكن اللام الأولى ~~وأدغمها في الثانية فصارت "علرض"، كما أسكن أبو عمرو: "لكن نا" حتى صار ~~لذلك "لكنا"، فهذا التحفيف مع النقل إنما يكون إذا كان الأول الملقي عليه ~~ساكنا، فأما إذا كان متحركا فقد حمته حركته أن يقبل حركة أخرى غيرها. # والتاء من السوءة محركة، فكيف يمكن إلقاء الحركة عليها مع وجود حركتها ~~فيها؟ وعليه قراءة الكسائي فيما حدثنا به أبو علي سنة إحدى وأربعين: "بما ~~أنزليك1" قياسا -فيما قال أبو علي- على لكنا. # قال أبو علي ما نحن عليه ونعى هذه القراءة، وقال لحركة لام أنزل: فإذا ~~قبح ذلك مع أن حركة اللام بناء، فما الظن بما حركته إعراب، وحرمة الإعراب ~~أقوى من حرمة البناء، فالجناية إذن عليها فوقها عليها. # وقول أحمد بن يحيى: إنه ألقى فتحة أنتنه على كسرة الهاء، طريقه: أنه لما ~~نقل فتحة همزة أنتن إلى ما قبلها صادفت كسرة السوءة على شناعة النقل مع ~~ذلك، فهجمت الفتحة على الكسرة فابتزتها موضعها، وكلا القولين خبيث وضعيف، ~~وعلى أننا قد أفردنا في كتاب الخصائص بابا لهجوم الحركات "14و" على ~~الحركات، مختلفات كن أو متفقات2؛ لكنه ليس على هذا الذي كرهناه واستضعفناه. # فهذا كله يشهد بضعف قوله: "قلنا للملائكة اسجدوا". وفيه أكثر من هذا، ~~ولولا ms048 تحامي الإملال لجئنا به، وفيما أوردناه كاف مما حذفناه. # ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو عن "الشجرة"3 فكرهها، وقال: يقرأ بها ~~برابر مكة وسودانها. PageV01P073 # وقال هارون الأعور عن بعض العرب: تقول الشجرة، وقال ابن أبي إسحاق: لغة ~~بني سليم الشجرة. # قال أبو الفتح: حكى أبو الفضل الرياشي قال: كنا عند أبي زيد وعندنا ~~أعرابي فقلت له: إنه يقول الشيرة، فسأله فقالها، فقالت له: سله عن تصغيرها، ~~فسأله فقال: شييرة. # وأنشد الأصمعي لبعض الرجاز في أرجوزة طويلة: # تحسبه بين الإكام شيرة1 # وإذا كانت الياء فاشية في هذا الحرف -كما ترى- فيجب أن تجعل أصلا يساوق ~~الجيم، ولا تجعل بدلا من الجيم، كما تجعل الجيم بدلا من الياء في قولهم: ~~رجل فقيمج2؛ أي: فقيمي، وعربانج؛ أي: عرباني3، وقوله: # حتى إذا ما أمسجت وأمسجا4 # يريد أمست وأمسى. قال أبو علي: هذا يدلك على أن ما حذف لالتقاء الساكنين ~~في حكم الحاضر الملفوظ به. قال: ألا ترى أنه أبدل من لام أمسيت بعد أن ~~قدرها ملفوظا بها، ولو كان الحذف ثابتا هنا لما جاز أن يبدل من اللام شيء؛ ~~لأن البدل إنما هو من ملفوظ به، كما أن البدل ملفوظ به. # قال: وليست كذلك لام عشية إذا حقرتها فقلت: عشية؛ لأن الياء الثانية من ~~عشيية لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا ساكنين هناك، وإنما حذفت حذفا ~~للتخفيف؛ فلذلك سقط PageV01P074 # قول أبي العباس في تحقير العرب عشية على عشيشية1؛ لأن الياء لم تثبت هنا ~~فتبدل منها. # وقال أبو الحسن: إن قوما يقولون في تحقير فعلية من الياء: إن المحذوف ~~منها الياء الثانية، فعلى هذا قال أبو علي ما قال. # ومما أبدلت فيه الجيم من الياء2 قوله -ورويناه عن غير وجه: # خالي عويف وأبو علج ... المطعمان اللحم بالعشج # وبالغدواة فلق البرنج ... يقلع بالود وبالصيصج3 # وروينا أيضا قوله: # يا رب إن كنت قلبت حجتج ... فلا يزال شاحج يأتيك بج4 PageV01P075 # قال أبو النجم: # كأن في أذنابهن الشول ... من عبس الصيف قرون الإجل1 # يريد: الإيل. # فقد يجوز أن تكون ms049 الجيم في شجرة بدلا من الياء في شيرة لفشو شيرة، وقلة ~~شجرة. # ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي الطفيل2، وعبد الله بن ~~أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى بن عمر الثقفي: "هدي"3. # قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر ~~المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم ياء. قال الهذلي4: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع # وروينا عن قطرب قول الشاعر5: # يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا # فإن لم تثأرا لي من عكب ... فلا أرويتما أبدا صديا # قال لي أبو علي: وجه قلب هذه الألف "14ظ" لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها، ~~أنه موضع ينكسر فيه الصحيح، نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، فلما لم يتمكنوا ~~من كسر الألف قلبوها ياء، فقالوا: هذه عصي، وهذا فتي؛ أي: عصاي وفتاي، ~~وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيدين، لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر قلبوها ~~ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول: هذان غلامي؛ ~~لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصا ونحوها علما للرفع لم يجز ~~فيها عصي. PageV01P076 # ومنهم من يبدل هذه الألفات في الوقف ياءات، فيقول: هذه عصي، ورأيت حبلي، ~~وهذه رجي؛ أي: الناحية؛ يريد رجا. # ومنهم من يبدلها في الوقف أيضا واوا، فيقول: هذه عصو وأفعو وحبلو. # ومنهم من يبدلها في الوصل واوا أيضا، فيقول: هذه حبلو يا فتى. # ومن البدل في الوقف ياء ما أنشده بعض أصحابنا؛ وهو محمد بن حبيب1: # إن لطي نسوة الفضي ... يمنعهن الله ممن قد طغي2 # بالمشرفيات وطعن بالقني ... يا حبذا جفانك ابن قحطبي # وحبذا قدورك المنصبي ... كأن صوت غليها إذا غلي # صوت جمال هدري فقبقبي # أراد: ابن قحطبة، فإما أن يكون حذف الهاء للترخيم في غير النداء، فبقيت ~~الباء مفتوحة، فأشبع الفتحة للقافية؛ فصارت قحطبا، ثم أبدل الألف ياء على ~~ما مضى، وإما أن يكون أبدل الهاء ألفا؛ فصارت قحطبة إلى قحطبا، ثم أبدل ~~الألف ياء على ما ms050 مضى، وعلى ذلك يجوز أيضا أن يكون قوله3: # كفعل الهر يحترش العظايا # أراد: العظاية، ثم أبدل الهاء ألفا؛ فصار العظايا. # وإن شئت قلت: شبه ألف النصب بهاء التأنيث فقال: العظايا، كما تقول: ~~العظاية، وهذا قول أبي عثمان. PageV01P077 # وفيه قول لي ثالث؛ وهو أن يكون العظايا جمع عظاية على التكسير، كما تقول ~~في حمامة حمائم، فعظايا على هذا كمطايا وحوايا جمع حوية1. # وأما قوله: المنصبي فأراد المنصبة، فأبدل الهاء ألفا، ثم أبدل الألف ياء ~~على ما مضى، ولا يجوز أن يكون أراد هنا الترخيم؛ لأنه فيه لام التعريف، وما ~~فيه هذه اللام فلا يجوز نداؤه أصلا، فهو من الترخيم أبعد، وهذا يفسد قول من ~~قال في قول العجاج: # أوالفا مكة من ورق الحمي2 # إنه أراد الحمام ثم رخم؛ لأن ما فيه لام التعريف لا ينادى اصلا فكيف ~~يرخم؟ 3 # وأما قوله: هدري، فإنه أراد هدر، ثم أشبع الفتحة على حد قوله: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة4 # فصار هدرا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فقال: هدري. # وكذلك قوله: قبقبي أراد قبقب5، ثم أشبع فصار قبقبا، وعلى هذا التخريج ~~يسقط قول سيبويه عن يونس في قوله محتجا عليه بقول الشاعر: # دعوت لما نا بني مسورا ... فلبى فلبي يدي مسور6 PageV01P078 # قال سيبويه1: لو كان لبيك اسما واحدا -كما يقول يونس، وإنما قلب في لبيك ~~لاتصاله بالمضمر كما يقلب في إليك وعليك -لما قال: فلبي "15و" يدي مسور، ~~ولقال: فلبى يدي مسور، على حد قولك: على يدي فلان، وإلى يدي جعفر، فثبات ~~الياء مع المظهر يدلك على أنه لم يقلب في لبيك على حد ما قلب في إليك ~~وعليك، وفي ذلك رد لقول يونس: إن لبيك مفرد كإلبيك وعليك. # قال أبو علي: يمكن يونس أن يقول: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فكما تقول ~~في الوقف: عصي وفتي كذلك قال: فلبي، ثم وصل على ذلك، هذا ما قاله أبو علي. # وعليه أن يقال: كيف يحسن تقدير الوقف على المضاف دون المضاف إليه؟ # وجوابه: أن ذلك قد ms051 جاء، إلا ترى إلى ما أنشده أبو زيد2 من قول الشاعر: # ضخم نجارى طيب عنصري # أراد: عنصري، فثقل الراء لنية الوقف، ثم أطلق بالإضافة من بعد. # نعم، وإذا جاز هذا التوهم مع أن المضاف إليه مضمر، والمضمر المجرور لا ~~يجوز تصور انفصاله، فأن يجوز ذلك مع المظهر الذي هو "يدي" أولى وأجدر، من ~~حيث كان المظهر أقوى من المضمر. # ومثله قوله: # يا ليتها قد خرجت من فمه3 # أراد: من فمه، ثم نوى الوقف على الميم فثقلها، على حد قوله في الوقف: هذا ~~خالد، وهو يجعل، ثم أضاف على ذلك فهذا كقولهم: عنصري. # ويروى من فمه بضم الفاء أيضا، وفيه أكثر من هذا. # ومن ذلك قراءة الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى الثفقي والأعمش: ~~"إسراييل"4 بلا همز. PageV01P079 # قال أبو الفتح: إن لم يكن ذلك همزا مخففا فخفي بتخفيفه فعبر عنه بترك ~~الهمز، فذلك من تخليط العرب في الاسم الأعجمي. # قال أبو علي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه، أنشدنا: # هل تعرف الدار لأم الخزرج ... منها فظلت اليوم كالمزرج1 # قال: وقياسه كالمزرجن؛ لأنه من الزرجون وهو الخمر، والنون في زرجون ينبغي ~~أن يكون أصلا بمنزلة السين من قربوس2. # وأنشدنا لرؤبة: # في خدر مياس الدمى المعرجن3 # فهذا من العرجون، وكذا كان قياسه أن يقول: المزرجن. وإذا جاز للعرب أن ~~تخلط في العربي وهو من لغتها، فكيف يكون -ليت شعري- فيما ليس من لغتها؟! # ومما خلطت فيه من لغتها قول لبيد: # درس المنا بمتالع فأبان4 PageV01P080 # يريد: المنازل. وقال علقمة: # مفدم بسبا الكتان ملثوم1 # أراد: بسبائب2، وهو كثير، ونكره الاستكثار من الشواهد والنظائر؛ تحاميا ~~لطول الكتاب. # ومن ذلك قراءة الزهري: "وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم"3 مشددة. # قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن يكون4 قرأ بذلك؛ لأن فعلت أبلغ من ~~أفعلت؛ فيكون على "أوفوا بعهدي" أبالغ في توفيتكم؛ كأنه ضمان منه سبحانه أن ~~يعطي الكثير عن القليل، فيكون ذلك كقوله سبحانه: {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} 5، وهو كثير. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "يذبحون أبناءكم"6. # قال أبو ms052 الفتح: وجه ذلك أن فعلت بالتخفيف قد يكون فيه معنى التكثير؛ وذلك ~~لدلالة الفعل على مصدره، والمصدر اسم الجنس، وحسبك "15ظ" بالجنس سعة ~~وعموما، ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن حسان: # وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهراوجي7 # ولم يقل: موجئ، فكأنه قال: يشجج رأسه بالفهر شاج؛ لأن واجئ فاعل كشاج. ~~وأنشد أبو الحسن: # أنت الفداء لقبلة هدمتها ... ونقرتها بيديك كل منقر PageV01P081 # كأنه قال: ونقرتها؛ لأن قوله: كل منقر عليه جاء، وبعده قوله: # فطار كل مطير # فهذا على أنه كأنه قال: فطير كل مطير، ولما في الفعل من معنى المصدر ~~الدال على الجنس ما1 لم يجز تثنيته ولا جمعه؛ لاستحالة كل واحد من التثنية ~~والجمع في الجنس. # فأما التثنية والجمع في نحو قولك: قمت قيامين، وانطلقت انطلاقين، وعند ~~القوم أفهام، وعليهم أشغال. فلم يثن شيء من ذلك، ولا يجمع ولم يرد وهو مراد ~~به الجنس؛ ولكن المراد به النوع. وقد شرحنا ذلك في غير موضع من كتبنا، وما ~~خرج من التعليق عنا. # ومن ذلك قراءة الزهري أيضا: "وإذ فرقنا بكم البحر"2 مشددة. # قال أبو الفتح: معنى "فرقنا" أي: جعلناه فرقا، ومعنى "فرقنا": شققنا بكم ~~البحر، وفرقنا أشد تبعيضا من فرقنا، وقوله تعالى: {فكان كل فرق كالطود ~~العظيم} 3 يحتمل أن يكون فرقين، ويحتمل أن يكون أفراقا؛ ألا ترى أنك تقول: ~~قسمت الثوب قسمين، فكان كل قسم واحد منهما عشرين ذراعا، كما تقول ذلك وهو ~~جماعة أقسام. # ومن ذلك فرقت شعره أي: جعلته فرقين، وفرقت شعره أي: جعلته فرقا، وجاز هنا ~~لفظ الجمع؛ لأن كل رجل منهم قد خرق من البحر وفرق خرقا وفرقا. # وقد يكون أيضا في فرقنا مخففة معنى فرقنا مشددة على ما مضى آنفا في: ~~"يذبحون أبناءكم". # ومن ذلك قال ابن مجاهد: حدثني عبد الله بن محمد4 قال: حدثنا خالد بن ~~مرداس قال: حدثنا الحكم بن عمر الرعيني قال: أرسلني خالد بن عبد الله ~~القسري إلى قتادة5 أسأله PageV01P082 # عن حروف من القرآن؛ منها قوله: {فاقتلوا أنفسكم} ms053 ، فقال قتادة: "فاقتالوا ~~أنفسكم"1 من الاستقالة. # قال أبو الفتح: اقتال هذه افتعل، ويصلح أن يكون عينها واوا كاقتاد، وأن ~~يكون ياء كاقتاس. # وقول قتادة: إنها من الاستقالة، يقتضي أن يكون عينها ياء؛ لما حكاه ~~أصحابنا عموما: من قلت الرجل في البيع بمعنى أقلته، وليس في قلت دليل على ~~أنه من الياء؛ لقولهم: خفت ونمت، وهما من الخوف والنوم؛ لكنه في قولهم في ~~مضارعه: أقيله. # وليس يحسن أن يحمله على مذهب الخليل في طحت أطيح وتهت أتيه، أنهما فعلت ~~أفعل من الواو؛ لقلة ذلك. # وعلى أن أبا زيد قد حكى: ما هت الركية تميه2، ودامت السماء تديم؛ لقلة ما ~~هت تميه، ولأن أبا زيد قد حكى في دامت تديم المصدر وهو ديما، فقد يكون هذا ~~على أن أصل عينه ياء. # وحدثني أبو علي بحلب سنة ست وأربعين قال: قال بعضهم: إن قلت الرجل في ~~البيع ونحوه إنما هو من: قلت له افسخ هذا العقد، وقال لي: قد فعلت، فهي عند ~~من ذهب إلى ذلك "16و" من الواو. # قال أبو علي: ويفسد هذا ما حكوه في مضارعه من قولهم: أقيله، فهذا دليل ~~الياء. # قال: ولا ينبغي أن يحمل على أنه فعل يفعل من الواو -يريد مذهب الخليل3- ~~لقلة ذلك. # قال: لكنه من قولهم: تقيل فلان أباه، إذا رجعت إليه أشباه منه. فمعنى ~~أقلته على هذا: أني رجعت له عما كنت عقدته معه، ورجع هو أيضا؛ فقد ثبت بذلك ~~أن عين استقال من الياء، ولا يعرف في اللغة افتعلت من هذا اللفظ في هذا ~~المعنى ولا غيره؛ وإنما هو استفعلت استقلت. # وقد يجوز أن يكون قتادة عرف هذا الحرف على هذا المثال، وعلى أنه لو كان ~~بمعنى استقلت لوجب أن يستعمل باللام، فيقال: استقلت لنفسي أو على نفسي، كما ~~يقال: استعطفت فلانا PageV01P083 # لنفسي وعلى نفسي، وليس معناه أن يسأل نفسه أن يقيله؛ وإنما يريد: أن يسأل ~~ربه -عز وجل- أن يعفو عن نفسه. وكان له حرى1 -لو كان على ذلك- أن يقال: ~~فاقتالوا لأنفسكم؛ أي: استقيلوا ms054 لها، واستصفحوا عنها. # فأما اقتال متعديا، فإنما هو في معنى ما يجتره2 الإنسان لنفسه من خير أو ~~شر ويقترحه، وهو من القول. قال: # بما اقتال من حكم علي طبيب3 # أي: بما أراده واقترحه واستامه، وليس معنى هذا معنى الآية، بل هو بضده؛ ~~لأنه بمعنى استلينوا واستعطفوا. هذا ما يحضره طريق اللغة، ومذهب التصريف ~~والصنعة، إلا أن قتادة ينبغي أن يحسن الظن به، فيقال: إنه لم يورد ذلك إلا ~~بحجة عنده فيه من رواية أو دراية. # ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب النهمي4: "جهرة"5 "وزهرة"6، كل شيء في القرآن ~~محركا. # قال أبو الفتح: مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ~~ساكن بعد حرف مفتوح: أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه؛ كالزهرة والزهرة، ~~والنهر والنهر، والشعر والشعر، فهذه لغات عندهم كالنشز7 والنشز، والحلب ~~والحلب، والطرد8 والطرد. # ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح ~~وإن لم يسمعوه؛ كالبحر والبحر والصخر والصخر. # وما أرى القول من بعد إلا معهم، والحق فيه إلا في أيديهم؛ وذلك أنني سمعت ~~عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه سائغا غير مستكره، حتى لسمعت الشجري يقول: ~~أنا محموم بفتح الحاء، وليس أحد يدعي أن في الكلام مفعول بفتح الفاء. ~~PageV01P084 # وسمعته مرة أخرى يقول -وقد قال له الطبيب: مص1 التفاح وارم بثفله: والله ~~لقد كنت أبغي مصه وعليته تغذو بفتح الغين، ولا أحد يدعى أن في الكلام يفعل ~~بفتح الفاء. # وسمعت جماعة منهم -وقد قيل لهم: قد أقيمت لكم أنزالكم2 من الخبز- قالوا: ~~فاللحم -يريدون: اللحم- بفتح الحاء3. # وسمعت بعضهم وهو يقول في كلامه: ساروا نحوه بفتح الحاء، ولو كانت الحاء ~~مبنية على الفتح أصلا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ألا تراك لا ~~تقول: "16ظ" هذه عصو ولا فتو؟ ولعمري إنه هو الأصل؛ لكن أصل مرفوض للعلة ~~التي ذكرنا، فعلى هذا يكون جهرة وزهرة -إن شئت- مبنيا في الأصل على فعلة، ~~وإن شئت كان إتباعا على ما شرحنا الآن. ms055 # ومن ذلك قراءة الأعمش: "اثنتا عشرة"4 بفتح الشين. # قال أبو الفتح: القراءة في ذلك: "عشرة" و"عشرة"، فأما "عشرة" فشاذ، وهي ~~قراءة الأعمش. # وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن ألفاظ العدد قد كثر فيها الانحرافات ~~والتخليطات، ونقضت في كثير منها العادات؛ وذلك أن لغة أهل الحجاز في غير ~~العدد نظير عشرة: عشرة، وأهل الحجاز يكسرون الثاني، وبنو تميم يسكنونه، ~~فيقول الحجازيون: نبقة وفخذ، وبنو تميم تقول: نبقة وفخذ، فلما ركب الاسمان ~~استحال الوضع فقال بنو تميم: إحدى عشرة وثنتا عشرة إلى تسع عشرة بكسر ~~الشين، وقال أهل الحجاز: عشرة بسكونها، ومنه قولهم في الواحد: واحد وأحد، ~~فلما صاروا إلى العدد قالوا: إحدى عشرة، فبنوه على فعلى، ومنه قولهم: عشر ~~وعشرة، فلما صاغوا منه اسما للعدد بمنزلة ثلاثون وأربعون قالوا: عشرون، ~~فكسروا أوله، ومنه قولهم: ثلاثون وأربعون إلى التسعون، فجمعوا فيه بين ~~لفظين ضدين؛ أحدهما يختص بالتذكير والآخر بالتأنيث. # أما المختص بالتذكير فهو الواو والنون، وأما المختص بالتأنيث فهو قولهم: ~~ثلاث وأربع وتسع في صدر ثلاثون وأربعون وتسعون. وكل واحد من ثلاث وأربع ~~وخمس وست إلى تسع هكذا بغير هاء مختص بالتأنيث. ولما جمعوا في هذه الأعداد ~~-من عشرين إلى تسعين- بين لفظي التذكير والتأنيث صلحت لهما جميعا، فقيل: ~~ثلاثون رجلا، وثلاثون امرأة، وخمسون جارية وخمسون غلاما، وكذلك إلى ~~التسعين. # ومنه أيضا اختصارهم من ثلثمائة إلى تسعمائة على أن أضافوه إلى الواحد، ~~ولم يقولوا: ثلاث مئين، PageV01P085 # ولا أربع مئات إلا مستكرها وشاذا، فكما ساغ هذا وغيره في أسماء العدد ~~قالوا أيضا: "اثنتا عشرة" في قراءة الأعمش هذه، وينبغي أن يكون قد روى ذلك ~~رواية، ولم يره رأيا لنفسه. # وعلى ذلك ما يروى: من أن أبا عمرو حضر عند الأعمش فروى الأعمش: أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- كان يتخولنا بالموعظة1، فقال أبو عمرو: إنما هو ~~يتخوننا بالنون، فأقام الأعمش على اللام، فقال له أبو عمرو: إن شئت أعلمتك ~~أن الله لم يعلمك من هذا الشأن حرفا فعلت، فسأل عنه الأعمش، فلما عرف أبا ~~عمرو ms056 وكبر عنده وأصغى إليه، وعلى أن هذا الذي أنكره أبو عمرو صحيح عندنا؛ ~~وذلك أن معنى يتخولنا: يتعهدنا، فهو من قوله: # يساقط عنه ورقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا2 # أي: شيئا بعد شيء، ومنه قولهم: فلان يخول على أهله: أي يتفقدهم، ويتعهد ~~أحوالهم، ومنه قولهم: خال مال، وخائل مال: إذا كان حسن الرعية والتفقد ~~للمال3. والتركيب مما تغير فيه أوضاع الكلم عن حالها في موضع الإفراد؛ من ~~ذلك حكاية أبي عمرو الشيباني من قول بعضهم في حضرموت: حضرموت "17و" بضم ~~الميم؛ ليصير على وزن المفردات نحو عضر فوط4 ويستعور5. # ومن تحريف ألفاظ العدد ما أنشده أبو زيد في نوادره: # علام قتل مسلم تعمدا ... مذ سنة وخمسون عددا6 # بكسر الميم من خمسون، وعذره وعلته عندي أنه احتاج إلى حركة الميم لإقامة ~~الوزن، فلم ير أن يفتحها فيقول: خمسون؛ لأنه كان يكون بين أمرين: إما أن ~~يظن أنه كان الأصل فتحها ثم أسكنت، وهذا غير مألوف؛ لأن المفتوح لا يسكن ~~لخفة الفتحة، وإما أن يقال: إن الأصل السكون فاضظر ففتحها، وهذا ضرورة إنما ~~جاء في الشعر، نحو قوله: # مشتبه الأعلام لماع الخفق7 PageV01P086 # أي: الخفق. ومنه قول زهير: # ثم استمروا وقالوا إن مشربكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أو ركك1 # قال أبو عثمان: قال الأصمعي: سألت أعرابيا -ونحن في الموضع الذي ذكره ~~زهير- يعني هذا البيت؛ فقلت له: هل تعرف رككا؟ فقال: قد كان هاهنا ماء يسمى ~~ركا. # قال الأصمعي: فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحركه، فعدل عن الفتح2؛ لئلا ~~يعرف بأثر الضرورة، فعدله إلى موضع آخر فكسر الميم، فكأنه راجع بذلك أصلا ~~حتى كأنه كان خمسون ثم أسكن تخفيفا، فلما اضطر إلى الحركة كسر، فكان بذلك ~~كمراجع أصلا لا مستكرها على أن يرى مضطرا. # وأنسه أيضا بذلك: ما جاء عنهم من قولهم: إحدى عشرة وعشرة، فصار خمس من ~~خمسون بمنزلة عشرة، وصار خمسون بمنزلة عشر. # ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب3 والأشهب: "وقثائها"4. # قال أبو الفتح: بالضم في القثاء حسن الطريقة؛ وذلك أنه ms057 من النوابت، وقد ~~كثر عنهم في هذه النوابت الفعال كالزباد5 والقلام6 والعلام7 والثقاء8، ومن ~~هاهنا كان أبو الحسن يقول في رمان: أنه فعال؛ لأنه من النبات، وقد كثر فيه ~~الفعال على ما مضى، وأما قياس مذهب سيبيويه: فأن يكون فعلان بزيادة النون؛ ~~لغلبة زيادة النون في هذه المواضع بعد الألف. # وله أيضا وجه من القياس: أنه من معنى رمتت الشيء: غذا جمعت أجزاءه، وهذه ~~حال الرمان، وقد جاء بهذا الموضع نفسه بعض المولدين فقال: # ما يحسن الرمان يجمع نفسه ... في قشره إلا كما نحن PageV01P087 # ويدل على أنه من معنى الاجتماع والتضام تسميتهم لرمان البر: المظ؛ وذلك ~~لقوة اجتماعه، واتصال أجزائه، فهو من معنى المماظة المعازة، وهو إلى الشدة، ~~ويدل على صحة مذهب سيبويه في أن الألف والنون إذا جاءتا بعد المضاعف كانتا ~~بحالهما وهما بعد غير المضاعف، ما ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أن قوما وردوا عليه فقال لهم: "من أنتم؟ " فقالوا: بنو غيان، فقال ~~عليه السلام: "بل أنتم بنو رشدان"، أفلا تراه كيف اشتق الاسم من الغي ~~والغواية حتى حكم بزيادة النون؛ لأنه قابله بضده وهو قوله: "رشدان"، وترك ~~أن يشتقه من الغين، وهو إلباس الغيم؟ 1 ألا ترى إلى قوله: # كأني بين خافيتى عقاب ... أصاب حمامة في يوم غين2 # فصار "غيان" عنده مع التضعيف "17ظ" الذي فيه بمنزلة ما لا تضعيف فيه من ~~نحو: مرجان وسعدان، فكما يحكم بزيادة النون في مثل هذا من غير التضعيف، ~~كذلك حكم بزيادتها مع التضعيف. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس: "وثومها3" بالثاء. # قال أبو الفتح: يقال: الثوم والفوم بمعنى واحد؛ كقولهم: جدث وجدف، وقام ~~زيد ثم عمرو، ويقال أيضا: فم عمرو؛ فالفاء بدل فيهما جميعا؛ ألا ترى إلى ~~سعة تصرف الثاء في جدث، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وإلى كثرة ثم ~~وقلة فم؟ ويقال: الفوم: الحنطة، قال: # قد كنت أحسبني كأغنى واجد ... ورد المدينة عن زراعة فوم4 # أي: حنطة. # ومن ذلك قراءة زهير الفرقبي5: "الذي هو ms058 أدنأ"6 بالهمز. # قال أبو الفتح: أخبرنا أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان عن أبي العباس ~~محمد بن يزيد PageV01P088 # عن الرياشي عن أبي زيد قال: تقول: دنؤ الرجل يدنؤ دناءة، وقد دنأ يدنأ ~~إذا كان دنيئا لا خير فيه، غير أن القراءة بترك الهمز: "أدنى"، وينبغي أن ~~يكون من دنا يدنو؛ أي: قريب. # ومنه قولهم في المعنى: هذا شيء مقارب للشيء ليس بفاخر ولا موصوف في ~~معناه، ومن هذه المادة قولهم: هذا شيء دون؛ أي: ليس بذاك، وقولهم: هذا ~~دونك، فينتصب هذا على الظرف؛ أي: هو في المحل الأقرب، وينبغي أن يكون "دون" ~~من1 قولك: هذا رجل دون، وصفا على فعل كحلو ومر، ورجل جد2؛ أي: ذي جد. # وقد يجوز أن يكون في الأصل ظرفا ثم وصف به، ويؤنس هذا المذهب الثاني أنا ~~لا نعرف فعلا تصرف من هذا اللفظ كدان يدون ولا نحوه، ولو كان في الأصل وصفا ~~لكان حرى أن يستعملوا منه فعلا؛ كقولهم: قد حلا يحلو، ومن يمر وأمر يمر، ~~وقد جددت يا رجل. قال الكميت: # وجدت الناس غير ابني نزار ... ولم أذمهم شرطا ودونا3 # ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "ما سألتم"4 بكسر السين. # قال أبو الفتح: فيه نظر؛ وذلك أن هذه الكسرة إنما تكون في أول ما عينه ~~معتلة كبعت وخفت، أو في أول فعل إذا كانت عينه معتلة أيضا كقيل وبيع وحل ~~وبل؛ أي: حل وبل، وصعق الرجل نحوه، إلا أنه لا تكسر الفاء في هذا الباب إلا ~~والعين ساكنة أو مكسورة كنعم وبئس وصعق، فأما أن تكسر الفاء والعين مفتوحة ~~في الفعل فلا. # فإذا كان كذلك فقراءتهما "سألتم" مكسورة السين مهموزة غريب، والصنعة في ~~ذلك: أن في سأل لغتين: سلت تسال كخفت تخاف، وسألت تسأل كسبحت تسبح، فإذا ~~أسندت الفعل إلى نفسك قلت على لغة الواو: سلت كخفت، وهي من الواو؛ لما حكاه ~~أصحابنا من قولهم: هما يتساولان. # ومن همز قال: سألت، فأما قراءته5: "سألتم"، فعلى أنه كسر الفاء على قول ~~من قال: ms059 "سلتم" كخفتم، ثم تنبه بعد ذلك للهمزة، فهمز العين بعدما سبق الكسر ~~في الفاء فقال: "سألتم"؛ فصار ذلك من تركيب اللغة. PageV01P089 # ومثله ما رويناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى من ~~قول بلال بن جرير: # إذا جئتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضره1 # "18و" وذلك أنه أراد فاعلتهم ساءلتهم. # ومن العادة أيضا أن تقلب الهمزة في هذا الثاني، فيقال: سايلت زيدا، ثم ~~إنه أراد الجمع بين العوض والمعوض منه، فلم يمكنه أن يجمع بينهما في موضع ~~واحد كالعرف في ذلك؛ لأنه لا يكون حرفان واقعين في موضع واحد عينين كان أو ~~غيرهما، فأجاءه الوزن إلى تقديم الهمزة التي هي العين قبل ألف فاعلت، ثم ~~جاء بالياء التي هي بدل منها بعدها؛ فصار سآيلتهم2. # فإن قيل ما مثال: سآيلتهم؟ # قلت: هو فعاعلتهم؛ وذلك لأن الياء بدل من الهمزة التي هي عين، والبدل من ~~الشيء يوزن بميزانه، ألا ترى أن من اعتقد في ياء أينق أنها عين أبدلت قال ~~هي أعفل؛ لأن الياء بدل من الواو التي هي عين نوق، فالياء إذن عين في موضع ~~العين، كما كانت الواو لو ظهرت في موضع العين، كما أن ياء ريح وعيد في ~~المثال عين فعل، كما كانت الواو التي الياء بدل منها عين فعل في روح وعود، ~~وهذا واضح. # وكذلك قوله أيضا: "سألتم" بكسر الفاء على حد كسرها في سلتم، ثم استذكر ~~الهمزة في اللغة الأخرى فقال: سألتم، ويجوز أيضا أن يكون أراد سألتم، فأبدل ~~العين ياء كما أبدلها الآخر في قوله: # سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما قالت ولم تصب3 # فصار تقديره على هذا إلى سلتم من الوجه؛ أي: من طريق البدل، لا على لغة ~~من قال: هما يتساولان، فلما كسر السين استذكر الهمزة فراجعه هنا، كما راجعه ~~في القول الأول. PageV01P090 # وقد أفردنا في كتاب الخصائص بابا في أن صاحب اللغة قد يعتبر لغة غيره ~~ويراعيها1؛ فأغنى عن إعادته هنا. # ومن ذلك قراءة أبي السمال، ms060 رواها أبو زيد فيما رواه ابن مجاهد: "والذين ~~هادوا"2 بفتح الدال. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون فاعلوا من الهداية؛ أي: راموا أن يكون أهدى ~~من غيرهم، كقولك: راموا من رميت3، وقاضوا من قضيت، وساعوا من سعيت، فيقول ~~في مصدر هادوا: مهاداة؛ كقاضوا مقاضاة، وساعوا مساعاة، وقد هودي الرجل ~~يهادى مهاداة، إذا كان حوله من يمسكه ويهديه الطريق، ومنه قولهم في الحديث: ~~"مر بنا يهادى بين اثنين"، ومنه قوله: # من أن يرى تهديه فت ... يان المقامة بالعشيه4 # ومن ذلك قراءة قتادة: "وإن من الحجارة"5، وكذلك قراءته: "وإن منها"6 ~~مخففة. # قال ابن مجاهد: أحسبه أراد بقوله مخففة الميم؛ لأني لا أعرف لتخفيف النون ~~معنى. # قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أن التخفيف في إن ~~المكسورة شائع عنهم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: {إن كاد ليضلنا عن ~~آلهتنا} 7، {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} 8 أي: إنهم على هذه ~~الحال. وهذه اللام لازمة مع تخفيف النون PageV01P091 # فرقا بين إن مخففة من الثقيلة، وبين إن التي للنفي بمنزلة "ما" في قوله ~~سبحانه: {إن الكافرون إلا في غرور} 1، وقوله: # فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا2 # وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "لما يهبط"3 بضم الباء. # قال أبو الفتح: قد بينا في كتابنا "المنصف"4 -وهو تفسير تصريف أبي عثمان- ~~"18ظ" أن باب فعل المتعدي أن يجيء على يفعل مكسور العين؛ كضرب يضرب وحبس ~~يحبس، وباب فعل غير المتعدي أن يكون على يفعل مضموم العين؛ كعقد يقعد وخرج ~~يخرج، وأنهما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا، وهذا في هذا؛ كقتل يقتل، وجليس ~~يجلس، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه، فهبط يهبط على هذا بضم ~~العين أقوى قياسا من يهبط، فهو كسقط يسقط؛ لأن هبط غير متعد في غالب الأمر ~~كسقط. # وقد ذهب في هذا الموضع إلى أن هبط هنا متعد، قالوا ومعناه: لما يهبط غيره ~~في طاعة الله عز وجل؛ أي: إذا رآه الإنسان خشع لطاعة خالقه، إلا ms061 أنه حذف ~~هنا المفعول تخفيفا، ولدلالة المكان عليه، ونسب الفعل إلى الحجر؛ لأن طاعة ~~رائيه لخالقه إنما كانت مسببة عن النظر إليه؛ أي: منها ما يهبط الناظر ~~إليه؛ أي: يخضعه ويخشعه، وقد جاء هبطته متعديا كما ترى، قال: # ما راعني إلا جناح هابطا ... على البيوت قوطه العلابطا5 # وأعمله في القوط، فعلى هذا تقول: هبط الشيء وهبطته، وهلك الشيء وهلكته، ~~قالوا في قول العجاج: # ومهمه هالك من تعرجا6 PageV01P092 # قولين؛ أحدهما: أنه كأنه قال: هالك المتعرجين، والآخر: هالك من تعرجا؛ ~~أي: مهلك من تعرج1، فتقول على هذا: أصبحت ذا مال مهلوك، وهلكه الله يهلكه ~~هلكا. وإذا كانت كذلك، وكانت هبط هنا قد تكون متعدية، فقراءة الجماعة: "لما ~~يهبط" بكسر الباء أقوى قياسا من يهبط؛ لأن معناه لما يهبط مبصره ويحطه من ~~خشية الله. # ومن ذهب فيه إلى أن يهبط هنا غير متعد فكأنه قال: وإن منها لما لو هبط ~~شيء غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أن غير الناطق تصح منه الخشية؛ ألا ~~ترى أن قوله: # لها حافر مثل قعب الولي ... د تتخذ الفار فيه مغارا # أي: لو اتخذت فيه مغارا لغوره وتقعبه لوسعها وصلح لها، لا أنها هي تتخذ ~~ألبتة. # ومثله مسألة الكتاب: أخذتنا بالجود2 وفوقه؛ أي: لو كان فوق الجود شيء من ~~المطر لكانت قد أخذتنا به. # وكلام العرب لمن عرفه، ومن الذي يعرفه؟ ألطف من السحر، وأنقى ساحة من ~~مشوف الفكر، وأشد تساقطا بعضا على بعض، وأمس تساندا نفلا إلى فرض. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "يسمعون كلم الله"3. # الكلام كل ما استقل برأسه؛ أعني: الجمل المركبة، نحو: قام محمد، وأبوك ~~منطلق. وقد فصلنا في أول باب من الخصائص4 بين الكلام والقول، وأن كل كلام ~~قول، وليس كل قول كلاما. # فأما الكلم فلا يكون أقل من ثلاث، وذلك أنه جمع كلمة كثفنة5 وثفن، ونبقة ~~ونبق، وسلمة6 وسلم؛ ولذلك ما7 اختاره صاحب الكتاب على الكلام، فقال: هذا ~~باب علم ما الكلم من العربية، ولم يقلك: ما الكلام؛ وذلك لأن ms062 الكلام كما قد ~~يكون فوق الاثنين فكذلك أيضا قد يكون اثنين، وسيبويه إنما أراد هنا8 ثلاثة ~~أشياء: PageV01P093 # الاسم والفعل والحرف، فترك اللفظ الذي قد يكون أقل من الجماعة إلى اللفظ ~~الذي لا يكون إلا جماعة "19و". # ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة1 والحسن بخلاف والحكم بن الأعرج2: "إلا ~~أماني وإن هم"3، و"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"4 الياء فيه كله ~~خفيفة ساكنة. # قال أبو الفتح: أصل هذا كله التثقيل -أماني جمع أمنية- والتخفيف في هذا ~~النحو كثير وفاش عندهم. # قال أبو الحسن في قولهم أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل ألبتة. # وقال الكسائي: قد سمع فيها التثقيل، وأنشد: # أثافي سفعا في معرس مرجل5 # والمحذوف من نحو هذا هو الياء الأولى التي هي نظيرة ياء المد مع غير ~~الإدغام، نحو ياء قراطيس، وجراميق6، وأراجيح، وأعاجيب، جمع أرجوحة وأعجوبة، ~~ألا تراها قد حذفت في قوله: # والبكرات الفسج العطامسا7 PageV01P094 # وقوله: # وغير سفع مثل يحامم1 # يريد: يحاميم وعطاميس. # وروينا لعبيد الله بن الحر قوله: # وبدلت بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدرع من مستحكمات المسامر # وعلى أن حذف الياء مع الإدغام أسهل شيئا من حذفه ولا إدغام معه؛ وذلك أن ~~هذه الياء لما أدغمت خفيت وكادت تستهلك، فإذا أنت حذفتها فكأنك إنما حذفت ~~شيئا هو في حال وجوده في حكم المحذوف. نعم، وقد يحذف هذا الحرف ويؤتى ~~بالعوض منه حرفا في حال وجوده في حكم ما ليس موجودا، وهو تاء التأنيث في ~~نحو قولهم: فرازنة2 وزنادقة وجحاجحة3، فالتاء عوض من ياء فرازين وجحاجيح ~~وزناديق، وكذلك قالوا مع الإدغام، وذلك قولهم في أثاني4 وأناسي: أثانية ~~وأناسية، رواها أبو زيد. وإذا كانوا قد رضوا بالكسرة قبلها دليلا عليها، ~~وعوضا منها فهم بأن يقنعوا بالتاء عوضا منها أجدر. # ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبي عمرو "وآيدناه"5. # قال ابن مجاهد -على ما علمناه: ممدوة الألف خفيفة الياء. وقد روى عن ~~مجاهد في قوله: {إذ أيدتك} 6 آيدتك، قال ابن مجاهد: على فاعلتك. # قال أبو الفتح: هذا الذي توهمه ابن ms063 مجاهد، وأن آيدتك فاعلتك لا وجه له، ~~وإنما آيدتك أفعلتك من الأيد؛ وهو القوة. # وقال أبو علي: إنما كثر فيه أيدتك فعلتك؛ لما يعرض في آيدتك من تصحيح ~~العين مخافة توالي إعلالين في آيدتك. وأنشدنا قوله: # ي # نبي تجاليدي وأقتادها ... ناو كرأس الفدن المويد7 PageV01P095 # فهذا من آيدته؛ أي: قويته؛ لأنه مفعل كمكرم ومقتل1 ومؤدم2، ولو كان آيدتك ~~-كما ظن ابن مجاهد فاعلتك- لكان اسم المفعول منه مؤايد كمقاتل ومضارب؛ ولكن ~~قراءة من قرأ: "آتينا بها" فاعلنا3، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف ~~الجر؛ لأنه إنما يقال: أتيت زيدا بكذا وآتيته؛ كقولك: أعطيته كذا، فكذاك لو ~~كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك: أعطيناها، أنت لا تقول: آتيته بكذا، ~~كما لا تقول: أعطيته بكذا، فقوله في تلك القراءة: "آتيناها" كقولك: حاضرنا ~~بها، وشاهدنا بها، وهذا واضح. # ومعنى قول "19ظ" أبي علي: لو جاء آيدتك على ما يجب في مثله من إعلال عين ~~أفعلت إذا كانت حرف علة فأقمت زيدا وأشرته وأبعته -أي: عرضته للبيع- لتتابع ~~فيه إعلالان؛ لأن أصل آيدت: أأيدت، كما أن أصل آمن: أأمن، فانقلبت الهمزة ~~الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين في كلمة واحدة، والأولى منهما مفتوحة ~~والثانية ساكنة، فهي كآمن وآلف، وفي الأسماء نحو: آدم وآدر4. # فكان يجب أيضا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على ~~هذا أن تقلب الفاء هنا واوا؛ لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها، ولا بد من ~~بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها، كما قلبت في تكسير آدم أوادم، فكان يلزم ~~على هذا أن تقول: أودته كأقمته وأدرته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الفاء ~~التي هي في الأصل همزة واوا فتعتل الفاء والعين جميعا، وإذا أدى القياس إلى ~~هذا رفض، وكثر فيه فعلت أيدت ليؤمن ذانك الاعتلالان، فلما استعمل شيء منه ~~جاء قليلا شاذا؛ أعني: آيدت. # وإذا كانوا قد أخرجوا عين أفعلت، وهي حرف علة على الصحة نحو قوله: # صددت فأطولت الصدود5 # وقولهم: أغيلت6 المرأة، وأغيمت السماء، وأخوص الرمث7، وأعوز القوم، ~~PageV01P096 # وأليث الشجر1، وأسوأ ms064 الرجل. ولو خرج على منهج إعلال مثله لم يخف فيه ~~توالي إعلالين كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع ~~إعلالها مع إعلال الفاء قبلها أولى وأجدر؛ فقد ثبت أن قراءة مجاهد: "إذ ~~آيدتك" إنما هو أفعلتك لا فاعلتك، كما ظن ابن مجاهد. # ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: "جبرئل"2 مشددة اللام، بوزن جبرعل، وعنه ~~أيضا وعن فياض بن غزوان3: "جبرائيل" بوزن جبراعيل، بهمزة بعد الألف، وبهذا ~~الوزن من غير همز بياءين عن الأعمش، و"ميكاييل" من غير همز أيضا ممدود، ~~وقرأ "ميكئل" بوزن ميكعل ابن هرمز الأعرج4 وابن محيصن. # قال أبو الفتح: أما على الجملة فقد ذكرنا في كتابنا هذا وفي غيره من ~~كتبنا: أن العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه، وأنشدنا في ذلك ما أنشدناه ~~أبو علي من قول الراجز: # هل تعرف الدار لأم الخزرج ... منها فظلت اليوم كالمزرج5 # يريد: الذي شرب الزرجون وهي الخمر، وأنه كان قياسه المزرجن؛ من حيث كانت ~~النون في الزرجون أصلية. نعم، وذكرنا أنهم قد يحرفون ما هو من كلامهم، فكيف ~~ما هو من كلام غيرهم؟ إلا أن جبرئل قد قيل فيه: إن معناه عبد الله؛ وذلك أن ~~الجبر بمنزلة الرجل، والرجل عبد الله، ولم يسمع الجبر بمعنى الرجل إلا في ~~شعر ابن أحمر، وهو قوله: # اشرب براووق حبيت به ... وانعم صباحا أيها الجبر6 # قالوا: وإل بالنبطية: اسم الله تعالى، ومن ألفاظهم في ذلك أن يقولوا: ~~كوريال، الكاف بين القاف والكاف، فغالب هذا أن تكون هذه اللغات كلها في هذا ~~الاسم إنما يراد بها جبريال الذي هو كوريال، ثم لحقها من التحريف "20و" على ~~طول الاستعمال ما أصارها إلى هذا التفاوت، وإن كانت على كل أحوالها متجاذبة ~~يتشبث بعضها ببعض. PageV01P097 # واستدل أبو الحسن على زيادة الهمزة في "جبرئيل" بقراءة من قرأ "جبريل" ~~ونحوه، وهذا كالتعسف من أبي لحسن لما قدمناه من التخليط في الأعجمي، ويلزم ~~فيه زيادة النون في زرجون؛ لقوله: كالمزرج، والقول ما قدمناه. # وأما "جبراييل وميكاييل" بباءين بعد ms065 الألف والمد فيقوى في نفسي أنها همزة ~~مخففة وهي مكسورة، فخفيت وقربت من الياء فعبر القراء عنها بالياء، كما ترى ~~في قوله عز وجل: "آلاء"1 عند تخفيف الهمز "آلاي" بالياء؛ وسبب ذلك ما ~~ذكرناه من خفاء الهمزة المكسورة وقربها بذلك من لفظ الياء، كما قالوا في ~~"شهر رمضان"2 في إدغام أبي عمرو: إن الراء من شهر مدغمة في راء رمضان، ~~وهيهات ذلك مذهبا، وعز مطلبا، حتى كأنا لم نعلم أن الهاء في شهر ساكنة، ~~وإذا أدغمت الراء في راء رمضان التقى ساكنان ليس الأول منهما حرف مد كشبابة ~~ودابة، ولا يكون ذلك إلا أن تنقل حركة الراء الأولى إلى الهاء قبلها، ولو ~~فعل ذلك لوجب أن يقال: شهر رمضان بضم الهاء، وليس أحد من القراء يدعي هذا ~~فيه: من أدغم ومن لم يدغم. # وأيضا، فإنه إذا كان هذا النقل فإنما يكون3 في المتصل، نحو: يستعد ويرد ~~ويفر، فأما في المنفصل فإن ذلك لن يجيء في شيء منه إلا في حرف واحد شاذ ~~اجتمع فيه شيئان، كل واحد منهما يحتمل التغيير له: # أحدهما: كونه علما، والأعلام فيما يكثر فيه ما لا يكون في غيره، نحو: ~~معديكرب وموهب وتهلل4 وحيوة. # والآخر: كثرة استعماله، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرا، وذلك الحرف ~~قولهم في عبد شمس: هذه عبشمس بفتح السين، وأنت لا تقول في نحو هذا قوم ~~موسى: هذا قوموسى؛ لما ذكرناه من أن المنفصل في هذا النحو لم تنقله العرب ~~كما نقلت المتصل. # فعلى هذا ينبغي أن نوجه قولهم في "جبراييل وميكاييل" ببياءين والمد؛ وذلك ~~لأن المد إنما كان فيه لبقاء نية الهمزة المخففة ولفظه فيه، هذا هو القول؛ ~~كقولهم بالمد، وإن كانت الألف والياء بعدها أتم صوتا وأبعد ندى منها وبعدها ~~غيرها من الحروف الصحاح، نحو: غرابيل وسرابيل وسراحين وميادين، وقد يجوز من ~~بعد هذا أن تكون ياء صريحة من حيث كان الأعجمي يتلعب فيه بالحروف تلعبا، ~~فاعرف ذلك. PageV01P098 # ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن روح1 عن أبي السمال أنه ms066 قرأ: "أو كلما ~~عهدوا"2 ساكنة الواو. # قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو في "أو" هذه على أنه في الأصل ~~حرف عطف كقراءة الكافة: "أوكلما"؛ من قبل أن واو العطف لم تسكن في موضع ~~علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يخلط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول ~~الله تعالى: "وهو الله"3، وقوله سبحانه: "وهو وليهم"4 بسكون الهاء، فأما ~~واو العطف فلا تسكن من موضعين: # أحدهما: أنها في أول الكلمة، والساكن لا يبتدأ به. # والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت5 على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، ~~والمفتوح لا يسكن استخفافا "20ط" إنما ذلك في المضموم والمكسور نحو: كرم ~~زيد وعلم الله، وقد مضى ذكر ذلك، فإذا كان كذلك كانت "أو" هذه حرفا واحدا، ~~إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: ~~إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال: بل أهي شاء؟ فكذلك معنى "أو" هاهنا، حتى كأنه ~~قال: "وما يكفر بها إلا الفاسقون بل كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم"، ~~يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: {بل أكثرهم لا يؤمنون} ، فكأنه قال: "بل كلما ~~عاهدوا عهدا ### | .... # بل أكثرهم لا يؤمنون". # و"أو" هذه التي بمعنى أم المنقطعة -وكلتاهما بمعنى بل- موجودة في الكلام ~~كثيرا، يقول الرجل لمن يتهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول له صاحبه: أو ~~يحسن الله رأيك، أو يغير الله ما في نفسك؛ معناه: بل يحسن الله رأيك، بل ~~يغير الله ما في نفسك، وإلى نحو هذا ذهب الفراء في قول ذي الرمة: # بدت مثل فرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح6 ~~PageV01P099 # قال: معناه بل أنت في العين أملح، وكذلك قال في قوله الله تعالى: ~~{وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} 1 قال: معناه بل يزيدون، وإن كان مذهبنا ~~نحن في هذا غير هذا؛ فإن هذا طريق مذهوب فيه على هذا الوجه. # وقراءته هنا: "عهدوا عهدا" كأنه أشبه بجريان المصدر على فعله؛ لأن عهدت ~~عهدا أشبه في العادة من عاهدت عهدا، ومن ذلك ms067 الحديث المأثور: "من وعد وعدا ~~فكأنما عهد عهدا"، وقراءة الكافة: "عاهد واعهدا" على معنى أعطوا عهدا، ~~فعهدا على مذهب الجماعة كأنه مفعول به. # وعلى قراءة أبي السمال هو منصوب نصب المصدر، وقد يجوز أن ينتصب على قراءة ~~الكافة على المصدر؛ إلا أنه مصدر محذوف الزيادة؛ أي: معاهدة أو عهادا؛ ~~كقاتلت مقاتلة وقتالا، إلا أنه جاء على حذف الزيادة كقوله: # عمرك الله ساعة حدثينا ... ودعينا من قول من يؤذينا2 # إنما هو: عمرتك الله تعميرا -دعاء لها- فحذفت زيادة التاء والياء، وعليه: ~~جاء زيد وحده؛ أي: أوحد بهذه الحال إيحادا، ومررت به وحده؛ أي: أوحدته ~~بمروري إيحادا. # وقد يمكن أن يكون وحده مصدر هو يحد وحدا فهو واحد، والمصدر على حذف ~~زيادته كثير جدا، إلا أنه ليس منه قولهم: سلمت عليه سلاما وإن كان في معنى ~~تسليما؛ من قبل أنه لو أريد مجيئه على حذف الزيادة لما أقر عليه شيء من ~~الزيادة، وفيه ألف سلام زائدة، ومثله: كملته كلاما، والسلام والكلام ليسا ~~على حذف الزيادة؛ لكنهما اسمان على فعال بمعنى المصدر، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة الحسن وابن عباس والضحاك بن مزاحم3 وعبد الرحمن بن أبزى4: ~~"وما أنزل على الملكين"5بكسر اللام. # قيل: أراد "بالملكين" داود وسليمان عليهما السلام. # قال أبو الفتح: إن قيل: كيف أطلق الله سبحانه على داود وسليمان اسم ~~الملك؛ وإنما هما عبدان له تعالى كسائر عبيده من الأنبياء وغيرهم؟ ~~PageV01P100 # قيل: جاز ذلك لأنه أطلق عليهما اللفظ الذي يعتاد حينئذ فيهما، ويطلقه ~~الناس عليهما، فخوطب الإنسان "21و" على ذلك باللفظ الذي يعتاده أهل الوقت ~~إذ ذاك، ونظيره قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} 1؛ وإنما هو في ~~النار الذليل المهان؛ لكنه خوطب بما يخاطب به في الدنيا، وفيه مع هذا ضرب ~~من التبكيت له، والإذكار بسوء أفعاله، وقد مضى نحو هذا. # ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: "بين المر وزوجه"2 بفتح الميم وكسر الراء ~~خفيفة من غير همز. # وقراءة الزهري: "المر" بفتح الميم وتشديد الراء. # وقراءة ابن أبي إسحاق: "المرء" بضم الميم ms068 وسكون الراء والهمز. # وقراءة الأشهب3: "المرء" بكسر الميم والهمز. # قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن وقتادة: "بين المر" بفتح الميم وخفة ~~الراء من غير همز فواضح الطريق؛ وذلك أنه على التخفيف القياسي؛ كقولك في ~~الخبء4: هذا الخب، ورأيت الخب، ومررت بالخب، تخذف الهمزة وتلقى حركتها على ~~الباء قبلها. وتقول في الجزء: هذا الجز، ورأيت الجز، ومررت بالجز، وعليه ~~القراءة: "الذي يخرج الخب في السماوات والأرض"5. # وأما قراءة الزهري: "المر" بتشديد الراء فقياسه: أن يكون أراد تخفيف ~~المرء على قراءة الحسن وقتادة، إلا أنه نوى الوقف بعد التخفيف؛ فصار "المر" ~~ثم ثقل للوقوف على قول من قال: هذه خالد، وهو يجعل، ومررت بفرج6، ثم أجرى ~~الوصل مجرى الوقف فأقر التثقيل بحاله، كما جاء عنهم قوله: PageV01P101 # ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل1 # يريد: العيهل والكلكل، وكبيت الكتاب: # ضخما يحب الخلق الأضخما2 # فيمن فتح الهمزة3، يريد: الأضخم، فثقل ثم أطلق. # وفي هذا شذوذان؛ أحدهما: التثقيل في الوقف، والآخر: إجراء الوصل مجرى ~~الوقف؛ لأنه من باب ضرورة الشعر. # وأما قراءة ابن أبي إسحاق: المرء بضم الميم والهمز فلغة فيه، وكذلك من ~~قرأ: المرء بكسر الميم، ومنهم من يضم الميم في الرفع ويفتحها في النصب ~~ويكسرها في الجر فيقول: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت بالمرء؛ وسبب صنعة ~~هذه اللغة: أنه قد ألف الإتباع في هذا الاسم في نحو قولك: هذا امرؤ، ورأيت ~~امرأ، ومررت بامرئ، فيتبع حركة الراء حركة الهمزة، فلما أن تحركت الميم ~~وسكنت الراء لم يمكن الإتباع في الساكن فنقل الإتباع من الراء إلى الميم؛ ~~لأنها متحركة، فجرى على الميم لمجاورتها الراء ما كان يجري على الراء، كما ~~يقول ناس في الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر؛ لما جفا عليهم اجتماع الساكنين في ~~الوقف وشحوا على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقوف عليها نقلوها إلى الكاف، ~~وكما قال من قال في صوم: صيم، وفي قوم: PageV01P102 # قيم، لما جاورت العين اللام أجراها في الاعتلال مجرى عات وعتي1 وجاث2 ~~وجثي، وقد ذكرنا في تفسير ديوان ms069 المتنبي ما في هذا الحرف؛ أعني: المرء ~~والمرأة من اللغات. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "وما هم بضاري به من أحد"3. # قال أبو الفتح: هذا من أبعد الشاذ؛ أعني: حذف النون هاهنا، وأمثل ما يقال ~~فيه: أن يكون أراد: وما هم بضاري أحد، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف ~~الجر. # وفيه شيء آخر وهو أن هناك أيضا "21ظ" "من" في من أحد، غير أنه أجرى الجار ~~مجرى جزء من المجرور؛ فكأنه قال: وما هم بضاري به أحد، وفيه ما ذكرنا. # ومن ذلك قراءة قتادة وابن بريدة وأبي السمال: "لمثوبة4". # قال أبو الفتح: قد ذكرنا شذوذ صحتها عن القياس فيما مضى. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء5: "ما ننسخ من آية أو ننسها"6 مشددة السين. # وقرأ سعد بن أبي وقاص والحسن ويحيى بن يعمر: "أو تنسها" بتاء مفتوحة. # وقراءة سعيد بن المسيب والضحاك "تنسها" مضمومة التاء مفتوحة السين. # وفي حرف ابن مسعود: "ما ننسك من آية أو ننسخها". # قال أبو الفتح: أما "ننسها" فنفعلها من النسيان، فيكون فعلت في هذا ~~كأفعلت في قراءة أكثر القراء: "ننسها"، وهو في الموضعين على حذف المفعول ~~الأول؛ أي: أو ننس أحدا إياها؛ كقولك: ما نهب من قرية أو نقطعها؛ أي: أو ~~نقطع أحدا إياها. # ومن قرأ: "تنسها" أراد: أو تنسها أنت يا محمد. PageV01P103 # ومن قرأ "تنسها" مر أيضا على تنسها أنت، إلا أن الفاعل في المعنى هنا ~~يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون المنسي لها هو الله تعالى. # والآخر: أن يكون المنسي لها ما يعتاد بني آدم من أعراض الدنيا غما أو ~~هما، أو عدواة من إنسان، أو وسوسة من شيطان. # فأما قوله عز اسمه: {سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله} 1 فقد يمكن أن ~~يكون ما يحدثه من النسيان أعراض الدنيا مما شاء الله زيادة في التكليف، ~~وتعرضا بمقاساته ومقاومته للثواب. # ويدل على جواز كون المنسي هو الله تعالى -وإن كانت التلاوة "أو تنسها"- ~~قوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} 2، وقوله: {خلق الإنسان من عجل} 3 مع ms070 ~~قوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان} 4، وقال: {خلق الإنسان، علمه ~~البيان} 5. # ويؤكد هذا قراءة ابن مسعود: "ما ننسك من آية"، وفيه بيان، وقد يقول ~~الإنسان: ضرب زيد، وإن كان القائل لذلك هو الضارب، وهذا يدل على أن الغرض ~~هنا: أن يعلم أنه مضروب، وليس الغرض أن يعلم من ضربه؛ ولذلك بني هذا الفعل ~~للمفعول، وألغي معه حديث الفاعل؛ فقام في ذلك مقامه ورفع رفعه، فهذه طريق ~~ما لم يسم فاعله. # ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه سليمان بن أرقم6 عن أبي يزيد المدني عن ~~ابن عباس: "فأمتعه قليلا ثم اضطره"7، على الدعاء من إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم. # قال أبو الفتح: أما على قراءة الجماعة: {فأمتعه قليلا ثم أضطره} فإن ~~الفاعل في "قال" هو اسم الله تعالى؛ أي: لما قال إبراهيم: {رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} قال ~~الله: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار} . # وأما على قراءة ابن عباس: "فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار" فيحتمل ~~أمرين: PageV01P104 # أحدهما: وهو الظاهر، أن يكون الفاعل في "قال" ضمير إبراهيم عليه السلام؛ ~~أي: قال إبراهيم أيضا: ومن كفر فأمتعه يارب ثم اضطره يا رب "22و". # وحسن على هذا إعادة "قال" لأمرين: # أحدهما: طول الكلام، فلما تباعد آخره من أوله أعيدت "قال" لبعدها، كما قد ~~يجوز مع طول الكلام ما لا يحوز مع قصره. # والآخر: أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكأن ذلك أخذ في ~~كلام آخر، فاستؤنف معه لفظ القول، فجرى ذلك مجرى استئناف التصريع في ~~القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى؛ ولهذا ما1 يقول الشاعر في نحو ذلك: # فدع ذا ولكن هل ترى ضوء بارق2 # ويقول: # دع ذا وبهج حسبا مبهجا3 # فإذا جاز أن يصرع وهو في أثناء المعنى الواحد نحو قوله: # ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما ما لهن وما ليا # كان التصريع مع الانتقال من حال إلى حال ms071 أحرى بالجواز، فهذا أحد الوجهين. # وأما الآخر: فهو أن يكون الفاعل في "قال" ضمير اسم الله تعالى؛ أي: ~~فأمتعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر أو يا مالك أويا إله، يخاطب بذلك نفسه ~~-عز وجل- فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه؛ كقراءة من ~~قرأ: "قال اعلم أن الله على كل شيء قدير"4 أي: اعلم يا إنسان، وكقول ~~الأعشى: # وهل تطيق وداعا أيها الرجل5 PageV01P105 # وهذا يتصل بباب من العربية غريب لطيف وهو باب التجريد؛ كأنه يجرد نفسه ~~منه ثم يخاطبها، وقد ذكرنا هذا الباب في كتابنا الخصائص1. # وهذا وإن كان مما لا ينبغي أن يجرى في الحقيقة مثله على الله -سبحانه- ~~لأنه لا تجزؤ هناك؛ فإنه يجرى على عادة القوم ومذهب خطابهم، وقد نطقوا بهذا ~~نفسه معه -تقدست أسماؤه- أنشدنا أبو علي: # أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل2 # فجرى اللفظ على أنه جرد منه شيء يسمى حكما عدلا، وهو مع التحصيل على حذف ~~المضاف؛ أي: وفي عدل الله حكم عدل. فتفهم هذه المواضع، فإن قدر الإعراب ~~يضيع إلى معناها، وإن كان هو أول الطريق ونهجه إليها. # ويجوز في العربية: "ثم اضطرهي" بكسر الراء لالتقاء الساكنين، ثم تبين ~~الهاء بياء بعدها. # ويجوز أيضا: "ثم اضطره" تكسر الهاء ولا تتم الياء. # ويجوز: "اضطره" بكسر الراء وفتحها والهاء الساكنة. # ويجوز: "ثم اضطرهو" بضم الراء كما روينا عن قطرب أن بعضهم يقول: شم يا ~~رجل. # ويجوز الضم بلا واو. # ويجوز مع ضم الراء وفتحها تسكين الهاء. وقد ذكرت ذلك كله في أماكنه. # ومن ذلك قراءة ابن محصين: ثم "أطره"3 يدغم الضاد في الطاء. # قال أبو الفتح: هذه لغة مرذولة؛ أعني: إدغام الضاد في الطاء؛ وذلك لما ~~فيها من الامتداد والفشو؛ فإنها من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما ~~يجاورها، ولا تدغم هي فيما يجاورها. # وهي: الشين والضاد والراء والفاء والميم، ويجمعها في اللفظ قولهم: ضم ~~شفر، وقد أخرج بعضهم الضاد من ذلك وجمعها في قولهم: مشفر. # قال: لأنه ms072 قد حكي إدغام الضاد في الطاء في قولهم في "اضطجع": "22ظ" اطجع. ~~PageV01P106 # وأنشدوا قوله: # يا رب أباز من العفر صدع ... تقبض الظل إليه واجتمع1 # لما رأى أن لا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاطجع # ويروى: "فاضطجع" وهو الأكثر والأقيس. # ويروى أيضا: "فالطجع" يبدل أيضا اللام من الضاد. # فإن قيل: فقد أحطنا علما بأن أصل هذا الحرف اضتجع افتعل من الضجعة، فلما ~~جاءت الضاء قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء، فهلا لما زالت الضاد فصارت ~~بإبدالها إلى اللام ردت التاء فقيل: التجع، كما تقول: التجم والتجأ؟ # قيل: هذا إبدال عرض للضاد في بعض اللغات، فلما كان أمرا عارضا، وظلا في ~~أكثر اللغات خالصا؛ أقروا الطاء بحالها إيذانا بقلة الحفل بما عرض من ~~البدل، ودلالة على الأصل المنحو المتعمد، وله غير نظير. # ألا ترى إلى قوله: # وكحل العينين بالعواور2 # وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى بينهما ألف وقد جاوزت ~~الثانية PageV01P107 # الطرف، ولم يقلبها كما قلبها في أوائل، وأصلها أواول لما ذكرنا؛ إذ كان ~~الأصل هاهنا العواوير، وإنما حذفت الياء تخفيفا وهي مرادة، فجعل تصحيح ~~الواو في العواور دليلا على إرادة الياء في عواوير، وكما جعل حذف النون من ~~قوله: # إرهن بنيك عنهم أراهن بني1 # أراد: بني، فحذف الياء الثانية لتخفيف القافية، وترك أن يرد النون من ~~"بنين"؛ لأنه لم يبن الأمر على حذف الياء الثانية ألبتة؛ وإنما حذفها للوقف ~~على الحرف المشدد في الروي المقيد، وكما أنشدنا أبو علي للفرزدق من قوله: # تنظرت نصرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره2 # أراد: أيهما، فاضطر إلى تخفيف الحروف فحذف الياء الثانية، وكانت ينبغي أن ~~يرد الياء الأولى إلى الواو؛ لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسا واشتقاقا ~~جميعا أولى، ولم يقل: أوهما، فيرد الواو الأصلية؛ لأنه لم يبن الكلمة على ~~حذف الياء ألبتة، فيرد الواو، فيقول: أوهما؛ لأنه إنما اضطر إلى التخفيف ~~هناك وهو ينوي الحرف المحذوف كما ينوي الملفوظ به، ويأتي نظيره في سورة ~~القصص، وقد ذكرنا ms073 أخوات لهذا أكثر من عشر في كتاب الخصائص3؛ فلذلك قال: ~~فالطجع، فترك الطاء بحالها كما قدمنا ذكره. # ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: "وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا"4، وفيه: "والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم"5، وفيه: "والملائكة باسطو أيديهم يقولون ~~أخرجوا"6. # قال أبو الفتح: في هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول ~~مراد مقدر PageV01P108 # في نحول هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام ~~محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرا معه؛ وذلك كقول الشاعر: # رجلان من ضبة أخبرانا ... إنا رأينا رجلا عريانا1 # فهو عندنا نحن على: قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هناك؛ لكنه ~~لما كان أخبرانا في معنى قالا لنا؛ صار كأنه "22و": قالا لنا، فأما على ~~إضمار قالا في الحقيقة فلا. # وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما نقدره من القول؛ فصار ~~قاطعا على أنه مراد فيما يجري مجراه. # وكذلك قوله: # يدعون عنتر والرماح كأنها2 # فيمن ضم الراء من عنتر؛ أي: يقولون: يا عنتر، وكذلك من فتح الراء، وهو ~~يريد: يا عنترة. # وكذلك {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم} 3 أي: يقولون، وقد ~~كثر حذف القول من الكلام جدا. # ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس: سألت أبا عمرو عن {ويعلمهم الكتاب} ~~فقال: أهل الحجاز يقولون: "يعلمهم ويلعنهم"4 مثقلة، ولغة تميم: "يعلمهم ~~ويلعنهم. # قال أبو الفتح: أما التثقيل فلا سؤال عنه ولا فيه؛ لأنه استيفاء واجب ~~الإعراب؛ لكن من حذف فعنه السؤال، وعلته توالي الحركات مع الضمات، فيثقل ~~ذلك عليهم فيخففون بإسكان حركة الإعراب، وعليه قراءة أبي عمرو: "فتوبوا إلى ~~بارئكم"5 فيمن رواه بسكون الهمزة. وحكى أبو زيد: "بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون"6 بسكون اللام. # وأنشدنا أبو علي لجرير: PageV01P109 # سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب1 # يريد: تعرفكم. ومن أبيات الكتاب: # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من ms074 الله ولا واغل2 # أي: أشرب. # وأما اعتراض أبي العباس هنا على الكتاب، فإنما هو على العرب لا على صاحب ~~الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن في الوزن أيضا غيره. # وقول أبي العباس: إنما الرواية: "فاليوم فاشرب"، فكأنه قال لسيبويه: كذبت ~~على العرب، ولم تسمع ما حكيته عنهم. وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرف فقد ~~سقطت كلفة القول معه. # وكذلك إنكاره عليه أيضا قول الشاعر: # "وقد بدا هنك من المئزر3 PageV01P110 # فقال: إنما الرواية: # وقد بدا ذاك من المئزر # وما أطيب العرس لولا النفقة! # وكذلك الاعتراض عليه في إنشاده قوله: # لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب1 # وقول الأصمعي: "في الغواني ما" يريد: في الغواني2 أما، ويخفف الهمزة. ~~وقول غيره: "في الغوان أما"، ولو كان إلى الناس تخير ما يحتمله الموضع ~~والتسبب إليه لكان الرجل أقوم من الجماعة به، وأوصل إلى المراد منه، وأنفى ~~لشغب الزيغ والاضطراب عنه. # فأما قول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها3 # فحملوه على هذا؛ أي: أو يرتبط بعض النفوس حمامها؛ معناه: إلا أن يرتبط، ~~فأسكن المفتوح لإقامة الوزن واتصال الحركات. # وقد يمكن عندي أن يكون يرتبط عطفا على أرضها؛ أي: أنا تراك أمكنة إذا لم ~~أرضها ولم يرتبط نفسي حمامها؛ أي: ما دمت حيا فأنا متقلقل في الأرض من هذه ~~إلى هذه، ألا ترى إلى قوله: # قوال محكمة جواب آفاق4 # وهو كثير في الشعر، فكذلك قول بني تميم: "يعلمهم ويلعنهم" على ما ذكرنا. # ومن ذلك قراءة الزهري: "إلا ليعلم من يتبع الرسول"5 بياء مضمومة وفتح ~~اللام. "23ظ" # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون يعلم هنا بمعنى يعرف؛ كقوله: {ولقد علمتم ~~الذين PageV01P111 # اعتدوا منكم في السبت} 1 أي: عرفتم، وتكون "من" بمعنى الذي؛ أي: ليعرف ~~الذي يتبع الرسول، ولا تكون "من" هاهنا استفهاما؛ لئلا يكون الكلام جملة، ~~والجمل لا تقوم مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجيزوا أن يكون قوله2: "هذا باب علم ~~ما الكلم" أي: أي شيء الكلم، وعلم ms075 في معنى: أن يعلم، وقد ذكرنا ذاك هناك. # ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر وعاصم الجحدري وأبي رجاء ~~بخلاف: "وإله أبيك"3 بالتوحيد. # قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد بالتوحيد لا وجه له؛ وذلك أن أكثر القراءة: ~~{وإله آبائك} جمعا كما ترى، فإذا كان أبيك واحدا كان مخالفا لقراءة ~~الجماعة؛ فتحتاج حينئذ إلى أن يكون أبيك هنا واحدا في معنى الجماعة، فإذا ~~أمكن أن يكون جمعا كان كقراءة الجماعة، ولم يحتج فيه إلى التأول لوقوع ~~الواحد موقع الجماعة، وطريق ذلك أن يكون "أبيك" جمع أب على الصحة، على قولك ~~للجماعة: هولاء أبون أحرار؛ أي: آباء أحرار، وقد اتسع ذلك عنهم. ومن أبيات ~~الكتاب: # فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا4 # وقال أبو طالب: # ألم تر أني بعد هم هممته ... لفرقة حرمن أبين كرام5 # وقال الآخر: # فهو يفدى بالأبين والخال6 PageV01P112 # وقد أشبعنا هذا الموضع1 في شرح ديوان المتنبي. # ويؤكد أن المراد به الجماعة ما جاء بعده من قوله: {إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق} فأبدل الجماعة من أبيك، فهو جماعة لا محالة؛ لاستحالة إبدال الأكثر ~~من الأقل؛ فيصير قوله تعالى: "وإله أبيك " كقوله: وإله ذويك، هذا هو الوجه، ~~وعليه فليكن العمل. # ومن ذلك ما حكاه ابن مجاهد عن ابن عباس: أنه قال: لا تقرأ {فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به} 2؛ فإن الله ليس له مثل؛ ولكن اقرأ: "بما آمنتم به". # قال: وروى عنه أيضا أنه كان يقرأ: "بالذي آمنتم به". # قال: وقال عباس في مصحف أنس3 وأبي صالح وابن مسعود: "فإن آمنوا بما آمنتم ~~به". # قال أبو الفتح: هذا الذي ذهب إليه ابن عباس حسن؛ لكن ليس لأن القراءة ~~المشهورة مردودة. وصحة ذلك أنه إنما يراد: فإن آمنوا بما آمنتم به، كما ~~أرداه ابن عباس وغيره، غير أن العرب قد تأتي بمثل في نحو هذا توكيدا ~~وتسديدا، يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح4: مثلي لا يفعل هذا؛ أي: أنا ~~لا أفعله، ومثلك إذا سئل أعطى؛ أي: أنت كذاك، قال: # مثلي لا يحسن ms076 قولا فع فع5 # أي: أنا لا أحسنه. وفي حديث سيف بن ذي يزن: "أيها الملك، مثل من سر وبر" ~~أي: أنت كذاك. وهو كثير في الشعر القديم والمولد جميعا. PageV01P113 # وسبب توكيد هذه المواضع "بمثل" أنه يراد أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم ~~تثبيتا للأمر وتمكينا له، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم ترس فيه ~~قدمه، ولم يؤمن عليه انتقاله إلى ضده. # ومثل ذلك أيضا قولهم في مدح الإنسان: أنت من القوم الكرام، ومنزعك إلى ~~السادة؛ أي: لك في هذا الفعل سابقة وأول، فأنت مقيم عليه ومحقوق به، ولست ~~"24و" دخيلا فيه عن غير أول ولا أصل، فيخشى عليك نبوك عنه. # ولما أريد مثل هذا في الثناء على الله -تعالى- ولم يجز أن يكون تابعا ~~لسلف، ولا موجودا له فيه نظير؛ عدلوا به إلى وجه ثالث غير الاثنين ~~المذكورين؛ وهو أن جعل قديما فيه، راسخا عليه، فكان أثبت له من أن يكون -عز ~~وجهه- مبتدئه أو مرتجله، وذلك قوله تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} 1، ~~{وكان الله غفورا رحيما} 2 ونحو ذلك من الآى، فاعرف ذلك أولا ومبتكرا. ~~فكذلك قوله عز وجل: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} أي: كانوا ممن يؤمن بالحق ~~هذا الجنس على سعته وانتشار جهاته فقد اهتدوا. # ورحم الله ابن عباس! فإن هذا القول وإن كان اعتراضا عليه، فعنه أيضا أخذ ~~وإليه رد، وغير ملوم من نصر الجماعة، وبالله الحول والاستطاعة. # ومن ذلك قراءة الزهري: "لرووف"3 بلا همز، ويثقل. # قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون الهمزة فيه مخففة، فلما أخفاها التخفيف ظنت ~~واوا للطف هذا الموضع أن تضبطه القراء؛ وذلك أنا لا نعرف في غير هذه اللفظة ~~إلا الهمز، يقال: رؤف به، ورأف به، ورئف، ولم نسمع فيه راف4 ولا رفت، ~~والهمزة إذا خففت في نحو هذا لم تبدل، وإنما تخفى، كقولك في سئول فعول من ~~سألت: سوول، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة زيد بن علي عليه السلام: "ألا الذين ظلموا"5 بفتح الهمزة ~~خفيفة اللام، تنبيه. PageV01P114 # قال أبو ms077 الفتح: وجهه أن الوقوف في هذه القراءة على قوله تعالى: {لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة} ثم استأنف منبها فقال: "ألا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني"، كقولك مبتدئا: ألا زيد فأعرض عنه وأقبل علي، وكأنه -عليه ~~السلام- إنما رأى لقول الله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} ؛ فلو قال: ~~{إلا الذين ظلموا} لم يقو معناه عنده؛ لأنه لا حجة للظالمين على المطيعين، ~~والذي يقوي قراءة الجماعة قوله تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم} فهو معطوف على ~~قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} {ولأتم نعمتي عليكم} . وإذا كان ~~عطفا عليه فأن يكون فهي عقد واحد معه أولى من أن يتراخى عنه، ويكون قوله ~~على هذا: {إلا الذين ظلموا منهم} استثناء منقطعا؛ أي: لكن الذين ظلموا منهم ~~يعتقدون أن لهم حجة عليكم، فأما في الحقيقة وعند الله تعالى فلا. # فإن قلت: فقد فصل بقوله: {فلا تخشوهم واخشوني} ثم عطف بقوله: {ولأتم ~~نعمتي عليكم} ، وقد كرهت الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. # قيل: لما كان الأمر للمسلمين بترك خشية الظالمين إنما هو مسبب عن ظلمهم ~~اتصل به اتصال المسبب بسببه، فجرى مجرى الجزء من جملته، وليس كذلك استئناف ~~التنبيه بألا، ألا تراها إنما تقع أبدا في أول الكلام ومرتجلة؟ فاعرف ذلك ~~فرقا. # ومن ذلك قراءة علي وابن عباس -كرم الله وجوههما- بخلاف وسعيد بن جبير، ~~وأنس بن مالك، ومحمد بن سيرين1، وأبي بن كعب2، وابن مسعود، وميمون بن ~~مهران: "ألا يطوف بهما"3. "23ظ" # قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} تقربا ~~بذاك؛ أي: فلا جناح عليه أن يطوف بهما تقربا بذاك إلى الله تعالى؛ لأنهما ~~من شعائر الحج والعمرة، ولو لم يكونا من شعائرهما لكان التطوف بهما بدعة؛ ~~لأنه إيجاب أمر لم يتقدم إيجابه، وهذا PageV01P115 # بدعة، كما لو تطوف بالبصرة أو بالكوفة أو بغيرهما من الأماكن على وجه ~~القربة والطاعة كما تطوف بالحرم؛ لكان بذلك مبتدعا. # وأما قراءة من قرأ: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما"، فظاهره أنه مفسوح له ~~في ترك ms078 ذلك، كما قد يفسح للإنسان في بعض المنصوص عليه المأمور به تخفيفا؛ ~~كالقصر بالسفر، وترك الصوم، ونحو ذلك من الرخص المسموح فيها. # وقد يمكن أيضا أن تكون "لا" على هذه القراءة زائدة؛ فيصير تأويله وتأويل ~~قراءة الكافة واحدا؛ حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطوف بهما، وزاد "لا"، ~~كما زيدت في قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله} 1 أي: ليعلم. # وكقوله: # من غير لا عصف ولا اصطراف2 # أي: من غير عصف، وهو كثير. # ومن ذلك قراءة الحسن: "أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون"3. # قال أبو الفتح: هذا عندنا مرفوع بفعل مضمر يدل عليه قوله سبحانه: "لعنة ~~الله" أي: وتعلنهم الملائكة والناس أجمعون؛ لأنه إذا قال: عليهم لعنة الله، ~~فكأنه قال: يلعنهم الله، كما أنه قال: # تذكرت أرضا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها4 PageV01P116 # فقد علم أنها إذا تذكرت الأرض التي فيها أخوالها وأعمامها فقد دخلوا في ~~جميع ما وقع الذكر عليه، فقال بعد: تذكرت أخوالها وأعمامها. # وكانه لما قال: # أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كل ملث غادي # كل أجش حالك السواد1 # فقد سقى الأجش فرفعه بفعل مضر؛ أي: سقاها كل أجش. وهو كثير جدا. # ومن ذلك قراءة علي عليه السلام والأغرج، ورويت عن عمرو بن عبيد2: ~~"خطؤات"3 بضمتين وهمزة، وهي مرفوضة وغلط. # وقرأ أبو السمال: "خطوات" بفتح الخاء والطاء. # قال أبو الفتح: أما الهمز في هذا الموضع فمردود؛ لأنه من خطوات لا من ~~أخطأت، والذي يصرف هذا إليه أن يكون كما تهمزه العرب ولا حظ له في الهمز، ~~نحو: حلأت السويق، ورثأث روحي بأبيات، والذئب يستنشئ4 ريح الغنم. والحمل ~~على هذا فيه ضعف؛ إلا أن الذي فيه من طريق العذر أنه لما كان من فعل ~~الشيطان غلب عليه معنى الخطأ، فلما تصور ذلك المعنى أطلعت الهمزة رأسها، ~~وقيل: "خطؤات". # وأما خطوات فجمع خطوة، وهي الفعلة، والخطوة ما بين القدمين، والخطوات ~~كقولك: طرائق الشيطان، والخطوات كقولك: أفعال الشيطان. # ومن ذلك قراءة أبي وابن ms079 مسعود: "ليس البر بأن تولوا وجوهكم"5، قال ابن ~~مجاهد: فإذا كان هكذا لم يجز أن ينصب البر. # قال أبو الفتح: الذي قاله ابن مجاهد هو الظاهر في هذا؛ لكن قد يجوز أن ~~ينصب "24و" مع الباء، وهو أن تجعل الباء زائدة؛ كقولهم: كفى بالله؛ أي: كفى ~~الله؛ وكقوله تعالى: {وكفى بنا حاسبين} 6 أي: كفينا، فكذلك "ليس البر بأن ~~تولوا" بنصب البر كما في قراءة السبعة. PageV01P117 # فإن قلت: فإن "كفى بالله" شاذ قليل، فكيف قست عليه "ليس"، ولم نعلم الباء ~~زيدت في اسم ليس؛ إنما زيدت في خبرها، نحو قوله: {ليس بأمانيكم} 1؟ قيل: لو ~~لم يكن شاذا لما جوزنا قياسا عليه ما جوزناه؛ ولكنا نوجب فيه ألبتة واجبا، ~~فاعرفه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وعائشة -رحمهما الله- وسعيد بن المسيب، ~~وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير، ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختياني، ~~وعطاء: "يطوقونه"2. # وقرأ "يطوقونه" على معنى: يتطوقونه مجاهد. # ورويت عن ابن عباس، وعن عكرمة. # وقرأ "يطيقونه" ابن عباس بخلاف، وكذلك مجاهد وعكرمة. # وقرأ "يطيقونه" ابن عباس بخلاف. # قال أبو الفتح: أما عين الطاقة فواو؛ لقوهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي ~~به؛ وعليه من قرأ "يطوقونه" فهو يفعلونه منه، فهو كقوله: يجشمونه، ~~ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق في أعناقهم. # وأما "يطوقونه" فيتفعلونه منه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: ~~يتطوقونه، فأبدلت التاء طاء، وأدغمت في الطاء بعدها كقولهم: اطير يطير؛ أي: ~~يتطير. # وتجيز الصنعة أن يكون يتفوعلونه ويتفعولونه جميعا، إلا أن يتفعلونه ~~الوجه؛ لأنه الأكثر والأظهر. # وأما "يتطيقونه" فظاهره لفظا أن يكون يتفيعلونه، كتحيز أي تفيعل. # أنشدنا أبو علي للهذلي: # فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثبات عليه ذلها واكتئابها3 # فهذا تفيعلت من حاز يحوز، ومثله تفيهق. # وقد يمكن أن يكون أيضا يتطيقونه يتفعلونه، إلا أن العينين أبدلتا ياءين، ~~كما قالوا في تهور الجرف: تهير، وعلى أن أبا الحسن قد حكى هار يهير. ~~PageV01P118 # وقد يمكن أيضا أن يكون هار يهير من الواو فعل يفعل، كرأي الخليل في طاح ~~يطيح، وتاه يتيه. # وليس يقوى أن ms080 يكون تيطوقونه يتفوعلونه ولا يتفعولونه، وإن كان اللفظ هنا ~~كاللفظ بيتفعل؛ لقلته وكثرته. # ويؤنس بكون يتطيقونه يتفعلونه قراءة من قرأ: "يتطوقونه"، وكذلك يؤنس بكون ~~يطيقونه يفعلونه قراءة من قرأ: "يطوقونه"، والظاهر من بعد هذا أن يكون ~~يفيعلونه. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي} 1 يعني: آدم ~~-عليه السلام- لقوله تعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} 2. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على فساد قول من قال: إن لام ~~التعريف إنما تدخل الأعلام للمدح والتعظيم، وذلك تحو: العباس، والمظفر، وما ~~جرى مجراهما. ووجه الدلالة من ذلك: أن قوله "الناسي" إنما يعنى به آدم ~~-عليه السلام- فصارت صفة غالبة كالنابغة والصعق، وكذلك الحارث والعباس ~~والحسن والحسين، هي وإن كانت أعلاما فإنها تجري مجرى "25ظ" الصفات؛ ولذلك ~~قال الخليل: إنهم جعلوه الشيء بعينه؛ أي: الذي حرث وعبس، فمحمول هذا أن في ~~هذه الأسماء الأعلام التي أصلها الصفات معاني الأفعال؛ ولذلك لحقتها لام ~~المعرفة كما تعرف الصفات، وإذا كان فيها معاني الأفعال، وكانت الأفعال كما ~~تكون مدحا فكذلك ما3 تكون ذما، فهي تحقق في العلم معنى الصفة، مدحا كانت ~~الصفة أو ذما. # فالمدح ما ذكرناه من نحو: الحارث والمظفر والحسين والحسن، والذم ما جاء ~~في نحو قولهم: فلان بن الصعق؛ لأن ذلك داء ناله4، فهي بلوى، وأن يكون ذما ~~أولى من أن يكون مدحا، ألا ترى أن المدح ليس من مقاوم ذكر الأمراض ~~والبلاوي، وإنما يقال فيه: إنه كالأسد، وإنه كالسيف؟ ومنه عمرو بن الحمق، ~~فهذا ذم له لا مدح، وعلى أنهم قد قالوا في الحمق: إنه الصغير اللحية، ~~والمعنى الآخر أشيع فيه، ألا ترى إلى قوله: # فأما كيس فنجا ولكن ... عسى يغتر بي حمق لئيم؟ 5 # ومنه قولهم: فلان بن الثعلب، فدخلته اللام، هو علم لما فيه من معنى الخب ~~والخبث، PageV01P119 # وذلك عيب فيه لا ثناء عليه، والباب فيه فاش واسع؛ فقد صح إذن أن ما جاء ~~من الأعلام وفيه لام التعريف فإنما ذلك لما فيه من معنى ms081 الفعل والوصفية، ~~ثناء عليه كان ذلك أو ذما له، وإنما دعا الكتاب ونحوهم إلى أن قالوا: إن ~~دخول اللام هنا إنما هو لمعنى المدح أن كان أكثره كذلك؛ لأنه إنما العرف ~~فيه أن يسمى من الأسماء الحاملة لمعاني الأفعال مما كان فيه معنى المدح، لا ~~أن هذا مقصور على المدح دون الذم عندنا لما ذكرنا. # ومن ذلك ما روى ابن مجاهد عن الزمل بن جرول قال: سألت سالم بن عبد الله ~~بن عمر عن النفر فقرأ: "فمن تعجل في يومين فلثم عليه، ومن تأخر فلثم ~~عليه"1. # قال أبو الفتح: أصله قراءة الجماعة: {فلا إثم عليه} إلا أنه حذف الهمزة ~~ألبتة، فالتقت ألف "لا" وثاء "الاثم" ساكنين، فحذف الألف من اللفظ لالتقاء ~~الساكنين، فصارت "فلثم عليه". # وقد مر بنا من حذف الهمزة اعتباطا وتعجرفا من نحو هذا أشياء كثيرة؛ من ~~ذلك قراءة ابن كثير: "إنها لحدى الكبر"2، # فهذا في الحذف كقوله: "فلثم عليه"، إلا أن بينهما من حيث أذكر فرقا؛ وذلك ~~أن قوله: "لحدى الكبر" إنما فيه حذف الهمزة لا غير، وقوله: "فلثم عليه" ~~أصله "فلا إثم"، فلما حذف الهمزة تخفيفا -وإن لم يكن قياسا- التقت الألف مع ~~ثاء إثم وهي ساكنة، فحذفت الألف من "لا" لالتقاء الساكنين؛ فصار "فلثم ~~عليه". # ومثل ذلك سواء مذهب الخليل في "لن"، ألا ترى أن أصلها عنده "لا أن"، فلما ~~حذفت الهمزة التقت ألف "لا" مع نون "أن" فحذفت الالف من "لا" لالتقاء ~~الساكنين، وقد جاء نظيرا لهذا من حذف الهمزة شيء صالح الكثرة؛ منه قوله: # إن لم أقاتل فالبسوني برقعا3 # أراد: فألبسوني، ثم حذف الهمزة. # وأنشد أبو الحسن: # تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العجاج لهزملا4 PageV01P120 # أراد: لها أزملا، فحذف الهمزة. نعم، ثم حذف ألف "ها" لفظا لسكونها وسكون ~~الزاي من بعدها "26و" وعليه القراءة: "أريتك هذا الذي كرمت علي"1 يريد: ~~أرأيتك. # وأنشد أحمد بن يحيى: # أريتك إن شطت بك العام نية ... وغالك مصطاف الحمى ومرابعه # وجاء عنهم: سا يسو، وجا يجي، بحذف ms082 الهمزة فيهما، وقد أثبتنا من هذا حروفا ~~جماعة في كتابنا الخصائص2، وعلى كل حال فحذف الهمزة هكذا اعتباطا ساذجا ~~ضعيف في القياس، وإن فشا في بعضه الاستعمال. # ومن ذلك ما رواه هارون عن الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن: "ويهلك"3 ~~بفتح الياء واللام ورفع الكاف "الحرث والنسل" رفع فيهما. # قال ابن مجاهد: وهو غلط. # قال أبو الفتح: لعمري إن ذلك ترك لما عليه اللغة، ولكن قد جاء له نظير؛ ~~أعني قولنا: هلك يهلك، فعل يفعل، وهو ما حكاه صاحب الكتاب من قولنا: أبى ~~يأبى، وحكى غيره: قنط يقنط، وسلا يسلى، وجبا4 الماء يجباه، وركن يركن، وقلا ~~يقلى، وغسا 5 الليل يغسى. وكان أبو بكر يذهب في هذا إلى أنها لغات تداخلت؛ ~~وذلك أنه قد يقال: قنط وقنط، وركن وركن، وسلا وسلي، فتداخلت مضارعاتها، ~~وأيضا فإن في آخرها ألفا، وهي ألف سلا وقلا وغسا وأبي؛ فضارعت الهمزة نحو: ~~قرأ وهدأ. # وبعد، فإذا كان الحسن وابن أبي إسحاق إمامين في الثقة وفي اللغة؛ فلا وجه ~~لدفع ما قرآ به، لا سيما وله نظير في السماع. # وقد يجوز أن يكون يهلك جاء على هلك بمنزلة عطب، غير أنه استغنى عن ماضيه ~~بهلك، وقد ذكرنا نحو هذا في كتبانا المنصف6. PageV01P121 # ومن ذلك قراءة أبي السمال: "فإن زللتم"1 بكسر اللام. # قال أبو الفتح: هما لغتان: زللت وزللت، بمنزلة ضللت وضللت، إلا أن الفتح ~~فيهما أعلى اللغتين، واسم الفاعل منهما ضال، ولو جاء ضليل لكان قياسا على ~~ما جاء عنهم من فعيل في فعل من المضاعف، نحو: خف فهو خفيف، وعز فهو عزيز، ~~وقل فهو قليل، وجد فهو جديد، وذلك أنه قد جاء فعيل في فعل من غير المضاعف، ~~وذلك كسد البيع فهو كسيد، وفسد فهو فسيد، فلما جاء ذلك في غير المضاعف كان ~~المضاعف أولى به؛ لثقل الإدغام في ضال وفار، وقد ذكرنا ذلك مشروحا في غير ~~هذا الموضع من كلامنا. # ومن ذلك ما روي عن قتادة في قول الله سبحانه: "في ظلال من الغمام"2. ms083 # قال ابن مجاهد: هو جمع ظل. # قال أبو الفتح: الوجه أن يكون جمع ظلة، كجلة3 وجلال، وقلة وقلال؛ وذلك أن ~~الظل ليس بالغيم، وإنما الظلة الغيم، فأما الظل فهو عدم الشمس في أول ~~النهار، وهو عرض والغيم جسم. # ومن ذلك ما رواه ابن طاوس عن أبيه أنه قرأ: "ويسألونك عن اليتامى قل أصلح ~~إليهم خير"4. # قال أبو الفتح: خير مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أصلح إليهم فذلك ~~خير. وإذا جاز حذف هذه الفاء مع مبتدئها في الشرط الصحيح نحو قوله: # بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم5 # "26ظ" أي: فهو ظالم، كان حذف الفاء هنا، وإنما الكلام بمعنى الشرط لا ~~بصريح لفظه، أجدر وأحرى بالجواز. # وقال: "إليهم" لما دخله معنى الإحسان إليهم، وقد ذكرنا نحو ذلك كثيرا مما ~~هو محمول على المعنى. # ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب6: "وبعولتهن أحق"7 ساكنة التاء. ~~PageV01P122 # قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا في قراءة أبي عمرو: "يأمركم"، وأنشدنا فيه ~~الأبيات التي أحدها قول جرير: # سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب1 # أراد: لا تعرفكم، فأسكن الفاء استخفافا لثقل الضمة مع كثرة الحركات. # ومن ذلك ما رواه هارون عن أسيد عن الأعرج أنه قرأ: "لا تضار والدة"2 جزم، ~~كذا قال، جزم. # قال أبو الفتح: إذا صح سكون الراء في "تضار" فينبغي أن يكون أراد: لا ~~تضارر، كقراءة إبي عمرو، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفا، وينبغي أن تكون ~~المحذوفة الثانية؛ لأنها أضعف، وبتكريرها وقع الاستثقال. فأما قول الله ~~تعالى: {ظلت عليه عاكفا} 3 فإن المحذوف هي الأولى؛ وذلك أنهم شبهوا المضعف ~~بالمعتل العين، فكما قالوا: لست قالوا: ظلت، ومثله مست في مسست، وأحست في ~~أحسست، قال أبو زبيد: # خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن بن فهن إليه شوس4 # فإن قلت: فهلا كانت الأولى هي المحذوفة من تضارر كما حذفت الأولى من ظللت ~~ومسست وأحسست؟ # قيل: هذه الأحرف إنما حذفن لأنهن شبهن بحروف اللين، وحروف اللين ms084 تصح بعد ~~هذه الألف نحو: عاود وطاول وبايع وساير، والثانية في موضع اللام المحذوفة، ~~نحو: لا ترام. # فإن قيل: فكان يجب على هذا "لا تضار"؛ لأن الأولى مكسورة في الأصل؛ فيجب ~~أن تقر على كسرها. PageV01P123 # قيل: لا، بل لما حذفت الثانية وقد كانت الأولى ساكنة؛ لأنها كانت مدغمة ~~في الثانية أقرت على سكونها؛ ليكون دليلا على أنها قد كانت مدغمة قبل ~~الحذف، ولذلك نظائر منها قوله: # وكحل العينين بالعواور1 # صحح الواو الثانية وإن كانت تلي الطرف، وقبل الألف التي قبلها واو؛ لأنه ~~جعل الصحة في الواو دليلا على أنه أراد العواوير، ولو لم يرد لذلك لوجب أنه ~~يهمز فيقول: العوائر، كما همزوا في أوائل وأصلها أواول، وكما جعلوا صحة ~~العين في حول وعور دليلا على كون المثال في معنى ما لا بد من صحته، وهو ~~احول واعور، وكما جعلوا ترك رد النون في قوله: # ارهن بنيك عنهم أرهن بني2 # دليلا على أنه أراد بني، فلما حذف الياء الثانية التي هي ضمير المتكلم لم ~~يرجع النون من بنين؛ لأنه جعله دليلا على إرادة الياء في بني، وأنه إنما ~~حذفها للقافية، وهي في نفسه مرادة. وكما قال: # مال إلى أرطاة حقف فاضطجع3 # ثم أبدل الضاد لاما فقال: الطجع، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء ~~افتعل إلى اللفظ، وذلك "27و" أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة، فيظهر التاء ~~كما يقال: التجأ إليه والتفت والتقم؛ لكنه ترك الطاء بحالها تنبيها على أنه ~~يريد الضاد، وأنه لما أبدلها لاما اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت. # ولذلك نظائر كثيرة، فكذلك ترك الراء من "تضار"ساكنة كما كانت تكون ساكنة ~~لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم، وإذا كان نافع قد قرأ: "ومحياي ~~ومماتي"4 ساكن الياء من "محياي"، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من ~~"لا تضار" -وهو يريد تضار- أجدر. # وبعد هذا كله ففيه ضعف، ألا ترى أنك لو رخمت قاصا -اسم رجل- على قولك: يا ~~حار؛ لقلت: يا قاص، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه ms085 فاعل، وأصله قاصص، فمن ~~هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره. ~~PageV01P124 # وقد روي فيها تشديد الراء مع السكون، ويجب أن يكون هذا على نية الوقف ~~عليها، روي ذلك عن أبي جعفر يزيد بن القعقاع1. # ومن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب عليه السلام: ~~"والذين يتوفون منكم"2 بفتح الياء. # قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها. # قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على ~~حذف المفعول؛ أي: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال ~~"سبحانه": {فلما توفيتني كنت} 3، و {الذين تتوفاهم الملائكة} 4، وحذف ~~المفعول كثير من القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه، قال ~~تعالى: {وأوتيت من كل شيء} 5 أي: شيئا، وأنشدنا أبو علي للحطيئة: # منعمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبي6 # أي: تصون الكلام منها، وهو كثير جدا. # ومن ذلك قراءة الحسن: "أو يعفو الذي" 7 ساكنة الواو. # قال أبو الفتح: سكون الواو من المضارع في موضع النصب قليل، وسكون الياء ~~فيه أكثر، وأصل السكون في هذا إنما هو للألف؛ لأنها لا تحرك أبدا، وذلك ~~كقولك: أريد أن تحيا، وأحب أن تسعى، ثم شبهت الياء بالألف لقربها، فجاء ~~عنهم مجيئا كالمستمر، نحو قوله: # كأن أيديهن بالموماة ... أيدي جوار بتن ناعمات8 PageV01P125 # وقال الآخر: # كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق1 # وقال الأعشى: # إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا2 # فيمن رواه برفع الصدر. # وقال الآخر: # حدبا حدابير من الوخشن ... تركن راعيهن مثل الشن3 # وقال الآخر: # يا دار هند عفت إلا أثافيها4 # وقال رؤبة: # سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق5 # وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء في موضع النصب من أحسن ~~الضرورات؛ وذلك لأن الألف ساكنة في الأحوال كلها، فكذلك "26ظ" جعلت هذه، ثم ~~شبهت الواو في ذلك بالياء، فقال الأخطل: # إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها ms086 ... رفعن، وأنزلن القطين المولدا6 ~~PageV01P126 # وقال الآخر: # فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب1 # فعلى ذلك ينبغي أن تحمل قراءة الحسن: "أو يعفو الذي"، فقال ابن مجاهد: ~~وهذا إنما يكون في الوقف، فأما في الوصل فلا يكون، وقد ذكرنا ما فيه، وعلى ~~كل حال فالفتح أعرب: "أو يعفو الذي". # ومن ذلك قراءة علي -عليه السلام- وأبي رجاء وجؤية بن عائذ2: "ولا تناسوا ~~الفضل بينكم"3. # قال أبو الفتح: الفرق بين تنسوا وتناسوا أن تنسوا نهي عن النسيان على ~~الإطلاق: انسوه أو تناسوه. # فأما تناسوا فإنه نهي عن فعلهم الذي اختاروه، كقولك: قد تغافل وتصام ~~وتناسى: إذا أظهره من فعله، وتعاطاه وتظاهر به، وأما تفعل فإنه تعمل الأمر ~~وتكلفه، كقوله: # ولن تستطيع الحلم حتى تحلما4 # أي: حتى تكلفه. # ومثل الأول قوله: # إذا تخازرت وما بي من خزر5 # فإن قيل: ومن ذا الذي يتظاهر بنسيان الفضل؟ # قيل: معناه -والله أعلم- إنكم إذا استكثرتم من هجر الفضل، وتثاقلتم عنه؛ ~~صرتم كأنكم متعاطون لتركه، متظاهرون بنسيانه. وهذا كقولك للرجل يكثر خطؤه: ~~أنت تتحايد الصواب توقي، عرف به، وأنت معتمل لما لا يحسن، وإن لم يقصد هو ~~لذلك. PageV01P127 # ويحسن هذه القراءة: أنك إنما تنهى الإنسان عن فعله هو، والتناسي من فعله، ~~فأما النسيان فظاهره أنه من فعل غيره به، فكانه أنسي فنسي، قال الله ~~سبحانه: {وما أنسانيه إلا الشيطان} 1. # وزاد في حسنه شيء آخر؛ وهو أن المأمور هنا جماعة، وتفاعل لائق بالجماعة؛ ~~كتقاطعوا وتواصلوا وتقاربوا وتباعدوا. فأما قوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا} 2 فلاق به فعل "نسي"؛ لأن المأمور هنا واحد، ولأن العرف والعادة أن ~~الإنسان لا يكاد يحض على ما هو حلال له؛ بل الغالب المعتاد أن يكف عما ليس ~~له تناوله، وعليه وضع التكليف لما يستحق عن الطاعة فيه من الثواب، قال ~~تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة} 3، وقال: ~~{خذ العفو وأمر بالعرف} 4، والآي في ذلك كثيرة. # فقوله إذن: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} ms087 3 أي: لك فيها حظ وحلال فتناوله، ~~فلا بأس بتناول الحلال. # ولو قيل: "ولا تناس نصيبك" لكان فائدته: لا تظهر سهوك عنه، وتتظاهر ~~بنسيانك إياه، وذلك إذا ترك الحلال وهو في صورة الساهي عنه لم تكن له في ~~النفوس منزلة الذي يتركه وهو عالم بحله له، وإباحته إياه، هذا هو العادة ~~والعرف فيما يتعاطاه أهل الدنيا بينهم. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحن السلمي: "ألم تر إلى الملأ"5 ساكنة الراء. ~~"27و" # قال أبو الفتح: هذا لعمري هو أصل الحرف: رأى يرأى كرعى يرعى، إلا أن أكثر ~~لغات العرب فيه تخفيف همزته؛ بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها على ~~عبرة التخفيف في نحو ذلك، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وهو ~~قولهم: انت ترى وهو يرى ونحن نرى، وكذلك أفعل منه، كقول الله سبحانه: ~~{لتحكم بين الناس بما أراك الله} 6 وأصله: أرآك الله، وحكاها صاحب الكتاب ~~عن أبي الخطاب7، ثم إنه قد جامع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها، ~~وذلك كقول سراقة البارقي: # أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات8 PageV01P128 # فخفف أري، وحقق ترأياه كقولك: ترعياه، ورواه1 أبو الحسن ترياه على زحاف ~~الوافر، وأصله "ترأياه" على أن مفاعلتن لحقها العصب بسكون لامها؛ فنقلت إلى ~~مفاعي لن، ورواية أبي الحسن: "بما لم ت" مفاعيل؛ فصار الجزء بعد العصب إلى ~~النقص. # وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: # ألم ترء ما لاقيت والدهر أعصر ... ومن يتمل العيش يرء ويسمع2 # فأخرجه على أصله. وقرأت عليه عنه أيضا: # هل ترجعن ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا # إذ نحن في غرة الدنيا وبهجتها ... والدار جامعة أزمان أزمانا # ثم استمر بها شيحان مبتجح ... بالبين عنك بما يرآك شنآنا3 # وقال آخر، وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى فيما أظن: # ألا تلك جارتنا بالغضا ... تقول أترأينه لن يضيعا4 # وله نظائر مما خرج من هذا الأصل على أولية حاله. # ومن ذلك قال أبو بكر بن مجاهد: "التابوت"5 ms088 بالتاء قراءة الناس جميعا، ~~ولغة للأنصار6 "التابوه" بالهاء. # قال أبو الفتح: أما ظاهر الأمر، فأن يكون هذان الحرفان من أصلين؛ أحدهما: ~~ت ب ت، والآخر: ت ب ه، ثم من بعد هذا فالقول أن الهاء في "التابوه" بدل من ~~التاء في "التابوت"، وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كل واحد من التاء والهاء ~~حرف مهموس، ومن حروف الزيادة في غير هذا الموضع، وأيضا فقد أبدلوا الهاء من ~~التاء التي للتأنيث في الوقف، فقالوا: حمزه، PageV01P129 # وطلحه، وقائمه، وجالسه، وذلك منقاد مطرد في هذه التاء عند الوقف، ويؤكد ~~هذا أن عامة عقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول في الفرات: الفراه، ~~بالهاء في الوصل والوقف. # وزاد في الأنس بذلك أنك ترى التاء في الفرات تشبه في اللفظ تاء فتاة ~~وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخر الآخر أبدل التاء هاء، ثم جرى على ~~ذلك في الوصل؛ لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلة علة، فيراعى حال الوقف ~~من حال الوصل ويفصل بينهما، فأشبه ذلك قولهم في صبيان وصبية: صبينا وصبية؛ ~~وذلك أن الأصل صبوان وصبوة، ثم قلب الواو ياء استخفافا للكسرة قبلها، ولم ~~يعتد بالساكن بينهما حاجزا لضعفه، ثم لما ضموا "28ظ" وزال الكسر أقروا ~~الياء بحالها؛ جنوحا إليها لخفتها، ولعلمهم أيضا أن البدل من الواو لم يكن ~~عن استحكام علة فيعادوا الأصل لزوالها، فلما تصوروا ضعف سبب القلب قنعوا1 ~~أنفسهم بالعدول إلى جهة الياء، فقالوا: صبيان وصبية، حتى كأن قائلا قال ~~لهم: هلا لما زالت الكسرة راجعتم الواو، فقالوا: أوكان القلب إنما كان عن ~~وجوب أحدثته الكسرة حتى إذا فارقناها عاودنا الواو؟ إنما كان استحسانا، ~~وكذلك فليكن مع الضمة أيضا استحسانا. # ومن ذلك ما روي عن الزهري والأعرج وأبي جعفر بخلاف عنهم: "ولا يووده ~~حفظهما"2 بلا همز، ولم يقل: كيف قالوا؟ # قال ابن مجاهد: من لم يهمز قال: "يووده" فخلف الهمزة بواو ساكنة، فجمع ~~بينها وبين الواو، فيجتمع ساكنان، فإن شاء ضمها فقال: "يووده"، ومن ترك ~~الهمز أصلا قال: "يوده"3. ms089 # قال أبو الفتح: خلط ابن مجاهد في هذا التفسير تخليطا ظاهرا غير لائق بمن ~~يعتد إماما في روايته، وإن كان مضعوفا في فقاهته؛ وذلك أن قوله تعالى: ~~{يؤوده} لك فيه التحقيق والتخفيف، فمن حقق أخلصها همزة، قال: {يؤوده} ~~كيعوده، ومن خفف جعل الهمزة بين بين؛ أي: بين الهمزة والواو؛ لأنها مضمومة، ~~فجرى مجرى قولك في تخفيف لؤم: لوم، وفي مئونة: موونة، ولا يخلصها واوا ~~لأنها مضمومة، فقوله: بلا همز؛ أي: يخففها، كذا أحسن الظن بهؤلاء المشيخة. ~~PageV01P130 # فأما ترك الهمز أصلا فشاذ، وينبغي لمن هو دونهم أن يصان عن أن يظن ذلك ~~به، فقول ابن مجاهد: إنه يخلف من الهمزة واو ساكنة فيجتمع ساكنان شديد ~~الاضطراب؛ وذلك أنه قد سبق أن سبيل هذا أن يخفف ولا يبدل، وإذا كان مخففا ~~فالواو متحركة لا ساكنة، فلا ساكنين هناك أصلا. # نعم، ثم لما قال: إنه يجتمع ساكنان لم يذكر ماذا يعمل فيهما؟ قال: وإن ~~شاء ضمها فقال: "يووده"، وهذا هو الذي ينبغي أن يعمل عليه؛ ولكن ينبغي أن ~~يعلم أنه لا يضم الواو؛ بل الضمة على الهمزة، إلا أنها مخففة فقربت بذلك من ~~الواو لضعفها مع ضمها. # وقوله فيما بعد: ومن ترك الهمز أصلا قال: "يوده" يؤكد ما كنا قدمناه من ~~أن قوله: لا يهمز، إنما يريد به التخفيف لا يريد البدل والحذف، ولولا ذلك ~~لم يقل: ومن ترك الهمز أصلا، فقوله: "أصلا" يدل على أنه لا يريد التخفيف ~~الذي كان قدمه. # وبعد، فمن ترك الهمزة أصلا؛ أي: حذفها ألبتة كما يحذفها من قولهم: لاب ~~لك؛ أي: لا أب لك، ومن قولهم: ويلمه، وأصلها: ويل لأمه، ومن قولهم: ناس ~~وأصلها أناس، والله في أحد قولي سيبويه الذي أصله فيه إله، وغير ذلك، فإنه ~~إذا هو حذفها بقيت بعدها الواو التي هي عين الفعل ساكنة فصارت: "يوده" ~~ومثاله على هذا اللفظ يعله، وأصل هذا كله يأوده كيعوده، يفعله كيقتله ~~ونعبده، ثم نقلت الضمة من الواو التي هي عين الفعل "28و" إلى الهمزة التي ~~هي ms090 فاء فعله، كما نقلت في يعود من الواو إلى العين فصارت "يئوده" كيعوده، ~~ووزنه الآن يفعله، هكذا محصول لفظه، فإذا هو حذف الهمزة ألبتة -وهي فاء ~~الفعل- بقي يوده في ومن يعله، والفاء على ما مضى محذوفة، وعلى أن هذا الحذف ~~لا يقدم أحد عليه قياسا لنكارته وضيق العذر في اقتباسه، اللهم أن يسمع شيء ~~منه فيودى على ما فيه، ويشرح حديثه بواجب مثله، ولا يحمل سواه على مثل ~~حاله. # ومن ذلك ما رواه جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأها: "أولياؤهم ~~الطواغيت"1. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يفهم هذا الموضع؛ فإن فيه صنعة؛ وذلك أن الطاغوت ~~وزنها في الأصل فعلوت، وهي مصدر بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، وقد ~~يقال فيها: الرغبوتى والرهبوتى والرحموتى، ويدل على أنها في الأصل مصدر ~~وقوع الطاغوت على الواحد والجماعة PageV01P131 # يلفظ واحد، فجرى لذلك مجرى قوم عدل ورضا، ورجل عدل ورضا، ورجلان عدل ~~ورضا، فأما أصلها فهو طغيوت؛ لأنها من الياء، ويدل على ذلك قوله عز وجل: ~~{في طغيانهم يعمهون} 1، هذا أقوى اللغة فيها؛ لأن التنزيل ورد به. # وروينا عن قطرب وغيره فيها الواو، طغا يطغو طغوا، وقد يجوز على هذا أن ~~يكون أصله: طغووت، كفعلوت من غزوت: غزووت، وأنا آنس بالواو في هذه اللفظة ~~لما أذكره لك بعد. ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت بعد القلب طيغوت ~~أو طوغوت، فلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت في اللفظ ألفا؛ ~~فصارت طاغوت كما ترى. ووزنها الآن بعد القلب فلعوت، ومثالها من ضربت: ~~ضربوت، ومن قتلت قتلوت، هذا إلى هنا بلا خلاف. # وإذا جمع فصار طواغيت احتاج إلى نظر؛ فأما على أن يكون من طغوت فلا سؤال ~~فيه؛ وذلك أن الألف على هذا كانت بدلا من لام طغوت، فلما احتاج إلى تحريك ~~الألف المنقلبة عنها ردها إلى أصلها وهو الواو، فقال: طواغيت، ووزنها الآن ~~فلاعيت، ولو جاءت على واجب أصلها لكان طغاويت أو طغاييت، كقولك في ملكوت لو ~~كسرتها: ملاكيت، ولو قلبت الواحد على ms091 حد قلب الطاغوت لقلت: مكلوت، وإن جمعت ~~على هذا -أعني مقلوبا- قلت: مكاليت، هذا على أن لام طاغوت واو، ماض منقاد ~~على ما تراه. # لكن من ذهب إلى أن لام طاغوت ياء وجب عليه أن يجيب عن قلب الألف من طاغوت ~~واوا في قولهم: طواغيت، وكان قياسه على الطغيان أن يكون طياغيت. # والجواب: أن طاغوتا وإن كان من ط غ ى فإنه بعد نقله وقلبه قد صار كأنه ~~فاعول، فلما كسر قلبت ألفه واوا كما تقلب في نحو تكسير عاقول وعواقيل2، ~~وراقود3 ورواقيد، وهذا الشبه اللفظي كثير عنهم فاش متعالم بينهم؛ ألا تراهم ~~قالوا: مررت بمالك فأمالوا لشبهها بألف مالك، وقالوا: طلبتا وعتتا4، ~~فأمالوا لشبه "28ظ" آخره بألف سكرى وبشرى؟ فكذلك شبهوا ألف طاغوت بألف ~~جاموس وعاقول. # وحكى يونس في تحقير الناب نويب؛ وذلك أنه حمل الألف هنا إذا كانت عينا ~~على أحكام ما يكثر؛ وهو قلب العين عن الواو في غالب الأمر، وهو: باب ودار ~~وساق ونار، فقال: PageV01P132 # نويب، وإن كان من الياء حملا على الباب الأكثر، وهو قولك في مال: مويل، ~~وفي ساق: سويقة، وفي دار: دوبرة. # وروينا عن قطرب في كتابه الكبير: طغى يطغى ويطغو، وطغيت وطغيت وطغوت ~~طغيانا وطغوانا وطغوا وطغوا وطغوى، فاعلم. # وألقى علينا أبو علي بحلب سنة ست وأربعين الكلام في طغيان، واعتزم في ~~اللام الياء، فقال له فتى كان هناك من أهل منبج: فقد قالوا الطغوى، فقال ~~أبو علي: خذ الآن إليك، هذا تصريفي، ينكر عليه احتجاجه بذلك؛ أي: ألا تعلم ~~أن طغوى اسم، وأن فعلى إذا كانت اسما وكانت لامها ياء فإنها تقلب إلى ~~الواو، نحو: التقوى والبقوى والفتوى والرعوى والثنوى والعوى1. وبعد، فإن ~~كانت طغوى من طغوت فواوه أصلية كواو العدوى والدعوى، وإن كانت من طغيت ~~فإنها بدل من الواو كالفتوى وبابها. # وأما الطواغي فجمع طاغية، قال الله سبحانه: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} ~~2 فهو يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون أهلكوا بطغيانهم، كقولك: أهلكوا بالبلية الطاغية؛ أي: ~~التي لا قبل لهم بها. ms092 # والآخر: أن يكون أهلكوا بطغيانهم؛ أي: بكفرهم. # ومثل الطاغية وكونها مصدرا على فاعلة قوله: "لا يسمع فيها لاغية"3 أي: ~~لغو، وتكسير اللاغية لواغ، كعافية وعواف، وعاقبة وعواقب، ومثل الطاغوت ~~الحانوت، وهي فعلوت من حنوت؛ وذلك أن الحانوت يشتمل على من فيه، فكأنه يحنو ~~عليه، فهي من الواو، وقلبت لامها إلى موضع العين فصار حونوت، ثم قلبت الواو ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت حانوت. PageV01P133 # وقول علقمة: # حانية حوم1 # منسوب إلى حانية فاعلة من هذا اللفظ والمعنى، ألا ترى إلى قول عمارة: # وكيف لنا بالشرب فيها وما لنا ... دوانيق عند الحانوي ولا نقد # فأما الحانة فمحذوفة من الحانية، ومثالها فاعة، ومثلها البالة من قولهم: ~~ما باليت بهم بالة، أصلها: بالية فاعلة من هذا الموضع، ثم حذفت اللام ~~تخفيفا، وإلى مثل ذلك ذهب الكسائي في "آية" أنها محذوفة من فاعلة: آيية. # ومن ذلك قراءة ابن السميفع2: "فبهت الذي كفر"3 بفتح الباء والهاء والتاء، ~~وكذلك قرأ أيضا نعيم بن ميسرة4، وقرأنة أبو حيوة شريح بن يزيد: "فبهت" بفتح ~~الباء وضم الهاء، والقراءة العامة: "فبهت". # قال أبو الفتح: زاد أبو الحسن الأخفش قراءة أخرى لا يحضرني الآن ذكر ~~قارئها، لم يسندها5 أبو الحسن: "فبهت" بوزن علم، فتلك أربع قراءات. # فأما "بهت" قراءة الجماعة، فلا نظر فيها. # وأما "بهت" فبمنزلة خرق وفرق وبرق. # وأما "بهت" فأقوى "29و" معنى من بهت؛ وذلك أن فعل تأتي للمبالغة كقولهم: ~~قضو الرجل إذا جاد قضاؤه، وفقه إذا قوي في فقهه، وشعر إذا جاد شعره. وروينا ~~عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: أن العرب تقول: PageV01P134 # ضربت اليد: إذا جاد ضربها، وكذلك بهت: إذا تناهى في الخرق والبرق والحيرة ~~والدهش. # وأما "بهت" فقد يمكن أن يكون من معنى ما قبله، إلا أنه جاء على فعل كذهل ~~ونكل وعجز وكل ولغب، فيكون على هذا غير متعد كهذه الأفعال. # وقد يمكن أن يكون متعديا ويكون مفعوله محذوفا؛ أي: فبهت الذي كفر إبراهيم ~~عليه السلام. # فإن قيل: فكيف يجوز على ms093 هذا أن يجتمع معنى القراءتين؟ ألا ترى أن بهت قد ~~عرف منه أنه كان مبهوتا لا باهتا، وأنت على هذا القول تجعله الباهت لا ~~المبهوت. # قيل: قد يمكن أن يكون معنى قوله: بهت أي رام أن يبهت إبراهيم عليه ~~السلام، إلا أنه لم يستو له ذلك، وكانت الغلبة فيه لإبراهيم عليه السلام. # وجاز أن يقول: بهت، وإنما كانت منه الإرادة، كما قال جل وعز: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} 1 أي: إذا أردتم القيام إليها، كقوله: {فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله} 2 أي: إذا أردت قراءته، فاكتفى بالمسبب3 الذي هو ~~القيام، والقراءة من السبب الذي هو الإرادة. # وقد أفردنا لهذا الموضع بابا في كتابنا الخصائص4. # ويجوز جوازا حسنا أن يكون فاعل "بهت" إبراهيم؛ أي: فبهت إبراهيم الكافر؛ ~~ليلتقي معنى هذه القراءة مع معنى الأخرى التي هي: "فبهت الذي كفر"، وعليه ~~قطع أبو الحسن. # فإن قيل: فما معنى هذا التطاول والإبعاد في اللفظ، ولم يقل: "بهت" ~~وإبراهيم عليه السلام هو الباهت؟ # قيل: إن الفعل إذا بني للمفعول لم يلزم أن يكون ذلك للجهل بالفاعل؛ بل ~~ليعلم أن الفعل قد وقع به، فيكون المعنى هذا لا ذكر الفاعل، ألا ترى إلى ~~قول الله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} 5، وقوله: {خلق الإنسان من عجل} 6، ~~وهذا مع قوله عز وجل: {لقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} 7، وقال ~~سبحانه: {خلق الإنسان من علق} 8، فالغرض في نحو هذا المعروف الفاعل إذا بني ~~للمفعول إنما هو الإخبار عن وقوع الفعل به حسب، وليس الغرض فيه ذكر من ~~أوقعه به، فاعرف ذلك. PageV01P135 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "فصرهن"1 مكسورة الصاد مشددة الراء وهي متفوحة، ~~وقراءة عكرمة: "فصرهن إليك" بفتح الصاد، وقال: قطعهن، وعن عكرمة أيضا: ~~"فصرهن" ضم الصاد وشدد الراء، ولم يقل مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، قال: ~~وهو يحتمل الثلاثة، كمد ومد ومد. # قال أبو الفتح: أما "فصرهن" بكسر الصاد وتشديد الراء فغريب؛ وذلك أن يفعل ~~في المضاعف المتعدي شاذ قليل، وإنما بابه فيه يفعل، ms094 كصب الماء يصبه، وشد ~~الحبل يشده، وفر الدابة يفرها2، ثم إنه قد مر بي مع هذا من يفعل في المتعدي ~~حروف صالحة؛ وهي: ثم الحديث ينمه وينمه، وعله بالماء يعله ويعله، وهر الحرب ~~يهرها ويهرها3، وغذ العرق الدم يغذه ويغذه4 "29ظ". وقالوا: حبه ويحبه ~~بالكسر لا غير، وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن أن بعضهم قرأ: "لن يضروا ~~الله شيئا"5 بكسر الضاد في أحرف سوى هذه، ولمجيء المتعدي من هذا مضموما ~~-وبابه وقياسه الكسر- نظر ليس هذا موضعه، فيكون صرهن من هذا الباب على صره ~~يصره. # وأما "صرهن" بضم الصاد فعلى الباب؛ أعني: ضم عين يفعل في مضاعف المتعدي، ~~والوجه ضم الراء لضمة الهاء من بعدها، والفتح والكسر من بعد. # وأما "فصرهن" فهذا فعلهن6 من صرى يصري: إذا حبس وقطع. قال: # رب غلام قد صرى في فقرته ... ماء الشباب عنفوان سنبته7 PageV01P136 # أي: حبسه وقطعه، ومنه الشاة المصراة؛ أي: المحبوسة اللبن المقطوعته في ~~ضرعها عن الخروج. # وماء صرى وصرى: إذا طال حبسه في موضعه، ومنه الصراء للملاح1؛ وذلك أنه ~~يمسك السفينة ويحفظها ويصريها عما يدعو إلى هلاكها. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر والزهري: "جزا"2. # قال أبو الفتح: أصله الهمز جزءا، ثم خففت همزته على قولك في تخفيف الخبء: ~~الخب، ثم إنك إذا خففت نحو ذلك ووقفت عليه كان لك فيه السكون على العبرة، ~~وإن شئت الإشمام الجز، وإن شئت روم الحركة الجز، وإن شئت التشديد على خالد ~~وهو يجعل، فيقول على هذا: الجز، ثم إنه وصل على وقفه، فقال: جزا. # ومثله مما أجرى في الوصل مجراه في الوقف من التشديد، ما أنشدناه أبو علي ~~وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد ين يحيى: # ببازل وجناء أبو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل3 # يريد: العيهل والكلكل. # وفيها ما قرأته على أبي بكر دون أبي علي: # تعرضت لي بمجاز حل ... تعرض المهرة في الطول4 # وفيها: # ومقلتان جونتا المكحل # وقد كان ينبغي إذ كان إنما شدد عوضا من الإطلاق أن إذا أطلق عاد إلى ms095 ~~التخفيف، إلا أن العرب قد تجري الوصل مجرى الوقف تارة، الوقف مجرى الأصل، ~~فعلى هذا وجه القراءة المذكورة "جزا"، فاعرفه. # ومن ذلك قراءة سعيد بن المسيب والزهري: "كمثل صفوان عليه تراب"5 بفتح ~~الفاء. PageV01P137 # قال أبو الفتح: أكثر ما جاء فعلان في الأوصاف والمصادر؛ فالأوصاف كقولهم: ~~رجل شقذان للخفيف، وقالوا: أكذب من الأخيذ الصبحان1 بفتح الباء كما ترى، ~~وقد روي الصبحان بتسكينها، ويوم صخدان ولهبان لشدة الحر، وعير فلتان2، ورجل ~~صميان: ماض منجرد. # وأما المصادر فنحو الوهجان والنزوان والغليان والغثيان والقفزان ~~والنقران. والمعنى -في الوصف والمصدر جميعا من هذا المثال- الحركة والخفة ~~والإسراع، وهو في الأسماء غير الصفات والمصادر قليل، غير أنهم قد قالوا: ~~الورشان3 والكروان والشبهان لضرب من النبت4، وقيل: الشبهان بضم الباء، ~~وقالوا: العنبان للتيس من الظباء النشيط، فإذا كان كذلك كان الصفوان أيضا ~~مما جاء من غير الأوصاف والمصادر على فعلان. # ومن ذلك قراءة "30و" الزهري ومسلم بن جندب5: "ولا تيمموا الخبيث"6 بضم ~~التاء وكسر الميم. # قال أبو الفتح: فيها لغات: أممت الشيء ويممته وأممته ويممته وتيممته، ~~وكله قصدته. # قال الأعشى: # تؤم سنانا وكم دونه ... من الأرض محدودبا غارها7 # وقال الآخر: # يممت بها أبا صخر بن عمرو PageV01P138 # وقال: # تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طام1 # الأم: القصد، ومثله الأمت، ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد، والإمام ~~أيضا: خيط البناء؛ لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه، والأمة: الطريقة لأنها ~~متعمدة، قال الله سبحانه: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} 2 أي: على طريقة ~~مقصودة. # ومن ذلك قراءة الزهري: "إلا أن تغمضوا فيه"3 بفتح التاء من غمض، وروي ~~أيضا: "تغمضوا فيه" مشددة الميم، وقرأ قتادة: "إلا أن تغمضوا فيه" بضم ~~التاء وفتح الميم. # قال أبو الفتح: أما قراءة العامة؛ وهي: {إلا أن تغمضوا فيه} فوجهها أن ~~تأتوا غامضا من الأمر لتطلبوا بذلك التأول على أخذه، فأغمض على هذا: أتى ~~غامضا من الأمر، كقولهم: أعمن الرجل: أتى عمان، وأعرق: أتى العراق، وأنجد: ~~أتى نجدا، وأغار: أتى الغور. واختيار الأصمعي هنا غار، وليس ms096 هذا على قول ~~الأصمعي أتى الغور، وإنما هو غار؛ أي: غمض وانشام4 هناك، كقولك: ساخ وسرب، ~~ولو أراد معنى صار إلى هناك لكان أغار، كما قال: # نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا5 # ورواية الأصمعي: غار، على ما مضى، وليس المعنى على ما قدمنا واحدا. # وأما "تغمضوا فيه" فيكون منقولا من غمض هو وأغمضه غيره، كقولك: خفي ~~وأخفاه غيره، فهو كقراءة من قرأ: "أن تغمضوا فيه"، ولم يذكر ابن مجاهد هل ~~الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ في هذا غمض الشيء يغمض، ~~كغار يغور، ودخل يدخل، وكمن يكمن، وغرب يغرب. # والمعنى: أن غيرهم يغمضهم فيه من موضعين: # أحدهما: أن الناس يجدونهم قد غمضوا فيه، فيكون من أفعلت الشيء وجدته ~~كذلك، كأحمدت الرجل: وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما، ومنه قوله: # وقوم كرام قد نقلنا قراهم ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا6 ~~PageV01P139 # أي: وجدناها متلفة. # وقوله: # فمضى وأخاف من قتيلة موعدا1 # أي: صادفه مخلفا. # وقول رؤبة: # وأهيج الخلطاء من ذات البرق2 # أي: صادفها مهتاجة النبت. # ومنه قوله الله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} 3 أي: صادفناه ~~غافلا، ولو كان أغفلنا هنا منقولا من غفل -أي: منعناه وصددناه- لكان معطوفا ~~عليه بالفاء "فاتبع هواه". # وذلك أنه كان يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفا بالفاء دون ~~الواو، وذلك كقوله: أعطيته فأخذ، ودعوته فأجاب، ولا تقول هنا: أعطيته وأخذ، ~~ولا دعوته وأجاب، كما لا تقول: كسرته وانكسر، ولا جذبته "30ظ" وانجذب؛ إنما ~~تقول: كسرته فانكسر، وجذبته فانجذب، وهذا شديد الوضوح والإنارة على ما ~~تراه. # وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية منعنا وصددنا لكان معطوفا عليه ~~بالفاء، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه4، وإذ لم ~~يكن هكذا، وكان إنما هو "واتبع" فطريقه أنه لما قال: "أغفلنا قبله عن ~~ذكرنا" فكأنه قال: وجدناه غافلا، وإذا وجد غافلا فقد غفل لا محالة، فكأنه ~~قال إذن: ولا تطع من غفل قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان ms097 أمره فرطا؛ أي: لا ~~تطع من فعل كذا، يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعة الله سبحانه، ونسأل الله ~~توفيقا من عنده ودنوا من مرضاته بمنه ومشيئته، فهذا أحد وجهي "تغمضوا فيه"؛ ~~أي: إلا أن توجدوا مغمضين متغاضين عنه. # والآخر: أن يكون "تغمضوا فيه" أي: إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه، وذلك ~~الشيء الذي يدعوهم إليه، ويحملهم عليه هو: رغبتهم في أخذه ومحبتهم لتناوله، ~~فكأنه -والله أعلم- PageV01P140 # إلا أن تسول لكم أنفسكم أخذه فتحسن ذلك لكم، وتعترض بشكه على يقينكم حتى ~~تكاد الرغبة فيه تكرهكم عليه. # ويزيد في وضوح هذا المعنى لك ما روي عن الزهري أيضا من قراءته: "إلا أن ~~تغمضوا فيه" أي: إلا أن تغمضوا بصائركم وأعين علمكم عنه؛ فيكون نحوا من ~~قوله: # إذا تخازرت وما بي من خزر1 # وهو معنى مطروق، منه قول الله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} 2، ~~وجاء به بعض المولدين فقال: # خالد اللؤم أمغض ... أنت لا بل متغاضي # وآخر ذلك قول شاعرنا3: # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع # ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتتبع # وما أظرف الأول وأدمثه في قوله: # أبكي إلى الشرق ما كانت منازلها ... مما يلي الغرب خوف القيل والقال # وأذكر الخال في الخد اليمين لها ... خوف الوشاة وما بالخد من خال4 # ومن ذلك قراءة الحسن: "اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا "5 بكسر القاف ~~وسكون الياء. # قال أبو الفتح: قد سبق ما في سكون هذه الياء المكسور ما قبلها في موضع ~~النصب والفتح بشواهده، ومنه قول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف6 ~~PageV01P141 # ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبي زيد عن أبي السمال: أنه كان يقرأ: "ما ~~بقي من الربو"1 مضمومة الباء ساكنة الواو. # قال أبو الفتح: في هذا الحرف ضربان من الشذوذ: # أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما. # والآخر: وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في ~~الفعل ms098 نحو: يغزو ويدعو ويخلو، فأما "ذو" الطائية التي بمعنى الذي نحو قوله: # لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه2 # فشاذ، وعلى أن منهم من يغير هذه الواو إذا فارق الرفع "31و" فيقول: رأيت ~~ذا قام وأخوه، ومررت بذي قام أخوه. # وسألت أبا علي عن حكاية أبي زيد "فعلته من ذي إلينا"، فقال: أراد من الذي ~~إلينا. # فقلت: فهذا يوجب عليه أن يقول: من ذو إلينا. # فقال -وهو كما قال: قد تغير هذه الواو في النصب والجر، وعلى أن "ذو" هذه ~~لما كانت موصولة وقعت واوها حشوا فأشبهت واو طومار3، كما أشبهت عند صاحب ~~الكتاب ياء معديكرب ياء دردبيس4. # والذي ينبغي أن يتعلل به في الربو بالواو هو أنه فخم الألف انتحاء بها ~~إلى الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم: الصلاة والزكاة، وكمشكاة، ~~وكقولهم: عالم وسالم وسالف وآنف، وكأنه بين التفخيم فقوي الصوت فكان الواو ~~أو كاد، إلا أن الراوي أبو زيد، وما أبعده مع علمه وفقهه باللغة من أن ~~تتطرق ظنة عليه في تحصيل ما يسمعه. # فإن قلت: فلعله شبه ذوات العلة بذوات الهمز فوقف على الواو، كما قالوا: ~~هو الردو والبطو5. # قيل: هذه الواو إنما تكون مع الهمزة في هذا الكلو ومررت بالكلي في موضع ~~الرفع، وموضع PageV01P142 # الربو جر بمن في قوله: "من الربو"، وعلى أن الكلو مفتوح ما قبل الواو، ~~والباء من الربو مضمومة، وعلى أي الأمر حملته فهو شاذ. # ومن ذلك قراءة الزهري ويعقوب: "ومن يوت الحكمة"1 بكسر التاء. # قال أبو الفتح: وجهه على أن الفاعل فيه اسم الله تعالى؛ أي: ومن يوت الله ~~الحكمة، من منصوبة على أنها المفعول الأول والحكمة المفعول الثاني، كقولك: ~~أيهم تعطي درهما يشكرك. # ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبي رجاء ومجاهد فيما روي عنه: "فنظرة إلى ~~ميسرة"2، وقراءة عطاء بن أبي رباح: "فناظره"3 بالألف، والهاء كناية، وروي ~~أيضا عن عطاء: "فناظره إلى ميسره" أمر. # قال أبو الفتح: أما "فنظرة" بسكون الظاء فمسكنة للتخفيف من "نظرة "، ~~كقولهم في كلمة: كلمة، وفي كبد ms099 كبد، لغة تميمية، وهم الذين يقولون في كرم: ~~كرم، وفي كتب: كتب. # وأما "فناظره" فكقولك: فياسره فسامحه وليس أمرا من المناظرة؛ أي: المحاجة ~~والمجادلة؛ لكنها من المساناة4 والمسامحة، فيقول على هذا: قد تناظر القوم ~~بينهم الحقوق، كقولك: قد تسامحوا فيها ولم يضايق بعضهم بعضا. # ويقول عليه: لله متبايعان رأيتهما، فقد تناظرا؛ أي: تسامحا ولم يتحاجا. ~~PageV01P143 # وأما "إلى ميسره" فغريب؛ وذلك أنه ليس في الأسماء شيء على مفعل بغير تاء؛ ~~لكنه بالهاء، نحو: المقدرة والمقبرة والمشرقة1 والمقنوة2، وأما قوله: # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار3 # فطريقه عندنا: أنه أراد مألكة -وهي الرسالة- غير أنه حذف الهاء وهو ~~يريدها، كما قال كثير: # خليلي إن أم الحكيم تحملت ... وأخلت لخيمات العذيب ظلالها4 # يريد: العذيبة "31ظ"، وكما قال ملك بن جبار الطائي: # إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم ... ولا نصالحكم إلا على ناح5 # يريد ناحية. وكذلك قول الآخر: # بثين الزمى لا إن لا إن لزمته ... على كثرة الواشين أي معون6 # يريد معونة فحذف، وقيل: أراد جمع معونة، وكذلك قول الآخر: # ليوم روع أو فعال مكرم7 # يريد: مكرمة ثم حذف، وقيل: أراد جمع مكرمة، وكذلك أراد هنا إلى ميسرته، ~~فحذف الهاء. وحسن ذلك شيئا أن ضمير المضاف إليه كاد يكون عوضا من علم ~~التأنيث، وإليه ذهب الكوفيون في قوله تعالى: {وإقام الصلاة} 8 أنه أراد ~~إقامة، وصار المضاف إليه كأنه عوض من التاء. PageV01P144 # ويشهد لهذا قراءة من قرأ: "فنظرة إلى ميسرة"، قرأ بها نافع في جماعة من ~~الصحابة، فاعرف. # ومن ذلك قراءة الحسن: "واتقوا يوما يرجعون فيه"1 بياء مضمومة. # قال أبو الفتح: فيه أنه ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى: {حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} 2، غير أنه تصور فيه معنى مطروقا هنا ~~فحمل الكلام عليه؛ وذلك أنه كأنه قال: واتقوا يوما يرجع فيه البشر إلى الله ~~فأضمر على ذلك، فقال: يرجعون فيه إلى الله. # وقد شاع واتسع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود المعنى، وترك الظاهر إليه، ~~وذلك ms100 كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإفراد الجماعة وجمع المفرد، وهذا فاش ~~عنهم، وقد أفردنا له بابا في كتابنا في الخصائص ووسمناه هناك بشجاعة ~~العربية3، وكأنه -والله أعلم- إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة فقال: ~~يرجعون بالياء رفقا من الله -سبحانه- بصالحي عباده المطيعين لأمره. # وذلك أن العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوفه ويتوعد به العباد، فإذا ~~قرئ: "ترجعون فيه إلى الله" فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره ~~المطيعين العابدين، فكأنه -تعالى- انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال: "يرجعون ~~فيه إلى الله". ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر، فقال: ~~يرجعون فيه، فصار كأنه قال: يجازون أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه، ~~فيصير محصوله من بعد؛ أي: فاتقوا أنتم يا مطيعون يوما يعذب فيه العاصون. # ومن قرأ بالتاء "ترجعون" فإنه فضل تحذير للمؤمنين نظرا لهم واهتماما بما ~~يعقب السلامة بحذرهم، وليس ينبغي أن يقتصر في ذكر علة الانتقال من الخطاب ~~إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بما عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه، وهو ~~قولهم: إن فيه ضربا من الاتساع في اللغة لانتقاله من لفظ إلى لفظ، هذا ~~ينبغي أن يقال إذا عري الموضع من غرض معتمد، وسر على مثله تنعقد اليد. ~~PageV01P145 # فمنه قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} 1، هذا بعد قوله: {الحمد لله ~~رب العالمين، الرحمن الرحيم} فليس ترك الغيبة إلى الخطاب هنا اتساعا ~~وتصرفا؛ بل هو لأمر أعلى ومهم من الغرض أعنى، وذلك أن الحمد معنى دون ~~العبادة، ألا تراك قد تحمد نظيرك ولا تعبده؛ لأن العبادة غاية الطاعة ~~والتقرب بها هو النهاية "32و" والغاية؟ فلما كان كذاك استعمل لفظ "الحمد" ~~لتوسطه مع الغيبة، فقال: {الحمد لله} ولم يقل: لك، ولما صار إلى العبادة ~~التي هي أقصى أمد الطاعة قال: {إياك نعبد} فخاطب بالعبادة إصراحا بها، ~~وتقربا منه -عز اسمه- بالانتهاء إلى محدوده منها. # وعلى نحو منه جاء آخر السورة، فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} 2 فأصرح ~~بالخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: {غير المغضوب عليهم} ولم يقل: غير ms101 الذين ~~غضبت عليهم؛ وذلك أنه موضع تقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار الكلام إلى ~~ذكر الغضب قال: {غير المغضوب عليهم} ، حتى كأنه قال: غير الذين غضب عليهم، ~~فجاء اللفظ منحرفا به عن ذكر الغاضب، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم، كما ~~قال: {الذين أنعمت عليهم} فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب ~~تحسنا ولطفا. # فانظر إلى هذه اللغة الكريمة وشرفها، وتلاقي هذه الأغراض اللطيفة ~~وتعطفها، الأقدام تكاد تطؤها، والأفهام مع ثقوبها صافحة عنها، ويا ليت شعري ~~هل تكون سورة أكثر استعمالا من سورة الحمد، وهذا جزء من أجزاء ما فيها ولم ~~توضع عليه يد؟ شرح الله لإعظام أوامره صدرونا، وأحسن الأخذ إلى طاعته ~~بأيدينا بقدرته وماضي مشيئته. # ومما يتلقاه عامة من يسأل عنه بأنه أخذ باللغتين، وسعة باختلاف اللفظين: ~~قراءة أبي عمرو: "وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد"3 بسكون الياء من ~~"لي"، وقراءته أيضا: "وما لي لا أعبد الذي فطرني"4 بتحريك الياء. # وعلة ذلك ليس الجمع بين اللغتين كما يفتي به جميع من تسأله عنه؛ لكنه لما ~~جاز الوقف على قوله تعالى: {وتفقد الطير فقال ما لي} ، وأن يستأنف فيقول: ~~{لا أرى الهدهد} ، سكن الياء من "لي"؛ أمارة لجواز الوقوف عليها، ولما لم ~~يحسن الابتداء بقوله: {لا أعبد الذي فطرني} حرك الياء من "لي" قبلها؛ أمارة ~~لإدراج الكلام ووصله؛ وذاك أن الحركة من أعراض الوصل، PageV01P146 # والسكون من أعراض الوقف، فهل يحسن مع وجود هذا الفرق الواضح الكريم أن ~~يخلد دونه إلى التعذر بما يخلد إليه الموهون المضيم؟ اللهم انفعنا بما ~~استودعتناه1، واجعل بك اعتصامنا، وإلى طاعتك توجهنا، إنك لطيف بنا وأنت ~~حسبنا. # ومن ذلك ما رواه مت بن عبد الرحمن2 قال: كان أهل مكة يقرءون: "وامرأتان"3 ~~بسكون الهمزة. # قال أبو الفتح: وجه ذلك -والله أعلم- أنهم كانوا يخففون الهمزة فيضعفون ~~حركتها على المعتاد من أمرها، فتقرب من الساكن. # ويدل على أن الهمزة المحركة إذا خففت في نحو هذا قريبة من الساكن، امتناع ~~العرب من أن تبتدئ بها ms102 مخففة كما تمتنع من الابتداء بالساكن، فلما صارت إلى ~~قولك: "وامراتان" بالغوا في ذلك فأبدلوها ألفا؛ فصارت: "وامراتان" بألف ~~ساكنة، كما قال: # يقولون جهلا ليس للشيخ عيل ... لعمري لقد أعيلت وان رقوب4 # يريد: وأنا، فخفف الهمزة فصار "وان"، ثم تجاوز ذلك إلى البدل فأخلصها في ~~اللفظ ألفا فقال: وان، فكذلك لما "32ظ" أبدل من همزة "وامرأتان" ألفا فصار ~~تقديره: "وامراتان"، ثم أبدل الهمزة من الألف وإن كانت ساكنة على ما قدمنا ~~ذكره فيما قبل، وعليه قراءة ابن كثير: "وكشفت عن سأقيها"5، ومنه: البأز ~~والخأتم والعألم وتأبلت6 القدر، ونحو ذلك مما قدمنا ذكره، هذا طريق الصنعة ~~فيه والتأتي له. # فأما أن يقدر به مقدر على أنه أسكن الهمزة المتحركة اعتباطا ألبتة هكذا ~~فلا؛ لأنه لا نظير له، ألا ترى أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون أبدا إلا ~~مفتوحا، نحو: جوزة ورطبة، إلا أن تكون الألف المدة نحو: قتادة وقطاة؟ فأما ~~الهمزة فحرف صحيح حامل للحركة؛ فتجب فتحته ألبتة. PageV01P147 # فإن قلت: أسكن الهمزة تشبيها لها بالألف من حيث تساوتا في الجهر، وفي ~~الزيادة، وفي البدل، وفي الحرف، وفي قرب المخرج، وفي الخفاء -فقول ما، غير ~~أنه مخشوب1 لا صنعة فيه، ولا يكاد يقنع بمثله. # ومن ذلك قراءة عمرو بن عبيد وأبي جعفر يزيد بن القعقاع2: "ولا يضار"3 ~~بتشديد الراء وتسكينها. # قال أبو الفتح: أما تشديد الراء فلا سؤال فيه؛ لأنه يريد يضارر، بفتح ~~الراء الأولى أو بكسرها، وكلاهما قد قرئ به؛ أعني: الفتح في الراء الأولى ~~والكسر، والإدغام لغة تميم، والإظهار لغة الحجازيين على ما مضى؛ لكن تسكين ~~الراء مع التشديد فيه نظر. # وطريقه: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف4، كقوله: سبسبا5 PageV01P148 # وكلكلا1، وقد ذكرنا هذا الوصل على نية الوقف فيما مضى، وقد كنا ذكرنا ~~فيما قبل ما يروى عن الأعرج عن أبي جعفر من تسكين الراء على أنها مخففة، ~~وأيا كان ففيه ما مضى. # وقراءة ابن محيصن: "ولا يضار" رفع2، قال ابن مجاهد: لا أدري ما هي؟ # وهذا الذي أنكره ابن ms103 مجاهد معروف؛ وذلك على أن تجعل "لا" نفيا؛ أي: وليس ~~ينبغي أن يضار، كقوله: # على الحكم المأتي يوما إذا قضى ... قضيته ألا يجور ويقصد3 # فرفع "ويقصد " على أنه أراد: وينبغي له أن يقصد، فرفع يقصد كما يرتفع ~~ينبغي. فكذا هذا؛ أي: وينبغي ألا يضار. وإن شئت كان لفظ الخبر على معنى ~~النهي حتى كأنه قال: ولا يضارر، كقولهم في الدعاء: يرحمه الله؛ أي: ليرحمه ~~الله، ويغفر الله لك؛ أي: ليغفر الله لك، ولا يرحم الله قاتلك، فرفع على ~~لفظ الخبر وأنت تريد: لا يرحمه الله جزما، فتأتي بلفظ الخبر وأنت تريد معنى ~~الأمر والنهي على ما ذكرنا. # ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود: "يحاسبكم به الله يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء"4 جزم بغير فاء. # قال أبو الفتح: جزم هذا على البدل من "يحاسبكم" على وجه التفصيل لجملة ~~الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصل، فجرى مجرى بدل البعض أو ~~الاشتمال، والبعض PageV01P149 # كضربت زيدا رأسه، والاشمال كأحب زيدا عقله. وهذا البدل ونحوه واقع في ~~الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قول الله ~~سبحانه: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا} 1؛ لأن مضاعفة العذاب هو لقي الأثام، وعله قوله "33و": # رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان # تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني # تلاقوهم فتعوفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يدا الحدثان2 # فأبدل تلاقوا جيادا من قوله: تلاقوا غدا خيلي، وجاز إبداله منه للبيان ~~وإن كان من لفظه وعلى مثاله؛ لما اتصل بالثاني من قوله: جيادا لا تحيد عن ~~الوغى، وأبدل تلاقوهم من تلاقوا جيادا؛ لما اتصل به من المعطوف عليه وهو ~~قوله: "فتعلموا3 كيف صبرهم"، وإذا حصلت فائدة البيان لم تبل أمن نفس المبدل ~~كانت، أم مما اتصل به فضلة عليه، أم من معطوف مضموم إليه؟ فإن أكثر الفوائد ~~إنما تجتنى من الألحاق والفضلات. نعم، ms104 وما أكثر ما تصلح الجمل وتتممها، ~~ولولا مكانها لوهت فلم تستمسك. # ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما ~~لتمت؛ وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره، أو معه، أو بسببه، أو لتكرمه، ~~أو فأكرمته، أو نحو ذلك، فصحت المسألة؛ لعود الضمير على المتبدأ من الجملة. ~~وعليه قول كثير فيما أظن: # وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق4 # فبالمعطوف على يحسر الماء ما تمت5 الجملة، وفي هذا بيان. PageV01P150 ### | سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- وابن مسعود ~~وإبراهيم النخعي والأعمش وأصحاب عبد الله وزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبي ~~رجاء بخلاف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الحي القيام"1، وقرأ ~~علقمة2: "الحي القيم". # قال أبو الفتح: أما "القيام" ففيعال من قام يقوم؛ لأن الله تعالى هو ~~القيم على كل نفس، ومثله من الصفة على فيعال الغيداق3 والبيطار، وأصله: ~~القيوام، فلما التقت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون قلبت الواو ياء ~~وأدغمت فيها الياء فصارت القيام، ومثله قولهم: "ما بالدار ديار"، وهو فيعال ~~من دار يدور وأصلها ديوار، وأهل الحجاز يقولون للصواغ: الصياغ، فعلى هذا ~~ينبغي أن يحمل لا على فعال؛ لأنه كان يجب أن يكون صواغا، هذا هو الباب. # وأما الفياد لذكر البوم فحمله أبو علي على أنه فعال من الأسماء؛ وذلك أنه ~~من فاد يفيد إذا تبختر. وأما الجيار للسعال فكذا يجب أن يكون أيضا، وهو ~~فعال من لفظ "جير" بمعنى نعم ومعناها؛ وذلك أن السعلة تجيب أختها كما أن ~~جير جواب. # قال العجاج: # تجاوب الرعد إذا تبوجا4 # وأنشدنا أبو علي: # إذا حنت الأولى سجعن لها معا PageV01P151 # والحديث طويل لكن هذا طريقه. # وأما القيم من قام يقوم بأمره، وهو من لفظ قيام ومعناه قال: # الله بيني وبين قيمها ... يفر مني بها وأتبع # لما قال الشاعر هذا قيل له: لا، "33ظ" بل الله بين قيمها وبينك. # و"القيوم" قراءة ms105 الجماعة، فيعول من هذا أيضا، ومثله الديور في معنى ~~الديار. # ومن ذلك قراءة الحسن: "الأنجيل"1 بفتح الهمزة. # قال أبو الفتح: هذا مثال غير معروف النظير في كلامهم؛ لأنه ليس فيه أفعيل ~~بفتح الهمزة، ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج؛ لكنه عندهم عربي، وهو ~~أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج، ومنه نجل الرجل لولده؛ لأنه كأنه ~~استخرجهم من صلبه وبطن امرأته، قال الأعشى: # أنجب أزمان والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا2 # أي: أنجب والداه به أزمان إذ نجلاه، ففصل بالفاعل بين المضاف الذي هو ~~أزمان وبين المضاف إليه الذي هو إذ، كقولهم: حينئذ، ويومئذ، وساعتئذ، ~~وليلتئذ. # وقال أبو النجم: # تنجل أيديهن كل منجل # يريد: أيدي الإبل؛ أي: تثير بأيديها في سيرها ما تمر به من نبت وحجر ~~وغيرهما. # وقيل له: إنجيل؛ لأن به ما3 استخرج علم الحلال والحرام ونحوهما، كما قيل: ~~توراة، وهو فوعلة من ورى الزند إذا قدح وأصله وورية، فأبدلت الواو التي هي ~~الفاء تاء كما قالوا: التجاه والتخمة والتكلان والتيقور4، وهي من الوجه ~~والوخامة والوكيل والوقار، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ~~فصارت توراة، فهذه من ورى الزند: إذا ظهرت ناره، وهذا من نجل ينجل: إذا ~~استخرج؛ لما في هذين الكتابين من معرفة الحل والحرم كما قيل لكتاب نبينا ~~-صلى الله عليه وسلم- الفرقان؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، وهذا الحديث ~~الذي نحن عليه من باب PageV01P152 # ضمنه كتابنا الخصائص وسمته: باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول ~~والمباني1؛ وذلك أن التوراة من لفظ ورى، والإنجيل من لفظ ن ج ل، والفرقان ~~من ف ر ق، والتوارة فوعلة، والإنجيل إفعيل، والفرقان فعلان. فالأصول مختلفة ~~والمباني كذلك، والمعاني واحدة ومعتنقة، وكلها للإظهار والإبراز والفرق بين ~~الأشياء، أفلا ترى إلى هذه الحكمة الممرور بها، الواطئة الأقدام عليها، ~~المسهو لعادة الدعة وقلة المراعاة والمراجعة عنها؟ # وفي كل شيء له شاهد ... يدل على أنه واحد2 # ونظائره تكاد تكون أكثر من الرمل، منه قولهم للمسك: صوار، فأصلاهما ~~مختلفان: هذا من ms106 م س ك، وهذا من ص ور، ومثالاهما كذلك؛ لأن مسكا فعل، وصوار ~~فعال، ومعنياهما واحد؛ وذلك لأنه سمي مسكا لأنه بطيب رائحته يمسك الحس عليه ~~استلذاذا له، وصوار من صار يصور إذا عطف وجمع فأمسكت الشيء وعطفته وجمعته ~~شيء واحد، ومنه قولهم: سحاب، قيل له ذلك كما قيل له حبي، فهذا من ح ب و، ~~وهذا من س ح ب، وسحاب فعال، وحبي فعيل، فالأصلان مختلفان، والمثالان اثنان، ~~والمعنيان واحد، وذلك أنه لثقله ما3 ينسحب على وجه الأرض، وكذلك ما يحبو ~~عليها، قالت امرأة "34و" تصف غيثا: # وأقبل يزحف زحف الكسير ... كأن على عضديه رفاقا4 # وقال أوس5 أو عبيد: # دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح # واللطيف الحسن الجميل كثير؛ لكن أين لك بالمحسن المستثير؟ فهذا حديث هذا ~~المثال الذي هو الإنجيل، وأما فتحه فغريب؛ ولكنه الشيخ أبو سعيد -نضر الله ~~وجهه ونور ضريحه- ونحن نعلم أنه لو مر بنا حرف لم نسمعه إلا من رجل من ~~العرب لوجب علينا تسليمه له إذا أونست فصاحته، وأن نبهأ6 به، ونتحلى ~~بالمذاكرة بإعرابه، فكيف الظن بالإمام في فصاحته وتحريه وثقته؟ ومعاذ الله ~~أن يكون ذلك شيئا جنح فيه إلى رأيه دون أن يكون أخذه عمن PageV01P153 # قبله، وبعد فقد حكى أبو زيد في السكينة: السكينة، بفتح السين وتشديد ~~الكاف. فهذا فعيلة وإن لم يكن لها نظير، وإفعيل أخو فعيل، وأحسبني سمعت في ~~برطيل برطيل، فهذا فعليل بفتح الفاء، وأفعيل وفعليل وفعيل يكاد يكون مثالا ~~واحدا. # ومن ذلك قراءة أبي واقد الجراح: "ربنا لا تزغ قلوبنا"1. # قال أبو الفتح: هذا في المعنى عائد إلى قراءة الجماعة: "لا تزغ قلوبنا"؛ ~~وذلك أنه في الظاهر طلب من القلوب ورغبة إليها، فهو كقول الراجز فيما أنشده ~~ابن الأعرابي: # يا رب لا يرجع إلينا طفيلا2 # وفسره طفلا، فظاهره الطلب والرغبة إلى ذلك الإنسان المدعو إليه؛ وإنما ~~المسئول الله سبحانه، حتى كأنه قال: اللهم لا ترجعه إلينا، ويؤكد في ذلك ~~النداء في قوله تعالى: "ربنا"، ويزيد ms107 في شرحه لك أنك تقول للأمير: لا ~~ترهقني؛ لأنه يملك التنفيس عنك، ولا تقول له: أيها الأمير، أدخلني الجنة؛ ~~لأن ذلك ليس له ولا إليه؛ فقد علمت إذن أن معنى "لا تزغ قلوبنا" هو معنى ~~"لا تزغ قلوبنا"؛ ألا ترى أن القلوب لا تملك شيئا فيطلب منها؟ فالمسئول إذن ~~واحد وهو الله سبحانه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وطلحة: "يرونهم مثليهم"3 بياء مضمومة4. # قال أبو الفتح: هذه قراءة حسنة المعنى؛ وذلك أن رأيت وأرى أقوى في ~~اليقين5 من أريت وأرى، تقول: أرى أن سيكون كذا؛ أي: هذا غالب ظني، وأرى أن ~~سيكون كذا؛ أي: أعلمه وأتحققه؛ وسبب ذلك أن الإنسان قد يريه غيره الشيء فلا ~~يصح له، فمعناه إذن أن غيره يشرع في أن يراه ولا أنه هو لا يراه، وأما أرى ~~فإخبار بيقين منه، فكذلك هذه الآية: "يرونهم مثليهم" أي: يصور لهم ذلك وإن ~~لم يكن حقا؛ لأن الشيء الواحد لا يكون اثنين PageV01P154 # في حال واحد؛ ولكن قد يظن ويتوهم شيئين بل أشياء كثيرة، ومثله قول الله ~~تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا} 1، فهذا يحسن هذه القراءة. # وأما قراءة الجماعة: "يرونهم " فلأنها أقوى معنى؛ وذلك أنه أوكد لفظا؛ ~~أي: حتى لا يقع شك فيهم ولا ارتياب بهم أنهم مثلاهم، فهذا أبلغ في معناه من ~~أن يكون مر يريهم ذلك، فقد يجوز أن يتم له ذلك وقد لا، هذا في ظاهر الأمر؛ ~~فأما على اليقين ومع الحقيقة فلا يجوز أن يكون "34ظ" الشيء الواحد شيئين ~~اثنين فيما له كان واحدا، ومما جاء مفصولا فيه بين أرى وأرى قوله: # ترى أو تراءى عند معقد غرزها ... تهاويل من أجلاد هر مؤوم2 # فلما قال: "ترى" استكثر ذلك؛ لأنه مع التحصيل لا حقيقة له، فأتبعه بما ~~لان له القول الأول، فقال: أو تراءى، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة مجاهد: "زين للناس حب الشهوات"3 بفتح الزاي والياء. # قال أبو الفتح: فاعل هذا الفعل إبليس، ودل عليه ما يتردد في القرآن من ~~ذكره، فهذا نحو ms108 قول الله تعالى: {يعدهم ويمنيهم} 4، وما جرى هذا المجرى. # ومن ذلك قراءة الناس: {شهد الله} ، وقرأ أبو المهلب محارب بن دثار5: ~~"شهداء الله"6 مضمومة الشين، مفتوحة الهاء، ممدودة على فعلاء. PageV01P155 # قال أبو الفتح: هو منصوب على الحال من الضمير في المستغفرين؛ أي: ~~يستغفرونه شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهو جمع شهيد، ويجوز أن يكون جمع ~~شاهد؛ كعالم وعلماء، والأول أجود. # ومن ذلك قراءة الناس: {ذرية} 1، وقرأ زيد بن ثابت: "ذرية" بكسر الذال، ~~و"ذرية" بفتح الذال. # قال أبو الفتح: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ: # أحدها: ذرأ، والثاني: ذرر، والثالث: ذرو، والرابع: ذرى. # فأما الهمز، فمن ذرأ الله الخلق. # وأما ذرر، فمن لفظ الذر ومعناه؛ وذلك لما ورد في الخير أن الخلق كان في ~~القديم كالذر. # وأما الواو والياء، فمن ذروت الحب وذريته، يقالان جمعيا؛ وذلك لقوله2 ~~سبحانه: {فأصبح هشيما تذروه الرياح} 3، وهذا للطفه وخفته، وتلك حال الذر ~~أيضا. # فهذه الأصول المنزوع إليها، المقود تصريف هذا الموضع عليها. # فأما "ذرية" المضمومة، فإن أخذتها من ذرأ؛ فإنها في الأصل فعيلة كمريق4، ~~وأصلها ذريئة، فألزمت التخفيف أو البدل كنبي في أكثر اللغة، وكالخابية5، ~~وكالبرية، فيمن أخذها من برأ الله الخلق، وغير ذلك مما ألزم التخفيف. ~~ومثلها: {كوكب دري} 6 فيمن جعله فعيلا من درأت؛ وذلك لأنه يدرأ الظلمة عن ~~نفسه بضوئه، وأصله على هذا دريء فخفف، وقد قرئ به مهموزا7. # وإن أخذت الذرية من الذر احتمل خمسة أوجه: # أحدها: أن يكون فعلية كبختية وقمرية8. # والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذر، إلا أنه غير أولها؛ لما قد يعرض من ~~التغيير لياءي الإضافة، كقولهم في الإضافة إلى أمس: إمسي، وإلى الأفق: ~~أفقي، وإلى الحرم: حرمي، وإلى جذيمة: جذمي، وإلى عبيدة: عبدي، وإلى الدهر: ~~دهري، وإلى السهل: سهلي. # والثالث: أن تكون ذرية فعيلة كمريقة؛ إلا أن أصلها ذريرة على هذا، فلما ~~كثرت PageV01P156 # الراءات أبدلوا الآخرة ياء وأدغموا فيها ياء فعيلة التي قبلها، ونحو منه ~~مما أبدل فيه أحد الأمثال ياء هربا من تكريرها قولهم: ms109 تظنيت، وتسريت، ~~وتلعيت1 من اللعاعة وهي يقلة، وقصيت أظافري، وتفضيت من الفضة، وكقوله: # تقضي البازي إذا البازي كسر2 # هو تفعل من الانقضاض، وأصله تقضض، كما أن أصل تظنيت تظننت، وتسريت تسررت؛ ~~لأنه تفعلت من السرية فيمن أخذها من السر "35و" وهو النكاح، أو من السر ~~لأنه3 في غالب الأمر مكتومة الأمر من صاحبة المنزل. وهذا قول أبي الحسن ~~الكرخي. وأصل تلعيت تلععت، وأصل قصيت أظفاري قصصت، ويمكن أن يكون أخذت من ~~أقاصيها فلا يكون مبدلا، وأصل تفضيت تفضضت، وقالوا: فأبدالوا مع الاثنين4 ~~في أمللت الكتاب: أمليت، وقال الأسود بن يعفر: # وأقسمت لا أملاه حتى يفارقا5 # يريد: أمله، فأبدلوا الثاني منها ياء للتكرير، ثم أبدلت الياء ألفا؛ فصار ~~أملاه. # وأخبرنا أبو علي قال: قال أحمد بن يحيى عنهم: "لا وربيك لا أفعل"، يريد: ~~لا وربك، ونظائره كثيرة. فأصل ذرية على هذا ذريرة فعيلة كمريقة، فأبدلت ~~الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء6، وأدغمت فيها ياء فعيلة؛ فصارت ذرية. # والرابع: أن تكون فعولة كجبورة7 وكسبوح وقدوس، وأصله على هذا ذرورة، ~~فأبدلت الراء الأخيرة -لما ذكرنا من اجتماع الأمثال- ياء؛ فصارت ذروية، ثم ~~أبدلت الواو لوقوعها ساكنة قبل الياء ياء والضمة قبلها كسرة، وأدغمت في ~~الياء المبدلة من الراء؛ فصارت ذرية كما ترى. PageV01P157 # والخامس: أن تكون فعلولة منه؛ كقردودة1 وحبرورة2، وأصلها على هذا ذرورة؛ ~~فعمل فيها ما عمل فيما يليها، فهذا حديث ذرية إذا كانت من ذرر. # وإن كانت من لفظ ذرو أو ذرى احتملت مثالين: # أحدهما: أن يكون فعولة. # والآخر: أن يكون فعيلة. # فإذا كانت فعولة من الواو فأصلها ذروة، كفعولة من غروت غزوة، إلا أن ~~الاسم طال وضوعفت في آخره الواو فاستثقلت، فأبدلت اللام ياء للتخفيف فصار ~~ذروية، فأبدلت الواو لوقوع الياء بعدها والواو ساكنة ياء والضمة قبلها كسرة ~~كما قلبت هي ياء وأدغمت في الياء؛ فصارت ذرية. # ومثل ذلك مما أبدل لطوله وثقل تضعيف الواو أدحية3، وأصلها أدحوة؛ لأنها ~~من دحوت، وأدعية وأصلها أدعوة؛ لأنها من دعوت، وأحجية وأصلها أحجوة؛ لأنها ~~من حجوت؛ ms110 أي: ثبت، وأضحية وأصلها أضحوة؛ لأنها من الضحوة، فأبدلت لما ~~ذكرنا؛ فصار جميعها إلى الياء. # وإن كانت ذرية من الياء -وهي فعولة- فخطبها أيسر؛ لأن أصلها ذروية، ~~ولزمها من إبدال الواو وإدغامها ما لزم فيما قبلها. انقضى أمر ذرية بضم ~~الذال. # وأما "ذرية" بكسر الذال فتكون من ذرأ الله الخلق، فلا يجوز فيها إلا أن ~~تكون فعيلة، وأصلها ذريئة، ثم ألزمت التخفيف أو البدل على ما مضى؛ فصارت ~~ذرية. # فإن أخذت ذرية من الذر احتتملت أربعة أوجه: # أحدها: أن تكون فعلية كحيري4 دهر. # والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذر؛ إلا أنها كسر أولها للتغيير المعتاد مع ~~ياءي الإضافة؛ كقولهم في أمس: إمسي. # والثالث: أن تكون فعيلة؛ كبطيخة وجرية5، وأصلها ذريرة، ثم غيرت الراء ~~الأخيرة لكثرة الراءات ياء على ما مضى، ثم أدغمت فيها الياء قبلها؛ فصارت ~~ذرية. PageV01P158 # الرابع: أن تكون "35ظ" فعليلة كحلتيت1 وحبرير2، وأصلها على هذا ذريرة، ثم ~~فيها ما عمل في الذي يليها. # فإن أخذت ذرية من ذرو أو من ذرى لم تكن إلا فعيله ألبتة، وأصلها من الواو ~~ذريوة، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها ياء المد قبلها؛ فصارت ذرية. # وإن كانت من الياء فلا صنعة فيها، فهي كفعيلة من رميت رمية. انقضت ذرية ~~بكسر الذال. # وأما ذرية بفتح الذال فتكون من لفظ الذر، وتكون من لفظ ذرأ، وتكون من لفظ ~~ذرو، وتكون من لفظ ذرى. # فإذا كانت من لفظ ذرر احتملت أن تكون فعلية كبرنية3، وأن تكون فعولة ~~كخروبة، وأن تكون فعلولة كبعكوكة4، وأن تكون فعيلة كسكينة، فتلك أربعة ~~أوجه. # أما فعلية فأمرها واضح. # وأما فعولة فأصلها ذرورة، فاجتمعت الراءات فأبدلت الآخرة ياء على ما ~~قدمنا ذكره من تظنيت وتقضيت، فصارت ذروية، فلما اجتمعت الواو والياء وسكن ~~الأول منهما قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء؛ فصارت ذرية. # وأما فعلولة فأصلها أيضا ذرورة، فعمل فيها من البدل والإدغام ما عمل في ~~فعولة. # وأما فعيلة فأصلها ذريرة، فأبدلت الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء، وأدغمت ~~فيها ياء المد قبلها؛ فصارت ms111 ذرية. # فإذا كانت من لفظ ذرأ احتملت أن تكون فعيلة كسكينة، وأن تكون فعولة ~~كخروبة. # فإذا كانت فعيلة فأصلها ذريئة، فألزمت الهمزة التخفيف ألبتة أو البدل ~~فقلبت ياء، ثم أدغمت فيها الياء قبلها؛ فصارت ذرية. # وأما إذا كانت فعولة فأصلها ذروءة، فأبدلت الهمزة ياء فصارت ذروية، ثم ~~أبدلت الواو ياء للياء بعدها، وأدغمت الياء المبدلة في الياء الثانية؛ ~~فصارت ذرية. # ولا يجوز على هذا أن تكون همزة ذروءة خففت؛ لأنه لو كان كذلك لقلبت واوا ~~لوقوع الواو قبلها، ثم أدغمت واو فعولة فيها فصارت ذروة، كما أنك لو خففت ~~مقروءة لقلت: مقروة، وهذا واضح. PageV01P159 # وأما فعلية -أعني: ذريئة- فإنك إن أبدلتها أو خففتها استوى فيها اللفظان، ~~فقلت: ذرية، كما تقول في تخفيف جريئة1 وأبدالها جرية، وهذا واضح. # وإذا كانت من لفظ الذرو فإنها فعيلة، وأصلها ذريوة، فقلبت الواو لسكون ~~الياء قبلها، وأدغمت الياء الأولى فيها؛ فصارت ذرية. ولا تحتمل وهي من ~~الواو أن تكون فعولة؛ لأنه كان يجب على هذا أن تكون ذروة، والحمل على أدحية ~~جائز، إلا أنه ليس بالظاهر، وليس كذلك أدعية وأدحية وأضحية؛ لأنه قد أمن أن ~~يكون في الكلام أفعيل؛ لأنه لم يأت عنهم، فلا بد إذن من أن يكون أصلها ~~أدحوة وأدعوة وأضحوة، فغيرت إلى الياء تخفيفا استحسانا لا وجوبا، وليس كذلك ~~ذرية لو كانت من الذرو؛ لأنه ليس واجبا أن تكون فعولة؛ بل قد يجوز أن تكون ~~فعيلة، فافهم ذلك. # وأما إذا كانت من ذرى، فإنها تحتمل أن تكون "36و" فعولة وفعيلة، فأصل ~~فعولة ذروية، فأبدلت الواو للياء بعدها، وأدغمت الأولى في الثانية؛ فصارت ~~ذرية. # وأصل فعيلة ذرية هكذا وكما ترى؛ لأنك أدغمت الياء الأولى في الثانية ~~فصارت ذرية، ومثلها من قضيت قضية، ومن رميت رمية. انتهى القول في ذرية ~~وذرية وذرية، ودعانا إلى إشباع القول عليها أن لم يتقدم أحد ببسطها، وحسبنا ~~الله. # ومن ذلك قراءة إبراهيم2 فيما رواه المغيرة3 والأعمش عنه: "نزل عليك ~~الكتاب بالحق"4 خفيفة الزاي، ورفع الباء من الكتاب. # قال أبو ms112 الفتح: هذه القراءة تدل على استقلال الجملة التي هي قوله عز ~~اسمه: {الله لا إله إلا هو الحي} . # ألا ترى أنه لا ضمير في قوله: "نزل عليك الكتاب" يعود على اسم الله ~~تعالى؟ فعلى هذا ينبغي أن تكون جملة مستقلة أيضا في قول من شدد الزاي ونصب ~~الكتاب، فيكون اسم PageV01P160 # الله مرفوعا بالابتداء، وقوله: {لا إله إلا هو} خبر عنه، ويكون {الحي ~~القيوم} صفة له وثناء عليه، وإن شئت جعلت قوله: {لا إله إلا هو} ثناء عليه ~~معترضا بين المبتدأ والخبر، ويكون {الحي القيوم} خبرين عنه، كحلو حامض. # وإن شئت جعلت قوله: {لا إله إلا هو} خبرا عنه، و {الحي القيوم} أيضا ~~خبرين عنه؛ فيكون له ثلاثة أخبار. # وإن شئت أن تخبر عن المبتدأ بعشرة أخبار أو بأكثر من ذلك جاز وحسن؛ لما ~~يتضمنه كل خبر منها من الفائدة، فكأنه أخبر عنه وآثنى عليه، ثم أخذ يقص ~~الحديث فقال: "نزل عليك الكتاب". # ومن شدد الزاي ونصب "الكتاب" جاز أن يكون على قوله خبرا رابعا، وجاز أن ~~يكون أيضا جميع ما قبل "نزل" ثناء وإعظاما، ويفرد قوله: "نزل عليك الكتاب" ~~فيجعل خبرا عنه؛ كقولك: الله سبحانه، وجل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، يأمر ~~بالعدل، وينهى عن السوء. وفيه اكثر من هذا؛ إلا أن في هذا مقنعا بحمد الله. # ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد الأعرج1: "أن الله يبشرك"2 بضم الياء وسكون ~~الباء وكسر الشين خفيفة. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا منقولا من بشرت بالأمر في وزن أنفت ~~وفرحت؛ كقولك: بطر وأبطرته، وخرق وأخرقته، يقال: بشر الرجل بالخير وأبشرته ~~وبشرته وبشرت خفيفة أيضا. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "إلا رمزا"3 بضمتين. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على قول من جعل واحدتها رمزة، كما جاء ~~عنهم ظلمة PageV01P161 # وظلمة، وجمعة وجمعة، ويجوز أن يكون جمع رمزة على رمز، ثم أتبع الضم الضم، ~~كما حكى أبو الحسن عن يونس أنه قال: ما سمع في شيء فعل إلا سمع فيه فعل، ~~وعليه قول طرفة: # ورادا وشقر1 ms113 # يريد: شقرا. # ومن ذلك قراءة إبراهيم وأبي بكر الثقفي: "الحواريون"2 مخففة الياء في ~~جميع القرآن. # قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة يوجب التوقف عنها والاحتشام منها؛ وذلك ~~لأن فيها "36ظ" ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها، وهذا موضع تعافه العرب ~~وتمتنع منه. # ألا ترى إلى قول الله سبحانه: {فأولئك هم العادون} 3 وأصله العاديون، ~~فاستثقلت الضمة على الياء، فأسكنت وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها؟ فكان ~~يجب على هذا أن يكون الحوارون كالقاضون والساعون، إلا أن هنا غرضا وفرقا ~~بين الموضعين يكاد يقنع مثله؛ وذلك أن أصل هذه الياء أن تكون مشددة، وإنما ~~خففت استثقالا لتضعيف الياء، فلما أريد فيها معنى التشديد جاز أن تحمل ~~الضمة تصورا لاحتمالها إياها عند التشديد، كما ذهب أبو الحسن في تخفيف ~~يستهزيون إلى أن أخلص الهمزة ياء ألبتة، وحملها الضمة تذكرا لحال الهمز ~~المراد فيها، وكما قال في مثال عضرفوط4 من قرأت: قرأ يوء، فأبدل الهمزة ~~الثانية التي كانت في قرأءوء ياء، ثم ضمها بعد أن أخلصها ياء وجرت مجرى ~~الياء التي لا حظ فيها لشيء من الهمز. # فإن قيل: فأي الياءين حذف من الحواريين؟ # قيل: المحذوفة هي أشبهها بالزيادة، وهي الأولى؛ لأنها بإزاء ياء ~~العطاميس5 والزناديق. # فإن قيل: فبالثانية وقع الاستثقال، فهلا حذفت دون الأولى؟ PageV01P162 # قيل: قد يغير الأول من المثلين تخفيفا كما يغير الآخر، وذلك قوله: # يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... إيما إلى جنة أيما إلى نار1 # يريد: أما، وكذلك القول في قيراط ودينار وديماس2 فيمن قال: دماميس، ~~وديباج فيمن قال: دبابيج، وقد حذفت هذه الياء في الواحد من هذا الجمع. ~~أنشدنا أبو علي وقرأته عليه أيضا في نوادر أبي زيد: # بكي بعينك واكف القطر ... ابن الحواري العالي الذكر3 # يريد: الحواري. وقد خففت ياء النسب في غير موضع مع كونها مفيدة لمعنى ~~النسب، فكيف بها إذا كان لفظها لفظ النسب ولا حقيقة له هناك؟ ألا ترى أن ~~الحواري بمنزلة كرسي في أنه نسب لفظي، ولا حقيقة إضافة تحته؟ # ومن ذلك قراءة الحسن: "أن ms114 يوتي أحد مثل ما أوتيتم"4، قال أحمد بن صالح5: ~~كذا قال، قال ابن مجاهد: وعلى هذا ينبغي أن يكون أن يوتي أحدا. # قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد رفع "أحد" مع قوله "يوتي" مسمى ~~الفاعل؛ وذلك أن معناه أن يوتي أحد أحدا مثل ما أوتيتم؛ كقولك: أن يحسن أحد ~~مثل ما أحسن إليكم؛ أي: أن يحسن أحد إلى أحد مثل ما أحسن إليكم، فتحذف ~~المفعول ويكون معناه ومفاده أن نعمة الله سبحانه لا تقاس بها نعمة. وهذا مع ~~أدنى تأمل واضح. # ومن ذلك قراءة أبي حيوة6: "تدرسون"7 بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء. ~~PageV01P163 # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا منقولا من درس هو وأدرس غيره؛ كقولك: ~~قرأ وأقرأ غيره. وأكثر كلام العرب درس ودرس غيره، وعليه جاء المصدر على ~~التدريس "37و". # ومن ذلك قراءة الأعرج فيما يروى عنه: "لما آتيناكم"1 بفتح اللام وتشديد ~~الميم، "آتيناكم" بألف قبل الكاف. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة إغراب، وليست "لما" هاهنا بمعروفة في ~~اللغة؛ وذلك أنها على أوجه: # تكون حرفا جازما كقوله الله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} ~~2. # وتكون ظرفا في نحو قوله: {ولما توجه تلقاء مدين} 3. # وتكون بمعنى إلا في نحو قولهم: أقسمت عليك لما فعلت؛ أي: إلا فعلت. # ولا وجه لواحدة منهن في هذه الآية. # وأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمن ما آتيناكم، ~~وهو يريد القراءة العامة4: "لما آتيناكم"، فزاد من على مذهب أبي الحسن في ~~الواجب؛ فصارت "لمما"، فلما التقت ثلاث ميمات فثقلن حذفت الأولى منهن، فبقي ~~"لما" مشددا كما ترى، ولو فكت لصارت لنما، غير أن النون أدغمت في الميم كما ~~يجب في ذلك فصارت "لما". هذا أوجه ما فيها إن صحت الرواية بها. # وأما "آتيناكم" بالجمع فطريقه أنه لما ورد مع لفظ الجماعة من النبيين جاء ~~أيضا مجموعا تعاليا في اللفظ؛ كقوله تعالى: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا ~~شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} 5، وقال سبحانه: {وضربنا لكم الأمثال} ms115 6، ولو ~~كانت: وضربت لكم الأمثال، لم تبلغ في سمو اللفظ وتعاليه7 في قوله: {وضربنا ~~لكم} ، فتفهم معناه. PageV01P164 # ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب1: "قل صدق الله"2 بإدغام اللام في الصاد، ~~وكذلك: "قل سيروا"3. # قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فشو هذين الحرفين -أعني: الصاد والسين- في ~~الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما، فقاربتا بذلك مخرج اللام فجاز إدغامها ~~فيهما، وكذلك هي أيضا مع الزاي ومع الطاء، والدال والتاء. قرئ: "فهل ترى ~~لهم"4، ومع الظاء والثاء والذال، قرئ: "هل ثوب الكفار"5، فأما اللام التي ~~للتعريف فتدغم في ثلاثة عشر حرفا، وذلك معروف في موضعه، فلا وجه لإعادته. # ومن ذلك ما رواه مبارك6 عن الحسن أنه كان يقرأ: "بثلاثه آلاف"7 و"بخمسه ~~آلاف"8، وقف ولا يجري واحدا منهما. # قال أبو الفتح: وجهه في العربية ضعيف؛ وذلك أن ثلاثة وخمسة مضافان إلى ما ~~بعدهما، والإضافة تقتضي وصل المضاف بالمضاف إليه؛ لأن الثاني تمام الأول، ~~وهو معه في أكثر الأحوال كالجزء الواحد، وإذا وصلت هذه العلامة للتأنيث فهي ~~تاء لا محالة؛ وذلك أن أصلها التاء، وإنما يبدل منها في الوقف الهاء، وإذا ~~كان كذلك -وهو كذلك- فلا وجه للهاء؛ لأنها من أمارات الوقف، والموضع على ما ~~ذكرنا متقاض للوصل، غير أنه قد جاء عنهم نحو هذا، حكى الفراء أنهم يقولون: ~~أكلت لحما شاة، يريدون: لحم شاة، فيمطلون الفتحة فينشئون عنها ألفا، كما ~~يقولون في الوقف: قالا، يريدون: قال، ثم يمطلون الفتحة فتنشأ عنها الألف، ~~وهذا المطل لا يكون مع الإسراع والاستحثاث؛ إنما يكون مع الروية والتثبت، ~~وأنشد أبو زيد: # محض نجارى طيب عنصري9 PageV01P165 # يريد: عنصري بتخفيف الراء، غير أنه "37ظ" ثقلها كما يفعل في الوقف، نحو: ~~خالد وجعفر، وإذا جاز أن ينوى الوقف دون المضمر المجرور، وهو على غاية ~~الحاجة -للفطه عن الانفصال- إلى ما قبله جاز أيضا أن يعترض هذا التلوم ~~والتمكث دون المظهر المضاف إليه؛ أعني: قوله: "آلاف"؛ بل إذا جاز أن يعترض ~~هذا الفتور والتمادي بين أثناء الحروف من المثال الواحد نحو قوله: # أقول إذ خرت ms116 على الكلكال ... يا ناقتا ما جلت من مجال1 # وقوله فيما أنشدناه: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة2 # يريد: ينبع. وقوله أنشدناه: # وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح3 # يريد: منتزح مفتعل من نزح، كان التأني والتمادي بالمد بين المضاف والمضاف ~~إليه؛ لأنهما في الحقيقة اسمان لا اسم واحد أمثل، ونحوه قراءة الأعرج عن ~~ابن أبي الزناد: "بثلاثه آلاف" بسكون الهاء، وقد ذكرناه فيما قبل، فهذا ~~تقوية وعذر لقراءة أبي سعيد، وقد أفردناه في الخصائص4 بابا قائما برأسه، ~~وذكرناه أيضا في هذا الكتاب. # ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "قرح"5 بفتح القاف والراء. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرح، وقرح، كالحلب ~~والحلب، والطرد والطرد، والشل والشلل. وفيه أيضا قرح على فعل، يقرأ بهما ~~جميعا6. PageV01P166 # ثم لا أبعد من بعد أن تكون الحاء لكونها حرفا حلقيا يفتح ما قبلها كما ~~تفتح نفسها فيما كان ساكنا من حروف الحلق، نحو قولهم في الصخر: الصخر، ~~والنعل: النعل. ولعمري، إن هذا عند أصحابنا ليس أمرا راجعا إلى حرف الحلق؛ ~~لكنها لغات، وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من ~~الفتح أثرا معتدا معتمدا؛ فلقد رأيت كثيرا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ~~ما لا يتحرك أبدا لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نحوه، يريد: نحوه، وهذا ~~ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأن الكلمة بنيت عليه ألبتة، ~~ألا ترى أن لو كان هذا هكذا لوجب أن يقال: نحاة؛ لأنه فعل مما لامه واو، ~~فيجري مجرى عصاة1 وفتاة. # نعم، وسمعت الشجري يقول في بعض كلامه: أنا محموم، بفتح الحاء. وقال مرة ~~وقد رسم له الطبيب أن يمص التفاح ويرمي بثفله فلم يفعل ذلك، فأنكره الطبيب ~~عليه، فقال: إني لأبغي مصه وعليته تغذو، يريد: تغذو، ولا قرابة بيني وبين ~~البصريين؛ لكنها بيني وبين الحق، والحمد لله، ويكون فتح الحاء من القرح لها ~~ما قبلها كفتحها لها عين الفعل المضارع2، نحو: يسنح ms117 ويسفح ويسمح. # ويؤنس بذلك أن هذه الحروف حلقية، فضارعت بذلك الألف التي لا يكون ما ~~قبلها إلا مفتوحا، وهذا قدر ما يتعلل به، إلا أن الاختيار أن تكون "القرح" ~~لغة. # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "من قبل أن تلاقوه"3. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أنك إذا لقيت الشيء فقد لقيك هو أيضا، فلما كان ~~كذلك دخله معنى المفاعلة؛ كالمضاربة والمقاتلة، وقد جاء ذلك عينه في هذه ~~"38و" اللفظة عينها، قالت امرأة: # هل الا الموت يغلي غاليه ... مختلطا سافله بعاليه # لا بد يوما أنني ملاقيه4 # فأما ما قرأته على أبي علي في نوادر أبي زيد من قوله: # فارقنا قبل أن نفارقه ... لما قضى من جماعنا وطرا5 PageV01P167 # فظاهره إلى التناقض؛ لأنا إذا فارقنا فقد فارقناه لا محالة، فما معنى ~~قوله بعد: قبل أن نفارقه؟ وهو عندنا على إقامة المسبب مقام السبب في ~~تفسيره: فارقنا قبل أن نريد فراقه، فوضع المفارقة وهي المسبب موضع الإرادة ~~لها وهي السبب؛ وذلك لقرب أحدهما من صاحبه. # ومثله قوله الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} 1 أي: إذا أردت ~~القراءة، وهو كثير قد مر في هذا الكتاب، وقد أفردنا له في الخصائص2 بابا ~~قائما برأسه. # ومن ذلك قراءة حطان بن عبد الله:3 "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~رسل"4، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود. # قال أبو الفتح: هذه القراءة حسنة في معناها؛ وذلك أنه موضع اقتصاد بالنبي ~~-صلى الله عليه وسلم- وإعلام أنه لا يلزم ذمته ممن يخالفه تبعة؛ لقوله ~~تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} 5، وقوله: {ليس لك من الأمر ~~شيء} 6، وقوله: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} 7، وقوله: {أفأنت تسمع الصم} ~~8. # ومعلوم أن "إنما" موضوعة للاقتصاد والتقليد، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} 9؟ فهذا كقوله: {ما آمن معه إلا قليل} ~~10، وقوله: {وقليل ما هم} 11، وقوله: {وقليل من عبادي الشكور} 12. فلما كان ~~موضع اقتصاد به، وفك ليد الذم عن ذمته، وكان من مضى من الأنبياء -عليهم ~~السلام- في هذا ms118 المعنى مثله، لاق بالحال تنكير ذكرهم بقوله: "قد خلت من ~~قبله رسل". # وذلك أن التنكير ضرب من الكف والتصغير، كما أن التعريف ضرب من الإعلام ~~والتشريف، ألا ترى إلى قوله: # فمن أنتم إنانسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر13 PageV01P168 # فأين هذا من قوله: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم؟ 1 # ولهذا قال: # من حديث نمى إلي فما أط ... عم غمضا ولا ألذ شرابي2 # فنكر الغمض احتقارا له إذ كان لا يعرفه، وعرف الشراب إذ كان لا بد أن ~~يشرب وإن قل. قال: # على كل حال يأكل المرء زاده ... من الضر والبأساء والحدثان # ولأجل ذلك لم تندب العرب المبهم ولا النكرة لاحتقارها، وإنما تندب بأشهر ~~أسماء المندوب؛ ليكون ذلك عذرا لها في اختلاطها وتفجعها، ويؤكده أيضا قوله ~~تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} 3، فجرى قوله سبحانه: ~~"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله رسل" مجرى قولك لصاحبك: اخدم كما خدمنا ~~غيرك من قبلك ولا تبعة عليك بعد ذلك، فهذا إذن موضع إسماح له، فلا بد إذن ~~من إلانة ذكره، وعليه جاء قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم} 4 فأضاف ~~"38ظ" سبحانه من عذرهم، وأعلم ألا متعلق عليه بشيء من أمرهم، فلهذا حسن ~~تنكير "رسل" هاهنا، والله أعلم. # وأما من قرأ: {قد خلت من قبله الرسل} فوجه تعريفهم ومعناه: أنكم قد عرفتم ~~حال من قبله من الرسل في أنهم لم يطالبوا بأفعال من خالفهم، وكذلك هو صلى ~~الله عليه وسلم، فلما كان موضع تنبيه لهم كان الأليق به أو يومئ إلى أمر ~~معروف عندهم. # ومن ذلك قراءة الأعمش، فيما رواه القطعي5 عن أبي زيد عن المفضل عن ~~الأعمش: "ومن PageV01P169 # يرد ثواب الدنيا يوته منه ومن يرد ثواب الآخرة يوته منها وسنجزي ~~الشاكرين"1 بالياء فيهما. # قال أبو الفتح: وجهه على إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه؛ أي: يوته الله، ~~يدل على ذلك قراءة الجماعة: {نؤته منها} بالنون. # وحديث إضمار الفاعل للدلالة عليه واسع فاش ms119 عنهم، منه حكاية الكتاب أنهم ~~يقولون: إذا كان غدا فائتني؛ أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في غد ~~فائتني، ومثله حكايته أيضا: # من كذب كان شرا له؛ أي: كان الكذب شرا له. وعليه قول الآخر: # ومجوفات قد علا ألوانها ... أسآر جرد مترصات كالنوى2 # أي: قد علا التجويف ألوانها. وقول الآخر: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف3 # وكما أضمر المصدر مجرورا؛ أعني: الهاء في إليه -يعني إلى السفه- كذلك ~~أيضا أضمره مرفوعا بفعله. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن والأشهب والأعمش: "وكأي"4 بهمزة بعد الكاف ~~ساكنة، وياء بعدها مكسورة خفيفة، ونون بعدها، في وزن كعي. # قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: كأي، وكاء، وكأي -وهي هذه القراءة- وكاء ~~في وزن كع. # ثم اعلم أن أصل ذلك كله "كأي" في معنى كم كأكثر القراءة "وكأي من قرية"5، ~~وهي أي دخلت عليها كان الجر، فحدث لها من بعد معنى كم، ولهذه الكاف الجارة ~~حديث طويل في دخولها وفيها معنى التشبيه، وفي دخولها عارية من التشبيه، ~~نحو: كأن زيدا عمرو، وله كذا وكذا درهما، وكأي من رجل، ثم إنها لما كثر ~~استعمالها لها تلعبت بها العرب كأشياء يكثر تصرفها فيها لكثرة نقطها بها، ~~فقدمت الياء المشددة على الهمزة فصارت كيأ بوزن كيع، PageV01P170 # ثم حذفت الياء المتحركة تشبيها لها بسيد وميت؛ فصارت "كيء" بوزن كيع، ثم ~~قلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة، كما قبلت في ييئس فقيل: ياءس؛ فصارت كاء ~~بوزن كاع. # وذهب يونس في "كاء" إلى أنه فاعل من الكون، وهذا يبعد؛ لأنه لو كان كذلك ~~لوجب إعرابه؛ إذ لا مانع له من الإعراب. # وأما كأي بوزن كعي، فهو مقلوب كيء الذي هو أصل كاء، وجاز قلبه لأمرين: # أحدهما: كثرة التلعب بهذه الكلمة. # والآخر: مراجعة أصل، ألا ترى أن أصل الكلمة كأي؟ فالهمزة إذن قيل الياء. ~~وأما كأ بوزن كع فمحذوفة من كاء، وجاز حذف الألف لكثرة الاستعمال، كما قال ~~الراجز "39و": # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # إلا عرادا عردا ms120 ... وصليانا بردا # وعنكثا ملتبدا1 # يريد: عاردا وباردا. ألا ترى إلى قول أبي النجم: # كأن في الفرش العراد العاردا2 # وكما قالوا: أم والله لقد كان كذا، يريد أما، وحذف الألف. # فإن قلت: فما مثال هذه الكلم من الفعل فإن كأي مثاله كفعل؛ وذلك أن الكاف ~~زائدة، ومثال أي فعل كطي وزي، مصدر طويت وزويت، وأصل أي أوى؛ لأنها فعل من ~~أويت، ووجه التقائها أن "أي" أين وقعت فهي بعض من كل، وهذا هو معنى أويت؛ ~~وذلك أن معنى أويت إلى الشيء تساندت إليه، قال أبو النجم: # يأوي ألى ملط له وكلكل3 # أي: يتساند هذا العير إلى ملاطيه وكلكله. PageV01P171 # ونحوه قول طفيل الغنوي: # وآلت إلى أجوازها وتقلقلت ... قلائد في أعناقها لم تقضب1 # فمعنى آلت: أي رجعت، والآوي إلى الشيء: معتصم به وراجع إليه، هذا طريق ~~الاشتقاق. # وأما القياس فكذلك أيضا؛ وذلك أن باب أويت وطويت وشويت مما عينه واو ~~ولامه ياء أكثر من باب حييت وعييت مما عينه ولامه ياءان، ولو نسبت إلى "أي" ~~لقلت: أووي، كما أنك لو نسبت إلى طي ولي لقلت: طووي ولووي، وكذلك لو أضفت ~~إلى الري لكان قياسه رووي. وأما قولهم: رازي، فشاذ بمنزلة كلابزي وإصطخرزي. # وأما "كاء" فوزنه كعف وأصله "كيأ"، ومثاله كعلف، فحذفت الياء الثانية وهي ~~لام الفعل، كما حذفت الثانية من ميت، فبقي كيء، ووزنه كعف، وقلب الياء ألفا ~~لا يخرجها أن تكون كما كانت عينا، ألا ترى أن وزن قام في الأصل فعل لأنه ~~قوم، ومثال قام في اللفظ فعل؟ فالألف عين كما كانت الواو التي الألف بدل ~~منها عينا، وأيا كان مثال "كأي" فإنه كفع؛ لأن الهمزة التي هي فاء عادت إلى ~~مكانها من التقدم. # وأما "كأ" بوزن كع فإنه كف، والعين واللام محذوفتان. # فإن قيل: لما حذفت الياء الثانية من "كيأ" هلا رددت الواو على مذهبك؛ ~~لأنه قد زالت الياء التي قلبت لها العين قبلها ياء فقدرته كوء. # قيل: لما تلعب بالكلمة تنوسى أصلها فصارت الياء كأنها أصل في الحرف، ~~ودعانا ms121 إلى اعتماد هذا وإن لم تظهر الياء إلى اللفظ أن الألف أبدلت منها ~~وهي ساكنة، وقلب الألف من الياء الساكنة أضعاف قلبها من الواو الساكنة، ألا ~~تراهم قالوا: حاحيت2 وعاعيت وهاهيت، وأصلها: حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلبت ~~الياء ألفا؟ # نعم، وقلبوها مكسورا ما قبلها ألفا، فقالوا في الحيرة: حاري، كما قالوا ~~في المفتوح PageV01P172 # ما قبلها: طائي، وقالوا: ضرب عليه ساية1، وهي فعلة من سويت، يعنى به ~~الطريق، وأصلها سوية، فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة قبل الياء فصارت سية، ~~ثم قلبت الياء ألفا فقيل: "ساية"، وهو أولى من أن تكون قلبت الواو من سوية ~~ألفا قبل القلب والإدغام، وإن أعطيت القول ثني مقوده طال وطغى وأمل وتمادى ~~"39ظ". # ومن ذلك قراءة قتادة: "وكأي من نبي قتل معه ربيون كثير"2 مشددة. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على أن من قرأ من السبعة قتل أو ~~قاتل معه ربيون، فإن "ربيون" مرفوع في قراءته بقتل أو قاتل، وليس مرفوعا ~~بالابتداء ولا بالظرف الذي هو معه، كقولك: مررت برجل يقرأ عليه سلاح، ألا ~~ترى أنه لا يجوز كم نبي قتل بتشديد التاء على فعل؟ فلا بد إذن أن يكون ~~ربيون مرفوعا بقتل، وهذا واضح. # فإن قلت: فهلا جاز فعل حملا على معنى كم؟ # قيل: لو انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن العود من بعد إلى اللفظ، وقد ~~قال تعالى كما تراه: "معه"، ولم يقل: معهم، فافهم ذلك3. # ومن ذلك قراءة علي وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبي رجاء وعمرو ~~بن عبيد وعطاء بن السائب4: "ربيون" بضم الراء، وقرأ بفتحها ابن عباس فيما ~~رواه قتاده عنه. # قال أبو الفتح: الضم في "ربيون" تميمية، والكسر ايضا لغة. قال يونس: ~~الربة: الجماعة. وكان الحسن يقول: الربيون: العلماء الصبر. قال قطرب: ~~والجماعة أيضا مع يونس؛ أي: فرق وجماعات. PageV01P173 # وكان ابن عباس يقول: الواحدة ربوة، وهي عنده عشرة آلاف، وأنكرها قطرب، ~~قال: لدخول الواو في الكلمة، وهذا لا يلزم؛ لأنه يجوز أن يكون بنى من ~~الربوة فعيلا ms122 كبطيخ، فصار ربي، ومثله من عزوت عزي، ثم جمع فقيل: ربيون، ~~وأما ربيون بفتح الراء، فيكون الواحد منها منسوبا إلى الرب، ويشهد لهذا قول ~~الحسن: إنهم العلماء الصبر، وليس ننكر أيضا أن يكون أراد ربيون وربيون، ثم ~~غير الأول لياء الإضافة كقولهم في أمس: إمسي. # ومن ذلك قراءة الحسن: "فما وهنوا"1 بكسر الهاء. # قال أبو الفتح: فيه لغتان: وهن يهن، ووهن يوهن، وقولهم في المصدر: الوهن ~~بفتح الهاء يؤنس بكسر الهاء من "وهن"، فيكون كفرق فرقا وحذر حذرا. وحدثنا ~~أبو علي أن أبا زيد حكى فيه كسر الهاء في الماضي، وقولهم فيه: الوهن، بسكون ~~الهاء يؤنس بفتح عين الماضي كفتر فترا. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن، ورويت عن يحيى وإبراهيم: "أمنة نعاسا"2 بسكون ~~الميم. # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أنه قال: الأمنة: الأمن، والأمنة بفتح ~~الميم: أشبه بمعاقبة الأمن، ونظير ذلك قولهم: الحبط3 والحبج4 والرمث5، كل ~~ذلك في أدواء الإبل. فلما أسكنوا العين جاءوا بالهاء فقالوا: مغل مغلة6 ~~وحقل حقلة7، وقد أفردنا بابا في كتاب الخصائص لنحو هذا، وهو باب في ترافع ~~الأحكام8. PageV01P174 # ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "أو كانوا غزا"1 خفيفة الزاي. # قال أبو الفتح: وجهه عندي أن يكون أراد غزاة، فحذف الهاء إخلادا إلى ~~قراءة من قرأ: "غزى" بالتشديد، ولا يستنكر هذا؛ فإن الحرف إذا كان فيه ~~لغتان متقاربتان فكثيرا ما تتجاذب هذه طرفا من حكم هذه. # قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن2 عن أحمد بن يحيى لبلال بن جرير: # إذا خفتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضره3 # وذلك أنه يقال: سألته عن حاله وسايلته على البدل، فلما ألف استماعهما ~~تجاذبتا لفظه فجمع بينهما "40و" فيه لتداخلهما وتزاحم حروفهما، وقد حذفت ~~تاء التأنيث في أماكن قد ذكرناها: ناح في ناحية، ومألك في مألكة. وأنشد ابن ~~الأعرابي للعتابي يمدح الكسائي: # أبى الذم أخلاق الكسائي وانتحى ... به المجد أخلاق الأبو السوابق4 # يريد: الأبوة جمع أب، كالعمومة جمع عم، والخئولة جمع خال، وهذا عندي أمثل ~~من أن يكون خرج ms123 "أبوا" على أصله من الصحة، وأن يكون من باب نحو ونحو، وبهو ~~وبهو للصدر، ونجو ونجو للسحاب، وعلى أنه قد يمكن أن تكون الهاء مرادة في ~~جميع ذلك، وقد قالوا أيضا: ابن وبنو، والقول فيهما سواء. # ووجه آخر؛ وهو أن يكون مخففا من "غزى"، ونظيره قراءة علي عليه السلام: ~~"وكذبوا بآياتنا كذابا"5، وبابه "كذابا" كقراءة الجماعة. وقد يجوز أن يكون ~~"كذابا" مصدر كذب الخفيفة، جرى على الثقيلة لدلالة الفعل على صاحبه، والقول ~~الأول أقوى. # ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه عنه عمرو: "وشاورهم في بعض الأمر"6. ~~PageV01P175 # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على أنك إذا قلت: شربت ماءك -وإنما ~~شربت بعضه- كنت صادقا، وكذلك إذا قلت: أكلت طعامك، وإنما أكلت بعضه. # ووجه الدلالة منه قراءة الباقين: {وشاورهم في الأمر} والمعنى واحد في ~~القراءتين، ونحن أيضا نعلم أن الله سبحانه لم يأمر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بقوله: {وشاورهم في الأمر} أي: في جميعه؛ كشرب الماء، وتناول الغذاء؛ ~~وإنما المراد به العاني من أمر الشريعة وما أرسل عليه السلام له، ومع هذا ~~فقد قال سيبويه في باب الاستقامة والاستحالة من الكلام1: فأما المستقيم ~~الكذب فهو قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر ونحوه، فجعله إياه كذبا يدلك ~~على أن مراده هنا بقوله: ماء البحر جميعه؛ لأنه لا يجوز أن يشرب جميع مائه، ~~فأما على العرف في ذلك على ما مضى فلا يكون كذبا. # ومن ذلك قراءة جابر بن يزيد وأبي نهيك وعكرمة وجعفر بن محمد: "فإذا ~~عزمت"2 بضم التاء. # قال أبو الفتح: تأويله عندي -والله أعلم- فإذا أريتك أمرا فاعمل به وصر ~~إليه. وشاهده قول الله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} 3، وهذا ليس ~~من رؤية العين؛ لأنه لا مدخل له في الأحكام، ولا من العلم؛ لأن ذلك متعد ~~إلى مفعولين. فإذا نقل بالهمزة وجب أن يتعدى إلى ثلاثة، والذي معنا في هذا ~~الفعل إنما هو مفعولان؛ أحدهما: الكاف، والآخر: الهاء المحذوفة العائدة على ~~"ما"؛ أي: بما أراكه الله. فثبت بذلك أنه ms124 من الرأي الذي هو الاعتقاد، ~~كقولك: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة ورأي مالك، ونحو ذلك؛ ~~فرأيت هذه إذن قسم ثالث ليست من رؤية العين ولا من يقين القلب. # وجاز أن ينسب سبحانه العزم إليه؛ إذ كان بهدايته وإرشاده، فهو كقوله ~~تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} 4، وقد جاء فيه ما هو أقوى معنى من هذا؛ وهو ~~قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} 5، فخرج اللفظ فيه نافيا ~~أوله ما أثبته آخره، والغرض فيه PageV01P176 # ما قدمناه من أن الرمي لما كان بإقداره ومشيئته صار كأنه هو الفاعل له ~~"40ظ" وهو كثير، منه قول الإنسان لمن ينتسب إليه: إنما أرى بعينك وأسمع ~~بأذنك والفعل منك؛ وإنما أنا آلة لك، ومن عرف طريق القوم في اللغة سقطعت ~~عنه مئونات التعسف والشبه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وعطاء: "يخوفكم أولياءه"1. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على إرادة المفعول في يخوف وحذفه في ~~قراءة أكثر الناس: {يخوف أولياءه} . وليس هذا كقولنا: فلان يخوف غلامه ~~ويخوف جاريته من ضربه إياهما وإساءته إليهما. فالمحذوف هنا هو المفعول ~~الثاني، وهو في الآية المفعول الأول على ما قدمنا. # ومن ذلك قراءة الحر النحوي2: "يسرعون"3 في كل القرآن. # قال أبو الفتح: معنى "يسارعون" في قراءة العامة: أي يسابقون غيرهم، فهو ~~أسرع لهم وأظهر خفوفا بهم، وأما "يسرعون" فأضعف معنى في السرعة من يسارعون؛ ~~لأن من سابق غيره أحرص على التقدم ممن آثر الخفوف وحده، وأما سرع فعادة ~~ونحيزة؛ أي: صار سريعا في نفسه. # وفعل من لفظ فاعلت ضربان: متعد، وغير متعد؛ فالمعتدي كضربت زيدا وضاربته، ~~وغير المتعدي كقمت وقاومت زيدا. وأما أسرع وسرع جميعا فغير متعديين؛ لكن ~~سرع غريزة، وأسرع كلف نفسه السرعة؛ لكن سارع متعد4. # ومن ذلك ما رواه روح5 عن أحمد عن عيسى أنه كان يقرأ: "بقربان"6 بضم ~~الراء. PageV01P177 # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أصله "قربان" ساكنة الراء والضمة فيها ~~إتباع؛ لتعذر فعلان في الكلام. وحكى صاحب الكتاب منه ms125 السلطان، وذهب إلى أن ~~ضمة اللام إتباع كضمة الراء من القرفصاء1؛ وإنما هي القرفصاء بسكون الراء. ~~ومثله من الإتباع ما حكاه من قولهم: منتن بضم التاء، وهو منحدر2 من الجبل؛ ~~أي: منحدر. وحكى أيضا: أجوءك وأنبؤك. فأما العرقصان3 والعرتن4 فليس إتباعا؛ ~~لكنه يراد به العريقصان بالياء والعرنقصان يقال أيضا، فحذفت الياء والنون، ~~وكذلك العرتن إنما هو العرنتن، فحذفت النون. وكذلك العبقر5 أصله العبيقر، ~~فحذفت الياء، فهذا طريق حذف وليس طريق إتباع. PageV01P178 ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد1: "الذي تساءلون به ~~والأرحام"2 رفعا، قراءة ثالثة. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون رفعه على الابتداء وخبره محذوف؛ أي: ~~والأرحام مما يجب أن تتقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه، وحسن رفعه لأنه أوكد ~~في معناه، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا، فزيد فضلة على الجملة، وإنما ~~ذكر فيه مرة واحدة، وإذا قلت: زيد ضربته، فزيد رب الجملة، فلا يمكن حذفه ~~كما يحذف المفعول على أنه نيف وفضلة بعد استقلال الجملة؟ نعم، ولزيد فيها ~~ذكران: # أحدهما: اسمه الظاهر، والآخر: ضميره وهو الهاء. ولما كانت الأرحام فيما ~~يعنى به ويقوى الأمر في مراعاته؛ جاءت بلفظ المبتدأ الذي هو أقوى من ~~المفعول. # وإذا نصبت الأرحام أو جرت فهي فضلة، والفضلة متعرضة للحذف والبذلة. # فإن قلت: فقد "41و" حذف خبر الأرحام أيضا على قولك، وقيل: أجل؛ ولكنه لم ~~يحذف إلا بعد العلم به، ولو قد حذفت الأرحام منصوبة أو مجرورة فقلت: ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به} لم يكن في الكلام دليل على الأرحام أنها ~~مرادة أو مقدرة، وكلما3 قويت الدلالة على PageV01P179 # المحذوف كان حذفه أسوغ، ونحو من رفع الأرحام هنا بعد النصب والجر قول ~~الفرزدق: # يأيها المشتكي عكلا وما جرمت ... إلى القبائل من قتل وإبآس # إنا كلك إذ كانت همرجة ... نسبي ونقتل حتى يسلم الناس1 # أي: من قتل وإبآس أيضا كذلك، فقوى لفظه بالرفع؛ لأنه أذهب في شكواه إياه، ~~وعليه أيضا قوله: # إلا مسحتا أو مجلف2 # فيمن ms126 قال: أراد أو مجلف كذاك. # ومن حمله على المعنى فرفعه وقال: إذا لم يدع إلا مسحتا فقد بقي المسحت ~~وبقي أيضا المجلف، سلك فيه غير الأول. # ومن ذلك ما رواه المفضل عن الأعمش عن يحيى وإبراهيم وأصحابه: "ألا ~~تقسطوا3" بفتح التاء. # قال ابن مجاهد: ولا أصل له. # قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد مستقيم غير منكر؛ وذلك على ~~زيادة "لا"، حتى كأنه قال: وإن خفتم أن تقسطوا في اليتامى؛ أي: تجوروا. ~~يقال: قسط: إذا جاز، وأقسط: إذا عدل. قال الله جل وعلا: {وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا} 4، وزيادة "لا" قد شاعت عنهم واتسعت، منه قوله تعالى: ~~{لئلا يعلم أهل الكتاب} 5، وقوله: {وما يشعركم أنها PageV01P180 # إذا جاءت لا يؤمنون} 1، فيمن ذهب إلى زيادة "لا"، وقال: معناه: وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، وعليه قول الراجز: # وما ألوم البيض ألا تسخرا ... إذا رأين الشمط القفندرا2 # أي: أن تسخر، والأمر فيه أوسع، فبهذا يعلم صحة هذه القراءة. # ومن ذلك ما رواه الأعمش عن يحيى بن وثاب والمغيرة عن إبراهيم قراءتهما: ~~"وربع"3 مرتفعة الراء، منتصبة العين بغير ألف. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محذوفا من "رباع" تخفيفا، كما روينا عن ~~قطرب: # إلا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال4 # فحذف ألف "الله". وقال الآخر: # مثل النقا لبده ضرب الطلل5 # يريد: الطلال جمع طل6، كما قال القحيف العقيلي: # ديار الحي تضاربها الطلال ... بها أهل من الخافي ومال7 # ويقوى أنه أراد "رباع" ثم حذف الألف ترك صرفه كما كان قبل الحذف غير ~~مصروف. # وأما ربع فلا نعلم إلا ولد الناقة في أيام الربيع، وذلك مصروف في المعرفة ~~والنكرة، وهذا واضح. # ومما حذفت ألفه تخفيفا أيضا قولهم: أم والله لأفعلن كذا، يريد: أما. # وكذلك قراءة من قرأ: "هأنتم"8 في وزن أعنتم، الألف محذوفة من "ها". وأما ~~قول الآخر: # وأتى صواحبها فقلن هذا الذي ... منح المودة غيرنا وقلانا # فإنه لا يريد هذا الذي؛ بل يريد أذا الذي، ثم أبدل همزة الاستفهام ms127 هاء، ~~كقولهم: هرقت في أرقت، وهرحت الدابة في أرحتها، وهردت ذلك في أردت، وهن ~~فعلن في إن PageV01P181 # فعلت، وقد يجوز مع هذا أن يكون "41ظ" أراد هذا الذي مخبرا، ثم حذف الألف ~~على ما مضى. # ومن ذلك ما ذكره ابن مجاهد في "قياما وقيما"1، وهما في السبعة2 "قواما"، ~~وقيل: "قواما"، واللغة بكسر القاف. قرأ "قواما" بالواو وفتح القاف ابن عمر. ~~انتهى كلام ابن مجاهد ولم يذكر "قواما" عن أحد؛ لكنه أثبته. # قال أبو الفتح: يقال: هذا قوام الأمر: أي ملاكه، ويقال: قاومته قواما ~~كقولك: عاودته عوادا، كما قال: # وإن شئتم تعاودنا عوادا3 # وأما "القوام" فمصدر جارية حسنة القوام، فهو كالشطاط4، فقد يجوز مع هذا ~~أن يراد بقوام ما أراده من قرأ: "قياما" فيخرجه على الصحة، كما قال العجاج: # يخلطن بالتأنس النوارا ... زهوك بالصريمة الصوارا5 # وقياسه النيار؛ لأنه مصدر فعل معتل العين، وهو نار ينور: أي نفر. قال: # أنورا سرع ماذا يا فروق ... وحبل الوصل منتكث حذيق6 # وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي المنصف7. # ومن ذلك قراءة الحسن: "يورث كلالة"8، ويورث أيضا كالمقروء به في السبعة. ~~وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: "يورث كلالة". PageV01P182 # قال أبو الفتح: يورث ويورث كلاهما منقول من ورث، فهذا من أورث، وهذا من ~~ورث، فورث وأورثته كوغر صدره وأوغرته، وورث وورثته كورم وورمته. قال ~~الأعشى: # مورثة مالا وفي المجد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا1 # وفي كلتا القراءتين هناك المفعولان محذوفان، كأنه قال: يورث وارثه ماله، ~~أو يورث وارثه ماله. وقد جاء حذف المفعولين جميعا، قال الكميت: # بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب2 # فلم يعد تحسب. و"كلالة" على نصبها في جميع القراءات. # ومن ذلك قراءة الحسن: "غير مضار وصية"3 مضاف. # قال أبو الفتح: أي غير مضار من جهة الوصية، أو عند الوصية، كما قال طرفة: # بضة المتجرد4 # أي: بضة عند تجردها، وهو كقولك: فلان شجاع حرب وكريم مسألة؛ أي: شجاع عند ~~الحرب، وكريم عند المسألة، وعليه قولهم مدره5 حرب؛ أي: مدره عند ms128 الحرب، فهو ~~راجع إلى معنى قولهم: # يا سارق الليلة أهل الدار6 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "فاحشة مبينة"7 مكسورة الباء ساكنة الياء، وقال: ~~"بينة". # قال أبو الفتح: يقال: بان الشيء وأبنته، وأبان وأبنته، واستبان واستبنته، ~~وتبين وتبينته. PageV01P183 # ومن أبيات الكتاب: # سل الهموم بكل معطي رأسه ... ناج مخالط صهبة متعيس # مغتال أحبله مبين عنقه ... في منكب زبن المطي عرندس1 # وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: # يبينهم ذو اللب حتى تراهم ... بسيماهم بيضا لحاهم وأصلعا2 # ومن كلامهم: قد بين الصبح لذى عينين3، وقال: # تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طيالها4 # وأنشدنا أبو علي: # فلما تبين غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور5 # وهو كثير "42و". # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "وآتيتم احداهن قنطارا"6 وصل ألف إحداهن. # قال أبو الفتح: قد تقدم نحو هذا فيمن7 قرأ: "فلا اثم عليه"، يريد: فلا ~~إثم عليه بشواهده، وهذا حذف صريح، واعتباط مريح، نحو قوله: # وتسمع من تحت العجاج لها ازملا8 # وقد مضى. PageV01P184 # ومن ذلك قراءة ابن هرمز: "التي أرضعنكم"1 بلفظ الواحد. # قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون التي هنا جنسا فيعود الضمير عليه على معناه ~~دون لفظه، كما قال سبحانه: {والذي جاء بالصدق وصدق به} 2، ثم قال: {أولئك ~~هم المتقون} ، فهذا على مذهب الجنسية، كقولك: الرجل أفضل من المرأة، وهو ~~أمثل من أن يعتقد فيه حذف النون من "الذي" كما حذفت من "اللذا" في قوله: # إن عمي اللذا3 # ألا ترى أن قوله: "التي ارضعنكم" لا يجوز أن يعتقد فيه حذف النون؛ لأنه ~~لا يقال: اللتين، والقول الآخر وجه، إلا أن هذا أقوى لهذه القراءة، وعليه ~~قول الأشهب بن رميلة: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد4 # يحتمل المذهبين: حذف النون من الذين، واعتقاد مذهب الجنسية على ما مضى. # ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "كتب الله عليكم"5 مفتوحة الكاف، وليس ~~بعد التاء ألف، والباء نصب. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دليل على أن قوله: "عليكم" من ms129 قوله: {كتاب ~~الله عليكم} في قراة الجماعة معلقة6 بنفس كتاب، كما تعلقت في "كتب الله ~~عليكم" بنفس كتب، وأنه ليس "عليكم" من {كتاب الله عليكم} اسما سمي به ~~الفعل7، كقولهم: عليك زيدا، إذا أردت: خذ زيدا؛ وذلك أن عليك ودونك وعندك ~~إذا جعلن أسماء للفعل لسن منصوبات المواضع، ولا هن متعلقات بالفعل مظهرا ~~ولا مضمرا، ولا الفتحة في نحو: دونك زيدا فتحة إعراب كفتحة الظرف في نحو ~~قولك: جلست دونك؛ بل هي فتحة بناء؛ لأن الاسم الذي هو عندك8 زيدا ~~PageV01P185 # بمنزلة صه ومه لا إعراب فيه، كما لا إعراب في صه ومه وحيهل، غير أنه بني ~~على الحركة التي كانت له في حال الظرفية، كما أن فتحة لام رجل من قولك: لا ~~رجل في الدار1، وهي الحركة التي تحدثها "لا" إعرابا في المضاف والممطول، ~~نحو: لا غلام رجل عندك، ولا خيرا منك فيها، وكذلك قول الله تعالى: {مكانكم ~~أنتم وشركاؤكم} 2، الفتحة في نون "مكانكم" فتحة بناء؛ لأنه اسم لقولك: ~~اثبتوا، وليست كفتحة النون من قولك: الزموا مكانكم، هذه إعراب، وتلك في ~~الآية بناء. وهذا موضع فيه لطف فتفهمه. # ولما دخل شيخنا أبو علي -رحمه الله- الموصل سنة إحدى وأربعين، قال لنا: ~~لو عرفت في هذا البلد من يعرف الكلام على قولك: دونك زيدا؛ لغدوت إلى بابه ~~ورحت. وكذلك قوله تعالى: "كتب الله عليكم" و {كتاب الله عليكم} ، و {عليكم} ~~في الموضعين جميعا منصوبة الموضع بنفس كتب وكتاب، ولو قلت: عليكم كتاب الله ~~لما كان لقولك عليكم موضع من الإعراب أصلا، ولا كانت متعلقة بشيء ظاهر ولا ~~محذوف ولا مضمر على ما تقدم، فاعرفه "42ظ". # ومن ذلك قراءة إبراهيم والأعمش وحميد: "فسوف نصليه نارا"3 بفتح النون، ~~وسكون الصاد. # قال أبو الفتح: يروى في الحديث أنه أتي بشاة مصلية؛ أي: مشوية، يقال: ~~صلاه يصليه: إذا شواه، ويكون منقولا من صلي نارا وصليته نارا، كقولك: كسي ~~ثوبا وكسوته ثوبا، ومثله -إلا أنه قبل النقل غير متعد- شتر4 وشترته، وغارت ~~عينه وغرتها. # وعليه قوله: # وصاليات ككما ms130 يؤثفين5 # فهذا من صلي. # فأما قراءة العامة: {فسوف نصليه نارا} بضم النون، فهو منقول من صلي أيضا، ~~إلا أنه PageV01P186 # نقل بالهمزة لا بالمثال، كقولك: طعم خبزا وأطعمته خبزا، وعلم الخبر ~~وأعلمته إياه؛ أي: عرف وعرفته. # والصلى: النار منه، وهو من الياء لقولهم: صليته نارا. # وليست الصلاة من الياء لقولهم في جمعها: صلوات. قال لنا أبو علي سنة سبع ~~وأربعين: الصلاة من الصلوين1، قال: وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة ~~إنما هو تحريك الصلوين للركوع، فأما القيام فلا يخص الصلاة دون غيرها، وهو ~~حسن. # ومن ذلك قراءة طلحة: "فالصوالح قوانت حوافظ للغيب"2. # قال أبو الفتح: التكسير هنا أشبه لفظا بالمعنى؛ وذلك أنه إنما يراد هنا ~~معنى الكثرة، لا صالحات من الثلاث إلى العشر، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى ~~الكثرة من لفظ القلة بمعنى الكثرة، والألف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على ~~حد التثنية بمنزلة الزيدون من الواحد إذا كان على حد الزيدان. هذا موجب ~~اللغة على أوضاعها، غير أنه قد جاء لفظ الصحة والمعنى الكثرة، كقوله تعالى: ~~{إن المسلمين والمسلمات} إلى قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} ~~3، والغرض في جميعه الكثرة، لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة. # وكان أبو علي ينكر الحكاية المروية عن النابغة وقد عرض عليه حسان شعره، ~~وأنه لما صار إلى قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما4 # قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك. # قال أبو علي: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: {وهم في ~~الغرفات آمنون} 5، ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التي في الجنة من الثلاث ~~إلى العشر. # وعذر ذلك عندي أنه قد كثر عنهم وقوع الواحد على معنى الجميع جنسا، ~~كقولنا: أهلك الناس الدنيار والدرهم، وذهب الناس بالشاة والبعير. فلما كثر ~~ذلك جاءوا في موضعه بلفظ الجمع الذي هو أدنى إلى الواحد أيضا؛ أعني: الجمع ~~بالواو والنون والألف والتاء. نعم، وعلم أيضا أنه إذا PageV01P187 # جيء في هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة لا يتدارك معنى ms131 الجنسية، فلهوا عنه، ~~وأقاموا على لفظ الواحد تارة ولفظ الجمع المقارب للواحد تارة أخرى؛ إراحة ~~لأنفسهم من طلب ما لا يدرك، ويأسا منه، وتوقفا دونه. فيكون هذا كقوله: # رأى الأمر يفضي الي آخر ... فصير آخره أولا1 # ومثل الجمع بالواو والنون والألف والتاء مجيئهم في هذا الموضع بتكسير ~~القلة، كقوله تعالى: {وأعينهم تفيض من الدمع} 2. # وقول حسان: "43و" # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما3 # ولم يقل: عيونهم ولا سيوفنا. وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الخصائص. # ومن ذلك قراءة يزيد بن القعقاع: "بما حفظ الله" بالنصب4 في اسم الله ~~تعالى. # قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف؛ أي: بما حفظ دين الله وشريعة الله ~~وعهود الله، ومثله: {إن تنصروا الله ينصركم} 5 أي: دين الله وعهود الله ~~وأولياء الله، وحذف المضاف في القرآن والشعر وفصيح الكلام في عدد الرمل ~~سعة، وأستغفر الله. وربما حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررا؛ أنسا بالحال ~~ودلالة على موضوع الكلام، كقوله عز وجل: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} 6 أي: ~~من أثر حافر فرس الرسول. وقد ذكرنا في كتابنا ذلك هذا وغيره من كتبنا ~~وكلامنا. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى"7 مضمومة السين، ~~ساكنة الكاف من غير ألف. # وقراءة إبراهيم: "وأنتم سكرى". # وفي قراءته أيضا: "ترى الناس سكرى وما هم بسكرى"8. PageV01P188 # قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن وكيع عن الدمشقي عن ابن ~~قطرب عن قطرب1 في كتابه الكبير: أن قراءة أبي زرعة الشامي: "وترى الناس ~~سكرى وما هم بسكرى". # وسألت أبا علي عن "سكرى" فردد القول فيها، ثم استقر الأمر فيها بيننا على ~~أنها صفة من هذا اللفظ والمعنى، بمنزلة حبلى مفردة كما ترى. # فأما "سكرى" بفتح السين فيمن قرأ كذلك فيحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون جمع سكران؛ إلا أنه كسر على فعلى؛ إذ كان السكر علة تلحق ~~العقل، فجرى ذلك مجرى قوله: # فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما2 # فهذا جمع رائب؛ أي: نومى خثراء الأنفس3؛ فيكون ms132 ذلك كقولهم: هالك وهلكى ~~ومائد وميدى4، فيجري مجرى صريع وصرعى وجريح وجرحى؛ إذ كان ذلك علة بلوا ~~بها، وإن كان هالك ومائد ورائب فعلا منسوبا إليهم، لا موقعا في اللفظ بهم. # والآخر: أن يكون "سكرى" هنا صفة مفردة، مذكرها سكران، كامراة سكرى. ويشهد ~~لهذا الأمر قراءة من قرأ: "سكرى" بالضم، وهذا لا يكون إلا واحدا. ويشهد ~~للقول الأول قراءة العامة: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} . وجاز أن ~~يوقع على الناس كلهم صفة مفردة تصورا لمعنى الجملة والجماعة وهي بلفظ ~~الواحد، كما جاز للبيد أن يشير أيضا إلى الناس بلفظ الواحد في قوله: # ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد5 # ومن معكوسه في إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد قوله تعالى: {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} 6 والمراد به الواحد7، كل من كلام العرب. ~~PageV01P189 # وقراءته: "وترى الناس سكرى" بضم التاء يقوي ما قدمناه من أن أرى في ~~اليقين دون أرى؛ لقوله تعالى: {وما هم بسكارى} . # ومن ذلك قراءة ابن مسعود والزهري أيضا: "أو جاء أحد منكم من غيط"1. # قال أبو الفتح: فيه صنعة، وذلك "43ظ" أن هذا الحرف مما عينه واو؛ لقوهم ~~تغوط الرجل: إذا أتى الغائط، وهو مطمأن من الأرض كانوا يقضون فيه حوائجهم. ~~وظاهر أمر غيط أنه فعل مما عينه ياء، بمنزلة شيخ وبيت. وأمثل ما ينبغي أن ~~يقال فيه: إنه محذوف من فيعل، كأنه في الأصل غيط كميت وسيد، ثم حذفت عينه ~~تخفيفا فبقي ميت وسيد، ومثاله قيل2؛ لأن العين محذوفة. # فإن قلت: فإنا لا نعرف في الكلام غيطا كما عرفنا سيدا وميتا؟ # قيل: قد يجوز أن يكون محذوفا من فيعل مقدرا غير مستعمل، كما أن قولهم: ~~يذر ويدع استغني عنهما بترك، كما استغني أيضا بغائط عن غيط، وكما استغني ~~أيضا بذكر ولمحة عن مذكار وملمحة اللتين عليهما3 كسر ملامح ومذاكير. # ويؤكد هذا أن غائطا إلى غيط أقرب من ذكر ولمحة إلى مذكار وملمحة؛ وذلك ~~لأن ثاني فاعل ألف زائدة ms133 كما أن ثاني فيعل ياء زائدة، والعين فيهما كليهما ~~مكسورة، واللام تلي العين فيهما جميعا، والياء أيضا أخت الألف، فكأنهما ~~مثال واحد من حيث ذكرنا، فبقدر هذا القرب بينهما ما4 حسنت إنابة فاعل عن ~~فيعل، لا سيما وكأن غيطا في اللفظ غيط لقربه منه وزنا. # وفيه قول ثان؛ وهو أن يكون غيط فعلا وأصله غوط، إلا أن الواو قلبت ~~للتخفيف ياء، كما قلبوها إليها لذلك في قولهم: لا حيل ولا قوة إلا بالله؛ ~~أي: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقالوا: هو أليط بقلبي من كذا، وظاهر أمره ~~أن يكون من لطت الحوض ألوطه؛ أي: ألصقت بعضه ببعض، فكذلك هو أليط بقلبي: ~~إذا لصق به، وأصله على هذا ألوط، وقلبت الواو ياء استحسانا كأشياء نحو ذلك، ~~نحو: العلياء وهي من علوت، والعيصاء بمعنى العوصاء5، فهذا الوجه أقرب، ~~والأول أشد وأصنع. PageV01P190 # ومن ذلك1 قراءة حميد بن قيس2: "سوف نصليهم نارا"3. # قال أبو الفتح: قد أتينا على ما في ذلك فيما مضى من هذا الكتاب آنفا4. # ومن ذلك قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة: "تعالوا"5 بضم اللام. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه حذف اللام من تعاليت استحسانا وتخفيفا، فلما ~~زالت اللام من "تعالى" ضمت لام تعال لوقوع واو الجمع بعدها، كقولك: تقدموا ~~وتأخروا. # ونظير ذلك في حذف اللام استخفافا قولهم: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، ~~كالعافية والعاقبة، ثم حذفت اللام كما ترى. # وذهب الكسائي في "آية" إلى أن أصلها: آيية فاعلة، فحذفت اللام كما ذكرنا، ~~ولو كانت إنما حذفت لام "تعالوا" لالتقاء الساكنين كما حذفت لذلك في قولك ~~للجماعة آمرا: تراموا وتغازوا؛ لبقيت العين مفتوحة دلالة على الألف ~~المحذوفة، وكنحو قولك: اخشوا واسعوا، إذا أمرت الجماعة. # ونظير حذف اللام استحسانا في هذه القراة قراءة الحسن أيضا في قوله الله ~~تعالى: "إلا من هو صال الجحيم"6. # حدثنا بذلك أبو علي، وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافا، وإلى أنه ~~يجوز أن يكون أراد: إلا من هو صالون الجحيم؛ فحذف النون ms134 للإضافة، وحذف ~~"44و" الواو التي هي علم الجمع لفظا لالتقاء الساكين، واستعمل لفظ الجمع ~~حملا على المعنى دون اللفظ، كقول الله تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك} 7، ~~وله نظائر، إلا أن الظاهر ما ذهب إليه أبو علي. # وأما حديث "تعال" والقول على ماضيه ومضارعه وتصرفه، ومن أين جاز استعمال ~~لفظ العلو في التقدم، فأمر يحتاج إلى فضل قول، وقد ذكرناه في غير هذا ~~الموضع، إلا أن من جملته أنهم استعملوا لفظ التقدم والارتفاع على طريق ~~واحد، من ذلك قولهم: قدمته إلى الحاكم، فهذا PageV01P191 # كقولك: ترافعنا إلى الحاكم، كذلك قولك للرجل: تعال، كقولك له: تقدم. ~~وأصله أن التقدم تعال، والتأخر انخفاض وتراخ، فافهمه. # ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: "ليقولن"1 بضم اللام على الجمع. قال عبد ~~الوارث2: سئل أبو عمرو3 عن قراءة الحسن: "ليقولن" برفع اللام، فسكت. # قال أبو الفتح: أعاد الضمير على معنى "من" لا على لفظها الذي هو قراءة ~~الجماعة؛ وذلك أن قول الله تعالى: {وإن منكم لمن ليبطئن} 4 لا يعنى به رجل ~~واحد؛ لكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعا في ~~المعنى أعيد الضمير على معناه دون لفظه، كقوله: {ومنهم من يستمعون إليك} 5، ~~الحال فيهما واحدة، وكأن الموضع لحقه احتياط في اللفظ؛ خوفا من إشكال ~~معناه، فضم اللام من "ليقولن" ليعلم أن هذا حكم سار في جماعة، ولا يرى أنه ~~واحد ولا أكثر منه، فاعرفه. # ومن ذلك قراءة الحسن ويزيد النحو: "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما"6 ~~بالرفع، قال روح: لم يجعل لليت جوابا. # قال أبو الفتح: محصول ذلك أن يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز فوزا ~~عظيما، ولو جعله جوابا لنصبه؛ أي: إن أكن معهم أفز، هذا إذا أصبحت بالشرط، ~~إلا أن الفاء إن دخلت جوابا للتمني نصب الفعل بعدها بإضمار أن، وعطف أفوز ~~على كنت معهم لأنهما جميعا متمنيان، إلا أنه عطف جملة على جملة لا الفعل ~~على انفراده على الفعل؛ إذ كان الأول ماضيا والثاني مستقبلا. # وذهب أبو ms135 الحسن في قوله عز وجل: "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون ~~من المؤمنين"7 بالرفع إلى أنه عطف عل اللفظ، ومعناه معنى الجواب: قال: ~~لأنهم لم يتمنوا PageV01P192 # ألا يكذبوا؛ وإنما تمنوا الرد، وضمنوا أنهم إن ردوا لم يكذبوا، وعليه جاء ~~قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} 1. وعليه قول الآخر: # فلقد تركت صبية مرحومة ... لم تدر ما جزع عليك فتجزع2 # والقوافي مرفوعة؛ أي: هي تجزع، ولو كان جوابا لقال فتجزعا، وقد ذكرنا هذا ~~ونحوه في كتابنا الموسوم بالتنبيه، وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة. # ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "أينما تكونوا يدرككم الموت"3 برفع ~~الكافين، قال ابن مجاهد: وهذا مردود في العربية. # قال أبو الفتح: هو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ~~ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم. ولو قال: مردود في "44ظ" القرآن لكان أصح ~~معنى؛ وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت، ومثله بيت الكتاب: # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان4 # أي: فالله يشكرها، ومثله بيته أيضا: # بنو ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم5 # فكأنه قال: فهو ظالم، فحذف الفاء والمبتدأ جميعا، إلا أنه لما ترك هناك ~~اسم الفاعل فهو لشبهه بالفعل كأنه هو الفعل؛ فيصير إلى أنه كأنه قال: من ~~ينكع العنز يظلم، وشبه الفعل في هذه اللغة أفشى من الشمس، حتى إنهم ~~استجازوا لذلك أن يولوه نون التوكيد المختصة بالفعل، فقالوا: # أريت إن جئت به أملودا ... مرجلا ويلبس البرودا # أقائلن أحضري الشهودا6 PageV01P193 # فكأنه قال: أيقولن، والنظائر فيه كثيرة جدا. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إلى الفتنة ركسوا فيها"1 مثقل بغير ألف. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شيء بعد شيء؛ وذلك لأنهم جماعة، فلما كانوا ~~كذلك وقع شيء منه بعد شيء فطال، فلاق به لفظ التكثير والتكرير، كقولك: غلقت ~~الأبواب، وقطعت الحبال، وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف، أنشد أبو ~~الحسن: # أنت الفداء لقبلة هدمتها ... ونقرتها بيديك كل منقر ms136 # فصار "ونقرتها" كأنه قال: ونقرتها، يدل عليه مصدره الذي هو "منقر". وهذا ~~ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معاني الأجناس، حتى إن اللفظة ~~الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله. # ومن ذلك قراءة الزهري فيما رواه عنه الوقاصي: "إلا خطا"2 مقصورا خفيفا ~~بغير همز. # قال أبو الفتح: أصله خطأ بوزن خطعا كقراءة العامة، غير أنه حذف الهمزة ~~حذفا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جا يجى، وسا يسو. وهذا ضعيف عند أصحابنا ~~وإن كان قد جاء منه حروف صالحة، إلا أنه ليس تخفيفا قياسيا؛ وإنما هو حذف ~~وخبط للهمزة ألبتة، وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالا ~~على حد قربت، فجرى مجرى عصا ومطا. # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "إن الذين توفاهم الملائكة"3. # قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يعدون على الملائكة يردون إليهم ~~يحتسبون عليهم، فهو نحو من قولك: إن المال الذي توفاه أمة الله؛ أي: يدفع ~~إليها ويحتسب عليها، كأن كل ملك جعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم مكن من ذلك ~~ووفيه، أو كأن ذلك في بعض الملائكة، فجرى اللفظ على الجميع، والمراد البعض ~~على ما مضى في هذا الكتاب. PageV01P194 # ومن ذلك ما رواه الواقدي1 عن عباس عن الضبي2 عن أصحابه: "مرغما"3، وقراءة ~~الجماعة: {مراغما} . # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا إنما جاء على حذف الزيادة من راغم، ~~فعليه جاء مرغم؛ كمضرب من ضرب، ومذهب من ذهب. وأصل هذه المادة ر غ م، فمنه ~~الرغام التراب "45و" وهو إلى الذل والشدة، والمراغم: المغار الذي يروم ~~إذلال صاحبه، ومنه الحديث المرفوع: "إذا صلى أحدكم فليلزم جبهته وأنفه ~~الأرض حتى يخرج منه الرغم" أي: حتى يذل ويخضع لله عز وجل، وعليه بقية ~~الباب. # ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان4: "ثم يدركه الموت"5 برفع الكاف، وقراءة ~~الحسن والجراح: "ثم يدركه الموت" بنصب الكاف. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن "يدركه" رفع على أنه خبر ابتداء محذوف؛ ~~أي: ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة التي ms137 من المبتدأ والخبر على الفعل ~~المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة. وجاء العطف هاهنا ~~أيضا لما بين الشرط والابتداء من المشابهات، فمنها أن حرف الشرط يجزم ~~الفعل، ثم يعتور الفعل المجزوم مع الحرف الجازم على جزم الجواب، كما أن ~~الابتداء يرفع الاسم المبتدأ، ثم يعتور الابتداء والمبتدأ جميعا على رفع ~~الخبر؛ ولذلك قال يونس في قول الأعشى: # إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل6 PageV01P195 # إنما أراد: أو أنتم تنزلون، أفلا تراه كيف عطف المبتدأ والخبر على فعل ~~الشرط الذي هو تركبوا؟ وعليه قول الآخر: # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم ... فما علي بذنب منكم فوت1 # فكأنه قال: إن تذنبوا ثم أنتم تأتيني بقيتكم، هذا أوجه من أن يحمله على ~~أنه جعل سكون الياء في تأتيني علم الجزم، على إجراء المعتل مجرى الصحيح نحو ~~قوله: # ألم يأتيك والأنباء تنمي2 # فهذا جواب كما تراه. # وإن شئت ذهبت فيه مذهبا آخر غيره، إلا أن فيه غموضا وصنعة؛ وهو أن يكون ~~أراد: ثم يدركه الموت جزما، غير أنه نوى الوقف على الكلمة فنقل الحركة من ~~الهاء إلى الكاف؛ فصار يدركه، على قوله: # من عنزي سبني لم أضربه3 # أراد: لم أضربه، ثم نقل الضمة إلى الباء لما ذكرناه، كقوله: # ألهى خليلي عن فراشي مسجده ... يأيها القاضي الرشيد أرشده # أي: أرشده، ثم نقل الضمة، فلما صار يدركه حرك الهاء بالضم على أول حالها، ~~ثم لم يعد إليها الضمة التي كان نقلها إلى الكاف عنها؛ بل أقر الكاف على ~~ضمها، فقال: "ثم يدركه الموت"، وقد جاء ذلك عنهم. أخبرنا أبو بكر محمد بن ~~الحسن بقول الشاعر: # إن ابن أحوص معروفا فبلغه ... في ساعديه إذا رام العلا قصر PageV01P196 # أراد: فبلغه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين فصار فبلغه، ثم حرك الهاء ~~بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها، فقال: فبلغه؛ وذلك أنه قد كثر النقل ~~عنهم لهذه الضمة عن هذه الهاء، فإذا نقلت إلى موضع قرت عليه وثبتت ثبات ~~الواجب فيه. # وفي ms138 إقرار الحركة بحالها مع تحريك ما بعدها دلالة على صحة قول سيبويه ~~بإقرار الحركة التي "45ظ" يحرك بها الساكن عند الحذف إذا رد إلى الكلمة ما ~~كان حذف منها في نحو قوله في النسب إلى شيه: وشوي، وهذا مشروح هناك في ~~موضعه، فهذا وجه ثان كما تراه في قوله: "ثم يدركه الموت" بضم الكاف، ~~فاعرفه. # وأما قراءة الحسن: "ثم يدركه الموت" بالنصب فعلى إضمار "أن"، كقول ~~الأعشى: # لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما1 # أراد: فأن يعصما، وهو ليس بالسهل؛ وإنما بابه الشعر لا القرآن. ومن أبيات ~~الكتاب: # سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا2 # والآية على كل حال أقوى من ذلك؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف، وليس بواجب، ~~وهذا واضح. # وفيه أكثر من هذا، إلا أنا نكره ونتحامى الإطالة لا سيما في الدقيق؛ لأنه ~~مما يجفو على أهل القرآن. # وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتابه الحجة، وظاهر أمره أنه لأصحاب القراءة، ~~وفيه أشياء كثيرة قلما ينتصف فيها كثير ممن يدعي هذا العلم؛ حتى إنه مجفو ~~عند القراءة لما ذكرناه. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن الأعرج: "أن تكونوا تألمون"3 بفتح الألف. # قال أبو الفتح: أن محمولة على قوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} ~~أي: لا تهنوا لأنكم تألمون، كقولك: لا تجبن عن قرنك لخوفك منه، فمن اعتقد ~~نصب أن بعد حذف الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهي على مذهب الخليل ~~مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت "أن" لكونها كالعوض في اللفظ من ~~اللام. PageV01P197 # ومن ذلك قراءة يحيى: "فإنهم ييلمون كما تيلمون"1. # قال أبو الفتح: العرف في نحو هذا أن من قال: أنت تئمن وتئلف وإيلف، فكسر ~~حرف المضارعة في نحو هذا إذا صار إلى الياء فتحها ألبتة، فقال: هو يألف، ~~ولا يقول: هو ييلف؛ استثقالا للكسرة في الياء. # فأما قولهم في يوجل ويوحل ونحوهما: ييجل وييحل بكسر الياء، فإنما احتمل ~~ذلك هناك من قبل أنهم أرادا قلب الواو ياء هربا من ثقل الواو؛ لأن لياء ms139 على ~~كل حال أخف من الواو، وعلموا أنهم إذا قالوا: ييجل ويوحل2، فقلبوا الواو ~~ياء والياء قبلها مفتوحة كان ذلك قلبا من غير قوة علة القلب، فكأنهم حملوا ~~أنفسهم بما تجشموه من كسر الياء توصلا إلى قوة علة قلب الواو ياء، كما ~~أبدلوا من ضمة لام أدلو جمع دلو كسرة فصار أدلو لتنقلب الواو ياء بعذر ~~قاطع؛ وهو انكسار ما قبلها وهي لام، وليس كذلك الهمزة؛ لأنها إذا كسر ما ~~قبلها لم يجب انقلابها ياء، وذلك نحو: بئر وذئب، ألا تراك إذا قلت: هو ~~يئلف، لم يجب قلب الهمزة ياء؟ فلهذا قلنا: إن كسرة ياء ييجل لما يعقب من ~~قلب الأثقل إلى الأخف مقبول، وليس في كسر ياء يئلف ما يدعو إلى ما تحتمل له ~~الكسرة، وليس فيه أكثر من أنه إذا كسر الياء ثم خفف الهمزة صار ييلمون ~~فأشبه في اللفظ ييجل، وهذا "46و" له قدر لا يحتمل له كسر الياء، فاعرفه. # ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما روته عائشة رضي الله ~~عنها: "أثنا"3 بثاء قبل النون، وروي أيضا عنها عنه عليه السلام: "أنثا" ~~النون قبل الثاء. وقراءة ابن عباس: "إلا وثنا"، وروي عنه أيضا: "إلا أنثا" ~~بضمتين والثاء بعد النون، وقراءة عطاء بن أبي رباح: "ألا أثنا" الثاء قبل، ~~وهي ساكنة. # قال أبو الفتح: أما "أثن" فجمع وثن، وأصله وثن، فلما انضمت الواو ضما ~~لازما قلبت همزة، كقول الله تعالى: {وإذا الرسل أقتت} 4، وكقولهم في وجوه: ~~أجوه، وفي وعد: أعد، وهذا باب واسع. ونظير وثن وأثن أسد وأسد. ومن قال: ~~"أثنا" بسكون الثاء فهو كأسد، بسكون السين. PageV01P198 # حكى سيبويه هذه القراءة: "أثنا" بسكون الثاء. # وذهب أبو بكر محمد بن السري في قولهم: أسد وأسد إلى أنها محذوفة من أسود، ~~ويقوي قوله هذا بيت الأخطل: # كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب1 # يريد: الخطوب، فقصر الكلمة بحذف واوها، ومثله قول الآخر: # إن الفقير بيننا قاض حكم ... أن ترد الماء إذا غاب النجم2 # يريد: النجوم. # وأما ms140 "أنثا" بتقديم النون على الثاء، فينبغي أن يكون جمع أنيث، كقولهم: ~~سيف أنيث الحديد، وذلك كقراءة العامة: {إلا إناثا} يعني: به الأصنام. قال ~~الحسن: الإناث كل شيء ليس فيه روح: خشبة يابسة وحجر يابس، قال: وهو اسم صنم ~~لحي من العرب، كانوا يعبدونها ويسمونها أنثى بني فلان، وعليه القراءة: "إلا ~~أوثانا". # ومن ذلك قال حماد بن شعيب3: قلت للأعمش: "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم"4، ~~فقال: أيعدهم؟ إنما هو: "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم" ساكنة. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نحو هذا ما أسكن في موضع الرفع تخفيفا ~~لثقل الضمة. قال أبو زيد فيما حكاه عنهم: "بلى ورسلنا لديهم يكتبون"5 بسكون ~~اللام تخفيفا على هذا. PageV01P199 # ومن ذلك ما رواه الضبي عن أبي عبد الله المدني: "في ييامى النساء"1 ~~بياءين. # قال أبو الفتح: القراءة المجمع عليها: {في يتامى النساء} بياء وتاء ~~بعدها. ولا يجوز قلب التاء هنا ياء. والقول عليه -والله أعلم- أنه أراد ~~أيامى، فأبدل الهمزة ياء، فصارت "ييامى"، وقلبت الهمزة ياء كما قلبت الهمزة ~~ياء في قولهم: "قطع الله أديه"، يريدون: يده، فرد لام الفعل، وأعاد العين ~~إلى سكونها؛ فصارت يديه، ثم أبدل الياء همزة فصارت أديه، ولم أسمع هذا إلا ~~من جهته، وأيا ما كان فقد قلب الياء همزة. # ونظير قلب الهمزة في "أيامى" إلى الياء حتى صارت "ييامى" قولهم: باهلة بن ~~يعصر، فالياء فيه بدل من همزة أعصر؛ وذلك لأنه يقال: باهلة بن أعصر2 ويعصر، ~~وإنما سمي أعصر ببيت قاله: # أبني إن أباك غير لونه ... كر الليالي واختلاف الأعصر3 # فهذا دليل على كون "46ظ" الهمزة أصلا والياء بدل منها. # وأما "أيامى" فقالوا: إنها جمع أيم، وأصلها عندهم أيائم كسيد وسيائد، كذا ~~رواها ابن الأعرابي: سيد وسيائد بالهمز كما ترى، وفي هذا شاهد لقول سيبويه: ~~إنه متى اكتنف ألف التكسير حرفا علة أيين كانا وجاور الآخر منهما الطرف ~~فإنه يهمز. # وشاهد ذاك أيضا ما رواه أبو عثمان عن الأصمعي: أنهم قالوا: عيل وعيائل ~~بالهمز. # وحكى أبو زيد:" سيقة4 وسيائق بالهمز. ms141 # وكان أبو علي يسر بما حكاه أبو زيد من همز سيائق، ولم يقع له إذ ذاك ما ~~حكيناه عن ابن الأعرابي من همز سيائد، ولا كان إذا ذاك وقع هذا الحرف إلي ~~فأذكره له، كأشياء كانت تخطر لي أو تنتهي إلي فأحكيها له، فنقع مواقعها ~~المرضية عنده. # ومذهب أبي الحسن بخلاف ذلك، فلما صارت إلى أيائم قدمت اللام وأخرت العين ~~فصارت "أيامي"، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت "أيامى"، ~~ووزنها الآن فيالع، وأصلها أيائم فياعل؛ لأن أيما فيعل، هذا مذهب الجماعة ~~في أيم وأيامى. PageV01P200 # ولو ذهب به ذاهب إلى ما أذكره لم أر به بأسا؛ وذلك أنه كأنه كسر آيم فاعل ~~على فعلى، وهو أيمى، من حيث كانت الأيمة بلية ندفع إليها، فجرى مجرى هالك ~~وهلكى، ومائد وميدى1، وجريح وجرحى، وزمن وزمنى، وسكران وسكرى، ثم كسرت أيمى ~~على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فعالى، ولا قلب فيها. # وأنت إذا سلكت هذه الطريق أحرزت غنمين، وكفيت مئونتين: # إحداهما: أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شيء من حروفها، ~~والآخر: أنه لو كان الأصل "أيائم" لجاز؛ بل كان الوجه أن يسمع؛ وإنما ~~المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك، "فالييامى" على هذا القول فعالى، تكسير ~~أيمى على فعلى، كهلكى. # وعلى القول الآخر فيالع. # ومما كسر على فعلى ثم كسرت فعلى على فعالى ما رويناه عن أبي بكر محمد بن ~~الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى في أماليه من قول بعضهم: # مثل القتالى في الهشيم البالي2 # فهذا تكسير قتيل على قتلى، ثم قتلى على قتالى. # ومن ذلك قراءة عاصم الجحدري: "أن يصلحا"3. # قال أبو الفتح: أراد: يصطلحا أي يفتعلا، فآثر الإدغام فأبدل الطاء صادا، ~~ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء، فصارت يصلحا، ولم يجز أن تبدل الصاد طاء ~~لما فيها من امتداد الصفير، ألا ترى أن كل واحد من الطاء وأختيها والظاء ~~وأختيها يدغمن في الصاد وأختيها، ولا يدغم واحدة منهن في واحدة منهن؟ فلذلك ~~لم ms142 يجز "إلا أن يطلحا"، وجاز "يصلحا". PageV01P201 # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن في رواية عطاء عنه وقراءة عاصم الجحدري ~~أيضا: "وملائكته وكتابه"1 على التوحيد. # قال أبو الفتح: اللفظ لفظ الواحد والمعنى معنى الجنس؛ أي: وكتبه، ومثله ~~قوله سبحانه {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} 2 "47و" أي: كتبنا، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} 3، وقال تعالى: {اقرأ كتابك ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} 4، فلكل إنسان كتاب، فهي جماعة كما ترى، وقد ~~قال: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} . # ووقوع الواحد موقع الجماعة فاش في اللغة، قال الله تعالى: {نخرجكم طفلا} ~~5 أي: أطفالا، وحسن لفظ الواحد هنا شيء آخر أيضا؛ وذلك أنه موضع إضعاف ~~للعباد وإقلال لهم، فكان لفظ الواحد لقلته أشبه بالموضع من لفظ الجماعة؛ ~~لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن أبي إسحاق6 والأشهب العقيلي: "يرءون الناس"7، ~~مثل يرعون، والهمزة بين الراء والواو من غير ألف. # قال أبو الفتح: معناه يبصرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما ~~يتعاطونه، وهي أقوى معنى من "يراءون" بالمد على يفاعلون؛ لأن معنى يراءونهم ~~يتعرضون لأن يروهم، و"يرءونهم" يحملونهم على أن يروهم. # قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة إذا أمسكتها له ليرى وجهه، ويدلك ~~على أن يرائي أضعف معنى من يرئي قوله: # ترى أو تراءى عند معقد غرزها ... تهاويل من أجلاد هر مووم8 PageV01P202 # ومن ذلك قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد1: "مذبذبين"2 بكسر الذال الثانية. # قال أبو الفتح: هو من قوله: # خيال لأم السلسبيل ودونه ... مسيرة شهر للبريد المذبذب3 # أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخفون تارة إلى ~~هؤلاء وتارة إلى هؤلاء، فهو مثل قوله: {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} 4، وهو ~~من ذببت عن الشيء: أي صرفت عنه شيئا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، ~~إلا أنه ليس من لفظه، كما يقول البغداديون وأبو بكر معهم؛ وذلك أن ذببت من ~~ذوات الثلاثة، وذبذب ms143 من مكرر الأربعة، فهو كقولهم: عين ثرة وثرثارة، وهو ~~كثير في معناه. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المنصف. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك5 بن مزاحم وزيد بن أسلم6 ~~وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار وعطاء بن السائب7 وابن يسار: "إلا ~~من ظلم"8 بفتح الظاء واللام. # قال أبو الفتح: ظلم وظلم جميعا على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن من ظلم ~~فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل على ذلك قوله: {وكان الله سميعا عليما} . # ومن ذلك قراءة مالك بن دينار وعيسى الثقفي وعاصم الجحدري: "والمقيمون"9 ~~بواو. PageV01P203 # قال أبو الفتح: ارتفاع هذا على الظاهر الذي لا نظر فيه؛ وإنما الكلام في ~~"المقيمين" بالياء، واختلاف الناس فيه معروف، فلا وجه للتشاغل بإعادته؛ لكن ~~رفعه في هذه القراءة يمنع من توهمه مع الياء مجرورا؛ أي: يؤمنون بما أنزل ~~إليك وبالمقيمين الصلاة، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وكلم الله موسى"1 اسم الله نصب. # قال أبو الفتح: يشهد لهذه قوله -جل وعز- حكاية عن موسى: {رب أرني أنظر ~~إليك} 2، وغير من الآي "47ظ" التي فيه كلامه لله تعالى. # ومن ذلك قراءة العامة: {سبحانه أن يكون له ولد} 3 بالفتح، وقراءة الحسن: ~~"إن يكون" بكسر الألف. # قال أبو الفتح: هذه القراءة توجب رفع يكون، ولم يذكر ابن مجاهد إعراب ~~يكون؛ وإنما يجب رفعه لأن "إن" هنا نفي كقولك: ما يكون له ولد، وهذا قاطع. # ومن ذلك قراءة مسلمة: "فسيحشرهم"4 "فيعذبهم" ساكنة الراء والباء. # قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا، وأنه إنما يسكن استثقالا للضمة. نعم، ~~وربما كان العمل خلسا فظن سكونا، وقد سبقت شواهد السكون بما فيه. ~~PageV01P204 ### | سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب: "وأنتم حرم"1 بإسكان الراء. # قال أبو الفتح: هذه اللغة تميمية، يقول في رسل: رسل، وفي كتب: كتب، وفي ~~دجاج بيض2: دجاج بيض؛ وذلك أنه صار إلى فعل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت: ~~بيض. # واعلم من بعد هذا أن ms144 إسكان "حرم" كأن له مزية على إسكان كتب؛ وذلك أن في ~~الراء تكريرا، فكادت تكون الراء الساكنة لما فيها من التكرير في حكم ~~المتحركة لزيادة الصوت بالتكرير نحوا من زيادته بالحركة، وكذلك الكلام في ~~جراب وجرب وسراج وسرج، وكذلك القول فيما جاء عنهم من تكسير فرد على أفراد، ~~فيه هذا المعنى الذي ذكرناه؛ وذلك أن التكرير في راء فرد كاد يكون كالحركة ~~فيها فصار "فرد" وإن كان فعلا ساكن العين، كأنه فعل محركها، وقد تقصيت في ~~هذا كتاب المحاسن وبسطته هناك ونظائره. # ومن ذلك قراءة أبي واقد والجراح ونبيج والحسن بن عمران: "فاصطادوا"3 بكسر ~~الفاء. # قال أبو الفتح: هذه القراءة ظاهرة الإشكال؛ وذلك أنه لا داعي إلى إمالة ~~فتحة هذه الفاء كما أميلت فتحة الراء الأولى من الضرر لكسرة الثانية، وكما ~~أميلت فتحة النون من قولهم: "وإنا إليه راجعون"؛ لكسر الهمزة، ونحو ذلك. ~~فمن هنا أشكل أمر هذه الإمالة، إلا أن هنا ضربا من التعلل صالحا؛ وهو أنه ~~لك أن تقول: فاصطادوا، فتميل الألف بعد الطاء إذ كانت منقلبة عن ياء الصيد، ~~فإن قلت: فهناك الطاء، فهلا منعت الإمالة، وكذلك الصاد. PageV01P205 # قيل: إن حروف الاستعلاء لا تمنع الإمالة في الفعل؛ إنما تمنع منها في ~~الاسم، نحو: طالب وظالم، فأما في الفعل فلا، ألا تراهم كيف أمالوا طغى وقضى ~~وهناك حرفان مستعليان مفتوحان؟ # وسبب ذلك إيغال الأفعال في الاعتلال، وأنها أقعد فيه من الأسماء. # فإن قلت: فإنه لم يحك في الطاء إمالة. # قيل: هي وإن لم تسمع معرضة، والكلمة لها معرضة فكأنها لذلك ملفوظ، كما أن ~~من قال في الوقف هذا ماش، فأمال مع سكون الشين نظرا إلى الكسرة إذا وصل ~~فقال: هذا ماش، وكما أن من قال: أغزيت نظر إلى وجوب الياء في "48و" المضارع ~~لانكسار ما قبل الواو في يغزى، وكما أن من أعل يخاف وأصلها يخوف نظر إلى ~~اعتلالها في الماضي وأصلها خوف، ولولا ذلك لوجب أغزوت ويخوف؛ لأنه لا علة ~~فيهما في مكانهما، وكما أن من قال ms145 في الإضافة إلى الصعق1 صعقي أقر كسرة ~~الصاد مع فتحة العين نظرا إلى أصل ما كان عليه من كسرة العين، ولذلك نظائر. # وإن شئت قلت: لما كان يقول في الابتداء: اصطادوا، فيكسر همزة الوصل، نظر ~~إليها بعد حذف الهمزة فقال: "فاصطادوا" تصورا لكسرة الهمزة إذا ابتدأت ~~فقلت: اصطادوا. فهذا وجه ثان لما مضى. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "ولا يجرمنكم" بضم الياء "شنآن قوم إن يصدوكم"2 ~~بكسر الألف. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة ضعف؛ وذلك لأنه جزم بإن ولم يأت لها بجواب ~~مجزوم أو بالفاء، كقولك: إن تزرني أعطك درهما أو فلك درهم، ولو قلت: إن ~~تزرني أعطيتك درهما قبح لما ذكرنا؛ وإنما بابه الشعر: # إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحا ... يوما وما سمعوا من صالح دفنوا3 ~~PageV01P206 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وأكيل السبع"1. # قال أبو الفتح: ذهب بالتذكير إلى الجنس والعموم، حتى كأنه قال: وما أكل ~~السبع، ولو قال ذلك لما كان لفظ "ما" إلا إلى التذكير، والأكيل هنا إذن ~~يصلح للمذكر والمؤنث، وأما الأكيلة فكالنطيحة والذبيحة، اسم للمأكول ~~والمنطوح كالضحية والبلية في قوله: # مثل البلية قالصا أهدامها2 # فنقول على هذا: مررت بشاة أكيل؛ أي: قد أكلها السبع ونحوه، وتقول: ما لنا ~~طعام إلا الأكلية؛ أي: الشاة أو الجزور المعدة لأن تؤكل، فإن كانت قد أكلت ~~فهي أكيل بلا هاء، وكذلك أكيل السبع هنا ما قد أكل السبع بعضه. # ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "غير متجنف لإثم"3 بغير ألف. # قال أبو الفتح: كأن متجنفا أبلغ وأقوى معنى من متجانف؛ وذلك لتشديد ~~العين، وموضوعها لقوة المعنى بها نحو تصون هو أبلغ من تصاون؛ لأن تصون أوغل ~~في ذلك، فصح له وعرف به، وأما تصاون فكأنه أظهر من ذلك وقد يكون عليه، ~~وكثيرا ما لا يكون عليه، ألا ترى إلى قوله: # إذا تخازرت وما بي من خزر4 # فصار متجنف بمعنى متميل ومتثن، ومتجانف كمتمايل، ومتأود أبلغ من متاود، ~~وعليه قراءة عبد الله بن أبي إسحاق والأشهب العقيلي: "يرءون الناس"؛ أي: ms146 ~~يكرهونهم على أن يروهم على ما يتجملون به، ويراءون يتصنعون لذلك فربما تم ~~لهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا. PageV01P207 # ومن ذلك قراءة أبي رزين: "مكلبين"1 ساكنة الكاف. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "مكلبين" من قولهم: آسدت الكلب؛ أي: ~~أغريته، وكذلك إكلاب الجوارح هو إغراؤها بالصيد وإسآدها عليه2 ليكون كالكلب ~~الكلب، كلب وأكلبته كضري "48ظ" وأضريته، وغري وأغريته، وأسد وآسدته، وعرص ~~وأعرصته3، وهبص وأهبصته4. # ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: "وأرجلكم"5 بالرفع. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون رفعه بالابتداء والخبر محذوف، دل عليه ما ~~تقدمه من قوله سبحانه: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} أي: وأرجلكم ~~واجب غسلها، أو مفروض غسلها، أو مغسولة كغيرها، ونحو ذلك. وقد تقدم نحو هذا ~~مما حذف خبره لدلالة ما هناك عليه، وكأنه بالرفع أقوى معنى؛ وذلك لأنه ~~يستأنف فيرفعه على الابتداء، فيصير صاحب الجملة، وإذا نصب أو جر عطفه على ~~ما قبله، فصار لحقا وتبعا، فاعرفه. # ومن ذلك قراءة الجحدري: "وعزرتموهم"6 خفيفة. # قال أبو الفتح: عزرت الرجل أعزره عزرا: إذا حطته وكنفته، وعزرته: فخمت ~~أمره وعظمته، وكأنه لقربه من الأزر وهو التقوية معناه أو قريبا منه، ونحوه ~~عزر7 اللبن وحزر: إذا حمض فاشتد، فانظر إلى تلامح كلام العرب واعجب. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير8 ومجاهد: "قال رجلان من الذين يخافون"9 بضم ~~الياء. # قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون من المؤمنين الذين يرهبون ويتقون PageV01P208 # لما لهم في نفوس الناس من العفة والورع والستر؛ وذلك أنه من كان في ~~النفوس كذلك رهب واحتشم وأطيع وأعظم؛ لأن من أطاع الله سبحانه أكرم وأطيع، ~~ومن عصاه امتهن وأضيع. # والآخر: أن يكون معناه من الذين إذا وعظوا رهبوا وخافوا، فإذا أتاهم ~~الرسول بالحق أطاعوا وخضعوا؛ أي: ليسوا ممن يركب جهله ولا يصغي إلى ما يحد ~~له، فيكون كقوله: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} 1، وكقوله تعالى: ~~{إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} 2، ونحو ذلك من الآي الدالة ~~على رهبة ms147 المؤمنين وطاعتهم، فهذا إذن من أخيف والأول من خيف. # ومن ذلك قراءة الحسن بن عمران وأبي واقد والجراح، ورويت عن الحسن: ~~"فطاوعت له نفسه"3. # قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن يكون هذا على أن قتل أخيه جذبه إلى ~~نفسه ودعاه إلى ذلك، فأجابته نفسه وطاوعته. # وقراءة العامة: {فطوعت له} أي: حسنته له وسهلته عليه. # ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "فأواري سوءة أخي"4 بسكون الياء في ~~"أواري". # قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الياء في موضع النصب في نحو ~~قوله: # كأن أيديهن بالموماة ... أيدي جوار بتن ناعمات5 # وقول أبي العباس: إنها من أحسن الضرورات. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "من اجل ذلك"6 غير مهموز والنون مكسورة. # قال أبو الفتح: يقال: فعلت ذلك من أجلك ومن إجلك بالفتح والكسر، ومن ~~إجلاك ومن جللك ومن جلالك ومن جراك، فيجب على هذا أن تكون قراءة أبي جعفر: ~~"من اجل ذلك" PageV01P209 # على تخفيف همزة "إجل" بحذفها وإلقاء حركتها على نون من، كقولك في تخفيف: ~~كم إبلك "49و": كم بلك، وفي من إبراهيم: من براهيم، وهو واضح. # ومن ذلك قراءة الحسن: "من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا في الأرض"1 بنصب ~~الفساد. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على فعل محذوف يدل عليه أول الكلام؛ ~~وذلك أن قتل النفس بغير النفس من أعظم الفساد، فكأنه قال: قال أو أتى ~~فسادا، أو ركب فسادا، أو أحدث فسادا. وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه ~~وإبقاء علمه ناطقا به ودليلا عليه مع ما يدل من غيره عليه -أكثر من أن يؤتى ~~بشيء منه مع وضوح الحال به، إلا أن منه قول القطامي: # فكرت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السباعا2 # فنصب السباع لأنها داخلة في الموافقة، ألا تراها إذا وافقت السباع على ~~دمه فقد دخلت السباع في الموافقة، فيصير كأنه قال: وافقت السباع؟ وهو عندنا ~~بعد على حذف المضاف؛ أي: آثار السباع؛ لأنها لو صادفت السباع هناك لأكلتها ~~أيضا، وهناك مضاف آخر محذوف؛ أي: ms148 صادفت السباع على أشلائه وبقاياه، لأنها ~~إذا وافقت آثار السباع على دمه ومصرعه؛ فإنما وافقت بقاياه لا جميعه. # وسمعت سنة خمس وخمسين غلاما حدثا من عقيل ومعه سيف في يده، فقال له بعض ~~الحاضرين وكنا مصحرين: يا أعرابي، سيفك هذا يقطع البطيخ؟ فقال: إي والله ~~وغوارب الرجل، فنصب الغوارب على ذلك؛ أي: ويقطع غوارب الرجال. # ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم والسلمي: "أفحكم الجاهلية يبغون"3 بالياء ~~ورفع الميم. PageV01P210 # قال ابن مجاهد: وهو خطأ. # قال: وقال الأعرج: لا أعرف في العربية "أفحكم"، وقرأ: "أفحكم" نصبا. # وقرأ الأعمش: "أفحكم الجاهلية"1 بفتح الحاء والكاف والميم. # قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف؛ لكنه وجه غيره أقوى منه، ~~وهو جائز في الشعر، قال أبو النجم: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع2 # أي: لم أصنعه، فحذف الهاء. نعم، ولو نصب فقال: "كله" لم ينكسر الوزن، ~~فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرروة مطلقة؛ بل لأن له وجها من القياس، وهو تشبيه ~~عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة، وهو إلى الحال أقرب؛ لأنها ضرب من الخبر، ~~فالصفة كقولهم: الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت؛ أي: أكرمته وأهنته، ~~والحال كقولهم: مررت بهند يضرب زيد؛ أي: يضربها زيد، فحذف عائد الحال وهو ~~في الصفة أمثل؛ لشبه الصفة بالصلة في نحو قولهم: أكرمت الذي أهنت؛ أي: ~~أهنته، ومررت بالتي لقيت؛ أي: لقيتها، فغير بعيد أن يكون قوله: "أفحكم ~~الجاهلية يبغون" يراد به يبغونه، ثم يحذف الضمير، وهذا وإن كانت فيه صنعة ~~فإن ليس بخطأ. # وفيه من بعد هذا شيئان نذكرهما: # الأول: وهو أن قوله: "كله لم أصنع" وإن كان قد حذف منه الضمير، فإنه قد ~~خلفه وأعيض منه ما يقوم مقامه في اللفظ؛ لأنه يعاقبه ولا يجتمع معه، وهو ~~حرف الإطلاق؛ أعني: الياء في "أصنعي"، فلما حضر ما يعاقب الهاء فلا يجتمع ~~معها صارت لذلك كأنها حاضرة "49ظ" غير محذوفة، فهذا وجه. # والثاني: أن هناك همزة استفهام، فهو أشد لتسليط الفعل، ألا ترى أنك تقول: ms149 ~~زيد ضربته فيختار الرفع، فإذا جاء همزة الاستفهام اخترت النصب ألبتة، فقلت: ~~أزيدا ضربته، فنصبته بفعل مضمر يكون هذا الظاهر تفسيرا له. # فإذا قلت: "أفحكم الجاهلية تبغون" ولم تعد ضميرا ولا عوضت منه ما يعاقبه، ~~وحرف الاستفهام PageV01P211 # الذي يختار معه النصب والضمير ملفوظ به موجود معك، فتكاد الحال تختلف على ~~فساد الرفع، وبإزاء هذا أنه لو نصب فقال: "كله لم أصنع" لما كسر وزنا، فهذا ~~يؤنسك بالرفع في القراءة. # وإن شئت لم تجعل قوله "يبغون" خبرا؛ بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، فكأنه ~~قال: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذي هو حكم، وأقام الجملة ~~التي هي صفته مقامه؛ أعني: يبغون، كما قال الله سبحانه: {من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه} 1 أي: قوم يحرفون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة ~~مقامه، وعليه قوله: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح2 # أي: فمنهما تارة أموت فيها، فحذف تارة وأقام الجملة التي هي صفتها نائبة ~~عنها فصار أموت فيها، ثم حذف حرف الجر فصار التقدير أموتها، ثم حذف الضمير ~~فصار أموت. ومثله في الحذف من هذا الضرب؛ بل هو أطول منه: # تروحي يا خيرة الفسيل ... تروحي أجدر أن تقيلي3 # أصله: ائتي مكانا أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف الفعل الذي هو "ائتي" لدلالة ~~تروحي عليه، فصار مكانا أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الموصوف الذي هو مكانا ~~فصار تقديره أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الباء أيضا تخفيفا فصار أجدر أن ~~تقيلي فيه، ثم حذف حرف الجر فصار أجدر أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب ~~فصار أجدر أن تقيلي. ففيه إذن خمسة أعمال؛ وهي: حذف الفعل الناصب، ثم حذف ~~الموصوف، ثم حذف الباء، ثم حذف "في"، ثم حذف الهاء، فتلك خمسة أعمال. # وهناك وجه سادس؛ وهو أن أصله: ائتي مكانا أجدر بأن تقيلي فيه من غيره، ~~كما تقول: مررت برجل أحسن من فلان، وأنت أكرم علي من غيرك. فإذا جاز في ~~الكلام توالي هذه الحذوف ولم يكن معيبا ولا ms150 مشينا ولا مستكرها كان حذف ~~الهاء من قوله تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون"، والمراد به حكم يبغونه، ثم ~~حذف الموصوف وعائده أسوغ وأسهل وأسير. وأما قوله: PageV01P212 # "أفحكم الجاهلية يبغون" فيمن قرأه كذلك، فأمره ظاهر في إعرابه، غير أن ~~"حكما" هنا ليس مقصودا به قصد حاكم بعينه؛ وإنما هو بمعنى الشياع والجنس؛ ~~أي: أفحكام الجاهلية يبغون؟ وجاز للمضاف أن يقع جنسا كما جاء عنهم في ~~الحديث من قولهم: منعت العراق قفيزها1 ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وله ~~نظائر. # ثم يرجع المعنى من بعد إلى أن معناه معنى: "أفحكم الجاهلية يبغون"؛ لأنه ~~ليس المراد والمبغي هنا نفس "50و" الحكام، فإنما المبغي نفس الحكم، فهو إذن ~~على حذف المضاف؛ أي: أفحكم حكم الجاهلية يبغون؟ وهذا هو الأول في المعنى، ~~فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "فيرى الذين في قلوبهم مرض"2 بالياء. # قال أبو الفتح: فاعل يرى مضمر دلت عليه الحال؛ أي: فيرى رائيهم ومتأملهم، ~~والذين في موضع نصب كقراءة الجماعة، وقد كثر إضمار الفاعل لدلالة الكلام ~~عليه، كقولهم: إذا كان غدا فائتني؛ أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في ~~غد فائتني، وهو كثير، ودل عليه أيضا القراءة العامة؛ أي: فترى أنت يا محمد ~~-أو يا حاضر- الحال الذين في قلوبهم مرض يسارعون في ولاء المشركين ونصرهم. # ومن ذلك قراءة الحسن وابن هرمز وابن عمران ونبيج وابن بريدة: "مثوبة"3 ~~ساكنة الثاء. # قال أبو الفتح: هذا مما خرج على أصله، شاذا عن بابه وحال نظائره، ومثله ~~مما يحكى عنهم من قولهم: الفكاهة مقودة إلى الأذى، وقياسهما مثابة ومقادة، ~~كما جاء عنهم من منامة وهي القطيفة، ومزادة، ومثله مزيد، وقياسه مزاد، إلا ~~أن مزيدا علم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره في الأجناس، نحو: محبب ~~ومكوزة ومريم ومدين ومعد يكرب ورجاء بن حيوة، ومنه: موظب ومورق اسم رجلين، ~~ومثوبة مفعلة ومثوبة مفعلة، ونظيرها المبطخة والمبطخة والمشرفة والمشرفة، ~~وأصل مثوبة مثوبة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وأما ~~مئونة PageV01P213 # فمختلف فيها، فمذهب سيبويه أنها فعولة ms151 من منت الرجل أمونه، وأصلها موونة ~~بلا همز، كما تقول في فعول من القيام: قووم، ومن النوم: نووم، ثم تهمز ~~الواو استحسانا للزوم الضمة لها؛ فتصير مئونة. وقال غيره: هي مفعلة من ~~الأون؛ وهو الثقل من قول رؤبة: # سرا وقد أون تأوين العقق1 # أي: ثقلت أجوافهن فصار كأن هناك أونين؛ أي: عدلين، فمئونة على هذا ~~كمعونة، هذا من الأون، وهذا من المون، وأجاز الفراء أن تكون من الأين -وهو ~~التعب- من حيث كانت المئونة ثقلا على ملتزها، فسلك الفراء في هذا مذهب أبي ~~الحسن في قوله في مفعلة من البيع: مبوعة، وحجته في هذا ما سمع منهم في قول ~~الشاعر: # وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري2 # وهي من الضيف. والكلام هنا يطول، وقد أشبعناه في كتابنا المنصف3. # ومن ذلك ما يروى في قول الله تعالى: {وعبد الطاغوت} 4، وهو عشر قراءات: # {وعبد الطاغوت} على فعل ونصب الطاغوت. "وعبد الطاغوت" بفتح العين، وضم ~~الباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت، وهما في السبعة. # ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والأعمش، وأبان بن تغلب، وعلي بن ~~صالح، وشيبان: "وعبد الطاغوت"بضم العين والباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت. # وروى عكرمة عن ابن عباس: "وعبد الطاغوت" "50ظ" بضم العين، وفتح الباء ~~وتشديدها، وفتح الدال، وخفض الطاغوت. PageV01P214 # وأبو واقد: "وعباد الطاغوت"، و"وعباد الطاغوت" قراءة البصريين1. # وقال معاذ: قرأ بعضهم: "وعبد الطاغوت"، كقولك: ضرب زيد لم يسم فاعله. # وقرأ عون العقيلي2 وابن بريدة: "وعابد الطاغوت". # وقرأ أبي بن كعب: "وعبدوا الطاغوت" بواو. # وقرأ ابن مسعود فيما رواه عبد الغفار عن علقمة3 عنه: "وعبد الطاغوت" ~~كصرد. # قال أبو الفتح: أما قوله: "وعبد الطاغوت" فماض معطوف على قوله سبحانه: ~~"وجعل منهم القردة والخنازير". # وأما "وعبد الطاغوت" فاسم على فعل. قال أبو الحسن: جاء به نحو حذر وفطن. # قال: وأما "وعبد" فجمع عبيد، وأنشد: # انسب العبد إلى آبائه ... أسود الجلد ومن قوم عبد4 # هكذا قال أبو الحسن، وقد يجوز أن يكون عبد جمع عبد، كرهن ورهن، وسقف ~~وسقف، ومن جهة ms152 أحمد بن يحيى: عبد جمع عابد، وهذا صحيح، كبازل وبزل، وشارف ~~وشرف. # وقال أبو الحسن: والمعنى -فيما يقال- خدم الطاغوت. # وأما "عبد الطاغوت" فجمع عابد، ومثله عباد، كضارب وضرب وضراب، وعليه ~~القراءتان: "عبد الطاغوت" و"عباد الطاغوت"، وعليه قراءة من قرأ: "وعباد ~~الطاغوت"، عابد وعباد، كقائم وقيام، وصائم وصيام. وقد يجوز أن يكون "عباد ~~الطاغوت" جمع عبد، وقلما يأتي عباد مضافا إلى غير الله. وقد أنشد سيبويه: # أتوعدني بقومك يابن حجل ... أشابات يخالون العبادا5 PageV01P215 # يريد: عبيدا لبني آدم، ولا يجوز أن يكون في المعنى عباد الله، لأن هذا ما ~~لا يسب به أحد، والناس كلهم عباد الله تعالى1، وأما قول الآخر: # لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن # ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئا قضاه الله لم يكن # فيحتمل أن يكون جمع عبد، إلا أنه أنثه فصار كذكارة2 وحجارة وقصارة، جمع ~~قصير. # ويجوز أن تكون العبادة هنا مصدرا؛ أي: أنا عبد في طاعته. # وأما "عبد الطاغوت" فظاهر، وعليه قراءة أبي: "وعبدوا الطاغوت" بواو. # وأما "وعابد الطاغوت" فهو في الإفراد كعبد الطاغوت، واحد في معنى جماعة ~~على ما مضى. وعليه أيضا: "وعبد الطاغوت" لأنه كحطم3 ولبد4، كما أن عبدا ~~كندس5 وحذر ووظيف عجر6، ومن جهة أحمد بن يحيى "وعبد الطاغوت" أي: صار ~~الطاغوت معبودا؛ كفقه الرجل وظرف: صار فقيها وظريفا، ومن جهته أيضا: "وعبد ~~الطاغوت" وقال: أراد عبدة فحذف الهاء، قال: ويقال: عبدة الطاغوت والأوثان، ~~ويقال للمسلمين: عباد. # ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "والصابيون"7 يثبت الياء ولا يهمز. # وقرأ: "الصابون" بغير همز ولا ياء أبو جعفر وشيبة، و"الخاطون"8 ~~و"متكون"9. # قال أبو الفتح "51و": أما "الصابيون" بياء غير مهموزة، فعلى قياس قول أبي ~~الحسن في "يستهزئون": يستهزيون بياء غير مهموزة، ويحتمل ذلك فيها لتقدير ~~الهمزة في أصلها؛ فيكون ذلك فرقا بينها وبين ياء يستقضون، ألا ترى أن أصله ~~يستقضيوه، كما فرق PageV01P216 # أبو الحسن بقوله في مثل عنكبوت من قرأت: قرأيوت بضمة الياء بينه وبين ~~مثال عنكبوت من رميت ms153 رميووت. وأصلها رمييوت، وقد مضى هذا في موضعه. # وأما "الصابون" و"متكون" فعلى إبدال الهمزة ألبتة، فصارت كالصابون من ~~صبوت، وكمتجنون من تجنيت، والوجه أن يكون الصابيون بلا همز تخفيفا لا بدلا، ~~وإن جعلته بدلا مراعي به أولية حاله كقرأيوت جاز أيضا. # ومن ذلك قراءة عثمان وأبي بن كعب وعائشة وسعيد بن جبير والجحدري رضي الله ~~عنهم: "والصابيين" بياء. # قال أبو الفتح: الخطب في هذا أيسر من "الصابيون" بالرفع؛ لأن النصب على ~~ظاهره؛ وإنما الرفع يحتاج إلى أن يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى ~~على ما يقال في هذا، حتى كأنه قال: لا خوف عليهم ولاهم يحزنون والصابئون ~~كذلك. # ومن ذلك قراءة يحيى والنخعي: "ثم عموا وصموا"1 بضم العين والصاد. # قال أبو الفتح: يجب أن يكون هذا على تقدير فعل، كقولهم: زكم وأزكمه الله، ~~وحم وأحمه الله، فكذلك هذا أيضا، جاء على عمي وصم، وأعماه الله وأصمه الله، ~~ولا يقال: عميته ولا صممته، كما لا يقال: زكمه الله ولا حمه، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: "من أوسط ما تطعمون أهاليكم"2. # قال أبو الفتح: يقال أهل وأهلة، قال: # وأهلة ود قد تبريت ودهم ... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي3 PageV01P217 # فأما أهال فكقولهم: ليال؛ كأن واحدها أهلاة وليلاة، وقد مر بنا تصديقا ~~لقول سيبويه: فإن واحده في التقدير ليلاة -ما أنشده ابن الأعرابي من قوله: # في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول من رآه إذ رآه # يا ويحه من جمل ما أشقاه1 # ومن ذهب إلى أن "أهال" جمع أهلون فقد أساء المذهب؛ لأن هذا الجمع لم يأت ~~فيه تكسير قط، قل الشنفرى: # ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيئل2 # ونحو من ذلك أرض وأراض، القول فيهما واحد، ويقال: أرض وأرضون وأرضون، ~~بفتح الراء وتسكينها أيضا. قال كعب بن معدان الأشقري: # لقد ضجت الأرضون إذ قام من بنى ... هداد خطيب فوق أعواد منبر3 # وحكى أبو زيد فيه: أرض، وقيل: آراض. وأسكن الياء من أهاليكم في موضع ~~النصب ms154 تشبيها لها بالألف، وقد سبق مثل ذلك. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير ومحمد بن السميفغ: "أو كإسوتهم"4 من الإسوة. # قال5 أبو الفتح: كأنه -والله أعلم- قال: أو كما يكفي مثلهم، فهو على حذف ~~المضاف، أو ككفاية إسوتهم، وإن شئت جعلت الإسوة هي الكفاية ولم تحتج "51ظ" ~~إلى حذف المضاف. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "فجزاء"6 رفع منون، "مثل" بالنصب. # قال أبو الفتح: "مثل" منصوبة بنفس الجزاء؛ أي: فعليه أن يجزي مثل ما قتل، ~~"فمثل" إذن PageV01P218 # في صلة الجزاء، والجزاء مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ أي: فعليه جزاء ~~مثل ما قتل، أو فالواجب عليه جزاء مثل ما قتل، فلما نون المصدر أعمله ~~كقوله: # بضرب بالسيوف رءوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل1 # ومن ذلك قراءة محمد بن علي وجعفر بن محمد: "يحكم به ذو عدل منكم"2. # قال أبو الفتح: لم يوحد ذو؛ لأن الواحد يكفي في الحكم؛ لكنه أراد معنى ~~من؛ أي: يحكم به من يعدل، ومن تكون للاثنين كما تكون للواحد، نحو قوله: # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان3 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما"4. # قال أبو الفتح: معنى "حرما" راجع إلى معنى قراءة الجماعة "حرما"؛ وذلك أن ~~الحرم جمع حرام، والحرم المحرم، فهو في المعنى مفعول، فجعلهم حرما؛ أي: هم ~~في امتناعهم مما يمتنع منع المحرم، وامتناع ذلك أيضا منهم كالحرم، ~~فالمعنينان إذن واحد من حيث أرينا. # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "قد سالها"5 بكسر السين. # قال أبو الفتح: يعني ويريد الإمالة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدا إلا ~~مفتوحا، ووجه الإمالة أنه على لغة من قال: سلت تسال، فهي في هذه اللغة كخفت ~~تخاف، فالإمالة إذن إنما PageV01P219 # جاءت لانكسار ما قبل اللام سلت، كمجيئها في خاف1 لمجيء الكسرة في خاء ~~خفت، ويدلك على أن هذه اللغة من الواو لا من الهمزة ما حدثنا به أبو علي من ~~قوله: هما يتساولان، وهذه دلالة على ما ذكرنا قاطعة. # ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يضركم"2، وقراءة ms155 إبرهيم: "لا يضركم". # قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: ضاره يضيره، وضاره يضوره، وضره يضره، ~~وضره يضره -بكسر الضاد وتشديد الراء- وهي غريبة؛ أعني: يفعل في المضاعف ~~متعدية، وقد ذكرناها وقراءة من قرأ: "لن يضروا الله شيئا"3، وجزم يضركم ~~ويضركم لأنه جعل جواب الأمر؛ أعني قوله: {عليكم أنفسكم} ، ويجوز أن تكون ~~"لا" هنا نهيا كقولك: لا تقم إذا قام غيرك، والأول أجود. # ومن ذلك قراءة الأعرج والشعبي4 والحسن والأشهب: "شهادة بينكم"5 رفع، وعن ~~الأعرج بخلاف: "شهادة بينكم" نصب. # قال أبو الفتح: أما الرفع بالتنوين فعلى سمت قراءة العامة {شهادة بينكم} ~~بالإضافة، فحذف التنوين فانجر الاسم. # وأما "شهادة بينكم" بالنصب والتنوين، فنصبها على فعل مضمر؛ أي: ليقم ~~شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، كما أن من رفع فنون أو لم ينون فهو على ~~نحو من هذا؛ أي: مقيم شهادة بينكم أو شهادة بينكم اثنان ذوا عدل منكم، ثم ~~حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # وإن شئت كان "25و" المضاف محذوفا من آخر الكلام؛ أي: شهادة بينكم شهادة ~~اثنين ذوي عدل منكم؛ أي: ينبغي أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا. PageV01P220 # ومن ذلك قراءة علي -كرم الله وجهه- والشعبي بخلاف ونعيم بن ميسرة1: ~~"شهادة آلله"2. # وروي عن الشعبي: "شهادة ألله" مقصور وينون شهادة. # وروي عنه أيضا: "شهاده آلله" مجزومة الهاء ممدودة الألف. # وروي عنه "شهاده ألله" بجزم شهادة وقصر الله. # فهذه أربعة أوجه رويت عن الشعبي، وتابعه على "شهادة ألله" السلمي ويحيى ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر والحسن والكلبي. # قال أبو الفتح: أما "شهادة" فهي أعم من قراءة الجماعة: {شهادة الله} ~~بالإضافة، غير أنها بالإضافة أفخم وأشرف وأحرى بترك كتمانها لإضافتها إلى ~~الله سبحانه، وأما "ألله" مقصورة بالجر فحكاها سيبويه: أن منهم من يحذف حرف ~~القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: ألله لقد كان كذا، قال: وذلك ~~لكثرة الاستعمال. # وأما "آلله" بالمد، فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم، ألا ~~تراك لا تجمع بينهما فتقول: أولله لأفعلن؟ # وأما سكون هاء "شهادة"، ms156 فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن؛ وذلك ~~ليستأنف القسم في أول الكلام فيكون أوقر له وأشد هيبة من أن يدرج في عرض ~~القول؛ وذلك أن القسم ضرب من الخبر يذكر ليؤكد به خبر آخر، فلما كان موضع ~~توكيد مكن من صدر الكلام، وأعطي صورة الإعلاء والإعظام. # ويزيد في وضوح هذا المعنى وبيانه أنه لما نون شهادة فأدرج وقر الهمزة عن ~~حذفها كما يجب فيها من حيث كانت همزة وصل، فأقرها مقطوعة كما تقطع مبتدأة، ~~فقد جمع في هذه القراءة بين حالي الوصل والوقف. # أما الوصل فلتنوين شهادة، وأما الوقف فلإثباته همزة الوصل التي إنما تقطع ~~إذا وقف على ما قبلها ثم استؤنفت، والعناية بقطعها واستئنافها ما قدمت ذكره ~~لك من تمكن حال القسم بتوفية PageV01P221 # اللفظ جميع وجوهها، وقطع ليكون في حال إدراجها في لفظ المبدوء بها لا ~~الآتية مأتى النيف الذي لم يوف من صدر الكلام ما يجب لها، فافهمه. # ويؤكد عندك شدة الاهتمام بهذا القسم لما فيه مجيئه وحرف الاستفهام قبله، ~~فكأنه- والله أعلم- قال: أنقسم بالله إنا إذن لمن الظالمين"1، ففي هذا تهيب ~~منهم للموضع، وتكعكع2 عن القسم عليه باستحقاق الظلم عنه؛ كأنه يريد القسم ~~بالله عليه كما أقسم في الأخرى بلا استفهام، ثم إنه هاب ذلك فأخذ يشاور في ~~ذلك كالقائل: أؤقدم على هذه اليمين يا فلان أم أتوقف عنها؛ إعظامها لها ولا ~~أرتكب ما أقسم عليه بها؟ PageV01P222 ### | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # ومن ذلك قراءة الأعرج: "وهم لا يفرطون"1. # قال أبو الفتح: يقال: أفرط في الأمر إذا زاد فيه، وفرط فيه "52ظ": إذا ~~قصر، فكما أن قراءة العامة: {لا يفرطون} : لا يقصرون فيما يؤمرون به من ~~توفي من تحضر منيته، فكذلك أيضا لا يزيدون، ولا يتوفون إلا من أمروا ~~بتوفيه. ونظيره قوله جل وعز: {وكل شيء عنده بمقدار} 2. # ومن ذلك قراءة أبي وابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن يزيد المدني ~~ويعقوب، ورويت عن سليمان التيمي3: "لأبيه آزر"4. # وقرأ ابن عباس بخلاف: "أأزرا نتخذ" بهمزتين، واستفهام، ms157 وينصبهما، وينون. # وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام: "أئزرا" مسكورة الألف منونة "تتخذ". # قال أبو الفتح: أما "آزر" فنداء، وأما "أئزرا" فقيل: "إزرا" هو الصنم، ~~و"أزرا" بالفتح أيضا. # ومن ذلك قراءة الأعرج: "قنوان"5 بالفتح. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون قنوان هذا اسما للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب ~~عند سيبويه والجامل والباقر6؛ وذلك أن فعلان ليس من أمثلة الجمع. ~~PageV01P223 # وقرأت على أبي علي في بعض كتب أبي زيد قوله: # خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرا وعراعر الأقوام1 # وقال أبو زيد: عراعر جمع عرعرة، فقلت لأبي علي: كيف يكون هذا وأوله ~~مضموم؟ فقال -يعني أبو زيد: إنه اسم للجمع يفيد مفاد التكسير. # ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "وخلقهم"2 بجزم اللام. # قال أبو الفتح: أي وخلق الجن، يعني ما يخلقونه: ما يأفكون فيه ويتكذبونه. ~~يقول: جعلوا له الجن شركاء، وأفعالهم شركاء أفعاله أو شركاء له إذا عني ~~بذلك الأصنام ونحوها. # ومن ذلك قراءة عمر وابن عباس رضي الله عنهما: "وحرفوا له" بالحاء والفاء. # وقال أبو الفتح: هذا شاهد بكذبهم، ومثله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} 3 ~~وأصله من الانحراف؛ أي: الانعدال عن القصد، وكلاهما من حرف الشيء؛ لأنه ~~زائل عن المقابلة والمعادلة، وهو أيضا معنى قراءة الجماعة: {وخرقوا} بالخاء ~~والقاف، ومعنى الجميع: كذبوا. # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "ولم يكن له صاحبة"4 بالياء. # قال أبو الفتح: يحتمل التذكير هنا ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون في "يكن" ضمير اسم الله؛ أي: لم يكن الله له صاحبة، وتكون ~~الجملة التي هي "له صاحبة" خبر كان. # والثاني: أن يكون في "يكن" ضمير الشأن والحديث على شريطة التفسير، وتكون ~~الجملة بعده تفسيرا له وخبرا، كقولك: كان زيد قائم؛ أي: كان الحديث والشأن ~~زيد قائم. PageV01P224 # والثالث: أن تكون "صاحبة" اسم "كان"، وجاز التذكير هنا للفصل بين الفاعل ~~والفعل بالظرف الذي هو الخبر؛ كقولنا: كان في الدار هند. # ومثل ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: حضر القاضي اليوم امرأة. # وأنا أرى أن تذكير "كان" مع تأنيث اسمها أسهل ms158 من تذكير الأفعال سواها ~~وسوى أخواتها مع فاعليها. # وكان في الدار هند أسوغ من قام في الداره هند؛ وذلك أنه إنما احتيج إلى ~~تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله؛ لأن الفعل انطبع "53و" بالفاعل حتى اكتسى ~~لفظه من تأنيثه، فقيل: قامت هند وانطلقت جمل، من حيث كان الفعل والفاعل ~~يجريان مجرى الجزء الواحد، وإنما كان ذلك كذلك لأن كل واحد منهما لا يستغني ~~عن صاحبه، فأنث الفعل إيذانا بأن الفاعل الموقع بعده مؤنث، وليس كذلك حديث ~~كان وأخواتها؛ لأنه ليست "كان" مع اسمها كالجزء الواحد، من قبل أنك لو حذفت ~~"كان" لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت في قولك: كان أخوك جالسا: أخوك جالس، ~~فلما أن قام ما بعدها برأسه، ولم يحتج إليها؛ لم يتصل به اتصال الفاعل ~~بفعله، نحو: قام جفعر وجلس بشر. # ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءا برأسه، فلم يستقل بنفسه ~~استقلال الجملة بعد "كان" بنفسها؟ فلما لم تقو حاجته إلى "كان" قوة حاجة ~~الفاعل إلى الفعل انحطت رتبته في حاجته إلى "كان"، فامتاز منها امتيازا قد ~~أحطنا به، فساغ لذلك ألا يلزم تأنيث "كان" لاسمها إذا كان مونثا تأنيث ~~الفعل لفاعله إذا كان مؤنثا، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا، فافهمه؛ فإن هذه ~~حاله. # ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وقتادة، ورويت عن الحسن: "درست"1، ابن ~~مسعود وأبي: "درس". ابن مسعود أيضا: "درسن". PageV01P225 # قال أبو الفتح: أما "درست" ففيه ضمير الآيات، معناه: وليقولوا درستها أنت ~~يا محمد، كالقراءة العامة "دراست"1. # ويجوز أن يكون "درست" أي: عفت وتنوسيت؛ لقراءة ابن مسعود: "درسن" أي: ~~عفون، فيكون كقوله: {إن هذا إلا أساطير الأولين} 2، ونحو ذلك. # وأما "درس" ففيه ضمير النبي -صلى الله عليه وسلم- وشاهد هذا: دارست؛ أي: ~~فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء قالوا: شيء قرأه أو قارأه فأتى به، وليس من ~~عند الله؛ أي: يفعل هذا بهم لتقوى أثرة التكليف عليهم زيادة في الابتلاء ~~لهم؛ كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحق عليها الثواب، وإن شئت كان معناه ~~فإذا هم ms159 يقولون كذا، كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا} 3 أي: فإذا ~~هو عدو لهم. # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة وسلام4 يعقوب وعبد الله بن يزيد: ~~{فيسبوا الله عدوا} 5، وروي عنهم أيضا: "بغيا وعدوا"6. # قال أبو الفتح: العدو والعدو جميعا: الظلم والتعدي للحق، ومثلهما العدوان ~~والعداء، قال الراعي: # كتبوا الدهيم على العداء لمسرف ... عاد يريد خيانة وغلولا7 # ومثله الاعتداء، قال أبو نخيلة: # ويعتدى ويعتدى ويعتدى ... وهو بعين الأسد المسود PageV01P226 # ومثل العدو والعدو من التعدي الركوب والركب، قال: # أو ركب البراذين # يريد: ركوب. # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة وسلام ويعقوب وعبد لله بن يزيد ~~والأعمش والهمذاني: "ويذرهم"1 بالياء وجزم الراء. # قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر إسكان المرفوع تخفيفا، وعليه قراءة من قرأ ~~أيضا: "وما يشعركم"2 بإسكان الراء، وكأن "يشعركم" أعذر من "يذرهم"؛ لأن فيه ~~"53ظ" خروجا من كسر إلى ضم، وهو في "يذرهم" خروج من فتح إلى ضم. # ومن ذلك قراءة عطية العوفي: "وقد فصل لكم"3 خفيفة. # قال أبو الفتح: هو من قولك: قد فصل إليكم وخرج نحوكم. # ومن ذلك قراءة الحسن وابن شرف: "ولتصغى، وليرضوه، وليقترفوا"4 بجزم اللام ~~في جميع ذلك. # قال أبو الفتح: هذه اللام هي الجارة؛ أعني: لام كي، وهو معطوفة على ~~الغرور من قول الله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} أي: ~~للغرور "ولأن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ~~ما هم مقترفون"، إلا أن إسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال على قوته في ~~القياس؛ وذلك لأن هذا الإسكان إنما كثر عنهم في لام الأمر نحو قوله تعالى: ~~{ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا} 5، وإنما أسكنت تخفيفا لثقل ~~الكسرة فيها، وفرقوا بينها وبين لام كي بأن لم يسكنوها، فكأنهم إنما ~~اختاروا PageV01P227 # السكون للام الأمر، والتحريك للام كي من حيث كانت لام كي نائبة في أكثر ~~الأمر عن أن، وهي أيضا في جواب كان سيفعل إذا قلت: ما كان ليفعل، محذوفة مع ~~اللام ألبتة، فلما نابت عنها قووها ms160 بإقرار حركتها فيها؛ لأن الحرف المتحرك ~~أقوى من الساكن، والأقوى أشبه بأن ينوب عن غيره من الأضعف. # نعم، وقد رأيناهم إذا أسكنوا بعض الحروف أنابوه عن حركته وعاقبوا بينه ~~وبينها، وذلك نحو: الجواري والغواشي، صارت الياء في موضع الرفع والجر ~~معاقبة لضمتها وكسرتها في قولك: هؤلاء الجواري ومررت بالجواري، فكأن لام كي ~~على هذا إذا أسكنت معاقبة لأن، وكالمعاقبة أيضا لكسرتها؛ فلذلك أقروها على ~~كسرتها، ولم يجمعوا عليها منابها في أكثر الأمر عن أن وقد ابتزت حركة نفسها ~~أيضا. # وأيضا فإن الأمر موضع إيجاز واستغناء، ألا تراهم قالوا: صه ومه، ~~فأنابوهما عن الفعل المتصرف، وكذلك حاء وعاء وهاء. # ومن ذلك قراءة الحسن: "إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله"1 بضم الياء. # قال أبو الفتح: لا يجوز أن تكون "من" في موضع جر بإضافة "أعلم" إليها، لا ~~فيمن ضم ياء يضل، ولا فيمن فتحها؛ من حيث كانت "أعلم" أفعل، وأفعل هذه متى ~~أضيفت إلى شيء فهو بعضه، كقولنا: زيد أفضل عشيرته؛ لأنه واحد منهم، ولا ~~نقول: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، لا نقول أيضا: النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أفضل بني تميم على هذا؛ لأنه ليس منهم؛ لكن تقول: محمد -صلى الله ~~عليه وسلم- أفضل بني هاشم؛ لأنه منهم، والله يتعالى علوا عظيما أن يكون بعض ~~المضلين أو بعض الضالين. # فأما قوله تعالى: {وأضله الله على علم} 2 فليس من هذا؛ إنما تأويل ذلك ~~-والله أعلم- وجده ضالا، كقوله: {ووجدك ضالا فهدى} 3، وذلك مشروح في موضعه، ~~فقوله أيضا: "أعلم من يضل عن سبيله" أي: يجيره عن الحق ويصد عنه. ~~PageV01P228 # كما أن قراءة من قرأ: "أعلم من يضل عن سبيله": من يجور عنه، ألا ترى إلى ~~قوله قبل ذلك: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} فلا محالة ~~"54و" أنه -سبحانه- أراد بمن يضل عن سبيله، فحذف الباء وأوصل "أعلم" هذه ~~بنفسها، أو أضمر فعلا واصلا تدل هذه الظاهرة عليه، حتى كأنه قال: يعلم، أو ~~علم من يضل عن سبيله. يؤكد ms161 ذلك ظهور الباء بعده معه في قوله: {وهو أعلم ~~بالمهتدين} ، وقوله بعده: {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} . # وقد يجوز أن تكون "من" هذه مرفوعة بالابتداء، و"يضل" بعدها خبر عنها، ~~و"أعلم" هذه معلقة عن الجملة، حتى كأنه قال: إن ربك هو أعلم أيهم يضل عن ~~سبيله، كقوله تعالى: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} 1. # فأما الجر فمدفوع من حيث ذكرنا، وإذا كان ذلك كذلك علمت أن "من" في قول ~~الطائي: # غدوت بهم أمد ذوي ظلا ... وأكثر من ورائي ماء وادي2 # لا يجوز أن تكون "من" في موضع جر بإضافة أكثر إليه؛ إذ ليس واحدا ممن ~~وراءه، فهو إذن منصوب الموضع لا محالة بأكثر أو بما دل عليه أكثر؛ أي ~~كثرتهم: كنت أكثرهم ماء واد. # ولا يجوز فيه الرفع الذي جاز مع العلم؛ لأن كثرت ليس من الأفعال التي ~~يجوز تعليقها؛ إنما تلك ما كان من الأفعال داخلا على المبتدأ وخبره، وأظنني ~~قد ذكرت نحو هذا في صدر هذا الكتاب. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن السلمي: "وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم"3. # قال أبو الفتح: يحتمل رفع شركاء تأويلين: # أحدهما: وهو الوجه؛ أن يكون مرفوعا بفعل مضمر دل عليه قوله: "زين"؛ كأنه ~~لما قال: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم، قيل: من زينه لهم؟ فقيل: زينه ~~لهم شركاؤهم، فارتفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه "زين"، فهو إذن كقولك: أكل ~~اللحم زيد، وركب PageV01P229 # الفرس جعفر، وترفع زيدا وجعفرا بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، وإياك وأن ~~تقول: أنه ارتفع بهذا الظاهر؛ لأنه هو الفاعل في المعنى لأمرين: # أحدهما: أن الفعل لا يرفع إلا الواحد فاعلا أو مفعولا أقيم مقام الفاعل، ~~وقد رفع هذا الفعل ما أقيم مقام فاعله وهو "قتل أولادهم"، فلا سبيل له إلى ~~رفع اسم آخر على أنه هو الفاعل في المعنى؛ لأنك إذ انصرفت بالفعل نحو ~~إسنادك إياه إلى المفعول لم يجز أن تتراجع عنه فتسنده إلى الفاعل؛ إذ كان ~~لكل واحد منهما فعل يخصه دون ms162 صاحبه، كقولك: ضرب وضرب، وقتل وقتل، وهذا ~~واضح. # والآخر: أن الفاعل عندنا ليس المراد به أن يكون فاعلا في المعنى دون ~~ترتيب اللفظ، وأن يكون اسما ذكرته بعد فعل وأسندته ونسبته إلى الفاعل؛ كقام ~~زيد وقعد عمرو. ولو كان الفاعل الصناعي هو الفاعل المعنوي للزمك أن تقول: ~~مررت برجل يقرأ، فترفعه لأنه قد كان يفعل شيئا وهو القراءة، وأن تقول: رأيت ~~رجل يحدث، فترفعه بحديثه، وأن تقولم في رفع زيد من قولك: زيد قام: إنه ~~مرفوع بفعله؛ لأنه الفاعل في المعنى؛ لكن طريق الرفع في "شركاؤهم" هو ما ~~أريتك من إضمار الفعل له لترفعه به، ونحوه ما أنشده صاحب الكتاب من قول ~~الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح1 # كأنه لما قال: ليبك يزيد، قيل: من يبكيه؟ فقال: ليبكه ضارع لخصومة، ~~والحمل على المعنى كثير جدا، وقد أفردنا له فصلا في جملة شجاعة العربية من ~~كتابنا الموسوم بالخصائص2. # فهذا هو الوجه المختار في رفع الشركاء "54ظ" وشاهده في المعنى قراءة ~~الكافة: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} ، ألا ترى أن ~~الشركاء هم المزينون لا محالة؟ # وأما الوجه الآخر: فأجازه قطرب؛ وهو أن يكون الشركاء ارتفعوا في صلة ~~المصدر الذي هو القتل بفعلهم، وكأنه: وكذلك زين لكثير من المشركين أن قتل ~~شركاؤهم أولادهم، وشبهه بقوله: حبب إلي ركوب الفرس زيد؛ أي: أن ركب الفرس ~~زيد. هذا -لعمري- ونحوه صحيح المعنى، فأما الآية فليست منه، بدلالة القراءة ~~المجتمع عليها، وأن المعنى أن المزين هم الشركاء، وأن القاتل هم المشركون، ~~وهذا واضح. PageV01P230 # ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وليلبسوا عليهم دينهم"1 بفتح الباء. # قال أبو الفتح: المشهور في هذا لبست الثوب ألبسه، ولبست عليهم الأمر ~~ألبسه. # فأما أن تكون هذه لغة لم تتأد إلينا: لبست عليهم الأمر ألبسه، في معنى ~~لبسته ألبسه. # وإما أن تكون غير هذا؛ وهو أن يراد به شدة المخالطة لهم في دينهم، ~~فالاعتراض فيه بينه وبينهم ليشكوا فيه ولا يتمكنوا من التفرد به، كما أن ~~لابس الثوب شديد ms163 المماسة له والالتباس به، فيقول على هذا: لبست إليك طاعتك، ~~واشتملت الثقة بك؛ أي: خالطت هذه الأشياء وماسستها؛ تحققا بها وملابسة لها، ~~وعليه قول القلاخ السعدي: # نكسوهم مخشونة لباسا # يعني: السيوف. وقد مر به لفظا ألبتة شاعرنا فقال: # وإنا إذا ما الموت صرح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا2 # فإما أن يكون هذا الشاعر نظر إلى هذه القراءة، وإما أن يكون أراد المراد ~~بها فسلك سنة قارئها، فاعرف ذلك ولا تقل ما يقوله من ضعفت نحيزته3، وركت ~~طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به في كتاب ~~الله جل وعز؟ فإن المعاني لا يرفعها تقدم، ولا يزري بها تأخر. فأما الألفاظ ~~فلعمري إن هذا الموضع معتبر فيها، وأما المعاني ففائتة بأنفسها إلى مغرسها، ~~وإذا جاز لأبي العباس أن يحتج بأبي تمام في اللغة كان الاحتجاج في المعاني ~~بالمولد الآخر أشبه. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير والأعمش ~~وعكرمة وعمرو بن دينار: "حرث حرج"4، وقراءة الناس: {حجر} . # قال أبو الفتح: قد قدمنا في كتابنا الخصائص5 صدرا صالحا من تقلب الأصل ~~الواحد والمادة الواحدة إلى صور مختلفة يخطمها6 كلها معنى واحد، ووسمناه ~~بباب الاشتقاق الأكبر، PageV01P231 # نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، م ك ل، ل ك م، ل م ك، وإنها مع التأمل لها ~~ولين معطف الفكر إليها آئلة إلى موضع واحد ومترامية نحو غرض غير مختلف، ~~كذلك أيضا يقال: ح ج ر، ج ر ح، ح ر ج، ر ج ح، ج ح ر. وأما ر ح ج فمهمل فيما ~~علمنا، فالتقاء معانيها كلها إلى الشدة والضيق والاجتماع، من ذلك الحجر وما ~~تصرف منه، نحو: انحجر، واستحجر الطين، والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك في ~~الضيق. ومنه الحرج: الضيق، والحرج مثله، والحرجة: "55و" ما التف من الشجر ~~فلم يكن دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم ~~وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان؛ لأنه مال أحد ms164 شقيه نحو الأرض؛ فقرب منها، ~~وضاق ما كان واسعا بينه وبينها. # فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر منها، قيل: كلامنا ~~على الراجح، والراجح هو الداني إلى الإرض. فأما الآخر فلا يقال له: راجح، ~~فليزم ما ألزمته، وإذا ثبت ذلك -وقد ثبت- فكذلك قوله تعالى: "حرث حرج" في ~~معنى "حجر"، معناه عندهم: أنها ممنوعة محجورة أن يطعمها إلا من يشاءون أن ~~يطعموه إياها بزعمهم. # ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين: "خالصة"1. # وقرأ: "خالصا" سعيد بن جبير. # وقرأ: "خالصه" ابن عباس بخلاف والزهري والأعمش وأبو طالوت. # وقرأ: "خالص" ابن عباس وابن مسعود والأعمش بخلاف. # قال أبو الفتح: أما قراءة العامة: {خالصة} فتقديره: ما في بطون هذه ~~الأنعام خالصة لنا؛ أي: خالص لنا، فأنث للمبالغة في الخلوص، كقولك: زيد ~~خالصتي، كقولك: صفيي وثقتي؛ أي: المبالغ في الصفاء والثقة عندي، ومنه ~~قولهم: فلان خاصتي من بين الجماعة؛ أي: خاصي الذي يخصني، والتاء فيه ~~للمبالغة وليكون أيضا بلفظ المصدر، نحو: العاقبة والعافية، والمصدر إلى ~~الجنسية، فهي أعم وأوكد. # ويدلك على إرادة اسم الفاعل هنا -أي: خالص- قراءة سعيد بن جبير "خالصا"، ~~وعليه PageV01P232 # القراءة الأخرى: "خالص لذكورنا"، والقراءة الأخرى: "خالصه لذكورنا"1، ألا ~~تراه اسم فاعل وإن كان مضافا؟ لكن الكلام في نصب خالصا وخالصة، وفيه ~~جوابان: # أحدهما: أن يكون حالا من الضمير في الظرف الجاري صلة على "ما"، كقولنا: ~~الذي في الدار قائما زيد. # والآخر: أن يكون حالا من "ما" على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال ~~على العامل فيها إذا كان معنى بعد أن يتقدم صاحب الحال عليها، كقولنا: زيد ~~قائما في الدار. # واحتج في ذلك بقول الله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} 2، ~~فيجوز على هذا في العربية لا في القراءة؛ لأنها سنة لا تخالف "والسماوات ~~مطويات بيمينه"3. # فإن قلت: فهل يجوز أن يكون "خالصا" "وخالصة" حالا من الضمير في لنا؟ 4 ~~قيل: هذا غير جائز؛ وذلك أنه تقدم على العامل فيه وهو معنى وعلى ms165 صاحب ~~الحال، وهذا ليس على ما بينا. # ولا يجوز أن يكون "خالصة" حالا من الأنعام؛ لأن المعنى ليس عليه، ولعزة ~~الحال من المضاف إليه. # ومن ذلك قراءة على -عليه السلام- والأعرج وعمرو بن عبيد: "خطؤات"5 بالهمز ~~مثقلا، وقرأ: "خطوات" أبو السمال. # قال أبو الفتح: أما "خطؤات" بالهمز فواحدها خطأة؛ بمعنى الخطأ، أثبت ذلك ~~أحمد بن يحيى. # وأما "خطوات" فجمع خطوة، وهي الفعلة الواحدة من خطوت، كغزوت غزوة، ودعوت ~~دعوة. والمعنى: لا تتبعوا خطوات الشيطان؛ أي: آثاره، لا تقتدوا به، وتقديره ~~على هذا حذف المضاف؛ أي: لا تتبعوا مواضع خطوات الشيطان. # وإن شئت أجريته على ظاهره من غير تقدير حذف كقولك: لا تتبع أفعال ~~المشركين "55ظ" PageV01P233 # ولا تأتم بأديان الكافرين. ومن قرأ: "خطوات" بلا همز فأمره واضح، وهو جمع ~~خطوة، وهي ذرع ما بين القدمين، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة طلحة: "الضأن"1 بفتح الهمزة. # قال أبو الفتح: الضأن جمع، واحدته ضائن وضائنة، وصرفوا فعله فقالوا: ضئنت ~~العنز ضأنا، إذا أشبهت الضأن. وأما الضأن بفتح الهمزة في هذه القراءة، ~~فمذهب أصحابنا فيه وفي مثله مما جاء في فعل وفعل وثانيه حرف حلق؛ كالنهر ~~والنهر، والصخر والصخر، والنعل والنعل، وجميع الباب، أنها لغات كغيرها مما ~~ليس الثاني فيه حرفا حلقيا، كالنشز والنشز، والقص والقصص. # ومذهب البغداديين أن التحريك في الثاني من هذا النحو إنما هو لأجل حرف ~~الحلق، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب وغيره، ويؤنسني بصحة ما قالوه ~~أني أسمع ذلك فاشيا في لغة عقيل، حتى لسمعت بعضهم يوما قال: نحوه، يريد: ~~نحوه. فلو كانت الفتحة في الحاء هنا أصلا معتزمة غير إتباع لكونها حرفا ~~حلقيا لوجب إعلال اللام التي هو واو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، كغضاة ~~وشجاة2، فكان يقال: نحاة، وهذا واضح، غير أن لأصحابنا ألا يقبلوا من اللغة ~~إلا ما روي عن فصيح موثوق بعربيته، ولست أثبت هذه الفصاحة المشروطة لمن ~~سمعت منه هذه اللفظة؛ أعني: نحوه. # ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "تماما على الذي أحسن"3. # قال أبو ms166 الفتح: هذا مستضعف الإعراب عندنا؛ لحذفك المبتدأ العائد على ~~الذي؛ لأن تقديره: تماما على الذي هو أحسن، وحذف "هو" من هنا ضعيف؛ وذلك ~~أنه إنما يحذف من صلة الذي الهاء المنصوبة بالفعل الذي هو صلتها، نحو: مررت ~~بالذي ضربت؛ أي: ضربته، وأكرمت الذي أهنت؛ أي: أهنته، فالهاء ضمير المفعول، ~~ومن المفعول بد، وطال الاسم بصلته، فحذفت الهاء لذلك، وليس المبتدأ بنيف ~~ولا فضلة فيحذف تحفيفا، لاسيما وهو عائد الموصول، PageV01P234 # وأن هذا قد جاء نحوه عنهم؛ حكى سيبويه عن الخليل: "ما أنا بالذي قائل لك ~~شيئا سوءا" أي: بالذي هو قائل، وقال: # لم أر مثل الفتيان في غبن ال ... أيام ينسون ما عواقبها1 # أي: ينسون الذي هو عواقبها. # ويجوز أن يكون "ينسون" معلقة كما علقوا نقيضتها التي هي يعلمون، وتكون ~~"ما" استفهاما وعواقبها خبر "ما"، كقولك: قد علمت من أبوك وعرفت أيهم ~~أخوك؟، وعلى الوجه الأول حمله أصحابنا. # ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "ممن كذب بآيات الله"2 خفيفة الذال. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون دخول الباء هنا حملا على المعنى؛ وذلك لأنه ~~في معنى مكر بها، وكفر بها، وما أكثر هذا النحو في هذه اللغة، وقد ذكرناه ~~فيما مضى، ومنه قوله: # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد3 # زاد الباء في بما لاقت لما كان معناه ألم تسمع بما لاقت لبونهم، وفيه ما ~~أنشدناه أبو علي: "56و" # أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن4 # ألحق الباء في به لما كان تعطى في معنى تسمح به، ألا تراه قال في آخر ~~البيت: إذا ما ضن باللبن؟ فالضن نقيض السماحة والبذل. PageV01P235 # ومن ذلك قراءة زهير الفرقبي1: "يوم يأتي بعض آيات ربك"2 بالرفع. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ارتفاع اليوم بالابتداء، والجملة التي هي ~~قوله تعالى: {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا} خبر عنه، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام والعلم به، وإذا كانوا ~~قد قالوا: ms167 السمن منوان بدرهم، فحذفوا وهم يريدون "منه" مع قصر الكلام؛ كان ~~حذف العائد هنا لطول الكلام أسوغ، وتقديره: لا ينفع فيه نفسا إيمانها، ~~ومثله قولهم: البر الكر3 بستين؛ أي: الكر منه. # وفي قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا} 4 ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون على حذف العائد؛ أي: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ~~وله نظائر كثيرة؛ لكنا نحذف5 الإطالة إذ كان هذا كتابا مختصرا ليقرب على ~~القراء ولا يلطف عنهم، وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب الحجة في قراءة ~~السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدعي العربية -فضلا على القرأة- ~~منه، وأجفاهم عنه. # ومن ذلك قراءة أبي العالية: "لا تنفع نفسا إيمانها" بالتاء فيما يروى ~~عنه، قال ابن مجاهد: وهذا غلط. # قال أبو الفتح: ليس ينبغي أن يطلق على شيء له وجه في العربية قائم -وإن ~~كان غيره أقوى منه- أنه غلط، وعلى الجملة فقد كثر عنهم تأنيث فعل المضاف ~~المذكر إذا كانت إضافته PageV01P236 # إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به. وأنشدنا أبو علي ~~لابن مقبل: # قد صرح السير عن كتمان وابتذلت ... وقع المحاجن بالمهرية الذقن1 # فأنث "الوقع" وإن كان مذكرا لما كان مضافا إلى "المحاجن"، وهي مؤنثة؛ إذ ~~كان الوقع منها. وكذلك قول ذي الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم2 # فأنث "المر" لإضافته إلى الرياح وهي مونثة؛ إذ كان "المر" من الرياح، ~~ونظائر ذلك كثيرة جدا لا وجه للإطالة بذكرها، فهذا وجه يشهد لتأنيث ~~الإيمان؛ إذ كان من النفس وبها. # وإن شئت حملته على تأنيث المذكر لما كان يعبر عنه بالمؤنث، ألا ترى إلى ~~قول الله سبحانه: {فله عشر أمثالها} 3، فتأنيث المثل لأنه في المعنى حسنة. # فإن قلت: فهلا حملته على حذف الموصوف، فكأنه قال: فله عشر حسنات أمثالها، ~~قيل: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قبل ليس بمستحسن في القياس، وأكثر ~~مأتاه إنما هو في الشعر؛ ولذلك ضعف حمل "دانية" ms168 من قوله: {ودانية عليهم ~~ظلالها} 4 على أنه وصف جنة؛ أي: وجنة دانية عليهم ظلالها، عطفا على جنة من ~~قوله: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} وجنة دانية عليهم ظلالها؛ لما فيه من ~~حذف الموصوف "56ظ" وإقامة الصفة مقامه حتى عطفوها على قوله: {متكئين فيها ~~على الأرائك} ودانية عليهم ظلالها، فكانت حالا معطوفة على حال قبلها، فلهذا ~~يضعف أن يكون تقدير الآية على: فله عشر حسنات أمثالها؛ بل تكون أمثالها غير ~~صفة لكنه محمول على المعنى؛ إذ كن حسنات كما ترى. # وعليه أيضا قوله تعالى: "تلتقطه بعض السيارة"5؛ لما كان ذلك البعض سيارة ~~في المعنى. PageV01P237 # وحكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب1، ~~جاءته كتابي فاحتقرها، قال: فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس ~~بصحيفة؟ فلا تعجب إلا من هذا الأعرابي الجافي وهو يعلل هذا التعليل في ~~تأنيث المذكر، وليس في شعر منظوم فيحتمل ذلك له، إنما هو في كلام منثور، ~~فكذلك يكون تأنيث الإيمان، ألا تراه طاعة في المعنى؟ فكأنه قال: لا تنفع ~~نفسا طاعتها، والشواهد كثيرة؛ لكن الطريق التي نحن عليها مختصرة قليلة ~~قصيرة. # ومن ذلك قراءة النخعي وأبي صالح مولى ابن هانئ، ويروى أيضا عن الأعمش ~~ويحيى: "الذين فرقوا دينهم"2 بالتخفيف. # قال أبو الفتح: أما "فرقوا" بالتخفيف فتأويله أنهم مازوه عن غيره من سائر ~~الأديان، هذا ظاهر "فرقوا" بالتخفيف. وقد يحتمل أن يكون معناه معنى القراءة ~~بالتثقيل؛ أي: فرقوه، وعضوه أعضاء، فخالفوا بين بعضه وبعض؛ وذلك أن فعل ~~بالتخفيف يكون فيها معنى التثقيل، ووجه هذا أن الفعل عندنا موضوع على ~~اغتراق جنسه، ألا ترى أن معنى "قام زيد": كان منه القيام، و"قعد": كان منه ~~القعود؟ والقيام -كما نعلم- والقعود جنسان، فالفعل إذن على اغتراق جنسه، ~~يدل على ذلك عمله في جميع أجزاء ذلك الجنس من مفرده ومثناه ومجموعه، ونكرته ~~ومعرفته، وما كان في معناه، وذلك قوله: قمت قومة وقومتين وألف قومة، وقمت ~~قياما وقياما طويلا، وجلست جلوسا وجلوسا قصيرا، وقمت القيام الذي تعلم. ms169 ~~وقال: # لعمري لقد أحببتك الحب كله3 # وقالوا: قعد القرفصاء، وعدا البشكى4، ووثب الحجزى5، فعمل الفعل في جميع ~~أجزاء PageV01P238 # المصادر من لفظه ومن غير لفظه كما كان معناه، يدل على أن وضعه لاغتراق ~~جنسه؛ إذ الفعل لا يعمل من المصادر إلا فيما كان عليه دليل، ألا تراك لا ~~تقول: قمت قعودا، ولا خرجت دخولا؛ لأنه لا دليل في الفعل على ذلك؟ وهذا ~~واضح متناه في البيان. # وإذا كان كذلك علم منه وبه أن جميع الأفعال ماضيها وحاضرها ومتلقاها مجاز ~~لا حقيقة، ألا تراك تقول: قمت قومة، وقمت على ما مضى، دال على الجنس؟ فوضعك ~~القومة الواحدة موضع جنس القيام، وهو فيما مضى وما هو حاضر وفيما هو متلقى ~~مستقبل، من أذهب شيء في كونه مجازا. # ولذلك ما1 كان شيخنا أبو علي يقول: إن قولنا: قام زيد في كونه مجازا ~~بمنزلة قول القائل: خرجت فإذا الأسد، يريد بذلك: أن الأسد هنا لاغتراق ~~الجنس؛ وإنما وجد ببابه أسدا واحدا، فأطلقه "57و" على جميع جنسه الذي لا ~~يحيط به إلا خالقه جل وعز. # فهذا كقولك: قام زيد في وضعه إياه على البعض وإن كان مفاد "قام" الاغتراق ~~للكل؛ إذ كان قيام زيد جزءا مما لا يحاط به، ولا يحاط2 الوهم إلا على كلا ~~ولا3 على قصوره. # وهذا موضع يسمعه الناس مني ويتناقلونه دائما عني، فيكبرونه ويكثرون العجب ~~به، فإذا أوضحته لم يسأل عنه استحياء، وكان يستغفر الله لاسيحاشه كان منه. # وكشفت هذا الموضع يوما لبعض من كان له مذهب في المشاغبة -عفا الله عنا ~~وعنه- فتوقف فيه، ثم قال: أوكذلك أفعال القديم عندك؟ فقلت: هذا موضع لا ~~تعلق له بذكر القدم والحدوث؛ وإنما هو طريق مسلوكة يتعاقبها القديم والمحدث ~~تعاقبا واحدا، ألا تراك تقول: خلق الله كذا؟ أفتظن أن هذا ينتظم كل خلق في ~~الوهم؟ فإن قلت: نعم، لزمك أن يكون هو الخالق لأفعال العباد، ومذهبك ناف ~~لهذا عندك، فلما بلغ الموضع بنا إلى هذا أمسك، ثم مضى فقرأ شيئا من كلام ~~شيخنا فعاد معترفا ms170 بما قلت له منه، غير أننا أعلمنا بذلك أن العلل عنده ~~مروية غير مدرية، وليست بحقائق ولا عقلية. PageV01P239 ### | سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة أبي جعفر: "ثم قلنا للملائكة اسجدوا"1 بضم الهاء. # قال أبو الفتح: هذا مذهب ضعيف جدا؛ وذلك أن الملائكة مجرورة، ولا يجوز أن ~~يكون حذف همزة "اسجدوا" وألقى حركتها على الهاء من موضعين: # أحدهما: أن هذا التخفيف إنما هو في الوصل، والوصل يحذف هذه الهمزة أصلا ~~إذ كانت همزة وصل، فيا ليت شعري من أين له همزة أصلا في الوصل حتي يلقي ~~حركتها للتخفيف على ما قبلها، وليست كذلك الهمزات التي تلقى للتخفيف ~~حركاتهن على ما قبلهن؛ لأن لك أن تثبت هذه الهمزة قبل حذفها للتخفيف؟ ألا ~~تراك أنك إذا خففت همزة أنت من قولك: من أنت جاز من انت؛ لأن لك أن تحققها ~~قبل التخفيف فتقول: من أنت؟ وليس لك أن تثبت همزة "اسجدوا" في الوصل فتقول: ~~للملائكة أسجدوا، فيجوز تخفيفها فيما بعد. # وهذا واضح، وهو أذهب في الفحش من قول الفراء: من فتح "ميم" من قوله ~~تعالى: "ألف لام ميم الله"2، إنه حذف همزة "الله" وألقى حركتها على ميم ~~"ميم"؛ لأن له أن يقول: إن الهجاء عندنا على الوقف، فإذا وصل فإنه مع ذلك ~~ينوي الوقف، والوقف يجوز معه قطع همزة "الله"، وليس كذلك "ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا"؛ لأنه ليس من حروف الهجاء فينوى فيه الوقف عليه ثم تخفيف همزته، ~~وعلى أن مذهب الفراء هناك أيضا مدفوع عندنا لأنه لا يخفف إلا في الوصل، ~~والوصل يسقط همزة اسم الله تعالى، فالطريق في الفساد واحدة وإن كان فيه في ~~قول الفراء ذلك القدر من تلك الشبهة الضعيفة. # فإن قال الفراء: قولهم: "نون والقلم"3 بترك إدغام النون في الواو يدل أن ~~نية الوقف PageV01P240 # في هذه الحروف مع الوصل موجودة؛ إذ لو كانت موصولة ألبتة لوجب الإدغام، ~~وأن يقال: "57ظ" "نووالقلم"، كما تدغم النون في الواو من قوله عز وجل: {ما ~~لهم من ولي ولا ms171 نصير} 1. # قيل له: ولو كانت في وصلها على حكم الوقف ألبتة عليها لوجب إظهار النون ~~فقيل: "نون والقلم" بإظهار النون؛ لقولك في الوقف: "نون" بإظهار النون، ~~فترك إظهار النون من قوله تعالى: "نون والقلم" يدل على نية الوصل، وإنما لم ~~يكن هناك إدغام لعمري تعقبا لما كان عليه من الوقف، وإلا فهو موصول لا ~~محالة، وإذا كان موصولا وجب حذف الهمزة أصلا، وإذا حذفت أصلا لم تجد هناك ~~لفظا تحققه أو تخففه. # ويؤكد ذلك عندك قراءتهم "كاف ها يا عين صاد" بإخفاء النون من عين عند ~~الصاد، كما تخفى في الوصل إذا قلت: عجبت من صالح، ونحو ذلك. # فقد ترى إلى جريان هذا مع أنه حرف هجاء كجريانه في حال وصله نون عين وسين ~~قاف من قوله: عين سين قاف، فأخفيت النون من عين عند السين، والنون من سين ~~عند القاف، كما تخفيان في: عين سالم، ومن قاسم. # ويؤكد أيضا عندك إدغام الدال من صاد في الذال من "ذكر" في قوله: "عين صاد ~~ذكر رحمة ربك"2، كإدغامها فيها في غير الهجاء، كقولك: تعهد ذلك الباب. # وهذا ينبهك على أن ترك إدغام النون من قوله: "نون والقلم" إنما هو لئلا ~~يجتمع هناك ثلاث واوات، فثقل عليهم أن يقولوا: "نووالقلم"، ولو كان لنية ~~الوقف ألبتة لظهرت الدال من "صاد ذكر رحمة ربك"، هذا أعلى القراءة وإن كان ~~بعضهم قد أظهرها، إلا أن الإدغام أقوى رواية وقياسا، فهذا أحد وجهي قبح ~~قراءة أبي جعفر: "ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم". # والآخر: أن التخفيف في نحو هذا إنما يكون إذا كان الحرف الأول قبل الهمزة ~~ساكنا صحيحا نحو: "قد أفلح"3، فإذا خففت الهمزة ألقيت حركتها على الساكن ~~قبلها فقبلها لسكونه، ثم حذفت الهمزة تخفيفا، فقلت: "قد فلح"، وكذلك: من ~~أبوك إذا خففته قلت: من بوك؟ # فأما إذا كان قبل الهمزة حرف متحرك وأردت تخفيفها فإنك لا تلقى حركة ~~الهمزة عليه، ألا تراك لا تقول: فلان يضرب خاه، تريد: يضرب أخاه؟ لأن باء ~~يضرب متحركة، فما ms172 PageV01P241 # فيها من حركتها لا يسوغ نقل حركة أخرى إليها عوضا من حركتها؛ ولذلك ضعفت ~~عندنا قراءة الكسائي: "بما أنزليك"1؛ لأن اللام من أنزل مفتوحة، فلا ينقل ~~عليها كسرة همزة إليك ثم يلتقي المثلان متحركين، فيسكن الأول منهما، ويدغم ~~في الثاني كما جعل ذلك في قوله: {لكنا هو الله ربي} 2؛ إذ كانت النون من ~~لكن ساكنة فساغت3 حذف همزة أناء وإلقاء حركتها على النون قبلها، فصارت ~~"لكننا"، فكره التقاء المثلين متحركين، فأسكن الأول منهما وأدغم في الثاني، ~~فصار لكنا كما ترى. # وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع من كلامنا مصنفا وغير مصنف. # فإن قلت: فما تصنع بما أخبركم به أبو علي عن أبي عبيدة من قول بعضهم: دعه ~~في حرمه -بضم الراء- وهو يريد: في حرأمه؟ ألا ترى كيف ألقى حركة همزة "أم" ~~على الراء وقد كانت "58و" مكسورة ثم حذف الهمزة، وإلى ما حكاه أحمد بن يحيى ~~من قول أبي السرار في خبر ذكره عند سعيد بن سليم وابن الأعرابي حاضر من قول ~~امرأة رأت أبا السرار عند بناتها، فأنكرته: أفي السوتنتنه؟ وهي تريد: أفي ~~السوءة أنتنه؟ فحذفت همزة "أنتنه" وألقت حركتها على تاء "السوءة" وهي ~~مكسورة. # قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يقاس على ضعفه، فضلا عنه على قلته. # وأيضا، فإنه حذف همزة ثابتة موجودة في الوصل، وليست كذلك همزة "اسجدوا"؛ ~~لأنها بلا خلاف معدومة في الوصل أصلا، وما هو معدوم في اللفظ لا يعرض فيه ~~تخفيف ولا تحقيق. # فإن توهم متوهم أنه يرى قطع همزة "اسجدوا" على ضعف ذلك، ثم فعل من بعد ~~نحوا من حكاية أبي عبيدة: دعه في حرمه، فإن هذا أفحش، من حيث كانت همزة ~~"اسجدوا" مما لا يجوز في القرآن قطعه أصلا؛ لخبث ذلك في الشعر فضلا عن ~~التنزيل، وما يجب فيه من تخير أفصح اللغات له. # ويزيد في قبح ذلك أنه إن نوى قطع همزة "اسجدوا" فإنما ذلك للوقف قبلها، ~~والوقف هنا قبلها لا يجوز من حيث كان قوله: "اسجدوا لآدم" معمول قوله: ms173 ~~"قلنا للملائكة"، ولا يحسن الوقف على الناصب دون منصوبه؛ بل لا يجوز الوقف ~~على العامل دون معموله؛ لاتصاله به، وكونه في بعض الأماكن كالجزء من العامل ~~فيه، نحو: لا رجل في الدار، ومررت بي، والمال لي PageV01P242 # فيمن أسكن الياء، فهذا كله وما تركناه من نحوه يشهد بفساد قراءة أبي ~~جعفر: "للملائكة اسجدوا". # ومن ذلك قراءة الزهري: "مذوما مدحورا"1. # قال أبو الفتح: هذا على تخفيف الهمزة من "مذءوما"، كقولك في مسئول: مسول. # فإن قلت: أفيكون من ذمته أذيمة؟ قيل: لو كان منه لكان مذيما كمبيع ومكيل. # فإن قيل: فقد حكى الفراء: هذا برمكول، ورجل مسور به، وقد قالوا في مهيب: ~~مهوب. # قيل: هذا من الشذوذ في منزلة القصيا، فلا يحسن الحمل عليه؛ وإنما ذكرناه ~~لئلا يورده من يضعف نظره وهو يظنه طائلا، فلا تحفل به. # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة والزهري: "سواتهما"2 بتشديد الواو. # قال أبو الفتح: حكى سيبويه ذلك لغة قليلة، والوجه في تخفيف نحو ذلك أن ~~تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الواو قبلها، فتقول في تخفيف نحو السوءة: ~~السوة، وفي تخفيف الجيئة: الجية، ومنهم من يقول: السوة والجية، وهو أدون ~~اللغتين وأضعفهما، ومنهم من يقول في المنفصل من أو أنت: أونت، وفي أبو ~~أيوب: أبويوب، وهو في المنفصل أسهل منه في المتصل؛ لما يوهم "سوة" أنه من ~~مضاعف الواو، نحو: القوة والحوة. # وقرأ: "سوءتهما"3 واحدة مجاهد. # ووجه ذلك أن السوءة في الأصل فعلة من ساء يسوء، كالضربة والقتلة، فأتاها ~~التوحيد من قبل المصدرية التي فيها. # فإن قلت: إن الفعلة واحدة من جنسها، والواحد معرض للتثنية والجمع. # قيل: قد يوضع الواحد موضع الجماعة، وقد مضى ذلك مشروحا. "58ظ" ~~PageV01P243 # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "من هذي الشجرة"1. # قال أبو الفتح: هذا هو الأصل في هذه الكلمة، وإنما الهاء في "ذه" بدل من ~~الياء في "ذي"، يدل على الياء الأصل قولهم في المذكر: "ذا"، فالألف في ذا ~~بدل من الياء في ذي، وأصل ذا عندنا ذي، وهو من مضاعف الياء ms174 مثل: حي، فحذفت ~~الياء الثانية التي هي لام تخفيفا فبقي ذي. قال لي أبو علي: فكرهوا أن يشبه ~~آخره آخر كي وأي، وأبدلوها ألف كما أبدلت في باءس ويايس2. # ويدل على أن أصل ذا ذي وأنه ثلاثي جواز تحقيره في قولك: ذيا، ولو كان ~~ثنائيا لما جاز تحقيره كما لا تحقر "ما"، "ومن" لذلك. وقد شرحت هذا الموضع ~~في كتابي الموسوم بالمنصف بما يمنع من الإطالة بذكره هنا. # فأما الياء اللاحقة بعد الهاء في "هذهي سبيلي"3 ونحوه فزائدة، لحقت بعد ~~الهاء تشبيها لها بهاء الإضمار في نحو: مررت بهي، ووجه الشبه بينهما أن كل ~~واحد من الاسمين معرفة مبهمة لا يجوز تنكيره، وإذا وقفت قلت: هذه، فأسكنت ~~الهاء، ومنهم من يدعها على سكونها في الوصل كما يسكنها عند الوقف عليها، ~~كما أن منهم من يسكن الهاء المضمرة إذا وصلها فيقول: مررت به أمس، وذكر أبو ~~الحسن أنها لغة لأزد السراة، وأنشد هو وغيره: # فظلت لدى البيت العتيق أخليه ... ومطواي مشتاقان له أرقان4 # وروينا عن قطرب قول الآخر: # وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها5 PageV01P244 # ومن ذلك قراءة الزهري: "يخصفان عليهما" من أخصفت، و"يخصفان" الحسن بخلاف، ~~وقرأ "يخصفان"1 ابن بريدة والحسن والزهري والأعرج، واختلف عنهم كلهم. # قال أبو الفتح: مألوف اللغة ومستعملها خصفت الورق ونحوه، وما أخصفت ~~فكأنها منقولة من خصفت؛ كأنه -والله أعلم- يخصفان أنفسهما وأجسامهما من ورق ~~الجنة، ثم حذف المفعول على عادة حذفه في كثير من المواضع، أنشد أبو علي ~~للحطيئة: # منعمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبي2 # أي: تصون الحديث ونخزنه. # وأما قراءة الحسن: "يخصفان"، فإنه أراد بها يختصفان يفتعلان من خصفت، ~~كقولهم: قرأت الكتاب واقترأته، وسمعت الحديث واسمتعته؛ فآثر إدغام التاء في ~~الصاد فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين؛ فصارت ~~"يخصفان". # وأما من قرأها "يخصفان"3، فإنه أراد أيضا إدغام التاء في الصاد فأسكنها ~~على العبرة في ذلك، ثم نقل الفتحة إلى الخاء؛ فصار "يخصفان". # ويجوز "يخصفان" بكسر الياء فيمن كسر الخاء ms175 إتباعا، كما قال أبو النجم: # تدافع الشيب ولم تقتل4 # أراد: تقتتل على ما ذكرت لك. ونحو من ذلك القراءة: يهدي ويهدي ويهدي5، ~~وأصله كله يهتدي "59و" على ما مضى. # وأما من قرأ: "يخصفان" وهو ابن بريدة والحسن أيضا والأعرج، واختلف عنهم ~~كلهم فهو يفعلان، كيقطعان ويكسران، وهذا واضح. PageV01P245 # ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماعة وعاصم بخلاف: "ورياشا"1 ~~بالفتح2. # قال أبو الفتح: يحتمل رياش شيئين: # أحدهما: أن يكون جمع ريش، فيكون كشعب وشعاب ولهب3 ولهاب، ولصب4 ولصاب، ~~وشقب5 وشقاب. # والآخر: أن يكونا لغتين: فعل وفعال. هكذا قال أبو الحسن، قال: وقال ~~الكلابيون: الرياش: ماكان من لباس أو حشو من فراش ألآو دثار، والريش: ~~المتاع والأموال. وقد يكون الريش في الثياب دون المال. ويقال: هو حسن ~~الريش؛ أي الثياب. والرياش: القشر6، وهما كما ترى متداخلان. # ومن ذلك قراءة ابن سيرين: "فإذا جاء آجالهم"7. # قال أبو الفتح: هذا هو الظاهر؛ لأن لكل إنسان أجلا. فأما إفراد الأجل ~~فلأنه جعله جنسا، أو لأنه مصدر فأتته الجنسية من قبل المصدرية، وحسن ~~الإفراد لإضافته أيضا إلى الجماعة، ومعلوم أن لكل إنسان أجلا، وعليه جاء ~~قوله: # في حلقكم عظم وقد شجينا8 # لأن لكل إنسان حلقا، وتقول على هذا: رأس القوم صلب؛ أي: رءوسهم صلاب. ~~ويجوز أن تقول: رأس القوم صلاب؛ حملا على المعنى. # وندع الإطالة بالشواهد إشفاقا من الإطالة التي سئلنا اجتنابها على ما ~~بينا في صدر الكتاب. PageV01P246 # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والأعرج والحسن: "إما يأتينكم رسل منكم"1 ~~بالتاء. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة بعض الصنعة؛ وذلك لقوله فيما يليه: {يقصون ~~عليكم آياتي} . فالأشبه بتذكير يقصون التذكير بالياء في قراءة الجماعة: ~~{يأتينكم} ، فتقول على هذا: قامت الزيود وقام الزيدون، وتذكر لفظ قام ~~لتذكير الزيدون، وتؤنث لفظ قامت لأن الزيود مكسر ولا يختص بالتذكير؛ لقولك: ~~الهنود. وقد يجوز قامت الزيدون، إلا أن قام أحسن. # ومن ذلك ما روي عن أبي عمرو: "حتى إذا إداركوا"2، وروي عنه أيضا: "حتى ~~إذا" يقف ثم يقول: "تداركوا"، ms176 وظهور التاء في "تداركوا" قراءة ابن مسعود ~~والأعمش. # وقراءة أخرى: "إذآ اداركوا"، قرأ بها مجاهد وحميد ويحيى وإبراهيم. # قال أبو الفتح: قطع أبي عمرو همزة "اداركوا" في الوصل مشكل؛ وذلك أنه لا ~~مانع من حذف الهمزة؛ إذ ليست مبتدأة كقراءته الأخرى مع الجماعة. وأمثل ما ~~يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف "إذا" مميلا بين هذه القراءة وقراءته ~~الأخرى التي هي "تداركوا"، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين ~~القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب ~~من ذلك في ابتدائها، فجرى هذا التمييل في التلوم3 عليه وتطاول الصوت به ~~مجرى وقفة التذكر في نحو قولك: قالوا -وأنت تتذكر- الآن من قول الله ~~سبحانه: "قالوا الآن"4، فتثبت الواو من قالوا لتلومك عليها "59ظ" ~~للاستذكار، ثم تثبت همزة الآن؛ أعني: همزة لام التعريف. # ومثله "اشترووا" إذا وقفت مستذكرا "للضلالة"5، فتضم الواو من "اشتروا" ~~على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وقفة ~~الاستذكار، فتحدث هناك واوا تنشأ عن ضمة واو الضمير، ثم تبتدئ فتقول: ~~"ألضلالة"، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال في هذا. ~~PageV01P247 # ولا يحسن أن تقول: إنه قطع همزة الوصل ارتجالا هكذا؛ لأن هذا إنما يسوغ ~~لضرورة الشعر. فأما في القرآن فمعاذ الله وحاشا أبي عمرو، ولا سيما وهذه ~~الهمزة هنا إنما هي في فعل، وقلما جاء في الشعر قطع همزة الوصل في الفعل؛ ~~وإنما يجيء الشيء النزر من ذلك في الاسم، نحو قول جميل: # ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل1 # وقول الآخر: # يا نفس صبرا كل حي لاق ... وكل إثنين إلى افتراق2 # أي: لاق منيته، فحذف المفعول، وإنما قل قطع همزة الوصل هذه في الفعل، ~~وجاء ما جاء من ذلك في الاسم؛ حيث كان الفعل مظنة من همزة الوصل، وإنما ~~تدخل من الأسماء ما ضارع الفعل. # وباب همزات الأسماء أن تكون قطعا، فلما غلب القطع عليها جرت الألسن على ms177 ~~العادة في ذلك، واستجازوا قطع همزة الوصل لما ذكرنا. # وليست حال همزة الوصل في الفعل كذلك؛ لأنها معتادة هناك، فازداد قطعها من ~~الفعل ضيق عذر لما ذكرنا. # فأما "حتى إذآ اداركوا" بإثبات ألف "إذا" مع سكون الدال من "اداركوا" ~~فإنما ذلك لأنه أجرى المنفصل مجرى المتصل، فشبهه بشابة ودابة ونحو قولهم: ~~لاهآ الله ذا بإثبات الألف في "ها"، وترك حذفها لالتقاء الساكنين كما حذفت ~~في قول من قال: لاها الله ذا3. # وقال لي أبو علي: فيها أربع لغات: لاها لله ذا بحذف الألف، ولاهآ الله ذا ~~بمدها تشبيها بالمتصل على ما مضى في دابة. ولاهآ ألله بإثبات ألف ها وهمزة ~~الله بوزن لاها علاة ذا. # والرابعة: لاهألله ذا في وزن هعلله ذا، تحرك ألف "ها" لالتقاء الساكنين ~~وتقلبها همزة، كما قرأ أيوب السختياني: "ولا الضألين"، بوزن الضعلين. وعليه ~~ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة ومأدة. # ومثله أيضا قراءة أبي عمرو، ورويناها عن قطرب عنه: "قالوا اطيرنا"4، وحكي ~~عن بعضهم: هذان عبدآ الله. PageV01P248 # وحكي عنهم: له ثلثآ المال وهو أشد؛ لأنه غير مدغم. # وقال بعضهم: يآ الله، وبعضهم: يا ألله، وبعضهم: يألله، وبعضهم: يالله، ~~فحذف ألف يا لالتقاء الساكنين. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وأبي العلاء بن ~~الشخير ورويت عن أبي رجاء: "حتى يلج الجمل"1، وقرأ: "الجمل" -بضم الجيم ~~وفتحة الميم مخففة- ابن عباس وسعيد بن جبير بخلاف وعبد الكريم وحنظلة ~~ومجاهد بخلاف. # وقرأ: "الجمل" -بضم الجيم وسكون الميم- ابن عباس وسعيد بن جبير بخلاف ~~عنهما. "60و" # وقرأ: "الجمل" -بضمتين والميم خفيفة- ابن عباس. # وقرأ أبو السمال: "الجمل" مفتوحة الجيم ساكنة الميم. # قال أبو الفتح: "أما "الجمل" بالتثقيل و"الجمل" بالتخفيف فكلاهما الحبل ~~الغليظ من القنب، ويقال: حبل السفينة، ويقال: الحبال المجموعة، وكله قريب ~~بعضه من بعض. # وأما "الجمل" فقد يجوز في القياس أن يكون جمع جمل كأسد وأسد ووثن ووثن، ~~وكذلك المضموم الميم أيضا كأسد. # وأما "الجمل" فبعيد أن يكون مخففا من المفتوح لخفة الفتحة، وإن كان قد ms178 ~~جاء عنهم قوله: # وما كل مبتاع ولو سلف صفقه ... براجع ما قد فاته برداد2 # ومن ذلك قراءة عكرمة: "لا ينالهم الله برحمة دخلوا الجنة"3. # وقرأ طلحة بن مصرف4: "برحمة أدخلوا الجنة" أي: فعل ذلك بهم. PageV01P249 # قال أبو الفتح: الذي في هاتين القراءتين خطابهم بقوله سبحانه: "لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون"، وطريق ذلك أن قوله: "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم ~~الله برحمة" الوقف هنا، ثم يستأنف فيقال: "دخلوا الجنة"، أو "أدخلوا الجنة" ~~أي: قد دخلوا أو أدخلوا، وإضمار قد موجود في الكلام نحو قوله: {أو جاءوكم ~~حصرت صدورهم} 1 أي: قد حصرت صدورهم؛ أي: فقد دخلوا الجنة، فقال لهم: {لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ، وقد اتسع عنهم حذف القول كقوله تعالى: ~~{يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم} 2 أي: يقولون لهم: سلام عليكم، وقال ~~الشاعر: # رجلان من ضبة أخبرانا ... إنا رأينا رجلا عريانا3 # أي قالا: إنا رأينا، ولذلك كسر. هكذا مذهب أصحابنا في نحو هذا من إضمار ~~القول. # وقد يجوز أن يكون قوله: {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} قولا مرتجلا لا ~~على تقدير إضمار القول؛ لكن استأنف الله عز وجل خطابهم، فقال: "أدخلوا ~~الجنة"، كما استأنفه تعالى على القراءة المشهورة وهي: {ادخلوا الجنة} . # ومثله من ترك كلام إلى كلام آخر بيت الكتاب، وهو قوله: # ألا يا بيت بالعلياء بيت4 # ألا تراه حمله على أنه نادى البيت، ثم ترك خطابه وأقبل على صاحبه، فقال: ~~بالعلياء بيت، ثم رجع إلى خطاب البيت فقال له: # ولولا حب أهلك ما أتيت # وسألني قديما بعض من كان يأخذ عني، فقال: لم لا يكون "بيت" الثاني تكريرا ~~على الأول PageV01P250 # كقولك: يا زيد زيد، ويكون بالعلياء في موضع الحال من البيت الأول، كما ~~كان قول النابغة: # يا دار مية بالعلياء1 # قوله: "بالعلياء" في موضع الحال؛ أي: يا دار مية عالية مرتفعة، فيكون ~~كقوله: # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام2 # هذا معنى ما أورده بعد أن سددت السؤال ومكنته، فقلت: لا يجوز ذلك هنا؛ ~~وذلك أنه ms179 لو كان البيت الثاني تكريرا على الأول لقال: لولا حب أهلك ما ~~أتيت، فيكون كقولك: يا زيد، لولا مكانك ما فعلت كذا، وأنت لا تقول: يا زيد، ~~ولولا مكانك لم أفعل كذا3، فإذا بطل هذا ثبت ما قاله صاحب الكتاب من كونه ~~كلاما بعد كلام، وجملة تتلو جملة. # وهذا واضح، فقوله على هذا: {لا خوف عليكم} جملة لا موضع لها من الإعراب ~~من حيث كانت مرتجلة، وهي في القول الأول منصوب الموضع على الحال؛ أي: دخلوا ~~الجنة أو أدخلوا الجنة، مقولا لهم هذا الكلام الذي هو: لا خوف عليكم، وحذف ~~القول وهو منصوب على الحال، وأقيم مقامه قوله: "لا خوف عليكم" فانتصب "60ظ" ~~انتصابه، كما أن قولهم: كلمته فاه إلى في منصوب على الحال؛ لأنه ناب عن: ~~جاعلا فاه إلى في، أو لأنه وقع موقع مشافهة التي هي نائبة عن مشافها له. # ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق: "أو نرد "4 بنصب الدال. PageV01P251 # قال أبو الفتح: الذي قبله مما هو متعلق به قوله: {فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا} ، ثم قال: "أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل" فعطف "نرد" على ~~"يشفعوا"، وهو منصوب لأنه جواب الاستفهام وفيه معنى التمني؛ وذلك أنهم قد ~~علموا أنه لا شفيع لهم، وإنما يتمنون أن يكون لهم هناك شفعاء، فيردوا ~~بشفاعتهم، فيعملوا ما كانوا لا يعملونه من الطاعة؛ فيصير به المعنى إلى أنه ~~كأنهم قالوا: إن نرزق شفعاء يشفعوا لنا أو نردد، وتقديره مع رفع نرد على ~~قراءة الجماعة: أن نرزق شفعاء يشفعوا لنا، وإن نردد نعمل غير الذي كنا ~~نعمل. وذلك أنهم مع نصب "نرد" تمنوا الشفعاء وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الرد ~~أيضا وضمنوا عمل ما لم يكونوا يعملونه؛ أي: إن نردد نعمل غير الذي كنا نعمل ~~كأنه قال: أو هل نرد فنعمل. # فأما قوله سبحانه: "يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون"1، فقال فيه ~~أبو الحسن: إنهم إنما تمنوا الرد، وضمنوا ألا يكذبوا، وهذا يوجب النصب لأنه ~~جواب للتمني، قال: إلا أنه ms180 عطف في اللفظ والمراد به الجواب، وشبهه بقول ~~الله سبحانه: "وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم"2 بالجر، قال: فهي في اللفظ معطوفة ~~على المسح، وفي المعنى معطوفة على الغسل، قال ونحو منه: هذا حجر ضب خرب. ~~وقرأها الحسن: "أو تريد فنعمل" فهو على هذه القراءة على أنهم تمنوا إرادته ~~عز وجل إيمانهم وعملهم. # فإن قيل: وكيف يصح تمنيهم إرادته منهم الإيمان، ومعلوم أنه هو المراد ~~منهم لقوله سبحانه: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 3 وغيره من الآي؟ # قيل: يكون معناه إرادة اقتسار لهم على الإيمان لا رد منه تعالى الأمر ~~إليهم فيه، فيكون هذا كقوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} 4 ~~أي: لو شاء مشيئة إلجاء أو إكراه لا عرض وترغيب. # وساغ في هذه القراءة تمنيهم العمل؛ إذ كان بلطف الله -عز وجل- لهم فيه ~~وإعانته إياهم عليه. PageV01P252 # وإن شئت قلت: عطف "نعمل" بالرفع لفظا وهو ينوي أنه جواب؛ أي: إن شاء الله ~~ذلك مشيئة إلجاء عملنا لا محالة، فيعطفه لفظا وهو يريد الجواب على ما مضى. # ومن ذلك قراءة حميد: "يغشى"1 بفتح الياء والشين، ونصب "الليل" ورفع ~~"النهار"2. # قال أبو الفتح: اتصال قوله تعالى: "يغشى الليل النهار" بقوله: "ثم استوى ~~على العرش" اتصال الحال بما قبلها، ويكون هناك عائد منها إلى صاحبها وهو ~~الله تعالى؛ أي: يغشى الليل النهار بأمره أو بإذنه، وحذف العائد كما يحذف ~~من خبر المبتدأ في نحو قولهم: السمن منوان بدرهم؛ أي: منوان منه بدرهم. # ودعانا إلى إضمار هذا العائد أن تتفق القراءتان على معنى واحد؛ ألا ترى ~~إلى قراءة الجماعة: {يغشي الليل النهار} ، وأن هذه الجملة في موضع الحال؛ ~~أي: استوى على العرش مغشيا الليل النهار؛ أي: استوى عليه في هذه الحال ~~"61و". # فقوله إذن: {يطلبه حثيثا} بدل من قوله: "يغشى الليل النهار" للتوكيد، وهو ~~على قراءة الجماعة: "يغشي" أو "يغشي" حال من الليل؛ أي: يغشي الليل النهار ~~طالبا له حثيثا، وحثيثا بدل من طالب أو صفة له؛ لأن طالبا لو كان منطوقا ms181 به ~~حال هناك، والحال عندنا فوصف3 من حيث كانت في المعنى خبرا، والأخبار توصف؛ ~~لكن الصفات عندنا لا توصف. # وإن شئت يكون "حثيثا" حالا من الضمير في يطلبه، وفيه من بعد هذا ما ~~أذكره؛ وذلك أن الفاعل في المعنى من أحد المفعولين في قراءة الجماعة هو ~~الليل؛ لأنه المفعول الأول، كقولك: أعطيت زيدا عمرا، فزيد هو الآخذ وعمرو ~~هو المأخوذ، وأغشيت جعفرا خالدا، فالغاشي جعفر والمغشي هو خالد، والفاعل في ~~قراءة حميد هو النهار؛ لأنه مرفوع: "يغشى الليل النهار"، فالفاعلان ~~والمفعولان جميعا مختلفان على ما ترى. PageV01P253 # ووجه صحة القراءتين جميعا والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، ~~وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضا مزيل له، فكل واحد منهما على ~~هذا فاعل وإن كان مفعولا، ومفعول وإن كان فاعلا. وعلى أن الظاهر في ~~الاستحثاث هنا إنما هو النهار؛ لأنه بسفوره وشروقه قد أظهر أثرا في ~~الاستحثاث من الليل. وبعد، فليس النهار إلا ضوء الشمس، والشمس كائنة محدثة، ~~ولا ضوء قبل أن يخلقها لله جل وعز، فالضوء إذن هو الهاجم على الظلمة، ~~ويطلبه حثيثا، على هذا حال من النهار؛ لأنه هو الأحث منهما. # ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون يطلبه حالا من النهار وإن كان مفعولا، ~~كقولك: ضربت هند زيدا مؤلمة له، فقد يكون مؤلمة حالا لزيد، كما قد يجوز أن ~~يكون حالا من هند؛ وذلك أن لكل واحد منهما في الحال ضميرا. ومثله قول الله ~~تعالى: {فأتت به قومها تحمله} 1، قد يجوز أن يكون "تحمله" حالا منها، ويجوز ~~أن يكون حالا منه، وقد يجوز أيضا أن يكون2 منهما جميعا على قوله: # فلئن لقيتك خاليين لتعلما ... أيي وأيك فارسا الأحزاب؟ 3 # ويجوز أيي وأيك فارس الأحزاب؛ أي: أينا فارس الأحزاب، فكذلك يكون قوله: ~~يطلبه حثيثا، حالا منهما جميعا على ما مضى؛ لأن لهما جميعا فيه ضميرا. ولو ~~كان الآية فأتت به قومها تحمله إليه4 لجاز أن يكون ذلك حالا منها، ومنه ~~ومنهم جميعا؛ لحصول ضمير كل واحد منهم في الجملة ms182 التي هي حال، فاعرف ذلك. # ولعمري إنك إذا قلت: أغشيت زيدا عمرا، فإن العرف أن يكون زيد هو الغاشي ~~وعمرو هو المغشي، إلا أنه قد يجوز فيه قلب ذلك، لكن مع قيام الدلالة عليه، ~~ألا ترى إلى قوله: # فدع ذا ولكن من ينالك خيره ... ومن كان يعطي حقهن القصائدا؟ # أراد: يعطي القصائد حقهن، ثم قدم المفعول الثاني فجعله قبل الأول من حيث ~~كانت القصائد هنا هي الآخذة في المعنى، ونحوه: كسوت ثوبا زيدا، ساغ تقديمه ~~لارتفاع الشك فيه، وليس PageV01P254 # كذلك يغشي "61ظ" الليل النهار؛ من حيث كانا متساويي الحالين في الغشيان، ~~وعلى كل حال فكل واحد منهما غاش لصاحبه. # ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وقتادة وأبي رجاء والجحدري وسهل بن شعيب1: ~~"نشرا"2 بضم النون وجزم الشين. # وقرأ: "بشرا" -بفتح الباء ساكنة الشين- أبو عبد الرحمن بخلاف. # وقرأ: "بشرا" -بالباء مضمومة منونين- ابن عباس والسلمي بخلاف وعاصم ~~بخلاف. # وقرأ: "بشرى" -غير منونة على فعلى- محمد بن السميفع وابن قطيب. # وقرأ: "نشرا" -بفتح النون والشين- مسروق3. # قال أبو الفتح: أما "نشرا" فتخفيف "نشرا"4 في قراءة العامة، والنشر جمع ~~نشور؛ لأنها تنشر السحاب وتستدره، والتثقيل أفصح لأنه لغة الحجازيين، ~~والتخفيف في نحو ذلك لتميم. # وأما "بشرا" فجمع بشير؛ لأنه الريح تبشر بالسحاب. # وأما "بشرا" فمصدر في موضع الحال، كقول الله تعالى: {ثم ادعهن يأتينك ~~سعيا} 5 أي: ساعيات، فكذلك "بشرا" أي: باشرات في معنى مبشرات، يقال: بشرت ~~الرجل أبشره بشرا، فأنا باشر وهو مبشور، وأبشرته أبشره، فأنا مبشر وهو ~~مبشر. وبشرته تبشيرا، فأنا مبشر وهو مبشر. وبشر بالأمر يبشر به، فهو بشر، ~~كفرح به يفرح فرحا، وهو فرح، وأبشر هو أيضا يبشر إبشارا، ومنه المثل ~~السائر: # أبشر بما سرك عيني تختلج6 PageV01P255 # والبشارة: حسن البشرة، قال أبو إسحاق: قيل لما يفرح به بشارة؛ لأن ~~الإنسان إذا فرح حسنت بشرته. # فإن قيل: فإن البشرة قد يبين عليها الحسن تارة والقبح أخرى، فكيف خص به ~~هاهنا حسنها دون قبحها؟ # قيل: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم ms183 الجنس ~~المطلق على جميع أجزائه المختلفة، ألا تراهم قالوا: لفلان خلق فخصوه ~~بالمدح، وإن كان الخلق يكون قبيحا كما يكون حسنا؟ # وقالوا للكعبة: بيت الله، والبيوت كلها لله، فخصوا باسم الجنس أشرف ~~أنواعه. # وقالوا: فلان متكلم، يعنون به صاحب النظر، والناس كلهم متكلمون. # وأما "بشرى" على فعلى فمنصوبة على الحال أيضا؛ أي: مبشرات على ما مضى. # وفي "نشرا" فعلى حذف المضاف؛ أي: ذوات نشر، والنشر أن تنتشر الغنم بالليل ~~فترعى، فهذا على تشيبه السحاب في انتشاره وعمومه من هاهنا ومن هاهنا بالغنم ~~إذا انتشرت للرعي. # ومن ذلك قراءة علي -عليه السلام- وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك ~~وعلقمة والجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء: "ويذرك وإلاهتك"1. # وقرأ: "ويذرك" -بإسكان الراء- الأشهب. # وقرأ: "ويذرك"2 نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف. # قال أبو الفتح: أما "إلاهتك" فإنه عبادتك، ومنه الإله؛ أي: مستحق ~~العبادة، وقد سميت الشمس إلاهة وألاهة3؛ لأنهم كانوا يعبدونها، ويقال: تأله ~~تألها. قال رؤبة: # سبحن واسترجعن من تألهي4 PageV01P256 # أي: عبادتي، ويقال: لاه أبوك، وله أبوك، ولهي أبوك وله أبوك، وفي تصريفها ~~بعض الطول؛ فندعه تخفيفا. # وأما "ويذرك" بالرفع فعلى الاستئناف "62و" أي: فهو يذرك. # وأما "يذرك" بالإسكان فيمن "يذرك"، كقراءة أبي عمرو: "إن الله يأمركم"1. # وحكى أبو زيد: "رسلنا" بإسكان اللام استثقالا للضمة مع توالي الحركات، ~~ولم يسكن أبو عمرو "يأمرهم" كما أسكن "يأمركم"؛ وذلك لخفاء الهاء وخفتها ~~فجاء الرفع على واجبه. وليست الكاف في "يأمركم" بخفيه ولا خفيفة خفة الهاء ~~ولا خفاءها، فثقل النطق بها فحذف ضمتها. # ومن ذلك قراءة الحسن: "إنما طيركم2 عند الله"3. # قال أبو الفتح: الطير جمع طائر في قول أبي الحسن، وفي قول صاحب الكتاب: ~~اسم للجمع، بمنزلة الجامل والباقر غير مكسر. # وروينا عن قطرب في كتابه الكبير أن الطير قد تكون واحدا، كما أن الطائر ~~الذي يقرأ به الجماعة واحد، وعلى أنه قد يكون الطائر جماعا بمنزلة الجامل ~~والباقر. وأنشد ابن الأعرابي: # وبالعثانين وبالحناجر ... كأنه تهتان يوم ماطر # على رءوس كرءوس الطائر4 # ومن ذلك قراءة الحسن: ms184 "عليهم القمل"5 بفتح القاف، وسكون الميم. # قال أبو الفتح: "القمل" هنا: هو هذا المعروف، ولا يجوز أن يكون تحريف ~~القمل، ولا لغة PageV01P257 # فيه، كالجمل والجمل في قراءة من قرأ: "حتى يلج الجمل في سم الخياط"؛ لأن ~~لهذا وجها قائما معروفا، وهو هذا القمل المعروف. # ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: "سأوريكم دار الفاسقين"1. # قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة مردود؛ لأنه سأفعلكم من رأيت، وأصله: ~~سأرئيكم، ثم خففت الهمزة بحذفها وإلقاء حركتها على الراء، فصارت سأريكم. ~~قالوا: وإذن لا وجه لها، ونحو من هذا قراءته أيضا: "ولا أدرأتكم به"، إلا ~~أن له وجها ما، هو أن يكون أراد: "سأريكم" ثم أشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها ~~واوا، فصارت "سأوريكم". # وقد جاء من هذا الإشباع الذي تنشأ عنه الحروف شيء صالح نثرا ونظما، فمن ~~المنثور قولهم: بينا زيد قائم جاء عمرو، إنما يراد بين أوقات زيد قائم جاء ~~فلان، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا. ومثله قول عنترة: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة2 # أراد: ينبع، فأشبع فتحة الباء فنشأت عنها ألف كما ترى، على هذا حمله لنا ~~أبو علي سنة إحدى وأربعين، وقد قال الأصمعي مع ذلك يقال: انباع الشجاع ~~ينباع انبياعا إذا انخرط ماضيا من الصف. # وأخبرنا أبو علي عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: جيء به من حيث وليسا3. # وروى الفراء عن بعضهم أنه سمعه يقول: أكلت لحما شاة، وهو يريد: لحم شاة، ~~فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا، وهو اعتراض بين المضاف والمضاف إليه علي ضيق ~~الوقت وقصره بينهما. ومنه المسموع عنهم في الصياريف والدراهيم4، وأنشدنا ~~أبو علي: PageV01P258 # وأنني حيثما يسري الهوى بصري ... من حوثما سلكوا أثنى فأنظور1 # يريد: فأنظره، فأشبع الضمة فأنشأ عنها واوا، هكذا رواه أبو علي يسري من ~~سريت، ورواه ابن الأعرابي "62 ظ": يشري -بالشين معجمة- أي: يقلق ويحرك ~~الهوى بصري، وما أحسن هذه الرواية وأطرفها! وأنشد غيرهما: # عيطاء جماء العظام عطبول ... كأن في أنيابها القرنفول2 # يريد: القرنفل، فإذا جاز هذا ونحوه نظما ونثرا ساغ أيضا أن يتأول ms185 لقراءة ~~الحسن: "سأوريكم"، أراد: سأريكم وأشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوا، وهو أبو ~~سعيد، والمأثور من فصاحته ومتعالم قوة إعرابه وعربيته! فهذا مع ما فيه من ~~نظائره أمثل من أن يتلقي بالرد صرفا غير منظور له ولا مسعي في إقامته. وزاد ~~في احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ، فمكن الصوت فيه وزاد ~~إشباعه واعتماده، فألحقت الواو فيه لما ذكرنا. # ومن ذلك قراءة مجاهد: "فلا تشمت بي الأعداء"3، وقرأ أيضا: "فلا يشمت بي ~~الأعداء". # قال أبو الفتح: الذي رويناه عن قطرب في هذا أن قراءة مجاهد: "فلا تشمت بي ~~الأعداء" رفع -كما ترى- بفعلهم، فالظاهر أن انصرافه إلى الأعداء، ومحصوله: ~~يا رب، با تشمت أنت بي الأعداء، كقراءة الجماعة. # فأما مع النصب فإنه كأنه قال: لا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال ~~سبحانه: {الله يستهزئ بهم} 4 ونحوه مما يجري هذا المجرى، ثم عاد إلى المراد ~~فأضمر فعلا نصب به الأعداء5، فكأنه قال: لا تشمت بي الأعداء، كقراءة ~~الجماعة. PageV01P259 # ومن ذلك قراءة أبي وجزة السعدي: "هدنا إليك"1. # قال أبو الفتح: أما "هدنا" بضم الهاء مع الجماعة فتبنا، والهود: جمع ~~هائد؛ أي: تائب. # وأما "هدنا" بكسر الهاء في هذه القراءة فمعناه انجذبنا وتحركنا، يقال: ~~هادني يهيدني هيدا؛ أي: جذبني وحركني، فكأنه قال: إنا هدنا أنفسنا إليك2، ~~وحركناها نحو طاعتك. # قال: # ألما عليها فانعياني وانظرا ... أينصتها أم لا يهيدها ذكري # أي: أم لا يهيجها ويهزها ذكري، ومنه قولهم في زجر الإبل: هيد؛ أي: أسرعي. ~~قال ذو الرمة: # إذا حداهن بهيد هيد ... صفحن للأزرار بالخدود3 # ومن ذلك قال ابن رومي4: حدثني أحمد بن موسى، وحدثني الثقة عنه أنه قرأ: ~~"النبي الأمي"5 بفتح الهمزة، يقول: يأتم به من قبله. # قال أبو الفتح: هذا منسوب إلى مصدر أممت الشيء أما، كقولك: قصدته قصدا، ~~ثم أضيف إليه عليه السلام، هذا على هذا التفسير الذي سبق ذكره. # وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد الأمي بضم الهمزة كقراءة الجماعة، ثم لحقه ~~تغيير النسب، ms186 كقولهم في الإضافة إلى أمية: أموى، بفتح الهمزة، وكقولهم في ~~الدهر: دهري، وفي الأمس: إمسي، وفي الأفق: أفقي بفتح الهمزة، وهو باب كبير ~~واسع عنهم. PageV01P260 # ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو1 الأسواري: "أصيب به من أساء"2. # قال أبو الفتح: هذه القراءة أشد إفصاحا بالعدل من القراءة الفاشية التي ~~هي: "من أشاء"؛ لأن العذاب "63و" في القراءة الشاذة مذكور علة الاستحقاق ~~له، وهو الإساءة، والقراءة الفاشية لا يتناول من ظاهرها علة أصابة العذاب ~~له، وأن ذلك لشيء يرجع إلى الإنسان، وإن كنا قد أحطنا علما بأن الله تعالى ~~لا يظلم عباده، وأنه لا يعذب أحدا منهم إلا بما جناه واجترمه على نفسه، إلا ~~أنا لم نعلم ذلك من هذه الآية؛ بل من أماكن غيرها. وظاهر قوله تعالى: {من ~~أشاء} بالشين معجمة ربما أوهم من يضعف نظره من المخالفين أنه يعذب من يشاء ~~من عباده، أساء أو لم يسئ، نعوذ بالله من اعتقاد ما هذه سبيله، وهو حسبنا ~~وولينا. # ومن ذلك قراءة الجحدري وسليمان التيمي وقتادة: "وعزروه"3 خفيفة الزاي. # قال أبو الفتح: مشهور اللغة في ذلك: عزرت الرجل: أي عظمته، وهو مشدد، وقد ~~قالوا: عزرت الرجل عن الشيء بتخفيف الزاي إذا منعته عن الشيء، ومنه سمي ~~الرجل: عزرة؛ فقد يجوز أن يكون "وعزروه" على هذه القراءة؛ أي: منعوه وحجزوا ~~ذكره عن السوء، كقوله: سبحان الله، ألا ترى أن أبا الخطاب فسره فقال: براءة ~~الله من السوء؟ فبرأته من الشيء وحجزته عنه بمعنى واحد. # ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن سليمان: "عشرة"4، وقرأ "عشرة" بفتح ~~الشين بخلاف. # قال أبو الفتح: أما "عشرة" بكسر الشين فتميمية، وأما إسكانها فحجازية. # واعلم أن هذا موضع طريف؛ وذلك أن المشهور عن الحجازيين تحريك الثاني من ~~الثلاثي إذا كان مضموما أو مكسورا، نحو: الرسل والطنب والكبد والفخذ، ونحو: ~~ظرف وشرف وعلم وقدم. وأما بنو تميم فيسكنون الثاني من هذا ونحوه، فيقولون: ~~رسل وكتب وكبد وفخذ، وقد ظرف وقد علم، لكن القبيلتين جميعا فارقتا في هذا ~~الموضع من العدد ms187 معتاد لغتهما، وأخذت كل PageV01P261 # واحدة منهما لغة صاحبتها وتركت مألوف اللغة السائرة عنها، فقال أهل ~~الحجاز: اثنتا عشرة بالإسكان، والتميميون عشرة بالكسرة. # وسبب ذلك ما أذكره؛ وذلك أن العدد موضع يحدث معه ترك الأصول، وتضم فيه ~~الكلم بعضه إلى بعض، وذلك من أحد عشر إلى تسعة عشرة، فلما فارقوا أصول ~~الكلام من الإفراد وصاروا إلى الضم فارقوا أيضا أصول أوضاعهم ومألوف ~~لغاتهم، فأسكن من كان يحرك، وحرك من كان يسكن، كما أنهم لما حذفوا هاء ~~حنيفة للإضافة حذفوا معها الياء، فقالوا: حنفي، ولما لم يكن في حنيف هاء ~~تحذف فتحذف لها الياء قالوا فيه: حنيفي، كقولهم: الجاه، وأصله عندنا الوجه، ~~فقلبوه فقدموا العين على الفاء، وكان قياسه أن يقولوا: جوه، إلا أنهم لما ~~قلبوا شجعوا عليه فغيروا بناءه. فأصاروه من جوه إلى جوه، فانقلبت الواو ~~التي هي فاء في موضع العين ألفا لانفتاح ما قبلها وحركتها، فصارت جاه كما ~~ترى. # وحسن ذلك لهم أيضا ما أذكره؛ وهو أنهم قد علموا أنهم إذا حركوا الواو ~~وقبلها فتحة انقلبت ألفا وهي "63ظ" ساكنة كما تعلم أبدا، فصار عودهم إلى ~~سكون الحرف مسوغا لهم تحريكه المؤدي إلى سكونه، حتى كأنهم لم يحدثوا في ~~الحروف حدثا. # فإن قيل: فهلا أقروا الواو على سكونها، واستغنوا بذلك عن تحريكها المؤدي ~~إلى سكون الحرف المنقلب عنها وهو الألف. # قيل: الذي فعلوه أصنع؛ وذلك أنهم إذا قلبوه ألفا صار بمنزلة وجود الحركة ~~فيه؛ لأن الألف في نحو هذا لا تنقلب إلا عن حركة وهي مع هذا ساكنة، فاجتمع ~~لهم في الألف أمران: # أحدهما: تحريك الساكن لما عرض لهم هناك في القلب على عادتهم في إلحاق ~~التحريف1 بعضه ببعض. # والآخر: سكون الألف لفظا مع ما قدمناه من اعتقاد تحريكها معنى. # وإذا أدى الحرف الساكن مع خفته تأدية المحرك على ثقله، فتلك صنعة مأنوس ~~بها معتمد مثلها، وما لحقه تغيير ما فدعا ذاك إلى إلحاقه تغييرا ثانيا كثير ~~في اللغة جدا، ألا ترى إلى أحد قولي سيبويه في أينق: إن ms188 الياء فيها بدل من ~~الواو التي هي عين في أصل الكلمة؛ وذلك أن أصلها أنوق، وقد حكاها الفراء ~~فيما رويناه عنه، فقدمت العين على الفاء فصار تقديرها أونق، فلما تقدمت ~~العين على الفاء فتوهنت بذلك قلبوها ياء فقالها: أينق، وكذلك لما أعلوا ~~PageV01P262 # فاء الفعل من اتقى بأن أبدلوها تاء وأدغموها في تاء افتعل أعلوها أيضا ~~بالحذف، فقالوا: تقى يتقي. ومثله ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر1: # قصرت له القبيلة إذا تجهنا ... وما ضافت بشدته ذراعي # فيمن رواه بفتح الجيم2، ألا ترى أن وزنه افتعلنا من الوجه اوتجهنا، فلما ~~أبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء افتعل فصارت اتجه، شجعوا على أن حذفوها أيضا ~~فقالوا: تجه؟ فوزن تجه الآن على لفظه تعل، ومضارعه يتجه، ومثاله يتعل، ~~وكذلك تقى فعل، والجاه وزنه على اللفظ بسكون الألف عفل، وهو قبل القلب عفل؛ ~~لأنه صار من جوه إلى جوه، وأصله الأول فعل لأنه وجه، ولولا إشفاقي من ~~الإطالة لبسطت هذا ونحوه بسطا يونق عارفيه وأهله، وفيما ذكرنا دليل على ما ~~أغفل. # وأما "اثنتا عشرة" بفتح الشين فعلى وجه طريف؛ وذلك أن قوله: "اثنتي" يختص ~~بالتأنيث، و"عشرة" بفتح الشين تختص بالتذكير، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه. ~~وأقرب ما تصرف هذه القراءة إليه أن يكون شبه اثنتي عشرة بالعقود ما بين ~~العشرة إلى المائة، ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون، فتجد فيه لفظ التذكير ~~ولفظ التأنيث؟ أما التذكير فالواو والنون، وأما التأنيث فقولك: ثلاث من ~~ثلاثون؛ ولذلك صلحت ثلاثون إلى التسعين للمذكر والمونث فقلت: ثلاثون رجلا ~~وثلاثون امرأة، وتسعون غلاما وتسعون جارية، فكذلك أيضا هذا الموضع. # ألا تراه قال تعالى: {اثنتي عشرة أسباطا أمما} ؟ 3 ف"أسباطا" يؤذن ~~بالتذكير، و"أمم" يؤذن بالتأنيث، وهذا واضح. # وحسن تشبيه اثنتي عشرة "64و" برءوس العقود دون المائة من حيث كان إعراب ~~كل واحد منهما بالحرف لا بالحركة، وذلك اثنتا عشرة واثنتي عشرة، فهذا نحو ~~من قولهم: عشرون وعشرين، وخمسون وخمسين، وتسعون وتسعين، فافهمه. # ومما يدلك على أن ضم أسماء العدد بعضها ms189 إلى بعض يدعو إلى تحريفها عن عادة ~~استعمالها قولهم: أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة، وكان قياس أربع وأربعة ~~وخمس وخمسة أن يكون PageV01P263 # هذا أحد وأحدة، أفلا ترى إلى إحدى -وهي فعلى وأصلها وحدى- كيف عاقبت في ~~المذكر فعلا، وهو أحد وأصله وحد؟ # فأما إحدى وعشرون إلى التسعين فإنه لما سبق التحريف إليها في إحدى عشرة ~~ثبت فيها فيما بعد. # ومن ذلك ما رواه قتادة عن الحسن: "وقولوا حطة"1 بالنصب. # قال أبو الفتح: هذا منصوب عندنا على المصدر بفعل مقدر؛ أي: احطط عنا ~~ذنوبنا حطة. # قال: # واحطط إلهي بفضل منك أوزاري # ولا يكون "حطة" منصوبا بنفس قولوا؛ لأن قلت وبابها لا ينصب المفرد إلا أن ~~يكون ترجمة الجملة، وذلك كأن يقول إنسان:" لا إله إلا الله، فتقول أنت قلت: ~~حقا؛ لأن قوله: لا إله إلا الله حق، ولا تقول: قلت زيدا ولا عمرا، ولا قلت ~~قياما ولا قعودا، على أن تنصب هذين المصدرين بنفس قلت لما ذكرته. # ومن ذلك قراءة شهر بن حوشب2 وأبي نهيك3: "يعدون في السبت"4. # قال أبو الفتح: أراد يعتدون، فأسكن التاء ليدغمها في الدال، ونقل فتحتها ~~إلى العين، فصار يعدون، وقد مضى مثله في يخصف5. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وأبي عبد الرحمن والحسن واختلف عن نافع: ~~"بعذاب بيس"6 فعل بلا همز، و"بئس" وهي قراء السلمي بخلاف، ويحيى وعاصم ~~بخلاف، PageV01P264 # والأعمش بخلاف، وعيسى الهمداني. # "بيئس" مثل فيعل ابن عباس وعاصم بخلاف. # "بيئس" طلحة بن مصرف. # وقرأ أبو رجاء: "بائس "، و"بيس" وزن فعل. # وقراءة نصر بن عاصم وجؤية1 بن عائذ: و"بأس"2 وروي عن مالك بن دينار أيضا. # و"بيس" وزن فعل، يروى عن نصر بن عاصم أيضا. # و"بئس " وزن فعل قراءة زيد بن ثابت و"بئس". # ومما رويت عن الحسن و"بيس "، ورويت عن نافع أيضا. # قال أبو الفتح: أما "بيس" بغير همز على وزن فعل فيحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون أراد مثال فعل، فيكون كما جاء من الأوصاف على فعل، نحو: ~~نضو3 ونقض4 وحلف، وأصله الهمز كقراءة من قرأ ms190 "بئس" بالهمز، إلا أنه خفف ~~فأبدل ياء فصارت "بيس" كبير وذيب، فيمن خفف. # والآخر: أن يكون أراد فعلا، فأصله بئس كمطر وحذر، ثم أسكن ونقل الحركة من ~~العين إلى الفاء كالعبرة فيما كان على فعل وثانيه حرف الحلق كفخذ ونغر5 ~~وجئز6، فصار إلى بئس، ثم خفف فقال: بيس، على ما مضى. # وأما "بئس" على فعل فجاء على قولهم: قد بئس الرجل بآسة: إذا شجع، فكأنه ~~عذاب مقدم عليهم وغير متأخر عنهم. # وقد يجوز أيضا أن يكون "بئس" مقصورا من بئيس كالقراءة "64ظ" الفاشية، كما ~~قالوا في لبيق: لبق، وفي سيمج سمج. # وأما "بيئس" على فيعل ففيه النظر؛ وذلك أن هذا البناء مما يختص به ما كان ~~معتل العين كسيد وهين ودين ولين، ولم يجئ في الصحيح، وكأنه إنما جاء في ~~الهمزة لمشابهتها حرفي العلة، والشبه بينها وبينهما من وجوه كثيرة. ~~PageV01P265 # وأما "بيس" في وزن جيش فطريق صنعته أنه أراد بئس، فخفف الهمزة فصارت بين ~~بين؛ أي: بين الهمزة والياء، فلما قاربت الياء ثقلت فيها الكسرة فأسكنها ~~طلبا للاستخفاف، فصارت في اللفظ ياء، كما خففوا نحو صيد البعير، فقالوا: ~~صيد وإن كنت العين في صيد ياء محضة وكانت في بئس همزة مخففة، إلا أنه شبهها ~~بياء صيد لما ذكرنا من مقاربتها في اللفظ الياء، ونحو من ذلك قول ابن ~~ميادة: # فكان يوميذ لها حكمها # أراد: يومئذ، فخفف فصارت الهمزة بين بين وأشبهت الياء فأسكنها، فقال: ~~"يوميذ"، فهذا كبيس على ما ترى. # وقد يجوز أن يكون أراد تخفيف بيئس، فصارت بيس ثم أسكن تخفيفا، كقولهم في ~~علم: علم، وفي كلمة: كلمة، وفي فخذ: فخذ، ومثال بيس على هذا فيل. # فأما "بائس" فاسم الفاعل من بئس على ما قدمنا ذكره. # وأما "بيس"1 فطريف، وظاهر أمره أن يكون جاء على ماض مثاله فيعل كهينم2، ~~ثم خففت الهمزة فيه وألقيت حركتها على الياء فصار بيس، وجاز اعتقاد هذا ~~الفعل وإن لم يظهر كأشياء تثبت تقديرا ولا تبرز استعمالا. # وأما "بيس" بتشديد الياء وكسرها، فليس على ms191 فعل كما ظن ابن مجاهد؛ بل هو ~~على فيعل تخفيف بيئس على قول من قال من تخفيف سوءة: سوة، وفي تخفيف شيء: ~~شي، فأبدل الهمزة على لفظ ما قبلها، وعليه قول الشاعر: # يعجل ذا القباضة الوحيا ... أن يرفع المئزر عنه شيا3 # فصار بيس كما ترى. # وأما "بأس" فتخفيف بئس، كقولك في سئم: سأم، وفي علم علم. # وأما "بيس" فالعمل فيه من تخفيف الهمزة ثم إسكانها فيما بعد كالعمل في ~~"بيس" وهو يريد الاسم، وقد مضى ذلك. PageV01P266 # وأما "بئس" فعلى الإتباع مثل: فخذ وشهد. قال أبو حاتم في قراءة بعضهم: ~~"بئيس"، فهذا في الصفة بمنزلة حذيم1 فعيل، وكذا مثله أبو حاتم أيضا. # وحكى أبو حاتم أيضا "بئيس" كشعير وبعير، فكسر أوله لكسر الهمزة بعده. # وحكى أيضا فيها "بئس" فعل، وأنكرها فردها ألبتة، وأنكر قراءة الحسن: ~~"بئس" وقال: لو كان كذا لما كان بد معها من "ما" بئسما كنعم ما. # ومن ذلك قراءة زهير عن خصيف: "من ظهورهم ذريئتهم"2 واحدة مهموزة. # قال أبو الفتح: هذا يمنع من تأول الذرية فيمن لم يهمز أنها من الذر أو من ~~ذروت أو من ذريت، ويقطع بأنها من ذرأت؛ أي: خلقت. # فإن قلت: فهلا أجزت أن تكون من الذر وجعلتها فعلية غير أنها همزت كما وجد ~~بخط الأصمعي: قطا جؤني3. # قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يسمع أصلا، فضلا عن "65و" أن يتخذ قياسا. # ومن ذلك قراءة السلمي: "وادارسوا ما فيه"4، وعباس عن الضبي عن الأعمش: ~~"وادكروا ما فيه". # قال أبو الفتح: "ادارسوا" تدارسوا، كقوله: "اداركوا"5، والعمل فيهما ~~واحد، وقد تقدم. PageV01P267 # وأما "وادكروا" فأراد تذكروا، وهذا كقوله تعالى: {قالوا اطيرنا} 1. # ومن ذلك قراءة السلمي: "إيان مرساها"2 بكسر الهمزة. # قال أبو الفتح: أما "أيان" بفتح الهمزة ففعلان، وبكسرها فعلان، والنون ~~فيهما زائدة حملا على الأكثر في زيادة النون في نحو ذلك. # فإن قيل: فهلا جعلتها فعالا من لفظ أين، قيل: يمنع من ذلك أن أيان ظرف ~~زمان وأين ظرف مكان؛ لكنها ينبغي أن تكون من لفظ "أي"؛ ms192 لما ذكرناه من ~~اعتبار زيادة النون في نحو هذا. # ولأن "أيا" استفهام كما أن "أيان" استفهام، وأن "أي" أين كانت فهي بعض من ~~كل، والبعض لا يخص زمانا من مكان ولا جوهرا من حدث، فحملها على "أي" أولى ~~من حملها على أين. # وقد كنا قلنا في أي هذه: إنها من لفظ أويت ومعناه. # أما اللفظ فلأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت وعييت. # وأما المعنى فلأن البعض آو إلى الكل ومتساند إليه، فهي إذن من قوله: # يأوي إلى ملط له وكلكل3 # يصف البعير يقول: إنه يتساند بعضه إلى بعض، فهو أقوى له، فأصلها على هذا ~~أوي، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت أي، كقولك: طويت الكتاب طيا، ~~وشويت اللحم شيا. # ولو سمت رجلا بأيان، فتحت الهمزة أو كسرتها، لم تصرفه معرفة؛ لأنها ~~كحمدان وعمران، وإن كسرت ذلك الاسم على سرحان وسراحين وحومانة4 وحوامين ~~قلت: أوايين، فظهرت الواو التي هي عين أويت، كقولك في تكسير ريان أو جمعه ~~على مثال مفاعيل: روايين، تظهر الواو التي هي عينه لزوال علة القلب عنها. ~~PageV01P268 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "كأنك حفي بها"1. # قال أبو الفتح: ذهب أبو الحسن في قوله: {يسألونك كأنك حفي عنها} إلى أن ~~تقديره: يسألونك عنها كأنك حفي بها، فأخر "عن" وحذف الجار والمجرور للدلالة ~~عليهما، فهذا الذي قدره أبو الحسن قد أظهره ابن عباس، وحذف "عنها" لدلالة ~~الحال عليها، ألا ترى أنه إذا كان حفيا بها فمن العرف وجاري عادة الاستعمال ~~أن يسأل عنها، كما أنه إذا سئل عنها فليس ذلك إلا لحفاوته بها؟ وإذا لم يكن ~~بها حفيا لم يكن عنها مسئولا، وكل واحد من حرفي الجر دل عليه ما صحبه فساغ ~~حذفه، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "فمرت به"2 خفيفة. # قال أبو الفتح: أصله "فمرت به" مثقلة، كقراءة الجماعة، غير أنهم قد حذفوا ~~نحو هذا تخفيفا لثقل التضعيف. وحكى ابن الأعرابي فيما رويناه عنه فيما ~~أحسب: ظنت زيدا يفعل كذا، ومنه قوله تعالى: {وقرن ms193 في بيوتكن} 3 فيمن أخذه ~~من القرار لا من الوقار، وهذا الحذف في المكسور أسوغ؛ لأنه اجتمع فيه مع ~~"65ظ" التضغيف الكسرة، وكلاهما مكروه، وهو قوله تعالى: {ظلت عليه عاكفا} 4 ~~أي: ظللت، وقالوا: مست يده: أي مسستها. وقال أبو زبيد: # خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس5 # أراد: أحسسن، وهذا وإن كان مفتوحا فإنه قد حمل الهمزة والزائدة، فازداد ~~ثقلا. PageV01P269 # وقرأ: "فمارت به" بألف عبد الله بن عمرو، وهذا من مار يمور: إذا ذهب ~~وجاء، والمعنى واحد، ومنه سمي الطريق مورا للذهاب والمجيء عليه، ومنه ~~المور: التراب لذلك. # وقرأ ابن عباس: "فاستمرت به "1، ومعناه: مرت مكلفة نفسها ذلك؛ لأن استفعل ~~إنما يأتي في أكثر الأمر لمعنى الطلب؛ كقولك: استطعم أي: طلب الطعم، ~~واستوهب: طلب الهبة، والباب على ذلك. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادا"2 نصب، ~~"أمثالكم " نصب. # قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن تكون إن هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ~~ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم، فأعمل إن إعمال "ما"، وفيه ضعف؛ ~~لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص "ما" به، فتجري مجرى ليس في العمل، ~~ويكون المعنى: إن هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هي حجارة أو خشب، فهم ~~أقل منكم لأنكم أنت عقلاء ومخاطبون، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟ # فإن قلت: ما تصنع بقراءة الجماعة: {إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم} ؟ فكيف يثبت في هذه ما نفاه في هذه؟ # قيل: يكون تقديره أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون، فسماهم ~~عبادا على تشبيههم في خلقهم بالناس3، كما قال: {والنجم والشجر يسجدان} 4، ~~وكما قال: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} 5 أي: تقوم الصنعة فيه مقام تسبيحه. ~~PageV01P270 # ومن ذلك قراءة الجحدري: "يمادونهم"1. # قال أبو الفتح: هو يفاعلونهم من أمددته بكذا، فكأنه قال: يعاونونهم. # ومن ذلك قراءة أبي مجلز2: "بالغدو والإيصال"3 بكسر الألف. # قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا فنحن مؤصلون؛ أي: دخلنا ms194 في وقت الأصيل. قال ~~أبو النجم: # فصدرت بعد أصيل المؤصل PageV01P271 ### | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن ~~علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة1 بن مصرف: "يسألونك الأنفال"2. # قال أبو الفتح: هذه القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى التي ~~هي: {عن الأنفال} ، وذلك أنهم إنما سألوه عنها تعرضا لطلبها، واستعلاما ~~لحالها: هل يسوغ طلبها؟ # وهذه القراءة بالنصب إصراح بالتماس الأنفال، وبيان عن الغرض في السؤال ~~عنها، فإن قلت: فهل يحسن أن تحملها على حذف حرف الجر حتي كأنه قال3: ~~يسألونك عن الأنفال، فلما حذف عن نصب المفعول، كقوله: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به4 # قيل: هذا شاذ، إنما يحمله الشعر، فأما "66و" القرآن فيختار له أفصح ~~اللغات، وإن كان قد جاء: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} 5 و {واقعدوا لهم ~~كل مرصد} 6 فإن الأظهر ما قدمناه. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين"7 يصل ضمة ~~الهاء بالحاء ويسقط الهمزة. PageV01P272 # قال أبو الفتح: هذا حذف على غير قياس، ومثله قراءة ابن كثير: "إنها لحدى ~~الكبر"1، وقد ذكرنا نحوه، وهو ضعيف القياس، والشعر أولى به من القرآن. # ومن ذلك قراءة مسلمة2 بن محارب: "وإذ يعدكم الله"3 بإسكان الدال. # قال أبو الفتح: أسكن ذلك لتوالي الحركات وثقل الضمة، وقد ذكرنا قبله ~~مثله. # ومن ذلك قراءة رجل من أهل مكة، زعم الخليل أنه سمعه يقرأ: "مردفين"4، ~~واختلفت الرواية عن الخليل في هذا الحرف، فقال بعضهم: "مردفين"، وقال آخر: ~~"مردفين". # قال أبو الفتح: أصله "مرتدفين" مفتعلين من الردف5، فآثر إدغام التاء في ~~الدال، فأسكنها وأدغمها في الدال، فلما التقى ساكنان -وهما الراء والدال- ~~حرك الراء لالتقاء الساكنين، فتارة ضمها إتباعا لضمة الميم، وأخرى كسرها ~~إتباعا لكسرة الدال. # ومثله {وجاء المعذرون} 6، ومن كسر الراء فلالتقاء الساكنين، وعليه جاء: ~~{وجاء المعذرون} ، ويجوز فيهما أن تنقل حركة الحرف الساكن على الساكن قبله ~~فيقول: "مردفين"، "وجاء المعذرون" مفعلين من ms195 الاعتذار، على قولهم: عذر في ~~الحاجة: أي قصر، وأعذر: تقدم. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "أمنة نعاسا"7 بسكون الميم. PageV01P273 # قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون "أمنة" مخففا من "أمنة" كقراءة الجماعة، ~~من قبل أن المفتوح في نحو هذا لا يسكن كما يسكن المضموم في المكسور لخفة ~~الفتحة. وأما قوله: # وما كل مبتاع ولو سلف صفقه # براجع ما قد فاته برداد1 # قال أبو الفتح: فشاذ على أننا قد ذكرنا وجه الصنعة في كتابنا الموسوم ~~بالمنصف2. # ومن ذلك قراءة الناس: {ماء ليطهركم به} 3، وقرأ الشعبي4: "ما ليطهركم به" ~~على معنى: الذي به. # قال أبو الفتح: "ما" هاهنا موصولة، وصلتها حرف الجر بما جره، وكأنه قال: ~~ما للطهور، كقولك: كسوته الثوب الذي لدفع البرد، ودفعت إليه المال الذي ~~للجهاد، واشتريت الغلام الذي للقتال. # ألا ترى أن تقديره: وينزل عليكم من السماء الماء الذي لأن يطهركم به؛ أي: ~~الماء الذي لطهارتكم أو لتطهيركم به. وهذه اللام في قراءة الجماعة: {ماء ~~ليطهركم به} هي لام المفعول له، كقوله: زرتك لتكرمني، وهي متعلقة بزرتك، ~~ولا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر. # فهي كقوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله} 5، فهي كما ~~ترى متعلقة بنفس "فتحنا" تعلق حرف الجر بالفعل قبله. # وأما اللام في قراءة من قرأ: "ما ليطهركم به" أي: الذي للطهارة به، ~~فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له؛ أي: استقر أو ثبت6 له، ~~وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. # وأما لام المفعول له فلا تكون إلا متعلقة بالظاهر نحو: زرته ليكرمني ~~وأعطيته ليشكرني، أو بظاهر يقوم مقام الفعل كقولك: المال لزيد لينتفع به، ~~فاللام في لزيد متعلقة بمحذوف على ما مضى، والتي في قولك: لينتفع به هي لام ~~المفعول له "66ظ"، وهي متعلقة بنفس قولك: PageV01P274 # لزيد، تعلقها بالظرف النائب عن المحذوف في نحو قولك: أزيد عندك لتنتفع ~~بحضوره؟ وزيد بين يديك ليؤنسك. # فاللام هنا متعلقة بنفس الظرفين اللذين هما عندك وبين يديك. # وعلى كل حال، فمعنى القراءة بقوله: {ماء ليطهركم به} ، والقراءة بقوله: ms196 ~~"ما ليطهركم به" يرجعان إلى شيء واحد، إلا أن أشدهما إفصاحا بأن الماء أنزل ~~للتطهر به هي قراءة من قرأ: {ماء ليطهركم به} ؛ لأن فيه تصريحا بأن الماء ~~أنزل للطهارة، وتلك القراءة الشاذة إنما يعلم أنه أنزل للطهارة به، ~~فالقراءة الأخرى وبغيرها مما فيه إصراح بذلك. # وعلى كل حال، فلام المفعول له لا تتعلق بمحذوف أبدا، إنما تعلقها ~~بالظاهر، فعلا كان أو غيره مما يقام مقامه. # ومن ذلك قراءة أبي العالية1: "رجس الشيطان"2 بالسين. # قال أبو الفتح: كل شيء يستقذر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه. # وفيما قرئ على أبي العباس أحمد بن يحيى3 قال: الرجس في القرآن: العذاب ~~كالرجز، ورجس الشيطان: وسوسته وهمزه ونحو ذلك من أمره، والرجز: عبادة ~~الأوثان، ويقال: هو إثم الشرك كله. # وقرئ: "والرجز والرجز"4 جميعا "فاهجر"، قال: وقال بعضهم: أراد به الصنم. ~~قال: وكل عذاب أنزل على قوم فهو رجز، ووسواس الشيطان رجز، وقد ترى إلى ~~تزاحم السين والزاي في هذا الموضع، فقراءة الجماعة: {رجز الشيطان} معناه ~~كمعنى رجس الشيطان. PageV01P275 # وقد نبهنا في كتابنا المعروف بالخصائص1 من هذه الطريق في تزاحم الحروف ~~المتقاربة ما في بعضه كل مقنع بمشيئة الله. # ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "بين المر وقلبه"2. # قال أبو الفتح: وجه الصنعة في هذا أنه خفف الهمزة في "المرء" وألقى ~~حركتها على الراء قبلها، فصارت "بين المر وقبله"، ثم نوى الوقف فأسكن وثقل ~~الراء على لغة من قال في الوقف: هذا خالد وهو يجعل، ثم أطلق ووصل على نية ~~الوقف، فأقر التثقيل بحاله على إرادة الوقف، وعليه قوله، أنشدناه أبو علي: # ببازل وجناء أو عيهل3 # يريد: العيهل، فنوى الوقف فثقل، ثم أطلق وهو يريد الوقف، ومثله ما قرأنا ~~على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى: # ومقلتان جونتا المكحل4 # يريد: المكحل. وأول هذه القصيدة: # ليث شبابي عاد للأول ... وغض عيش قد خلا أرغل5 # وفيها أشياء من هذا الطراز كثيرة، فكذلك "المر" على هذا. # وقراءة الجماعة من بعد أقوى وأحسن؛ لأن هذا ms197 من أغراض الشعر لا القرآن. ~~PageV01P276 # ومن ذلك قراءة العامة: {لا تصيبن الذين ظلموا} 1، وقراءة علي وزيد بن ~~ثابت وأبي جعفر محمد بن علي2 والربيع بن أنس وأبي العالية وابن جماز3: ~~"لتصيبن". # قال أبو الفتح: معنيا هاتين القراءتين ضدان كما ترى؛ لأن إحداهما: {لا ~~تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ، والأخرى: "لتصيبن" هؤلاء بأعيانهم خاصة. ~~وإذا تباعد معنيا قراءتين هذا التباعد وأمكن أن يجمع بينهما كان ذلك جميلا ~~وحسنا، ولا يجوز أن يراد زيادة "لا" من قبل أنه كان "67و" يصير معناه: ~~واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول ~~النون، ألا تراك لا تقول: ضربت رجلا يدخلن المسجد؟ هذا خطأ لا يقال؛ ولكن ~~أقرب ما يصرف إليه الأمر في تلافي معنى القراءتين أن يكون يراد: لا تصيبن، ~~ثم يحذف الألف من "لا" تخفيفا واكتفاء بالفتحة منها، فقد فعلت العرب هذا في ~~أخت "لا" وهي أما. # من ذلك ما حكاه محمد بن الحسن من قول بعضهم: أم والله ليكونن كذا، فحذف ~~ألف أما تخفيفا، وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابي وغيرهما: # فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو اني4 # يريد: بلهفا، فحذف الألف، وذهب أبو عثمان في قوله الله سبحانه: {يا أبت} ~~5 -فيمن فتح التاء- أنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف تخفيفا، وأنشدوا: # قد وردت من أمكنه ... من هاهنا ومن هنه # إن لم أروها فمه6 # يريد: إن لم أروها فما أصنع؟ أو فما مغناي؟ أو فما مقداري؟ فحذف الألف، ~~وألحق الهاء لبيان الحركة، وروينا عن قطرب7. PageV01P277 # فعلى هذا يجوز أن يكون أراد بقوله: "لتصيبن": لا تصيبن، فحذف ألف "لا" ~~تخفيفا من حيث ذكرنا. # فإن قلت: فهل يجوز أن يحمله على أنه أراد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، ~~ثم أشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا كالأبيات التي أنشدتها قبل هذا الموضع، ~~نحو قوله: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة1 # وهو يريد: ينبع. # قيل: يمنع من هذا المعنى، وهو قوله تعالى يليه: {واعلموا أن الله شديد ~~العقاب} . فهذا الإغلاظ ms198 والإرهاب أشبه بقراءة من قرأ: {لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة} من أن يكون معناه: إنما تصيب الذين ظلموا خاصة. # فتأمل ذلك؛ فإنه يضح لك بمشيئة الله. # ومن ذلك ما روي عن عاصم أنه قرأ: "وما كان صلاتهم عند البيت" نصبا "إلا ~~مكاء وتصدية"2 رفعا، رواه عبيد الله3 عن سفيان4 عن الأعمش5 أن عاصما قرأ ~~كذلك. PageV01P278 # قال الأعمش: وإن لحن عاصم تلحن أنت؟! وقد روي هذا الحرف أيضا عن أبان1 بن ~~تغلب أنه قرأ كذلك. # قال أبو الفتح: لسنا ندفع أن جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح، فإنما ~~جاءت منه أبيات شاذة، وهو في ضرورة الشعر أعذر، والوجه اختيار الأفصح ~~الأعرب، ولكن من وراء ذلك ما أذكره. # اعلم أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد ~~بالباب، فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما؟ ~~وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسدا واحدا معينا، وإنما تريد: خرجت فإذا ~~بالباب واحد من هذا الجنس، وإذا كان كذلك جاز هنا الرفع في {مكاء وتصدية} ~~جوازا قريبا، حتى كأنه قال: وما كان صلاتهم عند البيت إلا المكاء والتصدية؛ ~~أي: إلا هذا الجنس من الفعل، وإذا كان كذلك لم يجر هذا مجرى قولك: كان قائم ~~أخاك، وكان جالس أباك؛ لأنه ليس في جالس وقائم من معنى الجنسية التي تلاقى ~~معنيا "67ظ" نكرتها ومعرفتها على ما ذكرنا وقدمنا. # وأيضا فإنه يجوز مع النفي من جعل اسم كان وأخواتها نكرة ما لا يجوز مع ~~الإيجاب، ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيرا منك، ولا تجيز: كان إنسان خيرا ~~منك؟ فكذلك هذه القراءة أيضا، لما دخلها النفي قوي وحسن جعل اسم كان نكرة، ~~هذا إلى ما ذكرناه من متشابهة نكرة اسم الجنس لمعرفته؛ ولهذا ذهب بعضهم في ~~قول حسان: # كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء2 # إنه إنما جاز ذلك من حيث كان عسل وماء هما جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجها ~~العسل والماء، فبهذا تسهل هذه ms199 القراءة، ولا يكون من القبح واللحن الذي ذهب ~~إليه الأعمش على ما ظن. PageV01P279 # ومن ذلك قراءة الناس {بالعدوة} 1 و"العدوة" بالضم والكسر. وقرأ: ~~"بالعدوة" قتادة2 والحسن3 وعمرو، واختلف عنهم. # قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ثالثة، كقولهم: في اللبن رغوة ورغوة ~~ورغوة. ولها نظائر مما جاءت فيها فعلة وفعلة وفعلة، منه قولهم: له صفوة ~~مالي وصفوته وصفوته، روى ذلك أبو عبيدة. ومثله أوطأته عشوة4 وعشوة وعشوة، ~~روى ذلك أبو عبيدة وابن الأعرابي. # وروى الكسائي: كلمته بحضرة فلان وحضرته، وحكى ابن الأعرابي: غشوة وغشوة ~~وغشوة، وغلظة وغلظة وغلظة. وقالوا: شاة لجبة5 ولجبة ولجبة، وربوة6 وربوة ~~وربوة، فكذلك تكون أيضا العدوة والعدوة والعدوة. وروى ابن الأعرابي أيضا: ~~المدية والمدية والمدية، بالفتح. # ومن ذلك ما يروى عن الأعمش أنه قرأ: "فشرذ بهم من خلفهم "7 بالذال معجمة. # قال أبو الفتح: لم يمرر بنا في اللغة تركيب ش ر ذ، وأوجه ما يصرف إليه ~~ذلك أن تكون الذال بدلا من الدال، كما قالوا: لحم خرادل وخراذل8، والمعنى ~~الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان. # ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلي: "فاجنح لها"9 بضم النون. PageV01P280 # قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنح يجنح، وهي في طريق ركد يركد، وقعد يقعد، ~~وسفل يسفل في قربها ومعناها. ويؤكد ذلك أيضا ضرب من القياس؛ وهو أن جنح غير ~~متعد، وغير المتعدي الضم أقيس فيه من الكسر، فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس؛ ~~وذلك أن يفعل بابه لما ماضيه فعل نحو: شرف يشرف، ثم ألحق به قعد. وباب يفعل ~~بابه لما يتعدى نحو: ضرب يضرب، فضرب يضرب إذن أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد ~~يقعد أقيس من جلس يجلس. وقد تقصيت هذه الطريق في كتابي المنصف1. # ومن ذلك قراءة ابن جماز: "والله يريد الآخرة"2 يحملها على عرض الآخرة. # قال أبو الفتح: وجه جواز ذلك على عزته وقلة نظيره أنه لما قال: "تريدون ~~عرض الدنيا"، فجرى ذكر العرض فصار كأنه أعاده ثانيا فقال: عرض الآخرة "68و" ~~ولا ينكر نحو ذلك. # ألا ms200 ترى إلى بيت الكتاب: # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا3 # وأن تقديره: وكل نار؟ فناب ذكره "كلا" في أول الكلام عن إعادتها في ~~الآخر، حتى كأنه قال: وكل نار؛ هربا من العطف على عاملين، وهما: كل ~~وتحسبين. وعليه بيته أيضا: # إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل4 # أراد: من يتكل عليه، فحذف "عليه" من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها في ~~قوله: على من يتكل، وإنما يريد: إن لم يجد من يكتل عليه. # وعليه أيضا قول الآخر: # أتدفع عن نفس أتاه حمامها ... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع5 PageV01P281 # أراد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع، فزاد "عن" في قوله: عن بين جنبيك، ~~وجعلها عوضا من "عن" التي حذفها، وهو يريدها في قوله: فهلا التي، ومعناها: ~~فهلا عن التي. # وله نظائر، فعلى هذا جازت هذه القراءة؛ أعني قوله: "تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة"، في معنى: عرض الآخرة وعلى تقديره. ولعمري إنه إذا نصب ~~فقال على قراءة الجماعة: {والله يريد الآخرة} ، فإنما يريد: عرض الآخرة، ~~إلا أنه يحذف المضاف ويقيم المضاف إليه مقامه، وإذا جر فقال: يريد الآخرة، ~~صار كأن العرض في اللفظ موجود لم يحذف، فاحتمل ضعف الإعراب تجريدا للمعنى ~~وإزالة للشك أن يظن ظان أنه يريد الآخرة إرادة مرسلة هكذا. هذا إلى ما ~~قدمناه من حذف لفظ لمجيئه فيما قبل أو بعد. # آخر الأنفال # PageV01P282 ### | سورة التوبة # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك حكى أبو عمرو أن أهل نجران يقولون: "براءة من الله"1 يجرون الميم ~~والنون. # قال أبو الفتح: حكاها سيبويه، وهي أول القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، ~~غير أنه كثر استعمال "من" مع لام المعرفة، فهربوا من توالي كسرتين إلى ~~الفتح، وإذا كانوا قد قالوا: "قم الليل"2، "وقل الحق"3 ففتحوا ولم تلتق ~~هناك كسرتان، فالفتح في "من الله" لتوالي الكسرتين أولى. # ومن ذلك قراءة عكرمة: "ثم لم ينقضوكم شيئا"4 بالضاد معجمة، قال: أي لم ~~ينقضوا أموركم، وهو كناية حسنة عن النقص؛ لأنه إذا نقصه شيئا ms201 من خاصه فقد ~~نقصه عما كان، فهذه طريقة. # ومن ذلك قراءة عكرمة أيضا: "إيلا ولا ذمة"5 بياء بعد الكسرة خفيفة اللام. # قال أبو الفتح: طريق الصنعة فيه أن يكون أراد "إلا" كقراءة الجماعة، إلا ~~أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام، وانضاف إلى ذلك كسرة الهمزة وثقل ~~الهمزة. وقد جاء نحو هذا أحرف صالحة كدينار؛ لقولهم: دنانير، وقيراط: ~~قراريط، وديماس6 فيمن قال: دماميس، PageV01P283 # وديباج فيمن قال: دبايبج، وشيراز1 فيمن قال: شراريز. وقد جاء مع الفتحة ~~استثقالا للتضعيف وحده. قال سعد بن قرط يهجو أمه: # يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار2 # وروينا عن قطرب "68ظ": # لا تفسدوا آبالكم ... أيما لنا أيما لكم3 # وقال عمر بن أبي ربيعة: # رأيت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر4 # وقد قلبوا الثاني منهما فقالوا في أمللت: أمليت، وفي أمل: أملى أنا. ~~وحدثنا أبو علي أن أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وربيك لا أفعل؛ أي: لا وربك، ~~فكذا تكون قراءة عكرمة "إيلا ولا ذمة" يريد "إلا"، وأبدل الحرف الأول ياء ~~لما ذكرناه. # وقد يجوز أن يكون فعلا من ألت الشيء إذا سسته أءوله إيالة، إلا أنه قلب ~~الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها. # ومن ذلك قراءة الأعرج5 وابن أبي إسحاق6 وعيسى الثقفي7 وعمرو PageV01P284 # ابن عبيد1، ورويت عن أبي عمرو: "ويتوب الله"2 بالنصب. # قال أبو الفتح: إذا نصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وإذا رفع ~~كقراءة الجماعة فقال: {ويتوب الله على من يشاء} فهو استئناف؛ وذلك أن قوله: ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ~~ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء} فهو كقولك: إن تزرني أحسن إليك ~~وأعطي زيدا درهما، فتنصبه على إضمار أن؛ أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان ~~إليك والإعطاء لزيد. # والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف؛ لأنه تم الكلام على قوله تعالى: ~~{ويذهب غيظ قلوبهم} ، ثم استأنف فقال: {ويتوب الله على من يشاء} ، فالتوبة ~~منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة ms202 عن قتالهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه حال ~~موجودة من الله تعالى قاتلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقاتلوهم، ~~فإن ذهبت تعلق هذه التوبة بقتالهم إياهم كان فيه ضرب من التعسف بالمعنى. # ومن ذلك قراءة ابن الزبير3 وأبي وجزة4 السعدي ومحمد بن علي وأبي جعفر ~~القاري5: "أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام"6 وقرأ: "سقاية الحاج ~~وعمرة المسجد" الضحاك7. PageV01P285 # قال أبو الفتح: أما "سقاة" فجمع ساق، كقاض وقضاة وغاز وغزاة. و"عمرة" جمع ~~عامر، ككافر وكفرة وبار وبررة. # وأما "سقاية" ففيه النظر، ووجهه أن يكون جمع ساق، إلا أنه جاء على فعال ~~كعرق1 وعراق، ورخل ورخال2، وتوءم وتؤام، وظئر وظآر، وإنسان وأناس، وثني3 ~~وثناء، وبرئ وبراء. فكان قياسه إذا جاء به على فعال أن يكون سقاء، إلا أنه ~~أنثه كما يؤنث من الجمع أشياء غيره، نحو: حجارة وعيارة وقصير وقصارة. وجاءت ~~في شعر الأعشى4 وعيورة5 وخيوطة6، وقد جاء هذا التأنيث أيضا في فعال هذا. ~~ذهب أبو علي في قولهم: نقاوة المتاع إلى أنه جمع نقوة7، فعلى هذا جاء سقاية ~~الحاج، فهو كتأنيث ظؤار وتؤام ونحو ذلك. # وكأن الذي آنس من قرأ "سقاة" و"عمرة" و"سقاية" وعدل إليه عن قراءة ~~الجماعة: {سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} هربه من أن يقابل الحدث ~~بالجوهر؛ وذلك أن السقاية والعمارة مصدران، و"من آمن بالله" جوهر، فلا بد ~~إذن "69و" من حذف المضاف؛ أي: أجعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله؟ فلما ~~رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ: "سقاة" و"عمرة" و"سقاية" على ما مضى. # ولست أدفع مع هذا أن يكون {سقاية الحاج} جع ساق {وعمارة المسجد الحرام} ~~جمع عامر، فيكون كقائم وقيام وصاحب وصحاب وراع ورعاء، إلا أنه أنث فعالا ~~على ما مضى، فصار كحجارة وعيارة، وأن يكونا مصدري سقيت وعمرت أقيس؛ لأن ذلك ~~في اللغة أفشى، وبنى سقاية وهو جمع ساق على التأنيث لا على أنه أنث سقاء؛ ~~لأنه لو أراد ذلك لقال: سقاءة فهمر، كعظاءة8 إذا بنيت على العظاء، ويكون كل ~~واحد منهما قائما ms203 برأسه. PageV01P286 # ومن ذلك قراءة ابن مسعود1: "وإن خفتم عائلة"2. # قال أبو الفتح: هذا من المصادر التي جاءت على فاعلة كالعاقبة والعافية. ~~وذهب الخليل في قولهم: ما باليت بالة، أنها في الأصل بالية كالعاقبة ~~والعافية، فحذفت لامها تخفيفا. ومنه قوله سبحانه: {لا تسمع فيها لاغية} 3 ~~أي: لغوا. ومنه قولهم: مررت به خاصة؛ أي: خصوصا. وأما قوله تعالى: {ولا ~~تزال تطلع على خائنة منهم} 4 فيجوز فيه أن يكون مصدرا؛ أي: خيانة منهم، ~~ويجوز أن يكون على أن معناه على نية خائنة أو عقيدة خائنة. وكذلك أيضا يجوز ~~أن يكون: لا تسمع فيها كلمة لاغية. وكذلك الآخر على: إن خفتم حالا عائلة، ~~فالمصدر هنا أعذب وأعلى. # ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والزهري5 والعلاء بن سيابه والأشهب: "إنما ~~النسي"6 مخففا في وزن الهدي بغير همز. قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون أراد النسء على ما يحكى عن ابن كثير بخلاف أنه قرأ به، ثم ~~أبدلت الهمزة ياء، كما أبدلت منها فيما رويناه من قول الشاعر: # أهبى التراب فوقه إهبايا7 PageV01P287 # يريد: إهباء، ونحو منه قوله: # كفعل الهر يحترش العظايا1 # يريد: العظاءة، لا على قول أبي عثمان من أنه شبه ألف النصب بهاء التأنيث، ~~ولا على ما رأيته من كونه تكسير العظاية كإداوة وأداوى. # والوجه الثاني: أن يكون فعلا من نسيء؛ وذلك أن النسيء من نسأت: أي2 أخرت، ~~والشيء إذا أخر ودوفع به فكأنه منسي. # والثالث: وفيه الصنعة أنه أراد النسيء على فعيل، ثم خفف الهمزة وأبدلها ~~ياء، وأدغم فيها ياء فعيل فصارت النسي، ثم قصر فعيلا بحذف يائه فصار نس، ثم ~~أسكن عين فعيل فصار نسي. # ومثله مما قصر من فعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سمح، وفي رطيب: ~~رطب، وفي جديب: جدب، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لبق، وفي سميج: سمج، ~~وقد ذكرنا ذلك. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء3: "يضل به الذين كفروا"4 بفتح الياء والضاد. # قال أبو الفتح: هذه لغة؛ أعني: ms204 ضللت أضل. واللغة الفصحى "69ظ" ضللت أضل. ~~وقراءة PageV01P288 # الحسن بخلاف وابن مسعود ومجاهد1 وأبي رجاء بخلاف وقتادة وعمرو بن ميمون2 ~~ورواه عباس3 عن الأعمش: "يضل به". # وفيه تأويلان: إن شئت كان الفاعل اسم الله تعالى مضمرا؛ أي: يضل الله ~~الذين كفروا، وإن شئت كان تقديره: يضل به الذين كفروا أولياءهم وأتباعهم. # ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو وقرأ: {ثاني اثنين} 4، قال أبو عمرو5: ~~وفيها قراءة أخرى لا ينصب الياء "ثاني اثنين". # قال أبو الفتح: الذي يعمل عليه في هذا أن يكون أراد: ثاني اثنين كقراءة ~~الجماعة، إلا أنه أسكن الياء تشبيها لها بالألف. قال أبو العباس: هو من ~~أحسن الضرورات، حتى لو جاء به إنسان في النثر كان مصيبا. # فإن قيل: كيف تجيزه في القرآن وهو موضع اختيار لا اضطرار؟ قيل: قد كثر ~~عنهم جدا، ألا ترى إلى قوله: # كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي عذارى يتعاطين الورق6 PageV01P289 # وقول الآخر: # حدبا حدابير من الوخشن ... تركن راعيهن مثل الشن1 # وقال رؤبة، أنشدناه أبو علي: # سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق2 # وقال الأعشى: # إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا3 # وقد جاء عنهم في النثر قولهم: لا أكلمك حيري4 دهر، كذا يقول أصحابنا، ولي ~~أنا فيه مذهب غير هذا؛ وهو أن يكون أراد حيري دهر بالتشديد، ثم خفف الكلمة ~~فحذف ياءها الثانية وقد كانت الأولى المدغمة فيها ساكنة، فأقرها على سكونها ~~تلفتا إلى الياء المحذوفة الثانية؛ لأنها في حكم الثبات كما صحح الآخر ~~الواو في العواور5؛ لأنه إنما يريد العواوير، فلما حذف الياء وهي عنده في ~~حكم الثبات أقر الواو على صحتها دلالة على أنه يريد الياء. # ومثله أيضا ما جاء عنهم من تخفيف ياء لا سيما؛ وذلك أن السي فعل من سويت، ~~وأصله سوي، فقلبت الواو ياء لسكونها مكسورا ما قبلها، أو لوقوع الياء ~~بعدها، أو لهما جميعا، فلما حذفت الياء التي هي لام وانفتحت الياء بالتاء ~~فتحة اللام عليها كان يجب أن ms205 يرجع واوا PageV01P290 # لأنها عين، أو تصح كما صحت في عوض وحول، وأن تقول: لا سوما زيد؛ لكنه ~~أقرها على قلبها دلالة على أنه يريد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت ~~لأنها الآن قد وقعت طرفا فضعفت، فهذا كله ونظائر له كثيرة ألغينا ذكرها؛ ~~لئلا يمتد الكتاب باقتصاصها تشهد بأن يكون قولهم: لا أكلمك حيري دهر، إنما ~~أسكنت ياؤه لإرداة التثقيل في حيري دهر، غير أن الجماعة تلقته على ظاهره. # وشواهد سكون هذه الياء في موضع النصب فاش في الشعر، فإذا كثر هذه الكثرة ~~وتقبله أبو العباس ذلك التقبل ساغ حمل تلك القراءة عليه. # يؤكد ذلك "70و" أيضا أنك لو رمت قطعه ورفعه على ابتداء؛ أي: هو ثاني ~~اثنين؛ لتقطع الكلام، وفارقه مألوف السديد من النظام، وإنما المعنى: إلا ~~تنصروه فقد نصره الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، وقوله: {إذ هما في ~~الغار} بدل من قوله جل وعز: {إذ أخرجه الذين كفروا} . # فإن قلت: فإن وقت إخراج الذين كفروا له قبل حصوله -صلى الله عليه وسلم- ~~في الغار، فكيف يبدل منه وليس هو هو، ولا هو أيضا بعضه، ولا هو أيضا من بدل ~~الاشتمال؟ ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط، قيل: إذا تقارب الزمانان وضع ~~أحدهما موضع صاحبه، ألا تراك تقول: شكرتك إذ أحسنت إلي، وإنما كان الشكر ~~سببا عن الإحسان، فزمان الإحسان قبل زمان الشكر، فأعملت شكرت في زمان لم ~~يقع الشكر فيه. # ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعا في ذلك الزمان؛ ~~كزرتك في يوم الجمعة، وجلست عندك يوم السبت؛ لكنه لما تجاور الزمانان ~~وتقاربا جاز عمل الفعل في زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه. وقد مر بنا هذا ~~الحكم في المواضع أيضا. قال زياد بن منقذ: # وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها ... فوارس الخيل ولا ميل ولا قزم1 # وإنما مقعد الفارس في صهوة الفرس لا في كاثبته؛ لأن المكانين لما تجاورا ~~استعمل أحدهما موضع الآخر، ألا ترى إلى قول النابغة: # إذا عرضوا ms206 الخطي فوق الكواثب2 PageV01P291 # ومحال أن يجلس الفارس موضع عرض الرمح من أدنى معرفة الفرس، فافهم بما ~~ذكرنا ما مضى. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "لو استطعنا"1 بضم الواو. # قال أبو الفتح: شبهت واو "لو" هذه بواو جماعة ضمير المذكرين، فضمت كما ~~تلك مضمومة في قول الله تعالى: {فتمنوا الموت} 2، وكذلك شبهت واو الجمع هذه ~~بواو "لو" فكسرت؛ وذلك على من قرأ: "فتمنوا الموت"، و"الذين اشتروا ~~الضلالة"3. # وهناك قراءة أخرى: "اشتروا4 الضلالة" بفتح الواو لالتقاء الساكنين، فلو ~~قرأ قارئ متقدم: "لو استطعنا" بفتح الواو لكان محمولا على قول من قال: ~~"اشتروا الضلالة"، فأما الآن فلا عذر لأحد أن يرتجل قراءة وإن سوغتها ~~العربية، من حيث كانت القراءة سنة متبعة. # ومن ذلك ما رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران أنه سمع محمد بن عبد الملك ~~يقرأ: "لأعدوا له عده"5. # قال أبو الفتح: المستعمل في هذا المعنى العدة بالتاء، ولم يمرر بنا في ~~هذا الموضع العد، إنما العد: البثر يخرج في الوجه. # وطريقه أن يكون أراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته: أي تأهبوا له، ~~إلا أنه حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها. وهذا عندي أحسن مما ~~ذهب إليه الفراء في معناه؛ وذلك أنه ذهب في قول الله تعالى: {وإقام الصلاة} ~~6 إلى أنه أراد: إقامة الصلاة، إلا أنه حذف هاء الإقامة لإضافة الاسم إلى ~~الصلاة. # وإنما صار ما ذهبت إليه أقوى لأني أقمت الضمير والمجرور مقام تاء ~~التأنيث، والمضمر المجرور شديد الحاجة إلى ما جره من موضعين: "70ظ" أحدهما: ~~حاجة المجرور إلى ما جره، ألا تراه لا يفصل بينهما ولا يقدم المجرور على ما ~~جره؟ والآخر: أن المجرور في "عده" مضمر، والمضمر PageV01P292 # المجرور أضعف من المظهر المجرور للطف الضمير عن قيامه بنفسه، وليست ~~الصلاة بمضمرة1؛ فتضعف ضعف هاء "عده"، فبقدر ضعف الشيء وحاجته إلى ما قبله ~~ما2 يكاد يعتد جزءا منه، فيخلف جزءا محذوفا من جملته، فافهم ذلك. # وأما أصحابنا فعندهم أن الإقام مصدر أقمت كالإقامة، وليس مذهبنا فيه كما ms207 ~~ظنه الفراء. # ومن ذلك قراءة ابن الزبير: "ولأرقصوا خلالكم"3. # قال أبو الفتح: هذا هو معنى القراءة المشهورة التي هي: {ولأوضعوا خلالكم} ~~، يقال: وضع البعير يضع وأوضعته أنا أي: أسرعت به، وكذلك الرقص والرقص ~~والرقصان، يقال: رقص وأرقصته أنا، قال: # يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع # كأنني شاة صدع4 # وقال حسان: # بزجاجة رقصت بما في دنها ... رقص القلوص براكب مستعجل5 # وفي الخبر: فإذا راكب يوضع؛ أي: يحث راحلته. وقال جميل: # بماذا تردين امرأ جاء لا يرى ... كودك ودا قد أكل وأوضعا6 # ولا يقال: رقص إلا للاعب أو للإبل، وشبهت الخمر بذلك. PageV01P293 # ومن ذلك قراءة الناس: {قل لن يصيبنا} 1، وقرأ طلحة بن أعين قاضي الري: ~~"قل لن يصيبنا" مشددا. # قال أبو الفتح: ظاهر أمر عين أصاب يصيب أنها واو؛ ولذلك قالوا في جمع ~~مصيبة: مصاوب بالواو، وهي القوية القياسية. فأما مصائب بالهمز فلغط من ~~العرب؛ كهمزهم حلأت2 السويق، ورثأث3 زوجي، ونحو ذلك مما همز ولا أصل له في ~~الهمز، وواحد المصايب مصيبة ومصوبة ومصاب ومصابة. # وأنا أرى أن تكون مصايب جمع مصاب؛ لأن الألف هنا وإن كانت بدلا من العين ~~فإنها أشبه بألف رسالة التي يقال في تكسيرها: رسايل؛ وذلك أن الألف لا تكون ~~أصلا في الأسماء المتمكنة ولا في الأفعال؛ إنما تكون زائدة أو بدلا، وليست ~~كذلك الياء والواو؛ لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعا كما يكونان ~~بدلين وزائدتين، فألف مصاب ومصابة أشبه بالزائد من ياء مصيبة وواو مصوبة، ~~فافهم ذلك، فإن أحدا من إخواننا لم يذكره. # وبعد، فقد مر بنا في تركيب ص ي ب في هذا المعنى، فإنهم قد قالوا: أصاب ~~السهم الهدف يصيبه كباعه يبيعه، ومنه قول الكميت: # أسهمها الصائدات والصيب4 # فعلى هذا ومن هذا الأصل تكون قراءة طلحة بالياء، فيكون يفعلنا منه، فيصيب ~~على هذا كيسير ويبيع، وقد يجوز أيضا أن يكون يصيبنا من لفظ ص وب، إلا أنه ~~بناه على فيعل يفيعل، وأصله على هذا يصيوبنا، فاجتمعت الياء والواو وسبقت ~~الياء بالسكون فقلبت الواو ms208 ياء وأدغمت فيها الياء فصارت يصيبنا. ومثله ~~قوله: تحيز، وهو تفعيل من حاز يحوز، والوجه ما قدمناه؛ لأن فعل في الكلام ~~أكثر "71و" من فيعل. # ويجوز وجه آخر؛ وهو أن يكون من الواو، إلا أنه لما كثر يصيب والمصيبة أنس ~~بالياء؛ لكثرة الاستعمال، ولخفتها عن الواو كما قالوا: ديمة وديم، فلما كثر ~~ذلك وكانت الياء أخف من الواو مروا عليها فقالوا: دامت السماء تديم. ~~PageV01P294 # ولا يحسن أن يذهب في هذا إلى قول الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعل ~~يفعل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه في قولهم: هذا أتيه منه وأطيح منه، ~~فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة الناس: "إلا إحدى"1 غير ابنت محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط ~~الهمزة. # قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى في قراءة ابن محيصن أيضا في سورة ~~الأعراف. # ومن ذلك قراءة: {مغارات} 2، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: "مغارات". # قال أبو الفتح: أما "مغارات" على قراءة الناس فجمع مغارة أو مغار، وجاز ~~أن يجمع مغارات بالتاء وإن كان مذكرا لأنه لا يعقل، ومثله إوان3 وإوانات، ~~وجمل سبطر4 وجمال سبطرات، وحمام وحمامات. وقد ذكرنا هذا ونحوه في تفسير ~~ديون المتنبي عند قوله: # ففي الناس بوقات لها وطبول5 # ومغار مفعل من غار الشيء يغور. # وأما مغارات فجمع مغار، وليس من أغرت على العدو؛ ولكنه من غار الشيء ~~ويغور، وأغرته أنا أغيره، كقولك: غاب يغيب وأغبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو ~~أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح. # ويؤكد ذلك قراءة مسلمة6 بن محارب: "مدخلا"7 أي: مكانا يدخلون فيه أنفسهم، ~~ورويت عن أبي بن كعب8: "أو مندخلا"، وهو من قول الشاعر: PageV01P295 # ولا يدي في حميت السكن تندخل1 # ومنفعل في هذا شاذ؛ لأن ثلاثيه غير متعد عندنا. # ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: سمعت أنسا2 يقرأ: "لولوا إليه وهم يجمزون"، ~~قيل له: وما يجمزون؟ إنما هي "يجمحون"، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من ms209 غير ~~أن تتقدم القراءة بذلك؛ لكنه لموافقته صاحبه في المعنى. وهذا موضع يجد ~~الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنا، فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن ~~النبي -صلى الله عليه سلم- ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ؛ إذ لم ~~يثبت التخيير في ذلك عنه، ولما أنكر أيضا عليه: "يجمزون"، إلا أن حسن الظن ~~بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التي هي: "يجمحون" ~~و"يجمزون" و"يشتدون"، فيقول: اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله عليه السلام: نزل القرآن بسبعة أحرف كلها ~~شاف كاف. # فإن قيل: لو كانت هذه الأحرف مقروءا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل ~~إلينا، وقيل: أولا يكفيك أنس موصلا لها إلينا؟ فإن قيل: ان أنسا لم يحكها ~~قراءة؛ وإنما جمع بينها في المعنى، واعتل في جواز القراءة بذلك لا بأنه ~~رواها قراءة متقدمة. قيل: قد سبق من ذكر حسن الظن ما هو جواب عن هذا. # ونحو من هذه الحكاية "71ظ" ما يروى عن أبي مهدية3 من أنه كان إذا أراد ~~الأذان قال: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين كذلك إلى آخر ~~الأذان، ينطق من ذلك بالمرة الواحدة، ويقول في إثرها: مرتين كما ترى، فيقال ~~له: ليس هكذا الأذان، إنما هو كذا، فيقول: المعنى واحد، وقد علمتم أن ~~التكرار عي. PageV01P296 # وهذا لعمري مسموع من أبي مهدية إلا أنه كان مدخولا، ألا ترى أن أبا محمد ~~يحيى بن المبارك اليزيدي1 وخلفا الأحمر2 لما أنفذهما إليه أبو عمرو ليسألاه ~~عن شيء من اللغة لخلاف جرى بينه وبين عيسى بن عمر3 أتياه وهو يخاطب ~~الشياطين في صلاته: اخسأنان عني، اخسأنان عني4. # وكذلك قول ذي الرمة: # وظاهر لها من يابس الشخت5 # فقيل له: أنشدتنا بائس فقال: يابس بائس واحد. وهذا شعر ليست6 عليه مضايقة ~~الشرع. # وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: كان يحضر ~~ابن الأعرابي شيخ من أهل مجلسه، فسمعه يوما ينشد: ms210 # وموضع زبن لا أريد براحه ... كأني به من شدة الروع آنس7 PageV01P297 # فقال له الشيخ: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيد الله، فقال: كيف أنشدتك؟ ~~فقال له: وموضع ضيق، فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم ~~أن الزبن والضيق شيء واحد؟ فهذا لعمري شائع؛ لأنه شعر وتحريفه جائز؛ لأنه ~~ليس دينا ولا عملا مسنونا. # ومن ذلك ما حكاه ابن أبي عبيدة بن معاوية بن قرمل1 عن أبيه عن جده -وكانت ~~له صحبة- أنه قرأ: "لوالوا إليه"2 بالألف وفتحة اللام الثانية. # قال أبو الفتح: هذا مما اعتقب عليه فاعل وفعل؛ أعني: والوا وولوا، ومثله ~~ضعفت وضاعفت الشيء، ووصلت الحديث وواصلته، وسوفت الرجل وساوفته، ومن أبيات ~~الكتاب: # لو ساوفتنا بسوف من تحيتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنعوا3 # سوف العيوف: مصدر محذوف الزيادة؛ أي: مساوفة العيوف. # ومن ذلك ما روي عن مجاهد: "إن تعف عن طائفة منكم" بالتاء المضمومة "تعذب ~~طائفة"4. # قال أبو الفتح: الوجه "يعف" بالياء لتذكير الظروف، كقولك: سيرت الدابة ~~وسير بالدابة5، وقصدت هند وقصد إلى هند؛ لكنه حمله على المعنى فأنث "تعف"، ~~حتى كأنه قال: إن تسامح طائفة أو إن ترحم طائفة. وزاد في الأنس بذلك مجيء ~~التأنيث يليه، وهو قوله: "تعذب طائفة"، والحمل على المعنى أوسع وأفشى، منه ~~ما مضى، ومنه ما سترى. # ومن ذلك ما يروى عن مالك بن دينار6: "فاقعدوا مع الخلفين"7 بغير ألف. ~~PageV01P298 # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون مقصورا من "الخالفين" كقراءة الجماعة، وقد ~~جاء نحو هذا، قال الراجز: # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # ألا عرادا عردا ... وصليانا بردا # وعنكثا ملتبدا1 # يريد: عاردا2 وباردا، كما قال أبو النجم: # كأن في الفرش القتاد العاردا3 "72و" # وقد حذفت الألف حشوا في غير موضع. قال: # مثل النقا لبده ضرب الطلل4 # يريد: الطلال5، كقول القحيف: # ديار الحي تضربها الطلال ... بها أنس من الخافي ومال6 # وروينا عن قطرب: # ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال7 # يريد: لا بارك الله، فحذف الألف ms211 قبل الهاء. وينبغي أن يكون ألف فعال؛ ~~لأنها زائدة، كقوله تعالى: {إله الناس} 8، ولا تكون الألف التي هي عين فعل ~~في أحد قولي سيبويه: إن أصله: لاه كناب؛ لأن الزائد أولى بالحذف من الأصلي. ~~وقد # حذفوا الواو حشوا أيضا قالوا: # إن الفقير بيننا قاض حكم ... أن ترد الماء إذا غاب النجم9 PageV01P299 # يريد: النجوم. وقال الأخطل: # كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب1 # يريد: الخطوب. وقد حذفت الياء أيضا نحو قول عبيد الله بن الحر: # وبدلت بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدرع من مستحكمات المسامر # يريد: المسامير. وقال الآخر: # والبكرات الفسج العطامسا2 # يريد: العطاميس. # فكما حذفت حروف اللين من هذا ونحوه مما تركناه إجماما بحذفه، فكذلك تحذف ~~الألف من "الخالفين" فيصير "الخلفين". # ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وسلام3 وسعيد4 بن أسعد ويعقوب ~~بن طلحة وعيسى5 الكوفي: "من المهاجرين والأنصار"6. # قال أبو الفتح: الأنصار معطوف على قوله: "والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار". PageV01P300 # فأما قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} فيجوز أن يكون معطوفا على "الأنصار" ~~في رفعه وجره، ويجوز أن يكون معطوفا على "السابقون"، وأن يكون معطوفا على ~~"الأنصار" لقربه منه. # ومن ذلك قراءة الحسن: "صدقة تطهرهم"1 خفيفة. # قال أبو الفتح: هذا منقول من طهر وأطهرته كظهر وأظهرته. وقراءة الجماعة ~~أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين؛ فذلك قرأت: "تطهرهم"، من حيث كان تشديد العين ~~هنا إنما هو للكثير، وقد يؤدي فعلت وأفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال ~~تفيد أجناسها، والجنس غاية الجموع، ألا ترى أن ما أنشده الحسن من قوله: # أنت الفداء لقبلة هدمتها ... ونقرتها بيديك كل منقر # ولم يقل: كل نقر، وهذا واضح، وعليه قراءة من قرأ: "وأغلقت الأبواب"2، وهو ~~واضح. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: "أحق أن تقوم فيه فيه رجال"3 بكسر هاء ~~"فيه" الأولى، وضم هاء "فيه" الآخرة مختلستين. # قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة ~~أو ياء ساكنة، كقولك: مررت به، ونزلت عليه، وقد يجوز الضم مع الكسرة ms212 ~~والياء، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلهما إلى أن تحدث الواو والياء ~~بعدهما، نحو: مررت بهي وبهو، ونزلت عليهي وعليهو، وهذا مشروح في أماكنه؛ ~~لكن القول في كسر "فيه" الأولى وضم "فيه" الثانية. # والجواب "72ظ" أنه لو كسرهما جميعا أو ضمهما جميعا لكان جميلا حسنا، غير ~~أن الذي سوغ الخلاف بينهما عندي هو تكرير اللفظ بعينه؛ لأنه لو قال: "فيه ~~فيه"، أو "فيه فيه" لتكرر اللفظ عينه ألبتة، وقد عرفنا ما عليهم في ~~استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به، ~~فيجعلون ما ظهر من تجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له، نحو قولهم: ~~PageV01P301 # ضربت زيدا ضربت، وضربت زيدا زيدا، وقولهم: قم قائما قم قائما، وقولهم ~~فيما لا محالة في توكيده؛ أعني الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ~~الله أكبر. # ومما يدلك على قوة الكلفة عليهم في التكرير أنهم لما صاغوا ألفاظ التوكيد ~~لم يرددوها بأعيانها؛ وذلك كقولهم: جاءني القوم أجمعون أكتعون أبصعون، ~~فخالفوا بين الحروف؛ لكن أعادوا حرفا واحدا منها تنبيها على عنايتهم ~~وإعلانهم أنه موضع يختارون تجشم التكرير من أجله، وجعلوا الحرف المعاد منه ~~لامه لأنه مقطع، والعناية بالمقاطع أقوى منها بمدرج الألفاظ. # ألا تراهم يتسمحون بحشو البيت في اختلافه، فإذا وصلوا إلى القافية راعوها ~~ووفقوا بين أحكامها؛ أعني: في الروي والوصل والخروج والردف والتأسيس ~~والحركات؟ وسبب ذلك أنه مقطع، والمعول في أكثر الأمر عليه. # ومنه إجماع الناس في الدعاء على أن يقولوا: اختم بخير، ومنه قول الله ~~سبحانه: {ختامه مسك} 1 أي: طعم مقطعه في طيب رائحة المسك، وهذا ألطف معنى ~~من أن يكون المراد به أن هناك خاتما عليه، وأنه من مسك. # ومن تجنب التكرير قوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} 2، ولم يقل: من بعد ~~الفتح؛ تجنبا للتكرير؛ ولهذا -في التكرير وكراهيتهم إياه إلا فيما يدلون ~~بتجشمهم تكريره على قوة اهتمامهم بما هم بسبيله- نظائر، وفيما ذكرنا كاف، ms213 ~~فعلى هذا تكون هذه القراءة التي هي: "فيه فيه" اختيرت لوقوع الخلاف بين ~~الحرفين على ما ذكرنا. # فإن قيل: فلم كسر الأول وضم الآخر وهلا عكس الأمر؟ ففيه قولان؛ أحدهما: ~~أن الكسر في نحو هذا أفشى في اللغة فقدم، والضم أقل استعمالا فأخر، ~~والثاني: وهو أغمض؛ وهو أن "فيه" الأولى ليست في موضع رفع؛ بل هي منصوبة ~~الموضع بقوله تعالى: "تقوم" من قوله: {أحق أن تقوم فيه} ، و"فيه" من قوله: ~~{فيه رجال} في موضع الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه، والمبتدأ "رجال"، ~~و"فيه" خبر عنه، فهو مرفوع الموضع، فلما كان كذلك سبقت الضمة لتصور معنى ~~الظرف. PageV01P302 # ومعاذ الله أن نقول: إن ضمة الهاء من "فيه" علم رفع، كيف ذلك والهاء ~~مجرورة الموضع "بفي"؟ نعم وهي اسم مضمر، والمضمر لا إعراب في شيء منه، وهي ~~أيضا مكسورة في أكثر اللغة، هل يجوز أن يظن أحد أن الضمة فيها علم رفع؟ لكن ~~الكلمة مرفوعة الموضع، وتصور معنى الرفع فيها أسبق إلى اللفظ، كما ذهب ~~بعضهم في ضمة تاء المتكلم في نحو: قمت وذهبت إلى أنها إنما بنيت "73و" على ~~الضم لمحا لموضعها من الإعراب؛ إذ هي مرفوعة، وكانت أقوى من تاء المذكر ~~والمؤنث في نحو: قمت وقمت؛ فكانت لذلك أحق بذلك. # وليس الظرف هنا وصفا لمسجد؛ بل هو على الاسئناف، والوقف عندنا على قوله: ~~{أحق أن تقوم فيه} ، ثم استؤنف الكلام فقيل: {فيه رجال} . وهذا أولى من أن ~~يجعل الظرف وصفا "لمسجد"؛ لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذي ~~هو "أحق"، ولأنك إذا استأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث ~~كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد. # ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم1 بخلاف: "أفمن أسس بنيانه خير أم من أسس ~~بنيانه"2 في وزن فعل، وقرأ: "أساس بنيانه" بفتح الألف وألف بين السينين نصر ~~بن علي3 بخلاف، وروي عنه أيضا: "أس بنيانه" برفع الألف وخفض النون في ~~"بنيانه" والسين مشددة. # قال أبو الفتح: يقال: هو أس الحائط وأساسه، ms214 فعل وفعال. وقد قالوا: له أس ~~بفتح الألف، وقد أس البناء يؤسه أسا: إذا بناه على أساس، وقالوا في جمع أس: ~~آساس، كقفل وأقفال، وقالوا في جمع أساس: إساس وأسس، ونظير أساس وإساس ناقة ~~هجان4 ونوق هجان، ودرع دلاص5 وأدرع دلاص، وإن كان هذا مكسور الأول، فإن ~~فعالا وفعالا تجريان مجرى المثال الواحد، ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا ~~وفيه الألف زائدة ثالثة؟ وقد اعتقبا أيضا PageV01P303 # على المعنى الواحد فقالوا: أوان وإوان، ودواء ودواء، وحصاد وحصاد، وجزاز1 ~~وجزاز، وجرام2 وجرام. # وقد يجوز أن يكون إساس جمع أس كبرد وبراد، وقد يجوز أن يكون حمع أس كفرخ ~~وفراخ، وأما أسس فجع أساس كقذل وقذال3. قال كذاب بني الحرماز: # وأس مجد ثابت وطيد ... نال السماء فرعه المديد4 # ومن ذلك ما حكاه ابن سلام قال: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ: "على ~~تقوى من الله"5، قلت: على أي شيء نون؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل ~~نون أحد غيره؟ قال: لا. # قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن علي بن الحجاج عن ~~أبي خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام. فأما التنوين فإنه وإن كان غير ~~مسموع إلا في هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، ~~كتترى6 فيمن نون7 وجعلها ملحقة بجعفر. # وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري، ولولا ~~أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبي بكر لتوقفت فيها. ~~فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز؛ يعني: فيما سمعه؛ لكن لا عذر ~~له في أن يقول: لا أدري؛ لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه ~~للإلحاق. # ومن ذلك قراءة الجماعة: {التائبون العابدون} 8، وفي قراءة أبي وعبد الله ~~بن مسعود، ويروى أيضا عن الأعمش: "التائبين العابدين". PageV01P304 # قال أبو الفتح: أما رفع {التائبون العابدون} فعلى "73ظ" قطع واستئناف؛ ~~أي: هم التائبون العابدون. وأما "التائبين العابدين" فيحتمل أن يكون جرا ~~وأن ms215 يكون نصبا: أما الجر فعلى أن يكون وصفا للمؤمنين في قوله تعالى: {إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} 1 "التائبين العابدين"، وأما النصب فعلى ~~إضمار فعل لمعنى المدح؛ كأنه قال: أعني أو أمدح "التائبين العابدين"، كما ~~أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح. # ومن ذلك قراءة طلحة: "وما يستغفر إبراهيم لأبيه"2، ورويت عنه أيضا: "وما ~~استغفر إبراهيم لأبيه". # قال أبو الفتح: أما "يستغفر" فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، ~~وإن كان متوقعا منه القيام، وحكاية الحال فاشية في اللغة؛ منها قول الله عز ~~وجل: {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه} 3، ولم يقل: ~~أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه؛ وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية ~~صار النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن يسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: ~~هذا، وهذا. وقال تعالى: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة} 4 وهذه اللام ~~إنمتا تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة. # ومن ذلك قراءة الناس: {الذين خلفوا} 5، وقرأ: "خلفوا" -بفتح الخاء واللام ~~خفيفة- عكرمة وزر بن حبيش6 وعمرو بن عبيد، ورويت عن أبي عمرو، قرأ: ~~"خالفوا" PageV01P305 # أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين1 وجعفر بن محمد2 وأبو عبد الرحمن ~~السلمي3. # قال أبو الفتح: من قرأ: "خلفوا" فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومن قرأ: ~~"خالفوا" فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا4 ~~هناك. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن قسيط المكي: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم"5. # قال أبو الفتح: معناه: من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع؛ أي: ~~أجوده وخياره، واشتقه من النفس؛ وهي أشرف ما في الإنسان. PageV01P306 ### | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة أبي جعفر والأعمش وسهل بن شعيب1: "وعد الله حقا أنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده"2. # قال أبو الفتح: إن شئت كان تقديره: وعد الله حقا؛ لأنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده؛ أي: من قدر على هذا الأمر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد، وإن شئت ~~كان تقديره: ms216 أي وعد الله وعدا حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون "أنه" ~~منصوبة بالفعل الناصب لقوله: "وعدا"، ولا يجوز أن يكون "أنه" منصوبة الموضع ~~بنفس "وعد" لأنه قد وصف بقوله حقا، والصفة إذا جرت على موصوفها أذنت بتمامه ~~وانقضاء أجزائه، فهي من صلته، فكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة: # أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس3 # فلا يكون قوله: من نوالكم من صلة يأس من حيث ذكرنا، ألا تراه قد وصفه ~~بقوله: "مبينا"؟ وإذا كان المعنى لعمري عليه ومنع الإعراب منه أضمر له ما ~~يتناول حرف الجر، ويكون يأسا دليلا عليه؛ كأنه قال فيما بعد "74و": يئست من ~~نوالكم. PageV01P307 # ومن ذلك قراءة ابن محيصن1 وبلال بن أبي بردة ويعقوب2: "أن الحمد لله". # قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة: {أن الحمد لله} ~~على أن "أن" مخففة من أن، بمنزلة قول الأعشى: # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفي وينتعل3 # أي: أنه هالك، فكأنه على هذا: وآخر دعواهم أنه الحمد الله، وعلى أنه لا ~~يجوز أن يكون "أن" هنا زائدة كما زيدت في قوله: # ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم4 # أي: كظبية، وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يكن تقديره: وآخر دعواهم الحمد الله، ~~هو كقولك: أول ما أقوله: زيد منطلق. وعلى أن هذا مع ما ذكرناه جائز في ~~العربية؛ لكن فيه خلافا لتقدير قراءة الجماعة. وفيه أيضا الحمل على زيادة ~~"أن"، وليس بالكثير. # ولو قرأ قارئ: إن الحمد لله، بكسر الهمزة على الحكاية التي للفظ بعينه ~~لكان جائزا؛ لكن لا يقدم على ذلك إلا أن يرد به أثر وإن كان في العربية ~~سائغا. وإذا فتح فقال: أن الحمد لله، فلم يحك اللفظ بعينه؛ وإنما جاء بمعنى ~~الكلام كقولنا: بلغني أن زيدا منطلق، فليس هذا على حكاية ما سمع لفظا، ألا ~~تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد، فقال: بلغني أن زيدا منطلق كان صادقا وإن ms217 ~~لم يؤد نفس اللفظ الذي سمعه؛ لكنه أدى معناه؟ وإن كسر فقال: إن الحمد لله، ~~فهو مؤد لنفس اللفظ وحاك له ألبتة. PageV01P308 # ومن ذلك ابن شعيب1 قال: سمعت يحيى2 بن الحارث يقرأ: "لنظر كيف تعملون"3 ~~بنون واحدة. قال: فقلت له: ما سمعت أحدا يقرؤها، قال: هكذا رأيتها في ~~الإمام: مصحف عثمان. أيوب4 عن يحيى عن ابن عامر: "لنظر" بنون واحدة مثله. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر في الظاء، وهذا لا يعرف في ~~اللغة، ويشبه أن تكون مخفاة؛ فظنها القراء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير ~~من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغما؛ وذلك أن النون لا تدغم إلا في ستة أحرف، ~~ويجمعها قولك: يرملون. # ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين5: "ولا أدرأتكم به"6. # قال أبو الفتح: هذه قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها. ولعمري إنها ~~في بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجها وإن كانت فيه صنعة وإطالة. # وطريقه أن يكون أراد: ولا أدريتكم به، ثم قلب الياء لانفتاح ما قبلها وإن ~~كانت ساكنة ألفا؛ كقولهم في ييئس: ياءس، وفي ييبس: يابس، وكقولهم: ضرب ~~عليهم ساية7؛ وإنما PageV01P309 # يريد: سية، وهي فعلة من سويت، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار سية، ~~ثم قلبت الياء الأولى لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة ألفا؛ فصارت ساية. # وقالوا في الإضافة إلى الحيرة: حاري، وإلى طي: طائي، وقالوا: حاحيت1 ~~وعاييت وهاهيت، والأصل: حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلت الياءات السواكن في هذه ~~الأماكن ألفات، فكذلك أيضا قلبت ياء "أدريتكم" ألفا فصارت "أدرأتكم" "74ظ". ~~وعلى ذلك أيضا ما رويناه عن قطرب: أن لغة عقيل أن يقولوا في أعطيتك: ~~أعطاتك، فلما صارت "أدريتكم" إلى "أرداتكم" همز على لغة من قال في الباز: ~~البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم، وفي التابل وتابلت القدر: ~~التأبل، وتأبلت القدر. وأنشد ابن الأعرابي: # ولى نعام بني صفوان زوزأة ... لما رأى أسدا في الغار قد وثبا2 # يريد: زوزاة. ولنحو هذا نظائر قد أوردناها في كتابنا الموسوم بالخصائص ms218 في ~~باب ما همزته العرب ولا أصل له في همز مثله3، فهذا وإن طالت الصنعة فيه ~~أمثل من أن تعطى اليد بفساده وترك النظر في أمره. # ومن ذلك قراءة أم الدرداء4: "حتى إذا كننتم في الفلكي"5 بكسر الكاف وتثبت ~~الياء. # قال أبو الفتح: اعلم أن العرب زادت ياء الإضافة فيما لا يحتاج إليها؛ من ~~ذلك قولهم في الأحمر: أحمري، وفي الأشهر: أشهري. # قال العجاج: # والدهر بالإنسان دواري6 PageV01P310 # أي: دوار. وقال فيها أيضا: # غضف طواها الأمس كلابي1 # أي: كلاب. # فإن قيل: فإن هذا أمر يختص بالصفات، وليس "الفلك" بصفة فتلحقه ياء النسب، ~~قيل: قد جاء ذلك في الاسم أيضا. # ألا ترى إلى قول الصلتان: # أنا الصلتاني الذي2 # وأيضا فقد شبه كل واحد من الاسم والصفة بصاحبه، فغير منكر أن يشبه الفلك ~~بالحلو والمر. ويزيد في شبهه به أن الفلك عندنا اسم مكسر، وليس عندنا كما ~~ذهب إليه الفراء فيه من أنه اسم مفرد يقع على الواحد والجمع؛ كالطاغوت ~~ونحوه. وإذا كان جمعا مكسرا أشبه الفعل من حيث كان التكسير ضربا من التصرف، ~~وأصل التصرف للفعل، ألا ترى أن ضربا من الجمع أشبه الفعل فمنع من الصرف وهو ~~باب مفاعل ومفاعيل؟ ولأن التكسير أيضا ثان كما أن الفعل ثان، وإذا أشبه ~~التكسير الفعل من حيث وصفنا قارب الصفة لشدة ملابسة الصفة للفعل لفظا ومعنى ~~وعملا، فهذا عندي هو العذر في إلحاق "الفلك" ياءي الإضافة في هذه القراءة. # ومن ذلك قراءة الأعرج: "وأزينت"3، وهي أيضا قراءة نصر بن عاصم وأبي ~~العالية والحسن بخلاف وقتادة وأبي رجاء بخلاف والشعبي وعيسى الثقفي. وقرأ: ~~"وازيأنت" أبو عثمان النهدي. # قال أبو الفتح: أما "أزينت" فمعناه: صارت إلى الزينة بالنبت، ومثله من ~~أفعل أي: صار إلى كذا، أجذع المهر4 صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع وأجز ~~النخل: أي صار إلى الحصاد PageV01P311 # والجزاز، إلا أنه أخرج العين على الصحة، وكان قياسه أزانت، مثل أشاع ~~الحديث، وأباع الثوب: أي عرضه للبيع. # وأما "ازيأنت" فإنه أراد فعالت، وأصله: ازيانت مثل: ابياضت واسوادت، ms219 إلا ~~أنه كره التقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف فانقلبت همزة، ~~كقول كثير: # وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فادهأمت1 "75و" # وقد تقدم نظير ذلك فيه. # ومن ذلك قراءة مروان على المنبر: "كأن لم تتغن بالأمس"2. # قال أبو الفتح: جاء هذا مجيء نظائره؛ كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، ~~وتلبست بالأمر، مما جاء تفعلت على هذا الحد. # ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد3: "بسورة مثله"4 بالإضافة. # قال أبو الفتح: هو عندي على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: بسورة ~~كلام مثله، أو حديث مثله، أو ذكر مثله، وقد ذكرنا حذف الموصوف وإقامة الصفة ~~مقامه. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "آلحق هو"5. # قال أبو الفتح: اعلم أن الأجناس تتساوى فائدتا6 معرفتها ونكرتها في نحو ~~هذا، تقول: PageV01P312 # ثق بأمان من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، ~~وهذا الصدق. # ومنه قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع ~~اللفظ مختلف؛ وسبب ذلك كون الموضع جنسا، وقد تقدم نحو هذا. # ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعثمان بن عفان وأبي بن كعب ~~والحسن وأبي رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبي جعفر بخلاف والسلمي وقتادة ~~والجحدري1 وهلال بن يساف2 والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: ~~"فبذلك فلتفرحوا"3 بالتاء، وقرأ: "فبذلك فافرحوا" أبي بن كعب. # قال أبو الفتح: أما قراءة أبي هذه "فافرحوا" فلا نظر فيها؛ لكن ~~"فلتفرحوا" بالتاء خرجت على أصلها؛ وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر ~~وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قم لتقم، كما تقول للغائب: ليقم زيد، ~~ولتضرب هند؛ لكن لما كثر أمر الحاضر نحو: قم، واقعد، وادخل، واخرج، وخذ، ~~ودع؛ حذفوا حرف المضارعة تخفيفا، بقى ما بعده ودل حاضر الحال على أن ~~المأمور هو الحاضر المخاطب، فلما حذف حرف المضارعة بقى ما بعده في أكثر ~~الأمر ساكنا؛ فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء بها، فقيل: اضرب، اذهب، ~~ونحو ذلك. # فإن قيل: ولم كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت ms220 الحال إلى تخفيفه لكثرته؟ # قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر ~~لتؤدي إليه أنك تأمره، فقلت: يا زيد، قل لعمرو: قم، ويا محمد، قل لجعفر: ~~اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدي إليه أمرك ~~إياه، والحاضر لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن ~~يتحمل إليه أمرك له. # ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل ~~في الأمر، نحو: PageV01P313 # صه1، ومه2، وإيه3، وإيها4، وحيهل5، ودونك، وعندك، ونحو ذلك. # لا تقول: دونه زيدا، ولا عليه جعفرا، كقولك: دونك زيدا، وعليك سعدا. وقد ~~شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلا ليسني. ولهذا المعنى قوي ضمير الحاضر على ~~ضمير الغائب فقالوا: أنت وهو، فلما صاغوا لهما اسما واحدا صاغوه على لفظ ~~الحضور "75ظ" لا لفظ الغيبة، فقالوا: أنتما، فضموا الغائب إلى الحاضر، ولم ~~يقولوا: هما، فيضموا الحاضر إلى الغائب، فهذا كله يريك استغناءهم بقم عن ~~لتقم ونحوه. # وكأن الذي حسن التاء هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء لأنها أذهب ~~في قوة الخطاب، فاعرفه، ولا تقل قياسا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا؛ لأن الحزن ~~لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم، فتؤكد ذلك ~~بالتاء على ما مضى. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ~~ويعقوب، ورويت عن أبي عمرو: "فأجمعوا أمركم وشركاؤكم"6 مكسورة الميم ورفع ~~"شركاؤكم". وقرأ: "فاجمعوا أمركم" غير مهموزة والميم مفتوحة "وشركاءكم" ~~نصبا الأعرج وأبو رجاء وعاصم الجحدري والزهري، وروي عن الأعمش. وفي قراءة ~~أبي: "وادعوا شركاءكم ثم اجمعوا أمركم". # قال أبو الفتح: أما "فأجمعوا أمركم وشركاؤكم" بالرفع، فرفعه على العطف ~~على الضمير في "أجمعوا"، وساغ عطفه عليه من غير توكيد للضمير7 في "أجمعوا" ~~من أجل طول الكلام بقوله: "أمركم". وعلى نحو من هذا يجوز أن تقول: قم إلى ~~أخيك وأبو محمد، واذهب مع عبد الله وأبو بكر، فتعطف على ms221 الضمير من غير ~~توكيد وإن كان مرفوعا ومتصلا؛ لما ذكرنا من طول الكلام بالجار والمجرور. ~~وإذا جاز قول الله تعالى: {ما أشركنا ولا آباؤنا} 8، وأن نكتفي بطول الكلام ~~ب"لا" وإن كانت بعد حرف العطف؛ كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من ~~"لا"، وهو أيضا قبل الواو، كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها أحرى. ~~PageV01P314 # وعلى ذلك فلو قال قائل: قم وزيد، فعطف على الضمير المرفوع من غير توكيد ~~كان أقبح من قولنا: قمت وزيد؛ وذلك أن المعطوف عليه في قم وزيد ضمير لا لفظ ~~له، فهو أضعف من الضمير في قمت؛ لأن له لفظا وهو التاء، وقمت وزيد أضعف من ~~قمنا وزيد؛ لأن "نا" من قمنا أتم لفظا من التاء في قمت. # وعليه أيضا تعلم أن قمتما وزيد أشبه شيئا من قمنا وزيد؛ لأن "تما" من ~~قمتما أتم لفظا من "نا" من قمنا. وكذلك أيضا قولك للنساء: ادخلنان وزيد، ~~أمثل من قولك: دخلتن وزيد؛ لأن "نان" من ادخلنان أطول من "تن" من دخلتن. # فهذه مصارفة وإن خفيت ولطفت تؤثر في أنفس العارفين بها ما لا تخطر على ~~أوهام الساهين عنها. # وكذلك لو قلت: اضربنا"نه"1 وزيد؛ لكان أمثل من ادخلنان وزيد؛ لأن "نانه" ~~ستة أحرف و"نان" أربعة أحرف، وكذلك اضربنانهما وزيد أمثل من اضربنانه وزيد؛ ~~لأن "نانهما" سبعة أحرف و"نانه" ستة أحرف، وكذلك الزيدين الثوبين ~~اكسونانهما هما، أمثل من قولك: الزيدين اكسونانهما؛ لأن "نانهما هما " عشرة ~~أحرف "ونانهما" سبعة أحرف. # فهذا مبنى يعاد عليه، ويثنى أشباهه إليه. وجميعه من بعد ليس في قوة ~~التوكيد نحو: قم أنت وزيد، و {اسكن أنت وزوجك الجنة} 2؛ وذلك أن التوكيد ~~وإن لم يكن في طول هذه الفروق والفصول، فإن فيه معنى ليس فيها وهو تثبيتة ~~معنى الاسمية للمضمر المتصل "76و" الذي قد شعث3 الفعل فمازجه وصار كجزء ~~منه، فضعفت عن العطف عليه، كما لا يجوز العطف على جزء من الفعل، فإذا وكد ~~صار في حيز الأسماء، ولحق بما يحسن العطف عليه بعد توكيده كما ms222 حسن عليها. # ومن ذلك قراءة السري بن ينعم: "ثم أفضوا إلي"4 من أفضيت. # قال أبو الفتح: معناه: أسرعوا إلي، وهو أفعلت من الفضاء؛ وذلك أنه إذا ~~صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولو كان في ضيق لم يقدر من الإسراع على ما ~~يقدر عليه من السبعة، ولام PageV01P315 # أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فضا الشيء يقضو إذا اتسع، ~~فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء؛ كقولهم: أعرق الرجل: إذا صار إلى العراق، ~~وأعمن الرجل: إذا صار إلى عمان، وأنجد: أتى نجدا، ونحو ذلك. # ومن ذلك قراءة مجاهد1 وسعيد بن جبير2: "إن هذا لساحر مبين"3. # قال أبو الفتح: هذا -على قول4 قراءة الجماعة: {لسحر مبين} - إشارة إلى ~~الفعل الواقع هناك من قلب العصا حية ونحوه، وهذا -على من قرأ: "لساحر"- ~~إشارة إلى موسى عليه السلام، كما أن هذا -من قول الله تعالى: {هذا يوم لا ~~ينطقون} 5- إشارة إلى اليوم، وهذا -على قراءة6 من قرأ: "هذا يوم لا ينطقون" ~~بالنصب- إشارة إلى الفعل الواقع في هذا اليوم. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "قد أجيبت دعواتكما"7. # قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: {قد ~~أجيبت دعوتكما} يراد فيها بالواحد معنى الكثرة؛ وساغ ذلك لأن المصدر جنس، ~~وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب ومحمد بن السميفع8 ويزيد البربري: "فاليوم ~~ننحيك" بالحاء. PageV01P316 # قال أبو الفتح: هذه نفعلك من الناحية؛ أي: نجعلك في ناحية من كذا، يقال: ~~نحوت الشيء أنحوه: إذا قصدته، ونحيت الشيء فتنحى: أي باعدته فتباعد فصار في ~~ناحية. # قال رؤبة وهو في جماعة من أصحابه ممن يأخذ عنه، وقد أقبلت عجوز منصرفة عن ~~السوق، وقد ضاق الطريق بها عليهم: # تنح للعجوز عن طريقها ... إذ أقبلت رائحة من سوقها # دعها فما النحوي من صديقها1 # وقال الحطيئة لأمه: # تنحي فاقعدي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا2 # وقد استعملت العرب مصدر نحوت الشيء نحوا ظرفا؛ كقولك: زيد نحوك: أي في ~~شقك وناحيتك. ms223 وعليه ما أنشده أبو الحسن: # ترمي الأماعيز بمجمرات ... بأرجل روح محنبات # يحدو بها كل فتى هيات ... وهن نحو البيت عامدات3 # فنصب عامدات على الحال لتمام الكلام من قبلها. وقد جمعوا نحوا على نحو، ~~فأخرجوه على أصله. # ومنه حكاية الكتاب: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، ومثله من الشاذ بهو وبهو ~~للصدر، وأب وأبو، وابن وبنو. قال القناني يمدح الكسائي "76ظ": # أبى الذم أخلاق الكسائي وانتمى ... به المجد أخلاق الأبو السوابق4 ~~PageV01P317 ### | سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # من ذلك قراءة الناس: {ثم فصلت} 1، وقرأ: "فصلت" بفتح الفاء والصاد خفيفة ~~عكرمة والضحاك والجحدري، ورويت عن ابن كثير2. # قال أبو الفتح: معنى "فصلت": أي صدرت وانفصلت عنه ومنه، وهو كقولك: قد ~~فصل الأمير عن البلد: أي سار عنه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف مجاهد ويحيى بن يعمر3 ونصر بن عاصم وعبد ~~الرحمن بن أفزى4 والجحدري وابن أبي إسحاق وأبي رزين5 وأبي جعفر محمد بن علي ~~وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد والضحاك وأبي الأسود6: "يثنوني ~~صدورهم"7 على PageV01P318 # تفعوعل، وقرأ: "تثنون صدورهم" ابن عباس بخلاف، وقرأ: "تثنئن صدورهم" عروة ~~الأعشى، ورويت عن عروة الأعشى أيضا: "يثنؤن صدورهم"، وروي ذلك عن مجاهد ~~أيضا، وروي عن ابن عباس: "تثنون صدورهم "، وروي عن سعيد بن جبير وأحسبها ~~وهما: "يثنون صدورهم" بضم الياء والنون. # قال أبو الفتح: أما "تثنوني" فتفعوعل، كما قال: وهذا من أبنية المبالغة ~~لتكرير العين؛ كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر فيه ذلك قيل: اعشوشب، واخلولقت ~~السماء للمطر: إذا قويت أمارة ذلك، واغدودن الشعر: إذا طال واسترخى. أنشدنا ~~أبو علي: # وقامت ترائيك مغدودنا ... إذا ما تنوء به آدها1 # وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قول الشاعر: # لو كنت تعطي حين تسأل سامحت ... لك النفس واحلولاك كل خليل2 # وقال حميد بن ثور: # فلما مضى عامين بعد انفصاله ... عن الضرع واحلولى دماثا يرودها3 # فهذا أقوى معنى من استحلى. # وأما "تثنئن" و"تثنون" ففيهما النظر؛ فتثنئن تفعلل من لفظ الثن ms224 ومعناه، ~~وهو ما هش وضعف من الكلأ. أنشد أبو زيد ورويناه عنه: # يأيها الفصيل المعني ... إنك ريان فصمت عني # يكفي اللقوح أكلة من ثن4 PageV01P319 # وأصله: تثنان، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى؛ فانقلبت همزة على ~~ما مضى قبل، وعليه قول دكين: # راكدة مخلاته ومحلبه ... وجله حتى ابيأض ملببه1 # يريد: ابياض، فحرك الألف فهمزها على ما مضى، والتقاء المعنيين أن "الثن": ~~ما ضعف ولان من الكلأ، فهو سريع إلى طالبه خفيف، وغير معتاص على آكله، ~~وكذلك "صدروهم" مجيبة لهم إلى أن يثنوها؛ ليستخفوا من الله سبحانه. # وأما "تثنون" فإنها تفعوعل من لفظ الثن ومعناه أيضا، وأصلها: تثنونن، ~~فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وكذلك قالوا: في مفعوعل من ~~رددت مردود، وأصلها: مردودد. فلما لم يكن ملحقا وجب إدغامه؛ فنقلب الكسرة ~~من الدال الأولى فألقيت "77و" على الواو، وأدغمت الدال في الدال فصار ~~مردود، وكذلك أصل هذه: تثنونن، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها على ~~الواو، فأدغمت النون في النون فصار "تثنون". # وذهب أبو إسحاق في قولهم: مصائب -بالهمز- إلى أن أصلها: مصاوب، فهمزت ~~الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء، فقياسه على هذا أن تكون "تثنئن" ~~أصلها: تثنون، فهمزت الواو لانكسارها، وعلى أن مذهب أبي إسحاق هذا مردود ~~عندنا غير أن قياسه أن يقول ما ذكرنا. # وأما "تثنون صدورهم" بنون مكسورة من غير ياء، ورفع "صدروهم" فإنه أراد ~~الياء، فحذفها تخفيفا كالعادة في ذلك، ولا سيما والكلمة طويلة بكونها على ~~تفعوعل. # وأما "يثنؤن صدورهم" بالنصب وبالهمزة المضمومة فوهم من حاكيه أو قارئه؛ ~~لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تثنيته، وكذلك "يثنون صدورهم"؛ لأنه لا يعرف ~~في اللغة أثنيت كذا بمعنى ثنيته، إلا أن يكون معناه يجدونها منثنية؛ ~~كقولهم: أحمدته: وجدته محمودا، وأذممته: وجدته مذموما. # ومن ذلك قراءة أبي وابن مسعود2: "وباطلا ما كانوا يعملون"3. PageV01P320 # قال أبو الفتح: "باطلا" منصوب ب"يعملون"، "ما" زائدة للتوكيد؛ فكأنه قال: ~~وباطلا كانوا يعملون. ومن بعد ففي هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر ~~كان عليها؛ كقولك: ms225 قائما كان زيد، وواقفا كان جعفر. ووجه الدلالة من ذلك ~~أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و"باطلا" منصوب ~~ب"يعملون"، والموضع إذن ل"يعملون" لوقوع معموله متقدما عليه؛ فكانه قال: ~~ويعملون باطلا كانوا. # ومثله قول الله تعالى: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ؟ 1 استدل أبو علي ~~بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها؛ لأن "إياكم" معمول "يعبدون"، وهو خبر ~~كان، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه؛ بحيث يجوز وقوع العامل على ما قدمناه. # وعلى نحو من ذلك ما استدل أبو علي على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول ~~الشماخ: # كلا يومى طوالة وصل أروى ... ظنون آن مطرح الظنون2 # فقال: "كلا" ظرف لقوله: "ظنون"، و"ظنون" خبر المبتدأ الذي هو "وصل أروى"، ~~فدل هذا على جواز تقديم "ظنون" على "وصل أروى"؛ كأنه قال: ظنون في كلا هذين ~~اليومين وصل أروى؛ أي: هومتهم فيهما كليهما. وقد مضى نحو هذا. # ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وأيوب السختياني3: "فأكثرت جدلنا"4. # قال أبو الفتح: الجدل اسم بمعنى الجدال والمجادلة، وأصل ج د ل في الكلام: ~~القوة، منه قولهم: غلام جادل: إذا ترعرع وقوي، وركب فلان جديلة رأيه: أي ~~صمم عليه ولم يلن فيه. ومنه الأجدل للصقر؛ وذلك لشدة خلقه، وعليه بقية ~~الباب. وكذلك الجدال إنما هو الاقتواء5 على خصمك بالحجة، قال الله عز وجل: ~~{وكان الأنسان أكثر شيء جدلا} 6 أي: مغالبة بالقول "77ظ" وتقويا. ~~PageV01P321 # ونحو منه لفظا قولهم: ظبي شادن: أي قد قوي واشتد، والشين أخت الجيم، ~~والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطوت الشيء: إذا تناولته، وقالوا: أتيت ~~عليه: إذا ملكته واشتملت عليه. والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، ~~والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تقريت لأتى على أكثرها، وقد ~~أتيت على كثير منه في كتاب الخصائص1. # ولولا أن القراء لا ينبسطون في هذه الطريق لنبهت على كثير منه. لا، بل ~~إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلما تطوع2 طباعهم لهذا الضرب منه، ~~وإن اضطروا إلى فهم شيء من جملته ms226 أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله عز ~~وجل على ما لاح لهم وأعرض من طريقه؛ جريا على عادة مستوخمة، وإخلادا إلى ~~خليقة كرهة مستوبلة حسدا يريهم3 ونغلا4 يجويهم. وما أقلهم مع ذلك عددا! ~~وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مددا، فما ظنك بالقراء لو جشموا النظر فيه ~~والتقري لغروره ومطاويه؟ جعلنا الله ممن يأوي إلى طاعته، وأودعنا أبدا شكر ~~نعمته. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب -عليه السلام- وعروة5 بن الزبير وأبي جعفر ~~محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "ونادى نوح ابنه"6، وروي عنه ~~عروة: "ابنها". وقرأ: "ابناه" ممدوة الألف السدي7 على النداء، وبلغني أنه ~~على الترثي8، وروي عن ابن عباس: "نوح ابنه" جزم. # قال أبو الفتح: أما "ابنه" فإنه أراد ابنها، كما يروى عن عروة فيما قرأ: ~~"ابنها"؛ يعني: ابن امرأته؛ لأنه قد جرى ذكرها في قوله سبحانه: {وأهلك} 9، ~~فحذف الألف تخفيفا، كقراءة PageV01P322 # من قرأ: "يا أبت"1. قال أبو عثمان يريد: يا أبتاه، وقد ذكرنا حذف الألف ~~فيما مضى، وأنشدنا البيت الذي أنشده أبو الحسن وابن الأعرابي جميعا: # فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو اني2 # أراد: بهلفا، وغيره. # وقراءة السدي: "ابناه" يريد بها الندبة، وهو معنى قولهم: "الترثي، وهو ~~على الحكاية؛ أي قال له: يا ابناه، على النداء. ولو أراد حقيقة الندبة لم ~~يكن بد من أحد الحرفين: يا ابناه، أو واابناه، كقولك فيها: وازيداه، ~~ويازيداه. # وأما "ابنه" بجزم الهاء، فعلى اللغة التي ذكرناها لأزد السراة في نحو ~~قوله: # ومطواي مشتاقان له أرقان3 # ومن قراءة الأعمش بخلاف: "على الجودي" خفيف. # قال أبو الفتح: تخفيف ياءي الإضافة قليل إلا في الشعر. أنشدنا أبو علي: # بكي بعينك واكف القطر ... ابن الحواري العالي الذكر4 # يريد: "الحواري". وروي عنهم: لا أكلمك حيري دهر بتخفف الياء، يريد: حيري ~~دهر، وهذا في النثر، فعليه قراءة الأعمش: "الجودي" خفيفا. # ومن ذلك قراءة محمد بن زياد5 الأعرابي: "فضحكت"6 فتحا. # قال أبو الفتح: روى ابن مجاهد قال: قال أبو عبد الله ms227 بن الأعرابي: الضحك: ~~هو الحيض، وأنشد "78و": # ضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الجوف يوم اللقا7 PageV01P323 # قال: وأنشد: # فجاءت بمزج لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلا أنه عمل النحل1 # وبعد، فليس في اللغة ضحكت؛ وإنما هو ضحكت؛ أي: حاضت. قال أحمد بن يحيى: ~~ضحكت وطمثت لوقتها، والضحك: الشهد؛ وهو الثلج، وقال أحمد بن يحيى: وهو ~~الطلع، قال محمد بن الحسن: قلت لأبي حاتم في قوله: # تضحك الضبع لقتلي هذيل2 # قال: من أين لهم أن الضبع تحيض؟ وقال: يا بني، إنما تكشر للقتلى إذا ~~رأتهم، كما قالوا: يضحك العير إذا انتزع الصليانة3. # ويقال فيه: # تضحك الضبع لقتلى هذيل # أي: تستبشر لقتلاهم لتأكلهم، فيهر بعضها على بعض، فجلعه ضحكا. # وترى الذئب لها4 يستهل # أي: يعوي، فيستدعي الذئاب فرحا بذلك. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "وهذا بعلي شيخ"5. # قال أبو الفتح: الرفع في "شيخ" من أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون "شيخ" خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه قال: هذا شيخ، والوقف إذن ~~على قوله: {وهذا بعلي} ؛ لأن الجملة هناك قد تمت، ثم استأنف جملة ثانية ~~فقال: "هذا شيخ". # والثاني: أن يكون "بعلي" بدلا من "هذا"، و"شيخ" هو الخبر. PageV01P324 # والثالث: أن يكون "شيخ" بدلا من "بعلي"، وكأنه قال: هذا شيخ، كما كان ~~التقدير فيما قبله: بعلي شيخ. # والرابع: أن يكون "بعلي" و"شيخ" جميعا خبرا عن هذا؛ كقولك: هذا حلو حامض؛ ~~أي: قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذلك هذا: أي قد جمع البعولة والشيخوخة. # فإن قلت: فهل تجيز أن يكون "بعلي" وصفا "ل"هذا"؟ قيل: لا؛ وذلك أن هذا ~~ونحو من أسماء الإشارة لا يوصف بالمضاف، ألا تراهم لم يجيزوا مررت بهذا ذي ~~المال، كما أجاوزا مررت بهذا الغلام؟ وإذا لم يجز أن يكون "بعلي" وصفا ~~ل"هذا" من حيث ذكرنا لم يجز أيضا أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان ~~صورة الصفة، فافهم ذلك. # وهنا وجه خامس: لكنه على قياس مذهب الكسائي؛ وذلك أنه يعتقد في خبر ~~المبتدأ أبدا أن فيه ضميرا وإن لم يكن مشتقا من ms228 الفعل، نحو: زيد أخوك، وهو ~~يريد النسب، فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون "شيخ" بدلا من الضمير في ~~"بعلي"؛ لأنه خبر عن "هذا". # فإن قلت: فإن الكوفيين لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كان من ~~لفظها، نحو قول الله تعالى: {لنسفعا بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة} 1، وليس ~~قبل "شيخ" معرفة من لفظه، قيل: أجل، إلا أن هذا اعتبار في الاسمين الملفوظ ~~بكل واحد منهما، فأما الضمير فيه فعلى قياس قول من استودعه إياه فلا لفظ له ~~أيضا فيعتبر خلافه أو وفاقه، وإذا سقط ذلك ساغ، وجاز إبدال النكرة منه لما ~~ذكرنا من تقديم لفظه المخالف للفظها. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير والحسن بخلاف ومحمد بن مروان2 وعيسى الثقفي ~~وابن إبي إسحاق: "هن أطهر لكم"3 بالنصب. # قال أبو الفتح: ذكر سيبويه هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتبى ابن ~~مروان في لحنه4، وإنما قبح ذلك عنده؛ لأنه ذهب إلى أنه جعل "هن" فصلا، ~~وليست "78ظ" بين أحد الجزأين PageV01P325 # اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدا هو خيرا منك، وكان زيد ~~هو القائم. # وأنا من بعد أرى أن لهذه القراءة وجها صحيحا؛ وهو أن تجعل "هن" أحد جزأي ~~الجملة، وتجعلها خبرا ل"بناتي"، كقولك: زيد أخوك هو، وتجعل "أطهر" حالا من ~~"هن" أو من "بناتي"، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد هو قائما أو ~~جالسا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما ~~قال. # ومن ذلك ما رواه الحلواني1 عن قالون2 عن شيبة: "أو آوي"3 بفتح الياء. ~~وروي أيضا عن أبي جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا. # قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي سائغ4 جائز؛ وهو أن تعطف ~~"آوي" على "قوة" فكأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أويا إلى ركن شديد. فإذا ~~صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون ~~بنت بحدل الكليبية5: # للبس عباءة وتقر عيني ms229 ... أحب إلى من لبس الشفوف6 # فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني؛ أي: لأن ألبس عباءة وتقر عيني أحب ~~إلي من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضا: # فلولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما7 PageV01P326 # أي: أو أن أسوءك، فكأن قال: أو مساءتي إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أن لي ~~بكم قوة أو أويا؛ أي: أن آوي إلى ركن شديد، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "يجرمنكم"1. # قال أبو الفتح: جرم الرجل ذنبا إذا كسب الجرم، ثم ينقل فيقال: أجرمته ~~ذنبا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: "لا يجرمنكم" أي: لا يكسبنكم بغض القوم ~~ترك العدل، كما يدعو الإنسان الحفظة2 والغضب إلى ما يحوب3 فيه وينال من ~~دينه. # ومن ذلك قراءة السلمي: "بعدت ثمود" بضم العين4. # قال أبو الفتح: أما بعد فيكون مع الخير والشر، تقول: بعد عن الشر، وبعد ~~عن الخير، ومصدرها البعد، وأما بعد ففي # الشر خاصة، يقال: بعد يبعد بعدا، ومنه قولهم: أبعده الله، فهو منقول من ~~بعد؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بعد الموضوعة للشر. فقراءة السلمي هذه: "ألا ~~بعدا لمدين كما بعدت ثمود" متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة ~~الجماعة: {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} . # وطريق ذلك أن يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه ~~الله، ومنه قوله: # ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين5 # أي: مقام اللعين؛ أي: المبعد، وعلى كل حال فالإبعاد للشيء نقص له وابتذال ~~منه، فقد يلتقي معنى بعد مع معنى بعد من هذا الموضع، ألا ترى أنهم إذا ~~أدنوا شيئا من نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات ~~المدح، فنقيضه إذن من صفات الذم، PageV01P327 # ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بشارة وتحف به، ~~فالقرب أولى به من البعد؛ ولهذ قالوا فيمن يصطفى: قد أدناه منه، وقد قرب من ~~قلبه، وعليه قال: # ودار أنت ساكنها حبيب ... توددها إلى قلبي قريب "79و" # فهذا طريق قراءة الجماعة: ms230 {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} ، وإن شئت كان ~~من هذا الطرز1، وإن شئت كان من معنى اللعنة. # ومن ذلك قراءة الزهري وسليمان2 بين أرقم: "لما ليوفينهم"3 بالتنوين. ابن ~~مسعود والأعمش: "إن كل إلا ليوفينهم ربك". # قال أبو الفتح: أما "لما ليوفينهم" بالتنوين، فإنه مصدر كالذي في قوله ~~سبحانه: {ويأكلون التراث أكلا لما} 4 أي: أكلا جامعا لأجزاء المأكول، فكذلك ~~تقدير هذا: وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لما؛ أي: توفية جامعة لأعمالهم ~~جميعا، ومحصلة5 لأعمالهم تحصيلا، فهو كقولك: قياما لأقومن، وقعودا لأقعدن. # وأما "إن كل إلا ليوفينهم" فمعناه: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما ~~زيد إلا لأضربنه؛ أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ~~ثان؛ وهو أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة، وتجعل "إلا" زائدة، وقد جاء عنهم ~~ذلك، قال: # أرى الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما طلب الحاجات إلا معللا6 PageV01P328 # أي: أرى الدهر منجنونا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. ~~وعلى ذلك أيضا تأولوا قول ذي الرمة: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو ترمي بها بلدا فقرا1 # أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة. # ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبي عمرو: "ولا تركنوا"2 ~~بضم الكاف. # قال أبو الفتح: فيها لغتان: ركن يركن كعلم يعلم، وركن يركن كقتل يقتل، ~~وحكي عنهم ركن يركن فعل يفعل، وهذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة؛ كأن ~~الذي يقول: ركن بفتح الكاف سمع مضارع الذي يقول: ركن، وهو يركن، فتركبت له ~~لغة بين اللغتين، وهي ركن يركن، وقد ذكرنا في كتابنا الخصائص بابا في تركيب ~~اللغات3. # وعليه كان أبو بكر يقول أيضا في قولهم ضفن4 الرجل يضفن: إن قائل ذلك سمع ~~قولهم: ضيفن5، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فيعلا؛ لأنه أكثر في الكلام6 من فعلن؛ ~~فصارت نون ضيفن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل ~~منه جاء به على ذلك فقال: ضفن يضفن، فضفن يضفن على حقيقة الأمر إنما هو فلن ms231 ~~يفلن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التي هي ياء محذوفة للشبهة ~~الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر. PageV01P329 # ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق1 عن حمزة2: ~~"فتمسكم النار". # قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، ~~نحو: علمت تعلم، وأنا إعلم وهي تعلم، ونحن نركب، وتقل الكسرة في الياء، ~~نحو: يعلم، ويركب؛ استثقالا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة ~~وصل مكسورة، نحو: تنطلق، ويوم تسود وجوه وتبيض وجوه3، فكذلك "فتمسكم ~~النار". # فأما قولهم: أبيت تيبي فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قبل أن ~~المضارع لما أتى على يفعل -بفتح العين- صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه ~~أبي، وقد شرحنا ذلك في كتابنا المنصف. # ومن ذلك: "وزلفا"4 بضم الزاي واللام، قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن ~~مصرف بخلاف، وعيسى وابن أبي إسحاق، وقرأ: "وزلفا" بضم الزاي ساكنة اللام ~~ابن محيصن ومجاهد. # قال أبو الفتح: من قال: "79ظ" "زلفا" بضم الزاي واللام جميعا فواحدته ~~زلفة، وكبسرة وبسر فيمن ضم السين، ومن قرأ: "زلفا" بسكون اللام فواحدته ~~زلفة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبرة وبر، ودرة ودر؛ وذلك أن ~~الزلفة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرا، كما أن الدرة والبرة جوهر جنس ~~من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس في قولنا: ضربت ضربا أن يكون جمع ~~ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر: # حتى اتقوها بالسلام والتحي PageV01P330 # يريد: جمع تحية. # والزلفة: الطائفة من الليل. وأما قراءة الجماعة: {وزلفا من الليل} فعلى ~~الظاهر، نحو: غرفة وغرف، وصفة وصفف. # ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والعلاء بن سيابة، ورواه حسين الجعفي1 عن أبي ~~عمرو: "وأتبع الذين ظلموا"2 بضم الهمزة، وإسكان التاء، وكسر الباء. # قال أبو الفتح: هو عندنا على حذف المضاف؛ أي: أتبع الذين ظلموا جزاء ما ~~أترفوا فيه وكانوا مجرمين؛ أي: جزاء ما أترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروا؛ بل ~~أترفوا فيه مجرمين ظالمين. PageV01P331 ### | سورة يوسف ms232 # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة الناس: {أحد عشر} 1 بفتح العين، وأسكنها أبو جعفر ونافع2 بخلاف ~~وطلحة3 بن سليمان. # قال أبو الفتح: سبب ذلك عندي أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد، وبني ~~الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف؛ لم يجز ~~الوقف على الأول لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجعل تسكين أول الثاني دليلا على ~~أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر، إلا اثنا عشر ~~واثني عشر، فإنه لا يسكن العين لسكون الألف والياء قبلهما. # ومما يدلك على أن الاسمين إذا جريا مجرى الاسم الواحد بالتركيب عوملا في ~~مواضع معاملته، ما حكاه أبو عمر الشيباني من قولهم في حضرموت: حضرموت بضم ~~الميم؛ ليكون كحذرفوت4 وترنموت5 وعنكبوت، وهذا واضح. PageV01P332 # ومن ذلك قراءة الأعرج: "في غيابات الجب"1 مشددة. وقرأ الحسن: "في غيبة ~~الجب". # قال أبو الفتح: "أما "غيابة " فإنه اسم جاء على فعالة، وكان أبو علي يضيف ~~إلى ما حكاه سيبويه من الأسماء التي جاءت على فعال؛ وهو الجبار والكلاء، ~~الفياد2 لذكر البوم. ووجدت أنا غير ذلك، وهو التيار للموج، والفخار للخزف، ~~والحمام، والجيار: السعال، والكرار: كبش الراعي. # وأما "غيبة الجب" فيجوز أن يكون حدثا فعلة من غبت، فيكون كقولنا: في ظلمة ~~الجب، ويجوز أن يكون موضعا على فعلة كالقرمة3 والجرفة4. # ومن ذلك قراءة العلاء بن سيابة: "يرتع"5 بالياء وكسر العين، و"يلعب" ~~رفعا، وقرأ: "يرتع ويلعب" أبو رجاء. # قال أبو الفتح: أما "يرتع" فجزم؛ لأنه جواب "أرسله"، و"يلعب" مرفوع لأنه ~~جعله استئنافا؛ أي: هو ممن يعلب، كقولك: زرني أحسن إليك؛ أي: أنا ممن يحسن ~~إليك، إلا "80و" أن الرفع في "أحسن" هنا يضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: ~~أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم؟ # وأما "يرتع ويلعب" فمجزومان لأنهما جوابان؛ أحدهما: معطوف على صاحبه، وهو ~~على حذف المفعول؛ أي: يرتع مطيته، فحذف المفعول. # وعلى ذكر حذف المفعول فما أعربه وأعذبه في الكلام! ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {ووجد من دونهم ms233 امرأتين تذودان} 6 أي: تذودان إبلهما، ولو نطق ~~بالمفعول لما كان في عذوبة حذفه ولا في علوه. وأنشدنا أبو علي للحطيئة: # منعمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبي7 PageV01P333 # أي: تصون الحديث وتخزنه، فهو كقول الشنفرى: # كأن لها في الأرض نسيا تقصه ... على أمها وإن تخاطبك تبلت1 # أي: تقطع حديثها حياء وخفرا. واعتدل في هذا الموضع ذو الرمة، قال: # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر2 # وما أظرف قوله: رخيم الحواشي؛ أي: لا تنتشر حواشيه فتهرأ فيه3، ولا يضيق ~~عما يحتاج من مثلها إليه للسماع والفكاهة؛ لكنه على اعتدال، وكما يستحسن ~~ويستعذب من التقال4، ألا ترى إلى قول الآخر: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح5 # ومنه: # وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا # منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا6 # أي: تارة تورد القول صائبا مسددا، وأخرى تحرف فيه وتلحن؛ أي: تعدل عن ~~الجهة الواضحة معتمدة لذلك تلعبا بالقول، وهو من قوله عليه السلام: "فلعل ~~أحدكم يكون ألحن PageV01P334 # بحجته"1؛ أي: أنهض بها وأحسن تصرفا فيها. وليس من اللحن الذي هو إفساد ~~الإعراب، ذلك حديث غير هذا، وقد تقصيت هذا المذهب في الخصائص، فليطلب ~~هناك2. # ومن ذلك ما رواه عيسى بن ميمون عن الحسن أنه قرأ: "وجاءوا أباهم عشا ~~يبكون"3، قال: عشوا من البكاء. # قال أبو الفتح: طريق ذلك أنه أراد جمع عاش، وكان قياسه عشاة كماش ومشاة، ~~إلا أنه حذف الهاء تخفيفا وهو يريدها، كقوله: # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار4 # أراد: مألكة، فحذف الهاء. وقد تقصينا ذلك في أماكن من كتبنا، وفيه بعد ~~هذا ضعف؛ لأن قدر ما بكوا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان. # ويجوز أن يكون جمع عشوة: أي ظلاما، وجمعه لتفرق أجزائه كقولهم: ~~مغيربانات5 وأصيلال6، ونحو ذلك. # ومن ذلك قراءة الحسن أيضا:" "بدم كدب"7 بالدال. # قال أبو الفتح: أصل هذا من ms234 الكدب؛ وهو الفوف؛ يعني: البياض الذي يخرج على ~~أظفار الأحداث "80ظ" فكأنه دم قد أثر في قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه. ~~وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بهذه القراءة أيضا. PageV01P335 # ومن ذلك قراءة أبي الطفيل1 والجحدري وابن أبي إسحاق ورويت عن الحسن: "يا ~~بشري"2. # قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فيهم، ما3 رويناه عن قطرب من قول الشاعر: # يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا # فإن لم تثأرا لي من عكب ... فلا أرويتما أبدا صديا4 # ونظائره كثيرة جدا. # وقال لي علي: إن قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء؛ كأنه عوض مما كان ~~يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها؛ ككسرة ميم غلامي وياء صاحبي ونحو ~~ذلك، ومن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك في ألف ~~التثنية، نحو: غلاماي وصاحباي؛ كراهة التباس5 المرفوع بالمنصوب والمجرور. # فإن قيل بعد: وهلا قلبوها وإن صار لفظ ما هي فيه إلى لفظ المجرور كما صار ~~لفظ المرفوع والمنصوب جميعا إلى لفظ المجرور في نحو: هذا غلامي؛ ورأيت ~~غلامي، قيل: قلب الألف لوقوع الياء بعدها ياء أغلظ من قلب الضمة والفتحة ~~حيث ذكرت كسرة؛ وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، ~~فاحتمل ذلك في: هذا غلامي ورأيت غلامي، ولم يحتمل نحو: هذان غلامي وما جرى ~~مجراه. # فإن قيل: فالذي قال: "يا بشري" قد جنى على الألف بقلبها ياء، قيل: هذه ~~الألف يمكن أن تقدر الكسرة فيها، وحرف التثنية لا تقدير حركة فيه أصلا ~~عندنا، فجائز أن تقول: "بشري"، ولم يقل: قام غلامي. فأما الحركة في ياء {يا ~~صاحبي السجن} 6 فلالتقاء الساكنين، وهي غير PageV01P336 # محفول بها، والحركة قبل الياء من "صاحبي" ونحوه أقوى من حركة التقاء ~~الساكنين، والكلام هنا يطول، لكن هذا متوجهه. # ومن ذلك: "هئت لك"1 بالهمز وضم التاء، قرأ بها علي -عليه السلام- وأبو ~~وائل وأبو رجاء ويحيى، واختلف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة بن ~~مصرف وأبي عبد الرحمن. وقرأ: "هيت لك" ms235 بفتح الهاء وكسر التاء ابن عباس ~~بخلاف وابن محيصن وابن أبي إسحاق وأبو الأسود وعيسى الثقفي. وقرأ: "هيئت ~~لك" ابن عباس. # قال أبو الفتح: فيها لغات: هيت لك، وهيت لك، وهيت لك، وهيت لك. وكلها ~~أسماء سمي بها الفعل بمنزلة صه ومه وإيه في ذلك. # ومعنى "هيت" وبقية أخواتها: أسرع وبادر، وقال: # أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتيتا # إن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا2 # وقال طرفة3: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة: هيت # هم يجيبون: وا هلم سراعا ... كالأبابيل لا يغادر بيت # والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين. # وأما "هئت" بالهمز وضم التاء ففعل، يقال فيه: هئت4 أهيء "81و" هيئة كجئت ~~أجيء جيئة؛ أي: تهيأت. وقالوا أيضا: هئت أهاء كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ. ~~قال: # أفاطم هائي السيف غير مذمم PageV01P337 # أي: خذي السيف. # فأما قول الله تعالى: {هاؤم اقرأوا كتابيه} 1، فحديث غير هذا وتصريف ~~سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه في كتاب الخصائص2. # وأما "هيئت لك" ففعل صريح كهئت لك، كقولك: أصلحت لك؛ أي: فدونك، وما ~~انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هيت وهيت وهيت وهيت كتعلقها بنفس هلم من ~~قولهم: هلم لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إرادتي لذلك. # فأما "هئت لك" و"هيئت" فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أصلحت لكذا ~~وصلحت لكذا. # ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة بخلاف وابن أبي إسحاق ونوح3 ~~القارئ ورويت عن أبي رجاء: "من قبل"4، و"من دبر"5 بثلاث ضمات من غير تنوين. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكونا غايتين؛ كقول الله سبحانه: {لله الأمر من ~~قبل ومن بعد} 6 كأنه يريد: وقدت قميصه من دبره، وإن كان قميصه قد من قبله، ~~فلما حذف المضاف إليه -أعني: الهاء، وهي مرادة- صار المضاف غاية نفسه بعدما ~~كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم في قول الله سبحانه: {من قبل ومن ~~بعد} ، فبنى هنا كما بني هناك على الضم، ووكد البناء أن قبل ودبر يكونان ~~طرفين، ألا ترى إلى قول ms236 الفرزدق: # يطاعن قبل الخيل وهو أمامها ... ويطعن عن أدبارها إن تولت7 # وقال الله سبحانه: "ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم"8 فنصبه على الظرف، ~~وهو جمع دبر. PageV01P338 # ومن ذلك قراءة علي -عليه السلام- والحسن بخلاف وأبي رجاء ويحيى بن يعمر ~~وقتادة بخلاف وثابت البناني1 وعوف الأعرابي وابن أبي مريم2 والأعرج بخلاف ~~ومجاهد بخلاف وحميد بخلاف والزهري بخلاف وابن محيصن ومحمد بن السميفع وعلي ~~بن حسين بن علي وجعفر بن محمد: "قد شعفها"3 بالعين. # قال أبو الفتح: معناه: وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته، وأصله من ~~البعير يهنأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قبله. قال الشاعر: # أيقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعف المهنوءة الرجل الطالي؟ 4 # وأما قراءة الجماعة: {شغفها} بالغين معجمة، فتأويله أنه خرق شغاف قلبها؛ ~~وهو غلافه، فوصل إلى قلبها. # ومن ذلك قراءة الزهري وأبي جعفر وشيبة "متكا"5، مشدد من غير همز، وقرأ: ~~"متكا" ساكنة التاء غير مهموز ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك ~~والكلبي6 وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش. وقرأ: "متكاء " بزيادة ألف ~~الحسن. وقراءة الناس: {متكأ} في وزن مفتعل. # قال أبو الفتح: أما "متكا" غير مهموز فمبدل من متكأ، وهو مفتعل من توكأت، ~~كمتجه من توجهت، ومتعد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز في "81ظ" ~~السعة؛ وإنما هو في PageV01P339 # ضرورة الشعر؛ فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجها آخر؛ وهو أن ~~يكون مفتعلا من قوله: # إذا شرب المرضة قال أوكي ... على ما في سقائك قد روينا1 # يقال: أوكيت السقاء: إذا شددته، فيكون راجعا إلى معنى متكأ المهموز؛ وذلك ~~أن الشيء إذا شد اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكأ عليه. فإن ~~سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون متكا على هذا كمتقى من ~~وقيت، ومتلى من وليت. # وأما "متكا" ساكنة التاء فقالوا: هو الأترج2، ويقال أيضا: هو الزماورد3. # وأما "متكاء" فعلي إشباع فتحة الكاف من "متكأ"، وقد جاء نحو هذا، أنشدناه ~~أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه: # فأنت من ms237 الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح4 # يريد: بمنتزح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضا سنة إحدى وأربعين بالموصل: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة5 # وقال: أراد ينبع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليه ألفا. ولعمري إن هذا مما تختص ~~به ضرورة الشعر وقلما يجيء في النثر، فوزن "متكاء" على هذا مفتعال، كما أن ~~وزن "ينباع" على هذا يفعال، ولو سميت به رجلا لصرفته في المعرفة؛ لأنه قد ~~فارق شبه الفعل وزنا، ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم ~~تصرفه، فإن سميته بأنظور، تريد: فأنظر؛ لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ~~ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بسر الصناعة. PageV01P340 # ومن ذلك: "حاشا الله"1 ابن مسعود وأبي بن كعب. وقرأ: "حاش الإله" الحسن. ~~وقرأ: "حاش لله" جزم الحسن بخلاف. # قال أبو الفتح: أما "حاشا الله " فعلى أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال: # حاشا أبي ثوبان إن به ... ضنا على الملحاة والشتم2 # وأما "حاش الإله" فمحذوف من حاشا تخفيفا3، وهو كقولك: حاشا الرب وحاشا ~~المعبود، وليس "الإله" هكذا بالهمز هو الاسم العلم؛ إنما ذلك الله -كما ~~ترى- المحذوف الهمزة، على هذا استعملوه علما وإن كان لعمري أصله الإله مكان ~~الله، فإنه كاستعمالهم في مكانه المعبود والرب. # ومنه قوله: # لعن الإله وزوجها معها ... هند الهنود طويلة الفعل4 # وأما "حاش لله" بسكون الشين، فضعيف من موضعين: # أحدهما: التقاء الساكنين: الألف، والشين، وليست الشين مذعمة. # والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف، ولا موجب لذلك؛ وطريقه في الحذف أنه ~~لما حذف الألف تخفيفا أتبع ذلك حذف الفتحة إذ كانت كالعرض اللاحق مع الألف؛ ~~فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين ~~والزاي، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ونحو ذلك. فمتى حذفت حرفا ~~من هذه الحروف ذهب معه PageV01P341 # ما يصحبه من التكرير في الراء، والصفير في حروفه، والإطباق في حروفه. ~~وعليه قوله: # رهط مرجوم ورهط ابن المعل1 "82و" # يريد: المعلى، فلما حذف الألف حذف معها فتحتها، فبقي المعل، فلما وقف في ~~القافية المقيدة على الحرف ms238 المشدد خففه على العبرة في مثله، كما خففه في ~~نحو قول طرفة: # ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر # ما أقلت قدمي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر2 # فخفف ضر ومبر، فكذلك خفف "المعل" فصار المعل. فهذا حديث حذف الفتحة من ~~"حاش". # وأما التقاء الساكنين فعلى قراءة نافع "محياي"3، وعلى ما حكي عنهم من ~~قولهم: التقت حلقتا البطان4، بإثبات ألف "حلقتا" مع سكون لام البطان؛ لكن ~~السؤال من هذا عن إدغام لام الجر على "لله" وقبلها "حاش" و"حاشا"5 وهو حرف ~~جر، وكيف جاز التقاء حرفي جر؟ # فالقول أن "حاش" و"حاشا" هنا فعلان، فلذلك وقع حرف الجر بعدهما. # حكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيا يقول: اللهم اغفر لي ~~ولمن سمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بحاشا. وهذا دليل الفعلية، فعليه ~~وقعت بعده لام الجر. # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي الحويرث الحنفي: "ما هذا بشرى"6 بكسر الباء ~~والشين. # قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين: # أحدهما: أن يكون أراد: ما هذا يمشري، من قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} 7 ~~أي: PageV01P342 # باعوه؛ أي: ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، ~~كقول الله سبحانه: {أحل لكم صيد البحر} 1 أي: مصيده، وكقوله تعالى: {هو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} 2 أي: المخلوق، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الراجع في هبته ... " أي: في موهوبه، وهذا الثوب نسج اليمن، أي: منسوجه؛ ~~وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك علمه فيك؛ أي: ~~معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه. # والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول؛ لكنها كالتي في ~~قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم؛ أي: هذا بهذا، فيكون ~~معناه: ما هذا بثمن؛ أي: مثله لا يقوم ولا يثمن، فيكون "الشري" هنا يراد به ~~المفعول به؛ أي: الثمن المشترى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا ~~بألف، فالباء إذن متعلقة بمحذوف هو ms239 الخبر، مثلها كقولك: كر3 البر بستين، ~~ومنوا4 السمن بدرهم. # ومن ذلك ما روي عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ: "عتى حين"5، فقال: من أقرأك؟ ~~قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله عز وجل أنزل هذا القرآن فجلعه عربيا، ~~وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام. # قال أبو الفتح: العرب تبدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما في ~~المخرج، كقولهم: بحثر ما في القبور؛ أي: بعثر، وضبعت الخيل؛ أي: ضبحت6، وهو ~~يحنظي ويعنظي: إذا جاء بالكلام الفاحش، فعلى هذا يكون عتى وحتى؛ لكن الأخذ ~~بالأكثر استعمالا، وهذا الآخر جائز وغير خطأ "82ظ". # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إني أراني أعصر عنبا"7. # قال أبو الفتح: هذه القراءة هي مراد قراءة الجماعة: {إني أراني أعصر ~~خمرا} ؛ وذلك أن PageV01P343 # المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرا لما يصير إليه من بعد حكاية لحاله ~~المستأنفة، كقول الآخر: # إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد1 # أراد: إذا مات حي فصار ميتا كان كذا، أو فليكن كذا. وعليه قول الفرزدق: # قتلت قتيلا لم ير الناس مثله ... أقلبه ذا تومتين مسورا2 # وقد مضى هذا قبل. # ومن ذلك قراءة عكرمة والجحدري: "فيسقى ربه خمرا"3. # قال أبو الفتح: هذا في الخير يضاهي في الشر قوله: "فيصلب"4؛ لأن تلك ~~نعمة، وهي نقمة5. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن عمر بخلاف وعكرمة ومجاهد بخلاف عنهما ~~والضحاك وأبي رجاء وقتادة وشبيل بن عزرة الضبعي6 وربيعة بن عمرو وزيد بن ~~علي: "وادكر بعد أمه"7، وقرأ: "بعد إمة" الأشهب العقيلي. # قال أبو الفتح: "الأمه": النسيان، أمه الرجل يأمه أمها: أي نسي. ~~"والإمة": النعمة؛ أي: بعد أن أنعم عليه بالنجاة. # ومن ذلك قراءة عيسى والأعرج وجعفر بن محمد: "وفيه يعصرون"8 بياء مضمومة ~~وصاد مفتوحة. PageV01P344 # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أن معنى "يعصرون": أي يمطرون، فإن شئت ~~أخذته من العصرة والعصر للمنجاة، وإن شئت أخذته من عصرت السحاب ماءها ~~عليهم. # وعليه قراءة الجماعة: {وفيه يعصرون} ، فهذا من النجاة. ms240 وروينا عن ابن ~~عباس: أي يعصرون من الكرم والأدهان1، فهذا تفسير النجاة: كيف تقع بهم ~~وإليهم؟ قال أبو زبيد: # صاديا يستغيث غير مغات ... ولقد كان عصرة المنجود2 # أي: نجاة المكروب. # ومن ذلك قراءة علقمة ويحيى: "ردت إلينا3" بكسر الراء. # قال أبو الفتح: فعل من ذوات الثلاثة إذا كان مضعفا أو معتلا عينه يجيء ~~عنهم على ثلاثة أضرب: لغة فاشية، والأخرى تليها، والثالثة قليلة، إلا أن ~~المضعف مخالف للمعتل العين فيما أذكره. # أما المضعف، فأكثره عنهم ضم أوله كشد ورد، ثم يليه الإشمام، وهو شد ورد ~~بين ضم الأول وكسره، إلا أن الكسرة هنا داخلة على الضمة؛ لأن الأفشى في ~~اللغة الضم. والثالث -وهو أقلها- شد ورد وحل وبل، بإخلاص الكسرة، فهذا ~~المضعف. # وأما المعتل العين، فأقوى اللغات فيه كسر أوله، نحو: قيل وبيع وسير به، ~~ثم يليه الإشمام؛ وهو أن تدخل الضمة على الكسرة؛ لأن الكسر هنا هو الأفشى، ~~فتقول: قيل وبيع وعيص4، والثالث -وهو أقلها- أن تخلص الضمة في الأول كما ~~أخلصت الكسرة فيه مع التضعيف، نحو: رد وحل، فتصح الواو من بعدها؛ فتقول ~~"83و": قول وبوع، وروينا عن محمد بن الحسن، أظنه عن أحمد بن يحيى: # وابتذلت غضبي وأم الرحال ... وقول لا أهل له ولا مال5 # وقال ذو الرمة: # دنا البين من مي فردت جمالها ... وهاج الهوى تقويضها واحتمالها6 ~~PageV01P345 # وهذه لغة لبني ضبة، وبعضهم يقول في الصحيح بكسر أوله: قد ضرب زيد، وقتل ~~عمرو، وينقل1 كسرة العين على الفاء. # وحكي عنهم فيما رويناه عن قطرب: بوع متاعه، وخور له، واختور عليه: أي ~~اختير، وهو الأجود. ومن أشم فقال: قيل قال: اختير عليه، ومن قال: شد قال: ~~اشتد عليه، ومن قال: شد فأشم أشم أيضا فقال: اشتد عليه، ومن قال: شد قال: ~~اشتد عليه. # وحكى الفراء أن بعضهم قرأ: "كشجرة خبيثة اجتثت"2 بضم تنوين "خبيثة" وكسر ~~تاء "اجتثت". ومن أبيات الكتاب قول الفرزدق: # وما حل من جهل حبا حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنف3 # بإشمام ضمة الحاء كسرا كما ترى. # ومن ms241 ذلك قراءة أبي رجاء بخلاف: "صوع الملك"4 بفتح الصاد. وقرأ: "صوع" بضم ~~الصاد بغير ألف عبد الله بن عون بن أبي أرطبان. وقرأ: "صوغ الملك" بفتح ~~الصاد وبالغين معجمة يحيى بن يعمر. وقرأ: "صاع الملك" أبو هريرة5 ومجاهد ~~بخلاف، وقراءة الناس: {صواع الملك} . # قال أبو الفتح: الصاع والصواع والصوع والصوع واحد، وكلها مكيال. وقيل: ~~الصواع: إناء للملك يشرب فيه. وأما الصوغ فمصدر وضع موضع اسم المفعول؛ يراد ~~به المصوغ، كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى المصيد، وقد تقدم ذكره. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وفوق كل ذي عالم عليم"6. PageV01P346 # قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم؛ أي: وفوق كل شخص يسمى ~~عالما عليم. وقد كثر عنهم إضافة المسمى إلى اسمه، منه قول الكميت: # إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من نفسي ظماء وألبب1 # أي: إليكم يا آل النبي؛ أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي، وعليه ~~قول الأعشى: # فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا2 # أي: صبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان. ومنه قول الآخر: # وحي بكر طعنا طعنة بحرا3 # أي: الإنسان الحي -الذي يسمى بقولهم: بكر- طعنا. وقال الآخر: # ألا قبح الإله بني زياد ... وحي أبيهم قبح الحمار4 # أي: وقبح أباهم الحي الذي يقال له: أبوهم، وليس الحي هنا كقولنا: حي مضر ~~ونحوه. وهو باب من العربية واسع قد تقصيناه في كتاب الخصائص5. # والوجه الثاني: أن يكون "عالم" مصدرا كالفالج والباطل "83ظ" فكأنه قال: ~~وفوق كل ذي علم عليم. # والوجه الثالث: أن يكون على مذهب من يعتقد زيادة "ذي"؛ فكأنه قال: وفوق ~~كل عالم عليم. # وقراءة الجماعة: {وفوق كل ذي علم عليم} قراءة حسنة محتاط فيها؛ وذلك أنه ~~إذا قال القائل: وفوق كل ذي عالم عليم، كان لفظه لفظ العموم ومعناه الخصوص؛ ~~وذلك لأن الله عز وجل عالم ولا عالم فوقه، وإذا قال: وفوق كل ذي علم عليم، ~~فذلك مستقيم وسليم؛ لأن القديم ms242 تعالى خارج PageV01P347 # منه، ألا تراه -عز وعلا- عالما لنفسه بلا علم، والكلام ملاق ظاهره ~~لباطنه، وليس لفظه على شيء ومعناه على غيره. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ثم استخرجها من وعاء أخيه"1 بضم الواو. # قال أبو الفتح: وقرأ سعيد بن جبير: "إعاء أخيه" بهمزة، وأصله: وعاء، ~~فأبدلت الواو وإن كانت مكسورة همزة، كما قالوا في وسادة: إسادة، وفي وجاح، ~~إجاح؛ وهو الستر. وهمز وعاء بالضم أقيس من همز المكسور الواو؛ فعليه يحسن ~~بل يقول أعاء أخيه. ومثله: {وإذا الرسل أقتت} 2، وقالوا في وجوه: أجوه، وفي ~~وعد: أعد، وقالوا: أجنة3، قال أبو حاتم: ولم يقولوا: وجنة؛ بل ألزموها ~~الهمز، وقد همزت الواو المفتوحة، قالوا: أحد، وأصله: وحد؛ أعني: أحد عشر ~~ونحوها: من أحد وعشرين إلى فوق. # وأما قولهم: ما بالدار أحد، فقال شيخنا أبو علي: إن الهمزة فيه أصلية؛ ~~لأنه للعموم لا للأفراد. وقالوا في وناة: أناة، وفي وجم: أجم، وفي وج ~~للطائف4: أج، وقال أبو عبيدة: قالوا في وبلة5 الطعام: أبلة. وقال أبو بكر ~~في أسماء اسم امرأة: أصلها وسماء، فعلاء من الوسامة، كما قيل لها: حسناء. # ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز6: "من روح الله"7. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون -والله أعلم- من الروح الذي من الله، ويعني ~~به روح ابن آدم، وقد أضيف نحو ذلك إلى الله تعالى. قال لنا أبو علي في ~~قولهم: # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها8 PageV01P348 # أي: وحق العمر الذي وهبه الله لي. وكذلك من روح الله: أي من الروح الذي ~~هو من عند الله وبلطفه ونعمته. # ومن ذلك قراءة أبي: "أئنك أو أنت يوسف"1. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر إن، حتى كأنه قال: أئنك ~~لغير يوسف، أو أنت يوسف؟ فكأنه قال: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف ~~قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر إن، قال الأعشى: # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا2 # أراد: إن لنا محلا، وإن ms243 لنا مرتحلا، فحذف الخبر. والكوفيون لا يجيزون حذف ~~خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا وإن كان أصحابنا ~~يجيزونه مع المعرفة. # ومن ذلك قراءة عمر بن ذر، وكان يقرأ قراءة ابن مسعود: "قد أتيتن من الملك ~~وعلمتن"3. # قال أبو الفتح: أراد الياء فيهما جميعا، فحذفها تخفيفا ولطول الاسم، كقول ~~الأعشى: "84و" # فهل يمعني ارتياد البلا ... د من حذر الموت أن يأتين4 # وهو كثير، وقد مضى مثله. # ومن ذلك قراءة عكرمة وعمرو بن فائد: "والأرض يمرون عليها"5 بالرفع، وقرأ: ~~"الأرض" نصبا السدي، قراءة الناس: {والأرض} . # قال أبو الفتح: الوقف فيمن رفع أو نصب على السماوات، ثم تبتدئ فتقول: ~~"والأرض، والأرض"؛ فأما الرفع الابتداء، والجملة بعدها خبر عنها، والعائد ~~منها على الأرض "ها" من عليها، و"ها" من عنها عائدة على الآية. وأما من نصب ~~فقال: "والأرض يمرون عليها" فبفعل مضمر؛ أي: يطئون الأرض، أو يدوسون الأرض، ~~ونحو ذلك. PageV01P349 # وعليه قراءة ابن مسعود: "يمشون عليها"، فلما أضمر الفعل الناصب فسره ~~بقوله: "يمرون عليها". والنصب هنا دليل جواز قولنا: زيد عندك وعمرا مررت ~~به، فهو كقولك: زيدا مررت به في الابتداء. ومن جر "الأرض" على قراءة ~~الجماعة، فإن شاء وقف على "الأرض"، وإن شاء على قوله: "معرضون". # ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد والضحاك، بخلاف عنهم: "وظنوا أنهم قد ~~كذبوا"1 بفتح الكاف والذال خفيفة. # قال أبو الفتح: تقديره: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا فيما ~~أتوا به من الوحي إليهم جاءهم نصرنا. # ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة"2 برفع الثلاثة الأحرف. # قال أبو الفتح: أي ولكن هو تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ~~ورحمة، فحذف المتبدأ وبقي الخبر. ويجوز على هذا الرفع في قوله تعالى: "ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين"3 أي: ولكن هو ~~رسول الله. PageV01P350 ### | سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة الناس: {صنوان} 1 إلا الحسن وقتادة، فإنهما قرآ: ms244 "صنوان". # قال أبو الفتح: الذي روينا في هذا عن قطرب: "صنوان"، قال: وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي: "صنوان" بضم الصاد، ولم يحك الفتح. # فأما الواحد فصنو بكسر الصاد، وأما الجمع فصنوان بكسرها وصنوان بضمها، ~~والصنو: النخلة لها رأسان وأصلها واحد، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"العباس عمي وصنو أبي"، فكأنه قال: هما فرعان من أصل واحد. والصنوان بالضم ~~لتميم وقيس، وبالكسر لأهل الحجاز. # فأما صنو وصنوان فإن نظيره ذئب وذؤبان، وقنو وقنوان2. وقد يكون مثله شيح3 ~~وشيحان؛ لكن المسئول عنه من هذا صنو وصنوان: هل هو جمع تصحيح أو جمع تكسير؟ ~~وليس جمعا مصححا وإن كان مثال الواحد موجودا في الجمع؛ وذلك أن جمع التصحيح ~~ضربان: بالواو والنون كالزيدون والعمرون، وبالألف والتاء كالزينبات ~~والصالحات. # وليس فعلان واحدا منهما، وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم أن المثالين وإن ~~كانا وفقين فإن التقديرين مختلفان، فالكسرة في صاد صنوان غير الكسرة في صاد ~~صنو، فيتفق "84ظ" اللفظان ويختلف التقديران؛ وإنما صنوان من صنو كخربان4 من ~~خرب، فكما أن فتحة الخاء من خرب غير كسرتها من خربان لفظا، فكذلك كسرة ~~الصاد من صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا. # وجاء تكسير فعل على فعلان، كما جاز تكسير فعل عليه، نحو: خرب وخربان ~~وشبث5 وشبثان وبرق6 وبرقان؛ وذلك أن فعلا وفعلا قد تعاقبا على المعنى ~~الواحد؛ فصارا في ذلك أخوين PageV01P351 # نحو: بدل وبدل وشبه وشبه ومثل ومثل، فكما كسروا فعلا على فعلان -فيما ~~ذكرنا- فكذلك أيضا كسروا فعلا عليه في صنو وصنوان، وإذا كانت كسرة الصاد من ~~صنوان غير كسرتها من صنو تقديرا فكذلك أيضا سكون النون من صنوان غير سكونها ~~من صنو تقديرا، فكما جاز أن تكون الكسرة غير الكسرة تقديرا كذلك جاز أيضا ~~أن يكون السكون في الجمع غير السكون في الواحد. # وكما لا يشك في أن فتحة خاء خرب غير كسرة خاء خربان، فلا يشك أيضا في أن ~~فتحة راء خرب غير سكون راء خربان، فكذلك أيضا كسرة الصاد في الواحد غير ms245 ~~كسرة الصاد في الجمع، وسكون النون في صنو غير سكون النون في صنوان؛ اعتبارا ~~لحالي المتفقين بحالي المختلفين. # ونظير اتفاق اللفظين في الحركات مع اختلاف التقديرات قولهم في ترخيم ~~منصور على من قال يا حار: يا منص، وكذلك تقول في ترخيم منصور على يا حار: ~~يا منص، فالكسرة على يا حار هي ضمة صاد منصور، وهي على يا حار ضمة مجتلبة ~~للنداء غير تلك؛ اعتبارا بيا حار، ويا حار. فكما أن الضمة في يا حار غير ~~الكسرة في يا حار لفظا، فكذلك ضمة صاد يا منص على يا حار غير ضمتها في يا ~~منص على يا حار تقديرا. # وكذلك الفلك -في قول سيبويه- وأنت تريد الواحد، وكذلك إذا أردت الجمع؛ ~~وذلك أنه يعتقد أنه كسر فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل، نحو: أسد ~~وأسد ووثن ووثن فيمن قرأ: "إن يدعون من دونه إلا أثنا"1 جمع وثن، فكذلك كسر ~~فعل على فعل؛ وذلك أن فعلا وفعلا قد اعتقبا على المعنى الواحد، كالشغل ~~والشغل، والبخل والبخل، والحزن والحزن، فكما كسروا فعلا على فعلا -فيما ~~ذكرنا- كذلك كسروا فعلا على فعل في الفلك، فالضمة إذن في فاء الفلك وأنت ~~تريد الواحد كالضمة في قاف قفل وخاء خرج، وهي في الفلك وأنت تريد الجميع ~~كضمة حاء حمر وصاد صفر، فاللفظان واحد والتقديران اثنان. وقد أفردنا في ~~كتابنا الخصائص بابا لما اتفق فيه اللفظان واختلف فيه التقديران في الحروف ~~والحركات والسكون2. # فسكون اللام إذن في الفلك وهو واحد غير سكونها فيه وأنت تريد الجمع؛ ~~اعتبارا بأسد وأسد ووثن ووثن. وقد قالوا في جمع صنو: أصناء، فهذا كقنو ~~وأقناء. ونظير صنو PageV01P352 # وصنوان في اتفاق اللفظين واختلاف التقديران مما جاء على فعل وفعلان ~~قولهم: قنو وقنوان، وحسل1 وحسلان، ورئد2 ورئدان، وخشف3 وخشفان، وسيد4 ~~وسيدان. هذا هو الظاهر "85و" ومثله كير الحداد وكيران، وشيح5 وشيحان، وخيط6 ~~وخيطان من النعام، وخرص7 الرمح وخرصان، وشقد8 وشقدان، ونسوة ونسوان. # وأما "صنوان" بفتح الصاد فليس من أمثلة التكسير؛ وإنما هو اسم للجمع ms246 ~~بمنزلة الباقر9 والجامل والسامر والدابر. وعلى أن قطربا لم يحك فتح الصاد، ~~وكذلك أبو حاتم في كتابه الذي نرويه عنه في القرآن؛ فإن صح فتح الصاد من ~~"صنوان" فهو على ما ذكرناه من كونه اسما للجمع، لا مثالا من أمثلة التكسير. ~~ومثله مما جاء اسما مفردا للجمع غير مكسر قولهم: السعدان والضمران10. # ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي وطلحة بن سليمان: "المثلات"11، وقرأ: ~~"المثلات" يحيى بن وثاب، وقراءة الناس: {المثلات} . # قال أبو الفتح: روينا عن أبي حاتم قال روى: زائدة12 عن الأعمش عن يحيى: ~~"المثلات" بالفتح والإسكان. قال: وقال زائدة: وبما ثقل سليمان13 -يعني: ~~الأعمش- يقول: "المثلات". # وأصل هذا كله "المثلات" بفتح الميم وضم الثاء، يقال: أمثلت الرجل من ~~صاحبه إمثالا، واقصصته منه إقصاصا بمعنى واحد، والاسم المثال كالقصاص. # فأما من قرأ: "المثلات" فعلى أصله، كالسمرات جمع سمرة، والثمرات جمع ~~ثمرة14. PageV01P353 # ومن قال: "المثلات" بضم الميم وسكون الثاء احتمل عندنا أمرين: # أحدهما: أن يكون أراد: المثلات، ثم آثر إسكان الثاء استثقالا للضمة ففعل ~~ذلك، إلا أنه نقل الضمة إلى الميم فقال: المثلات، كما قالوا في عضد: عضد، ~~وفي عجز: عجز. # والآخر: أن يكون خفف في الواحد فصار مثلة إلى مثلة، ثم جمع على ذلك فقال: ~~المثلات. # فإن قيل: فهلا أتبع الضم الضم، فقيل: المثلات، كما نقول في غرفة: غرفات، ~~وفي حجرة: حجرات، ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أنه إنما كره المثلة مع فتح الميم، أفيجمع في المثلات بين ضمين، ~~فيصير إلى أثقل مما هرب منه؟ # والآخر: أنه لو جمع مثلة بعد أن غيرها عن مثلة على مثلات لكان كأنه جمع ~~مثلة مرتجلة على فعلة، كحجرة وظلمة، فأقرها على سكون الثاء بحاله لذلك. # فإن قيل: هلا لم يجمع بين الضمتين لكن فتح الثاء فقال: المثلات هربا إلى ~~الخفة بالفتح كظلمات وغرفات، قيل: لو كان ممن يرى هذا لأقر المثال الأول ~~بحاله فقال: المثلات؛ لأنه إذا فعل ذلك فإنما جمع بين ضمة وفتحة أيضا، فإذا ~~انصرف عن ذلك ألبتة فلا وجه لمعاودة ما كأنه هو، ms247 فضم الميم وأسكن الثاء ~~فقال: المثلات، واستغنى عن التعسف بالكلمة إلى هذه الغاية المستبعدة، ثم ~~إنها مع ذلك غير مفيدة ولا مجدية، فهذا هذا. # وروينا عن قطرب أن بعضهم قرأ: "المثلات" بضمتين، فهذا إما عامل الحاضر ~~معه فثقل عليه، وإما فيها لغلة أخرى؛ وهي مثلة، كبسرة، فيمن ضم السين، وإما ~~فيها لغة ثالثة؛ وهي مثلة كغرفة. # وأما من قال: "المثلات" بفتح الميم وسكون الثاء، فإنه أسكن عين المثلات ~~"85ظ" استثقالا لها فأقر الميم المفتوحة. وإن شئت قلت: أسكن عين الواحد ~~فقال: مثلة، ثم جمع وأقر السكون بحاله ولم يفتح الثاء، كما قال في جفنة ~~وتمرة: جفنات وتمرات؛ لأنها ليست في الأصل فعلة؛ وإنما هي مسكنة من فعلة، ~~ففصل بذلك بين فعلة مرتجلة وفعلة مصنوعة منقولة من فعلة على ما ترى. # وإن شئت قلت: قد أسكن الثاء تخفيفا، فلم يراجع تحريكها إلا بحركتها ~~الأصلية لها. وقد يمكن أيضا أن يكون من قال: "المثلات" ممن يرى إسكان ~~الواحد تخفيفا، فلما صار إلى الجمع # PageV01P354 # وآثر التحريك في الثاء عاود الضمة؛ لأنها هي الأصل لها، ولم يرتجل لها ~~فتحة أجنبية عنها، كل ذلك جائز. # ومن ذلك قراءة عبيد الله بن زياد: "له معاقيب من بين يديه"1. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا تكسير معقب أو معقبة، إلا أنه لما حذف ~~إحدى القافين عوض منها الياء، فقال: "معاقيب"، كما تقول في تكسير مقدم: ~~مقاديم، ويجوز ألا تعوض فتقول: معاقب كمقادم. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس -رضي الله عنها- وعكرمة وزيد بن ~~علي وجعفر بن محمد: "يحفظونه بأمر الله"2. # قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف؛ أي: يحفظونه مما يحاذره بأمر الله. ~~وأما قراءة الجماعة: {يحفظونه من أمر الله} فليس معناه أنهم يحفظونه من أمر ~~الله أن ينزل به؛ لكن تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، ~~ف"من" على هذا مرفوعة الموضع؛ لأنها صفة للمرفوع الذي هو "معقبات"، ولو ~~كانت -كما يظن- أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به لكانت منصوبة ms248 الموضع؛ ~~كقولك: حفظت زيدا من الأسد، فقولك: من الأسد، منصوب الموضع؛ لأنه مفعول ~~حفظت. # والذي ذكرناه في هذا رأي أبي الحسن، وما أحسنه! فأن قلت: فهلا كان ~~تقديره: يحفظونه من أمر الله؛ أي: بأمر الله، ويستدل على إرادة الباء هنا ~~بقراءة علي عليه السلام: "يحفظونه بأمر الله". وجاز أن يحفظوه بأمر الله؛ ~~لأن هذه المصائب كلها في علم الله وبإقداره فاعليها عليها، فيكون هذا كقول ~~القائل: هربت من قضاء الله بقضاء الله، قيل: تأويل أبي الحسن أذهب في ~~الاعتداد عليهم؛ وذلك أنه -سبحانه- وكل بهم من يحفظهم من حوادث الدهر ~~ومخاوفه PageV01P355 # التي لا يعتد عليهم بتسليطها عليهم، وهذا أسهل طريقا، وأرسخ في الاعتداد ~~بالنعمة عليهم عروقا. # ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف: {شديد المحال} 1 بفتح الميم. # قال أبو الفتح: "المحال" هنا مفعل من الحيلة. قال أبو زيد: يقال: ما له ~~حيلة ولا محالة؛ فيكون تقديره: شديد الحيلة عليهم، وتفسيره قوله سبحانه: ~~{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} 2، وقوله: {ومكروا ومكر الله} 3، وقال: {يحول ~~بين المرء وقلبه} 4، والطريق هنا واضحة. # ومن ذلك قراءة أبى مجلز: {بالغدو والإيصال} 5. # قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا: دخلنا في وقت الأصيل "86و" ونحن مؤصلون. ~~وقد ذكرنا هذا فيما مضى من الكتاب. # ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب: "فنعم عقبى الدار"6. # قال أبو الفتح: أصل قولنا: نعم الرجل ونحوه نعم كعلم، وكل ما كان على فعل ~~وثانيه حرف حلقى فلهم أربع لغات، وذلك نحو: فخذ، ومحك7، ونغر8، بفتح اللام ~~وكسر الثانى على الأصل. وإن شئت أسكنت الثانى وأقررت الأول على فتحه فقلت: ~~فخذ، ومحك، ونغر. وإن شئت أسكنت ونقلت الكسرة إلى الأول فقلت: فخذ، ومحك، ~~ونغر. وإن شئت أتبعت الكسر الكسر فقلت: فخذ، ومحك، ونغر. وكذلك الفعل نحو: ~~ضحك، وإن شئت PageV01P356 # ضحك، وإن شئت ضحك، وإن شئت ضحك. فعلى هذ القول: نعم الرجل، وإن شئت: نعم، ~~وإن شئت نعم، وإن شئت نعم. فعليه جاء: {فنعم عقبى الدار} . وأنشدنا أبو علي ~~لطرفة: # ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس ms249 من سر وضر # ما أقلت قدمي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر1 # وروينا عن قطرب: نعيم الرجل زيد، بإشبع كسرة العين وإنشاء ياء بعدها ~~كالمطافيل2 والمساجيد. ولا بد من أن يكون الأمر على ما ذكرنا؛ لأنه ليس في ~~أمثلة الأفعال فعيل ألبتة. # ومن ذلك قراءة علي -عليه السلام- وابن عباس وابن أبي مليكة3 وعكرمة ~~والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبي يزيد المدني وعلي بن ~~بديمة وعبد الله بن يزيد: "أفلم يتبين الذين"4. # قال أبو الفتح: هذه القراءة فيها تفسير معنى قول الله تعالى: {أفلم ييأس ~~الذين آمنوا} ، وروينا عن ابن عباس أنها لغة وهبيل: فخذ من النخع، قال: # ألم ييئس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا5 # وروينا لسحيم بن وثيل: # أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني ... ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم6 # أي: ألم تعلموا. ويشبه عندي أن يكون هذا راجعا أيضا إلى معنى اليأس؛ وذلك ~~أن المتأمل للشيء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت ~~يقينه على شيء من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه كما ينصرف ~~اليائس من الشيء عنه، ولا يلتفت إليه. وهذه PageV01P357 # اللغة هكذا طريق صنعتها وملاءمة أجزائها وضم نشرها وشتاتها، فإن لم تطبن1 ~~لها وتلاق بين متهاجراتها بدت2 فرقا، وكانت حرية لو لاطفتها بالتعانق ~~والالتقاء فرفقا رفقا، لا عنفا ولا خرقا. # ومن ذلك قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى وابن عباس وأبي -رضي الله ~~عنهم- وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد بخلاف والحسن بخلاف وعبد الرحمن بن أبي ~~بكرة وابن أبي إسحاق والضحاك والحكم بن عتيبة، ورويت عن الأعمش: "ومن عنده ~~علم الكتاب"3، وقرأ: "ومن عنده" بكسر الميم والدال والهاء "علم الكتاب" بضم ~~العين وفتح الميم علي وابن السميفع "86ط" والحسن. وقراءة الجماعة: {ومن ~~عنده علم الكتاب} . # قال أبو الفتح: من قرأ: "ومن عنده علم الكتاب" فتقديره ومعناه: من فضله ~~ولطفه علم الكتاب، ومن قرأ: "ومن عنده علم الكتاب" فمعناه معنى الأول، إلا ~~أن تقدير ms250 إعرابه مخالف له؛ لأن من قال: "ومن عنده علم الكتاب" ف "من" ~~متعلقة بمحذوف، "وعلم الكتاب" مرفوع بالابتداء، كقوله تعالى: {ومنهم أميون} ~~4. ومن قال: "ومن عنده علم الكتاب" ف"من" متعلقة بنفس "علم"، كقولك: من ~~الدار أخرج زيد؛ أي: أخرج زيد من الدار، ثم قدمت حرف الجر. وقراءة الجماعة: ~~{ومن عنده علم الكتاب} فالعلم مرفوع بنفس الظرف؛ لأنه إذا جرى الظرف صلة ~~رفع الظاهر لإيغاله في قوة شبهه بالفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه. ~~PageV01P358 ### | سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ أبو السمال: "بلسن قومه"1. # قال أبو الفتح: حكي أن بعض أصحابنا قال: دخلت علي أبي السمال وهو ينتف ~~شعر إسبه وهو يقرأ: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه"، وإسبه يعني عانته، ~~فاللسن واللسان، كالريش والرياش: فعل وفعال بمعنى واحد. هذا إذا أردت ~~باللسان اللغة والكلام. فإن أردت به العضو فلا يقال فيه: لسن؛ إنما ذلك في ~~القول لا العضو. وكأن الأصل فيهما للعضو، ثم سموا القول لسانا؛ لأنه ~~باللسان، كما يسمى الشيء باسم الشيء لملابسته إياه؛ كالراوية2 والظعينة3 ~~ونحوها. # ومن ذلك قراءة الحسن: "فليتوكل المؤمنون"4. # قال أبو الفتح: هذا لعمري الأصل في لام الأمر: أن تكون مكسورة، إلا أنهم ~~أقروا إسكانها تخفيفا. وإذا كانوا يقولون: مره فليقم، فيسكنونها مع قلة ~~الحروف والحركات، فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها في ~~قوله: "فليتوكل المؤمنون"، لا سيما وقبلها كسرة الهاء، فاعرف ذلك، فإن ~~مصارفة الألفاظ باب معتمد في الاستثقال والاستخفاف. # ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: "واستفتحوا"5. PageV01P359 # قال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: {فأوحى إليهم ربهم} 1 ~~أي: قال لهم: استفتحوا، ومعناه: استنصروا الله عليهم، واستحكموه بينكم ~~وبينهم، والقاضى اسمه الفتاح، قال الله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح} 2 أي: تستنصروا فقد جاءكم النصر. وعليه سموا الظفر بالعدو فتحا، ~~ومنه الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستفتح بصعاليك المهاجرين3؛ ~~أي: يستنصر بهم. وقال أحمد بن يحيى: أي يقدمهم ويبدأ أمره ms251 بهم، وكأنهم إنما ~~سموا القاضي فتاحا لأنه يفتح باب الحق الذي هو واقف ومنسد، فيصار إليه ~~ويعمل عليه. # ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكير: "في يوم عاصف"4 ~~بالإضافة. # قال أبو الفتح: هذا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: في يوم ريح ~~عاصف، وحسن "87و" حذف الموصوف هنا شيئا؛ لأنه قد ألف حذفه في قراءة ~~الجماعة: {في يوم عاصف} . # فإن قيل: فإذا كان "عاصف" قد جرى وصفا على "يوم" فكيف جاز إضافة "يوم" ~~إليه، والموصوف لا يصاف إلى صفته؛ إذ كانت هي هو في المعنى؛ والشيء لا يضاف ~~إلى نفسه؟ ألا تراك لا تقول: هذا رجل عاقل، ولا غلام ظريف، وأنت تريد ~~الصفة؟ قيل: جاز ذلك من حيث كان "اليوم" غير العاصف في المعنى وإن كان إياه ~~في اللفظ؛ لأن العاصف في الحقيقة إنما هو الريح لا اليوم، وليس كذلك هذا ~~رجل عاقل؛ لأن الرجل هو العاقل في الحقيقة، والشيء لا يضاف إلى نفسه، فهذا ~~فرق. # ومن ذلك قراءة السلمي: {ألم تر أن الله} 5 ساكنة الراء. # قال أبوالفتح: فيها ضعف؛ لأنه إذا حذف الألف للجزم فقد وجب إبقاؤه للحركة ~~قبلها PageV01P360 # دليلا عليها، وكالعوض منها لا سيما وهي خفيفة، إلا أنه شبه الفتحة ~~بالكسرة المحذوفة في نحو هذا استخفافا. أنشد أبو زيد: # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا1 # وأنشدنا أيضا: # قالت سليمى كلمة تلجلجا ... لو طبخ النيء به لأنضجا # يا شيخ لا بد لنا أن نحججا ... قد حج في ذا العام من كان رجا # فاكتر لنا كري صدق فالنجا ... واحذر فلا تكتر كريا أعوجا # علجا إذا ساق بنا عفنججا2 # فأسكن الراء من "اشتر" و"اكتر" استخفافا، أو إجراء للوصل على حد الوقف. ~~وروينا عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قول الشاعر: # ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي3 # فأسكن قاف "يتق" لما ذكرنا، وكذلك شبه السلمى "ألم تر" بذلك إذا كانت ~~الكسرة أثقل، أو لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف. # ومن ذلك قراءة ms252 الحسن: "وأدخل الذين"4 برفع اللام. # قال أبو الفتح: هذه القراءة على أن "أدخل" من كلام الله تعالى؛ كأنه قطع ~~الكلام واستؤنف PageV01P361 # فقال الله عز وجل: "وأدخل الذين آمنوا" أي: وأنا أدخلهم جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار بإذن ربهم؛ أي: بإذني، إلا أنه أعاد ذكر الرب ليضيفه إليهم، ~~فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى وأذهب في الإكرام والتقريب منه لهم. ~~ومثله في القرآن: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} 1، وقال: {إن ~~وليي الله} 2، فهذا كله تحقق بالله تعالى، وتقرب منه، وانتساب إليه. # ومن ذلك قراءة أنس بن مالك: "كشجرة طيبة ثابت أصلها"3. # قال أبو الفتح: قراءة الجماعة: {أصلها ثابت} أقوى معنى؛ وذلك أنك إذا ~~قلت: "ثابت أصلها" فقد أجربت ثابتا صفة على شجرة، وليس الثبات لها؛ إنما هو ~~للأصل. ولعمري إن الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت ~~عليه؛ إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظا به. # وإذا كان الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل فالمعتمد بالثبات هو الأصل، ~~فبقدر ذلك ما4 حسن تقديمه عناية به ومسارعة إلى ذكره، ولأجل ذلك قالوا: زيد ~~ضربته "87ظ" فقدموا المفعول لأن الغرض هنا ليس بذكر الفاعل؛ وإنما5 هو ذكر ~~المفعول، فقدموه عناية بذكره، ثم لم يقنع ذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة ~~وجعلوه في اللفظ رب الجملة، فرفعوه بالابتداء، وصارت الجملة التي إنما كان ~~ذيلا لها وفضلة ملحقة بها في قولهم: ضربت زيدا، ثانية له، وواردة في اللفظ ~~بعده، ومسندة إليه، ومخبرا بها عنه. وقد تقدم في هذا الكتاب نحو هذا ~~مستقصى. # فكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم، أقوى معنى من قولك: قائم أبوه؛ لأن ~~المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل؛ ومن هنا ذهب أبو الحسن في نحو ~~قولنا: قام زيد، إلى أن قام في موضع؛ لأنه وقع موقع الاسم؛ لأن تقدير ~~المحدث عنه أن يكون أسبق رتبة من الحديث، PageV01P362 # إلا أن لقراءة أنس هذه وجها من القياس حسنا؛ وذلك أن قوله: "ثابت أصلها" ~~صفة ms253 لشجرة، وأصل الصفة أن تكون اسما مفردا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة ~~إذا جرت صفة للنكرة حكم على موضعها بإعراب المفرد الذي هي واقعة موقعه. # فإذا قال: "ثابت أصلها" فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: ~~"أصلها ثابت" فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذن له لا لها. # فإن قلت: فليس اللفظ مفردا، ألا ترى أنه ثابت أصلها؟ قيل: هذا لا يبلغ به ~~صورة الجملة؛ لأن ثابتا جار في اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع أصلها ~~لتضمنه لفظ الضمير موضع الضمير الخاص بالأول، وليس كذلك "أصلها ثابت"؛ لأن ~~معك صورة الجملة ألبتة، فهذا تقوية لقول أنس. # وكان أبو علي يعتذر من إجازتهم: مررت برجل قائم أبوه، ويقول: إنما ذلك ~~لأن الجملة نكرة، كما أن المفرد هنا لو وقع لم يكن إلا نكرة؛ لأن موصوفه ~~نكرة. # ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن والضحاك ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو ~~بن فائد ويعقوب: "من كل ما سألتموه"1 بالتنوين. # قال أبو الفتح: أما على هذه القراءة فالمفعول ملفوظ به؛ أي: وآتاكم ما ~~سألتموه أن يؤتيكم منه. وأما على قراءة الجماعة: {من كل ما سألتموه} على ~~الإضافة فالمفعول محذوف؛ أي: وآتاكم سؤلكم من كل شيء؛ أي: وآتاكم ما ساغ ~~إيتاؤه إياكم أياه منه، فهو كقوله عز وجل: {وأوتيت من كل شيء} 2 أي: أوتيت ~~من كل شيء شيئا. وقد سبق ذكرنا حذف المفعول للعلم به، وأنه مع ذلك عذب عال ~~في اللغة. # ومن ذلك قراءة الجحدري والثقفي وأبي الهجهاج: "وأجنبني"3 بقطع الألف. # قال أبو الفتح: يقال: جنبت الشيء أجنبه جنوبا، وتميم تقول: أجنبته أجنبه ~~إجنابا؛ أي: نحيته عن الشيء. فجنبته كصرفته، وأجنبته جعلته جنيبا عنه، ~~وكذلك: {واجنبني PageV01P363 # وبني أن نعبد الأصنام} أي: اصرفني وإياهم عن ذلك، وأجنبني: أي اجعلني ~~كالجنيب لك؛ أي: المنقاد معك عنها. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وأبي جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد ~~-عليهم السلام- ومجاهد: "تهوى"1 بفتح الواو، وقرأ "88و" ms254 مسلمة بن عبد الله: ~~"تهوى إليهم". # قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: {تهوي إليهم} بكسر الواو فتميل إليهم: ~~أي تحبهم، فهذا في المعنى كقولهم: فلان ينحط في هواك؛ أي: يخلد إليه ويقيم ~~عليه؛ وذلك أن الإنسان إذا أحب شيئا أكثر من ذكره وأقام عليه، فإذا كرهه ~~أسرع عنه وخف إلى سواه، وعلى ذلك قالوا: أحب البعير: إذا برك في موضعه، ~~قال: # حلت عليه بالقطيع ضربا ... ضرب بعير السوء إذا أحبا2 # أي: برك. # ومنه قولهم: هويت فلانا، فهذا من لفظ هوى الشيء يهوي، إلا أنهم خالفوا ~~بين المثالين لاختلاف ظاهر الأمرين وإن كانا على معنى واحد متلاقيين، ~~فقراءة علي عليه السلام: "تهوى إليهم" بفتح الواو؛ وهو من هويت الشيء إذا ~~أحببته، إلا أنه قال: "إليهم"، وأنت لا تقول: هويت إلى فلان؛ لكنك تقول: ~~هويت فلانا؛ لأنه -عليه السلام- حمله على المعنى، ألا ترى أن معنى هويت ~~الشيء ملت إليه؟ فقال: "تهوى إليهم" لأنه لاحظ معنى تميل إليهم. وهذا باب ~~من العربية ذو غور، وقد ذكرناه في هذا الكتاب. # ومنه قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} 3، عداه ~~بإلىوأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها أو معها؛ لكنه ~~لما كان معنى الرفث معنى الإفضاء عداه بإلى ملاحظة لمعنى ما هو مثله، فكأنه ~~قال: الإفضاء إلى نسائكم، ومنه قول الله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده} 4 لما كانت التوبة سببا للعفو لاحظ معناه فقال: عن عباده، حتى كأنه ~~قال: وهو الذي يقبل سبب العفو عن عباده، وقد أفردنا لهذا ونحوه في الخصائص ~~بابا5. PageV01P364 # وأما "تهوى إليهم" فمنقول من تهوي إليهم، وإن شئت كان منقولا من قراءة ~~علي عليه السلام: "تهوى"، كلاهما جائز على ما مضى. # ومن ذلك قراءة يحيى بني يعمر: "ولولدي"1، وقرأ: "لولدي" على اثنين الحسين ~~بن علي والزهري وإبراهيم النخعي2 وأبو جعفر محمد بن علي، وقرأ: "ولوالدي" ~~يعني: أباه وحده سعيد بن جبير. # قال أبو الفتح: الولد يكون واحدا ويكون جمعا، قال في الواحد: ms255 # فليت زيادا كان في بطن أمه ... وليت زيادا كان ولد حمار3 # ومن كلام بني أسد: ولدك من دمي عقبيك؛ أي: ولدك من ولدته فسال دمك على ~~عقبيك عند ولادته، لا من اتخذته ولدا، قريبا كان منك أو بعيدا. # وإذا كان جمعا فهو جمع ولد كأسد وأسد، وخشبة وخشب. وقد يجوز أن يكون ~~الولد أيضا جمع ولد كالفلك في أنه جع الفلك، وقالوا: كور الناقة للواحد ~~والجماعة على هذا، ورجل هود: أي تائب، وقوم هود. وقول الله تعالى: {من لم ~~يزده ماله وولده} 4 أي: رهطه، ويقال: ولده، والولد اسم يجمع الواحد ~~والجماعة والأنثى والذكر. وقالوا: ولد أيضا. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود ~~-واختلف عنه- وأبي بن كعب وأبي إسحاق السبيعي5: "وإن كاد" بالدال "مكرهم ~~لتزول"6 بفتح اللام الأولى وضم الثانية. PageV01P365 # قال أبو الفتح: هذه "إن" مخففة من الثقيلة، واللام في قوله: "لتزول" هي ~~التي تدخل بعد "إن" هذه المخففة من الثقيلة؛ فصلا بينها وبين "إن" التي ~~للنفي في قوله تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور} 1 أي: ما الكافرون إلا في ~~غرور، فكأنه قال: وإنه كاد مكرهم "88ظ" تزول منه الجبال. # ودخلت يوما على أبي علي بعيد عوده من شيراز سنة تسع وستين، فقال لي: ألا ~~أحدثك؟ قلت له: قل! قال: دخل إلي هذ الأندلسي فظننته قد تعلم، فإذا هو يظن ~~أن اللام التي تصحب إن المخففة من الثقيلة هي لام الابتداء، قلت: لا تعجب، ~~فأكثر من ترى هكذا. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي هريرة وعلقمة2 وسعيد بن جبير وابن سيرين ~~والحسن وسنان3 بن سلمة بن المحبق وعمرو بن عبيد والكلبي وأبي صالح وعيسى4 ~~الهمداني وقتادة والربيع بن أنس وعمرو بن فائد: "من قطر آن"5. # قال أبو الفتح: القطر: الصفر والنحاس، هو أيضا الفلز، رويناه عن قطرب، ~~وهو أيضا الصاد، ومنه قدور الصاد؛ أي: قدور الصفر. والآني: الذي قد أنى ~~وأدرك. أنى الشيء يأني أنيا وإنى مقصور، ومنه قول الله سبحانه: ms256 {غير ناظرين ~~إناه} 6 أي: بلوغه وإدراكه. قال أبو علي: ومنه الإناء؛ لأنه الظرف الذي قد ~~بلغ غايته المرادة فيه من خرز أو صياغة أو نحو ذلك. قال أمية: # وسليمان إذ يسيل له القطر ... على ملكه ثلاث ليال PageV01P366 # وأما القطران ففيه ثلاث لغات: قطران على فعلان، وهو أحد الحروف التي جاءت ~~على فعلان؛ وهي: ثلثان، وبدلان، والشقران1. ويقال أيضا: قطران بفتح القاف ~~وإسكان الطاء. وقطران بكسر القاف وإسكان الطاء. والأصل فيها قطران فأسكنا ~~على ما يقال في كلمة: كلمة وكلمة، لغة تميمية. قال أبو النجم: # جون كأن العرق المنتوحا ... لبسه القطران والمسوحا2 # وقال النابغة: # وتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آن3 # ومن ذلك قراءة يحيى بن عمر الذارع وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي: ~~"ولينذروا به"4 بفتح الياء والذال. # قال أبو الفتح: يقال نذرت بالشيء: إذا علمت به فاستعددت له، فهو في معنى ~~فهمته، وعلمت به، وطبنت له، وفي وزن ذلك. ولم تستعمل العرب لقولهم: نذرت ~~بالشيء مصدرا، كأنه من الفروع المهجورة الأصول. ومنه عسى لا مصدر لها، ~~وكذلك ليس. # وكأنهم استغنوا عنه بأن والفعل، نحو: سرني أن نذرت بالشيء، ويسرني أن ~~تنذر به. PageV01P367 ### | ذكرى وعرفان # يطلع الجزء الأول من المحتسب على قرائه، فلا يشهد معنا مطلعه زميلنا ~~الكريم الأستاذ الدكتور عبد الحليم النجار، رحمه الله، وأفاض رضوانه عليه. # لقد شاركنا -رحمه الله- في تحقيق هذا الجزء مشاركة جادة مخلصة، لا يألو ~~فيها جهدا، ولا يضن بوقت. فكان نعم العون على تمحيص النص، واكتناه ~~الحقيقفة، ونفي الشبهة، وتذليل الصعب، والاهتداء في المشكل إلى الرأي الذي ~~نرتضيه ونظمئن إلى الأخذ به؛ إذ كان -أحسن الله إليه- عالما جليلا، واسع ~~الاطلاع، صادق التجرية، ثاقب النظرة. # ولما أن فرغنا من تحقيق الجزء، وآن له أن يمضي إلى المطبعة، جاءنا نعيه؛ ~~فنعينا بنعيه إلى أنفسنا، وفقدنا بفقده عالما كبيرا، وأخا كريما، وصديقا ~~عزيزا، رضي الخلق، طيب المعشر، عذب الروح، جم التواضع، حلو الشمائل. # وإنه ليعز علينا كثيرا ألا يقدر لنا وللمحتسب أن يمضي معنا ms257 فيه إلى ~~نهايته؛ فيكون لجزئه الثاني منه مثل ما كان لجزئه الأول؛ ولكنها إرادة الله ~~التي لا راد لها، وحكمه الذي لا معقب له. # على أننا سنمضي -إن شاء الله- في الجزء الثاني على النهج الذي هدانا إليه ~~النظر، واستقرت بنا عنده التجرية. # وليس يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوجه إلى ذكرى زميلنا الكريم بالتحية ~~والإجلال، وإلى الله العلي القدير أن يكرم مثواه، وينزله منازل الأبرار من ~~العاملين المخلصين، وأن يجمل عزاءنا وعزاء أسرته وعزاء العلم والفضل فيه. # PageV01P368 ### | المجلد الثاني ### | سورة الحجر # ... # سورة الحجر: # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الزهري – بخلاف: "سكرت1". # قال أبو الفتح: أي جرت مجرى السكران في عدم تحصيله، فلذلك قال: "سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون". والسكر عندنا من سكر العربة2 ونحوها. وذلك ~~أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسربه، وكذلك حال السكران في وقوف ~~فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه3 ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة4 وقتادة والضحاك ويعقوب ~~وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون5 وعمارة بن أبي حفصة6: "صراط علي ~~مستقيم7" # قال أبو الفتح: "علي" –هنا- كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علو ~~الشخوص والنصبة8. # قال أبو الحسن9 في قراءة الجماعة: {قال هذا صراط علي مستقيم} : هو كقولك: ~~PageV02P003 # الدلالة اليوم علي، أي: هذا صراط في ذمتي وتحت ضماني، كقولك: صحة هذا ~~المال علي، وتوفية عدته علي. وليس معناه عنده أنه مستقيم علي، كقولنا: قد ~~استقام علي الطريق، واستقر علي كذا. وما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه! # ومن ذلك قراءة الزهري: "لكل باب منهم جز مقسوم1". # قال أبو الفتح: هذه لغة مصنوعة، وليست على أصل الوضع. وأصلها "جزء" فعل ~~من جزأت الشيء، وهو قراءة الجماعة إلا أنه خفف الهمزة، فصارت "جز"، لأنه ~~حذفها وألقى حركتها على الزاي قبلها، ثم إنه نوى الوقف على لغة من شدد نحو ~~ذلك في الوقف، فقال: هذا خالد وهو يجعل، فصارت في الوقف "جز"، ثم أطلق وهو ~~يريد ms258 نية الوقف وأقر2 التشديد بحاله فقال: "جز" كما قالوا في الوصل: سبسبا، ~~وكلكلا3. # وقد أنشدنا شواهد نحو ذلك فيما مضى. ومثله الخب فيمن وقف عليه بالتشديد، ~~ويريد تخفيف الخبء4، وهو مشروح في باب الهمز؟ # ومن ذلك قراءة الحسن: "لا توجل"5. # قال أبو الفتح: هذا منقول من وجل يوجل، وجل وأوجلته، كفزع وأفزعته، ورهب ~~وأرهبته. # ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن مصرف، ورويت عن أبي عمرو: "من ~~القنطين6" # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون في الأصل "القانطين" كقراءة الجماعة؛ إلا ~~أن العرب قد تحذف ألف فاعل في نحو هذا تخفيفا. PageV02P004 # قال الراجز: # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # إلا عرادا عردا ... وصليانا بردا # وعنكثا ملتبدا1 # يريد عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا. ألا ترى أن أبا النجم قال: # كأن في الفرش القتاد العاردا1 # أي القوي الخشن، وقد ذكرنا نحو هذا. # وقد يجوز في "القنطين" غير هذا، وذلك أنهم قد قالوا: قنط يقنط، فقد يكون ~~"القنطين" من قنط يقنط هذه، ويكون القانطون من قنط. # ومن ذلك قراءة الأشهب: "ومن يقنط2"، بضم النون. # قال أبو الفتح: فيه لغات: قنط يقنط، وقنط يقنط، وقنط يقنط. وقد حكيت ~~أيضا: قنط يقنط، ومثله من فعل يفعل: ركن يركن، وأبي يأبى، وغسا3 الليل ~~يغسا، وجبا4 يجبا، وقالوا: عضضت تعض. قال ابن يحيى: قد قالوا في شممت وصببت ~~ونحوه بفتح الثاني هربا من الكسر5 من التضعيف. # ومن ذلك قراءة الحسن "ينحتون6"؛ بفتح الحاء. # قال أبو الفتح: أجود اللغتين نحت ينحت، بكسر الحاء، وفتحها لأجل حرف ~~الحلق الذي فيها، كسحر يسحر. وينبغي أن ينظر إلى ما أورده ليكون إلى نحوه ~~طريقا وسلما. PageV02P005 # اعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعاني إذ كانت عليها أدلة، وبها ~~محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نحت ينحت، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: ~~نحط ينحط، إذا زفر في بكائه، فكأن ذلك الضغط الذي يصحب الصوت ينال من آلة ~~النفس، ويحتها ويسفنها1؛ فيكون كالنحت لما ينحت. لأنه تحيف له وأخذ منه. # ونحو من ذلك ms259 [89ظ] قولهم في تركيب ع ص ر: ع س ر: ع ز ر. فالعصر شدة تلحق ~~المعصور. # والعسر شدة الخلق والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة؛ فالشدة جامعة لأحرف ~~الثلاثة. ومنه تركيب ج ب ر، ج ب ل، ج ب ن، المعنى الجامع لها اجتماع ~~الأجزاء وتراجعها. من ذلك جبرت العظم، أي: وصلت ما تفرق من أجزائه، ومنه ~~الجبل لاجتماع أجزائه، ومنه جبن الإنسان، أي: تراجع بعضه إلى بعض واجتمع. ~~وإنما نبذت هنا طرفا من هذا الأمر تنبيها على أمثاله، حتى إذا هي اجتازت بك ~~أحسست بها، ولم تطوك غير حافل بمعانيها وأوضاعها. # ومن ذلك قراءة مالك بن دينار والجحدري والأعمش: "إن ربك هو الخالق2". # قال أبو الفتح: في هذه القراءة دليل على أن فعل الخفيفة فيها معنى الكثرة ~~كفعل الثقيلة، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: "الخلاق"؟ وهذا للكثرة لا محالة. ~~نعم، وقد قرن به العليم، وفعيل للكثرة. وكأن الخلاق الموضوع للكثرة أشبه ~~بعليم؛ لأنه موضوع لها، فلولا أن في خلق معنى الكثرة لما عبر لخالق عن معنى ~~خلاق. ومنه قوله: {غافر الذنب وقابل التوب3} . ألا تراها في معنى غفار ~~وقبال؟ وعليه ما أنشده أبو الحسن: # أنت الفداء لقبلة هدمتها ... ونقرتها بيديك كل منقر4 # فوضع "نقرت" موضع نفرت، وعليه جاء بالمصدرن فقال: كل منقر. وعلة هذا هو ~~ما تعلم من وقع المصدر دالا على الجنس، وإذا أفضت بك الحال إلى عموم ~~الجنسية فقد اغترقت5 وتجاوزت حد الشياع والكثرة. PageV02P006 # سورة النحل 1: # بسم الله الرحمن الرحيم2 # قرأ الزهري "دف3". بغير همز. # قال أبو الفتح: هذه القراءة أقيس من قراءته الأخرى التي هو قول الله عز ~~وجل: "جزء مقسوم4"، بتشديد الزاي. وذلك أنه هنا خفف لا غير. فحذفت الهمزة ~~وألقى حركتها على الفاء قبلها. كقولك في مسألة: مسلة. وفي يلوم: يلم، وفي ~~يزئر يزر. فكان قياس هذا أن يقول: "جز مقسوم"، إلا أنه سلك في كل من ~~القراءتين طريقا إحداهما أقوى من الأخرى. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر وعمرو بن ميمون وابن أرقم، ms260 ورويت عن أبي عمرو: ~~"بشق الأنفس5"، بفتح الشين. # قال أبو الفتح: الشق، بفتح الشين بمعنى الشق بكسرها وكلاهما المشقة6، ~~قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد لعمرو بن ملقط # . وهو جاهليي: # والخيل قد تجشم أربابها الش ... ق وقد تعتسف الراوية7 # هكذا الرواية بفتح الشين، وكلاهما من الشق في العصا ونحوها؛ لأنه آخذ ~~منها وواصل إليها. كالمشقة التي تلحق الإنسان. PageV02P007 # ومن ذلك قراءة أبي عياض "لتركبوها زينة1"؛ بل واو. # قال أبو الفتح: لك في نصب "زينة" وجهان: إن شئت كان معلقا بما قبله، أي: ~~خلقها زينة لتركبوها، وإن شئت كان على قولك: لتركبوها زينة، فزينة هنا حال ~~من "ها" في "لتركبوها"، ومعناه: كقوله تعالى {ولكم فيها جمال} . # ومن ذلك قراءة [90و] الحسن: "وبالنجم هم يهتدون2"، وقرأ يحيى: "وبالنجم" ~~بضم النون ساكنة الجيم. # قال أبو الفتح: النجم جمع نجم، ومثله مما كسر من فعل على فعل: سقف وسقف، ~~ورهن ورهن، ونحوه ثط3 وثط. وقال أبو حاتم: سمعت أبا زيد يقول: رجل أثط، ~~فقلت له: أتقولها؟ فقال: سعتها -وكث اللحية وكث، وفرس ورد4 وخيل ورد، وسهم ~~حشر5 وسهام حشر. # وإن شئت قلت: أراد النجوم، فقصر الكلمة فحذف واوها، فقال: النجم. ومثله ~~من المقصور من فعول قول أبي بكر في أسد: إنه مقصور من أسود فصار أسد، ثم ~~أسكن فقال6: أسد7. ومثله قوله أيضا في ثيرة جمع ثور: إنه مقصور من ثيارة؛ ~~فلذلك وجب عنده قلب الواو من ثور ياء، ولو كان مكسرا على فعلة لوجب تصحيحه ~~فقيل: ثورة، كزوج وزوجة وعود وعودة. # وقال الراجز: # إن الفقير بيننا قاض حكم ... أن ترد الماء إذا غاب النجم7 # يريد النجوم. وقال الأخطل: # كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب7 # يريد الخطوب. وقد ذكرنا نحو هذا فيما مضى. PageV02P008 # وعليه أيضا قراءة يحيى: "وبالنجم" ساكنة الجيم، كأنه مخفف من النجم كلغة ~~تميم في قولهم: رسل، وكتب. # ومن ذلك قراءة السلمى: "إيان يبعثون1". # قال أبو الفتح: فيه لغتان: أيان، وإيان، بالفتح والكسر وقد مضى فيما ~~قبل2. ms261 # ومن ذلك قراءة مجاهد: "فخر عليهم السقف من فوقهم3"، و"لبيوتهم سقفا4". # قال أبو الفتح: الذي قلناه آنفا5 في "النجم" هو شرح لهذه القراءة. # ومن ذلك قراءة الحسن وإبراهيم وابن خيرة: "إن تحرص"، بفتح الراء. # قال أبو الفتح: فيه لغتان: حرص يحرص وهي أعلاهما، وحرصت أحرص. وكلاهما من ~~معنى السحابة الحارصة، وهي التي تقشر وجه الأرض. وشجة حارصة: التي تقشر ~~جلدة الرأس، فكذلك الحرص، كأنه ينال صاحبه من نفسه لشدة اهتمامه بما هو ~~حريص عليه، حتى يكاد يحت7 مستقر فكره. # ومن ذلك قراءة الناس: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة 8} بالباء، وروي عن علي ~~"عليه السلام": "لنثوينهم"، بالثاء. # قال أبو الفتح: نصب الحسنة هنا أي: يحسن إليهم إحسانا، وضع حسنة موضع ~~إحسان، كأنه واحد من الحسن دال عليه، ودل قوله تعالى: {لنبوئنهم} على ذلك ~~الفعل؛ لأنه إذا PageV02P009 # أقرهم في الأرض بإطالة مدتهم ومدة خلفهم فقد أحسن إليهم، كما قال سبحانه: ~~{ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم1} ، وذلك ضد ما يعمل ~~بالعاصين الذين يسحت2 أعمارهم، ويصطلمهم بذنوبهم وجرائم أفعالهم. # ومن ذلك قراءة الثقفي3: "تتفيأ ظلله4"، وقراءة الناس: {ظلاله} . # قال أبو الفتح: الظلل: جمع ظلة، كحلة وحلل، وجلة وجلل. وقد يكون ظلال جمع ~~ظلة أيضا، كجلة وجلال. وقالوا أيضا: حلة وحلال، بالحاء غير معجمة. وقد يكون ~~ظلال جمع ظل، كشعب وشعاب، وبئر وبئار، وذئب وذئاب. # ومن ذلك قراءة الزهري: "تجرون5"، بغير همز. # قال أبو الفتح: هذا في قوة القياس كقراءته أيضا6 [90ظ] : "لكم فيها دف7"، ~~وأصله "تجأرون"؛ فخفف الهمزة بأن ألقاها ونقل فتحتها إلى الجيم، فصار ~~"تجرون"، كقولك في تخفيف يسألون: يسلون، وفي يسأمون: يسمون. ونظائره كثيرة ~~قوية. # ومن ذلك ما يروى عن قتادة: "ثم إذا كاشف الضر8"، بألف. # قال أبو الفتح: قد جاء عنهم فاعل من الواحد يراد به فعل، نحو طارقت ~~النعل، أي: طرقتها، وعاقبت اللص، وعافاه الله، وقانيت اللون، أي: خلطته، في ~~أحرف غير هذه، فكذلك يكون "ثم إذا كاشف الضر" أي: كشف. ونحوه منه في المعنى ~~والمثال: راخيت من ms262 خناقه، أي أرخيت. PageV02P010 # ومن ذلك قراءة مكحول عن أبي رافع، قال: حفظت عن رسول الله "صلى الله عليه ~~وسلم": "فيمتعوا فسوف يعلمون1"، بالياء. # قال أبو الفتح: هو معطوف على الفعل المنصوب قبله، أي "ليكفروا بما ~~آتيناهم فيمتعوا"، ثم قال من بعد: "فسوف يعلمون". # ومن ذلك قراءة معاذ: "وتصف ألسنتهم الكذب2" بضم الكاف والذال والباء. # قال أبو الفتح: هو وصف الألسنة، جمع كاذب أو كذوب. ومفعول "تصف" قوله ~~تعالى: {أن لهم الحسنى} ، وهو على قراءة الجماعة {الكذب} مفعول "تصف"، "وأن ~~لهم الحسنى" بدل من "الكذب"؛ لأنه في المعنى كذب. # ومن ذلك قراءة الثقفي: "سيغا3"، وقراءة الناس: "سائغا". # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "سيغ" هذا محذوفا من سيغ، كميت وميت، وهين ~~وهين4؛ وذلك أنه من الواو، لقولهم ساغ شرابهم يسوغ. ولو كان سيغ فعلا لكان ~~"سوغا". ومنه قولهم: هو أخوه سوغه، أي: قابل5 له غير متباعد عنه، كالشراب ~~إذا قبلته نفس شاربه، ولم تنب عنه. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وعلقمة ويحيى ومجاهد وطلحة: "أينما يوجه6"، وروي ~~عن علقمة: "يوجه"، بفتح الجيم. # قال أبو الفتح: أما "يوجه"، بكسر الجيم فعلى حذف المفعول، أي أينما يوجه ~~وجهه؛ قال أبو الفتح: أما "يوجه"؛ PageV02P011 # فحذف للعلم به. وأما "يوجه"، بفتح الجيم، أي أينما يرسل أو يبعث1 لا يأت ~~بخير. # ومن ذلك قراءة الحسن: "بشر اللسان الذي يلحدون إليه2"، بألف ولام. # قال أبو الفتح: ليس قوله: "اللسان الذي يلحدون إليه أعجمي" جملة في موضع ~~صفة "بشر"، ألا تراها خالية من ضميره؟ وكذلك أيضا هي خالية منه في قراءة ~~الجماعة: {بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} ، ولأن المعنى أيضا ليس على ~~كونها وصفا، وإنما الوقف على قوله: "بشر"، ثم استأنف الله تعالى القول ردا ~~عليهم، فقال: {لسان الذي يلحدون إليه} أي: يميلون بالتهمة إليه {أعجمي} ، ~~{وهذا لسان عربي مبين} ، أي: فكيف يعلم الأعجمي العربية. # ولهذا قال سبحانه: {أعجمي} ، ولم يقل: عجمي، وذلك أن "الأعجمي" هو الذي ~~لا يفصح وإن كان عربيا. والعجمي هو المنسوب للعجم3 وإن ms263 كان فصيحا، ألا ترى ~~أن سيبويه كان عجميا فإن كان لسان4 اللغة العربية فقال الله تعالى: لسان ~~هذا المتهم بأنه يعلمه أعجم، فكيف يجوز أن يعلم العربية وهو لا يفصح؟ [91و] ~~فأعجمي من أعجم بمنزلة أحمري من أحمر، وأشقري من أشقر، ودواري من دوار، ~~وكلابي5 من كلاب. وقد مضى ذلك. # ومن ذلك قراءة الأعرج وابن يعمر والحسن -بخلاف- وابن أبي إسحاق وعمرو ~~ونعيم بن ميسرة: "ألسنتكم الكذب6"، وقرأ "الكذب" يعقوب، وقرأ "الكذب" مسلمة ~~بن محارب، وقراءة الناس: {الكذب} . # قال أبو الفتح: أما "الكذب" بالجر فبدل من "ما" في قوله: "ولا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم # " أي: لا تقولوا للكذب الذي تصف ألسنتكم. PageV02P012 # وأما "الكذب" بالنصب فجمع كذاب، ككتاب وكتب. يقال: كذب الرجل يكذب كذبا ~~وكذابا، وهو رجل كيذبان، وكيذبان، وكذبذب. ويقال أيضا: مكذبان، كملكعان1. ~~وجاز جمع الكذاب لأنه ذهب به مذهب النوع، ولو أريد به الجنس لكان جمعه ~~مستحيلا. والكذب وصف الألسنة، وقد تقدم مثله. # ومن ذلك قراءة ابن سيرين: "وإن عقبتم فعقبوا2". # قال أبو الفتح: معناه إن تتبعتم فتتبعوا بقدر الحق الذي لكم، ولا تزيدوا ~~عليه. قال لبيد: # حتى تهجر في الرواح وهاجه ... طلب المعقب حقه المظلوم3 # أي هاجه طلبا4 مثل طلب المعقب حقه المظلوم، أي عاذه ومنعه المظلوم، ~~ف"حقه" على هذا فعل: حقه يحقه، أي لواه حقه. ويجوز: طلب المعقب حقه، فتنصب ~~"حقه" بنفس الطلب مع نصب "طلب" كما تنصبه، أي الحق مع رفعه، أي الطلب. ~~والمظلوم صفة المعقب على معناه دون لفظه، أي أن طلب المعقب المظلوم حقه في ~~الموضعين جميعا5. PageV02P013 ### | سورة النحل # ... # PageV02P001 ### | سورة بني إسرائيل: # بسم الله الرحمن الرحيم # قد ذكرنا ما في ذرية1 وذرية وذرية فما مضى من الكتاب2. # ومن ذلك قراءة ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن يزيد3: "لتفسدن4"، بضم ~~التاء، وفتح السين. وقرأ: "لتفسدن"، بفتح التاء، وضم السين والدال -الفعل ~~لهم- عيسى الثقفي. # قال أبو الفتح: إحدى هاتين القراءتين شاهدة للأخرى؛ لأنهم إذا أفسدوا فقد ~~فسدوا. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "رضي الله ms264 عنه": "عبيدا لنا5". # قال أبو الفتح: أكثر اللغة أن تستعمل العبيد للناس والعباد لله. قال ~~تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان 6} ، وقال تعالى: {يا عباد فاتقون 7} ~~، وهو كثير. وقال: {وما ربك بظلام للعبيد 8} . ومن أبيات الكتاب: # أتوعدني بقومك يابن حجل ... أشابات يخالون العبادا؟ # بما جمعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والحيادا9؟ PageV02P014 # أي يخالون عبيدا، أي مماليك. ويقال: العباد قوم من قبائل شتى من العرب، ~~اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يسموا العبيد؛ فقالوا: نحن العباد. # ومن ذلك قراءة أبي السمال: "فحاسوا1"، بالحاء. # قال أبو الفتح: قال أبو زيد، أو غيره: قلت له إنما هو "فجاسوا"، فقال: ~~فحاسوا وجاسوا2 واحد، [91ظ] وهذا يدل على أن بعض القراءة يتخير3 بلا رواية، ~~ولذلك نظائر. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب: "لنسوءا4"، بالتنوين. # قال أبو الفتح: لم يذكر أبو حاتم التنوين، لكنه قال: وبلغني أنها في مصحف ~~أبي، "ليسيء5"، بالياء مضمومة بغير واو. فأما التنوين في: "لنسوءا" فطريق ~~القول عليه أن يكون أراد الفاء فحذفها، كما قال في موضع آخر، أي "فلنسوءا ~~وجوهكم" على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمر نفسك، ~~ومعناه فلأعطينك. واللامان بعده للأمر أيضا، وهما: {وليدخلوا المسجد ... ~~وليتبروا 6} . ويقوي ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره ~~"فلنسوءا وجوهكم"، أي فلنسوءن وجوهكم. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "عليه السلام" "آمرنا7" في وزن عامرنا، ~~واختلف عن ابن عباس والحسن وأبي عمرو وأبي العتاهية وقتادة وابن كثير وعاصم ~~والأعرج، وقرأ بها PageV02P015 # ابن أبي إسحاق وإبو رجاء والثقفي1 وسلام وعبد الله بن أبي يزيد والكلبي2. # وقرأ "أمرنا" مشددة الميم، ابن عباس بخلاف، وأبو عثمان النهدي، وأبو ~~العالية بخلاف، وأبو جعفر محمد بن علي -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبو عمرو ~~-بخلاف- والسدي وعاصم، بخلاف. # وقرأ: "أمرنا" بكسر الميم، بوزن عمرنا-الحسن ويحيى بن يعمر. # قال أبو الفتح: يقال: أمر القوم إذا كثروا، وقد أمرهم الله أي: كثرهم. ~~وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قول الله تعالى: {لقد جئت شيئا ms265 إمرا 3} ~~: أي كثيرا، من قول الله: {أمرنا مترفيها} ، ومن قولهم: أمر الشيء، إذا ~~كثر. ومنه قولهم: خير المال سكة مأبورة، أو مهرة مأمورة4. فالسكة الطريقة ~~من النخل، ومأبورة أي: ملقحة5، ومهرة مأمورة أي: مكثرة النسل. # وكان يجب أن يقال: مؤمرة لأنه من آمرها الله، لكنه أتبعها قوله: مأبورة، ~~كقولهم: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا. هذا على قول الجماعة إلا ابن ~~الأعرابي وحده؛ فإنه قال: الغدايا جمع غدية، كما أن العشايا جمع عشية. ولم ~~يكن يرى أن الغدايا ملحق بقولهم: العشايا6، وأنشد شاهدا لذلك: # ألا ليت حظي من زيارة أميه ... غديات قيظ أو عشيات أشتيه7 # وقد قالوا أيضا: أمرها الله مقصورا خفيفا، بوزن عمرها؛ فيكون مأمورة على ~~هذا من هذا، ولا تكون ملحقة بمأبورة. PageV02P016 # وأما "أمرنا مترفيها" فقد يكون منقولا من أمر القوم أي: كثروا. كعلم ~~وعلمته. وسلم وسلمته. # وقد يكون منقولا من أمر الرجل إذا صار أميرا. وأمر علينا فلان: إذ ولي. ~~وإن شئت كان "أمرنا" كثرنا، وإن شئت من الأمر والإمارة. # فأما "أمرنا" فعلنا، بكسر الميم، فأخبرنا أبو إسحاق وإبراهيم بن أحمد ~~القرميسيني عن أبي بكر محمد بن هارون الروباني عن أبي حاتم قال: قال أبو ~~زيد: يقال: أمر الله ماله وآمره. قال أبو حاتم: ورووا عن الحسن أن رجلا من ~~المشركين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أرى أمرك هذا حقيرا، فقال عليه ~~السلام: إنه سيأمر1 [92و] أي ينتشر، قال: وقال أبو عمرو: معنى {أمرنا ~~مترفيها} ، أي: أمرناهم بالطاعة، فعصوا. وقال زهير: # والإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نبته أمر2 # وأنشد أبو زيد، رويناه عنه وعن جماعة غيره: # أم جوار ضنؤها غير أمر ... صهصلق الصوت بعينها الصبر3 # وقال لبيد: # إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنفد4 # ومن5 بعد فالأمر من أم ر، وهي محادة6 للفظ ع م ر ومساوقة لمعناها7، لأن ~~الكثرة أقرب شيء إلى العمارة. وما أكثر وأظهر هذا المذهب في هذه اللغة! ومن ~~تنبه عليه حظي بأطرف الطريف، وأظرف الظريف. PageV02P017 # ومن ذلك ms266 قراءة أبي السمال: "أف" مضمومة غير منونة، وقرأ: "أف1" خفيفة ~~-ابن عباس. قال هارون2 النحوي: ويقرأ: "أف"، ولو قرئت "أفا" لكان جائزا، ~~ولكن ليس في الكتاب ألف. # قال أبو الفتح: فيها ثماني لغات: أف، وأف، وأف، وأفا، وأف، وأف، وأفى, ~~ممال. وهي التي يقول لها العامة: أفي، بالياء. وأف خفيفة ساكنة. # وأما "أف" خفيفة مفتوحة فقياسها قياس رب خفيفة مفتوحة، وكان قياسها إذا ~~خففت أن يسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتحرك، لكنهم بقوا الحركة مع ~~التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة، كما قال: لا أكلمك ~~حيري دهر3، فأسكن الياء في موضع النصب في غير ضرورة شعر، لأنه أراد التشديد ~~في حيري دهر، فكما أنه لو أدغم الياء الأولى في الثانية لم تكن إلا ساكنة ~~فكذلك إذا حذف الثانية تخفيفا أقر الأولى على سكونها دلالة وتنبيها على ~~إرادة الإدغام الذي لابد معه من سكون الأولى. # هذا هنا كذاك ثمة، وقد مر بنا مما أريد غير ظاهره، فجعل كأنه هو المراد ~~به -كثير نحو من عشرة أشياء، وفي هذا مع ما نحن عليه من الإنجاز وتنكب ~~الإكثار كاف بإذن الله. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما: "جناح الذل4". # قال أبو الفتح: الذل في الدابة: ضد الصعوبة، والذل للإنسان، وهو ضد العز. ~~وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة؛ لأن ما يلحق ~~الإنسان أكبر قدرا مما يحلق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، ~~والكسرة لضعفها للدابة. ولا تستنكر مثل هذا ولا تنب عنه؛ فإنه من عرف أنس، ~~ومن جهل استوحش. وقد مر من هذا ما لا يحصى كثرة. PageV02P018 # من ذلك قولهم: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني، فاختاروا البناء للفعل ~~على فعل فيما كان لحاسة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فعل في حلي يحلى1 ~~لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن [لو كان حس لكان ~~أشبه2] حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جمام المكوك ~~دقيقا3 وجمام القدح ms267 ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح ~~[92ظ] كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك؛ فجعلوا الضمة لقوتها فيما ~~يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يعدم ارتفاعه. # وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ ~~بالخاء لما يقوى أثره فيبل الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى ~~صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت في كتاب ~~الخصائص4 من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شيء كثير. وقد قال ~~شاعرنا5: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والعلوم6 # ومن ذلك قراءة الحسن: "خطاء7"، بخلاف. # وقرأ: "خطا" غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة- الحسن، بخلاف. # وقرأ: "خطا" -بكسر الخاء غير ممدود- أبو رجاء والزهري. # وقرأ: "خطئا" -في وزن خطعا- ابن عامر، بخلاف. PageV02P019 # قال أبو الفتح: أما "خطاء" فاسم بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأت: إخطاء، ~~والخطاء من أخطأت كالعطاء من أعطيت. ويقال: خطي يخطأ خطئا وخطأ، هذا في ~~الدين، وأخطأت الغرض ونحوه. وقد يتداخلان فيقال: أخطأت في الدين، وخطئت في ~~الرأي ونحوه. قال: # ذريني إنما خطئي وصوبي ... علي وإن ما أهلكت مال1 # وقال عبيد: # والناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد2 # وقال في الدين أمية: # عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم3 # وأما "خطا" و"خطا" فتخفيف خطئا وخطئا على القياس. # ومن ذلك قراءة أبي مسلم4 صاحب الدولة: "فلا يسرف في القتل"5. # قال أبو الفتح: رفع هذا على لفظ الخبر بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله ~~زيدا، فهذا لفظ الخبر، ومعناه الدعاء. أي: ليرحمه الله، ومثله قوله: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن6} ، أي: ليتربصن. وإن شئت7 كان معناه دون الأمر، ~~أي ينبغي ألا يسرف، وينبغي أن يتربصن. وعليه قوله: PageV02P020 # على الحكم المأتي يوما إذا قضى ... قضيته ألا يجور ويقصد1 # فرفعه على الاستئناف، ومعناه ينبغي أن يقصد. # ومن ذلك قراءة الجراح: "والبصر والفواد2"، بفتح الفاء. # قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم فتح الفاء، ولم ms268 يذكر هو ولا ابن مجاهد ~~الهمز ولا تركه. # وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان "الفؤاد" بضمها والهمز، ثم ~~خففت فخلصت في اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واو. # ومن ذلك قراءة الحسن "صرفنا3"، خفيف الراء. # قال أبو الفتح: "صرفنا" هنا بمعنى صرفنا مشددا على ما بيناه قبل: من كون ~~فعل خفيفة في معنى فعل. ومنه قوله: # ونقرتها بيديك كل منقر4 # أي نقرتها. # ومن ذلك [93و] قراءة أبي جعفر: "للملائكة اسجدوا5". # قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا البتة فيما مضى في البقرة6. # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي عمرو -بخلاف- وعاصم -بخلاف-: "بخيلك ورجلك7"، ~~بكسر الجيم. # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب هذه القراءة عن أبي عبد الرحمن، وقال: ~~الرجل: الرجال، PageV02P021 # وعليه قراءة عكرمة وقتادة "ورجالك". وقالوا: ثلاثة رجلة ورجلة، ومثله ~~الأراجيل والمرجل. وكان يونس يرى أن الرجلة للعبيد أكثر، وقال الشاعر: # وأية أرض لا أنيت سراتها ... وأية أرض لم أردها بمرجل1 # أي برجال. # ويقال: رجل جمع راجل كتاجر وتجر، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسر ~~بمنزلة الجامل والباقر2، وهو عند أبي الحسن تكسير راجل وتاجر، وقال زهير: # هم ضربوا عن فرجها بكتيبة ... كبيضاء حرس في جوانبها الرجل3 # ويكون الرجال جمع راجل كتاجر وتجار، قال الله تعالى: {فرجالا أو ركبانا ~~4} . # ومن ذلك قراءة الحسن: "يوم يدعو كل أناس5"، بضم الياء، وفتح العين. # قال أبو الفتح: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوا، نحو أفعو، ~~وحبلو6 ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من ~~مواضع التغيير، وهو أيضا في الوصل محكي عن حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ~~ياء، وبهذه اللغة يحتج ليونس في البيت الذي أنشده صاحب الكتاب شاهدا عليه ~~بأن ياء لبيك ياء التثنية ردا على يونس في أنها ألف بمنزلة ألف: على ولدى، ~~والبيت قوله: PageV02P022 # دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور1 # قال سيبوبه: "فلبي" بالياء دلالة على أنها ياء التثنية. قال: ولو كانت ~~كألف ms269 على ولدى لقال: فلبى يدى مسور، كقولك: على يدى مسور؛ فليونس أن يقول: ~~جاء هذا على قولهم في الوصل: هذه أفعى. وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع من ~~كتبنا2؛ فكذلك يكون "يدعو" مرادا به يدعى على أفعو. # ومن ذلك قراءة علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب "رضي الله عنهم" ~~والشعبي والحسن -بخلاف- وأبي رجاء وقتادة وحميد وعمرو بن فائد وعمر بن ذر ~~وأبي عمرو، بخلاف: "وقرآنا فرقناه"3، بالتشديد. # قال أبو الفتح: تفسيره: فصلناه، ونزلناه شيئا بعد شيء، ودليله قوله ~~تعالى: {على مكث} . PageV02P023 ### | سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ "كبرت كلمة1" رفعا يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبي إسحاق ~~والثقفي والأعرج -بخلاف- وعمرو بن عبيد. # قال أبو الفتح: أخلص الفعل "لكلمة" هذه الظاهرة، فرفعها، وسمى قولهم: ~~{اتخذ الله ولدا 2} ، - كما سموا القصيدة وإن كانت مائة بيت -"كلمة". وهذا ~~كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، كقولهم: أهلك الناس الدرهم والدينار، وذهب ~~الناس بالشاة والبعير. # ولله فصاحة الحجاج، وكثرة قوله على منبره: يأيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل! ~~ألا تراه لما أشفق أن يظن به أنه يريد رجلا واحدا بعينه قال: وكلكم ذلك ~~الرجل؟ # ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "بورقكم3"، مكسورة الواو، مدغمة. # قال أبو الفتح: هذا ونحوه عند أصحابنا مخفي غير مدغم، لكنه أخفى كسرة ~~القاف، فظنها القراء مدغمة. ومعاذ الله لو كانت مدغمة [93ظ] لوجب نقل كسرة ~~القاف إلى الراء، كقولهم: يرد ويفر ويصب. ألا ترى أن الأصل يردد ويفرر ~~ويصبب، فلما أسكن الأول ليدغمه نقل حركته إلى الساكن قبله؟ # وللقراء في نحو هذا عادة: أن يعبروا عن المخفي بالمدغم؛ وذلك للطف ذلك ~~عليهم. منه قولهم في قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر 4} : إنه أدغم نون ~~"نحن" في نون "نزلنا" PageV02P024 # حتى كأنهم لم يسمعوا أن هذا ونحوه مما لا يجوز مع الانفصال، وأنه أمر ~~يختص به المتصل. فاستدل صاحب الكتاب1 على أنه إخفاء بقولهم: اسم موسى وابن ~~نوح، قال: فلو كان إدغام لوجب تحريك سين "اسم" وباء "ابن"، ولو ms270 تحركتا ~~لإدغام ما بعدهما لسقطت ألف الوصل من أولهما، وهذا واضح. # وإذا جاز مثل هذا على قطرب مع تخصصه حتى جرى في بعض ألفاظه فالقراء بذلك ~~أولى، وهم فيه أظهر عذرا. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وإنما هي "بورقكم"، ~~بإخفاء كسرة القاف، كأنه يريد الإدغام تخفيفا ولا ويبلغه. # وحكى أبو حاتم -فيما روينا عنه- أن ابن محيصن قرأ: "بورقكم2" مدغمة، ولم ~~يحك قراءة أبي رجاء بالإدغام، وهذا لا نظر في جوازه. # ومن ذلك قراءة الجحدري: "تزوار3". # قال أبو الفتح: هذا افعال وتزاور تفاعل وقلما جاءت افعال إلا في الألوان، ~~نحو: اسواد وابياض واحمار واصفار، أو العيوب الظاهرة، نحو: احول واحوال ~~واعور واعوار واصيد واصياد4. وقد جاءت افعال وافعل، وهي مقصورة من افعال- ~~في غير الألوان، قالوا: ارعوى وهو افعل، وافتوى أي: خدم، وساس. قال يزيد بن ~~الحكم: # تبدل خليلا بي كشكلك شكله ... فإني خليلا صالحا بك مقتوي5 # فمقتو مفتعل من الفتو، وهو الخدمة. قال: # إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا6 PageV02P025 # وخليلا عندنا منصوب بفعل مضمر يدل عليه "مقتو"، وذلك أن افعل لا يتعدى ~~إلى المفعول به، فكأنه قال: فإني أخدم، أو أسوس، أو أتعهد، أو استبدل بك ~~خليلا صالحا1. ودل مقتو على ذلك الفعل. وقالوا: اضراب الشيء أي: املس، ~~وقالوا: اشعان رأسه، أي: تفرق شعره، في أحرف غير هذه. # ومن ذلك قراءة2 الحسن: "وتقلبهم3"، بفتح التاء والقاف، وضم اللام، وفتح ~~الباء. # قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل دل عليه ما قبله من قوله تعالى: {وترى ~~الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم4} ، وقوله: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود 5} : ~~فهذه6 أحوال مشاهدة، فكذلك "تقلبهم" داخل في معناه، فكأنه قال: ونرى أو ~~نشاهد تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة ~~غير مرئية، قيل: هذا غور آخر ليس من القراءة في شيء إلا أنك تراهم يتقلبون، ~~والمعنى مفهوم. وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى ولا غرض في الإطالة ~~هنا، لكن ما أوردناه قد مضى على الغرض فيه ms271 والمراد منه. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "ثلات رابعهم كلبهم7"، بإدغام ثاء ثلاثة في ~~التاء التي تبدل في الوقف هاء من ثلاثة. # قال أبو الفتح: الثاء لقربها من التاء تدغم فيها، كقولك: ابعث تلك، وأغث ~~تلك. وجاز الإدغام [94و] وإن كان قبل الأول ساكن لأنه ألف، فصارت كشابة ~~ودابة، ولم يدغمها فيها إلا ابن محيصن وحده8. PageV02P026 # ومن ذلك أنه لم يقرأ أحد "خمسة"1 # ، بفتح الميم إلا ابن كثير وحده في رواية حسن بن محمد2 عن شبل. # قال أبو الفتح: لم يحرك3 ميم خمسة إلا عن سماع، وينبغي أن يكون أتبعت ~~عشرة، وليس يحسن أن يقال إنه أتبع الفتح الفتح، كقول رؤبة: # مشتبه الأعلام لماع الخفق4. # وهو يريد "الخفق"؛ لأن هذا أمر يختص5 به ضرورة الشعر. # قال أبو عثمان عن الأصمعي: سألت أعرابيا - ونحن بالموضع الذي ذكره زهير ~~في قوله: # ثم استمروا وقالوا إن موعدكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أو ركك6 # أتعرف رككا هذا؟ فقال: قد كان ههنا ماء يسمى "ركا"، فعلمت أن زهيرا احتاج ~~إليه فحركه، وقد يجوز أن يكونا7 لغتين: رك وركك، كالقص والقصص، والنشز8 ~~والنشز. وقد كان يجب على الأصمعي ألا يسرع إلى أنه ضرورة. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ولا تعد عينيك9". # قال أبو الفتح: هذا منقول من: عدت عيناك أي جاوزتا. من قولهم: جاء القوم ~~عدا زيدا، أي: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عيني عن كذا، أي: صرفتها ~~عنه. # قال: # حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا10 PageV02P027 # أي: تعدي فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف المفعول بعد المفعول. وتعديها1 من ~~عدا الفرس، كقولنا: جرى، وعلى أن أصلهما واحد، لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز ~~مكانا إلى غيره. # ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: "من أغفلنا قلبه2". # قال أبو الفتح: يقال: أغفلت الرجل: وجته غافلا، كقول عمرو بن معد يكرب: ~~والله يا بني سليم لقد قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، ~~وهاجيناكم فما أفحمناكم، أي: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين. وكقول ~~الأعشى: ms272 # أثوى وقصر ليلة ليزودا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا3 # أي صادفه مخلفا. وقال رؤبة: # وأهيج الخلصاء من ذات البرق3 # أي صادفها هائجة النبت. وقال الآخر: # فأتلفنا المنايا وأتلفوا4 # أي: صادفناها متلفة. # فإن قيل: فكيف يجوز أن يجد الله غافلا؟ قيل: لما فعل أفعال من لا يرتقب ~~ولا يخاف صار كأن الله سبحانه غافل عنه، وعلى هذا وقع النفي عن هذا الموضع، ~~فقال: {وما الله بغافل عما تعملون 5} ، أي: لا تظنوا الله غافلا عنكم. وقال ~~تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون 6} ، وقال تعالى: {وعندنا كتاب حفيظ ~~7} ، ونحو هذا في القرآن كثير، فكأنه قال: ولا تطع من ظننا غافلين عنه. ~~PageV02P028 # وعليه قول آخر: # أخشى عليها طيئا وأسدا ... وخاربين خربا فمعدا # لا يحسبان الله إلا رقدا1 # وهذا هو ما نحن فيه البتة. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "من سندس واستبرق2"، بوصل الألف. # قال أبو الفتح: هذا عندنا سهو أو كالسهو، وسنذكره في سورة الرحمن بإذن ~~الله3. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن: "لكن أنا هو الله ربي4". # وقرأ: "لكن هو الله ربي" -ساكنة النون من ألف- عيسى الثقفي [94ظ] . # قال أبو الفتح: قراءة أبي هذه هي أصل قراءة أبي عمرو وغيره: "لكنا هو ~~الله ربي"5، فخففت همزة "أنا" بأن حذفت وألقيت حركتها على ما قبلها، فصارت ~~"لكننا"، ثم التقت النونان متحركتين، فأسكنت الأولى، وأدغمت في الثانية، ~~فصارت "لكن" في الإدراج. فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقلت: ~~"لكنا"، ف "أنا" على هذا مرفوع بالابتداء وخبره الجملة، وهي مركبة من متبدأ ~~وخبر، فالمبتدأ "هو"6، وهو ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر عنه، وهي ~~مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ "الله"، والخبر "ربي"، والجملة خبر عن "هو"، ~~و"هو" وما بعده من الجملة خبر عن "أنا"، والعائد عليه من الجملة بعده الياء ~~في "ربي"، كقولك: أنا قائم غلامي. # فإن قلت: فما العائد على "هو" من الجملة بعده التي هي خبر عنه؟ فإنه لا ~~عائد على المبتدأ PageV02P029 # أبدا إذا كان ضمير الشأن والقصة، كقوله: {قل هو الله ms273 أحد} 1، ف"الله أحد" ~~خبر عن "هو"، و"هو" ضمير الشأن والحديث، ولا عائد عليه من الجملة بعده التي ~~هي "الله أحد"، وإنما كان كذلك من قبل أن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من ~~الجملة بعده إذا كانت خبرا عنه؛ لأنها ليست هي المبتدأ، فاحتاجت إلى عود ~~ضمير منها عليه؛ ليلتبس2 بذلك الضمير بجملته. # وأما "هو" من قولنا: "هو الله ربي" ونحوه فهو الجملة نفسها، ألا تراه ~~ضمير الشأن، وقولنا: الله ربي3 شأن وحديث في المعنى؟ فلما كانت هذه الجملة ~~هي نفس المبتدأ لم يحتج إلى عائد عليه منها، وليس كذلك: زيد قام أخوه؛ لأن ~~زيدا ليس بقولك: قام أخوه في المعنى، فلم يكن له بد من أن يعود عليه ضمير ~~منه ليلتبس به؛ فيصير خبرا عنه. ومن قرأ: "لكن هو الله ربي" ف"هو" ضمير ~~الشأن، والجملة بعده خبر عنه على ما مضى آنفا4، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار5: "مجمع البحرين6". # قال أبو الفتح: المصدر من فعل يفعل والمكان والزمان7 كلهن على مفعل ~~بالفتح، كقولك: ذهبت مذهبا، أي: ذهابا، ومذهبا، أي: مكانا يذهب فيه. وهذا ~~مذهبك أي: زمان ذهابك، وكذلك سأل يسأل مسألا، فهو مصدر ومكان وزمان8، وبعث ~~يبعث مبعثا وهو مصدر ومكان وزمان. ومنه: مبعث الجيوش، هو زمان بعثها، إلا ~~أنه قد جاء المفعل بكسر العين موضع المفتوح، منه: المشرق، والمغرب، ~~والمنسك، والمطلع. وبابه فتح عينه لأنه من يفعل، يشرق، ويغرب، وينسك، ~~ويطلع. فعلى نحو من هذا يكون "مجمع البحرين" وهو مكان -كما ترى- من جمع ~~يجمع، فقياسه "مجمع"، لولا ما ذكرنا من الحمل على نظيره. PageV02P030 # ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم": "جدارا يريد أن ينقض"، برفع ~~الياء وبالضاد2. # وقرأ: "ينقاص" بالصاد غير معجمة، وبالألف -علي بن أبي طالب وعكرمة3 وأبو ~~شيخ الهنائي4 ويحيى بن يعمر. # وفي قراءة عبد الله: "يريد لينقض5"، وكذلك روي عن الأعمش. # قال أبو الفتح: [95و] معناه: قد قارب أن ينقض، أو شارف ذلك, وهو عائد إلى ~~معنى يكاد، وقد ms274 جاء ذلك عنهم. وأنشد أبو الحسن: # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى6 # وحسن هنا لفظ "الإرادة" لأنه أقوى في وقوع الفعل؛ وذلك لأنها داعية إلى ~~وقوعه، وهي أيضا لا تصح إلا مع الحياة، ولا يصح الفعل إلا لذي الحياة. وليس ~~كذلك كاد، لأنه قد يقارب الأمر ما لا حياة فيه، نحن مميل الحائط وإشراق ضوء ~~الفجر، فاعرف ذلك. # و"ينقاص" مطاوع قصته فانقاص، أي: كسرته فانكسر. قال: # فراقا كقيص السن فالصبر إنه ... لكل أناس عثرة وجبور7 # يجوز أن يكون جبور جمع جبرة، كبدرة وبدور، ومأنة8 ومئون. وقد قالوا: قضته ~~فانقاض، أي: هدمته فانهدم، بالضاد معجمة. قال: PageV02P031 # كأنها هدم في الجفر منقاض1 # وقيض البيضة: قشرها الذي انفلق عن الفرخ. # وقراءة العامة: {يريد أن ينقض} أشبه أولا منها بآخر؛ لأن الإرادة في ~~اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما "ينقض" فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون ~~ينفعل من القضة، وهي الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال طعام قضض: إذا كانت ~~فيه القضة. # والآخر أن يكون يفعل من: نقضت الشيء، كقراءة النبي "صلى الله عليه وسلم": ~~"يريد أن ينقض"، ويكون يفعل هنا من غير الألوان والعيوب كيزور ويرعوي، وقد ~~مضى ذلك2. # وقراءة عبد الله والأعمش: "يريد لينقض" إن شئت قلت: إن اللام زائدة، ~~واحتججت فيه بقراءة النبي "صلى الله عليه وسلم"، وإن شئت قلت: تقديره: ~~إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، ~~كما أنشد أبو زيد: # فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير3 # أي: اللهو، فوضع "ألهو" موضع مصدره، وأنشد أيضا: # وأهلكني لكم في كل يوم ... تعوجكم علي وأستقيم4 # أي: واستقامتي، واللام هنا اللام في قوله: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل5 PageV02P032 # تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما. # ومن ذلك قراءة أبي سعيد الخدري1: "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنان2". # أحدهما: أن يكون اسم "كان" ضمير الغلام، أي: فكان هو أبواه مؤمنان2، ~~والجملة بعده خبر كان. # والآخر: أن يكون ms275 اسم "كان" مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أي: فكان ~~الحديث أو الشأن أبواه مؤمنان2، والجملة بعده خبر ل "كان" على ما مضى، إلا ~~أنه في هذا الوجه الثاني لا ضمير عائدا على اسم "كان"؛ لأن ضمير الأمر ~~والشأن لا يحتاج من الجملة التي هي بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، ~~من حيث كان هو الجملة في المعنى. وقد مضى ذلك آنفا3، ومثله قول النبي "صلى ~~الله عليه وسلم": "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان ~~يهودانه وينصرانه 4 ". # إن شئت كان ضمير المولود في "كان" اسما لها، [95ظ] وأبواه ابتداء، "هما" ~~فصل لا موضع لها من الإعراب، و"اللذان" خبر "لكان"، والعائد على اسم "كان" ~~الضمير في "أبواه"؛ لأنه أقرب إليه مما بعده. # وإن شئت جعلت اسم "كان" على ما كان عليه5، وجعلت "أبواه" ابتداء، والجملة ~~بعدهما خبرا عنها، وهي مركبة من مبتدأ وخبر: فالمبتدأ "هما"، وخبرهما ~~"اللذان"، و"هما" وخبره خبر عن "أبواه"، و"أبواه" وما بعدهما خبر "كان". # وإن شئت كان في "كان" ضمير الشأن والحديث، وما بعدها خبر عنه. ~~PageV02P033 # وإن شئت رفعت "أبواه" لأنهما اسم "كان" وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى ~~من كون "هما" فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين. # ومن ذلك قراءة الماجشون1: "الصدفين2"، بفتح الصاد، وضم الدال. # قال أبو الفتح: فيها لغات: صدفان، وصدفان، وصدفان، وصدفان. وقد قرئ ~~بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا ~~يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقي مثله من الجبال. # ومن ذلك قراءة علي وابن عباس "عليهما السلام" وابن يعمر والحسن ومجاهد ~~وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبي ~~ليلى: "أفحسب الذين3". # قال أبو الفتح: أي أفحسب الذين كفروا وحظهم ومطلوبهم أن يتخذوا عبادي من ~~دوني أولياء؟ بل يجب أن يعتدوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء ~~لي. ونحوه قول4 الله "تعالى": "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل5"، ~~أي: ms276 اتخذتهم عبيدا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: "أفحسب الذين ~~كفروا"، إلا أن "حسب" ساكنة السين أذهب في الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية ~~مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا. PageV02P034 # ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، - بخلاف- ومجاهد وسليمان ~~التيمي1 "ولو جئنا بمثله مدادا2"0 # قال أبو الفتح: "مدادا" منصوب على التمييز، أي: بمثله من "المداد"؛ فهو ~~كقولك: لي مثله عبدا، أي: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدا، أي: من ~~الزبد. وأما {مددا} فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدا معك، ~~وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله {جئنا بمثله} كأنه قال: ~~ولو أمددناه به إمدادا، ثم وضع "مددا"3 موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة. ~~PageV02P035 ### | سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ أبو جعفر: "كاف ها يا عين صاد1". # وقرأ: "كاف ها يا عين صاد"، بفتح الهاء، ورفع "الياء" - الحسن. # وقرأ: "كاف ها يا عين صاد"، بضم الهاء2 وفتح الياء - الحسن أيضا. # قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم في حروف المعجم3 ضرب ~~من الاتساع، وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان من ضروب التصرف، وهذه الحروف ~~جوامد لا حظ لها في التصرف؛ لأنها ك"ما" و"لا" و"هل" و"قد" و"بل" و"إنما". ~~وإنما أتاه ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، ~~كقولنا: الهاء حرف هاو، والواو والياء والألف [96و] حروف الإعلال، وفي ~~الصاد والزاي والسين صفير، والميم حرف ثقيل. # فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة؛ فتصرفت، ~~فحملت الإمالة والتفخيم. # فمن فتح ولم يفخم ولم يمل فعلى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخم اعتمد ما ~~ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال "يا" فأمال - جنح بالإمالة إلى الياء، ~~كما جنح بها إليها في نحو قولك: السيال4 والهيام5. ومن فخم تصور أن عين ~~الفعل في الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه ~~الألفات -وإن كانت مجهولة أنه6 لا اشتقاق لها- فإنها تحمل على ما هو ms277 في ~~اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها PageV02P036 # أن يعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له، ~~ولذلك حمل الخليل ألف آءة1 على أنها من الواو، فقال: كأنها من أؤت2. وبمثل ~~ذلك ينبغي أن يحكم في راءة3 وصاءة4، حتى كأنها في الأصل روأة وصوأة. فهذا ~~قول جامع في هذا الضرب من الألفات، فاغن به عما وراءه. # ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: "ذكر رحمة ربك5". # قال أبو الفتح: فاعل: ذكر ضمير ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي ~~هذه الحروف أوله وفاتحته يذكر رحمة ربك، فهو كقوله "تعالى": {إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم 6} . وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: {ذكر رحمة ربك} ، أي: ~~هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يقص عليك، أو يتلى عليك ~~ذكر رحمة ربك عبده زكريا. # ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص7 وابن يعمر ~~وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وشبيل بن عزرة8: "خفت ~~الموالي9"، بفتح الحاء والتاء مكسورة. # قال أبو الفتح: أي قل بنو عمي وأهلي، ومعنى قوله -والله أعلم: "من ~~ورائي"، أي من أخلفه بعدي. قوله: "من ورائي" حال متوقعة محكية. أي: خفوا ~~متوقعا متصورا PageV02P037 # كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب: مررت برجل معه صقر صائدا، أي: متصورا ~~صيده به غدا، ومثله قول الله1 "تعالى": {خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض 2} ، أي متصورا خلودهم فيها مدة دوام السموات والأرض. فإذا أشفقت من ~~ذلك فارزقني ولدا يخلفني. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس "عليهما السلام" وابن يعمر وأبي ~~حرب بن أبي الأسود3 والحسن والجحدري وقتادة وأبي نهيك وجعفر بن محمد: ~~"يرثني وارث من آل يعقوب4". # قال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد؛ وذلك أنك تريد؛ ~~فهب لي من لدنك وليا يرثني منه أو به وارث من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، ~~فكأنه جرد منه وارثا. ومثله قول الله "تعالى" # : {لهم ms278 فيها دار الخلد 5} ، فهي نفسها دار الخلد، فكأنه جرد من الدار ~~دارا، وعليه قول الأخطل: # بنزوة لص بعد ما مر مصعب ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل6 # ومصعب نفسه [96ظ] هو الأشعث7، فكأنه استخلص منه أشعث. ومثله قول الأعشى: ~~PageV02P038 ### | .................. # أم من ... جاء منها بطائف الأهوال1* # وهي نفسها طائف الأهوال. وقد أفردنا لهذا الضرب من العربية بابا من كتاب ~~الخصائص2 فاعرفه، فإنه موضع غريب لطيف وطريف. وقد ذكرناه أيضا فيما مضى3. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "الكبر عتيا"4، 1 بفتح العين. # وكذلك قرأ أيضا: "أولى بها صليا"5، بفتح الصاد. وقال ابن مجاهد: لا أعرف ~~لهما في العربية، أصلا، قال ابن مجاهد: ويقرأ مع ذلك "بكيا" بضم الباء. # قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد ذلك لأن له في العربية أصلا ~~ماضيا، وهو ما جاء من المصادر على فعيل نحو: الحويل6، والزويل7، والشخير، ~~والنخير8. فأما "البكى" فجماعة، وهي فعول: كالحثي9، والدني، والفلي، جمع ~~فلاة، والحلي. # ومن ذلك قراءة شبيل10 بن عزرة: "فأجأها"11، مثل فألجأها. # قال أبو الفتح: رواها ابن مجاهد أيضا أنها من المفاجأة، إلا أن ترك همزها ~~إنما هو بدل لا تخفيف قياسي. وقد يجوز أن تكون القراءة على التخفيف ~~القياسي، إلا أنه لطفت لضعف PageV02P039 # الهمزة بعد الألف فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها ~~يشهد لقراءة الجماعة: {فأجاءها} . وقد يمكن أن يكون أراد مثل: أجاءها إذا ~~أبدلت همزته ألفا فيكون التشيبه لفظيا لا معنويا. # ومن ذلك قراءة محمد بن كعب1 وبكر بن حبيب السهمي2: "نسئا"3، بفتح النون ~~مهموزة؟ # قال أبو الفتح: قال أبو زيد نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا ~~فتصب عليه ماء، واسمه النسء والنسيء، وأنشد: # سقوني نسئا قطع الماء متنه ... يبيل على ظهر الفراش ويعجل # فتأويل هذه القراءة -والله أعلم- يا ليتني مت قبل هذا، وكنت كهذا اللبن ~~المخلوط. بالماء في قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: "وكنت نسيا منسيا"4، ~~أي: كنت كالشيء المحقر ينساه أهله، ونزارة5 أمره. # ومن ذلك قراءة مسروق: "يساقط"6، ms279 بالياء خفيفة. PageV02P040 # قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شيء، وعليه قول ~~ضابئ البرجمي: # يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا1 # أي يسقط قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شيء. # ومن ذلك قراءة طلحة: "رطبا جنيا"، بكسر الجيم. # قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من "جنيا" كسرة النون، وشبه النون وإن لم ~~تكن من حروف الحلق بهن في نحو صأى3 الفرخ صئيا، وفي نحو: الشخير، والنخير4، ~~والنغيق5 والشعير، والبعير، والرغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد ~~الله. # وله في تشبيهه النون بالحرف الحلقي عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون ~~متعالية، كما أنهن سوافل: فكل في شقه مضاد لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس ~~قال في همزة صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان [97و] وصحراوات ~~وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو، لأن كل واحدة منهما طارفة في جهتها؛ فجعل ~~تناهيهما في البعد طريقا إلى تلاقيهما في الحكم. # وبعد فالعرب تجري الشيء مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها ~~قالت: طويل كما قالت: قصير، وشبعان كجوعان، وكرم كلؤم، وعلم كجهل؟ ولأجل ~~هذا قال بعضهم: إن قوي فعل في الأصل حملا على نظيره الذي هو ضعف، وفي هذا ~~كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجمين في النحسين إذا تقابلا: استحالا ~~سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودة. والمعاني في هذا6 العالم ~~متلاقية على تفاوتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طب7 بها ~~وملاطف لها. PageV02P041 # ومن ذلك قراءة طلحة: "فإما ترين1". # وروى عن أبي عمرو: "ترئن"، بالهمز. # قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة ~~فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقله، وعليه قراءة ~~الجماعة: {ترين} ، بالياء لما ذكرنا2. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز في ~~نحو هذا، وأنشدوا: # كمشترئ بالحمد أحمرة بترا3 # نعم، وقد حكى الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قول الله: "تعالى": ~~{لتبلون في أموالكم} 4، فشبه الياء لكونها ضميرا وعلم ms280 تأنيث بالواو؛ من حيث ~~كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذر ما وليس قويا، ولا ترين هذه الهمزة هي ~~همزة رأيت، تلك قد حذفت للتخفيف في أصل الكلمة "ترأين"؛ فحذفت الهمزة، ~~وألقيت حركتها على الراء فصارت "ترين"، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير ~~هذه الملفوظ بها. # وأما قراءة طلحة: "فإما ترين" فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم ~~الرفع، وهو النون في حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون في الجزم، ~~وأنشد أبو الحسن: # لولا فوارس من قيس وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار5 # كذا أنشده "يوفون" بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه "لم" بلا. # ومن ذلك قراءة أبي نهيك وأبي مجلز: "وبرا6"، بكسر الباء. PageV02P042 # قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: {وأوصاني ~~بالصلاة 1} ، كأنه قال: ألزمني برا، وأشعرني بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به؛ ~~فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب: # يذهبن في نجد وغورا غائرا2* # أي: ويسلكن غورا، وبيته أيضا: # فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلتزعك العواذل3 # عطف "دون" الثانية على موضع "من دون" الأولى، نظائره كثيرة جدا. وإن شئت ~~حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا بر، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، ~~كقولها4: # فإنما هي إقبال وإدبار # على غير حذف المضاف. # ومن ذلك قراءة طلحة: "وريا"5، خفيفة بلا همز. PageV02P043 # وقرأ: "وزيا"، [97ظ] بالزاي سعيد بن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي. # قال أبو الفتح1: النظر من ذلك في "وريا" # ، خفيفة بلا همز2؛ وذلك أنه في الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، ~~فأصله -وهو من الهمز- "ورثيا" كرعيا، على قراءة أبي عمرو وغيره؛ فأريد ~~تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء ~~المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "وريا". # ويجوز أن يكون من رويت قال أبو علي: وذلك لأن المريان نضارة وحسنا؛ فيتفق ~~إذا معناه ومعنى "وزيا" بالزاي. وأصله على هذا "روي"، فأبدلت الواو ياء، ~~وأدغمت3 في الياء بعدها؛ فصارت "وريا". ms281 # حدثنا أبو علي عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاث أضرب: "ورثيا"، ~~"وريا"، "وزيا" فهذا هذا. # فأما "ريا"، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين: # أحدهما أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع؛ فصارت في التقدير "ريئا"، ثم خفف ~~على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء؛ فصارت "ريا"، كقولك في ~~تخفيف نيء: أكلت طعاما نيا، وفي تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة4 من ~~قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البوة، وذلك أنها في الأصل بوءة، لأنها فعلة ~~من تبوأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ~~ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت ~~"بوة" وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين في ~~"ريا" بالتخفيف. # والآخر أن يكون يريد "ريا" من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، ~~كما قال: أتاني القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم في الطية5 والنية: ~~الطية والنية، بحذف إحدى الياءين. وينبغي أن تكون المحذوفة من ذلك كله هي ~~الياء الثانية؛ لأمرين: # أحدهما أنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما6 حذف. ~~PageV02P044 # والآخر أنها لام، وقد كثر حذف اللام حرف علة: كمائة، ورئة، وفئة. وقلما ~~تحذف العين، فهذا هذا. # وأما "الزي"، بالزاي ففعل من زويت؛ وذلك أنه لا يقال لمن له شيء واحد من ~~آلته: زي1، حتى تكثر آلته المستحسنة، فهي إذا من زويت، أي جمعت. # ومن قول النبي "صلى الله عليه وسلم": "زويت لي الأرض" 2، أي جمعت، ومن ~~قول الأعشى؛ # يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه على المحاجم3 # وأصلها زوي، فقلبت الواو على ما مضى، وأدغمت في الياء. # ومن ذلك قراءة أبي نهيك: "كلا سيكفرون4"، بالتنوين. # قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون "كلا" هذه مصدران كقولك: كل السيف كلا، فهو ~~إذا منصوب بعفل مضمر، فكأنه لما قال: "سبحانه": {واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا 5} قال الله "سبحانه" رادا عليهم: "كلا"، أي: كل الرأي ~~والاعتقاد كلا، ورأوا منه رأيا [98و] كلا، ms282 كما يقال: ضعفا لهذا الرأي ~~وفيالة6، فتم الكلام، ثم قال "تعالى" مستأنفا فقال: كل رأيهم كلا، ووقف، ثم ~~قال من بعد: "سيكفرون"، فهناك إذا وقفان: أحدها "عزا"، والآخر "كلا"؛ من ~~حيث كان منصوبا بفعل مضمر، لا من حيث كان زجرا وردا وردعا. # ومن ذلك قراءة السلمى: شيئ أدا7، بالفتح. # قال أبو الفتح: الأد، بالفتح: القوة. PageV02P045 # قال: # نضون عني شرة وأدا ... من بعد ما كنت صملا نهدا1 # فهو إذا حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جئتم شيئا ذا أد، أي: ذا قوة. فهو ~~كقولهم رجل زور2 وعدل وضيف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت ~~على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، ~~كقول الخنساء: # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار3 # إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هي الإقبال والإدبار، ~~أي: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف، بل ~~لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علي: # ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل4 # أي: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب، أي: والبخل من الضنين؛ لصغر ~~معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا. # وهن من الإخلاف قبلك والمطل5 # وأنشدنا أيضا: # وهن من الإخلاف والولعان6 # ويكفي من هذا كله قول الله "سبحانه": {خلق الأنسان من عجل} 7، أي من ~~العجلة، لا من الطين كما يقول قوم؛ لقوله: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} 8. ~~PageV02P046 ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الضحاك وعمرو بن فائد: "طاوى" مبيض1. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، ورويت عن الحسن ومجاهد: "أخفيها"2، بفتح ~~الألف. # قال أبو الفتح: أخفيت الشيء: كتمته، وأظهرته جميعا وخفيته بلا ألف: ~~أظهرته البتة. فمن ذلك قراءة من قرأ: "أخفيها". قالوا: معناه أظهرها. قال ~~أبو علي: الغرض فيه أزيل عنها خفاءها3، وهو ما تلف فيه القربة ونحوها: من ~~كساء، وما يجري مجراه، قال: وعليه قول الشاعر: ms283 # لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزججها من حالك واكتحالها4 # قال: أراد الأيقاظ عيونا5، فجعل العين كالخفاء للنوم؛ لأنها تستره، قال: ~~من ألفاظ السلب: فأخفيته: سلبت عنه خفاءه، وإذا زال عنه ساتره ظهر لا ~~محالة، ومثله من السلب: أشكيت الرجل: إذا أزلت عنه ما يشكوه، وقد سيق نحو ~~هذا وحديث السلب في اللغة. # فأما "أخفيها" بفتح الألف فإنه [98ظ] أظهرها. قال امرؤ القيس: ~~PageV02P047 # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب1 # فهذا إذا أكاد أظهرها، وقيل: أكاد أخفيها من نفسي. وفي هذا ضرب من التصوف ~~وقيل: أكاد أخفيها: أريد أخفيها، وأنشد أبو الحسن شاهدا له: # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى2 # فكأنه قال: أرادت وأردت: لقوله: وتلك خير إرادة. وقيل: أكاد هنا زائدة. ~~أي: أخفيها وأنشدوا فيه لحسان: # وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبة وحسن قوام3 # فإذا كان "أخفيها" بالفتح أو "أخفيها" بمعنى أظهرها فاللام في قوله: ~~"لتجزى" معلقة بنفس "أخفيها"، ولا يحسن الوقف دونها. # وإذا كان من معنى الإخفاء والستر فاللام متعلقة بنفس "آتية". أي: إن ~~الساعة آتية لتجزى كل نفس بما تسعى، أكاد أخفيها. فالوجه أن تقف بعد ~~"أخفيها" وقفة قصيرة. أما الوقفة فلئلا يظن أن اللام معلقة بنفس "أخفيها"، ~~وهذا ضد المعنى، لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، إنما الجزاء مع ~~ظهورها. فأما قصر الوقفة فلأن اللام متعلقة بنفس "آتية"، فلا يحسن إتمام ~~الوقف دونها؛ لاتصال العامل بالمعمول فيه. وهذه الوقفة القصيرة ذكرها أبو ~~الحسن، وما أحسنها وألطف الصنعة فيها! # ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو -بخلاف عنهما: "هي عصاي"4 بكسر الياء، مثل ~~غلامي5. PageV02P048 # وقرأ: "عصاي" ابن أبي إسحاق أيضا. # قال أبو الفتح: كسر الياء في نحو هذا ضعيف؛ استثقالا للكسرة فيها وهربا ~~إلى الفتحة، "كهداي"1 و"يابشراي"2، إلا أن للكسرة وجها ما. # وذلك أنه قد قرأ حمزة: "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي3"، فكسر الياء ~~لالتقاء الساكنين مع أن قبلها كسرة وياء، والفتحة والألف في "عصاي" أخف من ms284 ~~الكسرة والياء في "مصرخي". وروينا عن قطرب وجماعة من أصحابنا: # قال لها هل لك يا تافيى4 # أراد "في"، ثم أشبع الكسرة للإطلاق، وأنشأ عنها ياء نحو منزلي وحوملي5، ~~وروينا عنه أيضا: # على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب6 # وروينا عنه أيضا: # إن بني صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيون7 # وقول ابن مجاهد: مثل غلامي لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء "عصاي" لالتقاء ~~الساكنين، والكسرة في ميم "غلامي" هي التي تحدثها ياء المتكلم. أفترى أن في ~~"عصاي" بعد ياء المتكلم PageV02P049 # ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهذا محال، وإنما غرضه أن الياء في ~~"عصاي" مكسور كما أن ميم غلامي مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى. # ومن ذلك قراءة عكرمة، "وأهس"1 بالسين. # وقرأ إبراهيم: "وأهش"، بكسر الهاء، وبالشين. # قال أبو الفتح: أما "أهش"، بكسر الهاء، وبالشين معجمة فيحتمل2 أمرين: # أحدهما [99و] : أن يكون: أميل بها على غنمي، إما لسوقها. وإما لتكسير ~~الكلأ لها بها، كقراءة من قرأ: "أهش" بضم، الشين معجمة، يقال: هش الخبز ~~يهش: إذا كان جافا يتكسر لهشاشته. # والآخر أن يكون أراد "أهش" بضم الهاء، أي أكسر بها الكلأ لها؛ فجاء به ~~على "فعل يفعل" وإن كان مضاعفا ومتعديا. فقد مر بنا نحو ذلك3، منه: هر ~~الشيء يهره: إذا كرهه، ومنه قول عنترة: # حتى تهروا العواليا4 # أي: تكرهوها، وهو من قول قيس بن ذريح5: # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هرتني إليك المضاجع6 # أي: كرهتني، فنبت بي، وهزتني بالزاي تصحيف عندهم، ومثله: حب الشيء يحبه ~~PageV02P050 # بكسر الحاء ألبتة. ولم يضموها، وغذ1 العرق الدم يغذه ويغذه، وتم الحديث ~~يتمه ويتمه، وشد الحبل يشده ويشده. في أحرف سوى هذه. وكذلك يكون "أهش" ~~كقراءة من قرأ: "أهش"، بضم الهاء، والشين معجمة. # وأما "أهس" بالسين غير معجمة فمعناه أسوق: رجل هساس. أي: سواق. # فإن قلت: فكيف قال: "أهس بها على غنمي؟ "، وهلا قال: أهس بها غنمي. ~~كقولك: أسوق بها غنمي؟ # قيل: لما دخل السوق معنى الانتحاء لها ms285 والميل بها عليها استعمل معها ~~"على"، حملا على المعنى، وقد ذكرنا من هذا فيما مضى صدرا صالحا2. ومن ذلك ~~قولهم: كفى بالله أي كفى الله. إلا أنهم زادو الباء حملا على معناه؛ إذ كان ~~في معنى اكتف بالله. ولذلك قالوا حسبك به لما دخله معنى اكتف به. ولذلك ~~أيضا حذفوا خبره في قولهم: حسبك لما دخله معنى اكتف، والفعل لا يخبر عنه, ~~ونظائره كثيرة جدا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "ولتصنع على"3 بجزم اللام والعين. # وقرأ: "ولتصنع". بفتح التاء والعين. وكسر اللام -أبو نهيك. # قال أبو الفتح: ليس دخول لام الأمر هنا كدخولها في قراءة النبي "صلى الله ~~عليه وسلم" وغيره ممن قرأها معه: "فبذلك فلتفرحوا"4 بالتاء. وفرق بينهما أن ~~المأمور في "فلتفرحوا" مخاطب، وعرف ذلك وعادته أن يحذف حرف المضارعة فيه. ~~كقولنا: قم، وقعد، وخذ # ، وسر، وبع، وأما "ولتصنع فإن المأمور غائب غير مخاطب. فإنما هو كقولنا: ~~ولتعن بحاجتي. ولتوضع5 في تجارتك؛ لأن العاني بها والواضع فيها غيرهما. ~~وهما المخاطبان6. فهذا كقولك: ليضرب زيد ولتضرب هند. PageV02P051 # وأما قول الرجل لصاحبه: خذ طرفك ولآخذ طرفي، وقولهم: لنمش كلنا، ولنقم ~~إلى فلان، ونحو ذلك فإنما جاء باللام لأنه لم يكدر أمر الإنسان نفسه، فلما ~~قل استعماله لم يخفف بحذف اللام كما أمر المأمور الحاضر، فخفف نحو قم، سر، ~~وبع، وخف، ونم. # وأما: {ولتصنع على عيني} ففسره أحمد بن يحيى، أي: لتكون حركتك وتصرفك على ~~عين مني، قال: ومعنى {ولتصنع على عيني} ، بضم التاء: لترب1 وتغذى بمرأى ~~مني. # ومن ذلك قراءة ابن محيص: "أن يفرط"2 بفتح الراء: # قال أبو الفتح: هذا منقول من قراءة من قرأ: "أن يفرط علينا"، أي: يسبق ~~ويسرع، فكأنه أن يفرطه مفرط، أي: يحمله حامل على السرعة علينا وترك التأني ~~بنا، فكأنه قال: أن يحمل على العجلة في بابنا [99ظ] . # ومن ذلك قراءة الحسن: "مكانا سوى"، غير منون. # قال أبو الفتح: ترك صرف "سوى" ههنا مشكل، وذلك أنه وصف على فعل، وذلك ~~مصروف عندهم: كمال لبد4، ورجل ms286 حطم5، ودليل خثع6، وسكع7، إلا أنه ينبغي أن ~~يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين. فإن وصل على ذلك ~~فعلى نحو من قولهم: سبسبا وكلكلا8، فجرى في الوصل مجراه في الوقف. ~~PageV02P052 # ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش والثقفي، ورويت عن أبي عمرو: "يوم الزينة"1، ~~بالنصب. # قال أبو الفتح: أما نصب "يوم الزينة" فعلى الظرف، كقولنا: قيامك يوم ~~الجمعة، فالموعد إذا2 ههنا مصدر، والظرف بعده خبر عنه. وهو عندي على حذف ~~المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك3 اليوم. # ألا ترى أنه لا يراد في ذلك اليوم نعدكم؟ كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ ~~إنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم، لكن في قوله: {وأن يحشر الناس ضحى} النظر، ~~فظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال: موعدكم يوم الزينة وحشر ~~الناس ضحى، أي: يوم هذا وهذا؛ فيكون "أن يحشر" معطوفا عل الزينة. # وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد، فكأنه قال: إنجاز موعدكم ~~وحشر الناس ضحى في يوم الزينة، أي: هذان الفعلان في يوم الزينة، فكأنه جعل ~~الموعد عبارة عن جميع ما يتحدد ذلك اليوم: من الثواب، والعقاب، وغيرهما سوى ~~الحشر. ألا تراه عطفه عليه. وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد ~~معهم؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه وكذلك قول الله "تعالى": {من كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} 4 لا يكون5 "جبريل" و"ميكائيل" داخلين ~~في جملة الملائكة؛ لأنهما معطوفان عليهم، فلابد أن يكونا خارجين منهم، فأما ~~قوله: # أكر عليهم دعلجا ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما6 # فيروى "لبانه" رفعا ونصبا، فمن رفعه فلا نظر فيه؛ لأنه مبتدأ وما بعده ~~خبر عنه. وأما النصب فعلى أنه أخرج عن الجملة "لبانه"، ثم عطفه عليه، وساغ ~~له ذلك لأنه مازه من جملته إكبارا له وتفخيما منه، كما ماز "جبريل" ~~و"ميكائيل" من جملة الملائكة تشريفا PageV02P053 # لهما، وكذلك قوله: {وأن يحشر الناس ضحى} ليس في جملة ما دل عليه الموعد ~~لما قدمناه، كأنه مميز من ms287 الزينة في اعتقادك إياه مجرورا؛ لأنه معطوف ~~عليها. # وأما من رفع فقال: "يوم الزينة" فإن الموعد عنده ينبغي أن يكون زمانا، ~~فكأنه قال: وقت وعدي يوم الزينة، كقولنا: مبعث1 الجيوش شهر كذا، أي: وقت ~~بعثها حينئذ. والعطف عليه بقوله: {وأن يحشر الناس ضحى} يؤكد الرفع؛ لأن ~~"أن" لا تكون ظرفا. ألا ترى أن من قال: زيارتك إياي مقدم الحاج لا يقول: ~~زيارتك إياي أن يقدم الحاج؟ وذلك أن2 لفظ المصدر الصريح أشبه بالظرف من ~~"أن" وصلتها التي بمعنى المصدر، إذا كان اسما لحدث، والظرف [100و] اسم ~~للوقت، والوقت يكاد يكون حدثا. وعلى كل حال فلست تحصل من ظرف الزمان على ~~أكثر من الحدث الذي هو حركات الفلك، فلما تدانيا هذا التداني ساغ وقوع ~~أحدهما موقع صاحبه. # وأما "أن" فحرف موصول، جعل بدل لفظه على أنه في معنى المصدر. وما أبعد ~~هذا عن الظرفية! وقد استقصينا القول على ذلك في كتابنا الخصائص3 وغيره من ~~مصنفاتنا وينبغي أيضا أن يكون على حذف المضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة ~~ووقت حشر الناس؛ لأن الحشر في الحقيقة ليس وقتا، كما أن: قولك: ورودك مقدم ~~الحاج إنما هو على حذف المضاف، أي: وقت مقدم الحاج وكذلك، خفوق النجم ~~وخلافة فلان. فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود والجحدري وأبي عمران الجوني وأبي نهيك وأبي بكرة ~~وعمرو بن فائد: "وأن يحشر الناس ضحى"4. # قال أبو الفتح: الفاعل هنا مضمر، أي: وأن يحشر الله الناس، فهذا كقوله ~~"سبحانه": {ويوم نحشرهم جميعا5} ، وجميع هذا يراد به العموم، أي: يحشرهم ~~قاطبة وطرا PageV02P054 # ولا يكون1 حالا كقوله "سبحانه": {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم} ~~2 ويدل عليه أيضا قوله: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} 3. # ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "تخيل"4، بالتاء. # قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قوله "تعالى": {أنها تسعى} بدل من الضمير ~~في "تخيل" وهو عائد على الحبال والعصي، كقولك: إخوتك يعجبونني أحوالهم. ~~فأحوالهم بدل من الضمير العائد عليهم بدل الاشتمال. # ومنه قوله "تعالى": {جنات عدن مفتحة ms288 لهم الأبواب} 5 فيمن جعل "الأبواب" ~~بدلا من الضمير في "مفتحة"، وهذا أمثل من أن يعتقد خلو "تخيل" من ضمير يكون ~~ما بعده بدلا منه، لكن يؤنث الفعل لتضمن ما بعد أن لفظ التأنيث، كقراءة من ~~قرأ: "لا تنفع نفسا إيمانها"6 لأنه أسهل وأسرح7 من إتعاب الإعراب والتعسف ~~به من باب إلى باب. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن الزبير ونصر بن عاصم ~~والحسن وقتادة وابن سيرين -بخلاف، وأبي رجاء: "فقبصت قبصة8"، بالصاد فيهما. # وقرأ: "قبصة"، بالصاد وضم القاف الحسن، بخلاف. # قال أبو الفتح: القبض بالضاد معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف ~~الأصابع. وهذا مما قدمت إليك في نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك ~~أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما9 جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد ~~لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها ما9 جعلت عبارة عن الأقل. ولعلنا لو ~~جمعنا من هذا الضرب ما مر بنا منه لكان أكثر من ألف موضع PageV02P055 # هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه ~~وحراه1؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من ~~غضبه بقدرته وماضي مشيئته. # وأما "القبصة" بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسو2، والحسوة [100ظ] ~~فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع ~~الجثة، كالخلق في معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، في معنى مضروبه ~~ومنسوجه. # ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "لا مساس"3. # قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: {لا مساس} فواضحة؛ لأنه المماسة: ~~ماسسته مساسا كضاربته ضرابا، لكن في قراءة من قرأ: "لا مساس" نظرا؛ وذلك أن ~~"مساس" هذه كنزال ودراك وحذار، وليس هذا الضرب من الكلام -أعني ما سمي به ~~الفعل- مما تدخل "لا" النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك ~~ف"لا" إذا في قوله: "لا مساس" نفي للفعل، كقولك: لا أمسك ولا أقرب منك، ~~فكأنه حكاية قول القائل: مساس كدراك ونزال، فقال: لا مساس، أي: لا أقول: ~~مساس، وكان أبو ms289 علي ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت: # لا همام لي لا همام4 # أي: لا أقول: همام، فكأنه من بعد لا أهم بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون ~~مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا أضرب، فتنفي "بلا" لفظ الأمر5؛ ~~لتنافي اجتماع الأمر والنهي. فالحكاية إذا مقدرة معتقدة. PageV02P056 # فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساس في معنى امسس. فياليت شعري ما الذي ~~بنيت؟ قيل: ليس هذا أول معتقد معتزم تقديرا. وإن لم يخرج إلى اللفظ ~~استعمالا. ألا ترى إلى ملامح وليال في قول سيبويه ومذاكير ومشابه: لا آحاد ~~لها مستعملة. وإنما هي مرادة متصورة معتقدة، فكأن الواحد ملمحة ومشبه ~~وليلاة ومذكار أو مذكير أو نحو ذلك، فكذلك "لا مساس"، جاء على أنه قد ~~استعمل منه في الأمر مساس فنفى على تصور الحكاية والقول وإن لم يأت به ~~مسموع، ونظائره كثيرة، وكذلك القول في "همام" من بيت الكميت. # ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف: "لن نخلفه1" بالنون. # وقرأ: "لن يخلفه" أبو نهيك. # قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: {لن تخلفه} فمعناه: لن تصادفه مخلفا، ~~كقول الأعشى: # فمضى وأخلف من قتيلة موعدا2 # وقد مضى هذا مستقصى3. # وأما "نخلفه" بالنون فتقديره: لن نخلفك إياه، أي: لن ننقض منه ما عقدناه ~~لك. وأما "يخلفه" أي4 لا يخلف الموعد الذي لك عندنا ما أنت عليه5 من محنتك ~~في الدنيا بأن يكون نقيضه ومزيلا لحكمه، بل تكون في الآخرة كحالك في ~~الدنيا. كما قال "سبحانه": {قال اخرج منها مذءوما مدحورا} 6، وكقوله ~~"تعالى": {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} 7، ومنه ~~قوله "سبحانه": {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} 8، أي: يحضر أحدهما ~~فيخلف الآخر، بأن ينقض حاله ويستأثر بالأمر دونه. والهاء في "يخلفه" عائدة ~~على "أن تقول لا مساس"، أو "لا مساس". PageV02P057 # ومن ذلك قراءة علي1 وابن عباس "عليهما السلام" وعمرو بن فائد: ~~"لنحرقنه"2، بفتح النون. وضم الراء. # قال أبو الفتح: حرقت الحديد: إذا بردته، [101و] فتحات وتساقط. ومنه ms290 ~~قولهم: أنه ليحرق علي الأرم، أي: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظا علي. قال: # نيوبهم علينا يحرقونا3 # وقال زهير: # أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله4 # وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه: # نبئت أحماء سليمى أنما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما # إن قلت أسقى عاقلا فأظلما ... جونا وأسقى الحرتين الديما5 # فكأن "لنحرقنه" على هذا: لنبردنه ولنحتنه حتا، ثم، لننسفنه في اليم نسفا. # ومن ذلك عندي تسميتهم هذا الزورق حراقة، وهو كقولهم لها: سفينة؛ لأنها ~~تسفن وجه الماء، فكذلك تحرقه أيضا. # ومن ذلك قراءة مجاهد وقتادة: "وسع كل شيء علما"6. PageV02P058 # قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم: خرق كل مصمت بعلمه؛ لأنه بطن كل مخفى ~~ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متسعا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله ~~"تعالى": {أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} 1. فهذا العمل. وذلك ~~في العلم. # ومن ذلك قراءة عياض: "في الصور2". بفتح الواو. # قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت ~~الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا في الخصائص بابا للاستحسان3. ~~قال ذو الرمة: # أشبهن من بقر الخلصاء أعينها ... وهن أحسن من صيرانه صيرا4 # وصورا: قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة. كصوف جمع صوفة. ويقال: الصور: ~~القرن، ويقال: فيه ثقب5 بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قال الناس ~~بالأرماس6. # ومن ذلك قراءة الحسن: "أو يحدث لهم ذكرا7"، ساكنة الثاء. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، ~~أنشدناه أبو علي" # سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب8 # أي: ولا تعرفكم، وقد مضى ذكر نحوه. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "فنسي ولم9"، ولا ينصب الياء. PageV02P059 # قال أبو الفتح: قد قدمنا القول على سكون هذه الياء1 في موضع النصب والفتح ~~وأنه عند أبي العباس من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء في النثر ~~لكان قياسا. # ومن ذلك ما يروى عن أبان بن تغلب: "ونحشره يوم القيامة أعمى"2، بالجزم. # قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع قوله ms291 عز وجل: "فإن له معيشة ضنكا"، ~~وموضع ذلك جزم لكونه جواب الشرط الذي هو قوله: {ومن أعرض عن ذكري} ، فكأنه ~~قال: ومن أعرض عن ذكري يعش عيشة ضنكا ونحشره، كما تقول: من يزرني فله درهم ~~وأزده على ذلك، أي: من يزرني يجب له درهم علي وأزده عليه. وعليه قراءة أبي ~~عمرو بن العلاء: "فأصدق وأكون من الصالحين"3. PageV02P060 ### | سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # [101ظ] قراءة يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف: "هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي1"، بالتنوين في "ذكر"، وكسر الميم من "من". # قال أبو الفتح: هذا أحد ما يدل على أن "مع" اسم، وهو دخول "من" عليها. # حكى صاحب الكتاب وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أي: من عندهم، فكأنه ~~قال: هذا ذكر من عندي ومن قبلي، أي: جئت أنا به، كما جاء به الأنبياء من ~~قبلي، كما قال الله "تعالى": {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده} 2. # ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: "الحق فهم معرضون"3. # قال أبو الفتح: الوقف في هذه القراءة على قوله "تعالى": "لا يعلمون"، ثم ~~يستأنف: "الحق"، أي هذا الحق، أو هو الحق؛ فيحذف المبتدأ، ثم يوقف على ~~"الحق"، ثم يستأنف فيقال: فهم معرضون، أي: فهم معرضون4، أي: أكثرهم لا ~~يعلمون. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: "فذلك نجزيه"5، برفع ~~الهاء والنون. # قال ابن مجاهد: لا أدري ما ضم النون؟ لا يقال إلا جزيت، كما قال: {ذلك ~~جزيناهم بما كفروا} 6. PageV02P061 # قال أبو الفتح: هو لعمري غريب عن الاستعمال، إلا أن له وجها أنا أذكره. # وذلك أنه يقال: أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئني من كذا، أي يكفيني منه، ~~فكأنه في الأصل نجزئ به جهنم، أي نكفيها به، ومعناه: نمكنها منه. فتأتي ~~عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، ثم حذف حرف الجر. فصار ~~نجزئه جهنم، أي: نطعمه جهنم، كما حذف الحرف في قوله "تعالى": {واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا} 1، أي: من "قومه"، ثم أبدلت الهمزة ms292 من نجزئه ياء على حد ~~أخطيت وقريت؛ فصارت ياء ساكنة: نجزيه، وأقرت الهاء على ضمتها وهو الأصل، ~~كما قرأ أهل الحجاز: "فخسفنا بهو بدارهو الأرض2". # وزاد في حسن الضمة هنا أن الأصل الهمز. والهاء مع الهمزة هنا مضمومة. أي: ~~نجزئه، فلما أبدلت الهمزة على غير قياس صارت الهاء كأن لا ياء قبلها؛ لأنه ~~ليس هناك مسوغ للهمز لولا حمله على قريت وبابه، فبقيت الهاء على ضمتها ~~تنبيها على أن الهمز ياء في الحكم، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قوي ~~عذر، فهذا3 طريق الصنعة فيه. وهو أمثل من أن يحمل على إعطاء في بابه بما لا ~~طريق إلى تسهيل طريقه. # ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفي وأبي حيوة: "رتقا"4، بفتح التاء. # قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء المصدر على فعل ساكن العين. واسم مفعول ~~منه على فعل مفتوحها، وذلك قولهم: النفض للمصدر والنفض للمنفوض5، والخبط. ~~المصدر والخبط الشيء المخبوط، والطرد المصدر والطرد المطرود. وإن كان قد ~~يستعمل مصدرا، نحو: الحلب والحلب. فقراءة الجماعة: {كانتا رتقا} كأنه مما ~~وضع من المصدر موضع اسم المفعول، كالصيد في معنى المصيد، والخلق بمعنى ~~المخلوق. # وأما "رتقا"، بفتح التاء فهو المرتوق، أي: كانتا شيئا واحدا مرتوقا، فهو ~~إذا كالنفض PageV02P062 # والخبط، بمعنى المنفوض والمخبوط. ونحو من ذلك مجيئهم بالمصدر على فعل ~~مفتوح الفاء [102و] ، واسم المفعول على فعل بكسرها، نحو رعيت رعيا والرعي: ~~المرعى، وطحنت الشيء طحنا والطحن: المطحون. ونقضت الشيء نقضا. والنقض: ~~التعب، فكأنه منقوض. وسوغ الانحراف عن المصدر تارة على فعل والأخرى إلى فعل ~~-تعاقب فعل وفعل في أماكن صالحة على المعنى الواحد، وهو المثل والمثل، ~~والبدل والبدل، والشبه والشبه. ومن المعتل القيل والقال، والرير1 والرار. ~~والكيح2 والكاح، والقير والقار. # وقالوا أيضا صغوه3 معك وصغاه معك، وكذلك عندي ما عدلوا بفعل تارة إلى ~~فعل، وأخرى إلى فعل، وذلك قولهم: بنت على فعل وأخت على فعل. وأصل كل واحد ~~منهما فعل: بنو. وأخو، فلما مالوا إلى التأنيث جاءوا "ببنت" على فعل. ms293 ~~و"أخت" على فعل؛ فصارا في التقدير بنو وأخو، ثم أبدلوا الواو تاء كتجاه ~~وتراث؛ فصارت بنتا وأختا. # وقد مالوا أيضا ببعضه إلى فعل. فقالوا: هنت4، وأصله فعل: هنو، فأصاروه ~~إلى هنو، ثم أبدلوا الواو تاء، فقالوا: هنت. وقابل ذلك أيضا من كلامهم ما ~~كان فيه ثلاث لغات. نحو الشرب والشرب والشرب، والزعم والزعم والزعم. وقالوا ~~شنئته شنئا وشنئا وشنئا. # وقال أبو عبيدة: هو قطب الرحى وقطب وقطب، فهذا طريق مقابلة صنعة اللغة ~~ولفظة واحدة منه في هذا الحد، وعلى التنبه وتدارك الوضع -يقوم مقام كتاب ~~لغة يحفظ هكذا سردا، ولا تبل النفس بنحو ذلك من لطيف الصنعة فيه يدا. # ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة وجعفر بن ~~محمد وابن سريج الأصبهاني: "آتينا بها"5، بالمد. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "آتينا" هنا فاعلنا لا أفعلنا؛ لأنه لو ~~كانت أفعلنا لما احتيج إلى الباء ولقيل: آتيناها. كما قال "تعالى": {وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة} 6، PageV02P063 # فآتينا إذا من قوله: {أتينا بها} فاعلنا، ومضارعها يواتي1 كيهاتي2 في قول ~~الجماعة إلا أبا علي فإنه كان يقول في هات: غير ما يقول الناس فتصريف هذا ~~الفعل آتينا نواتي مواتاة، وأنا موات، وهو مواتى. ومن قال: ضاربت ضرابا ~~قال: إتاء، ومن قال: ضيرابا قال: إيتاء؛ فإيتاء على فيعال كضيراب، ومن قال: # أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا3 # قال: مواتى. # ومن ذلك قراءة ابن عباس، وعكرمة والضحاك: "الفرقان ضياء"4، بغير واو. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "ضياء" هنا حالا، كقولك: دفعت إليك زيدا ~~مجملا لك ومسددا من أمرك، وأصحبتك القرآن دافعا عنك ومؤنسا لك. فأما في ~~قراءة الجماعة: "وضياء" بالواو، فإنه عطف على الفرقان، فهو مفعول به على ~~ذلك. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي نهيك وأبي السمال: "فجعلهم جذاذا"5. # قال أبو الفتح: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن ~~هارون6 عن أبي حاتم قال: فيها لغات: جذاذا، وجذاذا، وجذاذا. قال: وأجودها ~~الضم، كالحطام والرقات، وكذلك روينا ms294 عن قطرب: جذ الشيء يجذه جذا [102ظ] ~~وجذاذا وجذاذا وجذاذا. PageV02P064 # ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبي إسحاق والأشهب ورويت عن أبي عمرو: "أمتكم ~~أمة واحدة"1. # قال أبو الفتح: تكون "أمة واحدة" بدلا من "أمتكم"، كقولك: زيد أخوك رجل ~~صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ "أمتكم" بالنصب بدلا وتوضيحا ~~"لهذه". ورفع "أمة واحدة" لأنه2 خبر إن لكان وجها جميلا حسنا. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: "وحرم على ~~قرية"3. # وقرأ: "وحرم" ابن عباس -بخلاف- وأبو العالية وعكرمة. # وقرأ: "وحرم على قرية" قتادة ومطر الوراق. # وقرأ: "وحرم"، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين في الميم عكرمة، بخلاف. # وقرأ: "وحرم"، بفتح الحاء، وسكون الراء والتنوين ابن عباس، بخلاف. # قال أبو الفتح: أما "حرم" فالماضي من حرم4، كقلق من قلق، وبطر من بطر. ~~قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قبر ماله5، وأحرمته: قمرته. قال زهير: # وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم6 # وأما "حرم" فأمره في الاستعمال ظاهر. # ومن جهة أحمد بن يحيى: "وحرم على قرية"، أي: واجب وحرام، معناه: حرم ذلك ~~عليها، فلا تبعث إلى يوم القيامة، وهذا على زيادة "لا"7، وحرم الرجل: إذا ~~لج في شيء ومحك8. PageV02P065 # وأما "حرم" فمن حرمته الشيء: إذا منعته إياه، فقد عاد إذا إلى معنى: ~~{وحرام على قرية} . وأما "حرم"، بفتح الحاء، وتسكين الراء فمخفف من حرم على ~~لغة بني تميم، فهو كبطر من بطر، وفخذ من فخذ، وكلمة من كلمة. وقال أبو ~~وعلة: # لا تأمنن قوما ظلمتهم ... وبدأتهم بالشر والحرم. # فكسر، فهذا يصلح أن يكون من معنى اللجاج والمحك، ويصلح أن يكون من معنى ~~الحرمان، أي: ناصبتهم وحرمتهم إنصافك. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "من كل جدث ينسلون1". # قال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجدف بالفاء لبني تميم. ~~وقالوا: أجدثت له جدثا، ولم يقولوا: أجدفت، فهذا يريك أن الفاء في "جدف" ~~بدل من الثاء في "جدث". ألا ترى الثاء أذهب في التصرف من الفاء؟ ms295 وقد يجوز ~~أن يكونا أصليين إلا أن أحدهما أوسع تصرفا من صاحبه، كما قالوا: وكدت عهده ~~وأكدته، إلا أن الواو أوسع تصرفا من الهمزة. ألا تراهم قالوا: قد وكد ~~وكده2، أي: شغل به، ولم يقولوا: أكد أكده؟ فالواو إذا أوسع تصرفا، وعليه ~~قالوا: مودة وكيدة، ولم يقولوا: أكيدة. وقالوا: وكدت السرج، والوكاد3، ولم ~~تستعمل هنا الهمزة، فهذا مذهب مقتاس على ما رأيتك هنا. # ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "حصب جهنم4"، ساكنة الصاد. # وقرأ: "حضب"، بالضاد مفتوحة- ابن عباس. # وقرأ: "حضب"، ساكنة الضاد كثير عزة5. PageV02P066 # وقرأ: "حطب جهنم" علي بن أبي طالب وعائشة "عليهما السلام" وابن الزبير ~~وأبي بن كعب وعكرمة. # قال أبو الفتح: أما الحضب1 بالضاد مفتوحة، وكذلك بالصاد غير معجمة ~~فكلاهما الحطب، ففيه ثلاث لغات: حطب، وحضب، وحصب, وإنما يقال: حصب إذا ألقي ~~في التنور والموقد. فأما ما لم يستعمل فلا يقال له: حصب. وقال أحمد بن ~~يحيى: أصل الحصب الرمي، حطبا كان أو غيره. [103و] فهذا يؤكد ما ذكرناه من ~~كونه المرمي في النار. # قال الأعشى: # فلا تك في حربنا محضبا ... لتجعل قومك شتى شعوبا2 # فأما "الحصب" ساكنا بالصاد والضاد فالطرح، فقراءة من قرأ: "حضب جهنم" و ~~"حصب جهنم" بإسكان الثاني منهما إنما هو على إيقاع المصدر موقع اسم ~~المفعول. كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى المصيد. وقد تقدم ذكر ~~ذلك3. # ومن ذلك قراءة أبي زرعة4: "السجل"5 بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو ~~زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبي هريرة. # وقرأ: "كطي السجل"، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام- الحسن، وأجازه ~~أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة. # وقرأ أبو السمال: "السجل"، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة. # قال أبو الفتح: السجل: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: ~~هو PageV02P067 # فارسي معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو ~~عربي، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو ملك، وقال آخرون: هو كاتب ~~كان للنبي "صلى الله عليه وسلم"، وذلك مدفوع؛ لأن ms296 كتابه معروفون. # ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجل هنا ~~فاعل في المعنى، وإنما هو مفعول في المعنى. وهو كقولك: كطي الكتاب للكتابة، ~~وقوله: "للكتاب" كقولك: للكتابة، أي كطي الكتاب لأن يكتب فيه؟ # ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: "وإن أدري لعله"1، ~~"وإن أدري أقريب"2، بفتح الياء فيهما جميعا. # قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمري ~~كذلك، لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمي وأفضي، إلا أن تحريكها بالفتح في ~~هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا. # وذلك أنك إذا قلت: "أدري" فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخره، آخر ~~ما لك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامي وداري. فلما تشابه ~~الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع في "أدري" ~~و"صاحبي"؛ ففتحت الياء في "أدري" كما تفتح في نحو "داري" و"غلامي". # ولا تستبعد في الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لما أشبه حرف اللين في ~~مصيبة -وإن كانت عينا- حرف اللين في صحيفة وإن كان زائدا3. وقالوا ما هو ~~أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم4 لما أشبها بالمثال نحو أركب ~~وأذهب، وقالوا أيضا: مسيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ~~ياء فعيل الزائدة، فقالوا: PageV02P068 # أمسلة. كما قالوا: أجربة1، قالوا: سالت معنانه2. فحذفوا ياء معين، وهو من ~~العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة. هذا هو الظاهر. فأما قولهم: ~~مسيل ومسل، وأمعن بحقه: إذا أجاب إليه وانقاد له -فقد يجوز أن يكون إنما ~~ساغ ذلك لما سمعوهم يقولن: معنان [103ظ] وأمسلة، كما قال أبو بكر في قولهم3 ~~ضفن الرجل يضفن إذا جاء ضيفا مع الضيف: لما قالوا ضيفن، فأشبه فيعلا4. ~~فصارت النون في ضيفن كالأصل، إلا أن فيعلا أكثر من فعلن. فاشتق منه على ~~أقوى ما يجب في مثله؛ فثبتت النون في ضفن لاما وإن كانت في ضيفن زائدة. ~~فكذلك شبهوا ياء "أدري" ms297 بياء غلامي وداري من حيث ذكرنا. فاعرفه معنى كالعذر ~~أو عذرا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "قل رب احكم"5 بضم الباء، والألف ساقطة على أنه ~~نداء مفرد. # قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعني حذف حرف النداء مع الاسم الذي ~~يجوز أن يكون وصفا لأي. ألا تراك لا تقول: رجل أقبل؛ لأنه يمكنك أن تجعل ~~الرجل وصفا لأي. فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال في قوله ~~"تعالى": {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} 6: إنه أراد يا هؤلاء. وحذف حرف النداء ~~من حيث كان "هؤلاء" من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا لأي في نحو ~~قوله: # ألا أيها ذا المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد7 ~~PageV02P069 # و "رب" مما يجوز أن يكون وصفا لأي، ألا تراك تجيز يأيها الرب؟ قال ~~أصحابنا فلم يكونوا ليجمعوا عليه حذف موصوفه وهو "أي"، وحذف حرف النداء ~~جميعا1. # وعلى أن هذا قد جاء مثله في المثل، وهو قولهم: افتد مخنوق2، وأصبح ليل3، ~~وأطرق كرا4. يريد يا مخنوق، وياليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن ~~كانت5 منثورة فإنها تجري في تحمل الضرورة لها مجرى المنظوم في ذلك. قال أبو ~~علي: لأن الغرض في الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك، فجرى المثل ~~مجرى الشعر في تجوز الضرورة فيه ومن الشعر قوله: # عجبت لعطار أتانا يسومنا ... بدسكرة المران دهن البنفسج # فقلت له: عطار هلا أتيتنا ... بنور الخزامى أو بخوصة عرفج6 PageV02P070 # أراد يا عطار. # وقد ذكرنا هذا في غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة ~~لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدري والضحاك وابن محيصن: ~~"ربي احكم بالحق" بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم. # PageV02P071 ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: "وترى الناس سكرى وما هم بسكرى"1. ~~وروينا عن أبي زرعة أنه قرأها أيضا: "سكرى" # بضم السين والكاف ساكنة. كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج. # قال أبو الفتح: يقال ms298 رجل سكران وامرأة سكرى، كغضبان وغضبى. وقد قال ~~بعضهم: سكرانة، كما قال بعضهم: غضبانة، والأول أقوى وأفصح. فأما في الجميع2 ~~فيقال: سكارى بفتح السين، وسكارى بضمها، وسكرى كصرعى وجرحى. وذلك لأن السكر ~~علة لحقت عقولهم، كما أن الصرع علة لحقت أجسامهم. وفعلى في التكسير مما ~~يختص به المبتلون، كالمرضى، والسقمى، والموتى، والهلكى. وبكل قد قرأ الناس3 ~~[104و] # فأما "سكارى"، بفتح السين فتكسير لا محالة وكأنه منحرف به عن سكارين، كما ~~قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله ندامين، وكما قالوا في الاسم: حومانة4 ~~وحوامين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء. فصارت في التقدير سكاري، كما قالوا ~~إنسان وأناسي، وأصله أناسين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعاليل. ~~فلما صار "سكاري" حذفوا إحدى الياءين تخفيفا فصار "سكاري"، ثم أبدلوا من ~~الكسرة فتحة ومن الياء ألفا؛ فصار "سكارى"، كما قالوا في مدار5 وصحار ~~ومعاي6: مدارى وصحارى ومعايا. PageV02P072 # ويدل على أنه قد كان في الأصل أن يقال في تكسير سكران: سكارين بالنون ما ~~أنشده الفراء: # إن يهبط الضب أرض النون ينصره ... يهلك ويعل عليه الماء والطين # أو يهبط النون أرض الضب ينصره ... يهلك ويأكله قوم غراثين # فهذا تكسير غرثان1، ومؤنثه غرثى. أخبرنا أبو علي عن الفراء يقول الشاعر: # ممكورة غرثى الوشاح السالس ... تضحك عن ذي أشر عضارس2 # وأما "سكارى" بالضم في السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسر كجمادى ~~وحمادى3 وسمانى4 وسلامى5. # وقد يجوز أن يكون مكسرا مما جاء على فعال: كالظؤار6، والعراق7، والرخال8، ~~والثناء9، والتؤام10، والرباب11، إلا أنه أنث بالألف كما أنث بالهاء في ~~قولهم: النقاوة12. قال أبو علي: وهو جمع نقوة، وأنث كما أنث فعال في نحو: ~~حجارة، وذكارة وعيارة13. PageV02P073 # وأما "سكرى"، بضم السين فاسم مفرد على فعلى، كالحبلى: والبشرى. وبهذا ~~أفتاني أبو علي، وقد سألته عن هذا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "وربأت" بالهمز، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء. # قال أبو الفتح: المسموع في هذا المعنى ربت؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب في ~~جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. ms299 وأما الهمز فمن: ربأت القوم: إذا ~~أشرفت مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، ~~وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه2 إلى علو ~~الأرض، لما فيه من إفراط الربو، فإذا وصف علوها دل على أن الزيادة قد شاعت ~~في جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من: ربأت القوم، أي: كنت لهم طليعة. وهذا ~~مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله: # كأن أيديهن بالموماة ... أيدي جوار بتن ناعمات3؟ # ولم يرد الشاعر أن أيدي الإبل ناعمة، وكيف يريد ذلك وإنما المعتاد ~~المألوف في ذلك وصف الأيدي بالشدة والسلاطة؟ ألا ترى إلى قوله: # ترمي الأماعيز بمجمرات ... بأرجل روح محنبات4؟ # وقوله: # ترمي الحصا بمناسم ... صم صلادمة صلاب5؟ PageV02P074 # والأمر في ذلك أشهر، وإنما [104ظ] أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، ~~فذكر نعمة اليد، لأنها مما يصحبها الخضاب. # وعليه قال الآخر: # كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي عذار يتعاطين الورق1 # فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهن الخضاب، فأراد انخضاب أيدي الإبل بالدم. ~~وهذا ونحوه من لمحات العرب وإيماءاتها التي تكتفي بأيسرها مما وراءه. ألا ~~ترى إلى قول الهذلي: # أمنك البرق أرقبه فهاجا ... فبت أظنه دهما خلاجا2؟ # أي: فإذا اختلجت عنها أولادها حنت إليها، فشبه حنينهن بصوت الرعد، فقدم ~~ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه وهو كثير، ~~فكذلك قراءته: "وربأت"، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط ~~الذي في قراءة الجماعة: "وربت". # ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: "خاسر الدنيا والآخرة"3. # قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، أي: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة4 ~~الجماعة: {خسر الدنيا والآخرة} تكون هذه الجملة بدلا من قوله: {انقلب على ~~وجهه} ، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل ~~التي تقع وهي من فعل وفاعل بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما، يضاعف له العذاب} 5؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هي لقي الأثام، ~~وعليه قول الآخر: # إن ms300 يجبنو أو يغدروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا PageV02P075 # يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا1 # فقوله: يغدوا عليك مرجلين بدل من قوله: لا يحفلوا. # ومن ذلك قراءة الزهري: "والدواب"2، خفيفة الياء. ولا أعلم أحدا خففها ~~سواه. # قال أبو الفتح: لعمري إن تخفيفها قليل ضعيف قياسا وسماعا. # أما القياس فلأن3 المدة الزائدة في الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن ~~الألف حرف متحرك4، وإذا كان كذلك5 فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة ~~المد في الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابب، لقصرت ~~الألف وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت دواب؛ فصارت تلك الزيادة في الصوت ~~عوضا من تحريك الألف. # وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر، ~~وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظلت، ~~ومست، وأحست. يريدون: ظللت، ومسست، وأحسست، قال أبو زبيد: # خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس6 # وقال: # قد كنت عندك حولا لا تروعني ... فيه روائع من إنس ولا جان7 PageV02P076 # يريد: جان، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو علي: # حتى إذا ما لم أجد غير الشر ... كنت امرأ من مالك بن جعفر [105و] # أراد: غير الشر، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من ~~غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد: # درس المنا بمتالع فأبان1؟ # وقال علقمة بن عبدة: # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم2 # أراد بسبائب الكتان. # وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف ~~"الدواب" عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالرد وقد وجدت له وجها. # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يحلون"3، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حلي ~~يحلى. # قال أبو الفتح: هذا4 من قولهم: لم أحل منه بطائل، أي: لم أظفر5 منه ~~بطائل؛ فيجعل ما يحلون به هناك أمرا ظفروا به، وأوصلوا إليه. والحلية6 ~~راجعة المعنى إليه، وذلك ms301 أن النفس تعتدها مظفورا به7 موصلا إليه. وليست ~~الحلية من لفظ: حلي الشيء بعيني؛ لأن الحلية من الحلي، فهي من الياء. وحلي ~~بعيني من الواو، لقولهم: حلي بعيني يحلى حلاوة، فهي كشقي يشقى شقاوة، وغبي ~~يغبى غباوة. ولكن قولهم: امرأة حالية أي: ذات حلي من الياء، فحالية إذا من ~~قوله: {يحلون} على هذه القراءة وهما من الياء، فكأنه أقوى عندهم من قولهم ~~ما حليت من بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا في غير الواجب. لا يقولون: حليت ~~منه، PageV02P077 # ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حلأت حالئة عن كوعها1 فهو مهموز، ~~وأمره ظاهر. # ومن ذلك قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب: "ولؤلؤا"، بالنصب. # قال أبو الفتح: هو محمول على فعل يدل عليه قوله: {يحلون فيها من أساور} ، ~~أي ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا. # ومثله قراءة أبي: "وحورا عينا"3 أي ويؤتون حورا عينا، ويزوجون حورا عينا. # ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله: # جئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار4 # فكأنه قال: أو هات مثل أسرة. وعليه قول الآخر: # بينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع5 # فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير. # ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيص: "وأذن في الناس"6، بالتخفيف. # قال أبو الفتح: "أذن" معطوف على "بوأنا"، فكأنه قال: وإذ بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت، وأذن، فأما قوله على هذا: {يأتوك رجالا} فإنه انجزم لأنه جواب ~~قوله: {وطهر بيتي للطائفين} ، وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: {وأذن في ~~الناس بالحج} . PageV02P078 # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي مجلز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي عبد الله ~~جعفر بن محمد: "رجالا"1. # وقرأ: "رجالا"، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة - عكرمة وابن أبي إسحاق ~~وأبو مجلز والحسن البصري والزهري. # وقرأ: "رجال"، على فعال مخففة - عكرمة. # قال أبو الفتح: أما [105ظ] "رجالا" فجمع راجل، ككاتب وكتاب، وعالم وعلام، ~~وعامل وعمال. # وأما "رجالا"، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة - فغريب. وهو مما ذكرناه ~~مما جاء من الجمع على ms302 فعال: كظؤار، وعراق، ورخال2. # وأما "رجالى" فمثل: حبارى، وسكارى. ويقال: أراجل، وأراجيل، ورجالى، ~~ورجالى، ورجلان. قال كثير: # له بجنوب القادسية فالشبا ... مواطن لا يمشي بهن الأراجل3 # وقال أبو الأسود: # كأن مصامات الأسود ببطنه ... مراغ وآثار الملاعيب ملعب4 # وأنشد الأصمعي: # ومركب يخلطني بالركبان ... يقي به الله أذاة الرجلان5 # وروينا عن ابن الأعرابي: رجل رجلان6، ورجل أي: راجل. # وقراءة الكافة: {رجالا} جمع راجل أيضا، كصائم وصيام، وصاحب وصحاب. ~~PageV02P079 # ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق، ورويت عن أبي عمرو: "والمقيمي الصلاة"1، ~~بالنصب. # قال أبو الفتح: أراد "المقيمين"، فحذف النون تخفيفا، لا لتعاقبها ~~الإضافة، وشبه ذلك باللذين والذين في قوله: # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد2 # حذف النون من الذين تخفيفا لطول الاسم، فأما الإضافة فساقطة هنا، وعليه ~~قول الأخطل: # أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا3 # حذف نون "اللذان" لما ذكرنا، لكن الغريب من ذلك ما حكاه أبو زيد عن أبي ~~السمال أو غيره أنه قرأ: "غير معجزي الله"3، بالنصب. فهذا يكاد يكون لحنا؛ ~~لأنه ليست مع لام التعريف المشابهة للذي ونحوه، غير أنه شبه "معجزي" ~~بالمعجزي، وسوغ له ذلك علمه بأن "معجزي" هذه لا تتعرف بإضافتها إلى اسم ~~الله "تعالى"، كما لا يتعرف بها ما فيه الألف واللام، وهو "المقيمي الصلاة" ~~فكما جاز النصب في "المقيمي الصلاة" كذلك شبه به "غير معجزي الله". ونحو ~~"المقيمي الصلاة" # بيت الكتاب: # الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم نطف4 # بنصب "العورة" على ما ذكرت لك. وقال آخر: # قتلنا ناجيا بقتيل عمرو ... وخير الطالبي الترة الغشوم5 # ومثل قراءة من قرأ: " غير معجزي الله"، بالنصب قول سويد: # ومساميح بما ضن به ... حابسو الأنفس عن سوء الطمع6 PageV02P080 # وقرأ بعض الأعراب: "إنكم لذائقو العذاب الأليم"1، بالنصب. # وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: "ولا ~~الليل سابق النهار"، فقلت له: ما أردت؟ فقال3: أردت: سابق النهار، فقلت له: ~~فهلا قلته. فقال: لو قلته لكان أوزن، يريد: ms303 أقوى وأقيس. وقد ذكرنا هذا ~~ونحوه في كتابنا الخصائص4 وغيره من كتبنا. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وإبراهيم وأبي جعفر محمد بن ~~علي والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبي رباح5 [106و] والضحاك والكلبي: ~~"صوافن"6. # وقرأ: "صوافي" أبو موسى الأشعري والحسن وشفيق7 وزيد بن أسلم8 وسليمان ~~التيمي، ورويت عن الأعرج. # قال أبو الفتح: هي "الصافنات" في قول الله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد} 9، إلا أنها استعملت هنا في الإبل. والصافن: الرافع إحدى ~~رجليه، واعتماده منها على سنبكها. قال عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا10 PageV02P081 # و"صوافي" أي: خوالص لوجهه وطاعته. وقال العجاج: # حتى إذا ما آض ذا أعراف ... كالكودن المشدود بالوكاف # قال الذي عندك لي صوافي1 # ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "القنع"2. # قال أبو الفتح: يريد "القانع"، وهي قراءة العامة، إلا أنه حذف الألف ~~تخفيفا وهو يريدها وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وأنشدنا فيه قوله: # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # إلا عرادا عرادا ... وصليانا بردا # وعنكثا ملتبدا3 # يريد عاردا وباردا. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر: # ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال4 # أراد: لا بارك الله5، فحذف الألف تخفيفا. وعليه قول الآخر: # مثل النقا لبده ضرب الطلل6 # يريد الطلال، كما قال القحيف العقيلي: # ديار الحي تضربها الطلال ... بها أهل من الخافي ومال6 # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعمرو بن عبيد: "والمعتري"7 خفيفة، من اعتريت. ~~PageV02P082 # قال أبو الفتح: يقال: عراه يعروه عروا فهو عار، والمفعول معرو. واعتراه ~~يعتريه اعتراء فهو معتر. والمفعول معترى. وعره يعره عرا فهو عار. والمفعول ~~معرور. واعتره يعتره اعترارا فهو معتر، والمفعول معتر أيضا. لفظ الفاعل ~~والمفعول به سواء. وكله: أتاه وقصده. والقانع: السائل، والمعتر: المتعرض لك ~~من غير مسألة. قال ابن أحمر: # ثم تعر الماء فيمن يعر1 # قال طرفة: # في جفان تعتري نادينا ... وسديف حين هاج الصنبر2 # ومن ذلك قراءة الجحدري بخلاف: "وصلوت"3 بضم الصاد واللام، وإسكان الواو، ms304 ~~والتاء. # وروى عنه: "وصلوات". بكسر الصاد، وجزم اللام بعد الواو. بالتاء. # وقرأ: "وصلوت" أبو العالية -بخلاف- والحجاج بن يوسف- بخلاف- والكلبي. # وقرأ: "وصلوت" الحجاج. ورويت عن الجحدري. # وقرأ: "وصلوت" جعفر بن محمد. # وقرأ: "وصلوتا" مجاهد. # وقرأ: "وصلوات" الجحدري والكلبي بخلاف. # وقرأ: "وصلويتا" عكرمة. # قال أبو الفتح: اعلم أن أقوى القراءات في هذا الحرف هو ما عليه العامة، ~~وهو: {صلوات} PageV02P083 # ويلي ذلك "صلوات" و "صلوات"1 و"صلوات". فأما بقية القراءات فيه فتحريف ~~وتشبث باللغة السريانية واليهودية. # وذلك أن الصلاة عندنا من الواو، يدلك على ذلك ما كان رآه أبو علي فيها، ~~وذلك أنها من الصلوين [106ظ] وهما مكتنفا ذنب الفرس وغيره مما يجري مجرى ~~ذلك، قال: واشتقاقه منه أن تحريك الصلوين أول ما يظهر من أفعال الصلاة، ~~فأما الاستفتاح ونحوه من القراءة والقيام فأمر لا يظهر، ولا يخص ما ظهر منه ~~الصلاة، لكن الركوع أول ما يظهر من أفعال المصلي. وقولهم أيضا في الجمع: ~~صلوات، قاطع بكون اللام واوا، وإنما ذكرنا وجه اشتقاقها من الصلوين2. ~~فصلوات جمع صلاة، كقنوات من قناة. # وأما "صلوات" و"صلوات" فجمع صلوة، وإن كانت غير مستعملة. ونظيرها حجرة ~~وحجرات وحجرات. وأما "صلوات" فكأنه جمع صلوة كرشوة ورشوات، وهي أيضا مقدرة ~~وغير مستعملة، كتقدير "صلوة". وقد تكون "صلوات" بفتح اللام أيضا جمع صلاة ~~كطلاة3 وطليات. وإنما بدأنا بقولنا إنها جمع صلوة كحجرات جمع حجرة، ولم ~~تقدم ذكر صلاة المتقدرة ليقل تقدير ما لم يخرج إلى الاستعمال. # ومعنى "صلوات" هنا: المساجد، وهي على حذف المضاف، أي: مواضع "الصلوات"، ~~ومنه قولهم: صلى المسجد، أي: أهله. وأذن المسجد، أي: مؤذنه. وقال: # نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس4 # قال أبو حاتم: ضاقت صدورهم لما سمعوا {هدمت صلوات} ، فعدلوا إلى بقية ~~القراءات، وقال الكلبي: "صلوات": مساجد اليهود، وقال الجحدري: "صلوات": ~~مساجد النصارى. وعندنا من خارج باب الموصل بيوت يدفن فيها النصارى تعرف ~~بالباصلوث، بثاء منقوطة PageV02P084 # بثلاث، وقال قطرب: صلوث بالثاء: بعض بيوت النصارى، قال: والصلوث: الصوامع ~~الصغار لم يسمع لها بواحد، قال: وقال ms305 ابن عباس: "صلوات": كنائس اليهود، ~~وصوامع الرهبان، وبيع النصارى. # وقال أبو حاتم: قال الحسن: تهديمها: تعطيلها، وقول الله سبحانه: {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ، ثم قال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} 1، فهذا ~~يدل على أن المراد: لا تقربوا المسجد، فقال: "الصلاة". # ومن ذلك قراءة الجحدري: "وبئر معطلة"، ساكنة العين. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على عطلت أو أعطلت أو عطلت فهي عاطل، ~~وأعطلتها فهي معطلة، فيكون منقولا من ثلاثي على فعلت أو فعلت، والفتح أولى ~~بالعين فيه من الكسر؛ لأن عطل يقال للمرأة إذا عطلت من الحلي، كما قال في ~~ضده: حليت فهي حالية، وقالوا: امرأة عاطل بلا هاء، كأخواتها من طاهر وطامث. # ومن ذلك قراءة لاحق بن حميد3: "فلا ينزعنك"4. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة ~~المنزوع عن شيء إلى غيره. ومنه قول الله: {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} 5، ~~ونحوه قول يونس6 في قول الله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا} 7، ألا تراه كيف PageV02P085 # ذهب إلى تعليق ينزع في هذا الموضع؟ ولو كان بمنزلة نزع الرجل الرجل من ~~الخف أو المسمار من الجذع ونحوه [107و] لما جاز تعليقه. # قال أبو علي: فإنما هو إذا كقولك: لنميزنهم بالاعتقاد والعلم فنخصهم ~~باستحقاق الذم بما يجب اعتقاده في مثلهم. هذا محصول ما كان يقوله أبو علي ~~فيه وإن لم يحضرني الآن صورة لفظه. فكذلك إذا قوله: "لكل أمة جعلنا منسكا ~~هم ناسكوه فلا ينزعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم" أي: ~~فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى اعتقاد دين غيرك. # وأما قراءة العامة: {فلا ينازعنك في الأمر} أي: فاثبت على يقينك في صحة ~~دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ~~ينازعوك، فلفظ النهي لهم ومعناه له، صلى الله عليه وسلم. ومثله قولهم: لا ~~أرينك ههنا، ألا ترى أن معناه: لا تكن هنا فأراك؟ فالنهي في اللفظ لنفسه، ms306 ~~ومحصول معناه للمخاطب. ومثله قول النابغة: # لا أعرفا ربربا حورا مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار1 # أي لا تدن مني كذلك فأعرفها، وكلام للعرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد ~~والجهات، وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه. PageV02P086 ### | سورة المؤمنون # 1: # سم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "عظما"، واحدا "فكسونا العظام"2 جماعة -السلمي وقتادة والأعرج ~~والأعمش. واختلف عنهم. # وقرأ: "عظاما" جماعة "فكسونا العظم3" واحدا -مجاهد. # قال أبو الفتح: أما من وحد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنطفة ~~والعلقة، ومن جمع فإنه أراد أن هذا أمر عام في جميع الناس. وقد شاع عنهم ~~وقوع المفرد في موضع الجماعة. # نحو قول الشاعر: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص4 # وقول طفيل: # في حلقكم عظم وقد شجينا5 # وهو كثير وقد ذكرناه. إلا أن من قدم الإفراد ثم عقب بالجمع أشبه لفظا؛ ~~لأنه جاور بالواحد لفظ الواحد الذي هو "إنسان" و"سلالة" و"نطفة" و"علقة" ~~"ومضغة". ثم عقب بالجماعة؛ لأنها هي الغرض. ومن قدم الجماعة بادر إليها إذ ~~كانت هي المقصود. ثم عاد فعامل اللفظ المفرد بمثله. والأول أحرى6 على ~~قوانينهم. ألا تراك تقول: من قام وقعدوا PageV02P087 # إخوتك فيحسن لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى، وإذا قلت: من قاموا وقعد ~~إخوتك، ضعف لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى وانصرفت عن اللفظ؟ فمعاودة ~~اللفظ بعد الانصراف عنه تراجع وانتكاث، فاعرفه وابن عليه فإنه كثير جدا. # ومن ذلك قراءة الزهري والحسن والأعرج: "تنبت"1، برفع التاء، ونصب الباء. # وفي قراءة عبد الله: "تخرج بالدهن". # قال أبو الفتح: الباء هنا في معنى الحال، أي: تنبت وفيها دهنها، فهو ~~كقولك: خرج بثيابه. أي وثيابه عليه، وسار الأمير في غلمانه، أي وغلمانه ~~معه، وكأنه قال: خرج لابسا ثيابه، وسار مستصحبا غلمانه، وكذلك قول الهذلي ~~[107ظ] . # يعثرن في حد الظبات كأنما ... كسيت برود بني تزيد الأذرع2 # أي: يعثرن كابيات3 في حد الظبات، أو مجروحات في حد الظبات. ومثله ما ~~أنشده الأصمعي من قوله: # ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود4 # أي: قطع الحبل ومروده فيه، أي: متصلا ms307 به مروده، فكذلك قوله: "تنبت ~~بالدهن"، PageV02P088 # أي: تنبت ودهنها فيها، وكذلك من قرأ: "تنبت"، أي: تنبت على هذه الحال، ~~وكذلك أيضا من قرأ: "تنبت بالدهن" قد حذف مفعولها، أي: تنبت ما تنبته ~~ودهنها فيها وذهبوا في قول زهير: # حتى إذا أنبت البقل1 # إلى أنه في معنى نبت وأنها لغة: فعلت وأفعلت. وقد يجوز أن يكون على هذا ~~أي: محذوف المفعول، أي: حتى إذا أنبت البقل ثمره. ونحن نعلم أيضا أن الدهن ~~لا ينبت الشجرة، وإنما ينبتها الماء. ويؤكد ذلك أيضا قراءة عبد الله: "تخرج ~~بالدهن"، أي: تخرج من الأرض ودهنها فيها. # فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أي: تنبت الدهن، فمضعوف المذهب، وزائد حرفا ~~لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، وكذلك قول ~~عنترة: # شربت بماء الدحرضين2 # ليس عندنا على زيادة الباء، وإنما هو على شربت في هذا الموضع ماء، فحذف ~~المفعول. وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدله على قوة الناطق به! ~~PageV02P089 # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "لعبرة تسقيكم"1. # قال أبو الفتح: ليس قوله: "تسقيكم" صفة، لعبرة كقولك: لعبرة2 ساقية. ألا ~~ترى أنه ليست العبرة الساقية، إنما هناك حض وبعث على الاعتبار بسقياها لنا ~~أو بسقيا الله "سبحانه" إيانا منها؟ فالوقف إذا على قوله: "لعبرة"، ثم ~~استأنف "تعالى" تفسير العبرة، فقال: "تسقيكم" هي، أو {نسقيكم} نحن "مما في ~~بطونها". وقوله: {ولكم فيها منافع كثيرة} أحد ما يدل على قوة شبه الظرف ~~بالفعل. ألا تراه معطوفا على قوله: {نسقيكم} ؟ والعطف نظير التثنية، ~~والتثنية تقتضي تساوي حال الاسمين وتشابههما. ومثله في ذلك3 قول الآخر ~~أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد4 بن يحيى ثعلب: # زمان علي غراب غداف ... فطيره الشيب عني فطارا5 # فعطف "طيره" على "علي" وهو ظرف. # ومنه قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} 6، فوجود معنى الشرط في ~~الظرف أقوى دليل على قوة شبهه بالفعل؛ لأن الشرط لا يصح إلا به. وسوغ ذلك ~~أيضا أن قوله: "تسقيكم ms308 مما في بطونها" في معنى قوله: لكم في بطونها سقيا، ~~ولكم فيها منافع. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر والثقفي: "هيهات هيهات"7، بكسر التاء غير منونة. # وقرأ: "هيهات هيهات" عيسى بن عمر: # وقرأ: "هيهات هيهات" رفع منون -أبو حيوة. # وقرأ: "هيهات هيهات" مرسلة التاء8 عيسى الهمداني، ورويت عن أبي عمرو. ~~PageV02P090 # قال أبو الفتح: أما الفتح -وهي قراءة العامة- فعلى أنه واحد، وهو [108و] ~~اسم سمي به الفعل في الخبر، وهو اسم "بعد"، كما أن شتان اسم "افترق" وأوتاه ~~اسم "أتألم"، وأف اسم "أتضجر" وقد ذكرنا في "أف" طرفا صالحا من هذا ~~الحديث1. # ومن كسر فقال: "هيهات" منونا أو غير منون فهو جمع هيهات وأصله2 هيهيات: ~~إلا أنه حذف الألف، لأنها في آخر اسم غير متمكن3، كما حذفت ياء الذي في ~~التثنية إذا قلت: اللذان وألف ذا إذا قلت: ذان. # ومن نون ذهب إلى التنكير، أي: بعدا بعدا. # ومن لم ينون ذهب إلى التعريف، أراد: البعد البعد. # ومن فتح وقف بالهاء؛ لأنها كهاء أرطاة4 وسعلاة5. # ومن كسر كتبها بالتاء؛ لأنها جماعة، والكسرة في الجماعة بمنزلة الفتحة في ~~الواحد، كما أن سقوط النون من ضربا بمنزلة الفتحة في ضرب طردا على سقوط ~~النون في لن يضربا بمنزلة الفتحة في أن يضرب. فلفظ البناء في هذا كلفظ ~~الإعراب. # ومن قال: "هيهاة هيهاة" فإنه يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة "هيهاة" ~~بالفتح، والفتح يدل على الإفراد، والإفراد بالهاء كهاء أرطاة وعلقاة6، غير ~~أن من رفع فقال: "هيهاة" فإنه يحتمل أمرين: # أحدهما أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسما للفعل ~~فيبنيه كما بنى الناس غيره، وقوله: {لما توعدون} خبر عنه، كأنه قال: البعد ~~لوعدكم، كما يقول القائل: الخلف لموعدك، والضلال لإرشادك، والخيبة ~~لانتجاعك. # والآخر أن تكون مبنية على الضم، كما بنيت نحن عليه، وكما بنيت حوب7 عليه ~~في الزجر، ثم اعتقد في التنكير فلحقه التنوين على ما مضى. ونحو من ذلك ما ~~حكي عن بعضهم من ضمة نون التثنية في الزيدان والعمران. PageV02P091 # وأما "هيهات ms309 هيهات"، ساكنة بالتاء فينبغي أن يكون جماعة، وتكتب بالتاء؛ ~~وذلك أنها لو كانت هاء كهاء علقاة وسماناة1 للزم في الوقف عليها أن يلفظ ~~بالهاء كما يوقف مع الفتح فيقال: هيهاه هيهاه، فبقاء التاء في الوقف في ~~السكون دليل على أنها تاء، وإذا كانت تاء فهي للجماعة، وهو أمثل من أن ~~يعتقد فيها أنها أجريت في الوقف مجراها في الوصل من كونها تاء كقولنا: عليه ~~السلام والرحمت، وقوله: # بل جوز تيهاء كظهر الحجفت2 # لقلة هذا وكثرة الأول، وكذلك يقف الكسائي عليه، وهو عندي حسن لما ذكرته. # وعذر من وقف بالتاء كونها في أكثر الأمر مصاحبة للأخرى من بعدها، ولأنها ~~أيضا تشبه الفعل، والفعل أبدا متطاول على الفاعل، وهذا طريق الوصل، ولأن ~~الضمير فيها لم يؤكد قط، فأشبهت الفعل الذي لا ضمير فيه، فكان ذلك أدعى في ~~اللفظ إلى إدراجها بالتوقع له3: # والذي حسن الوقوف عليها حتى نطق بالهاء فيها ما أذكره لك، وهو أن هيهاه ~~جارية مجرى الفعل في اقتضائها [108ظ] الفاعل، فإذا قال: هيهات، فكأنه قال: ~~بعد بعثكم، بعد إنشاؤكم، بعد إخراجكم. فإذا وقف عليه أعلم أن فيه فاعلا ~~مضمرا وأن الكلمة قد استقلت بالضمير الذي فيها، وإذا وصلها بالأخرى أوهم ~~حاجة الأولى إلى الآخرة فآذن بالوقوف عليها باستقلالها وغنائها عن الأخرى ~~من بعدها، فافهم ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله4: {لما توعدون} هو الفاعل؛ لأن ~~حرف الجر لا يكون فاعلا، ولا يحسن اعتقاد زيادة اللام هنا PageV02P092 # حتى كأنه قال: بعد ما توعدون؛ لأنه لم تؤلف زيادة اللام في نحو هذا، ~~وإنما زيدت في الموضع الذي الغرض بزيادتها فيه تمكين معنى الإضافة، كقوله: # يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا1 # وكقوله: # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام2 # وإذا لم يكن لها بد من الفاعل ولم يكن الظاهر بعدها فاعلا لها ففيها ضمير ~~فاعل لا محالة، وهو ما قدمنا ذكره3. ومما نون وهو مبني على الضم قوله: # سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام4 # ومنه قولهم في الضجر: أف ms310 فيمن ضم ونون، ويؤنسك باستعمالهم من هذا اللفظ ~~اسما معربا قول رؤبة: # هيهات من منخرق هيهاؤه5 # فكأنه قال: بعد بعده، وهو كقولهم: جن جنونه، وضل ضلاله، وقولهم: موت ~~مائت، وشعر شاعر على طريقة المبالغة. وهيهاؤه إذا فعلاله، كزلزاله وقلقاله، ~~والهمزة فيه منقلبة عن ياء، لأنه من باب6 حاحيت وعاعيت. وقريب من لفظه ~~ومعناه ما أنشدناه أبو علي من قول بعضهم: # فأرفع الجفنة بالهيه الرثع7 PageV02P093 # فالهيه: المرقع من الناس المرذول الذي يقال له في إبعاده: هيه. فسمي ~~بالصوت الذي يقال، كما قال الآخر # إذا حملت بزتي على عدس ... فما أبالي من مضى ومن جلس1 # يعني البغل؛ لأنه يقال له في الزجر: عدس. قال: # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق2 # فالهيه -كما ترى- ثلاثي، وهيهات -على ما مضى- رباعي، فاللفظان أخوان، ~~والمعنيان متقاربان؛ لأن هيهاة اسم بعد وهيه زجر3 وإبعاد ونظير هيه وهيهاه ~~قولهم: سلس وسلسل، وقلق وقلقل، وجرج4 وجرجر. وسألني أبو علي يوما فقال: أي ~~شيء مثل غوغاء وغوغاء؟ فقلت له: قولهم للمنخوب5: هوه وهوهاءة. وينبغي أن ~~يضاف إلى ذلك ما ذكرناه الآن من قولهم: هيه وهيهات. # ومن ذلك قراءة الحر النحوي: "نسرع لهم"6، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة7: ~~"يسارع لهم"، وروي عنه أيضا: "يسارع لهم" بفتح الراء، والذي قبله بكسر ~~الراء وقراءة الناس: "نسارع" بالنون والألف. PageV02P094 # قال أبو الفتح: هنا على قراءة الكافة إلا عبد الرحمن ضمير محذوف، أي: ~~أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم به في الخيرات، أو نسرع لهم ~~به، أو يسارع [109و] لهم به في الخيرات؟ فحذفت "به" للعلم بها، كما حذف ~~الضمير في قولهم: السمن منوان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم، فكأن "به" ~~المتقدمة في الصلة من قوله: {نمدهم به} صارت عوضا من اللفظ بها ثانية. ~~ومعناه أنا لا نقدمه لهم إرادة للخير، بل هو إملاء واستدراج لهم كقوله جل ~~وعز1: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة} 2، إلى آخر ذلك وغيره من ms311 الآي في معناه. # وأما قراءة عبد الرحمن بن أبي بكرة "يسارع" بكسر الراء، وبالياء فلا حاجة ~~به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن في الفعل ضميرا يعود على "ما" من قوله: {أنما ~~نمدهم به} . # ومن ذلك قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وابن عباس وقتادة ~~والأعمش: "يأتون ما أتوا"3 قصرا. # قال أبو الفتح: قال أبو حاتم -فيما روينا عنه- يأتون ما أتوا، قصرا، أي: ~~يعملون العمل وهم يخالفونه ويخافون لقاء الله ومقام الله، قال: ومعنى قوله: ~~{يؤتون ما آتوا} يعطون الشيء فيشفقون ألا يقبل منهم. وحكي عن إسماعيل بن ~~خلف قال: دخلت مع عبيد الله بن عمير الليثي على عائشة "رضي الله عنه"، ~~فرحبت به، فقال لها: جئتك لأسالك عن آية في القرآن. قالت: أي آية هي؟ فقال: ~~"الذين يأتون ما أتوا"، أو {يؤتون ما آتوا} ؟ فقالت: أيتهما أحب إليك؟ قال: ~~فقلت: لأن تكون "يأتون ما أتوا" أحب إلي من الدنيا جميعا، فقالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتون ما أتوا" ولكن الهجاء حرف4. ~~PageV02P095 # ومن ذلك قراءة الحر: "أولئك يسرعون في الخيرات # "1، أي يكونون سراعا. # قال أبو الفتح: يقال سرع إلى الشيء وأسرع إليه، وقوله: "يسرعون في ~~الخيرات"، أي: يكونون سراعا إليها وفي عملها. وأما "يسارعون" فيسابقون، ~~فمفعوله إذا محذوف، أي يسارعون من يسارعهم إليها، كقولك: يسابقون إليها ~~وفيها، أي يسابقون من يسابقهم إليها. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة: "سمرا يهجرون"2. # وروي عن ابن محيص: "سمرا يهجرون". # قال أبو الفتح: السمر جمع سامر، والسامر: القوم يسمرون3، أي: يتحدثون ~~ليلا. # قال ذو الرمة: # وكم عرست بعد السرى من معرس ... به من عزيف الجن أصوات سامر4 # وروينا عن قطرب أن السامر قد يكون واحدا وجماعة وأما "يهجرون"، بسكون ~~الهاء، وضم الياء فتفسيره: يفحشون القول، يقال: هجر الرجل في منطقه، إذا ~~هذى، وأهجر: أفحش. قال الشماخ: PageV02P096 # كما جدة الأعراف قال ابن ضرة ... عليها كلاما جار فيه وأهجرا1 # وقال الحسن في "تهجرون" أي: تهجرون كتابي ونبيي. وأما "تهجرون" فينبغي ms312 ~~والله أعلم أن يكون تكثرون من الهجر، وهو الهذيان، أو هجر النبي "صلى الله ~~عليه وسلم" وكتاب الله، أو تكثرون من الإهجار، وهو إفحاش القول؛ لأن فعل ~~تأتي للتكثير. # وروينا عن أبي حاتم قال: قرأ "سمارا" أبو رجاء، فهذا ككاتب وكتاب [109ظ] ~~، وشارب وشراب. ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى "تهجرون"، أي تكثرون من الهذيان ~~حتى تكونوا -وأنتم في سواد الليل لقلة احتشامكم لظهور ذاك عليكم- كأنكم ~~مهجرون، أي: مبادون به غير مسايرين له، كالذي يهجر في مسيره، أي: يسير في ~~الهاجرة، فهذا كقولك لصاحبك: أنت مساترا معلن، وأنت محسنا مسيء، أي: أنت في ~~حال مساترتك معلن، وأنت في حال إحسانك عندي مسيء- لكان وجها. # ومن ذلك قراءة يحيى: "ولو اتبع الحق أهواءهم"2، بضم الواو. # قال: الضم في هذه الواو قليل، وإنما بابها الكسر كقراءة الجماعة، غير أن ~~من ضمها شبهها -لسكونها وانفتاح ما قبلها- بواو الجمع، كقول الله تعالى: ~~{اشتروا الضلالة} 3، كما شبه بعضهم واو الجمع هذه بها فقرأ: "اشتروا ~~الضلالة"، ومثل ضم هذه الواو ضم واو قوله5: ### | ..... # PageV02P097 # وقرأ بعضهم: "اشتروا الضلالة" بفتح الواو، كل ذلك لالتقاء الساكنين. فمن ~~كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ومن ضم فلأجل واو الجمع. ومن فتح تبلغ ~~بالفتحة لخفتها. # ومن ذلك قراءة قتادة: "بل أتيناهم نذكرهم"، "بل أتيتهم بذكرهم"، و"بل ~~أتيتهم بذكرهم"، بكل قد قرئ، وذلك أنه إذا أتاهم بذكرهم فإنه قد ذكرهم به، ~~فالمعنى إذا واحد. # ومن ذلك قراءة أبي: "ولا تكلمون أنه"2، بفتح الألف. # قال هارون: كيف شئت "إنه"، و"أنه". # وفي قراءة ابن مسعود: "ولا تكلمون كان فريق"، بغير "أنه". # وقال يونس عن هارون في حرف أبي: "ولا تكلمون أن كان فريق". # قال أبو الفتح: قراءة ابن مسعود: "كان فريق" بغير "أنه" تشهد للكسر؛ لأنه ~~موضع استئناف، والكسر أحق بذلك. والقراءة "أن كان فريق" تشهد ل "أنه"، ألا ~~ترى أن معناه: ولا تكلمون لأنه كان فريق كذا. # ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: "عند ربه أنه لا يفلح الكافرون"3، بفتح ~~الألف. # قال أبو الفتح: معناه ms313 -والله أعلم- أن4 حسابه يؤخر إلى أن يلقى ربه؛ ~~فيحاسب حينئذ. وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة ولا التذكير في الدنيا؛ فيؤخر ~~الحساب إلى أن يحاسب عند ربه لعدم انتفاعه بالوعظ5 له والتضييق عليه في ~~الدنيا، وهذا كقوله "عز اسمه": {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} ~~6. PageV02P098 ### | سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة أم الدرداء1 وعيسى الثقفي وعيسى الهمداني، ورويت عن عمر بن عبد ~~العزيز2: "سورة"3، بالنصب. # قال أبو الفتح: هي منصوبة بفعل مضمر، ولك في ذلك طريقان: # أحدهما أن يكون ذلك المضمر من لفظ هذا المظهر، ويكون المظهر تفسيرا له، ~~وتقديره: أنزلنا سورة، فلما أضمره فسره بقوله: {أنزلناها} ، كما قال: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا4 # أي: وأخشى الذئب، فلما أضمره فسره بقوله: "أخشاه". # والآخر أن يكون الفعل الناصب [110و] ل"سورة" من غير لفظ الفعل بعدها، ~~لكنه على معنى التحضيض، أي: اقرءوا سورة، أو تأملوا وتدبروا سورة أنزلناها، ~~كما قال تعالى: {فقال لهم PageV02P099 # رسول الله ناقة الله وسقياها} 1، أي: احفظوا ناقة الله. ويؤنس بإضمار ذلك ~~ظهوره2 في قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} 3. فإذا ~~كان تقديره هذا فقوله: {أنزلناها وفرضناها} إلى آخر ذلك منصوب الموضع لكونه ~~صفة ل"سورة". وإذا جعلت "أنزلناها" تفسيرا للفعل الناصب المضمر فلا موضع له ~~من الإعراب أصلا، كما أنه لا موضع من الإعراب لقوله: أنزلنا سورة؛ لأنه لم ~~يقع موقع المفرد، وهذا واضح. # وأما قراءة الجماعة: "سورة"، بالرفع فمرفوعه بالابتداء، أي: فيما ينزل ~~إليكم وما يتلى عليكم سورة من أمرها كذا، فالجملة بعدها4 إذا في موضع رفع؛ ~~لأنها صفة لسورة. # ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "الزانية والزاني"، بالنصب. # قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل مضمر أيضا، أي: اجلدوا الزانية والزاني، ~~فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . ~~وجاز دخول الفاء في هذا الوجه لأنه موضع أمر، ولا يجوز: زيدا فضربته؛ لأنه ~~خبر. وساغت الفاء ms314 مع الأمر لمضارعته الشرط، ألا تراه دالا على الشرط؟ ولذلك ~~انجزم جوابه في قولك: زرني أزرك، لأن معناه زرني؛ فإنك إن تزرني أزرك. فلما ~~آل معناه إلى الشرط. جاز دخول الفاء في الفعل المفسر للمضمر، فعليه تقول: ~~بزيد فامرر، وعلى جعفر فانزل. # ولا موضع لقوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ؛ لأنه تفسير، ~~ولا يكون وصفا ل"الزانية" "والزاني" من حيث كانت المعرفة لا توصف بالنكرة، ~~وكل جملة فهي نكرة. وأيضا فإن الأمر لا يوصف به كما لا يوصف بالنهي ولا ~~بالاستفهام؛ لاستبهام كل واحد من ذلك لعدم الخبر منه. وأيضا فإن الموصوف لا ~~تعرض بينه وبين صفته الفاء، لا تقول: مررت برجل فيضرب زيدا؛ وذلك لأن الصفة ~~تجري مجرى الجزء من الموصوف، وجزء الشيء لا يعطف على ما مضى منه. ~~PageV02P100 # فإن قلت: فقد أقول: مررت برجل قام فضرب1 زيدا، فكيف جاز العطف هنا؟ قيل: ~~إنما عطفت صفة على صفة، ولم تعطف الصفة على الموصوف من حيث كان الشيء لا ~~يعطف على نفسه لفساده. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار وأبي زرعة بن عمرو بن جرير: ~~"بأربعة شهداء"2، بالتنوين. # قال أبو الفتح: هذا حسن في معناه؛ وذلك أن3 أسماء العدد من الثلاثة إلى ~~العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، ولا يقال: عندي ثلاثة ظريفين4 إلا في ضرورة ~~إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك في حسن وضع الاسم هناك، والوجه ~~عندي ثلاثة ظريفون5. وكذلك قوله: "بأربعة شهداء" لتجري "شهداء" على6 ~~"أربعة" وصفا؛ فهذا هذا. # فأما وجه قراءة الجماعة: {بأربعة شهداء} بالإضافة [110ظ] فإنما ساغ ذلك ~~لأنهم قد استعملوا ال"شهداء" استعمال الأسماء؛ وذلك كقولهم: إذا دفن الشهيد ~~صلت عليه الملائكة، وعد الشهداء يومئذ فكانوا كذا وكذا، ومنزلة الشهيد عند ~~الله مكينة. فلما اتسع ذلك عنهم جرى عندهم مجرى الاسم؛ فحسنت إضافة اسم ~~العدد إليه حسنها إذا أضيف7 إلى الاسم الصريح أو قريبا من ذلك. # واعلم من بعد أن الصفات لا تتساوى أحوالها في قيامها مقام موصوفاتها، بل ~~بعضها في ms315 ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ~~ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، ~~فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ~~ورجلا أيضا، وذلك أن الظرف PageV02P101 # إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر1 يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال ~~دون الصبيان؛ لأن الصبي في غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك2 ~~قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن ~~يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذي يقبح، والأول هو الذي يحسن، فإن ~~قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك ~~واعتبره بما ذكرنا. # وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين: # أحدهما أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وأما للإسهاب ~~والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة ~~والهضب3. # واعلم أن الصفة كما تفيد في الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف في صفته، ألا ~~تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان. ولو لم يتقدم ~~ذكر الغلام لم يعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. ~~وكذلك قد علم بقولك: طويل، أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما ~~خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما في إفادة كل ~~واحد منهما في صاحبه ما لولا مكانه لم يفد فيه. # ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف وأبي رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ~~ميمون، ورويت عن عاصم: "أن لعنة الله"4 "أن غضب الله"5. # وقرأ: "أن لعنة الله" رفع وخفف النون، و"أن غضب الله" نصب -يعقوب. # قال أبو الفتح: أما من خفف ورفع فإنها عنده مخففة من الثقيلة وفيها إضمار ~~محذوف للتخفيف، أي: أنه لعنة الله عليه وأنه غضب الله عليها، فلما خففت ~~أضمر اسمها وحذف، ولم يكن من إضماره بد؛ لأن المفتوحة إذا ms316 خففت لم تصر ~~بالتخفيف حرف ابتداء، وإنما تلك إن المكسورة، وعليه قول الشاعر: ~~PageV02P102 # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل1 # أي: أنه هالك كل من يحفى وينتعل. # وسبب2 ذلك أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتصال بالمعمول فيه، واتصال ~~المفتوحة باسمها وخبرها اتصالان: أحدهما اتصال العامل بالمعمول، والآخر ~~اتصال الصلة بالموصول. [111و] . # ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلة لها؟ فلما قوي مع الفتح اتصال أن بما ~~بعدها لم يكن لها بد من اسم مقدر محذوف تعمل فيه، ولما ضعف3 اتصال المكسورة ~~بما بعدها جاز إذا خففت أن تفارق العمل وتخلص حرف ابتداء، ولا يجوز أن تكون ~~"أن" هنا بمنزلة أي للعبارة، كالتي في قول الله سبحانه: {وانطلق الملأ منهم ~~أن امشوا} 4، معناه أي: امشوا. قال سيبويه: لأنها لا تأتي إلا بعد كلام ~~تام، وقوله: {وانطلق الملأ} كلام تام، وليست "الخامسة" وحدها كلاما تاما ~~فتكون "أن" بمعنى "أي"، ولا تكون "أن" هنا زائدة كالتي في قوله: # ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم5 # لأن معناه والخامسة أن الحال كذلك، يدل على ذلك قراءة الكافة: {أن لعنة ~~الله} وأن {غضب الله} . # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وحميد ويعقوب وسفيان الثوري6 وعمرة بنت ~~PageV02P103 # عبد الرحمن1 وابن قطيب: "كبره2"، بضم الكاف. # قال أبو الفتح: من قرأ كذلك أراد عظمه، ومن كسر فقال: "كبره" أراد وزره ~~وإثمه. # قال قيس بن الخطيم: # تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف3 # أي عن معظم شأنها. # ومن ذلك قراءة عائشة وابن عباس رضي الله عنهما وابن يعمر وعثمان الثقفي: ~~"إذ تلقونه"4. # وقرأ: "إذ تلقونه"-من ألقيت- ابن السميفع. # وقرأ: "إذ تتقفونه" أم ابن عيينة. قال ابن عيينة: سمعت أمي تقرأ كذلك، ~~وكانت على قراءة عبد الله. # وروي أيضا عن ابن عيينة قال: سمعت أمي تقرأ: "إذ تثقفونه"، قال: وكان ~~أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله. # وقراءة الناس: {إذ تلقونه} . # قال أبو الفتح: أما "تلقونه" فتسرعون فيه، وتخفون إليه. قال الزاجر: # جاءت ms317 به عنس من الشام تلق5 PageV02P104 # أي تخف وتسرع، وأصله تلقون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى ~~المفعول، كقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} 1، أي: من قومه: ~~والهاء2 ضمير الإفك الذي تقدم ذكره. # وأما "تلقونه" فمعناه تلقونه من أفواهكم، وأما "تتقفونه" فتجمعونه ~~وتحطبونه من عند أنفسكم، ولا أصل له عند الله تعالى3. وعليه القراءة الأخرى ~~"تثقفونه" من ثقفت الشيء، إذا طلبته فأدركته، أي تتصيدون الكلام في الإفك ~~من هنا ومن هنا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وعيسى الهمداني وعيسى الثقفي، ورويت عن ~~عاصم والأعمش أيضا: "ما زكا"4، بالإمالة. # قال أبو الفتح: من الواو، لقولهم فيه: زكوت تزكو فأميلت ألفه، فإن كانت ~~من الواو من حيث كان فعلا، والأفعال أقعد في الاعتلال من الأسماء من حيث ~~كانت كثيرة التصرف، وله وضعت، والإمالة ضرب من التصرف5، ولو كان اسما لم ~~تحسن إمالته حسنها في الفعل؛ وذلك نحو العفا: ولد الحمار الوحشي، والسنا: ~~الذي يأتي من مكة. وقد تقدم نحو هذا، فهذا مثال يقاس به بإذن الله. # ومن ذلك قراءة علي والأعرج وعمرو بن عبيد وسلام: "خطؤات"6 بالهمز. # وقرأ: "خطوات" أبو السمال. # قال أبو الفتح: [111] ظ قد تقدم القول على ذلك فيما مضى7. PageV02P105 # ومن ذلك قراءة عباس1 بن عياش بن أبي ربيعة وأبي جعفر وزيد بن أسلم: ~~"يتأل"2 يتفعل. # قال أبو الفتح: تأليت على كذا إذا حلفت، والألوة والإلوة والألوة ~~والألية: اليمين. # أنشد الأصمعي: # عجاجة هجاجة تألى ... لأصبحن الأحقر الأذلا3 # أي: ولا يحلف أولو الفضل منكم والسعة ألا يؤتوا أولي القربى. ومن قرأ: ~~"ولا يأتل" فمعناه: ولا يقصر، وهو يفتعل من قولهم: ما ألوت في كذا أي: ما ~~قصرت. # ومن ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ولتعفوا ولتصفحوا"4 ~~بالتاء وروي عنه بالياء. # قال أبو الفتح: هذه القراءة بالتاء كالأخرى المأثورة عنه عليه السلام: ~~"فبذلك فلتفرحوا"5، وقد ذكرنا ذلك وأنه هو الأصل، إلا أنه أصل مرفوض6 ~~استغناء عنه بقولهم: اعفوا واصفحوا وافرحوا، ولا وجه لإعادته. PageV02P106 # ومن ذلك ms318 قراءة مجاهد وأبي روق: "يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق"1 رفعا. # قال أبو الفتح: "الحق" هنا وصف الله "سبحانه"، أي: يومئذ يوفيهم الله ~~الحق دينهم وجاز وصفه "تعالى" بالحق لما في ذلك من المبالغة، حتى كأنه ~~يجعله هو هو على المبالغة، فهو كقولنا2: رجل خصم، وقوم زور، وقوله: # فهم رضا وهم عدل3 # وعليه قوله "تعالى": "إلى الله مولاهم الحق"4. # ومن ذلك قول ابن عباس: أخطأ الكاتب، إنما هي "تستأذنوا"، يعني قوله: ~~"تستأنسوا"5 PageV02P107 # وكذلك يروى عن بعد الله، وروي عن أبي: "حتى تسلموا أو تستأذنوا"، وكذلك ~~قرأ ابن عباس. # قال أبو الفتح: "تستأنسوا" هنا معناه تطلبوا وتلتمسوا الأنس، كما أن ~~"تستأذنوا" إنما معناه تطلبوا الإذن. فأما قولهم: قد استأنست بفلان فليس من ~~هذا، إنما ذاك معناه أنست به، وليس المراد فيه طلبت الأنس منه. وأنس في هذا ~~واستأنس كسخر واستسخر، وهزئ واستهزأ، وعجب واستعجب، وقر واستقر، وعلا ~~واستعلى. قال أوس بن حجر: # ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم1 # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: "من بعد إكراههن لهن غفور رحيم"2. # قال أبو الفتح: اللام في "لهن" متعلقة ب"غفور"؛ لأنها أدنى إليها، ولأن ~~فعولا أقعد في التعدي من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة ب"رحيم"؛ وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى ~~بحرف الجر، ألا تراك تقول: هذا مار بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل وهو لما ~~مضى؛ لأن هناك حرف الجر، وإن كنت لا تعديه فتنصب به وهو لما مضى؟ فكذلك ~~يجوز تعلق اللام في "لهن" بنفس "رحيم"، وإن كنت لا تجيز: هذا رحيم زيدا، ~~على مذهب الجماعة غير سيبويه ولأجل اللام في "لهن". # فإن قلت: فإذا كانت اللام في "لهن" متعلقة ب"رحيم" وإنما يجوز أن [112و] ~~يقع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل أفتقدم "رحيما" على "غفور" وهو تابع له؟ # قيل: اتباعه إياه لفظا لا يمنع من جواز تقديم رحيم على غفور؛ وذلك أنهما ~~جميعا خبران ل "إن"، ms319 وجاز تقدم أحد الخبرين على صاحبه؛ فتقول: هذا حلو ~~حامض، ويجوز: هذا حامض حلو. فلك إذا أن تقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم، وإن شئت رحيم غفور. PageV02P108 # ويحسن ذلك هنا أيضا شيء آخر، وهو أن الرحمة كأنها أسبق رتبة من المغفرة؛ ~~وذلك أنه "سبحانه" إنما يرحم فيغفر، فكأن رتبة الرحمة أسبق في النفس من ~~رتبة المغفرة؛ فلذلك جاز، بل حسن تعليق اللام في "لهن" بنفس "رحيم" وإن كان ~~بعيدا عنها؛ لما ذكرناه من كون الرحمة سببا1 للمغفرة. فإذا كانت في الرتبة ~~قبلها معنى حسن أن تكون قبلها لفظا أيضا. # فإن جعلت "رحيم" صفة ل"غفور" لم يجز أن تعلق في2 "لهن" بنفس "رحيم"؛ ~~لامتناع تقدم الصفة على موصوفها. وإذا لم يجز أن ينوى تقديمها عليه لم يجز ~~أن تضع ما تعلق بها قبله لأنه إنما يجوز أن يقع المعمول بحيث يجوز أن يقع ~~العامل فيه، وأنت إذا جعلت رحيما صفة ل"غفور" لم يجز أن تقدمه عليه؛ ~~لامتناع جواز تقدم الصفة على موصوفها إذا كانت حالة منه محل آخر أجزاء ~~الكلمة من أولهما، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم: "في زجاجة الزجاجة"3 بفتح الزاي فيهما. # قال أبو الفتح: فيها ثلاث لغات: زجاجة، وزجاجة، وزجاجة: بالفتح، والضم، ~~والكسر. وفي الجمع زجاج، وزجاج، وزجاج: كنعامة، ونعام، ورقاقة ورقاق، ~~وعمامة وعمام. حكى بعضهم: وضعوا عمامهم عن رءوسهم، يريد: عمائمهم. فقد يكون ~~كزجاجة وزجاج، ويجوز أيضا أن يكون جمعا مكسران كظريف وظراف، ودرع دلاص4 ~~وأدرع دلاص، وناقة هجان5 وأينق هجان. # ويدل على أنه تكسير -وليس كجنب مما يقع للواحد فما فوقه بلفظ واحد ~~-قولهم: هجانان، وكذلك أيضا زجاج جمع زجاجة وزجاجة وزجاجة تكسير الجمع على ~~ما مضى لا على PageV02P109 # الجمع بطرح الهاء. ونظير عمامة وعمام - إذا لم تجعله تكسيرا، وجعلته جمعا ~~بحذف التاء وإن لم يكن جنسا وكان مصنوعا- قولهم: سفينة وسفين، ودواة ودوى، ~~وغاية وغاي. وراية وراي، وثاية1 وثاي، وطاية وطاي. # ومن ذلك قراءة قتادة والضحاك: "كوكب دري3"، مخففة. # وقرأ: "دريء"، مفتوحة ms320 الدال، مشددة الراء، مهموزة - سعيد بن المسيب، ونصر ~~بن علي، وأبو رجاء، وأبان بن عثمان4، وقتادة، وعمرو بن فائد. # قال أبو الفتح: الغريب من هذا "دريء"، بفتح الدال، وتشديد الراء، والهمز. ~~وذلك لأن5 فعيلا بالفتح وتشديد العين عزيز، إنما حكي منه: السكينة، بفتح ~~السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب القول على ~~[112ظ] الدري وما فيه من الصنعة، شيئا على شيء، وبسطناه6 هناك. # ومن ذلك قراءة السملي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة: "يوقد"7 وثلاثة ~~أوجه8 في السبعة، وفيه خامسة: "يوقد" برفع الياء، وبنصب الواو والقاف، ~~وبرفع الدال9. PageV02P110 # قال أبو الفتح: المشكل من هذا "يوقد"؛ وذلك أن أصله يتوقد، فحذف التاء ~~لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة. والعرف في ~~هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو "تفكرون" ~~و"تذكرون"، والأصل تتفكرون وتتذكرون؛ فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف ~~الثاني منهما طلبا للخفة بذلك. وليس في يتوقد مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبه ~~حرف مضارعة بحرف مضارعة، أعني شبه الياء في يتوقد بالتاء الأولى في تتوقد؛ ~~إذ كانا زائدين، كما شبهت التاء والنون في تعد ونعد بالياء في يعد، فحذفت ~~الواو معهما كما حذفت مع الياء في يعد. # وقياس من قال: "يوقد" -على ما مضى- أن يقول أيضا: أنا أوقد، ونحن نوقد؛ ~~فتشبه النون والهمزة بالتاء، كما شبه الياء بها فيما مضى. # ونحو من هذا قراءة من قرأ: "نجي المؤمنين"1، وهو يريد: ننجي المؤمنين؛ ~~فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها -لاجتماع المثلين- بالزائدة. ~~فهذا تشبيه أصل بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف ~~مضارعة، لا لاتفاق اللفظين، بل2 لأنهما جميعا زائدان. # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "ولو لم يمسسه نار"3، بالياء. # قال أبو الفتح: هذا حسن مستقيم؛ وذلك لأن هناك شيئين حسنا التذكير هنا: ~~أحدهما الفصل بالهاء، والآخر أن التأنيث ليس بحقيقي. فهو نظير قول الله ~~"سبحانه": {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} 4، بل إذا جاز تذكير فعل "الصيحة" مع ~~أن فيها علامة ms321 تأنيث فهو من النار التي لا علامة تأنيث فيها أمثل. # فأما قولهم: نعم المرأة هند بالتذكير فإنما جاز -وإن كان التأنيث حقيقيا، ~~ولا فصل هناك- من قبل أن المرأة هنا ليست مقصودا قصدها، وإنما هي جنس؛ ~~لأنها فاعل نعم، والأجناس عندنا إلى الشياع والتنكير. PageV02P111 # أما ما روينا من قول جران العود: # ألا لا يغرن امرأ نوفلية ... على الرأس بعدي أو ترائب وضح1 # فإن النوفلية هنا ليست امرأة، وإنما هي مشطة تعرف بالنوفلية. # وأما قوله: # ولا أرض أبقل إبقالها2 # ففيه شيئان يؤنسان، وواحد يوحش منه. # أما المؤنسان فأحدهما أنه تأنيث لفظي لا حقيقي، والآخر أنه لا علامة ~~تأنيث في لفظه. وأما الموحش فهو أن الفاعل مضمر، وإذا أضمر الفاعل في فعله ~~وكان الفاعل مؤنثا لم يحسن تذكير فعله حسنه إذا كان مظهرا؛ وذلك أن قولك: ~~قام هند أعذر من قولك: هند قام، من قبل أن الفعل3 منصبغ [113و] بالفاعل ~~المضمر فيه أشد من انصباغه4 به إذا كان مظهرا بعده. فقام هند -على صبغة- ~~أقرب مأخذا من هند قام لما ذكرناه؛ وذلك أنك إذا قلت: قام فإلى أن تقول: ~~هند فاللفظ الأول مقبول غير ممجوج؛ لأن الفعل أصل وضعه على التذكير فإذا ~~قلت: هند قام فالتذكير الآتي من بعده مخالف للتأنيث السابق فيما قبل، ~~فالنفس تعافه لأول استماعه. وقولك: قام هند، النفس تقبل تذكير الفعل أول ~~استماعه إلى أن يأتي التأنيث فيما بعد. وقد سبق تذكير الفعل على لفظ غير ~~مأبي ولا مرذول، ورد الغائب ليس كاستئناف الحاضر، فذلك فرق. PageV02P112 # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير وأبي مجلز: "والإيصال"1. # قال أبو الفتح: يريد وقت الإيصال، وهو قبل الغروب. وقد مضى القول عليه2. # ومن ذلك ما حكاه عبد الله بن إبراهيم العمي الأفطس، قال: سمعت مسلمة ~~يقرأ: "كسراب بقيعات"3، بالألف. # قال أبو الفتح: كذلك في كتاب ابن مجاهد: "بقيعاة"، بالهاء بعد الألف. ~~والذي قاله جائز؛ وذلك أن نظير قولهم: قيعة وقيعاة في أنه فعلة وفعلاة ~~لمعنى واحد قولهم: رجل عزه وعزهاة: الذي لا يقرب النساء ms322 واللهو، فهذا فعل ~~وفعلاة، وذلك فعلة وفعلاة، ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به. # وقد يجوز أن يكون قيعات بالتاء جمع قيعة، كديمة وديمات، وقيمة وقيمات. ~~وأما قيعة فيكون واحدا كديمة ويجوز أن يكون جمع قاع، كنار ونيرة -جاء في ~~شعر الأسود -وجار وجيرة. ومثله من الصحيح العين ولد وولدة، وأخ وإخوة؛ لأن ~~أخا عندنا فعل. # ووجه ثالث، وهو أن يكون أراد "بقيعة"، فأشبع فتحة العين، فأنشأ عنها ~~ألفا، فقال: "بقيعاة". ونظيره قول ابن هرمة يرثي ابنه: # فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح4 # أراد بمنتزح، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا، وقد تقصينا ذلك فيما مضى، ~~فإذا أراد بالقيعات الجمع فهو كقول الآخر: # كأن بالقيعات من رغاها ... مما نفى بالليل حالباها # أمناء قطن جد حالجاها5 PageV02P113 # يريد ما جرى من رغوة لبنها في القيعات1، وهو كثير كقولهم: أرض قفار ومحول ~~وسباسب2، مما بولغ فيه بذكر الجمع. # ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "سناء برقه"3. # قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. ~~والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: {يكاد سنا برقه} ، أي: ضوء ~~برقه. وأما "سناء برقه" فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة في قوة ضوئه ~~وصفائه، فأطلق عليه لفظ الشرف. كقولك: هذا ضوء كريم، أي: هو غاية في قوته ~~وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفا4 [113ظ] # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "يذهب"5، بضم الياء. # قال أبو الفتح: الباء زائدة، أي يذهب الأبصار. ومثله في زيادة الباء في ~~نحو هذا قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} 6، وقول الهذلي: # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لحج خضر لهن نئيج7 # أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، أي: في لجج ~~البحر. PageV02P114 # والمفعول محذوف، معناه شربن الماء في جملة ماء البحر. وفي هذا التأويل ~~ضرب من الإطالة والبعد، واعلم من بعد أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو ~~كقوله: {يذهب بالأبصار} ، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} لتوكيد ms323 معنى ~~التعدي. كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة في قولهم: # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام1 # وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في أشقري ودواري وكلابي2، وكما زيدت ~~التاء لتوكيد معنى التأنيث في فرسة وعجوزة، فاعرف ذلك، ولا ترين الباء في: ~~{يذهب بالأبصار} مزيدة زيادة ساذجة. وإن شئت حملته على المعنى. حتى كأنه ~~قال: يكاد سنى برقه يلوي بالأبصار أو يستأثر بالأبصار على ما مضى من قوله ~~"تعالى": {الرفث إلى نسائكم} 3. # ومن ذلك قراءة علي عليه السلام والحسن بخلاف، وابن أبي إسحاق: "إنما كان ~~قول المؤمنين"4، بالرفع. # قال أبو الفتح: أقوى القراءتين إعرابا ما عليه الجماعة من نصب "القول" ~~وذلك أن في شرط اسم كان وخبرها أن يكون اسمها أعرف من خبرها، وقوله "تعالى" ~~{أن يقولوا سمعنا وأطعنا} أعرف من قول المؤمنين؛ وذلك لشبه "أن" وصلتها ~~بالمضمر من حيث كان لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف ~~من قول المؤمنين؛ فلذلك اختارت الجماعة أن تكون "أن" وصلتها اسم كان. ومثله ~~{وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} 5 أي: إلا قولهم على ما مضى فأما قولهم: ~~PageV02P115 # وقد علم الأقوام ما كان داءها ... بشهلان إلا الخزي ممن يقودها1 # وأنه إنما اختير فيه رفع "الخزي" وإن كان مظهرا ومعرفة، كما أن داءها ~~مظهر ومعرفة من حيث2 أذكره لك، وذلك أن "إلا" إذا باشرت شيئا بعدها فإنما ~~جيء3 به لتثبيته وتوكيد معناه، وذلك كقولك: ما كان زيد إلا قائما، فزيد غير ~~محتاج إلى تثبيته، وإنما يثبت له القيام دون غيره. فإذا قلت: ما كان قائما ~~إلا زيد، فهناك قيام لا محالة، فإنما أنت ناف أن يكون صاحبه غير زيد، فعلى ~~هذا جاء قوله: ما كان داءها بشهلان إلا الخزي برفع "الخزي"، وذلك أنه قد ~~كان شاع وتعولم أن هناك داء، وأنما أراد أن يثبت أن هذا الداء الذي لا شك ~~في كونه ووقوعه لم يكن جانيه ومسببه إلا الخزي ممن يقودها، فهذا أمر ~~الإعراب فيه تابع لمعناه ومحذو على الغرض المراد ms324 فيه. وأما قوله: # وليس الذي يجري من العين ماءها ... ولكنها نفس تذوب فتقطر4 [114و] # ويروى: "ولكنه" فالوجه فيه نصب الماء، وذلك أنه رأى ماء يجري من العين ~~فاستكثره واستنكره، فقال: ليس هذا الذي أراه جاريا من العين ماء للعين، ~~وإنما هو هكذا وشيء غير مائها5. هذا هو الذي عناه فعبر عنه بما تراه، ولم ~~يعنه الإخبار عن ماء العين فيخبر عنه بأنه هذا الشيء الجاري من العين؛ فذلك ~~اختار نصب الماء، ولو رفعه لجاز؛ لأنه كان يعود إلى هذا المعنى، لكنه كان ~~يعود بعد تعب به، ومسامحة فيه، وعلاج يريد حمله عليه. # ومن ذلك قراءة قتادة: "أو ما ملكتم مفتاحه"6، مكسورة الميم بألف. # قال أبو الفتح: "مفتاحه" هنا جنس وإن كان مضافا، فقد جاء ذلك عنهم، منه ~~قولهم: قد منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها، وقد ذكرنا ذلك ~~فيما مضى7. PageV02P116 ### | سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ ابن الزبير: "نزل الفرقان على عباده"1. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه وإن كان إنزاله على رسول الله "صلى الله عليه ~~وسلم" فإنه لما كان "عليه السلام" موصلا له إلى العباد ومخاطبا به لهم صار ~~كأنه منزل عليهم، ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهي لهم، والترغيب ~~والترهيب والمصروف اللفظ إليهم، ونحو ذلك مما يوجه فيه الخطاب نحوهم. # ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "اكتتبها2"، بضم الألف والتاء الأولى وكسر ~~الثانية. قال أبو الفتح: قراءة العامة: {اكتتبها} معناه استكتبها، ولا يكون ~~معناه كتبها، أي: كتبها بيده؛ لأنه "عليه السلام" كان أميا لا يكتب، وهو من ~~تمام إعجازه، وأنه لم يكن يقرأ الكتب فيظن بما يورده من الأنباء المتقادمة ~~الأزمان كان عن قراءته الكتب. # ف {اكتتبها} معناه استكتبها؛ لأنه لم يكن أحد من المشركين يدعي أنه يقرأ ~~الكتب وإذا كان كذلك فمعنى {اكتتبها} إنما هو استكتبها، وهو على القالب، ~~أي: استكتبت له. ومثله في القلب قراءة من قرأ: "قدروها تقديرا"3، أي: قدرت ~~لهم، والقلب باب، وشواهده كثيرة، منها قولهم: PageV02P117 # مثل القنافذ هداجون قد ms325 بلغت ... نجران أو بلغت سواءتهم هجر1 # أراد: وبلغت سوءاتهم هجرا، ومثله قولهم: # أسلموها في دمشق كما ... أسلمت وحشية وهقا2 # أي: كما أسلم وهق وحشية، ومنه قوله: # ما أمسك الحبل حافره3 # أي: ما أمسك الحبل حافره. # وليس ممتنعا أن يكون قوله: {اكتتبها} كتبها وإن لم يل ذلك بيده، إلا أنه ~~لما كان عن رأيه أو أمره نسب ذلك إليه، كقولنا: ضرب الأمير اللص وإن لم يله ~~بيده. وفي الحديث: "من اكتتب ضمنا كان له كذا" 4، أي: زمنا، يعني كتب اسمه ~~في الفرض. # فعلى هذا يكون "اكتتبها" أي: اكتتبت له. # ومن ذلك قراءة عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: "ويجعل لك"، بالنصب. # قال أبو الفتح: نصبه على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولك: إن تأتني آتك ~~وأحسن إليك. وجازت إجابته بالنصب [114ظ] لما لم يكن واجبا إلا بوقوع الشرط ~~من قبله وليس قويا من ذلك، ألا تراه بمعنى قولك: أفعل كذا إن شاء الله؟ ~~PageV02P118 # ومن ذلك قراءة الأعرج: "نحشرهم"1، بكسر الشين. # قال أبو الفتح: هذا وإن كان قليلا في الاستعمال فإنه قوي في القياس، وذلك ~~أن "يفعل" في المتعدي أقيس من "يفعل"، فضرب يضرب إذا أقيس من قتل يقتل؛ ~~وذلك أن "يفعل" إنما بابها الأقيس أن تأتي في مضارع فعل، كظرف يظرف، وكرم، ~~يكرم، ثم نقلت إلى مضارع فعل، نحو يقتل ويدخل؛ لتخالف حركة العين في ~~المضارع حركتها في الماضي؛ إذ كان مبني الأفعال على اختلاف مثلها، من حيث ~~كان ذلك دليلا على اختلاف أزمنتها، فكلما خالف الماضي المضارع كان أقيس، ~~وباب فعل إنما هو يفعل، كما أن باب فعل إنما هو يفعل. فكما انقاد علم يعلم ~~فكذلك كان يجب أن ينقاد2 باب ضرب يضرب. # فأما يفعل فبابه -على ما تقدم- فعل، كشرف يشرف. وباب فعل غير متعد، ~~فالأشبه ما أخرج إليه من باب فعل أن يكون مما ليس متعديا كقعد يقعد، فكما ~~أن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل فكذلك قعد يقعد أقيس من جلس يجلس وقد شرحنا ~~هذا في كتابنا الموسوم ms326 بالمنصف3. # ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي جعفر ومجاهد -بخلاف- ونصر ~~بن علقمة4 ومكحول5 وزيد بن علي6 وأبي رجاء والحسن -واختلف عنهما- وحفص بن ~~حميد4 وأبي عبد الله محمد بن علي: "نتخذ8"، بضم النون. PageV02P119 # قال أبو الفتح: أما إذا ضمت النون فإن قوله: "من أولياء" في موضع الحال، ~~أي: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، ودخلت "من" زائدة لمكان ~~النفي، كقولك: اتخذت زيدا وكيلا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. ~~وكذلك أعطيته درهما، وما أعطيته من درهم، وهذا في المفعول. # وأما في قراءة الجماعة: {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} ~~فإن قوله {من أولياء} 1 في موضع المفعول به، أي: أولياء. فهو كقولك: ضربت ~~رجلا، فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل. # وقوله: {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ} أي: لسنا ندعي استحقاق الولاء ولا ~~العبادة لنا. # ومن ذلك قراءة علي "عليه السلام" وعبد الرحمن بن عبد الله: "ويمشون في ~~الأسواق"2، بضم الياء، وفتح الشين مشددة. # قال أبو الفتح: "يمشون" كقولك: يدعون إلى المشي، ويحملهم حامل إلى المشي، ~~وجاء على فعل لتكثير فعلهم، إذ هم "عليهم السلام" جماعة، ولو كانت "يمشون" ~~بضم الشين لكانت أوفق لقوله تعالى: {ليأكلون الطعام} ، إلا أن معناه3 ~~يكثرون المشي كما قال: # يمشي بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصراصرة القطاط4 # ومن ذلك ما روي عن ابن كثير وأهل مكة: "ونزل الملائكة"5، وكذلك روى خارجة ~~عن أبي عمرو. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محمولا على أنه أراد: وننزل الملائكة، إلا ~~أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فعل نزل؛ لالتقاء النونين استخفافا، ~~وشبهها بما حذف من أحد المثلين PageV02P120 # الزائدين في نحو قولهم: أنتم تفكرون "115و" وتطهرون، وأنت تريد: تتفكرون ~~وتتطهرون ونحوه قراءة من قرأ: "وكذلك نجي المؤمنين"، ألا تراه يريد: ننجي، ~~فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا لما ذكرنا؟ وقد تقدم القول على ذلك في ~~سورة النور1. # وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو: "ونزل الملائكة"، خفيفة. ms327 # قال أبو الفتح: هذا غير معروف؛ لأن "نزل" لا يتعدى إلى مفعول به فيبنى ~~هنا للملائكة؛ لأن هذا إنما يجيء على نزلت الملائكة، ونزل الملائكة. ونزلت ~~غير متعد كما ترى. # فإن قلت: فقد جاء فعل مما لا يتعدى فعل منه، نحو زكم، ولا يقال زكمه ~~الله. وجن، ولا يقال جنه الله. وإنما يقال: أزكمه الله، وأجنه الله- فإن2 ~~هذا شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود مرذول. فإما أن يكون ذلك لغة طارقة لم ~~تقع إلينا، وإما أن يكون على حذف المضاف، يريد: ونزل نزول الملائكة، ثم حذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه على ما مضى، فأقام "الملائكة" مقام المصدر ~~الذي كان مضافا إليها، كما فعل ذلك الأعشى في قوله: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا3 # إنما يريد اغتماض ليلة أرمد فنصب ليلة إذا إنما هو على المصدر لا على ~~الظرف؛ لأنه لم يرد: ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وإنما أراد: ألم تغتمض ~~عيناك من الشوق والأسف اغتماضا مثل اغتماض ليلة رمد العين. ومثله قول ~~العجاج. # حتى إذا صفوا له جدارا4 # "فجدارا" الآن منصوب نصب المصدر، وليس منصوبا على أنه مفعول به، كقولك: ~~صففت قدمك، إنما يريد: اصطفوا له اصطفاف جدار؛ فحذف الاصطفاف، وأقام ~~"الجدار" PageV02P121 # مقامه، فنصبه على المصدر، كما ينصب الاصطفاف أو ظهر، وكذلك ما رويناه عن ~~محمد بن الحسن عن ابن الأعرابي من قوله: # وطعنة مستبسل ثائر ... يرد الكتيبة نصف النهار1 # أي رد نصف النهار ألا ترى أن ابن الأعرابي فسره فقال: يرد الكتيبة مقدار ~~نصف يوم، فهذا يدلك على أنه أراد: يرد الكتيبة رد نصف النهار، أي: الرد ~~الذي يمتد وقته بمقياس ما بين أول النهار إلى نصفه، وذلك نصف يوم. وليس ~~يريد أنه يردها في هذا الوقت البتة، وإنما يريد أنه يردها مقدار نصف ~~النهار، كان ابتداء ذلك في أول النهار أو غيره من نهار أو ليل، وكأنه قال: ~~يرد الكتيبة ست ساعات، فهذا لا يخص نهارا من ليل، فبهذا يعلم أنه لا يريد: ~~يردها في وقت انتصاف النهار ms328 دون ما سواه من الأوقات. # وكذلك: "ونزل الملائكة"، أي نزل نزول الملائكة. ولو سمى الفاعل على هذا ~~التقدير لقيل: نزل النازل الملائكة، فنصب الملائكة انتصاب المصدر، كما نصب ~~الجدار انتصاب المصدر، لأن كل مضاف إليه يحذف من قبله ما كان مضافا إليه ~~فإنه يعرب إعرابه، لا زيادة عليه ولا نقص منه. # فإن قيل: فما معنى: نزل نزول الملائكة، حتى يصح لك تقديره مثبتا ثم ~~تحذفه؟ فإنه على قولك: هذا نزول منزول، وهذا صعود مصعود، وهذا ضرب مضروب. ~~وقريب منه قولهم: "115ظ" قد قيل فيه قول، وقد خيف منه خوف. فاعرف ذلك؛ فإنه ~~أمثل ما يحتج به لقراءة من قرأ: "ونزل الملائكة # "، بتخفيف2 الزاي، فاعرفه. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه" ومسلمة بن محارب: ~~"فدمرانهم تدميرا"3. حكى أبو عمرو عن علي أنه قرأ: "فدمرناهم"، بكسر الميم ~~مخففة، وحكى عنه أيضا: "فدمرا بهم"، بالباء على وجه الأمر. # قال أبو الفتح: الذي رويناه عن أبي حاتم أنه حكاها قراءة غير معزوة إلى ~~أحد: "فدمرانهم تدميرا"، وقال: كأنه أمر موسى وهارون عليهما السلام أن ~~يدمراهم. PageV02P122 # قال أبو الفتح: ألحق نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: اضربان زيدا، ~~ولا تقتلان جعفرا. # ومن ذلك قراءة الأعرج: "من اتخذ إلاهة هواه"1. # قال أبو الفتح: ذكر أبو حاتم أنها قراءة لبعض3 أهل مكة، ولم ينص على أحد. ~~والإلاهة: الشمس، ويقال: إلاهة بالضم غير مصروفة، روينا عن أبي علي: # تروحنا من اللعباء قصرا ... فأعجلنا الإلاهة أن تئوبا3 # ويروى: فأعجلنا إلاهة، فتكون إلاهة هذه المقروءة منزوعا عنها حرف التعريف ~~الذي في الإلاهة، فتنكرت، فانصرفت. # فأما قراءة من قرأ: "ويذرك وإلاهتك"4 فمعناه: وعبادتك، كذا قالوا عنه. ~~وقد يجوز أن يكون أراد: إلاهة هذه المقروءة، فأضافها إليه لعبادته لها، ~~فيكون كقوله: ويذرك وشمسك، أي الشمس التي تعبدها. # ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "الرياح بشرى"5، مثل6 حبلى. # قال أبو الفتح: "بشرى"، مصدر وقع موقع الحال، أي: مبشرة، فهو كقولهم: جاء ~~زيد ركضا، أي: راكضا. وهلم جرا، أي جارا أو ms329 منجرا. ومنه قول الله تعالى: ~~{ثم ادعهن يأتينك سعيا} 7، أي: ساعيات. ومثله قوله: PageV02P123 # فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوبا نسيت وثوبا أجر1 # أي: أقبلت زاحفا وما أكثر نظائره! # ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وهذا ملح أجاج2". # قال أبو الفتح: قال أبو حاتم3: هذا منكر في القراءة، فقوله: هو منكر في ~~القراءة يجوز أن يريد به أنه لم يسمع في اللغة، وإن كان سمع فقليل وخبيث، ~~ويجوز أن يكون ذهب فيه إلى أنه أراد مالح، فحذف الألف تخفيفا كما ذكرنا قبل ~~من قوله: # إلا عرادا عردا ... وصليانا بردا4 # وهو يريد عاردا وباردا، وقد تقدم القول على هذا. وعلى أن "مالحا" ليست ~~فصيحة صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماء ملح. ومثله من الأوصاف على فعل: نضو5، ~~ونقض6، وهرط7، وحلف. وقد أجاز ابن الأعرابي مالح، وأنشد: # وأني لا أعيج بمالح # وأنشدوا أيضا فيه: # بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا9 PageV02P124 # وفيما قرئ على أحمد بن يحيى فاعترف بصحته: سمك مالح، وماء مالح. وإنما ~~يقال: سمك مملوح ومليح، هذا أفصح الكلام، والأول يقال. # ومن ذلك قراءة حسان بن عبد الرحمن1 صاحب عائشة "رضي الله عنه2"، وهو الذي ~~يروى عنه قتادة: "116و" "وكان بين ذلك قواما"3. # قال أبو الفتح: القوام، بفتح القاف: الاعتدال في الأمر، ومنه قولهم: ~~جارية حسنة القوام: إذا كانت معتدلة الطول والخلق. وأما "القوام" بكسر ~~القاف فإنه ملاك الأمر وعصامه، يقال: ملاك أمرك وقوامه أن تتقي الله في سرك ~~وعلانيتك، فكذلك قوله: "كان بين ذلك قواما"، أي: ملاكا للأمر ونظاما ~~وعصاما. # ولو اقتصر فيه على قوله: "وكان بين ذلك" لكان كافيا؛ لأنه كان بين ~~الإسراف والتقتير فإنه قصد ونظام للأمر؛ "فقوام" إذا تأكيد وجار مجرى ~~الصفة، أي: توسطا مقيما للحال وناظما. ومعلوم أنه إذا كان متوسطا فإنه قوام ~~ومساك، وأقل ما فيه أن يكون صفة مؤكدة، كقوله: {ومناة الثالثة الأخرى} 4، ~~فالأخرى توكيد كما ترى. # ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "نضعف له" -بالنون- "العذاب" -نصب- "وتخلد ~~فيه"5، وجزم. PageV02P125 # قال أبو الفتح: هو عندنا على ترك ms330 لفظ الغيبة إلى الخطاب، أي: وتخلد أيها ~~المضعف له العذاب. وقد مضى القول على ترك الغيبة إلى الحضور، والحضور إلى ~~الغيبة1. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن الزبير: "فقد كذب الكافرون"2. # قال أبو الفتح: وهذا أيضا مما ترك فيه لفظ الحضور إلى الغيبة، ألا ترى ~~قبله: "قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذب الكافرون"؟ PageV02P126 ### | سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وحماد بن سلمة1: "قوم فرعون ألا تتقون"2، ~~بالتاء. # قال أبو الفتح: هو عندنا على إضمار القول فيه، وإيضاحه: وإذ نادى ربك ~~موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون فقل لهم: ألا تتقون؟ وقد كثر حذف ~~القول عنهم، ومن ذلك قول الله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، ~~سلام عليكم} 3، أي: يقولون: سلام عليكم. # ومن ذلك قراءة الشعبي: "وفعلت فعلتك"4، بكسر الفاء. # قال أبو الفتح: الفعلة: كناية عن الحال التي تكون عليها، كالركبة، ~~والجلسة. والمشية، والإكلة: فجرت مجرى قولك: وفعلت فعلك الذي فعلت؛ وذلك ~~لأن الفعل قد تعاقب الفعل، كقولهم: نشدته نشدا، وكذلك {صبغة الله} 5، ~~كقولك: صبغ الله. ومثله من غير المصادر: هذا صفو الشيء وصفوته، والبرك ~~والبركة: الصدر، وله نظائر. # ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: "خطايانا إن كنا"6، بالكسر. # قال أبو الفتح: هذا كلام يعتاده المستظهر المدل بما عنده، ويقول الرجل ~~لصاحبه: أنا أحفظ عليك إن كنت وافيا، ولا يضيع لك جميل عندي إن كنت شاكرا، ~~أي ابن PageV02P127 # هذا على هذا، فإن كنت تعلم أني شاكر واف فلن يضيع لك عندي جميل، أي: فكما ~~تعلم أن هذا [116ظ] معروف من حالي فثق بوفائي وزكاء صنيعك عندي، ومثله بيت ~~الكتاب: # أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم1 # فشرط بذلك، وقد كان ووقع قبل ذلك. # ومثله ما أنشدناه أبو علي: # فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فلسنا على الإسلام أول من قتل2 # وقد كان القتل من قبل وقع وعلم. وجاء به الطائي الكبير، فقال: # ومكارما عتق النجار تليدة ms331 ... إن كان هضب عمايتين تليدا3 # أي: فكما أن هضب عمايتين تليد لا محالة فكذلك هذه المكارم تليدة. # ومن ذلك قراءة ابن أبي عمار: "حادرون4"، بالدال غير معجمة. # قال أبو الفتح: الحادر: القوي الشديد، ومنه الحادرة الشاعر، وهو كقولك: ~~القوي، وحدر الرجل: إذا قوي جسمه وامتلأ لحما وشحما، وقالوا أيضا: حدر ~~حدارة. قال الأعشى: # وعسير أدماء حادرة العي ... ش خنوف عيرانة شملال5 PageV02P128 # أي: قد امتلأت عينها نقيا1، فارتوت وحسنت، وقيل أيضا: امرأة حدراء ورجل ~~أحدر. وقد حدرت عينه تحدر، وعليه قول الفرزذق: # وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف2 # ومن ذلك قراءة الأعرج وعبيد بن عمير: "لمدركون"3، بالتشديد. # قال أبو الفتح: أدركت الرجل، وادركته، وادرك الشيء إذا تتابع ففني. وقال ~~الحسن في قول الله تعالى: "بل ادرك علمهم في الآخرة"4، قال: جهلوا علم ~~الآخرة، أي: لا علم عندهم في أمر الآخرة، معناه بل أسرع وخف، فلم يثبت، ولم ~~تطمئن لليقين به قدم. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن الحارث: "وأزلقنا"5، بالقاف. # قال أبو الفتح: من قرأ: "وأزلفنا" بالفاء فالآخرون موسى عليه السلام ~~وأصحابه، ومن قرأها بالقاف فالآخرون فرعون وأصحابه، أي: أهلكنا ثم الآخرين، ~~أي: فرعون وأصحابه. # ومن ذلك قراءة قتادة: "هل يسمعونكم"6. # قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أي: هل يسمعونك إذ تدعون جوابا عن ~~دعائكم؟ يقال: دعاني فأسمعته، أي: أسمعته جواب دعائه. # وأما قراءة الجماعة: {هل يسمعونكم} فإن "سمعت" بابها أن تتعدى إلى ما كان ~~صوتا مسموعا، كقولك: سمعت كلامك، وسمعت حديث القوم. فإن وقعت على جوهر تعدت ~~إلى مفعولين، ولا يكون الثاني منهما إلا صوتا، كقولك: سمعت زيدا يقرأ، ~~وسمعت محمدا يتحدث. ولا يجوز سمعت زيدا يقوم؛ لأن القيام ليس من المسموعات. ~~PageV02P129 # فأما قوله تعالى: [117و] : {هل يسمعونكم إذ تدعون} فإنه على حذف المضاف، ~~وتقديره: هل يسمعون دعاءكم؟ ودل عليه قوله: {إذ تدعون} ، ويقول القائل ~~لصاحبه: هل تسمع حديث أحد؟ فيقول مجيبا له: نعم أسمع زيدا، أي: حديث زيد. ~~ودل قوله: "حديث أحد" عليه، فإن لم تدل عليه دلالة لم ms332 يجز الاقتصار على ~~المفعول الواحد. لو قلت سمعت الطائر لم يجز؛ لأنه لا يعلم أسمعت جرس طيرانه ~~أو سمعت صياحه على اختلاف أنواع الصياح؟ فهذا مثال يقتاس عليه، ويرد نحوه ~~-إذا أشكل- إليه. # ومن ذلك قراءة قتادة: "لعلكم تخلدون"1. # قال أبو الفتح: خلد الشيء، أي: بقي، وأخلدته وخلدته، وأخلدت إلى كذا: أي ~~أقمت عليه ولزمته، والخلود لا يكون في الدنيا، وقال قوم2: أخلد الرجل: إذا ~~أبطأ عنه الشيب. وقد يقال في هذا أيضا: أخلد، والخلد: الفأرة العمياء، ~~ويقال: الخلد: السوار3، ويقال: القرط. ودار الخلود، يعني الجنة، وقال أحمد ~~بن يحيى: الخلد: داخل القلب، وقول امرئ القيس: # وهل ينعما إلا سعيد مخلد4؟ # يعني به من يلبس الخلد: السوار أو القرط، أي: الصبي أو الصبية، يدل عليه ~~قوله: # قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وقد مر به شاعرنا5 فقال: # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع # وقال رؤبة في معناه: # وقد أرى واسع جيب الكم ... أسفر من عمامة المعتم PageV02P130 # عن قصب أسحم مدلهم ... ريقي ودرياقي شفاء السم1 # ومن ذلك قراءة ابن مسعود والضحاك وطلحة وابن السميفع ويعقوب وسعيد بن أبي ~~سعيد الأنصاري: "وأتباعك"2. # قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ضربين من القول مختلفي الطريق، إلا ~~أنهما متفقا المعنى. # أحدهما أن يكون أراد: أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون؟ فأتباعك مرفوع ~~بالابتداء، والأرذلون خبر. # والآخران يكون "وأتباعك"3 معطوفا على الضمير في "نؤمن"4، أي: أنؤمن لك ~~نحن وأتباعك الأرذلون؟ فالأرذلون إذا وصف للأتباع، وجاز العطف على الضمير ~~المرفوع المتصل من غير توكيد؛ لما وقع هناك من الفصل. وهو قوله: "لك"، فصار ~~طول الكلام به كالعوض من توكيد الضمير بقوله: نحن. وإذا جاز قوله: "ما ~~أشركنا ولا آباؤنا"5 كان الأول من طريق الإعراب أمثل؛ وذلك أن العوض ينبغي ~~أن يكون في شق المعوض منه، وأن يكون قبل حرف العطف، وهذه صورة قوله: "لك"، ~~وأما "لا" من قوله تعالى: "ولا آباؤنا"5 فإنها حرف العطف، فهي في شق ~~المعطوف نفسه، لا في شق المعطوف عليه. والجامع بينهما ms333 طول الكلام بكل واحد ~~منهما، والمعنى من بعد: أنؤمن لك [117ظ] نحن وأتباعك الأرذلون فنعد في ~~عدادهم؟ وهذا هو معنى القول الآخر: أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون ~~فنساويهم في أن نكون مرذولين مثلهم؟. PageV02P131 # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي حصين1: "الجبلة الأولين"2، بالضم. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك مشروحا. # ومن ذلك قراءة الحسن: "الأعجميين"3، منسوب إلى العجم. # قال أبو الفتح: هذه قراءة عذر في القراءة المجتمع عليها، وتفسير للغرض4 ~~فيها، وهي قوله: "على بعض الأعجمين"؛ وذلك أن ما كان من الصفات على أفعل، ~~وأنثاه فعلاء -لا يجمع بالواو والنون، ولا مؤنثه بالألف والتاء. ألا تراك ~~لا تقول: في أحمر: أحمرون، ولا في حمراء: حمراوات؟ فكان قياسه5 ألا يجوز ~~فيه "الأعجمون"، لأن مؤنثه "عجماء"، ولكن سببه أنه يريد: الأعجميون، ثم ~~حذفت ياء النسب وجعل جمعه بالواو والنون دليلا عليها وأمارة لإدارتها، كما ~~جعلت صحة6 الواو في عواور7 أمرة لإرادة الياء في عواوير وكما جعل قلب تاء ~~"افتعل" طاء في قوله: # مال إلى أرطاة حقف فالطجع7 # دلالة على أن اللام في "الطجع" بدل من ضاد "اضطجع" لولا ذلك لقيل: التجع، ~~كما قالوا: التحم، والتجأ إلى كذا. # وقياس قوله: "الأعجمين" لإرادة ياء الإضافة في "الأعجميين" أن يقال: في ~~مؤنثه مررت بنسوة عمجاوات؛ فيجمع بالتاء لأنه في معنى عجماويات، ونظير ذلك ~~الهبيرون؛ لأنه يريد الهبيريون في النسب إلى هبيرة. PageV02P132 # ومن ذلك قراءة الحسن: "فتأتيهم بغتة"1، بالتاء. # قال أبو الفتح: الفاعل المضمر الساعة، أي فتأتيهم الساعة "بغتة"، فأضمرها ~~لدلالة العذاب الواقع فيها عليها، ولكثرة ما تردد في القرآن من ذكر ~~إتيانها. # ومن ذلك قراءة أيضا: "وما تنزلت به الشياطون"2. # قال أبو الفتح: هذا مما يعرض مثله الفصيح، لتداخل الجمعين عليه، ~~وتشابههما عنده، ونحو منه قولهم: مسيل، فيمن أخذه من السيل، وعليه المعنى. ~~ثم قالوا فيه: مسلان وأمسلة. ومعين، وأقوى المعنى فيه أن يكون من العيون، ~~ثم قالوا: سالت معنانه3. # فإن قلت4: فقد حكى يعقوب وغيره في واحده: مسل ومسل، وقيل: يشبه أن يكون ms334 ~~ذلك لقولهم: مسلان. فلما سمعوا مسلانا جاءوا بواحده على فعل، كبطن وبطنان، ~~وظهر وظهران. وعلى فعل، كحمل وحملان، وأخ وأخوان، فيمن ضم. كما قال أبو ~~بكر: إن من قال ضفن يضفن فإنما حمله على ذلك الشبهة عليهم في قولهم: ضيفن، ~~إذ كان ضيفن ظاهر لفظه بأن يكون فيعلا لا فعلنا، وعلى كل حال ف"الشياطون" ~~غلط. لكن يشبهه، كما أن من همز مصائب كذلك عنهم. PageV02P133 ### | سورة النمل # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة أبي: "تباركت الأرض". # قال أبو الفتح: هو تفاعل من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة، كقولك: ~~تعالى الله، فهو أبلغ من علا، وكقول العجاج: # تقاعس العز بنا فاقعنسسا2 # فهو أبلغ معنى من قعس، كما أن [118و] احدودب أقوى معنى من حدب، واعشوشب ~~أقوى من أعشب؛ وذلك لكثرة الحروف. # وأصل هذا كله من فعل في الفعل، كقطعت وكسرت، ألا تراها أقوى معنى من قطعت ~~وكسرت؟ وعليه جاء قوله: {أخذ عزيز مقتدر} 3، فهو أبلغ من قادر. ولهذا جاء ~~قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} 4، فعبر عن لفظ الحسنة بكسب، وذلك ~~لاحتقار الحسنة إلى ثوابها؛ لقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ~~5 وجاء "اكتسبت" في السيئة، تنفيرا عنها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها. ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا، أن دعوا للرحمن ولدا} 6؟ فافهم هذا، وابن عليه. PageV02P134 # قال أمية: # تبارك أم صديق حقا ... كان من كل عتيقا # خالق الخلق جميعا ... ويعود الخلق صيقا # أي ترابا: والتاء في "تبارك" زائدة على بناء البيت. ومعتدة خزما كالواو ~~في قوله: # وكأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل1 # فالواو خزم، وهذا يكاد يسقط حكم ما يبنى من الزوائد في الكلم حتى يحسن له ~~تحقير الترخيم، نحو قولهم: في حارث حريث، وفي أزهر زهير. ألا تراه كيف خزم ~~بتاء "تبارك" وإن كانت مصوغة في نفس المثال كما تخزم حروف المعاني المنفصلة ~~من المثل، كواو العطف، وفائه، وبل، وهل، ويا، ونحو ذلك؟ ولهذا قالوا أيضا ~~في تكسير ms335 فعلان: فعلان، ككروان وكروان، وشقذان2 وشقذان، فأجروه مجرى فعل ~~وفعلان، نحو خرب3 وخربان، وشبث4 وشبثان، وبرق5 وبرقان. فاعرف ذلك إلى ما ~~يليه من نحوه بمشيئة الله. # ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "كأنها جأن"6. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نظير هذا فيما مضى من الكتاب7، وذكرناه ~~أيضا في الخصائص8، وفي سر الصناعة9، وفي المنصف10، وفي التمام، وغيره من ~~مصنفاتنا وإنما كررناه لإعراب القول في معناه. PageV02P135 # ومن ذلك قراءة زيد بن أسلم وأبي بن جعفر القارئ: "ألا من ظلم"1، بفتح ~~الهمزة، خفيفة اللام. # قال أبو الفتح: "من" ههنا مرفوعة بالابتداء، وخبره "ظلم" كقول: من يقم ~~أضرب زيدا، فيقم خبر عن "من" حيث كان شرطا. وكأن من عدل إلى هذا جفا عليه ~~انقطاع الاستثناء في القراءة الفاشية. و"من" هناك منصوبة على الاستثناء، ~~وهو منقطع بمعنى لكن، فقوله تعالى: {إني لا يخاف لدي المرسلون، إلا من ظلم} ~~معناه: لكن من ظلم كان كذا. ولعمري إن الاستثناء المنقطع فاش في القرآن ~~وغيره، إلا أنه -مع ذلك- محوج إلى التأول وإعمال القياس والتمحل. # ومن ذلك قراءة قتادة وعلي بن الحسين: "مبصرة"2. # قال أبو الفتح: هو كقولك: هدى، ونورا. وقد كثرت المفعلة بمعنى الشياع ~~والكثرة في الجواهر والأحداث جميعا، وذلك كقولهم: أرض مضبة: كثيرة الضباب، ~~ومثعلة: كثيرة الثعالي3، ومحياة ومحواة ومفعاة: كثير الحيات والأفاعي، فهذا ~~[118ظ] في الجواهر4. وأما الأحداث فكقولك: البطنة موسنة، وأكل الرطب موردة5 ~~ومحمة. ومنه المسعاة، والمعلاة، والحق مجدرة بك، ومخلقة ومعساة، ومقمنة، ~~ومحجاة. وفي كله معنى الكثرة من موضعين: # أحدهما المصدرية التي فيه، والمصدر إلى الشياع والعموم والسعة. ~~PageV02P136 # والآخر التاء، وهي لمثل ذلك، كرجل راوية، وعلامة، ونسابة، وهذرة1. ولذلك2 ~~كثرت المفعلة فيما ذكرناه لإرادة المبالغة. # ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: "قالت نملة يأيها النمل"3. # وروي عنه أيضا: "نملة"، و"النمل"، بضمهما. # قال أبو الفتح: أما النملة، بفتح النون، وضم الميم؛ فتقبلها النملة، بفتح ~~النون، وسكون الميم، لأن فعلا يخفف إلى فعل، كسبع إلى سبع، ورجل إلى رجل. ~~قال: # رجلان من ضبة ms336 أخبرانا ... إنا رأينا رجلا عريانا4 # فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رجل ورجل، وإما أن تكون لغته رجل ~~بضم الجيم، فاضطر للشعر؛ فأسكن الجيم. # ألا تراه كيف جمع بين "رجلان" و"رجل"؟ ونظير "نملة" "ونمل": سمرة وسمر، ~~وثمرة وثمر. وكذلك القول في "نملة"، لأن فعلا لا يخفف إلى فعل، إنما يخفف ~~إلى فعل، كطنب إلى طنب، وعنق إلى عنق. ومنه5 عندي: أخذ رجل نمال: أي: نمام، ~~كأنه يدب بالنميمة دبيب النملة. ونظير "نملة" و"نمل": بسرة وبسر، بضم ~~السين. # ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يحطمنكم"، بفتح الياء والحاء، وتشديد الطاء ~~والنون. # وروي عنه أيضا: "يحطمنكم"، بفتح الياء، وكسر الحاء، والتشديد. # قال أبو الفتح: أما الأصل فيهما فيحتطمنكم، يفتعل من الحطم، وهو الكسر، ~~أي: يقتلنكم. وآثر إدغام التاء في الطاء لقرب مخرجيهما؛ فأسكنها، وأبدلها ~~طاء، وأدغمها في الطاء بعدها، ونقل الفتحة من التاء إلى الحاء، فقال: ~~"يحطمنكم". # ومن كسر الحاء فإنه لما أسكن التاء للإدغام كسر الحاء، لسكونها وسكون ~~التاء بعدها PageV02P137 # ثم أدغم فصار "يحطمنكم". ويجوز في العربية كسر الياء إتباعا لكسرة الحاء؛ ~~فقال يحطمنكم. ومثله قول العجلي: # تدافع الشيب ولم تقتل1 # يريد: تقتتل، ثم غير ذلك على ما تقدم. # يقال: حطمه يحطمه حطما: إذا كسره، وحطمه يحطمه، واحتطمه يحتطمه احتطاما ~~ويغير الماضي واسم الفاعل والمصدر على الصنعة التي تقدمت في "يحطمنكم". # فمن قال: يحطم قال: حطم، ومن قال: يحطم قال: حطم. # ومن أتبع الأول يحطم أتبع الآخر هنا، فقال: حطم. وعليه أنشد قطرب فيما ~~روينا عنه أو غيره. # لا حطب القوم ولا القوم سقى1 # يريد: احتطب. # ويقول في اسم الفاعل على يحطم: محطم، وعلى يحطم: محطم. # ومن كسر الأول إتباعا، فقال: يحطم لم2 يكسر الميم؛ لأن اسم المفعول ~~والفاعل من هذا ونحوه لا يكون إلا مضموم الأول، وعليه قال: "وجاء ~~المعذرون"3، و"المعذرون". وتتبع العين الميم، فيقال: "المعذرون". وعليه ~~أيضا يقال: مخطف، والأصل في جميعه المعتذرون. ويقول في المصدر على يحطم ~~ويحطم جميعا: حطاما. # ومن كسر هناك لالتقاء الساكنين [119و] كسر ms337 هنا أيضا، فقال: حطاما؛ لئلا ~~تنكسر الطاء، فتبدل الألف بعدها ياء، فتقول: حطيما، فيزول حديث المصدر ~~بانقلاب ألفه. وليس في حطم ألف؛ فتنقلب لكسرة الطاء إلى غيرها. # ومن قال: "وجاء المعذرون"، فضم العين لم يقل حطاما؛ لأنه ليس معه في ~~حطاما ضمة مثل الميم فتتبعها الحاء مضمومة، وكذلك "مردفين" "ومردفين" ~~ومردفين، الحكم واحد. PageV02P138 # ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "فتبسم ضحكا من قولها"1، بفتح الضاد بغير ~~ألف. # قال أبو الفتح: "ضحكا" منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل على عليه تبسم، ~~كأنه قال: ضحك ضحكا. وهذا مذهب صاحب الكتاب، وقياس قول أبي عثمان في قولهم: ~~تبسمت وميض البرق، أنه منصوب بنفس "تبسمت"؛ لأنه في معنى أومضت، ويكون2 ~~"ضحكا" منصوبا بنفس تبسم؛ لأنه في معنى ضحك. # ويدل على مذهب صاحب الكتاب أنه قد ثبت أن الماضي والمضارع واسم الفاعل ~~والمصدر يجري كل واحد منها مجرى صاحبه، حتى كأنه هو. ويجب أن تكون كلها من ~~لفظ واحد، كضرب يضرب ضربا وهو ضارب، فكما لا يجوز أن يقول: قعد يجلس وإن ~~كانا في معنى واحد دون أن يكون من لفظ واحد وهو قعد يقعد، ولا يجوز تبسم ~~يومض؛ لاختلاف لفظيهما وإن كان معنياهما واحد - فكذلك لا يجوز تبسمت وميض ~~البرق؛ لاختلاف لفظيهما، كما لا يجوز تبسمت أومض، لكن دل تبسمت على أومضت، ~~فكأنه قال: أومضت وميض البرق، فاعرف ذلك وقسه بإذن الله. # ومن ذلك قراءة ابن عباس في رواية وهب بن منبه: "أن لا تغلوا"3، بالغين ~~معجمة. # قال أبو الفتح: غلا في قوله غلوا، وغلا السعر يغلو غلاء. فصلوا بينهما في ~~المصدر وإن اتفقا في الماضي، وهذا أحد ما يدل على ما قدمناه أيضا من أن ~~الماضي والمضارع واسم الفاعل والمصدر تجري مجرى المثال الواحد، فإذا خولف ~~فيها بين المصادر قام ذلك الخلاف مقام ما كان يجب من اختلاف الأمثلة ~~لاختلاف ما تحتها من المعاني المقصودة؛ وذلك أن أعدل اللغة اختلاف الألفاظ ~~لاختلاف المعاني، فإن اتفقت الألفاظ اختلفت الأمثلة، فإن اتفقت الألفاظ ~~والأمثلة، ووقع ms338 التغيير في بعض المثل قام مقام تغييرها كلها. وذلك نحو غلا ~~يغلو في القول والسعر. # فلما اتفق اللفظان والمثلان في الماضي والمضارع خالفوا بين مصدريهما؛ ~~ليكون ذلك كالخلاف PageV02P139 # بين مثاليهما أنفسهما، فقالوا: غلوا، وغلاء على ما مضى. وكذلك قولهم في ~~نظائر هذا: وجدت الشيء وجودا، ووجدت في الحزن وجدا، ووجدت من الغنى وجدا ~~ووجدا ووجدا وجدة، ووجدت على الرجل موجدة، وجدت الضالة وجدانا، فجعلوا ~~اختلاف المصادر فيها عوضا مما كان يقتضيه أصل وضع اللغة من اختلافها ~~أنفسها، فهذا مقاد يقتاس ويرجع في نظائره إليه. # نعم، وخصوا غلا في القول بالغلو؛ [119ظ] لأن لفظ فعول أقوى من لفظ فعال؛ ~~للواوين والضمتين، وضعف الألف والفتحتين. وذلك أن الغلو في القول أعلى ~~وأعنى عندهم من غلاء السعر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: {تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمن ولدا} 1، وقال ~~تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} 2؟ وأما غلاء3 السعر فلا يدخل ~~النار، ولا يحرم الجنة، ثم إنهم قالوا: غلت القدر تغلي غليانا، فلما صغر ~~هذا المعنى في أنفسهم أخذوه من الياء؛ لأنها تنحط عن الواو والضمة إلى ~~الياء والكسرة4. # فإن قلت: فقد قالوا: علوت في المكان أعلوا علوا وعليت في الشرف5 علاء؛ ~~فجعلوا الشرف دون ارتفاع النصبة6. # قيل: لم يجف الشرف عندهم، ولا تبشع تبشع الكفر والغلو في القول المعاقب ~~عليه، والمنهي عنه؛ فلان جانبه، ونعم وعذب في أنفسهم؛ فبنوه على فعل لتنقلب ~~الواو ياء، ومصدره على الفعال؛ لعذوبته بالفتحتين والألف. وهذه أماكن إن ~~رفقت بها، وسانيتها7، وتأنيتها8، ولم تبء9 عليها وتختبطها -أولئك جانبها، ~~وأركبتك ذروتها، وقبلتك لها ضيفا، وبسطتك يدا وسيفا. وإن أخلدت بها إلى ضد ~~هذا أخلدت بك إلى ضده، فتلاقيا ورفقا، لا مغالاة ولا خرقا. PageV02P140 # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعيسى الثقفي: "عفرية"1. # قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجل عفرية نفرية إتباعا: إذا كان خبيثا ~~داهيا. وقالوا: تعفرت الرجل: إذا صار عفريتا، أي: خبيثا. وهذا مثال غريب؛ ~~لأن وزنه تفعلت، ms339 ونحوه من المثل الغريبة في الفعل قولهم: يرنأ الرجل لحيته: ~~إذا صبغها باليرناء، وهو الحناء. فيرنأ على ما ترى يفعل2، ومضارعه ييرنئ ~~ييفعل، واسم الفاعل ميرنئ، وهو ميفعل. # وأصل العفريب من العفر، وهو التراب، كأنه يختل قرنه فيصرعه إلى العفر, ~~ومنه قيل للأسد: عفرني، وللناقة الشديدة: عفرناة. وقال الأعشى: # بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالنعس أدنى لها من أن أقول: لعا3 # ومنه عفرية الرأس: للشعر الذي عليه؛ وذلك لأن قصاراه أن يحلق فيصير إلى ~~التراب، أو يصير ترابا. ومنه اليعفور. لولد الظبية؛ لأنه لصغره ما4 يلزق ~~بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عفرين؛ لأنه دابة يلزم التراب. # ومن ذلك قراءة الحسن: "فما كان جواب قومه"5، يرفع الباء. # قال أبو الفتح: أقوى من هذا "جواب قومه" بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: {أن ~~قالوا أخرجوا آل لوط} : لشبه أن بالمضمر. من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. ~~والمضمر6 أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول في ذلك7. PageV02P141 # ومن ذلك قراءة الأعمش، وقد اختلف عنه: "أمن خلق"1، خفيفة الميم. # قال أبو الفتح: "من" هنا خبر2 بمنزلة الذي، وليست باستفهام [120و] كقراءة ~~الجماعة: {أم من خلق} ، فكأنه قال: الذي خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من ~~السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة3 ما كان لكم أن تنبتوا شجرها خير أم ~~ما تشركون4 ثم حذف الخبر الذي هو خير أم ما تشركون؛ لدلالة ما قبله عليه، ~~وهو قوله تعالى: {آلله خير أما يشركون} 5. وما يحذف خبره لدلالة ما هناك ~~عليه أكثر من أن يحصى، فابن على هذا. # ومن ذلك قراءة السلمى: "إيان يبعثون"6، بكسر الهمزة. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على كسر هذه الهمزة فيما مضى من الكتاب7. # ومن ذلك قراءة سليمان بن يسار وعطاء بن السائب: "بل ادرك علمهم"8، بفتح ~~اللام، ولا همز، ولا ألف. # وروي عنهما: "بل ادرك"، بفتح اللام، ولا همز، وتشديد الدال، وليس بعد ~~الدال ألف. # وقرأ: "بل آدرك" الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة. # وقرأ: "بلى" ms340 بياء "آدرك" ممدودا ابن عباس. # وقرأ: "بل ادرك"، مخفوضة اللام، مشددة الدال الحسن. # وقرأ: "بل تدارك" أبي بن كعب. PageV02P142 # وقراءة الناس: "بل أدرك علمهم"، و"بل ادارك1"، فذلك ثمانية أوجه: # قال أبو الفتح: "أما بل ادرك" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها ~~على اللام الساكنة قبلها، كقولك: في {قد أفلح} 2: "قد افلح". # وأما "بل ادرك"، بفتح اللام فكان قياسه: بل ادرك؛ بكسر اللام لسكونها ~~وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام لأن في ذلك إزالة لالتقاء الساكنين، ~~وعدولا إلى الفتحة لخفتها، كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: "قم ~~الليل"3، وبيع الثوب. # وأما "بل آدرك" فإن "بل" استئناف، وما بعدها استفهام، كما تقول: أزيد ~~عندك؟ بل أجعفر عندك؟ تركا للأول إلى غيره، لا تراجعا عنه، لكن للانتحاء من ~~بعده على غيره. # وأما "بلى" فكأنه جواب، وذلك أنه لما قال: "قل لا يعلم من في السماوات ~~والأرض الغيب إلا الله" فكأن قائلا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم ~~استؤنف فقيل: "آدرك علمهم في الآخرة". # وأما "بل ادرك" فلا سوال مع كسر اللام؛ لسكونها، وسكون الدال بعدها. # وأما "بل تدارك" فإنه أصل قراءة من قرأ: "ادارك"؛ وذلك أنه في الأصل ~~تدارك، ثم آثر إدغام التاء في الدال؛ لأنها أختها في المخرج، فقلبها إلى ~~لفظها، وأسكنها، وأدغمها فيها. واحتاج إلى ألف الوصل؛ لسكون الدال بعدها، ~~ومثله: {قالوا اطيرنا بك} 4. {فادارأتم فيها} 5. # ومن ذلك قراءة الأعرج: "ردف لكم"6، بفتح الدال. # قال أبو الفتح: من قال "ردف" فهو في وزن تبع، ومن قال: "ردف" فهو بمنزلة ~~تلا، وشفع. والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة. PageV02P143 # ومن ذلك قراءة ابن السميفع وابن محيصن: "تكن صدورهم1" بفتح التاء. وضم ~~الكاف. # قال أبو الفتح: المألوف في هذا: أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك. ~~وكننته: إذا سترته بشيء، فأكننت كأضمرت، وكننت كسترت2. فأما هذه القراءة: ~~"تكن صدورهم # " [120ظ] فعلى أنه أجرى الضمير3 لها مجرى الجسم الساتر لها مبالغة؛ وذلك ~~لأن الجسم أقوى من العرض، وهذا نحو من قوله: # وحاجة ms341 دون أخرى قد عرضت لها ... جعلتها للتي أخفيت عنوانا4 # فأجرى ما يخفيه الضمير ويبرزه البوح به مجرى ما يدرك باللمس؛ تنويها به، ~~ومباداة للحس بإدراكه, وقد مر به بعض المولدين، فقال: # حبي له جسم وحب ... ب الناس كلهم عرض # وعليه قول الآخر: # تغلغل حب عثمة في فوادي ... فباديه مع الخافي يسير5 # ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل؟ ومر به ~~الطائي الكبير6، إلا أنه عكسه فقال: # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض # والباب واسع، والطريف مسهب, إلا أن هذا سمته. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. ~~"تكلمهم"7 PageV02P144 # قال أبو الفتح: "تكلمهم": تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب في ~~قوله "تكلمهم" إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن "تكلمهم" لا ~~يكون من الكلم وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هي ~~وتقاليبها الستة: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، م ك ل، ل م ك. وقد ذكرناها ~~في كتابنا الخصائص1 أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول. # ويشهد لمن قال في قوله: "تكلمهم" إلى أنه من الكلام قراءة أبي: "تنبئهم"، ~~ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: "تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا ~~لا يوقنون". وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن "تكلمهم": تجرحهم، أي: ~~تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم. # ومن ذلك قراءة قتادة: "وكل أتاه داخرين"2. # قال أبو الفتح: حمل "أتاه" على لفظ "كل"؛ إذ كان مفردا، و"داخرين" على ~~معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكل أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك ~~لما قلت: وكل فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى ~~وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا فأفردت فقد تراجعت إلى ما ~~انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا في الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها ~~المعتزمة. # وعلى ذلك قول الله سبحانه: ms342 {ومنهم من يستمعون إليك} 3. فلو قال: من بعد: ~~حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ. "من" إلى معناه بقوله: ~~"يستمعون". فلو عاد إليه بعد انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب ~~عنه. واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق: # تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذيب يصطحبان4 PageV02P145 # فلو1 قال بعد يصطحبان: فلا تنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ ~~"من" وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال في ~~"كل" أنها إذا كانت [121و] مفردة أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: {وكل ~~في فلك يسبحون} 2، و {كل له قانتون} 3، {وكل أتوه داخرين} 4 في قراءة ~~الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ~~{وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} 5، وذلك أن أحد علمي الجمع كاف عندهم من ~~صاحبه، وابن6 على ذلك. PageV02P146 ### | سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ عمرو بن عبد الواحد: "أن ارضعيه"1، بكسر النون، ولا همز بعدها. # قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن ~~"فجاءته احداهما"2، بحذف همزة إحداهما: ألبتة. فلما حذف الهمزة على ما ~~ذكرنا كسر النون من "أن" لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله ~~سبحانه: {أن اقذفيه في التابوت} 3. ولو كان على التخفيف القياسي لقال: أن ~~ارضعيه، بفتح النون بحركة الهمزة من "ارضيعه" ومثله مما حذف منه الهمزة ~~اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن: # تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العجاج لها ازملا4 # يريد: لها أزملا. # ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله5 والحسن وأبي الهذيل6 وابن قطيب7: ~~"وأصبح فؤاد أم موسى فزعا"8. PageV02P147 # وقرأ: "قرعا"، بالقاف والراء - ابن عباس. # وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبي "صلى الله عليه وسلم": "فرغا". # وحكى فيها أيضا: "مؤسى"، بالهمز. # قال أبو الفتح: أما "فزعا" بالفاء والزاي فمعناه قلقا، يكاد يخرج من ~~غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ms343 {حتى إذا فزع عن قلوبهم} 1، أي: كشف ~~عنها. # وأما "قرعا"، بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع ~~هو الخالي من الشغر، وإذا خلا من الشيء فقد انكشف منه وعنه. # وأما "فرغا" فكقولك: هدرا2 وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: {إن كادت ~~لتبدي به} 3. قال: # فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن تذهبوا فرغا بقتل حبال4 # ومعنى فارغا، أي: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: ~~فارغا أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى. # وأما همز "موسى" ففيه صنعة تصريفية؛ ذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك ~~فكثيرا ما تقدر العرب أن تلك الحركة كأنها في الساكن، فكأن5 ضمة "موسى" في ~~الواو. والواو PageV02P148 # إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأعد وأجوه. وكذلك أيضا1 قولهم في ~~المرأة والكمأة: المرأة والكماة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدروا فتحة ~~الهمزة في الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكمأة، فقيل فيه: مراة ~~وكماة، كما يقال في تخفيف رأس وكأس: راس وكاس ومنه أيضا قول بعضهم في ~~الوقف: هذا بكر ومررت ببكر، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، ~~وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف [121ظ] لأنها تجاورها ففي ذلك ~~شيئان: # أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف. # والآخر: الاستراحة من اجتماع2 ساكنين، وهذا ونحوه -مما تركناه تحاميا ~~للإطالة به- يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذا جاورت الساكن ~~صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مؤسى. أنشدنا شيخنا أبو علي: # لحب المؤقدان إلى مؤسى3 # ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم4: "عن جانب"5. # وقرأ: "عن جنب"6 الأعرج وقتادة والحسن. # قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فبصرت به مزورة مخايلة، فالياء والفاء ~~يلتقيان في هذا المعنى6، لاجتماعهما في كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: ~~تجانف عن الشيء أي: مال عنه، وفيه جنف، أي: ميل. ومنه قوله: PageV02P149 # لم يركبوا الخيل إلا بعد ما هرموا ... فهم ثقال على أعجازها جنف # ومن أبيات الكتاب: # تجانف عن جو اليمامة ناقتي ... وما قصدت من ms344 أهلها لسوائكا1 # وأنشد أبو زيد: # تجانف رضوان عن ضيفه ... ألم يأت رضوان عني النذر2؟ # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فجاءته احداهما"3، بإسقاط الهمزة. # قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضعف ذلك، وأنه إنما يجوز في الشعر لا في ~~التنزيل4 # ومن ذلك قراءة الحسن: "أيما الأجلين"5، خفيفة الياء. # قال أبو الفتح: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يعذران: # أحدهما تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو ~~أحست، ومست، وظلت. وحكى ابن الأعرابي: ظنت في ظننت. # والآخر أن الياء حرف ثقيل منفردة، فكيف بها إذا ضعفت؟ غير أن في واجب ~~الصنعة شيئا أذكره لك. وذلك أن "أيا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا ~~من باب أويت، هكذا موجب القياس والاشتقاق جميعا. # أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ~~ترى إلى كثرة باب لويت وشويت وطويت وعويت6 يده وزويت7 جانبه، إلى قلة باب ~~عييت وحييت؟ PageV02P150 # فأصل "أي" على هذا أوي، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون؛ فقلبت ~~ياء، وأدغمت في الياء؛ فصارت "أي"، كقولهم: طويت الثوب طيا، وزوى وجهه زيا. # وأما الاشتقاق فلأن "أيا" أين وقعت غير متبلع1 بها؛ فإنها بعض من كل، ~~كقولنا: أي الناس عندك؟ وأيهم قام قمت معه، وأيهم يقوم زيد2 وبعض الشيء آو ~~إلى جميعه ألا ترى إلى قول العجلي في صفة البعير: # يأوي إلى ملط له وكلكل3 # أي يتساند إليها، ويعتمد عليها وهذا في المعنى كقول طفيل: # وآلت إلى أجوازها وتقلقلت ... قلائد في أعناقها لم تقضب4 # وهذا واضح، فأصل "أي" على هذا أوي، ثم أدغمت الواو في الياء على ما مضى؛ ~~فصارت "أي" فإذا حذفت الياء تخفيفا فإنها الثانية. فإذا زالت الثانية أوجب ~~القياس أن تعود الأولى إلى أصلها [122و] وهي الواو، فيقال: أوما الأجلين ~~قضيت. # والذي حسن عندي إظهار العين هنا ياء مع زوال الياء القالبة5 لها من بعدها ~~-أنها إنما حذفت اللام تخفيفا وهي منوية مرادة معتقدة؛ فأقرت العين مقلوبة ~~ياء؛ دلالة على إرادة ms345 الياء التي هي لام، وإشادة بها، كما صحت الواو ~~الثانية في قوله: # وكحل العينين بالعواور6 # دلالة على إرادة الياء في عواوير، وأنها إنما حذفت استحسانا وتخفيفا، لا ~~وجوبا وتصميما. وكما قالوا: اضتقطت النوى، فصحت التاء، ولم تقلب طاء لوقوع ~~الضاد قبلها، كما قلبت PageV02P151 # في اضطراب واضطمر؛ دلالة على أن الضاد فيها بدل من شين اشتقطت1، فقد ~~قالوهما جمعيا: اضتقطت، واشتقطت. وكما قالوا: كان من الأمر ذيت وكيت، ~~فأقروا الياء بحالها دلالة على أن التاء فيها بدل من ياء ذية وكية؛ فتركت ~~الياء على إرادة التثقيل. ويجب -على ما قدمنا -أن "ذية" من باب طويت على ما ~~مضى، فكان يجب إذا حذفت اللام التي هي الياء أن تعاد الواو إلى أصلها، ~~فيقال: ذوت، وكذلك القول في كيت، والعلة في الجميع واحدة. وأنشدنا أبو علي ~~للفرزدق: # تنظرت نصرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره2 # فهذا كقراءة الحسن: "أيما الأجلين" سواء. # ومن ذلك قراءة الحسن: "عضدك"3. # قال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عضد، وعضد، وعضد، وعضد، وعضد. وأفصحها ~~وأعلاها عضد بوزن رجل. وعضد مسكن من عضد، وعضد منقول الضمة من الضاد إلى ~~العين، وعضد بالضمتين جميعا كأنه تثقيل عضد. وقد شاع عنهم نحو ذلك، كقولهم ~~في تكسير أحمر: حمر، قال طرفة: # ورادا وشقر4 # يريد: شقرا. # وأما عضد فلغة صريحة غير مصنوعة، ونظيرها رجل وقل5 ووقل، ووظيف عجر ~~وعجر6. من العضد قولهم: عضدت فلانا إذا قويته؛ وذلك لأن العضد أقوى اليد، ~~ومنه عضادتا الباب: جانباه؛ لأنهما كالعضدين له، وعليه بقية الباب. ~~PageV02P152 # ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: "ثمرات"1، بضمتين. # قال أبو الفتح: الواحدة ثمرة، كخشبة. وثمر، كخشب. ومثله أكمة وأكم، ثم ~~ضمت الميم إشباعا وتمكينا، كقولهم، في برد: برد2، وفي قفل قفل. ثم جمع ثمر ~~على ثمرات جمع التأنيث؛ لأنه لما لم يعقل جرى مجرى المؤنث. وذلك عندنا ~~لتخضع3 ما لا عقل له، فلحق بذلك بضعفة التأنيث، فعليه قالوا: يا لثارات ~~فلان: جمع ثأر لما لم يكن من ذوي العلم. ونحو قول أبي ms346 طالب: # أسد تهد بالزئيرات الصفا # جمع زئير، والعلة واحدة. وقد ذكرنا هذا مستقصى في تفسير ديوان المتنبي ~~عند قوله: # ففي الناس بوقات لها وطبول4 # ومنه ما أنشده الأصمعي من قول الراجز: # واردد إلى حورات حور شقه # فجمع حورا على حورات لما ذكرنا. # ومن ذلك قراءة بديل بن ميسرة: "ما إن مفاتحه لينوء"5، بالياء. # قال أبو الفتح: ذهب في التذكير [122ظ] إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى ~~الواحد فحمل عليه، فقال: "لينوء". ونحوه قول الراجز: # مثل الفراخ نتفت حواصله PageV02P153 # أي: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا. وأخبرنا شيخنا أبو علي قال: قال أبو ~~عبيدة لرؤبة في قوله: # فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق1 # إن كنت أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، ~~فقال رؤبة: أردت: كأن ذاك، ويلك! هذا مجموع الحكاية، وهي متلقاة مقبولة، ~~كما يجب في "ذلك". # ولو قال قائل: إن الهاء في "كأنه" عائدة على "البلق" وحده لكان مصيبا؛ ~~لأن في "البلق" ما يحتاج إليه من تشبيهه بالبهق، فلا ضرورة هناك إلى إدخال ~~السواد معه. ونحو القراءة قول الآخر: # ألا إن جيراني العشية رائح # فأخبر عنه بلفظ الواحد، لأنه أجراه مجراه. وتجاوزوا هذا إلى أن أضافوا2 ~~إلى لفظ الجماعة، فقالوا: أنصاري؛ لأنه جعل الأنصار جاريا مجرى الأب، أو ~~الأم، أو البلد. # وقال الآخر: # مشوه الخلق كلابي الخلق3 # فنسب إلى جنس الكلاب، ولولا ذلك لقال: كلبي، وفي الأنصاري: ناصري، كما ~~تقول في الإضافة إلى الفرائض: فرضي، وإلى السفائن: سفني. PageV02P154 # ومن ذلك قراءة يعقوب: "ويك"1، يقف عليها، ثم يبتدئ فيقول: "أنه"، وكذلك ~~الحرف الآخر2 مثله. # قال أبو الفتح: في "ويكأنه" ثلاثة أقوال: # منهم من جعلها كلمة واحدة، فقال: "ويكأنه"، فلم يقف على "وي". # ومنهم من يقف على "وي". # ويعقوب. على ما مضى -يقول: ""ويك""، وهو مذهب أبي الحسن. # والوجه فيه عندنا الخليل وسيبويه3، وهو أن "وي" على قياس مذهبهما اسم سمي ~~به الفعل في الخبر، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ فقال: {كأنه لا ms347 يفلح ~~الكافرون} ، و {وي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده} . ف"كأن" هنا ~~إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و"وي" ~~منفصلة من "كأن" وعليه بيت الكتاب: # وي كأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر4 # ومما جاءت فيه "كأن" عارية من معنى التشبيه ما أنشدناه أبو علي: # كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم يشتهي ما ليس موجودا5 # أي: أنا حين أمسي "متيم" من حالي كذا وكذا. # ومن قال: إنها "ويك" فكأنه قال أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، وهو قول أبي الحسن. وينبغي أن تكون ~~الكاف هنا حرف PageV02P155 # خطاب لا اسما، بل هي بمنزلة الكاف في ذلك وأولئك؛ وذلك أن "وي" ليست مما ~~يضاف ومن وقف على "ويك"، ثم استأنف فينبغي أن يكون أراد أن يعلم أن الكاف ~~من جملة "وي"، وليست بالتي في صدر "كأن"، فوقف شيئا لبيان هذا المعنى. ~~ويشهد لهذا المذهب قول عنترة: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم1 # وقال الكسائي -فيما أظن: أراد: ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر ~~نبي ليقبل. # وقول من قال: إن "ويكأنه" كلمة واحدة إنما يريد به أنه لا يفصل بعضه عن ~~بعض. # ومن ذلك قراءة الأعرج وشيبة ومجاهد وعاصم [123و] في رواية أبان والحجاج ~~بن أرطاة2 والحسن وأبي رجاء وسلام ويعقوب وحسن بن حي3 وعطية بن سعد4 وعبد ~~الله بن يزيد5 "لخسف بنا"6. PageV02P156 # قال أبو الفتح: الفاعل اسم الله، والمفعول محذوف، أي: لخسف الله بنا ~~الأرض، وقد كررنا ذكر حسن حذف المفعول به. # وقرأ: "لانخسف بنا" الأعمش وطلحة، وكذلك في قراءة ابن مسعود. # قال أبو الفتح: "بنا" من هذه القراءة مرفوعة الموضع؛ لإقامتها مقام ~~الفاعل، فهو كقولك: انقطع بالرجل، وانجذب إلى ما يريد، وانقيد1 له إلى ~~هواه. وانفعل -وإن لم يتعد إلى مفعول به- فإنه يتعدى إلى حرف الجر، فيقام ~~حرف الجر مقام الفاعل، كقولهم: سير بزيد. ms348 # وإن شئت أضمرت المصدر، لدلالة فعله عليه2، فكأنه قال: لانخسف الانخساف ~~بنا، "فبنا" على هذا منصوبة الموضع؛ لقيام غيرها وهو المصدر مقام الفاعل ~~ولا يكون للفعل الواحد فاعلان قائمان مقامه إلا على وجه الإشراك. ~~PageV02P157 ### | سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # ورش: "ألف لام ميم حسب"1، بفتح الميم من غير همز بعدها. # قال أبو الفتح: هذا على تخفيف همزة: "أحسب"، حذفها وألقي حركتها على ~~الميم، وانفتحت. # وفيه ضعف؛ وذلك أن حروف التهجي مبنية على الوقف في حال الوصل، كقراءة ~~الجماعة: "ميم أحسب الناس". فإذا كانت في الإدراج ساكنة لم يلق بها إلقاء ~~الحركة عليها؛ وذلك أن إلقاء الحركة في نحو هذا إنما يكون لما من عادته أن ~~يحرك في الوصل لالتقاء الساكنين. وأنت تقول: "ميم" فتجمع بين الساكنين، ~~وهما: الياء، والميم. فإذا كان الساكنان يجتمعان في الوصل ضعف إلقاء حركة ~~الهمزة عليها، وليس كذلك2 قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} 3 لأن "قد" مما ~~يحرك لالتقاء الساكنين، نحو قد انقطع، وقد استخرج. فكما حرك لالتقاء ~~الساكنين، فكذلك حرك لإلقاء حركة الهمزة عليه. # فإن قلت: قد تقول: "ألف لام ميم الله"، فتحرك الميم من آخر "ميم" لسكونها ~~وسكون اللام من بعدها، فهلا جاز على ذلك إلقاء حركة الهمزة عليها4. قيل: ~~أصل حركة التقاء الساكنين إنما هو في المتصل، نحو: أين، وكيف، ومنذ، وسوف، ~~وأمس، وهؤلاء. ثم شبه المنفصل في ذلك بالمتصل، "ميم" و"نون" و"قاف" يجتمع ~~فيه الساكنان في الوصل، PageV02P158 # فعليه العمل لا على ما يحرك في الوصل المنفصل لالتقاء الساكنين، إلا أن ~~له أن يقول: شبهت سكونا بسكون، فحركت ميم "ميم" بإلقاء حركة الهمزة، كما ~~حركت دال "قد أفلح" كذلك. # ومن ذلك قراءة علي1 بن أبي طالب كرم الله وجهه: "فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين"2 برفع الياء فيهما، وكسر اللام. # وقرأ الزهري: "فليعلمن" مثل قراءة الناس، وقرأ: "123ظ" "وليعلمن ~~الكاذبين" كقراءة علي: # وقرأ جعفر بن محمد ومحمد بن عبد الله بن حسن، كقراءة علي عليه السلام. # وقرأ الزهري: "فليعلمن الله الذين آمنوا" ms349 كقراءة الناس أيضا، "وليعلمن ~~المنافقين". # قال أبو الفتح: أما "فليعلمن"، بفتح الياء واللام فإنها على إقامة السبب ~~مقام المسبب، والغرض فيه: فليكافئن الله الذين آمنوا، وذلك أن المكافأة على ~~الشيء إنما هي مسببة عن علم، ولو لم يعلم لما صحت المكافأة. ومثله من إقامة ~~السبب مقام المسبب قول الله سبحانه: {كانا يأكلان الطعام} 3، فهذا سبب قضاء ~~الحاجة المكنى بذكره عنها. وقد أفردنا لهذا الفصل من إقامة كل واحد من ~~السبب والمسبب مقام صاحبه بابا في كتاب الخصائص4. # وأما قوله: "وليعلمن"5 فمعناه: وليعرفن الناس من هم؟ فحذفت المفعول ~~الأول، كما قال الله تعالى: "يوم يدعى كل أناس بإمامهم"6، وكقوله: {يعرف ~~المجرمون بسيماهم} 8. جاء في التفسير أنها زرقة العيون، وسواد الوجوه. ~~ويشهد لهذا قوله تعالى: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} ، وقيل في زرقا: أي: ~~عطاشا، ومنه سنان أزرق، أي: ظمآن إلى الدم. PageV02P159 # وإن شئت لم تحمله على حذف المفعول لكن على أنه من قولهم: ثوب معلم، ومن ~~قولهم: فارس معلم، أي: أعلم نفسه في الحرب بما يعرف به من ثوب أو غيره، ~~فكأنه قال: وليشهرن الذين صدقوا، وليشهرن الكاذبين؛ فيرجع إلى المعنى ~~الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول. # وإن شئت كان على حذف المفعول الثاني لا الأول، كأنه قال: فليعلمن الله ~~الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم. # ومثل: "ليعلمن"، بفتح الياء واللام جميعا - قراءة من قرأ: "عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض"1، بتخفيف الراء من عرف فأقام المعرفة مقام المعاتبة عنها. ~~ومثل "وليعلمن"، بضم الياء، وكسر اللام -قراءة من قرأ: "عرف بعضه"، بتشديد ~~الراء. # وأعلمت في القراءتين جميعا إذا لم تكن بمعنى أعلمت الثوب فهو بمعنى ~~عرفت2، وهي متعدية إلى مفعول واحد، كقوله تعالى3: {ولقد علمتم الذين اعتدوا ~~منكم في السبت} 4، أي: عرفتم. وأما "ليعلمن" و"فليعلمن" فكأنه قال: ~~فليكافئن، وليشهرن بما كافأ به على ما مضى من التفسير. # ومن ذلك قراءة السلمى وزيد بن علي: "وتخلقون إفكا"5. # وقرأ فضيل بن مرزوق6 وابن الزبير: "وتخلقون أفكا"، بفتح الهمزة، وكسر ~~الفاء. # قال أبو الفتح: ms350 أما "تخلقون" فعلى وزن تكذبون7 ومعناه. وأما "أفكا" فإما ~~أن يكون PageV02P160 # مصدرا كالكذب والضحك، وإما أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي تكذبون كذبا ~~أفكا، ثم1 حذف المصدر، وأقيمت صفته مقامه، كقولك: قمت مثل ما قام زيد، أي: ~~قياما مثل قيام زيد. وأذهب في الحذف -على هذا الحد- منه قول الله تعالى: ~~{فشاربون شرب الهيم} 2 أي: شربا مثل شرب الهيم [124و] لأنه حذف فيه مع ~~الموصوف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. و"أفك" على هذا صفة، كبطر، وأشر، ~~ويجوز أن يكون محذوفا من "آفك"، وهو اسم الفاعل من أفك يأفك إفكا: إذا كذب. ~~وأفكته آفكه إفكا: إذا صرفته عن الشيء، وهو مأفوك. قال: # إن تك عن أحسن المروءة مأ ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا3 # إلا أن الألف حذفت، كما حذفت في برد وعرد، يريد باردا وعاردا4. وقد مضى ~~ذكره. # ومن ذلك قراءة الزهري: "أولم يروا كيف يبدا الله الخلق"5، بغير همز. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أراد بغير همزة محققة6، بل هي مخففة، فقربت ~~من الساكن إلا أنها مضمومة؛ لأنها مخففة في وزن المحققة. ولو كان بدلا محضا ~~لقال: "يبدا"، فقلبها ياء، ثم أبدل من الياء ألفا، أجراها مجرى ألف يخشى، ~~كما أنه لما أبدلها الشاعر فيما أنشده أبو علي عن أبي زيد: PageV02P161 # إذا ملا بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه وضرى ذات أجراس1 # أراد: "ملأ" فأبدله البتة، فصارت ياء، فأبدلها للفتحة قبلها ألفا، فصارت ~~"ملا" كما ترى، بوزن قضى وسعى. وقد شرحنا هذا في كتابنا سر الصناعة وبأخرة2 ~~في كتابنا الخصائص3، وبعده في كتاب الخطيب، لما دعا إلى تكرير4 ذكره لقوة ~~الحاجة إليه وتقاضي الوضع له5. PageV02P162 ### | سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # روى الواقدي1 عن سليمان عن أبي جعفر: "وآثاروا الأرض"2، ممدودة. قال ابن ~~مجاهد: ليس هذا بشيء. # قال أبو الفتح ظاهره لعمري منكر إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به؛ ~~وذلك أنه أراد وأثاروا الأرض، أي: شققوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا من ~~قول الله سبحانه: {لا ذلول تثير ms351 الأرض} 3، إلا أنه أشبع فتحة الهمزة؛ فأنشأ ~~عنها ألفا، فصارت "آثاروا" وقد ذكرنا ذلك وشواهده في نحو قول ابن هرمة: # فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح4 # يريد: بمنتزح، منفعل من النازح؛ فأشبع فتحة الزاي، فأنشأ عنها ألفا. وهذا ~~لعمري مما تختص به ضرورة الشعر لا تخير القرآن. # ومن ذلك قراءة عكرمة "حينا تمسون"5. # قال أبو الفتح: أراد: حينا تمسون فيه، فحذف "فيه" تخفيفا. هذا مذهب صاحب ~~الكتاب في نحوه، وهو قوله سبحانه: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} ~~6، PageV02P163 # أي لا تجزي فيه ثم حذف "فيه" معتبطا1 لحرف الجر والضمير لدلالة الفعل2 ~~عليهما. # وقال أبو الحسن: حذف "في" فبقي "تجزيه"؛ لأنه أوصل إليه الفعل، ثم حذف ~~الضمير من بعد، ففيه حذفان متتاليان شيئا على شيء، وهذا أرفق، والنفس به ~~أبسأ3 من أن يعتبط الحرفان معا في وقت واحد. # وقرأ أيضا: "وحينا تصبحون"، والطريق واحد. # ومن ذلك [124ظ] قراءة أبي العالية: "فيمتعوا فسوف يعلمون"4. # قال أبو الفتح: "يمتعوا" معطوف على قوله: "ليكفروا بما آتيناهم فيمتعوا"، ~~أي: فتطول أعمارهم على كفرهم فسوف يعلمون، تهددا على ذلك. # ومن ذلك قراءة علي عليه السلام: "من خلله"5، وكذا ابن عباس والضحاك ~~والحسن، بخلاف. # قال أبو الفتح: يجوز أن يكون "خلل" واحد خلال، كجبل وجبال، ودار وديار. ~~ويجوز أن يكون خلال واحدا عاقب خللا، كالغراء والغراء6، والصلى والصلاء7. ~~وسمي الرجل خليلا8، كأنه يسد خلل خليله9، فهذا إذا للسلب لا للإثبات، ~~كالسكاك للهواء بين الأرض والسماء، كأنه استلب معنى س ك ك، وهو الضيق، وقد ~~تقدم نحو هذا. PageV02P164 # ومن ذلك قراءة الجحدري وابن السميفع وأبي حيوة: "أثر رحمة الله"1، "كيف ~~تحيي". # قال أبو الفتح ذهب بالتأنيث إلى لفظ "الرحمة" ولا تقول على هذا: أما ترى ~~إلى غلام هند كيف تضرب زيدا؟ بالتاء وفرق بينهما أن الرحمة قد يقوم مقامها ~~أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض في ذلك إنما هو هي. تقول: رأيت عليك ~~النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها. ms352 # ألا ترى أنك لا تقول رأيت غلام هند وأنت تعني أنك رأيتها؟ وأثر النعمة ~~كأنه هو النعمة، وقوله: {كيف تحيي} جملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على ~~المعنى لا على اللفظ؛ وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، ~~والاستفهام والخبر معنيان متدافعان. وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر ~~إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها، كما أن قوله: # ما زلت أسعى معهم وأختبط ... حتى إذا جاء الظلام المختلط # جاءوا بضيح هل رأيت الذيب قط2؟ # فقوله: هل رأيت الذيب قط جملة استفهامية، إلا أنها في موضع وصف "الضيح" ~~حملا على معناها دون لفظها؛ لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاءوا بضيح ~~يشبه لونه لون الذئب. والضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى ~~الخضرة والطلسة3، وعليه قول الآخر: # إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف تلتقيان4؟ PageV02P165 # فقوله: كيف تلتقيان جملة في موضع نصب بدلا من "حاجة" وحاجة، فكأنه قال: ~~إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذر التقائهما, هذا أحسن من أن تقتطع قوله: ~~كيف تلتقيان مستأنفا، لأن هذا ضرب من هجنة الإعراب، لأنه إنما يشكو تعذر ~~التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. # ومن ذلك قراءة الحسن: "إلى يوم البعث فهذا يوم البعث"1، بفتح العين ~~فيهما. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث فتحة الحرف الحلقي إذا كان ساكن ~~الأصل تاليا للفتح، وذكر الفرق بين قولنا وقول البغداديين فيه، وأننى أرى ~~فيه رأيهم لا أرى أصحابنا. وذكرت ما سمعته من الشجري وغيره من قولهم فيه: ~~أنا محموم، وقوله: يغذو، وهو يريد: يغذو. فلا حاجة لإعادته هنا2، فكذلك ~~يجوز أن يكون أراد "البعث [125و] على قراءة الجماعة، ثم حرك بالفتح لأجل ~~حرف الحلق. # ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق ويعقوب: "ولا يستحقنك"3. # قال أبو الفتح: أي لا يغلبنك، فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه ~~القراءة. PageV02P166 ### | سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # الحلواني عن شباب عن أحمد بن موسى عن أبي عمرو وعيسى الثقفي: "حملته أمه ~~وهنا ms353 على وهن"1، بفتح الهاء فيهما. # قال أبو الفتح: الكلام هنا كالكلام فيما ذكرناه آنفا في قوله تعالى: "إلى ~~يوم البعث فهذا يوم البعث"2، وعلى أنه قد حكى أبو زيد: "فما وهنوا"3، ~~قراءة. فقد يمكن أن يكون "الوهن" مصدر هذا الفعل، كقولهم: وضر4 وضرا، ووحر5 ~~وحرا. # ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبي رجاء الجحدري وقتادة ويعقوب: "وفصله في ~~عامين"6. # قال أبو الفتح: الفصل أعم من الفصال؛ لأنه مستعمل في الرضاع وغيره، ~~والفصلا هنا أوقع؛ لأنه موضع7 يختص بالرضاع. فإما الفصال مصدر فاصلته فغير ~~هذا المعنى وإن كان الأصل واحدا. ومعنى ف ص ل قريب من معنى ف س ل؛ وذلك أن ~~الفسل الدني من الناس، والدني هو الساقط. وإذا سقط الإنسان انقطع عن معظم ~~ما عليه الناس، ولذلك قالوا: فيه هو ساقط. ومنقطع ومتأخر، فالمعنى إذا راجع ~~إلى الانفصال والانقطاع. PageV02P167 # ومن ذلك قراءة عبد الكريم الجزري1: "فتكن في صخرة2"، بكسر الكاف. # قال أبو الفتح هذا من قولهم3: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ~~ليلا، وهي أيضا عشه الذي يبيض فيه، ووكره. ومنه قوله: # وقد أغتدى والطير في وكناتها4 # وقد وكن يكن وكونا فهو واكن، وجمعه وكون، كقاعد وقعود. قال: # يذكرني سلمى وقد حال دونها ... حمام على بيضاتهن وكون5 # وكأنه من مقوب الكون؛ لأن الكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تكون في ~~منزله واستقر. # ومن ذلك قراءة يحيى بن عمارة: "وأصبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"6. # قال أبو الفتح: أصله السين، إلا أنها أبدلت للغين بعدها صادا، كما قالوا ~~في سالغ7: صالغ، وفي سالخ: صالح، وفي سقر: صقر، وفي السقر الصقر8. وذلك أن ~~حروف الاستعلاء تجتذب السين عن سفالها إلى تعاليهن، والصاد مستعلية، وهي ~~أخت السين في المخرج، وأخرى حروف الاستعلاء, وهذا التقريب بين الحروف مشروح ~~الحديث في باب الإدغام، ومنه قولهم في سطر: صطر، وفي سويق: صويق. ~~PageV02P168 # وحكى يونس عنهم1 في السوق: الصوق، وروينا عن الأصمعي، قال: تنازع رجلان ~~في السقر، فقال أحدهما: بالصاد، والآخر: بالسين، فتراضيا بأول من يجتاز ~~بهما، ms354 فإذا راكب يوضع، فسألاه، فقال: ليس كما قلت ولا كما قلت، إنما هو ~~الزقر. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وبحر يمده2"، وهي قراءة طلحة بن مصرف. # وقرأ جعفر بن محمد: "والبحر مداده" "125ظ". # وقرأ الأعرج الحسن: "والبحر يمده"، برفع الياء. # قال أبو الفتح: في إعراب هذه الآية نظر؛ وذلك أن هناك حذفا، فتقديره: ~~فكتب بذلك كلمات الله ما نفدت، فحذف ذلك للدلالة عليه، كما أن قوله {فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية 3} ، أي: فحلق فعليه فدية، فاكتفي ~~بالمسبب، وهو الفدية من السبب، وهو الحلق، ونظائره كثيرة في القرآن وفصيح ~~الكلام. # وأما رفع "بحر" فالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر. ولا يجوز أن يكون "وبحر" معطوفا على "أقلام"؛ لأن البحر وما فيه من ~~الماء ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، كما قرأ جعفر ~~بن محمد: "والبحر مداده". # فأما رفع "البحر" فإن شئت كان معطوفا على موضع "أن4" واسمها وإن كانت ~~مفتوحة، كما عطف على موضعها في قوله سبحانه: {أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله} 5، وقد ذكرنا ما في ذلك وكيف يسقط اعتراض من تعقب فيه فيما مضى. ~~ويدل على صحة العطف هنا، وأن الواو ليست بواو حال قراءة أبي عمرو وغيره: ~~"والبحر يمده # "، بالنصب، فهذا عطف على "ما" لا محالة. ويشهد بجواز كون الواو حالا هنا ~~قراءة طلحة بن مصرف: "وبحر يمده"، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر، ~~فهذه واو حال لا محالة. PageV02P169 # وأما "والبحر يمده"، بضم الياء فتشبيه بإمداد الجيش1، يقال: مد النهر، ~~ومده نهر آخر، وأمددت الجيش بمدد. قال الله تعالى: {ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين 2} ، # قال العجاج: # ما قري مدة قري3 # فأما قول الآخر: # نظرت إليها والنجوم كأنها ... قناديل مرس أوقدت بمداد4 # فليس من المداد الذي يكتب به، وإنما أراد هنا ما يمدها من الدهن، كذا ~~فسروه، وليس بقوي أن تكون قراءة جعفر بن محمد: "والبحر مداده"، أي: زائدة ~~فيه؛ لأن ماء البحر ms355 لا يعتد زائدا في الشجر والأقلام؛ لأن ليس من جنسه، ~~فالمداد هناك إنما هو هذا المكتوب به بإذن الله. # ومن ذلك قراءة موسى بن الزبير: "الفلك5"، بضم اللام. # قال أبو الفتح: حكى أبو الحسن عن عيسى بن عمران، قال: ما سمع، أو ما ~~سمعنا: فعل إلا وقد سمعنا فيه: فعل؛ فقد يكون هذا منه أيضا، وقد ذكرناه ~~قبل6. # ومن ذلك: "بنعمات الله5"، ساكنة العين، قرأها جماعة منهم الأعرج. ~~PageV02P170 # قال أبو الفتح: ما كان على فعلة ففي جمعه بالتاء ثلاث لغات: فعلات، ~~وفعلات، وفعلات: كسدرة وسدرات، وسدرات، وسدرات. وكذلك فعلة فيها الثلاث ~~أيضا: الإتباع. والعدول عن ضمة العين إلى فتحها. والسكون هربا من اجتماع ~~الضمتين: كغرفة وغرفات وغرفات، وغرفات. # قال أبو علي: ما يدل على أن الألف والتاء في هذا النحو في تقدير الاتصال، ~~وأنهما ليستا كناء التأنيث في نحو: سدرة، وبسرة - اطراد الكسر في نحو: ~~سدرات، وكسرات، وعذرات1، مع عزة فعل في الواحد، يريد إبلا، وما لحق به مما ~~لم يذكره صاحب الكتاب. ذكر ذلك عند تفسيره قول سيبويه: [126و] إنك لو سميت ~~رجلا بذيت لقلت فيه: ذيات، بتخفيف الياء فيمن رواه هكذا. وذكر هناك أيضا ~~صحة الواو في نحو: خطوات، ورشوات مع ضمة ما قبلها، قال: ولو كانت الألف ~~والتاء في تقدير الانفصال لما صحت الواو في نحو: خطوات، كما لا يصح في فعلة ~~من غزوت إذا بنيتها على التذكير فقلت: غزية؟ # وأنا من بعد أرى أن تسكين عين فعلات، كنعمات وسدرات -أمثل من تسكين عين ~~فعلات، كغرفات؛ وذلك أن صدر سدرات قليل النظير، إنما هو إبل، وإطل2، وأمرأة ~~بلز للضخمة، ومالا بال به. وصدر فعلات كثيرن كبرد، ودرج، وقرط. # ومن قال: كسرات، فأثبت كسرة السين لم يقل كذلك في رشوات؛ لأنه إن كسر ~~الشين انقلبت الواو ياء. وكذلك مديات لا تضم ثانيها؛ لئلا تنقلب الياء ~~واوا، فيقال: مدوات كما كان يجب في رشوات رشيات، لكنهم جنحوا فيهما إلى ~~الإسكان الذي كان مستعملا في الصحيح العين، نحو: ظلمات، وكسرات. ms356 فأما الفتح ~~فجائز حسن نحو: رشوات، ومديات؛ لأن حرفي العلة تصحان هنا بعد الفتحةن نحو: ~~قنوات، وحصيات. # وأنا أرى أن إسكان عين فعلات مما جاء في الشعر من الأسماء نحو قول ذو ~~الرمة: # أبت ذكر عدون أحشاء قلبه ... خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل3 # ليس العذر فيه كالعذر في قولهم: ظبية وظبيات، وغلوة4 وغلوات؛ وذلك أنه ~~PageV02P171 ### | سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الزهري: "وبدا خلق الإنسان"1، بغير همز. # قال أبو الفتح: ترك الهمز في هذا عندنا على البدل، لا على التخفيف ~~القياسي، ومثله بيت الكتاب: # راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع2 # ولو كان تخفيفا قياسيا لجعل الهمزة3 بين بين، فقال: "بدا"، ولو أسندت ~~الفعل4 إلى نفسك على التخفيف القياسي قلت: "126ظ" بدات، بألف لا همز في ~~لفظها، وعلى البدل: بديت، كما حكي عنهم: قريت، وأخطيت. وقد مضى ذلك5. # ومن ذلك قراءة علي وابن عباس رضي الله عنهما وأبان بن سعيد بن العاص6 ~~والحسن بخلاف: "صللنا7"، بالصاد، مكسورة اللام. PageV02P173 # وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام الحسن، بخلاف. # قال أبو الفتح: صل اللحم يصل: إذا أنتن. وصل أيضا يصل -بفتح الصاد- ~~والكسر في المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دفنا في الأرض، وصلت ~~أجسامنا، يقال: صل اللحم وأصل صلولا وصلالا، قال: # هو الفتى كل الفتى فاعلمي ... لا يفسد اللحم لديه الصلول1 # وقال زهير: # تلجلج مضغة فيها أبيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء2 # ومن ذلك قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة وأبي الدرداء وابن ~~مسعود وعون العقيلي3 "قرات أعين"4. # قال أبو الفتح: القرة المصدر، وكان قياسه ألا يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، ~~والأجناس أبعد شيء عن الجمعية لاستحالة المعنى في ذلك، لكن جعلت القرة هنا ~~نوعا. فجاز جمعها كما تقول: نحن في أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان ~~وأمراض. وحسن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة "القرات" إلى لفظ الجماعة، أعني ~~"الأعين". فقولنا إذا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، ~~غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغي أن يحتقر في ms357 هذه اللغة الشريفة تجانس ~~الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه في أكثر الوقت. PageV02P174 # ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "يمشون في مساكنهم"1، وقرأ أيضا: "إنهم ~~منتظرون"2. # قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل ~~على ذلك بقوله {فارتقب إنهم مرتقبون} 3. # و"يمشون" للكثرة، قال: # يمشى بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصراصرة القطاط4 PageV02P175 ### | سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # "إن بيوتنا عورة وما هي بعورة"1 بكسر الواو -ابن عباس وابن يعمر وأبو ~~رجاء، بخلاف، وعبد السلام أبو طالوت2 عن أبيه وقتادة. # قال أبو الفتح: صحة الواو في هذا شاذة من طريق الاستعمال، وذلك أنها ~~متحركة بعد فتحة، فكان قياسها أن تقلب ألفا، فيقال: عارة، كما قولوا: رجل ~~مال3. وامرأة مالة، وكبش صاف4 ونعجة صافة، ويوم راح5، وطان6، ورجل نال، من ~~النوال، وله نظائر. وكل ذلك عندنا فعل، كرجل فرق وحذر. ومثل "عورة" في صحة ~~واوها قولهم: رجل عوز لوز، أي: لا شيء له، وقول الأعشى: # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول7 # فكأن "عورة" أسهل من ذلك شيئا؛ لأنها كأنها جارية على قولهم: عور الرجل، ~~فهو بلفظه، والمعنيان ملتقيان؛ لأن المنزل إذا أعور8 فهناك إخلال واختلال. ~~PageV02P176 # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "بدى في الأعراب"1، شديدة الدال، منونة. # قال أبو الفتح: هذا أيضا جمع باد، فنظيره قول الله سبحانه: {كانوا غزى} ~~2، جمع غاز على فعل. ولو كان على فعال لكان بداء وغزاء، ككاتب وكتاب، وضارب ~~وضراب [127و] أنشد الأصمعي: # وأنا في الضراب قيلان القلة3 # ومن ذلك قراءة الحسن: "ثم سولوا الفتنة"4، مرفوعة السين، ولا يجعل فيها ~~ياء، ولا يمدها. # قال أبو الفتح: اعلم أن في سألت5 لغتين: # إحداهما: سأل يسأل مهموزا، كدأل6 يدأل، وجار يجأر. # والأخرى وهي سال يسال، كخاف يخاف. والعين من هذه اللغة واو؛ لما حكاه أبو ~~زيد من قوله: هما يتساولان، كقولك: يتقاومان، ويتقاولان. # والذي ينبغي أن تحمل عليه هذه القراءة هو أن تكون على لغة من قال: سال ~~يسال، كخاف يخاف، ومال يمال: إذا ms358 كثر ماله. وأقيس اللغات في هذا أن يقال ~~عند إسناد الفعل إلى المفعول: سيلوا كعيدوا، ومثل قيل، وبيع وسير به. ولغة ~~أخرى هنا وهي إشمام كسرة الفاء ضمة: سيلوا، كقيل وبيع. واللغة الثالثة ~~سولوا، كقولهم: قول، وبوع، وقد PageV02P177 # سور به. وهو على إخلاص ضمة فعل، إلا أنه أقل اللغات. وروينا عن محمد بن ~~الحسن قول الشاعر: # وابتذلت غضبى وأم الرحال ... وقول: لا أهل له ولا مال1 # أي: وقيل: وروينا أيضا: # نوط إلى صلب شديد الخل2 # أي: نيط، كقولك: وصل به، فهذا أحد الوجهين، وهو كالساذج. # والآخر وفيه الصنعة، وهو أن يكون أراد: سئلوا، فخفف الهمزة، فجعلها بين ~~بين أي: شابهت الياء الساكنة وقبلها ضمة، فأنحى بها نحو قول وبوع. # فإما أخلصها في اللفظ واو لانضمام ما قبلها على رأي أبي الحسن في تخفيف ~~الهمزة المكسورة إذا انضم ما قبلها، نحو قولهم: مررت باكموك3، وعلى قوله: ~~"يستهزيون"4 بإخلاص الهمز إذا خففها ياء لانكسار ما قبلها. # وأما بقاها على روائح الهمزة الذي5 فيها فجعلها بين بين، فخفيت الكسرة ~~فيها، فشابهت -لانضمام ما قبلها- الواو. # ويدل على أن الهمزة المكسورة إذا خففت قاربت -لضعف حركتها- الياء الساكنة ~~قول ابن ميادة: # فكان يوميذ لها أمرها6 # أراد: يومئذ، ثم خفف الهمزة، فقاربت الياء، فصارت كأنها "يوميذ" بياء ~~مخلصة، فأسكنها استثقالا فيها فصارت "يوميذ". PageV02P178 # وعليه قولهم: أيش تقول: أراد أي شيء تقول؟ ثم خفف الهمزة وهي مكسورة، ~~فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها في ياء القاضي والغازي، ~~فصار أيش، كقولك: قاض، وغاز. # ويؤكد هذا القول الثاني قول ابن مجاهد: ولا يمدها، أي: ينسى الهمز الذي ~~كان فيها الذي لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد في الحرف الصوت للحركة التي كان ~~يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: ~~"آانت قلت للناس"1؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعني ~~إذا خففت همزة "أنت" ولم تفصل بينها وبين [127ظ] همزة الاستفهام قبلها بألف ~~الوصل، كالتي في قوله: "آانت قلت للناس" في قول ms359 أبي عمرو ومن ذهب مذهبه، ~~لأن ذلك صوت واف ومطمئن متماد، وإنما مرادنا قدر تمام الصوت لتخفيف2 ~~الثانية، على أن لا فاصل بينها وبين الأولى. لأنه حينئذ يوافق3 قوله ولا ~~يمدها، أي: لا يمدها كما يمدها إذا اعتد حركة الثانية. # ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد الأسواري، ورويت عن يعقوب: "يا نساء النبي من ~~تأت منكن"4 بالتاء. # قال أبو الفتح: هذا حمل على المعنى، كأن "من" هنا امرأة في المعنى، فكأنه ~~قال: أية امرأة أتت منكن بفاحشة، أو تأت بفاحشة5. وهو كثير في الكلام، ~~معناه للبيان كقول الله سبحانه: {ومنهم من يستمعون إليك} 6، وقول الفرزدق: # تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذيب يصطحبان7 PageV02P179 # أي: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى ~~من أن يكون على الصفة، فكأن الموضع في هذا الحمل على المعنى إنما بابه ~~الصلة، ثم شبهت بها الصفة، ثم شبهت الحال بالصفة، ثم شبه الخبر بالحال، كذا ~~ينبغي أن يرتب هذا الباب من تنزيل، ولا ينبغي أن يؤخذ بابا سردا وطرحا ~~واحدا؛ وذلك أن الصلة أذهب في باب التخصيص من الصفة لإبهام1 الموصول، فلما ~~قويت الحاجة إلى البيان في الصلة جاء ضميرها من الصلة على معناها، لأنه أشد ~~إفصاحا بالغرض، وأذهب في البيان المعتمد. # فأما ما أنشدناه أبو علي عن الكسائي من قول الشاعر: # أخو الذيب يعوي والغراب ومن يكن ... شريكيه تطمع نفسه كل مطمع2 # ففيه نظر. وكان قياسه: ومن يكن شريكيهما، أو من يكونا شريكيه، وقد كان ~~أبو علي يتعسف هذا، وأقرب ما فيه أن يكون تقديره: وأي إنسان يكونا3 شريكيه، ~~إلا أنه أعاد إليهما معا ضميرا واحدا، وهو الضمير في "يكن" وساغ ذلك إذ ~~كانت4 الذيب والغراب في أكثر الأحوال مصطحبين، فجريا مجرى الشيء الواحد، ~~فعاد الضمير كذلك. ومثله قوله: # لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل5 # ولم يقل: تنهلان؛ لكونهما كالعضو الواحد. ومثله للفرزدق: PageV02P180 # ولو رضيت يداي بها وضنت ... لكان علي للقدر الخيار1 # ولم يقل رضيتا2. # ومن ذلك ms360 قراءة الأعرج وأبان بن عثمان "فيطمع الذي"3 بكسر العين. # قال أبو الفتح: هو معطوف على قول الله تعالى: {فلا تخضعن بالقول} ، أي: ~~فلا يطمع الذي في قلبه مرض، فكلاهما منهي عنه، إلا أن النصب أقوى معنى، ~~وأشد إصابة للعذر؛ وذلك أنه إذا نصب كان معناه أن طمعه إنما هو مسبب عن ~~خضوعهن بالقول. فالأصل في ذلك منهي عنه، والمنهي مسبب عن فعلهن، وإذا عطفه ~~كان نهيا لهن وله، وليس فيه دليل على أن الطمع راجع في الأصل إليهن، وواقع ~~من أجلهن. وعليه بيت امرئ القيس: # فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيذرك من أخرى القطاة فتزلق4 [128و] # فهذا نهي بعد نهي، كالقراءة الشاذة. # ومن ذلك ما رواه عبد الوهاب5 عن أبي عمرو: "ولكن رسول الله"6، نصب. # قال أبو الفتح: "رسول الله" منصوب على اسم "لكن"، والخبر محذوف، أي: ولكن ~~رسول الله محمد. وعليه قول الفرزدق: PageV02P181 # فلو كنت ضبيا عرفت فرابتي ... ولكن زنجيا غليظ المشافر1 # أي: ولكن زنجيا غليظ المشافر لا يعرف قرابتي، فحذف الخبر لدلالة ما قبله ~~عليه، وهو قوله: عرفت قرابتي، كما أن قوله: {ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم} يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس، ونحو من ذلك قول طرفة: # وتبسم عن ألمى كان منورا ... تخلل حر الرمل دعص له ندي2 # قال أبو الحسن علي بن سليمان: لم يأت لكأن بخبر، علما بمعرفة موضعه، أي: ~~كأن ذلك المنور ثغرها، فحذفه للعلم به، ولطول الكلام. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن والثقفي وسلام: " أن وهبت نفسها ~~للنبي"3، بفتح الألف. # قال أبو الفتح: تقديره لأن وهبت نفسها، أي أنها تحل له من أجل أن وهبت ~~نفسها له، إلا أن حل ذلك لذلك عند هبتها نفسها له وإن هي وهبت نفسها له4. ~~وليس يعني بذلك امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنها إن ~~وهبت امرأة نفسها للنبي "صلى الله عليه وسلم" حلت له من أجل هبتها إياها له ~~عليه السلام، فالحل إذا إنما هو مسبب ms361 عن الهبة متى كانت، فلهذا لم يعتزم به ~~واحدة معينة قد كانت وهبت نفسها له، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به ~~الشرط. # ومن ذلك قراءة أبي إياس جوية بن عائذ: "بما آتيتهن كلهن5"، بنصب اللام. ~~PageV02P182 # قال أبو الفتح: نصبه على أنه توكيد ل"هن" من قوله1: "آتيتهن"، وهو راجع ~~إلى معنى قراءة العامة: {كلهن} ، بضم اللام؛ وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين ~~كلهن على انفرادهن واجتماعهن، فالمعنيان إذا واحد، إلا أن الرفع أقوى معنى ~~وذلك أن فيه إصراحا من اللفظ با، يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة ~~-أعني النصب- إنما هو بإيتائهن كلهن، وإن كان محصول الحال فيهما مع التأويل ~~واحدا. # ومن ذلك قراءة الحسن: "يا أيها الذين آمنوا فصلوا عليه2". # قال أبو الفتح: دخول الفاء إنما هو لما ضمنه الحديث من معنى الشرط، وذلك ~~أنه إنما وجبت عليه الصلاة منا لأن الله "سبحانه" قد صلى عليه، فجرى ذلك ~~مجرى قولهم: قد أعطيتك فخذ، أي3: إنما وجب عليك الأخذ من أجل العطية: وإذا ~~قال قد أعطيتك خذ، فالوقوف على أعطيتك، ثم استأنف الأمر له بالأخذ فهو ~~أعلى4 معنى، وأقوم قيلا. # وذلك أنه إذا علل الأخذ، فجعله واجبا عن العطية فجائز أن يعارضه المأمور ~~بالأخذ بأن يقول: قد ثبت أن الأخذ لا يجب بعطيتك، فإن كان أخذي لغير ذلك ~~فعلت. وهو إذ ارتجل قوله: خذ لم يسرع المعارضة له في أمره إياه؛ لاستبهام ~~معنى [128ظ] موجب الأخذ، كما قد تقع المعارضة إذا ذكر العلة في ذلك. فإن ~~قلت فقد يجوز أن يعارض أمره بالأخذ مرسلا، كما قد يعارضه معللا. ألا تراه ~~قد يقول له: اذكر لي علة الأخذ لأرى فيه رأيي فيتوقف عن الأخذ إلى أن يعرف ~~علة الأمر له بذلك؟ قيل على كل حال الأمر المحتوم به على حالاته أثبت في ~~النفس من المعلل بما يجوز أن يعارض. وإذا راجعت نظرك وأعملت فكرتك وجدت ~~الحال فيه على ما ذكرت لك، فلذلك كان قوله تعالى: {صلوا عليه} أقوى معنى. ~~PageV02P183 # ومن ذلك قراءة عيسى ms362 بن عمر الكوفي: "يوم تقلب وجوههم"1، نصب. # قال أبو الفتح: الفاعل في "تقلب" ضمير السعير المقدم الذكر في قوله ~~تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا} ، ثم قال: ~~"يوم تقلب"، أي: تقلب السعير وجوههم في النار، فنسب الفعل إلى النار، وإن ~~كان المقلب هو الله سبحانه، بدلالة قراءة أبي حيوة: "يوم تقلب وجوههم"، ~~لأنه إذا كان التقليب فيها جاز أن ينسب الفعل إليها للملابسة التي بينهما، ~~كما قال الله: {بل مكر الليل والنهار} 2، فنسب المكر إليهما لوقوعه فيهما، ~~وعليه قول رؤبة: # فنام ليلي وتجلى همي3 # أي: نمت في ليلي: وعليه نفى جرير الفعل الواقع فيه عنه فقال: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم4 # فهذا نفي لمن قال: نام ليل المطي، وتطرقوا من هذا الاتساع إلى ما هو أعلى ~~منه، فعليه بيت الكتاب: # أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج5 # فجعل النهار نفسه في القيد والسلسلة، والليل نفسه في جوف المنحوت. وإنما ~~يريد أن هذا المذكور في نهاره في القيد والسلسلة، وفي ليله في بطن المنحوت. ~~وقد جاء هذا في الأماكن أيضا، وعليه قول رؤبة: # ناج وقد زوزى بنا زيزاؤه6 PageV02P184 # فالزيزاء على فعلاء، وهي هذه الغليظة المنقادة من الأرض، فكأن هذه الأرض ~~سارت بهم الفجاج؛ لأنهم ساروا عليها. وقد يمكن أن يكون "زيزاؤه" مصدر من ~~زوزيت، فيكون الفعل منسوبا إلى المصدر، كقولهم: سار بنا السير، وقام بهم ~~القيام. فهو على قولك: سير سائر، وقيام قائم. ومنه: شعر شاعر، وموت مائت، ~~وويل وائل. والزيزاء على هذا فعلال، كالزلزال، والقلقال. # وأما قول رؤبة: # هيهات من منخرق هيهاؤه1 # فهو فعلال من لفظ. هيهات، كالزلزال، والقلقال، وليس مصدرا صريحا. وهيهات ~~من مضاعف الياء، ومن باب الصيصية2 وقد تقدم القول عليه3. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وكان عبدا لله وجيها"4. # قال أبو الفتح: قراءة الكافة أقوى معنى من هذه القراءة، وذلك أن هذه إنما ~~يفهم منها أنه عبد لله ولا تفهم منها ms363 وجاهته عند من هي؟ أعند الله، أم عند ~~الناس؟ وأما قراءة الجماعة فإنها تفيد كون وجاهته عند الله، وهذا أشرف ~~[129و] من القول الأول؛ لإسناد وجاهته إلى الله تعالى، وحسبه هذا شرفا. ~~PageV02P185 ### | سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # هارون عن طليق المعلم قال: سمعت أشياخنا يقرءون: "ليأتينكم"1، بالياء. # قال أبو الفتح: جاز التذكير هنا بعد قوله تعالى: {لا تأتينا الساعة} ، ~~لأن المخوف منها إنما هو عقابها، والمأمول ثوابها؛ فغلب معنى التذكير الذي ~~هو مرجو أو مخوف؛ فذكر على ذلك وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من التأول ~~كان تذكير المؤنث -لغلبة التذكير- أحرى2 وأجدر. ألا ترى إلى قول الله ~~سبحانه: {يلتقطه بعض السيارة} 3؛ لأن بعضها سيارة أيضا؟ وعليه قولهم: ذهبت ~~بعض أصابعه؛ لأن بعضها إصبع في المعنى. # وحكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب4، ~~جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس ~~بصحيفة. وهذا من أعرابي جاف هو الذي نبه أصحابنا على انتزاع العلل. وكذلك ~~ما يجري مجراه فاعرفه، وكذلك الآية المقدم ذكرها. # ومن ذلك ما رواه عمرو بن ثابت5 عن سعيد بن جبير: "تأكل من سأته"6، قال من ~~عصاه. PageV02P186 # قال أبو الفتح: المشهور المجمع1 عليه في ذلك: "منسأته": بالهمز، وبالبدل ~~من الهمز، وهي العصا: مفعلة من نسأت الناقة والبعير: إذا زجرته. قال ~~الفراء: هي العصا العظيمة تكون مع الراعي، وأنشد أبو الحسن: # إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل2 # وقال الفراء: هي من سئة القوس، وهي مهموزة. وقال غيره: أسأيت القوس، ~~فالمحذوف من "سئة" هو اللام، وأن يكون ياء أجدر؛ لغلبة الياء على اللام، ~~وكان رؤبة يهمز سئة القوس. قال الفراء: ولم تقرأ "من سأته"، ولم تثبت عند ~~قراءة سعيد بن جبير. قال: ويجوز فيها سئة وسأة، وشبهها بالقحة والقحة، ~~والضعة3 والضعة. # وبعد فالتفسير إنما هو على العصا لا سئة4 القوس، وهي من ن سء، فإن كانت ~~"السأة" من نسأت فيه علة، والفاء محذوفة. وهذا الحذف إنما ms364 هو من هذا الضرب ~~في المصادر، نحو: العدة، والزنة، والضعة، والقحة. وذلك مما فاؤه واو لا ~~نون، ولم يمرر بنا ما حذفت نونه وهي فاء. وسئة القوس: فعة، واللام محذوفة ~~كما ترى. # قال أبو حاتم: إن ابن إسحاق سأل أبا عمرو: لم تركت همز "منسأته"؟ فقال: ~~وجدت لها في كتاب الله أمثالا: {هم خير البرية} 5، و {لترون الجحيم} 6. ~~وقال هارون كان أبو عمرو يهمز، ثم تركها. # قول أبي عمرو: "خير البرية"، و"لترون"، يريد أن "البرية" من برأ الله ~~الخلق، فترك همزها تخفيفا. وكذلك "لترون"، يريد تخفيف همز "ترى"؛ لأن أصلها ~~ترأى، فاجتمع على تخفيف الهمزتين في الموضعين. ولا يريد أن واو "لترون" غير ~~مهموزة؛ وذلك لأن همز هذه الواو لضمتها شاذ من حيث كانت الحركة لالتقاء ~~الساكنين، وليست بلازمة. PageV02P187 # وقال أبو حاتم في حرف عبد الله: "إلا دابة الأرض أكلت منسأته # "، وفي حرف أبي"منسيته"- قال وهي تدل على الهمز؛ لأن الهمزة قد تحذف من ~~الخط. [129ظ] فقول ابن مسعود: "أكلت" هو تفسير الدلالة، أي ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض ثم فسر وجه الدلالة، فقال: "أكلت منسأته"، أي: فخر، ~~فتبينت الجن. # ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبي عبد الله وعلي بن حسين: "تبينت ~~الإنس"1. # قال أبو الفتح: أي: تبينت الإنس أن الجن لو علموا بذلك ما لبثوا في ~~العذاب. يدل على صحة هذا التأويل ما رواه معبد عن قتادة، قال: في مصحف عبد ~~الله "تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا". # ومن ذلك قراءة ابن جندب: "وهل يجزى إلا الكفور"2. # قال أبو الفتح: حدثنا أبو بكر محمد بن علي المراغي، ورويناه أيضا عن ~~شيخنا أبي علي، قال: كان أبو إسحاق يقول: جزيت الرجل في الخير، وجازيته في ~~الشر. واستدل على ذلك بقراءة العامة: {وهل يجازى 3 إلا الكفور} ، وقرأت على ~~أبي علي عن أبي زيد: # لعمري لقد بر الضباب بنوه ... وبعض البنين حمة وسعال # جزوني بما ربيتهم وحملتهم ... كذلك ما إن الخطوب دوال4 # وينبغي أن يكون ms365 أبو إسحاق يريد أنك إذا أرسلتهما ولم تعدهما إلى المفعول ~~الثاني كانا كذلك، فإذا ذكرته اشتركا. ألا ترى إلى قوله: PageV02P188 # جزاني الزهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء أجزى بالكرامه1 # فأما قراءة ابن جندب: " وهل يجزى إلا الكفور" فوجهه أنه إذا كان عن ~~الحسنة عشرا فذلك تفضل، وليس جزاء، وإنما الجزاء في تعادل العمل والثواب ~~عنه. ولله در جرير وعذوبته قال: # يا أم عمرو جزاك الله صالحة ... ردي علي فؤادي كالذي كانا2 # وقال أبو حاتم "وهل يجازي إلا الكفور"، بالنصب قراءة قتادة وابن وثاب ~~والنخعي، في جماعة ذكرهم. # ومن ذلك قراءة ابن عباس ومحمد بن علي ابن الحنفية وابن يعمر بخلاف ~~والكلبي وعمرو ابن فائد: "ربنا" -رفع- "بعد بين أسفارنا"3، رفع الباء على ~~الخبر، وفتح الباء من "بعد" والعين، ونصب النون من "بين". # وقرأ: "ربنا بعد"، بفتح الباء والدال، وضم العين "بين أسفارنا"- ابن يعمر ~~وسعيد ابن أبي الحسن ومحمد بن السميفع وسفيان بن حسين4 -بخلاف- والكلبي، ~~بخلاف. # وقرأ: "ربنا باعد بين أسفارنا" - ابن عباس وابن يعمر ومحمد بن علي وأبو ~~رجاء والحسن -بخلاف- وأبو صالح وسلام ويعقوب وابن أبي ليلى والكلبي. # قال أبو الفتح: أما "بعد" و"باعد بين أسفارنا" فإن "بين" فيه منصوب نصب ~~المفعول به، كقولك: بعد وباعد مسافة أسفارنا، وليس نصبه على الظرف. يدلك ~~على ذلك قراءة من قرأ: "بعد بين أسفارنا"، كقولك: بعد مدى أسفارنا، فرفعه ~~دليل كونه اسما، وعليه قوله: PageV02P189 # كأن رماحهم أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور1 # أي: بعيد مدى جاليها، أو مسافة جاليها. ويؤكد كون "بين" هنا اسما لا ظرفا ~~أن بعد وباعد فعلان متعديان، فمفعولهما معهما، وليس "بين" ههنا مثلها في ~~قولك: جلست بين القوم؛ لأن معناه جلست في ذلك [130و] الموضع وليس يريد هنا ~~بعد أو باعد فيما بين أسفارنا شيئا. # قال أبو حاتم: وزعموا أن العمارة اتصلت ببلادهم، فأرادوا أن يسيروا على ~~رواحلهم2 في الفيافي، فدعوا على أنفسهم، فهو قوله سبحانه: {وظلموا أنفسهم} ~~3. # وكان شيخنا أبو علي يذهب إلى أن أصل "بين" أنها مصدر بان يبين ms366 وبينا، ثم ~~استعملت ظرفا اتساعا وتجوزا، كمقدم الحاج، وخلافة فلان. قال. ثم استعملت ~~واصلة بين الشيئين، وإن كانت في الأصل فاصلة. وذلك لأن جهتيها وصلتا ما ~~يجاورهما بها، فصارت واصلة بين الشيئين. هذا معنى قوله، وجماع مراده فيه. ~~وعليه قراءة من قرأ: "لقد تقطع بينكم"5، بالرفع. أي: وصلكم. وأجاز أبو ~~الحسن في قوله تعالى4: "لقد تقطع بينكم"، بالفتح أن يكون في موضع رفع، إلا ~~أن فتحة الظرف لزمته، والمراد الرفع. ويمكن عندي أن يكون قوله: # وإني وقفت اليوم والأمس قبله ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب6 # المراد فيه "وأمس"، إلا أنه أدخل اللام عليه، فعرفه بها، وتركه على ما ~~كان عليه من كسره المعتاد فيه7، وإن كان قد أعربه في المعنى بإبراز لام ~~التعريف إلى لفظه الذي كان إنما يبنى لتضمنها. وإن حملته على زيادة لام ~~التعريف مثلها في الآن فمذهب آخر. ونظر بعض المولدين إلى حديث "بين" فقال: # انتصر البين من البين ... واشتفت العين من العين PageV02P190 # فالبين الأول الوصل، والثاني القطيعة والهجر، والعين الأولى هذا الناظر، ~~والثانية الرقيب أي: رأت فيه ما أحبت. # من ذلك قراءة الزهري: "ولقد صدق" -مخففة- "عليهم إبليس" -نصب- "ظنه"- رفع ~~"إلا ليعلم من يؤمن"1. # وقال أبو حاتم: روى عبيد2 بن عقيل عن أبي الورقاء، قال: سمعت أبي الهجهاج ~~وكان فصيحا -يقرأ: "إبليس" -بالنصب- "ظنه"، رفع. # قال أبو الفتح: معنى هذه القراءة أن إبليس كان سول له ظنه شيئا فيهم، ~~فصدقه ظنه فيما كان عقد عليهم معهم من ذلك الشيء. # وأما قراءة العامة: {ولقد صدق عليهم إبليس} -رفع- {ظنه} -نصب- فإنه كان ~~قدر فيهم شيئا فبلغه منهم، فصدق ما كان أودعه طنه في معناه. فالمعنيان من ~~بعد متراجعان إلى موضع واحد؛ لأنه قدر تقديرا فوقع ما كان من تقديره فيهم. ~~و"على" متعلقة ب"صدق"، كقولك: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تكون متعلقة ~~بالظن، لاستحالة جواز تقدم شيء من الصلة على الموصول. # وذهب الفراء إلى أنه على معنى في ظنه، وهذا تمحل للإعراب، وتحرف عن ~~المعنى. ألا ترى أن من رفع "ظنه" فإنما ms367 جعله فاعلا؟ فكذلك إذا نصبه جعله ~~مفعولا على ما مضى. كذلك أيضا من شدد، فقال: "صدق"، فنصب "الظن" على أنه ~~مفعول به. # ومن ذلك قراءة الحسن: "فزع"4، بالزاي خفيفة، وبالعين. # وقرأ: "فرغ"، بفتح الفاء والراء، وبالغين الحسن -بخلاف- وقتادة وأبو ~~المتوكل. PageV02P191 # وقرأ: "فرغ"، بالراء خفيفة، وبالغين، والفاء مضمومة الحسن وقتادة، بخلاف ~~عنهما. # وقد روي عن الحسن: "فرغ"، بضم الفاء، والراء مشددة، وبالغين. # وقال أبو عمرو الدوري: بلغني عن عيسى بن عمر أنه كان يقرأ: "حتى إذا ~~افرنقع عن قلوبهم". # قال أبو الفتح: المعنى في جميع ذلك [130ظ] حتى إذا كشف عن قلوبهم. # فأما "فزع"، بالفاء، والزاي خفيفة فمرفوعه حرف الجر وما جره، كقولنا: سير ~~عن البلد، وانصرف عن كذا إلى كذا، وقد شرحنا نحوا من ذلك في القصص2. # وكذلك "فرغ"، بالفاء، والراء خفيفة، وبالغين. # فأما "فزع"3 و"فرغ" ففاعلاهما مضمران: إن شئت كان اسم الله تعالى، أي: ~~كشف الله عن قلوبهم. وإن شئت كان ما هناك من الحال، أي: فرغ أو فزع حاضر ~~الحال عن قلوبهم، وإضمار الفاعل لدلالة الحال عليه كثير واسع، منه ما حكاه ~~سيبويه من قولهم: إذا كان غدا فأتني4، وكذلك قول الشاعر: # فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا5 # أي: إن كان لا يرضيك ما جرى، أو ما الحال عليه. PageV02P192 # قال أبو حاتم: قال يعقوب: روى أيوب السختياني عن الحسن: "فرغ"، ضم الفاء، ~~وكسر الراء وخففها، وأعجم الغين، فقيل للحسن: إنهم يقولون: "فرغ"، مثقلة. ~~فقال الحسن: لا، إنها عربية. قال: ولا أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه ~~إلا لصعوبة المعنى عليه. واختلفت ألفاظه، وقال فيها أقوالا1 مختلفة، يعني ~~أبو حاتم اجتماع معنى ف ز ع مع معنى ف ر غ في أن الفزع: قلق ومفارقة للموضع ~~المقلوق عليه، والفراغ: إخلاء الموضع، فهما من حيث ترى ملتقيان. # وكذلك معنى "افرنقع"، يقال: افرنقع2 القوم عن الشيء، أي: تفرقوا عنه. # ومما يحكى في ذلك أن أبا علقمة النحوي ثار به المرار3، فاجتمع الناس ~~عليه، فلما أفاق ms368 قال: ما لكم قد تكأكأتم على كتكأكئكم4 على ذي جنة5؟ ~~افرنقعوا عني. قال: فقال بعض الحاضرين: إن شيطانه يتكلم بالهندية. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جيبر: "بل مكر الليل والنهار"6، وهي قراءة أبي ~~رزين7 أيضا. # وقرأ: "بل مكر الليل والنهار # " قتادة. # قال أبو حاتم: وقرأ راشد الذي كان نظر في مصاحف الحجاج: "بل مكر"، ~~بالنصب. # قال أبو الفتح: أما "المكر" والكرور، أي: اختلاف الأوقات، فمن رفعه فعلى ~~وجهين: # أحدهما: بفعل مضمر دل عليه قوله: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم} ~~8، فقالوا في الجواب: بل صدنا مكر الليل والنهار، أي: كرورهما. PageV02P193 # والآخر: أن يكون مرفوعا بالابتداء، أي: مكر الليل والنهار صدنا. # فإن قيل: أفهذا تراجع1 عن قولهم لهم: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} ؟ قيل: لا، ~~ليس بانصراف عن التظلم منهم، وذلك أنه وصله بقوله: {إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله} أي: فكرور الليل والنهار علينا- على إغوائكم إيانا- هو الذي أصارنا ~~إلى النار. وهذا كقول الرجل لصاحبه: أهلكني والله! فيقول وكيف ذلك؟ فيقول: ~~في جوابه: مضى أكثر النهار وأنت تضربني؛ فيفسره بتقضي الزمان على إساءته ~~إليه. # فإن شئت جعلت "إذ تأمروننا" متعلقة بنفس الكرور، أي: كرورهما في هذا ~~الوقت وإن شئت جعلته حالا من الكرور، أي: كرورهما كائنا في هذا الوقت؛ ~~فنجعل طرف النهار3 حالا من الحدث، كما تجعله خبرا عنه في نحو قولك: قيامك ~~يوم الجمعة؛ إذ كانت الحال ضربا من الخبر. ومثله من الحال قولك: عجبت من ~~قيامك بوم الجمعة، تعلق الظرف بمحذوف، أي من قيامك كائنا في يوم الجمعة. # وعلى نحو منه [131و] قراءة قتادة: "بل مكر الليل والنهار"، فالظرف هنا ~~صفة للحدث، أي: مكر كائن في الليل والنهار. وإن شئت علقتهما بنفس "مكر"، ~~كقولك: عجبت لك4 من ضرب زيدا، وكقول الله: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة، ~~يتيما ذا مقربة} 5. # وأما "مكر"، بالنصب فعلى الظرف، كقولك: زرتك خفوق النجم، وصياح الدجاج ~~وهو معلق بفعل محذوف، أي: صددتمونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال. # فإن قيل: فما معنى دخول "بل" هنا ms369 وإنما هو جواب الاستفهام؟ وأنت لا تقول ~~لمن قال لك: أزيد عندك؟: بل هو عندي وإنما تقول: نعم، أولا. قيل: الكلام ~~محمول على معناه، وذلك أن قولهم: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم} ~~معناه الإنكار له، والرد عليهم في قول المستضعفين لهم: {لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين} ، فكأنهم قالوا لهم في الجواب: ما صددناكم، فردوه ثانيا عليهم، ~~فقالوا: بل صدنا تصرم الزمان علينا وأنتم تأمروننا أن نكفر بالله. وقد كثر ~~عنهم تأول معنى النفي وإن لم يكن6 ظاهرا إلى بادي اللفظ، قال الله تعالى: ~~{قل PageV02P194 # إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} 1، أي: ما حرم إلا الفواحش، ~~وعليه بيت الفرزدق: # أنا الدافع الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي2 # أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا. ولذلك عندنا ما3 فصل الضمير، فقال: ~~أنا، وأنت لا تقول: يقوم أنا، ولا نقعد نحن. ولولا ما ذكرنا من إرادة النفي ~~لقبح الفصل، وأنشدنا أبو علي: # فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظلم دعج ولا جبل4 # أي: ما أحد أحرزه هذا من الموت، ونظائره كثيرة. # وإن شئت علقت "إذ" يمحذوف، وجعلته خبرا عن "مكر"، أي: كرورهما في هذا ~~الوقت الذي تأمروننا فيه أن نكفر بالله، والمعنى في الجميع راجع إلى عصب ~~الذنب5 بهم، ونسب الضلال إليهم. # ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "من كتب يدرسونها"6، بتشديد الدال مفتوحة، وبكسر ~~الراء. # قال أبو الفتح: هذا يفتعلون من الدرس، وهو أقوى معنى من "يدرسونها"؛ وذلك ~~أن افتعل لزيادة التاء فيه أقوى معنى من فعل. ألا ترى إلى قول الله تعالى: ~~{أخذ عزيز مقتدر} 7؟ فهو أبلغ معنى من قادر، وهو أشبه بما تقدمه من ذكر ~~الأخذ والعزة. نعم، وفيه أيضا معنى PageV02P195 # الكثرة؛ لأنه في معنى يتدارسونها. وقد ذكرنا فيما مضى قوله تعالى: {لها ~~ما كسبت وعليها ما اكتسبت} 1 وأن "اكتسبت" أقوى من "كسبت" وأن أصل ذلك من ~~زيادة معنى فعل على معنى فعل، لتضعيف العين، فاعرفه. ومثل "يدرسونها" ~~قولهم: قرأت القرآن، ms370 واقترأنه قال: # نهارهم صيام2 ... وليلهم صلاة وافتراء # ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وأخذ من مكان قريب"3، منصوبة الألف، منونة. # قال أبو الفتح: لك في رفعه ضربان: # إن شئت رفعته بفعل مضمر يدل عليه قوله: {فلا فوت} ، أي: وأحاط بهم أخذ من ~~مكان قريب. وذكر القرب، لأنه أحجى بتحصيلهم، وإحاطته بهم. # وإن شئت رفعته [131ظ] بالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك أخذ لهم، وإحاطة ~~بهم. ودل على هذا الخبر ما دل على الفعل في القول الأول. # ويسأل من قراءة العامة: {وأخذوا من مكان قريب} : علام عطف هذا الفعل؟ ~~وينبغي أن يكون معطوفا على قوله تعالى: {فزعوا} وهو بالواو، لأنه لا يراد: ~~ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم، وإنما المراد -والله أعلم: ولو ترى إذ فزعوا فلم ~~يفوتوا، وأخذوا. فعطف "أخذوا" على ما فيه الفاء المعلقة الأول بالآخر على ~~وجه التسبيب له عنه، وإذا كان معطوفا على ما فيه الفاء فكأن فاء4 فيئول ~~الحديث إلى أنه كأنه قال: ولو ترى إذ فزعوا فأخذوا، هذا إذا كانت فيه فاء، ~~وأما وفيه الواو فلا يحسن عطفه على "فزعوا" بل يكون معطوفا على ما فيه ~~PageV02P196 # الفاء. وقال أبو حاتم: لا أعرف الرفع في "أخذ"، ولا يجوز إلا بالحيل ~~والتفسير البعيد، كذا زعم. # ومن ذلك قراءة مجاهد: "ويقذفون"1، بضم الياء، وفتح الذال. # قال أبو الفتح: بيان هذا: وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش، أي: التناول ~~للإيمان من مكان بعيد، وقد كفروا به من قبل؟ والوقف على قوله: {من قبل} ، ~~أي: من أين لهم تناوله الآن وقد كفروا به من قبل؟ ثم قال سبحانه: {وهم ~~ويقذفون بالغيب} ، أي يرمون بالغيب؛ تتبعا لهم بقبح أفعالهم، وسوء منقلبهم. ~~PageV02P197 ### | سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # قرا الضحاك: "الحمد لله فطر السماوات والأرض"1. # قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله "سبحانه"، وذكر النعمة التي ~~استحق بها الحمد. وأفرد ذلك في الجملة التي هي "جعل" بما فيها من الضمير، ~~فكان أذهب في معنى الثناء؛ لأنه2 جملة بعد جملة. وكلما زاد الإسهاب في ms371 ~~الثناء أو الذم كان أبلغ فيهما ألا ترى إلى قول خرنق3: # لا يبعدا قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزر # ويروى: النازلون والطيبون، والنازلين والطيبون، والطيبين والنازلون. ~~والرفع على هم، والنصب على أعني. فكلما اختلفت الجمل كان الكلام أفانين ~~وضروبا، فكان أبلغ منه إذا ألزم شرحا واحدا. فقولك: أثني على الله، أعطانا ~~فأغنى، أبلغ من قولك: أثني على الله، المعطينا والمغنينا؛ لأن معك هنا جملة ~~واحدة، وهناك ثلاث جمل. # ويدلك على صحة هذا المعنى قراءة الحسن: "جاعل الملائكة"، بالرفع؛ فهذا ~~على قولك: هو جاعل الملائكة، ويشهد به أيضا قراءة خليد بن نشيط: "جعل ~~الملائكة". # قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى ~~الرفع. يريد ما نحن عليه؛ لتختلف ضروبه، وتتباين تراكيبه. # ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "سيغ شرابه"4. PageV02P198 # قال أبو الفتح: هو محذوف من سيغ: فيعل، بمنزلة ميت من ميت، وهين من هين. ~~وعينه واو، وأصله سيوغ، كميوت في الأصل. يدل على كون عينه واوا قولهم: هذا ~~أسوغ من هذا، وقولهم: هي أخته سوغة، وسوغته، [132و] أي: يسوغ لها وتسوغ له، ~~أي: يقبلها طبعه، ويقبله طبعها. # فأما قول الله تعالى: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه} 1 فلا دلالة فيه على كون ~~العين واوا2 وذلك لأنه في الأصل يسوغه، كما أن أصل يقيم يقوم، ويستعين ~~يستعون، وهذا واضح وحكاه أبو حاتم عن عيسى: "سيغ"، وقال فيه: بغير ألف ~~مشددة الياء، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وهذا ملح أجاج"3. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على مثله، وأنه في الأصل مالح؛ فحذفت ألفه ~~تخفيفا4. # ومن ذلك قراءة الزهري: "جدد"5، بفتح الجيم والدال، فيما رواه سهل عن ~~الوقاصي عنه. # قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا قراءة فيه غير "جدد"، وقال قطرب: قراءة ~~الناس كلهم: "جدد"، وقراءة الزهري: "جدد" فأما "جدد" فجمع جدة، وهي الطريقة ~~يخالف لونها لون ما يليها. قال المتلمس: # له جدد سود كأن أرندجا ... بأكرعه وبالذراعين ms372 سندس6 PageV02P199 # وقال الأعشى: # كأن قطوعها بعنيبسات ... تعطفهن ذو جدد فريد1 # وأما "جدد" فجمع جديد، أي: آثار جدد غير مخلقة؛ فهو أصح لها، وأوضح ~~للونها. وأما "جدد" فلم يثبته أبو حاتم ولا قطرب. وعلى أن له معنى، وهي ~~الطريق الواضح المسفر فالمعنى نحو من الأول. وقد يجوز في "جدد" -وهي جديد- ~~الفتح؛ هربا من التضعيف إلى الفتح. وكذلك جميع ما كان مثله من المضاعف: ~~كسرير وسرر سرر، وجرير وجرر وجرر، وتليل وتلل2 وتلل، وبئر جرور وجرر وجرر ~~وجرائر أيضا. قال: # كانت مياهي نزعا قواصرا ... ولم أكن أمارس الجرائرا3 # وعلى كل حال فللقراء الرواية، وإذا عضدها قياس فحسبك به من إيناس. # ومن ذلك قراءة الزهري أيضا: "والدواب"، خفيفة. # قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك مشروحا فيما مضى بشواهده4. # ومن ذلك قراءة علي عليه السلام: "فيها لغوب"5، بفتح اللام. وهي قراءة ~~السلمي. # قال أبو الفتح: لك فيه وجهان: # إن شئت حملته على ما جاء من المصادر على الفعول، نحو: الوضوء، والولوغ، ~~والوقود. PageV02P200 # وإن شئت حملته على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: لا يمسنا فيها لغوب1 لغوب، ~~على قولهم: هذا شعر شاعر، وموت مائت، كأنه يصف "اللغوب" بأنه قد لغب، أي ~~أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، كقول الآخر # إذا ناقة شدت برحل ونمرق ... إلى حكم بعدي فضل ضلالها2 # وعليه قالوا: جن جنونه، وخرجت خوارجه. # ومن طريف ما مر بنا لمولدين في هذا قول شاعرنا3: # وجبت هجيرا يترك الماء صاديا # فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. وعلى هذا حمل أبو بكر ~~قولهم: توضأت وضوءا: أنه وصف لمصدر محذوف، [132ظ] أي: وضوءا وضوءا، كقولك: ~~وضوءا وضيئا، أي: كاملا حسنا. # وحكى أبو زيد: رجل ساكوت بين الساكوتة، فلما قرأت هذا الموضع على أبي علي ~~حمله على قياس قول أبي بكر هذا، فقال: تقديره بين السكتة الساكوتة، فجعل ~~الساكوتة صفة لمصدر محذوف، وحسن ذلك عندي شيئا أنه من لفظه، فكأن أحدهما ~~صاحبه البتة. # وحكى الأصمعي: ليس عليك في ذلك تضرة4 ولا ضارورة، فضارورة - على ms373 قياس قول ~~أبي بكر- كالساكوتة، أي: ضرة ضارورة. # ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يقضى عليهم فيموتون"5، وكذلك الثقفي. ~~PageV02P201 # قال أبو الفتح: "يموتون" عطف على "يقضى"، أي: لا يقضى عليهم، ولا يموتون. ~~والمفعول محذوف، أي: لا يقضى عليهم الموت. وحسن حذفه هنا لأنه لو قيل: لا ~~يقضى عليهم الموت فيموتون، كان تكريرا يغني من جميعه بعضه، ولا توكيد أيضا ~~فيه فيحتمل لفظه. وعلى كل حال فقد بينا في كتابنا هذا -وفي غيره- حسن حذف ~~المفعول لدلالة الكلام عليه، وأنه لا يصدر إلا عن فصاحة عذبة. # وقراءة العامة في هذا أوضح وأشرح؛ وذلك أن فيه نفي سبب الموت، وهو القضاء ~~عليهم. وإذا حذف السبب فالمسبب أشد انتفاء، ومن هذا قولهم: لم يقم زيد أمس؛ ~~فنفي الماضي بلفظ المستقبل؛ وذلك أن المستقبل أسبق رتبة في النفس من ~~الماضي، فإذا نفي الأصل كان الفرع أشد انتفاء، ونظائره كثيرة، فتأمله. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "ومكرا سيئا"1. # قال أبو الفتح: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه: ~~{استكبارا في الأرض} ، وقراءة العامة أقوى معنى؛ وذلك أن "المكر" فيها ~~معرفة لإضافته إلى معرفة، أعنى "السيئ"، فكأنه قال: والمكر السيئ الذي هو ~~عال مستكره مستنكر في النفوس. وعليه قال من بعد: {ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله} ، وأبدل "استكبارا" وما بعده من النكرة قبله، وهي هو من قوله: {ما ~~زادهم إلا نفورا} ، وحسن تنكير الاستكبار لأنه أدنى إلى "نفور" مما بعده. ~~وقد يحسن مع القرب فيه ما لا يحسن مع البعد، واعتمد ذلك لقوة معناه ~~بتعريفه، والإخبار عنه بأن مثله لا يخفى، لعظمه وشناعته. PageV02P202 ### | سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "ياسين والقرآن # "1، بفتح النون ابن أبي إسحاق -بخلاف- والثقفي. # وقرأ: "ياسين # "، بكسر النون أبو السمال وابن ابي إسحاق، بخلاف. # وهارون عن أبي بكر الهذلي2 عن الكلبي: "ياسين"، بالرفع. قال: فلقيت ~~الكلبي فسألته، فقال: هي بلغة طيء: يا إنسان. # قال أبو الفتح: أما الكسر والفتح جميعا فكلاهما لالتقاء الساكنين؛ لأنه ~~بنى الكلام على الإدراج، لا على وقف حروف ms374 المعجم؛ فحرك فيه لذلك. # ومن فتح هرب إلى خفة الفتحة لأجل ثقل الياء قبلها والكسرة. # ومن كسر جاء به على أصل حركة التقاء الساكنين. ونظيره قولهم: جير3، وهيت4 ~~لك، وإيه وسيبويه [133و] وعمرويه، وبابهما. # ومن ضم احتمل أمرين: أحدهما أن يكون أيضا لالتقاء الساكنين5، كحوب6 في ~~الزجر، ونحن، وهيت لك. # والآخر أن يكون على ما ذهب إليه الكلبي، وروينا فيه عن قطرب: # فيا ليتني من بعد فاطا وأهلها ... هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان7 ~~PageV02P203 # ورواه أيضا: من بعد ما طاف أهلها، وقال: معناه صوت إنسان. # ويحتمل ذلك عندي وجها آخر ثالثا، وهو أن يكون أراد يا إنسان، إلا أنه ~~اكتفى من جميع الاسم بالسين، فقال: ياسين، "فيا" فيه الآن حرف نداء، كقولك: ~~يا رجل. ونظير حذف بعض الاسم قول النبي صلى الله عليه وسلم: كفى "بالسيف ~~شا"، أي: شاهدا، فحذف العين واللام. وكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، غير ~~أنه جعل ما بقي منه اسما قائما برأسه، وهو السين، فقيل: ياسين، كقولك: لو ~~قست عليه في نداء زيد: يا دال. ويؤكد ذلك1 ما ذهب إليه ابن عباس في "حم ~~عسق" ونحوه أنها حروف من جملة أسماء الله "عز وجل"، وهي: رحيم، وعليم، ~~وسميع، وقدير. ونحو ذلك. وشبيه به قوله: # قلنا لها قفي لنا قالت قاف2 # أي: وقفت، فاكتفت بالحرف منه الكلمة. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وابن يعمر ويزيد البربري وعمر بن عبد ~~العزيز ويزيد بن المهلب والنخعي وابن سيرين، بخلاف: "فأعشيناهم"3. # قال أبو الفتح: هذا منقول من عشي يعشى: إذا ضعف بصره فعشي وأعشيته، كعمي ~~وأعميته. وأما قراءة العامة: {فأغشيناهم} فهو على حذف المضاف، أي: فأغشينا ~~أبصارهم: فجعلنا عليها غشاوة. # وينبغي أن يعلم أن غ ش ي يلتقي معناها مع غ ش و؛ وذلك أن الغشاوة على ~~العين كالغشي على القلب، كل منهما يركب صاحبه ويتجلله، غير أنهم خصوا ما ~~على العين بالواو، وما على PageV02P204 # القلب بالياء؛ من حيث كانت الواو أقوى لفظا من الياء، وما يبدو للناظر ms375 من ~~الغشاوة على العين أبدى للحس مما يخامر القلب؛ لأن ذلك غائب عن العين، ~~وإنما استدل عليه بشواهده لا بشاهده ومعاينه. ولهذا في هذه اللغة من ~~النظائر ما لو أودع كتابا لكبر حجما، وكثر وزنا. ومحصول الحال واسع وكثير، ~~لكن المحصل له نزر قليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن والزهري: "أنذرتهم"1، بهمزة واحدة على الخبر. # قال أبو الفتح: الذي ينبغي أن يعتقد في هذا أن يكون أراد همزة الاستفهام ~~كقراءة العامة: {أأنذرتهم} ، إلا أنه حذف الهمزة تخفيفا وهو يريدها، كما ~~قال الكميت: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب2 # قالوا: معناه: أو ذو الشيب يلعب؟ تناكرا لذلك، وتعجبا. وكبيت الكتاب: ~~[133ظ] # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر2 # يريد: أشعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر؟ # ويدل على إرادة هذه القراءة الهمزة وأنها إنما حذفت لما ذكرنا بقاء "أم" ~~بعدها، ولو أراد الخبر لقال: أولم تنذرهم. فإن قيل: تكون "أم" هذه منقطعة، ~~كقولهم: إنها لإبل أم شاء3، قيل: إذا قدرت ذلك بقي قوله تعالى: {وسواء ~~عليهم} منقطعا لا ثاني له، وأقل ما يكون خبر سواء اثنان. فقد علمت4 بهذا أن ~~قول ابن مجاهد على الخبر لا وجه له، اللهم إلا أن يتحمل له، فيقال: أراد ~~بلفظ الخبر وفيه من الصنعة ما تراه. # ومن ذلك قراءة الماجشون: "أن ذكرتم"5، بهمزة واحدة مفتوحة مقصورة، ولا ~~ياء بعدها وقرأ: "أين" بهمزة بعدها ياء ساكنة، والنون مفتوحة "ذكرتم"، ~~مضمومة الذال، خفيفة الكاف الأعمش وأبو جعفر يزيد. PageV02P205 # قال أبو الفتح: أما "أن ذكرتم" فمنصوبة الموضع بقوله سبحانه: {طائركم ~~معكم} ، وذلك أنهم لما قالوا لهم: {إنا تطيرنا بكم} ، أي: تشاءمنا، قالوا ~~لهم جوابا عن ذلك: بل {طائركم معكم} ، أي: بل شؤمكم معكم1 "أن ذكرتم"، أي: ~~هو معكم لأن ذكرتم، فلم تذكروا، ولم تنتهوا. فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير ~~من المسبب الذي هو الانتهاء، على ما قدمناه من إقامتهم كل واحد من ms376 المسبب ~~والسبب مقام صاحبه. ووضعوا الطائر أيضا موضع مسببه وهو التشؤم2، لما كانوا ~~يألفونه من تكارههم نعيق الغراب أو بروحه3 ونحو ذلك. ومن رأى أن "أن" قد ~~حذف الجار عن لفظها وإرادته فيها مجرورة رأى ذلك هنا فيها، وهو الخليل. # وأما "أين ذكرتم" فمعناه أين حللتم، وكنتم، ووجدتم؛ فذكرتم. فاكتفى ~~بالمسبب الذي هو الذكر من السبب الذي هو الوجود، و"أين" هنا شرط وجوابها ~~محذوف لدلالة {طائركم معكم} عليه، فكأنه قال: أين ذكرتم، أو أين وجدتم ~~شؤمكم معكم. وهذا كقولك: سيفك معك أين حللت، وجودك معك متى4 سئلت كنت ~~جوادا، وكقولك: أنت ظالم إن فعلت، أي: إن فعلت ظلمت. ولا يجوز الوقوف في ~~هاتين القراءتين على "معكم" لاتصال "أن" و"أين" بها، لكن على5 قراءة من قرأ ~~بالاستفهام: "أئن ذكرتم"؟ لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده؛ لأن له صدر ~~الكلام؛ فكأنه قال: بل طائركم معكم ردا عليهم، ثم استأنف مستفهما، وهو يريد ~~الإنكار. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر ومعاذ بن الحارث: "إن كانت إلا صيحة واحدة"6. # وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود: "إلا زفية". # قال أبو الفتح: في الرفع ضعف؛ لتأنيث الفعل، وهو قوله: "كانت". ولا يقوى ~~أن تقول: ما قامت إلا هند، وإنما المختار من ذلك: ما قام إلا هند؛ وذلك أن ~~الكلام PageV02P206 # محمول على معناه، أي: ما قام أحد إلا هند. فلما كان هذا هو المراد ~~المعتمد -ذكر [134و] لفظ الفعل، إرادة له، وإيذانا به. ثم إنه لما كان ~~محصول الكلام: قد كانت صيحة واحدة جيء بالتأنيث؛ إخلادا إليه، وحملا لظاهر ~~اللفظ عليه. ومثله قراءة الحسن: "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم"1 بالتاء في ~~"ترى". وعليه قول ذو الرمة. # برى النحز والأجرال ما في غروضها ... فما بقيت إلا الصدور الجراشع2 # وأقوى الإعرابين: فما بقي إلا الصدور؛ لأن المراد ما بقي شيء منها إلا ~~الصدور، على ما مضى. # وأما "زقية" فيقال: زقا الطائر يزقو ويزقي زقوا وزقيا وزقاء: إذا صاح، ~~وهي الزقوة والزقية. # وأما أبو حاتم فصرف الفعل على الواو، ms377 فلم ير للياء فيه تصريفا، وقال: ~~أصلها "زقوة"، إلا أن الواو أبدلت للتخفيف ياء، وشبهه بقولهم: أرض مسنية3، ~~وإنما هو مسنوة، وقوله: # أنا الليث معديا علي وعاديا4 # أي: معدوا عليه، وأثبت أبو العباس أحمد بن يحيى الياء في "زقية" أصلا، ~~وأنشدوا قوله: # وترى المكاء فيه ساقطا ... لثق الريش إذا زف زفى5 PageV02P207 # وكأنه إنما استعمل هنا صياح الطائر: الديك ونحوه؛ تنبيها على أن البعث ~~-بما فيه من عظيم القدرة وإعادة ما استرم1 من إحكام الصنعة وإنشار الموتى ~~من القبور- سهل على الله "سبحانه"، كزقية زقاها طائر. فهذا نحو من قوله: ~~{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} 2، ونحو ذلك من الآي التي تدل على ~~عظيم القدرة، جل الله جلالا، وعلا علوا كبيرا. وأنشد الفراء مستشهدا به على ~~صحة الياء قوله: # تلد غلاما عارما يوديك ... ولو زقيت كزقاء الديك3 # وقال: يقال: زقوت وزقيت. # ومن ذلك قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وأبي الزناد: "يا حسره"4، ساكنة ~~الهاء، "على العباد". # وقرأ: "يا حسرة العباد" -مضافا- ابن عباس والضحاك وعلى بن حسين ومجاهد ~~وأبي ابن كعب. # قال أبو الفتح5: أما "يا حسره"، بالهاء ساكنة ففيه النظر. وذلك أن قوله: ~~{على العباد} متعلق بها، أو صفة لها. وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ~~ووجه ذلك عندي ما أذكره. وذلك أن العرب إذا أخبرت6 عن الشيء -غير معتمدته ~~ولا معتزمة عليه- أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ. المعبر به عنه. وذلك ~~كقوله: # قلنا لها قفي لنا قالت قاف7 # معناه: وقفت، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها؛ تهاونا بالحال، ~~وتثاقلا على الإجابة، واعتماد المقال. ويكفي في ذلك قول الله سبحانه: {لا ~~يؤاخذكم الله باللغو PageV02P208 # في أيمانكم} 1. قالوا في تفسيره: هو كقولك: لا والله، وبلى والله. فأين ~~سرعة اللفظ بذكر اسم الله تعالى هنا من التثبت فيه، والإشباع له، والمماطلة ~~عليه من قول الهذلي: # فوالله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض2؟ # أفلا ترى إلى تطعمك3 هذه اللفظة في النطق هنا4 بها، وتمطيك لإشباع معنى ~~القسم [134ظ] عليها؟ ms378 وكذلك أيضا قد ترى إلى إطالة الصوت بقوله من بعده: # بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي5 # أفلا تراه -لما أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط في اللفظ- أطال الإقامة ~~على قوله: بلى؛ رجوعا إلى الحق عنده، وانتكاثا عما كان عقد عليه يمينه؟ ~~فأين قوله هنا: "فوالله"، وقوله: بلى، منهما في قوله: لا والله، وبلى ~~والله؟ # وعليه قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} 6، أي: وكدتموها، ~~وحققتموها وإذا أوليت هذا أدنى تأمل عرفت منه وبه ما نحن بسبيله وعلى سمته، ~~وعلى هذا قال سيبويه: إنهم يقولون: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل. وهذا ~~إنما يفهم عنهم بتطويل الياء، فيقولون: سير عليه ليل7، فقامت المدة مقام ~~الصفة. # ومن ذلك ما تستعمله العرب من إشباع مدات التأسيس والردف والوصل والخروج ~~عناية بالقافية، إذ كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما. # أخبرنا أبو أحمد الطبراني عن شيخ له ذكره عن البحتري، قال: سمعت ابن ~~الأعرابي يقول: استجيدوا القوافي، فإنها حوافر الشعر. وقال لي الشجري في ~~بعض كلامه: القافية PageV02P209 # رأس البيت، وهذا ليس نقضا للأول، وإنما غرضه فيه أنها أشرف ما فيه، كما ~~أن حوافر الفرس هي أوثق ما فيه، وبها نهوضه، وعليها اعتماده. ولقد تغنى ~~يوما خفير لنا بشعر مؤسس نحو قوله: # ألا عللاني قبل لوم العواذل # فلعهدي به وهو يمطل الألف حتى يخطو به فرسه الخطوة والعشرين، ولولا ظاهر ~~ما في القول لقلت الأكثر. فإذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل، فاختلس الذال ~~والروي بعدها. وكان أيضا يمده بتقبل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفس ~~فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به؛ فإن ذلك كان يهز الألف، ويصنعها، ~~ويزيل تحيرها والساذجية المملولة عنها. # وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعاني المعبر بها عنها وضعفها ما ~~يحكى أن رجلا ضرب ابنا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ليس هو ابنك؛ فرافعها ~~إلى القاضي فقال: هذا ابني عندي، وهذه أمه تذكر أنه ليس مني. فقالت المرأة: ~~ليس الأمر على ما ذكره، وإنما ms379 أخذ يضرب ابنه فقلت له: لا تضربه ليس هو ~~ابنك، ومدت فتحة النون جدا، فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا الطويل1 ~~الطويل، والأمر يذكر للأمر على تقاربهما، أو تفاوتهما إذا كان ذلك للغرض ~~موضحا، وإليه بطالبه مفضيا. وقد قال: # وعند سعيد غير أن لم أبح به ... ذكرتك إن الأمر يذكر للأمر2 # وإذا3 كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل أن الأصوات ~~تابعة للمعاني -فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت. ويكفيك من ذلك قولهم: قطع ~~وقطع، وكسر وكسر. زادوا في الصوت لزيادة المعنى، واقتصدوا فيه لاقتصادهم ~~فيه- علمت أن قراءة من قرأ: "يا حسره على العباد"، بالهاء ساكنة إنما هو ~~[135و] لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه في موضع وعظ. وتنبيه، وإيقاظ ~~وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر، المتعجب4 منه، ~~الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه وخاطره. ثم قال من بعد: "على ~~العباد"، عاذرا نفسه في الوقوف على الموصول دون صلته لما كان فيه، ودالا ~~للسامع PageV02P210 # على أنه إنما تجشم ذلك -على حاجة الموصول إلى صلته وضعف الإعراب وتحجره ~~على جملته- ليفيد السامع منه ذهاب الصورة بالناطق. # ولا يجف ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته؛ فإن العرب قد تحمل على ~~ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الإعراب لصحة المعنى. ألا ترى إلى أن أقوى ~~اللغتين - وهي الحجازية في الاستفهام عن الأعلام نحو قولهم فيمن قال: مررت ~~بزيد: من زيد؟ # فالجر حكاية لجر المسئول عنه، فهذا مما احتمل فيه إضعاف الإعراب لتقوية ~~المعنى. ألا ترى أنه لو ركب اللغة التميمية طلبا لإصابة الإعراب فقال: من ~~زيد؟ لم يضح من ظاهر اللفظ أنه إنما يسأل عن زيد هذا المذكور آنفا ولم يؤمن ~~أن يظن به أنه إنما ارتجل سؤالا عن زيد آخر مستأنفا؟ # ومن الحمل على اللفظ للمعنى قوله: # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام1 # فتجشم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بلام الجر؛ لما يعقبه من توكيد معنى ~~الإضافة، فهذا ونظائره يؤكد أن المعاني تتلعب بالألفاظ، تارة ms380 كذا، وأخرى ~~كذا. وفيه بيان لما مضى. # وقد يجوز غير هذا كله، وهو أن يكون "حسرة" غير متعلقة ب"على"، فيحسن ~~الوقوف عليها, ثم تعلق "على" بمضمر، وتدل عليه "حسرة" حتى كأنه قال: أتحسر ~~على العباد. وهذا في القرآن ما لا أحصيه لكثرته. # وأما "يا حسرة العباد" مضافا فإن لك فيه ضربين من التأويل: # إن شئت كان "العباد" فاعلين في المعنى، كقولك: يا قيام زيد ويا جلوس عمرو ~~أي: كأن العباد إذا شاهدوا العذاب تحسروا. # وإن شئت كان "العباد" مفعولين في المعنى، وشاهده للقراءة الظاهرة: "يا ~~حسرة على العباد"، أي: يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم ويهمه ما يمسهم، وهذا ~~ظاهر. PageV02P211 # ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي رياح1 وأبي جعفر ~~محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد وعلي بن حسين: "والشمس تجري لا ~~مستقر لها"2، بنصب الراء. # قال أبو الفتح: ظاهر هذا الموضع ظاهر العموم، ومعناه معنى الخصوص؛ وذلك ~~أن "لا" هذه النافية الناصبة للنكرة لا تدخل إلا نفيا عاما؛ وذلك أنها جواب ~~سؤال عام، فقولك: لا رجل عندك. جواب هل من رجل عندك؟ فكما أن قولك: هل من ~~رجل عندك، سؤال عام، أي: هل عندك قليل أو كثير من الجنس الذي يقال لواحده ~~رجل؟ فكذلك ظاهر قوله: "لا مستقر لها" نفي أن تستقر أبدا، ونحن نعلم أن ~~السموات إذا زلن بطل سير الشمس أصلا، فاستقرت مما كانت عليه من السير. ~~ونعوذ بالله أن نقول: إن حركتها دائمة كما يذهب محبنو3 الملحدة، فهذا إذا ~~-في لفظ العموم بمعنى الخصوص- بمنزلة قوله: # أبكي لفقدك ما ناحت مطوقة ... وما سما فنن يوما على ساق4 # ونحن نعلم أن أقصى الأعمار الآن إنما هو مائة سنة ونحوها، أي: لو عشت ~~أبدا بكيتك. فكذلك "لا مستقر لها" ما دامت السموات على ما هي عليه. [135ظ] ~~وقد تقدم ذكرنا باب المجاز في كتابنا الخصائص5، وأنه أضعاف الحقيقة قولا ~~واحدا. # ومن ذلك قراءة قتادة: "ونفخ في الصور"6. # قال أبو الفتح: قد سبق القول ms381 على ذلك فيما مضى بشواهده7. PageV02P212 # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "عليه السلام": "من بعثنا"1. # قال أبو الفتح: أي: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، كقولك: يا ويلي من أخذك ~~مني مالي، ف "من" الأولى متعلقة بالويل، كقولك: يا تألمي منك. # وإن شئت كانت حالا من "ويلنا"؛ فتعلقت بمحذوف، حتى كأنه قال: يا ويلنا ~~كائنا من بعثنا. وجاز أن يكون حالا منه، كما يجوز أن يكون خبرا عنه، كقول ~~الأعشى: # ويلي عليك وويلي منك يا رجل2 # وذلك أن الحال ضرب من الخبر. # وأما "من" في قوله تعالى: {من مرقدنا} فإنها متعلقة بنفس البعث، كقولك: ~~سرني بعثك من بلدك إلي. # ومن ذلك قراءة ابن أبي ليلى: "يا ويلتا"1، بزيادة تاء. # قال أبو الفتح: هو تأنيث الويل، فويلة كقولة، ومثله: {يا ويلتى أألد وأنا ~~عجوز} 3، وأصلها: يا ويلتي، فأبدلت الياء ألفا؛ لأنه نداء، فهو في موضع ~~تخفيف، فتارة تحذف هذه الياء كقولك: يا غلام، وأخرى بالبدل كقولك: يا ~~غلاما. قال: # يا أبتا علك أو عساكا4 # قإن قلت: فكيف قال: "يا ويلتا"، وهذا لفظ الواحد وهم جماعة، ألا ترى أن ~~PageV02P213 # بعده {من بعثنا من مرقدنا} ؟ قيل: يكون على أن كل واحد منهم قال: "يا ~~ويلتا من بعثنا من مرقدنا"، كما يقول الرجل: صبرا على ما حكم الله به ~~علينا، ورضيت بما قسم الله لنا، ونحو منه قول الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} 1، أي: اجلدوا كل ~~واحد منهم. ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، ~~وأعطانا كلنا مائة، أي: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة. # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب: " من هبنا من مرقدنا"2، يعني أصحاب القبور. # قال أبو الفتح: قد أثبت أبو حاتم عن ابن مسعود: "من أهبنا"، بالهمزة. وهي ~~أقيس القراءتين. يقال: هب من نومه، أي: انتبه وأهببته أنا، أي: أنبهته. ~~قال: # ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب3 # فأما ms382 "هبني" أي: أيقظني فلم أر لها في اللغة أصلا، ولعلها لغة قليلة، ولا ~~مر بنا مهبوب، بمعنى موقظ. وهي -مع حسن الظن بأبي- مقبولة. وقد أثبتها أبو ~~حاتم أيضا، اللهم إلا أن يكون حرف الجر معها محذوفا، أي: وهب بنا، بمعنى ~~أيقظنا، ثم حذف حرف الجر، فوصل الفعل بنفسه. وليس المعنى على من هب فهببنا ~~معه كقولك: انتبه وأنبهنا4 معه، وإنما معناه من أيقظنا. ألا ترى إلى قول ~~الله "سبحانه" {ذهب الله بنورهم} 5 ليس معناه "تعالى" أنه ذهب وذهب بنورهم ~~معه؟ هذا مدفوع عن الله تعالى، وإنما معناه: أذهب نورهم، فذهب به كأذهبه، ~~أي أزاله وأنفده6، فاعرف ذلك. # ومن ذلك قراءة محمد بن كعب القرظي: "ولهم ما يدعون سلم قولا"7. ~~PageV02P214 # وقرأ عيسى الثقفي: "سلاما قولا" نصبا جميعا. # قال أبو الفتح: أما الرفع فعلى أوجه: # أحدها أن يكون مقطوعا مستأنفا، كأنه لما قال: {ولهم ما يدعون} قال: "سلم" ~~[136و] أي: ذاك "سلم"، أي: ثابت لا نزاع فيه ولا ضيم ولا اعتراض، بل هو سلم ~~لهم. # ووجه ثان: أن يكون على: ما يدعون سلم لهم، أي: مسلم لهم، ف"لهم" على هذا ~~متعلق بنفس "سلم"، وليس بمصدر، بل هو بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، وإنما ~~على مسالم لهم، أو على مسلم لهم. ولم يجز بمعنى المصدر؛ لأنه كان يكون في ~~صلته، ومحال تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول. # ووجه ثالث، وهو أن يكون: "لهم" خبرا عن: "ما يدعون" و"سلم" بدل منه. # 2ووجه رابع، وهو أن يكون "لهم" خبرا عن "ما يدعون" و"سلم" خبر آخر، ~~كقولنا: زيد جالس متحدث، كما جاز أن يكون بدلا من "لهم" فكذلك يجوز أن يكون ~~خبرا معه آخر. # فإن قلت: فإذا كان لهم سلم لا حرب لهم فما فيه من الفائدة؟ قيل: قد يكون ~~الشيء لك لكن على خلاج1 وبعد شواجر الخلاف، وذلك كالشيء المتناهب، فقد يحصل ~~لأحد الفريقين، لكن على أغراض من النزاع باقية فيه، ولم يصف صفاء ما لا ~~تعلق للمتبع به، فمعلوم أن هذه الثوابت ms383 لأربابها لا تتساوى أحوالها في ~~انحسار الشبه والزخارف عنها. # ونصب "قولا" على المصدر، أي: قال الله ذلك قولا أو يقال ذلك قولا. ودل ~~على الفعل المحذوف لفظ مصدره، وأن القرآن إنما هو أقوال متابعة. وأما ~~"سلاما" بالنصب فحال مما قبله، أي: ذلك لهم مسلما، أو مسالما، أي: ذا سلام ~~وسلامة. ونصب "قولا" على المصدر كما مضى. PageV02P215 # ومن ذلك قراءة الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير1 وابن أبي إسحاق والزهري ~~والأعرج وحفص بن حميد: "جبلا"2، بضم الجيم والباء، واللام مشددة. # وقرأ: "جبلا"، مكسورة الجيم، ساكنة الباء الأشهب العقيلي. # قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا3 الحرف بما فيه. # ومن ذلك قراءة طلحة -رواه عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده: ~~"نختم على أفواههم ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم"4. # قال أبو الفتح: الكلام محمول على محذوف، أي: نختم على أفواههم ولتكلمنا ~~أيديهم ولتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ما نختم على أفواههم، كقولك: أحسنت ~~إليك ولشكرك ما أحسنت إليك، وأنلتك سؤالك ولمسألتك ما أنلتك سؤلك، كما قال: # أحببتها ولحيني كان حبيها ... هل أنت يا سعد يوما ما ملاقيها؟ # ومن ذهب إلى زيادة الواو نحو قول الله "سبحانه": {حتى إذا جاءوها فتحت ~~أبوابها} جاز أن يذهب إلى مثل ذلك في هذا الموضع، فكأنه اليوم نختم على ~~أفواههم لتكلمنا أيديهم. فأما الواو في قوله "تعالى": "ولتشهد" فعطف على ما ~~قبلها، وهو "لتكلمنا"، وعلى أن زيادة الواو لا يعرفها البصريون، وإنما هو ~~للكوفيين خاصة. # ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش: "ركوبهم # "5، برفع الراء وقرأ: [136ظ] "ركوبتهم" عائشة وأبي بن كعب. # قال أبو الفتح: أما الركوب، بضم الراء فمصدر، والكلام محمول على حذف ~~المضاف مقدما أو مؤخرا. PageV02P216 # فإن شئت كان التقدير فيها ذو ركوبهم، وذو الركوب هنا هو المركوب، فيرجع ~~المعنى بعد إلى معنى قراءة من قرأ: "ركوبهم" بفتح الراء، و"ركوبتهم". # وإن شئت كان التقدير فمن منافعها أو من أغراضها ركوبهم، كما تقول لصاحبك: ~~من منافعك إعطاؤك لي، ومن بركاتك وصول الخير إلي على يدك. ms384 ومثله في تقدير ~~حذف المضاف من جهتين أي الجهتين شئت قول الله "سبحانه": {ولكن البر من ~~اتقى} 1 # ، إن شئت كان على تقدير: ولكن البر بر من اتقى، وإن شئت كان تقديره: ولكن ~~ذا البرمن اتقى. # والتقدير الأول في هذا أجود عندنا؛ وذلك أن تقديره حذف المضاف من الخبر، ~~أعني: بر من اتقى، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ وذلك أن حذف المضاف ضرب من ~~التوسع. والتوسع آخر الكلام أولى به من أوله، كما أن الحذف والبدل كلما ~~تأخر2 كان أمثل؛ من حيث كانت الصدور أولى بالحقائق من الأعجاز وهذا واضح، ~~ولذلك اعتمده عندنا صاحب الكتاب فحمله على أن التقدير: ولكن البر بر من ~~اتقى3. # وأجاز أبو العباس أن يكون الحذف من الأول على ما مضى، وهو لعمري جائز، ~~إلا أن الوجه ما قدمنا ذكره، لكن الحذفين في قوله: "فمنها ركوبهم" -على ما ~~قدمنا- متساويان، وذلك إن قدرته على أنه: فمن منافعها ركوبهم فإنما حذفت من ~~الخبر؛ لأن تقديره: فركوبهم منها، فهو -وإن كان مقدما في اللفظ- مؤخر في ~~المعنى. وإن قدرته على معنى: فمنها ذو ركوبهم، فحسن أيضا، وإن كان مقدما في ~~المعنى فإنه مؤخر في اللفظ، فاعرف ذلك. # وأما "ركوبتهم" فهي المركوبة: كالقتوبة4"، والجزوزة، والحلوبة، أي: ما ~~يقتب، ويجز، ويحلب. وقد أشبعنا هذا الموضع في كتابنا المعروف بالخطيب، وهو ~~شرح كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب بن السكيت. # ومن ذلك قراءة طلحة وإبراهيم التيمي الأعمش: "ملكة كل شيء"5. PageV02P217 # قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- سبحان الذي بيده عصمة كل شيء وقدرة كل ~~شيء، وهو من ملكت العجين: إذا أجدت عجنه، فقويته بذلك. ومنه الملك؛ لأنه ~~القدرة على المملوك، ومنه الملك؛ لأن به قوام الأمور. # والملكوت فعلوت منه، زادوا الواو والتاء للمبالغة بزيادة اللفظ، وهذا1 لا ~~يطلق الملكوت إلا على الأمر الأعظم. ألا تراك تقول: ملك البزاز والعطار ~~والحناط، ولا تقول الملكوت في شيء من ذلك؟ ونظيره الجبروت، والرغبوت2، ~~الرهبوت3، ومنه عندنا الطاغوت، هو فعلوت من الطغيان، إلا أنه قلب وأصله ~~طغيوت، فقدمت اللام على ms385 العين، فصارت طيغوت، ثم قلبت الياء لوقوعها متحركة ~~بين متحركين فصار [137و] طاغوت، وقد تقصينا ذلك في كتابنا الموسوم ~~بالمنصف4. PageV02P218 ### | سورة الصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "من كل جانب دحورا"1. السلمي. # قال أبو الفتح: في فتح هذه الدال وجهان: # إن شئت على ما جاء من المصادر على فعول -بفتح الفاء- على ما فيه من خلاف ~~أبي بكر فيه، وقد بيناه فيما مضى من هذا الكتاب2 وغيره. # وإن شئت: أراد ويقذفون من كل جانب بداحر، أو بما يدحر، وهذا كأنه الثاني ~~من الوجهين، لما فيه من حذف حرف الجر وإرادته. وأكثر ما يأتي في الشعر، كما ~~قال: # نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدير3 # أي: باللحم، ومثله {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} 4 أي: أعلم به، فيمن ~~قدر ذلك. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي سراج وابن أبي عمار عبد الرحمن -ويقال عمار ~~بن أبي عمار- وأبي عمرو - بخلاف- وابن محيصن: "هل أنتم مطلعون فأطلع"5. # قال أبو الفتح: يقال طلع: إذا بدا، وأطلع: أقبل. فهو على هذا: هل أنتم ~~مقبلون. PageV02P219 # فأقبل؟ فالفعل إذا الذي هو "فأطلع" مسند إلى مصدره، أي: فأطلع الإطلاع، ~~كقولك: قد قيم، أي: قيم القيام، وقد قعد، أي: قعد القعود. # قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا يجوز إلا فتح النون من "مطلعون"، مشددة ~~الطاء كانت، أو مخففة. قال: وقد شكلها بعض الجهال بالحضرة مكسورة النون1، ~~قال: وهذا خطأ. لو كان كذلك لكان مطلعي، تقلب واو مطلعون ياء، يعني لوقوع ~~ياء المتكلم بعدها، والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم، إلا أن يكون على لغة ~~ضعيفة، وهو أن يجري اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع؛ لقربه منه، فيجرى ~~"مطلعون" مجرى يطلعون. وعليه قال بعضهم: # أريت إن جئت به أملودا ... مرجلا ويلبس البرودا # أقائلن أحضر الشهودا2 # فوكد اسم الفاعل بالنون، وإنما بابها الفعل، كقول الله "تعالى": {لترون ~~الجحيم} 3، وقوله "تعالى": {لتركبن طبقا عن طبق} 4، ونحو ذلك. ومنه قول ~~الآخر: # وما أدري وظني كل ظن ... أمسلمني إلى قومي شراحي5 ms386 # يريد: أمسلمى، وهذا شاذ كما ترى، فلا حاجه للقياس عليه. # ومن ذلك قراءة شيبان النحوي6: "لشوبا"7. PageV02P220 # قال أبو الفتح: الشوب: الخلط، بفتح الشين. ولم يمرر بنا الضم، ولعله لغة ~~فيه كالفقر والفقر، والضر والضر، ونحو ذلك. # ومن ذلك قراءة الحسن "فراغ عليهم سفقا باليمين"1. # قال أبو الفتح: قد قالوا: صفقت الباب، وسفقته، والصاد أعلى. وقالوا أيضا: ~~أسفقته إسفاقا، وقالوا في التصفيق: التصفاق، إذا كثر ذلك، كالتضراب ~~والتلماح والتمشاء وروي عن الحسن, أيضا: "صفقا". # ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: "يزفون"2، خفيفة. # قال أبو الفتح: المسموع في هذا زف القوم يزفون زفيفا، وقالوا أيضا: أزفوا ~~يزفون، كما قالوا: زففت العروس، وقالوا [137ظ] أزففتها أيضا. فأما "يزفون" ~~بالتخفيف فذهب قطرب إلى أنها تخفيف يزفون، كما قال الله تعالى: {وقرن في ~~بيوتكن} 3، أي: اقررن. # قال الهذلي: # وزفت الشول من برد العشي كما ... زف النعام إلى حفانه الروح4 # إلا أن ظاهر "يزفون" أن يكون من وزف5، كيعدون من وعد. ويؤنس بذلك قربه من ~~لفظ الوفز6، وهو واحد الأوفاز، من قولهم: أنا على أوفاز. إذا كان كذلك فهو ~~PageV02P221 # قريب من لفظ وزف، أي: أسرع، وقريب من معناه. ولم يثبت الكسائي ولا ~~الفراء: "وزف"، إلا أن ظاهر اللفظ مقتض لها على ما مضى. وعلى أن أحمد بن ~~يحيى قد أثبت وزف: إذا أسرع، وشاهده عنده هذه القراءة: "يزفون" أي: يسرعون. # ومن ذلك قراءة الأعمش والضحاك: "فانظر ماذا ترى"1، بضم التاء. # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: "ماذا ترى"، و"تري" بفتح الراء وكسرها. # فترى، أي: يلقى إليك، ويوقع في خاطرك. # وأما "تري" فتشير به، وتدعو إلى العمل بحسبه. # و"ترى" هذه ليست من معنى الرؤية بالبصر؛ لأن الرأي ليس مما تدركه حاسة ~~البصر، ولا هي من معنى العلم أيضا؛ لأنه ليس يكلفه هنا أن يقطع له بصريح ~~الحق وجلية اليقين، وإنما يسأله عما يحضره إياه رأيه، فهي إذا من قولك: ما ~~رأيك في هذا؟ وما الذي يحضرك في كذا؟ # ومنه قول الله "تعالى": {لتحكم بين الناس بما ms387 أراك الله} 2، أي: بما ~~يحضرك إياه الرأي والخاطر. وفيه شاهد لجواز اجتهاد النبي "صلى الله عليه ~~وسلم". ومنه قولهم: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة، أي: يذهب ~~مذهبه ويعتقد اعتقاده، ليس أنه يبصر بصره، ولا يعلم يقينا علمه، وإنما هو ~~أن يعتقد رأيه، صوابا كان، أو خطأ. # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ومجاهد والضحاك ~~والأعمش والثوري وجعفر بن محمد: "فلما سلما"3، بغير ألف ولام مشددة. # قال أبو الفتح: أما "أسلما" ففوضا وأطاعا، وأما "سلما" فمن التسليم، أي: ~~سلما أنفسهما وآراءهما كالتسليم باليد4 لما أمرا به، ولم يخالفا ما أريد ~~منهما من إجماع إبراهيم "عليه السلام" الذبح، وإسحاق الصبر. PageV02P222 # ومن ذلك قراءة ابن محيصن وعكرمة -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبي رجاء: "وإن ~~الياس"1، بغير همز. "سلام على الياسين"2، بغير همز. # قال أبو الفتح: أما "الياس" موصول الألف فإن الاسم منه "ياس"، بمنزلة باب ~~ودار، ثم لحقه لام التعريف، فصار "الياس"، بمنزلة الباب والدار. # و"الياسين" على هذا كأنه على إرادة ياء النسب، كأنه الياسيين، كما حكى ~~عنهم صاحب الكتاب: الأشعرون والنميرون، يريد الأشعريين والنميريين. وروينا ~~عن قطرب عنهم: هؤلاء زيدون, منسوبون إلى زيد بغير ياء النسبة. وقال أبو ~~عمرو: هلك اليزيدون، يريد ثلاثة يزيديين. # وقد يجوز أن يكون جعل كل واحد من أهل "الياس" ياسا، فقال: "الياسين"، ~~كقوله: [138و] . # قدني من نصر الخبيبين قدي3 # يريد أبا خبيب وأصحابه، كأنه جعل كل واحد منهم خبيبا. ونحو منه قولهم: ~~شابت مفارقه4، جعل كل جزء من مفرقه مفرقا، ثم جمعه على ذلك. وكذلك: امرأة ~~واضحة اللبات5، جعل كل جزء يجاور اللبة لبة. وقال: # يطفن بجماء المرافق مكسال6 PageV02P223 # جمع مرفقيها بما حولها، ومثله ما رويناه عن أبي علي من قوله: # مرت بنا أول من أموس ... تميس لينا مشية العروس1 # فسمى كل جزء من أمس أمسا، ثم جمع عليه. ويشهد لوصل ألف الياس قوله: # أمهتي خندف والياس أبي2 # وتكون لام التعريف هنا -بمنزلتها في اليسع- زائدة؛ لأن الاسم علم وليس ~~بصفة، فيجري مجرى ms388 العباس والحارث. قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن قول ~~الشاعر: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر3 # فقال: الألف واللام هنا زيادة. ولذلك نظائر كثيرة، ولو قيل: إنها لحقت ~~هنا لأنه4 مصدر، فشبه بالصفة، كالعلاء والفضل لكان وجها. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود ويحيى والأعمش، والمنهال بن عمرو5 والحكم بن ~~عتيبة: " وإن إدريس"، "سلام على إدراسين"6. PageV02P224 # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب عن ابن مسعود: "وإن إدراس"، و"سلام على ~~إدراسين": قال: وجاء عنه: "إدرسين"، وكذلك عن قتادة. وقال: وفي بعض ~~القراءة: "إدريسين". # قال أبو الفتح: أما ما رواه ابن مجاهد عن ابن مسعود من "إدريس" ~~و"إدراسين" فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلم الأعجمي لأنه ليس من لغتها، ~~فتقل الحفل به، وقد ذكرنا مثله1. # وقياسه سلام على إدريسين، كما حكاه قطرب، إلا أنه حكاه: "وإن إدريسين"، ~~كما ترى. # وأما ما رواه قطرب من "إدراس" و"إدراسين" فجمع الصحة، كالياس والياسين. ~~ولو كان جمع تكسير لقال: سلام على الأداريس، كقولك في قرطاس: قراطيس، لكنه ~~جمع صحة للتذكير، كالزيدين والقاسمين. # فأما "إدرسين" فيشبه أن يكون أراد "إدراسين"، إلا أنه استطال الاسم، وجفت ~~عليه أيضا عجمته؛ فحذف الألف تخفيفا. وإذا كانوا قد حذفوها للتخفيف من نفس ~~كلامهم وسر لغتهم في قولهم في اصفار، واحمار، واسواد، وابياض: اصفر، واحمر، ~~واسود، وابيض، فهم بحذف هذه الألف فيما ليس من لغتهم، ولا ينصرف إليه ~~محاماتهم عنه أجدر بجواز ذلك فيه. نعم، وقد يمكن مع هذا أن تكون هذه الألف ~~في نحو احمار واسواد إنما حذفت لالتقاء الساكنين، كما زيد في مدها في أكثر ~~اللغة لالتقائهما، وكما همزت في نحو قولهم: # إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت2 # فتارة يستروح من اجتماعها إلى إطالة المد، وأخرى إلى الحذف، وأخرى إلى ~~الهمز، وكل هذا تفاد من التقاء الساكنين. # وحكى أبو حاتم عن أبي: " وإن إيليس"، و"على إيليسين". PageV02P225 # قال: وقال خارجة1: بلغنا أن اسمه كان إيليس، وإدريس [138ظ] . # ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: "وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون"2، وهكذا ms389 ~~هي، ليس فيها "أو". # قال أبو الفتح: في هذه الآية إعراب حسن، وصنعة صالحة؛ وذلك أن يقال: هل ~~لقوله: "ويزيدون" موضع من الإعراب، أو هو مرفوع اللفظ. لوقوعه موقع الاسم ~~حسب، كقولك مبتدئا: يزيدون؟ # والجواب أن له موضعا من الإعراب، وهو الرفع؛ لأنه خبر مبتدإ محذوف، أي: ~~وهم يزيدون على المائة. والواو لعطف على جملة، فهو كقولك: مررت برجل مثل ~~الأسد، وهو والله أشجع. ولقيت رجلا جوادا، وهو والله فوق الجواد. # فإن قلت: فقد تقول: لقيت من زيد رجلا كالأسد وأشجع منه، فهل يجوز على هذا ~~أن يكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون، فيعطف يزيدون على المائة؟ ~~قيل: يفسد هذا؛ لأن "إلى" لا تعمل في "يزيدون"، فلا يجوز أن يعطف على ما ~~تعمل فيه "إلى" فكما لا تقول: مررت بيزيدون على المائة فكذلك لا تقول ذلك. # فإن قلت: فقد يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، كقولنا: رب ~~رجل وأخيه، وكل شاة وسخلتها3، ومررت برجل صالح أبوه لا طالحين، ومررت بزيد ~~القائم أبواه لا القاعدين ونحو ذلك. قيل قدر المتجوز في هذا ونحوه لا يبلغ ~~ما رمته من تقدير حرف الجر مباشرا للفعل. ألا تراك لا تجيز مررت بقائم يقعد ~~وأنت تريد مررت بقائم وبقاعد؟ PageV02P226 # فإن قيل: فقدر هناك موصوفا محذوفا مجرورا ليكون تقديره: وأرسلناه إلى ~~مائة ألف وجمع يزيدون، على قول الراجز: # جادت بكفي كان من أرمى البشر1 # أي: بكفي إنسان كان من أرمى البشر قيل: تقدير مباشرة حرف الجر للفعل أشد ~~من تقدير الإضافة إليه. ألا ترى أنه على كل حال قد يضاف إلى الفعل ظروف ~~الزمان وغيره، على كثرة ذلك في أسماء الزمان؟ وينضاف إلى ذلك إفساد المعنى ~~وذلك أنه يصير معناه إلى أنه كأنه قال: وأرسلناه إلى جمعين: أحدهما مائة ~~ألف، والآخر زائد على مائة ألف. وليس الغرض والمراد هنا هذا، وإنما الغرض ~~-والله أعلم- وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، ~~وهم أيضا يزيدون. فالجمع إذا واحد لا جمعان اثنان. ms390 # وكذلك قراءة الجماعة: {أو يزيدون} ، وتقديره أو: هم يزيدون، فحذف المبتدأ ~~لدلالة الموضع عليه كما مضى مع الواو2، وأما قول الآخر: # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيبتني غيابيا3 # فقالوا: معناه أو شهرين ونصف ثالث؛ وذلك أن قوله: أو نصف ثالث لا يكون ~~ثالثا حتى يتقدمه شهران، إلا أنه هنا حذف المعطوف عليه مع حرف العطف جميعا. # وفي قوله "سبحانه": {أو يزيدون} وعلى قراءة جعفر بن محمد: "يزيدون" إنما ~~حذف اسم مفرد، وهو هم. وعلى أنه قد جاء عنهم حذف الاسم ومعه حرف العطف، ~~وذلك قولهم فيما رويناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: راكب ~~الناقة طليحان، أي: راكب الناقة والناقة طليحان4، فحذف الناقة وحرف5 العطف ~~معهما. وعلى أنه قد يحتمل PageV02P227 # ذلك تأويلا آخر، وهو أن يكون أراد: راكب الناقة أحد طليحين، فحذف المضاف، ~~وأقام المضاف إليه مقامه. # والذي عندي في قوله: # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث [139و] # أن يكون على حذف المضاف، أي: ألا فالبثا شهرين أو شهري نصف ثالث، أي: ~~والشهرين اللذين يتبعهما نصف ثالثهما؛ لأنه ليس كل شهرين يؤمر بلبثهما لابد ~~أن يصحبهما نصف ثالثهما، لكن البثا أنتما شهرين، أو الشهرين اللذين يتبعهما ~~في اللبث نصف ثالثهما. وصحت1 الإضافة فيهما هذا القدر من الوصلة بينهما. ~~وقد أضافت العرب الأول إلى الثاني لأقل وأخفض من هذه الشبكة بينهما. أنشدنا ~~أبو علي: # إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في الغرائب2 # قال: فأضاف سهيلا إليها لجدها في عملها عند طلوعه، وقريب من هذا قول ~~الرجلين بحملان الخشبة -أحدهما لصاحبه-: خذ أنت طرفك، ولآخذ أنا طرفي. ~~وإنما الطرف للخشبة، لا لحاملها، فاعرف كلام القوم تر العجب منه والحكمة ~~البالغة فيه بإذن الله تعالى. # ومن ذلك قراءة الحسن: "إلا من هو صال الجحيم3"، بضم اللام. # قال أبو الفتح: كان شيخنا أبو علي يحمله على أنه حذف لام "صال" تخفيفا، ~~وأعرب اللام بالضم، كما حذفت لام البالة من قولهم: ما باليت به بالة، ms391 وهي ~~البالية، كالعافية والعاقبة. # وذهب قطرب فيه إلى أنه أراد جمع "صال"، أي: صالون، فحذف النون للإضافة ~~وبقي الواو في صالو، فحذفها من اللفظ لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى "من" ~~لأنه جمع، فهو كقوله: {ومنهم من يستمعون إليك 4} ، وهذا حسن عندي، وقول أبي ~~علي وجه مأخوذ به. PageV02P228 # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "فإذا نزل بساحتهم"1. # قال أبو الفتح: لفظ هذا الموضع على الاستفهام2، ومعناه الوضوح والاختصاص؛ ~~وذلك أن الغرض فيه إنما هو: فإذا نزل العذاب بساحتهم، يدل عليه قوله قبله ~~معه: {أفبعذابنا يستعجلون} ؟ فإذا قال: {فإذا نزل بساحتهم} فلا محالة أن ~~معناه: فإذا نزل عذابنا بساحتهم، فأبهم الفاعل واعتمد ذكر المكان المنزول ~~فيه. # ومثله في المعنى قول الله "سبحانه": {وخلق الإنسان ضعيفا} 3، ونحن نعلم ~~أن الله "تعالى" خالقه. وكذلك {خلق الأنسان من عجل} 4، ألا ترى إلى قوله: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الأنسان من علق} 5، وقوله "عز اسمه": {خلق ~~الأنسان علمه البيان} 6، وقول: {ولقد خلقنا الأنسان ونعلم ما توسوس به ~~نفسه} 7، ونظائره كثيرة: # فكذلك قوله "تعالى": {فإذا نزل بساحتهم} على ما شرحناه من حاله، وهذا أحد ~~ما يدلك على أن إسناد الفعل إلى المفعول نحو: ضرب زيد، لم يكن لجهل المتكلم ~~بالفاعل من هو؟ البتة، لكن قد يسند إلى المفعول، ويطرح ذكر الفاعل لأن ~~الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الضرب بزيد، ولا غرض معه في إبانة الفاعل من ~~هو؟ فاعرفه. PageV02P229 ### | سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق: "صاد"1، بكسر الدال. # وقرأ: "صاد والقرآن" -بفتح الدال- الثقفي. # قال أبو الفتح: المأثور عن الحسن أنه إنما كان يكسر الدال من "صاد" لأنه ~~عنده أمر من المصاداة، أي: عارض عملك بالقرآن. # قال أبو علي: هو فاعل من الصدى، وهو يعارض الصوت في الأماكن الخالية من ~~الأجسام الصلبة، قال: وليس فيه أكثر من جعل "الواو" بمعنى الباء في غير ~~القسم، وقد يمكن أن تكون كسرة الدال [139ظ] لالتقاء الساكنين، كما أن فتحها ~~فتح لذلك، وقد يجوز أن ms392 يكون من فتح جعل "صاد" علما للسورة، فلم يصرف، ~~فالفتحة على هذا إعراب. # ومن ذلك قراءة السلمي: "لشيء عجاب"2. # قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء الصفة على فعيل وفعال -بالتخفيف- وفعال، ~~بالتشديد قالوا: رجل وضيء ووضاء، وأنشدوا: # والمرء يلحقه بفتيان الندى ... خلق الكريم وليس بالوضاء3 # أي: ليس بالوضئ وقال: # نحن بذلنا دونها الضرابا ... إنا وجدنا ماءها طيابا4 PageV02P230 # وقال: # جاءوا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العين وطوال الذنب # ومثله: رجل كريم، وكرام، وكرام. وزادوا مبالغة فيه بإلحاق التاء، فقالوا: ~~كرامة. والشواهد كثيرة، إلا أنه كتاب سئلنا اختصاره، لئلا يطول على كاتبه، ~~فأوجبت الحال الإجابة إلى ذلك. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وقتادة: "ولا تشطط1"، بفتح التاء، وضم الطاء. # قال أبو الفتح: يقال: شط يشط، ويشط: إذا بعد، وأشط: إذا أبعد. وعليه ~~قراءة العامة: {ولا تشطط} ، أي: ولا تبعد، وهو من الشط، وهو الجانب، فمعناه ~~أخذ الجانب الشيء وترك وسطه وأقربه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهي ~~جانب الوادي، وكما قيل: تعدى، وهو من عدوة الوادي، أي: جانبه. قال عنترة: # شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا على طلابك ابنة مخرم2 # أي: بعدت عن مزار العاشقين. وكما بالغ في ذكر استضراره خاطبها بذلك؛ لأنه ~~أبلغ فعدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب، فقال: "طلابك"، فافهم ذلك، فإنه ~~ليس الغرض فيه وفي نحوه السعة في القول، لكن تحت ذلك ونظيره أغراض من هذا ~~النحو، فتفطن لها. # ومن ذلك قراءة الحسن -بخلاف-: "تسع وتسعون نعجة3". # قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء الفعل والفعل على المعنى الواحد، نحو ~~البزر والبزر، والنفط والنفط، والسكر4 والسكر، والحبر والحبر، والسبر5 ~~والسبر. فلا ينكر -على ذلك- "التسع" بمعنى التسع، لاسيما وهي تجاور العشرة، ~~بفتح الفاء. PageV02P231 # ومن ذلك قراءة الحسن والأعرج: "نعجة1"، بكسر النون. # قال أبو الفتح: هذا أيضا كالذي قبله سواء، وقد اعتقبت فعله وفعله على ~~المعنى الواحد، قالوا للعقاب: لقوة ولقوة، وقوم شجعة وشجعة للشجعاء، ~~والمهنة والمهنة للخدمة، وله نظائر. فكذلك تكون "النعجة"، و"النعجة"، ولم ~~يمرر بنا الكسر إلا ms393 في هذه القراءة. # ومن ذلك قراءة أبي حيوة: " وعزني2"، مخففة. # قال أبو الفتح: أصله "عزني"، غير أنه خفف الكلمة بحذف الزاي الثانية أن ~~الأولى، كما حكاه ابن الأعرابي من قولهم: ظنت ذاك، أي: ظننت، وكقول أبي ~~زبيد: # خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس3 # وقالوا في مست: مست، [140و] وفي ظللت: ظلت. وحكى أحمد بن يحيى الحذف في ~~نحو ذلك من المكسور، نحو شممت وبابه. وذلك كله على تشبيه المضاعف بالمعتل ~~العين لكن "عزني" أغرب منه كله، غير أنه مثله في أنه محذوف للتخفيف. # ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه": "فتناه4". # وقرأ: "فتناه" قتادة وأبو عمرو في قراءة عبد الوهاب5 وعلي بن نصر6 عنه. # قال أبو الفتح: أما "فتناه"، بتشديد التاء والنون ففعلناه، وهي للمبالغة. ~~ولما دخلها معنى نبهناه ويقظناه جاءت على فعلناه؛ انتحاء للمعنى المراد. ~~PageV02P232 # وأما "فتناه" فإن المراد بالتثنية هما الملكانن وهما الخصمان اللذان ~~اختصما إليه، أي: علم أنهما اختبراه، فخبراه بما ركبه من التماسه امرأة ~~صاحبه، فاستغفر داود ربه. # ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي والأعمش -بخلاف عنهم-: " أولى الأيد1"، بغير ~~ياء. # قال أبو الفتح: يحتمل ذلك أمرين: # أحدهما أن أراد "بالأيد": "بالأيدي" على قراءة العامة، إلا أنه حذف الياء ~~تخفيفا، كما قال: {يوم يدع الداع إلى شيء نكر 2} وغير ذلك مما حذفت فيه ~~الياء تخفيفا. # والآخر أن يكون أراد: "بالأيد": القوة، أي: القوة في طاعة الله والعمل ~~بما يرضيه. ألا تراه مقرونا بقوله: {والأبصار} ، أي: البصر بما يحظى عند ~~الله؟. وعلى ذلك ف"الأيدى" هنا إنما هي جمع اليد التي هي القوة، لا التي هي ~~الجارحة ولا النعمة، لكنه كقولك: له يد في الطاعة، وقدم في المتابعة. ~~فالمعنيان إذا واحدن وهو البصيرة والنهضة في طاعة الله، فهو إذا من قول ~~لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها3 # ألا تراهم قالوا في تفسيره: بدأت في المغيب؟ وأصله لثعلبة بن صغير ~~المازني في قوله يصف الظليم والنعامة وقد جدا في ms394 طلب بيضهما: PageV02P233 # فتذكر ثقلا رثيدا بعدما ... ألقت ذكاء يمينا في كافر1 # يعني بكافر الليل، وهذا أبلغ معنى من قول لبيد. ألا تراه ذكر اليمين ~~خصوصية، وهي أشبه بالقوة؛ لأنها أقوى من الشمال؟ ولبيد اقتصر على ذكر اليد، ~~فقد تكون شمالا كما قد تكون يمينا. ومثله قول الشماخ: # تلقاها عرابة باليمين2 # أي: بالقوة. وإنما سميت القوة يمينا تشبيها لها بالجارحة اليمنى، وإذا ~~شبه العرض والجوهر فذلك تناه به، وإعلاء منه. ولهذا ما ذم الطائي الكبير ~~قلب ذلك، فقال: # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض3 # ووصف بالجواهر لقوته، كما وصف الآخر بالحديد لقوته، فقال في أحد ~~التأويلين: # بمنجرد قيد الأوابد هيكل4 # وعليه أيضا قال: "هيكل"، فوصف بالاسم غير المماس للفعل، لما في الهيكل من ~~العلو والرحابة والشدة، فاعرف ذلك مذهبا للقوم، وانتحه تصب بإذن الله. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "إن يوحى [140ظ] إلي إلا أنما5"، بكسر الألف. ~~PageV02P234 # قال أبو الفتح: هذا على الحكاية، حتى كأنه قال: إن يوحى، أي: إن يقال لي: ~~إلا أنت نذير مبين. # فإن قيل: فإذا كان حكاية فقد كان يجب أن يرد اللفظ عينه، وهو لم يقل له: ~~أنا نذير مبين، فهلا أعاده البتة، فقال: إن يوحي إلا أنت نذير مبين؟ # قيل: هذا أراد، إلا أنه إذا قال: إلا إنما أنا نذير مبين فكأنه قد قال: ~~أنت نذير مبين، ألا تراك تقول لصاحبك: أنت قلت: إنك شجاع، فزدت الحرف، وهو ~~لم يقل: إنك شجاع، وإنما قال: أنا شجاع. فلما أردت1 قوله حاكيا له أوقت ~~موقع "أنا" إنك. # وعله تحريف هذا الحرف الواحد من الجملة المحكية أنك مخاطب له، فغلب لفظ ~~الخطاب الحاضر اللفظ - المنقضي لقوة الحاضر على الغائب. هذا أيضا مع ارتفاع ~~الشبهة والإشكال في أن الغرض بهما جميعا شيء واحد. ونحو من هذا في بعض ~~الانحراف عن المحكي لدلالة عليه قول الشاعر: # تنادوا بالرحيل غدا ... وفي ترحالهم نفسي # أجاز لي فيه أبو علي بحلب سنة سبع وأربعين ثلاثة أضرب من الإعراب: ~~بالرحيل، والرحيل، والرحيل: ms395 رفعا، ونصبا، وجرا. # فمن رفع أو نصب فقدر في الحكاية اللفظ المقول البتة فكأنه قالوا: الرحيل ~~غدا، والرحيل غدا. # فأما الجر فعلى إعمال الباء فيه، وهي معنى ما قالوه، لكن حكيت منه قولك: ~~غدا وحده، وهو خبر المبتدأ وفي موضع رفع، لأنه خبر المبتدأ. # ولا يكون ظرفا لقوله: تنادوا؛ لأن الفعل الماضي لا يعمل في الزمان الآتي. ~~وإذا قال: تنادوا بالرحيل غدا، فنصب الرحيل فإن "غدا" يجوز أن يكون ظرفا ~~لنفس الرحيل، فكأنهم قالوا: أجمعنا الرحيل غدا، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل ~~نصب الرحيل آخر، أي: نحدث الرحيل غدا. فأما أن يكون ظرفا لتنادوا فمحال، ~~لما قدمنا. PageV02P235 ### | سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الحسن: "اجتنبوا الطاغوت1". # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث الطاغوت2 وأنه مقلوب، ووزنه فلعوت ~~من طغيت، وقالوا أيضا: طغوت. وقولهم: طغيان دليل على أن اللام ياء، فأصله ~~إذا طغيوت، مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت، ثم قدمت اللام على العين، ~~فصارت طيغوت، ثم قلبت الياء-لتحركها وانفتاح ما قبلها ألفا، فصارت طاغوت، ~~وكان قياسه إذا كسر أن يقال: طياغيت، إلا أنه ينبغي أن يكون الطواغيت جاء ~~على لغة من قال: طغوت. # ومثال طواغيت -على ما ترى- فلاعيت، وتبني مثلها من ضرب فتقول: ضاربتن ومن ~~قتل قلاتيت، ومن وأيت ويائيت. # ومثلها سواء الحانوت، وهي في الأصل حنووت، فعلوت من حنوت؛ لأن الحانوت ~~يحنو على ما فيه، ثم قدمت اللام على العين، فصار حونوت، ثم انقلبت الواو ~~كما انقلبت في طوغوت، فصار حانوت، ووزنها فلعوت، وعليه قالوا [141و] في ~~تكسيرها: حوانيت، وهي فلاعيت. # والحانة محذوفة اللام، كالبالة من باليت، وعليه قال عمارة: # وكيف لنا بالشرب فيها وما لنا ... دنانير عند الحانوي ولا نقد3؟ # فهذا على النسبة، إلى ناجية ناجوى. # ويجوز في الطواغيت وجه آخر، وهو أن يكون من طغيت، إلا أنه لما قدم اللام ~~وقبلها، PageV02P236 # فصارت إلى طاغوت - أشبهت فاعوا، فكسرها بالواو، كعاقول1 وعواقيل، وساجور2 ~~وسواجير، لا سيما وقد كثر عنهم التخليط في هذا المثال. ألا تراهم قالوا: ~~شيراز3، ثم ms396 كسروا فقالوا: شواريز، فيما حكاه أبو الحسن. وقياسه شياريز، أو ~~شراريز. والوجه الأول أقرب مأخذا، وهذا الثاني أيضا مقبول على ما ترى. # ومن ذلك قراءة أبي صالح الكوفي4 ومحمد بن جحادة وعكرمة بن سليمان5: ~~"والذي جاء بالصدق وصدق به6"، خفيفة. # قال أبو الفتح: قوله: "صدوق به"، خفيفة - ضرب في الثناء على المؤمن، فهو ~~كقولك: الذي يأمر بالمعروف، ويتبع سبيل الخير فيه - مثاب عند الله، فكذلك ~~قوله: {وصدق به} ، أي: استحق اسم الصدق في مجيئه به، فمن أمره كذا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "يا حسرتاى7". # وروى ابن جماز عنه: "يا حسرتاى"، مجزومة الياء. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة إشكال، وذلك أن الألف في "حسرتا" إنما هي ~~بدل من ياء PageV02P237 # حسرتي. أبدلت الياء ألفا هربا إلى خفة الألف من ثقل الياء، كقولك: يا ~~غلاما ويا صاحبا، أنت تريد: يا غلامي ويا صاحبي. وأنشده منه قوله: # يا بنت عما لا تلومي واهجمي1 # وذلك أنه أبدل من ياء "عمي" ألفا، وليس العم منادى. وهذا البدل إنما بابه ~~النداء، كقولك: يا أبا، ويا أما وكان -على هذا- ينبغي ألا يأتي بياء ~~المتكلم بعد الألف؛ لأن هذه الألف إنما هي بدل من ياء الضمير، وليس له هناك ~~ياءان، فهذا وجه إشكال هذا، وهو واضح. # والذي عندي فيه أه جمع بين العوض والمعوض منه، أعني البدل والمبدل منهن ~~كمذهب أبي إسحاق وأبي بكر في قول الفرزدق: # هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام2 # أي: مراجعة3: وأنه جمع بين الميم والواو، وإنما الميم بدل من الواو. ~~ومثله ما أنشده أبو زيد: # إني إذا ما حدث ألما ... دعوت يا اللهم يا اللهما4؟ PageV02P238 # فجمع بين "يا" والميم، وإنما الميم في آخر الاسم عوض من "يا" في أوله، ~~إذا قلت: اللهم اغفر لنا، وعليه قول الآخر: # يا أمتا أبصرني راكب ... في بلد مسحنفر لاحب1 # وإنما التاء في "يا أمت" بدل من الياء في يا أمي، فجمعت بينهما ثم أبدلت ~~من الياء ألفا، فقالت: "يا أمتا". وقال ms397 أبو علي في قوله: # ضخم يحب الخلق الأضخما2 # إنه يجري مجرى الجمع بين العوض والمعوض منه، [141ظ] قال: وذلك أن هذا ~~التشديد الذي يعرض في الوقف إنما دخل إيذانا بأن آخر الحرف محرك في الوصل، ~~إذ لا يجتمع ساكنان في الإدراج هكذا، فكان يجب إذا أطلق في الوصل أن يحذف ~~التشديد لزوال الحاجة إليه بالإطلاق، قال: فتركه الحرف المزيد في الوقف ~~للتثقيل مع استغنائه عنه بإطلاق الحرف -فكأنه جمع بين العوض والمعوض منه, ~~وهذا تأول -وإن كان صحيحا- بعيد، والذي رأيناه نحن أقرب القريب. # وأما إسكان الياء في "يا حسرتاى" في الرواية الثانية هو3 على ما مضى من ~~قراءة نافع: "محياي ومماتي4". وأرى مع هذا لهذا الإسكان هنا مزية على ذلك، ~~وذلك أنه قد كان ينبغي ألا يجمع بين الألف والياء؛ إذ كانت الألف هي الياء، ~~إلا أنه لما صانع عن ذلك بما ذكرناه، فألحق الياء على ما في ضعفت في نفسه؛ ~~لضعف القياس في إثباتها مع الألف، فضاءل منها وألطأ5 بالسكون شخصها. وإذا ~~لاطفت فكرك في تأمل ذلك وأنسته به أصحب6 إليه، وتابعك مع إنارة الفكر عليه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وأشرقت الأرض7". PageV02P239 # قال أبو الفتح: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، وشرقت: ~~إذا احمرت لقربها من الأرض؛ فتكون هذه القراءة التي هي "أشرقت" منقولة من ~~شرقت: إذا طلعت. وأشرقت أبلغ منه؛ لقوة نورها وإضاءتها. # وفي "أشرقت" معنى آخر، وهو أنها إذا أشرقت وأضاءت فإنما زاد نورها، وقد ~~كان قرصها ظاهرا قبل ذلك. وأما شرقت، أي: طلعت فإنها -وإن لم يكن لها صفاء ~~المشرقة- فإنه قد أشرف على الأرض من شخصها عقيب ظلمة الليل قبلها ما هال ~~رائيه ونسخ ما كان من سواد الليل قبله. فهذا القدر -لارتجاله وفجاءة وجه ~~الأرض به- أظهر قدرا من إضاءتها عقيب ما سبق من ظهور قرصها، وطبق الأرض من ~~نورها. # وهذا كان يعطيك رجل عشرة دراهم على حاجة منك إليها؛ فتقع موقعها. فإن ~~زادك هو أو غيره درهما آخر فصارت أحد عشر - فهي ms398 لعمري أكثر من عشرة، إلا أن ~~قدر الدرهم المزيد عليها لا يفي بقدر العشرة الواردة على قوة الحاجة، فشرقت ~~كالعشرة، وأشرقت كالأحد عشر، فافهم ذلك ممثلا بإذن الله. # PageV02P240 ### | سورة المؤمنون # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ معاذ بن جبل1 على المنبر: "إلا سبيل الرشاد2"، أي سبيل الله. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا من قولهم: رشد يرشد، كعلام من علم ~~يعلم، أو من رشد يرشد، كعباد من عبد يعبد. ولا ينبغي أن يحمل على أنه من ~~أرشد يرشد؛ لأن فعالا3 لم يأت إلا في أحرف محفوظة، وهي أجبر فهو جبار، ~~وأسأر4 فهو سأر، وأقصر فهو قصار، أدرك فهو دراك، وأنشدوا للأخطل: [142و] . # وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسار5 # وأجود الروايتين "بسوار"، أي: بمعربد. وأنشد ابن الأعرابي: "غير قصار". # وعلى أنهم قد قالوا: جبره على الأمر وقصر عن الأمر، فينبغي أن يكون جبار ~~وقصار من فعل، هذين الحرفين، وكذا ينبغي أن يعتقد في سار ودراك على أنهما ~~خرجا بحرف الزيادة، فصارا PageV02P241 # إلى سأر ودرك تقديرا، وإن لم خرجا إلى اللفظ استعمالا، كما قالوا: أبقل ~~المكان فهو باقل، وأورس الومث1 فهو وارس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأعضى2 ~~الليل فهو غاض. قال: # يخرجن من أجزاو ليل غاض3 # أي: مغض، وقالوا أيضا: ألقحت الريح السحاب، فهو لاقح. فهذا على حذف همزة ~~أفعل، وإنما قياسه ملقح، فعلى ذلك خرج "الرشاد"، أي: رشد بمعنى أرشد تقديرا ~~لا استعمالا، كما قال الآخر: # إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق4 # وكان قياسه أن يكون مودع لأنه من أودعته، فودع يدع، وهو وادع، ولا يقال: ~~ودعته في هذا المعنى فيقال مودع، كوضعته فهو موضوع. # فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أشد، فكيف أجزت أن يكون إنما مجيئه من ~~رشد أو رشد في معنى رشد، وأنه ليس من لفظ أرشد؟. # قيل: المعنى راجع فيما بعد إلى أنه مرشد؛ وذلك لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن ~~الإرشاد من الرشد. فكأنه من باب الاكتفاء # بذكر ms399 السبب من المسبب. وعليه قالوا في قول الله "سبحانه": {وأرسلنا ~~الرياح لواقح 5} -: إنها من لقحت هي، فإذا لقحت ألقحت غيرها، فهو كقولك: ~~إنها زاكية، فإذا زكت في نفسها أزكت غيرها، فهذا المذهب ليس هو الأول الذي ~~على تقدير الزيادة من ألقح، ولكل طريق. PageV02P242 # ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي: "يوم التناد1"، ~~بتشديد الدال. # قال أبو الفتح: هو تفاعل، مصدر تناد القوم، أي: تفرقوا، من قولهم: ند ~~يند، كنفر ينفر. وتنادوا كتنافروا، والتناد كالتنافر، وأصله التنادد، ~~فأسكنت الدال الأولى وأدغمت في الثانية استثقالا لاجتماع المثلين متحركين. # فإن قيل: فهلا أظهر نحو ذلك، وهو ملحق بالتفاعل من غير التضعيف نحو ~~التنافر، والتضافر، والتحاسر، والتحاسد. # قيل: هذا من أقبح الخطأ، وذلك أن الغرض في الإلحاق إنما هو رفع دوات ~~الثلاثة إلى ذوات الأربعة، نحو جلبب، وشملل2، فهما ملحقان بدحرج وهملج3، أو ~~بذوات الخمسة نحو كوالل4، في إلحاقه بسفرجل، مجتازا في طريقه بقفعدد5 ~~وسبهلل6، أو رفع بنات الأربعة إلى بنات الخمسة، نحو شنخف7، وهلقس8 في ~~إلحاقهما بجردحل9. فأما أن تلحق بنات الثلاثة ببنات الثلاثة فلغوا [142ظ] ~~من القول، فلم يكن في إلا فساد معنى قولهم: ملحق؛ لأن الأصل لا يلحق بنفسهن ~~فكذلك أيضا "التناد" ثلاثي، كما أن التنافر ثلاثي, أفيلحق الشيء بنفسه؟ # ألا ترى أن ند ثلاثي، كما أن نفر كذلك؟ وهذا واضح. # ولو جاز هذا للزمك عليه أن تقول في شد وحل: شدد وحلل، فتظهرهما، وتقول: ~~هما ملحقان بدخل وخرج. # فإن قلت: فقد قالوا في فيعل - نحو خيفق10 وصيرف- وفوعل من رددت: ريدد ~~ورودد، وإن كنا قد أحطنا علما بأن كل واحد من خيفق وصيرف ثلاثي الأصل. ~~PageV02P243 # قيل: أجل، إلا أنك ألحقت فيهما جميعا ثلاثيا برباعي، ألا ترى أن خيفقا ~~وصيرفا ملحقان بجعفر وسلهب1؟. فإن قال لك: ابن من رد مثل فيعل وفوعل فكأنه ~~إنما قال: ألحق رد بجعفر على حد فيعل وفوعل، اللذين ألحقتهما به، وهذا ~~واضح، وليس كذلك التفاعل؛ لأن التفاعل ليس ملحقا بشيء، كإلحاق صيرف وجوهر ~~بجعفر، فهذا ms400 فرق. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود: "والسلاسل يسحبون3"، بفتح اللام. # قال أبو الفتح: التقدير فيه إذ الأغلال أعناقهم ويسحبون السلاسل، فعطف ~~الجملة من الفعل والفاعل على التي من المبتدأ والخبر، كما عودلت إحداهما ~~بالأخرى في نحو قوله: # أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم3 # أي: أأنت موف بها أم تذم؟ فقابل المبتدأ والخبر التي من الفعل والمفعول ~~الجاري مجرى الفاعل وقال الله تعالى: {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ~~4} ، أي: أصمتم؟ وعلى أنه لو كان إذ في أعناقهم الأغلال والسلاسل يسحبون ~~لكان أمثل قليلا؛ من قبل أن قوله: في أعناقهم الأغلال يشبه في اللفظ تركيب ~~الجملة من الفعل والفاعل؛ لتقدم الظرف على المبتدأ، كتقدم الفعل على ~~الفاعل، مع قوة شبه الظرف بالفعل. # وعلى أن أبا الحسن يرفع زيدا من قولك: في الدار زيد بالظرف، كما يرفعه ~~بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا في قولهم: فيك يرغب أن ~~يكون فيك مرفوعا بالابتداء، وفي "يرغب" ضميره، كقولك: زيد يضرب، من موضعين: ~~أحدهما أن الفعل لا يرتفع بالابتداء، فكذلك الظرف. # والآخر أن الظرف لا ضمير له، كما أن الفعل لا ضمير له. ومن ذلك أيضا ~~قوله: # زمان على غراب غداف ... فطيره الشيب عني فطارا5 # فعطفه الفعل على الظرف من أقوى دليل على شبهه به، وفيه أكثر من هذا ~~فتركناه؛ لأن في هذا مقنعا بإذن الله. PageV02P244 ### | سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: "أتينا طائعين1". # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "آتينا" هنا فاعلنا، كقولك: سارعنا ~~وسابقنا، ولا يكون أفعلنا؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين، وفاعلنا متعد إلى ~~مفعول [143و] واحد. وحذف الواحد أسهل من حذف الاثنين؛ لأنه كلما قل الحذف ~~كان أمثل من كثرته. نعم، ولما في سارعنا من معنى أسرعنا. ومثل "آتينا" في ~~أنه فاعلنا لا أفعلنا القراءة الأخرى: "وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها2"، أي: سارعنا بها، وقد تقدم ذكره. # ومن ذلك ms401 قراءة الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري: "وإن يستعتبوا"، بضم ~~الياء - "فما هم من المعتبين3"، بكسر التاء. # قال أبو الفتح: أي لو استعتبوا لما أعتبوا، كقولك: لو استعطفوا لما ~~عطفوا؛ لأنه لا غناء عندهم، ولا خير فيهم، فيجيبوا إلى جميل، أو يدعوا إلى ~~حسن. وإذا جاز للشاعر أن يقول: # لها حافر مثل قعب الوليد ... تتخذ الفار فيه مغارا4 # ومعناه: لو اتخذت فيه مغارا لوسعها - جاز أيضا أن يقال: "وإن يستعتبوا"؛ ~~لأن الشرط ليس بصريح إيجاب، ولا بد فيه من معنى الشك. وتتخذ الغار فيه لفظ ~~التصريح به5، وهو PageV02P245 # مع ذلك لم يقع، ولا يقع فهذا طريق قوله تعالى: {وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين} ؛ لأن لفظه لفظ الشك، وإن لم يكن هناك استعتاب لهم أصلا. ألا ترى ~~إلى قوله في الآية الأخرى: {فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون؟ 1} . # ومن ذلك قراءة بكر بن حبيب السهمي: "والغوا فيه"2، بضم الغين. # قال أبو الفتح: اللغو اختلاط القول في تداخله، يقال منه: لغا يلغو، وهو ~~لاغ. ومنه الحديث: من قال في الجمعة: صه فقد لغا3، يراد بذلك توقيرها ~~وتوفيتها حقها من الخشوع والإخبات4 فيها، أي: فهو بمنزلة من أطال الكلام ~~وخلط فيه. وفي الحديث أيضا: إياكم وملغاة أول الليل، أي: كثرة الحديث. فهذا ~~كالحديث المرفوع: خرج علينا عمر، فجدب لنا السمر5، أي: عابه. # ونحو منه قول الله "سبحانه": {وإذا مروا باللغو مروا كراما 6} ، وقوله: و ~~{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه 7} ، أي: بالباطل، فهو راجع إلى هذا؛ لأن ~~كثرة القول مدعاة إلى الباطل، وقوله "تعالى": {لا تسمع فيها لاغية 8} يحتمل ~~أمرين: # أحدهما كلمة لاغية. # والآخر أن يكون مصدرا، كالعاقبة، والعافية، أي: لا يسمع فيها لغو، وهذا ~~أقوى من الأول؛ لأن في ذلك إقامة الصفة مقام الموصوف، وهذا غير مستحسن في ~~القرآن. PageV02P246 # ويقال فيه أيضا: لغى يلغى لغا، قال: # عن اللغا ورفث التكلم1 # ويقال أيضا: لغى بالشيء يلغي به، كقولك: لزمه وأحبه، فيكون كقوله: من أحب ~~شيئا أكثر من ذكره. يقال: لغى به، وغرى ms402 به، وغره به، ولكي به، ولزم به، ~~وسدك به، وعسق به: إذا واصله، وأقام عليه. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "وربأت2". # قال أبو الفتح: هذه القراءة راجعة بمعناها إلى معنى ما عليه قراءة ~~الجماعة، وذلك أن الأرض إذا ربت ارتفعت، والرابئ أيضا كذلك؛ لأنه هو ~~المرتفع. ومنه الربيئة، وهو طليعة القوم وذلك لشخوصه على الموضع المرتفع. ~~قال الهذلي [143ظ] . # فوردن والعيوق مقعد رابئ الض ... رباء خلف النجم لا يتتلع3 # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي الأسود والجحدري وسلام والضحاك وابن عامر؛ ~~بخلاف: "أعجمي"4، بهمزة واحدة مقصورة، والعين ساكنة. PageV02P247 # وقرأ بهمزة واحدة غير ممدودة وفتح العين - عمرو بن ميمون. # قال أبو الفتح: أما "أعجمي"، بقصر الهمزة، وسكون العين فعلى أنه خبر لا ~~استفهام، أي: لقالوا: لولا فصلت آياته، ثم أخبر فقال: الكلام الذي جاء به ~~أعجمي، أي: قرآن، وكلام أعجمي. ولم يخرج مخرج الاستفهام على معنى التعجب ~~والإنكار على قراءة الكافة، وهذا كقولك للآمر بالمعروف، التارك لاستعماله: ~~أراك تأمر بشيء ولا تفعله. وعلى قراءة الكافة: أتأمر بالبر وتتركه؟. # وأما قراءة عمرو بن ميمون: "أعجمي" فهذه همزة استفهام، وهو منسوب إلى ~~العجم. وأما أعجمي بسكون العين فلفظه لفظ. النسب، وليس هناك حقيقة نسب، ~~وإنما هو لتوكيد معنى الصفة. ونظيره قولهم: رجل أحمر وأحمري، وأشقر وأشقري. ~~وعليه قول العجاج: # غضف طواها الأمس كلابي1 # أي: كلاب، يعني صاحب كلاب، كبغال وحمار. وقوله أيضا: # والدهر بالإنسان دواري2 # أي: دوار. فكذلك أعجمي، معناه أعجم. ومنه قولهم: زياد الأعجم. رجل أعجم، ~~ومرأة عجماء، وقوم عجم. فهذا كأحمر وحمراء وحمر. # فأما الأعاجم فتكسير أعجمي، وهو على حذف زيادة ياءي الإضافة. وجاز تكسيره ~~على أفاعل؛ لأنه بدخول ياءي الإضافة عليه فارق في اللفظ باب أفعل وفعلاء، ~~فكسر تكسير الأسماء. # ووجه مفارقته إياه لحاق تاء التأنيث، فصار كظريف وظريفة، وقائم وقائمة. ~~فلما فارق أحكام أفعل وفعلاء كسر على الأفاعل، فجرى مجرى أحمد وأحامد. نعم، ~~وصرفه عند لحاق التأنيث له يزيده بعدا عن حكم أحمر وبابه، وأنت أيضا تصرفه ~~معرفة ونكرة، ms403 وأحمر لا ينصرف معرفة ونكرة. والحديث هنا طويل، وفيما مضى كاف ~~على ما عقدنا عليه من الاقتصاد في هذا الكتاب، على حد ما سئلنا في معناه. ~~PageV02P248 ### | سورة عسق # بسم الله الرحمن الرحيم # روى محبوب عن إسماعيل عن الأعمش عن ابن مسعود: "حم سق1". # قال أبو الفتح هذا مما يؤكد أن الغرض في هذه الفواتح إنما هو لكونها2 ~~فواصل بين السور، ولو كانت أسماء الله سبحانه لما جاز تحريف شيء منهان وذلك ~~لأنها لو كانت أسماء له لكانت أعلاما، كزيد وعمرو، فالأعلام لا طريق إلى ~~تحريف شيء منها، بل هي مؤداة بأعيانها. # فأما الخلاف الذي في باب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وإبراهيم، ونحو ذلك ~~فالعذر فيها أنها أسماء أعجمية، ولام التعريف لا تدخلها؛ فبعدت عن أصول ~~كلام العرب، واجترأت عليه وتلعبت بها لفظا، تارة كذا، وأخرى كذا. وليس كذلك ~~"حم?، عسق" وبقية الفواتح؛ لأنها حروف [144و] العرب المركب منها كلامها. ~~فأما ترك إعرابها فكترك إعراب كثير من كلامها، كالأفعال غير المضارعة، ~~وجميع الحروف. وعلى أن الأعجمي على ما ذكرنا من حاله معرب فهذا هذا. # وكان ابن عباس قرأها بلا عين أيضا، ويقول: السين: كل فرقة تكون، والقاف: ~~كل جماعة تكون. # ومن ذلك قراءة سلام: "نؤته منها3". # قال أبو الفتح: هذا على لغة أهل الحجاز، ومثله قراءتهم: "فخسفنا به ~~وبداره الأرض4"، وقد تقدم القول عليه. PageV02P249 # ومن ذلك قراءة مسلم بن جندب: "وإن الظالمين لهم عذاب أليم1"، نصب. # قال أبو الفتح: هو معطوف على كلمة "الفصل"، أي: ولولا كلمة الفصل، وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم، ولولا أن الظالمين قد علم منهم أنهم سيختارون ما ~~يوجب عليهم العذاب لهم2 لقضى بينهم. # ونعوذ بالله مما يجنيه الضعف في هذه اللغة العربية على من لا يعرفها، فإن ~~أكثر من ضل عن القصد حتى كب على منخريه في قعر الجحيم إنما هو لجهله ~~بالكلام الذي خوطب به، ثم لا يكفيه عظيم ما هو عليه وفيه دون أن يجفوها، ~~ويعرض عما يوضحه له أهلوها. نعم، ويقول: ما الحاجة إليها؟ ms404 وأين وجه3 ~~الضرورة الحاملة عليها؟ نعوذ بالله من التتابع في الجهالة، والعدول عما ~~عليه أهل الوفور والمثالة. # وجاز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب "لولا" الذي هو قوله: {لقضي ~~بينهم} ، لأن ذلك شائع، وكثير عنهم. قال لبيد: # فصلقنا في مراد صلقة ... وصداء ألحقتهم بالثلل4 # أي: فصلقنا في مراد وصداء صلقة. # وفيه أيضا فصل بين الموصوف الذي هو صلقة، والصفة التي هي قوله: ألحقتهم ~~بالثلل - بالمعطوف الذي هو قوله: وصداء، والموصوف مع ذلك نكرة. وما أقوى ~~حاجتها إلى الصفة! ومثله ما أنشدناه أبو علي من قول الآخر: # أمرت من الكتاب خيطا وأرسلت ... رسولا إلى أخرى جريا يعينها5 PageV02P250 # ففصل بين قوله: "رسولا"، وبين صفته التي هي "جريا" بقوله: إلى أخرى، وهو ~~معمول أرسلت, على هذا حمله أبو علي وإن كان يجوز أن يكون صفة ل"رسول" ~~متعلقة بمحذوف، وأن يكون أيضا متعلقا بنفس "رسول". # وقد يجوز في "أن1" أن تكون مرفوعة بفعل مضمر، حتى كأنه قال: ووجب، أو وحق ~~أن الظالمين لهم عذاب أليم. يؤنسك بانقطاعه عن الأول إلى هنا قراءة الجماعة ~~بالكسر و "إن" بالكسر فهذا استئناف -كما ترى- لا محالة. # ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد: "ذلك الذي يبشر2"، بضم الياء، وسكون الباء، ~~وكسر الشين. # قال أبو الفتح: وجه هذه القراءة أقوى في القياس، وذلك أنه يقال: بشر زيد ~~بكذا، ثم نقل بهمزة النقل، فقيل: أبشره الله بكذا، فهذا كمر زيد بفلان، ~~وأمره الله به. ورغب فيه، وأرغب الله فيه. # نعم، وأفعلت ههنا كفعلت فيه، وهو أبشرته وبشرتهه، وكلاهما منقول للتعدي: ~~أحدهما بهمزة أفعل، والآخر بتضعيف [144ظ] العين. فهذا كفرح وأفرحته وفرحته، ~~وهو بشر وأبشرته وبشرته. وأما بشرته -بالتخفيف- فعلى معاقبة فعل لأفعل في ~~معنى واحد، نحو جد في الأمر وأجد، وصد عن كذا وأصد. # قال أبو عمرو: وإنما قرأت هذا الحرف وحده "يبشر" لأنه ليس معه "به3"، ~~وهذا صحيح حسن. PageV02P251 # ومن ذلك قراءة قتادة: "فيظللن رواكد1"، بكسر اللام2. # قال أبو الفتح: هذه القراءة على ظللت أظل، كفررت أفر. والمشهور فيها فعلت ~~أفعل: ظللت ms405 أظل. # وأما ظللت أظل فلم يمرر بنا، لكن قد مر نحو ضللت أضل، وضللت أضل. ولم ~~يقرأ قتادة -إن شاء الله- إلا بما رواه، وأقل ما في ذلك أن يكون سمعه لغة. ~~PageV02P252 ### | سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة أبي جعفر يزيد: "بلدة ميتا1"، بالتشديد. # قال أبو الفتح: التذكير مع التشديد ليس في حسن التذكير مع التخفيف؛ وذلك ~~أن "ميتا" بالتشديد يكاد يجري مجرى فاعل، فكأنه مائت؛ ولذلك اعتقبا على ~~الموضع الواحد2، فقالوا: رجل سائد وسيد، وبائع وبيع، وقائم بالأمر وقيم. # وقرئ: "إنك مائت3" و"ميت". # وعليه أيضا حذفت عين فيعل مما اعتلت عينه، كما حذفت عين فاعل منه فصار ~~ميت، وهين، ولين - كشاك4، وهار5، ولاث6. وإذا جريا مجرى المثال الواحد - ~~لما PageV02P253 # ذكرناه، ولما استطلناه فتركناه- ضعف "بلدة ميتا # " بالتثقيل، كما ضعفت امرأة مائت وبائع. # وليس الموت أيضا مما يختص بالتأنيث فيحمل على تذكير طالق وطامث1 وبابه ~~وهو2 إذا خفف فقيل ميت أشبه لفظ المصدر، نحو البيع، والضرب، والموت، والقتل ~~وتذكير المصدر إذا جرى وصفا على المؤنث ليس بمستنكر، نحو امرأة عدل، وصوم، ~~ورضا، وخصم. فهذا فرق -كما ترى- لطيف. # ومن ذلك قراءة الزهري: "أشهدوا3"، بغير استفهام. # قال أبو الفتح: أما حذف همزة الاستفهام تخفيفا، كأنه قال: أشهدوا خلقهم؟ ~~كقراءة الجماعة - فضعيف؛ لأن الحذف في هذا الحرف أمر موضعه الشعر، ولكن ~~طريقه غير هذا. وهو أن يكون قوله: {أشهدوا خلقهم} صفة ل"إناث" حتى كأنه ~~قال: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد لرحمن إناثا مشهدا خلقهم هم. # فإن قلت: فإن المشركين لم يدعوا أنهم أشهدوا خلق ذلك، ولا حضروه. # قيل: اجتراؤهم على ذلك، ومجاهرتهم به، واعتقادهم إياه، وانطواؤهم عليه ~~-فعل من شاهده، وعاين معتقد ما يدعيه فيه، لا من هو شاك ومرجم ومتظن، وإن ~~لم يكن معاندا ومتخرصا لما لا يعتقده أصلا. فلما بلغوا هذه الغاية صاروا ~~كالمدعين أنهم قد شهدوا ما تشهروا4 به وأعصموا5 باعتقاده. # وهذا كقولك لمن يزكي نفسه، وينفي الخبائث عنها، أو شيئا من الرذائل أن ~~تتم6 عليها: وأنت إذا تقول: إنك معصوم، ms406 وهو لم يلفظ بادعائه العصمة، لكنه ~~لما ذهب بنفسه ذلك المذهب صار بمنزلة من قال: أنا معصوم. PageV02P254 # ومثله أن يقول الإنسان: القرآن ليس بمعجز، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ~~ليس بمرسل، فتقول أنت: هذا الذي تقول الحق باطل، وهو لم يلفظ بذلك، لكن ~~صورته صورة من لفظ به. # وعليه قول الله "سبحانه": {يدعو [145و] لمن ضره أقرب من نفعه 1} ، إذا ~~تأولت ذلك على أنه كأنه قال: يقول: لمن ضره أقرب من نفعه إله، ثم حذفت خبر ~~المبتدأ، وإن كان هو لم يقل ذلك، بل هو يعتقد أن نفعه أقرب من ضره، لكنك ~~أخبرت عنه أن صورته مع تحصيلها صورة من يقول: ذلك. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "لما متاع2". # قال أبو الفتح: ما هنا بمنزلة الذي، والعائد إليها من صلتها محذوف، ~~وتقديره: وإن كل ذلك للذي هو متاح الحياة الدنيا، فكأنه قال: وإن كل ذلك ~~لما يتمتع به أحوال الدنيا، فجاز حذف هذا الضمير على انفصاله جوازا قصدا لا ~~مستحسنا، ومثله على توسطه قراءة من قرأ: "مثلا ما بعوضة3، أي: ما هو بعوضة، ~~وقوله: # لم أر مثل الفتيان في غبن ال ... أيام ينسون ما عواقبها4 # أي: ينسون الذي هو عواقبها. وقد ذكرناه بما فيه، إلا أن ابن مجاهد لم ~~يذكر كيف إعراب "كل" في هذه الآية؟ هل هو مرفوع أو منصوب؟ وينبغي أن يكون ~~منصوبا؛ وذلك أن "أن" هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت منها وأبطل نصبها ~~لزمتها اللام في آخر الكلام للفرق بينها وبين إن النافية بمعنى ما، وذلك ~~قولك: إن زيد لقائم، وقوله: # شلت يمينك إن قتلت لمسلما5 PageV02P255 # أي: إنك قتلت مسلما، وهذا موضح في بابه. # فلو كانت "كل" هنا رفعا لم يكن بد معها من اللام الفاصلة بين المخففة ~~والنافية، ولالام معك؛ لأن هذه الموجودة في اللفظ إنما هي الجارة المكسورة، ~~ولو جاءت معها لوجب أن تقول: وإن كل ذلك للمامتاع الحياة الدنيا، كقولك: إن ~~زيد لمن الكرام. # فإن قلت: إنه قد يجوزم أن يكون أراد اللام الفاصلة، ms407 لكنها جفت مع اللام ~~الجارة، فحذفت وصارت هذه الجارة في اللفظ كالعوض منها. # قيل: فقد قال: # فلا والله لا يلفي لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء1 # فجمع بين اللامين، وكلتاهما جارة. فجاز الجمع بين الجارتين، وهما بلفظ ~~واحد، وعمل واحد- فجمع المفتوحة مع المكسورة العاملة أحرى بالجوز. # وبعد، فالحق أحق أن يتبع. هذا بيت لم يعرفه أصحابنا ولا رووه، والقياس من ~~بعد على نهاية المج له والإعراض عنه، لاسيما وقد جاور بحرف الجر حرفا مثله ~~لفظا ومعنى, فلو وجد هذا البيت عنوانا على كل ورقة من مصحف أبي عمرو لما ~~جاز استعمال مثله في الشعر إلا كلا ولا2، فضلا عن الأخذ به في كتاب الله. # فإذا كان كذلك بطل رفع "كل" لما ذكرناه، وجب أن يكون نصبا على لغة من نصب ~~مع التخفيف، فقال: إن زيدا قائم؛ لأنه إذا نصب زال لاشك في أنها ليست ~~بالنافية؛ لأن تلك غير ناصبة للمبتدأ. وترك ابن مجاهد ذكر الإعراب في "كل" ~~يدعو إلى أن يكون رفعا؛ إذ لو كان نصبا لذكره لما فيه من الشذوذ الذي عليه ~~وضع الكتاب، ففيه إذا ما تراه، فتعجب منه. PageV02P256 # ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود "رضي الله عنهما" ويحيى ~~والأعمش: "يا مال1". # قال أبو الفتح: هذا المذهب المألوف في الترخيم [145ظ] ، إلا أن فيه في ~~هذا الموضع سرا جديدا، وذلك أنهم -لعظم ما هم عليه- ضعفت قواهم، وذلت ~~أنفسهم، وصغر كلامهم؛ فكان هذا مواضع الاختصار ضرورة عليه، ووقوفا دون ~~تجاوزه إلى ما يستعمله المالك لقوله، القادر على التصرف في منطقه. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن اليماني: "فأنا أول العبدين2". # قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- أول الأنفين. يقال: عبدت من الأمر ~~أعبد عبدا، أي: أنفت منه. وهذا يشهد لقول من قال في القراءة الأخرى: "فأنا ~~أول العابدين"، أي: الأنفين. ولم يذهب إلى أنه أول العابدين؛ لأني لا أذهب ~~إلى ما يذهبون إليه من أن معناه: أن كان للرحمن عندكم أنتم ولد فأنا أول من ~~يعبده، ms408 لأن الأمر بخلاف ما قدرتموه أنتم., # ألا ترى أن العبدين من عبد يعبد؟ فإن قلت: فقد قال: # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # إلا عرادا عردا ... وصليانا بردا # وعنكثا ملتبدا3 # يريد عاردا وباردا، كما قال العجلي: # كأن في الفرش القتاد العاردا3 # قيل: إنما جاز في الضرورة؛ لأن القافية غير مؤسسة، فحذف الألف ضرورة كما ~~حذفها الآخر من قوله: # مثل النقا لده ضرب الطلل4 # يريد الطلال، كما قال القحيف العقيلي: # ديار الحي يضربها الطلال ... بها أهل من الخافي ومال4 PageV02P257 # وكذلك مذهب ابن عباس في قوله: "فأنا أول العابدين"، أي: الأنفين. # ووجه ثالث مقول أيضا، وهو أن تكون "إن" بمعنى ما، أي: ما كان للرحمن ولد، ~~فأنا أول العابدين له؛ لأنه لا ولد له. قال الفرزدق: # وأعبد أن تهجى كليب بدارم1 # أي: آنف من ذلك. # وروينا عن قطرب أن العابد العالم، والعابد الجاحد، والعابد الأنف ~~الغضبان، قال: ومعنى هذه الآية يحتمل كل هذه المعاني، وفيه ما ذكرته أنا ~~لك. # ومن ذلك قراءة الأعرج ورويت عن أبي قلابة وعن مجاهد أيضا: "وقيله2"، ~~رفعا. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ارتفاعه عطفا3 على "علم" من قوله: {وعنده ~~علم الساعة} ، و"قيله"، أي: وعلم قيله، فجاء على حذف المضاف، كما أن من جره ~~"وقيله" فهو معطوف عنده على "الساعة". فالمعنيان -كما تراه- واحد، ~~والإعرابان مختلفان. # فمن نصب فقال: "وقيله" كان معطوفا على "الساعة" في المعنى، إذ كانت ~~مفعولا بها في المعنى، أي: عنده أن يعلم الساعة وقيله. وهذا كقولك: عجبت من ~~أكل الخبز والتمر، أي: من أن أكلب هذا وهذا. وروينا عن أبي حاتم، قال: ~~"وقيله" نصب معطوف على "نسمع سرهم ونجواهم4"، و"قيله". قال: قال ذلك جماعة، ~~منهم يعقوب القارئ. وبعد، فليعم أن المصدر الذي هو "قيل" مضاف إلى الهاء، ~~وهي مفعولة في المعنى لا فاعله؛ وذلك أن وعنده عطفا PageV02P258 # علم أن يقال له: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فالمصدر هنا مضاف إلى ~~المفعول لا إلى الفاعل، وإنما هو [146و] من باب قول الله ms409 "سبحانه": {لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك 1} ، أي: بسؤاله إياك نعجتك. ومثله قوله "تعالى": {لا ~~يسأم الأنسان من دعاء الخير 2} ، أي: من دعائه الخير، لا بد من هذا ~~التقدير. # ألا ترى أنه لا يجوز أن تقدره على أنه: وعنده علم أن يقول الله: يا رب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون؟ لأن هذا إنما يقال لله "تعالى" دون أن يكون "سبحانه" ~~يقول: يا رب إن هؤلاء كذا، فتم الكلام على "يؤمنون"، ثم قال الله: يا محمد، ~~فاصفح عنهم، وليس يريد "تعالى" الصفح الذي هو المساهلة والعفو؛ إنما المراد ~~فأعرض عنهم بصفح وجهك، كما قال "تعالى" {وأعرض عن الجاهلين 3} . # وقوله: "قل سلام4"، أي: أمرنا وأمركم متاركة وتسلم، كما قال: {وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما 5} . # وقوله: {فسوف يعلمون 6} من كلام الله أيضا، ألا ترى أن النبي "صلى الله ~~عليه وسلم" لا يقول لله "سبحانه": {فسوف يعلمون} ؟ لأن هذا إعلام، والله ~~أحق المعلمين بهم. PageV02P259 ### | سورة الدخان # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة الحسن وأبي رجاء طلحة، بخلاف: "يوم نبطش1"، مضمومة النون، مكسورة ~~الطاء. # قال أبو الفتح: معنى نبطش أي نسلط عليهم من يبطش بهم، فهذا من بطش هو، ~~وأبطشته أنا، كقولك: قدر وأقدرته، وخرج وأخرجته. وإلى هذا ذهب أبو حاتم في ~~هذه الآية فيما رويناه عنه. # وأما انتصاب "البطشة" فبفعل آخر غير هذا الظاهر، إلا أن هذا دل عليه، ~~فكأنه قال: يوم نبطش من نبطشه، فيبطش البطشة الكبرى، فيجري نحو من قولهم: ~~أعلمت زيدا عمرا العلم اليقين إعلاما، فإعلاما منصوب بأعلمت. وأما العلم ~~اليقين فمنصوب بما دل عليه أعلمت، وهو علم العلم اليقين. وعليه قوله: # ورضت فذلت صعبة أي إذلال2 # فأي إذلال منصوب بما دل عليه قوله: {رضت} ؛ لأن "رضتها" وأذللتها بمعنى3 ~~واحد ولك أن تنصب "البطشة الكبرى" لا على المصدر، ولكن على أنها مفعول به، ~~فكأنه PageV02P260 # قال: يوم نقوى البطشة الكبرى عليهم، وتمكنها منهم، كقولك: يوم نسلط القتل ~~عليهم، وتوسع الأخذ منهم. # ومن ذلك قراءة عكرمة: "وزوجناهم بحور عين1". # قال أبو حاتم: وفي قراءة عبد الله ms410 بن مسعود: "وزوجناهم بعيس عين". # قال أبو الفتح: هذه الإضافة تفيد ما تفيده الصفة؛ لأن حور العين حور عين ~~في المعنى، إلا أن لفظ الصفة أوفى2 من لفظ الإضافة؛ إذ كان المضاف والمضاف ~~إليه جاريين مجرى المفرد. والصفة تأتي من الاختصاص المستفاد منها مأتى ~~الزيادة المسهب بها، وهي مع ذلك أشد إصراحا بالمعنى من المضاف. # ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بظريف كرام جاز أن يكون ذلك الظريف كريما، ~~وجاز أن يكون منسوبا إليهم؛ لاتصاله بهم وإن لم يكن كريما مثلهم؟ وإذا قلت: ~~مررت بظريف كريم فقد أثبت له مذهب الكرم [146ط] البتة. # وأما قراءة عبد الله: "بعيس عين" فإن العيساء: البيضاء، والأعيس: الأبيض، ~~وكذلك فسرها أبو حاتم والفراء جميعا. PageV02P261 ### | سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة ابن عباس وعبد الله بن عمرو الجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير: ~~"جميعا منة1"، منصوبة، منونة. # وقرأ: "جميعا منة" -سلمة -فيما حكاه ورويته عنه- أبو حاتم. # قال أبو الفتح: أما "منة" فمنصوب على المصدر بما دل عليه قوله "تعالى": ~~{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا} ؛ لأن ذلك منه "عز اسمه" منة ~~منها عليهم، فكأنه قال: من عليهم منة. ومن نصب وميض البرق من قولهم: تبسمت ~~وميض البرق بنفس تبسمت، لكونه في معنى أومضت -نصب أيضا "منة" بنفس سخر لكم، ~~على ما مضى. # وأما "منة" بالرفع فحمله أبو حاتم على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك، أو ~~هو "منة"، كذا قال. ويجوز أيضا عندي أن يكون مرفوعا بفعله هذا الظاهر، أي: ~~سخر لكم ذلك "منة" كقولك: أحياني إقبالك علي، وسدد أمري حسن رأيك في؛ فتعمل ~~فيه هذا اللفظ الظاهر، ولا تحتاج إلى إبعاد التناول واعتقاده ما ليس بظاهر. # ومن ذلك قراءة يعقوب: "كل أمة تدعى2"، بفتح اللام. # قال أبو الفتح: "كل أمة تدعى" بدل من قوله: {وترى كل أمة جاثية} . وجاز ~~إبدال الثانية من الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى؛ ~~لأن جثوها ليس فيه شيء من شرح ms411 حال الجثو. والثانية فيها ذكر السبب الداعي ~~إلى جثوها، وهو استدعاؤها إلى ما في PageV02P262 # كتابها، فهي أشرح من الأولى،0 فذلك أفاد إبدالها منها. ونحو ذلك رأيت ~~رجلا من أهل البصرة رجلا من الكلاء1. # فإن قلت: فلو قال: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأغني عن الإطالة. # قيل: الغرض هنا هو الإسهاب؛ لأنه موضع إغلاط ووعيد، فإذا أعيد لفظ "كل ~~أمة" كان أفخم من الاقتصار على الذكر الأول، وقد مضى نحو هذا. PageV02P263 ### | سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة ابن عباس -بخلاف- وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن الأعمش: ~~"أو أثرة من علم1"، بغير ألف. # وقرأ علي "عليه السلام" وأبو عبد الرحمن السلمي: "أو أثرة"، ساكنة الثاء. # قال أبو الفتح: الأثرة والأثارة التي تقرأ2 بها العامة: البقية، وما ~~يؤثر. وهي من قولهم: أثر الحديث يأثره أثرا وأثرة. ويقولون: هل عندك من هذا ~~أثرة وأثارة، أي: أثر. ومنه سيف مأثور، أي: عليه أثر الصنعة، وطرائق العمل. # وأما "الأثرة3"، ساكنة الثاء فهي أبلغ معنى؛ وذلك أنها الفعلة الواحدة من ~~هذا الأصل، فهي كقولك: ائتوني بخبر واحد، أو حكاية شاذة، أي: قد قنعت في ~~الاحتجاج لكم بهذا القدر، على قلته، وإفراد عدده. # ومن ذلك قراءة عكرمة وابن أبي عبلة وأبي حيوة: "بدعا من الرسل". # قال أبو الفتح: هو على [147و] حذف المضاف، أي: ما كنت صاحب بدع، ولا ~~معروفة مني البدع. قال: # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب4 PageV02P264 # أي كخلالة أبي مرحب. وما أكثر هذا المضاف في القرآن، وفصيح الكلام. # ومن ذلك قراءة علي وأبي عبد الرحمن السلمي: "بوالديه حسنا1". # قال أبو الفتح: تحتمل اللغة أن تكون حسنا هنا مصدرا، كالمصادر التي اعتقب ~~عليها الفعل والفعل، نحو الشغل والشغل، والبخل والبخل، وهو واضح. # وتحتمل أن يكون "الحسن" هنا اسما صفة لا مصدرا، لكنه رسيل2 القبيح ~~كقولنا: الحسن من الله، والقبيح من الشيطان، أي: وصيناه بوالديه فعلا حسنا، ~~ونصبه وصيناه به؛ لأنه يفيد مفاد ألزمنا الحسن في أبويه. وإن شئت قلت: هو ~~منصوب ms412 بفعل غير هذا، لا بنفس هذا؛ فيكون منصوبا بنفس ألزمناه، لا بنفس ~~وصيناه؛ لأنه في معناه. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به3". # قال أبو الفتح: قد كثر عنهم حذف القول؛ لدلالة ما يليه عليه، كقول الله ~~تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم 4} ، أي: يقولون: ~~سلام عليكم، وكذلك هذه القراءة، مفسرة لقراءة الجماعة: {بل هو ما استعجلتم ~~به} ، لو لم تأت قراءة عبد الله هذه لما كان المعنى إلا عليها، فكيف وقد ~~جاءت ناصرة لتفسيرها؟ # ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء والججدري وقتادة وعمرو بن ميمون والسلمي ~~ومالك ابن دينار والأعمش وابن أبي إسحاق، واختلف عن الكل إلا أبا رجاء ~~ومالك بن دينار: "لا ترى"، بالتاء مضمومة، "إلا مساكنهم5"، بالرفع. # وقرأ الأعمش: "إلا مساكنهم"، وكذلك يروى عن الثقفي ونصر بن عاصم. ~~PageV02P265 # قال أبو الفتح: أما "ترى"، بالتاء ورفع "المساكن" فضعيف في العريبة، ~~والشعر أولى بجوازه من القرأن؛ وذلك أنه من مواضع العموم في التذكير، فكأنه ~~في المعنى لا يرى شيء إلا مساكنهم. وإذا كان المعنى هذا كان التذكير لإراته ~~هو الكلام. # فأما "ترى" فإنه على معاملة الظاهر، والمساكن مؤنثة، فأنث على ذلك. وإنما ~~الصواب ما ضرب إلا هند، ولسنا نريد بقولنا: أنه على إضمار أحد وإن هند بدل ~~من أحد المقدر هنا، وإنما نريد أن المعنى هذا؛ فلذلك قدمنا أمر التذكير. ~~وعلى التأنيث قال ذو الرمة: # يرى النحز والأجرال ما في غروضها ... فما بقيت إلا صدور الجراشع1 # وهو ضعيف، على ما مضى. # وأما "مسكنهم" فإن شئت قلت: واحد كنى من جماعته، وإن شئت جعلته مصدرا ~~وقدرت حذف المضاف، أي: لا ترى إلا آثار مسكنهم. فلما كان مصدرا لم يلق لفظ. ~~الجمعية به كما قال ذو الرمة: # تقول عجوز مدرجي متروحا ... على بابها من عند أهلي وما ليا2 # فالمدرج هنا [147ظ] مصدر، ألا تراه قد نصب الحال؟ ولو كان مكانا لما عمل، ~~كما أن المغار من قوله: # وما هي إلا في إزار ms413 وعلقة ... مغارا بن همام على حي خثعما3 # مصدر أيضا: ألا تراه قد علق به حرف الجر؟ وهذا واضح. وحسن أيضا أن يريد ~~"بمسكنهم" هنا الجماعة، وإن كان قد جاء بلفظ الواحد؛ وذلك أنه موضع تقليل ~~لهم وذكر العفاء عليهم، فلاق بالموضع ذكر الواحد؛ لقلته عن الجماعة، كما أن ~~قوله "سبحانه": PageV02P266 # {ثم نخرجكم طفلا 1} ، أي: أطفالا. وحسن لفظ الواحد هنا؛ لأ، ه موضع تصغير ~~لشأن الإنسان، وتحقير لأمره، فلاق به ذكر الواحد لذلك، لقلته عن الجماعة، ~~ولأن معناه أيضا تخرج كل واحد منكم طفلا، وقد ذكرنا نحو هذا2. وهذا مما إذا ~~سئل الناس عنه قالوا: وضع الواحد موضع الجماعة اتساعا في اللغة، وأنسوا حفظ ~~المعنى ومقابلة اللفظ به؛ لتقوى دلالته عليه، وتنضم بالشبه إليه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة3 وحنظلة بن النعمان بن مرة: ~~"إفكهم4"، بفتح الألف، والفاء، والكاف. # وقرأ: "وذلك إفكهم"، بالمد، وفتح الفاء مخخفة - عبد الله بن الزبير. # وقرأ: "إفكهم"، مشددة الفاء - أبو عياض، بخلاف. # وقراءة الناس: "وذلك إفكهم"، فذلك أربعة أوجه. # قال أبو الفتح أما "إفكهم" فصرفهم، وثناهم. قال: # إن تك عن أحسن المروءة ومأ ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا5 # وهو صرف بالباطل، وأرض مأفوكة، أي: مقلوبة التراب. # وأما "إفكهم" فيجوز أن يكون أفعلهم، أي: أصارهم إلى الإفك، أو وجدهم ~~كذلك، كما تقول: أحمدت الرجل: وجدته محمودا. PageV02P267 # ويجوز أن يكون أفعل على معنى فعل، كصد وأصد، وقد مضى ذكره. # ويجوز أن يكون "آفكهم" فاعلهم كغالطهم وخادعهم. # وأما "أفكهم" ففعلهم؛ وذلك لتكثير ذلك1 الفعل بهم، وتكرره منه عليهم. # وحكى الفراء فيها قراءة أخرى، وهي: "وذلك إفكهم"، وقال فيه: إلإفك ~~والأفك، الحذر والحذر. ومن جهة أحمد بن يحيى: # مالي أراك عاجزا أفيكا ... أكلت جديا وأكلت ديكا # تعجز أن تأخذ ما أريكا2 # الأفيك: المصروف عن وجهه وحيلته. وروينا عن قطرب أن ابن عباس قرأ: "وذلك ~~آفكهم"، بمعنى صارفهم، فذلك ست قراآت. # ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفي: "من نهار بلاغا3". # قال أبو الفتح: هو على فعل مضمر، أي: ms414 بلغوا أو بلغو بلاغا، كما أن من رفع ~~فقال: "بلاغ" فإنما رفع على أضمار المبتدأ، أي: ذلك بلاغ، أو هذا بلاغ. # قال أبو حاتم: قرأ: "بلغ"، على الأمر أبو - مجلز وأبو سراج الهذلي. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فهل يهلك4". # قال هارون: وبعض الناس يقول: "فهل يهلك". # وقرأ الناس: "يهلك". # قال أبو الفتح: "أما يهلك"، بكسر اللام فواضحة، وهي المعروفة. # وأما "يهلك" بفتح الياء واللام جميعا فشاذة، ومرغوب عنها؛ لأن الماضي ~~هلك، فعل مفتوحة [148و] العين، ولا يأتي يفعل، بفعل العين فيهما جميعا إلا ~~الشاذ. وإنما هو أيضا PageV02P268 # لغات تداخلت، ولكنه يأتي مع حروف الحلق إذا كانت1 عينا أو لاما، نحو قرأ ~~يقرأ، وسأل يسأل. وليس لك أن تحمل هلك يهلك على أبى يأبى، وتحتج بأن أول ~~هلك حرف حلق كأبى، لأن آخر أبى ألف، والألف قريبة المخرج من الهمزة، وإن ~~كانت في أبى منقلبة. # ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: "ولم يعي2"، بكسر العين، وسكون الياء. # قال أبو الفتح: هذا مذهب ترغب3 العرب عنه، وهو إعلال عين الفعل وتصحيح ~~لامه، وإنما جاء ذلك في شيء من الأسماء، وهو غاية، وآية، وثاية4، وطاية5. ~~وقياسها6 غياة، وأياة، وطياة، وثياة، أو ثواة. ولم يأت هذا في الفعل إلا في ~~بيت شاذ. أنشده الفراء، وهو قول الشاعر: # وكأنها بنين النساء سبيكة ... تمشي بسدة بيتها فتعي7 # فأعل العين، وصحح اللام، ورفع ما لم ترفعه العرب. وإنما تعله، نحو يرمي ~~ويقضي. وكذلك قوله: {ولم يعي بخلقهن} أجراه مجرى لم يبع، فحذف العين؛ ~~لسكونها، وسكون الياء الثانية. ووزن لم يعي لم يفل مثل لم يبع، والعين ~~محذوفة لالتقاء الساكنين. PageV02P269 ### | سورة محمد # صلى الله عليه وسلم: # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ علي وابن عباس "رضي الله عنهما": "مثل الجنة التي وعد المتقون1". # قال أبو الفتح: هذه القراءة دليل على أن القرءة العامة التي هي "مثل"، ~~بالتوحيد - بلفظ الواحد ومعنى الكثرة؛ وذلك لما فيه من معنى المصدرية؛ ~~ولهذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال، وبامرأة ms415 مثل رجل، وبرجل ~~مثل امرأة. ألا ترى أنك تستفيد في أثناء ذلك معنى التشبيه والتمثيل؟ # ومثل ومثل بمعنى واحد، كشبه وشبه، وبدل وبدل. # فإن قيل: فإنه لم يأت عنهم ضربت له مثلا، كما يقال: ضربت له مثلا. # قيل: المعنى الواحد، وإن لم يأت الاستعمال به، كما أتى الآخر في هذا ~~المعنى. ألا ترى أنك لا تضرب مثلا إلا بين الشيئين اللذين كل واحد منهما ~~مثل صاحبه، ولو خالفه فيما ضربته فيه لم تضربه مثلا؟ # ومن ذلك قراءة أهل مكة -فيما حكاه أبو جعفر الرواسي2: "إن تأتهم3"، بكسر ~~الألف من غير ياء. # قال أبو الفتح: هذا على استئناف شرط؛ لأنه وقف على قوله: {هل ينظرون إلا ~~الساعة} ، ثم قال: {أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} فأجاب الشرط بقوله: ~~{فقد جاء أشراطها} PageV02P270 # فإن قلت: فإن الشرط لا بد فيه من الشك، وهذا موضع محذوف عنه الشك البتة. ~~ألا ترى إلى قوله "تعالى": {إن الساعة لآتية لا ريب فيها 1} ، وغير ذلك من ~~الآي القاطعة بإتيانها؟ # قيل: لفظ الشك من الله "سبحانه"، ومعناه منا، أي: إن شكوا في مجيئها بغتة ~~فقد جاء أشراطها، أي: أعلامها، فهو توقعوا وتأهبوا لوقوعها مع دواعي العلم ~~بذلك لهم إلى حال وقوعها. فنظيره مما اللفظ فيه من الله "تعالى"، ومعناه ~~منا - قوله "تعالى": {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون 2} ، أي: يزيدون ~~عندكم أنتم؛ لأنكم لو رأيتنم جمعهم [148ظ] لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، أو ~~يزيدون. وقد مضى هذا مشروحا فيما قبل. # ومن ذلك قراءة أبي عمرو في رواية هارون3 بن حاتم عن حسين4 عنه: "بغتة5". # قال أبو الفتح: فعله مثال لم يأت في المصادر ولا في الصفات أيضا، وإنما ~~هو مختص بالاسم، منه الشربة: اسم موضع. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن ~~أبي العباس أحمد بن يحيى: يقول عبد الله بن الحجاج التغلبي لعبد الملك بن ~~مروان في خبر له معه: # ارحم أصيبيتي الذين كأنهم ... حجلى تدرج بالشربة وقع6 PageV02P271 # ومنه الجزية: الجماعة. قال: # جربة كحمر الأيك ... لا ضرع ms416 فيها ولا مذكى1 # وجاء بلا تاء في الاسم أيضا، وهو معد، وهبي، وهو الصبي الصغير. ولا بد من ~~إحسان الظن بأبي عمرو، ولا سيما وهو القرآن، وما أبعده عن الزيغ والبهتان! # ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم": "فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض2". # وروي عن علي: "إن توليتم". # قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: معناه إن تولاكم الناس. # ومن ذلك قراءة الأعرج ومجاهد والجحدري والأعمش ويعقوب: "سول لهم وأملى ~~لهم3"، بضم الألف، وسكون الياء. # قال أبو الفتح: تقديره الشيطان سول لهم، وأملي أنا لهم، أي: الشيطان ~~يغويهم وأنا أنظرهم. ومعنى سول لهم، أي: دلاهم، وهو من السول، وهو استرخاء ~~البطن. رجل أسول، وامرأة سولاء: إذا كانا مسترخين البطون. قال الهذلي: # كالسحل البيض جلا لونها ... سح نجاء الحمل الأسول4 # أي: السحاب المسترخى الأسافل، لثقله وغزر مائه. فهذا إذا كقول الله ~~"سبحانه": {فدلاهما بغرور5} ، وهذا اشتقاق حسن، أخذناه عن أبي علي. ~~PageV02P272 # ومن ذلك: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم 1} ، بالتشديد. قرأ بها السلمي. # قال أبو الفتح: معنى تدعو هنا، أي: تنسبوا إلى السلم، كقولك: فلان يدعى ~~إلى بني فلان، أي: ينتسب إليهم، ويحمل نفسه عليهم. وإلى هذا يرجع معنى ~~قوله: # فما برحت خيل تثوب وتدعى2 # فأما قوله: # فلا وأبيك ابنه العامري ... لا يدعي القوم أني أفر3 # فإنه من الدعوى المستعملة في المعاملات، المحوجة إلى البينة. وقد تمكن ~~رجوعها أيضا إلى معنى الانتساب، أي: لا ينسبونني إلى الفرار. وما أقرب ~~أطراف هذه اللغة على ظاهر بعدها وأشد تلاقيها مع مظنون تنافيها! # ومن ذلك ما رواه الحلواني عن أبي معمر4 عن عبد الوارث عن أبي عمرو: ~~"ويخرج أضغانكم5"، مرفوعة الجيم. PageV02P273 # قال أبو الفتح: هو على القطع تقديره {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} ، ثم ~~الكلام هنان ثم استأنف فقال: وهو {يخرج أضغانكم} على كل حال، أي: هذا ما ~~يصح منه، فاحذروه أن يتم منه عليكم، فهو راجع بالمعنى إلى معنى الجزم. # وهذا كقولك: إذا زرتني فأنا ممن يحسن إليك، أي: فحرى بي أن ms417 أحسن إليك. ~~ولو جاء بالفعل مصارحا به فقال: إذا زرتني أحسنت إليك لم يكن في لفظه ذكر ~~عادته التي يستعملها من الإحسان إلى زائره. وجاز أيضا أن يظن به عجز عنه، ~~أو وني وفتور دونه. فإذا ذكر أن ذلك عادته، ومظنة منه -[149و] كانت النفس ~~إلى وقوعه أسكن، وبه أوثق. فاعرف هذه المعاريض في القول، ولا ترينها تصرفا ~~واتساعا في اللغة، مجردة من الأغراض المرادة فيها، والمعاني المحمولة ~~عليها. # PageV02P274 ### | سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "تعزروه1"، خفيفة، مفتوحة التاء، مضمومة الزاي - الجحدري. # قال أبو الفتح: "تعزروه"، أي: تمنعوه، أو تمنعوا دينه وشريعته، فهو كقوله ~~"تعالى": {إن تنصروا الله ينصركم 2} ، أي: إن تنصروا دينه وشريعته، فهو على ~~حذف المضاف. # وأما "تعزروه"، بالتشديد فتمنعوا منه بالسيف، فيما ذكر الكلبي. وعزرت ~~فلانا، أي: فخمت أمره. قالوا: ومنه عزرة: اسم الرجل، ومنه عندي قولهم: ~~التعزير، للضرب دون الحد، وذلك أنه لم يبلغ به ذل الحد الكامل وكأنه محاسنة ~~له ومباقة فيه. # قال أبو حاتم قرأ: "تعززوه"، بزايين - اليمامي3، أي: يجعلوه عزيزا. # ومن ذلك قراءة تمام بن عباس بن عبد المطلب: "إنما يبايعون الله4". # قال أبو الفتح: هو على حذف المفعول؛ لدلالة ما قبله عليه، فكأنه قال: إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعونك لله، فحذف المفعول الثاني؛ لقربه من الأول، ~~وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه. وهذا المعنى وهو راجع على معنى القراءة العامة: ~~{إنما يبايعون الله} ، أي: إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من ~~قوله: "لله"، أي: إنما المعاملة في ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها. ~~PageV02P275 # ومن ذلك قراءة الحسن: "أشداء على الكفار رحماء بينهم1". # قال أبو الفتح: نصبه على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، ف"معه" ~~خبر عن الذين آمنوا2، كقولك: محمد رسول الله علي معه، ثم نصب "أشداء" ~~و"رحماء" على الحال، أي: هم معه على هذه الحال، كقولك: زيد مع هند جالسا، ~~فتجعله حالا من الضمير في معه3، لأمرين: # أحدهما قربة منه، وبعده عن زيد. # والآخر ليكون العامل في ms418 الحال -أعني الضمير- هو العامل في صاحب الحال4، ~~أعني الظرف. # ولو جعلته حالا من الذين كان العامل في الحال غير العامل في صاحبها، وإن ~~كان ذلك جائزا، كقوله تعالى: {وهو الحق مصدقا 5} ، إلا أن الأول أوجه. وإن ~~شئت نصبت أشداء ورحماء على المدح، وأصف وأزكى أشداء ورحماء. # وكسر رحيم على رحماء -فعلاء- وشديد على أشداء -أفعلاء- كراهية التضعيف في ~~أشداء، وقد وجدوا له نظير على أفعلاء، فقالوا: صفي وأصفياء، ووفي وأوفياء، ~~كراهية لصفواء ووفياء، لما يجب من الاعتذار من ترك قلب الواو والياء؛ ~~لتحركهما وانفتاح ما قبلها. فهذا ونحوه مما يدلك ويبصرك أنهم لا يتنكبون ~~شيئا إلى آخر تطربا ولا تبدلا، لا بل إنعاما وتأملا. # ومن ذلك قراءة عيسى الهمداني -بخلاف-: "شطاءه6"، ممدود، مهموز. ~~PageV02P276 # وقرأ عيسى: "شطأه". # وقرأ الجحدري: "شطوه". # قال أبو الفتح: الشطء: الفراخ للزرع، وجمعه شطوء. ويقال أيضا: هو الورق. ~~والشطء: السنبل أيضا. شطأ الزرع شطئا، وأشطأ إشطاء. # ويقال: إن معفر بن حمار البارقي شامت1 ابنته برقا، فقالت: يا أبه2، جاءتك ~~السماء! فقال لها: كيف ترينها؟ فقالت له: كأنها عين جمل طريف3. فقال لها: ~~ارعى غنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: ~~[149ظ] كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها. فقال لها: ارعى ~~غنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ~~ترينها؟ فقالت: سطحت4 وابيضت5. فقال: أدخلي غنيماتك، فجاءت السماء بشيء شطأ ~~له الزرع. # ومنه عندي قولهم: شاطئ النهر والوادي؛ لأنه ما برز منه وظهر؛ ولهذا سموه ~~السيف؛ لأنه من لفظ السيف ومعناه. ألا ترى أنهم يصفون السيف بالصقال ~~والانجراد؟ قال: # كأنني سيف بها إصليت6 # أي: بارز صلت7. وموجب الوصية في ترتيب أحوال المشتق والمشتق منه في ~~التقدم والتأخر -أن يكون السيف مشتقا من السيف؛ لأن السيف من صنعة البشر، ~~والسيف من صنعة القديم "سبحانه"، فهو أسبق مرتبة في الزمان، فليكن أسبق ~~مرتبة في الكلام. ألا ترى أن آدم عليه السلام مخلوق من التراب؟ وهذا واضح. # وأما "شطوه"، بالواو فلن يخلو أن ms419 يكون لغة، أو بدلا من الهمزة. ولا يكون ~~الشطء إلا في البر والشعير8. PageV02P277 ### | سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الضحاك ويعقوب: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله1". # قال أبو الفتح: أي لا تفعلوا ما تؤثرونه، وتتركوا ما أمركم الله به. وهذا ~~هو معنى القراءة العامة: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ، أي: لا تقدموا ~~أمرا على ما أمركم الله به، فالمفعول هنا محذوف كما ترى. # ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن -بخلاف- وعاصم الجحدري: ~~"فأصلحوا بين أخويكم2". # قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن القراءة العامة التي هي: {بين ~~أخويكم} لفظها لفظ التثنية، ومعناها الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدا من ~~المسلمين اقتتلا فأصلحوا بينهما. ألا ترى أن هذا حكم عام في الجماعة، وليس ~~يختص به منهم اثنان مقصودان؟ ففيه إذا شيئان: # أحدهما لفظ التثنية يراد به الجماعة. # والآخر لفظ الإضافة لمعنى الجنس، وكلاهما قد جاء منه قولهم: لبيك وسعديك، ~~فليس المراد هنا إجابتين ثنتين، ولا إسعادين اثنين. ألا ترى أن الخليل فسره ~~فقال: معناه كلما PageV02P278 # كانت في أمرين فدعوتني له أجبتك إليه، وساعدتك عليه1. فقوله: كلما يؤكد ~~ما نحن عليه ومنه قولهم: # فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم2 # ألا تراه لا ينفي قوتين وثنتين، وإنما ينفي جميع قواه؟ وكذلك قول الله ~~تعالى: {بل يداه مبسوطتان 3} . ونعم الله تعالى أكثر من أن تحصى، وكذلك ~~قوله: # إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى ليس للبرد لابس4 # أي: مداولة بعد مداولة، وكقول العجاج: # شربا هذا ذيك وطعنا وخضا5 # أي: بعد هذ، ولا هذين اثنين ليس غير، ونظائره كثيرة. # وأما إفادة المضاف لمعنى الجنسية فقولهم: منعت العراق قفيزها6 ودرهمها، ~~أي: قفزانها PageV02P279 # ودراهمها، ومنعت مصر إردبهان، أي: أرادبها، [150و] ومنه قوله "تعالى": ~~{بل يداه مبسوطتان 1} ، ومنه قولهم: نعم الرجلان الزيدان، وله أشباه. # ومن ذلك قراءة ابن عباس "لتعرفوا2"، قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف ~~أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إلى معرفته من هذا ms420 الوجه، وهو كقوله: # وما علم الإنسان إلا ليعلما3 # أي ليعلم ما علمه، أو ليعلم ما يدعو إلى علمه ما علمه. وحذف المفعول كثير ~~جدا، وما أغربه وأعذبه لمن يعرف مذهبهم4!. PageV02P280 ### | سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الثقفي: "قاف"1، بفتح الفاء. # وقرأ: "قاف" -بالكسر- الحسن وابن أبي إسحاق. # قال أبو الفتح: يحتمل "قاف"، بالفتح أمرين: # أحدهما أن تكون حركته لالتقاء الساكنين، كما أن من يقرأ: "قاف" بالكسر ~~كذلك، غير أن من فتح أتبع الفتحة صوت الألف؛ لأنها منها، ومن كسر فعلى أصل ~~التقاء الساكنين. # والآخر أن يكون "قاف" منصوبة الموضع بفعل مضمر، غير أنه لم يصرفها ~~لاجتماع التعريف والتأنيث "في"2 معنى السورة. # وأما قراءة الحسن "صاد3" بالكسر فقد تقدم أنه يريد بها مثال الأمر من ~~صاديت، أي: عارض عملك بالقرآن، فلا وجه لإعادته. # وقيل: "قاف" جبل محيط بالأرض، فكان قياسه الرفع، أي: هو "قاف" وقد تمحل ~~الفراء في هذا، فقال: جاء ببعض الاسم كقوله: # قلنا لها قفي لنا قالت قاف4 # وفي هذا ضعفت، ألا ترى إلى الفتح والكسر فيه؟ # ومن ذلك قراءة يحيى والأعرج وشيبة وأبي جعفر وصفوان بن عمرو: "إذا ~~متنا5"، بغير استفهام. PageV02P281 # قال أبو الفتح: يحتمل هذا أمرين: # أحدهما حذف همزة الاستفهام على القراءة العامة، فحذفها تخفيفا، وقد مضى ~~نحو هذا، وذكرنا ضعفه1. # والآخر أن يكون غير مريد للهمزة، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعد ~~رجعنا ونشورنا ودل قوله: {ذلك رجع بعيد} على هذا الفعل الذي هو "بعد"، كما ~~أن قولك: إذا زرتني فلك درهم ناب قوله: فلك درهم عن الفعل الذي استحققت ~~"عليه"2 ردهما، وإن كان قوله: فلك درهم جوابا، وقوله: {ذلك رجع بعيد} أي ~~بعيد في التقدير والظن، لا في الزمان؛ لأنهم لم يكونوا يعترفون البعث، لا ~~قريبا ولا بعيدا. # ومن ذلك قراءة الجحدري: "لما جاءهم3"، بكسر اللام. # وقراءة الجماعة: " لما جاءهم". # قال أبو الفتح: معنى "لما جاءهم"، أي: عند مجيئه إياهم، كقولك أعطيته ما ~~سأل لطلبه، أي: عند طلبه ومع طلبه، وفعلت هذا لأول وقت، ms421 أي: عند ومعه، ~~وكقولك في التاريخ: لخمس خلوان، أي: عند خمس خلوان، أو مع خمس خلوان. فرجع ~~ذلك المعنى إلى معنى القراءة العامة: {لما جاءهم} ، أي: وقت مجيئة إياهم ~~قال: # شنئت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقاربها الرياح4 # أي: عند وقتها [150ظ] وقال تعالى: {لا يجليها لوقتها إلا هو 5} أي: عند ~~وقتها. # ومن ذلك ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والنخل باسقات6" ~~و"باصقات". PageV02P282 # قال أبو الفتح: الأصل السين، وإنما الصاد بدل منها؛ لاستعلاء القاف؛ ~~فأبدلت السين صادا لتقرب من القاف؛ لما في الصاد من الاستعلاء، ونحوه قولهم ~~في سقر: صقر، وفي السقر الصقر؟ # وروينا عن الأصمعي قال: اختلف رجلان من العرب في السقر، فقال أحدهما: ~~بالصاد وقال الآخر: بالسين؛ فتراضيا بأول من يقدم عليهما، فإذا راكب ~~فأخبراه ورجعا إليه، فقال: ليس كما قلت، ولا كما قلت: إنما هو الزفر. وهذا ~~أيضا تقريب الحرف من الحرف، وذلك أن السين مهموسة، والقاف مجهورة، فأبدل ~~السين زايا، وهي مجهورة، والزاي أخت السين، كما أن الصاد أختها. وهذا ~~التقريب للحرف من الحرف باب طويل منقاد، وهو في فصل الإدغام، وما أصنعه ~~وألطفه وأظرفه! # ومن ذلك ما روى عن أبي بكر "رضي الله عنه" عند خروج نفسه: "وجاءت سكرة ~~الحق بالموت1"، وقرأ بها سعيد بن جبير وطلحة. # قال أبو الفتح: لك في هذه الباء ضربان من التقدير: # إن شئت عاقتها بنفس "جاءت"، كقولك: جئت بزيد، أي: أحضرته2 وأجأته3 وإن ~~شئت علقتها بمحذوف، وجعلتها حالا، أي: وجاءت سكرة الحق ومعها الموت، ~~كقولنا: خرج بثيابه: أي: وثيابه عليه. ومثله قول الله تعالى: {فخرج على ~~قومه في زينته 4} ، أي: وزيتنته عليه، ومثله قول الهذلي: # يعثرن في حد الظبات كأنها ... كسيت برود بني يزيد الأذرع5 # أي: يعثرن وهن في حد الظبات، وكقوله - أنشده الأصمعي: # ومتنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود5 PageV02P283 # أي قطعه: وفيه مردوده، وكذلك القراءة العامة: {وجاءت سكرة الموت بالحق} : ~~إن شئت علقت الياء بنفس "جاءت" على ما مضى. # وإن شئت علقتها بمحذوف ms422 وجعلتها حالان فكأنه قال: وجاءت سكرة الموت ومعها ~~الحق. # فإن قلت: فكيف يجوز أن تقول: جاءت سكرة الحق بالموت، وأنت تريد به: وجاءت ~~سكرة الموت بالحق، فياليت شعري أيتهما الجاثية بصاحبتها؟ # قيل: لاشتراكهما في الحال، وقرب إحداهما من صاحبته صار كأن كل واحدة ~~منهما جاثية بالأخرى؛ لأنهما ازدحمنا في الحال، واشتبكتا حتى صارت كل واحدة ~~منهما جاثية بصاحبتها؛ كما يقول، الرجلان المتوافيان في الوقت الواحد إلى ~~المكان -كل واحد منهما لصاحبه-: لا أرى أأنا سبقتك، أم أنت سبقتني؟. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ألقيا في جهنم1"، بالنون الخفيفة. # قال أبو الفتح: هذا يؤكد قول أصحابنا في "ألقيا": إنه أراد "ألقيا"، ~~وأجرى الوصل فيه مجرى الوقف، كقوله: يا حرسي2 اضربا عنقه. # ومن ذلك قراءة ابن مسعود والحسن والأعمش: "يوم يقال لجهنم3". # قال أبو الفتح: هذا يدل على أن [151و] قولنا: ضرب زيد ونحوه لم يترك ذكر ~~الفاعل للجهل به، بل لأن الغناية انصرفت إلى ذكر وقوع الفعل بزيد، عرف ~~الفاعل بهن أو جهل؛ لقراءة الجماعة: {يوم نقول} ، وهذا يؤكد عندك قوة ~~العناية بالمفعول به. # وفيه شاهد وتفسير لقول سيبويه في الفاعل والمفعول: وإن كانا جميعا ~~يهمانهم ويعنيانهم ومن شدة قوة العناية بالمفعول أن جاءوا بأفعال مسندة إلى ~~المفعولن ولم يذكروا الفاعل معها أصلا، وهي نحو قولهم: امتقع لون الرجل، ~~وانقطع به، وجن زيد, ولم يقولوا: امتقعه ولا انقطعه، ولا جنه. ولهذا نظائر، ~~فهذا4 كإسنادهم الفعل إلى الفاعل البتة فيما لا يتعدى، نحو قام زيد، وقعد ~~جعفر. PageV02P284 # ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي العالية ويحيى بن يعمر ونصر بن سيار: ~~"فنقبوا في البلاد1"، بكسر القاف مشددا. # قال أبو الفتح: هذا أمر للحاضرين، ثم لمن بعدهم. فهو كقولك: قد أجلتك2 ~~فانظر هل لك من منجي أو من وزر؟ وهو فعلوا من النقب، أي: ادخلوا وغوروا في ~~الأرض، فإنكم لا تجدون لكم محيصا. # ومن ذلك قراءة السدي: "أو ألقى السمع3". # قال أبو الفتح: أي: ألقي منه، وهذا كأنه أندى معنى إلى النفس من القراءة ~~العامة، ms423 وذلك أن قوله تعالى: {أو ألقى السمع وهو شهيد} معناه: ألقي سمعه ~~نحو كتاب الله تعالى وهو شهيد، أي: قلبه حاضر معه، ليس غرضه أن يصغى كما ~~أمر بالإصغاء نحو القرآنن ولا يجعل قلبه إليه، إلا ظاهر الأمر وأكثره أن ~~إذا ألقي سمعه أيض فقلبه أيضا نحوه ومعه. # وهذه القراءة المنفردة كأنها أشد تشابه لفظ: لأن ظاهرها أن قلبه ألقي ~~إليه، وليس في اللفظ أنه هو ألقاه، فاتصل بعض ببعض، فكأنه ألقي سمعه إليه ~~وقلبه، حتى كأن ملقيا غيره ألقي سمعه إلى القرآن. وليس عجيبا أن يقال: إن ~~قلبه عند ذلك معه، لأنه إذا كان هو الذي ألقه نحوه فالعرف أن يكون قلبه ~~معه، وهو شاهد لا غائب. # ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وطلحة: "وما مسنا من لغوب4"، بفتح ~~اللام. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك5، وذكرنا رأي أبي بكر ونحوه من ~~المصادر التي جاءت على فعول بفتح الفاء، كالوضوء، والولوع، والطهور، ~~والوزوع6، والقبول، وأنها صفات مصادر محذوفة، أي: توضأت وضوءا وضوءا، أي ~~وضوءا حسنا. وكذلك هذا أي: ما مسنا من لغوب لغوب، فيصف اللغوب بأنه لغوب، ~~أي لغب ملغب. PageV02P285 ### | سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة الحسن: "الحبك1"، مضمومة الحاء، ساكنة الباء. # وروي عنه: "الحبك"، بكسر الحاء، ووقف الباء. # وكذلك قرأ أبو مالك الغفاري2: # وروي عنه: "الحبك"، بكسر الحاء، وضم الباء. # وروي عنه: "الحبك". # وروي عنه: "الحبك". # الوجه السادس قراءة الناس3. # وروى عن عكرمة وجه سابع، وهو: "الحبك" [151ظ] . # قال أبو الفتح: جميعه هو طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه، وهو الحبيك ~~في البيض. # قال: # الضاربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا4 # ويقال: حببكة الرمل، وحبائك. فهذا كسفينة، وسفن، وسفائن. وكذلك أيضا حبك ~~الماء لطرائقه. PageV02P286 # قال زهير: # مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك1 # فأما "الحبك" فمخفف من "الحبك"، وهي لغة بني تميم، كرسل وعمد، في رسل ~~وعمد. # وأما "الحبك" ففعل، وذلك قليل، منه: إبل، وإطل2، وامرأة بلز3، وبأسنانه ms424 ~~حبر4. # وأما "الحبك" فمخفف منه، كإبل، وإطل. # وأما "الحبك" بكسر الحاء، وضم الباء فأحسبه سهوا. وذلك أنه ليس في كلامهم ~~فعل أصلا، بكسر الفاء، وضم العين. وهو المثال الثاني عشر من تركيب الثلاثي، ~~فإنه ليس ف اسم ولا فعل أصلا والبتة. أو لعل الذي قرأ به تداخلت عليه ~~القراءتان: بالكسر، والضم. فكأنه كسر الحاء يريد "الحبك"، وأدركه ضم الباء ~~على صورة "الحبك" وقد يعرض هذا التداخل في اللفظة الواحدة، قال بلال بن ~~جرير: # إذا جئتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضرة5 # أراد: أو سألتهم، أو ساءلتهم، أو لغة من قال: سايلتهم، فأبدلت، فتداخلت ~~الثلاث عليه فخلط، فقال: سآيلتهم، فوزنها إذا فعاعلتهم؛ لأن الياء في ~~سايلتهم بدل من الهمزة في ساءلتهم. فجمع بين اللغتين في موضعين على تلفته ~~إلى اللغتين. كذلك أيضا نظر في "الحبك" إلى "الحبك"، و"الحبك"، فجمع بين ~~أول اللفظة على هذه القراءة، وبين آخرها على القراءة الأخرى6. PageV02P287 # فإما "الحبك" فكأن واحدتها حبكة، كطرقة1 وطرق، وعقبة وعقب. # وأما "الحبك" فعلى حبكة، كطرقة وطرق، وبرقة2 وبرق. ولا يجوز أن يكون ~~"حبك" معدولا إليها عن "حبك" تخفيفا، إنما ذلك شيء يستسهل في المضاعف خاصة، ~~كقولهم في جدد: جدد، وفي سرر: سرر، وفي قلل: قلل. # ومن ذلك قراءة السلمي: "أيان يوم القيامة3". # قال أبو الفتح: هذه لغة في "أيان"، وينبغي أن يكون "أيان" م لفظ أي، لا ~~من لفظ أين؛ لأمرين: # أحدهما أن أين مكان، و"أيان" زمان. # والآخر أن يكون قلة فعال في الأسماء مع كثرة فعلان. # فلو سميت رجلا بأيان لم تصرفه كحمدان، ولسنا ندعى أن أين مما يحسن ~~اشتقاقها والاشتقاق منها؛ لأنها مبنية كالحرف، إلا أنها مع هذا الاسم، وهي ~~أخت أنى، وقد جاءت فيها الإمالة التي لاحظ للإمالة فيها، وإنما الإمالة ~~للأفعال والأسماء؛ إذ كانت ضربا من التصرف. والحروف لا تصرف فيها. # ومعنى أي: أنها بعض من كل، فهي تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض ~~شاملا لذلك كله. قال أمية: # والناس راث عليهم أمر يومهم ... فكلهم قائل: أيان ms425 أيانا4 # فإن سميت5 بأيان سقط الكلام في حسن تصريفها، للحاقها -بالتسمية بها- ~~ببقية الأسماء المنصرفة. PageV02P288 # ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "ذو القوة المتين1". # قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: # أحدهما أن يكون وصفا [152و] للقوة، فذكره على معنى الحبل، ويريد: قوى ~~الحبل؛ لقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها 2} . # والآخر أن يكون أراد الرفع وصفا للرزاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة ~~لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضب خرب، وعلى هذا في النكرة -على ما فيه- ~~أسهل منه في المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة. فبقدر قوة حاجتها ~~إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضب خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى ~~الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما ~~يقرب منها لاستغنائها في غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف ~~المعرف، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك ~~النكرة لأنها في أول وضعها محتاجة -لإبهاامها- إلى وصفها. # فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر. فكيف جاز أن تجريها عليها على ~~الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضب خرب لا يقول: هذان حجرا ضب ~~خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟ # قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه ~~قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح. # وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجيء فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: ~~حلة خصيف3، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس4، وريح خريق5. PageV02P289 ### | سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ عبد الله وإبراهيم: "وزوجناهم بعيس عين1". # قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر العيس2، وأن المرأة العيساء: البيضاء. ومثله ~~جمل أعيس، وناقة عيساء. قال في وصف امرأة: # كأنها البكرة العيساء # ومن ذلك قراءة الأعرج: "وما ألتناهم"، على أفعلناهم3. # قال أبو الفتح: وفيما روينا عن قطرب، قال: # قراءة عبد الله وأبي: و"مالتناهم". وكان ابن عباس يقول: "ألتناهم": ~~نقصناهم. يقال: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ولاته ms426 يليته ليتا. ~~كلهن بمعنى واحد. أي: نقصه، ويقال أيضا: ولته يلته ولتا، بمعناه. قال ~~الحطيئة: # أبلغ لديك بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا4 # وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن الشيء يريده، وقالوا: ألته يألته ~~باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته بها: إذا قلده إياها، وقال رؤبة: # وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت5 PageV02P290 # أي: لم يثني عنها ثان1. # ومن ذلك قراءة الناس: "أم هم قوم طاغون2". # وقرأ مجاهد: "بل هم قوم طاغون"، في الطور3. # قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن أم المنقطعة ~~بمعنى بل، للترك والتحول، إلا أن مات بعد بل متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، ~~مسئول عنه. وذلك كقول علقمة بن عبدة. # هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم4؟ # كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده يوله بعده [152ظ] : # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم5 # ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام، وهو "هل" في قوله: أم هل كبير بكى حتى ~~كأنه قال: بل هو كبير؟ ترك الكلام الأول، وأخذ في استفهام مستأنف. # وقد توالت "أم" هذه في هذا الموضع من هذه السورة، قال "تعالى": {أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 6} ، أي: بل أيقولون ذلك؟، "أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون7"، أي: بل أهم قوم طاغون. أخرجه مخرج ~~الاستفهام، وإن كانوا عنده "تعالى" قوما طاغين؛ تلعبا بهم، وتهكما عليهم. ~~وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله: PageV02P291 # أجاهل أنت؟ توبيخا له، وتقبيحا عليه. ومعناه: إني قد نبهتك على حالك، ~~فانتبه لها، واحتط لنفسك منها. قال صخر الغي: # أرائح أنت يوم اثنين أم غادي ... ولم تسلم على ريحانه الوادي1 # ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به. ولكنه يقبح هذا الرأي2 لها، وينعاه ~~عليها هكذا مقتاد كلام العرب، فاعرفه وأنس به. # ومن ذلك قراءة الجحدري: "بحديث مثله3". # قال أبو الفتح: الهاء في "مثله" ms427 في هذه القراءة ضمير النبي "صلى الله ~~عليه وسلم". ألا ترى أن قلبه: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون} ؟ أي: ~~فليأتوا بحديث مثل النبي، صلى الله عليه وسلم. وأما الهاء في قراءة ~~الجماعة: {بحديث مثله 4} فللقرآن، أي: مثل القرآن. # ومن ذلك قراءة سالم أبي الجعد: "وإدبار النجوم5". # قال أبو الفتح: هذا كقولك: في أعقاب النجوم، قيل له: دبر، كما قيل له: ~~عقب قال: # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب6 ~~PageV02P292 ### | سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "جنة المأوى1"، بالهاء - على "عليه السلام" وابن الزبير -بخلاف- ~~وأبو هريرة وأنس -بخلاف- وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب. # قال أبو الفتح: يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل، وقالوا أيضا: جنه، ~~بغير همز، ولا حرف جر. # وروينا عن قطرب، قال: سأل ابن عباس أبا العالية: كيف تقرءونها يا أبا ~~العالية؟ فقال: "عندها جنة المأوى"، فقال: صدقت، هي مثل الأخرى: "جنات ~~المأوى" فقالت عائشة -رحمة الله عليها-: من قرأ: "جنة المأوى" يريد جن ~~عليه، فأجنه الله. قال قطرب أيضا: وقد حكى عن علي -عليه السلام- أنه قرأ ~~"جنة"، يعني فعله. # قال أبو حاتم: روى عن ابن عباس وعائشة وابن الزبير قالوا3: من قرأها4: ~~"جنة المأوى" فأجنه الله، قال: وقال سعد بن مالك: وقيل إن فلانا يقرأ: "جنة ~~المأوى"، فقال ماله أجنه الله؟ وروى أيضا أبو حاتم عن عبد الله بن قيس قال: ~~سمعت عبد الله بن الزبير يقرؤها: "جنة المأوى"، بالهاء البينة، قال: يعني ~~فعله المأوى، والمأوى هو الفاعل، فقد ترى إلى اختلاف هذا الحديث. والذي ~~عليه اللغة أن جنه الليل: أدركه الليل، وجن عليه الليل، وأجنه: ألبسه ~~سواده. جن عليه الليل جنونا وجنانا، وأجنه أجنانا. قال: # ولولا جنون الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشب5 ~~PageV02P293 # والمعنى الجامع لتصريف ج ن ن أين وقعت إنما هو الاستخفاء والستر. ومنه ~~الجن، والجنة. والجان، [153و] والجنان لا ستتار الجن، ومنه المجن -للترس- ~~لسرته، ومنه الجنين لاستتاره في الرحمن ومنه الجنة؛ لأنها ms428 لا تكون جنة حتى ~~يكون فيها شجر، وذلك ستر لها، والجنان: روح القلب لاستتار ذلك، والجنن: ~~القبر، وعليه بقية الباب. # ومن ذلك قراءة ابن عباس ومنصور بن المعتمر1 وطلحة: "اللات2". # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق العكاظ3 يلت السويق والسمن ~~عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك ~~الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السويق. قال أبو حاتم: ~~كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل. وحكى أبو ~~الحسن فيها "أفرأيتم اللات"، بكسر التاء. وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل4، ~~بمنزلة التاء في كبت5 وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل، بمنزلة ألف شاة ~~وذات مال. # ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم": "الذي وفى6"، خفيفة. واختلف ~~عنه، وهو قراءة أبي أمامة وسعيد بن جبير وابن السميفع وأبي مالك. ~~PageV02P294 # قال أبو الفتح: هذا على تسمية المسبب باسم سببه. ألا ترى أن معناه الذي ~~وعد ذلك، فوفي بحاضره وسيفي بغائبه يوم القيامة؟ وذلك منهم لصدق الوعد، أي: ~~إذا قال فقد فعل، أو قد وقع ما يقوله. وهذا كقولهم: وعد الكريم نقد، ونقد ~~اللئيم وعد. وأخذه بعض المولدين فقال في صفة باز أو شاهين: # مبارك إذا رأى فقد رزق # وما أسمعه! وأصله لامرئ القيس في وصف الفرس: # إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب1 # ومن ذلك قراءة طلحة: "ليس لها مما يدعون من دون الله كاشفة وهي على ~~الظالمين ساءت الغاشية2". # قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن المراد بقراءة الجماعة: {ليس لها ~~من دون الله كاشفة} - حذف مضاف بعد مضاف. ألا ترى أن تقدير: ليس لها من ~~جزاء عبادة معبود دون الله كاشفة؟ فالعبادة على هذا مصدر مضاف إلى المفعول، ~~كقوله: {بسؤال نعجتك 3} ، و {لا يسأم الأنسان من دعاء الخير 4} ، ثم حذف ~~المضاف الأول، فصار تقديره: ليس لها من عبادة معبود دون الله كاشفة، ثم حذف ~~المضاف ms429 الثاني الذي هو "عبادة"، فصار تقديره: ليس لها من معبود دون الله ~~كاشفة، ثم حذف المضاف الثالث، فصار إلى قوله: ليس لها من دون الله كاشفة. # وهذا على تقديرك "دون الله" اسما هنا، لا ظرفا، لأن الإضافة إليه تسلبه ~~معنى الظرفية التي فيه، كقولهم: # يا سارق الليلة أهل الدار5 PageV02P295 # وتلك عادة سيبويه إذا أراد تجريد الظرف من معنى الظرفية، فإنه يمثله ~~بالإضافة إليه، وذلك مما ينافي تقدير حرف الجر معه؛ لأن حرف الجر يسقط، فلا ~~يعترض بين المضاف والمضاف إليه. # ولا تستنكر كثرة المضافات المحذوفة هناك، فإن المعنى إذا دل على شيء ~~وقبله القياس أمضى على ذلك ولم يستوحش منه [153ظ] ألا ترى إلى قول الله ~~"سبحانه": {فقبضت قبضة من أثر الرسول 1} ؟ ألا تراه أن معناه: من تراب أرض ~~أثروطء حافر فرس الرسول، أي من تراب الأرض الحاملة لأثر وطء فرس الرسول. ~~المعنى على هذا؛ لأنه في تصحيحه من تقريه لاستيفاء2 معانيه، وإذا دل الدليل ~~كان التعجب من حيلة العاجز الذليل. # وقوله: "وهي على الظالمين ساءت الغاشية" - هذا جار مجرى قولهم: زيد بئس ~~الرجل؛ لأن ساء بمعنى بئس، و"الغاشية" هنا جنس، والعائئد منها إلى "هي" ~~ضمير يتجرد ويماز من معنى الجماعة، كقولهم: زيد قام بنو محمد، إذا كان محمد ~~أباهم، فكأنه قال: زيد قام في جملة القوم، كما أن قولك: زيد نعم الرجل ~~العائد عليه في المعنى ذكر يخصه من جماعة الرجال. PageV02P296 ### | سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ حذيفة: "اقتربت الساعة وانشق القمر1". # قال أبو الفتح: هذا يجري مجرى الموافقة على إسقاط العذر ورفع التشاك، أي: ~~قد كان انشقاق القمر متوقعا دلالة على قرب الساعة، فإذا كان قد انشق ~~-وانشقاقه من أشراطها، وأحد أدلة قربها - فقد توكد الأمر في قرب وقوعها. ~~وذلك أن "قد" إنما هي جواب وقوع أمر كان متوقعا، يقول القائل: انظر أقام ~~زيد؟ وهل قام زيد؟ وأرجو ألا يتأخر زيد. فيقول المجيب: قد قام، أي: قد وقع ~~ما كان متوقعا. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: ms430 "وكل أمر مستقر2". # قال أبو الفتح: رفعه3 عندي عطف على الساعة، أي: اقتربت الساعة وكل أمر4 ~~أي: قد اقترب استقرار الأمور في يوم القيامة، من حصول أهل الجنة في الجنة، ~~وحصول أهل النار في النار. هذا وجه رفعه. والله أعلم. PageV02P297 # من ذلك قراءة مجاهد والجحدري وأبي قلابة: "إلى شيء نكر1". # قال أبو الفتح: يقال: أنكرت الشيء فهو منكر، ونكرته فهو منكور. وجمع ~~الأعشى بين اللغتين، فقال: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا2 # وكذلك هذه القراءة: "إلى شيء نكر"، إلى شيء يجهل. ومثله مررت بصبي ضرب، ~~ونظرت إلى امرأة أكرمت، وصف بالفعل الماضي. # ومن ذلك قراءة يزيد بن رومان3 وقتادة: "لمن كان كفر4". # قال أبو الفتح: أي: جزاء الكافرين بنوح عليه السلام. # وأما قراءة الجماعة: {جزاء لمن كان كفر} فتأويله: جزاء لهم بكفرهم بنوح، ~~"عليه السلام"، فاللام الأولى التي هي مفعول بها محذوفة، واللام الثانية ~~الظاهرة في قوله: {لمن كان كفر} لام المفعول له. وهناك مضاف محذوف، أي: ~~جزاء لهم؛ لكفر من كفر، أي: لكفرهم بمن كفروا به. # ومن ذلك قراءة أبي السمال: "أبشر منا" - بالرفع - "واحدا نتبعه5"، ~~بالنصب. # قال أبو الفتح: "بشر" عندي مرفوع بفعل يدل عليه قوله: "أولقى عليه الذكر ~~من بيننا"، فكأنه قال: أينبأ، أو يبعث بشر منا؟ # فأما انتصاب "واحدا" فإن شئت جعلته حالا من الضمير [154و] في "منا6" أي: ~~أينبأ بشركائن منا؟ والناصب لهذه الحال الظرف، كقولك: زيد في الدار جالسا. ~~PageV02P298 # وإن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله: "نتبعه" أي: نتبعه واحد منفردا ~~ولا ناصر له. ويؤكده قوله: {وقالوا مجنون وازدجر 1} . ونظائره في القرآن ~~كثيرة، نحو قوله "تعالى" {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون 2} ؟ وقوله: {ألم نربك ~~فينا وليدا 3} ؟ ونحو ذلك. # ومن ذلك قراءة أبي قلابة: "الكذاب الأشر4". # مجاهد: "الأشر"، بضم الشين خفيفة. # قال أبو الفتح: "الأشر" بتشديد الراء هو الأصل المرفوض، لأن أصل قولهم: ~~هذا خبر منه وهذا شر منه -هذا أخير منه، وأشر منه. فكثر استعمال هاتين ~~الكلمتين، فحذف الهمزة منهما. ms431 ويدل على ذلك قولهم: الخورى والشرى، تأنيث ~~الأخير والأشر. وقال رؤبة: # بلاد خير الناس وابن الأخير5 # فعلى هذا جاءت هذه القراءة. # وأما "الأشر" بضم الشين، وتخفيف الراء فعلى أنه من الأوصاف التي اعتقب ~~عليها المثالان اللذان هما فعل وفعل فأشر وأشر، كحذر وحذر، ويقظ "ويقظ"، ~~ورجل حدث وحدث: حسن الحديث، ووظيف عجر وعجر، أي: صلب. والضم أقوى معنى من ~~الكسر؛ لأنه أبعد عن مثال الفعل، فأشر -من آشر- كضروب من ضارب. ومطعان من ~~طاعن، والاسم البطر6. # ومن ذلك قراءة الحسن: "كهشيم المحتظر7"، بفتح الظاء. PageV02P299 # قال أبو الفتح: المحتظر هنا مصدر، أي: كهشيم الاحتظار، كقولك: كآجر ~~البناء وخشب النجارة. والاحتظار: أن يجعل حظيرة. وإن شئت جعلت "المحتظر" ~~هنا هو الشجر، أي: كهشير الشجر المتخذة منها الحظيرة، أي: كما يتهافت من ~~الشجر المجعولة حظيرة والهشيم: ما تهثم منه، وانتشر. # ومن ذلك قراءة أبي السمال: "إنا كل شيء خلقناه1"، بالرفع. # قال أبو الفتح: الرفع هنا أقوى من النصب، وإن كانت الجماعة على النصب؛ ~~وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب2 ~~والجماعة. وذلك لأنها جملة3 وقعت في الأصل خبرا عن مبتدأ في قولك: نحن كل ~~شيء حلقناه بقدر، فهو كقولك: هند زيد ضربها، ثم تدخل إن، فتنصب الاسم، وبقي ~~الخبر على تركيبه الذي كان عليه من كونه جملة من مبتدأ وخبر. # واختار محمد بن يزيد هنا النصب، وقال: لأن تقديره إنا فعلنا كذا، وقال: ~~فالفعل منتظر بعد إنا، فلما دل ما قبله عليه حسن إضمار. وليس هذا شيئا؛ لأن ~~أصل خبر المبتدأ أن يكون اسما لا فعلا، جزءا منفردا. فما معنى توقع الفعل ~~هنا، وخبر إن وأخواتها كأخبار المبتدأ؟ وعليه قول الله سبحانه: {ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة 4} ، فهذه الجملة التي هي ~~وجوههم مسودة في موضع المفعول الثاني لرأيت، وهو في الأصل خبر المبتدأ. وقد ~~ذكرنا هذا في غير موضع من كتبنا والعليق عنا. # ومن ذلك قراءة زهير الفرقبي: "في جنات ونهر5". # قال [154ظ] أبو ms432 الفتح: هذا جمع نهر، كما جاء عنهم من تكسير فعل على فعل، ~~كأسد وأسد، ووثن ووثن. PageV02P300 # وحكى سيبويه قراءة: "إن يدعون من دونه إلا أثنا1"، جمع وثن. وذهب محمد بن ~~السري في قولهم: أسد وأسد إلى أنه مقصور من فعول، يريد أسودا، فحذفت الواو، ~~فبقى أسد، ثم أسكنت السين تخفيفا، كقولهم في طنب2: طنب. # وهذه القراءة التي هي "نهر" تشهد لقوله: إن أصله أسود، ثم حذفت الواو، ~~فبقى أسد. # فإن قلت: فقد جاء أسود، ولم يأت نهور جمع نهر. # قيل: وإن لم يأت لفظا فهو مقدر تصورا، كأشياء تثبت تقديرا، فتعامل معاملة ~~المستعمل. فإن شئت قلت في "نهر": إنه جمع نهر الساكن العين، فيكون كسقف ~~وسقف، ورهن ورهن، وثط3 وثط، وسهم حشر4 وسهام حشر وفرس ورد5 فصارت نهر، ثم ~~ثقل إتباعا، فصارت إلى "نهر". # وأنس بذلك أن ما قبل الراء في أواخر هذه الآي، وهي "سقر"، و"قدر"، ~~و"نكر"، و"مدكر"، و"زبر"، و"مستطر"، و"مقتدر" محرك، فكأنه الرغبة في استواء ~~هذه الفواصل هو الذي زاد في الأنس بتثقيل "النهر" على هذا التأويل الذي في ~~" # نهر"، كما يختار ترك همز "الشان"6 في سورة الرحمن؛ لتوافق رءوس الآي ~~فيها: "تكذبان"، ونحوها، وإليه ذهب الفراء. PageV02P301 ### | سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ أبو السمال: "والسماء رفعها1"، رفع. # قال أبو الفتح: الرفع هنا أظهر قراءة الجماعة؛ وذلك أنه صرف إلى ~~الابتداء؛ لأنه عطفه على الجملة الكبيرة التي هي قوله "تعالى": {والنجم ~~والشجر يسجدان 2} ، فكما أن هذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فكذلك قوله ~~تعالى: {والسماء رفعها} جملة من مبتدأ وخبر، معطوفة على قوله: {والنجم ~~والشجر يسجدان} . # وأما قراءة العامة بالنصب: {والسماء رفعها} فإنها معطوفة على "يسجدان" ~~وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل، فيصير ~~تقديره: يسجدان، ورفع السماء. فلما أضمر "رفع" فسره بقوله: "رفعها"، كقولك: ~~قام زيد، وعمرا ضربته، أي: وضربت عمرا؛ لتعطف جملة من فعل وفاعل على أخرى ~~مثلها. # وفي نصب "السماء" على قراءة العامة رد على أبي الحسن في امتناعه ms433 أن يقول: ~~زيد ضربته وعمر كلمته، على أن يكون تقديره: وكلمت عمرا، عطفا على ضربته، ~~قال: لأن قولك: "ضربته" جملة ذات موضع من الإعراب؛ لكونها خبر مبتدأ، ~~وقولك: وكلمت عمرا لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست خبرا عن زيد؛ لخلوها ~~من ضميره، قال: فلا يعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذ العطف ~~نظير التثنية، فينبغي أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه. # وهذا ساقط عند3 سيبويه؛ وذلك أن ذلك الموضع من الإعراب لما لم يخرج إلى ~~اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، ~~كما أن الضمير PageV02P302 # في اسم الفاعل لما لم يظهر إلى اللفظ جرى مجرى [155و] ما لا ضمير فيه، ~~فقيل: في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد ~~يظهر ضميره إذا جرى على غير من هو له، ثم أجرى مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه ~~لما لم يظهر في بعض المواضع -كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلا أحرى بأن ~~يسقط الاعتداد به، والكلام هنا فيه طول، وهذا كتاب شرطنا فيه اختصاره؛ ~~ليقرب على القرأة فهمه، فمنع ذلك من تقصيه وإغراق مدى القول فيه. # ومن ذلك قراءة بلال بن أبي بردة1: "ولا تخسروا2"، بفتح التاء والسين. # وقرأ بلال أيضا: "ولا تخسروا"، من خسر يخسر، بخلاف. # قال أبو الفتح: أما تخسروا -بفتح التاء والسين- فينبغي أن يكون على حذف ~~حرف الجر، أي: تخسروا في الميزان، فلما حذف الجر أفضى إليه الفعل قبله، ~~فنصبه؛ كقوله "تعالى": {واقعدوا لهم كل مرصد 3} ، أي: في كل مرصد، وعلى كل ~~مرصد، وكقوله: # بأسرع الشد مني يوم لانية ... لما لقيتهم واهتزت اللمم4 # أراد بأسرع في الشد، فحذف الحرف وأوصل "أسرع"، أو فعلا دل عليه أسرع ~~هذه5. وأما "تخسروا"، بفتح التاء، وكسر السين فعلى خسرت الميزان، وإنما ~~المشهور أخسرته. خسر الميزان، أي: نقص، وأخسرته. ويشبه أن يكون لغة في ~~أخسرته، كما يشترك فيه فعلت وأفعلت من المعنى الواحد، نحو أجبرت الرجل ~~وجبرته، أهلكت ms434 الشيء هلكته. PageV02P303 # ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "سنفرغ1 لكم"، بكسر النون، وفتح الراء. # وقرأ: "سنفرغ لكم"، بفتح النون والراء - قتادة ويحيى بن عمارة الزارع ~~والأعمش -بخلاف- وابن إدريس. # وقرأ: "سنفرغ لكم"، بنصب الياء والراء أبو عمرو والأعرج. # أبو حاتم عن الأعمش: "سنفرغ لكم". # قال أبو الفتح: يقال: فرغ يفرغ كدفع يدفع، وفرغ يفرغ كذبغ يدبغ، وفرغ ~~يفرغ كلثغ يلثغ. # وأما "سيفرغ"، بالياء فالفاعل فيه اسم الله تعالى. # و"سيفرغ" واضح. # ومن ذلك قراءة ابن أبي بكرة: "ونحس2"، بفتح النون، وضم الحاء، وتشديد ~~السين، رفع. # قال أبو الفتح: "نحس"، أي: نقتل بالعذاب. يقال: حس القوم يحسهم حسا: إذا ~~استأصلهم. قال الله "تعالى": {إذ تحسونهم 3} ، أي: تقتلونهم قتلا ذريعا. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "من إستبرق4"، بالوصل. # قال أبو الفتح: هذه صورة الفعل البتة، بمنزلة استخرج، وكأنه سمى بالفعل ~~وفيه ضمير الفاعل، فحكى كأنه جملة، وهذا باب إنما طريقه في الأعلام، كتأبظ ~~شرا، وذري حبا، وشاب قرناها. وليس الإستبراق علما يسمى بالجملة، وإنما هو ~~قولك: بزيون5. وعلى أنه إنما استبرق: إذا بلغ فدعا البصر إلى البرق وقال: # تستبرق الأفق الأقصى إذا ابتسمت ... لاح السيوف سوى أغمادها القضب6 ~~PageV02P304 # [هذا إن شئت قلت: معناه تستبرق أبصار أهل الأفق وإن شئت قلت: تبرقه، أي: ~~تأتي بالبرق منه1] . # وأما البزيون فبعيد عن هذا، اللهم إلا أن نقول: إنه لمائه2 وصنعته ~~تستبرق، أي: تبرق فيكون [155ظ] كفر واستقر. ولست أدفع أن تكون قراءة ابن ~~محيصن بهذا، لأنه توهم فعلا، وإذ كان على وزنه، فتركه مفتوحا على حاله، كما ~~توهم الآخر أن ملك الموت من معنى الملك حتى قال: # فمالك موت بالقضاء دهاني # فبني منه صورة فاعل من الملك، وهذا أسبق ما فيه إلي. # ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "ولا جأن3"، بالهمز. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا. لما حرك الألف لالتقاء الساكنين ~~همزها، كقراءة أيوب السختياني: "ولا الضالين4". # ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم" وعثمان ونصر بن علي والجحدري ~~وأبي الجلد ومالك بن ms435 دينار وأبي طعمة وابن محيصن وزهير الفرقبي: "رفارف خضر ~~وعباقري حسان5". # وقرأ: "خضرا"، مثقلا - الأعرج. # قال أبو الفتح: كذلك رويته عن قطرب: "عباقري"، بكسر القاف غير مصروف. ~~ورويناه عن أبي حاتم: "عباقري"، بفتح القاف غير مصروف أيضا. # قال أبو حاتم: ويشبه أن يكون عباقر بكسر القاف على ما يتكلم به العرب، ~~قال: ولو قالوا: عباقري6، فكسروا القاف، وصرفوا لكان أشبه بكلام العرب، ~~كالنسب إلى مدائن PageV02P305 # مدائني، قال: وقال سعيد بن جبير: رفارف: رياض الجنة1، قال: وعبقر: موضع # قال امرؤ القيس: # كأن صليل المرحين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا2 # وقال زهير: # بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا3 # وأما ترك صرف "عباقري" فشاذ في4 القياس، ولا يستنكر شذوذه في القياس ما ~~استمراره في الاستعمال، كما جاء عن الجماعة: {استحوذ عليهم الشيطان 5} ، ~~وهو شاذ في القياس ما استمراره في الاستعمال. نعم، إذا كان قد جاء عنهم ~~عنكبوت وعناكيب، وتخربوت6 وتخاربيت - كان عباقري أسهل منه؛ من حيث كان فيه ~~حرف مشدد، يكاد يجري مجرى الحرف الواحد ومع ذلك أنه في آخر الكلمة، كياءي ~~بخاتي7 وزرابي8. # وليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إلا بقبولها، ~~والاعتراف لها. # وأما "خضر" بضمخ الضاد فقليل، وهذا من مواضع الشعر كما قال طرفة: # ورادا وشقر9 # بضم القاف. PageV02P306 ### | سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الحسن واليزيدي والثقفي وأبو حيوة: "خافضة رافعة1"، بالنصب. # قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: {ليس لوقعتها كاذبة} حينئذ2 ~~حال أخرى قبلها، أي: إذا وقعت الواقعة، صادقة الواقعة، خافضة، رافعة. فهذه ~~الثلاث أحوال، أولاهن الجملة التي هي قوله: {ليس لوقعتها كاذبة} ، ومثله: ~~مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتي بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك ~~لجاز3 وحسن، كما لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، ~~جميل، جواد، فارس، بصري4، بزاز، ونحو ذلك. # ألا ترى أن الحال زيادة في الخير، وضرب منه؟ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن ~~يقول: لولا هند جالسة لقمت ms436 ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن ~~تستعمل فيه [156و] الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها في ~~لذلك. # والعامل في "إذا" محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة ~~كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك ويجوز أن تكون "إذا" الثانية، ~~وهي قوله: {إذا رجت الأرض رجا 5} خبرا عن "إذا" الأولى، ونظيره: إذا تزورني ~~إلا يقوم زيد، أي: وقت زيارتك PageV02P307 # إياي وقت قيام زيد. وجاز ل"إذا" أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما ~~جاز لها أن تخرج بحرف جر عن الظرفية1 كقوله: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها2 # وقال الله "سبحانه": {حتى إذا كنتم في الفلك 3} ، إذا مجرورة عند أبي ~~الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى. # ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق: "ولا ينزفون4"، بفتح الياء، وكسر الزاي. # قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر - ~~ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشيء: إذا أفنيته، قال: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا5 # وقال العجاج: # وأنزف العبرة من لا في العبر6 # وقال: # أيام لا أحسب شيئا منزفا7 # أي: فانيا، فكأنه "سبحانه" قال: "لا يصدعون عنها ولا ينزفون عقولهم" كما ~~ينزف ماء البئر. والنزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد. PageV02P308 # ومن ذلك قراءة أبي بن كعب وابن مسعود: "وحورا عينا1". # قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أي: ويؤتون، أو يزوجون حورا عينا، كما ~~قال: {وزوجناهم بحور عين 2} ، وهو كثير في القرآن والشعر. # ومن ذلك قرأ: "إذا متنا وكنا ترابا وعظاما3 إنا"، على الخبر كلاهما بلا ~~استفهام. # قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا ~~نظرت إلي مت منك فرقا، وإذا سألتك جممت لي بحرا، أي: الأمر بخلاف ذلك، ~~وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان ~~حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودل قوله: {إنا ~~لمبعوثون} ms437 على بعثنا ولا يجوز أن يعمل فيه "مبعوثون" لأن ما بعد إن لا يعمل ~~فيما قبلها. # ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "فلأقسم"، بغير ألف. # قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أي: لأنا أقسم، فدل ~~على ذلك أن جميع ما في القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد ~~الأقسام، كقوله "سبحانه": {والتين والزيتون 5} ، و {والشمس وضحاها 6} ، ~~وكذلك حملت "لا" على الزيادة في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} ، ونحوه. ~~نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمن، وحذف هذه ~~النون هنا ضعيف جدا. PageV02P309 # ومن ذلك قراءة علي وابن عباس -ورويت عن النبي "صلى الله عليه وسلم"-: ~~"وتجعلون شكركم أنكم تكذبون1". # قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أي: تفعلون بدل شكركم [156ظ] ومكان ~~شكركم التكذيب ومثله قول العجاج: # ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا2 # أي: كان مكان جزائي الجلد بالعصا # ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم وابن عباس وقتادة والحسن ~~والضحاك والأشهب ونوح3 القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمي ~~والربيع بن خثيم4 وأبي عمران الجوني وأبي جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: ~~"فروح"، بضم الراء. # قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فمسك روح، وممسكها هو ~~الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح. ~~PageV02P310 ### | سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "بين أيديهم وبأيمانهم1"، بكسر الهمزة - سهل بن شعيب النهمي. # قال أبو الفتح: قوله "وبأيمانهم" معطوف على قوله: "بين أيديهم". # فإن قلت: فإن قوله: "بين أيديهم" ظرف، وقوله: "بأيمانهم" ليس ظرفا. ألا ~~ترى أنه ليس معناه يسعر في إيمانهم؟ فكيف يجوز أن يعطف على الظرف ما ليس ~~ظرفا، وقد علمت أن العطف بالواو نظير التثنية، والتثنية توجب تماثل الشيء؟ # قيل: الظرف الذي هو بين أيديهم معناه الحال، وهو متعلق بمحذوف، أي: يسعى ~~كائنا بين أيديهم، وليس بين أيديهم متعلقا بنفس يسعى، كقولك: سعيت بين ~~القوم، وسعيت في حاجتي. وإذا كان ms438 الظرف هنا في موضع الحال جاز أن يعطف عليه ~~الباء وما جرته، حتى كأنه قال: يسعى كائنا بين أيديهم، وكائنا بإيمانهم؛ ~~أي: إنما حدث السعى كائنا بإيمانهم، كقول الله "تعالى": {ذلك بما قدمت يداك ~~2} ، أي: ذلك كائن بذلك. # فعلى هذا التقدير يجب أن يكون قوله: "وبإيمانهم". فأما أن يعلق "بين" ~~بنفس "يسعى" يعطف عليه "بإيمانهم" فلا؛ لما تقدم. # ومن ذلك قراءة سماك بن حرب3: "وغركم بالله الغرور4"، بضم الغين. ~~PageV02P311 # قال أبو الفتح: هو كقوله: وغركم بالله الاغترار، وتقديره على حذف المضاف، ~~أي: وغركم بالله سلامة الاغترار، ومعناه سلامتكم منه مع اغتراركم. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ألما يأن للذين"، مثقلة. # قال أبو الفتح: أصل "لما" لم، زيد عليها ما، فصارت نفيا لقوله: قد كان ~~كذا، و"لم" ونفي فعل. تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفي: لم يقم. فإن ~~قال: قد قام. قلت: لما يقم، لما زاد في الإثبات "قد"- زاد في النفي "ما"، ~~إلا أنهم لما ركبوا "لم" مع "ما" - حدث لها معنى ولفظ. # أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، ~~أي: وقت قيامك قام زيد. # وأما اللفظ. فلأنها جاز أن يقف عليها دون مجزومها، كقولك: جئت ولما، أي: ~~ولما تجئ. ولو قلت: جئت ولم-لم يجز. # فإن قلت: فقد علمنا أن أصل لما - على ما وصفت -"لم" و"ما" - حدث لها معنى ~~ولفظ. # أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، ~~أي: وقت قيامك قام زيد. # وأما اللفظ. فلأنها جاز أن يقف عليها دون مجزومها، كقولك: جئت ولما، أي: ~~ولما تجيء. ولو قلت: جئت ولم - لم يجز. # فإن قلت: فقد علمنا أن أصل لما -على ما وصفت - "لم" و"ما"، وهما حرفان2، ~~وأما الظرف فاسم، فكيف جاز للحرف أن يستحيل، فيصير اسما؟ # قيل: كما استحال الاسم لما ركب مع الحرف، فاعتد مجموعهما حرفا في قولهم: ~~إذ ما تقم أقم. ألا ترى أن سيبويه ذكر "إذ ما" في الحرف، وقرنها بإن [157و] ~~في الشرط؟ وذلك ms439 أن التركيب يحدث للمركبين حكما مستأنفا، ويخلقه خلقا ~~مرتجلا. ألا ترى إلى قولهم: بأبأت الصبي: إذا قلت له: بأبي أنت، والباء في ~~أوله مزيدة للجر، والثانية أيضا قد يمكن أن تكون للجر كررت، إلا أنك إذا ~~مثلت قلت: هو فعللت، فجعلت الباء الزائدة للجر مقابلة للفاء؟ وكذلك قولهم: ~~بسملت، فالباء من قولهم: "بسم الله"، والسين فاء "اسم"، واللام عين إله، ثم ~~إنك إذا مثلت بسملت قلت: هو فعللت، ومثله حوقلت: إذا قلت: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، ومثال حرقلت: فوعلت، والواو -كما ترى- زائدة، PageV02P312 # وهي عين حول في الأصل. أفلا ترى إلى استحالة أحوال الحروف من الزيادة إلى ~~الأصل، ومن الأصل إلى الزيادة؟ وهذا كقول الله سبحانه: {ثم أنشأناه خلقا ~~آخر 1} . # ومن ذلك قراءة الحسن: "وآتيناه الأنجيل2"، بفتح الهمزة. # قال أبو الفتح: هذا مثال لا نظير له؛ لأنه أفعيل، وهو عندهم من تجلت ~~الشيء: إذا استخرجته؛ لأنه حال الحرام من الحلال، كما قيل لنظيره: التوراة، ~~وهي فوعلة من ورى الزند يرى: إذا أخرج النار، ومثله الفرقان، وهو فعلان من ~~فرق بين الشيئين. # قال أبو النجم: # تنجل أيديهن كل منجل3 # يصف أيدي الإبل، وإنها في سيرها تثير الأرض، وتستخرج باطنها. فعلى هذا لا ~~يجوز فتح الهمزة؛ لأنه لا نظير له. وغالب الظن وأحسنه به- أن يكون ما قرأة. ~~إلا عن سماع، فإن يكن كذلك فشاذ شذ، كما قال بعضهم في البرطيل: البرطيل، ~~ونحو منهما ما حكاه أبو زيد من قولهم: السكينة بفتح السين، وتشديد الكاف. ~~وربما ظن "الأنجيل" أعجميا فأجرى عليه بتحريف مثاله. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ليلا يعلم أهل الكتاب4"، بنصب اللام5، وبجزم ~~الياء، ولا يهمز. # قال أبو الفتح: حكاه قطرب -فيما رويناه عنه- "ليلا"، بكسر اللام، وسكون ~~الياء، وقال: حذف همزة "أن"، وأبدل "النون" ياء، هكذا قال. # والذي حكاه ابن مجاهد: بفتح اللام، وسكون الياء. # وما ذكره قطرب من الكسر أقرب؛ وذلك أنه إذا حذف "الهمزة" بقى بعد ذلك ~~"لئلا"، PageV02P313 # فيجب إدغام النون في اللام، فيصير اللفظ "للا"، فتجتمع اللامات، فتبدل ms440 ~~الوسطى لإدغامها وانكسار ما قبلها، فتصير "ليلا"، كما أبدلوا راء قراط، ونو ~~دنار لذلك، فقالوا: قيراط، ودينار - وميم دماس، فقالوا كذلك: ديماس1، فيمن ~~قال: دماميسن وباء دباج، فقالوا: ديباج، فيمن قال دبابيج. # وأما فتح اللام من "ليلا" فجائز هو البدل جميعا، وذلك أن منهم من يفتح ~~لام الجر مع الظاهر. # حكى أبو الحسن عن أبي عبيدة أن بعضهم قرأ: "وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال2"، وحسن ذلك أيضا مع "أن" لمشابهتها المضمر، كما يشبه المضمر الحرف، ~~فيبنى. وعليه اختاروا: "وما كان جواب قومه إلا أن قالوا3"، فجعلوا اسم كان ~~"أن قالوا"، لأنه ضارع المضمر بالامتناع من وصفه، كالامتناع من وصف المضمر. ~~والمضمر أعرف من "جواب قومه". وإذا كان أعرف كان بكونه اسم كان [157ظ] ~~أجدر؟ # وأما إبداله أحد المثلين مع الفتح فقد جاء ذلك، ألا ترى إلى قوله سعد بن ~~قرط: # يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار4؟ # يريد: أما بالفتح. # ومثله ما رويناه عن قطرب أيضا من قول الراجز: # لا تفسدوا آبالكم ... أيما لنا أيما لكم5 # فاجتمع من ذلك أن صار اللفظ إلى "ليلا"، وعليه قال الخليل: في لن: إن ~~أصلها لا أن، فحذف الهمزة تخفيفا، والألف لالتقاء الساكنين. PageV02P314 ### | سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "ما يكون من نجوى ثلاثة1"، بالتاء - أبو جعفر وأبو حية. # قال أبو الفتح: التذكير الذي عليه العامة هو الوجه؛ لما هناك من الشياع ~~وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية. وأما ~~"تكون"، بالتاء فلا عتزام لفظ التأنيث، حتى كأنه قال: ما تكون2 من نجوى ~~ثلاثة، كما تقول: ما قامت امرأة، ولا حضرت جارية وما تكون نجوى ثلاثة. # ومن ذلك قرأ الحسن وداود بن أبي هند3: "تفاسحوا4"، بألف. # قال أبو الفتح: هذا لائق بالغرض؛ لأنه إذا قيل: تفسحوا في المجلس لم يكن ~~فيه إصراح بدليل: ليفسح بعضكم لبعض، وإنما ظاهر معناه: ليكن هناك تفسح. # وأما التفاسح فتفاعل، والمراد به هنا المفاعلة، وبابها أن يكون فما فوق ms441 ~~الواحد، كالمقاسمة والمكايلة والمساقات والمشاربة، إلا أنه قد يستفاد أيضا ~~مع "تفسحوا" هذا المعنى؛ لأنه لم يقصد به تفسح مخصوص، فهو شائع بينهم، فسرى ~~لذلك في جميعهم. # ومن ذلك قراءة الحسن: "اتخذوا أيمانهم5،" بكسر الهمزة. # قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة فصدوا ~~عن سبيل الله فلهم عذاب مهين، وهذا حديث المنافقين المعروف. PageV02P315 ### | سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "كي لا تكون دولة1"، بالتاء مرفوعة الدال والهاء - أبو جعفر يزيد. # قال أبو الفتح: منهم من لا يفصل بين الدولة والدولة، ومنهم من يفصل ~~فيقول: الدولة في الملك، والدولة في الملك. "وتكون" هنا هي التامة، ولا خير ~~لها، أي: كي لا تقع دولة أو تحدث دولة بين الأغنياء. وإن شئت كانت2 صفة ~~ل"دولة"، وإن شئت كانت متعلقة بنفس "دولة"، تداول بين الأغنياء، وإن شئت ~~علقتها بنفس "تكون" أي: لا تحدث بين الأغنياء منكم، وإن شئت جعلتها "كان" ~~الناقصة، وجعلت "بين" خبرها. # والأول الوجه، ومعناه: كي لا تقع دولة فيه أو عليه، يعنى على المفاء من ~~عند الله. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء وأبي حية: "جدر3"، بضم الجيم، وتسكين الدال. # قال أبو الفتح: هذه مخففة من جدر، جمع جدار. وأما من قرأ: "من وراء جدار" ~~فيحتمل أمرين: # أحدهما أن يكون واحد وقع موقع الجماعة، كقوله تعالى: {ثم يخرجكم طفلا 4} ~~، أي: أطفالا. # وفيه وجه آخر لطيفن وفيه الصنعة، وهو أن يكون "جدار" تكسير جدار أيضا، ~~فتكون ألف [158و] جدار في الواحد، كألف كتاب وحساب، وفي الجماعة كألف ظراف ~~وكرام. PageV02P316 # ومثله مما كسر من من فعال على فعال قولهم: ناقة هجان1 ونوق هجان، ودرع ~~دلاص2 وأدرع دلاص. ويدل على أن هجانا ليس لفظا واحد يقع على الواحد فما ~~فوقه كجنب وبابه- قولهم: هجانان، وهذا واضح. # وإنما جاز تكسير فعال على فعال من حيث كانت فعال أخت فعيل. ألا ترى كل ~~واحد منهما ثلاثيا وقيل لامه حرف لين؟ فكما كسر فعيل على فعال كشريف وشراف، ~~وكريم وكرام - كذلك أيضا جاز ms442 تكسير فعال على فعال، وكما أن ألف جدار في ~~الواحد ليست ألف جدار في الجمع - فكذلك كسرة الجيم فيه غير كسرته فيه، ~~وفتحة الدال فيه غير فتحته فيه، كما أن كسرة الشين في شراف غير فتحتها في ~~شريف، وكما أن فتحة الدال في جدار غير كسرة الراء من شريف. # فهذا الخلاف لفظا هو الذي سوغ اعتقاد المتفقين لفظا مختلفين تقديرا ~~ومعنى. # وهذا غور من العربية بطين، وله نظائر كثيرة، وفيه صنعة لطيفة, وقد أفردنا ~~له بابا في كتابنا الخصائص فيما اتفق لفظه واختلف معناه من الحروف والحركات ~~والسكون3، ومثله سواء قول الله "تعالى": {واجعلنا للمتقين إماما 4} ، يكون ~~"إمام" مع إمام، على ما شرحناه في جدار. وذهب أبو الحسن إلى أنه جمع آم، ~~كقائم وقيام. # ومن ذلك قال ابن مجاهد وأبو حاتم عن يعقوب، قال: سمعت أعرابيا يكنى أبا ~~الدينار عند الكسائي يقرأ: "القدوس"، بفتح القاف. # قال أبو الفتح: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه في الصفة السبوح، ~~والقدوس، وحكى PageV02P317 # في الصفة أيضا السبوح، والقدوس، بالضم، وإثبات الفعول الاسم كشبوط1، ~~وسمور2، وتنور، وسفود3، وهبود4، -لجبل باليمامة، - وعبود. # ومن ذلك قرأ الأعمش: "ولا تجعل في قلوبنا غمرا5". # قال أبو الفتح: هو راجع بالمعنى إلى أنه من قولهم: منديل الغمر؛- لأنه ~~الدنس وفساد المعتقد، وكلام العرب لطيف المذهب، وكريم المضطرب لكن بقى من ~~يشبه6، وينجلى بنظره أغماؤه7 وأشبه8. PageV02P318 ### | سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ عيسى الثقفي: "براء1"، بكسر الباء، وليس بين الراء والألف همزة، في ~~وزن براع. # قال أبو الفتح: هذا جمع بريء، وفي تكسره أربعة أوجه: بريء وبراء كظريف ~~وظراف، وبريء وأبرياء كصديق وأصدقاء، وبريء وبرآء كشريف وشرفاء، وبريء ~~وبراء -على فعال- كتؤام2، ورباب: جمع شاة ربي: حديثة العهد بالنتاج. وعليه ~~بيت الحارث: # فإنا من حربهم لبراء3 # وقال الفراء: أراد برآء، فحذف الهمزة التي هي لام تخفيفا، فأخذ هذا ~~الموضع من أبي الحسن في قوله: إن أشياء أصلها أشيياء، ومذهبه هذا يوجب ترك ~~صرف براء؛ لأنها عنده همزة التأنيث. # ومن ذلك قراءة الأعرج: ms443 "فعقبتم4" [158ظ] . # النخعي والزهري ويحيى بخلاف-: "فعقبتم"، خفيفة القاف من غير ألف. ~~PageV02P319 # مسروق: "فعقبتهم"، بكسر القاف بغير ألف. # وقراءة الناس: "فعاقبتم". # قال أبو الفتح: روينا عن قطرب، قال: "فعاقبتم:" أصبتم عقبا1 منهن. يقال ~~عاقب الرجل شيئا: إذا أخذ شيئا، وأنشد لطرفة: # فعقبتم بذنوب غير مر2 # جمع مرة، فسروه على أعطيتم وعدتم. وقال في قوله: {ولم يعقب 3} : لم يرجع، ~~كذا قال أحمد بن يحيى. # قال أبو حاتم: قرأ مجاهد: "فأعقبتم"، قال: معنى أعقبتم: صنعتم بهم مثل ما ~~صنعوا بكم. # وحكى عن أبي عوانة4 عن المغيرة: قرأت على إبراهيم: "فعاقبتم"، فأخذها ~~علي: "فعقبتم"، خفيفة. # وحكى عن الأعمش، قال: "عقبتم" "عقبتم"، فقد يجوز أن يكون عقبتم بوزن ~~غنمتم ومعناه جميعا. وروى أيضا بيت طرفة: "فعقبتم"، بكسر القاف. ~~PageV02P320 ### | سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ طلحة: "وهو يدعى إلى الأسلام1". # قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن يقال: يدعى الإسلام، إلا أنه لما كان يدعى ~~الإسلام: ينتسب إليه قال: يدعى إلى الإسلام، حملا على معناه، كقول الله ~~"تعالى" {هل لك إلى أن تزكى 2،} وعادة الاستعمال: هل لك في كذا، لكنه لما ~~كان معناه أدعوك إلى أن تزكى استعمل "إلى" هنا، تطاولا نحو المعنى. وقد ~~تقدم هذا، وهو غور عظيم. PageV02P321 ### | سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ ابن يعمر وابن إسحاق: "فتمنوا الموت1"، بالكسر. # قال أبو الفتح: قد سبق القول على هذا فيما مضى2، فأغنى عنه هنا. # ومن ذلك قراءة علي "عليه السلام" وعمر "صلوات الله عليه" وابن مسعود وابن ~~عباس وأبي بن كعب وابن عمر وابن الزبير "رضي الله عنهم" وأبي العالية ~~والسلمي ومسروق طاوس3 وسالم بن عبد الله4 وطلحة، بخلاف: " فامضوا ذكر ~~الله5". # قال أبو الفتح: في هذه القراءة تفسير للقراءة العامة: {فاسعوا إلى ذكر ~~الله} ، أي: فاقصدوا، وتوجهوا. وليس فيه دليل على الإسراع، وإنما الغرض ~~المضي إليها، كقراءة من ذكرنا. PageV02P321 ### | سورة المنافقين # بسم الله الرحمن الرحيم # قراءة الحسن: "اتخذوا أيمانهم جنة1". # قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة، ms444 وقد ~~مضى ذكر ذلك2. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "آستغفرت3"، بالمد. # وروى عنه: "استغفرت"، بالوصل. # قال أبو الفتح: هاتان القراءتان كلتاهما مضعوفتان. # أما "آستغفرت"، بالمد فأنه أثبت همزة الوصل، وقد استغنى عنها بهمزة ~~الاستفهام من قبلها، وليس كذلك طريق العربية. ألا ترى إلى قول ذي الرمة: # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم عاود القلب من أطرابه طرب4؟ # وأما "استغفرت"، بالوصل ففي الطرف الآخر من الضعف، وذلك أنه حذف همزة ~~الاستفهام، وهو يريدها. وهذا مما يختص بالتجوز فيه الشعر، لا القرآن، نحو ~~قوله: [159و] # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر5 ~~PageV02P322 ### | سورة التغابن # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "يهدأ قلبه1"، مهموزا - عكرمة وعمرو بن دينار. # قال أبو الفتح: أي: يطمئن قلبه، كما قال: {إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالأيمان 2} . PageV02P323 ### | سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "فطلقوهن في قبل عدتهن1"- النبي "صلى الله عليه وسلم" وعثمان وابن ~~عباس وأبي بن عب وجابر بن عبد الله ومجاهد وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد، ~~رضي الله عنهم. # قال أبو الفتح: هذه القراءة تصديق لمعنى قراءة الجماعة: {فطلقوهن لعدتهن} ~~، أي: عند عدتهن. ومثله قول الله تعالى: {لا يجليها لوقتها إلا هو 2} ، أي: ~~عند وقتها. # ومن ذلك قراءة داود بن أبي هند: "إن الله بالغ" - منونة - "أمره3"، ~~بالرفع. # قال أبو الفتح: معناه أن أمره بالغ ما يريده الله به، فقد بلغ أمر الله ~~ما أرداه، والمفعول كما ترى محذوف. PageV02P323 ### | سورة التحريم # 1: # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "وقودها2" - بضم الواو - مجاهد والحسن وطلحة وعيسى الهمداني. # قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: ذو وقودها يعنى ما تطعمه النار ~~من الوقود وقد مضى ذكره3، وتفسير ما فيه. # ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب: "وبأيمانهم4"، مكسورة الهمزة. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك5، وأنه معطوف عل الظرف، على أن ~~الظرف حال. # ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "وكتبه وكانت6"، ساكنة التاء، واختلف عنه. # وقرأ "وكتابه". # قال أبو الفتح قال أبو حاتم: ms445 كتبه أجمع من كتابه، وكل صواب. وعلى كل حال ~~ففيه وضع المضاف موضع الجنس، وقد تقدم تفسيره. PageV02P324 ### | سورة الملك # ... # No pages # PageV00P000 ### | سورة القلم # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الحسن: "أيمان علينا بالغة1" بالنصب. # قال أبو الفتح: يجوز أن يكون "بالغة" حالا من الضمير في لكم؛ لأنه خبر عن ~~"إيمان"، ففيه ضمير منه. # وإن شئت جعلته حالا من الضمير في "علينا" إذا جعلت "علينا" وصفا لأيمان، ~~لا متعلقا بنفس ال"أيمان"؛ لأن فيه ضميرا كما يكون فيه ضمير منه إذا كان ~~خبرا عنه. # ويجوز أن يكون حالا من نفس "أيمان" وإن [159ظ] كانت نكرة كما أجاز أبو ~~عمر في قوله "سبحانه": و {للمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين 2} أن ~~يكون "حقا" حالا من متاع. # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يوم تكشف عن3"، بالتاء، والتاء منتصبة. # وروى: "تكشف"، بالتاء مضمومة. # قال أبو الفتح: أي: تكشف الشدة والحال الحاضرة عن ساق. وهذا مثل، أي: ~~تأخذ في أغراضها، ثم شبهت بمن أراد أمرا وتأهب له، كيف يكشف عن ساقه؟ قال: # كشفت لكم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح4 # فأضمر الحال والشدة؛ لدلالة الموضع عليه. # ونظيره من إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه مسألة الكتاب: إذا كان غدا ~~فأتني5، أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في غد فأتني. وكذلك قولهم: من ~~كتاب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا، فأضمر المصدر لدلالة المثال عليه. # وأما "يكشف" بتاء مضمومة فعلى نحو ذلك أيضا، أي: تكشف الصورة والآخرة ~~هناك عن شدة، ويسرى6 ثوبها عن الحال الصعبة، والطريق واحد. # ومن ذلك قراءة ابن هرمز والحسن: "لولا أن تداركه7"، مشددة. # قال أبو الفتح: روى هذه القراءة أبو حاتم عن الأعرج لا غير، قال: وقال ~~بعضهم: سألت عنها أبا عمرو فقال: لا. قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك؛ لأنه فعل ~~ماض، وليست فيها إلا تاء واحدة، ولا يجوز تتداركه، وهذا خطأ منه؛ أو عليه. ~~PageV02P326 # قال أبو الفتح: قول أبي حاتم: هذا خطأ - لا وجه له؛ وذلك أنه يجوز على ~~حكاية ms446 الحال الماضية المنقضية، أي لولا أن كان يقال فيه: تتداركه، كما ~~تقول: كان زيد سيقوم، أي: كان متوقعا منه القيام، فكذلك هذا: لولا أن يقال: ~~تتداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء. ومثله ما أنشدناه أبو علي، وهو رأيه ~~وتفسيره من قوله: # فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فلسنا على الإسلام أول من قتل # أي: فإن تكونوا الآن معروفا هذا من خلالكم فيما مضى فلسنا كذا، وعليه قول ~~الله "سبحانه": {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه 1} ، ~~فأشار "سبحانه" إليهما إشارة الحاضر؛ لأنه لما كان حكاية حال صارت كأنها ~~حاضرة، فقيل: هذا، وهذا. ولولا ذلك لقيل: أحدهما كذا، والآخر كذا. وكذلك ~~قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد 2} ، أعمل اسم الفاعل وإن كان لما ~~مضى لما أراد الحال، فكأنها حاضرة. واسم الفاعل يعمل في الحال، كما يعمل في ~~الاستقبال. وقد مضى هذا في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبنا مشروحا ملخصا. ~~PageV02P327 ### | سورة الحاقة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال ابن مجاهد حدثنا الطبري1 عن العباس بن الوليد2 عن عبد الحميد بن ~~بكار3 عن أيوب عن يحيى4 عن ابن عامر: "وحملت الأرض5"، مشددة الميم. قال ابن ~~مجاهد: وما أدري ما هذا؟. # قال أبو الفتح: هذا الذي تبشع على ابن مجاهد حتى أنكره من هذه القراءة - ~~صحيح وواضح. وذلك أنه أسند الفعل إلى المفعول الثاني، حتى كأنه في الأصل: ~~وحملنا قدرتنا، أو ملكا من ملائكتنا، أو نحو ذلك - الأرض، ثم أسند الفعل ~~إلى المفعول الثاني، فبني له، فقيل: فحملت [160و] الأرض. ولو جئت بالمفعول ~~الأول لأسندت الفعل إليه، فقلت: PageV02P328 # وحملت قدرتنا الأرض. وهذا كقولك: ألبست زيدا الجبة، فإن أقمت المفعول ~~الأول مقام الفاعل قلت: ألبس زيد الجبة، وإن حذفت المفعول الأول أقمت ~~الثاني مقامه، فقلت: ألبست الجبة. نعم، وقد كان أيضا يجوز مع استيفاء ~~المفعول الأول أن يبنى الفعل للمفعول الثاني، فتقول: ألسبت الجبة زيدا، على ~~طريق القلب؛ للاتساع، وارتفاع الشك. فإذا جاز على هذا أن تقول حملت الأرض ~~الملك، فتقيم الأرض مقام ms447 الفاعل مع ذكر المفعول الأول - فما ظنك بجواز ذلك ~~وحسنه، بل بوجوبه إذا حذف المفعول الأول؟ وكذلك أطعمت زيدا الخبز، وأطعم ~~زيد الخبز، وتتسع فتقول: أطعم الخبز زيدا، ثم تحذف زيدا، فلا تجد بدا من ~~إقامة الخبز مقام الفاعل، فتقول: أطعم الخبز. ومثله اركب الفرس وأبث ~~الحديث، وكسيت الجبة، وأطعم الطعام، وسقى الشراب، ولقى الخير، ووقى الشر. ~~ورحم الله ابن مجاهد! فلقد كان كبيرا في موضعه، مسلما فيما لم يمهر به. # ومن ذلك قراءة الزهري والحسن وموسى بن طلحة: "الخاطيون1"، بإثبات الياء، ~~ولا يهمز. # قال أبو الفتح: يحتمل هذا قولين: # أحدهما أن يكون تخفيفا للهمز، لكن على مذهب أبي الحسن في قول الله تعالى: ~~"يستهزيون2"، بإخلاص الهمزة في اللفظ ياء، لانكسار ما قبلها. وسيبويه ~~يجعلها بين حين على مذهبه في مثل ذلك، وقد ذكرناه، وفيه بعض الطول، ومثله ~~أيضا يدق على القراء. # والآخر أن يكون قد بقى من الهمز جزء ما على مذهب سيبويه، إلا أنه يلطف ~~على القراء، فيقولونه بإخلاص الياء، ومعذورون فيه لغموضه. # ومن ذلك ذكر محمد بن ذكوان أنه سمع أباه يقرأ: "ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل3". # قال أبو الفتح: في هذه القراءة تعريض بما صرحت به القراءة العامة التي ~~هي: "ولو تقول"، وذلك أن "تقول" لا تستعمل إلا مع التكذب، فهي مثل تخرص ~~وتزيد. وأما "يقول" فليست مختصة بالباطل دون الحق، وبالكذب دون الصدق، لكن ~~قوله "تعالى": {بعض الأقاويل} فيه الكناية والتعريض بالقبيح، كقولك: للرجل ~~وأنت في ذكر التعتب عليه: لو ذكرني لاحتملته، أي: لو ذكرني بغير الجميل، ~~ودل قولك: لاحتملته وما كنتما عليه من الأحوال - على ذلك، فكذلك قوله: ~~{لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين} ، لا سيما وهناك قوله: ~~"علينا"، فهذا أيضا مما يصحب الذكر غير الطيب؛ لأنه عليه، لا له. ~~PageV02P329 ### | سورة المعارج وسورة نوح # ... # سورة المعارج: # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "سال سيل1" - ابن عباس. # قال أبو الفتح: السيل هنا: الماء السائل، وأصله المصدر من قولك: سال ~~الماء سيلا، إلا أنه أوقع على ms448 الفاعل2 كقوله: {إن أصبح ماؤكم غورا 3} ، أي: ~~غائرا. يؤكد ذلك عندك ما أنشدناه أبو علي من قوله: # فلينك حال البحر دونك كله ... فكنت لقى تجري عليك السوائل4 # قال أبو علي [160ظ] فتكسيره سيلا على ما يكسر عليه سائل، وهو قولك؛ ~~السوائل - يشهد بما ذكرناه. # ومثل ذلك مما كسر من المصادر تكسير اسم الفاعل لكونه في معناه ما أنشدناه ~~أيضا من قوله: # وإنك ياعام بن فارس قرزل ... معيد على قيل الخنا والهواجر5 # فكسر الهجر، وهو الفحش على الهواجر، حتى كأنه إنما كسر هاجرا، ولا هجر. ~~فاعرف ذلك إلى غيره، مما يدل على مشابهة المصدر لاسم الفاعل. # سورة نوح: # لا شيء فيها PageV02P330 ### | سورة الجن # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "أحى1" - من وحيت، في وزن فعل - جؤية بن عائذ. # قال أبو الفتح: يقال: أوحيت إليه، ووحيت إليه. قال العجاج: # *وحى لها القرار فاستقرت2* # وأصله: "وحى"، فلما انضمت الواو ضما لازما همزت، على قوله "تعالى": {وإذا ~~الرسل أقتت 3} . وقالوا في وجوه: أجوه، وفي ورقة4 أرقة، وقالوا: أجنة، ~~يريدون: الوجنة5. # قال أبو حاتم: ولم يستعملوها على الأصل: وجنة. وتقول على هذا: أحى إليه، ~~فهو موحي إليه، فتردد الواو لزوال الضمة عنها. ومثله: أعد فهو موعود، وأرث ~~المال فهو موروث. ولا يجوز مأعود، ولا مأروث؛ لزوال الضمة عن الواو. فأما ~~قوله: # ومن حديث يزيدني مقة ... ما لحديث المأموق من ثمن6 PageV02P331 # فليس على الهمز، لكنه أراد الموموق، إلا أنه أبدل الواو ألفا، لانفتاح ما ~~قبلها وإن كانت ساكنة، كما قالوا في يوجل: ياجل، وفي يوحل ياحل، وفي يوتعد ~~-في اللغة الحجازية-: ياتعد، وفي يوتزن: ياتزن. فهذا1 على قلب الواو ألفا ~~لانفتاح ما قبلها، ليس على طريق الهمز. # وينبغي أن يحمل على هذا أيضا قوله عليه السلام: ارجعن مأزورات غير ~~مأجورات يريد: موزورات، ثم تقلب الواو؛ لما ذكرنا - ألفا. وعلى أنه قد يمكن ~~أن يكون قلب الواو همزة هنا إتباعا لمأجورات. # ومن ذلك قراءة عكرمة: "جدا ربنا2". # وروى عنه: "جدا ربنا"، وغلط3 الذي رواه. # قال أبو الفتح: أما ms449 انتصاب "جد" فعلى التمييز، أي: تعالى ربنا جدا، ثم ~~قدم المميز، على قولك: حسن وجها زيد. # فأما "جد ربنا" فإنه على إنكار ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أنه أراد: وأنه ~~تعالى جد جد ربنا على البدل، ثم حذف الثاني، وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا ~~على قوله "سبحانه": {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب 4} ، أي: زينة ~~الكواكب، ف"الكوكب" إذا بدل من "زينة". # فإن قلت: فإن الكواكب قد تسمى زينة، والرب "تعالى" لا يسمى جدا. # قيل: الكواكب في الحقيقة ليست زينة، لكنها ذات الزينة, ألا ترى إلى ~~القراءة بالإضافة وهي قوله: {بزينة الكواكب 5} ؟ وأنت أيضا تقول: تعالى ~~ربنا، كما تقول: PageV02P332 # تعالى جد ربنا. فالتعالى مستعمل معهما جميعا، كما يقال: يسرني زيد قيامه، ~~وأنت تقول: يسرني زيد، ويسرني قيامه. وهذا بيان ما أنكره ابن مجاهد. # ومن ذلك قراءة الحسن والجحدري ويعقوب وابن أبي بكرة، بخلاف: "أن لن ~~تقول1". # قال أبو الفتح: "كذبا" -في هذه القراءة- منصوب على المصدر من غير حذف ~~الموصوف معه، وذلك أن "تقول" في معنى تكذب، فجرى تبسمت وميض البرق، أي: ~~أنه2 منصوب بعفل مضمر، ودلت عليه تبسمت، [161و] أي: أومضت. فعلى هذا كأنه ~~قال: أن لن يكذب الإنس والجن على الله كذبا. # ومن رأى أن ينصب "وميض البرق" بنفس تبسمت؛ لأنه بمعنى أومضت نصب أيضا ~~"كذبا" بنفس "تقول"؛ لأنه بمعنى كذب. # وأما من قرأ "أن لن تقول3"، بوزن تقوم فإنه وصف مصدر محذوف، أي: أن لن ~~تقول الإنس والجن على الله قولا كذبا، فكذب هنا وصف لا مصدر، كقوله ~~"تعالى": {وجاءوا على قميصه بدم كذب 4} ، أي: كاذب. فإن جعلته هنا مصدرا ~~نصبته نصب المفعول5 به، أي: لن تقول كذبا، كقولك: قلت حقا، وقلت باطلا، ~~وقلت شعرا، وقلت سجعا. ولا يحسن أن تجعله مع "تقول" وصفا، أي: تقولا كذبا؛ ~~لأن التقول لا يكون إلا كذبا، فلا فائدة إذا فيه. # ومن ذلك قراءة الأعمش ويحيى: "وأن لو استقاموا6"، بضم الواو. # قال أبو الفتح: هذا على تشبيه هذه الواو بواو الجماعة، نحو قوله: {اشتروا ms450 ~~الضلالة 7} ، كما شبهت تلك أيضا بهذه فقرءوا: "اشتروا الضلالة"، وقد مضى ~~ذلك8. PageV02P333 # ومن ذلك قراءة الجحدري والحسن، بخلاف: "لبدا1"، مشددة. # قال أبو الفتح: هذا وصف على فعل: كالجباء2، والزمل3، واللبد: الكثير يركب ~~بعضه بعضا، حتى يتبلد من كثرته. # ابن مجاهد: وروى عن عاصم الجحدري؛: "لبدا"، بضم اللام والباء. # قال أبو الفتح: هذا من الأوصاف التي جاءت على فعل، كرجل طلق4، ناقة سرح5. # ومن ذلك قراءة مارواه يحيى عن ابن عامر: "أدري أقريب6"، وهذا لا يجوز. # قال أبو الفتح: طريق هذا أنه شبه آخر فعل المتكلم بيائه، كقولك: هذا ~~غلامي وصاحبي، وأنسخ بذلك أن للمتكلم في "أدري" حصة، وهي همزة المضارعة، ~~كما أن له حصة في اللفظ، وهي ياؤه. وعلى كل حال فهذه شبهة السهو فيه، لا ~~علة الصحة له، كما أن ياء مصيبة أشبهت في اللفظ ياء صحيفة، حتى قالوا: ~~مصائب سهوا، كما قالوا صحائف. PageV02P334 ### | سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ عكرمة: "المزمل1"، و"المدثر2"، خفيفة الزاي، والدال، مشددة الميم، ~~والثاء. # قال أبو الفتح: هذا على حذف المفعول، يريد: يأيها المزمل نفسه، والمدثر ~~نفسه؛ فحذفه فيهما جميعا. وحذف المفعول كثير، وفصيح، وعذب. ولا يركبه إلا ~~من قوى طبعه، وعذب وضعه. قال الله "سبحانه": {وأوتيت من كل شيء 3} ، أي: ~~أوتيت من كل شيء شيئا. وأنشدنا أبو علي للحطيئة: # منعمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبي4 # أي: تصون حديثها وتخزنه، كقول الشنفرى: # كأن لها في الأرض نسيا تقصه ... على أمها وإن تخاطبك تبلت5 # ومن ذالك قراءة أبي السمال: "قم الليل6". # وروح -عن أبي اليقظان- قال: سمعت أعرابيا من بلعنبر7 يقرأ كذلك. ~~PageV02P335 # قال أبو الفتح: علة جواز ذلك أن الغرض في هذه الحركة إنما التبلغ به هربا ~~من اجتماع الساكنين، فبأي الحركات حركت أحدهما فقد وقع الغرض، ولعمري إن ~~الكسر أكثر، فأما ألا يجوز غيره فلا. حكى قطرب عنهم: "قم الليل"، وقل ~~الحق1" وبع الثوب فمن كسره فعلى أصل الباب، ومن ضم، أو كسر أيضا أتبع2، ومن ~~فتح فجنوحا إلى خفة الفتح. # ومن ms451 ذلك حدثنا عباس الدوري [161ظ] عن أبي يحيى الحماني3 عن الأعمش عن أنس ~~أنه قرأ: "وأقوم قيلا"، و"وأصوب4". فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هي: "وأقوم ~~قيلا"، فقال أنس: إن أقوم أصوب وأهيأ واحد. # قال أبو الفتح: هذا يؤنس بأن القوم كانوا يعتبرون المعاني، ويخلدون ~~إليها، فإذا حصلوها وحصنوها سامحوا أنفسهم في العبارات عنها5. # ومن ذلك ما رؤينا عن أبي زيد أن أبا سرار الغنوي كان يقرأ: "فحاسوا خلال ~~الديار6"، والحاء غير معجمة. فقيل له: إنما هو "جاسوا"، فقال: حاسوا، ~~وجاسوا واحد7. # ومن ذلك حكاية ذي الرمة في قوله: # وظاهر لها من يابس الشخت8 # فقيل له" أنشدتنا بائس السخت فقال: بائس، ويابس واحد. # وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: قال بعض ~~أصحاب ابن الأعرابي له في قوة الشاعر: # وموضع زبن لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الروع آنس9 # أنشدتناه وموضع ضيق، فقال له أبن الأعرابي: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا ~~وكذا سنة ولا تدري أن "زبن" و"ضيق" واحد؟ PageV02P336 ### | سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قد ذكرنا من خففه1. # ومن ذلك قراءة الحسن: "ولا تمنن تستكثر2"، جزما. # وقرأ الأعمش: "تستكثر"، نصبا. # قال أبو الفتح: أما الجزم فحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون بدلا من قوله: {تمنن} ، حتى كأنه قال: لا تستكثر، فإن ~~قال. فعبرة البدل أن يصلح لإقامة الثاني مقام الأول، نحو ضربت أخاك زيدا، ~~فكأنك قلت: ضربت زيدا، وأنت لو قلت: لا تستكثر لم يدللك النهي عن المن ~~للاستكثار، وإنما كان يكون فيه النهي عن الاستكثار مرسلا، وليس هذا هو ~~المعنى، وإنما المعنى: لا تمنن من مستكثر، أي: امنن من من لا يريد عوضا، ~~ولا يطلب الكثير عن القليل. # قيل: قد يكون البدل على حذف الأول، وكذلك أيضا قد يكون على نية إثباته. ~~وذلك كقولك: زيد مررت به أبي محمد، فتبدل أبا محمد من الهاء. ولو قلت: زيد ~~مررت بأبي محمد على PageV02P337 # حذف الهاء كان قبيحا. فقوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} من هذا ms452 القبيل، لا ~~من الأول وأنكر أبو حاتم الجزم على البدل، وقال: لأن المن ليس بالاستكثار ~~فيبدل منه، وبينهما من النسبة ما ذكرته لك. # وأما الوجه الآخر فأ، يكون أراد: {تستكثر} ، فأسكن الراء؛ لثقل الضمة مع ~~كثرة الحركات، كما حكاه أبو زيد من قولهم: "بلى ورسلنا لديهم يكتبون1"، ~~بإسكان اللام. وقد مضى هذا فيما قبل مستقصى2. # فأما "تستكثر"، بالنصب فبأن مضمرة على ما أذكره لك، وذلك أن يكون بدلا من ~~قوله: {ولا تمنن} على المعنى. ألا ترى أن معناه لا يكن منك من واستكثار؟ ~~فكأنه قال: لا يكن منك من أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها ~~بدلا من المن في المعنى الذي دل عليه الفعل، ونظير اعتقاد المصدر مغروما3 ~~عن الفعل في نحو هذا - قولهم: لا تشتمه فيشتمك4، أي: لا يكن منك شم له، ولا ~~منه أن يشتمك. فكما ساغ هناك تقدير المصدر، فكذلك ساغ هنا تقديره أيضا. # ومما وقع في الفعل موقع المصدر ما أنشده أبو زيد من قوله: # فقالوا ما تشاء فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير5 [162و] # أراد اللهو موضع ألهو وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد وطلحة بن سليمان: "عليها تسعة عشر6"، بإسكان ~~العين. وقرأ أنس بن مالك: "تسعة أعشر". PageV02P338 # روى عنه: "تسعة وعشر"، برفع الهاء، وبعدها واو مفتوحة، وعين مجزومة. # وروى عنه: "تسعة عشر". # وروى عنه: "تسعة عشر". # وروى عن ابن عباس: "تسعة عشر"، برفع تسعة. # قال أبو الفتح: أما "تسعة عشر"، بفتح هاء تسعة، وسكون عين عشر - فلأجل ~~كثرة الحركات، وأن الاسمين جعلا كاسم واحد، فلم يوقف على الأول منهما ~~فيحتاج - إلى الابتداء بالثاني. فلما أمن ذلك أسكن تخفيفا أوله وجعل ذلك ~~أمارة لقوة اتصال أحد الاسمين بصاحبه. # قال أبو الحسن: ولا يجوز ذلك مع اثنا عشر ولا اثنى عشر؛ لسكون الاول من ~~الحرفين، أعني الألف والياء، فيلتقي ساكنان في الوصل، ليس أولهما حرف لين ~~والثاني مدغما. وعلى أنه قد روى ابن جماز عن أبي جعفر: اثنا عشر، بسكون ms453 ~~العين، وفيه ما ذكرناه. # وقال أبو حاتم في تسعة أعشر: لا وجه له نعرفه، إلا أن يعني تسعة أعشر جمع ~~العشر أو شيئا غير الذي وقع في قلوبنا. # وأما "تسعة وعشر" فطريقه أنه فك التركيب وعطف على تسعة عشر على أصل ما ~~كان عليه الاسمان قبل التركيب من العطف. ألا ترى أن أصله تسعة وعشرة؟ ~~كقولك: تسعة وعشرون، إلا أنه حذف التنوين من تسعة لكثرة استعماله، كما حكى ~~أبو الحسن عنهم من قولهم، سلاما عليكم، بحذف تنوين "سلام"، قال: وذلك كثرة ~~استعمالهم إياه. # وأما "تسعة وعشر" فطريقه أنه أراد تسعة أعشر، بهمزة كما ترى، كالرواية ~~الأخرى "تسعة أعشر"، فخفف الهمزة، بأن قلبها واو خالصة في اللفظ؛ لأنها ~~مفتوحة وقبلها ضمة، PageV02P339 # فجرت مجرى تخفيف جون، إذا قلت: جون1. وعلى أن هذه الهمزة ههنا - منكرة ~~غير معرفة عند أصحابنا، ولذلك قال سيبويه في هذا هي: أحد عشر بلا ألف كقولك ~~أحد حمل تحايدا عن هذه الهمزة واستنكارا لها، والعامة مع ذلك مولعة بها2. # ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "صحفا منشرة3"، بسكون الحاء والنون. # قال أبو الفتح: أما سكون الحاء فلغة تميمية، وأما "منشرة"، بسكون النون ~~فإن جاري العرف في الاستعمال نشرت الثوب ونحوه، ونشر الله الموتى فنشروا ~~هم. وقد جاء عنهم أيضا: # نشر الله الميت، قال التيمي: # ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشورا4 # ولم نعلمهم قالوا: أنشرت الثوب ونحوه، إلا أنه قد يجوز أن يشبه شيء بشيء، ~~فكما جاز أن يشبه الميت بالشيء المطوي، حتى قال التيمي: "منشور" فكذلك يجوز ~~أن يشبه المطوي بالميت، فيقال: صف منشرة، [162ظ] أي: كأنها كانت بطيها ~~ميتة، فلما نشرت حيت بذلك، فقيل منشرة. PageV02P340 ### | سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الحسن: "لأقسم"، بغير ألف، و"لا أقسم1"، بألف. # وروى عنه بغير ألف فيهما جميعا، والألف فيهما جميعا. # قال أبو الفتح: حكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: أقسم بالأولى، ولم يقسم ~~بالثانية. # قال أبو حاتم: وكذلك زعم خارجة عن ابن أبي إسحاق: يقسم بيوم ms454 القيامة، ولا ~~يقسم بالنفس اللوامة. ورواها أبو حاتم أيضا عن أبي عمرو وعيسى مثل ذلك. # وينبغي أن تكون هذه اللام لام الابتداء، أي: لأنا أقسم بيوم القيامة، ~~وحذف المبتدأ للعلم به، على غرة2 حال الحذف والتوكيد. فهذا هو الذي ينبغي ~~أن يحتمل عليه هذه القراءة، ولا ينبغي أن يكون أراد النون للتوكيد؛ لأن تلك ~~تختص بالمستقبل، لأن الغرض إنما هو الآن مقسم لا أنه سيقسم فيما بعد، ولذلك ~~حملوه على زيادة "لا"، وقالوا: معناه أقسم بيوم القيامة، أي: أيا مقسم ~~الآن، ولأن حذف النون هنا ضعيف خبيث. # ومن ذلك قراءة اب عباس وعكرمة وأيوب السختياني والحسن: "المفر3". # وقرأ: "المفر" الزهري. # قال أبو الفتح: "المفر"، بفتح الميم، والفاء - المصدر، أين الفرار. ~~و"المفر" - بفتح PageV02P341 # الميم، وكسر الفاء-: الموضع الذي يفر إليه. "والمفر" - بكسر الميم، وفتح ~~الفاء-: الإنسان الجيد الفرار، كقولهم: رجل مطعن ومضرب، أي: مطعان ومضراب. ~~قال: # مكر مفر مقبل مدبر معا1 # معناه: أين الإنسان الجيد الفرار؟ ولن ينجو من ذلك، لا أن هناك مطمعا في ~~الحياة. # ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وأيقن أنه الفراق2"، وقال ابن عباس في تفسيره: ~~ذهب الظن. # قال أبو الفتح: ينبغي أن يحسن الظن بابن عباس، فيقال: إنه أعلم بلغة ~~القوم من كثير من علمائهم، ولم يكن ليخفى عليه أن ظننت قد تكون بمعنى علمت، ~~كقوله: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد3 # أي: أيقنوا بذلك وتحققوه، لكنه أراد لفظ اليقين الذي لا يستعمل في الشك، ~~وكأنه قال: ذهب اللفظ الذي يصلح للشك، وجاء اللفظ الذي هو تصريح باليقين. ~~إلى هذا ينبغي أن يذهب بقوله، والله أعلم. # ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "أن يحيي الموتى4"، ساكنة PageV02P342 # قال أبو الفتح: معنى قول ابن مجاهد: أنه قرأ على سكون الياء من "يحيي"، ~~على لغة من قال: # يا دار هند عفت إلا أثافيها1 # فأسكن الياء في موضع النصب، لا أن الياء في قوله: {يحيي الموتى} ساكنة، ~~وذلك أنه لا ياء هناك في اللفظ أصلا، لا ساكنة ولا ms455 متحركة؛ لأنها قد حذفت ~~لسكونها وسكون اللام من "الموتى". # قال أبو العباس: إسكان هذه الياء في موضع النصب من أحسن الضرورات، حتى ~~إنه لو جاء به جاء في النثر لكان جائزا، وشواهد ذلك في الشعر أكثر من أن ~~يؤتى بها. ومما جاء منه في النثر قولهم: لا أكلمك حيرى دهر، فأسكن الياء من ~~حيرى، وهي في موضع نصب. وفيه عندي شيء [163و] لم يذكره أبو علي ولا غيره من ~~أصحابنا، وذلك أنه أصله حيرى دهر، ومعناه مدة الدهر، فكأنه مدة تحير الدهر ~~وبقائه، فلما حذفت أخرى الياءين بقيت الياء ساكنة كما كانت قبل الحذف؛ ~~دلالة على أن هذا محذوف من ذلك الذي لو لم يحذف لما كانت ياؤه إلا ساكنة، ~~ومثل ذلك عندي قول الهذلي: # رب هيضل لجب لففت بهيضل2 # أراد: رب، فحذف أحدى الياءين، وبقى الثانية مجزومة3 كما كانت قبل الحذف، ~~PageV02P343 # وإن لم يكن هناك موجب للحركة لالتقاء الساكنين، ولولا ذلك لوجب1 تسكين ~~باء رب، كتسكين لام هل وبل، ودال قد إذ لا ساكنين هناك فتجب الحركة ~~لالتقائهما. ولهذا نظائر كثيرة في المجيء باللفظ على حكم لفظ آخر لأنه في ~~معناه وإن عرى هذا من موجب اللفظ في ذاك، نحو تصحيح عور وحول لأنهما في ~~معنى ما لا بد من صحته، وهو اعور واحول. # ولولا الإطالة المعقود على تحاميها، وتجنب الإكثار بها - لأوسعنا ساحة ~~القول في هذا ونحوه، ولم نقتصر على ما نورده منه. ولولا ما رددناه من شاهد ~~قد مضى هو أو مثله فليكون2 الموضع المقول عليه حاملا لنفسه، ناهضا بشواهده، ~~لا سيما مع م لا يؤمن من شذوذ ما قبله، فيختل الموضع لذلك. PageV02P344 ### | سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "واستبرق1"، بوصل الألف، وفتح القاف - ابن محيصن. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا عند قول الله تعالى: {بطائنها من ~~إستبرق 2} وغيره. # ومن ذلك قراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان: "والظالمون أعد"، ~~بالواو. # قال أبو الفتح: هذا على ارتجال جلمة مستأنفة، كأنه قال: الظالمون ms456 أعد لهم ~~عذابا أليما، ثم إنه عطف الجملة على ما قبلها. وقد سبق الرفع إلى مبتدئها، ~~غير أن الذي عليه الجماعة أسبق، وهو النصب. ألا ترى أن معناه يدخل من يشاء ~~في رحمته ويعذب الظالمين؟ فلما أضمر هذا الفعل فسره بقوله: {أعد لهم عذابا ~~أليما} ، وهذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد. PageV02P344 ### | سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ ابن عباس: "فالملقيات ذكرا1"، مشددة. # قال أبو الفتح: معنى الملقيات، بتشديد القاف: الموصلات له إلى # المخاطبين به، كقولك: لقيته الرمح، ولقيته سوء عمله. # وأما الملقيات"، بتخفيف القاف فكأنه الحاملات له، والطارحات له، ليأخذه ~~من خوطب به. وهذا كقول الله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر ~~2} ، كقوله: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين 3} ، ونحو ذلك. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "وقتت4"، بواو، خفيفة القاف. # وقراءة الحسن: "ووقتت # "، بواوين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. # قال أبو الفتح: أما "وقتت" خفيفة، ففعلت، من الوقت كقوله تعالى: {كتابا ~~موقوتا 5} ، فهذا من وقت. # وأما "ووقتت" فكقولك: عوهدت [163ظ] عليه، وووفقت عليه، وكلاهما من الوقت. ~~ويجوز أن تهمز هاتان الواوان، فيقال: أقتت، كما قرءوا: "أقتت"، بالتشديد، ~~وأوقتت، فتكون بلفظ أفعلت، وبمعنى فوعلت. PageV02P345 # ومن ذلك قراءة الأعرج: "ثم نتبعهم1"، بالجزم. # قال أبو الفتح: يحتمل جزمه أمرين: # أحدهما أن يكون أراد معنى قراءة الجماعة: {نتبعهم} ، بالرفع، فأسكن العين ~~استثقالا لتوالي الحركات على ما مضى في غي موضع من هذا الكتاب2. # والآخر أن يكون جزءا، فيعطفه على قوله: "نهلك"، فيجري مجرى قولك: ألم ~~تزرني ثم أعطك؟ كقولك3: فأعطك ألم أحسن إليك ثم أوال ذلك عليك؟ فيكون معنى ~~هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله سبحانه بعد قوم قبلهم على أختلاف ~~أوقات المرسلين إليهم شيئا بعد شيء فلما ذكر ما تقضي على اختلاف الأوقات ~~فيه قال تعالى مستأنفا: {كذلك نفعل بالمجرمين} ، فيكون المجرمون هنا من ~~نهلكه من بعد. وقد يجوز أن يعني بالمجرمين من مضى منهم ومن يأتي فيما بعد، ~~المعنيان جميعا متوجهان. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن ms457 جبير -واختلف عنهما-: "كالقصر"، بكسر ~~القاف، وفتح الصاد. # قال أبو الفتح: رواها أبو حاتم: "كالقصر" - القاف والصاد مفتوحان - عن ~~ابن عباس وسعيد بن جبير، وروى أيضا عن سعيد بن جبير: "كالقصر"، بكسر القاف، ~~وفتح الصاد، وقال: القصر: أصول الشجر، الواحدة قصرة. وكذا رواها لنا أبو ~~علي أيضا، قال: ومنه قولهم: غلة نقية من القصر، قال: وقول الكتاب: نقية من ~~القصر لا وجه له. # قال أبو حاتم: قال الحسن: أصول الشجر، قال: وقال قتادة والكلبي: أصول ~~الشجر والنخل. وقال مجاهد: حزم الشجر، قال: وكذلك قرأها مجاهد. # قال أبو حاتم: لعل القصر -بكسر القاف- لغة، كحاجة وحوج. قد قالوا أيضا في ~~حلقة الحديد: حلقة -بفتح اللام- وقالوا: حلق؛ بكسر الحاء. أبو حاتم: قال ~~الحسن: قصرة وقصر، مثل جمرة وجمر، كأنه قرأها ساكنة الصاد. قال: والعامة ~~يجعلونها على القصور. PageV02P346 # وحدثنا أبو علي أن القصر هنا بمعنى القصور قال: وهي بيوت من أدم كانوا ~~يضربونها إذا نزلوا على الماء. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبي رجاء ~~-بخلاف- وقتادة -بخلاف-: "جمالات صفر1"، بضم الجيم. # قال أبو الفتح: أبو حاتم عن ابن عباس: إنها حبال السفينة2. PageV02P347 ### | سورة عم يتساءلون # بسم الله الرحمن الرحيم # عكرمة وعيسى: "عم يتساءلون1". # قال أبو الفتح: هذا أضعف اللغتين، أعني إثبات الألف في "ما" الاستفهامية ~~إذا دخل عليها حرف جر. وروينا عن قطرب لحسان. # على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في دمان2 # فأثبت الألف مع حروف الجر. # ومن ذلك قراءة ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وعبد الله بن يزيد ~~وقتادة: "وأنزلنا بالمعصرات3". PageV02P347 # قال أبو الفتح إذا أنزل منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدى درهما، ~~وبيدي درهما. المعنى واحد، وليست "من" ههنا مثلهم في قولهم: أعطيته [164و] ~~من الدراهم، لأن هذا معناه بعضها، وليس يريد أن الدرهم بعض اليد، لكن معنى ~~"من" هنا ابتداء الغاية، أي كان ابتداء العطية من يده وليس معناه: أعطاه ~~بعض يده. # ومن ذلك قراءة علي: "وكذبوا بآياتنا كذابا1". # قال أبو الفتح: يقال: ms458 كذب يكذب كذبا وكذابا، وكذب كذابا، بتثقيل الذال ~~فيهما جميعا. وقالوا أيضا: كذابا، خفيفة. وقال قطرب: قالوا: رجل كذاب: صاحب ~~كذب. # وحكى أبو حاتم عن عبد الله بن عمر: "وكذبوا بآياتنا كذابا"، بضم الكاف، ~~وتشديد الذال، وقال: لا وجه له، إلا أن يكون "كذاب" جمع كاذب، فتنصبه على ~~الحال: وكذبوا بآياتنا في حال كذبهم. وقال طرفة: # إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل2 # وقال: رجل كيذبان، وكيذبان، وكاذب، وكذوب، وكذب، وكذاب، وكذبذب -بتشديد ~~الذال - وكذبذب، بتخفيفها. # قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد، ورويناه عن قطرب وغيره من أصحابنا: # وإذا أتاك بأنني قد بعثها ... بوصال غائبة فقل: كذبذب3 # وهو أحد الأمثلة الفائتة لكتاب سيبويه. وقد يجوز أن يكون قوله: "كذابا" - ~~بالضم، وتشديد الذال - وصفا لمصدر محذوف، أي: كذبوا بآياتنا كذابا كذابا، ~~أي: كذابا متناهيا في معناه، فيكون الكذاب ههنا واحدا لا جمعا، كرجل حسان، ~~ووجه وضاء، ونحو PageV02P348 # ذلك من الصفات على فعال. ويجوز أيضا أن يكون أراد جمع كذب، لأنه جعله ~~نوعا وصفه بالكذب، أي كذبا كاذبا، ثم جمع فصار كذابا كذابا، فافهم ذلك. # ومن ذلك قراءة ابن فطيب: "عطاء حسابا1". # قال أبو الفتح: طريقة عندي -والله أعلم- عطاء محسبا، أي كافيا. يقال: ~~أعطيته ما أحسبه، أي: كفاه، إلا أنه جاء بالاسم من أفعل على فعال. وقد جاءت ~~منه أحرف، قالوا: أجبر فهو جبار، وأدرك فهو دراك، وأسأر2 من شرابه فهو ~~سأار، وأقصر عن الشيء فهو قصار، وقد تقدم ذلك. # وأنا أذهب في قولهم: أحسبه، من العطية، أي: كفاه - إلى أنه من قولهم: ~~حسبك كذا، أي: أعطاه حتى قال: حسب، كما أن قولهم: بجلت الرجل، ورجل بجيل ~~وبجال - كأنه من قولهم: بجل، أي: حسب، فكأنه انتهى من الفضل والشرف إلى أنه ~~متى جرى ذكره قيل: بجل، قف حيث أنت، فلا غايةن وراءه. وكذلك عندي أصل تصرف ~~النعمة والنعيم والإنعام وجميع ما في هذا الحرف - إنما هو من قولنا: نعم، ~~وذلك أن "نعم" محبوبة ms459 مستلذة، وهي ضد "لا" الكزة3 المستكرهة. # فإن قيل: فكيف يجوز الاشتقاق من الحروف؟ # قيل: قد اشتق منها في غير موضع، قالوا: سألني حاجة، فلا ليت له، أي: قلت ~~له: لا. وسألتك حاجة، فلوليت لي، أي: قلت: لولا. وقالوا: حاحيت، وعاعيت، ~~وهاهيت، -فاشتقوا من حاء وعاء، وهاء، وهن أصوات، والأصوات للحروف أخوات، ~~وما أكثر ذلك! PageV02P349 ### | سورة النازعات # بسم الله الرحمن الرحيم [164ط] # قراءة أبي حيوة: "في الحفرة1"، بفتح الحاء، وكسر الفاء بغير ألف. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أن يكون أراد "الحافرة"، كقراءة الجماعة، فحذف ~~الألف تخفيفا، كما قال: # إلا عرادا عردا2 # أي: عاردا، وقد ذكرناه. # وفيه وجه آخر ذو صنعة، وهو أنهم قد قالوا: حفرت أسنانه: إذا ركبها الوسخ ~~من ظاهرها وباطنها. فقد يجوز أن يكون أراد الأرض الحفرة، أي: المنتنة؛ ~~لفسادها بأخباثها، وبأجسام الموتى فيها. وعليه فسروا قراءة من قرأ: " صللنا ~~في الأرض3" من النتن، ورواها أحمد ابن يحيى: "صللنا"، بكسر اللام. # ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "والجبال أرساها4"، بالرفع. # قال أبو الفتح: هذا كقراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان: ~~"والظالمين أعد لهم عذابا أليما"، وقد ذكرناه هناك5. PageV02P350 # ومن ذلك ما رواه الأعمش عن مجاهد: " والأرض من ذلك دحاها1". # قال أبو الفتح: ليست هذه القراءة مخالفة المعنى لمعنى القراءة العامة: ~~{بعد ذلك} ، لأنه ليس المعنى -والله أعلم- أن الأرض دحيت مع خلق السموات ~~وفي وقته، وإنما اجتماعهما في الخلق، لا أن زمان الفعلين واحد. وهذا كقولك: ~~فلان كريم، فيقول السامع: وهو مع ذلك شجاع، أي: قد اجتمع له الوصفان، وليس ~~غرضه فيه ترتيب الزمان. # ومن ذلك قراءة عكرمة: "وبرزت الجحيم لمن يرى2"، بالتاء مفتوحة. # قال أبو الفتح: إن شئت كانت التاء في "ترى" للجحيم، أي: لمن تراه النار. ~~وإن شئت كانت خطايا للنبي "صلى الله عليه وسلم" أي: لمن ترى يا محمد، أي: ~~للناس، فأشار إلى البعض، وغرضه جنسه وجميعه، كما قال لبيد: # ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس: كيف لبيد3؟ # فأشار إلى جنس ms460 الناس في هذا المعنى، ونحن نعلم أنه ليس جميعه مشاهدا حاضر ~~الزمان. # فإن قيل: فإن النبي "صلى الله عليه وسلم" كان بحضرته المؤمنون الذين قد ~~شهد لكثير منهم بالجنة، وشهد من حال الإيمان لهم بها، فكيف يجوز أن يقول ~~الله له: النار لهؤلاء الذين تراهم؟. # قيل: يخصه ويخلصه محصول معناه، فهذا كقوله "تعالى": {فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا 4} ، وقوله: {وما آمن معه إلا قليل 5} ، وقوله: {وقليل ما هم 6} ، ~~كأنه عام لجميع من يقع البصر عليه، إغلاظا، وإرهابا. والمؤمنون مستثنون منه ~~بما تقدمت الأدلة عليه، وله أشباه كثيرة. # ومن ذلك قراءة السلمي: "أيان8" بكسر الألف. # قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك9". PageV02P351 ### | سورة عبس # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "آن جاءه الأعمى1"، بالمد - الحسن. # قال أبو الفتح: "أن معلقة بفعل محذوف دل عليه قوله "تعالى": {عبس وتولى} ~~، تقديره: أأن جاءه الأعمى أعرض عنه، وتولى بوجهه؟ فالوقف إذا على قوله: ~~"وتولى"، ثم استأنف لفظ الاستفهام منكرا للحال، فكأنه قال: ألأن جاءه ~~الأعمى كان ذلك منه؟ # وأما "أن" على القراءة العامة فمنصوبة ب"تولى": لأنه الفعل الأقرب منه، ~~فكأنه قال: تولى لمجيء الأعمى ومن أعمل الأول2 نصب "أن" ب"عبس"، فكأنه قال: ~~عبس أن جاءه الأعمى، وتولى لذلك، فحذف مفعول "تولى" كما تقول: ضربت فأوجعته ~~زيدا، إذا أعملت الأول، وإن شئت لم تأت بمفعول أوجعت [165و] فقلت: ضربت ~~فأوجعت زيدا، أي وأنت تريد أوجعته، إلا أنك حذفته تخفيفا، وللعلم به، ~~والوجه إعمال الثاني؛ لقربه. فأما أن تنصبه بمجموع الفعلين فلا، وهذا واضح. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "فأنت له تصدى3"، بضم التاء، وتخفيف الصاد. # قال أبو الفتح: معنى "تصدى"، أي: يدعوك داع من زينة الدنيا وشارتها إلى ~~التصدي له، والإقبال عليه. # وعلى ذلك قراءته أيضا: "فأنت عنه تلهى4"، أي: تصرف عنه، ويزوى وجهك ~~PageV02P352 # دونه؛ لأنه لا غنى عنده، ولا ظاهر معه، فخرج بذلك مخرج التنبيه للنبي ~~"صلى الله عليه وسلم" فيما جرى من قصة ابن أم مكتوم. # ومن ذلك أبو حيوة عن نافع وشعيب ms461 بن أبي عمرو قرأ: "شانشره1"، مقصورة، وقد ~~اختلف عن نافع. # قال أبو الفتح: قد سبق القول على نشره الله، وأن أقوى اللغتين أنشره2. # ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "شأن يغنيه3"، مفتوحة الياء، بالعين. # قال أبو الفتح: وهذه قراءة حسنة أيضا، إلا أن التي عليها الجماعة أقوى ~~معنى، وذلك أن الإنسان قد يعنيه الشيء ولا يغنيه عن غيره. وذلك كأن يكون له ~~ألف درهم، فيؤخذ منها مائة درهم، فيعنيه أمرها، ولا يغنيه عن بقية ماله أن ~~يهتم به ويراعيه. فأما إذا أغناه الأمر عن غيره فإن ذلك أقوى المطلبين، ~~وأعلى الغرضين، فاعرف ذلك مع وضوحه. # سورة كورت 4 # لا شيء فيها PageV02P353 ### | سورة الانفطار # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عن سعيد بن جبير: "يا أيها الأنسان ما غرك بربك الكريم1"، ممدودة، ~~على التعجب. # قال أبو الفتح: هذا كقول الله "سبحانه": {فما أصبرهم على النار 2} أي: ~~على أفعال PageV02P353 # أهل النار، ففيه حذف مضافين شيئا على شيء كما قدمنا في قوله: {فقبضت قبضة ~~من أثر الرسول 1} ، وغير ذلك. # وقيل في قوله: {فما أصبرهم على النار} : أي: ما الذي دعاهم إلى الصبر على ~~موجبات النار؟ فكذلك يجوز أن يكون قوله أيضا: "ما أغرك بربك الكريم"، أي: ~~ما الذي دعاك إلى الاغترار به؟ غر الرجل، فهو غار، أي: غفل. # سورة المطففين 2 # لا شي فيها # سورة انشقت # كذلك3 # سورة البروج # كذلك4 PageV02P354 # وأما في هذه القراءة فإنه كرر اللفظ والمثال جميعا، فقال: "مهل الكافرين ~~مهلهم"، فجعل ما تكلفه من تكرير اللفظ والمثال جميعا عنوانا لقوة معنى ~~توكيده، إذ لو لم يكن كذلك لانحرف في الحال بعض الانحراف. وهذا كقول الرجل ~~لصاحبه: قد عرفت أنني لم آتك في هذا الوقت، وإلى هذا المكان، وعلى هذه ~~الحال إلا لداع إليه قوي، وأمر عان. # ويدلك على كلفة التكرير عليهم أشياء: منها التضعيف، نحو شدد، فإذا سكن ~~الأول من المثلين فوقع هناك خلاف ما سهل اللفظ بهما1 [165ظ] فقيل: شد. ~~وكذلك إن سكن الثاني قيل: شددت. ومنها أنهم لما آثروا التكرير ms462 للتوكيد في ~~نحو جاء القوم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون2 خالفوا بين الفاء والعين، ~~ووفقوا بين اللامات، وهي العينات منها؛ لتختلف الحروف، فتقل الكلمة. # فإن قيل: فلم خالفوا بين الفاءات والعينات ووفقوا بين اللامات؟ قيل: لأن ~~اللام مقطع الحروف، وإليها المفضي، وعليها المتسقر، فوفقوا بينها لتتلاقى ~~المقاطع على لفظ واحد, فيكون ما شذ من الفاء والعين مجموعا باللام، فاعرف ~~ذلك3. PageV02P355 ### | سورة الغاشية # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عبيد عن شبل عن ابن كثير: "عاملة ناصبة، تصلى1". # قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون النصب على الشتم، أي: أذكرها عاملة2 ناصبة ~~في الدنيا على حالها هناك، فهذا كقوله تعالى: {يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم 3} ، وذلك أنهم لم يخلصوها لوجهه، بل أشركوا به معبودات غيره، وله ~~نظائر في القرآن ومأثور الأخبار. # ومن ذلك قرأ: "إلى الأبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال ~~كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت4"، بفتح أوائل هذه الحروف كلها، وضم التاء - ~~علي بن أبي طالب، عليه السلام. # قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف لدلالة المعنى عليه، أي: كيف خالقتها، ~~ورفعتها، ونصبتها، وسطحتها؟ وتقدم القول على حسن حذف المفعول به، وأن ذلك ~~أقوى دليل على قوة عربية الناطق به. # عبد الوارث قال: سمعت هارون الخليفة يقرأ: "وإلى الأرض كيف سطحت"، مشددة ~~الطاء. # قال أبو الفتح: إنما جاز هنا5 التضعيف للتكرير، من قبل أن الأرض بسيطة ~~وفسيحة، PageV02P356 # فالعمل فيها مكرر على قدر سمعتها، فهو كقولك: قطعت الشاة؛ لأنه1 أعضاء ~~يخص كل عضو منها عمل، وكذلك نظائر هذا. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد بن علي: "إلا من ~~تولى2"، بالتخفيف. # قال أبو الفتح: "ألا" افتتاح كلام، "ومن" هنا شرط، وجوابه "فيعذبه الله"، ~~كقولك: من قام فيضربه زيد، أي: فهو يضربه زيد. كذلك الآية، أي: من يتول ~~ويكفر فهو يعذبه الله، لا بد من تقدير المبتدأ هنا؛ وذلك أن الفاء إنما ~~يؤتي بها في جواب الجزاء بدلا من الفعل الذي يجاب به، فإذا رأيت الفاء مع ~~الفعل الذي ms463 يصلح أن يكون جوابا للجزاء فلا بد من تقدير مبتدأ محذوف هناك؛ ~~لأنه لو أريد الجواب على الظاهر لكان هناك فعل يصلح له، فكان يقال: ألا من ~~تولى وكفر يعذبه الله، كقولك: من يقم أعطه درهما. ولو دخلت الفاء هنا لقلت ~~من يقم فأعطيه درهما، أي: فأنا أو فهو أعطيه درهما، فهو كقول الله ~~"سبحانه": {ومن عاد فينتقم الله منه 3} ، أي: فهو ينتقم الله منه. # ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "إن إلينا إيابهم4"، بالتشديد. # قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم هذه القراءة، وقال: حملها على نحو "كذبوا ~~كذبا5"، قال: وهذا لا يجوز؛ لأنه كان يجب إوابا؛ لأنه فعال، قال: ولو أراد ~~ذلك لقال: أبوابا، فقلب الواو ياء للكسرة قبلها، كديوان، وقيراط، [166و] ، ~~ودينار؛ لقولهم: دواوين، وقراريط، ودنانير. PageV02P357 # وهذا لو كان لا بد أن يكون إيابا، فعالا، مصدر أوبت التي مطاوعها تأوب، ~~أي: تفعل، كما قال: # تأوبه خيال من سليمي ... كما يعتاد ذا الدين الغريم1 # لكان الذهاب إليه فاسدا؛ لأنه كان يجب فيه التصحيح لاحتماء العين ~~بالإدغام، كقولهم: اجلوذ2 اجلواذا. فأما اجليوذا وديوان3 فشاذان. وعلى أنه ~~يجوز أن يكون فعالا، إوابا، إلا أنه قلب الواو ياء - وإن كانت متحصنة4 ~~بالإدغام - استحسانا للاستخفاف، لا وجوبا ألا تراهم قالوا: ما أحيله من ~~الحيلة؟ وهو من الواو لقولهم: يتحاولان، وقالوا في دومت5 السماء: ديمت. ~~قال: # هو الجواد ابن الجواد بن سبل ... إن ديموا جاد وإن جادوا وبل6 # يريد: دوموا؛ لأنه من دام يدوم، لكن من روى هذا مما هو أشد قياسا منه7، ~~وذلك أن يكون بني من آب فيعلت، وأصله أيوبت، فقلبت الواو ياء؛ لوقوع الياء ~~ساكنة قبلها، فصارت أيبت، ثم جاء المصدر على هذا إيابا، فوزنه فيعال إيواب ~~- فقلب بالواجب. وإن شئت أيضا جعلت أوبت فوعلت بمنزلة حوقلت، وجاء المصدر ~~على الفيعال، كالحيقال. أنشد الأصمعي: # يا قوم قد حوقلت أو دنوت ... وبعد حيقال الرجال الموت8 PageV02P358 # فصارت إيوابا، كالحيقال، ثم قلبت الواو للياء قبلها، فصارت إيابا. # فإن قلت: فهلا حماها الإدغام من القلب. ms464 # قيل: هيهات، إنما ذلك إذا كانتا عينين؛ لأنهما لا يكونان إلا من لفظ ~~واحد، وكذلك واو افعول؛ لأنه لا يكون فيها زائد بعدها إلا من لفظها. فأما ~~فوعلت فالواو زائدة، والعلل إليها مسرعة؛ لأنها ليست عينا فتتحامل بها ~~أختها. ألا تراك لو بنيت فعل من فوعلت من القول لقلت: قوول؟ فمددت1، ولم ~~تدغم، وأجريتها مجرى فعل من فاعلت من القول، إذا قلت: قوول. ولو بنيت فعل ~~من فعلت من القول لقلت: قول فأجريتها في الصحة مجرى قطع وكسر. # نعم، ويجوز أن يكون أوبت فعولت كجهور، فتقول في مصدره على حد جهوار: ~~إياب، فتقلب الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها. ولم يحمها من القلب ~~إدغامها؛ لأنها لم تدغم في عين فتحميها وتنهض بها، إنما أدغمت في واو فعولت ~~الزائدة الجارية مجرى ألف فاعلت، فقد علمت بذلك أن أبا حاتم -عفا الله عنه- ~~أغفل هذين الوجهين2. PageV02P359 ### | سورة الفجر # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ ابن عباس -وروى ذلك أيضا عن الضحاك-: "بعاد، إرم ذات العماد1". # وروى أيضا عن الضحاك: "بعاد، إرم ذات العماد"، الألف مفتوحة، والراء ~~ساكنة. # وروى عن ابن الزبير: "بعاد، إرم ذات العماد". # وروى عن ابن الزبير أيضا: "بعاد، إرم ذات العماد"، بكسر الميم. ~~PageV02P359 # قال أبو الفتح: أما "أرم ذات العماد" # فجعلها رميما، رمت هي واسترمت، وأرمها غيرها، ورم العظم يرم رما ورميما: ~~إذا بلى، ونخر. قال: # والنيب إن تعرمني رمة خلقا ... بعد الممات فإني كنت أثئر1 [166ظ] # وأما "أرم" فتخفيف أرم المروية عن ابن الزبير. # وأما "بعاد، إرم ذات العماد" فأضاف "عاد" إلى "إرم"، المدينة التي يقال ~~لها: ذات العماد، أي: أصحاب الأعلام هذه المدينة، والأرم: العلم، وجمعه ~~آرام. قال لبيد: # مثلا آرامها2 # أي: أعلامها. # وقوله تعالى: {إرم ذات العماد} تفسير لقوله: فعل بعاد، فكأن قائلا قال: ~~ما صنع بها؟ فقال: "إرم ذات العماد # "، أي: مدينتهم، وهذا يدل على هلاكهم. # وأما "بعاد، إرم ذات العماد" فعلى أنه أراد: أهل أرم، هذه المدينة، فحذف ~~المضاف وهو يريده، كما مضى من قوله: {بزينة ms465 الكواكب 3} ، أي: زينة الكواكب. # ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة والضحاك وأبي شيخ الهنائي والكلبي وابن ~~السميفع: "فادخلي في عبدي4"، على واحد. PageV02P360 # قال أبو الفتح: هذا لفظ الواحد، ومعنى الجماعة، أي: عبادي، كالقراءة ~~العامة. # وقد تقدم القول على نظيره1، وأنه إنما خرج بلفظ الواحد ليس اتساعا ~~واختصارا عاريا من المعنى، وذلك أنه جعل عباده كالواحد، أي: لا خلاف بينهم ~~في عبوديته، كما لا يخالف الإنسان نفسه، فيصير كقول النبي "صلى الله عليه ~~وسلم": وهم يد على من سواهم، أي: متضافرون متعانون، لا يقعد بعضهم عن بعض، ~~كما لا يخون بعض البلد بعضا. وضد هذا قوله "تعالى": {تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى} .2 PageV02P361 ### | سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ الحسن: "لأقسم بهذا البلد1"، بغير ألف. # قال أبو الفتح: قد مضى مثل هذا2. # وقرأ أبو جعفر: "مالا لبدا3". # قال أبو الفتح: يكون بلفظ الواحد زمل وجباء، ويكون جمع لا بد، كقائم ~~وقوم، وصائم وصوم، وقد تقدم ذكره4. # ومن ذلك قراءة الأعمش: "أن لم يره أحد5"، ساكنة الهاء. PageV02P361 # قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الهاء فيما مضى1. # ومن ذلك قرأ: "في يوم ذا مسغبة2" - الحسن وأبو رجاء. # قال أبو الفتح: هو منصوب، ويحتمل نصبه أمرين: # أظهرهما أن يكون مفعول "إطعام"، أي: وأن تطعموا ذا مسغبة، "ويتيما" بدل ~~منه، كقولك: رأيت كريما رجلا. ويجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة، كقولك: ~~رأيت كريما عاقلا، وجاز وصف الصفة الذي هو كريم؛ لأنه لما لم يجز على موصوف ~~أشبه الاسم، كقولك الأعشى: # وبيداء تحسب آرامها ... رجال إباد بأجيادها3 # فقوله: "تحسب" صفة لبيداء، وإن كانت في الأصل صفة. وكذلك قول رؤبة: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق4 # فقوله: خاوي المخترق صفة لقوله: قاتم الأعماق، وهو صفة لموصوف محذوف، أي: ~~وبلد قاتم قاتم الأعماق، كما أن قوله: "وبيداء، ورب بيداء، ورب بلدة بيداء. ~~فاعرف ذلك، فهذا أحد وجهي قوله: "ذا مسغبة". # والآخر أن يكون أيضا صفة، إلا أنه صفة لموضع الجار والمجرور جميعا، وذلك ~~أن قوله {في ms466 يوم} ظرف، وهو منصوب الموضع، فيكون وصفا له على معناه دون ~~لفظه، كما جاز أن يعطف عليه في معناه دون لفظه في قوله: # ألا حي ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أوغدا5 [167و] ~~PageV02P362 # حتى كأنه قال: اليوم، أو غدا. وكذلك قول الآخر: # كشحا طوى من بلد مختارا ... من يأسه اليائس أو حذارا1 # ونظائره كثيرة، فلذلك يكون قوله: "في يوم ذا مسغبة" على أن "مسغبة" صفة ~~ليوم على معناه، دون لفظه. PageV02P363 ### | سورة الشمس # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "بطغواها1" - الحسن. # قال أبو الفتح: هذا مصدر على فعلى، كأخواته من: الرجعى، والحسنى، والبؤسى ~~والنعمى. وعليه ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: "وقولوا للناس حسنى2" ~~كقولك: عرفا3. PageV02P363 ### | سورة الليل # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" بغير "ما1" - النبي "صلى الله ~~عليه وسلم" وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس، رضي الله ~~عنهم. # قال أبو الفتح: في هذه القراءة شاهد لما أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن ~~عن أبي العباس أحمد بن يحيى من قراءة بعضهم: "وما خلق الذكر والأنثى"، وذلك ~~أنه جره لكونه بدلا من "ما"، فقراءة النبي "صلى الله عليه وسلم" شاهد بذلك. ~~PageV02P364 ### | سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "ما ودعك1"، خفيفة - النبي "صلى الله عليه وسلم" وعروة بن الزبير. # قال أبو الفتح: هذه قليلة الاستعمال. قال سيبويه: استغنوا عن وذر وودع ~~بقولهم: ترك2، وعلى أنها قد جاءت في شعر أبي الأسود، قال: وأنشدناه أبو ~~علي: # ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه3 PageV02P364 # إلا أنهم قد استعملوا مضارعة، فقالوا: يدع. ويروى بيت الفرزدق: # وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف1 # على ثلاث أصرب: لم يدع، ولم يدع -بكسر الدال، وفتح الياء- ولم يدع، بضم ~~الياء. # فأما يدع -بفتح الياء والدال- فهو المشهور، وإعرابه أنه لما قال: لم يدع ~~من المال إلا مسحتا دل على أنه قد بقى، فأضمر ما يدل عليه ms467 القول، فكأنه ~~قال: وبقى مجلف. # وأما يدع -بفتح الياء وكسر الدال- فهو من الاتداع، كقولك: قد استراح ~~وودع، وهو وادع من تعبه. فالمسحت -على هذه الرواية- مرفوع بفعله، ومجلف ~~معطوف عليه، وهذا ما لا نظر فيه لوضوحه. # وأما يدع -بضم الياء- فقياسه يودع، كقول الله "تعالى": {لم يلد ولم يولد ~~2} ، ومثله يوضع، والحديد يوقع، أي: يطرق، من قولهم: وقعت الحديدة، أي: ~~طرقتها. قالوا: إلا أن هذا الحرف كأنه -كثرة استعماله- جاء شاذا، فحذفت ~~واوه تخفيفا، فقيل: لم يدع3، أي: لم يترك، والمسحت والمجلف جميعا مرفوعان ~~أيضا، كما يجب. PageV02P365 ### | سورة ألم نشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # الخليل بن أسد النوشحاني قال حدثنا أبو العباس العروضي قال: سمعت أبا ~~جعفر المنصور يقرأ: "ألم نشرح لك صدرك1". # قال ابن مجاهد: وهذا غير جائز أصلا، وإنما ذكرته لتعرفه. # قال أبو الفتح ظاهر الأمر ومألوف الاستعمال ما ذكره ابن مجاهد، غير أنه ~~قد جاء2 مثل هذا سواء في الشعر. قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: [167ظ] ~~. # من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر3 # قيل: أراد: لم يقدر، بالنون الخفيفة، وحذفها. وهذا عندنا غير جائز، وذلك ~~أن هذه النون للتوكيد، والتوكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز ~~والاختصار. لكن فيه قول ذو صنعة، وقد ذكرته في كتابي الموسوم بسر الصناعة4. ~~PageV02P366 # وفي نوادر أبي زيد أيضا بيت آخر، ويقال: إنه مصنوع، وهو قوله: # إضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس # فقالوا: أراد: اضربا، بالنون الخفيفة، وحذفها. # وقرأ أنس فيما رواه أبان عنه: "وحططنا عنك وزرك2"، قال: قلت يا أبا حمزة! ~~"ووضعنا"، قال: وضعنا وحللنا وحططنا عنك وزرك سواء. إن جبريل أتى النبي ~~"صلى الله عليه وسلم" فقال: اقرأ على سبعة أحرف، ما لم تخلط مغفرة بعذاب، ~~أو عذابا بمغفرة. # قال أبو الفتح: قد سبقت مثل هذه الحكاية سواء عن أنس3، وهذا ونحوه هو ~~الذي سوغ انتشار هذه القراءات4، ونسأل الله توفيقا. # سورة التين # لا شيء فيها # سورة اقرأ # مثله PageV02P367 ### | سورة القدر # بسم ms468 الله الرحمن الرحيم # قرأ: "من كل امرئ سلام1" - ابن عباس وعكرمة والكلبي. # قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم هذه القراءة، على أنه حكى عن ابن عباس أنه ~~قال: يعني الملائكة، قال: ولا أدري ما هذا المذهب؟ قال: وإنما هو: "تنزل ~~الملائكة فيها كل أمر"، كقوله "تعالى": {فيها يفرق كل أمر حكيم 2} . و {من ~~كل أمر} ، فتم الكلام، فقال: "سلام"، أي: هي سلام إلى أن يطلع الفجر. # وقال قطرب: معناه هي سلام من كل أمر وامرئ، ويلزم على قول قطرب أن يقال: ~~فكيف جاز أن يقدم معمول المصدر الذي هو "سلام" عليه وقد عرفنا امتناع جواز ~~تقديم صلة الموصول أو شيء منها عليه؟ # والجواب أن "سلاما" في الأصل -لعمري- مصدر، فأما هنا هو موضوع موضع اسم ~~الفاعل الذي هو سالمة، أو المفعول الذي هو مسلمة، فكأنه قال: من كل امرئ ~~سالمة3 هي، أو مسلمة4 هي، أي: سالمة، فهذا طريق هذا. PageV02P368 ### | سورة لم يكن # بسم الله الرحمن الرحيم # قال عامر بن عبد الواحد: سمعت إماما لأهل مكة يقرأ: "أولئك هم خيار ~~البرية1". # قال أبو الفتح: يجوز أن يكون خيار، جمع خير، فيكسر فيعل على فعال، كما ~~كسر فاعل على فعال، نحو صائم وصيام، وقائم وقيام، ونظيره كيس، وكياس. # ويجوز أن يكون جمع خائر، كقولك: خرت الرجل فهو مخير، وأنا خائر له، فيكون ~~على هذا أيضا كقائم وقيام. # ويجوز أن يكون جمع خبر الذي هو ضد الشر، كقولك: هذا الرجل مجبول من خير، ~~ومطين2 من عقل. # ويجوز وجه غير هذه، وهو أن يكون جمع خير من قولك: هذا خير من هذا3 وأصله ~~أفعل: أخير، فيكسر على فعال. فقد جاء تكسير أفعل فعالا، قالوا: أبخل وبخال. # سورة الزلزلة: # لا شيء فيها PageV02P369 ### | سورة العاديات # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ: "فأثرن به1"، مشددة الثاء أبو حيوة. # قال أبو الفتح: هذا كقولك: أرين، وأبدين2 نقعا، كما يؤثر الإنسان النفس ~~وغيره، مما يبديه للناظر. [168و] وليس "أثرن" من لفظ أثرن خفيفة، بل يكون ~~من لفظ أث ر، وأثرن خفيفة ms469 من لفظ ث ور. # وقرأ: "فوسطن3 به"، مشددة - علي بن أبي طالب وابن أبي ليلى وقتادة. # قال أبو الفتح: أي: أثرن باليد نقعا، ووسطن بالعدو جمعا. وأضمر المصدر ~~لدلالة اسم الفاعل عليه، كما أضمر لدلالة الفعل عليه في قوله: من كذب كان ~~شرا له، أي: كان الكذب شرا له، وقول الآخر: # إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف4 # أي: جرى إلى السفه، وأضمره لدلالة السفيه عليه. # فأما "وسطن"، بالتشديد فعلى معنى ميزن به جمعا، أي: جعلنه شطرين: قسمين: ~~شقين. ومعنى وسطنه: صرن في وسطه، وإن كان المعنيان متلاقيين، فإن الطريقين ~~مختلفان: PageV02P370 # ومعنى "وسطن"، خفيفة كمعنى توسط، ألا ترى إلى قوله: # فتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاورا قلامها1 # ووسطنه -مشددة- أقوى معنى وسطنه مخففا، لما مع التشديد من معنى التكثير ~~والتكرير # سورة القارعة: # لا شيء فيها PageV02P371 ### | سورة التكاثر # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عن الحسن وأبي عمرو -واختلف عنهما- أنهما همز "لترؤن الجحيم، ثم ~~لترؤنها1". # قال أبو الفتح: هذا على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وله باب في كتابنا ~~الخصائص2، غير أنه ضعيف مرذول. وذلك أن الحركة فيه لالتقاء الساكنين، وقد ~~كررنا في كلامنا أن أعراض التقاء الساكنين غي محفول بها، هذا إذا كانا في ~~كلمتين، إلا أن الساكنين هنا مما هو جار مجرى الكلمة الواحدة. # ألا ترى أن النون تبنى مع الفعل كخمسة عشر، وذلك في قولك: لأفعلن كذا؟ ~~فمن ههنا ضارعت حركة نون أين، وفاء كيف، وسين أمس، وهمزة هؤلاء، وذال منذ. ~~وكل واحدة من هذه الحركات معتدة، وإن كانت لالتقاء الساكنين. # ألا ترى أنهم احتسبوها، وأثبتوها، وجعلوا ما هي فيه مبنيا عليها؟ وهذه ~~الحركات -لما ذكرنا من كونها في كلمة واحدة- أقوى من حركات التقائهما في ~~المنفصلين. PageV02P371 # ألا ترى إلى إجتماعهم على أنه لم يبن فعل على الكسر، هذا مع كثرة ما جاء ~~عنهم من نحو "قم الليل1" و"قل اللهم2"، وقول الشاعر: # زيادتنا نعمان لا تحرمننا ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو3 # وسبب ترك اعتدادهم بها كون الساكنين من ms470 كلمتين، وكذلك أيضا قولهم: لا ضم ~~في الفعل، وقد قرئ: "قم الليل4"، وهذا واضح. فإذا ثبت بذلك الفرق بين حركتي ~~التقاء الساكنين وهما متصلان وبينهما وهما منفصلان سكنت إلى همز الواو من ~~قوله: {لترون الجحيم} و {لترونها} ، فاعرف ذلك؛ فإن جميع أصحابنا تلقوا ~~همزة هذه الواو بالفساد، وجمعوا بينها وبين همز الواو من قوله: "اشترءوا ~~الضلالة5" فيمن همز الواو، وهذه لعمري قبيحة؛ [168ظ] لأن الساكنين من ~~كلمتين، فلذلك فرق ما بين الموضعين. # سورة والعصر: # لا شيء فيها # سورة الهمزة: # مثله PageV02P372 ### | سورة الفيل # بسم الله الرحمن الرحيم # قرأ أبو عبد الرحمن: "ألم تر كيف1"، ساكنة الراء. # قال أبو الفتح: هذا السكون إنما بابه الشعر، لا القرآن؛ لما فيه من ~~استهلاك الحرف والحركة قبله، يعني الألف والفتحة من "ترا" أنشد أبو زيد في ~~نوادره: # قالت سليمى اشتر لنا سويقا2 # يريد: اشتر، فحذف الياء من يشتري والكسرة وفيها أيضا: # قالت له كليمة تلجلجا ... لو طبخ النئ بها لأنضجا # يا شيخ لا بد لنا أن نحججا ... قد حج في ذا العام من كان رجا # فاكتر لنا كرى صدق فالنجا ... واحذر فلا تكثر كريا أعوجا # علجا إذا ساق بنا عفنججا3 # فحذف كسرة "اكتر" في الموضعين جميعا كما ترى. # وروينا عن أبي بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم: # ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي3 # يريد: "يتق"، فحذف الكسرة بعد الياء. # وقرأ أبو المليح الهذلي: "فتركهم كعصف مأكول4". PageV02P373 # قال أبو الفتح: هذا على إقامة المسبب مكان السبب، إذ المراد به معنى ~~القراءة العامة: {فجعلهم} ، وذلك أنه ليس كل من جعل شيئا على صورة تركه ~~عليها، بل قد يجوز أن يجعله عليها، ثم ينقله عقيب جعله إياه عنها. فقوله ~~"تعالى": "فتركهم1" يدل على أنه بقاهم على ما أصارهم إليه، من الإجحاف بهم ~~وغلظ المنال منهم، كذا توجب اللغة. # ثم إنه قد يجوز مع هذا أن يريد به معنى الجعل الذي من حصل عليه كان معرضا ~~لبقائه بعد على تمادي الحال به. # وقرأ: "ترؤن2" ms471 بالهمز ابن أبي إسحاق والأشهب العقيلي. # قال أبو الفتح: قد فرط. آنفا من القول على همز هذه الواو ما فيه كاف ~~بمشيئة الله3. # سورة قريش: # لا شيء فيها PageV02P374 ### | سورة أرأيت # بسم الله الرحمن الرحيم # أبو رجاء: "الذي يدع اليتيم1". # قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- يعرض عنه ويجفوه، فهو صائر إلى معنى ~~القراءة العامة: {يدع اليتيم} ، أي: يدفعه، ويجفوه عليه. # سورة الكوثر: # لا شيء فيها # سورة الكافرون: 2 # كذلك # سورة النصر: 3 # كذلك PageV02P374 ### | سورة تبت # : 1 # بسم الله الرحمن الرحيم # ابن مسعود: "ومريئته حمالة للحطب في جيدها حبل من مسد2". # قال أبو الفتح: "حمالة" خبر عن "مريئته"، و"حبل": غليظ، ومنه قولهم: رجل ~~حبل الوجه، أي: الغليظ بشرته. وحبل الرأس: أي قوى غليظ. وكذلك قوله: {حبل ~~من مسد} ، أي: غليظ من ذلك. وقيل: المسد: سلسلة في النار. وقيل: المسد: ليف ~~المقل. # سورة الإخلاص: 3 # لا شيء فيها PageV02P375 ### | سورة الفلق والناس # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يختلف الناس في {ملك الناس 1} أنها بغير ألف. # قال أبو الفتح: ينبغي أنه يكون -والله أعلم- إنما وقع الإجماع على ذلك ~~لأنه من جملة الثناء على الله -سبحانه- بالربوبية والألهية، فكان معنى ~~الملك أليق بالربوبية والإلهية من معنى الملك؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل ~~مالك ملكا، فكما يوفق بين الألفاظ. في القوافي والسجوع والمقاطع ينبغي أن ~~يوفق أيضا بين المعاني. # ألا ترى إلى بعضهم قد سمع قارئا يقرأ. مبيض2 [196و] # صورة ما في آخر نسخة الأصل # كمل الكتاب المحتسب في تبيين وجوه شواهد القراءات والإيضاح عنها، تأليف ~~أبي الفتح عثمان بن جني النحوي، رحمه الله. والحمد لله كثيرا على ذلك، ~~وصلواته على خير خلقه، وعلى أهله وسلم تسليما. # كبته محمد بن الحسين بن محمد بن سعي المغربي الأندلسي بثغر ... 3 حرسه ~~الله، فتم عشية يوم الأحد التاسع عشر من شهر المحرم عام ثمانية وعشرين ~~وخمسمائة. نفعه الله به، وجميع من يقرؤه بمنه وطوله. # نقله من كتاب الفقيه المغربي أبي الحسين نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن ~~نوح ms472 الشيرازي وبخطه، وقرأه على علي بن زيد القاشاني، وكتب له القاشاني ~~بالقراءة على ظهر الكتاب4 ... في ذي الحجة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وسمعه ~~القاشاني من مؤلفه: شيخه أبي الفتح عثمان بن جني، رحمه الله عليهم أجمعين. # وهذه نسخة القراءة: # قرأ علي أبو الحسين نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن نوح الشيرازي - أدام ~~الله عزه وهذا الكتاب وهو المحتسب - وأنا أنظر في أصله المسموع من شيخنا ~~أبي الفتح عثمان بن جني -رحمه الله- من أوله إلى آخره. PageV02P376 # وكتب على بن زيد القاشاني بخطه في ذي الحجة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ~~حامدا الله، ومصليا على النبي محمد وعلى آله، ومسلما1. PageV02P377 ### | استدراك على الجزء الأول من المحتسب ms473