######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023787 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصناعتين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023787 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23787 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23787 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العنصرية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1419 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقدمة ### |EDITOR| مقدمة [التحقيق] ### |SKIP| بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد فهذا كتاب ~~ «الصناعتين» نقدمه لقراء العربية بعد أن نفدت طبعاته، وتناولته أيدى الوراقين ~~ بالعبث والتصحيف. # ومؤلفه هو أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران ~~العسكرى، ولد فى عسكر مكرم (من كور الأهواز) وإليها نسبته، وانتقل إلى بغداد ~~ والبصرة، وخلف كثيرا من الكتب، منها: # جمهرة الأمثال، والصناعتين، وديوان المعانى، والمصون فى الأدب، ~~ والأوائل،وغيرها مما يدل على إطلاع واسع، وذهن ناقد. # ويرى ياقوت أنه توفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. # أما كتابه الذى نقدم له «الصناعتين: الكتابة والشعر» ، فقد استعان فى ~~تأليفه بجل ما كتب سابقوه ممن عالجوا مثل موضوعه. # ونذكر من هؤلاء ابن سلام، وكتابه طبقات الشعراء، والجاحظ، وكتابه البيان ~~والتبيين، وابن قتيبة، وكتابه نقد الشعر، وابن المعتز، وكتابه البديع، وقدامة، ~~ وكتابه نقد الشعر، والآمدى، وكتابه الموازنة، والقاضى الجرجانى وكتابه الوساطة ~~ بين المتنبى وخصومه. # وقد استطاع أبو هلال أن يعرض لنا زبدة هذه الكتب فى كتابه حتى إنه ~~ليجعلنا نكاد نستغنى عنها جميعا. # وقد اعتمدنا فى تحقيق هذا الكتاب على النسخ الآتية: ### | 1- # نسخة طبعت فى الآستانة سنة 1320 ه. بتصحيح السيد محمد أمين الخانكى، ~~ وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ط) ### | 2- # نسخة مخطوطة كاملة بدار الكتب المصريةرقم 602 بلاغة، بخط محمد ~~ فضل الله الطيب، كتبت سنة 1091 ه. وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ا) ### | 3- # نسخة مخطوطة من الجزء الأول بدار الكتب المصرية رقم 247 أدب ~~ تيمور، كتبتفى سنة 1162 ه. بخط السيد محمد بن السيد مصطفى الراعى، وتنتهى ~~بالجزء الأول من الباب السابع، وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ب) . # هذا إلى كثير من كتب الأدب، والنقد، واللغة، ودواوين الشعر، مما أشرنا ~~إليه فى آخر الكتاب. # وقد وضعنا له الفهارس الآتية: # (1) فهرس الموضوعات؛ وقد فصلنا فيه المسائل تفصيلا واضحا. # (2) فهرس الأعلام. # (3) فهرس الشعر؛ وقد رتبناه على حسب القوافى، ووضعنا أمام كل قافية ~~قائلها. # ونرجو أن نكون قد يسرنا ms001 الانتفاع بالكتاب إذ أخرجناه فى صورة أقرب إلى ~~الكمال. # على محمد البجاوى محمد أبو الفضل ابراهيم ### |EDITOR| مقدمة التأليف ### |SKIP| بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله ولى كل نعمة، وصلواته على نبيه الهادى من كل ضلالة، وعلى آله ~~المنتجبين «1» الأخيار، وعترته المصطفين الأبرار. ### |EDITOR| فضل علم البلاغة # [قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل رحمه الله لبعض إخوانه: اعلم- ~~علمك الله الخير، ودلك عليه، وقيضه لك، وجعلك من أهله] «2» أن أحق العلوم ومعرفة ~~بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ~~ الفصاحة، الذى به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادى ~~إلى سبيل الرشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحة النبوة، التى رفعت أعلام ~~الحق، وأقامت منار الدين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشك ~~بيقينها. # وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع ~~علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، ~~وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف؛ وضمنه من الحلاوة، ~~ وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، ~~ إلى غير ذلك من محاسنه التى عجز الخلق عنها، وتحيرت عقولهم فيها. # وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايته، ~~ فى حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته «3» ، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه. وقبيح ~~لعمرى بالفقيه المؤتم به؛ والقارى المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه فى حسن ~~مناظرته، وتمام آلته فى مجادلته، وشدة شكيمته فى حجاجه «4» ؛ وبالعربى الصليب «5» # PageV01P001 # والقرشى الصريح «1» ألا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التى يعرفه منها الغبى ~~ الزنجى «2» والنبطى «3» ، أو أن يستدل عليه بما استدل به الجاهل # فينبغى من هذه الجهة أن يقدم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد المعرفة ~~الله تعالى ومعرفة عدله والتصديق بوعده ووعيده على ما ذكرنا؛ إذ كانت ~~ بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله جل اسمه. # ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة، ومناقب معروفة؛ منها أن صاحب العربية ~~إذا أخل بطلبه، وفرط فى التماسه، ms002 ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفى ~~على جميع محاسنه، وعمى «4» سائر فضائله؛ لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد، وآخر ~~ ردى؛ ولفظ حسن، وآخر قبيح؛ وشعر نادر، وآخر بارد، بان جهله، وظهر ~~نقصه. # وهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينشىء رسالة- وقد فاته هذا ~~ العلم- مزج الصفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر «5» ، واستعمل الوحشى العكر؛ ~~ فجعل نفسه مهزأة «6» للجاهل، وعبرة للعاقل؛ كما فعل ابن جحدر فى قوله: # حلفت بما أرقلت حوله %~% همرجلة خلقها شيظم «7» # وما شبرقت من تنوفية %~% بها من وحى الجن زيريم «8» # وأنشده ابن الأعرابى، فقال: إن كنت كاذبا فالله حسيبك. # وكما ترجم بعضهم كتابه إلى بعض الرؤساء: مكركسة تربوتا ومحبوسة بسريتا «9» ؛ # PageV01P002 ~~ فدل على سخافة عقله، واستحكام جهله؛ وضره الغريب الذى أتقنه ولم ينفعه، ~~وحطه ولم يرفعه، لما فاته هذا العلم، وتخلف عن هذا الفن. # وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطى ~~هذا العلم ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه؛ فأخذ الردىء المرذول، وترك الجيد ~~المقبول، فدل على قصور فهمه، وتأخر معرفته وعلمه. # وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ كما أن شعره قطعة من علمه. ~~ وما أكثر من وقع من علماء العربية فى هذه الرذيلة! منهم الأصمعى فى اختياره ~~ قصيدة المرقش «1» : # هل بالديار أن تجيب صمم %~% لو أن حيا ناطقا كلم «2» # ولا أعرف على أى وجه صرف اختياره إليها، وما هى بمستقيمة الوزن، ولا ~~مونقة «3» الروى، ولا سلسلة اللفظ، ولا جيدة السبك، ولا متلائمة النسج. # وكان المفضل يختار من الشعر ما يقل تداول الرواة له، ويكثر الغريب فيه؛ ~~وهذا خطأ من الاختيار؛ لأن الغريب لم يكثر فى كلام إلا أفسده، وفيه دلالة ~~الاستكراه والتكلف. # وقال بعض الأوائل: تلخيص المعانى رفق، والتشادق «4» من غير أهله بغض، ~~والنظر فى وجوه الناس عى، ومس اللحية هلل «5» ، والاستعانة بالغريب عجز، ~~والخروج عما بنى عليه الكلام إسهاب. وكان كثير من علماء العربية يقولون: # ما سمعنا بأحسن ولا أفصح من قول ذى الرمة «6» : # PageV01P003 # رمتنى مى بالهوى رمى ممضع %~% من الوحش ms003 لوط لم تعقه الأوانس » # بعينين نجلاوين لم يجر فيهما %~% ضمان وجيد حلى الدر شامس «2» # وهذا- كما ترى- كلام فج غليظ، ووخم ثقيل، لاحظ له من الاختيار. # وحكى العتبى عن الأصمعى أنه كان يستحسن قول الشاعر: # ولو أرسلت من حب %~% ك مهبوتا من الصين «3» # لو افيتك قبل الصب %~% ح أو حين تصلين # وهما على ما تراهما من دناءة اللفظ وخساسته، وخلوقة المعرض وقباحته. # وذكر العتبى أيضا أن قول جرير «4» : # إن العيون التى فى طرفها مرض %~% قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك «5» به %~% وهن أضعف خلق الله أركانا # وقوله «6» : # إن الذين غدوا بلبك غادروا %~% وشلا بعينك لا يزال معينا «7» # غيضن من عبراتهن وقلن لى %~% ماذا لقيت من الهوى ولقينا «8» # من الشعر الذى يستحسن لجودة لفظه، وليس له كبير معنى. وأنا لا أعلم معنى ~~أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر. # فلما رأيت تخليط هؤلاء الأعلام فيما راموه من اختيار الكلام، ووقفت على ~~موقع هذا العلم من الفضل، ومكانه من الشرف والنبل، ووجدت الحاجة إليه ماسة، ~~والكتب المصنفة فيه قليلة، وكان أكبرها وأشهرها كتاب «البيان والتبيين» # PageV01P004 # لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمرى كثير الفوائد، جم المنافع؛ لما ~~اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار ~~البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبه عليه من مقاديرهم فى البلاغة ~~ والخطابة؛ وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أن الإبانة عن ~~ حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة فى تضاعيفه، ومنتشرة فى ~~ أثنائه؛ فهى ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير ~~والتصفح الكثير؛ ### |EDITOR| تقسيم الكتاب وأبوابه # فرأيت أن أعمل كتابى هذا مشتملا على جميع ما يحتاج إليه فى صنعة الكلام:نثره ~~ ونظمه، ويستعمل فى محلوله ومعقوده، من غير تقصير وإخلال، وإسهاب ~~وإهذار. وأجعله عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلا: # الباب الأول: فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى أصل اللغة وما يجرى معه من ~~تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها وضرب الأمثلة فى كل ms004 نوع منها وتفسير ما ~~جاء عن العلماء فيها، ثلاثة فصول. # الباب الثانى: فى تمييز الكلام جيده من رديه ومحموده من مذمومه فصلان. # الباب الثالث: فى معرفة صنعة الكلام، فصلان. # الباب الرابع: فى البيان عن حسن السبك وجودة الرصف «1» ، فصل واحد. # الباب الخامس: فى ذكر الإيجاز والإطناب، فصلان. # الباب السادس: فى حسن الأخذ وقبحه وجودته ورداءته، فصلان. # الباب السابع: القول فى التشبيه، فصلان. # الباب الثامن: فى ذكر السجع والازدواج، فصلان. # الباب التاسع: فى شرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه، ~~ خمسة وثلاثون فصلا. # الباب العاشر: فى ذكر مقاطع الكلام ومباديه والقول فى الإساءة فى ذلك ~~والإحسان فيه، ثلاثة فصول. # وأرجو أن يعين الله على المراد من ذلك والمقصود فيما نحونا إليه ويقرنه بالتوفيق ~~ ويشفعه بالتسديد؛ إنه سميع مجيب. # PageV01P005 ### |EDITOR| الباب الأول [عن موضوع] ### |EDITOR| البلاغة ### |EDITOR| الفصاحة في أصل اللغة وما يجري معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح ~~وجوهها] ### | الفصل الأول ### | فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى اللغة، وما يجرى معه من تصرف لفظها، والقول فى ، وما يتشعب منه ### || البلاغة # البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلغتها غيرى. ومبلغ الشىء: ~~ منتهاه. والمبالغة فى الشىء: الانتهاء إلى غايته. فسميت البلاغة بلاغة لأنها تنهى بها، فتنتهى بك ~~ المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. وسميت البلغة بلغة لأنك تتبلغ ~~ إلى ما فوقها، وهى البلاغ أيضا. ويقال: الدنيا بلاغ؛ لأنها ~~تؤديك إلى الآخرة. ~~ والبلاغ أيضا: التبليغ، فى قول الله عز وجل: هذا بلاغ للناس أى تبليغ ~~ ويقال: بلغ الرجل بلاغة؛ إذا صار بليغا. كما يقال نبل نبالة؛ إذا صار نبيلا ~~وكلام بليغ وبلغ (بالفتح) «1» ، كما يقال: وجيز ووجز «2» ، ورجل بلغ (بالكسر) : ~~ يبلغ ما يريد. وفى مثل لهم «أحمق بلغ» . ويقال: أبلغت فى الكلام إذا أتيت بالبلاغة ~~ فيه. كما تقول: أبرحت إذا أتيت بالبرحاء وهو الأمر الجسيم. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلم. # فلهذا لا يجوز أن يسمى الله جل وعز بأنه بليغ؛ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة ~~كان موضوعها ms005 الكلام. وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ توسع. وحقيقته أن كلامه ~~بليغ، كما تقول: فلان رجل محكم، وتعنى أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: حكمة ~~. بالغة فجعل البلاغة من صفة الحكمة، ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلا أن كثرة # PageV01P006 # الاستعمال جعلت تسمية المتكلم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أنها جعلت تسمية ~~المزادة راوية كالحقيقة، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجرى ~~مجراه. # ولهذا سمى حامل الشعر راوية، وكما صار تسمية البغى المكتسبة بالفجور ~~القحبة حقيقة، وإنما القحاب السعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت ~~وتكسبت بالفجور قالوا: قحبت، أى سعلت. # ومن ذلك النجو؛ لأن الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة،و النجوة: ~~ الارتفاع من الأرض؛ فسمى ذلك الشىء نجوا مجازا، ثم كثر استعمالهم له فصار ~~كالحقيقة وصرفوه، فقالوا: ذهب ينجو، كما يقال: ذهب يتغوط، إذا صار إلى ~~الغائط، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة، وسموا الشىء الغائط، وصار ~~كالحقيقة حين كثر استعمالهم له. وقالوا، إذا غسل ذلك الموضع من النجو: ~~يستتجى، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه. ### || الفصاحة # فأما الفصاحة فقد قال قوم: إنها من قولهم: أفصح فلان عما فى نفسه إذا ~~أظهره، والشاهد على أنها هى الإظهار قول العرب: أفصح الصبح إذا أضاء. # وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر. وفصح أيضا. وأفصح الأعجمى إذا ~~أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين؛ وفصح اللحان إذا عبر عما فى نفسه وأظهره ~~على جهة الصواب دون الخطأ. # وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن ~~اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له. ### || الفرق بين الفصاحة والبلاغة # وقال بعض علمائنا: الفصاحة تمام آلة البيان؛ فلهذا لا يجوز أن يسمى الله ~~تعالى فصيحا؛ إذ كانت الفصاحة تتضمن معنى الآلة ولا يجوز على الله تعالى ~~الوصف بالآلة؛ ويوصف كلامه بالفصاحة؛ لما يتضمن من تمام البيان. # والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان آلتهما عن ~~إقامة # PageV01P007 # الحروف. وقيل زياد الأعجم لنقصان آلة ms006 نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبر عن ~~الحمار بالهمار، فهو أعجم، وشعره فصيح لتمام بيانه. # فعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين؛ وذلك أن الفصاحة تمام آلة ~~البيان فهى مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى؛ والبلاغة ~~إنما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى. # ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تتناول المعنى أن ~~الببغاء يسمى فصيحا، ولا يسمى بليغا، إذ هو مقيم الحروف وليس له قصد إلى ~~المعنى الذى يؤديه. # وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، ~~سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فج، ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد ~~الاسمين شىء، لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف. # وشهدت قوما يذهبون إلى أن الكلام لا يسمى فصيحا حتى يجمع مع هذه النعوت ~~فخامة وشدة جزالة، فيكون مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم «ألا إن هذا ~~الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . ومثل ~~كلام الحسين بن على رضى الله عنهما: إن الناس عبيد الأموال، والدين لغو على ~~ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا محصوا بالابتلاء قل الديانون. ومثل ~~المنظوم قول الشاعر: # ترى غابة الخطى فوق رءوسهم %~% كما أشرفت فوق الصوار قرونها «1» # قالوا: وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة ~~سمى بليغا ولم يسم فصيحا؛ كقول بعضهم- وقد سئل عن حاله عند الوفاة # PageV01P008 # فقال: ما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجة، ~~ويسكن قبرا موحشا بلا أنيس. # وقول آخر لأخ له: مددت إلى المودة يدا فشكرناك، وشفعت ذلك بشىء من الجفاء ~~فعذرناك، والرجوع إلى محمود الود أولى بك من المقام على مكروه الصد. # وأنشدنا أبو أحمد «1» عن أبى بكر الصولى لإبراهيم بن العباس «2» : # تمر الصبا صفحا بساكنة الغض %~% «3» ويصدع قلبى أن يهب هبوبها # قريبة عهد بالحبيب وإنما %~% ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها # فالبيت الأول فصيح وبليغ، والبيت ms007 الثانى بليغ وليس بفصيح. # واستدلوا على صحة هذا المذهب بقول العاص بن عدى: الشجاعة قلب ركين، ~~والفصاحة لسان رزين. واللسان هاهنا: الكلام، والرزين الذى فيه فخامة ~~وجزالة. ### || مذهب الكتاب # وليس الغرض فى هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلمين، وإنما قصدت فيه مقصد صناع ~~الكلام من الشعراء والكتاب؛ فلهذا لم أطل الكلام فى هذا الفصل. # PageV01P009 ### | الفصل الثانى فى الإبانة عن حد البلاغة # فنقول: البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه فى نفسه كتمكنه ~~فى نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن. # وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا فى البلاغة؛ لأن الكلام إذا ~~كانت عبارته رثة ومعرضه خلقا لم يسم بليغا، وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف ~~المغزى. # ألا ترى إلى معنى الكاتب الذى كتب إلى بعض معامليه: قد تأخر الأمر فيما ~~وعدت حمله ضحوة النهار، والقوم غير مقيمين، وليس لهم صبرى، وهم فى الخروج ~~آنفا؛ فإن رأيت فى إزاحة العلة مع الجهبذ «1» فعلت إن شاء الله. فمعناه ~~مفهوم ومغزاه معلوم، وليس كلامه ببليغ. # فهذا يدل على أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولا على ~~ما قدمناه. # ومن قال: إن البلاغة إنما هى إنهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة، ~~واللكنة، والخطأ، والصواب، والإغلاق، والإبانة سواء. # وأيضا فلو كان الكلام الواضح السهل، والقريب السلس الحلو بليغا، وما ~~خالفه من الكلام المستبهم المستغلق والمتكلف المتعقد أيضا بليغا لكان كل ~~ذلك محمودا وممدوحا مقبولا، لأن البلاغة اسم يمدح به الكلام. # فلما رأينا أحدهما مستحسنا، والآخر مستهجنا علمنا أن الذى يستحسن البليغ، ~~والذى يستهجن ليس ببليغ. # PageV01P010 # وقال العتابى: كل من أفهمك حاجته فهو بليغ. وإنما عنى: إن أفهمك حاجته ~~بالألفاظ الحسنة، والعبارة النيرة فهو بليغ. # ولو حملنا هذا الكلام على ظاهره للزم أن يكون الألكن بليغا؛ لأنه يفهمنا ~~حاجته؛ بل ويلزم أن يكون كل الناس بلغاء حتى الأطفال، لأن كل أحد لا يعدم ~~أن يدل على غرضه بعجمته أو لكنته أو إيمائه أو إشارته؛ بل لزم أن يكون ~~السنور بليغا؛ لأنا نستدل بضغائه ms008 «1» على كثير من إرادته. وهذا ظاهر ~~الإحالة. # ونحن نفهم رطانة السوقى «2» . وجمجمة «3» الأعجمى للعادة التى جرت لنا فى ~~سماعها. لا لأن تلك بلاغة؛ ألا ترى أن الأعرابى إن سمع ذلك لم يفهمه؛ إذ لا ~~عادة له بسماعه. # وأراد رجل أن يسأل بعض الأعراب عن أهله فقال: كيف أهلك؟ بالكسر. # فقال له الأعرابى: صلبا؛ إذ لم يشك أنه إنما يسأله عن السبب الذى يهلك ~~به. # وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابى شكا إليه ختنا «4» له، فقال: من ختنك؟ ~~ففتح النون. فقال: معذر «5» فى الحى؛ إذ لم يشك فى أنه إنما يسأله عن ~~خاتنه. # وقال رجل لأعرابى: ألقى عليك بيتا. فقال: ألق على نفسك. وسمع أعرابى ~~قصيدة أبى تمام «6» : ### || طلل الجميع لقد عفوت حميدا «7» # فقال: إن فى هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون ~~قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. ونحن نفهم # PageV01P011 # معانى هذه القصيدة بأسرها؛ لعادتنا بسماع مثلها، لا لأنا أعرف بالكلام من ~~الأعراب. # ومما يؤيد ما قلنا من أن البلاغة إنما هى إيضاح المعنى وتحسين اللفظ قول ~~بعض الحكماء: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. إلى غير ذلك مما ~~سنذكره ونفسره فى هذا الباب إن شاء الله. # وقال محمد بن الحنفية رضى الله عنه: البلاغة قول تضطر العقول إلى فهمه ~~بأسهل العبارة؛ فقوله: «تضطر العقول إلى فهمه» عبارة عن إيضاح المعنى، ~~وقوله: «بأسهل العبارة» تنبيه على تسهيل اللفظ وترك تنقيحه. ومثل ذلك من ~~النثر قول بعضهم لأخ له: ~~ ابتد أتنى بلطف من غير خبرة، ثم اعقبتنى جفا من غير هفوة، فأطمعنى أولك فى ~~إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك؛ فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأى فى أمرك ~~عن عزيمة الشك فى حالك؛ فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف. # وقول الآخر: لم يدع انقباضك عن الوفاء، وانجذابك مع سوء الرأى فى ملاحظة ~~الهجر، والاستمرار على العذر، محركا من القلب عليك، ولا خاطرا يومى إلى حسن ~~الظن بك. هيهات انقضت مدة الانخداع لك ms009 حين أخلفت عدة الأمانى فيك، وما ~~وجدنا ساترا من تأنيب النصحاء فى الميل إليك، والتوفر عليك؛ إلا الإقرار ~~بطاعة الهوى، والاعتراف بسوء الاختيار. # وكتب بعض الكتاب إلى أخ له: تأخرت عنى كتبك تأخرا ساء له ظنى، إشفاقا من ~~الحوادث عليك، لا توهما للجفاء منك؛ إذ كنت أثق من مودتك بما يغنينى عن ~~معاتبتك. # ومما هو فى هذه الطريقة، وهو أجزل مما تقدم ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى ~~بكر ابن دريد، عن عبد الرحمن، عن عمه، قال: وقف علينا أعرابى ونحن برملة ~~اللوى، # PageV01P012 # فقال: رحم الله امرأ لم تمج أذناه كلامى، وقدم معاذه «1» من سوء مقامى؛ ~~فإن البلاد مجدبة، والحال مسغبة «2» ، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والفقر ~~عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين؛ فرحم الله امرءا أمر بمير ~~«3» ، أو دعا بخير. # وقول بعضهم- يمدح رجلا: كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بهمته حيث أشار ~~الكرم، يصافح عن صاحبه نوب الزمان، ويتحسى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب، ~~ويعطفهم منه على ما جد ندب «4» . # PageV01P013 ### | الفصل الثالث وهو القول فى تفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء فى حدود البلاغة # فحقيقة البلاغة هى ما ذكرته. وقد جاء عن الحكماء فيه ضروب أنا ذاكرها ~~ومفسرها لتكمل فائدة الكتاب إن شاء الله. # قال إسحق بن حسان: لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفع؛ إذ قال: ~~البلاغة اسم لمعان تجرى فى وجوه كثيرة؛ منها ما يكون فى السكوت، ومنها ما ~~يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون ~~خطبا، وربما كانت رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب فالوحى فيها ~~والإشارة إلى المعنى أبلغ، والإيجاز هو البلاغة. # فقوله: «منها ما يكون فى السكوت» ، فالسكوت يسمى بلاغة مجازا، وهو فى ~~حالة لا ينجع فيها القول ولا ينفع فيها إقامة الحجج. إما عند جاهل لا يفهم ~~الخطاب، أو عند وضيع لا يرهب الجواب، أو ظالم سليط يحكم بالهوى، ولا يرتدع ~~بكلمة التقوى. وإذا كان الكلام يعرى من الخير، أو يجلب الشر فالسكوت أولى؛ ms010 ~~كما قال أبو العتاهية «1» : # ما كل نطق له جواب %~% جواب ما يكره السكوت # وقال معاوية رضى الله عنه لابن أوس: ابغ لى محدثا. قال: أو تحتاج معى إلى ~~محدث؟ قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك فى حال أوفق من ~~كلامك. # وله وجه آخر؛ وهو قولهم: كل صامت ناطق من جهة الدلالة، وذلك أن دلائل ~~الصنعة فى جميع الأشياء واضحة، والموعظة فيها قائمة. # وقد قال الرقاشى: سل الأرض؛ من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن ~~لم تجبك حوارا «2» أجابتك اعتبارا. # PageV01P014 # ولما مات الإسكندر وقف عليه بعض اليونانيين فقال: قد طالما وعظنا هذا ~~الشخص بكلامه، وهو اليوم لنا بسكوته أوعظ، فنظم هذا الكلام أبو العتاهية فى ~~قوله: # وكانت فى حياتك لى عظات %~% وأنت اليوم أوعظ منك حيا ~~وأحسن من هذا الكلام كله وأبلغ قول الله عز وجل: @QB@ وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم @QB@ ~~وقوله تعالى: @QB@ ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة @QB@ ~~ معناه يدل على الله بصنعته فيه؛ فكأنه يسجد، وإن لم يسجد ولم يقر بذلك. ~~وقوله تعالى: @QB@ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال @QB@ ~~ وقوله سبحانه: @QB@ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم @QB@ ~~أى لا تفهمونه من جهة السمع، وإن كنتم تفهمونه من جهة العقل. # وقد قال بعض الهند: جماع «1» البلاغة: البصر بالحجة، والمعرفة بمواقع ~~الفرصة. ومن البصر بالحجة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان ~~طريق الإفصاح وعرا؛ وكانت الكناية أحصر «2» نفعا. وذلك مثل ما أخبرنا به ~~أبو أحمد، عن أبيه، عن عسل بن ذكوان، قال: دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان ~~على عبد الملك بن مروان، وأراد أن يقعد معه على سريره، فقال له عبد الملك: ~~ما بال العرب تزعم أنك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبى من الليل ~~بالليل، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت خبرتك عمن لا يشبه ms011 أباه! قال: من ~~ذاك؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال ~~والأعمام. ~~قال: ومن ذاك؟ قال: سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أكذاك أنت يا سويد؟ ~~قال: نعم. فلما خرجا قال عبيد الله لسويد: وريت بك زنادى، والله ما يسرنى ~~بحلمك عنى حمر النعم! قال سويد: وأنا والله ما يسرنى أنك نقصته حرفا، وإن ~~لى سود النعم «3» . # PageV01P015 # وإنما كان عرض بعبد الملك وكان ولد لسبعة أشهر. # وربما كانت البلاغة سببا للحرمان. وأسباب الأمور طريفة والاتفاقات عجيبة: ~~أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: كتب بعضهم إلى المنصور ~~كتابا حسنا بليغا يستمنحه فيه. فكتب إليه المنصور: البلاغة والغنى إذا ~~اجتمعا لامرىء أبطراه؛ وأمير المؤمنين مشفق عليك من البطر، فاكتف بأحدهما. ~~وقوله «1» : «ربما كانت البلاغة فى الاستماع» ، فإن المخاطب إذا لم يحسن ~~الاستماع لم يقف على المعنى المؤدى إليه الخطاب. والاستماع الحسن عون ~~للبليغ على إفهام المعنى. ~~ و قال إبراهيم الإمام: حسبك من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام ~~الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. وقال الهندى أيضا: البلاغة ~~وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقول عبيد الله بن عتبة: ~~البلاغة دنو المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير. # فأما البصر بالحجة فمثل ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: قال ~~الهيثم بن عدى: أنبأنى عطاء بن مصعب، قال: كان أبو الأسود شيعة لعلى بن أبى ~~طالب رضى الله عنه، وكان جيرانه عثمانية فرموه يوما؛ فقال: أترموننى؟ ~~قالوا: ~~بل الله يرميك. قال: كذبتم، إنكم تخطئون، وإن الله لو رمانى لما أخطأ. ~~وقال بعضهم لأبى على محمد بن عبد الوهاب: ما الدليل على أن القرآن مخلوق؟ ~~قال: إن الله قادر على مثله. فما أحار السائل جوابا. # ومثل ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- وهو يومئذ خليفة وكان ~~على المنبر يخطب فى يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفان رضى الله عنه عليه. فقال ~~عمر: ~~ ما بال أقوام يسمعون ms012 الأذان ويتأخرون؟ فقال عثمان: والله ما تأخرت إلا ~~ريثما توضأت. ~~فقال عمر: وهذا أيضا، أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من ~~أتى الجمعة فليغتسل» . # PageV01P016 # ومثله قول أبى يوسف بعرفة وقد صلى خلف الرشيد فلما سلم فى الركعتين- قال: ~~يأهل مكة؛ أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر «1» . فقال بعض أهل مكة: من عندنا خرج ~~العلم إليكم. فقال أبو يوسف: لو كنت فقيها لما تكلمت فى الصلاة. # وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان؛ قال: أقام شاعر بباب معن بن ~~زائدة حولا لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة ودفعها إليه «2» : # إذا كان الجواد له حجاب %~% فما فضل الجواد على البخيل! # فكتب معن فيها (3) : # إذا كان الجواد قليل مال %~% ولم يعذر تعلل بالحجاب # فانصرف الرجل يائسا؛ ثم حمل إليه معن عشرة آلاف درهم. # ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: بلغ على ابن ~~الحسين رضى الله عنهما أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهرى يتناولان عليا ~~ويعبثان به؛ فأرسل إلى عروة؛ فقال: أما أنت فقد كان ينبغى أن يكون فى نكوص ~~أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين، والله لئن كان على ~~على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حق لقد فر أبوك منه. # وأرسل إلى ابن شهاب، فقال: وأما أنت يا بن شهاب فما أراك تدعنى حتى أعرفك ~~موضع كير «3» أبيك. # ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول الله سبحانه: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه. ~~قال: من يحي العظام وهي رميم. قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم # PageV01P017 # فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق، مستغنية ~~بنفسها عن الزيادة فيها؛ لأن الإعادة ليست بأصعب فى العقول من الابتداء. ثم ~~قال تعالى: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ~~؛ فزادها شرحا وقوة، لأن من يخرج النار من أجزاء الماء، وهما ضدان، ليس ~~بمنكر عليه أن يعيد ما ms013 أفناه. ~~ثم قال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم. ~~ فقواها أيضا، وزاد فى شرحها، وبلغ بها غاية الإيضاح والتوكيد؛ لأن إعادة ~~الخلق ليست بأصعب فى العقول من خلق السموات والأرض ابتداء. # وحضر أبو الهذيل جنازة فلما دفن الميت قال رجل: يا أبا الهذيل؛ الإيمان ~~برجوع هذا صعب. فقال أبو الهذيل: يعيده الذى أنشأه أول مرة، إنه على رجعه ~~لقادر. # وأما انتهاز الفرصة فمثاله أيضا قول أبى يوسف مع أكثر ما جرى فى هذا ~~الفصل. # ومنه ما أخبرنى به أبو أحمد قال أخبرنى الحلوانى «1» ، قال حدثنى محمد بن ~~زكريا، قال حدثنا محمد بن عبد الله الجشمى، عن المدائنى، قال: دخل عمرو ابن ~~العاص على معاوية وهو يتغدى فقال له: هلم يا عمرو. فقال: هنيئا يا أمير ~~المؤمنين، أكلت آنفا. فقال: أما علمت يا عمرو أن من شراهة المرء ألا يدع فى ~~بطنه مستزادا لمستزيد! فقال: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك لمن ~~بقيته؟ ألمن هو أوجب حقا من أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن لمن لا يعذر عذر ~~أمير المؤمنين. ~~قال: فلا أراك إلا ضيعت حقا لحق لعلك لا تدركه. فقال عمرو: ما لقيت منك ~~يا معاوية! ثم دنا فأكل. ~~وقال أبو العيناء لابن ثوابة: بلغنى ما خاطبت به أبا الصقر، وما منعه من ~~استقصاء الجواب إلا أنه لم ير عرضا فيمضغه، ولا مجدا فيهدمه. وبعد فإنه عاف ~~لحمك أن # PageV01P018 # يأكله، وسهك «1» دمك أن يسفكه، فقال: ما أنت والكلام يا مكدى «2» ؟ ~~فقال: لا ينكر على ابن ثمانين سنة، قد ذهب بصره، وجفاه سلطانه، أن يعول ~~على إخوانه؛ فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا أن تتنزل ماء أصلاب الرجال ~~فتستفرغه فى حقيبتك. فقال ابن ثوابة: الساعة آمر أحد غلمانى بك. فقال: ~~أيهما؟ ~~الذى إذا خلوت ركب، أم الذى إذا ركبت خلا؟ فقال ابن ثوابة: ما تساب اثنان ~~إلا غلب ألأمهما. قال أبو العيناء: بها غلبت أبا الصقر. # فانظر إلى انتهاز الفرصة فى قوله: بها غلبت أبا ms014 الصقر. # ومنه أن بعض الكتاب لقى أبا العيناء فى السحر، فجعل يتعجب من بكوره؛ ~~فقال: أتشار كنى فى الفعل وتنفرد بالتعجب. # وقالت له قينة: هب لى خاتمك أذكرك به. قال: اذكرينى بالمنع. # وقيل له: لا تعجل فإن العجل «3» من عمل الشيطان. فقال: لو كانت من عمل ~~الشيطان لما قال موسى عليه السلام: وعجلت إليك رب لترضى. # وقال عبيد الله بن سليمان: إن الأخبار المذكورة فى السخاء وكثرة العطاء ~~من تصنيف الوراقين وأكاذيبهم. فقال أبو العيناء: ولم لا يكذبون على الوزير ~~أيده الله! # وأما الإشارة فسنذكرها فى موضعها إن شاء الله. # وقال حكيم الهند: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب ~~رابط الجأش، ساكن الجوارح، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ~~ولا الملوك بكلام السوقة. ويكون فى قواه التصرف فى كل طبقة، ولا يدقق ~~المعانى كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ويصفيها كل التصفية، ~~ويهذبها # PageV01P019 ~~كل التهذيب؛ ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، وفيلسوفا عظيما، ومن تعود حذف ~~فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ ونظر فى صناعة المنطق على جهة ~~الصناعة والمبالغة فيها، لا على جهة الاستطراف والتطرف لها. # قال: واعلم أن حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا «1» ، وتلك الحال له ~~وفقا، ولا يكون الاسم فاضلا، ولا مقصرا، ولا مشتركا، ولا مضمنا؛ ويكون ~~تصفحه لمصادر كلامه بقدر تصفحه لموارده؛ ويكون لفظه مونقا، ومعناه نيرا ~~واضحا. # ومدار الأمر على إفهام كل قوم بقدر طاقتهم، والحمل عليهم على قدر ~~منازلهم؛ وأن تواتيه آلته، وتتصرف معه أداته، ويكون فى التهمة لنفسه ~~معتدلا، وفى حسن الظن بها مقتصدا؛ فإنه إن تجاوز الحق فى مقدار حسن الظن ~~أودعها تهاون الآمنين، وإن تجاوز بها مقدار الحق فى التهمة ظلمها وأودعها ~~ذل المظلومين. ولكل ذلك مقدار من الشغل، ولكل شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن ~~مقدار من الجهل. # فقوله «2» : «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة» وأول آلات البلاغة جودة ~~القريحة وطلاقة اللسان. وذلك من فعل الله تعالى؛ لا يقدر العبد على اكتسابه ~~لنفسه واجتلابه ms015 لها. # ومن الناس من إذا خلا بنفسه وأعمل فكره أتى بالبيان العجيب، والكلام ~~البديع المصيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الرائع. وإذا حاور أو ~~ناظر قصر وتأخر. فحق هذا ألا يتعرض لارتجال الخطب، ولا يجارى أصحاب البدائه ~~فى ميدان القريض، ويكتفى بنتائج فكره. # والناس فى صناعة الكلام على طبقات: منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، ~~وإذا كتب وأملى أخل وتخلف. ومنهم من إذا أملى برز، وإذا حاور أو كتب # PageV01P020 ~~قصر. ومنهم من إذا كتب أحسن، وإذا حاور وأملى أساء. ومنهم من يحسن فى ~~جميع هذه الحالات. ومنهم من يسىء فيها كلها. # فأحسن حالات المسىء الإمساك، وأحسن حالات المحسن التوسط؛ فإن الإكثار ~~يورث الإملال، وقلما ينجو صاحبه من الزلل والعيب والخطل «1» . # وليس ينبغى للمحسن فى أحد هذه الفنون المسىء فى غيرها أن يتجاوز ما هو ~~محسن فيه إلى ما هو مسىء فيه؛ فإن اضطر فى بعض الأحوال إلى تجاوزه فخير ~~سبله فيه قصد الاختصار، وتجنب الإكثار والإهذار؛ ليقل السقط فى كلامه، ولا ~~يكثر العيب فى منطقه. # وقيل لابن المقفع: لم لا تطيل القصائد؟ قال: لو أطلنها عرف صاحبها. ~~يريد أن المحدث يتشبه بالقديم فى القليل من الكلام، فإذا أطال اختل، فعرف ~~أنه كلام مولد. على أن السابق فى ميادين البلاغة إذا أكثر سقط، فكيف المقصر ~~عن غايتها، والمتخلف عن أمدها؟ # ومن تمام آلات البلاغة التوسع فى معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ ~~والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيرها، ورديئها؛ ومعرفة المقامات، وما ~~يصلح فى كل واحد منها من الكلام، إلى غير ذلك مما سنذكره فى الباب الثانى ~~عند ذكر صنعة الكلام إن شاء الله. # وقوله «2» : وهو «أن يكون الخطيب رابط الجأش» ساكن النفس جدا؛ لأن الحيرة ~~والدهش «3» يورثان الحبسة والحصر «4» ؛ وهما سبب الإرتاج والإجبال «5» . # PageV01P021 # وقد بلغك ما أصاب عثمان بن عفان رضى الله عنه أول ما صعد المنبر فأرتج ~~عليه، فقال: إن اللذين كانا قبلى كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى ~~إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وستأتيكم الخطبة على ms016 وجهها. ثم نزل. # وصعد بعض العرب منبرا بخراسان فأرتج عليه، فقال حين نزل «1» : # لئن لم أكن فيكم خطيبا فإننى %~% بسيفى إذا جد الوغى لخطيب # ومن حسن الاعتذار عند الإرتاج ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: أخبرنا ~~الشطنى: ~~قال: أخبرنا الغلابى قال: أخبرنا العتبى عن أبيه؛ قال: خطب داود بن على، ~~فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم فلما قال: ~~«أما بعد» ، امتنع عليه الكلام، ثم قال: أما بعد فقد يجد المعسر، ويعسر ~~الموسر، ويفل الحديد، ويقطع الكليل،؛ وإنما الكلام بعد الإفحام كالإشراق ~~بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصواب؛ وإنما اللسان مضغة من ~~الإنسان. يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق ~~بطرا، ولا نسكت حصرا؛ بل نسكت معتبرين، وننطق مرشدين، ونحن بعد أمراء ~~القول، فينا وشجت «2» أعراقه، وعلينا عطفت أغصانه، ولنا تهدلت ثمرته. ~~فنتخير منه ما احلولى وعذب، ونطرح منه ما املولح وخبث، ومن بعد مقامنا هذا ~~مقام، وبعد أيامنا أيام، يعرف فيها فضل البيان، وفصل الخطاب، والله أفضل ~~مستعان» . ~~ ثم نزل «3» . # وعلامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه هدوءه فى كلامه، وتمهله فى منطقه. # PageV01P022 # وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، ~~والجزالة والحلاوة. ولو كان فى الأرض ناطق يستغنى عن الإشارة لكانه. # وقوله «1» : «متخير الألفاظ» . فمدار البلاغة على تخير اللفظ؛ وتخيره ~~أصعب من جمعه وتأليفه. وسنشبع الكلام فى هذا إن شاء الله. # وقوله: «يكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة» ، وهو أن يكون صائغ الكلام ~~قادرا على جميع ضروبه، متكنا من جميع فنونه، لا يعتاص «2» عليه قسم من جميع ~~أقسامه. فإن كان شاعرا تصرف فى وجوه الشعر؛ مديحه وهجائه ومراثيه وصفاته ~~ومفاخره، وغير ذلك من أصنافه. # ولاختلاف قوى الناس فى الشعر وفنونه ما قيل: كان امرؤ القيس أشعر الناس ~~إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. # وكذلك الكاتب ربما تقدم فى ضرب من الكتابة وتأخر فى غيره، وسهل عليه ms017 نوع ~~منها وعسر نوع آخر. # وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: ~~ حدثنا إبراهيم بن العباس، قال: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرنى المأمون أن ~~أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فبت ~~لا أدرى كيف أحتذى، فأتانى آت فى منامى فقال: قل: «فإن فى ذلك عمارة ~~للمساجد، وأنسا للسابلة «3» ، وإضاءة للمتهجدين، ونفيا لمكامن الريب، ~~وتنزيها لبيوت الله جل وعز عن وحشة الظلم» . فانتبهت وقد انفتح لى ما أريد، ~~فابتدأت بهذا وأتممت عليه. # والمقدم فى صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكن من # PageV01P023 ~~جميع أنواعه، وبهذا فضلوا جريرا على الفرزدق. وقالوا: كان له فى الشعر ~~ضروب لا يعرفها الفرزدق. وماتت امرأته النوار فناح عليها بشعر جرير «1» : # لولا الحياء لها جنى استعبار %~% ولزرت قبرك والحبيب يزار # وكان البحترى يفضل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرف من المعانى فيما لا ~~يتصرف فيه جرير، ويورد منه فى شعره فى كل قصيدة خلاف ما يورده فى الأخرى. ~~قال: وجرير يكرر فى هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار «2» ، وأنه ~~قين مجاشع. لا يذكر شيئا غير هذا. # وسئل بعضهم عن أبى نواس ومسلم؛ فذكر أن أبا نواس أشعر؛ لتصرفه فى أشياء ~~من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغير ~~عنها. # وأبلغ من هذه المنزلة أن يكون فى قوة صائغ الكلام أن يأتى مرة بالجزل، ~~وأخرى بالسهل؛ فيلين إذا شاء، ويشتد إذا أراد. ومن هذا الوجه فضلوا جريرا ~~على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. قال جرير «3» : # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا %~% وقت الزيارة فارجعى بسلام # تجرى السواك على أغر كأنه %~% برد تحدر من متون غمام # فانظر إلى رقة هذا الكلام. وقال أيضا «4» : # وابن اللبون إذا مالز فى قرن %~% لم يستطع صولة البزل القناعيس «5» # فانظر إلى صلابة هذا الكلام. # PageV01P024 # والفرزدق يجرى على طريقة واحدة، والتصرف فى الوجوه أبلغ. # وقال أبو نواس «1» : # قل لذى الوجه الطرير «2» %~% ولذى الردف الوثير «3» # ولمغلاق ms018 همومى %~% ولمفتاح سرورى # يا قليلا فى التلاقى %~% وكثيرا فى الضمير # فانظر إلى سلاسة هذا الكلام وسهولته، وقال «4» : # ما هوى إلا له سبب %~% يبتدى منه وينشعب «5» # فتنت قلبى محجبة%~% برداء الحسن تنتقب # خليت والحسن تأخذه %~% تنتقى منه وتنتخب # فانتقت منه طرائفه %~% واستزادت فضل ما تهب # صار جدا «6» ما مزحت به %~% رب جد جره اللعب # فهذا أجزل من الأول قليلا. وقال فى صفة الكلب «7» : # أنعت كلبا جال فى رباطه %~% جول مصاب فر من إسعاطه «8» # [عند طبيب خاف من سياطه] %~% هجنا به وهاج من نشاطه # كالكوكب الدرى فى انحطاطه «9» %~% عند تهاوى الشد وانبساطه # يقحم «10» القائد فى حطاطه «11»%~% وقده البيداء فى اغتباطه «12» # PageV01P025 # لما رأى العلهب فى أقواطه %~% سابحه ومر فى التباطه «1» # كالبرق يقرى المرو بالتقاطه %~% مثل قلى طار فى أنفاطه «2» # وانصاع يتلوه على قطاطه %~% أغضف لا ييأس من خلاطه «3» # يصيد بعد البعد وانبساطه %~% إن لم يبت القلب من نياطه «4» # فلم يزل يأخذ فى لطاطه%~% كالصقر ينقض على غطاطه «5» # يقشر جلد الأرض من بلاطه %~% «6» بأربع يذهب فى إفراطه # لشدة الجرى ولاستحطاطه %~% ما أن يمس الأرض فى أشواطه # قد خدشت رجلاه فى آباطه %~% وخرق الأذنين بانتشاطه «7» # خلج ذراعيه إلى ملاطه %~% ينقد عند الضيق بانعطاطه «8» # فى هبوات الضيق أو رياطه %~% فأدرك الظبى ولم يباطه «9» # ولف عشرين إلى أشراطه %~% فلم نزل نقرن فى رباطه # PageV01P026 # ويعجل «1» الشاوون من خماطه %~% ويطبخ الطابخ من أسقاطه «2» # حتى علا فى الجو من شياطه «3» # فانظر إليه كيف يتصرف بين الشدة واللين، ويضع كل واحد منهما فى موضعه، ~~ويستعمله فى حينه. # وقوله: «ولا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة» . لأن ~~ذلك جهل بالمقامات، وما يصلح فى كل واحد منهما من الكلام. وأحسن الذى قال: ~~لكل مقام مقال. وربما غلب سوء الرأى، وقلة العقل على بعض علماء العربية؛ ~~فيخاطبون السوقى والمملوك والأعجمى بألفاظ أهل نجد، ومعانى أهل السراة؛ ~~كأبى علقمة إذ قال لحجامه: اشدد قصب الملازم «4» ، وأرهف ظباة المشارط، ~~وأمر المسح، واستنجل الرشح «5» ، وخفف الوطء، وعجل النزع، ولا تكرهن أبيا، ~~ولا تمنعن أتيا. ms019 فقال له الحجام: ليس لى علم بالحروب. # ورأى الناس قد اجتمعوا عليه، فقال: ما لكم تكأ كأتم على كأنكم قد تكأ ~~كأتم على ذى جنة، افرنقعوا «6» عنى. # وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن على بن محمد الأسدى، عن محمد بن أبى ~~المغازل الضبى، عن أبيه، قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلم إلا بالغريب، ~~فخرج إلى ضيعة له على حجر «7» معها مهر، فأفلتت، فذهبت ومعها مهرها، فخرج ~~يسأل # PageV01P027 ~~ عنها، فمر بخياط، فقال: يا ذا النصاح «1» ، وذات السم «2» ؛ الطاعن بها ~~فى غير وغى، لغير عدى؛ هل رأيت الخيفانة القباء «3» ، يتبعها الحاسن ~~المسرهف «4» . ~~كأن غرته القمر الأزهر، ينير فى حضره كالخلب الأجرد. فقال الخياط: ~~اطلبها فى تزلخ «5» . فقال: ويلك. وما تقول قبحك الله؟ فما أعلم رطانتك. ~~فقال: # لعن الله أبغضنا لفظا، وأخطأنا منطقا. # ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر الصولى قال: حدثنا أحمد بن ~~إسماعيل، قال حدثنى سعيد بن حميد، قال: نظر رجل إلى أبى علقمة، وتحته بغل ~~مصرى حسن المنظر؛ فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل. فقال أبو ~~علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر، فتنكبت الطريق، مخافة السراق، وجور ~~السلطان؛ فبينما أنا أسير فى ليلة ظلماء قتماء طخياء «6» مدلهمة حندس «7» ~~داجية، فى صحصح «8» أملس، إذ أحس بنبأة «9» من صوت نغر «10» ، أو طيران ضوع ~~«11» ، أو نغض سبد «12» ؛ فحاص عن الطريق متنكبا لعزة نفسه، وفضل قوته، ~~فبعثته باللجام فعسل «13» ، وحركته بالركاب فنسل «14» . وانتعل الطريق ~~يغتاله معترما، والتحف الليل لا يهابه مظلما. فو الله ما شبهته إلا بظبية ~~نافرة، تحفزها «15» فتخاء شاغية «16» . قال الرجل: ادع الله وسله أن يحشر ~~هذا البغل # PageV01P028 ~~ معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصراط بطفرة «1» . # وقال أبو علقمة لطبيب: أجد رسيسا فى أسناخى «2» ، وأرى وجعا فيما بين ~~الوابلة إلى الأطرة «3» من دايات العنق. فقال الطبيب: هى هى هذا وجع ~~القرشى، قال: وما يبعدنا منهم يا عدى نفسه؟ نحن من أرومة واحدة، ونجل واحد. ~~قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك ms020 كان أهون لك، قال: ~~ بل لك الهوان والخسار والحقارة والسباب، اخرج عنى قبحك الله. # وقال لجارية كان يهواها: يا خريدة، قد كنت إخالك عروبا، فإذا أنت نوار ~~«4» ، مالى أمقك وتشنئينى! قالت: يا رقيع، ما رأيت أحدا يحب أحدا فيشتمه! # وإذا كان موضوع الكلام على الإفهام فالواجب أن تقسم طبقات الكلام على طبقات ~~الناس، فيخاطب السوقى بكلام السوقة، والبدوى بكلام البدو، ولا يتجاوز به ~~عما يعرفه إلى ما لا يعرفه؛ فتذهب فائدة الكلام، وتعدم منفعة الخطاب. # وقوله: «ولا يدقق المعانى كل التدقيق» . لأن الغاية فى تدقيق المعانى ~~سبيل إلى تعميته، وتعمية المعنى لكنة؛ إلا إذا أريد به الإلغاز وكان فى ~~تعميته فائدة، مثل أبيات المعانى، وما يجرى معها من اللحون التى استعملوها ~~وكنوا بها عن المراد لبعض الغرض. # فأما من أراد الإبانة فى مديح، أو غزل، أو صفة شىء فأتى بإغلاق دل ذلك ~~على عجزه عن الإبانة، وقصوره عن الإفصاح، كأبى تمام حيث يقول «5» : # خان الصفاء أخ خان الزمان أخا %~% عنه فلم يتخون جسمه الكمد «6» # PageV01P029 # وقوله «1» : # يوم أفاض جوى أغاض تعزيا %~% خاض الهوى بحرى حجاه المزيد # وقوله «2» : # وإن نجرية بانت جأرت لها %~% إلى يدى جلدى فاستوهك الجلد «3» # وقوله «4» : # جهمية «5» الأوصاف إلا أنهم %~% قد لقبوها جوهر الأشياء # وقوله: «ولا تنقح الألفاظ كل التنقيح» . وتنقيح اللفظ أن يبنى منه بناء ~~لا يكثر فى الاستعمال. كما قال بعضهم لبعض الوزراء: أحسن الله إبانتك. فقال ~~له الوزير: عجل الله إماتتك. # ويدخل فى تنقيح اللفظ استعمال وحشيه وترك سلسله وسهله. وقد أخذ الرواة ~~على زهير «6» قوله: # نقى تقى لم يكثر غنيمة %~% بنهكة ذى القربى ولا بحقلد # فاستبشعوا الحقلد وهو السيىء الخلق. وقالوا: ليس فى لفظ زهير أنكر منه. # وقال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته إليه: أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك ~~أنشأت تطلها وتضهلها. # الشكر: الرضاع. والشبر: النكاح. وتطلها: تسعى فى بطلان حقها. # وتضهلها: تعطيها الشىء القليل. # PageV01P030 # قال أبو عثمان: رأيتهم يديرون فى كتبهم هذا الكلام، فإن كانوا إنما رووه ~~ودونوه لأنه يدل على فصاحة وبلاغة ms021 فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة؛ ~~وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج، وشعر الطرماح، وأشعار ~~هذيل، يأتى لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك. ولو خاطب أحد الأصمعى بمثل ~~هذا الكلام لظننت أنه سيجهل بعضه. وهذا خارج عن عادة البلغاء. # وقوله: «ويصفيها كل التصفية، ويهذبها كل التهذيب» . فتصفيته تعريته من ~~الوحشى، ونفى الشواغل عنه. وتهذيبه تبرئته من الردى المرذول، والسوقى ~~المردود. # فمن الكلام المهذب الصافى قول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه، ~~وسمح بحق وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق ~~شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك. # ومثله قول آخر: ما أنتهى إلى غاية من شكرك إلا وجدت وراءها حادثا من برك؛ ~~فلا زالت أياديك ممدودة بين آمل فيك تبلغه، وأمل فيك تحققه، حتى تتملى «1» ~~من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها. # وقول أحمد بن يوسف: يومنا يوم لين الحواشى وطىء النواحى، وهذه سماء قد ~~تهللت بودقها «2» ، وضحكت بعابس غيمها ولا مع برقها، وأنت قطب السرور، ~~ونظام الأمور؛ فلا تغب عنا فنقل، ولا تفردنا فنستوحش؛ فإن الحبيب بحبيبه ~~كثير، وبمساعديه جدير. # وقوله: ولا يفعل ذلك حتى يلقى حكيما، وفيلسوفا عليما، ومن تعود حذف فضول ~~الكلام، ومشتركات الألفاظ، ونظر فى المنطق على جهة الصناعة فيها، # PageV01P031 # لا على جهة الاستطراف والتظرف لها. # يقول: ينبغى أن يتكلم بفاخر الكلام، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه ~~عنه، ويقبله منه، ممن عرف المعانى والألفاظ علما شافيا؛ لنظره واللغة ~~والإعراب والمعانى على جهة الصناعة، لا كمن استطرف شيئا منها؛ فنظر، به ~~نظرا غير كامل، أو أخذ من أطرافه، وتناول من أطراره «1» ، فتحلى باسه، وخلا ~~من وسمه. فإذا سمع لم يفقه، وإذا سئل لم ينقه. وإذا تكلم عند من هذه صفته ~~ذهبت فائدة كلامه، وضاعت منفعة منطقه؛ لأن العامى إذا كلمته بكلام العلية ~~سخر منك، وزرى عليك؛ كما روى عن بعضهم أنه قال لبعض العامة: بم كنتم ~~تنتقلون البارحة؟ يعنى على النبيذ. ms022 فقال: بالحمالين. ولو قال له: أى شىء ~~كان نقلكم «2» لسلم من سخريته. فينبغى أن يخاطب كل فريق بما يعرفون، ويتجنب ~~ما يجهلون. # وأما قوله: «من تعود حذف فضول الكلام» . فحذف فضول الكلام هو أن يسقط من ~~الكلام ما يكون الكلام مع إسقاطه تاما غير منقوص، ولا يكون فى زيادته ~~فائدة. # وذلك مثل ما روى عن معاوية أنه قال لصحار العبدى: ما البلاغة؟ فقال: أن ~~تقول فلا تخطى، وتسرع فلا تبطىء. ثم قال: أقلنى؛ هو ألا تخطىء ولا تبطىء. ~~فألقى اللفظتين؛ لأن فى الذى أبقى غنى عنهما، وعوضا منهما. # فأما إذا كان فى زيادة الألفاظ وتكثيرها، وترديدها وتكريرها، زيادة فائدة ~~فذلك محمود، وهو من باب التذييل. ونشرحه فى موضعه إن شاء الله. # وقوله: ومشتركات الألفاظ؛ وقول جعفر بن يحيى: وتخرجه من الشركة؛ فهو أن ~~يريد الإبانة عن معنى فيأتى بألفاظ لا تدل عليه خاصة؛ بل تشترك معه فيها ~~معان أخر، فلا يعرف السامع أيها أراد. وربما استبهم الكلام فى نوع من هذا ~~الجنس # PageV01P032 # حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهم. فمن الجنس الأول قول جرير «1» : # لو كنت أعلم أن آخر عهدكم %~% يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل # فوجه الاشتراك فى هذا أن السامع لا يدرى إلى أى شىء أشار من أفعاله فى ~~قوله: «فعلت ما لم أفعل» . أراد أن يبكى إذا رحلوا، أو يهيم على وجهه من ~~الغم الذى لحقه، أو يتبعهم إذا ساروا، أو يمنعهم من المضى على عزمة الرحيل، ~~أو يأخذ منهم شيئا يتذكرهم به، أو يدفع إليهم شيئا يتذكرونه به، أو غير ~~ذلك، مما يجوز أن يفعله العاشق عند فراق أحبته، فلم يبن عن غرضه؛ وأحوج ~~السامع إلى أن يسأله عما أراد فعله عند رحيلهم. # وليس هذا كقولهم: لو رأيت عليا بين الصفين؛ لأن دليل البسالة والنكاية فى ~~هذا الكلام بين؛ وأمارة النقصان فى بيت جرير واضحة؛ فمن يسمعه وإن لم يكن ~~من أهل البلاغة يستبرده ويستغثه، ويسترجع الآخر ويستجيده. # ومثله قول سعد بن مالك الأزدى: # فإنك لو ms023 لاقيت سعد بن مالك ... للاقيت منه بعض ما كان يفعل # فلم يبن عما أراد بقوله يلقى. أخيرا أراد أم شرا؟ إلا أن يسمع ما قبله أو ~~ما بعده؛ فيتبين معناه، وأما فى نفس البيت فلا يتبين مغزاه. # ومثله قول أبى تمام «2» : # وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال فى السحابة تقلع # فقول الناس فى السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة؛ فمنهم من يمدحه، ومنهم من ~~يذمه، ومنهم من كان يحب إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه «3» ، على حسب ما ~~كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم؛ فلم يبن بقوله ما يقال فى السحابة تقلع ~~معنى يعتمده السامع. وأبين منه قول مسلم: # فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة %~% أثنى عليها السهل والأوعار # PageV01P033 # على أن المحتج له لو قال: إن أكثر العادة فى السحاب أن يحمد أثره، ويثنى ~~عليه بعده لما كان مبعدا. ولم أزد عيب أبى تمام بما قلت، وإنما أردت ~~الإخبار عن وجوه الاشتراك، وذكر ما يتشعب منه، وما يقرب من بابه، وينظر ~~إليه من قريب أو بعيد. # ومثل قول أبى تمام قول ابن قيس الرقيات: # إن تعش لا نزل بخير وإن ته %~% لك نزل مثل ما يزول العماء # والعماء: السحاب. بل هذا أجود من بيت أبى تمام وأبين. # ومن اللفظ المشترك قول أبى نواس: # وخبن ما يخبن من آخر %~% منه وللطابن أمهار «1» # الأمهار هاهها جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهرا. والمصادر لا تجمع، ولا ~~يشك سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه. # وخطب بعض المتكلمين، فقال فى صفة الله تعالى: لا يقاس بالقياس، ولا يدرك ~~بالالماس. أراد جمع لمس؛ فأصاب السجع وأخطأ المعنى. # وأما ما يستبهم فلا يعرف معناه إلا بالتوهم فهو مثل قول أبى تمام «2» : # جهمية الأوصاف إلا أنهم %~% قد لقبوها جوهر الأشياء # فوجه الاشتراك فى هذا: أن لجهم مذاهب كثيرة، وآراء مختلفة متشعبة، لم يدل ~~فحوى كلام أبى تمام على شىء منها يصلح أن يشبه به الخمر وينسب إليه، إلا أن ~~يتوهم المتوهم فيقول: إنما ms024 أراد كذا وكذا، من مذاهب جهم، من غير أن يدل ~~الكلام منه على شىء بعينه. # ولا يعرف معنى قوله: «قد لقبوها جوهر الأشياء» إلا بالتوهم أيضا. # ومن الكلام الخالى من الاشتراك قول بعضهم لأخ له أراد فراقه: لما تصفحت ~~أخلاقك فوجدتها مباينة لمشاكلتى، زائغة عن قصد طريقتى- صبرت عليها؛ رياضة ~~لنفسى على الصبر لمساوى أخلاق المعاشرين، ولعلمى بكامن العدوان فى جميع ~~العالمين، والذى رجوت من مذمة خصالك بما أقابلها به من التجاوز، وأسحب على ~~سوء آثارها # PageV01P034 # أذيال التغاضى، وأنت مع ذلك دائب لا تقوم اعوجاج مذاهبك، ولا يعطف بك ~~الرأى إلى رشدك؛ فلما فنيت جيلتى فيك، وانقطعت أسباب أملى منك، ورأيت الداء ~~لا يزيد على التعهد بالدواء إلا فسادا، والخرق على الترقيع إلا اتساعا قدمت ~~اليأس منك على الرجاء فيك، واحتسبت أيامى السالفة فى استصلاحى لك. # وقوله: وحق المعنى أن يكون له الاسم طبقا؛ أى يكون الاسم طبقا للفظ بقدر ~~المعنى غير زائد عليه، ولا ناقص عنه. وكأن ذلك من قول امرىء القيس «1» : # طبق الأرض تحرى وتدر # أى هى على الأرض كالطبق على الإناء لا ينقص منه شىء. وسنأتى بالكلام على ~~هذا فى فصل الإيجاز إن شاء الله. # وقوله: ولا يكون الاسم فاضلا ولا مقصرا. فهذا داخل فى الأول من قوله: ~~ وحق المعنى أن يكون الاسم له طبقا. # ومثال الفاضل من اللفظ عن المعنى قول عروة بن أذينة «2» : # واسق العدو بكأسه واعلم له %~% بالغيب أن قد كان قبل سقاكها # واجز الكرامة من ترى أن لوله %~% يوما بذلت كرامة لجزاكها # ومعنى هذا الكلام محصور تحت ثلاث كلمات: أجز كلا بفعله. وكان السكوت ~~لعروة خيرا منه. # ومن الكلام الفاضل لفظه عن معناه قول أبى العيال الهذلى» # ذكرت أخى فعاودنى %~% صداع الرأس والوصب # فذكر الرأس مع الصداع فضل. # وقول أوس بن حجر «4» : # وهم لمقل المال أولاد علة %~% وإن كان محضا فى العمومة مخولا # فقوله: «المال» مع «المقل» فضلة. # PageV01P035 # والمقصر من الكلام: مالا ينبيك بمعناه عند سماعك إياه ويحوجك إلى شرح؛ ~~كبيت الحارث بن حلزة ms025 «1» : # والعيش خير فى ظلا %~% ل النوك ممن رام كدا # وسنذكر وجه العيب فيه بعد هذا. # وقوله: ولا مضمنا: التضمين أن يكون الفصل الأول مفتقرا إلى الفصل الثانى، ~~والبيت الأول محتاجا إلى الأخير كقول الشاعر: # كأن القلب ليلة قيل يغدى %~% بليلى العامرية أو يراح # قطاة غرها شرك فباتت %~% تجاذبه وقد علق الجناح # فلم يتم المعنى فى البيت الأول حتى أتمه فى البيت الثانى، وهو قبيح. # ومثاله من نثر الكتاب قول بعضهم: وجعل سيدنا آخذا من كل ما دعى ويدعى به ~~فى الأعياد، بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد. # وقد تسمى استعارتك الأنصاف والأبيات من شعر غيرك، وإدخالك إياه فى أثناء ~~أبيات قصيدتك تضمينا؛ وهذا حسن وهو كقول الشاعر: # إذا دله عزم على الحزم لم يقل %~% «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» # ولكنه ماض على عزم يومه %~% فيفعل ما يرضاه خلق وخالق # فقوله: «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» من شعر غيره وهو هاهنا مضمن. # وكقول الآخر: # عوذ لما بت ضيفا له %~% أقراصه بخلا بياسين # فبت والأرض فراشى وقد %~% غنت «قفانبك» «2» مصارينى # وقول الآخر: # ولقد سما للخرمى ولم يقل %~% بعد الوغا «لكن تضايق مقدمى» «3» # PageV01P036 # وقول ابن الرومى فى مغن: # مجلسه مأتم اللذاذة وال %~% قصف وعرس الهموم والسقم # ينشدنا اللهو عند طلعته %~% «من أوحشته الديار لم يقم» # وكقول جحظة: # أصبحت بين معاشر هجروا الندى %~% وتقبلوا الأخلاق عن أسلافهم # قوم أحاول نيلهم فكأنما %~% حاولت نتف الشعر من آنافهم # هات اسقينها بالكبير وغننى %~% «ذهب الذين يعاش فى أكنافهم» # وباقى كلامه يتضمن صفة المتكلم لا صفة الكلام. إلا قوله: ويكون تصفحه ~~لموارده بقدر تصفحه لمصادره. وسنأتى على الكلام فى هذا ونستقصيه فى فصل ~~المقاطع والمبادى. # وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير، يشتمل على معنى خطير. وهذا مثل قول ~~الآخر: البلاغة حكمة تحت قول وجيز. وقول الآخر: البلاغة علم كثير فى قول ~~يسير. # ومثاله قول الأعرابى، وقد سئل عن مال يسوقه، لمن هو؟ فقال: لله فى يدى. ~~فأى شىء لم يدخل تحت هذا الكلام القليل من الفوائد الخطيرة، والحكم ms026 البارعة ~~الجسيمة. # وقال الله عز وجل اسمه: @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ ~~ قد دخل تحت قوله: فهو حسبه من المعانى ما يطول شرحه من إيتاء ما يرجى، ~~وكفاية ما يخشى. # وهذا مثل قوله عز وجل: @QB@ وفيها ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين.@QE@ # وسئل بعض الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال: كونه. فأحسن ما شاء. # PageV01P037 # وقد تنازع الناس فى هذا المعنى. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن ~~دريد عن الرياشى، قال: قيل لأعرابى: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ~~ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه. # وأخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الغلابى، قال: ~~حدثنا ابن عائشة، قال: قلت لأبى: حدثنى حماد بن سلمة، عن حميد بن ثابت، عن ~~أنس والحسن، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالسلامة داء. قال: يا ~~بنى، ولا أراه إلا مسندا؛ فقد قال حميد بن ثور «1» : # أرى بصرى قد رابنى بعد صحة %~% وحسبك داء أن تصح وتسلما # وقال آخر: # كانت قناتى لا تلين لغامز %~% فألانها الإصباح والإمساء # ودعوت ربى بالسلامة جاهدا %~% ليصحنى فإذا السلامة داء # وأول من نطق بهذا المعنى النمر بن تولب فى الجاهلية «2» : # يود الفتى طول السلامة والغنى %~% وكيف يرى طول السلامة تفعل # يرد الفتى بعد اعتدال وصحة %~% ينوء إذا رام القيام ويحمل # وقال آخر «3» : # ما حال من آفته بقاؤه ... نغص عيشى كله فناؤه # وقال ابن الرومى «4» : # لعمرك ما الدنيا بدار إقامة %~% إذا زال عن نفس البصير غطاؤها # وكيف بقاء العيش فيها وإنما %~% ينال بأسباب الفناء بقاؤها # ونقله إلى موضع آخر فقال «5» : # PageV01P038 # فإن الداء أكثر ما تراه %~% من الأشياء تحلو فى الحلوق # وقريب من ذلك قول محمد بن على رضى الله عنهما: مالك من عيشك إلا لذة ~~تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص، وشربة ليس ~~معها شرق؛ فتأمل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، أو الخيال المخترم. ~~وقال أبو العتاهية: # أسرع فى نقص امرىء تمامه # ومن الأمثال: كل من أقام ms027 شخص، وكل من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء ~~لأحياهم الدواء. وقال آخر: # إذا تم أمر دنا نقصه %~% توقع زوالا إذا قيل تم # وقلت: # ما خير عيش صفوه يكدره %~% لا بد أن يشكوه من يشكره # والمرء ينسى والمنايا تذكره %~% يميته بقاؤه فيقبره # وكسره منه الذى لا يجبره %~% يطويه من مداه ما لا ينشره # فى كل مجرى نفس يكرره %~% يهدم من عمرك مالا تعمره # وقلت: # قد قرب الأمر بعد بعده %~% وأسعف الإلف بعد صده # وبعد بؤس وضيق عيش %~% صرت إلى خفضه ورغده # لكنه ملبس معار %~% لا بد من نزعه ورده # وهل يسر الفتى بحظ %~% وجوده علة لفقده # وقال الرومى: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة عند الإطالة. # الاقتضاب: أخذ القليل من الكثير؛ وأصله من قولهم: اقتضبت الغصن # PageV01P039 # إذا قطعته من شجرته. وفيه معنى السرعة أيضا؛ فيقول: البلاغة إجادة فى ~~إسراع، واقتصار على كفاية. # فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد ~~الشطنى قال: حدثنى أحمد بن يحيى ثعلب قال: دخل المأمون ديوان الخراج فمر ~~بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ ~~فقال:يا أمير المؤمنين، الناشىء فى دولتك، وخريج أدبك، والمتقلب فى نعمتك، ~~الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان فى البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر ~~أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم. # ومن الاقتضاب الجيد: ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبو أحمد ~~الواذارى عن شيخ له قال: قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: استفتحت ~~غلامين فى الصبا. فزكنت «1» منهما بلوغ الغاية، فجاءا كما زكنت: بلغنى أن ~~النظام يتعاطى علم الكلام فمر وهو غلام على حمار يطير به، فقلت له: يا ~~غلام؛ ما عيب الزجاج؟ فالتفت إلى وقال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر. ~~وبلغنى أن أبا نواس يتعاطى قرض الشعر، فتلقانى وهو سكران ملتخ «2» ، وما طر ~~شاربه بعد؛ فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النسيم. فقلت: ~~ زد. فقال: مظلم الهواء، ms028 منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطبع، بغيض ~~ الشكل. فقلت: زد. فقال: وخم الطلعة، عسر القلعة. قلت: زد. ~~ قال: نابى الجنبات، بارد الحركات. ثم قال: زدنى سؤالا أزدك جوابا. فقلت: ~~ كفى من القلادة ما أحاط بالعنق. # ومن جيد البدائه ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عسل بن ذكوان ~~قال: # PageV01P040 # قال المأمون ليحيى بن أكثم: صف لى حالى عند الناس. فقال: يا أمير ~~المؤمنين! قد انقادت لك الأمور بأزمتها، وملكتك الأمة فضول أعنتها؛ بالرغبة ~~إليك والمحبة لك، والرفق منك، والعياذ بك، بعد لك فيهم، ومنك عليهم، حتى ~~لقد أنسيتهم سلفك، وآيستهم خلفك. فالحمد لله الذى جمعنا بك بعد التقاطع، ~~ورفعنا فى دولتك بعد التواضع. # فقال: يا يحيى، أتحبيرا، أم ارتجالا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو ~~يتعذر على مادحك قول، أو يفحم فيك شاعر، أو يتلجلج فيك خطيب؟ # وقدم على المهدى رجل من أهل خراسان، فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين؛ ~~إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم ~~طاعتنا، وما فيه مصلحتنا؛ فيكتفى منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما فى ~~الضمير دون التفسير. فقال المهدى: أنت أخطب من سمعته. # وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد الكاغذى، قال: أخبرنا أبو بكر ~~العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: أخبرنا المدائنى: أن أعرابيا ~~دخل على المنصور فتكلم؛ فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك ~~الله، ويزيد فى سلطانك. فقال: سل حاجتك، فليس فى كل وقت تؤمر بذاك. قال: ~~ولم يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم ~~مالك؛ وإن سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرىء بذل وجهه إليك نقص ولا ~~شين. # أخذ المعنى الأخير من أمية بن الصلت فى عبد الله بن جدعان «1» : # عطاؤك زين لامرىء إن حبوته %~% بسيب وما كل العطاء يزين # وليس بشين لامرىء بذل وجهه %~% إليك، كما بعض السؤال يشين # PageV01P041 # وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك؛ ويجلى عن مغزاك، ms029 ~~وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التكلف، ~~بعيدا من سوء الصنعة؛ بريا من التعقيد، غنيا عن التأمل. # قوله: أن يكون الاسم يحيط بمعناك. فالاسم هاهنا: اللفظ؛ أى يحصر اللفظ ~~جميع المعنى ويشتمل عليه. فلا يشذ منه شىء يحتاج أن يعرف بشرح، أو تفسير؛ ~~فإذا سمعت اللفظ عرفت أقصى المعنى، هذا مثل قول الآخر: البليغ من طبق ~~المفصل فأغناك عن المفسر «1» . # ولا يكون الكلام بليغا مع ذلك حتى يعرى من العيب، ويتضمن الجزالة ~~والسهولة وجودة الصنعة، كما ذكرنا قبل. # ومثال ذلك ما كتب بعضهم إلى أخ له: أما بعد فإن المرء ليسره درك ما لم ~~يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فليكن سرورك فيما قدمت من خير، ~~وأسفك على ما فاتك من بر. # وقول أعرابى لابنه: يا بنى؛ إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل ~~العطب. فقد أذنتك ببين، وانطوت لك على حين. قال الشاعر: # حلال لليلى أن تروع فؤاده %~% يهجر ومغفور لليلى ذنوبها # تطلع من نفسى لليلى نوازع %~% عوارف أن اليأس منك نصيبها # وزالت زوال الشمس عن مستقرها %~% فمن مخبرى فى أى أرض غروبها # وقال آخر: # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا %~% سوى أن يقولوا إننى لك عاشق # أجل صدق الواشون أنت حبيبة %~% إلى وإن لم تصف منك الخلائق # وقوله: ويجلى عن مغزاك. أى يوضح مقصدك، ويبين للسامع مرادك؛ ينهى عن ~~التعمية والإغلاق. # PageV01P042 # وقوله: ويخرجه من الشركة. فقد مضى تفسيره. # وقوله: ولا يستعين عليه بطول الفكرة. هذا لأن الكلام إذا انقطعت أجزاؤه، ~~ولم تتصل فصوله ذهب رونقه، وغاض ماؤه، وإنما يروق الكلام إذا جرى جريان ~~السيل، وانصب انصباب القطر. # وقال ثمامة: ما رأيت أحدا إذا تكلم لا يتحبس، ولا يتوقف، ولا يتلفف، ولا ~~يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يترقب لفظا استدعاه من بعد، ولا يتلمس التخلص إلى ~~معنى قد اعتاص عليه بعد طلبه، إلا جعفر بن يحيى. # فمن الكلام الجارى مجرى السيل قول بعض العرب لبعض ملوك بنى أمية: أقطعت ~~فلانا أرضا، وسط ms030 محلتنا، وسواء خطتنا، ومركز رماحنا، ومبرك لقاحنا، ومخرج ~~نسائنا، ومنقلب إمائنا، ومسرح شائنا، ومندى بهمنا «1» ، ومحل ضيفنا، ومشرق ~~شتائنا، ومصبحنا فى صيفنا. فقال: تكفون. ~~ وعوضه عنها وردها عليهم. # وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عن عسل بن ذكوان أن الحسن بن على رضى ~~الله عنهما خطب فقال: اعلموا أن الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، ~~والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلق ورطة، ومجالسة أهل الدناءة ~~شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة. # فهذه هى البلاغة التامة، والبيان الكامل. # وكما قال بعضهم: البلاغة صواب، فى سرعة جواب؛ والعى إكثار فى إهذار، ~~وإبطاء يردفه أخطاء. # وقال بعضهم: لست ممن يتوهم بجهله، ويظن بقلة عقله، أن الديانة، والأمانة، ~~والنزاهة، والصيانة، إنما هى فى تشمير ثوبه، وإحفاء شاربه، وكشفه # PageV01P043 # عن ساقه، وزهوه بأطماره، وإنعال خفه، وترقيع ثوبه، وإظهار سجادته؛ وتعليق ~~سبحته، وخفض صوته، وخشوع جسمه دون قلبه، واختلاس مشيته، وخفة وطئه بين ~~قومه. ولا يرتشى فى حكمه، ويأخذ على علمه، ويطلب الدنيا بدينه، ولا يرفع ~~طرفه من عظمته وكبريائه، ولا يكلم الناس من تصنعه وريائه. # فهذا الكلام وأمثاله فى طول النفس يدل على اقتدار المتكلم، وفضل قوته فى ~~التصرف. # وقوله: ويكون سليما من التكلف. فالتكلف طلب الشىء بصعوبة للجهل بطرائق ~~طلبه بالسهولة. فالكلام إذا جمع وطلب بتعب وجهد، وتنولت ألفاظه من بعد فهو ~~متكلف. مثاله قول بعضهم فى دعائه: اللهم ربنا وإلهنا، صل على محمد نبينا؛ ~~ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، وأرسخه فيه كرسوخ السجيل على أصحاب ~~الفيل، وانصرنا على كل باغ وحسود، كما انتصرت لناقة ثمود. # وقوله: بريا من سوء الصنعة. فسوء الصنعة يتصرف على وجوه: منها سوء ~~ التقسيم وفساد التفسير، وقبح الاستعارة والتطبيق، وفساد النسج والسبك. ~~ وسنذكر المحمود من هذه الأبواب، والمذموم منها فيما بعد إن شاء الله. # وروى أنه قال: بريا من الصنعة. فالصنعة النقصان عن غاية الجودة، والقصور ~~ عن حد الإحسان. وهو مثل قول العائب فى هذا الأمر- بعد عمل- معناه أنه لم ~~يحكم. # ولما دخل النابغة يثرب «1» وغنى بقوله ms031 «2» : # أمن آل مية رائح أو مغتدى # ومن هذه القصيدة «3» : # PageV01P044 # عنم «1» يكاد من اللطافة يعقد # وعرف أنه عيب «2» خرج وهو يقول: دخلت يثرب فوجدت فى شعرى صنعة، فخرجت ~~منها وأنا أشعر العرب؛ أى وجدت نقصانا عن غاية التمام. # وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: كان ابن الأعرابى يأمر بكتب ~~جميع ما يجرى فى مجلسه، قال: فأنشده رجل يوما أرجوزة أبى تمام فى وصف ~~السحاب على أنها لبعض العرب: # سارية لم تكتحل بغمض %~% كدراء ذات هطلان محض # موقرة من خلة وحمض %~% تمضى وتبقى نعما لا تمضى # قضت بها السماء حق الأرض «3» # فقال ابن الأعرابى: اكتبوها، فلما كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس؛ ~~فقال: خرق خرق «4» ، لا جرم إن أثر الصنعة فيها بين. # وقال الفرزدق القصائد تصنعا؛ أى معابا ومنقصة عن حد الإحسان. # وقوله: بعيدا عن التعقيد. والتعقيد، والإغلاق، والتقعير سواء. وهو ~~استعمال الوحشى، وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض؛ حتى يستبهم المعنى. وقد ~~ذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدم، ونذكر هاهنا منها شيئا: # فمثال الوحشى قول بعض الأمراء وقد اعتلت أمه فكتب رقاعا وطرحها فى المسجد ~~الجامع بمدينة السلام: صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة إنقحلة «5» مقسئنة، قد ~~منيت بأكل الطرموق؛ فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن الله عليها # PageV01P045 # بالاطرغشاش، والابرغشاش. فكل من قرأ رقعته دعا عليها، ولعنه ولعن أمه. # الطرموق «1» ؛ الطين. والاستمصال: الإسهال، واطرغش، وابرغش: إذا أبل ~~وبرأ. # ومثال الشديد التعليق بعض ألفاظه ببعض حتى يستبهم المعنى، كقول أبى تمام ~~«2» : # جارى إليه البين وصل خريدة %~% ماشت إليه المطل مشى الأكبد «3» # يا يوم شرد يوم لهوى لهوه %~% بصبابتى وأذل عز تجلدى # يوم أفاض جوى أغاض تعزيا %~% خاض الهوى بحرى حجاه المزبد # جعل الحجا مزبدا. # وقوله أيضا «4» : # والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن %~% يرضى المعاشر منك إلا بالرضا «5» # وبلغنا أن إسحاق بن إبراهيم سمعه ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب؛ ~~فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك. والكلام إذا كان بهذه المثابة كان ~~مذموما. # وقوله: غنيا عن التأمل؛ أى هو مستغن لوضوحه ms032 عن تأمل معانيه، وترديد النظر ~~فيه. كقول بعضهم لصديق له: وجدت المودة منقطعة، ما دامت الحشمة عليها ~~مسلطة، ولا يزال سلطان الحشمة إلا بملكة المؤانسة. # ومما يؤيد ما قلناه قول الجاحظ: من أعاره الله عز وجل من معونته نصيبا، ~~وأفرغ عليه من محبته ذنوبا «6» ، حبب إليه المعانى، وسلس «7» له نظام # PageV01P046 # اللفظ. وكان قبل قد أعفى المستمع من كد التلطف، وأراح قارىء الكتاب من ~~علاج التفهم. # وقال العربى: البلاغة التقرب من المعنى البعيد؛ والتباعد من حشو الكلام؛ ~~وقرب المأخذ؛ وإيجاز فى صواب؛ وقصد إلى الحجة؛ وحسن الاستعارة. # ومثله قول الآخر: البلاغة تقريب ما بعد من الحكمة بأيسر الخطاب. # والتقرب من المعنى البعيد، وهو أن يعمد إلى المعنى اللطيف فيكشفه، وينفى ~~الشواغل عنه؛ فيفهمه السامع من غير فكر فيه، وتدبر له. مثل قول الأول فى ~~امرأة: # لم ندر ما الدنيا وما طيبها %~% وحسنها حتى رأيناها # إنك لو أبصرتها ساعة %~% أجللتها أن تتمناها # وقال بعضهم لملك من الملوك: أما التعجب من مناقبك فقد نسخه تواترها؛ ~~فصارت كالشىء القديم الذى قد كسى به؛ أى ألف لا كالشىء البديع الذى يتعجب ~~منه. ومن هذا أخذ أبو تمام قوله «1» : # على أنها الأيام قد صرن كلها %~% عجائب حتى ليس فيها عجائب # وقول آخر لبعض الملوك أيضا: أخلاقك تجعل العدو صديقا، وأحكامك تصير ~~الصديق عدوا، ويشهد عدم مثلك فيما يكون. # وقال بعض القدماء: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الهجر. # وقلت: # اسم التفرق بين %~% لكن معناه موت # وجداننا كل شىء %~% إذا تباعدت فوت # والرواية الصحيحة أن العربى قال: البلاغة التقرب من المعنى البعيد؛ ولكن # PageV01P047 # رأيته فى بعض أصولى كما ذكرته قبل، فأوردته هاهنا، وفسرته على ما رأيته ~~فى الأصل. # وقوله: والتباعد من حشو الكلام. فالحشو على ثلاثة أضرب: اثنان منها ~~مذمومان، وواحد محمود: # فأحد المذمومن هو إدخالك فى الكلام لفظا لو أسقطته لكان الكلام تاما، مثل ~~قول الشاعر: # أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة %~% يوما من الدهر إلا ضر أو نفعا # فقوله: يوما من الدهر حشو لا يحتاج إليه؛ ms033 لأن الشمس لا تطلع ليلا. # وقول بعض بنى عبس: أنشدنا أبو أحمد عن الصولى عن ثعلب عن ابن الأعرابى: # أبعد بنى بكر أومل مقبلا %~% من الدهر أو آسى على إثر مدبر # وليس وراء الفوت شىء يرده %~% عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر # أولاك بنو خير وشر كليهما %~% جميعا ومعروف أريد ومنكر # قوله: أريد حشو وزيادة. وقوله: كليهما يكاد يكون حشوا، وليس به بأس، ~~وباقى الكلام متوازن الألفاظ والمعانى، لا زيادة فيه ولا نقصان. وهذا الجنس ~~كثير فى الكلام. # والضرب الآخر العبارة عن المعنى بكلام طويل لا فائدة فى طوله ويمكن أن ~~يعبر عنه بأقصر منه. مثل قول النابغة «1» : # تبينت آيات لها فعرفتها %~% لستة أعوام وذا العام سابع # كان ينبغى أن يقول لسبعة أعوام ويتم البيت بكلام آخر يكون فيه فائدة، ~~فعجز عن ذلك، فحشا البيت بما لا وجه له. # وأما الضرب المحمود فكقول كثير: # لو أن الباخلين وأنت فيهم %~% رأوك تعلموا منك المطالا «2» # PageV01P048 # قوله: «وأنت فيهم» حشو إلا أنه مليح. ويسمى أهل الصنعة هذا الجنس اعتراض ~~كلام فى كلام. # ومنه قول الآخر، وهو جرير «1» : # إن الثمانين وبلغتها %~% قد أحوجت سمعى إلى ترجمان # وسنأتى على هذا الباب فيما بعد إن شاء الله. # ومن الكلام الذى لا حشو فيه قول صبرة بن شيمان حين دخل على معاوية مع ~~الوفود فتكلموا فأكثروا، فقال صبرة: يا أمير المؤمنين، إنا حى فعال، ولسنا ~~حى مقال، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم. # فقال معاوية: صدقت. # ومن هذا قول الشاعر: # وتجهل أيدينا ويحلم رأينا %~% ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # وكتب رجل إلى أخ له: ثقتى بكرمك تمنع من اقتضائك، وعلمى بشغلك يحدو على ~~اد كارك. # وقال آخر: فى الناس طبائع سيئة وحسنة، فارتبط بمن رجحت محاسنه. # وقال الحسن: نعم الله على العبد أكثر من أن تشكر، إلا أن يعان عليها. # وذنوبه أكثر من أن يسلم منها، إلا أن يعفى له عنها. # وأما قرب المأخذ فهو أن تأخذ عفو الخاطر، وتتناول صفو الهاجس، ولا تكد ~~فكرك، ولا تتعب نفسك. ms034 وهذه صفة المطبوع. # وروى أن الرشيد، أو غيره، قال لندمائه- وقد طلعت الثريا: أما ترون الثريا؟ ~~ فقال بعضهم: كأنها عقد ريا. # PageV01P049 # وقال بعضهم لأبى العتاهية: # عذب الماء فطابا # فقال أبو العتاهية: # حبذا الماء شرابا # وقال بشار، وقد حبسه يعقوب بن داود على بابه: # طال الثواء على رسوم المنزل # فرفع إليه قوله، فقال: # فإذا تشاء أبا معاذ «1» فارحل # ومن قرب المأخذ أن الجاحظ أو غيره قال للجماز: أريد أن أنظر إلى الشيطان، ~~فقال: انظر فى المرآة. # وقال بعض الولاة لأعرابى: قل الحق وإلا أوجعتك ضربا! فقال الأعرابى: ~~ وأنت أيضا فاعمل به، فو الله لما أوعدك الله به منه أعظم مما أوعدتنى به منك. # ومنه أن المأمون قال لأم الفضل بن سهل بعد قتله إياه: أتجز عين ولك ولد مثلى؟ ~~ قالت: وكيف لا أجزع على ولد أفادنيك. # وهذا على حسب ما قال أبو حنيفة: إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها. # ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا الجوهرى، قال: حدثنا محمد بن ~~ زكريا، قال: حدثنا مهدى بن سابق، قال: حدثنا عطاء بن مصعب عن عاصم بن ~~الحدثان، قال: ~~ دعا عبد الملك بن مروان يوما بالغداء وبحضرته رجل فدعاه إلى غدائه، فقال ليس: ~~ بى غداء يا أمير المؤمنين، قد تغديت. فقال عبد الملك: أقبح بالرجل أن ~~ يأكل حتى لا يكون فيه فضل للطعام. فقال: يا أمير المؤمنين، فى فضل، ولكن ~~أكره أن آكل فأصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين. # و [أما] قوله: «إيجاز فى صواب» ، فسنذكره فى بابه. و [أما] الاستعارة ~~فسنضعها فى مواضعها. # PageV01P050 # وأما قوله: «وقصد إلى الحجة» ، فقد ذكرنا الكلام فيه. # وقال محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة قول مفقه «1» فى لطف؛ فالمفقه: ~~المفهم، واللطيف من الكلام: ما تعطف به القلوب النافرة، ويؤنس القلوب ~~المستوحشة، وتلين به العريكة الأبية المستصعبة، ويبلغ به الحاجة، وتقام به ~~الحجة؛ فتخلص نفسك من العيب، ويلزم صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه «2» ~~وتقلقه، وتستدعى غضبه، وتستثير حفيظته. # كقول بعض الكتاب لأخ له: أنفذ إلى ms035 أبو فلان كتابا منك؛ فيه ذر «3» من ~~عتاب، كان أحلى عندى من تعريسة الفجر «4» ، وألذ من الزلال العذب، ولك ~~العتبى داعيا مستجابا له، وعاتبا معتذرا إليه. ولو شئت مع هذا أن أقول: إن ~~العتب عليك أوجب، والاعتذار لك ألزم لفعلت، ولكنى أسامحك ولا أشاحك «5» ، ~~وأسلم إليك ولا أرادك؛ لأن أفعالك عندى مرضية، وشيمك لدى مقبولة، ولولا أن ~~للحجة موقعها لأعرضت عما أو مأت إليه وما عرضت مما بدأت به، وقلت: # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # فانظر كيف خلص نفسه من الجرم، وأوجبه لصاحبه فى ألطف وجه، وألين مس. # ومن الكلام الذى يعطف القلوب النافرة قول آخر لأخ له: زين الله ألفتنا ~~بمعاودة صلتك، واجتماعنا بترادف زيارتك، وأيامنا الموحشة- لغيبتك- برؤيتك؛ ~~توعدتنى بالانتقام على إخلالى بمطالعتك، وحسبى من عقوبتك ما ابتليت به من ~~عدم مشاهدتك. # وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف # PageV01P051 # عوار «1» الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات. # وقريب منه قول الحسن بن على رضى الله عنهما: البلاغة تقريب بعيد الحكمة ~~بأسهل العبارة. # ومثله قول محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب ~~الألفاظ. وقد مضى فيما تقدم من كلامنا ما يكون مثالا لهذه الفصول. # وأنا أورد هاهنا فصلا ينشرح به أبوابها، ويتضح وجوهها. أخبرنى أبو أحمد ~~عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: قال المأمون لمرتد عن الإسلام إلى ~~النصرانية: أى شىء أوحشك من الإسلام فتركته؛ قال: أوحشنى ما رأيت من كثرة ~~الاختلاف فيكم. فقال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا فى الأذان، ~~وتكبير الجنائز، والاختلاف فى التشهد، وفى صلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ~~ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف؛ ~~وإنما ذلك توسعة وتخفيفا من المحنة. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا فى ~~تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الخبر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، مع ~~إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر. # فإن كان الذى أوحشك هو هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فينبغى أن يكون اللفظ ~~بجميع التوراة والإنجيل ms036 متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا ~~يكون بين النصارى اختلاف فى شىء من التأويلات. ولو شاء الله أن ينزل كتبه ~~ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله كلاما لا يحتاج إلى التفسير لفعل؛ ولكننا ~~لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك ~~لسقطت المحنة والبلوى، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل؛ وليس على ~~هذا بنى الله الدنيا. # PageV01P052 # فقال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد، وأن ~~المسيح عبد الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، وأنك أمير المؤمنين ~~حقا. # وقال ابن المقفع: البلاغة كشف ما غمض «1» من الحق، وتصوير الحق فى صورة ~~الباطل. # والذى قاله أمر صحيح لا يخفى موضع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز ~~والتحصيل؛ وذلك أن الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادى على نفسه ~~بالصحة، ولا يحوج إلى التكلف لصحته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا. # وإنما الشأن فى تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال ~~والتحيل «2» ، ونوع من العلل والمعاريض «3» والمعاذير، ليخفى موضع الإشارة، ~~ويغمض موقع التقصير؛ وما أكثر ما يحتاج الكاتب إلى هذا الجنس عند اعتذاره ~~من هزيمة، وحاجته إلى تغير رسم؛ أو رفع منزلة دنىء له فيه هوى؛ أوحط منزلة ~~شريف استحق ذلك منه، إلى غير ذلك من عوارض أموره. # فأعلى رتب البلاغة أن يحتج للمذموم حتى يخرجه فى معرض المحمود، وللمحمود ~~حتى يصيره فى صورة المذموم. وقد ذم عبد الملك بن صالح المشورة، وهى ممدوحة ~~بكل لسان، فقال: ما استشرت أحدا إلا تكبر على وتصاغرت له، ودخلته العزة ~~ودخلتنى الذلة؛ فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل فى العيون، مهيب فى ~~الصدور؛ وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت «4» بك ~~أركانك، واستحقرك الصغير، واستخف بك الكبير، وما عز سلطان لم يغنه عقله عن ~~عقول وزرائه وآراء نصائحه. # ومدح بعضهم الموت فقال: # قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... فى الموت ألف فضيلة لا تعرف # PageV01P053 # فيه أمان ms037 لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف # فالمتمكن من نفسه يضع لسانه حيث يريد. # ومثل هذا كثير لا وجه لا ستيفائه فى مثل هذا الموضع. # ذكرت فى هذا الباب- وهو ثلاثة فصول- من نعوت البلاغة، ووجوه البيان ~~والفصاحة ما فيه كفاية؛ وأتيت من تفسير مشكلها على ما فيه مقنع، ولم يسبقنى ~~إلى تفسير هذه الأبواب وشرح وجوهها أحد، وإنما اقتصر من كان قبلى على ذكر ~~تلك النعوت عارية مما هى مفتقرة إليه من إيضاح غامضها، وإنارة مظلمها؛ فكان ~~المنفعة بها للعالم دون المتعلم، والسابق دون اللاحق؛ وربما اعترض الشك ~~فيها للعالم المبرز، فسقطت عنه معرفة كثير منها. وأنت أيدك الله تعتمد ما ~~ذكرته من ذلك، وتأتم بما شرحته منه، وتستدل به على ما ألفيته من جنسه إذا ~~عثرت به، لتستغنى عن جميع ما صنف فى البلاغة، وسائر ما ذكر من أصناف البيان ~~والفصاحة إن شاء الله. # PageV01P054 ### | الباب الثانى فى تمييز الكلام جيده من رديه ونادره من بارده والكلام فى المعانى (فصلان) ### | الفصل الأول من الباب الثانى فى تمييز الكلام # الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير لفظه، وإصابة ~~معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه ~~«1» أعجازه بهواديه «2» ، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلة ضروراته، بل ~~عدمها أصلا، حتى لا يكون لها فى الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور فى ~~سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه. # فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقا، وبالتحفظ خليقا؛ كقول الأول: # هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا # وقول معن بن أوس «3» : # لعمرك ما أهويت كفى لريبة ... ولا حملتنى نحو فاحشة رجلى # ولا قادنى سمعى ولا بصرى لها ... ولا دلنى رأيى عليها ولا عقلى # وأعلم أنى لم تصبنى مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلى # ولست بماش ما حيبت لمنكر «4» ... من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى # PageV01P055 # ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابة «1» ... وأوثر ضيفى- ما أقام- على أهلى # وقول الآخر: # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء ms038 فى جانب الفقر # وقال الآخر «2» : # ذرينى أسير فى البلاد لعلنى ... أصيب غنى فيه لذى الحق محمل «3» # فإن نحن لم نسطع دفاعا لحادث ... تجىء به الأيام فالصبر أجمل # أليس كثيرا أن تلم ملمة ... وليس علينا فى الحقوق معول! # ومما هو فصيح فى لفظه جيد فى رصفه قول الشنفرى «4» : # أطيل مطال «5» الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل # ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدى ومأكل # ولكن نفسا مرة ما تقيمنى ... على الضيم إلا ريثما أتحول # وقول الآخر: # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه # وقول الآخر: # وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأوفى للطعان وأكرما # وقال دعبل: # وإن امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحزم معلما «6» # PageV01P056 # حللت محلا يقصر الطرف دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجشما «1» # وقول النابغة «2» : # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعت، أى الرجال المهذب؟ # وليس لهذا البيت نظير فى كلام العرب. وقال بعضهم: نظيره قول أوس بن حجر: # ولست بخابىء أبدا طعاما ... حذار غد، لكل غد طعام # وهذا وإن كان نظيره فى التأليف فإنه دونه لما تكرر فيه من لفظ «غد» . # فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرصانة، مع ~~السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من حيف «3» التأليف، ~~وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يرده، وعلى السمع ~~المصيب استوعبه ولم يمجه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من ~~الجاسى «4» البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عما ~~يضاده ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب، ~~وينغر «5» للمنتن؛ والفم يلتذ بالحلو، ويمج المر؛ والسمع يتشوف للصواب ~~الرائع وينزوى عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللين، وتتأذى بالخشن؛ والفهم ~~يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من ~~المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخر عن الجافى الغليظ، ولا يقبل الكلام ~~المضطرب إلا الفهم المضطرب، والروية الفاسدة. # وليس الشأن فى إيراد المعانى، لأن المعانى يعرفها ms039 العربى والعجمى والقروى # PageV01P057 # والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه؛ ~~وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود «1» النظم ~~والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك ~~حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التى تقدمت. # ألا ترى إلى قول حبيب «2» : # مستسلم لله سائس أمة ... بذوى تجهضمها له استسلام # فإنه صواب اللفظ، وليس هو بحسن ولا مقبول- (الجهضمة، الوثوب والغلبة) . # وقال أبو داود: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحها رواية ~~الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ؛ والمحبة مقرونة بقلة ~~الاستكراه. وأنشد: # يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خشية الرقباء # ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة، ~~والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعانى فقط؛ لأن الردىء من الألفاظ يقوم ~~مقام الجيدة منها فى الإفهام، وإنما يدل حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ~~ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل ~~قائله، وفهم منشئه. # وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعانى. وتوخى صواب المعنى أحسن ~~من توخى هذه الأمور فى الألفاظ. ولهذا تأنق الكاتب فى الرسالة، والخطيب فى ~~الخطبة، والشاعر فى القصيدة. يبالغون فى تجويدها، ويغلون فى ترتيبها؛ ~~ليدلوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر # PageV01P058 # فى المعانى لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا ~~طويلا. # ودليل آخر؛ إن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، ~~دخل فى جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر؛ كقول الشاعر «1» : # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأر كان من هو ماسح # وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم «2» ينظر الغادى الذى هو رائح # أخذنا بأطراف «3» الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح # وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهى رائقة معجبة، وإنما هى: ولما قضينا ~~الحج ومسحنا الأركان وشدت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا ~~جعلنا نتحدث وتسير بنا الإبل فى بطون الأودية. # وإذا كان المعنى صوابا، واللفظ باردا وفاترا؛ ms040 والفاتر شر من البارد، كان ~~مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب: # قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا «4» # شككت بالرمح سرابيله ... والخيل تعدو زيما حولنا «5» # وقول الفند الزمانى: # أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل # ذرينى وذرى عذلى ... فإن العذل كالقتل # وقول النمر: # يهينون من حقروا شيبه ... وإن كان فيهم يفى أو يبر # PageV01P059 # وقول أبى العتاهية: # مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب # يا أبا عثمان أبكيت عينى ... يا أبا عثمان أوجعت قلبى # والبارد فى شعر أبى العتاهية كثير؛ والشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، ~~وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ ~~من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السوقى من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا؛ ~~فالبغيض كقول أبى تمام «1» : # جعل «2» القنا الدرجات للكذجات ذا ... ت الغيل والحرجات والأدحال «3» # قد كان حزن الخطب فى أحزانه «4» ... فدعاه داعى الحين للأسهال «5» # وقوله «6» : # يا دهر قوم من أخدعيك فقد «7» ... أضججت هذا الأنام من خرقك # ولا خير فى المعانى إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترت قسرا، ولا خير ~~فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا فى غرابة المعنى إلا إذا شرف لفظه مع ~~وضوح المغزى، وظهور المقصد. # وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه ~~إلا بكد، ويستفصحونه «8» إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة، وجاسية غريبة، ~~ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أن السهل أمنع ~~جانبا، وأعز مطلبا؛ وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا. # PageV01P060 # ولهذا قيل: أجود الكلام السهل الممتنع. # أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: # وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس؛ ومن بلاغته أن كل ~~أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذرت عليه. # وأخبرنا أيضا قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنى عبد الله بن الحسين قال: # حدثنا الحسن بن مخلد، قال: أنشدنا إبراهيم بن العباس لخاله العباس ابن ms041 ~~الأحنف «1» : # إليك أشكو رب ما حل بى ... من صد هذا التائه المعجب «2» # إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب «3» # صب بعصيانى ولو قال لى ... لا تشرب البارد لم أشرب # ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، ~~القليل النظير، العزيز الشبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصعب فى ~~سهولته قال: فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أبلغ من شعره. # وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الغلابى عن طائع وهو العباس بن ميمون، من ~~غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريب فى شعرك. فقال: ذاك عى ~~فى زمانى، وتكلف منى لو قلته، وقد رزقت طبعا واتساعا فى الكلام، فإنا أقول ~~ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير. ثم أنشدنى: # أيا رب إنى لم أرد بالذى به ... مدحت عليا غير وجهك فارحم # فهذا كلام عاقل يضع الشىء موضعه، ويستعمله فى إبانه، ليس كمن قال وهو فى ~~زماننا «4» : # PageV01P061 # جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «1» # فأشمت عدوه بنفسه. # ومن الكلام المطبوع السهل ما وقع به على بن عيسى: قد بلغتك أقصى طلبتك، ~~وأنلتك غاية بغيتك، وأنت مع ذلك تستقل كثيرى لك، وتستقبح حسنى فيك، فأنت ~~كما قال رؤبة: # كالحوت لا يكفيه شىء يلهمه ... يصبح ظمآن وفى البحر فمه # ومن المنظوم المطمع الممتنع قول البحترى «2» : # أيها العاتب الذى ليس يرضى ... نم هنيئا فلست أطعم غمضا # إن لى من هواك وجدا قد استه ... لك نومى ومضجعا قد أقضا «3» # فجفونى فى عبرة ليس ترقا ... وفؤادى فى لوعة ما تقضى # يا قليل الإنصاف كم أقتضى عن ... دك وعدا إنجازه ليس يقضى # أحينى بالوصال إن كان جودا ... وأثبنى بالحب إن كان قرضا # بأبى شادن تعلق قلبى ... بجفون فواتر اللحظ مرضى # لست أنساه إذ بدا من قريب ... يتثنى تثنى الغصن غضا # واعتذارى إليه حين تجافى ... لى عن بعض ما أتيت وأغضى # واعتلاقى تفاح خديه تقبي ... لا ولثما طورا وشما وعضا # أيها الراغب الذى طلب الجو ... د فأبلى كوم المطايا وأنضى ms042 «4» # رد حياض الإمام تلق نوالا ... يسع الراغبين طولا وعرضا # فهناك العطاء جزلا لمن را ... م جزيل العطاء والجود محضا # هو أندى من الغمام وأوحى ... وقعات من الحسام وأمضى # PageV01P062 # يتوخى الإحسان قولا وفعلا ... ويطيع الإله بسطا وقبضا # فضل الله جعفرا بخلال ... جعلت حبه على الناس فرضا # ومنها يقول فيه: # وأرى المجد بين عارفة من ... ك ترجى وعزمة منك تمضى # وقوله «1» : # يتأبى منعا «2» وينعم إسعا ... فا ويدنو وصلا ويبعد صدا # أغتدى راضيا وقد بت غضبا ... ن وأمسى مولى وأصبح عبدا # رق لى من مدامع ليس ترقا ... وارث لى من جوانح ليس تهدا # أترانى مستبدلا بك ما عش ... ت بديلا أو واجدا منك بدا # حاش لله أنت أفتن ألحا ... ظا وأحلى شكلا وأحسن قدا # خلق الله جعفرا قيم الدن ... يا سدادا وقيم الدين رشدا # أكرم الناس شيمة وأتم الن ... ناس حلما وأكثر الناس رفدا «3» # هو بحر السماح والجود فازدد ... منه قربا تزدد من الفقر بعدا # يا ثمال «4» الدنيا عطاء وبذلا ... وجمال الدنيا ثناء ومجدا # فابق عمر الزمان حتى نؤدى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدى # ومما هو أجزل من هذا قليلا وهو من المطبوع قول ابن وهب «5» : # مازال يلثمنى مراشفه ... ويعلنى الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # أنت الذى بك ينقضى فرجا ... ضيق البلاد لنا وينفسح # PageV01P063 # نشرت بك الدنيا محاسنها ... وتزينت بصفاتك المدح # ومن السهل المختار الجيد المطبوع قول الآخر: # صرفت القلب فانصرفا ... ولم ترع الذى سلفا # وبنت فلم أذب كمدا ... عليك ولم أمت أسفا # كلانا واجد فى النا ... س ممن مله خلفا # وقول الآخر: # أما والحلق السود ... على سالفة الخشف «1» # وحسن الغصن المهتز ... ز بين النحر والردف # لقد أشفقت أن يجر ... ح فى وجنتها طرفى # وقول الآخر: # كم من فؤاد كأنه جبل ... أزاله من مقره النظر # وما كان لفظه سهلا، ومعناه مكشوفا بينا فهو من جملة الردىء المردود، كقول ~~الآخر: # يا رب قد قل صبرى ... وضاق بالحب صدرى # واشتد شوقى ووجدى ms043 ... وسيدى ليس يدرى # مغفل عن عذابى ... وليس يرحم ضرى # إن كان أعطى اصطبارا ... فلست أملك صبرى # أنا الفدا لغزال ... دنا فقبل نحرى # وقال لى من قريب: ... يا ليت بيتك قبرى # وإذا لان الكلام حتى يصير إلى هذا الحد فليس فيه خير، لا سيما إذا ارتكب ~~فيه مثل هذه الضرورات. # وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذى تعرفه العامة إذا سمعته، ولا # PageV01P064 # ولا تستعمله فى محاوراتها. فمن الجيد الجزل المختار قول مسلم: # وردن رواق الفضل فضل بن خالد ... فحط الثناء الجزل نائله الجزل # بكف أبى العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف «1» النصل # ويستعطف الأمر الأبى بحزمه ... إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل # ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسى: # فقال يدير الموت فى مرجحنة ... تسف العوالى وسطها وتشول «2» # وكائن تركنا من كرائم معشر ... لهن على إبائهن عويل «3» # على الجرد يعلكن الشكيم كأنها ... إذا ناقلت بالدارعين وعول «4» # على كل جياش إذا رد غربه ... يقلب نهد المركلين رجيل «5» # مجنبة قبل» # العيون كأنها ... قسى بأيدى العاطفين عطول «7» # فللأرض من آثارهن عجاجة ... وللفج من تصهالهن صليل «8» # PageV01P065 # منعت بنجد ما أردت غلبة ... وبالغور لى عز أشم طويل «1» # فهذا وإن لم يكن من كلام العامة فإنهم يعرفون الغرض فيه، ويقفون على أكثر ~~معانيه؛ لحسن ترتيبه، وجودة نسجه. وقول المرار أيضا: # لا تسألى القوم عن مالى وكثرته ... قد يقتر المرء يوما وهو محمود # أمضى على سنة من والدى سلفت ... وفى أرومته «2» ما ينبت العود # ومن النثر قول يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فعسف. # وقول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا ~~يلتمس رضاك إلا من جهته، ولا يستدعى برك إلا من طريقته، ولا يستعطفك إلا ~~بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بى عنك غرة «3» ~~الحداثة، وردتنى إليك الحنكة، وباعدتنى منك الثقة بالأيام، وقادتنى إليك ~~الضرورة. فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدد النعمة باطراح ~~الحقد- فإن قديم الحرمة، وحديث التوبة يمحقان ما بينهما ms044 من الإساءة. فإن ~~أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة- فعلت. # وفى هذا الكلام وما قبله قوة فى سهولة. # ومما هو أجزل من هذا قول الشعبى للحجاج- وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ~~ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب «4» ، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا «5» الحذر، # PageV01P066 # واكتحلنا السهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة ~~أقوياء. # فعفا عنه. # وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا ~~يكون مكدودا مستكرها، ومتوعرا متقعرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من ~~الرثاثة. # والكلام إذا كان لفظه غثا، ومعرضه رثا كان مردودا، ولو احتوى على أجل ~~معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. كقوله: # لما أطعناكم فى سخط خالقنا ... لا شك سل علينا سيف نقمته # وقول الآخر: # أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ... وما أراهم رضوا فى العيش بالدون # فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين # لا يدخل هذا فى جملة المختار، ومعناه- كما ترى- نبيل فاضل جليل. # وأما الجزل الردىء الفج الذى ينبغى ترك استعماله فمثل قول تأبط شرا «1» : # إذا ما تركت صاحبى لثلاثة ... أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا «2» # ولما سمعت العوض «3» تدعو تنفرت ... عصافير «4» رأسى من نوى فعوائنا «5» # وحثحثت مشعوف الفؤاد فراعنى ... أناس بفيفان فمزت القرائنا «6» # فأدبرت لا ينجو نجائى نقنق ... يبادر فرخيه شمالا وداجنا # PageV01P067 # من الحص هزروف يطير عفاؤه ... إذا استدرج الفيفاء مد المغابنا «1» # أزج زلوج هزرفى زفازف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا «2» # فهذا من الجزل البغيض الجلف، الفاسد النسج، القبيح الرصف، الذى ينبغى أن ~~يتجنب مثله. # وتمييز الألفاظ شديد. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن فضل اليزيدى، عن إسحق ~~الموصلى عن أيوب بن عباية «3» : أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله: # بالله ربك إن دخلت فقل لها ... هذا ابن هرمة قائما بالباب # فقال: ما كذا قلت؛ أكنت أتصدق؟ «4» قال: فقاعدا. قال: كنت أبول؟ # قال: فماذا؟ قال: واقفا. ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى. # ولولا كراهة الإطالة وتخوف الإملال لزدت من هذا النوع، ولكن يكفى ms045 من ~~البحر جرعة. وقالوا: خير الكلام ما قل وجل، ودل ولم يمل. وبالله التوفيق. # PageV01P068 ### | الفصل الثانى فى التنبيه على خطأ المعانى وصوابها ليتبع من يريد العمل برسمنا مواقع الصواب فيرتسمها، ويقف على مواقف الخطأ فيتجنبها # فنقول: إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدل عليها ويعبر عنها، فيحتاج ~~صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ؛ لأن المدار بعد على ~~إصابة المعنى، ولأن المعانى تحل من الكلام محل الأبدان، والألفاظ تجرى معها ~~مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة. # ومن عرف ترتيب المعانى واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم ~~انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له فى الأولى؛ ~~ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التى رسمها لمن بعده من ~~اللسان الفارسى؛ فحولها إلى اللسان العربى. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من ~~يكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال. # والمعانى على ضربين: # ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم ~~قائمة فى أمثلة مماثلة يعمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب ~~الحادثة، ويتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة. # والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم ورسم فرط «1» . # وينبغى أن يطلب الإصابة فى جميع ذلك ويتوخى فيه الصورة المقبولة، ~~والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا ~~يغره ابتداعه له؛ # PageV01P069 # فيساهل نفسه فى تهجين «1» . صورته؛ فيذهب حسنه ويطمس نوره، ويكون فيه ~~أقرب إلى الذم منه إلى الحمد. # والمعانى بعد ذلك على وجوه: منها ما هو مستقيم حسن، نحو قولك: قد رأيت ~~زيدا. ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك: قد زيدا رأيت. وإنما قبح لأنك ~~أفسدت النظام بالتقديم والتأخير. ومنها ما هو مستقيم النظم، وهو كذب؛ مثل ~~قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر. ومنها ما هو محال، كقولك: آتيك أمس ~~وأتيتك غدا. وكل محال فاسد، وليس كل فاسد محالا؛ ألا ترى أن قولك: # قام زيد فاسد، وليس بمحال. ms046 والمحال ما لا يجوز كونه البتة، كقولك: الدنيا ~~فى بيضة. وأما قولك: حملت الجبل وأشباهه فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد ~~الله فى قدرتك فتحمله. # ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذبا محالا؛ وهو قولك: رأيت قائما قاعدا، ~~ومررت بيقظان نائم؛ فتصل كذبا بمحال، فصار الذى هو الكذب هو المحال بالجمع ~~بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حياله؛ وذلك لما عقد بعضها ببعض ~~حتى صارا كلاما واحدا. # ومنها الغلط، وهو أن تقول: ضربنى زيد، وأنت تريد ضربت زيدا، فغلطت، فإن ~~تعمدت ذلك كان كذبا. # وللخطأ صور مختلفة نبهت على أشياء منها فى هذا الفصل، وبينت وجوهها، ~~وشرحت أبوابها لتقف عليها فتجتنبها، كما عرفتك مواقع الصواب فتعتمدها، ~~وليكون فيما أوردت دلالة على أمثاله مما تركت؛ ومن لا يعرف الخطأ كان جديرا ~~بالوقوع فيه. فمن ذلك قول امرىء القيس «2» : # PageV01P070 # ألم تسأل الربع القديم بعسعسا «1» ... كأنى أنادى إذ أكلم أخرسا «2» # هذا من التشبيه فاسد لأجل أنه لا يقال: كلمت حجرا فلم يجب فكأنه كان ~~حجرا، والذى جاء به امرؤ القيس مقلوب. # وتبعه أبو نواس فقال يصف دارا: # كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق «3» # والجيد منه قول كثير فى امرأة «4» : # فقلت لها: يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # كأنى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشى بها العصم زلت # فشبه المرأة عند السكوت والتغافل بالصخرة. # قالوا: ومن ذلك قول المسيب بن علس «5» : # وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمد ثنى جديلها بشراع «6» # أراد أن يشبه عنقها بالدقل «7» ... فشبهها بالشراع. وتبعه أبو النجم # فقال «8» : # كأن أهدام النسيل المنسل ... على يديها والشراع الأطول «9» # PageV01P071 # والجيد منه قول ذى الرمة «1» : # وهاد كجذع الساج سام يقوده ... معرق أحناء الصبيين أشدق «2» # وقال أبو حاتم: الشراع: العنق، يقال: للعنق الشراع والثليل والهادى، فإذا ~~صحت هذه الرواية فالمعنى صحيح فى قول أبى النجم. # وقال طفيل: # يرادى على فأس اللجام كأنما ... يرادى على مرقاة جذع مشذب «3» # ومن ذلك قول الراعى «4» : # يكسو المفارق واللبات ذا أرج ... من ms047 قصب معتلف الكافور دراج # أراد المسك، فجعله من قصب الظبى؛ والقصب: المعى. وجعل الظبى يعتلف ~~الكافور فيتولد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط. # وقريب منه قول زهير «5» : # يخرجن من شربات ماؤها طحل «6» ... على الجذوع يخفن الغم «7» والغرقا # ظن أن الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق. ومثله قول ابن أحمر «8» : # لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متخدد # PageV01P072 # ظن أن اليرندج مما ينسج، واليرندج: جلد أسود، تعمل منه الخفاف- فارسى ~~معرب، وأصله رنده، وفسره أبو بكر بن دريد تفسيرا آخر، وقال: إنما هذه حكاية ~~عن المرأة التى يصفها ظنت لقلة تجربتها أن اليرندج شىء منسوج، ولم تدارس ~~عويص الكلام، والفاظ البيت لا تدل على ما قال. # ومثله قول أوس بن حجر: # كأن ريقتها بعد الكرى اعتبقت ... من ماء ادكن فى الحانوت نضاح «1» # ومن مشعشعة كالمسك يشربها ... أو من أنابيب رمان وتفاح # ظن أن الرمان والتفاح فى أنابيب، وقيل: إن الأنابيب الطرائق التى فى ~~الرمان، وإذا حمل على هذا الوجه صح المعنى. # ومن فساد المعنى قول المرقش الأصغر «2» : # صحا قلبه عنها على أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما # وكيف صحا عنها من إذا ذكرت له دارت به الأرض، وليس هذا مثل قولهم: # ذهب شهر رمضان إذا ذهب أكثره؛ لأن الناس لا يعرفون أشد الحب إلا أن يكون ~~صاحبه فى الحد الذى ذكره المرقش. # والجيد فى السلو قول أوس: # صحا قلبه عن سكره وتأملا ... وكان بذكرى أم عمرو موكلا # فقال: وكان بذكرى أم عمرو موكلا. # ومثل قول المرقش فى الخطأ قول امرىء القيس «3» : # أغرك منى أن حبك قاتلى ... وأنك مهما تأمرى القلب يفعل # وإذا لم يغررها هذه الحال منه فما الذى يغرها! وليس للمحتج «4» عنه أن ~~يقول: # PageV01P073 # إنما عنى بالقتل ههنا التبريح؛ فإن الذى يلزمه من الهجنة مع ذكر القتل ~~يلزمه أيضا مع ذكر التبريح. # ومما أخذ على امرىء القيس قوله «1» : # فللسوط الهوب وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب «2» # فلو وصف أخس حمار وأضعفه ما زاد على ذلك. # والجيد ms048 قوله: # على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان «3» # وما سمعنا أجود ولا أبلغ من قوله «أفانين جرى» . # وقول علقمة «4» : # فأدركهن ثانيا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب «5» # فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه ولم يضربه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يزجره ~~بصوت. # ومما يعاب قول الأعشى «6» : # ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كان «7» يسنق «8» # يعنى باليحموم فرس الملك، يقول: إنه يأمر لفرسه كل عشية بقت وتعليق؛ # PageV01P074 # وهذا مما لا يمدح به الملوك، بل ولا رجل من خساس الجند. # وقريب منه قول الأخطل «1» : # وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عارى الخوان ولا جدب # يقوله فى عبد الملك. ومثل هذا لا يمدح به الملوك. # وأطرف منه قول كثير «2» : # وإن أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الود منى فنالها # فجعل أمير المؤمنين يتودد إليه. # وقوله لعبد العزيز بن مروان «3» : # وما زالت رقاك تسل ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى # ويرقينى لك الراقون حتى ... أجابت حية تحت التراب # وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر # ومثل قول النابغة «4» : # فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع «5» # وقوله «6» : # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ومن غفلته أيضا قوله- يعنى كثيرا «7» : # PageV01P075 # ألا ليتنا يا عز من غير ريبة ... بعيران نرعى فى خلاء ونعزب «1» # كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب # نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفك نرمى ونضرب # فقالت له عزة: لقد أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنى ما هو أوطأ من هذه ~~الحال. فهذا من التمنى المذموم. # ومن ذلك أيضا قول الآخر «2» : # سلام ليت لسانا تنطقين به ... قبل الذى نالنى من خبله قطعا «3» # فدعا ms049 عليها بقطع لسانها. # ومثله قول عبد بنى الحسحاس «4» : # وراهن ربى مثل ما قد وريننى ... وأحمى على أكبادهن المكاويا «5» # ومن ذلك قول جنادة «6» : # من حبها أتمنى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها # لكى يكون «7» فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # فإذا تمنى المحب لحبيبته الموت فما عسى أن يتمنى المبغض لبغيضته؟ وشتان ~~بين هذا وبين من يقول: # PageV01P076 # ألا ليتنا عشنا جميعا وكان بى ... من الداء ما لا يرعف الناس مابيا # فهذا أقرب إلى الصواب. ولو أن جنادة كان يتمنى وصلها ولقاءها لكان قد قضى ~~وطرا من المنى ولم تلزمه الهجنة، كما قال العباس بن الأحنف «1» : # فإن تبخلوا عنى ببذل نوالكم ... وبالوصل منكم كى أصب وأحزنا # فإنى بلذات المنى ونعيمها ... أعيش إلى أن يجمع الله بيننا # ومن المختار فى ذكر المنى قول الآخر: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # أمانى من ليلى حسان كأنما ... سقتك بها ليلى على ظمأ بردا # وقول الآخر: # ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا، وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا # وقال الآخر: # فسوغينى المنى كيما أعيش به ... ثم امسكى المنع ما أطلقت آمالى # على أن عنترة ذم جميع المنى حيث يقول «2» : # ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا # وقولك للشىء الذى لا تناله ... إذا هويته النفس: يا ليت ذا ليا # وقيل أيضا: # إن ليتا وإن لوا عناء # ومن الفاسد قول النابغة «3» : # ألكنى يا عيين إليك قولا ... ستحمله الرواة إليك عنى # PageV01P077 # وليس من الصواب أن يقال: أرسلنى «1» إلى نفسك ثم قال: ستحمله الرواة إليك ~~عنى. # ومن خطل الوصف قول أبى ذؤيب «2» : # قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنى فهى تثوخ فيها الإصبع # تأبى بدرتها إذا ما استكرهت ... إلا الحميم فإنه يتبضع «3» # قال الأصمعى: هذه الفرس لا تساوى در همين؛ لأنه جعلها كثيرة اللحم رخوة ~~«4» تدخل فيها الإصبع. وإنما يوصف بهذا شاء يضحى [بها] ، وجعلها حرونا «5» ~~إذا حركت قامت، إلا العرق ms050 فإنه يسيل «6» . # والجيد قول أبى النجم: # جردا تعادى كالقداح ذبله ... نطى اللحم ولسنا نهزله # نطويه والطى الدقيق يجدله ... طى التجار العصب إذ تبجله # PageV01P078 # حتى إذا اللحم بدا تذبله ... وانضم عن كل جواد رهله # راح ورحنا بشديد زجله «1» # وقال غيلان الربعى: # يمتاح عصريها قرون مائها ... متح السباع الحسى من بطحائها «2» # حتى اعتصرنا البدن من اعفائها ... بعد انتشار اللحم واستعصائها # تجريدك القناة من لحائها ... مكرمة لا عيب فى احتذائها # وقد قال غيلان أيضا: # قد صار منها اللحم فوق الأعضا ... مثل جلاميد الضفاة الصلغا «3» # وقال أيضا: # فوق الهوادى ذابلات الأكشح ... يشقين أشوال المزاد النزح «4» # وقال أيضا: # حتى إذا ما آض عبلا جرشعا ... قد تم كالفالج لا بل أضلعا «5» # هجنا به نطويه حتى استوكعا ... قد اعتصرن البدن منه اجمعا «6» # PageV01P079 # ثم اتقانا بالذى لن يدفعا ... وآض أعلى اللحم منه صومعا «1» # فوصفه بعظم الجسم، وصلابة اللحم، وما وصف أحد الفرس بترك الانبعاث إذا ~~حرك غير أبى ذؤيب. وإنما توصف بالسرعة فى جميع حالاتها، إذا حركت وإن لم ~~تحرك، فتشبه بالكوكب، والبرق، والحريق، والريح، والغيث، والسيل، وانفجار ~~الماء فى الحوض، والدلو ينقطع رشاؤها، ويد السابح، وغليان المرجل «2» ، ~~والقمقم، وبأنواع الطير: كالبازى، والسوذنيق، والأجدل «3» ، والقطامى، ~~والعقاب، والقطا، والحمام، والجراد، وأنواع الوحش؛ كالوعل، والظبى، والذئب، ~~والتتفل «4» ، ويشبه بالخذروف «5» ، ولمعان الثوب، وبالسهم وبالريح ~~وبالحسى. # قال أعرابى وقد سئل عن حضر «6» فرسه: يحضر ما وجد أرضا. # وقال آخر: همها أمامها، وسوطها عنانها. أخذه بعض المحدثين فقال «7» : # فكان لها سوطا إلى ضحوة الغد # وأخذه ابن المعتز، فلم يستوفه قوله: # أضيع شىء سوطه إذ يضربه # فذكر «إذ يضربه» . وقال فى أخرى: # صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # وقيل لامرأة: صفى لنا الناقة النجيبة. فقالت: عقاب إذا هوت «8» وحية إذا ~~التوت، تطوى الفلاة وما انطوت. # PageV01P080 # وكتب ابن القرية- عن الحجاج- إلى عبد الملك: بعثت بفرس حسن المنظر، محمود ~~المخبر، جيد القد، أسيل الخد، يسبق الطرف، ويستغرق الوصف. # وأجود ما قيل فى العدو قول عبدة بن الطبيب «1» : # يخفى التراب بأظلاف ثمانية ... فى أربع مسهن الأرض تحليل ms051 «2» # والتحليل، من تحلة اليمين، وهو أن يقول إن شاء الله؛ فقول الحالف: إن شاء ~~الله، لا يكون إلا موصولا باليمين. يقول: إن مواصلة هذا الثور بين خطواته ~~كمواصلة الحالف بالتحلة يمينه من غير تراخ. أخذه المحدث فقال: # كأنما يرفعن ما لم يوضع # وقال أبو النجم «3» : # جاء كلمع البرق جاش ما طره ... يسبح أولاه ويطفو آخره # فما يمس الأرض منه حافره # وأخذ على أبى النجم قوله: # يسبح أولاه ويطفو آخره # أنشده الأصمعى فقال: حمار الكساح أسرع من هذا؛ لأن اضطراب مآخيره قبيح؛ ~~وقد أحسن فى قوله: «ويطفو آخره» «4» . وقوله: «فما يمس الأرض منه حافره» ~~جيد. # وقال أبو نواس «5» : # ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ... كأنما يعجلن شيئا لقطا # PageV01P081 # وقال «1» : # فانصاع كالكوكب فى انحداره ... لفت المشير موهنا بناره # وقال ذو الرمة: # كأنه كوكب فى إثر عفرية # أخذه ابن الرومى، فقال «2» : # خذها تبوعا لمن ولى مسومة «3» ... كأنها كوكب فى إثر عفريت # وقال ابن المعتز فى كلبة: # وكلبة زهراء كالشهاب ... تحسبها فى ساعة الذهاب # نجما منيرا لاح فى انصباب ... خفيفة الوطء على التراب # وقال خلف بن الأحمر «4» : # كالكوكب الدرى منصلتا ... شدا يفوت الطرف أسرعه # وكأنما جهدت أليته ... أن لا تمس الأرض أربعه # أخذه من قول الأعشى: # بجلالة أجد مداخلة ... ما إن تكاد خفافها تقع «5» # وقال أبو نواس «6» : # أرسله كالسهم إذ غلا به ... يسبق طرف العين فى التهابه # يكاد أن ينسل من إهابه ... كلمعان البرق فى سحابه # مأخوذ من قول ذى الرمة «7» : # لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفرى عنهما الأهب «8» # PageV01P082 # وقال كثير: # إذا جرى معتمدا لأمه ... يكاد يفرى «1» جلده عن لحمه # وقال أعرابى: # غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنا أهلها # لو أرسل الريح لجئنا قبلها # وقال أبو النجم: # كأن فى المرو حريقا يشعله ... أو لمع برق خافق مسلسله «2» # ومما عيب على طرفة قوله «3» : # وإذا تلسننى ألسنها ... إننى لست بموهون فقر «4» # والعاشق يلاطف من يحبه ولا يحاجه، ويلاينه ولا يلاجه. # وقد قال بعض المحدثين «5» : # بنى الحب على الجور فلو ... أنصف العاشق فيه ms052 لسمج # ليس يستحسن فى وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج # ومن خطأ المعانى قول الأعشى: # وما رابها من ريبة غير أنها ... رأت لمتى شابت وشابت لداتيا # وأى ريبة عند امرأة أعظم من الشيب. # ومثله قوله «6» : # وأنكر تنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا # PageV01P083 # وأعجب منه قوله أيضا «1» : # صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلا بأم خليد حبل من تصل # أإن رأت رجلا أعشى أضر به ... ريب الزمان ودهر خاتل خبل # وأى شىء أبغض عند النساء من العشا والضر يتبينه فى الرجل؟ وأعجب ما فى ~~هذا الكلام أنه قال: حبل من تصل هذه المرأة بعدى وأنا بهذه الصفة من العشا ~~والفقر والشيب؟ فلا ترى كلاما أحمق من هذا. # ومن اضطراب المعنى قول امرىء القيس «2» : # أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا «3» # وهن يبغضنه من قبل التقويس، فما معنى ذكر التقويس؟ فأما بغضهن لمن قوس ~~فجدير وليس ببديع. # ومن الجيد فى هذا الباب قول بعض المتأخرين «4» : # لقد أبغضت نفسى فى مشيبى ... فكيف تحبنى الخود «5» الكعاب # وقلت «6» : # فلا تعجبا أن يعبن المشيب ... فما عبن من ذاك إلا معيبا # إذا كان شيبى بغيضا إلى ... فكيف يكون إليها حبيبا # ومن فساد المعنى قول النابغة «7» : # تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما «8» # وإنما تحمل الإماء حزم الحطب عند رواحهن؛ فأما غدوهن إلى الصحراء فإنهن ~~مخفات. # PageV01P084 # والجيد قول التغلبى: # يظل بها ربذ النعام كأنها ... إماء تزجى بالعشى حواطب «1» # وقد روى مثل الإماء «2» . وإذا صحت هذه الرواية سلم المعنى. # والأستن: شجر بشع المنظر تسميه العرب رءوس الشياطين. وجاء فى بعض التفسير ~~فى قوله تعالى: (طلعها كأنه رءوس الشياطين) : إنه عنى الأستن. # وقد أساء النابعة أيضا فى وصف الثور حيث يقول «3» : # من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصيقل الفرد «4» # أراد بالفرد أنه مسلول من غمده، فلم يبن بقوله: «الفرد» عن سله بيانا ~~واضحا. # والجيد قول الطرماح وقد أخذه منه: «5» # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ms053 ويغمد # وهذا غاية فى حسن الوصف. # وربما سامح الشاعر نفسه فى شىء فيعود عليه بعيب كبير. وقد قال المتلمس ~~«6» : # وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم «7» # PageV01P085 # كميت كناز اللحم أو حميرية ... مواشكة تنفى الحصى بمثلم «1» # والصيعرية: سمة للنوق فجعلها للجمل. # وسمعه طرفة ينشدها، فقال: استنوق الجمل. فضحك الناس وسارت مثلا. # فقال له المتلمس: ويل لرأسك من لسانك، فكان قتله بلسانه- وروى هذا الحديث ~~له مع المسيب بن علس. # وأخبرنا أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه، عن الجاحظ أنه قال: وممن ~~أراد أن يمدح فهجا الأخطل وانبرى له فتى، فقال له: أردت أن تمدح سماكا ~~الأسدى فهجوته، فقلت «2» : # نعم المجير سماكا من بنى أسد ... بالطف «3» إذ قتلت جيرانها مضر # قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر «4» # وأردت أن تهجو سويد بن منجوف فمدحته، فقلت «5» : # وما جذع سوء خرب السوس جوفه «6» ... بما حملته وائل بمطيق # فأعطيته الرياسة على وائل، وقدره دون ذلك. # وأردت أن تهجو حاتم بن اليعمان الباهلى وأن تصغر من شأنه وتضع منه، فقلت: # وسود حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار # فأعطيته السودد فى الجزيرة وأهلها ومنعته ما لا يضره. # وقلت فى زفر بن الحرث «7» : # بنى أمية إنى ناصح لكم ... فلا يبيتن فيكم آمنا زفر # PageV01P086 # مفترش كافتراش الليث كلكله «1» ... لوقعة كائن فيها لكم جزر «2» # فأردت أن تغرى به فعظمت أمره، وهونت أمر بنى أمية. # ومن اضطراب المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن مبرمان، عن أبى جعفر بن ~~القبسى «3» ، قال: لما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمى أنشد الأخطل ~~عبد الملك والجحاف السلمى عنده «4» : # ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر # فخرج الجحاف مغضبا حتى أغار على البشر- وهو ماء لبنى تغلب- فقتل منهم ~~ثلاثة وعشرين رجلا، وقال «5» : # أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنى ... على القتل أو هل لامنى لك لائم # متى تدعنى أخرى أجبك بمثلها ... وأنت امرؤ بالحق ليس بعالم # فخرج الأخطل حتى أتى عبد الملك، وقد ms054 قال «6» : # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول # فإلا تغيرها قريش بمثلها «7» ... يكن عن قريش مستماز ومزحل «8» # فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء «9» ؟ فقال: إلى النار. فقال. ~~والله لو غيرها قلت لضربت عنقك! ووجه العيب فيه أنه هدد عبد الملك، وهو ملك ~~الدنيا بتركه إياه والانصراف عنه إلى غيره. وهذه حماقة مجردة، وغفلة لا ~~يطار غرابها. ثم قال «10» : # PageV01P087 # فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا «1» # ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس غيلان من أخلاقها الضجر «2» # فقال له عبد الملك: لو كان الأمر كما زعمت لما قلت: # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة # وممن أراد أن يمدح نفسه فهجاها جرير فى قوله «3» : # تعرض التيم لى عمدا لأهجوها ... كما تعرض لاست الخارىء الحجر # فشبه نفسه باست الخارى. # وقريب من ذلك قول الراعى «4» : # ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغى الهدى فيزيدنى تضليلا «5» # فأخبر أنه على شىء من الضلال؛ لأن الزيادة لا تكون إلا على أصل، وأراد أن ~~يمدح نفسه فهجاها. # وأراد جرير [أن] يذكر عفوه عن بنى غدانة حين شفع فيهم عطية بن جعال، ~~فهجاهم أقبح هجاء حيث يقول «6» : # أبنى غدانة إننى حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال # لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... ما بين ألأم آنف وسبال # PageV01P088 # فلما سمع عطية هذا الشعر قال: ما أسرع ما رجع أخى فى عطيته. # ومثل ذلك سواء قول يزيد بن مالك العامرى حيث يقول «1» : # أكف الجهل عن حلماء قومى ... وأعرض عن كلام الجاهلينا # فأخبر أنه يحلم عن الجهال ولا يعاقبهم، ثم نقض ذلك فى البيت الثانى، ~~فقال: # إذا رجل تعرض مستخفا ... لنا بالجهل أو شك أن يحينا # فذكر أنه كاد أن يفتك بمن جهل عليه «2» . # وقريب منه قول عبد الرحمن بن عبد الله القس «3» : # أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر # فأوجب أن الهجر والقتل سواء، ثم ذكر أن القتل أعفى وأيسر «4» ، ولو أتى ~~ببل استوى «5» . # ومن عجائب الغلط قول ذى الرمة «6» : # إذا انجابت الظلماء ms055 أضحت رءوسها ... عليهن من جهد الكرى وهى ظلع «7» # وقال ابن أبى فروة: قلت لذى الرمة: ما علمت أحدا من الناس أظلع الرءوس ~~غيرك! فقال: أجل. # ومن الغلط قول العجاج «8» : # كأن عينيه من الغؤور ... قلتان أو حوجلتا قارور # صيرتا بالنضح والتصبير ... صلاصل الزيت إلى الشطور # PageV01P089 # فجعل الزجاج ينضح «1» . # ومن الخطأ قول رؤبة فى صفة قوائم الفرس: # يهوين شتى ويقعن وقعا «2» # فقال له سلم «3» : أخطأت، جعلته مقيدا، فقال له رؤبة: أدننى من ذنب ~~البعير، أى لست أبصر الخيل، وإنما أنا بصير بالإبل. # ومن الغلط قول رؤبة أيضا «4» : # وكل زجاج سخام الخمل ... يبرى له فى رعلات خطل «5» # جعل للظليم عدة إناث؛ وليس للظليم إلا أنثى واحدة. # وأخطأ فى قوله «6» : # كنتم كمن أدخل فى جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا # PageV01P090 # فجعل الأفعى دون الأسود فى المضرة، وهى فوقه فيها. # ومن خطأ الوصف قول أبى النجم «1» : # أخنس فى مثل الكظام المخطمه «2» # والأخنس: القصير المشافر، وإنما توصف المشافر بالسبوطة «3» . # ووصف أعرابى إبلا، فقال: كوم بهازر، مكد خناجر، عظام الحناجر، سباط ~~المشافر، أجوافها رغاب، وأعطانها رحاب، تمنع من البهم، وتبذل للجمم. # ناقة مكود وخنجورة «4» : كثيرة اللبن «5» . والبهازر: العظام «6» . ~~والكوم: # المرتفعة الأسنمة. ولم يحسن أيضا صفة ورود الإبل. قال «7» : # جاءت تسامى «8» فى الرعيل الأول ... والظل عن أخفافها لم يفضل # ذكر أنها وردت فى الهاجرة، وهذا خلاف المعهود؛ وإنما يكون الورود غلسا، ~~كقول الآخر «9» : # فوردت قبل الصباح الفاتق «10» # PageV01P091 # وقال الآخر (1) : # فوردن قبل تبين الألوان # وقول لبيد (1) : # إن من وردى تغليس النهل # ومن الغلط قول أبى النجم «1» : # صلب العصا جاف عن التغزل «2» # يصف راعى الإبل بصلابة العصا، وليس بالمعروف. # والجيد قول الراعى «3» : # ضعيف العصا بادى العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا «4» # وإنما يقال: فلان صلب العصا على أهله إذا كان شديدا عليهم. # ومن الغلط قول أبى النجم أيضا فى وصف الفرس، وهو غلط فى اللفظ «5» : # كأنها ميجنة القصار # وإنما الميجنة لصاحب الأدم، وهى التى يدق عليها الأدم من حجر وغيره. # ومن فساد المعنى قول الشماخ «6» : # بانت سعاد ms056 وفى العينين ملمول «7» ... وكان فى قصر من عهدها طول # كان ينبغى أن يقول «8» : فى طول من عهدها قصر؛ لأن العيش مع الأحبة يوصف ~~بقصر المدة، كما قال الآخر: # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير # PageV01P092 # ومن اضطراب المعنى قول أبى داود الأيادى «1» : # لو أنها بذلت لذى سقم ... حرض «2» الفؤاد مشارف القبض # حسن «3» الحديث لظل مكتئبا ... حران من وجد بها مض # وكان استواء المعنى أن يقول: لبرأ من سقمه- كما قال الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر # وقال تأبط شرا: # قليل غرار النوم # تقديره قليل يسير النوم، وهذا فاسد؛ ووجه الكلام أن يكون ما ينام إلا ~~غرارا؛ فإن احتلت له قلت: يعنى أن نومه أيسر من اليسير. # وقول أبى ذؤيب «4» : # فلا يهنأ «5» الواشون أن قد هجرتها ... وأظلم دونى ليلها ونهارها # هذا من المقلوب؛ كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى. # وقول ساعدة «6» : # فلو نبأتك الأرض أو لو سمعته ... لأيقنت أنى كدت بعدك أكمد # كان ينبغى أن يقول: إنى بعدك أكمد. # ومن الخطأ قول طرفة يصف ذنب البعير «7» : # كأن جناحى مضرحى تكنفا ... حفافيه شكا فى العسيب بمسرد «8» # وإنما توصف النجائب بخفة الذنب «9» ... وجعله هذا كثيفا طويلا عريضا. # PageV01P093 # وقول امرىء القيس «1» : # وأركب فى الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر # شبه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها، وإذا غطى الشعر العين لم يكن الفرس ~~كريما. # وقول الحطيئة «2» : # ومن يطلب مساعى آل لأى ... تصعده الأمور إلى علاها # كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهما جز عنها وقصر دونها، فأما إذا تناهى ~~إلى علاها فأى فخر لهم؛ فإن قيل: إنه أراد به [أنه] يلقى صعوبة كما يلقى ~~الصاعد من أسفل إلى علو، فالعيب أيضا لازم له؛ لأنه لم يعبر عنه تعبيرا ~~مبينا. # وقول النابغة «3» : # ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل منها كل تنبال # التنبال: القصير من الرجال، وليس القصير بأولى بطلب الموئل من الطوال؛ ~~وإن جعل التنبال الجبان فهو أبعد من الصواب؛ لأن الجبان خائف وجل اشتدت ~~الحرب ms057 أم سكنت. # والجيد قول الهمدانى: # يكر على المصاف إذا تعادى ... من الأهوال شجعان الرجال # وقول المسيب بن علس «4» : # فتسل حاجتها إذا هى أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع # وكأن قنطرة بموضع كورها ... وتمد ثنى جديلها بشراع «5» # وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائص مجفر الأضلاع # PageV01P094 # وهذا من المتناقض؛ لأنه قال خميصة، ثم قال: كأن موضع كورها قنطرة، وهى ~~مجفرة الأضلاع؛ فكيف تكون خميصة وهذه صفتها. # وقول الحطيئة «1» : # حرج يلاوذ بالكناس كأنه ... متطوف «2» حتى الصباح يدور # حتى إذا ما الصبح شق عموده ... وعلاه أسطع لا يرد منير # وحصى الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث الحديد أطارهن الكير # زعم أنه يطوف حتى الصباح، فمن أين صار الحصى بصفحتيه؟ # وقول لبيد «3» : # فلقد أعوص بالخصم «4» وقد ... أملأ الجفنة من شحم القلل # أراد السنام، ولا يسمى السنام شحما. # وقوله «5» : # لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامى وزحل # ليس للفيال من الشدة والقوة ما يكون مثلا. # ومن الخطأ قول أبى ذؤيب فى الدرة «6» : # فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج # والدرة إنما تكون فى الماء الملح دون العذب. وقال من احتج له: إنما يريد ~~بماء الدرة صفاءه فشبه بماء الفرات؛ لأن الفرات لا يخطئه الصفاء والحسن. # وقوله أيضا «7» : # فما برحت فى الناس حتى تبينت ... ثقيفا بزيزاء «8» الأشاة «9» قبابها # PageV01P095 # يقول: ما زالت هذه الخمرة فى الناس يحفظونها حتى أتوا بها ثقيفا. قال ~~الأصمعى: # وكيف تحمل الخمرة إلى ثقيف وعندهم العنب. # وقول عدى بن الرقاع: # لهم راية تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت فى ثعلب «1» الرمح طائر # والراية لا تخطر، وإنما الخطران للرمح. # ومما لم يسمع مثله قط قول عدى بن زيد فى الخمرة ووصفه إياها بالخضرة حيث ~~يقول: # والمشرف الهيدب يسعى بها ... أخضر مطموثا بماء الحريص «2» # والحريص: السحابة تحرص وجه الأرض، أى تقشرها بشدة وقع مطرها. # ومن وضع الشىء فى غير موضعه قول الشاعر: # يمشى بها كل موشى أكارعه ... مشى الهرابذ حجوا بيعة الدون # فالغلظ فى هذا البيت فى ثلاثة مواضع: أحدها أن الهرابذ المجوس «3» لا ms058 ~~النصارى. # والثانى أن البيعة للنصارى لا للمجوس. والثالث أن النصارى لا يعبدون ~~الأصنام ولا المجوس. # ومن المحال الذى لا وجه له قول القس «4» : # وإنى إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر # وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله. وهذا عين ~~المحال الممتنع الذى لا يجوز كونه. # ومن عيوب المعنى مخالفة العرف وذكر ما ليس فى العادة كقول المرار «5» : # وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر فى دعجاء باد دجونها # PageV01P096 # والمعروف أن الخيلان سود أو سمر، والحدود الحسان إنما هى البيض، فأتى هذا ~~الشاعر بقلب المعنى. # وهكذا قول الآخر: # كأنما الخيلان فى وجهه ... كواكب أحدقن بالبدر # ويمكن أن يحتج لهذا الشاعر بأن يقال: شبه الخيلان بالكواكب من جهة ~~الاستدارة لا من جهة اللون. # والجيد فى صفة الخال قول مسلم: # وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل # وقال العباس بن الأحنف «1» : # لخال بذات الخال أحسن عندنا ... من النكتة السوداء فى وضح البدر # ومن المعانى ما يكون مقصرا غير بالغ مبلغ غيره فى الإحسان، كقول كثير «2» ~~: # وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... تمج الندى «3» حوذانها «4» وعرارها # بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب «5» نارها # وقد صدق؛ ليس ريح الروض بأطيب من ريح العود، إلا أنه لم يأت بإحسان فيما ~~وصف من طيب عرق المرأة؛ لأن كل من تجمر بالعود طابت رائحته. # والجيد قول امرئ القيس «6» : # ألم تر أنى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # والعود الرطب ليس بمختار للبخور؛ وإنما يصلح للمضع والسواك، والعود ~~اليابس أبلغ فى معناه. # PageV01P097 # وأنشد الكميت نصيبا «1» : # كأن الغطامط فى غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا # فقال نصيب: لم تهج أسلم غفارا قط، فقال الكميت «2» : # إذا ما الهجارس غنينها ... تجاوبن «3» بالفلوات الوبارا # فقال نصيب: لا يكون بالفلوات وبار، فاستحى الكميت وسكت «4» ومن عيوب ~~المديح عدول المادح عن الفضائل التى تختص بالنفس: من العقل، والعفة، ~~والعدل، والشجاعة، إلى ما يليق بأوصاف الجسم: من الحسن، ms059 والبهاء والزينة، ~~كما قال ابن قيس الرقيات فى عبد الملك بن مروان «5» : # يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # فغضب عبد الملك، وقال: قد قلت فى مصعب «6» : # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء «7» # فأعطيته المدح بكشف الغمم، وجلاء الظلم؛ وأعطيتنى من المدح ما لا فخر ~~فيه؛ وهو اعتدال التاج فوق جبينى الذى هو كالذهب فى النضارة. # ومثل ذلك قول أيمن بن خزيم فى بشر بن مروان «8» : # يابن الأكارم من قريش كلها ... وابن الخلائف وابن كل قلمس «9» # PageV01P098 # من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتى أتيت «1» إلى أبيك العنبس # مروان، إن قناته خطية ... غرست أرومتها أعز المغرس # وبنيت عند مقام ربك قبة ... خضراء كلل تاجها بالفسفس «2» # فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى صميم الحندس # فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الذى يختص بالنفس، وإنما ذكر سودد ~~الآباء، وفيه فخر للأبناء، ولكن ليس العظامى كالعصامى، وربما كان سودد ~~الوالد وفضيلته نقيصة للولد إذا تأخر عن رتبة الوالد، ويكون ذكر الوالد ~~الفاضل تقريعا للولد الناقص. # وقيل لبعضهم: لم لا تكون كأبيك؟ فقال: ليت أبى لم يكن ذا فضل؛ فإن فضله ~~صار نقصا لى. # وقد قال الأول: # إنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود # وقال غيره فى خلافه: # لئن فخرت بآباء ذوى شرف ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا # وقال آخر: # عفت مقابح أخلاق خصصت بها ... على محاسن أبقاها أبوك لكا # لئن تقدمت أبناء الكرام به ... لقد تأخر آباء اللئام بكا # ثم ذكر أيمن بناء قبة حسنة، وليس بناء القباب مما يدل على جود وكرم؛ بل ~~يجوز أن يبنى اللئيم البخيل الأبنية النفيسة، ويتوسع فى النفقة على الدور ~~الحسنة # PageV01P099 # مع منع الحق، ورد السائل، وليس اليسار مما يمدح به مدحا حقيقيا؛ ألا ترى ~~كيف يقول أشجع السلمى «1» : # يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع # وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكن معروفة أوسع # ومن عيوب المدح قول أيمن بن خريم أيضا فى بشر بن مروان «2» : # فإن ms060 أعطاك «3» بشر ألف ألف ... رأى حقا عليه أن يزيدا # وأعقب مدحتى سرجا خلنجا ... وأبيض جوز جانيا عنودا «4» # وإنا قد رأينا أم بشر ... كأم الأسد مذكارا ولودا # جميع هذا الكلام جار على غير الصواب، إلا فى ابتداء وصفه فى التناهى فى ~~الجود، ثم انحط إلى مالا يقع مع الأول موقعا وهو السرج وغيره. وأتى فى ~~البيت الثالث بما هو أقرب إلى الذم منه إلى المدح، وهو قوله: # وإنا قد رأينا أم بشر ... كأم الأسد مذكارا ولودا # لأن الناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة أعسر وأولادها أقل. كما ~~قال الأول «5» : # بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات «6» نزور # ومن عيوب المدح قول بعضهم- هو عبيد الله بن الحويرث- لبشر بن مروان: # إنى رحلت إلى عمرو لأعرفه ... إذ قيل بشر ولم أعدل به نشبا # فنكر الممدوح وسلبه النباهة؛ وكان ينبغى أن يقول: ليعرفنى. # PageV01P100 # والنادر العجب الذى لا شبه له قول عدى بن الرقاع، وذكر الله سبحانه، فقال ~~«1» : # وكفك سبطة «2» ونداك غمر ... وأنت المرء تفعل ما تقول # فجعل إلهه امرءا، تعالى الله عما يقول: # وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى، قال: أخبرنا أبو العيناء عن الأصمعى قال: # اجتمع جرير والفرزدق عند الحجاج. فقال: من مدحنى منكما بشعر يوجز فيه ~~ويحسن صفتى فهذه الخلعة له؛ فقال الفرزدق «3» : # فمن يأمن الحجاج والطير تتقى ... عقوبته إلا ضعيف العزائم # فقال جرير «4» : # فمن يأمن الحجاج أما عقابه ... فمر وأما عقده فوثيق # يسر لك البغضاء كل منافق ... كما كل ذى دين عليك شفيق # فقال الحجاج للفرزدق: ما عملت شيئا، إن الطير تنفر من الصبى «5» والخشبة؛ ~~ودفع الخلعة إلى جرير. # والجيد فى المديح قول زهير «6» : # هنالك أن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا ~~«7» # PageV01P101 # وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل «1» # فلما استتم وصفهم بحسن المقال، وتصديق القول بالفعل، وصفهم بحسن الوجوه. # ثم قال: # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل «2» # فلم يخل مكثرا ولا مقلا منهم من بر وفضل. # ثم قال: # فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس ms061 قد يشفى بأحلامها الجهل # فوصفهم بالحلم. # ثم قال: # وإن قام منهم قائم قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليك ولا خذل # فوصفهم أيضا بالتضافر والتعاون. # فلما آتاهم هذه الصفات النفيسة ذكر فضل آبائهم فقال: # وما يك «3» من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل «4» # وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا فى منابتها النخل «5» # وكقول ذى الرمة «6» : # إلى ملك «7» يعلو الرجال بفضله ... كما بهر «8» البدر النجوم السواريا # فما مرتع الجيران «9» إلا جفانكم «10» ... تبارون أنتم والرياح تباريا # PageV01P102 # أخذه بعضهم، فقال وأحسن: # رأيتكم بقية حى قيس ... وهضبته التى فوق الهضاب # تبارون الرياح إذا تبارت ... وتمتثلون أفعال السحاب # يذكرنى مقامى فى ذراكم ... مقامى أمس فى ظل الشباب # وكقول الراعى: # إنى وإياك والشكوى التى قصرت ... خطوى وبابك والوجد الذى أجد # كالماء والظالع الصديان يطلبه ... وهو الشفاء له لو أنه يرد # ضافى العطية، راجيه وسائله ... سيان، أفلح من يعطى ومن يعد # وقول مروان بن أبى حفصة «1» : # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لهم فى غيل خفان «2» أشبل # هم المانعون «3» الجار حتى كأنما ... لجارهم فوق السماكين منزل # بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم فى الجاهلية أول # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا # ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النائبات وأجملوا # تلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل # ويقول الآخر: # علم الغيث الندى حتى إذا ... ما حكاه علم البأس الأسد # فله الغيث مقر بالندى ... وله الليث مقر بالجلد # وكقول الآخر: # شبه الغيث فيه والليث وال ... بدر فسمح ومحرب وجميل # PageV01P103 # ومع ما ذكرناه فإنه لا ينبغى أن يخلو المدح من مناقب لآباء الممدوح، ~~وتقريظ من يعرف به وينسب إليه. # وأنشد أبو الخطاب الفضل بن يحيى: # وجد له يابن أبى على ... بنفحة من ملك سخى # فإنه عود على بدى ... فإنما الوسمى بالولى «1» # فقال الفضل: بنفحة من نفح برمكى؛ فجعله كذلك. # وأنشده مروان بن أبى حفصة: # نفرت فلا شلت يد خالدية ... رتقت بها الفتق الذى بين هاشم # فقال له الفضل: ms062 قل برمكية؛ فقد يشركنا فى خالد بشر كثير، ولا يشركنا فى ~~برمك أحد. # والهجاء أيضا إذا لم يكن يسلب الصفات المستحسنة التى تختصها النفس؛ ويثبت ~~الصفات المستهجنة التى تختصها أيضا لم يكن مختارا. # والاختيار أن ينسب المهجو إلى اللؤم والبخل والشره وما أشبه ذلك. # وليس بالمختار فى الهجاء أن ينسبه إلى قبح الوجه وصغر الحجم وضؤولة ~~الجسم؛ يدل على ذلك قول القائل «2» : # فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها # وقول الآخر: # تنال الخير ممن تزدريه ... ويخلف ظنك الرجل الطرير # وقول الآخر «3» : # رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح # PageV01P104 # وذكر السموءل أن قلة العدد ليست بعيب، فقال «1» : # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # ومن الهجاء الجيد قول بعضهم «2» : # اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # قوم إذا ماجنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا «3» # وقول أعشى باهلة «4» : # بنو تيم قرارة كل لؤم ... كذاك لكل سائلة قرار «5» # وتبعه أبو تمام، فقال «6» : # ملقى الرجاء وملقى الرحل فى نفر ... الجود عندهم قول بلا عمل # أضحوا بمستن «7» سبل اللؤم «8» وارتفعت ... أموالهم فى هضاب المطل والعلل # ونقله إلى موضع آخر، فقال «9» : # وكانت زفرة «10» ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرار # وقول الآخر «11» : # لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد # وقول الحكم الحضرى «12» : # ألم تر أنهم رقموا بلؤم ... كما رقمت بأذرعها الحمير # PageV01P105 # ومن خبيث الهجاء قول الآخر «1» : # إن يغدروا أو يجبنوا ... أو يبخلوا لا يجفلوا «2» # يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا # وقول الآخر «3» : # لو اطلع الغراب على تميم ... وما فيها من السوءات شابا «4» # وقول مرة بن عدى الفقعسى «5» : # وإذا تسرك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر # ومن المبالغة فى الهجاء قول ابن الرومى «6» : # يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد # ولو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد # والناس يظنون أن ابن الرومى ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو ~~عثمان أن بعضهم قبر إحدى ms063 عينيه وقال: إن النظر بهما فى زمان واحد من ~~الإسراف. # وقول البحترى «7» : # ورددت العتاب عليك حتى ... سئمت وآخر الود العتاب # وهان عليك سخطى حين تغدو ... بعرض ليس تأكله الكلاب # PageV01P106 # ومن خطأ الوصف قول كعب بن زهير «1» : # ضخم مقلدها فعم مقيدها «2» # لأن النجائب توصف بدقة المذبح «3» . # ومن خطأ اللفظ قول ذى الرمة: # حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهن لا مويس نأيا ولا كثب «4» # لأنه لا يقال شام إلا فى البرق. # ومن ردىء التشبيه قول لبيد «5» : # فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوها ذات جرس وزجل # فخمة ذفراء ترتى بالعرا ... قردمانيا وتركا كالبصل # فشبه البيضة بالبصل، وهو بعيد، وإن كانا يتشابهان من جهة الاستدارة لبعد ~~ما بينهما فى الحنس. # وقول أبى العيال «6» : # ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب «7» # PageV01P107 # فذكر الرأس مع الصداع فضل، لأن الصداع لا يكون فى الرجل ولا فى غيرها من ~~الأعضاء. وفيه وجه آخر من العيب؛ وهو أن الذاكر لما قد فات من محبوب يوصف ~~بألم القلب واحتراقه لا بالصداع. # وقول أوس بن حجر «1» : # وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا # فقوله: «المال» مع المقل فضل. # وقول عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجى «2» : # قيدت فقد لان حاذاها «3» وحاركها ... والقلب منها مطار القلب مذعور «4» # فما سمعنا بأعجب من قوله: فالقلب منها مطار القلب. # وقول الآخر: «5» # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد # فقوله: «النأى» مع «البعد» فضل، وإن كان قد جاء من هذا الجنس فى كلامهم ~~كثير، والبيت فى نفسه بارد. # ومن عيوب اللفظ ارتكاب الضرورات فيه كما قال المتلمس «6» : # إن تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمر وما عمرت قابوس «7» # PageV01P108 # أراد [ما عاش عمرو] «1» وما عمر قابوس وقول الأعشى «2» - حكاه بعض ~~الأدباء وعابه: # من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا # قال: لا توضع الشمس مع الزمهرير. قال: وكان يجب أن يقول، لم تر شمسا ولا ~~قمرا، ولم يصبها حر ولا قر، وقد أخطأ لأن القرآن قد جاء فيه ms064 موضع هاتين ~~اللفظتين معا. # ومن المطابقة أن يتقارب التضاد دون تصريحه، وهذا كثير فى كلامهم. وقد ~~أوردناه فى باب الطباق. # وكقول علقمة «3» : # يحملن أترجة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها فى الأنف مشموم # والتطياب هاهنا على غاية السماجة. والطيب أيضا مشموم لا محالة، فقوله: # كأنه مشموم هجنة. وقوله: فى الأنف أهجن؛ لأن الشم لا يكون بالعين. # وقول عامر بن الطفيل «4» : # تناولته فاحتل سيفى ذبابه ... شراشيفه العليا وجذ المعاصما «5» # وهذا البيت على غاية التكلف. # وقول خفاف بن ندبة «6» : # إن تعرضى وتضنى بالنوال لنا ... تواصلين «7» إذا واصلت أمثالى # وكان ينبغى أن يقول: إن تضنى بالنوال علينا، على أن البيت كله مضطرب ~~النسج. # PageV01P109 # وقول الحطيئة «1» : # صفوف وماذى الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النعام كثيف «2» # جعل بيض النعام أولادها. # ومن عيوب اللفظ استعماله فى غير موضعه المستعمل فيه، وحمله على غير وجهه ~~المعروف به؛ كقول ذى الرمة «3» : # نغار إذا ما الروع أبدى عن البرى ... ونقرى عبيط اللحم والماء جامس «4» # لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس. # وقول جرير «5» : # لما تذكرت بالديرين أرقنى ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس # قالوا: لا يكون التأريق إلا أول الليل. والدجاج: الديكة هاهنا. # وقول عدى بن زيد فى الفرس: «فارها متابعا» . لا يقال: فرس فاره، إنما ~~يقال بغل فاره. # وقول النابغة «6» : # رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب «7» # يمدح بذلك ملوكا بأنهم يحيون بالريحان يوم السباسب، ويوم السباسب يوم عيد ~~لهم؛ ومثل هذا لا يمدح به السوقة فضلا عن الملوك. # PageV01P110 # ومنه قوله فيهم «1» : # وأكسية الإضريح فوق المشاجب «2» # جعل لهم أكسية حمرا يضعونها على مشاجب. فترى لو كان لهم ديباج أين كانوا ~~يضعونه؛ وليس هذا مما يمدح به الملوك. # ومن الردىء أيضا قول امرىء القيس «3» : # أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب # عصافير وذبان ودود ... وأجر من مجلحة الذئاب «4» # هذا وإن لم يكن مستحيلا، فهو على غاية القباحة فى اللفظ وسوء التمثيل. # وقول بشر: # على كل ذى ميعة سابح ... يقطع ذو أبهريه الحزاما «5» # وإنما له أبهر واحد. # ومن الأبيات العارية الخربة من ms065 المعانى قول جرير للأخطل «6» : # قال الأخيطل إذ رأى راياتكم ... يا مار سرجس لا أريد قتالا # ومن المتناقض قول عروة بن أذينة «7» : # نزلوا «8» ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض لعمرك ماهم # PageV01P111 # متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجد رحيلهم لم يندموا # فقال: لبثوا فى دار غبطة، ثم قال: لو رحلوا لم يندموا. # ومثله قول جرير «1» : # فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التف الحجيج بمجمع # أقل مقيما راضيا بمقامه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودع # وهل يغتبط عاقل بمكان من لا يرضى به» . # وقول جميل «3» : # خليلى فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله مثلى «4» # فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «5» ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى # زعم أنه يهواها لذهاب عقله، ولو كان عاقلا ما هويها. # والجيد قول الآخر «6» : # وما سرنى أنى خلى من الهوى ... ولو أن لى من بين شرق إلى غرب # فإن كان هذا الحب ذنبى إليكم ... فلا غفر الرحمن ذلك من ذنب # وقول الآخر: # أحببت قلبى لما أحبكم ... وصار رأيى لرأيه تبعا # ورب قلب يقول صاحبه ... تبا لقلبى فبئس ما صنعا # والجيد فى هذا المعنى قول البحترى «7» : # ويعجبنى فقرى إليك ولم يكن ... ليعجبنى لولا محبتك الفقر # وقول العرجى: # من ذكر ليلى وأى الأرض ما سكنت ... ليلى فإنى بتلك الأرض محتبس # PageV01P112 # ومنه: # مثل الضفادع نقاقون وحدهم ... إذا خلوا وإذا لاقيتهم خرس # وقال ابن داود: من التشبيه الذى لا يقع أبرد منه قول أبى الشيص: # وناعس لو يذوق الحب ما نعسا ... بلى عسى أن يرى طيف الحبيب عسى # وللهوى جرس ينفى الرقاد به ... فكلما كدت أغفى حرك الجرسا # وقول الآخر: # إن قلبى سل من غير مرض «1» ... وفؤادى من جوى الحب غرض «2» # كجراب كان فيه جبن ... دخل الفأر عليه فقرض # وقال عبد الملك يوما لجلسائه: أعلمتم أن الأحوص أحمق لقوله: # فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويجعلها بين الجناح وحوصله # بأحسن منها يوم قالت تدللا ... تبدل خليلى إننى متبدله # فما أعجبه وهى تقول هذه المقالة! والجيد قول أبى تمام ms066 «3» : # لا شىء أحسن منه ليلة وصله «4» ... وقد اتخذت مخدة من خده # وأنشد عبد الملك قول نصيب «5» : # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنا من ذا يهيم بها بعدى «6» # فقال بعض من حضر؛ أساء القول؛ أيحزن لمن يهيم بها بعده؟ فقال عبد الملك: # فلو كنت قائلا ما كنت تقول؟ فقال: # (8- الصناعتين) # PageV01P113 # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت «1» ... أو كل بدعد من يهيم بها بعدى # فقال عبد الملك: أنت والله أسوأ قولا؛ أتوكل من يهيم بها! ثم قال: # الجيد «2» : # أهيم بدعد ما حييت «3» فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلة بعدى # وأخذ الأصمعى على الشماخ قوله «4» : # رحى حيزومها كرحى الطحين «5» # وقال: السعدانة «6» توصف بالصغر. فقال من احتج للشماخ: إنما شبهها بالرحى ~~لصلابتها «7» ، كما قال: # قلائص يطحن الحصى بالكراكر «8» # ومن المعيب قول عمر بن أبى ربيعة هذا «9» : # أومت بكفيها من الهودج ... لولاك فى «10» ذا العام لم أحجج # أنت إلى مكة أخرجتنى ... حبا ولولا أنت لم أخرج # لا ينبىء الإيماء عن هذه المعانى كلها. # ونحوه قول المثقب العبدى «11» : # PageV01P114 # تقول إذا درأت لها وضينى ... أهذا دينه أبدا ودينى «1» # أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى على ولا يقينى # والذى يقارب الصواب قول عنترة «2» : # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعبرة وتحمحم # لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمى # ومن النسيب الردىء قول نصيب «3» : # فإن تصلى أصلك وإن تعودى ... لهجر «4» بعد وصلك لا أبالى # وذلك أن التجلد من العاشق مذموم. وفى خلاف ذلك قول زهير «5» : # لقد باليت مطعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالى # وقول عمر بن أبى ربيعة «6» : # قالت لها أختها تعاتبها «7» ... لا تفسدن الطواف فى عمر # قومى تصدى له ليبصرنا «8» ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر» # قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبكرت تشتد فى أثرى «10» # فشبب بنفسه ووصفها بالقحة، وناقض فى حكايته عن صاحبتها؛ فذكر نهيها إياها ~~عن إفساد الطواف فيه، ثم إنها قالت لها: «قومى انظرى» . # PageV01P115 # ومما جاء فى ذلك من أشعار المحدثين قول بشار «1» : # إنما عظم ms067 سليمى حبتى «2» ... قصب السكر لا عظم الجمل # وإذا أدنيت منها «3» بصلا ... غلب المسك على ريح البصل # وقوله «4» : # وبعض الجود خنزير # ومن المعانى البشعة قول أبى نواس «5» : # يا أحمد المرتجى فى كل نائبة ... قم سيدى نعص جبار السموات # فهذا مع كفره ممقوت. # وكذا قوله: # لو أكثر التسبيح ما نجاه # وقوله «6» : # من رسول الله من نفره # وقد تبع فى هذا القول حسان بن ثابت فى قوله «7» : # أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع # والخطأ من كل واحد خطأ. # وقول أبى نواس أيضا «8» : # أحبب قريشا لحب أحمدها # وقوله «9» : # تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد الشراكان # PageV01P116 # فزعم أن ابن زبيدة «1» مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خلقه وخلقه. # ومثل ذلك قول أبى الخلال فى يزيد بن معاوية: # يأيها الميت بحوارينا ... إنك خير الناس أجمعينا # وقول أبى العتاهية: # غنيت عن الوصل القديم غنيتا ... وضيعت ودا كان لى ونسيتا «2» # ومن أعجب الأشياء «3» أن مات مألفى ... ومن كنت ترعانى «4» له وبقيتا # تجاهلت عما كنت تحسن وصفه ... ومت عن الإحسان حين حييتا # وليس من العجب أن يموت إنسان ويبقى بعده إنسان آخر؛ بل هذه عادة الدنيا ~~والمعهود من أمرها، ولو قال: «من ظلم الأيام» كان المعنى مستويا. # وسمعت بعض العلماء يقول: ومن المعانى الباردة قول أبى نواس فى صفة ~~البازى: # فى هامة علياء تهدى منسرا ... كعطفة الجيم بكف أعسرا # فهذا جيد مليح مستوفى. # ثم قال: # يقول من فيها بعقل فكرا ... لو زادها عينا إلى فاء ورا # فاتصلت بالجيم صار جعفرا # فمن يجهل أن الجيم إذا أضيف إليها العين والفاء والراء تصير جعفرا. # وسواء قال هذا، أو قال: # لو زادها حاء إلى دال ورا ... فاتصلت بالجيم صار جحدرا # وما يدخل فى صفة البازى من هذا القول. # PageV01P117 # وتبعه أبو تمام فقال «1» : # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام «2» # فمن ذا الذى جهل أن الحمام إذا كسرت حاؤها صارت حماما. # وإنما أراد أبو نواس أنه يشبه الجيم لا يغادر من شبهها شيئا، حتى ms068 لو زدت ~~عليها هذه الأحرف صارت جعفرا لشدة شبهها به، وهو عندى صواب، إلا أنه لو ~~اكتفى بقوله: «كعطفة الجيم بكف أعسرا» ولم يزد الزيادة التى بعدها كان أجود ~~وأرشق وأدخل فى مذاهب الفصحاء، وأشبه بالشعر القديم. # وأما قول أبى تمام فله معنى خلاف ما ذكره، وذلك أنه أراد أنك إذا أردت ~~الزجر والعيافة أداك الحمام إلى الحمام، كما أن صوتها الذى يظن أنه بكاء ~~إنما هو طرب، ويؤديك إلى البكاء الحقيقى «3» ؛ وهذا المعنى صحيح؛ إلا أن ~~المعنى إذا صار بهذه المنزلة من الدقة كان كالمعمى؛ والتعمية حيث يراد ~~البيان عى. # ومن عيوب المعنى قول أبى نواس فى صفة الأسد «4» : # كأنما عينه إذا نظرت ... بارزة الجفن عين مخنوق # فوصف عين الأسد بالجحوظ، وهى توصف بالغؤور؛ كما قال الراجز «5» : # كأنما ينظر من خرق حجر # وكقول أبى زبيد: # كأن عينيه فى وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير «6» # PageV01P118 # وقوله أيضا: # وعينان كالوقبين فى قلب صخرة ... يرى فيهما كالجمرتين تسعر # وأنشد مروان بن أبى حفصة عمارة بن عقيل بيته فى المأمون «1» : # أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين، والناس بالدنيا مشاغيل # فقال له: مازدته على أن وصفته بصفة عجوز فى يدها مسباحها؛ فهلا قلت: # كما قال جدى فى عمر بن عبد العزيز: # فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله # ومن الغلط قول أبى تمام «2» : # رقيق حواشى الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت فى أنه برد «3» # وما وصف أحد من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرقة، وإنما يصفونه ~~بالرجحان والرزانة؛ كما قال النابغة «4» : # وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # وقال الأخطل «5» : # صم عن الجهل عن قيل الخناخرس ... وإن ألمت بهم مكروهة صبروا «6» # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقال أبو ذؤيب «7» : # وصبر على حدث النائبات ... وحلم رزين وعقل ذكى # PageV01P119 # وقال عدى بن الرقاع «1» : # أبت لكم مواطن طيبات ... وأحلام لكم تزن الجبالا # وقال الفرزدق «2» : # إنا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهال # ومثل ms069 هذا كثير. # وإذا ذموا الرجل قالوا: خف حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبى «3» : # تنابلة «4» سود خفاف حلومهم ... ذوو نيرب فى الحى يغدو ويطرق # وقال عقبة بن هبيرة الأسدى: # أبنو المغيرة مثل آل خويلد ... يا للرجال لخفة الأحلام # لا، بل أحسبنى سمعت بيتا لبعض المحدثين يصف فيه الحلم بالرقة وليس ~~بالمختار. # ومن خطئه أيضا قوله «5» : # من الهيف لو أن الخلاخل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل # ولو قال: «نطقا» لكان حسنا، وهذا خطأ كبير؛ وذلك أن الخلخال قدره فى ~~السعة معروف، ولو صار وشاحا للمرأة لكانت المرأة فى غاية الدمامة والقصر، ~~حتى [لو كانت] هى فى خلقة الجرذ والهرة، ولو قال: «حقبا» لكان جيدا، كما ~~قال النمرى «6» : # ولو قست يوما حجلها بحقابها «7» ... لكان سواء، لا، بل الحجل أوسع # PageV01P120 # فجعل الحجل أوسع من الحقاب؛ لأن امتلاء الأسوق محمود ودقة الخصور ممدوح. # والجيد فى ذكر الوشاح قول ذى الرمة «1» : # عجزاء ممكورة خمصانة قلق ... عنها الوشاح وتم الجسم والقصب «2» # وقال ابن مقبل: # وقد دق منها الخصر حتى وشاحها ... يجول، وقد عم الخلاخيل والقلبا «3» # وقال طرفة «4» : # وملء السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا # وقال كثير «5» : # يجول الوشاح بأقرابها «6» ... وتأبى خلاخلها أن تجولا # ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام «7» : # قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا # والصبا: هى القبول. # أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الأصمعى ~~قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى طرف جناح الفجر، وما يقابل ذلك من ناحية ~~المغرب، فهى الشمال، وما يجىء من وراء البيت الحرام فهى دبور، وما يقابل ~~ذلك فهى القبول، والقبول والصبا واحدة. # PageV01P121 # والجيد ما قال البحترى «1» : # متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها # وأما قوله «2» : # شنئت الصبا إذ قيل وجهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها # فإنما يعنى شنئت هذين الاسمين؛ لأن حمول الظاعنين توجهت نحوها. # ومن الخطأ قول أبى المعتصم: # كأنما أربعة إذا تناهبن الثرى ... ريح القبول والدبور والشمال والصبا # ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام- «3» : # الود للقربى ولكن ms070 عرفه «4» ... للأبعد الأوطان دون الأقرب # ولا أعرف لم حرم أقارب هذا الممدوح عرفه وصيره للأبعدين؟ فنقصه الفضل فى ~~صلة الرحم، وإذا لم يكن مع الود نفع لم يعتد به. قال الأعشى: # بانت وقد أسأرت «5» فى النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الود مانفعا # وقال المقنع: # جعلت لهم منى مع الصلة الودا «6» # وقد أغرى أبو تمام بهذا القول أقرباء الممدوح؛ لأنهم إذا رأوا عرفه يفيض ~~فى الأبعدين ويقصر عنهم أبغضوه وذموه. # وقد ذم الشاعر الطريقة التى يمدح بها أبو تمام، فقال: # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا # وقال آخر- وهو ابن هرمة «7» : # PageV01P122 # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقال أبو دواد الإيادى «1» : # إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش «2» واصطنع عند الذين بهم ترمى # وقال آخر «3» : # وإذا أصبت من النوافل رغبة ... فامنح عشيرتك الأدانى فضلها # وذم قديما المذهب الذى ذهب إليه أبو تمام مسافر العبشمى، فقال «4» : # تمد إلى الأقصى بثديك كله ... وأنت على الأدنى صرور مجدد # فإنك لو أصلحت من أنت مفسد ... توددك الأقصى الذى تتودد # وقال المسيب بن علس «5» : # من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب # وقال الحارث بن كلدة «6» : # من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتى الممات أقاربه # وقد ذهب البحترى مذهب أبى تمام، فقال «7» : # بل كان أقربهم من سيبه سببا ... من كان أبعدهم من جذمه رحما # إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان قد دخل تحت الإساءة. # والجيد قوله «8» : # ظل فيه البعيد مثل القرى ... ب المجتبى والعدو مثل الصديق # وقوله أيضا «9» : # ما إن يزال الندى يدنى إليه يدا ... ممتاحة من بعيد الدار والرحم # PageV01P123 # ومن الخطأ قوله «1» : # ورحب صدر لو ان الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد # وذلك أن البلدان التى تضيق بأهلها لم تضق بأهلها لضيق الأرض، ومن اختط ~~البلدان لم يختطها على قدر ضيق الأرض وسعتها؛ وإنما اختطت على حسب الاتفاق؛ ~~ولعل المسكون منها لا يكون جزءا من ألف جزء؛ فلأى معنى تصييره ضيق البلدان ~~الضيقة من أجل ضيق ms071 الأرض. والصواب أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ~~كوسعه لم يسعها الفلك؛ أو لضاقت عنها السماء؛ أو يقول: لو أن سعة كل بلد ~~كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد. # والجيد فى هذا المعنى قول البحترى «2» : # مفازة صدر لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب «3» # أى لم يكن ليسلكها إلا بدليل لسعتها؛ على أن قوله «مفازة صدر» استعارة ~~بعيدة. # ومن الخطأ قول أبى تمام «4» : # سأحمد نصرا «5» ما حييت وإننى ... لأعلم أن قد جل نصر عن الحمد # وقد رفع الممدوح عن الحمد الذى رضيه الله جل وعز لنفسه، وندب عباده لذكره ~~ونسبه إليه، وافتتح به كتابه. وقد قال الأول: الزيادة فى الحد نقصان، ولم ~~نعرف أحدا رفع أحدا عن الحمد، ولا من استقل الحمد للمدوح. # قال زهير بن أبى سلمى» # متصرف للحمد معترف ... للرزء نهاض إلى الذكر # وقال الأعشى «7» : # PageV01P124 # ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى ثمن # وقال الحطيئة: # ومن يعط أثمان المحامد يحمد # وقالت الخنساء «1» : # ترى الحمد يهوى إلى بيته ... يرى أفضل المجد أن يحمدا # والجيد قول البحترى «2» : # لو جل خلق قط عن أكرومة ... تنثى جللت عن الندى والباس # ومن الخطأ قوله «3» : # ظعنوا فكان بكاى حولا بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد # أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقود # هذا خلاف ما يعرفه الناس؛ لأنهم قد أجمعوا أن البكاء يطفىء الغليل، ويبرد ~~حرارة المحزون، ويزيل شدة الوجد. # وذكروا أن امرأة مات ولدها فأمسكت نفسها عن البكاء صبرا واحتسابا، فخرج ~~الدم من ثدييها؛ وذلك لما ورد عليها من شدة الحزن مع الامتناع من البكاء. # وقد شهد أبو تمام بصحة ما ذكرناه، وخالف قوله الأول، فقال «4» : # نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم «5» # وقال «6» : # واقع «7» بالحدود والبرد منه ... واقع بالقلوب والأكباد # PageV01P125 # وقال امرؤ القيس «1» : # وإن شفائى عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول # وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الأنبارى، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، قال ~~حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال: ms072 حدثنا محمد بن كناسة، قال، ~~قال أبو بكر بن عياش: كنت وأنا شاب إذا أصابتتى مصيبة لا أبكى فيحترق جوفى، ~~فرأيت أعرابيا بالكناس على ناقة له والناس حوله وهو ينشد «2» : # خليلى عوجا من صدور الرواحل ... ببرقة حزوى «3» فابكيا فى المنازل # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجى البلابل # فسألت عن الأعرابى؛ فقيل: هو ذو الرمة؛ فكنت بعد ذلك إذا أصابتنى مصيبة ~~بكيت فاشتفيت. فقلت: قاتل الله الأعرابى ما كان أبصره! وقال الفرزدق «4» : # فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا # وقد تبعه البحترى على إساءته، فقال «5» : # فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب فى الحسان معذب # تدق: من الوديقة، وهى الهاجرة لدنو الحر فيها. والودق: أصله الدنو؛ يقال: ~~أتان وديق، إذا دنت من الفحل. والودق: القطر؛ لدنوه من الأرض بعد انحلاله ~~من السحاب. # والخطأ الفاحش له قوله؛ أى أبو تمام «6» : # رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر # والمعنى: لست أرضى إذا كان الذى يسخطنى هو الذى يرضاه الله عز وجل؛ # PageV01P126 # لأن هل تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، كما تقول: هل يمكننى المقام؟ وهل آتى ~~بما تكره؟ معناه لا يمكننى المقام. ومعنى قوله: هل أرضى إذا كان مسخطى؟ # أى لا أرضى. # ومن الخطأ قوله «1» : # ويوم «2» كطول الدهر فى عرض مثله ... ووجدى من هذا وهذاك أطول # قد استعمل الناس الطول والعرض فيما ليس له، استعمالا مخصوصا، كقول كثير ~~«3» : # أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد صار إليك العرض والطول # أى صار إليك المجد بتمامه. # وقول كثير أيضا: # بطاحى له نسب مصفى ... وأخلاق لها عرض وطول # فعلى هذا استعمل هذان اللفظان. # وقالوا: هذا الشىء فى طول ذلك وعرضه؛ إذا كان مما يرى طوله وعرضه، ولا ~~يستعمل فيما ليس له طول وعرض على الحقيقة، ولا يجوز مخالفة الاستعمال ~~البتة. # وكان أبو تمام قد استوفى المعنى فى قوله: «كطول الدهر» ولم يكن به حاجة ~~إلى ذكر العرض. # ومن الخطأ قول ms073 البحترى- ورواه لنا أبو أحمد عن ابن عامر لأبى تمام، ~~والصحيح أنه للبحترى: # بدت صفرة فى لونه إن حمدهم ... من الدر ما اصفرت حواشيه فى العقد # وإنما يوصف الدر بشدة البياض، وإذا أريد المبالغة فى وصفه وصف بالنصوع، ~~ومن أعيب عيوبه الصفرة. وقالوا: كوكب درى، لبياضه؛ وإذا اصفر احتيل # PageV01P127 # فى إزالة صفرته. ليتضوا. واستعمال الحواشى فى الدر أيضا خطأ؛ ولو قال ~~نواحيه، لكان أجود، والحاشية للبرد والثوب، فأما حاشية الدر فغير معروف، ~~وفيها: # وجرت على الأيدى مجسة جسمه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد # وهذا غلط؛ لأن البحر غير ملتهب الموج ولا متقد الماء، ولو كان متقدا أو ~~ملتهبا لما أمكن ركوبه؛ وإنما أراد أن يعظم أمر الممدوح فجاء بما لا يعرف. # وفيها: # ولست ترى شوك القتادة خائفا ... سموم رياح القادحات من الزند # وهذا خطأ؛ لأنه شبه العليل بشوك القتاد على صلابته على شدة العلة، وزعم ~~أن شوك القتاد لا يخاف النار التى تقدح بالزناد. وقد علمنا أن النار تفلق ~~الصخر وتلين الحديد؛ فكيف يسلم منها القتاد؟ وليس لذكر السموم والرياح أيضا ~~فى هذا البيت فائدة ولا موقع. # ولما مات المتوكل أنشد رجل جماعة «1» : # مات الخليفة أيها الثقلان # فقالوا: جيد؛ نعى الخليفة إلى الجن والإنس فى نصف بيت، فقال: # فكأننى أفطرت فى رمضان # فضحكوا منه. # ونورد هاهنا جملة نتمم بها معانى هذا الباب: # ينبغى أن تعرف أن أجود الوصف ما يستوعب أكثر معانى الموصوف، حتى كأنه ~~يصور الموصوف لك فتراه نصب عينك، وذلك مثل قول الشماخ فى نبالة «2» : # خلت «3» غير آثار الأراجيل ترتمى ... تقعقع فى الآباط منها وفاضها # PageV01P128 # فهذا البيت يصور لك هرولة الرجالة، ووفاضها فى آباطها تتقعقع. # وإفاض جمع وفضة وهى الجعبة. وقول يزيد بن عمرو الطائى: # ألا من رأى قومى كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها # فهذا التشبيه كأنه يصور لك القتلى مصروعين. # وقال العتابى فى السحاب: # والغيم كالثوب فى الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق # تظنه مصمتا لافتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثوب منفتق # إن معمع ms074 الرعد فيه قلت منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت محترق # وينبغى أن يكون التشبيب دالا على شدة الصبابة، وإفراط الوجد، والتهالك فى ~~الصبوة، ويكون بريا من دلائل الخشونة والجلادة، وأمارات الإباء والعزة. ومن ~~أمثلة ذلك قول أبى الشيص «1» : # وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم # أشبهت أعدائى فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم # وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # فهذا غاية التهالك فى الحب، ونهاية الطاعة للمحبوب. # ويستجاد التشبيب أيضا إذا تضمن ذكر التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة، بهبوب ~~الرياح، ولمع البروق، وما يجرى مجراهما من ذكر الديار والآثار. # (9- الصناعتين) # PageV01P129 # فمن أجود ما قيل فى الديار قول الأزدى: # فلم تدع الأرياح والقطر والبلى ... من الدار إلا ما يشف ويشغف # وفى ذكر البروق قول الأول: # سرى البرق من نحو الحجاز فشاقنى ... وكل حجازى له البرق شائق # بدا مثل نبض العرق والبعد دونه ... وأكناف لبنى دوننا والأسالق «1» # نهارى بأشراف التلاع موكل ... وليلى إذا ما جننى الليل آرق # فواكبدى مما ألاقى من الهوى ... إذا حن إلف أو تألق بارق # وكذا ينبغى أن يكون التشبيب دالا على الحنين، والتحسر، وشدة الأسف؛ ~~كقوله: # وليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا # وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدى من خشية أن تصدعا # وقال ابن مطير: # وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها # خليلى ما فى العيش عيب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها # فهذا يدل على تحسر شديد، وحنين مفرط. # وقول الآخر: # وددت بأبرق العيشوم أنى ... ومن أهوى جميعا فى رداء # أباشره وقد نديت عليه ... وألصق صحة منه بدائى # فحن إليه حنين السقيم إلى الشفاء. # ومن الشعر الدال على شدة الحسرة والشوق قول الآخر: # يقر بعينى أن أرى رملة الغضا ... إذا ما بدت يوما لعينى قلالها # ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأول راج حاجة لا ينالها # PageV01P130 # وينبغى أن يظهر ms075 الناسب الرغبة فى الحب، وألا يظهر التبرم به، كأبى صخر ~~حين يقول «1» : # فياحبها زدنى جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # وقول الآخر: # تشكى المحبون الصبابة ليتنى ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدى # فكانت لنفسى لذة الحب كلها ... ولم يلقها قبلى محب ولا بعدى # وينبغى أن يكون فى النسيب دليل التدله والتحير، كقول الحكم الحضرى: # تساهم ثوباها ففى الدرع رأدة «2» ... وفى المرط لفاوان ردفهما عبل # فو الله ما أدرى أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لى عقل # وقيل لبعضهم: ما بلغ من حبك لفلانة؟ فقال: إنى أرى الشمس على حيطانها ~~أحسن منها على حيطان جيرانها. # ولما كانت أغراض الشعراء كثيرة، ومعانيهم متشعبة جمة، لا يبلغها الإحصاء ~~كان من الوجه أن نذكر ما هو أكثر استعمالا، وأطول مدارسة له، وهو المدح، ~~والهجاء، والوصف، والنسيب، والمراثى، والفخر؛ وقد ذكرت قبل هذا المديح ~~والهجاء وما ينبغى استعماله فيهما؛ ثم ذكرت الآن الوصف والنسيب، وتركت ~~المراثى والفخر؛ لأنهما داخلان فى المديح. وذلك أن الفخر هو مدحك نفسك ~~بالطهارة، والعفاف، والحلم، والعلم، والحسب، وما يجرى مجرى ذلك. # والمرثية مديح الميت، والفرق بينهما وبين المديح أن تقول: كان كذا وكذا، ~~وتقول فى المديح: هو كذا وأنت كذا. فينبغى أن تتوخى فى المرثية ما تتوخى فى ~~المديح، إلا أنك إذا أردت أن تذكر الميت بالجود والشجاعة تقول: مات الجود، ~~وهلكت الشجاعة؛ ولا تقول: كان فلانا جوادا وشجاعا؛ فإن ذلك بارد غير ~~مستحسن، وما كان الميت يكده فى حياته فينبغى ألا يذكر أنه يبكى عليه مثل # PageV01P131 # الخيل والإبل وما يجرى مجراهما، وإنما يذكر اغتباطهم بموته. وقد أحسنت ~~الخنساء حيث تقول «1» : # فقد فقدتك طلقة واستراحت ... فليت الخيل فارسها يراها # بل يوصف بالبكاء عليه من كان يحسن فى حياته «2» إليه كما قال الغنوى: # ليبكك شيخ لم يجد من يعينه ... وطاوى الحشا نائى المزار غريب # فهذه جملة إذا تدبرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها، وبالله التوفيق. # PageV01P132 ### | الباب الثالث فى معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ (فصلان) ### | الفصل الأول فى ms076 كيفية نظم الكلام والقول فى فضيلة الشعر وما ينبغى استعماله فى تأليفه # إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوق له كرائم اللفظ، ~~واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلبها، واعمله ما دمت ~~فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخونك الملال فأمسك؛ فإن الكثير مع ~~الملال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد ~~شىء، فتجد حاجتك من الرى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ~~ماؤها، وقل عنك غناؤها. # وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو ~~معنى بديع تعلقت بذيله، وتحذر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبعه، ونصبت ~~فى تطلبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر: # إذا ضيعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلا التواء # وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألا يتقدم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه ~~تتبعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدم الكلام لم يتبعه خفيفه ~~وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه ~~جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه ~~فى محاسنه. # PageV01P133 # ولكنه يجرى معه فلا تند عنه نادة معجبة سمنا إلا كبحها، ولا تتخلف عنه ~~مثقلة هزيلة إلا أرهقها. فطورا يفرقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه ~~خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلط الملل على قلبه ولا ~~الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر دره، ولا يكره أبيا، ولا يدفع أتيا. # وقال بشر بن المعتمر «1» : خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها ~~لك؛ فإن قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، ~~وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرة من لفظ كريم، ومعنى ~~بديع. # واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطالبة والمجاهدة ~~والتكلف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على ~~اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من ms077 معدنه. # وإياك والتوعر؛ فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك ~~معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإن حق ~~المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنسهما ويفسدهما ~~ويهجنهما، فتصير بهما إلى حد تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل ~~البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل: # فأول الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا ~~مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أول خاطر، ~~وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتصل بسلكها، وكانت ~~قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب # PageV01P134 # الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ~~ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلفته ولم تكن ~~حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقل عيبا منه، وزرى عليك ~~من هو دونك. # فإن ابتليت بتكلف «1» القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أول ~~وهلة، وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، ~~وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن ~~«2» كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية. # فإن تمنع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «3» ~~الثالثة أن تتحول عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك؛ ~~فإنك لم تشتهها إلا وبينكما نسب، والشىء لا يحن إلا إلى ما شاكله، وإن كانت ~~المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإن النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح ~~بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرغبة والمحبة. # وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين ~~أقدار الحالات؛ فتجعل لكل طبقة كلاما، ولكل حال مقاما، حتى تقسم أقدار ~~المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات. # واعلم أن المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال؛ فإن ms078 كنت ~~متكلما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما ~~يراد له القصيد، فتخط ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف ~~والجوهر، فإن ذلك هجنة. # PageV01P135 # وخطب بعضهم فقال: إن الله أنشأ الخلق وسواهم ومكنهم ثم لا شاهم، فضحكوا ~~منه؛ وقال بعض المتأخرين: # نور تبين فيه لاهوتيه ... فيكاد يعلم علم ما لن يعلما # فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا. ### | الرسائل والخطب # واعلم أن الرسائل والخطب متشاكلتان فى أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا ~~تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظ الخطباء تشبه ~~ألفاظ الكتاب فى السهولة والعذوبة؛ وكذلك فواصل الخطب، مثل فواصل الرسائل؛ ~~ولا فرق بينهما إلا أن الخطبة يشافه بها، والرسالة يكتب بها؛ والرسالة تجعل ~~خطبة، والخطبة تجعل رسالة، فى أيسر كلفة؛ ولا يتهيأ مثل ذلك فى ### | الشعر # من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلا بكلفة؛ وكذلك الرسالة والخطبة لا ~~يجعلان شعرا إلا بمشقة. # ومما يعرف أيضا من الخطابة والكتابة أنهما مختصتان بأمر الدين والسلطان، ~~وعليهما مدار الدار، وليس للشعر بهما اختصاص. # أما الكتابة فعليها مدار السلطان. # والخطابة لها الحظ الأوفر من أمر الدين؛ لأن الخطبة شطر الصلاة التى هى ~~عماد الدين فى الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التى ~~يجب أن يتعهد بها الإمام رعيته لئلا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عز ~~وجل من ذلك فى كتابه، إلى غير ذلك من منافع الخطب. # الشعر # ولا يقع الشعر «1» فى شىء من هذه الأشياء موقعا، ولكن له مواضع لا ينجع ~~فيها غيره من الخطب والرسائل وغيرها، وإن كان أكثره قد بنى على الكذب ~~والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ ~~الكاذبة؛ # PageV01P136 # من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان؛ لا سيما الشعر الجاهلى ~~الذى هو أقوى الشعر وأفحله؛ وليس يراد منه إلا حسن اللفظ، وجودة المعنى؛ ~~هذا هو الذى سوغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه. # وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب ms079 فى شعره؛ فقال: يراد من الشاعر حسن ~~الكلام، والصدق يراد من الأنبياء. # فمن مراتبه العالية التى لا يلحقه فيها شىء من الكلام النظم «1» الذى به ~~زنة الألفاظ، وتمام حسنها؛ وليس شىء من أصناف المنظومات يبلغ فى قوة اللفظ ~~منزلة الشعر. ### | ميزات الشعر على غيره # ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرواة، وامتداد الزمان ~~الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كل لغة، وعند كل ~~أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله. # ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ ~~وليس شىء أسير من الشعر الجيد، وهو فى ذلك نظير الأمثال. # وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى ~~والأيام من مثل سائر، وشعر نادر. # ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى ~~الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة ~~غير معروفة فى الرسائل والخطب. # ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، ~~والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من ~~مؤلفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنية، ولا ~~يهتز ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتز له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه ~~فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام. # PageV01P137 # ومنه أن مجالس الظرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلا بإنشاد الأشعار، ~~ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء ~~مفقود فى غير الشعر. # ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللذات- إذا سمعها ذوو ~~القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيأ صنعتها إلا على كل منظوم من ~~الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادة القابلة لصورها الشريفة؛ إلا ضربا من الألحان ~~الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطط فيه الألفاظ؛ فالألحان ~~منظومة، والألفاظ منثورة. # ومن أفضل فضائل الشعر أن ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، ms080 وفحلها ~~وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبين النقص فى صناعته. # ومن ذلك أيضا أن الشواهد تنزع من الشعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ~~ألفاظ القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد. # وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة ~~أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع ~~علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكل متأدب بلغة العرب أو ~~ناظر فى علومها [إليه] ماسة وفاقته إلى روايته شديدة. # وأما النقص الذى يلحق الشعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه ~~والزهادة فيه، واستثناء الله عز وجل فى أمر الشعراء يدل على أن المذموم من ~~الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف ~~والعدل إلى الظلم والجور. # وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذم لازما له لكونه شعرا ~~لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإن من أكمل الصفات # PageV01P138 # صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتم صفات الشاعر أن يكون ~~خطيبا كاتبا. والذى قصر بالشعر كثرته وتعاطى كل أحد له حتى العامة والسفلة؛ ~~فلحقه من النقص ما لحق العود والشطرنج حين تعاطاهما كل أحد. # ومن صفات الشعر الذى يختص بها دون غيره أن الإنسان إذا أراد مدبح نفسه ~~فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك ~~أبياتا من الشعر احتمل. # ومن ذلك أن صاحب الرياسة والأبهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، ~~وحنينه إليه، وشهرته فى حبه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقص به ~~فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا. ### | كيف تعمل للشعر # وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على ~~قلبك، واطلب لها وزنا يتأتى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما ~~تتمكن من نظمه فى قافية ولا تتمكن منه فى أخرى، أو تكون فى ms081 هذه أقرب طريقا ~~وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا ~~طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزا فجا ومتجعدا جلفا. # فإذا عملت القصيدة فهذبها ونقحها؛ بإلقاء ماغث من أبياتها، ورث ورذل، ~~والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى ~~أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها. # فقد أنشدنا أبو أحمد رحمه الله قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد: # طرقتك عزة من مزار نازح ... يا حسن زائرة وبعد مزار # ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو ~~لتضمنه الطباق. # وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان، # PageV01P139 # قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أول من ألقى الهجاء بين جرير وابن ~~لجأ، أنشدت جريرا قوله «1» : # تصطك إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها # حتى بلغت إلى قوله: # تجر بالأهون من دعائها ... جز العجوز الثنى من كسائها «2» # فقال جرير: ألا قال: «جر الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته. # فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشر. وقول جربر: «جر ~~العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جر العجوز ~~الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأن الفتاة ~~معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: ~~«الثنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأن فيه شعبة من التكلف. وقول ~~جرير: # «طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقل حروفا. # وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت ~~حذاق الكتاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال «3» : # لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيجت وجدا على ذى توجد # ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن. # وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو ~~قولك «4» : # وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ماجرد السيف لامع ms082 # والله لو لم يلحقن إلا عشيا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن. # PageV01P140 # وقد كان هذا دأب جماعة من حذاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ ~~كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمى ~~قصائده الحوليات لذلك. # وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، ~~وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ~~ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر ~~قصائده. # وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا. # وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأول خاطر فنعى عليه عيب ~~كثير. # وتخير الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن ~~نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن ~~له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق ~~بموقعه، وأحق بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ~~ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوله يكشف قناع آخره، كان قد جمع ~~نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام. # ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، ~~قال: # أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه: # أشارت بأطراف البنان المخضب ... وضنت بما تحت النقاب المكتب # وعضت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب # وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب # فهذا أجود شعر سبكا وأشده التئاما وأكثره طلاوة وماء. # وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا ~~تتخالف # PageV01P141 # أطرافه، ولا تتنافر أطراره «1» ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ~~ومقرونة بلفقها؛ فإن تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ~~ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه. # ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت ~~عمرو ذى الكلب: # فأقسم يا عمرو ms083 لو نبهاك ... إذا نبها منك داء عضالا # إذا نبها ليث عريسة «2» ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا # وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا «3» # فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا # فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت ~~فقالت: # نفوسا ومالا. # وقال الآخر: # وفى أربع منى حلت منك أربع ... فما أنا دار أيها هاج لى كربى # أوجهك فى عينى أم الريق فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحب فى قلبى # وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممن يتعاطى الأدب ~~نختلف إلى مدرك نتعلم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع ~~لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت: # ألا إنما الدنيا متاع غرور # فأجازه كل واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت: # وإن عظمت فى أنفس وصدور # فقال: هذا هو الجيد المختار. # PageV01P142 # وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا ~~حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال: # نروح ونغدو كل يوم وليلة # ثم قال لبعضهم: أجز، فقال: # فحتى متى هذا الرواح مع الغدو # فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر: # فيالك مغدى مرة ورواحا # فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال: # وعما قليل لا نروح ولا نغدو # فقال: الآن تم البيت. # ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة «1» : # ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «2» # فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ ~~لأنه أراد: ولست بحلال التلاع مخافة السؤال، ولكنى أنزل الأمكنة المرتفعة، ~~لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه ~~خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة. # وهكذا قول الأعشى «3» : # وإن امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «4» # لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أن المعان موفق # PageV01P143 # قوله: «وأن تعلمى أن المعان موفق» غير مشاكل لما قبله. # وهكذا قول ms084 عنترة «1» : # حرق الجناح كأن لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع «2» # إن الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا «3» # ليس قوله «بالأخبار هش مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه. # وقول السموءل «4» : # فنحن كماء المزن ما فى نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل «5» # ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ ~~إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، ~~أو أولو الصرامة والنجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن ~~كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكف لكان جيدا. # وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس «6» : # كأنى لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبا الزق الروى ولم أقل ... لخيلى كرى كرة بعد إجفال # قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن ~~«7» وأدخل فى استواء النسج؛ فكان يروى: # كأنى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرى كرة بعد إجفال # ولم أسبإ الزق الروى للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # PageV01P144 # لأن ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب ~~أحسن. # قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع ~~الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. ~~وقالوا فى قول ابن هرمة «1» : # وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفى زندا شحاحا # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقول الفرزدق: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن ~~هرمة، فيقال: # وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفى زندا شحانا # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # [ويقال] «2» : # وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # حتى يصح التشبيه للشاعرين جميعا. # ومن ms085 المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس «3» : # (10- الصناعتين) # PageV01P145 # محمد «1» إن الحاسدين حشود ... وإن مصاب المزن حيث تريد # ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء. # وقريب من ذلك قول الطالبى: # قوم هدى الله العباد بجدهم ... والمؤثرون «2» الضيف بالأزواد # ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم: # إن الأعادى لن تنال قديمنا ... حتى تنال كواكب الجوزاء # كم فى لجيم من أغر كأنه ... صبح يشق طيالس الظلماء # ومجرب خضل «3» السنان إذا التقى ... زحف بخاطرة الصدور ظلماء # وكقول القطامى «4» : # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل # فهن معترضات والحصى رمض «5» ... والريح ساكنة والظل معتدل # إلا أن هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير ~~موضعه. # وينبغى أن تتجنب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطير منها ويستشنع ~~سماعها، مثل قول أبى نواس «6» : # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادى # وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله: # لقد أمسى صلاح أبى على ... لأهل الأرض كلهم صلاحا # إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالى الموت حيث غدا وراحا # PageV01P146 # فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد ~~أحسن القائل: # ولا تحسبن الحزن يبقى فإنه ... شهاب حريق واقد ثم خامد # ستألف فقدان الذى قد فقدته ... كإلفك وجدان الذى أنت واجد # فجعل ما يتطير منه من الفقدان لنفسه وما يستحب من الوجدان للممدوح؛ وقد ~~أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك: # رأيت الدهر يأكل كل حى ... كأكل الأرض ساقطة الحديد # وما تبقى المنية حين تغدو ... على نفس ابن آدم من مزيد # وأعلم أنها ستكر حتى ... توفى نذرها بأبى الوليد # وكان عبد الملك يكنى أبا الوليد فتطير منه، ومازال يرى كراهة شعره فى ~~وجهه حتى مات. # وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخى فيه ~~الصدق، وتتحرى الحق؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتباعه والانقياد ~~له. # وينبغى ms086 أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى ~~استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله «1» : # واحكم كحكم فتاة الحى إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد «2» # يحفه جانبا نيق «3» وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد # PageV01P147 # فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد # فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد # فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى ~~حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخصا، وحكاه حكاية صادقة. ولما احتاج إلى أن ~~يذكر العدد والزيادة والثمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه ~~طريقه، واطرد سبيله. # ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها» # هاج الخيال «2» لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى # وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك ~~الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه ~~مرامه، وهو قوله «3» : # قضيت عنى ابن بسطام صنيعته ... عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا # وكان معروفه قصدا إلى «4» وما ... جازيته عنه تبذيرا وإسرافا # مئون عينا توليت الثواب بها ... حتى انثنت لأبى العباس آلافا # قد كان يكفيه مما قدمت يده ... ربا «5» يزيد على الآحاد أنصافا # ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا ~~سوقيا. # أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف ~~الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما # PageV01P148 # وجثجاثا» «1» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجاصا وتفاحا- فلم يحتمل. # والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ ~~الحشوية، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى «2» : # أين البطاريق والحلف الذى حلفوا ... بمفرق الملك والزعم الذى زعموا # هذا قبيح جدا، وإنما سمع قول العامة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم ~~يستوله، فقال: بمفرق الملك، ms087 ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، ~~وبقمحدوة «3» سيده. # وقبح هذا يدل على أن أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر ~~المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام. # ومن الألفاظ ما يستعمل رباعية وخماسيه دون ثلاثيه، ومنها ما هو بخلاف ~~ذلك، فينبغى ألا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرك أن أصولها مستعملة؛ ~~فالخروج عن الطريقة المشهورة والنهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أن ~~الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل ~~هذه الكلمة وهو ثلاثى، والثلاثى أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا ~~مرضيا؛ فقس على هذا. # ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول ~~بعضهم: # لما التقينا صاح بين بيننا ... يدنى من القرب البعاد لحاقا # فقوله: «صاح بين بيننا» متكلف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أن ~~البيت كله ردىء، ليس من وصف البلغاء. # PageV01P149 # وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، ~~فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم ~~لعدم علمهم بقباحتها «1» ، ولأن بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما ~~كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على ~~شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها، وهو كقول ~~الشاعر: # له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير # فلم يشبع. # وقول الآخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد # فقال: «ألم يأتيك» ، فلم يجزم. # وقال ابن قيس الرقيات: # لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلا لهن مطلب # فحرك حرف العلة. # وقال قعنب بن أم صاحب «2» : # مهلا أعاذل قد جربت من خلقى ... إنى أجود لأقوام وإن ضننوا # فأظهر التضعيف. # ومثله قول العجاج «3» : # تشكو الوجى من أظلل وأظلل «4» # PageV01P150 # وقال جميل «1» : # ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر منى ومن جمل # وقال «2» : # إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر «3» وتكثير الوشاة قمين ms088 # فقطع ألف الوصل. # وقال غيره «4» : # من الثعالى ووخز من أرانيها «5» # إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال. # وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السناد والإقواء ~~والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر ~~أشعار المحدثين. # وينبغى أن ترتب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدم منها ما كان يحسن تقديمه، ~~وتؤخر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا ~~تؤخر منها ما يكون التقديم به أليق. # فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم: # يضحك منها كل عضو لها ... من بهجة العيش وحسن القوام # PageV01P151 # ترفل فى الدار لها وفرة ... كوفرة الملط «1» الخليع الغلام # كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ ~~فأما تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدا. وقوله أيضا: # «بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول. # وقول ابن طباطبا: # وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيسة الخادمه # لو قال: «وكانت الخادمة الكيسة» لكان أجود. # وينبغى ألا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أمية ~~«2» : # وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # فقال له الملك «3» : أفسدتها ببوزع. # وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا ~~تكنى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان ~~الرجل يكنى أبا الكويفر، فرد شهادته، ولم يسأل عنه. # وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان ~~عاقلا لكفاه أحدهما. # وأتى ظالم بن سراق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فرده، وقال: # أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جد المهلب بن أبى صفرة. # وهذه جملة كافية إذا تدبرت، وبالله التوفيق. # PageV01P152 # ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن ~~حميد: ومثل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقك، ورأى أن تقريظك بما ~~يبلغه اللسان- وإن كان مقصرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك. # فكرر ms089 الحق فى المقدار اليسير من الكلام. # وينبغى أن يتجنب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتب ألفاظه ترتيبا ~~صحيحا، ويتجنب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- ~~مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا ~~المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال. # PageV01P153 ### | الفصل الثانى فيما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله فى مكاتباته # ينبغى أن تعلم أن الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمة، وآلات كثيرة؛ من ~~معرفة العربية لتصحيح الألفاظ، وإصابة المعانى، وإلى الحساب، وعلم المساحة، ~~والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره ~~وشرحه، لأنا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلها، وبقى عليه ~~المعرفة بصنعة الكلام، وهى أصعبها وأشدها. # والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرد، أنه قال: لا أحتاج إلى ~~وصف نفسى لعلم الناس بى؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج فى نفسه مسألة ~~مشكلة إلا لقينى بها، وأعدنى لها، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس، لا يخفى ~~على مشتبه من الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، ولربما احتجت ~~إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذى أقصده نصب عينى، ثم ~~لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان. ولقد بلغنى أن عبيد الله بن ~~سليمان ذكرنى بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض ~~أمورى؛ فأتعبت نفسى يوما فى ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول ~~الإفصاح عما فى ضميرى، فينصرف لسانى إلى غيره. ولذلك قيل: زيادة المنطق على ~~الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة. # فأول ما ينبغى أن تستعمله فى كتابتك مكاتبة كل فريق منهم على مقدار ~~طبقتهم وقوتهم فى المنطق، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. # والشاهد عليه أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس # PageV01P154 # كتب إليهم بما يمكن ترجمته، فكتب: من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز ~~عظيم فارس: # سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ms090 ورسوله، فأدعوك بداعية الله، فإنى ~~أنا رسول الله إلى الخلق كافة لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، ~~فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك. # فسهل صلى الله عليه وسلم الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها ~~شىء على من له أدنى معرفة فى العربية. # ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخم اللفظ، لما عرف من فضل قوتهم على ~~فهمه وعادتهم لسماع مثله. # فكتب لوائل بن حجر الحضرمى: # من محمد رسول الله إلى الأقيال «1» العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة، على التبعة الشاة، والتيمة لصاحبها «2» ، وفى السيوب «3» ~~الخمس؛ لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار «4» ، ومن أجبى فقد أربى، وكل ~~مسكر حرام «5» . # وكذلك كتابه صلى الله عليه وسلم لأكيدر صاحب دومة الجندل «6» : # PageV01P155 # من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع ~~خالد بن الوليد سيف الله. # إن لنا الضاحية من الضحل «1» والبور والمعامى «2» وأغفال الأرض، والحلقة ~~والسلاح، ولكم الضامنة «3» من النخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم ~~«4» ، ولا تعد فاردتكم «5» ، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، ~~وتؤدون الزكاة، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه. # واعلم أن المعانى التى تنشأ الكتب فيها من الأمر والنهى سبيلها أن تؤكد ~~غاية التوكيد بجهة كيفية نظم الكلام، لا بجهة كثرة اللفظ؛ لأن حكم ما ينفذ ~~عن السلطان فى كتبه شبيه بحكم توقيعاته؛ من اختصار اللفظ وتأكيد المعنى. ~~هذا إذا كان الأمر والنهى واقعين فى جملة واحدة لا يقع فيها وجوه التمثيل ~~للأعمال. # فأما إذا وقعا فى ذلك الجنس فإن الحكم فيهما يخالف ما ذكرناه، وسبيل ~~الكلام فيها أن يحمل على الإطالة والتكرير دون الحذف والإيجاز؛ وذلك مثل ما ~~يكتب عن السلطان فى أمر الأموال وجبايتها واستخراجها، فسبيل الكلام أن يقدم ~~فيها ذكر مارآه السلطان فى ذلك ودبره، ثم يعقب بذكر الأمر بامتثاله، ولا ~~يقتصر على ذلك حتى يؤكد ويكرر لتأكد الحجة على المأمور به، ويحذر مع ذلك من ~~الإخلال والتقصير. # ومنها ms091 الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ، والذم والاستصغار، والعدل ~~والتوبيخ، وسبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، ويمد القول حسب ما يقتضيه آثار ~~المكتوب إليه فى الإحسان والإساءة والاجتهاد والتقصير؛ ليرتاح بذلك قلب ~~المطيع، وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسىء ويأخذ نفسه بالارتداع. # PageV01P156 # فأما ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم، فإن سبيل ما كان واقعا منها ~~فى إنهاء الأخبار، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال، ويجرى على أيديهم من ~~صنوف الأموال أن يمد القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع، وتمام الشرح ~~والاستقصاء؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع، ويكون ذلك بالألفاظ ~~السهلة القريبة المأخذ، السريعة إلى الفهم، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد، ~~وربما تعرض الحاجة فى إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتورية عن الشىء ~~دون الإفصاح؛ لما فى التصريح من هتك الستر؛ فى حكايته «1» عن عدو أطلق ~~لسانه به، وفيه اطراح مهابة الرئيس؛ فيجب إجلاله عنه؛ وفى الصدق ما يسوءه ~~سماعه، ويقع بخلاف محبته؛ فيحتاج منشىء الكلام إلى استعمال لفظ فى العبارة ~~لا تنخرق معه هيبة الرئيس، ولا يعترض فيه ما يشتد عليه، ولا يكون أيضا معها ~~خيانة فى طى ما لا يجب ستره، ولا يكمل لهذا إلا المبرز الكامل المقدم. # وسبيل ما يكتب به فى باب الشكر ألا يقع فيه إسهاب؛ فإن إسهاب التابع فى ~~الشكر، إذا رجع إلى خصوصية، نوع من الإبرام «2» والتثقيل؛ ولا يحسن منه أن ~~يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم ~~تتقدم لهم وسائل من الخدمة ومقدمات فى الحرمة، أو تكون صناعتهم التكسب ~~بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين. فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء. # وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء فى صدر الكتاب والرقاع عندما يجريه من ~~ذكر الرئيس؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة، والحكم فيما يستعمله من ذلك فى الكتب ~~مشبه بحكم ما يستعمل منه شفاها. ويقبح من خادم السلطان أن «3» يشغل سمعه فى ~~مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كل لفظة. # وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع فى ms092 معنى الاستعطاف ومسألة النظراء # PageV01P157 # ألا يكثر من شكاية الحال ورقتها، واستيلاء الخصاصة «1» عليه فيها؛ فإن ~~ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلة ظهور نعمته ~~عليه. # وهذا عند الرؤساء مكروه جدا، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر ~~والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة «2» . # وسبيل ما يكتب به فى الاعتذار من شىء أن يتجنب فيه الإطناب والإسهاب إلى ~~إيراد النكت التى يتوهم أنها مقنعة فى إزالة الموجدة، ولا يمعن فى تبرئة ~~ساحته فى الإساءة والتقصير؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء؛ والذى جرت به ~~عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط فى أداء حقوقهم وتأدية ~~فروضهم؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منة مستأنفة ~~تستدعى شكرا، وعارفة مستجدة تقتضى نشرا؛ فأما إذا بالغ المتنصل فى براءة ~~ساحته من كل ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه فى إعفائه عن ترك السخط، بل ~~ذلك أمر واجب له؛ وفى منع الرئيس حصته منه ظلم وإساءة. # وينبغى أن يكثر الألفاظ عنده، فإن احتاج إلى إعادة المعانى أعاد ما يعيده ~~منها بغير اللفظ الذى ابتدأه به؛ مثل ما قال معاوية رضى الله عنه: من لم ~~يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو ~~لزيق؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تياها فهو سنيد «3» . فقال: «دخيل» ثم ~~قال: «لزيق» ثم قال: «سنيد» . والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن، ولو ~~قال لزيق، ثم أعاده لسمج. # هذا، أدام الله عزك، بعد أن تفرق بين من تكتب إليه؛ «فإن رأيت، وبين من ~~تكتب إليه» فرأيك «4» . وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء # PageV01P158 # والنظراء والغلمان والوكلاء، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر ~~السلامة، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما، وبين من تكتب إليه: أنا ~~أفعل كذا، وبين من تكتب إليه: نحن نفعل كذا؛ «فأنا» من كلام الإخوان ~~والأشباه، «ونحن» من كلام الملوك. وتكتب فى أول الكتاب «سلام عليك» ، وفى ~~آخره «والسلام عليك» ؛ لأن الشىء ms093 إذا ابتدأت بذكره كان نكرة، فإذا أعدته ~~صار معرفة؛ كما تقول: مر بنا رجل فإذا رجع قلت: رجع الرجل. # وكان الناس فيما مضى يستعملون فى أول فصول الرسائل «أما بعد» . وقد تركها ~~اليوم جماعة من الكتاب، فلا يكادون يستعملونها فى شىء من كتبهم، وأظنهم ~~الموا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته، فقال: إنك تكثر ~~الرد، وتشير باليد، وتستعين بأما بعد. فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا فى ~~التفسير أن قول الله تعالى: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب # هو قوله أما بعد؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف، ورغبة فيما جاء فيه من ~~التأويل فهو حسن؛ وإن تركته توخيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عما ~~أصلوه لم يكن ضائرا. # وينبغى أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه ~~وعلى القدر المكتوب فيه. # وقد كتب بعضهم إلى حبة له: عصمنا الله وإياك مما يكره. فكتبت إليه: # يا غليظ الطبع؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا. # واعلم أن الذى يلزمك فى تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط، ~~ولا يلزمك فيها السجع؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن، ما لم يكن فى سجعك ~~استكراه وتنافر وتعقيد، وكثر ما يقع ذلك فى السجع، وقل ما يسلم- إذا طال- ~~من استكراه وتنافر. # PageV01P159 # وينبغى أن تتجنب إعادة حروف الصلات والرباطات فى موضع واحد إذا كتبت مثل ~~قول القائل: منه له عليه. أو عليه فيه. أو به له منه. وأخفها له عليه، ~~فسبيله أن تداويه حتى تزيله بأن تفصل ما بين الحرفين، مثل أن تقول: أقمت به ~~شهيدا عليه؟؟؟. # ولا أعرف أحدا كان يتتبع العيوب فيأتيها غير مكترث إلا المثنى، فإنه ضمن ~~شعره جميع عيوب الكلام ما أعدمه شيئا منها حتى تخطى إلى هذا النوع فقال «1» ~~: # ويسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح له منها عليها شواهد «2» # فأتى من الاستكراه بما لا يطار غرابه. # فتدبر ما قلناه، وارتسمه تظفر ببغيتك منه إن شاء الله. # PageV01P160 # الباب الرابع فى البيان عن حسن النظم وجودة الرصف والسبك ms094 وخلاف ذلك # أجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشعر، وجميعها تحتاج إلى ~~حسن التأليف وجودة التركيب. # وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرصف ~~والتركيب شعبة من التعمية، فإذا كان المعنى سبيا، ووصف الكلام رديا لم يوجد ~~له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. وإذا كان المعنى وسطا، ورصف الكلام جيدا كان ~~أحسن موقعا، وأطيب مستمعا؛ فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما ~~يليق بها كان رائعا فى المرأى وإن لم يكن مرتفعا جليلا، وإن اختل نظمه فضمت ~~الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا. # وحسن الرصف أن توضع الألفاظ فى مواضعها، وتمكن فى أماكنها، ولا يستعمل ~~فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمى ~~المعنى؛ وتضم كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها. # وسوء الرصف تقديم ما ينبغى تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير ~~صيغتها، ومخالفة الاستعمال فى نظمها. # وقال العتابى: الألفاظ أجساد، والمعانى أرواح؛ وإنما تراها بعيون القلوب، ~~فإذا قدمت منها مؤخرا، أو أخرت منها مقدما أفسدت الصورة وغيرت المعنى؛ كما ~~لو حول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، لتحولت الخلقة، وتغيرت ~~الحلية. # (11- الصناعتين) # PageV01P161 # وقد أحسن فى هذا التمثيل وأعلم به على أن الذى ينبغى فى صيغة الكلام وضع ~~كل شىء منه فى موضعه ليخرج بذلك ### | من سوء النظم # من سوء النظم # فمن سوء النظم المعاظلة، وقد مدح عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهيرا ~~لمجانبتها «1» . فقال: كان لا يعاظل بين الكلام؛ وأصل هذه الكلمة من قولهم: # تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة إذا ~~ركبها؛ فمن المعاظلة قول الفرزدق «2» : # تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى ... تكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وقوله «3» : # هو السيف الذى نصر ابن أروى ... به عثمان مروان المصابا # وقوله للوليد بن عبد الملك «4» : # إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب «5» تصاهره # وقوله يمدح هشام بن إسماعيل «6» : # وما مثله فى الناس ms095 إلا مملكا ... أبو أمه حى أبوه يقاربه # وقوله: # الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا # وقوله «7» : # ما من ندى رجل أحق بما أتى ... من مكرمات عظائم الأخطار # من راحتين «8» يزيد يقدح زنده «9» ... كفاهما وأشد عقد إزار # وقوله «10» : # إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكن ... على ماله حال الردى مثل سائله # PageV01P162 # إلى ملك لا تنصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله «1» # وقال قدامة: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة؛ مثل قول أوس «2» : # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «3» # فسمى الصبى تولبا؛ والتولب: ولد الحمار. # وقول الآخر «4» : # وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر «5» # فسمى قدم الإنسان حافرا. وهذا غلط من قدامة كبير؛ لأن المعاظلة فى أصل ~~الكلام إنما هى ركوب الشىء بعضه بعضا؛ وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضدا ~~مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض، وتداخلت أجزاؤه، تشبيها بتعاظل الكلاب ~~والجراد، على ما ذكرناه؛ وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام فى كلام؛ ~~وإنما هو بعد فى الاستعارة. # والدليل على ما قلنا أنك لا ترى فى شعر زهير شيئا من هذا الجنس، ويوجد فى ~~أكثر شعر الفحول نحو «6» ما نفاه عنه عمر رضى الله عنه وحده؛ فمما وجد منه ~~فى شعر النابغة قوله «7» : # PageV01P163 # يثرن الثرى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل «1» # معناه: يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجت ريقها. # وهذا مستهجن جدا؛ لأن المعنى تعمى فيه. # وقول الشماخ «2» : # تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى «3» # معناه تخامص الحافى الوجى فى الأمعز. # وقول لبيد: # وشمول قهوة «4» باكرتها ... فى التباشير مع الصبح الأول «5» # أى فى التباشير الأول مع الصبح. # وكقول ذى الرمة: # كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «6» # يريد كأن أصوات آخر الميس أصوات الفرايج من إيغالهن. # وقوله أيضا: # نضا البرد عنه وهو من ذو جنونه ... أجارى تصهال وصوت صلاصل «7» # كأنه من تخليطه كلام مجنون أو هجر مبرسم «8» يريد: وهو من جنونه ms096 ذو ~~أجارى. # PageV01P164 # وكقول أبى حية النميرى «1» : # كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودى يقارب أو يزيل # يريد: كما خط الكتاب بكف يهودى يوما يقارب أو يزيل. # وقول الآخر «2» : # هما أخوا فى الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما # يريد: أخوا من لا أخ له فى الحرب. # وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة، ويبنى عليها؛ فإنه لا يعذر فى شىء ~~منها، لاجتماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها، واستجادة ما يصح من الكلام ~~ويستبين، واسترذال ما يشكل ويستبهم. # فمن الكلام المستوى النظم، الملتئم الرصف قول بعض العرب «3» : # أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن «4» على ابن طريف # فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف # ولا الخيل «5» إلا كل جرداء شطبة ... وأجرد شطب فى العنان خنوف «6» # كأنك لم تشهد طعانا «7» ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف # فلا تجزعا يا بنى طريف «8» فإننى ... أرى الموت حلالا «9» بكل شريف # والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور فى سلاسته، وسهولته واستوائه، وقلة ~~ضروراته؛ ومن ذلك قول بعض المحدثين: # PageV01P165 # وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة فى دارها # كأنك مطلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها # فكرات طرفك مردودة ... إليك بغامض أخبارها # وفى راحتيك الردى والندى ... وكلتاهما طوع ممتارها # وأقضية الله محتومة ... وأنت منفذ أقدارها # ولا تكاد القصيدة تستوى أبياتها فى حسن التأليف، ولا بد أن تتخالف؛ فمن ~~ذلك قول عبيد بن الأبرص «1» : # وقد علا لمتى شيب فودعنى ... منه الغوانى وداع الصارم القالى # وقد أسلى همومى حين تحضرنى ... بجسرة كعلاة القين شملال «2» # زيافة بقتود الرحل ناجية ... تفرى الهجير بتبغيل وإرقال «3» # وفيها: # تحتى مسومة جرداء عجلزة ... كالسهم أرسله من كفه الغالى «4» # والشيب شين لمن أرسى بساحته ... لله در سواد اللمة الخالى # فهذا نظم حسن وتأليف مختار. # وفيها ما هو ردىء لا خير فيه، وهو قوله: # بان الشباب فآلى لا يلم بنا ... واحتل بى من مشيب كل «5» محلال # PageV01P166 # وقوله: # فبت «1» ألعبها طورا «2» وتلعبنى ... ثم انصرفت وهى منى على بال «3» # قوله: ms097 «واحتل بى من مشيب كل محلال» بغيض خارج عن طريقة الاستعمال وأبغض ~~منه قوله: «وهى منى على بال» . # وفيها: # وكبش ملمومة باد نواجذها ... شهباء ذات سرابيل وأبطال «4» # السرابيل: الدروع، فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود. # وفيها: # أوجرت جفرته خرصا فمال به ... كما انثنى خضد من ناعم الضال «5» # النصف الثانى أكثر ماء من النصف الأول. # وفيها: # وقهوة كرضاب «6» المسك طال بها ... فى دنها كر حول بعد أحوال # هذا البيت متوسط. # باكرتها قبل أن يبدو الصباح لنا ... فى بيت منهمر الكفين مفضال # النصف الثانى أجود من النصف الأول. # PageV01P167 # وقوله: # أما إذا دعيت نزال «1» فإنهم ... يجثون للركبات فى الأبدان # هذا ردىء الرصف. # وبعده: # فخلدت بعدهم ولست بخالد ... والدهر ذو غير وذو ألوان # متوسط. # وبعده: # إلا لأعلم ما جهلت بعقبهم «2» ... وتذكرى ما فات أى أوان # مختل النظم، ومعناه لست بخالد إلا لأعلم ما جهلت، وتذكرى ما فات، أى أوان ~~كان. # وقول النمر بن تولب «3» : # لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى ... مع الشيب أبدالى التى أتبدل # فضول أراها فى أديمى بعد ما ... يكون كفاف اللحم أو هو أفضل «4» # بطىء عن الداعى، فلست بآخذ ... سلاحى إليه مثل ما كنت أفعل «5» # كأن محطا فى يدى حارثية ... صناع علت منى به الجلد من عل «6» # تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيام تمر وأغفل «7» # يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة تفعل # PageV01P168 # يرد «1» الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل # فهذه الأبيات جيدة السبك حسنة الرصف. # وفيها: # فلا الجارة الدنيا لها تلحينها «2» ... ولا الضيف فيها إن أناخ محول # فالنصف الأول مختل؛ لأنه خالف فيه وجه الاستعمال «3» ؛ ووجهه أن يقول: # فهى لا تلحى الجارة الدنيا، أى القريبة. # وكذلك قوله: # إذا هتكت أطناب بيت وأهله ... بمعطنها لم يوردوا الماء قيلوا «4» # هذا مضطرب لتناوله المعنى من بعيد. ووجه الكلام أن يقول: إذا دنت إبلنا ~~من حى ولم ترد إبلهم الماء قيلوا من إبلنا. والقيل: شرب نصف النهار. # وأشد اضطرابا منه قوله: # وما قمعنا فيه الوطاب وحولنا ... بيوت علينا ms098 كلها فوه مقبل «5» # ووجه الكلام: أن يقول: لسنا نحقن اللبن فنجعل الأقماع فى الوطاب، لأن ~~حولنا بيوت أفواههم مقبلة علينا، يرجون خيرنا؛ فاضطرب نظم هذه الأبيات لعدو ~~لها عن وجه الاستعمال. # PageV01P169 # ومثله: # رأت أمنا كيصا يلفف وطبه ... إلى الأنس البادين فهو مزمل «1» # فقالت فلان قد أغاث عياله «2» ... وأودى عيال آخرون فهزلوا # ألم يك ولدان أعانوا ومجلس ... قريب فيجرى إذ يكف ويجمل «3» # الكيص: الذى ينزل وحده. والوطب: وعاء اللبن. والأنس البادون: أهله لأنه ~~يرده إليهم، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذى ~~ينزل وحده. مزمل: مبرد «4» . # فهذه الأبيات سمجة الرصف؛ لأن الفصيح إذا أراد أن يعبر عن هذه المعانى، ~~ولم يسامح نفسه عبر عنها بخلاف ذلك. # وكان القوم لا ينتقد عليهم، فكانوا يسامحون أنفسهم فى الإساءة. # فأما مثال الحسن الرصف من الرسائل فكما كتب بعضهم: ولولا أن أجود الكلام ~~ما يدل قليله على كثيره، وتغنى جملته عن تفصيله، لوسعت نطاق القول فيما ~~أنطوى عليه من خلوص المودة، وصفاء المحبة؛ فجال مجال الطرف فى ميدانه، ~~وتصرف تصرف الروض فى افتنانه؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان ~~بالإطناب. # ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء، وربما ~~كان الكلام مستقيم الألفاظ، صحيح المعانى؛ ولا يكون له رونق ولا رواء؛ ~~ولذلك قال الأصمعى لشعر لبيد: كأنه طيلسان طبرانى، أى هو محكم الأصل ولا ~~رونق له. # PageV01P170 # والكلام إذا خرج فى غير تكلف وكد وشدة تفكر وتعمل كان سلسا سهلا، وكان له ~~ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند «1» لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره ~~خروجه؛ وذلك مثل قول الحطيئة «2» : # هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا # وقوله: # لهم فى بنى الحاجات أيد كأنها ... تساقط ماء المزن فى البلد القفر # وكقول أشجع: # قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام # وإذا سيوفك صافحت هام العدا ... طارت لهن عن الفراخ الهام # برقت سماؤك للعدو فأمطرت ... هاما لها ظل السيوف غمام # رأى الإمام وعزمه وحسامه ... جند ms099 وراء المسلمين قيام # وكقول النمر: # خاطر بنفسك كى تصيب غنيمة ... إن الجلوس مع العيال قبيح # فالمال فيه تجلة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وقبوح «3» # وكقول الآخر: # نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام # وكقول الآخر: # لعن الإله تعلة بن مسافر ... لعنا يشن عليه من قدام # ففى هذه الأبيات مع جودتها رونق ليس فى غيرها مما يجرى مجراها فى صحة ~~المعنى وصواب اللفظ. # PageV01P171 # ومن الكلام الصحيح المعنى واللفظ، القليل الحلاوة العديم الطلاوة قول ~~الشاعر: # أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا فى العيش بالدون # فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين # ومن الشعر المستحسن الرونق قول دعبل «1» : # وإن امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحرص معلما # حللت محلا يقصر البرق دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجشما # PageV01P172 ### | الباب الخامس فى ذكر ### | الإيجاز # والإطناب (فصلان) ### | الفصل الأول من الباب الخامس فى ذكر الإيجاز # الإيجاز # قال أصحاب الإيجاز: الإيجاز قصور البلاغة على الحقيقة، وما تجاوز مقدار ~~الحاجة فهو فضل داخل فى باب الهذر والخطل، وهما من أعظم أدواء الكلام، ~~وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصناعة. ### | تفضيل الإيجاز # وفى تفضيل الإيجاز يقول جعفر بن يحيى لكتابه: إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم ~~توقيعات فافعلوا. # وقال بعضهم: الزيادة فى الحد نقصان. وقال محمد الأمين: عليكم بالإيجاز ~~فإن له إفهاما، وللإطالة استبهاما. وقال شبيب بن شبة: القليل الكافى خير من ~~كثير غير شاف. وقال آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلف، ولا خير فى ~~شىء يأتى به التكلف. وقد قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قيل: وما ~~الإيجاز؟ # قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد. # وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول لرجل: كفاك الله ما أهمك. # فقال: هذه البلاغة. وسمع آخر يقول: عصمك الله من المكاره. فقال: هذه ~~البلاغة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: أوتيت جوامع الكلم. # وقيل لبعضهم: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. # وقيل ذلك لآخر، فقال: لست أبيعه مذارعة. ms100 # PageV01P173 # وقيل للفرزدق: ما صيرك إلى القصائد القصار بعد الطوال؟ فقال: لأنى رأيتها ~~فى الصدور أوقع، وفى المحافل أجول. # وقالت بنت الحطيئه لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ فقال: لأنها فى ~~الآذان أولج، وبالأفواه أعلق. وقال أبو سفيان لابن الزبعرى: قصرت فى شعرك؟ # فقال: حسبك من الشعر غرة لائحة، وسمة واضحة. # وقيل للنابغة الذبيانى: الا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر؟ فقال: # من انتحل انتقر «1» . # وقيل لبعض المحدثين: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟ قال: هن بالقلوب ~~أوقع، وإلى الحفظ أسرع، وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع، وصاحبها أبلغ وأوجز. # وقيل لابن حازم: ألا تطيل القصائد؟ فقال: # أبى لى أن أطيل الشعر قصدى ... إلى المعنى وعلمى بالصواب # وإيجازى بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب # فأبعثهن أربعة وستا ... مثقفة بألفاظ عذاب # خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصبا بأخى الشباب # وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم فى الرقاب # وكن إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب «2» # وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه: ما رأيت بليغا قط إلا ~~وله فى القول إيجاز، وفى المعانى إطالة. # وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك كثير الكلام. قال: أفتسمعون ~~صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير. وليس كما قال؛ ~~لأن للكلام غاية؛ ولنشاط السامعين نهاية؛ وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا ~~إلى # PageV01P174 # الاستثقال، وصار سببا للملال؛ فذلك هو الهذر والإسهاب والخطل، وهو معيب ~~عند كل لبيب. # وقال بعضهم: البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب. وقال: المكثار ~~كحاطب الليل. وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من حلى المعنى المزير ~~باللفظ الوجيز، وطبق المفصل قبل التحزيز. # المزيز: الفاضل، والمز: الفضل. وقوله: «وطبق المفصل قبل التحزيز» : # مأخوذ من كلام معاوية رضى الله عنه وهو قوله لعمرو بن العاص لما أقبل أبو ~~موسى: يا عمرو؛ إنه قد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأى والعرفان؛ ~~فأقلل الحز، وطبق المفصل، ولا تلقه بكل رأيك. فقال عمرو: أكثر من ms101 الطعام، ~~وما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم. # والإيجاز: القصر والحذف. ### | نوعا الإيجاز # فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعانى؛ وهو قول الله عز وجل: ولكم في ~~القصاص حياة. # ويتبين فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب فى معناه، وهو قولهم: # «القتل أنفى للقتل» . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه فى ~~الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر ~~الحياة، واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم الله به ولإيجازه فى العبارة. فإن ~~الذى هو نظير قولهم: «القتل أنفى للقتل» إنما هو: «القصاص حياة» وهذا أقل ~~حروفا من ذاك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . ~~ولفظ القرآن برىء من ذلك، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحس؛ لأن ~~الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة. # ومن القصر أيضا قوله تعالى: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم # PageV01P175 # على بعض # لا يوازى هذا الكلام فى الاختصار شىء. وقوله تعالى يا أيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم # . وقوله عز اسمه: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله # وإنما كان سوء عاقبة المكر والبغى راجعا عليهم وحائقا بهم، فجعله للبغى ~~والمكر اللذين هما من فعلهم إيجازا واختصارا. وقوله سبحانه: أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا» . # وقوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم # . وقوله تعالى: # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا # تحير فى فصاحته جميع البلغاء، ولا يجوز أن يوجد مثله فى كلام البشر. ~~وقوله تعالى: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. # وقوله تعالى: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي # الآية.. تتضمن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة. وقوله تعالى: ألا له ~~الخلق والأمر # كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. وروى أن ابن عمر رحمه ~~الله قرأها، فقال: من بقى له شىء فليطلبه. وقوله تعالى: واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم # اختلاف اللغات والمناظر والهيئات. وقوله تعالى فى صفة خمر أهل الجنة: لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون # انتظم قوله سبحانه (ولا ينزفون) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. ~~وقوله تعالى: ms102 أولئك لهم الأمن # دخل تحت الأمن جميع المحبوبات؛ لأنه نفى به أن يخافوا شيئا أصلا من الفقر ~~والموت وزوال النعمة والجور، وغير ذلك من أصناف المكاره؛ فلا ترى كلمة أجمع ~~من هذه. # وقوله عز وجل: والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس # جمع أنواع التجارات، وصنوف المرافق التى لا يبلغها العد والإحصاء. ومثله ~~قوله سبحانه: # ليشهدوا منافع لهم # جمع منافع الدنيا والآخرة. # وقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر # ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء؛ لما ~~فى قوله «فاصدع» من الدلالة على التأثير، كتأثير الصدع. # وقوله تعالى: وكل أمر مستقر # ثلاث كلمات اشتملت على عواقب الدنيا والآخرة. # PageV01P176 # وقوله تعالى: وله ما سكن في الليل والنهار # وإنما ذكر الساكن ولم يذكر المتحرك؛ لأن سكون الأجسام الثقيلة مثل الأرض ~~والسماء فى الهواء من غير علاقة ودعامة أعجب وأدل على قدرة مسكنها. # وقوله عز وجل: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأن فى العفو صلة القاطعين، والصفح عن ~~الظالمين، وإعطاء المانعين، وفى الأمر بالعرف تقوى الله وصلة الرحم، وصون ~~اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات، والتبرؤ من كل قبيح؛ لأنه لا يجوز ~~أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر؛ وفى الإعراض عن الجاهلين الصبر ~~والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يوتغ «1» الدين ويسقط القدرة. # وقوله تعالى: أخرج منها ماءها ومرعاها # ؛ فدل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب ~~والشجر والحطب واللباس والنار والملح والماء؛ لأن النار من العيدان، والملح ~~من الماء، والشاهد على أنه أراد ذلك كله قوله تعالى: متاعا لكم ولأنعامكم. # وقوله تعالى: يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل # ، فانظر هل يمكن أحدا من أصناف المتكلمين إيراد هذه المعانى فى مثل هذا ~~القدر من الألفاظ. # وقوله عز وجل: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين # جمع الأشياء كلها حتى لا يشذ منها شىء على وجه. # وقوله تعالى: وفيها ما تشتهيه الأنفس ms103 وتلذ الأعين # جمع فيه من نعم الجنة ما لا تحصره الأفهام، ولا تبلغه الأوهام. # PageV01P177 # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وخضراء الدمن» «1» . وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «حبك الشىء يعمى ويصم» . وقوله صلى الله عليه وسلم: # «إن من البيان لسحرا» . وقوله عليه الصلاة والسلام: «مما ينبت الربيع ما ~~يقتل حبطا أو يلم» «2» . وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصحة والفراغ نعمتان» ~~. وقوله عليه الصلاة والسلام: «نية المؤمن خير من عمله» . وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # «ترك الشر صدقة» . وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحمى فى أصول النخل» . # فمعانى هذا الكلام أكثر من الفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحة ذلك فحلها ~~وابنها بناء آخر؛ فإنك تجدها تجىء فى أضعاف هذه الألفاظ. # قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن ~~تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «فليبن عليك» أى فليظهر أثره عليك بالصدقة ~~والمعروف، ودل على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل» ، أى اكسر ~~من مالك وأعط، واسم الشىء الرضيخة. «ولا تعجز عن نفسك» أى لا تجمع لغيرك ~~وتبخل عن نفسك، فلا تقدم خيرا. # وقول أعرابى: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك. # PageV01P178 # وقال آخر: أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم؛ فالخير بهم زائد، ~~والمعروف لهم شاهد؛ أى يقون أعراضهم بأموالهم. # وقيل لأعرابى يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله فى يدى. # وقال أعرابى لرجل يمدحه: إنه ليعطى عطاء من يعلم أن الله مادته. # وقول آخر: أما بعد فعظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، واستحى من الله ~~بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك. # وقال آخر: إن شككت فاسأل قلبك عن قلبى. ### | المساواة # ومما يدخل فى هذا الباب المساواة، وهو أن تكون المعانى بقدر الألفاظ، ~~والألفاظ بقدر المعانى لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين ~~الإيجاز والإطناب؛ وإليه أشار القائل بقوله: كأن ألفاظه قوالب لمعانيه؛ أى ~~لا يزيد بعضها على ms104 بعض. # فما فى القرآن من ذلك قوله عز وجل: حور مقصورات في الخيام # «1» . # وقوله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون # «2» . ومثله كثير. # ومن كلام النبى صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة ~~مغنما والزكاة مغرما» . وقوله صلى الله عليه وسلم: «إياك والمشارة فإنها ~~تميت الغرة وتحيى العرة» «3» . # ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه، وإنما يكره تميزها ~~كراهة الإطالة. # ومن نثر الكتاب قول بعضهم: سألت عن خبرى وأنا فى عافية لا عيب فيها إلا ~~فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. # PageV01P179 # وقوله: علمتنى نبوتك سلوتك، وأسلمنى يأسى منك إلى الصبر عنك. وقوله: # فحفظ الله النعمة عليك وفيك، وتولى إصلاحك والإصلاح لك، وأجزل من الخير ~~حظك والحظ منك، ومن عليك وعلينا بك. # وقال آخر: يئست من صلاحك بى، وأخاف فسادى بك، وقد أطنب فى ذم الحمار من ~~شبهك به. # ومن المنظوم قول طرفة «1» : # ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقول الآخر: # تهدى الأمور بأهل الرأى ما صلحت ... فإن تأبت فبالأشرار تنقاد # وقول الآخر: # فأما الذى يحصيهم فمكثر ... وأما الذى يطريهم فمقلل # وقول الآخر «2» : # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... على ولكن ملء عين حبيبها # وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل، ولكن قل منك نصيبها # وقول الآخر: # أصد بأيدى العيس عن قصد أهلها ... وقلبى إليها بالمودة قاصد # وقول الآخر: # يقول أناس لا يضيرك فقدها ... بلى كل ما شف النفوس يضيرها «3» # وقال الآخر: # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير # PageV01P180 # وقالوا: لا يضيرك نأى شهر ... فقلت لصاحبى: فمن يضير # قوله: «لصاحبى» يكاد يكون فضلا. ### | وجوه الحذف # وأما الحذف فعلى وجوه، منها أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه ~~وتجعل الفعل له، كقول الله تعالى: وسئل القرية # ، أى أهلها. # وقوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل # ، أى حبه. # وقوله عز وجل: الحج أشهر معلومات # ، أى وقت الحج. # وقوله تعالى: بل مكر الليل والنهار # ، أى مكركم فيهما. # وقال المتنخل الهذلى «1» : # يمشى بيننا حانوت ms105 خمر ... من الخرس الصراصرة القطاط «2» # يعنى صاحب حانوت فأقام الحانوت مقامه. # وقال الشاعر «3» : # لهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها # يعنى أهل المجلس. # ومنها «4» أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ويضمر للآخر فعله، وهو ~~قوله تعالى: فأجمعوا أمركم وشركاءكم # معناه: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو فى مصحف عبد الله بن مسعود. # وقال الشاعر: # تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر # أى ويفقأ عينيه. # PageV01P181 # وقول الآخر: # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا # العيون لا تزجج، وإنما أراد وكحلن العيون. # ومنها «1» أن يأتى الكلام على أن له جوابا فيحذف الجواب اختصارا لعلم ~~المخاطب؛ كقوله عز وجل: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو ~~كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا # أراد لكان هذا القرآن، فحذف. # وقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم # ، أراد لعذبكم. # وقال الشاعر: # فأقسم لو شىء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # أى لرددناه. # وقوله تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة # ، فذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، وسواء يأتى من اثنين «2» فما زاد. # وكذلك قوله تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما # ، ولم يذكر خلافه، لأن فى قوله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون # دليلا على ما أراد. # وقال الشاعر: # أراد فما أدرى أهم هممته ... وذو الهم قدما خاشع متضائل «3» # ولم يأت بالآخر. # وربما حذفوا الكلمة والكلمتين، كقوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم # PageV01P182 # أكفرتم # . وقوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا # ، أى ووصى بالوالدين إحسانا. # وقال النمر: # فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما # أى أينما ذهب. # وقال ذو الرمة «1» : # لعرفانها والعهد ناء وقد بدا ... لذى نهية أن لا إلى أم سالم «2» # المعنى أن لا سبيل إليها ولا إلى لقائها، فاكتفى بالإشارة إلى المعنى؛ ~~لأنه قد عرف ما أراد، كما قال النمر بن تولب: # فلا وأبى الناس لا يعلمو ... ن لا الخير ms106 خير ولا الشر شر # أى ليسا بدائمين لأحد. والنهية: العقل، والجمع نهى «3» . # وقوله تعالى: في يوم عاصف # ، أى فى يوم ذى عاصف. وقوله تعالى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السماء # ، أى ولا من فى السماء بمعجز. # ومثل قول الشنفرى «4» : # لا تدفنونى إن دفنى محرم ... عليكم ولكن خامرى أم عامر # أى ولكن دعونى للتى يقال لها: خامرى أم عامر إذا صيدت، يعنى الضبع. # ومنها «5» القسم بلا جواب؛ كقوله تعالى: ق والقرآن المجيد بل عجبوا # PageV01P183 # معناه والله أعلم: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والشاهد ما جاء بعده من ذكر ~~البعث فى قوله: أإذا متنا وكنا ترابا. # ومن الحذف قوله تعالى: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه # ، أى كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه. # وقال الشاعر «1» : # إنى وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله «2» # ومن الحذف إسقاط «لا» من الكلام فى قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا # ، أى «لأن لا تضلوا» . وقوله تعالى: أن تحبط أعمالكم # ، أى لا تحبط أعمالكم. # وقال امرؤ القيس «3» : # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى # أى لا أبرح قاعدا. # وقال آخر: # فلا وأبى دهمان زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الزند قادح # ومن الحذف أن تضمر غير مذكور، كقوله تعالى: حتى توارت بالحجاب # يعنى الشمس بدأت فى المغيب. وقوله تعالى: ما ترك على ظهرها من دابة # يعنى على ظهر الأرض. وقوله تعالى: فأثرن به نقعا # ، أى بالوادى. وقوله تعالى: # والنهار إذا جلاها # ، يعنى الدنيا أو الأرض. ولا يخاف عقباها # ، يعنى عقبى هذه الفعلة. # PageV01P184 # وقول لبيد «1» : # حتى إذا ألقت يدا فى كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها «2» # يعنى الشمس تبدأ «3» فى المغيب. # وضرب منه آخر قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا # ، أى من قومه. # وقال العجاج: # تحت الذى اختار له الله الشجر # أى من الشجر. # وضرب منه ما قال تعالى فى أول سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان # وذكر قبل ذلك الإنسان، ولم يذكر الجان ثم ذكره. # ومثله قول المثقب «4» : # فما أدرى ms107 إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يلينى # أالخير الذى أنا أبتغييه ... أم الشر الذى هو يبتغينى # فكنى عن الشر قبل ذكره، ثم ذكره. # ومن الحذف قوله تعالى: يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل # ، أراد يشترون الضلالة بالهدى. وقوله تعالى: وتركنا عليه في الآخرين # ، أى أبقينا # PageV01P185 # له ذكرا حسنا فى الباقين فحذف الذكر. ومن ذلك قوله تعالى: فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض # ، أى يبحث التراب على غراب آخر ليواريه؛ فيرى هو كيف يوارى سوأة أخيه. ~~وقوله تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم # ؛ أى فى مرضاتهم. # ومن الحذف قول صعصعة وقد سئل عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال: لم ~~يقل فيه مستزيد: لو أنه، ولا مستقصر: إنه؛ جمع الحلم، والعلم، والسلم، ~~والقرابة القريبة، والهجرة القديمة، والبصر بالأحكام، والبلاء العظيم فى ~~الإسلام. # وقال على رضى الله عنه: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى «1» أبو ~~بكر، وثلث عمر، وخبطتنا فتنة فما شاء الله. # وقال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك، حتى إذا جننى ~~الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عاذر؛ ~~وإذا بلغتك فقط. # فقوله: «فقط» من أحسن حذف وأجود إشارة. # وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن الزغل العبشمى، قال: حدثنا ~~المبرد أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالدا، فقال: يا أخى؛ لقد ~~هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك. فقال خالد: بئس والله ما هممت به ~~فى ابن أمير المؤمنين، وولى عهد المسلمين! فقال: إن خبلى مرت به فعبث بها ~~وأصغرنى فيها. # فقال: أنا أكفيك؛ فدخل على عبد الملك؛ فقال: يا أمير المؤمنين! إن الوليد # PageV01P186 # ابن أمير المؤمنين مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد؛ فعبث بها وأصغره ~~«1» فيها. # وعبد الملك مطرق، ثم رفع رأسه وقال: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة # . فقال خالد: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ms108 # . فقال عبد الملك: أفى عبد الله تكلمنى؛ لقد دخل على فما أقام لسانه ~~لحنا؟ فقال خالد: أفعلى الوليد تعول؟ فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن ~~فإن أخاه سليمان. فقال خالد: إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد «2» . ~~فقال له الوليد: اسكت، فو الله ما تعد فى العير ولا فى النفير «3» . فقال: ~~اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه، فقال: ويحك فمن للعير والنفير غيرى؟ ~~جدى أبو سفيان صاحب العير، وجدى عتبة بن ربيعة صاحب النفير «4» ؛ ولكن لو ~~قلت: غنيمات وحبيلات والطائف ورحم الله عثمان قلنا صدقت. # وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم طرد الحكم بن أبى العاص «5» فصار إلى ~~الطائف يرعى غنيمه ويأوى إلى حبلة- وهى الكرمة- ورحم الله عثمان، أى لرده ~~إياه «6» . فهذا حذف بديع. # وكذلك قول عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان. وقول خالد: # إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، حذف حسن أيضا. ومثل هذا كثير فى ~~كلامهم، ولا وجه لاستيعابه. # PageV01P187 # ومن الحذف الردىء قول الحارث بن حلزة «1» : # والعيش خير فى ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا «2» # وإنما أراد: والعيش الناعم خير فى ظلال النوك من العيش الشاق فى ظلال ~~العقل، وليس يدل لحن كلامه على هذا، فهو من الإيجاز المقصر. # ومن الحذف الردىء أيضا قول الآخر «3» : # أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث «4» # يعنى عاجل ما أشتهى مع القلة أحب إلى من رائثه مع الكثرة. # ومثله قول عروة بن الورد «5» : # عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا # يعنى إذ يقتلون نفوسهم فى السلم. # ومثله من نثر الكتاب ما كتب بعضهم: فإن المعروف إذا زجا «6» كان أفضل منه ~~إذا توافر وأبطأ. وتمام المعنى أن يقول: «إذا قل وزجا» . فترك ما به يتم ~~المعنى؛ وهو ذكر القلة. # وكتب بعضهم: فما زال حتى أتلف ماله، وأهلك رجاله؛ وقد كان ذلك فى الجهاد ~~والإبلاء أحق بأهل الحزم وأولى. والوجه أن يقول: فإن إهلاك المال والرجال ~~فى الجهاد والإبلاء أفضل من فعل ms109 ذلك فى الموادعة. # ومثل هذا مقصر غير بالغ مبلغ ما تقدم فى هذا الباب من الحذف الجيد. # PageV01P188 # وأقبح من هذا كله قول الآخر «1» : # لا يرمضون إذا جرت مشافرهم ... ولا ترى مثلهم فى الطعن ميالا # ويفشلون إذا نادى ربيئهم ... ألا اركبن فقد آنست أبطالا # أراد: «ولا يفشلون» فتركه؛ فصار المعنى كأنه ذم. # وقول المخبل فى الزبرقان: # وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبى الجواد ربيعة بن قبال «2» # فقال الزبرقان: لا بأس؛ شيخان اشتركا فى صنعة. # PageV01P189 ### | الفصل الثانى من الباب الخامس، فى ذكر الإطناب ### | فضل الإطناب # قال أصحاب الإطناب: المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، ~~والشفاء لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشده إحاطة ~~بالمعانى، ولا يحاط بالمعانى إحاطة تامة إلا بالاستقصاء؛ والإيجاز للخواص، ~~والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة، والغبى والفطن، والريض والمرتاض؛ ~~ولمعنى ما أطيلت الكتب السلطانية فى إفهام الرعايا. ### | الحاجة إلى الإيجاز والإطناب # والقول القصد أن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام وكل نوع ~~منه؛ ولكل واحد منهما موضع؛ فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه كالحاجة إلى ~~الإطناب فى مكانه؛ فمن أزال التدبير فى ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب فى ~~موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ. # كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز: متى كان الإيجاز أبلغ ~~كان الإكثار عيا. ومتى كانت الكناية فى موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا. # وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا فى معنى واحد، فأطال ~~أحدهما، واختصر الآخر؛ فقال للمختصر- وقد نظر فى كتابه: ما أرى موضع مزيد. ~~وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان. # وقال غيره: البلاغة الإيجاز فى غير عجز، والإطناب فى غير خطل. ولا شك فى ~~أن الكتب الصادرة عن السلاطين فى الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم ~~النعم الحادثة، والترغيب فى الطاعة، والنهى عن المعصية، سبيلها أن تكون ~~مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب؛ ألا ترى أن كتاب المهلب ~~إلى الحجاج فى فتح الأزارفة: # PageV01P190 # الحمد لله الذى كفى بالإسلام فقد ms110 ما سواه، وجعل الحمد متصلا بنعمته، وقضى ~~ألا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه، ثم إنا كنا وعدونا على ~~حالتين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوءنا، ويرون فينا ما يسوءهم ~~أكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم؛ ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحصنا ~~ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله؛ فقطع دابر القوم الذى ظلموا والحمد ~~لله رب العالمين. # وإنما حسن فى موضعه ومع الغرض الذى كان لكاتبه فيه؛ فأما إن كتب مثله فى ~~فتح يوازى ذلك الفتح فى جلالة القدر وعلو الخطر، وقد تطلعت أنفس الخاصة ~~والعامة إليه وتصرفت فيه ظنونهم، فيورد عليهم مثل هذا القدر من الكلام فى ~~أقبح صورة وأسمجها وأشوهها وأهجنها كان حقيقا أن يتعجب منه. # وكذلك لو كتب عن السلطان فى العذل والتوبيخ وما تجب القلوب منه من ~~التغيير والتنكير بمثل ما روى أن الوليد بن يزيد كتب إلى والى العراقين حين ~~عتب عليه: إنى أراك تقدم فى الطاعة رجلا وتؤخر أخرى، فاعتمد على أيتهما ~~شئت، والسلام. # وبمثل ما كتب جعفر بن يحيى إلى عامل شكى: قد كثر شاكوك، وقل شاكروك؛ فإما ~~عدلت، وإما اعتزلت. # ومثل هذا ما كتب به بعض الكتاب إلى عامله على الخراج، وقد وقع عليه تحامل ~~على الرعية «1» : إن الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر ~~بمثل الجور. # فهذا الكلام فى غاية الجودة والوجازة، ولكن لا يصلح من مثل صاحبه ~~وبالإضافة إلى حاله؛ فالإطناب بلاغة؛ والتطويل عى؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ~~ما يبعد جهلا بما يقرب. والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على ~~زيادة فائدة. # PageV01P191 # وقال الخليل: يختصر الكتاب ليحفظ، ويبسط ليفهم. وقيل لأبى عمرو ابن ~~العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم؛ كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ ~~عنها. # والإطناب إذا لم يكن منه بد إيجاز؛ وهو فى المواعظ- خاصة- محمود؛ كما ان ~~الإيجاز فى الإفهام محمود ممدوح. # والموعظة كقول الله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون. أوأمن أهل القرى أن ms111 يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون. أفأمنوا مكر الله ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # . فتكرير ما كرر من الألفاظ هاهنا فى غاية حسن الموقع. # وقيل لبعضهم: متى يحتاج إلى الإكثار؟ قال: إذا عظم الخطب. وأنشد: # صموت إذا ما الصمت زين أهله ... وفتاق أبكار الكلام المحبر # وقال آخر: # يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خشية الرقباء # وقال بعضهم: # إذا ما ابتدى خاطبا لم يقل ... له أطل القول أو قصر # طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعى يوما ولم يهذر # فإن هو أطنب فى خطبة ... قضى للمطيل على المقصر # وإن هو أوجز فى خطبة ... قضى للمقل على المكثر # ووجدنا الناس إذا خطبوا فى الصلح بين العشائر أطالوا؛ وإذا أنشدوا الشعر ~~بين السماطين «1» فى مديح الملوك أطنبوا؛ والإطالة والإطناب فى هذه المواضع ~~إيجاز. # وقيل لقيس بن خارجة: ما عندك فى حمالات «2» داحس؟ قال: عندى قرا # PageV01P192 # كل نازل، ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن مطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها ~~بالتواصل وأنهى عن التقاطع. فقيل لأبى يعقوب الخريمى: هلا اكتفى بقوله: ~~«آمر فيها بالتواصل» عن قوله: «وأنهى عن التقاطع» ؟ فقال: أو ما علمت أن ~~الكناية والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشيف. # وقد رأينا الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة ~~والوحى؛ وإذا خاطب بنى إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا. # فمما خاطب به أهل مكة قوله سبحانه: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا، ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف ~~الطالب والمطلوب # . وقوله تعالى: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض # . وقوله تعالى: أو ألقى السمع وهو شهيد # ؛ فى أشباه لهذا كثيرة. # وقل ما تجد قصة لبنى إسرائيل فى القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة فى مواضع ~~معادة؛ لبعد فهمهم كان، وتأخر معرفتهم. # وكلام الفصحاء إنما هو شوب الإيجاز بالإطناب والفصيح العالى بما دون ذلك ~~من القصد المتوسط؛ ليستدل بالقصد على العالى، وليخرج السامع من شىء إلى شىء ~~فيزداد ms112 نشاطه وتتوفر رغبته، فيصرفوه فى وجوه الكلام إيجازه وإطنابه، حتى ~~استعملوا التكرار ليتوكد القول للسامع. # وقد جاء فى القرآن وفصيح الشعر منه شىء كثير، فمن ذلك قوله تعالى: كلا ~~سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون # . وقوله تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا # . فيكون للتوكيد كما يقول القائل: ارم ارم، واعجل اعجل. # وقد قال الشاعر: # كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم كانت وكم # (13- الصناعتين) # PageV01P193 # وقال آخر «1» : # هلا سألت جموع كند ... ة يوم ولوا أين أينا ### | الاتباع # وإنما جاءوا بالصفة وأرادوا توكيدها فكرهوا إعادتها ثانية؛ فغيروا منها ~~حرفا، ثم أتبعوها الأولى؛ كقولهم: «عطشان نطشان» كرهوا أن يقولوا: عطشان ~~عطشان؛ فأبدلوا من العين نونا. وكذلك قالوا: حسن بسن. وشيطان ليطان، فى ~~أشباه له كثيرة. # وقد كرر الله عز وجل فى سورة الرحمن قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان # ؛ وذلك أنه عدد فيها نعماءه وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرها، وقدرته ~~عليها، ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم ~~منها. # وقد جاء مثل ذلك عن أهل الجاهلية؛ قال مهلهل «2» : # على أن ليس عدلا من كليب # فكررها فى أكثر من عشرين بيتا. # وهكذا قول الحارث بن عباد: # قربا مربط النعامة منى # كررها أكثر من ذلك؛ هذا لما كانت الحاجة إلى تكريرها ماسة، والضرورة إليه ~~داعية، لعظم الخطب، وشدة موقع الفجيعة؛ فهذا يدلك على أن الإطناب فى موضعه ~~عندهم مسثحسن، كما أن الإيجاز فى مكانه مستحب. # ولا بد للكاتب فى أكثر أنواع مكاتباته من شعبة من الإطناب يستعملها إذا ~~أراد المزاوجة بين الفصلين، ولا يعاب ذلك منه. وذلك مثل أن يكتب: عظمت ~~نعمنا عليه، وتظاهر إحساننا لديه. فيكون الفصل الأخير داحلا فى معناه فى ~~الفصل الأول؛ وهو مستحسن لا يعيبه أحد. # PageV01P194 # ولما أحيط بمروان قال خادمه باسل: من أغفل القليل حتى يكثر، والصغير حتى ~~يكبر، والخفى حتى يظهر أصابه مثل هذا. # وهذا كلام فى غاية الحسن، وإن كان معنى الفصلين الأخيرين داخلا فى الفصل ~~الأول. # وهكذا قول الشاعر ms113 «1» : # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # فالشعر الأسود داخل فى شرخ الشباب. # وكذلك قول أبى تمام «2» : # رب خفض «3» تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب # الغناء داخل فى الخفض، والعناء داخل فى السرى فاعلم. # ومما هو أجل من هذا كله قول الله عز وجل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي # ؛ فالإحسان داخل فى العدل، وإيتاء ذى القربى داخل فى الإحسان؛ والفحشاء ~~داخل فى المنكر، والبغى داخل فى الفحش. # وهذا يدل على أن أعظم مدار البلاغة على تحسين اللفظ؛ لأن المعانى إذا دخل ~~بعضها فى بعض هذا الدخول، وكانت الألفاظ مختارة حسن الكلام؛ وإذا كانت ~~مرتبة حسنة والمعارض سيئة كان الكلام مردودا. فاعتمد على ما مثلته لك، وقس ~~عليه إن شاء الله. # PageV01P195 ### | الباب السادس فى حسن الأخذ وحل المنظوم (فصلان) ### | الفصل الأول من الباب السادس فى حسن الأخذ ### | تداول المعانى # ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعانى ممن تقدمهم والصب على ~~قوالب من سبقهم؛ ولكن عليهم- إذا أخذوها- أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ~~ويبرزوها فى معارض من تأليفهم، ويوردوها فى غير حليتها الأولى، ويزيدوها فى ~~حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها؛ فإذا فعلوا ذلك فهم أحق ~~بها ممن سبق إليها؛ ولولا أن القائل يؤدى ما سمع لما كان فى طاقته أن يقول؛ ~~وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين. # وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه: لولا أن الكلام يعاد ~~لنفد. # وقال بعضهم: كل شىء ثنيته قصر إلا الكلام فإنك إذا ثنيته طال. على أن ~~المعانى مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيد للسوقى والنبطى ~~والزنجى، وإنما تتفاضل الناس فى الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها. وقد يقع ~~للمتأخر معنى سبقه إليه المتقدم من غير أن يلم به، ولكن كما وقع للأول وقع ~~للآخر. وهذا أمر عرفته من نفسى، فلست أمترى «1» فيه، وذلك أنى عملت شيئا فى ~~صفة النساء: # سفرن بدورا وانتقبن أهلة # وظننت أنى سبقت ms114 إلى جمع هذين التشبيهين فى نصف بيت، إلى أن وجدته # PageV01P196 # بعينه لبعض البغداديين؛ فكثر تعجبى، وعزمت على ألا أحكم على المتأخر ~~بالسرق «1» من المتقدم حكما حتما. # وسمعت ما قيل: إن من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا، ومن أخذ ببعض لفظه كان ~~له سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن ~~تقدمه. # وقالوا: إن أبا عذرة الكلام «2» من سبك لفظه على معناه؛ ومن أخذ معنى ~~بلفظه فليس له فيه نصيب. # على أن ابتكار المعنى والسبق إليه ليس هو فضيلة يرجع إلى المعنى؛ وإنما ~~هو فضيلة ترجع إلى الذى ابتكره وسبق إليه؛ فالمعنى الجيد جيد وإن كان ~~مسبوقا إليه؛ والوسط وسط، والردىء ردىء، وإن لم يكونا مسبوقا إليهما. # وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعانى بينهم؛ فليس على أحد ~~فيه عيب إلا إذا أخذه بلفظه كله، أو أخذه فأفسده، وقصر فيه عمن تقدمه، ~~وربما أخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال؛ كما فعل النابغة فإنه أخذ قول ~~وهب بن الحارث ابن زهرة: # تبدو كواكبه والشمس طالعة ... تجرى على الكاس منه الصاب والمقر «3» # وقال النابغة «4» : # تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام # وأخذ قول رجل من كندة فى عمرو بن هند: # هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب # PageV01P197 # فقال «1» : # بأنك «2» شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وسنشبع القول فى هذا الباب. # والحاذق يخفى دبيبه إلى المعنى يأخذه فى سترة فيحكم له بالسبق إليه أكثر ~~من يمر به. # وأحد أسباب إخفاء السرق أن يأخذ معنى من نظم فيورده فى نثر، أو من نثر ~~فيورده فى نظم، أو ينقل المعنى المستعمل فى صفة خمر فيجعله فى مديح، أو فى ~~مديح فينقله إلى وصف؛ إلا أنه لا يكمل لهذا إلا المبرز، والكامل المقدم؛ ~~فممن أخفى دبيبه إلى المعنى وستره غاية الستر أبو نواس فى قوله «3» : # أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار # إن كان قد أخذه من قول الأعشى، ms115 على ما حكوا، فقد أخفاه غاية الإخفاء؛ ~~وقول الأعشى «4» : # وسبيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «5» # سئل الأعشى عن «سلبتها جريالها» . فقال: شربتها حمراء، وبلها بيضاء. # فبقى حسن لونها فى بدنى. ومعنى: «أعطتك ريحانها العقار» ؛ أى شربتها ~~فانتقل طيبها إليك. # وهكذا قوله «6» : # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار # من قول قيس بن الخطيم: # قضى الله حين صورها ال ... خالق ألا تكنها السدف «7» # PageV01P198 # وهذا المعنى منقول من الغزل إلى صفة الخمر فهو خفى. # ومن هذا ما نقله من قول أوس بن حجر فى صفة الفرس، فجعله فى صفة امرأة: # فجردها صفراء لا الطول عابها ... ولا قصر أزرى بها فتعطلا # وقول أبى نواس «1» : # فوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمين ودونها المهزول # وإن كان أخذه من قول ابن الأحمر: # تفوت القصار والطوال تفتنها ... فمن يرها لم ينسها ما تكلما # أو من قول ابن عجلان النهدى: # ومخملة باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار والطوال تطولها # فقد أخذه بلفظه، وأحد هذين أخذه من قول أوس، والإحسان فيه له. # ومما أخذه ونقله من معنى إلى معنى قوله: # كميت جسمها معنا ... ورياها على سفر # وممن أخفى الأخذ أبو تمام «2» فى قوله: # جمعت عرى أعمالها «3» بعد فرقة ... إليك كما ضم الأنابيب عامل «4» # قالوا: هو من قول الحبال الربعى: # أولئك إخوان الصفاء رزيتهم ... فما الكف إلا إصبع ثم إصبع # وهكذا قوله- وقد نقله من معنى إلى آخر «5» : # مكارم لجت فى علو كأنما «6» ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب # PageV01P199 # قالوا هو من قول الأخطل: # عروف لحق السائلين كأنه ... بعقر المتالى «1» طالب بذنوب # وهكذا قول بشار «2» : # يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك # من قول سليك: # وتبسم عن ألمى اللثات مفلج ... خليق الثنايا بالعذوبة والبرد # ومن قول الآخر: # وما ذقته إلا بعينى تفرسا ... كما شيم فى أعلى السحابة بارق # ومما أخده وزاد فيه عن الأول قوله «3» : # أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع «4» # من قول السموءل «5» : # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # أورده أبو تمام فى نصف ms116 بيت واستوفى التطبيق. # ومن هذا الضرب قوله: # علمنى جودك السماح فما ... أبقيت شيئا لدى من صلتك # من قول ابن الخياط: # لمست بكفى كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى # وممن نقل المعنى من صفة إلى أخرى البحترى فإنه قال فى المتوكل «6» : # PageV01P200 # ولو أن مشتاقا تكلف غير ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر # أخذه من قول العرحى فى صفة نساء: # لو كان حيا قبلهن ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم # إلا أنه غير خاف. # وممن أخذ المعنى فزاد على السابق إليه زيادة حسنة أبو نواس فى قوله «1» : # يبكى فيذرى الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب # أخذه من قول الأسود بن يعفر: # يسعى بها ذو تومتين كأنما ... قنأت أنامله من الفرصاد «2» # وأخذ بعض المتأخرين بيت أبى نواس، فزاد عليه زيادة عجيبة، فقال: # وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # فجاء بما لا يقدر أحد أن يزيد عليه. # ومن ذلك أيضا قوله- وقد زاد فيه على الأول «3» : # فتمشت فى مفاصلهم ... كتمشى البرء فى السقم # أخذه من قول مسلم: # تجرى محبتها فى قلب عاشقها ... مجرى المعافاة فى أعضاء منتكس # وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض ملوك اليمن: # منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى # يجرى على كبد السماء كما ... يجرى حمام الموت فى النفس # ومن ذلك قول مسلم: # أحب الريح ما هبت شمالا ... وأحسدها إذا هبت جنوبا # PageV01P201 # فقسم تقسيما حسنا؛ ومعناه أن الشمال تجىء من ناحية حبيبه إليه فأحبها، ~~والجنوب تهب إلى الحبيب، فحسدها لمباشرتها جسمه؛ وهو مأخوذ من قول جران ~~العود: # إذا هبت الأرواح من نحو أرضكم ... وجدت لرياها على كبدى بردا # وزاد مسلم فى قوله أيضا: # ويغمد السيف بين النحر والجيد # على أن السابق إلى هذا المعنى هو بعض الفرسان إذ يقول: # جعلت السيف بين الليت «1» منه ... وبين سواد لحييه عذارا # لأن الإغماد فيه أشد تأثيرا من وضع العذار عليه. # وقد زاد أبو نواس ms117 على جرير فى قوله «2» : # وقد أطول نجاد السيف محتبيا ... مثل الردينى هزته الأنابيب # فقال أبو نواس «3» : # سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام «4» # قوله: «غمر الجماجم» أحسن من قول جرير: «مثل الردينى» . # وهكذا قوله «5» : # أشم طوال «6» الساعدين كأنما ... يلاث «7» نجاذا سيفه بلواء # PageV01P202 # أحسن لفظا وسبكا من قول عنترة «1» : # بطل كأن ثيابه فى سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم «2» # وهو أيضا أفخم لفظا من قول الآخر: # فجاءت به عبل العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء # ومما أخذه فجاء به أحسن لفظا وسبكا قوله فى ذنب الناقة: # أما إذا رفعته شامذة ... فتقول رنق فوقها نسر «3» # أحذه من أبى دواد: # تلوى بذى خصل ضاف تشبهه ... قوادما من نسور مضر حيات «4» # ومما أخذه فجاء به أحسن رصفا، وزاد فى المعنى زيادة بينة قوله «5» : # وما خبزه «6» إلا كليب بن وائل ... ليالى يحمى عزه منبت البقل # وإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجد ولا هزل # أخذه من قول مهلهل: # أودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك- يا كليب- المجلس # وهكذا قوله- هو محمد بن عطية العطوى: # ما العيش إلا فى جنون الصبا ... فإن تولى فجنون المدام # PageV01P203 # راح إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردى برداء الغلام # أحسن رصفا من قول حسان رضى الله عنه «1» : # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # وقول أبى تمام «2» : # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # أبين وأدخل فى الأمثال من قول كثير: # إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول «3» # وقد زاد أبو تمام أيضا فى قوله «4» : # وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيادمع أنجدنى على ساكنى نجد «5» # على الأعرابى فى قوله: # ومستنجد للحزن دمعا كأنه ... على الخد مما ليس يرقأ حائر # بقوله: «أنجدنى على ساكنى نجد» ؛ وقد زاد أيضا فى قوله «6» : # وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالانه لا معاقله «7» # على زهير فى قوله: «والسيوف معاقله» «8» لما جاء به من التجنيس فى قوله: # «عقالاته، ومعاقله» . على أن قول ms118 زهير فى معناه لا يلحقه لاحق، وإنما زاد ~~عليه أبو تمام فى اللفظ. # وأخذ قول أبى تمام إبراهيم بن العباس، فقال: وأصبح ما كان يحرزهم يبرزهم؛ ~~وما كان يعقلهم يقتلهم. ونقله إلى موضع آخر، فقال: واستنزلوه من # PageV01P204 # معقل إلى عقال، وبدلوه آجالا من آمال. وقوله: «آجالا من آمال» مأخوذ من ~~قول مسلم «1» : # موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجل به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل # وقد أخذ أيضا قول أبى دهبل «2» : # ما زلت فى العفو للذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق «3» # حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أسرى «4» فى القد والحلق # فجاء به فى بيت واحد وهو قوله «5» : # وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام # وسبق أيضا من تقدمه فى قوله حتى صار لا يلحقه فيه أحد بعده «6» : # وركب كأطراف الأسنة عرسوا «7» ... على مثلها والليل تسطو غياهبه «8» # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # سبقا بينا بهذه المعانى؛ وإنما أخذ البيت الأول من قول البعيث «9» : # أطافت بركب كالأسنة هجد ... بخاشعة الأصواء غير صحونها «10» # PageV01P205 # والبيت الثانى من بعض الأعراب «1» : # غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الزمن الخؤون «2» # وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون # وبين القولين بون بعيد. # وزاد أيضا فى قوله «3» : # إذا شب نارا أقعدت كل قائم ... وقام لها من خوفه كل قاعد # على الآخر فى قوله: # أتانى وأهلى بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كل قائم # فقول أبى تمام: «وقام لها من خوفه كل قاعد» زيادة حسنة. # وكذلك قوله فى ابنى عبد الله بن طاهر «4» : # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا «5» # إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوا بلا # لهفى على تلك المخايل «6» فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # لو ينسآن لكان هذا غاربا ... للمكرمات وكان هذا كاهلا «7» # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # أحسن وأجود مما أحذ منه هذه المعانى وهو قول الفرزدق «8» : # وجفن ms119 سلاح قد رزيت فلم أنح ... عليه ولم أتعب «9» عليه البواكيا # PageV01P206 # وفى جوفه «1» من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أنسأته «2» لياليا # لا يقع بيت الفرزدق مع أبيات أبى تمام موقعا. # وقد أجاد أيضا فى قوله «3» : # وقد علم القرن المساميك أنه ... سيغرق فى البحر الذى أنت حائض «4» # وزاد فيه على من أخذه منه وهو لقيط بن يعمر: # إنى أخاف عليها الأزلم الجذعا «5» # بيت أبى تمام أكثر ماء وأبين معنى. # وأخذ قول الفرزدق «6» : # وما أمرتنى «7» النفس فى رحلة لها ... إلى أحد «8» إلا إليك ضميرها # فشرحه فقال «9» : # وما طوقت «10» فى الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتى وزادى # مقيم الظن عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى فى البلاد # وإلى بيت الفرزدق يشير القائل: # مدحتك جهدى بالذى أنت أهله ... فقصر عما فيك من صالح جهدى # فما كل ما فيه من الخير قلته ... ولا كل ما فيه يقول الذى بعدى # وكنت إذا هيأت مدحا لماجد ... أتانى الذى فيه بأدنى الذى عندى # PageV01P207 # ومن هاهنا أخذ أبو نواس قوله «1» : # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثنى وفوق الذى نثنى # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذى نعنى # ويشير إلى قول الخنساء «2» : # وما بلغ المهدون فى القول مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذى فيك أفضل # وقال البحترى «3» : # فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه # أحسن لفظا وسبكا من قول أبى حية: # إذا هن ساقطن الحديث كأنه ... سقاط حصى المرجان من سلك ناظم # وبيت البحترى أيضا أتم معنى؛ لأنه تضمن ما لم يتضمنه بيت أبى حية من ~~تشييه الثغر بالدر. # وقد زاد أيضا فى قوله «4» : # وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى يضيق ذروعها «5» # تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها # إذا احتربت يوما ففاظت نفوسها «6» ... تذكرت القربى فغاضت دموعها # شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها # على من قال: # ونبكى- حين نقتلكم- عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالى # وقريب منه قول مهلهل: # لقد قتلت بنى بكر بربهم ... حتى بكيت وما يبكى لهم أحد # PageV01P208 # وبيتا البحترى أجود ms120 من بيتهما بغير خلاف؛ ومن قول فليح بن زيد الفهرى ~~أيضا: # أتبكين من قتلى وأنت قتلتنى ... بحبك قتلا بينا ليس يشكل # فأنت كذباح المصافير دائبا ... وعيناه من وجد عليهن تهمل # وبيته «1» : # كل عان يترجى فكه ... ولذات الخال عان ما يفك # أحسن رصفا من قول زهير وهو الأصل «2» : # وكل محب أحدث النأى عنده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو # وهكذا قوله «3» : # قوم إذا لبسوا الدروع لموقف ... لبستهم الأحساب فيه دروعا «4» # أتم وأجود من قول الأول: # لبسوا الدروع على القلو ... ب مظاهرين لدفع ذلك # وقال أعرابى: # إن الندى حيث ترى الضغاطا «5» # فأخذه بشار وشرحه وبينه، فقال: # يسقط الطير حيث ينتثر ال ... حب وتغشى منازل الكرماء # ومثله قول الآخر: # يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام # (14- الصناعتين) # PageV01P209 # وأخبرنى أبو أحمد قال: أخبرنى الصولى، قال: سمعت من ينشد المبرد لسلم ~~الخاسر: # سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها ... فدب دبيب الخمر فى كل مفصل # فقال له المبرد: قد حسنه أبو نواس حيث يقول: # ويدخل حبها فى كل قلب ... مداخل لا يغلغلها المدام # وقول البحترى «1» : # وغابر حب غابر ثم أنجدا # أجود من قول من تقدمه، وهو الأصل: # أغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا # وأخذ أيضا أبو تمام خبر الشماخ مع أحيحة بن الجلاح لما أنشده الشماخ «2» ~~: # إذا بلغتنى وحملت رحلى ... عرابة فاشرقى بدم الوتين «3» # فقال له أحيحة: بئست المجازاة جازيتها فنقل أبو تمام هذا الخبر، فقال «4» ~~: # لست كشماخ المذمم فى ... سوء مكافاته ومجترمه # أشرقها من دم الوتين لقد ... ضل كريم الأخلاق عن شيمه # ذلك حكم قضى بفيصله ... أحيحة بن الجلاح فى أطمه «5» # وأخبرنا أبو أحمد قال، قال أبو العيناء: سمعت أبا نواس يقول: والله ما ~~أحسن الشماخ حيث يقول «6» : # إذا بلغتنى وحملت رحلى ... عرابة فاشرقى بدم الوتين # PageV01P210 # هلا قال كما قال الفرزدق «1» : # علام تلفتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلهم أمامى # متى تردى الرصافة تستريحى ... من التهجير والدبر «2» الدوامى # وكان قول الشماخ عيبا عندى، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته، فقلت «3» : # وإذا المطى بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال ms121 حرام # قربننا من خير من وطىء الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام # وقلت «4» : # أقول لناقتى إذ بلغتنى ... لقد أصبحت عندى بالثمين # فلم أجعلك للغربان نحلا «5» ... ولا قلت اشرقى بدم الوتين # حرمت على الأزمة والولايا ... وأعلاق الرحالة والوضين «6» # وتبع الشماخ ذو الرمة فقال «7» : # إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر # وسمع أبو تمام قول على بن أبى طالب رضى الله عنه للأشعث بن قيس: إنك إن ~~صبرت جرى عليك قضاء الله وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك أمر الله وأنت ~~موزور؛ فإنك إن لم تسل احتسابا سلوت كما تسلو البهائم؛ فحكاه حكاية حسنة فى ~~قوله «8» : # وقال على فى التعازى لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم «9» # PageV01P211 # أتصبر للبلوى رجاء «1» وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم # خلقنا رجالا للتجلد «2» والأسى ... وتلك الغوانى للبكا والمآتم # والبيت الأخير من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب: وإنما التسليم ~~والسلوة لحزماء الرجال؛ وإن الهلع والجزع لربات الحجال. # وسمع قول زياد لأبى الأسود: لولا أنك ضعيف لاستعملتك. فقال أبو الأسود: # إن كنت تريدنى للصراع فإنى لا أصلح له، وإلا فغير شديد أن آمر وأنهى؛ ~~فقال أبو تمام «3» : # تعجب «4» أن رأت جسمى نحيفا «5» ... كأن المجد يدرك بالصراع # وزاد أبو تمام أيضا بقوله «6» : # أطال يدى على الأيام حتى ... جزيت صروفها «7» صاعا بصاع # على أبى طالب فى قوله: # فإن يقتلا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعا بصاع المكايل # بيت أبى تمام أصفى وأنصع. # وكذلك قوله «8» : # من النكبات الناكبات «9» عن الهوى ... فمحبوبها يمشى ومكروهها يعدو # أحسن رصفا مما أخذه منه. وهو الذى أنشدنيه أبو أحمد، قال: أنشدنا ابن ~~دريد قال: أنشدنا الرياشى عن المعمرى- حفص بن عمر لبعض المسجونين: # وتعجبنا الرؤيا فجل حديثنا، ... إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرؤيا # فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى # PageV01P212 # وأخبرنى أبو أحمد، قال أخبرنى الصولى، قال حدثنى أبو بكر هرون بن عبد ~~الله المهلبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: ms122 كان ~~يتتبع معانى فيأخذها، فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزك الله؟ فقال: ~~قلت «1» : # وإن امرأ أسدى إلى بشافع ... إليه ويرجو الشكر منى لأحمق # شفيعك فاشكر فى الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق # وقال هو، يمدح يعقوب بن أبى ربعى «2» : # إن الأمير بلاك فى أحواله ... فرآك أهزعه غداة نضاله «3» # فمتى أقوم «4» بحق شكرك إذ جنت ... بالغيب كفك لى ثمار نواله # فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدى مر سؤاله # وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعه ... من جاهه فكأنها من ماله # فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت قبحك الله! قال: لئن كان سبق ~~بهذا المعنى فتبعته لما أحسنت، وإن كان أخذه منك لقد أجاد، فصار أولى به ~~منك! فغضب دعبل وقام. # وسمع بشار قول المجنون «5» : # ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين # فقال: والله لو جعلها عصا من زبد أو مخ لما أحسن؛ ألا قال كما قلت «6» : # وحوراء المدامع «7» من معد ... كأن حديثها قطع الجمان «8» # إذا قامت لسبحتها «9» تثنت ... كأن عظامها من خيزران # PageV01P213 # ولما قال بشار «1» : # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # تبعه سلم الخاسر، فقال «2» : # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى. # ومن حسن الاتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب: إذا كان للمحسن من ~~الثواب ما يقنعه، وللمسىء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن فى الإحسان ~~رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. أخذه من قول على بن أبى طالب رضى الله عنه- ~~أخبرنا به أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الجوهرى، قال: أخبرنا أبو يعلى ~~المنقرى، قال: أخبرنا العلاء بن الفضل بن جرير قال: قال على بن أبى طالب ~~رضى الله عنه: يجب على الوالى أن يتعهد أموره، ويتفقد أعوانه، حتى لا يخفى ~~عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسىء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ~~ترك ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسىء، وفسد الأمر، وضاع العمل. # وسمع بعض ms123 الكتاب قول نصيب «3» : # فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # فكتب: ولو أمسك لسانى عن شكرك لنطق على أثرك. # وفى فصل آخر: # ولو جحدتك إحسانك لأكذبتنى آثاره، ونمت على شواهده. # وقريب منه قولهم: شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال، أخذه ابن الرومى ~~فشرحه فى قوله «4» : # PageV01P214 # حال انسداد فمى عما يريبكم ... لكن فم الحال منى غير مسدود # حال تصيح بما أوليت معلنة ... وكل ما تدعيه غير مردود # كلى هجاء وقتلى لا يحل لكم ... فما يداريكم منى سوى الجود # وقريب منه أيضا قول الشاعر «1» : # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... فى الصف واحتجت له فعلاته # أخذه أبو تمام فقال «2» : # أألبس «3» هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجانى عنه معروفه عندى # وممن أحسن الاتباع أيضا أحمد بن يوسف- وقد سمع قول على رضى الله عنه: # لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويلتمس الزيادة فيما بقى. فكتب: أحق ~~من أثبت لك العذر فى حال شغلك من لم يخل ساعة من برك فى وقت فراغك. # وأخذه أخذا ظاهرا أحمد بن صبيح فقال: فى شكر ما تقدم من إحسان الأمير ~~شاغل عن استبطاء ما تأخر منه. # وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلا لشكر ما مضى من بلائك، فأستبطى درك ~~ما أؤمل من مزيدك. # ومن هذا أيضا قول أبى نواس «4» : # لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وأخبرنى أبو أحمد، قال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش، قال، قال أبو تمام ~~لابن أبى داود لما غضب عليه: أنت الناس كلهم، ولا طاقة لى بغضب جميع. # PageV01P215 # الناس. فقال ابن أبى دواد: ما أحسن هذا! من أين أخذته؟ قال: من قول أبى ~~نواس «1» : # وليس لله «2» بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد # ومن سمع هذا الكلام يظنه مسروقا من قول جرير «3» : # إذا غضبت على بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الأخفش، قال: أخبرنا المبرد عن الجاحظ قال، ~~سمع قليب المعتزلى أبياتا للعتبى، ms124 وهى: # أفلت بطالته وراجعه ... حلم وأعقبه الهوى ندما # ألقى عليه الدهر كلكله ... وأعاره الإقتار والعدما # فإذا ألم به أخو ثقة ... غض الجفون ومجمج «4» الكلما # فقال لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله: جعلنى الله فداءك، ليس هو ~~اليوم كما كان، إنه وحياتك أفلت بطالته، أى والله، وراجعه حلمه، وأعقبه- ~~وحقك- الهوى ندما؛ أنحى الدهر- والله- عليه بكلكله؛ فهو اليوم إذا رأى أخا ~~ثقة غض بصره، ومجمج كلامه. # وبهذا يعرف أن حل المنظوم، ونظم المحلول أسهل من ابتدائهما؛ لأن المعانى ~~إذا حلت منظوما أو نظمت منثورا حاضرة بين يديك تزيد فيها شيئا فينحل، أو ~~تنقص منها شيئا فينتظم، وإذا أردت ابتداء الكلام وجدت المعانى غائبة عنك ~~فتحتاج إلى فكر يحضركها. # والمحلول من الشعر على أربعة أضرب؛ فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ~~ألفاظه. وضرب ينحل بتأخير لفظة وتقديم أخرى فيحسن محلوله ويستقيم. # PageV01P216 # وضرب منه ينحل على هذا الوجه ولا يحسن ولا يستقيم. وضرب تكسو ما تحله من ~~المعانى ألفاظا من عندك وهذا أرفع درجاتك. # فأما الضرب الأول فمثاله ما تقدم من صدر كلام قليب المعتزلى «1» وأما ~~الضرب الثانى فمثاله ما ذكره بعض الكتاب من قول البحترى «2» : # نطلب الأكثر فى الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقل # ثم قال: فإذا نثرت ذلك ولم تزد فى ألفاظه شيئا قلت: نطلب فى الدنيا ~~الأكثر، وقد نبلغ منها الحاجة بالأقل. # وقوله «3» : # أطل جفوة الدنيا وتهوين شأنها ... فما الغافل المغرور فيها بعاقل # يرجى الخلود معشر ضل سعيهم «4» ... ودون الذى يبتغون «5» غول الغوائل # إذا ما حريز القوم بات وما له ... من الله واق فهو بادى المقاتل # فإذا ما نثرت ذلك من غير أن تزيد فى ألفاظه شيئا قلت: أطل تهوين شأن ~~الدنيا وجفوتها؛ فما المغرور الغافل فيها بعاقل؛ ويرجو معشر ضل رأيهم ~~الخلود، وغول الغوائل دون ما يرجون؛ وإذا بات حريز القوم ما له واق من الله ~~فهو بادى المقاتل. # وهذا المعنى مأخوذ من قول التغلبى: # لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا # وأما الضرب الثالث ms125 فهو أن توضع ألفاظ البيت فى مواضع، ولا يحسن وضعها فى ~~غيرها، فيختل إذا نثر بتأخير لفظ وتقديم آخر، فتحتاج فى نثره إلى النقصان # PageV01P217 # منه والزيادة فيه، كقول البحترى «1» : # يسر بعمران الديار مضلل ... وعمرانها مستأنف من خرابها # ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف أرتضائيها أوان ذهابها # فإذا نثر على الوجه قيل: يسر مضلل بعمران الدنيا، ومن خرابها عمرانها ~~مستأنف، ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا؛ فكيف أوان ذهابها أرتضائيها. # فهذا نثر فاسد؛ فإذا غيرت بعض ألفاظه حسن وهو أن تقول: يسر المضلل بعمران ~~الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها؛ ~~فكيف أرتضيها أوان ذهابها؟ # ونحن نقول: إن من النظم ما لا يمكن حله أصلا بتأخير لفظة وتقديم أخرى منه ~~حتى يلحق به التغيير والزيادة والنقصان مثل قول الشاعر: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # فالمصراع الأول يمكن أن تؤخر ألفاظه «2» وتقدم؛ فيصير نثرا مستقيما؛ وهو ~~أن تقول: فؤاد الفتى نصف ولسانه نصف. ولا يمكن فى المصراع الثانى ذلك حتى ~~تزيد فيه أو تنقص منه؛ فتقول: لسان الفتى نصف وفؤاده نصف، وصورته من اللحم ~~والدم فضل لا غناء بها دونهما ولا معول عليها إلا معهما. # وزيادة الألفاظ التى تحصل فيه ليست بضائرة؛ لأن بسط الألفاظ فى أنواع ~~المنثور سائغ؛ ألا ترى أنها «3» تحتاج إلى الازدواج، ومن الازدواج ما يكون ~~بتكرير كلمتين لهما معنى واحد، وليس ذلك بقبيح إلا إذا اتفق لفظاهما. # ويسوغ هذا فى الشعر أيضا كقول البحترى «4» : # بودى لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق # PageV01P218 # فيهوى، ويعشق سواء فى المعنى وهو حسن؛ إلا أن أكثر ما يحسن فيه إيراد ~~المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز. # ومعنى قوله: «فلم يبق إلا صورة اللحم والدم» . داخل فى قوله: «لسان الفتى ~~نصف ونصف فؤاده» . والمصراع الثانى إنما هو تذييل للمصراع الأول؛ فإذا أردت ~~أن تحله حلا مقتصرا بغير لفظه قلت: الإنسان شطران: لسان وجنان. # ومما لا يمكن حله بتقديم لفظة منه وتأخير ms126 أخرى أيضا قول أبى نواس: # ألا يابن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى # فتحل المصراع الأول فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا؛ فيحسن. وتقول فى ~~المصراع الثانى: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما ~~والله؛ فلا يكون ذلك شيئا؛ فتحتاج فى نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه؛ ~~فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء؛ أما والله ما ظعنوا لتقيم، ~~ولا راموا إلا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى. # وفى هذه الألفاظ طول، وليس بضائر على ما خبرتك؛ فإن أردت اختصاره قلت: ~~أما والله إن الموت لم يصبك فى أبيك إلا ليصيبك فيك. # والضرب الرابع أن تكسو ما تحله من المنظوم ألفاظا من عندك؛ وهذا أرفع ~~درجاتك. ### | رجوع إلى السرقات # ثم نرجع إلى السرقات: قال بعضهم للربيع بن خيثم، وقد رأى اجتهاده فى ~~العبادة: أتعبت نفسك، قتلت نفسك. فقال: راحتها أطلب. فقال الشاعر «1» : # سأطلب بعد الدار عنكم، لتقربوا ... وتسكب عيناى الدموع لتجمدا # PageV01P219 # وقال غيره «1» : # تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنى للمقام أطوف # ومثل ذلك أن بعضهم رأى أعرابيا مقبلا إلى مكة ليصوم فيها شهر رمضان والحر ~~شديد؛ فقال له: أتجمع على نفسك الصوم وحر تهامة؟ فقال: من الحر أفر! وقيل ~~لروح بن قبيصة بن المهلب، وهو واقف فى الشمس على باب الخليفة: لقد طال ~~وقوفك فى الشمس! فقال: الظل أريد؛ فقال أبو تمام «2» : # أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع # وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع # وقال امرؤ القيس «3» : # فبعض اللوم عاذلتى فإنى ... ستكفينى التجارب وانتسابى # يقول: لا أنتسب إلا إلى ميت. # وقال لبيد «4» : # فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلترعك العواذل # فأخذه الحسن البصرى، فقال نثرا: إن امرءا لم يعد بينه وبين آدم عليه ~~السلام إلا أبا ميتا لمعرق له فى الموت؛ فأخذه أبو نواس، فقال «5» : # وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب فى الهالكين عريق «6» # وقال الله عز وجل: يحسبون كل صيحة عليهم ms127 هم العدو # ، فأخذه الشاعر فقال- وقصر عنه: # PageV01P220 # ما زلت تحسب كل شىء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا # وكذا قصرت الخنساء فى قولها: # ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى # وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزى النفس عنه بالتأسى # عن قول الله تعالى: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون. ### | من خفى السرق # ومن خفى السرق أن أبا مسلم قال لجلسائه: أى الأعراض ألام؟ فقالوا ~~وأكثروا. فقال: ألأمها عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم؛ فأخذه المراغى، فقال: # هجوت زهيرا ثم إنى مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح # وأخذ على بن الجهم قول الفرزدق «1» : # ما الباهلى بصادق لك وعده ... ومتى تعدك الباهلية تصدق # فقال «2» : # الرحجيون لا يوفون ما وعدوا ... والرحجيات لا يخلفن ميعادا # وسمع بعضهم قول العرب: إذا فارق القمر الثريا فقد ولى الشتاء. فنظمه ~~فقال: # إذا ما فارق القمر الثريا ... لثالثة فقد ذهب الشتاء # وسمعت قول النبى صلى الله عليه وسلم: «يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من ~~سواهم حيثما كانوا» ؛ فقلت: # يسعى بذمتهم أدناهم وهم ... يد على من سواهم حيثما كانوا # وهذا يدلك على صحة ما تقدم. # PageV01P221 # وسمع بعض الكتاب قول أبى تمام «1» : # فإن يجد علة نغم بها ... حتى ترانا نعاد من مرضه «2» # فكتب: من نزل منزلتى من طاعتك ومشاركتك كان حقيقا أن يهنأ بالنعمة تحدث ~~عندك، ويعزى على النائبة تلم بك. فنقل العيادة إلى المصيبة والتعزية. # وقال بعضهم: الكتابة نقض الشعر. # وقيل للعتابى: بم قدرت على البلاغة؟ فقال: بحل معقود الكلام. # وأحسن أبو تمام فى قوله «3» : # إليك هتكنا جنح ليل كأنما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد «4» # وزاد فيه على أبى نواس، ومنه أخذ، وهو قوله: # أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجنح الليل مكتحل بقار # لأن الاكتحال يكون بالإثمد، ولا يكون بالقار. # وممن أخفى الأخذ ابن أبى عيينة فى قوله: # ما كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار # أخذه من قول الأول: # وإن بقوم سودوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد # ذكر ذلك عن المأمون. ms128 # ومما زاد فيه المتأخر على المتقدم فحسن معرضه، وسهل مطلعه قول ابن ~~المعتز: # ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدت من الظفر # PageV01P222 # وقال الأول «1» : # كأن ابن ليلته جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر «2» # الفسيط: قلامة الظفر. # وما يعرف للمتقدم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخر وطلب الشركة فيه معه ~~إلا بيت عنترة «3» : # وترى الذباب بها يغنى وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يحك «4» ذراعه بذراعه ... قدح «5» المكب على الزناد الأجذم # فإنه ما نوزع فى هذا المعنى على جودته. وقد رامه بعض المجيدين فافتضح. # وأخذ البحترى قول الشماخ «6» : # وقربت مبراة كأن ضلوعها ... من الماسخيات القسى الموترا «7» # مبراة- من البرة، وهى الحلقة تجعل فى أنف الناقة فزاد عليه؛ فقال «8» : # كالقسى المعطفات بل ال ... أسهم مبرية بل الأوتار # وهذا ترتيب مصيب من أجل أنه بدأ بالأغلظ، ثم انحط إلى الأدق؛ وقد عيب # PageV01P223 # ترتيب أبى تمام فى قوله: # أو كالخلوق أو كالملاب «1» # فبدأ بالأنفس ثم انحط إلى الأخس؛ كما تقول: هو مثل النجم، بل، بل الشمس؛ ~~فترتفع من الشىء إلى ما هو أعلى منه؛ وإذا قلت: هو مثل الشمس بل القمر، بل ~~النجم، لم يحسن. # وقال عروة بن الورد «2» : # تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنى للمقام أطوف # أخذه أبو تمام وزاد عليه فقال «3» : # رب خفض تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب # وقال إبراهيم بن العباس للفضل بن سهل «4» : # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل # وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # فاتبعه ابن الرومى فأحسن الاتباع؛ فقال: # أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والحر بينهما يموت هزيلا # فامدد إلى يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا # وقال بشار: # الدهر طلاع بأحداثه ... ورسله فيها المقادير # محجوبة تنفذ أحكامها ... ليس لنا عن ذاك تأخير # PageV01P224 # فاتبعه ابن الرومى وأحسن الاتباع أيضا، فقال: # يظل عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب شهد # كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرا ليس عنه معرد «1» # إلا أن قول بشار أكثر ماء وطلاوة. # ومما لم ms129 يسىء الاتباع فيه قوله أيضا: # سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذلك الليث للوثب يلبد «2» # وإنما أخذه من قول النابغة «3» : # وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضارى # وكذلك قوله: # كأن أباه حين سماه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد # أخذه من قول البحترى «4» : # سماه أسرته «5» العلاء، وإنما ... قصدوا بذلك أن يتم علاه # وزاد أبو تمام أيضا على الأفوه، والنابغة، وأبى نواس، ومسلم، فى معنى ~~تداولوه؛ وهو قول الأفوه «6» : # وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار «7» # وقول النابغة «8» : # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب «9» # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # (15- الصناعتين) # PageV01P225 # وقول أبى نواس «1» : # تتأيى «2» الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره # وقول مسلم «3» : # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه فى كل مرتحل # فقال أبو تمام «4» : # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل # فقوله: «أقامت مع الرايات» زيادة. # وزاد عليه بعض المحدثين، فقال: # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # وقال أبو تمام «5» : # همة تنطح النجوم وجد ... آلف للحضيض فهو حضيض # أخذه البحترى فحسنه وهو قوله «6» : # متحير يغدو بعزم قائم ... فى كل نائبة وجد قاعد # ومما أخذه أيضا من أبى تمام فقسمه تقسيما حسنا قوله «7» : # ملك له فى كل يوم كريهة ... إقدام عز واعتزام مجرب # هو من قول أبى تمام «8» : # ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار «9» # وقال أبو العتاهية «10» : # كم نعمة لا يستقل بشكرها ... لله فى طى المكاره كامنه # PageV01P226 # أخذه أبو تمام، فقال «1» : # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # فزاد عليه لأنه أتى بضد المعنى. # وقال أبو تمام «2» : # رأيت رجائى فيك وحدك همة ... ولكنه فى سائر الناس مطمع # فأخذه البحترى فاختصره، فقال «3» : # ثنى أملى فاحتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع # وأخذه ابن الرومى، فقال: # به صدق الله الأمانى حديثها ... وقد مر دهر والأمانى وساوس # وقال أبو تمام «4» : # رافع «5» كفه لسبرى ms130 فما أح ... سبه جاءنى لغير اللطام «6» # أخذه البحترى فزاد عليه فى حسن اللفظ والسبك؛ فقال «7» : # ووعد ليس يعرف من عبوس ... بأوجههم أوعد أم وعيد # وقال الحنيف بن السجف: # وفرقت بين ابنى هنيم بطعنة ... لها عاند يكسو السليب إزارها # يعنى بالعاند: الدم؛ فأخذه البحترى فزاد عليه فى اللفظ، وقال «8» : # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا # على أن «محمرة» حشو. # وقال أبو تمام «9» : # PageV01P227 # كأنما خامره أولق ... أو خالطت «1» هامته الخندريس «2» # وقال البحترى «3» : # وتخال ريعان الشباب يروعه ... من حدة «4» أو نشوة أو أفكل «5» # فزاد عليه. # وقال أبو تمام «6» : # أنضرت أيكتى عطاياك حتى ... عاد غصنى ساقا وكان قضيبا «7» # فقال البحترى- وزاد «8» : # حتى يعود الذؤيب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا «9» # ومثل هذا كثير وفيما أوردت كفاية إن شاء الله. # PageV01P228 ### | الفصل الثانى من الباب السادس، فى قبح الأخذ # وقبح الأخذ أن تعمد إلى المعنى فتتناوله بلفظه كله أو أكثره، أو تخرجه فى ~~معرض مستهجن؛ والمعنى إنما يحسن بالكسوة: أخبرنا بعض أصحابنا قال: قيل ~~للشعبى: إنا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك! فقال: إنى ~~أجده عاريا فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفا؛ أى من غير أن أزيد فى معناه ~~شيئا. # فمما أخذ بلفظه ومعناه وادعى آخذه- أو ادعى له- أنه لم يأخذه، ولكن وقع ~~له كما وقع للأول؛ كما سئل ابن عمرو بن العلاء عن الشاعرين يتفقان على لفظ ~~واحد ومعنى. فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها، وذلك قول طرفة «1» : # وقوفا بها صحبى على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد # وهو قول امرىء القيس «2» : # وقوفا بها صحبى على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل # فغير طرفة القافية. # وقال الحرث بن وعلة «3» : # الآن لما ابيض مسربتى «4» ... وعضضت من نابى على جذم «5» # وقال غسان السليطى: # الآن لما ابيض مسربتى ... وعضضت من نابى أجذامى # PageV01P229 # وقال البعيث: # أترجو كليب أن يجىء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها # وقال الفرزدق: # أترجو ربيع أن تجىء صفارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها # ومثل هذا كثير فى أشعارهم جدا. # والأخذ ms131 إذا كان كذلك كان معيبا وإن ادعى أن الآخر لم يسمع قول الأول، بل ~~وقع لهذا كما وقع لذاك؛ فإن صحة ذلك لا يعلمها إلا الله عز وجل، والعيب ~~لازم للآخر. # روى لنا أن عمر بن أبى ربيعة أنشد ابن عباس رضى الله عنه: # تشط غدا دار جيراننا «1» # فقال ابن عباس: # وللدار بعد غد أبعد # فقال عمر: والله ما قلت إلا كذلك. # وإذا كان القوم فى قبيلة واحدة، وفى أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، ~~كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة؛ وأنشدت الصاحب إسماعيل ابن عباد: # كانت سراة الناس تحت أظله «2» # فسبقنى وقال: # فغدت سراة الناس فوق سراته «3» # وكذلك كنت قلت. # PageV01P230 # فعلى هذا جائز ما يدعى لهم؛ والظاهر ما قلناه؛ فهذا ضرب. # والضرب الآخر من الأخذ المستهجن أن يأخذ المعنى فيفسده أو يعوصه، أو ~~يخرجه فى معرض قبيح وكسوة مسترذلة، وذلك مثل قول أبى كريمة: # قفاه وجه، ثم وجه الذى ... قفاه وجه يشبه البدرا # وإنما أخذ هذا من قول أبى نواس «1» : # بأبى أنت من مليح بديع ... بذ حسن الوجوه حسن قفاكا # وأحسن ابن الرومى فيه فقال: # ما ساءنى إعراضه ... عنى ولكن سرنى # سالفتاه عوض ... من كل شىء حسن # وإليه أشار عبد الصمد بن المعذل فى قوله: # لما رأيت البدر فى ... أفق السماء وقد تعلى # ورأيت قرن الشمس فى ... أفق الغروب وقد تدلى # شبهت ذاك وهذه ... وأرى شبيههما أجلا # وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولى # وأخذه أبو نواس من قول النابغة «2» للنعمان بن المنذر: أيفاخرك ابن جفنة! ~~واللات، لأمسك خير من يومه، ولقذالك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ~~ولعبيدك أكثر من قومه، ولنفسك أكبر من جنده، وليومك أشرف من دهره، ولو عدك ~~أنجز من رفده، ولهزلك أصوب من جده، ولكرسيك أرفع من سريره، ولفترك أبسط من ~~شبره، ولأمك خير من أبيه. # PageV01P231 # والنابغة أحذق الجماعة؛ لأنه ذكر القذال، وهؤلاء قالوا: القفا، ولا ~~يستحسن أن يخاطب الرجل فيقال له: قفاك حاله كذا وكذا. # ومن ذلك قول الحسن بن وهب، ms132 وقد سمع قولى أعرابى اجتمع مع عشيق له فى بعض ~~الليالى: اجتمعت معها فى ظلمة الليل، وكان البدر يرينيها، فلما غاب أرتنيه، ~~فقال: # أرانى البدر سنتها عشاء ... فلما أزمع البدر الأفولا # أرتنيه بسنتها «1» فكانت ... من البدر المنور لى بديلا # فأطال الكلام، وجعل المعنى فى بيتين، وكرر السنة والبدر. # وقال البحترى فأربى على الأعرابى وزاد عليه «2» : # أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا # وسمع بعضهم قول محمود الوراق: # إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... على له فى مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر # وما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر # فقال وأساء: # الحمد لله إن الله ذو نعم ... لم يحصها عددا بالشكر من حمدا # شكرى له عمل فيه على له ... شكر يكون لشكر قبله مددا # فهذا مثال قبح الأخذ، فاعلمه. # وأخذ ابن طباطبا قول على رضى الله عنه: قيمة كل امرىء ما يحسنه؛ فقال: # PageV01P232 # فيا لائمى دعنى أغال بقيمتى ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه # فأخذه بلفظه، وأخرجه بغيضا متكلفا. # والجيد قول الآخر: # فقيمة كل امرىء علمه # فهذا وإن كان أخذه ببعض لفظه فإن «كلا» فى بيته أحسن موقعا منه فى بيت ~~ابن طباطبا. # وقال قرواش بن حوط: # دنوت له بأبيض مشرفى ... كما يدنو المصافح للعناق # أخذه أبو تمام فقصر عنه «1» ؛ وقال: # حن إلى الموت حتى ظن جاهله ... بأنه حن مشتاقا إلى وطن # وأحسن تقسيمه البحترى، فقال «2» : # تسرع حتى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب # وقال ذو الرمة «3» : # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص فى العين واحد # أحم علافى وأبيض صارم ... وأعيس مهرى وأروع ماجد «4» # أخذه أبو تمام فقصر وقال «5» : # البيد والعيس والليل التمام معا «6» ... ثلاثة أبدا يقرن فى قرن «7» # PageV01P233 # وبيت البحترى فى معناه أجود من هذا، إلا أنه لا يلحق بيت ذى الرمة: # اطلبا ثالثا سواى فإنى ... رابع العيس والدجى والبيد # ومما قصر فيه ms133 البحترى «1» : # قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان # أخذه من قول عمرو بن معديكرب «2» : # والضاربين بكل أبيض مرهف ... والطاعنين مجامع الأضغان # قوله: «مجامع الأضغان» أجود من قوله: «مواطن الكتمان» ؛ لأنهم إنما ~~يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن فى موضع الضغن فذلك غاية ~~المراد. # ومما قصر فيه قوله «3» : # من غادة منعت وتمنع نيلها ... فلو أنها بذلت لنا لم تبذل # أخذه من قول عبد الصمد بن المعذل «4» : # ظبى كأن بخصره ... من دقة ظمأ وجوعا # ومن البلية أننى ... علقت ممنوعا منوعا «5» # بيت عبد الصمد أبين معنى مع شدة الاختصار. وبيت البحترى كالعويص لا يقام ~~إعرابه إلا بعد نظر طويل. # وقال جابر بن السليك الهمدانى «6» : # أرمى بها الليل قدامى فيغشم بى «7» ... إذ الكواكب مثل الأعين الحول # PageV01P234 # أخذه البحترى فقصر فى النظم عنه فقال «1» : # وخدان القلاص حولا إذاقا ... بلن حولا من أنجم الأسحار # الأول أسلس. # وقال أبو تمام «2» : # فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... لا المجد فى كف امرىء والدراهم # وقال البحترى فقصر «3» : # ليفر وفرك الموفى «4» وإن أء ... وز أن يجمع الندى ووفوره # وأخذ أبو تمام قول الشاعر: # فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون # فقال وقصر «5» : # هرمت بعدى والربع الذى أفلت ... منه بدورك معذور على الهرم # متكلف ردىء الاستعارة. # وقد يتفق المبتدى للمعنى والآخذ منه فى الإساءة؛ قال ابن أذينة: # كأنما عائبها دائبا ... زينها عندى بتزيين # فأتى بعبارة غير مرضية ونسج غير حسن، وأخذه أبو نواس فقال: # كأنما أثنوا ولم يعلموا ... عليك عندى بالذى عابوا # فأتى أيضا برصف مرذول ونظم مردود. # وقد يستوى الآخذ والمأخوذ منه فى الإجادة؛ فى التعبير عن المعنى الواحد. # قال أعرابى: # فنم عليها المسك والليل عاكف # PageV01P235 # وقال البحترى «1» : # وحاولن كتمان الترحل فى الدجى ... فنم بهن المسك حتى تضوعا # وقال أيضا «2» : # فكان العبير بها واشيا ... وجرس الحلى عليها رقيبا # وقال النابغة «3» : # فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقال أبو نواس «4» : # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار # فأحسنا جميعا فى ms134 العبارة؛ وللنابغة قصبة السبق. # ومثل ذلك قول لبيد «5» : # ولابد يوما أن ترد الودائع # وقال بشار: # ورد على الصبا ما استعارا # وقال الفرزدق «6» : # تفاريق شيب فى الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم # وقال أبو نواس: # كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب فى سواد عذار # البيتان متساويان فى حسن الرصف، وإن كان أبو نواس أساء فى أخذه # PageV01P236 # لفظ الفرزدق؛ وفى قول الفرزدق أيضا زيادة، وهى: «وما حسن ليل ليس فيه ~~نجوم» . # وأنشد أبو أحمد؛ قال: أنشدنا أبو بكر عن عبد الرحمن عن عمه: # حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندق قدما فى الصدور صدورها # مسلمة أعجاز خيلى فى الوغى ... ومكلومة لباتها ونحورها # أخذه أبو تمام؛ فقال «1» : # أناس إذا ما استحكم الروع كسروا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «2» # فأحسنا جميعا. # ومثله قول الآخر: # يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر # ويقول للطرف «3» اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر # ومثله قول بكر بن النطاح: # يتلقى الندى بوجه حيى ... وصدور القنا بوجه وقاح # وهذا كله مأخوذ من قول كعب بن زهير «4» : # لا يقع الطعن إلا فى نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل «5» # وهو دون جميع ما تقدم. # وقد أتيت فى هذا الباب على الكفاية، ولا أعلم أحدا ممن صنف فى سرق الشعر ~~فمثل بين قول المبتدى وقول التالى؛ وبين فضل الأول على الآخر، والآخر على ~~الأول، غيرى؛ وإنما كانت العلماء قبلى ينبهون على مواضع السرق فقط؛ فقس بما # PageV01P237 # أوردته على ما تركته؛ فإنى لو استقصيته لخرج الكتاب عن المراد، وزاغ عن ~~الإيثار؛ وبالله التوفيق. # تم الجزء الأول من كتاب الصناعتين، ويتلوه فى الجزء الثانى الباب السابع ~~فى التشبيه. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين ~~الطاهرين وسلامه. # وهو حسبنا ونعم الوكيل # PageV01P238 ### | الباب السابع فى ### | التشبيه # (فصلان) ### | الفصل الأول من الباب السابع فى حد التشبيه وما يستحسن من منثور الكلام ومنظومه # التشبيه # التشبيه: الوصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه، ناب ~~منابه أو لم ms135 ينب، وقد جاء فى الشعر وسائر الكلام بغير أداة التشبيه. وذلك ~~قولك: # زيد شديد كالأسد؛ فهذا القول الصواب فى العرف وداخل فى محمود المبالغة، ~~وإن لم يكن زيد فى شدته كالأسد على الحقيقة؛ على أنه قد روى أن إنسانا قال ~~لبعض الشعراء: زعمت أنك لا تكذب فى شعرك، وقد قلت: # ولأنت أجرأ من أسامة # أو يجوز أن يكون رجل أشجع من أسد! فقال: قد يكون ذلك؛ فإنا قد رأينا ~~مجزأة بن ثور فتح مدينة ولم نر الأسد فعل ذلك، فهذا قول. # ويصح تشبيه الشىء بالشىء جملة، وإن شابهه من وجه واحد؛ مثل قولك: # وجهك مثل الشمس، ومثل البدر؛ وإن لم يكن مثلهما فى ضيائهما وعلوهما ولا ~~عظمهما؛ وإنما شبهه بهما لمعنى يجمعهما وإياه وهو الحسن. وعلى هذا قول الله ~~عز وجل: وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام # ؛ إنما شبه المراكب بالجبال من جهة عظمها لا من جهة صلابتها ورسوخها ~~ورزانتها، ولو أشبه الشىء الشىء من جميع جهاته لكان هو هو. # PageV01P239 ### | أوجه التشبيه # والتشبيه على ثلاثة أوجه: فواحد منها تشبيه «1» شيئين متفقين من جهة ~~اللون؛ مثل تشبيه الليلة بالليلة، والماء بالماء، والغراب بالغراب، والحرة ~~بالحرة. والآخر تشبيه شيئين متفقين يعرف اتفاقهما بدليل؛ كتشبيه الجوهر ~~بالجوهر، والسواد بالسواد. والثالث تشبيه شيئين مختلفين لمعنى يجمعهما؛ ~~كتشبيه البيان بالسحر؛ والمعنى الذى يجمعهما لطافة التدبير ودقة المسلك. ~~وتشبيه الشدة بالموت، والمعنى الذى يجمعهما كراهية الحال وصعوبة الأمر. ### | أجود التشبيه # وأجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه: # أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة [إلى ما يقع عليه] «2» ؛ وهو قول ~~الله عز وجل: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. # فأخرج ما لا يحس إلى ما يحس؛ والمعنى الذى يجمعهما بطلان المتوهم مع شدة ~~الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرأى ماء لم يقع موقع قوله: «الظمآن» ~~؛ لأن الظمآن أشد فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه. # وهكذا قوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ~~في يوم عاصف # . والمعنى الجامع بينهما بعد ms136 التلاقى، وعدم الانتفاع. # وكذلك قوله عز وجل: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث # ؛ أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب. # والمعنى أن الكلب لا يطيعك فى ترك اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك ~~إلى الإيمان فى رفق ولا عنف. # وهكذا قوله تعالى: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه # . والمعنى الذى يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك ~~الحاجة. # PageV01P240 # والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة؛ كقوله ~~تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة # ؛ والمعنى الجامع بين المشبه والمشبه به الانتفاع بالصورة. # ومن هذا قوله تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء # ... إلى قوله: كأن لم تغن بالأمس # ؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه. والمعنى الذى يجمع الأمرين ~~الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تذكر. # ومنه قوله تعالى: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر، تنزع ~~الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر # ، فاجتمع الأمران فى قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوف من تعجيل العقوبة. # ومن هذا قوله تعالى: فكانت وردة كالدهان # . والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدلالة على عظم الشأن؛ ~~ونفوذ السلطان. # ومنه قوله تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو # ... إلى قوله عز وجل: # ثم يكون حطاما # ؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب؛ وفيه الاحتقار للدنيا ~~والتحذير من الاغترار بها. # والوجه الثالث: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها؛ فمن هذا قوله ~~عز وجل: وجنة عرضها السماوات والأرض # ، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها؛ والجامع بين الأمرين ~~العظم؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصفة. # ومثله قوله سبحانه: كمثل الحمار يحمل أسفارا # ، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول؛ والفائدة فيه الترغيب فى تحفظ ~~العلوم، وترك الاتكال على الرواية دون الدراية. # (16- الصناعتين) ms137 # PageV01P241 # ومنه قوله تعالى: كأنهم أعجاز نخل خاوية # ؛ والجامع بين الأمرين خلو الأجساد من الأرواح؛ والفائدة الحث على احتقار ~~ما يؤول به الحال. # وهكذا قوله سبحانه: كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # ؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على ~~التغرير بالعمل على غير أس. # والوجه الرابع: إخراج ما لا قوة له فى الصفة على ما له قوة فيها؛ كقوله ~~عز وجل: وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام # ؛ والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة البيان عن القدرة فى تسخير ~~الأجسام العظام فى أعظم ما يكون من الماء. # وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن، وهى الغاية فى الجودة، ~~والنهاية فى الحسن. # وقد جاء فى أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر، وهو ~~ردىء، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدقة، وهو مثل قول ~~الشاعر «1» : # وكنت أعز عزا من قنوع ... يعوضه صفوح من ملول «2» # فصرت أذل من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم «3» جليل # وكقول الآخر: # وندمان سقيت الراح صرفا ... وأفق الليل مرتفع السجوف # صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دق فى ذهن لطيف # فأخرج ما تقع عليه الحاسة إلى ما لا تقع عليه، وما يعرف بالعيان إلى ما ~~يعرف بالفكر، ومثله كثير فى أشعارهم. # PageV01P242 ### | الطريقة المسلوكة فى التشبيه # وأما الطريقة المسلوكة فى التشبيه، والنهج القاصد فى التمثيل عند القدماء ~~والمحدثين فتشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس ~~والقمر، والسهم الماضى بالسيف، والعالى الرتبة بالنجم، والحليم الرزين ~~بالجبل، والحيى بالبكر، والفائت بالحلم؛ ثم تشبيه اللئيم بالكلب، والجبان ~~بالصفرد «1» ، والطائش بالفراش، والذليل بالنقد «2» والنعل والفقع «3» ~~والوتد؛ والقاسى بالحديد والصخر، والبليد بالجماد؛ وشهر قوم بخصال محمودة؛ ~~فصاروا فيها أعلاما فجروا مجرى ما قدمناه؛ كالسموءل فى الوفاء، وحاتم فى ~~السخاء، والأحنف فى الحلم، وسبحان فى البلاغة، وقس فى الخطابة، ولقمان فى ~~الحكمة. وشهر آخرون بأضداد هذه الخصال؛ فشبه بهم فى حال الذم كباقل فى العى ~~«4» ، وهبنقة فى الحمق، والكسعى فى الندامة، والمنزوف ضرطا فى الجبن، ومادر ~~فى البخل. # والتشبيه يزيد ms138 المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا؛ ولهذا ما أطبق جميع المتكلمين ~~من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد منهم عنه. # وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية من كل جيل ما يستدل به على شرفه وفضله ~~وموقعه من البلاغة بكل لسان. فمن ذلك ما قال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا ~~كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. وقال: صحبة الأشرار تورث ~~الشر كالريح إذا مرت على المنتن حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا. ~~وقال: # من لا يشكر له كان كمن نثر بذره فى السباخ، ومن أشار على معجب كان كمن ~~سار الأصم. وقد نظمت هذا المعنى. فقلت: # ألا إنما النعمى تجازى بمثلها ... إذا كان مسداها إلى ماجد حر # PageV01P243 # فأما إذا كانت إلى غير ماجد ... فقد ذهبت فى غير أجر ولا شكر # إذا المرء ألقى فى السباخ بذوره ... أضاع فلم ترجع بزرع ولا بذر # وقال: لا يخفى فضل ذى العلم وإن أخفاه كالمسك يخبأ ويستر، ثم لا يمنع ذلك ~~رائحته أن تفوح. أخذه الصاحب فكتب: فأنت- أدام الله عزك- وإن طويت عنا ~~خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك رياه، ونم على ~~الصباح محياه. # وقال أيضا: الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان ~~رابضا، والرجل الذى لا مروءة له يهان وإن كان غنيا كالكلب يهون على الناس ~~وإن عس وطوف. # وقال: المودة بين الصالحين سريع اتصالها بطىء انقطاعها كآنية الذهب التى ~~هى بطيئة الانكسار هينة الإعادة؛ والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطىء ~~اتصالها كآنية الفخار يكسرها أدنى شىء، ولا وصل لها. # وقال: لا يرد بأس العدو القوى بمثل التذلل له، كما أن العشب إنما يسلم من ~~الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها. # وقال: لا يحب للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه، كالشىء المنتن ~~كلما أثير ازداد نتنا. # وقال أيضا: من صنع معروفا لعاجل الجزاء فهو كملقى الحب للطير لا لينفعها ~~بل ليصيدها به. # وقال أيضا: المال إذا كان له مدد يجتمع منه ولم يصرف فى ms139 الحقوق أسرع إليه ~~الهلاك من كل وجه، كالماء إذا اجتمع فى موضع ولم يكن له طريق إلى النفوذ ~~تفجر من جوانبه فضاع. # وقال أيضا: الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد ~~البصير بصرا ويزيد الخفاش سوء بصر. # PageV01P244 # وقد أحسن فى هذا المعنى جعفر بن محمد رضى الله عنهما، فقال: الأدب عند ~~الأحمق كالماء العذب فى أصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة. # وقال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كدودة القز لا تزداد بالإبريسم «1» على ~~نفسها لفا إلا ازدادت من الخروج بعدا. # وقال: إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا ~~الفيلة. # وقال الشاعر فى هذا المعنى: # وإذا الكريم كبت به أيامه ... لم ينتعش إلا بعطف كريم # وقال صاحب كليلة أيضا: يبقى الصالح من الرجال صالحا حتى يصاحب فاسدا؛ ~~فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا ~~خالطته ملحت. # وقال بعض الحكماء: الدنيا كالمنجل استواؤها فى اعوجاجها. # والتشبيه بعد ذلك فى جميع الكلام يجرى على وجوه: ### | وجوه التشبيه # منها تشبيه الشىء بالشىء صورة؛ مثل قول الله عز وجل: والقمر قدرناه منازل ~~حتى عاد كالعرجون «2» القديم # . أخذه ابن الرومى، فقال فى ذم الدهر «3» : # تأتى على القمر السارى نوائبه ... حتى يرى ناحلا فى شخص عزجون # وأين يقع هذا من لفظ القرآن. # ومن ذلك قول امرىء القيس «4» : # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى «5» # PageV01P245 # وقوله أيضا «1» : # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «2» الذى لم يثقب # وقول عدى بن الرقاع «3» : # تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها «4» # ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله عز وجل: كأنهن الياقوت ~~والمرجان # . وقوله تعالى: كأنهن بيض مكنون # . وكقول حميد ابن ثور: # والليل قد ظهرت نحيزته «5» ... والشمس فى صفراء كالورس # وكقول الآخر: # قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوما # ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس «6» : # ومشدودة السك موضونة ... تضاءل فى الطى كالمبرد «7» # يفيض على المرء ms140 أردانها ... كفيض الأتى على الجدجد «8» # شبه الدرع بالأتى فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعم الجسد كما يعم الأتى ~~الجدجد إذا تفجر فيه؛ والأتى: السيل. # ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة «9» : # تجلو بقادمتى حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد # PageV01P246 # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى # شبه الثغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأن ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر ~~سواء، وإذا كان الثغر نقيا كان فى لونه سواء. # وكقول امرىء القيس: # جمعت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم تتصل بدخان # ومما يتضمن معنى اللون وحده قول الأعشى «1» : # وسبيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «2» # وقول الشماخ «3» : # إذا ما الليل كان الصبح فيه «4» ... أشق كمفرق الرأس الدهين # وقول زهير «5» : # وقد صار لون الليل مثل الأرندج «6» # وقول امرىء القيس «7» : # وليل كموج البحر مرخ سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلى # وفى هذا معنى الهول أيضا. # وقول كعب بن زهير «8» : # وليلة مشتاق كأن نجومها ... تفرقن منها فى طيالسة خضر # وقول ذى الرمة: # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص فى العين واحد # PageV01P247 # وقوله أيضا «1» : # وقد لاح للسارى الذى كمل السرى ... على أخريات الليل فتق مشهر # كلون الحصان الأنبط «2» البطن قائما ... تمايل عنه الجل واللون أشقر # ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة» # غردا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # وقول الأعشى: # غراء فرعاء «4» مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل # وقول الآخر: # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل # وقول الآخر: # كأن أنوف الطير فى عرصاتها ... خراطيم أقلام تخط وتعجم # ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة «5» : # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وقوله «6» : # فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وكقول الآخر: # وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # وقول مسلم بن الوليد: # وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع فارقه النصل # PageV01P248 # وقوله: # فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل # وقول الآخر: # والدهر يقرعنى طورا ms141 وأقرعه ... كأنه جبل يهوى إلى جبل # وقول الآخر: # كم من فؤاد كأنه جبل ... أزاله عن مقره النظر # وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس «1» : # له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «2» # هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأن الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ~~ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى ~~وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبه أربعة أشياء بأربعة ~~أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش «3» : # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم # فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد. # وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس «4» : # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فحذف حرف التشبيه. # ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد ~~العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس «5» : # PageV01P249 # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى # فشبه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية ~~الجودة. # ومثله قول بشار «1» : # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # فشبه ظلمة الليل بمثار النقع، والسيوف بالكواكب. # وبيت امرىء القيس أجود؛ لأن قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعناب والحشف ~~من السيوف بالكواكب. # ومثل قول النمرى «2» : # ليل من النقع لا شمس ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبة الشرع «3» # وقول العتابى «4» : # مدت سنابكها من فوق أرؤسهم ... ليلا كواكبه البيض المباتير «5» # ومن بديع التشبيه قول الآخر: # نشرت إلى غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدو الموبق # فكأننى وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق # شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصلة. # وقال البحترى «6» : # تبسم وقطوب فى ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد # PageV01P250 # وأتم ما فى هذا قول الوأواء: # وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # فشبه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد: الدمع باللؤلؤ، والعين ~~بالنرجس، والخد بالورد، والأنامل بالعناب؛ لما فيهن من الخضاب، ms142 والثغر ~~بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم. # وقول البحترى «1» : # كالسيف فى إخذامه والعيث فى ... إرهامه والليث فى إقدامه «2» # فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء. # وقلت فى مثله: # كالسيف فى غمراته والبدر فى ... ظلماته والغيث فى أزماته # وقال البحترى «3» : # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابى فى خدود الخرائد # فشبه شيئين بشيئين. # ومثله قول أبى نواس «4» : # يا قمرا أبصرت فى مأتم «5» ... يندب شجوا بين أتراب # يبكى فيلقى الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب # أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال: # يا قردة أبصرت فى مأتم ... تندب شجوا بتخاليط # تبكى فتلقى البعر من كوة ... وتلطم الشوك ببلوط # PageV01P251 # وشبهت الهلال تشبيها يتضمن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل، فقلت: # وكؤوس إذا دجا الليل دارت ... تحت سقف مرصع باللجين # وكأن الهلال مرآة تبر ... ينجلى كل ليلة إصبعين # ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس: # كأن بنى ذالان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهن سويق # هذا لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم، وقوله: # حديث بنى قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدبا فى العرفج المتقارب # وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغر: # وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض فى أحشائه # وقال آخر: # ليل يجر من الصباح ذلاذلا «1» # ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز «2» : # والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى فى الدجى بسراج # وقوله فى صفة فرس «3» : # ومحجل غير اليمين كأنه ... متبختر يمشى بكم مسبل # وقال أعرابى: # بغزو كولغ الذئب غاد ورائح ... وسير كصدر السيف لا يتعرج # وقول ابن الرقاع «4» : # تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # PageV01P252 # وقول الطرماح: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وقول ذى الرمة فى الحرباء «1» : # ودوية جرداء جداء خيمت ... بها هبوات الصيف من كل جانب «2» # كأن يدى حربائها متململا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب # وقوله فيها «3» : # وقد جعل الحرباء يصفر لونه ... وتخضر من حر الهجير غباغبه # ويسبح بالكفين حتى كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه # أخذه البحترى، فقال «4» : # فتراه مطردا على ms143 أعواده ... مثل اطراد كواكب الجوزاء # مستشرفا للشمس منتصبا لها ... فى أخريات الجذع كالحرباء # وقال ذو الرمة «5» : # يصلى بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل «6» إلا أنه لا يكبر # إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا وفى قرن الضحى يتنصر # الحرباء: دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتنضبة «7» فتمسك بيديها غصنين ~~منها، وتقابل بوجهها الشمس، فكيفما دارت الشمس دارت معها، فإذا غربت الشمس ~~نزلت فرعت ... والحرباء، فارسية معربة؛ وإنما هى خربا؛ أى حافظ الشمس، ~~والشمس تسمى بالفارسية خر؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة: # PageV01P253 # ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح، قبح الرقباء # ما ذاك إلا أنها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء # وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب: # كم بأرض الشآم غادرت منهم ... غائرا موفيا على أهل نجد # يلعب الدستبند فردا وإن ... كان له شاغل عن الدستبند «1» # وقال ابن المعتز «2» : # وقد علا فوق الهلال كرته ... كهامة الأسود شابت لحيته # وقال «3» : # ورأسه كمثل فرق قد مطر ... وصدغه كالصولجان المنكسر «4» # ومن بديع التشبيه قول الآخر: # بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم «5» # فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم # ومن بديعه قول مسلم: # أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر # وقول الفرزدق «6» : # والشيب ينهض فى الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # وقلت: # شمس هوت وهلال الشهر يتبعها ... كأنها سافر قدام منتقب # PageV01P254 # تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذنب # وقلت: # تلوح الثريا والظلام مقطب ... فيضحك منها عن أغر مفلج # تسير وراء والهلال أمامها ... كما أومأت كف إلى نصف دملج # وقال عبد الله بن المعتز: # أهلا وسهلا بالناى والعود ... وكأس ساق كالغصن مقدود # قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد # وقال آخر: # تبدو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود «1» # قال أبو الحرث: جميز فلان كالمشجب «2» من حيث لقيته «لا» ، فقال أبو ~~العبر: # لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلا يشجبا فى مشجب # يا ليت لى من جلد وجهك ms144 رقعة ... فأقد منها حافرا للأشهب # وقال بعض الحكماء: العقل كالسيف والنظر كالمسن. ونظر عبادة إلى سوداء ~~تبكى، فقال: كأنها تنور شنان يكف؛ فنظمته وقلت: # سوداء تذرف دمعها ... مثل الأتون إذا وكف # وقال ابن المعتز: # وكأن عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته # وقلت: # كأن نهوض النجم والأفق أخضر ... تبلج ثغر تحت خضرة شارب # PageV01P255 # وقال أوس بن حجر «1» : # حتى تلف بدوركم وقصوركم ... جمع كناصية الحصان الأشقر # وقلت: # بكرنا إليه والظلام كأنه ... غراب على عرف الصباح يرنق «2» # وقلت: # إذا التوى الصدغ فوق وجنته ... رأيت تفاحة بها عضه # وقلت: # والغيم يأخذه ريح فتنفشه ... كالقطن يندف فى زرق الدبابيج «3» # وقلت: # وقهوة من يد المغنوج صافية ... كأنها عصرت من خد مغنوج # وقلت: # قم بنا نذعر الهموم بكأس ... والثريا لمفرق الليل تاج # وقد انجرت المجرة فيه ... كسبيب «4» يمده نساج # وقلت: # وكأن النجوم والليل داج ... نقش عاج يلوح فى سقف ساج # وقلت: # كأن السميريات فيه عقارب ... تجىء على زرق الزجاج وتذهب # وقلت: # فأذريت دمعا بالدماء مصبغا ... كما يتواهى عقد عقد منسق # وقد باشر الليل الصباح كأنه ... بقية كحل فى حماليق أزرق # وهذا الجنس كثير، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله. # PageV01P256 ### | الفصل الثانى فى البيان عن قبح التشبيه وعيوبه # والتشبيه يقبح إذا كان على خلاف ما وصفناه فى أول الباب، من إخراج الظاهر ~~فيه إلى الخافى، والمكشوف إلى المستور، والكبير إلى الصغير، كما قال ~~النابغة «1» : # تخدى بهم أدم كأن رحالها ... علق أريق على متون صوار «2» # وقال لبيد «3» : # فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيا وتركا كالبصل «4» # وقال خفاف بن ندبة: # أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان # العتدات: القوائم، والمتون: الظهور؛ يقول: دقت حتى صارت متونها وقوائمها ~~كالخيوط، وهذا بعيد جدا. ومثل هذا محمود غير معيب عند أصحاب الغلو ومن يقول ~~بفضله. # وإذا شبه أيضا صغيرا بكبير وليس بينهما مقاربة فهو معيب أيضا، كقول ساعدة ~~ابن جؤية: # كساها رطيب الريش فاعتدلت لها ... قداح كأعناق الظباء الفوارق # شبه السهام بأعناق الظباء وليس بينهما شبه. ولو وصفها بالدقة لكان أولى. ms145 # (17- الصناعتين) # PageV01P257 # ومن معيب التشبيه قول بشر: # وجر الرامسات بها ذيولا ... كأن شمالها بعد الدبور «1» # رماد بين أظآر ثلاث ... كما وشم النواشر بالنؤور «2» # فشبه الشمال والدبور بالرماد. # ومن خطأ التشبيه قول الجعدى: # كأن حجاج مقلتها قليب # والحجاج: العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وليس هذا مما يغور؛ وإنما ~~تغور العين. # ومن التشبيه الكريه المتكلف قول زهير «3» : # فزل عنها ووافى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمى رأسه النسك «4» # ومن التشبيه الردىء اللفظ قول أوس بن حجر «5» : # كأن هرا جنيبا تحت غرضتها «6» ... والتف ديك برجليها وخنزير # وأعجب من هذا قول بشار: # وبعض الجود خنزير # ومن بعيد التشبيه قول أعرابى: # وما زلت ترجو نيل سلمى وودها ... وتبعد حتى ابيض منك المسايح «7» # ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرت، منها سنيح وبارح # فشبه شعرات بيضا فى حاجبيه بظباء سوانح وبوارح. وقال أبو تمام «8» : # كأننى حين جردت الرجاء له ... عضب صببت به ماء على الزمن # PageV01P258 # ولا يكاد يرى تشبيه أبرد من هذا. # وكتب آخر إلى أخ له يعتذر من ترك زيارته: قد طلعت فى إحدى أثيى بثرة، ~~فعظمت حتى كأنها الرمانة الصغيرة. # وقال على الأسوارى: فلما رأيته اصفر وجهى حتى صار كأنه لون الكشوت «1» . # وقال له محمد بن الجهم: كم آخذ من الدواء الذى جئت به؟ قال: مقدار بعرة. # فجاء بلفظ قذر، ولم يبن عن المراد؛ لأن البعر يختلف فى الكبر والصغر، ولا ~~يعرف أبعرة ظبى أراد أم بعرة شاة أم بعرة جمل. # ومن التشبيه المتنافر قول الجمانى يصف ليلا: # كأنما الطرف يرمى فى جوانبه ... عن العمى وكأن النجم قنديل # اجتماع العمى والقنديل فى غاية التنافر. # ومن ردىء التشبيه قول ابن المعتز: # أرى ليلا من الشعر ... على شمس من الناس # الجمع بين الليل والناس ردىء. وقد وقع هاهنا باردا. # PageV01P259 # الباب الثامن فى ذكر السجع والازدواج # لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، ولا تكاد تجد لبليغ ~~كلاما يخلو من الازدواج، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأنه فى ~~نظمه خارج من كلام الخلق، وقد ms146 كثر الازدواج فيه حتى حصل فى أوساط الآيات ~~فضلا عما تزاوج فى الفواصل منه «1» . كقول الله تعالى: الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور # . وقوله عز وجل: أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم # . وقوله تعالى: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه. # وقوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم # . إلى غير ذلك من الآيات. # وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير. مثل قوله تعالى: فإذا فرغت فانصب، ~~وإلى ربك فارغب # . وقوله سبحانه: فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر # . وقوله عز وجل: والعصر إن الإنسان لفي خسر # . وقوله جل ذكره: وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا # ؛ وهذا من المطابقة التى لا تجد فى كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة ~~احتصار؛ على كثرة المطابقة فى الكلام. # وكذلك جميع ما فى القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف فى تمكين ~~المعنى، وصفاء اللفظ، وتضمن الطلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق. ~~ألا ترى قوله عز اسمه: والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن ~~به نقعا فوسطن به جمعا # قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى، من مثل قول # PageV01P260 # الكاهن: والسماء والأرض، والقرض والفرض، والغمر والبرض «1» . ومثل هذا من ~~السجع مذموم لما فيه من التكلف والتعسف. ولهذا ما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم لرجل، قال له: أندى «2» من لا شرب ولا أكل، ولا صاح، فاستهل، فمثل ذلك ~~يطل «3» : أسجعا كسجع الكهان! لأن التكلف فى سجعهم فاش، ولو كرهه عليه ~~الصلاة والسلام لكونه سجعا لقال: أسجعا؛ ثم سكت، وكيف يذمه ويكرهه، وإذا ~~سلم من التكلف، وبرىء من التعسف لم يكن فى جميع صنوف الكلام أحسن منه. # وقد جرى عليه كثير من كلامه عليه السلام؛ فمن ذلك ما حدثنا به يوسف ~~الإمام بواسط، قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله أبو شهاب عن عوف عن ~~زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبى صلى الله عليه ms147 ~~وسلم المدينة انجفل الناس قبله؛ فقيل: قدم رسول الله، فجئت فى الناس لأنظر ~~إليه. فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شىء تكلم به أن ~~قال: «أيها الناس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا ~~بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» . # وكان صلى الله عليه وسلم ربما غير الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ ~~وإتباع الكلمة أخواتها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «أعيذه من الهامة، ~~والسامة، وكل عين لامة» . وإنما أراد «ملمة» . وقوله عليه السلام: «ارجعن ~~مأزورات، غير مأجورات» . وإنما أراد «موزورات» ، من الوزر. فقال: مأزورات، ~~لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحة التسجيع. # فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلف والخلو من ~~التعسف. # PageV01P261 # وقد اعتمد فى موضع تجنب السجع وهو معرض له، وكلامه كان يطالبه. فقال: # «وما يدريك أنه شهيد، لعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا ينفعه» ~~. ولو قال: # بما لا يغنيه، لكان سجعا. والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر ~~المقامات، ولعل قوله: «ينفعه» كان أليق بالمقام فعدل إليه. ### | وجوه السجع # والسجع على وجوه: فمنها أن يكون الجزآن متوازنين متعادلين، لا يزيد ~~أحدهما على الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه. وهو كقول الأعرابى: سنة ~~جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم. فهذه ~~الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان، والفواصل على حرف واحد. ومثله ~~قول آخر من الأعراب، وقد قيل له: من بقى من إخوانك؟ فقال: كلب نابح، وحمار ~~رامح، وأخ فاضح. وقال أعرابى لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء ~~غير معمور، ورجل غير مسرور؛ فأقم بندم، أو ارتحل بعدم. ودعا أعرابى، فقال: # اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك. وقال آخر: شهادات الأحوال، أعدل من ~~شهادات الرجال. ودعا أعرابى، فقال: أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل ~~إلا لك. وقال أعرابى ذهب بابنه السيل: اللهم إن كنت قد أبليت، فإنك طالما ~~عافيت. وقيل لأعرابى: ما خير العنب؟ قال: ما اخضر عوده، ms148 وطال عموده، وعظم ~~عنقوده. وقال أعرابى: باكرنا وسمى، ثم خلفه ولى «1» . فالأرض كأنها وشى ~~منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد، فاحترثت البلاد، ~~وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوى الأكول، بالضعيف المأكول. # فهذه الفصول متوازية لا زيادة فى بعض أجزائها على بعض، بل فى القليل ~~منها، # PageV01P262 # وقليل ذلك مغتفر لا يعتد به. فمن ذلك قوله: «فسبحان من يهلك القوى ~~الأكول» فيه زيادة على ما بعده وهو حسن. # ومنها أن يكون ألفاظ الجزأين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا فى ~~سجع، وهو مثل قول البصير: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا. # فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر، فهو سجع فى سجع؛ وهذا ~~الجنس إذا سلم من الاستكراه فهو أحسن وجوه السجع. ومثله قول الصاحب: # لكنه عمد للشوق فأجرى جياده غرا وقرحا «1» ، وأورى زناده قدحا فقدحا. ~~وقوله: # هل من حق الفضل تهضمه شغفا ببلدتك، وتظلمه كلفا بأهل جلدتك. وقوله: # وقد كتبت إلى فلان ما يوجز الطريق إلى تخلية نفسه، وينجز وعد الثقة فى فك ~~حبسه؛ فهذان الوجهان من أعلى مراتب الازدواج والسجع. # والذى هو دونهما: أن تكون الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف ~~متقاربة المخارج إذا لم يمكن أن تكون من جنس واحد، كقول بعض الكتاب: # إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم، وكنت لا أوتى من ضعف سبب؛ فكيف أخاف منك ~~خيبة أمل، أو عدولا عن اغتفار زلل، أو فتورا عن لم شعث، أو قصورا عن إصلاح ~~خلل. فهذا الكلام جيد التوازن ولو كان بدل «ضعف سبب» كلمة آخرها ميم ليكون ~~مضاهيا لقوله: «نقص كرم» لكان أجود؛ وكذلك القول فيما بعده. # والذى ينبغى أن يستعمل فى هذا الباب ولا بد منه هو الازدواج، فإن أمكن أن ~~يكون كل فاصلتين على حرف واحد، أو ثلاث، أو أربع لا يتجاوز ذلك كان أحسن؛ ~~فإن جاوز ذلك نسب إلى التكلف. وإن أمكن أيضا أن تكون الأجزاء متوازنة كان ~~أجمل، وإن لم يكن ذلك فينبغى أن يكون الجزء الأخير أطول، على أنه ms149 # PageV01P263 # قد جاء فى كثير من ازدواج الفصحاء ما كان الجزء الأخير منه أقصر، حتى جاء ~~فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم منه شىء كثير. كقوله للأنصار يفضلهم على ~~من سواهم: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع» . وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «رحم الله من قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» . وكقول أعرابى: # فلان صحيح النسب، مستحكم السبب، من أى أقطاره أتيته أتى إليك بحسن مقال، ~~وكرم فعال. وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل خير عملى ما ولى أجلى. # وينبغى أيضا أن تكون الفواصل على زنة واحدة، وإن لم يمكن أن تكون على حرف ~~واحد، فيقع التعادل والتوازن، كقول بعضهم: اصبر على حر اللقاء، ومضض ~~النزال، وشدة المصاع «1» ، ومداومة المراس. فلو قال: على حر الحرب، ومضض ~~المنازلة، لبطل رونق التوازن، وذهب حسن التعادل. # ومن عيوب الازدواج التجميع؛ وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة ~~المشاكلة لفاصلة الجزء الثانى؛ مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب: وصل كتابك ~~فوصل به ما يستعبد الحر، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان ~~سالف ودك لم يبق منه شيئا؛ فالعبودية بعيدة عن مشاكلة منه. # ومن عيوبه التطويل؛ وهو أن تجىء بالجزء الأول طويلا، فتحتاج إلى إطالة ~~الثانى ضرورة، مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب فى تعزية: إذا كان للمحزون ~~فى لقاء مثله أكبر الراحة فى العاجل ... فأطال هذا الجزء وعلم أن الجزء ~~الثانى ينبغى أن يكون طويلا مثل الأول وأطول، فقال: وكان الحزن راتبا إذا ~~رجع إلى الحقائق وغير زائل. فأتى باستكراه، وتكلف عجيب. # وقد أعجب العرب السجع حتى استعملوه فى منظوم كلامهم، وصار ذلك الجنس # PageV01P264 # من الكلام منظوما فى منظوم، وسجعا فى سجع. وهذا مثل قول امرىء القيس «1» ~~: # سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا «2» # وقوله «3» : # وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب «4» # وقوله «5» : # فتور القيام قطيع الكلام ... يفتر عن ذى غروب خصر «6» # وسمى أهل الصنعة هذا النوع من الشعر المرصع، وستراه فى موضعه مشروحا ~~مستقصى إن شاء الله تعالى. # PageV01P265 # الباب ms150 التاسع فى شرح البديع، وهو خمسة وثلاثون فصلا # الفصل الأول فى الاستعارة والمجاز، الفصل الثانى فى التطبيق، الفصل ~~الثالث فى التجنيس، الفصل الرابع فى المقابلة، الفصل الخامس فى صحة ~~التقسيم، الفصل السادس فى صحة التفسير، الفصل السابع فى الإشارة، الفصل ~~الثامن فى الأرداف والتوابع، الفصل التاسع فى المماثلة، الفصل العاشر فى ~~الغلو، الفصل الحادى عشر فى المبالغة، الفصل الثانى عشر فى الكناية ~~والتعريض، الفصل الثالث عشر فى العكس والتبديل، الفصل الرابع عشر فى ~~التذييل، الفصل الخامس عشر فى الترصيع، الفصل السادس عشر فى الإيغال، الفصل ~~السابع عشر فى الترشيح، الفصل الثامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور، الفصل ~~التاسع عشر فى التكميل والتتميم، الفصل العشرون فى الالتفات، الفصل الحادى ~~والعشرون فى الاعتراض، الفصل الثانى والعشرون فى الرجوع، الفصل الثالث ~~والعشرون فى تجاهل العارف، الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد، الفصل ~~الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف، الفصل السادس والعشرون فى السلب ~~والإيجاب، الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء، الفصل الثامن والعشرون فى ~~المذهب الكلامى، الفصل التاسع والعشرون فى التشطير، الفصل الثلاثون فى ~~المحاورة، الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج، الفصل الثانى ~~والثلاثون فى التعطف، الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعف، الفصل الرابع ~~والثلاثون فى التطريز، الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف. # PageV01P266 # فهذه أنواع البديع التى ادعى من لا رواية له ولا دراية عنده أن المحدثين ~~ابتكروها وأن القدماء لم يعرفوها؛ وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين؛ لأن ~~هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرىء من العيوب، كان فى غاية ~~الحسن، ونهاية الجودة. # وقد شرحت فى هذا الكتاب فنونه، وأوضحت طرقه، وردت على ما أورده المتقدمون ~~ستة أنواع: التشطير، والمحاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطف. ~~وشذبت على ذلك فضل تشذيب، وهذبته زيادة تهذيب، وبالله أستعين على ما يزلف ~~لديه، ويستدعى الإحسان من عنده وهو تعالى وليه وموليه إن شاء الله. # PageV01P267 ### | الفصل الأول فى الاستعارة والمجاز ### | الاستعارة والغرض منها # الاستعارة: نقل العبارة عن موضع استعمالها فى أصل اللغة إلى غيره لغرض، ~~وذلك الغرض إما ms151 أن يكون شرح المعنى وفضل الإبانة عنه، أو تأكيده والمبالغة ~~فيه، أو الإشارة إليه بالقليل من اللفظ، أو تحسين المعرض الذى يبرز فيه؛ ~~وهذه الأوصاف موجودة فى الاستعارة المصيبة؛ ولولا أن الاستعارة المصيبة ~~تتضمن ما لا تتضمنه الحقيقة؛ من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها ~~استعمالا. # والشاهد على أن للاستعارة المصيبة من الموقع ما ليس للحقيقة أن قول الله ~~تعالى: # يوم يكشف عن ساق # أبلغ وأحسن وأدخل مما قصد له من قوله لو قال: يوم يكشف عن شدة الأمر، وإن ~~كان المعنيان واحدا؛ ألا ترى أنك تقول لمن تحتاج إلى الجد فى أمره: شمر عن ~~ساقك فيه، واشدد حيازيمك له؛ فيكون هذا القول منك أوكد فى نفسه من قولك: جد ~~فى أمرك، وقول دريد بن الصمة «1» : # كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على العزاء طلاع أنجد «2» # وقال الهذلى «3» : # وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزرى # ومن ذلك قوله تعالى: ولا يظلمون نقيرا # ، ولا يظلمون فتيلا # ؛ وهذا أبلغ من قوله سبحانه: ولا يظلمون شيئا # ؛ وإن كان فى قوله: ولا يظلمون شيئا أنفى لقليل الظلم وكثيره فى الظاهر. ~~وكذا قوله تعالى: ما يملكون من قطمير # PageV01P268 # أبلغ من قوله تعالى: ما يملكون من قطمير # ، وإن كان هذا أنفى لجميع ما يملك فى الظاهر. وتقول العرب: ما رزأته ~~زبالا. والزبال: ما تحمله النحلة بفيها؛ يريدون ما نقصته شيئا. وقال ~~النابغة «1» : # يجمع الجيش ذا الألوف ويعدو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا «2» # ولو قلت أيضا: ما يملك شيئا البتة، وما يظلمون شيئا لما عمل عمل قولك: # ما يملكون قطميرا. ولا يظلمون نقيرا «3» ؛ وإن كان فى الأول ما يؤكده من ~~قولك: # البتة، وأصلا. كذا حكاه لى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان. وليس يقتضى ~~هذا أنهم يظلمون دون النقير، أو يملكون دون القطمير؛ بل هو نفى لجميع الملك ~~والظلم، لا يشك فى ذلك من يسمعه. # وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل فى نفس السامع ما ~~لا تفعل الحقيقة؛ ومن ms152 غير هذا النوع قوله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان # معناه سنقصد؛ لأن القصد لا يكون إلا مع الفراغ، ثم فى الفراغ هاهنا معنى ~~ليس فى القصد وهو التوعد والتهديد. ألا ترى قولك: سأفرغ لك، يتضمن من ~~الإيعاد ما لا يتضمنه قولك: سأقصدلك. وهكذا قوله تعالى: وأفئدتهم هواء # ؛ أى لاتعى شيئا، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء حتى يشغله شىء. ~~وقولك: هذا أوجز من قولك: لا تعى شيئا، فلإيجازه فضل الحقيقة. وكذلك قوله ~~تعالى: أعثرنا عليهم # ، معناه أطلعنا عليهم. والاستعارة أبلغ؛ لأنها تتضمن غفلة القوم عنهم حتى ~~اطلعوا عليهم، وأصله أن من عثر بشىء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير ~~الإعثار مكان التبيين والإظهار. ومنه قول الناس: ما عثرت من فلان على سوء ~~قط؛ أى ما ظهرت على ذلك منه. # PageV01P269 # ومنه قوله عز اسمه: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها # ؛ فاستعمل النور مكان الهدى، لأنه أبين، والظلمة مكان الكفر لأنها أشهر. ~~وكذلك قوله تعالى: ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك # ، وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره. # ومن ذلك قوله عز وجل: ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها # أى أحمالا من حليهم، فذكر الحمل وأراد الإثم لما فى وضع الحمل عن الظهر ~~من فضل الاستراحة، وحسن ذكر إنقاض الظهر وهو صوته لذكر الحمل؛ لأن حامل ~~الحمل الثقيل جدير بإنقاض الظهر، والأوزار أيضا: السلاح. ومنه قوله تعالى: ~~حتى تضع الحرب أوزارها # . وقال الشاعر: # وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا «1» # وقوله تعالى: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه # ؛ أى ترخصوا. والاستعارة أبلغ؛ لأن قولك: أغمض عن الشىء أدعى إلى ترك ~~الاستقصاء فيه من قولك: رخص فيه. وكذلك قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن # معناه فإنه يماس المرأة وزوجها يماسها. والاستعارة أبلغ؛ لأنها أدل على ~~اللصوق وشدة المماسة. # ويحتمل أن يقال: إنهما يتجردان ويجتمعان فى ثوب واحد ويتضامان فيكون كل ~~واحد منهما للآخر بمنزلة اللباس؛ فيجعل ms153 ذلك تشبيها بغير أداة التشبيه. # ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة، وهى أصل الدلالة على المعنى فى ~~اللغة، كقول امرىء القيس «2» : # وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «3» # PageV01P270 # والحقيقة مانع الأوابد من الذهاب والإفلات، والاستعارة أبلغ؛ لأن القيد ~~من أعلى مراتب المنع عن التصرف، لأنك تشاهد ما فى القيد من المنع، فلست تشك ~~فيه. # وكذلك قولهم: هذا ميزان القياس؛ حقيقته تعديل القياس، والاستعارة أبلغ؛ ~~لأن الميزان يصور لك التعديل حتى تعاينه، وللعيان فضل على ما سواه. وكذلك: # العروض ميزان الشعر، حقيقته تقويمه. # ولابد أيضا من معنى مشترك بين المستعار والمستعار منه؛ والمعنى المشترك ~~بين قيد الأوابد ومانع الأوابد هو الحبس وعدم الإفلات، وبين ميزان القياس ~~وتعديله حصول الاستقامة وارتفاع الحيف والميل إلى أحد الجانبين؛ وهكذا جميع ~~الاستعارات والمجازات. # ومن ذلك قوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا # حقيقته عمدنا، وقدمنا أبلغ؛ لأنه دل فيه على ما كان من إمهاله لهم، حتى ~~كأنه كان غائبا عنهم، ثم قدم فاطلع منهم على غير ما ينبغى فجازاهم بحسبه؛ ~~والمعنى الجامع بينهما العدل فى شدة النكير؛ لأن العمد إلى إبطال الفاسد ~~عدل. وأما قوله: هباء منثورا # فحقيقته أبطلناه حتى لم يحصل منه شىء، والاستعارة أبلغ؛ لأنه إخراج ما لا ~~يرى إلى ما يرى. # والشاهد أيضا على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة أن قوله تعالى: # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية # حقيقته علا وطما، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيها دلالة القهر، وذلك أن ~~الطغيان علو فيه غلبة وقهر. وكذلك قوله تعالى: # بريح صرصر عاتية # حقيقته شديدة، والاستعارة أبلغ؛ لأن العتو شدة فيها تمرد. وقوله تعالى: ~~سمعوا لها شهيقا وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ # حقيقة الشهيق هاهنا الصوت الفظيع؛ وهما لفظتان، والشهيق لفظة واحدة فهو ~~أوجز على ما فيه من زيادة البيان. وتميز: حقيقته تنشق من غير تباين، ~~والاستعارة أبلغ؛ لأن التميز فى الشىء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره ~~وصائرا على حدته، وهو أبلغ من ms154 الانشقاق؛ لأن الانشقاق قد يحصل فى الشىء من ~~غير تباين، والغيظ # PageV01P271 # حقيقته شدة الغليان، وإنما ذكر الغيظ؛ لأن مقدار شدته على النفس مدرك ~~محسوس، ولأن الانتقام منا يقع على قدره؛ ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم ~~مقامه الحقيقة البتة. # وقوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب # معناه ذهب، وسكت أبلغ؛ لأن فيه دليلا على موقع العودة فى الغضب إذا تؤمل ~~الحال، ونظر فيما يعود به عبادة العجل من الضرر فى الدين، كما أن الساكت ~~يتوقع كلامه. # وقوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا # . وحقيقته ذر بأسى وعذابى؛ إلا أن الأول أبلغ فى التهدد؛ كما تقول إذا ~~أردت المبالغة والإيعاد: ذرنى وإياه، ولو قال: ذر ضربى له وإنكارى عليه لم ~~يسد ذلك المسد، ولعله لم يكن حسنا مقبولا. وقوله عز وجل: # فمحونا آية الليل # معناه كشفنا الظلمة، والأول أبلغ؛ لأنك إذا قلت: محوت الشىء فقد بينت أنك ~~لم تبق له أثرا؛ وإذا قلت: كشفت الشىء مثل الستر وغيره لم تبن أنك أذهبته ~~حتى لم تبق له أثرا. وقوله سبحانه: وجعلنا آية النهار مبصرة # حقيقته مضيئة، والاستعارة أبلغ؛ لأنها تكشف عن وجه المنفعة، وتظهر موقع ~~النعمة فى الإبصار. # وقوله تعالى: واشتعل الرأس شيبا # حقيقته كثر الشيب فى الرأس وظهر، والاستعارة أبلغ؛ لفضل ضياء النار على ~~ضياء الشيب، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه، ولأنه لا يتلافى انتشاره ~~فى الرأس، كما لا يتلافى اشتعال النار. وقوله تعالى: بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه # ، حقيقته بل نورد الحق على الباطل فيذهبه. والقذف أبلغ من الإيراد؛ لأن ~~فيه بيان شدة الوقع وفى شدة الوقع بيان القهر، وفى القهر هاهنا بيان إزالة ~~الباطل على جهة الحجة، لا على جهة الشك والارتياب، والدمغ أشد من الإذهاب، ~~لأن فى الدمغ من شدة التأثير وقوة النكاية ما ليس فى الإذهاب. وقوله تعالى: ~~عذاب يوم عقيم # وقوله عز اسمه: إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # فالعقيم التى لا تجىء بولد؛ والولد من أعظم النعم، وأجسم الخيرات؛ ولهذا ~~قالت العرب: ms155 شوهاء ولود، خير من حسناء عقيم. # PageV01P272 # فلما كان ذلك اليوم لم يأت بمنفعة حين جاء، ولم يبق خيرا حين مر سمى ~~عقيما. # ويمكن أن يقال: إنما سمى عقيما لأنه لم يبق أحدا من القوم، كما أن العقيم ~~لا يخلف نسلا، وسمى الريح، عقيما لأنها لم تأت بمطر ينتفع به ويبقى له أثر ~~من نبات وغيره؛ كما أن العقيم من النساء لا تأتى بولد يرجى. # وفضل الاستعارة على الحقيقة فى هذا أن حال العقيم فى هذا أظهر قبحا من ~~حال الريح التى لا تأتى بمطر؛ لأن العقيم كانت عند العرب أكره وأشنع من ريح ~~لا تأتى بمطر؛ لأن العادة فى أكثر الرياح ألا تأتى بمطر، وليست العادة فى ~~النساء أن يكون أكثرهن عقيما. # وقوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار # ، وهذا الوصف إنما هو على ما يتلوح «1» للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن ~~الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس وإضاءته ~~لطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما فى رأى ~~العين كأنهما ذلك، والسلخ يكون فى الشىء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت ~~هوادى الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليها اسم السلخ؛ فكان ~~أفصح من قوله: يخرج؛ لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم فيهما من الإخراج. # وقوله تعالى: فأنشرنا به بلدة ميتا # ؛ من قولهم: أنشر الله الموتى فنشروا، وحقيقته أظهرنا به النبات؛ إلا أن ~~إحياء الميت أعجب، فعبر عن إظهار النبات به فصار أحسن من الحقيقة. # وقوله تعالى: وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم # ، يعنى الحرب، فنبه على ما له تخاف الحرب؛ وهو شوكة السلاح وهى حده، فصار ~~أحسن من الحقيقة لإنبائه عن نفس المحذور. ألا ترى أن قولك لصاحبك: لأوردنك ~~على حد السيف، أشد موقعا من قولك له: لأحاربنك. # وقوله تعالى: وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض # ، أى كثير. والاستعارة أبلغ، لأن معنى العرض فى مثل هذا الموضع التمام. ~~قال كثير: # أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد ms156 صار إليك العرض والطول # (18- الصناعتين) # PageV01P273 # أى صار إليك المجد بتمامه؛ وقد يكون كثيرا غير تام. # وقوله تعالى: والصبح إذا تنفس # ، حقيقته إذا انتشر، وتنفس أبلغ لما فيه من بيان الروح عن النفس عند ~~إضاءة الصبح؛ لأن لليل كربا وللصبح تفرجا. قال الطرماح: # على أن للعينين فى الصبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كل مطرح # والراحة التى يجدها الإنسان عند التنفس محسوسة. # وقوله تعالى: مستهم البأساء والضراء وزلزلوا # ، حقيقته أزعجوا، والزلزلة أبلغ، لأنها أشد من الازعاج ومن كل لفظة يعبر ~~بها عنه أيضا. # وقوله تعالى: أفرغ علينا صبرا # ، حقيقته صبرنا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الإفراغ يدل على العموم، معناه ~~ارزقنا صبرا يعم جميعنا كإفراغك الماء على الشىء فيعمه. # وقوله سبحانه: ضربت عليهم الذلة # ، حقيقته حصلت، إلا أن للضرب تبيينا ليس للحصول، وقالوا: ضرب على فلان ~~البعث، أى أوجب وأثبت عليه، والشىء يثبت بالضرب ولا يثبت بالحصول، والضرب ~~أيضا ينبىء عن الإذلال والنقص، وفى ذلك الزجر وشدة النقير عن حالهم. # وقوله تعالى: فنبذوه وراء ظهورهم # ، حقيقته غفلوا عنه، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما ~~يرى، ولأن ما حصل وراء ظهر الإنسان فهو أحرى بالغفلة عنه مما حصل قدامه. # وقوله تعالى: أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا # ، حقيقته ذات سرور، والاستعارة أبلغ؛ لأن العادة جرت فى الأعياد بتوفير ~~السرور عند الصغير والكبير، فتضمن من معنى السرور ما لا تتضمنه الحقيقة. # وكذلك قوله عز اسمه: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا # . وقوله تعالى: # فدلاهما بغرور # ، أخرج ما لا يرى من تنقصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذى يرى. وعبر عن ~~فعل إبليس الذى لا يشاهد بالتدلى من العلو إلى سفل وهو مشاهد. # ولما كانوا يتكلمون فى آيات القرآن، ويتنقصونها بغير بصيرة شبه ذلك ~~بالخوض؛ لأن الخائض يطأ على غير بصيرة. # وكذلك قوله تعالى: ويبغونها عوجا # ، حقيقته خطأ؛ لأن الاعوجاج # PageV01P274 # مشاهد والخطأ غير مشاهد. وكذلك قوله سبحانه: أو آوي إلى ركن شديد # ، أى إلى معين؛ والاستعارة أبلغ؛ لأن الركن مشاهد، والمعين ms157 لا يشاهد من ~~حيث أنه معين. # وكذلك قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # ، حقيقته لا تكونن ممسكا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الغل مشاهد والإمساك غير ~~مشاهد، فصور له قبح صورة المغول ليستدل به على قبح الإمساك. # وقوله تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر # ، حقيقته لنرينهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن حس الذائق لإدراك ما يذوقه قوى، ~~وللذوق فضل على غيره من الحواس. ألا ترى أن الإنسان إذا رأى شيئا ولم يعرفه ~~شمه فإن عرفه وإلا ذاقه، لما يعلم أن للذوق فضلا فى تبين الأشياء. # وقوله تعالى: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # ، حقيقته منعناهم «1» بآذانهم، من غير صمم يبطل آلة السمع، كالضرب على ~~الكتاب يمنع من قراءته ولا يبطله، والاستعارة أبلغ؛ لإيجازه وإخراج ما لا ~~يرى إلى ما يرى. # وقوله عز اسمه: وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال # ليس فى جميع القرآن أبلغ ولا أفصح من هذا، وحقيقة القرض هاهنا أن الشمس ~~تمسهم وقتا يسيرا ثم تغيب عنهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن القرض أقل فى اللفظ ~~من كل ما يستعمل بدله من الألفاظ، وهو دال على سرعة الارتجاع، والفائدة أن ~~الشمس لو طاولتهم بحرها لصهرتهم «2» ، وإنما كانت تمسهم قليلا بقدر ما يصلح ~~الهواء الذى هم فيه؛ لأن الشمس إذا لم تقع فى مكان أصلا فسد. # فهذه جملة مما فى كتاب الله عز وجل من الاستعارة، ولا وجه لاستقصاء ~~جميعه؛ لأن الكتاب يخرج عن حده. ### | الاستعارة فى كلام العرب # وأما ما جاء فى كلام العرب منه، فمثل قولهم: هذا رأس الأمر ووجهه، وهذا ~~الأمر فى جنب غيره يسير، ويقولون: هذا جناح الحرب وقلبها. وهؤلاء رءوس # PageV01P275 # القوم وجماجمهم وعيونهم. وفلان ظهر فلان، ولسان قومه ونابهم وعضدهم. # وهذا كلام له ظهر وبطن. وفى العرب الجماجم، والقبائل، والأفخاذ، والبطون، ~~وخرج علينا عنق «1» من الناس. وله عندى يد بيضاء، وهذه سرة الوادى، وبابل ~~عين الأقاليم، وهذا أنف الجبل، وبطن الوادى، ويسمون النبات نوءا. قال «2» : # وجف أنواء السحاب المرتزق # أى جف البقل، ويقولون للمطر: سماء. قال ms158 الشاعر «3» : # إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # ويقولون: ضحكت الأرض، إذا أنبتت؛ لأنها تبدى عن حسن النبات كما يفتر ~~الضاحك عن الثغر، ويقال: ضحكت الطلعة. والنور يضاحك الشمس. # قال الأعشى «4» : # يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل «5» # ويقولون: ضحك السحاب بالبرق، وحن بالرعد، وبكى بالقطر. ويقولون: # لقيت من فلان عرق القربة، أى شدة ومشقة. وأصل هذا أن حامل القربة يتعب من ~~نقلها حتى يعرق. ويقولون أيضا: لقيت منه عرق الجبين، والعرب تقول: # بأرض فلان شجر قد صاح؛ وذلك إذا أطال فتبين للناظر بطوله، ودل على نفسه؛ ~~لأن الصائح يدل على نفسه. ويقولون: هذا شجر واعد، إذا أقبل بماء ونضرة؛ ~~كأنه يعد بالثمر؛ قال سويد بن أبى كاهل «6» : # لعاع تهاداه الدكادك واعد «7» # PageV01P276 # ومثله قول الشاعر: # يريد الرمح صدر أبى براء ... ويرغب عن دماء بنى عقيل # ومثله قوله تعالى: جدارا يريد أن ينقض. # وأنشد الفراء: # إن دهرا يلف شملى بسلمى ... لزمان يهم بالإحسان ### | الاستعارة فى كلام النبى والصحابة والأعراب # ومما فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضى الله عنهم، ونثر ~~الأعراب، وفصول الكتاب من الاستعارة قوله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود ~~بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» . # وقال طفيل: # وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب # وقول النبى صلى الله عليه وسلم: «كلما سمع هيعة «1» طار إليها» . وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» . وقال عليه الصلاة ~~والسلام: # «البلاء موكل بالمنطق» . ورأى عليا مع فاطمة رضى الله عنهما فى بيت فرد ~~عليهما الباب وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة» . # وقال على رضى الله عنه: السفر ميزان القوم. وقوله: فأما وقد اتسع نطاق ~~الإسلام فكل امرىء وما يختار. وقوله لابن عباس رضى الله عنه: ارغب راغبهم، ~~واحلل عقدة الخوف عنهم. وقوله: العلم قفل ومفتاحه المسألة. وقوله: الحلم ~~والأناة توأمان، نتيجتهما علو الهمة. وقوله لبعض الخوارج: والله ما عرفته ~~حتى فغر الباطل فمه، فنجمت نجوم قرن الماعزة. وقال فى بعض خطبه يصف ms159 الدنيا: ~~إن امرأ لم يكن منها فى فرحة، إلا أعقبته بعدها ترحه؛ ولم يلق من سرائها ~~بطنا، إلا منحته من ضرائها ظهرا؛ ولم تظله فيها غيابة رخاء، إلا هبت عليه ~~مزنة بلاء، ولم يمس منها فى جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف. # وقال أبو بكر رضى الله عنه: إن الملك إذا ملك زهده الله فى ماله، ورغبه ~~فيما # PageV01P277 # فى يدى غيره، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل، ويسخط الكثير، جذل ~~الظاهر، حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظله، حاسبه الله عز ~~وجل فأشد حسابه، وأقل عفوه. # وكتب خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فض ~~خدمتكم «1» ، وفرق كلمتكم. # وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة ~~«2» . # وقال الحجاج: دلونى على رجل سمين الأمانة، أعجف الخيانة. وقال عبد الله ~~بن وهب الراسبى لأصحابه: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام العضيب «3» ؛ ~~فلما بايعوه، قال: دعوا الرأى يغب فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه. وقيل ~~لأعرابى: إنك لحسن الكدنة؛ «4» قال: ذاك عنوان نعمة الله عندى. وقال أكثم ~~بن صيفى: الحلم دعامة العقل. وسئل عن البلاغة فقال: دنو المأخذ، وقرع ~~الحجة، وقليل من كثير. وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك، فإنه كان ~~يقرى العين جمالا، والأذن بيانا. وقيل لأعرابية: أين بلغت قدرك، قالت: حين ~~قام خطيبها. وقيل لأعرابية: كم أهلك؟ # قالت: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة: كيف تركت ما ~~وراك؟ قال: التراب يابس، والمال عابس. وقال المنصور لبعضهم: بلغنى أنك ~~يخيل، فقال: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل. وقال إبراهيم الموصلى: قلت ~~للعباس بن الحسن: إنى لأحبك قال: رائد ذاك عندى. وقال بعضهم: الاستطالة ~~لسان الجهالة. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفء النعمة. وقال أعرابى: خرجت فى ~~ليلة حندس، ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان؛ فما كنا نتعارف # PageV01P278 # إلا بالآذان. وقال أعرابى لآخر: يسار النفس خير من يسار المال، ms160 ورب شبعان ~~من النعم، غزثان «1» من الكرم. وغزت نميرا حنيفة فاتبعتهم نمير، فأتوا ~~عليهم، فقيل لرجل: كيف كان القوم؟ فقال: اتبعوهم والله رفدا حقبوا كل ~~جمالية خيفانة، فما زالوا يحصفون آثار المطى بحوافر الخيل؛ فلما لقوهم ~~جعلوا المران أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم «2» . وقال آخر: فلان أملس، ~~ليس فيه مستقر لخير، ولا لشر. # وقال أحمد بن يوسف وقد شتمه «3» رجل بين يدى المأمون: رأيته يستملى ما ~~يلقانى به من عينيك. وقيل لأعرابى: أى الطعام أطيب؟ قال: الجوع أبصر. ومدح ~~أعرابى رجلا فقال: كان يفتح من الرأى أبوابا منسدة، ويغسل من العار وجوها ~~مسودة. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان والله إذا عرضت له زينة الدنيا هجنتها ~~زينة الحمد عنده؛ وإن للصنائع لغارة على أمواله كغارة سيوفه على أعدائه. ~~ومدح أعرابى قوما فقال: أولئك غرر تضىء من ظلم الأمور المشكلة، قد صغت آذان ~~المجد إليهم. # وقال أعرابى يمدح رجلا: إنه ليطعى عطاء من يعلم أن مادته. ومدح أعرابى ~~رجلا، فقال: لسانه أحلى من الشهد، وقلبه سجن للحقد. ومدح أعرابى رجلا فقال: # إن أسأت إليه أحسن، وكأنه المسىء، وإن أجرمت إليه غفر، وكأنه المجرم، ~~اشترى بالمعروف عرضه من الأذى؛ فهو وإن كانت له الدنيا بأسرها فوهبها، رأى ~~بعد ذلك عليه حقوقا؛ لا يستعذب الخنا، ولا يستحسن غير الوفا «4» . # وذم أعرابى رجلا فقال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. # وذم أعرابى رجلا فقال: إن فلانا ليقدم على الذنوب إقدام رجل قدم فيها ~~نذرا، أو يرى أن فى إتيانها عذرا. وقال أعرابى لرجل: لا تدنس شعرك بعرض ~~فلان؛ # PageV01P279 # فإنه سمين المال، مهزول المعروف، قصير عمر المنى، طويل حيات الفقر. وسأل ~~أعرابى فقيل له: عليك بالصيارف، فقال: هناك قرارة اللؤم. وذكر أعرابى قوما ~~فقال: أولئك قوم قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم؛ فلباسهم فى ~~الدنيا الملامة، وزادهم فى الآخرة الندامة. وذم أعرابى قوما فقال: هم أقل ~~دنوا إلى أعدائهم، وأكثر تجرما على أصدقائهم، يصومون عن المعروف ويفطرون ~~على الفحشاء. وذم أعرابى رجلا فقال: ms161 ذاك رجل تعدو إليه مواكب الضلالة، ~~ويرجع من عنده ببدر الآثام، معدم مما يحب، مثر مما يكره. # وقال أعرابى: ما أشد جولة الهوى! وفطام النفس عن الصبا، ولقد تصدعت نفسى ~~للعاشقين؛ لوم العاذلين قرطة فى آذانهم، ولوعات الحب نيران فى أبدانهم. # وقال أعرابى: ما رأيت دمعة ترقرق فى عين، وتجرى على خد، أحسن من عبرة ~~أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبى. وقال أعرابى- وذكر قوما زهادا- فاز قوم ~~أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ~~ورحل عنهم التسويف الذى قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه ~~بالفعال، تركوا النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة؛ لا تراهم إلا فى وجه ~~عند الله وجيها. ووصف أعرابى واليا فقال: كان إذا ولى طابق من جفونه، وأرسل ~~العيون على عيونه، فهو شاهد معهم، غائب عنهم، فالمحسن آمن، والمسىء خالف. ~~ووصف أعرابى دارا فقال: هى والله معتصرة الدموع، جرت بها الرياح أذيالها، ~~وحلت بها السحاب أثقالها. وذكر أعرابى رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، ~~والجواب منه ذا لسانين؛ لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأى منه، كان والله ~~بعيد مسافة الرأى، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم، يتحسى مرارة الإخوان، ~~ويسيغهم العذب. ووصف أعرابى قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام ~~سفرت بينهم السهام، بوقوف الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا ~~أفواهها، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه، # PageV01P280 # وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين «1» ، قد ذللوا مناكبه؛ إنما ~~كانوا كالبحر الذى لا ينكش «2» غماره؛ ولا ينهنه تياره. وقيل لأعرابى: يزعم ~~فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمر كدر، وإذا محض أمر؛ ومن ضاق ~~قلبه اتسع لسانه. # وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا؛ وهو مع ذا رث عقال ~~المودة، مسود وجه الصداقة؛ ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى ~~آدم. # وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى. # وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق ~~الضعفاء «3» . # وقال: لا تضع ms162 معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ~~ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة ~~لا ينبت شيئا ولا يثمر؛ ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، ~~وأنا الضامن. # وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها فى يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا ~~اليوم أحد «4» فتيان الدهر وشاب «5» أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد فى ~~البرد كالدر فى النحر؛ وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوج السرور من ~~النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا. # وقال آخر فى رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما ~~والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن ~~إليه؛ فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال ~~آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء ~~يقول: الماء مطية الطعام. # وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن؛ فإن اعتدادك بالعرف # PageV01P281 # يعقل لسان الشكر. ### | الاستعارة فى أشعار المتقدمين # وأمثال هذا كثير فى منثور الكلام وفيما أوردته كفاية إن شاء الله. # فأما الاستعارة من أشعار المتقدمين فمثل قول امرىء القيس «1» : # وليل كموج البحر مرخ سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلى # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وقال زهير «2» : # صحا القلب عن ليلى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله # وقول امرىء القيس «3» : # فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعينى قائما غير مرسل # أى كنت أراه وأحفظه؛ وعلى هذا مجاز قوله عز وجل: تجري بأعيننا. # وقال زهير «4» : # إذا سدت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم «5» # وقال النابغة «6» : # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب «7» # وفى هذا البيت ماء وطلاوة ليس مثله فى بيت زهير. وقال عنترة «8» : # جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم «9» # وقال مهلهل: # تلقى فوارس تغلب ابنة وائل ... يستطعمون الموت كل همام # PageV01P282 # وقال ms163 زهير «1» : # إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل «2» # أخذه من قول أوس بن حجر «3» : # وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابا من الشر أعصلا # وقال المسيب بن علس «4» : # وإنهم قد دعوا دعوة ... سيتبعها ذنب أهلب «5» # أراد جيشا كثيفا. # وقال الأسود بن يعفر: # فأد حقوق قومك واجتنبهم ... ولا يطمح «6» بك العز الفطير # أراد عزا ليس بالمحكم كفطير العجين، والفطير من الجلد: ما لم يدبغ. # وقال طفيل الغنوى «7» : # وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات «8» شحم سنامها الرحل # وقال الحرث بن حلزة «9» : # حتى إذا التفع الظباء بأطرا ... ف الظلال وقلن فى الكنس «10» # الالتفاع: لبس اللفاع وهو اللحاف. ومثله قول الشماخ «11» : # إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازىء بالرمل عين «12» : # PageV01P283 # أبرداه: ظل الغداة والعشى. توسدته: جعلته بمنزلة الوسادة. # وقال آخر: # ومهمه فيه السراب يسبح ... يدأب فيه القوم حتى يطلحوا «1» # ثم يبيتون كأن لم يبرحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا # وقال عمرو بن كلثوم «2» : # ألا أبلغ النعمان عنى رسالة ... فمجدك حولى ولؤمك قارح «3» # وقال الحطيئة «4» : # ألا يالقلب عارم «5» النظرات # وقال الجعدى: # فإن يطف أصحابه يرسب # وقال أبو ذؤيب «6» : # وإذا المنية أنشبت أظفارها # وقال أبو خراش الهذلى «7» : # أرد شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوثر غيرى من عيالك بالطعم «8» # وقال لبيد «9» : # فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها «10» # PageV01P284 # وقال أيضا «1» : # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # وقال أوس بن مغراء: # يشيب على لؤم الفعال كبيرها ... ويغذى بثدى اللؤم منها وليدها # وقال الأخطل: # وأهجر هجرانا جميلا وينتحى ... لنا من ليالينا العوازم أول # وقال آخر «2» : # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات «3» ووحدانا # وقال: # هم ساعد الدهر الذى يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد # وقال آخر: # سأبكيك للدنيا وللدين إننى ... رأيت يد المعروف بعدك شلت # وقال المقنع «4» : # أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا # وقال آخر: # وذاب للشمس لعاب فنزل # أخذه من قول النابغة «5» : # إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل # PageV01P285 # وقال آخر «1» : # جاء الشتاء ms164 واجثأل القبر ... وطلعت شمس عليها مغفر # جعل قطعة السحاب إلى جانب الشمس مغفرا لها، واجثأل: انتفش «2» . # وقال الحطيئة: # وما خلت سلمى قبلها ذات رحلة ... إذا قسورى الليل جيبت سرابله # وقال أيضا: # ولوا وأعطونا الذى سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره # إنا لنكسوهم «3» وإن كرموا ... ضربا يطير خلاله شرره # وقال أبو دواد: # وقد اغتدى فى بياض الصباح ... وأعجاز ليل مولى الذنب # وقال الأفوه «4» : # عافوا الإتاوة واستقت أسلافهم ... حتى ارتووا عللا بأذنبة الردى «5» # وقال ابن مناذر: # بأرشية أطرافها فى الكواكب # وقال الأخطل: # حتى إذا افتض ماء المزن عذرتها ... راح الزجاج وفى ألوانه صهب # وقال غيره «6» : # وجيش يظل البلق فى حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر «7» # PageV01P286 # وقال ذى الرمة: # سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد # قوله: «سقاه الكرى» جيد. وقوله: «لدين الكرى» بعيد عندى. # وقال مضرس ابن ربعى: # أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق # وقال تأبط شرا «1» : # ويسبق وفد الريح من حيث تنتحى ... بمنخرق من شده المتدارك «2» # إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «3» # ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من صارم الغرب باتك «4» # إذا هزه فى عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # فى كل بيت من هذه الأبيات استعارة بديعة، وقد أخذ رؤبة قوله: «ويسبق وفد ~~الريح» فقال «5» : # يسبق وفد الريح «6» من حيث انخرق # وقال الراعى: # يدعو أمير المؤمنين ودونه ... خرق «7» تجر به الرياح ذيولا # وقال أوس: # ليس الحديث ينهى بينهن ولا ... سر يحدثنه فى الحى منشور # PageV01P287 ### | الاستعارة فى كلام المحدثين # ومما جاء فى كلام المحدثين قول أبى تمام «1» : # ليالى نحن فى غفلات عيش ... كأن الدهر عنها فى وثاق «2» # وأيام لنا ولهم لدان ... عرينا من حواشيها الرقاق «3» # وقال العباس بن الأحنف، أو الخليع: # قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا # فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدرى أنه صدقا # وقال مسلم» # شججتها بلعاب المزن فاغتزلت «5» ... نسجين من بين محلول ومعقود # وقوله ms165 «6» : # كأنه أجل يسعى إلى أمل # وقوله «7» : # يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # وقوله «8» : # إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا عند ذاك طلاقها # وقوله «9» : # والدهر آخذ ما أعطى مكدر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد # فلا يغرنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطى على أحد # PageV01P288 # وقوله «1» : # ولم ينطق بأسرارها الحجل # وقوله «2» : # ولما تلاقينا قضى الليل نحبه ... بوجه كأن الشمس من مائه مثل # وماء كعين الشمس لا تقبل القذى ... إذا درجت فيه الصبا خلته يعلو # من الضحك الغر اللواتى إذا التقت ... تحدث عن أسرارها السبل الهطل «3» # صدعنا به حد الشمول وقد طغت ... فألبسها حلما وفى حلمها جهل # تساقط يمناه الندى وشماله الر ... ردى وعيون القول منطقه الفصل # حبى لا يطير الجهل من عذباتها «4» ... إذا هى حلت لم يفت حلها ذحل # بكف أبى العباس يستمطر الغنى ... ويستنزل النعمى ويسترعف النصل # متى شئت رفعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل # وقال أيضا: # كأنها ولسان الماء يقلبها ... عقيقة ضحكت فى عارض برد # دارت عليه فزادت فى شمائله ... لين القضيب ولحظ الشادن الغرد # وقال أيضا «5» : # فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا ... وقد فاجأتها العين والستر واقع # فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى ثقلتها الجوامع # (19- الصناعتين) # PageV01P289 # وقال أيضا «1» : # نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار «2» # أجل ينافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار «3» # فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار # أخذ «نفست عليها وجهك الأحفار» بعضهم، فقال: # لو علم القبر ما يوارى ... تاه على كل ما يليه # وقال «4» : # ويخطىء عذرى وجه جرمى عندها ... فأجنى إليها الذنب من حيث لا أدرى # إذا أذنبت أعددت عذرا لذنبها ... وإن سخطت كان اعتذارى من العذر # وقال: # يذكر نيك اليأس فى خطرة المنى ... وإن كنت لم أذكرك إلا على ذكرى # وقال «5» : # تجرى الرياح بها حسرى مولهة ... حين تلوذ بأطراف الجلاميد # وقال أبو الشيص: # خلع الصبا عن منكبيه مشيب # وقال أبو العتاهية «6» : # أنته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها # وقال ms166 أبو نواس «7» : # فاسقنى البكر التى اختمرت ... بخمار الشيب فى الرحم # PageV01P290 # ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم # فهى لليوم الذى نزلت ... وهى تلو الدهر فى القدم # ومنها قوله: # فتمشت فى مفاصلهم ... كتمشى البرء فى السقم # صنعت فى البيت إذ مزجت ... كصنيع الصبح فى الظلم # قوله: انصات الشباب لها: كأنها صوتت به، فانصات لها أى أجابها. # وقوله «1» : # أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار # أى شربتها فتحول طيبها إليك. # وقوله: # لنا روامش ينتخبن لنا ... تظل آذاننا مطاياها # الرامشة: ورقة آس لها رأسان. # وقال «2» : # حتى تخيرت بنت دسكرة ... قد عاجمتها السنون والحقب «3» # وقوله «4» : # حتى إذا ما علا ماء الشباب بها ... وأفعمت فى تمام الجسم والقصب # وجمشت بخفى اللحظ فانجشمت ... وجرت الوعد بين الصدق والكذب # وقوله فى السحاب: # وجرت على الربا ذنبا # وقال: # فراح لا عطلته عافية ... وبات طرفى من طرفه جنبا # PageV01P291 # وقال «1» : # دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب # وقوله: # ولا عجيب إن جفت دمنة ... عن مستهام نومه قوت # وقوله «2» : # فقمت والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر الثنيات # وقوله «3» : # من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا # وقوله منها: # شك البزال فؤادها فكأنما ... أهدت إليك بريحها التفاحا # صفراء تفترس النفوس فلا ترى ... منها بهن سوى السباب جراحا # عمرت يكاتمك الزمان حديثها ... حتى إذا بلغ السآمة باحا # وقوله «4» : # جريت مع الصبا طلق الجموح ... وهان على مأثور القبيح # وجدت ألذ عارية الليالى ... قران النغم بالوتر الفصيح # وقوله منها: # تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصبوح # وخذها من مشعشعة كميت «5» ... تنزل درة الرجل الشحيح # فإنى عالم أن سوف ينأى ... مسافة بين جثمانى وروحى # وقوله: # فاستنطق العود قد طال السكوت به ... لن ينطق اللهو حتى ينطق العود # PageV01P292 # وقوله «1» : # صفراء تعنق بين الماء والزبد «2» # وقوله: # وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر # وقوله: # تجرر أذيال الفجور ولا فجر # وقوله «3» : # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار # وقوله «4» : # وريان من ماء الشباب كأنما ... يظمأ من صم الحشا ويجاع # وقوله «5» : # وتنح ms167 عن طرب وعن قصف # وقوله: # عين الخليفة بى موكلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى # صحت علانيتى له وأرى ... دين الضمير له على حرف # وقوله: # سلبوا قناع الطين عن رمق ... حى الحياة مشارف الحتف # فتنفست فى البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان فى الأنف # وقوله «6» : # نتيجة مزنة من عود كرم ... تضىء الليل مضروب الرواق # PageV01P293 # وقوله «1» : # حلبت لأصحابى بها درة الصبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول # وقوله «2» : # دعا همه من صدره برحيل # وقوله «3» : # ولما توفى الليل جنحا من الدجى # وقوله «4» : # وقام وزن الزمان فاعتدلا # وقوله «5» : # فقد أصبح وجه الزمان مقتبلا # وقوله «6» : # كان الشباب مطية الجهل # وهو من قول النابغة «7» : # فإن مطية الجهل الشباب # وقوله «8» : # وحططت عن ظهر الصبا رحلى # وقوله «9» : # ومتصل بأسباب المعالى ... له فى كل مكرمة حميم # PageV01P294 # رفعت له النداء «بقم» فخذها ... فقد أخذت مطالعها النجوم # وقوله «1» : # ألا لا ترى مثلى امترى اليوم فى رسم ... تغص به عينى ويلفظه وهمى # وقوله: «تغص به» ؛ أى تمتلىء بالدموع، «ويلفظه وهمى» أى ينكره. # وقوله: # وكأنما يتلو طرائدها ... نجم تواتر فى قفا نجم # وقوله «2» : # شمولا تخطته المنون وقد أتت ... سنون لها فى دنها وسنون # وقوله «3» : # فتقربت بصرف عقار ... نشأت فى حجر أم الزمان # وقوله: # ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها # وقوله «4» : # فى مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلت الخمر # وقول أبى تمام «5» : # وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته فى سوء منقلب # وقوله «6» : # رخصت لها المهجات وهى غوال # وقوله «7» : # وتنظرى خبب الركاب ينصها «8» ... محيى القريض إلى مميت المال # PageV01P295 # وقوله «1» : # تطل الطلول الدمع فى كل منزل ... وتمثل بالصبر الديار المواثل «2» # دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مر فى أغفالها وهو غافل # فقد سحبت فيها السحاب ذيولها ... وقد أخملت بالنور فيها الخمائل # ليالى أضللت العزاء وخزلت ... بعقلك أرآم الخدور العقائل «3» # وقوله «4» : # بسقيم الجفون غير سقيم ... ومريب الألحاظ غير مريب # وقوله «5» : # غليلى على خالد خالد ... وضيف همومى طويل الثواء # ألا أيها الموت فجعتنا ... بماء الحياة وماء الحياء # أصبنا بكنز الغنى والإما ... م أمسى مصابا بكنز الفناء ms168 # وقوله: # ثوى فى الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر # وقوله «6» : # سعدت غربة النوى بسعاد # وقوله «7» : # إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو فى السيف حاكم # وقوله «8» : # لئن أصبحت ميدان السوافى ... لقد أصبحت ميدان الهموم # PageV01P296 # أظن الدمع فى خدى سيبقى ... رسوما من بكائى فى الرسوم # وليل بت أكلوه كأنى ... سليم أو سهدت على سليم # أراعى من كواكبه هجانا ... سواما لا تزيغ إلى المسبم «1» # يكاد نداه يتركه عديما ... إذا هطلت يداه على عديم # سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السفيه على الحليم # وقوله «2» : # عهدى بهم تستنير الأرض إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا # ويضحك الدهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من أنسها جمع # وقوله «3» : # وضل بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع # وقوله: # ترد الظنون به على تصديقها ... وتحكم الآمال فى الأموال # وقوله «4» : # إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا منة أحسنت أن تتطولا # تعظمت عن ذاك التعظم منهم ... وأوصاك نبل القدر أن تتنبلا # وقوله «5» : # فاطلب هدوا فى التقلقل واستثر ... بالعيس من تحت السهاد هجودا # وقوله «6» : # أيامنا مصقولة أطرافها «7» ... بك والليالى كلها أسحار # PageV01P297 # وقال البحترى «1» : # بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور # وقوله «2» : # فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريق الغيث أحيانا يباكيها # وقوله «3» : # وللقضيب نصيب من تثنيها # وقوله «4» : # أصابة برسوم رامة بعدما ... عرفت معارفها الصبا والشمال # وقوله «5» : # صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله # وقوله «6» : # نثرت وردها عليه الخدود # أخذه آخر فقال: # وحياء نثر الورد على الخد الأسيل # وقوله «7» : # سحاب خطانى جوده وهو مسبل ... وبحر عدانى فيضه وهو مفعم # وقوله «8» : # أرجن على الليل وهو ممسك ... وصبحننا بالصبح وهو مخلق «9» # PageV01P298 # وقوله «1» : # فى مقام تخر فى ضنكه البى ... ض على البيض ركعا وسجودا # وقوله «2» : # جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه # وقوله «3» : # فطواهن طيهن الفيافى ... واكتسين الوجيف «4» حتى عرينا # وقوله «5» : # فأضللت حلمى والتفت إلى الصبا ... سفاها وقد جزت الشباب مراحلا # وقوله: # إذا سرايا عطاياه ms169 سرت أسرت # وقوله «6» : # ليل يبيت الليل فيه غريبا # وقول ابن الرومى: # وما تعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتخثر «7» # كذلك أنفاس الرياح بسحرة ... تطيب وأنفاس الأنام تغير # وقوله: # يا رب ريق بات بدر الدجى ... يمجه بين ثناياكا # يروى ولا ينهاك عن شربه ... والخمر يرويك وينهاكا # PageV01P299 # وقول العتابى: # وأشعث مشتاق رمى فى جفونه ... غريب الكرى بين الفجاج السباسب «1» # أمات الليالى شوقه غير زفرة ... تردد ما بين الحشى والترائب # سحبت له ذيل السرى وهو لابس ... دجى الليل حتى مج ضوء الكواكب # ومن فوق أكوار المطايا لبانة ... أحل لها أكل الذرى والغوارب «2» # إذا ادرع الليل انجلى وكأنه ... بقية هندى حسام المضارب # بركب ترى كسر الكرى فى جفونهم ... وعهد الفيافى فى وجوه شواحب # وقول أبى العتاهية: # أسرى إليه الردى فى حلبة القدر # ومن ردىء الاستعارة قول علقمة الفحل «3» : # وكل قوم وإن عزوا وإن كرموا ... عريفهم بأثافى الدهر مرجوم «4» # أثافى الدهر، بعيد جدا. # وقول ذى الرمة «5» : # تيممن يا فوخ الدجى فصد عنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع # وقال تأبط شرا «6» : # نحز رقابهم حتى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم «7» # PageV01P300 # وقول الحطيئة «1» : # سقوا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره «2» # وقول الآخر «3» : # فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # وقول الآخر: # قد أفنى أنامله أزمه ... فأضحى يعض على الوظيفا «4» # وإذا أريد بذلك الذم والهجاء كان أقرب إلى الصواب. # وأما القبيح الذى لا يشك فى قباحته، فقول الآخر: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق # وقول ذى الرمة «5» : # يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء من الكبر # وقول خويلد الهذلى أو غيره «6» : # تخاصم قوما لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد # أى قبضت بيدك على مقدم لحيتك كما يفعل النادم أو المهموم، وأنف كل شىء: ~~مقدمه، وأنوف القوم: سادتهم، والأنف فى هذا البيت هجين «7» الموقع كما ترى. # وقد وقع فى غيره أحسن موقع، وهو قول الشاعر «8» : # PageV01P301 # إذا شم أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواسى وامتحان الكرائم ms170 «1» # ويقولون: أنف الريح، وأنف النهار، ورعينا أنف الربيع؛ أى أوله. # قال امرؤ القيس «2» : # قد غدا يحملنى فى أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممر «3» # وروى بعض الشيوخ الثقات: فى أنفه- مضموم الألف، قال: هو من قوله: # كأس أنف. وروضة أنف. # وقال أعرابى يصف البرق «4» : # إذا شيم أنف الليل أو مض وسطه ... سنا كابتسام العامرية شاغف # أراد أول الليل. # ومن بعيد الاستعارة، قول أعرابى «5» : # ما زال مجنونا على است الدهر ... ذا جسد ينمى، وعقل يجرى # أى ينقص. # وسئل مسلم بن الوليد عن قول أبى نواس: # رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكا عليك طويل # قال: إن كان قول أبى العذافر: # باض الهوى فى فؤادى وفرخ التذكار # حسنا، كان هذا حسنا. # PageV01P302 # ومن عجيب هذا الباب قول بعض شعراء عبد القيس «1» : # ولما رأيت الدهر وعرا سبيله ... وأبدى لنا ظهرا أجب مسلعا «2» # وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ... وصعر خديه وأنفا مجدعا «3» # ومعرفة حصاء غير مفاضة ... عليه ولونا ذا عثانين «4» أنزعا # وما أعرف متى رأى هذا للدهر جبهة كالشراك مع هذا الذى عدده؛ فجاء بما ~~يضحك الثكلى. # وقال الكميت: # ولما رأيت الدهر يقلب بطنه ... على ظهره فعل الممعك «5» فى الرمل # كما ظعنت عنا قضاعة ظعنة ... هى الجد مأدوم النحيزة بالهزل «6» # ومن ذلك قول الأخطل: # إكسير هذا الخلق يلقى واحد ... منه على ألف فيكرم خيمه «7» # وقول أبى تمام: # حتى اتقته بكيمياء السودد # فلا ترى شيئا أبعد من إكسير الخلق، وكيمياء السودد. # وقد أكثر أبو تمام من هذا الجنس اغترارا بما سبق منه فى كلام القدماء مما ~~تقدم ذكره، فأسرف، فنغى عليه ذلك، وعيب به؛ وتلك عاقبة الإسراف. فمن ذلك ~~قوله «8» : # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # وقوله «9» : # كانوا رداء زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا # PageV01P303 # وقوله «1» : # نزحت به ركى العين إنى ... رأيت الدمع من خير العتاد «2» # وقوله «3» : # ولين أخادع الزمن الأبى # وقوله «4» : # فضربت الشتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا «5» # وقوله «6» : # تروح علينا كل يوم وليلة ... خطوب كأن الدهر منهن يصرع # وقوله «7» : # ألا لا ms171 يمد الدهر كفا بسيىء ... إلى مجتدى نصر فتقطع للزند # وقوله «8» : # والدهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلا إذا أشرقته بكريم # وقوله «9» : # تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهرا أى عبأيه أثقل # وقوله يصف قصيدة «10» : # تحل بقاع المجد حتى كأنها ... على كل رأس من يد المجد مغفر «11» # لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هى تزمر # وقوله «12» : # به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتد # PageV01P304 # وقوله «1» : # كأن المجد قد خرفا # وقوله «2» : # إلى ملك فى أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد # وقوله «3» : # فى غفلة أوقدت على كبد النا ... ئل نارا أخنت على كبده # وقوله «4» : # حتى إذا اسود الزمان توضحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق # وقوله» # وكم ملكت منا على قبح قدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد # وقوله «6» : # إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... مضت حقبة حرس «7» له وهو حائك # وقوله «8» يرثى غلاما: # أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله فى الركاب # وقوله «9» : # وكأن فارسه يصرف إذ غدا ... فى متنه ابنا للصباح الأبلق # وقوله «10» : # لما مخضت الأمانى التى احتلبت ... عادت هموما وكانت قبلها همما # (20- الصناعتين) # PageV01P305 # وقوله «1» : # كلوا الصبر مرا واشربوه فإنكم ... أثرتم بعير الظلم والظلم بارك # وقد جنى أبو تمام على نفسه بالإكثار من هذه الاستعارات، وأطلق لسان ~~عائبه، وأكد له الحجة على نفسه؛ واختيارات الناس مختلفة بحسب اختلاف صورهم ~~وألوانهم. # ومن ردىء الاستعارة أيضا قول بعضهم: # أنا ناقة وليس فى ركبتى دماغ # وأنشد أبو العنبس: # ضرام الحب عشش فى فؤادى ... وحضن فوقه طير البعاد # وقد نبذ الهوى فى دن قلبى ... فعر بدت الهموم على فؤادى # ومثله كثير ولا وجه لاستيعابه؛ لأن قليله دال على كثيره، وجمله مبينة عن ~~تفسيره إن شاء الله. # PageV01P306 ### | الفصل الثانى من الباب التاسع فى المطابقة # قد أجمع الناس أن المطابقة فى الكلام هى الجمع بين الشىء وضده فى جزء من ~~أجزاء الرسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة؛ مثل الجمع بين البياض ~~والسواد، والليل والنهار، ms172 والحر والبرد. # وخالفهم قدامة بن جعفر الكاتب، فقال: المطابقة إيراد لفظتين متشابهتين فى ~~البناء والصيغة مختلفتين فى المعنى، كقول زياد الأعجم «1» : # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللوم فيهم كاهل «2» وسنام # وسمى الجنس الأول التكافؤ. وأهل الصنعة يسمون النوع الذى سماه المطابقة ~~التعطف. قال: وهو أن يذكر اللفظ ثم يكرره، والمعنى مختلف، وستراه فى موضعه ~~إن شاء الله. # والطباق فى اللغة: الجمع بين الشيئين؛ يقولون: طابق فلان بين ثوبين، ثم ~~استعمل فى غير ذلك؛ فقيل: طابق البعير فى سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهو ~~راجع إلى الجمع بين الشيئين. قال الجعدى «3» : # وخيل تطابق بالدارعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا «4» # وفى القرآن: سبع سماوات طباقا # ، أى بعضهن فوق بعض؛ كأنه شبه بالطبق يجعل فوق الإناء؛ قال امرؤ القيس ~~«5» : # طبق الأرض تحرى وتدر «6» # PageV01P307 # وكل فقرة من فقر الظهر والعنق طبق، وذلك أن بعضها منضود على بعض. # فمما فى كتاب الله عز وجل من الطباق قوله تعالى: يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل. # وقوله تعالى: ليخرجكم من الظلمات إلى النور # ، أى من الكفر إلى الإيمان. # وقوله عز وجل: باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. # وقوله سبحانه: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم # ، وهذا على غاية التساوى والموازنة. # وقوله تعالى: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. # وقوله جل شأنه: ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا. # وقوله عز اسمه: لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. # وقوله سبحانه: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. # وقوله جل ذكره: وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا. # وقد تنازع الناس هذا المعنى؛ قال ابن مطير: # تضحك الأرض من بكاء السماء # وقال آخر: # ضحك المزن بها ثم بكى # وقال آخر: # فله ابتسام فى لوامع برقه ... وله بكا من ودقه المتسرب # وقال آخر «1» : # لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # PageV01P308 # فلم يقرب أحد من لفظ القرآن فى اختصاره وصفائه، ورونقه وبهائه، وطلاوته ~~ومائه؛ وكذلك جميع ما فى ms173 القرآن من الطباق. # ومما جاء فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم من الكلام المطابق قوله ~~للأنصار: # «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع» . وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» ، يعنى عين الماء ينام صاحبها ~~وهى تسقى أرضه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إياكم والمشارة فإنها تميت ~~الغرة وتحيى العرة» «1» . # ومن سائر الكلام قول الحسن: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين ~~فيه من الموت. وقال أيضا رضى الله عنه: إن من خوفك حتى تبلغ الأمن خير ممن ~~يؤمنك حيت تلقى الخوف. وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: معروف زماننا منكر ~~زمان قد فات، ومنكره معروف زمان لم يأت. وقال بعضهم: ليت حلمنا عنك لايدعو ~~جهل غيرنا إليك. وقال عبد الملك: ما حمدت نفسى على محبوب ابتدأته بعجز، ولا ~~لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. وقالوا: الغنى فى الغربة وطن، والفقر فى ~~الوطن غربة. وقال أعرابى لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك، فإنه يضحك منك. # فإن لم تتخذه عدوا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك. وقال على رضى ~~الله عنه: أعظم الذنوب ما صغر عندك. وشتم رجل الشعبى، فقال: إن كنت كاذبا ~~فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لى. وأوصى بعضهم غلاما، فقال: إن ~~الظن إذا أخلف فيك أخلف منك. ونحوه قول الآخر: لا تتكل على عذر منى فقد ~~اتكلت على كفاية منك. وقال الحسن: أما تستحيون من طول ما لا تستحيون! ونحوه ~~قول الأعرابى: فلان يستحى من أن يستحى. وقال: # من خاف الله أخاف الله منه كل شىء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شىء. # PageV01P309 # وقيل لأبى داود- وابنته تسوس دابته- فى ذلك، فقال: كما أكرمتها بهوانى، ~~معناه إن كانت تصوننى عن سياسة دابتى وتتبذل منى، فها إنى أصونها وأتبذل ~~دونها بالقيام فى أمر معاشها، وإصلاح حالها؛ فأخذ اللفظ بعضهم فقال فى ~~السلطان: # أهين لهم نفسى لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها # وقال بعضهم لعليل: إن أعلك الله فى جسمك، ms174 فقد أصحك من ذنوبك. # وقال بعضهم: الكريم واسع المغفرة؛ إذا ضاقت المعذرة. # وقال كثير بن هراسة يوما لابنه: يا بنى، إن من الناس ناسا ينقصونك إذا ~~زدتهم، وتهون عليهم إذا أكرمتهم؛ ليس لرضاهم موضع فتقصده، ولا لسخطهم موقع ~~فتحذره؛ فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فأبدلهم وجه المودة، وامنعهم موضع ~~الخاصة؛ ليكون ما أبديت لهم من وجه المودة حاجزا دون شرهم، وما منعتهم من ~~موضع الخاصة قاطعا بحرمتهم. # وقال خالد بن صفوان لرجل يصف له رجلا: ليس له صديق فى السر، ولا عدو فى ~~العلانية. # وقال آخر: فى العمل ما هو ترك للعمل، ومن ترك العمل ما هو أكثر العمل «1» ~~. # وقال آخر: إنا لا نكافىء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. # وقال الحسن: كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب. # وقال سهل بن هرون: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها، ومن ~~طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها. # وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إن من النعمة على المثنى عليك ألا يخاف ~~الإفراط، ولا يأمن التقصير، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به ~~المدح إلى غاية إلا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها. # PageV01P310 # وفى الحديث: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال معاوية: ليس بين أن ~~يملك الملك جميع رعيته أو يملكه جميعها إلا حزم، أو توان. # وقال بعضهم: إذا شربت النبيذ فاشربه مع من يفتضح بك، ولا تشربه مع من ~~تفتضح به. # وقال بعضهم: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقال ابن السماك للرشيد: # يا أمير المؤمنين؛ تواضعك فى شرفك أشرف من شرفك. # وقال ابن المعتز: طلاق الدنيا مهر الآخرة. وقالوا: غضب الجاهل فى قوله، ~~وغضب العاقل فى فعله. # وشرب أحدهم بحضرة الحسن بن وهب قدحا وعبس، فقال له: والله ما أنصفتها، ~~تضحك فى وجهك، وتعبس فى وجهها!! وقال طاهر بن الحسين لابنه: التبذير فى ~~المال ذمه حسب التقتير فيه، فاتق التبذير، وإياك والتقتير. وقال أعرابى: ~~أتيت بغداد ms175 فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظهم إدبار حظ الكرم؛ ~~شجر فروعه عند أصوله، شغلهم عن المعروف رغبتهم فى المنكر. # وقال أعرابى: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلف الله؛ فكم من ~~منية علتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت؛ وهذا مثل قول الشاعر «1» ~~: # تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما # وقال آخر: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة. وقال بعضهم: وكان اعتدادى بذلك ~~اعتداد من لا تنضب عنه نعمة تغمرك، ولا يمر عليه عيش يحلو لك. # وقال بعضهم: وكان سرورى بذلك سرور من لا تأفل عنه مسرة طلعت عليك، ولا ~~تظلم عليه محلة أنارت لك. # PageV01P311 # وقال المنصور: لا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل المعصية. ووصف أعرابى غلاما ~~فقال: ساع فى الهرب، قطوف «1» فى الحاجة. # وكتب سعيد بن حميد فى كتاب فتح: ظنا كاذبا لله فيه حتم صادق، وأملا خائنا ~~لله فيه قضاء نافذ. # وقال الأفوه الأودى: سهما تقر به العيون وإن كان قليلا خير مما وجلت به ~~القلوب وإن كان كثيرا. ونحوه قول الشاعر: # ألا كل ما قرت به العين صالح # ومن الأشعار فى الطباق قول زهير «2» : # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا «3» # وقول امرىء القيس «4» : # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # وقول الطفيل الغنوى يصف فرسا: # بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول «5» # وقول الآخر «6» : # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن «7» له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا # وقال حسين بن مطير «8» : # ومبتلة الأرداف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # PageV01P312 # بصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها # وقال فى وصف السحاب: # وله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بينه وبكاء # وقال آخر «1» : # لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك # وقال النابغة «2» : # وإن هبطا سهلا أثارا عجاجة ... وإن علوا حزنا تشظت جنادل «3» # وقال مسافع «4» : # أبعد بنى أمى أسر بمقبل ... من العيش ms176 أو آسى على إثر مدبر # أولاك بنو خير وشر كليهما ... وأبناء معروف ألم ومنكر # وقال أوس بن حجر: # أطعنا ربنا وعصاه قوم ... فذقنا طعم طاعتنا وذاقوا # وقال الفرزدق «5» : # لعن الإله بنى كليب إنهم ... لا يعذرون ولا يفون لجار # يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار # وقال امرؤ القيس «6» : # بماء سحاب زل عن ظهر صخرة ... إلى بطن أخرى طيب طعمه خصر «7» # PageV01P313 # وقال النابغة «1» : # ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وقال بيهس بن عبد الحرث، يصف الشيب: # حتى كأن قديمه وحديثه ... ليل تلفع مدبرا بنهار # فطابق بين قديم وحديث، وليل ونهار؛ فأخذه الفرزدق، فقال «2» : # والشيب ينهض فى الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # طابق بين الشيب والشباب، والليل والنهار؛ وهذا أحسن من قول بيهس سبكا ~~ورصفا، وفيه نوع آخر من البديع، وهو «يصيح بجانبيه نهاره» أخذه من قول ~~الشماخ: # ولاقى بصحراء الإهالة ساطعا ... من الصبح لما صاح بالليل نفرا # وقال أبو دواد قبله: # تصيح الردينيات فى حجباتهم ... صياح العوالى فى الثقاف المثقب # وقال آخر: # تصيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا # وقال آخر فى صفة قوس: # فى كفه معطية منوع «3» # وقال آخر: # مرحت وصاح المرو من أخفافها «4» # وقال آخر فى صفة ناقة: # خرقاء إلا أنها صناع «5» # PageV01P314 # وقال آخر: # فجاء ومحمود القرى يستفزه ... إليها وداعى الليل بالصبح يصفر # ومما فيه ثلاث تطبيقات قول جرير «1» : # وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # فطابق بباسط وقابض، وخير وشر، ويمين وشمال؛ ومثله قول الآخر «2» : # فلا الجود يفنى المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجد مدبر # ومثله قول الآخر: # فسرى كإعلانى وتلك سجيتى ... وظلمة ليلى مثل ضوء نهاريا # ومما فيه طباقان، قول المتلمس: # وإصلاح القليل بزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد # وقال أوس بن حجر: # فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب # إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب # وقول قيس بن الخطيم: # إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى ms177 الفتى كيما يضر وينفعا # وهذا تطبيق وتكميل، ومثله قول عدى بن الرعلاء: # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # فاستوفى المعنى فى قوله: ليس من مات فاستراح بميت، وكمل فى قوله: إنما ~~الميت ميت الأحياء؛ وقد طابق جماعة من المتقدمين بالشىء وخلافه على ~~التقريب، لا على الحقيقة، وذلك كقول الحطيئة «3» : # PageV01P315 # وأخذت أطرار «1» الكلام فلم تدع ... شتما يضر ولا مديحا ينفع # والهجاء ضد المديح، فذكر الشتم على وجه التقريب؛ وهكذا قول الآخر «2» : # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # فجعل ضد الظلم المغفرة. # ومن المطابقة فى أشعار المحدثين، قول أبى تمام «3» : # أصم بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا # وقالوا: هذا أحسن ابتداء فى مرثية إسلامية؛ وقال أبو تمام أيضا «4» : # وضل بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع # وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع # وقال سديف فى النساء: # وأصح ما رأت العيون جوارحا ... ولهن أمرض ما رأيت عيونا # وقال عمارة بن عقيل: # وأرى الوحش فى يمينى إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالى # وقال أبو تمام «5» : # فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذا أبقاكم الجزع # فجاء بتطبيقتين فى مصراع. # وقال البحترى «6» : # إن إيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا # وقال النمرى: # ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليط نزول # PageV01P316 # أيامهن قصيرة ... وسرورهن طويل «1» # وسعودهن طوالع ... ونحوسهن أفول # والمالكية والشبا ... ب وقينة وشمول # وقال آخر: # براذين ناموا عن المكرما ... ت فأيقظهم قدر لم ينم # فيا قبحهم فى الذى خولوا ... ويا حسنهم فى زوال النعم # وقال آخر: # أفاطم قد زوجت من غير خبرة ... فتى من بنى العباس ليس بطائل # فإن قلت من آل النبى فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل # ونحوه فى معناه، لا فى التطبيق، قول على بن الجهم فى بعض بنى هاشم: # إن تكن منهم بلاشك فللعود قتار # ومثله: # فما خبث من فضة بعجيب # ومثله: # لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم ms178 يأته من عند أم ولا أب # وقول أبى تمام «2» : # نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل «3» المغرم # وصلت نجيعا بالدموع فخدها ... فى مثل حاشية الرداء المعلم # أخذه من قول أبى الشيص: # وصلت دما بالدمع حتى كأنما ... يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق # وقول أبى تمام «4» : # جفوف البلى أسرعت فى الغصن الرطب # PageV01P317 # وقوله: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # وقول الآخر: # عجل الفراق بما كرهت وطالما ... كان الفراق بما كرهت عجولا # وأرى التى هام الفؤاد بذكرها ... أصبحت منها فارغا مشغولا # وقال بكر بن النطاح: # وكأن إظلام الدروع عليهم ... ليل وإشراق الوجوه نهار # وقول أبى تمام «1» : # أصبحت فى روضة الشباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما # شعلة فى المفارق استودعتنى ... فى صميم الفؤاد ثكلا صميما «2» # غرة مرة «3» ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما # دقة فى الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمى اللديغ سليما # وقول آخر: # فجلست منها قبلة ... لما رويت بها عطشت # وقلت: # إذا معشر فى المجد كانوا هواديا ... فقيسوا به فى المجد عادوا تواليا # رأيت جمال الدهر فيك مجددا ... فكن باقيا حتى ترى الدهر فانيا # وقلت: # قل لمن أدنيه جهدى ... وهو يقصينى جهده # ولمن ترضاه مو ... لاك ولا يرضاك عبده # أمليح بمليح الش ... كل أن يخلف وعده # PageV01P318 # أم جميل بجميل ال ... وجه أن ينقض عهده # ما الذى صدك عنى ... ليت ما صدك صده # وقلت: # فلماذا أبيعه وبنفسى أشتريه # وقلت: # فى كل خلق خلة مذمومة ... ووراء كل محبب مكروه # ومن عيوب التطبيق قول الأخطل: # قلت المقام وناعب قال النوى ... فعصيت قولى والمطاع غراب # وهذا من غث الكلام وبارده، وقال: # كم جحفل طارت قدامى خيله ... خلفته يوم الوغى منتوفا # أعلمت نابك وهو رأس أنه ... سيكون بعدك حافرا ووظيفا «1» # وقال آخر فى القاسم بن عبيد الله: # من كان يعلم كيف رقة طبعه ... هو مقسم أن الهواء ثخين # وقال أبو تمام «2» : # فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا «3» ... ويا شبعى بمقدمه «4» وريى # وقال «5» : # وإذ الصنع كان وحشا فملي ... ت برغم الزمان ms179 صنعا ربيبا # وقال «6» : # قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإنى بالنجاح لواثق # PageV01P319 # وقوله «1» : # لعمرى لقد حررت يوم لقيته ... لو ان القضاء وحده لم يبرد # وقوله «2» : # وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجدوى فكفاه مقطع # وقوله «3» : # يوم أفاض جوى أغاض تعزيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد # فجعل «الحجى» فى هذا البيت «مزبدا» ، ولا أعرف عاقلا يقول: إن العقل ~~يزبد؛ وليس المزبد هاهنا نعتا للبحرين؛ لأنه قال «بحرى حجاه المزبد» ، فلو ~~جعل «المزبد» نعتا للبحرين لقال المزبدين، وخوض الهوى بحر التعزى أيضا من ~~أبعد الاستعارة. # ونحو منه قوله أيضا «4» : # يا يوم شرد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذل عز تجلدى # وقوله «5» : # غرض الظلام أو اعترته وحشة ... فاستأنست روعاته «6» بسهادى # بل ذكرة «7» طرقت فلما لم أبت ... باتت تفكر فى ضروب رقادى # أغرت همومى فاستلبن فصولها ... نومى ونمن على فضول وسادى # وهذه الأبيات مع قبح التطبيق الذى فى أولها، وهجنة الاستعارة لا يعرف ~~معناها على حقيقته. # PageV01P320 ### | الفصل الثالث فى ذكر التجنيس # التجنيس أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كل واحدة منهما صاحبتها فى تأليف ~~حروفها على حسب ما ألف الأصمعى كتاب الأجناس. فمنه ما تكون الكلمة تجانس ~~الأخرى لفظا واشتقاق معنى، كقول الشاعر: # يوما خلجت على الخليج نفوسهم ... عصبا وأنت لمثلها مستام # خلجت: أى جذبت، والخليج: بحر صغير يجذب الماء من بحر كبير؛ فهاتان ~~اللفظتان متفقتان فى الصيغة واشتقاق المعنى والبناء «1» ، ومنه ما يجانسه ~~فى تأليف الحروف دون المعنى، كقول الشاعر «2» : # فأرفق به ان لوم العاشق اللوم # وشرط بعض الأدباء من هذا الشرط فى التجنيس وخالفه فى الأمثلة فقال: # وممن جنس تجنيسين فى بيت زهير، فى قوله «3» : # بعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل # وليس المأمور والآمر والمطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل # وليس المأمور والآمر والمطيع المطاع من التجنيس، لأن الاختلاف بين هذه ~~الكلمات لأجل أن بعضها فاعل، وبعضها مفعول به؛ وأصلها إنما هو الأمر ~~والطاعة. # وكتاب الأجناس الذى جعلوه لهذا الباب مثالا إنما يصف على هذه السبيل، ~~ويكون المطيع ms180 مع المستطيع، والآمر مع الأمير تجنيسا. وجعل أيضا من التجنيس ~~قول الآخر: # ذو الحلم منا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم # (21- الصناعتين) # PageV01P321 # ليس بتجنيس، وكذلك قول خداش بن زهير: # ولكن عايش ما عاش حتى ... إذا ما كاده الأيام كيدا # وقال الشنفرى «1» : # وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومر إذا النفس العزوف أمرت «2» # وقال العجير السلولى «3» : # يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذى حملته فهو حامله # وقول الآخر: # وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس # وقول تأبط شرا «4» : # يرى الوحشه الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك «5» # وقول الآخر: # صبت عليه ولم تنصب من كثب ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب # ليس فى هذه الألفاظ تجنيس؛ وإنما اختلفت هذه الكلم للتصريف. # فمن التجنيس فى القرآن قول الله تعالى: أسلمت مع سليمان. # وقوله عز وجل: فأقم وجهك للدين القيم. # وقوله تعالى: تتقلب فيه القلوب والأبصار. # وقوله سبحانه وتعالى: والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق. # وقوله تعالى: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض. # وقوله عز وجل: فروح وريحان وجنة نعيم # ، الروح: الراحة، والريحان: الرزق. # PageV01P322 # وقوله سبحانه: ثم كلي من كل الثمرات. # وقوله تعالى: أزفت الآزفة # ، الآزفة: اسم ليوم القيامة. # فهذا كقول امرىء القيس: # لقد طمح الطماح «1» # وليس هذا كقولهم: «أمر الأمر» . هذا ليس بتجنيس. # وفى كلام النبى صلى الله عليه وسلم: «عصية عصت الله ورسوله، وغفار غفر ~~الله لها، وأسلم سالمها الله» «2» . وقوله صلى الله عليه وسلم: «الظلم ~~ظلمات يوم القيامة» . # أخذه أبو تمام، فقال «3» : # جلا ظلمات الظلم عن وجه أمة ... أضاء لها من كوكب العدل آفله # وقيل له صلى الله عليه وسلم: من المسلم؟ فقال: «من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده» . # وقال معاوية لابن عباس رضى الله عنهم: ما بالكم يا بنى هاشم تصابون فى ~~أبصاركم؟ فقال: كما تصابون فى بصائركم يا بنى أمية!. وقال صدقة بن عامر- ~~وقد مات له بنون سبعة فرآهم قد سجوا: اللهم إنى مسلم مسلم. وقال رجل من ~~قريش لخالد بن صفوان: ما ms181 اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: ~~إن اسمك لكذب، ما خلد أحد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدك لأهتم وإن ~~الصحيح خير من الأهتم. قال خالد: من أى قريش أنت؟ قال: من بنى عبد الدار، ~~قال: فمثلك يشتم تميما فى عزها وحسبها، وقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وجمحت ~~بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصى، فجعلتك عبد دارها وموضع شنارها، تفتح ~~لهم الأبواب إذا دخلوا، وتغلقها إذا خرجوا. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون ذو الوجهين عند الله وجيها» ~~. # PageV01P323 # وكتب بعض الكتاب: العذر مع التعذر واجب. وقيل لبعضهم: ما بقى من نكاحك؟ # قال: ما يقطع حجتها ولا يبلغ حاجتها. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~أنه قال: هاجروا ولا تهجروا، أى لا تشبهوا بالمهاجرين من غير إخلاص. # وكتب بعض الكتاب: قد رخصت الضرورة فى الإلحاح، وأرجو أن تحسن النظر، كما ~~أحسنت الانتظار. # وأخبرنا أبو أحمد، قال: حكى لى محمد بن يحيى عن عبد الله بن المعتز، قال: ~~قدم فى بعض المجالس إلى صديق لنا بخورا، فقال له صاحب المجلس: تبخر، فإنه ~~ند «1» ، فلما استعمله لم يستطبه، فقال: هذا ند عن الند. # ومثله ما حكى لنا أبو أحمد عن الصولى أن إبراهيم بن المهدى زار صديقا له ~~استدعى زيارته، فوجده سكران، فكتب فى رقعة جعلها عند رأسه: # رحنا إليك وقد راحت بك الراح # وروى بعضهم أن عبد الله بن إدريس سئل عن النبيذ، فقال: جل أمره عن ~~المسئلة، أجمع أهل الحرمين على تحريمه. وذم أعرابى رجلا فقال: إذا سأل ~~ألحف، وإذا سئل سوف، يحسد على الفضل، ويزهد فى الإفضال. # وكتب العتابى إلى مالك بن طوق: أما بعد فاكتسب أدبا، تحى نسبا، واعلم أن ~~قريبك من قرب منك خيره، وأن ابن عمك من عمك نفعه، وأن أحب الناس إليك ~~أجداهم بالمنفعة عليك. وقال آخر: اللهى تفتح اللها «2» . # وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم الكاغدى، قال: أخبرنا أبو بكر ~~العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر ms182 الخراز، قال: دخل فيروز حصين على الحجاج- ~~وعنده الغضبان بن القبعثرى- فقال له الحجاج: زعم الغضبان أن قومه خير من ~~قومك، فقال: أكذاك يا غضبان؟، قال: نعم، فقال فيروز: أصلح الله الأمير! # PageV01P324 # اعتبر قومى وقومه بأسمائهم، هذا غضبان، غضب الله عليه، والقبعثرى اسم ~~قبيح من بنى ثعلبة شر السباع، ابن بكر شر الإبل، ابن وائل له الويل؛ وأنا ~~فيروز فيروز به، حصين حصن وحرز، والعنبر ريح طيبة، من بنى عمرو، عمارة ~~وخير، من تميم تم، فقومى «1» خير من قومه وأنا خير منه. # وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن أبى حاتم عن الأصمعى، قال سمعت الحى ~~يتحدثون أن جريرا، قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب «2» لشببت تشبيبا تحن ~~منه العجوز إلى شبابها. # ومن أشعار المتقدمين فى التجنيس قول امرىء القيس «3» : # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبسا «4» # وأخذه الكميت فقال «5» : # ونحن طمحنا لامرىء القيس بعد ما ... رجا الملك بالطماح نكبا على نكب # وقال الفرزدق- وذكر واديا «6» : # خفاف أخف الله عنه سحابة ... وأوسعه من كل ساف وحاصب # وقال زهير «7» : # كأن عينى وقد سال السليل بهم ... وجيرة «8» ما هم لو أنهم أمم «9» # وقال الفرزدق «10» : # قد سال فى أسلاتنا أو عضه ... عضب بضربته الملوك تقتل # PageV01P325 # وقال النابغة «1» : # وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية «2» # وقال غيره «3» : # على صرماء فيها أصرماها ... وخريت الفلاة بها مليل «4» # وقال قيس بن عاصم «5» : # ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا «6» # وقال «7» : # وقاظ أسيرا هانىء وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عند ما # وقال أمية بن أبى الصلت: # فما أعتبت فى النائبات معتب ... ولكنها طاشت وضلت حلومها # وقال أوس بن حجر: # قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا ... عوجوا على فحيوا الحى أو سيروا # وفيها: # عر عرائر أبكار نشأن معا ... خشن الخلائق عما يتقى زور # وفيها: # لكن بفرتاج فالخلصاء أبت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور «8» # PageV01P326 # وفيها: # حتى أشب لهن الثور من كثب ... فأرسلوهن لم يدروا بما ثيروا # وقال الكميت «1» : # فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرحل # وقال ms183 طرفة «2» : # بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم # وقال القحيف: # بخيل من فوارسها اختيال # وقال النعمان بن بشير لمعاوية «3» : # ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم # وقال العبسى «4» : # أبلغ لديك بنى سعد مغلغلة ... أن الذى ينهها قد مات أو دنفا # وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن آنفكم لا يعرف الأنفا # وقال جليح بن سويد: # أقبلن من مصر يبارين البرا # وقال ذو الرمة «5» : # كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح # وقال حيان بن ربيعة الطائى: «6» # لقد علم القبائل أن قومى ... لهم حد إذا لبس الحديد # PageV01P327 # وقال القطامى: # فلما ردها فى الشول شالت ... بذيال يكون لها لفاعا # وقال جرير «1» : # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس «2» # وقال امرؤ القيس «3» : # بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث فى فضاء عريض # وقال آخر: # وطيب ثمار فى رياض أريضة # وقال حميد الأرقط: # مرتجز فى عارض عريض # ومن أشعار المحدثين قول الشاعر «4» : # وسميته يحيى ليحيى ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل # تيممت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه يفيل # وقال البحترى «5» : # نسيم الروض فى ريح شمال ... وصوب المزن فى راح شمول # وهذا من أحسن ما فى هذا الباب، وقال أبو تمام «6» : # سعدت غربة النوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد # وهذا من الابتداءات المليحة، وقال فيها: # عاتق معتق من اللوم إلا ... من معاناة مغرم أو نجاد «7» # PageV01P328 # مليتك الأحساب أى حياة ... وحيا أزمة وحية واد # لو تراخت يداك عنها فواقا «1» ... أكلتها الأيام أكل الجراد # كادت المكرمات تهد لولا ... أنها أيدت بحى إياد # وقال البحترى «2» : # راحت لأربعك الرياح مريضة ... وأصاب مغناك الغمام الصيب # وقال مسلم بن الوليد: # لعبت بها حتى محت آثارها ... ريحان رائحتان باكرتان # وقال آخر: # لا تضغ للوم إن اللوم تضليل ... واشرب ففى الشرب للاحزان تحليل # فقد مضى القيظ واحتثت رواحله ... وطابت الراح لما آل أيلول # لم يبق فى الأرض نبت يشتكى مرها ... إلا وناظره بالطل مكحول # وقال اليزيدى ms184 للأصمعى: # وما أنت هل أنت إلا امرؤ ... إذا صح أصلك من باهله # وللباهلى على خبزه ... كتاب لآكله الآكله # وقال آخر: # قد بلغت الأشد لاشدك الل ... ه وجاوزته وأنت مليم «3» # وقال مسلم: # يورى بزندك أو يسعى بمجدك أو ... يفرى بحدك كل غير محدود # وقال: # وليس يبالى حين يحتك جمرها ... صدود صداء «4» واجتناب بنى جنب «5» # PageV01P329 # وقال البحترى «1» : # لولا على بن مر لاستمر بنا ... خلف من العيش فيه الصاب والصبر # برد الحشا وهجير الروع محتفل ... ومسعر «2» وشهاب الحرب يستعر # ألوى إذا شابك الأعداء كرهم ... حتى يروح وفى أظفاره الظفر # جافى المضاجع ما ينفك فى لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر # وقال «3» : # حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلها ... وهول الأعادى فوقه الترب هائل # ستبكيه عين لا ترى الخير بعده ... إذا فاض منها هامل عاد هامل # وقال الطائى: # ورمى بثغرته الثغور فسدها ... طلق اليدين مؤملا مرهوبا # وأنشدنى العتبى: # دنس القميص غليظه ... من غير لحمته سداه # وشعاره من شعره ... فكأنه من مسك «4» شاه # وجنس أبو تمام أربع تجنيسات فى بيت واحد، ولعله لم يسبق إليه وهو قوله ~~«5» : # بحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق «6» # وقوله أيضا: # لسلمى سلامان وعمرة عامر ... وهندبنى هند وسعدى بنى سعدى # ومما جنس فيه تجنيسين، قوله «7» : # ففصلن منه كل مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار «8» # PageV01P330 # ومن التجنيس ضرب آخر، وهو أن تأتى بكلمتين متجانستى الحروف؛ إلا أن فى ~~حروفها تقديما وتأخيرا، كقول أبى تمام «1» : # بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهن جلاء الشك والريب # وقلت فى حية: # منقوشة تحكى صدور صحائف ... إبان يبدو من صدور صفائح # وقيل لابنة الخس: كيف زنيت مع عقلك؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد. # ومن التجنيس نوع آخر يخالف ما تقدم بزيادة حرف أو نقصانه، وهو مثل قول ~~الله عز وجل: وهم ينهون عنه وينأون عنه # . وقوله تعالى: كعرض السماء والأرض # . وقوله جل ذكره: والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق. # وقوله سبحانه: ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم ~~تمرحون. # وكتب عبد الحميد: الناس ms185 أخياف مختلفون، وأطوار متباينون؛ منهم علق مضنة ~~لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع. # ورفع رجل هاشمى يسمى عبد الصمد صوته فى مجلس المأمون عند مناظرة، فقال ~~المأمون: # لا ترفعن صوتك يا عبد الصمد ... إن الصواب فى الأسد لا الأشد # وكتب كافى الكفاة رحمه الله: فأنت أدام الله عزك، وأن طويت عنا خبرك، ~~وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك رياه، ودل على الصبح ~~محياه. # وقال على رضى الله عنه: كل شىء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر # PageV01P331 # وقال بعضهم: عليك بالصبر، فإنه سبب النصر، ولا تخض الغمر، حتى تعرف ~~الغور. وقال آخر: راش سهامه بالعقوق، ولوى ماله عن الحقوق. # وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة» . # ودعا على بن عبد العزيز المافروخى صاعد بن مخلد فى يوم مطير، فتخلف عنه ~~واعتذر إليه. فكتب إليه على: ما شق طريق هدى إلى صديق. وإنما جعلت المماطر، ~~لليوم الماطر. فركب إليه. ومن المنظوم قول الأعشى» # رب حى أشقاهم آخر الده ... وحى سقاهم بسجال # وقوله «2» : # بلبون المعزابة المعزال «3» # وقول أوس بن حجر «4» : # أقول فأما المنكرات فأتقى ... وأما الشذا عنى الملم فأشذب «5» # وقال امرؤ القيس «6» : # بسام ساهم الوجه حسان # وقال ابن مقبل: # يمشين هيل «7» النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا # PageV01P332 # وقال زهير «1» : # هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكلون إذ ما استلحموا وحموا «2» # وقال: # فى متناه متناه كوكبه # وقال الحطيئة «3» : # وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # وقال آخر: # مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى القرى # وقال أبو ذؤيب «4» : # إذا ما الخلاجيم العلاجيم نكلوا ... وطال عليهم حميها وسعارها «5» # وقال آخر: # على الهام منها قيض بيض مفلق «6» # وقال: # كفاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرق جزل # ومن شعر المحدثين قول البحترى «7» : # من كل ساجى الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور # وقوله «8» : # فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا # وقوله «9» : # سنان أمير المؤمنين وسيفه ... وسيب أمير ms186 المؤمنين ونائله # PageV01P333 # وقوله «1» : # هل لما فات من تلاف تلاف ... أو لشاك من الصبابة شاف # وقول أبى تمام «2» : # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «3» # إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «4» # وقوله «5» : # ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم فى الأقوام وهى مغانم # وقول الآخر: # لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر فى المعاجر # أمضى وأنفذ فى القلو ... ب من الخناجر فى الحناجر # وقلت: # عذيرى من دهر موار موارب ... له حسنات كلهن ذنوب # وقلت: # آفة السر من جفو ... ن دوام دوامع # كيف يخفى مع الدمو ... ع الهوامى الهوامع # وقلت أيضا: # خليفة شهم كلما اسمحت محت ... معالم جدب لم يطق محوها المطر # ومما عيب من التجنيس قول أبى تمام «6» : # أهيس أليس لجاء إلى همم ... تغرق الأسد فى آذيها الليسا «7» # ومما عيب من التجنيس الأول قول أبى تمام «8» : # خان الصفا أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم تتخون جسمه الكمد # PageV01P334 # وقوله «1» : # قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما «2» # فهذا مع غثاثة لفظه وسوء التجنيس فيه يشتمل على عيب آخر، وهو أن انشتار ~~العين لا يوجب الاصطلام، وقوله «3» : # إن من عق والديه لملعو ... ن ومن عق منزلا بالعقيق # وقوله «4» : # خشنت عليه أخت بنى خشين # وهذا فى غاية الهجانة والشناعة. # وقد جاء فى أشعار المتقدمين من هذا الجنس نبذ يسير منه قول امرىء القيس ~~«5» : # وسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض «6» # ولم يعرف الأصمعى وأبو عمرو معنى هذا البيت، وقال الأعشى «7» : # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشل شلول شلشل شول # تبعه مسلم بن الوليد، فقال «8» : # سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا # وقال أبو الغمر يصف السحاب: # نسجته الجنوب وهى صناع ... فترقى كأنه حبشى # وقرى كل قرية كان يقرو ... ها قرى لا يجف منه قرى # وهذا مستهجن لا يجوز لمتأخر أن يجعله حجة فى إتيان مثله؛ لأن هذا وأمثاله ~~شاذ معيب، والعيب من كل أحد معيب، وإنما الاقتداء فى الصواب لا فى الخطأ. # PageV01P335 # وقد قال ms187 بعض المتأخرين ما هو أقبح من جميع مامر فى قوله وليس من التجنيس ~~«1» : # ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف # وقوله «2» : # فقلقلت بالهم الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل # وقيل لأبى القمقام: ألا تخرج إلى الغزاة بالمصيصة؟ فقال: أمصنى الله إذا ~~بظر أمى! ومن التجنيس المعيب قول بعض المحدثين، أنشده ابن المعتز: # أكابد منكم أليم الألم ... وقد أنحل الجسم بعد الجسم # وقول الآخر: # كم رأس رأس بكى من غير مقلته ... دما وتحسبه بالقاع مبتسما # وقول إبراهيم أبو الفرج البندنيجى فى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # هى الجآذر إلا أنها حور ... كأنها صور لكنها صور # نور الحجال ولكن من معايبها ... إذا طلبت هواها أنها نور # غيداء لو بل طرف البابلى بها ... لارتد وهو بغير السحر مسحور # إن الرواح جلا روح العراق لنا ... أصلا وقد فصلت من مكة العير # تشكو العقوق وقد عق العقيق لها ... وأرض عروة من بطحان فالنير # يحتثها كل زول دأبه دأب ... من طول شوق وهجيراه تهجير # مقورة الآل من خوض الفلاة إذا ... ما اعتم بالآل فى أرجائها القور # هذا البيت قريب من قول أبى تمام «3» : # أحطت بالحزم «4» حيزوما أخاهمم ... كشاف طخياء لا ضيقا ولا حرجا # وقال المخزومى «5» فى طاهر بن الحسين: # ولو رأى هرم معشار نائله ... لقيل فى هرم قد جن أو هرما # PageV01P336 ### | الفصل الرابع فى المقابلة ### | المقابلة فى المعنى # المقابلة: إيراد الكلام، ثم مقابلته بمثله فى المعنى واللفظ على جهة ~~الموافقة أو المخالفة. # فأما ما كان منها فى المعنى فهو مقابلة الفعل بالفعل؛ مثاله قول الله ~~تعالى: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # ؛ فخواء بيوتهم وخرابها بالعذاب مقابلة لظلمهم. # ونحو قوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا # ؛ فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله عز وجل مقابلة لمكرهم بأنبيائه ~~وأهل طاعته. # وقوله سبحانه: نسوا الله فنسيهم. # وقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # ومن ذلك قول تأبط شرا «1» : # أهز به فى ندوة الحى عطفه ... كما ms188 هز عطفى بالهجان الأوارك «2» # وقول الآخر: # ومن لو أراه صاديا لسقيته ... ومن لو رآنى صاديا لسقانى # ومن لو أراه عانيا لفديته ... ومن لو رآنى عانيا لفدانى ### | المقابلة بالألفاظ # فهذا مقابلة باللفظ والمعنى. # وأما ما كان منها بالألفاظ، فمثل قول عدى بن الرقاع «3» : # ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدى وسادها # وقال عمرو بن كلثوم «4» : # ورثناهن عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا # (22- الصناعتين) # PageV01P337 # ومن النثر قول بعضهم: فإن أهل الرأى والنصح لا يساويهم ذو الأفن والغش، ~~وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة، كمن أضاف إلى العجز الخيانة. فجعل بإزاء ~~الرأى الأفن وبإزاء الأمانة الخيانة؛ فهذا على وجه المخالفة. # وقيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يعد كلامه، فأنكر ذلك الرشيد، وقال: # إذا دخل فقولوا له: ولد لأمير المؤمنين فى هذه الليلة ابن ومات له ابن، ~~ففعلوا. فقال: # سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدة ~~بواحدة، ثواب الشاكر، وأجر الصابر؛ فعرفوا أن بلاغته طبع. # وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل: شكرى لك ~~على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه. # وكتب بعض الكتاب إلى رجل: فلو أن الأقدار إذ رمت بك فى المراتب إلى ~~أعلاها بلغت بك من أفعال السودد منتهاها لوازنت مساعيك مراقيك، وعادلت ~~النعمة عليك النعمة فيك، ولكنك قابلت رفيع المراتب بوضيع الشيم؛ فعاد علوك ~~بالاتفاق إلى حال دونك بالاستحقاق، وصار جناحك فى الانهياض «1» إلى مثل ما ~~عليه قدرك فى الانخفاض؛ ولا عجب أن القدر أذنب فيك فأناب، وغلط بك فعاد إلى ~~الصواب؛ فأكثر هذه الألفاظ مقابلة وقال الجعدى «2» : # فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # وقال آخر «3» : # وإذا حديث ساءنى لم أكتئب ... وإذا حديث سرنى لم أشر «4» # وهذا فى غاية التقابل. # ومن مقابلة المعانى بعضها لبعض، وهو من النوع الذى تقدم فى أول الفصل قول ~~الآخر: # وذى أخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركونى واحدا لا ألحاليا ms189 # PageV01P338 # وقول الآخر «1» : # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا # فجعل بإزاء الحرب أن لم يصبروا، وبإزاء النعمة أن لم يثيبوا؛ فقابل على ~~وجه المخالفة. # وقال آخر «2» : # جزى الله عنا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل # فإنا سنجزيها بمثل فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل # فجعل حاجته وهو عزب بحاجتها وهى عزب، ووصاله إياها فى حال عزبتها، ~~كوصالها إياه فى حال عزبته؛ فقابل من جهة الموافقة. # ومن سوء المقابلة قول امرىء القيس «3» : # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط «4» أنفسا # ليس «سوية» بموافق «لتساقط» ولا مخالف له، ولهذا غيره أهل المعرفة فجعلوه ~~«جميعة» ؛ لأنه بمقابلة «تساقط» أليق. ### | فساد المقابلة # وفساد المقابلة أن تذكر معنى تقتضى الحال ذكرها بموافقة أو مخالفة، فيؤتى ~~بما لا يوافق ولا يخالف، مثل أن يقال: فلان شديد البأس، نقى الثغر، أو جواد ~~الكف، أبيض الثوب. أو تقول: ما صاحبت خيرا، ولا فاسقا، وما جاءنى أحمر، ولا ~~أسمر. ووجه الكلام أن تقول: ما جاءنى أحمر ولا أسود، وما صاحبت خيرا ولا ~~شريرا، وفلان شديد البأس، عظيم النكاية، وجواد الكف، كثير العرف. # وما يجرى مع ذلك؛ لأن السمرة لا تخالف السواد غاية المخالفة، ونقاء الثغر ~~لا يخالف شدة البأس ولا يوافقه، فاعلم ذلك وقس عليه. # PageV01P339 # ومما يقرب من هذا قول أبى عدى القرشى «1» : # يا بن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الورى وغيث الجنود # فوضع «زين الورى» مع «غيث الجنود» فى غاية السماجة. # وقريب منه قول الآخر «2» : # خود تكامل فيها الدل والشنب # ومثله قول أبى تمام «3» : # وزير حق ووالى شرطة ورحى ... ديوان ملك وشيعى ومحتسب # ومن مختار المقابلة- وكان ينبغى تقديمه فلم يتفق- ما كتب الحسن بن وهب: # لا ترض لى بيسير البر، فإنى لم أرض لك بيسير الشكر، ودع عنى مؤونة ~~التقاضى كما وضعت عنك مؤونة الإلحاح، وأحضر من ذكرى فى قلبك ما هو أكفى من ~~قعودى بصدرك؛ فإنى أحق من فعلت به، كما أنك ms190 أحق من فعله بى، وحقق الظن؛ ~~فليس وراءك مذهب، ولا عنك مقصر. # PageV01P340 ### | الفصل الخامس فى صحة ### | التقسيم # # التقسيم # التقسيم الصحيح: أن تقسم الكلام قسمة مستوية تحتوى على جميع أنواعه، ولا ~~يخرج منها جنس من أجناسه؛ فمن ذلك قول الله تعالى: هو الذي يريكم البرق ~~خوفا وطمعا # ، وهذا أحسن تقسيم؛ لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، ليس فيهم ~~ثالث. # ومن القسمة الصحيحة قول أعرابى لبعضهم: النعم ثلاث؛ نعمة فى حال كونها، ~~ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتى غير محتسبة؛ فأبقى الله عليك ما أنت فيه، ~~وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه، فليس فى أقسام النعم التى ~~يقع الانتفاع بها قسم رابع سوى هذه الأقسام. # ووقف أعرابى على مجلس الحسن، فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من ~~كفاف، أو آثر من قلة. فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرا؛ فانصرف الأعرابى بخير ~~كثير. # وقول إبراهيم بن العباس: وقسم الله تعالى عدوه أقساما ثلاثة؛ روحا معجلة ~~إلى عذاب الله، وجثة منصوبة لأولياء الله، ورأسا منقولا إلى دار خلافة ~~الله. ليس لهذه الأقسام رابع أيضا؛ فهى فى نهاية الصحة. # ومن المنظوم قول نصيب «1» : # فقال فريق القوم. لا، وفريقهم ... نعم، وفريق لا يمن الله ما ندرى # PageV01P341 # فليس فى أقسام الإجابة عن المطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام. # قال الشماخ «1» : # متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج «2» # والوطء الشديد إذا صادف الموطوء رخوا ارفض منه، أو صلبا تدحرج عنه. # وقول الآخر «3» : # يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إن الحوادث ملقى ومنتظر # وليس فى الحوادث إلا ما لقى أو انتظر لقيه. # وقول الآخر «4» : # والعيش شح وإشفاق وتأميل # وكان عمر رضى الله عنه يتعجب من صحة هذه القسمة. وقول زهير «5» : # فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء «6» # فذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن لكم شفاء ### | من عيوب القسمة # وكان يعجب أيضا بهذا البيت ويقول: لو أدركت زهيرا لوليته القضاء لمعرفته. # ومن عيوب القسمة ms191 قول بعض العرب: # سقاه سقيتين الله سقيا ... طهورا والغمام يرى الغماما # فقال: «سقيتين» ثم قال: «سقيا طهورا» ، ولم يذكر الأخرى، وقيل: أراد فى ~~الدنيا وفى الآخرة، وهذا مردود؛ لأن الكلام لا يدل عليه. وقول عبيد الله بن ~~سليم «7» : # فهبطت غيثا ما يفزع وحشه ... من بين مسرب ناوىء وكنوس # فقسم قسمة رديئة؛ لأنه جعل الوحش بين سمين وداخل فى كناسه. وكان ينبغى أن ~~يقول: من بين سمين وهزيل، أو بين كانس وظاهر؛ ويجوز أن يكون السمين # PageV01P342 # كانسا وراتعا والكانس سمينا وهزيلا، وما أعرف لهذا شبها إلا قول كيسان ~~حين سأل فقال: علقمة بن عبدة، جاهلى أو من بنى تميم؟ # ومثله ما كتب بعضهم: فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب يلتفت إلى ورائه؛ ~~فالجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا؛ ولو قال: «فمن قتيل» لصح ~~المعنى ومثله قول قيس بن الخطيم: # وسلوا ضريح الكاهنين ومالكا ... كم فيهما من دارع ونجيب # ليس النجيب من الدارع فى شىء. # وقريب منه قول الأخطل: # إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئا وأعناق الكماة خضوع # كان ينبغى أن يقول: وألوان الكماة كاسفة، و «مضيئة» مع «خضوع» ردىء جدا. # ومن القسمة الرديئة قول جرير «1» : # صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من موالينا # فأنشده ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أى قسم أنت. فقال: من الثلث ~~الملغى ذكره. # ومن هذا الجنس ما ذكره قدامة أن ابن ميادة كتب إلى عامل من عماله هرب من ~~صارفه: إنك لا تخلو فى هربك من صارفك أن تكون قدمت إليه إساءة خفته معها، ~~أو خشيت فى عملك خيانة رهبت بكشفه إياك عنها؛ فإن كنت أسأت # فأول راض سنة من يسيرها «2» # وإن كنت خفت خيانة فلابد من مطالبتك بها. # فكتب العامل تحت هذا التوقيع: فى الأقسام ما لم يدخل فيما ذكرته، وهو أنى ~~خفت ظلمه إياى بالبعد عنك، وتكثيره على الباطل عندك؛ فوجدت الهرب إلى حيث ~~يمكننى فيه دفع ما يتخرصه أنفى للظنة عنى، وبعدى عمن لا يؤمن ظلمه أولى ~~بالاحتياط لنفسى. ms192 # PageV01P343 # ومن القسمة الرديثة أيضا قول ابن القرية: الناس ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، ~~وفاجر، فالفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن ~~يكون فاجرا، وكذلك الأحمق. # وإذا دخل أحد القسمين فى الآخر فسدت القسمة، كقول أمية بن أبى الصلت» # لله نعمتنا تبارك ربنا ... رب الأنام ورب من يتأبد «2» # داخل فى الأنام من يتأبد. # وكذلك قول الآخر «3» : # أبادر إهلاك مستهلك ... لمالى وإن عبث العابث # فعبث العابث داخل فى إهلاك المستهلك. # وكذلك قول الآخر «4» : # فما برحت تومى إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا طرفها غفل # فتومى وتومض واحد. # وقول جميل: # لو كان فى قلبى كقدر قلامة ... حب وصلتك أو أتتك رسائلى # فإتيان الرسائل داخل فى الوصل. # ومن ذلك أيضا ما كتب بعضهم: ففكرت مرة فى عزلك، ومرة فى صرفك وتقليد ~~غيرك. # وفى فصل آخر كتب هذا الرجل إلى عامل: فتارة تسرق الأموال وتختزلها، وتارة ~~تقتطعها وتحتجبها. فمعنى الجزأين واحد. # PageV01P344 ### | الفصل السادس فى صحة ### | التفسير # # التفسير # وهو أن يورد معانى فيحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت تأتى فى الشرح بتلك ~~المعانى من غير عدول عنها أو زيادة تزاد فيها، كقول الله تعالى: ومن رحمته ~~جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله # ، فجعل السكون لليل، وابتغاء الفضل للنهار؛ فهو فى غاية الحسن، ونهاية ~~التمام. # ومن النثر ما كتب بعضهم: إن لله عز وجل نعما لو تعاون خلقه على شكر واحدة ~~منها لأفنوا أعمارهم قبل قضاء الحق فيها، ولى ذنوب لو فرقت بين خلقه جميعا ~~لكان كل واحد منهم عظيم الثقل منها؛ ولكنه يستر بكرمه، ويعود بفضله، ويؤخر ~~العقوبة انتظارا للمراجعة من عبده، ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه ~~وبره. # فذكر جملتين؛ وهمانعم الله تعالى وذنوب عبده، ثم فسركل واحدة منهما مرتين ~~تفسيرا صحيحا. قوله: «يستر بكرمه» راجع إلى الذنوب، وقوله: «يعود بفضله» ~~راجع إلى النعم، فاستوفى. ثم قال: «ويؤخر العقوبة» فهذا أيضا راجع إلى ~~الذنوب، وقوله: «ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبره» راجع إلى النعم، ~~فهو تفسير صحيح فى ms193 تفسير صحيح. # ومن ذلك قول بعض أهل الزمان وقد كتب إليه بعض الأشراف كتابا وسأله أن ~~يصلح ما يجد فيه من سقم؛ فكتب إليه: فأما ما رسمه من سد ثلمه، وجبر كسره، ~~ولم شعثه؛ فأى ثلم يوجد فى أديم السماء؛ وأى كسر يلفى فى حاجب ذكاء؛ وأى ~~شعث يرى فى الزهرة الزهراء! ففسر الثلاثة، ولم يغادر منها واحدا. # ومثاله من المنظوم قول الفرزدق «1» : # PageV01P345 # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم # ففسر قوله: «حاملا ثقل مغرم» ، بقوله: «تلقى فيهم من يعطيك» وقوله: # «طريد دم» بقوله: «تلقى فيهم من يطاعن دونك» . # وقال ابن مطير فى السحاب «1» : # وله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بينه وبكاء # وقول المقنع: # لا تضجرن ولا يدخلك معجزة ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر # وضرب منه قول صالح بن جناح اللخمى «2» : # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إننى ... إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج # ولى فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولى فرس للجهل بالجهل مسرج # فمن رام تقويمى فإنى مقوم ... ومن رام تعويجى فإنى معوج # وقول سهل بن هرون «3» : # فوا حسرتا حتى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذر إفضال # فراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم لها «4» مالى # وقال آخر: # شبه الغيث فيه والليث والبد ... ر فسمح ومحرب «5» وجميل # وقلت: # كيف أسلو وأنت حقف «6» وغصن ... وغزال لحظا وردفا وقدا # وقال آخر: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم # PageV01P346 ### | من فساد التفسير # ومن عيوب هذا الباب ما أنشده قدامة «1» : # فيأيها الحيران فى ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا # تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # وكان يجب أن يأتى بإزاء بغى العدا بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو ما ~~يجانس ذلك مما يحتمى به الإنسان، كما وضع بإزاء الظلمة الضياء. فأما إذا ~~وضع بإزاء ما يتخوف من بغى العدا بحرا من الندى فليس ذلك تفسيرا ms194 لذلك. # ومن فساد التفسير ما كتب بعضهم: من كان لأمير المؤمنين كما أنت له من ~~الذب عن ثغوره والمسارة إلى ما يهيب به إليه من صغير أمره وكبيره كان جديرا ~~بنصح أمير المؤمنين فى أعماله، والاجتهاد فى تثمير أمواله؛ فليس الذى قدم ~~من الحال التى عليها هذا العامل من الذب عن الثغور والمسارعة فى الخطوب ما ~~سبيله أن يفسر بالنصح فى الأعمال وتثمير الأموال. ولعله لو أضاف إلى ذكر ~~الذب عن الثغور ذكر الحياطة فى الأمور لكان بهذا المضاف يجوز أن يفسر ~~بالنصح فى الأعمال والتثمير للأموال. # PageV01P347 ### | الفصل السابع فى ### | الإشارة # # الإشارة # الإشارة أن يكون اللفظ القليل مشارا به إلى معان كثيرة، بإيماء إليها ~~ولمحة تدل عليها؛ وذلك كقوله تعالى: إذ يغشى السدرة ما يغشى # . وقول الناس: لو رأيت عليا بين الصفين؛ فيه حذف وإشارة إلى معان كثيرة. # وأخبرنا أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الصولى، قال أخبرنا الحزنبل، قال: # لما ولى المهتدى بالله وزارته سليمان بن وهب قام إليه رجل من ذى حرمته، ~~فقال: # أعز الله الوزير! خادمك المؤمل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على ~~مودتك، المبسوط اللسان بمدحتك، المرتهن الشكر بنعمتك، وإنما أنا كما قال ~~القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك؛ حتى إذا أجننى ~~الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، قام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، وإذا ~~بلغتك فقط. فقال سليمان: # لا بأس عليك فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك، ولست أؤخر عن يومى هذا ~~توليتك بما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خيره إن شاء الله. فقوله: «وإذا بلغتك ~~فقط» إشارة إلى معان كثيرة يطول شرحها. # وكتب آخر إلى آخر: أتعيرنى وأنا أنا! والله لأزرن عليك الفضاء، ولأبغضنك ~~لذيذ الحياة، ولأحببن إليك كريه الممات، ما أظنك تربع على ظلعك، وتقيس شبرك ~~بفترك؛ حتى تذوق وبال أمرك، فتعتذر حين لا تقبل المعذرة، وتستقيل حين لا ~~تقال العثرة. فقوله: «وأنا أنا» إشارة إلى معان كثيرة، وتهديد شديد، وإيعاد ~~كثير. # ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» : # فإن تهلك شنوءة ms195 أو تبدل ... فسيرى إن فى غسان خالا «2» # PageV01P348 # بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا # فقولوه: «إن فى غسان خالا» و «أنالك ما أنالا» إشارة إلى معان كثيرة. # وضرب منه قوله «1» : # على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان # فقوله: «أفانين جرى» مشار به إلى معان لو عدت لكثرت؛ وضم إلى ذلك جميع ~~أوصاف الجودة فى قوله: «يعطيك قبل سؤاله» . # وأنشدنا أبو أحمد لبعضهم: # لم آت مطلبا إلا لمطلب ... وهمة بلغت بى أفضل الرتب # أعملت عيسى إلى البيت العتيق على ... ما كان من دأب فيها ومن نصب # حتى إذا ما انقضى حجى ثنيت لها ... فضل الزمام فأمت سيد العرب # هذا رجائى وهذى مصر معرضة ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب # فقوله: «أنت أنت» مشار به إلى نعوت من المدح كثيرة. # ومن هذا قول أبى نواس «2» : # أنت الخصيب وهذه مصر # PageV01P349 ### | الفصل الثامن فى ### | الأرداف والتوابع # # الأرداف والتوابع # الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدال ~~عليه، الخاص به، ويأتى بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذى ~~أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: فيهن قاصرات الطرف # ، وقصور الطرف فى الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف؛ وذلك أن ~~المرأة إذا عفت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، ~~والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف. # وكذلك قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة # ، وذلك أن الناس يتكافون عن الحرب من أجل القصاص فيحيون فكأن حياتهم ردف ~~للقصاص الذى يتكافون عن القتل من أجله؛ ونحوه قول الشاعر: # وفى العتاب حياة بين أقوام # ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الفرع، فقال: # «حق، وإن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون خير من أن تكفىء إناءك، ~~وتوله ناقتك؛ وتدعه يلصق لحمه بوبره» «1» . # الفرع: أول شىء تنتجه الناقة، وكانوا يذبحونه لله عز وجل. فقال: هو حق، ~~إلا أنه ينبغى أن يترك حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون فيصير للحمه ms196 طعم، ~~وقال «هو خير من أن تكفىء إياءك» فهذه من الإرداف أراد أنك إذا ذبحته حين ~~تضعه أمه بقيت الأم بلا ولد ترضعه فانقطع لبنها؛ فردف ذلك أن يخلو إناؤك من ~~اللبن، فكأنك قد كفأته. ومثله قول امرىء القيس «2» : # PageV01P350 # وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب «1» # أى لو أدركنه- يعنى الخيل- قتلنه، واستقن إبله فصفرت وطابه؛ ومن ذلك قول ~~الأعشى: # رب رفد هرقنه ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال # الرفد: القدح العظيم الضخم، يقول: استقت الإبل فخلا الرفد، فكأنك قد ~~هرقته. # ومن الأرداف قول المرأة لمن سألته: أشكو إليك قلة الجرذان، وذلك أن قلة ~~جرذان البيت ردف لعدم خيره؛ ويقولون: فلان عظيم الرماد، يريدون أنه كثير ~~الإطعام للأضياف؛ لأن كثرة الإطعام يردف كثرة الطبخ؛ ومن المنظوم قول ~~التغلبى «2» : # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أراد أن يذكر عز قومه، فذكر تسريح الفحل فى المرعى، والتوسيع له فيه؛ لأن ~~هذه الحال تابعة للعزة رادفة للمنعة، وذلك أن الأعداء لعزهم لا يقدمون ~~عليهم فيحتاجون إلى تقييد فحلهم، مخافة أن يساق فيتبعه السرح؛ ومن ذلك قول ~~الآخر: # ومهما فى من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل # يعنى أن كلبه يضرب إذا نبح على الأضياف، فيردف ذلك جبنه عن نبحهم؛ وأن ~~اللبن الذى يسمن به الفصيل يجعل للأضياف فيردف ذلك هزال الفصيل. # وقول الآخر: # وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # يعنى الموت، فعبر عنه باصفرار الأنامل، لأنها تصفر من الميت، فكان ~~اصفرارها ردف؛ وقول امرىء القيس «3» : # PageV01P351 # وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئم الضحا لم تنتطق عن تفضل # أراد أنها مكفية؛ ونئومة الضحا وترك الانتطاق للخدمة يردفان الكفاية؛ ~~فعبر بهما عنها وأراد أنها من أهل الترفه والنعمة فتستعمل المسك الكثير ~~فينتثر فى فراشها وهذه الحال تردف الترف والنعمة؛ وقول عمر بن أبى ربيعة ~~«1» : # بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم # فأراد أن يصف طول عنقها فأتى بما دل عليه من طول مهوى القرط، وبعد مهوى ~~القرط ms197 ردف لطول العنق. وقول الخنساء «2» : # ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما # أرادت وصفه بالجود فجعلته مخرق القميص، لأن العفاة يجذبونه؛ فتمزيق قميصه ~~ردف لجوده. وقول الشاعر «3» : # طويل نجاد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وبآدله «4» # أراد وصفه بطول القامة، فذكر طول نجاده، لأن طوله ردف لطول القامة. # وقد أدخل بعض من صنف فى هذا أمثلة باب الأرداف فى باب المماثلة، وأمثلة ~~باب المماثلة فى باب الأرداف، فأفسد البابين جميعا، فلخصت ذلك وميزته وجعلت ~~كلا فى موضعه، وفيه دقة وإشكال. # PageV01P352 ### | الفصل التاسع فى ### | المماثلة # # المماثلة # المماثلة: أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتى بلفظة تكون موضوعة ~~لمعنى آخر، إلا أنه ينبىء إذا أورده عن المعنى الذى أراده، كقولهم: «فلان ~~نقى الثوب» ، يريدون به أنه لا عيب فيه. وليس موضوع نقاء الثوب البراء من ~~العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلا. # وقول امرىء القيس «1» : # ثياب بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران «2» # وكذلك قولهم: «فلان طاهر الجيب» ، يريدون أنه ليس بخائن ولا غادر. # وقولهم: فلان طيب الحجزة، أى عفيف. قال النابغة «3» : # رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب «4» # وقال الأصمعى: إذا قالت العرب: الثوب والإزار؛ فإنهم يريدون البدن، وأنشد ~~«5» : # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة إزارى # وقالوا فى قول ليلى «6» : # رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا # أى رموها بأجسامهم وهى خفاف عليها. ووضع الثوب موضعا آخر فى قول الشاعر: # فتلك ثياب إبراهيم فينا ... بواق ما دنسن ولا بلينا # PageV01P353 # ويقولون: فلان أوسع بنى أبيه ثوبا، أى أكثرهم معروفا، وفلان غمر الرداء، ~~إذا كان كثير المعروف؛ قال كثير: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال # وكذلك قولهم: فلان رحب الذراع، وفلان دنس الثوب؛ إذا كان غادرا فاجرا، ~~قال الشاعر: # ولكننى أنفى عن الذم والدى ... وبعضهم للذم فى ثوبه دسم # ويقولون: دم فلان فى ثوب فلان، أى هو صاحبه. قال أبو ذؤيب «1» : # تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل ms198 إزارها # هذيل تؤنث الإزار، أى علقت دم القتيل هى، ورواه أبو عمرو الشيبانى وبزه، ~~بالرفع، أى وبزه إزارها وقد علقت دمه؛ ويقولون للفرس: إنه لطرب العنان؛ ~~وللبعير: قد سفه جديله، والجديل: الزمام. وقال ذو الرمة «2» : # وأشقر موشى القميص نصبته ... على خضر مقلات سفيه جديلها «3» # وفى القرآن: كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا # ، فمثل العمل ثم إحباطه بالنقض بعد الفتل. # وكذلك قوله تعالى: ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها. # وقوله عز وجل: هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة. # وقوله سبحانه: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط # فمثل البخيل الممتنع من البذل بالمغلول، لمعنى يجمعهما، وهو أن البخيل لا ~~يمد يده بالعطية فشبهه بالمغلول. ويقولون: عركت هذه الكلمة بجنبى، إذا ~~أغضيت عنها، # PageV01P354 # وفلان قد طوى كشحه عن فلان، إذا ترك مودته وصحبته. ويقولون: كبا زند ~~العدو، وصلف زنده، وأفل نجمه، وذهبت ريحه، وأطفئت جمرته، وأخلف نوءه، ~~وأخلقت جدته، وانكسرت شوكته، وكل حده، وانقطع بطانه، وتضعضع ركنه، وضعف ~~عقده، وذلت عضده، وفت فى عضده، ورق جانبه، ولانت عريكته، يقال ذلك فيه إذا ~~ولى أمره؛ تمثيلا وتشبيها. # وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «إياكم وخضراء الدمن» ، أراد المرأة ~~الحسناء فى منبت السوء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها تمثيلا. وقال بعضهم: ~~كنا فى رفقة فضللنا الطريق، فاسترشدنا عجوزا فقالت: استبطن الوادى، وكن ~~سيلا حتى تبلغ. # وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عن المأمون بعزله عن ديار مصر، ~~وتسليم العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد! فإن أمير المؤمنين قد رأى ~~تولية إسحاق بن إبراهيم ما تتولاه من أعمال المعاون بديار مصر، وإنما هو ~~عملك نقل منك إليك. فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. واغتاب رجل رجلا عند سلم ~~بن قتيبة، فقال له سلم: اسكت، فو الله لقد تلمظت مضغة طالما لفظها الكرام. # ومن المنظوم قول طرفة: # أبينى، أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح أم صيرتنى فى شمالك # أى أبينى منزلتى عندك أوضيعة ms199 هى أم رفيعة؛ فذكر اليمين وجعلها بدلا من ~~الرفعة، والشمال وجعلها عوضا من الضعة. وأخذه الرماح بن ميادة، فقال «1» : # ألم تك فى يمنى يديك جعلتنى ... فلا تجعلنى بعدها فى شمالكا # ولو أننى أذنبت ما كنت هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا # وقال آخر «2» : # تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسى على ابن الصعق # PageV01P355 # جعلت يدى وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق # فقوله: جعلت يدى وشاحا تمثيل. وقول زهير «1» : # ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالى ركبت كل لهذم «2» # أراد أن يقول: من أبى الصلح رضى بالحرب، فعدل عن لفظه، وأتى بالتمثيل؛ ~~فجعل الزج للصلح؛ لأنه مستقبل «3» فى الصلح، والسنان للحرب لأن الحرب به ~~يكون؛ وهذا مثل قولهم: من عصى الصوت أطاع السيف، ومنه قول امرىء القيس «4» ~~: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربى ... بسهميك فى أعشار «5» قلب مقتل # فقال: بسهميك، وأراد العينين. وقال العباس بن مرداس «6» : # كانوا أمام المؤمنين درية ... والشمس يومئذ عليهم أشمس # أراد تلألؤ البيض فى الشمس، فكأن على كل رأس شمسا، وقال قدامة: من أمثلة ~~هذا الباب قول الشاعر «7» : # أوردتهم وصدور العيس مسنفة «8» ... والصبح بالكوكب الدرى منحور # وقال: قد أشار إلى الفجر إشارة إلى طريقه بغير لفظه. وليس فى هذا البيت ~~إشارة إلى الفجر، بل قد صرح بذكر الصبح، وقال: هو منحور بالكوكب الدرى، أى ~~صار فى نحره، ووضع هذا البيت فى باب الاستعارة أولى منه فى باب المماثلة. ### | مما عيب فى المماثلة # ومما عيب من هذا الباب قول أبى تمام: # أنت دلو وذو السماح أبو ... موسى قليب وأنت دلو القليب # أيها الدلو لا عدمتك دلوا ... من جياد الدلاء صلب الصليب # PageV01P356 ### | الفصل العاشر فى ### | الغلو # # الغلو # الغلو تجاوز حد المعنى والارتفاع فيه إلى غاية لا يكاد يبلغها؛ كقول الله ~~تعالى: # وبلغت القلوب الحناجر # . وقال تأبط شرا «1» : # ويوم كيوم العيكتين «2» وعطفة ... عطفت وقد مس القلوب الحناجر # وقال الله تعالى: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال # ، بمعنى لتكاد تزول منه. ويقال إنها فى مصحف ابن مسعود مثبته؛ وقد جاءت ~~فى القرآن مثبتة ms200 وغير مثبتة. قال الله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم. # وقال الشاعر «3» : # يتقارضون إذا التقوا فى موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام «4» # وكاد إنما هى للمقاربة، وهى أيضا مع إثباتها توسع؛ لأن القلوب لا تقارب ~~البلوغ إلى الحناجر وأصحابها أحياء. # وقوله تعالى: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط # ، وهذا إنما هو على البعيد؛ ومعناه لا يدخل الجمل فى سم الخياط ولا يدخل ~~هؤلاء الجنة. # ومثله قول الشاعر «5» : # إذا زال عنكم أسود العين «6» كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم # وقول الآخر «7» : # فرجى الخير وانتظرى إيابى ... إذا ما القارظ العنزى آبا # PageV01P357 # وقال النابغة «1» : # فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب ### | مثال الغلو من النثر # ومثال الغلو من النثر قول امرأة من العجم كانت لا تظهر إذا طلعت الشمس ~~فقيل لها فى ذلك، فقالت: أخاف أن تكسفنى. وقال أعرابى: لنا تمرة فطساء ~~جرداء؛ تضع التمرة فى فيك، فتجد حلاوتها فى كعبك. وقيل لأعرابى: ما حضر «2» ~~فرسك؟ # قال: يحضر ما وجد أرضا. ووصف أعرابى فرسه، فقال: إن الوابل ليصيب عجزه؛ ~~فلا يبلغ إلى معرفته حتى أبلغ حاجتى. وذم أعرابى رجلا، فقال: يكاد يعدى ~~لؤمه من تسمى باسمه. # وكتب بعضهم يصف رجلا، فقال: أما بعد، فإنك قد كتبت تسأل عن فلان، كأنك قد ~~هممت بالقدوم عليه، أو حدثت نفسك بالوفود إليه، فلا تفعل، فإن حسن الظن به ~~لا يقع إلا بخذلان الله تعالى، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا ~~بسوء التوكل على الله تعالى، والرجاء لما فى يديه لا ينبغى إلا بعد اليأس ~~من رحمة الله تعالى؛ لا يرى إلا أن الإقتار الذى نهى الله عنه هو التبذير ~~الذى يعاقب عليه، والاقتصاد الذى أمر به هو الإسراف الذى يغضب منه، وأن ~~الصنيعة مرفوعة، والصلة موضوعة، والهمة مكروهة، والثقة منسوخة، والتوسع ~~ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين، وأن مواساة الرجل أخاه من ~~الذنوب الموبقة، وإفضاله عليه إحدى الكبائر المرهقة، وأن الله تعالى لا ~~يغفر أن ms201 يؤثر المرء على نفسه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه ~~فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا؛ كأنه لم يسمع بالمعروف إلا فى ~~الجاهلية الذين قطع الله دابرهم، ومحا معالمهم، ونهى المسلمين عن اتباع ~~آثارهم، وحظر عليهم أن يختاروا مثل اختيارهم، يظن أن الرجفة لم تأخذ أهل ~~مدين إلا لسخاء كان فيهم، ولم تهلك عادا بالريح العقيم # PageV01P358 # إلا لتوسع كان فيهم، فهو يخشى العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على ~~الإمساك، ويعذر نفسه فى العقوق، ويلوى ماله عن الحقوق؛ خيفة أن ينزل به ~~قوارع العالمين. # ويأمرها بالبخل خشية أن يصيبه ما أصاب القرون الأولين، فأقم- رحمك الله- ~~على مكانك، واصطبر على عسرتك، عسى الله أن يبدلنا وإياك خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما. # وقالت سكينة بنت الحسين رضى الله عنهما وقد أثقلت ابنتها بالدر: ما ~~ألبستها إياه إلا لتفضحه؛ ونحوه قول الشاعر: # جارية أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر # ووجهها أحسن من حليها ... والحلى فيه الدر والجوهر # وقال ابن مطير «1» : # مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # وقيل لأعرابى: فلان يدعى الفضل على فلان، فقال: والله لئن كان أطول من ~~مسيره ما بلغ فضله، ولو وقع فى ضحضاح معروفه غرق. وقال أعرابى: الناس ~~يأكلون أماناتهم لقما، وفلان يحسوها حسوا، ولو نازعت فيه الخنازير لقضى به ~~لها لقرب شبهه منها، وما ميراثه عن آدم إلا أنه سمى آدميا. وذكر أعرابى ~~رجلا، فقال: كيف يدرك بثاره وفى صدره حشو مرفقة من البلغم، وهو المرء لو دق ~~بوجهه الحجارة لرضها، ولو خلا بالكعبة لسرقها. # وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين ~~الأزدى قال: حدثنا ابن أبى السرى، عن رزين العروضى، قال: لقيت أبا الحرث ~~جميزا «2» ومعه غلام لمحمد بن يحيى البرمكى متعلق به، فقلت له: ما لهذا ~~متعلق بك؟ فقال: # لأنى دخلت أمس على مولاه وبين يديه خوان من نصف خشخاشة، فتنفست فطار # PageV01P359 # الخوان فى أنفى فهذا يستعدى على، فقلت له: أما تستحى مما تقول؟ فقال: ~~الطلاق ms202 له لازم لو أن عصفورا نقر حبة من طعام بيدره ما رضى حتى يؤتى ~~بالعصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور! قلت: قبحك الله! ما ~~أعظم تعديك! فقال: على المشى إلى بيت الله الحرام إن لم يكن صعود السماء ~~على سلم من زبد حتى يأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك رغيفا فى اليوم. ### | [مثال الغلو] من المنظوم # ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» : # من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا «2» # وقول الأعشى «3» : # فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السارى لألقى المقالدا # ينادى: أى يجالس؛ وقول أبى الطمحان «4» : # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # ومثله «5» : # وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى # وقول الآخر: # من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا # وقول النابغة الجعدى «6» : # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # وقول النمرى «7» . # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادى # PageV01P360 # وقول الطرماح: «1» # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على صفى تميم لولت # ولو أن أم العنكبوت بنت لها ... مظلتها يوم الندى لاستظلت # ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرة معقولة لا ستقلت # ولو أن يربوعا يزقق مسكه ... إذن نهلت منه تميم وعلت # يزقق: أى يجعل منه زقاقا. # وقال الآخر: # وتبكى السموات إذا ما دعا ... وتستغيث الأرض من سجدته # لما اشتهى يوما لحوم القطا ... صرعها فى الجو من نكهته # ومثله فى الإفراط قول الخثعمى: # يدلى يديه إلى القليب فيستقى ... فى سرجه بدل الرشاء المحصد «2» # وكما أفرطوا فى صفة الطول كذلك أفرطوا فى صفة القصر؛ قال بعضهم: # فأقسم لو خرت من استك بيضة ... لما انكسرت من قرب بعضك من بعض # وقال آخر فى صفة كثير عزة وكان قصيرا: # قصير القميص فاحش عند بيته ... يعض القراد باسته وهو قائم # وقال بعض المحدثين: # وقصير لا تعمل الش ms203 ... شمس ظلا لقامته # يعثر الناس فى الطرى ... ق به من دمامته # وقال أبو عثمان الناجم: # ألا يا بيدق الشطرن ... ج فى القيمة والقامة # PageV01P361 # وقال أبو نواس يصف قدرا: # يغص بحيزوم الجرادة صدرها ... وينضج ما فيها بعود خلال # وتغلى بذكر النار من غير حرها ... وتنزلها عفوا بغير جعال # هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كل هزال # وقال آخر فى خلاف ذلك: # بقدر كأن الليل شحمة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطع # ومن الإفراط قول المؤمل: # من رأى مثل حبتى ... تشبه البدر إذ بدا # تدخل اليوم ثم تد ... خل أرادفها غدا # ومثله قول الآخر: # أنت فى البيت وعرن ... ينك فى الدار يطوف # ومثله: # لقد مر عبد الله فى السوق راكبا ... له حاجة من أنفه ومطرق # وعنت له فى جانب السوق مخطة ... توهمت أن السوق منها سيغرق # فأقذر به أنفا وأقذر بربه ... على وجهه منه كنيف معلق # ومثله فى الإفراط قول آخر فى إمام بطىء القراءة: # إن قرأ «العاديات» فى رجب ... لم تفن آياتها إلى رجب # بل هو لا يستطيع فى سنة ... بختم «تبت يدا أبى لهب» # وقال ابن مقبل: # يقلقل من ضغم اللجام لهاته ... تقلقل عود المرخ فى الجعبة الصفر # وقال إبراهيم بن العباس «1» : # يا أخا لم أر فى الدهر خلا ... مثله أسرع هجر ووصلا # PageV01P362 # كنت لى فى صدر يومى صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا # وقال ابن الرومى: # يا ثقيلا على القلوب خفيفا ... فى الموازين دون وزن النقير # طر مخيفا أو قع مقيتا فطو ... را كسفاة وتارة كثبير «1» # وقبول النفوس إياك عندى ... آية فيك للطيف الخبير # إن قوما أصبحت تنفق فيهم ... لعلى غاية من التسخير # ومن الناس من يكره الإفراط الشديد ويعيبه؛ وإذا تحرز المبالغ واستظهر ~~فأورد شرطا، أو جاء- بكاد- وما يجرى مجراها يسلم من العيب؛ وذلك مثل قول ~~الأول «2» : # لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر # وقول العرجى: # لو كان حيا قبلهن ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم # وقول الأسدى: # فلو قاتل الموت امرؤ ms204 عن حميمه ... لقاتلت جهدى سكرة الموت عن معن # فتى لا يقول الموت من وقعة به ... لك ابنك خذه ليس من حاجتى دعنى # وقول الآخر: # لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد # قوم أقام بدار الذل أو لهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد # وقول البحترى «3» : # ولو أن مشتاقا تكلف غير ما «4» ... فى وسعه لسعى إليك المنبر ### | من عيوب الغلو # ومن عيوب هذا الباب أن يخرج فيه إلى المحال، ويشوبه بسوء الاستعارة، ~~وقبيح العبارة؛ كقول أبى نواس فى الخمر: # PageV01P363 # توهمتها فى كأسها فكأنما ... توهمت شيئا ليس يدرك بالعقل # وصفراء أبقى الدهر مكنون روحها ... وقد مات من مخبورها جوهر الكل # فما يرتقى التكييف منها إلى مدى ... تحد به إلا ومن قبله قبل # فجعلها لا تدرك بالعقل وجعلها لا أول لها، وقوله: «جوهر الكل» و ~~«التكييف» فى غاية التكلف، ونهاية التعسف. ومثل هذا من الكلام مردود، لا ~~يشتغل بالاحتجاج عنه له، والتحسين لأمره، وهو بترك التداول أولى؛ إلا على ~~وجه التعجب منه ومن قائله. ومن الغلو الغث قول المتنبى «1» : # فتى ألف جزء رأيه فى زمانه ... أقل جزىء بعضه الرأى أجمع # وقوله «2» : # تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذى الأفلاك فيه والدنا # سئل عما فيه الأفلاك والدنا، فقال: علم الله؛ ونيته لا تدل عليه؛ فأفرط ~~وعمى، وجمع دنيا على قول أهل الأدوار والتناسخ. # PageV01P364 ### | الفصل الحادى عشر فى ### | المبالغة # # المبالغة # المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر فى ~~العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه؛ ومثاله من القرآن قول الله ~~تعالى: يوم (ترونها) تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى # . ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة؛ وإنما ~~خص المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، ~~وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب ~~القرب تكون المحبة والإلف؛ ولهذا قال امرؤ القيس «1» : # فمثلك حبلى قد طرقت ms205 ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول # لما أراد المبالغة فى وصف محبة المرأة له، قال: إنى أليتها عن ولدها الذى ~~ترضعه لمعرفته بشغفها به، وشفقتها عليه فى حال إرضاعها إياه. # وقوله تعالى: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء # ، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا؛ ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن؛ ~~لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص؛ وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك ~~قول دريد بن الصمة «2» : # متى ما تدع قومك أدع قومى ... وحولى من بنى جشم فئام «3» # فوارس بهمة حشد إذا ما ... بدا حضر الحيية والحذام «4» # فالمبالغة الشديدة فى قوله: «الحيية» . ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن ~~يذكر المتكلم حالا لو وقف عليها أجزأته فى غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد ~~فى المعنى # PageV01P365 # زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده. كقول عمير بن الأهتم التغلبى «1» : # ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا # فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، وإتباعهم إياه الكرامة حيث مال من ~~المبالغة. وقول الحكم الخضرى «2» : # وأقبح من قرد وأبخل بالقرى ... من الكلب أمسى وهو غرثان أعجف # فالكلب بخيل على ما ظفر به، وهو أشد بخلا إذا كان جائعا أعجف. ومن هاهنا ~~أخذ حماد عجرد قوله فى بشار «3» : # ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد # وقول رواس بن تميم «4» : # وإنا لنعطى النصف منا وإننا ... لنأخذه من كل أبلخ «5» ظالم # المبالغة فى قوله: «أبلخ» . # وقول أوس بن غلفاء الهجيمى «6» : # وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا، وأشرد من نعام # فقوله: «رأت صقرا» من المبالغة. # وكتبت فى فصل إلى بعض أهل الأدب: قربك أحب إلى من الحياة فى ظل اليسر ~~والسعة، ومن طول البقاء فى كنف الخفض والدعة، ومن إقبال الحبيب مع إدبار ~~الرقيب، ومن شمول الخصب بعد عموم الجدب، وأقر لعينى من الظفر بالبغية بعد ~~إشرافى على الخيبة، وأسر لنفسى من الأمن بعد الخوف، والإنصاف بعد الحيف. # وأسأل الله أن يطيل بقاءك، ويديم نعماءك، ويرزقنى عدلك ووفاءك، ويكفينى ~~نبوك وجفاءك. # PageV01P366 # فقولى: «الحياة فى ظل اليسر والسعة» ms206 . و «البقاء فى كنف الخفض والدعة» . # وقولى: «إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب» وقولى: «الخصب بعد عموم الجدب» ، ~~وما بعده إلى آخر الفصول مبالغات. ### | من عيوب المبالغة # ومن عيوب هذا الباب قول بعض المتأخرين «1» : # فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدخال «2» # أراد أن يقول: إنك كثير الجود على كثرة سؤالك فلا نقصت؛ فعبر عنه بهذه ~~العبارة الغثة، والجموم: البئر الكثيرة الماء؛ وقوله «3» : # ليس قولى فى شمس فعلك كالشم ... س ولكن فى الشمس كالإشراق # على أن حقيقة معنى هذا البيت لا يوقف عليها. # ومن ردىء المبالغة قول أبى تمام «4» : # ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم # أراد أن يبالغ فى ذكر الممدوح باللهج بذكر الجود، فقال: «ما زال يهذى» ~~فجاء بلفظ مذموم، والجيد فى معناه قول الآخر: # ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون # قسم قسمين: ممدوحا ومذموما، ليخرج الممدوح من المذموم إلى الممدوح ~~المحمود. # ومن جيد المبالغة قول عمرو بن حاتم: # خليلى أمسى حب خرقاء قاتلى ... ففى الحب منى وقدة وصدوع # ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا ألا يصوب ربيع # قوله: «على جدبنا» مبالغة جيدة. # PageV01P367 ### | الفصل الثانى عشر فى ### | الكناية والتعريض # # الكناية والتعريض # وهو أن يكنى عن الشىء ويعرض به ولا يصرح، على حسب ما عملوا باللحن ~~والتورية عن الشىء. كما فعل العنبرى إذ بعث إلى قومه بصرة شوك وصرة رمل ~~وحنظلة، يريد: جاءتكم بنو حنظلة فى عدد كثير ككثرة الرمل والشوك. # وفى كتاب الله تعالى عز وجل: أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء # ، فالغائط كناية عن الحاجة، وملامسة النساء كناية عن الجماع. # وقوله تعالى: وفرش مرفوعة # كناية عن النساء. # ومن مليح ما جاء فى هذا الباب قول أبى العيناء، وقيل له: ما تقول فى ابنى ~~وهب؟ # قال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج # سليمان أفضل، قيل: وكيف؟ قال: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم. ### | من ms207 التعريض الجيد # ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد، فقد ~~استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول عليه فى إلحاقه بنظرائه من ~~المرتزقين فيما يرتزقون، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب ~~المستشفع بهم، وفى ابتدائه بذلك تعدى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه: قد ~~عرفنا تصريحك له، وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما، وأوقفناك عليهما. # ومن المنظوم قول بشار: # وإذا ما التقى ابن نهيا وبكر ... زاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر # أراد أنهما يتبادلان، وقال آخر فى ابن حجام: # أبوك أب مازال للناس موجعا ... لأعناقهم نقرا كما ينقر الصقر # PageV01P368 # إذا عوج الكتاب يوما سطورهم ... فليس بمعوج له أبدا سطر # وقال بعض المتقدمين: # وقد جعل الوسمى ينبت بيننا ... وبين بنى دودان نبعا وشوحطا # النبع والشوحط، كأنه كنى بهما عن القسى والسهام؛ ومثله قول الآخر: # وفى البقل ما لم يدفع الله شره ... شياطين ينزو بعضهن على بعض # وقول رؤبة: # يابن هشام أهلك الناس اللبن ... فكلهم يعدو بقوس وقرن # وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع، وهو وقت الغزو عندهم. # وكتب كافى الكفاة: إن فلانا طرق بيته وهو الخيف؛ لا خوف على من دخله، ولا ~~يد على من نزله، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكؤوس تارة، والفؤوس مرة، فمن ~~ذى معول يهدم، ومن ذى مغول «1» يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ، ~~فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة «2» ، تحكم يمناها فى أخادعه، وتتقى بيسراها وقع ~~أصابعه، والحاضرون يحرضونها على القتال، ويدعونها إلى النزال، والشيخ ~~يناديهم: # تجمعتم من كل أوب وبلدة ... على واحد لازلتم قرن واحد # ثم علم أن الحرب خدعة، ولكل امرىء فرصة، فتلقاها بالأثافى طلاقا بتا ~~وفراقا بتلا. وأخذ ينشد: # إنى أبى أبى ذو محافظة ... وابن أبى أبى من أبيين «3» # ولكن بعد ماذا، بعد ما ضموا الخصر، وأموا الحصر، وأدمنوا العصر، وافتتحوا ~~القصر. # (24- الصناعتين) # PageV01P369 # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن شرا ولا تسأل عن الخبر # فأكثر هذا الكلام كنايات. ### | مما عيب من الكناية # ومما عيب من هذا ms208 الباب ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: قال أبو الحسن بن ~~طباطبا الأصبهانى يصف غلاما: # منعم الجسم يحكى الماء رقته ... وقلبه قسوة يحكى أبا أوس # أى قلبه حجر، أراد والد أوس بن حجر، فأبعد التناول. فكتب إليه أبو مسلم ~~قال: وأنشدنيها أبو مسلم، ولم ينسبها إلى نفسه: # أبا حسن حاولت إيراد قافية ... مصلبة المعنى فجاءتك واهيه # وقلت أبا أوس تريد كناية ... عن الحجر القاسى فأوردت داهيه # فإن جاز هذا فاكسرن غير صاغر ... فمى بأبى القرم الهمام معاويه # وإلا أقمنا بيننا لك جده ... فتصبح ممنونا بصفين ثانيه # أراد: فاكسرن فمى بصخر، وإلا أقمنا بيننا لك حربا وهو جد معاوية؛ وقال ~~أبو نواس فى جلد عميرة: # إذا أنت أنكحت الكريمة كفئها ... فانكح حسينا راحة بنت ساعد # وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... لها راحة حفت بخمس ولائد # ومن شنيع الكناية، قول بعض المتأخرين «1» : # إنى على شغفى بما فى خمرها «2» ... لأعف عما فى سراويلاتها # وسمعت بعض الشيوخ يقول: الفجور أحسن من عفاف يعبر عنه بهذا اللفظ. # قال: وقريب من ذلك قول الآخر: # وما نلت منها محرما غير أننى ... إذا هى بالت بلت حيث تبول # PageV01P370 ### | الفصل الثالث عشر فى ### | العكس # # العكس # العكس: أن تعكس الكلام فتجعل فى الجزء الأخير منه ما جعلته فى الجزء ~~الأول، وبعضهم يسميه التبديل؛ وهو مثل قول الله عز وجل: يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي. # وقوله تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل ~~له. # وكقول القائل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. وقول الآخر: # اللهم أغننى بالفقر إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقول بعض النساء ~~لولدها: # رزقك الله حظا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الحظوظ. # وقال بعضهم لرجل كان يتعهده: أسأل الله الذى رحمنى بك، أن يرحمك بى. # وقال بعض القدماء: ما أقل منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة! وما أكثر قلة ~~المعرفة مع ملك النفس! وقال بعضهم: كن من احتيالك على ms209 عدوك، أخوف من احتيال ~~عدوك عليك. وقال آخر: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم. # وفى معناه قول الشاعر: # جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لى بأن تدرى بأنك لا تدرى # وعزى رجل أخاه على ولد، فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك- يعنى الجنة. # وقال بعضهم: إنى أكره للرجل أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه، ~~كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا عن مقدار لسانه. وقال عمر بن الخطاب ~~رضوان الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. وقيل للحسن بن ~~سهل- وكان يكثر العطاء: ليس فى السرف خير، فقال: ليس فى الخير سرف. # PageV01P371 # فعكس اللفظ واستوفى المعنى. ### | مثاله من المنظوم # وقال بعضهم؛ كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه. # ومثاله من المنظوم قول عدى بن الرقاع «1» : # ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدى وسادها # وقال بعض المحدثين: # لسانى كتوم لأسراركم ... ودمعى نموم لسرى مذيع # فلولا دموعى كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لى دموع # وقال آخر: # تلك الثنايا من عقدها نظمت ... أو نظم العقد من ثناياها # والعكس أيضا من وجه آخر؛ وهو أن يذكر المعنى ثم يعكسه إيراد خلاف؛ كقول ~~الصاحب: # وتسمى شمس المعالى وهو كسوفها # PageV01P372 ### | الفصل الرابع عشر فى ### | التذييل # ### | موقع التذييل فى الكلام # وللتذييل فى الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير؛ لأن المعنى يزداد به ~~انشراحا والمقصد اتضاحا. وقال بعض البلغاء: للبلاغة ثلاثة مواضع؛ الإشارة، ~~والتذييل، والمساواة. وقد شرحنا الإشارة والمساواة فيما تقدم؛ فأما التذييل # التذييل # فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه، حتى يظهر لمن لم يفهمه، ~~ويتوكد عند من فهمه، وهو ضد الإشارة والتعريض؛ وينبغى أن يستعمل فى المواطن ~~الجامعة، والمواقف الحافلة؛ لأن تلك المواطن تجمع البطىء الفهم، والبعيد ~~الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى ~~الواحد توكد عند الذهن اللقن، وصح للكليل البليد. ### | مثاله من القرآن # ومثاله من القرآن قول الله عز وجل: ذلك ms210 جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا ~~الكفور # ؛ ومعناه وهل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور. # وقوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون. # وإن كل نفس ذائقة الموت # جميعا تذييل. # [مثاله] من النثر # و ### | مثاله من النثر # قول بعضهم: قبول السعاية شر من السعاية؛ لأن السعاية إخبار ودلالة، ~~والقبول إنفاذ وإجازة، وهل الدال المخبر، مثل المجيز المنفذ، فإذا كان كذلك ~~فالحزم أن يمقت الساعى على سعايته إن كان صادقا للؤمه فى هتك العورة، ~~وإضاعة الحرمة، وأن يجمع له إلى المقت العقوبة إن كان كاذبا، لجمعه على ~~إضاعة الحرمة، وهتك العورة ومبارزة الرحمن بقول الزور واختلاق البهتان. ~~فقوله: «وهل الدال المخبر مثل المجيز المنفذ» تذييل ما تقدم من الكلام. # PageV01P373 # وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل الله تعالى ما لا ~~نحصيه، ولسنا نستحى من كثرة ما نعصيه، وقد أعيانا شكره، وأعجزنا حمده، فما ~~ندرى ما نشكر: أجميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما ~~عفا، فاستزد الله من حسن بلائه بشكره على جميع آلائه. فقوله: «فما ندرى ما ~~نشكر» تذييل لقوله «قد أعيانا شكره» . # وكتب سليمان بن وهب لبعضهم: بلغنى حسن محضرك، فغير بديع من فضلك، ولا ~~غريب عندى من برك؛ بل قليل اتصل بكثير، وصغير لحق بكبير؛ حتى اجتمع فى قلب ~~قد وطن لموتك، وعنق قد ذللت لطاعتك، ونفس قد طبعت على مرضاتك؛ وليس أكثر ~~سؤلها، وأعظم إربها، إلا طول مدتك، وبقاء نعمتك، قوله: «فغير بديع من فضلك ~~ولا غريب عندى من برك» تذييل لقوله: «بل قليل اتصل بكثير، وصغير لحق بكبير» ~~فأكد ما تقدم. ### | [مثاله] من المنظوم # ومن المنظوم قول الحطيئة «1» : # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يقيس «2» بأنف الناقة الذنبا # فاستوفى المعنى فى النصف الأول، وذيل بالنصف الثانى. # وقول الآخر: # فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # وقول طرفة «3» : # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد «4» # فالنصف ms211 الآخر تشبيه وتذييل. # وقول أبى نواس: # عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين وللزمن عرام «5» # قوله: «وللزمان عرام» تذييل. # PageV01P374 ### | الفصل الخامس عشر فى الترصيع ### | التصريع [و] مثاله # وهو أن يكون حشو البيت مسجوعا، وأصله من قولهم: رصعت العقد، إذا فصلته. ~~ومثاله قول امرىء القيس «1» : # سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال «2» # وقوله «3» : # وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب «4» # وقوله «5» : # فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذى غروب خصر # وضرب منه قوله «6» : # مخش مجش مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلب العدوان «7» # وضرب منه، قوله «8» فى صفة الكلب: # ألص الضروس حبى الضلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر «9» # فقوله: «الضروس مع الضلوع» ، سجع؛ وإن لم يكن القاطع على حرف واحد؛ وقد ~~أحكمنا هذا فى السجع والازدواج. # PageV01P375 # وقال زهير «1» : # كبداء مقبلة عجزاء مدبرة ... قوداء فيها إذا استعرضتها خضع «2» # وقال أوس «3» : # جشا حناجرها علما مشافرها ... تستن أولادها فى قرقر ضاحى «4» # وقال طرفة «5» : # بطىء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذلول بأجماع الرجال ملهد «6» # وقال النمرى «7» : # من صوب سارية علت بغادية ... تنهل حتى يكاد الصبح ينجاب # وقال تأبط شرا «8» : # بل من لعذالة خذالة أشب ... حرقت باللوم جلدى أى تحراق «9» # وقال أيضا «10» : # حمال ألوية شهاد أنديه ... هباط أودية جوال آفاق # وقال النمر «11» : # طويل الذراع قصير الكراع ... يواشك بالسبسب الأغبر # وقال الأفوه الأودى «12» : # سود غدائرها بلج محاجرها ... كأن أطرافها لما اجتلى الطنف «13» # PageV01P376 # وقال العجير «1» : # حم الذرى مرسلة منها العرى # وقال سليك «2» : # إذا أسهلت خبت وإن أحزنت مشت # وقال بشامة بن الغدير «3» : # هوان الحياة وخزى الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # وقال الراعى «4» : # سود معاصمها خضر معاقمها ... قد مسها من عقيد القار تنصيل «5» # وقالت ليلى الأخيلية «6» : # وقد كان مرهوب السنان وبين ال ... لسان ومجذام السرى غير فاتر # وقال ذو الرمة: # كحلاء فى برج صفراء فى نعج «7» ... كأنها فضة قد مسها ذهب # وقال عامر بن الطفيل: # إنى وإن كنت ابن فارس عامر ... وفى السر منها والصريح المهذب # فما سودتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ms212 ولا أب # ولكننى أحمى حماها وأتقى ... أذاها وأرمى من رماها بمقنب # المقنب: جماعة الخيل. ### | كثرته # ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر ~~وتوالى دل على التكلف؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة # PageV01P377 # من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلف، وبان عليها سمة التعسف، وسلم بعضها ~~ولم يسلم بعض؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء: # حامى الحقيقة محمود الخليقة مه ... دى الطريقة نفاع وضرار # هذا البيت جيد؛ ثم قالت: # فعال سامية وراد طامية ... للمجد نامية تعنيه أسفار # هذا البيت ردىء لتبرىء بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت: # جواب قاصية جزاز ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار # آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ~~ثم قالت: # حلو حلاوته فصل مقالته ... فاش حمالته للعظم جبار # وهذا مثل ما قبله؛ وقول أبى صخر الهذلى «1» : # وتلك هيكلة خود مبتلة «2» ... صفراء رعبلة فى منصب سنم # هذا البيت صالح؛ وبعده: # عذب مقبلها جذل مخلخلها ... كالدعص «3» أسفلها مخصورة القدم # كأن قوله: «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه؛ وبعده: # سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم # وهذا البيت أيضا قلق القافية؛ وبعده: # سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد شبم # هذا البيت ردىء لبعد ما بين الخلائق، والمرافق، وما بين الدرم، والسمح؛ ~~ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح وليس لعظم مرفقها حجم «4» . وهذا مثل ~~قول القائل لو قال: خلق فلان حسن وشعره جعد «5» . ليس هذا من تأليف # PageV01P378 # البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم «1» : # آبى الهضيمة ناء بالعظيمة مت ... لاف الكريمة جلد غير ثنيان «2» # حامى الحقيقة نسال الوديقة مع ... تاق الوسيقة لا نكس ولاوان «3» # البيت الثانى أجود من الأول؛ وقوله: # رباء مرقبة مناع مغلبة ... وهاب سلهبة قطاع أقران «4» # وهذا البيت أيضا صالح؛ وبعده: # هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان «5» # قوله: سرحان فتيان ناب قلق؛ وبعده: # يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وهوب غير ms213 منان # التارك القرن مصفرا أنامله ... كأن فى ريطتيه نضح إرقان «6» # هذا البيت جيد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلف فيه السجع ولم يتوخ ~~الموازنة. ### | من جيد الترصيع # ومن جيد الباب قول ابن الرومى: # حوراء فى وطف قنواء فى ذلف ... لفاء فى هيف عجزاء فى قبب «7» ### | من معيبه # ومن معيب هذا الباب أيضا قول بعض المتأخرين «8» : # عجب الوشاة من اللحاة وقولهم ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه # هذا ردىء لتعمية معناه. # PageV01P379 ### | الفصل السادس عشر فى ### | الإيغال # # الإيغال # وهو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه؛ ثم يأتى بالمقطع فيزيد ~~معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا، وأصل الكلمة من قولهم: # أوغل فى الأمر إذا أبعد الذهاب فيه. # وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولى عن المبرد عن التوزى، قال: قلت ~~للأصمعى: # من أشعر الناس؟ فقال: من يأتى بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو ~~الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضى كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها ~~أفاد بها معنى. قال: قلت: نحو من؟ قال: قول ذى الرمة حيث يقول «1» : # قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # فتم كلامه «بالرداء» قبل المسلسل، ثم قال «المسلسل» ؛ فزاد شيئا ~~بالمسلسل. # ثم قال: # أظن الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل # فتم كلامه، بالجمان، ثم قال: المفصل، فزاد شيئا. قلت: ونحو من؟ قال: ~~الأعشى حيث يقول «2» : # كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فتم كلامه «بيضرها، فلما احتاج إلى القافية قال: وأوهى قرنه الوعل؛ فزاد ~~معنى. قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة ~~الجبل على قرنيه فلا يضيره. # وكتب بعض الكتاب: نبو الطرف من الوزير دليل على تغير الحال عنده، # PageV01P380 # ولا صبر على الجفاء ممن عود الله منه البر، وقد استدللت بإزالة الوزير ~~إياى عن المحل الذى كان يحلنيه بتطوله على ما سؤت له ظنا بنفسى، وما أخاف ~~عتبا لأنى لم أجن ذنبا، فإن رأى الوزير أن يقومنى لنفسى، ms214 ويدلنى على ما ~~يراد منى فعل. تم كلامه عند قوله له «يقومنى» ثم جاء بالمقطع وهو قوله: ~~«لنفسى» فزاد معنى. # وممن زاد توكيدا امرؤ القيس حيث يقول «1» : # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب # قوله: «لم يثقب» يزيد التشبيه توكيدا؛ لأن عيون الوحش غير مثقبة. # وزهير حيث يقول «2» : # كأن فتات العهن «3» فى كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # القنا إذا كسر ابيض. والفنا: شجر الثعلب «4» . ومن الزيادة قول امرىء ~~القيس «5» : # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب «6» # فالتشبيه قد تم عند قوله «هزيز الريح» وزاد بقوله «مرت بأثأب» : لأنه ~~أخبر به عن شدة حفيف الفرس، وللريح فى أغصان الأثاب حفيف شديد. والأثأب: ~~شجر. # وقول أبى نواس: # ذاك الوزير الذى طالت علاوته ... كأنه ناظر فى السيف بالطول # فقوله «بالطول» أنفى للشبهة. # وقول راشد الكاتب: # كأنه ويد الحسناء تغمزه ... سير الإداوة لما مسه البلل # فقوله: «لما مسه البلل» تأكيد، ويدخل أكثر هذا الباب فى التتميم؛ وإنما ~~يسمى إيغالا إذا وقع فى الفواصل والمقاطع. # PageV01P381 ### | الفصل السابع عشر فى ### | التوشيح # # التوشيح # سمى هذا النوع التوشيح، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى، ولو سمى ~~تبيينا لكان أقرب، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبىء عن مقطعه؛ وأوله يخبر ~~بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، أو عرفت رواية؛ ثم سمعت صدر ~~بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه؛ وخير الشعر ما تسابق صدوره ~~وأعجازه، ومعانيه وألفاظه؛ فتراه سلسا فى النظام، جاريا على اللسان، لا ~~يتنافى ولا يتنافر؛ كأنه سبيكة مفرغة، أو وشى منمنم، أو عقد منظم من جوهر ~~متشاكل، متمكن القوافى غير قلقة، وثابتة غير مرجة، ألفاظه متطابقة، وقوافيه ~~متوافقة، ومعانيه متعادلة، كل شىء منه موضوع فى موضعه، وواقع فى موقعه؛ ~~فإذا نقض بناؤه، وحل نظامه، وجعل نثرا؛ لم يذهب حسنه، ولم تبطل جودته فى ~~معناه ولفظه؛ فيصلح نقضه لبناء مستأنف، وجوهره لنظام مستقبل. ### | أمثلة من القرآن # فمما فى كتاب الله عز وجل ms215 من هذا النوع قوله تعالى: وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون # ؛ فإذا وقفت على قوله تعالى: «فيما» ، عرف فيه السامع أن بعده «يختلفون» ~~، لما تقدم من الدلالة عليه. # وهكذا قوله تعالى: قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون # ذا وقف على «يكتبون» ، عرف أن بعده «ما يمكرون» ، لما تقدم من ذكر المكر. # وضرب منه آخر، وهو أن يعرف السامع مقطع الكلام، وإن لم يجد ذكره فيما ~~تقدم؛ وهو كقوله تعالى: ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف ~~تعملون # ، فإذا وقف على قوله: «لننظر» مع ما تقدم من قوله تعالى: # «جعلناكم خلائف فى الأرض» ، علم أن بعده: «تعملون» ، لأن المعنى يقتضيه. # PageV01P382 # ومن الضرب الأول قوله تعالى: ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ~~وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # وهكذا قوله تعالى: كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت # ؛ إذا وقف على «أوهن البيوت» ، يعرف أن بعده «بيت العنكبوت» . ### | أمثلة من الشعر # ومن أمثلة ذلك قول الراعى «1» : # وإن وزن الحصى فوزنت قومى ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا # إذا سمع الإنسان أول هذا البيت وقد تقدمت عنده قافية القصيدة استخرج لفظ ~~قافيته؛ لأنه عرف أن قوله «وزن الحصى» سيأتى بعده «رزين» لعلتين: إحداهما ~~أن قافية القصيدة توحيه؛ والأخرى أن نظام البيت يقتضيه؛ لأن الذى يفاخر ~~برجاحة الحصى ينبغى أن يصفه بالرزانة. # وقول نصيب: # وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك لو نفع اليقين # وأنشد أبو أحمد قول مضرس بن ربعى: # تمنيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا # ومن عجيب هذا الباب قول البحترى «2» : # فليس الذى حللته بمحلل ... وليس الذى حرمته بحرام # وذلك أن من سمع النصف الأول عرف الأخير بكماله؛ ونحوه قول الآخر: # فأما الذى يحصيهم فمكثر ... وأما الذى يطريهم فمقلل # وقول الآخر: # هى الدر منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدر منظوما إذا لم تكلم # وقول الآخر: # ضعائف يقتلن الرجال بلا ms216 دم ... ويا عجبا للقاتلات الضعائف # PageV01P383 # وقول الآخر: # وقد لان أيام الحمى ثم لم يكد ... من العيش شىء بعد ذاك يلين # يقولون ما أبلاك والمال عامر ... عليك وضاحى الجلد منك كنين # فقلت لهم: لا تعذلونى وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون # إذا قلت: «ضاحى الجلد منك» ، فليس شىء سوى «الكنين» ؛ وكذا إذا قلت: «إلى ~~النازع المقصور كيف» ، فليس شىء سوى «يكون» . ### | مما عيب منه # ومما عيب من هذا الضرب قول أبى تمام «1» : # صارت المكرمات بزلا وكانت ... أدخلت بينها بنات مخاض «2» # وقول بعض المتأخرين «3» : # فقلقلت بالهم الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل # وإنما أخذه من قول أبى تمام «4» فأفسده: # طلبتك من نسل الجديل وشدقم ... كوم عقائل من عقائل كوم «5» # PageV01P384 ### | الفصل الثامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور # فأول ما ينبغى أن تعلمه أنك إذا قدمت ألفاظا تقتضى جوابا فالمرضى أن تأتى ~~بتلك الألفاظ بالجواب، ولا تنتقل عنها إلى غيرها مما هو فى معناها، كقول ~~الله تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # . وكتب بعض الكتاب فى خلاف ذلك: من اقترف ذنبا عامدا، أو اكتسب جرما ~~قاصدا لزمه ما جناه، وحاق به ما توخاه. # والأحسن أن يقول: لزمه ما اقترف، وحاق به ما اكتسب. وهذا يدلك على أن لرد ~~الأعجاز على الصدور موقعا جليلا من البلاغة، وله فى المنظوم خاصة محلا ~~خطيرا. ### | اقسامه # وهو ينقسم أقساما؛ منها ما يوافق آخر كلمة فى البيت آخر كلمة فى النصف ~~الأول؛ مثل قول الأول: # تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما ... فى جيش رأى لا يفل عرمرم # وقال عنترة «1» : # فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بذاك المنهل # وقال جرير «2» : # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # وقال المخبل: # وينفس فيما أورثتنى أوائلى ... ويرغب عما أورثته أوائله # (25- الصناعتين) # PageV01P385 # ومنها ما يوافق أول كلمة منها آخر كلمة فى النصف الأخير، كقول الشاعر «1» ~~: # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الوغى «2» بسريع # وقول ابن الأسلت: # أسعى على جل بنى مالك ... كل امرىء فى شأنه ساع ms217 # ومنه ما يكون فى حشو الكلام فى فاصلته، كقول الله تعالى: انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # . وقوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب وقد خاب من افترى # . وكقول امرىء القيس» # إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزان # وقول الآخر: # كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم # وقول زهير «4» : # ولأنت تفرى ما خلقت «5» وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى # وقال جرير «6» : # سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل «7» # أخذه من قول النمرى: # لعمرك ما أسقى البلاد لحبها ... ولكنما أسقيك حار بن تولب # وقول ابن مقبل: # ياحر من يعتذر من أن يلم به ... ريب المنون فإنى لست أعتذر # PageV01P386 # وقول الحطيئة «1» : # إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنب جار بيتهم الشتاء # وقول الآخر: # رأت نضو أسفار أميمة واقفا ... على نضو أسفار فجن جنونها # وقول عمرو بن معديكرب «2» : # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # وقول الآخر: # أصد بأيدى العيس عن قصد دارها ... وقلبى إليها بالمودة قاصد # ومن الضرب الأول قول زهير «3» : # الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر # وقول الحطيئة «4» : # تدرون إن شد العصاب عليكم ... ونأبى إذا شد العصاب فلا ندر # وقول أبى تمام «5» : # أسائله ما باله حكم البلى ... عليه وإلا فاتر كونى أسائله # وقوله: # تجشم حمل الفادحات وقلما ... أقيمت صدور المجد إلا تجشما # وقول الآخر: # مفيد إن تزره وأنت مقو ... تكن من فضل نعمته مفيدا # وقول الآخر «6» : # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # PageV01P387 # ومنها ما يقع فى حشو النصفين؛ كقول النمر: # يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة تفعل # وقلت: # ألا لا يذم الدهر من كان عاجزا ... ولا يعدل الأقدار من كان وانيا # فمن لم تبلغه المعالى نفسه ... فغير جدير أن ينال المعاليا # وقفت على يحيى رجائى وإنما ... وقفت على صوب الربيع رجائيا # إذا ما الليالى أدركت ما سعت له ... تمطيت جدواه ms218 ففت اللياليا ### | من العيوب # ومما عيب من هذا الباب قول ذى نواس البجلى: # يتيمنى برق المباسم بالضحى ... ولا بارق إلا الكريم يتيمه # وقال منصور بن الفرج: # زرناك شوقا ولو أن النوى نشرت ... بسط النوى بيننا بعدا لزرناك # وهذا أيضا داخل فى سوء الاستعارة، وقوله أيضا: # إذا احتجب الغيث احتبى فى نديه ... فيضرب أغياثا له أن تحجبا # وهذا البيت على غاية الغثاثة. # PageV01P388 ### | الفصل التاسع عشر فى ### | التتميم والتكميل # # التتميم والتكميل # وهو أن توفى المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة؛ ثم لا تغادر ~~معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره؛ ### | مثاله # كقول الله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة # ، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تم المعنى. # ونحو قوله سبحانه: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # ، فبقوله تعالى: # «استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع ~~الكلم. # ونحو قوله تعالى: فاستقيموا إليه. # ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كل عدو لك إلا نفسك. فبقولها: # «نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه ~~وتدعوه إلى ما يوبقه. # ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك ~~بأخيك كله. # ومن المنظوم قول عمرو بن براق: # فلا تأمنن الدهر حرا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم # فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا ~~يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم: # بها نلنا الغرائب من سوانا ... وأحرزنا الغرائب أن تنالا # فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» . # وقول الآخر «1» : # رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب # PageV01P389 # وقول طرفة «1» : # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى # فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو ~~الرمة فى قوله «2» : # ألا يا سلمى يا دار مى على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر ms219 # فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما ~~فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن ~~الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا» ، وهو يقول خلاف ما يستحسن. # ومن التتميم قول الراعى: # لا خير فى طول الإقامة لامرىء ... إلا إذا ما لم يجد متحولا # ونحوه قول الآخر: # إذا كنت فى دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحول # وقول الآخر: # ومقام العزيز فى بلد الذل ... إذا أمكن الرحيل محال # فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النمر: # لقد أصبح البيض الغوانى كأنما ... يرين إذا ما كنت فيهن أجربا # وكنت إذا لاقيتهن ببلدة ... يقلن على النكراء أهلا ومرحبا # فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن ~~أهل ومرحب. # وقول الآخر: # وهل علمت بيتنا إلا وله ... شربة من غيره وأكله # فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله. # PageV01P390 # وقول الشماخ «1» : # جمالية لو يجعل السيف عرضها ... على حده لا ستكبرت أن تضورا «2» # فقوله: «على حده» تتميم عجيب. # ويدخل فى هذا الباب قول الآخر: # وقل من جد فى أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر # وقول الخنساء «3» : # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار # فقولها: «فى رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى ~~استيفاءها، وهو مأخوذ من قول الأعشى «4» : # وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار فى رأس كبكبا «5» # إلا أنها أخرجته فى معرض أحسن من معرض الأعشى، فشهر واستفاض، وخمل معها ~~بيت الأعشى ورذل، وهذا دليل على صحة ما قلنا من أن مدار البلاغة على تحسين ~~اللفظ، وتجميل الصورة. وقول الآخر: # ألا ليت النهار يعود ليلا ... فإن الصبح يأتى بالهموم # حوائج لا نطيق لها قضاء ... ولا ردا، وروعات الغريم # فقوله: «ولا ردا» تتميم. # PageV01P391 ### | الفصل العشرون فى الالتفات ### | ضرباه # الالتفات على ضربين؛ فواحد أن يفرغ المتكلم من المعنى، فإذا ظننت أنه ~~يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به. أخبرنا ms220 أبو أحمد، ~~قال: أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال قال الأصمعى: أتعرف التفاتات جرير؟ ~~قلت: لا، فما هى؟ قال «1» : # أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة سقى البشام «2» # ألا تراه مقبلا على شعره. ثم التفت إلى البشام فدعا له. وقوله «3» : # طرب الحمام بذى الأرك فشاقنى ... لازلت فى علل وأيك ناضر # فالتفت إلى الحمام فدعا له. # ومنه قول الآخر: # لقد قتلت بنى بكر بربهم ... حتى بكيت وما يبكى لهم أحد # فقوله: «وما يبكى لهم أحد» التفات؛ وقول حسان «4» : # إن التى ناولتنى فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # فقوله: «قتلت» التفات. # والضرب الآخر أن يكون الشاعر آخذا فى معنى وكأنه يعترضه شك أو ظن أن رادا ~~يرد قوله، أو سائلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا إلى ما قدمه؛ فإما أن ~~يؤكده، أو يذكر سببه، أو يزيل الشك عنه؛ ومثاله قول المعطل الهذلى: «5» # تبين صلاة الحرب منا ومنهم ... إذا ما التقينا والمسالم بادن «6» # PageV01P392 # فقوله: «والمسالم بادن» رجوع من المعنى الذى قدمه؛ حتى بين أن علامة صلاة ~~الحرب من غيرهم أن المسالم بادن، والمحارب ضامر. # وقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: # وأجمل إذا ما كنت لابد مانعا ... وقد يمنع الشىء الفتى وهو مجمل # وقول طرفة «1» : # وتصد عنك مخيلة الرجل الش ... نوف موضحة عن العظم «2» # بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم «3» # فكأنه ظن معترضا، يقول له: كيف يكون مجرى اللسان والسيف واحدا؛ فقال: # «والكلم الأصيل كأرغب الكلم» ؛ وإنما أخذه من امرىء القيس: # وجرح اللسان كجرح اليد # وأخذه آخر فقال: # والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر # ومن الالتفات قول جدير بن ربعان: # معازيل فى الهيجاء ليسوا بزادة ... مجازيع عند البأس والحر يصبر # فقوله: «والحر يصبر» التفات. # وقول الرماح بن ميادة: # فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة ... ولا وده يصفو لنا فنكارمه # كأنه يقول: «وفى اليأس راحة» ، والتفت إلى المعنى لتقديره أن معارضا يقول ~~له: وما تصنع بصرمه؟ فيقول: لأنه يؤدى إلى اليأس، وفى اليأس راحة. # PageV01P393 ### | الفصل الحادى والعشرون فى ### | الاعتراض ms221 # # الاعتراض # الاعتراض، وهو اعتراض كلام فى كلام لم يتم، ثم يرجع إليه فيتمه؛ كقول ~~النابغة الجعدى «1» : # ألا زعمت بنو سعد بأنى ... ألا كذبوا- كبير السن فانى # وقول كثير «2» : # لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا # وقول الآخر «3» : # فظلت بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروى ولما يصرد «4» # وقول الآخر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان # وكتب آخر: فإنك- والله يدفع عنك- علق مضنة، ينفس ويتنافس به، فيكون خلفا ~~مما سواه، ولا يكون فى غيره منه؛ فإن رأيت أن تسمع العذر وتقبله؛ فلو لم ~~تكن شواهده واضحة، وأنواره لائحة، لكان فى الحق أن تهب ذنبى لجزعى، وإذلالى ~~لإشفاقى، ولا تجمع على لوعة لك، وروعة منك- فعلت. فقوله: «فإنك والله يدفع ~~عنك» اعتراض مليح. # وقول البحترى «5» : # ولقد علمت وللشباب جهالة ... أن الصبا بعد الشباب تصابى # وقلت: # أأسحب أذيال الوفاء ولم يكن ... وحاشاك من فعل الدنية وافيا # PageV01P394 ### | الفصل الثانى والعشرون فى ### | الرجوع # # الرجوع # الرجوع، وهو أن يذكر شيئا ثم يرجع عنه؛ كقول القائل: ليس معك من العقل ~~شىء، بلى «1» بمقدار ما يوجب الحجة عليك. وقال آخر: قليل العلم كثير، بل ~~ليس من العلم قليل؛ وكقول الشاعر: # أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل # أخذه ابن هرمة، فقال: # ليت حظى كلحظة العين منها ... وكثير منها القليل المهغا «2» # وقال غيره: # إن ما قل منك يكثر عندى ... وكثير ممن تحب القليل # وقال دريد بن الصمة: # عير الفوارس معروف بشكته ... كاف إذا لم يكن فى كربه كافى # وقد قتلت به عبسا وإخوتها ... حتى شفيت وهل قلبى به شافى # وقول آخر: # نبئت فاضح قومه يغتابنى ... عند الأمير وهل على أمير! # وقول آخر «3» : # وما بى انتصار إن غدا الدهر ظالمى ... على، بلى إن كان من عندك النصر # وقال آخر: # إذا شئت أن تلقى القناعة فاستخر ... جذام بن عمرو إن أجاب جذام ### | ومن المذموم منه # ومن مذموم هذا الباب قول أبى تمام: # رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له ms222 الأمر # PageV01P395 ### | الفصل الثالث والعشرون فى ### | تجاهل العارف # ، ومزج الشك باليقين # تجاهل العارف # تجاهل العارف ومزج الشك باليقين: هو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ~~ليزيد بذلك تأكيدا؛ ومثاله من المنثور ما كتبته إلى بعض أهل الأدب: سمعت ~~بورود كتابك، فاستفزنى الفرح قبل رؤيته، وهز عطفى المرح أمام مشاهدته؛ فما ~~أدرى أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت: # أخط مسطور؟ أم روض ممطور وكلام منثور؟ أم وشى منشور؟ ولم أدر ما أبصرت فى ~~أثنائه: أأبيات شعر، أم عقود در؟ ولم أدر ما حملته: أغيث حل بوادى ظمآن، أم ~~غوث سيق إلى لهفان. # ونوع منه ما كتب به كافى الكفاة: # كتبت إليك والأحشاء تهفو ... وقلبى ما يقر له قرار # عن سلامة؛ إن كان فى عدم السالمين من اتصل سهاده، وطار رقاده، ففؤاده ~~يجف، ودمعه يكف؛ ونهاره للفكر، وليله للسهر. # ومن المنظوم قول بعض العرب «1» : # بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر # وقول آخر: # أأنت ديار الحى أيتها الربا ال ... أنيقة أم دار المهى والنعائم # وسرب ظباء الوحش هذا الذى ... أرى بربعك أم سرب الظباء النواعم # وأدمعنا اللاتى عفاك انسجامها ... وأبلاك أم صوب الغمام السواجم # وأيامنا فيك اللواتى تصرمت ... مع الوصل أم أضغاث أحلام نائم # PageV01P396 # وقال ذو الرمة «1» : # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم «2» # وقال بعض المتأخرين «3» : # أريقك أم ماء الغمامة أم خمر # وقلت: # أغرة إسمعيل أم سنة البدر ... وفيض ندى كفيه أم باكر القطر # وقلت أيضا: # أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقد ما بدا أم خيزران # وطرف ما تقلب أم حسام ... ولفظ ما تساقط أم جمان # وشوق ما أكابد أم حريق ... وليل ما أقاسى أم زمان # وقال ابن المعتز «4» : # كم ليلة عانقت فيها بدرها ... حتى الصباح موسدا كفيه # وسكرت لا أدرى أمن خمر الهوى ... أم كأسه أم فيه أم عينيه # وقال أعرابى: # أيا شبه ليلى ما لليلى مريضة ... وأنت صحيح إن ذا لمحال # أقول لظبى مر ms223 بى وهو راتع ... أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال! # PageV01P397 ### | الفصل الرابع والعشرون فى ### | الاستطراد # # الاستطراد # وهو أن يأخذ المتكلم فى معنى، فبينا يمر فيه يأخذ فى معنى آخر؛ وقد جعل ~~الأول سببا إليه؛ كقول الله عز وجل: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت # ، فبينا يدل الله سبحانه على نفسه بإنزال الغيث واهتزاز الأرض بعد خشوعها ~~قال: إن الذي أحياها لمحي الموتى # فأخبر عن قدرته على إعادة الموتى بعد إفنائها وإحيائها بعد إرجائها، وقد ~~جعل ما تقدم من ذكر الغيث والنبات دليلا عليه، ولم يكن فى تقدير السامع ~~لأول الكلام، إلا أنه يريد الدلالة على نفسه بذكر المطر، دون الدلالة على ~~الإعادة، فاستوفى المعنيين جميعا. ### | مثاله من المنظوم # ومثاله من المنظوم قول حسان «1» : # إن كنت كاذبة الذى حدثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل عنهم «2» ... ونجا برأس طمرة ولجام «3» # وذلك أن الحارث بن هشام فر يوم بدر عن أخيه أبى جهل، وقال يعتذر «4» : # الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد # وعلمت أنى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر «5» عدوى مشهدى # وشممت ريح الموت من تلقائهم ... فى مأزق والخيل لم تتبدد # فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد «6» # وهذا أول من اعتذر من هزيمة رويت عن العرب. # PageV01P398 # ومن الاستطراد قول السموءل «1» : # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» استطراد. # وقال الآخر: # إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من عكل # وقول زهير «2» : # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته «3» هرم # ومن ظريف الاستطراد قول مسلم: # أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # لهوت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر # وقال أبو تمام «4» : # وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان # أظمى الفصوص ولم تظمأ «5» عرائكه ... فخل عينيك فى ظمآن ريان # فلو تراه مشيحا ms224 والحصى زيم «6» ... تحت السنابك من مثنى ووحدان # أيقنت- إن لم تثبت- أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان # فبينا يصف قوائم الفرس خرج إلى هجاء عثمان؛ وهو من قول الأعرابى: # لو صك بوجهه الحجارة لرضها، ولو خلا بالكعبة لسرقها. # ومثله قول ابن المعتز: # لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلا مشجبا فى مشجب # يا ليت لى من جلد وجهك رقعة ... فأقد منها حافرا للأشهب # PageV01P399 # وقول البحترى فى الفرس «1» : # ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول # وقال مسلم: # وأحببت من حبها الباخلى ... ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا # إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من البخل زرقا وسودا # يغار على المال فعل الجواد ... وتأبى خلائقه أن يجودا # وقال بشار «2» : # خلبلى من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين # فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين # إذا جئته فى الخلق أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين # وقوله «3» : # فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من الغى نحكى أحمد بن هشام # وقريب منه قول البحترى: # إذا عطفته الريح قلت التفاتة ... لعلوة فى جاديها المتعصفر # وهذا الباب يقرب من باب حسن الخروج، وقد استقصيناه فى آخر الكتاب. # ومن الاستطراد ما قلته: # انظر إلى قطر السماء ووبلها ... ودنو نائلها وبعد محلها # وشمول ما نشرته من معروفها ... فانبث فى حزن البلاد وسهلها # بل ما يروعك من وفور عطائها ... وعلو موضعها ولذة ظلها # انظر بنى زيد فإن محلهم ... من فوقها وعطاؤهم من قبلها # ومن الاستطراد ضرب آخر، وهو أن يجىء بكلام يظن أنه يبدأ فيه بزهد وهو ~~يريد غير ذلك؛ كقول الشاعر: # يا من تشاغل بالطلل ... أقصر فقد قرب الأجل # واصل غبوقك بالصبو ... ح وعد عن وصف الملل # PageV01P400 ### | الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف ### | مثاله من القرآن # وهو أن يجمع فى كلام قصير أشياء كثيرة مختلفة أو متفقة؛ كقول الله تعالى: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات. # وقوله عز اسمه: إن الله يأمر ms225 بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي. ### | مثاله من النثر # ومثاله من النثر ما كتب به الشيخ أبو أحمد: فلو عاش حتى يرى ما منينا به ~~من وغد حقير، نقير، نذل، رذل، غث، رث، لئيم، زنيم، أشح من كلب، وأذل من ~~نقد، وأجهل من بغل، سريع إلى الشر، بطىء عن الخير، مغلول عن الحمد، مكتوف ~~عن البذل، جواد بشتم الأعراض، سخى بضرب الأبشار، لجوج، حقود، خرق، نزق، ~~عسر، نكد، شكس، شرس، دعى، زنيم؛ يعتزى إلى أنباط سقاط، أهل لؤم أعراق، ورقة ~~أخلاق، وينتمى إلى أخبث البقاع ترابا، وأمرها شرابا، وأكمدها ثيابا؛ فهو ~~كما قال الله تعالى: والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. # ثم كما قال الشاعر: # نبطى آباؤه لم يلده ... ذو صلاح ولم يلد ذا صلاح # معشر أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها فى خفة الأرواح ### | مثاله من المنظوم # ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» : # سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر # (26- الصناعتين) # PageV01P401 # وقوله «1» - وقد جمع أوصاف الدمع من كثرته وقلته: # فدمعهما سكب وسح وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان «2» # وما جمع من أنواع المكروه فى بيت كما جمع ابن أحمر «3» : # نقائذ برسام وحمى وحصبة ... وجوع وطاعون وفقر ومغرم «4» # وقال سويد بن خذاق «5» : # أبى القلب أن يأتى السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير «6» غزير # بها البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور» # وقال أبو داود «8» : # حديد القلب والناظ ... ر والعرقوب والكعب # عريض الصدر والجبه ... ة والصهوة والجنب # جواد الشد والتقرى ... ب والإحضار والعقب # وقال دريد: # سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... طوال القرا نهد أسيل المقلد «9» # وقال ابن مطير «10» : # بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها # وقال أوس بن حجر: # يشيعها فى كل هضب ورملة ... قوائم عوج مجمرات مقاذف # PageV01P402 # توائم ألاف توال لواحق ... سواه لواه مزبدات خوانف # مزبدات: خفاف. خوانف: تهوى بأيديها إلى ضبعها. ### | من أشعار المحدثين # ومن أشعار المحدثين قول أبى تمام «1» : # غدا الشيب مختطا بفودى خطة ... سبيل الردى منها إلى النفس مهيع ms226 # هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع # وقوله «2» : # كالغصن فى القد والغزالة فى ال ... بهجة وابن الغزال فى غيده # وقوله «3» : # رب خفض تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب # وقول ابن المعتز: # والله ما أدرى بكنه صفاته ... ملك القلوب فأوبقت فى أسره # أبوجهه أم شعره أم ثغره ... أم نحره أم ردفه أم خصره # وقول أبى تمام «4» : # فى مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو موكب أو فيلق # وقول البحترى: # بحل وعقد وحزم وفصل ... ونبل وبذل وبأس وجود # وقلت: # حليف علاء ومجد وفخر ... وبأس وجود وخير وخير # وقال أبو تمام «5» : # يروعك أن تلقاه فى صدر فيلق ... وفى نحر أعداء وفى قلب موكب # PageV01P403 # وقلت: # وما هو إلا المزن يصفو ظلاله ... ويعلو مبواه ويبكر هاطله # وقلت: # أنت الربيع الغض رق نسيمه ... واخضر روضته وطاب غمامه # وقلت: # فتى لم نزنه بالقوافى وإنما ... حططنا إليه كى يزين القوافيا # من الغر لا حوا أشمسا ومضوا ظبى ... وصالوا أسودا واستهلوا سواريا # وقلت: # يسبيك منه مفلج ومضرج ... ومقوم ومعوج ومهفهف # PageV01P404 ### | الفصل السادس والعشرون فى ### | السلب والإيجاب # # السلب والإيجاب # وهو أن تبنى الكلام على نفى الشىء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، أو الأمر ~~به فى جهة، والنهى عنه فى جهة وما يجرى مجرى ذلك؛ كقول الله تعالى: فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. ### | مثاله من القرآن # وقوله تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون. # وقوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا. ### | مثاله من النثر # ومثاله من النثر قول رجل ليزيد بن المهلب: قد عظم قدرك من أن يستعان بك، ~~أو يستعان عليك؛ ولست تفعل شيئا من المعروف، إلا وأنت أكبر منه، وهو أصغر ~~منك، وليس العجب من أن تفعل، وإنما العجب من ألا تفعل. وقول الشعبى للحجاج: ~~لا تعجب من المخطىء كيف أخطأ، واعجب من المصيب كيف أصاب. # وأخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا ابن الأنبارى، قال: حدثنا أبى عن بعض ~~أصحابه عن العتبى، قال: ms227 قيل لبعض العلماء: إن صاحبنا مات وترك عشرة آلاف، ~~فقال: # أما العشرة آلاف فلا تترك صاحبكم. # وقال بعض الأوائل: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم. ### | من المنظوم # ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» : # هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج «2» # وقال السموءل «3» : # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # PageV01P405 # وقال: # لا يعجبان بقول الناس عن عرض ... ويعجبان بما قالا وما سمعا # وقال آخر: # خفيف الحاذ نسال الفيافى ... وعبد للصحابة غير عبد # وقال الأعشى: # صرمت ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحا وآب ليذهبا # وقال آخر: # حتى نجا من خوفه وما نجا # ومن شعر المحدثين قول البحترى «1» : # فابق عمر الزمان حتى نؤدى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدى # وقال أبو تمام «2» : # إلى سالم الأخلاق من كل عائب ... وليس له مال على الجود سالم # وقال آخر «3» : # أبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أنى وإن كنت لا ألقاه ألقاه # الله يعلم أنى لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه # وقال آخر: # هى الدر منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدر منظوما إذا لم تكلم # تعبد أحرار القلوب بدلها ... وتملأ عين الناظر المتوسم # وقال آخر: # ثقى بجميل الصبر منى على الدهر ... ولا تثقى بالصبر منى على الغدر # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر # PageV01P406 # وقال أبو تمام «1» : # خليلى من بعد الجوى والأسى قفا ... ولا تقفا فيض الدموع السواجم # وقلت: # أفى هذه الأيام زدت ولم تزد ... سناء تعالى فيه قدرك عن قدرى # وقلت: # أخو عزائم لا تفنى عجائبها ... والدهر ما بينها تفنى عجائبه # تقضى مآربه من كل فائدة ... لكن من المجد ما تقضى مآربه # PageV01P407 ### | الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء ### | الاستثناء على ضربين # والاستثناء على ضربين؛ فالضرب الأول هو أن تأتى معنى تريد توكيده ~~والزيادة فيه فتستثنى بغيره؛ فتكون الزيادة التى قصدتها، والتوكيد الذى ~~توخيته فى استثنائك؛ ### | مثال الضرب الأول # كما أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى أبو عمر الزاهد، قال: قال أبو العباس: ~~قال ms228 ابن سلام، لجندل بن جابر الفزارى «1» : # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا # فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # فقال هذا استثناء، فتبين هذا الاستثناء لهم؛ كما قال النابغة «2» : # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ومثله قول أبى تمام «3» : # تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة فى الوداد # وقلت: ### | الضرب الآخر ومثاله # ولا عيب فيه غير أن ذوى الندى ... خساس إذا قيسوا به ولئام # والضرب الآخر استقصاء المعنى والتحرز من دخول النقصان فيه، مثل قول طرفة ~~«4» : # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى # وقول الآخر: # فلا تبعدن إلا من السوء إننى ... إليك وإن شطت بك الدار نازع # PageV01P408 # وقال الربيع بن ضبع: # فنيت ولا يفنى صنيعى ومنطقى ... وكل امرىء إلا أحاديثه فان # وقال أعرابى يصف قوسا: # خرقاء إلا أنها صناع # وقال آخر فى الخيل: # منها الدجوجى ومنها الأرمك «1» ... كالليل إلا أنها تحرك # PageV01P409 ### | الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى # جعله عبد الله بن المعتز الباب الخامس من البديع «1» ، وقال: ما أعلم أنى ~~وجدت شيئا منه فى القرآن. وهو ينسب إلى التكلف، فنسبه إلى التكلف وجعله من ~~البديع. ### | مثال من النثر # ومن أمثلة هذا الباب قول أعرابى لرجل: إنى لم أضر وجهى عن الطلب إليك قصر ~~نفسك عن ردى «2» ، فضعنى من كرمك، بحيث وضعت نفسى من رجائك. # وقول أبى الدرداء: أخوف ما أخاف أن يقال لى: عملت فما عملت؟ وقول طاهر ~~ابن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ يحفظ على من قلبك، ما لا أستعين على ~~حفظه إلا بك. وقال بعض الأوائل: لولا أن قولى لا أعلم [تثبيت] «3» لأنى ~~أعلم لقلت: لا أعلم. # وقال آخر: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يكن عمل؛ ولأن أدع ~~الحق جهلا به أحب إلى أن أدعه زهدا فيه. # وأنشد عبد الله قول الفرزدق «4» : # لكل امرىء نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الهوى فيطيعها # ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل ms229 من أحرارهن شفيعها # وأنشد لإبراهيم بن المهدى يعتذر للمأمون «5» : # البر بى منك وطأ العذر عندك لى ... فما فعلت فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متهم # وأنشد «6» : # إن هذا يرى- ولا رأى لل ... أحمق- إنى أعده إنسانا # ذاك بالظن عنده وهو عندى ... كالذى لم يكن وإن كان كانا # ومثله: # أما يحسن من يحسن ... أن يغضب أن يرضى # أما يرضى بأن صرت ... على الأرض له أرضا # PageV01P410 ### | الفصل التاسع والعشرون فى ### | التشطير # # التشطير # وهو أن يتوازن المصراعان والجزآن، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد ~~منهما بنفسه، واستغنائه عن صاحبه. ### | مثاله من النثر # فمثاله من النثر قول بعضهم: من عتب على الزمان طالت معتبته، ومن رضى عن ~~الزمان طابت معيشته. وقول الآخر: الجود خير من البخل، والمنع خير من المطل. ~~وقول الآخر: رأس المداراة ترك المماراة، فالجزآن من هذه الفصول متوازنا ~~الألفاظ والأبنية. # وقد أوردت من هذا النوع فى باب الازدواج ما فيه كفاية. ### | مثاله من المنظوم # وأما مثاله من المنظوم، فكقول أوس بن حجر: # فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب # وقول ذى الرمة: # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب # وقول الآخر: # فأما الذى يحصيهم فمكثر ... وأما الذى يطربهم فمقلل # وقول الآخر: # فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم # ومن شعر المحدثين قول البحترى «1» : # شوقى إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى إليك تضيق عنه الأضلع # وقول أبى تمام «2» : # بمصعد من حسنه ومصوب ... ومجمع من نعته ومفرق # PageV01P411 # وقوله «1» : # تصدع شمل القلب من كل وجهة ... وتشعبه بالبث من كل مشعب «2» # بمختبل ساج من الطرف أكحل ... ومقتبل صاف من الثغر أشنب # وقوله «3» : # أحاولت إرشادى فعقلى مرشدى ... أو استمت «4» تأديبى فدهرى مؤدبى # وقول البحترى «5» : # فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا # وقال «6» : # ومذهب حب لم أجد عنه مذهبا ... وشاغل بث لم أجد عنه شاغلا # وقال «7» : # طليعتهم إن وجه الجيش غازيا ... وساقتهم إن وجه الجيش قافلا # وقال «8» : # إذا اسود فيه ms230 الشك كان كواكبا ... وإن سار فيه الخطب كان حبائلا # لأذكرته بالرمح ما كان ناسيا ... وعلمته بالسيف ما كان جاهلا # فمن كان منهم ساكتا كنت ناطقا ... ومن كان منهم قائلا كنت فاعلا # وقال «9» : # فلأجرين الدمع إن لم تجره ... ولأعرفن الوجد إن لم تعرف # وقال فى جيش «10» : # يسود منه الأفق إن لم ينسدد ... وتموت منه الشمس إن لم تكسف # وقلت: # وعلى الربى حلل وشاهن الحيا ... فمسهم ومعصب ومفوف # والبرق يلمع مثل سيف ينتضى ... والسيل يجرى مثل أفعى تزحف # والقطر يهمى وهو أبيض ناصع ... ويصير سيلا وهو أغبر أكلف # PageV01P412 ### | الفصل الثلاثون فى ### | المجاورة # # المجاورة # المجاورة: تردد لفظتين فى البيت، ووقوع كل واحدة منهما بجنب الأخرى أو ~~قريبا منها، من غير أن تكون إحداهما لغوا لا يحتاج إليها؛ ### | مثالها # وذلك كقول علقمة: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم # فقوله: «الغنم يوم الغنم» مجاورة، و «المحروم محروم» مثله. # وقول الآخر: # وتندق منها فى الصدور صدورها # وقول أوس بن حجر «1» : # كأنها ذو وشوم بين مأفقة ... والقطقطانة والبر عوم «2» مذعور «3» # وقول أبى تمام «4» : # إنا أتيناكم نصور مآربا ... يستصغر الحدث العظيم عظيمها «5» # وقوله «6» : # ردعوا الزمان وهم كهول جلة ... وسطوا على أحداثه أحداثا «7» # وقول الآخر: # أنضاء شوق على أنضاء أسفار # وقول الآخر: # إنما يغفر العظيم العظيم # PageV01P413 # وقول أبى تمام «1» : # وما ضيق أقطار البلاد أضافنى ... إليك ولكن مذهبى فيك مذهبى # وقول أبى الشيص: # فأتوك أنقاضا على أنقاض # وقول أبى النجم: # تدنى من الجدول مثل الجدول # وقول رؤبة «2» : # ترمى الجلاميد بجلمود مدق «3» # وقول الآخر: # قم فاسقنى من كروم الرند ورد ضحا ... ماء العناقيد فى ظل العناقيد «4» # وقول آخر، وقد بعث إلى جارية يقال لها راح براح: # قل لمن تملك القلوب ... وإن كان قد ملك # قد شربناك فاشربى ... وبعثنا إليك بك # ومن هذا النوع قول الشاعر: # فلونى والمدام ولون ثوبى ... قريب من قريب من قريب # وقلت: # كأن الكأس فى يده وفيه ... عقيق فى عقيق فى عقيق # وقلت أيضا: # دعونا ضرة البدر المنير ... فوافتنا على خضر نضير # مطرزة الشوارب ms231 بالغوالى ... مضمخة السوالف بالعبير # ترى ما شئت من قد رشيق ... وما أحببت من ردف وتير # PageV01P414 # ألامسها وقد لبست حريرا ... فأحسبها حريرا فى حرير # فأنس ثم لهو ثم زهر ... سرور فى سرور فى سرور # وقلت أيضا: # ودار الكاس فى يد ذى دلال ... رشيق القد يعرف بالرشيق # ومنه أيضا قول أبى تمام «1» : # دأب عينى البكاء والحزن دأبى ... فاتركينى وقيت ما بى لما بى # وقوله أيضا «2» : # كأن العهد عن عفر «3» لدينا ... وإن كان التلاقى عن تلاقى # وقوله «4» : # طلبت أنفس الكماة فشقت ... من وراء الجيوب منها الجيوبا «5» # وقوله «6» : # أيام للأيام فيك غضارة ... والدهر فى وفيك غير ملوم # وقال ابن الرومى: # مشترك الحظ لا محصله ... محصل المجد غير مشتركه # منتهك المال لا ممنعه ... ممنع العرض غير منتهكه # وقول مسلم: # أتتك المطايا تهتدى بمطية ... عليها فتى كالنصل بؤنسه النصل # PageV01P415 ### | الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج ### | معناه # وهذا الجنس كثير فى كلام القدماء والمحدثين، وهو أحسن ما يتعاطى من أجناس ~~صنعة الشعر، ومجراه مجرى التذييل لتوليد المعنى، وهو أن تأتى بمعنى ثم ~~تؤكده بمعنى آخر يجرى مجرى الاستشهاد على الأول، والحجة على صحته. ### | مثل من النثر # فمثاله من النثر ما كتب به كافى الكفاة فى فصل له: فلا تقس آخر أمرك ~~بأوله، ولا تجمع من صدره وعجزه، ولا تحمل خوافى صنعك على قوادمه، فالإناء ~~يملؤه القطر فيفعم، والصغير يقترن بالصغير فيعظم، والداء يلم ثم يصطلم، ~~والجرح يتباين ثم ينفتق، والسيف يمس ثم يقطع، والسهم يرد ثم ينفذ. ### | من الشعر # ومن الاستشهاد قول الآخر: # إنما يعشق المنايا من الأق ... وام من كان عاشقا للمعالى # وكذاك الرماح أول ما يك ... سر منهن فى الحروب العوالى # وقال أبو تمام «1» : # هم مزقوا عنه سبائب حلمه ... وإذا أبو الأشبال أحرج عاثا # وقال أيضا «2» : # عتقت وسيلته وأية قيمة ... للمشرفى العضب «3» ما لم يعتق # وقال أيضا «4» : # يأخذ الزائرين قسرا ولو كف ... دعاهم ربع خصيب # غير إن الرامى المسدد يحتا ... ط مع العلم أنه سيصيب # PageV01P416 # وقال أيضا «1» : # فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادى بغير ms232 شعاب «2» # والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب «3» # وقال ابن الرومى: # وطائف باسته على طبق ... يبغى لها حربة يشق لها # معاملا كل سفلة سفلت ... ولا يرى علية يعاملها # قلت له لم هواك فى سفل الن ... ناس وشر الأمور سافلها # أفرقة وافقتك طاعتها ... أم عصبة فضلت غراملها # قال وجدت الكعوب من قصب الس ... كر مختارها أسافلها # واست الفتى سفلة فغايتها ... ووكرها سفلة يشاكلها # وقول بشار» # فلا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى «5» قوة للقوادم # وقول الفرزدق «6» : # تصرم منى ود بكر بن وائل ... وما كاد لولا ظلمهم يتصرم # قوارص تأتينى ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم # وقال أبو تمام «7» : # غدا الشيب مختطا بفودى خطة ... طريق الردى منها إلى النفس مهيع «8» # هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع «9» # (27- الصناعتين) # PageV01P417 # له منظر فى العين أبيض ناصع ... ولكنه فى القلب أسود أسفع # ونحن نرجيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع # وقال «1» : # لى حرمة والت على سجالكم ... والماء رزق جمامه للأول «2» # وقال آخر: # أعلق بآخر من كلفت بحبه ... لا خير فى حب الحبيب الأول # أتشك فى أن النبى محمدا ... خير البرية وهو آخر مرسل # وقال أبو تمام، فى خلاف ذلك «3» : # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل فى الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وقال ديك الجن فى المعنى الأول: # اشرب على وجه الحبيب المقبل ... وعلى الفم المتبسم المتقبل # شربا يذكر كل حب آخر ... غض وينسى كل حب أول # نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل # ما إن أحن إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم يؤهل # مقتى لمنزلى الذى استحدثته ... أما الذى ولى فليس بمنزلى # وقال العلوى الأصبهانى: # دع حب أول من كلفت بحبه ... ما الحب إلا للحبيب الآخر # ما قد تولى لا ارتجاع لطيبه ... هل غائب اللذات مثل الحاضر # إن المشيب وقد وفى بمقامه ... أوفى لدى من الشباب الغادر # دنياك يومك دون أمسك فاعتبر ms233 ... ما السالف المفقود مثل الغابر # PageV01P418 # وقال آخر، فى خلاف القولين: # قلبى رهين بالهوى المقتبل ... فالويل لى فى الحب إن لم أعدل # أنا مبتلى ببليتين من الهوى ... شوق إلى الثانى وذكر الأول # فهما حياتى كالطعام المشتهى ... لابد منه وكالشراب السلسل # قسم الفؤاد لحرمة وللذة ... فى الحب من ماض ومن مستقبل # إنى لأحفظ عهد أول منزل ... أبدا وآلف طيب آخر منزل # وقال آخر فى خلاف الجميع: # الحب للمحبوب ساعة حبه ... ما الحب فيه لآخر ولأول # وقلت: # كان لى ركن شديد ... وقعت فيه الزلازل # زعزعته نوب الده ... ر وكرات النوازل # ما بقاء الحجر الصل ... د على وقع المعاول # وتدخل أكثر هذه الأمثلة فى التشبيه أيضا. # PageV01P419 ### | الفصل الثانى والثلاثون فى ### | التعطف # # التعطف # والتعطف أن تذكر اللفظ ثم تكرره، والمعنى مختلف، ### | أول من ابتداه # قالوا: وأول من ابتدأه امرؤ القيس، فى قوله: # إلا إننى بال على جمل بال ... يسوق بنا بال ويتبعنا بال # وليس هذا من التعطف على الأصل الذى أصلوه؛ وذلك أن الألفاظ المكررة فى ~~هذا البيت على معنى واحد يجمعها البلى فلا اختلاف بينها، وإنما صار كل واحد ~~منها صفة لشىء، فاختلفت لهذه الجهة لا من جهة اختلافها فى معانيها؛ وكذلك ~~قول الآخر «1» : # عود على عود على عود خلق «2» # وإنما التعطف على أصلهم، كقول الشماخ «3» : # كادت تساقطنى والرحل إذ نطقت ... حمامة فدعت ساقا على ساق # أى دعت حمامة، وهو- ذكر القمارى ويسمى الساق عندهم- على ساق شجرة؛ وقول ~~الأفوه «4» : # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس «5» # فالهوجل الأول: الأرض البعيدة الأطراف، والهوجل الثانى: الناقة العظيمة ~~الخلق. ### | مما يدخل فى التعطف # ومما يدخل فى التعطف ما أنشدنا أبو أحمد، قال: أنشدنا أبو عبد الله ~~المفجع، قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب «6» : # PageV01P420 # أتعرف أطلالا شجونك بالخال ... وعيش ليال كان فى الزمن الخالى «1» # الخال: موضع. والخالى، من الخلوة «2» . # ليالى ريعان الشباب مسلط ... على بعصيان الإمارة والخال # يعنى أنه يعصى أمر من يلى أمره وأمره من ينصحه ليصلح حاله، وهو من قولهم: # فلان خال مال، إذا كان يقوم به ويصلحه. ms234 # وإذ أنا خدن للغوى أخى الصبا ... وللمرح الذيال واللهو والخال «3» # الخال هاهنا: من الخيلاء وهو الكبر. # إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الرثية الخالى «4» # الخالى: الذى لا أهل له. # ويقتادنى ظبى رخيم دلاله ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالى # الخالى: الذى يقطع الخلا وهو النبات الرطب. # ليالى سلمى تستبيك بدلها ... وبالمنظر الفتان والجيد والخال # الخالى: الذى يرشم على الخد شبيه الشامة. # وقد علمت أنى وإن ملت للصبا ... إذا القوم كعوا لست بالرعش الخالى # الخالى: الذى لا أصحاب معه يعاونونه «5» : # ولا أرتدى إلا المروءة حلة ... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال # الخال: ضرب من البرود. # وإن أنا أبصرت المحول ببلدة ... تنكبتها واشتمت خالا إلى خال # الخال: السحابة المخيلة للمطر. # PageV01P421 # فخالف «1» بخلقى كل حر مهذب ... وإلا فصارمه وخال إذا خال «2» # المخالاة: قطع الحلف، يقال: أخل من فلان، وتخل منه، أى فارقة؛ وقال ~~النابغة: # قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... فإنى حليف للسماحة والندى # إذا احتلفت عبس وذبيان بالخال # الخال: موضع. # ومثله: # يا طيب نعمة أيام لنا سلفت ... وحسن لذة أيام الصبا عودى # أيام أسحب ذيلى فى بطالتها ... إذا ترنم صوت الناى والعود # وقهوة من سلاف الخمر صافية ... كالمسك والعنبر الهندى والعود # تسل عقلك فى لين وفى لطف ... إذا جرت منك مجرى الماء فى العود # ومن هذا النوع، قول أبى تمام «3» : # السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حده الحد بين الجد واللعب # ولم أجد منه شيئا فى القرآن إلا قوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون ما لبثوا غير ساعة # . والله أعلم. # PageV01P422 ### | الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعفة ### | المضاعفة [و] مثالها من القرآن # وهو أن يتضمن الكلام معنيين: معنى مصرح به، ومعنى كالمشار إليه؛ وذلك مثل ~~قول الله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون، ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون # فالمعنى المصرح به فى هذا الكلام أنه لا يقدر أن يهدى من عمى عن الآيات، ~~وصم عن الكلم البينات؛ بمعنى ms235 أنه صرف قلبه عنها فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها؛ ~~والمعنى المشار إليه أنه فضل السمع على البصر، لأنه جعل مع الصمم فقدان ~~العقل، ومع العمى فقدان النظر فقط. ### | مثالها من النثر # ومن نثر الكتاب ما كتب به الحسن بن وهب: كتابى إليك، وشطر قلبى عندك، ~~والشطر الآخر غير خلو من تذكرك، والثناء على عهدك، فأعطاك الله بركة وجهك، ~~وزاد فى علو قدرك، والنعمة عندك وعندنا فيك. # فقوله: «بركة وجهك» فيه معنيان: أحدهما أنه دعا له بالبركة؛ والآخر أنه ~~جعل وجهه ذا بركة عظيمة، ولعظمها عدل إليها فى الدعاء عن غيرها من بركات ~~المطر وغيره؛ ومثله قول أبى العيناء: سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك؛ ~~فتضمن هذا اللفظ قبح وجهه وقبح رده. ### | مثالها من المنظوم # ومن المنظوم قول الأخطل: # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النار # فأخبر عن إطفاء النار، فدل به على بخلهم، وأشار إلى مهانتهم، ومهانة أمهم ~~عندهم. # وقول أبى تمام «1» : # يخرج من جسمك السقام كما ... أخرج ذم الفعال من عنقك # PageV01P423 # يسح سحا «1» عليك حتى يرى ... خلقك فيها أصح من خلقك # فدعا له بالصحة وأخبر بصحة خلقه، فهما معنيان فى كلام واحد. # وقال جحظة: # دعوت فأقبلت ركضا إليك ... وخالفت من كنت فى دعوته # وأسرعت نحوك لما أمرت ... كأنى نوالك فى سرعته # وقال ابن الرومى: # بنفس أبت إلا ثبات عقودها ... لمن عاقدته وانحلال حقودها # ألاتلكم النفس التى تم فضلها ... فما نستزيد الله غير خلودها # فذكر تمام فضلها وأراد خلودها؛ ومن ذلك قول الآخر «2» : # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد # وكتب بعضهم: فإن رأيت صلتى بكتابك العادل عندى رؤية كل حبيب سواك وتضمينه ~~من حوائجك ما أسر بقضائه فعلت إن شاء الله. فقوله: «سواك» مضاعفة. ### | نوع آخر منها # ومن هذا الباب نوع آخر، وهو أن تورد الاسم الواحد على وجهين وتضمنه ~~معنيين كل واحد منهما معنى، كقول بعضهم: # أفدى الذى زارنى والسيف يخفره ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه # فما خلعت نجادى فى العناق له ... حتى ms236 لبست نجادا من ذوائبه # فجعل فى السيف معنيين: أحدهما أن يخفره، والآخر أن لحظه أمضى من مضاربه. ### | وضرب منها # وضرب منه آخر قول ابن الرومى: # بجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسيف مغمد # وضرب منه قول مسلم: # وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل # PageV01P424 ### | الفصل الرابع والثلاثون فى ### | التطريز # # التطريز # وهو أن يقع فى أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن، فيكون ~~فيها كالطراز فى الثوب، وهذا النوع قليل فى الشعر. ### | أحسن ماجاء منه # وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر: # إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر # وإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر # وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر # من لم يكن حذرا من حد صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر # فالتطريز فى قوله: «الأجودان» ، و «الأنوران» ، و «الماضيان» ، و ~~«المزعجان» . # ونحوه قول أبى تمام «1» : # أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام # ثم انبرت أيام هجر أردفت ... نجوى أسى فكأنها أعوام # ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام # وقلت فى مرثية: # أصبحت أوجه القبور وضاء ... وغدت ظلمة القبور ضياء # يوم أضحى طريدة للمنايا ... ففقدنا به الغنى والغناء # يوم ظل الثرى يضم الثريا ... فعدمنا منه السنا والسناء # PageV01P425 # يوم فاتت به بوادر شؤم ... فرزينا به الثرى والثراء # يوم ألقى الردى عليه جرانا ... فحرمنا منه الجدا والجداء # يوم ألوت به هنات الليالى ... فلبسنا به البلى والبلاء # ومن ذلك قول زياد الأعجم: # ومتى يؤامر نفسه مستلحيا «1» ... فى أن يجود لذى الرجاء يقل جد # أو أن يعود له بنفحة نائل ... يعد الكرامة والحياء يقل عد # أو فى الزيادة بعد جزل عطية ... للمستزيد من العفاة يقل زد # PageV01P426 ### | الفصل الخامس والثلاثون فى ### | التلطف # # التلطف # وهو أن تتلطف للمعنى الحسن حتى تهجنه، والمعنى الهجين حتى تحسنه؛ وقد ~~ذكرت طرفا منه فى أول الكتاب، إلا أنى لم أسمه هناك بهذا الاسم فيشهر ms237 به ~~ويكون بابا برأسه، كإخوانه من أبواب الصنعة. ### | مثاله من النثر # فمن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكى قال لعبد الملك بن صالح: أنت حقود؛ ~~فقال: # إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر فإنهما عندى لباقيان. فقال يحيى: ما ~~رأيت أحدا احتج للحقد حتى حسنه غيرك. وقد مر هذا الفصل فى أول الكتاب. # ورأى الحسن على رجل طيلسان صوف، فقال له: أيعجبك طيلسانك هذا؟ # قال: نعم، قال: إنه كان على شاة قبلك، فهجنه من وجه قريب. # وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو ~~العيناء، قال: لما دخلت على المتوكل دعوت له، وكلمته فاستحسن كلامى؛ وقال ~~لى: يا محمد؛ بلغنى أن فيك شرا، قلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشر ذكر ~~المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته، فقد زكى الله عز وجل وذم؟ فقال فى ~~التزكية: نعم العبد إنه أواب # ؛ وقال فى الذم: هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم # ، فذمه الله تعالى حتى قذفه؛ وقد قال الشاعر: # إذا أنا بالمعروف لم أثن دائما ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما # ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لى الله المسامع والفما # وفى الخبر بعض طول. # وكان عبد الله بن أمية وسم دوابه «عدة» ، فلما جازبها الحجاج جعل إلى ~~جانبه «للفرار» . وقيل لعبادة: إن السودان أسخن، فقال: نعم، للعيون. وقال ~~رجل # PageV01P427 # لرجل كان يراه فيبغضه: ما اسمك؟ فقال: سعد، قال: على الأعداء. وسمعت ~~والدى رحمه الله يقول: لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة، ومنفعته آجلة، ~~يتعجل به ألم القلب، بأمثال المنفعة فى العاقبة؛ ولعلها تفوتك لعارض يعرض، ~~فكنت قد تعجلت الغم من غير أن يصل إليك نفع؛ وما سمعت هذا المعنى من غيره، ~~فنظمته بعد ذلك، فقلت: # الصبر عمن تحبه صبر ... ونفع من لام فى الهوى ضرر # من كان دون المرام مصطبرا ... فلست دون المرام أصطبر # منفعة الصبر غير عاجلة ... وربما حال دونها الغير # فقم بنا نلتمس مآربنا ... أقام أو لم يقم بنا القدر # إن لنا أنفسا ms238 تسودنا ... أعانهن الزمان أو يذر # وابغ من العيش ما تسر به ... إن عذل الناس فيه أو عذروا ### | مثاله من المنظوم # ومن المنظوم قول الحطيئة فى قوم كانوا يلقبون بأنف الناقة فيأنفون، فقال ~~فيهم «1» : # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا # فكانوا بعد ذلك يتبجحون بهذا البيت. # ومدح ابن الرومى البخل وعذر البخيل، فقال: # لا تلم المرء على بخله ... ولمه يا صاح «2» على بذله # لا عجب بالبخل من ذى حجى ... يكرم ما يكرم من أجله # وعذر أبو العتاهية البخيل فى منعه منه، بقوله «3» : # جزى البخيل على صالحة ... عنى بخفته على ظهرى # أعلى فأكرم عن نداه يدى «4» ... فعلت ونزه قدره قدرى # ورزقت من جدواه عارفة ... ألا يضيق بشكره صدرى # PageV01P428 # وظفرت منه بخير مكرمة ... من بخله من حيث لا يدرى # ما فاتنى خير امرىء وضعت ... عنى يداه مؤونة الشكر # وقال ابن الرومى، يعذر إنسانا فى المنع: # أجمعت حسرى أياديك التى ثقلت ... على الكواهل حتى أدها ذاكا # وما مللت العطايا فاسترحت إلى ... إغبابهم بل هم ملوا عطاياكا # وما نهتهم عن المرعى وخامته ... لكنه أسبق الراعين مرعاكا # تدبر الناس ما دبرته فإذا ... عليهم لا على الأموال بقياكا # أمسكت سيبك إضراء لرغبتهم ... وما بخلت ولا أمسكت إمساكا # وكان شم الورد يضره، فكان يذمه ويمدح النرجس، واحتال فى تشبيهه، حتى هجن ~~فيه أمره وطمس حسنه وهو قوله: # وقائل لم هجوت الورد معتمدا ... فقلت من بغضه عندى ومن عبطه # كأنه سرم بغل حين يخرجه ... عند الرياث وباقى الروث فى وسطه # ومثله قول يزيد المهلبى: # ألا مبلغ عنى الأمير محمدا ... مقالا له فضل على القول بارع # لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها ... وإن هى لم تمكن فعذرك واسع # وقال ابن الرومى أيضا: # وإنى لذو حلف كاذب ... وإذا ما اضطررت وفى الأمر ضيق # وما فى اليمين على مدفع ... يدافع بالله ما لا يطيق # وقد فرغنا من شرح أبواب البديع، وتبيين وجوهها وإيضاح طرقها؛ والزيادة ~~التى زدنا فيها ستة فصول، وأبرزناها فى قوالبها من الألفاظ من غير إخلال ~~ولا ms239 إهذار. # وإذا أردت أن تعرف فضلها على ما عمل فى معناها قبلها، فمثل بينها وبينه ~~فإنك تقضى لها عليه، ولا تنصرف بالاستحسان عنها إليه، إن شاء الله. ### | المشتق # وقد عرض لى بعد نظم هذه الأنواع، نوع آخر لم يذكره أحد وسميته المشتق، # PageV01P429 ### | وجهاه # وهو على وجهين؛ فوجه منهما أن يشتق اللفظ من اللفظ، والآخر أن يشتق ~~المعنى من اللفظ، فاشتقاق اللفظ من اللفظ، هو مثل قول الشاعر فى رجل يقال ~~له ينخاب: # وكيف ينجح من نصف اسمه خابا # وقلت، فى البانياس «1» : # فى البانياس إذا أوطئت ساحتها ... خوف وحيف وإقلال وإفلاس # وكيف يطمع فى أمن وفى دعة ... من حل فى بلد نصف اسمه ياس # واشتقاق المعنى من اللفظ، مثل قول أبى العتاهية: # حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا # وقال ابن دريد «2» : # لو أوحى النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا النحو يقرا عليه «3» # أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقى صراخا عليه # PageV01P430 ### | الباب العاشر فى ذكر مبادىء الكلام ومقاطعه والقول فى حسن الخروج والفصل والوصل وما يجرى مجرى ذلك ### | الفصل الأول فى ذكر المبادىء ### | حسن ابتداءات وقبحها # قال بعض الكتاب: أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان. # وقالوا: ينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره، ومفتتح أقواله؛ مما يتطير منه، ~~ويستجفى من الكلام والمخاطبة والبكاء ووصف إقفار الديار وتشتيت الألاف ونعى ~~الشباب وذم الزمان؛ لا سيما فى القصائد التى تتضمن المدائح والتهانى. ~~ويستعمل ذلك فى المراثى، ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا ~~على هذا المثال تطير منه سامعه، ### | أمثلة # وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح، مثل ابتداء ذى ~~الرمة «1» : # ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب «2» # وقد أنكر الفضل بن يحيى البرمكى على أبى نواس ابتداءه «3» : # أربع البلى إن الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى # قال فلما انتهى إلى قوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد # وسمعه استحكم تطيره، وقيل: إنه لم يمض أسبوع حتى نكبوا. ms240 # ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن ~~العباس # PageV01P431 # اليزيدى، قال: حدثنى عمى عن أخيه أبى محمد، قال: لما فرغ من بناء قصره ~~بالميدان الذى كان للعباسية، جلس فيه وجمع الناس من أهله وأصحابه، وأمر أن ~~يلبس الناس كلهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا الذى ~~كان فى صدره صورة العنقاء، فجلس على سرير مرصع بأنواع الجواهر، وجعل على ~~رأسه التاج الذى فيه الدرة اليتيمة، وفى الإيوان أسرة آبنوس عن يمينه وعن ~~يساره، من عند السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل ~~رتبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، ~~فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم فى النشيد فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس ~~أحسن منه فى صفته وصفة المجلس؛ إلا أن أوله تشبيب بالديار القديمة، وبقية ~~آثارها فكان أول بيت منها: # يا دار غيرك البلى فمحاك ... ياليت شعرى ما الذى أبلاك # فتطير المعتصم منها، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب على إسحاق مع فهمه ~~وعلمه وطول خدمته للملوك؛ قال: فأقمنا يومنا هذا، وانصرفنا، فما عاد منا ~~اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر. # وأنشد البحترى أبا سعيد قصيدة أولها «1» : # لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حى تزم أباعره # فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك! فغيره وجعله «له الويل» وهو ردىء ~~أيضا. # وأنشد أبو حكيمة أبا دلف: # ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف # فقال أبو دلف: أمك تعرف ذلك. # وأنشد أبو مقاتل الداعى: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعى ويوم المهرجان # فأوجعه الداعى ضربا، ثم قال: هلا قلت: «إن تقل بشرى فعندى بشريان» . # PageV01P432 # فإن أراد أن يذكر دارا فليذكرها كما ذكرها الخريمى: # ألا يادار دام «1» لك الحبور ... وساعدك الغضارة والسرور # وكما قال أشجع: # قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام ### | أحسن الابتداءات الجاهلية # وقالوا: أحسن ابتداءات الجاهلية قول النابغة «2» : # كلينى لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء ms241 الكواكب # وأحسن مرثية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر «3» : # أيتها النفس أجملى جزعا ... إن الذى تحذرين قد وقعا # قالوا: وأحسن مرثية إسلامية ابتداء قول أبى تمام «4» : # أصم بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا # وقول الآخر: # أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود # أنعى فتى مص الثرى بعده ... بقية الماء من العود # وقد بكى امرؤ القيس واستبكى، ووقف واستوقف، وذكر الحبيب والمنزل فى نصف ~~بيت، وهو قوله «5» : # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # فهو من أجود الابتداءات. # ومن أحكم ابتداءات العرب قول السموءل «6» : # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # (28- الصناعتين) # PageV01P433 # وقال بعضهم: أحكم ابتداءاتهم قول لبيد «1» : # ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وبعضهم يجعل ابتداء هذه القصيدة «2» : # ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # ومن جياد ابتداءات أهل الجاهلية قول أوس بن حجر: # ولقد أبيت بليلة كليالى # ومنها قول النابغة «3» : # دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل # ونحوه قول أمية «4» : # يا نفس مالك بعد الله من واق ... وما على حدثان الدهر من راق ### | من غير الجاهلية # وقالوا: وكان عبد الحميد الكاتب لا يبتدىء «بلولا» ولا «إن رأيت» . # وقد جعل الناس قول أبى تمام «5» : # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هى الصبابة طول الدهر والسهد # من جياد الابتداءات، وقوله «6» : # سعدت غربة النوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد # وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من يتفقد الابتداء والمقطع. # ولما نظر أبو العميثل فى قصيدة أبى تمام «7» : # أهن عوادى يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه # استرذل ابتداءها وأسقط القصيدة كلها، حتى صار إليه أبو تمام، ووقفه على ~~موضع الإحسان منها، فراجع عبد الله بن طاهر، فأجازه. # PageV01P434 # ولأبى تمام ابتداءات كثيرة تجرى هذا المجرى، منها قوله «1» : # قدك اتئب أربيت فى الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى «2» # وقوله: # صدقت لهيا ms242 قلبك المستهتر ... فبقيت نهب صبابة وتذكر «3» ### | ومن الابتداءات البديعة # ومن الابتداءات البديعة قول مسلم: # أجررت ذيل خليع فى الهوى غزل ... وشمرت همم العذال فى عذلى # وقال أبو العتاهية: # ننافس فى الدنيا ونحن نعيبها # والابتداء أول ما يقع فى السمع من كلامك، والمقطع آخر ما يبقى فى النفس ~~من قولك، فينبغى أن يكونا جميعا مونقين. ### | ابتداءات المتنبى # وقد استحسن لبعض المتأخرين ابتداؤه «4» : # أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفى برود وهو فى كبدى جمر # وله بعد ذلك ابتداءات المصائب، وفراق الحبائب، منها قوله «5» : # كفى أرانى ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤادى أنجما «6» # وقوله «7» : # أبا عبد الإله معاذ إنى ... خفى عنك فى الهيجا مقامى # وقوله «8» : # هذى برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا «9» # وقوله «10» : # جللا كما بى فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشإ الأغن الشيح # PageV01P435 # وقوله «1» : # أحاد أم سداس فى أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادى» # وقوله «3» : # لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف «4» # وقوله «5» : # بقائى شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا # وقوله «6» : # فى الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود محولا # وقال إسمعيل بن عباد: لعمرى إن المحول فى الخدود من البديع المردود. # وقوله «7» : # نهنى بصور أم نهنئها بكا ... وقل للذى صور وأنت له لكا # وقوله «8» : # عذيرى من عذارى فى صدور ... سكن جوانحى بدل الصدور # وقوله «9» : # سرب محاسنه حرمت ذواتها ... دانى الصفات بعيد موصوفاتها # وقوله «10» : # أيا لائمى إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بى بين تلك المعالم # PageV01P436 # وقوله «1» : # ووقت وفى بالدهر لى عند واحد ... وفى لى بأهليه وزاد كثيرا # وقوله «2» : # شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل # وقوله «3» : # أراع كذا كل الأنام همام ... وسح له رسل الملوك غمام # وقوله «4» : # أوه بديل من قولتى واها ... لمن نأت والبديل ذكراها # فهذه وما شاكلها ابتداءات لا خلاق لها. ### | فضل الابتداء الحسن # وإذا كان الابتداء حسنا بديعا، ومليحا رشيقا، كان داعية إلى الاستماع لما ~~يجىء من الكلام؛ ولهذا المعنى يقول الله عز وجل: آلم. ms243 وحم. وطس. وطسم. # وكهيعص؛ فيقرع أسماعهم بشىء بديع ليس لهم بمثله عهد، ليكون ذلك داعية لهم ~~إلى الاستماع لما بعده والله أعلم بكتابه. ولهذا جعل أكثر الابتداءات ~~بالحمد لله؛ لأن النفوس تتشوف للثناء على الله فهو داعية إلى الاستماع؛ ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل كلام لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى ~~فهو أبتر» . # فأما الابتداء البارد، فابتداء أبى العتاهية «5» : # ألا ما لسيدتى مالها ... أدلت فأحمل إدلاها # PageV01P437 ### | الفصل الثانى فى ذكر المقاطع والقول فى الفصل والوصل ### | البلاغة معرفة الفصل والوصل # قيل للفارسى: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. وقال المأمون ~~لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرب الأمر البعيد المتناول، والصعب الدرك ~~بالألفاظ اليسيرة، قال: ما عدل سهمك عن الغرض. ولكن البليغ من كان كلامه فى ~~مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره ~~المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمد الغريب الوحشى، ولا الساقط ~~السوقى؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت ~~كاللآلىء بلا نظام. # وقال أبو العباس السفاح لكاتبه: قف عند مقاطع الكلام وحدوده؛ وإياك أن ~~تخلط المرعى بالهمل «1» . ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل. # وقال الأحنف بن قيس: ما رأيت رجلا تكلم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام، ~~ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى الله عنه، كان إذا تكلم تفقد مقاطع ~~الكلام، وأعطى حق المقام، وغاص فى استخراج المعنى بألطف مخرج؛ حتى كان يقف ~~عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ، وكان كثيرا ما ينشد: # إذا ما بدا فوق المنابر قائلا ... أصاب بما يومى إليه المقاتلا # ولا أعرف فصلا فى كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا ~~الصولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنى العتبى عن أبيه، قال: كان ~~شبيب ابن شبة يوما قاعدا بباب المهدى، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرقاشى، ~~فلما رآه قال: أتاكم والله كليم الناس. فلما جلس قال شبيب: تكلم يا أبا ~~العباس، ms244 فقال: # PageV01P438 # أمعك يا أبا معمر وأنت خطيبنا وسيدنا؟ قال: نعم، فو الله ما رأيت قلبا ~~أقرب من لسان، من قلبك من لسانك، قال: فى أى شىء تحب أن أتكلم؟ قال: وإذا ~~شيخ معه عصا يتوكأ عليها، فقال: صف لنا هذه العصا، فحمد الله عز وجل وأثنى ~~عليه، ثم ذكر السماء، فقال: رفعها الله بغير عمد، وجعل فيها نجوم رجم ونجوم ~~اقتداء، وأدار فيها سراجا وقمرا منيرا؛ لتعلموا عدد السنين والحساب، وأنزل ~~منها ماء مباركا، أحيا به الزرع والضرع وأدر به الأقوات، وحفظ به الأرواح، ~~وأنبت به أنواعا مختلفة، يصرفها من حال إلى حال؛ تكون حبة، ثم يجعلها عرقا، ~~ثم يقيمها على ساق، فبينا تراها خضراء ترف إذ صارت يابسة تتقصف، لينتفع بها ~~العباد، ويعمر بها البلاد، وجعل من يبسها هذه العصا. ثم أقبل على الشيخ، ~~فقال: وكان هذا نطفة فى صلب أبيه، ثم صار علقة حين خرج منه، ثم مضغة ثم ~~لحما وعظما، فصار جنينا أوجده الله بعد عدم، وأنشأه مريدا، ووفقه مكتهلا، ~~ونقصه شيخا، حتى صار إلى هذه الحال، من الكبر، فاحتاج فى آخر حالاته إلى ~~هذه العصا؛ فتبارك المدبر للعباد ... قال شبيب: فما سمعت كلاما على بديه ~~أحسن منه. # وقال معاوية: يا أشدق؛ قم عند قروم العرب وجحاجحها، فسل لسانك، وجل فى ~~ميادين البلاغة، وليكن التفقد لمقاطع الكلام منك على بال، فإنى شهدت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أملى على على بن أبى طالب رضى الله عنه كتابا، ~~وكان يتفقد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمته. # ولما أقام أبو جعفر صالحا خطيبا بحضرة شبيب بن شبة وأشراف قريش فتكلم، ~~أقبل شبيب. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أربط ~~جنانا، ولا أفصح لسانا، ولا أبل ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أحسن طريقا، إلا ~~أن الجواد عسير لم يرض؛ فحملته القوة على تعسف الإكام وخبطها، وترك الطريق ~~اللاحب، وايم الله لو عرف فى خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان. # PageV01P439 # وقال المأمون: ما أعجب بكلام ms245 «1» أحد كاعجابى بكتاب القاسم بن عيسى، فإنه ~~يوجز فى غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا ~~تميل به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مراده فى كتبه، ويصيب المغزى فى ~~ألفاظه. # وكان يزيد بن معاوية يقول: إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا، فإنه أشد وأعيب ~~من اللحن. # وكان أكثم بن صيفى إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول «2» لكتابه افصلوا بين كل ~~معنى منقض، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض. وكان الحرث بن أبى شمر ~~الغسانى يقول لكاتبه المرقش: إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما ~~أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما ~~يحسن أن تمذق به نفرت «3» القلوب عن وعيها، وملته الأسماع، واستثقلته ~~الرواة. وكان بزرجمهر. يقول: إذا مدحت رجلا، وهجوت آخر، فاجعل بين القولين ~~فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء، كما تفعل فى كتبك إذا استأنفت القول، ~~وأكملت ما سلف من اللفظ. # وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرانى: ما منزلة الكاتب فى قوله وفعله؟ قال: # أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها، ~~وبالدهور فى تداولها وتصرفها، وبالملوك فى سيرها وأيامها، مع براعة اللفظ ~~وحسن التنسيق، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة، وشرح المعنى؛ حتى ينصب ~~ضورها، وبمقاطع الكلام، ومعرفة الفصل من الوصل؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب ~~مجيد. والقول إذا استكمل آلته، واستتم معناه فالفصل عنده. وكان عبد الحميد ~~الكاتب إذا استخبر الرجل فى كتابه فكتب: خبرك، وحالك وسلامتك؛ فصل بين هذه ~~الأحرف ويقول: # قد استكمل كل حرف منها آلته، ووقع الفصل عليه. وكان صالح بن عبد الرحمن ~~التميمى الكاتب يفصل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب، كيف وقعت. # PageV01P440 # وكان يقول: ما استؤنف إن- إلا وقع الفصل، وكان جبل بن يزيد يفصل بين ~~الفاءات كلها، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض، وفصل المأمون عند «حتى» ~~كيف وقعت، وأمر كتابه بذلك، فغلط أحمد بن يوسف، ووصل حتى بما بعده من ~~اللفظ، فلما عرض الكتاب على المأمون ms246 أمر بإحضاره، فقال: لعن الله هذه ~~القلوب حين اكنت العلوم بزعمكم، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم؛ قد ~~شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهم ما رويتموه، وتفحص ما جمعتموه، ~~وتعرف ما استقدمتموه؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند «حتى» حيثما وقعت من ~~الألفاظ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد ينبو السيف وهو صميم، ويكبو الجواد ~~وهو كريم. وكان لا يعود فى شىء من ذلك، وكان يأمر كتابه بالفصل بين؛ بل ~~وبلى، وليس. # وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا «ليس» . وقال المأمون ما أتفحص من رجل ~~شيئا كتفحصى عن الفصل والوصل فى كتابه، والتخلص من المحلول إلى المعقود، ~~فإن لكل شىء جمالا، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه، وشحذ الفكرة ~~وإجالتها فى لطف التخلص من المعقود إلى المحلول. ### | المعقود والمحلول # وقلنا: إن المعقود والمحلول هاهنا هو أنك إذا ابتدأت مخاطبة، ثم لم تنته ~~إلى موضع التخلص مما عقدت عليه كلامك سمى الكلام معقودا، وإذا شرحت المستور ~~وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمى الكلام محلولا. ### | المثال # مثال ذلك ما كتب بعضهم، وجرى لك من ذكر ما خصك الله به، وأفردك بفضيلته ~~من شرف النفس والقدرة، وبعد الهمة والذكر، وكمال الأداة والآلة والتمهد فى ~~السياسة والإيالة، وحياطة أهل الدين والأدب، وإنجاد عظيم الحق بضعيف السبب، ~~ما لا يزال يجرى مثله عند كل ذكر يتخذ ذلك، وحديث يؤثر عنك. فالكلام من أول ~~الفصل إلى آخر قوله «بضعيف السبب» معقود، فلما اتصل بما بعده صار محلولا. # وما كتب بعضهم: ربما كانت مودة السبب أوكد من مودة النسب؛ لأن المودة ~~التى تدعو إليها رغبة أو رهبة، أو شكر نعمة، أو شاكلة فى صناعة، أو مناسبة # PageV01P441 # بمشاكلة مودة معروفة وجوهها، موثوق بخلوصها فتوكدها بحسب السبب الداعى ~~إليها، ودوامها بدوامه واتصالها باتصاله؛ ومودة القربى وإن أوجبتها اللحمة، ~~فهى مشوبة بحسد ونفاسة؛ وبحسب ذلك يقع التقصير فيما يوجبه الحال، والإضاعة ~~لما يلزم من الشكر، والله يعلم أنى أودك مودة خالصة لم تدع إليها رغبة ~~فيزيلها استغناء عنها، ولا اضطرت ms247 إليها رهبة؛ فيقطعها أمن منها، وإن كنت ~~مرجوا للموهبات بحمد الله؛ ومقصدا من مقاصد الرغبات، وكهفا وحرزا من ~~الموبقات. فهذا الكلام كله معقود إلى قوله: «مشاكلة مودة» فلما اتصل بما ~~بعده صار محلولا. ### | عيبه # وقال بعضهم: انظر سددك الله ألا تدعوك مقدرتك على الكلام إلى إطاله ~~المعقود؛ فإن ذلك فساد ما أكننته فى صدرك، وأردت تضمينه كتابك. واعلم أن ~~إطالة المعقود يورث نسيان ما عقدت عليه كلامك، وأرهفت به فكرتك. ### | أجود ذلك # وكان شبيب بن شبة يقول: لم أر متكلما قط أذكر لما عقد عليه كلامه، ولا ~~أحفظ لما سلف من نطقه من خالد بن صفوان، يشبع المعقود بالمعانى التى يصعب ~~الخروج منها إلى غيرها، ثم يأتى بالمحلول واضحا، بينا مشروحا منورا. وكان ~~السامع لا يعرف مغزاه ومقصده، فى أول كلامه حتى يصير إلى آخره. # وقال بعضهم: ليس يحمد من القائل أن يعمى معرفة مغزاه على السامع لكلامه ~~فى أول ابتدائه، حتى ينتهى إلى آخره؛ بل الأحسن أن يكون فى صدر كلامه دليل ~~على حاجته ومبين لمغزاه ومقصده؛ كما أن خير أبيات الشعر ما إذا سمعت صدره ~~عرفت قافيته. وكان شبيب بن شبة يقول: الناس موكلون بتعظيم جودة الابتداء ~~وبمدح صاحبه؛ وأنا موكل بتعظيم جودة المقطع وبمدح صاحبه؛ وخير الكلام ما ~~وقف عند مقاطعه، وبين موقع فصوله. ### | مما لم يبين موضع الفصل فيه # قلنا: ومما لم يبين موضع الفصل فيه فأشكل الكلام قول المخبل للزبرقان ابن ~~بدر: # PageV01P442 # وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبى الجواد ربيعة بن قبال «1» # فقال الزبرقان: لا بأس، شيخان اشتركا فى صنعة. # وقلما رأينا بليغا إلا وهو يقطع كلامه على معنى بديع؛ أو لفظ حسن رشيق. # قال لقيط فى آخر قصيدة: «2» ### | مثال المقطع الحسن فى الشعر # لقد محضت لكم ودى بلا دخل «3» ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا # فقطعها على كلمة حكمة عظيمة الموقع. # ومثله قول امرىء القيس «4» : # ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد الشباب طول عمر وملبسا «5» # فقطع القصيدة أيضا على حكمة بالغة. # وقال أبو ms248 زبيد الطائى فى آخر قصيدة «6» : # كل شىء تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال # وقال أبو كبير «7» : # فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شىء كأن لم يفعل # فينبغى أن يكون آخر بيت قصيدتك أجود بيت فيها، وأدخل فى المعنى الذى قصدت ~~له فى نظمها؛ كما فعل ابن الزبعرى فى آخر قصيدة يعتذر فيها إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم ويستعطفه: # فخذ الفضيلة عن ذنوب قدخلت ... واقبل تضرع مستضيف تائب # فجعل نفسه مستضيفا، ومن حق المستضيف أن يضاف، وإذا أضيف فمن حقه أن يصان، ~~وذكر تضرعه وتوبته مما سلف، وجعل العفو عنه مع هذه الأحوال فضيلة؛ فجمع فى ~~هذا البيت جميع ما يحتاج إليه فى طلب العفو. # PageV01P443 # وقول تأبط شرا فى آخر قصيدته «1» : # لتقرعن على السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقى # هذا البيت أجود بيت فيها لصفاء لفظه، وحسن معناه. # ومثله قول الشنفرى فى آخر قصيدة «2» : # وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومر إذا نفس العزوف أمرت # أبى لما آبى قريب مقادتى ... إلى كل نفس تنتحى فى مسرتى # فهذان البيتان أجود ما فخر به من هذه القصيدة. # وقال بشر بن أبى خازم فى آخر قصيدته «3» : # ولا ينجى من الغمرات إلا ... براكاء «4» القتال أو الفرار # فقطعها على مثل سائر؛ والأمثال أحب إلى النفوس لحاجتها إليها عند ~~المحاضرة والمجالسة. وقال الهذلى «5» : # عصاك الأقارب فى أمرهم ... فزايل بأمرك أو خالط # ولا تسقطن سقوط النوا ... ة من كف مرتضخ لاقط ### | مثال من النثر # فقطعها على تشبيه مليح ومثل حسن، وهكذا يفعل الكتاب الحذاق، والمترسلون ~~المبرزون؛ ألا ترى ما كتب الصاحب فى آخر رسالة له: فإن حنثت فيما حلفت، فلا ~~خطوت لتحصيل مجد، ولا نهضت لاقتناء حمد؛ ولا سعيت إلى مقام فخر؛ ولا حرصت ~~على علو ذكر، وهذه اليمين التى لو سمعها عامر بن الظرب لقال هى الغموس؛ لا ~~القسم باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فأتى بأيمان ظريفة ومعان غريبة. # وكتب أيضا فى آخر رسالة: وأنا متوقع لكتابك؛ توقع الظمآن للماء الزلال؛ ~~والصوام ms249 لهلال شوال. # وكتب آخر أخرى «6» ؛ وسأل أن أخلفه فى تجشيم مولاى إلى هذا المجمع ليقرب ~~علينا تناول # PageV01P444 # البدر بمشاهدته؛ ولمس الشمس بغرته. فانظر كيف يقطع كلماته على كل معنى ~~بديع، ولفظ شريف. ### | من حسن المقطع جودة الفاصلة وذلك على ثلاثة أضرب ### | الضرب الأول: # ومن حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكنها فى موضعها، وذلك على ~~ثلاثة أضرب: فضرب منها أن يضيق على الشاعر موضع القافية، فيأتى بلفظ قصير ~~قليل الحروف فيتمم به البيت، كقول زهير «1» : # وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عمى # وقول النابغة» # كالأقحوان غداة غب سمائه «3» ... جفت أعاليه وأسفله ندى # وقال الأعشى: # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وقول امرىء القيس «4» : # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # وقول طرفة «5» : # إذا ابتدر القوم السلاح وجدتنى ... منيعا إذا بلت بقائمه يدى # وقول النابغة «6» : # زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى ببرد لثاتها العطش الصدى # وقال آخر: # ألا يا غرابى بينها لا تصدعا ... فطيرا جميعا بالنوى أو قعامعا # وقول متمم «7» : # فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # PageV01P445 # وقول الأعشى: # فظلت أرعاها وظل يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها # وقول النابغة «1» : # لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة فى غد # أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد # وقول ابن أحمر «2» : # وقال عدى بن زيد «3» : # فإن كانت النعماء عندك لامرىء ... فمثل بها واجز المطالب أو زد «4» # وقال ابن أبى حية: # فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإلا تقبليه فألممى # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم # وقالت فلما أفرغت فى فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم # فود بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا فى المناخ له نم # ومن شعر المحدثين قول ابن أبى عيينة: # دنيا دعوتك مسمعا فأجيبى ... وبما اصطفيتك للهوى فأثيبى # دومى أدم لك بالوفاء على الصفا ... إنى بعهدك واثق فثقى بى # وقال آخر: # أتتنى ms250 تؤنبنى فى البكا ... فأهلا بها وبتأنيبها # تقول وفى قولها حشمة ... ترانى بعين وتبكى بها # فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها # فقوله: «ترانى بعين وتبكى بها» حسن الوقع جدا. # PageV01P446 # وقلت: # سيقضى لى رضاك برد مالى ... ويعمد حسن رأيك كشف ما بى # وقلت: # وذقت مهوى النجم ريقا خصرا ... لو كان من ناجود خمر ما عدا # وقد تنعمت بنشر عطر ... لو كان من فارة مسك كان دا ### | الضرب الثانى # والضرب الآخر: وهو أن يضيق به المكان أيضا، ويعجز عن إيراد كلمة سالمة ~~تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت؛ فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب، ~~فيتمه به؛ مثل قول امرىء القيس: # بعثنا ربيا قبل ذاك مخملا ... كذئب الغضا يمشى الضراء ويتقى «1» # وقول زهير «2» : # صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل ~~«3» # ثم قال: «4» # وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمر وما يحلو «5» # وقال «6» : # لذى الحلم من ذبيان عندى مودة ... وحفظ ومن يلحم «7» إلى الشر أنسج # مخوف كأن الطير فى منزلاته ... على جيف الحسرى مجالس تنتجى «8» # وقوله «9» : # وأراك تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى «10» # PageV01P447 # وقول أبى كبير «1» : # ولقد ربأت إذا الصحاب تواكلوا ... جمر الظهيرة فى البقاع الأطول «2» # فى رأس مشرفة القذال كأنما ... أطر السحاب بها رياض المجدل «3» # ومعابلا صلع الظبات كأنها ... جمر بمسهكة تشب لمصطلى «4» # فقوله: «لمصطلى» متمكنة فى موضعها. # وقول ذى الرمة «5» : # أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنهم يريدون احتمالا # فكدت أموت من حزن عليهم ... ولم أر حادى الأظعان بالى # فقوله: بالى، عجيبة الموقع، أخذه من قول زهير «6» : # لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أو فى لاتبالى «7» # وقول الحطيئة «8» : # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى # وقال آخر: # وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى ### | الضرب الثالث # والضرب الثالث: أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها من ألفاظ الجزء من ~~الرسالة أو البيت ### | من الشعر # ؛ وتكون مستقرة فى قرارها، ومتمكنة فى موضعها؛ ms251 حتى لا يسد مسدها غيرها؛ ~~وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف، كقول الله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى وأنه ~~هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # ، وقوله تعالى: وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى # PageV01P448 # فأبكى مع أضحك وأحيا مع أمات، والأنثى مع الذكر، والأولى مع الآخرة، ~~والرضا مع العطية فى نهاية الجودة، وغاية حسن الموقع. ### | من الشعر # ومن الشعر قول الحطيئة «1» : # هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا # وقول عدى بن الرقاع «2» : # صلى الإله على امرىء ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادا # وقول زياد بن جميل: # هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفى اللقاء إذا تلقى بهم بهم # وهذا مستحسن جدا لما تضمن من التجنيس. # ومن ذلك قول البحترى: # ظللنا نرجم فيك الظنون ... أحاجبه أنت أم حاجمه # وقول أبى نواس «3» : # إذا امتحن الدنيا لبيت تكشفت ... له عن عدو فى ثياب صديق # الصديق هاهنا جيد الموقع؛ لأن معنى البيت يقتضيه، وهو محتاج إليه. # وقول جميل: # ويقلن إنك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك فى اعتزال الباطل # الباطل، هاهنا جيد الموقع لمطابقته مع الباطل الأول؛ وقلت: # وقد زينت أسواقه بطرائف ... إذا انصرفت عنها العيون تعود # تعود، هاهنا جيد متمكن الموقع. # (29- الصناعتين) # PageV01P449 ### | مما عيب من القوافى # ومما عيب من القوافى قول ابن قيس الرقيات، وقد أنشد عبد الملك: # إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه # وجببننى جب السنام فلم ... يتركن ريشا فى مناكبيه # فقال له عبد الملك: أحسنت إلا أنك تخنثت فى قوافيك، فقال: ما عدوت قول ~~الله عز وجل: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه # ، وليس كما قال؛ لأن فاصلة الآية حسنة الموقع، وفى قوافى شعره لين. # ومن عيوب القوافى أن تكون القافية مستدعاة لا تفيد معنى، وإنما أوردت ~~ليستوى الروى فقط، مثل قول أبى تمام «1» : # كالظبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا «2» # ليس فى وصف الظبية أنها ترتعى الجثجاث فائدة، وسواء رعت الجثجاث أو ~~القلام أو غير ذلك من النبت، وإذا قصد لنعت الظبية بزيادة ms252 حسن قيل إنها ~~تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ ترفع رأسها، فيطول جيدها وتظهر محاسنها؛ كما قال ~~الطرماح «3» : # مثل ما عاينت مخروفة «4» ... نصها ذاعر روع مؤام # يصف أنها مذعورة تفتح عينيها وتمد جيدها؛ فيبدو للعين محاسنها. # وقال زهير «5» : وقريب منه قول الآخر: # وسابغة الأذيال زغف «6» مفاضة ... تكنفها منى بجاد مخطط # وليس لتخطيط البجاد معنى يرجع إلى الدرع، ولا إلى السيف. # ومثله قول الآخر: # أأنشر البر فيمن ليس يعرفه ... وأنثر الدر بين العمى فى الغلس # PageV01P450 # ليس لذكر الغلس مع العمى معنى؛ لأن الأعمى يستوى عنده الغلس والهاجرة، ~~ولو قال العمش لكان أقرب من العمى، على أن الجميع لا خير فيه. # ومن هذا النوع قول القرشى: # ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا رب هود # ليس نسبة الله تعالى إلى أنه رب هود بأولى من نسبته إياه عز اسمه إلى أنه ~~رب نوح أو غيره. # وقول ابن الرومى: # ألا ربما سؤت الغيور وساءنى ... وبات كلانا من أخيه على وحر # وقبلت أفواها عذابا كأنها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ البحر # فقوله: «لؤلؤ البحر» أفسد البيت وأطفا نور المعنى؛ لأن اللؤلؤ لا يكون فى ~~غير البحر، فنسبته إلى البحر لا فائدة فيه إلا إقامة الروى على ما قدمناه. # ورأيت المعنى جيدا فقلت: # مر بنا يستميله السكر ... وكيف يصحو وريقه خمر # قبلت فيه على مراقبة ... ينبوع خمر حصباؤه در ### | من القوافى الرديئة # ومن القوافى الرديئة قول رؤبة «1» : # يكسين من لين الشباب نيما # النيم: الفرو، وأى حسن للفرو فيشبه به شباب النساء! وما قال أحد: # عليه من الشباب أو من الحسن فرو؛ وإنما يقال: رداء الشباب، وبرد الشباب، ~~وثوب الشباب؛ ولم يقولوا: قميص الشباب، وهو أقرب من الفرو. ولو قاله قائل ~~لم يحسن لأنه لم يستعمل، وإنما احتاج إلى الميم فوقع فى هذه الرذيلة. # وهذا باب لو أطلقت العنان فيه لطال فيشغل الأوراق الكثيرة، ويصرم فيه ~~الزمان الطويل، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. # PageV01P451 ### | الفصل الثالث فى الخروج من النسيب إلى المدح وغيره ### | بدء الشعر # كانت العرب ms253 فى أكثر شعرها تبتدىء بذكر الديار والبكاء عليها، والوجد ~~بفراق ساكنيها، ثم إذا أرادت الخروج إلى معنى آخر قالت: فدع ذا وسل الهم ~~عنك بكذا، كما قال «1» : # فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا «2» # وكما قال النابغة «3» : # فسليت ما عندى بروحة عرمس ... تخب برحلى مرة وتناقل «4» # وربما تركوا المعنى الأول، وقالوا «وعيس أو وهو جاء» وما أشبه ذلك، كما ~~قال علقمة «5» : # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له فى ودهن نصيب # وعنس بريناها كأن عيونها ... قوارير فى أدهانهن نصوب «6» # فإذا أرادوا ذكر الممدوح قالوا: إلى فلان، ثم أخذوا فى مديحه؛ كما قال ~~علقمه «7» : # وناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجر ودءوب «8» # وتصبح عن غب السرى وكأنها ... مولعة تخشى القنيص شبوب «9» # PageV01P452 # فوصفها ثم قال: # إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتى ... لكلكلها والقصريين «1» وجيب # وقال الحرث بن حلزة «2» : # أنمى إلى حرف مذكرة ... تهض الحصى بمناسم ملس # ثم قال: # أفلا نعديها إلى ملك ... شهم المقادة حازم النفس # ثم أخذ فى مديحه. # وربما تركوا المعنى الأول، وأخذوا فى الثانى من غير أن يستعملوا ما ~~ذكرناه، قال النابغة «3» : # تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب # على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب # وقال أيضا «4» : # على حين عاتبت الفؤاد على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # وقد حال هم دون ذلك داخل ... ولوج الشغاف تبتغيه الأصابع # وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس والضواجع «5» # والبحترى يسلك هذه الطريقة فى أكثر شعره. ### | الخروج المتصل بما قبله # فأما الخروج المتصل بما قبله فقليل فى أشعارهم؛ فمن القليل قول دجانة ابن ~~عبد قيس التميمى: # وقال الغوانى قد تضمر جلده ... وكان قديما ناعم المتبذل # فلا تأس أنى قد تلافيت شيبتى ... وهز الغوانى من شميط مرجل # PageV01P453 # بمشرفة الهادى نبذ عنانها ... يمين الغلام الملجم المتدلل # فوصل وصف الفرس بما تقدم من وصفه الشيب وصلا. # وقال تأبط شرا «1» : # إنى إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الحبل أحذاق «2» # نجوت منها نجائى من بجيلة ms254 إذ ... ألقيت ليلة خبت الرهط أوراقى «3» # وقريب منه قول أوس بن حجر فى وصف السحاب «4» : # دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح # ثم قال: # سقى ديارى بنى عوف وساكنها ... ودار علقمة الخير ابن صباح # وقال زهير «5» : # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم ### | إكثار المحدثين من هذا النوع # وأما المحدثون، فقد أكثروا فى هذا النوع؛ قال مسلم بن الوليد: # إذا شئتما أن تسقيانى مدامة ... فلا تقتلاها كل ميت محرم # خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأثر فى الألوان منا الدم الدم # ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرة ... لصهباء صرعاها من السكر نوم # فمن لامنى فى اللهو أو لام فى الندى ... أبا حسن زيد الندى فهو ألوم # وقال منصور النمرى فى الرشيد: # إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا # فتى ما إن تزال به ركاب ... وضعن مدائحا وحملن مالا # PageV01P454 # وقال أبو الشيص: # أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتوك أنقاضا على أنقاض # ولقد أتتك على الزمان سواخطا ... ورجعن عنك وهن عنه رواض # وقال ابن وهيب: # ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلنى الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # وقال: # [طللان طال عليهما الأمر ... دثرا فلا علم ولا نضد] «1» # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد # وقال الطائى «2» : # صب الفراق علينا صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما # وقال «3» : # إساءة الحادثات استبطنى نفقا ... فقد أظلك إحسان ابن حسان # وقال عبد الصمد بن المعذل: # ولاح الصباح فشبهته ... على بن عيسى على المنبر # وقال البحترى «4» : # كأنها حين لجت فى تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها # وقال «5» : # شقائق يحملن الندى فكأنها ... دموع التصابى فى خدود الخرائد # PageV01P455 # كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد # وقال مسلم: # أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # لهوت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعف # وقال آخر: # وكلانا قد أحدث الراح فيه ... زهو ms255 يحيى بن خالد بن الوليد # وقال أبو البصير: # فقلت لها عبيد الله بينى ... وبين الحادثات فلا تراعى # أأصبح منه معتصما بحبل ... وتقصر نعمتى ويضيق باعى # كفرت إذا صنائعه وظلت ... تعاتبه المروءة فى اصطناعى # وقال البحترى فى ياقوتة «1» : # إذا التهبت فى اللحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألق # وقال» # وجر على الدجن هداب مزنه ... أو اخره فيه وأوله عندى # تأخر عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بت منه على وعد # وقال بكر بن النطاح: # ودوية خلقت للسراب ... فأمواجه بينها تزخر # ترى جنها بين أضعافها ... حلولا كأنهم البربر # كأن حنيفة تحميهم ... فألينهم خشن أزور # وقال دعبل: # وميثاء خضراء موشية ... بها النور يزهر من كل فن # PageV01P456 # ضحوك إذ لاعبته الرياح ... تأود كالشارب المرجحن # فشبه صحبى نواره ... بديباج كسرى وعصب اليمن # فقلت بعدتم ولكننى ... أشبهه بجناب الحسن # فتى لا يرى المال إلا العطا ... ولا الكنز إلا اعتقاد المنن # قالت وقد ذكرتها عهد الصبا ... باليأس تقطع عادة المعتاد # إلا الإمام فإن عادة جوده ... موصولة بزيادة المزداد # وقال غيره: # وكأن الرسوم أخنى عليها ... بعض غاراتنا على الأعداء # وقال البحترى «1» : # بين السقيفة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع # فكأنما ضمنت معالمها الذى ... ضمنته أحشاء المحب الموجع # وقال «2» : # أقول لثجاج الغمام وقد سرى ... لمحتفل الشؤبوب صاب فعمما # أقل أو اكثر لست تبلع غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما # فتى لبست منه الليالى محاسنا ... أضاء له الأفق الذى كان مظلما # وقال «3» : # قد قلت للغيث الركام ولج فى ... إبراقه وألح فى إرعاده # لا تعرضن لجعفر متشبها ... بندى يديه فلست من أنداده # وقال «4» : PageV01P457 ms256