######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012017 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 392 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سر صناعة الإعراب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب اللغة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012017 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12017 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12017 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولي 1421هـ- 2000م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية بيروت-لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | المقدمات ### | المقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # المقدمة: # {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} . # الحمد لله الذي علم بالقلم، وهدى العمم، ورفع أمة الإسلام فوق باقي ~~الأمم، نحمدك الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ونصلي ونسلم ونبارك ~~على من اخترته واصطفيته بعظيم محبتك وحنانك محمدا -صلى الله عليه وسلم-. # أيها القارئ العزيز الكريم: # تحية طيبة من الله مباركة وبعد: # فبين يديك الكريمة كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح عثمان بن جني ~~النحوي، والذي اشتهر بين العلماء باسم "سر الصناعة" ذلك أن الكتاب يميل إلى ~~اللغة وعلومها أكثر من النحو، وعندما نتحدث عن اللغة والنحو فإن الحديث ~~يطول ولذا فإننا لا ننكر فضل النحو على اللغة، ولا اللغة على النحو فكلاهما ~~علم متمم للآخر، وهذا ما أراد ابن جني التركيز عليه في كتابه هذا. # وهذا على قدر فهمنا وتحليلنا لكتابه القيم، ونرجو ان نكون قد وفقنا في ~~حكمنا هذا من خلال تحقيقنا لكتاب ابن جني. # أما منهج ابن جني في كتابه فنرى أنه قد اعتمد على حروف المعجم التي تتكون ~~منها بنية الكلمة، فقام بتحليلها من عدة جوانب. ### | 1- # ترتيبها: فقد رتبها ترتيبا هجائيا "الهمزة، الباء، التاء، الثاء. إلخ". # PageV01P003 ### | 2- # من حيث جهرها وهمسها: وذلك عند تناوله لكل حرف فقد حدد نوعه من حيث كونه ~~مجهورا أو مهموسا. ### | 3- # الإطباق والانفتاح: فقام بتحديد حروف الإطباق وأهميتها والغرض من كونها ~~مطبقة أو منفتحة. ### | 4- # الإشمام: فحد حروف الإشمام وكيفيته وأهيمته. ### | 5- # الاستعلاء والاستيفال: فنراه أيضا قد قسم الحروف بحسب نوعها من جهة ~~الاستعلاء والاستيفال والمقصود منه. ### | 6- # الشدة والرخاوة: فقام بتحديد الحروف الرخوة معللا لرخاوتها، وحروف الشدة ~~والسر في شدتها. ### | 7- # قام بتحديد حروف العلة، وكذا الحروف الصحيحة. # فنراه عند ذكر كل حرف يحدد نوعه من جهة الصحة والاعتلال، وأهمية ذلك ~~وتأثيره في بنية الكلمة، وهو جزء خاص بالنحو لا باللغة. ### | 8- # قام بدراسة صوتية للحروف وما يعتريها من حذف أو إبدال أو زيادة، فشرح ms001 ~~الأمثلة ووضح متى يأتي كل حرف أصليا أو زائدا أو مبدلا، وأهمية ذلك عند ~~دراستنا للهجات القبائل المختلفة مثل البأبأة، والكشكشة، والعنعنة، وغيرها. ### | 9- # الإدغام: فقام بشرح أهميته، وما يحدث لكل حرف إذا تم إدغامه أو تسهيله. ### | 10- # الإمالة: حيث حدد مفهومها وحروفها وأهميتها لغة ونحوا. ### | 11- # النقل والحذف: وأهميتها بالنسبة لكل حرف موضحا متى يجوز النقل أو الحذف. ### | 12- # حدد بعض الحروف وتأثيرها في إعراب الكلمة: # فمثلا حرف الكاف بعد أن يحدد وصفة يحدد أهميته الإعرابية من حيث كونه حرف ~~جر يؤثر في الاسم ويعمل فيه الجر. # PageV01P004 # وحرفا مثل حرف الواو فهو يأتي عاطفا ما بعده على ما قبله، ويأتي جارا لما ~~بعده مثل واو رب، ويأتي واو القسم في أسلوب القسم وهكذا حيث كان يحدد كنه ~~كل حرف ووظيفته اللغوية والإعرابية مما يضفي على دراسته وتناوله للحروف ~~الهجائية شيئا من التكامل بين اللغة والنحو. # وهو في كل ما سبق يضرب الأمثلة ويشرح الأمثلة ويشرح السبب ويقنع بالحجة ~~على وجاهة منطقة وحسن تعليله لما توصل إليه من أحكام لا تحتمل اللبس أو ~~التأويل متخذا من كتاب الله، وسنة رسوله، وشعر العرب الذي ساقوه في ~~دواوينهم الدليل على ما يسوقه ويقدمه، وهذا ما جعل الكتاب يزخر بالأمثلة ~~المتنوعة. # بل وأحيانا يفند آراء غيره ويرد عليهم من كلامهم الذي يقدمونه دليلا ~~عليهم لا لهم، وهو في ذلك كله يعتمد على رجاحة عقله وسديد رأيه. # ونجده أحيانا يسوق آراء اللغويين والنحويين ثم يجتهد فيفندها ويسوق رأيه ~~الخاص المستقل غير مكتف بالرد عليهم أو تفنيد آرائهم فقط. # وبعد، # عزيزي القارئ فهذا ما عن لنا من خلال دراستنا وتحقيقنا لكتاب ابن جني. # أما منهجنا الذي اتبعناه في التحقيق فقد قمنا بشرح الغريب والشاذ مع ~~تفسير وشرح بسيط للشاهد الذي ساقه ابن جني أو غيره ممن يرد عليهم مع إعراب ~~هذا الشاهد لنترك للقارئ العزيز في النهاية الحكم له أو عليه، أي أننا سرنا ~~في محاور عدة أهمها: ### | 1- # تحقيق الكتاب من خلال المخطوط. ### | 2- # شرح الغريب في الشاهد. ### | 3- # شرح الشاهد ms002 ككل إن كان آية قرآنية أو حديث شريف أو بيت من الشعر. ### | 4- # إعراب ذلك الشاهد على وجوهه المختلفة إن كان له أكثر من وجهة إعرابية، ~~وذلك حتى يتسنى للقارئ أن يقدم على قراءة الكتاب بشيء من السهولة واليسر. # ولم نتعمد أن نثقل عليك أيه القارئ العزيز بمقدمة طويلة نضرب فيها ~~الأمثلة على ما سقناه من تحليلنا لكتاب ابن جني، ذلك أن ما قدمناه سنتناوله ~~بالشرح والتعليق # PageV01P005 # كل رأي وكل حكم في موقعه، وذلك حتى لا تفقد المقدمة بطولها حلاوة الكتاب ~~وطلاوته. # فإذا أصبنا فهو ما نصبو إليه ونتمناه، وإن لم نحقق الهدف المرجو فالعزاء ~~الوحيد أن الكمال لله وحده رب العالمين. # وأخيرا آملين داعين الله عز وجل أن يكون قد جنبنا مواطن الزلل. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته # المحققان # أحمد رشدي شحاته عامر # محمد فارس # PageV01P006 ### | ترجمة المؤلف # هو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي الأزدي بالولاء، كان أبوه روميا مملوكا ~~لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي من أعيان الموصل. ولد أبو الفتح سنة 334ه. # وقد لازم أبو الفتح أبا علي الفارسي أربعين عاما حتى صار كأنه كاتب له، ~~ويظهر هذا في سر الصناعة حيث يذكره كثيرا، وكانا في النحو على المذهب ~~البصري. # وأخذ أيضا عن: أحمد بن محمد الموصلي، وأبو بكر محمد بن الحسن المعروف ~~بابن مقسم، وروى عن أبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني، وعن أبي حاتم ~~السجستاني، وعن أبي عباس المبرد. # له من كتب: ### | 1- # اسم المفعول. ### | 2- # التبصرة في العروض. ### | 3- # تذكرة الأصبهانية. ### | 4- # التصريف الملوكي. ### | 5- # تفسير المرائي الثقة. ### | 6- # القصيدة الرائية للرضي. ### | 7- # التمام في شرح شعر الهذليين. ### | 8- # التلقين في النحو. ### | 9- # التنبيه في الفروع. ### | 10- # الخصائص في النحو. ### | 11- # سر الصناعة وشرحه "وهو كتابنا هذا" ### | 12- # شرح مستغلق أبيات الحماسة. ### | 13- # شرح الفصيح لثعلب في اللغة. ### | 14- # شرح كتاب المقصور والممدود لأبي علي الفارسي. ### | 15- # كتاب الصبر في شرح كتاب المتنبي. ### | 16- # الكافي في شرح القوافي للأخفش. # PageV01P007 ### | 17- # كتاب الألفاظ من المهموز. ### | 18- # كتاب التعاقب. ### | 19- # كتاب العروض. ### | 20- # كتاب الفرق بين كلام الخاص والعام ### | 21- # كتاب المذكر والمؤنث. ### | 22- # كتاب المقصور والممدود. ### | 23- # كتاب الوقف والابتداء. ms003 ### | 24- # اللمع في النحو. ### | 25- # محاسن العربية. ### | 26- # المحتسب في شرح الشواذ لابن مجاهد في القراءات. ### | 27- # مختار تذكرة أبي علي الفارسي. ### | 28- # المسائل الخاطريات. ### | 29- # المنصف في شرح التصريف للمازني. ### | 30- # معاني أبيات المتنبي. ### | 31- # المفيدة في النحو. ### | 32- # المقتضب من كلام العرب. ### | 33- # المقتطف في معتل العين. ### | 34- # المنتصف في النحو. ### | 35- # المنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة. ### | 36- # معاني المحررة. ### | 37- # مقدمات أبواب التصريف. ### | 38- # تفسير علويات الرضا. ### | 39- # تفسير ديوان المتنبي. ### | 40- # تفسير أرجوزة أبي النواس. ### | 41- # رسالة في مدد الأصوات. ### | 42- # كتاب البشرى والظفر ### | 43- # كتاب الخطيب. ### | 44- # كتاب الفائق. ### | 45- # كتاب الفصل بين كلام الخاص والعام. ### | 46- # كتاب المغرب في شرح القوافي. ### | 47- # كتاب المنتصف. ### | 48- # كتاب النقض على ابن وكيع. # PageV01P008 ### | 49- # ما أحضرنيه الخطر من المسائل المنثورة. ### | 50- # ما خرج مني من تأييد التذكرة. ### | 51- # مختصر التصريف على إجماعه. ### | 52- # مختصر العروض والقوافي. ### | 53- # المهذب في النحو. ### | 54- # النوادر الممتعة في العربية. # وغير ذلك. # وتوفي -رحمه الله- ببغداد سنة "792ه" اثنتين وتسعين وسبعمائة1. # كتبه # طالب العلم/ محمد فارس # 2/ ربيع الثاني/ 1418ه # 2/ 9/ 1997م PageV01P009 ### | النسخ الخطية # لقد اعتمدنا بفضل الله الواحد الأحد الفرد الصمد في تحقيق هذا الكتاب على ~~نسختين خطيتين: # إحداهما: نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم 120/ لغة. # والثانية: نسخة دار الكتب المصرية أيضا. # تحت رقم 42846/ عمومي، 16 لغة ش/ خصوصي. # ولا يسعني في النهاية إلا أن أقدم الشكر لمشايخي ووالدي ووالدتي. # والأستاذ/ فتحي صالح توفيق "جمع تصويري/ كمبيوتر" # PageV01P010 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # رسمت، أطال الله بقاءك، وأحسن إمتاع العلم وأهله بك؛ فإنك بحمد الله ما ~~زلت جمالا له ولهم، وقفا عليه وعليهم، إن أظلم شق منه، كنت لهم فيه سراجا1، ~~أو طمس2، منار له، وجدت إليه منهاجا، أو قعد غيرك عنه، قمت بأعبائه3، ~~مراميا4 عن حوزته5 من أمامه وورائه، متقيلا6، آثار أسلافك7 الغر8 الأطايب9، ~~الذين خصهم الله وإياك بأرفع المراتب، وانتضاهم10 من سلالة النجباء ~~والنجائب11 أن أضع كتابا يشتمل على جميع أحكام حروف المعجم، PageV01P015 # وأحوال كل حرف منها، وكيف مواقعه في كلام العرب. وأن اتقصى1 القول في ~~ذلك، وأشبعه وأوكده2، فاتبعت ما رسمته، ونتهيت إلى ما مثلته، ولم أجد مع ما ~~أنا بسبيله، ms004 وأنت أدام الله عزك، أعدل شاهد لي بما لي من الغرض والمدل بهذه ~~الصناعة، الكثير منتحلها3 والقانع بالتمويه فيها، القليل محصلها والمطالب ~~نفسه بأداء فروضها، لا مقيما عذرا لي في الوقوف دون أمرك، ولا مسهلا على ~~الإخلال4 بموجب حقك، لما يصلني بك من مرعي الذمم، ويضمني إليك من وكيد ~~العصم. # وأنا بإذن الله ومعونته، وطوله ومشيئته، أبلغ من ذلك فوق قدر5 الكفاية، ~~وأحرز فيه بتوفيق الله قصب الغاية، وأجتنب 6 مع ذلك الإسهاب 7 والإطالة، ~~إلا فيما تضمن نكتا8، أو آثار دفينا، وأتبع كل حرف منها مما رويته عن حذاق9 ~~أصحابنا وجلتهم10، وحذوته11 على مقاييسهم وأمثلتهم، ما أقدر أن فيه بلوغا ~~لأمدك، وإصابة لغرضك. وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها12. ~~PageV01P016 # وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها1، ومهموسها2، وشديدها ورخوها3، وصحيحها ~~ومعتلها4، ومطبقها ومنفتحها5، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها6، ~~ومنحرفها ومشربها، ومستويها7 ومكررها، ومستعليها ومنخفضها8، إلى غير ذلك من ~~أجناسها وأذكر فرق ما بين الحرف والحركة، وأين محل9 الحركة من الحرف: هل ~~هي9 قبله، أو معه، أو بعده؟ وأذكر أيضا الحروف التي هي PageV01P017 # فروع مستحسنة، والحروف التي هي فروع مسقبحة، والحركات التي هي فروع ~~متولدة عن الحركات، كتفرع الحروف عن الحروف. وأذكر أيضا ما كان من الحروف ~~في حال سكونه له مخرج ما، فإذا حرك أقلقته الحركة، وأزالته عن محله في حال ~~سكونه. وأذكر أيضا أحوال هذه الحروف في أشكالها، والغرض في وضع واضعها، ~~وكيف ألفاظها ما دامت أصواتا مقطعة، ثم كيف ألفاظها إذا صارت أسماء معربة، ~~وما الذي يتوالى فيه إعلالان بعد نقله، مما يبقى بعد ذلك من الصحة على قديم ~~حاله، وما يمكن تركبه ومجاورته من هذه الحروف وما لا يمكن ذلك فيه، وما ~~يحسن وما يقبح فيه ما ذكرنا، ثم أفرد فيما بعد، لكل حرف منها بابا أغترق ~~فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام، من أصليته وزيادته، وصحته وعلته، وقلبه ~~إلى غيره، وقلب غيره إليه. # وليس غرضنا في هذا الكتاب ذكر هذه الحروف مؤلفة، لأن ذلك كان يقود إلى ~~استيعاب ms005 جميع اللغة، وهذا ما يطول جدا، وليس عليه عقدنا هذ الكتاب، وإنما ~~الغرض فيه ذكر أحوال الحروف منفردة، أو منتزعة من أبنية الكلم التي هي ~~مصوغة فيها لما يخصها من القول في أنفسها، وأقروا ذلك شيئا فشيئا على تأليف ~~حروف المعجم، دون مدارج الحروف، كما آثرت، وبه أمرت، وسأتجشم لطاعتك المضض، ~~بانكشاف أسرار هذا العلم، وبدوها لمن يتدرعه وهو عار منه، ويقرب إليه وهو ~~ناء عنه ويظهر اللطف له والحفاوة، وهو الغاية في الجهل به والغباوة، ومن ~~إذا قامت سوقه بين الرعاع والهمج، فقد علا عند نفسه أرفع الدرج، وأنسي ما ~~عليه في عقوقه العلم ومروقه من جملة حملته، وأشياعه وحفدته، فلولا مكانك ~~لما مكنته من اكتلاء غرره وعيونه، واجتلاء أبكاره وعونه. على أن ما أخذ من ~~هذا الوجه خداعا وحيلة، ومواربة وغيلة، فأحر به ألا يكون عبد الله زاكيا، ~~ولا من داء الجهل شافيا. # جعلنا الله ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا وعظ اعتبر، وجعل ما علمناه خالصا ~~لوجهه، مدنيا من رضاه، مبعدا عن غضبه، فإنما نحن له وبه، والحمد لله، ~~وصلواته التامة الزاكية، الطيبة المباركة، على محمد المرتضى وآله، وهو ~~حسبنا وكفى. # PageV01P018 ### | التمهيد # 1: # اعلم2 أن الصوت عرض 3 يخرج من النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق ~~والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض ~~له4 حرفا، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت5 لذلك ~~وجدته على ما ذكرته لك؛ ألا تري أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به ~~أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزا ~~له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى6 غير الصدى الأول وذلك نحو الكاف، فإنك إذا ~~قطعت بها سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت7 إلى ~~الجيم سمعت غير ذينك الأولين. # وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف، أن تأتي به ساكنا لا متحركا، لأن ~~الحركة تقلق8 الحرف عن موضعه، ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف ms006 التي هي ~~PageV01P019 # بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة1 من قبله لأن الساكن لا يمكن ~~الابتداء به2، فتقول: اك. اق. أج، وكذلك سائر الحروف، إلا أن بعض الحروف ~~أشد حصرا للصوت من بعضها. # ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام: اد. اط. ال. ولا تجد للصوت منفذا ~~هناك: ثم تقول: اص. اس. ار. اث. اف، فتجد الصوت يتبع الحرف. وإنما يعرض هذا ~~الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقفت عليها، لأنك لا تنوي الأخذ في ~~حرف غيرها، فيتمكن الصويت فيظهر. # فأما إذا وصلت هذه الحروف ونحوها مما سنبينه في مكانه، فإنك لا تحس معها ~~شيئا من الصوت كما تجده معها إذا وقفت عليها، وذلك نحو يصبر ويسلم ويزلق ~~ويثرد ويفتح، وإنما كان ذلك كذلك من قبل أن أخذك في حرف آخر وتأهبك له3، قد ~~حالا4 بينك وبين التلبث5 والاستراحة التي يوجد معها ذلك الصويت، وسترى ذلك ~~مخلصا بمعونة الله. # فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته، استمر ~~الصوت ممتدا حتى ينفد6، فيفضي 7 حسيرا8 إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة ~~عندها إذالم يجد منقطعا فيما فوقها. PageV01P020 # والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف، ثم الياء، ثم الواو، وأوسعها ~~وألينها الألف، إلا أن الصوت الذي يجري في الألف مخالف للصوت الذي يجري في ~~الياء والواو، والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف ~~والواو. # والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاث الأحوال، مختلف الأشكال، أما ~~الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين، غير معترضين على الصوت بضغط أو حصر، ~~وأما الياء فنجد معها الأضراس سفلا وعلوا قد اكتنفت1 جنبتي2 اللسان وضغطته، ~~وتفاج3 الحنك عن ظهر اللسان، فجرى الصوت متصعدا هناك، فلأجل تلك الفجوة ما ~~استطال4، وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين، وتدع بينهما بعض الانفراج، ~~ليخرج فيه النفس، ويتصل الصوت. فلما اختلفت أشكال الحلق والفم والشفتين مع ~~هذه الاحرف الثلاثة اختلف الصدى المنبعث5 من الصدر، وذلك قولك في الألف أا، ~~وفي الياء إي، وفي الواو ms007 أو. # ولأجل ما ذكرنا من اختلاف الأجراس في حروف المعجم باختلاف مقاطعها، التي ~~هي أسباب تباين # أصدائها، ما شبه بعضهم الحلق والفم بالناي6، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلا ~~أملس ساذجا7، كما يجري الصوت في الألف غفلا8 بغير صنعة، فإذا وضع الزامر ~~أنامله على خروق الناي المنسوقة9، وراوح بين أنامله، PageV01P021 # اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع ~~الصوت في الحلق والفم1، باعتماد على جهات مختلفة، كان سبب استماعنا هذه ~~الأصوات المختلفة. # ونظير ذلك أيضا وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل، سمعت له صوتا، ~~فإن حصر2 آخر الوتر ببعض أصابع يسراه، أدى صوتا آخر، فإن أدناها3 قليلا، ~~سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى أصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء ~~مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلا غير محصور، تجده بالإضافة إلى ~~ما أداه وهو مضغوط محصور، أملس مهتزا4، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر وصلابته، ~~وضعفه ورخاوته5، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالمضراب عليه كأول ~~الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلا غير محصور كجريان الصوت في ~~الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في ~~مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا. # وإنما أردنا بهذا التمثيل الإصابة والتقريب، وإن لم يكن هذا الفن مما لنا ~~ولا لهذا الكتاب به تعلق، ولكن هذا القبيل من هذا العلم، أعني علم الأصوات ~~والحروف، له تعلق ومشاركة للموسيقى، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم. # فقد ثبت بما قدمناه معرفة الصوت من الحرف، وكشفنا عنهما بما هو متجاوز ~~للإقناع في بابهما، ووضحت حقيقتهما لمتأملها. PageV01P022 # فأما القول على لفظهما، فإن الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا، فهو صائت، ~~وصوت تصويتا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال سمعت صوت الرجل وصوت الحمار، ~~قال الله تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} . # وقال الشاعر: # كأنما أصواتها في الوادي ... أصوات حج منه عمان غادي1 # وقال ذو الرمة، وهو من أبيات الكتاب: # كأن أصوات ms008 من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج2 # يريد كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا أصوات الفراريج، ففصل بين ~~المضاف والمضاف إليه بحرف الجر، لضرورة الشعر، ومثله كثير، إلا أنا ندعه ~~لشهرته، ولأن هذا الكتاب ليس موضوعا له، والميس: خشب الرحل. PageV01P023 # ومن مسائل الكتاب: "له صوت صوت حمار"1. # ويقال: رجل صات أي شديد الصوت، وحمار صات، كما يقال رجل مال: كثير المال، ~~ورجل نال: كثيرا النوال، وكبش صاف: كثير الصوف، وبئر ماهة: كثيرة الماء، ~~ورجل هاع2 لاع3، وامرأة هافة لاعة، ورجل خاف ويوم طان4. راح5: كثير الطين ~~والريح، وتقدير هذه الأوصاف كلها عندنا: "فعل" مكسورة العين. قال النظار ~~الفقعسي6: # كأنني فوق أقب سهوق ... جأب إذا عشر صات الإرنان7 PageV01P024 # فأما قولهم لفلان صيت إذا انتشر ذكره في الناس، فمن هذا اللفظ، إلا أن ~~واوه انقلبت ياء لانكسار الصاد قبلها، وكونها ساكنة، كما قالوا ريح من ~~الروح، وقيل من القول، وكأنهم بنوه على فعل، للفرق بين الصوت المسموع، وبين ~~الذكر المتعالم، على أنهم قد قالوا أيضا: قد انتشر صوته في الناس، يعنون به ~~الصيت1 الذي هو الذكر، والصيت في هذا المعنى أعم وأكثر استعمالا من الصوت، ~~ولا يستعمل الصيت إلا في الجميل من الذكر، دون القبيح. # والصوت مذكر، لأنه مصدر بمنزلة الضرب والقتل والغدر والفقر. # فأما قول رويشد بن كثير الطائي: # يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت2 # فإنما أنثه لأنه أراد الاستغاثة، وهذا من قبيح الضرورة، أعني تأنيث ~~المذكر؛ لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك رد التأنيث إلى ~~التذكير، لأن التذكير هو الأصل، بدلالة أن "الشيء" مذكر، وهو يقع على ~~المذكر والمؤنث. # فعلمت بهذا عموم التذكير، وأنه هو الأصل الذي لا ينكسر. # ونظير هذا في الشذوذ قوله، وهو من أبيات الكتاب: # إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم3 PageV01P025 # وهذا أسهل من تأنيث الصوت قليلا، لأن بعض السنين سنة، وهي مؤنثة وهي من ~~لفظ السنين، وليس الصوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها، ونظائر ms009 هذا كثيرة، ~~وفيه وجه آخر، وهو أنه أراد الأصوات، أخرجه مخرج الجنس، لأنه مصدر، ~~والمصادر قلما تجمع، كما تقول قوم صوم وزور وضيف. # ومنها ما حكاه الأصمعي عن أبي عمر بن العلاء، أنه سمع بعض العرب يقول ~~-وذكر إنسانا، فقال: فلان لغوب- جاءته كتابي، فاحتقرها. # فقلت له: أتقول: جاءته كتابي1؟ فقال نعم: أليس بصحيفة؟ فقلت له ما ~~اللغوب؟ فقال: الأحمق، ومثله قول لبيد: # فمضى وقدمها كانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها2 # قالوا: أنث الإقدام لأنه ذهب بها إلى التقدمة. PageV01P026 # قالوا: ونحوه قول الآخر: # غفرنا وكانت من سجيتنا الغفر1 # أنث الغفر لأنه أراد المغفرة. # ونحو هذا قوله عز اسمه: {يلتقطه بعض السيارة 2} ، لأن بعضها سيارة، # وقال الآخر: # أتهجر بيتا بالحجاز تلفعت ... به الخوف والأعداء أم أنت زائره3 # أراد المخافة، فأنث لذلك، وحكى سيبويه: "ذهبت بعض أصابعه"4 فأنث البعض ~~لأنه إصبع في المعنى. # وهذا كثير، إلا أنا ندع اغتراقه5 كراهية لطول الكتاب. PageV01P027 # فأما الحرف فالقول فيه وفيما كان من لفظه: أن "ح ر ف" أينما وقعت في ~~الكلام يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، ~~وطعام حريف: يراد حدته، ورجل محارف، أي محدود عن الكسب والخير، ويقال أيضا ~~فيه: مجازف1 بالجيم، ومثله مجرف، ومجلف2، كأن الخير قد جرف عنه وجلف3، كما ~~يجلف القلم ونحوه، وقولهم: "انحرف فلان عني": من هذا أيضا، كأنه جعل بيني ~~وبينه حدا بالبعد والانعدال4. # وقال أبو عبيدة في قوله عز اسمه: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} ~~[الحج: 11] 5 أي لا يدوم، تقول: إنما أنت على حرف، أي لا أثق بك، وهذا راجع ~~إلى ما قدمناه، لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا ~~استحكام بصيرة6، فكأنه معتمد علي حرف دينه، غير واسط فيه، كالذي هو على حرف ~~الجبل ونحوه. # وقال أحمد بن يحيي: أي على شك، وهذا هو المعنى الأول، ومن هنا سميت حروف ~~المعجم حروفا، وذلك أن الحرف حد منقطع الصوت وغايته وطرفه، كحرف الجبل ms010 ~~ونحوه. PageV01P028 # ويجوز أن تكون سميت حروفا لأنها جهات للكلم ونواح، كحروف الشيء وجهاته ~~المحدقة به1. # ومن هذا قيل، فلان يقرأ بحرف أبي عمرو وغيره من القراء، وذلك لأن الحرف ~~حد ما بين القراءتين وجهته وناحيته. # ويجوز أيضا أن يكون قولهم: حرف فلان، يراد به حروفه التي يقرأ بها، أي ~~القارئ يؤديها بأعيانها، من غير زيادة ولا نقص فيها، فيكون الحرف في هذا ~~وهو واحد، واقعا موقع الحروف وهي جماعة، كقوله عز اسمه: {والملك على ~~أرجائها} [الحاقة: 17] 2 أي والملائكة، وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} ~~[الفجر: 22] 3 أي والملائكة، وكقولنا: "أهلك الناس الدينار والدرهم" أي ~~الدنانير والدراهم، وكقولنا: "الأسد أشد من الذئب" أي الأسد أشد من الذئاب، ~~وهذا واسع في كلامهم، ونحوه أيضا: "الملك أفضل من الإنسان" أي الملائكة ~~أفضل من الناس. # ومن هذا سمي أهل العربية أدوات المعاني حروفا، نحو من، وفي، وقد، وهل، ~~وبل، وذلك لأنها تأتي في أوائل الكلام وأواخره في غالب الأمر، فصارت ~~كالحروف والحدود له. PageV01P029 # ومنه قولهم لهذه البقلة1 الحادة الحرف2 سمي بذلك لحدته، والعرب أيضا ~~تسميه الثفاء3 ومنه قولهم: "ناقة حرف" أي ضامر، وتأويله أنها قد تحددت ~~أعطافها4 بالضمر5 والهزال6، وليس هناك سمن يكون معه رهل7 واسترخاء. # وقال بعضهم: الحرف: التي انتقلت من هزال إلى سمن، وتأويل هذا القول أنها ~~انحرفت من حال إلى حال. # وقال بعضهم: الحرف: التي كأنها حرف جبل في شدتها وصلابتها، وهذا واضح ~~جلي. # وقال بعضهم: الحرف: التي كأنها حرف السيف في مضائها8 وحدتها وهذا أيضا ~~مفهوم غير خفي9. # وقال بعضهم: شبهت لضمرها بحرف من المعجم، قالوا: وهو الواو، لدقتها ~~وتقويسها. # وقال أحمد بن يحيى: لأنها انحرفت عن السمن، وهذه كلها معان متقاربة ومن ~~هذا قولهم لمكسب الرجل وطعمته الحرفة، كأنها الجهة التي انحرف إليها عما ~~سواها من الماكسب، والمحراف: الميل، سمي بذلك لحدته، أو لأنه يعرف به حد ~~الجراحة وقدرها، أي يسبر به10. PageV01P030 # قال القطامي يصف جراحة: # إذا الطبيب بمحرافيه عن لها ... زادت على النقر أو تحريكها ضجما1 # الضجم: ms011 الميل والاختلاف. # والتحريف في الكلام: تغييره عن معناه. كأنه ميل به إلى غيره، وانحرف به ~~نحوه، كما قال عز اسمه في صفة اليهود: {يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: ~~46] 2 أي يغيرون معاني التوراة بالتمويهات3 والتشبيهات. # ويقال: انحرف الإنسان وغير عن الشيء، وتحرف، واحرورف. PageV01P031 # قال: # وإن أصاب عدواء احرورفا ... عنها وولاها الظلوف الظلفا1 # يصف ثورا يحترف كناسا. # وأنشد أبو زيد: # مشي الجمعليلة بالحرف النقل2 PageV01P032 # وقال: الحرف: مسيل الماء، وتأويله أنه انحرف فسال الماء عنه، ولم يستقم، ~~فيثبت عليه، فهذا كله يشهد لمعنى الحرف، وهذا الطريق من الاشتقاق وإنما ~~يحذق1 حقيقتها من كان سبطا2 مرتاضا3، لاكزا4 ريضا5. # فقد أتينا على ذكر معنى الصوت والحرف، ونتلي ذلك الحركة. # اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما ~~أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة، والكسرة، والضمة، ~~فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو ~~النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والضمة الواو ~~الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة، ألا تري أن الألف والياء ~~والواو اللواتي هن حروف نوام6 كوامل7، قد تجدهن في بعض الأحوال أطول وأتم ~~منهن في بعض، وذلك قولك يخاف وينام، ويسير ويطير، ويقوم ويسوم، فنجد فيهن ~~امتدادا واستطالة ما، فإذا أوقعت بعدهن الهمزة أو الحرف المدغم8، ازددن ~~طولا وامتدادا، وذلك نحو: يشاء ويداء9 ويسوء ويهوء10 ويجيء ويفيء11 وتقول ~~مع الإدغام شابة ودابة، ويطيب بكر، ويسير راشد، وتمود الثوب12، وقد ~~PageV01P033 # قوص زيد بما عليه، أفلا ترى إلى زيادة المد فيهن بوقوع الهمزة والمدغم ~~بعدهن، وهن في كلا موضعيهن يسمين حروفا كوامل، فإذا جاز ذلك فليست تسمية ~~الحركات حروفا صغارا بأبعد في القياس منه. # ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف، أنك متي أشبعت واحدة منهن حدث ~~بعدها الحرف الذي هي بعضه، وذلك نحو فتحة عين عمر، فإنك إن أشبعتها حدثت ~~بعدها ألف، فقلت عامر، وكذلك كسرة عين عنب، إن أشبعتها نشأت بعدها ياء ~~ساكنة، وذلك قولك عينب، وكذلك ms012 ضمة عين عمر، لو أشبعتها لأنشأت بعدها واوا ~~ساكنة، وذلك قولك عومر، فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها، ~~لما تنشأت عنها، ولا كانت تابعة لها. # ويزيد ذلك وضوحا لك، أن جميع حروف المعجم غير هؤلاء الثلاثة الأحرف لك أن ~~تأتي بكل حرف منها، بعد أي الحركات شئت، ولا تجد مع ذلك نبوا1 في اللفظ، ~~ولا استكراها، سواكن كن الحروف أو متحركة. وذلك نحو اللام من سلم وسلم ~~وسلمى، وكذلك العين من سعد وسعد وسعلاة وسعاد وسعيد وسعود، فأما استكراههم ~~الخروج من كسر إلى ضم بناء لازما، فليس ذلك شيئا راجعا إلى الحروف وإنما هو ~~استثقال منهم للخروج من ثقيل إلى ما هو أثقل منه. # وأنت لو رمت2 أن تأتي بكسرة أو ضمة قبل الألف لم تستطع ذلك البتة3 وكذلك ~~لو تكلفت الكسرة قبل الواو الساكنة المفردة، أو الضمة قبل الياء الساكنة ~~المفردة، لتجشمت4 فيه مشقة وكلفة5 لا تجدها مع الحروف الصحاح، وذلك نحو فعل ~~من القول والطول6، وأصله أن تقول قول وطول، ثم تستثقل ذلك، فتقلب الواو إلى ~~الكسرة قبلها ياء، فتقول: قيل وطيل، وقد قالتهما العرب مقلوبين PageV01P034 # هكذا، ونحوهما ميزان وميعاد وميقات، كل هذه من الواو في وزن ووقت ووعد، ~~وكذلك قولا موسر وموقن، وأصلهما ميسر وميقن، فكرهوا الياء بعد الضمة ~~فأبدلوها واوا، وكذلك إن انكسر ما قبل الألف أو انضم قلبت للكسرة ياء، ~~وللضمة واوا، وذلك الياء في قراطيس1 إنما هي بدل من ألف قرطاس، والواو في ~~ضويرب إنما هي بدل من الألف في ضارب، وإنما قلبت هذه الحروف بعد هذه ~~الحركات، لأنك إذا بدأت بالكسرة فقد جئت ببعض الياء، وآذنت2 بتمامها، فإذا ~~تراجعت عنها إلى الواو فقد نقضت أول قولك بآخره3 وخالفت بين طرفيه، وكذلك ~~إذا بدأت بالضمة ثم جئت بعدها بالياء، فقد جئت بأمر غيره المتوقع، لأنك لما ~~جئت بالضمة توقعت الواو، فإذا عدلت إلى الياء فقد ناقضت4 بآخر لفظك أوله، ~~إلا أن ذلك وإن كان مستثقلا فليس بمستحيل في الطاقة والطوع، كاستحالة مجيء ms013 ~~الألف بعد الكسرة أو الضمة. # فإن قلت: فما بالك تقول الغير والعيبة والطول والعوض فتأتي بالياء بعد ~~الضمة، وبالواو بعد الكسرة؟ # فالجواب أنه جاز ذلك من قبل أن الياء والواو لما تحركتا قويتا بالحركة، ~~فلحقتا بالحروف الصحاح، فجازت مخالفة ما قبلهما من الحركات إياهما، وكذلك ~~قولهم اجلوذ5 اجلواذا، واخروط اخرواطا، فتصح الواو الأولى في اجلواذ ~~واخرواط، من قبل أنها لما أدغمت في التي بعدها قويت، وضارعت6 الحروف ~~الصحاح، فجاز ثباتها مع انكسار ما قبلها، وكذلك قالوا: قرن ألوى7، وقرون ~~لي، فصححوا PageV01P035 # الياء الأولى وإن كانت ساكنة مضموما ما قبلها، من قبل أنها قويت بالإدغام ~~فحصنها عن القلب. # فإن قلت: فما بالك تقول سوط وحوض وثوب وبيت وقيد وشيخ، فتصح الواو والياء ~~هما ساكنتان وقبلهما حركة تخالفهما؟ وهلا قلبتهما ألفا لانفتاح ما قبلهما، ~~كما تقلب الواو ياء لسكونها وانضمام ما قبلها في نحو: الكوسي والطوبي؟ # فالجواب في ذلك أن بين الياء وبين الواو قربا ونسبا ليس بينهما وبين ~~الألف، ألا تراها تثبت في الوقف في المكان الذي تحذفان فيه، وذلك قولك: هذا ~~زيد، ومررت بزيد، ثم تقول: ضرب زيدا، وتراهما تجتمعان في القصيدة الواحدة ~~ردفين نحو قول امرئ القيس: # قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب1 # ثم قال فيها: # كالدلو بتت عراها وهي مثقلة ... وخانها وذم منها وتكريب2 # ولا يجوز معهما ألف في مكانهما. # فلم كان بين الياء والواو هذا التقارب، وتباعدتا من الألف هذا التباعد، ~~وغيره مما سنذكره في أماكنه، جذبت كل واحدة منهما صاحبتها إليها، لأنهما ~~صارتا بما ذكرناه من أمرهما بمنزل الحرفين يتقارب مخرجاهما، نحو الدال ~~والطاء، والذال PageV01P036 # والظاء، فقلبت الواو للكسرة قبلها، والياء للضمة قبلها، ولما تباعدت ~~الألف منهما، تباعدت الفتحة أيضا من الكسرة والضمة، فلم تقو الفتحة في نحو ~~سوط وحوض وبيت وقيد على قلب الواو والياء ألفا، واحتمل لما ذكرناه من ~~التفاوت الذي بينهما، ولخفة الفتحة مجيء الواو والياء ساكنتين بعد الفتحة. # فإن قلت: فقد نرى الفتحة تقلب الواو والياء المتحركيتن ألفا في ms014 نحو: قام ~~وباع وخاف وطال، وقد قدمت من قولك أن الحركة في الحرف تقويه وتحصنه، فإذا ~~جاز للتفحة أن تقلب الحرف المتحرك القوي، وهما الواو والياء في نحو: قام ~~وسار، فهلا قلبت الحرف الساكن الضعيف في نحو بيت وشيخ وحوض وسوط. # فالجواب أن هذه مغالطة من السائل ودعوى1 في سؤاله، وذلك أن الواو والياء ~~في نحو: قام وباع لما تقلبا ألفين، لأن الفتحة قويت عليهما متحكرتين ~~فقلبتهما، ولو كان ذلك كذلك، لوجب قلب الواو ياء في نحو: عوض وحول، وقلب ~~الياء واوا في نحو: عيبة2 وسيرة3، بل كان ذلك مع الضمة والكسرة أوجب ~~لثقلهما وقوة تأثيرهما. # وإنما كان الأصل في: قام قوم، وفي: خاف خوف، وفي: طال طول، وفي: باع بيع، ~~وفي: هاب هيب، فلما اجتمعت ثلاثة أشياء متجانسة، وهي الفتحة، والواو أو ~~الياء، وحركة الواو والياء، كره اجتماع ثلاثة أشياء متقاربة، فهربوا من ~~الواو والياء إلى لفظ تؤمن فيه الحركة، وهو الألف، وسوغها4 أيضا انفتاح ما ~~قبلها. # فهذا هو العلة5 في قلب الواو والياء في نحو: قام وباع، لا ما ادعاه ~~السائل من أن الفتحة قويت على قلب الحرف المتحرك. PageV01P037 # وسندل بإذن الله فيما يستقبل على مضارعة حروف اللين للحركات. # فأما الكسرة في نحو: عوض وطول، فلو قلبت لها الواو المتحركة [كما قلبت ~~الواو المتحركة في قام ألفا] 1 للتفحة واستثقال حركتها، لوجب أن تقول عيض ~~وحيل، ولا تصير إلى حرف تأمن فيه الحركة، إنما صرت إلى الياء، والياء قد ~~يمكن تحريكه، وليس كذلك الألف في قام، لأنك قد صرت من الواو، إلى حرف تؤمن ~~حركته، والياء في عيبة كالواو في عوض، لأنه ليس قبلهما فتحة تجتلب الألف ~~التي تؤمن حركتها، فلذلك لم تقلبا، فافهم2. # على أن من العرب من يقلب في بعض الأحيان الواو والياء الساكنيتين ألفين، ~~للفتح قبلهما، وذلك نحو قولهم في: الحيرة حاري3، وفي: طيئ طائي. # وأجاز غير الخليل في آية أن يكون أصلها أية، فقلبت الياء الأولى ألفا، ~~لانفتاح ما قبلها، وقالوا: أرض داوية، منسوبة ms015 إلى الدو4، وأصلها دوية، قلب ~~الواو الأولى الساكنة ألفا، لانفتاح ما قبلها، إلا أن ذلك قليل، غير مقيس ~~عليه غيره، ومع هذا فشبهته ما ذكرت لك. # فقد ثبت بما وصفناه من حال هذه الأحرف أنها توابع للحركات ومتنشئة عنها، ~~وأن الحركات أوائل لها، وأجزاء منها، وأن الألف فتحة مشبعة، والياء كسرة ~~مشبعة، والواو ضمة مشبعة، يؤكد ذلك عندك أيضا أن العرب ربما احتاجت في ~~إقامة الوزن إلى حرف مجتلب ليس من لفظ البيت، فتشبع الفتح، فيتولد من بعدها ~~الألف، وتشبع الكسرة، فتتولد من بعدها ياء، وتشبع الضمة، فتتولد من بعدها ~~واو. PageV01P038 # وأنشد سيبويه: # فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راعي1 # أراد بين نحن نرقبه أتانا، فأشبع الفتحة، فحدثت بعدها ألف. # فإن قيل: فإلام أضاف الظرف الذي هو بين، وقد علمنا أن هذا الظرف لا يضاف ~~من الأسماء إلا إلى ما يدل على أكثر من الواحد، أو ما عطف عليه غيره بالواو ~~دون سائر حروف العطف، نحو المال بين القوم، والمال بين زيد وعمرو، وقوله ~~"نحن نرقبه": جملة، والجملة لا مذهب لها بعد هذا الظرف؟ # فالجواب: أن هاهنا واسطة محذوفا، وتقدير الكلام: "بين أوقات نحن نرقبه ~~أتانا"، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجمل مما يضاف إليها أسماء ~~الزمان، نحو أتيتك زمن الحجاج أمير، وأوان الخليفة عبد الملك، ثم إنه حذف ~~المضاف، الذي هو أوقات، وأولى الظرف الذي كان مضافا إلى المحذوف الجملة ~~التي أقيمت مقام المضاف إليها، كقوله تعالي: {واسأل القرية} [يوسف: 82] 2، ~~أي أهلها، هكذا علقت عن أبي علي3 في تفسير هذه اللفظة وقت القراءة عليه، ~~وقل من يضبط ذلك، إلا من كان متقنا أصيلا في هذه الصناعة. PageV01P039 # ومثل البيت الذي مضى، بيت آخر من أبيات الكتاب، وهو قول الفرزدق: # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف1 # أراد الصيارف، فأشبع الكسرة، فتولد عنها ياء. # فأما الدارهيم فلا حجة فيه، لأنه يجوز أن يكون جمع دراهم، وقد نطقت به ~~العرب، قال: # لو أن عندي مئتي درهام ... لجاز ms016 في آفاقها خاتامي2 # ومثل البيت الأول قول أبي ذؤيب: # بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع3 PageV01P040 # يريد "بين تعنقة"، إلا أن هذه الألف وإنك كانت إشباعا للفتحة، فإنها في ~~هذا الموضع زيادة لازمة. # وأنشدنا أبو علي لابن هرمة1 يرثي ابنه: # وأنت من الغوائل حيت ترمى ... ومن ذم الرجال بمتزاح2 # أراد: بمنتزح، فأشبع فتحة الزاي. # وأنشدني أيضا: # الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور3 # وأنني حوثما يشري الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أثني فأنظور4 # يريد: أنظر، فأشبع ضمة الظاء، فنشأت عنها واو. PageV01P041 # وقد أجرت العرب أيضا الحرف مجرى الحركة، في نحو قولهم: لم يخش، ولم يسع، ~~ولم يرم، ولم يغز، فحذفوا هذه الحروف للجزم، كما تحذف له الحركات في نحو لم ~~يقم ولم يقعد. # وكذلك أيضا أجروا الحركة مجرى الحرف، فأجازوا صرف هند: اسم امرأة معرفة، ~~فإذا تحرك الأوسط منعوه الصرف معرف البتة، وذلك نحو: قدم، فصارت الحركة في ~~منع الصرف بمنزلة الياء في زينب والألف في عناق ونحوهما في منع الصرف، ~~ولهذا نظائر1 سنذكرها في مكانها إن شاء الله تعالى. # أفلا ترى إلى هذه الحروف كيف تتبع الحركات التي قبلها وهي أبعاض لها، فقد ~~صح ما قدمناه. # وإنما سميت هذه الأصوات الناقصة حركات، لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به، ~~وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها، فالفتحة تجتذب الحرف نحو الألف ~~والكسرة تجتذبه نحو الياء، والضمة تجتذبه نحو الواو، ولا يبلغ الناطق بها ~~مدى الحروف التي هي أبعاضها، فإن بلغ بها مداها، تكملت له الحركات حروفا، ~~أعني ألفا وياء وواوا. # وأعلم أن الحروف في الحركة والسكون على ضربين2: ساكن، ومتحرك فالساكن: ما ~~أمكن تحميله الحركات الثلاث نحو كاف بكر، وميم عمرو، ألا تراك تقول: بكر ~~وعمرو، وبكر وعمرو، وبكر وعمرو، فلما جاز أن تحمله الحركات الثلاث، علمت ~~أنه قد كان قبلها ساكنا. # والمتحرك: هو الذي لا يمكن تحميله أكثر من حركتين، لأن الحركة التي هي ~~فيه قد استغني بكونها فيه عن اجتلابها له، وذلك نحو ميم ms017 عمر، يمكن أن ~~تحملها الكسرة والضمة، فتقول: عمر، وعمر، ولا يمكنك أن تجتلب لها فتحة، ~~لأنها قد كانت في أول اعتبارك إياها مفتوحة، والحرف الواحد لا يتحمل ~~حركتين، لا متفقتين ولا مختلفتين، وإذا كانت الحركات ثلاثا: فتحة، وكسرة، ~~وضمة. PageV01P042 # فالمتحرك إذن على ثلاثة أضرب: مفتوح، ومكسور، ومضموم. # فالمفتوح: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ألف، نحو ضاد ضرب، لك أن ~~تشبع الفتحة، فتقول: ضيارب. # والمكسور: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ياء نحو ضاد ضراب، لك أن ~~تشبع الكسرة فتقول ضيراب. # والمضموم: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها واو، نحو ضاد ضرب، لك أن ~~تشبع الضمة، فتقول: ضورب، إلا أن هذه الأحرف اللائي يحدثن لإشباع الحركات، ~~لا يكن إلا سواكن، لأنهن مدات والمدات لا يتحركن أبدا. # واعلم أن الحركة التي يتحملها الحرف لا تخلو أن تكون في المرتبة، قبله، ~~ومعه، أو بعده. # فمحال أن تكون الحركة في المرتبة قبل الحرف، وذلك أن الحرف كالمحل ~~للحركة، وهي كالعرض فيه، فهي لذلك محتاجة إليه، ولا يجوز وجودها قبل وجوده، ~~وأيضا لو كانت الحركة قبل الحرف لما جاز الإدغام في الكلام أصلا، ألا ترى ~~أنك تقول قطع، فتدغم الطاء الأولى في الثانية، ولو كانت حركة الطاء الثانية ~~في الرتبة قبلها، لكانت حاجزة بين الطاء الأولي، وبين الطاء الثانية، [ولو ~~كان الأمر كذلك لما جاز إدغام الأولى في الثانية] 1 لأن الحركة، على هذه ~~المقدمة، مرتبتها أن تكون قبل الطاء الثانية، بينها وبين الأولى، وإذا حجز ~~بين الحرفين حركة بطل الإدغام، فجواز الإدغام في الكلام، دلالة على أن ~~الحركة ليست قبل الحرف فالمتحرك بها. # فقد بطل بما ذكرناه أن تكون حركة الحرف في الرتبة قبله، وبقي أن تكون معه ~~أو بعده، وفي الفرق بينهما بعض الإشكال. # فالذي يدل على أن حركة الحرف في المرتبة بعده، أنك تجدها فاصلة بين ~~المثلين أو المتقاربين، إذا كان الأول منهما متحركا. PageV01P043 # فالمثلان نحو قولك: قصص ومضض وطلل1 وسرر وحضض2 ومرر3 وقدد4، فلولا أن ~~حركة الحرف ms018 الأولى في هذين المثلين بعده، لما فصلت بينه وبين الذي هو مثله ~~بعده، ولو لم تفصل لوجب الإدغام، لأنه لا حاجز بين المثلين، فإن ظهر هذان ~~المثلان ولم يدغم الأول منهما في الآخر منهما، فظهورهما دلالة على فصل واقع ~~بينهما، وليس هاهنا فصل البتة غير الحركة المتأخرة عن الحرف الأول. # فإن قيل: فما تنكر أن يكون الفاصل بين المثلين في نحو طلل وسرر إنما هو ~~حركة الحرف الأول، دون ما ذهبت إليه من حركة الحرف الأول. # قيل: قد تقدم من القول ما فيه دلالة على أن الحركة لا يجوز أن تكون قبل ~~الحرف، ويدل على فساد قول من قال إن الحاجز بين المثلين في نحو جدد وعدد، ~~إنما هو حركة الثاني، أنه لو فصل هنا بالحركة، لوجب الفصل بها في نحو شد ~~ومد، مع حركة الثاني منهما، دلالة على أن الحركة في الحرف الثاني لم تفصل ~~بينه وبين الأول، ولو كانت في الرتبة قبله لوجب الفصل بها بينهما، وأيضا ~~فإنك تقول: شددت وحللت، فتظهر، لأن الثاني من المثلين ساكن. # فهذا أمر، كما تراه، واضح في المثلين. # وأما المتقاربان فنحو قولك في وتد إذا سكنت التاء لإرادة الإدغام ود، ~~فكانت الحركة في التاء قبل إسكانها فاصلة بينها وبين الدال فوجب لذلك ~~الإظهار فلما سلبت التاء كسرتها، وزالت التاء أن تكون حاجزة بينهما بعدها، ~~وسكنت التاء، واجتمع المتقاربان، أبدلت التاء دالا، وأدغمتها في الدال ~~بعدها، كما تقول في انعت داود: انعداود، فظهور التاء في وتد ما دامت ~~مكسورة، وإدغامها إذا سكنت، دلالة على أن الحركة قد كانت بينهما، وإذا كانت ~~بينهما، فهي بعد التاء لا محالة. # فهذه دلالة من القوة على ما ترى. PageV01P044 # ودلالة أخرى تدل على أن حركة الحرف بعده، وهي أنك إذا أشبعت الحركة ~~تممتها حرف مد، كما تقدم من قولنا في نحو ضرب وقتل، إذا أشبعت حركة الضاد ~~والقاف قلت ضارب وقاتل. وضرب وقتل إذا أشبعت قلت: ضورب وقوتل وكذلك ضراب ~~وقتال، إذا أشبعت قلت ضيراب وقيتال. فكما أن ms019 الألف والواو والياء بعد الضاد ~~والقاف، فكذلك الفتحة والضمة والكسرة في الرتبة بعد الضاد والقاف، لأن ~~الحركة إذا كانت بعضا للحرف، فالحرف كل لها، وحكم البعض في هذا تابع لحكم ~~الكل، فكما أن الحروف التي نشأت عن إشباع الحركات بعد الحروف المتحركة بها، ~~فكذلك الحركات التي هي أبعاضها وأوائل لها وأجزاء منها، في الرتبة بعد ~~الحروف المتحركة، وهذا واضح مفهوم لمتأمله. # فإن قلت: ما تنكر أن تكون الحركة تحدث مع الحرف المتحرك البتة، ثم تأتي ~~بقية حروف اللين التي هي مكملة للحركة حرفا مستأنفة بعد الحركة التي حدثت ~~مع الحرف البتة، كما قد نشاهد بينا من الأشياء ما يصحبه بعض لغيره، ثم يأتي ~~تمام ذلك البعض فيما بعد، فلا يلزم من هذا أن يكون ذلك البعض الذي شوهد أو ~~مصاحبا لغيره، في حكم البقية التي جاءت من بعده، بل يكون الجزء الأول ~~مصاحبا لما وجد معه، والجزء الثاني آتيا من بعده، ونظير هذا: رجل له عشرون ~~غلاما، فقدم ومعه منهم عشرة، ثم أوفى بعد استقراره بمن وافى في جملته من ~~غلمانه بقيتهم، فليس تأخر من تأخر منهم بموجب تأخر من تقدم منهم، فما أنكرت ~~مع ما مثلنا أن تكون الحركة حادثة مع الحرف، وتكون المدة التي تحدث لإشباع ~~الحركة مستقبلة فيما بعد. # فالجواب أن هذا التمثيل إنما يصح فيما أمكن تقطعه وتجزؤه، لأنه قد يمكن ~~أن يحضر بعض الغلمان مع مالكهم، ويغيب بعض، فأما ما اتصلت أجزاؤه وتتابعت ~~وتوالت شيئا فشيئا، ولم يمكن قطعها، ثم العود إلى تمامها، فقد جرى لذلك ~~مجرى الجزء الواحد الذي لا يسوغ تجزؤه، فمحال أن يكون له حكم إلا وهو مشتمل ~~عليه1، وذلك حكم حرف المد الذي يحدث عن تمكين2 الحركة ومطلها3. PageV01P045 # واستطالتها، هو من هذا الوجه في حكم الحركة، والحركة في حكمه، لأنه لا ~~يمكن فصل الحركة منه، والعود إلى استتمامه، لأن هذه المدة المستطيلة إنما ~~تسمى حرفا لينا ما دامت متصلة, فمتى عقتها1 عن الاستطالة بفصل ما فقد ~~أخرجتها عن اللين والامتداد الذي ms020 من شرطها، وإذا كانت الحركة لاتصالها ~~بالحرف في حكمه، كما أن الألف بعد الضاد في ضارب، فكذلك الفتحة في الرتبة ~~بعد الضاد. # وقول النحويين إن الحركة تحل الحرف مجاز، لا حقيقة تحته، وذلك أن الحرف ~~عرض، والحركة عرض أيضا، وقد قامت الدلالة عن طريق صحة النظر على أن الأعراض ~~لا تحل الأعراض، ولكنه لما كان الحرف أقوى من الحركة، وكان الحرف قد يوجد ~~ولا حركه معه، وكانت الحركة لا توجد إلا عند وجود الحرف، صارت كأنها قد ~~حلته، وصار هو كأنه قد تضمنها، تجوزا لا حقيقة. # واستدل أبو علي على أن الحركة تحدث مع الحرف، بأن النون الساكنة إذا ~~تحركت زال عن الخياشيم إلى الفم، وكذلك الألف إذا تحركت انقلبت همزة، فدل ~~ذلك عنده على أن الحركة تحدث مع الحرف، وهو لعمري استدلال قوي2. # قد فرغنا من ذكر مائية3 الأصوات والحروف والحركات، وأين محل الحركات من ~~الحروف. ونحن نتبع هذا القول، على معنى قولهم، حروف المعجم، وعددها، ~~وأجناسها، وأصنافها، ثم نستأنف بعد ذلك القول على حرف حرف منها، بحسب ما ~~شرطنا على أنفسنا، وجعلناه في ضمان كتابنا، بإذن الله وقدرته. PageV01P046 # إن سأل سائل فقال: ما معنى قولنا حروف المعجم؟ هل المعجم صفة لحروف هذه ~~أو غير وصف لها؟ # فالجواب أن "المعجم" من قولنا حروف المعجم، لا يجوز أن تكون صفة لحروف ~~هذه من وجهين: # أحدهما: أن "حروفا" هذه لو كانت غير مضافة إلى المعجم، لكانت نكرة، ~~والمعجم كما ترى معرفة، ومحال وصف النكرة بالمعرفة. # والآخر: أن الحروف مضافة إلى المعجم، ومحال أيضا إضافة الموصوف إلى صفة، ~~والعلة في امتناع ذلك أن الصفة هي الموصوف، على قول النحويين، في المعنى، ~~وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت أخاك الظريف، ~~فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، والأخ هو الظريف في المعنى وليس يريد ~~النحويين بالصفة ما يريد المتكلمون بها، من نحو القدرة، والعلم، والسكون ~~والحركة، لأن هذه الصفات غير الموصوفين بها، ألا ترى أن السواد غير الأسود، ms021 ~~والعلم غير العالم، والحركة غير المتحرك، وإنما الصفة عند النحويين هي ~~النعت، والنعت هو اسم الفاعل أو المفعول، أو ما يرجع إليهما من طريق ~~المعنى، مما يوجد فيه معنى الفعل، نحو ضارب ومضروب، ومثل وشبه ونحو، وما ~~يجري مجرى ذلك، وإذا كانت الصفة هي الموصوف عندنا في المعنى، لم يجز إضافة ~~الحرف إلى المعجم، لأنه غير مستقيم إضافة الشيء إلى نفسه، وإنما امتنع ذلك ~~من قبل أن الغرض في الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف، والشيء لا تعرفه ~~نفسه، لأنه لو كان معرفة بنفسه لما احتيج إلى إضافته، وإنما يضاف إلى غيره ~~ليعرفه، ألا ترى أنك تضيف المصدر إلى الفاعل تارة، نحو عجبت من قيام زيد، ~~وإلى المفعول أخرى، نحو عجبت من أكل الخبز، وإنما جازت إضافة المصدر ~~إليهما، لأنه في المعني غيرهما، ونجيز أيضا إضافة الفاعل إلى المفعول، نحو ~~عجبت من ضارب زيد، {هديا بالغ الكعبة} و {هذا عارض ممطرنا} . # وإنما جاز ذلك لأن الفاعل غير المفعول، ولا يجوز سررت بطالعة الشمس، كما ~~تقول سررت بطلوع الشمس، لأن طلوعها غيرها، فجازت إضافته إليها، والطالعة هي ~~الشمس، ولا تضيفها إلى نفسها. # PageV01P047 # فكذلك لو كان المعجم صفة لحروف لما جازت إضافتها إليه، وأيضا فلو كان ~~المعجم صفة لحروف، لقلت المعجمة1، كما تقول تعلمت الحروف المعجمة. فقد صح ~~بما ذكرناه أن المعجم ليس وصفا لحروف. # والصواب في ذلك عندنا ما ذهب إليه أبو العباس محمد بن يزيد [المبرد] رحمة ~~الله تعالى، من أن المعجم مصدر، بمنزلة الإعجام، كما تقول أدخلته مدخلا، ~~وأخرجته مخرجا، أي إدخالا وإخراجا. # وحكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفشن أن بعضهم قرأ: {ومن يهن الله فما ~~له من مكرم} [الحج: 18] 2 بفتح الراء، أي من إكرام، فكأنهم قالوا: هذه حروف ~~الإعجام، فهذا أسد وأصوب من أن يذهب إلى أن قولهم حروف المعجم بمنزلة قولهم ~~صلاة الأولى ومسجد الجامع، لأن معنى ذلك صلاة الساعة الأولى والفريضة ~~الأولى، ومسجد اليوم الجامع، فالأولى غير الصلاة في المعنى، والجامع غير ~~المسجد في المعنى ms022 أيضا، وإنما هما صفتان حذف موصوفاهما، وأقيمتا مقامهما، ~~وليس كذلك حروف المعجم، لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ ~~المعجم، وإنما المعني أن الحروف هي المعجمة، فصار قولنا حروف العجم، من باب ~~إضافة المفعول إلى المصدر، كقولهم: هذه مطية ركوب، أي من شأنها أن تركب، ~~وهذا سهم نضال3 أي من شأنه أن يناضل به، وكذلك حروف المعجم، أي من شأنها أن ~~تعجم، فاعرف ذلك. # وقد اعترض فصلنا هذا أمر لا بد من شرحه وإبانته بالاشتقاق. # اعلم أن "ع ج م" إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان ~~والإفصاح. PageV01P048 # من ذلك قولهم: رجل أعجم، وامرة عجماء: إذا كانا لا يفصحان ولا يبينان ~~كلامهما، وكذلك العجم والعجم، ومن ذلك قولهم: عجم الزبيب1 وغيره، إنما سمي ~~عجما لاستتاره وخفائه بما هو2 عجم له. ومن ذلك قوله عليه السلام: "جرح ~~العجماء جبار"3 يراد به البهيمة4 لأنها لا توضح عما في نفسها، ومن ذلك ~~تسميتهم: صلاتي الظهر والعصر العجماوين، لم كانتا لا يفصح فيهما بالقراءة. # قال أبو علي: ومن ذلك قولهم: عجمت العود ونحوه، إذا عضضته. قال: وهو ~~يحتمل أمرين، كل واحد منهما راجع إلى ما قدمناه: # أحدهما: أنه قيل: عجمته، لأنك لما أدخلته فاك لتعضه، فقد أخفيته في فيك، ~~والآخر: أنك قد ضغطت بعض أجزائه بالعجم، فأدخلت بعضها في بعض، فأخفيتها، ~~وربما سميت العرب الأخرس أعجم من هذا، فأما قول ذي الرمة: # حتى إذا جعلته بين أظهرها ... من عجمة الرمل أنقاء لها حبب5 # عجمة: معظم الرمل، وأشده تراكما، سمي بذلك لتداخله، واستبهام أمره على ~~سالكه، ومنه قولهم: اسعجمت الدار: إذا صمت، فلم تجب سائلها. PageV01P049 # قال امرء القيس: # صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل1 # فإن قال قائل فيما بعد: إن جميع ما قدمته يدل على أن تصريف "ع ج م" في ~~كلامهم موضوع للإبهام، وخلاف الإيضاح، وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب، فإنما ~~معناه أوضحته وبينته، فقد ترى هذا الفصل مخالفا لجميع ما ذكرته، فمن أين لك ~~الجمع بينه وبين ms023 ما قدمته؟ 2 # فالجواب: أن قولهم أعجمت وزنه أفعلت، وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها ~~إنما تأتي للإثبات والإيجاب، نحو: أكرمت زيدا، أي أوجبت له الكرامة، وأحسنت ~~إليه، أثبت الإحسان إليه، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته، فقد أوجبت ~~جميع هذه الأشياء له -فقد تأتي أفعلت أيضا يراد بها السلب والنفي، وذلك ~~نحو: أشكيت زيدا: إذا زلت3 له عما يشكوه. # أنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو زيد: # تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها4 # أي لو أننا نزول لها عما تشكوه. PageV01P050 # ومثله قوله عز اسمه: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} [طه: 15] 1 تأويله ~~والله أعلم، عند أهل النظر: أكاد أظهرها، وتلخيص حال هذه اللفظة: أي أكاد ~~أزيل عنها خفاءها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القربة2، للكساء الذي ~~يكون عليها. وجمعه: أخفية. # أنشدنا أبو علي: # لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزججها من حالك واكتحالها3 # فقوله: " أخفية الكرى": جمع خفاء، والكرى: النوم، وجعل الأعين في ~~اشتمالها على النوم بمنزلة الخفاء في اشتماله على ما ستر به، ونصب أخفيه ~~الكرى: PageV01P051 # على التمييز، كما تقول: لقد علم الأيقاظ عيونا تزججها، فأخفيها، في أنه" ~~أزيل خفاءها": بمنزلة قوله "لو أننا نشكيها": أي نترك لها ما تشكوه. # فكذلك أيضا يكون قولنا: "أعجمت الكتاب": أي أزلت عنه استعجامه، كما كان ~~أخفيها، أزيل خفاءها، ونشكيها: بمنزلة ندع لها ما تشكوه. # ونظيره أيضا: أشكلت الكتاب. أي أزلت عنه إشكاله. وقد قالوا أيضا: عجمت ~~الكتاب، فجاءت "فعلت" للسلب أيضا، كما جاءت أفعلت. # ونظير عجمت في النفي والسلب، قولهم: مرضت الرجل: أي داويته ليزول مرضه، ~~وقذيت عينه، أي أزلت عنه القذى1. ومنه "رجل مبطن": إذا كان خميص البطن2، ~~كأن بطنه أخذ منه، فجاءت "فعلت" للسلب أيضا، وإن كانت في أكثر الأمر ~~للإيجاب، نحو: علمته، وقدمته، وأخرته، وبخرته: أي أوصلت هذه الأشياء إليه، ~~وكذلك: عجمت الكتاب أيضا. مثل: مرضته، وقذيت عينه. # ونظير فعلت وأفعلت في السلب أيضا "تفعلت"، قالوا: تحوبت3، وتأثمت، أي ~~تركت الحوب والإثم، وإن كان "تفعلت" في ms024 أكثر الأمر تأتي للإثبات، نحو: ~~تقدمت، وتأخرت، وتعجلت، وتأجلت، فكذلك أيضا أعجمت الكتاب وعجمته: أي أزلت ~~استعجامه. # فإن قيل: إن جميع هذه الحروف ليس معجما، إنما المعجم بعضها، ألا ترى أن ~~الألف، والحاء والدال ونحوها، ليس معجما، فكيف استجازوا تسمية جميع هذه ~~الحروف حروف المعجم؟ 4. PageV01P052 # قيل: إنما سميت بذلك لأن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته، فأعجمت بعضها، ~~وتركت بعضها، فقد علم أن هذا المتروك بغير إعجام، هو غير ذلك الذي من عادته ~~أن يعجم. فقد ارتفع إذن بما فعلوه الإشكال والاستبهام عنها جميعا، ولا فرق ~~بين أن يزول الاستبهام عن الحرف بإعجام عليه، أو بما يقوم مقام الإعجام في ~~الإيضاح والبيان. # ألا ترى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل، والخاء بواحدة من فوق، ~~وتركت الحاء غفلا، فقد علم بإغفالها أنها ليست واحدة من الحرفين الآخرين، ~~أعني الجيم والخاء، وكذلك الدال والذال، والصاد والضاد، وسائر الحروف ~~نحوها، فلما استمر البيان في جميعها جازت تسميته بحروف المعجم. # وهذا كله رأي أبي علي، وعنه أخذته، وقد أتيت في هذا الفصل من الاشتقاق ~~وغيره، بما هو معاني قوله، وإن خالفت لفظه، وهو الصواب، الذي لا يذهب عنه ~~إلى غيره. # واعلم1 أن العرب قد سمت هذا الخط المؤلف من هذه الحروف "الجزم". # قال أبو حاتم: إنما سمي جزما لأنه جزم من المسند، أي أخذ منه. # قال: والمسند: خط حمير في أيام ملكهم، وهو في أيديهم إلى اليوم وباليمن. ~~فمعنى جزم: أي قطع منه وولد عنه، ومنه جزم الإعراب، لأنه اقتطاع الحرف من ~~الحركة ومد الصوت بها للإعراب. PageV01P053 ### | باب أسماء الحروف # وأجناسها، ومخارجها، ومدارجها، وفروعها المستحسنة، وفروعها المسقبحة، ~~وذكر خلاف العلماء فيما مستقصى مشروحا: # اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة1 تسعة وعشرون حرفا. فأولها الألف. ~~وآخرها الياء، على المشهور من ترتيب حروف المعجم، إلا أبا العباس، فإنه كان ~~يعدها ثمانية وعشرين حرفا، ويجعل أولها الباء، ويدع الألف من أولها، ويقول: ~~هي همزة، ولا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستقرة، فلا أعتدها مع ms025 ~~الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة. # وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس2 غير مرضي منه عندنا، وسأوضح القول فيه ~~بإذن الله. # اعلم أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة، وإنما كتبت ~~الهمزة واوا مرة وياء أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف3، ولو أريد ~~تحقيقها البتة، لوجب أن تكتب ألفا على كل حال، يدل على صحة ذلك أنك إذا ~~أوقعتها موقعا لا يمكن فيه تخفيفا، ولا تكون فيه إلا محققه، لم يجز أن تكتب ~~إلا ألفا، مفتوحة كانت أو مضمومة أو مكسورة، وذلك إذا وقعت أولا، نحو: أخذ، ~~وأخذ، وإبراهيم، فلما وقعت موقعا لا بد فيه من تحقيقها اجتمع على كتبها ~~ألفا البتة4. PageV01P055 # وعلى هذا1 وجدت في بعض المصاحف: "يستهزأون" بالألف قبل الواو. # ووجد فيها أيضا: "وإن من شيأ إلا يسبح بحمده"2 بالألف بعد الياء. وإنما ~~ذلك لتوكيد التحقيق. # وهذه علة في الهمزة كنت قديما، أنا رأيتها، ثم غبرت3 زمانا، فرأيت بعض ~~كلام أبي بكر محمد بن السري -رحمه الله-، وقد أوردها فيه غير مسنده إلى ~~غيره، ثم إني رأيتها بعد ذلك في بعض كلام الفراء، فلا أدري: أاصاب أبا بكر ~~مع الفراء ما أصابني أنا من المواردة4 له، أم هو شيء سمعه، فحكاه واعتقده؟ ~~وهي دلالة قاطعة قوية. # وفيه دلالة أخرى، وهي أن كل حرف سميته ففي أول حروف تسميته لفظه بعينه، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: جيم، فأول حروف الحرف "جيم" وإذا قلت دال، فأول حروف ~~الحرف "دال" وإذا قلت حاء، فأول ما لفظت به حاء، وكذلك إذا قلت ألف، فأول ~~الحروف التي نطقت بها همزة. فهذه دلالة أخرى غريبة، على كون صورة الهمزة مع ~~التحقيق ألفا. # فأما المدة التي في نحو: قام وسار وكتاب وحمار، فصورتها أيضا صورة الهمزة ~~المحققة، التي في أحمد وإبراهيم وأترجة5، إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ~~ساكنة، فصورتها وصورة الهمزة المتحركة واحدة وإن اختلف مخرجاهما، كما أن ~~النون الساكنة في نحو: من وعن، والنون المحركة في نحو: نعم ونفر، ms026 تسمى كل ~~واحدة منهما نونا، وتكتبان شكلا واحدا، ومخرج الساكنة من الخياشيم6، ومخرج ~~المتحركة من PageV01P056 # الفم، كما أن مخرج الألف المتحركة التي هي همزة من المصدر، ومخرج الألف ~~فوقها من أول الحلق، فهاتان ها هنا كتينك هناك. # فأما إخراج أبي العباس الهمزة من جملة الحروف، واحتجاجه في ذلك بأنها لا ~~تثبت صورتها، فليس بشيء، وذلك أن جميع هذه الحروف إنما وجب إثباتها ~~واعتدادها لما كانت موجودة في اللفظ الذي هو قبل الخط، والهمزة أيضا موجودة ~~في اللفظ، كالهاء والقاف وغيرهما، فسبيلها أن تعتد حرفا كغيرها، فأما ~~انقلابها في بعض أحوالها لعارض يعرض لها من تخفيف أو بدل، فلا يخرجها من ~~كونها حرفا، وانقلابها أدل دليل على كونها حرفا، ألا ترى أن الألف والواو ~~والياء والتاء والهاء والنون وغيرهن قد يقلبن في بعض الأحوال، ولا يخرجهن ~~ذلك من أن يعتددن حروفا، وهذ أمر وضح غير مشكل1. # واعلم أن واضع حروف الهجاء لما لم يمكنه أن ينطبق بالألف التي هي مدة ~~ساكنة، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، دعمها باللام قبلها متحركة، ليمكن ~~الابتداء بها. فقال: ه، و، لا، ي. فقوله "لا" بزنة ما، ويا، ولا تقل كما ~~يقول المعلمون: لام ألف. وذلك أن واضع الخط لم يرد أن يرينا كيف أحوال هذه ~~الحروف إذا تركب بعضها مع بعض، ولو أراد ذلك، لعرفنا أيضا كيف تتركب الطاء ~~مع الجيم والسين مع الدال، والقاف مع الظاء، وغير ذلك مما يطول تعداده، ~~وإنما مراده ما ذكرت لك، من أنه لما لم يمكنه الابتداء بالمدة الساكنة، ~~ابتدأ باللام، ثم جاء بالألف بعدها ساكنة، ليصح لك النطق بها كما صح لك ~~النطق بسائر الحروف غيرها، وهذا واضح. # فإن قال قائل: فلم اختيرت لها اللام دون سائر الحروف؟ وهلا جيء لها بهمزة ~~الوصل، كما فعل العرب ذلك بالساكن لما لم يمكن ابتداؤه، نحو: اضرب، اذهب، ~~انطلق، وغير ذلك؟ # فالجواب: أن همزة الوصل لو جيء بها قبل الألف توصلا إلى النطق بالألف ~~الساكنة، لما أمكن ذلك، ولادتهم الحال ms027 إلى نقض الغرض الذي قصدوا له. ~~PageV01P057 # وذلك أن همزة الوصل كانت تأتي مكسورة، كما جرت العادة فيها، ولو كسرت ~~قبلها لانقلبت الألف ياء، لانكسار ما قبلها، فكنت تقول: "اي"، فلا تصل إلى ~~الألف التي اعتمدتها1. فلما لم يجز ذلك عدلوا إلى اللام من بين سائر ~~الحروف، لما أذكره لك. # وذلك أن واضع الخط أجراه في هذا على اللفظ، لأنه أصل للخط، والخط فرع على ~~اللفظ، فلما رآهم قد توصلوا إلى النطق بلام التعريف، بأن قدموا قبلها ألفا ~~نحو: الغلام والجارية، لما لم يمكن الابتداء باللام الساكنة كذلك أيضا، قدم ~~قبل الألف في "لا"، لاما، توصلا إلى النطق بالألف الساكنة، فكان في ذلك ضرب ~~من المعاوضة2 بين الحرفين. وهذا بإذن الله غير مشكل. # فإذا كنا قد أجمعنا إيراد حروف المعجم على ما في أيدي الناس من التأليف ~~المشهور، أعني على غير ترتيب المخارج، وذكرها حرفا حرفا، فليس ذلك بمانع ~~لنا سوقها على ترتيب المخارج، فإنه أوضح في البيان، ثم نعود فيما بعد إلى ~~استقرائها على تأليف أب ت ث، إلى أن نأتي بإذن الله على جميعها. ~~PageV01P058 ### | باب: الحروف على مراتبها في الاطراد # ... # ذكر الحروف على مراتبها في الاطر اد 1: # وهي: الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، والقاف، ~~والكاف، والجيم، والشين، والياء، والضاد، واللام، والراء، والنون، والطاء، ~~والدال، والتاء، والصاد، والزاي، والسين، والظاء، والذال، والثاء، والفاء، ~~والباء، والميم، والواو. # فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها، وهو الصحيح، فأما ترتيبها في ~~كتاب العين2 ففيه خطل واضطراب، ومخالفة لما قدمناه آنفا، مما رتبه سيبويه3، ~~وتلاه أصحابه عليه، وهو الصواب الذي يشهد التأمل له بصحته. # واعلم أن هذه الحروف التسعة والعشرين قد تلحقها ستة أحرف تتفرع عنها حتى ~~تكون خمسة وثلاثين حرفا، وهذه الستة حسنة، يؤخذ بها في القرآن، وفصيح ~~الكلام، وهي النون الخفيفة، ويقال الخفية، والهمزة المخفية، وألف التفخيم، ~~وألف الإمالة4، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي. # وقد تلحق بعد ذلك ثمانية أحرف وهي فروع غير مستحسنة، ولا يؤخذ بها في ~~القرآن ms028 ولا في الشعر، ولا تكاد توجد إلا في لغة ضعيفة مرذولة، غير متقبلة، ~~وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، ~~والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي ~~كالثاء، والباء التي كالميم، ولا يصح أمر هذه الحروف الأربعة عشر اللاحقة ~~للتسعة والعشرين، حتى كملتها ثلاثة وأربعين، إلا بالسمع والمشافهة، وسنفصل ~~ذلك إن شاء الله. PageV01P059 # واعلم أن مخارج هذه الحروف ستة عشر: ثلاثة منها في الحلق. # فأولها من أسفله وأقصاه، مخرج الهمزة والألف والهاء، هكذا يقول سيبويه. # وزعم أبو الحسن1 أن ترتيبها: الهمزة وذهب إلى أن الهاء مع الألف، لا ~~قبلها ولا بعدها، والذي يدل على فساد ذلك وصحة قول سيبويه، أنك متى حركت ~~الألف، اعتمدت بها على أقرب الحروف منها إلى أسفل، فقلبتها همزة، ولو كانت ~~الهاء معها لقلبتها هاء، وهذا واضح غير خفي. # ومن وسط الحلق مخرج العين والحاء. # ومما فوق ذلك مع أول الفم، مخرج الغين والخاء. # ومما فوق ذلك من أقصى اللسان، مخرج القاف. # ومن أسفل من ذلك وأدنى إلى مقدم الفم مخرج الكاف. # ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى، مخرج الجيم والشين والياء. # ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد، إلا أنك إن شئت ~~تكلفتها2 من الجانب الأيمن، وإن شئت من الجانب الأيسر. # ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، من بينها وبين ما يليها ~~من الحنك الأعلى، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية3، مخرج اللام. # ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا، مخرج النون. # ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لانحرافه إلى اللام، ~~مخرج الراء. # ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، مخرج الطاء والدال والتاء. # ومما بين الثنايا وطرف اللسان، مخرج الصاد والزاي والسين. PageV01P060 # ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، مخرج الظاء والذال والثاء. # ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى، مخرج الفاء. # ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو. # ومن الخياشيم مخرج النون الخفية، ويقال ms029 الخفيفة أي الساكنة. # فذلك ستة عشر مخرجا1. # ويدلك على أن النون الساكنة إنما هي من الأنف والخياشيم، أنك لو أمسكت ~~بأنفك، ثم نطقت بها2 لوجدتها مختلة، وأما النون المتحركة فمن حروف الفم، ~~كما قدمنا، إلا أن فيها بعض الغنة3 من الأنف. # وأما الهمزة المخففة فهي التي تسمى همزة بين بين. # ومعنى قول سيبويه: بين بين، أي هي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه ~~حركتها، إن كانت مفتوحة، فهي بين الهمزة والألف، وإن كانت مكسورة فهي بين ~~الهمزة والياء، وإن كانت مضمومة فهي بين الهمزة والواو، إلا أنها ليس لها ~~تمكن الهمزة المحققة، وهي مع ما ذكرنا من أمرها، في ضعفها وقلة تمكنها، ~~بزنة المحققة، ولا تقع الهمزة المخففة أولا أبدا، لقربها بالضعف من الساكن، ~~فالمفتوحة نحو قولك في سأل: سال، والمكسورة نحو قولك في سئم: سيم والمضمومة ~~نحو قولك في لؤم: لوم. PageV01P061 # ويدلك على أنها وإن كانت قد قربت من الساكن فإنها في الحقيقة متحركة، أنك ~~تعتدها في وزن العروض حرفا متحركا، وذلك نحو قول كثير1. # أان زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البيت أنت حزين2 # ألا ترى أن وزن قولك "أان زم": فعولن، فالهمزة إذن مقابلة لعين "فعولن" ~~وهي3 متحركة كما ترى. # وحدثنا أبو علي، قال: أخذ أبو نواس4 لفظ سيبويه ومعناه، يعني قوله: "بين ~~بين"، فقال: # وخذ من كف جارية وصيف ... مليح الدل ملثوغ الكلام # له شكل الإناث وبين بين ... ترى فيه تكادية الغلام5 PageV01P062 # وأخبرني1 أيضا قال: سألني سائل قديما، فقال: هل يجوز الخرم2 في أول أجزاء ~~متفاعلن من الكامل؟ 3 # قال: ولم أكن حينئذ أعرف مذهب العروضيين4 فيه فعدلت به إلى طريق الإعراب، ~~فقلت: لا يجوز. # فقال: لم لا يجوز؟ # فقلت: لأن التاء التي بعد الميم قد يدركها السكون في بعض الأحوال، فيكره ~~الابتداء بحرف قد يكون في بعض أحواله ساكنا في ذلك المثال بعينه، كما كرهت ~~العرب الابتداء بالهمزة المخففة، لأنها قد قربت من الساكن، أفلا ترى إلى ~~تناسب هذا العلم5، واشتراك أجزائه، حتى إنه ليجاب ms030 عن بعضه بجواب غيره. ~~PageV01P063 # ومعنى قول سيبويه "بين بين": أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص ~~الحرف الذي منه حركتها. قال عبيد بن الأبرص1. # تحمي حقيقتنا وبعض ... القوم يسقط بين بينا2 # أي يتساقط ضعيفا غير معتد به. # وأما ألف الإمالة فهي التي تجدها بين الألف والياء، نحو قولك في عالم ~~وخاتم: عالم خاتم3 # وأما ألف التفخيم4 فهي التي تجدها بين الألف وبين الواو، نحو قولهم: سلام ~~عليك، وقام زيد، وعلى هذا كتبوا: الصلوة والزكوة والحيوة بالواو، لأن الألف ~~مالت نحو الواو، كما كتبوا إحداهما وسواهن بالياء لمكان إمالة الفتحة قبل ~~الألف إلى الكسرة. # وأما الشين التي كالجيم، فهي الشين التي يقل تفشيها واستطالتها، وتتراجع ~~قليلا متصعدة نحو الجيم. PageV01P064 # وأما الصاد التي كالزاي، فهي التي يقل همسها1 قليلا، ويحدث فيها ضرب من ~~الجهر، لمضارعتها2 الزاي، وذلك قولك في يصدر يصدر، وفي قصد قصد3. # ومن العرب من يخلصها زايا، فيقول يزدر وقزد، وقالوا في مثل لهم: "لم يحرم ~~من فزد له" أي فصد له. وتأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في شدة الزمان، ~~فلا يكون عنده ما يقريه4، ويشح أن ينحر راحلته له، فيفصدها5، فإذا خرج الدم ~~سخنه للضيف، إلى أن يجمد ويقوى، فيطعمه أياه6، فجرى المثل في هذا، فقيل: ~~"لم يحرم من فزد له". أي لم يحرم القرى من فصدت له، إلا أنه أسكن الصاد ~~تخفيفا، كما يقال في ضرب زيد: ضرب، وفي قتل: قتل، فلما سكنت الصاد ضارعوا7 ~~بها الدال التي بعدها، بأن قلبوها إلى أشبه الحروف بالدال من مخرج الصاد، ~~وهي الزاي، لأنها مجهورة8، كما أن الدال مجهورة، فقالوا: فزد. فإن تحركت ~~الصاد لم يجز فيها البدل، وذلك نحو صدر وصدف، لا تقول فيه زدر ولا زدف، ~~وذلك أن الحركة قوت الحرف وحصنته، فأبعدته من الانقلاب، بل قد يجوز فيها ~~إذا تحركت إشمامها9 رائحة الزاي، فأما أن PageV01P065 # تخلص وهي متحركة زايا كما تخلص وهي ساكنة، فلا. وإنما تقلب الصاد زايا أو ~~تشم رائحتها إذا وقعت قبل ms031 الدال، فإن وقعت قبل غيرها لم يجز ذلك فيها. # فهذه أحوال الحروف التي هي فروع مستحسنة. # فأما الثمانية اللاحقة بهذه فهي مستقبحة1، وفي شرح أحوالها طول، فتركناه ~~لذلك، لا سيما وليست الحاجة إليها كهذه، إلا أن المشافهة تأتي عليها، وتوضح ~~لك حالها. PageV01P066 # واعلم أنك كما قد تجد هذه المضارعة وهذا التقارب بين الحروف، فقد تجده ~~أيضا بين الحركات، حتى إنك تجد الفتحة مشوبة بشيء من الكسرة أو الضمة منحوا ~~بها إليهما، وتجد الكسرة أيضا مشوبة1 بشيء من الضمة، والضمة مشوبة بطرف من ~~الكسرة، ولا تجد الكسرة ولا الضمة مشوبة بشيء من الفتحة، وسنذكر لم كان ذلك ~~كذلك عقيب هذا الفصل إن شاء الله. # أما الفتحة المشوبة بالكسرة فالفتحة التي قبل الإمالة نحو فتحة عين عابد ~~وعارف، وذلك أن الإمالة إنما هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، فتميل الألف ~~التي بعدها نحو الياء لضرب من تجانس الصوت، فكما أن الحركة ليست فتحة ~~محضة2، فكذلك الألف التي بعدها ليست ألفا محضة، وهذا هو القياس، لأن الألف ~~تابعة للفتحة، فكما أن الفتحة مشوبة، فكذلك الألف اللاحقة لها. # وقد أمالوا أيضا هذه الفتحة وإن لم تكن بعده ألف، فقالوا: من عمرو3 ورأيت ~~خبط رياح4، وقرأ بعضهم: "فإنهم لا يكذبونك" وقرئ أيضا: "وإنا إليه راجعون" ~~و"رأى القمر". # وأما الفتحة الممالة نحو الضمة، فالتي تكون قبل ألف التفخيم، وذلك نحو ~~الصلاة والزكاة، ودعا وغزا، وقام وصاغ، وكما أن الحركة أيضا هنا قبل الألف ~~ليست فتحة محضة، بل هي مشوبة بشيء من الضمة، فكذلك الألف التي بعدها، ليست ~~ألف محضة، لأنها تابعة لحركة هذه صفتها، فجرى عليها حكمها. # وأما الكسرة المشوبة بالضمة فنحو قيل وبيع، وغيض5، وسيق. وكما أن الحركة ~~قبل هذه الياء مشوبة بالضمة، فالياء بعدها مشوبة بروائح الواو، على ما تقدم ~~في الألف. PageV01P067 # وأما الضمة المشوبة بالكسرة فنحو قولك في الإمالة: مررت بمذعور، وهذا ابن ~~بور. نحوت بضمة العين والباء نحو كسرة الراء، فأشممتها شيئا من الكسرة، ~~وكما أن هذه الحركة قبل هذه الواو ليست ms032 ضمة محضة، ولا كسرة مرسلة، فكذلك ~~الواو أيضا بعدها، هي مشوبة بروائح الياء، وهذا مذهب سيبويه، وهو الصواب، ~~لأن هذ الحروف تتبع الحركات قبلها، فكما أن الحركة مشوبة غير مخلصة، فالحرف ~~اللاحق بها أيضا في حكمها. وأما أبو الحسن فكان يقول: مررت بمذعور وهذا ابن ~~بور، فيشم الضمة قبل الواو رائحة الكسرة، ويخلص الواو واوا محضة البتة، ~~وهذا تكلف فيه شدة في النطق، وهو مع ذلك ضعيف في القياس. فهذا ونحوه ما لا ~~بد في أدائه وتصحيحه للسمع، من مشافهة توضحه، وتكشف عن خاص سره. # فإن قيل: فلم جاز في الفتحة أن ينحى بها نحو الكسرة والضمة، وفي الكسرة ~~أن ينحى بها نحو الضمة، وفي الضمة أن ينحى بها نحو الكسرة، على ما قدمت ~~ومثلت، ولم يجز في واحدة من الكسرة ولا الضمة أن ينحى بها نحو الفتحة؟ # فالجواب في ذلك أن الفتحة أول الحركات، وأدخلها في الحلق، والكسرة بعدها، ~~والضمة بعد الكسرة، فإذا بدأت بالفتحة، وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين، ~~اجتازت في مرورها بمخرج الياء والواو، فجاز أن تشمها شيئا من الكسرة أو ~~الضمة لتطرقها1 إياهما، ولو تكلفت أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة من الفتحة ~~لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، فكان في ذلك انتقاض2 عادة الصوت، بتراجعه ~~إلى ورائه، وتركه التقدم إلى صدر الفم، والنفوذ بين الشفتين، فلما كان في ~~إشمام الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة، هذا الانقلاب والنقض، ترك ذلك، فلم ~~يتكلف البتة. # فإن قيل: فقد نراهم نحوا3 بالضمة نحو الكسرة في: مذعور ومنقور ونحوهما، ~~والضمة كما تعلم فوق الكسرة، فكما جاز لهم التراجع في هذا، فهلا جاز أيضا ~~في الكسرة والضمة أن ينحى بهما نحو الفتحة؟ PageV01P068 # فالجواب أن بين الضمة والكسرة من القرب والتناسب ما ليس بينهما وبين ~~الفتحة، فجاز أن يتكلف نحو ذلك بين الضمة والكسرة، لما بينهما من التجانس ~~فيما قد تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب، وفيما سنذكره أيضا في أماكنه، وهو مع ~~ذلك قليل مستكره، ألا ترى إلى كثرة قيل وبيع ms033 وغيض1، وقلة نحو: مذعور وابن ~~بور. # ولعل أبا الحسن أيضا إلى هذا نظر في امتناعه من إعلال2 الواو في مذعور، ~~وتركها واوا محضة، لأن له أن يقول أن الحركة التي قبل الواو لم تتمكن في ~~الإعلال والإشمام تمكن الفتحة في الإشمام نحو عالم وقام، ولا تمكن الكسرة ~~في قيل وبيع فلما كان الإشمام في مذعور ونحوه عنده والعمل خلسا3 خفيا، لم ~~يقو على إعلال الواو بعده، كما اعتلت الألف في نحو عالم وقام، والكسرة في ~~نحو قيل وغيض فلذلك لم تعتل عنده الواو في مذعور وابن بور، وأخلصها واو ~~محضة. # فهذا قول من القوة على ما تراه، وإن شئت فقل أن الضمة وإن نحي بها نحو ~~الكسرة فلقربها منهاوبعدت الفتحة منها فلم يجز فيها ما جاز في الكسرة ~~القريبة. فلما بطل ذلك في الضمة، حملت الكسرة عليها، لأنها أختها، وداخلة ~~في أكثر أحكامها، ويشهد لهذا القول أنهم أدغموا النون في الميم، لاشتراكهما ~~في الغنة والهوي في الفم، ثم إنهم حملوا الواو في هذا على الميم، بأنها من ~~الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة. # ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا، لأنها ضارعتها في المد، وإن ~~لم تكن معها من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء، فالميم نحو قولهم: من ~~معك؟ والواو نحو قولهم: من وعدت؟ والياء نحو قوله عز اسمه: {ومن الناس من ~~يقول} 4، فكما جاز حمل الواو على الميم، ثم حمل الياء على الواو فيما ~~ذكرنا، PageV01P069 # كذلك أيضا جاز أن تحمل الكسرة على الضمة في امتناع إشمامها شيئا من ~~الفتحة. # ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم، أتركها خوف الإطالة. # وقد كان يجب على أصحابنا1 إذ ذكروا فروع الحروف، نحو ألف الإمالة وألف ~~التفخيم، وهمزة بين بين، أن يذكروا أيضا الياء في نحو: قيل وبيع والواو في ~~نحو: مذعور وابن بور. # على أنه قد يمكن الفصل بين الياء والواو، وبين الألف، بأنها لا بد من أن ~~تكون تابعة، وأنهما قد لا تتبعان ما قبلهما. # وما علمت أن أحدا ms034 من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض، ولا أشبعه هذا ~~الإشباع2 ومن وجد قولا قاله، والله يعين على الصواب بقدرته. # فأما النون إذا أدغمت بغنة، والطاء والصاد والظاء إذا أدغمن بإطباق3، فقد ~~قلبن إلى لفظ ما أدغمن فيه البتة، وما بقي من رائحة الإطباق، لا يخرج الحرف ~~من أن يكون قد قلب إلى لفظ ما بعده، لأن شرط الإدغام أن يتماثل فيه ~~الحرفان، فجرى الإطباق والغنة بعد الإدغام في قلة الاعتداد به4 مجرى ~~الإشمام الذي لا حكم له، حتى صار الحرف الذي هو فيه، في حكم الساكن البتة، ~~وسترى القول فيه، والدلالة عليه. # فأما الحركة الضعيفة المختلسة كحركة همزة بين وبين وغيرها من الحروف التي ~~يراد اختلاس حركاتها تخفيفا، فليست حركة مشمة شيئا من غيرها من الحركتين، ~~وإنما أضيف اعتمادها، وأخفيت لضرب من التخفيف، وهي بزنتها إذا وفت5 ولم ~~تختلس. PageV01P070 # وقد تقدمت الدلالة على أن همزة بين بين كغيرها من سائر المتحركات في ~~ميزان العروض، الذي هو حاكم وعيار على الساكن والمتحرك، وكذلك غير هذه ~~الهمزة من الحروف المخفاة الحركات، نحو قوله عز اسمه {ما لك لا تأمنا} ~~[يوسف: 8] ؟ 1 وغير ذلك كله محرك وإن كان مختلسا، يدل على حركته قوله ~~تعالى: {شهر رمضان} [البقرة: 185] فيمن أخفى، فلو كانت الراء الأولى ساكنة، ~~والهاء قبلها ساكنة، لاجتمع ساكنان في الوصل، ليس الأول منهما حرف لين ~~والثاني مدغما، نحو دابة وشابة. # وكذلك قوله: {أمن لا يهدي} 2 [يونس: 35] لا يخلو من أحد أمرين: # إما أن تكون الهاء مسكنة البتة، فتكون التاء من "يهتدي" مختلسة الحركة. # وإما أن تكون الدال مشددة، فتكون الهاء مفتوحة بحركة التاء المنقولة ~~إليها، أو مكسورة لسكونها وسكون الدال الأولي، وكذلك: {يخصمون} الحكم فيهما ~~واحد. # ومثل: {شهر رمضان} ، {إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر: 9] 3 و {إنا نحن نحيي ~~ونميت} [ق: 43] ، لا بد من أن تكون النون الأولى مختلسة الضمة تخفيفا، وهي ~~بزنة المتحركة، فأما أن تكون ساكنة والحاء قبلها ساكنة فخطأ، وقول القراء ~~إن هذا ونحوه مدغم سو ms035 منهم، وقصور عن إدراك حقيقة هذا الأمر. # ومن الإخفاء أيضا قوله تبارك اسمه {ويحيى من حي عن بينة} [الأنفال: 42] ~~وقالوا في جمع حياء4 وعياء5: أحيية وأعيية، مختلسين. PageV01P071 # وكذلك ما أنشده سيبويه من قول الراجز1: # وغير سفع مثل يحامم2 # باختلاس حركة الميم الأولى. # فأما ما أنشده أيضا من قوله3: # كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر4 # فقال سيبويه كلاما يظن به في ظاهره أنه أدغم الحاء في الهاء5، بعد أن قلب ~~الهاء حاء، فصار في ظاهر قوله ومسح. PageV01P072 # واستدرك أبو الحسن ذلك عليه، وقال: إن هذا لا يجوز إدغامه، لأن السين ~~ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين، فهذا لعمري تعلق بظاهر لفظه، فأما حقيقة ~~معناه، فلم يرد محض الإدغام، وإنما أراد الإخفاء، فتجوز بذكر الإدغام، وليس ~~ينبغي لمن قد نظر في هذا العلم أدنى نظر أن يظن سيبويه ممن يتوجه عليه هذا ~~الغلط الفاحش، حتى يخرج فيه من خطأ الإعراب إلى كسر الوزن، لأن هذا الشعر ~~من مشطور الرجز، وتقطيع الجزء الذي فيه السين والحاء، "ومس حهي" مفاعلن، ~~فالحاء: بإزاء عين مفاعلن، فهل يليق بسيبويه أن يكسر شعرا، وهو من ينبوع ~~العروض، وبحبوحة1 وزن التفعيل2، وفي كتابه أماكن كثيرة تشهد بمعرفته بهذا ~~العلم، واشتماله عليه فكيف يجوز عليه الخطأ فيما يظهر ويبدو لمن يتساند إلى ~~طبعه، فضلا عن سيبويه في جلالة قدره، ولعل أبا الحسن أراد بذلك التشنيع ~~عليه، وإلا فهو كان أعرف الناس بحاله، وقد تلا أبا الحسن في تعقب ما أورده ~~سيبويه في كتابه جلة3 أصحابنا، كأبي عمر4 وأبي عثمان5 وأبي العباس6 وغيرهم، ~~فقلما ضره الله بذلك، إلا في الشيء النزر7 القليل من قوله، وأما ما أنشده ~~أيضا من قول الراجز8. # متى أنام لا يؤرقني الكرى ... ليلا ولا أسمع أجراس المطى9 PageV01P073 # فزعم أن العرب تشم القاف شيئا من الضم، وهذا يدلك من مذهب العرب على أن ~~الإشمام يقرب من السكون، وأنه دون روم1 الحركة، وذلك أن هذا الشعر من الرجز ~~ووزنه. # متى أنا ملا يؤر رق نل كرى # مفاعلن، ms036 مفاعلن، مستفعلن # فالقاف من "يؤرقني، بإزاء سين مستفعلن، والسين كما ترى ساكنة، ولو اعتددت ~~بما في القاف من الإشمام حركة، لصار الجزء إلى "متفاعلن" وكان يكون كسرا، ~~لأن الرجز2 لا يجوز فيه متفاعلن، وإنما يأتي في الكامل3. # فهذه دلالة قاطعة على أن حركة الإشمام لضعفها غير معتد بها، والحرف الذي ~~هي فيه ساكن، أو كالساكن، وأنها أقل في النسبة والزنة من الحركة المخفاة في ~~همزة بين بين وغيرها، مما قروناه4 الآن آنفا. # فهذه عدة الحروف والحركات، وما لحق بها من الفروع، بأحوط5 ما يمكن في ~~معناه. # ونحن نتبع هذا ذكر أجناس الحروف، فإذا فرغنا منها بدأنا بالقول على حرف ~~حرف، كما شرطنا بمشيئة الله. PageV01P074 # اعلم أن للحروف في اختلاف أجناسها انقسامات نحن نذكرها. # فمن ذلك انقسامها في الجهر والهمس، وهي على ضربين: مجهور ومهموس. # فالمهموس عشرة أحرف، وهي: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والشين، ~~والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء، ويجمعها في اللفظ قولك، "ستشحثك ~~خصفة"1. # وباقي الحروف، وهي تسعة عشر حرفا، مجهور. # فمعنى المجهور: أنه حرف أشبع الاعتماد من موضعه، ومن النفس أن تجري معه ~~حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت، غير أن الميم والنون من جملة المجهورة قد ~~يعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غنة، فهذه صفة المجهور. # وأما المهموس: فحرف أضعف الاعتماد من موضعه، حتى جرى معه النفس وأنت ~~تعتبر ذلك بأنه قد يمكنك تكرير الحرف مع جري الصوت نحو: سسسس كككك هههه، ~~ولو تكلفت مثل ذلك في المجهور لما أمكنك. # وللحروف انقسام آخر إلى الشدة والرخاوة وما بينهما: # فالشديدة ثمانية أحرف، وهي: الهمزة، والقاف، والجيم، والطاء، والدال، ~~والتاء، والباء، ويجمعها في اللفظ: "أجدت طبقك" و"أجدك طبقت". # والحروف التي بين الشديدة والرخوة ثمانية أيضا، وهي: الألف، والعين، ~~والياء، واللام، والنون، والراء، والميم، والواو، ويجمعها في اللفظ: "لم ~~يرو عنا"، وإن شئت قلت: "لم يروعنا"، وإن شئت قلت: "لم يرعونا"، وما سوى ~~هذه الحروف والتي قبلها، هي الرخوة. # ومعنى التشديد: أنه الحرف الذي يمنع الصوت من أن يجري فيه، ألا ms037 ترى أنك ~~لو قلت: الحق، والشط، ثم رمت مد صوتك في القاف والطاء، لكان ذلك ممتنعا. ~~PageV01P075 # والرخو: هو الذي يجري فيه الصوت، ألا ترى أنك لو قلت: المس، والرش، ~~والشح، ونحو ذلك، فتمد الصوت جاريا مع السين والشين والحاء. # وللحروف انقسام آخر إلى الإطباق والانفتاح، فالمطبقة أربعة: وهي الضاد، ~~والطاء، والصاد، والظاء، وما سوى ذلك فمفتوح غير مطبق. # والإطباق: أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى، مطبقا له، ولولا الإطباق ~~لصارت الطاء دالا. والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد عن الكلام، لأنه ~~ليس من موضعها شيء غيرها، فتزول الضاد إذا عدمت الإطباق إليه1. # وللحروف انقسام آخر إلى الاستعلاء والانخفاض. فالمستعلية سبعة، وهي: # الخاء، والغين، والقاف، والضاد، والطاء، والصاد، والظاء، وما عدا هذه ~~الحروف فمنخفض. # ومعنى الاستعلاء أن تتصعد في الحنك الأعلى، فأربعة منها فيها مع ~~استعلائها إطباق، وقد ذكرناها، وأما الخاء والغين والقاف، فلا إطباق فيها ~~مع استعلائها. # وللحروف قسمة أخرى، إلى الصحة والاعتلال، فجميع الحروف صحيح، إلا الألف ~~والياء والواو، اللواتي هن حروف المد والاستطالة، وقد ذكرناهن قبل إلا أن ~~الألف أشد امتدادا، وأوسع مخرجا، وهو الحرف الهاوي. # وللحروف قسمة أخرى إلى السكون والحركة، وقد شرحنا أحكام ذلك. # وللحروف قسمة أخرى إلى الأصل والزيادة. # وحروف الزيادة عشرة، وهي الهمزة، والألف، والياء، والواو، والميم، ~~والنون، والسين، والتاء، واللام والهاء، ويجمعها في اللفظ قولك: "اليوم ~~تنساه"، وإن شئت قلت: "هويت السمان"، وإن شئت قلت: "سألتمونيها". # وأخرج أبو العباس الهاء من حروف الزيادة، وقال: إنما تأتي منفصلة لبيان ~~الحركة والتأنيث. PageV01P076 # وإن أخرجت من هذه الحروف السين واللام، وضممت إليها الطاء والدال، ~~والجيم، صارت أحد عشر حرفا، تسمى حروف البدل، وسيأتيك ذلك مفصلا إن شاء ~~الله، ولسنا نريد البدل الذي يحدث مع الإدغام، وإنما نريد البدل في غير ~~إدغام. # ومن الحروف حرف منحرف، لأن اللسان ينحرف فيه مع الصوت، وتتجافى ناحيتا ~~مستدق اللسان عن اعتراضهما على الصوت، فيخرج الصوت من تينك الناحيتين، ومما ~~فويقهما، وهو اللام. # ومنها المكرر، وهو الراء، وذلك أنك إذا ms038 وقفت على رأيت طرف اللسان يتعثر ~~بما فيه من التكرير، ولذلك احتسب في الإمالة بحرفين. # واعلم أن في الحروف حروفا مشربة، تحفز في الوقف، وتضغط عن مواضعها، وهي ~~حروف القلقلة1، وهي القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء، لأنك لا تستطيع ~~الوقوف عليها إلا بصوت، وذلك لشدة الحفز والضغط، وذلك نحو: الحق واذهب ~~واخلط واخرج بعض العرب أشد تصويتا. # ومن المشربة حروف يخرج معها عند الوقف عليها نحو النفخ إلا أنها لم تضغط ~~ضغط الأول، وهي: الزاي، والظاء، والذال، والضاد، وبعض العرب أشد تصويتا. # فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نفس، وليس من صوت الصدر، وإنما ~~يخرج منسلا2، وليس كنفخ الزاي، والظاء والذال والضاد والراء شبيهة بالضاد. # ومن الحروف ما لا تسمع بعده شيئا مما ذكرناه، لأنه لم يضغط، ولم يجد ~~منفذا، وهي: الهمزة، والعين، والغين، واللام، والنون، والميم، وجميع هذه ~~الحروف التي تسمع معها في الوقف صوتا، متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت، ~~لأن أخذك في صوت آخر، وحرف سوى الأول، يشغلك عن إتباع الحرف الأول ~~PageV01P077 # صوتا، وذلك نحو قولك: خذها، وحزه، واخفضه، واحفظه، إلا أنك مع ذلك لا ~~تحصر الصوت عندها، حصرك إياه مع الهمزة، والعيين، والغين، واللام، والنون، ~~والميم. # ومن الحروف المهتوت، وهو الهاء، وذلك لما فيها من الضعف والخفاء. # ومنها حروف الذلافة، وهي ستة: اللام، والراء، والنون، والفاء، والباء، ~~والميم، لأنه يعتمد عليها بذلق اللسان، وهو صدره وطرفه. # ومنها الحروف المصمتة وهي باقي الحروف، وفي هذه الحروف الستة سر طريف، ~~ينتفع به في اللغة، وذلك أنك متى رأيت اسما رباعيا أو خماسيا غير ذي زوائد، ~~فلا بد فيه من حرف من هذه الستة، أو حرفين، وربما كان فيه ثلاثة، وذلك نحو: # جعفر1، ففيه الفاء, والراء، وقعضب2: فيه الباء، وسهلب3: فيه اللام ~~والباء، وسفرجل4: فيه الفاء والراء واللام، وفرزدق5: فيه الفاء والراء، ~~وهمرجل6: فيه الميم والراء واللام، وقرطعب7: فيه الراء والباء، فهكذا عامة ~~هذا الباب. # فمتى وجدت كلمة رباعية وخماسية معراة من بعض هذه الحروف الستة، فاقض ms039 بأنه ~~دخيل في كلام العرب، وليس منه، ولذلك سميت الحروف غير هذه الستة مصمتة، أي ~~صمت عنها، أن تتبنى منها كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلافة، ~~وربما جاء بعض ذوات الأربعة معرى من بعض هذه الستة، وهو قليل جدا. ~~PageV01P078 # منه العسجد1، والعطوس2، والدهدقة3، الزهرقة4، على أن العين والقاف قد ~~حسنتا الحال، لنصاعة العين، ولذاذة مستمعها، وقوة القاف، وصحة جرسها ولا ~~سيما وهناك الدال، والسين، وذلك أن الدال لانت عن صلابة الطاء، وارتفعت عن ~~خفوت التاء. والسين أيضا لانت عن استعلاء الصاد، ورقت عن جهر الزاي، فعذبت ~~وانسلت. # واعلم أن هذه الحروف كلما تباعدت في التأليف كانت أحسن، وإذا تقارب ~~الحرفان في مخرجيهما قبح اجتماعهما، ولا سيما حروف الحلق، ألا ترى أن قلتها ~~بحيث يكثر غيرها، وذلك نحو: الضغيغة5 والمهه6 والفهه7. # وليس هذا ونحوه في كثرة حديد وجديد، وسديد وشديد، وصديد وعديد، وفديد8 ~~وقديد9، كديد10 ولديد11، ومديد ونديد12. # ولا في كثرة الألل13 والبلل والثلل14، والجلل والحلل15 والخلل، ~~PageV01P079 # والزلل والشلل والطلل، والعلل1 والغلل2 والملل واليلل3. # ولهذا ونحوه ما كانت الهاء التي في آخر هناه، من قول امرئ القيس4. # وقد رابني قولها يا هنا ... ه ويحك ألحقت شرا بشر5 # بدلا من الواو في هنوات وهنوك، لأن الهاء إذا قلت في باب سددت وقصصت، فهي ~~في باب سلس وقلق أجدر بالقلة6، فانضاف هذا إلى قولهم من معناه هنوك وهنوات، ~~فقضينا بأنها بدل من واو. # واستقصاء أحكام حسن تركب هذه الحروف وقبحه مما يطول الكتاب بذكره، على ~~أنا سنفرد لذلك في آخر الكتاب فصلا يشتمل على جمل القول عليها بإذن الله7. ~~PageV01P080 # قد أتى القول على آخر الوطأة1 والمقدمة التي احتجنا إليها من قبل ذكر ~~الحروف مفصلة، وهذا أوان الابتداء بذكرها، ومهما تركناه من بعض أحكام هذه ~~الحروف فلأنا قد قدمنا القول عليه، فلذلك لم نعده. # ونحن نوردها على ترتيب ألف، با، تا، ثا، إن شاء الله. # وإنما اختار -أدام الله له حسن النظر والتسديد، وأمده الله بالتوفيق ~~والتأييد- هذا الترتيب، لأنه أسهل مأخذا وأقرب ms040 متناولا، لأن أكثر الناس لا ~~يقف على ترتيب الحروف من مخارجها الأصلية إلا بعد التوقيف، فيبدأ بالهمزة، ~~ثم يتبعها الحروف. # فيقول، وبالله التوفيق: PageV01P081 ### | باب الهمزة ### | صفات الهمزة # اعلم أن الهمزة حرف مهجور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، ~~وزوائد. # ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل، أو عينه، أو لامه. # ومعنى قولنا زائد: أن يكون الحرف لا فاء الفعل، ولا عينه، ولا لامه. # والبدل: أن يقام حرف مقام حرف. إما ضرورة، وإما استحسانا وصنعة. # فإذا كانت أصلا وقعت فاء، أو عينا، أو لاما، فالفاء نحو: أنف وأذن وإبرة، ~~وأخذ وأمر، والعين نحو: فأس ورأس وحؤبة1 وذئب وسأل وجأر2. واللام نحو: قرء3 ~~وخطء4 ونبأ، وقرأ، وهد، واستبرأ واستدفأ. # وليس في الكلام كلمة فاؤها وعينها همزتان ولا عينها ولامها أيضا همزتان، ~~بل قد جاءت أسماء محصورة، وقعت الههزة فيها فاء ولاما، وهي أاء ة5، وأجأ6. # وأخبرني أبو علي7 أن محمد بن حبيب حكى في اسم علم مخصوص أتأة8. ~~PageV01P083 # وذهب سيبويه في قولهم ألاءة1 وأشاءة2 إلى أنهما فعالة، مما لامه همزة، ~~فأما أباءة3 فذهب أبو بكر محمد بن السري4 فيما حدثني به أبو علي عنه، إلى ~~أنها من ذوات الياء من أبيت، فأصلها عنده أباية ثم عمل فيها ما عمل في ~~عباية وصلاية5 وعظاية6، حتى صرن عباءة وصلاءة، وعظاءة، في قول من همز، ومن ~~لم يهمز أخرجهن على أصولهن، وهو القياس القوي، وإنما حمل أبا بكر على هذا ~~الاعتقاد في أباءة أنها من الياء، وأن أصلها أباية. والمعنى الذي وجده في ~~أباءة، من أبيت، وذلك أن الأباءة هي الأجمة7، وقيل القصبة، والجمع بينها ~~وبين أبيت: أن الأجمة ممتنعة بما ينبت فيها من القصب وغيره، من السلوك8 ~~والتصرف، وخالفت بذلك حكم البراح والبراز9، النقي من الأرض، فكأنها أبت، ~~وامتنعت على سالكها. # فمن هنا حملها عندي على معنى أبيت قال الشاعر10. # من سره ضرب يرعبل بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق11 PageV01P084 # وأما ما ذهب إليه سيبويه، من أن ألاءة وأشاءة مما لامه همزة، ms041 فالقول فيه ~~عندي، أنه إنما عدل بهما عن أن تكونا من الياء، كعباءة وصلاءة وعظاءة، لأنه ~~وجدهم يقولون: عباء وعباية، وصلاءة وصلاية، وعظاءة وعظاية، فحمل الهمزة ~~فيهن على أنها بدل من الياء، التي ظهرت فيهن لاما، ولما لم يسمعهم يقولون ~~أشاية، ولا ألاية، ورفضوا فيهما الياء البتة، دله ذلك على أن الهمزة فيهما ~~لام أصلية، غير منقلبة عن ياء ولا واو، ولو كانت الهمزة فيهما بدلا لكانوا ~~خلقاء1 أن يظهروا ما هي بدل منه، ليستدلوا به عليها، كما فعلوا ذلك في ~~عباءة وأختيها، وليس في ألاءة وأشاءة من الاشتقاق من الياء ما في أباءة، من ~~كونها من معنى أبيت، فلهذا جاز لأبي بكر2 أن يزعم أن همزتها من الياء، وإن ~~لم ينطقوا فيها بالياء. # وإنما لم تجتمع الفاء والعين، ولا العين واللام همزتين، لثقل الهمزة ~~الواحدة، لأنها حرف سفل في الحلق، وبعد عن الحروف3، وحصل طرفا، فكان النطق ~~به تكلفا، فذا كرهت الهمزة الواحدة، فهم باستكراه الثنتين ورفضهما -لا سيما ~~إذا كانتا مصطحبتين غير مفترقتين، فاء وعينا، أو عينا ولاما- أحرى4، فلهذا ~~لم تأت في الكلام لفظة توالت فيها همزتان أصلان البتة. # فأما ما حكاه أبو زيد من قولهم دريئة5 ودرائئ وخطيئة فشاذ لا يقاس عليه، ~~لا سيما وليست الهمزتان أصلين بل الأولى منهما زائدة. وكذلك قراءة أهل ~~الكوفة: "أئمة" شاذة عندنا، والهمزة الأولى6 أيضا زائدة. PageV01P085 # وإنما شرطنا1 أنهما لا يلتقيان أصلين. فهذا حكم الهمزة الأصلية. # وأما البدل: فقد أبدلت الهمزة من خمسة أحرف، وهي الألف، والياء، والواو، ~~والهاء، والعين. # فأما إبدالها من الألف فنحو ما حكي عن أيوب السختياني2 أنه قرأ: {ولا ~~الضالين} فهمز الألف، وذلك أنه كره اجتماع الساكنين: الألف واللام الأولى، ~~فحرك الألف لالتقائهما، فانقلبت همزة، لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج، لا ~~يتحمل الحركة كما قدمنا من وصفه، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب ~~الحروف منه، وهو الهمزة، وعلى ذلك ما حكاه أبو زيد فيما قرأته على أبي علي ~~في كتاب الهمز عنه، من قولهم: شأبة ms042 ومأدة3، وأنشدت الكافة4: # يا عجبا لقد رأيت عجبا ... حمار قبان يسوق أرنبا # خاطمها زأمها أن تذهبا5 # ريد: زامها. PageV01P086 # وحكى أبو العباس عن أبي عثمان، عن أبي زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد1 ~~يقرأ: "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن"2، فظننته قد لحن3 حتى سمعت ~~العرب تقول: شأبة ودأبة. قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس ذلك؟ قال: ~~لا، ولا أقبله. # وقال آخر4: # وبعد انتهاض الشيب من كل جانب ... على لمتي حتى اشعأل بهيمها5 # يريد اشعال من قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} فهذا لا همز فيه. # وقال دكين6: # راكدة مخلاته ومحلبه ... وجله حتي ابيأض ملببه7 # يريد ابيأض، فهمز. PageV01P087 # وقرأت على أبي الفرج علي بن الحسين عن أبي عبد الله محمد بن العباس ~~اليزيدي، عن محمد بن حبيب لكثير1. # والأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فادهأمت2 # يريد: ادهامت، وقد كان يتسع ها عنهم، وحكى سيبويه في الوقف عنهم: هذه ~~حبلأ، يريد حبلى، ورأيت رجلأ، يريد رجلا، فالهمزة في رجلأ إنما هي بدل من ~~الألف، التي هي عوض من التنوين في الوقف، ولا ينبغي أن تحمل على أنها بدل ~~من النون، لقرب ما بين الهمزة والألف، وبعد ما بينها وبين النون، ولأن ~~"حبلى" لا تنوين فيها، وإنما الهمزة بدل من الألف البتة، فكذلك ألف رأيت ~~رجلا. وحكى أيضا هو يضربهأ، وهذا كله في الوقف، فإذا وصلت قلت: هو يضربها ~~يا هذا، ورأيت حبلى أمس. # فأما قول الراجز3: PageV01P088 # من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر1 # فذهبوا فيه إلى أنه أراد النون الخفيفة2 ثم حذفها ضرورة، فبقيت الراء ~~مفتوحة، كأنه أراد يقدرن، وأنكر بعض أصحابنا3 هذا، وقال: هذه النون لا تحذف ~~إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ها هنا بعدها4. # والذي أراه أنا في هذا -وما علمت أحدا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويشبه ~~أن يكونوا لم يذكروه للطفه5- هو أن أصله "أيوم لم يقدر أم يوم قدر"، بسكون ~~الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة، والراء الساكنة ms043 وقد أجرت ~~العرب الحرف الساكن، إذا جاور الحرف المتحرك، مجرى المتحرك، وذلك قولهم ~~فيما حكاه سيبويه: المراة والكماة، يريدون: المرأة، والكمأة6. PageV01P089 # ولكن الميم والراء لما كانتا ساكنتين، والهمزتان بعدهما مفتوحتان، صارت ~~الفتحتان اللتان في الهمزتين كأنهما في الراء والميم، وصارت الراء والميم ~~كأنهما مفتوحتان، وصارت الهمزتان لما قدرت حركتاهما في غيرهما، كأنهما ~~ساكنتان، فصار التقدير فيهما: مرأة وكمأة، ثم خففتا، فأبدلت الهمزتان ألفين ~~لسكونهما وانفتاح ما قبلهما، فقالوا: مراة وكماة، كما قالوا في فأس ورأس ~~لما خففتا: فاس، وراس. # وعلى هذا حمل أبو علي قول عبد يغوث1. # وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا2 # قال: جاء به على أن تقديره محققا: "كأن لم ترأ"، ثم إن الراء لما جاورت ~~وهي ساكنة، الهمزة متحركة، صارت الحركة كأنها في التقدير قبل الهمزة، ~~واللفظ بها كأن لم ترأ، ثم أبدل الهمزة ألفا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، ~~فصارت ترا، فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الفعل، ~~واللام محذوفة للجزم، على مذهب التحقيق وقول من قال: رأى يرأى، قال سراقة ~~البارقي: # أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات3 PageV01P090 # وقد رواه أبو الحسن: ما لم ترياه1 على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف. # وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد. # ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر ... ومن يتمل العيش يرأ ويسمع2 # كذا قرأت عليه "تر" مخففا3 ورواه غيره: "ترأ ما لاقيت" وقرأت عليه أيضا ~~فيه: # ثم استمر بها شيحان مبتجح ... بالبين عنك بما يرأك شنأنا4 # بوزن يرعاك. ووزن يرأ: يرع، كما أن وزن ترأياه: ترعياه. # وهذا كله على التحقيق المرفوض في هذه الكلمة في غالب الأمر، وشائع ~~الاستعمال. # وعلى هذا ما أنشدوه من قول الآخر5: PageV01P091 # إذا اجتمعوا علي وأشقذوني ... فصرت كأنني فرأ متار1 # أراد متأر، فنقل الفتحة إلى التاء، وأبدل الهمزة ألفا، لسكونها وانفتاح ~~ما قبلها، كما ترى، فصارت متار. # فهذا أحد وجهي ما حمل أبو علي2 قول عبد يغوث "كأن لم ترا" عليه قبل. ~~والوجه الآخر ms044 أنه على التخفيف الشائع، إلا أنه أثبت الألف في موضع الجزم، ~~تشبيها بالياء في قول الآخر3. # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد4 # ورواه بعض أصحابنا "ألم يأتك" على ظاهر الجزم. PageV01P092 # وأنشده أبو العباس، عن أبي عثمان، عن الأصمعي: # ألا هل اتاء والأنباء تنمي # وأنشدنا أبو علي قال أيضا: أنشد أبو زيد: # إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق1 # فثبت الألف أيضا في موضع الجزم، تشبيها بالياء، في يأتيك، على أن بعضهم ~~قد رواه على الوجه الأعرف: "ولا ترضها ولا تملق". # وقد قدر سيبويه هذا الذي ذهبنا إليه من أن الحركة المجاورة للحرف الساكن ~~كأنها فيه، في قولهم مصباح ومقلات2، فأجاز فيها الإمالة3 والفتح جميعا. # أما الفتح فإن الصاد والقاف قد جاورتا الفتحة التي بعدهما وهما ساكنتان، ~~فكانتا كأنهما مفتوحتان، فصارا كانهما صباح وقلات، وهذا مما لا تجوز ~~إمالته. # وأما الإمالة فلأنهما قد جاورتا الميم، وهي مكسورة، فصارتا كأنهما صباح ~~وقلات، فجازت إمالتهما كما جازت إمالة صفاف4 وقفاف5. # وعلى هذا ما أنشدناه أبو علي: PageV01P093 # أحب المؤقدين إلى مؤسي1 # بهمز الواو في الموقدين ومؤسي. # وروى قنبل عن ابن كثير بالسؤق، مهموز الواو، ووجه ذلك أن الواو وإن كانت ~~ساكنة، فإنها قد جاورت ضمة الميم، فصارت الضمةكأنها فيها، فمن حيث همزت ~~الواو في نحو أقتت وأجوه وأعده لانضمامها، كذلك جاز همز الواو في الموقدين ~~وموسي، على ما قدمناه من أن الساكن إذا جاور المتحرك صارت حركته كأنها ~~فيه2. # ويزيد ذلك عندك وضوحا، أن من العرب من يقول في الوقف هذا عمر وبكر، ومررت ~~بعمر وبكر، فينقل حركة الراء إلى ما قبلها، وإنما جاز ذلك لأنه إذا حرك ما ~~قبل الراء، فكأن الراء متحركة. # وقال حسان3: PageV01P094 # فارسي خيل إذا ما أمسكت ... ربة الخدر بأطراف الستر1 # يريد الستر، وقال الأعشى2: # أذاقتهم الحرب أنفاسها ... وقد تكره الحرب بعد السلم3 # فهذا كله يشهد بأن الحركة إذا جاورت الساكن صارت كأنها قد حلته، وإذا كان ~~ذلك كذلك فغير منكر أيضا أن يعتقد في فتحة ms045 الهمزة من قوله "أيوم لم يقدر أم ~~يوم قدر" كأنها في الراء الساكنة قبلها للجزم، لأنها قد جاورتها، فيصير ~~التقدير كأنه "أيوم لم يقدر أم"، فتسكن الهمزة، وقبلها الراء مفتوحة، فتقلب ~~الهمزة ألفا للتخفيف، فيصير التقدير: "يقدر ام"، فتأتي الألف ساكنة، وبعدها ~~الميم ساكنة فيلتقي ساكنان، فتحرك الألف لالتقائهما فتنقلب همزة، على ما ~~ذكرنا، وتفتحها لالتقائهما، وكان الفتح هنا حسنا إتباعا لفتحة الراء، كما ~~تقول عض ومص يا فتى، فتفتح الحرف الآخر، لسكونه وسكون الأول، ويحسن الفتح ~~فيها إتباعا لفتحة ما قبله، وكما فتحوا "الآن" إتباعا للألف التي قبله. ~~PageV01P095 # وعلى هذا حملوا قول الآخر: # ويها فداء لك يا فضاله ... أجره الرمح ولا تهاله1 # قالوا فتح اللام لسكونها وسكون الألف قبلها. # واختار الفتحة لأنها من جنس الألف التي قبلها، فلما تحركت اللام لم يلتق ~~ساكنان، فتحذف الألف لالتقائهما، على أن أبا علي قد ذهب في "تهاله" إلى شيء ~~غير هذا الذي ذهب إليه أبو العباس، وفيه طول وفضل شرح، فنتركه، لأن فيما ~~أوردناه مقنعا بإذن الله. # فإن قيل: فلم سلبت الهمزة من أم فتحها2، هلا تركتها همزة، ثم حركتها ~~لالتقاء الساكنين؟ وما الذي دعاك إلى قلبها بعد تسكينها ألفا، حتى احتجت ~~إلى أن تقلب الألف همزة. # فالجواب أن العرب لم تسلب هذه الهمزة حركتها إلا للتخفيف، ألا تراهم ~~قالوا مراة، وكماة، ولم يقولوا: مرأة وكمأة. # فعلى هذا ينبغي أن يحمل عندي قوله: "أيوم لم يقدر أم يوم قدر" ويكون ~~ارتكابك هذا الذي قد شاعت مثاله عندهم وإن كان فيه بعض اللطف والغموض، أسهل ~~وأسوغ3 من حذفك نون التوكيد، لأمرين: PageV01P096 # أحدهما: أن ذلك لم يأت عنهم في بيت غير هذا، فيحمل هذا عليه، فأما ما ~~أنشدوه من قول الآخر. # اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسوط قونس الفرس1 # فمدفوع مصنوع عند عامة أصحابنا، ولا رواية تثبت به. # والآخر: ضعفه وسقوطه في القياس، وذلك أن التوكيد من مواضع الإطناب2 ~~والإسهاب، ولا يليق به الحذف والاختصار، فإذا كان السماع والقياس جميعا ~~يدفعان هذا التأويل، وجب ms046 إلغاؤه وإطراحه، والعدول عنه إلى غيره، مما قد كثر ~~استعماله، ووضح قياسه. # فهذه أيضا همزة قلبت عن ألف، أعني همزة أم، وهي بدل من ألف هي بدل من ~~همزة، فهذا وإن لطف وطالت صنعته، أولى من أن تحمل الكلمة على حذف نون ~~التوكيد، لما فيه من قلة النظير، وضعف القياس. # وأنشدنا أبو علي: # بالخير خيرات وإن شرا فأ ا ... ولا أريد الشر إلا أن تأ ا3 # والقول في ذلك عندي أنه يريد فأ وتأ، ثم زاد على الألف أخرى توكيدا، كما ~~تشبع الفتحة فتصير ألفا كما تقدم، فلما التقت ألفان، حرك الأولى، فانقلبت ~~همزة. PageV01P097 # وقد أنشدنا أيضا: "فا" و"تا" بألف واحدة، إلا أن الغرض في الرواية ~~الأخرى1. # وقد اطرد عنهم قلب ألف التأنيث همزة، وذلك نحو حمراء وصفراء وصحراء ~~وأربعاء وعشراء2 ورخضاء3 وقاصعاء4، وما أشبه ذلك. # والقول في ذلك: أن الهمزة في صحراء وبابه إنما هي بدل من ألف التأنيث ~~كالتي في نحو: حبلى وسكرى وجمادى وحبارى5 وقرقرى6 وخيزلى7، إلا أنها في ~~حمراء وصحراء وصلفاء8 وخبراء9 وقعت الإلف10 بعد ألف قبلها زائدة، فالتقى ~~هناك ألفان زائدتان، الأولى منهما الألف الزائدة، والثانية هي ألف التأنيث، ~~فلم تخل من حذف إحداهما أو حركتها، فلم يجز في واحدة منهما الحذف، أما ~~الأولى فلو حذفتها لانفردت الآخرة، وهم قد بنوا الكلمة على اجتماع ألفين ~~فيها، وأما الآخرة فلو حذفتها لزالت علامة التأنيث التي وسمت الكلمة بها، ~~وهذا أفحش من الأول11، فقد بطل حذف شيء. PageV01P098 # وأما الحركة فقال سيبويه: إنه لما انجزم1 الحرفان حركت الثانية منهما، ~~فانقلبت همزة2، فصارت حمراء وصفراء وصحراء وصلفاء، كما ترى. # فإن قيل: ولم زعمت أن الهمزة منقلبة، وهلا زعمت أنها زيدت للتأنيث همزة ~~في أول أحوالها. # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنها لم نرهم في غير هذا الموضع أنثوا بالهمزة، إنما يؤنثون ~~بالتاء أو الألف، نحو حمدة وقائمة وقاعدة وحبلى وسكرى، فكان حمل همزة ~~التأنيث في نحو صحراء وبابها على أنها بدلت من ألف تأنيث، لما ذكرناه. ~~أحرى. # والوجه الآخر: ms047 أنا قد رأيناهم لما جمعوا بعض ما فيه همزة التأنيث، ~~أبدلوها في الجمع، ولم يحققوها البتة، وذلك قولهم في جمع صحراء وصلفاء ~~وخبراء: صحاري، وصلافي، وخباري، ولم نسمعهم أظهروا الهمزة في شيء من ذلك، ~~فقالوا: صحارئ، خبارئ، وصلافئ، ولو كانت الهمزة فيهن غير منقلبة لجاءت في ~~الجمع، ألا تراهم قالوا: كوكب درئ، وكواكب درارئ، وقراء وقرارئ، ووضاء ~~ووضاضئ، فجاءوا بالهمزة في الجمع لما كانت غير منقلبة، بل موجودة في قرأت ~~ودرأت، ووضؤت، فهذه دلالة قاطعة. # فإن قيل: فما الذي دعاهم إلى قلبها في الجمع ياء؟ وهلا تركوها في الجمع ~~ملفوظا بها، كما كانت في الواحد، فقالوا: صحارئ، وصلافئ؟ # فالجواب: أنها إنما كانت انقلبت في الواحد همزة وأصلها الألف، لاجتماع ~~الألفين، وهذه صورتها: "صحراا" و"صلفاا" و"خبراا"، فلما التقت ألفان اضطروا ~~إلى تحريك إحداهما، فجعلوها الثانية، لأنها حرف الإعراب، فصارت صحراء ~~وصلفاء كما ترى. PageV01P099 # وحال الجمع ما أذكره، وذلك أنك إذا صرت إلى الجمع، لزمك أن تقلب الأولى ~~ياء لانكسار الراء في صحاري قبلها، كما تنقلب ألف قرطاس1 وحملاق2 ياء ~~لانكسار ما قبلها، إذا قلت: قراطيس وحماليق، فكذلك تنقلب ألف صحراء الأولى ~~ياء، وهذه صورتها فتصير في التقدير، صحارى ا، وصلافى ا، وحبارى ا، فتقع ~~الياء الساكنة قبل الألف الآخرة الراجعة عن الهمزة، لزوال الألف من قبلها، ~~فتنقلب الألف ياء، لوقوع الياء ساكنة قبلها، وتدغم الأولى المنقلبة عن ~~الألف الزائدة في الياء الآخرة، المنقلبة عن ألف التأنيث، فتصير صحاري. # أنشد أبو العباس للوليد بن يزيد: # لقد أغدو على أشقر يغتال الصحاريا3 PageV01P100 # وقال آخر1: # إذا جاشت حواليه ترامت ... ومدته البطاحي الرغاب2 # جمع بطحاء، وكذلك ما حكاه الأصمعي من قولههم صلافي وخباري، فبهذا ~~استدللنا على أن الهمزة في صحراء وبابه بدل من ألف التأنيث، فإذا كان ذلك ~~كذلك فقد علمت أن الهمزة في صنعاء وهيجاء ودهناء، فيمن مد، هي الألف ~~المفردة في صنعا، وهيجا، ودهنا3، فيمن قصر، قلبت همزة لوقوعها بعد الألف ~~التي زيدت للمد. فأما حبلى وسكرى فإنما صحت فيهما وفيما يجري مجراهما ms048 ~~الألف، لأنهما مفردة، فلم يلتق ساكنان، فتجب الحركة ويلزم الهمز، فأما قول ~~الآخر: # أسقى الإله دارها فروى ... نجم الثريا بد نجو العوى4 # فالعوى5: أحد منازل القمر، وهو اسم مقصور، والألف في آخره للتأنيث، ~~بمنزلة ألف حبلى وبشرى، وعينها ولامها واوان في اللفظ، كما ترى، إلا أن ~~الواو الآخرة، التي هي لام بدل من ياء، وأصلها "عويا"، وهي فعلى من عويت. # وقال لي أبو علي: إنما قيل لها العوى، لأنها كواكب ملتوية، قال: وهي من ~~عويت يده، أي لويتها. PageV01P101 # فإن قيل: فإذا كان أصلها "عويا"، فقد اجتمعت الواو والياء، وسبقت الأولى ~~بالسكون، وهذه حال توجب قلب الواو ياء، وليست تقتضي قلب الياء واوا. # ألا تراهم قالوا: طويت طيا، وشويت شيا، وأصلهما طويا وشويا، فقلبت الواو ~~ياء، فهلا إذ كان كذلك قلبوها كما في نحو: طويت طيا، وشويت شيا، فقالوا ~~عيا. # فالجواب: أنهم إنما قلبوا ياء "عويا" واوا، لعلة مشروحة عند أصحاب ~~التصريف، وذلك أن فعلى إذا كانت اسما لا وصفا، وكانت لامها ياء قلبت ياؤها ~~واوا، وذلك نحو التقوى، أصلها وقيا، لأنها فعلى من وقيت، والثنوى1، وهي ~~فعلى من ثنيت، والبقوى2 وهي فعلى من بقيت، والرعوى، وهي فعلى من رعيت، ~~فكذلك أيضا العويا، فعلى من عويت، وهي مع ذلك اسم لا صفة، بمنزلة التقوى ~~والبقوى والفتوى، فقلبت الياء التي هي لام واوا، وقبلها العين التي هي واو، ~~فالتقت واوان، الأولى ساكنة، فأدغمت3 في الآخرة فصارت "عوى" كما ترى. ولو ~~كانت فعلى صفة لما قلبت ياؤها واوا، ولبقيت بحالها، نحو الخزيا4 والصديا5، ~~ولو كانت قبل هذه الياء واوا لقلبت الواو ياء، كما يجب في الواو والياء إذا ~~التقتا وسكن الأول منهما، وذلك نحو قولهم امرأة طيا وريا6، وأصلها طويا ~~ورويا، لأنهما من طويت ورويت، قلبت الواو منهما ياء، وأدغمت في الياء ~~بعدها، فصارت طيا وريا، ولو كانت ريا اسما، لوجب أن يقال فيها روى، وحالها ~~كحال العوى. # فإن قيل: فلم قلبت لاعرب لام فعلي، إذا كانت أسما، وكان لامها ياء، واوا، ~~حتي ms049 قالوا: العوي والتقوى والبقوى؟ PageV01P102 # فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك في فعلى، لأنهم قد قلبوا لام "الفعلى" إذا ~~كانت اسما وكانت لامها واوا، ياء، طلبا للخفة، وذلك نحو الدنيا والعليا ~~والقصيا، وهي من دنوت، وعلوت وقصوت1، فلما قلبوا الواو ياء في هذا وفي ~~غيره، مما يطول تعداده، عوضوا الواو من غلب الياء عليها في أكثر المواضع، ~~بأن قلبوها في نحو البقوى والثنوى واوا، ليكون ذلك ضربا من التعويض ~~والتكافؤ بينهما، فاعرفه، فإن أصحابنا2 استظرفوا هذا الفصل من التصريف، ~~وعجبوا منه، ثم إنه قد حكي عنهم "العواء" بالمد، في هذا المنزل. # والقول عندي في ذلك: أنه زاد للمد ألفا قبل ألف التأنيث، التي في العوى، ~~فصار التقدير" العوا ا" بألفين، كما ترى ساكنتين، فقلبت الآخرة التي هي علم ~~التأنيث همزة، لما تحركت لالتقاء الساكنين، والقول فيها: القول في حمراء ~~وصحراء وصلفاء وخبراء. # فإن قيل: فلما نقلت من فعلى إلى فعلاء، فزال القصر عنها، هلا ردت إلى ~~القياس، فقلبت الواو ياء، لزوال وزن فعلى المقصورة كما يقال: رجل ألوى ~~وامرأة لياء3؟ فهلا قالوا على هذا العياء؟ # فالجواب أنهم لم يبنوا الكلمة على أنها ممدودة البتة، ولو أرادوا ذلك ~~لقالوا العياء، وأصلها العوياء، كما قالوا امرأة لياء، وأصلها لوياء، ~~ولكنهم إنما أرادوا القصر الذي في العوى، ثم إنهم اضطروا إلى المد في بعض ~~المواضع ضرورة، فبقوا الكلمة بحال الأولى، من قبل الياء التي هي لام واوا، ~~وكان تركهم القلب بحاله أدل شيء على أنهم لم يعتزموا المد البتة، وأنهم ~~إنما اضطروا إليه، فركبوه وهم بالقصر معنيون، وله ناوون. # فهذه جملة من القول على همزة التأنيث، وصحة الدلالة على كونها منقلبة عن ~~الألف، فاعرفه، فقلما أفصح أصحابنا هذا الإفصاح عنه. PageV01P103 # وأما قول العجاج1: # يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي # ثم قال: # فخندف هامة هذا العألم2 # فقد روي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم، وقد روي عنه في هذا البيت: # العألم، فهمزة العألم والخأتم مما قدمناه من قلب الألف همزة. # وحكى اللحياني عنهم"نأر" بالهمز، وهذا ms050 أيضا من ذلك الباب. # وحكى بعضهم: قوقأت الدجاجة. وحلأت3 السويق4، ورثأت المرأة زوجها5، ولبأ ~~الرجل بالحج6، وهذا كله شاذ غير مطرد في القياس. # ونحوه قول ابن كثوة7: PageV01P104 # ولي نعام بني صفوان زوزأة ... لما رأى أسدا في الغاب قد وثبا1 # أراد "زوزاة" غير مهموز. # وحكي عنهم: تأبلت2 القدر بالهمز، فهذا أيضا من قلب الألف همزة. # وأنشد الفراء: # يا دار مي بدكاديك البرق ... صبرا فقد هيجت شوق المشتئق3 # فالقول فيه عندي: أنه اضطر إلى حركة الألف التي قبل القاف من "المشتاق"، ~~لأنها تقابل لام" مستفعلن". فلما حركها انقلبت همزة كما قدمنا، إلا أنه ~~حركها بالكسر، لأنه أراد الكسرة التي كانت في الواو المنقلبة الألف عنها. # وذلك لأنه "مفتعل" من الشوق، وأصله مشتوق، ثم قلبت الواو ألف، لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، فلما احتاج إلى حركة الألف، حركها بمثل الكسرة التي كانت ~~في الواو، التي هي أصل الألف. PageV01P105 # ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضا عنهم، من قولهم: رجل مئل، إذا كان كثير ~~المال، وأصلها مول، بوزن فرق وحذر، ويقال، مال الرجل يمال، إذا كثر ماله، ~~وأصلها: مول يمول، مثل خاف يخاف من الواو، وقالوا: رجل خاف، كقولهم: رجل ~~مال، وأصلها خوف ومول، ثم انقلبت والواو ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ~~فصارت خاف ومال، ثم إنهم أتوا بالكسرة التي كانت في واو مول، فحركوا بها ~~الألف في مال، فانقلبت همزة، فقالوا مئل. # فهذه جملة من القول على انقلاب الألف همزة، وقد تقصيت جميع ما جاء منه ~~مطردا وشاذا، وقلما تجد شيئا يخرج عن هذا من الشواذ. # وأما إبدال الهمزة عن الياء والواو، فعلى ضربين، تبدل الهمزة منهما وهما ~~أصلان، وتبدل منهما وهما زائدتان. # الأولى: نحو قولك في وجوه: أجوه، وفي وعد: أعد، وفي وقتت أقتت. وكذلك كل ~~واو انضمت ضما لازما، فهمزها جائز، وقالوا: قطع الله أده: يريدون يده، ~~فردوا اللام، وأبدلوا الفاء همزة. # وأبدلوا أيضا الواو المكسورة، فقالوا إسادة في وسادة، وإعاء في وعاء. # وأبدلوا المفتوحة أيضا فقالوا: أناة، في وناة، وأحد في وحد، ms051 وأجم في ~~وجم1، وأسماء في وسماء2، وقالوا: قائم وبائع، فأبدلوها من الواو والياء، ~~وقالوا: في أسنانه ألل: يريدون يلل3، فأبدلوا الياء همزة4، وقالوا: رئبال5، ~~فأبدلوها من الياء، وهمز بعضهم الشئمة، وهي الخليقة. وقالوا أيضا: قضاء ~~وسقاء وشفاء ونكساء وشقاء وعلاء. وكذلك كل ما وقت لامه ياء أو واوا طرفا ~~بعد ألف زائدة. PageV01P106 # وأصل هذا كله قضاي، وسقاي، وشفاي، وكساو، وشقاو وعلاو، لأنها من قضيت، ~~وسقيت، وشفيت، وكسوت، والشقوة، وعلوت. فلما وقعت الياء والواو طرفين، بعد ~~ألف زائدة، ضعفتا لتطرفهما، ووقعوهما بعد الألف الزائدة المشبهة للفتحة في ~~زيادتها. # فكما قلبت الواو والياء ألفا لتحركهما ووقوعهما بعد الفتحة في نحو: عصا ~~رحى1، كذلك قلبتا ألفا أيضا، لتطرفهما وضعفهما، وكون الألف زائدة قبلهما في ~~نحو كساء ورداء، فصار التقدير: قضا ا، وسقا ا، وشفا ا، وكسا ا، وشقا ا، ~~وعلا ا، فلما التقى ساكنان كرهوا حذف أحدهما، فيعود الممدود مقصورا، فحركوا ~~الألف الآخرة لالتقائهما، فانقلبت ههمزة، فصارت قضاء وسقاء وكساء وعلاء، ~~فالهمزة في الحقيقة إنما هي بدل من الألف، والألف التي أبدلت الهمزة عنها ~~بدل من الياء والواو، إلا أن النحويين إنما اعتادوا هنا أن يقولوا: إن ~~الهمزة منقلبة من ياء أو واو، ولم يقولوا من ألف، لأنهم تجوزوا في ذلك، ~~ولأن تلك الألف التي انقلبت عنها الهمزة، هي بدل من الياء أو الواو، فلما ~~كانت بدلا منها، جاز أن يقال إن الهمزة منقلبة عنها، فأما الحقيقة فإن ~~الهمزة بدل من الألف المبدلة عن الياء والواو، وهذا مذهب أهل النظر الصحيح ~~في هذه الصناعة2، وعليه حذاق3 أصحابنا، فاعرفه. # فأما قولهم عباءة وصلاءة وعظاءة4، فقد كان ينبغي لما لحقت الهاء آخرا، ~~وجرى الإعراب عليها، وقويت الياء، بعدها عن الطرف، ألا يهمز، وألا يجوز فيه ~~الأمران، كما اقتصر في نهاية، وغباوة، وشقاوة، وسعاية، ورماية على التصحيح ~~دون الإعلال، إلا أن الخليل5 رحمه الله قد علل ذلك، فقال: إنهم إنما بنوا ~~PageV01P107 # الواحد على الجمع، فلما كانوا في الجمع يقولون: عظاء وعباء وصلاء، ~~فيلزمهم إعلال الياء، لوقوعها ms052 طرفا، أدخلوا الهاء وقد انقلبت اللام همزة، ~~فبقيت اللام معتلة بعد الهاء كما كانت معتلة قبلها. # فإن قيل: أولست تعلم أن الواحد أقدم في الرتبة من الجمع، وأن الجمع فرع ~~على الواحد، فكيف جاز للأصل -وهو عظاءة- أن يبني على الفرع هو عظاء؟ # وهل هذا إلا كما عابه أصحابك1 على الفراء، من قوله أن الفعل الماضي إنما ~~بني على الفتح لأنه حمل على ألف التثنية، فقيل ضرب، لقولهم ضربا؟ # فمن أين جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع، ولم يجز للفراء أن يحمل ~~الواحد على التثنية؟ # فالجواب: أن الانفصال من هذه الزيادة يكون من وجهين: # أحدهما: أن بين الواحد والجمع من المضارعة2 ما ليس بين الواحد والتثنية، ~~ألا تراك تقول قصر وقصور، وقصرا وقصورا، وقصر وقصور، فتعرب الجمع إعراب ~~الواحد، وتجد حرف إعراب الجمع حرف إعراب الواحد، ولست تجد في التثنية شيئا ~~من ذلك، إنما هو قصران أو قصرين، فهذا مذهب غير مذهب قصر وقصور، أولا ترى ~~أن الواحد تختلف معانيه كاختلاف معاني الجمع، لكنه قد يكون جمع أكثر من ~~جمع، كما يكون الواحد مخالفا للواحد في أشياء كثيرة، وأنت لا تجد هذا إذا ~~ثنيت، إنما تنتظم التثنية ما في الواحد التبة، وهي لضرب واحد من العدد ~~البتة، لا يكون اثنان أكثر من اثنين، كما تكون جماعة أكثر من جماعة، ها هو ~~الأمر الغالب، وإن كانت التثنية قد يراد بها في بعض المواضع أكثر من ~~الاثنين، فإن ذلك قليل لا يبلغ اختلاف أحوال الجمع في الكثرة والقلة، بل لا ~~يقاربه، فلما كانت بين الواحد والجمع هذه النسبة وهذه المقاربة، جاز للخليل ~~أن يحمل الواحد على الجمع، ولما بعد الواحد عن التثنية في معانيه ومواقعه، ~~لم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية، كما حمل الخليل الواحد على ~~الجماعة. PageV01P108 # يزيد في وضوح ذلك لك، أنهم قالوا: هذا، فبنوه، ثم قالوا: هاذان، فأعربوا، ~~ثم لما صاروا إلى الجمع عادوا إلى البناء، فقالوا: هؤلاء. # فهذا وغيره مما يشهد بمضارعة الواحد للجماعة، وبعده عن التثنية، ms053 فهذا ~~وجه. # والوجه الآخر الذي جوز للخليل حمل الواحد على الجماعة، هو أنه وإن كان قد ~~حمل الواحد على الجمع في نحو عظاءة1 وعظاء، فقد عدل هذا الأمر الذي في ~~ظاهره بعض التناقض، بأنه حمل لفظ العظاءة، وهي مؤنثة، على لفظ العظاء وهو ~~مذكر، فهذا يعادل به حمل الواحد على الجماعة، ثم ينضاف إليه ما ذكرناه من ~~مضارعة الواحد للجماعة. # وليس للفراء في قوله: إن ضرب بني على ضربا، واحد من هذين الأمرين اللذين ~~سوغنا بهما مذهب الخليل، فلهذا صح قول الخليل، وسقط قول الفراء. # وبعد، فليس العظاء في الحقيقة جمعا، وإنما هو واحد وقع على الجمع، بمنزلة ~~تمر وبسر2 ودجاج وحمام، وهذا واضح. # وقد استقصيت هذا وغيره من لطائف التصريف في كتابي المصنف لتفسير تصريف ~~أبي عثمان رحمه الله، وأتيت بالقول هناك على أسرار هذا العلم ودفائنه. # فإن قيل: فإذا كانت الألف في شفاء وشقاء بمنزلة الفتحة، في إيجابها قلب ~~ما بعدها ألفا، فهلا لم يجز إلا القلب، وأن تقول: عباءة وعظاءة وصلاءة ~~البتة بالهمز، ولا تجيز نهاية ولا غباوة، كما لم تجز إلا إعلال نحو: قناة ~~وقطاة وحصاة، وإن كانت بعدها الهاء. # فما بالك اعتبرت الهاء في نحو: عباية، وعظاية، وصلاية، وشقاوة، ونهاية، ~~حتى صححت لها الواو والياء، ولم تعتبر الهاء في نحو: قناة وقطاة وحصاة ~~وفتاة؟ وهلا قلت: قنوة وقطوة، وحصية، وفتية، فصححت الواو والياء للهاء، كما ~~صححتها في نحو الشقاوة والنهاية لأجل الهاء. PageV01P109 # فالجواب: إنهم إنما أجروا الألف في نحو كساء ورداء مجرى الفتح، في أن ~~قلبوا لها ما بعدها من الياء والواو، كما قلبوا للفتحة نحو: عصا ورحى ما ~~دامت الياء والواو طرفين ضعيفين، وإلا فقد كان ينبغي أن يصح الياء والواو ~~بعد الألف، لأنهما إذا وقعتا بعد الحرف الساكن صحتا، وذلك نحو: ظبي ودلو، ~~ولكنهم لما رأوهما بعد ألف زائدة كزيادة الفتحة، وكانت الفتحة بعض الألف، ~~جوزوا إعلالها وقلبهما ما دامتا طرفين ضعيفين، فإذا تحصنتا وقويتا بوقوع ~~الهاء بهدهما، لم تبلغ الألف من إيجاب ms054 قلبهما مبلغ الفتحة الصريحة. # فأما قناة وفتاة فإن واوهما وياءهما وقعتا بعد الفتحة المحضة الموجبة ~~للقلب، فلم تبلغ من قوة الهاء معهما أن تحصن الواو والياء من إعلال الفتحة ~~المحضة لهما. # وهذا ما خرج لي بعد التفتيش والمباحثة عن أبي علي وقت قرأت كتاب أبي ~~عثمان عليه فاعرفه، فإنه موضع يلطف جدا، وقل من يضبطه. # وقد أبدلت الواو همزة بدلا مطردا إذا انضمت ضما لازما، وذلك نحو أقتت ~~وأجوه وأدؤر وأثؤب. # وقد أبدلها قوم من المكسورة، وذلك نحو وسادة وإسادة، ووفادة1 وإفادة. # وإذا التقت واوان في أول الكلمة لم يكن من همزة الأولى بد، وذلك أن ~~الأولى أصلها وؤلى. وسنستقصي هذا كله في حرف الواو. وقال: # ما كنت أخشى أن يبينوا أشك ذا2 # أي وشك ذا، ومن الوشيك. PageV01P110 # فهذا إبدال الهمزة عن الياء والواو وهما أصلان. # وأما إبدالها منهما وهما زائدتان فنحو قولهم: علباء وحرباء1. وجاء عنهم: ~~رجل عزهاء2، وأصل هذا كله علباي وحرباي وعزهاي، ثم وقعت الياء طرفا بعد ألف ~~زائدة، فقلبت ألفا، ثم قلبت الألف همزة، كما تقدم من قولنا في: كساء ورداء. # فإن قيل: ما الدليل على أن الأصل حرباي وعلباي بالياء، دون أن يكون علباو ~~وحرباو بالواو؟ # فالجواب: أن العرب لما أنثت هذا الضرب بالهاء، فأظهرت الحرف المنقلب لم ~~تظهره إلا ياء، وذلك نحو درحاية ودعكاية3، فظهور الياء في المؤنث بالهاء ~~دلالة على أن الهمزة إنما قلبت في حرباء وعلباء عن ياء لا محالة. # وأما الواو الزائدة التي قلبت عنها همزة فلم تأت مسموعة عنهم إلا أن ~~النحويين قاسوا ذلك على الياء، لأنها أختها، وذلك أنك لو نسبت إلى مثل ~~صحراء وخنفساء لقلت: صحراوي وخنفساوي، فإن سميت بهما رجلا، ثم رخمته4 على ~~قولهم: يا حر، وجب بعد حذف ياء النسب أن تقلب الواو ألفا، لوقوعها طرفا بعد ~~ألف زائدة، فتصير صحرا اوخنفسا ا، ثم تبدلت الألف الآخرة همزة، لأنك حركتها ~~PageV01P111 # لالتقاء الساكنين، كما فعلت ذلك في كساء، فتقول على هذا: يا صحراء ويا ~~خنفساء أقبل، وقياس ms055 هذا إذا سميت به بعد الترخيم أن تصرفه في النكرة، بلا ~~خلاف، وفي المعرفة على الخلاف، فتقول جاءني صحراء ومررت بخنفساء، لأن هذه ~~الهمزة التي فيهما الآن ليست للتأنيث، وإنما هي بدل من ألف بدل من واو بدل ~~من همزة التأنيث المنقلبة عن الألف المقدرة بعد الألف الأولى، على ما بيناه ~~في حمراء وصفراء. # فهذا إبدال الهمزة عن الياء والواو أصلين وزائدتين. # وأما إبدال الهمزة عن الهاء فقولهم: ماء، وأصله: موه لقولهم أمواه، لقلبت ~~الواو ألفا، وقلبت الهاء همزة، فصار ماء، كما ترى، وقد قالوا أيضا في ~~الجمع: أمواء، فهذه الهمزة أيضا بدل من ها أمواه. # أنشدني أبو علي: # وبلدة قالصة أمواؤها ... ماصحة رأد الضحا أفياؤها1 PageV01P112 # ومن ذلك قولهم أال، كقولنا، أال الله، وأ ال رسوله، إنما أصلها أهل، ثم ~~أبدلت الهاء همزة، فصارت في التقدير أأ ل. فلما توالت الهمزتان أبدلوا ~~الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل آمن وآزر1. # فإن قيل: ولم زعمت أنهم قلبوا الهاء همزة، ثم قلبوها ألفا فيما بعد، وما ~~أنكرت من أن يكونوا قلبوا الهاء ألفا في أول الحال؟ # فالجواب: أن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس هذا هنا عليه، ~~وإنما تقلب الهاء همزة في ماء وشاء، على الخلاف فيما سنذكره في موضعه، فعلى ~~هذا أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفا. وأيضا فإن الألف لو كانت ~~منقلبة عن الهاء في أول أحوالها، كما زعم الملزم. دون أن تكون منقلبة عن ~~الهمزة المنقلبة عن الهاء، على ما قدمناه، لجاز أن يستعمل آل في كل موضع ~~يستعمل فيه أهل، ألا تراهم يقولون صرفت وجوه القوم، وأجوه القوم، فيبدلون ~~الهمزة من الواو، ويوقعونها بعد البدل في جميع مواقعها قبل البدل. # وقالوا أيضا: وسادة2 وإسادة، ووفاة وإفادة. # ومن أبيات الكتاب3. # إلا الإفادة فاستولت ركائبنا ... عند الجبابير بالبأساء والنعم4 ~~PageV01P113 # وقالوا أيضا: وشاح1 وإشاح، ووعاء وإعاء، قرأ سعيد بن جبير: "ثم استخرجها ~~من إعاء أخيه" [يوسف: 76] ، وكل واحدة من هذه ومن غيرها مما يجري في ms056 البدل ~~مجراها، تستعمل مكان صاحبتها، ولو كانت ألف آل بدلا من هاء أهل لقيل انصرف ~~إلى آلك كما يقال: انصرف إلى أهلك، ولقيل آلك والليل، كما يقال أهلك ~~والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره ... فلما كانوا يختصون بالآل الأشرف الأخص ~~دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم: القراء آل الله، واللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد، و {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} ~~[غافر: 18] ، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق2. # نجوت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا3 # لأن أعوج فيهم فرس مشهور عند العرب، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال آل ~~الخياط، كما يقال أهل الخياط، ولا آل الإسكاف4، كما يقال أهل الإسكاف. ~~PageV01P114 # دل ذلك على أن الألف فيه ليست بدلا من الأصل، وإنما هي بدل من بدل من ~~الأصل، فجرى ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو فيه ~~بدل من الباء، فلما كانت التاء بدلا من بدل، وكانت فرع الفرع، اختصت بأشرف ~~الأسماء وأشهرها، وهو اسم الله، فلذلك لم يقل تزيد ولا تالبيت، كما لم يقل ~~آل الإسكاف ولا آل الخياط. # فإن قلت: فقد قال بشر1: # لعمرك ما يطلبن من آل نعمة ... ولكنما يطلبن قيسا ويشكرا2 # فقد أضافه إلى نعمة، وهي نكرة غير مخصوصة ولا مشرفة، فإن هذا بيت شاذ، ~~والذي عليه العمل ما قدمناه، وهو رأي أبي الحسن3، فاعرفه. # فإن قيل: ألست تزعم أن الواو في والله بدل من الباء في بالله، وأنت لو ~~أضمرت لم تقل: وه لأفعلن كما تقول: به لأفعلن. وقد تجد أيضا بعض البدل لا ~~يقع موضع المبدل منه في كل موضع، فما تنكر أيضا أن تكون الألف في آل بدلا ~~من الهاء، وإن كان لا يقع جميع مواقع أهل؟ # فالجواب أن الفرق بينهما أن الواو لم تمتنع من وقوعها في جميع مواقع ~~الباء، من حيث امتنع وقوع "آل" في جميع مواقع "أهل" وذلك أن الإضمار يرد ~~بالأشياء إلى أصولها ms057 في كثير من المواضع، ألا ترى أن من قال: أعطيتك درهما، ~~فحذف الواو التي كانت بعد الميم، وأسكن الميم، إذا أضمر الدرهم قال: ~~أعطيتكموه، فرد الواو لأجل اتصال الكلمة بالمضمر. PageV01P115 # فأما ما حكاه يونس من أن بعضهم قال: أعطيتكمه، فشاذ لا يقاس عليه عند ~~عامة أصحابنا1، فلذلك جاز أن تقول: به لأقعدن، وبك لأنطلقن، ولم يجز أن ~~تقول: "وك" ولا "وه"، بل كان هذا في الواو أحرى، لأنها حرف واحد منفرد ~~فضعفت عن القوة وتصرف الباء التي هي الأصل. # أنشدنا أبو علي قال: أنشدنا أبو زيد2: # رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما3 PageV01P116 # وأنشدنا أيضا عنه1: # ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي2 # وأنت ممتنع من استعمال آل في غير الأشهر الأخص، وسواء في ذلك أضفته إلى ~~مظهر أم أضفته إلى مضمر. # فإن قيل ألست تزعم أن التاء في تولج بدل من واو، وأن أصله وولج، لأنه ~~فوعل من الولوج3، ثم إنك مع ذلك قد تجدهم أبدلوا الدال من هذه التاء، ~~فقالوا دولج، وأنت مع ذلك تقول: دولج في جميع المواضع التي تقول فيها تولج، ~~وإن كانت الدال مع ذلك بدلا من التاء، التي هي بدل من الواو؟ # فالجواب عن ذلك: إن هذا مغالطة من السائل، وذلك أنه كان يطرد هذا له لو ~~كانوا يقولون وولج ودولج، فيستعملون "دولج" في جميع أماكن وولج، فهذا لعمري ~~لو كان كذا لكان له به تعلق، وكانت تحتسب زيادة، فأما وهم لم يقولوا وولج ~~البتة كراهة اجتماع الواوين في أول الكلمة، وإنما قالوا تولج، ثم أبدلوا ~~الدال من التاء المبدلة من الواو، فقالوا دولج، فإنما استعملوا الدال مكان ~~التاء، التي هي في المرتبة قبلها تليها، ولم يستعملوا الدال موضع الواو ~~التي هي الأصل، فصار إبدال الدال من التاء في هذا الموضع، كإبدال الهمزة من ~~الواو في نحو أقتت وأجوه، فكما تستعمل أجوه في موضع وجوه، لقربها منها، ~~وأنه لا منزلة بينهما واسطة، كذلك جاز استعمال دولج مكان تولج، ms058 لأنه لا ~~منزلة واسطة بينهما. # وكذلك لو عارض معارض بهنيهة، تصغير هنة4 فقال: ألست تزعم أن أصلا هنيوة، ~~ثم صارت هينة، ثم صارت هنيهة، وأنت قد تقول هنيهة في كل موضع تقول في هنية، ~~كان الجواب واحدا كالذي قبله، ألا ترى أن هنيوة الذي هو الأصل، لا ينطق به، ~~ولا يستعمل التبة، فجرى ذا مجرى وولج، في رفضه وترك استعماله. PageV01P117 # فهذا كله يؤكد عندك أن امتناعهم من استعمال آل في جميع مواقع أهل، إنما ~~هو لأن الألف فيه كانت بدلا من بدل، كما كانت التاء في القسم بدلا من بدل، ~~فاعرفه، فإن أصحابنا لم يشبعوا القول فيه، على ما أوردته الآن، وإن كنا ~~بحمد الله بهم نقتدي، وعلى أمثلتهم نحتذي. # والذي يدل على أن أصل آل أهل، قولهم في التحقير أهيل، ولو كان من الواو ~~لقيل أويل، كما يقال في الآل الذي هو الشخص أويل، ولو كان أيضا من الياء ~~لقيل أبيل. # فأما قولهم رجل تدرأ1، وتدره للدافع عن قومه، فليس أحد الحرفين فيهما ~~بدلا من صاحبه، بل هما أصلان، يقال درأ ودره، قال كثير: # درهت على فراطها فدهمتهم ... بأخطار موت يلتهمن سجالها2 # فهذا كقولك أقدمت واندفعت، وقال بعضهم في قول الشاعر3: # فقال فريق أاإذا نحوتهم ... وقال فريق لا يمن الله ما ندري4 # قالوا: أراد أهذا، فقلب الهاء همزة، ثم فصل بين الهمزتين بالألف. ~~PageV01P118 # وروينا عن قطرب1، عن أبي عبيدة أنهم يقولون: أل فعلت؟ ومعناه: هل فعلت؟ ~~فأما ما أنشده الأصمعي من قول الراجز2: # أباب بحر ضاحك هزوق3 # فليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب4، وإن كان بمعناه، وإنما هو فعال من ~~أب: إذا تهيأ، قال الأعشى5: # أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا6 # وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر7 به. فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من ~~العين، وإن قلت إنها بدل منها فهو وجه، وليس بالقوي. PageV01P119 # زيادة ال همزة 1: # اعلم أن موضع ### | زيادة الهمزة # أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولا، وفي أولها ~~همزة، فاقض ms059 بزيادة الهمزة، عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم ~~الدلالة على كون الهمزة أصلا، وذلك نحو أحمر، وأصفر، وأخضر، وإجفيل2، ~~وإخريط3، وأترجة4، وأزملة5. # فإن حصلت معك أربعة أحرف أصول والهمزة في أولها، فاقض بأن الهمزة أصل، ~~واجعل اللفظة بها من بنات الخمسة، وذلك نحو: إصطبل6 وإبريسم7 وإبراهيم ~~وإسماعيل. # فإن رأيت الهمزة وسطا أو آخرا فاقض بأنها أصل، حتى تقوم الدلالة على ~~كونها زائدة، فالأصل نحو قولك بلأز الرجل8، وبرائل9 الديك، والسأسم10 ~~واطمأن، وازبأر11، وتكرفأ السحاب 12، فالهمزة في هذا ونحوه أصل أبدا، وما ~~زيدت فيه الهمزة غير أول أحرف محفوظة، وهي شمأل13، وشأمل، ووزنهما ~~PageV01P121 # فعأل وفأعل، لقولهم شمل الريح، بلا همز، وقدائم، أي قديم، وجرائض1، ~~لقولهم جرواض، وامرأة ضهيأة2، وزنها فعلأة، لقولهم في معناها ضهياء. # وأجاز أبو إسحاق في هذه الهمزة أن تكون همزة أصلا، وتكون الياء هي ~~الزائدة، على أن تكون الكلمة فعلية، وذهب في ذلك مذهبا من الاشتقاق حسنا، ~~لولا شيء اعترضه، وذلك أنه قال: يقال ضاهيت زيدا، وضاهأت زيدا، بالياء ~~والهمزة. # قال: والضهيأة: قيل إنها التي لا تحيض، وقيل، إنها التي لا ثدي لها. # قال: وفي هذين معنى المضاهاة3، لأنها قد ضاهت الرجال بأنها لا تحيض، كما ~~ضاهتهم بأنها لا ثدي لها. # قال: فيكون ضهيأة فعلية من ضاهأت بالهمز. # وهذا الذي ذهب إليه من الاشتقاق معنى حسن، وليس يعترض قوله شيء إلا أنه ~~ليس في الكلام فعيل، بفتح الفاء، إنما هو فعيل بكسرها، نحو حذيم 4 وطريم5 ~~وغرين6، ولم يأت الفتح في هذا الفن7 ثبتا، إنما حكاه قوم شاذا. # وذهب أبو إسحاق أيضا إلى أن غرقئ8 البيض همزته زائدة، ولم أره علل ذلك ~~باشتقاق ولا غيره. # وحكى أحمد بن يحيى قال: الضهيأ9: الأرض التي لا تنبت، والضهياء: التي لا ~~ثدي لها. PageV01P122 # ورأيت مبرمان1 أيضا قد تابعه على ذلك، وإذا استمر هذا على أبي إسحاق2 مع ~~فحصه واستنباطه، كان على مبرمان -لأنه لعله لم يستنبط حرفا- أجوز وأحرى. # ولست أرى للقضاء بزيادة هذه الهمزة وجها من طرق القياس، ms060 وذلك أنها ليست ~~بأول، فيقضى بزيادتها، ولا تجد فيها معنى غرق، اللهم إلا أن تقول: إن ~~الغرقئ يشتمل على جميع ما تحته من البيض ويغترفه. # وهذا عندي فيه بعد، ولو جاز اعتقاد مثله على ضعفه، لجاز لك أن تعتقد في ~~همزة كرفئة3 أنها زائدة، وتذهب إلى أنها من معنى كرف الحمار إذا رفع رأسه ~~لشم البول، لأن السحاب أبدا، كما تراه، مرتفع، وهذا مذهب ضعيف، على أن أبا ~~زيد قد حكى عنهم: غرقات4 البيضة. وهذا قاطع. # وقرأت بخط أبي العباس محمد بن يزيد رحمه الله قال: يقال امرأة ضهياء: إذا ~~لم يكن لها ثديان، مثل الجداء5 والضهواء: للتي لا تحيض ولا ثدي لها. # وقد زيدت الهمزة أيضا في حطائط6، لأنه الشيء الصغير المحطوط. # أنشد قطرب فيما رويناه عنه7: # إن حري حطائط بطائط ... كأثر الضبي بجنب الغائط8 PageV01P123 # وقال: بطائط: إتباع. # وقالو: احبنطأت، فالهمزة زائدة. # وزادوها أيضا في النئدلان، وهو النيدلان، حدثني بذلك أبو علي، والنيدلان: ~~هو الكابوس. # وأنشدوا: # تفرجة القلب قليل النيل ... يلقى عليه النيدلان بالليل1 # وقالوا أيضا: الرئبال، بالهمز، وإنما هو الريبال، بغير همز. # فأما قولهم بأز، وتأبلت القدر، وتأ بل، والعألم، والخأتم، فلم تبتدأ فيه ~~الهمزة زائدة، وإنما أبدلت الألفات فيهن همزة بعد أن ثبتن زوائد. # وكذلك قولهم: قوقأت2 الدجاجة. # وقد يجوز على هذا أن تكون همزة رئبال بدلا من ياء ريبال، وعلى كل حال ~~فهذه الهمزات زوائد، لأنها بدل من حروف زوائد. # فهذه جملة زيادة الهمزة غير أول، وهو غريب. منه ما هو في أيدي أكثر ~~الناس، ومنه ما أخرجه لي البحث عنه، وطول المطالبة له. PageV01P124 # وأما همزة الوصل فموضع زيادتها الفعل، وقد زيدت في أسماء معلومة، وحرف ~~واحد. # فأما الفعل فيقع منه في موضعين، أحدهما الماضي إذا تجاوزت عدته أربعة ~~أحرف وأولها الهمزة، فهي همزة وصل، وذلك نحو اقتدر، وانطلق، واستخرج، واحمر ~~واصفار. # والموضع الآخر: مثال الأمر من كل فعل انفتح فيه حرف المضارعة1، وسكن ما ~~بعده وذلك نحو: يضرب ويقتل وينطلق ويقتدر. فإذا أمرت قلت: اضرب، ms061 انطلق، ~~اقتدر. # فإن قلت: فقد نراهم يقولون: يأخذ ويأكل ويأمر، فيفتح حرف المضارعة، ويسكن ~~ما بعده، وإذا أمروا قالوا: خذ وكل ومر، بلا همزة وصل. # فالقول في هذا: أن أصله "أوخذ" و"أوكل" و"أومر"، فلما اجتمعت همزتان، ~~وكثر استعمال الكلمة، حذفت الهمزة الأصلية، فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة ~~الزائدة، وقد أخرجن عن الأصل: "أوخذ"، و"أوكل"، و"أومر". # واعلم أن هذه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن بعدها، لما لم ~~يمكن الابتداء به، وكان حكمها أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ ~~له في الإعراب، وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة نحو الألف في ~~آخر الحرف، في وازيداه وواعمراه وواأمير المؤمنيناه، فكما أن تلك ساكنة ~~فكذلك كان ينبغي في الألف2 أن تكون ساكنة. # وكذلك أيضا نون التثنية، ونون الجمع، والتنوين هؤلاء كلهن سواكن، فلما ~~اجتمع ساكنان، هي والحرف الساكن بعدها كسرت لالتقائهما، فقلت: اضرب، اذهب، ~~ولم يجز أن يتحرك ما بعدها لأجلها، من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي أيضا ~~في أول الكلمة ساكنة، فكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك، يقع الابتداء ~~به، فلذلك حركت هي دون ما بعدها. PageV01P125 # فإن قال قائل: ولم اختيرت الهمزة ليقع الابتداء بها، دون غيرها من سائر ~~الحروف، نحو الجيم والطاء وغيرهما. # فالجواب أنهم إنما أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل، ~~للاستغناء عنه بما قبله، فلما اعتزموا على حرف يمكن حذفه واطراحه1 مع الغنى ~~عنه، جعلوه الهمزة، لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ~~ذلك أصل، فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها أصلا في نحو: خذ وكل ~~ومر وويلمه2 وناس3 والله4 في أحد قولي سيبويه. # وقالوا: ذن لا أفعلن، فحذفوا همزة إذن. # وقال الآخر5: # وكان حاملكم منا وافدكم ... وحامل المين بعد المين والألف6 # أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد الألف، فحرك اللام ضرورة، وقالوا: جا ~~يجي، وسا يسو، بلا همز، وله نظائر ولو، أنهم زادوا في مكانها غيرها، لما ~~أمكن حذفه، لأنه لم ms062 يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، فكانت الهمزة ~~بالزيادة في الابتداء أحرى من سار الحروف. PageV01P126 # وإن شئت فقل: إنما زادوا الهمزة هنا لكثرة زيادة الهمزة أولا، نحو: أفكل1 ~~وأيدع2 وأبلم3 وإصبع وأترجة4 وإزفنة5، ولم يكثر زيادة غير الهمزة ولا ~~كزيادتها هي أولا، فلما احتاجوا إلى زيادة حرف في أول الكلمة، وشرطوا على ~~أنفسهم حذفه عند الغنى عنه، وذلك في أكثر أحواله، لأن الوصل أكثر من ~~الابتداء والقطع، لم يجدوا حرفا يطرد6 فيه الحذف اطراده في الهمزة، فأتوا ~~بها دون غيرها من سائر حروف المعجم7، ولا سيما، وهي كما قدمنا أكثر الحروف ~~زيادة في أوائل الكلم، فلذلك زادوا همزة الوصل دون غيرها مما عداها، ~~فاعرفه. # وأما زيادتها في الأسماء فعلى ضربين: # أحدهما: أسماء هي مصادر، والآخر: أسماء غير مصادر. # فأما المصادر فكل مصدر كانت في أول فعله الماضي همزة وصل ووقعت في أوله ~~هو أيضا همزة، فهي همزة وصل، وذلك نحو: اقتدر اقتدارا، واشتغل اشتغالا، ~~واستخرج استخراجا، فهذه: المصادر، ومنها اطير اطير، واثاقل اثاقلا، ~~واداركوا8 فيها اداركا. # وأما الأسماء التي فيها همزة وصل، فهي عشرة أسماء معدودة، وهي: ابن، ~~وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، واسم، واست9، وابنم، بمعنى ابن، ~~وايمن في القسم. PageV01P127 # قال1: # فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق لايمن الله ما ندري2 # وقال الآخر3: # وهل لي أم غيرها تعرفونها ... أبى الله إلا أن كون لها ابنما4 # أي ابنا. # وأما الحرف الذي زيدت فيه همزة الوصل، فلام التعريف، وذلك نحو الغلام ~~والجارية، والقائم والقاعد، وإنما جيء بها أيضا لسكون لام التعريف، وسنذكر ~~العلة التي سكنت لها هذه اللام في حرف اللام، بإذن الله. # واعلم أن هذه الهمزة أبدا في الأسماء والأفعال المكسورة، إلا أنها قد ضمت ~~من الأفعال في كل موضع كان ثالثها مضموما ضما لازما، وذلك نحو اقتل، اخرج، ~~انطلق بمزيد، استخرج المال. # وحكى قطرب على طريق الشذوذ: اقتل، جاء على الأصل، وإنما ضموا الهمزة في ~~هذه المواضع كراهية الخروج من كسر إلى ضم، بناء لازما، ولم يعتدوا ms063 الساكن ~~بينهما حاجزا، له غير حصين. # فإن قلت: فما بالهم قالوا للمرأة اغزي اغدي5 فضموا الهمزة والثالث مكسور ~~PageV01P128 # فالجواب: أنه إنما ضم هذا، لأجل أن الأصل اغزوي واغدوي، ثم اعتلت الواو، ~~فحذفت، ووليت الياء الزاي والدال، فانكسرتا من أجلها، فإنما الضمة في ~~الهمزة مراعاة للأصل، كما تقول في الصحيح: اقتلي، ادخلي، اخرجي. # فإن قلت: فلم كسرت الهمزة في نحو: ارموا اقضوا، اشروا1، والثالث مضموم. # فالجواب هنا كالذي قبله، وذلك أن أصل هذا: ارميوا، اقضيوا، ثم حذفت الياء ~~وانضم ما قبلها، فبقيت الهمزة هنا مكسورة، كما بقيت فيما قبل مضمومة. # فأما لام التعريف فالهمزة معها مفتوحة، وذلك لأن اللام حرف، فجعلوا حركة ~~الهمزة معها فتحة، لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال. # فأما ايمن في القسم، ففتحت الهمزة فيها، وهي اسم، من قبل أن هذا اسم غير ~~متمكن، ولا يستعمل إلا في القسم وحده، فلما ضارع الحرف بقلة تمكنه فتح ~~تشبيها بالهمزة اللاحقة لحرف التعريف، وليس هذا فيه إلا دون بناء الاسم، ~~لمضارعته الحرف، وأيضا فقد حكى يونس: ايم الله بالكسر، فقد جاء فيه الكسر ~~أيضا كما ترى. # ويؤكد عندك أيضا حال هذا الاسم في مضارعته الحرف، أنهم قد تلاعبوا به ~~وأضعفوه، فقالوا مرة ايمن الله، ومرة ايم الله، ومرة ايم الله، ومرة م ~~الله، ومرة م الله2، وقالوا: من ربي، ومن ربي، فلما حذفوا هذا الحذف ~~المفرط، وأصاروه من كونه على حرف واحد إلى لفظ الحروف، قوي شبه الحرف عليه، ~~ففتحوا همزته، تشبيها بهمزة لام التعريف. # فأما العلة التي لها سكنت أوائل الأسماء والأفعال، حتى احتيج لذلك إلى ~~همزة الوصل، فقد ذكرتها في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان رحمه الله. # وقد زيدت الهمزة في الخطاب نحو قولك للرجل هاء، وللمرأة هاء, سيأتيك هذا ~~في باب الكاف مفصلا إن شاء الله. PageV01P129 # وزيدت أيضا للاستفهام نحو: أزيد عندك؟ وفي التسوية، نحو: ما أبالي أقام ~~أم قعد. وفي النداء، نحو أزيد أقبل، إلا أنها ليست مصوغة1 مع الكلمة، إنما ~~هي حرف جاء لمعنى. # وقد ms064 حذفت الهمزة فاء نحو: ويلمه2، وناس، والله، في أحد قولي سيبويه، ~~ولاما في جا يجي، وسا يسو، وحذفت عينا في أريت وتصرفه. # فقد أتينا على أحكام الهمزة: # أصلها، وبدلها، وزائدها، وقطعها، ووصلها، وحذفها. # فأما أحكام الهمزة من التحقيق3 والتخفيف4 والبدل5، فإن لهذا بابا يطول، ~~وليست بهذا الكتاب حاجة إليه، فلذلك تركناه، واعتمدنا فيه على ما كنا قديما ~~أمللناه6. PageV01P130 ### | باب الباء # الباء: حرف مجهور1، يكون فاء، وعينا، ولاما. # فالفاء نحو: بئر، وبعث، والعين نحو: صبر، وشبع، واللام نحو: ضرب وقرب. ~~ولا يستعمل زائدا. # وأخبرنا أبو علي بإسناده إلى الأصمعي قال: كان أبو سوار الغنوي2 يقول: ~~باسمك؟ يريد: ما اسمك؟ فهذه الباء بدل من الميم. وقالوا: بعكوكة3، وأصلها: ~~معكوكة، فالباء بدل من الميم، لأنها من الشدة، وهي من المعك4. # فأما قول النحويين الباء والكاف واللام الزوائد، يعنون نحو بزيد وكزيد ~~ولزيد، فإنما قالوا فيهن5 إنهن زوائد، لما أذكره لك. وذلك أنهن لما كن على ~~حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن ~~وامتزاجهن بما يدخلن عليه، أن يظن بهن أنهن بعضه، وأحد أجزائه، فوسموهن6 ~~بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به، ولا من ~~الزوائد التي تبنى في الكلم بناء بعض أجزائهن منهن، نحو: الواو في كوثر7، ~~والميم والسين في PageV01P131 # مستخرج1، والتاء في تنضب، ألا ترى أن أهل التصريف قالوا: لا تزاد اللام ~~إلا في أحرف يسيرة2، نحو: لك وأولك وهنالك وعبدل وزيدل، ولم يذكروا مع ذلك ~~قولنا: المال لزيد ولعمرو، لأن هذه اللام ليست مبنية في الكلمة3، إنما هي ~~أداة عاملة فيها الجر، بمنزلة من وفي وعن، ولو كانت مبنية في الكلمة لما ~~كانت عاملة فيها، ولا جاز فصلها منها، كما أن التاء في تنضب وترتب 4 والياء ~~في يرمع5 ويعملة6، لا يجوز فصلها منها. # ويزيد ذلك وضوحا لك، أنهم قالوا الكاف الزائدة، يعنون كزيد وكعمرو، لم ~~يقل أحد من النحويين إن الكاف من حروف الزيادة، ألا ترى أن "اليوم تنساه"7 ~~لا كاف فيه، ms065 وإنما وسموا الكاف بالزيادة لقلتها، مخافة أن يظن ظان أنها من ~~جملة ما تدخل عليه فتجره. # فإن قلت: فهلا وسموا الواو والتاء في القسم بالزيادة وهما على ما ترى حرف ~~واحد؟ # فالجواب أن الواو في القسم إنما هي بدل من الباء فيه، والتاء بدل من ~~الواو، فالأصل فيهما إنما هو الباء، فلما كانت الباء قد تقدم كرهان وكانتا ~~إنما هما بدل منها، استغني عن ذكرهما بالزيادة. PageV01P132 # فإن قلت: فهلا وسموا لام الجزم بالزيادة، لأنها حرف واحد، وليست بدلا من ~~الباء ولا من غيرها؟ # فالجواب أن أمثلة الأفعال محصورة ضيقة، يحيط بها الوصف والتحجر1 عن قرب، ~~فقد علم أن اللام لا يظن بها أنها من جملة المثال2. الذي دخلت عليه، ~~والأسماء ليست كذلك لأنها كثيرة الأمثلة، منتشرة الموازين يمكن أن يظن ~~بحروف الجر المفردة أنها مبنية مع بعضها، فلذلك احتاجوا إلى سمتها ~~بالزيادة، ليؤمن فيها الإشكال3. ألا ترى أن قولك بعمرو، ولعمرو بوزن سبطر4 ~~ودمثر، وأنت لو قلت، ليقم وليقعد لم تجد هنا مثالا من الأفعال يلتبس به ~~هذان الفعلان. # فهذا كله يسشهد بعلة تسميتهم هذه الحروف زوائد، ويحتج عمن عبر عنهم بهذه ~~العبارة، فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، بل يقولون في الباء واللام ~~إنهما حرفا الإضافة، وفي الكاف حرف جر، وحرف تشبيه. # ويدلك أيضا على أنهم لا يريدون في هذه الأحرف بالزيادة ما يريدونه في ~~حقيقة التصريف، أنهم يقولون في قولنا: "ليس زيد بقائم" إن الباء زائدة في ~~خبر ليس، لأن معناه ليس زيد قائما، وإذا قالوا مررت بزيد لم يقولوا في هذه ~~الباء إنها زائدة، لأنه ليس من عادتهم أن يقولوا مررت زيدا، وإن كنا نعلم ~~أنها زائدة في الموضعين جميعا، فقد علمت بهذا أنهم لا يريديون بالزيادة هنا ~~حقيقة التصريف، وهذا أمر واضح مفهوم. # ومن طريف ما يحكى من أمر الباء أن أحمد بن يحيى قال في قول العجاج5: # يمد زأرا وهدير زغدبا6 PageV01P133 # إن الباء فيه زائدة، وذلك أنه لما رآهم يقولون هدير زغد، وزغدب، واعتقد ~~زيادة ms066 الباء في زغدب، وهذا تعجرف منه، وسوء اعتقاد، ويلزم من هذا أن تكون ~~الراء في سبطر ودمثر زائدة، لقولهم: سبط1 ودمث2، وسبيل ما كانت هذه حاله ~~ألا يحفل به، ولا يتشاغل بإفساده. # واعلم أنهم قد سموا هذا الباء في نحو قوله: مررت بزيد، وظفرت ببكر، وغير ~~ذلك، مما تصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة ~~حرف إضافة وكل هذا صحيح من قولهم. # فأما الإلصاق فنحو قولك أمسكت زيدا، يمكن أن تكون باشرته نفسه، وقد يمكن ~~أن تكون منعته من التصرف من غير مباشرة له، فإذا قلت: أمسكت بزيد، فقد ~~أعلمت أنك باشرته وألصقت محل قدرك3، أو ما اتصل بمحل قدرك به أو بما اتصل ~~به، فقد صح إذن معنى الإلصاق. # وأما الاستعانة فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية4، أي ~~استعنت بهذه الأدوات على هذه الأفعال. # وأما بالإضافة فقولك مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء، وكذلك عجبت ~~من بكر، أضفت عجبك من بكر إليه بمن. # فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي5 رحمه الله عنه، من أن الباء للتبعيض، فشيء ~~لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثبت. PageV01P134 # وهذا موضع لا بد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذه جارة، ~~لأن الباء واحدة منها، وإذا ذكرنا فالقول فيها هو القول في سائر حروف الجر. # اعلم أن هذه الحروف، أعني الباء، واللام، والكاف، ومن، وعن، وفي، وغير ~~ذلك، إنما جرت الأسماء، من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها ~~وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها، وتناولها إياها كما يتناول غيرها من ~~الأفعال القوية الواصلة إلى المفعولين ما يقتضيه منهم، بلا وساطة حرف ~~إضافة، ألا تراك تقول: ضرب زيد عمرا فيفضي الفعل بعد الفاعل إلى المفعول، ~~فينصبه، لأن في الفعل قوة أفضت به إلى مباشرة الاسم. # ومن الأفعال أفعال ضعفت عن تجاوز الفاعل إلى المفعول، فاحتاجت إلى أشياء ~~تستعين بها على تناولها، والوصول إليها، وذلك نحو: عجبت ومررت وذهبت، لو ~~قلت: عجبت زيدا، ومررت جعفرا، وذهبت محمدا، ms067 ولم يجز ذلك، لضعف هذه الأفعال ~~في العرف والاستعمال عن إفضائها إلى هذه الأسماء. # على أن ابن الأعرابي قد حكي عنه: مررت زيدا، وهذا شاذ، فلما قصرت هذه ~~الأفعال عن الوصول إلى هذه الأسماء، رفدت1 بحروف الإضافة، فجعلت موصلة لها ~~إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى عمرو، وخص كل قبيل من هذه الأفعال ~~بقبيل من هذه الحروف، وقد تتداخل، فيشارك بعضها بعضا في هذه الحروف ~~الموصلة، فلما احتاجت هذه الأفعال إلى هذه الحروف، لتوصلها إلى بعض ~~الأسماء، جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء، ولم يفض إلى الأسماء ~~النصب الذي يأتي من الأفعال، لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل ~~بنفسه، وبين الفعل الواصل بغيره فرقا، ليميزوا السبب الأقوى من السبب ~~الأضعف، وجعلت هذه الحروف جارة، ليخالف لفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل ~~القوي. ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلا الرفع والجر، فأما ~~الرفع فقد استولى عليه الفاعل، فلم يبق إذن غير الجر، فعدلوا إليه2 ضرورة. ~~ولشيء آخر، وهو أن PageV01P135 # الفتحة من الألف، والكسرة من الياء، والياء أقرب إلى الألف من الواو، ~~فلما منعت الأسماء بعد هذه الحروف النصب، كان الجر أقرب إليها من الرفع. # هذا هو العلة في كون هذه الحروف جارة. # فإن قلت: فقد تقول: المال لك، وإنما أنا بك، وأنا منك، ونحو ذلك، ما لا ~~تصل هذه الحروف فيه الأفعال بالأسماء. # فالجواب: أنه ليس في الكلام حرف جر غير زائد، وأعني بالزائد ما دخوله ~~كخروجه، نحو: لست بزيد، وما في الدار من أحد، إلا هو متعلق بالفعل في اللفظ ~~أو المعني، أما في اللفظ فقولك: انصرفت عن زيد، وذهبت إلى بكر، وأما في ~~المعنى فقولك: المال لزيد، تقديره: المال حاصل أو كائن لزيد، وكذلك زيد في ~~الدار، إنما تقديره: زيد مستقر في الدار، ومحمد من الكرام: أي محمد حاصل من ~~الكرام أو كائن من الكرام، فإذا كان الأمر كذلك فقد صح ووضح ما قدمناه. # فإن قلت: فإذا كانت هذه الحروف التي ms068 أوصلت الأفعال إلى الأسماء إنما جرت ~~الأسماء، لأنهم أرادوا أن يخالفوا بلفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل القوي، ~~فما بالهم قالوا: قمت وزيدا، واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة1، ~~وما صنع وأباك؟ ولو تركت الناقة وفصيلها2 لرضعها. # ومن أبيات الكتاب3: # فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال4 PageV01P136 # فأوصلوا هذه الأفعال إلى ما بعد هذه الواو، وبتوسط الواو، وإيصالها للفعل ~~إلى ما بعدها من الأسماء. # وقالوا أيضا: قام القوم إلا زيدا، ومررت بالقوم إلا بكرا، فأوصلوا الفعل ~~إلى ما بعد ألا بتوسط إلا بين الفعل وبين ما بعدها من الأسماء، وذلك لضعف ~~الأفعال قبل الواو وإلا عن وصولها إلى ما بعدهما، كما ضعفت الأفعال قبل ~~حروف الجر عن مباشرتها الأسماء، ونصبها إياها، فلم لم يجر هذان الحرفان، ~~أعني الواو وإلا، مجرى حروف الجر، في أن جر بهما ما بعدهما، كما جر بحروف ~~الجر ما بعدها؟ وهلا لما أوصلوا الأفعال قبل هذين الحرفين إلى الأسماء التي ~~بعدهما، ولم يجروا بهما، بل أفضى نصب الفعل بهما إلى ما بعدهما، أوصلوا ~~الأفعال التي قبل حروف الجر إلى الأسماء التي بعدها، وأظهروا نصب الفعل ~~الأسماء التي بعد حروف الجر، فقالوا: مررت بزيدا، ونظرت إلى بكرا، كما ~~قالوا: قمت وزيدا، وقام القوم إلا بكرا؟ وما الفرق بين الموضعين؟ # فالجواب: أن الواو وإلا يفارقان حروف الجر في ذلك. # أما الواو مع المفعول معه في نحو: قمت وزيدا، فجارية هنا مجرى حروف ~~العطف، الدلالة على ذلك أن العرب لم تستعملها قط1 بمعنى مع، إلا في الموضع ~~الذي لو استعملت فيه عاطفة لصلحت. # ألا ترى أنك إذا قلت: قمت وزيدا أي مع زيد، قد كان يجوز لك فيه أن تقول: ~~قمت وزيد، فتعطف زيدا على ضمير الفاعل، وكذلك قولهم: لو تركت الناقة ~~وفصيلها لرضعها، قد كان يجوز لك أن تعطف فتقول: وفصيلها، وكذلك قولهم: جاء ~~البرد والطيالسة، قد كان يجوز أن تقول: والطيالسة، فترفع على العطف. # فلما كانت الواو في المفعول معه جارية مجرى حروف العطف، وحروف ms069 العطف غير ~~عاملة جرا ولا غيره، لم يجز أن يجر بها إذا أوصلت الفعل إلى المفعول معه، ~~كما يجر بحروف الجر، لأنها قد أوصلت الأفعال. PageV01P137 # ويؤكد عندك أيضا أن الواو التي بمعنى مع جارية مجرى حرف العطف، وأنها لا ~~توقع إلا في الأماكن التي لو عطف بها فيها لصلح ذلك، امتناع العرب ~~والنحويين من إجازتهم: انتظرتك وطلوع الشمس، أي مع طلوع الشمس. # قالوا: وإنما لم يجز ذلك: لأنك لو رمت هنا أن تجعلها عاطفة، فتقول: ~~انتظرتك وطلوع الشمس فترفع الطلوع عطفا على التاء، لم يجز، لأن طلوع الشمس ~~لا يجوز منه انتظار أحد، كما يجوز أن تقول: قمت وزيد، فتعطف زيدا على ~~التاء، لأنه قد يجوز من زيد القيام. # فهذا مذهب من الوضوح على ما تراه1. # وعلى أن أبا الحسن2 قد كان يذهب في المفعول معه إلى أن انتصابه انتصاب ~~الظرف. قال: وذلك أن الواو في قولك: قمت وزيدا، إنما هي واقعة موقع مع، ~~فكأنك قلت: قمت مع زيد، فلما حذفت "مع" وقد كانت منتصبة على الظرف، ثم أقمت ~~الواو مقامها، انتصب زيد بعدها على معنى انتصاب مع الواقعة الواو موقعها، ~~وإذا كان ذلك كذلك، وقد كانت مع منصوبة بنفس قمت بلا وساطة فكذلك يكون ~~انتصاب زيد بعد الواو المقامة مقامها جاريا مجرى انتصاب الظروف، والظروف ~~مما يتناولها قمت بلا وساطة حرف، فكأن الواو الآن على مذهب أبي الحسن، ليست ~~موصلة لقمت إلى زيد، كما يقول كافة أصحابنا3، وإنما هي مصلحة لزيد أن ينتصب ~~بتوسطها انتصاب الظرف، وليست موصلة للفعل إلى ما بعده إيصال حروف الجر ~~الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها، فلذلك لم يجر بالواو في المفعول معه. ~~فهذا حال الواو. PageV01P138 # وأما إلا في قولك: قاموا إلا زيدا، فإنها وإن كانت قد أوصلت قام إلى زيد، ~~حتى انتصب بها، فإنها لم تجر من قبل أنها لم تخلص للأسماء دون الأفعال ~~والحروف، ألا تراك تقول: ما جاءني زيد قط إلا يقرأ، ولا مررت بمحمد قط إلا ~~يصلي، ولا نظرت إلى بكر ms070 إلا في المسجد، ولا رأيت أخاك إلا على الفرس، فلما ~~لم يخلصها العرب للأسماء، بل باشرت بها الأفعال والحروف، كما باشرت بها ~~الأسماء، لم يجز لها أن تعمل جرا ولا غيره، وذلك لأن الحروف التي تباشر ~~الأسماء والأفعال جميعا، لا يجوز أن تكون عاملة، وذلك نحو: هل زيد أخوك؟ ~~وهل قام زيد؟ وما زيد أخوك، وما قام زيد، في لغة بني تميم1، ولا يكون ~~العامل في أحد القبيلين إلا مختصا بما يعمل فيه، بل إذا وجدنا حروفا تختص ~~بأحد القبيلين2، ثم لا تعمل فيما اختصت به شيئا، وذلك مثل لام التعريف في ~~اختصاصها بالأسماء، وقد وسوف في اختصاصهما بالأفعال، فما يشيع فيهما ولا ~~يختص بأحدهما، أحرى3 ألا يكون له عمل في شيء منهما. # فلذلك لم يجر "إلا" في قولك: قام القوم إلا محمد، وإن كانت قد أوصلت ~~الفعل قبلها إلى الاسم بعدها4. # على أن أبا العباس قد ذهب في انتصاب ما بعد إلا في الاستثناء، إلى أنه ~~بناصب يدل عليه معقود الكلام، فكأنه عنده إذا قلت: قاموا إلا بكرا تقديره: ~~أستثني بكرا، أو لا أعني بكرا، فدلت إلا على "أستثني"، "لا أعني". ~~PageV01P139 # وهذا وإن كان مذهبا مدخولا عندنا، وهو بضد الصواب الذي هو مذهب سيبويه، ~~فقد قال به رجل يعد جبلا في العلم1، وإليه أفضت مقالات أصحابنا، وهو الذي ~~نقلها وقررها، وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها، وعلى أن الكوفيين أيضا ~~قد خالفوا سيبويه وأصحابه2، وأبا العباس ومن رأى رأيه، في انتصاب المستثنى، ~~فهذا كله يوجدك العلة التي لها فارقت "إلا" حروف الجر. # واعلم أن الفعل إذا أوصله حرف الجر إلى الاسم الذي بعده، وجره الحرف، فإن ~~الجار والمجرور جميعا في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما، وذلك قولك: مررت ~~بزيد، فزيد مجرور، وبزيد جميعا في موضع نصب، والدلالة على صحة هذه الدعوى3 ~~مطردة من وجهين: أحدهما أن عبرة هذا الفعل الذي يصل بحرف الجر قد تجدها ~~فيما يصل بنفسه. # ألا ترى أن قولك: مررت بزيد، في معنى جزت زيادا، وكذلك نظرت ms071 إلى عمرو في ~~معنى: أبصرت عمرا، وانصرفت عن محمد: أي جاوزت محمدا، فهذا من طريق المعنى، ~~وأما من طريق اللفظ، فإن العرب قد نصبت ما عطفته على الجار والمجرور جميعا، ~~منصوبا، لأنهما جميعا منصوبا الموضع، وذلك قولهم: مررت بزيد وعمرا، ونظرت ~~إلى محمد وخالدا. PageV01P140 # وعلى هذا ما أنشده سيبويه من قول لبيد1: # فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلتزعك العواذل2 # فعطف "دون" على موضع "من دون". وأنشد أيضا لعقيبة الأسدي3: # معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا4 # عطف الحديد على موضع "بالجبال". PageV01P141 # ولهذا قال سيبويه: إنك إذا قلت: مررت بزيد، فكأنك قلت: مررت زيدا، تريد ~~بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد الظريف، ~~بنصب الظريف1 على موضع بزيد، ومن هنا أيضا قضى النحويون على موضع الجار ~~والمجرور إذا أسند الفعل إليهما، بأنهما في موضع رفع، وذلك نحو: ما جاءني ~~من رجل، وما قام من أحد، وكذلك ما لم يسم فاعله، نحو: سير بزيد، وعجب من ~~جعفر، ونظر إلى محمد، وانصرف عن زيد، وانقطع بالرجل. # وإنما قضوا في هذه الأشياء في هذه المواضع برفع معانيها، من قبل أنها قد ~~كانت مع الفعل المسند إلى فاعله منصوبة المواضع، نحو: سرت بزيد، وعجبت من ~~خالد، ونحو ذلك، فلما لم يسم الفاعل، وأسند الفعل الذي كان منصوبا مع ~~الفعل، قضي برفعه، لقيامه مقام الفاعل، فإذا جاز لهم أن يقضوا على موضع ~~الفعل والفاعل في بعض المواضع بأنهما في موضع رفع، وإن كان الفعل مستقلا ~~بفاعله، وذلك قولهم: حبذا2 زيد، وحبذا هند، فأن يقضوا على موضع الجار ~~والمجرور، اللذين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، ولا يجوز الفصل بينه وبينه ~~بظرف ولا غيره، أجدر بالجواز. ويدلك على شدة امتزاج3 حرف الجار بما جره، ~~وأن العرب قد أجرتهما جميعا مجرى الجزء الواحد، قولهم: مررت بي، والمال لي، ~~فتسكينهم الياء في بي ولي، وكونهما4 على حرف واحد يدلك على اعتمادهما على ~~الباء واللام قبلهما، وأنهما غير مقدري الانفصال منهما5، ms072 لقلتهما في العدد، ~~وضعفهما بالسكون. # ولأجل ما ذكرناه من شدة اتصال الجار بالمجرور، ما قبح عندهم حذف الجار ~~وتبقية جره بحاله، إلا فيما شذ عنهم، من ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في ~~القسم مع الخبر لا الاستفهام، وذلك قولهم: الله لأقومن. PageV01P142 # وحكى أبو العباس أن رؤبة قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: خير، عافاك الله! أي ~~بخير، فحذف الباء، وأنشدوا قول الشاعر1: # رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله2 # أي رب رسم دار. # فأما قولهم "لاها لله ذا" فإنها صارت عندهم عوضا من الواو، ألا تراها لا ~~تجتمع معها، كما صارت همزة الاستفهام في الله إنك لقائم عوضا من الواو، ~~وهذا كأنه أسهل من الأول، وكلاهما لا يجوز القياس عليه. # واعلم أن هذه الباء قد زيدت في أماكن. ومعنى قولي زيدت أنها إنما جيء بها ~~توكيدا للكلام. ولم تحدث معنى، كما أن "ما" من قوله عز اسمه: {فبما نقضهم} ~~[النساء: 155] ، و {عما قليل} ، و {مما خطيئاتهم} ، إنما تقديره: فبنقضهم، ~~وعن قليل، ومن خطيئاتهم، ونحو ذلك قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} ~~[الزمر: 36] 3 تقديره: كافيا عبده، وقوله: {ألست بربكم} أي ألست ربكم؟، ~~{وما أنت بمؤمن لنا} 4 [يوسف: 17] أي مؤمنا لنا، {وما أنا بطارد المؤمنين} ~~[الشعراء: 114] ، أي طارد المؤمنين. PageV01P143 # فأما قوله تعالى: {تنبت بالدهن} [المؤمنين: 20] فذهب كثير من الناس إلى ~~أن الباء فيه زائدة، وأن تقديره: "تنبت الدهن". # وكذلك قول عنترة1: # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم2 # قالوا: أراد: شربت ماء الدحرضين. وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه ~~الزيادة، وإنما تأويله عندهم -والله أعلم- تنبت ما تنبته والدهن فيها، كما ~~تقول: خرج زيد بثيابه، أي وثيابه عليه، وركب الأمير بسيفه، أي وسيفه معه. # وكما أنشد الأصمعي: # ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود3 # أي قطع الحبل ومروده فيه. PageV01P144 # ونحن هذا قول أبي ذؤيب1: # يعثرن في حد الظبات كأنما ... كسيت برود بني تزيد الأذرع2 # يصف الحمير: أي يعثرن وهن مع ذلك قد نشبن3 في ms073 حد الظبات. # وكذلك قوله: "شربت بماء الدحرضين" إنما الباء في معنى في، كما تقول: شربت ~~بالبصرة وبالكوفة، أي في البصرة والكوفة، أي شربت وهي بماء الدحرضين، كما ~~تقول: وردنا صداء4، ووافينا شجا5، ونزلنا بواقصة6. PageV01P145 # فأما قول أبي ذؤيب: # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج1 # يعني السحاب، فالباء فيه زائدة، إنما معناه: شربن ماء البحر، هذا هو ~~الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف2. # وقال بعضهم: معناه: شربن من ماء البحر، فأوقع الباء موقع من. # وأخبرنا محمد بن الحسن3، عن أحمد بن يحيى4 قال: قال أبو عثمان، يعني ~~المازني، في قول الشاعر5: # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا6 # إنما تدخل الباء على الفاعل، وهذا شاذ يريد أن معناه: كفانا. PageV01P146 # وقرأت عليه أيضا عنه1: # إذا لاقيت قوما فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا # وهذا من المقلوب. معناه: كفى بقوم خبيرا صاحبهم، فجعل الباء في الصاحب، ~~وموضعها أن تكون في "قوم"، إذ هم الفاعلون في المعنى. وكذلك قوله تبارك ~~اسمه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} 2 [البقرة: 195] ، تقديره والله ~~أعلم: ولا تلقوا بأيديكم، وهذا واسع عنهم جدا. # وأما قول الآخر3: # فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعد في علو الهوى أو تصوبا4 # فإنه زاد الباء، وفصل بها بين "عن" وما جرته، وهذا من غريب مواضعها. # فأما قولهم: سميته زيدا وبزيد، وكنيته أبا عبد الله وبأبي عبد الله، ~~فليست الباء فيه زائدة، وإنما أوصلوا بها الفعل تارة إلى المفعول، وأوصلوه ~~تارة أخرى بنفسه، كما قالوا: جئته وجئت إليه، وخشنت صدره5، وخشنت بصدره. # فأما قولهم: فرقته وفرقت منه، وجزعته6 وجزعت منه، فأصلهما أن يتعديا بحرف ~~الجر، وإنما يحذف تخفيفا، يدل على ذلك أن فرقت وجزعت أفعال غير واصلة، ~~بمنزلة بطرت7 وأشرت وعرصت وهبصت8. PageV01P147 # فهذه كلها أفعال النفس التي تحدث لها ولا تتجاوزها، وإنما هي بمنزلة كرمت ~~وحسنت وظرفت وشرفت. # فهذه أحوال الباء في زيادتها مع الفضلة، أعني بالفضلة المفعول، وفيه معظم ~~زيادة الباء. # وقد زيدت الباء أيضا مع أحد ms074 جزأي الجملة التي لا تنعقد مستقلة إلا به، ~~وذلك على ثلاثة أضرب: أحدها المبتدأ، والآخر الخبر، والآخر الفاعل. # فأما المبتدأ فقوله: بحسبك أن تفعل كذا، إنما هو حسبك أن تفعل كذا، ~~والباء زائدة. # وأنشدنا أبو علي1 قال: أنشد أبو زيد2: # بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر3 # أي حسبك ذلك، كقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين} [الأنفال: 64] 4، ولا أعلم الآن مبتدأ زيدت فيه الباء غير هذه ~~اللفظة. # وقولهم: "أثى5 به الدهر بما أتى به". PageV01P148 # وأما زيادتها في خبر المتبدأ فقوله تعالى: {جزاء سيئة بمثلها} [يونس: 27] ~~، ذهب أبو الحسن1 إلى أن الباء زائدة، وتقديره عنده: جزاء سيئة مثلها. ~~وإنما استدل على هذا بقوله تبارك اسمه في موضع آخر: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} وهذا مذهب حسن، واستدلال صحيح، إلا أن الآية قد تحتمل، مع صحة هذا ~~القول، تأويلين آخرين. # أحدهما: أن تكون الباء مع ما بعدها هو الخبر، فكأنه قال: جزاء سيئة كائن ~~بمثلها، كما تقول: إنما أنا بك، أي إني كائن موجود بك، إذا صغرت نفسك له، ~~وكقولك: توكلي عليك، وإصغائي2 إليك، وتوجهي نحوك، فتخبر عن المبتدأ بالظرف ~~الذي فعل ذلك المصدر يتناوله، نحو قولك: توكلت عليك، وأصغيت إليك، وتوجهت ~~نحوك. # ويدل على أن هذه الظروف في هذا ونحوه إخبار عن المصادر قبلها، تقدمها ~~عليها، ولو كانت المصادر قبلها واصلة إليها، ومتناولة لها، لكانت من ~~صلاتها، ومعلوم استحالة تقدم الصلاة أو شيء منها على الموصول، وتقدمها نحو ~~قولك: عليك اعتمادي، وإليك توجهي، وبك استعاذتي. قال الله تعالى: {وإليه ~~مآب} ، {وإليه المصير} . وقال الكميت3: # فيا رب هل إلا بك النصر يبتغى ... عليهم وهل إلا عليك المعول4 ~~PageV01P149 # وسألت أبا علي عن قول كثير1: # وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت2 # فقلت له: ما موضع تهيامي من الإعراب؟ فأفتى بأنه مرفوع بالابتداء، وخبره: ~~بعزة. على نحو ما قدمنا آنفا، وجعل الجملة التي هي تهيامي بعزة -اعتراضا ~~بين اسم إن وخبرها، لأن فيها ضربا من التشديد للكلام، ms075 كما تقول: إنك ~~-فاعلم- رجل سوء، وإنه -والحق أقول- جميل المذهب. # وهذا الفصل والاعتراض الجاري مجرى التوكيد كثير في الكلام، وإذا جاز ~~الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو ما أنشدنا أبو علي، من قوله: # وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل3 # كان الاعتراض بين اسم إن وخبرها أسوغ، وقد يحتمل بيت كثير أيضا تأويلا ~~آخر غير ما ذهب إليه أبو علي، وهو أن يكون تهيامي في موضع جر على أنه قسم ~~به، كقولك: إني -وحبك- لضنين4 بك، وعرضت على أبي علي هذا الجواب فقبله، ~~وأجاز ما أجاز، فالباء على هذا في "بعزة" متعلقة بنفس المصدر، الذي هو ~~التهيام، وهي فيما ذهب إليه أبو علي متعلقة بمحذوف هو الخبر عن تهيامي في ~~الحقيقة. PageV01P150 # فهذا استيفاء الكلام في أحد الوجهين اللذين يحتملهما قوله عز اسمه: {جزاء ~~سيئة بمثلها} بعد ما أجازه أبو الحسن فيها، مما قدمت ذكره. # والوجه الآخر: أن تكون الباء في بمثلها متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء ~~مرتفعا بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: جزاء سيئة بمثلها كائن، أو واقع ~~وإذا كان هذا جائزا، وكان حذف الخبر فيه حسنا متجها، كما حذف في عدة مواضع ~~غيره، مما يطول القول بذكره، كان تهيامي من بيت كثير أيضا مرتفعا ~~بالابتداء، والباء متعلقة فيه بنفس المصدر، الذي هو التهيام، والخبر أيضا ~~محذوف، كأنه قال: وتهيامي بعزة كائن، أو واقع، على ما يقدر في هذا ونحوه، ~~فهذا ما تحتمله الآية من غير ما ذهب إليه أبو الحسن، أعني قوله تعالى: ~~{جزاء سيئة بمثلها} . # وأما زيادتها في الفاعل فنحو قولهم: كفى بالله، وقوله عز اسمه: {وكفى بنا ~~حاسبين} 1 [الأنبياء: 47] ، إنما هو كفى الله، وكفينا. # كقول سحيم2: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا3 # فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار ~~والمجرور في موضع مرفوع بفعله، ونحوه قولهم في التعجب: أحسن بزيد، وأجمل ~~ببكر، فالباء وما بعدها في موضع مرفوع بفعله، ولا ضمير في الفعل، وهذا ~~مشروح في باب التعجب. PageV01P151 # وقد ms076 زيدت أيضا في خبر لكن، لشبهه بالفاعل. # قال1: # ولكن أجرا لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر2 # أراد: ولكن أجرا لو فعلته هين، وقد يجوز فيه أن يكون معناه: ولكن أجرا لو ~~فعلته بشيء هين، أي أنت تصلين إلى الأجر بشيء هين، كقولك: وجوب الشكر ~~بالبر3، فتكون الباء على هذا غير زائدة. # وأجاز أبو بكر محمد بن السري، أن يكون قولهم: كفى بالله، تقديره: كفى ~~اكتفاؤك بالله، أي اكتفاؤك بالله يكفيك، وهذا يضعف عندي، لأن الباء على هذا ~~متعلقة بمصدر محذوف، هو الاكتفاء، ومحال حذف الموصول وتبقية صلته، وإنما ~~حسنه عندي قليلا أنك قد ذكرت كفى، فدل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما ~~تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، فأضمرته، لدلالة الفعل ~~عليه، فها هنا أضمر اسما كاملا، وهو الكذب، وثم أضمر اسما وبقي صلته، التي ~~هي بعضه، فكان بعض الاسم مضمرا، وبعضه مظهرا فلذلك ضعف عندي، والقول في هذا ~~قول سيبويه إنه يريد كفى الله، كقوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} ~~4. # ويشهد بصحة هذا المذهب ما حكي عنهم من قولهم: مررت بأبيات جاد بهن ~~أبياتا، وجدن أبياتا، فبهن: في موضع رفع، والباء: زائدة كما ترى، أخبرني ~~بذلك محمد بن الحسن5 قراءة عليه، عن أحمد بن يحيى، أن الكسائي حكى ذلك ~~عنهم. PageV01P152 # ووجدت مثله للأخطل1، وهو قوله: # فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل2 # فيها: في موضع رفع بحب. # وقد حذفت الباء في رب، وأصلها رب. # وإنما جاز عندي زيادة الباء في خبر المبتدأ، لمضارعته للفاعل، فاحتياج ~~المبتدأ إليه كاحتياج الفعل إلى فاعله. # واعلم أن الباء قد تبدل منها في القسم الواو في قولك والله، أصله بالله. # والدلالة على أن الباء هي الأصل أمران: # أحدهما: أنها موصلة للقسم إلى المقسم به في قولك: أحلف بالله، كما توصل ~~الباء المرور إلى المرور به في قولك: مررت بزيد، فالباء من حروف الجر ~~بمنزلة من وعن. # والآخر: أن الباء تدخل على المضمر3 كما تدخل ms077 على المظهر4، تقول: بالله ~~لأقومن، وبه لأقعدن، والواو لا تدخل على المضمر البتة، تقول: والله ~~لأضربنك، فإن أضمرت قلت به لأضربنك، ولا تقول: وه لأضربنك، فرجوعك مع ~~الإضمار إلى الباء يدل على أنها هي الأصل. # وأنشدنا أبو علي، قال: أنشد أبو زيد: # رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما PageV01P153 # قال: وأنشد أبو زيد: # ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي1 # وإنما أبدلت الواو من الباء لأمرين: # أحدهما: مضارعتها إياها لفظا. # والآخر: مضارعتها إياها معنى. # أما اللفظ فلأن الباء من الشفة، كما أن الواو كذلك، وأما المعنى فلأن ~~الباء للإلصاق، والواو للاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع معه. # وأما إبدال التاء من الواو في القسم فسنذكره في موضعه بإذن الله من ~~التاء. # واعلم أن جميع الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم2، حكمها الفتح ~~أبدا، نحو: واو العطف وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء. # فأما الباء في بزيد فإنما كسرت لمضارعتها3 اللام الجارة في قولك: المال ~~لزيد، وسنذكر العلة في كسر اللام في موضعها، ووجه المضارعة بينهما ~~اجتماعهما في الجر وفي الذلاقة، ولزوم كل واحد منهما الحرفية، وليست كذلك ~~كاف التشبيه، لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع، وسنذكر ذلك في موضعه. # انقضى حرف الباء. PageV01P154 ### | باب التاء ### | الحديث عن التاء # التاء حرف مهموس1، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: # أصلا، وبدلا، وزائدا. # فإذا كان أصلا وقعت فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: تمر وتنأ2. والعين نحو: ~~فتر3 وقتل، واللام نحو: فخت4 ونحت. # وإما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف، هن: الواو والياء، والسين، والصاد، ~~والطاء، والدال. # قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالا صالحا5، وذلك نحو: تجاه، وهو فعال من ~~الوجه، وتراث: فعال من ورث، وتقية: فعيلة من وقيت، ومثله التقوى، وهو فعلى ~~منه، وكذلك تقاة: فعلة منها. وتوراة عندنا فوعلة6 من وري الزند7، وأصلها ~~وورية، فأبدلت الواو الأولى تاء: وذلك أنهم لو لم يبدلوها تاء، لوجب أن ~~يبدلوها همزة، لاجتماع الواوين في أول الكلمة، ومثلها: ms078 تولج، وهو فوعل من ~~ولج8 يلج، كذا هو القياس في هذين الحرفين، وأصله على قولنا: وولج، وتوراة. ~~وتولج عند البغدادين9 تفعل، وحملهما على فوعل أوجه، لكثرة فوعل. ~~PageV01P155 # في الكلام، وقلة تفعل، ومن ذلك تخمة، وأصلها وخمة1، لأنها فعلة من ~~الوخامة، وتكأة، لأنها فعلة من توكأت، وتكلان: فعلان من توكلت، وتيقور: ~~فيعول من الوقار. # ومن أبيات الكتاب. # فإن يكن أمسى البلى تيقوري2 # أي أمسى وقاري للبلى، ومن أجل البلى، أصله: ويقور. وقالوا: رجل تكلة، أي ~~وكلة، وهو فعلة من وكل يكل، وقالوا: أتلجه، أي أولجه، وضربه حتى أتكأه، أي ~~أوكأه، وعلى هذا أبدلوا التاء من الواو في القسم، وخصوا بها اسم الله ~~تعالى، لأنها فرع فرع، فخص بها الأشهر، وقد مضى ذلك في آل وأهل. وقالوا: ~~التليد3 والتلاد من ولد، وتترى4: فعلى من المواترة، وأصلها وترى، ومن العرب ~~من ينونها، يجعل ألفها للإلحاق، بمنزلة ألف أرطى5 ومغزى، ومنهم من لا ~~يصرفه، يجعل ألفها للتأنيث، بمنزلة ألف سكرى وغضبى. PageV01P156 # وهذه الألفاظ التي جمعتها وإن كانت كثيرة، فإنه لا يجوز القياس عليها، ~~لقلتها بالإضافة إلى ما لم تقلب واوه تاء، فلا تقول قياسا على تقية في ~~وقية: تزير في وزير، ولا تقول في وجيهة تجيهة، ولا في أوعد أتعد، قياسا على ~~أتلج، ولا في ولهى1 تلهى، قياسا على تترى. # فأما ما تقيس عليه لكثرته فافتعل وما تصرف منه، إذا كانت فاؤه واوا، فإن ~~واوه تقلب تاء، وتدغم في تاء افتعل التي بعدها، وذلك نحو: اتزن، أصله: ~~اوتزن، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في تاء افتعل، فصار اتزن، ومثله اتعد واتلج ~~واتصف من الوصف. # قال الأعشى2: # فإن تتعدني أتعدك بمثلها ... وسوف أزيد الباقيات القوارصا3 # وقال طرفة4: # فإن القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر5 PageV01P157 # وقال سحيم1: # وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرا واتصافا2 # أراد ميسان، فزاد نونا. # والعلة في قلب هذه الواو في هذا الموضع تاء، أنهم لو لم يقلبوها تاء، ~~لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها ياء، فيقولوا: ايزن، ايتعد، ms079 ايتلج، ~~فإذا انضم ما قبلها ردت إلى الواو فقالوا: موتعد، وموتزن، وموتلج، وإذا ~~انفتح ما قبلها قلبت ألفا، فقالوا: ياتعد، وياتزن، وياتلج، فلما كانوا لو ~~لم يقلبوها تاء صائرين من قلبها مرة ياء، ومرة ألفا، ومرة واوا، إلى ما ~~أريناه، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا3، تتغير أحوال ما قبلها وهو باق ~~بحاله، وكانت التاء قريبة المخرج من الواو، لأنها من أصول الثنايا4، والواو ~~من الشفة، فأبدلوها تاء، وأدغموها في لفظ ما بعدها، وهو التاء، فقالوا: ~~اتعد واتزن5، وقد فعلوا هذا أيضا في الياء، وأجروها. PageV01P158 # مجرى الواو، فقالوا في افتعل من اليبس واليسر: اتبس واتسر، وذلك لأنههم ~~كرهوا انقلابها واوا متى انضم ما قبلها في نحو موتبس، وألفا في ياتبس، ~~فأجروها مجرى الواو قالوا: اتبس واتسر، ومن العرب من لا يبدلهما تاء. ويجري ~~عليهما من القلب ما تنكبه1 الآخرون، فيقول: ايتعد، وايتزن، وايتبس، ويوتعد، ~~وياتعد، ويوتزن، وياتزن، وياتبس، وموتعد، وموتبس. # وسمع الكسائي2: الطريق ياتسق وياتسع، أي يتسق ويتسع. واللغة الأولى أكثر ~~وأقيس، وهي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن. # فهذا إبدال التاء من الواو والياء فاءين. # وقد أبدلت منهما لامين. قالوا: أخت، وبنت، وهنت، وكلتا، أصل هذا كله ~~أخوة، وبنوة، وهنوة، وكلوا، فنقلوا أخوة وبنوة ووزنوهما فعل، إلى فعل وفعل، ~~وألحقوهما بالتاء المبدلة من لامها، بوزن قفل وحلس3، فقالوا: أخت وبنت، ~~وليست التاء فيهما بعلامة تأنيث، كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ~~ما قبلها. PageV01P159 # هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب ما لا ينصرف، فقال: لو ~~سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم. # على أن سيبويه قد تسمح في بعض ألفاظه في الكتاب، فقال: هما علامتا ~~تأنيث1، وإنما ذلك تجوز منه في اللفظ، لأنه أرسله غفلا2، وقد قيده وعلله في ~~باب مالا ينصرف3. # والأخذ بقوله المعلل أولى من الأخذ بقوله الغفل المرسل. # ووجه تجوزه أنه لما كانت التاء لا تبدل من الواو فيهما إلا مع المؤنث، ~~صارتا كأنهما علامتا تأنيث. # فإن ms080 قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟ # فالجواب أن الصيغة فيهما علم تأنيثهما، وأعني بالصيغة فيهما بناءهما على ~~فعل وفعل، وأصلهما فعل، وإبدال الواو فيهما لاما4، لأن هذا عمل اختص به ~~المؤنث. # يدل أيضا على ذلك إقامتهم إياه مقام العلامة الصريحة، وتعاقبهما على ~~الكلمة الواحدة وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في بنت قامت مقام الهاء في ~~ابنة، فكما أن الهاء علم تأنيث لا محالة، فكذلك صيغة بنت علم تأنيثها، وليس ~~بنت من ابنة كصعبة من صعب، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. PageV01P160 # ويدل على أن أخا وابنا فعل، مفتوحة العين، جمعهم إياهما على أفعال، نحو: ~~أبناء وآخاء، حكى سيبويه آخاء عن يونس1. # وأنشدنا أبو علي: # وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم ... وأي بني الآخاء تنبو مناسبه2 # ويدل على أن اللام منهما واو قولهم في الجمع: أخوات. # فأما البنوة وكذا الأخوة فلا دلالة فيها عندنا، لقولهم: الفتوة، وهي من ~~قولهم فتيان، ولكن قولهم بنت وإبدال التاء من حرف العلة، ويدل على أنها من ~~الواو، لأن إبدال التاء من الواو أضعاف إبدالها من الياء، وعلى الأكثر ~~ينبغي أن يكون القياس3. PageV01P161 # وأما هنت فيدل على أن التاء فيها بدل من الواو، قولهم في الجمع: هنوات، ~~قال1: # أرى ابن نزار قد جفاني ورابني ... على هنوات شأنها متتابع2 # وأما كلتا فذهب سيبويه إلى أنها فعلى، بمنزلة الذكرى والحفرى3، وأصلها ~~كلوا، فأبدلت الواو تاء، كما أبدلت في أخت وبنت. # والذي يدل على أن لام كلتا معتلة، قولهم في مذكرها: كلا، وكلا: فعل، ~~ولامه معتلة، بمنزلة لام حجا ورضا، وهما من الواو، لقولهم: حجا يحجو4 ~~والرضوان، ولذلك مثلها سيبويه بما اعتلت لامه منقلبة، فقال: هي بمنزلة ~~شروى. # وأما أبو عمر الجرمي فذهب إلى أنها فعتل، وأن التاء فيها علم تأنيثها، ~~وخالف سيبويه. # ويشهد بفساد هذا القول أن تاء التأنيث لا تكون علامة تأنيث الواحد إلا ~~وقبلها فتحة نحو طلحة وحمزة، وقائمة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف، نحو: ~~سعلاة5 وعزهاة6، واللام في كلتا ساكنة كما ترى، فهذا ms081 وجه. # ووجه آخر أن علامة التأنيث لا تكون أبدا وسطا، إنما تكون آخرا لا محالة. ~~PageV01P162 # وكلتا: اسم مفرد يفيد معنى التثنية بإجماع من البصريين، فلا يجوز أن تكون ~~علامة تأنيثه التاء وما قبلها ساكن، وأيضا فإن فعتل مثال لا يوجد في الكلام ~~أصلا، فيحمل هذا عليه، فإن سميت بكلتا رجلا لم تصرفه في قول سيبويه، معرفة ~~ولا نكره، لأن ألفها للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى، وتصرفه نكرة في قول أبي عمر، ~~لأن أقصى أحواله عنده أن يكون كقائمة وقاعدة وعزة وحمزة. # وأما إبدالهم التاء من الياء لاما، فقولهم: ثنتان، ويدل على أنه من الياء ~~أنه من ثنيت، لن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه، وأصله: ثني، يدل على ذلك ~~جمعهم إياه على أثناء، بمنزلة أبناء وآخاء، فنقلوه من فعل إلى فعل، كما ~~فعلوا ذلك في بنت، فأما التاء في اثنتان فتاء التأنيث، بمنزلتها في ابنتان ~~تثنية ابنة، وإنما ثنتان بمنزلة بنتان، واثنتان بمنزلة ابنتان. # وأبدلوا التاء أيضا من الياء لاما في قولهم: كيت وكيت، وذيت وذيت1، ~~وأصلهما كية وكية، وذية وذية، ثم إنهم حذفوا الهاء، وأبدلوا من الياء التي ~~هي لام تاء، كما فعلوا ذلك في ثنتان، فقالوا: كيت وذيت، فكما أن الهاء في ~~كية وذية علم تأنيث، فكذلك الصيغة في كيت وذيت علم تأنيث، وكذلك التاء أيضا ~~في اثنتان علامة تأنيث، والصيغة في ثنتان أيضا علامة تأنيث. وهذه قصة ابنة ~~وبنت أيضا. # وفي كيت وذيت ثلاث لغات: منهم من يبنيهما على الفتحة، فيقول: كيت وذيت، ~~ومنهم من يبنيهما على الكسرة، فيقول: كيت وذيت، ومنهم من يبنيهما على ~~الضمة، فيقول: كيت وذيت. # فأما كية وذية فليس فيهما مع الهاء إلا البناء على الفتح. # فإن قيل: ما تنكر أن تكون التاء في كيت وذيت منقلبة عن واو، بمنزلة تاء ~~أخت وبنت، ويكون على هذا أصل ذية وكية: ذيوة وكيوة، فلما اجتمعت الواو ~~والياء وسبقت الياء بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء كما ~~قالوا: سيد وميت، وأصلهما سيود وميوت. PageV01P163 # فالجواب أن ms082 كية وذية لا يجوز أن يكون أصلهما كيوة وذيوة، من قبل أنك لو ~~قضيت بذلك لأجزت ما لم يأت مثله في كلام العرب، لأنه ليس في كلامهم لفظة ~~عين فعلها ياء، ولام فعلها واو. # ألا ترى أن سيبويه قال: ليس في الكلام مثل: حيوت، فأما ما أجازه أبو ~~عثمان في الحيوان من أن يكون واوه غير منقلبة عن الياء، وخالف فيه الخليل، ~~وأن يكون الواو فيه أصلا غير منقلبة، فمردود عليه عند أصحابنا لادعائه ما ~~لا دليل عليه، ولا نظير له، وما هو مخالف لمذهب الجمهور، وكذلك قولهم في ~~اسم رجل: رجاء بن حيوة1، إنما الواو فيه بدل من ياء، وحسن البدل فيه وصحة ~~الواو أيضا بعد ياء ساكنة، كونه علما، والأعلام قد يحتمل فيها ما لا يحتمل ~~في غيرها، وذلك من وجهين: # أحدهما: الصيغة، والآخر: الإعراب. # أما الصيغة فنحو قولهم: موظب ومورق وتهلل ومحبب ومكوزة ومزيد وموألة2، ~~فيمن أخذه من وألت، ومعديكرب كان ينبغي أن يكون معدي، لأن مفعل مما لامه ~~معتلة لا يوجد إلا في حرف واحد، وهو مأوي الإبل، حكاها الفراء. # وأما الإعراب فنحو قولهم في الحكاية لمن قال: مررت بزيد: من زيد؟ ولمن ~~قال: ضربت أبا بكر: من أبا بكر، لأن الكنى تجرى مجرى الأعلام، وكذلك أيضا ~~صحت حيوة بعد قلب لامها واوا، وأصلها حية، كما أن أصل حيوان، حييان، فهذا ~~إبدال التاء من الواو والياء لامين، ولم أعلمها أبدلت منها عينين. ~~PageV01P164 # وقد أبدلت التاء من السين لاما، وذلك في قولهم في العدد ست، وأصلها: سدس، ~~لأنها من التسديس، كما أن خمسة من التخميس، ولذلك قالوا في تحقيرها: سديسة، ~~ولكنهم قلبوا السين الآخرة تاء، لتقرب من الدال التي قبلها، وهي مع ذلك حرف ~~مهموس، كما أن السين مهموسة، فصار التقدير: سدت، فلما اجتمعت الدال والتاء ~~وتقاربتا في المخرج، أبدلوا الدال تاء، لتوافقها في الهمس، ثم أدغمت التاء ~~في التاء فصارت: ست، كما ترى. # وقد أبدلوا التاء أيضا من السين في موضع آخر، قرأت على محمد بن ms083 الحسن1 عن ~~أبي العباس أحمد بن يحيى: # يا قاتل الله بني السعلات # عمرو بن يربوع شرار النات # غير أعفاء ولا أكيات2 # يريد الناس، وأكياس، فأبدلت السين تاء لموافقتها إياها في الهمس والزيادة ~~وتجاور المخارج. # وقالوا في طس3: طست. # وأنشدنا أبو علي قال: أنشدنا أبو عثمان: PageV01P165 # لو عرضت لأيبلي قس # أشعث في هيكله مندس # حن إليها كحنين الطس1 # وقالوا: ختيت في معنى خسيس، فأبدلوا السين تاء. # وأبدلت من الصاد أيضا، قالوا في لص: لصت، وأثبتوها أيضا في الجمع، قال ~~الشاعر: # فتركن نهدا عيلا أبناؤها ... وبني كنانة كاللصوت المرد2 PageV01P166 # فأما قول الأعرابي من بني عوف بن سعد: # صفقة ذي ذعالت سمول # بيع امرئ ليس بمستقيل1 # وهو يريد الذعالب، فينبغي أن يكونا لغتين، وغير بعيد أن تبدل أيضا التاء ~~من الباء، إذ قد أبدلت من الواو، وهي شريكة الباء في الشفة، والوجه أن تكون ~~التاء بدلا من الباء، لأن الباء أكثر استعمالا، ولما ذكرناه أيضا من ~~إبدالهم التاء من الواو. # وأما قولهم فسطاس2: فستاط، فالتاء فيه بدل من الطاء، لقولهم في الجمع ~~فساطيط، ولم يقولوا فساتيط، فالطاء إذن أعم تصرفا. # وقالوا: أستاع يستيع، أي أطاع يطيع، فالتاء بدل من الطاء، لا محالة ~~وقالوا: ناقة تربوت3، وأصلها دربوت، وهي فعلوت من الدربة، أي هي مذللة، ~~فالتاء بدل من الدال. PageV01P167 ### | زيادة التاء # وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولا في نحو: تالب1 وتجفاف2 وتعضوض3 وترتب4 ~~وتنضب5. ومثل تجفاف تمثال وتبيان وتلقاء وناقة تضراب6، وزيدت ثانية في نحو: ~~افتقار وافتقر واقتطاع واقتطع. # وزيدت أيضا رابعة في سنبتة7، وهي القطعة من الزمان. # قال الراجز8: # رب غلام قد صرى في فقرته # ماء الشباب عنقوان سنبته9 # في معنى سنبتة. فهذه دلالة على زيادة التاء في سنبتة. PageV01P169 # وزيدت أيضا خامسة في نحو: ملكوت وجبروت ورغبوت ورهبوت ورحموت وطاغوت. ~~وسادسة في نحو: عنكبوت وترنموت1 وهو صوت ترنم القوس عند الإنباض2، قال ~~الراجز3: # تجاوب القوس بترنموتها4 # أي بترنمها. # وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك: كسرته فتكسر، وقطعته ~~فتقطع، ودحرجته فتدحرج. ومن ms084 زيادتها في أوائل الأفعال الماضية، قولهم: ~~تغافل وتعاقل وتجاهل. # وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر، نحو: أنت تقوم وتقعد، ولخطاب ~~المؤنث، نحو: أنت تقومين وتقعدين، وللمؤنثة الغائبة، نحو: هي تقوم وتقعد، ~~PageV01P170 # وقد أنث بها لفظ الفعل الماضي، نحو قامت وقعدت، وتؤنث بها جماعة المؤنث ~~نحو: قائمات وقاعدات. # وأما قولهم في الواحدة قائمة وقاعدة وظريفة، فإنما الهاء في الوقف بدل من ~~التاء في الوصل، والتاء هي الأصل، فإن قيل: وما الدليل على أن التاء هي ~~الأصل، وأن الهاء بدل منها؟ # فالجواب أن الوصل مما تجري فيه الأشياء على أصولها، والوقف من مواضع ~~التغيير، ألا ترى أن من قال من العرب في الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر، فنقل ~~الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته، ~~فقال: هذا بكر، ومررت ببكر، وكذلك من قال في الوقف: هذا خالد، وهو يجعل، ~~فإنه إذا وصل خفف الدال واللام، فقال: هذا خالد، وهو يجعل، على أن من العرب ~~من يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، ~~وأنشدنا أبو علي: # بل جوز تيهاء كظهر الحجفت1 PageV01P171 # وأخبرنا بعض أصحابنا، يرفعه بإسناده إلى قطرب1 أنه أنشده2: # الله نجاك بكفي مسلمت # من بعدما وبعدما وبعدمت # صارت نفوس القوم عند الغلصمت # وكادت الحرة أن تدعى أمت3 # وقد قلبوا هذا الأمر، فأجروا الشيء في الوصل على حد مجراه في الوقف، ومن ~~ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد ثلاثة ربعة، وعلى هذا قالوا في الوصل ~~سبسبا4 وكلكلا5. PageV01P172 # قرأت على محمد بن الحسن1، عن أحمد بن يحيى2: # من لي من هجران ليلي من لي ... والحبل من حبالها المنحل # تعرضت لي بمكان حل ... تعرض المهرة في الطول3 # يريد الطول. # وأنشدني أبو علي أيضا هذه الأبيات، وفيها مما قرأته على محمد4 أيضا، ولم ~~أروه عن أبي علي: # ترى مراد نسعه المدخل ... بين رحى الحيزوم والمرحل # مثل الزحاليف بنعف التل # يريد المدخل والمرحل، وفيها أيضا ما قرأته على محمد، وأنشدناه أبو علي: # نسل وجد ms085 الهائم المغتل ... ببازل وجناء أو عيهل # كأن مهواها على الكلكل ... موقع كفي راهب يصلي5 # يريد العيهل6 والكلكل7. PageV01P173 # ومن أبيات الكتاب1: # ضخما يحب الخلق الأضخما2 # يريد الأضخم. # ويروى: "الإضخما" و"الضخما"، ولا حجة فيهما3. # فلما كان الوصل مما تجري فيه الأشياء على أصولها في غالب الأمر، ومطرد ~~اللغة، وكان الوقف مما يغير فيه الأشياء عن أصولها، ورأينا علم التأنيث في ~~الوصل تاء نحو قائمتان بدل من التاء في الوصل. PageV01P174 # فأما قول الآخر1: # العاطفونه حين ما من عاطف ... والمسبغون يدا إذا ما أنعموا2 # ففيه قولان: # أحدهما: أنه أراد أن يجريه في الوصل على حد ما يكون عليه في الوقف، وذلك ~~أنه يقال في الوقف: هؤلاء مسلمونه، وضاربونه، فلتحق الهاء لبيان حركة ~~النون، كما أنشدوا3: # أهكذا يا طيب تفعلونه # أعللا ونحن منهلونه4 # فصار التقدير: العاطفونه. PageV01P175 # ثم إنه شبه هاء الوقف بهاء التأنيث، فلما احتاج لإقامة الوزن إلى حركة ~~الهاء قلبها تاء، كما تقول في الوقف: هذا طلحة، فإذا وصلت صارت الهاء تاء، ~~فقلت: هذا طلحتنا، فعلى هذا قال: العاطفونة. # ويؤنس بصحة هذا القول قليلا ما أنشدناه آنفا من قول الراجز1: # من بعدما وبعدما وبعدمت # صارت نفوس القوم عند الغلصمت2 # أراد: وبعدما، فأبدل الألف في التقدير هاء، فصار: وبعدمه، كما أبدلها ~~الآخر من الألف، فقال -فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب ~~أيضا-: # قد وردت من أمكنه # من ها هنا ومن هنه # إن لم أروها فمه3 # يريد: من هنا، فأبدل في الوقف هاء، فقال: "من هنه". # فأما قوله: "فمه؟ " فالهاء فيه تحتمل تأويلين: PageV01P176 # أحدهما: أنه أراد: "فما" أي إن لم أرو هذه الإبل الواردة من هنا ومن هنا ~~فما؟ أي فما أصنع؟ منكرا على نفسه ألا يرويها، فحذف الفعل الناصب لما التي ~~للاستفهام. # والوجه الآخر: أن يكون أراد: إن لم أروها1 فمه، أي فاكفف2 عني، فلست بشيء ~~ينتفع به، وكأن التفسير الأول أقوى في نفسي، فصار التقدير على هذا: من ~~بعدما، وبعدما، وبعدمه" ثم إنه أبدل الهاء تاء، لتوافق بقية القوافي التي ~~تليها ms086 ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة في بعدمه، بهاء التأنيث ~~في طلحة وحمزة. ولما كان يراهم قد يقولون في بعض المواضع في الوقف: هذا ~~طلحت وهذا حمزت، قال هو أيضا "وبعدمت"، فأبدل الهاء المبدلة من الألف تاء ~~تشبيها لفظيا، كما قال الآخر3: # يحدو ثماني مولعا بلقاحها ... حتى هممت بزيغة الإرتاج4 # فلم يصرف ثماني لشبهها بجواري: لفظا لا معنى. PageV01P177 # أولا ترى أن أبا عثمان قال في قول الآخر1: # ولاعب بالعشي بني بنيه ... كفعل الهر يحترش العظايا # فأبعده الإله ولا يؤبى ... ولا يسقى من المرض الشفايا2 # "وأخذه على أبو علي وقت قرائتي تصريف أبي عثمان عليه فقال: ولا يشفى"3 ~~إنه شبه ألف النصب في العظايا4 والشفايا بهاء التأنيث في نحو: عظاية ~~وصلاية5. يريد أبو عثمان أنه صحح الياء وإن كان طرفا، لكنه شبه الألف التي ~~تحدث عن فتحة النصب بهاء التأنيث في نحو: عظاية وعباية، فكما أن الهاء ~~فيهما صححت الياء قبلها، فكذلك صححت ألف النصب في العظايا والشفايا الياء ~~التي قبلها، وهذا ونحوه مما قال سيبويه فيه: "وليس شيء مما يضطرون إليه إلا ~~وهم يحاولون به وجها. وإذا جاز أن تشبه هاء "وبعدمه" بتاء التأنيث، حتى ~~يقال فيها: "وبعدمت" جاز أن تشبه هاء العاطفونه اللاحقة لبيان حركة النون، ~~بهاء التأنيث، فيقال: العاطفونة، وفتحت التاء كما فتحت في آخر ربت وثمت6 ~~وكيت وذيت، فهذا أحد القولين في العاطفونه. PageV01P178 # وقال قوم آخرون: إنما هم العاطفون، مثل القائمون والقاعدون، ثم إنه زاد ~~التاء في "تحين"، كما زادها الآخر في قوله1: # نولي قبل نأي دار جمانا ... وصليه كما زعمت تلانا2 # أراد الآن، وهذا الوجه اشد انكشافا من الأول. # وقال أبو زيد: سمعت من يقول: "حسبك تلان3" يريد الآن، فيزيد التاء، وأما ~~ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الآخر4: # إذا اغتزلت من بقام الفرير ... فيا حسن شملتها شملتا5 # فقال فيه: إنه شبه هاء التأنيث في شملة بالتاء الأصلية في نحو: بيت وصوت، ~~فألحقها في الوقف عليها ألفا، كما تقول: رأيت بيتا، فشملتا ms087 على هذا منصوبة ~~على التمييز، كما تقول: يا حسن وجهك وجها، أي من وجه. PageV01P179 # واعلم أن للتاء ميزانا وقانونا يعرف به من طريق القياس كونها أصلا أو ~~زائدة فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالها فيما أذكره ~~لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو ~~إحداهما، على زنة الأصول، فاقض بأنهما زائدتان، مثال ذلك قولنا: عنتر1، ~~فالنون والتاء جميعا أصلان، لأنهما بإزاء العين والفاء من جعفر2، ألا ترى ~~أن في الأصول مثال فعلل؟ وكذلك النون في نحو: حنزقر3 أصل، لأنها بإزاء ~~الراء من جردحل4 وقرطعب5، وكذلك التاء في فرتاج6 هي أصل لأنها الدال من ~~سرداح 7، والطاء من قرطاس، وكذلك التاء من صعتر أصل، لأنها بإزاء الفاء من ~~جعفر، والضاد من قعضب8. # فأما التاء في ترتب9 فزائدة، لأنه ليس في الأصول جعفر، وكذلك تدرأ10 أيضا ~~لا فرق بينهما. # هذا من طريق القياس، وقد شهد به أيضا الاشتقاق، لأن ترتب من الشيء ~~الراتب، وتدرأ من درأت، أي دفعت. وكذلك نون نرجس11 زائدة، لأنه ليس في ~~الأصول مثل جعفر، بكسر الفاء. PageV01P180 # فأما تولب1 فتاؤه أصل، والواو زائدة، لأن فوعلا في الكلام أكثر من تفعل. ~~وأما نون نهشل2 وتاء ترخم3 فأصلان، لأنهما بإزاء سين سلهب4. وأما تألب ~~فتاؤه زائدة، يدل على ذلك الاشتقاق، لأنهم يقولون: ألب الحمار آتنه5 ~~يألبها. وأما تاء سنبتة فلولا الاشتقاق أيضا لقضينا بأنها أصل، لأنها بإزاء ~~جيم عرفجة6 ولكنهم لما قالوا في معناها سنبة7، دل ذلك على زيادتها. وأما ~~نون قنفخر8 فلولا الاشتقاق أيضا لقضينا بأنها أصل، ولكنهم ردوه إلى لفظ ~~امرأة قفاخرية، والقنفخر: كل شيء فاق في حسنه، والقفاخرية: النبيلة العظيمة ~~النفيسة من النساء، وكذلك تاء تجفاف9 لولا الاشتقاق لوجب القضاء بأصليتها، ~~لأنها بإزاء قاف قرطاس، ولكنهم ذهبوا فيه إلى أنه من معنى الصلابة والجفاف. ~~وأما نون نبراس10 فقد ذهب إلى زيادتها، واشتق له من معنى البرس، وهو القطن، ~~لأن النبراس: المصباح، والفتيلة أبدا في غالب الأمر في قطن. ms088 # وأما تاء تلنة11 فأصل، لقولهم في معناه تلونة، وتلونة: فعولة بلا كلام، ~~وهي الحاجة. PageV01P181 # وإذا رأيت النون في كلمة خماسية ثالثة ساكنة، فاقض بزيادتها، نحو قرنفل1 ~~وسلنطح2 وبلندح3 وجرنبذ4 وجرنفس5. # وإنما ذكرت بعض أحكام النون في حرف التاء، لاشتراكهما في هذه القضية. ~~وإذا وصلنا إلى حرف النون بإذن الله أحلنا في هذا الفن على هذا الفصل. # واعلم أن التاء تكون اسما مضمرا نحو تاء قمت وقمت وقمت، وتكون حرف للخطاب ~~نحو تاء أنت وأنت، وسترى هذا مفصلا إن شاء الله تعالى. # وقد 6 حذفت التاء عينا في سه، وأصلها سته، قال: # رقاب كالمواجن خاظيات ... وأستاه على الأكوار كوم7 PageV01P182 ### | باب الثاء # الثاء: حرف مهموس، وهو أحد حروف النفث1، ومحله من الذال محل التاء من ~~الدال2، ولا تكون إلا أصلا، فاء أو عينا أو لاما، فالفاء نحو ثمر وثبت، ~~والعين نحو جثل3 وخثر4، واللام نحو فحث5 وبعث. # واعلم أن الثاء إذا وقعت فاء في افتعل وما تصرف منه قلبت تاء، وأدغمت في ~~تاء افتعل بعده، وذلك قولهم في افتعل من الثريد6 اترد، وهو مترد، وإنما ~~قلبت تاء، لأن الثاء أخت التاء في الهمس، فلما تجاورتا في المخارج أرادوا ~~أن يكون العلم من وجه واحد، فقلبوها تاء، وأدغموها في التاء بعدها، ليكون ~~الصوت نوعا واحدا، كما أنهم لما أسكنوا تاء وتد تخفيفا أبدلوها إلى لفظ ~~الدال بعدها، فقالوا: ود، ومثل ذلك قولهم في افتعل من الثأر: اتأر, وفي ~~افتعل من ثنى: اتنى. # قال7: # والنيب إن تعرمني رمة خلقا ... بعد الممات فإني كنت أتئر8 PageV01P183 # وقال1: # بدا بأبي ثم اتنى ببني أبي ... وثلث بالأدنين ثقف المخالب2 # هذا هو المشهور في الاستعمال، وهو أيضا القوي في القياس، ومنهم من يقلب ~~تاء افتعل ثاء، فيجعلها من لفظ الفاء قبلها، فيقول: اثرد واثأر، وأثنى، كما ~~قال بعضهم في ادكر: اذكر. وفي اصطلحوا اصلحوا. # وقرأت على أبي علي عن أبي بكر3، عن أبي العباس4، عن أبي عثمان5 أن بعضهم ~~قرأ: "أن يصلحا"6، وعلى هذا قالوا: اصبر في اصطبر، وازان ms089 في ازدان. # وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: يقال: هي فروغ الدلو7 ~~وثروغها، فالثاء إذن بدل من الفاء، لأنه من التفريغ. PageV01P184 # فأما قولهم في أثاف1 أثاث، بالثاء فمن كانت عنده أثفية أفعولة، وأخذها من ~~ثفاه يثفوه، فالثاء الثانية في أثاث بدل من الفاء في يثفوه، ومن كانت عنده ~~"فعلية" فجائز أن تكون الثاء بدلا من الفاء. # لقول النابغة2: # وإن تأثفك الأعداء بالرفد3 # وجائز أن تكون من أث يئث: إذا ثبت واطمأن. لأنهم يصفون الأثافي بالخلود ~~والركود. # والوجه أن تكون الثاء بدلا من الفاء أيضا، لأنا لم نسمعهم قالوا أثية. ~~PageV01P185 ### | باب الجيم # الجيم: حرف مجهور، يكون في الكلام على ضربين: أصلا وبدلا. # فإذا كان أصلا وقع فاء، وعينا، ولاما، فالفاء نحو: جعل1، وجعل، والعين ~~نحو: جحر وحجر، واللام نحو: خرج وخرج. # وإذا كانت بدلا فمن الياء لا غير، قرأت على أبي علي2، عن أبي بكر، عن بعض ~~أصحاب يعقوب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الأصمعي: حدثني خلف3 قال: ~~أنشدني رجل من أهل البادية، وقرأتها عليه4 في الكتاب5: # عمي عويف وأبو علج # المطعمان اللحم بالعشج # وبالغداة كسر البرنج # تقلع بالود وبالصيصج6 # يريد: أبو علي، وبالعشي، وبالصيصية، وهي قرن البقرة. PageV01P187 # قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: ~~فقيمج. قال: قلت: من أيهم؟ قال: مرج، يريد: فقيمي، ومري. # وأنشد لهيمان بن قحافة السعدي: # يطير عنها الوبر الصهابجا1 # يريد الصهابي، من الصهبة. # وقال يعقوب: بعض العرب إذا شدد الياء جعلها جيما. # وأنشد عن ابن الأعرابي: # كأن في أذنابهن الشوال # من عبس الصيف قرون الإجل2 # يريد: الأبل. PageV01P188 # قال: وأنشد الفراء1: # لاهم أن كنت قبل حجتج # فلا يزال شاحج يأتيك بج # أقمر نهات ينزي وفرتج2 # ويروى: شامخ، يعني بعيرا مستكبرا. # انقضت الحكاية عن أبي علي. PageV01P189 # وقال1: # حتى إذا ما أمسجت وأمسجا2 # يريد: أمست وأمسى. # وهذا أحد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت: رميت، وغزت: غزوت، وأعطت: ~~أعطيت، واستقصت: استقصيت، وأمست: أمسيت. # ألا ترى أنه ms090 لما أبدل الياء من أمسيت جيما، والجيم حرف صحيح يحتمل ~~الحركات، ولا يلحقه الانقلاب الذي يلحق الياء والواو، صححها كما يجب في ~~الجيم، فدل أمسجت على أن أصل أمست: أمسيت، وكذلك قال أيضا: أمسجا، فدل ذلك ~~على أن أصل أمسى: أمسي، وأن أصل رمى: رمي، وأصل غزا: غزو، وأصل دعا: دعو، ~~ودل ذلك أيضا على أن أصل عصا: عصو، وأصل قطا وقنا وحصى وفتى: قطو3، وقنو4، ~~وحصي، وفتي، فبهذا ونحوه ما استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيرة، ~~كما استدلوا بقوله عز اسمه: {استحوذ عليهم الشيطان} على أن أصل استقام: ~~استقوم. وأصل استباع استبيع. # ولولا ما ظهر من هذا ونحوه لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، ~~ولما جاز ادعاؤهم إياها. PageV01P190 ### | باب الحاء # الحاء حرف مهموس، يكون أصلا لا غير. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: حرم وحبس، والعين نحو: ~~سحر1 وضحك، واللام نحو: صبح، وصلح. # ولا تكون الحاء بدلا ولا زائدا أبدا إلا فيما شذ عنهم. # وأنشد ابن الأعرابي: # ينفحن منه لهبا منفوحا # لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا2 # قال: أراد: منفوخا: فأبدل الخاء حاء PageV01P191 # قال: ومثله قول رؤبة1: # غمر الأجاري كريم السنح # أبلج لم يولد بنجم الشح2 # قال: يريد: السنخ. # فأما قول من قال في قول تأبط شرا3: # كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق4 PageV01P192 # إنه أراد: حثثوا، فأبدل من الثاء الوسطى حاء فمردود عندنا، وإنما ذهب إلى ~~هذا البغداديون، وأبو بكر أيضا معهم. # وسألت أبا علي عن فساده فقال: العلة في فساده أن أصل القلب في الحروف، ~~إنما هو فيما تقارب منها وذلك الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، ~~والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تدانت مخارجه. # فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى ~~أختها. # قال: وإنما حثحث أصل رباعي، وحثث أصل ثلاثي، وليس واحد منهما من لفظ ~~صاحبه، إلا أن حثحث من مضاعف الأربعة، وحثث من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا ~~بالتضعيف الذي فيهما، اشتبه على ms091 بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهبنا، ~~ألا ترى أن أبا العباس1 قال في قول عنترة2: # جادت عليه كل بكر ثرة # فتركن كل قرارة كالدرهم3 # ليس ثرة عند النحويين من لفظ ثرثارة4، وإن كانت من معناها. هذا هو ~~الصواب، وهو قول كافة أصحابنا. # على أن أبا بكر محمد بن السري قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم، ~~وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها، وهي مع ذلك مضعفة. ~~PageV01P193 # ونظيرها من غير التضعيف قولهم دمث ودمثر1، وسبط2 وسبطر3، ولؤلؤ ولأل4، ~~وحية وحواء5، ودلاص6 ودلامص، في قول أبي عثمان. وزغب الفرخ وازلغب7، وله ~~نظائر كثيرة، وإذا قامت الدلالة على أن حثحث ليس من لفظ حثث، فالقول في هذا ~~وفي جميع ما جاء منه واحد، وذلك نحو: تململ وتملل، ورقرق ورقق، وصرصر وصرر، ~~وقد حذفت الحاء لاما في حر. وأصله حرح، لقولهم أحراح، قال: # إني أقود جملا ممراحا # ذا قبة مملوء أحراحا8 PageV01P194 ### | باب الخاء # الخاء حرف مهموس، يكون أصلا لا غير، فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: ~~خرج، وخرج، والعين نحو: صخر وصخب1، واللام نحو: مرخ ومرخ2. # فأما ما قرأته على أبي علي عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عن يعقوب من ~~أن أبا مزيد قال: خمص الجرح يخمص خموصا3، وحمص يحمص حموصا، وانخمص انخماصا. # قال أبو علي: وانحمص انحماصا، ذ كره أبو زيد في مصادره4: إذا ذهب ورمه ~~-فلا يكون الحاء فيه بدلا من الخاء، ولا الخاء بدلا من الحاء، ألا ترى أن ~~كل واحد من المثالين يتصرف في الكلام تصرف صاحبه، فليست لأحدهما مزية من ~~التصرف والعموم في الاستقبال يكون بها أصلا، ليست لصاحبه. # ومع هذا فإنك تجد لكل واحد منهما وجها يحقق له حرفه، وذلك أن خمص بالخاء، ~~من الشيء الخميص الضامر، وهذا واضح، لأن الجرح إذا ذهب ورمه، فهو فيه كخمص ~~البطن، وأما انحمص بالحاء فهو من الحمص، ألا ترى أن الحمصة صغيرة ضامرة، ~~فهذا يشهد بأن الحرفين أصلان، وأنه ليس أحدهما أصلا لصاحبه، ولا بدلا منه. ms092 ~~PageV01P195 ### | باب الدال # الدال حرف مجهور، يكون في الكلام على ضربيين: أصلا وبدلا. # فإذا كانت أصلا وقعت فاء وعينا ولاما. فالفاء نحو: درج ودرج1، والعين ~~نحو: خدل وخدل، واللام نحو: جعد وجعد2. # وأما البدل فإن فاء افتعل، إذا كانت زايا قلبت التاء دالا، وذلك نحو: ~~ازدجر، وازدهى3، وازدار4، وازدان5، وازدلف6، وازدهف7، ونحو ذلك، وأصل هذا ~~كله ازتجر، وازتهى، وازتار، وازتان، وازتلف، وازتهف، لأنه افتعل من الزجر، ~~والزهو، والزور، والزين، والزلف، والزهف، ولكن الزاي لما كانت مجهورة، ~~وكانت التاء مهموسة، وكانت الدال أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر، ~~قربوا بعض الصوت من بعض، فأبدلوا التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي، وهي ~~الدال، فقالوا: ازدجر، وازدار. قال: # إلا كعهدكم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر المزدار8 # ومن كلام ذي الرمة في بعض أخباره: # "هل عندك من ناقة تزدار عليها ميا؟ ". PageV01P197 # ومن أبيات الكتاب لرؤبة: # فيها ازدهاف أيما ازدهاف1 # ونحو من هذا التقريب في الصوت قولهم في سبقت: صبقت، وفي سقت: صقت، وفي ~~سملق: صملق، وفي سويق2: صويق، وذلك أن القاف حرف مستعل، والسين غير مستعل، ~~إلا أنها أخت الصاد المستعلية، فقربوا السين من القاف، بأن قلبوها إلى أقرب ~~الحروف إلى القاف من مخرج السين، وهو الصاد. # وقد قلبت تاء افتعل دالا مع الجيم في بعض اللغات، قالوا: اجدمعوا في ~~اجتمعوا، واجدز في اجتز. وأنشدوا3: # فقلت لصاحبي: لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدز شيحا4 # ولا يقاس ذلك إلا أن يسمع، لا تقول في اجترأ: اجدرأ، ولا في اجترح: ~~اجدرح. PageV01P198 # وقد أبدلوا الدال من تاء تولج1، فقالوا: دولج، وقد قلبوا تاء افتعل أيضا ~~مع الذال لغير إدغام دالا، حكى أبو عمرو عنهم: اذدكر، وهو مذدكر. # وقال أبو حكاك: # تنحي على الشوك جرازا مقضبا ... والهرم تذريه اذدراء عجبا2 # فأما ادكر واذكر فإبدال إدغام، وليس ذلك من غرض هذا الكتاب، وكذلك قولهم ~~في وتد: ود، وهو أيضا لإبدال إدغام، من جنس ادكر. # وأنشدنا أبو علي لابن مقبل: # يا ليت لي سلوة يشفى الفؤاد بها ... من بعض ms093 ما يعتري قلبي من الدكر3 # بالدال: يريد الذكر، جمع ذكرة، وليس هنا ما يوجب البدل، إلا أنه لما رآهم ~~يقلبونها في ادكر ويدكر ومدكر وادكار ونحو ذلك، ألف فيها القلب، فقال أيضا ~~الدكر، ولهذا نظائر في كلامهم. PageV01P199 ### | باب الذال # الذال حرف مجهور، يكون أصلا: لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا كان فاء وعينا ولاما. فالفاء نحو: ذكر وذكر، والعين نحو: ~~جذوة1 وحذر، واللام نحو: فخذ وأخذ. # فأما إبدالههم الذال دالا في ادكر ونحوه فإبدال إدغام. وأما قولهم: جذوت ~~وجثوت2 إذا قمت على أطراف أصابعك، وقرأت على أبي علي: # إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصناجة تجذو على كل منسم3 # فليس أحد الحرفين بدلا من صاحبه، بل هما لغتان. # وكذلك قولهم أيضا: قرأ فما تلعثم4، وما تلعذم. PageV01P201 # وكذلك قولهم: قرب حذحاذ، وحثحاث: إذا كان سريعا، وهو طلب الماء، ليس ~~أحدهما بدلا من صاحبه، لأن حثحاثا من قول تأبط شرا: # كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق1 # أي أسرعوا به، وحذحاذ: من معنى الشيء الأحذ، ويقال: صريمة2 حذاء: إذا ~~كانت ماضية، وحذحاذ وإن لم تكن من لفظ أحذ، فإنها قريبة منه، ولا تجد هذين ~~اللفظين إلا بمعنى واحد، وذلك نحو: ململت ومللت، ورقرقت ورققت، ألا ترى أن ~~اتفاق معنيهما قد حمل البغداديين على أن قالوا إن الأصل في حثحثت: حثثت، ~~وفي رقرقت: رققت. # وقرأت على أبي على عن أبي بكر عن العباس للفرزدق3: # تفيهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم أهله أكل الخبيص # أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص4 # يصفه بالغلول وسرعة اليد، ومن هنا سمى الخليل "فعلن" في الكامل5: أحذ، ~~لأن أصله "متفاعلن"، فلما حذف الوتد من آخره، وبقي "متفا"، فنقل إلى ~~"فعلن". فلما قطع آخر الجزء، قل وأسرع انقضاؤه وفناؤه، فسماه أحذ لذلك. ~~PageV01P202 ### | باب الراء # الراء حرف مجهور مكرر، يكون أصلا، لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: رشد ورشد، والعين نحو: ~~جرح وجرح، واللام نحو: بدر وبدر. # فأما قولهم: امرأة جربانة1 ms094 وجلبانة إذا كانت صخابة، فليس أحد الحرفين فيه ~~بدلا من صاحبه. # قرأت على أبي علي لحميد بن ثور: # جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرا إليها الجلامد2 ~~PageV01P203 # قال أبو علي: هذا البيت يقع فيه تصحيف من الناس. يقول قوم مكان تخصي ~~حمارها، تخطي حمارها، وهو مشتبه مشكل: يظنونه من قولهم: العوان1 لا تعلم ~~الخمرة. # قال: وقد قال ابن الأعرابي: يقال: جاءك خاصي العير: إذا وصف بقلة الحياء. ~~فعلى هذا لا يجوز في البيت غير "تخصي حمارها"، ويدل على أن "جلبانة" ~~و"جريانة" أصلان، غير مبدل أحدهما من صاحبه وجودك لكل واحد منهما أصلا ~~متصرفا، واشتقاقا صحيحا، فأما جلبانة فمن الجلبة والصياح، لأنها الصخابة، ~~وأما جربانة فمن جرب الأمور وتصرف فيها. # ألا تراه قال: "تخصي حمارها"، وإذا بلغت المرأة من البذلة2 والحنكة3 إلى ~~خصاء حمارها، فناهيك بها في التجريب والدربة، وهذا وفق الصخب، لأنه ضد ~~الحياء والخفر4. # وأما قولهم في الدرع: نثرة ونثلة5، فينبغي أن يكون الراء بدلا من اللام، ~~لقولهم: نثل على درعه، ولم يقولوا ثرها، فاللام أعم تصرفا، فهي الأصل. # وأما قول الأسدي: # وخافت من جبال السغد نفسي ... وخافت من جبال خواررزم6 PageV01P204 # فإنه أراد خوارزم، فزاد راء لإقامة الوزن، كذا قيل فيه، وقد قيل إن ~~"خوار" اسم مضاف إلى "رزم". # واعلم أن الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من ~~الحروف، لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من الوفور بالتكرير. # فأما قراءة أبي عمرو "يغفر لكم" بإدغام الراء في اللام، فمدفوع عندنا، ~~وغير معروف عند أصحابنا، إنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس1. ~~PageV01P205 ### | باب الزاي # الزاي حرف مجهور، يكون أصلا وبدلا، لا زائدا، فإذا كان أصلا وقع فاء ~~وعينا ولاما، فالفاء نحو: زمر1 وزمر، والعين نحو: بزر وحزر2، واللام نحو: ~~جرز3 وجرز. # وقال بعضهم: يقال: شزب وشسب وشسف بمعنى. أي ضمر. # وفصل الأصمعي فقال: الشازب: الذي فيه ضمور وإن لم يكن مهزولا، والشاسب ~~والشاسف الذي قد يبس. # قال: وسمعت أعرابيا يقول: ما ms095 قال الحطيئة4 "أينقا شزبا" إنما قال: "أعنزا ~~شسبا"5، وليست الزاي ولا السين بدلا إحداهما من الأخرى، لتصرف الفعلين ~~جميعا. # وقرأت على أبي علي لذي الرمة6: PageV01P207 # خدب حنى من صلبه وهو شوقب # على قصب منضم الثميلة شازب1 # وكلب تقلب السين مع القاف خاصة زايا، فيقولون في سقر2: زقر، وفي مس سقر: ~~مس زقر، وشاة زقعاء في صقعاء3. # ومثله من الصاد: ازدقي في اصدقي، وزدق في صدق. # قال4: PageV01P208 # ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى # متين القوى خير من الصرم مزدرا1 # يريد: مصدرا. # وقال الآخر2: # يزيد زاد الله في خيراته # حامي نزار عند مزدوقاته3 # أي مصدوقاته. PageV01P209 ### | باب السين # السين حرف مهموس، يكون أصلا وزائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: سلم وسلم، والعين نحو: ~~حسن وحسن، واللام نحو: جرس وجرس. # وإذا كانت زائدة ففي استفعل وما تصرف منه، نحو: استخرج ومستخرج. واستقصى ~~ويستقصي، وهو مستقص. # واعلم أن العرب تقول: استخذ فلان أرضا. وفي هذا عندنا قولان: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون أصله اتخذ، وزنه افتعل، من قوله عز اسمه: {لو ~~شئت لتخذت عليه أجرا} 1. ثم إنهم أبدلوا من التاء الأولى التي هي فاء افتعل ~~سينا، كما أبدلوا التاء من السين في ست، لأن أصلها سدس، فلما كانت التاء ~~والسين مهموستين، جاز إبدال كل واحدة منهما من أختها. # والقول الآخر: أنه يجوز أن يكون أراد استتخذ، أي استفعل، فحذفت التاء ~~الثانية، التي هي فاء الفعل، كما حذفت التاء الأولى من قولهم: تقى يتقي، ~~وأصله: اتقى يتقي، فحذفت التاء الأولى التي هي فاء الفعل. # وأنشدنا أبو علي لخداش بن زهير2: # تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا3 # أراد: اتقوه. PageV01P211 # وقال الآخر1: # زايدتنا نعمان لا تنسينها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو2 # أي اتق الله. # وأنشدنا أيضا، قال: أنشد أبو زيد3: # قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدته ذراعي4 # أراد: اتجهنا. قال: وقصرت: حبست. والقبيلة: اسم فرسه. # وأما قولهم السده في معنى الشدة، ورجل مسدوه في معنى مشدوه، ms096 فينبغي أن ~~يكون السين فيه بدلا من الشين، لأن الشين أعم تصرفا. PageV01P212 # وأما قولهم: أسطاع يسطيع، فذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يطيع، وأن ~~السين فيه زيدت عوضا من1 سكون عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله كأطوع، فنقلت ~~فتحة الواو إلى الطاء، فصار التقدير: أطوع، فانقلبت الواو ألفا، لتحركها في ~~الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. # وتعقب أبو العباس رحمه الله هذا القول فقال: إنما يعوض من الشيء إذا فقد ~~وذهب، فأما إذا كان موجودا في اللفظ، فلا وجه للتعويض منه، وفتحة العين ~~التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما ~~نقلت، فلا وجه للعوض من شيء موجود غير مفقود. # وقد ذهب عن أبي العباس ما في قول سيبويه هذا من الصحة، فإما غالط وهي من ~~عادته معه، وإما وهم في رأيه هذا. # والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا، وأن السين عوض من حركة عين الفعل، ~~أن الحركة التي هي الفتحة وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى ~~الفاء لما فقدتها العين، فسكنت بعد ما كانت متحركة، توهنت1 لسكونها، ولما ~~دخلها من التهيؤ للحذف عند سكون اللام، وذلك قولك لم يطع، وأطع، ولا تطع ~~ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة ~~لما حذفت، لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطوع يطوع ~~ولم يطوع وأطوع زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت ~~سقطت، لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينا وضعفا لحق العين، فجعلت السين ~~عوضا عن سكون العين الموهن لها، المسبب لقلبها وحذفها، وحركة الفاء بعد ~~سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف بالسكون والتهيؤ للحذف عند سكون ~~اللام. # وقال الفراء في هذا: شبهوا أسطعت بأفعلت. # فهذا يدل من كلامه على أن أصلها استطعت، فلما حذفت التاء بقي على وزن ~~أفعلت، ففتحت همزته وقطعت. PageV01P213 # وهذا غير مرضي عندنا من قوله، وذلك أنه قد اطرد عنهم اسطعت ms097 بكسر الهمزة، ~~وكونها همزة وصل، فهذا يدل على أنهم إذا أرادوا استفعلت، وحذفوا التاء وهم ~~يريدونها، بقوة الهمزة موصولة مكسورة بحالها قبل حذف التاء. # ويؤكد ما قاله سيبويه من أن السين عوض من ذهاب حركة العين، أنهم قد عوضوا ~~من ذهاب حركة هذه العين حرفا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: ~~أهرقت1، فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هنا عوض من ذهاب فتحة ~~العين، لأن الأصل: أروقت أو أريقت، بل الصواب أريقت، والواو عندي أقيس ~~لأمرين: # أحدهما: أن كون عين الفعل واو أكثر من كونها ياء فيما اعتلت عينه. # والآخر: أن الماء إذا أهريق ظهر جوهره وصفاؤه، فراق رائيه يروقه، فهذا ~~أيضا يقوي كون العين منه واوا. وعلى أنه قد حكى الكسائي: راق الماء يريق: ~~إذا انصب، وهذا قاطع بكون العين ياء، ثم إنهم جعلوا الهاء عوضا من نقل فتحة ~~العين عنها إلى الفاء، كما فعلوا ذلك في أسطاع، فكما لا يكون أصل أهرقت ~~استفعلت، فكذلك ينبغي ألا يكون أصل أسطعت أستفعلت. # قرأت على أبي الفرج علي بن الحسين، عن أبي عبد الله محمد بن العباس ~~اليزيدي، لعبد العزيز بن وهب مولى خزاعة، يقول لكثير2: # فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سراب بالملا يترقرق3 # وقالوا في مصدره: إهراقه، كما قالوا: إسطاعة. PageV01P214 # قال ذو الرمة1: # فلما دنت إهراقة الماء أنصتت ... لأعزله عنها وفي النفس أن أثني2 # وقالوا أيضا: أستاع يستيع، فأبدلوا الطاء تاء، لتوافق السين في الهمس. # قرأت على أبي الفرج3، عن أبي عبد الله اليزيدي للجران: # وفيك إذا لاقيتنا عجرفية ... مرارا فما نستيع من يتعجرف4 PageV01P215 # ومن العرب من يزيد على كاف المؤنث في الوقف سينا، ليبين كسرة الكاف، ~~فيؤكد التأنيث فيقول: مررت بكس، ونزلت عليكس، فإذا وصلوا حذفوا لبيان ~~الكسرة. # وأما ما يحكى عن سحيم1 من قوله: # فلو كنت وردا لونه لعسقتني ... ولكن ربي سانني بسواديا2 # فإنما قلب الشين سينا لسواده، وضعف عبارته عن الشين، وليس ذلك بلغة، ~~وإنما هو كاللثغ. PageV01P216 ### | باب الشين # الشين حرف مهموس، يكون ms098 أصلا لا غير. # فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: شجر وشجر، والعين نحو: قشر وقشر، ~~واللام نحو: نعش1 ونعش. # وقرأت على أبي علي2، عن أبي بكر3، عن بعض أصحاب يعقوب، عن يعقوب، قال: ~~قال الأصمعي: يقال: جعشوش وجعسوس4، وكل ذلك إلى قماء وصغر وقلة. ويقال: هم ~~من جعاسيس الناس، ولا يقال بالشين في هذا. # فهذا يدل من قول الأصمعي على أن الشين من جعشوش بدل من السين في جعسوس، ~~ألا ترى أن الشين أعم تصرفا من الشين، لوجودك إياها في الواحد والجمع ~~جميعا. # وقال الراجز5: # إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش6 # أي مدمج، فالشين بدل من الجيم. PageV01P217 # فأما قولهم: تنسمت منه علما وتنشمت، فليس واحد من الحرفين بدلا من صاحبه، ~~لأن لكل واحد منهما وجها قائما. # ما تنسمت فكأنه من النسيم، كقولك: استروحت منه خبرا، فمعناه أنه تلطف في ~~التماس العلم منه شيئا فشيئا، كهبوب النسيم. # وأما قولهم تنشمت فمن قولهم نشمت في الأمر، أي ابتدأته ولم أوغل1 فيه، ~~وكذلك تنشمت منه، أي ابتدأت بطرف من العلم من عنده ولم أتمكن فيه. # ومن العرب من يبدل كاف المؤنث في الوقف شينا2، حرصا على البيان لأن ~~الكسرة الدالة على التأنيث فيها تخفي في الوقف، فاحتاطوا للبيان بن أبدلوها ~~شينا، فقالوا: عليش ومنش، ومررت بش. # ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف، فيبدل فيه أيضا. # وأنشدوا للمجنون3: # فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيق4 PageV01P218 # وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن، عن أبي عباس أحمد بن يحيى لبعضهم. # علي فيما أبتغي أبغيش # بيضاء ترضيني ولا ترضيش # وتطبي ود بني أبيش # إذا دنوت جعلت تنئيش # وإن نأيت جعلت تدنيش # وإن تكلمت حثت في فيش # حتى تنقي كنقيق الديش1 # فشبه كاف الديك لكسرتها بكاف ضمير المؤنث. # ومن كلامهم: "إذا أعياش جاراتش، فأقبلي على ذي بيتش". # وربما زادوا على الكاف في الوقف شينا، حرصا على البيان أيضا، فقالوا: ~~مررت بكش، وأعطيتكش، فإذا وصلوا حذفوا الجميع. PageV01P219 ### | باب الصاد # الصاد حرف مهموس، يكون أصلا وبدلا، ms099 لا زائدا. # فيكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: صبح وصبر، والعين نحو: قصر وبصر، ~~واللام نحو: حفص1 وفحص. # والصاد أحد الحروف المستعلية التي تمنع الإمالة2. # والحروف التي تمنع الإمالة سبعة، وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، ~~والخاء، والغين، والقاف. # فمن قال في عابد: عابد، لم يقل في صالح صالح، ولا في ضامن ضامن. # وكذلك البقية. # فما قول طفيل الغنوي3: # تنيف إذا اقورت من القود وانطوت ... بهاد رفيع يقهر الخيل صلهب4 # فيجوز أن يكون الصاد فيه لغة، ويجوز أن تكون بدلا من سين سلهب، لأنه أكثر ~~تصرفا من صلهب. PageV01P221 # وأما ما قرأته على أبي على من قول الشاعر1: # وحال دوني من الأبناء زمزمة ... كانوا الأنوف وكانوا الأكرمين أبا2 # ويروى: صمصمة، وهما الجماعة، فليس أحد الحرفين بدلا من صاحبه، لأن ~~الأصمعي قد أثبتهما معا، ولم يجعل لأحدهما مزية على صاحبه، وإذا ورد في بعض ~~حروف الكلمة لفظان مستعملان، فالوجه وصحيح القضاء أن نحكم بأنهما كليهما ~~أصلان منفردان، ليس واحد منهما أولى بالأصلية من صاحبه، فلا تزال على هذا ~~معتقدا له حتى تقوم الدلالة على إبدال أحد الحرفين من صاحبه. # وهذا عيار في جميع ما يرد عليك من هذا، فاعرفه وقسه تصب إن شاء الله. # ألا تراهم قالوا: أنى له أن يفعل كذا، وآن له أن يفعله، قال تعالى: {ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} 3 فهذا من أنى. # وقال الشاعر4: # ألما يئن لي أن تجلى عمايتي ... وأقصر عن ليلى؟ بلى قد أنى ليا5 ~~PageV01P222 # فجمع بين اللغتين، وذهب الأصمعي إلى أن آن مقلوب عن أني، وأن أني هو ~~الأصل، واستدل على ذلك بوجوده مصدر أني في الكلام، لقوله تعالى: {إلى طعام ~~غير ناظرين إناه} 1 أي بلوغه وإدراكه، ولم يجد لآن مصدرا، فلما وجد لأني ~~أصلا وهو المصدر، وجده بذلك أعم تصرفا، ولم يجد لآن مصدرا، فقل بذلك تصرفه، ~~قضى لأني بأنه أصل لآن، وأما أبو زيد فقال: هما أصلان، وأثبت لآن مصدرا، ~~وقال: يقال: أن الشيء أينا، فكل واحد منهما ms100 اتبع ما سمع، وقضى لنفسه بما صح ~~عنده. # وتبع ابن السكيت أبا زيد فقال: آن أينا. وأخبرنا أبو علي عن أحمد بن ~~يحيى2 عن ابن الأعرابي قال: يقال: إني وإنى، وحسي وحسى، ومعي ومعى. قال: ~~وحكى أبو الحسن: إنو في إني. قال أبو علي: وهذا كقولهم جبيت الخراج جباوة، ~~أبدلت الواو من الياء، ومثله الحيوان في قول الخليل3، لأن أصله عنده ~~الحييان، وكأنهم إنما استجازوا قلب الياء واوا لغير علة، وإن كانت الواو ~~أثقل من الياء، ليكون ذلك عوضا للواو من كثرة دخول الياء وغلبتها عليها، ~~وليختلف الحرفان فيخفا. # وإذا كان بعد السين غين أو خاء أو قاف أو طاء، جاز قلبها صادا، وذلك قوله ~~تعالى: {كأنما يساقون} ويصاقون، و {مس سقر} وصقر، {وسخر} وصخر، {وأسبغ ~~عليكم نعمه} وأصبغ، "وسراط" وصراط. # وقالوا في سقت صقت، وفي سويق صويق. PageV01P223 ### | باب الضاد # الضاد حرف مجهور، وهو أحد الحروف المستعلية، وقد تقدم آنفا ذكرها1، ويكون ~~أصلا لا بدلا ولا زائدا. فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: ~~ضعف وضبر2، والعين نحو: حضن وحضر، واللام نحو: خفض وربض3. # فأما قولهم: نضنض لسانه ونصنصه إذا حركه، فأصلان، وليست الصاد أخت الضاد، ~~فتبدل منها. # وأخبرني أبو علي يرفعه إلى الأصمعي، قال: حدثنا عيسى بن عمر، قال سألت ذا ~~الرمة عن النضناض، فأخرج لسانه فحركه، وأنشد: # تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب يستمع السرارا4 # وقرأت عليه بإسناده قال: قال اللحياني: سمعت أبا زيد يقول: تضوك5 في ~~خرئه. قال: وسمعت الأصمعي يقول: تصوك. وهذان أيضا أصلان، حتى تقوم الدلالة ~~على قلب أحدهما على صاحبه، وقد تقدم ذكر قانون6 هذا، وكيف ينبغي أن يكون ~~العمل فيه. PageV01P225 # وأما قول الشاعر: # إن شكلي وإن شكلك شتى ... فالزمي الخص واخفضي تبيضضي1 # فإنه أراد: تبيض، فزاد ضادا ضرورة، لإقامة الوزن. # واعلم أن الضاد واحدة من خمسة أحرف يدغم فيهن ما قاربهن، ولا يدغمن هن ~~فيما قاربهن، وهي الراء والشين والضاد والفاء والميم. ويجمعها في اللفظ: ضم ~~شفر، ومنهم من يخرج الضاد ms101 من هذه الخمسة، ويقول: قد أدغموا الضاد في الطاء ~~في بعض اللغات، فقالوا في اضطجع: اطجع، وهذه لغة شاذة، ويجمع الأربعة ~~الأحرف الباقية، فيقول هي: مشفر، والقول الأول هو الذي عليه العمل. # واعلم أن الضاد للعرب خاصة2، ولا يوجد من كلام العجم إلا في القليل. # فأما قول المتنبي3: # وهم فخر كل من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد4 PageV01P226 # فذهب فيه إلى أنها للعرب خاصة، ولا يعترض مثله1 على أصحابنا2، وقد ذكرت ~~هذا في كتابي في تفسير شعره. # وأما قول الشاعر3: # إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خصال كلها لي غائض4 # فقالوا: أراد غائظ، فأبدل الظاء ضادا. # ويجوز عندي أن يكون غائض غير بدل، ولكنه من غاضه، أي نقصه، فيكون معناه ~~أنه ينقصني ويتهضمني. PageV01P227 ### | باب الطاء # اعلم أن الطاء حرف مجهور مستعل، يكون أصلا وبدلا، ولا يكون زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: طبل وطحن، والعين نحو: ~~فطر وخطب، واللام نحو: قرط وقرط1. # وأما البدل فإن تاء "افتعل" إذا كانت فاؤه صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء، ~~يقلب طاء البتة، لابد من ذلك، كما لا بد من إعلال نحو: قال وباع البتة، ~~وذلك قولك من الصبر اصطبر، ومن الضرب اضطرب، ومن الطرد اطرد، ومن الظهر ~~اظطهر بحاجتي. # وأما اطرد فليس الإبدال فيه من قبل الإدماغ، وإنما هو لأن قبلها حرفا ~~مطبقا، ألا ترى إلى اصطبر واضطرب واضطهر مبدلا ولا إدغام فيه. # وأصل هذا كله اصتبر واضترب واطترد واظتهر، ولكنهم لما رأوا التاء بعد هذه ~~الأحرف، والتاء مهموسة، وهذه الأحرف مطبقة2، والتاء مخفتة، قربوها من لفظ ~~الصاد والضاد والطاء، بأن قلبوها إلى أقرب الحروف منهن، وهو الطاء، لأن ~~الطاء أخت التاء في المخرج، وأخت هؤلاء الأحرف في الإطباق والاستعلاء، ~~وقلبوها مع الطاء طاء أيضا، لتوافقها في الجهر والاستعلاء، وليكون الصوت ~~متفقا، ومنهم من يقلب التاء إلى لفظ ما قبلها، فيقول اصضبر ومصبر، واضرب ~~ومضرب، واظهر ومظهر، وقرأ بعضهم "أن يصلحا"، يريد يصطلحا. # ومنهم من إذا كانت ms102 الفاء ظاء أبدل التاء طاء، ثم أبدل الظاء طاء، وأدغم ~~الطاء في الطاء، فيقول اطهر بحاجتي، وظلمته فاطلم، وذلك لما بين الظاء ~~والطاء من المقاربة في الإطباق والاستعلاء، ومن أجاز هذ القول فقال اطلم لم ~~يجزه مع الصاد ولا مع الضاد، لا تقول في اصطبر: اطبر، ولا في اضطرب: اطرب. ~~وذلك لأن PageV01P229 # في الصاد طولا وصفيرا، فلا تدغم هي ولا أختاها السين والزاي في الطاء، ~~ولا في أختيها الدال والتاء، ولا في الظاء ولا أختيها الذال والثاء، وهذا ~~مشروح في فصل الإدغام. # وأما الضاد فلأن فيها طولا وتفشيا، فلو أدغمت في الطاء لذهب ما فيها من ~~التفشي، فلم يجز ذلك، كما لم يجز إدغام حروف الصفير1 في الطاء ولا في ~~أختيها، ولا في الظاء ولا في أختيها، لئلا يسلبهن الإدغام ما فيهن من ~~الصفير. # على أن سيبويه قد حكى عن بعضهم عن طريق الشذوذ: اطجع في اضطجع، وهذا شاذ ~~لا يؤخذ به، وينشد بيت زهير2 على أربع أوجه. # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم3 # ويروى: فيطلم، ويروى: فيظلم، وقد تقدم تفسير هذه الثلاثة، والرابع: ~~فينظلم، وهذه ينفعل، وليست من الضرب الأول، ولا يلحق مثلها تغيير. # فأما ما قرأته على أبي علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، من ~~قوله4: # وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأش من نداك ذنوب5 PageV01P230 # فإنه أراد خبطت، ولو قال خبطت لكان أقيس اللغتين، وذلك أن هذه التاء ليست ~~متصلة بما قبلها اتصال تاء افتعل بمثالها الذي هي فيه، ولكنه شبه تاء خبطت ~~بتاء افتعل من حيث أذكره لك، فقلبها طاء، لوقوع الطاء قبلها، كقولك اطلع ~~واطرد، وعلى هذا قالوا: فحصط برجلي، كما قالوا اصطبر. # ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أجري في ~~كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال ~~الفعل بالفاعل، واستدل أبو علي على شدة اتصال الفعل بالفاعل بأربعة أدلة، ~~واستدللت أنا أيضا بخمسة ms103 أدلة أخر غير ما استدل به هو، وأنا أورد ما قال في ~~ذلك، وأتليه ما رأيته، والله الموفق. # فما استدل به على شدة اتصال الفعل بالفاعل تسكينهم لام الفعل إذا اتصلت ~~به علامة ضمير الفاعل، وذلك نحو ضربت ودخلت وخرجت، وإنما فعلوا ذلك لأنهم ~~كرهوا أن يقولوا: ضربت ودخلت وخرجت، لتوالي أربعة متحركات، فلولا أنهم قد ~~نزلوا التاء من ضربت منزلة راء جعفر منه، لما امتنعوا من أن يقولوا ضربت، ~~ولكنه لما لم يوجد في كلامهم كلمة اجتمعت فيها أربعة متحركات، ونزلت التاء ~~من فعلت منزلة جزء من الفعل، أسكنوا اللام، كراهية اجتماع المتحركات، ألا ~~ترى أنهم لا يكرهون هذا التوالي إذا اتصل الفعل بضمير المفعول، وذلك نحو: ~~ضربك وضربه، وذلك أنه ليس لضمير المفعول من الاتصال بالفعل ما لضمير ~~الفاعل، لأن الفعل لا بد له من فاعل التبة، وقد يستغنى عن المفعول في كثير ~~من أحكامه. PageV01P231 # ودليل له آخر، وهو امتناعهم من العطف على ضمير الفاعل نحو: قمت وزيد، ~~وقعدت وبكر، فاستقباحهم لذلك حتى يؤكدوه فيقووه ويلحقوه بالأسماء في نحو: ~~قمت أنا وزيد، وقعدت أنا وجعفر -دلالة على أنههم قد نزلوا التاء منزلة بعض ~~الفعل، فكما لا يحسن أن تعطف الاسم على بعض الفعل، كذلك لم يستحسنوا عطفه ~~على التاء من قمت، لضعف التاء، وامتزاجها بالفعل، وكونها كجزء منه. # ودليل له ثالث، وهو امتناعهم من جواز تقدم الفاعل على الفعل، وإن كانوا ~~يجيزون تقدم خبر المتبدأ عليه، فكما لا يقدمون الدال على الزاي من زيد، ~~كذلك امتنعوا من تقديم الفاعل على الفعل. # ودليل له رابع، وهو من أغربها وألطفها، وهو قولهم في التثنية: يقومان، ~~فالنون علامة الرفع بمنزلة ضمة الميم من يقوم في الواحد، وعلامة الرفع ~~ينبغي أن تلحق المرفوع مع انقضاء أجزائه بلا فرق ولا تراخ، فمجيء النون في ~~يقومان بعد الألف التي هي ضمير الفاعلين، يدل من مذهبهم على أنهم قد أحلوا ~~ضمير الفاعل محل حرف الإعراب من الفعل، لأنهم أولوا ضميره علامة الرفع، وهي ~~النون في ms104 يقومان ويقعدان، كما أولوا حرف الإعراب في الواحد، وهو الميم من ~~يقوم، علم الرفع، وهو الضمة في يقوم ويقعد وباشروه به، ففي هذا أقوى دليل ~~على شدة امتزاج الفعل بالفاعل، وكونه معه كبعض أجزائه منه. # وكذلك يقومون وتقومين. # وأما الخمسة الأدلة التي رأيتها أنا في شدة اتصال الفعل بالفاعل، فأولها ~~أني رأيتهم قد أجروا الفعل والفاعل في قولهم حبذا مجرى الجزء الواحد من ~~ثلاث جهات: إحداها أن الفعل الذي هو "حب" والفاعل الذي هو"ذا" قد قرن ~~أحدهما بصاحبه، ومع ذلك فلم يستقلا، ولم يفيدا شيئا حتى تربط بهما اسما ~~بعدهما، فتقول حبذا زيد وحبذا محمد، فلولا أنهما قد تنزلا منزلة الجزء ~~الواحد، لاستقلا بأنفسهما، كما يجب في الفعل والفاعل، نحو قام زيد وقعد ~~محمد، فكما أنك لو قلت: زيد، وسكت، أو قلت قعد، وسكت، ولم تذكر بعد ذلك ~~اسما، لم يتم الكلام، ولم يستقل. فكذلك أيضا جرى حبذا، وإن كان فعلا وفاعلا ~~في حاجته إلى ما بعده حاجة الجزء المفرد إلى ما بعده، مجرى الجزء الواحد. # PageV01P232 # والجهة الأخرى إجازة النحويين أن يقولوا في قولهم: حبذا زيد، أن حبذا في ~~موضع مرفوع بالابتداء، وزيد في موضع خبر حبذا، فلولا أنه قد تنزل عندهم أن ~~حب وذا جميعا قد جريا مجرى زيد وحده، لما وسموه بأنه في موضع رفع ~~بالابتداء، وأن ما بعده خبر عنه. # والجهة الثالثة أن حبذا قد أجري على الواحد والاثنين والثلاثة، والمذكر ~~والمؤنث مجرى واحدا، في قولك: حبذا زيد، وحبذا هند، وحبذا الزيدان، وحبذا ~~الهندان، وحبذا الزيدون، وحبذا الهندات، فلولا أن حب قد خلط بذا، حتى صارا ~~معا كالجزء الواحد، وخرجا عما عليه الفعل والفاعل في فرش هذه اللغة، ~~لقالوا: حبذه هند، وحبذان الزيادان، وحبتان الهندان، وحب هؤلاء الزيدون ~~والهندات. فامتناعهم من هذه الفصول والفروق المطردة مع غير حبذا دلالة على ~~امتزاجهما عندهم، وجريهما مجرى الكلمة الواحدة مما حدث لهما من الانضمام ~~وقوة التركيب، فاعرف ذلك. # ويقوي ذلك أيضا قول العرب: لا تحبذه بما لا ينفعه، أي لا ms105 تقل له حبذا، ~~فاشتقاقهم الفعل منهما أقوى دلالة على شدة امتزاجها. فهذا أحد الأدلة. # ودليل ثان، وهو أنهم قد قالوا: قامت هند، وقعدت جمل، فألحقوا التاء ~~الفعل، وهي في الحقيقة علامة تأنيث الفاعل، فلولا أن الفعل والفاعل جميعا ~~كالجزء الواحد، لما جاز أن يريدوا بالتأنيث شيئا ويجعلوه في غيره، حتى ~~يكونا معا كالشيء الواحد. # ويدل على أن المقصود بالتأنيث إنما هو هند في الحقيقة لا الفعل الذي ~~باشرته، وصيغت معه التاء، أن الفعل لا يصح فيه معنى التأنيث، وذلك أنه دال ~~على الجنس، والجنس إلى الإشاعة والعموم أبدا، فهو أيضا إلى التذكير، ألا ~~ترى أن أعم الأشياء وأشيعها "شيء"، وشيء مذكر كما ترى، فهذا يؤكد عندك أن ~~الشيء كلما شاع وعم، فالتذكير أولى به من التأنيث، ولذلك قال سيبويه لو ~~سميت امرأة بنعم وبئس لم تصرفهما، لأن الأفعال كلها مذكرة. # فقد صح بما أوردته أن التاء في قامت هند إنما المقصود بتأنيثها هو الفاعل ~~الذي يصح تأنيثه، لا الفعل الذي يصح تأنيثه. # PageV01P233 # وأيضا فلو كان المراد تأنيث الفعل دون فاعله لجاز قامت زيد ونحو ذلك. # ودليل ثالث، وهو أن أبا زيد1 أنشد2: # إذا ما كنت ملتمسا لغوث ... فلا تصرخ بكنتي كبير3 # وأنشد أحمد بن يحيى4: # فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن5 # فقوله "كنتيا" معناه أنه يقول: كنت في شبابي أفعل كذ ا، وكنت في حداثتي ~~أصنع كذا، وكنت: فعل، وفاعله التاء، ومن الأصول المستمرة أنك لو سميت رجلا ~~بجملة مركبة من فعل وفاعل، ثم أضفت إليه، أي نسبت، لأوقعت الإضافة على ~~الصدر، وحذفت الفاعل، وعلى ذلك قالوا في النسب إلى تأبط شرا: تأبطي، وفي ~~قمت: قومي، حذفوا التاء، وحركت الميم بالكسرة التي تجتلبها ياء الإضافة، ~~فلما تحركت رجعت الواو التي كانت سقطت لسكونها وسكون الميم، وتلك الواو عين ~~الفعل من قام، فقلت: قومي، وكذا كان القياس أن تقول في كنت: كوني، تحذف ~~التاء، لأنها الفاعل، وتحرك النون، فترد الواو التي هي عين الفعل من كنت، ~~فقولهم: كنتي، ms106 وإقرارهم التاء التي هي ضمير الفاعل مع ياء الإضافة، يدل على ~~أنهم قد PageV01P234 # أجروا الضمير الفاعل مع الفعل مجرى دال زيد من زايه ويائه، وكأنهم نبهوا ~~بهذا ونحوه مما يجري مجراه على اعتقادهم قوة اتصال الفعل بالفاعل، وأنهما ~~قد حلا جميعا محل الجزء الواحد. # ودليل رابع: وهو أن أبا عثمان ذهب في قوله عز اسمه: {ألقيا في جهنم} 1 ~~إلى أنه أراد: ألق ألق. قال. فثنى ضمير الفاعل، فناب ذلك عن تكرير الفعل ~~فهذا أيضا يشهد بشدة اشتراكهما، ألا ترى أنه لما ثنى أحدهما وهو ضمير ~~الفاعل، ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما ~~إذا حضر فقد حضرا جميعا. # ودليل خامس: وهو قولهم: زيد ظننت قائم، فيمن ألغى، فلولا أن الفعل مع ~~الفاعل كالجزء الواحد، لما جاز إلغاء الفاعل في ظننت. # فهذا كله يشهد بقوة اختلاط الفعل بالفاعل، وإذا كان ذلك كذلك، فمن هنا ~~جاز تشبيه تاء "فعلت" بتاء "افتعل" حتى جاز لبعضهم أن يقول: فحصط برجلي، ~~وخبط بنعمة، قياسا على اصطبر واطلع. # فاعرف ذلك، فإنه من سر هذه الصناعة. PageV01P235 ### | باب الظاء # الظاء حرف مجهور، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: ظلم وظفر، والعين نحو: ~~عظم وحظر، واللام نحو: حفظ ووعظ. # واعلم أن الظاء لا توجد في كلام النبط1، وإذا وقعت فيه قلبوها طاء، ولهذا ~~قالوا: البرطلة2، وإنما هو ابن الظل، وقالوا ناطور، وإنما هو ناظور، فاعول ~~من نظر ينظر. كذا قول أصحابنا، فأما أحمد بن يحيى فإنه قال: ناطور ونواطير، ~~مثل حاصود وحواصيد، والنواطر مثل الحواصد، وقد نطر ينطر، فصحح أمر الطاء ~~كما ترى، وأنشد: # تغذينا إذا هبت علينا ... وتملأ وجه ناطركم غبارا 3 # ومن هذا قولهم مستنظر، وإنما هو مستنظر مستفعل من نظرت أنظر بالظاء ~~معجمة. PageV01P237 # وقد ذكرت هذا الحرف من هذا الوجه1 في كتاب في تفسير شعر المتنبي، عند ~~قوله: # نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد2 # وأنشد ابن الأعرابي: # وشف ms107 فؤادي أن للعذب ناظرا ... حماه وأني لا أعيج بمالح3 # فجاء بالظاء معجمة كما ترى. PageV01P238 # وقرأت على أبي علي، عن أبي بكر1، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: يقال: ~~تركته وقيذا2 ووقيظا. # والوجه عندي3 والقياس أن تكون الظاء بدلا من الذال لقوله عز اسمه: ~~{والموقوذة} بالذال. # ولقولهم: وقذه يقذه، ولم أسمع وقظه، ولا موقوظه، فالذال إذن أعم تصرفا، ~~فلذلك قضينا بأنها هي الأصل. PageV01P239 ### | باب العين # العين حرف مجهور، يكون أصلا وبدلا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: عرق1 وعرق، والعين نحو: ~~شعر وشعر، واللام نحو: صنع وصنع. # وأما البدل فقد أبدلت من الهمزة، أنشدوا لذي الرمة: # أعن توسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم2 # يريد: أن. # وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن قراءة عليه، عن أبي العباس أحمد بن يحيى، ~~أحسبه أنا عن الأصمعي، قال: ارتفعت قريش في الفصاحة3 عن عنعنة4 تميم، ~~وتلتلة5 بهراء، وكشكشة6 ربيعة، وكسكسة7 هوازن، وتضجع 8 قيس، وعجرفية ضبة. ~~PageV01P241 # فأما عنعنة تميم، فإن تميما في موضع "أن": "عن"، وتقول: ظننت عن عبد الله ~~قائم. # قال: وسمعت1 ابن هرمة ينشد هارون: # أعن تغنت على ساق مطوقة ... ورقاء تدعو هديلا فوق أعواد2 # وأما تلتلة بهراء، فإنها تقول: تعلمون وتفعلون وتصنعون بكسر أوائل ~~الحروف. # انقضت الحكاية. # ومعنى قوله "كشكشة ربيعة"، فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث إنكش ~~ورأيتكش، وأعطيتكش. تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين. # وأما "كسكسة هوازن" فقولهم أيضا: أعطيتكس، ومنكس، وعنكس. # وهذا أيضا في الوقف دون الوصل، وقد مضى ذكر هاتين اللغتين في حرف السين ~~والشين. PageV01P242 # وأنشدني أبو علي: # من لي من هجران ليلى من لي # والحبل من حبالها المنحل # تعرضت لي بمكان حل # تعرض المهرة1 في الطول # تعرضا لم تأل2 عن قتلا لي3 # هكذا أنشدنيه: "عن قتلا"، وحمله تأولين: # أحدهما أنه قال: يجوز أن يكون أراد الحكاية، كأنه حكى النصب الذي كان ~~معتادا من قولها في بابه، أي كانت تقول: قتلا قتلا، أي أنا أقتله قتلا، ثم ~~حكى ما ms108 كانت تلفظ به، كما تقول: بدأت بالحمد الله، وقرأت على خاتمة: الله ~~ربنا. # وكقول الآخر4: # وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار5 # أي وجدنا هذا مكتوبا عندهم، والمعار ها هنا: السمين، هكذا قال أبو حاتم. # وليس المعار هنا من باب العارية6 كما يظن قوم. PageV01P243 # ونحو من هذه الحكاية ما أجازه أبو علي في قول الشاعر: # تنادوا بالرحيل غدا ... وفي ترحالهم نفسي1 # أجاز في الرحيل ثلاثة أوجه: الجر بالباء، والرفع، والنصب على الحكاية. # فكأنهم قالوا: الرحيل غدا، أو نرحل الرحيل غدا، أو نجعل الرحيل، أو ~~أجمعوا الرحيل غدا، فحكي المرفوع والمنصوب. # وأنشد أبو العباس لذي الرمة: # سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا2 # أي سمعت من يقول: الناس ينتجعون غيثا، وحكى سيبويه أن بعضهم قيل له ألست ~~قرشيا؟ فقال: لست بقرشيا. # والحكاية كثيرة يطول الكتاب بذكرها وشرح أحكامها، وخلاف العرب والعلماء ~~فيها. PageV01P244 # والوجه الآخر الذي أجازه أبو علي1 في قوله "عن قتلا لي": أنه قال: يجوز ~~أن يكون أراد "أن قتلا لي" أي أن قتلتني قتلا، فأبدل الهمزة عينا. فهذا ~~أيضا من عنعنة تميم. # وقولهم "عنعنة" مشتق من قولهم "عن، عن، عن" في كثير من المواضع، ومجيء ~~النون في العنعنة يدل على أن إبدالهم إياها إنما هو في همزة "أن" دون ~~غيرها. وقد اشتقت العرب أفعالا ومصادر من الحروف. # أخبرني أبو علي أن بعضهم قال: سألتك حاجة فلاليت لي، وسألتك حاجة فلوليت ~~لي، أي قلت لي في الأول: لا، وفي الثاني: لولا. وقد اشتقوهما أيضا من ~~الأصوات، قالوا: بأبأ الصبي أبوه: إذا قال له: بأبي، وبأبأه الصبي إذا قال ~~له: بابا. وقال الفراء: بأبأت بالصبي بئباء: إذا قلت له: بئبا2. # وقالوا: صهصهت بالرجل: إذا قلت له: صه3 صه. وقد قالوا أيضا: صهصيت، ~~فأبدلوا الياء من الهاء، كما قالوا: دهديت الحجر، وأصله دهدهته4 والدلالة ~~على أنه من الهاء قولهم دهدوهة الجعل لدحروجته. # وقال أبو النجم: # كأن صوت جرعها المستجل ... جندلة دهديتها في جندل5 PageV01P245 # ومن ذلك قولهم في زجر1 الإبل ms109 وغيرها: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت: إذا صحت ~~بها: حاء، وعاء، وهاء. # ومن هذا قولهم هلل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وحولق: إذا قال: لا ~~حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: باسم الله، وسبحل إذا قال: سبحان ~~الله، ولبى إذا قال: لبيك، فالألف في لبى عند بعضهم هي ياء التثنية في ~~لبيك، لأنه اشتق من الاسم المثنى مع حرف التثنية فعلا، ومن هذا قولهم: دعدع ~~إذا قال للغنم: داع داع. # قال الكميت: # ولو ولي الهوج الثوائج بالذي ... ولينا به ما دعدع المترخل2 # وأخبرني أبو علي قال: قال الأصمعي: إذا قيل لك: هلم3 فقل لا أهلم، وقال: ~~هلممت بالرجل إذا قلت له: هلم، فاشتقوا منها، وأصلها: هالم. PageV01P246 # وأخبرني أيضا قال: قال الأصمعي أو أبو زيد "أشك أنا"1: رجل ويلمة: ~~للداهية، فهذا أيضا من قولهم: # ويل ام سعد سعدا2 PageV01P247 # ومن قول امرئ القيس: # ويلمها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب1 # وللاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه2. # وقد أبدلو الهمزة عينا في غير "عن". # وأخبرني أبو علي قراءة عليه، يرفعه إلى الأصمعي، قال: سمعت أبا ثعلب ينشد ~~بيت طفيل: # فنحن منعنا يوم حرس نساءكم ... غداة دعانا عامر غير معتلي3 # قال: يريد: غير مؤتلي. PageV01P248 # قال: وسمع أبا الصقر ينشد: # أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترى، أو بخيلا مخلدا1 # قال: يريد: لعلني، وقالوا: رجل إنزهوا2، أخبرنا بذلك ابن مقسم، عن ثعلب، ~~عن اللحياني، وقالوا أيضا: عنزهو، فجائز أن تكون العين بدلا من الهمزة، ~~وجائز أن تكونا أصلين. # وقرأت على أبي علي، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: قال ~~الأصمعي: يقال: آديته3، وأعديته على كذا وكذا، أي قويته وأعنته. # وذكر يعقوب هذه اللفظة في باب الإبدال. # وأنشد ليزيد بن خذاق4: PageV01P249 # ولقد أضاء لك الطرق وأنهجت ... سبل المسالك والهدى تعدي1 # يقول: إبصارك الهدى يقويك على طريقك. ومعنى تعدى: أي تقوى. # وأقول أنا: إن تودي وتعدي ليس أحدهما مقلوبا عن صاحبه، بل كل واحد منهما ~~أصل يقوم ms110 برأسه. ما تعدي فمن الأعداء، وأعديته أي أعنته، ولذلك تقول ~~العامة2 لسلطانها: أعدني على فلان، أي أعني عليه، ومنه العدو والعداوة، ~~لأنها لا تكون إلا مع القوة والشدة، وأما آديته على فلان، أي قويته، فيحتمل ~~عندي تأويلين: أحدهما: أنه أفعلته من الأداة، لأن الأداة يتقوى بها الصانع ~~وغيره على عمله، وتكون لام آديته من هذا واوا، لقولهم في جمع أداة أدوات، ~~فظهور اللام واوا في أدوات، يدل على أن لام آديت واو في الأصل، بمنزلة لام ~~أعطيت وأغزيت، لأنهما من غزوت وعطوت، أي تناولت. # أنشد3 أبو الحسن: # تحت بقرنيها برير أراكة ... وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها4 PageV01P250 # وقال امرؤ القيس: # وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل1 # ومن هذا قيل لما يستصحب فيه الماء في الأسفار2 إداوة، إنما هي فعالة من ~~الأداة، لأنها تعين بما تتضمنه من الماء على السفر، وتقوى عليه، فهذا أحد ~~وجهي آديته، وهو الأظهر الأعرف. # وفيه وجه آخر غامض، وهو أن أبا علي3 أخبرني أن يعقوب حكى عنهم أنهم ~~يقولون: قطع الله أديه، يريد يده4، قال: قال أبو علي: فالهمزة في أديه ليست ~~بدلا من الياء، إنما هي لغة في الكلمة، بمنزلة يسروع وأسروع، ويلملم ~~وألملم. # ونحو قول طرفة: # أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء أسر5 # ويروى: يسر. PageV01P251 # فهذه كلها لغات، وليس بعضها بدلا من بعض، وقولهم: أديه وزنه: فعله، رد ~~اللام، وهي ياء لقولهم يديت إليه يدا، فصارت أدى كما ترى بوزن فعل. # وكذلك قرأت هذه اللفظة على أبي علي في كتاب القلب والإبدال، عن يعقوب، ~~ورأيت هذا الكتاب بخط أبي العباس محمد بن يزيد، فالتمست فيه هذه اللفظة في ~~باب الهمزة والياء، فلم أر لها هناك أثرا. # وقرأت هذا الفصل من كتاب إصلاح المنطق عن يعقوب على غير أبي علي، فقال: ~~إنما هو: قطع الله أديه. مثنى، في معنى يديه، وكذلك رأيتها في عدة نسخ. ~~وكيف تصرف الأمر فقد ثبت أنهم قد نطقوا بالفاء من هذه اللفظة همزة، مثناة ~~كانت ms111 أو مفردة، وإذا كان ذلك كذلك، فقد يجوز أن يكون قولهم آديته على كذا ~~أفعلته من الأدي في قول أبي علي، أو الأدين في قول غيره، أي كنت له يدا ~~عليه، وظهيرا معه، فيكون كقول النبي عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ~~ويسعى ب ذمتهم 1 أدناهم، وهم يد 2 على من سواهم" أي كلمتهم واحدة، فبعضهم ~~يقوي بعضا. # إلا أنني أنا أرى في هذه اللفظة خلاف ما رآه أبو علي، لأنه ذهب إلى أن ~~الهمزة في أديه ليست بدلا من الياء، وإنما هي أصل برأسه، ولو كان الأمر على ~~ما ذهب إليه، لتصرف الهمزة في هذه اللفظة تصرف الياء، وليس الأمر كذلك، ~~لأنا نجدهم يقولون: يديت إليه يدا، وأيديت أيضا، ويديت الصيد: إذا أصبت ~~يده، وكسروها فقالوا: يدي وأيد وأياد. # وقال الشاعر: PageV01P252 # فلن أذكر النعمان إلا بصالح ... فإن له عندي يديا وأنعما1 # فجاء بالجمع على فعيل، وهذا اسم للجميع عندنا، وليس مكسرا كأيد وأياد، ~~وإنما هو بمنزلة عبيد وكليب، لجماعة عبد وكلب، ولم نر الهمزة في أدى موجودة ~~في غير هذه اللفظة، وفي أحد وجهي آديته، الذي جوزناه آنفا2. # على أنا نعتقد فيه أنه إنما بنى أفعلته من لفظ الأدى بعد أن قلبت همزته ~~عن يدي، وإلا فالياء هي الأصل، وليس كذلك ما أشبهه به من نحو: يسروع ~~وأسروع، ويلملم وألملم، وأسر ويسر، لاطراد كل واحد من هذه الحروف في مكان ~~صاحبه، وقلة استعمالهم الأدي في معنى اليد، فاعرف ذلك. # فهذان الوجهان اللذان احتملهما عندي قولهم آديت زيدا أي قويته، وفيه وجه ~~آخر غامض أيضا، وهو أن يكون أراد أعديته، فأبدل العين همزة، فصارت أأديته، ~~ثم أبدل الهمزة ألفا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، واجتماعها مع الهمزة التي ~~قبلها، فصارت آديته. # على أن في هذا الوجه عندي بعض الضعف وإن كان أبو علي قد أجازه، لأنا لم ~~نرهم في غير هذا أبدلوا الهمزة من العين، وإنما رأيناهم لعمري أبدلوا العين ~~من الهمزة، فنحن نتبعهم في الإبدال ولا نقيسه إلا أن يضطر ms112 أمر إلى الدخول ~~تحت القياس والقول به. PageV01P253 # وقد أبدلت العين من الحاء في بعض المواضع: قرأ بعضهم: "عتى حين" يريد: ~~{حتى حين} [المؤمنون: 54] ، ولولا بحة1 في الحاء لكانت عينا، كما أنه لولا ~~إطباق2 في الصاد لكانت سينا، ولولا إطباق في الطاء لكانت دالا، ولولا ~~الإطباق في الظاء لكانت ذالا، ولأجل البحة التي في الحاء، ما يكررها ~~الشارق3 في تنحنحه. # وحكي أن رجلا من العرب بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح، فشرب بعضه، ~~فلما كظه4 الأمر قال: كبش أملح، فقيل له: ما هذا؟ تنحنت. فقال: من تنحنح، ~~فلا أفلح، وكرر الحاء مستروحا إليها، لما فيها من البحة التي يجري معها ~~النفس، وليست كالعين التي تحصر النفس، وذلك لأن الحاء مهموسة ومضارعة ~~بالحلقية والهمس للهاء الخفية، وليست فيها نصاعة العين ولا جهرها. # وحكى ابن الأعرابي عن أبي فقعس في صفة الكلأ: خضع مضع5، ضاف رتع. قال: ~~أراد أن الإبل تخضع6 فيه وتمضغه. فأبدل الغين عينا. PageV01P254 ### | باب الغين # الغين حرف مجهور مستعل1، يكون أصلا، لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: غرم وغرب. والعين نحو: ~~مغر وفغر2، واللام نحو: مرغ3 وفرغ. # وقالوا: خطر بيده يخطر، وغطر يغطر، فالغين كأنها بدل من الخاء، لكثرة ~~الخاء، وقلة الغين، وقد يجوز أن يكونا أصلين، إلا أن أحدهما أقل استعمالا ~~من صاحبه. # فأما قولهم في لعل: لعني ولغني ورغني، فينبغي أن يكون الغين فيه بدلا من ~~العين، لسعة العين في الكلام، وكثرتها في هذا المعنى، وقلة الغين، وأما ~~ارمعل وارمغل فلغتان، قال4: # بكى جزعا من أن يموت وأجهشت ... إليه الجرشي وارمعل خنينها5 # وارمغل أيضا. PageV01P255 # وكذلك قولهم: علث الطعام وغلثه1، والنشوع والنشوغ: لغات كلها، لاستوائها ~~في الاطراد والاستعمال. # وأما بيت زهير، وهو قوله: # حتى إذا ما هوت كف الغلام لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك2 # فيروى: الغلام بالغين معجمة، والعلام، بالعين غير معجمة. # فأما الغلام فمعروف، وأما العلام، بالعين غير معجمة، فأخبرنا أبو بكر ~~محمد بن الحسن3، عن أبي الحسين ms113 أحمد بن سليمان المعبدي4، عن ابن أخت. ~~PageV01P256 # أبي الوزير1، عن ابن الأعرابي قال: العلام هنا: الصقر. # وهذا من طريف2 الرواية. وغريب اللغة. # وقد قال في قول الراجز3: # قبحت من سالفة4 ومن صدغ # كأنها كشية ضب في صقغ5 # إنه أراد صقع بالعين، فأبدلها غينا. PageV01P257 ### | باب الفاء # الفاء: حرف مهموس، يكون أصلا وبدلا. ولا يكون زائدا مصوغا في الكلمة، ~~إنما يزاد في أولها للعطف ونحو ذلك. # فإذا كانت أصلا وقعت فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: فحم وفخر، والعين نحو: ~~قفل وسفر، واللام نحو: حلف وشرف. # واعلم أن العين واللام قد يكرر كل واحد منهما في الأصول: متصلين ~~ومنفصلين، وذلك نحو: عشب واعشوشب، وخدب1 وجلبب. وفاء الفعل لم تكرر في شيء ~~من الكلام إلا في حرف واحد، وهو مرمريس، ووزنها فعفعيل. وهي الداهية2، ~~وأنشدنا أبو علي لرؤبة: # يعدل عني الجدل الشخيسا3 # كد العدا أخلق مرمريسا4 # وقد قالوا أيضا: مرمريت. # وأما البدل فأخبرني أبو علي قراءة عليه بإسناده إلى يعقوب، أن العرب تقول ~~في العطف: قام زيد فم عمرو، أي ثم عمرو، وكذلك قولهم جدث5 وجدف. ~~PageV01P259 # والوجه أن تكون الفاء بدلا من الثاء، لأنهم قد أجمعوا على أجداث، ولم ~~يقولوا أجداف. # وأما قولهم فناء الدار وثناؤها1 فأصلان، أما فناؤها فمن فني يفنى، لأنها ~~هناك تفنى، لأنك إذا تناهيت إلى أقصى حدودها فنيت. وأما ثناؤها فمن ثنى ~~يثني، لأنها هناك أيضا ثنثنى عن الانبساط، لمجيء آخرها، وانقضاء حدودها. # فإن قلت: هلا جعلت إجماعهم على أفنية بالفاء دلالة على أن الثاء في ثناء ~~بدل من الفاء في فناء، كما زعمت أن فاء جدف بدل من ثاء جدث، لإجماعهم على ~~أجداث بالثاء، فالفرق بينهما وجودنا لثناء من الاشتقاق ما وجدناه لفناء، ~~ألا ترى أن الفعل يتصرف منهما جميعا، ولسنا نعلم لجدف بالفاء تصرف جدث، ~~فلذلك قضينا بأن الفاء بدل من الثاء. # وأما قول العجاج: # وبلدة مرهوبة العافور2 # فذهب فيه يعقوب إلى أنه من عثر يعثر، أي وقع في الشر، وذهب إلى أن الفاء ~~من عافور بدل من ms114 الثاء، بما اشتق له. والذي ذهب إليه وجه، إلا أنا إذا ~~وجدنا للفاء وجها نحملها فيه على أنها أصل لم يجز الحكم بكونها بدلا إلا ~~على قبح وضعف تجويز. # وذلك أنه قد يجوز أن يكون قولهم: وقعوا في عافور، فاعولا من العفر3، لأن ~~العفر من الشدة أيضا، ولذلك قالوا: عفريت لشدته، ومثاله: فعليت منه، ويشهد ~~لهذا قولهم: وقعنا في عفرة، أي اختلاط وشدة، وأما أفرة ففعلة، من أفر ~~PageV01P260 # يأفر إذا وثب، وهذا أيضا معنى يليق بالشدة، لأن الوثوب والنزاء1 كثيرا ما ~~يصحبان الشدة والبلاء2، وإذا كان ذلك كذلك فليس ينبغي أن تحمل واحدة من ~~الهمزة والعين في أفره وعفره على أنها بدل من أختها، وغير منكر أيضا أن ~~تكون الهمزة بدلا من العين، والعين بدلا من الهمزة، إلا أن الاختيار ما ~~قدمته. # وأما قولهم لما نفاه الرشاء3 من الماء عند الاستقاء نفي ونثي فأصلان ~~أيضا، لأنا نجد لكل واحد منهما أصلا نرده إليه، واشتقاقا نحمله عليه. # أما النفي ففعيل من نفيت، لأن الرشاء ينفيه، ولامه ياء بمنزلة رمي وعصي. ~~وأما النثي ففعيل من نثا الشيء ينثوه إذا أذاعه وفرقه، لأن الرشاء يفرقه ~~وينشره، ولام الفعل واو، لأنها لام نثوت، وهو بمنزلة سري وقصي. وقد يجوز أن ~~يكون الثاء بدلا من الفاء، قال الشاعر: # كأن متنيه من النفي # مواقع الطير على الصفي4 # بضم الصاد وكسرها. PageV01P261 # ويؤنسك بجواز كون الثاء بدلا من الفاء إجماعهم في بيت امرئ القيس: # ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل1 # على الفاء، ولم نسمعهم قالوا: نثوانه. وذهب بعض أهل التفسير في قوله عز ~~اسمه: "وفومها" إلى أنه أراد الثوم، فالفاء على هذا بدل عنده من الثاء. # والصواب عندنا: أن الفوم الحنطة2 وما يختبز من الحبوب، يقال: فومت الخبز، ~~أي خبزته، وليست الفاء على هذا بدلا من الثاء. # واعلم أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم غير مبنية من أصلها، فإنها في ~~الكلام على ثلاثة أضرب: ضرب تكون فيه للعطف والإتباع جميعا، وضرب تكون ms115 فيه ~~للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، دخولها كخروجها، إلا أن ~~المعنى الذي تختص به وتنسب إليه، هو معنى الاتباع3، وما سوى ذلك فعارض فيها ~~غير ملازم لها. PageV01P262 # الأول: نحو قولك قام زيد فعمرو، وضربت زيدا فأوجعته: أردت أن تخبر أن ~~قيام عمرو وقع عقيب1 قيام زيد بلا مهلة، وأن إيجاد زيد كان عقيب ضربك إياه، ~~وعلى هذا تقول: مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية، إذا أردت أن المطر انتظم ~~الأماكن التي ما بين هاتين القريتين، يقروها2 شيئا فشيئا بلا فرجة. وإذا ~~قلت مطرنا ما بين زبالة والثعلبية، فإنما أفدت بهذا القول أن المطر وقع ~~بينهما، ولم ترد أنه اتصل في هذه الأماكن، من أولها إلى آخرها، ولما ذكرناه ~~من حال هذه الفاء، من أن ما بعدها يقع عقيب ما قبلها، ما جاز أن يقع ما ~~قبلها علة3 وسببا لما بعدها، وذلك أن العلة سبب كون المعلول وموجبته وذلك ~~قولك: الذي أكرمني فشكرته زيد، فإنما اخترت الفاء هنا من بين حروف العطف، ~~لأن الإكرام علة لوقوع الشكر، فعطف بالفاء، لأن المعلول ينبغي أن يقع ثاني ~~العلة بلا مهلة. وكذلك الذي ضربته فغضب زيد، لأن الضرب علة الغضب. ولو قلت: ~~الذي أكرمني وشكرته زيد، لم يفد هذا الكلام أن الإكرام علة للشكر، كما ~~يفيده العطف بالفاء، وإنما كان يكون معناه أنه وقع الإكرام منه، والشكر ~~منك، غير مسبب أحدهما عن صاحبه كان، أو مسببا عنه، بل وقعا منكما معا، فهذا ~~يكشف لك حال الفاء. # الثاني: وهو الذي يكون فيه الفاء للإتباع دون العطف، إلا أن الثاني ليس ~~مدخلا في إعراب الأول، ولا مشاركا له في الموضع، وذلك في كل مكان يكون فيه ~~الأول علة للآخر، ويكون فيه الآخر مسببا عن الأول، فمن ذلك جواب الشرط في ~~نحو قولك: إن تحسن إلي فالله مجازيك، فهذه هنا للإتباع مجردة من معنى ~~العطف، ألا ترى أن الذي قبل الفاء من الفعل مجزوم، وليس بعد الفاء شيء يجوز ~~أن يدخله الجزم، وإنما بعدها جملة ms116 مركبة من اسمين مبتدأ وخبر، وكذلك قولك: ~~إن تقم فأنا قائم معك، وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن ~~يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى ~~الفاء. PageV01P263 # فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟ # فالجواب أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة ~~المركبة من المبتدأ والخبر، أو الكلام الذي قد يجوز أن يبتدأ به، فالجملة ~~في نحو قولك: إن تحسن إلي فالله يكافئك، لولا الفاء لم يرتبط أول الكلام ~~بآخره، وذلك أن الشرط والجزاء1 لا يصحان إلا بالأفعال، لأنه إنما يعقد وقوع ~~فعل بوقوع فعل غيره، وهذا معنى لا يوجد في الأسماء ولا في الحروف، بل هو من ~~الحروف أبعد، فلما لم يرتبط أول الكلام بآخره، لأن أوله فعل، وآخره اسمان، ~~والأسماء لا يعادل بها الأفعال، أدخلوا هناك حرفا يدل على أن ما بعده مسبب ~~عما قبله، لا معنى للعطف فيه، فلم يجدوا هذا المعنى إلا في الفاء وحدها، ~~فلذلك اختصوها من بين حروف العطف، فلم يقولوا: إن تحسن إلي والله يكافئك، ~~ولا: ثم الله يكافئك. # ومن ذلك قولك: إن يقم فاضربه، فالجملة التي هي اضربه: جملة أمرية، وكذلك ~~أن يقعد فلا تضربه، فقولك: لا تضربه جملة نهيية، وكل واحدة منهما يجوز أن ~~يبتدأ بها فتقول: اضرب زيدا، ولا تضرب عمرا، فلما كان الابتداء بهما مما ~~يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى الفاء، ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ~~بعدها ليس على ما يعهد في الكلام من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما ~~قبلهما، ومن هنا أيضا احتاجوا إلى الفاء في جواب الشرط مع الابتداء والخبر، ~~لأن الابتداء مما يجوز أن يقع أولا غير مرتبط بما قبله. # هذا مع ما قدمناه من أن الأفعال لا يعادل بها الأسماء. # ويزيد ما ذكرته لك وضوحا من أن جواب الشرط سبيله2 ألا يجوز الابتداء به، ~~أنك لو قلت مبتدئا: فالله يكافئك، لم يجز، كما لا يجوز أن ms117 تبتدئ فتقول: ~~فزيد جالس، وكذلك لا يجوز أن تبتدئ أيضا فتقول: فاضرب زيدا، ولا فلا تضرب ~~محمدا، لأن الفاء حكمها أن تأتي رابطة ما بعدها بما قبلها، فإذا استؤنفت ~~مبتدأة فقد انتقض3 شرطها. وهذا كله غير جائز أن يبتدأ به، كما أن الفعل ~~المجزوم لا يجوز PageV01P264 # الابتداء من غير تقدم حرف الجزم عليه. ألا تراك لا تقول مبتدئا: أقم، على ~~حد قولك: إن تقم أقم، فهذا كله يؤكد لك أن جواب الشرط سبيله أن يكون كلاما ~~لا يحسن الابتداء به. # ولهذا أيضا ما جاز أن يجازي بإذا التي للمفاجأة، نحو قوله عز اسمه: {وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} [الروم: 36] 1، فقوله: {إذا هم ~~يقنطون} في موضع قنطوا، وإنما جاز لإذا هذه أن يجاب بها الشرط لما فيها من ~~المعنى المطابق للجواب، وذلك أن معناها المفاجأة، ولا بد هناك من عملين، ~~كما لا بد للشرط وجوابه من فعلين، حتى إذا صادفه ووافقه كانت المفاجأة ~~مسببة بينهما، حادثة عنهما، وذلك قولك: خرجت فإذا زيد، فتقدير إعرابه: خرجت ~~فبالحضرة زيد، فإذا التي هي ظرف في معنى قولنا بالحضرة، وزيد: مرفوع ~~بالابتداء، والظرف قبله خبر عنه. فهذا تقدير الإعراب. وأما تفسير المعنى ~~فهو: خرجت ففاجأت زيدا، وإن شئت خرجت ففاجأني زيد، لأن فعلت في أكثر ~~أحوالها إنما تكون من اثنين، نحو ضاربت وقاتلت، فلما ذكرت لك من حال "إذ" ~~هذه، وأن معناها المفاجأة والموافقة ووقوع الأمر مسببا عن غيره، ما جاز أن ~~يجازى بها. # ويزيد حالها في ذلك وضوحا لك ما أنشدنا أبو علي عن أبي بكر، عن أبي ~~العباس، عن أبي عثمان، عن الأصمعي، عن أبي عمرو: أن شيخا من أهل نجد أنشده: # استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير2 ~~PageV01P265 # فهذا كقولك: بينما المرء في الأحياء مغتبط عفته الأعاصير، فوقوع الفعل في ~~موضع إذا يؤكد عندك جواز وقوعها جوابا للشرط، لأن أصل الجواب أن يكون ~~بالفعل، ليعادل ms118 به الفعل الذي قبله، إذا كان مسببا عنه، والعلل بيننا ~~والأسباب لا تتعلق بالجواهر1، إنما تتعلق بالأعراض2 والأفعال، فكما كانت ~~عبرة3 "إذا" في هذا البيت الذي أنشدنا وفي غيره مما يطول الكتاب بذكره عبرة ~~الفعل، فكذلك قوله {إذا هم يقنطون} ، يكون أيضا عبرته "قنطوا" فافهم ذلك. ~~PageV01P266 # واعلم أن "إذا" هذه التي ذكرناها ولا يجوز وقوع الفعل بعدها: وذلك أن ما ~~بعدها مرفوع بالابتداء، وهي خبر عنه، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسما، ~~فكذلك "إذا" هذه لا يكون ما بعدها إلا اسما، ومن ذلك قولهم: حسبته شتمني ~~فأثب عليه، ليست الفاء هنا عاطفة على الفعل الذي قبلها، ولكن معناها ~~الإتباع ألا ترى أن معنى الكلام: إن شتمني وثبت عليه. ومن ذلك قول الرجل ~~لصاحبه: دعوتك أمس فلم تجبني، فيقول له صاحبه، فقد أجبتك اليوم، فدخول ~~الفاء هنا يدل على أنه قد أجابه عن كلامه. ولو قال له: قد أجبتك اليوم، ~~لكان آخذا في كلام منه على غير وجه الجواب وتعليق الثاني بالأول. # ومن ذلك قوله، وهو من أبيات الكتاب1: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور2 # فجعل الإسلام مسببا عن براءة صدورهم من الإحن، وهي العدوات، إلا أنه قدم ~~في اللفظ المسبب على السبب، لأن معناه: قد برئت من الإحن الصدور، فأسلموا ~~من اجل ذلك، إلا أن الفاء عقدت الأول بالآخر، وجرى هذا الكلام مجرى: اشكرني ~~فقد أحسنت إليك، فالإحسان وإن كان مؤخرا في اللفظ، فهو مقدم في المعنى، ~~لأنه هو سبب الشكر، فينبغي أن يتقدمه في الرتبة، فكأنه قال: قد أحسنت إليك ~~فاشكرني. PageV01P267 # ومن ذلك قول امرئ القيس: # وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عن رسم دارس من معول1 # ففي قوله "معول" مذهبان: أحدهما: أنه مصدر عولت، بمعنى أعولت، أي بكيت، ~~أي فهل عند رسم دارس من إعوال وبكاء؟ والآخر: أنه مصدر عولت على كذا: أي ~~اعتمدت عليه، كقولهم: "إنما عليك معولي"، أي اتكالي. وعلى أي الأمرين حملت ~~المعول، فدخول الفاء على "فهل عند رسم" حسن جميل. # وأما ms119 إذا دخلت المعول بمعنى العويل2 والإعوال، أي البكاء، فكأنه قال: إن ~~شفائي أن أسفح3 عبرتي، ثم خاطب نفسه أو صاحبيه فقال: إذا كان الأمر على ما ~~قدمته من أن في البكاء شفاء وجدي4، فهل بي من بكاء أشفي به غليلي5. # فهذا ظاهره استفهام لنفسه، ومعناه التحضيض6 لها على البكاء، كما تقول: قد ~~أحسنت إلي فهل أشكرك؟ أي فلأشكرنك، وقد زرتني، فهل أكافئنك، أي فلأكافئنك، ~~وإذا خاطب صاحبيه فكأنه قال: قد عرفتكما سبب شفائي، وهو البكاء والعويل، ~~فهل تعولان وتبكيان معي، لأشفي وجدي ببكائكما. PageV01P268 # فهذا التفسير على قول من قال: إن معولي بمنزلة إعوالي، والفاء عقدت آخر ~~الكلام بأوله، لأنه كأنه قال: إذ كنتما قد عرفتما ما أوثره من البكاء، ~~فابكيا وأعولا معي، كما أنه إذا استفهم نفسه، فكأنه قال: إذا كنت قد علمت ~~أن في الإعوال راحة لي فلا عذر لي في ترك البكاء. وأما من جعل معولي بمعنى ~~تعويلي على كذا، أي اعتمادي واتكالي عليه، فوجه دخول الفاء على فهل في ~~قوله، أنه لما قال إن شفائي عبرة مهراقة، فكأنه قال: إنما راحتي في البكاء، ~~فما معنى اتكالي في شفاء غليلي على رسم دارس لا غناء عنده عني، فسبيلي أن ~~أقبل على بكائي، ولا أعول في برد غليلي على ما لا غناء عنده، وهذا أيضا ~~معنى يحتاج معه إلى الفاء، لتربط آخر الكلام بأوله، فكأنه قال: إذا كان ~~شفائي إنما هو في فيض دمعي، فسبيلي ألا أعول على رسم دارس في دفع حزني، ~~وينبغي أن أجد في البكاء الذي هو سبب الشفا. # واعلم أن المعارف الموصولة، والنكرات الموصوفة، إذا تضمنت صلاتها وصفاتها ~~معنى الشرط، دخلت الفاء في أخبارها، وذلك نحو قولك: الذي يكرمني فله درهم، ~~فلما كان الإكرام سبب وجوب الدرهم دخلت الفاء في الكلام، ولو قلت: الذي ~~يكرمني له درهم، لم يدل هذا القول على أن الدرهم إنما يستحق للإكرام، بل هو ~~حاصل للمكرم على كل حال، وتقول في النكرة: كل رجل يزورني فله دينار، فالفاء ~~هي التي ms120 أوجبت استحقاق الدينار بالزيارة. ولو قلت: كل رجل يزورني له دينار، ~~لما دل ذلك على أن الدينار مستحق عن الزيارة، بل يدل على أنه في ملك الزائر ~~على كل حال. # فلأجل معنى الشرك في الصلة والصفة ما دخلت الفاء في آخر الكلام، قال الله ~~تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم} [البقرة: 274] 1، فالفاء قد دلت على أن الأجر إنما استحق عن الإنفاق. ~~PageV01P269 # فإذا تضمنت الصلة والصفة جواب الشرط لم تدخل الفاء في آخر الكلام، وذلك ~~قولك: الذي إن يزرني أزره له درهم، ولو قلت هنا فله درهم لم يجز، لأن الشرط ~~لا يجاب دفعتين. وكذلك: كل رجل إن يزرني أكرمه له درهم، ولا يجوز فله درهم، ~~لأن الصفة قد تضمنت الجواب، فلم يحتج إلى إعادته، ولو قلت الذي أبوه أبوك ~~فزيد، لم يجز لأنه لم يتقدم في الصلة ما يصح به الشرط. وكذلك لو قلت: كل ~~إنسان فله درهم، لم يجز، لأنه لم يتقدم صفة يستفاد منها معنى الشرط، فجرى ~~هذان في الامتناع مجرى قولك: زيد فقائم، وعمرو فمنطلق، فاعرفه. # فهذا أيضا حال الفاء إذا خلصت للإتباع، وتجردت من العطف، وهي في الكلام ~~كثيرة جدا، وقد بينت لك رسومها1، وأوضحت وجوهها، لتتناول الأمر من قرب. # فإن قيل: إذا صح بما قدمته حال الفاء في كونها عاطفة ومتبعة، فهل دلالتها ~~على الأمرين سواء؟ أم هل لها اختصاص بأحدهما؟ # فالجواب: أن أخص هذين المعنيين بالفاء إنما هو الإتباع دون العطف. وذلك ~~أنها إذا كانت عاطفة فمعنى الإتباع موجود فيها، نحو ضربته فبكي، وأحسنت ~~إليه فشكر، وقد تتجرد من معنى العطف فيما قدمنا ذكره من الجزاء، وهذه ~~الأماكن التي أحدها ببيت أمرئ القيس: # فهل عند رسم دارس من معول2 # فلما كان الإتباع لا يفارقها، والعطف قد يفارقها، كان أخص معنييها بها ~~الإتباع، لملازمته لها. # وأما وجه زيادتها فقد جاء مجيئا صالحا. # أخبرنا أبو علي3 أن أبا الحسن4 حكى عنهم: أخوك فوجد، يريد أخوك وجد. ~~PageV01P270 # ومن ذلك قولهم: زيدا ms121 فاضرب، وعمرا فاشكر، وبمحمد فامرر، إنما تقديره: ~~زيدا اضرب، وعمرا اشكر، وبمحمد امرر. وعلى هذا قوله جل ثناؤه: {وثيابك ~~فطهر} [المدثر: 4] ، أي: وثيابك طهر، {والرجز فاهجر} 1 [المدثر: 5] أي ~~والرجز اهجر، {ولربك فاصبر} [المدثر: 7] ، أي لربك اصبر. # وهذه مسألة اعترضت هذا الباب، ونحن نشرحه بإذن الله: # تقول العرب: خرجت فإذا زيد. # واختلفت العلماء في هذه الفاء: فذهب أبو عثمان2 إلى أنها زائدة، وذهب أبو ~~إسحاق الزيادي3 إلى أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، وذهب مبرمان4 ~~إلى أنها عاطفة. # وأصح هذه الأقوال قول أبي عثمان. وذلك أن إذا هذه التي للمفاجأة قد تقدم ~~من قولنا فيها أنها للإتباع، بدلالة قوله عز اسمه: {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} [الروم: 36] ، فوقوعها جوابا للشرط يدل على أن ~~فيها معنى الإتباع، كما أن الفاء في قولك: إن تحسن إلي فأنا أشكرك، إنما ~~أجاز الجواب بها لما فيها من معنى الإتباع، وإذا كانت إذا هذه التي ~~للمفاجأة بما قدمناه للإتباع، فالفاء في قولنا خرجت فإذا زيد، زائدة، لأنك ~~قد استغنيت بما في إذا من معنى الإتباع، عن الفاء التي تفيد معنى الإتباع. # كما استغني عنها في قوله جل اسمه: {إذا هم يقنطون} . PageV01P271 # فإن قال قائل: إذا كانت الفاء في قولنا: "خرجت فإذا زيد" زائدة، فأجز: ~~خرجت إذا زيد، لأن الزائد حكمه أن يمكن طرحه1 ولا يختل الكلام بذلك، ألا ~~ترى إلى قوله عز اسمه: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] 2 لما ~~كانت ما زائدة، جاز أن تقول في الكلام لا في القرآن، فبرحمة من الله لنت ~~لهم. وكذلك {عما قليل} [المؤمنون: 40] 3 يجوز في الكلام أن تقول: عن قليل. # فالجواب: أن الفاء وإن كانت ها هنا زائدة، فإنها زيادة لازمة لا يجوز ~~حذفها. وذلك أن من الزوائد ما يلزم البتة، وذلك قولهم "افعله آثرا ما" أي ~~أول شيء4، فما زيادة لا يجوز حذفها، لأن معناه: افعله آثرا مختارا له، ~~معنيا به، من قولهم: آثرت أن أفعل كذا ms122 وكذا. # ومن ذلك قوله عز اسمه: {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] ، فالألف ~~واللام في الآن زائدتان عندنا، لأن هذا الاسم معرفة بغيرهما، وإنما هو ~~معرفة بلام أخرى مقدرة، غير هذه الظاهرة، وقد دللنا على ذلك في غير هذا ~~الموضع5، وكذلك قولك مهما تفعل أفعل، ما زيادة لازمة. # وكذلك الألف واللام في الذي والتي، وتثنيتهما وجمعهما، والألى في معنى ~~الذين زائدة أيضا، وإنما هن متعرفات بصلاتهن، والألف واللام فيهن زائدتان، ~~لا يمكن PageV01P272 # حذفهما، فرب زائدة ما يلزم، فلا يجوز حذفه، وكذلك أيضا قولنا خرجت فإذا ~~زيد، الفاء فيه زائدة أيضا. # وأما مذهب الزيادي1 في أن الفاء في قولهم: خرجت فإذا زيد، إنما دخلت ~~الكلام لما فيه من معنى الشرط، ففاسد، وذلك أن قولك خرجت فإذا زيد، لا تجد ~~فيه معنى شرط ولا جزاء، وإنما هو إخبار عن حال ماضية، منقضية، والشرط لا ~~يصح إلا مع الاستقبال، ألا ترى أنك لا تجيز: إن قمت أمس قمت أول من أمس، ~~هذا ونحوه من الكلام الخطأ، ليس يرتكبه أحد، فهذا وجه نراه، صحيح. # وشيء آخر يدل على فساد قول الزيادي، وهو أنه لو كان في الكلام معنى شرط ~~لاستغني بما في إذا من معنى الإتباع عن الفاء، كما استغني عنها في قوله عز ~~اسمه: {إذا هم يقنطون} [الروم: 36] ألا ترى أنهم يقولون: لن نفعل، وهي نفي، ~~وسنفعل، ولم يقولوا لن سنفعل، وإن كانت لن نفيا لها، لأنهم استغنوا بما في ~~لن من معنى الاستقبال، عن إعادة السين التي للاستقبال فكذلك كان ينبغي لو ~~كان في الكلام معنى شرط، أن يستغنوا بما في إذا من معنى الإتباع، عن الفاء ~~الموضوعة للإتباع. # وأما مذهب مبرمان في أنها للعطف، فسقوطه أظهر2. وذلك أن الجملة التي هي ~~"خرجت" جملة مركبة من فعل وفاعل. وقولك "فإذا زيد" جملة مركبة من مبتدأ ~~وخبر، فالمبتدأ زيد، وخبره إذا، وحكم المعطوف أن يكون وفق المعطوف عليه، ~~لأن العطف نظير3 التثنية، وليست الجملة المركبة من المبتدأ والخبر، وفق ~~المركبة من الفعل والفاعل، فتعطف ms123 عليها. # فإن قيل: ألست تجيز: قام زيد وأخوك محمد، فتعطف إحدى الجملتين على الأخرى ~~وإن اختلفتا بالتركيب، فهلا أجزت أيضا مثل هذا في: خرجت فإذا زيد؟ ~~PageV01P273 # فالجواب أنه قد يجوز مع الواو، لقوتها وتصرفها، ما لا يجوز مع الفاء من ~~الاتساع، ألا ترى أنك لو قلت: قام محمد فعمرو جالس، وأنت تعطف على حد ما ~~تعطف بالواو، لم يكن للفاء هنا مدخل، لأن الثاني ليس متعلقا بالأول، وحكم ~~الفاء إذا كانت عاطفة، ألا تتجرد من معنى الإتباع والتعليق بالأول، كما ~~تقدم من قولنا وهذا جواب أبو علي، وهو الصواب. # ومن طريف زيادة الفاء قول سيبويه: "زيدا إن يأتك فاضرب". # وقد أجمع البصريون على أن ما انتصب بفعل الشرط، أو بفعل جواب الشرط. لم ~~يجز تقديمه على إن، وأنت قد تجد "زيدا" في هذه المسألة منصوبا، فلا يجوز ~~إذا جعلت "فاضرب" جوابا أن تنصب به زيدا، لما قدمناه. # قال أبو علي: الفاء هنا: زائدة، واضرب: واقع غير موقعه. وجواب الشرط: ~~محذوف دل عليه فاضرب. فكان تقديره: زيدا اضرب إن يأتك، ثم زاد الفاء، ~~واكتفى بقوله: فاضرب، من جواب الجزاء، فكأنه قال: زيدا فاضرب، إن يأتك ~~فاضرب، فزيد منصوب باضرب الأولى، والفاء فيها زائدة، وهي التي كانت مؤخرة ~~فقدمت، وقوله "فاضرب" الثانية، هي جواب الشرط في الحقيقة. # ومن زيادتها بيت أنشده أبو الحسن: # أراني إذا ما بت بت على هوى ... فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا1 # كأنه قال: ثم أذا أصبحت أصبحت غاديا. PageV01P274 # وكما زيدت الفاء فيما ذكرناه وفي غيره مما يطول ذكره، كذلك حذفت أيضا ~~اختصارا وهي مرادة1، وذلك نحو ما أنشده سيبويه: # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عن الله مثلان2 # أراد: فالله يشكرها، وحذف الفاء تخفيفا. # هكذا أنشده سيبويه، ورواه غيره من أصحابنا: # من يفعل الخير فالرحمن يشكره3 # وقد خالف جماعة من أصحابنا سيبويه في أشياء كثيرة مما استشهده، هذا واحدا ~~منها. PageV01P275 # ومن ذلك أيضا: # فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب1 # أراد: فلا قتال لديكم. ms124 # ومنه أيضا: # فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازا شديدا ضريرها2 # أراد: فلا صدور لجعفر. PageV01P276 # فإن قال قائل: فلم دخلت الفاء في جواب إما؟ # فالجواب أنها إنما دخلت في الجواب لما في أما من معنى الشرط، وذلك أنك ~~إذا قلت: أما زيد فمنطلق، فمعناه: مهما يقع من شيء، فزيد منطلق. فإن قيل: ~~فإذا كان تقدير الكلام: مهما يقع من شيء فزيد منطلق، فنحن نرى الفاء قبل ~~الجملة التي هي زيد منطلق. # ونحن إذا قلنا: أما زيد فمنطلق، فقد نرى زيدا قد تقدم على الفاء، وصار ~~بعد الفاء اسم واحد، وهو منطلق، فما بال أحد الاسمين تقدم على الفاء مع ما، ~~وتراهما جميعا متأخرين عن الفاء مع مهما؟ # فالجواب: أن العرب كما تعنى بالمعاني فتحققها1، فكذلك أيضا تعنى بالألفاظ ~~فتصلحها. وذلك أن هذه الفاء وإن كانت هنا متبعة2 غير عاطفة، فإنها قد ~~تستعمل في العطف في كثير من المواضع، نحو قام زيد فعمرو، ورأيت محمدا ~~فصالحا، فمن عادتها -عاطفة كانت أو متبعة- ألا تقع مبتدأة في أول الكلام، ~~وأنه لا بد من أن يقع قبلها اسم أو فعل، فلو أنهم قالوا: أما فزيد منطلق، ~~على تقدير مهما يقع من شيء فزيد منطلق، وأوجبوا على أنفسهم تقدم الفاء على ~~الاسمين مع أما، كما يقدمونها عليهما مع مهما لوقعت الفاء مبتداة ليس قبلها ~~في اللفظ اسم ولا فعل، إنما قبلها حرف، وهو أما، فقدموا أحد الاسمين قبل ~~الفاء مع أما، لما حاولوه من إصلاح اللفظ، ليقع قبلها اسم في اللفظ، ويكون ~~الاسم الثاني الذي بعده، وهو خبر المبتدأ، وإن لم يكن معطوفا الآن على ~~المبتدأ، تابعا في اللفظ لاسم قبله، وهو زيد، فيكون الفاء هنا على صورة ~~العاطفة وإن لم تكن عاطفة، كل ذلك لإصلاح اللفظ، فاعرفه، فإنه لطيف، وهو ~~رأي أبي علي ومذهبه، وعنه علقت ما كتبته هنا، فإن اختلفت الألفاظ فإن ~~المعاني متفقة. PageV01P277 # فأما قوله عز اسمه: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} 1 ~~[الجمعة: 8] فليست الفاء في "فإنه" زائدة، ms125 ولكنها دخلت لما في الكلام من ~~معنى الشرط، فكأنه والله أعلم، إن فررتم منه لاقاكم. # فإن قال قائل: إن الموت ملاقيهم على كل حال، فروا منه أو لم يفروا، فما ~~معنى الشرط والجواب هنا؟ وهل يصح الجواب بما هو واقع لا محالة؟ # فالجواب أن هذا على جهة الرد عليهم أن يظنوا أن الفرار ينجيهم، وقد صرح ~~بهذا المعنى وأفصح عنه بالشرط الحقيقي زهير في قوله: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أن يلقى السماء بسلم2 # أي إن اعتقد أن التحرز ينجيه من الموت، كان ذلك أدعى لوقوع الموت به على ~~جهة الرد عليهم، وإبطال ظنهم. PageV01P278 # فأما قوله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب} [الحديد: 13] 1، فذهب أبو ~~الحسن2 في إلى أن الفاء زائدة. # وذهب أيضا في قوله جل اسمه: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم} [البقرة: 87] ، وفي قول الناس: "أفالله لتصنعن كذا وكذا"، وقولنا ~~للرجل: "أفلا تقوم" إلى أن الفاء زائدة، وجوز أيضا أن تكون حرف عطف، والوجه ~~أن تكون هنا غير زائدة، وأن تكون للإتباع، لتعلق3 ما قبلها بما بعدها. # وعلى هذا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: -وقد قيل له لما رئي قد جهد ~~نفسه بالعبادة: يا رسول الله أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر؟ - "أفلا أكون عبدا شكورا؟ ". # فالوجه أن تكون الفاء هنا متبعة غير زائدة. # ومن زيادة الفاء أيضا قوله جل ثناؤه: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} [آل عمران: ~~188] الفاء زائدة، وتحسب الثانية بدل من تحسب الأولى. # إلى هذا ذهب أبو الحسن، وهو قياس مذهبه في كثرة زيادة الفاء. # وقال حاتم: أخبرنا به علي بن محمد، يرفعه بإسناده إلى قطرب: # وحتى تركت العائدات يعدنه ... يقلن فلا تبعد وقلت له ابعد4 PageV01P279 # وبهذا الإسناد أيضا: # لما اتقى بيد عظيم جرمها ... فتركت ضاحي كفه يتذبذب1 # فالفاء في هذين البيتين زائدة. # وهذا فصل اعترض الكلام، فلنحكمه، لنعرف مذهب العرب ms126 فيه، ثم نعود إلى بقية ~~ما في الفاء. # اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل2 أحوالها أن ~~تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة. فأما وجه القياس في امتناع حذفها من قبل أن ~~الغرض من الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد ~~نابت "ما" عن "أنفي" وإذا قلت: هل قام زيد؟ فقد نابت هل عن "أستفهم"، فوقوع ~~الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهبت تحذف الحرف تخفيفا ~~لأفرطت3 في الإيجاز4، لأن اختصار المختصر إجحاف5 به. # فهذا وجه، وأما وجه ضعف زيادتها فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار، ~~كما قدمناه، فلو ذهبت تزيدها، لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من ~~الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار، فاعرف هذا. PageV01P280 # فإن أبا علي حكاه على الشيخ أبي بكر1 رضي الله عنه، وهو نهاية في معناه، ~~ولولا أن في الحرف إذا زيد ضربا من التوكيد، لما جازت زيادته البتة. كما ~~أنه لولا قوة العلم بمكانه، لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف ~~والزيادة من حيث أريتك على ما به من ضعف القياس. وإذا كان الأمر كذلك، فقد ~~علمنا من هذا أننا متى رأيناهم قد زادوا الحرف فقد أرادوا غاية التوكيد، ~~كما أنا إذا رأيناهم حذفوا حرفا، فقد أرادوا غاية الاختصار ولولا ذلك الذي ~~أجمعوا عليه واعتزموه، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، ولا حذف ~~ما وضعه على نهاية الاختصار، فقد استغني عن حذفه بقوة اختصاره. # واعلم أن الفاء قد يجاب بها سبعة أشياء2: وهي الأمر، والنهي، والاستفهام، ~~والنفي، والدعاء، والتمني، والعرض. # فالأمر نحو قولك: قم فأقوم. قال الشاعر: # يا ناق سير عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا3 # والنهي نحو قولك: لا تشتمه فيشتمك، قال الله عز وجل: {لا تفتروا على الله ~~كذبا فيسحتكم بعذاب} [طه: 61] 4. PageV01P281 # والاستفهام نحو قولك: أين بيتك فأزورك. قال: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج1 # والنفي نحو قولك: ما أنت بصاحبي ms127 فأكرمك، قال زياد بن منقذ: # وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم2 # والدعاء نحو قولك: اللهم ارزقني بعيرا فأحج عليه. # والتمني نحو: ليت لي مالا فأنفقه. # والعرض نحو: ألا تنزل فنتحدث. # واعلم أن الفعل بعد هذه الفاء إذا كانت جوابا، منتصب بأن مضمرة3، وإنما ~~أضمرت أن ههنا، ونصب بها الفعل، من قبل أنهم تخيلوا في أول الكلام معنى ~~المصدر فإذا قال: زرني فأزورك، فكأنه قد قال: لتكن منك زيارة، فزيارة مني. ~~PageV01P282 # فلما كان الأول في تقدير المصدر، والمصدر اسم، لم يسغ1 عطف الفعل بعده ~~عليه، لأن الفعل لا يعطف على الاسم، فإذا أضمرت أن قبل الفعل، صارا معا في ~~تقدير المصدر، والمصدر اسم، فلذلك جاز عطف اسم على اسم. # فإن قيل: ولم قدر في أول الكلام مصدر، حتي اضطروا إلى إضمار "أن"، ثم ~~عطفوا المصدر المنعقد للمعنى بأن والفعل جميعا، على المصدر الذي قبله؟ # فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك لمخالفة الفعل الثاني للفعل الأول في ~~المعنى، وذلك أنك إذا قلت: ما تزورني فتحدثني، فلم ترد أن تنفيهما جميعا، ~~ولو أردت ذلك، لرفعت الفعلين جميعا، ولكنك تريد: ما تزورني محدثا، أي قد ~~تزورني ولكنك إذا زرتني لم تحدثني، فأنت الآن قد أثبت الزيارة، ونفيت ~~الحديث، فلما اختلف الفعلان، ولم يجز العطف على ظاهر الفعل الأول، وأضمروا ~~مصدره، وكان ذلك مستقيما سائغا، لدلالة الفعل الأول على مصدره، فلما تخيلوا ~~في الفعل الأول معنى المصدر، عطفوا الثاني عليه، فاضطروا إلى إضمار "أن" ~~لما ذكرت لك. # ويجوز لك أيضا إذا قلت: ما تزورني فتحدثني، فنصبت الثاني، أن يكون المعنى ~~غير المعنى: ما تزورني إلا لم تحدثني. # وذلك أنه يجوز أن يكون المعنى: ما تزورني، فكيف تحدثني؟ فهذا أيضا معنى ~~ما تزورني محدثا، لأن معناه: لو زرتني لحدثتني، فأنت الآن ناف للزيارة، ~~ومعلم أن الزيارة لو كانت لكان الحديث عنها. فهذا أيضا معنى غير معنى رفع ~~"فتحدثني". فهذا مجيء الفعل بعد الفعل. # وأما مجيئه بعد غير الفعل فهو أسهل في اعتقاد المصدر ms128 في أول الكلام، لأنه ~~ليس هناك فعل يجوز عطف هذا الفعل المتأخر عليه، وذلك قولك: أين بيتك ~~فأزورك؟ ألا ترى أن أين بيتك، ليس بفعل، فيعطف عليه أزورك، فهذا أظهر أمرا، ~~فحمل هذا أيضا على المعنى، لأن معناه: ليكن تعريف منك، فزيارة مني، لأن ~~معنى أين بيتك؟ عرفني بيتك، فجاز تقدير التعريف لذلك. PageV01P283 # ويدلك على أن الفعل إذا تقدمه اسم ولم يسغ عطفه عليه، اضطر معه إلى إضمار ~~"أن" ليفيدا معا معنى المصدر، فيعطف المصدر الذي هو اسم، على الاسم الذي ~~قبله، قول ميسون بنت بجدل الكلبية: # للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف1 # فكأنها قالت: لأن ألبس عباءة، وأن تقر عيني، أحب إلي من كذا. # ونظير2 ذلك قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب أيضا: # فلولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما3 # أراد: وأن أسوءك. فكأنه قال في البيت الأول: للبس عباءة وقرة عيني: أحب ~~من كذا. # وفي الآخر: ولولا رجال وآل سبيع أو مساءتي إياك، لكان كذا، فالقرة: اسم ~~بمنزلة اللبس، والمساءة: اسم بمنزلة آل سبيع. PageV01P284 # واعلم أنك إذا أجبت هذه السبعة الأشياء1 بالفاء، فإن الكلام الذي هو ~~مجاب، والكلام الذي هو جواب جميعا ينعقدان انعقاد الجملة الواحدة، وليستا ~~بجملتين، وذلك أنك إذا قلت: ما أنت بصاحبي فأكرمك، فكأنك قلت، ليست بيننا ~~صحبة مقتضية إكراما، فمقتضية جزء متصل بالجملة، على حد اتصال الصفة ~~بالموصوف من الجملة المقدمة، وكذلك قوله. # يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا2 # في معنى: سيري سيرا مؤديا إلى الاستراحة، فمؤد متصل بما قبله، وليس ~~منفصلا منه. وكذلك قولك: لا تشتمه فيشتمك، معناه: لا يكن منك شتيمة له ~~داعية إلى شتمه إياك. وعلى هذا جميع هذه المسائل. # وأنت لو قلت: ما تزورني فتحدثني، فرفعت تحدثني، لم يكن الكلام كله جملة ~~واحدة، بل هو جملتان، أي: ما تزورني، فهذه واحدة، وما تحدثني، فهذه أخرى، ~~فاعرف حال هذا الفاء وما بعدها. # وقول البغداديين: إننا ننصب الجواب على الصرف، كلام فيه إجمال، بعضه ms129 ~~صحيح، وبعضه فاسد. أما الصحيح فقولهم: الصرف: أي ينصرف بالفعل الثاني عن ~~معنى الأول، وهذا هو معنى قولنا: إن الثاني يخالف الأول. فأما انتصابه ~~بالصرف فخطأ، ولا بد له من ناصب مقتض له، لأن المعاني لا تنصب الأفعال، ~~وإنما ترفعها المعاني، والمعنى الذي يرفع الفعل هو وقوع الفعل موقع الاسم، ~~وجاز في الأفعال أن يرفعها المعنى، كما جاز في الأسماء أن يرفعا المعنى، ~~أعني الابتداء، لمضارعة الاسم للفعل، فكما أن المضارعة في الفعل بمنزلة ~~التمكن في الاسم، في إيجابها جنس الإعراب لهما، فكذلك وقوع الفعل موقع ~~الاسم يوجب له الرفع، كما أن ابتداء الاسم يوجب له الرفع، وكما أن الأسماء ~~لا تنتصب إلا بناصب لفظي، فكذلك الأفعال لا تنتصب إلا بناصب لفظي. ~~PageV01P285 # فأما من ادعى انتصاب شيء من الكلام بالمعنى دون اللفظ، فقد وجب عليه من ~~إقامة الدلالة على ذلك مثل الذي وجب علينا فأقمناه، من الدلالة على ارتفاع1 ~~الاسم المبتدأ والفعل المضارع، بالمعنى. # فإن قيل: فإذا كان تقدير قولنا: ما أنت بصاحبي فأكرمك عندك: ما أنت ~~بصاحبي فأن أكرمك، فهل يجوز أن تظهر "أن" هذه المقدرة عندك إلى اللفظ، ~~فتقول: ما أنت بصاحبي فأن أكرمك؟ # فالجواب أن هذا أصل وإن قامت الدلالة عليه فإنه مرفوض، كما أن أصل قام: ~~قوم، ولكنه لا ينطق به على أصله. # وهاهنا أشياء كثيرة ترفض أصولها، ويقتصر في الاستعمال على فروعها، وقد ~~حذفت الفاء. قالوا: أف، خفيفة الفاء، وأصلها أف، مشددة. PageV01P286 ### | باب القاف # القاف: حرف مجهور، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء، وعينا، ولاما. فالفء نحو: قرن وقعد، والعين نحو: ~~سقف وثقل، واللام نحو: خرق وعلق. # وأخبرني أبو علي: قراءة عليه، عن أبي بكر، عن بعض أصحاب يعقوب، عنه، قال: ~~قال الفراء: قريش تقول: كشطت1، وقيس وتميم تقول: قشطت، بالقاف. وليست القاف ~~في هذا بدلا من الكاف، لأنهما لغتان لأقوام مختلفين. # فأما ما حكاه الأصمعي من قولهم: امتك الفصيل ما في ضرع أمه وامتق، وتمقق ~~وتمكك، إذا شرب كله. ms130 فالأظهر فيه أن تكون القاف بدلا من الكاف، لما ذهب ~~إليه أبو علي، لأنه قال: من هذا أخذ اسم مكة، لأنها كالمجرى للماء، فهو ~~ينجذب إليها. قال: فأما موضع الطواف، فهو بكة، بالباء، لأنه من الازدحام. # وقرأت عليه، عن أبي الحسن علي بن سليمان، عن أبي العباس، عن أبي الفضل ~~الرياشي، في نوادر أبي زيد. # تبك الحوض علاها ونهلى ... ودون زيادها عطن منيم2 # فقول الجميع مكة ولم يقولوا: مقة، يقوي أن الكاف هو الأصل. فأما قولهم: ~~مققت الشيء: إذا فتحته، فليس من امتق في شيء، فيحكم بأنه من معناه، وكذلك ~~قولهم للرجل الطويل: أمق، لا نسبة بينه وبين امتق في المعنى. PageV01P287 ### | باب الكاف # الكاف حرف مهموس، يكون أصلا لا بدلا ولا زائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: كعب وكعم1، والعين نحو: ~~شكر وشكر، واللام نحو: محك2 وضحك. وأخبرني أبو علي قرءة عليه، عن أبي بكر، ~~عن بعض أصحاب يعقوب عنه، قال: قال أبو عمرو: يقال أعرابي كح وأعرابية كحة، ~~تريد قح وقحة. قال: وقال الأصمعي القح3: الخالص من اللؤم والكرم. فينبغي أن ~~تكون الكاف في كح بدلا من قاف قح، لأن أبا زيد حكى في جمعه أقحاح، ولم ~~نسمعهم قالوا أكحاح، فيجري هذا مجرى ما قلناه في جدث4 وجدف. وأما قولهم: ~~كشطت وقشطت، فقد تقدم من القول فيه ما يدل على أنها لغتان. # وأخبرني أبو علي عن أبي بكر عن أبي جعفر بن رستم الطبري قال: مر رجل ~~برجلين وقد نحرا ناقة وهما يكشطانها، فسأل رجلا من ناحية، فقال: ما جلاء ~~الكاشطين؟ أي ما اسماهما؟ فقال: خابئة مصادع5، ورأس بلا شعر، فأتاهما فقال: ~~يا كنانة ويا صليع أطعماني. وقال أبو علي: اعرفه "خابية المصابع، وهصار ~~الأقران6"، فقال: يا كنانة ويا أسد أطعماني. PageV01P289 # وقد تقدم من قولنا في الحروف التي تبدل في بعض المواضع وهي غير مذكورة في ~~حروف البدل الأحد عشر، وإنما لم تحتسب هناك من حيث كان البدل فيها قليلا ~~غير مطرد، ما فيه مقنع ms131 إن شاء الله. # وأنشدنا أبو علي: # يابن الزبير طالما عصيكا # وطالما عنيتنا إليكا # لنضربن بسيفنا قفيكا1 # أبدل الكاف من التاء، لأنها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرا ~~جيدا قال: أحسنك والله، يريد: أحسنت. # وأما قول كثير2: # ومقربة دهم وكمت كنها ... طماطم يوفون الوفار هنادك3 # فقال محمد بن حبيب: أراد بالهنادك: رجال الهند، وظاهر هذا القول منه ~~يقتضي أن تكون الكاف زائدة. قال: ويقال: رجل هندي وهندكي. ولو قيل إن الكاف ~~أصل، وإن هندي وهندكي أصلان، بمنزلة سبط وسبطر، لكان قولا قويا، وهو ~~الصواب. PageV01P290 # واعلم أن الكاف المفردة تستعمل في الكلام على ضربين: جارة وغير جارة، ~~والجارة أيضا على ضربين: أحدهما حرف، والآخر اسم. # فأما الحرف فما لم يقع مواقع الأسماء وذلك نحو قولك: مررت بالذي كزيد، ~~والكاف هنا حرف لا محالة، لأنك لو قلت مررت بالذي مثل زيد، أو مررت بالذي ~~مثل جعفر، لكان خلفا1 وقبيحا من الكلام، حتى تظهر الضمير المبتدأ المحذوف، ~~فتقول: مررت بالذي هو مثل زيد، ومررت بالذي هو مثل جعفر، فإجماعهم على ~~استحسان مررت بالذي كزيد، دلالة على أن الكاف حرف جر، وأنه بمنزلة قولك: ~~مررت بالذي في الدار، وضربت الذي من الكرام، وجاءني الغلام الذي لمحمد. ~~وهذا استدلال سيبويه، وهو الصواب الذي لا معدل عنه. # وأما الكاف التي في تأويل الاسم، فالتي تقع مواقع الأسماء. # وذلك نحو قول الشاعر: # وصاليات ككما يؤثفين2 # فالأولى حرف، والثانية اسم، لدخول حرف الجر عليها. فأما قول الآخر: # فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء3 # فليست اللام الثانية باسم، وإن كانت قد دخلت عليها اللام الأولى، لأنه لم ~~يثبت في موضع غير هذا أن اللام اسم، كما ثبت أن الكاف اسم، وإذا كان ذلك ~~كذلك، فإحدى اللامين زائدة مؤكدة، وينبغي أن تكون الزائدة هي الثانية دون ~~الأولى، لأن حكم الزائد ألا يبتدأ به. PageV01P291 # وكذلك قول الأعشى: # هل تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل1 # فالكاف هنا موضع اسم مرفوع، فكأنه قال: ms132 ولن ينهى ذوي شطط مثل الطعن، ~~فيرفعه بفعله. # فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون الكاف في هذا البيت حرف جر، وتكون صفة ~~قامت مقام الموصوف، وتقدير الموصوف على قولنا: ولن ينهى ذوي شطط شيء ~~كالطعن، فيكون الفاعل شيء المحذوف، وتكون الكاف حرف جر صفة لشيء الفاعل، ~~لأن شيئا نكرة، والنكرات قد توصف بحروف الجر، نحو قولك: جاءني رجل من أهل ~~البصرة، وكلمت غلاما لمحمد، ويكون حذف الموصوف هنا جائزا، كما جاز في قول ~~من تأول الآية على إقامة الصفة مقام الموصوف، وهي قوله: {ودانية عليهم ~~ظلالها} [الإنسان: 14] قالوا: أراد: وجزاهم بما صبرو جنة وحريرا، وجنة ~~دانية عليهم ظلالها، فحذف جنة، وأقام دانية مقامها. PageV01P292 # وكقول الآخر: # كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن1 # أي جمل من جمال بني أقيش، وغير ذلك مما يطول ذكره. # فالجواب أن حذف الموصول وإقامة الصفة مقامة على كل حال قبيح، وهو في بعض ~~الأماكن أقبح منه في بعض، فأما قوله عز وجل: {ودانية عليهم ظلالها} فالوجه ~~فيها أن تكون منصوبة على الحال، معطوفة على قوله: {متكئين فيها} فهذا هو ~~القول الذي لا ضرورة فيه. # وأما قوله: "كأنك من جمال بني أقيش" فإنما جاز ذلك في ضرورة الشعر، ولو ~~جاز لنا أن نجد "من" في بعض المواضع قد جعلت اسما، لجعلناها ها هنا اسما، ~~ولم نحمل الكلام هنا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. PageV01P293 # فأما قوله: "ولن ينهى ذوي شطط كالطعن" فلو حملته على إقامة الصفة مقام ~~الموصوف، لكان أقبح من تأول1 قوله عز اسمه {ودانية عليهم ظلالها} على حذف ~~الموصوف، لأن الكاف في بيت الأعشى هي الفاعلة في المعنى، و"دانية" في هذا ~~القول إنما هي مفعول به، والمفعول قد يكون غير اسم صريح، نحو: ظننت زيدا ~~يقوم، وحسبت محمدا يفعل، والفاعل لا يكون إلا اسما صريحا محضا، وهم على ~~إمحاضه اسما أشد محافظة من جميع الأسماء، ألا ترى أن المبتدأ قد يقع غير ~~اسم محض، وهو قولهم "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، ms133 فتسمع، كما ترى فعل، ~~وتقديره: أن تسمع، فحذفهم "أن" ورفعهم تسمع، يدل على أن المبتدأ قد يمكن أن ~~يكون عندهم غير اسم صريح. وإذا جاز هذا في المبتدأ على قوة شبهه بالفاعل، ~~فهو في المفعول الذي يبعد عنهما أجوز، فمن أجل ذلك ارتفع الفعل في قول ~~طرفة2: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى3 PageV01P294 # عند كثير من الناس، لأنه أراد: أن أحضر، وأجاز سيبويه في قوله "مره ~~يحفرها" أن يكون الرفع على قوله "مره أن يحفرها"، فلما حذفت أن ارتفع الفعل ~~بعدها، وقد حملهم كثرة حذف "أن" مع غير الفاعل، على أن استجازوا ذلك مع اسم ~~ما لم يسم فاعله، وإن كان جاريا مجرى الفاعل، وقائما مقامه. # وذلك قول جميل: # جزعت حذار البيت يوم تحملوا ... وحق لمثلي يا بثينة يجزع1 # أراد: أن يجزع، على أن هذا قليل. # فإن قلت: ألست تعلم أن خبر كان يجري مجرى الفاعل، وقد قالوا: كأنك من ~~جمال بني أقيش وأرادوا: جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف وهو خبر كأن، ~~فهلا أجزت حذف الفاعل وإقامة الصفة مقامه في قول الأعشى: "ولن ينهى ذوي شطط ~~كالطعن"، وقلت إنه أراد: شيء كالطعن، حملا على بيت النابغة؟ # فالجواب أن بينهما فرقا من وجهين: # أحدهما: أن خبر كان وإن شبه بالفاعل في ارتفاعه، فليس في الحقيقة فاعلا، ~~ولا في مذهب الفاعل، أولا تراك تقول: كأن زيدا يصلي، وكن أخاك يقفوا أثرك، ~~فجعلهم خبرها، فعلا يدلك على أنه لا تبلغ قوة الفاعل في الاسمية، لأن ~~الفاعل لا يكون إلا اسما محضا. PageV01P295 # والآخر: أن بيت النابغة: "كأنك من جمال بني أقيش" اضطررنا فيه إلى إقامة ~~الصفة مقام الموصوف، وبيت الأعشى لم نضطر فيه إلى ذلك، لأنه قد قامت ~~الدلالة المبنية عندنا على استعمالهم الكاف اسما في نحو قول الآخر: # وزعت بكالهراوة أعوجي ... إذا ونت الركاب جرى وثابا1 # فدخول حرف الجر عليها يؤكد كونها اسما، وكذلك قول الآخر: # قليل غرار النوم حتى تقلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعه الزجر2 ~~PageV01P296 # وقال ذو الرمة: # أبيت على مي ms134 كئيبا وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح1 # وكذلك قول الآخر: # على كالخنيف السحق يدعو به الصدى ... له قلب عفى الحياض أجون2 ~~PageV01P297 # فهذا ونحوه يشهد بكون الكاف اسما، وبيت الأعشى أيضا يشهد بما قلنا، فلسنا ~~ننزل عن الظاهر، ونخالف الشائع المطرد، إلى ضرورة واستقباح، إلا بأمر يدعو ~~إلى ذلك، ولا ضرورة هنا، فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر، ومخالفنا معتقد ~~لما لا قياس يعضده، ولا سماع يؤيده. # ووجه ثالث: وهو أن خبر كأن هو خبر المبتدأ في الأصل، وخبر المبتدأ لا ~~يلزم إمحاضه اسما. # فإن قال قائل: فما بال الفاعل خالف المبتدأ في وجوب كونه اسما محضا، ~~وجواز كون المبتدأ غير اسم محض، وكلاهما محدث عنه، ومسند إليه؟ # فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر لمتأمله، وذلك أن الجمل إنما تتركب من ~~جزأين جزأين: إما اسم اسم، وهو نحو المبتدأ وخبره، وإما فعل واسم، نحو ~~الفعل والفاعل، وما أقيم من المفعولين مقام الفاعل، ولا بد في كل واحدة من ~~هاتين الجملتين إذا عقدت من اسم يسند إليه غيره، فأنت إذا أزلت عن المبتدأ ~~أن يكون اسما محضا، فقد بقيت الجزء الذي هو اسم، وذلك نحو قولهم "تسمع ~~بالمعيدي خير"1 فالمبتدأ الذي هو في اللفظ تسمع، قد أخبرت عنه باسم، وذلك ~~الاسم خبر، فقد بقيت على كل حال في الجملة اسما، ولو ذهبت تحذف الفعل، ~~وتقيم مقامه غير اسم، لبقيت الجملة معقودة بلا اسم، وهذا لفظ يناقض2 ما ~~عقدت عليه الجمل في أول تركيبها، ولذلك رفض ذلك: فلم يوجد في الكلام. # فأما بيت جمل: "وحق لمثلي يا بثينة يجزع" فقليل شاد، على أن حذف "أن" في ~~الكلام قد كثر، حتي صار كلا حذف، ألا ترى أن أصحابنا استقبحوا3 PageV01P298 # نصب "غير" من قوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد} [الزمر: 64] 1، ~~بأعبد. قالوا: لأن التقدير والمعنى: قل أفغير الله تأمروني أن أعبد، فكأن ~~"أن" هناك، وما بعد "أن" لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، لامتناع تقديم الصلة ~~أو شيء منها على الموصول، أولا تراهم كيف ms135 تخيلوا أن التقدير: قل أتأمروني ~~أن أعبد غير الله. ولولا أنهم قد أنسوا بحذف "أن" من الكلام، وإرادتها، لما ~~استقبحوا انتصاب "غير" بأعبد، فهذا شرح الفاعل والمبتدأ وما لم يسم فاعله. # فأما خبر المبتدأ، فلا يلزم أن يكون اسما محضا، لأن الجمل تقع هناك وقوعا ~~حسنا مطردا، وهذا في خبر "كان" أحسن منه في خبر "إن" لأنك قد استوفيت بكان ~~واسمها لفظ الفعل والفاعل، ولم تستوف بإن واسمها إلا لفظ الفعل والمفعول، ~~لأن اسم كان مشبه بالفاعل، واسم إن مشبه بالمفعول، إلا أنه جاز في خبر "إن" ~~أن يكون جملة، وغير اسم محض، من حيث كان خبر المبتدأ في المعنى، فكما جاز ~~أن يكون خبر المبتدأ غير اسم محض وجملة، جاز أيضا في خبر إن، إلا أنه في ~~خبر إن ليس في حسن خبر المبتدأ، لأن المبتدأ اسم مرفوع، فقد حصل معك شب ~~الفاعل، واسم إن وأخواتها منصوب، فإذا جعلت الخبر غير اسم محض، فقد أخليت ~~العقدة من اسم مرفوع. # فأما اسم كان فجعلك إياه غير اسم محض، أقبح من فعلك ذلك بخبر إن، وذلك أن ~~اسم كان مشبه بالفاعل من خبر إن، ألا ترى أنه يباشر كان مباشرة الفاعل ~~لفعله، ويضمر في الفعل كإضمار الفاعل، وذلك نحو: كنت أخاك، كقولهم: ضربت ~~أخاك، وخبر إن لا يباشر إن ولا يضمر فيها، فلم يقو في شبه الفاعل قوة اسم ~~كان في ذلك. PageV01P299 # فقد صح بما قدمنا أن كاف الجر قد تكون مرة اسما ومرة حرفا، فإذا رأيتها ~~في موضع تصلح فيه لأن تكون اسما ولأن تكون حرفا، فجوز فيها الأمرين، وذلك ~~نحو قولك زيد كعمرو، فقد تصلح أن تكون الكاف هنا اسما، كقولك زيد مثل عمرو، ~~ويجوز أن تكون حرفا، كقولك زيد من الكرام، فكما أن من حرف جر وقع خبرا عن ~~المبتدأ، فكذلك الكاف تصلح أن تكون حرف جر، فإذا قلت: أنت كزيد، وجعلت ~~الكاف اسما، فلا ضمير فيها، كما أنك إذا قلت: أنت مثل زيد، فلا ضمير في ~~مثل، ms136 كما لا ضمير في الأخ ولا الابن إذا قلت: أنت أخو زيد، وأنت ابن زيد. # هذا قول أصحابنا، وإن كان قد أجاز بعض البغداديين أن يكون في هذا النحو ~~الذي هو غير مشتق من الفعل ضمير، كما يكون في المشتق، فإذا جعلت الكاف في ~~قول: أنت كزيد حرفا، ففيها ضمير، كما تتضمن حروف الجر الضمير إذا نابت عن ~~الأفعال في قولك: زيد من الكرام، ومحمد على الفرس. # واعلم أنه كما جاز أن تجعل هذه الكاف فاعلة في بيت الأعشى وغيره، فكذلك ~~يجوز أن تجعل مبتدأة، فتقول على هذا: كزيد جاءني، وأنت تريد: مثل زيد ~~جاءني، وكبكر غلام لمحمد، فإن أدخلت "إن" على هذا قلت: إن كبكر غلام لمحمد، ~~فرفعت الغلام، لأنه خبر إن، والكاف في موضع نصب، لأنها اسم إن، وتقول إذا ~~جعلت الكاف حرفا وخبرا مقدما: إن كبكر أخاك. وتريد: إن أخاك كبكر، كما ~~تقول: إن من الكرام زيدا. # واعلم أن أقيس الوجهين إذا قلت: أنت كزيد، أن تكون الكاف حرفا جارا، ~~بمنزلة الباء واللام، لأنها مبنية مثلهما، ولأنها أيضا على حرف واحد، ولا ~~أصل لها في الثلاثة، فهي بالحرف أشبه، ولأن استعمالها حرفا أكثر من ~~استعمالها اسما. # واعلم أن هذه الكاف التي هي حرف جار، كما كانت غير زائدة فيم قدمنا ذكره ~~فقد تكون زائدة مؤكدة، بمنزلة الباء في خبر ليس، وما، ومن، وغير ذلك من ~~حروف الجر، وذلك نحو قوله عز وجل: {ليس كمثله شيء} [الشوري: 11] 1. ~~PageV01P300 # تقديره والله أعلم: ليس مثله شيء، فلا بد من زيادة الكاف، ليصح المعنى، ~~لأنك إن لم تعتقد ذلك أثبت له "عز اسمه" مثلا، فزعمت أنه ليس كالذي هو مثله ~~شيء، فيفسد هذا من وجهين: أحدهما ما فيه من إثبات المثل له عز اسمه وعلا ~~علوا عظيما، والآخر أن الشيء إذا أثبت له مثلا فهو مثل مثله، لأن الشيء إذا ~~ماثله شيء، فهو أيضا مماثل لما ماثله، ولو كان ذلك كذلك -على فساد اعتقاد ~~معتقده- لما جاز أن يقال: ليس كمثله شيء، لأنه ms137 تعالى مثل مثله، وهو شيء، ~~لأنه تعالى قد سمى نفسه شيئا بقوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ~~شهيد بيني وبينكم} 1 [الأنعام: 19] وذلك أن "أيا" إذا كانت استفهاما، فلا ~~يجوز أن يكون جوابها إلا من جنس ما أضيفت إليه، ألا ترى أنك لو قال لك ~~قائل: أي الطعام أحب إليك؟ لم يجز أن تقول له: الركوب، ولا المشي، ولا نحو ~~ذلك، مما ليس من جنس الطعام. فهذا كله يؤكد عندك أن الكاف في كمثله لا بد ~~أن تكون زائدة. # ومن ذلك أيضا قول رؤبة: # لواحق الأقراب فيا كالمقق2 PageV01P301 # والمقق: الطول. ولا يقال في الشيء كالطول، وإنما يقال: فيه طويل، فكأنه ~~قال: فيها مقق، أي طول. # وهذه مسألة من الكتاب. # قال سيبويه1: تقول: ما زيد كعمرو ولا شبيها به، وما عمرو كخالد ولا مفلحا ~~النصب في هذا جيد، لأنك إنما تريد ما هو مثل فلان، ولا مفلحا، هذا معنى ~~الكلام، فإن أردت أن تقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جررت، وذلك نحو قولك: ما ~~أنت كزيد ولا خالد، فإنما أردت ولا كخالد، فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبا ~~منه، فليس هاهنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجيء بها، وأنت إذا ذكرت الكاف ~~تمثل بها. انقضى كلام سيبويه. # واعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح، لتتلخص معانيه، فإن في ظاهره ~~إشكالا2. # أما قوله: ما أنت كعمرو ولا شبيها به، فلا يخلو الكاف في كعمرو أن يكون ~~اسما كمثل، أو حرفا فيه معنى مثل، على ما صدرناه3 من قولنا، فإن كانت الكاف ~~في كعمرو اسما، فشبيه معطوف عليها، كما كان يعطف على مثل لو كانت هناك، ~~فقلت: ما أنت مثل عمرو ولا شبيها به، كقولك: ما أنت غلام عمرو ولا جارا له، ~~وهذا أمر ظاهر. وإن كانت الكاف في كعمرو حرفا كالتي في قولنا مررت بالذي ~~كزيد، فشبيه المنصوب معطوف على كعمرو جميعا، لأن الجار والمجرور في موضع ~~نصب، لأن هذه لغة حجازية، لأن نصب "شبيه" يدل على أن ms138 الأول في PageV01P302 # موضع نصب، إلا أن هذا الموضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على ~~معناه دون # لفظه، أفدت معنى آخر، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به، ~~فجررت الشبيه، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيها، ونفيت أن يكون ~~زيدا كالذي يشبه عمرا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيها، فإنما نفيت ~~عن زيد أن يكون شبيها لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيها، وليس كذلك قولنا: ما ~~أنت بعمرو ولا خالدا، لأنك إن نصبت خالدا على المعنى أو جررته على اللفظ، ~~فإنما معناه في الموضعين واحد، أي ما أنت هذا ولا هذا. # فقول سيبويه "لأنك تريد ما هو مثل هذا ولا مفلحا، هذا معنى الكلام"، ~~يحتمل أمرين: # أحدهما: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي حرف. # والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، كما أن مثلا اسم، فإن كانت ~~الكاف اسما، فالعطف عليه ظاهر، وإن كانت حرفا، كان العطف عليها وعلى ما ~~جره، لأنهما في موضع نصب، على ما تقدم من بياننا. # وقوله: فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جره" يقول: إذا جررت ~~شبيها به، فقد أثبت لعمرو شبيها، لأنك أردت: ولا كمن يشبهه. # ومثل ذلك فقال: وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك ~~إذا جررت، فعطفت على عمرو وحده، فقد أثبت هناك شبيها لعمرو، وهو غيره، كما ~~أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد. # وقوله "فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبا منه، فليس هاهنا معنى بالباء لم ~~يكن قبل أن تجيء بها": يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدا، معناهما ~~واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، على ما تقدم في صدر كتابنا هذا من قول ~~عقيبة: ### | ................ # ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا1 PageV01P303 # وغيره. وأنت إذا قلت: ما أنت زيدا، فله معنى غير معنى: ما أنت كزيد، لأنك ~~إذا قلت: ما أنت زيدا، فإنما نفيت أن ms139 يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد ~~فإنما نفيت أن يكون مشبها له، ألا ترى أن من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى ~~من قال: أنا كزيد، فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، ~~وهذا واضح. # فقول سيبويه: "فإن أردت أن تقول ولا بمنزلة من يشبهه جررت" يؤكد عندك ~~أيضا زيادة الكاف في قوله عز اسمه: {ليس كمثله شيء} [الشوري: 11] ، لأنه ~~نفى أن يكون كمثله شيء، والكاف غير زائدة، فقد أثبت له مثلا، كما أثبت ~~سيبويه في مسألته إذا جررت، أن لزيد من يشبهه. # وقال أبو الحسن1 في قوله: ما أنت كزيد ولا شبيها به: إذا جررت الشبيه فقد ~~أثبت لزيد شبيها، وإذا نصبت لم تثبت له شبيها. وهذا هو تلخيص قول سيبويه، ~~لم يزد فيه شيئا، وهذا الكلام فيهما على أن الكاف في كزيد غير زائدة، وليست ~~كالذي في بيت رؤبة: لواحق الأقراب فيها كالمقق". # وأجاز لنا أبو علي2 فيها الجر، وألا يكون مع الجر له شبيه. قال: وذلك على ~~اعتقاده زيادة الكاف، فكأنه قال: ما أنت زيدا ولا شبيها به، ثم زاد الكاف، ~~فقال: ما أنت كزيد ولا شبيه به، فلما جر زيدا بالكاف مع اعتقاده زيادته، ~~عطف الشبيه على زيد، وهذا الذي ذهب إليه أبو علي وجه صحيح، وهو رأي أبي ~~الحسن، ونظيره "ليس كمثله شيء"، و"فيها كالمقق". PageV01P304 # ومثله أيضا قوله عز اسمه: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] 1 ذهب ~~أبو الحسن إلى أن الكاف زائدة، وعطف "الذي" على" الذي" من قوله: {ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] 2 وأجاز أبو علي أن يكون ~~الكلام معطوفا على المعنى، وذلك أن معنى قوله {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ~~في ربه} : أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية، فلا تكون ~~الكاف على هذا زائدة. وهذا وجه حسن. # فأما قول الآخر: # فصيروا مثل كعصف مأكول3 # فلا بد فيه من زيادة الكاف. فكأنه قال: فصيروا مثل عصف مأكول. فأكد الشبه ms140 ~~بزيادة الكاف، كما أكد الشبه بزيادة الكاف في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ~~إلا أنه في الآية أدخل الحرف على الاسم، وهذا شائع، وفي البيت أدخل الاسم، ~~وهو مثل، على الحرف، وهو الكاف، فشبه شيئا بشيء. # فإن قال قائل: بماذا جر عصف؟ أبالكاف التي تجاوره؟ أم بإضافة مثل إليه، ~~على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟ PageV01P305 # فالجواب: أن "العصف" في البيت "لا يجوز أن يكون مجرورا إلا بالكاف، وإن ~~كانت زائدة، يدلك على ذلك أن الكاف في كل موضع تقع فيه زائدة، لا تكون إلا ~~جارة، كما أن من وجميع حروف الجر في أي موضع وقعن زوائد، فلا بد من أن ~~يجررن ما بعدهن كقولك: ما جاءني من أحد، ولست بقائم، فكذلك الكاف في مثل ~~"كعصف" هي الجارة للعصف، وإن كانت زائدة على ما تقدم. # فإن قيل: فإذا جررت العصف بالكاف، فإلام أضفت مثلا؟ وما الذي جررت به؟ # فالجواب أن "مثلا" وإن لم تكن مضافة في اللفظ، فإنها مضافة في المعنى، ~~وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير، وذلك أن التقدير: فصيروا مثل عصف ~~مأكول. فلما جاءت الكاف تولت هي جر العصف، وبقيت مثل غير جارة ولا مضافة في ~~اللفظ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ1 منه في الحرف الجار، ~~وذلك لأنا لا نجد حرفا جارا معلقا غير عامل في اللفظ، وقد نجد بعض الاسماء ~~معلقا عن الإضافة، جارا في المعنى غير جار في اللفظ، وذلك نحو قولهم: جئت ~~قبل وبعد. وقام زيد ليس غير، وقد قالوا أيضا: # يا من رأى عارضا أسر به ... بين ذارعي وجبهة الأسد2 # أي بين ذراعي الأسد وجبهته، وجئت قبل كذا وبعد كذا، وقام زيد ليس غيره. ~~PageV01P306 # ومن أبيات الكتاب قول الأعشى: # إلا بداهة أو علا ... له سابح نهد الجزارة1 # أي إلا بداهة سابح أو علالة سابح. # وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: "برئت إليك من خمس وعشري النخاسين، أي ~~من خمس النخاسين" وعشري النخاسين. # وحكى هو أيضا: قطع الله الغداة2 ms141 يد ورجل من قاله. أي يد من قاله ورجل من ~~قاله. وهذا كثير، وإنما أردت أن أوجدك أن الأسماء قد تعلق عن الإضافة في ~~ظاهر اللفظ، وأن الحروف لا يمكن أن تعلق عن الجر في اللفظ البتة، ومعنى ~~قولي في اللفظ: أن يوجد بعدها لفظ مجرور جرا مظهرا أو مقدرا. PageV01P307 # فالمظهر نحو: مررت بزيد، والمقدر نحو: مررت بهذا، وذلك وغيرهما من ~~المبني، فعلى ما قدمناه ينبغي أن يكون "عصف" من قوله "مثل كعصف" مجرورا ~~بالكاف، دون أن يكون مجرورا بإضافة مثل إليه. # فأما قول الشاعر: # جياد بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب1 # فإنه إنما جاز الفصل بين حرف الجر وما جره بكان، من قبل أنها زائدة ~~مؤكدة، فجرى مجرى "ما" المؤكدة في نحو قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} 2 ~~[النساء: 155] ، و {عما قليل} [المؤمنون: 40] ، و {مما خطيئاتهم} [نوح: 25] ~~، فلذلك جاز لعلى، وإن كانت حرفا جارا، أن تتخطى إلى ما بعد كان فتجره، ولا ~~يجوز في قوله: "ككما يؤثفين" أن تكون "ما" مجرورة بالكاف الأولى، لأن الكاف ~~الثانية عاملة للجر، وليست "كان" جارة، فتجري مجرى الكاف في ككما. # فإن قيل: فمن أي جاز تعليق الأسماء عن الإضافة في اللفظ، ولم يجز في حروف ~~الجر ألا تتصل بالمجرور في نحو ما قدمته. PageV01P308 # فالجواب أن ذلك جائز في الأسماء من وجهين: # أحدهما: أن الأسماء أقوى وأعم تصرفا من الحروف، وهي الأول الأصول. فغير ~~منكر أن يتجوز فيه ما لا يتجوز في الحروف، ألا ترى أن التاء في ربت وثمت ~~علامة تأنيث، كما أن التاء في مسلمة وعاقلة علامة تأنيث؟ وقد أبدلوا تاء ~~التأنيث في الاسم هاء في الوقف، فقالوا مسلمه، وعاقله، ولم يبلدوا التاء في ~~ربت وثمت ولات ولعلت في وقف ولا وصل، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه، ~~والفعل أيضا في هذا جار مجرى الحرف. # ألا ترى أن التاء في قامت وقعدت ثابتة غير مبدلة في وصل ولا وقف؟ فهذا ~~أحد الوجهين. # والوجه الآخر: أن الأسماء ليست في أول وضعها مبنية ms142 على أن تضاف ويجر بها، ~~وإنما الإضافة فيها ثان لا أول، فجاز فيها أن تعرى1 في اللفظ من الإضافة، ~~وإن كانت الإضافة فيها منوية2، وأما حروف الجر فوضعت على أنها للجر البتة، ~~وعلى أنها لا تفارق المجرور لضعفها وقلة استغنائها عن المجرور، فلم يمكن ~~تعليقها عن الجر والإضافة، لئلا يبطل الغرض الذي جيء بها من أجله، فهذا أمر ~~ظاهر واضح. # فإن قال قائل: فمن أين جاز للاسم أن يدخل على الحرف في قوله "مثل كعصف". # فالجواب أنه إنما جاز ذلك، لما بين الكاف ومثل من المضارعة في المعنى، ~~فلما جاز لهم أن يدخلوا الكاف على الكاف في قوله: # وصاليات ككما يؤثفين3 # لمشابهته لمثل، حتى كأنه قال: كمثل ما يؤثفين، كذلك أدخلوا أيضا مثلا على ~~الكاف في قوله: "مثل كعصف"، وجعلوا ذلك تنبيها على قوة الشبه بين الكاف ~~ومثل. PageV01P309 # فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون الكاف في قوله "مثل كعصف" مجرورة بإضافة ~~مثل إليها، ويكون "العصف" مجرورا بالكاف، فتكون على هذا قد أضفت كل واحد من ~~مثل ومن الكاف، فيزول عنك الاعتذار لتركهم مثلا غير مضافة، على ما قدمت، ~~ويكون جر الكاف بإضافة مثل إليها، كجرها بدخول الكاف على الكاف في قوله ~~"ككما يؤثفين"، فكما أن الكاف الثانية هنا مجرورة بالأولى، كما انجرت بعلى ~~في قول الآخر: # على كالقطا الجوني أفزعه الزجر1 # فكذلك هلا قلت: إن الكاف في مثل "كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها؟ # فالجواب: أن قوله "مثل كعصف" قد ثبت أن مثلا أو الكاف فيه زائدة، كما أن ~~إحداهما زائدة في قوله {ليس كمثله شيء} 2، وإذا ثبت ذلك، فلا يجوز أن تكون ~~مثل هي الزائدة، لأنها اسم، والأسماء لا تزاد، وإنما تزاد الحروف، فإذا لم ~~يجز أن تكون مثل هذه الزائدة، ولم يكن بد من زائد، ثبت أن الكاف هي ~~الزائدة. # وإذا كانت هي الزائدة، فلا بد من أن تكون كما قدمنا حرفا، وإذا كانت ~~حرفا، بطل أن تكون مجرورة، من حيث كانت الحروف لا إعراب في شيء منها، ms143 وإذا ~~لم تكن مجرورة بطل أن تكون "مثل" مضافة إليها كما سامنا السائل. # على أن أبا علي قد كان أجاز أن تكون "مثل" مضافة إلى الكاف، وتكون الكاف ~~هنا اسما. # وفيه عندي ضعف، لما ذكرته. # فأما قول الآخر "ككما يؤثفين" فقد استدللنا بدخول الكاف الأولى على ~~الثانية، أن الثانية اسم، وأن الأولى حرف قد جر الثانية، وهو مع ذلك زائد، ~~ولا ينكر، وإن كان زائدا، أن يكون جارا، لما قدمناه من قولهم: ما جاءني من ~~أحد، ولست بقائم. PageV01P310 # ومن زيادة الكاف قول الشاعر: # من كان أسرع في تفرق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدت # إلا كناشرة الذي ضيعتم ... كالغصن في غلوائه المتنبت1 # إنما تقديره: إلا ناشرة، والكاف زائدة. # ونحوه أيضا قول الآخر: # لولا ابن حارثة الأمير لقد ... أغضيت من شتمي على رغم # إلا كمعرض المحسر بكره ... عمدا يسببني على ظلم2 # الكاف زائدة، وتقديره إلا معرضا. PageV01P311 # وكذلك قول الآخر: # إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا1 # الكاف زائدة، وتقديره إلا خارجة، وهذا كله من الاستثناء المنقطع عن ~~الأول، معناه: لكن. # ومن زيادة الكاف أيضا قولنا: لي عليه كذا وكذا، فالكاف هنا زائدا، لأنه ~~لا معنى للتشبيه في هذا الكلام، إنما معناه: لي عليه عدد ما، فلا معنى ~~للتشبيه هنا، وإذا لم يكن هنا تشبيه، فالكاف زائدة، إلا أنها زائدة لازمة، ~~بمنزلة "آثرا ما"2 ونحوه مما تقدم ذكره، وذا مجرور بها. # واستدل أصحابنا على أن ذا مجرور بالكاف بقوله عز اسمه: {وكأين من قرية} ~~[الحج: 48] ، فالكاف في كأي هي الكاف في كذا وكذا، وإذا كانت الكاف زائدة، ~~فليست متعلقة بفعل، كما أن الباء في لست بقائم لما كانت زائدة لم تكن ~~متعلقة بفعل، ولا معنى فعل، ويدلك على أن الكاف في كذا وكذا زائدة، وأنها ~~قد خلطت بذا، وصارت معه كالجزء الواحد، أنك لا تضيف ذا، ولا تؤكدها، ولا ~~تؤنثها، لا تقول: له كذه وكذه ملحفة، فجريا مجرى حبذا. PageV01P312 # وعلى هذا قالوا: إن كذا وكذا درهما مالك، فرفعوا المال، لأن الغرض ms144 في كذا ~~وكذا إنما هو التوكيد والتكثير، وإذا كانت الكاف غير زائدة تعلقت بالفعل، ~~لأنها حينئذ بمنزلة غيرها من سار حروف الجر، فكما أن تلك كلها متى لم تزد ~~فهي متعلقة بأفعال، فكذلك ينبغي أن تكون الكاف غير الزائدة، وذلك نحو قولك: ~~أنت كزيد، فالتقدير: أنت "كائن" كزيد، كما أنك إذا قلت: أنت لزيد، فكأنك ~~قلت: أنت كائن لزيد. # وفي هذا الفصل مسألتان تحتاجان إلى شرح وبيان: # أما إحداهما فقولنا: كأن زيدا عمرو. # إن سأل سائل فقال: ما وجه دخول الكاف هنا، وكيف أصل وضعها وترتيبها؟ # فالجواب: أن أصل قولنا: كأن زيدا عمرو، إنما هو أن زيدا كعمرو، فالكاف ~~هنا تشبيه صريح، وهي متعلقة بمحذوف، فكأنك قلت: إن زيدا كائن كعمرو، ثم ~~إنهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي هو عليه عقدوا الجملة، فأزالوا الكاف ~~من وسطها، وقدموها إلى أولها، لإفراط1 عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على ~~إن من قبلها، وجب فتح إن، لأن المكسورة لا يتقدمها حروف الجر، ولا تقع إلا ~~أولا أبدا، وبقي معنى التشبيه، الذي كان فيها وهي متوسطة بحاله فيها وهي ~~متقدمه، وذلك قولهم: كأن زيدا عمرو، إلا أن الكاف الآن لما تقدمت، بطل أن ~~تكون متعلقة بفعل، ولا معنى فعل، لأنها فارقت الموضع الذي يمكن أن تتعلق ~~فيه بمحذوف، وتقدمت إلى أول الجملة، وزالت عن الموضع الذي كانت فيه متعلقة ~~بخبر إن المحذوف، فزال ما كان لها من التعلق بمعاني الأفعال، وليست هاهنا ~~زائدة، لأن معنى التشبيه موجود فيها، وإن كانت قد تقدمت، وأزيلت عن مكانها، ~~وإذا كانت غير زائدة فقد بقي النظر في "أن" التي دخلت عليها، هل هي مجرورة ~~بها أو غير مجرورة، فأقوى الأمرين عليها عندي أن تكون "أن" في قولك كأنك ~~زيد، مجرورة بالكاف. # فإن قلت: إن الكاف الآن ليست متعلقة بفعل، فلم يجر به؟ PageV01P313 # قيل له: الكاف وإن لم تكن متعلقة بفعل، فليس ذلك بمانع من الجر بها، ألا ~~ترى أن الكاف في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} هي غير متعلقة بفعل، وهي ms145 مع ~~ذلك جارة؟ ويؤكد عندك أيضا أنها هنا جارة، فتحهم الهمزة بعدها، كما ~~يفتحونها بعد العوامل الجارة وغيرها، وذلك نحو قولك: عجبت من أنك قائم، ~~وأعطيتك لأنك شاكر، وأظن أنك منطلق، وبلغني أنك كريم، فكما فتحت "أن" ~~لوقوعها بعد العوامل قبلها موقع الأسماء، كذلك فتحت أيضا في كأنك قائم، لأن ~~قبلها عاملا قد جرها، فاعرف ذلك. # ونظير هذا الكلام في أنه قد خلط بعضه ببعض، وصارت فيه كأن حرفا واحدا، ~~مذهب الخليل في "لن"، وذلك أن أصلها عنده "لا أن"، وكثر استعمالها، فحذفت ~~الهمزة تخفيفا، فالتقت ألف "لا" ونون "أن" وهما ساكنتان، فحذفت الألف من ~~"لا" لسكونها وسكون النون بعدها، فصارت "لن" فخلطت اللام بالنون، وصار لهما ~~بالامتزاج والتركيب الذي وقع بينهما حكم آخر. # يدلك على ذلك قول العرب: زيدا لن أضرب، فلو كان حكم أن المحذوفة مبقي بعد ~~حذفها وتركيب النون مع لام "لا" قبلها، كما كان قبل الحذف والتركيب، لما ~~جاز لزيد أن يتقدم على "لن" لأنه كان يكون في التقدير من صلة أن المحذوفة ~~الهمزة، ولو كان من صلتها لما جاز تقدمه عليها على وجه. # فهذا يدلك أن الشيئين إذا خلطا حدث لهما حكم ومعنى لم يكن لهما قبل أن ~~يمتزجا، ألا ترى أن لولا مركبة من "لو" و"لا" ومعنى "لو" امتناع الشيء ~~لامتناع غيره، ومعنى "لا" النفي أو النهي. فلما ركبا معا حدث معنى آخر، وهو ~~امتناع الشيء لوقوع غيره. # فهذا في "لن" بمنزلة قولنا كأن، ومصحح له، ومؤنس به، وراد على سيبويه ما ~~ألزمه الخليل: من أنه لو كان الأصل "لا أن" لما جاز: زيدا لن أضرب، لامتناع ~~جواز تقديم الصلة على الموصول، وحجاج الخليل في هذا ما قدمنا ذكره، لأن ~~الحرفين حدث لهما بالتركيب ما لم يكن لهما مع الأفراد. # مضت المسألة الأولى. # PageV01P314 # المسألة الثانية: # قول عمرو بن شأس، وهو من أبيات الكتاب: # وكاء رددنا عنكم من مدجج ... يجيء أمام الألف يردي مقنعا1 # وقال الآخر2: # وكاء ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه ms146 في التكلم # إن سأل سائل فقال: ما تقول في كاء هذه، وكيف حالها؟ وهل هي مركبة أو ~~بسيطة؟ PageV01P315 # فالجواب أنها مركبة، والذي علقته عن أبي علي عن أصحابنا، أن أصلها كأي، ~~كقوله عز اسمه: {وكأين من قرية} ثم أن العرب تصرفت في هذه اللفظة، لكثرة ~~استعمالها إياها، فقدمت الياء المشددة، وأخرت الهمزة، كما فعلت ذلك في عدة ~~مواضع، نحو قسي وأشياء في قول الخليل، وشاك ولاث ونحوهما في قول الجماعة، ~~وجاء وبابه في قول الخليل أيضا، وغير ذلك، فصار التقدير فيما بعد: كيأ، ثم ~~إنهم حذفوا الياء الثانية تخفيفا، كما حذفوها في نحو: ميت وهين ولين، ~~فقالوا: ميت، وهين، ولين، فصار التقدير كيء، ثم إنهم قلبوا الياء ألفا ~~لانفتاح ما قبلها، كما قلبوها في طائي وحاري وآية في قول غير الخليل، فصارت ~~كاء. # وأخبرنا أبو علي: قال: قرأت على أبي بكر في بعض كتب أبي زيد: سمعت أبا ~~عمر الهذلي يقول في تصغير دابة: دوابة. قال أبو علي: أراد دويبة، فقلبت ~~الياء ألفا. فهذا أيضا كما قلنا في كاء. وفيها لغات أخرى غير هذه. # يقال: كأي وكاء، وكأي بوزن كعين، وكأ بوزن كعن. حكى ذلك أحمد بن يحيى، ~~فمن قال كأي فهي "أي" دخلت عليها الكاف، ومن قال كاء فقد شرحنا أمره، ومن ~~قال كأي بوزن كعين، فأشبه ما فيه أنه لما أصاره التعبير على ما ذكرنا إلى ~~كيء، قدم الهمزة، وأخر الياء، ولم يقلب الياء ألفا، وحسن له ذلك ضعف هذه ~~الكلمة، وما اعتورها1 من الحذف والتغيير. # ومن قال: "كأ" بوزن كعن، فإنه حذف الياء من كيئ تخفيفا أيضا. # فإن قلت: إن في هذا إجحافا بالكلمة، لأنه حذف بعد حذف، قلت: ليس ذاك ~~بأكثر من مصيرهم من أيمن الله إلى م الله وم الله. وإذا كثر استعمال الحرف ~~حسن فيه ما لا يحسن في غيره: من التغيير والحذف، فاعرف ذلك إن شاء الله. # فهذه حال الكاف الجارة في مواقعها، وانقسامها، وتشعبها. # وأما الكاف غير الجارة فهي على ضربين: # أحدهما ms147 اسم، والآخر: حرف. PageV01P316 # فأما الاسم فكاف المذكر والمؤنث المخاطبين. فكاف المذكر مفتوحة، وكاف ~~المؤنث مكسورة، نحو: ضربتك يا رجل، وضربتك يا امرأة، فهذه اسم بدلالة دخول ~~حرف الجر عليها، نحو مررت بك وبك، وعجبت منك ومنك. # وأما الكاف التي هي حرف، فالتي تأتي للخطاب، مجردة من الاسمية، وذلك نحو ~~كاف ذلك، وذاك، وتيك، وتلك، وأولئك. # ومن العرب من يقول: ليسك زيدا، أي ليس زيدا، والكاف لتوكيد الخطاب. ومن ~~ذلك: كاف ذانك وتانك، وأبصرك زيدا أي: أبصر زيدا. وكاف النجاءك، إذا أردت: ~~انج، وكاف قوله عز اسمه: {قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي} 1 [الإسراء: 62] ~~فهذه الكاف في هذه المواضع كلها حرف يفيد الخطاب، وليست باسم، والدلالة على ~~ذلك، أن الكاف لو كانت في ذلك ونحوه من أسماء الإشارة، نحو: تلك وأولئك ~~اسما، لم تخل من أن تكون مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة، فلا يجوز أن تكون ~~مرفوعة، لأن الكاف ليست من ضمير المرفوع، ولا يجوز أيضا أن تكون منصوبة، ~~لأنك إذا قلت: ذلك زيد، فلا ناصب هنا للكاف، ولا يجوز أيضا أن تكون مجرورة، ~~لأن الجر إنما هو في كلامهم من أحد وجهين: إما بحرف جر، وإما بإضافة اسم، ~~ولا حرف جر هنا، ولا يجوز أيضا أن يضاف اسم الإشارة، من قبل أن الغرض في ~~الإضافة إنما هو التعريف، وأسماء الإشارة معارف كلها، فقد استغنت بتعريفها ~~عن إضافتها، وإذا كان من شروط الإضافة أنه لا يضاف الاسم إلا وهو نكرة، فما ~~لا يجوز أن ينكر البتة لا يجوز أيضا أن يضاف البتة، وأسماء الإشارة مما لا ~~يجوز تنكيره، فلا يجوز أيضا إضافته، ولأجل ما ذكرناه أيضا لم تجز إضافة ~~الأسماء المضمرة، لأنها لا تكون إلا معارف. # فإن قلت: فإذا كانت أسماء الإشارة لا تنكر البتة، فما تصنع بما حكاه أبو ~~زيد من قولهم: هؤلاء قوم، ورأيت هؤلاء. قال: فنونوا وكسروا. قال: وهي لغة ~~بني عقيل، والتنوين عندك في هذه المبنيات إنما يجيء علما للتنكير، نحو ~~سيبويه وعمرويه وغاق غاق، وصه، ms148 وأيهات، وإيه، وحيهلا، وما أشبه ذلك، فكيف ~~يكون هؤلاء نكرة، وهو اسم إشارة؟ وقد تقدم من قولك ما يمنع تنكير اسم ~~الإشارة. PageV01P317 # فالجواب من وجهين: # أحدهما شذوذ هذه الحكاية، وأنه لا نظير لها. # والآخر: ما كان يقوله أبو علي، وهو أنه إنما جاز أن ينكر هذا الاسم وإن ~~كان اسم إشارة، من قبل أنه قد يجوز أن ينظر إلى قوم من بعيد، فيتشكك في ~~الأشباح1: ناس هم أم غيرهم، فإنما نون هؤلاء من هذا الوجه، إلا أنك لا ~~تقيسه لضعفه. # ويؤكد عندك أيضا أن هذه الكاف حرف، وليست باسم، ثبوت النون في: تانك ~~وذانك، ولو كانت اسما لوجب حذف النون قبلها، وجرها هي بالإضافة، كما تقول: ~~قام غلاماك وصاحباك وجاريتاك. # ويدل على ذلك أيضا قولهم: النجاءك، أي انج. ولو كانت الكاف اسما لما جازت ~~إضافة ما فيه الألف واللام إليها، وكذلك قولههم أبصرك زيدا، لا يجوز أن ~~يكون الكاف اسما، لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به. # ألا تراك لا تقول: اضربك ولا أقتلك: إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها، ~~وكذلك أيضا قولهم: عندهم رجل ليسك زيدا، لا يجوز أن تكون الكاف اسما، لأنك ~~قد نصبت زيدا، لأنه خبر ليس، ولو كانت الكاف منصوبة لما نصبت اسما آخر. # فإن قلت: فاجعل الكاف خبر ليس، واجعل زيدا بدلا من الكاف. فذلك خطأ، من ~~قبل أن ضمير المخاطب لا يبدل منه بدل الكل، لأنه في غاية الوضوح والبيان، ~~فلا حاجة به إلى الإبدال منه. # ألا ترى أنك لا تقول: أنك زيدا قائم، ولا ضربتك محمدا، على أن تجعل زيدا ~~ومحمدا بدلا من الكاف. # وأما قولهم: "أرأيتك زيدا ما صنع؟ "، فإنما الكاف هنا أيضا للخطاب بمنزلة ~~ما تقدم، ولا يجوز أن تكون اسما، لأن "زيدا" هو المفعول الأول، و"ما صنع" ~~في موضع المفعول الثاني، فالكاف إذا لا موضع لها من الإعراب. # فإن قلت: فهلا جعلت الكاف هي المفعول الأول، وزيدا هو المفعول الثاني؟ ~~PageV01P318 # فذلك غلط، من قبل أن السؤال إنما هو ms149 عن زيد في صنيعه، ولست تسأل عن ~~المخاطب ما صنع؟ وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيد هو المفعول ~~الثاني، لجاز أن يقتصر على زيد، فتقول: أرأيتك زيدا، كما تقول: ظننتك زيدا، ~~فحاجة زيد إلى ما بعده، يدل على أنه هو المفعول الأول، وأن ما بعده في موضع ~~المفعول الثاني، وأيضا فإنا نجد معنى: أرأيتك زيدا ما صنع، وأرأيت زيدا ما ~~صنع واحدا، فدل هذا على أن الكاف للخطاب، وليست مغيرة شيئا من الإعراب. # وأيضا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيدا هو المفعول الثاني، لوجب ~~أن تقول للمؤنث: أرأيتك زيدا، فتكسر التاء، كما تقول: ظننتك قائمة، ولوجب ~~أن تقول للاثنين: أرأيتما كما الزيدين، كما تقول: ظننتماكما قائمين. وكذلك ~~في الجماعة المذكرة والمؤنثة، فترك العرب هذا كله، وإقرارهم التاء مفتوحة ~~على كل حال، يدل على أن لها وللكاف في هذا النحو مذهبا ليس لهما في غير هذا ~~الموضع. # وإنما فتحت التاء في كل حال، واقتصر في علامة المخاطبين وعددهم على ما ~~بعد التاء في قولك للرجل: أرأيتك زيدا ما صنع؟ وللمرأة: أرأيتك زيدا ما ~~فعل؟ وأرأيتكما وأرأيتكم وأرأيتكن، بفتح التاء البتة، لأنها أخلصت اسما، ~~وجعلت علامة الخطاب والعدد فيما بعد، فاعرف ذلك. # وهذه مسألة لطيفة عنت1 لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها، ونذكر خلاف ~~العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا في أمرها، وهي قوله عز اسمه: {إياك ~~نعبد} [الفاتحة: 5] وما كان مثله. # أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن زيد: أن ~~الخليل يذهب إلى أن إيا اسم مضمر مضاف إلى الكاف. وحكي عن المازني مثل هذا ~~القول المحكي عن الخليل، في أنه مضمر مضاف. # قال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي ~~العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر، يتغير آخره، كما تغير ~~أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في إياك كالتي في ~~PageV01P319 # ذلك، في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من ms150 كونها علامة للضمير، ولا ~~يجيز أبو الحسن فيما حكي عنه إياك وإيا زيد، وإياي وإيا الباطل. # انتهت الحكاية عن أبي علي. # وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل: أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ ~~الرجل الستين فإياه وإيا الشواب. # وحكى سيبويه أيضا عن الخليل أنه قال: لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم ~~أعنفه1. # وحكى ابن كيسان قال: قال بعض النحويين: "إياك" بكمالها: اسم. قال: وقال ~~بعضهم: الياء والكاف والهاء هي الأسماء، وإيا عماد لا، لأنها لا تقوم ~~بأنفسها. # قال: وقال بعضهم: إيا: اسم مبهم، يكنى به عن المنصوب، وجعلت الهاء والياء ~~والكاف بيانا عن المقصود، ليعلم المخاطب من الغائب، ولا موضع لها من ~~الإعراب، كالكاف في ذلك وأرأيتك. وهذا هو قول أبي الحسن الأخفش. قال: وقال ~~بعضهم: الهاء والكاف والياء في موضع خفض. # قال: والدليل على هذا قول العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا ~~الشراب. وهذا قول الخليل، واحتج ابن كيسان في هذا الفصل بحجاج لا غرض لنا ~~في ذكره، وإنما أورده ما حكاه، لنتبعه من القول فيه ما تراه. # وقال أبو إسحاق الزجاج: الكاف في إياك في موضع جر بإضافة إيا إليها، إلا ~~أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات، ولو قلت: إيا زيد حدثت كان قبيحا، لأنه ~~خص به المضمر، وحكى ما رواه الخليل من إيا الشواب. # وتأملنا هذه الأقوال على اختلافها، والاعتلال لكل قول منها، فلم نجد فيها ~~ما صيح مع الفحص والتنقير2، غير قول أبي الحسن الأخفش. PageV01P320 # أما قول الخليل إن إيا اسم مضمر مضاف، فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت ~~أنه مضمر، فلا سبيل إلى إضافته على وجه من الوجوه، لأن الغرض في الإضافة ~~إنما هو التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص، فلا حاجة به إلى ~~الإضافة. # فإن قلت: فقد قالوا ربه رجلا، وربها امرأة، فأدخلوا رب على المضمر، وهو ~~عندك على نهاية الاختصاص، فما وجه ذلك؟ # فالجواب: أنه إنما جاز دخول رب في هذا الموضوع على المعرفة لمضارعتها1 ~~النكرة، بأنها أضمرت على ms151 غير تقدم ذكر، ومن أجل ذلك احتاجت إلى التفسير ~~بالنكرة المنصوبة، نحو رجلا وامرأة، ولو كان هذا المضمر كسائر المضمرات لما ~~احتاج إلى تفسير، وليس كذلك إياك وإياه وإياي، لأن هذه مختصة معروفة بمنزلة ~~أنا وأنت وهو، فكما أن هذه مضمرات مختصة، فكذلك إيا، هي مضمرة مختصة، فهذا ~~يفسد قول الخليل والمازني جميعا. # فأما ما حكاه سيبويه عنه من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيله مثله ~~مع قلته أن يعترض على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم إياك ~~وأيا الباطل ولا حكي عنهم تأكيد الهاء والكاف بعد إيا. # فأما قول الخليل: لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم أعنفه، فهذا ليس بتصريح ~~قول ولا محض إجازة، وإنما قاسه على ما سمعه من قولهم، فإياه وإيا الشواب، ~~ولو كان ذلك قويا في نفسه، وسائغا في رأيه، لما قال: لم أعنفه، كما لا يقال ~~في قول من قال: قام زيد، فرفع زيدا بفعله: إنك في هذا عندي غير معنف، وإنما ~~يقال له أصبت ووافقت صحيح كلام العرب الذي لا معدل عنه. أو كلام هذا نحوه. # فأما قول من قال: إن إياك بكماله الاسم، فليس بقوي، وذلك إن إياك في أن ~~فتحة الكاف تفيد الخطاب المذكر، وكسرة الكاف تفيد الخطاب المؤنث، بمنزلة ~~أنت، في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء المفتوحة تفيد خطاب المذكر، ~~والتاء المكسورة تفيد خطاب المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في أنت هو الاسم، ~~والتاء حرف خطاب. PageV01P321 # فكذلك "إيا" هو الاسم، والكاف بعدها حرف خطاب، أولا تراك تقول: إياك ~~وإياكما وإياكم، كما تقول: أنت وأنتما وأنتم. # وأما من قال: إن الكاف والهاء والياء في إياك وإياي هي الأسماء، وأن ~~"إيا" إنما عمدت بها هذه الأسماء لقلتها، فغير مرضي أيضا، وذلك أن إيا في ~~أنه ضمير منفصل، بمنزلة أنا وأنت ونحن، وهو وهي، في أن هذه مضمرات منفصلة، ~~فكما أن أنا وأنت ونحوها مخالف للفظ المرفوع المتصل، نحو التاء في قمت ~~والنون والألف في قمنا، والألف في ms152 قاما، والواو في قاموا، بل هي ألفاظ أخر ~~غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودا به شيء من الضمير المتصل، ~~بل هو قائم بنفسه، فكذلك "إيا" اسم مضمر منفصل، ليس معمودا به غيره، وكما ~~أن التاء في "أنت" وإن كانت بلفظ التاء في: قمت، فليست اسما مثلها، بل ~~الاسم قبلها هو "أن"، وهي بعده للخطاب، وليست "أن" عمادا للتاء، فكذلك ~~"إيا" هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم أخرى، ~~وهو حرف، كما أن التاء في أنت حرف، وغير معمودة بالهمزة والنون من قبلها، ~~بل ما قبلها هو الاسم، وهي حرف خطاب، فكذلك ما قبل الكاف في إياك اسم، وهي ~~حرف خطاب، فهذا هو محض القياس1. # وأما قول أبي إسحاق إن "إيا" اسم مظهر خص بالإضافة إلى المضمر، ففاسد ~~أيضا، وليس "إيا" بمظهر كما زعم، والدليل على أن إيا ليس باسم مظهر ~~اقتصارهم به على ضرب2 واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بأنا وأنا ~~ونحوهما على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع. # فكما أن أنا وأنت وهو ونحن وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك "إيا" اسم ~~مضمر، لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما ~~مظهرا اقتصر به على النصب البتة، إلا ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية، ~~وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح، وما جرى مجراهن. PageV01P322 # وشيئا من المصادر نحو: سبحان الله1، ومعاذ الله، ولبيك2، وليس إيا ظرفا ~~ولا مصدرا فيلحق بهذه الأسماء. # فقد صح إذن بما أوردناه سقوط هذه الأقوال، ولم يبق هنا قول يجب اعتقاده3، ~~ويلزم الدخول تحته، غير قول أبي الحسن إن "إيا" اسم مضمر، وإن الكاف بعده ~~ليست باسم، وإنما هي للخطاب بمنزلة كاف ذلك، وأرأيتك، وأبصرك زيدا، وليسك ~~عمرا، والنجاءك. # فإن قال قائل: فإذا كانت الكاف ليس اسما في إياك، فكيف يصنع أبو الحسن ~~بقولهم إياه وإياي، ولا كاف هناك، وإنما هناك هاء وياء، ولم نرهم جردوا ~~الهاء ولا الياء في نحو هذا ms153 من مذهب الاسمية، وأخلصوهما حرفين، كما فعلوا ~~ذلك بكاف ذلك وهنالك. # فالجواب أنه لا يمتنع أن يكون الهاء والياء في إياه وإياي وتثنيتهما ~~وجمعهما حروفا، كما كانت الكاف في إياك حرفا، أن يكون ما بعد "إيا" إنما ~~اختلف لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم، من الحضور والمغيب، ولسنا نجد حالا ~~سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت عن الهاء والياء، ويؤكد أيضا صحة هذا المذهب ~~عندك، أنا قد وجدنا غير الكاف لحقه من سلب الاسمية عنه، وإخلاصه للحرفية، ~~ما لحق الكاف، وهو التاء في أنت، والألف في قول من قال: قاما أخواك، والواو ~~في قول من قال: قاموا إخوتك، والنون في قول من قال: قمن الهندات، ألا ترى ~~أن من قال أخواك قاما، فالألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: قاما ~~أخواك، فالألف في قاما إنما هي مخلصة لمعنى التثنية، مجردة من مذهب ~~الاسمية، لامتناع تقدم المضمر، وخلو الفعل من علم الضمير، بارتفاع الاسم ~~الظاهر بعده. PageV01P323 # وكذلك من قال: إخوتك قاموا، فالواو في قاموا علم الضمير والجمع، وإذا قيل ~~قاموا إخوتك، فالواو علم الجمع مجردة من معنى الاسمية البتة، وكذلك القول ~~في نون الجمع، نحو قولك الهندات قمن وقمن الهندات، فكما جاز لجميع هذه ~~الأشياء أن تكون في بعض المواضع دالة على معنى الاسمية والحرفية، ثم تخلع ~~عنها دلال الاسمية في بعض المواضع، فكذلك لا ينكر أن تكون الهاء والياء في ~~نحو ضربه وضربني يدلان على معنى الاسمية والحرفية. فإذا قلت "إياه، وإياي" ~~تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا لدلالة الحرفية. # فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل، وبه كان أبو علي رحمه الله ~~ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب1 عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده. # ونحو من الكاف في ذلك وهنالك وإياك، الكاف في قولك للرجل: هاك، وللمرأة ~~هاك، فالكاف هنا حرف لمعنى الخطاب. ويدلك على ذلك أن معنى هاك زيدا، أي خذ ~~زيدا، فزيد هو منصوب هذا الفعل، ولا يتعدى إلى مفعولين، وقد كنا قدمنا أن ~~زيدا في نحو هذا لا ms154 يجوز أن يكون بدلا من الكاف لو كانت اسما، وهو أن ضمير ~~المخاطب لا يبدل منه، فيقال: ضربتك زيدا، على أن زيدا بدل من الكاف. # ويدلك على أن الكاف في هاك وهاك حرف لا اسم، إيقاعهم موقعها ما لا يكون ~~اسما على وجه، وذلك قولك: هاء وهاء، وعلى هذا قوله عز وجل: {هاؤم اقرأوا ~~كتابيه} [الحاقة: 19] 2 وعلى هذا قالوا للاثنين: هاؤما، وللنساء هاؤن، كما ~~يقال: هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن. # وفيها لغة ثالثة، وهي أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال، وتلحقها كافا ~~مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، فتقول: هاءك، وهاءكما، وهاءكم، وهاءك، ~~وهاءكما، وهاءكن. PageV01P324 # وفيها لغة رابعة، وهي قولك للرجل: هأ، بوزن هع، وللمرأة هائي، بوزن هاعي، ~~وللاثنين وللاثنتين هاءا، بوزن هاعا، وللمذكرين هاءوا، بوزن هاعوا، وللنساء ~~هأن، بوزن هعن. # فهذه اللغة تتصرف تصرف خف، وخافي، وخافا، وخافوا، وخفن، وهي لغة مع ما ~~ذكرناه قليلة. # فأما ما أنشدنيه أبو علي من قول الشاعر: # أفاطم هاء السيف غير مذمم1 # فالوجه في أن تكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث، لأن القرآن بهذه اللغة ~~نزل، ولغته أفصح اللغات. # وقد يجوز أن يكون على قول من قال للمرأة: هائي، بوزن خافي، إلا أنه حذف ~~الياء من اللفظ، لسكونها وسكون السين الأولى من السيف، كما تقول في اللفظ: ~~خافي السيف. # وفيه لغة خامسة، وهي أن تقول للواحد، والواحدة، والتثنية، والجمع "ها" ~~على صورة واحدة، والذي ينبغي أن يحمل هذا عليه، أن تجعله بمنزلة صه2، ومه3، ~~ورويدا4، وإيه5، وما أشبه ذلك مما يصلح للواحد والواحدة فما فوقهما. # واعلم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم كيف أصبحت؟ أن يقول: كخير، ~~والمعنى على خير. PageV01P325 # قال أبو الحسن: فالكاف في معنى على، وقد يجوز عندي أن تكون في معنى ~~الباء، أي بخير. # قال أبو الحسن: ونحو منه قولهم: كن كما أنت، أي كن على الفعل الذي هو أنت ~~عليه. # انتهى الجزء الأول بحمد الله تعالى # ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى # وأوله: # "حرف اللام" # PageV01P326 ### | الفهرس ms155 # ... # الموضوع الصفحة # المقدمة 3 # ترجمة المؤلف 7 # النسخ الخطية 10 # مقدمة المؤلف 15 # التمهيد 19 # باب أسماء الحروف 55 # ذكر الحروف على مراتبها 59 # باب الهمزة 83 # زيادة الهمزة 121 # باب الباء 131 # باب التاء 155 # زيادة التاء 169 # باب الثاء 183 # باب الجيم 187 # باب الحاء 191 # باب الخاء 195 # باب الدال 197 # باب الذال 201 # باب الراء 203 # باب الزاي 207 # PageV01P327 # الموضوع الصفحة # باب السين 211 # باب الشين 217 # باب الصاد 221 # باب الضاد 225 # باب الطاء 229 # باب الظاء 237 # باب العين 241 # باب الغين 255 # باب الفاء 259 # باب القاف 287 # باب الكاف 289 # الفهارس 327 # PageV01P328 ### | المجلد الثاني ### | باب اللام ### | الحديث عن اللام # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # باب اللام: # الحديث عن اللام: # اللام حرف مجهور يكون أصلا وبدلا، وزائدا. # فإذا كان أصلا؛ وقع فاء وعينا ولاما؛ فالفاء: نحو لعب ولزم، والعين: نحو ~~قلب وسلم، واللام: نحو شعل وجعل. # فاما قول الراجز1: # لما رأى أن لا دعة ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فالطجع2 # فإنه يريد: فاضطجع؛ فأبدل الضاد لاما، وهو شاذ. وقد روي: فاضطجع. ويروى ~~أيضا: فاطجع، ويروى أيضا: فاضجع. # وأبدلوا اللام من النون فى أصيلان فقالوا: أصيلال. # وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضريبن: # أحدهما: أن تزداد فى الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها. # والآخر: أن تزداد فيها لمعنى، ولا تكون صيغة الكلمة. PageV02P005 # الأول من هذين؛ وذلك قولهم: أذلك، وأولالك، وهنالك, وعبدل، وزيدل، ~~وفيشلة؛ فالذي بدل على زيادة اللام فى ذلك قولهم فى معناه: ذاك. ومعنى ~~أولالك: أولئك. # قال1: # أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا2 # وقولهم هنالك يدل على زيادة اللام فى هنالك. ومعنى عبدل كمعنى عبد. ومعنى ~~زيدل معنى زيد. ومعنى فيشلة معنى فيشة. # قال الراجز3: # وفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من خرق وطيش # إذ بدت قلت أمير الجيش4 # ويقال: إن امرأة من العرب قالت5: # وفيشة قد اشفتر حوقها PageV02P006 # فسمعتها ابنتها، فقالت1: # دونكها يا أم لا أطيقها2 # وقد يمكن ms156 أن تكون فيشة من غير لفظ فيشلة؛ فتكون الياء فى فيشة عينا، ~~وتكون فى فيشلة زائدة، ويكون وزنها فيعلة، لأن زيادة الياء ثانية أكثر من ~~زيادة اللام، فيكون اللفظان مقتربين، والأصلان مختلفين. # ونظير هذا قولهم: رجل ضياط3 وضيطار، فالياء فى ضياط عين الفعل، وهي في ~~ضيطار زائدة. قال الشاعر4: # ونركب خيلا لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر5 # وقال الآخر6: # قد علقت أحمر ضياطيا7 # وقالوا أيضا: هيق، وهيقل8، والقول فيهما القول فى فيشة، وفيشلة. ~~PageV02P007 # وقالوا للأفحج: فحجل1، فاللام في هذا زائدة لا محالة. قالوا: ومن هذا ~~أيضا قولهم: عدد طيس وطيسل للكثير. # وأنشدنا أبو علي: # حتى لحقنا بعديد من الطيس ... قد ذهب القوم الكرام ليسي2 # والقول فى هذا هو القول فى فيشة وفيشلة. # وقال محمد بن حبيب: ومنه قالوا للعنس: عنسل3؛ فذهب إلى اللام من عنسل ~~زائدة، وأن وزن الكلمة فعلل، واللام الأخيرة زائدة، حتى لو بنيت مثلها على ~~هذا القول من ضرب لقلت: ضربل، ومن خرج: خرجل، ومن صعد: صعدل. وقد ترك محمد ~~فى هذا القول مذهب سيبويه4 الذي عليه ينبغي أن يكون العمل، وذلك أن "عنسل" ~~عنده فنعل، وهي من العسلان، وهو عدو الذئب. PageV02P008 # قال: # عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل1 # والذي ذهب إليه سيبويه هو القول، لأن الزيادة ثانية أكثر من زيادة اللام، ~~ألا ترى إلى كثرة باب قنبر، وعنصل2، وقنفخر، وقنعاس، وقلة باب ذلك وأولالك. # ويلزم على ذلك أن تكون اللام فى فلندع زائدة، ويجعل وزنه فلنلل؛ لأنه ~~الملتوي الرجل، فهو من معنى الفدع، وهذا بعيد فاسد. # ونظيره ازلغب الفرخ أي رغب، لاينبغي أن يقال: إن مثال ازلغب: افلعل. فهذه ~~أحكام اللام المصوغة فى أمثلة الكلم وهي زائدة. # وأما اللام التي زيدت لمعنى وهي غير مصوغة فى الأمثلة؛ فلحقت في ثلاثة ~~مواضع: الاسم، والفعل، والحرف. # لحاقها للأسماء وذلك أيضا على ضربين: أحدهما أن تكون عاملة، والآخر أن ~~تكون غير عاملة. # فأما العاملة فلام الجر، وذلك فى قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو، ~~وموضعها في الكلام ms157 الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: # أحدهما الملك نحو: المال لزيد، أي: هو في ملكه. # والآخر الاستحقاق والملابسة، نحو: هذا الجل3 للدابة، أي قد استحقته، ولا ~~بسته، وكذلك: هذا الباب للدار. PageV02P009 # واعلم أن هذه اللام الجارة مكسورة مع المظهر، نحو: الغلام لمحمد، ومفتوحة ~~مع المضمر1، نحو: الغلام له. وأصلها وأصل كل حرف مفرد وقع في أول الكلمة أن ~~يكون متحركا بالفتح، نحو واو العطف، وفائه، وهمزة الاستفهام، ولام ~~الابتداء. # فأما لام التعريف فسنذكر لم أسكنت إذا انتهينا من القول إلى ذكرها بإذن ~~الله. # فقد كان ينبغي للام الجر أن تكون مفتوحة مع المظهر كما أنها مفتوحة مع ~~المضمر2؛ إلا أنها كسرت للفرق بينها وبين لام الابتداء، وذلك نحو قولك في ~~الملك: إن زيدا لهذا، أي هو في ملكه، وإن زيدا لهذا، أي هو هذا؛ فلو فتحت ~~فى الموضعين لالتبس معنى الملك بمعنى الابتداء. # فإن قلت: فإني أقول أيضا: إن زيدا لأمير، وإن زيدا لأمير؛ فهلا فتحت في ~~الموضعين، واعتمد فى البيان على الإعراب؟ # ففي هذا شيئان: أحدهما أن الوقف يزيل الإعراب؛ فيعود اللبس. # والآخر أنه لما كان كثير من الأسماء لا يبين فيه إعراب نحو هذا وهذه، ~~والذي والتي، والمقصور كله، وما أشبه ذلك؛ كرهوا أن يقع اللبس في ما لا ~~يظهر إعرابه، فاحتاطوا، وأخذوا بالحزم، فكسروا اللام في ما يظهر إعرابه، ~~وفي ما لا يظهر إعرابه، ليكون ذلك أنفى للشك وأحسم للشبهة؛ فهذا وجه كسرها ~~مع المظهر. # وأما المضمر؛ فإنما تركت مفتوحة معه لأمرين: # قال بعضهم3: إنما فتحت لام الجر مع المضمر لزوال اللبس؛ وذلك أن ضمير ~~المجرور فى اللفظ غير ضمير المرفوع، وذلك قولك، إن هذا لك، أي في ملكك، وإن ~~هذا لأنت، أي: أنت هو؛ فلما اختلفت علامتا الضمير؛ زال الشك، فلزمت اللام ~~أصلها، وهو الفتح. # ويلزم من قال هذا القول عندي أن يكسرها في الموضع الذي يشبه فيه ضمير ~~المرفوع ضمير المجرور، وذلك قولك: الزيدون أن هؤلاء الغلمان لهم، أي: في ~~PageV02P010 # ملكهم، وكذلك إذا أردت لام الابتداء؛ ms158 فإنك تقول: الزيدون إن هؤلاء ~~الغلمان لهم، أي: هم هم. وكذلك قولك: الهندات إن هؤلاء الجواري لهن، أي: في ~~ملكهن، وكذلك إذا أردت لام الابتداء، فقلت: الهندات إن هؤلاء الجواري لهن، ~~أي: هؤلاء الجواري هن الهندات؛ فإذا كان الأمر كذلك فقد شابه المضمر فى هذا ~~الفصل المظهر؛ فمن حيث وجب كسرها مع المظهر، فمن حيث وجب كسرها مع المظهر ~~إذا جرت، وتركها مفتوحة إذا ابتدئ بها؛ فكذلك كان يلزم أن تقول: الزيدون إن ~~هؤلاء الغلمان لهم، أي: في ملكهم، وكذلك إذا أردت لام الابتداء؛ فإنك تقول: ~~الزيدون إن هؤلاء الغلمان لهم أي: هم هم. # هذا هو الظاهر فى الإلزام، إلا أن الذي ينبغي أن يعتد به في هذا الموضع ~~أن يقال: لما كان أكثر الضمير يتبين فيه المرفوع من المجرور نحو: لك، ~~ولأنت، ولي، ولأنا، وله، ولهو، ولنا، ولنحن، ولكما، ولأنتما؛ فلما كان ~~الفرق في أكثره ماضيا مستمرا وثابتا مستقرا؛ حملت البقية التي قد يعرض فيها ~~في بعض المواضع؛ لبس على ما لا يعترضه لبس. # فهذا أحد الاحتجاجين فى فتح اللام الجارة مع المضمر. # والقول الآخر: أن الإضمار يرد الأشياء في أكثر أحوالها إلى أصولها وقد ~~تقدم ذكر ذلك في صدر هذا الكتاب. وأصل هذه اللام الفتح على ما قدمناه آنفا، ~~لأنها حرف وقع أولا؛ فلزمت حركته، وكانت الفتحة أحق به؛ فلما كان أصل حركى ~~هذه اللام الفتح، وكان الإضمار مما ترجع الأشياء فيه إلى أصولها تركت هذه ~~اللام الجارة مع المضمر مفتوحة. # وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهى أن يقال: إذا كان الفرق بين ~~اللام الجارة ولام الابتداء واجبا لما ذكرته من الفرق بين المعنيين، فلم ~~كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالتها مفتوحة؟ # فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء؛ وإنما يدخل ~~الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ؛ فلما كان الابتداء ~~متقدما في المرتبة، وكان فتح هذه اللام هو الأول المتقدم من حاليها؛ جعل ~~الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي ms159 هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ~~ثان غير أول؛ جعل مع الجر الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس؛ فاعرفه إن ~~شاء الله. # PageV02P011 # واعلم أن هذه اللام الجارة قد تفتح مع المظهر فى بعض اللغات، فيقال: ~~المال لزيد، بفتح اللام، نقلت من خط أبى بكر محمد بن السري، وقرأته بعد ذلك ~~على أبى علي عن أبي العباس، قال: كان سعيد بن جبير يقرأ: "وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال" [إبراهيم: 46] 1 فيفتح اللام، ويردها إلى أصلها، وذلك أن ~~أصل اللام الجارة الفتح، انتهت الحكاية. # وحكي أن الكسائي سمع من أبي حزام العكلي: ما كنت لآتيك، ففتح لام كي. # وأما لام المستغاث به نحو: يا لبكر، ويا لله؛ فلام جر، وإنما فتحت لأن ~~المستغاث به منادى، والمنادى واقع موضع المضمر؛ فلذلك فتحت اللام كما تفتح ~~مع المضمر. # وقد قيل: إنها إنما فتحت للفرق بينها وبين لام التعجب، نحو قوله2: # يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا # وحدثني أبو علي قال: حكى أبو الحسن عن أبي عبيدة، والأحمر، ويونس أنهم ~~سمعوا العرب تفتح اللام الجارة مع المظهر، قال: وقال أبو الحسن: وقد سمعته ~~أنا منهم أيضا. PageV02P012 # وقال أبو زيد: سمعت من يقول "وما كان الله ليعذبهم"1 [الأنفال: 33] بفتح ~~اللام. وهذا من الشذوذ بحيث لايقاس عليه. وأشد منه ما حكاه اللحياني عن ~~بعضهم أنه كسر اللام الجارة مع المضمر2، فقال: المال له؛ وإنما كان هذا أشد ~~من الأول من قبل أن أصل اللام الفتح؛ فإذا ردت في بعض المواضع على ضرب من ~~التأول إليه؛ فله وجه من القياس. وأما الكسر ففرع، والحمل على الأصول أجوز ~~من النزول إلى الفروع. ووجه جوازه أنه لما شبه المظهر بالمضمر فى فتح لام ~~الجر معه نحو قراءة سعيد بن جبير وغيرها، كذلك شبه المضمر بالمظهر فى كسر ~~لام الجر معه فى هذه الحكاية الشاذة. وكما شبهت الباء فى بزيد باللام فى ~~لزيد حتى كسرت مثلها؛ كذلك جاز أيضا لبعضهم أن شبه ms160 الباء باللام؛ ففتحها مع ~~المضمر كما يفتح اللام معه، وذلك أيضا فى ما حكاه اللحياني من قول بعضهم: ~~مررت به، بفتح الباء3، وهذه التشابيه إنما تقع شبيها بالغلط، على أن ~~أصحابنا فى كثير مما يحكيه اللحياني كالمتوقفين. # حكى أبو العباس عن إسحاق بن إبراهيم، قال: سمعت اللحياني ينشد: # كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد جليت علي عشار4 # فقلت له: ويحك! إنما هو: قد حلبت علي عشاري، فقال لي: وهذه أيضا رواية. ~~PageV02P013 # ومما صحفه أيضا قولهم في المثل، "يا حامل اذكر حلا" كذا رواه "يا حامل" ~~وإنما هو "يا حابل اذكر حلا"1 أي: يا من يشد الحبل اذكر وقت حله. # وذاكرت بنوادره شيخنا أبا علي؛ فرأيته غير راض بها، وكان يكاد يصلي ~~بنوادر أبي زيد إعظاما لها، وقال لي وقت قراءتي إياها عليه: "ليس فيها حرف ~~إلا ولأبي زيد تحته غرض ما" وهي كذلك، لأنها محشوة بالنكت والأسرار. # واعلم أن اللام في نحو قولهم: جئت لأكرمك، وقوله تعالي: {إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا، ليغفر لك الله} [الفتح: 1] 2، {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم} [الأنفال: 33] 3، إنما هي حرف جر، وليست من خصائص الأفعال كلام ~~الأمر، ولام القسم وغيرهما؛ وإنما الفعل بعدها منصوب ب "أن" مضمرة، ~~والتقدير: جئت لأن أكرمك، ف "أن" والفعل بعدها في تقدير المصدر، والمصدر ~~اسم، فكأنه قال: جئت لإكرامك. # وقد زيدت اللام الجارة مؤكدة للإضافة نحو قولهم "لا أبا لك"، و"لا يدي لك ~~بالظلم" أي: لا أباك، و: لا يديك، ونحو قول النابغة: # قالت بنو عامر: خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام4 # أي: يا بؤس الجهل. PageV02P014 # وقد زادوها في أشد من هذا، قال: # فلا والله لا يفلي لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء1 # أي: لما بهم؛ فزاد لاما أخرى مؤكدا للإضافة بها. فهذه أحوال اللام ~~العاملة فى الأسماء. # وأما اللام التي تلحق الأسماء وهي غير عاملة فيها؛ فعلى ضربين: أحدهما ~~لام التعريف، والأخرى لام الابتداء. # فأما لام التعريف؛ فهى نحو قولك: الغلام، والجارية؛ فاللام ms161 هي حرف ~~التعريف، وإنما دخلت الهمزة عليها لأنها ساكنة، فتوصلت إلى الابتداء بها ~~بالهمزة قبلها، وقد ذكرنا فى باب الهمزة2 لم فتحت هذه الهمزة، ولم تكسر. # وذهب الخليل3 إلى أن "أل" حرف التعريف بمنزلة "قد" في الأفعال، وأن ~~الهمزة واللام جميعا للتعريف، وحكي عنه4 أنه كان يسميها "أل" كقولنا "قد" ~~وأنه لم يكن يقول الألف واللام، كما لا يقول في قد: القاف والدال. # ويقوي هذا المذهب قطع "أل" في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد: # يا خليلي اربعا واستخبرا ال ... منزل الدارس عن أهل الحلال # مثل سحق البرد عفى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال5 PageV02P015 # وهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع ~~الذي تراه إلا بيتا واحدا من جملتها؛ ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ ~~لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لا سيما واللام ساكنة، والساكن لا ~~ينوى به الانفصال. # ويقوي ذلك أيضا قول الآخر: # عجل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... الشحم إنا قد مللناه بجل1 # فإفراده "أل" وإعادته إياها في البيت الثاني يدل من مذهبهم على قوة ~~اعتقادهم لقطعها؛ فصار قطعهم "أل" وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة ~~"قد" وهو يريد الفعل بعدها، وذلك قوله2: PageV02P016 # أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد1 # ألا ترى أن التقدير فيه: "وكأن قد زالت"؛ فقطع "قد" من الفعل كقطع "أل" ~~من الاسم. وعلى هذا قالوا أيضا فى التذكر: "قام الي" إذا نويت بعده كلاما، ~~أي: الحارث أو العباس؛ فجرى قولك في التذكر: "قدي"، أي: قد انقطع، أو قد ~~قام، أو قد استخرج ونحو ذلك. # وإذا كان "ال" عند الخليل حرفا واحدا؛ فقد كان ينبغي أن تكون همزته ~~مقطوعة ثابتة كقاف "قد" وباء "بل"؛ إلا أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف؛ ~~عرف موضعه؛ فحذفت همزته، كما حذفوا "لم يك"، و"لا أدر"، و"لم أبل". # ويؤكد هذا القول عندك أيضا أنهم أثبتوا هذه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل ~~البتة؛ وذلك نحو قول الله عز وجل: {أالله أذن ms162 لكم} [يونس: 59] 2، ~~PageV02P017 # و {أالذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 144] 1، ونحو قولهم في القسم: ~~"أفألله"، و"لاها ألله ذا"، ولم نر همزة الوصل ثبتت في نحو هذا. فهذا كله ~~يؤكد أن همزة "أل" ليست بهمزة وصل، وأنها مع اللام بمنزلة "قد" و"هل" ~~ونحوهما. # وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت ~~عليها لسكونها؛ فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف، وذلك نحو ~~قولهم: عجبت من الرجل، ومررت بالغلام، والغلام كالجارية؛ فنفوذ الجر بحرفه ~~إلى ما بعد حرف التعريف؛ يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار ~~والمجرور؛ وإنما كان ذلك كذلك لأنه فى نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه. # وإنما كان كذلك لأنه على حرف واحد ولا سيما ساكن، ولو كان حرف التعريف ~~عندهم حرفين ك "قد"، و"هل"؛ لما جاز الفصل له بين الجار والمجرور به؛ لأن ~~"قد" و"هل" كلمتان بائنتان قائمتان بأنفسهما؛ ألا ترى أن أصحابنا2 أنكروا ~~على الكسائي وغيره قراءته {ثم ليقطع} [الحج: 15] 3 بسكون اللام من "ليقطع" ~~وكذلك {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] 4؛ لأن "ثم" قائمة بنفسها؛ لأنها على ~~أكثر من حرف واحد، وليست كواو العطف وفائه؛ لأن تينك ضعيفتان متصلتان بما ~~بعدهما؛ فلطفتا عن نية فصلهما وقيامهما بأنفسهما. PageV02P018 # وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال؛ لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد ~~حرف التعريف. وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه؛ وإنما كان ~~كذلك لقلته وضعفه عن قيامه بنفسه، ولو كان حرفين؛ لما لحقته هذه القلة، ولا ~~جاز تجاوز حرف الجر له إلى ما بعده. # ودليل آخر يدل على شدة اتصال حرف التعريف لما دخل عليه، وهو أنه قد حدث ~~بدخوله معنى في ما عرفه لم يكن قبل دخوله، وهو معنى التعريف؛ فصار المعرف ~~كأنه غير ذلك المنكر وشيء سواه؛ ألا ترى إلى إجازتهم الجمع بين رجل والرجل، ~~غلام والغلام قافيتين في شعر واحد من غير استكراه ولا اعتقاد إيطاء؛ فهذا ~~يدلك على أن حرف التعريف كأنه مبني ms163 مع ما عرفه، كما أن ياء التحقير مبنية ~~مع ما حقرته، وكما أن ألف التكسير مبنية مع ما كسرته؛ فكما جاز أن يجمع بين ~~رجلكم ورجيلكم قافيتين، وبين درهمك ودراهمكم؛ كذلك جاز أيضا أن يجمع بين ~~رجل والرجل؛ لأن النكرة شيء سوى المعرفة، كما أن المكبر غير المصغر، وكما ~~أن الواحد غير الجمع؛ فهذا أيضا دليل قوي يدل على أن حرف التعريف مبني مع ~~ما عرفه أو كالمبني معه. # فأما ما يحتج به الخليل1 من انفصاله عنه بالوقوف عليه عند التذكر؛ فإن ~~ذلك لا يدل على أنه في نية الانفصال منه؛ لأن لقائل أن يقول: إنه حرف واحد؛ ~~ولكن الهمزة لما دخلت على اللام، فكثر اللفظ بها أشبهت اللام بدخول الهمزة ~~عليها من جهة اللفظ لا المعنى ما كان من الحروف على حرفين نحو "هل"، و"لو"، ~~و"من"، و"قد"؛ فجاز فصلها فى بعض المواضع. وهذا الشبه اللفظي موجود في كثير ~~من كلامهم؛ ألا ترى أن أحمد وبابه مما ضارع الفعل لفظا؛ إنما روعيت فيه ~~مشابهة اللفظ فمنع ما يتختص بالأسماء، وهو التنوين، وجذب إلى حكم الفعل من ~~ترك التنوين. PageV02P019 # ومن الشبة اللفظي ما حكاه سيبويه1 من صرفهم جندلا وذلذلا؛ وذلك أنه لما ~~فقد الألف التي فى جنادل2 وذلاذل3 من اللفظ أشبه الآحاد نحو، علبط4 وخزخز5، ~~فصرف كما صرفا؛ وإن كان الجميع من وراء الإحاصة بالعلم أنه لا يراد هنا إلا ~~بالجمع؛ فغلب شبه اللفظ بالواحد وإن كانت الدلالة قد قامت من طريق المعنى ~~على إرادة الجمع. # ومن شبه اللفظ أيضا أنك لو سميت رجلا ب "أنظر"؛ لمنعته الصرف للتعريف ~~ووزن الفعل، ولو سميته ب "أنظور" من قول الشاعر: # وإنني حيث ما يشري الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور6 # لصرفته لزوال لفظ الفعل وإن كنا نعلم أن الواو إنما تولدت عن إشباع ضمة ~~الظاء؛ وأن المراد عند الجميع "أنظر". PageV02P020 # وأنشدنا أبو علي لعنترة: # ينباع من ذفري غصوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم1 # وقال: أراد "ينبع"، فأشبع فتحة الباء. # فإن سأل ms164 سائل فقال: إذا كان "ينباع" إنما هو إشباع "ينبع"؛ فما تقول في ~~"ينباع" هذه اللفظة إذا سميت بها رجلا؟ أتصرفه معرفة أم لا؟ # فالجواب: أن سبيله أن لا يصرف معرفة؛ وذلك أنه وإن كان أصله "ينبع"، فنقل ~~إلى "ينباع"؛ فإنه بعد النقل قد أشبه مثالا آخر من الفعل، وهو "ينفعل"، نحو ~~"ينقاد"، و"ينحاز"؛ فكما أنك لو سميت رجلا ب "ينقاد" و"ينحاز"؛ لما صرفته ~~معرفة؛ فكذلك ينباع وإن كان قد فقد لفظ ينبع، وهو يفعل؛ فقد صار إلى ينباع ~~الذي هو بوزن ينحاز. PageV02P021 # فإن قلت: إن ينباع: يفعال، وينحاز: ينفعل، وأصله ينحوز؛ فكيف يجوز أن ~~تشبه ألف يفعال بعين ينفعل؟ # فالجواب: أنا إنما شبهناه به شبها لفظيا؛ فساغ1 لنا ذلك، ولم نشبهه شبها ~~معنويا؛ فيفسد ذلك علينا، على أن الأصمعي قد ذهب فى ينباع إلى أنه ينفعل، ~~وقال: يقال: انباع الشجاع ينباع انبياعا: إذا انخرط من الصف ماضيا؛ فهذا ~~ينفعل لا محالة لأجل ماضيه ومصدره، لأن انباع لا يكون إلا انفعل، والانبياع ~~لا يكون إلا انفعالا. # وأنشد الأصمعي، وقراته على أبي سهل أحمد بن محمد عن أبي العباس محمد بن ~~يزيد: # يطرق حلما وأناة معا ... ثمت ينباع انبياع الشجاع2 # فإذا جاز أن يعتقد في "ينباع" أنه ينفعل؛ فهو بأن يقوى شبهه، وهو يراد به ~~يفعل، بينفعل نحو ينحاز وينقاد؛ أجدر. وهذا الشبه اللفظي أكثر من أن أضبطه ~~لك؛ فكذلك جاز أن تشبه اللام لما دخلت الهمزة عليها فكثرتها فى اللفظ بما ~~جاء من الحروف على حرفين نحو: "هل"، و"قد"، و"لو"، وكما جاز الوقوف عليها ~~مع التذكر لما ذكرناه من مشابهتها قد، وبل؛ كذلك جاز أيضا قطعها فى المصراع ~~الأول ومجيء ما تعرف بها في المصراع الثاني نحو ما أنشدناه لعبيد، وما جرى ~~مجراه. PageV02P022 # وأما قوله سبحانه: {أالذكرين حرم} [الأنعام: 144] ، وقوله: {أالله أذن ~~لكم} [يونس: 59] ؛ فإنما جاز احتمالهم لقطع همزة الوصل مخافة التباس ~~الاستفهام بالخبر، وأيضا فقد يقطعون في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو ~~منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع ms165 الثاني؛ فإذا جاز ذلك فى أنفس ~~الكلم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض؛ فغير منكر أيضا أن يفصل لام ~~المعرفة في المصراع الأول. # ولا يدل ذلك على أنها عندهم في نية الانفصال، كما لم يكن ذلك في ما هو من ~~أصل الكلمة، قال: # يا نفس أكلا واضطجا ... عا نفس لست بخالدة1 # وهو كثير. # ومنه قول الأعشى: # حل أهلي ما بين درني فبادو ... لي، وحلت علوية بالسخال2 PageV02P023 # وإذا جاز قطع همزة الوصل التي لا اختلاف بينهم فيها نحو ما أنشده أبو ~~الحسن: # ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل1 # ونحو قول الآخر: # يا نفس صبرا كل حي لاق ... وكل إثنين إلى افتراق2 # وقول الآخر: # إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وتكثير الحديث قمين3 PageV02P024 # فإنه يجوز قطع الهمزة التي هي مختلف في أمرها، وهي مفتوحة أيضا، مشابهة ~~لما لا يكون من الهمز إلا قطعا، نحو همزة أحمر وأصفر ونحوهما، أولى وأجدر. # فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من قلب عليك هذه الطريق؟ فقال: ما تنكر ~~أن يكون إفضاؤهم بجر الجار إلى ما بعد حرف التعريف في نحو: "مررت بالرجل"، ~~و"نظرت إلى الغلام"؛ لم يجز من حيث اشتد امتزاج حرف التعريف بما عرفه على ~~ما ذهبت إليه؛ بل إنما جاز تجاوز حرف الجر إلى ما بعد حرف التعريف وإن كان ~~حرفه "ال" هذين الحرفين -أعني الهمزة واللام- من حيث اطرد الحذف في هذه ~~الهمزة لكثرة استعمالها لها؛ فلما فقدت في الوصل من اللفظ، وثبتت اللام ~~وحدها صارت كأنها هي حرف التعريف وحدها، وصارت الهمزة كأنها ليست من أصل ~~حرف التعريف لحذفها في أكثر الأحوال. # فالجواب عن هذه الزيادة: أن في جمعهم بين رجل والرجل، وغلام والغلام ~~قافيتين في شعر واحد من غير استكراره ولا ضرورة إبطاء؛ ما دل على أن بين ~~المعرفة فى هذا والنكرة فرقا قد أبان أحدهما من صاحبه، وصيره كأنه كلمة ~~أخرى، ولم يكن ذلك إلا لما دخل الكلمة من حرف التعريف الممازج ms166 لها المشابه ~~لياء التحقير وألف التكسير في نحو رجيل ودراهم؛ فلما ضارعت لام التعريف ياء ~~التحقير وألف التكسير وكانت تانيك مصوغتين في نفس المثال صوغ الأصول التي ~~تتبارى في اللزوم؛ دل ذلك على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه، ولم يمازجه ~~هذه الممازجه المؤكدة إلا بكونه على حرف واحد؛ ولا سيما ساكن، ولو كان ~~حرفين بمنزله "هل"، و"بل"، و"قد"؛ لما اتصل بالاسم هذا لاتصال المفرط، لأنه ~~كان يقدر فيه الانفكاك حينئذ والانفصال. # فإن قال قائل: ألست تقول: مررت بهذا، فتجاوز عمل الباء إلى ذا؛ فتجره ~~وبينهما "هاء" وهي على حرفين، فما تنكر أيضا أن يكون حرف التعريف "آل" هذين ~~الحرفين، أعني الهمزة واللام، ويكون تجاوز الجار لهما إلى ما بعدهما في ~~نحو: مررت بالرجل كتجاوز الجار قبل "ها" إلى"ذا" في قولك: مررت بهذا؟ # فالجواب: أن بين موضعين فرقا، وذلك أن "ها" إنما معناها التنبيه، ~~والتنبيه ضرب من التوكيد. # PageV02P025 # ألا ترى أنك إذا قلت: "السلام عليكم"؛ فأنت مخبر غير مؤكد؛ فإذا قلت: "ها ~~السلام عليكم"؛ كنت بالتنبيه مؤكدا؛ فلما كانت هذه حال "ها" ضارعت عندهم ~~"ما" المؤكدة نحو قوله عز اسمه: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] 1، و: ~~{عما قليل} [المؤمنون: 40] 2 أي: فبنقضهم، وعن قليل. فكما جاز ل "ما" هذه ~~أن تعترض بين الجار والمجرور مؤكدة كما زيدت "ما" في قوله" {عما قليل} ~~ونحوه، وليس كذلك حرف التعريف؛ لأنه ليس الغرض فيه التوكيد؛ وإنما الغرض ~~نقل النكرة إلى معنى المعرفة؛ فهذان معنيان كما تراهما متباينان3، وأنت تجد ~~معنى مررت بذا كذا معنى مررت بهذا، وليس بينهما أكثر من توكيد الكلام على ~~المعنى الأول، ولا تجد بينهما الفرق الذي تجده بين مررت برجل، ومررت ~~بالرجل؛ فدل هذا على أن اتصال حرف التعريف بما عرفه ليس كاتصال "ها" بما ~~نبه عليه، قال تعالى: {هاأنتم هؤلاء جادلتم} [النساء: 109] 4. # وقال الشاعر: # وقفنا، فقلنا: ها السلام عليكم ... فأنكرها ضيق المجم غيور5 PageV02P026 # وقال الآخر: # ها إنها إن تضق الصدور ... لا ينفع القل ولا الكثير1 # وبذلك على أن "ها" ms167 لم يتجاوزها حرف الجر إلى "ذا" من حيث كانت شديدة ~~الاتصال به على ما يظنه هذا السائل بيت الكتاب، وهو قوله: # ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت: لها هذا لها ها وذا ليا2 # أي: وهذا ليا؛ فتقديم "ها" على حرف العطف بدل على أنه ليس متصلا ب "إذا". # وإذا جاز أن يعترضوا ب "ما" بين الجار والمجزوم وليس فيها غرض أكثر من ~~التوكيد نحو قوله: {أينما تكونوا يدركم الموت} [النساء: 78] 3، و {أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] 4، و {فإما ترين من البشر أحدا} ~~PageV02P027 # [مريم: 26] 1، و {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] 2، ~~مع أن الجازم أضعف من الجار؛ لأن عوامل الأفعال في الجملة أضعف من عوامل ~~الأسماء؛ فالاعتراض ب "ما" ومشابهتها "ها" بين الجار والمجرور؛ أولى ~~بالجواز؛ فهذا عندي جواب هذه الزيادة والانفصال منها، وليس يجاب عنها بأبلغ ~~ولا أحوط مما ذكرناه. فاعرفه إن شاء الله. # فقد صح بما أوردناه ولخصناه واستقصيناه: أن حرف التعريف إنما هو اللام ~~وحدها دون الهمزة، ويبقى ههنا بعد هذا كله أربعة سؤالات، وهي: # أنه إذ صح أن اللام وحدها حرف التعريف؛ فما الذي دعاهم إلى أن جعلوا مفيد ~~التعريف حرفا واحدا؟ فهذا سؤال واحد. # والآخر: إذ جعلوه حرفا واحدا؛ فلم جعلوه ساكنا؟ # والثالث: إذ جعلوه حرفا واحدا ساكنا؛ فلم جعلوه اللام دون سائر الحروف؟ # الرابع: إذ جعلوه حرفا واحدا ساكنا، وهو اللام؛ فلم جعلوه في أول الكلمة ~~دون آخرها؟ # واعلم أن الأجوبة عن هذه المسائل وإن اختلفت جهاتها؛ فإنها ترجع إلى ~~تصحيح غرض واحد وتأكيده، وإذا كانت الأجوبة تنساق إلى وجه واحد؛ دل ذلك على ~~صحتها في النفس وشهادة بعضها لبعض. # فأما لم جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ فقد تقدم من قولنا ما يكون جوابا ~~له، وهو أنهم لما أرادوا خلطه بما بعده ومزجه به لما أحدث فيه من انتقال ~~المعنى؛ أشبعوا ما قصدوا له بأن جعلوه على حرف واحد ليضعف عن انفصاله مما ~~بعده؛ فيعلم بذلك أنهم قد اعتزموا على خلطه ms168 به. PageV02P028 # وأما لم سكنوه؛ فالجواب عنه أن تسكينه أشد وأبلغ في إضعافهم إياه ~~وإعلامهم حاجته إلى ما اتصل به؛ لأن الساكن أضعف من المتحرك وأشد حاجة ~~وافتقارا إلى ما يتصل به. # وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم، فالجواب عنه أنهم إنما ~~أرادوا إدغام حرف التعريف في ما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف ~~الساكن غير المدغم، ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله وأقوى منه علية لو ~~كان ساكنا غير مدغم؛ فلما آثروا إدغامه1 في ما بعده لما ذكرناه اعتبروا ~~حروف المعجم؛ فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من اللام. وقد ~~ذكرنا هذا وغيره من حال اللام عند ذكر مخارج الحروف ومدارجها في أول ~~الكتاب؛ فعدلوا إلى اللام لأنها تجاور أكثر حروف الفم التي هي معظم الحروف، ~~ليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما اعتزموه من شدة اتصال حرف التعريف بما ~~عرفه؛ فيستدل بذلك على أنه قد نقله عن معنى التنكير إلى معنى التعريف كما ~~نقلت ياء التحقير معنى التكبير، وأفادت التصغير، وكما أفادت ألف التكسير ~~معنى الجمع بعد الإفراد، ولو جاءوا بغير اللام للتعريف؛ لما أمكنهم أن يكثر ~~إدغامها كما أمكنهم ذلك مع اللام. # وإدغامهم إياها مع ثلاثة عشر حرفا، وهي: التاء، والثاء، والدال، والذال، ~~والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون، ~~وذلك قولهم: التمر، الثريد، والدبس، والذرق2، والرطب، والزبد، والسفرجل3، ~~والشعير، والصناب4، والضرو5، والطبخ6، والظبي، والنبق7. PageV02P029 # ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف -لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم- ~~أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغما في ~~جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، ~~وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع ~~أكثر هذه الحروف الثلاثة عشر؛ وذلك نحو "التفت"، و"هل ثم أحد"، و"هل دخل"، ~~و"ألزم به"، و"هل رأى ذلك أحد"، و"ألسنة"، وأنشدوا: # تقول إذا أنفق مالا للذة ... فكيهة هشيء بكفيك لائق1 # أي: هل شيء؛ فأدغم، ms169 وليس ذلك بواجب كوجوب إدغام الشم، والشراب، ولا ~~جميعهم يدغم هل شيء، ولا جميعهم يقرأ "بتوثرون الحياة الدنيا" [الأعلى: 16] ~~قرأها الكسائي2. # وكذلك: "هثوب الكفار" [المطففين: 36] إنما قرأها بالإدغام الكسائي3 أيضا. # وكذلك قول مزاحم العقيلي: # فذر ذا ولكن هتعين متيما ... على ضوء برق آخر الليل ناصب4 # أي: هل تعين، وذلك غير واجب؛ وإنما هو جائز، فتحييرهم في هذه الأشياء بين ~~الإدغام وتركه دائما، وإجماعهم مع لام التعريف على التزامه البتة؛ دليل ~~قاطع على عنايتهم بإدغام حرف التعريف؛ وإنما ذلك لما ذكرت لك من تنبيههم ~~على مزجه بما بعده. PageV02P030 # وأما لم جعلت لام التعريف في أول الاسم دون آخره؟ # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: هو اللطيف القوي -أنهم إنما خصوا لام التعريف بأول الاسم دون ~~آخره من قبل أنهم صانوه، وشحوا عليه لحاجتهم إليه، فجعلوه في موضع لا يضاف ~~فيه حرف صحيح البتة، واللام حرف صحيح وذلك الموضع هو أول الكلمة؛ ولما كان ~~آخر الكلمة ضعيفا قابلا للتغيير في الوقف وغيره، وقد يحذف فيه أيضا ما هو ~~من أنفس الكلم نحو قولهم في الترخيم: "يا حار"، و"يا منص"1، وغير ذلك كرهوا ~~أن يجعلوا اللام في آخر الاسم؛ فيتطرق عليها الحذف في بعض الأحوال مع قوة ~~حاجتهم إليها وشدة عنايتهم بها؛ فحصنوها، واحتاطوا عليها بأن وضعوا في أول ~~الاسم لتبعد عن الحذف والاعتلال؛ فهذا هو الجواب القوي الحسن اللطيف. # والجواب الآخر: أنها حرف زائد لمعنى، وحرف المعاني في غالب الأمر إنما ~~مواقعها في أوائل الكلم لا سيما وهي لام، فأجريت مجرى لام الابتداء، ولام ~~الإضافة، ولام الأمر، وغير ذلك؛ فقدمت كما قدمن. # والقول الأول هو الوجه، وهذا الثاني لا بأس به. # قد أتينا على أحكام لام التعريف كيف حالها في نفسها، وأثبتنا من الحجاج ~~في ذلك ما هو مقنع كاف، وبقي علينا أن نذكر مواقعها في الكلام، وعلى كم قسم ~~تتنوع فيه. # اعلم أن لام التعريف تقع من الكلام فى أربعة مواضع، وهي: تعريف الواحد ~~بعهد، وتعريف الوحد بغير عهد، وتعريف الجنس، ms170 وزائدة. # الأول: نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: قد وافى الرجل، أي: الرجل الذي ~~كنا في حديثه وذكره. # الثاني: قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: يا أيها الرجل أقبل؛ فهذا تعريف ~~لم يتقدمة ذكر ولا عهد. PageV02P031 # الثالث نحو قولك: الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك ~~الناس الدينار والدرهم1؛ فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع ~~الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر غير ممكن؛ لأنه لا يمكن أحد أن يشاهد ~~جميع الدراهم، ولا جميع الدنانير، ولا جميع العسل، ولا جميع الخل، وإنما ~~معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة، أفضل من ~~كل واحد من الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل ~~جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامضا. # الرابع: قوله عز وجل: {الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] ؛ فالألف واللام في ~~"الآن" زائدة، وكذلك لام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى ~~في قول أبي الحسن2، ولا أعرف لسيبويه فيه خلافا. # ولهذا نظائر3 سأذكرها إن شاء الله تبارك وتعالى. # فالذي يدل على أن اللام في "الآن" زائدة؛ أنها لا تخلو من أن تكون ~~للتعريف كما يظن مخالفنا أو تكون زائدة لغير التعريف كما نقول نحن. # فالذي يدل على أنها لغير التعريف أنا اعتبرنا جميع ما لامه للتعريف؛ فإذا ~~إسقاط لامه جائز فيه، وذلك نحو: الرجل ورجل، والغلام وغلام، ولم يقولوا: ~~"افعله آن"، كما قالوا: "افعله الآن". # فدل هذا على أن اللام فيه ليست للتعريف، بل هي زائدة كما يزاد غيرها من ~~الحروف، وإذا ثبت أنها زائدة؛ فقد وجب النظر في ما تعرف به الآن؛ فلا يخلو ~~من أحد وجوه التعريف الخمسة، إما لأنه من الأسماء المضمرة4، أو من ~~PageV02P032 # الأسماء الأعلام1، أو من الأسماء المبهمة2، أو من الأسماء المضافة3، أو ~~من الأسماء المعرفة باللام4. # فمحال أن يكون من الأسماء المضمرة لأنها معروفة محدودة، وليس "الآن" ~~واحدا منها. # ومحال أيضا أن يكون من الأسماء ms171 الأعلام نحو زيد وعمرو؛ لأن تلك تخص ~~الواحد بعينه، والآن يقع على كل وقت حاضر لا يخص بعض ذلك دون بعض، ولم يقل ~~أحد أن الآن من الأسماء الأعلام. # ومحال أيضا أن يكون من أسماء الإشارة؛ لأن جميع أسماء الإشارة لا تجد فيه ~~لام التعريف، وذلك نحو: هذا، وهذه، وذلك، وتلك، وهؤلاء، وما أشبه ذلك. # وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن "الآن" إنما تعرفه بالإشارة، وأنه إنما بني ~~لما كانت الألف واللام فيه لغير عهد متقدم؛ إنما تقول: "الآن كان كذا ~~وكذا"، لمن لم يتقدم لك معه ذكر الوقت الحاضر. # فأما فساد كونه من أسماء الإشارة؛ فقد تقدم. وأما ما اعتل به من أنه إنما ~~بني لأن الألف واللام فيه لغير عهد متقدم؛ ففاسد أيضا، لأنا قد نجد الألف ~~واللام في كثير من الأسماء على غير تقدم عهد، وتلك الأسماء مع كون اللام ~~فيها معربة؛ وذلك نحو قولك: يا أيها الرجل، ونظرت إلى هذا الغلام؛ فقد بطل ~~بما ذكرنا أن يكون "الآن" من الأسماء المشار بها. PageV02P033 # ومحال أيضا أن يكون من الأسماء المتعرفة بالإضافة؛ لأنا لا نشاهد بعده ~~اسما هو مضاف إليه؛ فإذا بطلت، واستحالت الأربعة الأوجه1 المقد ذكرها؛ لم ~~يبق إلا أن يكون معرفا باللام نحو الرجل والغلام. وقد دلت الدلالة على أن ~~"الآن" ليس معرفا باللام الظاهرة التي فيه؛ لأنه لو كان معرفا بها؛ لجاز ~~سقوطها منه؛ فلزوم هذه اللام الآن؛ دلالة على أنها ليست للتعريف، وإذا كان ~~معرفا باللام لا محالة، واستحال أن تكون التي فيه هي التي عرفته؛ وجب أن ~~يكون معرفا بلام أخرى محذوفة غير هذه الظاهرة التي فيه، بمنزلة أمس في أنه ~~تعرف بلام مرادة، والقول فيهما واحد؛ ولذلك بنيا لتضمنهما معنى حرف ~~التعريف. # وهذا رأي أبي علي، وعنه أخذته، وهو الصواب الذب لا بد من القول به. # وأما الألف واللام في "الذي" و"التي" وبابهما من الأسماء الموصولة؛ فيدل ~~على زيادتها وجودك أسماء موصولة مثلها معراة من الألف واللام وهي مع ذلك ~~معرفة، وتلك: ms172 من، وما وأي في نحو قولك: "ضربت من عندك"، و"أكلت ما ~~أطعمتني"، و"لأضربن أيهم يقوم"؛ فتعرف هذه الأسماء التي هي أخوات الذي ~~والتي بغير لام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام؛ يدل على أن ~~الذي إنما تعرفه بصلته دون اللام التي فيه، وأن اللام فيه زائدة؛ إلا أنها ~~زيادة لازمة. # فإن قال قائل: فما كانت الحاجة إلى زيادة اللام في الذي والتي ونحوهما ~~حتى أنها لما زيدت لزمت؟ # فالجواب: أن "الذي" إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، ~~وذلك أن الجمل نكرات، ألا تراها تجري أوصافا على النكرات في نحو قولك: مررت ~~برجل أبوه كريم، ونظرت إلى غلام قامت أخته؛ فلما أريد مثل هذا في المعرفة ~~بم يمكن أن تقول: مررت بزيد أبوه كريم؛ على أن تكون الجملة وصفا لزيد؛ لأنه ~~قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة؛ فجرى هذا في ~~الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: "مررت بزيد كريم" على الوصف؛ فإذا كان ~~الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم؛ لم يكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ~~ذلك أن يدخلوا اللام PageV02P034 # على الجملة؛ لأن اللام من خواص الأسماء، فجاءوا ب "الذي" متوصلين به إلى ~~وصف المعارف بالجمل، وجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة ل "الذي" ~~فقالوا: مررت بزيد أبوه منطلق، وبهند التي قام أخوها؛ فألزموا اللام هذا ~~الموضع لما أرادوا التعريف للوصف ليعلموا أن الجملة الآن قد صارت وصفا ~~لمعرفة؛ فجاءوا بالحرف الذي وضع للتعريف، وهو اللام، فأولوه "الذي" ليتحصل ~~لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه. # ونظير هذا أنهم لما أرادوا نداء ما فيه لام المعرفة، ولم يمكنهم أن ~~يباشروه ب "يا" لما فيها من التعريف والإشارة؛ توصلوا إلى ندائها بإدخال أي ~~بينهما، فقالوا: يا أيها الرجل؛ فالمقصود بالنداء هو الرجل، و"أي" وصلة ~~إليه كما أن القصد في قولك: "مررت بالرجل الذي قام أخوه" أن يوصف الرجل ~~بقيام أخيه؛ فلما لم يمكنهم ذلك لما ذكرناه توصلوا ms173 إليه ب "الذي". # فإن قال قائل: إن الأسماء الموصولة كثيرة؛ فلم اقتصروا في وصف المعرفة ~~على "الذي" دون "ما" و"من" و"أي"؟ وهلا قالوا: "مررت بزيد المن1 أخوه ~~منطلق"، و"نظرت إلى محمد المن قام صاحبه"، كما تقول: "الذي أخوه منطلق" ~~و"الذي قام صاحبه"؟ # فالجواب: أنهم إنما قصدوا في هذا الموضع إصلاح لفظ الوصف على ما تقدم من ~~قولنا، ولم يكن ينبغي مع الاحتياط لذلك أن يعدلوا إلى "من" و"ما" و"أي" دون ~~"الذي"؛ وذلك أن "من" و"ما" كل منهما على حرفين، وليس في أوصاف شيء على ~~حرفين؛ وإنما أقل ذلك ثلاثة نحو صعب، وخدل2، وبطل، ونجد، ومرس3؛ فلما قل ~~لفظ "ما" و"من" عن عدد الأوصاف، وكان أصل "الذي" ثلاثة أحرف، وهو "لذي" ~~كملت فيه العدة التي يكون عليها الوصف، وذلك نحو: "محك" و"غرض" و"مرح"، ~~فقالوا: "مررت بزيد الذي قام أخوه"، كما تقول: "مررت بزيد العمي، والمكان ~~الندي". PageV02P035 # فإن قلت: ف "أي" أيضا على ثلاثة أحرف؛ فهلا دخلت اللام عليها، فقيل: ~~"مررت بزيد الأي أخوه منطلق"، كما تقول: "الذي أخوه منطلق"، ويكون "الأي" ~~في الوصف بمنزلة "الرث"1 و"الصب"2 و"الخب"3، كما كان "الذي" منزلة "العمي" ~~و"الجوي"4 و"الندي"؟ # فالجواب: أن في "أي" سرا يمنع من هذا الذي سمته فيها، وأن الحكمة في ~~عدولهم عنها إلى "الذي"؛ وذلك أن "أيا" في أي موضع وقعت من كلامهم من الخبر ~~والاستفهام والشرط والتعجب؛ فليست منفكة من معنى الإضافة؛ لأنها أبدا بعض ~~من كل؛ فلا بد من اعتقاد إضافتها وإرادتها لفظا أو معنى فيها؛ فلما شاع ~~فيها معنى الإضافة بعدت عن الصفة، فلم توضع موضعا يقتصر بها لأجله على ~~الصفة البتة كما فعل ذلك ب "الذي"؛ وإنما منعت الإضافة من ذلك لأنها تنافر ~~الصفة في اللفظ والمعنى، أما في اللفظ: فلأن كل صفة معرفة، فلا بد فيها من ~~لام المعرفة على ما تقدم، ولام المعرفة لا تجامع الإضافة لأنهما يتعقبان ~~الكلمة، فلا يجتمعان معا، فأما قولهم: "الحسن الوجه"، و"الكريم الأب" ~~وبابهما؛ فإن الإضافة فيهما غير محضة5، وتقدير الانفصال فيهما ms174 واجب، ألا ~~ترى أن المعنى: "الحسن وجهه"، و"الكريم أبوه"؛ على أن هذا الاتساع في اللفظ ~~بالجمع بين اللام والإضافة إنما جاء في الصفات المشتقة من الأفعال6 نحو: ~~الحسن من حسن، والظريف من ظرف، و"أي" ليست بصفة ولا جارية على فعل؛ فبعدت ~~من أحكام الصفات. PageV02P036 # وأما المعنى؛ فلأن الإضافة تكسب التعريف والتخصيص، والصفة مشابهة للفعل، ~~والفعل لا يكون إلا للنكرة؛ فأما "الذي" فتعرفه بالصلة دون اللام على ما ~~قدمنا. # فإن قلت: فإذا كانت الصفة مشابهة للفعل، والفعل لا يكون معرفة أبدا؛ فما ~~بالك تقول: "مررت بزيد أخي عمرو"؛ فتصف "بأخي عمرو" وهو مضاف إضافة محضة ~~إلى اسم علم؟ # فالجواب: أن قولنا: "مررت بزيد أخي عمرو"، و"نظرت إلى هند بنت محمد"، ~~ونحوه؛ ليست بصفات محضة؛ وإنما هي في الحقيقة عطف بيان، ولكن النحويين ~~أطلقوا عليها الوصف لأنها تفيد ما تفيد الأوصاف، ألا ترى أن معنى "مررت ~~بزيد أخي عمرو" كمعنى "مررت بزيد المعروف بأخوة عمرو"، وكذلك "مررت بهند ~~بنت محمد"؛ إنما معناه "مررت بهند المشهورة" ببنوة محمد؛ فلما كان المعنى ~~معنى الصفات؛ جاز أن يطلق عليها أنها صفات اتساعا لا حقيقة، وكيف يكون ذلك ~~وقد أجمعوا أنه لا تكون الصفة معرفة إلا باللام. # ونظير هذا الإطلاق في الوصف في هذا الموضع قولهم في مررت بهذا الرجل: إن ~~الرجل صفة لهذا، وليس في الحقيقة بصفة؛ لأن الصفة لا بد من أن تكون مأخوذة ~~من فعل أو راجعة إلى معنى الفعل، وليس الرجل ونحوه مما بينه وبين الفعل ~~نسبة؛ ولكنه لما كان "هذا" و"الرجل" في هذا الموضع كالشيء الواحد، والثاني ~~منهما يفيد الأول بيانيا وإيضاحا، أشبه ذلك حال الصفة الصريحة نحو مررت ~~بزيد الكريم، ونظرت إلى محمد العاقل؛ فجاز لهم أن يسموا الرجل ونحوه وصفا ~~مجازا لا حقيقة؛ فلأجل ما شرحناه فى حال أي ما عدلوا عنها لتضمنها معنى ~~الإضافة إلى الذي لأنه ليس فيه معنى إضافة، ولا ما ينافي الصفة لفظا ولا ~~معنى. # وكذلك "الاتي" و"اللائي"؛ لأنهما بوزن "القاضي" و"الداعي"، واللاء بوزن ~~قولهم: ms175 "رجل مال ونال"، و"يوم راح"1، و"كبش صاف"، و"الألى بوزن الحطم"2، ~~و"اللبد"3، PageV02P037 # و "اللواتي" بوزن "الجواري" و"الغواني" جمع غانية، فاعرف هذه النكت؛ فقد ~~استودعتها ما لا يكاد كتاب ينطوي عليه للطفه. # ولأجل ما ذكرناه من أن "الذي" إنما وقع في الكلام وصفا لا محالة ما وجب ~~عندهم أن يعود ضميره عليه أبدا بلفظ الغيبة لا الحضور، وذلك قولك: "أنت ~~الذي قام أخوه"، ولا تقول: "أخوك" إلا في ضرورة شعر، و"أنا الذي قام ~~صاحبه"، ولا تقول "صاحبي" إلا للضرورة؛ وإنما ذلك لأن التقدير: "أنا الرجل ~~الذي قام صاحبه"، و"أنت الرجل الذي قام أخوه"، كما قال طرفة1: # أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد2 # ولم يقل: الذي تعرفونني. وعلى هذا كلام العرب الفصيح. # وقد جاء أيضا الحمل فى مثل هذا على المعنى دون اللفظ، قال3: # وأنا الذي قتلت بكرا بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام4 # فقال: قتلت، ولم يقل: قتل. PageV02P038 # وأنشدني أبو علي: # يا أبجر بن أبجر يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا # قد أحسن الله وقد أسأتا1 # فقال: طلقت، ولم يقل طلق، وله نظائر. قال أبو عثمان في كتاب الألف ~~واللام: ولولا أنا سمعناه من الثقة يرويه؛ لما أجزناه. # فهذه أحوال اللام في الذي وبابه. # وأما اللات والعزى؛ فذهب أبو الحسن2 إلى أن اللام فيها زائدة. والذي يدل ~~على صحة مذهبه أن اللات والعزى علمان بمنزلة يغوث3، ويعوق4، ونسر5، ومناة6، ~~وغير ذلك من أسماء الأصنام، فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها إلى ~~اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت، فجعلت علما، ~~وأقرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها، فتحمل على ذلك؛ ~~فوجب أن تكون اللام فيها زائدة، ويؤكد زيادتها فيها أيضا لزومها إياها ~~كلزوم لام "الآن" و"الذي" وبابه. PageV02P039 # فإن قلت: فقد حكى أبو زيد: "لقيته فينة والفينة"، وقالوا للشمس "إلاهة" ~~و"الإلاهة"، وليست "فينة" ولا "إلاهة" بصفتين؛ فيجوز تعريفهما وفيهما اللام ~~كالحارث والعباس. # فالجواب: أن "فينة" و"الفينة"1 و"إلاهة" و"الإلاهة" مما اعتقب عليه ms176 ~~تعريفان: أحدهما بالألف واللام، والآخر بالوضع والعلمية، ولم نسمعهم يقولون ~~"لات" ولا "عزى" بغير لام؛ فدل لزوم اللام على زيادتها وأن ما هي فيه ليس ~~مما اعتقب عليه تعريفان. # وأنشدنا أبو علي2: # أما ودماء لا تزال كأنها ... على قنة العزى وبالنسر عندما3 # قال أبو علي: "واللام في النسر زائدة" وهو كما قال؛ لأن النسر بمنزلة ~~"عمرو". # واعلم أنك لا تجد في كلامهم اسما يغلب على واحد من أمته وفيه لام التعريف ~~لازمة له إلا وهو مشتق أو مشتق منه صفة كان أو مصدرا؛ فالصفة نحو الحارث ~~والعباس والحسن والمظفر. # ألا ترى أن أصل هذا أن تقول: "مررت برجل الحارث"، و"نظرت إلى آخر عباس"، ~~و"جاءني الحارث". والمصدر نحو: "الفضل" و"العلاء"؛ وإنما دخلتهما اللام ~~لأنك قدرتهما قبل على قول من قال: "مررت برجل فضل"، و"كلمني رجل علاء"، كما ~~يقول: PageV02P040 # ماء غور1، ورجل عدل، ثم صار التقدير: مررت بالرجل الفضل والعلاء، ثم ~~نقلته إلى العلم وفيه اللام، فأقررتها فيه على أنه الشيء بعينه، كما قال ~~الخليل2 في الحارث والعباس. # وقد يجوز في "العزى" أن تكون تأنيث الأعز بمنزلة الفضلى من الأفضل، ~~والكبرى من الأكبر، والصغرى من الأصغر؛ فإذا كان ذلك كذلك فاللام في ~~"العزى" ليست بزائدة، بل هي فيها على حد اللام في الحارث والعباس والخليل. ~~والوجه هو القول الأول وأن تكون زائدة؛ لأنا لم نسمع في الصفات العزى كما ~~سمعنا فيها الصغرى والكبرى. # فإن قلت: فإنا لم نسمعهم أيضا قالوا: "رجل علاء"، ولا: "مررت بالرجل ~~العلاء"، وقد أجزت أنت أن تكون بمنزلة "رجل عدل" و"فطر" فإذا أجزت اعتقاد ~~الصفة بالمصدر الذي ليس بصفة على الحقيقة، وإنما هو واقع موقع الصفة ~~الصريحة؛ فأنت باعتقاد "العزى" أن تكون صفة محضة جارية على الموصوف؛ لأنها ~~من أمثلة الصفات نحو الفضلى، والكوسى، والحسنى أجدر. # فالجواب أن اعتقاد الوصف في المصادر -وإن لم تجر أوصافا مستعملة في ~~اللفظ- أجدر من اعتقاد مثال الصفة وصفا إذا لم يجر به استعمال؛ وذلك أن ~~المصدر ليس في الأصل مما سبيله أن ms177 يوصف به؛ وإنما جرى في بعض المواضع وصفا ~~على أحد أمرين: إما على اعتقاد حذف المضاف، وإما على جعل الموصوف الذي هو ~~جوهر عرضا للمبالغة، ولولا اعتقاد أحد هذين المعنيين؛ لما جاز وصف الجوهر ~~بالمصدر الذي هو عرض؛ لأن حكم الوصف أن يكون وفق الموصوف، وإذا كان الأمر ~~كذلك؛ فغير منكر أن يعتقد في ترك إجرائهما المصدر وصفا أنه إنما فعل به ذلك ~~لأنه ليس مما سبيله في الحقيقة أن يوصف به، ولذلك قل الوصف به إل اللفظ، ~~واستنكر؛ فغير خطأ أن يعتقد وصفا في المعنى وإن لم يخرج الوصف به إلى ~~اللفظ, والصفات الصريحة ليست كذلك لأنها مما حكمه وسبيله أن يستعمل في ~~اللفظ صفة كما يستعمل في المعنى؛ فترك إجرائهم الصفة الصريحة صفة في اللفظ ~~على أنهم قد هجروها صفة في المعنى، PageV02P041 # إذ لو كانت مقدرة في المعنى صفة للزوم خروجها على ذلك إلى اللفظ؛ إذ ليس ~~إجراء الصفة في اللفظ صفة مستكرها. وأما المصدر فجريانه وصفا في اللفظ فيه ~~استكراه؛ فغير منكر أن يمتنع منه في اللفظ ويعتقد في المعنى؛ وإنما جاز ~~اعتقاده في المعنى وأن لم يكن الوصف بالمصدر في قوة الوصف بصريح الصفة؛ ~~لأنه وإن كان كذلك؛ فهو على كل حال جائز مستعمل في بعض المواضع، فاعرف ذلك ~~إن شاء الله. # ونظير هذا الذي أريتك قول سيبويه1 في عدة إذا سميت به رجلا أن تقول: ~~عدات، وعدون؛ فتجيز جمعه بالتاء، وبالواو وبالنون، ولا يمنع من ذلك فيه وإن ~~كان قبل التسمية به؛ لم يجمع؛ وإنما جاز فيه الجمع بالتاء، وبالواو والنون ~~بعد التسمية به وإن لم يكن ذلك جائزا ولا مسموعا فيه قبل التسمية من قبل ~~أنه كان قبل التسمية مصدرا، والمصادر يقل الجمع فيها؛ فلما سمي به خرج عن ~~مذهب المصدر إلى الاسمية؛ فلحق ب "سنة" و"عضة"؛ فجرى عليه ما يجري عليهما ~~من جواز الجمع لأنهما ليسا مصدرين. # أفلا ترى إلى سيبويه2 كيف احتج لترك جمعهم عدة وهي مصدر بأن المصادر يضعف ~~جمعها؛ فيقبح ms178 في اللفظ، فكذلك أيضا يضعف في القياس أن تجري المصادر أوصافا ~~إلا على ضرب من التأول؛ فلما ضعف ذلك فيها القياس؛ قل استعمالهم إياها في ~~اللفظ أوصافا، وحصل فيه بعض الاستكراه؛ فلذلك لم يسمع عنهم: مررت بالرجل ~~العلاء لضعف جريان المصادر أوصافا في القياس، فمن هنا جفا ذلك في اللفظ وإن ~~كان قد يجوز تخيله على ضرب من التوسع في المعنى. # فأما العزى فمن امثلة الأوصاف بمنزلة الصغرى والكبرى؛ فلو اعتقدوا الوصف ~~بها لما منع من خروجها إلى اللفظ صفة مانع؛ فمن هنا ضعف أن تكون "العزى" ~~صفة وتأنيث الأعز، وذا لم تكن صفة فاللام فيها زائدة كما قال أبو الحسن. ~~PageV02P042 # فهذا ما اقتصاه الوارد إلى عنهم في باب "العزى" إذ كنت لم أسمعها وصفا؛ ~~فإن وجدتها قد استعملت وصفا في شعر قديم، أو حكاها بعض الثقات في كتابه ~~أنها صفة، وأنها تأنيث الأعز بمنزلة الفضلى من الأفضل، والكبرى من الأكبر، ~~والصغرى من الأصغر؛ فاللام فيها بمنزلة اللام في "العباس" و"الخليل" ونحو ~~ذلك، وليست بزائدة على ما ذكر أبو الحسن، على أنه رحمه الله كان من سعة ~~الرواية بحيث لا ينستر1 عليه حال هذه اللفظة، ولو علم أنها قد استعملت صفة ~~لما قطع بزيادة اللام، ولما ألحقتها ب "اللات". # فأما "اللات"؛ فلا إشكال2 مع ما قدمناه من كونها غير صفة أن اللام فيها ~~زائدة، وكذلك اللام فيها أيضا في قراءة من قرأ: "أفرأيتم اللات" [النجم: ~~19] 3، بكسر التاء؛ لأنها أيضا ليست بصفة. # فأما اللام في الاثنين من قولك: "اليوم الاثنان"؛ فليست بزائدة وإن لم ~~يكن الاثنان صفة. قال أبو العباس: وإنما جاز دخول اللام عليه لأن فيه تقدير ~~الوصف، ألا ترى أن معناه "اليوم الثاني"، وكذلك أيضا اللام في الأحد، ~~والثلاثاء، والأربعاء ونحوها، لأن تقديرها: الواحد، والثالث، والرابع، ~~والخامس، والجامع، والسابت. والسبت: القطع. # وقيل: إنه سمي بذلك لأن الله جل وعز خلق السموات والأرض في ستة أيان ~~أولها الأحد، وآخرها الجمعة، فأصبحت يوم السبت منسبتة، أي: قد تمت وانقطع ~~العمل فيها. ms179 # وقيل: سمي بذلك لأن اليهود كانوا ينقطعون فيه عن تصرفهم؛ ففي كلا القولين ~~معنى الصفة موجود فيه. PageV02P043 # فأما ما أنشدناه أبو علي عن أبي عثمان1: # حتى إذا كانا هما الذين ... مثل الجديلين المحملجين2 # فإنه إنما يشبه الذي ب "من" و"ما" فحذف صلتها، ووصفها كما يفعل ذلك ب ~~"من" و"ما" ويجيء هذا في قول البغداديين على أنه وصلها ب "مثل" لأنهم ~~يجرونها مجرى الظرف. # ومن زيادة اللام ما أخبرني به أبو علي3 أن أبا الحسن حكى عنهم: الخمسة ~~العشر درهما؛ فاللام في العشر لا تخلو من أن تكون للتعريف، أو زائدة؛ فلا ~~يجوز أن تكون للتعريف لأن "خمسة عشر" اسمان في الأصل جعلا كالاسم الواحد، ~~وقد تعرف الاسم من أوله باللام في الخمسة، ومحال أن يتعرف الاسم من جهتين ~~وبلامين؛ فثبت أن اللام في العشر زيادة. إلا أنها ليست لازمة لزومها في ~~"الآن" و"الذي" ونحو ذلك. # ومن ذلك ما أخبرني به أبو علي4، قال: أخبرني أبو بكر عن أبي العباس عن ~~أبي عثمان، قال سألت الأصمعي عن قول الشاعر: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر5 # لم أدخل اللام في الأوبر؟ PageV02P044 # فقال: أدخله زيادة للضرورة كقول الآخر1: # باعد أم العمرو من أسيرها ... حراس أبواب على قصورها2 # وجائز أيضا أن يكون أوبر نكرة؛ فعرفه باللام كما حكى سيبويه أن "عرسا" من ~~"ابن عرس" قد نكره بعضهم؛ فقال هذا ابن عرس مقبل3، ولو قال مقبلا ما صحت ~~هذه المسألة. # وأنشدنا أبو علي، عن أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: # يا ليت أم العمرو كانت صاحبي ... مكان من أنشى على الركائب4 # يريد: أم عمرو # وقال الآخر: PageV02P045 # يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أم الحبين ورأس فيل1 # يريد: أم حبين، وهي معرفة، واللام فيها زائدة. # فأما قولهم في المنية شعوب بغير لام، والشعوب بلام؛ فقد يمكن أن يكون صفة ~~في الأصل؛ لأنه من أمثلة الصفات بمنزلة قتول وصبور وضروب، وإذا كان كذلك؛ ~~فاللام فيها بمنزلتها في العباس والشمردل2 والحسن والحارث. # ويؤكد هذا عندك أنهم ms180 قالوا في اشتقاقها: إنها سميت شعوب لأنها تشعب أي ~~تفرق، وهذا المعنى يؤكد مذهب الوصفية فيها، وهذا أقوى في نفسي من أن تجعل ~~اللام زائدة، ومن قال شعوب بلا لام؛ فقد خلصت عنده اسما صريحا، وعراها في ~~اللفظ من مذهب الصفة؛ فلذلك لم يلحقها اللام كما فعل ذلك من قال عباس وسعيد ~~وحارث وحسن إلا أن روائح الصفة فيه على كل حال وإن لم تكن فيه لام. # ألا ترى أن أبا علي حكى عن أبي زيد3 أنهم يسمون الخبر جابر بن جبة، وإنما ~~سموه بذلك لأنه يجبر الجائع، فقد ترى معنى الصفة فيه وإن لم تدخله اللام. # ومن ذلك أيضا قولهم واسط، قال سيبويه4: "سموه واسطا لأنه وسط ما بين ~~العراق وبصرة"؛ فمعنى الصفة فيه قائم وإن لم يكن في لفظه لام. # واعلم أن لام المعرفة قد أدخلت في بعض المواضع على الفعل المضارع لمضارعة ~~اللام ل "الذي". # قرأت على أبي في نوادر أبي زيد5: PageV02P046 # فيستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن بيته ذي الشيحة اليتقصع1 # أي: الذي يتقصع فيه. # يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربه صوت الحمار اليجدع2 # أي: الذي يجدع. # وحكى الفراء أن رجلا أقبل، فقال آخر: ها هو ذا، فقال السامع: نعم الها هو ~~ذا، فأدخل اللام على الجملة المركبة من المبتدأ والخبر؛ تشبيها لها بالجملة ~~المركبة من الفعل والفعال. فهذه أحكام لام التعريف، وما علمت أحدا من ~~أصحابنا رحمهم الله وصل من كشف أسرارها إلى هذه المواضع التي شرحتها ~~وأوضحتها، نسأل الله عز وجل المعونة، ونستمده التوفيق. # وأما لام الابتداء فمن خواص الأسماء3، وهي مفتوحة مع المظهر والمضمر، ~~تقول: لزيد أفضل من عمرو، ولأنت أكرم من محمد، ورأيت بعض متأخري البغداديين ~~وقد صنف كتابا اللامات، ثم قسمها فيها كذا وكذا قسما؛ فقال PageV02P047 # في بعض تلك الأقسام: ومنها لام التفضيل كقوله تعالى ذكره: {ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا} [يوسف: 8] 1، وقد كان هذا الرجل في غناء عن هذه السمة ~~لهذه اللام؛ لأنها لام الابتداء كيف شاءت فلتقع من ms181 تفضيل أو نقص أو مدح أو ~~ذم أو تقريب أو تبعيد أو تكبير أو تصغير ونحو ذلك من وجوه الكلام، وإذا كان ~~هذا الرجل قد وسم لام قوله تعالى: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} 2 بلام ~~التفضيل؛ فقد كان من الواجب عليه على ما عقده على نفسه أن يسمي اللام في ~~قول قيس بن الخطيم3: # ظأرناكم بالبيض حتى لأنتم ... أذل من السقبان بين الحلائب4 # بلام النقص والتحقير لأنها موجودة في أول الجملة المستفاد من أحد جزأيها ~~معنى النقص والتحقير كما وسمهما في آية يوسف عليه السلام بلام التفضيل. وأن ~~يسمي اللام في قوله عز اسمه: {إن الله لذو فضل على الناس} [البقرة: 243] 5 ~~بلام التطول والإنعام، لأنها قد وجدت في جملة مستفاد من أحد جزأيها معنى ~~الإنعام. PageV02P048 # وهذا أوسع من أن يحصى، ولم تكن به حاجة إلى هذا التشعب الذي يقوده إلى ~~هذا الإلزام. وفي هذا الكتاب الذي ذكرته لهذا الرجل أشياء من هذا النحو ~~تركت إيرادها لوضوح أمرها، ولأن كتابنا هذا ليس مشروطا فيه إصلاح أغفال1 ~~كتاب أحد؛ وإنما ربما اعترض الكلام شيء، فذكرناه لاتصاله بما يكون فيه. # واعلم أن لام الابتداء موضعها من الكلام الاسم المبتدأ نحو: "لزيد كريم"، ~~و"لمحمد عاقل"، و"لأنت أشجع من أسامة"، ولاتدخل هذه اللام في الخبر إلا على ~~أحد وجهين كلاهما ضرورة؛ إلا أن إحدى الضرورتين مقيس عليها، والأخرى مرجوع ~~إلى السماع فيها: # الأولى: أن تدخل هذه اللام على الجملة التي في أولها إن المثقلة المحققة؛ ~~فيلزم تأخير اللام إلى الخبر، وذلك قولك: "إن زيدا لمنطلق، فأصل هذا: إن ~~زيدا منطلق، ثم جاءت اللام؛ فصار التقدير: "لإن زيدا منطلق؛ فلما اجتمع ~~حرفان لمعنى واحد، وهو التحقيق والتوكيد، كره اجتماعهما، فأخرت اللام إلى ~~الخبر، فصار الكلام: "إن زيدا لمنطلق". # واعلم أن هذا الشرح قد اشتمل على ثلاثة أشياء ينبغي أن يسأل عنها، وهي: ~~أن اللام في المرتبة قبل إن، وتقدير الكلام: "لإن زيدا منطلق"، وأنه ليس ~~المرتبة أن تكون اللام بعد إن نحو "إن ms182 لزيدا منطلق". # والثاني: لم لما اجتمع حرفان للتوكيد؛ فصل بينهما، وهلا كان اجتماعهما ~~أبلغ وأوكد؟ # والثالث: لم لما وجب الفصل بينهما أخرت اللام إلى الخبر دون إن؟ # فالذي يدل على أن اللام في المرتبة قبل "إن" ثلاثة أشياء: # الأول: أن العرب قد نطقت بهذا نطقا، وذلك مع إبدال الهمزة هاء في نحو ~~قولهم: "لهنك قائم"؛ إنما أصلها: "لإنك قائم"، ولكنهم أبدلوا الهمزة هاء ~~كما أبدلت هاء في نحو: "هياك" و"هرقت الماء"؛ فلما زال لفظ الهمزة، وحلت ~~مكانها الهاء؛ صارت ذلك مسهلا للجمع بينهما إذ حلت الهاء محل الهمزة؛ فزال ~~لفظ إن، PageV02P049 # فصارت كأنها حرف آخر، قرأت على أبي بكر بن الحسن، أو قرئ عليه وأنا حاضر ~~عن أحمد بن يحيى، وحدثنا به عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد محمد بن ~~سلمة1: # ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم2 # فهذا أقوى دليل على أن مرتبة اللام قبل "إن"، وبه رأيت شيخنا أبا علي ~~يستدل3. # والدليل الثاني: أن "إن" وما عملت فيه جميعا في موضع اسم مرفوع بالابتداء ~~بدلالة قوله عز وجل: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} [التوبة: 2] 4، ~~وعلى هذا قالوا5: ### | ................ # ... فإني وقيار بها لغريب6 PageV02P050 # وإذا كانت "إن" وما نصبته في تقدير اسم مرفوع؛ وجب أن تكون اللام داخلة ~~عليهما كليهما؛ لأنهما في موضع اسم مبتدأ كما تدخل على الاسم المبتدأ، وهذا ~~أيضا واضح. # والدليل الثاني: أن "إن" عاملة للنصب، وهي تقتضي الأسماء لتنصبها؛ فلا ~~يجوز أن تكون مرتبة اللام بعدها وأن يكون التقدير: "إن لزيدا قائم"؛ لأن ~~"إن" لا تلي الحروف؛ لا سيما إذا كان ذلك الحرف مما يحصن الاسم من العوامل ~~ويصرفه إلى الابتداء. # فإن قيل: فقد ثبت أن اللام كان سبيلها أن تكون فى أول الكلام، وصح بما ~~قدمته؛ فهلا جمع بينها وبين "إن" فكان ذلك يكون أوكد، ولم فصل بينهما؟ # فالجواب أنه ليس في الكلام حرفان لمعنى واحد مجتمعان، والعلة في ذلك أن ~~الغرض في هذه الحروف الدوال على المعاني؛ إنما ms183 هو التخفيف والاختصار، ألا ~~ترى أن "هل" تنوب عن أستفهم و"ما" تنوب عن أنفي. # وقد تقدم نحو هذا في أول هذا الكتاب؛ فإذا كان الغرض فيها إنما هو ~~الاختصار والاستغناء بالقليل عن الكثير؛ فلا وجه للجمع بين حرفين لمعنى ~~واحد، إذ في الواحد كفاية في الآخر وغناء عنه، ولو جمع معه لانتقض الغرض ~~بتكريره والإكثار بإعادته؛ فإذا تباعد عنه؛ لم يجتمع في اللفظ معه استجيز ~~اجتماعهما في الجملة الواحدة؛ كما جاز الجمع بين حرف النداء والإضافة ~~لتباعدهما في نحو يا عبد الله وما أشبهه. # فإن قيل: فإذا كان كذلك فلم أخرت اللام إلى الخبر، وأقرت إن في أول ~~الكلام، وهلا عمس الأمر في ذلك؟ # فالجواب: أنه إنما أخرت اللام إلى الخبر، وجعلت إن مع المبتدأ من قبل أن ~~"إن" عاملة، والمبتدأ لا يكون إلا اسما؛ فقد يجوز أن يكون جمل وظرفا؛ فلما ~~لم يلزم أن يكون الخبر اسما مفردا، وجاز أن يكون مبتدأ وخبرا، وفعلا ~~وفاعلا، وظرفا؛ جعلت اللام التي هي غير عاملة في ما قد لا يكون مفردا، ~~وجعلت "إن" العاملة تلي الاسم الذي سبيله أن يكون مفردا؛ فالضرورة التي ~~أخرت لها اللام إلى # PageV02P051 # الخبر، وموضعها في الأصل المبتدأ، هو ما ذكرناه من دخول إن في الكلام ~~وكراهيتهم اجتماعها مع اللام؛ فاعرف ذلك إن شاء الله. # واعلم أنه إذا ثبت أن اللام داخلة على خبر "إن"، وكان خبر "إن" هو خبر ~~المبتدأ في الأصل، وكان خبر المبتدأ على المعروف المتعالم من حالة اسما ~~مفردا، وجملة مركبة من مبتدأ وخبر، وجملة مركبة من فعل وفاعل، وظرفا؛ فسبيل ~~هذه اللام أن تدخل كل ضرب من هذه الأخبار، تقول: "إن زيدا لقائم"، و"إن ~~زيدا لأبوه منطلق"، و"إن زيدا ليقوم أخوه"، و"إن زيدا لفي الدار"؛ فإن كان ~~الخبر فعلا ماضيا؛ لم تدخل اللام عليه؛ لأنه ليس بمضارع للاسم كما ضارعه ~~الفعل المضارع، فلا تقول إذا: "إن زيدا لقام"، ولا: "إن بكرا لقعد"، ~~ولاتدخل هذه اللام على فعل ولا على غيره من أمثلة الفعل ms184 المضارع للاسم. # فأما قول امرئ القيس1: # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي2 # فليست هذه اللام بلام الابتداء؛ وإنما هي اللام التي يتلقى بها القسم ~~نحو: والله لقام زيد، أي: لقد قام زيد وسنذكرها في موضعها3 إن شاء. # فإن كانت لخبر إن فضله تتعلق به فى ظرف أو مفعول أو مصدر أو حرف جر، ~~فتقدمت تلك الفضلة في اللفظ على الخبر؛ جاز دخول اللام عليها قبل الخبر، ثم ~~يأتي الخبر في ما بعد، وذلك قولك: "إن زيدا لفى الدار لقائم"، و"إن بكرا ~~لطعامك آكل"، و"إن محمدا لقياما حسنا قائم"، و"إن أخاك لبك مأخوذ"، و"إن ~~الأمير لعليك واجد". PageV02P052 # قال أبو زبيد1: # إن امرءا خصني عمدا مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور2 # أي: لغير مكفور عندي، وربما كررت اللام في الخبر إذا تقدمت فضلته عليه ~~فقالوا: "إن زيدا لبك لمأخوذ"، و"إن محمدا لفيك راغب". # وحكى قطرب عن يونس: إن زيدا لبك واثق. # فإن تأخرت الفضلة؛ دخل اللام في الخبر الذي قبلها، ولم تدخل فيها، وذلك ~~قولك: "إن زيدا لقائم عندك"، ولا يجوز: "إن زيدا قائم لعندك". والفرق بين: ~~إن زيدا لعندك قائم، و"إن زيدا قائم لعندك" في جواز المسألة الأولى وفساد ~~الثانية: أنك إذا تقدمت الفضلة على الخبر، وأدخلت اللام عليها؛ فإنما قصدك ~~بها الخبر دون فضلته، وجاز دخول اللام على الفضلة التي قبل الخبر لأن موضع ~~الخبر أن يكون قبل فضلته عقيب الاسم؛ فلما تقدمت الفضلة، فوقعت موقع الخبر ~~دخلتها اللام كما تدخل الخبر؛ فأما إذا تأخرت الفضلة وتقدم الخبر؛ فقد وقع ~~الخبر موقعه، فدخلت اللام عليه لأنه أحق بها. # فإن قيل: ولم دخلت اللام على خبر "إن" المكسورة دون سائر أخواتها؟ # فالجواب: أنها إنما اختصت بخبر المكسورة من قبل "أن" كل واحدة من اللام ~~ومن "إن" يجاب بها للقسم، وذلك قولك: "والله إن زيدا قائم"، "والله لزيد ~~قائم"؛ فلما اشتركنا في هذا الوجه، وكانت كل واحدة منهما حرف توكيد أدخلت ~~اللام على خبر "إن" للمبالغة ms185 في التوكيد، وفرق بينهما لما ذكرنا من كراهتهم ~~اجتماع حرفين لمعنى واحد، ولما لم يكن في أخوات إن شيء يجاب به القسم كما ~~يجاب بها؛ لم تدخل اللام خبره كما دخلت خبرها. PageV02P053 # واعلم أن هذه اللام لا تدخل على اسم "إن" كما ذكرنا؛ إلا أن يفصل بينها ~~وبينه فتباعد منه، وذلك نحو قوله عز اسمه: {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] ~~1، و {إن في ذلك لآيات} [الأنعام: 99] 2، {إن في هذا لبلاغا} 3 [الأنبياء: ~~106] . # فهذا دخول اللام على خبر "إن" وذكر الضرورة التي دعت إلى تأخرها، ولست ~~أعني بهذه الضرورة أنها جارية مجرى ضرورة الشعر؛ كيف ذلك والقرآن وفصيح ~~الكلام قد جاء بذلك، ولكن هذا يجري مجرى الضرورة التي دعت إلى إعلال فاء ~~"يعد" و"يزن"، وعين "باع" و"قام"، ولام "غزا" و"رمى"، وغير ذلك من العلل ~~التي تلحق فتؤثر، وهي مع ذلك مطردة في الاستعمال متقبلة في القياس. # وإذا كانت "إن" مشددة فأنت في إدخال اللام في الخبر وتركها مخير، تقول: ~~"إن زيدا قائم"، و"إن زيدا لقائم"؛ فإن خففت "إن"؛ لزمت اللام، وذلك قولك: ~~"إن زيد لقائم"، و {إن كل نفس لما عليها حافظ} [الطارق: 4] 4 فعلوا ذلك ~~لئلا تلتبس "إن" المؤكدة ب "إن" النافية في قوله عز وجل: {إن الكافرون إلا ~~في غرور} [الملك: 20] 5 فهذه بمعنى ما. PageV02P054 # وأما قول أبي حزام العكلي1: # وأعلم أن تسليما وتركا ... للا متشابهان ولا سواء2 # فإنما أدخل اللام وهي للإيجاب على "لا" وهي للنفي من قبل أنه شبهها بغير، ~~فكأنه قال: "لغير متشابهين"، كما شبه الآخر "ما" التي للنفي ب "ما" التي في ~~معنى الذي، فقال3: # لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... وكيف ومن عطائك جل مالي4 # ولم يكن سبيل اللام الموجبة أن تدخل على "ما" النافية لولا ما ذكرت لك من ~~الشبه اللفظي، كما قال الآخر: # ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرا لا يزال يزيد5 # فزاد "إن" مع "ما"، وليست للنفي؛ فاعرفه إن شاء الله. # وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر غير ms186 "إن"؛ فمن ضرورات الشعر، ~~ولا يقاس عليها، قرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب6: PageV02P055 # أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من الشاة بعظم الرقبه1 # والوجه أن يقال: "لأم الحليس عجوز شهربه"، كما تقول: "لزيد قائم"، ولا ~~تقول: "زيد لقائم". وقال الآخر2: # خالي لأنت، ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا3 # فهذا يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون أراد: لخالي أنت؛ فأخر اللام إلى الخبر ضرورة. # والآخر: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدم الخبر على المبتدأ وإن كانت فيه ~~اللام ضرورة. # وأخبرني أبو علي أن أبا الحسن حكى "إن زيدا وجهه لحسن" فهذه أيضا ضرورة. ~~PageV02P056 # وربما أخلوها في خبر "أن" المفتوحة، أخبرنا علي بن محمد يرفعه بإسناده ~~إلى قطرب1: # ألم تكن حلفت بالله العلي ... أن مطاياك لمن خير المطي2 # والوجه الصحيح هنا كسر "إن" لتزول الضرورة، إلا أنا سمعناها مفتوحة ~~الهمزة. # وقد أدخلت في خبر أمسى، قرأت على أبى بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، ~~وأنشدناه أبو علي3: # مروا عجالا وقالوا: كيف صاحبكم؟ ... قال الذي سألوا: أمسى لمجهودا4 # وروينا عن قطرب بإسناده أن بعضهم قال: "فإذا أني لبه"، قال: وسمعنا بعض ~~العرب يقول: "أراك لشاتمي"، و"إنى رأيته لسمحا"، قال: وقال يونس: زيد ~~-والله- لواثق بك. وقال كثير: # ومازلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل سبيل5 # وهذا كله شاذ. PageV02P057 # ومثله1: ### | ............................ # ... ولكنني من حبها لكميد2 # وأخبرنا أبو علي أن أبا إسحاق ذهب في قوله تعالى: {إن هذان لساحران} [طه: ~~63] 3 إلى أن "إن" بمعنى نعم، وهذان مرفوع بالابتداء، وأن اللام في ~~"لساحران" داخلة في موضعها على غير ضرورة، وأن تقديره: "نعم هذان لهما ~~ساحران". # وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: هذا الذي عندي فيه، والله أعلم، وكنت عرضته4 ~~على عالمنا محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق؛ فقبلاه، وذكرا أنه أجود ~~ما سمعاه. # واعلم أن هذا الذي رواه أبو إسحاق في هذه المسألة مدخول غير صحيح، وأنا ~~أذكره لتقف منه على ما في قوله. # ووجه الخطأ فيه أن "هما" المحذوفة التي قدرها ms187 مرفوعة بالابتداء لم تحذف ~~إلا بعد العلم بها والمعرفة بموضعها، وكذلك كل محذوف لا يحذف إلا مع العلم ~~به، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف علم الغيب ~~للمخاطب، وإذا كان معروفا؛ فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام؛ ألا ترى ~~أنه يقبح أن تأتي بالمؤكد وتترك المؤكد فلا تأتي به. PageV02P058 # ألا ترى أن التوكيد من مواضع الإطناب والإسهاب، والحذف من مواضع الاكتفاء ~~والاختصار؛ فهما إذن -كما ذكرت لك- ضدان لا يجوز أن يشتمل عليهما عقد كلام. # ويزيد ذلك وضوحا امتناع أصحابنا من تأكيد المضمر المحذوف العائد على ~~المبتدأ في نحو "زيد ضربت" في من أجازه؛ فلا يجيزون "زيد ضربت نفسه" على أن ~~تجعل النفس توكيدا للهاء المرادة في ضربته، لأن الحذف لا يكون إلا بعد ~~التحقيق والعلم، وإذا كان ذلك كذلك؛ فقد استغني عن تأكيده. # ويؤكد عندك ما ذكرت لك أن أبا عثمان وغيره من النحويين حلموا قول الشاعر: # أم الحليس لعجوز شهربه1 # على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو ~~إسحاق وجها جائزا؛ لما عدل عنه النحويون ولا حملوا على الاضطرار إذا وجدوا ~~له وجها ظاهرا قويا، وحذف المبتدأ وإن كان شائعا في مواضع كثيرة من كلامهم؛ ~~فإنه إذا نقل عن أول الكلام قبح حذفه؛ ألا ترى إلى ضعف قراءة من قرأ: ~~{تماما على الذي أحسن} [الأنعام: 154] 2 قالوا: وقبحه أنه أراد: على الذي ~~هو أحسن؛ فحذف المبتدأ في موضع الإيضاح والبيان، لأن الصلة لذلك وقعت في ~~الكلام، وإذا كان ذلك موضع إكثار وإيضاح؛ فغير لائق به الحذف والاختصار. # فإن قلت: فقد حكى سيبويه في الكتاب: "لحق أنه ذاهب؛ فيضيفون، كأنه قال: ~~ليقين ذلك أمرك، وليست في كلام كل العرب"3 فأمرك هو خبر يقين؛ لأنه قد ~~أضافه إلى ذلك، وإذا أضافه إليه؛ لم يجز أن يكون خبرا عنه. # قال سيبويه: "سمعنا فصحاء العرب يقولونه"4؛ فكيف جاز أن يحذف الخبر ~~واللام في أول الكلام، وقد شرطت على نفسك أن الحذف لا ms188 يليق بالتوكيد؟ ~~PageV02P059 # فالجواب أن هذه الكلمة ليس كل العرب يقولها كما قال سيبويه، وقال أيضا ~~أبو الحسن: "لم أسمع هذا من العرب؛ وإنما وجدته في الكتاب"1. # ووجه جوازه على قلته طول الكلام بما أضيف هذا المبتدأ إليه، وإذا طال ~~الكلام؛ جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر، ألا ترى إلى ما حكاه ~~الخليل عنهم من قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئا"2 ولو قلت: "ما أنا ~~بالذي قائم لقبح". # فأما قول الشاعر3: # لم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقبها4 # فالوجه أن تكون "ما" استفهاما و"عواقبها" الخبر، كقوله تعالى ذكره: {وما ~~أدراك ما الحطمة} [الهمزة: 5] 5 أي: ما أدراك أي شيء الحطمة؛ فكأنه قال: أي ~~شيء عواقبها، على مذهب التعجب منها والاستعظام لها؛ فهذا أوجه من أن يحمل ~~الكلام على أنه: ينسون الذي هو عواقبها، لقلة {تماما على الذي أحسن} ~~[الأنعام: 154] 6. # وقال أبو الحسن في هذا الفصل: "لو قلت: لعبد الله، وأضمرت الخبر لم ~~يحسن"7؛ وإنما لم يحسن عنده لأن الكلام لم يطل ههنا كما طال في لحق أنه ~~ذاهب. انقضى دخول اللام على الخبر. PageV02P060 # واعلم أن لام الابتداء أحد الحرفين الموجبين اللذين يتلقى بهما القسم، ~~وهما: اللام، وأن، وذلك قولك: والله لزيد عاقل، والله إن زيدا عاقل؛ إلا أن ~~هذه اللام قد تتعرى من معنى الجواب، وتخلص للابتداء؛ فهو لذلك أخص معنييها ~~بها، وذلك قولك: لعمرك لأقومن، و: ### | .............. # ... ليمن الله ماندري1 # فهذه اللام لام الابتداء معراة من معنى الجواب، وذلك أن قولك "لعمرك" ~~قسم، ومحال أن يجاب القسم بالقسم؛ فلا يجوز إذن أن يكون التقدير: والله ~~لعمرك لأقومن، كما يجوز إذا قلت: لزيد قائم، أن يكون تقديره: والله لزيد ~~قائم، فاعرف ذلك إن شاء الله. PageV02P061 ### | لحاق اللام الأفعال # وتلحقها على ضربين: عاملة، وغير عاملة: # فالعاملة: لام الأمر، وهي مكسورة جازمة؛ وذلك قولك: ليقم زيد، وليقعد ~~عمرو. وزعم الفراء أن من العرب من يفتح هذه اللام لفتحة الياء بعدها، وهذا ~~كلام يستفاد منه أنه ms189 إن انكسر حرف المضارعة أو انضم أن لا تكون هذه اللام ~~مفتوحة، نحو: "ليكرم زيد عمرا"، و"لتعلم ذلك". # ومتى اتصل بهذه اللام من قبلها واو العطف أو فاؤه فإسكانها للتخفيف جائز، ~~وذلك قولك: وليقم زيد؛ فليقعد جعفر؛ وإنما جاز إسكانها لأن الواو والفاء كل ~~واحد منهما حرف منفرد ضعيف لا يمكن الوقوف عليه دون اللام؛ فأشبهت اللام ~~لاتصالها بما قبلها واحتياجه إليها الخاء من "فخذ"، واللام من "علم"، فكما ~~تقول: فخذ، وعلم الله ذاك؛ كذلك جاز أن تقول: فليقم، وليقعد، وقد فعلوا هذا ~~أيضا في غير هذا الموضع، فقالوا: أراك منتفخا، فأسكنوه الفاء لأن "تفخا" من ~~"منتفخ" ضارع بالوزن فخذا وكبدا. # فأما قراءة الكسائي وغيره1 {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] 2 و {ثم ليقطع} ~~[الحج: 15] 3 فمردودة عند أصحابنا؛ وذلك أن "ثم" حرف على ثلاثة أحرف يمكن ~~الوقوف عليه، وإذا أمكن الوقوف؛ لزمك الابتداء بالساكن، وهذا غير جائز ~~بإجماع، فمن هنا دفعه أصحابنا واستنكروه؛ فلم يجيزوه. # وسألت أبا علي يوما عن هذا، فقلت له: هلا جازت قراءة الكسائي هذه على ~~تشبيه ثم بالواو والفاء إذ كانت حرف عطف كما كانا حرفي عطف؛ فهلا جاز حمل ~~ثم على الواو والفاء كما حملوا بعض حروف المضارعة على بعض في نحو قولك: ~~أعد، PageV02P063 # ونعد، وتعد؛ ألا ترى أن هذه الأحرف الثلاثة محمولة على الياء في قولك: ~~"يعد"؛ لأن الواو من "يعد" حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة ~~والنون والتاء في هذا على الياء؛ فحذفت الواو معهن كما حذفت مع الياء لئلا ~~يختلف الباب، وكما حذفت الهمزة من مضارع أكرم إذا قلت: "أكرم"، وأصلة ~~"أؤكرم"، لاجتماع الهمزتين، ثم حملت النون في "نكرم"، والتاء في "تكرم"، ~~والياء في "يكرم" على الهمزة في "أكرم"؛ فحذفت الهمزة معهن كما حذفت معها ~~ليتفق الباب ولا تختلف أحوال حروف المضارعة. # فقال: الفرق بين الموضعين أن حروف المضارعة أشد اشتباه بعض ببعض من حروف ~~العطف؛ وذلك أنها تجري مجرى الحرف الواحد؛ ألا ترى أن سيبويه قال: إنهم ~~امتنعوا من إمالة ms190 فتحة تاء تحسب لكسرة سينها، من حيث كانت الياء في يحسب لا ~~تجوز إمالتها استنكارا للإمالة في الياء في "يحسب"؛ فدل ذلك على أن حروف ~~المضارعة بعضها قوي الشبه ببعض أشد من قوة شبه حروف العطف بعضها ببعض. # ويؤكد عندك قوة اشتباه حروف المضارعة أن كل واحد منها على حرف واحد، ~~وحروف العطف تجدها مختلفة أعداد الحروف، منها ما هو على حرف واحد، وهو ~~الواو والفاء. ومنها ما هو على حرفين، وهي: "أو، ولا، وأم، وبل". # ومنها ما هو على ثلاثة أحرف، وهو "ثم". ومنها ما هو على أربعة أحرف، وهو ~~"لكن، وإما، وحتى. وليس"؛ كذلك حروف المضارعة، بل جميعها على حرف حرف. # وشيء آخر، وهو أنا نجد بعض حروف العطف يدخل على بعض، وذلك نحو: "ما قام ~~زيد ولكن عمرو"، و"قام إما زيد وإما عمرو، ولأضربنه حتى يتقيني بحقي، وحتى ~~لا يبقى لي عنده شيء منه". # ونسخت من خط أبي بكر محمد بن السري، وقرأته على أبي علي، قال: قال أبو ~~العباس: إذا اضطر الشاعر أدخل الواو من حرف العطف على سائر حروف العطف. # PageV02P064 # وأنشد للأعشى1: # وثمت لا تجزونني بعد ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا2 # قال: واستعمله أبو نواس؛ فقال3: # البدر أشبه ما رأيت بها ... حين استوى وبدا من الحجب4 # وبل الرشا لم يخطها شبها ... في الجيد والعينين واللبب5 # وأنشد أبو الحسن بيتا فيه "فثم"6 فأدخل الفاء على ثم. # فهذا كله يؤكد عندك اختلاف حروف العطف لجواز دخول بعضها على بعض إذ كان ~~حرفان لمعنى واحد لا يتواليان، ولما كانت حروف المضارعة كلها كالحرف الواحد ~~PageV02P065 # لم يجز أن يدخلوا بعضها على بعض، كما لا يجمعون بين حرفي استفهام ولا ~~حرفي نفي؛ فلذلك جاز حمل بعض حروف المضارعة على بعض، ولم يجز حمل بعض حروف ~~العطف على بعض، فاعرف ذلك إن شاء الله. # واعلم أن هذه اللام الجازمة أيضا حرف مفرد جاء لمعنى كواو العطف، وفائه، ~~وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء، وقد كان ينبغي أن تفتح كما فتحن؛ إلا أن ~~العلة ms191 في كسرها أنها في الأفعال نظيرة حرف الجر في الأسماء، ألا ترى أن كل ~~واحدة منهما مختصة من العمل بما يخص القبيل الذي هي فيه؛ فلا يتعداه إلى ما ~~سواه، فمن حيث وجب كسر لام الجر في نحو: لزيد مال، ولجعفر، للفرق بينها ~~وبين لام الابتداء، كذلك أيضا وجب كسر هذه اللام، لأنها في الأفعال نظيرة ~~تلك الأسماء. # ولو قال قائل: إنما كسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام الابتداء التي ~~تدخل على الأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين؛ لكان قولا قويا، ألا ترى أنك ~~تقول: "إن زيدا ليضرب"، أي: لضارب، فكرهوا أن يقولوا في الأمر: "إن زيدا ~~ليضرب"، فيلتبس بقولك: "إن زيدا لضارب". # فإن قيل: فهل يجوز أن تقول: إن زيدا ليضرب؛ فتجعل خبر "إن" أمرا حتى تخاف ~~التباسه بالخبر في قولك: "إن زيدا ليضرب"؟ # فالجواب: أن ذلك جائز، وقد جاء به الشاعر، فجعل خبر "إن"، وخبر المبتدأ، ~~وخبر كان، ونحو ذلك أمرا لا يحتمل الصدق والكذب. # قال الجميح1: # ولو أصابت لقالت وهي صادقة ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب2 # والنهي كالأمر في هذا. PageV02P066 # وعلى هذا قال سيبويه "وقد يكون في الأمر والنهي أن يبنى الفعل على الاسم؛ ~~وذلك قولك: "عبد الله اضربه"، ابتدأت عبد الله؛ فعرفته بالابتداء، ونبهت ~~المخاطب له لتعرفه باسمه، ثم بنيت الفعل عليه، كما فعلت ذلك في الخبر". # فهذا نص من سيبويه يجواز كون خبر المبتدأ أمرا ونهيا، وعلى هذا يجوز: ~~"زيد لا يقم أخوه". وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد، وسمعت أبا علي ~~ينشده أيضا غير مرة: # ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي1 # وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدة صناع2 # أي: وكوني بالمكارم مذكرة. # وغير منكر أن يقع لفظ الأمر موقع الخبر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {قل من ~~كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 25] 3 أي: فليمدن له. # وعلى هذا قول الآخر4: # بئس مقام الشيخ أمرس أمرس ... إما على قعو وإما اقعنسس5 # أي: مقام يقال له فيه: ms192 أمرس أمرس. PageV02P067 # وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن سليمان عن ابن أخت أبي الوزير عن ابن ~~الأعرابي1: # فإنما أنت أخ لا نعدمه # أي: لا نعدمه؛ فنقل ضمة الهاء إلى الميم، كما قال الآخر2: # عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه3 # أي: لم أضربه، وهذا واسع عنهم كثير. # وكما أن لام الجر قد تفتح مع المظهر في ما حكيناه من قراءة سعيد بن جبير: ~~"وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال"4 وغير ذلك، فكذلك قد فتحت لام الأمر في ~~ما حكيناه عن الفراء من قولهم: "ليقم زيد". والعلة في فتح هاتين اللامين في ~~هذه المواضع القليلة أن أصل حركتهما الفتح، فربما خرجتا على أصلهما. # واعلم أن هذه اللام الجازمة لا تضمر إلا في ضرورة الشعر، كما أن حرف الجر ~~لا يحذف إلا في الضرورة. قرأت على أبي علي، قال: أنشد أبو زيد5: # فتضحي صريعا ما تجيب لدعوة ... ولا تسمع الداعي ويسمعك من دعا6 # أي: وليسمعك. PageV02P068 # وقال الآخر1: # فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب2 # أي: ليكن. # وأنشد سيبويه3: # على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى4 # قال: أراد أو "ليبك". وحسن ذلك له قليلا أن قبله أمرا، وإن لم يكن ~~مجزوما؛ فإنه في معنى المجزوم، ألا ترى أن معنى "اخمشي": لتخمشى. # ومن أبياته أيضا5: # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا # أراد: لتفد نفسك؛ فحذف اللام، وهذا أقبح من الأول، لأن قبل ذاك شيئا فيه ~~معنى اللام، وهو "اخمشي"، لأن معناه: "لتخمشي"، وهذا ليس قبله شيء معناه ~~معنى اللام. PageV02P069 # ومثل البيت الأول ما أنشدنيه أبو علي1: # فقلت: ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان2 # أي: ولأدع؛ لأن معنى ادعي: لتدعي. وأنشد البغداديون: # من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المزاجر3 # و: "البصائر" أيضا، أراد: فليدن. # وكل هذا شاذ لا يحسن القياس عليه؛ فهذه اللام العاملة في الأفعال. # وأما اللام غير العاملة فلام القسم، ms193 وتدخل من الأفعال في موضعين: أحدهما ~~المضي، والآخر المستقبل. # فأما الماضي فكقولك: والله لقد قمت، وقوله تعالى: {تالله لقد آثرك الله ~~علينا} [يوسف: 91] 4 وربما حذفت اللام، قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها، ~~وقد خاب من دساها} [الشمس: 9، 10] 5 أي: لقد أفلح من زكاها، ولقد خاب من ~~دساها. وربما حذفت قد. PageV02P070 # قال امرؤ القيس: # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا، فما إن من حديث ولا صالي1 # أي: لقد ناموا. # وكذلك قولهم: والله لو قمت لقمت، ولو قعدت لقعدت، قال: # والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا آكل الأبارصا2 # وأما قول الآخر3: # فلو أن قومي لم يكونوا أعزة ... لبعد لقد لاقيت لا بد مصرعا4 # فاللام الأولى في لبعد زائدة مؤكدة، والتي في لقد هي الجواب، ولا يبعد أن ~~يكون هذا الكلام على معنى القسم، كأنه قال: "والله لو أن قومي". # وقد تحذف هذه اللام من بعد "لو" إذا لم يكن القسم ظاهرا. # قال5: # فلو أن قومى أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرت6 # أي: لنطقت. PageV02P071 # ومثل هذه اللام اللام التي في جواب لولا، نحو قوله عز وجل: {ولولا رهطك ~~لرجمناك} [هود: 91] 1، و {لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31] 2. # وقال الشاعر3: # فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه4 # فهذه اللام التي في جواب لولا؛ إنما هي جواب القسم. # وربما حذفت إذا لم يظهر القسم إلى اللفظ، قال يزيد بن الحكم: # وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي5 # أي: لطحت. PageV02P072 # ولا تدخل اللام في جواب "لو" و"لولا"؛ إلا على الماضي دون المستقبل، وكان ~~أبو علي قد قال لي قديما: إن اللام في جواب "لولا" زائدة مؤكدة، واستدل على ~~ذلك بجواز سقوطها. وكذلك مذهبه في "لو" على هذا القياس لجواز خلو جوابها من ~~اللام. # أنشد ابن الأعرابي1: # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين2 # أي: لجرى الدميان. # وأما ما أنشدناه أبو علي من قول الشاعر3: # لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... وكيف ومن عطائك جل مالي4 # فإنما ms194 أدخل اللام -وهي موجبة- على ما -وهي نافية-، وهذان أمران ضدان من ~~قبل أنه شبه ما في اللفظ ب "ما" الموصولة التي في معنى الذي، وقد تقدم5 ~~ذكرنا لهذا الشبه اللفظي. # وأما اللام الداخلة على المستقبل فتلزمها النون للتوكيد ولإعلام السامع ~~أن هذا فعل مستقبل وليس للحال كالذي في قول الله عز وجل: {وإن ربك ليحكم ~~بينهم} [النحل: 124] 6 أي: لحاكم. # فإن زال الشك بغير النون؛ استغنى عنها، قال الله تعالى: {فلسوف تعلمون} ~~[الشعراء: 49] لأن سوف تخص الاستقبال، وذلك قولك: "والله لأقومن ولأقعدن". # واعلم أن هذه اللام إذا وليت المستقبل فلحقته النون؛ لم تأت إلا على نية ~~القسم. PageV02P073 # قال سيبويه: "سألت الخليل عن "ليفعلن" إذا جاءت مبتدأة؛ فقال: هي على نية ~~القسم"1؛ فكانت إذا قلت على هذا: لأضربنك، وإذا قلت: لينطلقن زيد؛ فكأنك ~~قلت: والله لينطلقن زيد، وكذلك قوله عز اسمه: {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: ~~88] 2 أي: والله لتعلمن. # وإذا كان ذلك كذلك؛ فقوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} ~~[الإسراء: 86] 3؛ ليست اللام في "لئن" بجواب القسم، إنما الجواب لنذهبن، ~~وعليه وقع الحلف، واللام في "لئن"؛ إنما هي زائدة مؤكدة، يدلك على أن اللام ~~الأولى زائدة وأن اللام الثانية هي التي تلقت القسم: جواز سقوط الأولى في ~~نحو قول الشاعر: قرأته على أبي علي في نوادر أبي زيد لقيس بن جروة الطائي ~~جاهلي: # فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة ... حرام علي رمله وشقائقه # فإن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه4 # ولم يقل: فلئن لم تغير؛ فهذا نظير قوله عز اسمه: {وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا} [المائدة: 73] أي: والله إن لم ينتهوا ليمسن. ~~وقد شبه بعضهم "إذ" ب "إن" فأولاها اللام، فقال5: # غضبت علي وقد شربت بجزة ... فلإذ غضبت لأشربن بخروف6 PageV02P074 # ويدل أيضا على أنك إذا قلت: والله لئن قمت لأقومن فاعتماد القسم على ~~اللام في لأقومن، وأن اللام في "لئن قمت" منها بد قول كثير: # لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني ms195 منها إذن لا أقيلها1 # فرفع "أقيلها" يدل على أن اعتماد القسم عليه كقوله عز اسمه: {لئن أخرجوا ~~لا يخرجون معهم} [الحشر: 12] 2 أي: "والله لا يخرجون معهم إن أخرجوا"، ولو ~~كانت اللام التي في "لئن عاد لي عبد العزيز" جواب القسم لا نجزم لا أقيلها، ~~كما تقول: "إن تقم إذن لا أقم"، وأما قوله تعالى ذكره: {ولئن أرسلنا ريحا ~~فرأوه مصفرا لظلوا} فقال الخليل3: "معناها ليظلن" فأوقع الماضي موقع ~~المستقبل. ومثله مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل قول الحطيئة4: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر5 # أي: يشهد. وأنشدنا أبو علي6: # وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستجاب ما كان في الغد7 # أي: ما يكون. وأما قوله تعالى ذكره: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] 8؛ فاللام في "لقد علموا" لام قسم محذوف ~~PageV02P075 # مقدر، ومعناه: والله لقد علموا، واللام في "لمن اشتراه" لام الابتداء، ~~و"من" بمنزلة الذي، وتقديره -والله أعلم- والله لقد علموا للذي اشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق، و"الذي" في موضع رفع بالابتداء، وصلته اشتراه، وقوله ~~عز وجل: {ما له في الآخرة من خلاق} خبر "الذي"، والجملة التي هي مبتدأ وخبر ~~في موضع نصب بعلموا، كما تقول: "قد علمت لزيد أفضل منك"، و"لقد علمت أزيد ~~عندك أم عمرو"، فلام الابتداء في هذا وهمزة الاستفهام في إقطاعهما الاسم من ~~العامل الذي قبله، وحولهما بينه وبينه سواء. فهذا هو الوجه أن تجعل من ~~بمنزلة "الذي"، واللام فيه لام الابتداء، وهو مذهب سيبويه1. # وفيه وجه ثان ذهب إليه غيره، وهو أن تجعل "من" شرطا، وتجعل اللام فيه ~~كالتي تعترض زائدة بين القسم والمقسم عليه نحو قوله عز وجل: {ولئن أرسلنا ~~ريحا} [الروم: 51] 2 فيصير التقدير "والله لقد علموا لئن أحد اشتراه ما له ~~في الآخرة من خلاق"؛ فيجري هذا مجرى قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] 3 أي: "لئن آتيتكم شيئا ~~من كتاب وحكمة". على أن ms196 مذهب سيبويه والخليل4 أن "ما" ههنا بمنزلة "الذي"، ~~واللام فيها لام الابتداء. وفى اعتقاد من جعل "من" في قوله عز اسمه: {ولقد ~~علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] شرطا بعض الضعف؛ وذلك أن "علموا" تقتضي ~~مفعوليها؛ فإذا أوقعت القسم بعدها حتى يصير كأنه قال: "ولقد علموا والله ~~لئن اشتراه أحد ما له في الآخرة من خلاق"، وأصل "والله" -كما علمت- أحلف ~~بالله؛ فقد صار التقدير -والله أعلم-: ولقد علموا -أحلف بالله- لئن اشتراه ~~أحد ليكونن كذا وكذا، وإذا تأدى الأمر إلى هذا؛ قبح أن يلي "علمت" فعل ~~القسم؛ لأن "علمت" وأخواتها إنما تدخل على المبتدأ وخبره لا على الفعل ~~وفاعله. PageV02P076 # فإن قلت: فعلام تجيز كون "من" شرطا وقد قدمت قبح ذلك؟ # فالجواب: أن جواز ذلك على أن تجعل "علموا" نفسها قسما، وقد استعملتها ~~العرب بمعنى القسم، ومن أبيات الكتاب1: # ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها2 # فكأنه قال: والله لتأتين منيتي. # فإن قلت: فإذا جعلت علموا جاريا مجرى القسم بما ذكرته، وعندك أن اللام في ~~"لقد" دالة على القسم المحذوف؛ فكأنه عندك: والله لقد علموا، وقوله: {قد ~~علموا} جار مجرى القسم؛ فكيف يجوز على هذا دخول القسم على القسم، أولا ترى ~~أن سيبويه والخليل3 ذهبا في قوله تعالى ذكره: {والشمس وضحاها، والقمر إذا ~~تلاها} [الشمس: 1، 2] 4 أن جميع ما بعد الواو الأولى من الواوات إنما هو ~~واو عطف، وليس بواو قسم لئلا يدخل قسم على قسم؛ فيبقى الأول منها غير مجاب؟ # فالجواب: أن ذلك إنما جاز في "علموا" من حيث كان إنما هو في معنى القسم، ~~وليس قسما صريحا؛ وإنما هو بمنزلة "أشهد لقد كان كذا"، وماجرى مجرى هذا مما ~~ليس بقسم محض؛ فلأجل هذا جاز أن تكون من في قوله سبحانه: {لمن اشتراه} ~~شرطا، واللام في أولها مؤكدة للشرط، فاعرف ذلك إن شاء الله. # وذهب أبو إسحاق في قوله جل ثناؤه: {يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه} [الحج: ~~13] 5 إلى أن التقدير: "يدعو من لضره أقرب من نفعه". PageV02P077 # قال: فقدمت اللام ms197 عن موضعها، وحكى هذا القول عن البصريين والكوفيين ~~جميعا، وهذا عندنا على إجماع الكافة عليه في ما حكاه أبو إسحاق غير جائز ~~ولا مرض، وقد أنكره أبو علي، وذهب في فساده إلى أن اللام على هذا التقدير ~~من صلة من، ومحله أن تتقدم الصلة أو شيء منها على الموصول. # فإن قلت: فما تقول في هذه اللام، وكيف موقع الكلام؟ # فالجواب: أن فيه أربعة أوجة غير ما حكاه أبو إسحاق: # أحدها: أن تجعل يدعو تكرارا ل "يدعو" الأولى1، وترك إعمالها؛ لأنها قد ~~أعملت متقدمة؛ فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: "ضربت زيدا ضربت"، ~~حكى ذلك سيبويه، أعني قولهم: ضربت زيدا ضربت، وتكون اللام في "لمن" لام ~~الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله عز وجل: {لبئس المولى} [الحج: 13] ~~2 خبر "من" كأنه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، واللام التي في ~~"لبئس" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو: ### | ................................. # ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي3 # وهي تدل على يمين محذوفة؛ فكأنه -والله أعلم- للذي ضره أقرب من نفعه ~~والله لبئس المولى، كما تقول: زيد والله لقد قام؛ فهذا وجه. # والثاني: أن تكون هناك هاء محذوفة منصوبة ب "يدعو"، وتكون الجملة في موضع ~~نصب على الحال من "ذلك" في قوله عز وجل: {ذلك هو الضلال البعيد} [إبراهيم: ~~18] 4 التقدير: "ذلك هو ضلال البعيد مدعوا"، وغير منكر حذف PageV02P078 # الهاء من الحال لأنها تضارع الصفة، والصفة قد يجوز فيها حذف الهاء جوازا ~~حسنا؛ وذلك نحو قولك: "الناس رجلان فرجل أكرمت ورجل أهنت، والقوم مختلفون ~~فواحد ضربني وآخر ضربت"، قال: وهو من أبيات الكتاب1: # أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح2 # أي: حميته، فعلى هذا تقول: "نظرت إلى زيد تضرب هند"، أي: تضربه هند، ~~فتحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. # والوجة الثالث: أن تجعل "ذلك" بمنزلة "الذي" وتجعل الجملة التي هي قوله ~~تعالى: {هو الضلال البعيد} صلة له، وتنصب "ذلك" الذي بمعنى "الذي "بيدعو"؛ ~~فيصير التقدير: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ms198 كما تقول: زيدا يضرب، و"ذا" قد ~~استعملت بمعنى الذي، نحو قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 219] ~~3 في من رفع الجواب، فقال: "قل العفو"4 أي: ما الذي ينفقون؟ فرفع "العفو" ~~يدل على أن ما مرفوعة بالابتداء، وذا خبرها، وينفقون صلة ذا، وأنه ليس ~~"ماذا" جميعا كالشيء الواحد، هذا هو الوجه عند سيبويه، وإن كان قد أجاز ~~الوجه الآخر مع الرفع. PageV02P079 # والوجه الرابع: أن يكون "يدعو" بمنزلة يقول، أي: يقول لمن ضره أقرب من ~~نفعه إله أو رب؛ فتكون من مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر كما أريتك. ~~ويدلك على أن "يدعو" بمنزلة يقول قول عنترة1: # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأهم2 # أي: يقولون: يا عنتر؛ فدلت "يدعون" عليها. وقد ذهب أيضا أبو إسحاق في هذه ~~الآية إلى أن "يدعو" بمنزلة يقول، وهو صحيح. # فإن قلت: فلم جعلت خبر "من" محذوفا دون أن يكون قوله: {لبئس المولى} كما ~~أجزت أنت ذلك في ما تقدم من كلامك؟ # فالجواب: أن الكفار ليسوا يقولون لمن يدعونه إلها: "لبئس المولى ولبئس ~~العشير"؛ لأنهم لو قالوا ذلك؛ لكان سوء ثناء منهم عليه، والكافر لا يسيء ~~الثناء على معبوده؛ لأنه لو ساء ثناؤه عليه لما عبده أصلا، ونحن في أول ~~الأمر لم نحك ذلك عنهم؛ وإنما أخبرنا أن من ضره أقرب من نفعه؛ فإنه بئس ~~المولى، وكذلك هو عندنا، وليس هو كذلك، عند من يكفر بالله تبارك وتعالى. # فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول: يدعو لمن ضره أقرب من ~~نفعه إله، والكافر لا يقول: لمن ضره أقرب من نفعه إله؛ لأن ذلك أيضا سوء ~~ثناء منه عليه، كما أن قوله: "لبئس المولى" سوء ثناء عليه، فما الفرق بين ~~الموضعين؟ ولم جاز أحدهما دون الآخر؟ # فالجواب: أن ذلك إنما جاز على حكاية قولنا نحن فيه، ونظير هذا قولك لمن ~~تريد أن تردعه عن الشيء وتثنيه3 إلى غيره: انته عن كذا وكذا فإنه باطل، ~~فيقول PageV02P080 # المزجور مجيبا: ما هو إلا الحق؛ فتقول أنت ms199 منكرا عليه ومتعجبا منه: هذا ~~يقول: الباطل حق، ويقول: الغي رشد، وهو لم يقل إنه باطل، والا إنه غي، بل ~~هو يعتقد فيه ضد البطلان والغواية1؛ ولكن صار تقديره: هذا يقول: إن ما ~~يفعله- وهو باطل عندي - حق عنده؛ فسميته باطلا على طريق الحكاية لا على أنه ~~على الحقيقة عنده باطل، وكيف يجوز أن يعتقد فيه أنه باطل، ثم يعتقد مع ذلك ~~أنه حق، هذا ظاهر التناقض. # فكذلك قوله عز اسمه: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} [الحج: 13] 2 معناه: ~~يقول: إن معبوده الذي ضره أقرب من نفعه عندي إله عنده، وقد جاءت هذه ~~الحكاية عنهم مجيئا متسعا. # أنشدني أبو علي لرجل يهجو جريرا3: # أبلغ كليبا، أبلغ عنك شاعرها ... أني الأغر وأني زهرة اليمن4 # فقال جرير مجيبا: # ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن5 # فسماه زهرة اليمن على مذهب الحكاية لقوله، أي: يا من قال إني زهرة اليمن، ~~ولست عندي كذلك. PageV02P081 # وكذلك قوله عز وجل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 46] 1 وإنما هو ~~في الحقيقة عنده الذليل المهان؛ ولكن تقديره -والله أعلم-: إنك أنت الذي ~~يقول له رهطه وعشيرته: أنت عزيز كريم. وكذلك قوله تعالى أيضا: {وقالوا يا ~~أيها الساحر ادع لنا ربك} [الزخرف: 49] 2؛ وإنما قالوا هذا بعد إيمانهم به؛ ~~ولكن تقديره -والله أعلم- يا أيها الساحر عند أولئك القوم الذين يدعونك ~~ساحرا؛ فأما نحن نعلم أنك لست ساحرا. # وعلى تأول أهل النظر قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} ~~[الصافات: 147] 3 قالوا: معناه وأرسلناه إلى جمع لو رأيتهم لقلتم أنتم ~~فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. # فهذا الشك إنما دخل الكلام على الحكاية لقول المخلوقين؛ لأن الخالق جل ~~جلاله وتقدست أسماؤه لا يعترضه الشك في شيء من خبره. # وهذا ألطف وأوضح معنى من قول قطرب: إن "أو" بمعنى الواو، ومن قول ~~الفراء4: إن "أو" بمعنى "بل"؛ فهذا ما احتملته هذه الآية من القول. # واعلم أن اللام قد لحقت من الحروف موضعين، جاءت في ms200 أحدهما للتوكيد، وفي ~~الآخر للتوصل إلى النطق بالساكن. # الأول نحو قولك: "لعل زيدا قائم"؛ إنما هو "عل"، واللام زائدة مؤكدة. ~~PageV02P082 # قال الشاعر1: # يا أبتا علك أو عساكا2 # أي: لعلك. وقال الآخر3: # عل صروف الدهر أو دولاتها ... يدلننا اللمة من لماتها4 # فتستريح النفس من زفراتها5 # وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: # علي في ما أبتغي أبغيش6 # أي: لعلي. # وحكى أبو زيد7 أن لغة عقيل "لعل زيد منطلق"، بكسر اللام الآخرة من "لعل" ~~وجر "زيد". PageV02P083 # وقال كعب بن سعد الغنوي1: # فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا ... لعل أبي المغوار منك قريب2 # وقال أبو الحسن3: "ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام "لعل" مفتوحة في لغة من يجر ~~في قول الشاعر4: # لعل الله يمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أسيد5 # وقال الراجز6: # فباد حتى لكأن لم يسكن ... فاليوم أبكى، ومتى لم يبكني7 # فأكد الحرف باللام. # وقال الآخر8: # للولا حصين عينه أن أسره ... وأن بني سعد صديق ووالد9 PageV02P084 # وقال الآخر: # للولا قاسم ويدا بسيل ... لقد جرت عليك يد غشوم1 # وأما قولنا: "إن زيدا لفي الدار"، و"أن زيدا لبك واثق"؛ فاللام داخلة فيه ~~على خبر "إن" لا على الحرف. وكذلك ما أشبهه، وكذلك قوله تعالى: {فلسوف ~~تعلمون} [الشعراء: 49] 2، {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5] 3؛ إنما ~~اللام داخلة فيه على الفعل لا على الحرف. # الثاني منهما: قولنا في حروف المعجم "ه ولا ي" ولا يقال هنا: لام ألف كما ~~يقول المعلمون؛ إنما يقال: "لا ي" ووجه ذلك أن ألف "لا" إنما هي المدة ~~الساكنة في نحو قام، وحمار، وكتاب، ولا يمكن الابتداء بهذه الألف؛ لأنها لا ~~تكون إلا مدة ساكنة، وأرادوا النطق بها كما أرادوا النطق بسائر حروف المعجم ~~غيرها؛ فدعمها واضع الهجاء بحرف يقع الابتداء به، وهو اللام، توصلا إلى ~~النطق بها ساكنة بحالها، فقال: "لا". # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون؛ إنما أراد واضع الحروف أن يرينا كيف ~~تتركب اللام والألف، فشكل هذا الشكل الذي هو "لا" دون ما ذهبت إليه من ms201 أنه ~~أدخل اللام لسكون الألف؟ # فالجواب: أنه لو كان غرض واضع حروف المعجم أن يرينا في هذا الموضع كيف ~~تتركب اللام والألف؛ لأرانا أيضا كيف تتركب الجيم والطاء، وكيف تتركب السين ~~والباء، وكيف تتركب القاف والدال، ومعلوم أنه ليس ذلك غرضه، PageV02P085 # وإنما غرضه تصوير هذه الحروف منفردة غير مركبة، وأن ينطق لها ليذاق ~~جرسها، وأول كل حرف من اسم كل واحد من هذه الحروف الحرف المقصود. # ألا ترى أن أول قولنا "قاف"، وأول قولنا "طاء" طاء، وأول قولنا "جيم" ~~جيم؛ فلما كانت الألف التي هي مدة ساكنة لا يمكن الابتداء بها، وتذاق الألف ~~ساكنة على جنسها، فقالوا: "و، لا، ي" فقولنا "لا" كقولنا "ما" و"ها" في ~~التنبيه، و"يا" في النداء، و"وا" في الندابة. # فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك؛ فلم خصت اللام بالابتداء في هذا ~~الموضع دون غيرها من سائر الحروف؟ # فالجواب: أن واضع حروف المعجم أجرى هنا على مذهب اللفظ، وقفا في ذلك سنة ~~العرب، وذلك أنه رأى العرب لما أرادت النطق بلام المعرفة وهي ساكنة مبتدأة؛ ~~توصلت إلى ذلك بأن ألحقتها الألف المتحركة ليقع الابتداء بها، وذلك قولهم: ~~الغلام، والجارية، فكما أدخلوا الألف المتحركة في هذا ونحوه ليقع الابتداء ~~بها، كذلك أدخل واضع الحروف اللام المتحركة على الألف الساكنة لما لم يكن ~~الابتداء بها، فقال "لا" فهذا هنا كذلك ثمة. # فإن قال قائل: فإن أصل حركة الحرف المدخل للابتداء به؛ إنما هو الكسر، ~~نحو: اذهب، انطلق، امش، استخرج، اقتطع. ولا تضم هذه الهمزة إلا إذا كان ~~ثالثها مضموما، نحو: اقتل، انقطع بزيد. # فهلا إذا كان الأمر كذلك أدخلت اللام على الألف مكسورة كما كسرت الهمزة ~~في الأمر الشائع المطرد على ماذكرناه آنفا؟ # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما أن اللام في قولنا "لا"؛ إنما هي مشبهة بالهمزة اللاحقة للام ~~المعرفة، نحو الغلام والجارية، وتلك الهمزة أبدا مفتوحة، فكذلك فتحت لام ~~"لا". # والوجه الآخر: أنهم لو جاءوا باللام مكسورة كالعادة فيما أدخل للابتداء ~~به في غالب الأمر؛ لوجب ms202 قلب الألف ياء لانكسار اللام قبلها؛ فكان يلزم أن ~~يقال "لي" فيصار إلى لفظ الياء، وليس إلى هذا قصد الواضع للحروف. # PageV02P086 # وكذلك لو ضم اللام؛ لوجب أن تنقلب الألف واوا لانضمام اللام قبلها، فيقال ~~"لو" وهذا في الامتناع كالذي قبله، فمن هنا وجب أيضا أن تكون لام "لا" ~~مفتوحة لتصبح الألف المقصودة بعدها إذ كانت الألف لا يكون ما قبلها أبدا ~~إلا مفتوحا. # قد أتينا بحمد الله ومنه على ما في اللام من الأحكام بأبلغ ما يمكن. # والله تعالى الموفق للصواب. # PageV02P087 ### | باب الميم # اعلم أن الميم حرف مجهور يكون أصلا، وبدلا، وزائدا. # فإذا كانت أصلا؛ وقعت فاء وعينا ولاما؛ فالفاء نحو: مسد1، ومرس2، والعين ~~نحو: سمر3، وعمر4، واللام نحو: قلم، وعلم. # وأما البدل فقد أبدلت الميم من أربعة أحرف، وهي: الواو، والنون، واللام، ~~والباء. # أما إبدالها من الواو فقولهم "فم"، وأصلة "فوه" بوزن "سوط"، فحذفت الهاء ~~تخفيفا كما حذفت من "سنة" في من قال5: # ليست بسنهاء ### | ........ ### | ....... # ... ### | ......... ### | ......... ### | ....... # 6 # وعملت معه مسانهة7؛ ومن شاة، ومن عضة في من قال: بعير عاضة8، ومن است؛ ~~فصار التقدير "فو"؛ فلما بقي الاسم على حرفين الثاني منهما حرف لين ~~PageV02P089 # كرهوا حذفه للتنوين؛ فيجحفوا به؛ فأبدلوا من الواو ميما لقرب الميم من ~~الواو؛ لأنهما شفهيتان، وفى الميم هوي في الفم يضارع امتداد الواو. # ويدل على أن "فما" مفتوح الفاء وجودك إياها مفتوحة في اللفظ؛ هذا هو ~~المشهور في هذه اللفظة؛ فأما ما حكاه فيها أبو زيد وغيره من كسر الفاء ~~وضمها فبضرب من التغيير لحق الكلمة لإعلالها بحذف لامها وإبدال عينها. # وأما قول الراجز1: # يا ليتها قد خرجت من فمه ... حتى يعود الملك فى أصطمه2 # يروى بضم الفاء من فمه وفتحها؛ فالقول في تشديد الميم عندي أنه ليس ذلك ~~في هذه الكلمة؛ ألا ترى أنك لا تجد لهذه المشددة الميم تصرفا؛ وإنما التصرف ~~كله على "ف وه"؛ ومن ذلك قوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ~~[آل عمران: 167] 3. # وقال الشاعر4: # فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما ms203 فاهوا به أبدا مقيم5 PageV02P090 # وقالوا: رجل مفوه إذا أجاد القول؛ لأنه يخرج من فيه. # ومنه الأفوه الأودي1. وقالوا: ما تفوهت به، وهو تفعلت منه، كما قالوا: ~~تلغمت بكذا وكذا، أي: حركت به ملاغمي، وهي ما حول الشفتين. # وقالوا في جمع أفوه -وهو الكبير الفم- فوه. # قرأت على أبي علي للشنفرى2: # مهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصي كالحات وبسل3 # ولم نسمعهم قالوا "أفمام"، ولا "تفممت"، ولا "رجل أفم"، كما قالوا: أصم، ~~ولا شيئا من هذا النحو مما لم نذكره؛ فدل اجتماعهم على تصريف الكلمة بالفاء ~~والواو والهاء على أن التشديد في "فم" لا أصل له في نفس المثال؛ وإنما هو ~~عارض لحق الكلمة. PageV02P091 # فإن قال قائل: فإذا ثبت بما ذكرته أن التشديد في "فم" عارض ليس من أصل ~~الكلمة؛ فمن أين أتاها هذا التشديد؟ وكيف وجه دخوله إياها؟ # فالجواب: أن أصل ذلك أنهم ثقلوا الميم في الوقف؛ فقالوا: هذا فم، كما ~~يقولون: هذا خالد، وهو يجعل، ثم إنهم أجروا الوصل مجرى الوقف، فقالوا: هذا ~~فم، ورأيت فما، كما أجروا الوصل مجرى الوقف في ما حكاه سيبويه عنهم من ~~قولهم ثلاثة أربعة، وكما أنشده من قول الراجز1: # ضخما يحب الخلق الأضخما2 # وكما أنشدناه أبو علي: # ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل3 # يريد: العيهل والكلكل، وقد مضى نظير هذا؛ فهذا حكم تشديد الميم عندي، وهو ~~أقوى من أن تجعل الكلمة من ذوات التضعيف بمنزلة هم، وجم. # فإن قلت: فإذا كان أصل "فم" عندك "فوه" فما تقول في قول الفرزدق أنشدناه ~~أبو علي4: # هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العوي أشد رجام5 PageV02P092 # وإذا كانت الميم بدلا من الواو التي هي عين؛ فكيف جاز له الجمع بينهما؟ # فالجواب: أن أبا علي حكى1 لنا عن أبي بكر وأبي إسحاق أنهما ذهبا إلى أن ~~الشاعر جمع بين العوض والمعوض عنه؛ لأن الكلمة مجهورة منقوصة. # وأجاز أبو علي أيضا فيه وجها آخر، وهو أن تكون الواو في "فمويهما" لاما ~~في موضع الهاء من أفواه، وتكون ms204 الكلمة تعتقب عليها لامان هاء مرة وواو ~~أخرى؛ فيجرى هذا مجرى سنة، وعضة؛ ألا تراهما في قول من قال2 سنوات، ~~وأسنتول3، ومساناة، و4: # وعضوات تقطع اللهازما5 # واوين، وتجدهما في قول من قال6: # ليست بسنهاء ### | ......... # ... ### | .................... # وبعير عاضه هاءين. وكذلك من قال7: ### | ............ # ... تأوه آهة الرجل الحزين # فاللام عنده هاء. PageV02P093 # ومن قال1: # فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ... ### | ................. ### | ........... # 2 # فاللام عنده واو، لأن "أو" بمنزلة قو زيدا؛ فهذا وجه كما تراه. # ونظير ما حكاه عن أبي بكر وأبي إسحاق من الجمع بين العوض والمعوض منه ما ~~أنشده البغداديون وأبو زيد3: # إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما4 # ألا تراه جمع بين "يا" والميم المشددة، وهي عند الخليل5 بدل من "يا"، ~~وكذلك ما أنشدوه أيضا من قول الجارية لأمها6: # يا أمتا أبصرني راكب ... في بلد مسحنفر لاحب7 PageV02P094 # ألا ترى أن التاء في "يا أمت"؛ إنما هي بدل من ياء "أمي"؛ وإنما أبدلها ~~ألفا للتخفيف؛ أفلا تراه كيف جمع بين العوض والمعوض عنه. # فهذا يؤكد مذهب أبي بكر وأبي إسحاق في فمويهما. وما ذكرنا فيه من هذين ~~الجوابين أحسن من أن تحمل الكلمة على الغلط منهم، كهمز مصائب، وحلات ~~السويق1، وغير ذلك. # وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: قال بلال بن جرير2: # إذا ضفتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضرة3 # فإن أحمد كأنه لم يعرفه؛ فلما فهم قال: هذا جمع بين اللغتين؛ فالهمزة في ~~هذا هي الأصل، وهي التي في قولك: ساءلت زيدا، والياء هي العوض والفرع، وهي ~~التي في قولك: سايلت زيدا؛ فقد تراه كيف جمع بينهما في قوله: "سآيلتهم"؛ ~~فوزنه على هذا: فاعلتهم، وهذا مثال لا يعرف له في اللغة نظير. # فإذا ثبت بما قدمناه أن عين "فم" في الأصل واو، فينبغي أن يقضي بسكونها؛ ~~لأن السكون هو الأصل حتى تقوم الدلالة على الحركة الزائدة. # فإن قلت: فهلا قضيت بحركة العين لجمعك إياه على أفواه؛ ألا ترى أن أفعالا ~~إنما هو في الأمر العام جمع فعل نحو بطل ms205 وأبطال، وقدم وأقدام، ورسن4، فاعرف ~~ذلك. PageV02P095 # وأما إبدال الميم من النون؛ فإن كل نون ساكنة وقعت قبل باء قبلت في اللفظ ~~ميما وذلك نحو عنبر، وامرأة شنباء1، وقنبر2، ومنبر، وقنب3، وقنبلة4، ونساء ~~شنب؛ فإن تحركت أظهرت، وذلك نحو قولك: شنب، وعنابر، وقنابر، ومنابر، ~~وقنابل؛ وإنما قبلت لما وقعت ساكنة قبل الباء من قبل أن الباء أخت الميم، ~~وقد أدغمت النون مع الميم في نحو: من معك، ومن محمد؛ فلما كانت تدغم النون ~~مع الميم التي هي أخت الباء أرادوا إعلالها أيضا مع الباء إذ قد أدغموها في ~~أختها الميم، ولما كانت الميم التي هي أقرب إلى الباء من النون؛ لم تدغم في ~~الباء في نحو أقم بكرا، لا تقول: أقبكرا، ولا في نم بالله: نبالله، كانت ~~النون التي هي من الباء أبعد منها من الميم أجدر بأن إعلال الإدغام، ~~فقربوها من الباء بأن قلبوها إلى لفظ أقرب الحروف من الباء، وهو الميم، ~~فقالوا/ عمبر، وقمبلة، فاعرف ذلك. # وأما قول رؤبة5: # يا هال ذات المنطق التمتام ... وكفك المخضب البنام6 # فإنه أراد: البنان؛ فأبدل النون ميما؛ وإنما جاز ذلك لما فيها من الغنة، ~~والهوي، وعلى هذا جمعوا بينهما في القوافي، فقالوا: # يارب جعد فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم7 PageV02P096 # وقال الآخر: # يطعنها بخنجر من لحم ... دون الذنابي في مكان سخن1 # وهو كثير # وأما إبدالها من اللام فيروى أن النمر بن تولب حكى، قال: سمعت رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس من امبر امصيام في امسفر"2 يريد: ليس من ~~البر الصيام في السفر، فأبدل لام المعرفة ميما. # ويقال: أن النمر لم يرو عن النبي- صلى الله عليه وسلم- غير هذا الحديث؛ ~~إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه، ونحوه في الشذوذ ما قرأته على أبي علي ~~بإسناده إلى الأصمعي، قال3: "يقال: بنات مخر، وهن سحائب يأتين قبل الصيف ~~بيض منتصبات في السماء". # قال طرفة4: # كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر5 # قال أبو علي: كان أبو بكر محمد بن السري يشتق هذه ms206 الأسماء من البخار؛ ~~فهذا يدلك من ذهب أبي بكر وأبي علي- لأنه تقبله عن أبي بكر ولم يدفعه- على ~~أن الميم في "مخر" بدل من الباء في "بخر". PageV02P097 # ولو ذهب ذاهب إلى أن الميم في "مخر" أصل غير مبدلة على أن يجعله من قوله ~~عز اسمه: {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] 1 وذلك أن السحاب كأنها تمخر ~~البحر؛ لأنها في ما يذهب إليه عنه تنشأ، ومنه تبدأ؛ لكان عندي مصيبا غير ~~مبعد؛ ألا ترى إلى قول أبي ذؤيب في وصف السحاب2: # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج3 # وأخبرنا أبو علي أيضا يرفعه بإسناده إلى أبي عمرو الشيباني قال: "يقال: ~~ما زلت راتما على هذا وراتبا، أي مقيما"4؛ فالظاهر من أمر هذه الميم أن ~~تكون بدلا من باء راتب؛ لأنا لم نسمع في هذا الموضع رتم5 مثل رتب. # وتحتمل الميم في هذا عندي أن تكون أصلا غير بدل، من الرتيمة، وهى شيء كان ~~أهل الجاهلية يرونه بينهم، وذلك أن الرجل منهم كان إذا أراد سفرا عمد إلى ~~غصنين من شجرتين تقرب إحداهما من الأخرى، فعقد أحدهما بصاحبه؛ فإذا عاد ~~ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تخنه بعد، وإن رأى الغصنين ~~قد انحلا قال: امرأته قد خانته، قال الراجز6: # هل ينفعك اليوم إن همت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم7 PageV02P098 # والرتمة أيضا خيط يشد في الإصبع ليذكر الرجل به حاجته، وكلا هذين ~~المعنيين تأويله الإقامة والثبوت؛ فيجوز أن يكون راتم من هذا المعنى. وإذا ~~أمكن أن تتأول اللفظة على ظاهرها لم يشع العدول عنه إلى الباطن إلا بدليل، ~~والدليل هنا إنما يؤكد الظاهر لا الباطن؛ فينبغي أن يكون العمل عليه دون ~~غيره. # وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: "يقال: رأيته من كثب ومن ~~كثم"1 ثم إنا رأيناهم يقولون: قد أكثب لك الأمر إذا قرب، ولم نرهم يقولون ~~قد أكثم؛ فالباء على هذا أعم تصرفا من الميم؛ فالوجه لذلك أن تكون الباء هي ~~الأصل للميم. # وقد يجوز ms207 أن تكون الميم أصلا أيضا لقولهم: أخذنا على الطريق الأكثم، أي ~~الواسع، والسعة قريبة المعنى من القرب؛ ألا ترى أنهما يجتمعان في تسهل ~~سلوكهما، وأنه لا يتسع الطريق، ولا تكثر سابلته2 إلا لأنه أقصد من غيره، ~~والقصد كما تراه هو القرب، فقد آلا إذن إلى معنى واحد. # وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: قال الأحمر3: يقال: طانه الله ~~على الخير، وطامه، أي: جبله، وهو يطينه، وأنشد: ### | ........ ### | .......... ### | ........ # ... ألا تلك نفس طين منها حياؤها4 # والقول فيه: أن الميم في طامه بدل من النون طانه؛ لأنا لم نسمع ل "طام" ~~تصرفا في غير هذا الموضع. # فأما قول الآخر5: PageV02P099 # فبادرت شربها عجلى مثابرة ... حتى استقت دون محنى جيدها نغما1 # فذكر ابن الأعرابي أنه أراد نغبا، وهو عندي كما قال. # وأما زيادة الميم فموضعها أول الكلمة، وحال الميم في ذلك حال الهمزة؛ ~~فمتى اجتمع معك ثلاثة أحرف أصول وفى أولها ميم، فاقض بزيادة الميم حتى تقوم ~~الدلالة على كونها أصلا، وذلك نحو مشهد، ومضرب، ومقياس؛ لأن الألف زائدة. # فإن كانت معك أربعة أحرف أصول وقبلهن ميم؛ فاقض بكونها من الأصل، كفعلك ~~بالهمزة، وقد ذكرناها2 فى بابها، وذلك نحو: مرزجوش3، ميمه فاء، ووزنه ~~فعللول بوزن عضرفوط4، وقرطبوس5. # فأما ميم مهدد6 فأصل، ومثاله فعلل كجعفر، وحبتر. ويدل على ذلك أنه لو كان ~~مفعلا؛ لوجب أن تدغمه، فتقول "مهد"، كما قالوا "مسد" و"مرد". # وأما محبب7 فمفعل؛ وإنما لم يدغم لأنه علم، والأعلام قد تأتي كثيرا ~~مخالفة للأصول الأجناس، وذلك نحو: تهلل، ومورق، وموظب، ومزيد، وحيوة، ومعدي ~~كرب. # فإن قلت: فهلا قلت في مهدد إنه مفعل كما قلت في محبب؟ # فالجواب: أن محببا لو وجدنا له أصلا نصرفه به إلى أنه فعلل؛ لفعلنا، ~~ولكان ذلك آثر عندنا من أن نحمله على ضرورة العلم، ولكنا لم نجد في كلام ~~العرب "م ح ب" متصرفان ووجدنا فيه "ح ب ب" فعدلنا إلى "ح ب ب" ضرورة. ~~PageV02P100 # وأما مهدد- وإن كان علما بدلالة قول الأعشى1: # وما ذاك من عشق النساء وإنما ms208 ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا2 # فإنا إنما حملناه على أنه فعلل، ولم نحمله على أنه مفعل مظهر التضعيف ~~لضرورة العلم؛ لأنا قد وجدنا في كلامهم "م ه د" متصرفا؛ فحملنا على هذا دون ~~أن نحمله على أنه من "ه د د" لما فيه من الضرورة، فاعرف ذلك. # واعلم أن الأعلام إنما جازت فيها هذه المخالفة للجمهور من قبل أنها كثر ~~استعمالها؛ فجاز فيها من الاتساع ما لم يجز في ما قل استعماله من الأجناس، ~~وكما غيرت في أنفسنا وذواتها؛ فكذلك غير إعرابها أيضا عما عليه حكم إعراب ~~النكرات. ألا تراهم يقولون لمن قال مررت بزيد: من زيد؟ ولمن قال ضربت بكرا: ~~من بكرا؟ ولا يقولون لمن قال رأيت رجلا: من رجلا. ولا: من غلام؟ لمن قال ~~نظرت إلى غلام. # واعلم أنك إذا حصلت حرفين أصليين في أولهما ميم أو همزة، وفي آخرهما ألف ~~فاقض بزيادة الميم والهمزة، وذلك أنا اعتبرنا اللغة فوجدنا أكثرها على ذلك، ~~إلا أن تجد ثبتا تترك هذه القضية إليه؛ وذلك نحو موسى، وأروى3، وأفعى، ~~ومثالهما مفعل، وأفعل، وذلك أن مفعلا في الكلام أكثر من فعلى، وأفعل أكثر ~~من فعلى، ألا ترى أن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف رابعة. # وأما معزى، لقولهم معز، ومعز، ومعيز. # وأما أرطى4 ففعلى، لقولهم: أديم مأروط5. PageV02P101 # وحكى لنا أبو علي أن أبا الحسن حكى: أديم مرطى؛ فأرطى على هذا: أفعل. # وقد زيدت الميم حشوا فى "دلامص" في قول الخليل1، ووزنه فعامل؛ لأنه من ~~الدلاص2، وهو البراق، قال الأعشى: # إذا جردت يوما حسبت خميصة ... عليها وجريال النضير الدلامصا3 # وقد قلبوه، فقالوا: دمالص، ووزنه على هذا فماعل، وحذفوا أيضا ألفهما ~~تخفيفا؛ فقالوا: ودملص ووزنهما فعمل، وفمعل. وأما أبو عثمان فأجاز4 في ~~"دلامص" أن يكون رباعيا قريبا من لفظ "دلاص"، كما قالوا لؤل ولأال، وسبط5 ~~وسبطر6، ودمث7 ودمثر8. وقد أحكمت هذا، وتقصيته في كتابي9 في شرح تصريف أبي ~~عثمان رحمه الله. # ونظير دمالص ما حدثنا به أبو علي قال: يقال: لبن قمارص، يعنى ms209 القارص؛ ~~فالميم إذن هنا زائدة، ومثاله فماعل. PageV02P102 # وحدثنا أبو علي أيضا، قال1: قال الأصمعي2: قالوا للأسد هرماس، وهو من ~~الهرس3؛ فمثاله على هذا "فعمال". # ويجوز على قياس قول الخليل أن يكون حلقوم: فعلوم؛ لأنه من الحلق. وبلعوم: ~~فعلوم أيضا؛ لأنه من البلع، وسرطم: فعلم؛ لأنه من الاستراط4. ورأس صلادم: ~~فعالم؛ لأنه من الصلد5. وأسد ضبارم: فعالم؛ لأنه من الضبر6 والتضبير. وأن ~~يكون أيضا ضماريط من قول القضيم بن مسلم البكائي7: # وبيت أمه فأساع نهسا ... ضماريط استها في غير نار8 # وزنه: فماعيل؛ لأنه من الضرط. # وقد زيدت الميم آخرا أيضا، وذلك قولهم: اللهم، فالميم مشدة عرض في آخره ~~من يا في أوله، ولا يجمع بينهما إلا في ضرورة الشعر، قال: # إني إذا ما حدث ألما ... أقول: يا اللهم يا اللهما9 # وخففها الأعشى، فقال10: # كحلفة من أبي رياح ... يسمعها لا هم الكبار11 PageV02P103 # ولحقت أيضا في آخر المتمكن، وذلك نحو شذقم؛ لأنه العظيم الشدق. وشجعم، ~~لقولهم1: # الأفعوان والشجاع الشجعما2 # إنما هو توكيده ومن لفظه. ودردم من الأدرد3، ودلقم من الدلق4 وسيف دلوق. ~~ودقعم5 من الدقعاء. ورزقم6، وفسحم7، وستهم8، لأنها من الرزقة، والفسحة9، ~~والأسته. # ويجوز أن يكون قرطم10 من ذلك لأنه يقرط. وقالوا: امرأة خدلم للخدلة11، ~~وشيخ كهكم12، وهو الذي يكهكه في يده. # قال الأغلب13: # يا رب شيخ من لكيز كهكم ... قلص عن ذات شباب خدلم14 PageV02P104 # وقال آخر: # ليست برسحاء ولكن ستهم ... ولا بكرواء ولكن خدلم1 # وقال ابن دريد: دخشم اسم رجل من دخش2 يدخش دخشا إذا امتلأ لحما. # والصلقم: الشديد الصراخ، من الصلق3. # واعلم أن الميم في أنتما، وأنتم، وقمتما، وقمتمو، وضربتكما، وضربتكمو، ~~ومررت لهما وبهمو، إنما زيدت لعلامة تجاوز الواحد، وأن الألف بعدها لإخلاص ~~التثنية، والواو بعدها لإخلاص الجمع. # واعلم أن الميم من خواص زيادة الأسماء، ولا تزداد في الأفعال إلا شاذا؛ ~~وذلك نحو: تمسكن4 الرجل، من المسكنة، وتمدرع5 من المدرعة، وتمندل6 من ~~المنديل، وتمنطق7 من المنطقة، وتمسلم الرجل إذا كان يدعى زيدا أو غيره ثم ~~صار يدعى مسلما8. وحكى ابن الأعرابى ms210 عن أبى زياد: فلان يتمولى9 علينا؛ فهذا ~~كله تمفعل. وقالوا مرحبك الله ومسهلك10. وقالوا مخرق11 الرجل، وضعفها ابن ~~كسيان، وهذا كله مفعل. ولا يقاس على هذا إلا أن يشذ الحرف فتضمه إليه. ~~PageV02P105 ### | باب النون # النون حرف مجهور أغن، يكون أصلا وبدلا وزائدا. # فالأصل يكون فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو نعم ونعم، والعين نحو جنب وجنح، ~~واللام نحو حصن وقطن. # وأما البدل فذهب أصحابنا1 إلى النون في فعلان؛ فعلى نحو سكران وغضبان ~~وولهان2 وحيران بدل من همزة فعلاء نحو حمراء وصفراء؛ وإنما دعاهم إلى القول ~~بهذا أشياء: # منها: أن الوزن في الحركة والسكون في فعلان وفعلاء واحد، وأن في آخر ~~فعلان زائدتين معا، والأولى منهما ألف ساكنة كما أن فعلاء كذلك. # ومنها: أن مؤنث فعلان على غير بنائه؛ إنما هو فعلى، كما أن مذكر فعلاء ~~على غير بنائها؛ إنما هو أفعل. # ومنها: أن آخر فعلاء همزة، وهي علامة التأنيث، كما أن آخر "فعلان" نون ~~تكون في "فعلن" نحو "قمن" و"قعدن" علامة تأنيث. فلما اشتبهت الهمزة والنون ~~هذا الاشتباه، وتقاربتا هذا التقارب؛ لم يخلوا من أن يكونا أصلين كل واحد ~~منهما قائم بنفسه غير مبدل من صاحبه، أو يكون أحدهما منقلبا عن الآخر؛ ~~فالذي يدل على أنهما ليسا أصلين بل النون بدل من الهمزة في "صنعاء" ~~و"بهراء" يدل على أنها في باب "فعلان فعلى" بدل من همزة فعلاء. وإذا ثبت ~~ذلك فقد ينضاف إليه مقويا له قولهم في جمع إنسان: أناسي، وفي جمع ظربان3: ~~ظرابي. PageV02P107 # قال الراجز1: # دون ظرابي بني قرواش2 # فجرى هذا مجرى قولهم صلفاء3 وصلافي وخبراء4 وخباري؛ فردهم النون في إنسان ~~وظربان ياء في ظرابي وأناسي كما ردوا همزة خبراء وصلفاء ياء يدل على أن ~~الموضع للهمزة، وأن النون داخلة عليها. ونحو من ذلك أيضا قولهم سكران ~~وسكارى، وحيران وحيارى، وندمان5 وندامى، ونصران ونصارى6؛ فجرى هذا مجرى ~~صحراء وصحارى. # فإن قيل: فما تنكر أن تكون النون هي الأصل والهمزة بدل منها، بدلالة ~~قلبهم النون في "ظربان" و"إنسان" ياء في "ظرابي" ms211 و"إناسي"؛ فكما قلبت هنا ~~ياء كذلك قلبت نون "فعلان" همزة في فعلاء، وما الفرق بينك وبين عكس الأمر ~~عليك كما ذكرناه؟ # فالجواب: أن الذي قدمناه من قولهم في صنعاء وبهراء7: صناعني وبهراني ~~دلالة قاطعة على أن النون هي البدل من الهمزة، لا أن الهمزة بدلا من النون، ~~وإذا كان الأمر كذلك؛ فالنون أيضا في "إنسان" و"ظربان" بدل من الهمزة ~~لقولهم: ظرابي وأناسي كقولهم: "صلافي وخباري". # فإن قلت: فإن إنسانا فعلان، وظربان: فعلان، وليس فيهما فعلان، وأنت قد ~~قدمت من قولك أن النون في فعلان بدل، ولم تذكر فعلان ولا فعلان! ~~PageV02P108 # فالجواب: أن الأصل كما تدم لفعلان بالمشابهة التي ذكرناها بينه وبين ~~فعلاء؛ فأما "فعلان وفعلان فإنما شبها ب "فعلان للزيادة التي في أواخرهما ~~ومشابهتها للزيادة التي في آخر فعلان؛ فحملا في البدل على فعلان، كما شبها ~~أيضا به وجميع بابهما مما في آخره ألف ونو وليس على وزن "فعلان"، أو كان ~~على فعلان وليست له "فعلى" في ترك صرف الجميع معرفة، وذلك نحو عثمان، ~~وغطفان، وزعفران، وكيذبان1، وحمان، وسعدان2، فكما ألحقت هذه الأشياء بسكران ~~وحيران كذلك ألحق به أيضا ظربان وإنسان في أن ردت نونهما إلى حرف اللين في ~~ظرابي وأناسي. # فإن قلت: فما تقول في حكاية أبي زيد عنهم في جمع إنسان: أناسية؟ وما ~~القول في هذه الياء والهاء؟ # فالجواب: أن الياء في أناسية هي الياء الثانية في أناسي، وأن الهاء في ~~أناسية بدل من ياء أناسي الأولى، ألا ترى أن أناسي بوزن زناديق3 وفرازين، ~~وأن الهاء في زنادقة وفرازنة إنما هي بدل من ياء زناديق وفرازين، وأنها لما ~~حذفت للتخفيف عوض منها الهاء. ومثل ذلك جحجاح4 وجحاجحة؛ إنما أصله جحاجيح؛ ~~فالياء الأولى من أناسي بمنزلة ياء فرازين وزناديق، والياء الآخرة منه ~~بمنزلة القاف والنون فيهما. # ومثل ذلك قولهم في جميع أثبية -وهى الجماعة- أثابية؛ إنما أصلها أثابي، ~~وحالها حال أناسية. # فإن قيل: فلم أبدلت همزة فعلاء نونا؟ وما الذي سهل ذلك وحمل عليه؟ # فالجواب: أن للنون شبها بحروف اللين ms212 قويا لأشياء: # منها: أن الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين. PageV02P109 # ومنها: اجتماعها في الزيادة معهن، ومعاقبتها لهن في الموضع الواحد من ~~المثال الواحد، وذلك نحو: شرنبث وشرابث1، وجرنفس وجرافس2، وعصنصر وعصيصر3، ~~وعرنقصان وعريقصان4؛ ألا ترى أن النون قد عاقبت الألف والياء في ما ذكرنا. ~~وقالوا أيضا: فدوكس5، وسرومط6، وعميثل7 كما قالوا: جحنفل8، وفلتقس9. وفصلوا ~~بها بين العينين؛ فقالوا: عقنقل10، وعصنصر، وسجنجل11، هجنجل12، وعبنبل13، ~~كما قالوا: غدودن14، وقطوطى15، وشجوجى16 في أحد قولي سيبويه17، وخفيفد18. ~~وحذفوها أيضا لالتقاء الساكنين في نحو19: # ... م الآن ### | ............ # ... ### | ....................... # 20 PageV02P110 # و 1: ### | .......... ### | ........... # ... ولاك اسقني ### | ...... ### | .... # 2 # و3: # لم يك الحق ### | ........... # ... ### | ............ ### | .......... # 4 # كما حذفوهن لذلك في نحو غزا القوم، وتعطي ابنك، وتصبو المرأة5. وجعلوها ~~أيضا علم الرفع في نحو يقومان، ويقومون، وتقومين، كما جعلوا الواو والألف ~~علما له في نحو أخوك، وأبوك، والزيدان، والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ~~ذكره؛ فلما ضارعت النون حروف اللين هذه المضارعة، وكانت الهمزة قد قلبت إلى ~~كل واحدة من الألف والياء والواو قلبوها أيضا إلى الحرف الذي ضارعهن6، وهو ~~النون، للتصرف والاتساع. PageV02P111 # ومن حذاق1 أصحابنا2 من يذهب إلى أن النون في "صنعاني" و"بهراني" إنما هي ~~بدل من الواو الى تبدل من همزة التأنيث في النسب، وأن الأصل صناعوي ~~وبهراوي، وأن النون هناك بدل من هذه الواو، كما أبدلت الواو من النون في ~~قولك: من واقد3؟ وإن وقفت وقفت، ونحو ذلك. وكيف تصرفت الحال؛ فالنون بدل من ~~الهمزة؛ إنما ذهب من ذهب إلى هذا قال لأنه لم ير النون أبدلت من الهمزة في ~~غير هذا، وكان في قولهم إن نون "فعلان" بدل من همزة فعلاء، فيقول: ليس ~~غرضهم هنا البدل الذي هو نحو قولهم فى ذئب: ذيب، وفي جؤنة: جونة4، وإنما ~~يريدون أن النون تعاقب في هذا الموضع الهمزة كما تعاقب لام المعرفة ~~التنوين، أي لا تجتمع معه؛ فلما إنها بدل منه، وكذلك النون والهمزة، وهذا ~~مذهب ليس ببعيد أيضا، وأما قول العجاج5: # كأن رعل الآل منه في الآل ... بين الضحى وبين قيل ms213 القيال # إذ بدا دهانج ذو أعدال6 PageV02P112 # وقول الآخر1: # وهم رعن الآل أن يكونا ... بحرا يكب الحوت والسفينا2 # فليس أحد الحرفين بدلا من صاحبه، وذلك أن الرعن بالنون من الرعن، وهو ~~الاضطراب. # قال الشاعر3: # ورحلوها رحلة فيها رعن4 # وعلى هذا قراءة الحسن: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] 5 أي خطأ وخطلا6 ~~من القول؛ فسمي أول السراب رعنا لتموجه7 واضطرابه. PageV02P113 # وأما رعل باللام فمن الرعلة والرعيل، وهي القطعة من الخيل1؛ وذلك أن ~~الخيل توصف بالحركة والسرعة2. # وأما قول الآخر3: # حتى يقول الجاهل المستنطق ... لعن هذا معه معلق4 # أي عليقة؛ فإن النون فيه بدل من لام لعل. # ومثله قول أبي النجم5: # أغد لعنا في الرهان نرسله6 # أي: لعلنا. فأما ما قرأته7 على أبي علي للطرماح8: # كطوف متلي حجة بين غبغب ... وقرة مسود من النسك قاتن9 PageV02P114 # فذهب أبو عمرو الشيباني إلى أنه أراد قاتم أي: أسود؛ فأبدل الميم على ~~مذهبه نونا، وقد يمكن غير ما قال؛ وذك أنه يجوز أن يكون أراد بقوله قاتن: ~~فاعل من قول الشموخ1: # وقد عرقت مغابنها وجادت ... برتها قرى جحن قتين2 # والقتين: الحقير الضئيل، فكذلك يكون بيت الطرماح، أي: مسود من النسك حقير ~~الجسم زهيده للضر والجهد؛ فإذا كان كذلك؛ لم يكن بدلا. # وأما زيادة النون فعلى ضربين: أحدهما زيادة صيغت في نفس المثال المزيد ~~فيه. والآخر زيادة لحقت على غير معنى اللزوم. # الأول منهما: قد زيدت النون أولا في نحو نقوم، ونضرب وانفعل وبابه، وفي ~~نحو نفرجة، يقال: رجل نفرجة القلب، إذا كان غير ذي جلادة ولا حزم، وحدثنا ~~أبو علي عن أبي إسحاق، قال: يقال: رجل أفرج وفرج، وهو الذي لا يكتم سرا، ~~وهو أيضا الذي يكشف عن فرجة، فقوله: "الذي لا يكتم سرا" هو في معنى نفرجة، ~~ومثاله "نفعلة، قال الراجز: # نفرجة القلب قليل النيل ... يلقى عليه النيدلان بالليل3 # النيدلان: الذي يقال له الكابوس. PageV02P115 # وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن قراءة مني عليه، قال: حدثني أبو الحسين ~~أحمد بن سليمان المعبدي، قال حدثني عبد الله بن محمد ms214 بن شجاع الكاتب ابن ~~أخت أبي الوزير، قال: قرأته على أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، عن محمد بن ~~زياد الأعرابي، قال: النون في نفاطير1، ونباذير، ونخاريب2 زائدة، أصله فطره ~~إذا قطعه، وبذره إذا فرقه. والنخاريب أصله من الخراب. وأما النبراس فيجوز ~~أن يكون "نفعالا" من البرس، وهو القطن، لأن النبراس المصباح، وفتيله من ~~القطن. # وزيدت النون ثانية في نحو قنعاس3، وقنفخر4، وثالثة في نحو جحنفل5، ~~وعبنبل6، ورابعة في نحو رعشن7، وضيفن8 في قول غير أبي زيد، وخلفنة9، ~~وعرضنة10، وخامسة في نحو سكران، غضبان، وسادسة في نحو زعفران، وعقربان11، ~~وحدرجان، وجلجلان12، سابعة في نحو عرنقصان13، وعبيثران14، وعبوثران، ~~وقرعبلانة15، وقيل فى قول الشاعر16: # لانفخرن فإن الله أنزلكم ... يا خزر تغلب دار الذل والعار17 PageV02P116 # أنه أراد بالخزر الخنازير؛ لأن كل خنزير عندهم أخرز1. # وأنكر ذلك أحمد بن يحيى؛ فقال: خزر: جماعة خنزير على حذف الزوائد. # ظن الظنون زائدة؛ وإنما هي ههنا أصل. # الثاني من القسمة، وهو زيادة النون غير مصوغة في الكلمة: زيدت علما للجمع ~~والضمير في نحو قولك: الهندات قمن، وقعدن، ويقمن، ويقعدن. وعلامة للجمع ~~مجردة من الضمير نحو: قعدن الهندات، ويقعدن أخواتك في من قال ذلك2. # ومن أبيات الكتاب3: # ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصران السليط أقاربه4 # فهذه النون في يعصرن علامة للجمع مجردة من الضمير؛ لأنه لا ضمير في الفعل ~~لارتفاع الظاهر به. # وتزادا للتوكيد في الأفعال خفيفة وثقيلة في نحو "لتقومن" و"لتقعدن" و ~~{لتركبن طبقا عن طبق} [الانشقاق: 17] 5 و {لنسفعا بالناصية} [العلق: 15] 6. ~~PageV02P117 # وشبه بعض العرب اسم الفاعل بالفعل؛ فألحقه النون توكيدا، قال: # أريت إن جئت به أملودا ... مرجلا ويلبس البرودا # أقائلن أحضروا الشهودا1 # يريد: أقائلون، فأجراه مجرى أتقولون. وقال الآخر2: # يا ليت شعري عنكم حنيفا ... أشاهرن بعدنا السيوفا3 # وتلحق علما للرفع في خمسة أفعال، وهي: تقومان، ويقومان وتقومون، ويقومون، ~~وتقومين ونحوه، ولا تحذف هذه النون إلا لجزم أو نصب، ولا تثبت إلا للرفع؛ ~~فأما ما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر4: # لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم ms215 الصليفاء لم يوفون بالجار5 ~~PageV02P118 # فشاذ؛ وإنما جاز على تشبيه "لم" ب "لا" كما قال الآخر1: # أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح2 # فهذا على تشبيه "أن" ب "ما" التي في معنى المصدر في قول الكوفيين3 فأما ~~على قولنا نحن؛ فإنه أراد "أن" الثقيلة، وخففها ضرورة، وتقديره: أنك ~~تهبطين؛ فاعرفه. # وتلحق التثنية والجمع الذي على حد التثنية عوضا مما منع الاسم من الحركة ~~والتنوين؛ وذلك نحو الزيدان والعمران، والزيدون والعمرون. # واعلم أن للنون في التثنية والجمع الذي على حد التثنية ثلاث أحوال: حالا ~~تكون فيها عوضا من الحركة والتنوين جميعا، وحالا تكون فيها عوضا من الحركة ~~وحدها، وحالا تكون فيها عوضا من التنوين وحده. # أما كونها عوضا من الحركة والتنوين؛ ففي كل موضع لا يكون الاسم المتمكن ~~فيه مضافا ولا معرفا بلام المعرفة؛ وذلك نحو رجلان، وفرسان، وغلامان، ~~وجاريتان؛ ألا ترى أنك إذا أفردت الواحد على هذا الحد وجدت فيه الحركة ~~والتنوين جميعا، وذلك قولك: رجل، وغلام، وجارية، وفرس؛ فالنون في رجلان ~~إنما هي هنا عوض مما يجب في ألف "رجلان" التي هي حرف الإعراب بمنزلة لام ~~رجل، فكما أن لام "رجل"، وسين "فرس" ونحوهما مما ليس مضافا ولا معرفا ~~باللام؛ يلزم أن تتبعها الحركة والتنوين؛ فكذلك كان يجب في حر التثنية. # وأما الموضع الذي تكون فيه نون التثنية عوضا من الحركة وحده فمع لام ~~المعرفة وذلك نحو الرجلان، والفرسان، والزيدان، والعمران، ألا ترى أنها ~~تثبت مع لام المعرفة كما تثبت معها الحركة نحو الغلام والرجل. PageV02P119 # وكذلك النداء في قولك: يا رجلان، ويا غلامان؛ ألا ترى أن الواحد من نحو ~~هذا لا تنوين فيه؛ وإنما هو يا غلام، ويا رجل، فالنون فيهما بدل من الحركة ~~وحدها. # فإن قلت: فإن واحد الزيدان والعمران زيد وعمرو، وهما كما ترى منونان؛ ~~فهلا زعمت أن النون في الزيدان والعمران بدل من الحركة والتنوين جميعا ~~لوجودك إياهما في واحدهما، وهو زيد وعمرو، كما زعمت أنهما في رجلان وفرسان ~~بدل من الحركة والتنوين في واحدهما، وذلك ms216 قولك رجل وفرس؟ # فالجواب: أن قولك "الزيدان" كقولك "الرجلان"؛ لأن اللام عرفت زيدين كما ~~عرفت رجلين، والنون في "زيدان" عوض من الحركة والتنوين جميعا، وهي في ~~"الزيدان" عوض من الحركة والتنوين جميعا، وهي في الرجلان عوض من الحركة ~~وحدها. # واعلم أن قولك: "جاءني الزيدان" ليس تثنية زيد هذا المعروف العلم؛ وذلك ~~أن المعرفة لا تصح تثنيتها من قبل أن حد المعرفة أنها ما خص الواجد من جنسه ~~ولم يشع في أمته، فإذا شورك في اسمه؛ فقد خرج عن أن يكون علما معروفا، وصار ~~مشتركا فيه شائعا، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا تصح التثنية إذن إلا في ~~النكرات دون المعارف. # وإذا صح ما ذكرناه؛ فمعلوم أنك لم تثن زيدا حتى سلبته تعريفه وأشعته في ~~أمته؛ فجعلته من جماعة كل واحد منهم زيد؛ فجرى لذلك مجرى رجل وفرس في أن كل ~~واحد منهما شائع لا يخص واحدا بعينه، ولا تجد له في بعض المسمين به مزية ~~ليست في غيره من المسمين به، وإذا جرى زيد بعد سلبه تعريفه مجرى رجل وفرس؛ ~~لم يستنكر فيه أن يجوز دخول لام المعرفة عليه في التقدير وإن لم يخرج إلى ~~اللفظ؛ فكأنه صار بعد نزع التعريف عنه يجوز أن تقول: الزيد والعمرو. وقد ~~جاء شيء من ذلك في الشعر. # قال ابن ميادة1: PageV02P120 # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله1 # يريد "يزيد". وبذلك على أن الاسم لا يثنى إلا بعد أن يخلع عنه ما كان فيه ~~من التعريف جواز دخول اللام عليه بعد التثنية في قولك: "الزيدان والعمران"، ~~ولو كان التعريف الذي كانا يدلان عليه ويفيدانه مفردين باقيا فيهما؛ لما ~~جاز دخول اللام عليهما بعد التثنية كما لا يجوز دخولها عليهما قبل التثنية ~~في وجوه الاستعمال في غالب الأمر. # ومما يوكد علمك بجواز خلع التعريف عن الاسم قول الشاعر2: # علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان3 # فإضافته الاسم تدل على أنه خلع عنه ما كان فيه من تعرفه، وكساه التعريف ~~بإضافته ms217 إياه إلى الضمير؛ فجرى في تعرفه مجرى أخيك وصاحبك، وليس بمنزلة زيد ~~إذا أردت العلم؛ فعلى هذا لو سألت عن زيد عمرو في قول من قال: رأيت زيد ~~عمرو، ومررت بزيد عمرو لما جازت الحكاية، ولكان الاستفهام بالرفع لا غير: ~~من زيد عمرو؟ ولا يجوز: من زيد عمرو؟ ولا: من زيد عمرو؟ على الحكاية، كما ~~أنك لو قال: "مررت بصاحب جعفر"؛ لرفعت البتة، فقلت: من صاحب جعفر؟ لأن صاحب ~~جعفر ليس علما كزيد وعمرو؛ فتجوز لك الحكاية وكذلك أيضا "زيد عمرو"، ~~PageV02P121 # فإضافته إلى عمرو تدل على أنه قد سلب تعريفه، وعرف من جهة الإضافة ~~لاستغنائه بما فيه من تعريف العلمية. ويزيد ذلك وضوحا لك أن ما كان من ~~الأسماء لا يمكن تنكيره وخلع تعريفه عنه؛ فإضافته غير جائزة البتة؛ لأنه ~~إذا كان لا يضاف الاسم إلا وهو نكرة فما لا يمكن تنكيره؛ فهو من الإضافة ~~أبعد، إذ كانت حال الإضافة إنما هي في المرتبة بعد التنكير، لا بد من ذلك، ~~وتلك الأسماء الأسماء المضمرة، والأسماء المشار بها، فلأجل ما ذكرنا لم ~~توجد الإضافة في شيء منها لاستغنائها بتعرفها عن أن تكسى تعريفا آخر؛ ألا ~~ترى أنك لا تجد في الكلام ضربت هؤلاء زيد، كما تقول ضربت أصحاب زيد، لأن ~~"هؤلاء" لا يكون إلا معرفة، ولا تقول أيضا جائني هو بكر، على أن تضيف "هو" ~~إلى "بكر" كما تقول جاءني غلام بكر. # ويزيد عندك في وضوح هذا أن العرب إذا لقبت الاسم العلم أضافته إلى لقبه ~~بعد أن تسلبه ما كان فيه من التعريف، وتبزه إياه، وتنقله إلى اللقب لتعرف ~~به الاسم الملقب به، وهو الذي كان علما قبل السلب، وذلك قولهم "قيس قفة"، ~~و"سعيد كرز"؛ وإنما أصل هذين الاسمين قيس، وسعيد، ثم لقب "قيس" بقفة، ~~و"سعيد" بكرز، فسلبوهما تعريفهما، وأن يكونا بعد الإضافة معرفتين، كما كانا ~~قبلها معرفتين، وإن اختلفت جهتا التعريف؛ فكان الأول تعريفا علميا، والآخر ~~تعريفا إضافيا. # وقريب من هذا قولهم مررت برجل حسن الوجه، واختيارهم أن يكون ms218 الوجه معرفا ~~وإن كان قد يمكن أن تقول: "مررت برجل حسن وجه"، و"حسن وجها"؛ وإنما اختاروا ~~هنا تعريف الوجه لأنه منقول من قولهم مررت برجل حسن وجهه، هذا أصل الكلام؛ ~~فلما سلبوه تعريف الإضافة؛ عوضوه منه تعريف اللام، فقالوا: مررت برجل حسن ~~الوجه. # ويدلك على أن "كرزا" و"قفة" معرفتان علمان تركهم إجراء "قفة"، ولو كانت ~~نكرة لانصرفت، وإذا كان العلم متى سلب تعريفه جرى مجرى النكرات الأجناس؛ ~~فإن أضيف إلى معرفة تعرف بها؛ فمعلوم أنه متى تكلفت إضافته بعد سلبه تعريفه ~~إلى النكرة أنه نكرة، وذلك نحو "مررت بزيد رجل وعمرو امرأة"، كما تقول: ~~"مررت بجار رجل"، و"دخلت حمام امرأة"، ويكون في ذلك من الفائدة أنه ليس ~~بزيد من الزيدين فقط؛ لأن كل واحد من أولئك يجوز أن يكون زيد امرأة وزيد ~~رجل؛ فإذا قلت # PageV02P122 # ضربت زيد رجل فقد أفدت أنه ليس بزيد امرأة؛ فهذه فائدة هذه الإضافة إن ~~قلت ونزرت كما أن قولك لقيت غلام امرأة قد أفدنا منه أنه لامرأة دون رجل. # فإن قلت: فإذا كان الزيدان والعمران إنما تعريفهما عندك كتعريف الرجلين ~~والغلامين بما أوردته من الأدلة في ذلك؛ فهلا جاء عنهم وكثر في كلامهم: ~~مررت بالزيد، وضربت البكر، كما كثر عنهم مررت بالغلام، وضربت الرجل؟ # فالجواب: أن زيدا وعمرا ونحوهما من الأعلام إذا انتزع ما فيهما في بعض ~~الأحوال من التعريف، فحصلا نكرتين، ثم أريد بعد ذلك تعريفهما؛ فأخلق ~~أحوالهما بهما أن يردا إلى ما كانا عليه من العملية الأصلية؛ فيقال: جاءني ~~زيد، ومررت بعمرو، وليس بالحسن إدخال اللام عليهما؛ لئلا يصيرا في قولك ~~مررت بالعمرو، وجاءني الزيد بصورة ما عرف باللام من الأجناس البتة، ولم يكن ~~له أصل في العلمية؛ فيرد عند تعريفه إليها، وذلك نحو الغلام والجارية ~~والثوب والدار؛ فلهذا استنكروا في كلامهم أن يقولوا الزيد والبكر، فاعرفه. # على أن أبا العباس قال: إذ قيل: جاءني زيد وزيد وزيد تريد جماعة اسم كل ~~واحد منهم زيد، فيقول المجيب: فما بين الزيد الأول والزيد الآخر؟ ms219 وهذا ~~الزيد أشرف من ذلك الزيد؛ إلا أنه قليل. # فإن قلت: فقد أضافوا هذه الأسماء بعد تنكيرهم إياها كما تضاف الأجناس، ~~فقالوا1: # ياعمر الخير جزيت الجنة2 # وقالوا: فلان من ربيعة الفرس، وفلان من تميم جوثة، وقال الآخر: # يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم3 ~~PageV02P123 # وقال الآخر: # علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان1 # هذا كثير عنهم؛ فهلا استقبحوا في اللفظ الإضافة في هذه الأسماء التي هي ~~في الأمر الشائع أعلام، كما استنكروا فيها تعريفها باللام؛ فلم يقولوا ~~الزيد ولا العمرو إلا في الشاذ وضرورة الشعر؟ وما الفرق بين الموضوعين؟ # فالجواب: أن بين تعريف اللام وتعريف الإضافة فرقا وذلك أن اللام في هذا ~~الموضع أشنع في اللفظ من الإضافة، من قبل أن الإضافة قد تجدها في أنفس ~~الأعلام كثيرا واسعا، وذلك نحو عبد الله، وعبد الصمد، وعبد الواحد، وعبد ~~الرحمن، وذي النون، ذي الرمة، وذي الخرق، وعلى هذا عامة المنى لأنها أعلام ~~أيضا، نحو أبي محمد، وأبي القاسم، وأبي علي. # ويدلك على أنها أعلام قول الفرزدق2: # ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار3 # فحذف التنوين من عمرو بمنزلة حذفه من جعفر في قولك: حتى أتيت جعفر بن ~~عمار. وعلى هذا قول الآخر4: # فلم أجبن، ولم أنكل، ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمرو5 PageV02P124 # فحذف التنوين من "صخر" إنما هو بمنزلة حذفه من محمد في قولك يممت بها ~~محمد بن عمرو. # وإنما كثرت هذه الإضافة في أنفس الأعلام، وفي ما نزع عنه تعريفه، ثم عرف ~~بالإضافة إلى المعرفة؛ من قبل أن الإضافة في كثير من كلامهم في تقدير ~~الانفصال والانفكاك؛ ألا ترى أن باب الحسن الوجه، والكريم الأب؛ كله منوي ~~فيه الانفصال؛ وإنما تقديره الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل ~~إذا أريد به الحال أو الاستقبال؛ فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى. # وذلك نحو قوله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] 1، و {هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] ، و {غير محلي ms220 الصيد} [المائدة: 1] 2 و {ثاني عطفه} ~~[الحج: 9] 3، و {إنا مرسلو الناقة} [القمر: 27] 4، و {فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله} [إبراهيم: 47] 5. # وعلى هذا قول جرير6: # يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا7 # إنما هو: "ممطر لنا"، و"هديا بالغا الكعبة"، و"ثانيا عطفه8 لنا"؛ ولولا ~~ذلك لم تدخل "رب" عليه، ولا جرى ممطرنا وصفا على النكرة التي هي عارض، ولا ~~نصب: {ثاني عطفه} على الحال. PageV02P125 # ونحوه قول الآخر1: # يارب مثلك في النساء غريزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق2 # أي: مثل لك، لأن "رب" لا تباشر المعارف المظهرة، وعلى هذا قالوا: ناقة ~~عبر الهواجر3، وفرس قيد الأوابد4، أي: عابرة للهواجر، ومقيدة للأوابد4. # فلما كثر في كلامهم أن تكون الإضافة لفظية غير معنوية؛ تسامحوا في ~~الأسماء المخلوع عنها تعريف العلم بتعريف الإضافة فقالوا: "ضربت زيدك"، ~~و"كلمت عمرك"، ولم يقولوا: "جاءني العمرو"، و"لا كلمت الزيد" إلا في قلة من ~~الكلام؛ لأن اللام لا ينوى فيها الانفصال كما ينوى في الإضافة معنى ~~الانفصال في كثير من الأحوال؛ فلا تجد اللام معرفة للأعلام كما تعرفها ~~الإضافة في نحو عبد الله وبابه، وأبي محمد ونحوه؛ فيعلم بهذا أن التعريف ~~باللام ألزم في اللفظ عندهم مما تعرف بالإضافة لما قدما ذكره، فلذلك ~~احتملوا أن يقولوا زيدنا ومحمدكم، ولم يقولوا البكر ولا العمرو إلا شاذا. # فإن قلت: فقد قالوا العباس والحارث والعلاء والفضل، وقد نراهم عرفوا ~~العلم باللام كما عرفوه بالإضافة في نحو "عبد الله" و"أبي بكر"! # فالجواب: أن العباس والحارث والعلاء والفضل ونحو ذلك من الأوصاف الغالبة ~~والمصادر المقدر فيها جريانها أوصافا إنما تعرفت بالوضع دون اللام؛ وإنما ~~أقرت اللام فيها بعد النقل وكونها علما مراعاة لمذهب الوصف فيها قبل النقل، ~~وقد تقدم تفسيرنا ذلك في صدر هذا الكتاب وغيره. PageV02P126 # وأما تعريفها في الحقيقة فبالوضع، يدل على ذلك قولهم أبو عمرو بن العلاء؛ ~~فطرح التنزين من عمرو؛ إنما هو لأن ابنا مضاف إلى العلم؛ فجرى مجرى قولك ~~أبو عمرو بن بكر، ولو كان العلاء معرفا باللام؛ لوجب ثبوت ms221 التنوين كما يثبت ~~مع ما تعرف باللام، نحو جاءني أبو عمرو بن الغلام؛ فلأجل ما ذكرت لك من ~~شناعة تعريف العلم بعد سلبه تعريفه الأول باللام المستحدثة؛ كرهوا أن ~~يقولوا لقيت العمرو، ولكلمت السعد. # فإن قيل: فلم كان تحمل اللام في ما ذكرت أقبح من تحمل الإضافة حتى ~~استقبحوا الزيد والبكر، ولم يستقبحوا زيدك وبكرك؟ # فالجواب: أنهم إنما استكرهوا ذلك مع اللام، وكان أقبح عندهم من الإضافة ~~من قبل أن اللام ألزم لما تتصل له من المضاف إليه بالمضاف، وذلك أن اللام ~~على حرف واحد ساكن، ويدعم؛ فاتصاله لما عرفه أشد من اتصال المضاف إليه ~~بالمضاف، ألا ترى أن المضاف إليه اسم كامل نحو غلام زيد، لك أن تفضل زيدا؛ ~~فتقول: "هذا زيد"، و"كلمت زيدا"، و"نظرت إلى زيد"، واللام لا يمكنك ذلك ~~فيها لقوة اتصالها، وقد ذكرنا ذلك قديما من حالها؛ فلشدة امتزاجها بما ~~عرفته لم يكن أن ينوى انفصالها كما ينوى انفصال المضاف إليه. # فإن قيل: فإذا كانوا يستكرهون الزيد والعمرو فكيف اجتمعوا كلهم على ~~استحسان الزيدين والعمرين والجعفرين، و: # شتان ما بين اليزيدين ### | ...... # ... ### | ......................... # 1 PageV02P127 # و: # أنا ابن سعد أكرم السعدينا1 # فالجواب: أن هذا الذي فعلوه من تحمل اللام في التثنية والجمع؛ يدل على ~~صحة ما كنا قدمناه من أنهم إنما استكرهوا أن يقولوا إذا أرادوا تعريف ما قد ~~نزعت عنه علميته "الزيد والبكر"؛ لأن له قبل حالة المفضية له إلى التنكير ~~حالا قد كان فيها علما معرفة، فردوه لما احتاجوا إلى تعريفه إليها؛ فقالوا ~~جاء زيد، كما كانوا يقولون قبل سلبه تعريفه ورده إليه: جاء زيد؛ فأما ~~التثنية في نحو قولك زيدان؛ فلم يكن زيدان قط علما لاثنين مخصوصين كما كان ~~زيد قبل سلبه تعريفه علما لواحد مخصوص، فيردا عند إرادة تعريفهما إلى ~~حالهما بعد السلب، كما رد زيد إليها لما أريد تعريفه بعد سلبهم إياه منه؛ ~~وإنما زيدان بمنزله رجل وغلام في أنه اسم لاثنين شائع كما أن "رجلا" ~~و"غلاما" كل واحد منهما اسم لمعناه شائع في ms222 أمته؛ فكما أنك إذا أردت ~~تعريفهما قلت الرجل والغلام، فكذلك إذا أردت تعريف زيدين ألحقته اللام؛ ~~فقلت الزيدان والعمران، فاعرف ذلك، فقد أوضحنا هذا الموضع بنهاية ما يقال ~~في مثله. # فأما قولهم للجبلين المتقابلين أبانان؛ فإن أبانين اسم علم لهما بمنزلة ~~زيد وخالد. # فإن قلت: فكيف جاز أن يكون بعض التثنية علما؛ وإنما عامتها نكرات؛ ألا ~~ترى أن رجلان وغلامان وابنان وابنتان كل واحد منهما نكرة غير علم، فما قصة ~~أبانين حتى صار علما؟ # فالجواب أن زيدين ليسا في كل وقت مصطحبين مقترنين، بل كل واحد منهما كما ~~يجامع صاحبه؛ فكذلك يفارقه أيضا؛ فلما اصطحبا مرة وافترقا أخرى؛ لم يمكن أن ~~يخصا باسم علم يقيدهما من غيرهما؛ لأنهما شيئان كل واحد منهما بائن من ~~صاحبه. PageV02P128 # وأما أبنان فجبلان متقابلان لا يفارق واحد منهما صاحبه؛ فجريا لاتصال ~~بعضهما ببعض مجرى المسمى الواحد، نحو بكر وقاسم، فكما خص كل واحد من ~~الأعلام باسم يقيده من أمته، كذلك خص هذان الجبلان باسم يقيدهما من سائر ~~الجبال؛ لأنهما قد جريا مجرى الجبل الواحد؛ فكما أن ثبيرا، وهبوا، ويذبل، ~~لما كان كل واحد منهما جبلا واحدا أجزاؤه متصل بعضها ببعض خص باسم له ~~لايشارك فيه؛ فكذلك أبانان لما لم يفترق بعضهما من بعض، وكانا لذلك كالجبل ~~الواحد، خصا باسم علم، كما خص يذبل، ويرمرم1، وسحام2، كل واحد منها باسم ~~علم. # أنشد خلف الأحمر3: # لو بأبانين جاء يخطبها ... رمل ما أنف خاطب بدم4 # وحال عمايتين -وهما جبلان متناوحان- حال أبانين. # أنشدني أبو علي5: # لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا6 PageV02P129 # ومثل ذلك من الجمع عرفات، وهي معرفة لأنها اسم لبقاع معلومة غير متفرقة ~~ولا موجود بعضها دون بعض. # ويدل على كونها معرفة ما حكاه سيبويه عنهم من قولهم: "هذه عرفات مباركا ~~فيها"1 فانتصاب الحال بعدها يدل على كونها معرفة، فأما تنوينها وهي معرفة ~~مؤنثة فسنذكره في فصل أحكام التنوين ومواقعه في كلام العرب إن شاء الله ~~تعالى؛ فاعرف ذلك. # فهذا كله يدلك على أن تعرف ms223 الزيدين من طريق تعرف الرجلين، وأن النون ~~فيهما بدل من الحركة وحدها على ما تقدم من القول. # وأما الموضع الذي تكون فيه نون التثنية عوضا من التنوين وحده؛ فمع ~~الإضافة، وذلك نحو قولك: "قام غلاما زيد"، و"مررت بصاحبي عمرو"، ألا تراك ~~حذفتها كما تحذف التنوين للإضافة، ولو كانت هنا عوضا من الحركة وحدها ~~لثبتت؛ فقلت: "هذان غلامان زيد"، كما تقول قام غلام زيد، فتضم الميم من ~~غلام. # فإن قلت: فما أنكرت أن تكون النون مع اللام ثابتة غير محذوفة؛ لأنها لم ~~تخلص عوضا من التنوين وحده فتحذف، بل لما كانت عوضا من الحركة والتنوين ~~جميعا ثبتت؟ # فالجواب: أنه لو كان الأمر كذلك؛ لوجب أيضا أن تثبت مع الإضافة؛ لأنها لم ~~تخلص عوضا من التنوين وحده، وهذا كما تراه محال. # فقد صح بما ذكرناه أن نون التثنية تكون في موضع عوضا من الحركة والتنوين ~~جميعا، وفي موضع عوضا من الحركة وحدها، وفي موضع عوضا من التنوين وحده؛ إلا ~~أن أصل وضعها أن تكون داخلة عوضا مما منع الاسم منها جميعا، ولو كانت عوضا ~~من الحركة وحدها لثبتت مع الإضافة ولام المعرفة، ولو كانت عوضا من التنوين ~~وحده لحذفت مع الإضافة ولام المعرفة؛ فجعلت في موضع عوضا من الحركة؛ فثبتت ~~كما ثبتت الحركة وفي موضع عوضا من التنوين؛ فحذفت كما يحذف التنوين ليعتدل ~~الأمران فيهما. PageV02P130 # فإن قيل: فهلا عكس الأمر؛ فجعلت النون مع الإضافة عوضا من الحركة، فثبتت، ~~فقلت: "غلامان زيد"، ومع اللام عوضا من التنوين؛ فحذفت، فقلت: "قام ~~الرجلا"؟ # فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يقولوا قام غلامان زيد؛ فيجمعوا على ~~الاسم زيادتين في آخره؛ فكان يميل بهما لأنهما توالتا فيه من جهة واحدة، ~~وإنما الحكمة في الذي فعلوه إذ جعلوها مع اللام عوضا من الحركة؛ فقالوا: ~~قام الرجلان، لتتباعد الزيادتان، فتكون إحداها في أول الاسم والأخرى في ~~آخره؛ فيسط الاسم حاجزا بينهما، وكان ذلك أوفق من أن يقولوا: "قام غلامان ~~زيد"، فتجتمع الزيادتان في موضع واحد. # ونظير هذا في ms224 ما ذكره أبو علي إعلال العرب الفاء واللام في نحو: "ع ~~كلاما"، و"ش ثوبا"، و"ف بالعهد"، ولم يعلوا العين واللام إلا شاذا، ولا ~~الفاء والعين البتة كراهية منهم لتوالي إعلالين. # ونظير آخر لذلك، وهو كراهيتهم أن يقولوا في النداء: "يا الرجل"، و"يا ~~الغلام"؛ لئلا يجمعوا بين "يا" وهي للإشارة، وبين اللام، وهى للتعريف؛ ~~فكرهوا أن يجمعوا بين حرفين متقاربي المعنين، ثم قالوا مع هذا: يا عبد ~~الله، فجمعوا بين "يا" والإضافة التي هي للتعريف؛ لأنهما تباعدا؛ فكان ~~أحدهما في أول الاسم والآخر في آخره. # فإن قال قائل: فإذا كان الأمر على ما ذكرته فما تقول في قولهم في تثنية ~~أحمر وأصفر وحمراء وصفراء، ونحو ذلك مما لا ينصرف معرفة ولا نكرة: أحمران ~~وأصفران وحمراوان وصفراوان، والنون هنا بدل من ماذا هي؟ هل هي بدل من ~~الحركة والتنوين جميعا، أو بدل من الحركة وحدها، أو بدل من التنوين وحده؟ # فالجواب: أنها بدل من الحركة والتنوين جميعا. # فإن قلت: فإن أحمر وصفراء لا تنوين فيهما! # فهو كذلك؛ إلا أنك لما ثنيت الاسم، فأبعدته عن شبه الفعل بالتثنية؛ إذ ~~الفعل لا تصح تثنيته، زال عنه ترك الصرف لزوال شبه الفعل عنه، فقدر فيه في ~~التثنية # PageV02P131 # التنوين، فصارت النون في حمراوان وصفراوان وأحمران وأصفران عوضا من ~~الحركة والتنوين جميعا. # فأما النون في هذان، وتان، واللذان، واللتان فالقول فيها: إنها ليست عوضا ~~من حركة ولا تنوين ولا من حرف محذوف كما يظن قوم، ولا حكم هذان واللذان في ~~أنهما مثنيان حكم الزيدان والعمران، وأنا أذكر لك ما تحصل لي عن أبي علي ~~بعد طول البحث معه عن ذلك. # اعلم أن أسماء الإشارة نحو هذا وهذه، والأسماء المصولة نحو الذي والتي لا ~~تصح تثنية شيء منها من قبل أن التثنية لا تلحق إلا النكرة كما قدمنا، فما ~~لا يجوز تنكيره فهو بأن لا تصح تثنيته أجدر، وأسماء الإشارة والأسماء ~~الموصولة لا يجوز تتنكر، فلا يجوز أن يثنى شيء منها، ألا تراها بعد التثنية ~~على حد ما ms225 كانت عليه قبل التثنية، وذلك نحو قولك: هذان الزيدان قائمين، ~~فتنصب قائمين بمعنى الفعل الذي دلت عليه الإشارة والتثنية، كما كنت تقول في ~~الواحد: هذا زيد قائما، فتجد الحال واحدة قبل التثنية وبعدها. وكذلك قولك: ~~ضربت اللذين قاما، إنما يتعرفان بالصلة كما يتعرف بها الواحد في قولك: ضربت ~~الذي قام، فالأمر في هذه الأشياء بعد التثنية هو الأمر فيها قبل التثنية. ~~وكذلك يا هنان ويا هنون، هذه أسماء مصوغة للتثنية والجمع بمنزلة اللذين ~~والذين، وليس كذلك سائر الأسماء المثناة نحو زيد وعمرو. # ألا ترى أن تعرف زيد وعمرو إنما هو بالوضع والعلمية، فإذا ثنيتهما تنكرا، ~~فقلت: رأيت زيدين كريمين، وعندنا عمران عاقلان، فإذا آثرت التعريف بالإضافة ~~أو باللام، وذلك نحو الزيدان والعمران، وزيداك وعمراك، فقد تعرفا بعد ~~التثنية من غير وجه تعرفهما قبلها، ولحقا بالأجناس، وفارقا ما كانا عليه من ~~تعريف العلمية والوضع، فإذا صح ذلك فينبغي أن تعلم أن هذان وهاتان، واللذان ~~واللتان إنما هي أسماء مصوغة للتثنية مخترعة لها، وليست بتثنية للواحد على ~~حد زيد وزيدان، إلا أنها صيغت على صورة ما هو مثنى على الحقيقة، فقيل: هذان ~~واللذان وهذين واللذين لئلا تختلف التثنية، وذلك أنهم يحافظون عليها ما لا ~~يحافظون على الجمع، ألا ترى أنك تجد في الأسماء المتمكنة ألفاظ الجموع من ~~غير ألفاظ الآحاد، وذلك نحو رجل ونفر، # PageV02P132 # وامرأة ونسوة، وبعير وإبل، وواحد وجماعة، ولا تجد في التثنية شيئا من هذا ~~إنما هي من لفظ الواحد، نحو زيد وزيدان، ورجل ورجلان، لا يختلف ذلك. وكذلك ~~أيضا كثير من المبنيات، على أنها أحق بذلك من المتمكنة، وذلك نحو ذا ~~وأولاء، وذات وأولات، وذو وأولو، ولا تجد ذلك في تثنيتها نحو ذا وذان، وذو ~~وذوان، فهذا يدلك على محافظتهم على التثنية وعنايتهم بها أن تخرج على صورة ~~واحدة لا تختلف، وأنهم بها أشد عناية منهم بالجمع، فلذلك لما صيغت للتثنية ~~أسماء مخترعة غير مثناة على الحقيقة كانت على ألفاظ المثناة تثنية حقيقة، ~~وذلك نحو ذان وتان، واللذان واللتان. ms226 ويدلك على أن ما كان من الأسماء لا ~~يمكن تنكيره فإن تثنيته غير جائزة، وأنهم إنما يصوغون له في التثنية اسما ~~مخترعا ليس على حد زيد وزيدان قولهم أنت، وأنتما، وهو، وهي، وهما، وضربتك، ~~وضربتكما، فكما لايشك في أن أنتما ليس بتثنية أنت، إذ لو كان تثنية أنت ~~لوجب أن تقول في أنت: أنتان، وفى هو: هوان، وفى هي: هيان، فكذلك لا ينبغي ~~أن يشك في أن هذا ليس تثنية هذا، وإنما هو اسم صيغ ليدل على التثنية كما ~~صيغ أنتما وهما ليدل على التثنية وهو غير مثنى على حد زيد وزيدان ألا ترى ~~أن أسماء الإشارة والأسماء الموصولة جارية مجرى الأسماء المضمرة في أن كل ~~واحد منهما لا يجوز تنكيره ولا خلع تعريفه عنه. # فإن قلت: فإذا كان هذا والذي ونحوهما كالأسماء المضمرة من حيث أريت، فما ~~بالهم صاغوا لتثنية ذا والذي اسمين على صورة التثنية، فقالوا ذان واللذان، ~~ولم يقولوا في أنت: أنتان، ولا في هو: هوان، ولا في هي: هيان، كما قالوا ~~ذان واللذان؟ # فالجواب: أنهم إنما صاغوا لذا وللذي في التثنية اسمين على صورة الأسماء ~~المثناة، فقالوا ذان واللذان كما قالوا رجلان وغلامان، ولم يقولوا في أنت: ~~أنتان، ولا في هو: هوان من قبل أن أسماء الإشارة والأسماء الموصولة أشبه ~~بالأسماء المتمكنة من الأسماء المضمرة. # قال أبو علي: ألا تراهم يصفون أسماء الإشارة، ويصفون بها، فيقولون: مررت ~~بهذا الرجل، ومررت بزيد ذا، وكذلك يقولون: مررت بالذي قام أخوه الطويل، ~~ولقيت زيدا الذي قام أخوه الكريم، فلما قربت الأسماء المشار بها والأسماء # PageV02P133 # الموصولة من الأسماء المتمكنة، صيغت لها أسماء التثنية على نحو تثنية ~~الأسماء المتمكنة، ولما كانت الأسماء المضمرة لا تقرب من الأسماء المتمكنة ~~لأنها لا توصف ولا يوصف بها لم يصغ لا أسماء على نحو الأسماء المتمكنة. # فأما قولهم مررت بك أنت، ومررت به هو، فأنت وهو ليسا وصفا يستفاد بهما ~~البيان والإيضاح، إنما الغرض فيمها التوكيد والتحقيق، فلما كانت كذلك بعدت ~~من المتمكنة، فخالفوا بينها ms227 وبين ما قارب المتمكنة بأن صاغوا لها أسماء ~~للتثنية على غير صورة الأسماء المثناة المتمكنة، فقالوا: أنت وأنتما، وهو ~~وهما، ولم يقولوا أنتان ولا هوان كما قالوا ذان واللذان لما ذكرت لك. # ويزيد عندك في وضوح ذلك أنهم قد حقروا الأسماء المشار بها والأسماء ~~الموصولة كما حقروا المتمكنة، فقالوا: ذيا وتيا، واللذيا واللتيا، ولم يجئ ~~شيء من التحقير في الأسماء المضمرة، فدل ذلك على بعدها من الأسماء ~~المتمكنة. # قال أبو علي: ولذلك قالوا: ذا، وأصله ذي، فأبدلوا ياءه ألفا وإن كانت ~~ساكنة، ولم يقولوا ذي لئلا يشبه كي وأي، فأبدلوا ياءه ألفا ليلحق بباب متى ~~وإذا، ويخرج عن شبه الجرف بعض الخروج، فهذا أيضا يؤكد ما تقدم. # فأما الدليل على أن عين "ذا" ياء وأنها ساكنة فقد ذكرته في كتابي في شرح ~~تصريف أبي عثمان رحمه الله. ويؤنسك بأن لفظ التثنية قد لا يكون تثنية لواحد ~~قولهم: عقلته بثنايين، وقول عنترة1: # أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا2 # فصحة الواو والياء إنما هي لأنهم لم يفردوا لهما واحدا. ونظير هذا من ~~الجمع مقتوين في أحد قولي سيبويه3، لأن صحة واوه تدل على أنه ليس له واحد. ~~PageV02P134 # وذهب الفراء إلى أن نون التثنية إنما دخلت فرقا بين رفع الاثنين ونصب ~~الواحد. ومعنى ذلك أنك إذا قلت "عندي رجلان" فلولا النون لالتبس بقولك: ~~ضربت رجلا، فإذا جاءت النون أعلمتك أن الكلمة مثناة، وأنها ليست واحد ~~منصوبا. # وهذا القول عندنا على نهاية الخطل1 والضعف والفساد، وله وجوه كثيرة ~~تفسده، وتشهد ببطلانه، منها: أنك لو قلت على قوله ومذهبه: قام الرجلان، بلا ~~نون، لم يلتبس هذا بالواحد المنصوب، وذلك أنك لا تقول ضربت الرجلا، بالألف، ~~إنما تقول: ضربت الرجل، بغير ألف، فلو كان الأمر على ما ذكره لقلت قام ~~الرجلا، فأتيت بالألف علما للتثنية، ولم تخف لبسا على ما قدمناه. # فإن قال قائل: إن من العرب من يقف على ما فيه لام المعرفة في موضع النصب ~~بالألف، فيقول ضربت الرجلا، فدخلت النون ms228 فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد ~~على هذه اللغة. # فالجواب: أن هذه لغة من الشذوذ والقلة على حال لا ينبغي أن يجتمع جميع ~~العرب على مراعاتها وتخوف اللبس فيها، وإنما يقولها قوم هم من القلة بحيث ~~لا يعتدون خلافا، فضلا عن أن تجتمع العرب كلها قاطبة على تخوف الإشكال في ~~لغتهم، فأما قوله عز اسمه: {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] 2، و ~~{فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] 3، فإنما ذلك على إشباع الفتحة للوقف على ~~رءوس الآي، كما قرأت القراء: "والليل إذا يسر" [الفجر: 4] 4، و {ذلك ~~PageV02P135 # ما كنا نبغ} [الكهف: 64] 1 فحذف الياء في هذا ونحوه في الوقف إنما هو ~~لرءوس الآي وتشبيههم إياها بالقوافي في نحو قول زهير2: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم بخلق ثم لا يفر3 # يريد: يفري. وكذلك أيضا من قرأ: {السبيلا} و: {الظنونا} إنما هو مشبه ~~بوقوفهم على القوافي في نحو قول جرير4: # أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا5 # ونحو قول لقيط6: # يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... هاجت لي اللهم والأحزان والوجعا7 ~~PageV02P136 # فهذه الأشياء تعرض في الوقف، وهي جارية مجرى غيرها من سائر التغايير ~~العارضة عند الوقوف نحو خالد، ويجعل، وهذا بكر، ومررت بعمرو، فهل يحسن بمثل ~~هذا أن يجعل أصلا تجتمع الجماعة عليه، وتنتهي في القياس إليه، هذا ما لا ~~ينبغي لنظار أن يركبه، ولا لمنصف من نفسه أن يعتقده. # فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون النون إنما لحقت التثنية في النكرة التي ~~هي الأصل، وذلك قولك ضربت رجلا، فلو قلت مع هذا "عندي رجلا" بلا نون لا ~~لتبس بما لا يوقف على منصوبه إلا بالألف نحو ضربت رجلا، ثم إنهم أجروا ~~المعرفة التي هي فرع مجرى النكرة التي هي أصل حملا للفرع على الأصل، كما ~~أجروا: رأيت الهندات، على: رأيت الزيدين، حملا للمؤنث الذي هو فرع على ~~المذكر الذي هو الأصل، وكغير ذلك مما تجري فيه الفروع على الأصول طلبا ~~للتجنيس لا لضيق الكلام، ألا ترى أنهم لو قالوا: ضربت الهندات، ففتحوا ms229 ~~التاء لم يفسد ذلك بشيء، وإنما مالوا إلى الكسر، كما أجروا النصب على لفظ ~~الجر في: ضربت الزيدين. # فالجواب: أن ذلك إنما كان يكون له به تعلق لو لم نجد لنون التثنية علة ~~قائمة ثابتة صحيحة في لحاقها بعد الألف، وهو ما قدمناه من قول سيبويه: ~~"وإنما لحقت عوضا مما منع الاسم من الحركة والتنوين"1 الذي كان يجب له إذا ~~كان معربا متمكنا، كما وجب للواحد المتمكن، فأما والعلة قائمة صحيحة فلا ~~وجه للعدول عنها إلى حمل فرع على أصل طلبا لتجنيس الكلام لا غير. # ألا ترى أن كسر تاء الهندات في موضع النصب ليس له قوة كسرها في موضع ~~الجر، وإنما هي حركة أقيمت مقام حركة. PageV02P137 # أولا ترى أن أبا الحسن وأبا العباس1 ومن قال بقولهما قد ذهبا إلى أن كسرة ~~تاء التأنيث في موضع النصب إنما هي حركة بناء لا حركة إعراب، ولم يقولوا في ~~كسرتها في موضع الجر إنها حركة بناء، بل قالا بما قال به سيبويه2 والجماعة ~~من أنها حركة إعراب. ولا شيء حملهما على أن قالا إن كسرة تاء: ضربت ~~الهندات، حركة بناء إلا ضعفها وقلة تمكنها في هذا الموضع من حيث كانت ~~محمولة على غيرها. فهذا يدلك على أن ما حمل على غيره ليس كما هو أصل قائم ~~بنفسه، لا سيما إذا كان في حمله على غيره ما يدعو إل ترك القول بما قد وضحت ~~أدلته، ونطقت شواهده، وهو قول سيبويه. # ويؤكد عندك أيضا أن ما حمل على غيره ليس له قوة ما هو قائم بنفسه، أن حذف ~~الواو من "يعد" مع الياء أقوى من حذفها مع غيرها من حروف المضارعة، لأنها ~~في هذا محمولة على الياء، فحذفها مع الياء أقوى من حذفها مع غيرها من سائر ~~حروف المضارعة المحمولة على الياء، ولهذا نظائر. # وشيء آخر يفسد هذه الزيادة، وهو أنه لو كانت النون دخلت في المعرفة حملا ~~على النكرة لوجب أيضا أن تدخل على المضاف لدخولها على المفرد إذ كانت ~~الإضافة فرعا على ms230 الإفراد، وللزم أن تقول: قام غلامان زيد، وكما كنت تقول ~~قبل الإضافة: قام غلامان، فتركهم إلحاق النون في الإضافة مع أنها فرع على ~~الإفراد دلالة على أنهم يلحقونها في المعرفة من حيث كانت فرعا على النكرة. # فإن قال قائل: ما تنكر أن يكونوا إنما لم يلحقوها في الإضافة وإن كانت ~~فرعا على الإفراد كما ألحقوها مع المعرفة من حيث كانت فرعا على النكرة من ~~قبل أنهم لو قالوا: قام غلامان زيد، لجمعوا في آخر الاسم زيادتين؛ النون ~~والمضاف إليه، فثقل عليهم ذلك، فرفضوه؟ # فالجواب: أن يقال لمن قال هذا: مذهبك أداك إلى هذا، فإياك فلم، فإنك أنت ~~وجهت على نفسك هذا الإلزام. PageV02P138 # ومنها1: أنهم يقولون في ما لا ينصرف كله: هذان أحمران وأصفران، فيلحقون ~~النون، وأنت لو نصبت الواحد من هذا لم تقف عليه بالألف، إنما كنت تقول: ~~رأيت أحمر وأصفر، فإلحاقهم النون في التثنية يدل على أنها لم تلحق للفصل ~~بين رفع الاثنين ونصب الواحد كما ذهب إليه الفراء. # فإن قال قائل: فما تنكر أن يكون لما وجب إلحاق النون في ما ينصرف ألحقت ~~أيضا في ما لا ينصرف لئلا يختلف الباب؟ # رجع الحجاج إلى ما كنا قدمناه آنفا من أنا لا نحمل الشيء على أن ملحق ~~بغيره مع وجودنا له علة صحيحة قائمة فيه بنفسه، وهو ما ذهب إليه سيبويه. # فإن انفصل منفصل من غير هذا الوجه، فقال: إنما لحقت في ما لا ينصرف نحو ~~أحمران وبابه لأن من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف، فيقول: ضربت أحمدا، ~~وكلمت عمرا. # قيل له: هذه اللغة في القلة والضعف كاللغة التي يوقف فيها على ما فيه لام ~~المعرفة في النصب بالألف، نحو: رأيت الرجلا، وكلمت الغلاما، فالذي أسقط عنا ~~تلك المعارضة هو الذي يسقط عنا هذه أيضا. # ومنها: أنهم يقولون في النصب والجر: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، ~~فيلحقون النون ولا ألف قبلها، فدل ذلك على أن النون لم تلحق التثنية فصلا ~~بين رفع الاثنين ونصب الواحد. # فإن عارض معارض ms231 فقال: إنها لما دخلت في الرفع، نحو الزيدان، والعمران، ~~حملوا الجر والنصب عليه لئلا تختلف حال التثنية. # عاد الحجاج أيضا إلى ما قدمناه من أن الشيء لا ينبغي أن يجعل محمولا على ~~غيره وله صحه علة موجودة فيه نفسه. وكذلك إن قال قائل: إنما لحقت النون ~~التثنية على لغة بلحارث بن كعب2 إذ كان ما قبل النون في لغتهم ألفا لا ~~تختلف، وذلك نحو مررت بالزيدان، وضربت الزيدان. PageV02P139 # فالجواب عن هذا أيضا كالجواب عما قبله، لأن اللغات كلها لا تحمل على لغة ~~بلحارث عن قلتها وشذوذها. # ومنها أيضا قولهم: قام الزيدون، فلحاق النون هنا ولا ألف قبلها يفسد أن ~~تكون دخلت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد. # فإن قال: أنها في الجمع أيضا إنما دخلت فرقا بين رفع الجمع ورفع الواحد ~~في لغة من قال1: هذا زيدو، ومررت بزيدى، كما يقول الجميع في الوقف على ~~المنصوب المنون: رأيت زيدا. # عاد الكلام إلى ما كنا قدمناه من ضعف حمل الشيء على غيره مع وجود العلة ~~القائمة فيه. ومنه أنه إن جاز للفراء أن يذهب إلى أن نون التثنية إنما لحقت ~~فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد، وأن يحتج في دخولها مع اللام في نحو ~~قولك: الرجلان والغلامان، بأن من العرب من يقول: رأيت الرجلا والغلاما، جاز ~~لآخر أن يفسد عليه دخولها في ما لا لام فيه ولا هو مضاف نحو: عندي رجلان ~~وغلامان، بأن يقول: هذا فاسد من قول الفراء، لأن من العرب من يقف على ~~المنصوب المنون بلا ألف، فيقول: ضربت زيد، وكلمت محمد، كما يقف على المرفوع ~~بلا واو، وعلى المجرور بلا ياء، فيقول: هذا جعفر، ومررت بجعفر، وحدثنا أبو ~~علي أن أبا عبيدة حكى عنهم2: ضربت فرج. # وأنشد للأعشى3: # إلى المرء قيس أطيل السرى ... وآخذ من كل حي عصم4 # ولم يقل عصما PageV02P140 # وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه إلى قطرب1 أنه أنشد: # شئز جنبي كأني مهدأ ... جعل القين على الدف إبر2 # ولم يقل إبرا. # وقال الآخر3: # أعددت للورد إذا الورد ms232 حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز4 # ولم يقل خزخزا. وأخبرنا بعض أصحابنا عن قطرب أنه أنشد لعدي بن زيد5: # أتعرف أمس من لميس طلل ... مثل الكتاب الدارس الأحول6 # قد كنت بحرا كالفرات تمير ... الناس منه درمكا وحلل7 # ولم يقل طلالا، ولا حلالا. PageV02P141 # وأنشدنا له أيضا: # هل ترى من ظعن باكرة ... يتطلعن من النجد أسر1 # ولم يقل أسرا. هكذا روينا عنه. # قال: وسمعنا بعض العرب الفصحاء من بني حنظلة2 ينشد: # لما رأت في ظهري انحناء ... والمشي بعد قعس إحناء # أجلت وكان حبها إجلاء ... وجعلت نصف غبوقي ماء # ثم تقول من بعيد هاء ... دحرجة إن شئت أو إلقاء3 # قال: فوقف على هذا كله بغير ألف. # فإن جاز للفراء أن يحتج في دخول النون في الرجلان بقول من قال: رأيت ~~الرجلا، جاز أيضا لآخر أن يفسد أصل مذهبه في النكرة في قولهم عندي رجلان، ~~بأن من العرب من يقف على المنصوب المنون بغير ألف، فيقول: رأيت محمد، وكلمت ~~جعفر، وبهذه الأبيات التي أنشدناها وغيرها. # بل يقول: أنا أولى بالقول من الفراء لكثرة ما جاء عنهم من ضربت رجل، وقلة ~~ما جاء عنهم من ضربت الرجلا. PageV02P142 # فان احتج محتج بقول الشاعر1: # أقلي اللوم عاذل والعتابا ... ### | ............ ### | ............. # و2: # يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... ### | ............ ### | ............. # و3: ### | ............ ### | ............. # ... سقيت الغيث أيتها الخيامو4 # وقوله أيضا5: # أتنسى أن تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشامو6 # فإنما ألحقت هذه المدات في الوقف لتصحيح الوزن. ومن أجرى الشعر مجرى ~~الكلام قال في الوقف على القوافي بوقفه في الكلام، قال: # أقلي اللوم عاذل والعتاب ... ### | .............. ### | ............... # 7 PageV02P143 # و: ### | .............. ### | .............. # ... سقيت الغيث أيتها الخيام1 # و: # يا دار عمرة من محلتها الجرع ... ### | ............... ### | ............... # وجميع من يحذف هذه المدات إذا أجرى القافية مجرى سائر الكلام لم يقف إذا ~~صار إلى مثل قوله3: # قد رابني حفص فحرك حفصا4 # إلا بالألف بعد الصاد، فقد علمت أن من قال: العتابا، والجرعا5، والخيامو، ~~إنما يلحق الألف والواو لضرورة الشعر وإقامة وزنه. وأن من قال: ضربت زيد، ~~وكلمت محمد، فوقف بغير ألف، فليس حذفه الألف لضرورة الشعر، ألا ms233 ترى إلى ~~إجماع الجماعة على إثبات الألف في نحو: # قد رابني حفص فحرك حفصا6 # يقول هذا من يقول العتابا، ومن يقول العتاب، ومن يقول الخيامو، ومن يقول ~~الخيام، ومن يقول ومنزلي، ومن يقول ومنزل، ولم نسمعهم يقولون: فحرك حفص، ~~كما قال: العتاب، والخيام، ومنزل. # فإن قيل: فما تنكر أن يكونوا أيضا لم يقولوا: فحرك حفص، لئلا ينقص وزن ~~الشعر؟ PageV02P144 # فذلك فاسد من قبل أنهم قد قالوا: # أقلي اللوم عاذل والعتاب ... ### | ........ # و: ### | ........ # ... سقيت الغيث أيتها الخيام # فوقفوا قبل تمام الوزن، ألا ترى أن هذين من الوافر، وأن تقطيعهما: # أقل لل لو معاذل ول عتاب ... مفاعلين مفاعلتن فعول # وكذلك قول الآخر: # سقي تل غي ثأي يتهل خيام ... مفاعلين مفاعلتن فعول # فوقوفهم على لام فعولن دون نونها يدل على أن الوزن لم يتكامل، فلو كان ~~حذف الألف من قول من قال: كلمت جعفر، لضرورة الشعر لجاز أن يسمع عنهم: # قد رابني حفص فحرك حفص # فقد علمت بهذا أن ترك الألف في قولك: ضربت محمد إنما هو لغة، وليس ~~لضرورة، فلهذا كان الاحتجاج به على الفراء أقوى من احتجاجه بقول من يقول: ~~ضربت الرجلا، إذ ذلك إنما جاء في ضرورة الشعر، وليس بلغة مستقرة كقول من ~~قال: ضربت فرج، فإذا جاز له أن يحتج في دخول النون للتثنية بما جاء في ~~الضرورة من قولهم ضربت الرجلا، جاز أن يحتج غيره في سقوطها بلغة من قال: ~~ضربت فرج، وأشد ما في هذا أن يكون: ضربت الرجلا، في الكثرة كضربت محمد، فقد ~~حصلت رواية برواية، ولغة بلغة، وصح في ما بعد مذهب سيبويه1 في أن النون ~~دخلت عوضا مما منع الاسم من الحركة والتنوين، ولم يعترض عليه ما اعترض على ~~قول الفراء من كثرة التشعب والإلزامات والإفسادات والمعارضات. PageV02P145 # وأما قولهم: لا رجلين عندي، ولا امرأتين فيها، فإن أبا علي ذهب إلى أن ~~النون إنما ثبتت ههنا وإن كان الاسم مبنيا عنده، وهو مذهب سيبويه1، من قبل ~~أن النون زيادة لحقت حرف الإعراب كما تلحق الألف الواحد ms234 في الشعر نحو: لا ~~رجلا، وكما لحقت النون في نحو: ضربت اللذين في الدار، وإن لم يكن الواحد ~~معربا ولا منونا، وهذا يدفع ما ذهب إليه أبو العباس2 وغيره من أن المبني مع ~~لا إذا ثني أخرجته التثنية من البناء، فاعرفه. # وأما ما ذهب إليه البغداديون3 من أنه يجوز حذف نون التثنية، وإنشادهم في ~~ذلك: # قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما4 # قالوا: أراد: القدمان، فحذف النون، ونصبوا الحيات، وجعلوا الأفعوان وما ~~بعده بدلا منها. # فهذه رواية لا يعرفها أصحابنا، والصحيح عندنا هو ما رواه سيبويه: # قد سالم الحيات منه القدما ... ### | .............. # برفع الحيات ونصب القدم، نصب الأفعوان وما بعده بفعل مضمر دل عليه سالم؛ ~~لأنه قد علم أنها مسالمة كما أنها مسالمة، فكأنه قال في ما بعد: وسالمت ~~القدم الأفعوان والشجاع الشجعما، كما قال أوس بن حجر، وهو من أبيات الكتاب ~~أيضا5: PageV02P146 # تواهق رجلاها يداها ورأسه ... لها قتب خلف الحقيبة رادف1 # فرفع يداها بفعل مضمر، فكأنه قال: تواهق رجلاها يديها، وتواهق يداها ~~رجليها ثم حذف المفعولين في الموضعين، لأنه قد علم أن المواهقة لا تكون من ~~واحد، وهذا كثير جدا. # وأما قول امرئ القيس2: # لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر3 # فإن الكسائي قال4: أراد خظتا، فلما حرك التاء رد الألف التي هي بدل من ~~لام الفعل، لأنها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء، فلما حرك التاء ~~ردها، فقال: خظاتا. ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا وغزتا: قضاتا وغزاتا، ~~إلا أن له أن يقول: إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة ~~اللازمة في نحو: قولا، وبيعا، وخافا. # وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان5، فحذف النون. كما قال أبو داود ~~الإيادي6: PageV02P147 # ومتنان خظتان ... كزحلوف من الهضب1 # وأنشد الفراء أيضا: # يا حبذا عينا سليمى والفما2 # قال: أراد: والفمان، فحذف، يعني الفم والأنف، فثناهما بلفظ الفم للتجاور ~~الذي بينهما. # وأجاز الفراء أيضا أن تنصبه على أنه مفعول معه، كأنه قال: مع الفم. # ومذهب الكسائي في خظاتا أقيس عندي ms235 من قول الفراء، لأن حذف نون التثنية ~~شيء غير معروف. # فأما "الفما" فيجوز أن تنصبه بفعل مضمر، كأنه قال: وأحب الفما. ويجوز أن ~~يكون "الفما" في موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا، وعليه جاء بيت ~~الفرزدق3: # هما نفثا في في من فمويهما ... ### | ............ # 4 # فاعرفه. # ومما يؤكد عندك مذهب الكسائي في أنه أراد خظتا، فلما حرك التاء -وإن كانت ~~الحركة عارضة غير لازمة- رد الألف التي هي بدل من الواو التي هي لام الفعل، ~~PageV02P148 # قولهم: لحمر، في الأحمر، ولبيض، في الأبيض، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة ~~الهمزة المحذوفة لما ألقوها على لام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى ~~اللازم. ونحو من ذلك قوله: {لكنا هو الله ربي} [الكهف: 38] 1 وأصلها: لكن ~~أنا، فلما حذفت الهمزة للتخفيف، وألقيت فتحتها على نون لكن، صار التقدير: ~~لكننا، فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شدد وحلل، فأسكنوا ~~النون الأولى، وأدغموها في الثانية، فصارت لكنا، كما أسكنوا الحرف الأول من ~~شدد وحلل، وأدغموه في الثاني، فقالوا شد وحل، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل، ~~وهو "لكن أنا" مجرى المتصل في نحو شد وحل، ولم يقرأ أحد "لكننا" مظهرا، فهل ~~ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة. # وعلى هذا أيضا قوله تعالى {سل بني إسرائيل} [البقرة: 214] 2 و {سلهم أيهم ~~بذلك زعيم} [القلم: 40] 3 ونحو ذلك، وأصله اسأل، فلما خففت الهمزة، فحذفت، ~~وألقيت فتحتها على السين قبلها، اعتد بها، فحذفت همزة الوصل قبلها لتحرك ~~الحرف بعدها. ونظائر هذا كثيرة. # ومنها قولهم في تخفيف رؤيا: ريا4، وأصلها رويا، إلا أنهم أجروا الواو في ~~رويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة، فأبدلوها ياء، وأدغموها ~~في الياء بعدها، فقالوا ريا، كما قالوا: طويت طيا، وشويت شيا، وأصلها طويا، ~~وشويا، ثم أبدلوا الواو ياء، وأدغموها في الياء، فصارت طيا وشيا. فعلى هذا ~~قالوا ريا. ومن اعتد بالهمزة المنوية، وراعى حكمها -وهو الأكثر والأقيس- لم ~~يدغم، فقال: رويا. ومنه نوي في تخفيف نؤي. وغرضنا في هذا إنما ms236 هو ريا. # فهذا كله وغيره مما يطول ذكره يشهد بإجرائهم غير اللازم مجرى اللازم. ~~PageV02P149 # ويقوي مذهب الكسائي فى أن خظاتا معناه خظتا، وأنه أجرى الحركة العارضة ~~مجرى الحركة اللازمة على ما قدمنا ذكره. # إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبي داود: # ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب1 # فهذا يقوي أن خظاتا تقديره خظاتان. وأنشدوا بيتا آخر، وهو قوله2: # لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتا، وما بيننا عنز3 # يريد: ثنتان، فحذف النون. # فأما من ذهب إلى أن النون في التثنية عوض من التنوين وحده، وأنها إنما ~~تثبت مع لام المعرفة لأنها بحركتها أقوى من التنوين، فيفسد قوله عندي لأنه ~~لم يعوض من الحركة شيئا. # وقد دلت الدلالة الصحيحة عندنا على أن ألف التثنية ليس فيها تقدير حركة ~~في معناها، كما أنها ليست موجودة في لفظها، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الاسم ~~المثنى معربا كما كان الواحد معربا، فقد يجب أن يعوض من حركة إعرابه، فلهذا ~~قلنا: إن النون في التثنية عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين جميعا، ~~وهذه النون مخففة أبدا نحو رجلان وامرأتان، # فأما قولهم هذان و {فذانك برهانان} [القصص: 32] 4 واللذان، فإنما ثقلت في ~~هذه المواضع لأنهم عوضوا بثقليها من حرف محذوف، أما في هذان فهي عوض من ألف ~~ذا، وكذلك هي في اللذان عوض من ياء الذي، وهي في ذانك عوض من لام ذلك، وقد ~~يحتمل أيضا أن تكون عوضا من ألف ذلك. PageV02P150 # وحركة نون التثنية كسرة، وحركة نون الجمع الذي على حد التثنية فتحة، نحو ~~الزيدان والزيدون، وكلتاهما محركة لالتقاء الساكنين، وخالفوا الحركة للفرق ~~بين التثنية والجمع، وكانت نون التثنية أولى بالكسر من نون الجمع لأن قبلها ~~ألفا، وهى خفيفة، والكسرة ثقيلة، فاعتدلا، وقبل نون الجمع واو أو ياء، وهي ~~ثقيلة، ففتحوا النون ليعتدل الأمر. # فإن قلت: فقد تقول: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، فتكسر النون وقبلها ~~ياء، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان الياء كما هربت إلى الفتحة لمكان الياء في ~~نحو أين وكيف؟ فالجواب: أن ms237 الياء في نحو الزيدين والعمرين ليست بلازمة ~~كلزومها في أين وكيف، ألا تراك تقول في الرفع الذي هو الأصل -وإنما الجر ~~والنصب فرعان عليه:- رجلان وامرأتان، فلا تلزم الياء النون كما تلزم الياء ~~النون والفاء في أين وكيف، فلما كانت الياء غير لازمة في التثنية، وكان ~~الرفع الذي هو الأصل لا تجد فيه ياء، أجروا الباب على حكم الألف التي هي ~~أصل، وإنما الياء بدل منها، ولو أنهم فتحوا النون في الجر والنصب، وكسروها ~~في الرفع لاختلفت حال نون التثنية، على أن من العرب من يفتحها في حال الجر ~~والنصب تشبيها بأين وكيف، ويجرى الياء وإن كانت غير لازمة مجرى الياء ~~اللازمة، فيقول: مررت بالزيدين، وضربت العمرين. # وأنشدوا في ذلك1: # على أحوذيين استقلت عليهما ... فما هي إلا لمحة فتغيب2 # وفتحها بعضهم في موضع الرفع، قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد3: ~~PageV02P151 # أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا1 # وروينا عن قطرب لامرأة من فقعس2: # يارب خال لك من عرينه ... حج على قليص جوينه # فسوته لا تنقضي شهرينه ... شهري ربيع وجماديينه3 # وقد حكي أن منهم من ضم النون في نحو الزيدان والعمران، وهذان من الشذوذ ~~بحيث لا يقاس غيرهما عليهما. فهذه حال نون التثنية والجمع الذي على حد ~~التثنية، ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه ~~هذا الإشباع. # واعلم أن النون قد زيدت علامة للصرف، وهي المسماة تنوينا، وذلك نحو قولك ~~هذا رجل وغلام، ورأت رجلا وغلاما، ومررت برجل وغلام. وهذا التنوين هو نون ~~في الحقيقة، يكون ساكنا ومتحركا، فالساكن نحو زيدن، زيدن، زيدن، فهذه حاله ~~أبدا يكون ساكنا فيها لأنه حرف جاء لمعنى في آخر الكلمة نحو نون التثنية، ~~والجمع الذي على حد التثنية، وألف الندبة، وهاء تبيين الحركة، ولم تقع أولا ~~فيلزم أن تحرك نحو واو العطف وفائه وهمزة الاستفهام ولام الابتداء وغير ~~ذلك. ولا يحرك التنوين إلا في موضعين: # أحدهما: أن يحرك لالتقاء الساكنين، نحو: هذا زيدن العاقل، ورأيت محمدن ~~الكريم، ونظرت إلى ms238 جعفرن الظريف. وكذلك قولهم في الإنكار: أزيدنيه، كسروا ~~التنوين لسكونه وسكون حرف المد بعده. PageV02P152 # قال سيبويه: "وسمعنا من يوثق به يقول: هذا سيفني، يريد هذا سيف، ولكنه ~~تذكر بعده كلاما، فكسر التنوين كما تكسر دال قد"1 في قوله2: ### | ............ # ... وكأن قد # فجرى مجرى التقاء الساكنين. # والآخر: أن تلقى عليه حركة الهمزة المحذوفة للتخفيف، وذلك نحو قولك: هذا ~~زيدن بوك، ورأيت زيدن باك، ومررت بزيدن بيك. # وعلى هذا قراءة نافع3 "بقبسن وجد" [طه: 10] 4 و"إن الساعة آتيتن كاد ~~أخفيها" [طه: 15] و"من غير سوء ايتن خرى" [طه: 22] وما أشبه ذلك، فالتنوين ~~حرف -كما ترى- يتحمل الحركة كما تتحملها الجيم والقاف والصاد وغيرهن من ~~الحروف، ويكون ساكنا ومتحركا كسائر الحروف غير المدة المنفتحة في نحو قام ~~وحمار وكتاب، وإنما لم يثبت في الخط لأنه ليس مبنيا في الكلمة، وإنما جاء ~~لمعنى في بعض الأسماء، وهي المفردة المنصرفة، وتبع أيضا الحركات اللاحقة ~~بعد تمام الحرف نحو رجل وامراة وإيه وصه وغاق5، فلما تبع الحركة اللاحقة ~~للكلمة، ولم يكن مبنيا معها، ولم يلحق سائر الكلم ضعف في المرتبة، فحذف في ~~الخط لئلا يشبه النون الأصلية، نحو قطن6، ورسن7، أو الملحقة الجارية مجرى ~~الأصلية، PageV02P153 # نحو رعشن1، وضيفن2، وخلبن3، وعلجن4، وفرسن5، وكذلك أيضا حذف من اللفظ في ~~الوقف، فقالوا: هذا صالح، ومررت بجعفر، ولم يقفوا عليه لما ذكرناه من ~~كراهيتهم شبهه بحرف الإعراب. # فإن قلت: إن الهاء التي تبين بها الحركة زائدة أيضا ولاحقة في الوقف، ومع ~~ذلك فقد أثبتوها في اللفظ والخط، فقالوا: ارمه، واغزه، وهنه، وضربتكنه، ~~وقال6: # ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت، فقلت: إنه7 # في أحد القولين8، فلم أثبتت الهاء وحذف التنوين؟ # فالجواب: أن بين الحرفين فرقا، وذلك أن هذه الهاء إنما هي أحد لواحق ~~الوقف، والخط إنما وضع على الوقف دون الوصل، ولذلك أثبتت فيه همزات الوصل، ~~فقالوا: ألا اضرب زيدا، ويا محمد اقتض بكرا، فكأنهم قالوا: "ألا" ثم قالوا ~~مبتدئين: اضرب زيدا، وكأنهم قالوا: يا محمد، ثم استأنفوا، فقالوا: اقتض ~~بكرا، فلما كان موضوع ms239 الخط إنما هو على الوقف، وكانت هذه الهاء إنما هي من ~~أغراض الوقف ثبتت في الخط، وليس التنوين كذلك، إنما هو لاحق في الوصل علامة ~~للخفة والتمكن وفصلا بين المتحركات في الإدراج، فلما صرت إلى الوقف، وزال ~~الإدراج استغني عنه، فحذف لذلك، ولما كنا قدمناه أيضا من ضعفه ومخافة شبهه ~~بحرف الإعراب. PageV02P154 # فأما إنشاد بعض العرب1: ### | ............ # ... سقيت الغيث أيتها الخيامن2 # و: # أقلي اللوم عاذل والعتابن ... ### | ............ # 3 # و: # يا أبتا علك أو عساكن4 # و5: # داينت أروى والديون تقضن6 # و7: # وقاتم الأعماق خاوي المخترقن8 # فإن لهذا التنوين حكما غير حكم ما لحق علامة للخفة والتمكن، ألا تراه قد ~~لحق الفعل في نحو تقضن، والضمير في نحو عساكن، ومع لام المعرفة في: ~~الخيامن، والعتابن، والمخترقن. # وسنذكر حال التنوين في انقسامه، ووجوه مواقعه في كلام العرب مستقصى بإذن ~~الله. PageV02P155 # اعلم أن التنوين يقع في كلام العرب على خمسة أضرب: # أحدها: # أن يكون فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وذلك نحو عثمان معرفة وعثمان ~~نكرة، وأحمد معرفة وأحمد نكرة؛ ألا ترى أنك إذا قلت لقيت أحمدا فإنما كلفت ~~المخاطب أن يرمي بفكره إلى واحد ممن اسمه أحمد، ولم تكلفه علم شخص معين، ~~وإذا قلت: لقيت أحمد فإنما تريد أن تعرفه أنك لقيت الرجل الذي اسمه أحمد، ~~وبينك وبينه عهد متقدم فيه، فالتنوين هو الذي فرق بين هذين المعنيين. # والثاني: # أن يكون التنوين دليلا على التنكير، ولا يوجد هذا القسم في معرفة البتة، ~~ولا يكون إلا تابعا لحركات الإعراب، وذلك نحو قولك: إيه، وغاق، وصه، ومه، ~~وإيها1، وواها2، وحيهلا3، فإذا نونت فكأنك قلت في إيه: استزادة، وإذا قلت ~~إيه فكأنك قلت: الاستزادة، فصار التنوين علم التنكير وتركه علم التعريف، ~~قال ذو الرمة4: # وقفنا فقلنا إيه أم سالم ... وما بال تكليم الديار البلاقع5 # فكأنه قال الاستزادة. # وأما من أنكر6 هذا البيت على ذي الرمة فإنما خفي عليه هذا الموضع. وكذلك ~~إذا قلت في حكاية صوت الغراب: غاق غاق، فكأنك قلت: بعدا بعدا فراقا فراقا، ~~فإذا قلت: ms240 غاق، فكأنك قلت: البعد. وكذلك صه تقديره سكوتا، وصه تقديره ~~السكوت. ومه معناه كفا، ومه معناه الكف، إلا أن صه ومه فى المعرفة ساكنا ~~PageV02P156 # الأواخر، لأن الصاد والميم قبلها متحركتان، فلم يلتق ساكنان كما التقيا ~~في إيه وغاق، الياء والهاء، والألف والقاف، فتحركت الهاء في إيه، والقاف في ~~غاق لسكونها وسكون ما قبلها، فلما صرت إلى التنكير أتيت بالتنوين دلالة ~~عليه. فأما صه ومه فإنما كسرت أواخرهما مع التنوين في النكرة وقد كان ~~آخرهما ساكنا في المعرفة من قبل أن التنوين لما جاء دليلا على التنكير وهو ~~ساكن، والهاء قبله ساكنه، كسرت الهاء لسكونها وسكون التنوين بعدها، فقالوا ~~صه ومه. وكذلك جميع ما هذه حاله من المبنيات، إذا اعتقد في ما دلت عليه ~~التنكير نونت، وإذا اعتقد فيه التعريف حذف منها التنوين. # ومن ذلك قولهم أيضا في المعرفة: سيبويه، وعمرويه، وحمدويه، هو مكسور ~~الآخر في كل حال، قال1: # ياعمرويه انطلق الرفاق ... وأنت لا تبكي ولا تشتاق2 # فإذا نكرت قلت: سيبويه، وعمرويه، وحمدويه، وزيدويه، إلا أن هذا التنوين ~~لا يكون إلا بعد حركة البناء في النكرات خاصة، وليس كتنوين زيد وبكر الذي ~~يكون بعد حركات الإعراب في المعرفة والنكرة جميعا. # والثالث: # أن يكون التنوين في جماعة المؤنث معادلا للنون في جماعة المذكر، وذلك إذا ~~سميت رجلا بمسلمات، أو قائمات قلت في المعرفة: هذا مسلمات، ومررت بمسلمات، ~~وإن مسلمات عاقل، فتثبت التنوين ههنا، كما أنك إذا سميت رجلا بمسلمون قلت: ~~هذا مسلمون، ورأيت مسلمين، ومررت بمسلمين، والتنوين إنما يثبت في مسلمات ~~اسم رجل معرفة كما تثبت النون في مسلمين اسم رجل، والتاء والضمة بمنزلة ~~الواو في مسلمون، كما أن التاء والكسرة بمنزلة الياء في مسلمين، إلا أن ~~التنوين في مسلمات اسم رجل معرفة ليس علامة للصرف بمنزلة تنوين زيد وعمرو، ~~ويدلك على صحة ذلك أنه قد اجتمع في مسلمات معرفة التأنيث والتعريف كما ~~اجتمع في طلحة وحمزة التعريف والتأنيث، فإذا كان ذلك كذلك فالتنوين في ~~مسلمات معرفة PageV02P157 # ليس علامة للصرف بمنزلة تنوين ms241 رجل وفرس، وإنما هو بمنزلة نون مسلمين، ~~فكما أن تلك النون ليست علما للصرف، فكذلك تنوين مسلمات ليس علما للصرف. # فإن قيل: فإن سيبويه قد قال: "إن عرفات منصرفة"1 وقد اجتمع فيها -كما ~~علمت- التعريف والتأنيث، فما أنكرت أن يكون تنوين مسلمات علما للصرف على ما ~~حكيناه من قول سيبويه؟ # فالجواب: أن سيبويه إنما أراد بقوله: "إن عرفات مصروفة" أن فيها تنوينا ~~كما أن في رجل وفرس تنوينا، ألا ترى أن في عرفات من التعريف والتأنيث ما ~~يمنع الصرف. إلى هذا رأيت أبا علي يذهب، وبهذا الاستدلال استدل. # واعلم أن من العرب من يشبه التاء في مسلمات معرفة بتاء التأنيث في طلحة ~~وحمزة، ويشبه الألف التي قبلها بالفتحة التي قبل تاء التأنيث، فيمنعها ~~حينئذ من الصرف، فيقول: هذه مسلمات مقبلة، كما تقول: هذه سعدة مقبلة، وعلى ~~هذا بيت امرئ القيس: # تنورتها من أذرعات2 وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي3 # وقد أنشدوه: من أذرعات4. قال الأعشى5: # تخيرها أخو عانات شهرا ... ورجى برها عاما فعاما6 # وعلى هذا ما حكاه سيبويه من قولهم: "هذه قريشيات"7 غير مصروفة. ~~PageV02P158 # فإن سأل سائل، فقال: ما تقول في من قال: هذه أذرعات ومسلمات، فشبه تاء ~~الجماعة بتاء الواحد، فلم ينون للتعريف والتأنيث؟ وكيف يقول إذا نكر أينون ~~أم لا؟ # فالجواب: أن التنوين مع التنكير واجب هنا لا محالة لزوال التضعيف، فأقصى ~~أحوال أذرعات إذا نكرتها في من لم يصرف أن تكون كحمزة إذا نكرتها، فكما ~~تقول: هذا حمزة ومعه حمزة آخر، فتصرف النكرة لا غير، فكذلك تقول عندي ~~مسلمات ونظرت إلى مسلمات أخر، فتنون مسلمات نكرة لا محالة. # فإن قال قائل: أتقول في تنوين مسلمات هذه النكرة إنه علامة للصرف كتنوين ~~غلام وجارية، أم تقول إنه نظير نون مسلمون، وليس علامة للصرف، كما أن نون ~~مسلمون ليست علامة للصرف؟ # فالجواب: أن تنوين مسلمات إذا نكرتها في قول من يقول في تعريفها هذه ~~مسلمات، فلا يصرف لشبه تاء الجماعة بهاء الواحد، تنوين علامة للصرف بمنزلة ~~تنوين زيد وبكر، وليس ms242 كنون مسلمون، لأن مسلمات على هذا الوجه يجري مجرى ~~حمزة، فكما أن تنوين حمزة في النكرة علم للصرف، فكذلك تنوين مسلمات اسما ~~لرجل أو امرأة علم للصرف. # فإن قال قائل: ما تقول في قول من قال في اسم رجل: هذا مسلمين، فلزم الياء ~~قبل النون البتة، وجعل النون حرف الإعراب، فأجرى عليها الضمة والفتحة ~~والكسرة، فقال: هذا مسلمين، ورأيت ملسمينا، ومررت بمسلمين، كيف تقول على ~~هذه اللغة في مسلمات إذا سمى به رجلا أو امرأة؟ # فالجواب: أن قياس من قال هذا مسلمين، فأعرب النون أن يقول في مسلمات علما ~~هذه مسلماتن، فيكسر التاء في كل حال كما لزم الياء في مسلمين في كل حال، ~~ويجري على النون بعد التاء في مسلماتن حركات الإعراب كما أجراها على نون ~~مسلمين، إلا أن هذا قياس مرفوض لما يؤدي إليه من الذهاب عن الأصول، وذلك ~~أنك لو تكلفت ذلك، فقلت: هذا مسلماتن. فجعلت النون حرف الإعراب لصارت التاء ~~التي هي علم التأنيث حشوا في الكلمة. # PageV02P159 # ومحال أن يقع على التأنيث إلا آخرا طرفا، ولهذا قال أصحابنا1: إن من قال ~~في الإضافة إلى دنيا: دنياوي، فإن الألف في دنياوي ليست الألف التي في ~~دنيا، وذلك أنه لما آثر في الإضافة مد الكلمة زاد قبل الألف التي في دنيا ~~ألفا أخرى، فالتقت ألفان، فوجب تحريك الآخرة، فانقلبت في التقدير همزة وإن ~~لم يخرج ذلك إلى اللفظ، فصار التقدير دنياء، ثم نسب إليها، فقال دنياوي كما ~~تقول في حمراء: حمراوي، وإنما زاد الألف قبل ألف دنيا، وجعل ألف دنيا آخرا ~~طرفا منقلبة همزة لئلا يقع علم التأنيث حشوا، فاعرف ذلك، فان له نظائر في ~~كلام العرب. # وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب بما ذكرناه على من قال هذا مسلمين، فجعل ~~النون حرف الإعراب، ولزم الياء قبلها البتة أن يقول في المؤنث هذه مسلمات، ~~فيوافق الذين يقولون هذا مسلمون، لما ذكرناه من كراهيتهم مصير علم التأنيث ~~حشوا في مسلماتن لو تكلفه متكلف. # فأما من قال: هيهات هيهات، ففتح، ms243 فحكمه أن يقف بالهاء لأنها بمنزلة علقاة ~~وأرطاة2، وهيهات -على هذا- اسم واحد كما أن علقاة وأرطأة اسم واحد، فمن ~~نون، فقال هيهاة فإنه نوى النكرة على ما قدمناه في صه وإيه، فكأنه قال: ~~بعدا بعدا، ومن لم ينون فإنه نوى المعرفة، فكأنه قال: البعد البعد. # فأما إذا صرت إلى الجماعة فإن نظير قول من فتح الهاء في الواحد، فقال ~~هيهات، أن يقول في الجماعة هيهات، فيكسر التاء في الجماعة بغير تنوين، كما ~~فتح الهاء في الواحد بغير تنوين، ومن كان يقول في الواحد هيهاة فينون، ~~ويعتقد التنكير، فنظيره في الجماعة أن يقول هيهات، فيكسر التاء وينون إرادة ~~للتنكير، كما أنه لما أراد التعريف لم ينون، فقال هيهات، وذلك أن بإزاء فتح ~~تاء الواحد كسر تاء الجماعة، والتنوين على هذا في هيهات هو علم التنكير ~~بمنزلة تنوين صه ومه وإيه، وتكون هيهاة وهيهات عنده معربة منصوبة على الظرف ~~فإن التنوين في هيهات عنده بمنزلة تنوين مسلمات لا فرق بينهما، فيجوز في ~~هيهات على هذا أن تكون نكرة. PageV02P160 # وقد أجاز أبو العباس1 فيها أيضا أن تكون مع التنوين معرفة بمنزلة مسلمات ~~معرفة، أخبرنا بذلك أبو علي في مسائله2 المصلحة من كتاب أبي إسحاق رحمه ~~الله. # والرابع من وجوه التنوين، وهو أن يلحق أواخر القوافي معاقبا بما فيه من ~~الغنة لحروف اللين، وهو في ذلك على ضربين: # أحدهما: أن يلحق متمما للبناء ومكملا له. # والآخر: أن يلحق زيادة بعد استيفاء البيت جميع أجزائه نيفا من آخره ~~بمنزلة الزيادة المسماة خزما من أوله. # الأول من هذين نحو قول امرئ القيس في إنشاد كثير من بني تميم3 وقيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلن ... ### | .............. # 4 # ونحو قول الآخر5: ### | ............... # ... لم يعلم لنا الناس مصرعن6 # وقد ألحقوه أيضا مع لام المعرفة، قال جرير: ### | .............. # ... سقيت الغيث أيتها الخيامن7 PageV02P161 # وقد أدخلوه أيضا على الفعل، فقالوا: # داينت أروى والديون تقضن1 # وجاءوا به أيضا مع المضمرة نحو قوله: # يا أبتا علك أو عساكن2 # فهذه النون في جميع هذه المواضع وما أشبهها ms244 غير زائدة على بناء البيت ~~ونظمه، بل بها تم الجزء الأخير، ألا ترى أن النون في منزلن، ومصرعن، إنما ~~هي نون مفاعلن، وهي أيضا في العتابن، والخيامن نون فعولن، وكذلك هي في ~~تقضن، وعساكن نون فعولن. # وأما إلحاقها نيفا من آخر البيت بمنزلة الخزم من أوله نحو ما أنشده أبو ~~الحسن من قول رؤبة، وذكر أن بعض العرب ينشده: # وقائم الأعماق خاوي المخترقن # فهذه النون في المخترقن زيادة، لأن القاف قد كملت وزن البيت. # وسمى أبو الحسن3 هذه النون الغالي، وسمى الحركة التي قبلها الغلو. # وكذلك قول الآخر: # ومنهل وردته طام خالن4 # وذكر أبو الحسن عن يونس أنه سمع رؤبة ينشده هكذا. وإنما زادوا هذه النون ~~في هذا الموضع ونحوه بعد تمام الوزن؛ لأن من عادتهم أن يلحقوه في ما يحتاج ~~إليه الوزن، نحو: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلن ... ### | ..... ### | ..... ### | ..... # PageV02P162 # و: # الحمد لله الوهوب المجزلن1 # و: ### | ............ # ... سقيت الغيث أيتها الخيامن # و: # أقلي اللوم عاذل والعتابن ... ### | ............ # فلما اعتادوه في ما يكمل وزنه ألحقوه أيضا في ما هو مستغن عنه. # الخامس من وجوه التنوين: أن يلحق عوضا من الإضافة، وذلك نحو قولهم: يومئذ ~~وليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ، وكذلك قول الشاعر2: # نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح3 # وإنما أصل هذا أن تكون إذ مضافة فيه إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، ونحو: ~~جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: {إذ ~~الأغلال في أعناقهم} [غافر: 71] 4. # وقال القطامي5: # إذ الفوارس من قيس بشكتها ... حولي شهود، وما قومي بشهاد6 PageV02P163 # وأما من فعل وفاعل، نحو قمت إذ قام زيد، وجلست إذ سار محمد، قال الله ~~تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: 80] 1، {وإذ قتلتم نفسا} [البقرة: ~~72] 2 # وقال الأعشى3: # إذ سامه خطتي ... خسف فقال له # مهما تقله فإني سامع حار4 # فلما اقتطع المضاف في نحو قوله تعالى {من عذاب يومئذ} [المعارج: 11] 5 و ~~{يومئذ يصدعون} [الروم: 43] 6 أي: يوم إذ ذاك كذلك يصدعون7: فلما حذف ~~المضاف إليه إذ عوض منه التنوين، ms245 فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت ~~الذال لالتقاء الساكنين، فقيل: يومئذ، وليست هذه الكسرة في الذال كسرة ~~إعراب وإن كانت إذ في موضع جر بإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها ~~لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في "صه ومه" لسكونها وسكون ~~التنوين بعدها وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضا من المضاف ~~إليه، وفي صه علما للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال إذ إنما هي حركة ~~التقاء الساكنين، وهما هي والتنوين قول الآخر: ### | ............... # ... وأنت إذ صحيح PageV02P164 # فأما قول أبي الحسن1 إنه جر إذ لأنه أراد قلبها حين، ثم حذفها، وبقي الجر ~~فيها، وتقديره حينئذ، فساقط غير لازم، ألا ترى أن الجماعة قد أجمعت على أن ~~إذ، وكم، ومن من الأسماء المبنية على الوقف. # وقد قال أيضا أبو الحسن نفسه في بعض التعاليق عنه في حاشية الكتاب: بعد ~~"كم، وإذ" من المتمكنة أن الإعراب لم يدخلها قط. فهذا تصريح منه ببناء إذ، ~~وهو الأليق به والأشبه باعتقاده، وذلك القول الذي حكيناه عنه شيء قاله في ~~كتابه الموسوم بمعاني القرآن، وإنما هو شبيه بالسهو منه، على أن أبا علي قد ~~اعتذر له منه بما يكاد يكون عذرا. # ويؤكد عندك ما ذكرته من بناء إذ أنها إذا أضيفت فهي مبنية، وذلك نحو قوله ~~عز اسمه: {إذ الأغلال في أعناقهم} [غافر: 71] 2 {وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت} [البقرة: 127] 3 {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب: 37] 4 ~~وقول القطامي5: # إذ لا ترى العين إلا كل سابحة ... وسابح مثل سيد الردهة العادي6 # "إذ" في هذا كله ونحوه مضافة إلى الجمل بعدها، وموضعها نصب، وهي كما ترى ~~مبنية، فإذا كانت في حال إضافتها إلى الجمل مبنية من حيث كانت الإضافة إلى ~~الجملة كلا إضافة، لأن من حق الإضافة وشرطها أن تقع إلى الأفراد، فهي إذا ~~لم تضف في اللفظ أصلا أجدر باستحقاق البناء، وذلك نحو يومئذ وحينئذ. ~~PageV02P165 # ويزيد ذلك وضوحا لك قراءة الكسائي " من عذاب يومئذ" [المعارج: 11] 1 ms246 فبنى ~~"يوم" على الفتح لما أضافه إلى مبني غير متمكن، كما بنى النابغة "حين" على ~~الفتح لما أضافه إلى مبني غير معرب في قوله2: # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع3 # وكذلك قول الآخر4: # على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب5 # وقال -وهو لبيد-6: # على حين من تلبث عليه ذنوبه ... يرث شربه إذ في المقام تداثر7 # وكذلك بيت الكتاب أيضا: PageV02P166 # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أوقال1 # فكما بنيت هذه الأشياء وغيرها مما يطول ذكره من حيث كانت مضافة إلى مبني، ~~فاكتست من معناه في البناء، كذلك أيضا بني "يوم" لإضافته إلى "ذا" المبنية ~~في قراءة من قرأ: "من عذاب يومئذ"، فإذا صح بما ذكرناه أن "إذ" مبنية علمت ~~أن الكسرة في ذال "يومئذ" إنما هي حركة ساكنين، وهما هي والتنوين، وأن ~~ماعدا هذا القول فساقط غير متقبل. # فإن قال قائل: فإذا كانت "إذ" إنما بنيت من حيث كانت متقطعا منها ما ~~أضيفت إليه أو مضافة إلى جملة، تجري الإضافة إليها مجرى لا إضافة، فهلا ~~أعربت لما أضيفت إلى المفرد في نحو قولهم: قمت إذ ذاك، وفعلت إذ ذاك، قال2: # هل ترجعن ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا3 # فالجواب أن هذه مغالطة من السائل، وذلك أن "ذاك" في قولنا: فعلت إذ ذاك، ~~ليست مجرورة ولا "إذ" مضافا إليها وحدها، وإنما "ذاك" في هذا الموضع مرفوعة ~~بالابتداء، وخبرها محذوف، والتقدير: فعلت إذ ذاك كذلك، فحذف خبر المبتدأ ~~تخفيفا وعلما بأن "إذ" لا تضاف إلى المفرد، وإذا كانوا قد حذفوا خبر ~~المبتدأ في الموضع الذي يجوز أن تكون الإضافة فيه إلى الواحد، نحو ما أنشده ~~سيبويه من قوله: # أيام جمل خليلا لو يخاف لها ... هجرا لخولط منه العقل والجسد4 ~~PageV02P167 # ألا ترى أن "أيام" مضافة إلى المبتدأ والخبر في المعنى، وأن تقديره: أيام ~~جمل أكرم بها خليلا. وغير مستنكر في غير هذا البيت أن تضاف "أيام" إلى ms247 ~~المفرد نحو: أيام زيد، وأيام عمرو، وأيام الشباب، وأيام السرور، فإن يحذف ~~خبر المبتدأ من الجملة المضاف إليها من الظروف ما لا يضاف إلا إلى الجملة ~~أجدر، لأن الدلالة عليه أقوى. # ونظير هذا ما ذهب إليه أبو العباس في قول الآخر: # طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء1 # وذلك أنه ذهب إلى أن كسرة أوان ليست إعرابا، ولا علما للجر، ولا أن ~~التنوين الذي بعدها هو التابع لحركات الإعراب، وإنما تقديره عنده أن "أوان" ~~بمنزلة "إذ" في أن حكمه أن يضاف إلى الجملة نحو قولك: جئتك أوان قام زيد، ~~وأوان الحجاج أمير، أي: إذ ذاك كذلك، قال: فلما حذف المضاف إليه "أوان" عوض ~~من المضاف إليه تنوينا. والنون عنده كانت في التقدير ساكنة كسكون ذال "إذ" ~~لالتقاء الساكنين. فهذا شرح هذه الكلمة، وقول أبي العباس هذا غير مرض، لأن ~~أوانا قد يضاف إلى الآحاد، نحو قوله: # هذا أوان الشد فاشتدي زيم2 # وقوله: # فهذا أوان العرض ### | .... # ... ### | ............ # 3 # وغير ذلك. PageV02P168 # فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك فهلا حركوا التنوين في "يومئذ وأوان" ~~لسكونه وسكون الذال والنون قبله، ولم حركوهما لذلك دونه؟ # فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يقولوا "إذن" فيشبه التنوين الزائد ~~النون الأصلية، وقد تقدم القول في هذا، وأيضا فلو فعلوا ذلك في "إذ" لما ~~أمكنهم أن يفعلوه في "أوان"، لأنهم لو آثروا إسكان النون لما قدروا على ~~ذلك، لأن الألف قبلها ساكنة، فكان يلزمهم من ذلك أن يكسروا النون لسكونها ~~وسكون الألف، ثم يأتي التنوين بعدها، فكان لا بد أيضا من أن يقولوا: أوان. # فإن قال قائل: فلعل على هذا كسرهم النون من "أوان" إنما هو لسكونها وسكون ~~الألف قبلها دون أن يكون كسرهم إياها لسكونها وسكون التنوين بعدها. # فالجواب: ما تقدم من كسرهم ذال "إذ" لسكونها وسكون التنوين بعدها، فعلى ~~هذا ينبغي أن يحمل كسر النون من "أوان" لئلا يختلف الباب، ولأن "أوان" أيضا ~~لم ينطق به قبل لحاق التنوين لنونه فيقدر مكسور النون لسكونها ms248 وسكون الألف ~~قبلها، إنما حذف منها المضاف إليه، وعوض التنوين عقيب ذلك، فلم يوجد له زمن ~~يلفظ به بلا تنوين فيلزم القضاء بأن نونه إنما كسرت لسكون الألف قبلها، ~~فاعرف ذلك من مذهب أبي العباس. # وأما الجماعة غيره وغير أبي الحسن فعندها أن "أوان" مجرورة بلات، وأن ذلك ~~لغة شاذة، وروينا عن قطرب قال: قرأ عيسى: "ولات حين مناص" [ص: 3] 1 بالجر. # ومما يسأل عنه من أحوال التنوين قولهم: "جوار وغواش" ونحو ذلك: لأيه علة ~~لحقه التنوين وهو غير منصرف لأنه على وزن مفاعل؟ PageV02P169 # فالجواب عن ذلك ما ذهب إليه الخليل وسيبويه1، وذلك أنهما ذهبا إلى أن هذا ~~لما كان جمعا، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضا الجمع الأكبر الذي تتناهى ~~إليه الجموع، وذلك أنك تقول: كلب وأكلب، ثم تجمع الجمع، فتقول أكالب، ونحوه ~~عبد وأعبد وأعابد، قال أبو داود2: # لهق كنار الرأس بالعلياء ... تذكيها الأعابد3 # ويقولون: سقاء4 وأسقية وأساق، وشفاء5 وأشفية وأشاف، فزاده ما ذكرناه ~~ثقلا، ووقعت مع ذلك في آخره الياء، وهي مستثقلة، فلما اجتمعت فيه هذه ~~الأشياء خففوه بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال مفاعل، وصار "جوار ~~وغواش" بوزن جناح، فدخله التنوين لنقصانه عن مثال مفاعل، فقلت: جوار وغواش ~~ومجار. # يدلك على أنه لما نقص في حال الرفع والجر عن مثال مفاعل لحقه التنوين ~~لنقصانه أنك إذا صرت إلى حال النصب، فجرى مجرى الصحيح كما من عادة المنقوص ~~إذا نصب فأتممته، فقلت: رأيت جواري وغواشي وعوالي، ونحو ذلك. # وذهب أبو إسحاق إلى أن التنوين في "جوار" ونحوه إنما هو بدل من الحركة ~~الملقاة لثقلها عن الياء، فلما جاء التوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي ~~والتنوين، كما حذفت من المنصرف في نحو: قاض وغاز ومشتر ومتعال. # وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق غير مرض من القول، ولا سائغ في القياس، وقد ~~ترك قول سيبويه والخليل6، وخالفهما إلى خلاف الصواب، وذلك أن الياء في باب ~~"جوار" ونحوه في الرفع والجر قد عاقبت الحركة، فلم تجتمع معها، فلما ms249 ~~ناوبتها PageV02P170 # فلم تجامعها صارت بدلا منها ووسيلة لها، فكما لا ينبغي أن يعوض من الحركة ~~وهي موجودة، فكذلك لا ينبغي أن يعوض من الحركة وهناك من الياء ما يعاقبها ~~ويكون بدلا منها. وأيضا فلو كان التنوين في "جوار" إنما هو عوض من حركة ~~الياء في الرفع والجر لوجب أيضا أن يعوضوا من ضمة الياء والواو في نحو: ~~يقضي ويغزو. # فإن قلت: إنهم إنما رفضوا ذلك في الفعل من قبل أن الأفعال لا يليق ~~التنوين بها، ولا له مدخل فيها. # فالجواب: أن الفعل إنما يمتنع فيه من التنوين ما كان دالا على الخفة ~~والتمكن، فأما غير ذلك من التنوين فقد أدخل عليه في نحو1: # داينت أروى والديون تقضن2 # ونحو قول جرير3: ### | ............. # ... وقولي إن أصبت لقد أصابن4 # ونحو قول امرئ القيس5: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلن ... ### | ............ # 6 # وقوله7: PageV02P171 ### | ............. # ... وأنك مهما تأمري القلب يفعلن1 # وقول العجاج: # من طلل كالأتحمي أنهجن2 # والتنوين الذي في جوار وغواش، على قول أبي إسحاق، ليس بالتنوين اللاحق ~~بعد حركات الإعراب دلالة على التمكن والخفة وعلما للصرف، إنما هو عنده عوض ~~من الحركة، فكما أن الحركة ليست علما للصرف، ولا الاسم مختص بها دون الفعل، ~~فكذلك كان يلزمه على قوله هذا أن يعوض من حركة نحو: يغزو ويقضي تنوينا، ~~فيقول يغزن ويقضن، ويحذف لام الفعل لسكونها وسكون التنوين بعدها كما حذفها ~~في قوله: ### | .... # والديون تقضن # وهذا الذي ألزمناه أبا إسحاق على مذهبه الذي حكيناه عنه غير لازم للخليل ~~وسيبويه ومن قال بقولهما، لأن التنوين عندهما3 في "جوار" وبابه إنما هو ~~التنوين الذي هو علم الصرف، وليس بعوض من الحركة المحذوفة، فيلزم أن يلحقاه ~~الفعل عوضا من الحركة المحذوفة منه. # ومما يسأل عنه مما يقرب من هذا الضرب ما أنشده أبو زيد في نوادره، وقرأته ~~على أبي علي يرفعه إليه بإسناده4: PageV02P172 # هل تعرف الدار ببيدا إنه ... دار لليلى قد تعفت إنه1 # فإن سأل سائل، فقال: ما تقول في قوله: ببيدا إنه؟ هل تجيز أن يكون صرف ~~بيداء ضرورة، فصارت ms250 في التقدير: بيداء، ثم إنه شدد التنوين ضرورة على حد ~~التثقيل في قوله2: # ضخم يحب الخلق الأضخما3 # ونحو قول الآخر4: # كأن مهواها على الكلكل5 # وغير ذلك مما أثبتناه في أول كتابنا هذا، وفي غيره مما صنفناه وأمللناه، ~~فلما ثقل التنوين واجتمع ساكنان فتح الثاني من الحرفين لالتقائهما، ثم ألحق ~~الهاء لبيان الحركة كما يلحقها في: هنه ولكنه. # فالجواب: أن هذا غير جائز في القياس، ولا سائغ6 في الاستعمال، وذلك أن ~~هذا التثقيل إنما أصله أن يلحق في الوقف على ما قدمنا ذكره، ثم إن الشعراء ~~تضطر إلى إجراء الوصل مجرى الوقف، فيقولون: سبسبا7، وكلكلا، والأضخما، ونحو ~~ذلك. PageV02P173 # فأما إذا كان الحرف مما لا يثبت في الوقف البتة مخففا فهو من التثقيل في ~~الوصل والوقف أبعد، ألا ترى أن التنوين مما يحذفه الوقف، فلا يوجد فيه ~~البتة، فإذا لم يوجد في الوقف أصلا فلا سبيل إلى تثقيله، لأنه إذا انتفى ~~الأصل الذي هو التخفيف، فالفرع الذي هو التثقيل أشد انتفاء. # فإن قلت: فما تقول أنت في ذلك؟ # فالجواب: أن البيت يحتمل ثلاثة أوجه أجاز أبو علي جميعها: # فأحدها: أن يكون أراد ببيدا، ثم ألحق "إن" الخفيفة، وهي التي تلحق ~~للإنكار في نحو ما حكاه سيبويه من قول بعضهم وقيل له: "أتخرج إلى البادية ~~إن أخصبت؟ فقال: أأنا إنيه! منكرا لأن يكون رأيه على خلاف الخروج"1 كما ~~تقول: ألمثلي يقال هذا؟ أي: أنا أول خارج إليها، فكذلك هذا الشاعر أراد: ~~أمثلي يعرف ما لا ينكره، ثم إنه شدد النون في الوقف، ثم أطلقها وبقى ~~التثقيل بحاله فيها على حد "سبسبا"، ثم ألحق الهاء لبيان الحركة نحو: ~~{كتابيه} [الحاقة: 19] و {حسابيه} [الحاقة: 20] و {اقتده} [الأنعام: 90] . # والوجه الآخر: أن يكون أراد "إن" التي بمعنى "نعم" في نحو قوله: ### | ............ # ... ### | .... # فقلت إنه2 # أي: نعم، وأجل. # والوجه الثالث: أن يكون أراد "إن" التي تنصب الاسم وترفع الخبر، وتكون ~~الهاء في موضع النصب، لأنها اسم إن، ويكون الخبر محذوفا، كأنه قال: إن ~~الأمر كذلك. وعلى هذا حمل أبو ms251 بكر3 قول الشاعر: PageV02P174 ### | ......... # ... ### | .... # فقلت: إنه1 # فجوز أن يكون بمعنى نعم، وأن يكون أيضا بمعنى: إن الأمر كذلك، فحذف ~~الخبر، لأن عنايته إنما هي بإثبات الشيب، كما حذف الأعشى الخبر أيضا، ~~فقال2: # إن محلا وإن مرتحلا ... ### | .............. # 3 # أي: أن لنا محلا ومرتحلا. قال: وحسن حذف الخبر أن العناية منه إنما هي ~~بإثبات المحل والمرتحل دون غيره، فيكون الشاعر في قوله: "ببيدا إنه" قد ~~أثبت أن الأمر كذلك في ثلاثة الأوجه، لأن "إن" الإنكار مؤكدة موجبة، ونعم ~~أيضا كذلك، و"إن" الناصبة أيضا كذلك، ويكون قد قصر "بيداء" في هذه الأوجه ~~الثلاثة كما قصر الآخر ما مدته للتأنيث في قوله: # لابد من صنعا وإن طال السفر4 # قال أبو علي5: ولا يجوز أن تكون الهمزة في "بيدا إنه" هي همزتها، لأنه ~~إذا جر الاسم غير المنصرف، ولم يكن مضافا ولا فيه لام المعرفة وجب ضرورة ~~صرفه وتنوينه، ولا تنوين هنا، لأن التنوين لا يثقل، إنما يفعل ذلك بحرف ~~الإعراب دون غيره. وأجاز أيضا في قوله: ### | .............. # ... ### | .... # قد تعفت إنه # هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرناها. PageV02P175 # واعلم أن كل اسم متمكن فحكمه أن يكون التنوين فيه تاليا لإعرابه، وذلك ~~نحو محمد، ومحمدا، ومحمد، وقد يحذف هذا التنوين من هذه الأسماء في موضعين: ~~أحدهما الوقف، والآخر الوصل. # فأما الوقف فكل اسم متمكن منون وقفت عليه في رفعه أو جره حذفت إعرابه ~~وتنوينه، وذلك قولك: هذا محمد، ومررت بمحمد، فإن نصبت أبدلت من تنوينه ~~ألفا، ولم تقرره فيه البتة، وذلك قولك رأيت محمدا. وإنما أبدلت منه الألف ~~لمضارعة النون بما فيها من الغنة وبالزيادة أيضا لحروف اللين، وقد تقدم ذكر ~~هذا في أول الكتاب. # فإن قيل: فهلا أبدل منه في الرفع واو، وفي الجر ياء، كما أبدلوا منه في ~~النصب ألفا؟ # ففي ذلك جوابان: أحدهما -وهو قول سيبويه1- أن الألف خفيفة، فألحقت ~~لخفتها، والواو والياء ثقيلتان، فلم تزادا بدلا من التنوين لثقلهما. # ويؤكد هذا القول إثباتهم الألف بحيث يحذفون الواو والياء، ألا تراهم ~~قرءوا: {والليل إذا يسر} [الفجر: 4] و {الكبير ms252 المتعال} [الرعد: 9] . # ومن أبيات الكتاب2: # وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد3 PageV02P176 # ومنها أيضا1: # وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا2 # وأنشد البغداديون 3: # كفاك كف ما تليق درهما ... جودا، وأخرى تعط بالسيف الدما4 # وقال زهير5: # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر6 # وقال سيبويه: "لو كان يغزو قافية لكنت حاذف الواو"7 وقد حذفوا8 الياء ~~والواو وهما اسمان وعلامتان هربا إلى التخفيف بحذفهما، وذلك نحو قول ~~الشاعر: # لا يبعد الله أصحابا تركتهم ... لم أدر بعد غداة البين ما صنع9 # يريد: صنعوا. PageV02P177 # ومن أبيات الكتاب أيضا1: # لو ساوفتنا بسوف من تحيتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنع2 # يريد: قنعوا. ومن أبياته أيضا: # يا دار عبلة بالجواء تكلم ... ### | .............. # 3 # يريد: تكلمي. ومن أبياته4: # كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهب5 # يريد: فاذهبى. ولا يحذفون الألف لاما كانت ولا علامة، لايقولون في الوقف ~~على يخشى: هو يخش، ولايسع، ولا في قاما التثنية: قام، ولا قعدا: قعد، ولم ~~تخفف الألف في شيء مما ذكرنا إلا شاذا. # أنشد أبو الحسن6: PageV02P178 # فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو أني1 # يريد: بلهفا. # ومن أبيات الكتاب2: # وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل3 # يريد: المعلى. # وهذان من الشذوذ بحيث لا يسوغ القياس عليهما. فإذا كانوا يحذفون الياء ~~والواو الأصليتين في الوقف، وما دخل لمعنى فجرى في اللزوم مجرى الأصل، أو ~~كان أشد لزوما في بعض المواضع من الأصل، فأن ترفض الياء والواو الزائدتان ~~في قام زيدو، ومررت بزيدي، ولا تتكلفا أجدر، وتثبت الألف في رأيت زيدا ~~ونحوه، كما تثبت ألف يخشى ومثنى. # واعتل غير سيبويه في ترك إلحاقهم المرفوع واوا والمجرور ياء بدلا في ~~الوقف من التنوين بأن قال: كرهوا أن يقولوا: قام زيدو لئلا يشبه آخر الاسم ~~آخر الفعل في نحو يدعو ويحلو، وهذا غير موجود في الأسماء استثقالا له وكذلك ~~لو قالوا: مررت بزيدي لالتبس بالمضاف إليك نحو: غلامي وصاحبي، فكرهوا ذينك ~~لذينك. ms253 # قال سيبويه: "وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون: هذا زيدو، ومررت ~~بعمري، جعلوه قياسا واحدا، فأثبتوا الواو والياء كما أثبتوا الألف"4. ~~PageV02P179 # وحدثنا أبو علي قال: حكى أبو عبيدة: رأيت فرج. فكما حمل أزد السراة ~~المرفوع والمجرور على المنصوب كذلك حمل أهل هذه اللغة التي حكاها أبو علي ~~عن أبي عبيدة المنصوب على المرفوع والمجرور. فهذه حال حذف التنوين في الوقف ~~من الاسم المنون، وإبدال حرف منه في مكانه، وإن كان غير منون فلا نظر في أن ~~الوقف عليه بلا تنوين البتة، وذلك نحو: ضربت عمر، وقام أحمد، ونظرت إلى ~~الرجل. # وأما حذف التنوين في الوصل من الاسم المتمكن فعلى أضرب: # منها: أن يكون مضافا، نحو: ضربت غلامك، وجاءني صاحبك. # ومنها: أن يكون معرفا باللام، نحو: قام الرجل يا فتى، وضربت المرأة ~~ياغلام. # ومنها: أن يلحق الاسم علام الندبة، وذلك نحو قولك: واغلام زيداه، ووا أبا ~~جعفراه، ولم يقولوا: واغلام زيدناه، ولا وا أبا جعفرناه، فيفتحوا التنوين ~~لأجل الألف، ويثبتوه معها كراهية اجتماع الزيادتين في آخر الكلمة. # فإن قلت: فكيف جمعوا في الإنكار بين علامة الإنكار والتنوين، فقالوا: ~~أزيدنيه، وأزيدنيه، وأزيدنيه، وإذا جمعوا بين هاتين الزيادتين في آخر الاسم ~~مع الإنكار، فهلا جمعوا أيضا بين التنوين وعلم الندبة، فقالوا واغلام ~~زيدناه، وإذ فرقوا بين الموضعين، فما الذي أوجدهم بينهما فرقا؟ # فالجواب: أن الفرق بينهما أن علامة الندبة أشد اتصالا بالمندوب من مدة ~~الإنكار بالمنكر، ألا ترى أن العلامة في الندبة لا يمكن الفرق بينها وبين ~~المندوب في نحو: وا زيداه وواعمراه، ومدة الإنكار قد يفصل بينها وبين ~~الكلام المنكر في نحو قولهم: أزيدنيه ب "إن" مؤكدة للإنكار، فيقال في قول ~~من قال: ضربت زيدا: أزيدا إنيه، وفي قول من قال محمد: أمحمد إنيه، وفي قول ~~من قال مررت بجعفر: أجعفر إنيه، فلما فارقت المدة التي للإنكار الكلام الذي ~~وليته همزة الاستفهام، وانفصلت منه، واتصلت "بإن"، وقامتا بأنفسهما، ولم ~~تحتاجا إلى ما قبلهما، صارت كأنها من جزء آخر ومباينة لما قبلها، ms254 فلم ينكر ~~اجتماعها مع التنوين، لأن التقدير فيها والعادة في استعمالها أن تكون ~~منفصلة، ومدة الندبة متصلة بما فيه التنوين غير # PageV02P180 # منوية الانفصال منه، فلما اتصلت بما فيه التنوين لفظا ومعنى كره الجمع ~~بينهما في آخر المندوب لئلا تجتمع في آخره زيادتان. # فهذا فرق ما بينهما ويزيد الحال وضوحا لك أنهم يقولون في الإنكار على من ~~قال: ضربت زيدا الطويل: أزيد الطويلاه، فيوقعون مدة الإنكار على الوصف دون ~~الموصوف الذي وليته همزة الاستفهام، وهذا غير جائز في الندبة. # ألا ترى أن سيبويه1 لم يجز ولا سمع من العرب في الندبة، وا زيد الطويلاه، ~~لأن علم الندبة لا يباشر إلا المندوب نفسه دون صفته، ولا علة ههنا توجب ذلك ~~إلا شدة اتصال علم الندبة بنفس المندوب. فأما ما ذهب إليه يونس2 من إجازة ~~إلحاق مدة الندبة على الوصف فمدفوع عند الجماعة، وعلى كل حال فإنه إنما ~~أجازه يونس من حيث كانت الصفة مع الموصوف كالجزء الواحد، فإذا وليت مدة ~~الندبة صفة المندوب فكأنها قد باشرت المندوب نفسه، وليست كذلك علامة ~~الإنكار، لأنها في تقدير الانفصال ولفظه جميعا، ويؤكد ذلك عندك من حالها ~~أيضا ما حكاه سيبويه، ألا تراه قال: "وسمعنا رجلا من أهل البادية وقيل له: ~~أتخرج إلى البادية إن أخصبت؟ فقال: أأنا إنيه" أفلا ترى أنه ألحق علامة ~~الإنكار غير كلام السائل، وأولاها كلامه هو، قال أبو العباس: أخرجه على ~~المعنى دون كلام المستفهم. # فهذا من مذهبهم يدلك على أن مدة الإنكار قد يباشرها غير الكلام الأول ~~المنكر، وليست كذلك مدة الندبة، لأنها لا تنفصل من المندوب على حال. # وشيء آخر يزيد عندك الحال وضوحا أنك إذا قلت في الإنكار: أزيدا يا فتى، ~~أو: أمحمد يا جعفر، أو: أبسعيد يا هذا، فوصلت كلامك سقطت علامة الإنكار، ~~وليست كذلك مدة الندبة، لأنها ثابتة في الوصل والوقف جميعا، تقول: وا ~~زيداه، ووا زيدا وعمراه، فهذا يدلك على أنها أوكد عندهم من مدة الإنكار، ~~فعلى هذا اهتموا بها، وراعوا حكمها، فلم يجمعوها مع ms255 التنوين كما جمعوا مدة ~~الإنكار معه، فاعرف ذلك فإنه واضح إن شاء الله. PageV02P181 # ومما حذفوا فيه التنوين أن يكون "ابن" وصفا لعلم أو كنية أو لقب مضافا ~~إلى علم أو كنية أو لقب، فإن التنوين يحذف من الاسم الأول لكثرة الاستعمال ~~ولالتقاء الساكنين. # وتتركب من ذلك تسع مسائل أصول يقاس عليها غيرها. # فالموصوف العلم إذا وصف بابن مضافا إلى علم مثله نحو قولك: رأيت زيد بن ~~عمرو، والكنية نحو: هذا زيد بن أبي بكر، واللقب نحو: مررت بزيد بن بطة، ~~والموصوف الكنية إذا وصف بابن مضافا إلى كنية نحو: لقيت أبا بكر بن أبي ~~محمد، والعلم نحو: مررت بأبي بكر بن زيد، واللقب نحو: هذا أبو بكر بن بطة. # والموصوف اللقب إذا وصف بابن مضافا إلى اللقب مثله نحو: هذا كرز بن بطة، ~~والعلم نحو: رأيت كرز بن زيد، والكنية نحو: مررت بكرز بن أبى بكر. # وكل موضع حذفت منه التنوين في هذه المسائل التسع وما شكلها لكثرة ~~الاستعمال، ولأنك جعلت الاسمين كالاسم الواحد، فالألف في "ابن" محذوفة من ~~الخط، وذلك أنك لا تقدر الوقف على الأول والابتداء بالثاني، لأنك قد ~~جعلتهما بكثرة استعمالها، وبأن كل إنسان لابد أن يكون له أب أو أم أو كنية ~~تجري وصفا عليه، وأن اللقب إذا جرى ووقع كان في الشهرة وكثرة استعماله ~~جاريا مجرى العلم والكنية -كالاسمين اللذين جعلا كاسم واحد. # يدلك على أن العرب قد أرادت ذلك وقصدته قولهم1: # يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود2 PageV02P182 # ففتحهم ميم حكم مع أنه منادى مفرد معرفة إنما هو لأنه قد جعلوه مع ابن ~~كالشيء الواحد، فلما فتحوا نون ابن فتحوا أيضا ميم حكم، لأنهم إذا أضافوا ~~ابنا فكأنهم قد أضافوا حكما، وهذا أحد ما يدل عندنا على شدة امتزاج الصفة ~~بالموصوف، وهنا أشياء غير هذا تدل أيضا على شدة امتزاجها. # ويدلك على أن حذفهم التنوين من الاسم الأول في هذا إنما هو لأنهم اعتقدوا ~~في الاسمين أنهما قد جريا مجرى الاسم ms256 الواحد حتى أنهم لما أضافوا ابنا ~~فكأنهم قد أضافوا ما قبله، وأنه لم يحذف التنوين لالتقاء الساكنين كما ذهب ~~إليه قوم ما حكاه سيبويه من قولهم: "هذه هند بنت فلانة"1 في قول من صرف ~~هندا، فتركهم التنوين في هند وهي مصروفة ولا ساكنين هناك، يدل على أنهم ~~إنما حذفوا التنوين لكثرة الاستعمال لا لالتقاء الساكنين، وهو رأي أبي عمرو ~~بن العلاء. # ومن ذهب من العرب إلى أن حذف التنوين في نحو: رأيت زيد بن عمرو، إنما هو ~~لالتقاء الساكنين قال: هذه هند بنت فلان، فنون هندا إذا كان ممن يصرفها، ~~قال سيبويه: "وزعم يونس أنها لغة كثيرة جيدة" يعني إثبات التنوين في هند ~~لأن الباء من بنت متحركة، وكل ما ذكرناه من حال "ابن" إذا جرى وصفا، وحال ~~ما قبله، فهو جار على بنت وابنة لأنهما في كثرة الاستعمال مثله. # فأما ما يذهب إليه الكتاب المحدثون من إثبات الألف خطا في ابن إذا تقدمت ~~هناك كنية أو تأخرت، وكتبهم: رأيت أبا بكر ابن زيد، ومررت بجعفر بن أبي ~~علي، وكلمني أبو محمد ابن أبي سعيد، بألف في "ابن" فمردود عند العلماء على ~~قياس مذاهبهم، وذلك أن العلة التي لأجلها تحذف الألف من أول "ابن" إنما هي ~~اختلاطه بما قبله واستغناؤهم عن فصله منه وابتدائهم به منفردا عنه، فلم تكن ~~به حاجة إلى الألف التي إنما دخلت للابتداء لما تعذر ابتداؤهم بالساكن، ~~وهذه العلة أيضا موجودة مع الكنية، ألا ترى إلى قول الفرزدق في أبي عمرو بن ~~العلاء: # مازلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار2 PageV02P183 # وقول الآخر: # فلم أجبن، ولم أنكل ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمرو1 # فحذف التنوين إنما هو لأنهم جعلوا الاسمين كالاسم الواحد، وإذا كان الأمر ~~كذلك لم يلزم الابتداء بابن، فيحتاج إلى الألف، فسبيلها إذن أن تحذف خطا ~~لما استغني عنها لفظا. # فإن قلت: ألست تكتب نحو: قم فاضرب زيدا، واقعد واشتم خالدا، فتثبت الألف ~~في اضرب واشتم وإن كان قبلهما حرفان لا ms257 ينفصلان بأنفسهما، ولا يمكن تقدير ~~انفرادهما، وهما الفاء والواو، وأنت مع ذلك قد أثبت الألف في أول فاضرب، ~~وواشتم، وإن كنت الآن لا تنوي فصلهما من الواو والفاء لضعفهما ولطفهما عن ~~أن تحذفا، فهلا أثبت أيضا الألف في أول "ابن" وإن كان متصلا بما قبله، بل ~~هلا كان إثبات الألف في ابن أوجب من إثباتها في فاضرب، وواشتم لأن الواو ~~والفاء أقل في اللفظ وأشد حاجة إلى الاتصال بما بعدهما من الموصوف بصفته، ~~لأن الموصوف اسم تام قائم بنفسه؟ # فالجواب: أن بين الموضعين فرقا، وذلك أن الاستعمال في فاضرب، وواشتم لم ~~يكثر كثرته في إجراء ابن صفة على ما قبله، وذلك نحو: زيد بن عمرو، وأبي بكر ~~بن قاسم، وجعفر بن أبي علي، وسعيد بن بطة، وخفاف بن ندبة، وعطاف بن بشة، ~~ونصر بن طوعة، وعبد بن حجلة، وعياض بن أم شهمة، والعريان بن أم سهلة، وحميد ~~بن طاعة، وعبد الله بن الدمينة، ويزيد بن ضبة، وربيعة بن الذبية، وشيب بن ~~البرصاء، وغير هؤلاء من الشعراء ممن نسب إلى أمه2. فلما كان "ابن" مضافا ~~إلى الأب والأم لا ينفك من أحدهما كثر استعماله معهما، PageV02P184 # فحذفت الألف من أوله متى جرى وصفا على العلم قبله، لأنه لا ينوى فصله مما ~~قبله إذ كانت الصفة والموصوف عندهم مضارعة للصلة والموصول من ستة أوجه قد ~~ذكرناها في غير هذا الكتاب، فتركناها كراهية الإطالة بذكرها. # ولم يكن اضرب واشتم متصلين بالفاء والواو ولا منفصلين منهما فتحذف الألف ~~معهما لاعتماد الواو والفاء عليهما، ولو كثر استعمال ذلك لحذفت الألف، ألا ~~ترى أنه لما كثر "بسم الله" حذفت منه الألف، وما يحذف لكثرة استعماله أكثر ~~من أن أذكره، منه قولهم: لا أدر، ولم يك، ولم أبل. وكتبوا باسم المهيمن، ~~وباسم الخلاق، وباسم رب العزة، وغير ذلك مما لم يكثر استعماله كثرة بسم ~~الله بالألف على الأصل. # والكنية أيضا قد كثرت صفتها بابن مضافا إلى مثلها أو غيره من العلم ~~واللقب، وصار ابن مع ما قبله تقدمت ms258 الكنية عليه أو تأخرت عنه كالشيء ~~الواحد، فيجب أن تحذف الألف من الخط إذ لا فرق بين الكنية واللقب والعلم في ~~ذلك. # واعلم أن الشاعر ربما اضطر، فأثبت التنوين في هذه المواضع التي ذكرناها ~~لأن ذلك هو الأصل: # قال الشاعر1: # جارية من قيس ابن ثعلبة ... كأنها حلية سيف مذهبة2 # وقال الحطيئة3: # إلا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدا ابن مهلهل4 PageV02P185 # ومن فعل ذلك لزمه إثبات الألف في "ابن" خطا. إلى هذا رأيت جميع أصحابنا ~~يذهبون1، والذي أرى أنا أنه لم يرد في هذين البيتين وما جرى مجراهما أن ~~يجري ابنا وصفا على ما قبله، ولو أراد ذلك لحذف التنوين، فقال: من قيس بن ~~ثعلبة، وزيد بن مهلهل، ولكن الشاعر أراد أن يجري ابنا على ما قبله بدلا ~~منه، وإذا كان بدلا منه لم يجعل معه كالشيء الواحد، وإذا لم يجعل معه ~~كالشيء الواحد وجب أن ينوى انفصال ابن مما قبله، وإذا قدر ذلك فيه فقد قام ~~بنفسه، ووجب أن يبتدأ به، فاحتاج إذن إلى الألف لئلا يلزم الابتداء ~~بالساكن. # وعلى ذلك تقول: كلمت زيدا ابن بكر، كأنك تقول: كلمت ابن بكر، وكأنك قلت: ~~كلمت زيدا كلمت ابن بكر، لأن ذلك شرط البدل، إذ البدل في التقدير من جملة ~~ثانية غير الجملة التي المبدل منه منها، فمتى تجاوز التنوين أن يكون في غير ~~تلك المسائل التسع التي قدمنا ذكرها ثبت، وألحقت الألف في أول ابن، وذلك ~~قولك: ضربت زيدا ابن الرجل، لأن الرجل ليس علما ولا كنية ولا لقبا. وكذلك: ~~لقيت الغلام ابن زيد، تثبت الألف في ابن، لأن الغلام ليس علما ولا كنية ولا ~~لقبا. وكذلك: جاءني محمد ابن أخينا، ولقيت جعفرا ابن ذي المال. # وكذلك إن ثنيت أثبت الألف على كل حال لأن ذلك لم يكثر استعماله، وهو ~~قولك: ضربت الزيدين ابني عمرو، وهذا أجدر أن تثبت فيه الألف، لأن الزيدين ~~الآن ليسا علمين، وإنما تعرفا باللام كما تقدم. ومنه: أظن البكرين ابني ~~سعيد، وأحسب القاسمين ابني علي، ms259 فاعرفه. # وكذلك إن جعلت ابنا خبرا عما قبله أثبت التنوين في الأول والألف في ابن، ~~وذلك قولك زيد ابن عمرو، وإن بكرا ابن جعفر، وكأن محمدا ابن قاسم، وطننت ~~سعيدا ابن علي، وأظن قاسما ابن ذي المال، وليس علي ابن أختنا، فأما قوله عز ~~اسمه: {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] 2 فالقراءة فيه على ~~ضربين: PageV02P186 # إحداهما: "وقالت اليهود عزير ابن الله" بتنوين "عزير" لأن ابنا الآن خبر ~~عن "عزير" فجرى هذا مجرى قولك: زيد ابن عمرو. # والقراءة الأخرى: "وقالت اليهود عزير ابن الله" وحملها أصحابنا على ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون "عزير" خبر مبتدأ محذوف، وابن وصف له، فحذف التنوين من ~~"عزير" لأن ابنا وصف له، فكأنهم قالوا: هو عزير بن الله، وهذا عندنا بعيد ~~وإن كان أبو العباس قد أجازه، لأنه لم يجر لعزير ذكر في ما قبل فيجوز ~~إضماره. # والوجه الآخر: أن يكون جعل ابنا خبرا عن "عزير"، وحذف التنوين ضرورة، ~~وهذا وإن كان فيه من الضرورة ما ذكرت لك فإنه أشبه، لأنه موافق معنى قراءة ~~من نون وجعل ابنا خبرا عن عزير. # فإن قلت: فإن من أجرى ابنا صفة على عزير فقد أخبر عنه أيضا بأنه ابن كما ~~أخبر عنه من نون عزيرا، عز الله وعلا علوا كبيرا. # فإن هذا خطل من إلزام الملزم، وذلك أنك إذا قلت: زيد ظريف، فجعلت ظريفا ~~خبرا عن زيد، فقد استأنفت الآن تعريف هذه الحال وإفادتها للسامع، وإذا قلت: ~~هو زيد الظريف فإنما أخبرت عن ذلك المضمر بأنه زيد، وأفدت هذا من حاله، ثم ~~حليته بالظريف، أي: هو زيد المعروف قديما بالظريف. # وليس غرضك أن تفيد الآن أنه حينئذ استحق عندك الوصف بالظرف. فهذا أحد ~~الفروق بين الخبر والوصف وكذلك أيضا لو كان تقديره: هو عزير، فأخبرت عن ~~المضمر بأنه عزير، ثم وصف بابن لكان التقدير هو عزير، الذي عرف من حاله ~~قديما بأنه ابن الله تعالى الله جل ثناؤه عن ذلك علوا كبيرا، وليس المعنى ~~كذلك، إنما حكى الله سبحانه ms260 عنهم أنهم أخبروا بهذا الخبر، واعتقدوا هذا ~~الاعتقاد، فصار نحوا من قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] في ~~أنه حكاية عنهم ما أخبروا به حينئذ من اعتقادهم، وأظهروه من آرائهم، هذا مع ~~ما قدمناه من ضعف إضمار عزير إذا لم يجر له ذكر. # PageV02P187 # فأما حذف التنوين من عزير في من جعل ابنا خبرا عنه، فله نظائر كثيرة تكاد ~~كثرتها تجعلها قياسا، قرأ بعضهم: "قل هو الله أحد. الله الصمد" [الإخلاص: ~~1-2] 1 وذكر أبو الحسن2 أن عيسى بن عمر كان يجيز3: # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا4 # يريد: ولا ذاكر الله. # وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد5: # لتجدني بالأمير برا ... وبالقناة مدعسا مكرا # إذا غطيف السلمي فرا6 # يريد: غطيف. وقرأت عليه أيضا7: # حيدة خالي ولقيط وعلي ... وحاتم الطائي وهاب المئي8 # يريد: وحاتم الطائي. PageV02P188 # وأنشد أبو العباس1: # حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع2 # أراد: حميد: وأنشد أيضا3: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف4 # أراد عمرو الذي. وقال ابن قيس5: # كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء6 # أي وتبدى عن خدام العقيلة، أي تبدي العقيلة عن خدام. # وأنشدوا أيضا: # والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا آكل الأبارصا7 # أي: أكلا الأبارصا. وإنما جاز حذف التنوين من هذه الأسماء في هذه ~~الأماكن، وقد كان الوجه تحريكه لالتقاء الساكنين، في نحو رمى القوم، ~~PageV02P189 # وقاضي البلد، يدعو القوم، كذلك حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو مراد، ~~يدلك على إرادته أنهم لم يجروا ما بعده بإضافته إليه. # ويشبه هذا مما حذف من اللفظ تخفيفا لا لإضافته ولا لالتقاء الساكنين لأنه ~~ليس بساكن نون التثنية والجمع، وذلك نحو قول الأخطل1: # أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا2 # أراد: اللذان، فحذف النون تخفيفا لطول الاسم، ولا يجوز أن يكون حذفها ~~للإضافة، لأن الدلالة قد تقدمت على أن الأسماء الموصولة لا يجوز أن تضاف ~~أبدا إلا ما ms261 كان من أي في نحو قولهم: لأضربن أيهم يقوم، على أن هذا عندنا ~~معرف بصلته دون إضافته. ويمنع أيضا من أن يكون "اللذا" من بيت الأخطل مضافا ~~أن ما بعده فعل، وهو "قتلا" والأفعال ليست مما يضاف إليه. وقال الأشهب بن ~~رميلة، قرأته على محمد بن محمد عن أحمد بن موسى عن ابن الجهم عن يحيى بن ~~زياد3: # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد4 # يريد: الذين، فحذف النون تخفيفا، ورواه أيضا: يا أم جعفر، والصحيح: يا أم ~~خالد، لأن القوافي دالية. وقال الآخر5: # يارب عيسى لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا في من قعد # إلا الذي قاموا بأطراف المسد6 # يريد: الذين. PageV02P190 # وقال الآخر1: # فبت أساقي الموت إخوتي الذي ... غوايتهم غيي ورشدهم رشدي2 # يريد: الذين. وحكي عنهم: هم اللاؤو فعلوا ذلك، يريدون: اللاؤون، فحذوا ~~النون تخفيفا أيضا. # وروينا عن قطرب3: # وعكرمة الفياض منا وحوشب ... هما فتيا الناس اللذا لم يغمرا4 # وعنه أيضا5: # أولئك أشياخي الذي تعرفونهم ... ليوث سعوا يوم النبي بفيلق6 # يريد: الذين. وقد فعلوا هذا في بعض الأسماء المتمكنة غير الموصولة لأنها ~~في معنى الموصولة، أنشدنا أصحابنا7: # الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائنا نطف8 # أراد: الحافظون، فحذف النون تشبيها بالذين إذ كان في معناه. PageV02P191 # ويدل على أنه حذفها تخفيفا لا لإضافة تركه "عورة" منصوبة، ولو أراد ~~الإضافة لجر العورة البتة. # وقرأ بعضهم: "والمقيمي الصلاة" [الحج: 35] 1 بنصب "الصلاة" على ما فسرنا. ~~وحكى أبو الحسن عن أبي السمال أنه قرأ: "واعلموا أنكم غير معجزي الله" ~~[التوبة: 2] 2 وليس فيه ألف ولام فيشبه بالذين. وقرأ بعضهم أيضا "إنكم ~~لذائقو العذاب الأليم" [الصافات: 38] 3 بالنصب كالذي قبله. # وقال عبيد4: # ولقد يغنى به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال5 # يريد: الممسكون. # وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة بن عقيل ~~يقرأ: "ولا الليل سابق النهار" [يس: 40] 6 بنصب "النهار" فقلت له: ما تريد؟ ~~فقال: أريد: سابق النهار، فقلت له: فهلا ms262 له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان ~~أوزن. فالأشبه في هذا أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقد حذفوا ~~تشبيها بهذا النون الأصلية لالتقاء الساكنين. # قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لأبي صخر7: # كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر8 PageV02P192 # وأنشد أبو الحسن1: # أبلغ أبا دختنوس مالكة ... غير الذي قد يقال م الكذب2 # يريد أبو صخر: من الآن، ويريد الآخر: من الكذب. وقد حذفوا في نحو هذا ~~النون التي هي لام الفعل لالتقاء الساكنين. # وأنشد قطرب، وقرأناه على بعض أصحابنا يرفعه إليه3: # لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسرر4 # أي: لم يكن الحق، وكان حكمه إذا وقعت النون موقعا تحرك فيه، فتقوى ~~بالحركة، أن لا يحذفها، لأنها بحركتها قد فارقت شبه حروف اللين إذ كن لا ~~يكن إلا سواكن، وحذف النون من "يكن" أقبح من حذف التنوين ونون التثنية ~~والجمع، لأن النون في يكن أصل، وهي لام الفعل، والتنوين والنون زائدتان ~~فالحذف فيهما أسهل منه في لام الفعل، وحذف النون أيضا من يكن أقبح من حذف ~~نون من في قوله: ### | ............ # ... غير الذي قد يقال م الكذب # لأن يكن أصله يكون، فقد حذفت منه الواو لالتقاء الساكنين فإذا حذفت منه ~~النون أيضا لالتقاء الساكنين أجحفت به لتوالي الحذفين لاسيما من وجه واحد ~~عليه. ولك أيضا أن تقول: إن "من" حرف، والحذف في الحروف ضعيف إلا مع ~~التضعيف نحو: رب، وإن، وأن. هذا قول أصحابنا5 في هذا البيت. وأرى أنا شيئا ~~آخر غير ذلك، وهو أن يكون جاء بالحق بعدما حذف النون من يكن، فصار يك مثل ~~قوله عز وجل: {ولم يك شيئا} [مريم: 67] 6. PageV02P193 # ونحو بيت الكتاب1: # وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا2 # فلما قدره يك جاء بالحق بعدما جاز الحذف في النون وهي ساكنة تخفيفا، فبقي ~~محذوفا بحاله، فقال: لم يك الحق، ولو كان قدره يكن، فبقى النون، ثم جاء ~~بالحق لوجب أن تكسر نونه ms263 لالتقاء الساكنين، فتقوى بالحركة، فلا تجد سبيلا ~~إلى حذفها إلا مستكرها، فكان يجب أن تقول: لم يكن الحق. # فأما ما لا بد من القضاء بحذفه لالتقاء الساكنين فبيت الكتاب3: # فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل4 # فهذا أراد: ولكن اسقني، فحذف النون لالتقاء الساكنين البتة. # ومثله قول الآخر5: # ولا تطلبا لي أيما إن طلبتما ... فإن الأيماى لسن لي بشكول # ولاك اطلبا لي ذات بعل محلها ... رواء وخيم بالعذيب ظليل6 # أراد: ولكن اطلبا لي. وهو مع ذلك أقبح من حذف نون "من" من قبل أن أصل لكن ~~المخففة لكن المشددة، فحذفت إحدى النونين تخفيفا، فإذا ذهبت تحذف النون ~~الثانية أيضا أجحفت بالكلمة، فلهذا كان أقبح من حذف نون "من". PageV02P194 # ومثل قوله: "لم يك الحق" قول الخنجر بن صخر الأسدي1: # فإلا تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم2 # يريد: فإلا تكن المرآة، والقول فيها واحد. # ومما يسأل عنه من باب النون قول العرب في ما حكاه سيبويه "لدن غدوة"3 ~~فيقال: لم نصبت غدوة ولم تجر بإضافة لدن إليها؟ # والجواب: أنهم شبهوا النون في لدن بالتنوين في ضارب، فنصبوا غدوة تشبيها ~~بالمميز نحو: عندي راقود خلا، وجبة صوفا، والمفعول في نحو: هذا ضارب زيدا ~~وقاتل بكرا. ووجه الشبه بينهما اختلاف حركة الدال قبل النون، وذلك لأنه ~~يقال: لدن ولدن بضم الدال وفتحها، فلما اختلفت الحركتان قبل النون شابهت ~~النون التنوين، وشابهت الحركتان قبلها باختلافهما حركات الإعراب في نحو: ~~هذا ضارب زيدا، ورأيت ضاربا زيدا، ولأنهم قد حذفوا النون، فقالوا: لد غدوة، ~~كما يحذف التنوين تارة ويثبت أخرى، فلما أشبهت النون التنوين من حيث ذكرنا ~~انتصبت غدوة تشبيها بالمفعول، وكما جاز أن تشبه النون بالتنوين فتنصب غدوة ~~تشبيها بالمفعول، كذلك شبه بعضهم غدوة بالفاعل، فرفعها، فقال: لدن غدوة، ~~كما تقول: أقائم زيد؟ ومنهم من يلزم القياس فيها، فيجر بها، فيقول: لدن ~~غدوة، ومن فعل ذلك فلا سؤال عليه، قال سيبويه: "ولا تنصب غدوة مع غير لدن"4 ~~لكثرتها في ms264 كلامهم، فغيروها -يعني عن الجر- لكثرتها، فلا تقول على هذا: لدن ~~بكرة، لأنه لم يكثر في كلامهم. # فإن سأل سائل، فقال: غدوة إنما وقعت في كلامهم معرفة، وإنما غداة هي ~~النكرة، ألا تراك تقول: {بالغداة والعشي} [الأنعام: 52] فتعرفها باللام، ~~PageV02P195 # ولا تقول: "بالغدوة والعشي" إلا في قراءة شاذة1، فإذا كان ذلك كذلك فما ~~بالهم صرفوها مع لدن البتة، وأجمعوا على ترك الصرف الذي هو الشائع من أمرها ~~مع غير لدن؟ # فالجواب عندي أنهم إنما أجمعوا على صرفها لأمرين: # أحدهما: كثرة الاستعمال، لأنهم لما كثر استعمالهم إياه أشد تغييرا. # والآخر: أنهم لو لم يصرفوها لقالوا: لدن غدوة، فتفتح الهاء، فلا يعلم ~~أمنصوبة هي أم مجرورة، ألا ترى أن ما لا ينصرف نصبه وجره بلفظ واحد، نحو: ~~رأيت عمر، ومررت بعمر، فلما اعتزموا نصب غدوة بعد لدن وإخراجها لكثرة ~~الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها ليكون ظهور التنوين مع الفتحة يحقق ما ~~نووه واعتقدوه من النصب، ويزيل الشبهة عن المسامع، فلا يظن أنها مجرورة غير ~~منصوبة. # فإن قلت: فمن رفع فقال: لدن غدوة، أو جر، فقال: لدن غدوة، ما الذي دعاه ~~إلى الصرف؟ ولو لم يصرف فقال: لدن غدوة، ولدن غدوة لعلم أنه قد جر تارة، ~~ورفع أخرى؟ # فالجواب: أنهم لما أوجبوا صرفها وهي منصوبة، وهو الأكثر من أحوالها، ~~حملوا المرفوعة والمجرورة لقلة الرفع فيها والجر على النصب الذي قد شاع ~~وكثر، كما حملوا أعد ونعد وتعد على يعد، هذا مع ما قدمناه من تغييرهم لما ~~كثر استعماله عن حال نظائره. # فإن قلت: وكيف يجوز لك أن تحمل الرفع على النصب وأنت تعلم أن الرفع في كل ~~الأحوال أسبق في المرتبة من النصب؟ أفيحسن أن يحمل الأصل على الفرع؟ وما ~~الفرق بينك وبين الفراء في حمله فتحة فعل الذي هو للواحد على فتحة فعلا ~~الذي هو للتثنية؟ # فالجواب: أن الرفع بعد لدن في قول من قال: لدن غدوة، إنما هو في الحقيقة ~~فرع ههنا ودخيل على النصب، وإن كان في غير هذا الموضع متقدما في ms265 الرتبة ~~للنصب والجر، وذلك أن قولنا: لدن غدوة إنما هو ظرف وفضلة تتبع الجملة أبدا، ~~فهو من PageV02P196 # مواضع النصب، وليس للرفع في الفضلة حظ، فالنصب إذن أمكن في هذا الموضع من ~~الرفع، فلذلك جاز أن يحمل الرفع هنا على النصب. # وشيء آخر، وهو أن اسم الفاعل إذا اختلفت حركاته، فعمل في اسم ظاهر غير ~~مضاف إلى مضمر، فعمله أبدا في غالب الأمر للنصب، وذلك نحو: هذا رجل ضارب ~~زيدا، وإن عمرا قاتل بكرا، وكان محمد شاتما خالدا. # فلدن إذن باسم الفاعل الناصب لما بعده أشبه منها باسم الفاعل الرافع لما ~~بعده، نحو: هذا رجل قائم أبوه، وضربت رجلا قائما غلامه. # ألا ترى أن الأب والغلام مضافان إلى ضمير الأول، وغدوة ليست مضافة إلى ~~ضمير ولا إلى غيره، فهي بالمنصوب، نحو: هذا ضارب بكرا، ولقيت شاتما جعفرا ~~أشبه، فاعرف ذلك، فإني قد أوضحته، وما علمت أحدا استقصى هذا الموضع هكذا. # فإن سأل سائل، فقال: من أين جاز أن تفتح الدال في لدن، وإنما هي لدن نحو ~~قوله تعالى: {من لدن حكيم عليم} [النمل: 6] و {قد بلغت من لدني عذرا} ~~[الكهف: 76] و {من لدنه} [النساء: 40] وغير ذلك مما يطول ذكره حتى لما ~~اختلفت حركات الدال قبل النون أشبهت التنوين، فنصب ما بعدها تشبيها ~~بالمفعول؟ # فالجواب: أن الفتحة في لدن إنما جاءت من قبل أنهم أسكنوا الدال في لدن ~~استثقالا للضمة فيها كما يسكن نحو عضد وسبع، فيقال: عضد1 وسبع، فلما سكنت ~~الدال، وكانت النون بعدها ساكنة التقى ساكنان. ففتحت الدال لالتقائهما، ~~وشبهت من طريق اللفظ بنحو قولك في الأمر والنهي: اضربن زيدا، ولا تضربن ~~عمرا. هكذا حصلت عن أبي علي وقت قراءة الكتاب عليه. # ويزيد عندك في شبه نون لدن بتنوين اسم الفاعل، أن العرب قد حذفتها في بعض ~~المواضع تخفيفا، فقالت: من لد الحائط، و: لد الصلاة. وحذفوها أيضا ولا ساكن ~~بعدها. PageV02P197 # أنشد سيبويه1: # من لد شولا فإلى إتلائها2 # فلما حذفت النون تارة، وثبتت أخرى، وضمت الدال تارة، وفتحت أخرى، قوي ms266 شبه ~~النون بالتنوين الذي قد يحذف تارة، ويثبت أخرى، وتختلف الحركات التي قبله، ~~وهذا واضح جلي. # واعلم أن الشاعر له مع الضرورة أن يصرف ما لا ينصرف، وليس له ترك صرف ما ~~ينصرف للضرورة. هذا مذهبنا، وذلك أن الصرف هو الأصل، فإذا اضطر الشاعر رجع ~~إليه، وليس له أن يترك الأصل إلى الفرع. # فأما ما رووه من قول الشاعر3: # فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع4 # فإن أبا العباس رواه غير هذه الرواية، وهي قوله: ### | ............ # ... يفوقان شيخي في مجمع5 # فرواية برواية، والقياس في ما بعد معنا. على أن أبا الحسن قد حكى عنهم ~~"سلام عليكم" غير منون، والقول فيه: إن اللفظة كثرت في كلامهم، فحذف ~~تنوينها تخفيفا، كما قالوا: لم يك، ولم يبل، ولا أدر. # واعلم أن النون قد حذفت من الأسماء عينا في قولهم "مذ" وأصله منذ. ولو ~~صغرت مذ اسم رجل لقلت: منيذ، فرددت النون المحذوفة ليصح لك وزن فعيل. # وحذفت أيضا لاما في ددن، فقالوا: دد- وهو اللهو واللعب- قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: "لست من دد ولا دد مني". PageV02P198 # وقد قالوا أيضا في هذا المعنى: ددا مقصورا. # واعتقبت النون وحرف العلة على هذه اللفظة لاما، كما اعتقبت الهاء والواو ~~في سنة لاما، فقال قوم سنوات، ومساناة1، وسنية، وأسنتوا2. # وقال آخرون3: # ليست بسنهاء ### | ..... # ... ### | ............ # وسنيهة، ومسانهة. وكذلك أيضا عضة، فمن قال: بعير عاضة4، وعضاهة، وبعير ~~عضاهي، كانت اللام عنده هاء. ومن قال5: # هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما6 # فاللام عنده واو، ونظائره كثيرة. # وقد حذفت النون من "إن" و"أن" تخفيفا، وذلك قوله عز اسمه: {وإن يكاد ~~الذين كفروا} [القلم: 51] 7 و {إن كاد ليضلنا} [الفرقان: 42] 8 و {إن كل ~~نفس لما عليها حافظ} [الطارق: 4] 9، وقول الشاعر10: # شلت يمينك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمد11 # ف "إن" في هذا ونحوه مخففة من الثقيلة. PageV02P199 # وكذلك قوله تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى} [المزمل: 20] 1. # وقول الشاعر2: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع3 # وسألت ms267 أبا علي عن قول الشاعر4: # أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تعلما أحدا5 # فقلت له: لم رفع تقرآن؟ فقال: أراد "أن" الثقيلة، أي: أنكما تقرآن، هذا ~~مذهب أصحابنا6. # وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في تفسير أن تقرآن، قال: "شبه ~~أن بما"7 فلم يعملها في صلتها، وهذا مذهب البغداديين. وفي هذا بعد، وذلك أن ~~"أن" لا تقع إذا وصلت حالا أبدا، إنما هي للمضي أو الاستقبال، نحو: سرني أن ~~قام زيد ويسرني أن يقوم غدا، ولا تقول: يسرني أن يقوم وهو في حال قيام، ~~و"ما" إذا وصلت بالفعل فكانت مصدرا فهي للحال أبدا، نحو قولك: ما تقوم حسن، ~~أي: قيامك الذي أنت عليه حسن، فيبعد تشبيه واحدة منها بالأخرى، وكل واحدة ~~منها لا تقع موقع صاحبتها. # قال أبو علي: وأولى أن المخففة من الثقيلة الفعل بلا عوض ضرورة. وهذا على ~~كل حال وإن كان فيه بعض الصنعة أسهل مما ارتكبه الكوفيون. PageV02P200 # فأما قوله عز اسمه: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] و {إنا نحن ~~نحيي ونميت} [ق: 43] ونحو ذلك فأصله "إننا" ولكن حذفت إحدى النونين من "إن" ~~تخفيفا، وينبغي أن تكون الثانية منها لأنها طرف، فهي أضعف، وهي التي حذفت ~~في قوله: ### | .... # إن قتلت لمسلما ... ### | ................ # 1 # وقد حذفت مع اللام تشبيها بالنون، فقالوا: لعلي، وأصله لعلني، وحذفوها مع ~~ليت لأنها أخت لعل، ومن أبيات الكتاب2: # كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه وأفقد جل مالي3 # وروينا عن قطرب لمهلهل: # زعموا أنني ذهلت وليتي ... أستطيع الغداة عنها ذهولا # أي: ليتني. # وإنما زيدت هذه النون في ضربني ويضربني ليسلم الفعل من الكسر، وتقع ~~الكسرة على النون. # وزادوها أيضا مع "إن" وأخواتها لمشابهتهن الفعل. وزادوها أيضا في نحو مني ~~وعني لأنهما لما سكن آخرهما أشبهتا الفعل. وعلى هذا قالوا: قطني، وقد قالوا ~~قطي أيضا. وقدني وقدي. PageV02P201 ### | باب الهاء ### | إبدال الهاء ### | إبدال الهاء من الهمزة # ... # حرف الهاء: # إبدال الهاء من الهمزة: # الهاء حرف مهموس يكون أصلا وبدلا وزائدا. # فإذا ms268 كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو هند وهدم. والعين نحو عهد ~~وشهد. واللام نحو شبه وبده. # وإذا كانت بدلا فمن خمسة أحرف، وهي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، ~~والتاء. # قد أبدلت الهاء من الهمزة على ضربين: أحدهما أصل، والآخر: زائد. فالأصل ~~نحو قولهم في "إياك": "هياك" أنشد أبو الحسن1: # فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره2 # وروينا عن قطرب أن بعضهم يقول "أياك" بفتح الهمزة، ثم يبدل الهاء منها ~~وهي مفتوحة أيضا، فيقول "هياك" قال: وطيئ تقول: "هن فعل فعلت" يريدون "إن" ~~قال: وقال الراجز3: # هياك أن تمنى بشعشعان ... خب الفؤاد مائل اليدان4 PageV02P203 # وقال آخر1: # يا خال هلا قلت إذا أعطيتني: ... هياك هياك وحنواء العنق2 # وقالوا: "لهنك قائم" والأصل "لإنك" فأبدلوا الهاء من همزة "إن". # قال الشاعر3: # ألا يا سنا برق قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم4 # وقرأ بعضهم: {طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 1، 2] 5 PageV02P204 # بتسكين الهاء، وقالوا: أراد "طأ الأرض بقدميك جميعا" لأن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- كان يرفع إحدى رجليه في صلاته، فالهاء على هذا بدل من همزة ~~"طأ". # وقال بعضهم في قولهم "هات يا رجل": إن الهاء بدل من همزة "آتى يؤاتي"1، ~~وقال2: # لله ما يعطي وما يهاتي # أي: وما يأخذ. # وقرأت على أبي علي قال: قال الأصمعي: يقال للصبا3: هير وهير، وأير وإير، ~~وذكر ابن السكيت هذه اللفظة في باب الإبدال4، ولم يقل أيهما الأصل وأيهما ~~الفرع. # والقول في ذلك عندي أن يقضى بكونهما أصلين غير مبدل أحدهما من الآخر حتى ~~تقوم الدلالة على القلب. وقرأت5 على أبي علي أيضا: # فانصرفت وهي حصان مغضبه ... ورفعت بصوتها: هيا أبه6 # قال ابن السكيت: "يريد: أيا أبه"7 ثم أبدل الهمزة هاء. # وهذا أشبه من الأول، لأن "أيا" في النداء أكثر من "هيا". وقالوا: "هما ~~والله لقد كان كذا" أي: أما والله. PageV02P205 # وأما إبدال الهاء من الهمزة الزائدة فقولهم في "أرقت": "هرقت"، وفي "أنرت ~~الثوب": "هنرته"1 وفي "أرحت الدابة": "هرحتها". قرأت ذلك على أبي ms269 علي في ~~كتاب ابن السكيت2، وأخبرنا به أيضا بإسناده عن قطرب. # وعنه أيضا قال: يقولون3: "هزيد منطلق"؟ أي: "أزيد منطلق"؟ وأنشد أبو ~~الحسن4: # وأتى صواحبها فقلن: هذا الذي ... منح المودة غيرنا وجفانا؟ 5 # قال: يريد: أذا الذي؟ # وحكى اللحياتي: "هردت الشيء أهريده" أي: أردته. PageV02P206 ### | إبدال الهاء من الألف # قال الراجز1: # قد وردت من أمكنه ... من ههنا ومن هنه # إن لم أروها فمه2 # أي: ومن هنا. # وأما قوله "فمه" فيحتمل أن يكون أراد "فما" أي: فما أصنع؟ أو: فما قدرتي؟ ~~ونحو ذلك. ويجوز أن يكون قوله "فمه" زجرا منه، أي: فاكفف عني، فلست أهلا ~~للعتاب، أو: فمه يا إنسان، يخاطب نفسه ويزجرها. # وقد ذكرت هذين الوجهين فيما تقدم من هذا الكتاب. # فأما قولهم في الوقف على "أن فعلت": "أنا" و"أنه" فالوجه أن تكون الهاء ~~في "أنه" بدلا من الألف في "أنا" لأن الأكثر في الاستعمال إنما هو "أنا" ~~بالألف، والهاء قليلة جدا فهي بدل من الألف. ويجوز أن تكون الهاء أيضا في ~~"أنه" ألحقت لبيان الحركة، كما ألحقت الألف، ولا تكون بدلا منها بل قائمة ~~بنفسها كالتي في قوله تعالى: {كتابيه} 3 [الحاقة: 25] و {حسابيه} 4 ~~[الحاقة: 20] و {سلطانيه} 5 [الحاقة: 29] و {ماليه} 6 [الحاقة: 28] و {ما ~~هيه} 7 [القارعة: 10] و {لم يتسنه} 8 [البقرة: 259] فيمن أخذه من "سنوات" ~~و"مساناة"9 و"أسنتوا"10. PageV02P207 ### | إبدال الهاء من الياء # قولهم في "هذي هند": "هذه"، فالهاء في "هذه" بدل من ياء "هذي". الدلالة ~~على ذلك دون أن تكون الياء في "هذي" بدلا من الهاء في "هذه" قولهم في تحقير ~~"ذا": "ذيا" و"ذي" إنما هي تأنيث "ذا" ومن لفظه، فكما لا تجد للهاء في ~~المذكر أصلا فكذلك هي أيضا في المؤنث بدل غير أصل، وليست الهاء في قولنا ~~"هذه" وإن استفيد منها التأنيث بمنزلة هاء "طلحة، وحمزة، وجوزة، وبيضة" لأن ~~الهاء في نحو "حمزة وبيضة" زائدة، والهاء في "هذه" ليست بزائدة، إنما هي ~~بدل من الياء التي هي عين الفعل "في هذي". # وأيضا فإن الهاء في نحو: ms270 "طلحة، وجوزة" تجدها في الوصل تاء، نحو: ~~"طلحتان" و"جوزتكم"، والهاء في "هذه" ثابتة في الوصل ثباتها في الوقف. # فإن قال القائل: فإذا كانت الهاء في هذه إنما هي بدل من الياء في "هذي" ~~فما الذي دعاهم إلى تحريكها وكسرها في الوصل في قولهم" هذه هند" وهلا تركت ~~ساكنة إذا كانت في اسم غير متمكن، وهي مع ذلك بعد حركة؟ # فالجواب: أن الكسرة إنما أتتها من قبل أنها هاء في اسم غير متمكن، فشبهت ~~بهاء الإضمار في نحو قولك: "مررت به" و"نظرت إلى غلامه" ومن العرب أيضا من ~~يسكنها في الوصل، ويجريها على أصل القياس، فيقول: "هذه هند" و"نظرت إلى هذه ~~يا فتى"، فإذا لقيها ساكن بعدها لم يكن بد من كسرها، وذلك قولك "هذه المرأة ~~عاقلة". # فإن قلت: فالكسرة في هاء "هذه المرأة عاقلة" هل هي لالتقاء الساكنين أو ~~هي الكسرة في لغة من قال "هذه هند" فكسر؟ # فالجواب: أن القياس أن تكون الكسرة في الهاء في قولك "ضربت هذه المرأة" ~~هي حركة الهاء في قولك "هذه هند" لا حركة التقاء ساكنين، وأن يكون من يقول: ~~"هذه هند" فيسكن الهاء إذا احتاج إلى حركتها وافق الذين يقولون: "هذه دعد" ~~فيكسرون الهاء، يدل على ذلك أن من قال: "هم قاموا" فأسكن الميم من "هم" # PageV02P209 # متى احتاج إلى حركتها رد إليها الضمة التي في لغة من يقول: "هم قاموا" ~~وعلى ذلك قراءة أبي عمرو وغيره {هم الذين يقولون} [المنافقون: 7] 1 و {أنهم ~~هم الفائزون} [المؤمنون: 111] 2. ألا تراه يقرأ {وهم بدأوكم} [التوبة: 13] ~~3 و {أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39} وغير ذلك مسكن الميم. # وكذلك من قال "مذ" فحذف النون من "منذ" وأزال الضمة عن الذال لزوال النون ~~الساكنة من قبلها، إذا احتاج إلى حركة الذال ردها إلى الضم، فقال: "مذ ~~اليوم" و"مذ الليلة". # وعلى هذا قولهم: "علقاة"4، فالألف في "علقاة" ليست للتأنيث، لمجيء هاء ~~التأنيث بعدها، وإنما هي للإلحاق ببناء "جعفر" و"سلهب"5 فإذا حذفوا الهاء ~~من "علقاة" قالوا "علقى" غير منون، قال العجاج6: # فكر ms271 في علقى وفي مكور7 PageV02P210 # غير منون "علقى" فليست الألف في "علقى" إذن للإلحاق، لأنها لو كانت ~~للإلحاق لنونت كما نونت "أرطى"1، وإنما هي للتأنيث، وهي في "علقاة" ~~للإلحاق، أفلا ترى أن من ألحق الهاء في "علقاة" اعتقد فيها أن الألف ~~للإلحاق ولغير التأنيث، فإذا نزع الهاء صار إلى لغة من اعتقد أن الألف ~~للتأنيث، فلم ينونها كما لم ينونها، ووافقهم بعد نزعه الهاء من "علقاة" على ~~ما يذهبون إليه من أن ألف "علقى" للتأنيث، فكذلك أيضا من قال: "هذه دعد" ~~فسكن الهاء، إذا صار إلى موضع يحتاج فيه إلى حركة الهاء لئلا يجتمع ساكنان ~~عاد إلى لغة من يقول: "هذه دعد"، فكسر الهاء، ولم يجعلها في قوله: "هذه ~~المرأة" حركة التقاء الساكنين، كما أن من قال: "هم قاموا" فسكن الميم إذا ~~احتاج إلى تحريكها راجع لغة من ضمها في "هم" فقال: {هم الذين يقولون} ~~[المنافقون: 7] . # فإن قلت: فقد أنشد قطرب2: # ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... هم الناس لما أخصبوا وتمولوا3 # وقد أنشد الكوفيون: # فهم بطانتهم وهم وزراؤهم ... وهم القضاة ومنهم الحكام4 # ورويته عن الفراء: "ومنهم الحجاب". PageV02P211 # وحكى الفراء هذه اللغة، وأنه سمعها من بعض بني سليم، وحكى أن العرب جميعا ~~تضم هذه الميم نحو {هم المفسدون} [البقرة: 12] 1 و {هم الفائزون} ~~[المؤمنون: 111] 2. # وحكى اللحياني3 "مذ اليوم" و"مذ الليلة" بكسر الذال. # فالجواب: أن هذه اللغة، أعني "هم القضاة" و"منهم الحجاب" من القلة ~~ومخالفة الجمهور على ما حكيناه عن الفراء، وما كانت هذه صفته وجب أن يلغى ~~ويطرح ولا يقاس عليه غيره. وأما حكاية اللحياني فكذلك أيضا، وتكون كغيرها ~~مما دفعه أصحابنا وعجبوا منه. # ووجه جواز ذلك -عندي- على ضعفه أنه شبه ميم "هم" وذال "مذ" بدال "قد" ~~ولام "هل"، فكسرهما حين احتاج إلى حركتها كما يكسرهما ونحوهما إذا احتاج ~~إلى ذلك نحو "قد انقطع" و"هل انطلق زيد"، وإن كان الذي قال: "هذه دعد" فسكن ~~الميم هو الذي قال: "مذ اليوم" و"هم القضاة" فغير منكر أن تكون كسرة الهاء ~~من "هذه ابنتك" و"هذه ms272 امرأتك" و"ضربت هذه المرأة" على لغته لالتقاء ~~الساكنين، فليس ذلك بأشد من "هم القضاة" و"مذ اليوم" فاعرف ذلك. # ومن إبدال الهاء من الياء قولهم في تصغير "هنة": "هنية" وأصلها الأول ~~"هنيوة" لأن لام الفعل في تصريف هذه الكلمة واو لقولهم: ### | ..................................... # ... على هنوات شأنها متتابع # وإبدالهم أيضا التاء في "هنت" من الواو دون الياء، وقد تقدمت الدلالة على ~~ذلك، فلما اجتمع في "هنيوة" الياء والواو، وسبقت الأولى بالسكون قبلت الواو ~~ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار "هنية"، وهو الدائر المستعمل في أيدي ~~الناس. PageV02P212 # فأما قول بعضهم: "هنيهة" فإنما الهاء في "هنيهة" بدل من الياء في "هنية"، ~~والياء في "هنية" بدل من الواو في "هنيوة". # فأما قولهم في هاء "زنادقة" و"فرزانة"1 إنها بدل من الياء في "زناديق" ~~و"فرازين" فليسوا يريدون بذلك البدل على حد إبدالهم الألف في "قام" و"باع" ~~عن الواو والياء، وإنما يعنون أن الهاء لما طال الكلام بها صارت كالعوض من ~~الياء، كما صار طول الكلام بين الفعل والفاعل في نحو "حضر القاضي اليوم ~~امرأة" عوضا من تاء التأنيث في "حضرت". وهذا باب واسع إلا أنه ليس مما ~~قدمناه. # ونحو من هذا قولهم في الهاء من "عدة" و"زنة" و"شية" إنها صارت عوضا من ~~الواو التي هي فاء الفعل في "وعدت" و"وزنت" و"وشيت" فافهم ذلك. # إبدال الهاء من الواو: # قد أبدلوها في حرف واحد، وهو قول امرئ القيس2: # وقد رابني قولهم: ياهنا ... ه ويحك ألحقت شرا بشر # فالهاء الآخرة في "هناة" بدل من الواو في "هنوك" و"هنوات" -وقد دللنا على ~~ذلك في أول الكتاب- وكان أصله "هناو" فأبدلت الواو هاء، فقالوا: "هناه". ~~هكذا قال أصحابنا4. ولو قال قائل: إن الهاء في "هناه" إنما هي بدل من الألف ~~المنقلبة من الواو الواقعة بعد ألف "هناه" إذ أصله "هناو" ثم صار "هناا" ~~كما أن أصل "عطاء" "عطاو"، ثم صار بعد القلب "عطاا"-وقد دللنا على ذلك في ~~أول الكتاب- فلما صار "هناا" والتقت ألفان كره اجتماع الساكنين، فقلبت ~~الألف PageV02P213 # الآخرة هاء، فقالوا: "هناه" كما أبدل الجميع ms273 من ألف "عطاا" الثانية همزة ~~لئلا يجتمع ساكنان، لكان قولا قويا، ولكان أيضا أشبه من أن يكون قلبت الواو ~~في أول أحوالها هاء من وجهين: # أحدهما: أن من شريطة قلب الواو ألفا أن تقع طرفا بعد ألف زائدة، وقد وقعت ~~هنا كذلك. # والآخر: أن الهاء إلى الألف أقرب منها إلى الواو، بل هما في الطرفين، ألا ~~ترى أن أبا الحسن ذهب إلى أن الهاء مع الألف من موضع واحد لقرب ما بينهما، ~~فقلب الألف إذن هاء أقرب من قلب الواو هاء. # وكتب إلي أبو علي من حلب في جواب شيء سألته عنه، فقال: وقد ذهب أحد ~~علمائنا إلى أن الهاء من "هناه" إنما لحقت في الوقف لخفاء الألف، كما تلحق ~~بعد ألف الندبة في نحو "وازيداه" و"وابكراه" ثم إنها شبهت بالهاء الأصلية، ~~فحركت، فقالوا: "يا هناه". ولم يسم أبو علي هذا العالم من هو، فلما انحدرت ~~إليه إلى مدينة السلام، وقرأت عليه نوادر أبي زيد، نظرت فإذا أبو زيد هو ~~صاحب هذا القول. وهذا من أبي زيد غير مرض عند الجماعة، وذلك أن الهاء التي ~~تلحق لبيان الحركات وحروف اللين إنما تلحق في الوقف، فإذا صرت إلى الوصل ~~حذفتها البته1، فلم توجد فيه ساكنة ولا متحركة، وقد استقصيت هذا الفصل في ~~كتابي في شرح شعر المتنبي عند قوله: # واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ### | .............................. # 2 # ودللت هناك على ضعف قول أبي زيد وبيت المتنبي جميعا في هذا. PageV02P214 ### | إبدال الهاء من التاء # وذلك في التأنيث نحو قولك في "جوزة" في الوصل: "جوزه" في الوقف، وفي ~~"حمزة": "حمزه"، وقد ذكرنا قديما قول من أجرى الوصل مجرى الوقف، فقال: ~~"ثلاثهربعه" وقول من أجرى الوقف مجرى الوصل، فقال: # بل جوز تيهاء كظهر الحجفت1 # وقول الآخر: # الله أنجاك بكفي مسلمت # وحكى قطرب2 عن طيئ أنهم يقولون: "كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة ~~والأخواه" قال: وذلك شاذ. فأما "التابوه" فلغة في "التابوت". # ووقف بعضهم3 على "اللات" بالهاء، فقال: "اللاه". # زيادة الهاء # أما أبو العباس4 فكان يخرج الهاء من ms274 حروف الزيادة، ويذهب إلى أنها إنما ~~تلحق للوقف في نحو: "اخشه" و"ارمه" و"هنه" و"لكنه" وتأتي بعد تمام الكلمة. ~~وهذا مخالفة منه للجماعة، وغير مرض عندنا، وذلك أن الدلالة قد قامت على صحة ~~زيادة الهاء في غير ما ذكره أبو العباس، فمما زيدت فيه الهاء قولهم: ~~"أمهات" وزنه "فعلهات" والهاء زائدة لأنه بمعنى الأم، والواحدة "أمهة"، ~~قال: PageV02P215 # أمهتي خندف والياس أبي1 # أي: أمي. # وقولهم: "أم بينة الأمومة" قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء الفعل، ~~والميم الأولى عين الفعل، والميم الآخرة لام الفعل، ف "أم" بمنزلة "در" ~~و"حب" و"جل" مما جاء على "فعل" وعينه ولامه من موضع واحد. # وأجاز أبو بكر في قول من قال: "أمهة" في الواحد أن تكون الهاء أصلية، ~~وتكون "فعلة"، فهي في هذا القول الذي أجازه أبو بكر بمنزلة "ترهة"2 و"أبهة" ~~و"علفة"3 و"قبرة"4. # ويقوي هذا القول قول صاحب كتاب العين "تأمهت أما"، ف "تأمهت"5 بين أنه ~~"تفعلت" بمنزلة "تفوهت" و"تنبهت"، إلا أن قولهم في المصدر الذي هو الأصل ~~"أمومة" يقوي زيادة الهاء في "أمهة" وأن وزنها "فعلهة". # ويزيد في قوة ذلك أيضا قوله: # إذا الأمهات قبحن الوجوه ... فرجت الظلام بأماتكا6 PageV02P216 # وقرأت على أبي سهل أحمد بن محمد القطان، وأنشدناه عن أبي العباس محمد بن ~~يزيد1: # قوال معروف وفعاله ... عقار مثنى أمهات الرباع2 # فهذا فيمن أثبت الهاء في غير الآدميين، وقال الآخر3: # لقد ولد الأخيطل أم سوء ... مقلدة من الأمات عارا # فجاء به بلا هاء فيمن يعقل. وقال الراعي4: # كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا5 # فجاء به بغير هاء، إلا أنه في غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء، وفيما لا ~~يعقل بغير هاء، زادوا الهاء فرقا بين من يعقل وما لا يعقل. PageV02P217 # فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من عكس عليك الأمر، فقال: ما تنكر أن ~~تكون الهاء إنما حذفت في غالب الأمر مما لا يعقل، وأثبتت فيمن يعقل وهي أصل ~~فيه للفرق؟ # فالجواب: أن الهاء أحد الحروف العشرة التي تسمى حروف الزيادة لا حروف ~~النقص، ms275 وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها في الكلام هو الباب المعروف، ~~وأما الحذف فإنما جاء في بعضها، وقليل ما ذلك. # ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء في الكلام وأن ذلك أضعاف حذفها إذا ~~كانتا أصلين نحو "يد" و"دم" و"غد" و"أب" و"أخ" و"هن" فهذه ونحوها أسماء ~~يسيرة محدودة محتقرة في جنب الأسماء المزيد فيها الياء والواو نحو "يرمع"1 ~~و"يعملة"2 و"يسروع"3 و"يلمع"4 و"يعضيد"5 و"خيفق"6 و"صيرف"7 و"هيدب"8 ~~و"حوقل"9 و"جوهر" و"جدول" و"خروع" 10 و"عثير"11 و"حثيل"12 و"حذيم"13 ~~و"سعيد" و"قضيب" و"عجوز" و"عمود" و"دهليز" و"جرموق"14 و"كنثأو"15 ~~و"قندأو"16 و"عضرفوط"17 و"عندليب" و"خربصيص"18 PageV02P218 # و "جلفزيز"1 و"عنتريس"2 ونحو ذلك مما لا يحصى كثرة. وكذلك الهاء أيضا ~~إنما حذفت في نحو "شفة" و"است" و"عضة" فيمن قال "عاضه" و"سنة" فيمن قال ~~"سانهت" وما يقل جدا. وقد نراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به نحو: "جوزة" ~~و"لوزة"، ولبيان الحركة في نحو {ماليه} و {كتابيه} و {حسابيه} و {اقتده} و ~~{عمه} 3 و {فيمه} 4 و {لمه} 5، ولبيان حرف المد نحو "وازيداه" و"واعمراه" ~~و"واغلامهموه" و"وا انقطاع ظهرهيه". # ونحو قول الراجز6: # اكس بنياتي وأمهنه ... أقسم بالله لتفعلنه # وما أشبه ذلك، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف في شيء من ~~الكلام البتة، وذلك اللام والسين والميم، ولا تجد فيها شيئا حذف ولم يزد ~~البتة. فقد علمت أن الزيادة في هذه الحروف العشرة أفشى من الحذف، فعلى هذا ~~القياس ينبغي أن تكون الهاء في "أمهة" زيادة على "أم" وتكون "أم" الأصل، ~~ولا ينبغي أن يعتقد أن الهاء هي الأصل، وأن "أما محذوفة من "أمهة". # وقالوا أيضا "هرقت" فزادوا الهاء عوضا من سكون عين الفعل، وقد تقدم قولنا ~~على صحة ذلك. فأما قول من قال: "تأمهت أما" وإثباته الهاء فنظيره مما ~~يعارضه قولهم: "أم بينة الأمومة" بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي النظر ~~الذي قدمناه حاكما بين القولين، وقاضيا بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد ~~حذفها، على أن الأمومة قد حكاها ثعلب7 -وحسبك به ثقة- وغيره من الفريقين، ~~وأما "تأمهت أما" PageV02P219 # فإنما حكاها صاحب العين، وفي ms276 كتاب العين من الخطل والاضطراب ما لا يدفعه ~~نظار جلد، وإنما يخلد إليه من ضاق عطنه، واستروح من كلفة الحفظ إلى دعة ~~النسيان والترك. وذاكرت بكتاب العين يوما شيخنا أبا علي فأعرض عنه، ولم ~~يرضه لما فيه من القول المرذول والتصريف الفاسد، فقلت له كالمحتج عليه: فإن ~~في تصنيفه راحة لطالب الحرف. فقال: أرأيت لو أن رجلا صنف لغة بالتركية ~~تصنيفا حسنا، هل كنا نقبلها منه ونستعملها؟ أو كلاما هذا نحوه قد بعد عهدي ~~به. # ورأيت أبا محمد بن درستويه قد أنحى على أحمد بن يحيى في هذا الموضع من ~~كتابه الموسوم بشرح الفصيح1، وظلمه، وغصبه حقه، والأمر عندي بخلاف ما ذهب ~~إليه ابن درستويه في كثير مما ألزمه إياه، وما كنت أراه بهذه المنزلة، ولقد ~~كنت أعتقد فيه الترفع عنها وإن كان من أصحابي وقائلا بقول مشيخة البصريين ~~في غالب أمره، وكان أحمد بن يحيى كوفيا قلبا، فالحق أحق أن يتبع أين حل ~~وحيث صقع. ولو أن إنسانا تتبع كتاب العين، فأصلح ما فيه من الزيغ والاضطراب ~~لم أعنفه في ذلك، ولرأيته مصيبا فيه مأجورا على عمله، وإن وجدت فسحة أصلحت ~~ذلك وما في كتاب الجمهرة مما سها فيه مصنفه رحمه الله. # وذهب أبو الحسن إلى أن الهاء في "هجرع" و"هبلع" زائدتان، لأنهما عنده من ~~"الجرع" و"البلع" وذلك أن "الهجرع" هو الطويل، و"الجرع": المكان السهد ~~المنقاد، و"الهلبع": الأكول، فهذا من البلع، فمثالهما على هذا "هفعل". # وذهب الخليل فيما حكى عنه أبو الحسن إلى أن "هركولة": "هفعولة" وأن الهاء ~~زائدة، قال: لأنها التي تركل في مشيتها. # وسمعت بعض بني عقيل يقول في "هركولة ": "هركلة"، قال: # هركلة فنق نياف طلة ... لم تعد عن عشر وحول خرعب2 PageV02P220 # فإن كان هذا ثبتا عندهم فقياس قول الخليل أن تكون "هركلة": "هفعلة" فتكون ~~الفاء هنا مضعفة، فيضاف هذا الحرف إلى "مرمريس"1 لأنه لم تكرر الفاء إلا ~~هناك وفي "هركلة" إن صحت، على قول الخليل. # ويجيء على قياس هذا القول أن يكون قول الراجز2: # باتت بليل ms277 ساهر وقد سهد ... هلقم يأكل أطراف النجد3 # وزنه "هفعل"، لأنه من "اللقم"4. # ونحو منه قول العجاج5: # بسلهبين فوق أنف أذلفا6 # ويجوز لقائل أن يقول: إن "سلهبا": "فعهل" لأنه من معنى السلب، وهو ~~الطويل. # وقال أبو عثمان: رأيت أبا عبيدة محموما يهذي، ويقول: دينار كذا وكذا، ~~فقلت للطبيب: سله عن "الهركولة" ما هي؟ فقال: يا أبا عبيدة. قال: ما لك؟ ~~قال: ما الهركولة؟ قال: الضخمة الأوراك. # وحكى فيها أبو زيد: "هركلة" و"هركلة". فأما ما عليه أكثر الناس فإنما ~~الهاء في "هبلع" و"هجرع" و"هركولة" أصل. PageV02P221 # وحكى أحمد بن يحيى1: "هذا أهجر من هذا، أي: أطول" فهذا يثبت كون الهاء ~~أصلا. # ولست أرى بما ذهب إليه أبو الحسن والخليل من زيادتها في هذه الأسماء ~~الثلاثة بأسا، ألا ترى أن الدلالة إذا قامت على الشيء فسبيله أن يقضي به ~~ولا يلتفت إلى خلاف ولا وفاق، فإن سبيلك إذا صحت لك الدلالة أن تتعجب من ~~عدول من عدل عن القول بها، ولا تستوحش أنت من مخالفته إذا ثبتت الدلالة بضد ~~مذهبه، ألا ترى أنهم قضوا بزيادة اللام في "ذلك" و"هنالك" و"عبدل" وإن لم ~~تكثر نظائر هذا، فكذلك يقضي بزيادة الهاء في "هجرع" و"هركولة" و"أمهات" ~~لقيام الدلالة على ذلك. ولعمري إن كثرة النظير مما يؤنس، ولكن ليس إيجاد ~~ذلك بواجب، فاعرف هذا، وقسه. # فأما الهاء في "إياه" فهي على مذهب أبي الحسن حرف جر لمعنى الغيبة، كما ~~أن الكاف في "إياك" عنده حرف جاء لمعنى الخطاب، وقد تقدم القول على صحة ذلك ~~في حرف الكاف2، فارجع إليه تره. PageV02P222 ### | باب الواو ### | إبدال الواو ### | مدخل # ... # حرف الواو: # اعلم أن الواو حرف مجهور يكون في الكلام على ثلاثة أضرب1: أصلا، وبدلا، ~~وزائدا. # فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو "ورل"2 و"وعد"، والعين ~~نحو "سوط"3 و"استروح"4، واللام نحو "دلو" و"سخو"5. # إبدال الواو: # وإذا كانت بدلا فمن ثلاثة أحرف، وهي الهمزة والألف والياء. # فأما إبدالها من الهمزة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها أن تكون الهمزة أصلا، ~~والآخر أن تكون بدلا، ms278 والآخر أن تكون زائدة. # إبدالها منها والهمزة أصل: وذلك أن تكون الهمزة مفتوحة وقبلها ضمة، فمتى ~~آثرت تخفيف الهمزة قلبتها واوا، وذلك قولك في "جؤن"6: "جون" وفي "رجل سؤلة: ~~سولة" وفي "بؤر: بور" وفي "لؤم: لوم"8، وفي تخفيف "هو يضرب أباك: هو يضرب ~~وباك" وفي تخفيف "يقتل أخاك: يقتل وخاك" فالواو هنا مخلصة، وليس فيها من ~~بقية الهمزة. ومثل ذلك قولك في "هذا أفعل من هذا" من "أممت" في قول أبي ~~الحسن9: "هذا أوم من هذا" وفي قول أبي عثمان10 "هذا أيم من هذا" بالياء. ~~PageV02P223 # وكذلك قراءة أبي عمرو: "السفهاء ولا إنهم هم السفهاء" [البقرة: 13] 1 ومن ~~ذلك قولهم في "آخيت زيدا: واخيته" فهذه الواو بدل من الهمزة لا محالة، ولا ~~يجوز أن يكونا أصلين مثل "أكدت" و"وكدت" و"أرخت"2 و"ورخت" وذلك أن لام ~~الفعل من "واخيت" في الأصل إنما هي واو لقولك "أخوان" و"إخوة" وإنما قلبت ~~في "واخيت" كما انقلبت في "غازيت"، فإذا كانت اللام كما ذكرنا واوا لم يجز ~~أن تكون الواو في "واخيت" أصلا، لأنه ليس في كلامهم كلمة فاؤها واو ولامها ~~واو غير قولهم "واو" فاعرف ذلك. # وأما إبدال الواو من الهمزة المبدلة فقولك في تخفيف "يملك أحد عشر: وهو ~~يملك وحد عشر" وفي "يضرب أناة3: هو يضرب وناة" وذلك أن الهمزة في "أحد" ~~و"أناة" بدل من واو، وأصله "وحد" لأنه هو الواحد، و"امرأة وناة" من "الوني" ~~وهو الفتور، وذلك أن المرأة توصف بأنها كسول. # ألا ترى إلى قول حسان4: # وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبة وحسن قوام5 PageV02P224 # وقال الفرزدق1: # إذا القنبصات السود طوفن بالضحى ... رقدن عليهن الحجال المسجف2 # وقال الكندي3: # وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل4 ~~PageV02P225 # ونحو من هذا قول الأعشى1: # هركولة فنق درم مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل2 # وقد أبدلت الواو من همزة التأنيث المبدلة من الألف على ما قدمناه في باب ~~الهمزة في ثلاثة مواضع: وهي: التثنية، والجمع بالتاء، والنسب، فالتثنية نحو ~~قولك في "حمراء، وصفراء، وخنفساء: ms279 حمراوان، وصفراوان، وخنفساوان" والجمع ~~نحو قولك في: "صحراء: صحراوات" وفي "خبراء3: خبراوات" وفي "خنفساء: ~~خنفساوات" والنسب نحو قولك: "صفراوي" و"حمراوي" و"صحراوي" و"خبراوي" ~~و"خنفساوي". # وأما إبدال الواو من الهمزة الزائدة فقولك في تخفيف "هذا غلام أحمد": ~~"هذا غلام وحمد" وفي خفيف "يكرم أصرم": "هو يكرم وصرم". PageV02P226 ### | إبدال الواو من الألف # وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تبدل الواو من الألف والألف أصل. والآخر: ~~إبدالها منها وهي بدل. والثالث: إبدالها منها وهي زائدة. # فأما إبدال الواو من الألف والألف أصل فقولك في تثنية "إلى" و"لدى" اسمي ~~رجلين: "إلوان" و"لدوان" وكذلك "إذا" التي هي ظرف زمان، و"إذ" التي ~~للمفاجأة وهي ظرف مكان، فلو سميت بها رجلا لقلت في التثنية "إذوان"، ولو ~~جعلت شيئا من ذلك اسم امرأة، فجمعت بالألف والتاء لقلت: "إلوات" و"لدوات" ~~و"إذوات". # وكذلك "ألا" تقول فيها في التثنية "ألوان" وفي الجمع "ألوات". وإنما قلبت ~~هذه الألفات واوا من قبل أنها أصول غير زوائد ولا مبدلة بما قد أوضحناه، ~~ودللنا عليه في كتب المنصف في شرح تصريف أبي عثمان، ولما لم يكن لهذه ~~الألفات أصل ترد إليه إذا حركت، ولم تكن الإمالة مسموعة فيها، حكم عليها ~~بالواو، فقلبت إليها عند الحاجة إلى تحريكها. # فإن قلت: فقد سبق من قولك إنها غير مبدلة، فهلا لم يجز قلبها واوا إذ ليس ~~لها أصل في ياء ولا واو؟ # فالجواب: أن الأمر كذلك إلا أنها لما سمي بها انتقلت إلى حكم الأسماء، ~~فحكم على ألفها بما يحكم على ألفات الأسماء التي لا تحسن إمالتها مثل "عصا" ~~و"قطا"1، فكما تقول: "عصوان" و"قطوات" كذلك قلت أيضا "إلوان" و"لدوان" ~~و"إلوات". ونحو ذلك أنك لو سميت رجلا ب "ضرب" لأعربته، فقلت: "هذا ضرب" وإن ~~كان قبل التسمية لا يدخله الإعراب، فكما أن "ضرب" لما سمي به انتقل إلى حكم ~~الأسماء فأعرب كذلك أيضا "إلى" و"لدى" و"إذا" و"ألا" إذا سمي بها انتقلت ~~إلى حكم الأسماء، فقضي على ألفها بأنها من الواو إذ لم تجز فيها الإمالة. # وهذا حصلته عن أبي علي ms280 وقت قراءة الكتاب. PageV02P227 # فأما "على" فإن معناها يدل على أنها من "علوت" فأمرها ظاهر. وكذلك ألف ~~"ما" و"لا" إذا سميت بهما زدت عليهما ألفا أخرى، فإذا التقى ساكنان همزت ~~الآخرة لما حركتها لالتقاء الساكنين، فصارت "ماء" و"لاء" فإن بنيت من هذين ~~الاسمين اللذين هما "ماء" و"لاء" مثل "حجر" و"عمل" قلت: "موى" و"لوى " ~~فقضيت على الألف الأولى أنها منقلبة من واو، وعلى الألف الآخرة التي كانت ~~قلبت همزة بأنها منقلبة من ياء، فخرجت اللفظتان إلى باب "شويت" و"طويت"، ~~ولم تقض على الألف الآخرة أنها من الواو كالألف الأولى من قبل أن العين قد ~~ثبت أنها واو، واللام بعدها حرف علة، فالوجه أن تكون مما لامه ياء، ولا ~~تكون مما لامه واو، وذلك أن باب "طويت، ولويت، وحويت، وشويت، ورويت، ونويت، ~~وخويت، وذويت1، وصويت2، وغويت، وعويت، وثويت3، وهويت" أكثر من باب "قويت4، ~~وحويت، والقوة، والحوة5، والصوة6" مما عينه ولامه واوان. # هذا هو القانون، وبه وصى التصريفيون. وجاز أن يقضى على الألفين أنهما ~~منقلبتان عن حرفي العلة وإن كانتا قبل التسمية غير منقلبتين، لأنك لما سميت ~~بهما ألحقتهما بما عليه عامة الأسماء، وأخرجتهما من الحرفية التي كانا ~~عليها للاسمية التي صارا إليها، فاعرفه. PageV02P228 ### | إبدال الواو من الألف المبدلة # هذه الألف المبدلة التي أبدلت الواو عنها على ثلاثة أضرب: ألف مبدلة من ~~همزة، وألف مبدلة من واو، وألف مبدلة من ياء. # الأولى نحو قولك في تصغير "آدم" و"آخر" وجمعهما "أويدم" و"أويخر" ~~و"أوادم" و"أواخر" فالألف في "آدم" و"آخر" أصلها الهمزة، وكانت "أأدم" ~~و"أأخر" لأنهما "أفعل" من الأدمة1 والتأخر، فلما اجتمعت همزتان في حرف واحد ~~استثقلتا، فأبدلت الثانية ألفا لسكونها وانفتاح الأولى قبلها، فصار "آدم" ~~و"آخر" ثم جرت الألف فيهما مجرى ألف "فاعل" الزائدة، فكما قلت في تحقير ~~"ضاربة" وجمعها "ضويربة" و"ضوارب" كذلك قلت "أويدم" و"أويخر" و"أوادم" ~~و"أواخر". # فأما إبدال الواو من الألف المبدلة من واو فقولك في الإضافة إلى نحو ~~"عصا" و"قطا" و"قنا": "عصوي" و"قطوي" و"قنوي"، فالواو في "عصوين" بدل من ~~ألف "عصا" والألف في ms281 "عصا" بدل من الواو في "عصوين". وكذلك الواو في "قطوي" ~~و"قنوي" لقولك "قطوات" و"قنوات". # وأما إبدال الواو من الألف المبدلة من الياء فقولك في الإضافة إلى "فتى" ~~و"سرى" و"رحى"3: "فتوي" و"سروي" و"رحوي" فالواو هنا إنما هي بدل من ~~ألف"فتى" و"سرى" و"رحى"، والألف هناك بدل من الياء في "فتيان" وفي "سريت" ~~و"رحيت بالرحى"4. # فإن قلت: فلم أبدلت الألف في نحو "عصا" و"فتى" واوا مع ياء الإضافة؟ # فالجواب: أنهم لما احتاجوا إلى حركتها مع ياء الإضافة لسكونها وسكون ~~الياء الأولى من ياءي الإضافة، قلبوها حرفا يحتمل الحركة، وهو الواو، ولم ~~يقلبوها ياء PageV02P229 # فيقولوا "عصيي" و"رحيي" لئلا تجتمع ثلاث ياءات وكسرة، فهربوا إلى الواو ~~لتختلف الأحرف. # فإن قلت: فهلا قلبوها همزة كما قلبوا ألف "كساء" و"قضاء"، ألا ترى أن ~~أصلهما "كساو" و"قضاي" فقلبت الواو والياء ألفين، فصارا "كساا" و"قضاا" ثم ~~أبدلوا الألف الآخرة منهما همزة، فقالوا "كساء" و"قضاء" فهلا فعلوا مثل ذلك ~~في "عصا" و"رحى" فقالوا "عصئي" و"رحئي"؟ # فالجواب: أنهم إنما احتاجوا إلى حركة الحرف لا غير، ولم يقع طرفا فيضعف، ~~فتبدل منه همزة كما أبدلوها في "كساء" و"قضاء" ألا ترى أن الواو في "عصوي" ~~و"رحوي" حشو، وليست بطرف فتضعف، فتبدل الألف في "عصا" و"رحى" همزة، وإذا ~~كانوا قد احتملوا الواوين في نحو "نووي" و"طووي" و"لووي" لأنهما لم يتطرفا ~~فيضعفا، فهم باحتمالهم الواحدة في نحو: "عصوي" و"رحوي" و"فتوي" أجدر. # وروينا عن قطرب أن بعض أهل اليمن يقول "الصلوة" و"الزكوة" و"الحيوة" بواو ~~قبلها فتحة، فهذه الواو بدل من ألف "صلاة" و"زكاة" و"حياة" وليست بلام ~~الفعل من "صلوت" و"زكوت"، ألا ترى أن لام الفعل من "الحياة" ياء وقد قالوا ~~"الحيوة". # PageV02P230 ### | إبدال الواو من الألف الزائدة # وذلك نحو ألف "فاعل" و"فاعل" و"فاعول" و"فاعال" نحو "ضارب" و"خاتم" ~~و"عاقول"1 و"ساباط"2 فمتى أردت تحقير شيء من ذلك أو تكسيره قلبت ألفه واوا، ~~وذلك نحو "ضويرب" و"خويتم" و"عويقيل" و"سويبيط" وكذلك "ضوارب" و"خواتم" ~~و"عواقيل" و"سوابيط". فأما قلبها في التحقير فأمره واضح، وذلك أن الضمة لما ~~وقعت قبل الألف قلبتها واوا. PageV02P230 # وأما ms282 التكسير فهو محمول في ذلك على التحقير، وذلك أنك إذا قلت "خواتم" ~~و"ضوارب" فلا ضمة في أول الحرف، ولكنك لما كنت تقول في التحقير "خويتم" قلت ~~في التكسير "خواتم" قال الأعشى: ### | ................................... # ... وتترك أموال عليها الخواتم1 # وإنما حمل التكسير في هذا على التحقير لأنهما من واد واحد، وذلك أن هذا ~~التكسير جار مجرى التحقير في كثير من أحكامه من قال أن علم التحقير ياء ~~ثالثة ساكنة قبلها فتحة، وعلم التكسير ألف ثالثة ساكنة قبلها فتحة، والياء ~~أخت الألف من الوجوه التي تقدم ذكرها، وما بعدها ياء التحقير حرف مكسور كما ~~أن ما بعد ألف التكسير حرف مكسور، فلما تناسبا من هذه الوجوه حمل التكسير ~~على التحقير، فقيل "خوالد" كما قيل "خويلد". وكما حمل التكسير في هذا ~~الموضع على التحقير كذلك أيضا حمل التحقير في غير هذا الموضع على التكسير، ~~وذلك في قول من قال في تحقير "أسود" و"جدول"2: "أسيود" و"جديول" فأظهر ~~الواو ولم يعلها لوقوع الياء الساكنة قبلها، وذلك أنه لما كان يقال التكسير ~~"أساود" و"جداول" قال أيضا في التحقير "أسيود" و"جديول" وأجرى الواو في ~~الصحة بعد ياء التحقير مجراها فيها بعد ألف التكسير، فكما جاز أن يشبه ~~"ضوارب" ب "ضويرب" وإن لم تكن في ضاد "ضوارب" ضمة كضمة ضاد "ضويرب". # كذلك أيضا جاز أن يشبه "أسيود" في تصحيح واوه بعد الياء ب "أساود" في ~~تصحيح واوه بعد الألف وإن كان في "أسيود" ما يبعث على القلب، وهو وقوع ~~الياء ساكنة قبل الواو. # ومن ذلك قولك في "قاتل" و"ضارب" ونحوهما: "قوتل" و"ضورب" انقلبت الألف ~~الزائدة واوا للضمة قبلها. PageV02P231 # واعلم أن حذاق أصحابنا وذوي القياس القوي منهم يذهبون إلى أن الألف في ~~"كتاب" و"غزال" و"غراب" إذا حقرت الاسم فقلت: "كتيب" و"غزيل" و"غريب" فإنك ~~لم تبد ألف "كتاب" و"غزال" و"غراب" في أول أحوالها لياء التحقير ياء، وإنما ~~المذهب عندهم أنك قلبت الألف واوا، فصار التقدير "كتيوب" و"غزيول" و"غريوب" ~~فلما اجتمعت الياء والواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت ياء ~~التحقير فيها، فقلت: ms283 "كتيب" و"غزيل" و"غريب" فالياء إذن في "غزيل" إنما هي ~~بدل من واو بدل من ألف المد، وكذلك ما أشبه ذلك. # فإن قيل: ما الذي دعاهم إلى اعتقاد هذا الرأي؟ وهلا ذهبوا إلى أن الألف ~~لما وقعت قبلها ياء التحقير قلبت في أول أحوالها ياء كما تقلب للكسرة تقع ~~قبلها ياء، وذلك نحو "مفتاح" و"مفاتيح" و"دينار" و"دنانير" و"قرطاس" ~~و"قراطيس" و"حملاق"1 و"حماليق"؟ # فالجواب: أنهم إنما حملهم على القول بما قدمناه أنهم رأوا الألف أكثر ~~انقلابها إنما هو إلى الواو نحو "ضارب" و"ضوارب" و"ضويرب" فكما جاز أن تقلب ~~في "ضوارب" ولا ضمة قبلها، وفي نحو: "رحوي" و"عصوي" و"فتوي" و"مغزوي" ~~و"مهلوي" و"مدعوي" وفي قول يونس2 في "مثنوي" و"معلوي" وأبدلت أيضا من الألف ~~المتحركة، وهي الهمزة في نحو "صفراوان، وحمراوان، وخبراوات، وخبراوي، ~~وخنفساوي" وغير ذلك مما يطول ذكره، كذلك حكموا أيضا بأنها في نحو "غزال" ~~و"غراب" إنما قلبت في أول أحوالها واوا، فصارت "غزيول" و"غريوب" ثم أبدلت ~~الواو ياء على ما قدمناه. # فهذا هو القول الذي لا معدل عنه. # فأما "مفيتيح" و"مفاتيح" و"دنينير" و"دنانير" فلم يمكن قلب ألفها واوا ~~لأن الكسرة تمنع من ذلك، وليست قبل الياء الثانية في نحو "كتيب" و"حسيب" ~~كسرة تمنع وقوع الواو بعدها، إنما قبلها ياء ساكنة، والياء الساكنة قد ~~رأينا الواو المفردة PageV02P232 # بعدها في نحو: "أسيود" و"أخيول" و"جديول" و"خريوع"، وقالوا أيضا: ~~"ديوان"1 و"اجليواذ"2 ونحو ذلك، فاعرف هذا فإنه مسفر واضح. PageV02P233 ### | إبدال الواو من الياء # هذه الياء التي أبدلت منها الواو على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائدة. # فالأصل قولك من "أيقن" و"أيسر" و"أيديت إليه يدا"1: "موقن" و"موسر" ~~و"مود" وهو "يوقن" و"يوسر" و"يودي" و"قد أوسر في هذا المكان" و"أوقن فيه" ~~و"أودي إلى زيد فيه" وهو "موسر فيه" و"موقن فيه" و"مودى إلى زيد فيه". ~~وكذلك "أيأسته فأنا موئسه، وهو موأس مما طلبه". # وكذلك كل ياء مفردة ساكنة قبلها ضمة، وإنما قلبت الياء الساكنة واوا ~~للضمة قبلها من قبل أن الياء والواو أختان بمنزلة ما تدانت مخارجه من ~~الحروف نحو الدال والتاء والطاء، والذال ms284 والثاء والظاء، وقد رأيناهم قالوا ~~"وتد"2 فبينوا التاء لقوتها بالحركة، ثم إنهم لما أسكنوا التاء تخفيفا ضعفت ~~بالسكون، فاجترؤوا عليها بأن قلبوها إلى لفظ ما بعدها ليدغموها فيه، فيكون ~~العمل والصوت من وجه واحد وجنس واحد، فقالوا"ود"3. # وكذلك الواو والياء في نحو "لية" و"طية" وأصلهما "لوية"4 و"طوية"5 قلبوا ~~الواو ياء، وأدغموا الياء المنقلبة في الثانية، فقالوا "لية" و"طية". # وكذلك "سيد" و"ميت" إنما أصلهما "سيود" و"ميوت" فقلبت الواو ياء ليكون ~~العمل أيضا من وجه واحد، وأدغمت الياء، فصار "سيد" و"ميت". PageV02P233 # فإن قلت: فإن "ودا" إنما قلبوا فيه الأول إلى لفظ ما أدغموه فيه وهو ~~الدال، فقالوا "ود" وأنت في "سيد" و"ميت" إنما قلبت الثاني إلى لفظ الأول، ~~فكيف هذا؟ # فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك بالواو لغلبة الياء عليها، وإنما غلبت ~~الياء على الواو لخفة الياء وثقل الواو، فهربوا إلى الأخف، فلما وجبت هذه ~~القضية في الواو والياء أجريت الضمة مجرى الواو، والكسرة مجرى الياء، ~~لأنهما بعضان ونائبتان في كثير من المواضع عنهما، فقلبت الواو الساكنة ~~للكسرة قبلها ياء، فقالوا: "ميزان" و"ميقات" والياء الساكنة للضمة قبلها ~~واوا، فقالوا "موسر" و"موقن" وقويت الحركتان وإن كانتا ضعيفتين على قلب ~~الياء والواو من قبل أنهما لما سكنتا قويت الحركة على إعلالهما وقلبهما. # فكما تقلب الياء الواو المتحركة في نحو "سيد" و"قيم" لأن أصلما "سيود" ~~و"قيوم" كذلك قلبت الكسرة الواو الساكنة في نحو "ميقات" و"ميعاد" والضمة ~~الياء الساكنة في نحو "موسر" و"موقن" وذلك أن الحرف أقوى من الحركة، فكما ~~قلبت الياء بقوتها الواو المتحركة، كذلك قلبت الكسرة والضمة الواو والياء ~~الساكنتين دون المتحركتين لضعفهما. # فإن قلت: فما بالهم قالوا "سائل" و"سيل" و"عائل" و"عيل". # قال أبو النجم1: # كأن ريح المسك والقرنفل ... نباته بين التلاع السيل2 PageV02P234 # وقال الآخر: # فتركن نهدا عيلا أبناؤها ... وبني فزارة كاللصوص المرد1 # وهلا قلبوا الياء الأولى من "السيل" و"العيل" لسكونهما وضم ما قبلهما؟ ~~وقالوا أيضا: "اعلوط اعلواطا"2 و"اخروط اخرواطا"3 فلم يقلبوا الواو الأولى ~~منهما ياء وإن كانت ساكنة مكسورا ما قبلها!. # فالجواب: أنهم إنما ms285 فعلوا ذلك من قبل أن الياء والواو إذا أدغمتا بعدتا ~~عن الاعتلال وعن شبه الألف؛ لأن الألف لا تدغم أبدا، فإذا قويتا بالإدغام ~~لم تتسلط الحركتان قبلهما على قبلهما، على أن منهم من يقلب الواو الأولى من ~~هذا للكسرة قبلها ياء، فيقول: "اجلوذ اجليوذا" و"اخروط اخريوطا" ولم يقلب ~~الواو الآخرة وإن كانت قبلها ياء ساكنة ياء فيقول "اجلياذا" و"اخرياطا"، من ~~قبل أن قلب الأولى منهما عارض ليس بلازم ولا واجب، فجرى ذلك مجرى ياء ~~"ديوان" في أن لم تقلب لها الواو الآخرة فيقولوا: "ديان" إذ لم تكن الأولى ~~لازمة ولا واجبة، وإنما قلبت لضرب من التخفيف. ومن قال: "اجليوذا" و"ديوان" ~~فجعل للكسرة تأثيرا لم يقل في "سيل": "سويل" ولا في "عيل"4: "عويل" لأن قلب ~~الواو ياء أخف من قلب الياء واوا، ولو كان القلب هنا واجبا لقيل: "سويل" ~~و"عويل" كما قالوا: "موسر" و"موقن". # وكذلك أيضا إن تحركت الياء والواو قويتا بالحركة، فلم تقلبا للحركتين ~~قبلهما، وذلك نحو "غير" جمع "غيور" و"دجاج بيض" جمع "بيوض" وكذلك "حول" ~~و"عوض" و"رجل عيبة". PageV02P235 # فأما قولهم "ثور" و"ثيرة" فشاذ، وكأنهم1 فرقوا بالقلب بين جمع "ثور" من ~~الحيوان وجمع "ثور" من الأقط2، لأنهم يقولون في "ثور" الأقط: "ثورة" على ~~القياس فأما "حيل" و"قيم" فإن الواو فيهما لما انقلبت في الواحدة ضرورة ~~لانكسار ما قبلها قلبت أيضا في الجمع، فقيل "قيم" و"حيل". وأما "حياض" ~~و"رياض"3 و"ثياب" ونحو ذلك فإنما قلبت واوه ياء لسكونها في الواحد، ومجيئها ~~في الجمع بعد كسرة، وقبل ألف، ولام الفعل فيها صحيح، لا بد في هذا الموضع ~~من ذكر هذه الأربعة الأشياء وإلا فسدت العلة ونقصت. # فإن قلت: فأنت تعلم أن أصل "غازية"4 و"محنية"5: "غازوة" و"محنوة" لأنهما ~~من "غزوت" و"حنوت" وقد قلبت الواو فيهما للكسرة قبلها، وهما مع ذلك ~~متحركتان. وكذلك "داعية" و"قاصية" و"عافية" و"راجية" لأن الأصل "داعوة" ~~و"قاصوة" و"عافوة" و"راجوة" لأنها من "دعوت" و"قصوت" و"عفوت" و"رجوت". # فالجواب: أنه إنما أعل ذلك وإن كان متحركا من قبل أنه لام الفعل، فضعف، ~~وأما الفاء ms286 والعين فقويتان، فسلمتا لقوتهما، وإذا كان القلب في العين قد ~~جاء في نحو "ثيرة" و"سياط" فهو في اللام أجوز وأسوغ. فأما قولهم "الفتوة" ~~و"الندوة" و"الفتو"، قال6: # في فتو أنا رابئهم ... من كلال غزوة ماتوا PageV02P236 # فأصله "الفتوية" و"الندوية" و"الفتوي" ولكنهم أبدلوا الياء واوا للضمة ~~قبلها، ولم يعتدوا بالواو الساكنة حاجزا لضعفها، فلما قلبوا الياء واوا ~~أدغموا الأولى فيها، فصحت لأن الأولى حصنتها بإدغامها إياها فيها، ولولا أن ~~الأولى أدغمت في الآخرة لما جاز أن تقع واو في اسم طرفا بعد ضمة، وهذا ~~واضح. # ويدل على أن "الندوة" من الياء قولهم: "لفلان تكرم وندى" بالإمالة فدلت ~~الإمالة على أنه من الياء. فأما قولهم: # "النداوة" فالواو فيه بدل من ياء، وأصله "نداية" لما ذكرنا من الإمالة في ~~"الندى" ولكن الياء قلبت واوا لضرب من التوسع، وسنذكر أمثال هذا. # اعلم أنهم قد قلبوا الياء واوا لا لعلة سوى تعويض الواو قلبها ياء لكثرة ~~دخول الياء عليها، وذلك قولهم: "جبيت الخراج جباوة" وأصلها "جباية"3. ~~وقالوا: "رجاء بن حيوة" وأصلها "حية"4 فقلت الياء التي هي لام واوا. # وقالوا: "هذا أمر ممضو عليه" أي "ممضي". وقالوا: "هي المضواء"5 وأصلها ~~"مضياء". وقالوا: "هو أمور بالمعروف نهو عن المنكر" وهي من "نهيت". وقالوا: ~~"شربت مشوا" وهو من "مشيت" لأنه الدواء الذي يمشى عنه6، وكأنهم أبدلوا ~~الياء واوا في "نهو" و"مشو" ولم يقولوا "نهي" و"مشي" لأنهم أرادوا بناء ~~"فعول" فكرهوا أن يلتبس ب "فعيل". # و"الحيوان" أصله "الحييان" فقلبت الياء التي هي لام واوا استكراها لتوالي ~~الياءين ليختلف الحرفان، هذا مذهب الخليل7 وسيبويه8 وأصحابهما9 إلا أبا ~~عثمان PageV02P237 # فإنه ذهب1 إلى أن "الحيوان" غير مبدل الواو، وأن الواو فيه أصل وإن لم ~~يكن منه فعل، وشبه هذا بقولهم: "فاظ الميت يفيظ فيظا وفوظا"2 ولا يستعملون ~~من "فوظ" فعلا، وكذلك "الحيوان" عنده مصدر لم يشتق منه فعل بمنزلة "فوظ" ~~ألا ترى أنهم لا يقولون: "فاظ يفوظ" كما قالوا: "فاظ يفيظ". ويدلك على أنهم ~~لم يستعملوا من "الحيوان" فعلا قول سيبويه3: "ليس في الكلام ms287 مثل حيوت" أي: ~~ليس في كلامهم "حيوت" ولا ما جرى مجراها مما يعنه ياء ولامه واو. # وهذا الذي رآه أبو عثمان وخالف فيه الخليل وسيبويه غير مرض عندنا منه، ~~قال لي أبو علي وقت قراءتي كتاب أبي عثمان عليه: هذا الذي أجازه أبو عثمان ~~فاسد من قبل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه واو وفاؤه ولامه ~~صحيحتان مثل "فوظ" و"صوغ" و"قول" و"موت" وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في ~~الكلام كلمة عينها ياء ولامها واو فلا، فحمله "الحيوان" على "فوظ" خطأ، ~~لأنه شبه ما لا يوجد في الكلام بما هو موجود مطرد. # وبهذا علمنا أن "حيوة" أصلها "حية" وأن اللام إنما قلبت واوا لضرب من ~~التوسع وكراهة لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضا علم، والأعلام قد يعرض فيها ~~ما لا يوجد في غيرها نحو: "موهب" و"مورق" و"موظب" و"معدي كرب" و"تهلل" ~~و"مزيد" و"مكوزة وغير ذلك مما يطول تعداده. # وحكى اللحياني: "اشتر من الحيوان والحيوات، ولا تشتر من الموتان"4 فالواو ~~أيضا في "الحيوات" بدل من ياء، وأصلها "حييات" لأنهما "فعلات" من "حييت" ~~و"حييت" من مضاعف الياء بلا خلاف، ويدل على أنه لا خلاف في "حييت" في أن ~~لامه ياء بمنزلة "خشيت" , "وعييت" وأنه ليس ك "شقيت" PageV02P238 # و "غبيت" قول أبي عثمان إنهم لم يشتقوا من "الحيوان" فعلا؛ أي: لم ~~يستعملوا منه فعلا عينه ياء ولامه واو والعلة في قلب "الحيوات" هي العلة في ~~قلب "الحيوان". # ومما قلبت ياؤه واوا للتصرف وتعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها، ~~وللفرق أيضا بين الاسم والصفة قولهم: "الشروى"1 و"الفتوى" و"البقوى"2 ~~و"الرعوى"3 و"الثنوى"4 و"التقوى" قال5: # فما بقوى علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال6 # ويرويه "بقيا" # وقال الآخر7: # أذكر بالبقوى على من أصابني ... وبقواي أني جاهد غير مؤتل # وأصل هذا كله "شريا" و"فتيا" و"بقيا" و"رعيا" و"ثنيا" و"وقيا" لأن ~~"الشروى" من "شريت" و"الفتوى" من معنى "الفتى" و"البقوى" من "بقيت الشيء" ~~إذا انتظرته، و"الرعوى" من "رعيت" و"الثنوى" من "ثنيت" و"التقوى" من ~~"وقيت". وقد تقصيت الأدلة على صحة هذه الدعاوى ms288 في كتابي8 في شرح تصريف أبي ~~عثمان. فإن كانت "فعلى" صفة لم تغير الياء منها إذا وقعت لاما، وذلك نحو ~~"صديا" و"ريا" و"خزيا" وقد ذكرت هذا في صدر هذا الكتاب في باب الهمزة. ~~PageV02P239 # وما قلبت فيه الياء واوا ما حكاه أبو علي أن أبا الحسن حكاه من قولهم: ~~"مضى إنو من الليل"1 أي: إني. # وأخبرنا قال2: قال أحمد بن يحيى: قال ابن الأعرابي: يقال: "إني" و"إنى" ~~و"معي" و"حسي"3 و"حسى" قال الهذلي4: # حلو ومر كعطف القدح مرته ... بكل إني حذاه الليل ينتعل5 # إبدال الواو من الياء المبدلة: # وذلك أنك لو أخرجت مصدر "ضاربت" و"قاتلت" على أصلهما لقلت: "ضيراب" ~~و"قيتال" فقلبت ألف "ضاربت" و"قاتلت" ياء لانكسار ما قبلها، ثم إنك لو سميت ~~بهذين المصدرين، ثم صغرتهما لوجب أن تقول: "ضويريب" و"قويتيل" فتقلب الياء ~~واوا، وتزيل الياء لزوال الكسرة التي كانت قبلها. # فإن قلت: فأنت تعلم أن هذه الياء ليس أصلها واوا، وإنما هي بدل من ألف ~~"فاعلت" فلم قلبتها واوا وليست منقلبة عن الواو؟ # فالجواب: أنا قد علمنا أن أصل هذه الياء في "فيعال" ألف في "فاعلت" وأنها ~~إنما صارت ياء لانكسار ما قبلها، فلما زالت الكسرة من قبلها بضمة التصغير ~~لم يمكنك ردها إلى الألف لأجل الضمة قبلها، ولم يبق هناك غير الواو، فقلبت ~~إليها، فقلت: "ضويريب" و"قويتيل" فاعرف ذلك، وقس عليه ما شاكله. ~~PageV02P240 # وأما قولك في تصغير "قيمة" و"ديمة": "قويمة" و"دويمة" فليست الضمة هي ~~التي اجتلبت الواو، وإنما أصل الياء فيهما واو من "الدوام" و"قومت"، فلما ~~فقدت الكسرة من القاف والدال رجعت الواو التي كانت قلبت للكسرة، ألا ترى ~~أنك تقول في "فعلة" منهما: "قومة" و"دومة" فتجد الواو فيهما ثابتة وإن لم ~~تكن هناك ضمة، وهذا منجل. # إبدال الواو من الياء الزائدة: # وذلك قولك في "بيطر" و"سيطر" و"هينم"1 و"بيقر"2 إذا لم تسم الفاعل وجعلت ~~الفاعل مسندا إلى المفعول "بوطر" و"هونم" و"بوقر" فتقلب الياء الزائدة في ~~"فيعل" واوا لسكونها وانضمام ما قبلها. PageV02P241 ### | زيادة الواو # قد زيدت الواو ثانية في نحو: "كوثر" ms289 و"جوهر" و"توراب"3 و"طومار"4 ~~و"دواسر"5 و"حوقل"6 و"صومع"7، وثالثة في نحو "جدول" و"قسور"8 و"خروع"9 ~~و"بروع"10 و"قرواش"11 و"درواس"12 و"عمود" و"عجوز" و"جهور"13 و"رهوك"14 ~~ورابعة في نحو "كنهور"15 و"بلهور"16 و"جرموق"17 و"زرنوق"18 PageV02P241 # و "عطود"1 و"سنور"2 و"اخروط"3 و"اعلوط"4. وخامسة نحو "قندأو"5 و"سندأو"6 ~~و"كنثأو"7 و"عضرفوط"8 و"منجنون"9 و"حيزبون"10 قال القطامي11: # إذا حيزبون توقد النار بعدما ... تلفعت الظلماء من كل جانب12 # ولم تزد الواو أولا البتة، وذلك أنها لو زيدت لم تخل من أن تكون مفتوحة ~~أو مكسورة أو مضمومة، فلو زيدت أولا لاطرد فيها الهمز كما همز نحو {أقتت} ~~[المرسلات: 11] و"أعد زيد" ولو زيدت مكسورة لكان قلبها أيضا جائزا وإن لم ~~يكن في كثرة همز المضمومة، وذلك نحو "إسادة" و"إعادة" و"إفادة"13 في ~~"وسادة" و"وعاء" و"وفادة". وكذلك قولهم "إشاح" في "وشاح"14. ولو زيدت أولا ~~مفتوحة لم تخل من أن تزاد في أول اسم أو فعل إذ الحروف ليست من محتمل ~~الزيادة، فلو زيدت في أول الاسم مفتوحة لكنت متى صغرت ذلك الاسم فضممتها ~~ممكنا من همزها، كما تقول في "وجيه" تضغير "وجه": PageV02P242 # "أجيه" وفي "وعيد" تصغير"وعد": "أعيد". ولو كانت في أول فعل لكنت متى ~~بنيته للمفعول ولم تسم فاعله وجب أن تضمها، ولو ضممتها لجاز أيضا همزها. ~~على أن منهم من همز المفتوحة وإن كان قليلا، وذلك قولهم: "أحد" و"أناة"1 ~~و"أجم" وأصله "وحد" و"وناة" و"وجم". وقالوا في الفعل أيضا "أقت" في "وقت" ~~فلما كانت زيادتهم الواو أولا تدعو إلى همزها وزوال لفظها والإشكال هل هي ~~همزة غير مبدلة من واو، رفض ذلك فيها، فلم تزد أولا البتة. # فأما الواو في "ورنتل"2 فأصل، والكلمة رباعية، ولا نون زائدة كنون ~~"عقنقل"3 و"جحنفل"4 و"عبنقس"5. ولا تجعلها زائدة لما قدمناه من أن الواو لا ~~تزاد أولا البتة. # واعلم أن الواو لم تأت في كلام العرب فاء ولاما، وليست في كلامهم لفظة ~~فاؤها واو ولامها واو حرف واحد، وهو قولنا "واو" ولذلك قال سيبويه: "ليس في ~~الكلام وعوت"6. واعلم أن سيبويه ذكر أنهم إنما امتنعوا من أن يكون في ~~كلامهم مثل "وعوت" استثقالا للواوين، ولم ms290 يزد في الاعتلال لهذا أكثر من هذا ~~الظاهر، وقد أوجز في هذا القول، وأشار إلى العلة الصريحة اللطيفة، ولم يصرح ~~بها، وأنا أذكر الموضع قفوا له، وكشفا لغرضه، وزيادة في البيان، وتقوية ~~للعلة. اعلم أنه لم يأت عنهم مثل "وعوت" من قبل أنهم لو فعلوا ذلك لاكتنف7 ~~الحال أمران ضدان، فتركوا ذلك لذلك، وذلك أن ما ماضيه "فعل" وفاؤه واو فعين ~~مستقبله مكسورة، وفاؤه محذوفة، وذلك نحو "وعد" و"وزن" و"ورد" تقول "يعد" ~~و"يزن" و"يرد" فهذا أصل مستمر. PageV02P243 # فأما قول بعضهم1: # لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الحوائم لا يجدن غليلا2 # بضم الجيم فلغة شاذة غير معتد بها لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها لما عليه ~~الكافة مما هو بخلاف وضعها ورأيناهم مع ذلك إذا كان الماضي على "فعل" ولامه ~~واو فعين مضارعه أبدا مضمومة، وذلك نحو "غزوت أغزو" و"دعوت أدعو". وهذا ~~أيضا أصل مستمر غير منكسر، فلو صاغوا مثل "وعوت" لوجب عليهم في المضارع أن ~~يكسروا العين كما كسروا عين "يعد" وأن يضموها أيضا كما يضمون عين "يغزو" ~~فلما كان بناؤهم مثل "وعوت" يدعوهم إلى أن تكون العين في المضارع مضمومة ~~مكسورة في حال واحد رفضوه البتة فلم يبنوه مخافة أن يصيروا إلى التزام جمع ~~بين حركتين ضدين في حرف واحد. # فإن قلت: فهلا بنوه على "فعلت" بضم العين، فقالوا: "وعوت أوعو" وأجروه في ~~ضم عينه بعد الفاء التي هي واو مجرى "وضؤت توضؤ" و"وطؤ الدابة يوطؤ"؟ # فالجواب: أن "فعلت" أكثر في الكلام من "فعلت" ألا ترى أن "فعلت" لا يكون ~~إلا لتنقل الهيئة والحال نحو: ما كان كريما ولقد كرم، وما كان ظريفا ولقد ~~ظرف، وما كان جميلا ولقد جمل، وما كان صبيحا ولقد صبح، وهي أيضا غير ~~PageV02P244 # متعدية، و"فعلت" تكون متعدية وغير متعدية، وهي أخف وأسير في الكلام من ~~"فعلت" فلما وجب رفض ذلك في الأكثر الشائع حمل الأقل -وهو "فعلت"- عليه. ~~هذا مع ما كان يلزمهم من اكتناف الواوين والضمة للكلمة، وهو الثقل الذي ~~أومأ إليه سيبويه، أعني قولهم ms291 لو قالوا: "وعوت توعو"، فلما وجب اطراح هذا ~~التركيب في "فعلت" وتبعه "فعلت" حملوا أيضا عليه "فعلت" فلم يقولوا مثل ~~"وعيت توعى" كما قالوا: "وجيت توجى"1 وأتبعوا "فعلت" في الامتناع "فعلت" ~~و"فعلت" فاعرف ذلك، فإنه لطيف حسن. # فأما الألف من "واو" فحملها أبو الحسن على أنها منقلبة من واو، واستدل ~~على ذلك بتفخيم العرب إياها وأنه لم تسمع منهم الإمالة فيها، فقضى لذلك ~~بأنها من الواو، وجعل أحرف الكلمة كلها واوات. ورأيت أبا علي ينكر هذا ~~القول، ويذهب إلى أن الألف فيها منقلبة عن ياء، واعتمد في ذلك على أنه إذا ~~جعلها من الواو كانت الفاء والعين واللام كلها لفظا واحدا، قال: وهذا غير ~~موجود، فعدل عنه إلى القضاء بأنها من ياء. # ولست أرى بما أنكره أبو علي على أبي الحسن بأسا، وذلك أن أبا علي إن كان ~~كره ذلك لئلا تصير حروف الكلمة كلها واوات فإنه إذا قضى بأن الألف منقلبة ~~من ياء لتختلف الحروف فقد حصل معه بعد ذلك لفظ لا نظير له. # ألا ترى أنه ليس في الكلام حرف فاؤه واو ولامه واو إلا قولنا "واو" فإذا ~~كان قضاؤه بأن الألف من الياء لا يخرجه من أن يكون الحرف بكون فائه واوين ~~فذا لا نظير له، فقضاؤه بأن العين واو أيضا ليس بمنكر، ويعضد ذلك أيضا ~~شيئان: # أحدهما: ما قضى به سيبويه2 من أن الألف إذا كانت في موضع العين فأن تكون ~~منقلبة عن الواو أكثر من أن تكون منقلبة عن الياء. # والآخر: ماحكاه أبو الحسن من أنه لم تسمع عنهم فيها الإمالة. وهذا أيضا ~~يؤكد أنها من الواو. PageV02P245 # ولأبي علي أن يقول منتصرا لكون الألف منقلبة عن ياء: إن الذي ذهبت أنا ~~إليه أسوغ وأقل فحشا مما ذهب إليه أبو الحسن، وذلك أني وإن قضيت بأن الفاء ~~واللام واوان وكان هذا أيضا لا نظير له، فإني قد رأيت العرب جعلت الفاء ~~واللام من لفظ واحد كثيرا، نحو "سلس"1 و"قلق" و"حرح"2 و"دعد" و"فيف"3 فهذا ~~وإن لم يكن ms292 فيه واو فإنا قد وجدنا فاءه ولامه من لفظ واحد. # وقالوا أيضا في الياء التي هي أخت الواو "يديت إليه يدا" ولم نرهم جعلوا ~~الفاء والعين واللام جميعا من موضع واحد لا من واو ولا من غيرها، فقد دخل ~~أبو الحسن معي في أن اعترف بأن الفاء واللام واوان إذ لم يجد بدا من ~~الاعتراف بذلك، كما لم أجده أنا، ثم إنه زاد على ما ذهبنا إليه جميعا شيئا ~~لا نظير له في حرف من الكلام البتة، وهو جعله الفاء والعين واللام من لفظ ~~واحد. فأما ما أنشدناه أبو علي من قول هند بنت أبي سفيان لابنها عبد الله ~~بن الحارث4: # لأنكحن ببه ... جارية خدبه # مكرمة محبه ... تجب أهل الكعبة5 # فإنما "ببه" حكاية الصوت الذي كانت ترقصه عليه، وليس باسم، وإنما هو ك ~~"قب" لصوت وقع السيف، و"طيخ" للضحك، ومثله صوت الشيء إذا PageV02P246 # تدحرج "ددد" فإنما هذه أصوات ليست توزن، ولا تمثل بالفعل، بمنزلة "صه"1 ~~و"مه" ونحوهما. فلما ذكرناه من الاحتجاج لمذهب أبي علي ما تعادل عندنا ~~المذهبان أو قربا من التعادل. # وقد جاءت الفاء والعين واوين، وذلك قولهم "أول" ووزنه "أفعل" ويدل على ~~ذلك اتصال "من" به على حد اتصالها ب "أفعل" الذي للتفضيل، وذلك قولهم: "ما ~~لقيتك مذ أول من أمس" فجرى هذا مجرى قولك: "هو أفضل من زيد وأكرم من عمرو". ~~ولقولهم في مؤنثه "الأولى" فجرى ذلك مجرى قولك "الأفضل" و"الفضلى". فأما ~~قولهم: "أوائل" بالهمز فأصله "أواول" لكن لما اكتنفت الألف واوان، وليست ~~الآخرة منهما الطرف، فضعفت، وكانت الكلمة جمعا، والجمع مستثقل، قلبت الآخرة ~~منهما همزة، وقد أشبعنا القول في الرد على من خالفنا3 من البغداديين في هذا ~~الموضع في كتابنا4 في شرح "التصريف"5، وهذا الكتاب كأنه لاحق بذلك ومتصل به ~~لاشتراكهما واشتباه أجزائهما، فلذلك تركنا إعادة القول هنا، وأحلنا على ذلك ~~الكتاب في عدة مواضع من هذا. # وقد زيدت الواو أيضا في جماعة المذكرين ممن يعقل، وذلك قولهم "الزيدون" ~~و"البكرون". # فإن قلت: فما تقول في قولهم ms293 في جماع "ثبة" و"ظبة"6 و"مائة" و"رئة" ~~و"سنة": "ثبون" و"ظبون" و"مئون" و"رئون" و"سنون". # أنشد أبو زيد، وأنشدناه أبو علي7: PageV02P247 # فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا1 # وكل واحد من هذه الأسماء مؤنث، وليس واقعا على ذي عقل. # وكذلك "برة"2 و"برون" و"عضة"3 و"عضون" و"قلة"4 و"قلون" فكيف جاز جمع هذا ~~بالواو؟ # فالجواب: أن هذه أسماء مجهودة منتقصة، وذلك أن لامها قد حذفت، وأنا أذكر ~~أصولها: # أما "ثبة" فالمحذوف منها اللام دون الفاء والعين، يدل على ذلك أن الثبة: ~~الجماعة من الناس وغيرهم، قال الله تعالى: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} ~~[النساء: 71] ف "ثبات" كقولك: جماعات متفرقة، أو اجتمعوا كلكم. # أنشد أبو علي للهذلي5: # فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثبات عليها ذلها واكتئابها6 # ورأيناهم يقولون: "ثبيت الشيء" إذا جمعته. PageV02P248 # قال لبيد1: # يثبي ثناء من كريم وقوله ... ألا انعم على حسن التحية واشرب2 # وقال الآخر3: # كم لي من ذي تدرأ مذب ... أشوس أباء على المثبي4 # أي: الذي يعذله، ويكثر لومه، ويجمع له العذل من هنا ومن هنا. # وذهب أبو إسحاق5 في "ثبة الحوض" -وهي وسطه- إلى أنها من "ثاب الماء ~~إليها" وأن الكلمة محذوفة العين، وقال: "تقول في تصغيرها ثويبة". وهذا غير ~~لازم، لأنه يجوز أن تكون من "ثبيت" أي: جمعت، وذلك أن الماء إنما مجتمعه من ~~الحوض في وسطه. وقال الآخر6: # هل يصلح السيف بغير غمد ... فثب ما سلفته من شكد7 PageV02P249 # أي: فأضف إليه غيره، واجمعه مع سواه. ف "يثبي" أي: يجمع، وقولهم "يثبي" ~~يدل على أن اللام معتلة، وأن الثاء والباء فاء وعين، وقولهم "ثبيت" لا يدل ~~على أن اللام ياء دون الواو، لقولهم "عديت" و"خليت" كما قالوا "قضيت" ~~و"سقيت"، فالقبيلان إذا صارا إلى هذا متساويان، ولكن الذي ينبغي أن يقضى به ~~في ذلك أن تكون من الواو، وأن يكون أصلها "ثبوة" وذلك أن أكثر ما حذفت لامه ~~إنما هو من الواو، نحو "أب" و"أخ" و"غد" و"هن" و"حم" و"سنة" فيمن قال ~~"سنوات" و"عضة" فيمن قال "عضوات" و"ضعة"1 لقولهم "ضعوات" و"ابن" لقولهم ~~"بنت" و"بنوة" ms294 و"قلة" لقولهم "قلوت بالقلة"2. # فهذا أكثر مما حذفت لامه ياء، فعليه ينبغي أن يكون العمل، وبه أيضا وصى ~~أبو الحسن3، فقد ثبت أن أصل "ثبة" "ثبوة". # والقول في "ظبة" أيضا كالقول في "ثبة" ولا يجوز أن يكون المحذوف منها فاء ~~ولا عينا، أما امتناع الفاء فلأن الفاء لم يطرد حذفها إلا في مصادر بنات ~~الواو، نحو "عدة" و"زنة" و"جدة" وليست "ظبة" من ذلك، وأوائل تلك المصادر ~~أيضا مكسورة، وأول "ظبة" كما ترى مضموم، ولم تحذف الواو فاء من "فعلة" إلا ~~في حرف شاذ حكاه أبو الحسن، ولا نظير له، وهو قولهم في "الصلة": "صلة" ~~ولولا المعنى وأنا قد وجدناهم يقولون في معناه "صلة" وهي محذوفة الفاء بلا ~~محالة لأنها من "وصلت" لما أجزنا أن تكون "صلة" محذوفة الفاء، فقد بطل إذن ~~أن تكون "ظبة" محذوفة الفاء، ولا تكون أيضا محذوفة العين، لأن ذلك لم يأت ~~إلا في "سه" و"مذ" وهما حرفان نادران لا يقاس عليهما غيرهما. PageV02P250 # ودليل آخر يدل على أن "ظبة" ليست محذوفة العين، وهو جمعهم إياها بالواو ~~والنون نحو "ظبون" و"ظبين" ولم نرهم جمعوا شيئا مما حذفت عينه بالواو ~~والنون، إنما ذلك فيما حذفت لامه، نحو "سنون" و"عضون" أو فاؤه نحو "لدون"1. # ولا يجوز أيضا أن تكون الفاء محذوفة لما قدمناه، فثبت أن اللام هي ~~المحذوفة دون غيرها. ومن أقوى دليل على حذف لامها قولهم في جمعها "ظبا" ~~فاللام كما ترى هي المعتلة، ونظيرها "لغة ولغى" و"برة وبرا" وأصلها "ظبوة" ~~بالواو لما ذكرناه في "ثبة". # وأما "مائة" فيدل على أنها محذوفة اللام قولهم: "أمأيت الدراهم"2 وليس في ~~قولهم "أمأيت" ما يدل على أن اللام ياء دون الواو لقولهم "أدنيت" و"أعطيت" ~~وهما "دنوت" و"عطوت" كقولك: "أرميته" و"أسقيته" وهما من "رميت" و"سقيت" ~~ولكن الذي يدل على أن اللام من "مائة" ياء ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ~~"رأيت مئيا" في معنى "مائة" فهذه دلالة قاطعة على كون اللام ياء. # ورأيت ابن الأعرابي قد ذهب إلى ذلك أيضا، فقال في بعض ms295 أماليه: إن أصل ~~"مائة": "مئية". فذكرت ذلك لأبي علي، فعجب منه أن يكون ابن الأعرابي ينظر ~~من هذه الصناعة في مثله؛ لأن علمه كان أكثف من هذا، ولم ينظر من اللطيف ~~الدقيق في هذه الأماكن، وإن كان بحمد الله والاعتراف بموضعه جبلا في ~~الرواية وقدوة في الثقة، ولعله أن يكون وصل ذلك منها إلى أبي الحسن. # وأما "رئة" فمن الياء لا محالة، لأن أبا زيد حكى عنهم "رأيت الرجل" إذا ~~أصبت رئته. فهذه أيضا دلالة قاطعة، وأصلها "رئية" كما ترى. # وأما "سنة" فقد تقدمت الدلالة على حذف لامها في عدة مواضع من هذا الكتاب، ~~وأنه يجوز أن تكون واوا، وأن تكون هاء. PageV02P251 # وأما "برة" فحالها أيضا حال "ثبة" و"ظبة" والمحذوف منها اللام، وهو حرف ~~علة لقولهم: "أبريت الناقة"1 و"هي مبراة" ولا دليل في "أبريت" على أن اللام ~~ياء كما لم يكن ذلك في "ثبيت" ولا في "أدنيت" والوجه أن تكون واوا لما ~~قدمناه، فيكون الأصل "بروة" وقد حكيت أيضا في بعض نسخ الكتاب "بروة" في ~~معنى "برة". وأيضا فقد قالوا: "بروت الناقة" في معنى "أبريتها". ويؤكد أن ~~المحذوف منها اللام دون غيرها قولهم في الجمع "البرا" قال2: # ذكرت والأهواء تدعو للصبا ... والعيس بالركب يجاذبن البرا3 # وأما "عضة" فمن الواو أيضا، وأصلها "عضوة" ألا ترى أنهم فسروا قوله ~~تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} [الحجر: 91] أي: فرقوه، وجعلوه أعضاء، ~~قال ابن عباس -رحمه الله- أي: آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فهو لفظ العضو ~~ومعناه، وقال الكسائي: "العضة" و"العضون" من "العضيهة" وهي الكذب. واللام ~~على هذا هاء بمنزلة "است"4 و"سنة"5 فيمن قال "سنهاء". # وأما قولهم: "قلة" فأمرها بين لقولهم "قلوت بالقلة" إذا ضربت بها، وأصلها ~~لما ذكرناه "قلوة". # وكذلك "عزة" و"عزون" قياسها أن تكون في الأصل "عزوة" لأنها الجماعة، فهي ~~من معنى "عزوت الرجل إلى أبيه" إذا نسبته إليه، وألحقته به، فهذا هو معنى ~~الجماعة. PageV02P252 # ألا ترى أن بعضها مضموم إلى بعض ملحق به، أنشدنا أبو علي1: # اطلب أبا نخلة من يأبوكا ... فقد سألنا عنك ms296 من يعزوكا # إلى أب فكلهم ينفيكا2 # على أنهم قد قالوا أيضا: "عزيته إلى أبيه" فالأصل في "عزة" على هذا ~~"عزية". وإن وجدت فسحة، وأمكن الوقت عملت بإذن الله تعالى كتابا أذكر فيه ~~جميع المعتلات في كلام العرب، وأميز ذوات الهمز من ذوات الواو ومن ذوات ~~الياء، وأعطي كل جزء منها حظه من القول مستقصى إن شاء الله تعالى. # وذكر شيخنا أبو علي أن بعض إخوانه سأله بفارس إملاء شيء من ذلك، فأمل منه ~~صدرا كبيرا، وتقصى3 القول فيه، وأنه هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه، ~~وحدثني أبو علي أنه وقع حريق بمدينة السلام، فذهب له جميع علم البصريين، ~~قال: وكنت كتبت ذلك كله بخطي، وقرأته على أصحابنا، فلم أجد في الصندوق الذي ~~احترق شيئا البتة إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن، فسألته عن سلوته ~~وعزائه عن ذلك، فنظر إلى متعجبا، ثم قال: بقيت شهرين لا أكلم أحدا حزنا ~~وهما، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر علي، وأقمت مدة ذاهلا متحيرا. ~~PageV02P253 # فإذا ثبت بما قدمناه أن هذه الأسماء محذوفة اللامات فكأنهم إنما عوضوها ~~الجمع بالواو والنون مما لحقها من الجهد والحذف ليكون ذلك عوضا لها، وذلك ~~أن التكسير ضرب من التوهين1 والتبديل والإشكال يلحق الكلمة، والجمع بالواو ~~والنون إنما هو للأسماء الأعلام التي هم ببيانها معنيون، ولتصحيح ألفاظها ~~لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، فقد علمت بذلك غلبتها على غيرها من الأجناس التي ~~تأتي مكسرة نحو: "رجل ورجال" و"كلب وأكلب" فإذا ألحقوا غيرها فذلك تقوية ~~منهم له ورفع منه. ومعنى الإشكال في التكسير أنك تجد المثال المكسر عليه ~~تخرج آحاد كثيرة إليه، ألا ترى أن "أفعالا" قد خرج إليه "فعل" نحو "جمل ~~وأجمال" وخرج إليه "فعل" و"فعل" و"فعل" و"فعل" و"فعل" و"فعل" و"فعل" و"فعل" ~~وذلك نحو "ضرس وأضراس" و"برد وأبراد" و"إبل وآبال" و"عنق وأعناق" و"كبد ~~وأكباد" و"ربع وأرباع" و"ضلع وأضلاع" و"عضد وأعضاد"2. # وخرج إليه أيضا "فعل" وإن لم يكن في كثرة ما قبله، قالوا: "زند3 وأزناد" ~~و"فرخ وأفراخ". # وخرج إليه ms297 أيضا ما لحقته الزيادة من ذوات الثلاثة، وذلك نحو "شاهد ~~وأشهاد" و"شريف4 وأشراف". كذلك أيضا "أفعل" يخرج إليه أمثلة جماعة نحو: ~~"كعب وأكعب" و"زمن وأزمن" و"قفل وأقفل" قرأ بعضهم: "أم على قلوب أقفلها" ~~[محمد: 24] و"ضرس وأضرس" قال5: ### | ................................. # ... وقرعن نابك قرعة بالأضرس6 PageV02P254 # و "ضلع وأضلع" و"ضبع وأضبع" قال1: # يا أضبعا أكلت آيار أحمرة ... ففي البطون وقد راحت قراقير2 # و"كبد وأكبد" وقد خرج إليه أيضا ما لحقته الزوائد من ذوات الثلاثة، ~~وقالوا: "عقاب وأعقب" و"أتان وآتن" و"ذراع وأذرع". وكذلك غير هذين المثالين ~~من أمثلة الجموع. وقد تخرج إليه آحاد مختلفة الصيغ والأبنية، فقد يجوز أن ~~يعرض الإشكال في الواحد منها، فلا يدرى ما مثاله، ولهذا ما يتفق العلماء في ~~مثال الجمع، وتراهم مختلفين في الواحد، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {حتى إذا ~~بلغ أشده} [الأحقاف: 15] فمذهب سيبويه3 فيه أنه جمع "شدة" قال: "ومثاله ~~نعمة وأنعم". وحدثنا أبو علي أن أبا عبيدة ذهب إلى أنه جمع "أشد" على حذف ~~الزيادة. قال: وقال أبو عبيدة: وربما استكرهوا في الشعر على حذف الزيادة. # وأنشد لعنترة4: # عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم5 PageV02P255 # وكذلك "أبابيل"1 ذهب بعضهم إلى أنها جمع "إبالة"2. وذهب آخرون إلى أن ~~واحدها "إبيل"3 ز وأجاز آخرون4 أن يكون واحدها "إبول" مثل "عجول". وذهب أبو ~~الحسن5 إلى أنه جمع لا واحد له بمنزلة "عباديد" و"شعاليل"6. # وكذلك "أساطير" قال قوم7: واحدها "أسطورة". وقال آخرون8: "إسطارة". وقال ~~آخرون" أساطير" جمع "أسطار" و"أسطار" جمع "سطر" وقيل: "إسطير". وقال أبو ~~عبيدة \10: جمع "سطر" على "أسطر" ثم جمعت "أسطر" على "أساطير". وقال أبو ~~الحسن11: "لا واحد لها". وقرأت على أبي علي عن أبي بكر عن بعض أصحاب يعقوب ~~عنه، قال: قال الأصمعي: قال الحارث بن مصرف: ساب جحل12 بن نضلة معاوية بن ~~شكل عند المنذر أو النعمان -شك فيه الأصمعي- فقال جحل: إنه قتال ظباء، تباع ~~إماء، مشاء بأقراء، PageV02P256 # قعو الأليتين1، أفحج الفخذين2، مفج الساقين3، وفي غير هذه الرواية "مقبل ~~النعلين. فقال: أردت أن تذيمه فمدهته. ms298 قال يعقوب: واحد الأقراء: قري، وهو ~~مسيل الماء إلى الرياض4. وقال أبو جعفر الرستمي: الأقراء: جمع القرو، وهو ~~الذي يتخذ من أصول النخل ينبذ فيه. # قال أبو علي: القول ما قاله يعقوب، وليس ما أنكره عليه أبو جعفر بمنكر. ~~قال: ونظير ما ذهب إليه يعقوب في أنه وصفه بالتغريب ولزوم الأماكن الموحشة ~~المقفرة قول الهذلي5: # السالك الثغرة اليقظان كالئها ... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل6 ~~PageV02P257 # وهذا الخلاف بين العلماء في آحاد الجموع سائر عنهم مطرد من مذاهبهم، ~~وإنما سببه وعلة وقوعه بينهم أن مثال جمع التكسير تفقد فيه صيغة الواحد ~~فيحتمل الأمرين والثلاثة ونحو ذلك، وليس كذلك مثال جمع التصحيح. # ألا ترى أنك إذا سمعت "زيدون" و"عمرون" و"خالدون" و"محمدون" لم يعرض لك ~~شك في الواحد من هذه الأسماء، فهذا يدلك على أنهم بتصحيح هذه الأسماء في ~~الجموع معنيون، ولبقاء ألفاظ آحادها فيها لإدارة الإيضاح والبيان مؤثرون، ~~وأنهم بجمع التكسير غير حافلين، ولصحة واحده غير مراعين، فإذا أدخل في جمع ~~الواو والنون شيء مما ليس مذكرا عاقلا فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها، فلهذا ~~صار جمع "قلة" و"ثبة" و"مائة" و"سنة" ونحو ذلك بالواو والنون تعويضا لها من ~~الجهد والحذف اللاحقها. ويؤكد عندك أن العناية بواحد جمع التكسير غير واقعة ~~منهم وجودك جموعا كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما جميعا واحد، وذلك نحو ما ~~حكاه سيبويه1 من قولهم: "ناقة هجان2، ونوق هجان" و"درع دلاص3، وأدرع دلاص" ~~وقالوا أيضا في جمع "شمال" وهي الخليقة والطبع: "شمال". # قال عبد يغوث4: ### | .............................. # ... وما لومي أخي من شماليا5 # أي: من شمائلي. PageV02P258 # وقالوا أيضا في تكسير "الفلك": "الفلك" فكسروا "فعلا" على "فعل" وله ~~نظائر، فمجيء الجمع على لفظ الواحد يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من ~~طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال ومتقدم ومتأخر الكلام. # فإن قلت: فهلا اقتصروا في تصحيح جمع "برة" و"ظبة" ونحوهما على الألف ~~والتاء، فقالوا: "برات" و"ظبات" و"قلات" فأوضحوا عن الواحد بوجود لفظه في ~~الجمع، ولم يقدموا على الجمع ذلك بالواو والنون وإدخال ms299 المؤنث غير العاقل ~~على جمع المذكر العاقل؟ # فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك وهم يريدون به التعويض من المحذوف لم تكن فيه ~~دلالة على ما أرادوه، ولا شاهد لما قصدوه، وذلك أن كل مؤنث بالهاء فلك أن ~~تجمعه بالتاء، نحو "ثمرة وثمرات" و"سفرجلة وسفرجلات" محذوفة كانت أو تامة، ~~فلو اقتصروا في تعويض "ثبة" و"قلة" ونحوهما على أن يقولوا "ثبات" و"قلات" ~~لما علم أن ذلك للتعويض، ولظن أنه كغيره من الجمع بالألف والتاء مما لم ~~يحذف منه شيء، ولكن لما أرادوا إعلام التعويض أخرجوه عن بابه، وألحقوه بجمع ~~المذكر العاقل ليعلم أن الذي عرض له وتجدد من حاله، إنما هو لأمر أرادوه ~~فيه ليس في غيره مما لم يجمع بالواو والنون من المؤنث، وهو ما لم يحذف منه ~~شيء، نحو "جوزة" و"رطبة". # ويؤكد ذلك عندك أنهم إذا جمعوا بالتاء قالوا في جمع "سنة": "سنوات" وإذا ~~حذفوا قالوا: "سنون" فكانت الواو في "سنون" عوضا منها في "سنوات"، وهذا ~~واضح، وذلك عادة منهم متى أرادوا أن يعلموا اهتمامهم بأمر وعنايتهم به ~~أخرجوه عن بابه، وأزالوه عما عليه نظائره. # من ذلك منعهم فعل التعجب و"حبذا" و"نعم" و"بئس" و"عسى" من التصرف، ~~وتذكيرهم نحو "نعم المرأة هند" وإن كانوا لا يقولون: "قام ذا المرأة" وقد ~~حملهم اعتمادهم هذا الباب وعنايتهم به أن سموا ما فاق في جنسه وفارق نظائره ~~خارجيا، قال طفيل1: PageV02P259 # وعارضتها رهوا على متتابع ... شديد القصيرى خارجي محنب1 # فسروه أنه الفرس الفائق في جنسه. # فإن قلت: فإذا كان جمعهم المؤنث بالواو والنون إنما هو تعويض منهم لما ~~حذف منه، فما بالهم قالوا في "أرض": "أرضون" ولم يحذف من "أرض" شيء، ~~فيعوضوها منه الجمع بالواو والنون؟ # فالجواب عن ذلك: أن "أرضا" اسم مؤنث، وقد كان من القياس في كل اسم مؤنث ~~أن يقع فيه الفرق بين المذكر بالتاء نحو "قائم وقائمة" و"ظريف وظريفة" ~~و"رجل ورجلة" و"ثور وثورة" و"كوكب وكوكبة" و"بياض وبياضة" و"دم ودمة" و"ريح ~~وريحة" و"ماء وماءة" وغير ذلك مما يطول ذكره، فأما ما تركت فيه ms300 العلامة من ~~المؤنث فإنما ذلك اختصار لحقه لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه ~~من الكلام قبله وبعده، نحو "هذه ريح طيبة" و"كانت لهم عرس مباركة" و"لم أر ~~قوسا أحسن من هذه الأقواس" ونحو ذلك. # فإذا كان القياس في المؤنث والمذكر الفرق بينهما كما يفرق بين التصغير ~~والتكبير، والواحد والاثنين والجماعة، وكانت "أرض" مؤنثة، فكأن فيها هاء ~~مرادة، وكأن تقديرها "أرضة" فلما حذفت الهاء التي كان القياس يوجبها عوضوا ~~منها الجمع بالواو والنون، فقالوا: "أرضون"، وفتحوا الراء في الجمع ليدخل ~~الكلمة ضرب من التكسير استيحاشا من أن يوفوه لفظ التصحيح البتة، وليعلموا ~~أيضا أن "أرضا" مما كان سبيله لو جمع بالتاء أن تفتح راؤه، فيقال: "أرضات". # فإن قلت: فأقصى أحوال "أرض" على ما توصلت إليه أن تكون الهاء قد حذفت ~~منها والهاء فيها بعد زائدة، وأنت إنما تعوض من المحذوف إذا كان أصلا لاما ~~أو فاء، فكيف جاز التعويض من الزائد؟ PageV02P260 # فالجواب: أن العرب قد أجرت هاء التأنيث مجرى لام الفعل في أماكن: # منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة حروف، نحو: "عقرب" و"عناق" ~~و"سعاد" و"زينب" بلا هاء، وذلك قولهم: "عقيرب" و"عنيق" و"سعيد" و"زيينب". ~~إنما فعلوا، ذلك ولم يلحقوا الهاء كما ألحقوا الثلاثي، نحو "قدر وقديرة" ~~و"شمس وشميسة" و"هند وهنيدة" من أن قبل أنهم شبهوا باء "عقرب" وقاف "عناق" ~~ودال "سعاد" وباء "زينب" وإن كن لامات أصولا بهاء التأنيث في نحو "طلحة" ~~و"حمزة" إذ كانت الباء والقاف والدال متجاوزة للثلاثة التي هي أول الأصول ~~وأعدلها وأخفها وأعمها تصرفا كتجاوز الهاء في "طلحة" و"حمزة" للثلاثة. # فكما أن هاء التأنيث لا تدخل عليها هاء أخرى كذلك منعوا الباء في "عقرب" ~~ونحوها أن يقولوا "عقيربة" كما امتنعوا أن يقولوا في "حمزة": "حميزتة" ~~فيدخلوا تأنيثا على تأنيث، فلولا أنهم قد أحلوا الباء من "عقرب" وهي أصل ~~محل الهاء الزائدة في نحو "طلحة" و"بيضة" و"تمرة" لما امتنعوا أن يقولوا ~~"عقيربة". فهذا حد ما ضارعت فيه هاء التأنيث لام الفعل. # ومنها: أنهم قد ms301 عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم "برة ~~وبرا" و"لغة ولغى" و"ظبة وظبى" و"لثة ولثى" أفلا تراهم كيف عاقبوا بينهما، ~~حتى إنهم إذا فقدوا اللام جاءوا بالهاء، فقالوا "برة" و"ظبة" وقالوا: "رأيت ~~مئيا" في معنى "مائة" فلما حذفوا اللام جاءوا بالهاء، ولما جاءوا باللام لم ~~يأتوا بالهاء، وهذا أيضا مما يقرب ما بينهما، ويشهد بتضارعهما. # ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها ~~أيضا محل اللام وما هو من الأصل أو جار مجرى الأصل، وذلك نحو قولهم ~~"ترقوة"1 و"عرقوة"2 و"قمحدوة"3 فلولا أن الهاء في هذه الحال في تقدير ~~الاتصال لوجب أن تقلب الواو ياء لأنها كانت تقدر طرفا، فتقلب ياء كما تقلب ~~في نحو "أحق" PageV02P261 # جمع "حقو"1 و"أدل" جمع "دلو" فيقال: "عرقية" و"ترقية" و"قمحدية" كما ~~قالوا: "أحق" و"أدل" و"أجر" فلولا أنهم قد أجروا الهاء في "ترقوة" ~~و"قمحدوة" مجرى الراء في "منصور" والطاء في "عضرفوط" فصحت الواو قبلها كما ~~صحت قبل الراء والطاء، لوجب أن تقلب ياء على ما قدمناه من أمرهما، فكما جاز ~~أن تشبه هاء التأنيث في هذا كله وغيره باللام الأصلية كذلك أيضا أن تجرى ~~الهاء المقدرة في "أرض" مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها من "أرض" أن ~~يجمع الاسم بالواو والنون في "أرضون" كما عوض من حذف لام # "برة" و"مائة" و"سنة" أن تجمع بالواو والنون في "برون" و"مئون" و"سنون"، ~~كما كسرت سين "سنة" في قولك "سنون" كذلك فتحت راء "أرض" في قولهم "أرضون" ~~ليدخل الكلمة ضرب من التغيير، ولذلك أجازوا أيضا في نحو "قلة" و"برة" أن ~~يكسروا أوائلها في "برون" و"قلون" ليدخل المثال أيضا جزء من التغيير. # فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم قالوا في جمع "حرة"2 "حرون" وفي ~~"إحرة": "إحرون"، وفي "إوزة": "إوزون". # وقال الراجز3: # لا خمس إلا جندل الإحرين4 PageV02P262 # وقال الآخر1: # فما حوت نقدة ذات الحرين ... إلى كريب فنخيل يبرين2 # وليست "حرة" ولا "إحرة" ولا "إوزة" مما حذف شيء من أصوله، ولا هو بمنزلة ~~"أرض" في ms302 أنه مؤنث بغير هاء. # فالجواب: أن الأصل في "إحرة: إحررة" وفي "إوزة: إوززة" وكلتاهما "إفعلة" ~~ثم إنهم كرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فأسكنوا الأول منهما، ~~ونقلوا حركته إلى ما قبله، وأدغموه في الذي بعده، فلما دخل الكلمة هذا ~~الإعلال والتوهين عوضوها منه أن جمعوها بالواو والنون، فقالوا: "إحرون" ~~و"إوزون" ولما فعلوا ذلك في "إحرة" أجروا عليها "حرة" فقالوا: "حرون وإن لم ~~يكن لحقها تغيير ولا حذف، لأنها أخت "إحرة" من لفظها ومعناها، وإن شئت فقل: ~~لأنهم قد أدغموا عين "حرة" في لامها، وذلك ضرب من الإعلال لحقها. # فإن قلت: فما بالهم قالوا3: # قد رويت إلا دهيدهينا ... قليصات وأبيكرينا4 # فجمعوا تصغير "دهداه" وهو الحاشية من الإبل و"أبيكرا" تصغير "أبكر" ~~بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكرت؟ PageV02P263 # فالجواب: أن "أبكرا" جمع "بكر"، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة ~~في المعنى، فكأنه قد كان ينبغي أن يكون في "أبكر" و"أكلب" و"أعبد" هاء ~~فيكون تقديره "أكلبه" و"أبكرة" و"أعبدة" كما قالوا في غير هذا "فحالة" جمع ~~"فحل" و"ذكارة" جمع "ذكر" و"عيورة" و"سيورة" و"خيوطة" جمع "عير" و"سير" ~~و"خيط" و"أعمدة" و"أحمرة" و"أردية" و"أجربة"1 جمع "عمود" و"حمار" و"رداء" ~~و"جريب". # وقالوا "صياقلة"2 و"ملائكة" جمع "صيقل" و"ملك" فكما جاز أن تأتي الهاء في ~~هذه الجموع وغيرها، كذلك جاز أيضا أن تقدر في "أبكر" الهاء، فيصير كأنه ~~"أبكرة" وقد جاءت الهاء في "أفعل" نفسها. # قال الشاعر3: # بأجرية بقع عظام رؤوسها ... لهن إذا حركن في البطن أزمل4 # فهذا جمع "جرو" و"أجرية" أفعلة فألحق الهاء في "أفعل". # ويدلك على أنه أراد "أفعل" قول الآخر5: # وتجر مجرية لها ... لحمي إلى أجر حواشب6 PageV02P264 # وجاز أن تجمع "فعلا" على "أفعل" و"أفعل" على "فعل" مفتوحة الفاء، من حيث ~~كان "فعل" و"فعل" ثلاثيين ساكني العينين. وقد اعتقبا أيضا على المعنى ~~الواحد نحو "حج وحج" و"فض وفض" و"نفط ونفط" و"برز وبرز" و"جص وجص" كما قال ~~الآخر1: ### | ................................... # ... وقرعن نابك قرعة بالأضرس2 # يريد جمع "ضرس". وقال أبو ذؤيب3: ### | .................................. # ... في كفه جشء أجش وأقطع4 # يريد جمع "قطع" وقالوا أيضا ms303 "ذئب وأذؤب" على أن بعضهم قد قال5: إن ~~"أجرية" جمع "جراء" و"جراء" جمع "جرو". وإنما حمله على هذا المذهب -فيما ~~أحسب- لطف ما ذكرناه عنه. وإذا كان ما ذهبنا إليه في ذلك -وهو مذهب أصحابنا ~~كافة- سائغا مطردا جاز أن يكون قول مرة بن محكان6: # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا7 ~~PageV02P265 # لا يريد به "أفعلة" نحو "أحمزة" و"أقفزة"1 كما ذهبت إليه الكافة، ولكن ~~يجوز أن يريد به "أفعلة" بضم العين تأنيث "أفعل" وجمع "فعل" وهو "ندى" على ~~"أفعل" كما قال ذو الرمة2: ### | ........................................... # ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع3 # وكما قالوا: "رسن4 وأرسن" و"جبل وأجبل". والناس في "أندية" إذا أريد بها ~~"أفعلة" مكسورة العين على ثلاثة أضرب: # منهم من قال5: إنه جمع "فعلا" على "أفعلة" قالوا: وهو شاذ. # وذهب أبو الحسن6 إلى أنه جمع "ندى" على "نداء" ليصير مثل "جمل وجمال" ثم ~~جمع "نداء" على "أندية" ليكون ك "رشاء7 وأرشية" و"رداء وأردية". # وقال أبو العباس8: زعم بعضهم أنه جمع "ندي" وذلك أنهم يجتمعون في مجالسهم ~~لقرى الأضياف. PageV02P266 # كما قال سلامة بن جندل1: # يومان: يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب2 # وكل هذه الأقوال ليست "أندية" فيها لفظ جمع اسم ثلاثي، إنما هو جمع ما ~~كان على "فعال" أو "فعيل" أو نحوهما. والذي ذهبنا نحن إليه من كون "أندية" ~~"أفعل" بضم العين أمثل؛ لأن "أفعلة" إنما هي تأنيث "أفعل" و"أفعل" جمع كثير ~~من الثلاثي، وإن كان في "فعل" أكثر. وإذا ثبت بما قدمناه أن "أفعلا" من ~~أمثلة الجموع يجوز في الاستعمال والقياس تأنيثه لم ينكر أن يعتقد أن ~~"أبكرا" قد كان ينبغي أن يكون فيها هاء تأنيث الجماعة، فصار إذن جمعهم ~~إياها بالواو والنون في قوله "وأبيكرينا" إنما هو عوض من الهاء المقدرة في ~~"أبكر" فجرى ذلك مجرى "أرض" في جمعهم إياها بالواو والنون في قولهم ~~"أرضون". # فأما "دهيدهينا" فإن واحده "دهداه" وهو القطعة من حاشية الإبل، فهو نظير ~~"الصرمة"3 و"الهجمة"4 و"العكرة"5 فكأن الهاء فيها لتأنيث الفرقة والقطعة، ms304 ~~كما أن الهاء في "عصبة" و"طائفة" لتأنيث الجماعة، فكأنه كان في التقدير ~~"دهداهة" فلما حذفت الهاء وصار "دهداها" جمع تصغيره بالواو والنون تعويضا ~~من الهاء المقدرة المرادة في "دهداهة" فقصته أيضا قصة "أرض" فلذلك قيل ~~"دهيدهينا". PageV02P267 # قال أبو علي: وحسن أيضا جمعه بالواو والنون أنه قد حذفت ألف "دهداه" في ~~التحقير، ولو جاء على أصله لقيل "دهيدهة" بوزن "صلصال"1 و"صليصيل" فواحد ~~"دهيدهينا" إنما هو "دهيديه" وقد حذفت الألف من مكبره، فكان ذلك أيضا مسهلا ~~للواو والنون، وداعيا إلى التعويض بهما. # وعلى هذا قولهم في أسماء الدواهي: "البرحون"2 و"الفتكرون"3 و"الأقورون" ~~فكأن واحد "الفتكرين" "فتكر" وواحد "البرحين" "برح" وواحد "الأقورين" ~~"أقور" وإن لم ينطق بذلك إلا أنه مقدر، وكان سبيله أن يكون الواحد "فتكرة" ~~و"برحة" و"أقورة" بالتأنيث كله، كما قالوا: "داهية" و"منكرة" و"أم أدراص"4 ~~و"الفليقة" 5 و"أم الربيق"6، فلما لم تظهر الهاء في الواحد جعلوا جمعه ~~بالواو والنون عوضا من الهاء المقدرة، وجرى ذلك مجرى "أرض" و"أرضين". وإنما ~~لم يستعملوا في هذه الأسماء الأفراد فيقولوا "برح" و"أقور" و"فتكر" ~~واقتصروا فيه على الجمعية دون الإفراد من حيث كانوا يصفون الدواهي بالكثرة ~~والعموم والاشتمال والغلبة. ألا ترى أن الكسائي ذهب في قوله تعالى: {لقد ~~جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71] إلى أن معناه "شيئا داهيا منكرا عجبا" واشتق له ~~من قولهم: "أمر القوم" إذا كثروا. وكذلك ما حكاه لنا أبو علي عن الأصمعي من ~~قولهم في الداهية والأمر المنكر: "جئت بها زباء وذات وبر7" فهذا يدل على ~~أنهم قد أرادوا فيها معنى الكثرة والاشتمال، ويشهد بصحة ما ذهب إليه ~~الكسائي. ومثله أيضا عن الأصمعي "داهية شعراء" فهذا أيضا من معنى العموم ~~والكثرة، فمعنى الاشتمال والعموم غير مباين لمعنى الجمع، فلذلك اجتمعوا في ~~بعض أسماء الدواهي على الجمع دون الإفراد، لأنه أليق بما قصدوه وأدنى لما ~~أرادوه. PageV02P268 # وهذا الذي ذهبت إليه، وأقمت الأدلة عليه أحد ما أخذته عن شيخنا أبي علي ~~وهو معنى قوله وجمل مذهبه الذي حصله عن جلة أصحابه، وقد أوردت ألفاظه فيه، ~~وفتقت كلامه، ms305 وأوضحت معانيه، فاعرفه، فإنه من غامض هذه الصناعة ولطيفها، ~~وقس عليه ما جرى مجراه، فهذا كله يؤكد عندك أنهم إنما جمعوا بالواو والنون ~~ما ليس مذكرا عاقلا، لأنهم عوضوه ذلك من الحذف أو الإعلال العارض له. # فإن قلت: فيلزمك على هذا أن تقول في "قدر": "قدرون" لأنها مؤنثة بغير ~~هاء، وكذلك في "نعل": "نعلون" وفي "عناق": "عناقون" وفي "يد": "يدون" لأنها ~~محذوفة، وفي "شابة"1: "شابون" لأنها مسكنة الحرف الأول مدغمته. # فالجواب: أن ذلك لا يجوز شيء منه كما جاز غيره مما قدمنا ذكره، وذلك أنه ~~قد كان القياس في: "ثبون" و"ظبون" و"أرضون" و"إحرون" و"إوزون" و"أبيكرين" ~~و"الدهيدهين" و"الفتكرين" و"البرحين" ألا يجوز شيء منه إذ كانت الواو ~~للمذكر العاقل، وهذه مؤنثة غير ذات عقل، ولكنهم فعلوا ما فعلوه توسعا وعلى ~~ضرب من التأول، فإ جاء له نظير فقد عرفت طريقه، وإن لم تسمع له نظيرا لم ~~تقس عليه غيره لأنه لم ينقد في بابه. # ومثل ما تقدم قولهم في اسم البلد: "قنسرون" و"فلسطون" و"يبرون"، "نصيبون" ~~و"صريفون" و"عاندون". # ووجه الجمع في هذه الأشياء أنهم جعلوا كل ناحية من "فلسطين" و"قنسرين" ~~كأنه "فلسط" و"قنسر" وكأن واحد "يبرين": "يبر"2 وواحد "نصيبين": "نصيب" ~~وواحد "صريفين" و"عاندين": "صريف" و"عاند". وكذلك "السيلحون"3 كأن واحدها ~~"سيلح" وإن لم ينطق به مفردا، و"الناحية" و"الجهة" مؤنثتان، فكأنه قد كان ~~ينبغي أن تكون في الواحد هاء، فصار "فلسط" و"قنسر" PageV02P269 # المقدر كأنه كان يبنغي أن يكون "فلسطة" و"قنسرة" و"يبرة" و"نصيبة" ~~و"صريفة" و"عاندة" و"سيلحة" فلما لم تظهر الهاء وقد كان "قنسر" في القياس ~~في نية الملفوظ به عوضوه الجمع بالواو والنون، وأجري في ذلك مجرى "أرض" في ~~قولهم "أرضون". # وكذلك قوله عز اسمه: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما ~~عليون} [المطففين: 18-19] كأنه جمع "علي" وهو "فعيل" من العلو، كأنه مما ~~كان سبيله أن يكون "علية" فيذهب بتأنيثه إلى الرفعة والنباوة، على أنهم ~~أيضا قد قالوا للغرفة "علية": لأنها من العلو، فجرى ذلك مجرى "فلسطين" ~~و"يبرين" و"قنسرين" و"صريفين" و"نصيبين". وأما من ms306 قال "فلسطين" و"يبرين" ~~و"قنسرين" و"صريفين" و"نصيبين" فجعل النون حرف الإعراب، ورفعها، فأمره ~~واضح، لأنه واحد لا جمع له، أو جمع لا واحد له مستعمل. # ومثله قوله تعالى: {من غسلين} [الحاقة: 36] 2 فهو "فعلين" من الغسالة3. ~~وكذلك "الياسمون"4 وكأنه جمع "ياسم" وكأنه في التقدير "ياسمة" بالهاء؛ ~~لأنهم ذهبوا إلى تأنيث الريحانة والزهرة. فأما "الماطرون" فليست النون فيه ~~زائدة، لأنها تعرب، قال الشاعر5: # ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا6 # بكسر النون، فالكلمة إذن رباعية. ومن قال: "ياسمين" فأمره واضح. ~~PageV02P270 # ونظير "عليون" و"فلسطون" العقود من "عشرين" إلى "تسعين" فكأن "عشرون" جمع ~~"عشر" و"ثلاثون" جمع "ثلاث" و"أربعون" جمع "أربع" وليس الأمر كذلك، لأن ~~"العشر" غير معروف إلا في أظماء الإبل، ولو كان "ثلاثون" جمع "ثلاث" لوجب ~~أن يستعمل في "تسعة" وفي "اثني عشر" وفي "خمسة عشر" وكذلك إلى "سبعة"، ~~ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها ~~فوق العشرة، نحو "ثلاثة وثلاثين" لأن الواحد من تثليث هذه "أحد عشر" وكذلك ~~"ستة وثلاثون" لأن الواحد من تثليثها "اثنا عشر" وكذلك ما فوق ذلك من ~~الأعداد. وكذلك أيضا القول في "أربعين" و"خمسين" إلي "التسعين" كالقول في ~~"ثلاثين" فندعه هربا من الإطالة بذكره. فقد ثبت أن "ثلاثين" ليس جمع "ثلاث" ~~وأن "أربعين" ليس جمع "أربع" ولكنه جرى مجرى "فلسطين" في أن اعتقد له واحد ~~مقدر وإن لم يجر به استعمال، فكأن "ثلاثين" جمع "ثلاث"، و"ثلاث" جماعة، ~~فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه الهاء، فعوض من ذلك الجمع بالواو والنون، ~~وعاد الأمر فيه إلى قصة "أرض" و"أرضون" وهو في ذلك أشبه حالا من "فلسطون" ~~لأنه جمع في الحقيقة و"فلسطون" وأخواتها إنما هي جمع على ضرب من التأول، ~~ولأجل ما ذكرناه من أن مذهب الجمعية في "يبرون" إنما هو على التأول ما جازت ~~فيه اللغتان "يبرون" و"يبرين" و"فلسطون" و"فلسطين" ولم تجز في "أربعون" ~~"أربعين" ولا في "عشرون" "عشرين" لأن مذهب الجمع فيه أغلب وأقوى منه في ~~"فلسطين" وبابها. # فأما قول سحيم ms307 بن وثيل1: # وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين2 PageV02P271 # فلسيت النون في "الأربعين" حرف إعراب، ولا الكسرة فيها علامة جر الاسم، ~~وإنما هي حركة التقاء الساكنين، وهما الياء والنون، وكسرت على أصل حركة ~~الساكنين إذا التقيا، فلم تفتح كما تفتح نون الجمع لأن الشاعر اضطر إلى ذلك ~~لئلا تختلف حركة حرف الروي في سائر الأبيات، ألا ترى أن فيها1: # أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون2 # ويدلك على أن الكسرة في نون "الأربعين" ليست جرا، وأنها كسر التقاء ~~الساكنين قول ذي الإصبع3: # إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبيين4 # ف "أبيون" جمع "أبي" مثل "ظريفين" من "ظريف" فكما لا يشك في أن كسرة نون ~~"أبيين" إنما هي لالتقاء الساكنين لأنه جمع تصحيح مثل: "الزيدين" ~~و"العمرين" كذلك ينبغي أن تكون كسرة نون "الأربعين". # وكذلك قول الآخر 5: PageV02P272 ### | ...................................... # ... إلا الخلائف من بعد النبيين1 # وهذه أيضا جمع "نبي" على الصحة لا محالة، فكسرت نون الجمع في هذه الأشياء ~~ضرورة، وأجريت في ذلك مجرى نون التثنية، فلم يوقعوا بينهما فصلا لما ذكرت ~~لك. # فاعرف هذا من حال واو الجمع، فقد تقصيته، وقسمت وجوهه، واغترقت طرق ~~الكلام فيه. # وتزاد الواو في الفعل علامة للجمع والضمير نحو "الرجال يقومون ويقعدون". ~~وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في قول بعض العرب2: "أكلوني البراغيث"3 ~~وعلى هذا أحد ما تؤولت عليه الآية {وأسروا النجوى الذين ظلموا} [الأنبياء: ~~من الآية 3] 4 فيمن لم يجعل في {وأسروا} ضميرا. # ومثل ذلك سواء قوله تعالى {ثم عموا وصموا كثير منهم} [المائدة: من الآية ~~71] 5 # وقال الشاعر6: PageV02P273 # يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلهم ألوم1 # فاعرفه. # وتزاد أيضا بعد هاء الإضمار نحو "ضربتهو" و"كلمتهو" فهذه الواو في المذكر ~~نظيره الألف في المؤنث نحو "ضربتها" و"كلمتها" وربما حذفت في الشعر في ~~الوصل، قال2: # وما له من مجد تليد وما له ... من الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا3 # وتزاد بعد ميم الإضمار نحو "ضربتهمو" و"همو قاموا" وتحذف تخفيفا. واعلم ~~أن العرب قد تشبع الضمة، ms308 فتحدث بعدها واو، أنشدنا أبو علي4: # وأنني حوث ما يشري الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظور5 # يريد: "فأنظر" فأشبع ضمة الظاء، فتولد بعدها واو. PageV02P274 # ولقد يتوجه على هذا عندي قول الشاعر1: # هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع2 # فكأنه أراد "لم تهج" بحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم، فنشأت بعدها ~~الواو، ويجوز أيضا أن يكون ممن يقول في الرفع "هو يهجو" فيضم الواو، ~~ويجريها مجرى الصحيح. فإذا جزم سكنها، فتكون علامة الجزم على هذا القول ~~سكون الواو من "تهجو" كما أسكن الآخر ياء "يأتي" في موضع الجزم، فقال3: # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد4 # فكأنه ممن يقول: "هو يأتيك" وسنذكر ذلك في حرف الياء بإذن الله تعالى. ~~وقد استعمل أبو تمام -وإن كان محدثا- ما ذكرناه من إشباع الضمة حتى نشأت ~~بعدها واو، وذلك قوله5: # يقول فيسمع، ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الإله فيوجع6 # فالواو في اللفظ بعد العين في "يسمع" إنما هي إشباع ضمة العين، وذلك أن ~~البيت لا يقفى ولا يصرع في وسط المصراع الأول، وأما الواو بعد عين "يسرع" ~~فواو PageV02P275 # الإطلاق، وذلك أن البيت مقفى، والبيت إذا كان مقفى أو مصرعا جرى على ~~عروضه ما يجري على ضربه، وهذا بين حال التصريع والتقفية. # وكما تزاد هذه الواو لإشباع الضمة فكذلك قد تحذف تخفيفا. # قال الأخطل1: # كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب2 # يريد: الخطوب. وقال الآخر3: # حتى إذا بلت حلاقيم الحلق # يريد: الحلوق. وقال الآخر5: # أن ترد الماء إذا غاب النجم6 # يريد: النجوم. ويجوز أن يكون جمع "فعلا" على "فعل" ثم ثقل. فهذه حال ~~الواو المزيدة المصوغة في أنفس الكلم. PageV02P276 # فأما إذا لم تكن الحاجة ممزوجة بأنفس الأمثلة فتأتي على أربعة أضرب، وهي: ~~واو العطف، والواو التي بمعنى مع، وواو الحال، وواو القسم. # فأما واو العطف فنحو قولك: "قام زيد وعمرو" وليس فيها دليل على المبدوء ~~به في المعنى، لأنها ليست مرتبة، قال لبيد1: # أغلي ms309 السباء بكل أدكن عاتق ... أو جونة قدحت، وفض ختامها2 # فقوله: "قدحت" أي "غرفت" ومنه سميت المغرفة مقدحة، وفض ختامها: فتح ~~رأسها، وإنما تغرف بعد أن تفتح، فقد علمت أن "قدحت"، مقدم في اللفظ مؤخر في ~~المعنى. وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين} [مريم: 43] 3 فبدأ بالسجود قبل الركوع لفظا، وهو مؤخر معنى، ~~ولذلك لم يلزم عند أبي حنيفة4 وأصحابه من قوله عز اسمه {إذا قمتم إلى ~~الصلاة} [المائدة: 6] 5 الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض في الغسل، وذلك ~~أنها معطوفة بالواو، ولا ترتيب فيها. PageV02P277 # وكلمني بعضهم، فقال: أنا أوجدك في الآية ترتيبا، وهو قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: من الآية6] قال: والفاء للترتيب ~~بلا خلاف، وحكى ذلك عن بعض متأخريهم -وأحسبه ابن القطان رحمه الله- فقلت ~~له: قد ذهب عليك ما في الحال، وذلك أن معنى قوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة} أي: إذا عزمتم على الصلاة، وأردتموها، وليس الغرض -والله أعلم- في ~~{قمتم} النهوض والانتصاب، لأنهم قد أجمعوا أنه لو غسل أعضاءه قبل الصلاة ~~قائما أو قاعدا لكان قد أدى فرض هذه الآية، فالفاء إذن إنما رتبت الغسل ~~والمسح عقيب الإرادة والعزم، ولم تجعل للغسل مزية في التقدم على المسح، لأن ~~المسح معطوف على الغسل بالواو في قوله: {وامسحوا} فجرى هذا مجرى قولك: "إذا ~~قمت فاضرب زيدا واشتم بكرا" فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزا، فالفاء لم ~~ترتب الغسل قبل المسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضا نفس المغسول به، ~~لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرف لا يوجب الترتيب، وهو الواو، وهذا ~~واضح، ففهمه، وعرف الحقيقة فيه. # ونظير "قمتم" في هذا الموضع قوله عز اسمه: {الرجال قوامون على النساء} ~~[النساء: 34] 1 وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول والتنصيب ~~وضد القعود، وإنما هو من قولهم: "قمت بأمرك" و"علي القيام بهذا الشأن" ~~فكأنه -والله أعلم- الرجال متكلفون لأمور النساء معنيون بشؤونهن. # فكذلك قوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة} ms310 أي: إذا هممتم بالصلاة، وتوجهتم ~~إليها بالعناية، وكنتم غير متطهرين، فافعلوا كذا وكذا، لابد من هذا الشرط، ~~لأن من كان على طهر وأراد الصلاة لم يلزمه غسل شيء من أعضائه لا مرتبا ولا ~~مخيرا فيه، فيصير هذا كقوله عز وجل {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ~~وهذا، أعني قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} فافعلوا كذا، وهو يريد: إذا ~~قمتم ولستم على طهارة، فحذف ذلك للدلالة عليه أحد الاختصارات التي في ~~القرآن، PageV02P278 # ومنه قول طرفة1: # فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد2 # فتأويله: فإن مت قبلك، لا بد من أن يكون الكلام معقودا على هذا، لأنه ~~معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها إذ التكليف لا يصح إلا مع ~~القدرة، والميت لا قدرة فيه، بل لا حياة عنده، وهذا واضح، وهو شيء اعترض ~~الكلام، فقلنا فيه، ثم نعود إلى أمر الواو. # واعلم أن حرف العطف هذا قد حذف في بعض الكلام، إلا أنه من الشاذ لا ينبغي ~~لأحد أن يقيس عليه غيره، حدثنا أبو علي، قال: حكى أبو عثمان3: # أكلت لحما، سمكا، تمرا، يريد: لحما، وسمكا، وتمرا، وقال4: # ما لي لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي5 PageV02P279 # أراد: وغبائقي، وقيلاتي فحذف حرف العطف. وهذا عندنا ضعيف في القياس، ~~معدوم في الاستعمال. ووجه ضعفه أن حرف العطف فيه ضرب من الاختصار، وذلك أنه ~~قد أقيم مقام العامل؛ ألا ترى أن قولك: قام زيد وعمرو، أصله: قام زيد وقام ~~عمرو، فحذفت "قام" الثانية، وبقيت الواو كأنها عوض منها، فإذا ذهبت تحذف ~~الواو النائبة عن الفعل تجاوزت حد الاختصار إلى مذهب الانتهاك1 والإجحاف2، ~~فلذلك رفض ذلك، وقد تقدم من القول في هذا المعنى ما هو مغن بإذن الله ~~تعالى. # وشيء آخر، وهو أنك لو حذفت حرف العطف لتجاوزت قبح الإجحاف إلى كلفة ~~الإشكال، وذلك أنك لو حذفت الواو في نحو قولك: ضربت زيدا وأبا عمرو، فقلت: ~~ضربت زيدا أبا عمرو، لأوهمت أن زيدا هو أبو عمرو، ولم ms311 يعلم من هذا أن ~~"زيدا" غير "أبي عمرو" فلما اجتمع إلى الإجحاف الإشكال قبح الحذف جدا. وكما ~~أنابوا حرف العطف عن العامل فيما ذكرنا وما يجري مجراه، نحو: ضربت زيدا ~~فبكرا، وكلمت محمدا ثم سعيدا، وجاءني محمد لا صالح، كذلك أيضا قد أنابوا ~~الواو مناب "رب" في نحو قوله3: PageV02P280 # وقاتم الأعماق خاوي المخترق1 # وفي قوله2: # وبلد عامية أعماؤه ... كأن لو أرضه سماؤه3 # وقوله4: # وليلة ذات ندى سريت5 # وفي قوله6: # ومنهل من الأنيس نائي7 # تقديره: ورب كذا، وهذه الواو حرف عطف. PageV02P281 # فإن قلت: فإنا نجدها مبتدأة في أوائل القصائد، فعلى أي شيء عطفت؟ # فالجواب: أن القصيدة تجري مجرى الرسالة، وإنما يؤتى بالشعر بعد خطب يجري ~~أو خطاب يتصل، فيأتي بالقصيدة معطوفة بالواو على ما تقدمها من الكلام. ويدل ~~على ذلك أيضا قولهم في أوائل الرسائل: أما بعد فقد كان كذا وكذا، فكأنه ~~قال: أما بعد ما نحن فيه، أو بعد ما كنا بسبيله فقد كان كذا وكذا، ~~فاستعمالهم هنا لفظ "بعد" يدل على ما ذكرناه عنهم من أنهم يعطفون القصيدة ~~على ما قبلها من الحال والكلام، وكما أن "بل" من قول الآخر: # بل جوز تيهاء كظهر الحجفت1 # في أنها وإن كانت بدلا من "رب" فهي حرف عطف لا محالة، فكذلك الواو في: # وبلد عامية أعماؤه2 # واو عطف وإن كانت نائبة عن "رب". # فإن قيل: فبم الجر فيما بعد واو "رب" أب "رب" المحذوفة أم بالواو النائبة ~~عنها؟ # فالجواب: أن الجر بعد هذه الواو إنما هو ب "رب" المرادة المحذوفة تخفيفا ~~لا بالواو، ويدل على ذلك أنها في غير هذه الحال من العطف إنما هي نائبة عن ~~العامل دالة عليه، وليست بمتولية للعمل دونه، وذلك قولك: قام عمرو، ورأيت ~~زيدا وبكرا، ومررت بسعيد وخالد، فلو كانت ناصبة لم تكن جارة وهي بلفظ واحد، ~~وكذلك لو كانت الواو رافعة لم تكن جارة. # ويدلك على أن العمل فيما بعد حرف العطف إنما هو لما ناب الحرف عنه، ودل ~~عليه من العوامل، إظهارهم العامل بعده ms312 في نحو: ضربت زيدا وضربت بكرا، ونظرت ~~إلى جعفر وإلى خالد، فالعمل إذن إنما هو للعامل المراد لا الحرف العاطف. ~~PageV02P282 # فإن قلت: فما بالك تقول: والله لأقومن، فتبدل الواو من الباء في قولك: ~~بالله لأقومن، وأنت تزعم أن الجر بعد واو القسم إنما هو للواو نفسها لأنها ~~نائبة عن الباء وبدل منها، فهلا زعمت مثل ذلك في الواو إذا كانت عاطفة؟ # فالجواب: أن بين الموضعين فرقا، وذلك أن الواو في القسم إنما هي بدل من ~~الباء وواقعة موقعها، وليست الباء مقدرة بعد الواو كما يقدر العامل بعد حرف ~~العطف، ألا ترى أن من قال: قام زيد وقام عمرو، فأظهر العامل بعد حرف العطف ~~لم يجز على وجه من الوجوه أن يقول: وبالله لأقومن، على أن تكون الواو ~~للقسم، وإنما هي ههنا عطف، وحرف القسم الموصل له إنما هو الباء بعد الواو، ~~وليست الواو ههنا للقسم، وأما حرف العطف فهو مع إظهار العامل بعده وحذفه ~~جميعا حرف عطف. # ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد وعمرو فالواو حرف عطف، وإذا قلت: قام زيد ~~وقام عمرو فالواو أيضا حرف عطف أظهرت العامل أو حذفته، وليست الواو في ~~قولك: والله لأقومن هي الواو في قولك: وبالله لأقومن، فلما كانت الواو في ~~القسم إنما هي بدل من بائه البتة حتى لا تظهر معها، جرت في العمل مجراها، ~~وحسن إقامتها في العمل مقامها أن الواو ضارعت الباء لفظا ومعنى، أما اللفظ ~~فلأن الباء شفهية، والواو أيضا كذلك، وأما المعنى فلأن الباء للإلصاق ~~والواو للاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جامعه، وليست كذلك واو العطف، ~~لأنها لا تضارع العامل الذي دلت عليه وقامت مقامه لفظا ولا معنى، ألا ترى ~~أنك إذا قلت: ضربت زيدا وبكرا فإن أصله: ضربت زيدا وضربت بكرا، فالواو لا ~~تضارع العامل الذي دلت عليه وقامت مقامه لفظا ولا معنى، ألا ترى أنك إذا ~~قلت: ضربت زيدا وبكرا فإن أصله: ضربت زيدا وضربت بكرا، فالواو لا تضارع ~~"ضرب" لفظا ولا معنى، ألا ترى ms313 أن "ضرب" ثلاثة أحرف والواو حرف واحد، وهذه ~~حرف، وذلك فعل، فهما جنسان متباينان، فلذلك جاز أن تكون الواو في القسم ~~عاملة، ولم يجز أن يكون حرف العطف عاملا، فتفهمه. # واعلم أن هذه الواو إذا كانت عاطفة فإنها دالة على شيئين: # أحدهما الجمع، والآخر العطف، إلا أن دلالتها على الجمع أعم فيها من ~~دلالتها على العطف، يدل على ذلك أنا لا نجدها إذا لم تكن بدلا من باء القسم ~~مجردة من معنى الجمع، وقد نجدها معراة من معنى العطف، ألا ترى أن الواو ~~التي بمعنى "مع" في قولك: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، قد ~~تجدها # PageV02P283 # مفيدة للجمع لأنها نائبة عن "مع" الموضوعة لإفادة الجمع، ولا تجد فيها في ~~هذه الحال معنى العطف، وكذلك إذا كانت للحال نحو قوله تعالى: {يغشى طائفة ~~منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: من الآية 154] 1 أي: يغشى طائفة ~~منكم إذ طائفة في هذه الحال. وهذه الواو أيضا الدالة على معنى الحال غير ~~معراة من معنى الجمع، ألا ترى أن الحال مصاحبة لذي الحال، فقد أفادت إذن ~~معنى الاجتماع. وهذا كله تلخيص أبي علي، وعنه أخذته. # وأما الواو التي بمعنى "مع" فقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد ~~والطيالسة2 ومازلت أسير والنيل، أي: مع النيل، وكيف تكون وقصعة من ثريد، ~~أي: مع قصعة، ولو خليت والأسد لأكلك، أي: مع الأسد، ولو تركت الناقة ~~وفصيلها3 لرضعها، أي: مع فصيلها، وكيف تصنع وزيدا، أي: مع زيد، واجتمع زيد ~~وأبا محمد على حفظ المال، ومن أبيات الكتاب: # فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال4 PageV02P284 # أي: مع بني أبيكم، فلما حذف "مع" وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل ~~الواو إلى الاسم الذي بعدها. فنصبه بواسطة الواو، وذلك أن الواو قوته، ~~فأوصلته إليه، وقد استقصيت هذا الفصل في حرف الباء من كتابنا هذا. # وأما الواو التي للحال فنحو قولك: مررت بزيد وعلى يده باز، أي: مررت به ~~وهذه حاله، ولقيت محمدا وأبوه يتلو، أي: لقيته وهذه حاله. ولا ms314 يقع بعد هذه ~~الواو إلا جملة مركبة من مبتدأ وخبر، لو قلت: كلمت محمدا وقام أخوه، وأنت ~~تريد معنى الحال لم يجز إلا أن تريد معنى "قد" فكأنك قلت: كلمت محمدا وقد ~~قام أخوه، وذلك أن "قد" تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد. # ألا تراهم يقولون: "قد قامت الصلاة" قبل حال قيامها، وإنما جاز ذلك لمكان ~~"قد" وعلى قول الشاعر1: # أم صبي قد حبا أو دارج2 # فكأنه قال: أم صبي حاب أو دارج. PageV02P285 # وتأولوا قوله عز اسمه: {أو جاءوكم حصرت صدورهم} [النساء: من الآية90] على ~~معنى: قد حصرت صدورهم1. وذهب آخرون إلى أن تقديره: أو جاءوكم رجالا أو قوما ~~حصرت صدورهم، ف {حصرت صدورهم} الآن في موضع نصب لأنها صفة حلت محل موصوف ~~منصوب على الحال، على أن في هذا بعض الضعف لإقامتك الصفة مقام الموصوف، ~~وهذا مما الشعر وموضع الاضطرار أولى به من النثر وحال الاختيار, وإذا وقعت ~~هذه الجملة بعد هذه الواو كنت في تضمينها إياه مخيرا، فالتضمين كقولك: جاء ~~زيد وتحته فرس، وترك التضمين كقولك: جاء زيد وعمرو يقرأ. وإنما جاز استغناء ~~هذه الجملة عن ضمير يعود منها إلى صاحب الحال من قبل أن الواو ربطت ما ~~بعدها بما قبلها، فلم تحتج إلى أن يعود منها ضمير على الأول ليرتبط به آخر ~~الكلام بأوله، وإن جئت به فيها فحسن جميل؛ لأن فيه تأكيدا لارتباط الجملة ~~بما قبلها. فأما إذا لم يكن هناك واو فلا بد من تضمن الجملة ضميرا من ~~الأول، وذلك نحو قولك: أقبل محمد على رأسه قلنسوة2، ولو قلت: أقبل محمد على ~~جعفر قلنسوة، وأنت تريد: أقبل محمد وهذه حاله لم يجز؛ لأنك لم تأت بالواو ~~التي هي رابطة ما بعدها بما قبلها، ولا بضمير يعود من آخر الكلام فيدل على ~~أنه معقود بأوله. وإذا فقدت جملة الحال هاتين الحالتين انقطعت مما قبله، ~~ولم يكن هناك ما يربط الآخر بالأول. # وعلى هذا قول الشاعر3: # نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري4 ms315 PageV02P286 # يصف غائصا غاص في الماء من أول النهار إلى انتصافه ورفيقه على شاطئ الماء ~~ينتظره ولا يدري ما كان منه، فيقول: انتصف النهار وهذه حاله، فالهاء من ~~"غامره" ربطت الجملة بما قبلها حتى جرت حالا على ما قبلها، فكأنك قلت: ~~انتصف النهار على الغائص غامرا له الماء، كما أنك إذا قلت: جاء زيد حسنا ~~وجهه. # فأما قوله تعالى: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} [الكهف: من الآية 22] فلا ~~يجوز أن يكون {رابعهم} وصفا ل {ثلاثة} على أن يكون {كلبهم} رفعا لغلام، ~~وترفع زيدا بفعله، وهو الضرب، من قبل أن "رابعهم" في هذا الموضع وإن كان ~~اسم فاعل، فإنه يراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيا في المعنى لم ~~يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعا ولا نصبا، ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل ~~قائم أمس أخوه على أن ترفع الأخ بفعله، وهو القيام، كما لا يجوز أن تقول: ~~هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعله، وتجعل الغلام فعلا له، لأن اسم ~~الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام وفرس ورجل وما لا معنى فعل فيه، ~~فقد بطل إذن أن يرفع "كلبهم" بما في {رابعهم} من معنى الفعل إذ كان ~~"رابعهم" يراد به هنا المضي. ولا يجوز أيضا أن يرتفع "رابعهم" بالابتداء، ~~ويجعل {كلبهم} خبرا عنه على أن تكون الجملة حالا ل "ثلاثة" لأنك لو فعلت ~~ذلك لم تجد للحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون هم ثلاثة، وليس ~~في قولك هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب على الحال. # فإن قلت: فهلا جعلت تقديره: هؤلاء ثلاثة، فنصبت الحال بعدها بما في هؤلاء ~~من معنى التنبيه، كما تقول: هؤلاء إخوتك قياما؟ # فذلك محال هنا لأنهم يكونوا مشاهدين، ولو كانوا مشاهدين لما وقع التشكك ~~في عدتهم، أولا ترى أن في الآية {رجما بالغيب} وإنما وقع الإخبار عنهم وهم ~~غير مشاهدين، فإذا لم يجز أن يكون في الكلام ما ينصب حالا لم يجز على شيء ~~منه، ولأن "ثلاثة" أيضا نكرة، وسبيل الحال ms316 أن تأتي بعد المعرفة، هذا هو ~~الغالب من أمرها والأسير في أحكامها، إلا أن يجيء ذلك شاذا أو على ضرورة أو ~~قلة من الكلام، وليست هنا ضرورة ولا ظهور نصب يحتمل له إجراء الحال على ~~النكرة. # PageV02P287 # فإن قلت: فاجعل {رابعهم كلبهم} مبتدأ وخبرا، واجعل الجملة المنعقدة منها ~~وصفا ل "ثلاثة" كما تقول: هم ثلاثة غلامهم أبوهم؟ # فذلك عندنا في هذا الموضع غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع ~~جائزا، والذي منع من إجازته هنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام فيها ~~واو العطف، وهو قوله عز وجل: {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} فكما ظهرت الواو ~~في آخر الكلام، فكذلك -والله أعلم- هي مرادة في أوله لتتجنس الجمل في ~~أحوالها والمراد بها، فكأنه -والله أعلم- سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ~~ويقولون خمسة وسادسهم كلبهم رجما بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، إلا ~~أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما ~~بما قبلهما لا عقد الوصف ولا عقد الحال لما ذكرناه، ولكن عقد الإتباع، ~~لاسيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في ~~الجملتين المتقدمتين. # واعلم أن هذه الواو وما بعدها إذا أريد بالجميع الحال في موضع نصب بما ~~قبلها من العوامل التي يجوز لمثلها نصب الحال، فقولك: أقبل أخوك وثوبه ~~نظيف، في موضع: أقبل أخوك نظيفا ثوبه، فكما تنصب "نظيفا" ب "أقبل" كذلك ~~تنصب موضع قولك: وثوبه نظيف ب "أقبل". # وإذا كان ذلك فقوله عز اسمه: {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم} [آل ~~عمران: من الآية 154] في تقدير: يغشى طائفة منكم مهمة طائفة منكم أخرى ~~أنفسهم في وقت غشيانه تلك الطائفة الأولى، ولا بد من هذا التقدير، كما أن ~~قولك: جاءت هند وعمرو ضاحك في تقدير: جاءت هند ضاحكا عمرو في وقت مجيئها، ~~حتى يعود من الجملة التي هي حال ضمير على صاحب الحال، ولهذا شبهها سيبويه ب ~~"إذ" قال أبو علي: إنما فعل ذلك من حيث كانت "إذ" لا يكون إلا جملة، كما ms317 أن ~~ما بعد واو الحال لا يكون إلا جملة، ولهذا قال سيبويه: "واو الابتداء" يعني ~~هذه الواو إذ كان ما بعدها سبيله أن يكون جملة من مبتدأ وخبر، ولأجل أن بين ~~الحال والظرف هذه المصاقبة1 ما ذهب الكسائي إلى أن نصب الحال إنما ~~PageV02P288 # هو لشبهها بالظرف. ويؤكد الشبه أيضا أنك قد تعبر عن الحال بلفظ الظرف، ~~ألا ترى أن قولك: جاء زيدا ضاحكا فى معنى: جاء زيد في حال ضحكه، وعلى حال ~~ضحكه، فاستعمالك هنا لفظ "في" و"على" يؤنسك بالوقت والظرفية، فاعرفه. # وأما واو القسم فنحو قولك: والله لأقومن، والله لأقعدن، وقد تقدم القول ~~عليها، وأنها بدل من باء الجر، والعلة في جواز إبدالها منها في حرف الباء. # واعلم أن البغداديين1 قد أجازوا في الواو أن تكون زائدة في مواضع: # منها قوله جل اسمه: {فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم} ~~[الصافات: 103-104] 2 قالوا: معناه ناديناه، والواو زائدة. # ومنها قوله تعالى: {إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت} ~~[الإنشقاق: 1-3] قالوا: معناه إذا السماء انشقت إذا الأرض مدت، فتكون "إذا" ~~الثانية خبرا عن "إذا" الأولى، كما تقول: وقت يقوم زيد وقت يقعد عمرو. ~~وأجازوا أيضا في هذه الآية أن يكون التقدير: إذا السماء انشقت أذنت لربها. # ومنها قوله عز اسمه: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها} ~~[الزمر: من الآية73] تقديره عندهم: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها. # واحتجوا لجواز ذلك بقول الشاعر3: # حتى إذا امتلأت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن الغدور الفاحش الخب4 PageV02P289 # معناه عندهم: قلبتم ظهر المجن لنا. فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل ~~البتة، ولا يجيزون زيادة هذه الواو ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة ~~للعلم بها والاعتياد في مثلها، وتأويل ذلك عندنا على معنى: فلما أسلما وتله ~~للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أدرك ثوابنا، ونال المنزلة ~~الرفيعة عندنا. # وكذلك: إذا السماء انشقت وكان كذا وكذا عرف كل واحد ما صار إليه من ثواب ~~وعقاب1. ودليل ذلك ms318 قوله عز اسمه {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1] 2 وكان كذا ~~وكذا {علمت نفس ما أحضرت} [التكوير: 14] 3. # وكقوله تعالى فى موضع آخر: {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] 4 {علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت} [الانفطار: 5] ، وكذلك قوله عز وجل: {حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم} تقديره: صادفوا الثواب الذي ~~وعدوه. # وكذلك قول الشاعر: # حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن الغدور الفاحش الخب5 # تقديره: لما كان هذا كله منكم عرف الناس غدركم، واستحققتم صرف اللائمة ~~إليكم/ أو نحو ذلك مما يصح لمثله أن يكون جوابا عن هذا، وصار أيضا قوله: ~~"إن الغدور الفاحش الخب" بدلا من الجواب ودليلا عليه. PageV02P290 # ويؤكد هذا عندك قوله عز اسمه: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] 1 ولم يقل: لكان ~~هذا القرآن. # وكذلك قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} [الأنعام: 27] ولم يقل: لرأيت ~~سوء منقلبهم. # وعلى هذا قول امرئ القيس2: # فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا3 # ولم يقل: لفنيت، ولا: لاستراحت. # وكذلك قول جرير4: # كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بحزيز رامة والمطي سوامي5 # ولم يقل: لرأين ما يشجيهن ويسخن أعينهن. PageV02P291 # وقال الآخر1: # لو قد حداهن أبو الجودي ... برجز مسحنفر الروي # مستويات كنوى الرني2 # ولم يقل: لأسرعن، ولا لقطعن، ونحو ذلك. وعلى هذا قول حاتم: "لو غير ذات ~~سوار لطمتني"3 ولم يقل: لانتصفت منها. # وزعم سيبويه4 أن الشماخ لم يأت لقوله5: # ودوية قفر تمشى نعامها ... كمشي النصارى في خفاف اليرندج6 # بجواب في القصيدة علما بأن المعنى: قطعت، أو جزت، أو نحو ذلك. ~~PageV02P292 # وذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من ~~إظهاره، وأنه لذلك ما حذفت هذه الأجوبة، قالوا: ألا ترى أنك إذا قلت ~~لغلامك: والله لئن قمت إليك، وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه ~~من الضرب والقتل والكسر وغير ذلك، فتمثلت في فكره أنواع العقوبات، فتكاثرت ms319 ~~عليه، وعظمت الحال في نفسه، ولم يدر أيها يتقي، ولو قلت: والله لئن قمت ~~إليك لأضربنك، فأتيت بالجواب لم يتق شيئا غير الضرب، ولا خطر بباله نوع من ~~المكروه سواه، فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه. # قال أبو علي: ومثل معناه قول كثير1: # فقلت لها: ياعز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت2 # وكذلك الحال في الجميل من الفعل نحو قولك: والله لئن زرتني، إذا حذفت ~~الجواب تصورت له أنواع الجميل وضروبه من الإحسان إليه والإنعام عليه. ولو ~~قلت: والله لئن زرتني لأعطينك دينارا، رمى بفكره نحو الدينار، ولم يجل في ~~خلده شيء من الجميل سواه، ولعله أيضا أن يكون مستغنيا عنه غير راغب فيه، ~~فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة، وإذا حذفت الجواب تطلعت نفسه إلى علم ما توليه ~~إياه، فكان ذلك PageV02P293 # أدعى له إلى الزيارة، كما كان الباب الأول أدعى له إلى الترك، فهذا بيان ~~هذا الفصل وتلخيص ما فيه، وذكر السبب الداعي إلى حذف الأجوبة منه. # وقد زيدت الواو على الحرف المضموم إذا وقفت عليه مستذكرا لما بعده من ~~الكلام فتقول: الرجل يقومو، أي: يقوم غدا أو نحوه، والرجل ينطلقو، أي: ~~ينطلق إلينا، ونحو ذلك، فمدوا بالواو لأنهم لا ينوون القطع. ويزيدون أيضا ~~على الواو واوا أخرى عند التذكر، فيقولون: زيد يغزوو، ومحمد يدعوو، جعلوا ~~ذلك علامة الاستذكار، وأنه قد بقيت بقية من الكلام، وتكلفوا الجمع بين ~~الساكنين لذلك. # وقد حذفت الواو فاء، نحو "يعد" و"عدة" و"تقيت زيدا" وهو كثير. وعينا في ~~حرف واحد، وهو "حب" في زجر الإبل، و"سف" في معنى "سوف" ولاما في "أخ" و"غد" ~~و"هن" و"كرة" و"لغة" ونحو ذلك. # وقد زيدت الواو في نحو قولهم: كنت ولا مال لك، أي: كنت لا مال لك، وكان ~~زيد ولا أحد فوقه. وكأنهم إنما استجازوا زيادتها هنا لمشابهة خبر كان ~~للحال؛ ألا ترى أن قولك: كان زيد قائما، مشبه من طريق اللفظ بقولهم: جاء ~~زيد راكبا، وكما جاز أن يشبه خبر كان بالمفعول فينصب، فغير منكر ms320 أيضا أن ~~يشبه بالحال في نحو قولهم: جاء زيد وعلى يده باز، فتزاد فيه الواو. # PageV02P294 ### | باب الألف الساكنة ### | مدخل # ... # باب الألف الساكنة: # اعلم أن هذه الألف هي التي بعد اللام قبل الياء في آخر حروف المعجم وهي ~~التي في قولنا "لا". وإنما لم يجز أن تفرد من اللام وتقام بنفسها كما أقيم ~~سائر حروف المعجم سواها بأنفسها من قبل أنها لا تكون ساكنة تابعة للفتحة، ~~والساكن لا يمكن ابتداؤه، فدعمت باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ~~ساكنة بعدها. وقول من لا خبرة له بحقيقة اللفظ بحروف المعجم "لام الف" خطأ. # فأما قول أبي النجم1: # خرجت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف # تكتبان في الطريق لام الف2 # فلم يرد شكل "لا" دون غيره، وإنما هذا كقولك: تكتبان قاف دال، أو جيم ~~طاء، أي كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضا دون بعض، على أنه أيضا قد ~~يمكن أن يكون أراد بقوله: "لام الف" هذا الشكل المقدم ذكره إلا أنه تلقاه ~~من أفواه العامة؛ لأن الخط ليس له تعلق بالفصحاء، ولا عنهم يؤخذ. # ويؤكد ذلك عندك أن واضع حروف المعجم إنما وسمها لنا منثورة غير منظورة، ~~فلو كان غرضه في "لا" أن يرينا كيف اجتماع اللام مع الألف، للزمه أيضا أن ~~يرينا كيف تتركب الجيم مع الطاء، والقاف مع الياء، والسين مع الهاء، وغير ~~ذلك مما يطول تعداده، وإنما غرضه ما ذكرت لك من توصله إلى النطق بالألف، ~~فدعهما باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ساكنة بعدها. PageV02P295 # فإن سأل سائل فقال: ما بالهم اختارو لها اللام دون سائر الحروف إذا كان ~~الأمر كما ذكرت، وهلا دعموها بالجيم أو القاف أو غيرها من الحروف، فقالوا: ~~جا أو قا أو صا أو نحو ذلك؟ # فالجواب: أنهم إنما خصوا اللام بها دون غيرها من قبل أنهم لما احتاجوا ~~لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء بها قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: ~~الغلام والجارية، فكما أدخلوا الألف قبل اللام هناك كذلك أدخلوا اللام قبل ~~الألف ms321 في "لا" ليكون ذلك ضربا من التعاوض بينهما. # فإن قيل: فلم أدخلت الهمزة قبل لام التعريف أصلا حتى قيس هذا عليه وعووض ~~بينهما؟ # فالجواب عن ذلك قد تقدم في حرف الهمزة من أول هذا الكتاب، فالأصل في هذين ~~الموضعين إنما هو لام المعرفة المدخلة عليها الألف، ثم حملت الألف في إدخال ~~اللام عليها على حكم لام المعرفة، وذلك أن اللفظ أسبق مرتبة من الخط، فبه ~~بدئ، ثم حمل الخط عليه. # واعلم أن هذه الألف، أعني المدة الساكنة في نحو قام، وباع، وحمار، وكتاب، ~~وغزا، ورمى، وحتى، وإلا، وما، ولا، لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة ولا ~~الأفعال أبدا، إنما تكون بدلا أو زائدا، فأما الحروف التي جاءت لمعان فإن ~~الألفات فيها أصول، وكذلك الأسماء المبنية التي أوغلت في شبه الحرف، ~~وسيأتيك ذلك مفصلا في أماكنه بإذن الله تعالى. # PageV02P296 ### | كون الألف أصلا # وذلك في عامة الحروف التي تقع الألف في آخرها، نحو ما، ولا، ويا، وهيا، ~~وإلا، وحتى، وكلا، فهذه الألفات وما يجري مجراها أبدا أصول غير زوائد ولا ~~منقلبة. والذي يدل على أنها ليست بزوائد أن الزيادة ضرب من التصرف في ~~الكلمة، وجزء من الاشتقاق فيها، وهذه الحروف كلها غير متصرفة ولا مشتقة، ~~فيجب أن تكون ألفاتها غير زادة، ألا ترى أنك لا تجد ل "حتى" و"كلا" اشتقاقا ~~تفقد فيه ألفهما كما تجد لضارب، وقاتل، ومعزى، وأرطى اشتقاقا تفقد في ~~ألفها، # PageV02P296 # وهو ضرب، وقتل، ومعز، ومأروط، فلما لم تكن الحروف متصرفة ولا مشتقة بطل ~~أن يقضى بزيادة ألفاتها، ويفسد أيضا أن تكون بدلا من نحو الوجه الذي فسد ~~منه أن تكون زائدة، وذلك أن البدل أيضا ضرب من التصرف؛ ألا ترى أنك لا تجد ~~لألف ما، ولا، وحتى، وكلا أصلا في ياء ولا واو كما تجد لألف غزا، ودعا، ~~وسعى، ورمى، أصلا في الياء، والواو لقولك: غزوت، ودعوت، وسعيت، ورميت، فكما ~~بطل أن تكون الألف فيها زائدة بطل أيضا أن تكون بدلا. # ودليل آخر على فساد كونها بدلا وجودك الألف ms322 في نحو "ما" و"لا"، فلو كانت ~~الألف في نحو ذلك بدلا لم تخل من أن تكون بدلا من ياء أو واو، فلو كانت ~~بدلا من الياء لوجب أن تقول في "ما" و"لا": "مي" و"لي" كما قالوا: أي، وكي، ~~لو كانت بدلا من الواو لوجب أن تقول: "مو" و"لو" كما قلت: أو، ولو؛ ألا ترى ~~أن الياء والواو إنما تقلبان إذا وقعتا طرفين متى تحركتا، فإذا سكنتا لم ~~يجب قلبهما، وأواخر الحروف أبدا ساكنة إلا أن يلتقي ساكنان، ولا ساكنين في ~~نحو: ما، لا، كما أنه لا ساكنين في نحو: قد، وهل. # وكذلك القول عندنا في الأسماء القاعدة في شبه الحرف، نحو: أنى، ومتى، ~~وإذا، وإيا، ينبغي أن تكون ألفاتها أصولا غير زوائد ولا مبدلة، لأن أواخرها ~~ينبغي أن تكون سواكن، ألا ترى أن "أنى" في الاستفهام بمننزلة "من" و"كم" ~~وأنه ينبغي أن يكون آخرها ساكنا كما أن آخر "من" و"كم" ساكن، فوجودك الألف ~~في المكان الذي يسكن فيه الحرف الصحيح أدل دليل على كونها أصلا غير زائدة ~~ولا مبدلة. والقول في "متى" أيضا كالقول في "أنى" لأنها أختها في الاستفهام ~~ورسيلتها في استحقاق البناء. وكذلك "إذا" هي مستحقة للبناء لاقتصارهم على ~~إضافتها إلى الجملة، فينبغي أن يكون آخرها ساكنا كآخر "إذ" فالألف إذن في ~~آخرها أصل، إذ لا حركة فيها توجب قلبها. وكذلك القول في ألف "إذا" التي ~~للمفاجأة لأنها مبنية، وحكمها أن تكون ساكنة الآخر. # وأما "إيا" فاسم مضمر، وقد تقدمت الدلالة في هذا الكتاب وغيره مما صنفناه ~~وأمللناه على صحة كونه مضمرا بمنزلة "أنت" و"أنا" و"هو" فكما أن هذه كلها ~~مبنية لشبه الحرف فيها، كذلك ينبغي أن تكون "إيا" مبنية أيضا. # PageV02P297 # فإن قلت: فلعله مبني على حركة، فتكون ألفه إذن منقلبة لانفتاح الياء ~~قبلها، ويكون في بنائه على الحركة بمنزلة "أنا" و"هو" في أنهما مبنيان على ~~الفتح. # فالجواب: أن "إياك" بأنت أشبه منه بأنا وهو، وذلك أن الكاف في آخره قد ~~ثبتت الدلالة على كونها حرفا للخطاب، وقد ms323 شرحنا ذلك من حالها في حرف الكاف، ~~فإذا كان الاسم إنما هو "إيا" والكاف إنما هي لاحقة لمعنى الخطاب، أشبه ~~إياك أنت، ألا ترى أن التاء في آخر "أنت" ليست من الاسم، وإنما هي للخطاب، ~~فكما أن النون قبل تاء "أنت" ساكنة، فكذلك ينبغي أن تكون الألف قبل كاف ~~"إياك" في موضع سكون، وإذا كانت كذلك لزم أن تكون الألف غير منقلبة؛ لأنها ~~ليست في موضع حركة، وجرت في ذلك مجرى ألف: ما، ولا، وحتى، وكلا في أنها غير ~~منقلبة. # وحكى لي حاك عن أبي إسحاق أراه قال لي: سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله ~~عز وجل: {إياك نعبد} [الفاتحة: من الآية 5] 1 ما تأويله؟ فقال: حقيقتك ~~نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة. # وهذا القول من أبي إسحاق عندي غير مرض، وذلك أن جميع الأسماء المضمرة ~~مبني غير مشتق نحو: أنا، وأنت، وهو، وهي، وقد قامت الدلالة على كون "إيا" ~~اسما مضمرا، فيجب أن لا يكون مشتقا، فإن ذهب إلى أن "إيا" اسم غير مضمر، ~~وذلك قوله على ما بيناه في حرف الكاف، فقد أفسدناه هناك بما أغنى عن إعادته ~~هنا. # فإن قلت: فما مثال "إيا" من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل لأنه غير ~~مشتق ولا متصرف، ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله ~~لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة، فالألفاظ ثلاثة: # أحدها أن يكون لفظ أويت. # والآخر: من لفظ الآية. PageV02P298 # والآخر: من تركيب "أوو" وهو من قول الشاعر1: # فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء2 # فمن رواه هكذا ف "أو" على هذا بمنزلة قو زيدا، وهو من مضاعف الواو، ولا ~~يكون "فأو" كقولك: سو زيدا، ولو عمرا، وحو حبلا لما ذكرناه قبل في حرف ~~الميم من هذا الكتاب. # وإن ذهبت إلى أن "إيا" من لفظ "أويت" احتمل ثلاثة أمثلة: أحدها أن يكون ~~إفعلا. والآخر أن يكون فعيلا. والآخر فعلى. # فأما "إفعل" فأصله "إئوي: فقلبت ms324 الياء التي هي لام ألفا لتحركها وانفتاح ~~ما قبلها، فصارت "إئوا" وقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء الفعل ياء ~~لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، فصارت "إيوا" فلما اجتمعت الياء والواو ~~وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصارت "إيا". # فإن قلت: ألست تعلم أن الياء التي قبل الواو في "إيوا" ليست بأصل، وإنما ~~هي بدل من الهمزة التي هي فاء الفعل، فهلا لم تقلب لها الواو ياء إذ كانت ~~غير أصل وبدلا من همزة، كما تقول في الأمر من أوى يأوي: ايو يا رجل، ولا ~~تقلب الواو ياء، وإن كانت قبلها ياء ساكنة، لأن تلك الياء أصلها الهمز؟ # فالجواب: أن هذا إنما يفعل في الفعل لا في الاسم، وذلك أن الفعل لا يستقر ~~على حال واحدة، ولا الهمزة المكسورة في أوله بلازمة، إنما هي ثابتة ما ~~ابتدأت، فإذا وصلت سقطت البتة، ألا تراك تقول: "ايو، وأو" وإن شئت فأو، كما ~~قال تعالى: {فأووا إلى الكهف} [الكهف: من الآية 16] 3 وليس كذلك الاسم؛ ~~لأنه إن كانت في PageV02P299 # أوله كسره أو ضمة أو فتحة ثبت على كل حال، وذلك قولك: {إياك نعبد} ~~[الفاتحة: 5] 1 وضربت القوم إلا إياك، فالهمزة ثابتة مكسورة في الوصل ~~والوقف، ألا ترى أنهم قالوا في مثل "إجرد"2 من "أويت": "أي". وأصله "إئوي" ~~فقلبت الهمزة الثانية لاجتماع الهمزتين ياء، فصارت "إيوي" وقلبت الواو ياء ~~لوقوع الياء الساكنة المبدلة من الهمزة قبلها، فصارت "إييي" فأدغمت الأولى ~~في الثانية، فصارت "إيي"، فلما اجتمعت ثلاث ياءات على هذه الصفة حذفت ~~الآخرة تخفيفا، كما حذفت من تصغير أحوى في قولك "أحي". # وكذلك قولوا في مثل "أوزة" من "أويت": "إياة" وأصلها "إئوية" فقلبت ~~الهمزة الثانية ياء، وأبدلت لها الواو بعدها ياء، وأدغمت الأولى في ~~الثانية، وقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت ~~"إياه". فهذا حكم الأسماء لأنها غير منتقلة، والأفعال لا تثبت على طريق ~~واحدة، فليس التغير فيها بثابت. # وأما كونه "فعيلا" من "أويت" بوزن "طريم"3 و"غريل"4 و"حذيم"5 فأصله على ms325 ~~هذا "إويي" تفصل ياء "فعيل" بين الواو والياء كما فصلت في المثال بين العين ~~واللام، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وأدغمت في ياء "فعيل" ~~فصارت "إيي" ثم قلبت الياء الأخيرة التي هي لام ألفا لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، فصارت "إيا". # وأما كونه "فعلى" فأصله "إويا" فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما ~~قبلها، ولوقوع الياء بعدها أيضا، ثم أدغمت في الياء بعدها، فثارت "إيا". # فإن سميت به رجلا وهو "أفعل" لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة، وحاله فيه حال ~~إشفي6. وإن سميت به رجلا وهو "فعيل" فالوجه أن تجعل ألفه للتأنيث ~~PageV02P300 # بمنزلة ألف "ذكرى" و"ذفرى"1 وإذا كان ذلك كذلك لم ينصرف معرفة ولا نكرة. ~~وإن ذهبت إلى أن ألفه للإلحاق بهجرع2، وأجريتها مجرى ألف "معزى" لم تصرفه ~~معرفة، وصرفته نكرة، وجرى حينئذ مجرى "أرطى"3 و"حنبطى"4 و"دلنظى"5 ~~و"سرندى". # وأما إذا جعلت "إيا" من لفظ "الآية" فإنه يحتمل أن يكون على واحد من خمسة ~~أمثلة، وهي: "إفعل" و"فعل" و"فعيل" و"فعول" و"فعلى" وذلك أن عين "الآية" من ~~الياء لقول الشاعر7: # لم يبق هذا الدهر من آياته ... غير أثافيه وأرمدائه8 # فظهور الياء عينا في "آيائه" يدل على ما ذكرناه من كون العين ياء، وذلك ~~أن وزن "آياء": "أفعال" ولو كانت العين واوا لقال "من أوائه" إذ لا مانع من ~~ظهور الواو في هذا الموضع، فإذا ثبت بهذا وبغيره مما يطول ذكره كون العين ~~من "آية" ياء، ثم جعلت "إيا": "إفعلا" فأصله "إئيي" فقلبت الهمزة الثانية ~~التي هي فاء ياء لاجتماع الهمزتين وانكسار الأولى منهما، ثم ادغتمها في ~~الياء هي عين بعدها، فصارت "إيي" ثم قلبت الياء التي هي لام في "آية" و"آي" ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "إيا". # ولم يسغ الاعتراض الذي وقع قديما في إدغام الياء المبدلة من الهمزة التي ~~هي فاء في "إفعل" من "أويت" قبلها إذ صار لفظها إلى "إيوا" والانتصار لذاك ~~هناك، PageV02P301 # وأما إذا جعلتها من الآية فالعين في الأصل ياء، ثم وقعت قبلها الياء ~~المبدلة من الهمزة ms326 التي هي فاء، فلما اجتمع المثلان، وسكن الأول منهما أدغم ~~في الثاني بلا نظر، فقلت "إيا" وجرى ذلك مجرى قوله عز اسمه: {أثاثا ورئيا} ~~[مريم: 74] 1 في من لم يهمز، جعله "فعلا" من "رأيت" وأصله على هذا "رئيا". # وحدثنا أبو علي أن القراءة فيه على ثلاثة أوجه: رئيا وريا وزيا بالزاي. # وإذا جعلته "فعلا" مثل "إلق"2 و"قنب" فالياء المشددة هي العين المشددة، ~~والألف آخرا هي لام "فعل" وهي متقلبة من الياء التي هي لام "آية" وأصله ~~"إيي" فقلت الياء الأخيرة ألفا كما ذكرت لك. # وإذا جعلته "فعيلا" مثل "غرين"3 و"حذيم"4 فالياء الثانية في "إيا" هي ياء ~~"فعيل" والياء هي عين "فعيل". # وإذا جعلته "فعولا" فأصله "إيوي" وهو بوزن "خروع"5 و"جدول" فيمن كسر ~~الجيم، فلما اجتمعت الياء الواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، ~~وأدغمت الياء التي هي عين "فعول" في الياء التي أبدلت من واوه، وقلبت الياء ~~التي هي لام ألفا لما ذكرنا، فصارت "إيا". PageV02P302 # وإذا جعلته "فعلى" فالياء الأولى في "إيا" هي العين، والثانية هي اللام، ~~والألف ألف "فعلى". فيجوز أن تكون للتأنيث، ويجوز أن تكون للإلحاق على ما ~~تقدم. والوجه في هذه الألفات أن تكون التأنيث لأنها كذلك أكثر ما جاءت. # وأما إذا كان من لفظ "فأو لذكراها" -وأصله على ما ثبت من تركيب "أوو"- ~~فإنه يحتمل مثالين: أحدهما "إفعل" والآخر "فعيل". فإذا جعلته "إفعلا" فأصله ~~"إئوو". فقلت همزته الثانية التي هي فاء "إفعل" ياء لانكسار الهمزة قبلها، ~~فصارت في التقدير "إيوو" ثم قلبت الواو الأولى التي هي عين "إفعل" ياء ~~لوقوع الياء ساكنة قبلها على ما تقدم، فصارت في التقدير "إيو" ثم قلبت ~~الواو التي هي لام ياء لأنها وقعت رابعة، كما قلبت في "أغزيت" و"أعطيت" ~~فصار في التقدير "إيي"، ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، فصار "إيا" كما ترى. # وإذا جعلته "فعيلا" فأصله حينئذ "إويو" فقلبت الواو الأولى التي هي عين ~~الفعل ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ثم ~~أدغمت ms327 تلك الياء في ياء "فعيل"فصارت "إيو"، ثم قلبت الواو ياء لأنها رابعة ~~طرق، ثم قلبت تلك الياء ألفا على ما عمل في المثال الذي قبل هذا، فصارت ~~"إيا". # ولا يجوز أن تكون "إيا" إذ جعلتها من لفظ "أوو": "فعلا" ولا "فعلى" كما ~~جاز فيما قبل، لأنه كان يلزم أن يكون اللفظ به "إوى". وإن شئت جوزت ذلك ~~فيه، وقلت: إنهما ليستا عينين فيلزما ويصا. ولا يجوز أن تكون "إيا" "فعللا" ~~مضعف اللام بمنزلة "ضربب" لأن ذلك لم يأت في شئ من الكلام. # ويجوز فيه أيضا وجه ثالث، وهو أن يكون "فعولا" قلبت عينه للكسرة، ثم واوه ~~لوقوع الياء قبلها، فقلت "إيا". # فإن أردت تحقير هذه الأمثلة أو تكسيرها على اختف الأصول المركبة هي منها ~~طال ذلك جدا، إلا أنه متى اجتمع معك في ذلك ثلاث ياءات كاللواتي في آخر ~~تحقير "أحوى" حذفت الآخرة، ومتى اكتنف ألف التكسير حرفا علة، ولم يكن بين ~~ألف التكسير وبين آخر الكلمة إلا حرف واحد همزت ذلك الحرف، وأبدلت الآخر ~~ألفا، ثم أبدلت الهمزة حرف لين. # PageV02P303 # ولا يجوز أن يكون "إيا" من لفظ "آءة" على أن تجعله "فعيلا" منها، ولا ~~"إفعلا" لأنه كان يلزمك أن تهمز آخر الكلمة لأنه لام، فتقول "إيا" ولم يسمع ~~فيه الهمزة البتة، ولا سمع أيضا مخففا بين بين، ولكن يجوز فيه عندي على وجه ~~غريب أن يكون "فعلى" من لفظ "وأيت"، ويكون أصله على هذا "وئيا" فهمزت واوه ~~لانكسارها، كما همزت في "إسادة" و"إعاء" و"إشاح" ونحو ذلك فصارت "إئيا"، ثم ~~أبدلت الهمزة لانكسار الهمزة الأولى قبلها، ثم أدغمت الياء المنقلبة من ~~الهمزة في الياء التي هي لام "وأيت" فصارت "إيا". # فهذه أحكام تصريف هذه اللفظة، ولست أعرف أحدا من أصحابنا خاض فيها إلى ~~ههنا، ولاقارب هذا الموضع أيضا، بل رأيت أبا علي وقد نشم فيها القول يسيرا ~~لم يستوف الحار فيها، ولا طار بهذه الجهة، وإن كان -بحمد الله، والاعتراف ~~له- الشيخ الفاضل، والأستاذ المبجل. ولو لم يتضمن هذا الكتاب من ms328 الكلام على ~~الدقيق أكثر من هذه المسألة لكانت -بحمد الله- جمالا له، ومحسنة حاله. # ثم نعود إلى حكم الألف، فنقول: إن ألف "ذا" من قولك "هذا زيد" منقلبة عن ~~ياء ساكنة، وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره العلة التي لأجلها جاز قلب الياء ~~الساكنة ألفا إذ كان أصله "ذي". # فإن قلت: فما تقول في ألف "لكن" و"لكن"؟ # فالجواب: أن يكون أصلين لأن الكلمتين حرفان، ولا ينبغي أن توجد الزيادة ~~في الحروف، فإن سميت بهما ونقلتهما إلى حكم الأسماء حكمت بزيادة الألف، ~~وكان وزن المثقلة "فاعلا" والمخففة "فاعلا". PageV02P304 ### | إبدال الألف ### | مدخل # ... # إبدال الألف: # أبدلت الألف من أربعة أحرف، وهي: الهمزة، والياء، والواو، والنون ~~الخفيفة. # PageV02P304 ### | إبدال الألف عن الهمزة # هذه الهمزة في الكلام على ضربين: أصل، وزائدة، ومتى كانت الهمزة ساكنة ~~مفتوحا ما قبلها غير طرف، فأريد تخفيفا أو تحويلها أبدلت الهمزة ألفا أصلا ~~كانت أو زائدة، فالأصل نحو قولك في "أفعل" من "أمن": "آمن" وأصلها "أأمن" ~~فقلبت الثانية ألفا لاجتماع الهمزتين وانفتاح الأولى وسكون الثانية. ومثله ~~"ألفت زيدا" أي: ألفته. # قال ذو الرمة1: # من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... بياض الضحى في لونها يتوضح2 # ومن ذلك قولهم في تخفيف "رأس" و"بأس"3 و"فأل"4: "راس" و"باس" و"فال". # ومنه قولك في "قرأت": "قرات" وفي "هدأت": "هدات"5. # والزائد نحو قولك في تخفيف "شأمل"6: "شامل" وفي "احبنطأت"7 فيمن همز ~~"احبنطات". # واعلم أن هذا الإبدال على ضربين: أحدا لابد منه، والآخر منه بد. فأما ما ~~لا بد منه فأن تلتقي همزتان مفتوحة والثانية ساكنة، فلا بد من إبدال ~~الثانية PageV02P305 # ألفا، وذلك نحو آدم، وآخر، وأمن، وآوى، وآساس جمع أس1، وآياء2 جمع آية ~~وآي، فهذا إبدال لازم كراهية التقاء الهمزتين في حرف واحد، وإذا أبدلت ~~الهمزة على هذا جرت الألف التي هي بدل منها مجرى ما لا أصل له في همز ~~البتة، وذلك قولهم في جمع "آدم": و"أوادم" فأجروا ألف "آدم" مجرى "ألف" ~~"خاتم" فقلبوها واوا في "أوادم" كما قلبوا الألف واوا في "خواتم" فقالوا3: ### | ................................. # ... وتترك أموال عليها الخواتم4 # وإذا ms329 لم تكن الهمزة هكذا لم يلزم إبدالها، ألا ترى أنك مخير بين أن تقول ~~"قرأت" و"قرات" و"بدأت" و"بدات"، ولا يجوز أن تقول "أأدم" ولا "أأخر". # وقد أبدلت الهمزة المفتوحة التي قبلها فتحة ألفا أيضا على غير قياس، ~~وإنما يحفظ حفظا، أنشدنا أبو علي5: # بتنا وبات سقيط الطل يضربنا ... عند الندول قرانا نبح درواس6 # إذا ملأ بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه وضرى ذات أجراس7 # يريد: إذا ملأ بطنه، فأبدل الهمزة الفا. PageV02P306 # ومن أبيات الكتاب1: # راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع2 # يريد: هنأك. # فأما من همز "العالم" و"الخاتم" و"الباز" و"التابل" فلا يجوز على مذهبه ~~تخفيف هذه الهمزة، وذلك أن مذهبه أن يجتلب همزا لا أصل له، فلا يجوز على ~~هذا أن يخفف الهمزة، فيردها ألفا، لأنه عن الألف قلبها، فلو أراد الألف ~~لأقر الألف الأولى، واستغنى بذلك عن قلبها همزة، ثم قلبت تلك الهمزة ألفا. ~~وأما غيره فلا ينطق بهذه الهمزة في هذا الموضع أصلا، فلا يمكن أن يقال فيه ~~إنه يخففها ولا يحققها. PageV02P307 ### | إبدال الألف عن الياء والواو # وذلك على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكونا أصلين، والآخر: أن تكونا منقلبتين، ~~والاخر: أن تكونا زائدتين. # فأما إبدال الألف عن الياء والواو وهما أصلان فنحو قولك في "ييأس"1: ~~"ياءس" وفي "يوجل"2: "ياجل" ونحو قولك: "باع، وسار، وهاب3، وحار، وقام، ~~وصاغ4، وخاف، ونام، وطال" لقولك: "البيع، والسير، والهيبة، والحيرة، وقومة، ~~وصوغة، وخوف، ونوم، وطويل". PageV02P307 # ومن ذلك "رمى، وسعى، ودعا، وعدا" للقولك: "الرمي، والسعي، والعدو والدعو" ~~فهذا حكم الياء والواو، متى تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا إلا أن ~~يضطر أمر إلى ترك قلبهما، وذلك نحو قولك للاثنين: "قضيا، ورميا، وخلوا، ~~ودعوا" وإنما صحتا هنا ولم تقلبا ألفا، لأنهم لو قلبوها ألفا وبعدها ألف ~~تثنية الضمير لوجب أن تحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، فيزول لفظ التثنية، ~~ويلتبس الاثنان بالواحد. ونحو من ذلك قولهم: "النفيان" و"الغليان" ~~و"الصميان"1 و"العدوان"2 و"النزوان"3 و"الكروان"4، ألا ترى أنهم لو قلبوا ~~الياء والواو هنا ألفين وبعدهما ألف "فعلان" لوجب حذف ms330 إحدهما، وأن تقول ~~"نفان" و"غلان" و"صمان" و"عدان" و"نزان" و"كران" فيلتبس "فعلان" مما اعتلت ~~لامه ب "فعال" مما لامه نون، فترك ذلك لذلك. # وربما جاء شئ من ذلك على أصله صحيحا غير معل ليكون دليلا على الأصول ~~المغيرة، وذلك قولهم "الصيد"5 و"الجيد"6 و"القود"7 و"الأود"8 و"الحوكة" ~~و"الخونة" جمع "حائك"9 و"خائن" فأما قولهم في "ييأس": "ياءس" وفي "يوجل": ~~"ياجل" فإنما قلبوا الياء والواو فيهما وإن كانتا ساكنتين تخفيفا، وذلك ~~أنهم رأوا أن جمع الياء والألف أسهل عليهم من جمع الياءين، والياء والواو، ~~وقد حملهم طلب الخفة على أن قالوا في "الحيرة": "حاري" وفي "طيئ": "طائي" ~~قال10: # إذ هي أحوى من الربعي خاذلة ... والعين بالإثمد الحاري مكحول11 ~~PageV02P308 # وحكى أبو زيد عن بعضهم1 في تصغير "دابة": "دوابة" يريد "دويبة" فأبدل من ~~ياء التصغير الساكنة ألفا، وقال الراجز2: # تبت إليك فتقبل تابتي ... وصمت ربي فتقبل صامتي3 # يريد: توبتي، وصومتي. # وقال الآخر: وهو مالك بن أسماء بن خارجة4: # ومن حديث يزيدني مقة ... # ما لحديث الماموق من ثمن5 # يريد: الموموق. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ارجعن مأزورات غير ~~ماجورات" 6 وأصله "موزورات" فقلبت الواو ألفا تخفيفا كما ذكرنا. وقال ~~الكوفيون: إنما أريد به ازدواج الكلام لقوله "ماجورات". وهو قول أيضا. # وقال سيبويه في "آية" و"ثاية": "وقال غيره -يعنى غير الخليل- إنها "فعلة" ~~فأبدلت الألف من الياء"7. وأخذ بعض البغداديين8 هذا من سيبويه، فقال9 في ~~قولهم: "ضرب عليه ساية": إنما هي "سية" أبدلت الألف من الياء المنقلبة عن ~~الواو التي هي عين في "سويت". PageV02P309 # وطرد أيضا هذا الآخذ من سيبويه في غير هذه اللفظة، فقال في قولهم: "أرض ~~دواية": إنه أراد "دوية" فأبدل من الواو الأولى الساكنة التي هي عين "دو" ~~ألفا. # قال ذو الرمة1: # دوية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم2 # قال أبو علي3: وهذه دعوى من قائلها لا دلالة عليها، وذلك أنه يجوز أن ~~يكون بني من "الدو" فاعلة، فصارت "دواية" بوزن "زاوية" ثم أنه الحق الكلمة ~~ياءي النسب، وحذف اللام، كما تقول في ms331 الإضافة إلى "ناجية": "ناجي" وإلى ~~"قاضية": "قاضي" وكما قال علقمة4: # كأس عزيز الأعناب عتقها ... لبعض أربابها حانية حوم5 # فنسبها إلى "الحاني" بوزن "القاضي". # وكما قالوا: "رجل ضاوي" إنما هو منسوب إلى "فاعل" من "الضوى"6 وهو "ضاو" ~~ولحقتا في "ضاوي" كما لحقتا في "أحمر وأحمري" و"أشقر وأشقري"7 والمعنى ~~واحد. PageV02P310 # وأنشدنا1: # كأن حداء قراقريا2 # يديد: قراقرا، وهذا كثير واسع، فعلى هذا يجوز أن تكون "الدواية" منسوبة ~~إلى "فاعلة" من "الدو". وأما ما قرأته على ابي علي في نوادر أبي زيد من قول ~~عمرو بن ملقط جاهلي3: # والخيل قد تجشم أربابها الشق ... وقد تعسف الدوايه4 # فإن شئت قلت: إنه بنى من "الدو" "فاعلة"5، فصارت في التقدير "دواوة" # ثم قلبت الواو الآخرة التي هي لام ياء لانكسار ما قبلها ووقوعها طرفا، ~~فصارت "دواية". وإن شئت قلت: أراد "الدواية" المحذوفة اللام كالحانية، إلا ~~أنه خفف ياء الإضافة كما خفف الآخر فيما أنشده أبو زيد، وأنشدناه أبو علي6: # بكي بعينك واكف القطر ... ابن الحواري العالي الذكر7 # يريد: ابن الحواري. وهذا شئ اعترض، فقلنا فيه، ثم نعود. PageV02P311 # وأما إبجالها منهما منقلبين فقولهم: "أعطى، وأغزى، واستقصى، وملهى، ~~ومغزى، ومدعى" أصل هذا كله "أعطو، وأغزو، واستقصو، وملهو، ومغزو، ومدعو" ~~فلما وقعت الواو رابعة فصاعدا قلبت ياء، فصارت في التقدير "أعطى، وأغزي، ~~واستقصي، وملهي، ومغزي، ومدعي" فلما وقعت الياء طرفا في موضع حركة وما ~~قبلها مفتوح قلبت ألفا، فصارت "أغزى، وأعطى، وملهى، ومغزى" فالألف إذن إنما ~~هي بدل من الياء المبدلة من الواو. # وكذلك لو بنيت من "قرأت" مثل "دحرج" لقلت "قرأى" وأصله "قرأأ" فلما ~~اجتمعت الهمزتان في كلمة واحدة قلبت الآخرة ياء، فصارت في التقدير "قرأي" ~~ثم قلبت الياء الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت "قرأى". فالألف في ~~"قرأى" إذن إنما هي بدل في "قرأي"، والياء بدل من الهمزة الثانية في ~~"قرأأ". # ويدلك على أنه لابد من هذا التقدير فيها لتكون الألف بدلا من الياء ~~المبدلة من الهمزة قول النحويين في مثال "فعل" من قرأت: "قرأي" أفلا ترى ~~كيف ms332 أبدلوها هنا ياء. وكذلك قولهم في مثال "فرزدق": من قرا "قرأيا" وأصله ~~"قرأأ" فأبدلوا الهمزة الوسطى ياء ليفصلوا بها بين الهمزتين الأولى ~~والآخرة. ويدلك أيضا على صحة ذلك أنك متى أسكنت اللام فزالت الفتحة رجعت ~~اللام إلى أصلها، وهو الياء، وذلك قولك في "افعللت" من قرأت، وهدأت: ~~"اقرأيت" و"اهدأيت"، ولهذا نظائر. فهذا إبدال الألف عن الياء المبدلة. # وأما إبدالها عن الواو المبدلة فنحو قولك في ترخيم "رحوي" اسم رجل على ~~قول من قال"يا حار": "يا رحا أقبل" وذلك أنك حذفت ياء النسب، فبقي التقدير ~~"يارحو"، فلما صارت الواو على هذا المذهب حرف إعراب، واجتلبت لها ضمة ~~النداء كالضمة المجتلية في راء "حارث" إذا قلت "يا حار" أبدلت الواو ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقلت: "يارحا أقبل" فالألف الآن في "رحا" إنما ~~هي بدل من الواو في "رحوي" والواو في "رحوي" بدل من ألف "رحى" في قولك: هذه ~~رحى، ورأيت رحى، ومررت برحى، وألف "رحى" هذه بدل من الياء التي هي لام في ~~"رحيان". وكذلك القول في ترخيم "فتوي" و"هدوي" و"شروي" على لغة من قال: "يا ~~حار" إذا قلت: "يا فتى" و"يا هدى" و"يا شرى" # PageV02P312 # لا فرق بينهما. فأما قولك في ترخيم "ملهوي" اسم رجل على قول من قال: "يا ~~حار": "يا ملهى" فالألف فيه إذن إنما هي بدل من ياء بدل من واو بجل من ألف ~~بدل من ياء بدل من الواو التي هي لام العل في "لهوت"، فأصله الأول "ملهو" ~~ثم صار "ملهى" ثم صار "ملهوي" ثم صار بعد الترخيم وقلب الواو ياء "ملهي" ثم ~~صار في آخر أحواله "ملهى" وهو قولك: "يا ملهى أقبل". # وأما إبدال الألف عن الياء والواو الزائدتين فقولك في ترخيم اسم رجل يقال ~~له: "زميل" على قول من قال "يا حار": "يا زما أقبل". فالألف الآن بدل من ~~ياء "زميل" التي هي زائدة؛ لأن مثاله "فعيل". # ونظير ذلك قول العرب "سلقى"1 و"جعبى"2 إنما الألف فيهما بدل من ياء ~~"سلقيت" و"جعبيت" وهي زادئة لا محالة. ms333 # وأما الواو فأن تسمي رجلا "عنوقا" جمع "عناق"3 ثم ترخمه على قول من قال ~~"يا حار" فتبدل واوه ياء لأنه ليس في الكلام اسم آخره واو قبلها ضمة، ~~فتقول: "ياعني أقبل" فإن سميت ب "عني" هذا رجلا ونسبت إليه أبدلت من الكسرة ~~قبل الياء فتحة لتنقلب الياء ألفا، فيصير في التقدير "عنا" ثم تقلب ألفه ~~واوا لنوع لوقوع ياءي النسب بعدها، فتقول "عنوي". # فإن رخمت "عنوي" هذا على قول من قال "يا حار" حذفت ياءي النسب، وأبدلت من ~~الواو التي قبلها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول: "يا عنا أقبل". ~~فالألف الآن في "عنا" إنما هي بدل من الواو الزائدة في "عنوي"، والواو في ~~"عنوي" بدل من الألف في "عنا" والألف في "عنا" بدل من الواو في "عنو" التي ~~هي ترخيم "عنوق". وهذا لطيف دقيق فتظن له، فإنه لا يجوز في القياس غيره. ~~PageV02P313 # ووجه آخر في قلب الألف عن الواو الزائدة، وذلك أن تسمي رجلا "فدوكسا"1 أو ~~"سرومطا"2 ثم ترخمه على قول من قال "يا حار" فتحذف آخره، فتقول "يا فدوك" ~~ثم تسمي ب "فدوك" هذا المرخم، ثم ترخمه على قول من قال "يا حار" فتحذف ~~كافه، وتبدل واوه الزائدة ألفا، فتقول "يا فدا" فاعرفه. PageV02P314 ### | إبدال الألف عن النون الساكنة # قد أبدلت الألف عن هذه النون في ثلاثة مواضع: # أحدها: أن تكون في الوقف بدلا من التنوين اللاحق علما للصرف، وذلك قولك: ~~رأيت زيدا، وكلمت جعفرا، ولقيت محمدا، فكل اسم منصرف وقفت عليه في النصب ~~أبدلت من تنوينه ألفا كما ترى، إلا أن يكون حرف إعراب ذلك الاسم تاء ~~التأنيث التي تبدل في الوقف هاء، وذلك وقلك: أكلت تمرة، وأخذت جوزة، ولم ~~تقل: أكلت تمرتا، وأخذت جوزتا، لأنهم أرادوا الفرق بين التاء الأصلية في ~~نحو: دخلت بيتا، وسمعت صوتا، وصدت حوتا، وكفنت ميتا، والوقف على قوله عز ~~اسمه: {أومن كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122] 1، {أومن كان ميتا} والتاء ~~الملحقة نحو: رأيت عفريتا، وملكوتا، وجبروتا2، وبين تاء التأنيث في نحو ~~"تمرة" و"غرفة". ms334 فأما قولك: أكررت لك بنتا، وصنت لك أختا، ووقوفك على هاتين ~~التاءين بالألف فإنما ذلك لأنهما ليستا علمي تأنيث، وإنما هما بدلان من ~~الواو التي هي لام الفعل في "إخوة" و"أخوان" و"أخوات" وفي "الأخوة" ~~و"البنوة". وقد تقدم من الحجاج على صحة ذلك وإعلامنا ما علم التأنيث فيهما ~~في باب التاء ما يغني عن إعادته، وقد تقدم أيضا في باب النون ذكر العلة ~~التي لأجلها جاز إبدالها هذا التنوين ألفا في الوقف، وما السبب الذي منع من ~~التعويض في الوقف من تنوين المرفوع واوا، ومن تنوين المجرور ياء، فلم نر ~~لإعادته هنا وجها. PageV02P314 # وذكرنا أيضا هناك أن من العرب من يقول في الوقف على المنصوب المنون: رأيت ~~فرج، وقوله1: ### | .................................... # ... وآخذ من كل حي عصم2 # و3: ### | ........................................ # ... جعل اليقين على الدف إبر4 # وغير ذلك من الشواهد. واختلف أصحابنا في الوقف على المرفوع والمجرور من ~~المقصور المنصرف في نحو قولك: هذه عصا، ومررت بعصا، فقالت الجماعة5: الألف ~~الآن هي لام الفعل؛ لأن التنوين يحذف في الوقف على المرفوع والمجرور، نحو: ~~هذا زيد، ومررت بزيد، إلا أبا عثمان فإنه ذهب6 إلى أن الألف فيهما عوض من ~~التنوين، وأن اللام أيضا محذوفة لسكونها وسكون هذه، قال: وذلك أن ما قبل ~~التنوين في المقصور مفتوح في جميع حالاته، فجرى مجرى المنصوب الصحيح نحو: ~~رأيت زيدا. # فأما في النصب فلا خلاف بينهم أن الوقف إنما هو على الألف التي هي عوض من ~~التنوين. # فأما قوله تعالى: {فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] 7 و {قواريرا} ~~[الإنسان: 15] {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] 8 فإنما زيدت هذه ~~الألفات في أواخر هذه الأسماء التي لا تنوين فيها لإشباع الفتحات، وتشبيه ~~رؤوس الآي بقوافي الأبيات. PageV02P315 # على أن من العرب من يقف على جميع ما لا ينصرف إذا كان منصوبا بالألف، ~~فيقول: رأيت محمدا، وكلمت عثمانا، ولقيت إبراهيما، وأصحبت سكرانا. وإنما ~~فعلوا ذلك لأنهم قد كثر اعتيادهم لصرف هذه الأسماء وغيرها مما رينصرف في ~~الشعر، والشعر كثير جدا، وخفت أيضا عليهم الألف، فاجتلبوها فيما لا ينصرف ~~لخفتها ms335 وكثرة اعتيادهم إياها، لا سيما وهم يجتلبونها فيما لا يجوز تنوينه ~~في غير الشعر، نحو قول جرير: ### | ............................ # ... وقولي إن أصبت لقد أصابا1 # و2: ### | .................................. # ... إذا ما الفعل في است أبيك غابا3 # وقالوا أيضا: جئ به من حيث وليسا، يريدون "وليس" فأشبعوا فتحة السين ~~بإلحاق الألف، وسنذكر هذا الفصل في هذا الحرف بعون الله، فهذا إبدال الألف ~~من نون الصرف. # الثاني: إبدالها من نون التوكيد الخفيفة إذا انفتح ما قبلها ووقفت عليها، ~~وذلك نحو قوله تعالى: {لنسفعا بالناصية} [العلق: 15] 4 إذا وقفت قلت ~~{لنسفعا} وكذلك: اضربن زيدا، إذا وقف قلت: اضرب، قال الأعشى5: # يريد: فاعبدن. PageV02P316 # وقال ابن الحر1: # متى تأننا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا2 # يريد: تأججن، فأبدلها ألفا. # وقال عمر3: # وقمير بدا ابن خمس وعشرين ... له قالت الفتاتان: قوما4 # اراد: قومن. وقال الآخر: # يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمما5 # يريد: ما لم يعلمن. PageV02P317 # وقال الآخر: # واحمر للشر ولم يصفرا1 # يريد: يصفرون، كذا تأوله بعضهم، ومثله كثير. # الثالث: إبدال الألف من نون "إذن"، وذلك أيضا في الوقف، تقول: أنا أزورك ~~إذا، تريد: إذن، وإذا وقفت على قوله عز وجل: {فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} ~~[النساء: 53] 2 قلت: {فإذا} وإنما أبدلت الألف من نون "إذن" هذه، ونون ~~التوكيد التي تقدم ذكرها آنفا لأن حالهما في ذلك حال النون التي هي علم ~~الصرف، وإن كانت نون "إذن" أصلا وتانك النونان زائدتين. # فإن قلت: فإذا كانت النون في "إذن" أصلا وقد أبدلت منها الألف، فهل تجيز ~~في نحو "حسن" و"رسن" و"علن" ونحو ذلك مما نونه أصل أ، تقلب نونه، فيقال ~~فيه: "حسا" و"رسا" و"علا"، وفي "فدن": "فدا" وفي "زمن": "زما"؟ # فالجواب: أن ذلك لا يجوز في غير "إذن" مما نونه أصل، وإن كان ذلك قد جاء ~~في "إذن" من قبل أن "إذن" حرف، فالنون فيها بعض حرف كما أن التنوين ونون ~~التوكيد ونون الصرف، وأما النون من "حسن" و"حسنا" و"حسن" فالنون في ذلك ~~كالدال من "زيد" والراء من ms336 "بكر"، ونون "إذن" ساكنة كما أن نون التوكيد ~~ونون الصرف ساكنتان، فهى بهما -لهذا ولما قدمناه من أن كل واحدة منهما حرف- ~~كما أن النون في "إذن" بعض حرف- أشبه منها بنون الاسم المتمكن. PageV02P318 # فإن قلت: فالنون في "عن" و"أن" كل واحدة منهما حرف ساكن من جملة كلمة هي ~~حرف، كما أن نون "إذن" ساكنة من حرف، كما أن نون "إذن" ساكنة من جملة حرف، ~~فهل يجوز أن تبدل منها في الوقف ألفا، فتقول: "عا" و"أا" كما قلت: إذا؟ وأن ~~كان ذلك غير جائز، فهلا لم يجز أيضا إبدال النون من "إذن" ألفا في الوقف؟ # فالجواب: أنهما حرفان لا يتوقف عليهما، أما "عن" فحرف جر، وحروف الجر ~~لايمكن تعلقيها عن المجرور ولا الوقوف عليها دونه إلا عند انقطاع نفس، وذلك ~~قليل مغتفر. وأما "أن" فلا تخلو من أن تكون الناصبة للفعل، وهذه لا يوقف ~~عليها لأنها من عوامل الأفعال، وعوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، أولا ~~ترى أنه لا يمكنك الفصل بينها وبين ما تنصبه من الأفعال إلا ب "لا" في نحو ~~قولك: أحب أن لا تقوم، وأسألك أن لا تفعل، فجرى هذا الفصل بينهما في ترك ~~الاعتداد به وقلة المراعاة له مجرى الفصل ب "لا" بين الجار والمجرور في نحو ~~قولك: جئت بلا مال، وضربته بلا ذنب، ومجرى الفصل بين الجازم والمجزوم ~~المشبهين للجار والمجرور في نحو قولك: إن لا تقم لا أقم، فلما ضعفت "أن" ~~الناصبة للفعل عن فصلها واقتطاعها عما بعدها لم يحسن الوقوف صله لها، ~~والوقوف على الموصول دون صلته قبيح مع الأسماء القوية، فكيف به مع الحروف ~~الضعيفة. # أو أن تكون "أن" المخففة من الثقيلة الناصبة للاسم نحو قوله عز اسمه {علم ~~أن سيكون منكم مرضى} [المزمل: 20] 1. # ونحو قول الشاعر2: # زعم الرزدق أن سيقتل مربعا ... ### | ............................... # 3 PageV02P319 # وهذه أيضا لا يجوز الوقوف عليها دون ما بعدها؛ لأنها إذا كانت مثقلة على ~~أصلها لم يجز الوقوف عليها، لأن ما بعدها من اسمها وخبرها صلة لها، وخطأ ~~الوقوف على الموصول ms337 دون صلته وهو اسم، فكيف به وهو حرف! ولا سيما وقد أجحف ~~به تخفيفه وإزالة التثقيل عنه، وأيضا فإن السين، وسوف، وقد، ولا بعده في ~~نحو: علمت أن سيقوم زيد، وسوف يقوم، وأعلم أن قد فعلت. # ونحو قولها1: # فلما رأينا بأن لا نجاء ... وأن لايكون فرار فرارا2 # إنما هي أعواض للتخفيف من الحرف المحذوف الذي كان كأنه مصوغ مع الكلمة من ~~جملة حروفها، وفي موضع اللام لو وزنت منها، أعني الهاء، وكما أنه كالعوض من ~~النون المحذوفة التي هي من نفس الكلمة، كذلك يجب أن يلزم ما قبله، ولا ~~يفارقة، ولا ينفصل عنه، ولا يوقف عليه دونه كما لا يوقف على إحدى النونين ~~دون الأخرى، وإذا كان ذلك فقد عرفت به شدة اتصال "أن" المخففة من الثقيلة ~~بما بعدها، فبحسب ذلك ما لا يجوز أن يوقف دونه عليها. # أو أن تكون "أن" المزيدة في قوله تعالى: {ولما أن جاءت رسلنا لوطا} ~~[العنكبوت: 33] 3 ونحو قول الشاعر4: # ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم5 # فيمن جر الظبية. PageV02P320 # وقول الآخر1: # منا الذي هو ما أن طر شاربه ... والعانسون، ومنا المرد والشيب2 # فيمن فتح همزة "أن" في رواية هذا البيت و"أن" هذه ايضا لا يحسن الوقوف ~~عليها، ألا تراها في هذه الآية وهذين البيتين قد وقعت موقعا لا يحسن الوقوف ~~عليها فيه. # أما قوله تعالى: {ولما أن جاءت} فإنها وقعت معترضة بين المضاف الذي هو ~~{ولما} والمضاف إليه الذي هو {جاءت} وغير جائز الوقوف على المضاف دون ~~المضاف إليه إلا لضرورة انقطاع النفس. # وأما قوله: "كأن ظبية" فقد ترى "أن" واقعة بين حرف الجر وما جره، وهذا ~~أحرى بأن لا يجوز فيه الوقوف على "أن". # وأما قول الآخر: "ما أن طر شاربه" فإنما فصلت بين حرف النفي وبين الجملة ~~التي نفاها، وغير جائز الوقوف على الحرف الداخل على الجملة؛ ألا ترى أنك لا ~~تجيز الوقوف على "هل" من قولك: هل قام زيد؛ لضعف الحرف وعدم الفائدة أن ~~توجد فيه إلا ms338 مربوطا بما بعده. PageV02P321 # فأما قول الشاعر1: # ليت شعري هل ثم هل آتينهم ... أم يحولن من دون ذاك الردى2 # فتقديره: هل آتينهم ثم هل آتينهم، وإنما جاز اقتطاع الجملة الأولى بعد ~~"هل" الأولى لأنه قد عطف عليها "هل" الثانية وما ارتبطت به من الجملة ~~المستفهم عنها، فدل ذلك على ما أراده في أول كلامه، وهذا واضح. # أو أن تكون "أن" التي معناها العبارة كالتي في قوله عز وجل: {وانطلق ~~الملأ منهم أن امشوا} [ص: 6] 3 قالوا: معناه أي امشوا. وهذه أيضا لا يجوز ~~الوقوف عليها؛ لأنها تأتي ليعبر بها وبما بعدها عن معنى الفعل الذي قبلها، ~~فالكلام شديد الحاجة إلى ما بعدها ليفسر به ما قبلها، فبحسب ذلك يمتنع ~~الوقوف عليها. ويدلك في الجملة على شدة اتصال الحروف بما ضمنت إليه أنك تجد ~~بعضها قد صيغ في نفس الكلمة ووسطها، وجرى مجرى ما هو دزء من أصل تصريفها، ~~وهو ألف التكسير وياء التحقير، نحو "دارهم" و"دريهم" و"دنانير" و"دنينير"، ~~ولم نجد شيئا من الأسماء ولا الأفعال صيغ واسطا في أنفي المثل كما صيغت ألف ~~التكسير وياء التحقير فهذا في الجملة يؤكد عندك ضعف الحروف وقوة حاجتها إلى ~~ما تتصل به، فلما كانت "عن" و"أن" بحيث ذكرنا من الضعف وفرط الضرورة إلى ~~اتصالهما بما بعدهما لم يجز الوقوف عليها، ولما لم يجز ذلك لم تبدل الألف ~~من نونها، وليست كذلك "إذن" لأنهما قد تقع آخرا، فيوقف عليها في نحو قولك: ~~PageV02P322 # إن زرتيني فأنا أزورك إذن، وأنا أحسن إليك إذن، فلما ساغ الوقوف عليها ~~جاز إبدال الألف من نونها. # والوجه الآخر الذي امتنع له إبدال الألف من نون "عن" و"أن" ولم تجر النون ~~فيهما مجرى النون "إذن" أن نون "إذن" بالتنوين أشبه من نون "عن" و"أن"، ~~وذلك أن "إذن" على ثلاثة أحرف، فإذا شبهت النون وهي ثالثة الحروف بنون ~~الصرف جاز ذلك/ لأنه قد تبقى قبلها حرفان، وهما الهمزة والذال، فيشبهان من ~~الأسماء "يدا" و"غدا" و"أخا" و"أبا" و"دما" و"سها" و"فما" ونحو ذلك من ~~الأسماء ms339 المنقوصة التي يجوز أن يلحقها التنوين، فيصير قولك "إذا" كقولك: ~~رأيت يدا، وكسرت فما، وأكرمت أبا ونحو ذلك، و"عن" و"أن" ليس قبل نونهما إلا ~~حرف واحد، وليس في الأسماء شئ على حرف واحد يجوز أن يلحقه تنوين، فلم يكن ل ~~"أن" و"عن" شئ من الأسماء يشبهانه، فتشبه نونهما بتنوينه، فتبدل ألفا كما ~~يبدل تنوينه ألفا، فاعرف ذلك. # والقول في "لن" كالقول أيضا في "عن" و"أن" في هذا الفصل وفي الذي قبله ~~جميعا سواء. # فاما قولهم في اللعب واللهو "ددن" و"ددا" فليست الألف فيه بدلا من نون ~~"ددن" من قبل أنها في لغة من نطق بها بالألف ثابتة موجودة في الوصل والوقف ~~جميعا، وذلك نحو قولهم: هذا ددا يا هذا، ورأيت فيك ددا مفرطا، وعجبت من ددن ~~رأيته في فلان، ولو كانت الألف في "ددا" بدلا من النون في "ددن" لما وجدت ~~في الوصل، كما أن ألف "إذا" لا توجد في الوصل، إنما تقول: إذن أزورك، ولا ~~تقول: إذا أزورك. ومنهم من يحذف اللام، فيقول "دد". قال أبو علي: ونظير ~~"ددن" و"ددا" و"دد" في استعمال اللام تارة نونا، وتارة حرف علة، وتارة ~~محذوفة "لدن" و"لدى" و"لد"، كل ذلك يقال فاعرفه. # PageV02P323 ### | زيادة الألف # اعلم أن الألف تزاد ثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة، وسادسة، ولا تزاد ~~أولا البتة؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة، والساكن لا يمكن الابتداء به. # فإن قلت: فهلا زيدت أولا وإن كانت ساكنة، ثم أدخلت عليها همزة الوصل ~~توصلا إلى النطق بها، كما زيدت النون في "انطلق" ساكنة، ثم أدخلت عليها ~~همزة الوصل ليمكن النطق بها؟ # فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لدخلت همزة الوصل وهي مكسورة كما ينبغي لها، ~~ولو لحقت مكسورة قبل الألف لانقلبت الألف ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ~~فيقع هناك من الإشكال والاستثقال ما بعضه مستكره، فرفض ذلك لذلك. # وهذا كرفضهم أن يبنوا في الأسماء اسما مما عينه واو على "فعل" مثل "عضد"2 ~~و"سبع"2 وذلك أنهم لو بنوه لم يكونوا ليخولا من قلب الواو ألفا أو تركها ~~غير ms340 مقلوبة ألفا، فإن لم يقلبوا ثقل ذلك عليهم، وإن قلبوه صار لفظه كلفظ ما ~~عينه مفتوحة، فلم يدر أمفتوحة كانت أم مضمومة، فلما كانوا لا يخلون في بناء ~~ذلك من إشكال أو استثقال رفضوه البتة. # قال أبو علي: ونظير هذا قول الشاعر3: # رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا4 PageV02P325 # فزيادة الألف ثانية نحو: "ضارب" و"قاتل" و"خاتم" و"طابق" و"سابط"1 ~~و"خاتام" و"عاقول"2 و"حاطوم"3 و"قاصعاء"4 و"نافقاء"5 وفي الفعل "خاصم" ~~و"شاتم". # وزيادتها ثالثة نحو: "كتاب" و"حساب" و"غراب" و"جراب"6 و"حباب"7 و"سراب" ~~و"سخاخين" بمعنى سخن. # أنشدنا أبو علي8: # أحب أم خالد وخالدا ... حبا سخاخسنا وحبا باردا9 # وفي الفعل نحو "اشهاب" و"احمار". # وزيادتها رابعة نحو: "حملاق"10 و"درياق"11 و"زلزال" و"بلبال"12 و"قرطاس" ~~و"قرناس"13 و"أرطى"14 و"معزى" و"حبلى" و"سكرى". PageV02P326 # فأما ألف "سلقى"1 و"جعبى"2 و"خنظى"3 و"خنذى"4 فإنها منقلبة عن ياء لقولك ~~"سلقيت"5 و"جعبيت"6 و"خنظيت" و"خذنيت". # قال7: # قامت تعنظي بك سمع الحاضر8 # وزيادتها خامسة نحو: "حبركى"9 و"دلنظى"10 و"قرقرى"11 و"سمهى"12، قال13: # فأصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا14 PageV02P327 # فأما الألف في "احنبطى"1 و"ابرنتى"2 و"اسرندى" و"اغندى"3 فإنما هي بدل من ~~ياء لقولهم "احبنطيبت" و"ابرنتيت" و"اسرنديت" و"اغرنديت" وفي الحديث: "فيظل ~~محبنطيا على باب الجنة"4. # وقال5: # فظل محبنطيا ينزو له حبق ... إما بحق وإما كان موهونا6 # أي: منتفخا. # وقرأت على أبي علي، وأنشدنا من بعض كتب الأصمعي7: # ما بال زيد لحية العريض ... مبرنتيا كالخزر المريض8 # أي: غضبان. وقال الآخر9: # قد جعل النعاس يسرنديني # أدفعه عني ويغرنديني10 أي: يعولني ويتجللني. PageV02P328 # وزيادتها سادسة نحو: "قبعثرى"1 و"ضبغطرى"2 و"عبوثران"3 و"هزنبران"4 ~~و"عريقصان" و"معلوجاء"5 وبابه نحو: "محظوراء"6 و"معيوراء"7 و"فيضوضاء"8 ~~وغير ذلك. # واعلم أن الألف الزائدة إذا وقعت آخرا في الأسماء فإنها تأتي على ثلاثة ~~أضرب: أحدها أن تاتي ملحقة، والآخر أن تكون تأنيث، والآخر أن تكون زائد ~~لغير إلحاق ولا تأنيث. # الأول: نحو قولهم "أرطى" هو ملحق بالألف من آخره بوزن "جعفر" ويدلك على ~~زيادة الألف في آخره قولهم: "أديم مأروط" إذا دبغ بالأرطى، وهو شجرن ~~فالهمزة كما ترى أصل فاء، والألف الآخرة زائدة. # وحدثنا أبو علي أن أبا الحسن حكى: ms341 "أديم مرطي" فأرطى على هذا أفعل، ~~والألف في آخره منقلبه عن ياء لقولهم "مرطى" كمرمي من رميت، هذا هو الوجه، ~~وهو أقيس من أن تحمل على قول الحارثي9: # وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا10 # ويدلك على أن الألف في قول من قال "مأروط" زائدة للإلحاق لا للتأنيث، ~~تنوينها ولحاق الهاء في قولهم: أرطاة واحدة، بها سمي الرجل أرطاة، ولو كانت ~~الألف للتأنيث لما جاز تنوينها ولا إلحاق علم التأنيث لها، كما لا يجوز شئ ~~من ذينك في "حبلى" ولا "حبارى". PageV02P329 # ومثل "أرطى" "معزى" وهو ملحق ب "هجرع"1. ويدلك على أن ألفه ليست للتأنيث ~~تنوينها، وأنه أيضا مذكر، قال2: # ومعزى هدبا يعلو ... قران الأرض سوادنا # ومثل ذلك أيضا "حبنظى"4 و"سرندى"5 و"دلنظى"6 و"عفرنى"7 و"جلعبى"8 ~~و"صلخدى"9 و"سبنتى"10 و"سبندى"11. كل ذلك ملحق بسفرجل لإلحاق الهاء فيها ~~ولتنوينها، قال الأعشى12: # بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا13 # وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى للكميت بن معروف الفقعسي14: # بكل سبنتاة إذا الخمس ضمها ... يقطع أضغان النواجي هبابها15 PageV02P330 # وقالوا: "صلخداة" و"جلعباة" و"سرنداة" و"دلنظاه". # الثاني: وهو إلحاق الألف للتأنيث، وذلك كل ما لم ينون نكرة نحو "جمادى" ~~و"حبارى" و"حبلى" و"سكرى" و"غضبى"، فهذه كلها وما يجري مجراها للتأنيث، ~~قال1: # إذا جمادى منعت قطرها ... زان جنابي عطن مغضف2 # ولعمري إن "جمادى" معرفة، وقال الفرزدق3: # وأشلاء لحم من حبارى يصيدها ... لنا قانص في بعض ما يتخطف4 # فلم يصرف "حبارى" وهي نكرة. # وأنشدنا أبو علي5: # وبشرة يأبونا كأن خباءنا ... جناح سمانى في السماء تطير6 # فلم يصرف "سمانى" وهي نكرة. PageV02P331 # وحكى سيبويه على جهة الشذوذ "بهماة"1 فأدخل الهاء على ألف "فعلى"، وألف ~~"فعلى" لا تكون لغير التأنيث، وقد ذكرنا علة ذلك قديما في هذا الكتاب. # وحكى أبو الحسن2 أيضا نحوا من هذا، وهو قولهم: "شكاعاة"3 فالألف في هذا ~~لغير التأنيث. # ومثله ما حكاه ابن السكيت4 من قولهم: "باقلاة"5 فالألف هنا أيضا لغير ~~التأنيث. وحكى البغداديون "سماناة". # وأنشد ابن الأعرابي6: # ويتقي السيف ms342 بأخراته ... من دون كف الجار والمعصم7 # قال: أراد أخراه، فقال: أخراته، فيضاف هذا إلى "بهماة" وقالوا لضرب من ~~النبت "نقاوى" والواحدة "نقاواة" فقس على هذا. # الثالث: لحاقها لغير إلحاق ولا تأنيث، وذلك قولهم "قبعثرى" فليست هذه ~~الألف للتأنيث لأنها منونة، ولا إلحاق لأنه ليس لنا أصل سداسي فيلحق ~~"قبعثرى" به. # ومثله ما حكيناه عنهم من قول بعضهم "باقلاة" و"شكاعاة" و"سماناة" ~~و"نقاواة" لأن لحاق الهاء لها يدل على أنها ليست عندهم للتأنيث، ولا هي ~~أيضا للإلحاق، لأنه ليس لنا أصل على هذا النحو فتلحق هذه الأسماء به. فأما ~~"بهماة" فقد تقدم من القول فيها ما أغنى عن إعادته. PageV02P332 # واعلم أن هذه الألف قد زيدت في الاسم المثنى علما للتثنية، وذلك قولهم: ~~رجلان، وفرسان، وزيدان، وعمران. واختلف الناس من الفريقين في هذه الألف ما ~~هي من الكلمة، فقال سيبويه1: هي حرف الإعراب، وليست فيها نية إعراب، وإن ~~الياء في حال الجر والنصب في قولك: مررت بالزيدين، وضربت العمرين حرف إعراب ~~أيضا، ولا تقدير إعراب فيها، وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، ~~وأبي علي. # وقال أبو الحسن2: إن الألف في التثنية ليست حرف إعراب، ولا هي أيضا ~~إعراب، ولكنها دليل الإعراب3، فإذا رأيت الألف علمت أن الاسم مرفوع، وإذا ~~رأيت الياء علمت أن الاسم مجرور أو منصوب. وإليه ذهب أبو العباس4. # وقال أبو عمرو الجرمي صالح بن إسحاق5: الألف حرف إعراب كما قال سيبويه، ~~ثم إنه كان يزعم أن انقلابها هو الإعراب. # وقال الفراء وأبو إسحاق الزيادي: الألف هي الإعراب، وكذلك الياء. واعلم ~~أنا بلونا هذه الأقوال على تباينها وتنافرها واختلاف ما بينها، وترجيح ~~مذاهب أهلها القائلين بها، فلم نر فيها أصلب مكسرا ولا أحمد مخبرا من مذهب ~~سيبويه، وسأورد الحجاج لكل مذهب منها والحجاج عليه. # إن سأل سائل فقال: ما الدليل على صحة قول سيبويه: إن ألف التثنية حرف ~~الإعراب دون أن يكون الأمر فيها على ما ذهب إليه أبو الحسن أو غيره ممن ~~خالفه؟ # فالجواب: أن الذي أوجب للواحد ms343 المتمكن حرف الإعراب في نحو "رجل" و"فرس" ~~هو موجود في التثنية في نحو قولك: "رجلان" و"فرسان" وهو التمكن، فكما أن ~~الواحد المعرف المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى إذا كان ~~معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وقولنا: "رجلان، وفرسان، PageV02P333 # وغلامان، وجاريتان" ونحو ذلك أسماء معربة متمكنة، فتحتاج إذن إلى ما ~~احتاج إليه الواحد المتمكن من حرف الإعراب، فقد وجب بهذا أن يكون الاسم ~~المثنى ذا حرف إعراب إذ كان معربا. # ونظير ذلك أيضا الجمع المكسر في نحو: رجل ورجال، وفرس وأفراس، وغلام ~~وغلمان، فكما أن الواحد في هذا ونحوه فيه حرف إعراب، فكذلك قد وجدت في جمعه ~~حرف إعراب، فحال التثنية في هذه القضية حال الجمع وإن اختلفا من غير هذا ~~الوجه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان قولنا "الزيدان" و"العمران" ونحوهما أسماء ~~معربة ذات حروف إعراب فلا يخلو حرف الإعراب في قولنا: الزيدان، والعمران، ~~والرجلان، والغلامان من أن يكون ما قبل الألف، أو الألف، أو ما بعد الألف، ~~وهو النون. # فالذي يفسد أن تكون الدال من "الزيدان" هي حرف الإعراب أنها قد كانت في ~~الواحد حرف إعراب في نحو: هذا زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد، وقد انتقلت عن ~~الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما انتقلت عن المذكر الذي ~~هو الأصل في قولك: "قائم" إلى المؤنث الذي هو فرع في قولك "قائمة"، فكما أن ~~الميم في قائمة ليست حرف إعراب، وإنما علم التأنيث في "قائمة" هو حرف ~~الإعراب، فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية في نحو قولك: "الزيدان" ~~و"العمران" هو حرف الإعراب، وعلم التثنية هو الألف، فينبغي أن تكون هي حرف ~~الإعراب، كما كانت الهاء في "قائمة" حرف الإعراب، على أن أحدا لم يقل إن ما ~~قبل ألف التثنية حرف إعراب. # فإن قلت: فإنا نقول: رجل، وفرس، فتكون اللام والسين حرفي الإعراب، ثم ~~نقول: رجال، وأفراس، فنجد اللام والسين أيضا حرفي الإعراب، فما تنكر أن ~~تكون الدال من "زيد"حرف الإعراب، ثم تكون أيضا في "الزيدان" ms344 حرف الإعراب؟ # فالجواب: أن حال التثنية في هذا غير حال التكسير، وذلك أن جمع التكسير ~~ليس توجد فيه صيغة الواحد كما توجد صيغة الواحد في التثنية، ألا ترى أنك ~~إذا قلت رجل ورجال، فقد نقضت تركيب الواحد وصغته صياغة أخرى، وكذلك: فرس، ~~وأفراس، وعبد وعباد، وكلب وأكلب، وليست التثنية كذلك، إنما يوجد # PageV02P334 # فيها لفظ الواحد وصيغته البتة، ثم تزيد عليها علم التثنية، وهي الألف، ~~فتقول: الزيدان، والرجلان، فجرى ذلك مجرى قولنا: "قائم" فإذا أردنا التأنيث ~~أدينا صيغة المذكر بعينها، ثم زدنا علم التأنيث، وهو الهاء، فقلنا "قائمة" ~~وكذلك "قاعد" و"قاعدة"، فالتثنية إذن بالتأنيث أشبه منها بجمع التكسير، فبه ~~ينبغي أن يقاس لا بجمع التكسير، وهذا أوضح. # وأيضا فإن حرف الإعراب من جمع التكسير كما يكون هو حرف الإعراب في الواحد ~~فيما ذكرت، فقد يكون أيضا غير حرف الإعراب في الواحد نحو قولك: غلام ~~وغلمان، وجريب وجربان، وصبي وصبية، وضاربة وضوارب، وقصعة وقصاع، وقتيل ~~وقتلى، وصريع وصرعى، وغير ذلك مما يطول ذكره. فقد علمت أنه لا اعتبار في ~~هذا بجمع التكسير، وعلم التثنية لا يكون لفظ الواحد أبدا، كما أن علم ~~التأنيث لا يكون لفظ المذكر أبدا، فهو لما ذكرت به أشبه. # وأيضا فلو كان حرف الإعراب في: الزيدان" هو الدال كما كان في الواحد لوجب ~~أن يكون إعرابه في التثنية كإعرابه في الواحد، كما أن حرف الإعراب في نحو: ~~"فرس" لما كان هو السين، وكان في "أفراس" أيضا هو السين كان إعراب "أفراس" ~~كإعراب "فرس"، وهذا غير خفي، على أنا لا نعلم أحدا ذهب إلى أن حرف الإعراب ~~في الواحد هو حرف الإعراب في التثنية، وإنما قلنا ما قلنا احتياطيا لئلا ~~تدعو الضرورة إنسانا إلى التزام ذلك، فيكون جوابه وما يفسد به مذهبه حاضرا ~~عتيدا. # ولا يجوز أيضا أن تكون النون حرف الإعراب لأنها حرف صحيح يتحمل الحركة، ~~فلو كانت حرف إعرابه لوجب أن تقول: قام زيدان، ومررت بالزيدان، فتعرب ~~النون، وتقر الألف على حالها، كما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت ms345 غلمانا، ومررت ~~بغلمان. وأيضا فإن النون قد تحذف في الإضافة، ولو كانت حرف إعراب لتثبت ~~البتة في الإضافة، كما تقول: هؤلاء غلمانك، ورأيت غلمانك، فقد صح أن الألف ~~حرف الإعراب. # فإن قلت: فإذا كانت الألف حرف الإعراب فما بالهم قلبوها في الجر والنصب، ~~فقالوا: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، وهلا دلك قلبها على أنها ليست ~~كالدال # PageV02P335 # من "زيد" إذ الدال ثابتة على كل حال، ولا كألف "حبلى" و"سكرى" لأنها ~~موجودة في الرفع والنصب والجر؟ # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أن انقلاب الألف في الجر والنصب لا يمنع من كونها حرف إعراب؛ ~~لأنا قد وجدنا فيما هو حرف إعراب بلا خلاف بين أصحابنا هذا الانقلاب، وذلك ~~ألف "كلا" و"كلتا" في قولهم: قام الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، ومررت ~~بهما كليهما، وكلتيهما، وضربتهما كليهما، وكلتيهما، فكما أن الألف في "كلا" ~~و"كلتا" حرف إعراب وقد قلبت كما رأيت، فكذلك أيضا ألف التثنية حرف إعراب ~~وإن قلبت في الجر والنصب. # فإن قلت: إن انقلاب ألف "كلا" و"كلتا" إنما هو لعلة أنهما أشبهتا "على" ~~و"إلى" و"لدى". # قيل لك: وألف التثنية أيضا انقلبت لعلة سنذكرها عقيب هذا الفصل بإذن ~~الله. # ومثل ذلك أيضا من حروف الإعراب التي قلبت قولهم: هذا أخوك وأبوك وحموك ~~وهنوك وفوك وذو مال، ورأيت أباك وأخاك , وحماك وهناك وذا مال، ومررت بأخيك ~~وأبيك وحميك, وهنيك وفيك وذي مال، فكما أن هذه كلها حروف إعراب، وقد تراها ~~منقلبة، فكذلك لا يستنكر في حرف التثنية أن يقلب وإن كان حرف إعراب. # قال أبو علي1: فلم لم تكن الواو في "ذو" حرف إعراب لبقي الاسم المتمكن ~~على حرف واحد، وهو الذال. # ومثل ذلك أيضا قولهم فيما ذكر أبو علي: هذه عصي2، و"يا بشري"3 فيمن قرأ ~~بذلك. PageV02P336 # وقول أبي ذؤيب1: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع2 # وقول الآخر أنشدناه عن قطرب3: # يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا4 # فإن لم تثأراني من عكب ... فلا أرويتما أبدا صديا5 # وقول أبي داود6: # فأبلوني بليتكم لعلي ms346 ... أصالحكم وأستدرج نويا7 # وهو كثير جدا، فكما جاز للألف في هذه الأشياء أن تقلب ياء وهي حرف إعراب، ~~فكذلك أيضا يجوز لألف التثنية أن تقلب ياء وإن كانت حرف إعراب. # ومثل ذلك أيضا إبدالهم تاء التأنيث في الوقف هاء وذلك نحو: "قائمه" ~~و"قاعده" و"منطلقه"، فكما أن التاء حرف إعراب وإن كانت قلبت في الوقف هاء، ~~فكذلك أيضا لا يمتنع كون ألف التثنية حرف إعراب وإن كانت قد تقلب ياء. ~~PageV02P337 # ونحو من ذلك أيضا إبدال بعضهم ألف التأنيث في الوقف همزة، وذلك ما حكاه ~~سيبويه من قولهم في الوقف "هذه حبلأ"1. وقد أبدلوا أيضا الألف في الوقف ~~ياء، فقالوا2: هذه أفعي، حبلي". # قال الراجز3: # إن لطي نسوة تحت الغضي ... يمنعهن الله ممن قد طغي # بالمشرفيات وطعن بالقني4 # قال سيبويه5: "ومنهم من يبدلها أيضا في الوصل ياء، فيقول: هذه أفعي ~~عظيمة". فكما أبدل حرف الإعراب في جميع هذه الأشياء، ولم يدل انقلابه على ~~أنه ليس بحرف إعراب، كذلك أيضا يجوز قلب الألف التي للتثنية، ولا يدل ذلك ~~على أنها ليست بحرف إعراب. فهذا أحد وجهي الحجاج. # وأما الوجه الآخر فإن في ذلك ضربا من الحكمة والبيان، وذلك أنهم أرادوا ~~بالقلب أن يعلموا أن الاسم باق على إعرابه، وأنه متمكن غير مبني، فجعلوا ~~القلب دليلا على تمكن الاسم وأنه ليس بمبني بمنزلة "متى" و"إذا" و"أنى" ~~و"إيا" مما هو مبني وفي آخره ألف. # فإن قلت: فإذا كانت الألف في التثنية حرف إعراب، فهلا بقيت في الأحوال ~~الثلاث ألفا على صورة واحدة، كما أن ألف حبلى وسكرى، حرف إعراب وهي باقية ~~في الأحوال الثلاث على صورة واحدة في نحو قولك: هذه حبلى، ورأيت حبلى، ~~ومررت بحبلى. PageV02P338 # فالجواب: أن بينهما فرقا، وذلك أن الأسماء المقصورة التي حروف إعرابها ~~ألفات، وإن كانت في حال الرفع والنصب والجر على صورة واحدة، فإنه قد يلحقها ~~من التوابع بعدها ما ينبه على مواضعها من الإعراب، وذلك نحو الوصف في قولك: ~~هذه عصا معوجة، ورأيت عصا معوجة، ونظرت إلى عصا معوجة، ms347 فصار اختلاف إعراب ~~"معوجة" دليلا على اختلاف أحوال "عصا" من الرفع والنصب والجر. # وكذك التوكيد نحو قولك: عندي العصا نفسها، ورأيت العصا نفسها، ومررت ~~بالعصا نفسها، فاختلاف إعراب "النفس" دليل على اختلاف إعراب "العصا" وأنت ~~لو ذهبت تصف الاثنين لوجب أن تكون الصفة بلفظ التثنية، ألا تراك لو تركت ~~التثنية بالألف على كل حال لوجب أن تقول في الصفة: رأيت الرجلان الظريفان، ~~ومررت بالرجلان الظريفان، فيكون لفظ الصفة كلفظ الموصوف بالألف على كل حال، ~~فلا تجد هناك من البيان ما تجده إذا قلت: رأيت عصا معوجة أو طويلة أو قصيرة ~~أو نحو ذلك مما يبين فيه الإعراب. # وكذلك البدل نحو: رأيت أخواك الزيدان، ومررت بأخواك الزيدان، فلا تجد في ~~التابع بيانا يدل على حال المتبوع، فلما كان كذلك عدلوا إلى أن قلبوا لفظ ~~الجر والنصب إلى الياء ليكون ذلك أدل على تمكن الاسم واستحقاقه الإعراب. ~~ونظير قلبهم الألف في لتثنية ياء في الجر والنصب قولهم هدي وعصي ألا ترى ~~أنهم قلبوا الألف "ياء لما كانت ياء المتكلم يكسر ما قبلها، فاعرفه. # على أن من العرب من لا يخاف اللبس، ويجري الباب على أصل قياسه، فيدع ~~الألف ثابتة في الأحوال الثلاث، فيقول: قام الزيدان، وضربت الزيدان، ومررت ~~بالزيدان، وهم بنو الحارث بن كعب، وبطن من ربيعة، وأنشدوا في ذلك: # تزود منا بين أذناه طعنة # دعته إلى هابي التراب عقيم1 PageV02P339 # وقال الآخر1: # فإطراف الشجاع ولو يرى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما2 # وقال الآخر3: # أعرف منها الجيد والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا4 # يريد: العينين، ثم إنه جاء بالمنخرين على اللغة الفاشية. # وروينا عن قطرب5: # هياك أن تمنى بشعشعان ... خب الفؤاد مائل اليدان6 # وقال الآخر7: PageV02P340 # إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها1 # وفيها2: # واشدد بمثنى حقب حقواها3 # وعلى هذا تتوجه عندنا قراءة من قرأ: "إن هذان لساحران" [طه: 63] 4 وقد ~~ذكرنا هذه المسألة في باب النون بما أغنى عن إعادته. # واعلم أن سيبويه يرى أن الألف في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، ms348 ~~فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية ~~الإعراب؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف عندك تقدير ضمة، وإذا ~~قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف ~~تقدير كسرة، وهو لا يرى أنك إذا قلت: هذان رجلان أن في الألف تقدير ضمة، ~~ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت الزيدينأن في الياء تقدير كسرة ولا ~~فتحة، ويدل على أن ذلك مذهبه قوله: "ودخلت النون كأنها عوض لما منع من ~~الحركة والتنوين"5، فلو كانت في الألف عنده نية حركة لما عوض منها النون ~~كما لا يعوض، منها في قولك: هذه حبلى، ولاأيت حبلى، ومررت بحبلى، النون. ~~PageV02P341 # قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من ~~التثنية تقدير حركة في المعنى كما أن ذلك ليس موجودا فيها في اللفظ، صحة ~~الياء في الجر والنصب في نحو: مررت برجلين، وضربت رجلين، ولو كان في الياء ~~منها تقدير حركة لوجب أن تقلب ألفا كرحى، وفتى، ألا ترى أن الياء إذا انفتح ~~ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا. # وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب، وسداد الطريقة. # فإن قلت: فإذا كانت النون عند سيبويه عوضا مما منع الاسم من الحركة ~~والتنوين، فما بالهم قالوا في الجر والنصب ضربت الزيدين، ومررت بالزيدين، ~~فقلبوا الألف ياء، وذلك على الجر والنصب، ثم إنهم عوضوا من الحركة نونا، ~~وكيف يعوضون من الحركة نونا وهم قد جعلوا قلب الألف ياء قائما مقام علم ~~الجر والنصب، وهل يجوز أن يعوض من شيء شيء وقد أقيم مقام المعوض منه ما يدل ~~عليه، ويغني عنه، وهو القلب؟ # فالجواب: أن أبا علي ذكر أنهم إنما جوزوا ذلك لأن الانقلاب معنى لا لفظ ~~إعراب، فلما لم يوجد في الحقيقة في اللفظ إعراب جاز أن تعوض منه النون، ~~وصار الانقلاب دليلا على التمكن واستحقاق الإعراب. # وهذا أيضا من لطيف ما حصلته ms349 عنه، فافهمه. # فإن قلت: فإذا كانت الدلالة قد صحت على قول سيبويه أنه لا تقدير إعراب في ~~حرف الإعراب من التثنية، فما كانت الحاجة من العرب إلى ذلك، وما السر، وما ~~السبب الذي أوجب ذلك فيها؟ # فالجواب: أنهم لو اعتقدوا في حرف إعراب التثنية تقدير حركة كما يعتقدونه ~~في حرف الإعراب من المقصور، لوجب أن تقر الألف في الأحوال الثلاث على صورة ~~واحدة كما يقر حرف الإعراب من المقصور على حال واحدة في رفعه ونصبه وجره، ~~ولو فعلوا ذلك فقالوا: قام الزيدان، وضربت الزيدان، ومررت بالزيدان، لدخل ~~الكلام من الإشكال والاستبهام ما قد تقدم قولنا فيه، وأنه تنكب لاستكراههم ~~ما فيه من عدم البيان، ولما كان الاسم االمثنى معربا متمكنا، وكرهوا أن ~~يعتقدوا في حرف # PageV02P342 # إعرابه تقدير حركة إعراب لئلا يبقى في الأحوال الثلاث على صورة واحدة، ~~كما تبقى جميع الأسماء المقصورة فيها كذلك، عوضوه من الإعراب الذي منعوه ~~حرف إعرابه نونا، وأبدلوا من ألفه في الرفع ياء الجر والنصب؛ ليدلوا بذلك ~~على تمكنه وأنه معرب غير بمني ك "متى" و"إذا" و"أنى" فكان ذلك أحوط وأحزم. # فإن قلت: فهلا نووا في الألف أنها في موضع حركة كما نووا ذلك في جميع ~~المقصور، ثم إنهم أبدلوا الألف ياء ليدلوا على تمكن الاسم، ولم يعوضوه من ~~الحركة نونا لأنها منوية مرادة، فقالوا: قام الزيدا، ومررت بالزيدي، وضربت ~~الزيدي؟ # فالجواب: أن ما قدمناه يمنع من ذلك، وهو أنهم لو نووا في الياء حركة وما ~~قبلها مفتوح، لوجب أن يقلبوها ألفا، فكان يجب على هذا أن يقولوا إذا لم ~~يأتوا بالنون: قام الزيدا، ورأيت الزيدا، فيعود الكلام من الإشكال واللبس ~~إلى ما هربوا منه، فتركوا ذلك لذلك. # ونظير ألف التثنية في أنها حرف إعراب وعلامة التثنية ألف التأنيث في نحو: ~~حبلى، وسكرى، ألا تراها حرف إعراب وهي علم التأنيث، إلا أنهما يختلفان في ~~أن حرف التثنية لا نية حركة فيه، وأن ألف حبلى فيها نية الحركة. # قال أبو علي: ويدل على أن الألف في ms350 التثنية حرف إعراب صحة الواو في ~~"مذروان"1. قال: ألا ترى أنه لو كانت الألف إعرابا أو دليل إعراب، وليست ~~مصوغة في جملة بناء الكلمة المتصلة بها اتصال حرف الإعراب بما قبله، لوجب ~~أن تقلب الواو ياء، فيقال: "مذريان" لأنها كانت تكون على هذا القول طرفا ~~كلام "معزى" و"مدعى" و"ملهى"، فصحة الواو في "مذروان" دلالة على أن الألف ~~من جملة الكلمة، وأنها ليست في تقدير الانفصال الذي يكون في الإعراب. قال: ~~فجرت الألف في "مذروان" مجرى الألف في "عنفوان"2 وإن اختلفت النونان. وهذا ~~حسن في معناه. # فأما قولهم "قشوت العود" 3 فشاذ غير مقيس عليه غير. PageV02P343 # ونظير هذا الذي ذهب إليه أبو علي قولهم: "عقلته بثنايين"1، ولو كانت ياء ~~التأنيث إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن تقلب الياء التي بعد الألف همزة، ~~فيقال: "عقلته بثناءين، وذلك لأنها ياء وقعت طرفا بعد ألف زائدة، فجرت مجرى ~~ياء "رداء" و"رماء" و"ظباء". # ونظير هذا قولهم في الجمع: هؤلاء مقتوون3، ورأيت مقتوين، ومررت بمقتوين، ~~فلو كانت الواو والياء في هذا أيضا إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن يقال: ~~هؤلاء مقتون، ورأيت مقتين، ومررت بمقتين، ويجري مجرى "مصطفين". # فهذا كله يؤكد مذهب سيبويه في أن الألف والياء والواو حروف الإعراب في ~~التثنية والجمع الذي على حد التثنية، والقول فيهما من وجه واحد. # وأما قول أبي الحسن: إن الألف ليست حرف إعراب ولا هي إعراب، ولكنها دليل ~~الإعراب، فإذا رأيت الألف علمت أن الاسم مرفوع، وإذا رأيت الياء علمت أن ~~الاسم منصوب أو مجرور، وقال: ولو كانت حرف إعراب لما عرفت بها رفعا من نصب ~~ولا جر، كما أنك إذا سمعت دال "زيد" لم تدلك على رفع ولا نصب ولا جر، فإنه ~~غير لازم، وذلك أنا قد رأينا حروف الإعراب بلا خلاف تفيدنا الرفع والنصب ~~والجر، وذلك نحو: أبوك وأخوك، وأباك وأخاك، وأبيك وأخيك؛ ألا ترى أن الواو ~~حرف الإعراب، وقد أفادتنا الرفع، والألف حرف الإعراب، وقد أفادتنا النصب، ~~والياء حرف الإعراب، وقد أفادتنا الجر. # فأما قوله: ms351 إنها ليست بإعراب، فصحيح، وسنذكر ذلك في فساد قول الفراء ~~والزيادي. فأما قوله: لو كانت الألف حرف إعراب لوجب أن يكون فيها إعراب هو ~~غيرها كما ذلك في دال "زيد" فيفسد بما ذكرناه من الحجاج في هذا عند شرح ~~مذهب سيبويه أول. # وبلغني أن أبا إسحاق قال منكرا على أبي الحسن أنها دليل الإعراب: إن ~~الإعراب دليل المعنى، فإذا كانت الألف تدل على الإعراب، والإعراب دليل، فقد ~~PageV02P344 # احتاج الدليل إلى دليل، وإذا احتاج الدليل إلى دليل فقد سقط المعنى ~~المدلول عليه. وهذا وإن كان ظاهره سائغا متقبلا فإنه غير داخل على غرض أبي ~~الحسن، وذلك أن معنى قوله: "دليل الإعراب" أنها تقوم مقام الضمة والفتحة ~~والكسرة، وتفيد ما يفدنه، فشابهت الألف النون التي لرفع الفعل المضارع في ~~نحو يقومان ويقومون وتقومين في أنها تقوم مقام الضمة في "يقوم" و"يقعد" ~~وأنها ليست من أصول الإعراب؛ ألا ترى أن جنس الإعراب هو الحركة، ولذلك جعل ~~الجنس البناء سكونا إذ كانا ضدين، وكانت الحركة ضد السكون، فالألف إذن هناك ~~كالنون هنا. # ويدلك على أن الأفعال المضارعة التي رفعها بالنون ليست على طريق قياس ~~أصول الإعراب، حذفك النون في موضع النصب في قولك: "لن يقوما" ألا ترى أن ~~النصب هنا مدخل على الجزم كما أدخل النصب في الأسماء المثناة والمجموعة على ~~سبيل التثنية على الجر في قولك: "ضربت الزيدين والعمرين"، ولست تجد في ~~الآحاد المتمكنة الإعراب ما يحمل فيه أحد الإعرابين على صاحبه. فأما "مررت ~~بأحمد" فإن ما لا ينصرف غير متمكن الإعراب. # ويزيد عندك في بيان ضعف إعراب الفعل المضارع، أنك إذا ثنيت الضمير فيه أو ~~جمعته أو أنثته، أنك تجده بغير حرف إعراب؛ ألا ترى أنه لو كان ل "يقومان" ~~حرف إعراب لم يخل من أن يكون الميم أو الألف أو النون، فمحال أن تكون الميم ~~لأن الألف بعدها قد صيغت معها وحصلت الميم لذلك حشوا لا طرفا، ومحال أن ~~يكون حرف الإعراب وسطا، ولا يجوز أن يكون إلا آخرا طرفا، ولا ms352 يجوز أن تكون ~~الألف في "يقومان" حرف إعراب، قال سيبويه1: "لأنك لم ترد أن تثني هذا ~~البناء فتضم إليه يفعلا آخر" أي: لم ترد أن تضم هذا المثال إلى مثال آخر، ~~وإنما أردت أن تعلم أن الفاعل اثنان، فجئت بالألف التي هي علم الضمير ~~والتثنية، ولو أردت أن تضم نفس الفعل إلى فعل آخر من لفظه لكانت الألف في ~~"يقومان" حرف إعراب، كما كانت الألف في "الزيدان" حرف إعراب، لما أردت أن ~~تضم إلى زيد زيدا آخر. فقد بطل إذن أن تكون الألف حرف إعراب. ومحال أيضا أن ~~تكون النون حرف إعراب في "يقومان" لأمرين: PageV02P345 # أحدهما: أنها متحركة محذوفة في الجزم، وليس في الدنيا حرف متحرك يحذف في ~~الجزم. # والآخر: أنه لو كانت النون حرف إعراب لوجب أن تجري عليها حركات الإعراب، ~~فتقول: هما يقومان، وأريد أن تقومان، فتضمها في الرفع، وتفتحها في النصب، ~~فإذا صرت إلى الجزم وجب تسكينها، فإذا سكنت والألف قبلها ساكنة كسرت ~~لالتقاء الساكنين، فتقول: لم يقومان، فلما كان القضاء بكون نون "يقومان"حرف ~~إعراب يقود إلى هذا الذي ذكرته، ورأيت العرب قد اجتنبته، علمت أن النون ~~ليست عندهم بحرف إعراب، فإذا لم يجز أن تكون الميم حرف إعراب، ولا الألف، ~~ولا النون، علمت أنه لا حرف إعراب للكلمة. # وإذا لم يكن لها حرف إعراب دلك ذلك على أن الإعراب فيها ليس له تمكن ~~الإعراب الأصلي الذي هو الحركة، وإذا كان ذلك كذلك علمت به أن النون في ~~"يقومان" تقوم مقام الضمة في "يقوم" وأنها ليس لها تمكن الحركة، وإنما هي ~~دالة عليها ونائبة عنها، فكذلك أيضا لا يمتنع أن تكون الألف عند أبي الحسن ~~دليل الإعراب، أي قائمة مقامه ونائبة عنه، فإذا رأيتها فكأنك رأيته، كما ~~أنك إذا رأيت النون في الأفعال المضارعة فكأنك قد رأيت الضمة في الواحد، ~~فقد سقط بهذا الذي ذكرناه ما ألزمه أبو إسحاق إياه. # قال أبو علي: ولا تمنع الألف على قياس قول سيبويه إنها حرف إعراب أن تدل ~~على الرفع ms353 كما دلت عليه عند أبي الحسن لوجودنا حروف إعراب تقوم مقام ~~الإعراب في نحو قولك: أبوك، وأباك، وأبيك، وأخواته، وكلاهما، وكليهما، ولكن ~~وجه الخلاف بينهما أن سيبويه يزعم أنها حرف إعراب، وأبو الحسن يقول: إنها ~~ليست حرف إعراب، فهذا ما في خلاف أبي الحسن. # وأما قول أبي عمر إنها في الرفع حرف إعراب كما قال سيبويه، ثم إنه كان ~~يزعم أن انقلابها هو الإعراب، فضعيف مدفوع أيضا، وإن كان أدنى الأقوال إلى ~~الصواب الذي هو رأي سيبويه. ووجه فساده أنه جعل الإعراب في الجر والنصب ~~معنى لا لفظا، وفي الرفع لفظا لا معنى، فخالف بين جهات الإعراب في اسم ~~واحد؛ ألا ترى أن القلب معنى لا لفظ، وإنما اللفظ هو نفس المقلوب والمقلوب ~~إليه، وليس # PageV02P346 # كذلك قول سيبويه "إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين" لأن ~~النون على كل حال لفظ، وليست بمعنى. # وألزم أبو العباس أبا عمر هنا شيئا لا يلزمه عندي، وذلك أنه قال: قد ~~علمنا أن أول أحوال الاسم الرفع، فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها، ~~فقد وجب أن لا يكون فيها في موضع الرفع إعراب1. وذلك أن أبا عمر إذا كان ~~يقول في الألف ما قاله سيبويه فله فيه ما له، وعليه ما عليه. # وقد صح أن سيبويه يقول: إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين، ~~وكذلك أيضا قول أبي عمر في الرفع إن النون عوض من الحركة والتنوين، وإذا ~~كانت عوضا من الحركة فإن الاسم معرب، والنون تقوم مقام حركة إعرابه، فقد ~~كان يجب على أبي العباس أن لا يدعي على أبي عمر أنه يعتقد أن الاسم في حال ~~الرفع لا إعراب فيه. # فإن أراد أبو العباس أنه ليس في الألف إعراب، وإنما النون عوض من ~~الإعراب، فهذا هو الذي قاله سيبويه أيضا، وقد قامت الدلالة على صحته، ~~فينبغي أن يكون قول أبي عمر صحيحا إذ هو قول سيبويه الصحيح، وإنما الذي ~~يلزم أبا عمر في هذا ما قدمناه من ms354 أنه جعل اسما واحدا في حال الرفع معربا ~~لفظا، وجعل ذلك الاسم بعينه في حال الجر والنصب معربا معنى، فخالف بين جهتي ~~إعراب اسم واحد من حيث لا يجوز الخلاف. # فإن قلت: فإذا كان قلب الألف ياء في الجر والنصب هو الإعراب عند أبي عمر ~~فما الذي ينبغي أن يعتقد في النون في حال الجر والنصب، هل هي عنده عوض من ~~الحركة والتنوين جميعا أو عوض من التنوين وحده؛ إذ القلب قد ناب على مذهبه ~~عن اعتقاد النون عوضا من الحركة؟ # فالجواب: أن أبا علي سوغه أن تكون النون عوضا من الحركة والتنوين جميعا، ~~وإن كان يقول إن الانقلاب هو الإعراب، قال: وذلك أنه لم تظهر إلى اللفظ ~~حركة، وإنما هناك قلب، فحسن العوض من الحركة وإن قام القلب مقامها في ~~الإعراب. PageV02P347 # وهذا الذي رآه أبو علي حسن جدا، ويشهد بقوته أن من رأى صرف المؤنث ~~المعرفة إذا كان ثلاثيا ساكن الأوسط نحو "جمل" و"دعد" لخفته بسكون وسطه، ~~يرى مثل ذلك سواء في نحو "دار" و"نار" إذا سمى بهما مؤنثا وإن كانت الألف ~~تدل على أن العين محركة في الأصل، وأصلهما "دور" و"نور" إلا أن تلك الحركة ~~في العين لما لم تظهر إلى اللفظ لم يعتد بها، ولم تجر الكلمة وإن كانت ~~مقدرة حركة العين مجرى "قدم" و"فخذ" إذا صارا علمين لمؤنث في ترك صرفهما ~~كما يترك صرفهما، فكذلك أيضا لما كان الإعراب في رأيت الزيدين، ومررت ~~بالزيدين على مذهب أبي عمر معنى لا لفظا، جاز أن يعوض من الحركة التي كان ~~ينبغي للاسم أن يحرك حرف إعرابه بها نون في الزيدين والعمرين، ونظائره ~~كثيرة، فهذا يؤيد ما رآه أبو علي لقياس مذهب أبي عمر. # ولو أن قائلا قال: قياس قول أبي عمر أن تكون النون في تثنية المنصوب ~~والمجرور عنده عوضا من التنوين وحده، لأن الانقلاب قد قام مقام الحركة، لم ~~أر به بأسا. # فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فقد يجب على قول أبي عمر أن تكون النون ms355 ~~محذوفة مع اللام في موضع الجر والنصب إذا كانت عوضا من التنوين الذي يحذف ~~مع اللام، وثابتة في حال الرفع معها لأنها عوض من الحركة معها على ما بيناه ~~في حرف النون، فكان يلزم أبا عمر أن يقول قام الزيدان، وضربت الزيدي، ومررت ~~بالزيدي. # فالجواب: أن النون على هذا القول وإن كانت في حال الجر والنصب عوضا من ~~التنوين وحده، فإنها لم تحذف مع اللام كما يحذف التنوين معها، من حيث كانت ~~النون أقوى من التنوين إذ كانت ثابتة في الوصل والوقف متحركة، والتنوين ~~يزيله الوقف، وهو أبدا ساكن إلا أن يقع بعده ما يحرك له، فلما كانت النون ~~أقوى من التنوين لم تقو اللام على حذفها كما قويت على حذف التنوين. # وأما قول الفراء وأبي إسحاق الزيادي "إن الألف هي الإعراب" فهو أبعد ~~الأقاويل من الصواب. قال أبو علي: يلزم من قال إن الألف هي الإعراب أن يكون ~~الاسم متى حذفت منه الألف دالا من معنى التثنية على ما كان يدل عليه والألف ~~فيه؛ لأنك لم تعرض لصيغة الاسم، وإنما حذفت إعرابه، فسبيل معناه أن يكون ~~قبل # PageV02P348 # الحذف وبعده واحدا، كما أن "زيدا" ونحوه متى حذفت إعرابه فمعناه الذي كان ~~يدل عليه معربا باق فيه بعد سلب إعرابه. ويفسده أيضا شيء آخر، وهو أن الألف ~~لو كانت إعرابا لوجب أن تقلب الواو في "مذروان" ياء لأنها رابعة، وقد وقعت ~~طرفا، والألف بعدها إعراب كالضمة في "زيد" و"بكر"، وقد تقدم هذا ونحوه من ~~باب "ثنايين" و"مقتوين". # وقال أبو علي: سرق الزيادي هذا القول من لفظ سيبويه "إن الألف حرف ~~الإعراب" قال: معناه عند الزيادي أن الألف هو الحرف الذي يعرب به، كما تقول ~~"ضمة الإعراب" أي: الضمة التي يعرب بها. # ويدلك أيضا على أن ألف التثنية ليست إعرابا ولا دليل إعراب، وجودك إياها ~~في اسم العدد نحو: واحد اثنان، فكما أن جميع أسماء الأعداد مبنية لأنها ~~كالأصوات نحو: ثلاثه، أربعه، خمسه، فكذلك "اثنان" لا إعراب فيه، ولو قال لك ~~إنسان: ms356 اللفظ لي بالتثنية غير معربة لم تقل إلا "الزيدان" بالألف". # وكذلك أيضا أسماء الإشارة نحو هذان وهاتان، والأسماء الموصولة نحو اللذان ~~واللتان، لا إعراب في شيء منها، وهي بالألف كما ترى. # وكذلك الألف في النداء إذا قلت "يا رجلان" ألا ترى أن الكلمة غير مرفوعة، ~~وإنما هي في موضع المبني على الضم في نحو "يا رجل" لأن الاسم في التثنية ~~معرفة كحاله قبل التثنية، ألا تراك تقول: يا رجلان الظريفان، كما تقول: يا ~~رجل الظريف. وإنما فعلوا هذا في هذه الأشياء التي ليست معربة، وألحقوها ~~أيضا بعد الألف النون لئلا يختلف حال التثنية، فيكون مرة بالألف والنون، ~~ومرة بلا ألف ولا نون، فجعلوها بلفظ واحد. # وقد تقدمت الدلالة في حرف النون على أن النون في نحو "هذان" و"اللذان" ~~ليست بعوض من الحركة والتنوين، إذ موجب ترك الحركة والتنوين في الواحد ~~موجود الآن في التثنية، وأنه إنما لحقت النون هنا لئلا يختلف الباب. وجميع ~~ما ذكرناه في الألف من الخلاص واقع في واو الجمع نحو "الزيدون" و"العمرون". ~~وإنما تركنا ذكر ذلك في حرف الواو لأنا كنا أجمعنا القول عليه في باب ألف ~~التثنية. # PageV02P349 # فإن سأل سائل فيما بعد، فقال: ما بالهم ثنوا بالألف، وجمعوا بالواو، وهلا ~~عكسوا الأمر؟ # فالجواب: أن التثنية أكثر من الجمع بالواو؛ ألا ترى أن جميع ما تجوز فيه ~~التثنية من الأسماء فتثنيته صحيحة لأن لفظ واحدها موجود فيها، وإنما تزيد ~~عليه حرف التثنية، وليس كل ما يجوز جمعه يجمع بالواو، ألا ترى أن عامة ~~المؤنث وما لا يعقل لا يجمع بالواو، وإنما يجمع بغير الواو، إما بالألف ~~والتاء، وإما مكسرا، على أن ما يجمع بالواو قد يجوز تكسيره نحو: زيد وزيود، ~~وقيس وأقياس، وغير ذلك، فالتثنية إذن أصح من الجمع لأنها لا تخطئ لفظ ~~الواحد أبدا، فلما ساغت فيمن يعقل وما لا يعقل، وفي المذكر والمؤنث، وكان ~~الجمع الصحيح إنما هو لضرب واحد من الأسماء، وجعلوا الواو الثقيلة في الجمع ~~القليل ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر ms357 في كلامهم ما يستخفون، فاعرف ~~ذلك. # قال أبو علي: لما كان الجمع أقوى من التثنية لأنه يقع على أعداد مختلفة، ~~وكان لذلك أعم تصرفا من التثنية التي تقع لضرب واحد من العدد لا تتجاوزه، ~~وهو اثنان، جعلوا الواو التي هي أقوى من الألف في الجمع الذي هو أقوى من ~~التثنية. # وقد زيدت الألف علامة للتثنية والضمير في الفعل نحو: أخواك قاما، وعلامة ~~للتثنية مجردة من الضمير نحو قول الشاعر1: # ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه2 # وقد ذكرنا هذه اللغة في حرف النون وحرف الواو. قد أخذت التثنية بحظ، على ~~أن فيها شيئا آخر سوى هذا. # واعلم أن الألف قد زيدت في أثناء الكلام على أنها ليست مصوغة في تلك ~~الكلم، وإنما زيدت لمعان حدثت وأغراض أريدت، وهي في تقدير الانفكاك ~~PageV02P350 # والانفصال، فمن ذلك أن العرب قد أشبعت بها الفتحة، يقولون: بينا زيد قائم ~~أقبل عمرو، وإنما هي "بين" زيدت الألف في آخرها إشباعا للفتحة. # ومن أبيات الكتاب1: # بينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع2 # وقال الهذلي3: # بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع4 # أي: بين، وهو كثير. # ومن ذلك فيما حدثنا به أبو علي قولهم: جئ به من حيث وليسا، أي: وليس، ~~فأشبعت فتحة السين إما لبيان الحركة في الوقف، وإما كما ألحقت "بينا" في ~~الوصل. # وأنشدنا أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه5: # فأنت من الغوائل حيث ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح6 # أي: بمنتزح. # وأنشدنا أيضا لعنترة7: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم8 # وقال: أراد ينبع. PageV02P351 # وروينا عن قطرب1: # عضضت بأير من أبيك وخالكا ... وعض بنو العمار بالسكر الرطب2 # أشبع فتحة الكاف، فحدثت بعدها ألف. # ونحو من ذلك قولهم في الوقف عند التذكر "قالا" أي: قال زيد، ونحوه، ~~فجعلوا الاستطالة بالألف دليلا على أن الكلام ناقص. # وكذلك تقول "أينا" أي: أين أنت؟ فتتذكر "أنت". # وقد زادوها أيضا عند التذكر بعد الألف، فقالوا: "الزيدان ذهباا" إذا نووا ~~"ذهبا أمس" أو نحوه مما ms358 يصحبه من الكلام، وتقول على هذا "زيد رماا" أي: رمى ~~عمرا، ونحوه، فتزيد في التذكر على الألف ألفا، وتمده. # كما زيدت الألف إشباعا فقد حذفت اختصارا، من ذلك قصر الممدود نحو قوله3: ### | ..................... # ... وتبوا بمكة بطحاها4 # أي: بطحاءها. # ومن الصحيح ما رويناه عن قطرب5: # ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال6 PageV02P352 # وقال الآخر1: # أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغلة2 # وعلى هذا بيت الكتاب3: # أوالفا مكة من ورق الحمي4 # أراد: الحمام، فحذف الألف، وأبدل الميم ياء، هذا أحسن ما قيل فيه5. # ومن ذلك لحاقها في الوقف لبيان الحركة كما تبين الحركة بالهاء، وذلك ~~قولهم في الوصل "أن فعلت" فإذا وقفت قلت "أنا". وكذلك "حيهلا". # ومن ذلك لحاقها فصلا بين النونات في نحو قولك للنساء: اضربنان يا نسوة، ~~واشتمنان بكرا، وأصل هذا أن تدخل نون التوكيد وهي مشددة على نون جماعة ~~المؤنث فتجتمع ثلاث نونات، فكان يلزم أن يقال: "اضربنن زيدا" فكرهوا ~~اجتماعهن، ففصلوا بينهن بالألف. ومن كلام أبي مهدية "اخسأنان عني"6. # ودار بيني وبين المتنبي في قوله7: ### | ................................. # ... وقلنا للسيوف: هلمنا8 PageV02P353 # كلام فيه طول، وأنكرت ضم الميم هنا من طريق القياس إلى أن قال لي: فكيف ~~كان ينبغي أن يكون إذا أكدته هنا بالنون؟ فقلت: كان قياسه أن تقول: ~~هلممنان. فقال: هذا طويل. فقلت: هذا جواب مسألتك، فأما طوله وقصره فشيء غير ~~ما نحن فيه. # ومن ذلك أن تدخل فاصلة بين الهمزتين المحققتين استكراها لاجتماعهما ~~محققتين، قال ذو الرمة1: # آأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم2 # وقال الآخر3: # تطاللت، فاستشرفته، فرأيته ... فقلت له: آأنت زيد الأراقم4 # وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد5: # حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة ... تفكر آإياه يعنون أم قردا6 # وقرأ بعضهم: "آئذا"7 و"آئنا"8 [الرعد: 2,3] و"آأنت قلت للناس" [المائدة: ~~116] 9. PageV02P354 # وقال ذو الرمة أيضا1: # هيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم؟ 2 # أراد: أأنت، فثقل عليه تحقيق الهمزتين، ففصل بينهما ms359 بالألف، وكذلك ~~الباقي. # ومن ذلك الألف التي تلحق أواخر الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة إذا حقرت ~~عوضا من ضمة أول الحرف، وذلك قولهم في "ذا": "ذيا" وفي "تا": "تيا" وفي ~~"ذاك": "ذياك" وفي "ذلك": "ذيالك" وفي "الذي": "اللذيا" وفي "التي": ~~"اللتيا" وفي "هؤلاء" مقصورا: "هؤليا" وفي "أولاء" ممدودات: "ألياء". وهذه ~~مسألة اعترضت ههنا، ونحن نوضحها. # اعلم أن "أولاء" وزنه إذا مثل "فعال" كغراب، وكان حكمه إذا حقرته على ~~مثال تحقير الأسماء المتمكنة أن تقول: هذا أليئ، ورأيت أليئا، ومررت بأليئ، ~~فلما صار تقديره "أليئ" أرادوا أن يزيدوا في آخره الألف التي تكون عوضا من ~~ضمة أوله، كما قالوا في "ذا": "ذيا" وفي "تا": "تيا"، فلو فعلوا ذلك لوجب ~~أن يقولوا "أليئا" فيصير بعد التحقير مقصورا، وقد كان قبل التحقير ممدوا، ~~فأرادوا أن يقروه بعد التحقير على ما كان عليه قبل التحقير من مده، فزادوا ~~الألف قبل الهمزة، فالألف الآن التي قبل الهمزة في "ألياء" ليست بتلك التي ~~كانت قبلها في "أولاء"، وإنما هذه في "ألياء" هي الألف التي كان سبيلها أن ~~تلحق آخرا، فقدمت كما ذكرنا. وأما ألف "أولاء" فقد قلبت ياء كما تقلب ألف ~~"غلام" إذا قلت "غليم" وهي الياء الثانية في "ألياء" والياء الأولى هي ياء ~~التحقير. # فإن قلت: فإن الألف إنما تلحق آخرا في تحقير هذه الأسماء، لأنها جعلت ~~عوضا من ضمة أوائلها، وأنت في "ألياء" قد ضممت أول الاسم، فلم جئت بالألف ~~في آخره؟ PageV02P355 # فالجواب: أن ضمة أول "ألياء" ليست مجتلبة للتحقير بمنزلة ضمة كاف "كتيب" ~~وحاء "حسيب"، وإنما هي الضمة التي كانت موجودة في التكبير في قولك "أولاء"، ~~يدلك على صحة ذلك تركهم أول ما هو مثله في الإشارة واستحقاق البناء بحاله ~~غير مضموم، وذلك قولك: "ذيا" و"تيا" ألا ترى أن الذال والتاء مفتوحتان كما ~~كانتا قبل التحقير في "ذا" و"تا" فكذلك ضمة همزة "ألياء" هي ضمة الهمزة في ~~"أولاء"، فلما كان أول الكلمة باقيا بحاله غير مجتلبة له ضمة التحقير عوض ~~الألف من آخره، فأما ms360 ضمة عين "غريب" و"غليم" فضمة التحقير لا الضمة التي ~~كانت في "غراب" و"غلام". # ألا تراك تقول "كتاب" و"غزال" فتجد الأولين مفتوحا ومكسورا، فإذا حقرت ~~ضممت، فقلت "كتيب" , "غزيل" فقد بان ذلك. وكذلك ضمة قاف "قفيل" إنما هي ضمة ~~التحقير، وليست بضمة القاف من "قفل". يدلك على ذلك ضمك ما أوله مفتوح أو ~~مكسور، وهو "كعب" و"حلس"1 إذا قلت "كعيب" و"حليس" فالضمتان وإن اتفقتا في ~~اللفظ فإنهما مختلفتان في المعنى، وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين ~~مختلفين؛ ألا ترى أن من رخم "منصورا" في قول من قال "يا حار" قال "يا منص" ~~فبقى الصاد مضمومة كما بقى الراء مكسورة، ومن قال "يا حار" فاجتلب للنداء ~~ضمة قال أيضا: "يا منص"، فحذف ضمة الصاد كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ~~ضمة النداء كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ "يامنص" في الوجهين ~~واحد، والمعنيان متباينان. # وكذلك قول سيبويه2 في "الفلك" إذا جمع على "فلك" فضمة الفاء من الواحد ~~بمنزلة ضمة باء "برد" وخاء "خرج"3، وضمة الفاء من الجمع بمنزلة ضمة حاء ~~"حمر" وصاد "صفر" جمع "أحمر" و"أصفر"، وهذا أوسع من أن أتحجره، ولكنني قد ~~رسمت طريقه وأمثلته. # ومن ذلك لحاقها للندبة نحو "واغلاماه" و"وازيداه" و"واأمير المؤمنيناه". ~~PageV02P356 # ومن ذلك زيادة ألف للإطلاق في نحو1: # أقلي اللوم عاذل والعتابا ... ### | ............................ # 2 # و3: # يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... ### | ................................... # 4 # وقد ذكرنا ذلك بما فيه في هذا الكتاب وغيره. # ونحو منه لحاقها في أواخر الآي نحو {الظنونا} [الأحزاب: 10] و {السبيلا} ~~[الأحزاب: 67] و {قواريرا} [الإنسان: 15] وقد ذكرناه أيضا. # ومن ذلك زيادتها بعد هاء الضمير علامة للتأنيث، وذلك نحو: "رأيتها" ~~و"مررت بها" فالاسم هو الهاء، وأما الألف فزيدت علما للتأنيث. # ومن حذف الواو في نحو قوله5: # له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير6 # وقول الآخر7: # فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان8 PageV02P357 # وقول الآخر رويناه عن قطرب1: # وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها2 # وغير ذلك من ms361 هذه الأبيات، لم يقل في نحو "رأيتها" و"نظرت إليها" إلا ~~بإثبات الألف، وذلك لخفة الألف وثقل الواو، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا ~~حذفت فيه هذه الألف تشبيها بالواو والياء لما بينهما من الشبه، وهو قوله3: # أعلقت بالذئب حبلا ثم قلت له ... الحق بأهلك، واسلم أيها الذيب4 # إما تقود به شاة فتأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب5 # يريد: تبيعها، فحذف الألف، وهذا شاذ. ونحو منه بيت أنشدناه أبو علي عن ~~أبي الحسن، وهو6: # فلست بمدرك ما فات مني # ب "لهف" ولا ب "ليت" ولا لو اني7 # يريد: بلهفى. # وقرأ بعضهم: "يا أبت" [يوسف: 4] 8 بفتح التاء، يريد: يا أبتاه9. ~~PageV02P358 # وأنشد سيبويه1: # وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل2 # يريد: ابن المعلى، فحذف الألف، على أن هذا شاذ قليل النظير. فهذه وجوه ~~زيادة الألف في كلام العرب، فاعرفها. # واعلم أن الألف متى حركت انقلبت همزة، وذلك لضعفها عن تحمل الحركة، وقد ~~ذكرنا ذلك في باب الهمزة في قولنا: "شأبة" و"دأبة" وفي القرآن "ولا ~~الضألين" [الفاتحة: 7] و"لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن"3 [الرحمن: 39] ونحو ~~ذلك مما أثبتناه هناك. PageV02P359 ### | باب الياء ### | مدخل # ... # باب الياء: # اعلم أن الياء حرف مجهور، يكون في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلا، وبدلا، ~~وزائدا. # فإذا كانت أصلا وقعت فاء، وعينا، ولاما، فالفاء نحو "يسر" و"يعر"1 والعين ~~نحو "بيت" و"سار"، واللام نحو "ظبي" و"رميت". # وقد يكون التضعيف في الياء كما يكون في سائر الحروف، من ذلك الفاء ~~والعين، وهو قولهم في اسم مكان "يين"، وليس له في الأسماء نظير، وقالوا في ~~الفعل "يييت ياء حسنة" أي: كتبت ياء، على أن ذلك شاذ. # ومن ذلك الفاء واللام، وقالوا "يد" وأصلها "يدي" بوزن "فعل"، يدلك على ~~ذلك قولهم "أيد"، فهذا يدل على أن العين ساكنة، ويدل على أن اللام ياء ~~قولهم "يديت إليه يدا"2، ولم يقولوا "يدوت". # ومن ذلك العين واللام، وهو أكثر من الاثنين الماضيين، وذلك قولهم: "حييت" ~~و"عييت" و"الحية" من هذا أيضا، عينها ياء، وليست ms362 واوا كعين "لية"، يدل على ~~ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في النسب إلى "حية بن بهدلة": "حيوي"3، ولو ~~كانت العين واو لقالوا "حووي" كما تقول في النسب إلى "لية": "لووي". # فإن قلت: فهلا كانت "الحية" مما عينه واو استدلالا بقولهم "رجل حواء"4 ~~لظهور الواو عينا في "حواء"؟ PageV02P361 # فالجواب: أن أبا على ذهب إلى أن "حية" و"حواء" ك "سبط"1 و"سبطر" و"لؤلؤ" ~~و"لأال"2 و"دمث"3 و"دمثر"4 و"دلاص"5 و"دلامص" في قول أبي عثمان6، وأن هذه ~~ألفاظ اقتربت أصولها، واتفقت معانيها، وكل واحد لفظه غير لفظ صاحبه، فكذلك ~~"حية" مما عينه ولامه ياءان، و"حواء" مما عينه واو ولامه ياء، كما أن ~~"لؤلؤا" رباعي "ولأال" ثلاثي، ولفظاهما مقتربان، ومعنياهما متفقان. # ونظير ذلك في العين قولهم: "جبت جيب القميص"7 ف "جبت" عينه واو، لأنه من ~~جاب يجوب، و"الجيب" عينه ياء، لقولهم في جمعه "جيوب" قال الله عز وجل: ~~{وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] 8. # وقال ابن الدمينة9: # ألا لا أبالي ما أجنت قلوبهم ... إذا نصحت ممن أحب جيوب10 # وإنما جعلنا "حواء" من باب ما عينه واو ولامه ياء، وإن كان يمكن لفظه أن ~~يكون مما عينه ولامه واوان، من قبل أن هذا هو الأكثر في كلامهم. # ولم تأت الفاء والعين واللام كلها ياءات إلا في قولهم: يييت ياء حسنة، ~~على أن فيه ضعفا من طريق الرواية. PageV02P362 # وليس في كلامهم اسم في أوله ياء مكسورة إلا قولهم في اليسار اسم اليد ~~"يسار" بكسر الياء، وقالوا "يقظان ويقاظ" و"يعر ويعرة" للجدي. وقالوا: ~~"ييأس وييئس": وإنما رفض ذلك استثقالا للكسرة في الياء. # PageV02P363 ### | إبدال الياء ### | مدخل # ... # إبدال الياء: # قد أبدلت الياء من الألف، والواو، والهمزة، والهاء، والسين، والباء، ~~والراء، والنون، واللام، والصاد، والضاد، والميم، والدال، والعين، والكاف، ~~والتاء، والثاء، والجيم. # فأما إبدالها من الألف فقولهم في "حملاق"1: "حميليق" و"حماليق"، وفي ~~"مفتاح": "مفيتيح" و"مفاتيح"، وفي "خلخال"2: "خليخيل" و"خلاخيل". وكذلك ~~الياء في "قيتال" و"ضيراب" إنما هي بدل من ألف "قاتلت" و"ضاربت". # فإن قلت: إن المصدر هو الأصل، والفعل هو الفرع، فكيف جعلت ما ms363 هو موجود في ~~الأصل بدلا مما هو موجود في الفرع، وهل هذا إلا عكس ما يوجبه القياس؟ # فالجواب: أن ذلك لا تعلق له بالأصل والفروع؛ ألا ترى أنهم أعلوا "عدة" ~~وهي المصدر لاعتلال "يعد" وهو الفعل، وأعلوا أيضا "يقوم" لاعتلال "قام"، ~~ومرتبة الحال والاستقبال جميعا أن يكونا قبل الماضي، والعلة في هذا ونحوه ~~أن المصدر وإن كان أصلا للفعل، فإن أمثلة الأفعال المختلفة في الماضي ~~والحال والاستقبال والمصادر، تجرى مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا لزم ~~بعضها شيء لزم جميعها، وحتى إنه إذا حصل في بعضها بعض التعويض صار كأن ذلك ~~التعويض قد عم جميعها إذ كانت كلها كالمثال الواحد؛ ألا ترى أنهم لما حذفوا ~~الهمزة من "أكرم" وبابه صار وجودها في "الإكرام" كالعوض من حذفها في ~~"يكرم"، وكذلك أيضا وجودها في PageV02P363 # "أكرم" و"أكرم" يصير عوضا من حذفها في "أكرم، ونكرم، وتكرم، ويكرم" فاعرف ~~ذلك. وكذلك كل ألف انكسر ما قبلها، أو وقعت قبلها ياء التحقير نحو: "كتيب" ~~و"حسيب". # PageV02P364 ### | إبدال الياء من الواو # كل واو سكنت غير مدغمة، وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وذلك نحو "ميقات" ~~و"ميزان" و"ميعاد"، أصل ذلك "موقات" و"موزان" و"موعاد"، فلما سكنت الواو ~~غير مدغمة، وانكسر ما قبلها ياء. فإن تحركت الواو، أو زالت الكسرة من ~~قبلها، صحت، وذلك نحو "مويزين" و"موازين" و"مويقيت" و"مواقيت"، ومن ذلك ~~"حول" و"عوض" و"طول". # فأما قولهم: "ثياب" و"حياض" و"رياض" فإنما قلبت الواو ياء وإن كانت ~~متحركة من قبل أنه اجتمعت خمسة أشياء: منها أن الكلمة جمع، والجمع أثقل من ~~الواحد، ومنها أن واو الواحد منها ضعيفة ساكنة في "ثوب" و"حوض" و"روضة"، ~~ومنها أن قبل الواو كسرة؛ لأن الأصل "ثيواب" و"حواض"، ومنها أن بعد الواو ~~ألفا، والألف قريبة الشبة بالياء، ومنها أن اللام صحيحة، إنما هي باء وضاد، ~~وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين، ومتى لم تذكر هذه الأسباب كلها، وأخلت ~~ببعضها، انكسر القول، ولم تجد هناك علة ألا ترى أن "طوال" جمع، وقبل واوه ~~كسرة، وبعد واوه ألف، ولامه صحيحة، ومع ذلك ms364 فعينه سالمة لما تحركت في ~~الواحد الذي هو "طويل"، فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال. وكذلك ~~"زوج" و"زوجة" و"عود"1 و"عودة" قد اجتمع فيها سكون واو الواحدة والكسرة ~~التي قبل الواو في الجمع وأنه جمع، ولامه صحيحة، إلا أنه لم تقع بعد عينه ~~ألف، صحت الواو، فأما "ثيرة" فشاذ. # وقال أبو العباس2: إنما أعلوا "ثيرة" جمع "ثور" هذا الحيوان للفرق بينه ~~وبين "ثورة" جمع "ثور" وهو القطعة من الأقط. PageV02P364 # وكذلك "رواء"1 جمع "ريان" و"طواء" جمع "طيان"2 هو مثال جمع، وقد انكسر ما ~~قبل واوه، وبعدها ألف، والواو في واحده ساكنة بل معتلة؛ لأن الأصل "رويان" ~~و"طويان" إلا أنه لما كانت لامه معتلة صححت عينه، ولم تعلل، فاعرف ما ~~ذكرته، فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا ~~الاحتياط، ولا قيده هذا التقييد. # فأما "غازية"3 و"محنية"4 فأصلهما "غازوة" و"محنوة". وإنما قلبت الواو وإن ~~كانت متحركة من قبل أنها وقعت لاما، فضعفت، فقلبت، ولم تجر مجرى العين في ~~الصحة للحركة نحو "عوض" و"حول" و"طول". # فأما "حنذوة"5 فإنما صحت فيها الواو وإن كانت آخرا، من قبل أنهم لو ~~قلبوها، فقالوا "حنذية" لم يعلم أأصلها "فعلوة" أم "فعلية"، ولجرت مجرى ~~"حذرية"6 و"هبرية"7 و"عفرية"8. # قال أبو العباس "حنذوة" أيضا، بضم الحاء والذال: شعبة من الجبل. # فإن كانت الواو مدغمة لم تقلب الأولى منهما وإن انكسر ما قبلها لتحصنها ~~بالإدغام، وقد ذكرنا ذلك في فصل "اجلواذ" من حرف الواو، وقول بعضهم ~~"اجليواذ". ونظير "اجليواذ" قولهم "ديوان" لأن أصله "دوان" ومثاله "فعال" ~~والنون فيه لام لقولهم "دونته" و"دواوين" و"دويوين". # ولم تقلب الواو في "ديوان" وإن كانت قبلها ياء ساكنة من قبل أن الياء غير ~~لازمة، وإنما أبدلت من الواو تخفيفا؛ ألا تراهم قالوا "دواوين" فما زالت ~~الكسرة من قبل الواو، على أن بعضهم قد قال "دياوين" فأقر الياء محلها وإن ~~كانت الكسرة PageV02P365 # قد زالت من قبلها، وأجرى غير اللازم مجرى اللازم وقد كان سبيله إذا ~~أجراها مجرى الياء اللازمة أن يقول ms365 "ديان" إلا أنه كره تضعيف الياء كما كره ~~الأول تكرير الواو. # قال الشاعر1: # عداني أن أزورك أم عمرو ... دياوين تشقق بالمداد2 # واعلم أن الواو متى وقعت قبلها الياء ساكنة قلبت الواو ياء وكذلك إن وقعت ~~الواو ساكنة قبل الياء، فالأول نحو "سيد" و"ميت" والثاني نحو "لية" و"طية". ~~وقد ذكرنا هذا كله مستقصى في حرف الواو، وذكرنا هناك "ضيون" و"رجاء بن ~~حيوة". # فأما قولهم في "فعل" من "فاعلت" و"فيعلت" و"فوعلت" من "سرت" و"بعت": ~~"سوير" و"بويع" فلم تقلب فيه الواو ياء لأن الواو ليست بلازمة في "فاعلت"، ~~وأجروا "فيعلت" و"فوعلت" مجرى "فاعلت"، ولو أدغموا فقالوا "بيع" و"سير" ~~التبس أيضا ب "فعل". # وقد أبدلت الياء من الواو إذا كانت لام "فعلى" وذلك نحو "العليا" ~~و"الدنيا" و"القصيا"، وقالوا "القصوى" فأخرجوها على أصلها، فأما "حزوى"3 ~~فعلم، ولا ينكر في الأعلام كثير من التغيير نحو "حيوة" و"مزيد" و"محبب"، ~~وقد ذكرنا هذا قديما في هذا الكتاب. ونظير القصوى في الشذوذ قولهم: خذ ~~الحلوى وأعطه المرى. # واعلم أنهم قد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن ~~تراخت عنها بحرف ساكن، لأن الساكن لضعفه ليس حاجزا حصينا، فلم يعتد فاصلا، ~~فصارت الكسرة كأنها قد باشرت الواو، ولا يقاس ذلك، وذلك قولهم "صبية" ~~و"صبيان" PageV02P366 # والأصل "صبوة" و"صبوان" لأنه من صبوت صبوا، فقلبت الواو لكسرة الصاد، ولم ~~تفصل الباء بينهما لضعفها بالسكون، وقد قالوا أيضا "صبوان" فأخرجوها على ~~أصلها، وقالوا أيضا "صبوان" وهو نحو من "صبوان"، فأما قول بعضهم "صبيان" ~~بضم الصاد وبالياء ففيه من النظر أنه ضم الصاد بعد أن قلب الواو ياء في لغة ~~من كسر الصاد، فقال "صبيان" فلما قلبت الواو ياء للكسرة، وضمت الصاد بعد ~~ذلك أقرت الياء بحالها التي كانت عليها في لغة من كسر. # ومن ذلك قولهم "قنية"1، هو من "قنوت" هكذا يقول أصحابنا، وقد روي أيضا ~~"قنية" و"قنوة" و"قنوة" وقالوا أيضا "قنوت" و"قنيت". فمن قال "قنيت" فلا ~~نظر في "قنية" و"قنية" في قوله، ومن قال "قنوت" فإن كان ممن يقول "قنية" ms366 ~~فالكلام في إبدال الواو ياء في قوله هو الكلام في قول من قال "صبيان". # وقال الراجز2: # بعنق أسطع في جرانه ... كالجذع مال البسر من قنيانه # والوحد "قنو"، والقول فيه القول في "صبيان" بضم الصاد. # ومثله "علي" و"علية" وأصله "علوة" لأنه من علوت. فقالوا: فلان قدية في ~~الخير، يريدون: قدوة. ومثله: ناقة بلو سفر، وبلي سفر، وهما من "بلوت". ~~وقالوا: ناقة عليانة3، وهي من "علوت". وقالوا: أرض عذي4، وطعام عذي، وقالوا ~~في جمع "عذاة": "عذوات" بالواو. ومن كلام بعضهم في صفة أرض: قد حفتها ~~الفلوات، وبعجتها العذوات5. وقالوا: "حذية"6 وهي من "حذوت". PageV02P367 # ومتى صارت الواو رابعة فصاعدا قلبت ياء، وذلك نحو: أغزيت، واستغزيت، ~~وتقصيت، وادعيت، ومغزيان، وملهيان، ومستغزيان، وقد تقدمت علة ذلك. # وقال بعضهم في "يوجل"1: "ييجل"، وفي "يوحل" "ييحل"، وقالوا أيضا: "ييجل" ~~و"ييحل"، كل ذلك هربا من الواو. PageV02P368 ### | إبدال الياء من الهمزة # اعلم أن كل همزة سكنت وانكسر ما قبلها وأردت تخفيفها قلبتها ياء خالصة، ~~تقول في "ذئب": "ذيب" وفي "بئر": "بير" وفي "مئرة": "ميرة". وكذلك إذا ~~انفتحت وانكسر ما قبلها، تقول في "مئر": "مير" وفي يريد أن يقرئك: يريد أن ~~يقريك، وفي "بئار": "بيار" كقول القائل1 # ألم ترنا غبنا ماؤنا ... سنين، فظلنا نكد البيارا2 # وكذلك إن وقعت الهمزة بعد ياء "فعيل" ونحوه مما زيدت فيه لمد، أو بعد ياء ~~التحقير، فتخفيفها أن تخلصها ياء، وذلك قولك في "خطيئة": "خطية" وفي ~~"نبيء": "نبى" وفي "أفيئس" تصغير أفؤس: "أفيس"، وفي تخفيف "أريئس" تحقير ~~"أرؤس": "أريس"، ولا تحرك واحدة من هاتين الياءين البتة؛ لأن حرف المد متى ~~تحرك فارق المد، ولأن ياء التحقير أخت ألف التكسير، فكما أن الألف لا تحرك، ~~كذلك أجروا الياء هنا إذ كانت فيه رسيلتها، على أن بعضهم قد قال في تخفيف ~~"خطيئة": "خطية" فحرك الياء بحركة الهمزة، وهذا من الشذوذ في القياس ~~والاستعمال جميعا بحيث لا يلتفت إليه. PageV02P368 # ومتى اجتمعت همزتان وانكسرت الأولى منهما قلبت الثانية ياء البتة، وكان ~~البدل لازما، وذلك قولك: إيمان، وإيلاف1، وإيناس، وأصله: ms367 إئمان، وإئلاف، ~~وإئناس، فقلبت الثانية ياء البتة لانكسار ما قبلها، ولم يجز التحقيق ~~لاجتماع الهمزتين، فقس على هذا. # وقد أبدلوا الهمزة ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف، وذلك قولهم في "قرأت": ~~"قريت" وفي "بدأت": "بديت" وفي "توضأت": "توضيت". # وعلى هذا قال زهير2: # جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعا، وإلا يبد بالظلم يظلم3 # أراد يبدأ، فأبدل الهمزة، وأخرج الكلمة إلى ذوات الياء. # ومن أبيات الكتاب4: # وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهر واجي5 # يريد: واجئ، فأبدل الهمزة ياء، وأجراها مجرى الياء الأصلية. والدليل على ~~ذلك أنه جعلها وصلا لحركة الجيم؛ ألا ترى أن البيت جيمي، ولو كانت الهمزة ~~منوية عنده لم يجز أن تكون الياء وصلا كما لا يجوز أن تكون الهمزة المرادة ~~المنوية وصلا. PageV02P369 # وحدثنا أبو علي1، قال: قال أبو العباس: لقي أبو زيد سيبويه، فقال له: ~~سمعت من العرب من يقول "قريت" و"توضيت"، فقال له سيبويه: كيف يقول منه ~~يفعل؟ فقال: "أقرأ". فقال سيبويه: لا، ينبغي أن يقول: "أقري". # يريد سيبويه بذلك أن هذا الإبدال لا قوة له، ولا قياس يوجبه، ولو كان على ~~القياس لوجب أن تخرج الكلمة إلى ذوات الياء، فيقول: "أقري" كما تقول: "رميت ~~أرمي"؛ ألا ترى أن البدل لما وجب في "جاء" ونحوه جرى لذلك مجرى "قاض" ~~فاعرفه. # ونحو من هذا قول ابن هرمة2: # إن السباع لتهدى عن فرائسها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا3 # يريد: ليس بهادئ، فأبدل الهمزة ياء ضرورة، وجميع هذا لا يقاس إلا أن يضطر ~~شاعر. وقالوا في "أعصر" -اسم رجل- "يعصر" فالياء بدل من الهمزة، قال أبو ~~علي: إنما سمي أعصر بقوله4: # أبني إن أباك شيب رأسه ... كر الليالي واختلاف الأعصر5 PageV02P370 ### | إبدال الياء من الهاء # قالوا: دهديت الحجر، أي: دحرجته، وأصله: دهدهته، ألا تراهم قالوا: هي ~~دهدوهة الجعل لما يدحرجه، قال أبو النجم1: # كأن صوت جرعها المستعجل ... جندلة دهديتها في جندل2 # وقالوا في صهصهت بالرجل إذا قلت له صه صه: صهصيت، فأبدلوا من الهاء ياء. ~~PageV02P371 ### | إبدال الياء من السين # قال الشاعر1: ms368 # إذا ما عد أربعة فسال ... فزوجك خامس، وأبوك سادي2 # أي: سادس. وقال الآخر3: PageV02P371 # نوازل أعوام أذاعت بخمسة ... وتعتدني إن لم يتق الله ساديا1 # أي: سادسا، وقال الآخر2: # عمرو وكعب وعبد الله بينهما ... وابناهما خمسة، والحارث السادي # وقال الآخر4: # مضى ثلاث سنين منذ حل بها ... وعام حلت، وهذا التابع الخامي5 # أي: الخامس. PageV02P372 ### | إبدال الياء من الباء # أنشد سيبويه1: # لها أشارير من لحم تتمره ... من الثعالي، ووخز من أرانيها2 PageV02P372 # قال1: "أراد: الثعالب والأرانب، فلم يمكنه أن يقف على الباء، فأبدل منها ~~حرفا يمكن أن يقفه في موضع الجر، وهو الياء"، قال: "وليس ذلك أنه حذف من ~~الكلمة شيئا، ثم عوض منه الياء". # ويحتمل عندي أن تكون "الثعالي" جمع "ثعالة" وهو الثعلب، وأراد أن يقول ~~"ثعائل" فقلب، فقال: "ثعالي" كما قال2: # وكأن أولاها كعاب مقامر ... ضربت على شزن فهن شواعي3 # أراد: شوائع. # ومن أبيات الكتاب4: # تكاد أواليها تفرى جلودها ... ويكتحل التالي بمور وحاصب5 # يريد: أوائلها، وله نظائر، إلا أن الذي ذهب إليه سيبويه أشبه لقوله: ~~"أرانيها"، ولأن "ثعالة" اسم جنس، وجمع أسماء الأجناس ضعيف. # وقالوا: "ديباج" و"دباببيج"، فدل قولهم: "دبابيج" بالباء على أن أصله ~~"دباج" وأنه إنما أبدل الباء ياء استثقالا لتضعيف الباء. PageV02P373 # وأخبرنا أبو علي1 أن أبا العباس أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وربيك لا ~~أفعل، أراد: لا وربك لا أفعل، فأبدل الباء الثانية ياء لأجل التضعيف. # وقال بعضهم2 في لبيت بالحج: إنما هو لببت: فعلت من قولهم: ألب بالمكان؛ ~~أي أقام به، قرأت3 على أبي علي للمضرب بن كعب: # فقلت لها: فيئي إليك فإنني ... حرام، وإني بعد ذاك لبيب4 # أي: ملب بالحج5. # قال ابن السكيت: "وقوله: بعد ذاك، أي: مع ذاك"6. # فأما حقيقة "لبيت" عند أهل الصنعة فليس أصل يائه باء وإنما الياء في ~~"لبيت" هي الياء في قولهم "لبيك وسعديك" اشتقوا من الصوت فعلا، فجمعوه من ~~حروفه، كما قالوا من "سبحان الله": "سبحلت"، ومن "لا إله إلا الله": ~~"هللت"، ومن "لا حول ولا قوة إلا بالله": "حولقت"، ومن بسم ms369 الله": "بسملت"، ~~ومن "هلم"- وهو مركب من "ها" و"لم" عندنا7، ومن "هل" و"أم" عند البغداذين8- ~~"هلممت"9. # وكتب إلي أبو علي في شيء سألته عنه، قال بعضهم: سألتك حاجة فلا ليت لي، ~~أي: قلت لي: لا، وسألتك حاجة فلوليت لي، أي: قلت لي: لولا. قال: وقالوا: ~~بأبأ الصبي أباه، أي: قال له: بابا. PageV02P374 # وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد1 أنهم يقولون: "رجل ويلمة" للداهية، ~~فاشتقوا وصفا من قولهم "ويلمه" وأصله "ويل لأمه" وهذا كثير. # وكذلك أيضا اشتقوا "لبيت" من لفظ "لبيك" فجاءوا في "لبيت" بالياء التي هي ~~للتثنية في "لبيك"، وهذا على قول سيبويه2، فأما يونس3 فزعم أن "لبيك" اسم ~~مفرد، وأصله عنده "لبب" ووزنه "فعلل" ولا يجوز أن تحمله على "فعل" لقلة ~~"فعل" في الكلام وكثرة "فعلل" فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من "لبب" ~~ياء هربا من التضعيف، فصار "لبي" ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، فصارت "لبي" ثم إنها لما وصلت بالكاف في "لبيك" والهاء في "لبيه" ~~نحو ما أنشدناه أبو علي4: # إنك لو دعوتني ودوني ... زوراء ذات منزع بيون # لقلت: لبيه لمن يدعوني5 # قلبت الألف ياء كما قلبت في "إلى" و"على" و"لدى" إذا وصلتها بالضمير، ~~فقلت: إليك، وعليك، ولديك. ووجه الشبه بينهما أن "لبيك" اسم ليس له تصرف ~~غيره من الأسماء لأنه لا يكون إلا منصوبا، ولا يكون إلا مضافا، فقلبوا ألفه ~~ياء، فقالوا "لبيك" كما قالوا "عليك" و"إليك" و"لديك". PageV02P375 # ونظير هذا "كلا" و"كلتا" في قلبهم ألفها ياء متى اتصلت بضمير وكانت في ~~موضع نصب أو جر، نحو: ضربت الرجلين كليهما، ولم يقلبوا الألف في موضع الرفع ~~ياء فيقولوا: قام الرجلان كليهما، ولا قامت المرأتان كلتيهما؛ لأنهما بعدا ~~برفعهما عن شبه "إليك" و"عليك" و"لديك" إذ كن لا حظ لهن في الرفع. # واحتج سيبويه على يونس، فقال1: لو كانت ياء لبيك بمنزلة ياء عليك وإليك ~~ولديك لوجب متى أضفتها إلى المظهر أن تقرها ألفا، كما أنك متى أضفت "عليك" ~~وأختيها إلى المظهر أقررت ألفها بحالها، ولكنت تقول ms370 على هذا: لبى زيد، ولبى ~~جعفر، كما تقول: إلى زيد، وعلى جعفر، ولدى سعيد. # وأنشد قول الشاعر2: # دعوت لما نابني مسورا ... فلبى فلبي يدي مسور3 # قال4: فقوله "فلبي" بالياء مع إضافته إياه إلى المظهر دلالة على أنه اسم ~~مثنى بمنزلة: غلامي زيد، وصاحبي سعيد. # وهذا شرح المذهبين وبسطهما ومعاني قول سيبويه ويونس فيهما، وإن لم يكن ~~لفظهما فإنه غرضهما. # ثم إن أبا علي فيما بعد انتزع لنا شيئا يؤنس به قول يونس، ولم يقطع به، ~~وإنما ذكره تعللا، وهو أنه قال: ليونس أن يحتج فيقول: قوله "فلبي يدي" إنما ~~جاء على قول من قال في الوصف: هذه أفعي عظيمة، وهذه عصي طويلة، أي: أفعى، ~~وعصا، وقد حكى سيبويه5 أنهم يقولون ذلك في الوصل كما يقولونه في الوقف، ~~PageV02P376 # وهذا ليس عذرا مقنعا، وإنما فيه بعض التأنيس، والقول بعد قول سيبويه. ~~فقول من قال: إن لبيت بالحج من قولنا: "ألب بالمكان" إلى قول يونس أقرب منه ~~إلى قول سيبويه، ألا ترى أن الياء في "لبيك" عند يونس إنما هي إبدال من ~~الألف المبدلة من الياء المبدلة من الباء الثالثة في "لبب" على تقدير قول ~~يونس، وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل: إن لبيك من قولهم ألب ~~بالمكان1، إلا أنهما لم يزعما أن الياء في "لبيك" بدل من باء، وإنما الياء ~~عندهم علم على التثنية، وإن وزن "لبيك" على قولهما "فعليك" كما أن "سعديك" ~~كذلك لا محالة، ووزنه عند يونس "فعللك"، والياء فيه بدل من اللام الثانية، ~~فاعرف هذه المسألة، فإنها من لطيف ما في هذا الكتاب، وإن أعان الله على ~~شرحه وتفسيره سقت جميعه من التقصي والتنظيف على هذه الطريق، وعلى ما هو ~~ألطف وأدق بإذن الله. PageV02P377 ### | إبدال الياء من الراء # وذلك قول بعضهم: "شيراز"1 و"شراريز" حكاها أبو الحسن، فأصل "شيراز" على ~~هذا "شراز" فأبدلت الراء الأولى ياء. # ومثله قولهم: "قيراط" و"قراريط" وأصله "قراط" والعلة واحدة. # فأما من قال في "شيراز": "شواريز" فإنه جعل الياء فيه مبدلة من واو، وكان ~~أصله ms371 على هذا "شوراز"، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء، ثم إنه ~~لما زالت الكسرة في الجمع رجعت الواو، فقالوا: "شواريز". # فإن قلت: فإن بناء "فوعال" ليس موجودا في الكلام، فمن أين حملت واحد ~~"شواريز" عليه؟ # فالجواب: أن ذلك إنما رفض في الواحد لأجل وقوع الواو ساكنة بعد الكسرة، ~~فلم يمكن إظهارها، فلما لم يصلوا إلى إظهار الواو في الواحد لما ذكرناه، ~~وكانوا يريدونها أظهروها في الجمع ليدلوا على ما أرادوه في الواحد، ~~وليعلموا أنها لم تزد في PageV02P377 # الواحد ياء في أول أحوالها، وأنها ليست ك "ديماس"1 و"دياميس" ولا ك ~~"ديباج" و"ديابيج" فيمن نطق بالياء بعد الدال، ويشبه أن يكون سيبويه إنما ~~لم يذكر في الآحاد مثال "فوعال" لما لم يجده مظهرا مصححا، فهذا جواب. # ويحتمل عندي قولهم: "شواريز" قولا آخر على غير هذا المذهب الأول وهو أن ~~يكون "شيراز" "فيعالا" والياء في غير مبدلة من راء ولا واو بمنزلة "ديماس"، ~~وكان قياسه على هذا أن يقولوا في تكسيره "شياريز" ك "دياميس"، ولكنهم ~~أبدلوا من الياء واوا لضرب من التوسع في اللغة، وذلك أن الواو في هذا ~~المثال المكسر أعم تصرفا من الياء؛ ألا ترى إلى كثرة ضوارب، وقواتل، ~~وخواتم، وطوابق، وحواطيم، وجواريف2، وسوابيط3، وحوانيت4، ودواليب، وقلة ~~صيارف، وبياطر، وجيائل- جمع جيأل، وهي الضبع- فلما ألفت الواو في هذه ~~الأمثلة المكسرة، وكانت أعم تصرفا من الياء قلبت الياء أيضا في "شياريز" ~~واوا في "شواريز" كما قلبت الواو أيضا في نحو هذا من مكسر الأمثلة ياء لضرب ~~من الاتساع في الكلام، فقالوا في جمع "ناطل"- وهو المكيال الصغير الذي يري ~~فيه الخمار شرابه- "نياطل"، ولم يقولوا "نواطل" مثل "خواتم" و"دوانق". قال ~~لبيد5: ### | ....... ### | ........ # ... تكر عليهم بالمزاج النياطل6 # وقد يجوز أيضا على هذا أن يكون أصل واحده "شراز" إلا أنهم أبدلوا من ~~الراء الأولى ياء كما ذكرنا، ثم إنهم لما جمعوا أبدلوا الياء المبدلة من ~~الراء واوا لقرب ما بين الياء والواو، والقول الذي قبل هذا أشبه. ~~PageV02P378 # وذكر أبو الحسن في هذه المسألة في كتابه في ms372 التصريف ما أذكره لك لتعجب ~~منه، قال: "وأما شيراز فإنه في وزن "فعلال" وهو من بنات الأربعة نحو ~~"سرداح"1 والياء في "شيراز" واو، يدلك على ذلك قولهم "شواريز"، ومن قال من ~~العرب "شراريز" كان "شيراز" عنده بمنزلة "قيراط" والذي أنكرته من هذا قوله ~~"إن شيرازا" من بنات الأربعة نحو سرداح". وليست تخلو الياء في "شيراز" إذا ~~كانت بدلا من أن تكون بدلا من راء في قول من قال "شراريز" أو من واو في قول ~~من قال "شواريز" علي ما ذكره هو، وذهب إليه. # وعلى كلا القولين لا يجوز أن يكون رباعيا؛ لأنه إن كان في الأصل "شرازا" ~~فوزنه "فعال"، وإن كان "شورازا" فوزنه "فوعال" و"وشراز" ثلاثي بلا خلاف؛ ~~لأنه من باب "صنارة"2 و"خنابة"3 و"فوعال" ثلاثي أيضا؛ لأن الواو لا تكون ~~أصلا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف نحو "الوصوصة"4 و"الوزوزة"5 ~~و"الوحوحة"6 وباب "قوقيت" و"ضوضيت" و"زوزيت"7؛ لأنه في الأصل "قوقوت" ~~و"ضوضوت" و"زوزوت" و"فوعال" ليس مضعفا فتجعل واوه أصلا. # فأما "ورنتل"8 فحرف شاذ، ولو أمكننا أن نقضي بزيادة الواو فيه لضاق العذر ~~عن تولي ذلك، ولكن كونها أولا يمنع من القضاء بزيادتها. # وهذا الذي حكيته لك عن أبي الحسن موجود في نسخ كتابه في التصريف، وهكذا ~~قرأته على أبي علي، ووجدته أيضا في نسخة أخرى مقروءة عليه، وفي نسخة أخرى ~~كان يستجيدها، ويصف صحتها، وكذلك كانت، وكان يقول: هذا مصحف جيد، يثني بذلك ~~على النسخة, وقد كثر التخليط في كتابه هذا، وزيد فيه ما ليس من قول أبي ~~الحسن، وألحق بمتونه، فصار كأنه من الكتاب. PageV02P379 # وقد شك أبو بكر محمد بن السري -رحمه الله- في شيء من كلامه في هذا الكتاب ~~في فصل "آوتاه". وأخلق ما يصرف إليه كلام أبي الحسن في قوله: "إنه رباعي ~~نحو سرداح" أن يقال: إنه أراد أن "فوعال" ملحق بالواو بذوات الأربعة نحو ~~"سرداح"، فترك لفظ الإلحاق للعلم به إذ قد ثبت في الأصول أن الواو لا تكون ~~في هذا النحو أصلا، على أن في هذا التمحل بعدا ms373 وضعفا. # فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون أبو الحسن في هذا على صواب، وأن تكون ~~الكلمة رباعية وإن كانت فيها الواو منفردة غير مضعفة، كما كانت الواو في ~~"ورنتل" أصلا وإن لم تكن مضعفة، ولكنها لما وقعت أولا لم يسغ القضاء ~~بزيادتها، فتكون أيضا الواو في "شوراز" لما وقعت ساكنة بعد كسرة، ولم يمكن ~~تصحيحها، قضي بكونها أصلا لأنا لا نعلم واوا استؤنفت في أول أحوالها مفردة ~~زائدة ساكنة بعد كسرة، فأما "اجلواذ" و"اخرواط" فالواو فيه مضعفة غير ~~منفردة. # فالجواب: أن واو "ورنتل" وقعت موقعا لا يمكن معه القضاء بكونها زائدة، ~~لأنا لا نعلم واوا زيدت أولا، وقد ذكرنا العلة في امتناع العرب من ذلك في ~~حرف الواو. فأما واو "شوراز" المقدرة قبل القلب فهي على كل حال ثانية ساكنة ~~في موضع الواو من "كوثر" و"حوقل"1 و"توراب"2 و"طومار"3 و"قوصرة"4 و"خوزلى"5 ~~و"حوفزان"6 و"تورور"7 لأنه "فوعول" من الترارة8، كذا قال أبو علي، وهو ~~الصواب. فواو "شوراز" المقدرة على كل حال في الموضع الذي تزاد فيه الواو، ~~فلا مانع من الحكم بزيادتها. PageV02P380 # فأما الدلالة على كون الياء في "شيراز" بدلا من الواو في "شوراز" وأن ~~الياء فيه ليست بمنزلة ياء "ديماس" فظهورها في الجمع إذ قالوا "شواريز"، ~~فأما ما شبه السائل بذكره، وطلب التلبيس به في سؤاله من أنه لا يعرف واوا ~~زائدة مفردة استؤنفت في أول أحوالها بعد كسرة، فلا معتبر بقوله من قبل أنه ~~إذا قامت الدلالة على صحة قضية لم يلزم إيراد النظير لها وإن كان في النظير ~~بعض الأنس، ألا ترى أن "كدت أكاد" لا نظير له، وقد دلت الدلالة على كونه ~~"فعل يفعل". وكذلك قولهم: ماء سخاخين1: فعاعيل وإن لم نجد له نظيرا في ~~الكلام. # وكذلك إنقحل: إنفعل عند سيبويه2 وإن لم يكن له نظير عنده، وهذا واسع. ~~فكذلك قولهم إن الواو في "شيراز" زائدة وإن لم نجد لها نظيرا استؤنفت هكذا. # ويؤكد ذلك عندك قول بعضهم "شراريز" فهذه دلالة قاطعة على زيادة الواو في ~~"شواريز"، وجرت ms374 "شراريز" مجرى "صنانير"3 و"خنانيب"4 كما دلت الألف في ~~"شرابث"5 و"جرافس"6 على زيادة النون في "شرنبث" و"جرنفس"، ومع هذا فقد ~~أجمعوا على أن "عباديد" و"شعاليل" يجوز أن يكون واحدها "فعلولا" كأنه ~~"عبدود" و"شعلول" وإن لم تنطق العرب بواحد ذلك، وإن كان ذلك كذلك فالياء في ~~"عباديد"7 و"شعاليل"8 جائز أن تكون منقلبة عن واو "فعلول" فكأنه قبل القلب ~~"شعالول" و"عبادود" فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت ~~"عباديد" و"شعاليل"؛ أفلا ترى أن الياء في "عباديد" و"شعاليل" منقلبة عن ~~واو زائدة منفردة مستأنفة مكسور ما قبلها، فأما الواحد منها فلا اعتداد به ~~لأنه أصل مرفوض لا ينطق به، فجرى لذلك مجرى ما ليس مقدرا، PageV02P381 # وإذا كان ما ينطق به في كثير من الكلام قد تصيره إلى أن يجري مجرى ما قد ~~سقط حكمه وصار غير معتد به، فما لا يظهر على وجه من الوجوه أولى بأن يلغى ~~ولا يعتد به، وذلك قولك: زيد خلفك، فأصل هذا: زيد مستقر خلفك، فحذف اسم ~~الفاعل للعلم به، وأقيم الظرف مقامه، وانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل ~~إلى الظرف، وصار موضع الظرف رفعا لأنه خبر المبتدأ، وألغي "مستقر" حتى صار ~~لا حكم له ولا اعتداد به، وأنت مع هذا لو شئت لأظهرته، فقلت: زيد مستقر ~~خلفك. # ويدلك على أن حكم "مستقر" ونحوه في نحو هذا قد سقط عندهم، وصارت معاملة ~~اللفظ الآن إنما هي للظرف، امتناعهم من تقديم الحال على الظرف في نحو ~~قولهم: زيد خلفك واقفا، فلو قلت: زيد واقفا خلفك لم يجز، فلولا أن نصب ~~الحال الآن إنما وجب بالظرف لا باسم الفاعل المحذوف لكان يجوز تقديم الحال ~~على الظرف بغير اسم الفاعل، كما كان يجوز تقديمها عليه مع اسم الفاعل في ~~قولك: زيد واقفا في الدار مستقر، ف "واقفا" الآن منصوب بمستقر لا بالظرف، ~~ولذلك جاز تقديمه على الظرف، فكذلك إذا قلت: زيد خلفك واقفا، نصبت الحال ~~بالظرف لا باسم الفاعل. فإذا كان حكم اسم الفاعل قد يبطل إذا أقمت الظرف ~~مقامه ms375 مع أنه قد يجوز لك أن تلفظ معه باسم الفاعل وتجمع بينهما، فأن يكون ~~ما لا ينطق به البتة غير مراد ولا معتد به -وهو واحد "شعاليل" و"عباديد"- ~~أجدر. فهذا ما احتمله القول، واقتضاء النظر في قولنا "شيراز" و"شواريز" ~~و"شراريز". # فأما قولهم "تسربت" فيكون أيضا من باب إبدال الياء من الراء، وأصلها على ~~هذا "تسررت" لأنها من "السرية" و"السرية": "فعلية" من السر، وذلك أن صاحبها ~~أبدا ما يخفيها ويسر أمرها عن حرمته وصاحبة منزله. ومن كانت "سرية" عنده ~~"فعيلة" مثل "مريقة" و"علية" فاستشقاقها عنده من سراة الشيء، وهو أعلاه ~~وأوله. ودفع أبو الحسن هذا القول، وقال: إن الموضع الذي تؤتي منه المرأة ~~ليس أعلاها ولا سراتها. والقول كما قال. # والذي ذهب إليه أبو الحسن فيها هو أنها "فعلية" من السرور لأن صاحبها يسر ~~بها. ولو قال قائل: إنها "فعيلة" من سريت. أي: سرت ليلا، لأن في ذلك ضربا ~~من الإخفاء والستر، لكان قولا، ولكن حملها على أنها "فعلية" أوجه لأمرين: # PageV02P382 # أحدهما: أن "فعلية" أكثر في الكلام من "فعيلة". # والآخر: أن معنى السر ههنا والسرور أظهر من معنى السراة والسرى. # وإذا كانت "سرية" من "السراة" فأصلها "سريوة" لأن السراة من الواو، لقول ~~الفرزدق1: # وأصبح مبيض الصقيع كأنه ... على سروات البيت قطن مندف2 # فلما اجتمعت الياء والواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت ~~الباء في الياء، فصارت "سرية". وكذلك القول في "علية"، أصلها "عليوة" لأنها ~~من "علوت" والقول فيها كالقول في "سرية" إذا أخذت من السراة. PageV02P383 # إبدال الياء من النون: # من ذلك قولهم "دينار" وأصله "دنار"، والقول فيه كالقول في "قيراط" لقولهم ~~في التكسير "دنانير" ولم يقولوا "ديانير". وكذلك التحقير، وهو "دنينير". ~~وقالوا "إيسان"، فأبدلوا نون "إنسان" ياء، قال1: # فيا ليتني من بعدما طاف أهلها ... هلكت، ولم أسمع بها صوت إيسان2 # البيت لعامر بن جورين. إلا أنهم قد قالوا في جمعه أيضا "أياسي" بياء قبل ~~الألف، فعلى هذا يجوز أن تكون الياء غير مبدلة، وجائز أيضا أن يكون من ~~البدل اللازم، نحو: ms376 عيد وأعياد وعييد، ونحو ميثاق ومياثيق، وميثرة ومياثير. ~~وهذا هو الوجه عندي في "إيسان". # ومن ذلك قولهم "تظنيت" وإنما هي "تفعلت" من الظن، وأصلها "تظننت" فقلبت ~~النون الثالثة ياء كراهية التضعيف. PageV02P383 ### | إبدال الياء من النون # ... # وقرأت على أبي علي بإسناده عن أبي عبيدة "قال: سمعت أبا عمرو ابن العلاء ~~يقول: {لم يتسن} [البقرة: 259] 1: لم يتغير، هو من قوله تعالى: {من حمأ ~~مسنون} [الحجر: 26] أي: متغير. فقلت له: {لم يتسن} من ذوات الياء، و ~~{مسنون} من ذوات التضعيف، فقال: هو مثل "تظنيت" وهو من الظن". وأصله على ~~هذا القول "لم يتسنن" ثم قلبت النون الآخرة ياء هربا من التضعيف، فصار ~~"يتسني" ثم أبدلت الياء ألفا، فصار "يتسنى" ثم حذفت الألف للجزم، فصار {لم ~~يتسن} . # وقالوا: "إنسان" و"أناسي" و"ظربان" و"ظرابي"، فالياء الثانية بدل من نون ~~الواحد. PageV02P348 ### | إبدال الياء من اللام # وهو في قولهم: أمليت الكتاب، إنما أصله "أمللت" فأبدلت اللام الآخرة ياء ~~هربا من التضعيف، وقد جاء القرآن باللغتين جميعا، قال تعالى: {فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] 1، وقال عز اسمه: {وليملل الذي عليه الحق} ~~[البقرة: 282] 2. PageV02P384 ### | إبدال الياء من الصاد # أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال: قال اللحياني: قصيت أظفاري في ~~معنى قصصتها، فهذا مثل "تظنيت" أبدلت الصاد الثالثة ياء كراهية للتضعيف. ~~وقد يجوز عندي أن يكون "قصيت": "فعلت" من أقاصي الشيء؛ لأن أقاصيه أطرافه، ~~والمأخوذ من الأظافر إنما هو أطرافها وأقاصيها، فلا يكون في هذا بدل. # PageV02P384 ### | إبدال الياء من الضاد # خبرنا أبو علي، قال: "قال الأصمعي وأبو عبيدة في قول العجاج1: # تقضي البازي إذا البازي كسر2 # هو "تفعل" من الانقضاض، وأصله "تقضض" فأبدلت الضاد الآخرة ياء لما ذكرت ~~لك"3 # وقالوا: "تفضيت من الفضة" وهو مثله. ويجوز أن يكون "تقضي البازي": ~~"تفعلا" من "قضيت" أي: عملت، كقول أبي ذؤيب4: # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع5 # أي: عملهما. فيكون "تقضي البازي" أي: عمل البازي في طيرانه، والوجه هو ~~الأول. PageV02P385 ### | إبدال الياء من الميم # خبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب1 عن ms377 ابن الأعرابي أنه أنشد: # نزور امرءا أما الإله فيتقي ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي2 # قال ابن الأعرابي: أراد: يأتم، فأبدل الميم الثانية ياء. # وقالوا في قول الراجز3: # بل لو رأيت الناس إذ تكموا ... بغمة لو لم تفرج غموا4 # قالوا: أراد: تكمموا، من كممت الشيء إذا سترته، فأبدل الميم الأخيرة ياء ~~مثل "تظنيت" فصار في التقدير "تكميوا"، فأسكنت الياء وحذفت، كما تقول: قد ~~تولوا، وتعلوا من: وليت، وعلوت. وقد يحتمل هذا عندي وجها غير القلب، وهو أن ~~يكون "تكموا": "تفعلوا" من كميت الشيء إذا سترته، ومن قولهم "كمي" لأنه هو ~~الذي قد تستر في سلاحه، فيكون "تكموا" على هذا مما لامه معتلة، ولا يكون ~~أصله من ذوات التضعيف. # وقال ابن الأعرابي في قول ذي الرمة5: # منطقة بالآي معمية به ... دياجيرها الوسطى وتبدو صدورها6 PageV02P386 # قال: أراد معممة، فأبدل من الميم ياء. ويجوز عندي أيضا أن يكون من العمى، ~~قال سيبويه: من قال في جمع "ديماس": "دماميس" فالياء فيه بدل من ميم ~~"دماس"1. PageV02P387 ### | إبدال الياء من الدال # خبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب، قال1 "قال أبو عبيدة: التصدية: التصفيق ~~والصوت، و"فعلت" منه "صددت أصد"، ومنه قوله تعالى: {إذا قومك منه يصدون} ~~[الزخرف: 57] أي: يعجون ويضجون، فحول إحدى الدالين ياء". وأنكر أبو جعفر ~~الرستمي هذا القول على أبي عبيدة، وقال: إنما هو من الصدى، وهو الصوت، فكيف ~~يكون مضعفا. # وقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال: هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله عز وجل: ~~{يصدون} وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع ~~أن تكون {تصدية} منه، فتكون تفعلة" من ذلك، وأصلها "تصددة" مثل "التحلة"2 ~~و"التعلة"3، ألا ترى أن أصلهما "تحللة" و"تعللة"، فلما قلبت الدال الثانية ~~من "تصددة" تخفيفا اختلف الحرفان، فبطل الإدغام. PageV02P387 ### | إبدال الياء من العين # انشد سيبويه1: # ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمه نقانق2 PageV02P387 # يريد: ولضفادع جمه، فكره أن يسكن العين في موضع الحركة، فأبدل منها حرفا ~~يكون ساكنا في حال الجر، وهو الياء. # وأخبرنا أبو علي ms378 بإسناده عن يعقوب، قال1: "قال ابن الأعرابي: تلعيت من ~~اللعاعة"، واللعاعة: بقلة. وأصل "تلعيت": "تلععت" فأبدلوا من العين الآخرة ~~ياء كما قالوا "تفضيت" و"تظنيت". PageV02P388 ### | إبدال الياء من الكاف # حكى أبو زيد "مكوك ومكاكي"1 فالياء الثانية بدل من كاف، وأصلها "مكاكيك" ~~كما تقول: شبوط2 وشبابيط، وسمور3 وسمامير. PageV02P388 ### | إبدال الياء من التاء # أنشدهم بعضهم1: # قام بها ينشد كل منشد ... فايتصلت بمثل ضوء الفرقد2 # أراد: فاتصلت، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهية للتشديد. PageV02P388 ### | إبدال الياء من الثاء # قال1: # يفديك يا زرع أبي وخالي ... قد مر يومان وهذا الثالي # وأنت بالهجران لا تبالي2 # أراد: الثالث. PageV02P389 ### | إبدال الياء من الجيم # قالوا: "ديجوج ودياج" وأصله "دياجيج"، فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت ~~الياء قبلها تخفيفا. وأما قولهم في "شجرة": "شيرة" فينبغي أن تكون الياء ~~فيها أصلا، ولا تكون بدلا من الجيم، أنشد الأصمعي1: # تحسبه بين الأنام شيرة2 # قال أبو الفضل الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: كنا عند المفضل وعنده أعراب، ~~فقلت: قل لهم يقولون "شيرة"، فقالوها، فقلت له: قل لهم يصغرونها، فصغروها ~~"شييرة". وإنما كانت الياء عندنا في "شيرة" أصلا غير بدل من الجيم لأمرين: ~~PageV02P389 # أحدهما: ثبات الياء في تصغيرها في قولهم "شييرة"، ولو كانت بدلا من الجيم ~~لكانوا خلقاء إذا حقروا الاسم أن يردوها إلى الجيم ليدلوا على الأصل. # والآخر: أن شين "شجرة" مفتوحة، وشين "شيرة" مكسورة، والبدل لا تغير فيه ~~الحركات، إنما يوقع حرف موقع حرف، وعلى ذلك عامة البدل في كلامهم؛ ألا ترى ~~أن من يقول "إيل" فيأتي به على الأصل، إذا أبدل الياء جيما قال "إجل" فلم ~~يعرض لشيء من الاسم سواها، ولم يزل شيئا عما كان عليه من أحوال حركته. هذا ~~هو الظاهر من حال "شيرة". # فإن قلت: فهل تجد لجعل الياء في "شيرة" بدلا من الجيم وجها؟ # فإن الطريق إلى ذلك -وإن كان فيها بعض الصنعة- أن تقول: إنه أراد "شجرة" ~~ثم أبدل الجيم ياء، كما أبدلت الياء جيما في نحو: "الإجل" و"علج"1 و"فقيمج" ~~و"مرج"، فكان حكمه أن يدع الشين مفتوحة، فيقول ms379 "شيرة" إلا أن العرب إذا ~~قلبت أو أبدلت فقد تغير في بعض الأحوال حركات تلك الكلمة، ألا ترى أن ~~"الجاه" مقلوب من "الوجه"، فكان سبيله إذا قدمت الجيم وأخرت الواو أن يقال ~~"جوه" فتسكن الواو كما كانت الجيم في "وجه" ساكنة، إلا أنها حركت لأن ~~الكلمة لما لحقها القلب ضعفت، فغيروها بتحريك ما كان ساكنا إذ صارت بالقلب ~~قابلة للتغيير، فصار التقدير "جوه" فلما تحركت الواو وقبلها فتحة قلبت ~~ألفا، فقيل "جاه" فكما غيرت حال "الجاه" لما لحق الكلمة من القلب، كذلك ~~غيرت فتحة شين "شجرة" إلى الكسر لما لحق الجيم من القلب، وزاد في الأنس ~~بذلك أنه لو أقرت الفتحة في الشين، فقيل "شيرة" لانفتحت الشين قبل الياء، ~~والياء متحركة، فتصير إلى قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فكان ~~يلزم أن يقال "شارة" كما يقال "باعة" جمع "بائع" وأصلها "بيعة"، فهربوا ~~لذلك مع ما قدمناه إلى أن كسروا الشين لتقر الياء ولا تنقلب. # فإن قلت: فهلا تركوا فتحة الشين بحالها، فقلبوا الياء ألفا، فقالوا ~~"شارة" كما قالوا "جاه"؟ PageV02P390 # قيل: "جاه" وإن كانت واوه قد قلبت، فإنه بعد ذلك أشبه في اللفظ ب "وجه"؛ ~~ألا ترى أن ثاني "وجه" ساكن وثاني "جاه" أيضا ساكن، فعلى كل حال قد سكن ~~الثاني من كل واحد منهما، فأما "شجرة" فلو قيل فيها "شارة" لكان الثاني من ~~"شارة" ساكنا، وقد علمنا أن ثاني "شجرة" متحرك، فلما تباينا من هذا الوجه ~~عدلوا إلى أن غيروا حركة شين "شجرة" إلى الكسر فقالوا "شيرة" ليبقي ثاني ~~"شيرة" متحركا كما كان ثاني "شجرة" متحركا، وكان هذا أوفق وأليق وأشبه ~~بالحال من قلب الياء ألفا. # PageV02P391 # قيل: "جاه" وإن كانت واوه قد قلبت، فإنه بعد ذلك أشبه في اللفظ ب "وجه"؛ ~~ألا ترى أن ثاني "وجه" ساكن وثاني "جاه" أيضا ساكن، فعلى كل حال قد سكن ~~الثاني من كل واحد منهما، فأما "شجرة" فلو قيل فيها "شارة" لكان الثاني من ~~"شارة" ساكنا، وقد علمنا أن ثاني "شجرة" متحرك، فلما ms380 تباينا من هذا الوجه ~~عدلوا إلى أن غيروا حركة شين "شجرة" إلى الكسر فقالوا "شيرة" ليبقي ثاني ~~"شيرة" متحركا كما كان ثاني "شجرة" متحركا، وكان هذا أوفق وأليق وأشبه ~~بالحال من قلب الياء ألفا. ### | زيادة الياء # قد زيدت الياء أولا، وثانية، وثالثة، ورابعة، وخامسة، وسادسة. # زيادة الياء أولا: وذلك نحو: "يرمع"1 و"يعملة"2 و"يسروع"3 و"يعضيد"4 وفي ~~الفعل نحو "يقوم" و"يقعد" و"ينطلق". # زيادة الياء ثانية: وذلك نحو: "خيفق"5 و"صيرف"6 و"غيداق"7 و"خيتام"8 ~~و"قيصوم"9 و"عيثوم"10 و"عيهوم"11 و"خيسفوج"12 و"عيضموز"13 و"حيزبون"14 ~~و"قيتال" و"ضيراب" و"حيفس"15 و"صيهم"16. وفي الفعل نحو "بيطر"17 و"بيقر"18. ~~PageV02P391 # زيادة الياء ثالثة: وذلك نحو: "عثير"1 و"حذيم"2 و"طريم"3 و"سرياح"4 ~~و"جريال"5 و"كديون"6 و"هليون"7 و"سعيد" و"قضيب". وللتحقير نحو "كليب" ~~و"دريهم" و"دنينير". و"عليب" ولا نظير له، و"هبيخ"8. # زيادة الياء رابعة: وذلك نحو "دهليز"9 و"منديل" و"قنديل" و"شمليل"10 ~~و"زحليل"11. # وفي الفعل نحو "سلقيت"12 و"جعبيت"13. # زيادة الياء خامسة: وذلك نحو: "عنتريس"14 و"خربصيص"15 و"جعفليق"16 ~~و"شفشليق"17 و"قرقرير"18. # وفي الفعل نحو: "احرنبيت"19 و"اسلنقيت"20 و"احبنطيت"21 و"اسرنديت" 22 ~~و"اغرنديت" و"ابرنتيت"23. PageV02P392 # زيادة الياء سادسة: قال بعضهم فيما حكاه الأصمعي في تحقير "عنكبوت" ~~وتكسيره: "عنيكبيت" و"عناكبيت". # وقرأ بعضهم: {وعباقري حسان} [الرحمن: 76] 1 وهذا شاذ لا يقاس عليه. # واعلم أن الياء قد تزاد في التثنية والجمع الذي على حد التثنية، نحو: ~~الزيدين، والعمرين، والزيدين، والعمرين، وقد تقصينا حالها في هذا في حرف ~~الألف. # وتزاد أيضا علما للتأنيث والضمير في الفعل المضارع نحو: أنت تقومين، ~~وتقعدين، وتنطلقين، وتعتذرين. # وتزاد أيضا إشباعا للكسرة، وذلك نحو بيت الكتاب: # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف2 # يريد: الصيارف، فأشبع كسرة الراء، فتولدت بعدها ياء. فأما "الدراهيم" فإن ~~كان جمع "درهم" فهو كالصياريف، وإن كان جمع "درهان" فلا ضرورة فيه. # ومن ذلك قول العرب في جمع دانق3. وخاتم، وطابق4: دوانيق، وخواتيم، ~~وطوابيق، وإنما الوجه: دوانق، وخواتم، وطوابق. # قال5: ### | ...... ### | ...... # ... وتترك أموال عليها الخواتم6 PageV02P393 # وقال زبان بن سيار1: # متى تقرؤوها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فض عنها الخواتم2 # وقد أولعت العامة بقولهم في جمع "زورق": "زواريق"، ولا وجه للياء هناك ~~إلا أن يسمع ms381 ذلك من العرب، فأما من طريق القياس فإنها "زوارق" مثل: "جوهر" ~~و"جواهر" و"جورب" و"جوارب". # وقال أبو النجم3: # منها المطافيل وغير المطفل4 # يريد: المطافل. # فأما قول يزيد الغواني الضبعي5: # وما زال تاج الملك فينا وتاجهم ... قلاسي فوق الهام من سعف النخل6 # فإنما زاد الياء الأولى لأنها عوض من نون "قلنسوة" وليست بإشباع للكسرة ~~كالتي قبلها. PageV02P394 # وربما عكست العرب هذا، فحذفت الياء في غير موضع الحذف، واكتفت بالكسرة ~~منها، فقال1: # والبكرات الفسج العطامسا2 # يريد: العطاميس، وهذا من أبيات الكتاب، ومثله3: # وغير سفع مثل يحامم4 # يريد: يحاميم جمع يحموم، وهو الأسود. ومن أبياته أيضا5: # وكحل العينين بالعواور6 # يريد: العواوير، وهو جمع عوار، وهو الرمد. وقال أبو طالب7: # ترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل8 # يريد: العثاكيل. PageV02P395 # وقال عبيد الله بن الحر1: # وبدلت بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدرع من مستحكمات المسامر2 # يريد: المسامير. # وحذفوها أيضا وهي أصل لا زائدة، قال3: # كفاك كف ما تليق درهما ... جودا، وأخرى تعط بالسيف الدما4 # يريد: تعطي. # ومن أبيات الكتاب5: # وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا6 # يريد: الأيدي. ومنها7: # وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد8 # يريد: الغواني. PageV02P396 # ومنها1: # كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت بالليتين عصف الإثمد2 # يريد: كنواحي، فحذف الياء، وذلك أنه شبه المضاف إليه بالتنوين، فحذف ~~الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين، كما شبه الأول لام المعرفة في ~~"الغوان" و"الأيد" بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من خواص الأسماء ~~ومعتقبة عليها، فحذف الياء لأجل اللام كما يحذفها لأجل التنوين، هكذا أخذت ~~من لفظ أبي علي وقت القراءة عليه. # وقال الآخر3: # قلت لها: يا هذ في هذا إثم4 # يريد: هذي، فحذف الياء تخفيفا. # وتحذف أيضا الياء الزائدة بعد هاء إضمار الواحد نحو: مررت به يا فتى، قرأ ~~بعضهم: {فخسفنا به وبداره الأرض} [القصص: 81] 5. وبعد ميم الضمير نحو: ~~عليهم، وإليهم، وبهم، وأصله: عليهمو، وإليهمو، وبهمو، فالهاء للإضمار، ~~والميم علامة تجاوز الواحد، والواو لإخلاص الجمع، ثم إنهم يبدلون ضمة الهاء ~~كسرة لخفاء الهاء ووقوع الكسرة ms382 والياء الساكنة قبلها، فيقولون: عليهمو، ~~وبهمو، وإليهمو، ثم إنهم قد يستثقلون الخروج من كسر الهاء إلى ضم الميم، ~~فيبدلون من ضمة الميم كسرة، فيصير في التقدير -ولا يستعمل البتة كما استعمل ~~جميع ما ذكرناه قبله- عليهمو، وإليهمو، وبهمو، فتقلب الواو ياء لوقوع ~~الكسرة قبلها، فيصير: عليهمي، PageV02P397 # وإليهمي، وبهمي، ثم تستثقل الياء هنا، فتحذف تخفيفا هي والكسرة قبلها، ~~ولا يخاف لبس لأن التثنية بالألف لابد منها، فيقال: عليهم، وإليهم، وبهم، ~~وهي قراءة أبي عمرو، إلا أن أبا الحسن قد حكى أن منهم من يقر الكسرة في ~~الميم بحالها بعد حذف الياء، فيقول: عليهم، وإليهم، وبهم، كما أقرت آخرون ~~الضمة في الميم بعد حذف الواو، فقالوا: عليهم بكسر الهاء وضمها. # وتزداد الياء أيضا بعد كاف المؤنث إشباعا للكسرة في نحو: عليكي، ومنكي، ~~وضربتكي، وروينا عن قطرب لحسان1: # ولست بخير من أبيك وخالكي ... ولست بخير من معاظلة الكلب2 # وتزاد أيضا لإطلاق حرف الروي إذا كانت القوافي مجرورة، نحو قوله3: # هيهات منزلنا بنعف سويقة ... كانت مباركة من الأيامي4 # وقول الآخر5: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح، وما الإصباح فيك بأمثلي6 ~~PageV02P398 # وقول النابعة1: # أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا، وكأن قدي2 # يريد: وكأن قد زالت، وهو كثير. # وتزداد أيضا بعد لام المعرفة عند التذكر، وذلك قولهم: قام الي، يريد: ~~الغلام أو الإنسان، أو نحو ذلك فينسى الاسم، فيقف مستذكرا، فلا يقطع على ~~اللام لأنها ليست بغاية لكلامه، وإنما غايته ما يتوقعه بعده، فيطول وقوفه ~~وتطاوله إلى ما بعد اللام، فيكسرها تشبيها بالقافية المجرورة إذا وقع حرف ~~رويها حرفا ساكنا صحيحا، نحو قوله: "وكأن قدي". وكذلك لو وقعت "أن" قافية ~~لقيل "أني" ولو وقعت "عن" قافية لقيل "عني" ولو وقعت "من" قافية لأطلقت ~~تارة إلى الفتح، وتارة في قصيدة أخرى إلى الكسر، وذلك لأن "من" قد تفتح في ~~نحو قولك: "من الرجل" وقد تكسر وتفتح أيضا في نحو "من ابنك" و"من ابنك" ~~فتقول في القافية المنصوبة "منا"، وفي القافية المجرورة "منى" إلا أن الفتح ms383 ~~أغلب عليها لأنه أكثر في الاستعمال. # وإنما جمعنا بين القافية وبين التذكر من قبل أن القافية موضع مد ~~واستطالة، كما أن التذكر موضع استشراف وتطاول إلى المتذكر، فاعرف ذلك. # وعلى هذا قالوا في التذكر "قدي" أي: قد قام أو قعد أو نحو ذلك. وكذلك كل ~~ساكن وقفت عليه وتذكرت بعده كلاما فإنك تكسره، وتشبع كسرته للاستطالة ~~والتذكر، نحو قولك: "من أنت" إذا وقفت على "من" مستذكرا لما بعدها قلت ~~"مني". PageV02P399 # وعلى هذا يتوجه عندي قول الحصين بن الحمام1: # ما كنت أحسب أن أمي علة ... حتى رأيت إذي نحاز ونقتل # ومعناه: إذ نحاز، إلا أنه لما كان يقول في التذكر "إذي" وهو متذكر إذ كان ~~كذا وكذا أجرى الوصل مجرى الوقف، فألحق الياء في الوصل، فقال/ "إذي" ولهذا ~~نظائر. # وقال سيبويه2: "وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول: هذا سيفني، يريد: هذا ~~سيف، ولكنه تذكر بعد كلاما، ولم يرد أن يقطع اللفظ لأن التنوين حرف ساكن ~~ينكسر، فكسر كما كسر دال قد". هذا قول سيبويه كما تراه. # وقال الراجز3: # تقول: يارباه يارب هل ... هل أنت من هذا منج أحبلي # إما بتطليق وإما ب "ارحلي"4 # فحرك لام "هل" لما أطلقها بالكسر. # فإن كان الساكن مما يكون وقتا مضموما أو مفتوحا، ثم وقفت عليه مستذكرا، ~~ألحقت ما يكون مضموما واوا، وما يكون مفتوحا ألفا، فتقول: ما رأيته مذو، ~~أي: مذ يوم كذا؛ لأن أصله ضم الذال في "منذ"، وتقول: عجبت منا، أي: من زيد ~~أو غيره؛ لأنك قد كنت تقول: من اليوم، ومن الرجل، ومن الغلام، فتفتحه. ومن ~~كان من لغته "من الغلام" قال في التذكر "عجبت مني"، فحكم التذكر في هذا ~~الباب حكم القافية؛ ألا ترى أنك تقول في التذكر "عجبت من الغلامي" فتلحق ~~الياء بعد الميم كما تلحقها بعدها في القافية في نحو قوله5: PageV02P400 ### | ................................... # ... كانت بماركة من الأيامي1 # وكذلك إن وقفت على ياء ساكنة مكسور ماقبلها ألحقتها ياء أخرى، ومددت، ~~فقلت: "رغبت فيي" أي: في زيد ونحوه، و"ضربت غلامي" أي: ضربت ms384 غلامي أمس ~~مستذكرا أمس ونحوه، فتزيد على الياء ياء أخرى. وقد ذكرنا نحو هذا في حرف ~~الواو وحرف الألف، فاعرفه. # فإن كانت قبل الياء والواو فتحة كسرتهما في التذكر، وألحقت بعدهما ياء، ~~وذلك قولك: قام زيد أوي، أي: أو عمرو، ونحوه، وضربت غلاميي، أي: غلامي زيد ~~أو نحوه. وإنما كسرتهما لأنك قد كنت تكسرهما لالتقاء الساكنين في نحو قولك: ~~قام الغلام أو الرجل، وضربت غلامي الرجل. وتقول: {أولئك الذين اشتروا} ~~[البقرة: 16] 2 وتقف متذكرا "الضلالة"، وفي {وعصوا الرسول} [النساء: 42] : ~~"عصووا" لأجل أن هذه الواو مضمومة لالتقاء الساكنين، فتضمها هنا، وتلحق ~~ضمتها واوا. # ومن كان لغته من الكلام: "اشتروا الضلالة"3 قال في التذكر: "اشتروي". ومن ~~قرأ4: "اشتروا الضلالة" ففتح الواو قال في التذكر: "اشتروا" فألحق الواو ~~ألفا. # وحكى الكوفيون عن العرب "أكلت لحما شاة" أي: لحم شاة، فهذا على تذكر ~~الشاة، فأشبع الفتحة، فاستطالت ألفا. # ومن قال: لو انطفلق بزيد لكان كذا، قال في التذكر "لوو"، ومن كسر الواو ~~هناك قال هنا "لوي"، فالواو والياء إذا انفتح ما قبلهما تجريان هنا مجرى ~~الصحيح كما ترى. PageV02P401 # وتزداد الياء بمعنى الاسم في نحو "غلامي" و"صاحبي". وللعرب في هذه الياء ~~لغتان، منهم من يسكنها، فمن فتحها قال: هي اسم، وهي على أقل ما تكون عليه ~~الكلم، فقويتها بالحركة كما فتحت كاف المخاطب في نحو: رأيتك، ومررت بك. ومن ~~سكنها قال: الحركات على كل حال مستثقلة في حرفي اللين؛ ألا ترى أن من قال ~~في قصعة، وجفنة: قصعات، وجفنات لم يقل في نحو جوزة، وبيضة إلا جوزات، ~~وبيضات بالإسكان. # فأما ما جاء عنهم من قول الشاعر1: # أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنطبين سبوح2 # فشاذ لا يقاس عليه باب. # فأما الياء في "إياي" فقد تقدم من قولنا في حرف الكاف إنها على مذهب أبي ~~الحسن حرف لمعنى التكلم، كما أن الكاف في "إياك" لمعنى الخطاب، وإنها هنا ~~ليست على هذا القول باسم، كما أن الكاف ليست هناك باسم. ومن رأى أن "إياك" ~~بكماله هو الاسم ms385 كانت "إياي" أيضا بكمالها هي الاسم. ومن رأى أن الكاف في ~~"إياك" في موضع جر بإضافة "إيا" إليها، رأى أيضا مثل ذلك في الياء من ~~"إياي"، وكان ذلك في الياء أسهل منه في الكاف، وذلك أن الكاف قد رأيناها في ~~نحو "ذلك" و"أولئك" و"هنالك" حرفا لا محالة، ولم نر نحو الياء التي في ~~"إيادي" حرفا في غير "إياي"، إلا أن أبا الحسن أجرى الياء هنا مجرى الكاف ~~في إياك، وقد تقدم من الحجاج في باب الكاف ما يصح به مذهب أبي الحسن وإن ~~كان غريبا لطيفا. PageV02P402 # وتزاد للنسب، وذلك نحو "بصري" و"كوفي". وتزداد أيضا في الاستفهام عن ~~النكرة المجرورة إذا وقفت، وذلك إذا قيل: "مررت برجل" قلت في الوقف "منى" ~~فهذه الياء إنما لحقت في الوقف زائدة لتدل على أن السائل إنما سأل عن ذلك ~~الاسم المجرور بعينه، ولم يسأل عن غيره، فجعلت هذه الياء هنا أمارة لهذا ~~المعنى ودلالة عليه، وكانت الياء هنا أولى من الألف والواو لأن المسؤول عنه ~~مجرور، والياء بالكسرة أشبه منها بالواو والألف، وليست الياء هنا بإعراب، ~~إنما دخلت لما ذكرت لك، ولو كانت إعرابا لثبتت في الوصل، فقلت: "مني يا ~~فتى" وهذا لا يقال، بل يقال: "من يا فتى" في كل حال، وإنما هذه زيادة لحقت ~~في الوقف لأن الوقف من مواضع التغيير. # ونظيرها التشديد الذي يعرض في الوقف في نحو: "هذا خالد" و"هو يجعل"، قال ~~سيبويه: إنما ثقل هذا ونحوه في الوقف حرصا على البيان، وإعلاما أن الكلمة ~~في الوصل مطلقة، لأنه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان على هذا الحد. ~~والقول في الألف في "منا" والواو في "منوا" هو القول في الياء الذي مضى ~~آنفا. # PageV02P403 # فصل: في ### | تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها # اعلم أن هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة ولا موقعة موقع ~~الأسماء، فإنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك: ألف، با، تا، ~~ثا، جيم، حا، خا، دال، ذال، را، زاي، سين، شين، صاد، ضاد، وكذلك إلى ms386 آخرها، ~~وذلك أنها إنما هي أسماء الحروف الملفوظ بها في صيغ الكلم بمنزلة أسماء ~~الأعداد، ونحو ثلاثه أربعة خمسه تسعه، ولا تجد لها رافعا ولا ناصبا ولا ~~جارا، وإذا جرت كما ذكرنا مجرى الحروف لم يجز تصريفها ولا اشتقاقها ولا ~~تثنيتها ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. # ويدلك على كونها هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف، ونحو ذلك، أنك تجد فيها ما هو ~~على حرفين الثاني منهما ألف، وذلك نحو: با تا ثا حا خا طا ظا، ولا تجد في ~~الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف ~~نحو ما، ولا، ويا، وأو، ولو، وأي، وكي، فلا تزال هذه الحروف مبنية غير ~~معربة لأنها أصوات بمنزلة صه، ومه، وإيه، وغاق1، وحاء2، وعاء3، حتى توقعها ~~مواقع الأسماء، فترفعها حينئذ، وتنصبها، وتجرها، كما تفعل ذلك بالأسماء، ~~وذلك قولك: أول الجيم جيم، وآخر الصاد دال، وأوسط الكاف ألف، وثاني السين ~~ياء، وكتبت جيما حسنة، وخططت قافا صحيحة. # وكذلك العاطف4 لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: باء ~~وكاف وراء، فيعرف لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: با كاف را. ~~PageV02P405 # قال1: # كافا وميما ثم سينا طاسما2 # وقال الآخر3: ### | ....................................... # ... كما بينت كاف تلوح وميمها4 # وقال الآخر5: # إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم جدال # وكذلك أسماء العدد مبنية أيضا، تقول: واحد اثنان ثلاثه أربعه خمسه. # ويؤكد ذلك عندك ما حكاه سيبويه6 من قول بعضهم: "ثلاثهربعه". فتركه الهاء ~~من "ثلاثه" بحالها غير مردودة إلى التاء -وإن كانت قد تحركت بفتحة همزة ~~"أربعة"- دلالة على أن وضعها وبنيتها أن تكون في العدد ساكنة، حتى إنه لما ~~ألقى عليها حركة الهمزة التي بعدها أقرها هاء في اللفظ بحالها على ما كانت ~~عليه قبل إلقاء الحركة عليها، ولو كانت كالأسماء المعربة لوجب أن تردها متى ~~تحركت تاء، فتقول "ثلاثتربعه" كما تقول: رأيت طلحة يا فتى. فإن أوقعتها ~~موقع الأسماء أعربتها، وذلك قولك: ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة ~~بثلاثة، ms387 فأعربت هذه الأسماء، ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها؛ ~~ألا ترى أن "ثلاثة" عدد معروف القدر، وأنه أكثر من "اثنين" بواحد، وكذلك ~~"خمسة" مقدار من العدد معروف؛ ألا ترى أنه أكثر من "ثلاثة" باثنين. ~~PageV02P406 # فإن قلت: ما تنكر أن تكون هذه الأسماء نكرة لدخول لام المعرفة عليها، ~~وذلك قولك: الثلاثة نصف الستة، والسبعة تعجز عن الثمانية بواحد؟ # فالجواب: أنه قد ثبت أن هذه الأسماء التي للعدد معروفة المقادير، فهي على ~~كل حال معرفة، وأما نفس المعدود فقد يجوز أن يكون معرفة ونكرة، فأما ~~إدخالهم اللام على أسماء العدد فيما ذكره السائل نحو: الثمانية ضعف ~~الأربعة، والاثنان نصف الأربعة، فإنه لا يدل على تنكير هذه الأسماء إذا لم ~~تكن فيها لام، وإنما ذلك لأن هذه الأسماء يعتقب عليها تعريفان: أحدهما ~~العلم، والآخر اللام. # ونظير ذلك قولك: لقيته فينة والفينة، وقالوا للشمس: "إلاهة" و"الإلاهة"، ~~وقالوا للمنية: "شعوب" و"الشعوب"، ولهذا نظائر، فكما أن هذه الأسماء لا يدل ~~دخول اللام عليها على أنها إذا لم تكن فيها فهي نكرات، فكذلك أيضا "أربعة" ~~و"الأربعة" و"خمسة" و"الخمسة" هو بمنزلة "فينة" و"الفينة" و"إلاهة" ~~و"الإلاهة"، أنشدنا أبو علي، ورويناه أيضا عن قطرب من غير جهته: # تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا إلاهة أن تؤوبا1 # ويروى: الإلاهة، فاعرف هذا فإنه لطيف. # فإذا ثبت بما قدمناه أن حروف المعجم أصوات غير معربة، وأنها نظيرة الحروف ~~نحو "هل" و"لو" و"من" و"في" لم يجز أن يكون شيء منها مشتقا ولا مصرفا، كما ~~أن الحروف ليس في شيء منها اشتقاق ولا تصريف، وقد تقدم القول على ذلك في ~~حرف الألف. فإذا كان ذلك كذلك فلو قال لك قائل: ما وزن "جيم" أو "طاء" أو ~~"كاف" أو "واو" من الفعل؟ لم يجز أن تمثل ذلك له، كما لا يجوز أن تمثل له ~~"قد" و"سوف" و"لولا" و"كيلا"، فأما إذا نقلت هذه الحروف إلى حكم الأسماء ~~بإيقاعها مواقعها من عطف أو غيره، فقد نقلت إلى مذاهب الاسمية، وجاز فيها ~~تصريفها وتمثيلها وتثنيتها وجمعها والقضاء على الفاتها وياءاتها، ms388 إذ قد ~~صارت إلى حكم ما ذلك جائز فيه غير ممتنع منه. PageV02P407 # وهذا الفصل هو الذي يلطف1 فيه النظر، ويحتاج إلى بحث وتأمل، ونحن نقول في ~~ذلك مما رويناه ورأيناه ما يوفق الله تعالى له إن شاء الله، وبه الثقة. # اعلم أن هذه الحروف تأتي على ضربين: # أحدهما: ما هو ثنائي، والآخر: ثلاثي. # ونبدأ بذكر الثنائي لأنه أسبق في مرتبة العدة، وذلك: با تا ثا حا خا را ~~طا ظا فا ها يا، وأما الزاي فللعرب فيها مذهبان: منهم من يجعلها ثلاثية، ~~فيقول: زاي، ومنهم من يجعلها ثنائية، فيقول: زي، وسنذكرها على وجهيها. # وقد حكي فيها "زاء" ممدودة ومقصورة. # وأما الألف التي بعد اللام في قولك "لا" فقد ذكرنا حالها لم دخلت اللام ~~عليها، وأن ذلك إنما لزمها لما كانت لا تكون إلا ساكنة، والساكن لا يمكن ~~ابتداؤه، وأنها دعمت باللام من قبلها توصلا إلى النطق بها، ولم يمكن ~~تحريكها فينطق بها في أول الحرف، ويزاد عليها غيرها كما فعل ذلك بجيم قاف ~~لام، وغير ذلك مما تجد لفظه في أول اسمه، فلم يكن بد في إرادة اللفظ بها من ~~حرف تدعم به أمامها، واختيرت لها اللام دون غيرها لما ذكرناه في حرف الألف. # فأما ما كان على نحو: با تا حا طا، فإنك متى أعربته لزمك أن تمده، وذلك ~~أنه على حرفين الثاني منهما حرف لين، والتنوين يدرك الكلمة، فتحذف الألف ~~لالتقاء الساكنين، فيلزمك أن تقول: هذه طا يا فتى، ورأيت طا حسنة، ونظرت ~~إلى طا حسنة، فيبقى الاسم على حرف واحد، فإن ابتدأته وجب أن يكون متحركا، ~~وإن وقفت عليه وجب أن يكون ساكنا، فإن ابتدأته ووقفت عليه جميعا وجب أن ~~يكون ساكنا متحركا في حال، وهذا ظاهر الاستحالة. # فأما ما رواه سلمة عن الفراء عن الكسائي فيما أخبرنا به أبو بكر محمد بن ~~الحسن عن أحمد بن يحيى من قول بعضهم: "شربت ما" بقصر "ماء"، فحكاية شاذة لا ~~نظير لها، ولا يسوغ قياس غيرها عليها. PageV02P408 # فإذا كان ms389 الأمر كذلك زدت على ألف: با تا ثا ونحو ذلك ألفا أخرى، كما رأيت ~~العرب فعلت لما أعربت "لو"، فقالوا1: # ليت شعري، وأين مني ليت ... إن ليتا وإن لوا عناء2 # وأنشدنا أبو علي3: # أفلا سبيل لأن يصادف روعنا ... لوا، ولو كاسمها لا توجد4 # وقال الآخر5: # علقت لوا تكرره ... إن لوا ذاك أعيانا6 # فكما زادت العرب على هذه الواو واوا أخرى، وجعلت الثاني من لفظ الأول ~~لأنه لا أصل له فيرجع عند الحاجة إليه، كذلك زدت على الألف من با تا ثا ~~ألفا أخرى عوضا لما رأيت العرب فعلت في "لو" لما أعربتها، فصار التقدير "با ~~ا" "تا ا" "طا ا" "ها ا" فلما التقت ألفان ساكنتان لم يكن من حذف إحداهما ~~أو حركتها بد، فلم يسغ حذف إحداهما لئلا تعود إلى القصر الذي منه هربت، فلم ~~يبق إلا أن تحرك إحداهما، فلما وجب التحريك لالتقاء الساكنين كانت الألف ~~الثانية بذلك أحرى؛ لأنك عندها ارتدعت إذ كنت إليها تناهيت، فلما حركت ~~الثانية قلبتها همزة على حد ما بيناه في حرف الهمزة من إبدال الهمزة من ~~الألف. # فعلى هذا فقالوا: خططت باء حسنة، وكتبت حاء جيدة، وأراك تكتب طاء صحيحة، ~~وما هذه الراء الكبيرة؟ PageV02P409 # فأما قول الشاعر1: # يخط لام ألف موصول ... والزاي والرا أيما تهليل2 # فإنما أراد "الراء" ممدودة، فلم يمكنه ذلك لئلا ينكسر الوزن، فحذف الهمزة ~~من الراء، وجاء بذلك على قراءة أبي عمرو في تخفيف الأولى من الهمزتين إذا ~~التقتا في كلمتين، وكانتا جميعا متفقتي الحركتين نحو قوله" "فقد جا ~~أشراطها" [محمد: 18] و" "إذا شا أنشره" [عبس: 22] على ما يرويه أصحابه من ~~القراء عنه، فكذلك كان أصل هذا: "والزاي والراء أيما تهليل" فلما اتفقت ~~الحركتان حذف الأولى من الهمزتين كما حذفها أبو عمرو. # فإن قلت: ولم حذف أبو عمرو الأولى من الهمزتين، وإنما ارتدع عند الثانية، ~~وهلا حذف الهمزة الآخرة التي انتهى دونها، وارتدع عندها؟ 3 # فالجواب: أنه قد علم أن ههنا همزتين، وقد اعتزم حذف إحداهما، فكان الأحرى ~~بالحذف ms390 عنده التي هي أضعفهما، والهمزة الأولى أضعف من الثانية في مثل هذا؛ ~~ألا ترى أن الهمزة من "جاء" لام، وأن الهمزة من "أشراط" قبل الفاء، والفاء ~~أقوى من العين، والعين أقوى من اللام، وما قبل الفاء أشد تقدما من الفاء ~~التي هي أقوى من العين التي هي أقوى من اللام، فكان الحذف بما هو آخر أولى ~~منه بما هو أول، فلذلك حذف أبو عمرو الأولى لضعفها بكونها آخرا، وأقر ~~الثانية لقوتها بكونها أولا. # فهذا أحد ما يصلح أن يحتج به لأبي عمرو -رحمه الله- في حذفه الأولى من ~~الهمزتين إذا كانتا من كلمتين ومتفقتي الحركتين. # وسألت أبا علي عن هذا الذي ذكرناه في "باء" و"تاء" ونحوهما، فقلت: ما ~~تقول في هذه الألف التي قبل الهمزة؟ # أتقول: إنها منقلبة عن واو أو ياء، أو تقول: إنها غير منقلبة؟ ~~PageV02P410 # فقال: لا، بل اللف الآن مقضي عليها بأنها منقلبة عن واو، والهمزة بعدها ~~في حكم ما انقلبت عن الياء لتكون الكلمة بعد التكملة والصيغة الإعرابية من ~~باب "شويت" و"طويت" و"حويت". # فقلنا له: ألسنا قد علمنا أن الألف في "باء" هي الألف التي في "با" "تا" ~~"ثا" إذا تهجيت، وأنت تقول: إن تلك الألف غير منقلبة من ياء أو واو لأنها ~~بمنزلة ألف "ما" و"لا"؟ # فقال: لما نقلت إلى الأسمية دخلها الحكم الذي يدخل الأسماء من الانقلاب ~~والتصرف؛ ألا ترى أنا إذا سمينا رجلا ب "ضرب" أعربناه لأنه قد صار في حيز ~~ما يدخله الإعراب، وهو الاسمن وإن كنا نعلم أنه قبل أن يسمى به لايعرب لأنه ~~فعل ماض، ولم تمنعنا معرفتنا بذلك من أن نقضي عليه بحكم ما صار منه وإليه، ~~فكذلك أيضا لا يمنعنا بأن ألف "با" "تا" "ثا" غير منقلبة ما دامت حروف هجاء ~~من أن نقضي عليها إذا زدنا عليها ألفا أخرى، ثم همزنا تلك المزيدة بأنها ~~الآن منقلبة عن واو، وأ، الهمزة منقلبة عن ياء إذ صارت إلى حكم الأسماء ~~التي يقضي عليها بهذا ونحوه. # وهذا صحيح منه حسن، ويؤكده ms391 عندك أنه لا يجوز وزن "با" "تا" "ثا" "حا" ~~"خا" ونحوها ما دامت مقصورة متهجاة، فإذا قلت: هذه باء حسنة، ونظرت إلى هاء ~~مشقوقه، جاز أن تمثل ذلك، فتقول: وزنه "فعل" كما تقول في "داء" و"ماء" ~~و"شاء" إنه "فعل". # فقال لأبي علي بعض حاضري المجلس: أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام؟ # فقال: قد جاء من ذلك أحرف صاحلة، فيكون هذا منها ومحمولا عليها. # والذي زاد على أبي علي هذه الزيادة فتى كان يقرأ ليه يعرف بالبوراني، ~~وكان هذا الفتى -رحمه الله- دقيق الفكر، حسن التصور، بحاثان مفتشا، ولا ~~أظلمه حقه، فقلما رايت ابن سنه في لطف نظره، عفا الله عنا وعنه. # وأنا أذكر الأحرف التي اعتلت فيها العين واللام. # PageV02P411 # فمنها "ماء" وألفه منقلبة عن واو، وهمزته منقلبة عن هاء لقولهم: أمواه، ~~ومويه، وماهت الركية1 تموه، وقولهم موهت عليه الأمر أي: حسنته له فكأني ~~جعلت له عليه طلاوة وماء ليقبله سامعه. # ومنها "شاء" في قول من قال "شويهة" وتشوهت شاة إذا صدتها، حكى ذلك أبو ~~زيد، وحكى أيضا "شيه"2 و"أشاوه"3، ف "شاء" على هذا مما عينه واو، ولامه ~~هاء، وهو نظير "ماء" سواء. # ومن قال "شوي" فهو من باب "طويت" و"لويت" وصارت "شاء" في هذا القول أخت ~~"باء" و"تاء" و"حاء" على ما فسره أبو علي. # قال النابغة4: ### | ................................ # ... ### | .... # في شوي وجامل # ومنها ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر5: # من را مثل معدان بن يحيى ... إذا ما النسع طال على المطية6 # ومن را مثل معدان بن يحيى ... إذا هبت شآمية عرية7 # فأصل هذا "رأى" فأبدل الهمزة ياء كما يقال في "ساءلت": "سايلت" وفي ~~"قرأت": "قريت" وفي "أخطأت": "أخطيت"، فلما أبدل الهمزة التي هي عين ياء ~~أبدل الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذف الألف المنقلبة عن الياء ~~التي هي لام الفعل لسكونها وسكون الألف التي هي عين الفعل. PageV02P412 # وسألت أبا علي، فقلت له: من قال: "من را مثل معدان بن يحيى" كيف ينبغي أن ~~يكون "فعلت" منه؟ # فقال: "رييت" ويجعله من باب ms392 "حييت" و"عييت"، قال: لأن الهمزة في مثل هذا ~~الموضع إذا أبدلت فإلى الياء تقلب، يريد "سايلته" ونحوه. # وذهب أبو علي في بعض مسائله1 إلى أنه أراد "رأى" وحذف الهمزة كما حذفها ~~من "أريت" ونحوه. وكيف كان الأمر فقد حذف الهمزة وقلب الياء ألفا، وهذان ~~إعلالان تواليا في العين واللام. # ومنها ما حكاه سيبويه2 من قول بعضهم "جا يجي"، فهذا أبدل الياء التي هي ~~عين الفعل ألفا، وحذف الهمزة تخفيفا، فأعل العين واللام جميعا. # ومثله ما حكاه أيضا من "سا يسو"3. # ومنها أن أبا علي أجاز في قول لبيد4: # بصبوح صافية، وجذب كرينة ... بموتر تأتا له إبهامها5 # فيمن فتح اللام في "له" أن يكون أراد "تأتوي له" أي: تفتعل له من أويت ~~إليه، أي: عدت إليه، إلا أنه قلب الواو ألفا، وحذف الياء التي هي الفعل ~~لسكونها، فأعل العين واللام جميعا. # وقد كنت حملت قولهم في النكاح "الباء" أن تكون همزته مبدلة من الهاء التي ~~تظهر في الباه، وعللت ذلك، وأريت وجه الاشتقاق فيهما، ومن أين اشترك "ب وه" ~~و"ب وء" في "الباء" في معنى النكاح إذ كان كل واحد منهما قائما بنفسه غير ~~مقلوب عن صاحبه. PageV02P413 # وذكرت ذلك في كتابي1 في شرح تصريف أبي عثمان -رحمه الله- فتجنبت الإطالة ~~بذكره هنا. # فإذا كان هذا وغيره مما ندع ذكره اكتفاء بهذا قد أعلت عينه ولامه جميعا، ~~جاز أيضا أن تحمل "باء" و"طاء" و"هاء" وأخاوتهن في إعلال عيناتها ولاماتها ~~جميعا عليه، فقد صار إذن تركيب "طاء" و"حاء" ونحوهما بعد التسمية من "ط وي" ~~ومن "ح وي"وصارا كأنهما من باب "طويت" و"حويت" وإن لم يكونا في الحقيقة ~~منه، ولكنهما قد لحقا بحكمه، وجريا في القضية مجراه، فلو اشتققت على هذا من ~~هذه الحروف بعد التسمية فعلا على "فعلت" لقت من الباء "بويت"، ومن التاء ~~"تويت"، ومن الثاء "ثويت"، ومن الحاء "حويت"، ومن الخاء "خويت" ومن الراء ~~"رويت"، ومن الطاء "طويت"، ومن الظاء "ظويت"، ومن الفاء "فويت"، ومن الهاء ~~"هويت"، ومن الياء "يويت" كما تقول ms393 في "فعلت" من "طويت" و"حويت": "طويت" ~~و"حويت". # هذا هو القياس الذي تقضيه حقيقة النظر، وأما المسموع المحكي عنهم فإن ~~يقولوا "ببيت، وتييت، وثييت، وحييت، وخييت، وطييت، وظييت، ويييت ياء حسنة" ~~وكذلك بقية أخواتها، فظاهر هذا القول يدل من رأيهم على أنهم اعتقدوا أن ~~الألف في نحو: باء، وتاء، وحاء، وخاء بدل من ياء، وجعلوا الكلمة من باب ~~"حييت" و"عييت" ونحوهما مما عينه ولامه ياءان. # والذي حملهم على هذا عندي سماعهم الإمالة في ألفاتهن قبل التسمية وبعدها؛ ~~ألا تراك تقول إذا تهجيت: با تا ثا حا خا را طا ظا ها يا، وقالوا بعد ~~التسمية والنقل: باء، وتاء، وثاء، وحاء، وطاء، وظاء، فلما رأوا الإمالة ~~شائعة في هذه الألفات قبل النقل وبعده حكموا لذلك بأن الألفات فيهن منقلبات ~~عن ياءات، وأنها قد لحقت في الحكم بالألفات المنقلبات من الياءات، فلذلك ~~قالوا: حييت حاء، وطييت طاء، ونحو ذلك. وأنا أذكر وجه الإمالة في هذه ~~الحروف، وأدل على صحة القياس الذي ذهب إليه أبو علي. PageV02P414 # أما إمالتهم إياها وهي حروف تهج فليس ذلك لأنها منقلبة عن ياء ولا غيرها، ~~وذلك أنها حينئذ أصوات غير مشتقة ولا متصرفة، ولا انقلاب في شيء منها ~~لجمودها، ولكن الإمالة فيها حينئذ إنما دخلتها من حيث دخلت "بلى"، وذلك ~~أنها شابهت بتمام الكلام واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماء المستقلة ~~بأنفسها، فمن حيث جازت إمالة الأسماء كذلك أيضا جازت إمالة "بلى"؛ ألا ترى ~~أنك تقول في جواب من قال لك ألم تفعل كذا؟: "بلى" فلا تحتاج "بلى" لكونها ~~جوابا مستقلا إلى شيء بعدها، فلما قامت بنفسها، وقويت، لحقت في القوة ~~بالأسماء في جواز إمالتها كما أميل نحو "أنى" و"متى"، وكذلك أيضا إذا قلت: ~~با تا ثا قامت هذه الحروف بأنفسها، ولم تحتج إلى شيء يقويها، ولا إلى شيء ~~من اللفظ تتصل به، فتضعف، وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة بقوة ~~الكلمة وتصرفها. # ويؤكد ذلك عندنا ما رويناه عن قطرب من أن بعضهم قال: "لا أفعل" فأمال ~~"لا"، وإنما ms394 أمالها لما كانت جوابا قائمة بنفسها، فقويت بذلك فلحقت بالقوة ~~باب الأسماء والأفعال، فأميلت كما أميلا، فهذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء. # وأما إمالتها وقد نقلت، فصارت أسماء، ومدت، فإنما فعلوا ذلك لأن هذه ~~الألفات قد كانت قبل النقل والمد مألوفة فيها الإمالة، فأقروها بعد المد ~~والتسمية والإعراب بحالها؛ ليعلموا أن هذه الممدودة المعربة هي تلك ~~المقصورة قبل النقل المبنية، لا لأن هذه الألفات عندهم الآن بعد النقل ~~والمد مما سبيله أن يقضى بكونه منقلبا عن ياء. ولهذا نظائر في كلامهم، منها ~~إمالتهم الألف في "حبالى" ليعلم أن الواحدة قد كانت فيها ألف ممالة، وهي ~~حبلى، فالألف الآن في "حبالى" إنما هي بدل من ياء "حبال" كما قالوا "دعوى" ~~و"دعاو" ثم أبدلوا من ياء "حبال" ألفا، وأمالوها كما كانت في الواحد ممالة، ~~محافظة على الواحد، فكذلك حافظ هؤلاء أيضا، فأمالوا قولهم: هذه حاء وياء ~~لقوهم قبل الإعراب: با تا ثا حا خا. # ومما راعوا فيه حكم غيره مما هو أصل له إعلالهم العين في نحو: "أقام" ~~و"أسر" و"استقام" و"استسار"؛ ألا ترى أن الأصل في هذا "أقوم" و"أسير" ~~و"استقوم" و"استسير" فنقلوا فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما، وقلبوهما ~~لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن، ولولا أنهما انقلبتا في "قام" ~~و"سار" # PageV02P415 # اللتين أصلهما "قوم" و"سير" لما قلبتا في "أقوم" و"أسير" لأنهما في ~~"أقوم" و"أسير" ساكن ما قبلهما، وإذا سكن ما قبل الواو والياء صحتا، وجرتا ~~مجرى الصحيح، ولكن لما أعلتا في "قام" و"سار" لتحركهما وانفتاح ما قبلهما ~~حملتا في "أقام" و"أسار" على اعتلال الثلاثي في "قام" و"سار"؛ أفلا تراهم ~~كيف راعوا في الرباعي وما فوقه حكم الثلاثي، ولولا جريانه عليه واتباعه في ~~الإعلال له لوجب تصحيحيه وخروجه سالما على أصله. # فكذلك أيضا أميلت "حاء" و"خاء" لإمالة "حا" "خا". فقد صح بما ذكرناه أنه ~~لا اعتداد بإمالة هذه الألفات مقصورة كانت أو ممدودة؛ إذ كان ذلك لا يدل ~~على أنهن منقلبات عن الياء إذ قد أميلت وهي مقصورة، وإذا كانت مقصورة جرت ms395 ~~مجرى "لا" و"ما" ونحو ذلك مما ألفه غير منقلبة البتة. # فإذا لم يكن في إمالتها دلالة على كونها منقلبة، كما لم يدل ذلك في ألف ~~"بلى" و"لا" و"يا" في النداء، ثبت أن الأمر فيها على ما ذهب إليه أبو علي ~~من أن العين سبيلها أن تكون واوا، وتكون اللام ياء لتكون الكلمة من باب ~~"طويت" و"شويت" و"ضويت" لأنه أكثر من باب "حييت" و"عييت" ومن باب "قويت" ~~و"حويت" من القوة والحوة. فلو لم يكن في هذا إلا الجنوح إلى الكثرة والرجوع ~~إليها عن القلة لكان سببا قويا، وعذرا قاطعا، فكيف به وقد دللنا على قوته ~~لما قدمناه. # ولو جمعت هذه الحروف بعد النقل على نحو "باب أبواب" و"ناب وأنياب" لأظهرت ~~العين صحيحة لسكون ما قبلها، فقلت على مذهب أبي علي في باء: أبواء، وفي ~~تاء: أتواء، وفي ثاء: أثواء، وفي حاء: أحواء، وفي خاء: أخواء، وفي راء: ~~أرواء، وفي طاء: أطواء، وفي ظاء: أظواء، وفي فاء: أفواء، وفي هاء: أهواء، ~~وفي ياء: أياء، وأصلها أيواء، ففعل بها ما فعل بأيوام جمع يوم. # وعلى قول العامة سوى أبي علي: أبياء، وأتياء، وأحياء، وأخياء، وأرياء، ~~وأطياء، وأظياء، وأفياء، وأهياء، وأياء أيضا. ومن ذهب إلى التأنيث فجمعهما ~~على أفعل نحو: نار، وأنؤر، ودار وأدؤر، وساق وأسؤق، قال على مذهب أبي على: ~~باء وأبو، وتاء وأتو، وثاء وأثو، وحاء وأحو، وخاء وأخو، # PageV02P416 # فأجراه مجرى: جدي وأجد، وظبي وأظب، وفي اليا: ياء وأي، وأصلها "أيوي" ~~فقلبت الواو لوقوع الياء ساكنة قبلها، فاجتمعت ثلاث ياءات، فحذفت الأخيرة ~~منهم تخفيفا كما حذفت من تصغير "احوى": "أحي"، فصار "أي". # وعلى قول الجماعة غيره: أبي، وأتي، وأحى، وأخي، وفي الياء: أي بالحذف كما ~~تقدم، فاعرف ذلك، فهذه أحكام الحروف التي على حرفين. # وأما ما كان على ثلاثة أحرف فعلى ضربين: # أحدهما: ما ثانيه ياء، والآخر: ما ثانيه ألف. # الأول: جيم، سين شين عين غين ميم، فسبيل هذه أن تجري بعد النقل والإعراب ~~مجرى "ديك" و"فيل" و"بيت" و"قيد" مما عينه ياء. ms396 ومن قال في "ديك" و"فيل" ~~إنه يجوز أن يكون "فعلا" و"فعلا" جميعا، وهو الخليل1، احتمل عنده جيم، سين، ~~شين، ميم، أن تكون أيضا "فعلا" و"فعلا" جميعا فأما عين غين ففعل لا غير. # فإن قلت: فهل تجيز أن يكون أصلهما "فيعلا" كميت وهين ولين، ثم حذفت عين ~~الفعل منهما؟ # فإن ذلك هنا لا يجوز ولا يحسن من قبل أن هذه حروف جوامد بعيدة عن الحذف ~~والتصرف. # فإن بنيت منها "فعلت" قلت: جيمت جيما، وسنيت سينا، وشينت شينا، وعينت ~~عينا، وغينت غينا، وميمت ميما. وتقول في الجمع: أجيام، وأسيان، وأشيان، ~~وأعيان، وأغيان، وأميام، بلا خلاف لظهور العين ياء فيهن. ولو جاءت على ~~"أفعل" لقلت: أجيم، وأسين، وأشين، وأعين، وأغين، وأميم. # وأما ما ثانية ألف: فدال، وذال، وصاد، وضاد، وقاف، وكاف، ولام، وواو. ~~فهذه الحروف مادامت حروف هجاء لم تمثل، ولم يقض فيها بقلب ولا غيره مما لا ~~يوجد في الحروف، فإن نقلتها إلى الاسمية لزمك أن تقضي بأن الألف فيهن ~~PageV02P417 # منقلبة عن واو، وذلك مما وصى به سيبويه لأنه هو الأكثر في اللغة؛ ألا ترى ~~إلى كثرة: باب، ودار، ونار، وجار، وغار، وساق، وطاق، وهامة، وقامة، ولابة1، ~~وعادة، ورادة2، وسادة، وذلدة3، وشارة4، وزارة5، وقلة ناب، وعاب، وغاب، ~~وعار، ورار6. فعلى الأكثر ينبغي أن يحمل، فإذا كان ذلك فلو بنيت منه "فعلت" ~~لقلت: دولت دالا، وذولت ذالا، وصودت صادا، وضودت ضادا، وقوفت فاقا، وكوفت ~~كافا، ولومت لاما. # فأما "الواو" فقد ذكرنا ما في ألفها من الخلاف، فمن ذهب إلى أن ألفها ~~منقلبة عن ياء وجب عليه أن يقول في "فعلت" منها: "وييت واوا" وأصلها "ويوت" ~~إلا أن الواو لما وقعت رابعة قلبت ياء كما قلبت في: غديت، وعشيت، وقضيت، ~~ودنيت، فصارت: وييت. # ومن ذهب إلى أن ألفها منقلبة من واو لزمه أن يقول: أويت، وأصلها: وووت، ~~فلما التقت في أول الكلمة واوان همزت الأولى منهما كما همزت الواو الأولى ~~من "الأولى" وأصلها "وولى" لأنها "فعلى" من "أول" و"أول" فاؤه وعينه واوان ~~لأنه "أفعل". ms397 # وقد ذكرت في كتابي7 في تفسير تصريف أبي عثمان خلاف الناس في "أول" كما ~~همزوا تصغير "واصل" وجمعه في قولهم: "أويصل" و"أواصل"، وأصله "وويصل" ~~و"وواصل" فهمزت الواو الأولى لاجتماع الواوين في أول الكلمة. # ومثله قول الشاعر8: PageV02P418 # ضربت صدرها إلى وقالت ... ياعديا لقد وقتك الأواقي1 # فالأواقي: جمع واقية، وأصلها وواق، فهمزت الواو الأولى. # وقال2: # فإنك والتأبين عروة بعدما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع # لكالرجل الحادي وقد تلع الضحى ... وطير المنايا فوقهن أواقع # جمع: واقعة. # وقال الآخر3: # شهم إذا اجتمع الكماة، وألجمت ... أفواقها بأواسط الأوتار4 # يريد جمع: واسط، وأصلها "وواسط". فلما همزت الواو الأولى صار اللفظ في ~~التقدير إلى "أووت" فلما وقعت الواو رابعة قلبت ياء كما تقدم ذكره آنفا، ~~فصارت "أويت"، هذا هو صريح القياس وحقيقته. # وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن ~~يحيى ثعلب، قال: ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط منه ياء فليس فيه إلا وجه ~~واحد بالياء، تقول: سينت سينا، وعينت عينا. وقال بعضهم في "ما" و"لا" من ~~بين أخواتها: مويت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة، بالمد لمكان الفتحة من "ما" ~~و"لا". وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا غير لكثرة ~~الواوات، تقول: وييت واوا حسنة. # وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين، فيقول: أويت واوا حسنة. ~~انتهت الحكاية عن أبي بكر. PageV02P419 # فأما ما أجازه من قوله: "وويت" فمردود عندنا؛ لأنه إذا لم تجتمع واوان في ~~أول الكلمة فالثلاث أحرى بأن لا يجوز اجتماعها. فأما قوله عز اسمه: {ما ~~ووري عنهما} [الأعراف] فإنما اجتمعت في أوله واوان من قبل أن الثانية منهما ~~مدة مبدلة من ألف "واريت" وليست بلازمة، فلأجل ذلك لم تعتد. # وأما قوله: "وبعضهم يجعل الواو همزة" فهذا هو الصواب الذي لا بد منه، ولا ~~مذهب لنظار عنه. وأما ما حكاه من قولهم في "ما" و"لا": مويت، ولويت، فإن ~~القول عندي في ذلك أنهم لما أرادوا اشتقاق "فعلت" من "ما" و"لا" لم يمكن ~~ذلك فيهما ms398 وهما على حرفين، فزادوا على الألف ألفا أخرى، ثم همزوا الثانية ~~كما تقدم، فصارت "ماء" و"لاء"، فجرت بعد ذلك مجرى "باء" و"حاء" بعد المد. # وعلى هذا قالوا في النسب إلى "ما" لما احتاجوا إلى تكميلها اسما محتملا ~~للإعراب: قد عرفت مائية الشيء، فالهمزة الآن إنما هي بدل من ألف ألحقت ألف ~~"ما" وقضوا بأن ألف "ماء" و"لاء" مبدلة من واو كما قدمناه من قول أبي علي، ~~وأن اللام منهما ياء حملا على "طويت" و"رويت"، ثم لما بنوا منهما "فعلت" ~~قالوا: مويت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة. # وقوله: "لمكان الفتحة فيهما" أي: لأنك لا تميل "ما" و"لا" فتقول "ما" ~~و"لا"، أي فذهب إلى أن الألف فيهما من واو. # وهذا هو الذي حكيناه عنهم من أن اعتقادهم أن ألف "باء" و"حاء" وأخواتهما ~~منقلبة عن ياء لأجل ما فيهما من الإمالة، حتى إنهم لما لم يروا في "ما" ~~و"لا" إمالة حكموا بأن ألفهما منقلبة من واو. # وقد ذكرنا وجه الإمالة من أين أتى هذه الألفات، ودللنا على صحة مذهب أبي ~~علي فيما مضى من هذا الفصل. # ولو جمعت هذه الأسماء على "أفعال" لقلت في دال، وذال: أدوال، وأذوال، وفي ~~صاد، وضاد: أصواد وأضواد، وفي قاف، وكاف: أقواف، وأكواف، وفي لام: ألوام، ~~وفي واو فيمن جعل ألفها منقلبة عن واو: أواء، # PageV02P420 # وأصلها أواو، فلما وقعت الواو طرفا بعد ألف زائدة قلبت ألفا، ثم قلبت تلك ~~الألف همزة كما قلنا في أبناء، وأسماء، وأعداء، وأفلاء1. # ومن كانت ألف "واو" عنده من ياء قال إذا جمعها على "أفعال": "أياء"، ~~وأصلها عنده "أوياء" فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون قلبت ~~الواو ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها، فصارت "أيا" كما ترى. # ومن جمع ذلك على "أفعل" قال: أدول، وأذول، وأصود، وأضود، وأقوف، وأكوف، ~~وألوم. # ومن كانت عين "واو" عنده واوا قال في جمعها على "أفعل": "أو"، وأصلها ~~"أوو" فلما وقعت طرفا مضموما ما قبلها أبدل من الضمة كسرة، ومن الواو ياء، ~~فقال: "أو" كما قالوا: دلو ms399 وأدل، وحقو وأحق. # ومن كانت عين "واو" عنده ياء قال في جمعها على "أفعل": "أي"، وأصله ~~"أويو" فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون قلبت الواو ياء، ~~وأدغمت في الياء بعدها، فصارت "أيو" فلما وقعت الواو طرفا مضموما ما قبلها ~~أبدلت من الضمة كسرة، ومن الواو ياء على ما ذكرناه الآن، فصار التقدير ~~"أيي"، فلما اجتمعت ثلاث ياءات والوسطى منهم مكسورة حذفت الياء الأخيرة، ~~كما حذفت في تحقير "أحوى" و"أعيا" في قولهم "أحي" و"أعي" فكذلك قلت أنت ~~أيضا "أي". # وأما "نون" فإن أمرها ظاهر لأن عينها واو كما ترى. ومن قال في "فعل" من ~~البيع: "بوع"- وهو أبو الحسن، ويشهد بصحة قوله هيف وهوف2- لم يجز له مثل ~~ذلك في "نون" أن تكون واوها بدلا من ياء لقولهم: نونت الكلمة تنوينا، وهذا ~~حرف منون، فظهور الواو في هذه المواضع ولا ضمة قبلها، يدل على أن الواو ~~فيها أصل غير بدل. # فإن جمعتها على "أفعال" قلت "أنوان" وعلى "أفعل": "أنون". PageV02P421 # ومن همز الواو لانضمامها، فقال1: # لكل دهر قد لبست أثؤبا2 # وقال3: ### | ................................... # ... مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر4 # همز أيضا هذا فقال: أنؤن، وأكؤف، وأقؤف، وأدؤل، وأذؤل، وأصؤد، وأضؤد. # وأما "زاي" فيمن لفظ بها ثلاثية هكذا فألفها على ما قدمناه ينبغي أن تكون ~~منقلبة عن واو، ولامه ياء كما ترى، فهو من لفظ "زويت"5 إلا أن عينه أعتلت، ~~وسلمت لامه، ولحق بباب: غاي، وراي، وثاي، طاي، وآي في الشذوذ لاعتلال عينه ~~وصحة لامه. وقولي "اعتلت" إنما أريد به أنها متى أعربت فقيل: هذه راي حسنة، ~~أو: كتبت زايا صغيرة أو نحو ذلك، فإنها بعد ذلك ملحقة في الاعتلال بباب ~~"راي" و"غاي" إلا أنه مادام حرف هجاء فألفه غير منقلبة، فلهذا كان عندي ~~قولهم في التهجي "زاي" أحسن من "غاي" و"طاي" لأنه ما دام حرفا فهو غير ~~مصرف، وألفه غير مقضي عليها بالانقلاب، "غاي" وبابه متصرف، فالانقلاب، ~~وإعلال العين، وتصحيح اللام جار عليه ومعروف به. # ولو اشتققت منها "فعلت" لقلت "زويت" وإن كانت الإمالة قد سمعت في ms400 ألفها. ~~وهي على مذهب أبي علي "زويت" ايضا، وعلى قول غيره: زييت زايا. # وإن كسرتها على "أفعال" قلت "أزواء" وعلى قول غير أبي علي "أزياء" إن صحت ~~إمالتها. وإن كسرتها على "أفعل" قلت "أزو" و"أزي" على المذهبين. ~~PageV02P422 # وأما من قال "زي" وأجراها مجرى "كي" فإنه إذا اشتق منها "فعلت" كملها قبل ~~اسما فزاد على الياء ياء أخرى، كما أنه إذا سمى رجلا ب "كى" ثقل الياء، ~~فقال: هذا كي، وكذلك تقول أيضا "زي" ثم تقول منه "فعلت": "زييت" كما تقول ~~من "حييت": "حييت". # فإن قلت: فإذا كانت الياء من "زي" في موضع العين فهلا زعمت أن الألف من ~~"زاي" ياء لوجودك العين في "زي" ياء؟ # فالجواب: أن ارتكاب هذا خطأ من قبل أنك لو ذهبت إلى هذا لحكمت بأن "زي" ~~محذوفة من "زاي" والحذف ضرب من التصرف، وهذه الحروف كما تقدم جوامد لا تصرف ~~في شيء منها. # وأيضا فلو كانت الألف في "زاي" هي الياء في "زي" لكانت منقلبة، والانقلاب ~~في هذه الحروف مفقود غير موجود. # وعلقت عن أبي علي في شرح الكتاب لفظا من فيه قال: من قال "اللاء" فهو ~~عنده كالباب، ومن قال "اللائي" فهو عنده كالقاضي، قال: ولا يكون "اللاء" ~~محذوفا من "اللائي". فإذا لم يجز الحذف في هذه الأسماء التي توصف ويوصف ~~بها، ويحقر كثير منها، وتدخل عليها لام التعريف المختصة بالأسماء، فأن لا ~~يجوز الحذف في حروف الهجاء التي هي جوامد أبدا أحرى. ولو جمعتها لقلت في ~~القولين جميعا "أزياء" و"أزي". # فأما قولنا "ألف" فأمرها ظاهر، ووزنها "فعل" وعينها ولامها صحيحتان كما ~~ترى. # وأما الألف الساكنة التي هي مدة بعد اللام في قولهم "و. لا. ي" فلا يجوز ~~أن تسميها كما تسمي أول ما تجده في لفظك من "ضرب" بقولك "ضاد" وثانيه بقولك ~~"راء" وثالثه بقولك "باء" من قبل أنك تجد في أوائل هذه الحروف التي تسميها ~~بهذه الأسماء المبنية لفظ الحرف الذي تريده، والألف أبدا ساكنة، فلا يمكن ~~تسميتها لأنه كان يلزمك أن توقع ms401 الألف الساكنة أول ذلك الاسم المبني، ~~والساكن لا يمكن ابتداؤه، فرفض ذلك لذلك، وقد تقدم ذكر هذا. # PageV02P423 # ألا ترى أن أول قولك "جيم" جيم، وأول "طاء" طاء، وهذا واضح. # فإن تكلفت أن تبني من الألف الساكنة في قولنا "لا" مثال "فعلت" لم يمكنك ~~ذلك حتى تتم الألف الساكنة ثلاثة أحرف؛ لأنه لا يمكن الاشتقاق من كلمة على ~~أقل من ثلاثة أحرف، فيلزمك على ذلك أن تزيد على الألف ألفا أخرى ليكون ~~الثاني من لفظ الأول، كما أنك إذا سميت رجلا "لا" زدت على الألف ألفا أخرى، ~~وهمزتها لأنك حركتها لالتقاء الساكنين، فقلت "لاء" وفي "ذا": "ذاء" وفي ~~"ما": "ماء" فتزيد على الألف من"لا" وهي ساكنة كما ترى ألفا أخرى بعد أن ~~تزيل اللام التي كانت الألف معتمدة عليها؛ لأنك الآن إنما تريد تكميلها ~~للبناء منها، ولست تريد الآن أن تلفظ بها فتتركها مدعومة باللام من قبلها، ~~وإنما حذفت اللام لأنها زائدة، والبناء أبدا من الأصول لا من الزوائد، ~~فيصيرك التقدير إلى أن تجمع بين ألفين ساكنين، وذل لا يمكنك اللفظ به لتعذر ~~الابتداء بالساكن، إلا أنك تعلم أن هذا الذي أشكله الآن صورتهما، وهو "أا" ~~فيلتقي ألفان ساكنتان، فلا يمكن الابتداء بالأولى منهما لسكونها، فلا تخلو ~~حينئذ من حذف إحداهما أو حركتها، فلا يمكن الحذف لأنك لو حذفت إحداهما عدت ~~إلى اللفظ بالواحدة التي عنها هربت، فكان ذلك يكون مؤديا إلى نقض الغرض ~~الذي أجمعته من تكميل الحرف بالزيادة فيه للبناء منه، فلما لم يسغ الحذف ~~وجب تحريك إحداهما، فكانت الألف الأولى أولى بالحركة ليمكن الابتداء بها، ~~فلما حركت كان الكسر أولى بها إذ الحركة فيها إنما هي لالتقاء الساكنين، ~~فانقلبت همزة على حد ما قدمناه من الألف إذا حركت قلبت همزة نحو: "شأبة" ~~و"دأبة" وما أشبه ذلك. # فلما حركت الألف الأولى فقلبت همزة مكسورة انقلبت الألف الثانية ياء ~~لسكونها وانكسار ما قبلها، كما قلبت في نحو: "قراطيس" و"حماليق" جمع ~~"قرطاس" و"حملاق" فصار اللفظ حينئذ "إي" فلما أردت التكملة زدت ms402 على الياء ~~ياء أخرى، كما أنك لو سميت رجلا ب "في" زدت على الياء باء أخرى، فقلت هذا ~~"في" فصار اللفظ فيما بعد "إي". # فإن بنيت من "إي" هذا "فعلت" كما قلت قوفت قافا، وكوفت كافا، وسينت سينا، ~~وعينت عينا، وجب عليك أن تقول "أويت". # PageV02P424 # فإن سأل سائل فقال: من أين لك الواو في هذا المثال، وأنت تعلم أن الأول ~~من الحرفين المدغم إنما هو ياء في "أي" ثم زدت على الياء كما زعمت ياء ~~أخرى، فصار "إي" ولسنا نجد للواو هنا مذهبا ولا أصلا، أولست لو بنيت "فعلت" ~~من "في: لقلت: فييت فيا حسنة، ومن "إي" في قوله تعالى: {إي وربي} [يونس: ~~53] : أييت، فهلا قلت قياسا على هذا أبيت؟ # فالجواب: أن الياء في "في" و"إي" أصلان لا حظ لهما في غيرهما، فوجب عليك ~~إذا أردت أن تكملهما ثلاثيتين أن تعتقد أن الياء فيهما عينان، فإذا زدت على ~~الياء ياء أخرى مثلها صارت الكلمة عندك كأنها من باب "حييت" و"عييت" من ~~مضاعف الياء، فلذلك قلت: فييت فيا، وأييت إيا، وأما الياء في "إي" في ~~الهجاء على ما تأدت إليه الصنعة، فإنما هي بدل من الألف الثانية من الألفين ~~اللتين صورتهما "اا"، ثم قلبت ياء لانكسار الألف الأولى قبلها، فصارت "إي" ~~فقد علمنا بذلك أن أصلها الألف، وأنها إنما قلبت للكسرة قبلها، وإذا كانت ~~الألف المجهولة ثانية عينا أو في موضع العين وجب على ما وصى به سيبويه1 ~~-وقد ذكرناه- أن يعتقد فيها أنها منقلبة عن واو، وإذا كان ذلك كذلك فقد ~~صارت "إي" على هذا الاعتقاد مثل "قي" من القواء2، و"سي" من السواء، ولحقت ~~بما عينه واو ولامه ياء نحو "طويت" و"شويت"، فكما أنك لو بنيت "فعلت" من ~~"القي" و"السي" لقلت: "قويت" و"سويت" فأظهرت العينين واوين لزوال الكسرة ~~قبلها، وكونها ساكنة قبل الياء، فكذلك ينبغي أن تقول في "أي": "أويت". # فإن جمعت: "إيا" هذه على "أفعال" أقررت الفاء همزة بحالها، وقلت "آواء". ~~وإذا كانوا قد أقروا الهمزة التي هي بدل من ms403 العين بحالها في "قويئم" تحقير ~~"قائم" فهم بإقرار الفاء المبدلة همزة بحالها أجدر. # وإن كسرتها على "أفعل" قلت "آو" كما ترى، فاعرف هذا، وتأمله، فإن أحدا من ~~العلماء لم يعمله فيما علمته، ولا تضمنه كتاب، ولا اشتمل عليه تعليق، وهو ~~من غامض3 صنعة التصريف، ولطيف هذا العلم المصون الشريف. PageV02P425 # وهذا فصل: ### | مذهب مزج العرب الحروف بعضها ببعض # اعلم أن حروف المعجم تنقسم على ضربين: ضرب خفيف، وضرب ثقيل، وتختلف أحوال ~~الخفيف منهما، فيكون بعضه أخف من بعض، وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما، ~~فيكون بعضه أثقل من بعض. وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة1 عليهم ~~الحروف التي زادوها على أصول كلامهم، وتلك الحروف العشرة المسماة حروف ~~الزيادة، وهي: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، والنون، والتاء، ~~والهاء، والسين، واللام، ويجمعها في اللفظ قولك "اليوم تنساه" وإن شئت قلت ~~"سألتمونيها"، وإن شئت قلت "هويت السمان". # فإن قلت: ألست تعلم أن الهمزة مستثقلة عندهم، ولذلك ما دخلها الحذف ~~والبدل في الكثير من الكلام، فلم ذكرتها في الحروف الخفيفة؟ # فالجواب: أن الهمزة وإن كانت كذلك فإنك قادر على إعلالها وقلبها والتلعب ~~بها تارة كذا وتارة كذا، وهذا لا يمكنك في الجيم ولا في القاف ولا في ~~غيرهما من الحروف الصحاح؛ وأيضا فإن مخرجها مجاور لمخرج أخف الحروف، وهى ~~الألف، وأيضا فإنها لتباعدها من الحروف ما يستروح إلى مزج المتقارب مما بعد ~~عنها بها؛ ألا ترى أنك تقول "دأب"2 فتفصل بين الدال والباء بالهمزة، فيكون ~~ذلك أحسن من فصلك بينهما بالفاء لو جاء عنهم نحو "دفب"3، وتقول "نأل"4 ~~فتفصل بها بين النون واللام، ولو فصل بينهما بالراء، فقيل "نرل" لم يكن ~~حسنا، فالهمزة وإن PageV02P427 # ثقلت في بعض الأحوال وتباعدت ففيها من المنفعة في الفصل ما ذكرت لك، هذا ~~مع ما وصفناه من مجاورتها للألف، وأنها مما يمكن إعلاله وتقليبه والتلعب ~~به. # واعلم أن أقل الحروف تألفا بلا فصل حروف الحلق، وهي ستة: الهمزة، والهاء، ~~والعين، والحاء، والغين، والخاء، فسبيل هذه الحروف متى اجتمع منها في ms404 كلمة ~~اثنان أن يكون بينهما فصل، وذلك نحو: هدأت، وخبأت، وعبء، وخيعل1، وغيهب2، ~~وحضأت النار3، وحطأت به الأرض4، فهذه حال هذه الحروف، وحكمها ألا تتحاور ~~غير مفصولة إلا في ثلاثة مواضع: # أحدها: أن تبتدأ الهمزة، فيجاورها من بعدها واحد من ثلاثة أحرف حقلية، ~~وهي: الهاء، والحاء، والخاء، فالهاء نحو: أهل، وأهر5، وإهاب، وأهبة، وهذا ~~خاصة قد تتقدم فيه الهاء الهمزة، وذلك نحو: بهأت6، ونهئ اللحم7. # والحاء نحو: أحد، وإحنة8، والخاء نحو: أخذ، وأخر. فأما قولهم حأحأت ~~بالكبش: إذا دعوته فقلت: حؤحؤ، وهأهأت بالإبل: إذا قلت لها: هأهأ، فإنما ~~احتمل فيه تأخر الهمزة عن الحاء والهاء لأجل التضعيف، لأنه يجوز فيه ما لا ~~يجوز في غيره. # الثاني: ائتلاف الهاء مع العين، ولا تكون العين إلا مقدمة، وذلك نحو: ~~عهد، وعهر9، وعهن. # الثالث: ائتلاف العين مع الخاء، ولا تكون الخاء إلا مقدمة، وذلك نحو: ~~بخع10، والنخع11. PageV02P428 # ولأجل ما ذكرناه من ترك استعمالهم لحروف الحلق متجاورة ما قل تضعيفهم ~~إياها، وذلك نحو: الضغيغة1، والرغيغة2، والمهه3، والبحح4، والشعاع5، وقد ~~كنا ذكرنا نحوا من هذا في أول الكتاب. # وأحسن التأليف ما بوعد فيه بين الحروف، فمتى تجاور مخرجا الخرفين فالقياس ~~ألا يأتلفا، وإن تجشموا6 ذلك بدأوا بالأقوى من الحرفين، وذلك نحو: "أرل"7 ~~و"ورل"8 و"وتد" و"محتد"، فبدأوا بالراء قبل اللامن وبالتاء قبل الدال ~~لأنهما أقوى منهما. ويدلك على قوة الراء والتاء على اللام والدال أنك إذا ~~ذقتهما ساكنتين، ووقفت عليهما وجدت الصوت ينقطع عند التاء بجرس قوي، ووجدته ~~ينقطع عند الدال بجرس خفي، وذلك قولك "إت" "إد" وكذلك الراء واللام، فإذا ~~وقفت على الراء وجدت الصوت هناك مكررا، ولذلك اعتدت في الإمالة بحرفين، ~~وإذا وقفت على اللام وجدت في الصوت لينا وغنة، وذلك قولك "إر" "إل". # ويؤكد عندك قوة الراء على اللام أنك لا تكاد تجد اللام معتاصة على أحد، ~~وكثرة ما تجد الراء متعذرة على كثير من الناس لاسيما الأرت9، حتى إنك لا ~~تستبينها في كلامه. # ويتلو حروف الحلق حروف أقصى اللسان، وهي القاف، والكاف، ms405 والجيم، وهذه لا ~~تتجاوز البتة، لاتجد في الكلام نحو "قج" ولا "جق" ولا "كج" ولا "جك" ولا ~~"قك" ولا "كق". PageV02P429 # فأما قول رؤبة1: # لواحق الأقراب فيها كالمقق2 # وقولهم "يأجج" و"مأجج"3 و"سكك" فإنما جاز ذلك وإن كان متكررا من قبل أن ~~المكرر معرض في أكثر أحواله للإدغام؛ ألا تراك تقول: فرس أمق4، ومج فوه5، ~~وأجت النار6، وسكة7، والحرفان المتجاوران لا يمكنك إدغام أحدهما في صاحبه ~~حتى تتكلف قبله إلى لفظه، ثم تدغمه، فكانت المشقة فيه أغلظ، فرفض ذلك لذلك، ~~ولأجل هذا ما جاء عنهم في حروف الحلق التي تباعدت عن معظم الحروف، فلم ~~تسطها، نحو المهه، والبحح، والبعع8، والرخخ، وهو السهولة واللين9، ولم يأت ~~عنهم ذلك في المتجاور منها إلا فيما حددناه في أول هذا الفصل؛ ألا ترى أنهم ~~لم يأت عنهم فيها نحو: المهح، ولا البحع، ولا الرخغ لما ذكرت لك. # ولهذا أيضا ما جاء عنهم نحو: الشمم، والخبب10، والحفف11، ولم يأت نحو: ~~السمب، ولا الحبف، ولا الخعم، وذلك أن الصوت إذا انتحى مخرج حرف، فأجرس ~~فيه، ثم أريد نقله عنه، فالأخلق بالحال أن يعتمد به مخرج حرف يبعد عنه ~~ليختلف الصوتان، فيعذبا بتراخيهما، فأما أن ينقل عنه إلى مخرج حرف يبعد عنه ~~ليختلف الصوتان، فيعذبا بتراخيهما، فأما أن ينقل عنه إلى مخرج يجاوره وصدى ~~يناسبه، ففيه من الكلفة ما في نقد الدينار من الدينار ونحو ذلك، ففي هذا ~~إشكال، وفيهما إذا تباعدا من الكلفة ما في نقد الدينار من الدرهم، أو نحو ~~ذلك، وهذا أمر واضح غير مشكل، فلذلك حسن تأليف ما تباعد من الحروف، وكان ~~PageV02P430 # تضعيف الحرف عليهم أسهل من تأليفه مع ما يجاوره، فلأجل ذلك أنه لما أراد ~~بنو تميم إسكان العين من "معهم" استكرهوا أن يقولوا "معهم" فأبدلوا الحرفين ~~حاءين، وأدغموا الأولى في الآخرة، فقالوا "محم" فكان ذلك أسهل عليهم من ~~اللفظ بالحرفين المقتربين. # فقد تحصل لنا من هذه القضايا أن الحروف في التأليف على ثلاثة أضرب: # أحدها: تأليف المتباعدة، وهو الأحسن. # والآخر: تضعيف الحرف نفسه، ms406 وهو يلي القسم الأول في الحسن. # والآخر: تأليف المتجاورة، وهو دون الاثنين الأولين، فإما رفض البتة، وإما ~~قل استعماله. # فإن قلت: ألست تعلم أن الإمالة إنما وقعت في الكلام ليتقارب الصوتان، ~~وذلك أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة لتميل الألف نحو الياء، نحو "مالك" ~~و"حاتم" وكذلك الحرفان إذا ضورع بأحدهما صاحبه نحو "مزدر" و"تزدير" أو أدني ~~منه، تقلبه إلى حرف آخر صريح، نحو "صبقت" في "سبقت" و"صقت" في "سقت" ~~و"صويق" في "سويق". فإذا كانوا من إيثار المضارعة والتقريب على ما تراه فمن ~~أين ساغ لك أن تقضي عليهم بكلفة التقارب في المخارج نحو الذال مع الثاء، ~~والسين مع الصاد؟ # فالجواب: أن الحس أعدل شاهد، وذلك أنك إذا قلت: "دث" أو "سص" أو "كق" أو ~~"حع" رأيت الكلفة ظاهرة والمؤونة مجحفة، فأما تقريب الحرف من الحرف فليس ~~ذلك التقريب بينهما بمصير للمقرب إلى حرف يجاور المقرب منه، وإنما هي ~~مضارعة وإيجاد حروف فروع غير أصول، وهي التي ذكرناها في أول هذا الكتاب. # ألا ترى أن ألف الإمالة والصاد التي كالزاي إنما هما من الفروع الستة، ~~وليستا بأصلين مستقرين كالثاء ولا السين ولا الجيم اللواتي إذا ضممتهن إلى ~~مجاروهن فقد استعملت هناك أصولا مستقرة، ولم ترتجل فروعا يمكن التسلط عليها ~~وقلة الحفل بها وأما من أخلصها زايا فقال "مزدر" فإنما جاز ذلك له لأن ~~الزاي ليست من مخرج الدال، فلما بعدا حسن الجمع بينهما. # PageV02P431 # وأما قلب السين من "سقت" صادا لأجل القاف فليست الصاد أختا للقاف ولا ~~مجاورة لها كالكاف والجيم، ألا ترى أن القاف من أصل اللسان والصاد من صدره ~~وأسلته، وإنما جمع بينهما ما فيهما من الاستعلاء، وهما على كل حال بائنتان ~~متراخيتان. # أولا ترى أن الشين تؤلف مع الضاد لما بينهما من التجاور والاستطالة، إلا ~~أنهم جمعوا بينها وبين حروف وسط الفم، فقالوا: "شصاصاء"1 و"شصب"2 و"شزب"3 ~~و"شزر"4 و"شسف"5 و"شسع"6، ولم يفعلوا ذلك حتى بدأوا بالشين التي هي أقوى، ~~ولو قدمت واحدة من الصاد أو السين أو الزاي على الشين لم ms407 يجز؛ ألا ترى أنه ~~ليس في الكلام نحو "سش" ولا "زش" ولا "صش". وحروف الصفير -وهي الصاد والسين ~~والزاي- لا يتركب بعضها مع بعض، ليس في الكلام مثل: "سص" ولا "صس" ولا "سز" ~~ولا "زس" ولا "زص"ولا "صز". وكذلك الطاء والدال والتاء لا يتركبن إلا أن ~~تتقدم الطاء والتاء على الدال، نحو "وتد" و"محتد" و"وطد". وكذلك الظاء ~~والذال والثاء. # فأما الراء واللام والنون فمتى تقدمت الراء على كل واحدة منهما، جاز ذل ~~نحو "ورل" و"أرل" و"رنة" و"رند"8، ولو قدمت واحدة منهما على الراء لم يجز ~~لأنهما أقوى منهما، فينبغي إذا تداني9 الحرفان أن يبدأ بالأقوى منهما، ~~فيعتمد عليه، ويتلوه الآخر تبعا له. فأما "الخلر" فاسم أعجمى، وإنما كلامنا ~~على اللغة العربية. وأما قولهم "دنر يدنر"10 و"رجل مدنر ومزنر"11، فإنما ~~جاز PageV02P432 # فيه أن تتقدم النون على الراء لأن النون مشددة، فقويت بذلك، فصار لها حكم ~~لولا التشديد لم يكن؛ ألا ترى أن الواو والياء إذا كانتا غير مشددتين ~~اعتلتا نحو: "ميعاد" و"موسر" و"قام" و"باع" فإذا شددتا تحصنتا، فقويتا، فلم ~~تعلا، وذلك نحو "اجلواذ" و"سيل"1، وكذلك القول في "مدنر" لتشديد النون، ~~وكذلك "مصنر"، وانضاف إلى تشديد النون أيضا أن الحرفين متأخران، وليست ~~النون في أول الكلمة، وإنما اعتماد أولها على الميم قبل الدال والزاي ~~والصاد في: "مدنر" و"مزنر" و"مصنر". # ويدلك على أن الاعتلال والتضعيف واحتمال الحروف المكروهة التأليف بأواخر ~~الحرف أولى منها بأوله إعلالهم نحو "غازية" و"محنية"2، وهما من "غزوت" ~~و"حنوت" وأصلهما "غازوة" و"محنوة" فقلبت الواو ياء وإن كانت مفتوحة، ولم ~~تحصنها الحركة من القلب كما حصنتها في نحو "حول" و"طول" و"تولة"3 لما كانت ~~في "غازية" و"محنية" متأخرة، ولأجل ذلك ما تجد التضعيف في آخر الحرف كثيرا ~~واسعا، نحو: صددت، ومددت، وحللت، وبللت، وفررت، ومررت، وسببت، وصببت، ونحو: ~~الشمم، والزمم4، والصدد5، والبدد6، ولا تكاد تجده أولا البتة إلا شاذا نحو ~~"ددن"7 و"ببان"8. # فأما "ببة" فإنما لقب بالصوت الذي كانت أمه ترقصه به. # وأما "ببر"10 فأعجمي، فالفاء والعين لا يكونان من لفظ واحد إلا ms408 شاذا، ~~PageV02P433 # لا سيما إذا توالتا ولم يفصل بينهما. فأما "كوكب" و"أبنبم"1 و"دودرى"2 ~~فقد فصل بينهما. # وأما "أول" فإن الابتداء وقع بالهمزة، لاسيما وقد أدغمت الفاء في العين، ~~فلم تظهر، فينبأ عنها. # وأما الفاء واللام فأوسع من هذا الباب، وذلك نحو: "سلس" و"قلق" و"دعد" ~~و"يديت إليه يدا" و"واو" و"قوق"3 و"طوط" و"بيبة"5. # وأما العين واللام فهو الباب، نحو ما قدمناه من "صددت" و"مددت" و"فررت" ~~و"قررت". # وقد كنا قدمنا في أول رسالة هذا الكتاب شيئا من هذا الفصل الذي نحن فيه، ~~فتركنا إعادته هنا. PageV02P434 # وهذا فصل: ل ### | إفراد الحروف في الأمر ونظمها على المألوف من استعمال حروف المعجم # الهمزة: إذا أمرت من "وأى يئي" أي: وعد قلت: يا زيد إ عمرا، معناه: عد ~~عمرا، والوأي: الوعد، وتقول في التثنية "إيا" وفي الجماعة المذكرين "أوا" ~~وللمرأة "إي" وللمرأتين "إيا" كالمذكرين، وللنساء "إين" كقولك: عد، وعدا، ~~وعدوا، وعدي، وعدا، وعدن، فحذف الياء من "إ" علامة الوقف، وحذف النون من ~~"إيا" و"أؤا" علامة الوقف أيضا، وكذلك حذف النون من قولك للمرأة "إي" علامة ~~الوقف، والياء التي في قولك "عدي"، والأصل فيه "إيي" مثل "عدي" فأسكنت ~~الياء استثقالا للكسرة عليها، وحذفت لسكونها وسكون ياء الضمير بعدها. ~~والياء في "إيا" لام الفعل بمنزلة دال "عدا". والياء أيضا في "إين" لام ~~الفعل بمنزلة دال "عدن" والنون بعدها علامة الجمع والضمير المؤنث كنون ~~"عدن". # فقد شرحنا حال هذه الأحكام، فأغنى عن إعادة مثله في ما نستقبل. # الباء: يقال: بأي الرجل يبأى إذا فخر، فإذا أمرت منه قلت: ابأ يا رجل، ~~أي: افخر، فإن خففت الهمزة قلت: ب يا رجل، وذلك أنك حذفت الهمزة، وألقيت ~~فتحتها على الباء، فلما تحركت الباء استغنيت عن ألف الوصل لتحرك ما بعدها ~~فقلت: ب يا رجل، فإن ثنيت قلت على التحقيق: ابأيا، وعلى التخفيف: بيا. ~~وللجماعة على التحقيق: ابأؤا، وعلى التخفيف: بوا. وللمراة على التحقيق: ~~ابأي بوزن ابعي، وعلى التخفيف: بي، وللمرأتين كالرجلين، ولجماعة النساء على ~~التحقيق ابأين بوزن ابعين، وعلى التخفيف: بين، فاعرفه، أنشدنا ms409 أبو علي1: # أقول والعيس تبا بوهد2 PageV02P435 # أي: تبأى، أي تتعالى في السير، وتتسامى فيه، فخفف الهمزة على ما ذكرنا. # التاء: لغة لبعض العرب تقول في الأمر من أتى يأتي: ت زيدا، فتحذف الهمزة ~~تخفيفا كما حذفت من: خذ، وكل، ومر. # قال شاعرهم1: # ت لي آل زيد فاندهم لي جماعة ... وسل آل زيد أي شيء يضيرها # وتقول على هذه اللغة للاثنين: تيا، وللحماعة: توا، وللمؤنث: تي، وتيا، ~~وتين. # الثاء: يقال: ثأى الخرز يثأى إذا غلظ الإشفى ودق السير، وأصل الثأي ~~الفساد على ما ذكرناه. فإذا أمرت قلت: اثأ يا خرز، فإن خفضت قلت: ث يا خرز، ~~وثيا، وثوا، وثين وثيا، وثين على ما قدمناه من حال التخفيف في باب الباء. # الجيم: يقال: جئي الفرس يجأى جأى وجؤوة، إذا ضرب لونه إلى لون صدأ ~~الحديد، قال ذو الرمة، أنشدناه أبو علي: # تنازعها لونان ورد وجؤوة ... ترى لإياء الشمس فيه تحدرا2 # فإذا أمرت قلت: اجأ يا فرس، فإن خففت قلت: ج يا فرس، وجيا وجوا، وجي، ~~وجيا، وجين على ما تقدم في باب الباء والثاء. ولغة لبعض العرب "جا يجي" ~~بغير همز، فإذا أمرت قلت: ج يا رجل، وجيا، وجوا، وجي يا امرأة، وجيا، وجين، ~~فاعرفه. # الحاء: يقال: وحى إليه يحيى، وأوحى إليه يوحي، قال العجاج3: # وحى لها القرار، فاستقرت ... ومدها بالراسيات الثبت4 PageV02P436 # وقال الله عز وجل: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] وهو كثير. فإذا ~~أمرت من "وحى" قلت: ح يارجل، وحيا، وحوا، وللمؤنث "حي، وحيا، وحين" على ما ~~قدمناه في باب الهمزة. # الخاء: يقال: وخيت الشيء أخيه، أي: قصدته وتعمدته، ومنه: توخيت كذا قال1: ### | ...................... # ... أنى وخى # فإذا أمرت قلت: خ يا رجل، وخيا، وخوا، وخي يا امرأة، وخيا، وخين، على ما ~~تقدم. # الدال: يقال: ودى العرق يدي إذا سال، ومنه قيل "الوادي" لأنه مسيل الماء، ~~أنشدنا أبو علي2: # كأن عرق أيره إذا ودى ... حبل عجوز ضفرت سبع قوى3 # فإن أمرت قلت: د يا رجل، وديا، ودوا، ودي يا امرأة، وديا، ودين، على ms410 ما ~~سلف. # ويقال أيضا: دأيت للشئ أدأى، إذا ختلته، قال4: # كالذئب يدأى للغزال يختله5 # فإن أمرت قلت: ادأ يا رجل، فإن خففت قلت: د يا رجل، وديا، ودوا، ودي يا ~~امرأة، وديا، ودين، على ما سلف من التصريف. # الذال: يقال: ذأى الفرس يذأى ذأيا إذا كان كثير الجري سريعه خفيفه، وفرس ~~مذأى، قال العجاج6: PageV02P437 # بعيد نضح الماء مذأى مهرجا1 # فإذا أمرت قلت: اذأ يا فرس. فإن خففت قلت: ذه، وذيا، وذوا، وذي يا امرأة، ~~وذيا، وذين، على ما تقدم عليه القول. # الراء: يقال: رأيت الرجل إذا أبصرته، ورأيته إذا ضربت رئته، إلا أن العرب ~~اجتمعت على تخفيف مضارع "رأيت" من رؤية العين، فقالوا: أرى، والأصل: أرأى، ~~فخففوا الهمزة بأن حذفوها وألقوا فتحتها على الراء، ولم يأت التحقيق في ~~المضارع إلا شاذا، أنشدنا أبو علي لسراقة البارقي2: # أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات3 # وقرأت عليه في الهمز عن أبي زيد4: # ثم استمر بها شيحان مبتجح ... بالبين عنك بما يرآك شنآنا # فإن أمرت على شائع اللغة فيها -وهو التخفيف- قلت: ر يا زيد، وريا، وروا، ~~وري يا هند، وريا، ورين. وإن أمرت من رأيت الصيد على التحقيق -وهو المعروف ~~فيه- قلت: ارأ. # فإن خففت جرى مجرى تخفيف مضارع "رأيت" من رؤية العين، فقلت: ره، وريا، ~~وروا، وري، وريا، ورين. # ويقال أيضا: ورت بك زنادي، ووراه الله، أي: أدوى جوفه. # قال سيحم5: # وراهن ربي مثل ما قد وريتني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا6 # فإن أمرت منهما جميعا قلت: ر يا رجل، وريا، وروا، وري يا امرأة، وريا، ~~ورين، على ما تقدم. PageV02P438 # الزاي: يقال: وزى الشيء يزي إذا اجتمع وتقبض. فإن أمرت قلت: ز يا رجل، ~~وزيا، وزوا، وزي يا امرأة، وزيا، وزين، على التفسير الفارط. # السين: يقول بعض العرب "سا يسو" بحذف الهمزة البتة تخفيفا، فتقول على هذا ~~الأمر: س يا رجل، وسوا، وسوا، وسي يا امرأة، وسوا، وسون. والأصل في "سي" ~~لملؤنث: "سوي" ووزنه "فعي" لأن لامه محذوفة البتة على غير قياس، فثقلت ms411 ~~الكسرة على الواو، فنقلت إلى السين، وحذفت الواو لسكونها وسكون الياء ~~بعدها، فصار "سي". # الشين: يقال: وشيت الثوب أشيه إذا نقشته وحسنته، ووشيت الحديث أشيه، أي: ~~نمقته وزينته، فإذا أمرت قلت: ش يا رجل، وشيا وشوا، وشي يا امرأة، وشيا، ~~وشين. # ويقال: شأوت الرجل، أي: سبقته، وشأوته: حزنته، ومضارعهما: يشأى، فإذا ~~أمرت قلت: اشأ. فإن خففت قلت: ش يا رجل، وشيا، وشوا، وشي يا امرأة، وشيا، ~~وشين. # الصاد: يقال: وصى الشيء يصي فهو واص، أي: متصل. # قال ذو الرمة1: # بين الرجا والرجا من جيب واصية ... يهماء خابطها بالخوف معكوم # وقال الآخر2: # يأكلن من قراص ... وحمصيص واص3 # فإن أمرت قلت: ص يا رجل، وصيا، وصوا، وصي يا امرأة، وصيا، وصين. ~~PageV02P439 # ويقال أيضا: صأى الفرخ1 يصئي صئيا. فإذا أمرت قلت: اصء. فإن خففت قلت: ص، ~~وصيا، وصوا، وصي، وصيا، وصين، فوزن "ص" من هذا المهموز "فل" لأن العين ~~محذوفة للتخفيف، ووزنه من الأول وهو وصى يصي "عل" لأن الفاء محذوفة كما ~~تحذف من وعد يعد، فاللفظان على هذا متفقان من أصلين مختلفين. # الضاد: غفل لم يأت فيها شيء. # الطاء: مثله. # الظاء: مثله. # العين: يقال: وعيت العلم إذا حفظته، ووعيت الكلام، أي: حفظته، قال الله ~~تعالى: {وتعيها أذن واعية} [الحاقة: من الآية 12] فإذا أمرت قلت: ع يا رجل، ~~وعيا، وعوا، وعي يا امرأة، وعيا، وعين. # الغين: غفل. # الفاء: يقال: وفى بالعهد يفي، وأوفى يوفي، قال2: # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها3 # فجمع بين اللغتين. فإن أمرت من "وفيت" قلت: ف يا رجل، وفيا، وفوا، وفي يا ~~امرأة، وفيا، وفين، على قياس ما مضى. # القاف: يقال: وقيت الرجل أقيه. # فإذا أمرت قلت: ق يا رجل، وقيا، وقوا، وقي يا امرأة، وقيا، وقين، قال ~~الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: من الآية 6] 4 وقياسه ما ~~سبق ذكره. PageV02P440 # الكاف: يقال: أوكيت السقاء ووكيته إذا شددته بالوكاء. فإن أمرت من "وكيته ~~أكيه" قلت: ك يا رجل، وكيا، وكوا، وكي يا امرأة، ms412 وكيا، وكين، وشرحه على ما ~~تقدم في وفيت ووقيت. # اللام: يقال: وليت الأمر أليه. فإذا أمرت قلت: ل يا رجل، وليا، ولوا، ولي ~~يا امرأة، وليا، ولين. # قال ذو الرمة1: # لني ولية تمرع جنابي فإنني ... لو سمي ما أوليت من ذاك شاكر2 # الميم: يقال: مأت الهرة تمؤو، فإن أمرت قلت: امؤ يا هر. فإن خففت ألقيت ~~ضمة الهمزة على الميم، وحذفت الهمزة، ثم حذفت همزة الوصل من أول الكلمة ~~لتحرك ما بعدها، فقلت: م يا هر، وموا، وموا، ومي يا هرة، وموا، كالمذكرين، ~~ومون. وهذا حف غريب، وقياسه ما ذكرت. # النون: يقال: ونيت في الأمر أني ونيا. # فإن أمرت قلت: ن يا رجل، ونيا، ونوا، وني يا امرأة، ونيا، ونين، قال الله ~~سبحانه: {تنيا في ذكري} [طه: من الآية 42] 3. # قال العجاج4: # فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر5 # ويقال أيضا: نأيت حول البيت نؤيا6، وأنانيت، وأنايت، وأنايت أيضا حوله ~~نؤيا، حكاهما جميعا أبو زيد في كتاب همزه. فإن أمرت من "نأيت أنأى" قلت: ~~انأ يا زيد نؤيا مثل انع نعيا. # فإن خففت قلت: ن نؤيا، ونيا، ونوا، وني يا امرأة، ونيا، ونين. ~~PageV02P441 # وحكى أبو زيد في كتاب همزه المقيس أن من العرب من يقول: يا زيد ن نؤيك، ~~أخرجه على التخفيف الذي قدمنا ذكره. # الهاء: يقال: وهى الأمر يهيي، فهو واه. # قال زهير1: ### | .................................. # ... فأصبح الحبل منها واهيا خلقا2 # فإن أمرت قلت: ه يا رجل3، وهيا، وهوا يا رجال، وهي، وهيا، وهين. # الواو: غفل. # المدة: غفل. # الياء: غفل. PageV02P442 # هذا آخر كتابنا الموسوم بسر الصناعة. # ونرجو أن يكون الله تعالى قد وفقنا فيه للصواب. # ولم يذهب بنا وبه عن طريق الرشاد. # وعند الله نحتسب ما أودعناه. # وإياه نسترعي من محاسنه وبدائعه ما تسمحنا به فضمناه. # إنه كافينا، وعليه توكلنا، وهو حسبنا. # وصلى الله على خيرته من خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # انتهى الكتاب والحمد لله أولا وآخرا1. PageV02P443 ### | الفهرس # الموضوع الصفحة # باب اللام 5 # باب لحاق ms413 اللام الأفعال 63 # باب الميم 89 # باب النون 107 # باب الهاء 203 # إبدال الهاء من الألف 207 # إبدال الهاء من الياء 209 # إبدال الهاء من الواو 213 # إبدال الهاء من التاء 215 # زيادة الهاء 215 # حرف الواو 223 # إبدال الواو 223 # إبدال الواو من الألف 227 # إبدال الواو من الألف المبدلة 229 # إبدال الواو من الألف الزائدة 230 # إبدال الواو من الياء المبدلة 233 # إبدال الواو من الياء الزائدة 240 # زيادة الواو 241 # حرف الألف الساكنة 241 # كون الألف أصلا 295 # PageV02P445 # الموضوع الصفحة # إبدال الألف 304 # إبدال الألف عن الهمزة 305 # إبدال الألف عن الياء والواو 307 # إبدال الألف عن النون الساكنة 314 # زيادة الألف 325 # حرف الياء 361 # إبدال الياء 363 # إبدال الياء من الواو 364 # إبدال الياء من الهمزة 368 # إبدال الياء من الهاء 371 # إبدال الياء من السين 371 # إبدال الياء من الباء 372 # إبدال الياء من الرا 372 # إبدال الياء من النون 383 # إبدال الياء من اللام 384 # إبدال الياء من الصاد 384 # إبدال الياء من الضاد 385 # إبدال الياء من الميم 386 # إبدال الياء من الدال 387 # إبدال الياء من العين 387 # PageV02P446 # الموضوع الصفحة # إبدال الياء من الكاف 388 # إبدال الياء من التاء 388 # إبدال الياء من الثاء 389 # إبدال الياء من الجيم 389 # زيادة الياء 391 # فصل في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها 405 # فصل في مذهب مزج العرب الحروف بعضها ببعض 427 # فصل في إفراد الحروف في الأمر ونظمها على المألوف من استعمال حروف المعجم ~~435 # الفهرس 445 PageV02P447 ms414