######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037586 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري (معتزلي) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037586 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37586 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37586 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عثمان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1428 هـ - 2007 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدة المصنف. # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين، وعليه أتوكل # الحمد لله ذي النعم الجليلة والمنن الجزيلة، الداعي إلى الرشاد، والهادي ~~إلى السداد، ذي الفضل الجسيم والإحسان العميم، الشامل لطفه، الكريم عطفه، ~~الغالب سلطانه، الواضح برهانه، المتم نوره: (ولو كره الكافرون)، المعلي ~~دينه ولو رغم المنافقون. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي له الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى، وبيده الآخرة والأولى، وما عنده خير وأبقى، لا يجلب الخير ~~إلا بمعوته، ولا يدفع الضر إلا بمغوثته. # وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ورسوله المرتضى، صلى الله عليه وعلى آله ~~الذين اصطفى، وبعد، # فإنك - سددك الله - ذكرت أنك طالعت الكتب المصنفة في الوجوه والنظائر من ~~كتاب الله جل ثناؤه، فوجدت فيها تأويلات تطرد على أصول أهل الحق من ~~القائلين بالتوحيد والعدل. # فأردت أن يرد كل شيء منها إلى حقه، وألفيت في معانيها ما يدخل بعضه في ~~بعض، فالتمست إيراد كل نوع منها على وجهه، وترخيت أن يكون ما تفرق منها ~~مجموعا في كتاب واحد على وجه يقرب استخراج ما يراد منه عند الحاجة إليه، ~~ويزاد عليه ما كان من جنه مما لم تتكلم فيه السلف. # فعملت كتابي هذا مشتملا على أنواع هذا الفن، محمولا على ما طلبت، ومسلوكا ~~به طريق ما سألت، قد نفي اللبس عن جميعه، ويبين الصواب في صنوفه، وميزت ~~وجوهه تمييزا صحيحا، وقسمت أبوابه تقسيما مليحا. # وذكر أصل كل كلمة منه واشتقاقها في العربية؛ لتكثر فائدتك به، ونظم على ~~نسق حروف المعجم؛ ليتيسر الوصول إلى المطلوب من أنواعه، ويتسهل نيل ما ~~ينبغي من أصنافه. # PageV01P025 # فابتدئ منه بما كان في أوله ألف أصلية أو زائدة، ثم بما كان في أوله باء، ~~ثم كذلك إلى آخر الحروف. # والله المعين على ما فيه رضاه، وهو حسبنا ونعم الحسيب. # PageV01P026 ### | الباب الأول # في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ألف ### | إمام # قال - الشيخ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن هلال رحمه الله: # الإمام أصله القصد. # PageV01P027 # وسمي الإمام إماما؛ لأنك ms001 تقصد قصده في أفعاله. # وقيل للخليفة: إمام؛ لأنك تقصد قصد أوامره، أو لأنه يتقدم، فتتبع أثره. # والطريق: إمام؛ لأنه يقصد. وقد أممت، إذا قصدت. # وأصل التيمم: التأمم، وهو تفعل من ذلك. وأمر أمم: قصد، وهو ما بين القريب ~~والبعيد. # وأم الشيء: أصله، ترجع إلى هذا؛ لأن كل من يريد الشيء فإنما يقصد أصله، ~~فيبتدئ به في أكثر الحال. # وأم الدماغ: الجلدة الرقيقة التي تجمعه. # وسميت الأم أما؛ لأن ولدها يتبعها. # وسميت سورة الحمد: أم الكتاب؛ لأنها تتقدم الكتاب، فهو تابع لها كما يتبع ~~الولد أمه. # والإمام في القرآن على أربعة أوجه: # أولها: بمعنى القائد، قال الله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما)، أي: ~~قائدا في الخير مقتدى بك. # PageV01P028 # والجعل هاهنا بمعنى القضاء، أي: قاض لك بالتقدم على الناس بالنبوة ~~ليقتدوا بك،: (قال ومن ذريتي)، يجوز أن يكون سؤالا: (أن يجعل من ذريته ~~أنبياء، ويجور أن يكون استخبارا، فقال: (قال لا ينال عهدي الظالمين)، أي: - ~~ينال عهدي المؤمنين من ذريتك دون الظالمين لأنفسهم. # والعهد هاهنا: النبوة والوحي، وقيل: الرحمة، وقيل: الوعد، والأول الوجه. # .. ومثله: (واجعلنا للمتقين إماما)، أي: الطف بنا حتى # نصير من التقوى والصلاح بحيث يقتدي بنا المتقون. ويجوز أن يكون المعنى: ~~حتى نكون يوم القيامة في أئمة المتقين نتقدمهم في المضي إلى الجنة ~~ويتبعوننا. # وقال: إماما،، وأراد أئمة، سماهم بالمصدر. # أم يؤم إماما وإمامة، كما تقول: جل جلالا وجلالة، ومثله: الكتاب ~~والكتابة، وقيل: معناه: اجعلنا للمقين بالائتمام بهم، أي: اجعلنا أتباعا ~~لهم. # ونحوه قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة)،، يعني: التوراة ~~يقتدى بها. # الثاني: الكتاب، قال الله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)، أي: ~~بكتابهم الذي فيه أعمالهم. وقيل: بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. ~~وقيل بدينهم. # الثالث: قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)، يعني: اللوح ~~المحفوظ، والشاهد قوله: (ونكتب ما قدموا وآثارهم)، أي: نكتب ما سلف من ~~أعمالهم، وما أثروه في الدنيا من سنن الخير أو الشر، ثم قال: (وكل شيء ~~أحصيناه في إمام ms002 مبين) أي: وكتبنا كل شيء في اللوح المحفوظ؛ لتعتبر ~~الملائكة بما يكون من ذلك لأوقاته، لا لمخافة النسيان؛ لأن النسيان لا يجوز ~~على الله. # PageV01P029 # الرابع: الطريق، قال الله تعالى: (وإنهما لبإمام مبين). أي: بطريق واضح ~~تمرون عليها في أسفاركم، يعني: القريتين المهلكتين؛ قرية قوم - لوط وأصحاب ~~الأيكة. # PageV01P030 ### | الأمة # راجعة إلى القصد، وهي: الجماعة التي تقصد الأمر بتضافر وتعاون. وقولنا: ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، معناه: الجماعة القاصدة لتصديقه، المتفقة ~~في أصول دينه، وإن اختلفت في الفروع. # ويجوز أن يكون أصل الكلمة الجمع. فقيل للرجل: (أمة؛ لأنه يسد مسد ~~الجماعة. # والإمام: إمام؛ لاجتماع القوم عليه. والأم؛ لجمعها أمر الولد. # - والأمة: الدهر؛ لأنها جماعة شهور وأعوام، وهو قوله: (وادكر بعد أمة). ~~وقيل: يريد بعد حين أمة فحذف. # وأمه: إذا قصد الاجتماع معه. وفلان حسن الأمة، أي: القامة؛ وذلك لاجتماع ~~خلقه عل الاستواء. # والأمي: قيل: عن الأمة الجماعة، أي: على أصل ما عليه الأمة، وقيل: هو من ~~الأم. وهي في القرآن على عشرة أوجه: # PageV01P031 # أولها؛ الجماعة، قال الله تعالى: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)، أي: جماعة، ~~ومثله: (تلك أمة قد خلت)، وقوله تعالى: (أمة قائمة)، وقوله: (منهم أمة ~~مقتصدة)، وقوله: (ومن قوم موسى أمة). # الثاني: الملة، قال الله تعالى: (كان الناس أمة واحدة). # يعني: (أهل أمة واحدة، أي: ملة؛ فحذف لبيان المعنى، كما قال: (واسأل ~~القرية). # وسميت الملة أمة؛ لاجتماع أهلها عليها، ويجوز أن يقال: إنها سميت أمة؛ ~~لأنها تقصد وتتبع. # والمراد أن الناس كانوا على الكفر فيما بين آدم ونوح، أو ما بين نوح ~~وإبراهيم، فبعث الله النبيين عليهم السلام بالأوامر والنواهي والبشارات ~~والزواجر،: (وأنزل معهم الكتاب بالحق): - الذي فيه الحق؛ لكون فصلا بين ~~المختلفين بما فيه من التمييز بين الصواب والخطأ، وهو مثل قولك: ذهب به، ~~وخرج به، وما أشبهه. # PageV01P032 # الثالث: أهل الإسلام بعينه، قال الله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا)، يعني:. حالهم على عهد آدم، وما كانوا عليه في سفية نوح. ~~ومثله: (ولو شاء الله لجعلكم ms003 أمة واحدة)، ومثله في المائدة، أي: لو شاء ~~الله لجعلكم متفقين على الإسلام قهرا، كما قال تعالى: (فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين). # الرابع: قوله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة). أي: ملتكم، فهي هاهنا الملة ~~بعينها، وفي الأول: الجماعة المتفقة على الملة الواحدة كما بينا. # قال الزجاج: (إن هذه أمتكم أمة واحدة): (أمتكم)، رفع؛ لأنه خبر هذه، ~~المعنى: (أن هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا افترقت فليس من خالف ~~الحق داخلا فيها، فنصب: (أمة واحدة) على الحال. # وقرئ: (أمة واحدة) على أنها خبر بعد خبر، ومعناه: إن هذه أمة واحدة [ليست ~~أمما]، ويجوز أن يكون نصب: (أمتكم)، على التوكيد كأنه قال: إن أمتكم كلها ~~أمة واحدة. # الخامس: قوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة). يعني: ~~سنين. # ومثله قوله تعالى: (وادكر بعد أمة). أي: بعد حين .. # وسمي الحين أمة؛ لأنه جماعة أوقات وشهور. وقيل: هو على حذف: (أي: بعد حين ~~أمة، أي: جماعة. # PageV01P033 # وقرئ: بعد أمه، أي: بعد نسيان. وقيل: (إلى أمة معدودة)، أي: جماعة ~~معدودة، بأنه ليس فيها من يؤمن، فإذا صارت كذلك أهلكت بالعذاب. # السادس: قوله ئعالى: (أن تكون أمة هي أربى من أمة)، يعني: قوما يكونون ~~أربى من قوم؛ أي: (أكثر عددا، ومنه الربا؛ لأنه زيادة في أصل المال. # ومثله (ولكل أمة جعلنا منسكا). أراد أنه جعل لكل أمة من الأمم التي خلت ~~فيها الرسل منسكا؛ وهو الذبائح التي كان أمرهم أن يتقربوا بها إلى الله - ~~ونتكلم في ذلك فيما بعد إن شاء الله - ولم يرد جميع الأمم؛ لأنه لم يجعل ~~للمجوس وعباد الأصنام مناسك. # السابع: الإمام، قال الله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله). # أي.: إماما يقتدى به في الخير. # وقيل الأمة الرجل العظيم، وسمي بذلك؛ لأنه يؤم في الحوائج؛ أي: يقصد. # PageV01P034 # الثامن: أمة كل رسول؛ يعني: من بعث إليه الرسل من أمثال عاد، وثمود، وقوم ~~لوط " وهو قوله تعالى: (ما تسبق من أمة أجلها)؛. يعني: من هذه الأمم لم تبق ~~أجلها في العذاب. ms004 # وقوله تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). يعني: الأمة من هذه الأمم؛ ~~لأن الفرس والسند والهند والزنج أمم ولم يبعث فيها نذير، وإنما كانوا ~~متعبدين بتصديق من بعث في غيرهم من الأنبياء، " على حسب ما يعبدوا بتصديق ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعت فيهم. # التاسع: قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). # يعني: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة. # وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا). أي: عدلا. # وهو من واسطة القلادة، وليس من قولهم: هذا شيء وسط. إذا كان بين العالي ~~والمنحط، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنا أوسط قريش نسبا ". # وله وجه آخر: وهو أن الوسط: العدل، وسمي بذلك؛ لأنه بين غلو الغالي ~~وتقصير المقصر. # PageV01P035 # ومعنى الآية على هذا: إنكم لم تغلوا في الأنبياء. كغلو النصارى في عيسى، ~~إذ قالوا: إنه إله. ولم تقصروا فيهم تقصير اليهود؛ إذ قالوا: إنه كذاب. # ومن الأول قولهم: فلان وسيط في حسبه، أي: هو الكامل المتناهي. # وفي الآية دليل على أن الأمة لا تجتمع على الباطل. # والوسط بالإسكان: الموضع. # والوسط بالتحريك: ما بين طرفي كل شيء، وأصل الكلمة العدل، فالمكان لا ~~يمتد إلى المسافة إلى أطرافه. # والرجل الأوسط في قومه: الذي تكلله الشرف من نواحيه. # العاشر: قوله تعالى: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها). # يعنى: الكفار من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم ذكر الأمم ~~والرسل في القرآن، فعطف قوله: (كذلك أرسلناك). على أولئك الرسل، فكأنه قال: ~~كما أرسلنا إلى أمم رسلا من قبل أرسلناك إلى أمة، يعنى: هذه الأمة، و: ~~(خلت) أي: مضت ولم تبق منهم باقية. # وفي هذا التزهيد في الدنيا والحث على الاعتبار بمن سلف. ثم قال: (لتتلو ~~عليهم الذي أوحينا إليك). أي: لتتلوه عليهم وتدعوهم إلى العمل به فحذف ذلك. # وقوله: (وهم يكفرون بالرحمن) موصول بقوله (أرسلناك في أمة). الكفر ~~بالرحمن دينهم. # والأصل في هذا كله واحد إلا أن موضع الاستعمال يختلف. # PageV01P036 # وهاهنا وجه آخر، وهو قوله: (وما من دابة ms005 في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم). لما جعلها أمثالهم في الخلق والموت والبعث جعلها أمما. # PageV01P037 ### | الأخذ # أصله: الجمع، ومنه يقال للموضع الذي مجتمع فيه ماء السماء: الأخذ، والجمع ~~إخاذ، ويقال له؛ وخذ - أيضا، ويقال: ولي على الشام وما أخذ إخذه؛ أي: اجتمع ~~مع أعماله. ومآخذ الطير: مصائدها؛ لأنها تجتمع فيها، والاتخاذ: أخذ الشيء ~~لأمر يستمر. # واستعمل في القرآن على ستة أوجه: # أولها: القبول، قال الله تعالى: (إن أوتيتم هذا فخذوه). أي: اقبلوه. ~~وقوله: (ويأخذ الصدقات)، أي: يقبلها، ومعنى قبوله لها إثابته عليها. وقوله ~~تعالى: (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها). أي: لا يقبل منها فدية، والعدل: ~~الفدية، وسنذكره إن شاء الله. # ومثله قوله: (خذ العفو). أي: اقبل الفضل من أموالهم. # PageV01P038 # قال ابن عباس: العفو ما عفا من أموالهم؛ وهو الفضل منها بعد الكل ~~والعيال، ثم نزلت آية الزكاة، وهو قول مقاتل: # وقال الحسن ومجاهد: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نأخذ العفو من ~~أخلاق الناس. # والعفو هو التيسير والتسهيل، والمعنى: استعمال العفو، وقبول ما سهل من ~~الأخلاق، وترك الاستقصاء في المعاملات، وقبول العذر من المذنب، وإلى نحو ~~هذا ذهب أبو علي رضي الله عنه # وقال بعضهم: خذ ما أتاك عفوا من إيمان قومك وغيرهم، وينبغي أن يكون هنا ~~قبل فرض السيف. # وقوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه). أي: اقبلوه واعملوا به. # الثاني: الحبس، قال الله تعالى: (فخذ أحدنا مكانه). أي: احبس،: (قال معاذ ~~الله أن نأخذ). أي: نحبس، ومثله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك). وذلك ~~أنه إذا حبس فقد حصل محصل الأسير، والأسير، يقال له: الأخيذ. # الثالث: العقاب، قال الله تعالى: (فأخذتهم فكيف كان عقاب). أي: عاقبتهم. ~~وقوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى). أي: عقابه. وقوله: (فكلا أخذنا ~~بذنبه). أي: عاقبنا، وفي هذا دليل على أن من لم يفعل ما وجب عليه فقد فعل ~~ذنبا. # الرابع: القتل، قال الله تعالى: (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه). أي: ~~ليقتلوه. كذا قيل، والصواب: ليتمكنوا منه، فإما ms006 أن يقتلوه، أو يخرجوه، أو ~~يحبسوه، وذلك أن ما أخذته فقد تمكنت منه. # PageV01P040 # الخامس: الأسر، قال الله تعالى: (وخذوهم واحصروهم). أي: أسروهم واحبسوهم ~~عن وجوههم فإن أسلموا وإلا فاقتلوهم، وإنما أمر بقتلهم وأسرهم وحبسهم ~~ليخافوا النكال فيؤمنوا. # والأشهر الحرم في هذه الآية: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ فواحد ~~منها فرد، وثلاثة متوالية، وليست هذه الأشهر الأربعة المذكورة في قوله ~~تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر). لأن آخر تلك انقضاء عشر من شهر ربيع ~~الأول، وانقضاء الأشهر الحرم انقضاء المحرم والأربعة الأشهر الأولى، وهي ~~أشهر العهد، والكلام في هذا طويل ليس ذا موضع ذكره. # السادس: الإصابة بالمكروه، قال. الله تعالى (فأخذتهم الصيحة). # كذا قيل، والصحيح أنه بمعنى الإهلاك؛ أي أهلكتهم هذه الصيحة، ويجوز أن ~~يكون نظير قوله: (فأخذتهم فكيف كان عقاب)؛ لأن الصيحة عقاب. # PageV01P041 ### | الاعتداء # أصله تجاوز الحد، ومنه قيل عداء جاوزه إذا جاوز قدره، وسمي العدو عدوا ~~لتجاوز حد السعي والمشي، ويجوز أن يكون أصله من الميل، ومنه قيل: عدوة ~~الوادي وهي جانبه، وفي القرآن: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى). # PageV01P042 # ومن ذلك قيل: العلو لميله عمن يعاديه، وسمي الظلم اعتداء؛ لأنه ميل عن ~~الحق، كما سمي جورا؛ لأنه ميل. # وهو في القرآن على وجهين: # أولهما: التجاوز، قال الله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها). أي: لا ~~تجاوزوها إلى غيرها،: (ومن يتعد حدود الله)، أي: يتجاوزها، ومثله: (ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه). # الثاني: الظلم، قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). أي: فمن ~~ظلمكم فجازر. بظلمه، سمي الجزاء على الظلم ظلما. # قال الشاعر: # ألا لا يجهلن أحدعلينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # لم يفتخر هنا الشاعر بالجهل وإنما أراد الجزاء على الجهل. # والجهل هاهنا: ركون الرأس في السر، وليس هو ضد العلم. # وأول الآية: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص). # والمعنى: أن المشركين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في ~~الشهر الحرام، فأنزل الله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه ~~كبير ms007 وصد عن سبيل الله). # فأرادوا أن يغزوه في الشهر الحرام طمعا أن تكف عنهم فسألوا منه، فأنزل ~~الله: (الشهر الحرام بالشهر الحرام): إن استحلوا منك في الشهر الحرام شيئا ~~فاستحل منهم مثله فيه، وأكد ذلك بقوله: (والحرمات قصاص). أي: لا يجوز ذلك ~~بالمسلمين إلا قصاصا. ثم قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). والمعنى: ~~إنهم إن اعتدوا فقاتلوكم في الشهر الحرام فلا تقصروا عن قتالهم فيه، فيكون ~~الاعتداء من المشركين الظلم، ومن المسلمين الانتقام. # PageV01P043 # وقوله: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). أي: فمن قبل الدية ثم قتل فله ~~العذاب؛ لأنه ظالم. وفي قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم). دليل على أن الحر ~~يقتل بالعبد؛ لأن من قتل وليه فقد اعتدى عليه. # PageV01P044 ### | الأمر بالمعروف # يعبر عن كل شيء بالأمر، وأصله في اللغة؛ الظهور، ومنه قيل، للعلامة: ~~أمارة؛ لظهورهما، والإمرة، لظهور أمرها، والأمير ظاهر على ما يعلم، وأمر ~~الشيء إذا كثر، ومع الكثرة ظهور الشأن. # والمعروف كله: ما تقبله النفس وتحبه، والمنكر كل ما تكرهه وترده. # وأصل العرفان والمعروف واحد؛ وهو الطمأنينة والسكون، وذلك أنك إذا عرفت ~~الشيء سكنت إليه إن كان محبوبا، وإن كان مكروها عملت في إزالته لتسكن. # والعرف الريح الطيبة؛ لأن النفس تسكن إليها. # والعرف. الصبر؛ لأنه يعقب ما يسكن معه، ورجل عروف: صبور، والعرف والمعروف ~~سواء، والعرف، عرف الدابة معروف. # PageV01P045 # وهو في القرآن على وجهين: # الوجه الأول: الأمر بتوحيد الله، [والنهي عن] الشرك، قال الله تعالى: ~~(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف). جاء في التفسير أنه أراد ~~توحيد الله،: (وتنهون عن المنكر)،. يعني: الشرك بالله، ومثله قوله: (يا بني ~~أقم الصلاة وأمر بالمعروف). أي: بتوحيد الله: (وانه عن المنكر) أي: عن ~~الشرك. # الوجه الثاني: قيل: هو اتباع الرسول، قال الله تعالى: (ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل)، ثم قال: (ويأمرون ~~بالمعروف). أي: باتباع الرسول، (وينهون عن المنكر)، أي: عن التكذيب به، ~~هكذا قالوا. # قال أبو هلال رحمه الله: وعندنا أن أحد هذين ms008 الوجهين داخل في الآخر، وهما ~~جميعا يكونان الأمر بوجوه المحاسن والطاعات كلها. # والنهي عن المنكر: النهي عن المعاصي والقبائح بيعها. # PageV01P046 ### | أدنى # أفعل، من الدنو وهو القرب، وتأنيث أدنى: دنيا، وتجمع: دنى، مثل: كبرى ~~وكبر، وسميت الدنيا دنيا؛ لأنها تؤدي إلى آخرة. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # أحدها: بمعنى: (أجدر، قال الله تعالى: (وأدنى ألا ترتابوا). أي: أجدر أن ~~لا تشكلوا إذا رأيتم خطوطكم يخاطب الشهود. وقال: (ذلكم أقسط عند الله). ~~يعني: الكتب .. وأقسط: (أعدل؛ لأنه أبعد من التظالم وأقوم للشهادة؛ يعني: ~~أنها إذا كانت مكتوبة كانت أثبت وأبعد من اعتراض شك فيه؛ لأن صاحبها إذا ~~رأي خطه بها لم يشك في صحتها في أكثر الحال. # - ومثله: (أدنى ألا تعولوا). أي: أجدر ألا تجوروا وتميلوا، والعول: الميل ~~عن الحق، والعول؛ النفقة على العيال، عالهم عولا. # وأول الآية: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء)، الآية، والمراد؛ أن أحدهم كان فيما مضى يتزوج عشر نسوة فتعظم ~~المؤونة عليه، فيمد يده إلى مال اليتامى الذي يلي أمرهم وهو مشفق من ذلك، ~~فقيل له: كما خفت على نفسك في أموال اليتامى فخف عليها في حقوق النساء، ~~فإنهن أيضا إلى الضعف والحاجة إلى مالهن، ولا يتزوج منهن أكثر مما يتسع له، ~~ثم قال: (ذلك أدنى ألا تعولوا). أي: تزوجكم الواحدة أقرب ألا تجوروا. # وقيل: كانوا يتزوجون العشر من اليتامى رغبة في مالهن، فربما عجزوا عن ~~التسوية بينهن في النفقه والفراش، فقال الله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى) # PageV01P047 # أي: في نكاح اليتامى؛ صنف النكاح ودل عليه بقوله: (فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء). يعني: من هؤلاء اليتامى، ولم يقل: ما طاب لكم منهن؛ لأن لا يظن أن ~~الخطاب مقصور عليهن دون سائر النساء، وأراد أن يبين أن هذا ينبغي أن يستعمل ~~فيهن وفي غيرهن من النساء، وإذا ذكر النساء دخل اليتامى فيهن، وإذا ذكر ~~اليتامى لم يدخل فيه غيرهن. # الثاني: بمعنى: أقرب، قال الله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى). ms009 ~~يعني: الجوع والضر والخوف في الدنيا،: (دون العذاب الأكبر) في الآخرة وهي ~~النار. هكذا قالوا. # وهو عندنا بمعنى أيسر؛ لأنه جعله مع كبر، وقوله تعالى: (فكان قاب قوسين ~~أو أدنى). أي: أقرب لا غير. # الثالث: بمعنى: أقل؛ قال الله تعالى: (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر) أي: ~~أقل. # الرابع: بمعنى: أدون، قال الله تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير). أي: الأرفع وهو المن والسلوى بالأوضع، هو ما طلبوه من نبات # PageV01P048 # الأرض، و: (خير) هاهنا بمعنى أفعل؛ وجعل المن والسلوى أرفع من غيرهما، إذ ~~لم يكن في نيلهما تعب ولا إثم. # PageV01P049 ### | الإسلام # أصله السكون، ومنه قيل: السلم خلاف الحرب؛ لما فيه من السكون. ثم استعمل ~~في الخضوع، فقيل: أسلم الرجل واستسلم إذا خضع وتواضع؛ لأن مع الخضوع سكون ~~الأطراف، ومنه قوله تعالى: (ولكن قولوا أسلمنا). # PageV01P050 # ثم استعمل في الإخلاص، فيقال: أسلم الرجل إذا أخلص لله، وسلم الغلام في ~~صناعة كذا إذا أخلصه لها، وسلم فلان على فلان كأنه عرفه خلوص سريرته، وقد ~~سلم العبد أمره؛ أي -: فوضه إليه وأخلص التوكل فيه عليه. # والسلامة: الخلاص من الشر، وقوله: (أسلمت وجهي لله) أي: أخلصت ديني. # ومثله: (ومن يسلم وجهه إلى الله). أي: يخلص دينه له. وهو في القرآن على ~~ثلاثة أوجه: # أولها: الإخلاص، قال الله تعالى (إذ قال له ربه أسلم). أي: أخلص: (قال ~~أسلمت). أي: أخلصت. # الثاني: الإقرار، قال الله تعالى: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها). # أي: أقر بالعبادة طوعا. باللسان أو كرها؛ لما فيه من الدلالة على صنع ~~الله فيه، على سبيل ما قال الحكماء: كل صامت ناطق. وهذا يقوم مقام الإقرار ~~وإن لم يكن به. # وقال تعالى: (وكفروا بعد إسلامهم). أي: إقرارهم بالإسلام؛ يعني: ~~المنافقين، فسمى الإقرار إسلاما؛ لأنه من شرائط الإسلام. # PageV01P051 # الثالث: الخضوع والاستسلام، قال الله تعالى: (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا)؛ وخضعنا مخافة السبي والقتل، وهذه الآية خاصة في قوم من الأعراب، ~~وإن كان لفظها عاما فيهم، إذ كان فيهم من أخلص، ms010 كما قال: (الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم). وإنما. قال لهم ذلك نفر، وقيل: بل رجل واحد. # PageV01P052 ### | الإيمان # أصل الإيمان السكون والطمانينة، ومن أمنك فقد سكن إليك، ولهذا لا يصح أن ~~يقال: إن الله يأتمن أنبيائه إذ لا يوصف بأنه يسكن إليهم، ولا يوصف ~~الأنبياء بأنهم يأتمنونه، كما لا يوصفون بأنهم يسكنون إليه. # وقوله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا)، أي: بساكن إلينا. # والمؤمن في أسماء الله بمعنى أنه يؤمن عباده من ظلمه، ويسكن قلوبهم حتى ~~لا يخافوا ذلك منه. # ثم استعمل الإيمان بمعنى التصديق؛ لأنك لا تصدق الرجل إلا وقد سكنت إلى ~~خبره. # ويكون المؤمن في أسماء الله تعالى بمعنى أنه مصدق لأوليائه، وتصديقه لهم ~~تسكين عباده إلى قولهم، ويقال: آمنت لرجل إذا صدقته، ومنه قول الشاعر: # ومن قبل آمنا وقد كان قو ... منا يصلون الأوثان قبل محمدا # ويجوز أن يكون معنى قوله: (وما أنت بمؤمن لنا). أي: بمصدق قولنا. # وقوله تعالى: (آمنتم له)، مفارق لقوله: (آمنتم به). معنى: (آمنتم به): ~~صدقتموه. ومعنى: (آمنتم له): أظهرتم ما أظهرتموه من عجزكم عن معارضته إعانة ~~له لأمر توافقتم عليه، ولستم تعرفون صدقه. # PageV01P053 # وهذا كما تقول: فعلت ذلك لفلان. أي: ميلا إليه وإعانه له، وإنما قال ~~فرعون هذا القول ليوهم غيرهم أنهم على اعتقاد التكذيب لموسى؛ لأن لا يكون ~~ما ظهر منهم داعية لغيرهم إلى الإيمان به. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى: الإقرار باللسان من غير اعتقاد؛ قال الله تعالى: (ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا). يعني: أقروا علانية وكفروا سرا. وقوله تعالى: (ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، وقوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم)، هكذا جاء في التفسير. # ويجوز عندنا أن تكون المخاطبة في هذه الآيه وما قبلها مخاطبة للمؤمنين ~~حقا يأمرهم بخضوع القلوب وترك تولي المغضوب عليهم في يستقبل من أعمارهم. # وقيل: قوله: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، أن هؤلاء ~~قوم من المؤمنين ms011 قصروا بعض التقصير ولم يطهر عليهم أثر الإسلام؛ خشوعه ~~ووقاره فاستعتبهم الله بهذه الآية. # وقال بعضهم: كانوا بمكة مجتهدين فلما هاجروا أصابهم الزيف ففتروا عما ~~كانوا عليه، وأن الشيء يبين، وأنى يأتي بمعنى دنا. # الثاني: التصديق سرا وعلانية " قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية). # الثالث: التوحيد، قال الله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)، ~~قالوا: أراد بالتوحيد، والمعنى على هذا: ومن يكفر بالله الموحد ويجوز أن ~~يكون، الكفر هاهنا الجحد: أي: من جحد الإيمان بهذه الأحكام التي تقدم ذكرها ~~فقد حبط عمله، وفيه دليل على أن من نذر طاعة ثم ارتد بطل نذره. # الرابع: إقرار الشرك ببعض ما يوافق المسلم، قال الله تعالى: (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) أي: إذا سألتم عن خالقهم قالوا: الله. # PageV01P054 # وهم بعد ذلك لا يعبدونه ويعبدون الأصنام - ونحو ذلك، قوله تعالى: (ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، وسمى بعض المفسرين هذا القول ~~منهم إيمانا. # ونحن لا نطلق عليه اسم الإيمان؛ لأنه لو كان إيمانا لكان صاحبه مؤمنا ~~بالإطلاق، ولكنا نقول: إنه إقرار بالله والمقر بالله يجوز أن يكون كافرا ~~ولا يجوز أن يكون المشرك مؤمنا، وكل ما كان من أسماء الدين مدحا فإنه لا ~~يطلق إلا على من يستحق الثواب، مثل المؤمن والمسلم والمتقي ويجري على غيره ~~مقيدا، فيقول: إن اليهودي مؤمن بالله وهو متق لكذا. # PageV01P055 ### | الاستغفار # أصله في اللغة الستر، ومنه قيل: للكلمة من الزرد مغفر؛ لأنها تستر ~~الرأس،. وقد غفرت الشيء سترته، وفي الحديث عن عمر رضي الله عنه " حصنوا ~~المسجد فإنه أغفر للنخامة وفي هنا جواز التنخم في المسجد. # والغفر منزل من منازل القمر، وذلك أن القمر إذا نزل به ستره بضوئه. # والغفر أيضا النكس في المرض لأنه يحول بين صاحبه وبين العافية فكأنه ~~سترها عنه؛ # والغفارة من الشعر الضفيرة، عن أبي مالك؛ لأنها تستر ما تحتها، وقال ~~غيره: الغفارة خرقة حمراء تشد على العمائم، والجمع غفائر وهذا أصح. # وهو في ms012 القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: التوبة، قال تعالى: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، أي: توبوا ~~إليه، وجعل الاستغفار التوبة؛ لأن في التوبة الاستغفار. # والتوبة على الحقيقة: هي الندم على ما مضى والعزم على ترك مثله في ~~المستقبل، ولو. قلت: إن الندم توبة. لم تقرنه بشيء آخر صح؛ لأنه لا يجوز أن ~~يندم على ما فات وهو يعزم # PageV01P056 # عل معاودة مثله، وقوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه). ~~الاستغفار هاهنا التوبة وإنما فصل بينهما للتوكيد، وتكرر الألفاظ على ~~المعنى الواحد توكيد، و: (ثم) على هذا التأويل بمعنى الواو، وهو قول ~~الأخفش. # ويجوز [أن يكون] قوله: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه). أي: استغفروه ~~استغفارا بعد استغفار، وعن علي عليه السلام أنه قال: الحمد لله ثم الحمد ~~لله أي: الحمد لله مرة بعد أخرى. # ويجوز أن يكون المراد: أنكم كلما ذكرتم الذين استغفروا منه، ويجوز أن ~~يكون المعنى: أن استغفروا مما مضى وتوبوا مما تواقعون في المستقبل. # والفرق بين الاعتذار والتوبة؛ أن التوبة ندم على ذنب تقر بأنه لم يكن لك ~~في إتيانه عذر، والاعتذار إظهار ندم على ذنب تذكر أنه كان لك في إتيانه ~~عذر. # الثاني: الصلاة، قال الله تعالى: (والمستغفرين بالأسحار)، وقال: ~~(وبالأسحار هم يستغفرون) هكذا جاء في التفسير. # ويجوز أن يكون معناه أنهم يصلون الليل ويستغفرون بالأسحار، فجعل ~~استغفارهم بالأسحار دليلا على صلاتهم بالليل ولم يذكرها. # وقالوا في قوله: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، أنه يعني: يصلون ~~كذا قيل. # ويجوز أن يكون المراد أن الله لا يبعث عليهم العذاب الذي طلبوه في قوله: ~~(أمطر علينا حجارة من السماء)، وأنت فيهم وليس بالصلاح لك ولهم أن يأمرك ~~بالخروج عنهم ولا ينزل بهم العذاب أيضا، ومنهم من يتوب في المستقبل. ~~والاستغفار التوبة. # قال مجاهد: يستغفرون يسلمون أي: في المستقبل. # PageV01P057 # الثالث: طلب المغفرة وهو الأصل، قال: (استغفر لنا ذنوبنا) والمعنى: سل ~~الله أن يقبل استغفارنا؛ لأنه لا يجوز أن يذنبوا هم ويستغفر لهم غيرهم إلا ~~إذا تابوا، وليس ذلك إلا ms013 سؤال قبولهم. # وقوله تعالى: (واستغفري لذنبك). قالوا معناه استغفري زوجك؛ لأنها كانت ~~مشركة، وكانوا مع الإشراك يحرمون الزنا، ويجوز عندنا - أن يكون أمرها ~~باستغفار الله ذنبها وإن كانت مشركة؛ لأن المشرك يقال له ذلك لأجل شركه ~~ولغير شركه من ذنوبه، وعلى أنه لا يقال: استغفرت إلا الله واستغفرت الرجل ~~ليس بمعروف، وإن كان صحيحا في العربية. # PageV01P058 ### | الأجل # أجل الشيء: وقته، وحد الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، [فهو أجل ~~يجعل]، جاعل له، وما علم أنه يكون في وقت فلا أجل له إلا أن يحكم بأنه يكون ~~فيه. # فأجل الإنسان هو وقت انقضاء عمره، وأجل الدين محله،: وأجل الموت هو وقت ~~حلوله، وأجل الآخرة هو الوقت لانقضاء ما تقدم قبلها قبل ابتدائها، هكذا ~~وجدته عن بعض العلماء. # وأصله من التأخير، وقد أجلته إذا أخرته. # والآجل نقيض العاجل، والإجل: القطيع من بقر الوحش، وذلك لتأخير بعضه على ~~بعض حتى يجتمع. # وآجل المال يأجله أجلا إذا حبسه في المرعى كما يحبس الآجل من البقر بعضه ~~على بعض حتى يجتمع. # وآجل عليهم شرا: إذا جناه؛ لأنه حبسه عليهم لإلحاقه بهم، والمأجل حوض ~~واسع يؤجل فيه الماء حتى يجتمع ثم يفجر في الزرع. # وللأجل في القرآن ثمانية مواضع: # الأول: أجل الدنيا، قال تعالى: (ثم قضى أجلا) أي: أجل الدنيا،: (وأجل ~~مسمى عنده) يعني: أجل الآخرة " وقال. الحسن # PageV01P059 # والضحاك وقتادة: هو أجل الحياة إلى الموت، وأجل الموت إلى البعث، وهذه ~~الآية دليل على صحة البعث؛ لأن الذي قدر على الابتداء قادر على الإعادة. # وأولها: (هو الذي خلقكم من طين) أي خلق آدم الذي أنتم ولده من الطين، كما ~~تقول لقريش اليوم: أنتم أصحاب يوم الفجار، أي: آباؤكم أصحابه وليس هذا ~~انقضاء؛ لقوله: (من سلالة من ماء مهين)، لأنه أراد بذلك ولد آدم. # وقيل: أجلا أي: وقتا تحيون فيه،: (وأجل مسمى عنده) يعني أجل الساعة، ~~وجعله عنده؛ لأنه لا يعرفه غيره، كما تقول: خبر فلان عندي .. أي: أنا ~~العالم به دون غيري. # وقيل: (أجل مسمى عنده) يعني ms014 أوقات حياتكم في الآخرة وجعله عنده؛ لأنه حيث ~~لا يحكم فيه غيره أيضا، وقيل: قضى أجل الماضين، وأجل مسمى عنده للباقين. # وقيل: أجل انقضاء الدنيا، وأجل ابتداء الآخرة،: (ثم أنتم تمترون) أي: ~~خلقكم من طين، وجعل الظلمات والنور، وضرب لكم هذه ألآجال وأنتم مع هذا ~~تشكون فيه فيعبدون غيره. # PageV01P060 # والامتراء الشك، وأصله من المري؛ وهو استخراج اللبن من الضرع، مرى الناقة ~~يمريها مريا، ومنه ماراه إذا استخرج ما عنده بالمناظرة، وامترى امتراء إذا ~~استخرج الشبه الموجبة له، ونظيره.: (ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى). يقول: إلى ~~أجل الموت. # الثاني: أجل العذاب قال: (ولكل أمة أجل). إن لم يؤمنوا إليه نزل عليهم ~~العذاب. ومثله: (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر). أي: أجل العذاب. # ومعنى أجل الله، أي: الأجل الذي ضربه الله، ولا يكون الأجل أجلا إلا ~~بالإخبار والتوقيت " وليس وقت كل شيء أجله، إنما سمي وقت الشيء أجلا إذا ~~كان على ما وصفنا. # الثالث: قوله تعالى: (وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى) قالوا: ~~يعني: أن مطالع الشمس والقمر لها غاية، ولا يتجاوزاه في شتاء: ولا صيف، ~~ويجوز أن يكون المراد أن لهما أجلا مسمى ينتهيان إليه وهو الساعة. # الرابع: على الديون، قال الله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه) أي: اكتبوا الأجل لأن لا يدعى فيه التقديم والتأخير غلطا أو عمدا، ~~وقد تكلمنا في ذلك. # الخامس: قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى). يقول: إلى أن تقلد ~~فإذا قلدت لم تركب ولم تشرب ألبانها، يعني: البدن. # السادس: أجل الولادة. قال الله تعالى: (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل ~~مسمى). أي: إلى وقت الولادة. # السابع: انقضاء العدة، قال الله تعالى: (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن). ~~والمخاطبة لأولياء النساء. # وبلوغ الأجل انقضاء العدة، أي: لا تمنعوهن التزويج إذا انقضت عدتهن من ~~مطلقتهن. # PageV01P061 # قال بعض الفقهاء: فيه دلالة على أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولو صح بغير ~~ولي لم يكن لمخاطبة الولي بهذا الخطاب فائدة. # والعضل: المنع من ms015 التزويج ثم كثر حتى قيل: عضل الرجل امرأته إذا ضارها؛ ~~لأن مضارته إياها منع لها مما ينبغي عنده. # وأما قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف). ~~فالأجل " هاهنا مقاربة الخروج من العدة، أي: إذا طلقتموهن تطليقة أو ~~تطليقتين فقاربن الخروج من العدة فأمسكوهن بمعروف، أي: إن أردتم حينئذ ~~مراجعتهن فراجعوهن وأمسكوهن بجميل من الفعل أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن ~~فيتزوجن. # ومثل الأول: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله). والعزم: ~~إيجابك فعل الشيء على غيرك أو على نفسك، ويقال: عزمت عليك لتفعلن، وقد وصف ~~الله به، فقيل: إن إلى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وهو ~~مفارقة للإرادة عند أبي علي رضي الله عنه؛ لأنك تريد خروج زيد ولا يجوز أن ~~تعزم على خروجه. والعزم أيضا يصح على الإرادة ولا يجوز أن تريد الإرادة. # الثامن: قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى). لأن لا يعذب ~~هذه الأمة بعذاب الاستثصال لانزل بهم العذاب، والكلمة: الساعة، وهو قوله: ~~(بل الساعة موعدهم). والأجل المسمى هو الساعة أيضا، فكأنه قال: فلولا أني ~~جعلت موعد الانتقام منكم الساعة لانتقمت منكم الان. # وقال الله تعالى لهم: (ذلك خير). قالوا أنزل: (علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم). # PageV01P062 ### | إقام الصلاة # الأصل: إقامة الصلاة، فأسقطوا الهاء تخفيفا، ولا تسقط إلا عند الإضافة ~~ليس. # يقال: أقام الصلاة إقاما، ويجوز أن يكون معنى إقامة الصلاة إدامتها، من ~~قوله تعالى: (قائما بالقسط)، أي: مديما لفعله، وفلان يقيم أرزاق الجند أي: ~~يجريها على إدامة. ويحتمل أن يكون عنى به اشتغالهم بها دون غيرها من قولهم: ~~قامت الصلاة. أي: وقع الاشتغال بها. # وقيل: إقامتها إتمام الركوع والسجود ومراعاة المواقيت. # وقيل: هو مثل قوله: (وأقيموا الوزن بالقسط). والإقامة والتقويم سواء، وما ~~خلاف الميل والاعوجاج. # وأصل الصلاة: الدعاء، وسميت صلاة؛ لما فيها من الدعاء. # والصلاة أيضا الترحم؛ لأنه دعاء، ومنه: الصلاة على الميت؛ لأنها دعاء لا ~~ركوع فيها ولا سجود، وصلي فلان على فلان إذا ms016 دعا له. # قال الأعشى: # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # وجاء في القرآن على وجهين: # الأول: الإقرار بالصلاة مع التصديق وغير التصديق، قال الله تعالى: (فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم). أي: فإن أقروا بهما، ولم ~~يرد أنهم إذا أقاموها على اعتقاد صحيح فخلوا سبيلهم؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا ~~الله، وحقيقة # PageV01P063 # المراد دخولهم في الإسلام، وإنما ذكر الصلاة والزكاة؛ لأنهما من أجل ~~شرائع الإسلام وأشهرها ومثله مع قوله: (فإخوانكم في الدين). # الثاني: إتمام الصلاة، قال الله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). ~~أي: أتموها في أوقاتها، وقوله تعالى: (ويقيمون الصلاة). ونحوه كثير. # PageV01P064 ### | الاستطاعة # الاستطاعة: استفعال، من الطوع، وهو خلاف الكره، وذلك أن الفعل يقع بها ~~طوعا ولا يجوز أن يسمى الله مستطيعا؛ لأنه من قولك: انطاع له الفعل بعد أن ~~لم يكن كذلك، وهذا لا يجوز على الله. والطوع بمعنى: الانقياد، والانقياد ~~بمعنى: الذل، يقال: طاع له طوعا وأطاعه إطاعة: إذا انقاد له. والطاعة ~~الانقياد لمن يعتقد تعظيمه. # PageV01P065 # والاستفعال في الأصل للطلب ثم استعمل في غير ذلك، ففقل: استحسن الشيء ~~واستقبحه. وقيل: فعلته طوعا. أي: فعلته في سهولة، ومثله: (فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه) أي: سهلته عليه، ومن هذا الوجه أيضا لا يقال لله مستطيع، كما لا ~~يقال: أن هذا الفعل سهل عليه، ومن أجل أن استطاع طلب ذلك ولا يوصف الله ~~بأنه يطلب القدرة على الفعل ويطلب السهولة أو انطباع الفعل. # وقيل: طوعت: حسنت وزيتت، وهذا على المعنى وليس على اللفظ. # وقيل: طوعت: شجعت؛ وطوعت السقاء ملأته، وهو طواع الكف، أي: ملؤها، وطاع ~~له الشيء إذا أتاه طوعا، وقيل: طوعت: له أطاعته وتابعته، وقرئ: (فطاوعت). # والاستطاعة في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: السعة في المال، قال الله تعالى: (وسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون). أي: لخرجنا معكم إلى ~~تبوك، يعنون سعة ذات اليد للخروج وتخفيف النفقة للعيال. وقوله تعالى: (من ~~استطاع إليه سبيلا). وتدخل في هذا سعة ذات اليد، ms017 وصحة البدن، وأمن الطريق، ~~وتمام الوقت. # وقال: (لا يستطيعون حيلة). أي: لا يجدون سعة يستعينون بها على الهجرة، ~~ويجوز أن يكون أراد عدم الصحة والقوة على السفر، أو عنى أنهم ممنوعون من ~~الخروج ببعض الموانع الكائنة من جهة الكفار. # وقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا). والطول: السعة، وتطول الرجل أفضل ~~من سعة وليس فيه طائل يرجع إلى هذا، أي: إذ لم تستطيعوا نكاح الحرائر لتعذر ~~النفقة عليكم فانكحوا الأيامى ليقع الانتفاع لكم بهن وتكون نفقتهن على ~~مواليهن ويقل مهرهن. # PageV01P066 # وقال: بعضهم: لا يجوز نكاح الأمة مع وجود الطول. وليس كذلك؛ لأن القدرة ~~على نكاح امرأة " لا تحرم نكاح أخرى، قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى ~~منكم) فعم. # الثاني: الطاقة، قال تعالى: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) فلو كانت ~~الاستطاعة مع الفعل لكانوا عاجزين إذ لم يفعلوا؛ لأن الفعل معدوم، وإذا عدم ~~الفعل عدم الاستطاعة، ولكان أيضا من وجد الزاد والراحلة وتمام الوقت، وهو ~~صحيح البدن وعطل الحج ثم مات لكان معذورا؛ لأنه كان عاجزا وإنما يكون ~~مستطيعا عند خصومنا في وقت وجود الحج ولا لوم على العاجز. # وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يستطيعون السجود في الآخرة، فدل على أنهم ~~كانوا يستطيعونه في الدنيا؛ لقوله: (وهم سالمون). وإلا فليس للكلام معنى ~~يفهم. # وقوله تعالى: (فما استطاعوا من قيام). أي: لم يطيقوا القيام لعذاب الله، ~~ومثله (فما اسطاعوا أن يظهروه). # وقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم). واسطاعوا: لغة في استطاعوا، ~~يقال: اسطعت الشيء واستطعته. # وقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء). أي: لا تطيقون ذلك في الحد، ~~هذا في الرجل له زوجتان وثلاث وأربع، قال: وليس يستطيع أن يسوي بينهن في ~~الشهوة، فتشتهي هذه كما تشتهي تلك؛ لأن الشهوة ليست من فعله فعذره فيما لا ~~يستطيع واسع، وليس كما يذهب إليه المجبرة في أنه تعالى كلفه العدل بينهن، ~~وهو لا يستطيعه، ألا ترى أن قوله: (فلا تميلوا كل الميل). دلالة على أنه في ~~بعض الميل معذور، وهو الذي لا يستطيع خلافه، ms018 والمعنى النهي عن إيثار إحداهن ~~للشهوة فيها والانصراف عن الأخرى حتى تصير كالمعلقة لا المتزوجة ولا ~~المطلقة. # PageV01P067 # وقال (فما تستطيعون صرفا ولا نصرا). قال أبو علي - رضي الله عنه - الخطاب ~~للنبي - عليه السلام - والمؤمنين بقوله (فقد كذبوكم بما تقولون). أي: كذبوك ~~بما تقول من توحيد الله فلا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم والانتصار لها. # وقال غيره: الخطاب للكفار يريد أن هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة إذا سئلوا هل ~~كان عبادتكم إياها بدعاء منكم لها: (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ ~~من دونك من أولياء) فظهر لهم حينئذ أنهم لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا ~~على نصرهم مما يراد إنزاله بهم. # الثالث: الاستثقال، قال الله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع). أي: ~~كانوا يستثقلون استماع القرآن والأمر بالإيمان، وهو كقولك: لا أستطيع أن ~~أسمع كلام فلان. أي: يثقل علي ذلك، وهذا معروف. # الرابع: الاستطاعة، بمعنى سؤال الفعل وطلبه، قال الله تعالى: (هل يستطيع ~~ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء). والمعنى: سؤال النزول كما تقول: هل ~~يستطيع فلان أن يقوم معناه وأنت تعلم أنه يستطيع ولكنك تجعل ذكر الاستطاعة ~~سؤالا للقيام؛ لأنه ألطف وقرئ: (هل تستطيع ربك). أي: هل تقدر على أن تسأل ~~ربك، وكانوا يعلمون أنه قادر على سؤال ربه، ولكن قالوا ذلك؛ لأنه ألطف في ~~السؤال ومجازه هل يجوز أن، تسأل ربك. # PageV01P068 ### | الأحزاب # جمع حزب، وهو: الجماعة المتعاونة، ومنه تحزب القوم إذا اجتمعوا وتعاونوا. # قال الراجز: # وكيف أضوي وبلال حزبي # أي: مغيثي. # وأصل الكلمة من الشدة، ومنه يقال: حزبي إذا استبد علي، والاسم: حزابة، ~~وأمر حازب وحزيب أي: شديد. # والأحزاب في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة، وهو قوله: (ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه). هذا قول بعض المفسرين. # وقال غيره: (الذين آتيناهم الكتاب). النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنون. والكتاب: القرآن، أي: هم يفرحون به،: (ومن الأحزاب) أي: هم ~~الباقون. وقال: - منهم: (من ينكر بعضه) وهو المواضع التي تخالف دينهم، ~~وكانوا لا ms019 ينكرون ما فيه من الحكم والأمثال والدعاء إلى المكارم، وليس في ~~العقلاء من ينكر ذلك. # وسماهم أحزابا، لاختلاف مذاهبهم، وذلك أن اليهود فرقة، والنصارى فرقة ~~وعباد الأوثان فرقة. # PageV01P069 # وقوله: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب). جاء في التفسير أنه عنى هؤلاء ~~المذكورين أولا. # والوجه أن يكون من يحارب النبي - صلى الله عليه وسلم - من فرق المخالفين. # وفيه بشارة له - عليه السلام -، أي: هؤلاء جند مهزوم بعد قليل، وأنت هازم ~~لهم وظافر بهم. و " ما " في قوله: (جند ما هنالك). توكيد، كأنه قال: هم ~~جند. وأتى جندهم وعظم أمرهم ليكون أعظم لأمر هازمهم؛ لأن غلب العدو القوي ~~أبلغ في المدح. # الثاني: النصارى، قال الله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم). # الثالث: قوم عاد وثمود وشعيب وفرعون، وهو قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم ~~نوح والأحزاب). ويجوز أن يكون المعنى بذلك جميع من كذب الرسل من هؤلاء ومن ~~غيرهم من بعدهم. وقال: (وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة أولئك الأحزاب). ومثله: (إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب). يعني: ~~هؤلاء. # الرابع: أبو سفيان وأصحابه يوم الخندق، قال: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ~~وإن يأت الأحزاب يودوا). يعينهم. # PageV01P070 ### | الأمر # قد مضى القول في أصله: # وهو في القرآن على سبعة عشر وجها: # الأول: الدين، قال الله تعالى: (وظهر أمر الله). يعني دينه، وقوله تعالى: ~~(فتقطعوا أمرهم). أي: الدين الذي جاء به نبيهم، فنسبته إليهم؛ لأنهم ~~المتعبدون به والمندوبون إليه، والمعنى: أن الله أعلمهم أن أمر الأمة واحد، ~~وأن دينه واحد وهو الإسلام وهم قد تقطعوا واختلفوا. # الثاني: القول، قال الله تعالى: (إذ يتنازعون بينهم أمرهم). قال: ~~(فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى). أي: يتنازعون القول فيا يريدون ~~العمل عليه؛ لأن مثل ذلك الأمر لا يتنازع وإنما يتنازع القول فيه. # الثالث: وقت الوعيد، قال: (حتى إذا جاء أمرنا). أي: حضر وقت وعيدنا، ~~ويجوز أن يكون على ظاهره أي: حتى جاء أمرنا بالعذاب، أي: حتى أمرنا ~~بتعذيبهم. # الرابع: العذاب، قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر). أي: وجب العذاب، ~~ويجوز ms020 أن يكون قضاء الأمر هاهنا فضل الحساب ووقوف كل فريق على ما له عند ~~الله من الخير والشر. ومثله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر). أي: وجب ~~العذاب. # PageV01P071 # الخامس: تمام العذاب وبلوغ المراد منه، قال: (وغيض الماء وقضي الأمر). # السادس: بمعنى الشيء، قال: (وإذا قضى أمرا) أي: إذا أراد إحكام شيء لم ~~يتعذر عليه. # ومثله: (ألا إلى الله تصير الأمور) أي: تصير الأشياء إلى حيث لا يحكم فيه ~~سواه ولا يقدر عليه غيره. # وجاء في التفسير أنه أراد بقوله تعالى: (وإذا قضى أمرا). عيسى - عليه ~~السلام - أنه يكون من غير أب. # السابع: هزيمة الكفار وقتلهم ببدر، قال الله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ ~~التقيتم في أعينكم قليلا)، ثم قال: (ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، أراد ~~هزيمة الكفار وأسرهم جزاء لهم على كفرهم ونصر المؤمنين عليهم. # الثامن: القيامة، قال الله - تعالى: (فإذا جاء أمر الله قضي بالحق). ~~يعني: القيامة، وقيل: أراد به قتل الكفار ببدر. والأول الوجه. # PageV01P072 # وقوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). يعني: القيامة والإتيان هاهنا ~~بمعنى الدنو كقول الشاعر: # وقيل المنادي أصبح القوم أدلجوا # أي: هنا الإصباح. # ومثله قوله: (وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله). # التاسع: فتح مكة، قال الله تعالى: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) قالوا: ~~أراد فتح مكة، ويجوز أن يكون المراد ظهور الإسلام وقوة أهله. # العاشر: قتل قريظة وجلاء النضير، قال الله وحده: (فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره). جاء في التفسير أنه أراد ذلك، ويجوز أن يكون المراد ~~القيامة أيضا، ويجوز أن يكون أراد: اصفحوا عنهم إلى أن يأمركم الله بقتالهم ~~فتنتقموا منهم. # الحادي عشر: بمعنى القضاء، قال الله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض)، وقال.: (يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه) أي: يقضي القضاء. # الثاني عشر: الوحي، قال الله: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) قال أهل ~~التفسير: يعني: الوحي. وقال: (يتنزل الأمر بينهن) يعني: الوحي. # الثالث عشر: بمعنى النصر والسلطان، قال: (هل لنا من الأمر من شيء قل إن ms021 ~~الأمر كله لله). يعني: أن الغلبة لأولياء الله. # الرابع عشر: الذنب، قال الله تعالى: (فذاقت وبال أمرها) أي: جزاء ذنبها. # وأصل الوبال من الطعام الوبل، وهو الوخم الذي لا يمري، وقيل: الوبيل ~~الشديد، وأصله من الكراهة، يقال: استوبلت المنزل إذا كرهته لقلة موافقته ~~لك، قال الله: (فذاقوا # PageV01P073 # وبال أمرهم). أي: جزاء ذنبهم، وقال: (ليذوق وبال أمره). # الخامس عشر: الأمر خلاف النهي، قال الله: (أمرنا مترفيها) أي: أمرناهم ~~بالطاعة فعصوا، وقرئ: (أمرنا) أي: جعلناهم أمراء. وقيل: كثرناهم، وأمر ~~الشيء: كثر، وقيل؛ أمرناه بالتخفيف معناه: كثرنا. # وروى الجرمي عن أبي زيد والأصمعي: أمره وأمره. أي: كثره، وأمر هو، فهو ~~آمر ومأمور ومؤمر من آمره، وأمرته أيضا: كثرته بالتثقيل، وهو مأخوذ من ~~أمرته بالتخفيف؛ لأن فعلت بالتثقل في فعلت بالتخفيف مثل: ضربت وضربت، قال ~~المبرد: ولا تكون ذلك من أمرت. # السادس عشر: إظهار أمر المنافقين، قال الله تعالى: (أو أمر من عنده) أي: ~~أو أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإظهار أمر المنافقين فيعاقبوا،: ~~(فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) ويجوز أن يكون المعنى في هذا: ~~ظهور الإسلام. # السابع عشر: العلم، قال الله تعالى: (وأولي الأمر منكم) قيل: يعني: ~~العلماء، وقيل: يعني: السلطان، وإنما تجب طاعة السلطان إذا كان محقا. # وقال ابن عباس: أولو الفقه في الدين. # وقال أبو علي رحمه الله: هم الأمة وأمراؤهم، وليس هم العلماء إلا أن ~~يكونوا أمراء. # وقال: (فردوه إلى الله والرسول). أي: إلى الكتاب والسنة؛ لأنهما من الله ~~ورسوله، وفيه دليل على أن الإمامة ليست بحجة، وفيه دليل أيضا على صحة ~~القياس وذلك أن جميع ما يتنازع فيه المتنازعان لا يوجد في القرآن والسنة ~~مشروحا، ولكن يوجد أصل كل شيء فيهما أو في أحدهما، فأمر بحمل الفروع على ~~الأصول الموجودة فيهما ليظهر. أحكامها، ولا يأتي ذلك إلا بالقياس. # والآية عموم في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة في حياة الرسول وبعد وفاته. # PageV01P074 # والذي يقتضيه فحوى الكلام الرد إليهما فيما لانص فيه؛ لأن المنصوص عليه ~~لا احتمال ms022 فيه لغيره ولا يقع فيه التنازع من الصحابة مع علمهم باللغة ~~ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه. # وأما الأمر في قوله تعالى: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا). فهو تفسير ~~الرجعة، وذلك أنه إذا طلقها طلاق السنة ملك رجعتها. # وطلاق السنة عند الكوفيين يعتبر فيه معنيان: # أحدهما: الوقت. والآخر: العدد. # فالوقت: أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها. والعدد: ~~ألا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة، فأما من لا عد عليها فيطلقها ~~متى شاء في حيض أو طهر بغير المدخول بها. # PageV01P075 ### | الأرض # من الأراضة وهي الخلافة؛ مكان أريض: أي: خليق المنبت. وسميت الأرضة أرضة؛ ~~لأنها تكون في بطن الأرض، وسمي الرعدة أرضا من الأرضة؛ لأنها إذا وقعت في ~~الخشبة أكلتها فخفت فسميت الرعدة أرضا؛ لأنها خفة تعتري الإنسان. # وتجمع الأرض أرضين كل غير قياس. وكان الأصل في الأرض أرضة والشاهد أنها ~~تجمع أرضات، مثل: تمرة وتمرات، وأسقطت الأرضة أصلا حتى أنها لا يقال، ~~وأدخلت الواو والنون في الأرضين عوضا من الساقط وإنما أسقطت؛ لأن التمر ~~ينفصل كل واحدة منهما بنفسها، والأرض ليست كذلك، وإنما هي اسم واحد يجمع ~~أشياء لا ينفصل بعضها من بعض. وقولنا: أرض كقولنا: تمر. اسم للجنس، وربما ~~جمعت على أراض مثل: تمر وأتمار. # وهي في القرآن على تسعة أوجه: # الأول: (أرض الجنة، قال الله تعالى: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ~~يعني أرض الجنة، هكذا قيل .. وقيل: إنها أرض الدنيا، ودليل ذلك أن الأرض ~~إذا جاءت مطلقة، فهي الأرض المعروفة لا غير، ولو لم يكن ذلك كذلك، لم يعرف ~~بإطلاق اللفظ شيء. # الثاني: الأرض المقدسة، قال الله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها). أي: مشارق أرض الشام ومغاربها؛ لأنها تعلم ~~أن بني إسرائل لم يملكوا أرض فارس ولا أرض خراسان، ومنه قوله # PageV01P076 # تعالى: (الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض). يعني: (أرض الشام وقوله ~~تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها). أي أرض الشام. # الثالث: أرض المدينة ms023 خاصة، قال الله: (إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) ~~يأمرهم بالهجرة إليها، ثم فيه دلالة على أن من لا يمكنه عبادة الله في أرض ~~فينبغي أن ينتقل عنها إلى حيث يمكنه ذلك. # والمراد على هنا التأويل أن أرض مكة تسعكم لا تجدون فيها ما تجدون في ~~غيرها من المعاشر فانتقلوا إليها، ويجوز أن يكون المعنى أن الطرق غير ~~مسدودة عليكم فاخرجوا إلى حيث تتمكنون من عبادة ربكم. ومثله قوله تعالى: ~~(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). قالوا: يعني: أرض المدينة. وقال: ~~(وإن كادوا ليستفزونك من الأرض). وقال: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في ~~الأرض مراغما كثيرا وسعة). أي؛ مذهبا واسعا، مأخوذ من الرغام، والمراغمة ~~أيضا المغايظة والمناغضة، وأصله من الرغام وهو التراب. ويقال: راغمته إذا ~~هاجرته وعاديته ولم لا تبال رغم أنفه. أم لا. # الرابع: أرض مكة، قال الله تعالى: (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) يعني: ~~أرض مكة،: (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة). # أي: أليس في أرض المدينة متسع ومحتمل، فليس لكم عذر في المقام بمكة على ~~ذل وهوان. # الخامس: الأرض التي تفتح لأهل الإسلام، قال الله تعالى: (أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها). أي: أولم تروا أنا فتحنا على المسلمين من ~~الأرض ما يبين لهم صدق الدعوة، وذلك أنه كان أخبره بفتحها عليهم، ففتحها ~~كان بعض # PageV01P077 # المعجزات، وقيل: (ننقصها من أطرافها) موت أهلها وبنقص ثمارها، وقيل: موت ~~العلماء والأرل الوجه. # السادس: أرض مصر خاصة، وهو قوله: (اجعلني على خزائن الأرض) وإنما طلب ذلك ~~نظرا للناس ليوسع عليهم وينصفهم في القسمة، وقوله:: (وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض). وقال: (فلن أبرح الأرض). وقال: (إن فرعون علا في الأرض) وقوله: ~~(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) وقوله: (أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد). المعنى بهذا كله أرض مصر. وكذلك قوله: (إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده) ويجوز أن يكون المعنى في هذا جميع الأرض المسكونة. # السابع: أرض الإسلام، قال الله تعالى: (أو ينفوا من ms024 الأرض) قال أهل ~~التفسير: يقاتلون حيث توجهوا من الأرض ولا يتركون فارين في شيء من أرض ~~المسلمين، وقيل.: معناه أن دمائهم مباحة فإن يقتلهم لم يؤخذ بهم، ويقال: ~~نفيت الشيء نفيا، والنفاية ما ينفى مثل: النحاتة والبراية. # الثامن: جميع الأرضين، قال الله: (وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها) وقال: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر) # PageV01P078 # وقوله: (إنا مكنا له في الأرض)، والفرق بين مكنا له ومكناه أن معنى مكنا ~~له: جعلنا له ما يتمكن به في الأرض، ومعنى مكناه: أقدرناه على ملك الأرض. # وقوله: (وترى الأرض بارزة)، والمراد: أنا نسير الجبال فيحلوا منها وجه ~~الأرض فتراها بارزة أي: ظاهر لا شيء فيها، ويجرز أن تكون بارزة بمعنى: ~~مبرزة أي: قد أبرز جميع ما في بطنها، وجاءت على فاعلة على النسبة كما قيل: ~~الحاسة وهي من أحسست على النسبة لا على طلب الفعل، أي: هي ذات كذا، ويجوز ~~أن يكون المعنى أنك ترى أهل الأرض بارزين كما قال: (وبرزوا لله جميعا) ~~وقال: (وبرزوا لله الواحد القهار). # التاسع: محي الأرض مثلا، وهو قوله: (ما دامت السماوات والأرض) لم يرد ~~أرضا بعينها، وإنما هو على حسب قول العرب في معنى الأبد: لا أفعل ذاك ما ~~اختلف الليل والنهار وما طما اليحر وما أقام الجبل وما دامت السماوات ~~والأرض. # هذا وإن كان اللفظ الليل والنهار والجبل والأرض والسماء، فإنما المراد به ~~الأبد، وإنما جعلوا هذه الأشياء أمثالا في الأبد؛ لأنها عندهم لا تتغير، ~~ويجوز أن يكون المراد أرض الجنة والنار. # PageV01P079 ### | الاشتراء # أصل الشراء من الإمالة ومنه الشرى وهو الناحية، فقولهم: اشتريت الشيء. ~~كأنك جعلته في شراءك، أي: ناحيتك، كما تقول: احتقبته إذا جعلته في حقيبتك، ~~وهو من الأضداد، اشتريته إذا أخذته بثمن واشتريته إذا بعته، وكذلك شريته ~~إنما سمي المشتري والبائع باسم واحد؛ لأن كل واحد منهما يأخذ شيئا ويعطي ~~شيئا فلتماثلهما من هذا الوجه اشتركا في الاسم الواحد، ويجوز أن يكون من ~~قولك: شريت به. إذا لمحت به، ms025 ومنه يقال: شرى البرق إذا كثر لمعانه كأنه لهج ~~بذلك. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الاختيار، قال: (اشتروا الضلالة بالهدى) أي: اختاروا الكفر على ~~الإيمان، ومنه: (ويشترون به ثمنا قليلا) أي: اختاروا على الإيمان ما نالوه ~~من حطام الدنيا، وسماه قليلا؛ لأن كل شيء من الدنيا قليل لانقطاعه. # وقال: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث). يعني: يختار باطل الحديث على ~~القرآن. # وعلى هذا التقدير يصح هنا التأويل؛ لأن الأختيار: إيثار الشيء على غيره ~~وهو ضرب من الإرادة واقع على هذا الوجه، وإذا لم يقع كذلك لم يسم اختيارا. # PageV01P080 # وأصله من الخير كأنك تؤثر خير الشيئين عندك، وقالوا: لهو الحديث الغناء؛ ~~لأنه يلهي عن الذكر، قالوا: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شرى ~~المرأة المغنية. # وقيل: هو جميع ما يلهي عن الذكر، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة ~~الداري وكان يشتري من كتب الأعاجم فارس والروم ويقرأوها على قريش ~~فيستحنونها ويعجبهم ما يسمعون من أخبارهم فيها فيشتغلون بها عن استماع ~~القرآن. # وقوله: (ويتخذها هزوا). يعني: سيل الله، ومعناه الإسلام. # الثاني: الابتياع، قال الله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة). هكذا قيل، وهو مجاز وحقيقته أنه جعل الجنة ثوابا لهم على ~~بذلهم نفوسهم وأموالهم في سبيل الله، وسمي ذلك اشتراء؛ لأنه جعل الجنه بدلا ~~من ذلك كما أن ثمن السلعة بدل منها. # الثالث: بمعنى البيع، قال تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم) أي: باعوها، ~~وهذا أيضا مجاز، ومعناه أنهم أذنبوا فاستحقوا النار فإذا صاروا إليها لم ~~ينتفعوا لنفوسهم فكأنهم باعوها؛ لأن من باع الشيء حرم الانتفاع به. # PageV01P081 ### | الأحد # أصله الانفراد، يقال: رجل وحد إذا كان منفردا، ولهذا قالوا: مررت برجل ~~وحده. لما أرادوا معنى الانفراد، كأنهم أرادوا برجل أفرادا، وأفرادا منصوب ~~نصب المصدر فنصبوا وحده؛ لأنه جعل موضع أفراد. # PageV01P082 # وجاء في كلامهم نسيج وحده، وعبير وحده، وجحيش وحده بالجر، وإنما هذا مضاف ~~إلى المصدر كأنهم قالوا: نسيج إفرادا لا يوجد مثله؛ لانفراده بدأبه ms026 وعمله. # وقالوا: في جمع أحد آحاد، وجمع واحد وحدان وأحدان، ويقولون: أحد الرجلين ~~ولا يقولون: واحد الرجلين، ولزموا أحدا وإحدى في العدد. # ولو استعملوا في أحد وعشرين وإحدى وعشرين واحدا وعشرين وواحدة وعشرين كان ~~جائزا ولكن لما كان باب العدد وباب التعبير لزموا فيه أحدا وإحدى وهما ~~مغيران عن الأصل، وقالوا: واحد ولم يقولوا في التثنية: واحدان لأن واحدا ~~اسم لما لا ثاني له، وقالوا: اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثالث ~~للآخر. # وأحد في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: يعني: الله سبحانه وتعالى، وهو قوله: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) ~~يعني: أن لن يقدر عليه الله، أو أن يحسب أن لن يقدر الله أن يبعثه. # وكذا قوله - قحالى: (أيحسب أن لم يره أحد) وأول الآية: (يقول أهلكت مالا ~~لبدا) أي: أنفقت المال الكثير في وجوه كثيرة، ومن أحصاه علي فيحاسبني به، ~~فقال الله: (أيحسب أن لم يره أحد) أي: لم يره الله. # الثاني: النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا) ~~يعنون النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قوله: (إذ تصعدون ولا تلوون على ~~أحد) يعني: على النبي - عليه السلام -؛ لأنه ثبت حين انهزموا فمروا على ~~وجوههم، ولم يقيموا عليه، ويجوز أن يكون المعنى أن بعضكم لم يقم على بعض. # الثالث: قوله: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) جاء في التفسير أنه عني ~~بلالا مولى أبي بكر - رضي الله عنه - وأراد أنه لم تكن لبلال نعمة عند أبي ~~بكر يعتقه من أجلها، وإنما أعتقه لوجه الله، ويجوز أن تكون الآية فيه وفي ~~غيره ممن يفعل الخير لا ليد يجازي بها ولكنها لله تعالى. # PageV01P083 ### | الآل # أصل الآل من الأول وهو الرجوع، والآل الشخص يوفع في الصحاري للناظر فيراه ~~ليس بشيء، وسمي آلاء؛ لأته يخفى ثم يرجع فيظهر، وبه سمي شخص الرجل آلاه، ~~والأله الشدة من شدائد الدهر؛ لأنها تذهب ثم ترجع قالت الخنساء: # سأحمل نفسي على آلة] ف ... إما عليها وإما لها # والآلة: الحالة؛ لأنها ms027 لا تبقى. # والآل ربما جاء بمعنى الأهل، وبينهما فرق يقال: أهل العلم وأهل البلد، ~~ولا يقال: آل العلم وآل البلد، - ويقال: أهل الرجل لأقاربه وهم آله أيضا ~~وآله أتباعه، فكان الآل من جهة القرابة والصحبة، والأهل من جهة النسب ~~والأختصاص. # وقيل: العرب تقول في تصغير آل: أهيل فهذا يدل على أن أصل الهمزة في (آل) ~~هاء. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى الأتباع، قال الله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون النذر) يعني: ~~أتباعه، والمعنى: جاءته النذر وجاءكم أيضا، ومثله: (آل فرعون أشد العذاب) ~~فاكتفى في بذكرهم عن ذكره لدلالته عليه، ومعلوم أنها إذا جاءتهم لأجل كفرهم ~~وهو كافر مثلهم، فقد جاء به وهنا عن الإيجاز المحمود. # الثاني: أهل بيت الرجل، قال الله تعالى: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر). # PageV01P084 # الثالث: الذرية، قال الله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم) ~~يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، (وآل عمران) يعني: موسى وهارون؛ ~~اختارهم على عالمي زمانهم. # والفرق بين الولد والذرية: أن الذرية يقع كل أولاد الرجل الذكور والإناث، ~~وعلى أولاد بنيه وبناته من الذكور والإناث، والدليل على ذلك أن الله تعالى ~~يقول: (ومن ذريته داوود وسليمان) ثم عد عيسى مع المذكورين، وولد الرجل هم ~~من ولدهم لا يدخل أولاد البنات فيهم؛ لأن أولاد البنات منسوبون إلى آبائهم، ~~قال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فأما تسميته الحسن والحسين - عليهما السلام - ولدي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن ذلك شيء خصا به دون غيرهما تكريما لهما واختصاصا. # PageV01P085 ### | أوى # أصله الميل، ومأوى الرجل منزله الذي يميل إليه ويقيم فيه، أويب أنا وأويت ~~غيري إذا ضممته إليك كأنك أملته إليك بعطفك ورحمتك. # وجاء في القرآن على وجهين: ### | الأول # : الضم، قال: (وآويناهما إلى ربوة) أي: ضمهما. # الثاني: الانتهاء، قال الله تعالى: (إذ أوينا إلى الصخرة) وقال: (فأووا ~~إلى الكهف) أي: انتهوا، ويجوز أن يكون أراد الميل في الوجهين،: (آويناهما ~~إلى ربوة) أملناهما،: (إذ أوينا إلى الصخرة) ملنا،: (فأووا إلى الكهف) ms028 ~~مالوا. والمعين: الماء الطاهر التي تناله العين وهو من قولك: عنته إذا ~~أبصرته واختار لهم الربوة؛ لأنها أبعد من اللثق وما يكون فيها من الماء ~~والخضرة فهو أحسن والعرب تقول: أحسن من رياض الحزن، قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل # والحزن: ما ارتفع من الأرض في غلظ. # PageV01P086 ### | الأول # أول كل شيء ما ابتدئ فيه واشتقاقه من الأول، وهو الرجوع، كأن كل شيء ترجع ~~صفته إلى ما ابتدئ منه، والأول في أسماء الله تعالى بمعنى أنه لا شيء قبله. # وهو في القرآن على أربعه أوجه: # الأول: أول من كفر من أهل الكتاب، وهو قوله: (ولا تكونوا أول كافر به) ~~أي: أول من كفر به من أهل الكتاب؛ لأن قريشا كفروا به قبلهم، ودلهم هذا على ~~أن جميع من كفر منهم بعد فإنه سببه. ويلزمهم مثل وزره. # قال أبو العباس المبرد: أول يضاف إلى ما بعده على وجهين: # أحدهما: أن يكون ما بعده متصلا به. # والآخر؛ أن يكون مقدرا لذلك، وذلك قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به) ~~إنما قال هذا للمخاطبين؛ لأنهم قبل غيرهم ممن يلزمهم ما لزمهم فقيل لهم: ~~أنتم أيها المخاطبون لا تكفروا بما سمعتم فيكون بعدكم الكافر والمؤمن فلا ~~تكونوا أول الكفار، وكافر في موضع الجماعة إذا كانوا واحدا واحدا، وقبيلا ~~قبيلا، يقول: كل رجل في الدار فأعطه درهما، أي: أعطهم رجلا رجلا حتى يعطي ~~كلهم، ولو قال قائل: أول من يأتني فله درهم فأتاه واحد ولم يأت غيره لوقع ~~عليه اسم الأول؛ لأنه في التقدبر أن يأتي غيره، ولو قال: آخر رجل يأتيني ~~وآخر عبدا ملكه لم يعلم إلا بعد موته؛ لأن الأول مقدر لما بعده، والآخر لا ~~يقع عليه هذا الاسم، وكذلك إذا قال: أول عبد لي حر فأول عبد يشتريه يعتق، ~~فإذا قال: آخر عبد لم يعلم ذلك إلا بعد موته. # PageV01P087 # الثاني: النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: (قل إن كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين) ms029 قيل: أول الموحدين لله من أهل زمانه، ومثله: (قل ~~إني أمرت أن أكون أول من أسلم) وقوله تعالى: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) ~~أي: ابتدئ بإظهار الإسلام ليتلو في الناس. # الثالث: أول المؤمنين، أي: أول المؤمنين بذلك، ويجوز أن يكون معناه أنه ~~أول المؤمنين بهذا وبغيره مما هو من دين الله ليس أنه لم يكن مؤمنا به قبل ~~ذلك وإنما أراد أنه يجدد له إيمانن بعد إيمان قبل أن يتجدد ذلك لغيره فهو ~~أول فيه. # الرابع: قوله تعالى: (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول ~~المؤمنين) أي: أول المؤمنين من اتباع فرعون، وقيل: كانوا أول مؤمني أهل ~~دهرهم، وذلك غلط؛ لأن موسى وهارون - عليهما السلام - كانا مؤمنين قبلهم، ~~وقوله تعالى: (فأرسل معي بني إسرائيل) دليل على أن موسى كان قد علم أن من ~~بني إسرائيل من هو مؤمن، وكان فرعون يتعبدهم؛ فطلب منه إرساله إياه. # PageV01P088 ### | الاستئناس # أصله طلب الأنس، والإيناس من الرؤية يفيد الأنس بما يراه المؤنس، ولهذا ~~لا يقال لله تعالى يؤنس كما يقال: إنه يرى. # وجاء في القرآن على وجهين: # الأول: الاستئذان، قال الله تعالى: (حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) ~~ونسق التلاوة يدل على أنه أراد الاستئذان، وهو قوله: (وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم). # وقرأ ابن عباس رحمه الله: (حتى تستأذنوا)، وقال: غلط الكاتب وإنما سمي ~~استئذانهم استئناسا؛ لأنهم إذا استأنسوا أنس بعضهم ببعض. # PageV01P089 # وفي قوله تعالى: (حتى تستأنسوا) جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن ~~صاحب الدار أذن، ولذلك قال مجاهد: هو التنحم والتنحنح كأنه أراد أن يعلمهم ~~بدخوله. # وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول من غير إذن ومعلوم أن الإذن ~~مشروط في إباحة الدخول، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) فحظر الدخول إلا بالإذن. # الثاني: طلب الأنس بالحديث، قال الله تعالى: (ولا مستأنسين لحديث) وقال ~~عمر - رضي الله عنه -: أأستانس يا رسول الله، فقال له: استأنس يعني: ms030 ~~استئناس الحديث. # ومستأنسين نصب على الحال من محذوف، أي: فلا تدخلوها مستأنسين أو لا ~~تجلسوا بعد الفراغ من الأكل، وقيل: موضعه خفض مستأنسين على اتباع: (ناظرين ~~إناه). # PageV01P090 ### | الآية # أصل الآية العلامة الثابتة من قولك: تأييت بالمكان إذا أقمت به وثبت فيه: ~~ومن ثم يقال: لأجعلنك آية، أي: علامة، وسميت الاية من القرآن آية؛ لأنها ~~بمفارقتها كلام البشر علامة على صدق الدعوة، وقيل: الآية جماعة حروف من ~~قولهم: خرج القوم على آيتهم أي: بجماعتهم. # وهي في القرآن على وجهين: # الأول: العبرة، قال الله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) أي: عبرة ~~يعتبر بها، وتكون علامة لصدقه وشاهدا على أن الله تعالى قادر على ما يريده، ~~ويجوز أن يكون قولهم؛ لأجعلنك آية من ذلك أي: عبرة، ومثله: (وجعلناها آية ~~للعالمين) ولم يقل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين؛ لأن الأمر فيهما يؤول إلى ~~شيء واحد. # الثاني: العلامة، قال: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) ~~وقوله: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) وقوله: (ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض). # PageV01P091 # وقوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا) أي: ومن العلامات على ~~ربوبيته # والوجهان متقاربان يصلح استعمال أحدهما في موضع الآخر، وإنما أوردناهما ~~على حسب ما جاء في التفسير. # PageV01P092 ### | ### | الآخ # رة # سميت الآخرة آخرة؛ لأن الدنيا تؤدي إليها، وآخر الشيء خلاف أوله فأوله ما ~~بدئ منه وآخره ما ينقطع عند تمامه. # وقد يجوز مع ذلك أن يجعل أول الشيء آخره، وآخر الشيء أوله إذ قدر غير ~~التقدير الأول، وقد استقصينا ذلك في كتاب الفرق. # وآخر الشيء منه كما أن أوله منه، وليست الآخرة من الدنيا على أنه لولا ~~الدنيا لم يقل آخره، وأنثت الآخرة على تأنيث الدار. # وهي في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: القيامة، قال الله تعالى: (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني: ~~القيامة. # الثاني: الجنة يعينها، قال الله تعالى: (وما له في الآخرة من خلاق) أي: ~~ما لهم في الجنة من نصيب، والخلاق النصب وسمي خلاقا؛ لأنه قدر لصاحبه، وأصل ms031 ~~الخلق التقدير وسنذكره، وقال تعالى: (والآخرة عند ربك للمتقين) وقال: (تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) ونظير الأول ~~قوله تعالى: (وما له في الآخرة من نصيب). # الثالث: جهنم خاصة، قال: (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) أي: يحذر جهنم. # الرابع: قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة) وجاء في التفسير أنه أراد القبر حين يأتيه منكر ونكير، ~~ويجوز أن يكون معناه القيامة يثبته الله فيها على الصراط. # PageV01P093 # الخامس: قوله تعالى: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) وهي ملة عيسى - ~~عليه اللام -، كذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون معناه: ما سمعنا أن مثل ما ~~تأتي به يكون في آخر الزمان. # PageV01P094 ### | الأخ # أصل الأخ أخو على وزن فعل، ودليل ذلك أنك تقول في التثنية أخوان، وكذلك ~~الأب؛ لأنك تقول في تثنيته أبوان. # قال المبرد: إئما حذفوا الواو من أخ علامة للتضمين، ومعنى التضمين عندنا ~~أنك إذا قلت: أخ فقد ضمنت شيئا معلوما وهو أخ آخر، وكذلك إذا قلت: أب وابن ~~وليس كذلك في مثل قولك: رأس؛ لأنك إذا قلت: رأس جاز أن تريد رأس عصا ورأس ~~رجل ورأس بقرة، وليس يدل قولك: رأس على شيء بعينه، والمضمون في قولك: أخ ~~وابن معلوم، وأصل اشتقاق الأخ من القصد، ومن ثم قيل: توخيت الشيء إذا قصدته ~~وأصله تأخيت # PageV01P095 # الشيء ونأخبت أخا للفرق بين المعنيين، ويجوز أن يكون توخيت الشيء مأخوذا ~~من الوحي، وهو الطريق القاصد وهنا أجود الوجهين. # وهو في القرآن على ستة أوجه: # الأول: الأخ من الأب والأم، قال: (فطوعت له نفسه قتل أخيه) وقال: (فأواري ~~سوءة أخي)، ونحوه كثير، # وسماها سوأة؛ لأنها جيفة. # الثاني: الأخ في النسب، قال الله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا) وقوله: ~~(وإلى ثمود أخاهم صالحا) وقوله: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) وقال: (فمن عفي له ~~من أخيه شيء) فإن قيل: لم سمي وولي الدم أخا القاتل في هذه الآية، والقاتل ~~فاسق والفاسق لا يكون أخا لمؤمن، قلنا: سماه ms032 بذلك كما سمي هودا أخا عاد، ~~والقوم إذا كانوا من جيل واحد وقبيلة واحدة سموا إخوة؛ لأنهم ينتهون إلى أب ~~واحد قريب أو بعيد، وسنفسر هذه الآية فيما بعد إن شاء الله. # الثالث: - الأخ في الكفر والشرك، قال الله: (وإخوانهم يمدونهم في الغي) ~~وقال تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) ونحوه: (كلما دخلت أمة ~~لعنت أختها). # PageV01P096 # الرابع: الأخ في الإسلام، قال: (إنما المؤمنون إخوة) وقال: (فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا). # الخامس: الأخ في المودة، قال في وصف أهل الجنة: (إخوانا على سرر ~~متقابلين) السادس: الأخ بمعنى الصاحب، قال تعالى: (إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة) وقوله: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) أي: لحم صاحبه. # ويجوز أن يكون معناه الأخ في الدين، فجعل؛ الغيبة أكل اللحم، قال أبو ~~هريرة: قلت: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: " ذكر أخيك بما يكره "، قال: ~~قلت: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، ~~وإن لم يكن فيه فقد بهته ". (1) PageV01P097 ### | الإثم # الإثم عند العرب الذنب، وسميت الخمر إثما لأنها توقع في الذنوب، ويقال: ~~أثم فهو آثم وأثيم مبالغة كما تقول: علم فهو عالم وعليم مبالغة. # وقال ابن السكيت: إن الإثم في قوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي) يعني: به: الخمر، وأنشد: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول # وجاء في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الكذب، قال تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت) أي: الكذب بأن عزيرا ابن الله وأن يد الله مغلولة. # الث ### | اني: # المعصية، قال الله تعالى: (غير متجانف) أي: مائل إلى المعصبة، والجنف ~~الميل. # وقال بعض الفقهاء: الإثم أن يأكل منه أكثر مما يحتاج إليه لسد جوعه، وقال ~~غيره: له أن يأكل منه ما يريد ويتزوده فإذا استغنى عنه طرحه، والضرورة ~~المذكورة في الآية تدفع ذلك، والأول قول أصحابنا. # وقال: (والإثم والبغي بغير الحق) ولا يكون البغي إلا [بغير الحق]، وإنما ms033 ~~هو مثل قولك: بغى علي ظلما، ولا يجوز أن يبغني عليه عدلا، وإنما هو تأكيد ~~في الكلام. # PageV01P098 # وقال تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) هو الإثم وكذلك البغي. # وإنما كرر المعنى بغير لفظه أراد التأكيد كل ما بينا، ومثله: (وذروا ظاهر ~~الإثم وباطنه) يعني: ظاهر المعصية وباطها. # وقال بعضهم: أراد الزنا وليس له أن يقصره على الزنا وحده إلا بديل ولدليل ~~فإن كان ما روي أن العرب كانت تحل الزنا باطنا وتحرمه ظاهرا فأخبر الله ~~تعالى بأن ذلك كله محرم صحيحا فهو الدليل. # الثالث: الحرج والضيق، قال الله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) ~~أي: إن نفر الحاج من مكة اليوم الأول من أيام التشريق أو الثاني أو تأخر - ~~بمنى إلى اليوم الثالث فلا حرج عليه: (لمن اتقى) أي: لمن توخى التقوى. # وهذا دليل على أن أعمال البر لا تنفع إلا مع الإيمان والتقوى والإثم ~~الحرام، قال الله تعالى: (أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) أي: حراما بينا، ~~والبهتان. الباطل الذي يتحير في بطلانه، وأصله من قولهم: بهت الرجل إذا ~~تحير، وقال الله: (فبهت الذي كفر). # الرابع: قوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) جاء في بعض التفسير ~~أنه أراد بالإثم الخطأ، وقيل: الجنف هاهنا الخطأ، وقيل: المعنى من علم من ~~الموصي ميلا إلى ما هو إثم وجور في الوصية مما يعود بالضر على ورثته فسبيله ~~أن يصلح بينه وبينهم حتى يرجع أمرهم إلى السداد، ولما قال: (جنفا) دل على ~~معدول عنه ومعدول إليه، وهم الموصي والورثة، فقال تعالى -: (فأصلح بينهم). # PageV01P099 # والفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف هو العدول عن الحق والجنف الحمل على ~~الشيء حتى تنقصه، وتحيفت الشيء تنقصته من حافاته. # فإن قيل: لم قال: (فلا إثم عليه) وهو محسن؛ قلنا: لأن المتوسط من أنهن لا ~~يعدم أن ينقص أحدهما بعض حقه الذي في ذلك من الصلاح، والصلح لا يكون إلا ~~كذلك فبين أنه لا إثم عليه في النقصان والزيادة. # PageV01P100 ### | أنى # يكون على وجهين: # يكون - بعنى كيف ms034 في قوله تعالى: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) أي: كيف ~~يحييها؟!، وقوله: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) إلا أنه في القبل لقوله: (فأتوا ~~حرثكم)، ولقوله: (نساؤكم حرث لكم) إذ لا تعبر في الدبر بالحرث، ويكون ~~المعنى من أين في قولك: (أنى لك هذا، أي: من أين لك هذا، وقوله: (أنى يكون ~~له ولد) وقوله -: (قاتلهم الله أنى يؤفكون). # والمعنيان متقاربان يجوز أن يت ### | أو # ل كل واحد منهما على ما يتأول عليه الآخر. # قال الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب # فجاء بالمعنيين. # PageV01P101 ### | أو # قالوا: تجيء في القرآن على ثلاثة أوجه، وتأتي في غير القرآن للشك تقول: ~~رأيت عبد الله أو محمدا، أو تكون للتخيير بين الشيئين كقوله: (إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم) وقوله: (ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك). # قالوا: وتجيء بمعنى واو النسق، قال الله: (فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو ~~نذرا (6). وقوله: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) وليس كذلك. # قال المبرد: أصل (أو) في الكلام واحد ثم تنقسم قسمين التخيير والإباحة، ~~والتخيير قولك: خذ مني دينارا أو ثوبا فإنه وفاء بحقك وليس لك أن تأخذهما، ~~وقولك: اضرب زيدا أو عمرا أي: كل واحد منهما أهل أن يضرب وأنت مخير في واحد ~~لا تزيد عليه، وكذلك إذا شك المخير فقال: جاءني زيد وعمرو ولم يرد أنهما ~~جاءه إلا أنه يعلم أن أحدهما جاء فهذا باب واحد. # والإباحة قولك: جالس زيدا أو عمرا أو خالدا وارو عن الحسن أو ابن سيرين، ~~أي: جالس هذا الضرب وارو عن هذا الضرب من الناس، وإذا جالس واحدا منهم أو ~~جالسهم جميعا فقد أطاعني؛ لأني أردت هذا الضرب، وعلى هذا قوله تعالى: (ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا) ولو قال: وكفورا فأطاع أحدهما ولم يطع الآخر لم ~~يكن عاصيا، وإذا قال: أو كفورا صار كل واحد منهما لا يطاع على حياله، و ### | أم # ا قوله: (عذرا أو نذرا) فمعناه أن الملقيات ذكرا تجمع ms035 بين الإعذار ~~والإنذار فتعذر في وقت وتنذر في وقت كما نقول: جاءني زيد وعمرو فتعلم بذلك ~~أن كل واحد يجوز أن يجيء إلا أن قصدي في هذه الحال واحد منهما (عرفا) أي: ~~تباعا بعرف الفرس، و: (الملقيات ذكرا) الملائكة، وقيل: (عذرا أو نذرا) جمع ~~عذير ونذير، قال حاتم: # وقد عذرتني في طلابكم العذر # PageV01P102 # قال: وتقول في الاستفهام: أتأخذ دينارا أو ثويا، وليس معناه أن يلزمه ~~أحدهما، ولكن معناه أتأخذ هذين؟ فجواب هنا لا أو نعم، ولو أراد أن يلزمه ~~واحدا لا محالة، يقال: أتأخذ دينارا أو درهما فجواب هنا لا يكون لا ولا ~~نعم، ولكن تقول: دينارا أو درهما، وتقول: لا دينار آخذ ولا درهما، وتكون أو ~~بمعنى بل في قول الفراء وأبي عبيدة قال: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) ~~وكذلك قوله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وقوله: ~~(فكان قاب قوسين أو أدنى) وأنشد شاهدا على ما تقدم: # قضى عنكما شهرين أو نصف ثا ... لث إلى ذاك ما قدغيبتني غيابيا # أي: ونصف ثالث لا يجوز هاهنا بل وكذلك في قوله: (عذرا أو نذرا) وقيل: (أو ~~يزيدون): أي أو يزيدون في تقديركم إذ رآهم رائي، قال هولا: (مائة ألف أو ~~يزيدون)، فهذا هو القول، لأنه على أصل، أو وكذلك قوله: (أو هو أقرب) أي: لو ~~رأي الرائي قدرة الله على إماتة الخلق وإحيائهم، لقال: وذلك يكون في قدر ~~لمح البصر أو أقل، والساعة اسم لإماتة الخلق وإحيائهم وليس لذكر أن الساعة ~~تأتي في أقرب من لمح البصر. # وكذلك يقال: (أو أدنى) أقل عندكم لو رأيتموه لقلتم أنه كذلك، والمراد أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب أن يرى جبريل صلوات الله عليه على صورته ~~الحقيقية، وكان يهبط للوحي على صورة رجل فاستوى جبريل في الأفق على صورته ~~فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ثم دنا فتدلى) جيريل فصار بينه ~~وبين النبي صلوات الله عليهما القدر المذكور. # والمراد أنه دنا فتدلى فزاد قربا، وقيل: دنا ms036 فتدلى أي: تدلى فدنا على ~~القلب، وهو في كلامهم واسع. # PageV01P103 ### | أم # إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فأنت لا تدري أيهما في الدار، ولا تدري ~~أن أحدهما فيها أو لا، ويصلح في جوابه لا ونعم؛ لأنك تسأل عن الكينونة هل ~~حصلت في الدار أم لا فإذا علمت أن أحدهما في الدار ولست تدري أيهما هو قلت: ~~أزيد في الدار أم عمرو، ولا يصلح في جوابه لا ولا نعم؛ لأنك تسأل عن أحد ~~الكائنين ففيه معنى أيهما. # قيل: و (أم) في القرآن على وجهين: # الأول: يكون بمعنى أو، قال الله تعالى: (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى) وقوله تعالى: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا). # قال بعض أهل العربية: هي في هذين الموضعين بمعنى أو، والمراد التحذير، ~~أي: لا تأمنوا ذلك واحذروا ما دمتم على الشرك. # الثاني: مجيئه بمعنى ألف الاستفهام، قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله) والاستفهام هاهنا بمعنى النهي، وقال الله ~~تعالى: (أم له البنات ولكم البنون) أراد له البنات، وهذا الاستفهام بمعنى ~~الزجر والتبكيت، قال: وليس من هذا: (أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار) ~~فإن قيل: لم سوى بين السخري وبين زاغت الأبصار عنهم؟، قلنا: لأن المعنى ~~أظلماهم بما قلنا فيهم وبما سخرنا منهم أم هم مستحقون له وقد زاغت أبصارنا ~~عنهم وهم في النار، فهذا حق التسوية. # والصحيح في هذه الآيات أنه لما جاء بلفظ الاستفهام في أول الكلام جاء بأم ~~بعده لأنه للاستفهام، والمراد بالاستفهام فيها التبكيت أو التعريف والتوقيف ~~على ما ذكرناه، وقال: # PageV01P104 # (الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه ~~بل هو الحق من ربك) ولم يتقدم في الكلام أيقولون كذا فنرد عليه أم يقولون، ~~وقيل: إنما أراد أيقولون افتراه، والصحيح أن أم هاهنا بمعنى بل فرد قولهم، ~~ثم قال: (هو الحق). # قال المبرد: ل أم موضعان، وكلاهما استفهام، فأحدهما: أن تسأل عن شيء من ~~شيئين أو أكثر من ms037 ذلك تدعي من الاثنين والجميع واحدا ولا تدري أيهما هو ~~وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو، وأزيد أفضل أم خالد، وعبد الله عندك أم ~~عمرو وأنت الآن مدع أن أحدهما عنده ولا تدري أيهما هو، ولا يصلح في جوابه ~~لا ولا نعم على ما تقدم قبل، وإنما جوابه أن تقول: فلان عندي أو تقول: ~~كلاهما عندي، أو تقول: لا زيد عندي ولا عمرو فإذا قلت: ليت شعري أزيد في ~~الدار أم عمرو فإنما أخبرت أنهما قد استويا عندك في الكون هناك، وكذلك ~~قولك: لا أبالي عمرا ضربت أم زيدا وسواء ذلك علي إن أدبر زيد أم أقبل. # وكل هذا تسوية وعلم في تقديره أنه سيقع، ومن ذلك قوله تعالى: (أأنتم أشد ~~خلقا أم السماء بناها) وقوله: (أهم خير أم قوم تبع) خرج مخرج التوقيف ~~والتوبيخ، قال: واعتبر هذا يأتي فإنها تكون لأحد شيئين أو لأحد أشياء تقول: ~~ما أبالي أي: ذلك كان وسواء علي أي: ذلك كان، وعلمت أي: ذلك كان، وأتى غير ~~عامل فيها ما قبلها وإنما هي كقولك قد علمت أزيد في الدار أم عمرو. # وإذا قلت: أيهما في الدار فمعناه هذا أم هذا فمن ذلك قوله تعالى: (أي ~~الحزبين أحصى) وأما قوله تعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ف ~~(أي) منصوبة ب (ينقلبون)، كما يقول: علمت أيهم في الدار. # والوجه الثاني: أن أم تجيء للإضراب عن الشيء إلى الشيء فتكون منقطعة عما ~~قبلها خبرا كان أو استفهاما ذلك يكون لوجهين: # PageV01P105 # أحدهما: الشك. # والآخر: ترك خبر إلى خبر من غير شك أو غلط، وهذا مثل قوله تعالى: (أم ~~يقولون افتراه) وقوله: (أم يقولون به جنة)، وقول: (أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذا)، وقوله: (أم تسألهم أجرا) وقوله: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم)، ~~وفي هذه الوجوه ومع ما ذكرنا أنه يترك خبرا إلى خبر آخر معنى التوبيخ ~~والتوقيف. # ومثله قوله تعالى: (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة). # ومثله قولك للرجل: السعادة خير أم ms038 الشقاء، وإنما يراد بذلك التنبيه على ~~ترك اختيار ما يصيره إلى الشقاء. # PageV01P106 ### | ### | الإ # ذن # أصله من العلم، أذنت الشيء إذا علمته، وآذنتهه غيري أي: أعلمته، وفي ~~القرآن: (فقل آذنتكم على سواء)، ثم استعمل في الاسفهام لما يقع من الاستماع ~~من العلم، أذن له إذا استمع له، قال الشاعر وهو عدي بن زيد: # وسماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار # ومن الأول: الآذان؛ لأنه إعلام بالصلاة. # وهو في القرآن على وجهين: # PageV01P107 # الأول: العلم، وهو قوله تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ~~يعني: والله يعلم ذلك، وهو مجاز لهم عليه. # الثاني: الأمر، قال الله تعالى: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه) أي: فدل الله المؤمنين إلى الحق من جملة ما اختلفوا فيه ~~فلزموه بأمره، وقيل: بعلمه، وقال أبو علي رحمه الله: هداهم بإذنه أي: هداهم ~~فاهتدوا بإذنه؛ لأن هدايته فعله، والله لا يفعل بإذن فحذف فاهتدوا لدلالة ~~قوله: (بإذنه) عليه، قال الله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) ~~والمعنى: أنهم لا يموتون دون الأجل فلا تجبنوا عن الجهاد، وفي الآية دليل ~~على أن غير الله لا بقدر على الموت، وقال: (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه) أي: بأمره الذي امتثلوه، وقال: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله) وقوله: (للتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) وقال: ~~(خالدين فيها بإذن ربهم) أي: بأمره وإذنه في ذلك، وقوله: (وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله) أي: بأمره، وذلك أنه أمر أن يطاع، وقيل: أرسله ~~لأن يطاع؛ لأنه يقول ما يقول بإذن الله، وقيل: بإذنه بجميل صنعه وحسن ~~توفيقه. # PageV01P108 ### | إلا # قالوا: هي على أربعة أوجه: # أولها: الاستثناء، كقوله تع ### | الى: # (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فاستثنى المتقين؛ لأنهم ~~ليسوا بأعداء. # الثاني: بمعنى لكن، في قوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم) أي: لكن الذين ظلموا يحتجون عليكم بغير حجة لجهلهم، وقيل: ~~معناه ms039 لكن الذين ظلموا فلا تخشوهم. # قال أبو عبيدة: إلا هاهنا بمعنى الواو وإليه ذهب أبو علي - رحمه الله -، ~~أي: ولا الذين ظلموا عليكم حجة وهم من جملة الناس إلا أنه خصهم لشدة عبادهم ~~كما خص النخل والرمان لفضلهما على غيرهما، وقال المبرد: هذا خطأ؛ لأن الواو ~~للعطف، والإشراك، وإلا للاستثناء ولا يدخل أحدهما في باب الآخر. # قال: والأول صحيح؛ لأن حق الاستثناء أن يكون كله على معنى لكن، وفيه كلام ~~كثير ليس هذا موضع ذكره. # واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر: # إلا كناشرة الذي كلفتم ... كالغصن في غلوائه المتنبت # قال المبرد: معنى هذا لكن ناشرة الذي ضيعتم. والكاف زائدة، وناشرة اسم ~~رجل أي: خرج عنكم وادعى فى بني أسد فتركتموه يخاطب بني مازن. # واحتج أبو عبيدة أيضا بقول الأعشى: # إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا # قال: يعني وكخارجة، وقال المبرد: أراد ولكن كخارجة المتكلف خلاف ما عليه ~~العشيرة. # PageV01P109 # وقال في قوله: (إلا الذين ظلموا) لكن الذين ظلموا أيقولون أن لهم حجة ~~فالمعنى أنه لا أحد له حجة، والظالم يحتج بما لا حجة له فيه، قال: ومن ~~كلامهم: ما لأحد على سبيل إلا من بغى فتأويله أنه لم يستثنه من باب سبيل، ~~ولكن معناه لكن من بغى مخطئ ببغيه فلا يكون هذا الباب منفردا من الأول ~~ألبتة. # وقوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) وقوله: ~~(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) أي: لكن من ظلم، ومثله ~~كثير. # الثالث: بمعنى غير، قال الله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أي: ~~غير الله، وقوله: (لا إله إلا هو) أي: لا إله غيره، هكذا جاء في التفسير. # والفرق بين إلا وغير أن إلا حرف وغير اسم وينوب مناب إلا في الاستثناء، ~~وقد يكون صفة، تقول: هذا درهم غير قيراط معناه: إلا قيراطا، وغير قيراط على ~~الصفة ولا يكون إلا مضافا، ولا معنى له إلا مخالفة ما يضاف إليه، ويكون ~~فاعلا ومفعولا وظرفا ووصفا ms040 # PageV01P110 # واستثناء، تقول: جاءني غيرك فيكون فاعلا، وضربت غيرك يكون مفعول، ومررت ~~برجل غيرك وصف: وجاءني زيد غير راكب حال، وجئتك غير يوم ظرف زمان، أما من ~~المكان فطلبتك غير موضع، وجاءني القوم غير زيد، وما جاءني أحد غير زيد ~~استثناء فتجريها في الإعراب مجرى الاسم الذي يجيء بعد إلا. # الرابع: ابتداء الكلام، قال: (ثم رددتا: (أسفل سافلين (5) إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) وأسفل السافلين مثل أرذل العمر أي: الكبر، والمعنى: ~~والذين آمنوا فلهم أجر غير ممنون، ولا يكون مستثنى؛ لأن الذين آمنوا قد رد ~~بعضهم إلى الكبر، وقيل.: معنى أسفل سافلين جهنم، والذين آمنوا مستثنون، ~~فأما قوله تعالى: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين). فمعناه لكن؛ لأن الله لا ~~يستثنى من المخلوقين، وكذلك: (إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني). ~~وكذلك: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس) ويجوز أن يقال: استثنى ~~إبليس منهم؛ لأنه كان معهم في الأمر، وقوله: (لا يخاف لدي المرسلون (10) ~~إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) أي: لكن من ظلم، و (ثم) هاهنا بمعنى ~~الابتداء كما تقول: أريد أن أحسن إليك ثم أكرمك، وقوله: (وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ). # قال قطرب: معناه إلا ما يسعه؛ لأن الخطأ واسع له؛ لأنه لا حيلة له فيه، ~~وقوله: (إلا اللمم) مستثنى صحيح ومعناه إلا أن يكون العبد قد ألم # PageV01P111 # بفاحشة ثم تاب، ويجوز أن يكون معناه إلا أن يلم بذنب ويحسب أنه صغير أو ~~يلم بذنب ويحسب أنه ليس بذنب، وقوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم) ثم قال: (إلا قول إبراهيم لأبيه) معناه أن أصحاب إبراهيم تبرأوا ~~من كفار قومهم وعادوهم على الدين ما خلا: (قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك)، ~~فإن ذلك كان: (عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) ~~فقول إبراهيم هو استثناء من قول أصحابه، كان معنى قوله: إذ قالوا لقومهم ~~قولهم لقومهم. # وقيل: معناه لكن قال إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، المعنى أن إبراهيم لم ms041 ~~يقل ما قالوه ولكن قال: (لأستغفرن لك)، وقوله: (لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى) والموتة الأولى لم تكن في الجنة، ولكن المعنى على البدل ~~كلامه قال: لا يذوقون إلا الموتة الأولى كما تقول: لقيت زيدا في الدار ~~ولقيت عمرا فلما كررت الفعل جاز أن لا يكون عمرو ملقيا في الدار وإذا لم ~~تكرر وقلت: ظننت زيدا في الدار وعمرا لم يجز أن يكون عمرو إلا مظنونا في ~~الدار كذلك. # قال قطرب: وفيه نظر. # وأما قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) وهذا أيضا يدل على ~~البدل ولا يكون استثناء؛ لأن اللغو ليس بسلام كأنه قال: لا يسمعون فيها إلا ~~سلاما. # ومثله قول سعد بن مالك: # والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في الن ... جدات والفرس الوقاح # PageV01P112 # كأنه قال: لا يبقى إلا الفتى وليس باستثناء؛ لأن الفتى ليس من التخيل ~~والمراح، وأما قوله تعالى: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) وليس العلم ~~من اتباع الظن فمعناه إلا أنهم يتبعون الظن، وقوله تعالى: (ما كان يغني ~~عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) فمعنى ذلك: لكن حاجة، ~~وكذلك قوله: (ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا) أي: لكن رحمة. # وقال المبرد: لكن أن يرحمهم، وقوله: (لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى ~~وكفر) أي: لكن من تولى فإنك مسلط عليه بالقتل، وكذلك قوله: (إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) أي: لكن لك على من اتبعك سلطان، ويجوز أن ~~تكون إلا في قوله تعالى: (إلا من تولى وكفر) بمعنى الواو عند من يقول بذلك، ~~وقوله: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) معناه: لا معصوم من أمر ~~الله إلا من رحم يريد المؤمنين الذين مع نوح عليه السلام في السفينة كأنه ~~قال: لا معصوم اليوم: (من أمر الله) أي: من عذابه إلا المؤمن، وفاعل بمعنى ~~مفعول غير كثير في العربية يقولون: سر كاتم أي: مكتوم، والراحلة بمعنى ~~مرحولة، ms042 وأمر عارف بمعنى معروف، ويقولون: العارضة لما تعرض له داء من ~~الذكارة والإناث وإنما هي معروض لها، وكذلك تطليقة بائنة أي: مبانة، ~~والعائذ الذي يعوذ بها ولدها، وعيشة راضية أي: مرضية، وجاء الآشر بمعنى ~~المأشورة، ومثل هذا يجيء في مواضع لا يقع فيها التباس، ويجوز أن يكون ~~المراد ب إلا من رحمة الله أي: لا عاصم غير الله، ويجوز أن يكون المراد به ~~نوح؛ لأنه يعصم بأمر الله كما قال عيسى عليه السلام: (وأحي الموتى بإذن ~~الله). # قال المبرد: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) أي: لا عاصم يعصم ~~الناس عن أمر الله إلا من رحم فإنه تناله الرحمة، والعاصم الفاعل، ومن رحم ~~معصوم، ولكن لذكره العصمة فهم المعنى، وقوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته) # PageV01P113 # فاستثنى من لفظه، والمعنى: أن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، قال ~~الراجز: # لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم # أي: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، وقال تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) أي: لا يقصد لذلك، ولكنه يقصد ابتغاء ~~وجه ربه. # ومما يجري مع هذا الباب ما قاله المبرد: إن الاختيار في قوله: (وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) أن يكون الاسم ما بعد إلا وليس ~~مثل قوله: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) لأن مكاء نكرة مصدر، ~~والاسم فيما مضى معرفة والخبر معرفة " وكذلك قوله تعالى: (ما كان حجتهم إلا ~~أن قالوا): (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) وقوله تعالى: (ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا) وذلك أن إلا موجبة فاختاروا أن يجعلوا الموجب الاسم ~~وهذا كله جائز إلا إذا كان الاسم والخبر معرفتين، وينشدون بيت الفرزدق: # وقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم # على الوجهين. # PageV01P114 ### | إلى # قال سيبويه: إلى منتهى لابتداء الغاية، تقول: من كذا إلى كذا، ويقول ~~الرجل: إنما ms043 أنا إليك أي: أنت غايتي، وتقول: قمت إليه فتجعله منتهاك من ~~مكانك. # وقال غيره: تقول: سرت إلى الكوفة فجائز أن تكون بلغت إليها ولم تدخلها، ~~وجائز أن تدخلها ولم تجاوزها؛ لأن إلى غاية وما بعده شيء فليس بغاية. # وجاء في القرآن على وجهين: # الأول: غاية، كقوله تعالى: (ألا إلى الله تصير الأمور). أي تصير إلى حيث ~~لا يحكم غيره. # الثاني: على ما قيل: بمعنى مع، قال: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) ~~أي: مع أموالكم كذا قيل. # والوجه أن يقال: لا تضيفوها إلى أموالكم فتأكلوها معها ولم يتح لهم أن ~~يأكلوها مفردة وإنما هو نهي عام كما تقول: لا تشتم زيدا فيمن يشتمه، ~~والمعنى: لا تشتمه مشاركا في شتمه ولا منفردا به، وأنه راجع إلى الأكل أي: ~~أكله حوب كبير، والحوب: الإثم والمصدر الحوب حاب يحوب حوبا، وذكر الأكل ~~وأراد النفقة؛ لأن أكثر النفقة وأشهرها يكون فيما يؤكل، وسماهم بعد البلوغ ~~يتامى بالاسم الأول. # والأصل أن يسقط عنه اسم اليتيم عند البلوغ، واليتيم في الناس من قبل ~~الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات. # PageV01P115 ### | الاستواء # أكثر ما يستعمل في الاستقامة ونتكلم في أصله بعد إن شاء الله. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: القصد، قال الله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) أي: قصد ~~لإخراجها من كونها دخانا إلى ما هي عليه من صلابة الخلقة، قال ابن عباس: ~~استوى هاهنا علا أمره. # PageV01P116 # الثاني: الاستيلاء، قال الله: (الرحمن على العرش استوى)، ومنه قول ~~الشاعر: # فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر # الثالث: الاستقرار، قال الله: (واستوت على الجودي) أي: استقرت. # الرابع: التماثل، قال الله: (لا يستوي الخبيث والطيب) أي: ليسا مثلين، ~~وأما قوله تعالى: (ذو مرة فاستوى) أي: استوت # PageV01P117 # صورته يعني: جبريل فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه من ~~استواء الصورة [لا] كما ينزل بالوحي على صورة رجل. # PageV01P118 ### | الاستفهام # أصل الاستفهام الاستخبار بما جاء بمعنى التوقيف والإنكار فأما الإنكار ~~فقوله تعالى. (خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها) ms044 والدليل على أنه إنكار قوله ~~تعالى: (لقد جئت شيئا إمرا) وهكذا قوله: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس) ومثله ~~كثير. # وأما التوقف والتعريف قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) وتأويله أنا قد ~~فعلنا ذلك، ولولا ذلك لم يعطف على: (ألم نشرح لك صدرك) قوله: (ووضعنا عنك ~~وزرك)؛ لأن (لم) عامله لا يقع على الفعل الماضي. # ومن التقرير قوله عز وجل: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) وأنزل تعالى قبل ذلك: ~~(ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله). ثم قال: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) وجاء ~~على وجه التوبيخ، وذلك أنه لما كان البنون مرغوبا فيهم والبنات مكروهات ~~ونسبوا إلى الخالق ما يكرهون ويحهم فقال: (أم اتخذ مما # PageV01P119 # يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) والدليل على أنه أراد التوبيخ قوله في مثل ~~هذه القصة: (ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون). # وقوله للمسيح: (أأنت قلت للناس اتخذوني) تقرير وتوبيخ لقومه، وقوله ~~تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) توقيف له وإخبار ببطلان دعوى ~~هذا المحاج. # PageV01P120 ### | الباب الثاني # في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله باء ### | البوء # باؤوا: أصل البواء الرجوع، ومبوأ الرجل: منزله الذي يرجع إليه إذا فرغ من ~~أموره، ثم كثر حتى سمي الإنزال التبوئة، قال الله تعالى: (مبوأ صدق) وقال ~~عمر بن معدي كرب: # كم من أخ لي صالح ... بوأته بيدي لحدا # ثم كثر حتى سمي التسوية بين الشيئين: بواء، يقال: هذا بواء لهذا إذا كان ~~مثله، وفلان بواء بفلان، إذا قتل به فرضي. # وجاءت هذه الكلمة وما تصرف منها في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: (فباءوا بغضب على غضب) أي: احتملوا وزرا على وزر. وقيل: استوجبوا ~~غضب الله والغضب من الله: العقاب، وقال: (باء بسخط من الله). # الثاني: الرجوع، قال الله تعالى: (أن تبوء بإثمي وإثمك) أي ترجع إلى الله ~~بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. # PageV01P121 # ويجوز أن يكون المعنى في هذا، وفي قوله: (فباءوا بغضب على غضب) واحدا ~~وسمي الحصول في القيامة [رجوعا] إلى الله تعالى، وحقيقة ms045 ذلك الرجوع في ~~الخلقة، لأنهم يخلقون في القيامة بعد الفناء. # الثالث: التبوء من النزول. قال تعالى: (مبوأ صدق) وقال: (يتبوأ منها حيث ~~يشاء) في الحشر: (تبوءوا الدار) قالوا: معناه أوطنوا، وهذا قريب من الأول. # PageV01P122 ### | البصر # أصله من الوضوح. ومنه: أبصرته لمحا باصرا، أي: بصرا واضحا، وقيل: نظرا ~~صائبا بتحدق. ومن ثم سمي ضرب من الحجارة أبيض رخو بصرة، لما في البياض من ~~الوضوح. وبه سميت البصرة. # والبصرة: العلم. لأن الأشياء تتبين بها وتصح وجوهها عند العالم. وقال: ~~(وجعلنا آية النهار مبصرة) أي: مشرقة واضحة. وقيل: معناه: مبصرا، أي: ~~مضيئا. # PageV01P123 # وقيل إذا صار الناس يبصرون فيه، فهو مبصر، كلولك: رجل مخبث، إذا كان أهله ~~خبثاء، ورجل مضعف: دوابه ضعاف، والنهار بصر: أهله بصراء. ومبصر فيه أجود. ~~وهو كقولهم: أحمق الرجل، إذا جاء بأولاد حمقى وأصرم النخل، إذا أذن بالصرام ~~وألبن الرجل صار ذا لبن. # ويجوز أن يكون أصل الكلمة من الصلابة ويصر الشيء: حيث يغلظ، تقول: هذا ~~بصر الجبل والحائط، وبصر السماء؛ لأنه أقرب ما يبصر منها وهو أغلظها في رأي ~~العين. وبصائر الدم: طرائقه على الجسد. # والبصر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: البصر بالقلب، قال الله: (أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) ~~يعني: عمى القلب وبصر القلب. # ونحوه قوله: (وما يستوي الأعمى والبصير)، يعنى: المؤمن الذي يعلم والكافر ~~الذي لا يعلم، ويجوز أن يكون بصر العين وعماها، ويكون المراد التنبيه على ~~المنفعة بالإيمان، لأنه مشبه بالبصر، والمضرة بالكفر، لأنه مشبه بالعمى. ~~الثاني: بصر العين، قال: (فجعلناه سميعا بصيرا). # وقال: (فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا). # الثالث: البصر بالحجة، وهو راجع إلى الوجه الأول، قال تعالى: (لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا). جاء في التفسير أنه أراد: لم جعلتني أعمى عن الحجة، ~~وكنت في الدنيا بصيرا بها، ويجوز أن يكون من بصر العين، وأن الله يشحره ~~أعمى العين ليجعله نكالا لمن خلفه. # PageV01P124 ### | الباء # هي لإلصاق الشيء الشيء وخلطه به، فإذا قلت: مررت بزيد، فقد أضفت المرور ~~إلى زيد، وألصقته ms046 به. وجائز أن يكون معه استعانة كقوله: كتبت بالقلم. # وتزاد في خبر المنفي توكيدا وتثبيتا، كقولك: ليس زيد بقائم. وجاءت زيادة ~~في قولك: حسبك بزيد. هذا قول الفراء ومن يقول بقوله. # وعندنا أنها دخلت على معنى قولك: اكتف بزيد، لأن معنى قولك: حسبك هذا أي: ~~اكتف به، وأحسبني الشيء: كفاني. وسنتكلم في ذلك. # قالوا: وهو في القرآن على الوجهين: # الإلصاق، والزيادة في قول الفراء. # وعلى تقدير الإلصاق كقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق) كأنك ألصقت ~~الاستعانة به، وقوله: (وبالآخرة هم يوقنون). كأن [إيقانهم] التصق بالآخرة. ~~ومثله كثير. # وأما الزيادة على قول من يقول بذلك، فقوله: (وكفى بالله شهيدا) وقوله ~~تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قال: المعنى: ومن يرد فيه إلحادا، وقوله: ~~(تنبت بالدهن) معناه: تنبت الدهن. # والصحيح أن ذلك لمعان، وليس بزيادة. فأما قوله: (وكفى بالله شهيدا) ~~فمعناه: اكتف بالله شهيدا، وكذلك: حسبك بزيد، أي: اكتف بزيد؛ لأن حسبك ~~بمعنى يكفيك فالباء تدخل في هذا على التقدير. وقوله: (ومن يرد فيه بإلحاد) ~~فإنما تحمل هذا على مصدره، والمراد: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد، فدخلت ~~الباء للمصدر. وكذلك: (تنبت بالدهن) معناه: تنبت نبتها بالدهن، وقوله: ~~(وأمرت لأن أكون) أي: وقع الأمر لأن أكون. # PageV01P125 # وقال سيبويه: بحسبك زيد. ومعناه - على ما ذكرنا - أي: اكتف بزيد، ويجوز ~~أن يكون معنى قوله تعالى: (تنبت بالدهن): إنما تنبت ما يكون منه الدهن، وهو ~~- ثمرها، والتقدير: تنبت ثمرها بالدهن، أي: ومعه الدهن. # ومعنى الباء هناك كمعناه في قولك: أذهبته، إذا حملته على أن يذهب به. ~~ويجوز أن يجعل أنبت هاهنا بمعنى نبت على ما يقوله أهل اللغة، كما قال زهير: # حتى إذا أنبت البقل # وأنبت ونبت عندنا لغتان فصيحتان. # PageV01P126 ### | البأس # أصله: الشدة. وفي القرآن: عذابا بئيسا، أي: شديدا. # وأكثر ما جاء عن العرب: البأس في الحرب، والبؤس: الشدة في المعيشة. وكذلك ~~البأساء. # وفي القرآن: (مستهم البأساء والضراء) ذكرهما للتوكيد، وهما واحد، كما ~~قال: العدل والإحسان. هذا قول. # وأجود. منه أن يقال: البأساء: الشدة في الحرب، ms047 والضراء: الشدة في ~~المعيشة، والعدل: الإنصاف في الحكم والإحسان في ذلك، وفي غيره من الأفعال ~~الحسنة. # وقوله تعالى: (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) أي.: لا تغتم. والابتئاس: حزن ~~في استكانة. # والبأس في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: العذاب، قال تعالى: (فلما رأوا بأسنا) أي: عذابنا، وقال: (فلما ~~أحسوا بأسنا) وقال: (فمن ينصرنا من بأس الله). # الثاني: الحرب، قال الله في البقرة: (وحين البأس) يعني: الحرب. # PageV01P127 # الثالث: السطوة والنكاية، قال تعالى: (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا). ~~وقوله: (نحن أولو قوة وأولو بأس شديد) أي: أولو سطوة ونكاية في العدو. # PageV01P128 ### | البطلان # أصله من الذهاب وسمي الباطل باطلا لأنه لا ثبات له مع الحق، على حسب قوله ~~تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). ورجل بطل: شجاع، ~~لأنه إذا قاوم قرنا لم يقم له القرن. والبطل والباطل سواء. # وهنا الحرف وما يتشعب منه في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الكذب، قال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) يعني: ~~الكذب، إذا لم يكن قبله كتاب يشهد بتكذيبه، ولا يجيء بعده كتاب يكذبه. ~~ويجوز أن يكون معناه: إن الله يحفظه من أن ينفض؛ فيأتيه الباطل من بين ~~يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه. وعلى هذا تأويل قوله تعالى: (إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). # الثاني: الإحباط، قال: (لا تبطلوا صدقاتكم) أي: لا تحبطوها، بالمن والأذى ~~وقال: (لا تبطلوا أعمالكم). # والثالث: خلاف الحق، قال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل) وقيل: ~~يعني: به هاهنا الشرك. فإذا جعلته خلاف الحق كان أعم. # والمراد على القول الأول أن الإسلام قد جاء فهلك الكفر وذهب. والزهوق ~~والزهق: الهلاك،: (إن الباطل كان زهوقا) أي: من شأن الباطل إذا جاء الحق أن ~~يذهب ويبطل ولا يثبت، وذلك من شأنه في ما تقدم، فكان هنا يفيد ما قلناه. # PageV01P129 # الرابع: ما يحبد من دون الله، قال تعالى: (والذين آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله) وقال: (أفبالباطل يؤمنون) وسماه باطلا، لأنه لا حجة لأهله ms048 يثبتون ~~عبادتهم إياه بها. # والخامس: الظلم، قال: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام) أي: بالظلم. وبطلان الشيء: ذهابه، فسمي الظلم باطلا، لأن الله حكم ~~فيه بأن يبطل ولا يثبت. # والمعنى على ما قال الحسن: هو أن يكون للرجل على صاحبه حق فإذا طالبه ~~دعاه إلى الحاكم، فيحلف له، ويبطل حقه، والحاكم يحكم على الظاهر. وأصل ~~الإدلاء: إلقاه الدلو في البئر. ويقال: أدليت الدلو، إذ أنزلتها في البئر، ~~وفي القرآن: (فأدلى دلوه) ثم صار كل إلقاء إدلاء، يقال: أدلى فلان حجته، ~~إذا أرسلها على صحة، ودلوت الدلو، إذا أخرجتها من البئر، ومنه دلى فلان على ~~فلان، إذا توسل به، قال الشاعر: # فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ... بباب دارك أدلوها بأقوام # PageV01P130 ### | البر # أصله: السعة. ومنه: البر، خلاف البحر. ثم استعمل في الزيادة، فقيل: أبر ~~فلان على فلان، إذا زاد عطية. والجواد المبر: السابق لكل ما سبقه، كأنه ~~اتسع لما يتسع له غيره. # وقيل: رجل بار وبر. وفعل بمعنى فاعل معروف. مثل رجل سمح، ويوم قر. ونحوه: ~~رجل ندب، أي: منتدب للأمور. ثم استعمل في القبول، فقيل: بر حجك، أي: قبل، ~~وصدقت وبررت تأكيد للصدق. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الصلة، قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا) يعني ~~أن تصلوا القرابة. وقيل: معنى: (أن تبروا) أن لا تبروا. وقيل: لا يجوز أن ~~يكون حذف لا وإثباتها سواء في شيء في الكلام. # وإنما المعنى أنه نهاهم عن كثرة [الأيمان]، وعن الجرأة على الله، ليكونوا ~~بررة أتقياء، والمعنى: لأن تبروا. وكانوا ربما حلفوا ألا يبروا أقرباءهم، ~~ولا يتكلموا في صلح لأمر معرض لهم. فالذي وتشتمل عليه الآية أمران: # أحدهما: النهي عن أن يجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين ~~الناس، فإذا طلب منه ذلك قال: قد حلفت، والذي ينبغي في هذا أن يفعل ما حلف ~~عليه، ويكفر عن يمينه. # PageV01P131 # وثانيهما: كثرة الأيمان، وهو ضرب من الجرأة على الله، وابتذال لاسمه في ~~كل حق وباطل، وتقول: ms049 هذا الشيء عرضتي، إذا كنت لا تزال معرض له، وهو عرضة ~~للناس، إذا كانوا لا يزالون يقعون فيه، والناقة عرضة أسفار؛ إذا كان صاحبها ~~لا يزال يسافر عليها، وقال حسان: # هم الأنظار عرضتها اللقاء # وقال الله في الممتحنة: (أن تبروهم). # الثاني: بمعنى الطاعة؛ قال الله: (وتعاونوا على البر والتقوى) أي: على ~~طاعة الله، ومثله: (وتناجوا بالبر والتقوى) أي: بالطاعة دون المعصية، وقال: ~~(وبرا بوالديه) أي: مطيعا لها، وقال: (كرام بررة)، أي: مطيعون، وقال: (كلا ~~إن كتاب الأبرار) أي: المطيعين، كذا جاء في التفسير، وهو وجه، ولو جعلت ذلك ~~بمعنى الصلة واللطف. # الثالث: بمعنى الثواب، قال الله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ~~يعني: الثواب. # الرابع: التقوى، قال: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) ~~يعني: التقوى، وأراد توكيد ما احتج به على سفهاء أهل الكتاب في إنكارهم على ~~المسلمين توجههم إلى الكعبة بعد توجههم إلى بيت المقدس، فقال: ليس البر كله ~~في التوجه إلى االمشرق والمغرب في الصلاة: (ولكن البر من آمن بالله) أي: ~~البر بر من آمن بالله، وهو التقوى، هكذا جاء في التفسير. # وليس ببعيد أن يكون البر هاهنا بمعنى الطاعة، ويسمى الطاعة برا في قولهم: ~~هذا، من أعمال البر، أي: مما يطاع الله به، وحذف البر الثاني لبيان المعنى، ~~كما قال الشاعر: # وكيف تخالل من أصبحت ... خلالته كأبي مرجب # أي كخلال أبي مرجب. # PageV01P132 # وهكذا في قوله: (ولكن البر من اتقى) أي: ولكن البر بر من اتقى، # وأول الآية: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) وهو مثل ضربه الله ~~للمشركين في تأخيرهم أشهر الحرم فأخبر الله أن ذلك عكس البر، كما أن من أتى ~~البيت من ظهوره؛ فقد عكس أمر الدخول. # وقيل: إن قوما من قريش وثقيف وخزاعة وطائفة من عامر بن صعصعة؛ كانوا إذا ~~حرموا لا يأقطون الأقط؛ ولا يأكلون السمن، ولا يدخلون البيوت من أبوابها؛ ~~ولكن من ظهورها وأدبارها، وظهورها: سطوحها، فسموا حماة، والأحمى: المتشدد ~~في دينه، فأخبر الله أن ذلك ليس من ms050 البر، وأن البر بر من اتقى معاصي الله. # PageV01P133 ### | البرهان # قال على بن عيسى - رحمه الله -: البرهان: شاهد صدق في نفسه وشهادته. # والبرهان: حق في نفسه وشهادته. # والبرهان: بيان صدق يظهر به صحة أمر. # والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس على ثقة به، وذلك بالبيان الذي فيه. # والبرهان: ما فصل الحق من الباطل، وميز الصحيح من الفاسد بالبيان الذي ~~فيه. # والبرهان: ما أوجب الثقة وأزال التهمة بالييان الذي فيه. # والبرهان ما أوصل النفس إلى إدراك الحق بالبيان الذي فيه؛ فكان البرهان ~~آلة بها يتم إدراك النفس للحق. # وقل: جاء البرهان بمعنى الدليل والدلالة. # والفرق بين الدلالة والبرهان. أن الدلالة: ما أحضر المعنى النفس، ~~والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس بالبيان الذي فيه؛ فكأن الدلالة آلة ~~الإحضار، والبرهان آلة لتثبيته في النفس # PageV01P134 # على جهة الثقة به، وكل برهان فيه معنى الدلالة، وليس كل دلالة فيها معنى ~~البرهان، ألا ترى أن الاسم دلالة على معناه؛ وليس ببرهان على معناه، وكذلك ~~هداية الطريق دلالة عليه وليس ببرهان عليه، وسمعت من يقول إنه فارس معرب، ~~ولا أعرف ما صحة ذلك. # ويجوز أن يكون أصله من البرهة، وهي القطعة من الدهر، كأن البرهان قطعة من ~~القول، أو هو قطع بين الحق والباطل وفصل، كما أن البرهة فصل بين الزمانين، ~~والنون فيه زائدة، كما زيدت في " السلطان "؛ وهو من السليط. # وهو في القرآن على وجهين: # الأول: الحجة، قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) أي: ~~حجتكم بأن ععه آلهة، وفي النمل: (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين). # الثاني. الآية " قال الله تعالى: (فذانك برهانان من ربك) أي: آيتان، ~~وقال: (لولا أن رأى برهان ربه) يعني آية من آيات ربه. # PageV01P135 ### | البعل # أصله من القيام بالأمر، ومن ثم قيل للنخلة التي تستغني بماء الماء عن سقي ~~العيون: بعل. وقد استبعل النخل: صار بعلا. # وهو في القرآن على وجهين: # أحدهما: الزوج، قال: (وهذا بعلي شيخا) والزوجة: بعلة، ولا يقال: هو بعلها ~~حتى يدخل بها، وهو ms051 زوجها على كل حال. وكذلك القول # PageV01P136 # فيها، والشاهد قولهم: باعلها، أي: جامعها، وفي الحديث: " أيام أكل وشرب ~~وبعال " (1) أي: جماع. # والآخر: بمعنى الرب، قال: (أتدعون بعلا) أي: ربا غير الله. PageV01P137 ### | بل # أصلها في العربية: الإضراب عن الأول، وإثبات الثاني، تقول: لقيت زيدا بل ~~عمرا. فتركت الأول، وأخذت تذكر شيئا آخر، غلطت في الأول، أو بدا لك فيه، ~~فتداركت كلامك ب " بل " فجعلت الأمر للثاني، - وأخرجت الأول بما دخل فيه ~~الثاني. # ثم جاء في القرآن لغير الغلط والاستدراك والبداء، ولكن لترك قصة إلى ~~أخرى، كأنه قال: دع هذا مع تمام فائدته إلى فائدة أخرى، ومثل هذا يكون منا ~~أيضا، يقول أحدنا: جاءني الحاجب بل الأمير، أي: دع مجيء الحاجب مع أفدتك ~~به، فالأمير هذا أمره. # وينقسم في القرآن على وجهين: # أحدهما: قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام) كأنه قال: دع ما تقدم ذكره ~~من أمرهم، وخذ في أنهم قالوا: إن القرآن أضغاث أحلام، وأضغاث الأحلام: ~~مختلطاتها التي لا تأويل لها، ثم حكى عنهم فقال تعالى: (بل افتراه بل هو ~~شاعر)، والمراد أنه اختلط عليهم أمرهم، فكذبوا أنفسهم، وخرجوا من شيء إلى ~~شيء، وهذا على سبيل الإضراب عن الأول وإثبات الثاني. # ومثل الوجه الأول قوله: (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل ~~هم منها عمون)، ف: (ادارك) لفظ ماض ومعناه الاستقبال، أي: بل يتكامل علمهم ~~في الآخرة إذا حصلوا فيها، ويوقنون أن ما وعدوا منها في الدنيا حق. # PageV01P138 # وأصل: (ادارك): تدارك كأنه قال: قد يدرك بعض علمهم بعضا في الآخرة حتى ~~تكامل، ثم قال: (بل هم في شك منها)، وهذا إخبار عن الدنيا، كأنه قال: دع ما ~~تقدم ذكره من تكامل علمهم في الآخرة بأن ما وعدوا منها حق مع ما أفدتك ~~بذلك، وخذ في أنهم في الدنيا شاكون في البعث، ثم قال: (بل هم منها عمون) ~~أي: دع ما تقدم من ذكر شكهم، وخذ في أنهم عمون عنه، أي: جاهلون، والشاك في ~~الشيء بمنزلة الجاهل به، وقوله: ms052 (بل هم منها عمون) توكيد لقوله: (بل هم في ~~شك منها) وهذا كقولك: فلان جاهل بكذا، بل هو أعمى عنه، تريد توكيد ما وصفته ~~به من الجهل. # وأما " بلى " فليس من " بل " في شيء، و " بل " لا يكون إلا جوابا لما كان ~~فيه حرف جحد، كقوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى)، وقوله: (ألم يأتكم رسل ~~منكم) ثم قال في الجواب: (قالوا بلى) وهو مخالف لنعم لأن نعم لا يكون إلا ~~جوابا للاستفهام بلا جحد؛ كقوله تعالى: (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا ~~نعم) وكذلك جواب الخبر، إذا قال: فعلت ذلك، قلت: نعم لعمري قد فعلته. # PageV01P139 # وقال الفراء: إنما امتنعوا أن يقولوا في جواب الجحود نعم لأنه إذا قال ~~الرجل لصاجه: أمالك علي شيء؛ فلو قال الآخر: نعم، كان كأنه صدقه، كأنه قال: ~~نعم ليس لي عليك شيء، فإذا قال: بلى؛ فإنما هو رد لكلام صاحبه، أي: بلى لي ~~عليك شيء. فلذلك اختلف نعم وبلى. # PageV01P140 ### | الباب الثالث في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله تاء ### | التأويل # أصل التأويل من الأول، وهو: الرجوع، يقال: آل الشيء؛ إذا رجع، وأول ~~الكلام تأويلا، إذا رده إلى الوجه الذي يعرف منه معناه، وقوله: (يوم يأتي ~~تأويله) أي: يأتي ما يؤول إليه أمرهم في البعث، وقوله تعالى: (وما يعلم ~~تأويله إلا الله)، أي: ما يرجع إليه معناه، وقيل: (والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به)، أي: بالبعث، وليس بالوجه؛ لأنه ليس للبعث هاهنا ذكر. # والتأويل في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: (وما يعلم تأويله إلا الله) قال أبو علي رضي الله عنه يعني تفسير ~~المتشابه به كله على حقائقه، وذلك أن في القرآن أمورا مجملة، مثل أمر ~~الساعة وأمر صغائر الذنوب التي شرط غفرانها باجتناب الكبائر، واستدل على ~~هذا بقوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله)، فجعل الموعود الذي وعدهم إياه في ~~القرآن تأويلا للقرآن. # PageV01P141 # وجاء في التفسير أن التأويل هاهنا منتهى مدة ملك أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وذلك أن اليهود حسبوا ليعلموا ذلك، ms053 فأعلمهم الله أنه لا يعرف ~~ذلك بالحساب، وإنما يعرف من قبل الله تعالى. # والتأويل والتفسير واحد، لأن معنى التأويل يعود إلى التفسير، ويفرق ~~بينهما من وجه ذكرناه في " كتاب الفروق " وهو أن التفسير هو الإخبار عن ~~إفراد آحاد الجملة، والتأويل: الإخبار بمعنى الكلام، وقيل: التفسير إفراد ~~ما انتطمه ظاهر التنزيل، والتأويل: الإخبار عن غرض المتكلم بكلامه. # والثاني: عاقبة الأمر وما يؤول إليه، وهو قوله تعالى: (هل ينظرون إلا ~~تأويله) يذكر قوما أوعدوا بالعذاب، فتطلعوا عاقبة ما أوعدوا به رادين له، ~~فقال: هل ينظرون إلا تأويل ذلك المصير وتلك العاقبة، أي: مرجعه ومآبه. # وقوله: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) أي: لم تأتهم ~~عاقبة ما وعدهم في القرآن أنه كائن في الآخرة من الوعيد، ولم يعن أنه لم ~~يأتهم العلم وتفسيره، لأن جميع ما في القرآن مفهوم المعنى، ولو كان فيه شيء ~~لا يفهم معناه لم يكن لإنزاله وجه. # ومثل ذلك قوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا) أي: عاقبة. # والثالث: تعبير الرؤيا، قال: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) يعني: تعبير ~~الرؤيا. وقال: (نبئنا بتأويله) وقال: (أنا أنبئكم بتأويله) وقال: (وعلمتني ~~من تأويل الأحاديث) يعني: بجميع ذلك تعبير الرؤيا، وسميت الرؤيا أحاديث؛ ~~لأن منها ما يصح، ومنها ما لا يصح، مثل الأحاديث التي يتحدث بها صدقا ~~وكذبا. فأما رؤيا الأنبياء عليهم السلام خاصة فيقين. # PageV01P142 # الرابع: التحقيق، قال: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) جاء في التفسير ~~منه أراد: تحقيق رؤياي، وهو حسن، ويجوز أن يكون معناه: تفسير رؤيا و: (يا ~~أبت) بالكسر على حذف ياء الإضافة، ويجوز بالفتح على حذف الألف المنقلبة عن ~~ياء الإضافة، وأجاز الفراء الضم، ولم يجزه الزجاج، إلا أن التاء عوض عن ياء ~~الإضافة، وقال على بن عيسى: هو جائز، لأن العوض لا يمنع من الحذف. # الخامس: قوله: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله) 37،، جاء ~~في التفسير أنه أراد بألوانه قبل أن يأتيكما، والمراد بتسميته بألوانه ~~وصفاته؛ كأنه يفسره لهما، فلهذا سماه تأويلا، وسمي ms054 تفسير الشيء تأويلا، ~~لأنه مآل لبيان معناه، و: (نبأتكما) أخبرتكما، والنبأ: الخبر العظيم، لا ~~يكون إلا كذلك. # وخرج لنا بعد وجه آخر، وهو قوله: (وأحسن تأويلا) قال مجاهد: أي: جزاء. ~~قلنا: وذلك أن الجزاء هو الشيء الذي آلوا إليه. # PageV01P143 ### | تولى # يقال: ولي الشيء يليه، إذا قرب منه، وداري يلي دارك، وولاية الأعمال، من ~~ذلك، وكذلك: الولي، وهو: المطر الذي يلي الوسمي، والوسمي أولى سطر يجيء، ~~والولي: الذي يليه، ومنه: الولي، خلاف العدد، لأنه يقرب منك، قم قيل: ولى ~~عنه، وتولى عنه، إذا أعرض وبعد. # والتولي في القرآن على ستة أوجه: # الأول: الانصراف، قال: (ثم تولى إلى الظل) دل على أنه كان في الشمس ~~فانصرف إلى الظل، ومثله: (ثم تول عنهم) أي: انصرف، ومثله: (تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع). # والثاني: بمعنى الامتناع، قال: (فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم) معناه: فإن امتنعوا من الإيمان بك والرضا بحكمك، ~~وقوله: (أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) أي: لما اتنعوا من ذلك أراد الله عقوبتهم، ~~فعجل بعضها لهم في الدنيا، والإصابة بالذنب: الإصابة بعقوبة الذنب، كما ~~قال: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي: حاق بهم جزاؤه، وقوله: (حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا) أي: فإن امتنعوا من الإيمان والهجرة، وكان ~~هؤلا قوم من المنافقين زعموا أنهم احتووا المدينة واستأذنوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الخروج منها إلى البدو، فأذن لهم، فخرجوا ولحقوا ~~بالمشركين، فأمر الله أن يؤخذوا ويقتلوا حيث وجدوا، لأنهم كفار، إلا أن ~~يرجعوا إلى المدينة. # والثالث: الإعراض، قال الله: (ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وقال: ~~(فإن توليتم فما سألتكم من أجر) وقال: (فتول عنهم فما أنت بملوم) كل هذا ~~بمعنى الإعراض على ما قالوا وهو الأصل، ويكون الإتيان الأوليان من هذا ~~الوجه بمعنى الامتناع. # PageV01P144 # والرابع: قالوا: الهزيمة، قال تعالى: (فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم ~~يومئذ دبره). يعني: الهزيمة عنهم، ومصدر هذا التولية، وليس بالتولي، نهى ~~الله تعالى المؤمنين أن يولوا الكفار أدبارهم في القتال إلا أن ms055 ينحرف أحدهم ~~من موضع لا يمكنه فيه الضرب والطعن إلى موضع يمكنه فيه ذلك، أو أن يضيق ~~عليه فليلتجئ إلى جماعة من المسلمين، فينضافوا معه على مدافعة العدو، ومن ~~يولي عن العدو على غير هذين الوجهين فقد باء بغضب من الله، أي: استحق الغضب ~~من الله مقابلة بقبيح فعله، وهو من البواء في القتل، وهو أن يقتل بالرجل ~~كفوه. # قال أبو بكر الرازي رحمه الله: " وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد ~~جيش المسلمبن اثني عشر ألفا، فإذا بلغ ذلك فليس لهم أن ينهزموا عن مثلهم ~~إلا متحرفين لقتال "، والحجة حديث ابن عباس عنه - عليه السلام - " خير ~~الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعة مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب ~~اثنا عشر ألفا من قلة "؛ وسأل رجل مالكا، فقال: أيسعنا قتال من خرج من ~~أحكام الله وحكم بغيرها، فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك ~~التخلف، وإلا فأنت في سعة من ذلك. # وقال بعضهم: هذه الآية في أهل بدر؛ وليس الفرار من الزحف كبيرة، وهذا ~~غلط، لأن النفي عام، وليس لأحد تخصيصه، ولا يكون المجمل إلا على العموم، ~~وقيل: هذا الوعيد لازم لمن فر عن الزحف حبا للحياة، فأما من لم يجد بدا من ~~الفرار فهو في سعة. # والزحف: السير هي الثقيل، وبه يوصف العساكر، لأنها إذا دنت من العدو؛ ~~سارت على تعبئة، وسير الجماعة المعبأة رويدا. # الخامس: بمعنى ولاية الأمر، قال: (والذي تولى كبره) بالكسر، أي: تولى ~~الإثم فيه، كأنه صار صاحب الإثم فيه، وقرئ (كبره)، أي: معظمه، وكبر الشيء: ~~معظمه، وكذلك كبره: لغتان، وقيل كبر: مصدر الكبير من الأمور، وكبر: مصدر ~~الكبير السن، مثل: الكبر والكبر: الكبير أيضا. # PageV01P145 # والسادس: بمعنى الولاية، خلاف العداوة، قال الله تعالى: (ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم) وقوله: (لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) يأمرهم بعداوتهم أن لا ~~يناصحوهم. # PageV01P146 ### | التقي # أصل التقى: (أن تجعل بينك وبين من تخافه حاجزا، قال النابغة: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # ثم ms056 كثر حتى قيل: توقيته، إذا هبت الإقدام عليه، ويقال: تقاه يتقيه، ~~واتقاه يتقيه وتوقاه يتوقاه، والمتقي في أسماء الدين: هو الذي يؤدي ~~الفرائض، ويجتنب المحارم، ويجعل ذلك بينه وبين النار جنة، ولا يستحقه مطلقا ~~إلا المستحق للثواب، ويجري على غيره مقيدا، وقال الشاعر يصف سيوفا: # جلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافا كلها يتقي بأثر # والأثر: والأثر ماء السيف وفرنده، كأنها تجعل ذلك بينها وبين من يريد ~~عيبها، والإقدام عليها حاجزا، وذلك أنه إذا رأي أثرها لم يحبها، أو ترك ~~الإقدام على أصحابها. وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: - بمعنى الخشية، قال الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) أي: ~~اخشوا عقابه، واجعلوا الإيمان بينكم وبينه، وقال: (إذ قال لهم أخوهم نوح ~~ألا تتقون)، ومثله كثير. # الثاني: بمعنى العبادة، قال الله تعالى: (ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) ~~أي: أفلا تعبدون، وقال: (وأنا ربكم فاتقون) هكذا جاء في التفسير، ويكون ذلك ~~أيضا بمعنى الخشية؛ لأنه إذا قال: # PageV01P147 # أنا ربكم، فقد أخبر أنه القادر عليهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن يخشى ~~عقابه، ولا يعصى، ويرغب في ثوابه، فيعبد ويطاع. # الثالث: الإيمان. قال تعالى: (أن اعبدوا الله واتقوه) أي: أن توحدوه، ~~ودليل ذلك قوله: (وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض). ووضعه ~~الكفر بإزاء التقوى دليل على أن المراد بالتقوى: الإيمان. # والرابع؛ الإخلاص، قال الله تعالى: (فإنها من تقوى القلوب). # والخامس: الانتهاء إلى المأمور به، وترك تجاوزه، قال: (وأتوا البيوت من ~~أبوابها واتقوا الله)، أي: انتهوا إلى أمره في ذلك، ولا تجاوزوه. # وكل هذه الوجوه متقاربة، يجوز قيام بعضها مقام بعض. # PageV01P148 ### | التمني # يقال: تمنى الرجل الشيء، إذا قدر في نفسه بلوغه، ومنه: منى الله لك كذا، ~~أي: قدره، وقال الشاعر: # ما تمني لك الأماني # ومنينا من فلان بكذا، أي: ابتلينا، ولا يقال ذلك إلا في المكروه. # وسميت الممية منية، لأنها مقدرة، وقيل للمني مني، لأن الولد مقدر منه، ~~والتمني: قول الرجل يا ليتني كنت كذا. # والتمني في القرآن على وجهين: ms057 # PageV01P149 # الأول: هذا القول، وهو قوله تعالى: (تمنوا الموت إن كنتم صادقين) وذلك أن ~~اليهود قالوا: نحن أبناء الله واحباؤه، فقال الله لهم: إن كنتم كذلك فتمنوا ~~الموت لتموتوا، فتصيروا إلى الثواب عاجلا، ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا ~~بما قدمت أيديهم من الذنوب، فكان هذا خبر غيب دالا على صدق الدعوة، فلم يكن ~~فيهم أحد يقول: إني تمنيت ولم أمت، وشرح ذلك جرى في كتابنا في التفسير. # والثاني: القراءة، قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) يقال: تمنى الرجل إذا قرأ، قال ~~الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # والرسول والنبي واحد، وإنما أراد التوكيد فكرر. كما تقول: أحب كل مؤمن ~~ومسلم، والمؤمن والمسلم سواء، وعلى هذا فإن بين المؤمن والمسلم فرقا في ~~العربية، وكذلك بين الرسول والنبي، وأما فى أسماء الدين فكل ذلك سواء، وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن غلط الغلط الذى يجوز مثله على ~~القارئ، وكان الله ينبهه على الصواب، فيرجع إليه، فعاب ذلك عليه أعداؤه، ~~وليس فيه عيب؛ لأن البشر لا يخلو من السهو والغلط، وجعل الله تنبيهه إياه ~~على الغلط نسخا له، ورده إلى الصواب إحكاما لآياته. # وأما ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ: (أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، ثم سجد، ~~وسجد المشركون، وقالوا: قد رجع إلى دينكم، فإن ذلك كذب، لأن القارئ لا يغلط ~~بمثل هذا، ولا يجوز أن يقوله النبي صلى الله عليه وآله تعمدا، لأنه كفر، ~~ولا يقع الكفر من الأنبياء. # وأخرى فإنه لا خلاف بين الرواة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يمكنه ~~الصلاة عند الكعبة ظاهرا؛ لما كان المشركون ينالونه به من المكروه، فكان ~~يصلي عندها ليلا حين لا يطلع عليه أحد منهم، فكيف سجدوا لقراءته، وهذه حاله ~~عندهم، حتى كأنهم كانوا على ميعاد؟! # PageV01P150 ### | التوفي # أصل - الوفاء: التمام وشيء واف: تام، وقوله تعالى: ms058 (وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم) أي.: قوموا بأوامري على التمام أعطكم جزاء أعمالكم على التمام. # وتوفيت حقي، واستوفيته، إذا أخذته بتمامه، ومعنى توفي الله الأنفس: قبضها ~~عند تمام آجالها، وقد وفيت الرجل حقه، وأوفيت له، إذا تممت عهده، وخلافه: ~~الغدر، وهو أن تترك الوفاء به، وأصل الغدر: الترك، يقال: غادر الشيء، ~~وأغدره، إذا تركه. # والتوفي في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الإنامة، قال الله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) كأنه يقبض ~~العقل والذهن الذي تميز به الأشياء. # الثاني: قوله تعالى: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) وروي عن الحسن؛ ~~أنه قال: التوفي هاهنا: رفعه إلى السماء. # ومثله قوله: (إني متوفيك ورافعك إلي) أي: آخذك من بين بني إسرائيل، ~~ورافعك إلى السماء حيث لا ينفذ إلا حكمي، ولا يريد أن الله في السماء، وشبه ~~رفعه إلى السماء بالموت؛ لأنه يفقد عند الرفع [كما] يفقد عند الموت، وقيل: ~~الرفع هنا رفع المنزلة. # الثالث: قبض الروح، قال الله تعالى: (فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك) وقال:. (يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقال: (الذين تتوفاهم ~~الملائكة) يعني: أنهم يقبضون أرواحهم. # PageV01P151 ### | التسبيح # أصله: التنزيه من السوء على جهة التعظيم. # ولا يجوز أن يسبح غير الله؛ لأنه صار علما في الدين على أعلى مراتب ~~التعظيم، وذلك لا يستحقه إلا الله الذي لا يعجزه شيء. # PageV01P152 # وسبحان الله: تنزيه له مما لا يليق به، ونصبه كل مذهب المصدر؛ كأنك قلت: ~~تسبيحا له. # وسبحان: معرفة وعلم خاص؛ فإن نونه شاعر فللضرورة، وقوله تعالى: (إن لك في ~~النهار سبحا طويلا) أي: فراغا كبيرا للنوم، وقد أوجب الله على العباد أن ~~يسبحوه ويقدسوه، وفي ذلك أوضح الدلالة على أنه لا يجوز إضافة الفواحش إليه. # والتسبيح في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الصلاة قال الله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) ~~والسبحة: صلا التطوع، وقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين) أي: المصلين. # PageV01P153 # الثاني: ظهور أثر الصنعة والخلق، وهو قوله: (تسبح له السماوات السبع ~~والأرض ومن فيهن) يعني: ما ظهر فيها ms059 من آثار الصنع الدال على التوحيد. # والثالث: الاستثناء، وهو قوله: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) أي: ~~تثتنون، وهو قول: إن شاء الله، وإنما قيل للاستثناء: تسبيح؛ لأنه تعظيم، ~~كما أن قول " سبحان الله " تعظيم له، وكانوا قالوا: قال: (ليصرمنها مصبحين) ~~ولم يقولوا: إن شاء الله، وفسر أيضا على ظاهره؛ فقيل: لولا تسبحون الله ~~وتقدسونه وتعطون حقوق المساكين. # PageV01P154 ### | الباب الرابع فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ثاء ### | الثواء # الثراء: الإقامة، يقال: ثوى بالمكان، وأثوى: لغتان فصيحتان، قال الحارث ~~بن حلزة: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # ويتصرف هذا الحرف في القرآن كل أوجه: # الأول: (وما كنت ثاويا في أهل مدين) أي: لم تكن مقيما فيهم، فتعلم من ~~أخبارهم ما تخبر به، وإنما هو وحي، وإن كان " مدين " عربيا فاستقامة من ~~قولهم: مدن بالمكان إذا أقام به، والياء فيه زائدة، والذي أظن: أنه أعجمي ~~الأصل. # الثاني: المثوى بمعنى المأوى، قال تعالى: (يعلم متقلبكم ومثواكم) وقوله: ~~(فالنار مثوى لهم)، وهو قريب من الأول؛ بل هو فيه بعينه لأن المثوى: مفعل ~~من ثوى، وقيل للمنزل والمسكن: مثوى؛ لأن صاحبه يقيم فيه. # PageV01P155 # الثالث: المنزلة، قال: (أحسن مثواي) أي: أعلى منزلتي، ولو أوردنا هذين ~~الحرفين في باب الميم جاز، وأم المثوى: المرأة التي ينزل بها وبأهلها ~~الضيف، وأبو المثوى: الرجل، وتقول: من أم مثواك الليلة، ومن أبو مثواك؟. # PageV01P156 ### | الباب الخامس فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله جيم ### | الجبار # أصل الكلمة: الإصلاح، جبر العظم إذا أصلحه وجبر هو، ثم استعمل في ~~الامتناع، فقيل: نخلة جبارة؛ إذا امتنعت ففاتت الأيدى، وهو راجع إلى الأصل؛ ~~لأنها إذا فاتت اليد صلحت ثمرتها ولم تشعث، والجبيرة: الدملوج، وكذلك ~~الجبارة؛ لأنه يصلح ويسوى، والجبارة أيضا، والجمع: الجبائر: الحث الذي يشد ~~على العضو المكسور، وأجبرت الرجل على الأمر؛ إذا كرهته عليه؛ لأنك تريد ~~بإجبارك إياه إصلاحه، وإصلاح نفسك - جبار يرجع إلى ذلك. # والجبار في أسماء الله - عز وجل - بمعنى أنه لا ينال بالأذى، وبمعنى ~~الكبرياء والعظمة، وقال ms060 واصل بن عطاء: الجبار في صفات الله تعالى بمعنى أنه ~~يجبر فاقة العبد. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: القهار، قال الله تعالى: (العزيز الجبار) يعني: القهار لخلقه بما ~~أراد، وقال: (وما أنت عليهم بجبار) أي: بمسلط تقهرهم على الإيمان، إنما أنت ~~مذكر، ويجوز أن يكون معناه: إنك لست بمتكبر تياه، كما قال: (وإنك لعلى خلق ~~عظيم). # PageV01P157 # الثاني: المتغلب الجابر، قال الله: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) أي: ~~متغلبين جبارين، وقال: (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض) وقال بعض أهل ~~التفسير: المرد بالجبار في هذه المواضع: القتال، والبطش: الأخذ بالغلبة ~~والشدة. # الثالث: المتكبر قال: (ولم يجعلني جبارا شقيا) جاء في التفسير أنه عنى ~~المتكبر عن عبادة ربه. # والرابع: العظيم الخلق القوي، قال الله عز وجل: (إن فيها قوما جبارين) ~~جاء في التفسير: إنه عنى العظام الأجساد الطوال الأقوياء، زعموا أنه لا ~~يقاومونهم، وقيل: إنه أراد الممتنعين الغلابين العتاة، وهذا أصح؛ لقوله: ~~(فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) كأنهم قالوا: إن فيها قوما من عادتهم غلب ~~أعدائهم، فقيل لهم: اذهبوا إليهم فإنكم تغلبونهم، وأعمل إن في القوم وجعل ~~الجبارين من صفتهم؛ لأن فيها ليس باسم. # قال: ومثله: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) والجبار هاهنا ~~والمتكبر سواء، وإنما كرر للتوكيد، ولا يجوز أن يقال أنه يعني: ب " الجبار ~~" هاهنا: القتال والغلاب؛ لأن القتل والغلبة لا يضافان إلى القلب ويضاف ~~إليه الكبر، ويجوز أن تكون هذه الوجوه كلها بمعنى واحد وهو التكبر، وإنما ~~أوردتها على ما جاء في التفسير. # PageV01P158 ### | الجعل # يقال: جعلت بمعنى أنشأت ولا يتجاوز مفعولا، ومنه: جعل الله الناس، وجعل ~~الأرض، وجعلت أيضا بمنزلة نقلت، كقولك: جعلت الطين آجرا، وجعلت الفضة ~~خاتما، وجعلت بمنزلة ظننت، تقول: اجعل الأمين خادما وكلمه؛ أي: ظنه خادما، ~~وجعلت بمنزلة سميت، قال: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ~~ويقال أيضا: جعلت القرية عن يميني. # والفرق بين الجعل والفعل؛ أن جعل الشيء يكون بإحداث غيره فيه، كجعلك ~~الطين خزفا، وفعل الشيء إحداثه لا ms061 غير. # وقال بعضهم: جد الجعل الفعل ولابد لكل جعل من تعلق بمجعول ومفعول، أما ~~نفس الشيء الوقع عليه ظاهر اللفظ؛ كقوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار) ~~أي: خلقهما، وأما اسمه ووصفه، كقوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا) أي: جعلوا اسمهم اسم الإناث ووصفهم، وفعلوا ذلك، وأما حكمه؛ ~~كقوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر) أي: جعلتم حكم هذا كحكم هذا، وكقولك: جعل الله هذا حلالا ~~وهذا حراما، أي: جعل حكمه حكم ذلك، وأما علته لها كان المجعول على صفته؛ ~~كقولك: جعلت المحرك متحركا؛ أي: فعلت العلة. # PageV01P159 # وأما قوله: (وجعلناهم أئمة) فمعناه سمياهم بذلك، ومثله جعلت فلانا لصا، ~~وقوله تعالى: (جعلنا لكل نبي عدوا) أي: وصفناهم بهذا الوصف بعد أن عادوا ~~الأنبياء، وقوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) أراد ~~الخبر بما في قلوبهم من ذلك ووصفه؛ فالمجعول هو الخبر ويكون بمعنى اللطف، ~~وقوله: (قد جعلها ربي حقا) أي؛ خلقها، ويجوز أن يكون مكن يوسف - عليه ~~السلام - ظهر صدق رؤياه؛ فالمجعول نفس الرؤيا في الأول وفي الثاني للدلالة ~~على صحته. # وقوله تعالى: (وجعل أهلها شيعا) أي: فرقا، والجعل راجع إلى ما به كانوا ~~فرقا؛ وهو الفعل الذي فرق بينهم، وقوله تعالى: (ونجعل لكما سلطانا) أي: ~~حجة.؛ وهو قلب الفصاحة. # وقوله - تعالى: (جعل فتنة الناس كعذاب الله) هؤلاء قوم آمنوا فلحقهم أذى ~~من الكفار وهزوا فكفروا، وكان يجب أن يدعوا الكفر خوفا من عذاب الله وتركوا ~~الإيمان خوفا من عذاب الناس؛ فأبدلوا حكم عذاب الناس حكم عذاب الله؛ فالحكم ~~هو المجعول، وقال: (وجعلناها وابنها آية للعالمين) فالمجعول فعل ما صارت به ~~آية، وقال: (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) أي عبرة، وفعل ما صار به المسيح ~~عبرة هو المجعول. # وقوله تعالى: (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) فأمره بالاقتداء بهم هو ~~المجعول، وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أي: بالإجبار. # والجعل بعد ذلك في القرآن على ستة أوجه فيما ذكره بعض المفسرين: ms062 # الأول: التسمية؛ قال: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ~~وقال: (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي: سميناها قاسية. # PageV01P160 # الثاني: بمعنى التخلية، قال تعالى: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا) أي: يخلي بينه وبين ما يخرج به صدره من الكفر؛ لأن مع الإيمان ثلج ~~الصدور، وليس ذلك مع الكفر. # وأما الطبع والختم واللعن والأكنة والوقر والعمى والصمم والبكم والرجس ~~ونحو ذلك فإنه ذم وليس بمن ذكره إلا بعد ذكر المعصية ولزمهم هذه الأسماء ~~جزاءا لذنوبهم، ويجوز أن يكون تسميته إياهم بهذه الأسماء على جهة التمثيل؛ ~~لأنا نعلم أنه ليس على بصر الكافر غشاوة. # الثالث؛ منع الإلطاف؛ قال الله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) أي: تمنعه ألطافنا فيعرض عن القرآن ~~ولا ينتفع به؛ فكأنا جعلنا بينه وبينه حجابا، ولو علم أن ألطافه تنفعه ما ~~منعه إياها ولكنها لا تنفعه فهو بمنزلة من لا ألطاف له ولو كان الطبع ~~والختم وما بسبيلهما منعا لهم عن الإيمان لما قال: (وأنيبوا إلى ربكم). # الرابع: بمعنى الوصف؛ قال: (وجعلوا لله شركاء الجن) و: (الجن) هاهنا ~~الملائكة سموا بذلك لاستتارهم عن الأبصار، وأصل الجن والجنة، والجنة ~~والجنون الستر، أي: وصفوا الملائكة بأنهم شركاء الله، ونحوه قول الرجل لمن ~~يصفه باللصوصية: جعلتني لصا، أي: وصفتني بذلك، ونحوه قوله: (وجعلوا له من ~~عباده جزءا) قال بعض أهل اللغة: الجزء هاهنا بمعنى الإناث، يقال: أجزئت ~~المرأة إذا ولدت أنثي، وأنشد: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا # ويجوز أن يكون الجن في قوله تعالى: (شركاء الجن). الجن المعروف. # وكان بعض العرب يذهب إلى أن سروات الجن بنات الله، فرد الله ذلك بهذا ~~القول وشرح ذلك جرى في كتابنا في التفسير. # PageV01P161 # الخامس: الخلق، قال: [(إنا جعلناه قرآنا عربيا)] (1) أي: خلقناه كذلك، ~~وأحدثناه ومثله: (جعل الأرض قرارا) أي: خلقها صلبة يمكن الاستقرار عليها، ~~ومثله: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) أي: خلقه من غير ذكر، فصار عبرة وعلامة. # السادس: الحكم، ms063 قال الله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا)، أي: حكموا بذلك. # والمراد أنهم حكموا بأن لله نصيا في زروعهم ومواشيهم ولأصنامهم نصيبا ~~فيها، وسماهم شركائهم؛ لأنهم جعلوا بعض أموالهم لها، ثم كانوا يصرفون مما ~~جعلوه لله إلى أوثانهم فينفقونه عليها ولا يصرفون ما جعلوه لأوثانهم إلى ما ~~يقربون به إلى الله وقيل الأنعام هاهنا البحيرة والسائبة. # فأما قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) فمعناه أنه جعل نبيه ~~عدوا له، لأنه فرض عليه محاربتهم ومناصبتهم، فإذا جعل النبي عدوا لهم، فقد ~~جعلهم عدوا له، وليس معنى ذلك أنه أمره بعداوته وأرادها منهم أو خلقها فيهم ~~لأنه لو فعل ذلك لم يذمهم عليه، وقوله: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) ~~أي: لا تجعلوا القسم بالله عرضة لأيمانكم فتكثروا الحلف، وكذلك: ~~PageV01P162 # (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) أي: ضمنتموه ثوابكم على الوفاء بأيمانكم ~~فلا تنقضوها. # PageV01P163 ### | الجناح # أصله الميل، ومنه قيل: جنحت السفينة، أي: مالت، وقال تعالى: (وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها) وسمي الإثم جناحا، لأنه ميل إلى هوى النفس، وجنح الليل ~~حين يميل، وقيل: حين تميل الشمس للمغيب، ومنه جناح الطائر، لأنها في جانبيه ~~ما يلين عن سواء جنبك. # والجناح في القرآن على وجهين: # الأول: الإثم، قال الله: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) ~~أي: لا إثم عليكم في التعريض للمرأة المعتدة ترغبون في نكاحها، إذا خرجت من ~~العدة، فأما التصريح بذلك، فهو إثم. # الثاني: الضرر، هو قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ~~فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) أي: إذا تبايعتم بالنقد فلا ضرر عليكم في ترك ~~الكتاب والإشهاد، فإن قيل إن قوله: لا جناح عليكم في ترك ذلك في الحاضر، ~~دليل على أن عليه جناح في تركه في النساء، قلنا: أراد بالجناح الضرر على ما ~~ذكرنا، ولم يرد الإثم، ولو أراد الإثم لكان قوله: (فإن أمن بعضكم بعضا) ~~رخصة في تركه. # PageV01P164 ### | الجهاد # الجهاد اسم إسلإمي لم يعرف في الجاهلية، وهو قتال المشركين خاصة. ms064 # وأصله من الجهد، وهو استفراغ الطاقة في الأمر، وهو جهد وجهد لغتان، ويقال ~~الجهد الطاقة نفسها، وبلغ الرجل جهده ومجهوده، إذا بلغ أقصى قوته. # والأرض الجهاد اليابسة لأن الرجل لا يحفرها إلا إذا بلغ مجهوده، والمجهود ~~والجهد سواء، مثل: العقل والمعقول. # وجاهدت العدو إذا استفرغت قوتك في دفعه، والمفاعلة تكون من اثنين إلا في ~~حرف جاءت نوادر منها طالبت الحاجة، وحاولت الشيء، وسافرت في الأرض. # والجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الجهاد بالقول، قال الله تعالى: (وجاهدهم به جهادا كبيرا) وهذه ~~الآية مكية نزلت قبل الأمر بالكتاب. # وهذا دليل على أنه أراد بها اجهاد بالقول، فيها دلالة على أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر يلزم على حسب الطاقة، يقول: (فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به) أي: تترك طاعتك لهم فيما يريدونه من مقاربتك إياهم جهادا ~~كبيرا. # والجهاد هو بذل المجهود في الشيء، وترك التقصير فيه،: (وجاهدهم به) أي: ~~بالقرآن الذي افتتح به أول السورة، والأول أجود # PageV01P165 # الثاني: الجهاد بالسلاح، قال الله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين) وقال: ~~(لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) ~~ثم قال: (فضل الله المجاهدين بأموالهم) كذا قال مقاتل. # وهو غلط؛ لأن المنافق لا يقاتل ولا يقتل، لأنه إذا أظهر الإسلام حقن دمه، ~~وإنما المراد أن جاهد الكفار بالسلاح والمنافقين بالغلظة عليهم والتنكير ~~لهم، وقيل: جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، وكانوا هم الذين [يصيبونها] في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا عليه في الجاهلية. # الثالث: الاجتهاد في العمل، قال الله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه). أي: من يعمل الخير مجتهدا فإنما يعمل لنفسه، وقال: (والذين جاهدوا ~~فينا) أي: عملوا لنا: (لنهدينهم سبلنا) أي: يزيدهم إلطافا ويزدادون معها من ~~الطاعة فتعلوا درجاتهم، وقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) أي: اعملوا لله ~~حق العمل، هكذا فسر هذه الآيات ويجوز أن تكون بمعنى جهاد المشركين # PageV01P166 ### | الجدال # أصله من الجدل، وهو الفتل، يقال: جدلت الحبل جدلا إذا فتلته، وهو مجدول، ~~وأصل الكلمة من القوة، ms065 ثم سميت الأرض جداله لقوتها، وسمي الجدال جدالا لأنك ~~تقوم به حق القيام، لتقوي مذهبك، كما أن الحبل مجدل القول، والأجدل الصقر، ~~وسمي بذلك لقوته، ويجوز أن يقال: الجدال هو أن تفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو ~~[شبهة] أو شغب، ويفتلك عن مذهبك بمثل ذلك. # والجدال في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الخصومة، قال: (وهم يجادلون في الله)، أي: يخاصمون، وقال: ~~(وجادلوا بالباطل). # الثاني: السؤال، قال الله: (يجادلنا في قوم لوط) أي: سأل رسلنا ويستثبت ~~أمر ما يعذب به قوم لوط، وقال أبو علي: جادلهم بما استحقوا عذاب الاستئصال، ~~وهل ذلك واقع بهم لا محالة، أم هم إخافة ليقبلوا إلى الطاعة، وهذا يقوي ما ~~تقدم من أنه سؤال. # الثالث: المناظرة على إثبات الحق وإبطال الباطل، قال تعالى: (يا نوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا)، وفي هذا دليل على أن الجدال لإقامة الحجة حسن، ~~وأنه يقوم به الحجة ولولا ذلك لم يجادل نوح عليه السلام. # وقد يكون المناظران محقين بأن يكون كل واحد منهما يناظر ليعرف الحق، ولا ~~يكونان متجادلين إلا وأحدهما مبطل أو كلاهما؛ لأن الجدال هو فتل الخصم عن ~~مذهبه، وفتل الحق عن الحق باطل، قال الله تعالى (ما ضربوه لك إلا جدلا)، ### | ...... # PageV01P167 # وقد عاب الله تعالى من جادل في آياته بقوله: (الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم)، لأن الجدال بها هو الصحيح، والجدال فيها رد ودفع. # الرابع: المراء، قال الله: (ولا جدال في الحج)، فنهى عن المراء الواقع ~~بين المترافقين في طريق الحج، لأن لا يؤديهما ذلك إن فعلاه إلى قول ما لا ~~ينبغي تعظيما لأمر الحج. # وقيل معناه: إن الحج قد تبين وجوهه فلا ينسى ولا يشك فيه، ونحوه: (ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) أي: لا يماري، والمراء أن تستخرج ما ~~عند خصمك بالمناظرة، وأصله من المري، وهو استخراج اللبن من الضرع # PageV01P168 ### | الجن # أصله الستر، ومنه الجنة وهي البستان الذي تشتبك فيه الشجر، حتى يستر من ~~يدخله. # والجنة السلاح، لأنها تستر عورة صاحبه ms066 عن قرنه، يقال: (أعور الفارس إذا ~~انكشف منه موضع للضرب أو الطعن. # والمجنون المستور على عقله، وقد جن وأجنه الله، ولا يقال جنه، ومثله أجده ~~الله وهو مجدود، وقد جد ولا يقال: جده الله وليس مجدود من أحد، لأن ذلك نقص ~~للأصل: إنما هو على معنى أن ذلك فيه، وكذلك أجنة الله، وهو مجنون، أي: فيه ~~جنون وليس مجنون من أجن. # والولد ما دام في بطن أمه جنين، والجمع أجنة، لأنه مستور، وفي القرآن: ~~(وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم). # والجان يقع على واحد من الجن، والجن مثل الإنس يقع على الجمع. # والجن في القرآن على وجهين: ### | ...... # PageV01P169 # الأول: الملائكة، قال الله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن) يعني: ~~الملائكة، وذلك أنهم كانوا عبدوها، وسماهم جنا؛ لأنهم مستوررن عن الأبصار. # وذكر بعض المفسرين أنهم الجن، وليسوا بملائكة، وكانت العرب تعبد الجن، ~~وتذهب إلى أن سروات الجن بنات الله، وفي الخبر أنه لما هدمت العزى خرجت ~~منها جنية منفشة شعرها تدعوا بالويل فحمل خالد بن الوليد عليها فقتلها. # الثاني: الجن المعروف من غير خلاف، قال الله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون)، ويجوز أن تدخل الملائكة في ذلك، وقوله: (وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن) (1) PageV01P170 ### | الباب السادس # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله حاء ### | الحسنة # أصل الكلمة القبول، والحسن ما تقبله النفس إذا رأته، والحسنة الخصلة التي ~~تقبلها النفس. # والإحسان ما تشتهيه النفس وتقبله، ونقيضه الإساءة، وهي التي تكرهها ~~وتردها؛ ويقال: حسن الشيء، وهو حسن على غير الأصل، وإنما الأصل حسين كما ~~يقال: قبح وهو قبيح، ويجوز أن يقال: حسن أحسن من حسن، ولا يقال: صدق أصدق ~~من صدق، ولأن الحسن فاعل، والفاعل يصح في أفعل، والصدق مصدر ولا يصح في ~~المصادر ذلك ولو لم يكن حسن أحسن من حسن لم يكن للمبالغ في قولهم: ما أحسن ~~زيدا فائدة، ويقولون هذه الخصلة الحسنى، والمرأة الحسناء. # ولا يقال في التذكير أحسن، ولا يجوز أن يوصف الله بالحسن؛ لأن الحسن حال ~~في الحسن ألا ms067 تراه يقبح بعد أن كان حسنا، ولا يجوز أن يكون الله محلا ~~للأشياء، ولا يجوز أن يقال بأن الله حسن في العقل أيضا؛ لأنه لا يتصور ~~للعقول فيحسن فيها كالحكمة والصلاح الحسن في العقول لتصوره لها. # والحسنة في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: النصرة والغنيمة، قال الله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم) يعني: ~~ما كانت لهم من الدولة يوم بدر، وكذلك المعنى في هذه الآية من ### | ...... # PageV01P171 # سورة النساء وبراءة، وقوله قعالى: (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) يعني: ~~القتل والهزيمة؛ هكذا جاء في التفسير. # ويجوز عندنا أن يدخل في الحسنة هاهنا جميع ما ينالهم من المحبوب، وفي ~~السيئة جميع ما يصيبهم من المكروه. # الثاني: العمل الصالح، قال الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ~~وقوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها) والسيئة التي في هاتين الآيتين بمعنى ~~المعصية، وقرئ: (عشر أمثالها) بالإضافة أي: عشر حسنات أمثالها وقرئ: (عشر ~~أمثالها) على أن أمثالها من صفة العشر. # فإن قيل: كيف قال: (عشر أمثالها) والمثل مذكر؟ قلنا: لأنه مضاف إلى مؤنث، ~~وهي في المعنى أيضا حسنة أو درجة فأنت على المعنى، وأراد بذكر العشر ~~التكثير ولم يرد عشر بعينها، كما تقول: إن كلمتني واحدة كلمتك عشرا؛ وكذلك ~~قوله: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) أراد التكثير، ولم يرد عددا بعينه، ألا ~~ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر الله لهم أيضا. # الثالث: الخصب والسعة، قال الله تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) يقول إن أصابهم خير وسعة وخصب ~~نسبوه إلى الله تعالى، وإن أصابهم ضيق وقحط نسبوه إليك، وقالوا: إنما نالنا ~~ذلك من شؤمك، ومثله قوله: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) أي: بدل الضيق ~~بالسعة، ومثله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) أي: اختبرناهم بالضيق والسعة ~~والبلوى. # والاختبار والتجربة سواء، وحقيقة معناه فعل ما يحدث معه العلم بالمبلو ~~المختبر، ولا يجوز ذلك على الله، لأنه عالم بنفسه # PageV01P172 # وإنما المراد أنه يكلف عباده ويأمرهم وينهاهم، لأن الابتلاء ms068 والامتحان هو ~~الأمر والنهي، فسمى الله تكليفه وأمره عباده ابتلاء من هذا الوجه على سبيل ~~التوسع. # ولا يجوز أن يقال [إنه يجرب عباده، وإن كان الابتلاء والتجريب] بمعنى ~~واحد، وذلك أن استعمال الابتلاء فى الله مجاز، والمجاز لا يقاس عليه، وإنما ~~يقاس على الحقائق، ولولا أن أهل اللغة استعملوا الابتلاء في الله لم يجز ~~استعماله فيه والعلة التي في الابتلاء ليست في التجربة وهي الاستعمال. # ولو جاز القياس على المجاز لجاز أن تقول: سل الحمار وسل الشاة، وأنت تريد ~~صاحبها، كما جاء.: (واسأل القرية) أي: أهلها، وفي امتناع ذلك دليل على ما ~~قلنا. # الرابع: العافية والسلامة، قال الله - تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة قبل ~~الحسنة) يعني: أنهم يريدون تقديم العذاب لهم في الدنيا على ما هم فيه من ~~العافية فيها، وقوله (فأمطر علينا حجارة من السماء). # الخامس: العفو والمعروف من القول، قال: (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي: ~~يدفعون القول القبيح المؤذي بالقول الحسن مرة وبالعفو أخرى، والمعنى أنهم ~~يتغافلون عنه فينقطع، وكأنهم دفعوه، ولو أجابوا عنه زيد فيه. # وقيل: معناه أنهم يدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات، ~~قاله الزجاج، وهو غلط لأن ما تقدم لا يدفع، وإنما يقال ذلك في المستقبل، ~~وقال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن) أمره بالصفح ~~والتغافل. # والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة، و (لا) دخلت تأكيدا، و: (ادفع بالتي هي ~~أحسن)، أي: ادفع السيئة، ومما يلحق بما تقدم أن حد الحسن الفعل الذى يدعوا ~~إليه العقل، وحد القبيح الفعل الذي يزجر عنه العقل، والإحسان الدفع الحسن، ~~والإساءة الضرر القبيح # PageV01P173 # وكل فعل مقصود لا يخلوا من أن يكون حسنا أو قبيحا، وتدخل في الحسنة ~~الفرائض والنوافل، ولا يدخل فيها المباح، لأن الحسنة مرغب فيها ولا يجوز أن ~~يرغب في المباح؛ لأن ذلك قبيح، والمباح حسن وليس بحسنة # PageV01P174 ### | الحبل # أصله من الإمساك، ومنه قيل: الحابول للحبل الذي يصعد به في النخلة، ~~والحبالة شبكة الصائد، والمحتبل الصائد، وكذلك الحابل. # وهو في القرآن على وجهين: ms069 # الأول: القرآن، قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا) أي: بكتابه، ~~وسماه حبلا لما فيه من توكيد الحجج والبيان، كما يؤكد العهد. والحبل عند ~~العرب العهد. # الثاني: الأمان، قال الله تعالى: (إلا بحبل من الله وحبل من الناس) أي: ~~بأمان، قال الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها ### | ...... # PageV01P175 # ومعنى الآية أن اليهود لا يزالون مقهورين أذلاء إلا أن يأخذوا بحبل الله، ~~أي: إلا أن يكونوا ذمة للمسلمين، وعنى بالناس النبي - عليه السلام - ~~والمسلمين، وهنا خبر غيب، وفيه دلالة على صحة الدعوة، وقال: (من الله) أي: ~~عن أولياء الله. # ويجوز أن يكون عنى قولك لمن تعاهده إذا فعلت كذا، فأنت أمين بأمان الله ~~وأمان الرسول. # وقال الفراء: أراد إلا أني يعتصموا بحبل من الله فحذف لبيان المعنى، وقال ~~الأخفش: هذا مثل قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) وهو استثناء خارج عن أول ~~الكلام، وهو بمعنى لكن، وليس بأشد من قوله: (لا يسمعون فيها لغوا إلا ~~سلاما) # PageV01P176 ### | ### | الحسن # ى # قد مضى القول فيها قبل. # وجات في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الخلف من النفقة في سبيل الله، وهو قوله: (وصدق بالحسنى) ومثله ~~قوله: (وكذب بالحسنى) أي: بما يخلفه الله عليه في الآخرة. # الثاني: الخير، قال الله تعالى: (إن أردنا إلا الحسنى) أي: الخير ~~وتأنيثها على معنى الخصلة والحلة والحال، وهي تأنيث الأحسن فإنه سمى الخير ~~خصلة أو حلة، وقد يقع ذلك على الخير والشر، قول هذه خصلة محمودة يعني: ~~الخير، وهذه خصلة مذمومة، يعنى: الشر. # الثالث: الجنة، قال الله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وقال: (إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى) يعني: الجنة كذا قيل " ويجوز أن يكون المعنى: ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى العدة الحسنة، وهم المؤمنون لأن الله وعدهم أحسن ~~العدة # PageV01P177 # الرابع: الهداية، قال الله تعالى: (وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى) ~~أي: يزعمون مع قبح فعلهم أنهم على الهداية، وجاء في التفسير أن الحسنى ~~هاهنا اليقين. # والمراد تصف ألسنتهم أن لهم الحسنى بدل، أي: اليقين، وهم ms070 كاذبون في ذلك، ~~أي: هم في شك أو شبهة وإن بدل من الكذب المعنى، وتصف ألسنتهم أن لهم ~~الحسنى، وذلك الكذب (لا جرم أن لهم النار) رد لقولهم المعني جرم فعلهم هذا ~~أن لهم النار، أي: الكسب، والجرم الكسب. # وقال قطرب: (أن) في موضع رفع، والمعنى وجب أن لهم النار، وأنهم مفرطون ~~مقدمون للنار، وقرئ (مفرطون) بفتح الراء مع التشديد، أي: متروكون كأنهم ~~جعلوا مقدمين إلى العذاب متروكين فيه، وقرئ (مفرطون) بكسر الراء وتشديده ~~أي: فرطوا في الدنيا # PageV01P178 ### | الحسن # على ثلاثة أوجه: # الأول قوله - عز وجل -: (وقولوا للناس حسنا) وهي قراءة أي: حقا كذا قيل، ~~ويجوز أن يكون المراد أن قولوا لهم قولا حسنا، وهو أولى؛ لأنه عل مقتضى ~~اللفظ. # الثاني: بمعنى المحتسب، وقال تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) ~~أي: محتسبا كذا قيل، ويجوز أن يقال: إن القرض الحسن هو للبر والصدقة التي ~~لا من فيها وسمي ذلك قرضا؛ لأنه قرض من المال أي: يقطع منه، والقرض القطع، ~~ويجوز أن يكون سماه قرضا؛ لأنه يرد عليه جزاؤه، فكأنه رد عليه بعينه كالقرض ~~يرد على المقرض. # الثالث: الجنة قال الله: (أفمن وعدناه وعدا حسنا) يعني: الجنة، ويجوز أن ~~يكون (حسنا) أي: حسن المسموع # PageV01P179 ### | الحكمة # أصلها المنع، يقال: أحكمت الرجل عن كذا، أي: منعته عنه، وسميت الكلمة ~~الواعظة حكمة، لأنها تمنع عن التورط في الجهل، ومن ثم قيل: حكمة الراية، ~~وقال جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # وسمي الحكم حكما؛ لأنه إذا تم منع عن التخاصم، وسمي العلم حكمة؛ لأنه ~~يمنع صاحبه من الموارد القبيحة التي يردها الجاهل. # وتسمية الله بأنه حكيم على وجهين: # أحدهما: يستحقه لذاته، وهو أنه عالم. # والآخر: يستحقه لفعله، وهو أن أفعاله محكمة، وفعيل بمعنى مفعل معروف في ~~اللغة، يقال: سمع بمعنى سمع، قال عمرو بن معدي كرب: # أمن ريحانة الداعي السميع # ومجيء فعيل بمعنى مفعل، وفي القرآن: (فيها يفرق كل أمر حكيم) وبصير بمعنى ~~مبصر، وهذا من الأول. # والحكمة في ms071 القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الحلال والحرام والسنن والأحكام، قال الله: (وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة) فالكتاب القرآن، والحكمة ما فيه من وجوه التحليل والتحريم ~~ومعرفة الشريعة كلها، والدليل على صحة ذلك أنه أتى بذلك بعد بيان الأحكام، ### | ...... # PageV01P180 # وشرح الحلال والحرام، وسمي ذلك حكمة؛ لأنه يمنع من الوقوع في المحظور، ~~ومثله: (ويعلمه الكتاب والحكمة). # الثاني: الفهم والعلم، قال الله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) وقال: ~~(وآتيناه الحكم صبيا) يعنى الحكمة، وهو الفهم والعلم والحكمة والحكم سواء، ~~وهو مثل العذر والعذرة، والقل والقلة، والنحل والنحلة، وهي العطية والخير ~~والخيرة. # ومثله: (الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) يعني: الفهم، وقال: ~~(آتيناه حكما وعلما) ويجوز أن يكون الحكم هنا القضاء، أي: جعله قاضيا بين ~~الناس، وقال: (ويعلمه الكتاب والحكمة) أي: علمناه الخط، يقال: كتب كتابا، ~~والحكمة: ما أجري على لسانه من الكلم الداعية إلى الرشد الزاجرة عن الغي، ~~وقيل: الحكمة هنا الشرائع. # الثالث: النبوة، قال: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) يعني: ~~النبوة، ومثله: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) يعني: النبوة، والفصل الذي ~~ينفصل به بين المتخاصمين، وقيل: فصل الخطاب هو أما بعد وداود أول من قاله، ~~والأول الوجه. ومثله: (وآتاه الله الملك والحكمة) أي: النبوة، أي: آتى الله ~~داود الملك والحكمة بعد قتل جالوت، فدل على أن ملك جالوت انتقل إلى داود ~~بعد قتله جالوت أو بعد موت طالوت. # الرابع: تفسير القرآن، قال: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) قالوا: ~~يعنى العلم بتفسير القرآن، ويجوز أن تكون الحكمة القرآن نفسه، ومصداق ذلك ~~قوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة). # ويجوز أن تكون النبوة والشاهد قوله: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة) ويجوز أن يكون العلم والأصالة كقوله: (ولقد آتينا لقمان ### | ...... # PageV01P181 # الحكمة) وجماع الحكمة، والحكم الرد إلى الصواب فكل ما رد إلى الصواب حكمة ~~وحكمه التامة من ذل؛ لأنها ترد فى القصد. # الخامس: القرآن، قال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) يعني ~~القرآن ونظيره: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) ms072 ويجوز أن يكون المعنى في ~~قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) القرآن، وغيره من الكلم المرشدة الزاجرة، ~~وكل ذلك تسمى حكمة # PageV01P182 ### | الحشر # أصل الحشر الجمع مع السوق، قال الله تعالى: (وابعث في المدائن حاشرين) ~~أي: رجالا يجمعون السحرة إليك، ويقال: حشرت القوم إذا جمعتهم وسقتهم، ويجوز ~~أن يكون أصله من الخفة كأن الذي تحشره يخف لك، ولهذا قيل: إذن حشرة، أي: ~~حقيقة، وسهم حشرات خفيف، وحشرات الأرض صغار دوابها، وناقة حشور ملززة ~~الحلق، وقيل: المنتفخة الجنين العظيمة البطن كأنها من الأضداد. # وفسر الحشر في القرآن على وجهين: # الأول: الجمع، قال الله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا) أي: نجمعهم، قال: ~~(وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) ومثله: (وإذا الوحوش حشرت) أي: جمعت، ~~وقوله: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير)، وقال: (احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم) ولا يكون هذا بمعنى السوق، لأنه يقال: (وما كانوا يعبدون ~~من دون الله) # PageV01P183 # يعني: الأصنام، والأصنام لا تساق، ولكن يجمع على أنه يقال في الجماد ~~والأغراض السوق عل سبيل المجاز. # الثاني: السوق، قال الله؛ (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما ~~وصما) أي: نسوقهم، وقال: الأول الحشر يعني: سوقهم إلى الشام، وجعله أولا ~~لأن الناس يحشرون إلى الشام يوم القيامة، أي: يجمعون ويساقون، وهؤلاء بنو ~~النضير، أخرجهم الله من ديارهم [واغتنمها] النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقيل لأول الحشر، أي: هو أول ما حشروا: (وأخرجوا من ديارهم) وهذا أصح وأقرب # PageV01P184 ### | الحق # الحق: العقد على المعنى على ما هو به، ويدعوا إليه الحكمة، والحق في ~~الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه العلم والقوة فيما طريقه غالب ~~الظن. # والحق أعم من الأصلح، لأن الأصلح حق [والأدون في الصلاح حق]، ومعنى الحق ~~وقوع الشيء في موقعه. # والصلاح: استقامة الشيء على مقدار، وأصله من الثبات، ويقول: تحققت الشيء، ~~أي: ثبت عندي، وهنا حقك؛ لأنه قد ثبت لك ملكه، والحق من الإبل الذي يثبت ~~للعمل. # والحق خلاف الباطل؛ لأنه يثبت، والحق في أسماء الله تعالى بمعنى أنه ~~الدائم الثابت الملك ms073 غير زائل السلطان، وأنا أحق بكذا، أي: هو أثبت لي، وفي ~~القرآن: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) وقال: (فأي الفريقين أحق ~~بالأمن). # وفسر الحق في القرآن على عشرة أوجه: ### | ...... # PageV01P185 # الأول: يعني: به الله تعالى، قال: (ولو اتبع الحق أهواءهم) قالوا: معناه ~~لو اتبع الله أهواءهم، ويجوز أن يكون الحق هاهنا هو الحق في قوله تعالى: ~~(بل جاءهم بالحق) (ولو اتبع الحق) أي: لو كان التنزيل بما يحبون لفسدت ~~الأمور، وفسر قوله أيضا: (وتواصوا بالحق) أي: أن الله واحد، وهذا بعيد، ~~والصحيح أن بعضهم يوصي بعضا باستعمال الحق وترك تجاوزه. # الثاني: القرآن، قال الله: (حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم ~~الحق) يعني: القرآن قالوا: هذا سحر، وإنما سموه سحرا لخفاء مسلكه عندهم، ~~وقال: (بل كذبوا بالحق لما جاءهم) وقال: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل ما أوتي موسى) أولم يكتفوا من الدلالة بالقرآن مع عجزهم عنه ~~فطلبوا مثلا آيات موسى فأخبرهم أنهم مع تلك الآيات أيضا كفروا على الحجة في ~~القرآن أبلغ منها في قلب العصا حية؛ لأن التحدي بالقرآن قد وقع على قوم كان ~~صناعتهم الكلام. # وكان السحر في أيام موسى عليه السلام في القليل من الناس كهو فينا اليوم، ~~ولأن القرآن يبقى على الأيد ويقف عليه في الأطراف، من لا يقف على أمر للعصا ~~إلا بالإخبار. # الثالث: الإسلام، قال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل) يعني: مجيء ~~الإسلام وذهاب الشرك، والزهوق الهلاك، وقال: (ليحق الحق ويبطل الباطل) أي: ~~ثبت الإسلام ويزيل الشرك. # الرابع: العدل، قال الله: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي: جزاءهم ~~العدل: (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) وقربت منه: (بل جاءهم بالحق) أي: ~~[بالمعجز]، ويجوز أن يكون [الحق] عنى بالصدق، ويجوز أن يكون الحق هاهنا ~~خلاف الباطل؛ لأنه قال: (وأكثرهم للحق كارهون) على حسب ما تقول: الحق مر # PageV01P186 # الخامس: الصدق، قال الله: (وعد الله حقا) أي -: صدقا، وقال: (قوله الحق) ~~يعني: الصدق. # السادس: حق بمعنى وجب، قال الله: (ولكن ms074 حق القول مني) أي: وجب،: (وكذلك ~~حقت كلمت ربك) يعني: وجبت. # السابع: الحق خلاف الباطل قال الله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق) أي: للحق.، يقول: ليعمل فيها بالحق دون الباطل، وفيه ~~دليل على بطلان قول المجبرة. # الثامن: قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) أي: مولاهم على ~~الحقيقة. # التاسع: بمعنى الدين، قال: (وليملل الذي عليه الحق) أي: الذي عليه الدين، ~~وإنما يملي الذى عليه الحق؛ لأنه مشهود عليه وإملاؤه إقراره تشهد به عليه،: ~~(وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) أي: ليتق عذاب الله ولا ينقص مما عليه ~~شيئا. # وفي هذا دلالة على أن القول قول المطلوب فيما يقر به، لأن البخس النقصان، ~~وقد وعظه الله أن ينقص فدل علي أنه إذا بخس، أو ذكر الزيادة أو نقص الأجل ~~أن القول قوله فيه. # وكذلك قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) لما ~~وعظهن الله في الكتمان، دل على أن القول قولهن في الحمل،: (فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) أي: ~~فإن كان ضعيف العقل أو عييا لا يستطيع الإملاء، أملى وليه، يعني: ولي ~~الصغير والضعيف العقل # PageV01P187 # والمراد بالإملاء الإشهاد على نفسه بما حصل على الصغير، والضعيف العقل ~~لولايته عليهما؛ لأن الشهادة لا تقع إلا على العاقل، والشاهد على أنه أراد ~~بالإملاء الإشهاد إجماع الأمة لو أملى غيره الكتاب جاز. # العاشر: بمعنى الحظ، قال الله تعالى: (والذين في أموالهم حق معلوم) أي: ~~حظ، وإنما جعله حقا؛ لأنهم أوجبوه على أنفسهم، فصار كالدين. # وأما قوله: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) فمعناه أنه لا ننزل الملائكة ~~إلا بوحي أو بأجل، وكلاهما حق،: (وما كانوا إذا منظرين) أي: لو نزل ~~الملائكة لم يمهلوا وانقطع التوبة، فلم يقبلوا، والفرق بين الإنظار ~~والإمهال أن الإنظار مقرون بمقدار ما يقع فيه النظر، والإمهال مبهم # PageV01P188 ### | الحساب # أصل الحساب في العربية الكفاية، يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني، وحسبي ~~الله، ms075 أي: كافيني الله، وفي القرآن: (عطاء حسابا) أي: كافيا،: (حسبك الله) ~~أي: هو العالم لفعلك، ومجازاتك عليه. # وقيل: الحسيب المقتدر، وقيل: الحسيب الكافي، ومعناه كافي إياك الله، ~~وقيل: الحسيب المحاسب كما يقال للمحاظ الحفيظ، وللشارب الشريب، وفي القرآن: ~~(يا أيها النبي حسبك الله) أي: كافيك الله، وسمي الحساب حسابا لأنك تكتفي ~~به من وكيلك ومعاملك، ولا تطلب شيئا بعده. # وهو في القرآن على عدة أوجه: # الأول: الجزاء، قال الله: (إن حسابهم إلا على ربي) أي: جزاؤهم، وقال: (إن ~~علينا حسابهم) ### | ...... # PageV01P189 # جاء في التفسير أنه أراد بهاتين الآيتين الجزاء، وكذلك قالوا في قوله ~~تعالى: (فإنما حسابه عند ربه) أي: جزاؤه. # والأجود أن يفسر على الوجه المعروف، فيقال: أراد أن عليك أن تبلغهم، ~~وعلينا أن نحاسبهم، وفي هذا تهديد شديد، وهو أيضا يرجع إلى معنى الجزاء، ~~لأنه إذا حاسبهم جازاهم. # الثاني: الحساب المعروف، قال: (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وأراد ~~بالحساب هاهنا عدد الأيام والأعوام، ومدد الأعمار والآجال والديون، وغير ~~ذلك مما يجري مجراه. # ولم يعن حساب الأموال وما بسيلها، وقال: (سريع الحساب) ومعنى ذلك أنه إذا ~~أراد حسابهم لم يتعذر عليه، وفي هذا دليل على أنه ليس بجسم؛ لأن الجسم ~~يتعذر عليه حساب الجماعات الكثيرة في حال واحدة. # وقيل الحساب أن تأخذ ما لك، وتعطي ما عليك، والله تعالى قد أحصى الأعمال؛ ~~فهو يجازي عليها من غير تعذر ولا إطالة. # الثالث: بمعنى الكافي، قال الله: (عطاء حسابا) أي: كافيا على ما ذكرنا. # ووجه رابع: وهو قوله: (يرزقون فيها بغير حساب) قال المبرد: المراد أنه ~~يتجاوز بهم جد ما فعلوا، وعندنا أن هذا موضوعه للكثرة، يقال: أعطاه بغير ~~حساب، أي: أعطاه كثيرا، وذلك أن الحساب للإحاطة والحصر؛ وكأنه قد أعطاه ~~عطاء لا يحصر كثرة، ومثله قوله: (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ويجوز أن ~~يكون تفضل عليه، بغير استحقاق، والتفضل غير محسوب # PageV01P190 ### | الحياة # أصلها من الطراة والجدة، ومن ثم قيل: والشمس بيضاء حية، أي: باقية على ~~حالها غير [حائلة] اللون، وسمي الحياء ms076 حياء؛ لأن اللون يحمر معه، والحمرة ~~لون الحياة؛ وسمي الحي من القرب؛ لأن بعضهم يجيء مع بعض، وسميت الحية حية؛ ~~لأنها لا تموت حتى تقتل وإلا فهي حية أبدا تكبر إلى أن تنتهي ثم تبتدئ ~~فتصغر حتى ننتهي ثم تكبر وكذلك أبدا إلى أن يصاب هكذا قالوا، وأنشدوا: # داهية قد صغرت من البكر # والحياة في القرآن على ستة أوجه: # الأول: تمييز الصورة ونفخ الروح قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم) أي: كنتم ~~نطفا فميز صورتكم، ونفخ فيكم الروح كذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون أراد أنكم ~~كنتم نطفا أمواتا فجعلكم أحياء. # وليس في الكلام دلالة على أنه أراد تمييز الصورة. وسمي النطف أمواتا؛ لأن ~~كل ما ينفصل من الإنسان سمي ميتا مثل النطفة والدم وما بسبيلهما ونحوه،: ~~(وهو الذي أحياكم ثم يميتكم) وقوله: (يخرج الحي من الميت) قالوا: معناه ~~يخرج الحيوان من النطفة والطائر من البيضة، وقيل: يخرج المؤمن من ### | ...... # PageV01P191 # الكافر، ويجوز أن يكون أراد أنكم كنتم ترابا فجعلكم أحياء، والجماد قد ~~تسمى ميتا على جهة التوسع؛ لأنه عدم الحس والحركة .. # الثاني: محي الحي بمعنى العاقل العارف، قال الله: (لينذر من كان حيا) ~~ونحوه قول الشاعر: # لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي # أي: لو تنادي عاقلا، والمراد أنه لا يستعمل عقله، ولو لم يكن له عقل أصلا ~~لم يكن مكلفا. # الثالث: الحي بمعنى المهتدي، قال الله: (أومن كان ميتا فأحييناه) أي: ~~كافرا فهديناه ونحوه قوله تعالى: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) معناه لا ~~يستوي المؤمن ولا الكافر، فأخرج ما لا يقع عليه الحاسة إلى ما يقع عليه ~~الحاسة، كما قال: (أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) وما كان مجري ~~هذا المجرى، وهو أعظم في البيان؛ لأن العيان فضلا على ما سواه. # الرابع: الحياة بمعنى البقاء، قال: (ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب) يعني: أن من يعرف أنه إذا قتل اقتص منه كف عن القتل فبقى # PageV01P192 # والمراد أنه يبقى حيا فحقيقة المعنى أن لكم في القصاص ms077 بقاء حياة ونحوه،: ~~(ويستحيون نساءكم) أي: يستبقونهن فتضاعف المحنة عليكم ببقاء النساء مع فناء ~~الرجال، واستحياه واستبقاه بمعنى واحد فاستبقاه طلب بقاءه، واستحياه طلب ~~حياته، ولا يستبقيه إلا وهو يستحييه، ولكن لفظ الاستبقاء أكثر في الاستعمال ~~فلأجل هذا فسروا الاستحياء بالاستبقاء، أخرجوا الأغمض إلى الأشهر. # الخامس: مثل قال الله: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). أي: من ~~استنقذها من الضلال أو أغاثها من المكروه فإنه أحيا الناس جميعا، أي: أجره ~~أجر من أحيا الناس جميعا وأجر من يحيي الناس جميعا يتضاعف على قدر ذلك، ~~ويجوز أن يكون معناه أنه قد أسدى إلى كل واحد منهم يدا بإحيائه أخاه ~~المؤمن؛ فكأنه أحياهم كما تقول للرجل يسدي إليك يدا قد أحييتني، وإن كان لا ~~يقدر على ذلك. # السادس: الحياة بعد الموت، قال: (وأحي الموتى بإذن الله) وقال: (أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى) # PageV01P193 ### | حين # الحين يقع على كل شيء من الأوقات قصير وطويل، ويكون محدود أو غير محدود، ~~وأصله من القرب، ومنه حان الشيء إذا قرب، والحائن الذي قرب أجله، والاسم ~~الحسن. والحسن في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: السنة، قال: (تؤتي أكلها كل حين) أي: كل سنة، هذا قول بعض ~~الفقهاء، وإليه ذهب مقاتل. # وذهب الكوفيون إلى أن الحين هنا ستة أشهر، وهو من أوان الطلع إلى وقت ~~الصرام، قالوا: فمن حلف لا يكلم فلانا حينا، فهو ستة أشهر، لأنه قد علم أنه ~~لم يرد أقصر الأوقات ومعلوم أنه لم يرد أربعين سنة؛ لأن من أراد ذلك حلف ~~على التأبيد دون التوقيت ثم كان قوله تعالى: (تؤتي أكلها كل حين) لما اختلف ~~السلف فيه كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر. أولها أوان الطلع وآخرها وقت ~~[الصرام]، وهو أولى من اعتبار السنة؛ لأن وقت الثمرة لا يمتد سنة،. بل ~~ينقطع حتى لا يكون منه شيء، وأما الشهران فلا معنى لاعتبارهما إذ قد علم أن ~~الزمان بين صرام النخل، وبين ظهور الطلع أكثر من شهرين فلما بطل اعتبار ~~السنة واعتبار الشهرين ثبت ms078 اعتبار السنة إلا شهر. # الثاني: منتهى الآجال، قال الله: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) ~~وقال: (ومتعناهم إلى حين) # PageV01P194 # الثالث: قال الله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) ثم قال: (وحين ~~تظهرون) يعني: ساعة غروب الشمس، وساعة طلوعها، وساعة الظهر، وأراد بالتسبيح ~~هاهنا، وجوب الصلاة في هذه الأوقات. # الرابع: زمان غير مؤقت، قال الله: (ولتعلمن نبأه بعد حين) وكان المراد به ~~ما كان ببدر من الدبرة على الكفار، فلم يؤقت في وقت الإنزال، وقوله: (هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) # PageV01P195 ### | الحرج # أصل الحرج من الضيق، ومكان حرج ضيق، والحرجة الشجر الملتف. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الشك، قال الله تعالى: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) أي: ~~شكا، وذلك أن الرجل يضيق بالشك صدرا، والثلج هو مع العلم واليقين، ومثله: ~~(فلا يكن في صدرك حرج منه) المخاطبة له والمعنى لأمته، - صلى الله عليه ~~وسلم - كما قال في موضع آخر،: (ولا تجعل مع الله إلها آخر). # وقوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك) وليس كل ما خاطب به النبيين والمؤمنين ~~أرادهم به، ألا ترى إلى قوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى) والقصاص في العمد فكأنه أثبت لهم الإيمان مع قتل العمد، وقيل العمد ~~يبطل الإيمان، وإنما أراد أن يعلمهم الحكم فيمن يستوجب ذلك، ونحوه قوله: ~~(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا الربا). # الثاني: الضيق، قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: - من ~~ضيق، وقيل: من ضيق لا مخرج منه، وذلك أنه يتخلص من الذنب بالتوبة، فالتوبة ~~مخرج # PageV01P196 # وليس في الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من عقوبته، ويحتج به فيما اختلف ~~فيه من الحوادث، قيل: إن ما أدى إلى الضيق وهو مفي، وما أوجب التوسعة فهو ~~أولى، وقال: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) والمعنى أنه تعالى ~~يمنعهم الطاعة التي يشرح مع أمثالها قلوب المؤمنين ms079 جزاء بما قدموا من ~~الذنوب، ودليل ذلك قوله في آخر الآية: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون) فيحلهم الذنب كما تسمع. # الثالث: الإثم، قال الله: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله) أي: إثم، وقوله: (ليس على الأعمى حرج) وإذا لم يكن عليه ~~مع العمى إثم، فكيف يكون مع عدم القدرة عليه الإثم والعقاب. # وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: إن المسلمين كانوا إذا ~~غزوا خلفوا زمناهم وعميانهم في بيوتهم، ودفعوا إليهم المفاتيح، وقالوا لهم: ~~أحللنا لكم أن تأكلوا منها؛ فكانوا يتحرجون من ذلك فنزل قوله: (ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم). # وذهب أبو علي رحمه الله إلى أن معنى قوله: (ليس على الأعمى حرج) أنه ليس ~~عليه ضيق في ترك القتال، والصحيح الذي قلنا، والدليل على ذلك قوله: (ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) فتلى ذكر الأكل بذكر الأكل، وليس بالوجه ~~أن يتلو ذكر الحرب بذكر الأكل # PageV01P197 ### | حتى # حتى بمعنى الغاية تقارب إلى، وهي من عوامل الأسماء خاصة، فإذا وقع بعده ~~الفعل أضمرت بينهما أن، فتكون أن - مع الفعل اسما، كقولك: أسير حتي تمنعني، ~~ويرتفع بعدها الفعل أيضا؛ وإن ارتفع فهو خبر لمحذوف، وذلك قولك: مرض حتى ~~تمر به الطائر فترحمه، كأنه قال: حتى أنه هذه حالة، ويكون أيضا بمعنى كم ~~فينصب، كقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنة، ويرتفع الفعل بعده، فيقول: سرت ~~حتى أدخلها؛ أي: كان مني سير فدخول، أي: أنا في حالة دخول اتصل به سير ~~ونحوه، فإن المبدئ رحلة. فركوب. # ولها في الرفع موضع آخر، وهو قولك مرض حتى لا يرجونه، أي: هو الآن كذلك، ~~ويقع الاسم بعد ما مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، تقول: ضربت القوم حتى زيد زيد ~~وقدم القوم حتى المشاة، وأكلت السمكة حتى رأعسها، وينشد: # ألقي الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها # نصبوا نعله وخفضوها ورفعوها فمن ms080 نصب " جعلها - بمنزلة الواو على قولك: ~~ضريت زيدا وعمرا كلمته. # ومن رفع فعلى قولك: ضربت زيدا وعمرو كلمته، ومن خفضها فعل قولك: غاية ~~بمنزلة، أي: إلى أن أنتهي إلى نعله. # وكذلك القول في أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها، والكلام فيه ~~يطول. # وحتى في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى إلى، قال تعالى: (تمتعوا حتى حين) أي: إلى حين، وقال: ~~(فذرهم في غمرتهم حتى حين) أي: إلى حين، وقال: (حتى مطلع الفجر). # الثاني: بمعنى فلما، وذلك إذا وقعت مع إذا، قال تعالى: (حتى إذا استيأس ~~الرسل) وقال (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) ### | ...... # PageV01P198 # وقال: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب) وقال: (حتى إذا جاء أمرنا). # الثالث: بمعنى إلى أن، قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد) كذا جاء عن ~~أهل التفسير فينبغي أن يحمل هذه الوجوه على الأصول التي ذكرناها في أول ~~الباب؛ فيصح # PageV01P199 ### | الحرام # أصله المنع، ومنه حرمته عطاءه حرمانا أي: منعته إياه وحريم الرجل ما يجب ~~عليه منعه وكذلك حرمته، وهو ذو رحم محرم، لأنه منع عن نكاحها بالنهي والشهر ~~الحرام الممنوع فيه عن سفك الدماء، والبلد الحرام قربت من ذلك. # وجاء في القرآن على وجهين: # الأول: المنع بالنهي، وهو قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وهي ما قد مات ~~من غير تذكية مما شرط علينا التذكية وإباحته، والدم يعني: المسفوح. لأن ~~الكبد والطحال مباحان بالإجماع " ولحم الخنزير، وذكر اللحم وأراد جميع ~~أجزائه من شحم وعظم، وغير ذلك؛ لأن اللحم معظمه، وإذا ذكره فقد دخل فيه ~~غيره،: (وما أهل لغير الله به) وهنا يوجب أن ترك التسمية عليه يقتضي ~~تحريمه؛ لأنه لا فرق بين التسمية عليه وبين تسمية زيد عليه. # الثاني: عدم الإمكان وهو قوله تعالى: (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة) ~~ودليل هذا قوله: (يتيهون في الأرض) ونظيره قول الشاعر: # إني امرؤ صرعي عليك حرام # يخاطب فرسه أي: لا يمكنك صرعي إني جيد الفروسية # PageV01P200 ### | الباب السابع فيما جاء من الوجوه والنظائر وفي أوله خاء ### | الخزي # العيب التي تظهر فضيحته ويلزم الاستحياء ms081 منه، ومن ثم سمي الحياء خزاية، ~~يقال خزى يخزي خزيا من العيب، وخزى يخزي خزاية من الاستحياء ثم كثر حتى ~~استعمل في الهوان، فيقال: خزى الرجل، إذا هان وذل. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى القتل والجلاء، قال الله: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي) وإنما سمي خزيا لما فيهما من الهوان يعني: قتل قريظة، وجلاء النضير، ~~وقال تعالى: (له في الدنيا خزي) وفي الحج: (له في الدنيا خزي) يعني: القتل ~~يوم بدر هكذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون الخزي في هذه الآيات الهوان ~~والذل يلحق العاصين في الدنيا. # الثاني: العذاب، قال الله: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا ومن خزي يومئذ) يعني: العذاب لا غير، وجاء في تفسير قوله (ولا ~~تخزني يوم يبعثون) وقوله: (ولا تخزنا يوم القيامة) ### | ...... # PageV01P201 # وقوله: (يوم لا يخزي الله النبي) أنه أراد العذاب، ويجوز أن يكون بمعنى ~~الهوان أيضا. # الثالث: الهوان، قال تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي: ~~أهنته: وقوله: (وليخزي الفاسقين) أي: يهينهم، وذلك أن اليهود أنكروا قطع ~~المسلمين [نخيلهم]، فأخبر الله أن القطع والترك بإذن الله [لميزوا غيرهم ~~يتصرفون في أفعالهم فبدلوا]. # الرابع: الفضيحة، قال الله: (فاتقوا الله ولا تخزون) أي: لا تفضحوني # PageV01P202 ### | الخوف # الخوف خلاف الأمن، والأمن سكون النفس والخوف انزعاجها وقلقها، وهو معنى ~~غير العلم؛ لأن العلم يبقى بعد ذهاب الخوف. وأصله من النقصان، ومنه قيل: ~~خوفت الشيء إذ أنقصته، ودينار مخوف ناقص الوزن، وقد يجيء الخوف بمعنى ~~العلم، قال الله تعالى: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) وكذلك الخشية ~~بمعنى العلم، قال الله: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) وقالوا: الخوف ~~كالظن يكون شكا ويقينا، وأنشد: # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # أي أعلم، وموضعه في الظن قولك لصاحبك قد أبق غلامك، فيقول: قد خفت ذاك، ~~ويجوز أن يكون هذا من الخوف خلاف الأمن. # والخوف في القرآن على خمسة أوجه في زعم بعض المفسرين: # الأول: القتل، وهو قوله: ms082 (ولنبلونكم بشيء من الخوف) يعني: القتل، وليس ~~بالوجه لأن قوله: (ونقص من الأموال والأنفس) قد تضمن القتل، ولكن معناه ~~الخوف على الأنفس لكثرة الأعداء، وذلك كان حال أهل المدينة بعد الهجرة، وهم ~~مخاطبون بهذه الآية. # الثاني: الحرب، قال الله: (فإذا ذهب الخوف)، يعني: الحرب، وسماها خوفا ~~لما فيها من الخوف كما تسمى الحرب روعا لما فيها من الروع، والروع والخوف ~~سواء # PageV01P203 # الثالث: العلم، قال الله: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) أي: علم، وقد ~~تكلمنا في هذه الآية. ومثله: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) أي: فإن ~~علمتم، وأول الآية: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله) يعني: أن المهر الذي استحل به الرجل فرجها؛ لا يحل له ~~أن [يأخذ] مهرها على الكره، ولا على سبيل الإلجاء لها إلى دفعه إليه ليتخلص ~~منه؛ إلا أن يكون الرجل على حال لا تصبر المرأة عليها، فتفتدي منه بمهرها ~~وله أن يأخذ ذلك منها، ويسرحها. # وقيل: لا يحل لكم إذا أردتم طلاقهن أن تضاروهن حتى تفتدين أنفسهن بترك ~~مهورهن: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) فيما يجد لكل واحد منهما على ~~الآخر، وقيل: يعني: في النشوز؛ لأنها إذا نشزت لم يكن على الرجل جناح في ~~أخذ ما افتدت به نفسها منه ليطلقها، وفي النساء: (فإن خفتم ألا تعدلوا) ~~ومثله: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم). # الرابع: الخوف بعينه، قال الله: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقال: (ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا) وقوله: (وادعوه خوفا وطمعا) وقوله: (يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا). # الخامس: التخوف، وليس هذا بابه، وهو التنقص، قال: (أو يأخذهم على تخوف) ~~أي: تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم # PageV01P204 ### | الخسران # أصله النقصان، ومنه قيل للتاجر: إذا وضع أنه خسر ثم كثر حتى، قيل لكل من ~~سعى في شيء فأداه إلى مكروه خاسر، وقيل: الخسران الضلال. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى العجز، قال الله: (لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنا ms083 إذا لخاسرون) أي: عجزه، ومثله قوله: (ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون) وقال: (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون). # الثاني: بمعنى الغبن، قال: (إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم) أي: غبنوا ~~فصاروا إلى النار، وأصل الخسران ذهاب رأس المال، فلما كانت النفس بمنزلة ~~رأس المال وما يستفيده بعد ذلك بمنزلة الربح، قال للهالك الذي خسر نفسه؛ ~~لأنه بمنزلة من ذهب منه رأس المال. # الثالث: الضلال، قال: (فقد خسر خسرانا مبينا) أي: ضل ضلالا بينا، ويجوز ~~أن يكون بمعنى الحرمان، أي: حرم الثواب كما إذا حرم الربح، فقد خسر، وقال: ~~(إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا) أي: في ضلال. # الرابع: النقصان، قال: (ولا تكونوا من المخسرين) أي: الناقصين في الكيل ~~والوزن، وقال جرير: # إن سليطا في الخسار إنه ... أولاد قوم خلقوا أقنه # أي: فيما ينقصهم حظهم من الشرف # PageV01P205 ### | الخلق # أصله التقدير، وكل مقدر مخلوق، وفي كلام بعضهم لا أخلق إلا فريت ولا أعد ~~إلا وفيت، واختلق الكلام إذا زوره وقدره، ورجل مختلق، حسن القامة، قد قدر ~~تقديرا جميلا وشيء أخلق أملس لأنه أحسن تقديرا من [الأخشن]. # والخليقة خليقة الإنسان، وهو خليق لهذا أي: شبيه، وامرأة خليقة ذات جسم ~~وخلق، وقد خلقت خلاقة، وليس له: خلاق.، أي: نصيب، وثوب خلق وأخلاق وخليقا ~~الجبهة مستواها، ولا نعرف الخلق في أفعال الإنسان إلا في الأديم، ولا يجوز ~~إطلاق اسم الخالق في غير تقييد إلا لله تعالى. # والخلق في القرآن على ستة أوجه -: # الأول: الدين، قال: (لا تبديل لخلق الله) أي: لدينه، والشاهد ذلك قوله: ~~(ذلك الدين القيم) واللفظ خبر، والمعنى أمر، أي: لا تبدلوا دين الله، وقال: ~~(ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) معناه أنههم يغيرون دين الله. # لأن الله خلق الخلق على الفطرة، فمن كفر فقد غير ما خلق له، وهو مثل ~~قوله: (لا تبديل لخلق الله) أي: لدينه، ويجوز أن يقال: إن الدين سمي خلقا؛ ~~لأن الله قدره وبينه، ويجوز أن يقال إنه دخل في قوله: (ليغيرن خلق الله) ~~جميع ما حرموه مما ms084 أحل الله أو أحلوه مما حرم الله، ألا ترى إلى قوله: (ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) ثم ### | ...... # PageV01P206 # قال للذين يأتون الرجال: (أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم) وقيل: لا تغيروا الدين عن صحته. # والمراد أنه خلق الأنعام ليركبوها، ويأكلوها، فحرموا على أنفسهم ذلك، أي: ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة ~~مسخرة للناس فعبدوها، وقيل: تغيير خلق الله ### | ...... # الثاني: التخرص، قال الله: (إن هذا إلا خلق الأولين) وقال: (وتخلقون ~~إفكا) وقال: (إن هذا إلا اختلاق) فسمي الكذب اختلاقا؛ لأنه يقدر ويزين ~~ليتشبه بالصدق. # الثالث: التصوير، قال الله: (أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) أي: ~~[يصوره]. # الرابع: على قول بعض المفسرين النطق، قال الله: (وهو خلقكم أول مرة) قال: ~~أنطقكم،: الوجه عندي، وهو خلقكم أول مرة: ناطقين فحذف لما في أول الآية من ~~ذكر النطق. # الخامس: الجعل، قال: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) والجعل هاهنا ~~الفعل. # السادس: البعث، قال: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم) أي: على أن يبعث # PageV01P207 ### | الخطأ # يقال: أخطأ الرجل إذا عمد الصواب، فأصاب غيره، وخطئ يخطأ إذا فعل الخطأ ~~على عمد، والاسم من الأول الخطأ، ومن الثاني [الخطء]، وفي القرآن: (كان ~~خطئا كبيرا) وعند كثير من أهل اللغة أن الخطأ والخطء سواء. # والإخطاء يكون حسنا وقبيحا، وذلك أن الإنسان إذا رمي في محظور، فعمد ~~الإخطاء، كان ذلك حسنا، وكذلك الإصابة يقع حسنه وقبيحه كالإنسان يصيب في ~~المحظور فتكوان إصابته قبيحة، ولا يكون الصواب إلا حسنا؛ لأن الصواب اسم ~~لما وقع على وجهه وحقه، والخطء أكثر في القراءة. # والخطأ أفشى في كلام الناس، ولم يجئ الخطء في شيء من الشعر، إلا في بيت ~~واحد وهو قول الشاعر: # الخطأ فاحشة والبر نافلة ... كعجوة غرست في الأرض تؤتبر # وقال أبو عبيدة: خطئت وأخطأت لغتان # فمن قال: خطئت جعل الخطأ مصدرا، والخطء اسما. # ومن قال: أخطات جعل الخطأ والخطء اسمين، والأخطاء المصدر. # وقال ms085 المبرد: الخطأ اسم مفرد كالإثم " والخطيئة الذنب. # قال أبو عبيدة: يكون الخطأ ما لم تتعمد، وليس هذا موضعه، يعني: الآية ~~التي في بني إسرائيل، وأنشد: # وإن مهاجرين تكنفاه ... غداتئذ لقد خطئا وحابا ### | ...... # PageV01P208 # خطئا: ركبا ذنبا، وحاب من الحوب، وهو الذنب المزجور عنه مأخوذ من قولهم ~~في زجر الإبل [حوب حوب]. # وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الذنب المتعمد دون الشرك، قال: (استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين). # الثاني: الشرك، قال: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) أي مشركين. # الثالث: ما لم يتعمد من الذنوب، قال تعالى: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا) وقال: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ). # وقيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: لكن إن فتله خطأ فحكمه كيت وكيت، ~~وقيل: هو استثناء صحيح وهو أن له أن يقتله في بعض الأحوال إذا رأي عليه ~~سيماء المشركين، وهو خطأ. # وقيل: (إلا) بمعنى (الواو)، أي: ولا خطأ، وليس بشيء، وقيل: هو استثناء ~~صحيح، لأن الآية قد أفادت إيجاب العقاب على قاتله، ثم قال: (إلا خطأ)، فإنه ~~لا عقاب عليه، فاستثني من هذا المعنى، وقوله: (ومن يكسب خطيئة أو إثما) ~~يعنى: أن من أخطأ خطأ يجب فيه العزم أو يعمد إثما فيه عار فرمى غيره بذلك ~~ليغرمه أو يلحق به عاره، فقد احتمل الكذب أو الباطل: وقد مضى تفسير البهتان # PageV01P209 ### | الخبيث # أصل الخبث الدنس والرداءة: ومنه خبث الحديد وخبث الفضة ما ينفى منها؛ ~~لأنه يفسدها ويدنسها، وتستعمل في الدهاء، فيقال: خبيث إذا كان داهيا، ~~ويستعمل في المعصية والحرام، وإن ذلك كله مما يدنس العرض والدين، ورجل ~~خبيث: رديء المذهب، والمخبث الذي له أصحاب خبثاء. # والخبثة الفجور، والأخبثان الرجيع والبول، في الحديث " لا يصلي أحدكم. هو ~~يدافع الأخبثين ". # وقوله تعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) أي: الذي رد ولا يكون إلا ~~قليلا، والنكد القليل، وهو العسر أيضا؛ لأن خير العسر قليل. وهو في القرآن ~~على وجهين: # الأول: الحرام، قال الله: (لا يستوي الخبيث والطيب) يعني: الحلال ~~والحرام، ms086 معناه أن الخبيث وإن كثر فأعجب، فإن الطيب خير منه في العافية، ~~وإن قل # PageV01P210 # والخبيث اسم يقع على جميع ما حرم الله، والطيب اسم يتناول جميع ما أحله ~~الله وأعجبك مخاطبة الواحد، والمراد الجماعة، ومجاز الكلام أن الخبيث لا ~~يساوي الطيب، وإن كان على حال يعجب ويسر. # وقال الله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) أي: لا تأخذوا الحرام من ~~أموال اليتامى بدلا مما أحل من سائر الأموال. # الثاني: الكافر، قال الله: (حتى يميز الخبيث من الطيب) يعني: الكافر ~~والمؤمن، والخبيث والفاجر، قال الله: (والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين) من الرجال. # وهذه الآية منسوخة بالإجماع، ونزلت في الوقت الذي نزل فيه قوله: (الزاني ~~لا ينكح إلا زانية) وقد علمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان طيبا من ~~الرجال فينبغي أن تكون أزواجه طيبات [لقضية] الله بذلك في هذه الآية. # وفي قوله. (الزاني لا ينكح إلا زانية) دليل في أن الزناة ليسوا بمؤمنين ~~في أسماء الدين التي هي على جهة المدح، ولو كانوا مؤمنين على ما تقول ~~المرجئة، لكان هذا التحريم يجب أن يعم هؤلاء الزناة كما عم المؤمنين ~~لاجتماعهم في هذا الاسم الذى أجري الله التحريم عليه في قوله: (وحرم ذلك ~~على المؤمنين) فلما كان هذا ناقضا لحكم الآية موجبا أن يكون حلل فيها ما ~~حرم فيها ذلك على أن الزناة لا يدخلون في هذا الاسم # PageV01P211 ### | الخير # الخير اسم لكل منفعة ومنه الخيرة في الأمور والاختيار، اختيارك الشيء على ~~الشيء لما في [الاختيار] من المنفعة في الظاهر، وقد تكلمنا في هذا الحرف ~~بأكثر من هذا في كتابنا في التفسير. # والخير في القرآن على عشرة أوجه: # الأول: المال، قال: (إن ترك خيرا) وقال: (إني أحببت حب الخير) وقيل: ~~الخير هنا المال الكثير الذي له قدر، وكذلك في قوله: (حب الخير). # وروي أن رجلا من بني هاشم حضرته الوفاة، فأراد أن يوصي، فقال على عليه ~~السلام: كم ترك؟ قيل: [أربعمائة]، فقال: إن هذا قليل إن الله يقول: (إن ترك ~~خيرا) وقيل كانت [سبعمائة]. ms087 # وقال قتادة: الخير ألف درهم فصاعدا. # وقال الزهري: الخير كل ما وقع عليه اسم المال من كثير وقليل، وأزاد علي ~~عليه السلام: أن المال إذا كان قليلا يوفر على الورثة ولا يوصي منه ~~استحبابا لا إيجابا. # الثاني: الإيمان، قال الله: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) وكانوا ~~يقترحون أن يسمعهم الله كلام الموتى، فقال: لو علم الله أنهم إن سمعوا ذلك ~~آمنوا لفعل ذلك، وقيل: معناه لو علم فيهم إيمانا لسماهم سمعاء، ولم يسمهم ~~بكما وصما. # الثالث: الثواب، قال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) ~~أي ثوابا أي: لا أقول أن أعمالهم الحسنة تضيع عند الله لأجل فقرهم، والمراد ~~أن المؤمن الزري المنظر ليس عند الله بمحروم، كما أنه عندكم محروم # PageV01P212 # الرابع: القرآن، قال: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ~~ينزل عليكم من خير من ربكم) ويجوز أن يكون المراد ما يرزقهم الله من نعمة ~~وسعة. # الخامس: بمعنى أفضل، قال الله: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) ~~ومثله: (خير الرازقين) و: (خير الحاكمين) وخير وشر يجيئان بمعنى أفعل، ولا ~~يقال: أخير ولا أشر. # السادس: النعمة، قال الله: (وإن يردك بخير فلا راد لفضله) يعني: بنعمة ~~وعافية. # السابع: المنفعة، قال: (لكم فيها خير) يعني: في ظهورها وألبانها. # الثامن: الطعام، قال: (إني لما أنزلت إلي من خير فقير). # التاسع: الظفر في القتال، قال الله: (لم ينالوا خيرا) أي: ظفرا ولا ~~غنيمة. # العاشر: الهدى والبيان، قال الله: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا) أي: بيانا وهدى، والمراد القرآن، وخرج لنا وجه آخر، وهو الخير ~~بمعنى الكفاية، قال الله: (ما مكني فيه ربي خير) أي: كفابة، وأنت تقول: ~~فلان فى خير أي: في كفاية ونشبع القول في ذلك في باب القاف إن شاء الله. # ومما يجري مع هذا الباب الكلام في الاختيار والإيثار، فالاخيار إرادة ~~الشيء بدلا من غيره، والإيثار مثل الاخيار؛. إلا أنه قيل في قوله: (لقد ~~آثرك الله علينا) أي: قدم اختيارك ms088 علينا، فكان الإيثار وهو الاختيار ~~المقدم؛ ولا يكون أيضا إيثار شيء إلا على شيء # PageV01P213 # وأجود من هذا أن يقال: الإيثار اختصاص الشيء دون غيره مأخوذ من قولهم: هو ~~عندي من أهل الأثرة، أي: من أهل الاختصاص، وذلك لما يظهر فيه من آثار ~~الصلاح، والاختيار إرادة الشيء دون غيره، لما فيه من الخير. # وسميت الإرادة اختيارا؛ لأن المريد من الأجسام لا يريد في الأغلب إلا ~~الخير في الحقيقة. أو ما هو عنده خير ثم اتسع فيه فسميت كل إرادة أوثر بها ~~على شيء اختيارا، وسميت أفعال الجوارح اختيارا تفرقة بين حركة البطش، وحركة ~~المرتعش، كأنه سمي المختار من اختيارا، كما سمي المشتهي شهوة، والمسروق ~~سرقة # PageV01P214 ### | الخيانة # الخيانة ترك الوفاء للمؤتمن، وأصله من النقص تخونه إذا تنقصه، وبين ~~الخائن والسارق فرق، وكل سارق خائن، وليس كل خائن سارقا. # والخيانة في [القرآن] على وجهين: # الأول: المعصية، قال الله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) وقال: ~~(لا تخونوا الله والرسول) كذا قيل، والصحيح أنه أراد أنكم تنقصون أنفسكم من ~~شهواتها بامتناعكم عن مباشرتهن لنهينا إياكم، والمخاطبة على هذا عامة، ~~ويجوز أن تكون خاصة لقوم لا يصرون على الفرض، فيتركونه فينقصون أنفسهم ~~الثواب، ويقال: ما يتخونك عندى إلا خصلة، أي: ما ينقصك. # الثاني: خيانة المؤتمن، قال الله تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيما) نزلت ~~في [طعمة بن أبيرق]، رجل من بني ظفر من الأنصار، سرق درعا من حديد، وأخفاها ~~في جراب دقيق، وأودعها يهوديا، فاطلع عليه فعذره بنو ظفر عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وألزموا اليهودي الذنب، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعقوبته، فأنزل الله: (ولا تكن للخائنين خصيما) أي: معينا واستغفر الله ~~من همك باليهودي، ثم خاف [طعمة] القطع فهرب إلى مكة فنقب بيت الحجاج بن ~~غلاط، فتشبث في النقب فأخذ ثم خلي لجواره فمضى نحو الشام فسرق في منزل ~~نزله، فرمي بالحجارة حتى قتل، وفيه نزل: (والسارق والسارقة) قال ابن عباس: ~~(تختانون أنفسكم) أي: تظلمونها بالخيانة، وقيل: لا تنصحون لتعرضكم إياها ~~للعذاب ms089 الدائم # PageV01P215 # و ### | الخصيم # المخاصم خاصمه، وهو خصيمه، مثل عاشره وهو عشيره، وخالطه وهو خليطه، ومن ~~خاصم عن الإنسان فهو معينه، ولهذا قيل: إن الخصيم المعين، وقد ذكرنا أن كل ~~سارق خائن، وليس كل خائن سارقا، ولهذا سمى الله [طعمة] خائنا في هذه الآية، ~~وقيل: للدهر خؤون؛ لأنه يأتي بأحداثه من حيث يؤمر. # وذكر في الخائنين كل ذي ذنب كبير، لأن الآتي بالكبير خائن لنفسه، كأنه لم ~~يناصحها إذ عرضها لغضب الله عز وجل # PageV01P216 ### | الباب الثامن # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله دال # الدين # أصله في العربية اللزوم، ويتصرف في العربية على خمسة أوجه: الملة، ~~والعادة، والحساب، والطاعة، والجزاء. وكل ذلك مما يلزم الإنسان أو يلزمه ~~الإنسان، ومن ثم أيضا قيل: الدين للزومه الدائن لا يسقط عنه إلا بالأداء. # وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: التوحيد، قال: (فادعوا الله مخلصين له الدين)، وقال: (ألا لله ~~الدين الخالص) يعني: التوحيد كذا قيل، ويجوز أن يكون أراد جملة ما عليه ~~المؤمن من دينه. # الثاني: الحساب، قال الله: (مالك يوم الدين) أي: يوم الحساب، وقيل من دان ~~نفسه ربح: أي: من حاسبها، وقيل: ### | الدين # هنا الجزاء ومثله (هذا يوم الدين) ومثله: (الذين يكذبون بيوم الدين) ~~والتكذيب به جحده. # الثالث: الحكم، قال الله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) أي: في ~~حكمه، وفيه دليل على أن الزاني والزانية ليسا بمؤمنين لإخراجه إياهما من ### | ...... # PageV01P217 # استحقاق الرأفة والرحمة اللاتي جعلهما للمؤمنين، ويجوز أن يكون الدين ~~هاهنا بمعنى الملة، وقيل: في طاعة الله، وقيل: لا تأخذكم بهما رأفة فتقصروا ~~في دين الله. # الرابع: الطاعة، قال الله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي: في ~~طاعته، وقد دان الناس لملكهم إذا أطاعوه، قال الشاعر: # لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك # الخامس: الملة، قال الله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله) أي: ليعلو على كل دين يدان به، والظهور العلو، وظهر فوق ~~البيت علاه، وقوله: ms090 (إن الدين عند الله الإسلام) وقال: (ذلك الدين القيم) ~~أي: الملة المستقيمة. # وقال بعض الشعوبية: الدين فارسي واستدل على ذلك بأن الدين يوجد في كتب ~~الفرس القديمة فقالوا دين ذو يرى على قديم الدهر من قبل أن تدخل العربية ~~أرضهم، يعنون خطا يكتبون به علوم دينهم، ونحن لا نعرف هذا، والصحيح أن ~~الدين عربي معروف # PageV01P218 ### | الدعاء # أضله الطلب، يقول: دعا إلى الشيء، أي: طلب المصير إليه، وادعى على فلان ~~حقا؛ لأنه يطلبه. # والدعوة إلى الطعام معروفة، ثم كثر حتى سمي الطعام دعوة، وسمي بالمصدر من ~~قولك: دعا دعوة واحدة، والدعوة في النسب؛ لأنه طلب الدخول فيه. # والدعاء أيضا الاستعانة، لأنها طلب الإعانة، قال الله عز وجل: (وادعوا ~~شهداءكم من دون الله) أي: استعينوهم، قال الشاعر: # وقبلك كل خصم قد تمالوا ... علي فما جزعت ولا دعوت # أي: ما استعنت غيري على دفعهم. # وكل ما وقع لأجله الفعل فهو داع إليه إلا أن يقع على غير الاختيار، ~~كالمتولد الذي يقع سببه عن سهو. # والدعاء في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: القول، قال الله: (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا) ~~وقال: (فما زالت تلك دعواهم) أي: ما زالت تلك الكلمة دعواهم، أي: يدعونها، ~~وهو قوله: (قالوا يا ويلنا) ### | ...... # PageV01P219 # ويقولون: فلان يدعوا بالويل، إذا كان يقول: يا ويله، وقال: (دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم). # الثاني: العبادة، قال: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) ~~وقال: (ومن يدع مع الله إلها آخر) وقال: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) ~~أي: لولا عبادتكم الأوثان [لم يبال بعذابكم]. # الثالث: الدعاء بعينه، وهو النداء، قال: (فدعا ربه أني مغلوب) وقال: (يوم ~~يدع الداع) وقال: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) وقال: (ولا يسمع الصم ~~الدعاء) وقال: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) أي: يراكم. # الرابع: الاستعانة، قال الله: (وادعوا شهداءكم من دون الله) وقال: ~~(وادعوا من استطعتم من دون الله) قال: (وليدع ربه) أي: ليستعن به. # الخامس: السؤال، قال الله: (قالوا ادع لنا ربك يبين ms091 لنا ما هي) أي: سله، ~~وقال.: (ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز) أي: سله يفعل، وقال: ~~(يا أيه الساحر ادع لنا ربك) وقال: (ادعوا ربكم) أي: سلوه، وهذا الضرب في ~~السؤال واجب على العبد، لأن الأمر قد جاء به مطلقا، والأمر على الوجوب # PageV01P220 ### | الباب التاسع # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ذال ### | الذكر # أصل الذكر القوة ومنه تسمية الذكر خلاف الأنثى؛ لأنه أقوى من الأنثى ~~وجديد ذكر لفضل قوته على الأنوثة، والذكر بالقلب يرجع إلى هنا؛ لأن الشيء ~~يثبت في القلب مع الذكر، فكان له قوة، والذكر باللسان شبيه بذلك. # وهو فى القرآن على خمسة عشر وجها: # الأول: الطاعة، قال الله: (فاذكروني أذكركم) قال بعض المفسرين معناه ~~أطيعوني أثبكم، ويجوز أن يكون معناه اذكروني بقلوبكم وألسنتكم، أذكركم ~~بالمدح والتعظيم [وإيجاب الثواب] (1)، وهو جواب لقوله: (كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم): (فاذكروني أذكركم) فيكون ل (اذكروني) جوابان مقدم ومؤخر، كما ~~يقال: إذا أتاك فلان فأته ترضه، ومعناه مثل معنى قوله: (ادعوني أستجب لكم) ~~وقيل: اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، وقيل: اذكروني بالثناء بنعمتي أذكركم ~~بالثناء أي الطاعة،، وأكثر ما يستعمل الذكر بعد النسيان، وهذا حقيقة، وليس ~~ذلك بموجب [ألا] يكون إلا بعد النسيان إذ PageV01P221 # كل من حضره المعنى بالقول أو العقد أو الخطور بالبال، فهو ذاكر ويكون ~~أصله التنبيه على الشيء، وكل من ذكر لنا شيئا فقد نبهنا عليه، والذكر أنبه ~~من الأنثى. # الثاني: قال هو الذكر باللسان في قوله: (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم) وقوله: (واذكروا الله كثيرا) وقال: (اذكروا الله ذكرا كثيرا) كذا ~~قيل، ولا ننكر أن يكون أراد الذكر بالقلب واللسان جميعا. # الثالث: الذكر في القلب خاصة، قال: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)، أي: ذكروا قدرة الله عليهم وأياديه ~~إليهم فاستغفروه وتابوا إليه. # الرابع: ذكر الصفة والأمر، قال: (اذكرني عند ربك) أي: اذكر أمري وصفتي،: ~~قال: (واذكر في الكتاب مريم) أي: أذكر أمرها، فإن فيه عجبا، وهكذا قوله: ms092 ~~(واذكر في الكتاب إبراهيم) أي: اذكر في الكتاب الذي أنزل عليك قصة إبراهيم ~~عليه السلام، أي: اقرأها واعتبر بها. # الخامس: الحفظ، قال الله: (خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه) ~~(واذكروا ما فيه) أي: احفظوه. # السادس: الوعظ، قال: (فلما نسوا ما ذكروا به) أي: وعظوا، وفي الأعراف ~~أيضا: (فلما نسوا ما ذكروا به) وقال: (أئن ذكرتم) أي: وعظتم، وقال: (فذكر ~~بالقرءان)، وقال: (فذكر إنما أنت مذكر) وفي هذه الآيات دليل على أن الطاعة ~~والمعصية من العبد (1)؛ لأنهما لو كانتا من الله لم يكن لتذكير الله إياه ~~فائدة. PageV01P222 # السابع: الشرف [والنباهة]، قال: (وإنه لذكر لك ولقومك) وقال: (بل أتيناهم ~~بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون) فامتن عليهم بما جعل لهم من النباهة بهذا ~~الدين، ودل على أن الخمول معيب. # الثامن: الخبر، قال؛ (لو أن عندنا ذكرا من الأولين) وقال: (سأتلو عليكم ~~منه ذكرا) أي؛ خبرا، وقيل في قوله: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) أي: هذا ~~خبري وخبر من قبلي، والوجه هل فيما أنزل إلي أو فيما أنزل من قبلي دليل على ~~أن مع الله إلها آخر، وذكر له. # التاسع: الوحي، قال: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) وقال: (فالتاليات ذكرا) ~~ومثله: (فالملقيات ذكرا). # العاشر: القرآن، قال: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) وقال: (ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث) فسماه محدثا. # والمحدث إذا كان مقدرا مخلوق (1)، وجاء في قوله: (أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا) أنه أراد القرآن، وقيل: أراد ذكر العذاب أي: أفنضرب عنكم ذكر العذاب ~~فلا تذكرة لكم لأجل إشراككم، لا بل نذكر لكم العذاب لتنزجروا، ويقال: أضربت ~~عنه الذكر أيضا، والشاهد على هذا التأويل قوله: (فأهلكنا أشد منهم بطشا). # الحادي عشر: التوراة، قال: (فاسألوا أهل الذكر) يعني: أهل التوراة عبد ~~الله بن سلام وأصحابه، الذين يصدفون عن الذكر وهو التوراة دون من يكتم ~~ويتخرص لأن القبول يكون من أهل الثقة،: (إن كنتم لا تعلمون) أن الرسل بشروا ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P223 # الثاني عشر: اللوح المحفوظ، قال: (ولقد كتبنا في الزبور ms093 من بعد الذكر) ~~أي: من بعد اللوح المحفوظ. # الثالث عشر: البيان، قال الله: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم) أي: بيان، وقال: (ص والقرآن ذي الذكر) يعني: ذا البيان، وقيل: يعني: ~~به ما ذكر فيه من الأقاصيص والحلال والحرام. # الرابع عشر: الدليل، قال: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) وقال: (إن هو إلا ~~ذكر للعالمين) ويجوز أن يكون الذكر هنا الموعظة. # الخامس شر: الصلوات الخمس كذا قال بعض المفسرين في تفسير قوله: (فإذا ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) والصحح أنه أراد تمام ~~الصلاة مع الذكر فيها؛ لأنه تعالى قال في أول الآية: (فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله). # والمراد فإن خفتم عدوا أو سبعا فلم تقدروا على الركوع والسجود، فصلوا على ~~أرجلكم وعلى رواحلكم [أيما]، والرجال جمع رجل، والرجل جمع راجل فإذا زال ~~عنكم الخوف فصلوا الصلاة التامة واذكروا الله فيها كما علمكم الشرائع. # وقوله: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) قالوا: يعني: الصلوات ~~الخمس، وليس هذا بالوجه في هذه الآية؛ لأنه قال فيها: (وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة) وقال: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) يعني: الصلوات ~~الخمس زعموا، قال: ودليل ذلك قوله، (فاسعوا إلى ذكر الله) يعني: صلاة ~~الجمعة # PageV01P224 # وقالوا في قوله تعالى: (أحببت حب الخير عن ذكر ربي) أي: أثرت حب المال ~~على الصلاة، وقيل: على ذكر الله، وينبغي أن تكون الصلاة هنا تطوعا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصنع المفروض، وخرج لنا وجه آخر، وهو ~~الذكر بمعنى الغيب في قوله: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي: ~~يعيبهم، كذا قيل، والصحيح أنه يذكرهم بالعيب # PageV01P225 # الباب العاشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله راء ### | الرحمة # أصلها من الرقة، وقيل: ذوا الأرحام، لأن بعضهم يرق لبعض، والرحم في الأصل ~~رحم المرأة ثم صارت ذو القربى أرحاما. # والرحيم في أسماء. الله تعالى بمعنى المنعم المقيل للعثة القابل للتوبة ~~وليس معناه الرقة، ms094 كما أن أصل العفو الترك، والترك لا يجوز على الله، يقال: ~~عفا المنزل إذا ترك حتى درس ودلالة التعظيم أيضا يوجب انتفاء الرقة عن ~~الله، ومع أن نعمة في الاتساع تقع موقع ما يبحث عليه الرقة، والرحمن أبلغ ~~من الرحيم. # وليس لأحد من المخلوقين فيه شركة والرحمة. الإنعام على المحتاج إلى ذلك، ~~ألا ترى أن الإنسان إذا أهدى إلى ملك شيئا، لم يقل: إنه رحمة، ويقال: إنه ~~أنعم عليه. # والرحمة في القرآن على ثمانية أوجه: ### | ...... # PageV01P226 # الأول: قالوا هو بعثة الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى (وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين) وقوله: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) وهذه الرحمة ~~العامة المبتدأه بالدعاء والبيان، والوجه أن يقال: أنه أراد أن بعثة للرسل ~~وإنزال الكتب نعمة من الله على عباده، والرحمة من الله النعمة. # الثاني: الجنة، قال: (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله) وقال: ~~(فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) وقال: (فيدخلهم ربهم في رحمته) وقوله: (أولئك ~~يرجون رحمت الله) وهي خاصة للمؤمنين جزاء لأعمالهم، وقال أبو علي رضي الله ~~عنه: الرحمة والفضل هنا هو الثواب. # الثالث: المطر، قال: (يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) وقوله: (فانظر إلى ~~آثار رحمت الله) يعني: المطر. # الرابع: الرزق، قال: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده) وقيل: وينشر رحمته يعني: رزقه، وقال: (قل لو أنتم ~~تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم) وقال: (ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) ~~وقال: (آتنا من لدنك رحمة) ويجوز أن تكون هذه كلها بمعنى النعم والرزق داخل ~~فيها. # الخامس: النبوة، قال: (أم عندهم خزائن رحمة ربك) وقال: (أهم يقسمون رحمت ~~ربك). # السادس: الرحمة، قال تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا) [أراد]: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان) فقدم وأخر؛ لأن الناس كلهم ### | ...... # PageV01P227 # آمنوا بفضل الله علم في ألطافه وفوائده، وقوله: (أو أرادني برحمة) وقيل: ~~يعني: العافية، وقوله.: (إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ms095 رحمة) يعني: نعمة، ~~وقيل: أراد الفتح والنصر. # السابع: القرآن، قال الله؛ (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) ويجوز أن يكون بمعنى ~~النعمة، أي: هنا القرآن بيان ونعمة. # الثامن: الهداية، قال: (وآتاني رحمة من عنده) أي: دلني على الإيمان فآمنت ~~وصدقت، وهذا كله يرجع إلى معنى النعمة؛ لأن الرحمة من الله تعالى النعمة، ~~وإنما أوردت هذه الوجوه على ما جاء في التفسير # PageV01P228 ### | الروح # أصل الريح، والروح والروح، والراحة واحد؛ وإنما الريح فعل، والروح فعل ~~والراحة فعلة، ولرائحة فاعلة، وقد يجيء فاعلة في أسماء الأفعال، مثل ~~العافية. # وأصل الكلمة من الطيب، وذلك أن الريح تطيب الهواء، والروح يطيب به الجسد، ~~والرائحة أصلها في الطيب ثم استعملت في النتن،، والأريحية طيب النفس ~~بالبذل، وقيل: الراحة، لأن العيش يطيب معها، والطيب في الأصل فيما يستنشق، ~~وإنما قيل: طيب النفس بالبذل. # والراحة طيب العيش على وجه التشبيه، والريحان معروف سمي بذلك لطيب ريحه، ~~والريحان الرزق؛ لأن من وجده استراح؛ ولأن النفس تحبه كما تحب الريحان. # والروح في القرآن على ستة أوجه: # الأول: على ما قيل الرحمة، قال تعالى: (وأيدهم بروح منه) أي: قولهم برحمة ~~منه، والوجه أنه أراد بالروح هاهنا القرآن، وسماه روحا؛ لأنه يوصل به إلى ~~المنافع كما يوصل الروح، والشاهد قوله: (أوحينا إليك روحا من أمرنا) ~~والتأييد التقوية، ومعنى التأييد بالقرآن أنه أبطل به حجج خصماء الدين، ~~وثبت حجج أهله به؛ لما عجز الناس عن الإتيان بمثله. # الثاني: جبريل - عليه السلام -، قال: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا) ~~وقيل الروح هاهنا خلق كالإنسان، وقيل: هو ملك يقوم على يمين العرش، وقوله: ~~(نزل به الروح الأمين) يعني: جبريل - عليه السلام - على قلبك بالقرآن، وخص ~~القلب لأنه موضع الحفظ، ولو قال: عليك لم ### | ...... # PageV01P229 # يتضمن معنى الحفظ. وقوله: (وأيدناه بروح القدس) وقال: (فأرسلنا إليها ~~روحنا). # الثالث: الوحي، قال: (ينزل الملائكة بالروح من أمره) أي: بالوحي، و: (من ~~أمره) أي: بأمره، وبعض حروف الصفات يقوم مقام بعض؛ إذا لم يشكل المعنى، ~~ويجوز أن يكون المعنى أن ابتداء تنزيله من أمر ms096 الله، و (من) لابتداء ~~الغاية، أي: حين أمرهم به نزلوا. # الرابع: عيسى - عليه السلام -، قال الله: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه) وسماه روحا وكلمة؛ لأن الناس ينتفعون به كانتفاعهم بكلام الله، ~~وكانتفاعهم بالروح، وقال بعضهم: قال: (بروح منه)؛ لأنه خلقه من غير شر، ولا ~~أعرف ما هذا. # الخامس: خلق يرون الملائكة ولا يرونهم كما يرانا الملائكة، ولا نراهم، ~~وهو المعنى بقوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)، هكذا جاء عن ~~بعض المفسرين، ويجوز أن يكون معناه الروح الذي بحياته الحيوان، وهو يذكر ~~ويؤنث، وقال: (قل الروح من أمر ربي) ولم يبين لهم كيفية ذلك؛ لأنهم كانوا ~~توافقوا على أن يردوا كل ما يقول فيه، فأجابهم بما لا يمكنهم رده، فقال: هو ~~من أمر ربي. # السادس: الروح الذي يحيا معه الحيوان لا غير بلا خلاف، قال الله: (فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي) وقال: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) ونسب الروح إلى ~~نفسه؛ لأنه الفاعل له، ويجوز أن يكون قال ذلك تعظيما لأمر الروح، كما يقال: ~~بيت الله، وحرم الله، وخليفة الله، وقال: (ونفخ) لأن الروح عن جنس الريح # PageV01P230 ### | الرجاء # الرجاء مقصور الناصية، والرجاء ممدود من الأصل، والأصل الميل: وذلك أن من ~~يرجو نيل الشيء فإنه يخاف فوته في أكثر الحال، فكان الرجاء طرف، والخوف ~~طرف، ومنه قيل: رجاء اليئر لناحيته، فأما الطمع فيما قيل فتوطين النفس على ~~نيل المطلوب من غير مخافة للفوت. # والصحيح أن الرجاء ما كان عن سبب، والطمع ما كان عن غير سبب، ولهذا ذم ~~الطمع، ولم يذم الرجاء. # وربما جاء الطمع في معنى الأصل، وهو قوله: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين). # والرجاء في القرآن على وجهين: # الأول: الأمل؛ قال الله: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه). وهذا دليل على ما ~~قلنا من أن الرجاء يكون طرفا، والخوف طرفا. # الثاني: الخوف، قال تعالى: (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) ونحوه قوله: (من ~~كان يرجو لقاء الله) أي: [يخاف] البعث، وقال: (فمن كان يرجو ms097 لقاء ربه) # PageV01P231 # وليس اللقاء الرؤية (1)، ألا ترى الأعمى يقول لقيت فلانا، ولم يعن أنه ~~رآه. # وأصل اللقاء المصادفة، وهو هاهنا لقاء ما وعد الله، لأن الله لا يصادف. # والرجاء بمعنى الخوف معروف في العربية. # قال الهزلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها PageV01P232 ### | الرقبة # أصل الرقبة الانتظار، وسميت الرقبة رقبة، لأنك تمدها إذا انتظرت توقفا ~~للمنتظر، والرقبى أن تعطي الرجل دارا أو أرضا، فإن مات قبلك رجعت إليك، وإن ~~مت قبله كانت له، وسميت رقبى؛ لأن كل واحدا منهما يرقب موت صاحبه، والمرقب ~~[المربأ]. # والرقيب الذي يشرف على أصحاب الميسر، والارتقاب انتظار مع مخافة، ولهذا ~~يقال: فلان يراقب فلانا، أي: يخافه، وراقب الله، أي: خفه، ولهذا كان أكثر ~~ما يستعمل الارتقاب في المكروه، ومنه قوله تعالى: (وارتقبوا إني معكم رقيب) ~~والرقيب في أسماء الله تعالى الحفيظ. # وهو في القرآن على وجهين: # الأول: الحفيظ، قال تعالى: (إن الله كان عليكم رقيبا) أي: هو حافظ ~~لأعمالكم، وفي ذلك ترغيب وترهيب، وإخبار بأن الجزاء من وراء العباد، وقوله: ~~(كنت أنت الرقيب عليهم). # الثاني:. بمعنى الانتظار، قال: (وارتقبوا إني معكم رقيب) وقال: (فارتقب ~~إنهم مرتقبون) أي: انتظر ما يكون من نصرنا إياك، أنهم مننظرون ما يكون من ~~مثل ذلك لهم # PageV01P233 ### | الرجم # أصله الرمي ثم قيل للقتل رجم، والشتم رجم تشبيها، والرجمة القبر لما يرمى ~~فيه من التراب على الميت. # والرجم في القرآن على أربعة أوجه:. # الأول: القتل، قال في يس: (لنرجمنكم) أي: نقتلنكم، وقال: (وإني عذت بربي ~~وربكم أن ترجمون) أي: أن تقتلون، وقال: (ولولا رهطك لرجمناك) وقيل: معناه ~~رجمناك بالحجارة، وقيل: بالسب، ويجوز أن يكون ما تقدم مثل ذلك، وقال: (لئن ~~لم تنته لأرجمنك) يعنى: القتل، وقيل الشتم. # الثاني: الرمي، قال الله: (رجوما للشياطين). # الثالث: الظن، قال الله: (رجما بالغيب) أي: يقولون ذلك ظنا، ويقال رجمت ~~الظن في كذا إذا ذهب ظنك فيه كل مذهب، قال زهير # وما هو عنها بالحديث المرجم # أي المظنون # PageV01P234 # الرابع: بمعنى اللعين، جاء في تفسير قوله تعالى: (فاستعذ بالله ms098 من ~~الشيطان الرجيم) أنه يعني: الملعون، وقيل: الرجيم المرجوم بالشهب، من قوله: ~~(رجوما للشياطين) # PageV01P235 ### | الرؤية # أصل الرؤية رؤية العين، ثم استعمل في العلم لوقوع العلم مع الرؤية، كما ~~أن أصل البصر بصر العين، ثم سمي العلم بصيرة وبصرا، لأنه قد يقع مع بصر ~~العين ورؤية العين يتعدى إلى مفعول واحد، والرؤية التي بمعنى العلم يتعدى ~~إلى مفعولين لا غير، مثل العلم، تقول: رأيت الرجل حكيما بمعنى علمته، كذلك ~~رأيت الرجل بمعنى أبصرته. # والرؤية في القرآن على ثلاثة أوجه: # أولها: رؤية العين، قال الله: (ترى الذين كذبوا على الله) ومثله كثير. # الثاني: العلم، قال: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ~~رتقا) وقوله (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) ومثله: (أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) أي: أولم يعلم، ولم يرد أنه خصيم في ~~الحال، ولكن إذا بلغ، ونحوه قوله: (إني أراني أعصر خمرا) أي: ما يكون خمرا، ~~ومثله قول الراجز: # الحمد لله العليم المنان ... صار الثريد في رؤوس العيدان # فسمي الحب في سنبله ثريدا على معنى أنه يكون كذلك # PageV01P236 # الثالث: بمعنى الخبر، جاء في التفسير عن ابن عباس أن قوله: (ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) أنه يعني: ألم تخبر، وذلك أن حيي بن أخطب، ~~وكعب بن الأشرف سارا إلى مكة، فقال المشركون: هذان [حبرا] اليهود، وأهل ~~العلم بالكتب فاسألوهما عنكم وعن محمد أيكم خير فسألوهما، فقالا: إنكم خير ~~منه أنتم أهل هذا البيت وذاك صابئ فأنزل: (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين آمنوا سبيلا). # وقوله: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) معناه ألم تخبر بذلك، ~~وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون ~~تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أحسن إليه ويجفو بي ونحو ~~ذلك # PageV01P237 ### | الباب الحادي عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله زاي ### | الزخرف # أصله الذهب، ثم استعمل في التزيين، فيقال: زخرفت البيت ms099 إذا زينته، وزخرفت ~~القول إذا زورته وحنته، وسميت أنوار الربيع زخارف؛ لأنها تزين الأرض. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الذهب، قال الله: (وزخرفا وإن كل ذلك) وقال: (أو يكون لك بيت من ~~زخرف) يعني: الذهب. # الثاني؛ الزينة والحسن، قال الله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) يعني: ~~حسنها وزينتها. # الثالث: تزوير القول حتى يشبه كذبه صدقا وغروره حقا، قال تعالى: (زخرف ~~القول غرورا) والمعنى أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة، و (غرورا) منصوب ~~على المصدر ومحمول على المعنى، كأنه قال: يغرون غرورا # PageV01P239 ### | الزبر # أصل الزبر الكتب في الحجر، ثم كثر حتى جعل كل كتابة زبرا، يقال: زبرت ~~الكتاب كتبته، وزبرته قرأته، والزبور فعول، بمعنى مفعول، أي: هو مزبور، كما ~~قيل: ركوية وحلوبة، وقد يقال: ركوبة، قال الله تعالى.: (فمنها ركوبهم). # وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه قيل: زبرت البئر، إذا طويتها بالحجارة بجمعك ~~الحجارة فيها، وزبرة الأسد الشعر المجتمع على كاهله، وأسد أزبر ومزبر عظيم ~~الزبرة، والزبرة القطعة من الحديد، قال الله: (آتوني زبر الحديد). # وروى الفقير الذي لا زبر له أي: ليس له معتمد يجمع أمره، ومن ثم سمي ~~الزبير، وأخذت الشيء بزوبره أي: بأجمعه، والواو زائدة، ويجوز أن يكون أصل ~~الكلمة الغلظ، ومنه قولهم: زبره إذا أغلظ له القول. # والزبر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الكتب، قال الله: (بالبينات والزبر) أي: أرسلناهم بالعلامات ~~البينات، والزبر يعني: الكتب المضمنة للأمر والنهي، وقوله:، (وإنه لفي زبر ~~الأولين). وقال بعض المفسرين: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) أنه ~~يعني: بالزبور الكتب كلها، وليس بالوجه؛ لأن الظاهر لا يترك إلا بديل، ولا ~~دليل إلا أن يكون القراءة في الزبور، جمع زبر مثل سفر وسفور، وليس ذلك ~~المشهور، ولا ينبغي القراءة به عندنا # PageV01P240 # الثاني: اللوح المحفوظ، قال الله: (وكل شيء فعلوه في الزبر) هكذا جاء في ~~التفسير. # الثالث: قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا) ومن قرأ زبرا أراد قطعا، ~~الواحدة زبرة، ومنه: (آتوني زبر الحديد) ومن قرأ زبرا أي: جعلوا دينهم كتبا ms100 ~~مختلفة # PageV01P241 ### | الزوج # الأشهر عند العرب أن الزوج واحد، والمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة ~~ولا يقال للمرأة زوجة إلا قليلا، وكل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ~~وهما زوجان مثل زوجي، يقال: وزوجي خفاف، وربما قيل للاثنين زوج، وهو قليل ~~شاذ، والزوج النمط يطرح تحت الهودج، قال ليد: # زوج عليه كلة وقرامها # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: ### | ...... # PageV01P242 # الأول: الحليلة، قال الله: (لهم فيها أزواج مطهرة) وقال: (ولكم نصف ما ~~ترك أزواجكم). # الثاني: الصنف، قال: (خلق الأزواج كلها) وقال: (وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج) وقال: (ثمانية أزواج) وقال: (جعل فيها زوجين اثنين). # وكل ذلك بمعنى الصنف، ودخل اثنين تأكيدا، ويجوز أن يقال: إنه دخل؛ لأن ~~الزوج في اللغات اثنان، فلو لم يقل: اثنين لتوهم من تلك لغته، لأن الزوجين ~~أربعة، فلما قال: اثنين ارتفع الإشكال. # الثاث: القرين، وقال: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) أي: [قرناءهم من ~~الشياطين]. # وذلك أنه لما كان الزوج الواحد الذي له قرين سمي القرين زوجا، ومنه قوله ~~تعالى: (وزوجناهم بحور عين) أي: قرناؤهم. # ولا يجوز أن يكون من التزويج؛ لأنه لا يقال. زوجت فلانا بفلانة، وإنما ~~يقال: زوجت فلانة فلانا بغير باء، وقال: (وإذا النفوس زوجت) أي: قرن كل ~~واحد بمن شايع # PageV01P243 ### | الباب الثاني عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله سين ### | سواء # أصل السواء من التماثل، ومنه قيل للمثل الشيء، وهما [سيان] أي: مثلان، ~~وسواء لا يجمع؛ لأنه في مذهب الفعل فإن احتجت إلى جمعه قلت: أسوئة، وقال ~~بعضهم: جمع سواسية على غير قياس، وهو غلط لأن سواء يستعمل في الخير والشر، ~~وسواسية لا يستعمل إلا في الشر، وهذا دليل على أنه حرف برأسيه، وهو جمع لا ~~واحد له من لفظه. # وسواء في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: العدل، مال الله: (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) أي: عدل، وهو ~~قوله: (لا إله إلا الله) وقوله: (سواء للسائلين) أي: عدل لمن يطلب الرزق. # ومعنى ذلك أنه خلق الأرض والماء وجعل فيهما قوت الخلق بالعدل، لأنه ms101 رزق ~~كلا منهم على قدر ما علم أنه صلاح له، وقيل: (سواء للسائلين) أي: لمن سأل ~~في كم خلقت الأرض، وما فيها؟، فقيل خلقت الأرض في أربعة أيام سواء لا زيادة ~~ولا نقصان جوابا لمن سأل # PageV01P245 # الثاني: الوسط، قال: (في سواء الجحيم) وقال: (إلى سواء الصراط) أي: فى ~~أحكم البين فشبهه بوسط الطريق، وقيل: السواء هاهنا بمعنى العدل. # الثالث: الأمر البين، قال: (فانبذ إليهم على سواء) يعني: على أمر بين، ~~قال أبو عبيد: قال الكسائي وغيره: السواء العدل، وقال غير واحد من أهل ~~العلم: (انبذ إليهم على سواء) أي: أعلمهم أنك محاربهم حتى يصيروا مثلك في ~~العلم بذلك، فذلك هو السواء. # الرابع: الاستواء، قال: (سواء العاكف فيه والباد) وقال: (ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سواء)، قال (فأنتم فيه سواء) أي: مستوون، ومثله: (وسواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) أي: مستو عندهم إنذارك وخلافه، ~~وقال: (على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء). # الخامس: القصد، قال الله: (أن يهديني سواء السبيل). وقال: (وضلوا عن سواء ~~السبيل) ونحوه: (واهدنا إلى سواء الصراط) وقيل: معناه هاهنا العدل، والمراد ~~عندي الحكم البين، فشبهه بوسط الطريق، ووسط الطريق بينه فخصه بالذكر # PageV01P246 ### | السوء # أصله المكروه ومنه قولهم: دفع الله عنك السوء؛ ثم استعمل في الحزن؛ لأن ~~الحزن مكروه، فقيل: ساءه الأمر، والدليل على أنه يراد به الحزن أنهم ~~يجعلونه خلاف السرور، فيقولون: ساءه ذلك، وسره هذا، وقوله: (سيئت وجوه ~~الذين كفروا) أي: يتبين فيها أثر الحزن. # والسوء في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: الشدة، قال الله: (يسومونكم سوء العذاب) وقال: (أولئك الذين لهم ~~سوء العذاب) أي: شدته. # الثاني: المكروه، قال: (ولا تمسوها بسوء) أي: بمكروه، وقال: (وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له) قوله: (وما مسني السوء) وقوله: (إن أراد بكم ~~سوءا) أي: مكروها، وقيل: المراد القتل والهزيمة. # الثالث: جاء بمعنى الزنا، قال: (ما علمنا عليه من سوء) وهذا راجع إلى ~~المكروه؛ لأن الزنا مكروه. # الرابع: البرص، قال الله: (تخرج بيضاء من غير ms102 سوء) # PageV01P247 # الخامس: العذاب، قال الله: (إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين) وقال: ~~(لا يمسهم السوء) يعنى: العذاب، ومعنى ذلك كله راجع إلى المكروه. ونحوه: ~~(ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى) أي: العذاب. # السادس: المعصية من الشرك وغيره، قال: (ما كنا نعمل من سوء) يعني: الشرك، ~~وقال: (يعملون السوء بجهالة) يعني: ما دون الشرك. # السابع: الشتم، قال: (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء). # الثامن: قوله: (سوء الحساب) قال: هو أن لا يقبل منه حسنة، ولا يتجاوز عن ~~سيئة، و: (سوء الدار) يعنى: شر الدار، وعذابها، وقيل: معناه بئس الدار # PageV01P248 ### | السعي # أصله السرعة في المشي، ثم استعمل في غيره، فيقل: سعى الرجل سعاية، إذا ~~ولي الضدقة، والساعي إلى السلطان لسرعته، لأن الساعي حنق على المسعي به؛ ~~فهو سريع إلى إلحاق الضرر به، والمساعاة الزنا بالإماء خاصة. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: المشي، قال الله: (فاسعوا إلى ذكر الله) لم يرد سرعة المشي؛ وإنما ~~أراد صدق القيام في أمر الصلاة، وتقوية العزم عليه، والمستحب أن المشي إلى ~~الجمعة مشيا رويدا لا سرعة فيه ولا بطء، وقال: (فلما بلغ معه السعي) يعني: ~~المشي، يقال: أراد المعاونة على أمره ونحوه قولهم: فلان يسعى في حوائج ~~أهله، أي: يعينهم فيها. # الثاني: العمل، قال: (فأولئك كان سعيهم مشكورا) وقوله: (وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى) أي: ما عمل، وحقيقته جزاء ما عمل. # وقال: (وسعى لها سعيها وهو مؤمن) أي: عملها، وقال: (إن سعيكم لشتى) أي: ~~عملكم مختلف، وأصل الشتت التفرق. # وقال: (سعوا في آياتنا معاجزين) أي: سابقين جادين في الصرف عن آياتنا، ~~وقال: مغالبين # PageV01P249 # وأصل العجز الضعف، وقد عاجزه كأنه طلب ضعفه وقرئ: (معاجزين) أي: يعجزون ~~من يؤمن بها، وهو معنى التثبيط عنها، ويرجع الأول إلى الإسراع. # الثالث: السرعة، قال الله: (وأما من جاءك يسعى) أي: يسرع إليك للاستفادة ~~منك. # وقال:. (من أقصا المدينة يسعى) وقال (يأتينك سعيا) قيل: أراد مشيا، ~~والأول أجود # PageV01P250 ### | السوي # أصله من الاستواء، وقد جاء في معنى الصحعة؛ لأن المستوي صحيح التقاصيم، ms103 ~~ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة ~~سوي ". # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الصحيح، قال: (ثلاث ليال سويا) أي: صحيحا من غير خرس. # الثاني: المستوي الصورة، السوي الخلق، قال: (فتمثل لها بشرا سويا) أي: ~~سوي الخلق في صورة البشر. # الثالث: العدل، قال: (فستعلمون من أصحاب الصراط السوي) أي: العدل، وقال: ~~(فاتبعني أهدك صراطا سويا) يعني: دينا عدلا، قال: (أفمن يمشي مكبا على وجهه ~~أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم) يعني: عدلا مهديا # PageV01P251 ### | السبب # أصله الحبل، ثم قيل: لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب، تقول: ~~فلان سببي إليك، أي: وصلني، وما بيني وبينك سبب، أي: وصلة ورحم. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الباب، قال: (فليرتقوا في الأسباب) يعني: أبواب السماوات كما قال ~~تعالى: (لعلي أبلغ الأسباب) أسباب السموات وسبب الشيء ما يتوصل به إليه، ~~ويجوز أن يكون قوله؛ (فليرتقوا في الأسباب) يعني: في الحبال وغيرها مما ~~توصل به إلى الموضع العالي. # ويجوز أن يكون أراد الهواء الذى هو سبب لصعود الملائكة إلى السماء يمدون ~~فيه أجنحتهم فيصعدون، وهذا على جهة التعجيز للكفار المخاطبين بهذه الآية، ~~والإخبار بأنهم يغلبون ولا يتم أمرهم، والشاهد على صحة هذا قوله: (جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب). # الثاني: الطريق، قال تعالى: (فأتبع سببا) وجعل الطريق سببا، لأنك إذا ~~سلكته وصلت إلى الذي تريده، ومنه قولهم سبب لك على فلان، أي: جعل لك طريق ~~إلى مطالبة. # الثالث: الحبل، قال الله: (فليمدد بسبب إلى السماء) # PageV01P252 # الرابع: العلم، قال: (وآتيناه من كل شيء سببا) أي: علما،: (فأتبع سببا) ~~أي: طريقا يهدي به إلى معلومه، ويجوز أن يكون المراد: إنا أعطيناه من كل ~~شيء يتوصل به إلى الغلبة والسلطان آلة أو قوة أو ذريعة أو علما على ما ذكر # PageV01P253 ### | السمع # أصل السمع سمع الأصوات، ثم سميت الأذن سمعا؛ لأن السمع بها يكون فيما ~~بيننا، وسمى الإجابة سمعا، لأنها مع السمع تكون في أكثر الأوقات، ms104 والسميع ~~لا يقتضي المسموع، لأن فعيلا جعل للمبالغة، وليس هو على مقتضى فعل، والله ~~تعالى لم يزل سميعا، ومعناه أنه الذي لا آفة به لمنعه عن السمع المسموع إذا ~~وجد، والسامع يقتضي المسموع، فلا يسمى الله سامعا، فيما لم يزل. # والسمع في القرآن على وجهين: # الأول: سمع الصوت، قال الله: (ما كانوا يستطيعون السمع) أي: يعرضون عن ~~الإيمان وينصرفون عنه انصراف من لا يستطيع سمعه. # الثاني: القبول والإجابة، قال الله: (إنك سميع الدعاء) أي: مجيبه، وأنت ~~تقول لصاحبك: اسمع نصيحتي مع أنك تعلم أنه يستجيبها، وإنما يريد أقبل، ~~ونحوه قولك لمن يحله: سمعا وطاعة، أي: أقبل ما تقول وأطيعك فيه، وقوله ~~تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) أي: لسماهم سمعاء، ولم يسمهم صما ~~بكما # PageV01P254 ### | السلطان # أصل السلطان القوة، والسطوة، والجدة، وهو مشتق من السليط، وهو الزيت، ~~وذلك أن الزيت مادة للسراج يشتعل به وتقويه حتى يبقى، والسلطان مادة وقوة ~~لكل خير وشر، ونفع وضر، وهو يذكر ويؤنث. # ورجل سليط اللسان فصيحه، يرجع إلى معنى الجدة، والمصدر السلاطة، وهو ~~للرجل مدح وللمرأة ذم، يقال: امرأة سليطة إذا كانت كثيرة الصخب، ويقال: ذهب ~~سلطان الحر وسلطان البرد أي: شدتهما، وسميت القدرة على الشيء سلطانا، يقال: ~~ما لي على هذا الأمر سلطان، أي: قدرة. # والسلطان في القرآن على وجهين: # الأول: الحجة، قال الله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين) يعني: ~~حجة وبينة، وقال: (ما لم ينزل به سلطانا) وقال: (أم لكم سلطان مبين) وقال: ~~(أو ليأتيني بسلطان مبين)، وإنما سميت الحجة سلطانا، لأنك تقوى بها على ~~خصمك. # الثاني: الملك والقهر، قال الله: (وما كان لي عليكم من سلطان) وقوله: ~~(وما كان لنا عليكم من سلطان) أي: من ملك يقهرهم به على فعل المعاصي # PageV01P255 ### | السلام # قد مضى القول في أصل هذا الحرف، وهو في القرآن على ستة أوجه: # الأول: اسم الله تعالى، قال: (السلام المؤمن المهيمن) ومعناه أن عباده ~~يسلمون من ظلمه، وقال: (سبل السلام) أي: سبل الله، وهو دينه، وقال: (يدعو ~~إلى ms105 دار السلام) يعني: الجنة، ونسبها إلى نفسه تعظيما لها، كما يقال: بيت ~~الله وخليفة الله، ويجوز أن يكون أراد بالسلام الأمن من الخوف، لأن موضوع ~~السلام لذلك. # الثاني: الخير، قال: (فاصفح عنهم وقل سلام) أي: قل خير كذا قيل، ولو كان ~~كذلك [لنصب]، فقال: سلاما؛ لأن ما كان من القول يجيء بعده [فهو] منصوب، ~~قلت: خيرا؛ وقلت: شرا. # والمراد أن قل أنا سلم ولست بحرب، وإنما أقول ما أقوله على وجه النصيحة، ~~فإن قتلتموه وإلا فقد بلغت، وحسابكم على الله، وهذا قبل أن يؤمر بالحرب، ~~وقال: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) أي: ردوا خيرا، وقيل: (سلاما)، ~~أي: تسلما منكم، قال سيبويه: يقال: لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام، ~~يعني: به المباركة. # وقوله: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام) أي قال خيرا كذا قيل، ~~والوجه أن يكون من السليم فنجد الأول، لأن القول هو السلم، وكل ما يجيء بعد ~~القول فهو رفع إلا أن يكون من القول، فيقول: قلت: زيد في الدار، وقلت: ### | ...... # PageV01P256 # كلاما حسنا؛ لأن القول هو الكلام، وليس زيد هو القول، ورفع السلام ~~الأخير، كأنه قال حين أنكرهم: هو سلام إن شاء الله، فمن أنتم ولو كانا ~~جميعا نصا لجاز. # الثالث: الثناء الحسن، قال تعالى:: (سلام على نوح في العالمين) وقوله: ~~(سلام على إبراهيم) (سلام على موسى وهارون) أراد الثناء الحسن عليهم، ويجوز ~~أن يكون أراد قول المسلمين عند ذكر الأنبياء عليهم السلام. # الرابع: السلامة من الشر، قال الله: (يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم) وقال: (فسلام لك من أصحاب اليمين) أي: إنك ترى لهم ما [تحب] من ~~السلامة، وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء، كذا قال الزجاج، وليس بالوجه؛ ~~لأنه ليس على مقتضى لفظ الآية. # والصحيح أنه أراد أن لك من إيمانهم وطاعتهم لله الخير عند الله، لأنهم ~~آمنوا بدعائه وهدايته، " ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " أي: ~~مثل أجره، ويجوز أن يكون المراد أنك مسرور بثوابهم فجعل سروره ### | .... # الخامس: ms106 بمعنى تسليم الشيء إلى صاحبه، قال: (ادخلوها بسلام آمنين) وكذلك ~~قوله: (ادخلوها بسلام) أي: قد سلمت إليكم فخذوها مهنأة، ويجوز أن يكون ~~معناه ادخلوها مع السلامة من الآفات، والسلام والسلامة واحد مثل الضلالة ~~والضلال، والجلالة والجلال. # السادس: التحية، قال: (سلام عليكم بما صبرتم) أي: يدخل الملائكة عليهم ~~مسلمين مهنئين، ونحوه قوله: (فسلموا على أنفسكم) ### | ...... # PageV01P257 # أي: على إخوانكم، وقال: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) حكاية ما تحيون به. # وتقديره في العربية الابتداء، والخبر وتأويله ما تحيون به هو هذا القول، ~~ومثله: (ويلقون فيها تحية وسلاما) والتحية أعم من السلام، والسلام مخصوص، ~~ويدخل في التحية: حياك الله، ولك البشرى، ولقيت كل خير. # فإن قيل: كيف يعطف الجزء من الشيء على جميعه؟ قلنا: لأن من كلامهم عطف ~~الخاص على العام، كقوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى). وكقوله: (من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وقال جرير: # سائل ذوي يمن ورهط محرق ... والأزد إذ ندبوا لنا مسعودا # والأزد من اليمن # PageV01P258 ### | السيئات # قد تكلمنا في هذا الحرف بما فيه كفاية، وهو في القرآن كل خمسة أوجه: # الأول: المعاصي، قال: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) وارتفع ~~(جزاء) بإضمار لهم، أى: لهم: (جزاء سيئة بمثلها). # وقال البلخي: الباء في قوله: (بمثلها)، زائدة وليس كما قال، وإنما هو على ~~تقديم وتأخير، كأنه قال: يجازي بسيئة مثلها، والسيئات هنا الكبائر من ~~المعاصي. # والمراد أن من يأتي بكبيرة من الكبائر يجازى بما يستحق عليها من غير ~~زيادة، وهذا دليل على أنه لا يعاقب بغير ذنب؛ لأن العقاب بغير ذنب قبيح من ~~الزيادة في العقاب. # ولا يسمى إيصال العذاب زيادة، وقيل: منه قوله: (للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة) أنه أراد به إيصال الثواب، وقيل: هي التفضل، وقال الكلبي: الزيادة ~~للواحد عشرة ونحوه عن الحسن - رحمه الله -. # الثاني: العذاب، قال: (فأصابهم سيئات ما عملوا) وسمي العذاب، وهو فعلة ~~سيئة، كما سماه شرا في قوله: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) وإنما سماه شرا ~~وسيئة من أجل أنه مضرة، وقال الشاعر: # أنا على الماء ms107 لشر موضوع # فسمى نفسه وقومه شرا، أراد أنهم مضرة على من يزاحمهم على الماء. # ولا يجوز أن يسمى الله شريرا ولا مسيئا لفعله العذاب الذي سماه شرا أو ~~سيئة، لأن الشرير هو الذي يفعل الشر القبيح، مثل الظلم وما بسبيله. # الثالث: الضر، قال الله: (بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني) وقال: ~~(وبلوناهم بالحسنات والسيئات) أي: بالضر وسوء الحال، والبلوى من الله ~~التكليف، وأصلها استنارة العلم بالمبلو # PageV01P259 # الرابع: الشر، قال: (فوقاه الله سيئات ما مكروا)، أي: الشر الذي أراده به ~~فرعون. # الخامس: الفاحشة، قال: (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) يعني: إتيان ~~الرجال. # ويجوز أن يكون أراد ذلك وغيره من قبيح أعمالهم، والأصل في هذا كله ~~المكروه على ما ذكرنا، وهاهنا وجه آخر وهو قوله: (إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) والسيئات هاهنا الصغائر. # والمراد إن اجتنبتم المعاصي التي هي أكبر من طاعتكم وغفرت لكم معاصيكم ~~التي هي أصغر منها ولو لم تكن هذه الكبائر أعظم من طاعات فاعليها لغفرت ~~بالطاعات؛ كما يغفر بها الصغائر، ولو كانت الكبائر تغفر بالطاعات لم يكن، ~~لقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فائدة # PageV01P260 ### | السبيل # تذكر وتونث، وأصلها من الامتداد، ومنه قيل للمطر بين السماء والأرض سبل، ~~لامتداده من السحاب إلى الأرض، وأسبلت الستر إذا أرخيته فامتد من علو إلى ~~سفل، والسبيل في القرآن على ثلاثة عشر وجها: # الأول: الطاعة، قال الله: (وأنفقوا في سبيل الله) أي: في طاعته. # الثاني: البلاغ، قال: (من استطاع إليه سبيلا) أي: بلاغا، والمراد ~~بالاستطاعة هاهنا وجدان النفقة، وصحة البدن، ورفع الموانع، وتمام الوقت. # الثالث: المخرج، قال الله: (فلا يستطيعون سبيلا) وقال الله: (أو يجعل ~~الله لهن سبيلا) وكان الله فرض أن يحصن الزاني، وهو قوله: (فأمسكوهن في ~~البيوت) فلما نزل؛ ### | ...... # PageV01P261 # (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة)، وقال عليه السلام: " قد ~~جعل الله لهن سبيلا ". # وأخرج من كان عنده من الزناة محبوسا فجلدهم مائة مائة وخلاهم، ثم فصل - ~~عليه السلام - حد الزاني فجعل ms108 للذكر الجلد، وللأنثى الرجم، وقال: (واللاتي ~~يأتين الفاحشة) ولم يذكر الذكور؛ لأنه معلوم أن حد الزناة مثل حد الزواني ~~فاكتفى بذكر أحد الصنفين. # والفاحشة هنا الزنا، واستشهدوا مثل اشهدوا كما تقول: استوقد نارا، أي: ~~أوقد، هذا قول، والأجود أن يقال: استشهد، طلب الإشهاد. # واستوقد طلب الاستضاءة بالنار، ولا يجوز أن يكون افعل واستفعل بمعنى ~~واحد، كما لا يكون علم واستعلم بمعنى واحد. # الرابع: الصنيع، قال الله: (إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) أي: صنيعا. # الخامس: العلة، قال: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) أي: علة، تقول: ~~إذا نشزت المرأة على زوجها فله أن يهجرها من غير أن يمنعها النفقة والسكنى، ~~وإذا أطاعته فلا يبغي عليها سبيلا، أي: لا يكلفها حبه، فإن ذلك لا تملكه. # السادس: الدين، قال الله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي: غير دينهم، وقال ~~(ادع إلى سبيل ربك). # السابع: الهدى، قال: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) والإضلال هاهنا ~~التسمية كما تقول: جهلت الرجل إذا سميته جاهلا، وعدلته إذا سميته عدلا، ~~ومثله قوله: (فمن يهدي من أضل الله) أي: من حكم عليه باسم الضلال عقوبة له # PageV01P262 # ودليل ذلك قوله في أول الآية: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) ومثله: (فما ~~له من سبيل). # الثامن: الحجة، قال الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ~~أي: حجة، وفي هذا دليل على أن الله قد مكنهم من الإيمان؛ لأنه لو لم يمكنهم ~~منه لكان للكافرين على من يدعوهم إلى الإيمان حجة (1). # التاسع: الطريق، قال: (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) يعنى: أنهم لا ~~يعرفون الطريق إلى المدينة. # وقال (وابن السبيل)، وابن السبيل المسافر يأخذ من الصدقة، وإن كان له مال ~~في بلده، وكل من ذكر في الآية، أنه يأخذها فإنما يأخذها بالفقر إلا ابن ~~السبيل، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وقوله في هذه الآية: (وفي سبيل ~~الله) فإنه يعني: الجهاد. # وقال الكوفيون: لا يعطى إلا الفقراء من المجاهدين؛ فإذا أعطوها وهم فقراء ~~فقد ملكلوها وأجرى المعطي وإن لم تصرفوه في سبيل ms109 الله، وقال الشافعي: " ~~يعطى الغني والفقير من المجاهدين ". # العاشر: الهدى، قال: (أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل) أي: عن قصد ~~الهدى، يعني: الإسلام، ومثله: (وضلوا عن سواء السبيل). # الحادي عشر: قيل: الانتقام، قال: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق) وقال: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنياء). PageV01P263 # وقيل: المراد أن الحجة على الذين يستأذنونك في القعود عن الجهاد، وهم ~~يقدرون على [النفوذ] فيه، وقالوا: ومثله: (ما على المحسنين من سبيل) يعني: ~~أن مناصحتهم للدين إحسان، وليس على المحسن حجة. # الثاني عشر: الطاعة والقربة، قال الله: (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا) أي: زلفى وقربة. # الثالث عشر: الملة، قال الله: (قل هذه سبيلي) أي: ملتي وديني # PageV01P264 ### | الباب الثالث عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله شين ### | الشرك # أصل الشرك إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد ~~منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه ~~غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به. # والشرك في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الإشراك بالله في العبادة، كقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) و (إن) في موضع نصب. # والمعنى إن الله لا يغفر الشرك به إلا بالتوبة؛ فحذف ذكر التوبة لدلالة ~~العقل عليه، ولشهادة السمع به، وهو قوله: (إلا من تاب) وقال: (ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء) يعني: (أصحاب الصغائر؛ لأن ما دون الشرك صغائر وكبائر فلو ~~كانا جميعا مغفورين لم يكن لقوله: (لمن ### | ...... # PageV01P265 # يشاء) فائدة ولا يجوز أن يكون ما دون الشرك لا يكون كفرا، لأن الشرك ~~والكفر في أسماء الدين واحد، وكل كافر مشرك. # وقوله: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) وقوله: (أن الله ~~بريء من المشركين). # الثاني: قالوا: الشرك بمعنى الطاعة، قال الله: (إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل) أي: أطعتموني. # وقيل: أراد إني كفرت اليوم بما أنتم في الدنيا تدعونه لي من الشرك بالله، ms110 ~~وهو مثل قوله: (ويوم القيامة يكفرون بشرككم). # وقال الكلبي: هو على التقديم والتأخير، أي: إني في دار الدنيا كفرت بربي ~~الذي أشركتموني به. # وقال الحسن: إني كفرت بما جعتموني إلها وما على التفسير مصدر، أي: كفرت، ~~بإشراككم إياي بالله، وقال أبو علي - رحمه الله -: أي: إني كفرت بما ~~أشركتموني به بعد ذلك، لأنه قد تقدمهم بالكفر. # الثالث: الربا علي ما جاء في التفسير، قال الله: (فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) أي: لا يرائي فيما نفعل من ~~العبادة. # وقيل أيضا: إنه أراد الإشراك بالله غيره، وقوله: (وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) يعني: الشياطين المذكووين في قوله: (وجعلوا ~~لله شركاء الجن) يزينون لهم ذلك بالوسوسة، وقيل: هم رؤساء السوء، وقيل: هم ~~السدنة، وقوله: (وهذا لشركائنا) يعني: للأصنام وجعلها لهم شركاء، لأنهم ~~جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها # PageV01P266 ### | الشقاق # أصل الشقاق من قولهم: شققت الشيء إذا قطعته بنصفين فبعد أحدهما عن الآخر ~~وكل قطعة منه شقة، وسمي الثوب الطويل القليل العرض شقة كأنه من قلة عرضه قد ~~شق من غيره، وشقيق الرجل أخوه؛ كأنه شق منه، وسميت الأرض البعيدة شقة ~~لطولها وتراخي بعضها عن بعض، ومن ثم قيل للطويل أشق، وشق الأمر على فلان ~~طال حتى أتعبه، وشاق فلان فلانا إذا عاداه وباعده، والأصل في ذلك كله ~~البعد. # والشقاق في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الضلال قال الله: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) ~~ويجوز أن يكون أراد المجانبة والمباعدة، أي: هم في بعد عن الحق وعن صاحب ~~الحق شديد. # الثاني: الخلاف، قال: (وإن خفتم شقاق بينهما) جاء في التفسير أنه أراد ~~الخلاف، ويجوز أن يكون بمعنى الفرقة وهو أجود. # الثالث: العداوة، قال: (وشاقوا الرسول) أي: عادوه. قال: (ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله) وقال: (لا يجرمنكم شقاقي) وهذه الألفاظ يقام بعضها مقام بعض ~~في هذه الآيات، وأصلها واحد، وإنما أوردتها على ما جاء في التفسير # PageV01P267 ### | الشهادة # الشهادة الإخبار عن ms111 معرفة تقوم مقام الرؤية، والشاهد المخبر بها. # وهو في اللغة على وجوه: # أحدها: الحضور، شهدته حضرته. # والآخر: الإعلام شهد الشهود، وهو إعلام ما عندهم، ومنه: (شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو) أراد تعريف عباده أنه لا إله إلا هو، فقال: شهد بذلك لأن هذا ~~القول أفخم وأوكد ومن الألفاظ ما هو أقوم فتفخم المعنى ألا ترى أن قولك: ~~تضعضع ركن فلان أفخم من قولك: ضعف فلان، ولذلك رغم أنف فلان أفخم من قولك: ~~ذل فلان. # ومنه الإقرار، وهو قوله: (والملائكة وأولو العلم) وقال: (شهدنا على ~~أنفسنا). # ومنه الحكم، قال: (وشهد شاهد من أهلها) واليمين في قوله. (فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله) وأربع، والرفع على خبر الابتداء، أي: شهادة أحدهم أربع، ~~والنصب على أن تشهد أحدهم أربع شهادات، وهو أن تقول: أشهد بالله وأحلف ~~بالله إني صادق فيما قذفتها به، وتقول المرأة: أشهد بالله وأحلف بالله إنه ~~لمن الكاذبين فيما قذفتني به، فإذا فعلا ذلك فرق بينهما، ولا [تحل] له أبدا ~~عند أكثر الفقهاء. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) قيل: أراد اليمين، والصحيح أنه ~~أراد أن أحدكم إذا حضره الموت وهو ضارب في الأرض، أي: مسافر وأراد أن يوصي ~~فينبغي أن يشهد على وصيته اثنين منكم، أي: من المسلمين، فإن لم ### | ...... # PageV01P268 # يجدها فمن أهل الذمة، وهو قوله: (أو آخران من غيركم) فإن ارتبتم في ~~شهادتهما فأقيموها بعد الصلاة، أي: صلاة العصر، وذلك لتعظيم أهل الذمة لهذا ~~الوقت، فيحلفان على صحة شهادتهما، وقيل: إنها منسوخة بقوله: (وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم). # والشهداء في قوله: (وادعوا شهداءكم من دون الله) الكبراء الأعلام، وقيل: ~~الأصنام. # والشهيد في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: نبي كل أمة شهيد عليهم يوم القيامة، قال: (فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد) وقال: (ونزعنا من كل أمة شهيدا) وقال: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم) إلا أن هذا في الدنيا. # وفى هذا دليل على أن ذنوبهم بعلمهم، وإلا فبأي شيء يشهد عليهم، الأنبياء ~~أتراهم يشهدون عليهم بأفعال ms112 الله، وليس ذلك بمعقول. # الثاني: الحافظ، قال الله تعالى: (ثم الله شهيد على ما يفعلون) أي: حافظ ~~له مجاز عليه. # ويجوز أن يكون العالم ومنه الشهادة في الحقوق؛ لأنها لا تصح إلا مع ~~العلم، وهو قوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) ثم قال: (إلا الذين تابوا)، ~~قالوا: فشهادكم في كتاب الله مقبولة. # وعن شريح، وابن المسيب، وإبراهيم، وسعيد بن جبير: أن شهادته غير مقبولة، ~~وإن تاب. # وعن عطاء، وطاووس، ومجاهد، والشعبي، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهري: ~~أنها مقبولة إذا تاب # PageV01P269 # والصحيح أنها لا تقبل وإن تاب؛ لأن حكم الاستثناء أن يكون راجعا إلى ما ~~يليه، ولا يرجع إلى ما تقدمه، إلا بدلالة، ألا ترى أن قائلا لو قال لفلان ~~علي عشرة درهم إلا ثلاثة درهم إلا درهما كان عليه ثمانية درهم، لأن الدرهم ~~مستثنى من الثلاثة، هذا أصل الاستثناء. # وقد جاء في القرآن [مثنا ولا لجميع المذكور] (1)، وهو قوله تعالى: (إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) إلى قوله: (إلا الذين تابوا) فكان ~~الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور، فيقول في ذلك إن الدلالة قد قامت في هذه ~~الآية؛ ولم تقم في الأول. # وقال الأوزاعي: لم تقبل شهادة محدود في قذف في الإسلام. # وقال أبو علي - رحمه الله -: تقبل شهادته إذا تاب؛ لأنها إنما ترد عقوبة، ~~فإذا تاب سقطت العقوبة، وقيل: ليس ذلك بشيء؛ لأنه أيضا يحد عقوبة، وإذا تاب ~~لم يسقط الحد بالإجماع، فكذلك الشهادة لا تقبل بالتوبة. # قلنا: وهذه المعارضة ليست بالصحيحة؛ لأن الحد في القذف حتى لآدمي فلا ~~يسقط بالتوبة. وليست كذلك الشهادة. # وقال: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) يعني: الملك الذي حفظ عليه عمله في ~~الدنيا يشهد عليه في الآخرة. # ومثله: (وجيء بالنبيين والشهداء) يعني: الحفظة من الملائكة. PageV01P270 # ومثله: (ويوم يقوم الأشهاد) يعني: الحفظة، ويجوز أن يكون المعنى الذين ~~يشهدون على الناس بأعمالهم من كل أمة. # والأشهاد جمع شهيد نادر وجاء في جميع بأن أبناء، وفي جمع جان أجناء، فقيل ~~في مثل أجناؤها أبناؤها، وله حديث ذكرناه ms113 في كتاب " جامع الأمثال ". # الثالث: قوله: (لتكونوا شهداء على الناس) يعني: أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -: (ويكون الرسول عليكم شهيدا). يعني: على أهل زمانه. # ولو كان شهيدا على غيرهم فحن جاء بعده لم يكن لقوله: (لتكونوا شهداء على ~~الناس) أي: معرفين منبهين،: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) أي: معرفا ومبينا، ~~كما قال: (ويتلوه شاهد منه) وكما قال: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم) والوجه أن يكون المراد الشهادة: عليهم بأعمالهم. # الرابع: المستشهد في سبيل الله، قال الله: (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم) يعني: من قتل فى سبيل الله وسمي شهيدا، لأن الملائكة تشهده، فعيل ~~بمعنى مفعول، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل، أي: شهد ما سره من الثواب ~~والبشارة الحسنة. # الخامس: الذى يشهد على الحقوق، وقال تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) ~~والمرضي هو العدل؛ وهذا موكول إلى الاجتهاد؛ لأنه قد يجوز أن يكون المرضي ~~عندك غير مرضي عند غيرك. # وقال أبو يوسف: إذا سلم من الفواحش وكان ما فيه من أخلاق البر أكثر عن ~~المعاصي الصغار قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم عبد من الذنب، ومثله: (واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم) أي: من أهل ملتكم # PageV01P271 # وجواز شهادة أقل من رجلين أو رجل وامرأتين خطأ بدلالة هذه الآية، ومن ~~أجاز بتثبيت الحق بتميز الطالب وإشهاد شاهد واحد؛ فإنه مبطل لظاهر هذه ~~الآية. # والأمة مجمعة على أنها غير منسوخة، وقوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم) لفظ ~~عام، والمعنى خصوص، أي: إذا خفتم رجوع أحد المبايعين عما عقد على نفسه، ~~فأشهدوا عليه بما عقد. # والكتاب والإشهاد واجبان عند تخوف الإضاعة، وقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا) ~~يشهد بصحة هنا التأويل، وقال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # السادس: الحاضر، قال تعالى: (أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا) وقال: ~~(وبنين شهودا) أي: حضورا. (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) أي: حضورا. # السابع: الأحكام والأعلام من الناس؛ وهو قوله: (وادعوا شهداءكم من دون ~~الله) وقد مر. # الثامن: الفطن الحاضر الذهن؛ قال: (أو ألقى السمع وهو شهيد) وحقيقة إلقاء ms114 ~~السمع الاستماع؛ أي: استمع إليك وهو شهيد؛ أي: قلبه شاهد عندك لا يغيب عنك ~~فهمه، وإذا كان كذلك انتفع بالخير الذى تدعوا إليه. # وأما قوله: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) فمجازه: أي ~~شيء أكبر شهادة فيكون شاهد لي على دعائي إياكم، وتكذيبكم لي قل الله شاهد ~~لي على ذلك. # وفي هذا دليل على أن الله شيء، ألا نرى أنه لا يحوز لك إذا قيل لك: أي ~~الناس أصدق؟ أن تقول جبربل؛ لأن جبريل ليس من الناس، ولو لم يكن منفردا عند ~~القائل والسامع أن الله شيء؛ لكان هنا الكلام لغوا لا معنى له؛ فإن قيل: ~~(أي شيء أكبر شهادة) تمام # PageV01P272 # وقوله: (شهيد بيني وبينكم) ابتداء وليس بجواب، ولو كان جوابا [كان ما ~~بعده من قوله: (شهيد بيني وبينكم)] (1). # والشهادة في قوله: (عالم الغيب والشهادة) بمعنى المشاهدة، وأصل الكلمة ~~الظهور، ومنه قيل: شاهده؛ أي: ظهر به ظهور المقابل بالشهادة، ويشهد ذكر ~~الشهادة وهو قول: أشهد أن لا إله إلا هو، وتشاهدوا: تعاونوا على إقامة ~~الشهادة. # وقال: (وشاهد ومشهود) قيل: الشاهد: محمد صلوات الله عليه، والمشهود: يوم ~~القيامة، والشهد: العسل على ما شوهد في موضعه قبل أن يصفى. # والشهادة في قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) الحضور؛ يعني: من ~~كان حاضرا في أهله، ومن شرائط ذلك الصحة، والشاهد قوله تعالى: (ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). PageV01P273 ### | الشيع # أصلها من العموم، ومنه شاع الخبر؛ إذا فشا فعرفه كل أحد، ولك سهم شائع في ~~الدار وشاع؛ أي: هو في جميع الدار غير مشار إليه في موضع منها دون موضع # PageV01P274 # وشيعة الرجل؛ من يعينه على أموره، وشايعه، إذا عاونه معاونة عامة، وشيع ~~الرجل؛ الرجل إذا صار معه كما يسير الخبر الشائع. # ويقال: هو شيعة لك، وقيل: الشيعة مأخوذة من الشياع؛ وهو الحطب الصغار ~~التي تشعل بها النار ويعين الحطب الكبار على الاتقاد. # وقيل: أصل الكلمة من الاتباع، ومنه شاعك؛ أي: تبعك، وشاعكم السلام؛ أي: ~~تبعكم. ms115 # والشيع في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الفرق المختلفة؛ قال: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) يعني: ~~إنهم فارقوا الإسلام وصاروا فرقا يهودا ونصارى وجعل الإسلام دينهم ولم ~~يدينوا به؛ لأنهم بدلوا إليه وأمروا به. # ويجوز أن يكون معناه أنهم فارقوا دينهم حين اختلفوا فيه، [وذلك أن ~~النصارى يكفر بعضهم بعضا وصاروا شعابا لاختلاف فيه] # PageV01P275 # وفي هذا نهي عن إحداث البدع في الدين، ومفارقة جميع المسلمين، ومثله: (من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) وقال: (وجعل أهلها شيعا). # الثاني: قوله: (هذا من شيعته وهذا من عدوه) يعني: أنه ولد ابنه إسرائيل ~~ولم يكن من القبط. # الثالث: أهل دين؛ قال الله: (ولقد أهلكنا أشياعكم) أي: من كان على دينكم، ~~وقال: (كما فعل بأشياعهم من قبل) وقال: (ثم لننزعن من كل شيعة) أي: من كل ~~أهل دين باطل، وقال تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم) أي: من أهل دينه. # الرابع: اختلاف الآراء وتغاير الأهواء، قال الله: (هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا) يوعدهم بالعذاب من ~~فوقهم وهو الطوفان، أو من تحت أرجلهم الخسف، أو يلبسهم شيعا أي: يخذلهم ~~ويخليهم من ألطافه وفوائده (1)، كل ذلك بذنوبهم فيلتبس عند ذلك أمرهم ~~ويختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. PageV01P276 ### | الباب الرابع عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله صاد ### | الصدق # أصل الصدق من الثبات، ومنه قيل: صدقهم القتال؛ إذا ثبت لهم، وتمر صادق ~~الحلاوة يرجع إلى هذا. # والصدق خلاف الكذب؛ لأنه يثبت، والكذب يبطل، والصداقة: ثبات المودة، ثم ~~صار الصداقة اسما لاتفاق الضمائر على المودة، فإذا أضمر كل واحد من ~~المتعاشرين مودة صاحبه، فصار باطنه فيها كظاهره سميا صديقين. # ولهذا لا يجوز أن يقال: إن الله صديق المؤمن، كما يقال: إنه وليه، ولا ~~يجوز أن يكون المؤمن صديقه كما أنه خليله وحبيبه ووليه، ومعنى الولي أنه ~~يحب الخير لوليه، كما أن العدو يحب الضر لعدوه، ويقول الله: (ولي المؤمنين) ~~بمعنى أنه يتولى حفظهم وكفايتهم، كما أن ولي ms116 الطفل هو المتولي لشأنه ~~والمتكفل لمعونته، ومعنى محبة العبد لله؛ إرادة: طاعته، ومحبة الله للعبد ~~إرادة ثوابه. # ومعنى الخلة الاختصاص، فقيل: إن إبراهيم خليل الله لاختصاص الله إياه ~~بالرسالة، ولا يجوز أن الله خليل له؛ لأنه لا يجوز أن يخص الله بشيء غير ~~العبادة، والخلق في عبادة الله سواء ليس لأحد فيها خصوصية # PageV01P277 # والوجه الأجود في أصل الصدق والصداقة وما في بابه أن يقال: إن أصل الكلمة ~~الكمال، فقيل: الصدق لكماله في الحسن، وصادق الحلاوة كامل الحلاوة، ~~والصداقة كمال المودة [بحمل جميع في هذا الباب على هذا الوجه فيصح]. # والصادقون في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: النبيون " قال الله: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) فأخبر أنه يسأل ~~الأنبياء ليكون غيرهم على حذر. # الثاني: المهاجرون؛ قال تعالى: (وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) ~~جاء في التفسير أنه أراد المهاجرين خاصة؛ لأن الآية نزلت فيهم، وذكر بعدهم ~~الأنصار. # الثالث: المؤمنون جميعا؛ قال الله: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) يعني: ~~المؤمنين؛ لأن الآية نزلت فيهم # PageV01P278 ### | الصف # أصله في اللغة الامتداد والطول؛ ومنه قيل: صفة البيت؛ لأنها ممدودة ~~طويلة، وصف الطائر: بجناحيه إذا مدهما في طيرانه، وصفة السرج: ما غشي به ما ~~بين القربوسين والسرجين وهما جانبا الرحل، [والصفيف من اللحم: ما شرح طولا ~~وجفف في الشمس]. # وهو في القرآن على وجهين: # الأول: بمعنى الجميع؛ قال الله: (وعرضوا على ربك صفا) وقوله: (ثم ائتوا ~~صفا) أي: جمعا، وقيل: ذكر الواحد وأراد الجمع، أي: عرضوا صفوفا، وقيل: صفا، ~~أي: قياما، وذلك أن القائم يصف قدميه في القيام وهو أجود. # الثاني: الصف الممدود، قال تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا) وقال: (والصافات صفا) يعني: صفوفا ملائكة في السماء مصلين ومسبحين # PageV01P279 # والمعنى ورب الصافات، وأنث على معنى الجماعة للصافة، ثم جمع فقال: ~~(الصافات)، فأما قوله: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) فالمراد به أنها ~~قائمة قد صفت بدنها، ولم يرد أنها مصطفة لإجماع الناس أنها يجوز نحرها غير ~~مصطفة. # فأما السنة في نحر الإبل أن تنحر قائمة، ms117 وفي قوله: (فإذا وجبت جنوبها) ما ~~يدل على أنه أراد وبالصواف القيام؛ لأنها إذا كانت باركة فنحرت فانقلبت على ~~جنب، لم يقل: إنها سقطت لجنبها # PageV01P280 ### | الصيحة # فعلة من صاح يصيح، ويستعمل في جميع الحيوان، وجاء في غير ذلك أيضا، قال ~~الشاعر: # تصيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أمسين جوعا # والصيحة في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: صيحة جبريل - صلى الله عليه -؛ قال الله: (فأخذتهم الصيحة) في ~~مواضع من القرآن. # الثاني: النفخة الأولى لفناء الخلق، قال الله: (إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم خامدون) ومثله: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة). # الثالث: النفخة الثانية لقيام الساعة؛ قال الله: (إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون) ونوه: (فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون) ~~ولم يقل: ما ينظرون ليكون أعظم في الإخبار، كما يقول: لو رأيت عليا بين ~~الصفين، ومثله: (يوم يسمعون الصيحة بالحق) # PageV01P281 ### | الصاعقة # هي ما كثف من البروق وعظم، وأصلها من شدة الضرب، يقال: صقعه إذا ضربه ~~ضربا شديدا، وأكثر ما يستعمل في الضرب على الرأس فقلب، فقيل: صاعقة، وربما ~~قيل: صاقعة على الأصل، وصعق الرجل؛ إذا سمع صوتا شديدا فغشي عليه وهو صعق، ~~وفي القرآن: (وخر موسى صعقا) وصعق الرجل بالفتح، إذا صاح، ويجوز أن تكون ~~الصاعقة من هذا. # والصاعقة في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: شدة الصوت، قال: (فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) وكانوا سمعوا صوت تدكدك ~~الجبل؛ فماتوا موتا لم يضطروا معه إلى معرفة البارئ ولهذا أجاز أن يكلفهم ~~بعده لأن التكليف مع وقوع العلم ضرورة لا يصح من أجل أن العالم ضرورة ملجأ ~~إلى فعل الطاعات، والتكليف لا يكون إلا مع الاختيار وإلا فإنه ليس بتكليف ~~(1). # الثاني: العذاب، قال: (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). # الثالث: الموت قال: (فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء). أي: ~~ماتوا، وقيل: معنى ذلك أنهم يغشى عليهم ثم يموتون # PageV01P282 ### | الصلاح # الصلاح نفع يلتئم به الأمور، والإصلاح تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما ~~يضر؛ ms118 والفساد ضر تضطرب به الأمور، والإفساد تقويم العمل على ما يضر بدلا ~~مما ينفع. # وأما القبح فهو المنكر في النفس من جهة زجر العقل (1)، والفرق بين فساد ~~التفاحة بتعينها وفساد الإنسان بخطيئته؛ أن أحدهما تزجر عنه الحكمة، والآخر ~~لا تزجر عنه على أنه قد حدث ما ينافي في المنفعة به. # والصلاح في القرآن على سبعة أوجه قالوا: # الأول -: الإيمان؛ قال الله عز وجل: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ~~آبائهم). قال: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) يعني: المؤمنين، وقال تعالى: ~~(وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين). # الثاني: المنزلة الرضية؛ قال الله: (وتكونوا من بعده قوما صالحين) قال ~~بعض أهل التفسير: تصلح منزلتنا عند أبينا، ومثله: (وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين) أي: في المنزلة الرضية عند الله. ويجوز أن يكون المراد إنا نتوب ~~فيما بعد ونكون من الصلحاء، وقيل: الصلاح في قوله: (والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم) العفة وليس أن من لم تكن عفيفة لا تزوج؛ وإنما أراد الحث على ~~الصلاح. PageV01P283 # وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ وهو ندب بالإجماع، ولم يخل عصر من الأعصار من ~~الأيامي من الرجال والنساء، ولم ينكر أحد أن ترك تزويجهن محظور. # وأيضا فإن الأيم إذا لم ترد التزويج لم يكن للولي إجبارها، وأيضا فإن ~~الرجل لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامي. # قال أبو علي رحمه الله: هو في الأيم إذا أرادت التزويج على الوجوب، وفي ~~العبد والأمة ترغيب، قال: ويجوز أن يكون المعنى ترغيب الأحرار أن يتزوجوا ~~الإماء الصالحات، وترغيب الحرائر أن يتزوجوا العبيد الصالحين. # الثالث: الرفق على قولهم؛ قال تعالى: (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) ~~أي: ممن يرفق ولا يخرق، قال: ومثله: (اخلفني في قومي وأصلح). # وليس هذا بالوجه؛ وإنما أراد ضد الفساد، والشاهد: (ولا تتبع سبيل ~~المفسدين) ويجوز أن يكون المراد بقوله: (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) ~~أي: أصلح لك في أمورك، وإني أفي لك ولا أخونك فأفسد أمرك. # الرابع: تسوية الخلق؛ قال الله: (لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) ~~أي: ولدا ms119 سويا، ويجوز أن يكون أراد صلاح الطريقة. # الخامس: ضد الفساد؛ قال: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) وقال: (قالوا ~~إنما نحن مصلحون) أي؛ لأمور أنفسنا فيما نولي الكافرين؛ لأنهم إذا ظهروا ~~أبقوا علينا، والدليل على صحة هذا التأويل أنه قرنه بالفساد، وقال: (ألا ~~إنهم هم المفسدون). # السادس: الطاعة؛ قال: (وعملوا الصالحات) يعني: الطاعات # PageV01P284 # السابع: الأمانة، قال الله: (وكان أبوهما صالحا) قالوا: يعني: ذا أمانة، ~~ويجوز أن يكون معناه صلاح الطريقة في الدين، ويرجع معناه إلى الطاعة، وفلان ~~صالح في نفسه؛ إذا أتى بمحاسن الأفعال،، وفاسد في نفسه؛ إذا أتى بمقابحها # PageV01P285 ### | الصراط # هو في العربية الطريق الواضح السهل، يذكر ويؤنث، مثل: الطريق، والسبيل ~~ولم نسمع له بجمع، والقياس: أصرطة، وسرط، وأصل الصاد فيه سين؛ من قولهم: ~~سرطت الطعام؛ إذا أسرعت بلعه، وذلك أن السراط: ممر الحلق، والمسرط: ~~البلعوم؛ لسرعة مرور الطعام فيه. # وسمي [الفالوذ سرطراطا]؛ لسرعته وسهولته في الحلق، ويف سراطي سريع القطع، ~~سمي الطريق القاصد السهل سرطا؛ لسرعة المشاة فيه؛ لسهولته لا يمنعه من ذلك ~~شيء، وجعل السين صادا لموافقة الصاد الطاء. # وهو في القرآن على وجهين: # الأول: الطريق؛ قال الله: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) ومثله: (فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم). # الثاني: الدين؛ قال الله: (اهدنا الصراط المستقيم) يعني: الدين المستقيم؛ ~~فجعله صراطا على التمثل، ومثله: (وهذا صراط ربك مستقيما). # والمستقيم: القاصد، والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة؛ فإذا كان في ~~الدين فالاستمرار على طريق الحق # PageV01P286 # وقال بعضهم: الصراط: الطريق المستقيم، والذي يفيده الصراط هو السهولة على ~~ما ذكرنا، والذي يدل على ذلك أصل الكلمة وما يصرف منها، مثل: السرطراط ~~وسرطته؛ إذا أسرعت بلعه لسهولته # PageV01P287 ### | الصلاة # أصلها الدعاء صليت إذا دعوت، قال الشاعر: # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # وسميت الصلاة لما فيها من الدعاء، والصلاة على الجنازة؛ لأنها دعاء لا ~~سجود فيه ولا ركوع، وقيل: أصلها اللزوم، [ومنه قيل]: (تصلى نارا) أي ~~يلزمها. # واستعمل في القرآن على خمسة أوجه زعموا: # الأول: الدعاء؛ قال الله: (إن صلاتك سكن لهم) ms120 أي: ادع لهم إن دعائك مما ~~يسكنهم وتطمئن [إليه] قلوبهم، وقيل: معناه استغفر لهم، ومعناهما قريب. # والثاني: الترحم: قال بعضهم: قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) ~~أي ترحم عليهم أنهم يسكنون إلى ذلك، قال الأعشى: ### | ...... # PageV01P288 # عليك مثل الذي صليت فاعتصمي # رفع مثل على الدعاء دعا لها مثل الذي دعوت له، ونصبه على الأمر؛ أي: ~~تزداد من الدعاء، أي: عليك بمثل ما قلت، وقال تعالى: (إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي). # الثاني: الرحمة؛ قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم صل على آل أبي أوفى " ~~أي: ارحمهم، وهذا والأول واحد؛ لأن الترحم دعاء، ولا شك أن الله يرحم نبيه. # والفائدة في الترحم عليه ما يستحق المترحم من الثواب، فإذا جدد الله ~~تعالى لنبيه تكريما عند دعاء الداعي؛ قيل: إن الله أجاب دعائه وفي الإجابة ~~تكريم المجاب. # والدعاء ليس بواجب في العقول؛ وإنما أوجبه القرآن لأن العاقل يعلم أن ~~الله لا يختار له إلا الأصلح في دينه ودنياه (1). فيجوز أن ينصرف عن الدعاء ~~تفويضا لأمره إلى الله، والله لا يمنع العبد ما فيه صلاحه؛ ولكنه أمره ~~بالدعاء تعريضا للإجابة لما فيها من إكرام المجاب. # ويجوز أن يكون أمره بالدعاء؛ لأن الذي يطلبه لا يكون مصلحة له إلا ~~بالدعاء. # الثالث: الصلاة المعروفة؛ قال: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) وقيل: دلوكها: ~~غروبها، وقيل: زوالها. # الرابع: قوله: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) قال المفسرون: أراد ~~قراءتك والمشهور الصلاة المعروفة. # وقالوا له ذلك لما أنكروا ما يدعوهم إليه من مخالفة دينهم، كما تقول ~~للرجل الصالح: تنكر منه أمرا أورعك أو صلاحك أمرك بهذا؟ وأنت تريد نهيه عن ~~ذلك وإنكاره عليه. PageV01P289 # الخامس: المغفرة؛ قال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) يعني: أنه ~~يغفر لكم إذا تبتم إليه، ويستغفر لكم ملائكته، وهذا الوجه قريب من الوجه ~~الثاني؛ لأن الرحمة والمغفرة يتقاربان # PageV01P290 ### | الصوم # أصله الإمساك، ومصام الشيء مكانه، قال امرؤ القيس: # كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان ms121 إلى صم جندل # والخيل الصائمة: الممسكة عن الحملة، وقد صام النهار عبد قائم الظهيرة؛ ~~كأن الشمس تسكن عند ذلك فلا تسير. # والصوم في القرآن على وجهين: # الأول: الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح مع النية، وهو قوله: (وأن ~~تصوموا خير لكم) وفي هذه الآية دليل على أن هذه الآية منسوخة لأنه لا يجوز ~~أن تقول في هذا الوقت إن الصيام في شهر رمضان خير من الإفطار فيه. # الثاني: الصمت؛ قال الله: (إني نذرت للرحمن صوما) أي: صمتا، ويسمى الصمت ~~صوما لأنه إمساك عن الكلام، ومن قال: إن الصوم ليس بمعنى؛ ### | ...... # PageV01P291 # فقد قال: إن الله فرض ما ليس بشيء، وأن النية والعزم يصح ما ليس بشيء، ~~والنهي نحو عن ترك ما ليس بشيء، وتوطين النفس يكون لا على شيء وليس هذا ~~بمعقول، وقد يكون صوم أعظم من صوم، وهذا يوجب على قوله: أن يكون لا شيء ~~أعظم من لا شيء # PageV01P292 ### | الباب الخامس عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ضاد ### | الضحى # مؤنثة وأصلها من البروز، ويقال مكان ضاح؛ أي: بارز، وضواحي المدينة. ~~ظواهرها، وضحى الرجل يضحي إذا برز للشمس، وفي القرآن: (لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى) والأضحية ترجع إلى هذا، وذلك أنهم كانوا يذبحونها في الضحى، والضحا ~~بالمد بعد الضحى. # والضحى في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: النهار كله؛ قال: (أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون) جاء في التفسير أنه بمعنى النهار جمع قلنا، وذلك أنه جعله بإزاء ~~البيات، والبيات يكون في جميع الليل، ولا يحسن في نظم الكلام أن يجعل الضحى ~~التي هي أول النهار إزاء الليل كله. # الثاني: إذا ترجل النهار؛ قال الله: (لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) # الثالث: حر الشمس؛ قال الله: (والشمس وضحاها) قالوا يعني: حرها، ويجوز أن ~~يكون الوقت ونسبه إلى الشمس؛ لأن الأوقات تعرف بمسير الشمس # PageV01P293 ### | ### | الضر # ب # أصله الثبات، ومن ثم قيل: ضرب على فلان البعث أي: ألزمه وأثبت عليه حكمه ~~ومنه قوله تعالى: (وضربت عليهم). # ويخبر عن الإلزام بالضرب؛ ms122 لأن للضرب تأثيرا ليس إلا إلزاما؛ فلما أراد ~~أنهم ألزموا ذلة تبقى أثرها كبقاء أثر الضرب، عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر ~~الضرب، وقيل: المعنى أن الذلة أحاطت بهم من قولك: ضربت الخيمة على القوم، ~~ونحوه قوله: # ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك بها الكتاب المنزل # ومنه المضرب لأنه تضرب أوتاده في الأرض فتثبت، ويقال للجليد: الضريب؛ ~~لأنه يثبت أكثر مما يثبت الثلج ولا يثبت ولا يجري. # واستضرب العسل إذا غلظ تشبيها بالجليد، وضريبة الإنسان: خليقته لأنها ~~ثابتة له لا يكاد يزول عنها، والضرب في الأرض المسير فيها؛ وهذا خلاف ~~الثبات، والمضارب مشتق من الضرب في الأرض. # والضرب العسل الأبيض الغليظ، والضريب ضرب من اللبن، والضرب من الشيء: ~~الصنف منه. # والضرب في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الضرب في الأرض؛ قال الله: (إذا ضربتم في سبيل الله) وقال معاوية ~~لبعض رؤساء اليمن: ما قول قومك في: (باعد بين أسفارنا) ### | ...... # PageV01P294 # قال: أرادوا بعد الهمة والضرب في الأرض؛ ولكن ما قول قومك في: (إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) هلا قالوا: إن كان هذا ~~هو الحق من [عندك] فاهدنا له؟ ومثله: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) فوضع التاجر مع المجاهد، وفي ذلك ~~بيان عن فضل التجارة. # الثاني: الضرب باليد والسيف وغيره؛ قال: (فضرب الرقاب) وسمي ضربا لأن ~~أثره يثبت في المضروب، ونصب ضرب الرقاب على المصدر. # والمراد فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم؛ ولكن أكثر القتل ضرب الرقبة، ~~فأخرج الكلام على الأكثر، ولم يرد وأن هذا الضرب مقصور على الرقبة. # والشاهد قوله: (واضربوا منهم كل بنان) وقال: (فاضربوا فوق الأعناق) يعني: ~~اضربرا الرءوس، واضربوا منهم كل بنان؛ لأنه قال: إنكم تتمكنون منهم أشد ~~تمكن؛ فاضربوا الجليل من أبدانهم والدقيق. # وقيل: (فوق الأعناق) أي: ما بدا منها وهو على ما قلنا أنه أراد أن ~~اقتلوهم. # الثالث: التبيين والوصف؛ قال تعالى: (ضرب الله مثلا) أي: [وصف شبها ~~وبينه] # PageV01P295 # وقال: (فلا تضربوا ms123 لله الأمثال) قالوا: معناه [لا تصفوه] بصفات غيره ولا ~~تشبهوه بسواه. # وضارب المثل كأنه ينصب شبها لما يريد أن يعرفك إياه فتنظر إليه وهو راجع ~~إلى الإثبات. # ويجوز أن يقال: ضرب المثل أي: جعله يسير فيكون من الضرب في الأرض، وقال: ~~(وضرب الله مثلا قرية) أي: وصف له شبها ومثله كثير. # وأما قوله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) فإنما أراد إلقاء الثوب على ~~الصدر ليتتر به، والجيب جيب الدرع، وكن يلبسن الدروع، وللدرع جيب مثل جيب ~~الدراعة، والمرأة فيها مكشوفة الصدر فأمر بستره؛ وفيه دليل على أن صدر ~~المرأة ونحرها عورة # PageV01P296 ### | الضر # الضر ضد النفع، والضر: الهزال وسوء الحال، وكذلك الضراء، وقيل: الضر ~~والضر لغتان وليس بالوجه. # وذكر أن الضر أبلغ من الضر؛ لأنه عدل عن صيغة المصدر للمبالغة وهذا أجود. ~~وأصل الكلمة الدنو، ومعنى قولهم: ضره؛ إذا لحق به المكروه، وإذا لحقه به ~~فقد أدناه منه. وسحاب مضر إذا دنا من الأرض لكثرة مائه، قال الشاعر: # غواشي مضر تحت ريح ووابل # وسميت الضرة ضرة؛ لأنها أدنيت من مثلها، والضرة أصل الضرع لقربها من ~~البدن. والضر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الشدة وسوء الحال؛ قال: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه) ~~والفرق بين المس واللمس؛ أن المس يكون من الحجارة وما بسبيل ذلك، يقول: مس ~~الحجر الحجر، واللمس لا يكون إلا لطلب معرفة اللين، أو الخشونة، والحرارة، ~~والبرودة: فهو مستعمل في الإنسان. # الثاني: الهول، قال الله: (وإذا مسكم الضر في البحر) يعني: الهول، ويجوز ~~أن يكون المعنى جميع ما يدخل عليهم من الضرر عند ### | الضلال # الثالث: النقص؛ قال الله: (لن يضروا الله شيئا) أي: لا ينقصونه من ملكه ~~شيئا [بمعاصيهم] # PageV01P297 # وأما الضرأء فقد جاءت بمعنى القحط والجدب، في قوله: (وإذا أذقنا الناس ~~رحمة من بعد ضراء مستهم) أي: خصبا وسعة بعد قحط وشدة. # والفرق بين الضر والضراء؛ أن الضراء مضرة تظهر، ويجوز أن يكون الضر ~~خافيا، والضراء خرجت مخرج الأحوال الظاهرة؛ مثل: الحمراء، والسوداء. # وكذلك الفرق بين النعمة والنعماء؛ أن ms124 النعماء أنعام تظهر أثره، ويجوز أن ~~تكون النعمة خافية # PageV01P298 ### | الضلال # أصل الضلال الزوال عن القصد والسير عن غير بصيرة، وصاحبه بصدد الهلاك؛ ~~ولهذا قيل -: إن الضلال الهلاك. # ثم استعير لمن زال عن سبيل طاعة الله؛ فقيل للكافر ضال، وللفاسق مثله؛ ثم ~~جعل اسما للعقاب على الفسق والكفر، ويقال: أضللت فرسي وبعيري، وكل ما زال ~~عنك فذهب. # وضللت الطريق والدار وكل عا لا يترح، وأضللت فلانا؛ وجدته ضالا، ومنه ~~قوله:، (وأضله الله على علم). # والإضلال؛ أيضا الإحباط في قوله: (أضل أعمالهم) والإضلال؛ الصرف عن القصد ~~في قوله: (وأضل فرعون قومه وما هدى). # وقال بعضهم: الضلال والهلاك من قولهم: ضلت الناقة إذا أهلكت بضياعها، وضل ~~الكافر إذا هلك بكفره، وضللنا في الأرض؛ إذا هلكنا بقطع أوصالنا، ورجل مضل؛ ~~منسوب إلى الهلاك بأنه لا يتوجه لخير، وضل الرجل عن الطريق؛ إذا هلك عن ~~قصده # PageV01P299 # والضلال في القرآن على اثني عشر وجها: # الأول: التسمية والحكم، وقال تعالى: (ويضل الله الظالمين) يعني: أنه ~~يسميهم ضالين، كما تقول: جهلته إذا سميته جاهلا. (1) # الثاني: النسيان؛ قال: (أن تضل إحداهما) أي: تنسى، وإذا ذهب عن الطريق، ~~قيل: قد ضل وكذا إذا ذهب عن معرفة الشيء. # الثالث: عدم العلم بمبلغ الجرم؛ قال: (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) ~~أي: لم أعلم أن وكزتي تبلغ القتل؛ كأنه قال: فعلتها وأنا ضال عن العلم بها ~~أنها تبلغ القتل، ومن ذهب عن الشيء يجوز أن يقال: إنه ضل عنه. # وقال الزجاج: (وأنا من الضالين) أي: الجاهلين، وهذا خطأ لأن اسم الجاهلين ~~لا يطلق على الأنبياء. # الرابع: الخطأ؛ قال الله: (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي: في خطإ بين، ولو ~~عنوا غير ذلك كفروا؛ فإن تضليل الأنبياء عليهم السلا على الحقيقة كفر. ~~وحقيقة المعنى أنه ذهب عن الاستواء في تدبير أمر الدنيا؛ لأنه يفضل من لا ~~غنى له على من له غنى. # الخامس: الكفر، وهو قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) يعني: ~~بالضالين النصارى، والمغضوب عليهم اليهود، والمعنى غير طريق الذين تريد ms125 ~~عقابهم في الآخرة من اليهود والنصارى، والغضب من الله العقاب. # السادس: الغفلة؛ قال الله: (ووجدك ضالا فهدى) كنت في غفلة عن النبوة لم ~~تدو أنك تؤتاها، ودليله قوله: (ما كنت تدري ما الكتاب). # وقال بعضهم: (ضالا) أي: في قوم ضلال كما قال أبو عثمان المازني؛ لنزولة ~~في بني مازن، وعمر والغزال؛ لمقامه بين الغزالين، وكل من نزل في قوم نسب ~~إليهم، ومن PageV01P300 # ذلك قولهم: العلوي الحماني، فأما قول من قال إنه كان على دين قومه فخطأ؛ ~~لأن من يصلح للنبوة لا يجوز أن يستصوب عبادة الصنم. # السابع: الإحباط؛ قال الله: (أضل أعمالهم) أي: أحبطها ولم يحصلوا على ~~ثوابها، وفي هذا دليل على أن الحساب لا ينفع مع الكفر. # الثامن: العذاب؛ قال: (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) أي: عذابا؛ لأنه لا ~~يضلهم في الأول فيزيدهم، والزيادة لا تكون إلا على أصل، وما سمي ما يوصل ~~إليهم من العذاب المستحق في الحال الثاني والثالث، وما بعد ذلك زيادة لم ~~يرد إنه يريدهم منه ما لا يستحقونه. # التاسع: تفرق الشيء حتى لا يرى؛ قال تعالى: (أإذا ضللنا في الأرض). # العاشر: الصد، قال تعالى: (لهمت طائفة منهم أن يضلوك). أن يصدوك عن ~~الإيمان ويردونك إلى الكفر. # الحادي عشر: الخسار؛ قال الله: (إن المجرمين في ضلال وسعر). # وكل ما نسبه الله إلى نفسه من الضلال فسبيله التسمية والحكم، أو الضلال ~~عن الثواب، ودليل هذا قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين). # وقوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) وقال: (ويضل الله الظالمين). # وأما قوله تعالى: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء) فالفتنة؛ المحنة ~~والابتلاء. # PageV01P301 # ونسب الضلال بها إلى نفسه؛ لأن الضلال وقع من بعض الناس عندما ابتلى بها، ~~فنسب ذلك إلى نفسه، كما قال: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) يعني: السورة، ~~والمراد أنهم ازدادوا رجسا عندها. # الثاني عشر: الحيرة قال تعالى: (في ضلال بعيد) أي: في حيرة شديدة، أو في ~~حيرة بعيد دواؤها وتلافيها. ويقال: ضل الطائر إذا تحر وضل - الصبي، مثله. # وأما قوله: (وما دعاء ms126 الكافرين إلا في ضلال) فمعناه أن دعاء الكافرين ~~لأوثانهم باطل لا مرجوع له، وضل الشيء إذا بطل وهلك. # وأما قوله تعالى: (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب). # فمعناه أنه يهدي الناس إلى ثوابه. لا إلى الدين؛ لأن الناس مهتدون إلى ~~الدين. # وكذلك ينبغي أن يكون الإضلال هنا من الثواب لا عن الدين، ولو جاز أن يضل ~~عن الدين لجاز لنا ذلك، كما أنه جاز لنا أن نهدي إليه إذ كان الله يهدي ~~إليه، ولو جاز أن يضل عن الإيمان لجاز أن يدعو إلى الكفر، ولو جاز له ذلك ~~لجاز لنا (1). PageV01P302 ### | الباب السادس عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله طاء ### | الطهارة # أصل الطهارة في اللغة: البعد، يقال: طهرت الشيء وطهرته؛ إذا أبعدته، وسمي ~~الطهور طهورا لأنه يبعد الفاحشة عن الجد وغيره. # والطهور اسم ما يتطهر به، والطهور اسم الفعل على القياس دون السماع، ~~والمسموع للطهر والطهارة. # والطهارة في الشريعة: اسم يقع على معان كثيرة، منها: الصلاة، والزكاة، ~~والبر؛ كلها طهارة؛ يعنى: أنها تطهر من الذنوب، وقوله: (إنهم أناس يتطهرون) ~~يطلبون إطهار النساء ولا يأتون الرجال، أو يأتوهن في قبل الطهر يطلبون ~~النجاسة على ما كانت العرب تدعي من ذلك. # والطهارة في القرآن على عشرة أوجه: # الأول: طهارة المرأة من دم الحيض؛ قال الله: (ولا تقربوهن حتى يطهرن). # PageV01P303 # الثاني: الاغتسال؛ وهو قوله: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) أي: ~~إذا اغتسلن أو تيممن عند عدم الماء. # ولا يجوز عند الفقهاء مجامعتهن إذا طهرن فقط؛ لأنه قال تعالى: (فإذا ~~تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) يعني: الفرج، وفيه دليل على أن [إتيانهن] ~~في أدبارهن حرام؛ لأنه حرام إتيانهن في الحيض لأجل الأذى؛ وهو القذر، ~~والقذر للدبر ألزم. # ويجوز عند بعضهم مجامعتهن إذا طهرن قبل أن يتطهرن، ومنه كلام كثير ~~اسقتصيناه في غير موضع. # الثالث: التطهر بمعنى الاستنجاء بالماء؛ قال الله: (فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا) قال المفسرون: أراد غسل أثر البول والغائط بالماء، وقيل نزل في ms127 ~~الأنصار وذلك أنهم كانوا يتبعون الحجر بالماء. # الرابع: الطهور من جميع الأحداث والجنابة؛ قال الله: (وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به) يعني: من الأحداث والجنابة، ونظيره قوله: (وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا). # الخامس: التنزه عن إتيان الرجال في أدبارهم، قال: (إنهم أناس يتطهرون) ~~ويحتمل أيضا الوجوه التي ذكرنا. # السادس: طهارة نساء أهل الجنة من الحيض والقذر؛ قال الله: (لهم فيها ~~أزواج مطهرة) ويتضمن ذلك طهارة الأخلاق أيضا، لأنه جاء بلفظ التكثير. # السابع: الطهارة من الذنوب؛ قال: (لا يمسه إلا المطهرون) يعني: الملائكة، ~~وأراد طهارتهم من الذنوب، وقرئ (المطهرون)؛ ومعناه أنهم يطهرون غيرهم وليس ~~بالوجه، وقيل: هو على الأمر؛ أي: لا يمس المصحف إلا طاهر، ومثله: (ذلك خير ~~لكم وأطهر) أي: أطهر من الذنوب. # PageV01P304 # ومعنى ذلك أنه يكون كفارة، ونحوه قوله: (ذلكم أزكى لكم وأطهر) أراد إذا ~~لم يعضلوهن لأن أزكى لكم وأطهر لكم ولهن من الذنوب، لأنكم تأثمون بعضلكم ~~إياهن، ولعل العضل يحملهن على الزنا، والعضل: المنع من التزويج وخبرها هنا ~~أفعل. # الثامن: التبرئة من الخطأ والغلط؛ قال الله: (في صحف مكرمة (13) مرفوعة ~~مطهرة) يعني: القرآن، كذا قيل؛ وقيل: يقول إنها مكرمة عند الملائكة، مرفوعة ~~عن الأرض. # ويجوز أن يكون أراد رفع القذر مطهرة أن ينالها يد عاصية، ومثله: (يتلو ~~صحفا مطهرة) يعني: القرآن أيضا، ويجوز أن يكون؛ (مطهرة) أي: منزهة أن يكون ~~فيها كذب وباطل. # التاسع: إبعاد الأوثان والأصنام؛ قال الله: (وطهر بيتي للطائفين) أي: ~~أبعد عنه ما يعبد منها. # العاشر: تطهير الله العبد من الذنوب؛ بمعني أنه يمنحه ألطافا يمتنع معها ~~من الذنوب، قال الله: (إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) ~~(اصطفاك) اختصك بأن قبل نذر أمك فيك ففرغك لعبادته [وسدانة بيته] (1)، ~~وطهرك من الذنوب بأن وفقك لمجانبتها، واختصك من نساء العالمين بولادة عيسى ~~- عليه السلام - من غير ذكر؛ فلما كان المراد بالاصطفاء الأخير غير المراد ~~بالاصطفاء الأول لم يكن تكرارا معيبا، وقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والمعنى أن ms128 الله وفقكم لمجانبة الذنوب ~~فتجنبتموها وكنتم طاهرين. PageV01P305 ### | الطاغوت # كل ما عبد من دون الله وهو طاغوت، والطاغوت أيضا الشيطان وهو من طغى ~~يطغوا، مثل: الملكوت من ملك يملك، وقيل: هو أعجمي، مثل: جالوت، وطالوت، وهو ~~واحد وجمع. # وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الشيطان؛ قال الله: (فمن يكفر بالطاغوت) قالوا: هو الشيطان، ويجوز ~~أن يكون الأوثان والذي لا شك فيه أنه الشيطان، قوله: (والذين كفروا يقاتلون ~~في سبيل الطاغوت)، لأنه قال بعد ذلك: (فقاتلوا أولياء الشيطان). # الثاني: الأوثان؛ قال الله: (واجتنبوا الطاغوت) وهو يذكر ويؤنث، والتأنيث ~~قوله: (الطاغوت أن يعبدوها) والتذكير قوله: (وقد أمروا أن يكفروا به). # الثالث: قوله: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) جاء في التفسير أنه أراد ~~كعب بن الأشرف، وقيل: الكاهن. # PageV01P306 # وأصله أن رجلا عن المنافقين نازع يهوديا، فقال اليهودي: بينك وبيني محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - عليه. # وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن. # وقيل: كعب بن الأشرف ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فحكم على ~~المنافق، فلم يرض، وجاء أبا بكر فحكم عليه أيضا، فجاءا عمر وقص اليهودي ~~عليه القصة، فأخرج السيف وقته المنافق، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال له: (أنت الفاروق، ثم قال: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا) فذكر الشيطان وأراد أولياء الشيطان كما قال: (واسأل القرية)، وكما ~~قال: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) أي أولياء الله. # PageV01P307 ### | الطمأنينة # أصلها الانخفاض، والمطمئن من الأرض: المنخفض، وتطامن الشيء إذا [تطأطأ] ~~ثم استعمل في السكون. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: السكون؛ قال: (ولكن ليطمئن قلبي) وتزول عنه الوسوسة؛ لأنه إذا ~~شاهد إحياء الموتى لم يكن للشيطان إلى وسوسته سبيل، ومثله: (وتطمئن قلوبنا) ~~ونظيره: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله). # ويجوز أن يكون المعنى أنها تطمئن إلى ما وعد الله من ثوابه، ويجوز أن ~~يكون المعنى الذين نظروا واستدلوا فعرفوا الله من طريق الدلائل فاطمأنت ~~قلوبهم ولم يخالجها شك، فإن قيل: أوليس قد قال: (الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم) والوجل ms129 ضد الطمأنينة، قلنا: المراد في هذا أنهم إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم بذكر عقوباته للعصاة؛ وجلت قلوبهم لأنهم لا يأمنون أن يعصوه؛ فبصروا ~~إلى عذابه. # وقوله: (تطمئن قلوبهم) أنهم إذا ذكر بذكر ثوابه اطمأنت قلوبهم لأنهم لا ~~يعرفون من أنفسهم معصية، وقد وثقوا بأن وعد الله حق. # الثاني: بمعنى الرضا؛ قال: (فإن أصابه خير اطمأن به). # PageV01P308 # الثالث: بمعنى الأمن؛ قال الله: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) ويجوز أن ~~يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا ~~أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها. # PageV01P309 ### | الطيبات # أصل الياء في الطيب واو، ومن ثم قيل للقادم: أوبة، وطوبة، وقيل: طوبى له، ~~وقيل: شيء طيب للزوم الطيب له، كما قيل: ضيق، وميت، وسيد، وما كان الصفة ~~فيه عارضة، قيل: فاعل، كما قيل: ضائق. # وهي في القرآن على ستة أوجه: # الأول: الحلال؛ قال تعالى: (والطيبات من الرزق) وقال: (كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا) وقال: (اليوم أحل لكم الطيبات) يعنى: أن الطيبات أحلت لهم ~~عند كمال الدين. # وذلك أنه قد أمنهم عند نزول هذه الآية أن ينسخ شيئا مما أحل لهم، واليوم ~~هو الذي أنزل فيه هذه الآية، ويجوز أن يكون بمعنى الوقت، ويجوز أن تكون ~~الطيبات الأرزاق التي جعلها الله للناس، ومنع بالنهي عن منازعتهم فيها، ~~وإنما سمي الحلال طيبا لطيبه في العاقبة. # PageV01P310 # الثاني: المن والسلوى قال: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) وهو راجع إلى ~~الأرل؛ لأن ذلك كان حلالا، ويجوز أن يكون المراد أنه طيب المطعم، ومثله: ~~(ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات) وقوله: (ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على العالمين). # الثالث: الطعام اللذيذ، واللباس الحسن، والجماع؛ قال الله: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وكان قوم من أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قد هموا بترك ملاذ الدنيا؛ فأنزل الله هذه الآية، ~~ونحوه قوله: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات) ومثله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ms130 والطيبات من الرزق) ~~أي: لم يحرم الله ذلك فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى الإنكار، وهو يرجع إلى ~~معنى الأمر باستعمال هذه الأشياء من وجوهه وحله. # الرابع: الشحوم ولحوم الإبل، قال الله: (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) ~~فالمراد أنه عجل عليهم طائفة من العذاب؛ [حرم عليهم من الطيبات] (1) كل ما ~~كانت حلالا لهم، وهي ما ذكر في قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا) كذا ~~وكذا وذلك ما كان من ظلمهم. # الخامس: الذبائح، قال: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات) يعني: ~~الذبائح، والشاهد قوله: (وما علمتم من الجوارح) فقرر ذلك بما هو من جنسه. # السادس: الغنيمة، قال: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) إلى أن ~~قال: (ورزقكم من الطيبات) جاء في التفسير أنه أراد الغنيمة يوم بدر؛ لأنه ~~في [قصة بدر (فآواكم)]؛ يعني: أنه أسكنكم المدينة، وقال في آخر السورة: ~~(فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ويجوز PageV01P311 # أن يكون الطيب هاهنا الذي لا إثم فيه؛ فهو طيب في العاقبة، وكانت الغنائم ~~محرمة على من قبل هذه الأمة؛ فأحلها الله لهذه الأمة. # PageV01P312 ### | الطعام # كل ما أكل للشبع أو للشهوة مما فيه صلاح للبدن فهو طعام، وذلك أن الطير ~~يؤكل للشهوة وليس بطعام والذى يؤكل للشبع الخبز واللحم، وما بسبيل ذلك ~~والذي يؤكل للشهوة والفاكهة والإدام وما يجري هذا المجرى، والطعم: المذاق؛ ~~يقال: هو طيب الطعم، والطعم أيضا اسم يقام مقام المصدر، والمصدر الطعم ~~بالتحريك، ورجل مطعم من الشيء؛ مرزوق منه كأنه جعل له طعمة، وفلان خبيث ~~الطعمة؛ أي: رديء المكسب. # والطعام في القرآن على أربعة أوجه: # الأول -: الطعام الذي يأكله الناس؛ قال: (الذي أطعمهم من جوع) وقال: (وهو ~~يطعم ولا يطعم) وقال: (فإذا طعمتم فانتشروا) ونحوه كثير. # الثاني: مليح السمك؛ وقال: (وطعامه متاعا لكم) كذا جاء في التفسير، وقيل ~~أيضا: إنه أراد ما يصب عليه الماء وأخذ فهو من طعام البحر، وقيل: هو ما ~~سقاه البحر فنبت فهو طعام البحر لأنه ينبت عن مائه. # PageV01P313 # الثالث: الذبائح؛ قال: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ms131 لكم) ومعروف أنه لم ~~يرد الخبز والإدام فينبغي أن يكون على الذبائح. # وقال بعضهم: أهل الكتاب هنا هم بنوا إسرائيل دون غيرهم ممن تنصر وتهود من ~~العرب والعجم، وليس كذلك لأن هذا اسم لمن نتحل التوراة والإنجيل ويظهر ~~التدين بذلك، ولم يسموا أهل الكبائر لأنهم من بني إسرائيل؛ فكل من شاركهم ~~في هذه العلة فهو منكم وطعامكم حل لهم؛ أي: حل لكم أن تطعموهم؛ لأن الحلال ~~أو الحرام والفرائض بعد عقد التوحيد. # الرابع: طعم بمعنى شرب؛ قال الله: (ومن لم يطعمه فإنه مني) أي: من لم ~~يشربه، ومجازه. لم يذقه فيجد طعمه، وقوله: (فمن شرب منه فليس مني) مع قوله: ~~(إلا من اغترف غرفة بيده) دل على أن الشرب من النهر الكرع فيه، وهو أن يضع ~~شفته عليه فيشرب منه، وهو من اغترف يده فليس بشارب من النهر، وهو يدل على ~~صحة قول أبي حنيفة فيمن قال؛ إن شربت من الفرات فعبدي حر أنه على الكرع؛ ~~وإذا شرب بيده أو بإناء لم يحنث. # PageV01P314 ### | الطغيان # أصله مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في ~~الجارية) ثم استعمل في شدة الظلم؛ لأنه تجاوز لحد الصفة؛ وهو في القرآن على ~~أربعة أوجه: # الأول: الضلال؛ قال الله: (في طغيانهم يعمهون) أي: في ضلالهم يتحيرون، ~~ويجوز أن يكون أراد أنهم يتحيرون فيما هم فيه من مجاوزة الحد في التمرد؛ ~~وتحيرهم فيه لأنهم لا يعرفون وجه قباحته، والمتحير غير عارف لوجه أمره ~~والعمد التحير. # ومثله قوله تعالى: (ربنا ما أطغيته) أي: ما أضللته، والشاهد قوله: (ولكن ~~كان في ضلال بعيد) ويجوز أن يكون المراد أي: لما حمله على التمرد وشدة ~~الظلمة لنفسه ولغيره. # الثاني: قال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) ويجوز أن يكون أراد أنه ~~جاوز الحد في الكبر أو الظلم والغشم، وقال: (بل كنتم قوما طاغين). # الثالث الارتفاع ومجاوزة الحد في الكثرة؛ وقال: (إنا لما طغى الماء ~~حملناكم في الجارية) أي: حملنا آباءكم على حسب ما يقال لبني شيبان: اليوم ~~أنتم ms132 أصحاب يوم ذي قار. # الرابع: الخطأ؛ قال: (ما زاغ البصر وما طغى) أي: ما يمل ولم يخطئ في ~~الرؤية، وقيل: ما عدل وما جاوز القصد في رؤيته؛ يعني: جبريل عليه # PageV01P315 # السلام، وزاغ: مال وعدل، وقيل: (ما زاغ) ما قصر عن شيء رمى إليه ببصره،: ~~(وما طغى) ما طلب أن يجاوز ما رآه إلى غيره. # PageV01P316 ### | الطمس # أصله ذهاب الأثر؛ طريق طامس: لا علم فيه، كتاب مطموس: ممحو، وجبل طامس: ~~لا طريق إليه؛ قال جميل: # ألا تلكم أعلام بثنة قد بدت ... كأن ذراها في السراب سبيب # طوامس لي من دونهن عداوة ... ولي من وراء الطامسات حبيب # بعيد على من ليس يطلب حاجة ... وأما على ذي حاجة فقريب # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى القلب؛ قال الله: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ~~أدبارها) أي: نقلبها فنجعلها إلى ما يلي أدبارها. # وقوله: (فنردها على أدبارها) تفسير لطمسها، وصديق هذا قوله: (وأما من ~~أوتي كتابه وراء ظهره) لأن الوجوه إذا قلبت أقفاء كان أصحابها يعطون الكتب ~~وراء ظهورهم. # الثاني: ذهاب البركات؛ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) ~~أي: اذهب ببركتها ونفعتها وخذهم بالقحط، (واشدد على قلوبهم) أي: حبب إليهم ~~أوطانهم حتى لا يغار قومها لطلب الأرزاق فيموتوا هزلا وجوعا هكذا قيل. # PageV01P317 # والصواب أن يقال: أراد أن صبرهم على البلاء والإقامة في البلد المطموس ~~فيه على أموالهم حتى لا يجزعوا فيخرجوا منه. وذلك أن الشد على القلب والربط ~~عليه هو تصبيره بما هو فيه. # وقوله: (فلا يؤمنوا) موصول بقوله: (ليضلوا عن سبيلك) ومعنى ذلك كله على ~~العاقبة؛ كقوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا). # الثالث: ذهاب النور؛ قال الله: (فإذا النجوم طمست). # PageV01P318 ### | الطائر # طار الطائر يطير طيرانا والفعلان للاضطراب، مثل: اللمعان والضربان. # والطائر في القرآن على وجهين: # الأول: الطائر واحد الطير؛ قال الله: (ولا طائر يطير بجناحيه) وطائر وطير ~~مثل: صاحب وصحب، ولا يقال للواحد: طير إلا شاذا. # الثاني: الحظ؛ قال تعالى: (طائره في عنقه) أي: حظه من ms133 الرزق وغيره لازم ~~له، كما يقال: أمانتي في عنقك، وهذا الحق لى في عنقك؛ أي: هو لازم لك. # وقيل: الطائر العمل الصالح من الخير؛ أي: يلزمك ذلك حتى تجازى به، وقيل: ~~الحظ من الخير والشر طائر، تقول العرب: جرى على [الغلان] الطائر على طريق ~~الفأل، ويقال: طار لي منك كذا؛ أي: صار حظي منك. # وقيل: معناه أن الأمر الذي يجعلونه بالطائر يلزم أعناقهم؛ والمراد أنهم ~~إذا تشاءموا بشيء أصابهم على ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~البلاء موكل بالمنطق "، ومثله: (قالوا طائركم معكم) أي: حظكم لأنفسكم ~~وتطيركم لا يزيدكم ولا ينقصكم. # وقال تعالى: (قال طائركم عند الله) أي: حظكم من الجزاء على أعمالكم لا ~~معدل لكم عنه في الآخرة. # PageV01P319 # وقال ابن الأنباري في قولهم: طير الله لا طيرك، قال: فعل الله وحكمه لا ~~فعلك وما يتخوفه منك، قال الفراء: الطائر عندهم العمل، فإن الله تعالى قال: ~~(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) وقوله: هو ميمون الطائر؛ يعنون الحظ، ~~وهو الذي تسميه العامة البخت. # PageV01P320 ### | الباب السابع عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ظاء ### | ### | الظلم # ات # الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنه: ظلم السقاء إذا شربه قبل أن يروب، ~~وقال الشاعر: # هرت الشقائق ظلامون للجزر # أي يعرقبونها فيجعلون العرقبة مكان النحر، وعنه قيل الظلمة لأنها قد تكون ~~سببا لوضع الشيء في غير موضعه لعدم الإبصار فيها، وقال بعض أهل اللغة: يقال ~~في الجمع القليل منه ظلم ومنه ثلث ظلم، والكثير الظلمات وهذا خلاف الأصل؛ ~~لأن الجمع القليل يجيء بالتاء في جميع اللغة. # والظلمات في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الكفر؛ قال الله: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي: من الكفر ~~إلى الإيمان؛ فأخرج ما يرى بالعين إلى ما لا يرى بالعين ليتولد التشبيه، ~~وجعل الكفر ظلمة لما في الكفر من الحيرة والوحشة، والإيمان نورا لما يكون ~~مع النور من الاهتداء والاستقامة والأنس بثلج اليقين. # الثاني: الأهوال؛ قال الله: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) قال أهل ~~التفسير: ms134 أراد أهوالهما، ويجوز أن يكون أراد الظلمات بعينها. ومن الأول ~~قولهم: يوم مظلم، وأظلم النهار في عينه؛ يريدون الهول والشدة. # PageV01P321 # الثالث: الظلمة بعينها؛ قال الله: (وجعل الظلمات والنور) وقد تقدم ذكر ~~الظلمات لأنه خلق الظلمة قبل النور، كما خلق الجنة قبل النار، والسماوات ~~قبل الأرض (1). # وفي هذا معنى حسن، وهو جعله مثالا للشك الذى غلبه البرهان والدلاة؛ فأما ~~الجنة فقدمت لأنها الغرض المطلوب، وأما السماوات فقدم خلقها لأنها أشرف من ~~الأرض من غير اعتراض معنى يزيلها عن مرتبتها. # والفرق بين جعل الظلمات وفعل الظلمات.؛ أن الجعل يقتضي فعلها على الصفة ~~التي هي عليها، كما يقال: جعل الطين خزفا، والجعل أيضا يدل على الاتصال؛ ~~ولذلك جعل طرفا للفعل يستفتح به؛ كقولك: جعل يقول، وجعل ينشد، قال الشاعر: # وزعمت أنك سوف تسلك فازا ... والموت مكتنع طريقي فازر # فاجعل بحلل من يمسك إنما ... حنث اليمين على الأثيم الفاجر PageV01P322 ### | الظلم # قد ذكرنا أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويجوز أن يكون أصله النقصان، ~~ومنه قوله: (ولم تظلم منه شيئا) أي: لم تنقص، والمظلومة: أرض لم تمطر بين ~~أرضين قد مطرتا؛ كأنها نقصت حقها. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الشرك؛ قال الله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) والشاهد قوله: (إن ~~الشرك لظلم عظيم) ولما نزل قوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، شق على الناس؛ ~~فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال إنه ليس الذي تعنون، ألم ~~تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) ". # الثاني: ظلم العبد نفسه؛ قال: (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه). # فإن قيل: كيف يظلم العبد نفسه ولم يقصد ضررها؟ قلنا: لأنه يقصد إلى ضرر ~~قبيح ينزل بها من أجل شهوته له فيضرها من حيث يظن أنه ينفعها، ولو نظر فيما ~~يأتيه حق النظر وقف على مكان الضرر منه فيكون ظالما لنفسه بذلك؛ ونظيرها ~~قوله: (فمنهم ظالم لنفسه). # ويجوز أن يكون المعنى أنه ينقصها الحظ من الثواب والذكر الجميل. # الثالث: ظلم الإنسان غيره؛ قال: (ومن يفعل ms135 ذلك عدوانا وظلما) والعدوان ~~والظلم واحد؛ وإنما كرر اللفظين على المعنى الواحد إرادة التوكيد والتصرف ~~في الكلام على ما بينا من مذهب قوم يذهبون إلى ذلك، وأصح منه أن # PageV01P323 # يقال. العدوان مجاوزة الواجب، والظلم هنا وضع الشيء في غير موضعه من قبل ~~النفس المذكورة في الآية، فلما اختلف معنى اللفظين عطف أحدهما على الآخر؛ ~~ولولا ذلك لم يجز العطف. # الرابع: النقص؛ قال: (ولم تظلم منه شيئا) أي: لم تنقص وقال: (ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا). # PageV01P324 ### | الظالمون # في القرآن على أربعة أوجه: # أولها: المشركون؛ قال: (ألا لعنة الله على الظالمين) كذا قيل، ويجوز أن ~~يكون غيرهم ممن يظلم، كثير الظلم داخلا معهم، وقوله: (قالوا ربنا لا تجعلنا ~~مع القوم الظالمين) وهم يعلمون أن الله لا يجعلهم مع المشركين؛ ولكن هذا ~~القول منهم تعظيم لما فيه المشركون من العذاب. # الثاني: الظالم لنفسه؛ وهو الذي يقصها بعض ثوابها بمعصية يوافقها، قال: ~~(ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) وقوله: (سبحانك إني كنت من ~~الظالمين) أي: لنفسه بخطيئته، وقال موسى - عليه السلام -: (إني ظلمت نفسي) ~~ومعنى هذين الحرفين داخل فيما تقدم. # الثالث: الجحود؛ قال تعالى: (بما كانوا بآياتنا يظلمون) أي: يجحدون؛ كذا ~~قال ابن عباس، ومقاتل. # وقيل: أراد أنهم يظلمون أنفسهم بالكفر بها، وقيل: يظلمون بها؛ أي: يكفرون ~~بها لوضعهم إصاها فى غير موضعها. # ويجوز أن يكون المعنى أنهم يظلمون النبي والمؤمنين بها؛ أي: بتصديقهم بها ~~لأنهم ينسبونهم في ذلك إلى الخطأ ويؤذونهم من أجلها وهذا على مقتضى اللفظ، ~~وقوله: (فظلموا بها) أي: جحدوا بها. # ويحتمل الوجوه التى تقدمت أيضا، ويقال: جحد بالشيء؛ إذا أنكر صحته، ~~وجحده؛ إذا أنكر وجوده، كما يقال: جحد حقه. # PageV01P325 # الرابع: السرقة؛ قال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ~~نكالا من الله)، ثم قال: (فمن تاب من بعد ظلمه) وقال: (وكذلك نجزي ~~الظالمين) يعني: السارقين. # والظلم في هذا الوجه يرجع إلى النقصان؛ لأن السارق ينقص مال المسروق، ~~ويجوز أن يكون سمى الله السارق ظالما لأنه ms136 يدخل الضرر على من لا يستحقه، ~~وكل ضرر غير مستحق ولا معقب نفعا ظلم، وقد سمي أيضا ظالما؛ لظلمه لنفسه. # PageV01P326 ### | الظهور وما يتصرف منه # قد ذكرنا أن أصله من العلو، يقال: ظهر فوق البيت إذا علاه، وقال الشاعر: # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # أي عارها مرتفع عنك لا يلحقك،: ظهر كل شىء أعلاه، ث ظهر الرجل؛ بين درعين ~~إذا ألبس إحداهما فوق أخرى، وظاهر الرجل الرجل إذا عاونه فعلا أمره، وهو ~~ظهيره؛ أي: معينه، ودرع مظاهرة؛ إذا نسجت حلقتين حلقتين. # وهو في القرآن على سبعة أوجه: # الأول: ظهر إذا بدا؛ قال الله: (ظهر الفساد في البر والبحر) ونتكلم في ~~هذه الآية في باب الفاء إن شاء الله تعالى. # وقال: (أو أن يظهر في الأرض الفساد) وقال: (يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا) يعني: ما بدا منه من معاشهم؛ أي: يعرفون ذلك من شدة عنايتهم به، ~~ويغفلون عن المعاد، وقال: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أي: لا يبدبن ~~الزينة الباطنة، نحو: المخنقة، والخلخال، والدملوج، والسوار؛ فإن ذلك من ~~التبرج، والذي يظهر الثياب والوجه والكفان، وزينة الوجه الكحل، وزينة الكف ~~الخضاب والخاتم. # وقد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف؛ فاقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر ~~إلى الوجه والكف، ويدل على أن الوجه والكف ليسا من العورة؛ إنها تصلي ~~مكشوفة الوجه واليدين فجاز نظر الأجنبي إليهما لغير شهوة، وجاز أن ينظر ~~إليهما لعذر وإن كان تشبيها، مثل: أن يريد تزويجها، أو ينظر إليها لشهادة، ~~أو لأنه حاكم يريد أن يسمع إقرارها، ويدل على أنه لا # PageV01P327 # يجوز النظر إلى الوجه لشهوة، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا ~~تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " # الثاني: الإطلاع؛ قال الله: (فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى ~~من رسول) وقال: (إنهم إن يظهروا عليكم) أي: يطلعوا. # الثالث: الارتقاء؛ قال الله: (ومعارج عليها يظهرون) أي: يرتقون، ~~والمعارج: الدرج، يقال: أعرج الملك إذا صعد، وعرج إذا نزل، وقال: (فما ~~اسطاعوا أن يظهروه) أي: ms137 يعلوه، وهو من قولهم: ظهر فوق البيت؛ إذ علاه. # الرابع: التعاون؛ قال: (وإن تظاهرا عليه) أي: تعاونا، وقال: (والملائكة ~~بعد ذلك ظهير) أي: ظهرا، يريد أن الملائكة أيضا تضار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقريب منه: (والملك على أرجائها) أي الملائكة، وقال: (وصالح ~~المؤمنين) فذكر الواحد وأراد الجمع. # والأرجاء: الجوانب واحدها رجاء مقصور، وهما رجوان، ويقال: يرمي بفلان ~~الرجوان، إذا كان سائرا لا يستقر ركابه، وقال: (وأنزل الذين ظاهروهم). # الخامس: العلو والغلبة؛ قال: (ليظهره على الدين كله) أي: ليغلبه حتى يغلب ~~كل دين يدان به. # PageV01P328 # وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه خبر وقع ~~مخبره على ما أخبر به، ومثله: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض) ~~أي: عالين قاهرين، ومثله: (فأصبحوا ظاهرين). # السادس: الباطل؛ قال أهل التفسير في قوله: (أم بظاهر من القول) أي: ~~بباطل، وأم هاهنا بمعنى بل، ومنه قوله: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) ~~أي: بل أنا خير لأنه قال: أيخبرونهم بما لا يعلم في الأرض بل يقول؛ زائل ~~باطل لا [يثبت]، وهو ادعاؤكم لهم الإلهية. # وقوله: (قل سموهم) يعني: الملائكة لأنهم عبدوهم، فقال لهم: إنكم تعبدونهم ~~فما أسماؤهم، قالوا ومنه قوله تعالى: (يظاهرون من نسائهم) أي: يقولون ~~باطلا. # وأصل هذه الكلمة عندنا من قولهم: أنت علي كظهر أمي، وكان من طريق ~~الجاهلية، وصار في الإسلام فيه كفارة صورتها معروفة ونزلت في خولة بنت ~~ثعلبة، وأوس بن الصامت. # السابع: بمعنى الإعراض عن الشيء؛ قال: (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي: ~~جعلتموه وراء ظهوركم؛ يعني: أنكم تركتم العمل به، ويقال: جعلت حاجتي تظهر ~~إذا اطرحتها ولم تلتفت إليها. # والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر، وقيل: الظهري؛ ما جعل وراء الظهر وقد ~~ظهرته أي؛ جعلته كذلك، وقيل: معناه أنه ثقل عليكم، من قول العرب: حملت ~~فلانا على ظهري إذا ثقل عليك، ويقال أيضا: ظهر بفلان؛ إذا لم يلتفت إليه، ~~قال الشاعر: # جد تأمر بني البر شاء من ولد الظهر # أي: الذين يظهر بهم ms138 ولا يلتفت إلى أرحامهم، والظهري في غير هذا الموضع: ~~العون، ومنه الظاهري في الدواب. # PageV01P329 # والكلمة من الأضداد،: (واتخذتموه) أي: اتخذتم الله وراءكم، وحقيقة المعنى ~~أنكم جعلتم أمره بمنزلة ما وراء ظهوركم لا يلتفتون إليه، وقيل: الضمير في: ~~(اتخذتموه) لما جاء به متغيب وهو قول مجاهد، ولفظ الآية دال على الوجه ~~الأول. # PageV01P330 ### | الظلال # يجوز أن يقال أصل الظل: الدوام، ومنه يقال: ظل يفعل كذا؛ أي: دام يفعله، ~~ويجوز أن يكون أصل الظل: الستر، وظل الليل: ظلمته لأنها تستر كل شيء، وهو ~~بالغداة وما طلعت عليه الشمس ثم زالت فهو فيء، لأنه فاء من جانب إلى جانب، ~~والفيء الرجوع. وهو في القرآن على وجهين: # الأول: جمع ظل، قوله: (وظلالهم بالغدو والآصال) جاء في التفسير أن الكافر ~~لا يسجد لله، ومثله؛ يسجد على كره منه، والمراد أن الحال يتصرف بالظل ~~لدوران الشمس وتنقلها من مكان إلى مكان؛ وفيه دليل على الخالق؛ فجعل ذلك ~~سجودا؛ لأن حال السجود أبين، والغدو هنا اسم للوقت، وأصله المصدر، والآصال ~~جمع أصيل، وهو العشي، وقال بعضهم: الظل ما يستراح إليه. # الثاني: جمع ظلة؛ قال الله: (في ظلال على الأرائك متكئون) وهي جمع ظلة، ~~مثل: قلة، وقلائل. # وأما قوله: (وظل من يحموم) و: (ظل ذي ثلاث شعب) ومعناه دخان جهنم، ~~واليحموم الأسود، وأراد أنه يغشاهم فيسترهم؛ فسماه ظل لأن الظل الستر. # PageV01P331 ### | الظن # الظن في العربية على وجهين: شك، ويقين، وقد جاء في القرآن كذلك، قال ~~الله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي: أيقنت، ومنه قول الشاعر: # ظنوا بألفي مدجج # أي: أيقنوا ذلك، وليس ذلك في أصل اللغة، وإنما صار كذلك في الاستعمال، ~~ومن جهة الاستعارات وكثرتها في الكلام. # وقال تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) أي: يوقنون. وقال ابن ~~درستويه: يتوهمون ذلك، والكافر لا يتوهمه. # وهذا خطأ؛ لأنهم لو كانوا يتوهمونه ولا يوقنونه لكانوا كفارا؛ لأن التوهم ~~من قبيل الشك، والشاك بالبعث كافر. # والآخر قوله: (إنه ظن أن لن يحور (14) بلى) أخبر أنه كان شاكا في البعث. # وقال أبو ms139 بكر رحمه الله: الظن على أربعة أقسام: محظور، وواجب، ومندوب ~~إليه، ومباح. # فالمحظور: سوء الظن بالله، وكل ظن لصاحبه سبيل إلى العلم فيه؛ مما تعبد ~~به فهو محظور. # PageV01P332 # وأما الظن الواجب: فمثل ما تعبد بإنفاذ الحكم به:، ولم ينصب عليه دليل؛ ~~نحو: قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات ~~التي لم يرد بها توقيف. # وأما المباح: فكالظان في الصلاة، أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالعمل على غالب الظن؛ فإن فعل كان مباحا، وإن عدل إلى البناء على اليقين ~~كان جائزا. # والمندوب إليه: حسن الظن بالأخ المسلم، قال الله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ~~ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا). # PageV01P333 ### | الباب الثامن عشر # فبما جاء من الوجوه والنظائر في أوله عين ### | القول في العالمين # العالم يقع على الملائكة والإنس والجن، واشتقاقه من العلم؛ لأنه يقع على ~~من يعلم، ويصلح أن يكون من العلامة؛ لأن فيهم دلائل على خالقهم. # وقيل: أهل كل زمان عالم، وقيل: كل ما يحوي الفلك عالم، والناس يقولون: ~~العالم العلوي؛ يعنون السماء وما فيها، والعالم السفلي؛ يريدون الأرض وما ~~عليها، ويقولون على وجه التشبيه: إن الإنسان العالم الصغير وإلى فلان تدبير ~~العالم يعنون الدنيا. # واشتقاقه على هذا القول من العلامة فقط، وقيل: العالم اسم أشياء مختلفة ~~فلا يوحد وليس هو مثل الناس؛ لأن كل واحد من الناس إنسان، وليس كل واحد من ~~العالم ملائكة. # والعالم إن كان جمعا لا واحدا له من لفظه؛ فليس هو، كالنعم والرهط ~~والنسوة؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء جمع لجنس بعينه، والعالم جمع لأجناس ~~مختلفة، وقال بعضهم. العالم كل جنس ذي روح. # وحكي عن العرب: عالم من الطير ومن الظباء وليس ذلك بمعروف عندنا، وعندنا ~~أن العالم سمي عالما لأنه يصلح أن يستدل به فيوصل إلى العلم، ومثله: الخاتم ~~لأنه يصلح للختم على الأشياء، والطابع يصلح أن يطبع به. # قال المفضل: العرب تقول: العالمين في الرفع والنصب والجر؛ لأنه جمع لا ~~نظير له، وكان حقه أن يجمع به على عوالم وعواليم، ms140 مثل: خاتم وخواتيم ~~وخواتم، فلما انقطع عن بابه جمع بالنون وألزم الياء وأجري مجرى: المقتوين ~~والمفتكرين، قال: وقد جاء عن قوم من كنانة وأسد عالمون وليس بمشهور. # ولفظ العالمين في القرآن مستعمل في أربعة مواضع: # PageV01P335 # الأول: الملائكة والجن والإنس؛ وهو قوله تحال: (الحمد لله رب العالمين) ~~هذا قول أكثر المفسرين، وإنما ذكر هؤلاء: (وهو رب كل شيء) لأن الأقل داخل ~~في الأكثر. # الثاني: الجن والإنس خاصة؛ قال الله: (ليكون للعالمين نذيرا) أي: عظة ~~وزجرا عن المعاصي وداعيا إلى التوحيد. # الثالث: قوله: (وفضلناهم على العالمين) يعني: عالمي زمانهم، ودليل هذا ~~أنه لم يفضلهم على أمة محمد - عليه السلام -؛ ولو فضلهم لم يقل: (كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس). # PageV01P336 # الرابع: الناس من لدن آدم - عليه السلام - إلى يوم القيامة، قال: ~~(واصطفاك على نساء العالمين) والاصطفاء هاهنا بمعنى أنه خصها بإخراج الولد ~~منها من غير ذكر. # ويجوز أن يكون في الأنبياء من هو مثلها في الفضل، مثل: آسية وفاطمة بنت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، للأثر المروي " خير نساء العالمين: ~~آسيا، ومريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P337 ### | العمى # أصل العمى من الستر، ومنه قيل: السحاب العماء؛ لأنه يستر السماء، وعمي ~~الرجل؛ كأنه سترت عنه المرئيات، وعمي عن الصواب تشبيه كأنه ستر عنه، ~~ويقولون للفلاة التي لا علم فيها: عمياء وعطشاء، والعطش ضعف البصر، وقالوا ~~لها ذلك لأنهم لا يبصرون فيها القصد لأنه قد ستر، وفي القرآن: (فعميت عليهم ~~الأنباء يومئذ) لأنها سترت. # والعمى وما يتصرف منه في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: عمى القلب؛ قال: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب) ~~والمعنى أنها لا تنتفع ببصائرها كما لا تنتفع العمي بأبصارها، ومثله: (صم ~~بكم عمي) فجعلهم صما لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون فكأنهم لا يسمعون، كما أن ~~الأصم لا يسمع؛ وسماهم عميا على هذا السبيل، وبكما لأنهم إذا صئلوا عن صحة ~~ما يذهبون إليه لم يأتوا بحجة وكأنهم بكم. # وقوله: (أفأنت تهدي العمي) وقال: (ومن كان في هذه ms141 أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى) ومعنى ذلك أنه إذا عمى في الدنيا عن التوبة وقد جعل الله إليها سبيلا ~~كان في الآخرة أعمى؛ لأنه لا يجد متابا، وأضل سبيلا؛ لأنه لا يهتدي إلى ~~طريق النجاة والفوز. # الثاني: عمى البصر؛ قال: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج) وقوله: ~~(عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) يعني: عبد الله ابن أم مكتوم، وكان ~~ضريرا؛ جاء النبي - عليه السلام - وهو # PageV01P338 # يدعوا بعض أشراف قريش فى الإسلام؛ فشاغل عنه؛ فنزلت: (عبس وتولى) إلى ~~قوله: (فأنت عنه تلهى). # الثالث: العمى عن الحجة؛ قال تعالى: (لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) جاء ~~في التفسير أنه أراد؛ لم حشرتني أعمى عن الحجة وقد كنت بها بصيرا في ~~الدنيا، ويجوز أنه يكون بمعنى عمى العين على ما قدمنا قبل؛ وهو أنه حشره ~~أعمى ليجعله علامة بين الخلق. # PageV01P339 ### | العلم # هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، وأصله الظهور، ومنه قيل ~~للجبل: علم لظهوره، وأعلام الشيء دلائله، لأنها تدل بظهورها عليه، والمعلم: ~~الموضع المعروف. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: على قول بعض المفسرين الرؤية؛ قال الله: (ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم) ومثله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم). # جاء في التفسير هي أنه أراد الرؤية؛ أي: حتى نراهم مجاهدين؛ لأنه تعالى ~~كان يعلم المجاهدين قبل الجهاد، وقيل: معنى العلم هنا التمييز، ويمي ~~التمييز علما؛ لأن العلم يقع معه بحال ما يتميز وما يتميز منه، وقيل: معناه ~~ليصبر المؤمنون على ما يصابون به؛ فجعل العلم منه مكان الصبر منهم إذ كان ~~الله عالما بصبرهم إذا صبروا، وقيل: يعلمهم فاعلين كما يعلمهم معتقدين. # الثاني: العلم بعينه؛ قال: (يعلم ما يسرون وما يعلنون) وقال: (يعلم الجهر ~~من القول). # PageV01P340 # الثالث: الإذن قال تعالى: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو) أي: بإذن الله، وسمي الإذن علما، لأن أصل الإذن العلم، ومنه الأذان؛ ~~وقد ذكرنا ذلك، وقيل: معناه أنزله وهو عالم به. ms142 # PageV01P341 ### | العز # أصله العز الغلبة، ومنه قيل: من عزيز. أي: من غلب اغتصب، ثم استعمل في ~~المنعة، فقيل: فلان عزيز الجانب، أي: منيعه، وقال الهزلي: # حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف # ومن الغلبة؛ قوله تعالى: (وعزني في الخطاب) أي: غالبني، وسمي الله عزيزا ~~لأنه الغالب الذي لا يقهر، وفي مثل: إنما تعز من ترى وتعزك من لا ترى، ~~والعزيز أيضا القليل، يقال: هذا شيء عزيز؛ أي: قليل، وإنما سمي القليل ~~عزيزا؛ لأنه لا يقدر عليه، شبهه بالعزيز من الرجال، ليس أن العز في العربية ~~القلة. # وهو في القرآن على سبعة أوجه: # الأول: المنعة؛ قال تعالى: (أيبتغون عندهم العزة). # الثاني: العظمة؛ قال الله: (بعزة فرعون) أي: بعظمته. # الثالث: خلاف الذل؛ قال: (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) وقوله: (ليخرجن الأعز ~~منها الأذل) وقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ومعنى ذلك يرجع إلى ~~العظمة. # الرابع: الحمية؛ قال الله: (أخذته العزة بالإثم) أي: إذا أمرته بالتقوى ~~أخذته الحمية من الائتمار لك فأثم، ومثله: (بل الذين كفروا في عزة # PageV01P342 # وشقاق) أي: في حمية يشاقونك معها؛ أي: يباعدونك، وقيل: المعنى أخذته ~~العزة بالإثم الذي في قلبه؛ فأقام الباء مقام اللام، كما قال غيره: # حشر الإمالة جوانب قمقم # أي: من أجله؛ فأقام حرفا مقام حرف. # الخامس: الغلظة؛ قال الله: (أعزة على الكافرين) أي: غلظا. # السادس: العزيز بمعنى الشديد؛ قال الله: (عزيز عليه ما عنتم) وقوله: (وما ~~ذلك على الله بعزيز) أي: شديد يشق فعله عليه. # السابع: التقوية؛ قال: (فعززنا بثالث) أي: قوينا، واستعز الشيء إذا قوي ~~واشتد. # PageV01P343 ### | العبادة # أصل العبادة التذلل، يقال؛ طريق معبد؛ أي: موطوء مذلل، [وبعير معبد] وهو ~~[المهنوء بالقطران]، ومعناه راجع إلى الأول. # والعبادة مفارقة لدوام الطاعة؛ لأنا نديم الطاعة للرسول ولسنا نعبده، ~~والعبادة غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولا يقدر على ذلك إلا ~~الله تعالى، ويقال: هؤلاء عباد الله، ولا يقال: عباد فلان إلا في القليل. # وقد جاء في القرآن: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) وإنما جاء كذلك لأنه ~~وقع ms143 مع إمائكم فازدوج، ويقال: عبيد الله، وعباد الله أكثر، وقال بعضهم: ~~العباد جمع عبيد. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: التوحيد، قال الله: (اعبدوا ربكم) أي: وحدوه، وقوله: (واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا) وقوله: (اعبدوا الله واتقوه) كذا قيل، ويجوز أن ~~تكون العبادة هاهنا أداء الفرائض واجتناب المحارم. # الثاني: الطاعة؛ قال الله: (بل كانوا يعبدون الجن) أي: يطيعون الشياطين، ~~وقال: (أن لا تعبدوا الشيطان) وهم لم يعبدوا الشيطان، وإنما هو كما تقول؛ ~~فلان يعبد فلانا إذا كان شديد الطاعة له، وما كان أيضا قصدهم طاعته؛ ولكن ~~لما وافق أفعالهم رضاه سماها طاعة له؛ لأن الطاعة توفيق رضا المطاع. # PageV01P344 # الثالث: السجود للأصنام وهي وإن سمتها العرب عبادة فليست بعبادة، وهي على ~~حسب ما سمت العرب ربا وإلها وليس هو على الحقيقة، وقال: (ما كانوا إيانا ~~يعبدون). وقال: (أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) فإن قيل: ما معنى قوله: (ما ~~كانوا إيانا يعبدون)، وليس في الآخرة كذب، قلنا: معناه إنا لم نكن نستحق ~~العبادة.؛ فلم تكن عبادتهم على الحقيقة عبادة لنا، كما تقول: لصاحبك ليس ~~هذا القول قولك، وإن كان قاله بمعنى أنه لا يليق بك، وبمعنى أنك دون ما ~~يقوله أيضا، وقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) أضافهم إلى الله، إضافة ~~الخصوصية، لأن الخلق كلهم عباده. # والإضافة على خمسة أوجه: # إضافة الخصوصية، وهي مثل هذا، ومثل قوله: (وأن المساجد لله). # وإضافة النسب؛ وهي قولك: ابن فلان، وبنت فلان. # وإضافة السبب؛ وهو قوله: فلان شريك فلان وصديقه. # وإضاقة التعريف؛ وهو سرج الدابة، ولجام الفرس، وقميص الرجل. # ولإضاقة الملك؛ مثل: دار زيد، وصنعة عمرو. # PageV01P345 ### | العدوان # قد ذكر أصل هذا الحرف، وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى العذاب؛ قال الله تعالى: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين) أي: من انتهى منهم عن الكفر فلا عذاب عليه؛ إنما هو على من ظلم ~~نفسه بإقامته على الكفر، وسمي العذاب عدوانا لأنه مقابلة بالعدوان، كما قال ~~الشاعر: # جزينا ذوي العدوان بالأمس مثله ... قصاصا ms144 سواء جزوك النعل بالنعل # ويجوز أن يكون سمي عذاب الآخرة عدوانا لمجاوزته حد العذاب المعهود. # الثاني: الظلم؛ قال الله: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وقال: ~~(تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان). # والإثم في هذه المواضع يجوز أن يكون مثل العدوان مثل الإثم وإنما ذكر ~~للتوكيد، كما تقول: الغشم والظلم هذا قول. # وقول آخر: وهو أن الإثم يقتضي أنه يتتبع عليه، وأصله في العربية التقصير. ~~والعدوان يقتضي مجاوزة الحد؛ فعطف أحدهما على الآخر مخالفة ما يقتضيه كل ~~واحد منهما ولو كانا في المعنى سواء لم يجز عطف أحدهما على الآخر، كما لا ~~يجوز عطف زيد على أبي عبد الله إذا كان هو هو. # PageV01P346 # الثالث قوله تعالى: (أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل). أي: لا اعتلال ولا حجة علي، ويجوز أن يكون بمعنى إلي إذا قضيت ذلك ~~لا أظلم فأكلف غيره. # PageV01P347 ### | العفو # أصله الترك، وعفا المنزل؛ ترك حتى درس، وقوله: (فمن عفي له من أخيه شيء) ~~أي: ترك له الدم وصولح على الدية من أخيه، يعني: من ولي الدم ولم يرد ~~القاتل،: شيء يعني: به الدم؛ فعبر بشيء وهو. نكرة عن كل معرفة؛ والعرب تكني ~~بشيء عن كل معرفة لأنها على كل حال شىء، وأنشد: # لعمرك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # والاتباع: المطالبة بما صولح عليه القاتل من الدية؛ أي: فيطالب ولي ~~المقتول بذلك في رفق؛: (وأداء إليه بإحسان) أي: وليود الجاني ما يود به من ~~الدية أداء حسنا من غير مطل ولا تأخير،: (ذلك تخفيف من ربكم) يعني: إجازته ~~أخذ الدية وترك الدم؛ فمن رضى بالدية ثم قتل فله عذاب أليم. # وقد أجمع المسلمون أن الدية إذا وجبت على قاتل العمد كانت من ماله دون ~~مال العاقلة، وكانت حالة لا يجوز تأخيرها -، وأن دية الخطأ على العاقلة ~~ويلزمهم أداؤها في ثلاث سنين؛ في كل سنة ثلث وعفا الله عنك ترك معاقبتك، ~~واستعمال الترك في الله مجاز. # والعفا: التراب؛ لأنه متروك لوجوده بكل مكان ms145 ليس هو مما يؤخذ ويدخر، ثم ~~اشتق منه الكثرة، فقيل: عفا الشيء؛ إذا كثر كأنه صار كالتراب بكثرة، ثم ~~اشتق منه الكثرة حتى عفوا، وعفاه يعفو إذا قصده وسأله، ويجوز أن يكون معناه ~~أنه أتاه تاركا لغيره. والعفو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الفضل من المال؛ قال تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) ~~يعني: الفضل والبر، وذلك أنهم حضوا على الإنفاق. في قوله: (أنفقوا # PageV01P348 # من طيبات ما كسبتم) وقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) فسألوا عن القدر ~~الذي تنفقون، فقال: ما يفضل عنكم ويسهل عليكم إنفاقه تنفقونه؛ وهو قليل ~~لتنالوا به الكثير من الثواب. # الثاني: الترك؛ وهو قوله تعالى: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح) أي إلا أن [يتركن لكم ما يجب] لهن من [نصف] الصداق أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح يعني: الزوج، وعفوه أن يعطي المهر كاملا وليس هو الولي؛ ~~لأنه ليس للولي أن يترك من مهر المرأة شيئا، ومثله قوله: (فتاب عليكم وعفا ~~عنكم) وقوله: (فمن عفي له من أخيه شيء). # الثالث: العفو عن الذنب؛ قال الله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) وفي هذا ~~دليل على أن الأنبياء يذنبون؛ لأنه إذا لم يكن ذنب لم يكن عفو ولكن ذنوبهم ~~صغائر (1). PageV01P349 ### | العدل # أصل العدل؛ الاستقامة، عدل الرجل إذا استقام حكمه ولم يمل، وقيل: العدلان ~~لأن كل واحد منهما يستقيم بالآخر، والعدل المثل، كأن المثلين يستقيمان في ~~الشبه أو الصفة، والعدل لا يستعمل إلا في المدح؛ لأن رجلا لو سوى بين رجلين ~~في الظلم، لم يقال: إنه عدل أو هو عادل، وإذا قسم رئيس القوم السرقة بينهم ~~بالتسوبة لم يقل إنه عدل؛ وسمي الله عدلا من أجل أن أفعاله تقع على طريقة ~~مستقيمة، والعدل: الفدية يرجع إلى هذا. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: المثل؛ قال الله: (أو عدل ذلك صياما) أي: مثله، قالوا: والعدل ~~أيضا المثل، ويجوز أن يكون سمي الحدلان عدلين؛ لأنهما مثلان، والعدل ~~والعدل: المثل من الجنس، ومن غير الجنس، ms146 كما أن المثل هو من الجنس وغير ~~الجنس وليس العديل مثل ذلك؛ لأن العدل أعم من العديل، وما كان أعم فإنه أخص ~~بالنكرة فهو للجنس وغير الجنس، تقول: عمرو عدل زيد وعديله، وعمرو عدل ~~الأسد، ولا يقال: عديل الأسد. # الثاني: الفدية؛ قال الله: (ولا يؤخذ منها عدل) أي: فدية؛ وهو ما يكون ~~بدل الشيء. # الثالث: خلاف الجور؛ قال الله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) والإحسان ~~داخل في العدل، والعدل داخل في الإحسان، ومع هذا فإن # PageV01P350 # الفرق بينهما معروف، وقد يعطف الشيء على الشيء وإن كانا يرجعان إلى شيء ~~واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأما إذا أريد بالثاني ما أريد بالأول ~~فعطف أحدهما على الآخر خطأ، لا تقول: جاءني زيد وأبو عبد الله إذا كان زيد ~~هو أبا عبد الله، ولكن مثل قوله: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب # لأن المال إذا لم يفد فإنما يعني: به الماشية أو الصامت والنشب: ما نشب ~~من العقارات، وكذلك قول الحطيئة: # وهند أتى من دونها النأي والبعد # فالنأي يكون لما ذهب عنك إلى حيث بلغ، وأدنى ذلك يقال له نائي، والبعد ~~تحقيق الخروج والذهاب إلى الموضع السحيق، والتقدير؛ إني من دونها النائي ~~الذي هو أول البعد، والبعد الذي هو الغاية. # PageV01P351 ### | العهد # العهد: وجدانك الشيء، ومنه قيل: عهدته عهدا، والعهد: اليمين، ومنه: عليه ~~عهد الله، والعهد الوصية، من قولهم: عهد إليه، والعهد المطر، والعهد: الأمر ~~والوصية في قوله تعالى: (عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان) ومنه ~~سمي عهد الأمير؛ لأنه يؤمر فيه بما يعمل به، والعهد: الضمان الذي يوجبه ~~الضامن على نفسه، والعهد: المودة، وقيل: ليس لفلان عهد؛ أي: مودة، ويجوز أن ~~يكون العهد هاهنا الحفاظ، والعهد المنزل، قال الراجز: # هل يعرف العهد المحيل أرسمه # والعهد: الكتاب يكتب بين قوم، وتعهدت صنعتي: تفقدتها، والعهد: الحفاط في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: " حسن العهد من الإيمان وأصل الكلمة من ~~الثبات ". # وهو في القرآن على خمسة أوجه: ms147 # الأول: الأمان؛ قال الله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) وذلك أن الله ~~تعالى أمره نبذ العهد إلى من عرف منه الغدر، في قوله: (وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء) ويجوز أن يقال: إنه كان شارطهم أن يقرهم ما ~~أقرهم الله؛ فلما أمره بقطع العهد قطعه ثم استثنى قوما ثبتوا على العهد، ~~فقال: # PageV01P352 # (إلا الذين عاهدتم من المشركين) إلى أن قال: (فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم). # قال ابن عباس: هم بنوا ضمرة من كنانة، والملة تسعة أشهر، وكان أمر عليا؛ ~~فنادى من كان بينه وبين رسول الله عهد فأحله إلى أربعة أشهر، فقيل: العهد ~~مرفوع للأمان من القتال على غرة؛ فإذا أعلمهم رفعه فهو جائز، وسواء خاف ~~غدرهم أو لم يخف، وليس ذلك غدرا، وإنما الغدر أن يأتيهم بعد الأمان وهم ~~غازون؛ ولذلك قال الكوفيون: يجوز للإمام أن يهادن العدو إذا لم يكن ~~بالمسلمين قوة على قتالهم؛ فإن قووا بعد ذلك كان لهم أن ينبذ إليهم ~~ويقاتلهم. # الثاني: اليمين؛ قال الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) والشاهد ~~قوله تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها). # الثالث: الأمانة والنبوة؛. قال الله: (لا ينال عهدي الظالمين). # الرابع: الوصية؛ قال الله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) وقوله: (عهد ~~إلينا ألا نؤمن لرسول) وقد تقدم. # الخامس: الضمان؛ قال الله: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) أي: أوفوا بما ~~ضمنتم لي من الإيمان، أوف لكم بما ضمنت لكم من الثواب. # PageV01P353 ### | العرض # أصله الظهور، ومنه عرضت عليه الشيء؛ إذا أظهرته له، والمعرض ما تعرض فيه ~~الجارية؛ أي: تظهر، ولفلان عارضة جيدة، والعراضة: العطية ترجع إلى ذلك، ~~وأعرض الرجل عن الرجل: ولاه عرضه؛ أي؛ جانبه وأعرض له أمكنة من عرضه، ~~والعرض خلاف الطول، وإذا استعمل العرض فيما لا يكون عريضا على الحقيقة؛ ~~فإنما يراد به التمام، مثل قول الشاعر: # في المجد صار إليك العرض والطول # أي صار إليك المجد بتمامه، وقوله: (فذو دعاء عريض). أي: تام، والعرض: ما ~~يظهر من منافع الدنيا، والعرض ما يحل في ms148 الجسم ولا يقوم بنفسه وليس له بقاء ~~الجواهر. # واشتق له هذا الاسم من عارض السحاب وهو جسم؛ فسموا به ما ليس بجسم لما ~~اجتمعا في قلة اللبث، ومثال هذه التسمية تسمية الملك ملكا، وإن لم يكن ~~رسولا على أن أصله هذا الاسم من الألوكة؛ وهي الرسالة، ولو كان العرض عرضا ~~لأنه ليس بجسم ولا جوهر لكان الله عرضا؛ لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وقولهم: ~~عرض في كلامه، معناه أنه ذهب فيه عرضا ولم يستقم فيه، والتعريض: هو ترك ~~الإفصاح، يقال: عرض في الجبل إذا أخذ يمينا وشمالا ولم يستقم في مصعده. # والعرض في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى الكثرة؛ قال تعالى: (فذو دعاء عريض) أي: كثير:، ولم يقل: ~~طويل؛ لأن العرض أدل على الطول والتمام. # PageV01P354 # الثاني: التهيئة، قال: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا) أي: فهيأناها ~~لهم، ويجوز أن يكون المراد إنا أظهرناها لهم. # الثالث: بمعنى الجمع؛ قال الله: (وعرضوا على ربك صفا) أي: جمعوا للحساب ~~بحيث أمر الله، وقيل: معناه أنهم ظاهرون لله يرى أحدهم كما يرى جماعتهم. # وأصل العرض الظهور على ما ذكرنا، وليس المعنى أنهم كانوا مستورين عن الله ~~فظهروا له، ولكن المعنى أنهم ظهروا من قبورهم لأمر الله؛ فعبر عن هذا ~~المعنى بلفظ العرض عليه لما في ذلك من التفخيم لشأن الحساب والوقوف في ~~مواقفه؛ وهو من قول الناس: عرض فلان على الأمير. # الرابع: قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) وهو لفظ مجاز والكلام فيه كثير، وتلخيص ~~معناه عندي؛ إنا لو جعلنا هذه الأشياء بمنزلة من تكلف، ثم كلفناها لإطاعتنا ~~وكلفنا الإنسان فعصانا. # والأمانة هاهنا الطاعة، والإنسان العاصي من الناس خاصة:، وقال الحسن: ~~يعني: إن الكافر والمنافق حملا الأمانة فخانا، وتصديق ذلك قوله: (ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات). # الخامس: السعة؛ قال: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) أي -: سعتها ~~كسعتها. # PageV01P355 ### | العين # أصلها عين الحيوان، ثم كثر الاستعمال بها حتى تصرفت على خمسين وجها ~~أفردتها في كتاب. # وهي في القرآن على ms149 وجهين: # الأول: عين الإنسان؛ وهو قوله تعالى: (والعين بالعين) وذكر تعالى أنه حكم ~~بهذا الحكم على من قبلنا، وشرائع من قبل ثابتة علينا إلى أن يرد # PageV01P356 # نسخها؛ والشاهد قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ~~فدل على ثبوت الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين: # أحدهما: أنه ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين نبي من الأزمان. # والثاني: أنه معلوم أنهم استحقوا سمة الظلم والفسوق عند نزول هذه الآية ~~بتركهم الحكم بها، وقوله: (العين بالعين) عند أصحابنا معناه؛ أن العين إذا ~~ضربت فذهب ضوئها. # PageV01P357 # والقصاص في ذلك أن تحمي مرآة وتدنى إلى العين التي فيها القصاص حتى يذهب ~~ضوئها، وليس هو أن تقلع العين، وليس في قلع العين عندهم قصاص؛ لأن استيفاء ~~القصاص في ذلك غير ممكن؛ إذ لا يوقف على الحد الذى يجب أن يقلع منه، وكذلك ~~كل ما لا يوقف على ذلك منه. # الثاني: العين بمعنى الحفظ؛ وهو قوله: (ولتصنع على عيني) أي: لتربى وأنا ~~حافظ لك، وذلك أن من له بالشيء عناية تجعله نصب عينه ناظرا إليه؛ فاستعير ~~ذلك في شدة الحفظ لما فيه من الدلالة على صدق العناية، ومنه قوله تعالى: ~~(تجري بأعيننا) أي: تجري [بمرأى منا وحفظ] (1)، ومنه قول امرئ القيس: # وبات بعيني قائما غير مرسل PageV01P358 ### | الباب التاسع عشر # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله غين ### | الغي # أصله الفساد، يقال: غوى الرجل؛ إذا فسد طريقته في الدين، ورجل غاو وغوي؛ ~~إذا فسد عيشه وأمره أيضا، وغوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن، وقيل ~~أيضا ذلك له إذا لم يزو من لبن أمه فمات هزلا، فقيل في الرجل غوى وفي ~~الفصيل غوى والأصل واحد. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # PageV01P359 # الأول: فساد العيش؛ قال تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) أي: فسد عيشه في ~~الجنة، أخبرنا بذلك أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد رحمه الله، عن أبي ~~عمر الزاهد، عن ثعلب، وأصل الغي الفساد على ما ذكرنا؛ ms150 فإن قيل: أنتم تزعمون ~~أن صاحب الصغيرة لا يقال إنه عاص قولا مطلقا، وقد قال الله ذلك لآدم، وكذلك ~~وصفه إياه بأنه غوى؟ قلنا: إنما قال ذلك مضمنا بالقصة التي عصى فيها، فكان ~~ذلك كالتقييد، فكأنه قال: [إنه عصى في كذا وأخرى]؛ فإن اليد يطلق في عبده ~~إذا عصاه ما لا يجوز أن يطلقه فيه غيره. # الثاني: فساد الطريقة في الدين؛ قال تعالى: (إلا من اتبعك من الغاوين). # الثالث: العذاب؛ قال: (فسوف يلقون غيا) أي: عذابا؛ وإنما سمي العذاب غيا ~~لأنه مجادلة على الغي، وقيل: غي واد في جهنم. # PageV01P360 ### | الغيب # أصل الغيب الستر، وغيبت الشيء في التراب؛ إذا سترته فيه، والغيب: ما ~~استتر عنك، وأصله ما سترك من قولك: نحن في غيب هذا الوادي؛ أي: حيث يستتر ~~به، وكل ما ستر شيئا فهو غيابة، ومنه غيابة الجب. # والغيب في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الخلوة؛ قال الله: (الذين يؤمنون بالغيب) يعني: أنهم يخلصون العمل ~~في خلواتهم خلاف المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطون، وقيل: # PageV01P361 # هو البعث، والأول أجود، عندى؛ لأن البعث ليس بغيب مع شهرة أمره ومع ما ~~يدل عليه من العقل والسمع. # الثاني: ما غاب عن الأبصار؛ قال تعالى: (عالم الغيب والشهادة) أي: ما غاب ~~وما حضر. # الثالث: الوحي؛ قال الله: (وما هو على الغيب بضنين) (1). أي: ما هو على ~~الوحي بمتهم، والظنين المظنون، وظننت في هذا يتعدى إلى مفعول واحد، ظننته ~~أي: اتهمته. PageV01P362 ### | الباب العشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله فاء ### | الفساد # قد تقدم من قولنا فيه ما يكفي، وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الميل مع الكفار؛ قال الله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون) وذلك أن المنافقين كانوا يمالون الكفار فيجترئون ~~على المسلمين ويطمعون في النيل منهم والغلبة عليهم، ويسرعون إلى محاربتهم؛ ~~وفي ذلك الفساد في الأرض؛ لأن الحرب مفسدة للمال ومهلكة للنفس. # الثاني: الهلاك؛ قال الله: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ~~ومن فيهن) والدليل على ms151 أنه أراد الهلاك قوله: (ومن فيهن) قال بعض المفسرين: ~~الحق هو الله تعالى؛ أي: لو اتبع الله أهوائهم. # وقيل: هو القرآن؛ أي: لولا أنزل القرآن بما يريدون، وليس يصح تفسيرا ~~[لأنه على هذه الآية على هذين الوجهين] (1). # والصواب ما قال أبو علي - رضي الله عنه -: وهو أنه لو صح ما يدين به ~~الكفار من جعلهم الأصنام آلهة مع الله لتفاوتت أفعالهم، ولتمانعوا ففسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن من الملائكة والإنس والجن، وهذا مثل قوله: (إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) ومعنى: (ولو اتبع الحق أهواءهم) ~~PageV01P363 # أنه لو وافق الحق أهوائهم ولعبادة هذه الأصنام؛ فجعل موافقة الحق أهوائهم ~~اتباعا من الحق لهواهم على سبيل المجاز، وقال: (لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا) أي: [لهلكتا ولم تقوما]، ومن هذه الآية أخذ المتكلمون دليل ~~التمانع، ومن قوله: (ولعلا بعضهم على بعض). # الثالث: القحط، قال الله: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس) أي: قد كسبوا الذنوب فعجل لهم العقوبة بالقحط، ودليل ذلك قوله؛ ~~(ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) أي: لكي يتذكروا فيتوبوا، (ولعلا ~~هاهنا) بمعنى لام كي، وفي هذا دليل على أن بعض ما يحمل الله العبد من ~~المكاره تنبيه وبعضه عقوبة. # الرابع: ضد الصلاح؛ قال: (والله لا يحب الفساد) وقال تعالى: (إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها) وقال: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). # الخامس: قوله: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) يعني: السحرة، وقال بعضهم: ~~الفساد في قوله: (إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض). القتل، وكذلك في قوله: ~~(أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) ولا أعرف صحة ذلك، وعندنا أن الفساد في ~~هذا الموضع ضد الصلاح والقتل داخل في ذلك. # PageV01P364 ### | الفرقان # الفرقان مصدر، مثل: السكران، والكفران، والعدوان، ثم جعل اسما للقرآن، ~~لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفرقت بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح ~~بالتخفيف، وفرقت بين الشخصين بالتشديد. # وأصل الكلمة البعد، ومنه قيل: لتباعد ما بين اثنيين، وتباعد ما بين ~~الفخذين فرق. ورجل أفرق وامرأة ms152 فرقاء، ومنه الفرقة بين الحينين، والعرب ~~تقول: أسرع من فريق الخيل يعنون السابق؛ لأنه يفارق جماعتها، والفريق من ~~الناس الجماعة [المفارقة لغيرها]. # والفرقان في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: النصرة؛ قال الله (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان) جاء في ~~التفسير أنه أراد النصرة على أعدانه، وذلك أنه نصره على أعدائه إذ أبعدهم ~~الله بالإهلاك، ومثله: (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) أي: يوم نصرناه؛ ~~يعني: يوم بدر هكذا جاء في التفسير. # ويحتمل أن يكون معنى الفرقان هاهنا؛ الفرق بين الحق والباطل؛ لأن الحق ~~والباطل قد فرق بينهما يوم بدر بأن علا هذا أو سفل ذا، وقيل: جعله يوم ~~الفرقان؛ لأنه فرق فيه بين المؤمنين والكافرين، قال الله: (وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان) أي: إن كنتم صدقتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا يوم بدر ~~من هذا الحكم، وهو أن [خمس] الذي تغنمونه هو لله يجعله في الوجه الذى يريد. # والوجه الذي يريد أن يجعله فيه؛ هو أن يكون للرسول والفقراء من بني هاشم ~~وبني المطلب، وجعل ذلك لهم بدلا من الصدقات المحرمة عليهم، والفقراء ~~واليتامى، والمنقطع به من المسافرين؛ وهو ابن السبيل، فجرى الأمر على ذلك ~~حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، # PageV01P365 # ثم اجتمع الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - على أن يجعل بينهم الرسول في ~~السلاح والكراع، ويصرف الباقي إلى من سمي له في الآية، وقيل: (آتينا موسى ~~الكتاب والفرقان) أي: الكتاب الذي فيه الفرقان، وقيل: معناه إنا آتينا موسى ~~الكتاب وهو التوراة، ومحمدا الفرقان؛ فاكتفى بذكر الفرقان عن ذكر محمد؛ ~~لأنه معلوم أن الفرقان نزل عليهم. # وقال بعضهم: الكتاب التوراة، والفرقان؛ انفراق البحر، وقال آخر: الفرقان؛ ~~بيان الحلال والحرام الذي في التوراة، وقيل: الفرقان الموضع الذي فرق فيه ~~بين موسى وبين فرعون، كما سمي يوم بدر الفرقان. # الثاني: البينة في الدين؛ قال تعالى: (وبينات من الهدى والفرقان) يعني: ~~البينة في الدين وإخراجا من الشبهة والضلالة، وقال: (إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا). # الثالث: القرآن؛ قال الله تعالى (الذي ms153 نزل الفرقان على عبده) وقال: (أنزل ~~الفرقان) يعني: القرآن. # PageV01P366 ### | الفرض # أصل الفرض من التأثير، ومنه الفرض في العود وهو الحرفية، وفرضة النهر ~~ترجع إلى ذلك، وهو في الشريعة بمعنى الإلزام، وهو قوله: (فمن فرض فيهن ~~الحج) أي: ألزم نفسه. # وفرض الله على الناس الفريضة؛ أي: ألزمهم القيام بها، والفرق بين الفرض ~~والواجب في اللغة؛ أن الفرض الذي له تأثير وأصله من الجزء، وليس للواجب ~~تأثير لأنه من السقوط، يقال: وجب الحائط؛ إذا سقط، وفي القرآن: (فإذا وجبت ~~جنوبها) أي: سقطت، وللفرض في مكانه تأثير، - وليس للواجب في مكانه تأثير. # فمن يجعل الفرض أوكد من الواجب يذهب إلى هذا المعنى، وقوم يجعلونهما سواء ~~لأن قولك أوجبت وفرضت؛ بمعنى ألزمت، والفرق بينهما عند بعض الفقهاء بين ~~أيضا، وذلك أن سجدة التلاوة عنده واجبة وليس بفرض، وكذلك الوتر، والفرض ~~أيضا لا يكون من الله، والواجب يكون منه ومن العبد، تقول: أوجب السلطان على ~~رعيته كذا، ولا يقال: فرض. # PageV01P367 # فأما قولهم: فرض القاضي عليه فإن معناه؛ أوجب عليه ما فرض الله؛ لأن ~~القاضي لا يفرض في الحقيقة، فأما قوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) فهو بمعنى ~~ألزم، فوضع حرفا مكان حرف لتقاربهما في المعنى، وكذلك فرض القاضي. # والفرض في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الإلزام؛ قال الله: (فمن فرض فيهن الحج)، وقال: (قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم في أزواجهم) يعني: المهور، وأن لا يتجاوز الرجل تزوج أربع ~~نسوة، وقيل: الفرض هاهنا الإباحة؛ أي: أبحنا لهم تزوج أربع نسوة وما ملكت ~~أيمانهم؛ أي: وإن اتخذوا من الإماء والسراري ما يريدون، وقال في آية ~~الصدقات بعد أن عدد أهلها: (فريضة من الله) وقيل: للصلاة المكتوبة فرضفة ~~ولسهام الميراث فرض لذلك. # الثاني: بمعنى التبيين؛ قال الله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي: ~~بين لكم كيف تكفرون عن أيمانكم إذا حلفتم، ومثله قوله تعالى: (سورة ~~أنزلناها وفرضناها) أي: بيناها وفصلناها، وقيل: معنى: (فرضناها) التخفيف؛ ~~إنا أنزلنا العمل بما فرض فيها، ومن شدد وأراد التكثير، أي: فرضنا فيها ms154 ~~فروضا. # الثالث: فرض بمعنى أحل؛ قال الله: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له) يعني: فيما أحل له، ويجوز أن يكون معناه أنه أوجب عليك العمل به. # الرابع: بمعنى أنزل، قال تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن) أي: أنزل، ~~ويجوز أن يكون معناه أنه أوجب عليك العمل به. # الخامس: الفريضة بعينها وهي الخصلة يلزم فعلها، قال تعالى: (فريضة من ~~الله) والفريضة المهر أصله قوله: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة). # PageV01P368 # والمراد أن من تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها من غير أن يدخل بها؛ ~~فالواجب لها عليه أن يمتعها على قدر حاله في الغنى والفقر. # قال الكوفيون: أول المتعة ثلاثة أبواب؛ إلا أن يكون ذلك أكثر من نصف مهر ~~مثلها، والتمتيع في هذه الآية التزويد، وفي غيرها التلذذ، ومنه نكاح ~~المتعة، وقال ابن أبي ليلى، وأبو على: المتعة ليست بواجبة. # وقوله تعالى: (متاع بالمعروف حقا على المتقين) يدل على خلاف ما قالا؛ ~~لأنه جعل المتعة في شرط التقوى، وقال: (حقا) وليس في الإيجاب أوكد من هذا، ~~وعلى كل واحد أن يكون من المتقين؛ فإن قيل: إنما خص المتقين بالذكر لأنها ~~غير واجبة، قلنا: الظاهر يقتضي وجوبها على المتقين، وإذا وجبت عليهم وجبت ~~على غيرهم، لأن أحدا لا يفرق بين المتقي وغير المتقي في الفروض، ولا يجوز ~~أن يكون ندبا؛ لأن الندب لا يختلف فيه المتقي وغيره. # PageV01P369 ### | الفاحشة # أصلها المبالغة في القبح، ومنه قيل: أفحش الرجل، وفحش في الكلام إذا ~~أقذع، والاسم الفحش، وربما جعل الفحشاء الفجور. # والفاحشة في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: ما حرم أهل الشرك في الجاهلية؛ قال: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا) يعني: سنن الغي التي سنها لهم آباوهم من البحيرة ~~والسائبة وما يجري مجراها. # الثاني: الزنا؛ قال: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) وقال: (يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) يعني: الزنا، ~~وقوله: (قل إنما حرم ربي ms155 الفواحش ما ظهر منها وما بطن) أراد الزنا، وذلك أن ~~العرب كانت تحل الزنا باطنا وتحرمه ظاهرا؛ فأخبر الله أن جميعه حرام، وقد ~~مر ذلك قبل. # الثالث: إتيان الرجال في أدبارهم؛ قال: (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين). # الرابع: على قول بعض أهل التفسير: النشوز؛ قال الله: (إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة) قال: هي النشوز، وعندنا أنه الزنا وما يجري مجراه من قبح ~~المعاصي؛ لأنه لا تكاد العرب تسمي بالفاحشة إلا كل ذنب شديد القبح لازم ~~العار، وليس النشوز مما يجري عليه اسم الفاحشة، وقيل: خروجها قبل انقضاء ~~العدة # PageV01P370 # فاحشة، وقيل: هو أن تتبدى على أهله فيحل لهم إخراجها قبل انقضاء العدة، ~~وذلك فاحشة منها، وقيل: أن تزني فتخرج للحد أو فتاتي بمعصية كبيرة لا يحل ~~مقاربتها معها فتخرج. # والفاحشة والفحشاء سواء، والشاهد قوله تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا) إلى أن قال: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) ولا يقال ~~في تذكير الفحشاء: أفحش، ونحوه ديمة هطلاء، ولا يقال: ومطر أهطل. # وقيل: الاستثناء في هذه الآية من العضل؛ أي: من أتت منهن بفاحشة مبينة، ~~وهو الزنا فلكم حبسها على ما فرض قبل نزول الحد. # وقيل: الاستثناء من الذهاب ببعض ما آتوهن ومن العضل جميعا، ومعروف أنه لم ~~يصح ظلمهن؛ بقوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ولكن عنى ما يدخل ~~عليها الزوج من المساءة والأذى بالحق والعدل إذا أرادت الخلع؛ وهو أن يأخذ ~~منها بعض ما آتاها على الخلع والمباراة؛ لأن الظلم حينئذ جاء من قبلها، ~~والعضل هو الحبس والضيق. # PageV01P371 ### | الفرار # أصله من الخفة والسرعة، ومنه قيل: رجل فرفار إذا كان خ ### | في # فا كثير الكلام، والفرفار: شجر يتخذ منه القصاع خفيف الوزن، والفرير ~~والفرار ولد البقرة الوحشية سمي بذلك لخفته وسرعته، وفررت الدابة؛ إذا فتحت ~~فاه لتعرف سنه؛ لأنك إذا فتحت فاه وقفت على سنه بسرعة من غير تعذر. # والفرار في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: التوبة؛ قال الله: (ففروا إلى الله) ms156 أي: توبوا إليه ولا تعدلوا عن ~~سبيله، وإنما عبر عن هذا المعنى بالفرار، لأن من يفر إلى الإسلام لا يعرج ~~إلى غيره. # الثاني: الهرب؛ قال الله: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل). # الثالث: الكراهة؛ قال: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) أي: ~~تكرهونه. # الرابع: ترك التعرج؛ قال الله. (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه ~~(35) أي: لشغله بنفسه لا يعرج على أخيه. # الخامس: التباعد؛ قال الله: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) أي: تباعدا مني ~~ومما أدعوهم إليه. # PageV01P372 ### | في # موضوعة في العربية الأوعية، تقول: زيد في الييت، والمال في الكيس، وإنما ~~يراد أن البيت قد حواه، وك الكيس قد اشتمل عليه، ثم اتسع القول فيه، فقيل: ~~فلان ينظر في العلم؛ فجعلوا العلم بمنزلة متضمن، كما قيل: دخل عمرو في ~~العلم وفي الصلاة، وقالوا في يد فلان الضيعة؛ وإنما قيل هذا لأن ما أحاط به ~~علمه بمنزلة ما أحاطت به يده. # وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى مع؛ قال تعالى: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم) وقال: ~~(أولئك الذين حق عليهم القول في أمم) وقال: (وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين). وقال: (لندخلنهم في الصالحين) هذا قول بعض المفسرين. # وآخرون يقولون: إن قوله: (في أمم) أي: في جملة أمم وفي جملة عبادك، هكذا ~~جميع ما تقدم، ومثله: (في تسع آيات) قال: مع تسع، وقيل: في من صلة قوله: ~~(وألق عصاك): (وأدخل يدك في جيبك) والتأويل: وأظهر هاتين الأيتين في تسع ~~آيات؛ والمعنى من تسع آيات. وعندنا أن قوله: (في أصحاب الجنة) إخبار بأنه ~~يفعل بأهل الجنة هذا الفعل، وهؤلاء المذكورون فى جملتهم، كما تقول: أحبك ~~وأكرمك فى أهل السمع والطاعة، وكذلك قوله: (في أمم قد خلت من قبلهم). # الثاني: بمعنى على؛ قال الله: (في جذوع النخل) وجاز أن يقع في هاهنا، ~~لأنه يكون في الجذع على جهة الطول، والجذع مشتمل عليه فقد صار فيه، وقال ~~الشاعر: # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا ms157 عطست شيبان إلا بأجدعا # PageV01P373 # الثالث: على قول بعض المفسرين بمعنى إلى، قال: (ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها) قال: أراد أرض المدينة، و: (فيها) بمعنى إليها، ويجوز أن ~~يكون المعنى فسيروا فيها مهاجرين لمن يريد إيذائكم في الدين حتى تصلوا إلى ~~حيث تتمكنون من عبادة ربكم. # الرابع: بمعنى من؛ وهو في قوله: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا) أي: من كل ~~أمة، كذا قيل: وإذا بعثه شهد عليهم فينبغي أن تكون فيما بينهم ومخالطا لهم، ~~وإذا كان كذلك فإنه فيهم؛ أي: في جماعتهم. # الخامس: فينا بمعنى لنا؛ قال: (والذين جاهدوا فينا) ذكروا أنه أراد عملوا ~~لنا، وقد تقدم هنا قبل، ويجوز أن يكون فينا أي: من أجلنا؛ يريد عن أجل ~~ديننا وأوليائنا، كما تقول: أنا أوالي فيك وأعادي فيك؛ أي: من أجلك. # PageV01P374 ### | الفتح # أصله الكشف والتبيين، يقال: فتح لي فلان القول في هذا الباب؛ أي: بين، ~~والفتوح الأمطار؛ لأنها تكشف القحط، والفتح: الحكم، والفاتح الحاكم؛ قال: ~~(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) وفتح الباب وفتح ~~البلد يكون بحرب وبغير حرب، وإنما الفتح للظفر بالمكان؛ فإذا ظفر به فقد ~~فتحه حارب عليه أو لم يحارب. # وهو في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: القضاء، قال الله: (ثم يفتح بيننا) وقال: (افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق وأنت خير الفاتحين) وقال: (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم) أي: يوم القضاء، وهو دعاء لإنزال العذاب بهم لأن ذلك حق؛ فكأنهم ~~قالوا: أنزل بهم ذلك ليفصل بيننا وبينهم، والقضاء والحكم إنما هو للفصل، ~~ويجوز أن يكون المعنى أن اكشف أمرنا حتى ينفتح ويظهر أن الحق معنا. # الثاني: الهداية إلى الإسلام؛ قال: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وقيل عني: ~~فتح الحديبية، والحديبية بئر فسمي المكان بها، وقيل: هو فتح مكة وليس ذلك ~~بالوجه؛ لقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وذلك # PageV01P375 # أنه لا يحسن أن يقول: فتحت لك هذا المكان لأغفر لك ذنبك، وقيل: إنه فتح ~~له الحجج ms158 والإبانة فتحا بينا إن الذي تدعوا إليه الحق، وقيل: الفتح المبين؛ ~~الهداية إلى الإسلام؛ وهذا هو الوجه. # الثالث: التخصيص؛ قال تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة) يعني: ما ~~يخصهم به من رزق. # الرابع: التخلية؛ قال الله: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج). # الخامس: البعث؛ قال الله: (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد) أي: ~~بعثنا عليهم عذابا، ولما ذكر الباب ذكر الفتح، قال أبو علي - رحمه الله -: ~~أراد عذاب الآخرة؛ أي: حتى أدخلناهم جهنم إذا هم مبلسون؛ أي: آيسون ~~والإبلاس اليأس. # السادس: فتح الباب؛ قال الله: (وفتحت أبوابها) والتشديد للتكثير، يقال: ~~أبواب مفتحة، ولا يقال: مفتوحة في الأكثر، وروى لنا أبو أحمد؛ أنه لما قال ~~الفرزدق: # ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها # عابه الناس، وقالوا؛ يقال في التكثير: فتحت وغلقت، وغيره من أهل العربية ~~قال: فعلت في التكثير والتقليل، وفعلت بالتشديد لا يكون إلا في التكثير إلا ~~في أحرف منها كلمته. # السابع: النصر؛ قال تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح). # الثامن: الظفر بالمكان؛ قال: (نصر من الله وفتح قريب) يقول: يفتح لكم ما ~~توجهتم اليد إليه من البلدان وذلك قريب، وقال: (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~قال بعضهم؛ يعني: فتح مكة وكان فتح مكة سنة ثمان، ونزلت هذه سنة عشر بعد ~~حجة الوداع، وقيل: المراد أنه يفتح لك الأمم والبلدان. # PageV01P376 ### | فوق # أصله من العلو، يقال: فاق الشيء غيره؛ إذا علاه، وهو فائق. # وله في القرآن ثمانية مواضع: # الأول: بمعنى دون؛ قال بعض المفسرين: (بعوضة فما فوقها) قالوا: فما ~~دونها؛ كأنه قال: فما فوقها في الصغر. # وقال المبرد: (فما فوقها)، أي: فما يتجاوزها؛ فحق هذا أن ينظر إلى الغاية ~~المطلوبة فيجعل فوق من ناحيتها. فإذا قيل: فلان فوق فلان في اللوم؛ فمعناه ~~أنه يتجاوزه فيه، فالمطلوب هاهنا الصغير؛ وكأنه قال: بعوضة فما يتجاوزها ~~صغرا. # PageV01P377 # وقال قطرب: بل معناه أكبر منها؛ وهو الذباب وما يجري مجراه، ولا يقال: ~~هذا حمار وفوق الحمار، أو نملة فوق النملة؛ بمعنى أصغر من ذلك، وإنما يكون ms159 ~~ذلك في الصفات، يقال: هذا صغير وفوق الصغير. # ورد آخرون ذلك، وقالوا: قد يقال: هو حمار وفوق الحمار، كما يقال: هو ضغير ~~وفوق الصغير ليس بين الصفة والاسم في هذا فرق. # الثاني: بمعنى أفضل؛ قال تعالى: (يد الله فوق أيديهم) والمعنى ما يفعل ~~الله بهم من الخير ويعطيهم من الثواب أفضل مما بذلوه من البيعة يوم ~~الحديبية. # وقيل: يد الله في الوفاء فوق أيديهم، وقيل: يد الله في المنة عليهم حين ~~هداهم فوق أيديهم، وتلخيص هذا أن نعمة الله عليهم فيما هداهم له من الإيمان ~~فوق إجابتهم الرسول وطاعتهم له واليد النعمة. # وقال الضحاك: يد الله عليكم في الثواب فوق أيديكم في النصر. # الثالث: بمعنى أكثر؛ قال الله: (فإن كن نساء فوق اثنتين). # الرابع: أرفع في المنزلة؛ قال الله تعالى: (والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة) وهكذا قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة) أي: هم أرفع منزلة. # الخامس: بمعنى على؛ قال: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) أي: رفع الأغنياء ~~على الفقراء في اليسار، ثم قال: (ورحمت ربك خير مما يجمعون) فأخبر أنه فعل ~~ذلك لتطرد أمور الدنيا والخير بعد ذلك، والخيرة فيما عنده. # السادس: قوله تعالى؛ (إذ جاءوكم من فوقكم) أي: من أعلى الوادي، وذلك من ~~علو بعض الأرض على بعض من غير أن يكون له سمك ظاهر. # PageV01P378 # السابع: العلو في السمك؛ مثل قوله: (وجعل فيها رواسي من فوقها) أي: حتى ~~يعلو فوقها، وقال: (اجتثت من فوق الأرض ما لها) أي: من وجهها. # الثامن: الغلبة والسلطان؛: (وهو القاهر فوق عباده) يريد أنه القاهر لهم ~~لاشتمال ملكه عليهم وفوقهم؛ أي: غالب لهم، ولا يجوز أن يقال: فوقهم في ~~المسافة؛ لأنه ليس بجسم، ولأنه لا مدح له في ذلك؛ لأن اختلاف الأمكنة لا ~~يوجب [قضاء]، وقوله: (وإنا فوقهم قاهرون) والعرب تقول: أخذت الأمر من فوق؛ ~~أي: أخذته بغلبة وقهر،. ومنه قول الراجز: # إن الجبان حتفه من فوقه # أي هو غالب له لا يدفعه عنه توقية. # PageV01P379 ### | الفتنة # أصل الفتنة شدة ms160 الاختبار من قولك: فتنت الذهب؛ إذا أدخلته النار لتعلم ~~جودته نن رداءتهه، وفي القرآن: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي: اختبرناهم، ~~ومعنى الاختبار من الله التكليف على ما بينا. # وقال لموسى - عليه السلام -: (وفتناك فتونا) أي: واستعمال الاختبار في ~~الله تعالى مجاز، لأن أصل الاختبار طلب العلم والله عالم بنفسه، [والبحر ~~يصطفي الاختبار] (1)، ولا يستعمل في الله قياسا على الاختبار؛ لأن استعمال ~~الاختبار فيه مجاز. # والمجاز لا يقاس ... قال: (واسأل القرية) أي: أهلها، ولا يجوز أن يقال: ~~سل الحمار؛. أي: صاحبه، وقال: (ثم لم تكن فتنتهم) ويقال: فتنت الرجل، ولا ~~يقال: أفتنت. # وهي في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: التكليف؛ " قال: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي: أحسنوا أن يقع ~~منهم بأن يقولوا: آمنا ولا تكلفون أو تمتحنون بما ظهر معه إيمانهم للرسول، ~~وصدقهم فيه من كذبهم، فيركن إلى من يركن إليه منهم على بصيرة. # الثاني: العذاب؛ قال الله: (يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم) ~~أي: عذابكم، ويجوز أن يكون المعنى ذوقوا جزاء فتنتكم فحذف الجزاء، كما قال: ~~(واسأل القرية). # وقيل: يفتنون يحرقون ومنه، قيل: للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت الصبر ~~ومثله قوله: (جعل فتنة الناس كعذاب الله) أي: عذاب الناس PageV01P380 # بعذب الله. والمراد أنه إذا أصابه أذى من الناس لسبب إيمانه جزع منه، كما ~~يجزع من عذاب الله، يحث على الصبر عند مس الأذى. # الثالث: الضلال، قال الله: (ما أنتم عليه بفاتنين) أي: لستم تضلون إلا من ~~هو ضال، أي: ليس تبعكم على عبادة الأوثان إلا من هو مثلكم في الضلال. # والهاء في عليه راجعة إلى (ما) الذي، في قوله: (فإنكم وما تعبدون) وهو ~~مثل قولك: ما هلك فلان إلا على يد فلان. # الرابع: الصد والاستزلال، قال الله: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ~~الله إليك) وقال: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك). # الخامس: الكفر والشرك، قال الله: (والفتنة أشد من القتل). # السادس: الإثم " قال الله: (ألا في الفتنة سقطوا)، قال: (ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم) أي: ms161 أثمتم. # السابع: العبرة، قال تعالى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) أي: ~~يعتبرون أمرهم بأمرنا فإذا [رآهم] (1) في ضر وبلاء ورأوا أنفسهم في غبطة ~~ورخاء؛ ظنوا أنهم على الحق وأننا على الباطل. # الثامن: الجواب، قال: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله) أي: جوابهم؛ ~~لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال؛ فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار ~~إلا هذا القول ونتكلم في قوله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) فيما بعد إن ~~شاء الله. PageV01P381 # ومثل قوله: (والفتنة أشد من القتل) قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) ~~أي: قاتلوهم حتى يؤمنوا فيذهب الكفر والشرك، ويكون الدين كله لله دون ~~الشيطان، وأراد المشركين خاصة أي: قاتلوهم على كل حال في الحرم وغيره، حتى ~~يقروا بالإسلام ولا تقبل من المشرك جزية. # وإنما هو الإسلام والسيف وإما تبقية أهل الكتاب وأخذ الجزية منهم؛ ~~فليتدبروا كتابهم الدال على صحة الإسلام؛ فيسلموا وليس ذلك مع عبدة ~~الأوثان؛ فلا يزدادون على الإمهال إلا شركا. # وهذه الآية ناسخة لما قبلها من قوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه). # PageV01P382 ### | الفرح # انفتاح القلب بما يلتذ، وقيل: هو لذة في القلب أعظم من ملاذ الحواس، ~~[ورجل فرح إذا جعلته كالنسمة]، وفارح إذا بليته على القلب وفرحان، وامرأة ~~فرحانة، وأفرحنى الشيء ميزني، وأفرحني إذا فرحني، وهو من الأضداد، وفي ~~الحديث " لا يترك مفرح في الإسلام "، فسروه المثقل بالتبن، وقيل: مفرج ~~بالجيم أيضا. # والفرح في القرآن ثلاثة أوجه: # الأول: البطر، قال الله: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) ومثله: (إنه ~~لفرح فخور) ونظير.: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض) أي: تبطرون، ولم يرد ~~الفرح المباح مثل الفرح بالولد، وسعة الرزق، والزوجة الحسناء، ونظائر هذا. # الثاني: الرضى، قال الله: (وفرحوا بالحياة الدنيا) أي: رضوا بها، ومثله: ~~(كل حزب بما لديهم فرحون) أي: راضون، وقال: (فرحوا بما عندهم من العلم) أي: ~~رضوا كذا. # قال بعض المفسرين، ويجوز عندنا أن يكون أراد الفرح المعروف، بل هو ~~الصحيح، ولا يجوز أن يعدل عما يقتضيه ms162 الظاهر إلا لضرورة. # PageV01P383 # فقوله: (فرحوا بما عندهم من العلم) أي: لما جاءتهم الرسل لم تنظروا في ~~أمرهم حق النظر، فخفي عليهم الحق الذي جاءوا به، فاستحقروه. واستحسنوا ما ~~كانوا فيه من الباطل، وفرحوا به وسمي ما كانوا يعتدونه من الجهل علما؛ لأنه ~~كان علما عند أنفسهم. # الثالث: الفرح بعينه، قال الله: (وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف). # PageV01P384 ### | الفضل # أصله من الزيادة وفضلة الشيء بقيته؛ لأنها زادت على الكفاية، وقيل: ~~الفضائل؛ لأنها زيادة في محاسن الإنسان والمفضل الثوب الذي تلبسه المرأة في ~~بيتها؛ لأنه زيادة على جملة ثيابها. # وهو في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: الإسلام، قال الله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) وإنما ~~سمي الإسلام فضلا ورحمة؛ لأنه يؤدى إلى الفضل والرحمة. # الثاني: النبوة، قال تعالى: (وكان فضل الله عليك عظيما) ومثله أن فضله ~~كان عليك كبيرا، أو يجوز أن يكلون أراد فضله عليه في النبوة، أي: نعمته ~~فيها عظيمة. # الثالث: الثواب، قال: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) وقوله: (فسيدخلهم في ~~رحمة منه وفضل) ويجوز أن يكون الفضل في هاتين الآيتين التفضل. # الرابع: الرزق، قال الله: (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) وقال: ~~(يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) فوضع ~~التاجر مع المجاهدين دالا على فضل التجارة. # PageV01P385 # الخامس: الغنيمة، قال الله: (ولئن أصابكم فضل من الله) ومثله كثير. # السادس: الخلف، قاله تعالى: (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) أي: مغفرة عند ~~الصلاة، والفضل الحلف مما أخرج في الصدقة. # السابع: اللطف، قال تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا) أي: لولا لطفه وتوفيقه لم تكونوا أزكياء. # والخطاب للمؤمين وإذا فعل الإنسان أن ما يرضى به عنه سمي زاكيا وزكيا، ~~ومن ثم يقال للزرع إذا بلغ المبلغ الذي يريده الزارع إنه قد زكا،: (الله ~~يزكي من يشاء) أي: يفعل من يشاء من المكلفين ما يصير به مطيعا؛ إذا كان في ~~معلومه أنه يقبل ويصلح. # ويجوز أن يكون المراد أنه يخبر بصلاح ms163 من يشاء، وفضله حتى يكون زكيا عند ~~الخلق إذا كان كذلك. # الثامن: الجنة، قال: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) وقد خرج ~~لنا وجه آخر وهو، قوله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى) يعني: بالفضل الغنى، أي: لا يحلف أحد منكم على منع ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين.؛ إذا كان له غنى وسعة، والواسع الغني. # والآية نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه -، وذلك أنه لما خاض [مسطح] مع ~~أهل [الإفك] في قذف عائشة - رحمها الله - حلف أبو بكر أن يمنعه بره وفضله، ~~وكان في عيال أبي بكر فنهاه الله عن ذلك فانتهى، وعاد للإفضال عليه والبر ~~له، ويقال: الله واسع بمعنى أنه غني، وللعبد موسع وقد أوسع مثل أير. # PageV01P386 # وقال أبو مسلم: (ولا يأتل)، أي: لا يقصر عن إيتاء ذوي القربى [وألى الرجل ~~بالواو وأتلى ما تألي] إذا قصر، قال أبو مسلم: ولا تجيء يأتلي في [اليمين]، ~~إنما يقال فيها [إلى يولي]، والأول قول جميع المفسرين. # PageV01P387 ### | الباب الحادي والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله قاف ### | قانتون # القنوت: على وجوه أحدها الطاعة والآخر القيام في الصلاة، وقيل يا رسول ~~الله صلى الله عليه: أي: الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت "، أي: طول ~~القيام، وهو الدعاء وهو الطلب أيضا، قال زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة ~~حتى نزلت: (وقوموا لله قانتين) فأمسكنا. # وهي في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: السكوت، وهو قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) وقيل: يعني: مطيعين ~~والأول قول مجاهد، وقال غيره: أي: دائمين على الطاعة والقنوت الدائم على ~~الشيء، وقال ابن عباس، والحسن، وعامر: هو للطلب، وقال ابن عمر: طول القيام، ~~وقيل: هو الدعاء من قيام، والداعي إذا كان قائما قانتا، ويجوز أن يقع في ~~جميع الطاعات لأنها لم تكن قياما على الرجلين فإنها قيام بالشيء نية وعملا، ~~والقنوت في كثير من آيات القرآن يدل على أنه إتمام الطاعة والصبر عليها، ~~قال الله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما) وقال: ms164 (ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله) قال: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) يريد صبرهن على ~~أزواجهن وقيامهن بطاعة الله. # PageV01P389 # الثاني: الإقرار، قال الله: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون) أي: مقرون بالعبودية كذا قيل، ويجوز أن يكون ~~بمعنى دوام الطاعة، والمراد أن جميع ما في السماوات والأرض يشهد بربوبيته، ~~فكأنه يديم طاعته، وفسر أيضا قوله: (وقوموا لله قانتين) على أنه أراد ~~مقريين. # الثالث: الصلاة، قال الله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما) وروى ت ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " مثل المجاهد مثل القانت الصائم "، ~~أي: المصلي الصائم كذا قيل، ويجوز أن يكون على الوجه الذي تقدم. # الرابع: الطاعة، قال الله: (والقانتين والقانتات) ومثله: (إن إبراهيم كان ~~أمة قانتا لله) أي: مطيعا كذا جاء في التفسير، وهو وجه. # PageV01P390 ### | القوة # أصلها التعاون، ومنه [قوى الحبل]، لأن كل واحدة منها تعين الأخرى؛ وكل ~~طاقة من الحبل قوة، واستعمالها في صفات الله بمعنى أن أحدا لا يغلبه، وليس ~~معناه التعاون كما أن أصل التوبة في اللغة الرجوع، تاب يتوب إذا رجع وكذلك ~~تائبون، وقولنا: (إن الله تواب)، ليس يعني: به الرجوع. # والقوة في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: العدة، قال: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي: عدة إلى عدتكم، وذلك أن ~~العدة تعبر على مغالبة العدو، وقال: (فأعينوني بقوة) أي: بعدد من الرجال، ~~والمراد أن فيما أعطاني الله من المال كفاية في بناء هذا السد، ولكن ينبغي ~~أن تعينوني بأنفسكم ليتعجل العمل ويقع الفراغ منه بسرعة، والخير في هذه ~~الآية الكفاية، والناس يقولون: فلان بخير في كفاية، وقيل: خير أي: خير لكم ~~من خرجكم. # الثاني: الجد، قال الله: (خذوا ما آتيناكم بقوة)، أي بجد، ومثله: (يا ~~يحيى خذ الكتاب بقوة) أي: بجد، وقيل معناه أي: (خذوا ما آتيناكم) من ~~المقدرة وفي هذا دليل على أن القدرة على الأخذ معهم أخذوا أم لم يأخذوا. # الثالث: البطش، قال الله: (وقالوا من أشد منا قوة) يعني: ms165 البطش، والبطش ~~الأخذ بالشدة والغلبة، ويجوز أن يكون بمعنى القدرة، أي: من أقدر منا على ~~الامتناع مما يراد بنا، ويجوز أن تكون القوة هنا العدة أيضا. # PageV01P391 # الرابع: السلاح وهو راجع إلى معنى، العدة قال الله: (وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة) أي: من سلاح، والدليل على هذا ما يتلوه من ذكر الخيل، وذلك ~~أن الخيل يذكر مع السلاح، وليس يجوز أن يقال إن المراد بها القدرة؛ لأنهم ~~لا يقدرون عل فعل القدرة لأنفسهم. # الخامس: الشدة، قال الله: (لتنوء بالعصبة أولي القوة) وتنوء بالعصبة، أي: ~~تغلبهم ولو ناءوا بها لكانوا قد حملوها ولكن هي نأت بهم، أي: ارتفعت بهم ~~فلم يطيقوها. # PageV01P392 ### | القضاء # الحتم، ومنه أصله، قيل القاضي لأنه يحتم على الناس الأمور، ثم قيل: لكل ~~شيء الحتمة، وفرغت منه قد قضيته، قال أبو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # وذلك أن من عمل عملا وفرغ منه فقد حتمه وقطعه، والقضاء تأدية الفرض، ومنه ~~قضاء الدين، وحد القضاء في اللغة فصل الأمر وإبرامه وبلوغ آخره على التمام ~~والإحكام، ومنه قوله للموت: قضاء الله لأنه آخر أمر الدنيا، ومنه قوله: (يا ~~ليتها كانت القاضية) ومنه التقضي والانقضاء. # وهو في القرآن على اثني عشر وجها: # الأول: الأمر، قال الله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) أي: أمر أن نعبد ~~الله وحده، وفي هذا بطلان قول من يقول: إنه قضى أن نعبد الشيطان، وقيل: ~~فرض، وهو قريب من الأول، ولا يقال: قضاء إلا فيما كان لازما من الفروض؛ ~~فأما النوافل فلا يقال فيها القضاء. # الثاني: بمعنى العلم، قال الله: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر) أي: أعلمناه، وإذا قلت: قضيت إليك، فهو بمعنى العلم، وقضيت عليك ~~بمعنى الحكم، ومثله: (وقضينا إليه ذلك الأمر) ثم فسر ما الأمر، وقال: (أن ~~دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) كأنه قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ~~ومثله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) أي: ~~أعلمناهم ذلك، ويجوز # PageV01P393 # أن يكون القضاء ms166 في هذه الآيات بمعنى الوحي، فقوله: (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل) أي: أوحينا إلى أنبيائهم. # الثالث: الإتمام والفراغ، قال الله: (فإذا قضيتم مناسككم) أي: أتممتموها ~~وفرغتم منها؛: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم) أي: لا تقطعوا ذكره لفراغكم من ~~متعبداتكم، وكانت العرب إذا أرادت [الصدر] عن الحج وقفت بين المسجد والجبل ~~بمنى فذكرت محاسن آباءها ومناقبهم، فأمر الله أن يذكروه ويثنوا عليه كذكرهم ~~آباءهم، ثم قال: (أو أشد ذكرا) وأراد بل أشد ذكرا،. لأن نعم الله عليهم ~~أكثر من نعم غيرهم، ووقوع (أو) موقع (بل) معروف، ومنه قوله: (أو يزيدون) ~~أي: بل يزيدون. # وقال بعضهم: (أو يزيدون) عندكم، ومثله (فإذا قضيتم الصلاة) ونظيره: (فلما ~~قضي ولوا إلى قومهم منذرين) أي: فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~قراءة: القرآن. # الرابع: بمعنى الفعل، قال الله: (فاقض ما أنت قاض) أي: افعل ما أنت ~~فاعل،: (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) والحياة نصب على الظرف، ويجوز أن ~~يكون القضاء هنا الحكم أي: احكم فينا بما أنت حاكم، وقال: (ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا). # الخامس: بمعنى الإرادة، قال الله: (فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون) أي: إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، أي: إذا أراد أمرا لم ~~يتعذر عليه فعله، وليس هناك قول، وإنما هو عبارة عن إيجاده الفعل من غير ~~تعذر إذا لم يحتمل الكلام على هذا المعنى فسد؛ لأنه لا يجوز أن يخاطب ~~المعدوم، ولا يجوز أن تقول للموجود كن؛ لأنه كان، وإنما هو كقول الشاعر: # قال جناحاه ليسا فيها جفاء # PageV01P394 # ولم يكن هناك قول، بل هو إخبار عن سرعة اللحاق. # السادس: بمعنى الموت، قال: (ليقض علينا ربك) أي: ليمتنا، ومثله قوله: ~~(فوكزه موسى فقضى عليه) ومثله: (يا ليتها كانت القاضية). # السابع: بمعنى الوجوب، قال الله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) أي: ~~وجب العذاب، وقال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر) والوجوب هنا الوقوع؛ لأن ~~العذاب كان وجب عليهم في الدنيا، وإنما يقع في الآخرة. # الثامن: الكتاب، قال الله: (وكان ms167 أمرا مقضيا) أي: مكتوب في اللوح ~~المحفوظ، ويجوز أن يكون أمرا مقتضيا، أي: مقدرا مفروغا. # التاسع: قضى بمعنى أتم، قال: (فلما قضى موسى الأجل) أي: أتم الشرط ~~المشروط إلى الأجل، ومثله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) ~~أي: من قبل أن يتم جبريل صلوات الله عليه [قراءته عليك]. # العاشر: قضى بمعنى فصل، قال الله: (وقضي بينهم بالحق) وقال: (لقضي الأمر ~~بيني وبينكم) ونظيره: (إن ربك يقضي بينهم). # الحادي عشر: قضى بمعنى خلق، قال الله: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) أي: ~~فخلقهن، ويجوز أن يقال: أتم خلقهن فيكون على الأصل. # الثاني عشر: قضى بمعنى حكم، قال تعالى: (والله يقضي بالحق) وقريب منه، ~~قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله يقض الحق) (1). PageV01P395 # [وفي هذا دليل على أنه لم يقض الكفر]؛ لأنه ليس حق فقد قال: (ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق) فدل على أن قتلهم ليس من قضائه لإخباره أنه لا يقضي إلا ~~بالحق، وإن زعموا أن قتلهم من قضائه لزمهم أن يقولوا إن قتلهم حق؛ لأن ~~قضاءه حق. # وقرئ (يقص الحق)، ويقضي أجود هنا، لقولنا: (إن الحكم إلا لله) والحكم ~~والقضاء واحد، وجميع هذه الوجوه راجع إلى ما قلنا من الأحكام، والفراغ من ~~نفس الشيء، أو حكمه أو الخبر عنه. # PageV01P396 ### | القدر # القدر هو وجود الأفعال على مقدار الحاجة إليها والكفاية لما فعلت من ~~أجله؛ كان القدر هو الوجه الذي أردت إيقاع المراد عليه، والمقدر للفعل هو ~~الموجب له على ذلك الوجه. # وأصل القدر في العربية التوسط بين العلو والتقصير، ومن ثم قيل: للقدرة ~~قدرة؛ لأن الفعل يقع على قدره، وقيل: هذا على قدر ذلك، وقدره أي: غير فاصل ~~عنه ولا مقصر دونه، ومنه قيل: القدر لأنك تطبخ فيها الطبيخ بقدر ما تحتاج ~~إليه، أو بقدر ما تسعه. # وسمي قدر الله قدرا لأنه يقع على قدر المصالح، لا فضل ولا نقصان، ومنه ~~قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي: هو على قدر الصلاح. # وقال بعضهم: أصل القدر هو وجود الفعل على ms168 مقدار ما أراده الفاعل وحقيقته ~~في أفعال الله وجودها على قدر المصالح، وأما قوله: (وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا) فإن اللفظ عام، والمعنى خاص؛ لأن المعاصي لم تدخل فيه، والشاهد ~~قوله: (صنع الله الذي أتقن كل شيء) والباطل ليس بمتقن. # والدليل على أن كل شيء لغير معنى الإحاطة، قوله: (وأوتيت من كل شيء) ونحن ~~نعلم أنها لم تؤت لحية، وقوله: (وآتيناه من كل شيء سببا) وهو القدر، ~~والقدر، ثم استعمل في التقصير فقيل: قدر فلان على نفسه مثل قتر ونحوه،: ~~(فظن أن لن نقدر عليه) أي: ظن أن لن نضيق عليه؛ كقوله: (يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر) ومنه: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه) أي: ضيق عليه. # ومن ذلك قولهم: رجل أقدر، إذا كان قصير العنق؛ وجاء أيضا في الزيادة، ~~فقيل: فرس أقدر للذي تتقدم موقع رجله موقع يده، والخبر السابق بما يكون ~~قدرة أيضا إذا كان # PageV01P397 # المخبر عنه، ويكون كل مقدار ما تقدم به الخبر، ومنه قوله: (إلا امرأته ~~قدرنا إنها لمن الغابرين) أي: أخبر عن ذلك، بقوله: (إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم) ومنه، قول العجاج: # وأعلم بأن ذا الجلال قد قدر # أي أخبره، وقيل: قدر وقدر لغتان بمعنى واحد، وقرئ: (فقدرنا فنعم ~~القادرون) بالتثقيل فجمع بين اللغتين، كما قال الأعشى: # وأنكرتني وما كان الذى نكرت # والصحيح أن قدر الشيء بالتشديد وفي تكرير الفعل، وقيل: التخيف بمعنى ~~القدر والملك، ومعنى قولهم: المقدور كائن، أن ما أخبر الله بكونه كائن؛ ~~وليس أن المعنى المخلوق كائن؛ لأن ذلك لا يشك فيه. # والقدر في الفزآد على ثلاثة أوجه: # الأول: الأمر والحكم، قال الله: (والذي قدر فهدى) يعني: أنه أمر في ~~الزاني بالرجم، وفي القاذف بالجلد، وفي السارق بالقطع، وفي القاتل بالقتل، ~~وهدى بذلك إلى ما فيه نجاة الخلق. # وفي هذا دليل على أن المعصية ليست من قدر الله (1)، لقوله: (قدر فهدى). ~~ولم يقل: قدر فأضل وأعمى. # الثاني: الخلق على قدر، قال تعالى: (والله يقدر الليل والنهار) أي: يخلق ~~كل واحد ms169 منهما بعد الآخر على قدر لا زيادة ولا نقصان. # وقال: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) أي: ذلك خلقه ~~كذا قيل، ويجوز أن يكون المعنى أنه قدر صيرها تقديرا لا يتفاوت. ~~PageV01P398 # الثالث: التسوية، قال الله: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم) أي: سوينا له منازل ينزل فيها حالا بعد حال، وهو راجع إلى الخلق ~~كذا قيل، ويجوز أن يكون المراد إنا قدرنا سيره في المنازل تقديرا لا ~~يتفاوت. # قال أبو علي - رحمه الله -: القدر على وجهين: # أحدهما: أن يفعل الله الشيء مقدرا، والآخر: أن يقدر لخلقه بأن يعرفهم ~~مقداره ووقت كونه؛ كقولك لصاحبك: كم تقدر مقامك بالبلد؟ وللخياط: ما يقدر ~~أن تعطني الثوب، ومعنى ذلك أن يعرفك مقداره. # PageV01P399 ### | قليل # القليل ما يقصر عن الكفاية، وهو قل بمعنى قليل، والقل أيضا القلة مثل ~~النحل والنحلة، والعذر والعذرة، وقيل: قل فعل ولهذا جاء فاعله علي فعيل، ~~مثل كرم، وهو كريم، وكثر وهو كثير، وقيل هو فعل إلا أنه دخله معنى المبالغة ~~فجاء فاعله على فعيل، كما قيل: حرص وهو حريص وهذا هو الصحيح، ويقال: هؤلاء ~~قوم قليل وقليلون وكثير، ولم يجئ كثيرون. # والقليل في القرآن على ثلاثة أوجه فيما ذكروا وبعضها عندنا داخل في بعض: # الأول: بمعنى اليسير، قال: (واشتروا به ثمنا قليلا) أراد أن أهل الكتاب ~~تركوا العمل بكتابهم وكتموا ما يدل منه على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، لعرض نالوه من عرض الدنيا وذلك قليل. # الثاني: بمعنى الرياء في جاء عن بعضهم، وهو قوله: (ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا) وهو والأول عندنا سواء، والمراد أن المنافقين يذكرون الله إذا لقوا ~~المؤمنين فذكرهم له قليل بالإضافة إلى ذكر المؤمنين له؛ لأن المؤمنين ~~يذكرونه على كل حال. # PageV01P400 # الثالث: النفي، قال الله: (قليلا ما تشكرون) وقوله: (فقليلا ما يؤمنون) ~~أي: لا يؤمنون ولا يشكرون أصلا، لأنه في صفة الكفار، والعرب تقول: # نفت حيلتي في كذى إذا لقيت # وقال شاعرهم: # من كان يكذب ما يقول فحيلتي فيه قليلة # أي ليس ms170 لي فيه حيلة # PageV01P401 ### | القتل # إماته الحركة، وقيل: قتلت هذا الشيء علما إذا بلغت أقصى العلم به، [وناقة ~~ذات قتال وكنال] إذا كانت ذات خلق، والفرق بين القتل والذبح، أن الذبح عمل ~~معلوم، والقتل ليس بمعلوم، ولهذا قال أصحابنا: إن استأجر الرجل رجلا على ~~قتل رجل قصاصا؛ إن ذلك لا يصح إن استأجر على ذبح شاة صح. # والقتل في القرآن على وجهين: # الأول: القتل بعينه، قال: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). # الثاني: اللعن، قال الله: (قتل الإنسان ما أكفره) ومثله: (فقتل كيف قدر) ~~أي: لعن، كيف قدر الباطل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنه ~~ساحر. # PageV01P402 ### | القول # عبارة عن جملة ما يتكلم به المتكلم على سبيل الحكاية، والكلام عبارة عن ~~جنس ما يتكليم به موجودا كان أو معدوما، ومبتدأ أو محكيا، وقد شرحنا هذا ~~المعنى في التفسير. # ويقال: قال يقول من القول، وقال يقيل من القيولة، والقيل دون الملك ~~الأعظم والجمع أقيال، والقيل شرب ونصف النهار، وقد اقتال الرجل إذا صار ~~قيلا، واقتال شرب قيلا، وكل ما يجيء بعد القول فهو مرفوع إلا أن يكون من ~~القول، تقول: قلت اليوم طيب فترفع، لأن اليوم ليس من القول، وتقول: قلت ~~كلاما حسنا، وقلت خيرا؛ لأن الخير يقال، ولا تقول: قلت ثوبا جديدا؛ لأن ~~الثوب ليس مما يقال. # والقائل في القرآن على وجهين: # الأوول: فاعل القول، قال تعالى: (قال قائل منهم إني كان لي قرين). # الثاني: من. القيلولة، قال: (أو هم قائلون) أي، نائمون في أنصاف النهار. # PageV01P403 ### | القائم # أصل القيام الاستواء ومنه، قام الشيء لاستوائه منتصبا؛ وقومه سواء، ~~وقاومه استوى معه في القول أو الخصومة، وقامت السوق لاتوائها في البيع ~~والشراء، وأقام أرزاق الجند؛ إذا أجراها على استواء، وأقام الوزن سواء ~~وعدله، وقوم الثوب إذا ذكر ما يساويه من الثمن، وأقام بالمكان يرجع إلى ~~هذا. # والقائم في القرآن على وجهين: # الأول: بمعنى المديم للفعل، قال الله: (قائما بالقسط) أي: مديم لفعله، ~~والقسط العدل ونحوه: (إلا ما دمت عليه قائما) أي: مديما للتقاضي. # الثاني: القائم ms171 خلاف القاعد، قال الله: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم). # PageV01P404 ### | الباب الثاني والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله كاف ### | الكتب # أصل الكتب الجمع، والكتيبة العسكر الذي قد تكتب، أي: تجمع، وقيل: هي الذي ~~اجتمع فيها ما تحتاج إليه للحرب، وكتبت البغلة جمعت بين أشعرها بحلقة، ~~والكتبة الخرزة لأنها تجمع من طرفي الأديم، وسمي الكتاب كتابا؛ لأنه جمع ~~الحروف والمعاني، والكتب أيضا الخلق، قال الهذلي: # كتب البياض لها وثور لونها ... فعيونها حتى الحواجب سود # أي خلقن بيضا وعيونها وحواجبها سود، ولما كان في خلقها بياض وسواد عبر عن ~~ذلك بالكتب تشبيها، ويقولون: كتب الله عليكم السلامة، أي: خلقها لكم. # PageV01P405 # وكتب قدر والمكتوب بمعنى معلوم وبمعنى محدد، قال أبو عبيدة: كتب قضى، ~~وكتب حفظ. # والكتب في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: بمعنى الفرض، قال الله: (كتب عليكم القصاص) أي: فرض، وإنما جعل ~~الفرض كتبا؛ لأنه فرضه في الكتاب وهو في القرآن، ومثله: (كتب عليكم ~~الصيام)، ومثله كثير. # الثاني: كتب قضى، قال الله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) ومثله: (لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) ومثله: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله) أي: ~~قضى وبين؛ لأن كل من تولاك ضال وقال: (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم) أي: قضى: ذلك أن الله يقضي عليهم بالموت عند القتل لا محالة، فجعل ~~القتل من قضائه؛ لأنه سبب لما يقضيه، وهو الموت. # وليس ذلك بموجب أن يكون الذين قتلوا المؤمنين كانوا لا يقدرون على أن ~~يقتلوهم؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما نهاهم الله عن قتلهم، ولكن كان في المعلوم ~~أنهم سيختارون قتلهم مع قدرتهم على تركه؛ كما أن ما كتب أو أخبر أنه سيفعله ~~فهو سيكون لا محالة، وأن الله قادر على أن لا يفعله. # ونزلت هذه الآية في قصة أحد لما أصيب بها المسلمون، فقال المنافقون: لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، أي: لو كان ما يزعمه محمد حقا ما قتل ~~إخواننا هاهنا؛ يعنون السلطان والغلبة، ms172 فجعل قتل إخوانهم وأوليائهم قتلا ~~لهم، لأنهم منهم فأجابهم الله بقوله: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم) أي: لو قعدتم في بيوتكم أراد السلامة لخرج منكم ~~الذين كتب الله؛ وعلم أنهم يقتلون إلى مضاجعهم، أي: مصارعهم، ولم يرد القتل ~~عنهم قعودكم، لأن خلاف ما علمه لا يكون. # PageV01P406 # الثالث: الجعل، قال الله: (فاكتبنا مع الشاهدين) أي: اجعلنا، ويجوز أن ~~يكون (فاكتبنا مع الشاهدين) في اللوح المحفوظ؛ لأن كل شيء يفعله الله ~~[مكتوب فيه]، وقال: (فسأكتبها للذين يتقون) أي: سأجعلها، وقيل [الشاهدون ~~أمة محمد]- صلى الله عليه وسلم -، المؤمنون الذين يشهدون على الناس ~~بأعمالهم، ويجوز أن يكونوا الأنبياء لأنهم يشهدون على أممهم بما شاهدوا من ~~أعمالهم، وقيل: (فسأكتبها للذين يتقون) أي: [سأجمعها] وذلك أن رحمته ونعمته ~~قد عمت الكافر والمؤمن في الدنيا، وهي في الآخرة مجموعة للمؤمنين. # الرابع: الأمر، قال الله: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم) أي: أمركم بدخولها. # الخامس: الكتب المعروف، قال الله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه). أي: اكتبوا مبلغ الدين؛ لأن لا ينسى، ومبلغ الأجل لأن لا يزاد ~~فيه أو ينقص، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد ~~والرهن هاهنا ندب وإرشاد إلى الأحوط. # وقد نقلت الأمة عقود المداينات والبياعات بغير إشهاد ولا نكير من ~~الفقهاء. # وروي عن ابن جبير، وعطاء، وإبراهيم: أن الإشهاد على كتب المداينات ~~والبياعات وقليلها واجب، وليس ذلك [بمعول عليه]. # وعن الحسن، والشعبي: أن الشهادة والكتب كانا واجبين فنسخا، بقوله: (فإن ~~أمن بعضكم بعضا). # وقال ابن عباس: لم ينسخ ذلك، وأما قوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) ~~فمعناه أنه حكم بها وأوجبها على نفسه (1)، وقال: (أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان) أي: علامة الإيمان، كما قال: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي: حب ~~العجل، فحذف. PageV01P407 # وكان بنان بن سمعان يذهب إلى أن الله كتب على وجهه وسائر أعضائه الرحمة، ~~ويذهب إلى أنه ليس في كلام الله مجاز، وكان يقول: إن الله يفنى سائره ويبقى ms173 ~~وجهه، لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه). # PageV01P408 ### | الكفر # أصله التغطية، ويقال: لليل كافر؛ لأنه يغطي كل شيء بظلمته، وكفر الغمام ~~النجوم سترها، [والكافر الذي لبس فوق درعه ثوبا]، والزارع كافر؛ لأنه يغيب ~~البذر في الأرض، وكفر النعمة إذا لم يشكرها ### | كأن # ه سترها، ويقال: لوعاء كل ثمرة كافور، لأنه يغطيها، ويقال للطلع ~~[الكافور]؛ لأنه في غطاء، ويكفر الذنوب يسترها كالغفران، ومعنى ذلك أن الله ~~لا يفضح أصحابها بها. # والكفر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الجحد، قال: (الذين يكفرون بآيات الله) أي: يجحدونها، والجحد لا ~~يكون إلا مع العلم مثل جحد الرجل حق صاحبه؛ فأما من ينكر ما لا يعرف صحته ~~فليس بجاحد، ونظيره قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) أي: جحدوه فجعلوا ~~الجحد مع المعرفة على ما ذكرنا. # PageV01P409 # الثاني: كفر النعمة، ق ل: (واشكروا لي ولا تكفرون). وقوله: (ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر) وكقول فرعون لموسى: (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين) أي لنعمتي. # الثالث: بمعنى البراء، قال الله تعالى: (كفرنا بكم) وقال: (يكفر بعضكم ~~ببعض) وقال في: (إني كفرت بما أشركتمون) أي: تبرأت. # PageV01P410 ### | كان # أصلها الحدوث، كان الشيء إذا أحدث فهو كائن، ثم كثر حتى وقع موقع صار، ~~وموقع لم تزل وموقع هو وغير ذلك مما يذكره. # وذلك على ما حكى أهل التفسير، وقال النحويون: كان لا يتعدى، ومعناه حدوث ~~الشيء، أي: خلق، فهو في أنه غير متعد بمنزلة قام؛ [فلما احتيج] إلى ذكر ~~المضي في المبتدأ أو الخبر، أدخلت كان على قوله: زيد قائم، فقيل: كان زيد ~~قائما. # والمعنى زيد قائم فيما مضى، فرفع بها المبتدأ ونصب الخبر، كما قيل: ضرب ~~زيد عمرا؛ فإن أردت في المبتدأ والخبر الاستقبال قلت: يكون ومن أخواته ليس، ~~وهو ينفى به الحديث ولا ينفى به إلا ما في الحال دون المستقبل والماضي، وهو ~~موضوع للعبارة عن هذه الجملة. # وما دام وهما كلمتان ويعبر بذلك عن المبتدأ والخبر أيضا إذا كان له دوام، ~~ويرفع به الاسم ويتصرف معموله كما يتصرف ms174 معمول كان، إلا أن ما لا يجوز أن ~~يقدم عليه المعمول؛ لأن المعمول هو في الصلة؛ والصلة لا تقدم على الموصول. ~~ولكن تقدم بعض الصلة على بعض، تقول: لا أكلمك ما دام زيد قائما، وما قائما ~~دام زيد وما زال، وهما كلمتان إلا أن ما حرف نفي هاهنا وليس باسم، وما في ~~قولك ما دام اسم مبهم ناقص ودام صلته، وهو فعل وزال فعل منفي بما، ومعناه ~~ضد دام. # فلما دخلت عليه ما النافية صار بمعنى دام؛ لأن نفي النفي إيجاب، وتقول في ~~المستقبل يزال ويزول، وأما أصبح وأمسى وظل وبات فإنهن أفعال بمنزلة كان في ~~العبارة عن بعض، وفي أنها في الأصل غير متعدية إلا أن لكل واحد منها زيادة ~~ليست للآخر؛ فاصبح يدل على وقت خاص وهو الصباح، وأمسى تدل على وقت خاص وهو ~~المساء، وظل يدل على المكث في النهار، وبات تدل على المكث بالليل. # وكان في القرآن على أربعة أوجه فيما قيل: قالوا: # PageV01P411 # الأول: أن تكون بمعنى لم يزل، قال: (وكان الله عزيزا حكيما) أي: هو لم ~~يزل كذلك، ويجوز أن يكون دخول كان هاهنا للتوكيد، وكذا في قوله: (وكان الله ~~غفورا رحيما) ويكون المعنى أنه غفور غفرانا عظيما، ورحيم رحمة كبيرة، ويجوز ~~أن يكون المراد أن الغفران وإحكام الأمور من فعله فيما مضى، وهذا الوجه هو ~~الصحيح. # الثاني: بمعنى صار، قال تعالى: (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) ~~وكذلك قوله: (وفتحت السماء فكانت أبوابا) وقال: (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) ~~أي: صارت، وحقيقة المعنى أنها تصير كذلك، ويجوز أن يكون معناه أنه إذا كان ~~يوم القيامة صارت كذلك، وهذا هو الصحيح، وقوله: (يوم تكون السماء كالمهل) ~~أي: تصير. # الرابع: قراءته تفسيره، قال: (إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) ~~وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) وقوله: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا) وإذا جاء قبل كان حرف نفي كانا بمعنى لا ينبغي وهو قوله: (ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد) أي: لا ينبغي له ms175 ذلك، لأنه مستغن عنه، وكذلك قوله: (وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) وقوله: (وما كان لنبي أن يغل). # PageV01P412 ### | كبير # أصل الصغر والكبر النقصان عن المعادلة والزيادة عليها، ويقال الله كبير ~~من جهة العظمة، ولا يقال له: إنه صغير ولا قليل من جهة أنه واحد؛ لأن الأصل ~~في القليل أنه أنقص من غيره، والصغير ما هو أصغر من غيره، وهذا إنما يكون ~~إذا كان غيره أكبر منه وأكثر. # ويجوز أن يكون الكبير في أسماء الله تعالى بمعنى أنه سيد مالك الأشياء؛ ~~لأن سيد القوم كبيرهم، ويجوز أن يسمى بذلك؛ لأنه لا مثل له، وكذلك تسميتنا ~~بأنه عظيم وجليل. # وأصل الصفة بكبير كبر الشخص ثم استعمل في كبر الشأن، والكبير الشأن هو ~~الممتنع من مساواة غيره بتضعيف أو غيره، وذلك أن صفاته في أعلى مراتب ~~التعظيم، فيستحيل مساواتها الأصغر على وجه من الوجوه، وهذه صفة الله. # والكبير الشخض، هو الذي يمكن مساواته للأصغر بالتجزئة، ويمكن مساواة ~~الأصغر له بالتضعيف، والصفة على هذا المعنى لا تجوز على الله، ويذكر الشأن ~~في صفاته؛ لأنه يظهر به امتناع المساواة واستعماله على المجاز، والله لم ~~يزل كبيرا وأكبر من كل كبير؛ لأنه يمتنع مساواة كبير غيره له، ونظير الصفة ~~تكبير عظيم، والعظيم الشخص، يمكن مساواة غيره له بالتضعيف. # ولا يصح في الجليل؛ لأنه غلب عليه المدح، والعظيم الشأن مثل الكبير ~~الشأن، لا يجوز مساواة غيره له، والكبير في السن والشخص والشرف بالعلم يمكن ~~مساواة الصغير له؛ إما في السن يضاعف مدة البقاء، وإما في الشرف بالعلم ~~فباكتساب مثل ذلك العلم، والكبير الشأن لا يمكن بمساواة الصغير الشأن له؛ ~~كفضيلة النبي بالنبوة لا يمكن أن يساويه في فضلها إنسان، وكبر الشيء معظمه، ~~وقرئ في: (والذي تولى كبره) # PageV01P413 # أي: معظم هذا اللإفك، ومنه الكبر من السن؛ لأن صاحبه يعظم في الصدور، ~~فأما الكبر فأعجمي. # والكبير وما يتشعب منه في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: الشديد، قال الله: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) قال: (ولتعلن ~~علوا ms176 كبيرا) كل ذلك بمعنى شديد كذا قيل، ونحن نقول: إن حقيقة الشدة والكبر ~~في الأعراض إنما هي الزيادة في المقدار، فقولك: علا علوا شديدا أو كبيرا ~~أي: علوا زائدا على علو من هو في درجته أو من جنسه أو ما أشبه هذا. # الثاني: المسن، قال: (وأبونا شيخ كبير) قال: (وأصابه الكبر). # الثالث: الزيادة في العلم والفهم، قال: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) ~~أي: أعلمكم وأفهمكم، ومثله قال: (كبيرهم) أي: أفضلهم رأيا، ولم يعن أكبرهم ~~سنا هكلذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون أراد أكبرهم في السن. # الرابع: بمعنى الكثير، قال الله: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة) ~~وقوله: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) أي: مالا قليلا أو ~~كثيرا، ويجوز أن يكون أراد صغيرا أو كبيرا في القدر. # الخامس: الكبير في أسماء الله تعالى، ومعناه الذي تقدم وهو قوله: (الكبير ~~المتعال) وقوله: (إن الله كان عليا كبيرا) والمتعال الذي يتضاعف ما يستحقه ~~من علو الصفات، ولم يزل الله متعاليا على هذا المعنى، وكل شيء نسب إلى ~~العلو، وهو معظم الشأن، لأن العالي ينال ولا ينال، ويوصف الله بالتعالي ~~أيضا على وجه آخر، وهو أنه يتضاعف ما تنزه به عن صفات النقص، نحو قوله ~~تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) ولا يقال: # PageV01P414 # الله رفيع؛ لأن الرفيع مختص بعلو المكان والعلي مشترك بين علو المكان ~~وعلو الشأن، ومن جهة القدر والاقتدار، وفي الرفع أيضا معنى الزوال، رفعته ~~أي: أزلته إلى فوق، ومنه يقال ارتفع الشيء إذا زال وذهب، وقال بعضهم: العلي ~~هو الجليل بما يستحق من ارتفاع معاني الصفات. # السادس: الكبرياء وهو بمعنى الغلبة والسلطان، قال الله: (وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض) يعني: السلطان والملك والغلبة، وقوله: (وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض) يعني: الملك والسلطان. # السابع: كبر ثقل، قال الله: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) أي: ثقل، وحقيقة ~~المراد به أنه ينال منك منال الحمل الثقيل من حامله، وذلك أن الكبر في أكثر ~~الحال ثقيل. # الثامن: من الطويل، قال: ms177 (إن أنتم إلا في ضلال كبير) قالوا معناه الطويل ~~واستعمال الطول والكبر والثقل والعظم في الأعراض توسع إلا أن استعمال بعض ~~هذه الصفات في بعض الأعراض أشهر، فلهذا قالوا: إن الكبر في الضلال بمعنى ~~الطول، والمراد أنه ضلال يستمر صاحبه عليه ولا يفارقه. # PageV01P415 ### | كذب # أصل الكذب الترك، ومنه قيل: كذب في الحرب إذا ترك الحملة، وكذب الرجل في ~~قوله، إذا ترك العمل بما قاله. # وكذبت الرجل بالتخفيف، أخبرته بكذب، وكذبته بالتشديد أخبرت بأنه كاذب، ~~والمشكل في هذا الباب قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم). # ولا يجوز أن يكون في الآخرة كذب؛ لأن أهلها ملجأون إلى ترك القبيح، ولو ~~لم يكونوا كذلك لكان القبيح قد أبيح لهم. # وإنما المراد أنهم، يقولون في الآخرة: (والله ربنا ما كنا مشركين) أي: ~~عند أنفسنا في الدنيا. # وقال: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) في الدنيا، بقولهم: إنهم مصيبون فيما ~~يشركون، وليس هذا خبرا عن الآخرة، وقيل: كذبهم على أنفسهم هو جحدهم على جهة ~~النسيان، وإنكارهم لما كانوا عليه في الدنيا. # PageV01P416 # وجاء لفظ كذب في القرآن على وجهين: # الأول: الجحد، قال: (وكذب بالحسنى) أي: جحد الجنة، وقوله: (كذب وتولى)،، ~~أي: جحد وأعرض، وقوله: (وما يكذب به إلا كل معتد أثيم). # الثاني: تكذيب الرسول، وهو القول بأنه كاذب، قال الله: (ولقد كذبت رسل من ~~قبلك) ومثله كثير. # وأما قوله: (فإنهم لا يكذبونك) فمعناه أنهم لا يكذبونك ولكنهم يكذبونني ~~لأني أنا المخبر لك، وقيل: (لا يكذبونك) بحجة، بل هو جحد ومكابرة. # وقيل: المراد أنهم لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأتهم به مما في كتبهم؛ ~~أنك كاذب فيه، ويجوز أن يكون المراد أنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكن يجحدون ~~أمرك بألسنتهم، [وقرئ (لا يكذبونك)]، أي: لا يصادفونك كاذبا فيما أخبرت به ~~عن المذكور في كتبهم. # ويجوز أن يكون لا يصادفونك كاذبا إذا نظروا في أمرك حق النظر، وأكذبت ~~الرجل صادفته كاذبا، وأبخلته صادفته بخيلا، وقيل: (كذب بالحسنى) أي: قصر ~~به، والعرب تقول كذب الرجل في الحرب إذا ترك ms178 الحملة. # PageV01P417 ### | الكريم # أصل الكرم الشرف والفضل، ومنه سمي الكرم لفضله على غيره من الشجر، والكرم ~~أيضا قلادة معروفة تشبه خرزها بورق الكرم، ثم جاء الكرم بمعنى العز، قالوا: ~~هو أكرم علينا، أي: أعز، وتسمية الله تعالى بأنه كريم يعني: أنه عزيز من ~~صفات ذاته، وقد يكون أيضا بمعنى الجواد المفضال، فيكون من صفات فعله. # والكريم وما يتصرف منه في القرآن على سبعة أوجه: # الأول: أن يكون بمعنى الأفضل، " قال الله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ~~وفي قوله: (كرمنا بني آدم) أي: فضلناهم على غيرهم من الحيوان، وقال حكاية ~~عن إبليس: (أرأيتك هذا الذي كرمت علي) أي: فضلت، وقال: (إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه) أي: فضله. # الثاني: الشرف، قال الله: (وندخلكم مدخلا كريما) أي: شريفا [قرئ (ندخلكم) ~~من أدخل]، وما كان من أفعل فإنه يجيء فيه مفعل، وقرئ (مدخلا)، وهو من دخل ~~مدخلا، وكذلك قوله: (إن المتقين في مقام أمين) إذا جعلته من قام فتحته، ~~وإذا جعلته من أقام ضممته، ويجوز أن يكون المدخل موضع الإدخال، والمراد به ~~الجنة، كما قال تعالى: (أنزلني منزلا مباركا). # الثالث: الصفوح، قال الله: (إن ربي غني كريم). # PageV01P418 # الرابع: العزيز، قال الله: (ما غرك بربك الكريم) أي: العزيز الذي لا يغلب ~~ولا يفوته شيء، فما الذى غرك به فعصيته. # الخامس: الكثير، قال الله: (رزق كريم)، قالوا: هو كثير، ويجوز أن يكون ~~معناه أنه يأتي صاحبه من غير امتهان، والمراد كريم صاحبه. # السادس: الحسن، قال: (فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) أي: حسن، وهو مثل ~~قوله: (من كل زوج بهيج) ومثله: (وقل لهما قولا كريما) أي: حسنا. # السابع: الجواد، قال تعالى: (إنك أنت العزيز الكريم) أي: كنت كذلك في ~~الدنيا كذا قيل، ويجوز أن يكون معناه إنك كنت كذلك عند نفسك، وروى أنه قال: ~~" أنا أعز أهل الواي وأكرمهم، فقال الله له في جهنم: ذق إنك أنت القائل هذا ~~"، ويجوز - أن يكون المعنى أن ملائكته يقولون له ذلك، وقيل: أراد إنك ~~الذليل المهين، ومعنى ذلك [أنك] ms179 أهل للذل والهوان لكفرك. # PageV01P419 ### | الكلمة # اشتقاق الكلمة من الكلم، وهو الجرح لأن تأثير الحروف في مخارجها وفي ~~السمع كتأثير الجرح فى المجروح، وإن كانت آثارها أخفى، وتقارب المعاني ~~وتشابهها بحيث تتقارب الألفاظ، فإذا قلت: كلمته تكليما، فإنما أدخلت ~~التشديد في الفعل لتدل على تكرير الفعل، ألا ترى أن الكلمة الواحدة أقل ~~الكلام. # وهى لا تخلوا من حروف وحركات، وكأن كل واحد من ذلك كلمه من الكلوم، لأنها ~~أثر بعد أثر تقع في مخارج الحروف وفي السمع، فلذلك قيل: كلمته تكليما، وقد ~~يجوز كلمته كلاما؛ لأنه يعلم أنه لا يكون مصدر كلمه إلا التكليم، ولا مصدر ~~تكلمت إلا التكلم، وإن كلاما إنما ناب عن ذلك وقام مقامة، وإن كان على غير ~~لفظ الفعل، لأنهم لم يستعملوا الفعل منه بغير تشديد ما لم تحل الكلمة، وإن ~~قل عدد حروفها من التكرير؛ ولأنهم كرهوا التباس هذا الفعل ما هو من الجرح ~~أيضا. # والكلمة في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الخبر، قال الله: (ولولا كلمة سبقت من ربك) أي: لولا الخبر السابق ~~بأن الاستئصال لا ينزل بهذ الأمة لأنزلته بها. # الثاني: قوله تعالى: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) قيل: يعني: ~~مقدوراته، وقيل: نعمه وعطاياه، وعندنا أنه أراد بكلماته وعده لأهل الجنة ~~ووعده لأهل النار، وهو مثل قوله: (لا مبدل لكلماته) والمراد أنه لو يفعل ما ~~وعد به أهل الجنة وأوعد به أهل النار حالا بعد حال، فيما يستقبل وكتب ذلك ~~بما في البحر، وقد جعله مدادا وزاد عليه في مثله لنفد قبل نفاد # PageV01P420 # ذلك، وإنما أراد الإخبار عن كثرة ما أعده للفريقين، وقيل: كلماته ~~معلوماته ما خلق، وما يريد أن يخلق [وبالجملة] إنه لم يرد الموجود، وإنما ~~يريد ما يستأنف، لأن ما حصل في الوجود معروف قدره. # الثالث؛ قوله: (وكلمته ألقاها إلى مريم) قيل أراد أمره، والمعنى عندى ~~يرجع إلى الخلق، أي: خلقه في رحمها من غير ذكر، وسمي في رحمها من غير ذكر ~~وسمي ليس أيضا في موضع آخر كلمة، وهو قوله: ms180 (بكلمة منه) وذلك أن الناس ~~ينتفعون به كما ينتفعون بكلام الله، ويجوز أن تكون الكلمة هنا من، قوله: ~~(كن فيكون)، وهو راجع إلى الخلق على ما ذكرنا، ويجوز أن تكون كلمته ألقاها، ~~أي: بشارته ألقاها إلى مريم على لسان ملك، كما قال لنا: (سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا) وقيل ألقاها عليها أي: خلقه في بطنها، وكأن الله أخبر به في الكتب ~~المتقدمة، فلما ولد من غير ذكر، قال الله لها: إن تلك الكلمة، أي: المعنى ~~بالكلمة، وأما الكلمات في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) ~~فمعناه أمره إياه وابتلاؤه بها تكليفه إياه طاعته فيها؛ سمي التكليف ابتلاء ~~على مقتضى العرف، وذلك إنا لا نعرف ما يأتي الرجل منا، وما نذر حتى يكلفه، ~~والله عالم بنفسه غير محتاج إلى اجتلاب العلم بالابتلاء ولكنه على ما ~~ذكرته. # PageV01P421 ### | الباب الثالث والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله لام ### | اللباس # اللباس واللبس: ما يلبس واللبس المصدر، وسمي الخلط لبسا لأن وجه الصواب ~~مستمر معه، وأصل اللبس الستر، واللبوس مثل اللباس، قال الشاعر: # لبوسا ومطعما # وجاء في القرآن بمعنى الدرع، وهو قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم). # واللباس في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: قوله: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) جاء في التفسير أنهن سكن لكم، ~~وأنتم سكن لهن، وقيل: معناه أن الرجل والمرأة يتضامان فيصير كل واحد منهما ~~بمنزلة اللباس للآخر، ومن الأول قوله: (وجعلنا الليل لباسا) أي: سكنا. # الثاني: الثبات، قال الله: (أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم) ومعنى ~~قوله: (أنزلنا عليكم) أعطيناكم، كما قال: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)، ~~والحديد إنما [يستثار من الأرض]، وعبر عن الإعطاء بالإنزال، كما يعبر عن ~~الجعل بالرفع، فتقول: رفعنا أمرنا فى الوالي، وقيل: إنما قال: ((أنزلنا ~~عليكم لباسا)؛ لأن أصول اللباس ينبت [بماء السماء]، وقيل: [بذره كان من ~~السماء]. # PageV01P423 # الثالث قوله: (ولباس التقوى) قالوا معناه: العمل الصالح، وهو على هذا ~~التأويل مرتفع على الابتداء، وذلك من صفته، وقيل معناه أن ستر العورة: لباس ~~المتقين، وقيل؛ ms181 رفع بإضمار هو والمعنى، ولباس التقوى وهو خير، وقيل: لباس ~~التقوى اللباس الخشن الذي يلبسه من يختار العبادة، وأشير به إلى الصوف، ~~وبالأول إلى الكتان والقطن، وقيل: هو لباس الصلاة، لأن الصلاة أحق ما يسمى ~~بالتقوى، وقيل: أنزلنا عليكم الوحي الذي فيه لباس التقوى، ولباس التقوى على ~~هذين التأويلين منصوب، وقال ابن الكلبي: لباس التقوى العفاف؛ لأن المؤمن لا ~~تبدوا عورته وإن كان عاريا، والفاجر لا يزال تبدوا عورته وإن كان كاسيا، ~~وذكر اللباس هاهنا الذكر عن بني آدم. # PageV01P424 ### | لولا # لولا كلمتان يعدهما النحويون من حروف الرفع على المسامحة، وإنما يرتفع ما ~~بعدهما على الابتداء وضم لا إلى لو للمعنى الحادث بينهما، وهو الدلالة على ~~الشيء لا يقع من أجل غيره، كقولك: لولا زيد لخرجنا، فزيد مبتدأ لم يعمل فيه ~~(لو) ولا (لا)، وأما قولهم لولاك فغير جائز عند المحققين. # والصواب لولا أنت لكان كذا على الابتداء والخبر، فإذا قلت: لولا زيد ~~تأخذه، فزيد منتصب بفعل مضمر، والظاهر تفسبر، ويسمى هذا تحضيضا، والتحضيض ~~توكيد الأمر والمعنى، لولا تأخذ زيدا تأخذه، وقال القتبي: لولا تكون في بعض ~~الأحوال بمعنى هلا، وذلك إذا رأيتها بغير جواب تقول: لولا فعلت كذا تريد ~~هلا، قال الشاعر: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # يريد ولا تعدرن الكمي المقنع، فإذا رأيت لولا جوابا كقوله: (فلولا أنه ~~كان من المسبحين (143) للبث في بطنه) فهي التي تكون لأمر لا يقع لوقوع ~~غيره. # وجاء في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: على قول بعض المفسرين بمعنى لم، وهو قوله: (فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) معناه أنهم لم يؤمنوا يعني: أهل القرية، ثم ~~استشنى قوم يونس بالنصب على الانقطاع مما قبله؛ ألا ترى أن ما بعد إلا في ~~الجحد يتبع ما قبلها، فيقول: ما قام أحد إلا زيد، وإذا قلت: ما فيها أحد ~~إلا كلبا وحمارا نصبت؛ لأنهما منقطعان عما قبل، إلا وكذلك قوم يونس منقطعون ~~من قوم غيره من الأنبياء ممن لم ms182 ينفعه إيمانه، ولو كان الاستثناء هاهنا قد ~~وقع على طائفة منهم لكان رفعا، وقيل: (إلا قوم # PageV01P425 # يونس) مردود إلى قوله: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون) إلا قوم ~~يونس. # ويكون على أن يؤمن أهل قرية بأسرها، [حتى لا يشتد منهم أحد إلا قوم ~~يونس]، يقول: فهلا كانت القرى كذلك، وهذا الوجه أجود من الأول، وقال بعضهم: ~~إلا هاهنا بمعنى سوى، أي: فهلا أهل قرية سوى قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم ~~وزال عنهم العذاب، وعندنا أنهم آمنوا قبل أن يروا من العذاب ما يقع به ~~العلم الضروري؛ بأنهم لو صاروا إلى ذلك كانوا ملجأين، والملجأ غير محمود ~~على فعل الخير. # قال الثاني: بمعنى هلا، قال الله: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو ~~بقية) وقوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) وقوله: (فلولا إن كنتم غير ~~مدينين) وكذلك لو ما في قوله تعالى: (لو ما تأتينا بالملائكة) أي: هلا وهذا ~~والأول عندنا سواء. # الثالث: التي تكون لأمر لا يقع لوقوع غيره، قال الله: (فلولا أنه كان من ~~المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144)، وقيل: المسبحون ~~المصلون، وقد ذكرناه، ويجوز أن يكون من التسبيح. # PageV01P426 ### | لما ولما # لما تكون بمعنى لم وبينهما فرق، ويدخل فيه الألف للتوكيد، وإذا كان مخففا ~~كان بمعنى إلا، فالذي هو بمعنى لم، قوله: (بل لما يذوقوا عذاب) والمخفف ~~الذي يكون دخوله بمعنى إلا، وقوله: (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) وقوله: ~~(إن كل نفس لما عليها حافظ) أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة لهذيل، ~~والمشدد أيضا بمعنى حين، قال الله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) وفي المخفف ~~وجه آخر. # فال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة) إلى قوله: (لتؤمنن به) فقال: ما هنا بمنزلة الذي، ~~ودخلتها اللام كما، دخلت على أن حين قلت: لمن فعلت؟ لأفعلن، ودخلت على نية ~~اليمين، واللام الثانية للجواب؛ كقوله: (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم). # وقال الكسائي: هو على مذهب الجزاء، ms183 قال الله: (ثم جاءكم رسول مصدق لما ~~معكم) جواب لقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين). # وقال الفراء: قرئ: (لما آتيتكم) بكسر اللام، والمراد إذ أخذت ميثاقكم ~~بهذا الكلام، يعني: قوله: (لتؤمنن به ولتنصرنه) # والفرق بين لما ولم أن لما يوقف عليها نحو قد جاء زيد، فتقول: لما، أي: ~~لم # PageV01P427 # يجئ، ولا يجوز ذلك في لم وفي كلامهم كاد ولما، أي: كاد يفعل ولم يفعل، ~~ولما جواب قد فعل ولم جواب فعل، لأن قد للوقيع. قال سيبويه:. لبست ما في ~~لما زائدة، لأن لما تقع في مواضع لا يقع فيها لم؛ فإذا قال القائل: لم ~~يأتني زيد فهو نفي لقوله: أتاني وإذ قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأت وأنا ~~متوقعه. # PageV01P428 # اللغو # أصل اللغو الصوت، وسواء كان له معنى أو لم يكن بمعنى، ثم سمي ما يتكلم به ~~كل جيل لغة، وأصلها لغوة، كما قيل: [إن بك قدة]، والأصل قدوة ومثال هذا ~~كثير، ثم قالوا: لغو الطائر ثم لما رأوا ذلك صوتا لا معنى له، جعلوه أصلا ~~في كل شيء لا معنى له، فقالوا لغى فلان يلغوا؛ إذا تكلم بكلام لا معنى له، ~~ومنه قوله: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) أي: ~~عارضوه بكلام لا معنى له لشغلوه به عن قراءته؛ ثم سموا المسقط الملغي لغوا؛ ~~لأنه في سبب ما لا معنى له، وقيل: ألغيت الشيء إذا أسقطته، وقال جرير: # ويسقط بينها المرئي لغوا كما ... كما ألغيت في الدية الحوارا # ثم سموا الباطل لغوا تشبيها بالمسقط الملغي؛ لأن الباطل يسقط مع الحق؛ ~~فلا يكون له ثبات، ويقال للفحش لغو؛ لأنه ساقط من الكلام مطرح لا يلتفت ~~إليه، ويقال: هو لغو ولغا، وقيل: اللغو في اليمين؛ لأنه لا إثم فيه، فكأنه ~~ساقط لا معنى له، ويجوز أن تكون اللغة من قولهم لغى الشيء يلغي إذا يعلو به ~~فأما اللهجة فهي من قولهم: لهجت بالشيء إذا لزمته. # واللغو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: اللغو في اليمين، قال الله: (لا ms184 يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ~~قالوا: هو قول لا والله، وبلى والله، مما يقوله الرجل ولا يعتمده، وقيل: هي ~~اليمين الكاذبة التي يرى صاحبها أنه صادق فيها، وليس فيها كفارة ولا إثم، ~~وقال # PageV01P429 # سعيد بن جبير: اللغو أن يحلف الرجل على الحرام؛ فلا يؤاخذه الله بتركه، ~~وهنا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) هو ~~أن يمتنع باليمين عن فعل مباح أو يقدم على فعل محظور، وعند الكوفيين: أن ~~الغموس لا كفارة فيها، لأنها يمين ولا يترقب برها ولا حنثها فهي كللغو، ~~والمؤاخذة المعاقبة، ويقال: لا آخذك الله أي: لا عاقبك. # الثاني: الباطل، قال الله: (والذين هم عن اللغو معرضون) وقال: (وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما) أي: بالباطل. وقيل: يراد باللغو هاهنا جميع ما يلغى أي: ~~يطرح، وقيل: أراد أنهم إذا ذكروا النكاح كبوا عنه، وقوله: (وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه) وقيل: يعني به هاهنا الكفر. # الثالث: مكروه الكلام، قال: (لا تسمع فيها لاغية) (لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما) واللاغية مصدر مثل العافية، والعاقبة. # PageV01P430 ### | اللام المكسورة # أجمع أهل العربية أن الحروف حقها البناء على السكون؛ فإذا وقع الحرف أولا ~~امتنع النطق به ساكنا؛ فاضطر الناطق إلى حركتها فحركت كلها بالفتح، لأنه ~~أخف الحركات إلا حرفين الباء واللام، فقيل: مررت بزيد؛ وهذا لزيد فأما ~~الباء فعلة كسرها إنها لا تنتقل عن باب الجر إلى غيره، فألزم الكسر؛ لأن ~~عملها الكسر؛ ولأنها لا تتغير عن حالها كما تتغير اللام والكاف، وذلك أن ~~اللام قد تكون توكيدا والكاف تكون اسما وحرفه وكونها اسما، قال الشاعر: # وصاليات ككما يؤثفين # فالكاف الثانية اسم لدخول الكاف الأولى عليه؛ لأن الحرف لا يدخل على ~~الحرف فألزم الباء الكسر لما فارقت أخواتها؛ وأما لام الجر فإنها كسرت ~~إزالة للالتباس، وذلك إنك لو قلت: إن هذا لزيد ففتحت اللام لم يعرف ليزيد ~~التوكيد والتمليك؛ ألا تراهم لما ارتفع الالتباس في المضمر فتحوها، فقالوا: ~~هذا لك وله. # واللام المكسورة في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: ms185 بمعنى كي، قال الله: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) أي: كي تنذرهم. # الثاني: بمعنى أن، قال: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) وقوله: (وما ~~كان الله ليعذبهم) وقوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) أي: أن تزول. # قالوا الثالث: في موضع لأن لا، قال: (ليكفروا بما آتيناهم): أي: لأن لا ~~تكفروا، وهو مثل قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) قيل: لأن لا تضلوا، وليس ~~لا عد المحققين النحويين مما يحذف في هذا الموضع، وإنما المعنى في ذلك ~~كراهة أن تضلوا، ومعنى قوله: (إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم)، ~~أنهم أشركوا معنا غيرنا فعبدوه دوننا ليكفروا # PageV01P431 # نعمنا عليهم، ويطرحوا شكرها وليتمتعوا في الدنيا باطراح عبادتنا، وذلك أن ~~العبادة فيها على النفس مشقة، فهم اطرحوها حبا للتمتع وللترفه. # وقال بعضهم: معناه جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببا إلى الكفر، ~~واللامات ثمانية: لام القسم، ولام الابتداء، ولام الإضافة، ولام الأمر، ~~ولام كي، ولام الأصل، ولام التعريف، ولام الاستغاثة، ولام القسم: لأمر لقد ~~ولا يجوز أن تكون لام الابتداء؛ لأن لام الابتداء لا تلحق إلا الاسم، وما ~~كان بمنزلة الاسم من الفعل المضارع في باب إن، ولام الإضافة كقوله: (لله ~~الأمر من قبل ومن بعد) ولزيد الثوب، ولام الأمر كقوله: (لينفق ذو سعة من ~~سعته) ولام كي مثل: (وليرضوه)، ولام الأصل: (ألهاكم التكاثر) ولام التعريف: ~~(آتينا موسى الكتاب) ولام الاستغاثة، قول الشاعر: # يا لبكر أنشروا لي كليبا # PageV01P432 ### | الباب الرابع والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ميم ### | ما ومن # قال أهل العربية ما ومن أصلهما واحد، جعلت من لمن يعقل، وما لغير من ~~يعقل، وتجيء ما بمعنى لا، وبمعنى ليس، وبمعنى الاستفهام، وبمعنى من، وبمعنى ~~الذي. # وهي في القرآن على هذه الوجوه كلها؛ فمجيئها بمعنى لا، قوله: (ما يقال لك ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) قيل هي: بمعنى لا، ويجوز أن تكون بمعنى لم، ~~أي: لم يقل لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، وكذلك: (ما قلت لهم إلا ms186 ما ~~أمرتني به)، هي هاهنا بمعنى لم لا غير. # ومجيئها بمعنى ليس، قوله: (ما لكم من إله غيره) أي: ليس لكم ذلك. # ومجيئها في لفظ الاستفهام وهو يقريع، قوله تعالى: (ما غرك بربك الكريم). # وتجيء بمعنى التوكيد، في قوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم) أي: فبرحمة ~~عظيمة، لأن دخولها في هذا الموضع وأمثاله لابد أن تكون بمعنى، وليس هاهنا ~~معنى سوى التوكيد، وتدخل بمعني من، وهو قوله تعالى: (والسماء وما بناها) ~~أي: ومن بناها، والعرب تقول: سبان ما سبح الرعد بحمده، وقيل: المراد السماء ~~وبنائها، وكذلك: (والأرض وما طحاها) أي: وطحوها. # PageV01P433 # وتجء بمعنى الذي، وهو قوله: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى) وقوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق). # وقال أبو عبيدة: مجازه مجاز اليمين، كأنه قال: الذي أخرجك ربك؛ كقوله: ~~(وما خلق الذكر والأنثى) إنما هو الذي خلق الذكر والأنثى. # قال الفراء: جوابه: (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) تقول فامض لأمرك في ~~الغنائم على ما شئت كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهم كارهون فافعل ذلك. # وقال الكسائي: قد يكون قوله: (يجادلونك في الحق) هو والجواب فمجادلتهم ~~الآن كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ومرادنا فيما ذكرناه من أن ما يجيء ~~بمعنى لا وبمعنى ليس وغير ذلك إنها تقع موقع ذلك، ويفيد فائدة ليس إن معنى ~~ما معنى ليس وغيره مما ذكرناه. # PageV01P434 ### | المس # أصل المس اللصوق، مسسته بيدي ثم قيل على وجه التمثيل مسه الضر، وقيل: مسه ~~النار، ومس الرجل المرأة إذا جامعها، والمس الجنون، ورجل ممسوس مجنون، وما ~~مسوس نالته الأيدس، والفرق بين المس واللمس، أن اللمس يكون باليد لتعرف ~~الخشونة أو اللين أو غير ذلك، ويكون المس باليد والحجر وغيره، وقد ذكرنا ~~ذلك. # والمس في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الجماع، قال الله: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وقوله: (ولم ~~يمسسني بشر) وإنما سمي الجماع مسا؛ لأنه مع المس يكون. # الثاني: الإصابة، قال الله: (مس آباءنا الضراء والسراء) أي: أصابتهم ~~الشدة والرخاء؛ فجعل ms187 المس هنا موضع الإصابة؛ ليدل على قصر مدة ما أصابهم من ~~ذلك، وتعرف به أن مدة المكروه والمحبوب في الدنيا قصيرة، وقال: (مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب) وقال: (لا يمسهم فيها نصب). # الثالث: الجنون، قال الله: (يتخبطه الشيطان من المس). # الربع.: المس بالجارحة، قال الله: (لا يمسه إلا المطهرون) أراد بالمطهرين ~~الملائكة، وهو التطهير من الذنوب، وقيل: لفظه لفظ خبر، ومعناه النهي، أي: ~~لا يمسه إلا طاهر. # PageV01P435 ### | المعروف # قد ذكرنا أصله، وهي في القرآن كل أربعة أوجه: # PageV01P436 # الأول: القدر المستحق بحق الولاية، قال الله: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف) أي: من كان غنيا من أولياء اليتامى فليستغن ~~بماله عن مال اليتيم، ولا يتناول منه شيئا، ومن كان فقيرا فليأخذ منه القدر ~~الذي يستحقه بقيامه عليه من غير تجاوز له. # وقال بعضهم: يأخذ منه القليل على جهة القرض، قال: والمعروف هاهنا القرض، ~~وكذلك في قوله: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس) أي: بصدقة أو قرض. # فال أبو علي - رحمه الله -: له في المال القليل أجر مثله من غير تجاوز، ~~وليس له في المال الكبير أجر مثله؛ لأنها تكونن أكثر من نفقته ونفقة عياله، ~~والله تعالى جعل له الأكل بالمعروف، فإن كان أكله بالمعروف أكثر من أجره ~~مثله لم يحل له ذلك، وهذه الآية وهي الأصل في الحجر على المفسد لما له؛ لأن ~~اليتيم إذا بلغ ولم يؤنس رشده؛ منع من التصرف في ماله فغيره ممن يجري مجراه ~~في إفساد ماله مثله. # الثاني: التزين، قال الله: (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف) أي: إذا بلغن انقضاء عدتهن، فلا إثم عليكم في تركهن والتزين ~~والتطيب وطلب الأزواج من وجه يحسن ويؤلف ولا ينكر وكل ما كان حسنا مألوفا ~~فهو معروف. # الثالث: القول الحسن، قال الله: (وقولوا لهم قولا معروفا) أي: أعطوهم ما ~~يعطونهم إياه وعدوهم بعد ذلك وعدا حسنا جميلا، أراد أن أعطوهم في لين مس ~~وحسن قول ms188 من غير انتهاز وهذا على وجه الترغيب دون الإيجاب؛ وإن كان اللفظ ~~لفظ أمر، ومثله قوله: (وافعلوا الخير) وليس ذوي القربى هاهنا بالوراث. # والشاهد أنه [قرنهم] باليتامى والمساكين، وقال بعضهم: نسخ أمر المشركين ~~الفرض في القسمة وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يريد، ونحن نقول: إن النسخ ~~لا يكون في # PageV01P437 # النوافل، وإنما هو في الفروض، وقوله: (لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا) والمعنى إباحة التعريض للمرأة المعتدة بالنكاح دون التصريح. # الرابع: قدر الإمكان من ننتة العدة، قال: (وللمطلقات متاع بالمعروف) ~~يعني: نفقة العدة، وهو حق على المتقي وغير المتقي، ولكنه خص المتقين تشريفا ~~لهم، وقد تكلمنا في هذه الآية ما فيه كفاية. # PageV01P438 # من # قال النحويون: ### | من # تدخل لابتداء الغاية، وهو قولك: سرت من البصرة، فأعلمت أن ابتداء سيرك ~~كان منها، وقولك: من فلان إلى فلان، قال: وأخذت منه درهما، وسمعت منه ~~حديثا،، أي: هو أول هذا الذكر. # وتدخل للتبعيض في قولك: أكلت من طعامك، وأخذت من مالك، وقيل: معنى ذلك ~~أنه جعل ماله ابتداء غاية ما أخذ منه، فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي ~~إمهاله والأصل واحد. # قال المبرد: وتكون لإضافة الأنواع إلى الأسماء؛ كقوله: (إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) وقوله: (فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان) والرجس يجمع الأوثان وغيرها؛ فإذا قلت: من الأوثان وغيرها فإنما ~~معناه الذي ابتداوه من هذا الصنف، قال: وكذلك قول سيبويه: هذا ياب علم ما ~~الكلم من العربية؛ لأن الكلام يكون عجميا وعربيا فأضاف النوع إلى اسمه الذي ~~يبين فيه، وهو العربية، وقيل: لما كان في الوثن رجس وغير رجس، قال: من ~~الأوثان فحرم الرجس منها، وهو عبادتها، ولم يحرم أجسامها، ودخلت (من) على ~~هذا التقدير، وقالوا: يكون دخولها كسقوطها في قولك: ما جاءني من أحد. # وقول الله: (أن ينزل عليكم من خير من ربكم) وعند المحققين من النحاة إنها ~~هاهنا ليست زيادة؛ لأن الزيادة في الكلام من غير فائدة عيب؛ ول من هاهنا ~~معنى صحيح، وهو أنك إذا ms189 قلت: ما جاءني أحد فجاز أن تكون أحد هاهنا بمعنى ~~واحد، وجاز أن تكون أحد الذي هو بمعنى الجنس، فإذا دخل من زال اللبس فصار ~~المعنى من الناس كلهم؛ إذا كانوا واحدا واحدا، وإذا لم يدخل من جاز، لأن لا ~~يجيئه واحد ويجيئه اثنان فما فوق. # وقال ابن درستويه: إنما أفادت هاهنا أنه لم يجيئه من هذا الجنس شيء، وإذا ~~لم تدخل من، كان المعنى أنه لم يجيئه هذا الجنس كله، ولما كان بمعنى ~~التنكير في الوجهين، والعموم موجود ظنوا أن من لا معنى لها. # PageV01P439 # وجاء في القرآن على أربعة أوجه فيما قيل: # الأول: مجيئه بمعنى الباء، قال: (يلقي الروح من أمره) وقال: (يحفظونه من ~~أمر الله). # الثاني: بمعنى في، قال الله: (أروني ماذا خلقوا من الأرض) أي: في الأرض. # الثالث: بمعنى على، وقال الله: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا) ~~أي: عليهم، وعندنا أن ذلك يقال على المسامحة والمقاربة، فإذا أردت هذه ~~الوجوه إلى أصل من في العربية صحت؛ فقوله: (يحفظونه من أمر الله) أي: ~~ابتداء الغاية من ذلك، وهكذا قوله: (يلقي الروح من أمره) أي: أمره ابتداء ~~الغاية، وقوله: (ماذا خلقوا من الأرض) أي: ماذا خلقوا بعض الارض. # الرابع: الوجه الذي ذكر أنه زيادة، وهو على ما ذكرناه، قال الله: (قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وقوله: (من خير من ربكم) وقوله: (رب قد آتيتني ~~من الملك) قالوا: دخل من هاهنا لتختص هذا الملك من سائر الأشياء، وكذلك ~~قوله: (ليغفر لكم من ذنوبكم) وإذا كان لدخوله معنى خرج من أن تكون زيادة، ~~فقوله: (ليغفر لكم من ذنوبكم) أي: بعض ذنوبكم، وهو الذي يتولون منه، وقوله: ~~(يغضوا من أبصارهم)، فإن من للتبعيض، أي: بعض أبصارهم يريد ما حرم عليهم ~~النظر إليه، وقيل؛ هو للتبيين لأنه لما قال؛ (يغضوا) احتمل أشياء كثيرة، ~~فبين المراد ب من فقال: (من أبصارهم) وأما قوله: (وينزل من السماء من جبال ~~فيها من برد) بمعنى قوله (من السماء) # PageV01P440 # أي: من جهة السماء من جبال يعني السحاب، ms190 وهو شبيه الجبال فجعلها جبالا ~~على التشبيه، كما تقول للشديد المقدام: إنه لأسد، أي: كالأسد، وقال فيها: ~~(من برد)، من هنا للتبعيض، وذلك أن ما أنفع من البرد في هذا الوقت غير ما ~~يقع في الوقت الآخر، كما يقع في هذا الوقت هو بعض البرد. # وقال المبرد: أراد من جبال في السماء وتلك الجبال من البرد وإلى نحو من ~~ذلك، ذهب أبو علي - رحمه الله -. # وقال الزجاج: أراد من جبال برد، كما يقال: خاتم في يدي من حديد، والمعنى ~~خاتم حديد في يدي، والوجه هو الذي قلناه، وقيل أيضا: من الأولى لابتداء ~~الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض ~~الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين الجنس إذا كان جنس تلك الجبال ~~البرد. # PageV01P441 ### | المد # أصل المد إشباع بعض الشيء بعضا، ومنه مددت الجيش ومد الحبل ومدة الشيء ~~وأمد الجرح؛ كأنه اتبع فسادا بفساد، ومنه مادة الشيء، وهو ما يتشعب منه. # وهو في القرآن على سبعة أوجه: # الأول: التعمير، قال الله: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) أي: يمد لهم ~~الأيام، وهم في ضلالهم يتحيرون، كما قال: (قل من كان في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا) أي: يمد له العمر، وهو في ضلاله ويحسن منه ذلك؛ لأن العبد يصل ~~اختيارا وهو قادر على الهداية. # وليس يجب على الله أن يحول بينه وبين الاستكثار من المعاصي، كما لا يجب ~~عليه أن يحول بينها وبينه أصلا. # ويجوز أن يكون معناه أنه يمنعهم الطاعة، وفوائده التي يؤتيها المؤمنين، ~~وذلك أن تسوية المعاصي بالمطيع مفسدة وإغراه بالازدياد من المعصية. # الثاني: الإعطاء، قال الله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) وقال: ~~(ويمددكم بأموال وبنين). # الثالث: من مدد الجيش، قال: (ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم) وقوله: (يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف) كذا # PageV01P442 # جاء في التفسير، وهذا الوجه والذي قبله سواء، ولا فرق بين أن تقول أمده ~~بعطيه، وأمده بجيش، ويقال: أمد النهر، ومده نهر آخر. # الرابع: البسط، قال الله: (وظل ممدود) أي: مبسوط، ومنه مددت الثوب ms191 ~~والبساط، أي: بسطته. # الخامس: الدوام، قال الله: (ونمد له من العذاب مدا) أي: يديمه. # السادس: [الإدرار، قال الله: (مالا ممدودا) أي: دارا لا تنقطع في شتاء ~~ولا صيف]. # السابع: التسوية، قال الله: (وإذا الأرض مدت) قالوا: معناه وألقى ما على ~~ظهرها من الجبال حتى استوت، وقيل: معناه غيرت عن هيئتها وبدلت. # PageV01P443 ### | المستقر # أصل الاستقرار السكون، ومنه قيل: لبطن الوادي قرار، لأن الشيء إذا صار ~~إليه سكن، والقرة البرد، لأن الناس يسكنون معه، ويقال للشيء: يوضع في موضعه ~~صابت بقر؛ لأنه إذا وضع في موضعه لزمه، ولم يزايله فشبه بالساكن، ويقال: ~~للهودج قد لثباته على ظهر البعير؛ كأنه سكن قوته، وأما قولهم: قر عليه دلوا ~~من ماء، فليس من هذا وإنما حكوا صوت الماء عند انصبابه، وأما قرت عينه، فهو ~~راجع إلي البرد، وهو خلاف سخنت. # والمستقر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: قوله: (فمستقر ومستودع) قالوا: المستقر أرحام النساء، والمستودع ~~أصلاب الرجال، والمرتفع على معنى قبلكم مستقر ومستودع وقرئ فمسقر بكسر ~~القاف، ومستودع بفتخ الدال لا غير، أي: فمنكم مستقر في الرحم ومنكم مستودع ~~في الصلب. # وقيل: مسقر في الدنيا، ومستودع في الأصلاب وقيل: مستقر في الأحياء، ~~ومستودع في الثرى. # الثاني: قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها) أي: حيث مستقر بالليل ومستودعها حيث يموت، هكذا قيل. # وقيل: مستودعها كالولد في البطن والنطفة في الظهر، وقال: (كل في كتاب ~~مبين) أي: كتب ذلك مع أنه عالم به لما للملائكة فيه من العبر. # الثالث: المنتهى، قال الله: (لكل نبإ مستقر) أي: منتهى، وقيل: إن لأخذنا ~~إياكم بالإيمان [جبرا وقسرا]، مستقر أي: وقت، وسوف تعلمون # PageV01P444 # في الآخرة، ومثله قوله: (والشمس تجري لمستقر لها) أي: لمنتهى لها، وهو ~~القيامة، والمعنى أن لها أجلا تصير إليه، وقرئ " لا مستقر لها " أي: هي ~~تسير أبدا لا تستقر، وقيل: (لمستقر) أي: [لأبعد مطالعها ومنازلها في ~~الغروب]، وقيل: لمقدار من السير قد استقرت عليه لا تجاوزها، وقيل: مستقرها ~~وقوفها عن ms192 المسير في الليلة التي تطلع في صبيحتها من المغرب عند دنو ~~الساعة. # PageV01P445 ### | المشي # أصله من الزيادة والمشاء النماء.، والمشي الإسهال؛ لأنه زيادة عن الحاجة، ~~ومشى بفلان مشيا ومشوا، وهو الدواء المسهل، وقيل للماشية ماشية؛ لأن الغالب ~~على حرتها المشي دون العدو. # والمشي في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: مجيئه بمعنى المضي، قال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه). # الثاني: بمعنى المرور، قال الله: (كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم) أي: تمرون على قراهم وترونها خرابا بعد إن كانت عامرة. # الثالث: السير، قال الله: (فامشوا في مناكبها) أي: سيروا، وهذه المعاني ~~كلها متقاربة، يجوز أن يقع بعضها مقام بعض. # الرابع: النماء، قال الله: (امشوا واصبروا على آلهتكم) قال معناه: أنموا، ~~قال الشاعر: # مثلي لا يحسن قولا فعفع ... والشاة لا تمشي مع الهملع # PageV01P446 # أي لا تنمي، وقيل: أراد أن بعضهم قال لبعض: امشوا أي: امضوا، واصبروا أي: ~~انطلقوا وهم يقولون هذا القول، ويقال: مشيت الماشية مشاء، وفشت فشاء، ونمت ~~نماء، وضنت ضناء، وأمشى أصحابها وأفشوا وأنموا وأضنوا. # PageV01P447 ### | المرض # أصله من الضعف، ومنه قيل: [امرأة مريضة الألحاظ والنظر أي: ضعيفتها]، ~~وسمي المرض مرضا؛ لأنه يضعف الجسم، ومنه قيل: مرض في القول إذا ضعف قوله ~~والتمريض القيام على المريض. # والمرض في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الغم، في قوله: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) أي: غما بما ~~يرزقه من التأييد حالا بعد حال، وسمي الغم في القلب مرضا تشبيها بمرض ~~الحسد، لأنه يغيره عن حاله. # الثاني: النفاق، قال الله: (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي: نفاق وشك. # الثالث: المرض المعروف، قال الله: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر) أراد فمن كان كذلك وأفطر [فعليه عدة الأيام التي أفطر فيها]، ~~فحذف أفطر، كما قال: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك) يريد فمن كان كذلك [فحلق فعليه فدية، وقال: (ولا على ~~المريض حرج). # PageV01P448 ### | المحصنات # أصل الكلمة من المنع، ومنه ms193 الحصن لمنعه لما فيه، وامرأة حصان لمنعها ~~فرجها [وفرس حصان لامتناع فارسيه به]، والعرب تسمى الخيل حصونا به، قال ~~الأشقر: # ولقد علمت على تجشمي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر # وأوصى بعضهم بمال في الحصون فجعل في الخيل، وقال الله تعالى: (والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة). والإحصان ~~على ضربين: # PageV01P449 # أحدهما: ما يتعلق، وجوب الرجم على الزاني، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا ~~مسلما، وقد تزوج امراة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك. # والآخر: الإحصان الذى يجب به الحد على قاذفه، وهو أن يكون حرا بالغا ~~عاقلا مسلما عفيفا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا، وخص قاذف المحصنات، ~~وأجمعوا على أن قاذف المحصنين مثله، واتفقوا على أن المراد القذف بالزنا ~~دون القذف بالسرق وشرب الخمر والكفر وغير ذلك. # والمحصنات في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الحرائر، قال الله: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات) ~~يعني: الحرار، أي: من لم يتسع حاله ليتزوج الحرائر لما يحتاج إليه من زيادة ~~النفقة والمهر تزوج الإماء؛ لأن مهرهن أقل ونفقتهن على مواليهن، وسميت ~~الحرة محصنة؛ لأنها تحصن أي: تمنع وليست كالأمة تبتذل وتمتهن. # الثاني: ذوات الأزواج، قال الله: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم) وذلك أن أزواجهن أحصنوهن فعطف بهن على قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم) ~~أي: وذوات الأزواج محرمات عليكم،: إلا ما ملكت أيمانكم) يعني: سبايا ~~المشركين، فإنهن محللات لكم إذا استبرأتموهن، وإن كان لهن أزواج في بلاد ~~الشرك. الثالث: العفائف، تجال الله: (محصنات غير مسافحات) أي: عفيفات، ~~وكذلك قوله: (محصنين غير مسافحين) أي: أعفاء غير زناة، وقوله: (والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) أراد أنه أحل لكم طعام أهل الكتاب، وأحل ~~لكم العفائف من المؤمنات، والعفائف من اليهود والنصارى. # وقال بعضهم: أراد اللاتي كن على اليهودية والنصرانية ثم أسلمن وهذا غلط؛ ~~لأنه ذكر المؤمنات، فلم يكن لذكرهن ثانية وجه، قال الشعبي: إحصان الكتابية ~~أن تغتسل من الجنابة # PageV01P450 # وتحصن فرجها من الزنا، قالوا: وأما ms194 قوله: (ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن)؛ فإن إطلاق اسم الشرك لا يتاول أهل الكتاب، وإنما يتناول عباد ~~الأوثان؛ لأن الله فرق بينهم في قوله: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) فعطف المشركين على أهل الكتاب. # الرابع: المسلمات، كذا قال بعض أهل التفسير، ولم يقل: الذين يرمون ~~المحصنين، لأن قوله: (المحصنات) دليل عليهم، وذلك أن المرأة ترمى بالرجل، ~~كما قال (سرابيل تقيكم الحر) ولم يذكر البرد، لأنها إذا وقت الحر وقت ~~البرد، وخص المحصنات بالذكر؛ لأن ذلك [اتسع]، وأكثر أهل التفسير على أن ~~المحصنات هاهنا العفائف. # PageV01P451 ### | المثل # المثل في الأصل يشتمل على ذكر تماثل الشيئين كقولهم: كما تدين تدان، وهو ~~من قولك: هذا مثل الشيء، ومثله كما تقول شبهه وشبهه، وبين المثل والشبه فرق ~~ذكرناه في كتاب " البديع في الفروق " ثم جعل كل حكمة [وسائرة ومثلا]، وقد ~~يأتي القائل بما يحسن أن يتمثل به، إلا أنه لا يتفق له أن يسير فلا يكون ~~مثلا. # وهو في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الشبه، قال الله: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وقال: (مثل الذين ~~اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا). وقوله: (75) وضرب ~~الله مثلا) أي:. وصف شبها، وضرب المثل جعله يسير في البلاد من قولك ضرب في ~~الأرض إذا سار فيها. # الثاني: العبرة، قال الله: (فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) وقوله: ~~(وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) والمعنى أنه صارت له شهرة كشهرة الأمثال ~~السائرة، وأراد أن من بعدهم يتمثل بهم إذا رأي مثل حالهم. # الثالث: على ما قيل الصفة، قال الله: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها ~~أنهار من ماء غير آسن) أي: صفتها أن فيها أنهارا. # PageV01P452 # وقال بعضهم: إن مثل ما يوعدون من أنهار الماء واللبن والخمر في الجنة ما ~~يعرفون من هذه الأشياء في الدنيا، كأنه قال: مثل الجنة التي توعدون في ~~الآخرة والجنة التي تعقلونها بهذه الصفة، وهذا هو الوجه المختار. # الرابع: السنن، قال الله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ms195 ~~الذين خلوا من قبلكم) يعني: سنن الذين من قبلكم، أي: [ما أخروا عليه في ~~الدنيا من السراء والضراء] وهذا بعيد. # والوجه أن يقال: إنه أراد ولما يصبكم مثل ما أصابهم من السراء والضراء، ~~وقيل: الشبه والمثل في الشبه والمثل في الهيئة في أكثر الكلام، وقد يقال ~~فيه: مثل ومثل لغتان، والشبه في المتماثلين من كل شيء، وبيان ذلك مشروح في ~~كتابنا في الفروق، وليس هذا موضع الإطالة فيه، وعندنا أن المماثلة تكون بين ~~الذوات والمشابهة بين الصفات، ومثله قوله: (ومضى مثل الأولين) أي: سننهم. # ومثله قوله: (ومثلا من الذين خلوا من قبلكم)، يعني: سنن العذاب، كذا قيل، ~~والصحيح أنه أراد: (أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم) أي: أخبارا تكون لكم مثلا، وعبرة تعتبرونها فتنتفعون بها في آيات ~~الدين والدنيا، وهكذا معنى قوله: (ومضى مثل الأولين) أي: مضى في القرآن من ~~أخبارهم ما يكون مثلا. # PageV01P453 ### | المتاع # أصله الطول والامتداد، ومنه قيل: متع النهار إذا امتد، وتمتعت بالشيء إذا ~~طال تلذذك به. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: المدة، قال الله: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) أي: مدة ~~تمتد إلى حين، كذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون المراد المنفعة أي: لكم ~~مستقر ومنفعة إلى حين. # الثاني: ما ينتفع به من آلة، قال الله: (ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع). # الثالث: المنفعة " قال الله: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين) يعني: ~~النار. جعلها الله تذكرة بنار جهنم، ومنفعة للمقوين. # قال أهل العربية: للمقوي الضعيف،. والقوي وهو من الأضداد، وقيل: للمقوي ~~الذي صار إلى القواء، وهو القفر من الأرض، ومثله: (متاعا لكم ولأنعامكم) ~~وقال الله: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم) أي: ~~منفعة يعني: أنها تقيكم من الحر والبرد، ومنه متعة المطلقة وهي أن تطلق ~~المرأة قبل تسمية المهر، والدخول. # قال أصحابنا: المتعة في هذا واجبة لقوله تعالى: (متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين) فأمر بها، والأمر على الوجوب ثم ms196 أكد بقوله: (حقا على # PageV01P454 # المحسنين) وليس في ألفاظ الإيجاب أوكد من هذا؛ لأنه جعلها من شرائط ~~الإحسان.، وعلى كل أحد أن يكون محسنا، وإذا وجبت عليهم وجبت على غيرهم، لأن ~~أحدا لا يفرق بين المحسن والمسيء في الفروض، ولا يجوز أن تكون ندبا؛ لأن ~~الندب لا يختلف فيه المحسنون وغيرهم، وعند أصحابنا أن المتعة لا تكون أكثر ~~من نصف مهر المثل، وفيه كلام كثير أوردناه في التفسير. # وأما قوله: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) فالمتاع هنا نفقة ~~العدة، وأوردنا هذه الوجوه على ما جاء عن السلف، وعندنا أن المراد بجميع ~~ذلك المنفعة مع التلذذ، ومثله: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم). # وقال بعض أهل اللغة: أصل التمتع التزود، والمتاع الزاد، وتستعمل في ~~التلذذ، وقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج). # قال المفضل: إلى هاهنا بمعنى مع، والتمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يأتي ~~بعمرة في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، حى إذا قضاها حل من ~~إحرامه ثم أحرم من عامه بالحج فعليه ما استيسر من الهدي، واستيسر وتيسر ~~واحد مثل استأخر وتأخر، وأدنى ذلك شاة، ويجوز مثلها في الأضاحي، وكذلك ~~القادر، وليس على المفرد هدي، وأما متعة النساء فحرام، ومن خالف فيه فهو ~~خارج من الإجماع، والإجماع قد سبق بتحريمه، ونهى عمر - رضي الله عنه - عنها ~~لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، والشاهد ما روى أبو هريرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم المتعة بالطلاق والنكاح "، وقول الله عز ~~وجل: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) والمتعة هي وراء ذلك، وأما ~~متعة الحج فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحله بثلاثة أيام ثم حرمه، ~~وكان ابن عباس يحل المتعة فقال له علي - عليه السلام - " أنت امرؤ تائه نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن متعة النساء، وأكل حمر الأهلية بخيبر ~~"، فرجع ابن عباس عن هذا القول، ونادى يوم عرفة بأعلى صوته: " أنا عبد الله ~~بن العباس ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ms197 ". # PageV01P455 ### | المولى # المعتق " والمعتق، والعصبة، وابن العم، والخليفة، والصاحب، والولي، ~~والأولى بالشيء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أية امرأة نكحت ~~بغير إذن مولاها فنكاحها باطل "، أي بغير إذن وليها، ويقال لمن تولاه الرجل ~~وإن لم يكن قريبا له مولى. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الولي، قال الله: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم) أي: لا ولي لهم، وقوله: (لبئس المولى) أي: لبئس الولى، وقيل: لا ~~مولى لهم أي: ناصر لهم، وقيل: المولى هو المتولي للتدبير لمن ولاه، تقول: ~~نصر الله النبي والمؤمنين بما تولى لهم من التدبير،: (وأن الكافرين لا مولى ~~لهم) أي: لا متولي لأمرهم عند أخذ الله إياهم. # الثاني: العصبة قال الله: (وإني خفت الموالي من ورائي) يعني: العصبة، ~~ومثله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) كذا قيل، ويجوز أن ~~يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى أن لكل شيء مما ترك ~~الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد ~~مولاه؛ لأنه أولى به. # الثالث: ابن العم،، قال الله: (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم) أي: وبنو أعمامكم، ويجوز أن يكون المعنى: (ومواليكم) # PageV01P456 # أولياءكم في الدين، ويجوز أن يقال: أراد أنهم أصحابكم؛ لأنكم تستعينون ~~بهم في بعض أموركم، وهم أيضا [منضافون إليكم]، وصاحب الرجل منضاف إليه، قال ~~الشاعر: # لست بمولى سوأة أدعى لها ... فإن لسوآت الأمور مواليا # PageV01P457 ### | (ما بين أيديهم وما خلفهم)، و (من بين أيديهم ومن خلفهم) # جاء هذا الحرف في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي: ما كان قبلهم، وما يكون ~~بعدهم. # الثاني: في سورة مريم: (له ما بين أيدينا) يعني: الآخرة،: (وما خلفنا) ما ~~يكون من أمور الدنيا ومثله ما حكاه عن إبليس في قوله: (ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم) قال: لأخبرنهم أن لا بعث (ومن خلفهم) أن أزين لهم الدنيا وقريب ~~منه، قوله:، (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) يعني: ms198 عذاب ~~الآخرة وعذاب الدنيا، وقال: (اتقوا ما بين أيديكم) عن صنع الله في الأمم ~~الخالية،: (وما خلفكم) يعني: عذاب الآخرة. # PageV01P458 # الثالث: بمعنى قبل وبعد، قال الله: (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) ~~أي: قبل بعثه وبعده، يعنى: هودا - عليه السلام. # PageV01P459 ### | المنسك # أصل النسك: الذبح، والنسيكة الذبيحة، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل عبادة نسك، ~~وكل عابد ناسك، ومنه مناسك الحج. # والمنسك في القرآن على وجهين: # الأول؛ المراد به الذبائح، وهو قوله: (ولكل أمة جعلنا منسكا) أي: جعلنا ~~لكل أمة من الأمم التي بعث فيها الأنبياء ذبائح يتقربون بها إلى الله، ~~والشاهد قوله تعالى: (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) ~~وأصل المنسك المصدر فعبر به عن الذبائح، وفي قوله: (ليذكروا اسم الله) دليل ~~على بطلان قول المجبرة إذ قالوا: إنه تعالى جعل للكفار منهم ذلك ليذكروا ~~عليه اسم الأصنام. # الثاني: الضرب من العبادات، وهو قوله: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) ~~أي: جعلنا لكل أمة بعثنا فيها نبيا ضربا من العبادات والشرائع، وقال بعضهم: ~~المنسك الموضع الذي يجب أن يتعهد، وقرئ (منسكا) أي: مكان نسك، مثل المجلس ~~لمكان الجلوس. # PageV01P460 ### | المصيبة # أصل الإصابة القصد، وفي المثل: أصاب الصواب فأخطأ الجواب أي: أراد، ومنه ~~قوله: (رخاء حيث أصاب) أي: أراد وصاب الشيء إذا نزل من علو إلى سفل، كأنه ~~يقصد الوجهة التي يمر فيها، وكذلك في إصابة السهم. # والمصيبة في القرآن على وجهين: # الأول: مكاره الدنيا من القحط والجدب والمرض، قال الله: (وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب) فالمصيبة في الأرض الجدب، وفي الأنفس المرض، ودليل هذا قوله: ~~(لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) ولو أراد بالمصيبة ~~الطاعة، والمعصية على ما يقوله المجبرة لم يقل: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) ~~وقوله: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) يعنى: هذه المكاره؛ وقال: (أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ms199 يأذن به الله)، فهذا دليل على أن المصبية ~~ليست بالمعصية، إذ ذكر أنه لم يأذن بالمعصية، وأذن بالمصيبة، والمصائب من ~~الله حسنة، والإذن على هذا التفسير الأمر، وهو أن يأمر الملك بإنزال ~~المصيبة فيهم، ويجوز أن يكون بمعنى العلم، والمراد أن الله يعلمها ويجازيهم ~~عليها بالحسنى. # الثاني: الهزيمة والقتل، قال الله: (وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا ~~أمرنا من قبل) يعني: أنكم إن هزمتم استصوب المنافقون بخلفهم عن القتال ~~معكم، والأصل في هذه الوجوه واحد وهو الخلة المكروهة الشديدة الكراهة بترك ~~الإنسان. # PageV01P461 ### | المقام # المقام يكون مصدرا يقال: قام الرجل مقاما حسنا، أي: قياما، ويكون موضع ~~القيام ويجمع مقامه، ومنه: (مقام إبراهيم) وأصله من الاستواء، قوم الشيء ~~إذا سواه، وأقام الوزن أي: عدله، وقام الرجل لاستوائه منصبا، ويقال: مقام ~~ومقامة مثل مكان ومكانة هذا قول، وقول آخر أن المكانة الطريقة، ومنه قوله ~~تعالى: (اعملوا على مكانتكم) أي: على طريقتكم في الكفر والمقامة الجماعة، ~~قال زهير: # وفيهم مقامات حسان وجوههم والمقامة بالضم المجلس يؤكل فيه، والمقامة ~~بالفتح المجلس يتحدث فيه، والمقام الإقامة، وفي قوله: (واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى) خلاف. # قال ابن عباس، ومجاهد: يعنى: الحج كله، وروى عن مجاهد أيضا أنه قال: أي ~~مصلى أو مدعى من صليت إذا دعوت. # وروي عن ابن عباس أيضا قال: هو المقام بعرفة، وقال قتادة: هو الأمر ~~بالصلاة عند المقام وإلى هذا ذهب أبو علي - رضي الله عنه - وقال: هو الحجر ~~الذي فيه أثر قدم إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فأما المقام فالإقامة ~~أقام إقامة ومقاما. # والمقام في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: قوله: (إن المتقين في مقام أمين) قال: معناه مساكن أمن أهلها، ~~ومثله: (كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) يعني: مساكن ~~حسانا، وقيل: المقام الكريم المنابر. # PageV01P462 # الثاني: القيام، قال الله: (يا أهل يثرب لا مقام لكم) أي: لا يقومون لهم، ~~فهذا كل هذا التأويل مصدر، ويجوز أن يكون المكان، وقرئ: (لا مقام لكم) بضم ~~الميم، أي: لا إقامة لكم، يقال: أقمت ms200 بالبلد مقاما وإقامة ونحوه: (ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان) يعني: من خاف القيام بين يدي ربه في الحساب، فترك المعصية، ~~وقيل: من خاف مقام الله عند المعصية عرضت فذكر أنه يسأل عنها فتركها، ~~وحقيقة ذلك مقام العبد بحيث بدله الله عاصيا. # الثالث: المكان، قال الله: (وما منا إلا له مقام معلوم) أي: مكان يعبد ~~فيه ربه، والمعنى ما منا إلا من له مقام معلوم، فحذف من، كما قال الشاعر: # لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم # وقد مر ذلك. # PageV01P463 ### | المفاتح # قد ذكرنا أصل هذه الكلمة فيما تقدم، وهو في القرآن على وجهين: # الأول: جمع مفتح، وهو الذى يفتح به القفل وغيره، قال الله: (ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة) وقيل: المفاتح هاهنا الكنوز، واحدها مفتح. # الثاني: قوله: (أو ما ملكتم مفاتحه) قال ابن عباس: أراد الرجل يوكل بضيعة ~~الرجل فرخص له أن يأكل من ثمرتها أو مواشيه فرخص له أن يشرب من ألبانها. # وقال أبو علي: أراد الثبوت التي مفاتيحها بأيديكم وأنتم مؤتمنون عليها؛ ~~فجعل من الوجه الأول. # PageV01P464 ### | الباب الخامس والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله نون ### | الناس # أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: ~~الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير ~~أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: (أناسي جمع، إنسي ~~واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا ~~واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى. # وهو في القرآن على ستة أوجه: # الأول: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) جاء في التفسير أنه ~~أراد النبي - عليه السلام - قيل: وهو مثل قوله: (الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم) وكان الذي أخبرهم بجمع أهل مكة نعيم بن مسعود الأشجعي، ~~ويجوز عندنا أن يكون معنى قوله: (أم يحسدون الناس) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والمؤمنين، فقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد ms201 جمعوا لكم) لفظ ~~عام، والمعنى مخصوص؛ لأن الناس كلهم لم يخبروهم ولم يجمعوا لهم أنصار، ~~وبيان هذا مستقصي في كتابنا في التفسير، # PageV01P465 # ويذهب بعضهم إلى أنه لا صيغة للعموم في اللغة، قال: لأن كل لفظ صيغته ~~صيغة العموم، قد جاء مثله في الخصوص، وليس الأمر كذلك؛ لأن صيغة العموم ~~معروفة، ولا يخص إلا دلالة وحيث لا دليل فهو على أصل العموم، ألا ترى أن ~~قوله: (كل نفس ذائقة الموت) لا يجؤز أن تخص، لأنه لا دليل فيه فهو على ~~العموم، وصيغته صيغة العموم، وأما قوله تعالى: (وأوتيت من كل شيء) فقد دل ~~على أنه مخصوص، فكأنه قال: قد أوتيت أكثر الأشياء فهذا الأصل، والأول مجاز، ~~وإذا خرج شيء عن الأصل؛ فإن الأصل لا يبطل به، وكل شيء موقوف على دليله، ~~وألفاظ العموم من فيمن يعقل وما فيما لا يعقل، وأين في الأمكة، ومتى في ~~الأزمنة، وكل فيمن يعقل وفيما لا يعقل، وغير ذلك فيما ذكره العلماء. # الثاني: المؤمنون خاصة، قال الله: (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين) يعني: أن للمؤمنين يلعنونهم فاللفظ عام، والمعنى خاص، ويجوز ~~أن يعني: أن بعضهم يلعن بعضا في الآخرة مع لعن المؤمنين لهم، فيكون معنى ~~الآية على ظاهره، وتأويل هذا قوله تعالى: (كلما دخلت أمة لعنت أختها). # وقال الربيع: يراد لعن المؤمنين لهم ويخرج هذا على قولك المؤمنون هم ~~الناس؛ كأنه لا يعتد بغيرهم، ومثل هذه الآية قوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما ~~آمن الناس) أي كما آمن غيركم من الناس، وقيل: يعني بالناس هاهنا عبد الله ~~بن سلام وأصحابه. # الثالث: بنو إسرائيل خاصة، قال الله: (أأنت قلت للناس اتخذوني). # الرابع: من كان على عهد آدم وأهل سفينة نوح - عليه السلام -، قال الله: ~~(كان الناس أمة واحدة) وقد مضى القول في هذا. # PageV01P466 # الخامس: أهل مصر خاصة، قال الله: (لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) ~~وقال: (عام فيه يغاث الناس). # السادس: الناس كلهم، قال: (إن ربك أحاط بالناس) أي: هو قادر على جميع ~~الناس لا ms202 يفوتونه ولا يعجزونه، والمحيط في أسماء الله تعالى بمعنى القادر ~~القاهر الغالب. # وقيل: الناس هاهنا أهل مكة خاصة، ومن العام الذى معناه العموم قوله ~~تعالى: (إن الله بكل شيء عليم)، ولو جاء بصروف العموم عن ظاهره بغير دليل ~~مجاز في هذا لأن علمه، وإن كان محيطا بالأشياء كلها، فقد يجوز أن يخبر عن ~~بعضها أنه عالم به، كقوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين) وقوله: (يعلم سركم ~~وجهركم) وأما العام الذي بمعنى الخصوص؛ فقوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم) وذلك أن المراد المكلفون والخاص الذي بلفظ الخصوص: (يا أيها الرسول) ~~والعام الذي جاء بلفظ الخصوص. # قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح) وقوله: (لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم) ويكون عام يدخله الخصوص على غير هذا الوجه، كقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار). # وقد دلت السنة والإجماع على أن طائفة إذا أقاموا بذلك سقط عن الآخرين على ~~أن جميع المؤمنين مأمورين به، إن عليهم ذلك ما لم يقم به بعضهم، والعرب ~~تقول: أحمر البشر، وإن لم يحمر جميعه، لأن منه ما هو أصفر، وغسلت ثيابي وإن ~~لم يرد كل ثوب وكساه جبة، وإنما أراد هذا أوان احمرار البشر، وهو أوان ~~فراغي من الغسل. # PageV01P467 ### | النار # أصل النار والنور واحد، والألف في النار أصلها واو، ولذلك يقال: تنورت ~~النار إذا أبصرتها، ويسمون السمة نارا؛ لأنها بالنار تكون، قال الراجز: # قد سبقت آباءهم بالنار إلى النار # أي لما رأي أهل الماء سماتها خلوا لها الماء حتى شربت، وأصل الكلمة ~~البياض، ومنه قيل: النورة لبياضها. # وهي في القرآن على وجهين: # الأول: مثل وهو قوله تعالى: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) والعرب ~~تشبه الحرب بالنار، ويقولون: [فلان محش حرب]، إذا كان يقوم: بأمرها، وأصل ~~الحش الإيقاد. # الثاني: النار بعينها، قال الله: (آنس من جانب الطور نارا). # PageV01P468 ### | النسيان # أصله الترك، وسمي خلاف الذكر نسيانا؛ لأن الناسي للشيء تارك له، قال الله ~~تعالى: (وكنت نسيا منسيا) أي: مغفولا عني متروكا، والنسيان الذي هو ms203 خلاف ~~الذكر يفعله الله في الإنسان عند اشتغاله عن حاجته، وصرف الاهتمام عنها، ~~ونسبه الله إلى الشيطان في قوله تعالى.: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره) لأنه كان نسيها عند وسوسته إياه. # وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: الترك، قال الله: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي) ولم يذكر أنه ~~نسي نهي الله إياه. عن أكل الشجرة؛ لأنه لو كان كذلك، لم يكن له ذنب ولا ~~عليه إثم، وإنما المعنى أنه أكل من مثل الشجرة التى نهي عنها، وظن أن النهي ~~مقصور عليها، وترك الدليل الذي لو اعتمد لدله على أن النهي عام في جميع ~~الجنس فصار ذنبه ترك الدليل، ومثله،: (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: ~~استعملوه. ولا تتركوه، وقال: (نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا طاعته فصارت ~~عليهم بمنزلة المنسي فتركهم من رحمته. # PageV01P469 # وأصل الترك في الله مجاز وحقيقته هاهنا أنه أوجب لهم العذاب، ويجوز أن ~~يكون المراد أنهم تركوا ذكر الله فمنعهم الله الخير وذلك أن خيرك لا يبلغ ~~من أنت ناسيه، ويجوز أن يكون معناه أنهم تركوا طاعته فعاقبهم الله بنسيانهم ~~إياها فسمي الجزاء على النسيان نسيانا. # الثاني: بمعنى التخليد فى العذاب، قال الله: (فذوقوا بما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا إنا نسيناكم) المعنى خلدناكم في العذاب، وجعله نسيانا؛ لأنه جزاء ~~بالنسيان، وهو ترك العمل للقاء ذلك اليوم، وليس هو خلاف الذكر، لأن ذلك فعل ~~الله، ولا يجوز أن يفعله بهم ويعذبهم عليه على أنه يجوز أن يسمى سبب ~~النسيان الكائن مهنم نسيانا، ويذكر أنه يعذبهم على النسيان، وهو يريد أن ~~يعذبهم على سببه. # الثالث: خلاف الذكر، قال الله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء ~~الله) خبر وليس بنهي، وقوله: (لا تؤاخذني بما نسيت) وأراد بقوله: (فلا ~~تنسى) الإخبار بفضيلة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن جبريل يقرأه ~~عليه، وهو أمي فيحفظه ولا ينسى منه شيئا، ثم يقرأ أصحابه، وقيل: (إلا ما ~~شاء الله) أن ينسخه بعد العمل فينسبه النبي - عليه السلام - أمير المؤمنين، ~~ومنه ms204 قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها). # PageV01P470 ### | النشوء # أصله الابتداء ومنه نشأت السحابة؛ إذا ابتدأت ترتفع من الأفق، وهو نشوء ~~حسن، والنشوء من الناس الإيقاع يقع على الذكر والأنثى، قال نصيب: # ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت نفسي النشوء الصغار # بنفسي كل مهضوم الحشايا ... إذا ظلمت فليس انتصار # إذا ما الذل ضاعفن الحشايا ... كفاها إن بلان لها الآزار # وقد نشأت إنشاء إذا شئت، والمشيء في أسماء الله تعالى المبتدئ في الأشياء ~~على غير مثال. # والنشوء في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول الخلق، لأنه يبدأ به، قال الله: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) ~~وقال: (إنا أنشأناهن إنشاء) وقوله: (قل هو الذي أنشأكم). # الثاني: قوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية) يعني: البنات،: (وهو في ~~الخصام غير مبين) أي: الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة، وجاء عن السلف لا تكاد ~~تحتج المرأة بحجة إلا عليها، أي: جعلوا لله بنات والبنت هذه صفتها. # الثالث: قوله: (إن ناشئة الليل) يعني: ساعات الليل، وقال الأصم: ناشئة ~~الليل هو أن منشوء من منامك لصلاتك، وقال بعضهم: الليل كله # PageV01P471 # ناشئة، وقال آخرون: بعد صلاة العشاء ناشئة،: (هي أشد وطئا) أي: أشد ~~لمواطاة القلب السمع لخلو البال بالليل، ومن هذا قولهم.: أمن عمل بليل، ~~[وقرئ: (أشد وطئا) ومعناه أبلغ في القيام]، وأبلغ في القول، ويجوز أن يكون ~~معناه أغلظ على الإنسان من القيام بالنهار، لصعوبة السهر، وقال بعضهم: (أشد ~~وطئا)، اثبت في همك لما تقرأ: (وأقوم قيلا) لأنه لا يشغلك شيء فيعرف صواب ~~ما يقول؛ وفي النهار عوارض تشغلك عن ذلك، وقال بعضهم: (أشد وطئا) اثبت في ~~الدين،: (وأقوم قيلا) اثبت في القراءة. # PageV01P472 ### | النفس # النفس الدم، ومنه قيل: النفساء سيلان الدم عنها، وقال السموأل: # تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل # ثم سميت الروح نفسا؛ لأن الإنسان يعيش بها كما يعيش بالدم، وأما النفس ~~فالسعة، وفي الحديث الريح من نفس الله أي: من سعة رحمته على عبادة، ومنه ~~قولهم: فلان في نفس من أمره أي. في ms205 سعة، ومنه قوله: (والصبح إذا تنفس) إذا ~~اتسع ضوءه، وكل هذا يرجع إلى النفاسة، وهي أصل الكلمة وأولها. # والنفس في القرآن على ستة أوجه: # الأول: ذكر النفس، والمعنى لحملة الإنسان، قال الله: (ونعلم ما توسوس به ~~نفسه) أي: يتوسوس به هو، وهتا مثل قولهم: كسبت يده ورأت عينه. # والمعنى أنه كسب هو ورأي، ومثله: (وما أبرئ نفسي إن النفس) أي: [ما ~~أبرءوني]، ونفس الشيء حقيقته يقال: هلكت نفس زيد، أي: هلك هو، وعلى هذا فسر ~~قوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي: تعلم ما أعلم، ولا أعلم ~~ما تعلم. # PageV01P473 # ويجوز أن يكون معنى ذلك إنك تعلم ما أخفيه، ولا أعلم ما تخفيه عني، وجعل ~~النفس عبارة عن هذا المعنى؛ لأن ما يخفيه الإنسان يخفيه في نفسه؛ فأخرج ~~الكلام على العرف، ويجوز أن يكون المعنى تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك؛ لأن ما ~~في النفس غيب فلما ذكر النفس قابله بمثله ليحسن نظم الكلام، والمعنى معروف. # الثاني: قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أي: منكم. # الثالث: مجيء الأنفس بمعنى الإخوان، قال الله: (فسلموا على أنفسكم) أي: ~~على إخوانكم، وهو قريب من الأول: (تحية من عند الله) لأن الله بينها،: ~~(مباركة طيبة) أي: يبقى أجرها وطيبها لكم، والبركة البقاء والثبات. # الرابع: مجيئها بمعنى الإنسان، قال الله: (النفس بالنفس) أي: الإنسان ~~بالإنسان، وفي هذا دليل على أن الحر يقتل بالعبد؛ لأن شرائع من قبلنا. ~~ثابتة الحكم علينا، ما لم يثبت نسخها، ودليل هذا قوله تعالى: (وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم "، وقد ~~استوى الحر والعبد في الإيمان. # وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر: أنه لا قصاص بين الحر والعبد ~~إلا في النفس. # وعند ابن أبي ليلى: أنه يجب بينهما في النفس وفي جميع الجراحات التي ~~تستطاع فيها القصاص. # PageV01P474 # وعند مالك: أنه لا قود بين الحر والعبد في شيء من الجراح، والعبد يقتل ~~بالحر، والحر لا يقتل بالعبد. ms206 # وقال الشافعي: من جرى عليه قصاص في نفس جرى عليه القصاص في الجراح، ولا ~~يقتل الحر بالعبد، [ولا نقيد منه فيما دون النفس]، وقول الله: (كتب عليكم ~~القصاص في القتلى) يوجب القصاص على المؤمن في كل قتيل العموم لفظه، قإن قال ~~فقوله: (فمن عفي له من أخيه شيء)، يدل على أن المراد القتلى من المؤمنين، ~~لأن الكافر لا يكون أخا للمؤمن، قلنا: يحتمل أن يذكر لفظا عاما ثم يعطف ~~عليه بحكم خاص، كما قال: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وهو عام في ~~المطلقة ثلاثا، وما دونها، ثم قال: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) فعطف عليه ~~بحكم يختص بعض المطلقات على أن يكون العبد أخا للحر في الإيمان، فإن قيل: ~~(الحر بالحر) يدل على ما ذكرنا، قلنا: لا خلاف أن الحكم ليس بمقصور على هذا ~~دون غيره، لاتفاق الجميع على جواز قتل العبد بالحر وقال (ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق) يعنى: الإنسان، لأن النفس على الحقيقة لا تقتل، ~~والحق هاهنا القصاص، أي: لا تقتلوه قصاصا. # الخامس: الروح، قال: (أخرجوا أنفسكم) أي: أرواحكم، والمعنى إنا نخرجها، ~~كما تقول للرجل وأنت تقتله: انزع الآن روحك، وليس نزع روحه إليه. # السادس: آدم - عليه السلام -، قال الله: (خلقكم من نفس واحدة) فأنث على ~~اللفظ، وهو الوجه، وأنت تقول: أتاني إنسان واحد يعني: امرأة، وشربت شرابا ~~طيبا، وأنت تريد الخمر. # PageV01P475 ### | النصيب # أصله ما يخص الإنسان عن مقاسمة كأنه تصد له ليأخذه، ثم استعمل في غير ~~ذلك، والفرق بينه وبين الحظ، أن الحظ ما يرتفع به الإنسان، ولهذا يقال: ~~لفلان حظ في التجارة، ولا يقال: له نصيب فيها. # والنصيب في القرآن على وجهين: # الأول: الحصة من الثلث، وهو قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون) قد تم الكلام عند ذلك؛: (ولكل) يعني التركات، ~~والموالي: أقارب الميت، لأنهم أولى بالميراث، وفي الآية حذف، فالمراد: لكل ~~شىء من الميراث أصحابهم أولى فاقصروه عليه ثم ابتدأ، فقال: (والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم) يعني: من الثلث، ms207 ويريد الحلفاء، وهو مثل قوله: (إلا ~~أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) وقيل: يعني: نصيبهم من النصر والمؤازرة. # الثاني: الجزاء، قال: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسب) ~~أي: لهم جزاء بما عملوا ونحوه،: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا) يعني: الثواب، ~~وقوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) يعني: العقاب، وفي هذه الآية وجوه ~~أخرى ذكرناها في التفسير. # PageV01P476 ### | النكاح # أصل النكاح الجماع، ومنه قول العرب في بعض أمثالها: أنكح من خوات أي: ~~أكثر مجامعه، وله حديث معروف ويروى عن بعض نسائها أنه كان يقال لها، فيقول ~~نكح يريد الجماع، ثم استعمل في التزويج، ومنه قول حكيمها المناكح: # الكريمة مدرجة للشرف # ويقال: أنكح الرجل المرأة إذا جامعها، ونكحت المرأة الرجل إذا تزوجته من ~~قوله: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) وجاء في القرآن على وجهين: # فأما ما جاء بمعنى التزويج، فقوله تعالى: (إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي: تزوجتموهن؛ لأنه ذكر عدم الدخول # PageV01P477 # فلا نشك في أنه أراد التزويج، وقال: (فانكحوهن بإذن أهلهن) أي: تزوجوهن؛ ~~لأن الزوج لا يلزم أن يجامع امرأته بإذن أهلها. # والوجه الآخر: قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ~~أراد الجماع، وذلك أن الرجل إذا مات وله امرأة قال وارثه: قد ورثت امرأته ~~كما ورثت ماله وألقى عليها ثوبا فيملك بذلك نكاحها على الصداق الأول بغير ~~عقد ثان، والتزويج إنما هو اسم، وكان الولد الذي يكون بينهما يقال له: ~~المقتي. وقال الله تعالى: (إنه كان فاحشة ومقتا) والمقت اسم يجمع للبغض ~~والاستقباح، ومقت فلان نفسه إذا ذمها على قبيح، والمعنى أن ذلك معصيته ~~يمقتها الله. # وقال أبو الحسن: جميع ما في القرآن من ذكر النكاح فهو التزويج إلا حرفا ~~واحدا في سورة النور، وروي عن بعضهم أنه أراد الجماع، وهو عند غيره أراد ~~التزويج. # قال أبو هلال - رحمه الله - هو قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة) قال أبو بكر: لا تخلوا الآية من أن تكون خبرا أو نهيا، ms208 وقد علمنا ~~أنه ليس بخبر؛ لوجودنا رأينا بتزويج غير الزانية فثبت أنه أراد النهي ثم لا ~~تخلوا أن تكون نهيا عن الوطء أو العقد أو عنهما جميعا؛ ولا يجوز أن يكون ~~المراد العقد، لأن حقيقة النكاح الوطء. # ولا يجوز حمل الكلام على المجاز دون الحقيقة من غير دلالة فثبت أن المراد ~~الوطء على ما يقوله ابن عباس، ومن تابعه أو تكون الآية منسوخة على ما يقوله ~~سعيد بن المسيب، وغيره. وقال في قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء) حقيقة النكاح الوطء، فكأنه قال: [ولا تنكحوا ما وطئ آباؤكم في كل ~~وطء حراما كان أو حلالا؛ كما أن الضرب والقتل ولا يختص بالحلال من ذلك دون ~~الحرام]. # PageV01P478 # ويدل على أن الاسم حقيقة في الوطء، ومجاز في العقد، أن سائر العقود من ~~البياعات والهبات ولا يسمى نكاحا، وإن كان قد يتوصل بها إلى وطء الجارية، ~~إذ لم تختص هذه العقود بإباحة الوطء " لأنها تصح فيمن يخطر وطؤها كالأخت من ~~الرضاعة، ومن السبب وكأم الزوجة، وسمي العقد المختص بإباحة الوطء نكاحا إذ ~~من لا يحل للرجل وطؤها؛ لا يحل له نكاحها. # ويدل على هذا ما قاله غلام ثعلب، قال: الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين ~~والمبرد عن البصريين أن النكاح من الجمع بين الشيئين، تقول العرب: أنكحنا ~~الفراء فسنرى، وهو مثل ضربوه في الأمر يجتمعون على المشورة فيه، ثم ينظر عن ~~ماذا يصدرون منه، والمعنى جمعنا بين الحمار والأتن لننظر ما ينتج هذا الجمع ~~إذا كان اسما للجمع، فهو حقيقة في الوطء؛ لأنه هو الجمع حقيقة دون العقد. # PageV01P479 ### | النظر # أصله في العربية المقابلة، يقال: داري ينظر إلى دارك، أي: يقابلها، ~~والدار أن يتناظران أي: يتقابلان، والنظر بالعين الإقبال بها حيال المرئي، ~~ونظر القلب الإقبال إلى أحوال ما تطلب معرفته. # وقال علي بن عيسى: النظر طلب ظهور الشيء، والناظر الطالب لظهور الشيء، ~~والله ناظر لعباده بظهور رحمته إياهم، ويكون الناظر الطالب لظهور الشيء ~~بإدراكه من جهة حاسة البصر أو غيرها من حواسه، ms209 ويكون الناظر إلى لين هذا ~~الثواب من لين غيره. # والنظر بالقلب نظر العلم من جهة الفكر والتأمل لأحوال الأشياء، ألا ترى ~~أن الناظر عل هذا الوجه لابد من أن يكون مفكرا؛ إذا المفكر على هذا الوجه ~~سمي ناظرا، وهو معنى غير الناظر والمنظور فيه، ألا ترى أن الإنسان يفصل بين ~~كونه ناظرا وكونه غير ناظر، ولا يوصف القديم بالنظر؛ لأن النظر لا يكون إلا ~~مع فقد العلم، ومعلوم أنه لا يصح النظر في الشيء ليعلم إلا وهو مجهول، ~~والنظر يشاهد، ولهذا نفرق بين نظر الغضبان ونظر الراضي. # والنظر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: النظر بالعين، وهو قوله: (أرني أنظر إليك) وقوله: (انظر إلى ~~الجبل) فكأن موسى يعلم أن الله لا يرى بالأبصار، ولكن سأل ذلك ليجيء الجواب ~~من الله؛ لتكون أوكد للحجة على قوم من أمته سألوه ذلك. # PageV01P480 # الثاني: الإمهال والتأخير، وهو قوله: (فنظرة إلى ميسرة) وناظرة هاهنا ~~مصدر وفاعله في المصادر كثير مثل العافية والعاقبة والكاذبة في قوله تعالى: ~~(ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3).، والواقعة، ورفع - ناظرة على ~~إضمار كأنه قال: فالواجب ناظرة أو فعتكم ناظرة، ومثله: (فعدة من أيام أخر) ~~وقرئ: (فنظرة إلى ميسرة) وهي التأخير، وقد أنظرته أخرته لينظر في أمره؛ أي: ~~إن كان الذي عليه أصل المال [معسرا، فالواجب عليه تأخيره إلى أن يوسر]، وأن ~~تصدقوا بالمال على المعسر خير لكم، قال مجاهد: كانوا إذا حل دينهم وصادفوا ~~المديون معسرا [زادوا فيه] وأنظروه فأمره الله بالإنظار، وأبطل الزيادة. # الثالث: النظر بمعنى الرحمة، وهو قوله تعالى: (ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة) أي: لا يرحمهم، كقول العربي انظر إلى نظر الله إليك، أي: ارحمني ~~رحمك الله، وعدى النظر ب إلى، وإن كان بمعنى الرحمة فكذلك عداه بإلى في ~~قوله: (إلى ربها ناظرة) وإن كان بمعنى الانتظار (1). PageV01P481 ### | النجم # أصل النجم الطلوع، نجم القرآن إذا طلع، وسمي النجم نجما لطلوعه، والنجم ~~من النبات ما ليس له ساق تبقى في الصيف، والشجر ما له ساق يبقى في الصيف، ~~وأصل الكلمة ms210 الظهور والبروز، ومنه أنجم السحاب إذا أقلع فظهر أديم الماء ~~ومنجما الفرس، العظمان الناتيان وون العرقوبين، وسميا بذلك لظهورهما. # والنجم في القرآن على وجهين: # الأول: الكوكب، قال الله: (النجم الثاقب) والثاقب المضيء مأخوذ من ثقوب ~~النار، وهو ضوءها، وقيل: ثاقب كأنه يثقب الأفق؛ فيطلع، وقوله: (وعلامات ~~وبالنجم هم يهتدون) والعلامات الجبال والرمال والروابي، وما شاكل ذلك، ~~وقوله: (فلا أقسم بمواقع النجوم) أي: أقسم برب مواقع النجوم؛ وهي مساقطها ~~في المغرب، ومنه: (لئلا يعلم أهل الكتاب) معناه لأن لا يعلموا و (لا) يدخل ~~في هذا الموضوع توكيدا؛ كأنه قال: أقسم قسما بعد قسم، ولأن لا يعلم أهل ~~الكتاب علما بعد علم، هذا قول، وأجود منه أن يقال: لا يأتيه، والمعنى أن ~~الأمر الذي ذكره أمر ظاهر ثابت في العقول؛ [لا أحتاج أن أقسم عليه، وسنتكلم ~~في قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب). وقيل: (وبالنجم) أي: وبالنجوم هم يهتدون، ~~ويجوز أن يكون أراد الثريا، واسمها عند العرب النجم، وربما قالوا لها: ~~النظم قال بعض المفسرين: أراد نجوم القرآن، وذلك أنه كان تنزل الآية، ~~والآيتان. # PageV01P482 # قال ومثله: (والنجم إذا هوى) يعني: نجوم القرآن إذا هوى به جبريل - صلى ~~الله عليه وسلم - أي: نزل وليس هذا بوجه مختار؛ لأن الظاهر لا يترك لغير ~~علة. # الثاني: النبت، قال الله: (والنجم والشجر يسجدان) أي: يدلان على خالقهما ~~بآثار الصنعة فيهما فكأنما يسجدان له، وقيل: سجودهما دوران الظل معهما كما ~~قال: (يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله) وإنما ذكر السجود؛ لأنه ~~أبين أحوال الخضوح وهو مشاهد، ومن عادة العرب أن يشبه الشيء الذي يقع عليه ~~البصر بما يقع عليه البصر حتى يكون السامع به كالرائي له، وعلى هذا جاء ~~قوله - تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أي هو بمنزلة من قد استمسك ~~بالعروة الشديدة المأمونة الانقطاع، ومن ذلك قولهم: فلان من شجرة صالحة لما ~~كانت الشجرة على أصل يتشعب منه غصونها، شبه أبو العشيرة التي تجمعها بها ~~وجعلت أغصانها كولده، ونحوه قوله: (أو آوي إلى ركن شديد) وتأويله ms211 العز ~~والمنعة كما يفعل الأركان. # PageV01P483 ### | النشوز # أصل النشوز الارتفاع، والنشز الأرض المرتفع، وقرئ: (وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها) أي: ترفع بعضها على بعض حتى تستوي القامة، فكأن المرأة إذا نشزت عن ~~زوجها كأنها ارتفعت عنه، فلم ينلها الزوج. # والنشوز في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: نشوز المرأة على زوجها، وهو عصيانها له، قال: (واللاتي تخافون ~~نشوزهن) وقد تكلمنا في هذه الآية. # الثاني: الأثرة، قال الله: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) ~~وهو أن يؤثر عليها غيرها من نسائه يقول: لا إثم عليها أن يتصالحا على أمر ~~يتفقان عليه مثل أن يصطلحا على إيثار غيرها عليه ولا يفترقا: (وأحضرت ~~الأنفس الشح) أي: المرأة تشح على نصيبها من زوجها، ويشح الزوج بنصيبه من ~~الأخرى. # قال أبو علي - رحمه الله -: الصلح أن تدفع المرأة إلى زوجها شيئا ترضيه ~~به وله أن يأخذ ذلك إذا لم يكن في الأصل ظالما لها. # وقال غيره: أراد الاصطلاح على مال يدفعه الرجل إلى امرأته الكبيرة ليترك ~~حظها منه للشابة. # وقال غيره: أراد النشوز إذا وقع من الرجل استكثارا للصداق فلا جناح ~~عليهما أن يصطلحا على بعضه، وقيل: هي المرأة يكرهها الرجل فتقول: لا تطلقني ~~وأنت في حل من أمري. # PageV01P484 # والنشوز يكون من المرأة بمنع البضع ومن الرجل [رخو الطرف ومنع النفقة] ~~والامتناع عن المباشرة، والصلح خير يعني أنه خير له من الفرقة، وقد ~~استقصينا بيان هذا في التفسير. # الثالث: النهوض من المجلس، قال الله: (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) أي: إذا ~~قيل لكم: انهضوا فانهضوا، كما قال تعالى: (ولا مستأنسين لحديث) وقيل: معناه ~~إذا قيل مكنوا لإخوانكم في المجلس فافعلوا، ويقال: فرس نشز إذا كان فارسه ~~لا يكاد يستقر عليه. # PageV01P485 ### | النور # قد ذكرنا أن أصل النار والنور واحد وهو البياض، وإنما غير البناء لاختلاف ~~المعنى. وهو في القرآن على ثمانية أوجه: # الأول: الإسلام، قال الله: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره). # وقوله: (يهدي الله لنوره من يشاء) والهداية هاهنا بمعنى ms212 الألطاف يعطيها ~~الله من يشاء على قدر المصالح، وكذلك قوله: (ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور). # الثاني: بمعنى المنور، قال تعالى: (الله نور السماوات والأرض) أي: ~~منورهما بالهداية إلى الدين فلما كان أهل السماوات والأرض يهتدون بالله في ~~ذلك كما # PageV01P486 # يهتدون بالنور قال إنه: (نور السماوات والأرض)، على وجه المجاز، وقد دلت ~~العقول على أنه ليس بنور على الحقيقة؛ لأنه خالق الأنوار، ولو كان الله ~~نورا على الحقيقة لما أظلمت الدنيا أبدا؛ لأن الله موجود ومع وجود النور لا ~~تكون الظلمة ثم شبه نوره بمصباح أي: مثل دلالاته الخلق في وضوحها كمثل ~~المصباح، ولا يجوز أن يشبه نفسه بالمصباح؛ لأنه لا شبيه له. # الثالث: النهار، قال الله: (وجعل الظلمات والنور) يعني: الليل والنهار. # الرابع: ضوء القمر، قال الله: (وجعل القمر فيهن نورا). # وقال أهل العربية: يجوز أن يكون: (فيهن نورا)، وهو في السماء الدنيا؛ ~~لأنهن كالشيء الواحد. # وجاء في التفسير أن وجه الشمس يضيء لأهل الأرض وظهرها لأهل السماء، وقال ~~بعضهم: (فيهن نورا)، أي: معهن ضياء يستضيء به أهل الأرض. # الخامس: قوله تعالى: (انظرونا نقتبس من نوركم) وقوله: (يسعى نورهم بين ~~أيديهم) وهو نور يجعله الله للمؤمنين يمشون فيه إلى الموقف وعلى الصراط. # السادس: بيان الحلال والحرام، قال الله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور) ومثله: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس). # السابع: القرآن، قال: (والنور الذي أنزلنا) وقال: (واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه) وقوله: (جعلناه نورا) وسمي نورا للبيان الذي فيه؛ لأنه يهتدي به ~~كما يهتدي بالنور. # PageV01P487 # الثامن: العدل، قال الله: (وأشرقت الأرض بنور ربها) أي: بعدله، وإذا كان ~~الظلم وغيره من الشدائد يشبه بالظلمة فنقول: هذا يوم مظلم إذا كان فيه شر، ~~والوجه أن لله العدل بالنور، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " الظلم ~~ظلمات يوم القيامة " (1). PageV01P488 ### | الباب السادس والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله واو ### | الوكيل # أصله التوكيل جعل الأمر إلى الغير، ورجل وكل أي ضعيف يتكل في أموره على ~~غيره، ms213 والوكيل في أسماء الله بمعنى الكافي وبمعنى الحافظ، وقيل: هو على ~~التشبيه له بالوكيل منا، وذلك أن جميع ما يفعله من الخير إنما يفعله منفعة ~~للعباد [كما أن جميع سعي الوكيل إنما هو للموكل]. # والوكيل في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: الحافظ، قال الله: (أم من يكون عليهم وكيلا) أي: إن حفظوا وذب ~~عنهم في الدنيا فمن الذي يحفظهم ويذب عنهم في الآخرة، ومعنى لفظ الاستفهام ~~هاهنا أنه ليس للعصاة يوم القيامة ناصر يذب عنهم، وقال: (وكفى بربك وكيلا) ~~أي: حفيظا. # الثاني: بمعنى الرب، قال:، (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) وقال: (فاتخذه ~~وكيلا) وهو يرجع إلى الحفظ؛ لأن رب الشيء يحفظه. # PageV01P489 # الثالث: المسلط، قال: (وما أنت عليهم بوكيل) أي المسلط. # الرابع: الشهيد، قال: (وكفى بالله وكيلا) وقال: (إنما أنت نذير والله على ~~كل شيء وكيل). # PageV01P490 ### | الوحي # أصل الوحي الإشارة، يقال: وحيت إليه بطرفي أي: أشرت، قال الله: (فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) ثم صار كل شيء دللت به على شيء وحيا، وحييت ~~الكتاب وأوحيته إذا كتبته؛ لأنك تشير بالكتابة إلى المعاني التي تريدها، ~~وهو بمعنى الإلهام، وبمعنى الإرسال وبمعنى الرؤيا، ويجوز أن يكون أصله ~~السرعة، ومنه الوحي يقصر ويمد يقال: الوحا الوحا يراد السرعة، ويقال: من ~~الوحي وحا، وأوحى. # وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الإرسال، قال: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) وقوله: ~~(وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) أي.: أرسل به إلي. # الثاني: الإلهام، قال الله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) أي: ألهمتهم ~~الإيمان، ومثله: (وأوحى ربك إلى النحل) جمع واحده: نحلة مثل: نحل ونحلة، ~~والمعنى أنه ألهمها اتخاذ المساكن وادخار العسل كما في غيرها من الحيوان ~~التصرف في وجوه منافعها واجتناب أسباب مضارها، ومثله قوله: (بأن ربك أوحى ~~لها). # الثالث الإشارة، قال الله: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي: أومأ، ~~ودليل هذا، قوله: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) والرمز تحريك ~~الشفتين والحاجين والعينين، وقال بعضهم: الوحي هاهنا الكتاب أي: كتب ms214 إليهم ~~وقال ذلك [لأن الإشارة لا تنبئ عن الصلاة بكرة وعشيا]. # PageV01P491 # الرابع: الأمر، قال الله: (وأوحى في كل سماء أمرها) أي: أمر أهلها بما ~~يصلح الأمر به. # الخامس: الوسوسة، قال الله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ~~أي: يوسوسون إليهم، ومثله: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) وقال بعضهم: ~~تقدير هذا بمعنى الأمر، أي: يأمر بعضهم بعضا بذلك. # PageV01P492 ### | الولي # الولي خلاف العدو، والاسم الولاية بالفتح والولاية بالكسر ولاية الأعمال ~~وقد مضى من كلامنا في هذا الحرف ما فيه كفاية. # والولي في القرآن على ستة أوجه: # الأول: الولد، قال: (فهب لي من لدنك وليا) أي: ولدا، وسمي الولد وليا ~~لقربه من أبيه في النسب، وأصل هذه الكلمة القرب، ومنه ولي الشيء يليه إذا ~~قرب منه. # الثاني: الصاحب، قال الله: (ولم يكن له ولي من الذل) قالوا: معناه صاحب ~~ينتصر به فيعز، ومثله: (فلن تجد له وليا مرشدا) وقوله: (فلن تجد لهم أولياء ~~من دونه) أي: أصحابا، ويجوز أن يكون المعنى في ذلك كله بخلاف العدو. # الثالث: القريب، قال: (وما كان لهم من دون الله من أولياء) قالوا: يعني: ~~الأقرباء، وهذا والأول عندي سواء. # الرابع: بمعنى رب، قال: (قل أغير الله أتخذ وليا) أي: ربا، ومثله كثير. # الخامس: خلاف العدو، قال الله: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وقال: ~~(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) أي: اتخذوهم أعداء حتى لا تناصحوهم، وقال: ~~(ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله) # PageV01P493 # وهم لم يتولوا الشيطان على الحقيقة، ولكن لما كانت أعمالهم أعمال من ~~يتولى الشيطان قال: إنهم أولياؤه، وأنت تقول لصاحبك: أنت ولى الشيطان وأنت ~~تعلم أنه ليس بوليه ولكن تقول ذلك، لأنه يفعل ما يريده. # السادس: بمعنى الناصر، قال الله: (إنما وليكم الله ورسوله) فهو في الله ~~بمعنى الناصر وفي الرسول بمعنى الهادي المرشد؛ لأن الولي ينصر وليه ويهديه، ~~وقال: (الله ولي الذين آمنوا) أي: ناصرهم ومرشدهم ومتكفل بأمورهم كولي ~~الطفل يكفيه أموره، وأما قوله تعالى: (وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا ~~المتقون) فمعناه أنه ms215 أي شيء لهم في رفع العذاب عنهم بوم القيامة وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام أراد أمر الحديبية، وما كانوا أولياء المسجد ما أولياؤه ~~إلا المتقون وهم النبي والمؤمنون، وذلك أن الله لم يجعل ولايته إليهم وإنما ~~جعلها للمتقين، وولي البيت من يلي إصلاحه وعمارته كولي الطفل يلي إصلاح ~~أمره وتثمير ماله ثم شرح ذلك بقوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام) وفي هذا دليل على أن ما يجعله الله لبعض عباده يجوز أن يغلبه عليه ~~غيره؛ لأنهم كانوا يتصرفون في المسجد الحرام ولم يجعله الله لهم. # PageV01P494 ### | الوجه # أصله التقدم، يقال: توجهت في الشيء. إذا تقدمت فيه ووجه كل شيء أوله، ~~ومنه وجه النهار، أي: لوله ثم كثر حتى قيل: وجه الشيء لنفسه، تقول: هذا وجه ~~الرأي أي: هو الرأي. # والوجه في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: مجيئه بمعنى الشيء نفسه، قال: (كل شيء هالك إلا وجهه) أي: إلا هو، ~~ولو كان له وجه غيره على ما يوجبه ظاهر الآية وعلى ما يقوله المشبهة لكان ~~ينبغي أن يفنى جميعه ويبقى وجهه وليس هذا قولا لأحد إلا لبيان بن سمعان، ~~وليس هو مما يعتد به لبيان بطلانه ودلالة العقل والإجماع على خلافه، ومثله: ~~(إنما نطعمكم لوجه الله) أي: لله. # الثاني: مجيئه بمعنى الأول، وهو قوله: (وجه النهار) أي: أوله، وإنما قيل ~~ذلك؛ لأن أول ما يلقاه من الشيء وجهه. # الثالث: بمعنى الدين، قال: (أسلم وجهه) أي: أخلص دينه، وقوله: (ومن يسلم ~~وجهه إلى الله) والإسلام الإخلاص على ما تقدم ذكره، ويجوز أن يكون: (أسلم ~~وجهه) أي: استسلم كما تقول: أعطى يده إذا استسلم، وقيل: الوجه العمل، و: ~~(أسلم وجهه) أي: أخلص عمله، وقالوا: الوجه في قوله: (إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى) وهو الثواب. # PageV01P495 # أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه إلا طلبا لثواب الله، والآية نزلت ~~في أبي بكر - رضي الله عنه - حين أعتق بلالا. # الرابع: قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) أى: الوجه الذي يريده ~~الله، وجاء في ms216 التفسير أنه أراد فثم القبلة وخص المشرق والمغرب في هذه ~~الآيه؛ لأنهما أشهر الجهات، وأراد ما بين المشرق والمغرب وذلك الدنيا كلها، ~~والمراد أن الجهات وما فيها لله فأينما تستقبلوا من الوجوه المأمور ~~باستقبالها فثم الوجه الذي تتقربون به إلى الله، وقيل: أراد فأينما وليتم ~~وجوهكم وكونوا قاصدين للوجه الذي أمركم الله تعالى به فإذا عرفتم الكعبة ~~فلتكن العرض، وإن لم تفعلوا به في ظلمة أو غيرها فالتحري لإصابتها، والدليل ~~على ذلك قوله تعالى: (إن الله واسع عليم) على عباده غير مضيق عليهم، وهذا ~~مذهب الكوفيين، وقال الشافعي: من اجتهد فصلى إلى جهة ثم عرف أن القبلة ~~غيرها استأنف، وفي هذه الآية كلام كثير وليس ذا موضع ذكره. # PageV01P496 ### | الباب السابع والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله هاء ### | الهدى # أصله التقدم ممن ثم قيل للعنق: الهادي لتقدمه الجسد ثم استعمل في الإرشاد ~~ثم جعل من الإرشاد في الدين والإرشاد في الطريق فرق في المصدر، فقالوا: في ~~الدين هدى وفي الطريق هداية، وسمي الهدي هديا؛ لأنه يقدم للنحر، والهدية ~~تقدم أمام الحاجة، والعروس هدى؛ لأنها تقدم إلى زوجها ويتبعها أ ### | هل # ها، والفرق بين الهدى والإرشاد أن الهدى يكون في الخير والشر يقال: هداه ~~إلى السوء والمكروه، ومنه قوله تعالى: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) ولا يكون ~~الإرشاد إلا إلى الخير. # والهدى في القرآن على اثني عشر وجها: # الأول: البيان، قال: (أولئك على هدى من ربهم) أي: على بيان، وقال: (وأما ~~ثمود فهديناهم) أي: بينا لهم، وقال: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد ~~أهلها)، وقوله: (فإما يأتينكم مني هدى) أي: بيان والمعني به الكتاب ~~والرسول، ومثله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) أي: البيان ~~والمعني به القرآن، ومثله كثير. # PageV01P497 # الثاني: الطريق، قال: (إنك لعلى هدى مستقيم) أي: على طريق قويم وهو ~~الإسلام، ومثله: (قل إن هدى الله هو الهدى) أي: السبيل الذي أمر الله ~~سلوكها هو السبيل المرضي، وهو مثل ومعناه الإسلام أيضا كذا جاء عن السلف ~~وهو ms217 عندنا والأول سواء؛ لأنه يقال: إنه لعلى هدى، أي: على بيان. # الثالث: اللطف، قال: (والذين اهتدوا زادهم هدى) أي: الذين اهتدوا إلى ~~الإيمان بألطافنا زدناهم ألطافا ثوابا لأعمالهم ليزدادوا إيمانا. # الرابع: الإيمان، قال الله: (إننا لمهتدون) أي: مؤمنون. # الخامس: الهادي وهو المرشد، قال: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) أي: مرشد ~~يريد أنك هاد ومرشد لكل أحد، وفيه وجه آخر وهو أنك مرشد ولكل قوم مرشد، ~~وقوله: (أو أجد على النار هدى) أي: رشدا، ويجوز أن يكون بيانا فيكون من ~~القسم الأول، ومثله: (لتهدي إلى صراط مستقيم) أي: لترشد. # السادس: الدعاء، قال الله: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق) أي: يدعون، ~~وقال: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) وقال: (يهدون بالحق) أي: يدعون ~~وقال: (يهدي إلى الرشد) أي: يدعوا، وقوله: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) أي: ~~ادعوهم، ويجوز أن يكون المعنى [سوقوهم]. ويجوز أن يكون معنى قوله: (يهدون ~~بالحق) أي: يرشدون بالقول الحق، وكذلك قوله: (يهدون بأمرنا). # السابع: المعرفة، قال الله: (نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من ~~الذين لا يهتدون) أي: تعرف، ونحوه: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) أي: يعرفون ~~الطرق. # PageV01P498 # الثامن: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى) ومثله: (وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى) يعني: ما بين الله في التوراة والإنحيل من أمر محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # التاسع: الدين، قال: (إن نتبع الهدى معك) يعني: دينه وهو راجع إلى ~~البيان، وقيل: هو التوحيد وكانوا لا يسمونه هدى، وإنما قالوا ذلك على ما ~~يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: الهدى بزعمك، وكذلك قالوا في ~~قوله: (أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) أي: بالتوحيد، ويجوز أن يكون الهدى ~~هاهنا [البيان بربك المعجز] (1). # العاشر: الاستنان بسنن الماضين، قال الله: (وإنا على آثارهم مهتدون) أي: ~~مستنون. # الحادي عشر: الإصلاح، قال: (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) أي: لا يصلحه ~~بمعنى أنه لا يخبر بأنه صلاح. # الثاني عشر: الإلهام، قال: (الذي أعطى كل شيء ms218 خلقه ثم هدى) قالوا: صور ~~الخلق وألهمه أمر معاشه، وعندنا أنه أراد إلهام المعاش لمن يلهم ذلك ~~وإعلامه من يعلم، وقد دخل ذلك في قوله: (أعطى كل شيء خلقه) ومعنى هدى: أنه ~~هدى المكلفين أي: بينه لهم. PageV01P499 ### | هل # يكون للاستفهام ويدخلها معنى التقرير، والتقرير على ضربين: # تقرير على فعل يوجبه المقرر كقوله: هل أكرمتك؛ وهل أحسن إليك؟ وهل أوثرك ~~وأقضي حاجتك؟. # وتقرير على فعل لنفية كقولك: هل كان من شيء كرهته، وهل عرفت مني غير ~~الجميل. # وقد يتضمن هذان الوجهان معنى التوبيخ أيضا في بعض الأحوال. # وجاء في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: مجيئه بمعنى ما، قال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله) و: (هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة) و: (هل ينظرون إلا الساعة) قال أهل التفسير: هذا ~~كله بمعنى ما ينظرون إلا ذلك، وهو عند أهل العربية بمعنى الزجر والتهديد. # الثاني: بمعنى قد، قال الله: (هل أتاك حديث موسى) وقال: (هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر) قال الزجاج: معناه قد أتى أي: لم يأت على الإنسان، ~~وقوله: (لم يكن شيئا مذكورا) معناه أنه كان شيئا غير مذكور أي: كان ترابا ~~ونطفة، وقال بعضهم: أتى على آدم الدهر وهو لا شيء ولا يجوز أن يكون لا شيء ~~يأتي عليه الدهر. # وقال المبرد: هل فى هذا الموضع بمعنى قد، وكذلك فى قوله: (وهل أتاك نبأ ~~الخصم). # قال سيبويه: قد تكون حروف الاستفهام لغير الاستفهام إلا الألف وأم لا ~~تدخل على الألف؛ لأنها الأصل ويدخل على هل؛ لأنها قد تكون لغير الاستفهام، ~~وأنشد: # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر إلا حبه يوم البين مشكور # PageV01P500 # الثالث: بمعنى ألا، قال الله: (هل أدلك على شجرة الخلد) و: (هل أدلكم على ~~تجارة) معناه: ألا أدلكم. # الرابع: بمعنى التوبيخ، قال الله: (هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء) وقوله: (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم) ومعنى هذه ~~الآية: الرد على عبدة الأوثان يقول: جعلتم الذي هو ms219 ملك الله مثله، وأنتم لا ~~تجعلون مماليككم أمثالكم. # PageV01P501 ### | الهلاك # يقال: هلك الرجل إذا وقع في أمر شديد وإذا مات أيضا، والمستقبل يهلك ~~بالكسر ولا يجوز الفتح، وإن كانت العامة قد أولعت به وهو الهلك والهلاك. # وهو في القرآن على خمسة أوجه: # الأول: الموت، قال الله: (إن امرؤ هلك). # الثاني: الفناء، قال الله: (كل شيء هالك إلا وجهه). # الثالث: العذاب، قال الله: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) وقوله: (وما ~~أهلكنا من قرية) وقال: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ~~ومثله: (وما كان ربك مهلك القرى). # الرابع: الذهاب، قال الله: (هلك عني سلطانيه). # الخامس: الفساد، قال الله: (ويهلك الحرث والنسل) وقال: (يقول أهلكت مالا ~~لبدا) وقال أهل التفسير: أى: أفسدت، ويجوز أن يكون بمعنى الإتلاف. # PageV01P502 ### | الباب الثامن والعشرون # في ذكر لا ### | (لا) # إذا أدخلتها على نكرة رفعتها ونونتها ونصبتها بلا تنوين تقول: لا رجل في ~~الدار فإن نعت النكرة لا رجل ظريف نصب بلا تنوين، ويجوز أن يقال: لا رجلا ~~ظريفا، وإن شئت قلت: لا رجل ظريف والرفع مع التنوين لا غير فإن دخلت على ~~الاسم المعرفه لم يكن فيه إلا الرفع، تقول: لا زيد في الدار ولا عمرو، فإن ~~عطف بلا على اسم قد تقدمه لا كان ذلك على خمسة أوجه كقولك: لا رجل في الدار ~~ولا امرأة، نصب بغير تنوين ولا رجل في الدار ولا امرأة ترفعهما جميعا، ورفع ~~الأول ونصب الثاني لا رجل ولا امرأة، ونصب الأول بغير تنوين ونصب الثاني ~~بتنوين لا رجل في الدار ولا امرأة. # ولا في القرآن على وجهين: # الأول: مجيئه بمعنى لم، قال: (فلا صدق ولا صلى) أي: لم يصدق ولم يصل، ~~وقال: (فلا اقتحم العقبة) أي: لم يقتحم، وقال قائل للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " أرأيت من لا شرب ولا أكل، وقال الراجز: # وأي فعل سيئ لا فعله # أي لم يفعله، والأصل في هذا أن الأحرف تنفي الماضي كما تنفي المستقبل، ~~إذا قلت: لا أقوم ولا أذهب. # الثاني: مجيئه على الأصل، ms220 قال الله: (فلا أنساب بينهم يومئذ) وأما قول من ~~قال: إن لا تجيء زائدة في مثل قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا # PageV01P503 # يقدرون على شيء من فضل الله) فإن ذلك عندنا غلط، ومعناه لأن لا يعلم أهل ~~الكتاب أن المسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله، أي: هم قادرون على ذلك، ~~وإنما جاء بنفيين ليثبت: ونفي النفي إثبات، وأما قول الشاعر: # في بئر لا حور سرى وما شعر # فليس لا فيه زائدة، وإنما معناه في بئر لارجوع، أي: من وقع فيها، لا ترجع ~~وجوز فعل من جاز يجوز. # PageV01P504 ### | الباب التاسع والعشرون # فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ياء ### | اليسير # أصل اليسير السهولة ونقيضه العسير وهو الصعوبة، واليسار الغني؛ لأن صاحبه ~~في سهولة من العيش والفقر العسر؛ لأن صاحبه في صعوبة، وياسرت الرجل ساهلته، ~~واليد اليسرى؛ لأنها لا تعاني ما تعانيه اليمنى، وكأن اليمنى في صعوبة ~~واليسرى في سهولة، أو لأن [الرمي والطعن والضرب على اليسار] أسهل منها على ~~اليمين وإن كانت باليسار أصعب وميسور الأمر ما ينسهل منه ومعسور ما يتصعب. ~~ويكون الميسور المصدر مثل المعقول، وهو بمعنى اليسر سواء. # وجاء اليسر في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى الهين، قال تعالى: (إن ذلك على الله يسير). # الثاني: قوله: (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) قالوا: يعني: خفيا، ويجوز أن ~~يكون معناه السهولة، أي: قبضا سهلا لا صعوبة فيه علينا. # الثالث قوله تعالى: (كيل يسير) قالوا: معناه سريع. # PageV01P505 # قال أبو هلال - رحمه الله -: معنى ذلك أن الملك يكيل لنا بيسر وسهولة ~~[ولا يحبسنا كما يحبس غيرنا]، وفيه وجه آخر، وهو أن الذي حملناه من الميرة ~~يسير في جنب ما تحملنا إذا نفذ معنا أخونا، وقوله:. (ونزداد كيل بعير) ~~يعني: البعير الذى يركبه أخوهم يوفر لهم، والمراد ما يكال ويحمل على ~~البعير، والبعير من الإبل تقع على الذكر والأنثى، مثل الإنسان من الناس. # PageV01P506 ### | اليوم # ذكر بعضهم أصل اليوم أعجمي معرب، ولا أدري ما صحة ذلك، ولا أعرف له ~~اشتقاقا، وأظنه ms221 اسما أول. # وهو في القرآن على وجهين: # الأول: اليوم من أيام السنة، قال الله: (خلق الأرض في يومين) ويوم ~~القيامة يجري مجراه. # الثاني: الحين، قال الله: (يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) يعني: حين ذلك؛ لأنه ~~لا يجوز أن يكون الظعن ليلا، وإنما أراد حين الظعن فذكر اليوم؛ لأن اليوم ~~حين. # PageV01P507 ### | اليد # أصل اليد يدي والدليل على ذلك قولهم: أيد لأن قولهم أيد أفعل وأفعل جمع ~~فعل، مثل: فلس وأفلس في النسبة إلى اليد يدين ترد ما ذهب، وهو الياء ثم ~~تحرك موضع العين، وإنما دعاك إلى تحريكه أنك تفرق بينهما وبين ما لم يتحرك ~~قط نحو: باطني وميم رمي فيقول في طي طيي، وفي رمي رميي، وكذنا في ثدي ثديي، ~~وأما اليد قد تحركت عينها بالحركات الثلاث فقيل: هذه يد، ومررت بيد ورأيت ~~يدا. # واليد في القرآن على أربعة أوجه: # الأول: بمعنى النعمة، قال الله: (بل يداه مبسوطتان) وهو جواب قول اليهود: ~~(يد الله مغلولة) أي: هو بخيل ولم يريدوا أنها مغلولة على الحقيقة، وهذا ~~مثل قوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا # PageV01P508 # تبسطها كل البسط) بأمره عز رجل بالتوسط في النفقة والعطية ولم يرد الغل ~~ولا البسط على الحقيقة فقال: (بل يداه مبسوطتان) أي: نعمتاه الظاهرة ~~والباطنة، أو نعمته في باب الدين ونعمته في باب الدنيا مبسوطتان على الخلق ~~ينفق كيف يشاء يتوجه إلى نعمته في الدنيا أي؛ يرزق منها من يشاء ما يشاء. # الثاني: بمعنى التوكيد، وهو قوله تعالى: (خلقت بيدي) أي: خلقت أنا، كما ~~تقول: هذا ما كسبت يدك فتذكر اليد توكيدا، والمعنى: أنت كسبت. # الثالث: بمعنى الجارحة، قال الله: (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء). # الرابع: بمعنى القدرة، قال تعالى: (قل إن الفضل بيد الله) أي: هو القادر ~~عليه: (يؤتيه من يشاء) أي: يعطيه من يريده إذا كان يصلح له، وقيل: الفضل ~~هاهنا النبوة، وقيل: هو الإحسان والنعمة، والله أعلم، واليد أيضا في غير ~~القرآن السلطان في قولهم.: ليس لك عليه يد، ويجوز أن يكون هذا بمعنى ms222 ~~القدرة، وجاءت أيضا كناية عن الملك، في قولهم: هذا في يدي أي: في ملكي، ~~ويستعمل في ابتداء العمل في قولهم: وضع يده في العمل أي: ابتدأه. # واليد البركة في قوله - عليه السلام - " يد الله على الشريكين " أي: ~~بركته، وتجيء صلة في قولهم: لا كلمتك يد الدهر، واليد الحفظ والكلاء. في ~~قوله - عليه السلام -[" لا تزال هذه الأمة تحت يد الله ما لم تمال في كذا ~~شيء "] (1) ذكره وقد أنسيته. PageV01P509 ### | اليقين # أصله العلم يقع بالشيء بعد أن لم يكن واقعا به، ولهذا لا يقال: لله أنه ~~متيقن، وهو اليقين واليقن، ولا يقال إلا علما يثلج معه الصدر، ولهذا يقال: ~~ثلج اليقين، ولا يقال: ثلج العلم، ومن أجل ذلك أيضا لا يوصف الله به وهو ~~أبلغ من العلم، ألا تراهم يقولون: أعلم وأيقن ومن عادتهم أن يؤخروا الأبلغ. # هو في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: العلم، قال الله: (وهم بالآخرة هم يوقنون) أي يعلمون. # الثاني: الموت، قال الله: (حتى يأتيك اليقين) يعني: الموت. # قالوا الثالث: القرآن، قال الله: (حتى يأتيك اليقين) وأضاف الحق إلى ~~اليقين لاختلاف اللفظين، وهما واحد كما قال: (حبل الوريد)، وهذا مذهب بعض ~~أهل العربية، وهو عند المحققين منهم خطأ، والصواب أن يقال: معناه إنه لمحض ~~اليقين كما تقول: هذا حق الشيء، ولو كان اليقين هنا لم يجز أن يضاف إليه ~~كما لا يقال: هذا رجل الظريف إنما هو كقوله: (عين اليقين) كما قال الله ~~تعالى: (لترونها عين اليقين). # PageV01P510 ### | اليمين # أصلها القوة، وقيل: اليد اليمنى لقوتها على اليسرى، واليمين القسم؛ لأنه ~~قوة لدفع الدعوى، وأصلها أنهم إذا تحالفوا تصافقوا بأيمانهم فسمى الحلف ~~يمينا، وهي في اللغة توكيد القول بذكر عظيم عند القائل كقولك: بأبي وأمك، ~~وهي في الشريعة توكيد القول بذكر الله أو بإيجاب قربه في المآل أو على ~~النفس بدلالة قوله - عليه السلام - إذا حلفتم فاحلفوا بالله واصدقوا "، ~~واليمين تدخل فيما ينوى فيه الصدق، والكذب من الكلام دون غيره. # وهي في القرآن على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى القسم، ms223 قال الله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). # الثاني: القوة، قال الله: (لأخذنا منه باليمين) أي: لانتقمنا منه بقوة، ~~ومعنى ذلك: أنا قادرون عليه، ومنه قول الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # ومنه قوله تعالى: (والسماوات مطويات بيمينه) أي: بقدرته، ويجوز أن يكون ~~المعنى باليمين المبالغة كما قال: (خلقت بيدي). # PageV01P511 # الثالث: بمعنى الاحتواء والملك، قال الله: (وما ملكت يمينك مما أفاء الله ~~عليك) يعني: ما حصل لك من الغنائم، ونحوه: (وما ملكت أيمانكم). # قد أتينا على الأبواب التي تقدم بها الشرط في أول الكتاب: وشرحنا من ~~مضمونها ما احتاج إلى الشرح في غير إكثار ولا إقلال، ورغبنا إلى الله - عز ~~وجل - في النفع بها عاجلا وآجلا، وهو ولي المنة بذلك إن شاء الله وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل، وصلواته على نبيه محمد وآله المختارين. # وكتب عبد ذليل المولى فقد فرغ منه في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين ~~وأربعمائة، حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه وعلى آله الطيبين الطاهرين ~~وعلى الأخيار من أمته. # وفرغ من تحريره، محمد بن الحسن بن محمد الحافظ الدهقي غفر الله له ~~ولأبويه ولمن قال: آمين في العشر الأخير من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين ~~وخمسمائة حامدا ومصليا. PageV01P512 ms224