######OpenITI# #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | المقالة السابعة من كتاب زاد المسافر قد أتينا بحمد الله وعونه في المقالات المتقدمة من هذا الكتاب على ذكر الأدواء التي تعرض في الأعضاء الباطنة وشرحنا مداوات تلك الأدواء على أهدى سبله وأقصد طرقه وأقرب مأخذه . وأنا الآن ذاكر في هذه المقالة السابعة التي جعلتها خاتمة هذا الكتاب الشريف الأدواء الظاهرة التي تدرك بالحس والأدواء الظاهرة التي تشرك PageV01P024 بألمها الأعضاء الباطنة وطريق مداواتها على المنهج الطبي والقانون الصناعي. ونبتدئ بذكر الحمى فانها فيما ذكر جالينوس أعظم الأمراض خطرا وهي بريد الموت وأكثر أسباب الأجل وذلك لأنها تشتمل باطن الجسد وظاهره وتضر بالأرواح والقوى النفسانية والأفعال الطبيعية . ونجعل ابتداء كلامنا في حمى يوم المتولدة في الأرواح وذلك لأن هذه الحمى كثيرا ما تعرض من أدني سبب وهي كثيرا ما تكون سببا لحدوث غيرها من الحميات من غير أن يكون شيء من الحميات سببا لحدوثها ، تم بعد ذلك نذكر الأدواء على سبيل PageV01P025 ما رتبنا في صدر كتابنا. ### || الباب الأول في حمى يوم أقول إن حمى يوم تتولد عن حرارة مفرطة تسخن الأرواح من غير مادة ولا عفونة ولذلك لا تأخذ إلا يوما واحدا . وأعني بالأرواح الروح المحيواني الذي هو ينبوع الحيات ومادة الحرارة الغريزية والروح النفساني الذي هو ينبوع الحس والحركة والروح الطبيعي الذي هو ينبوع القوى الطبيعية الأربع أعني القوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. وهذه الحمى تنقسم على ضربين لأن منها ما يكون هي المرض نفسه ومنها ما يكون عرضا تابعا لمرض قد تقدمه . فما PageV01P026 كان منها هو المرض نفسه كات له أسباب ثلاثة: أحدها أسباب ظاهرة نظرا على الأبدان من خارج مثل حرارة الشمس الصيفية والسموم والبرد الشديد والاستحمام بالمياه التي لها قوة على تجفيف ظاهر الأبدان وتكثيفها مثل المياه النطرونية والشبية، والكبريتية ، والسبب الثاني إفراط الحركة الجسدانية مثل التعب والنصب وإدمان المشي وما أشبه ذلك وإفراط الحركة النفسانية مثل الحرد الشديد وإدمان الفكرة في الهموم والأحزان وسائر هموم النفس. والسبب الثالث الإدمان على الأغذية الحارة ms01 والأشربة المسخنة للدم وما شاكل ذلك . فأما حمى يوم التي هي عرض تابع لمرض قد تقدمها فمثل الحمى التابعة لأورام الأرنبة وأورام الإبط والعنق وما شاكل ذلك . وذلك أن الدم الذي في الورم إذا لبث فيه ولم ينحل سريعا حمي وتعفن وأسخن الروح PageV01P027 الحيواني واتصلت حرارته بالقلب لاتصال الشريانات بالقلب وحدث عن ذلك حمى يوم، فهذه جمل أسباب حمي يوم. فلنخبر الآن بخاصة كل واحد من تلك الأسباب وبرهانها ونرتب بعقب ذلك التدبير النافع لأصحاب هذه الحمى بإيجاز واختصار. فأقول إنه يستدل على حمى يوم العارضة من حرارة الشمس بأن روس أصحابها تسخن وتكون أكثر حرارة من حرارة أبدانهم ، وذلك لوصول وهج الشمس إلى أدمغتهم ويكثر صداعهم وتحمر وجوههم وكتيرا ما يعرض لهم زكام حار محرق للخياشيم. فأما الحمى التي تعرض من وهج السموم فإن حرارة أبدان أهلها تكون أكثر من حرارة روسهم ويكون ظاهر أبدانهم PageV01P028 ملتهبة جافة من قبل أن حرارة السموم تنشف رطوبة أبدانهم. فأما الحمى التي تعرض من البرد والزمهرير فإن عن دلائلها أن ألوان أصحابها تتغير ويزول عنها رونق الدم وحسنه وينتقل إلى لون الغبرة والكمودة ويبرد ظاهر أبدانهم وتجف وتقحل ويجدون في روسهم مع البرد ثقلا. فأما الذين يعرض لهم هذه الحمى من الاستحمام بالمياه القابضة المجففة فأن جلودهم أجف وأقحل من جلود من عرضت له هذه الحمى من البرد والزمهرير حتى أنك إذا لمست جلود أصحابها باليد وجدت كأنها قد نقعت في نقيع العفص وقشر الرمان زمانا . فإذا لبثت يدك على موضع من أبدانهم حينا حتي تسخن جلودهم بحرارة PageV01P029 يدك تحلل من أبدانهم ما كان قد احتقن فيها لتكاثف جلودهم واستحصافها مببخرات غريزية حارة . فأما حمى يوم العارضة من الأغذية والأشربة الحارة فإن ذلك الغذاء يلهب الدم بحرارته ويلهب الروح الطبيعي لأن مسكنه الكبد ومركبه الدم وتتصل الحرارة بعد ذلك بالقلب وتنتشر إلى جميع البدن . ولذلك يكون البول في أصحاب هذه الحمى أكثر حمرة منه في سائر ضروب حمى يوم لأن البول مائية الدم ms02 ومصابة الأخلاط ولذلك يجدون في وقت منتهى الحمى حرارة في أكبادهم. PageV01P030 فأما حمى يوم العارضة من التعب الجسداني فإن أبدان أصحابها تكون ذابلة فحلة جافة ويجدون في مفاصلهم وهنا شديدا وألما قويا دائما ويكون عرقهم عند منتهى حماهم دون العرق الحادث في سائر صنوف حمى يوم. وذلك أن هذه الحمى إذا زالت رسومها وأخذت في الانحطاط تحلل من سطح البدن نداوة شبيهة بنداوة الأبدان عند خروجها من الحمام. ومنهم من يعرق عرقا محمودا فإن لم يكن نداوه ولا عرق فلا بد من أن يكون بخار كثير يرتفع من عمق البدن . فأما حمى يوم العارضة من الحرد والغضب فدليلها حمرة وجوه أصحابها وجحظ أعينهم وسرعة حركتها PageV01P031 وجفوف أجفانهم وقوة مجستهم وعظمها وربما صفرت ألوانهم واعترتهم رعدة . ويكون ذلك إذا خالط الحرد والغضب الفزع. فأما حمى يوم العارضة من الغم أو من الهم فإن أعين أصحابها تكون غائرة ساكنة وتقل نضارة وجوههم وتقبح ألوانهم وتذبل أبدانهم وترق مجستهم وتحمر أبوالهم. وهذه الدلائل قد تعم من اهتم واغتم بنحو من الأنحاء وأقرب ما يميز به ذلك أمر العينين ، وذلك أن العينين من صاحب الهم والغم يكونان جافتين. وأما غور العينين PageV01P032 فعام لجميع أصحاب هذه العوارض أعني الهم والغم والسهر، ويعم جميعهم أن أبوالهم تكون أصبغ صفرة ويكون مع من عرضت له الحمى من غم من حدة الحرارة أكثر مما معه من كثرتها . فإذا علم الطبيب سبب الحمى التي تأخذ يوما واحدا واستبان له ذلك من الأعلام والدلالات التي ذكرنا فينبغي عند ذلك أن يبادر بأصحابها إلى الحمام. فإن كانت الحمى من حرارة الشمس والسموم فيدخلوا الحمام عند سكون الحمى وانقضاء سورتها ولا يطيلون المكث فيه ويفرش بين أيديهم الرياحين الباردة المسكنة للبخار PageV01P033 مثل الورد والبنفسج والخلاف وورق البزرقطونا وترطب خياشيهم في كل وقت بدهن البنفسج ودهن النيلوفر وتمسح أصمداغهم بدهن الورد مضروبا بالخل ويصب على روسهم بعد انكسار الحمى ماء قد طبخ فيه نوار بنفسج وبابونج وذلك إن لم يكن بهم زكام ولا ms03 صداع، فإن كان في روسهم شيء من الامتلاء فليحذروا ، ذلك ويقتصروا على الانكباب على بخاره فقط . ويسقوا ماء الرمانين مع سكر طبرزد ويتحذون من الأشربة الجلاب وشراب البنفسج وشراب الورد وشراب الإجاص ويغذوا بلباب الخبز المغسول مع سكر طبرزد ويغذوا أيضا بالقرع والرجلة ولب القثاء وقلوب الخس ويمص الرمان. ويتغذون بعد PageV01P034 زوال الحرارة بالدرا ج والفراريج بماء الرمانين أو بماء الحصرم. فإن كانت الحمى من البرد والزمهرير فينبغي إذا نضج الفضل وانهزمت الحمى أن تنزل أرجلهم في ماء قد طبخ فيه بابونج ومرزنجوش وشبث ونمام وينكبون علي بخاره ويدخلون بعد ذلك حماما عذبا ويكون مقامهم في هواء الحمام أكثر من المقام في الأبزن وذلك أن هواء الحمام يعرق الأبدان ويحلل رطوباتها ويفتح مسامها. ومن كان من أصحاب هذه الحمى به نزلة من برد فليحذر دخول الحمام أصلا إلا بعد نضج النزلة وانحلالها، ويشمون روائح ذكية مثل المرزنجوش والياسمين والخيري وما أشبه PageV01P035 ذلك ويدثرون بالثياب ويجعلون بالقرب منهم نار جمر تمنع برد الهواء من الوصول إليهم وتطلى روسهم بالأدهان التي تسخن إسخانا معتدلا مثل دهن البابونج أو دهن الشبث أو دهن الخيري أو دهن السوسن وما أشبه ذلك. فإن عرضت هذه الحمى من الاغتسال بالمياه القابضة المجففة فينبغي أن يمنعواء أصحابها من دخول الحمام إلا بعد انقضاء سورة الحمى وانهزامها وبعد أن تنزل أرجلهم في الماء قد طبخ فيه بابونج وشبث ومرزنجوش وما شاكل ذلك. ويؤمروا بالانكباب على بخار الماء وإذا دخلوا الحمام فيدلكوا أبدانهم فيه دلكا رفيقا ويصبوا عليها ماء عذبا فاترا، فإن ذلك يلين جلودهم ويفتح مسامها. PageV01P036 ويحذروا الدهن في الحمام فإنه يسد مسام الأبدان ويحصر البخارات في باطنها . والرياضة المعتدلة من أحمد الأشياء في علاج هذه الحمى لأنها : تحلل الأبدان وتفتح مسامها وتحلل البخار المنحصر فيها . وبالجملة فينبغي لأصحاب هذه الحمى أن يحذروا كل ما يبرد الجلد ويقبضه ويسد مسامه، ويستعملوا الأغذية السريعة الانهضام ويسقوا شراب السكر ممزوجا بالماء. فإن عرضت هذه الحمى من الأغذية الحارة فينبغي أن ms04 يسقى العليل سكنجبين سكري أو ماء الرمانين ممزوجا بالجلاب أو بالسكر الطبرزد ويسقى بعد ذهاب الحمى من PageV01P037 أقرصة الطباشير أو أقرصة الكافور مع شراب بنفسج أو شراب الورد ويضمد الكبد بالطحلب أو بالرجلة ولعاب البزرقطونا وقشور القرع أو بصندل ودقيق شعير وشيء من كافور معجون بماء الورد. ويكون الغذاء الرجلة والهندباء والسرمق والقرع ، ويمزج الماء عند العطش بشراب البزرقطونا أو بشراب الرمانين. فلن عرضت هذه الحمى من التعب الجسداني فينبغي أن يلتمس لهم الهدوء والراحة وتمرخ أبدانهم تمريخا رفيقا بدهن بنفسج أو دهن ورد أو دهن نيلوفر. ويدخلوا حماما معتدلا في هوائه ومائه ولا يطيلوا الجلوس فيه، وتمرخ أبدانهم عند خروجهم من الماء العذب الحار بدهن بنفسج أو دهن الورد ويسقوا ماء الرمانين مع شراب PageV01P038 البنفسج أو شراب الإجاص أو شراب الجلاب. ويتغذون بالأغذية المرطبة لأبدانهم مثل الفراريج ولحوم الجداء والسمك النهري وما أشبه ذلك. فإن عرضت هذه الحمى من إفراط الحركة النفسانية فينبغي أن يقابل السبب المؤذي للنفس المتعب لها بما ضاده ونفاه مثل أن يقابل الغيظ والغم والغضب بتسكين النفس وتلذيذها بالكلام وبالفعال مثل أن يتشاغلوا بضروب من الملاهي المطربة المفرحة والنظر إلى الأشياء التي ترتاح لها النفس مثل الرياحين الخضرة والوجوه المقبولة . ويلتمس فيهم مع إصلاح النفس بما ذكرنا من PageV01P039 إصلاح البدن بما يرطبه ويزيل عنه يبسه العارض له مثل أن يدخلوا حماما عذب الماء معتدل الهواء ويتمرخوا عند خروجهم من الماء الفاتر بدهن بنفسج أو دهن نيلوفر ولا يكثروا الغمز في الحمام فإن ذلك يزيدهم يبسا وجفافا. ولذلك يؤمرون بترك الجماع والحركة ويتغذون بحسو الشعير والقرع والرجلة والبقلة اليعمانية . وإذا زالت الحمى يغذوا بالدراج والفراريج ولحم الجداء ويشربون شرابا معتدل المزاج ويشموا الصندل والكافور والورد والبنفسج والآس ويمصوا ماء الرمانين وماء PageV01P040 العنب الشتوي ويسقوا ماء الدلاع مع السكر الطبررزد. وبالجملة يجتنبون الأشياء الميبسة ويستعملون الأشياء المرطبة ويقدر ذلك فيهم على قدر قوة العليل وسنه ومزاجه الطبيعي وعادته والوقت من السنة والبلد وسائر ما أشبه ذلك. ومن ms05 عرضت له هذه الحمى من ورم الأرنبة فينبغي أن بعالج ذلك الورم ويعمل في إنحلاله ويداوى معه العفن الذي بسببه حدث الورم، ثم يدبرون بمثل ما قدمنا. فهذا القول في دلائل حمى يوم وعلاجها على طريق الاختصار. ### || الباب الثاني في الحمى المحرقة أما الحمى المحرقة المدعوة باليونانية قوسوس فحمى يكون معها عطش شديد دائم وحرارة مطبقة مؤذية مقلقة PageV01P041 للطباع مهيجة لها على مصارعة المرض ومجاهدته من ابتدائه لحدة العنصر المولد لها وحرافته لأن تولدها عن عنصر حاد ناري صفراوي قد اجتمع في أفضية العروق المجاورة للقلب وبخاصة عروق فم المعدة وتقعر الكبد وتجويف الرئة. والأعراض اللازمة لهذه الحمى الحرارة المطبقة والعطش الدائم الذي لا يفتر . و إنما صارت الحرارة في الحمى المحرقة مطبقة من قبل أن المرار الذي عنه تتولد في داخل العروق ، وإنما صلبت الحمى ودامت لأن أكثر المرار المولد لها قي العروق المجاورة للقلب . ولما كان المرار المولد لهذه حمى مخصوصا بعروق فم المعدة وتقعر الكبد كما بينا اشتد العطش ودام ولم يفتر. وأصناف الحمى المحرقة صنفان أحدهما خالص صعب PageV01P042 والآخر مشوب سهل . فأما الخالص الصعب فإن تولده عن المرار الأصفر الخالص الحدة والحرافة ، وأكثر تولده في الأحداث والشبان وفي من كان مزاجه بالطبع حارا حريفا وبخاصة في زمان الصيف لأن الزمان الصيفي مقو لهذه الحمى بالطبع وزائد فيها . وأما السهل المشوب فمن مرار أصفر يخالطه رطوبة عذبة أو بخار عذب. ولما كانت هذه الحمى عظيمة الخطر مضمنة بالخوف وجب على المتطبب أن يحذرها من الابتداء ويستعمل فيها الوقوف على معرفة أوقات المرض الأربعة ، أعني الابتداء والصعود والمنتهى والهبوط ويستعمل في كل وقت منها ما يجب PageV01P043 استعماله. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضول ويستفرغها فينبغي أن يسقي العليل ماء التمر الهندي والإجاص والعناب مع لب خيار شنبر قصبي وترنجبين خراساني وبنفسج مربى وشراب الإجاص وما أشبه ذلك . فإن فات الطبيب تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك مثل ضعف القوة ms06 وامتناع احتمالها للاستفراغ او لفجاجة الفضل وغلظه فينبغي له أن يحذر ذلك غاية الحذر في صعود المرض لأنه إن فعل ذلك تحيرت الطبيعة لشغلها بالدواء وحارت وخلت عن تدبير المرض أصلا . ولكن إذا فات تحريك الطبيعة من ابتداء المرض فينبغي أن يعين الطبيعة على حفظ القوة بالغذاء السريع الانهضام المحمود الجوهر مثل حسو الشعير المحكم الصنعة أو لباب الخبز المغسول بالماء البارد غسلات . وقد ذكر جالينوس في كتابه في البحران كيف ينبغي PageV01P044 للطبيب أن يكون تغذيته للمرضى في العلل الحادة فقال : الأعراض في تدبير غذاء المريض ثلاثة الأعراض: أحدها مقدار القوة من المرض والآخر مقدار مدة المرض والثالث كيفية المرض . فأما مقدار القوة من المرض فيما يحتاج إله من حفظها إذا كانت هي المقاومة للمرض ولذلك قد ينيل الغذاء للمريض كثيرا إذا خفنا على القوة أن تخور من غير أن يلتفت إلى الوقت . وأما مقدار PageV01P045 مدة المرض فيحتاج إلى النظر فيه حتى يقدر الغذاء بحسب قرب منتهى المرض وبعده ، فإن كان المنتهى قريبا استعملت اللطافة المفرطة جدا إلى أن يأتي المنتهى ولم يغذ بشيء . فإن كان المتنهى بعيد ا غذوت أولا فأولا قليلا قليلا إلى أن ينتهي الرض على التدريج . وأما بحسب كيفية المرض فمن قبل أن جميع المحمومين في المثل يحتاجون إلى التدبير الرطب ، وما كان من الحمايات مع نقصان من البدن فالحاجة فيه إلى الغذاء أكثر حتى لربما أغذينا فيه في وقت الحمى. وما كان من الحميات مع فضول في البدن فينبغي أن يحذر فيه كثرة الغذاء ولا يكون إلا في أوقات الفترات بين PageV01P046 نوانب الحمى ، ويحذر الغذاء في جميع أوقات نوبة الحمى . هإن لم يكن بين نوانب الحمى أوقات فترات وسكون منها كان وقت الغذا ء وقت انحطاط نوبة الحمى ، فإن لم يكن للحمى انحطاط واحتجنا أن نغذي المريض اخترنا له الوقت الذي كان من عادة ذلك المريض أن يغتذي فيه وهو صحيح وبخاصة أوقات طيبة من النهار باردة رطبة مثل الغدوات لنشاط الطبيعة في ذلك الوقت ms07 ولطافة النسيم وانكسار الحمى لمقاومة برد السحر لحرارتها وقمعه لحدتها . فهذا قول حكيم الطب وفيلسوفه جالينوس في كيفية غذاء المرضى في العلل بألفاظه نصا . قد ذكرناه لعظيم فائدته وجليل منفعته في مثل هذا الموضع من هذا الكتاب. PageV01P047 ولما كانت هذه الحمى أعني المحرقة من ابتدائها إلى انقضائها في حال شدة وصعوبة وجب أن نقتصر فيها على التدبير اللطيف مثل حسو شعير ولباب الخبز المغسول بعد أن يلقى عليه سكر طبرزد مسحوق، ويعطون في بعض الأوقات ما يسكن حرارة المعدة مثل مص الرمان الإمليسي والعنب الشتوي ولباب الفقوص ويستخرج لهم لعاب البزرقطونا في ماء الدلاع ويسقوه ويسقون شراب بنفسج أو شراب الإجاص أو شراب البزرقطونا أو شراب الجلاب الرفيع . ويسقى بالعشي وزن درهمين بزرقطونا مغسولة بالماء البارد ودرهم بزر رجلة أو طين أرمني مع ماء الرمان الحلو قدر خمسة أواق وعشرة دراهم سكر سليماني مسحوق أو شراب بنفسج. وإن احتاج إلى الغذاء بعد أن يعطى بالغدوات ماء PageV01P048 الشعير مع ماء الرمان الحلوا أو مع شراب البنفسج فإن لع يقم ذلك به فيعطى فتات مغسولا مع ماء الرمان الحلو أو سويق الشعير مغسولا بالماء البارد غسلات مع سكر طبرزد ويكون ذلك في وقت انكسار الحمى قليلا ويتقون ذلك ويحذروه في وقت سورة المرض إلا عند الضرورة . فإن كان في الطبيعة تعذر وامتناع ليناها قبل سورة المرض بأن يؤخذ من ماء القرع المشوي في عجين شعير بإحكام نصف رطل ويمرس فيه ترنجبين خراساني وبنفسج مربي من كل واحد عشرة دراهم ويصفى ويلقى على الصفو أوقية من شراب الإجاص الساذج ويسقاه . فإن احتجت إلى تقويته قليلا فزد فيه وزن خمسة دراهم لب خيار شنبر منقي من قصبه وحبه . أو يسقى ماء نقيع الإجاص الأسود والتمر الهندي مع شراب بنفسج وترنجبين خراساني. PageV01P049 فان أجابت الطبيعة بذلك وإلا فاستعمل شيافا متخذا من ورق بنفسج ونطرون من كل واحد وزن نصف مثقال وسقمونيا وزن نصف درهم وحضض وزن مثقال تدق الأدوية ويحل الحضض في ماء حار ويعجن ms08 به الدواء ويعمل منه فتل أمثال البلوط ويمسح بدهن بنفسج ويستعمل. فإن أجابت الطبيعة بذلك وإلا فاتخذ لهم حقنة بماء العليق وماء السلق وماء النخالة من كل واحد أوقيتين وشراب بنفسج أو شراب الإجاص ودهن بنفسج من كل واحد أوقية ودرهم نطرون مسحوق ويخلط ويفتر ويستعمل . ويرطب المعدة ويبرد حرها بلعاب البزرقطونا مع ماء الرمان أو مع ماء الدلاع ويسستعمل خلاء المعدة في وقت سورة المرض من الغذاء إلا أن تدعو الضرورة مثل أن يخاف على القوة بأن تضعف في وقت المجاهدة بين الطبيعة والمرض فقويها بشيء من ماء الشعير أو الفتات المغسول ولا PageV01P050 يعطى من ذلك إ لا مقدار ما يحفظ القوة فقط. فان عرض للعليل صداع فيؤخذ دهن الورد ويضرب بخل خمر أو بماء الرجلة أو بماء جرادة القرع وتمسح به الجبهة والأصداغ ويؤخذ أيضا دهن بنفسج أو دهن نيلوفر ويسعط منه ويمزج بماء الورد مبردا في لعاب البزرقطونا ويحمل على الجبهة والأصداغ ، وتدخل القدمان والساقان فهي ماء حار عذب وتغمز بدهن بنفسج وتشد الساقان بعصائب، ويحمل على الجبهة والأصداغ ضماد متخذ من صندل محكوك ودقيق شعير وورق ورد معجون بعاء الورد أو بماء الطحلب أو بماء جرادة القرع أو بماء الرجلة أو بلعاب البزرقطونا. فإن كان بالعليل سهر وأرق فيزاد في هذا الضماد بزر PageV01P051 خس وبزر خشخاش ويعجن بماء الخس ويشم دهن النيلوفر ودهن البنفسج. فإن عرض للعليل جفاف في فمه وخشونة في لسانه فيتمضمض بلعاب البزرقطونا ولعاب حب السفرجل ويلقى عليه شيء من سكر طبرزد ودهن بنفسج. فإن كان في اللسان سواد فيخلط مع هذه اللعابات ماء الورد ودهن الورد ويدلك به اللسان أو يمسك في فمه ماء الرمان الحلو مخلوط بدهن الورد. فأن عرض للعليل خفقان يسقى لعاب البزرقطونا المستخرج بعاء القثاء مع شراب الجلاب أو شراب الرمان أو شراب الحصرم أو شراب حماض الأترنج. ويحمل على معدهم ضماد متخذ من الصندلين ودقيق الشعير معجون بماء الورد، أو يؤخذ الطحلب والرجلة ولعاب البزرقطونا وجرادة القرع ms09 فيخلط بماء الورد ودهن الورد ويحمل على المعدة والكبد في وقت خلائها من الغذاء. PageV01P052 ويسقون سويق الشعير مغسول غسلات بعد أن يلقى عليه سكر طبرزد أو جلاب أو رمان حلو ويغذون بقرع معمول بماء الحصرم وماء حماض الأترنج وقضبان الرجلة ويغذون بعدس مقشور مطبوخ مع قرع وسكر طبرزد وماء الحصرم أو شيء من خل، ويفرش بين يدي العليل الآس والخلاف والورد ويرش على الريحان الماء الحين بعد الحين. وكثيرا ما يعرض في هذه الحمى التي كلامنا فيها البرسام أو السعال اليابس أو الغشي أو اليرقان فإن عرض ذلك فيؤخذ علاجه والتدبير النافع له من الباب الذي أفردنا له في هذا الكتاب. ### || الباب الثالث في حمى الغب PageV01P053 وحمى الغب تسمى باليونانية اطريطاوس وهي بالعربية المثلثة وإنما تتولد عن كيموس صفراوي إذا استحال وتعفن إلا أنه متى كانت تلد العفونة خارجة من العروق والأوردة أحدثت حمى الغب ذات النوائب التي تأخد وتترك، وعرض معها برد وقشعريرة ورعدة . ومتى كانت تلك العفونة داخل العروق والأوردة أحدثت إما حمى غب دائمة وإما حمى قوسوس أعني المحرقة . فإن قال فائل بماذا توافق الحمى المحرقة حمى الغب الدائمة وبماذا تخالفها قلنا له أما اتفاقهما ففي أنهما جميعا يحدثان عن الخلط الحار الصفراوي وفي أنهما داخل العروق والأوردة وفي أنهما دائمتان وأما الفرق بينهما ففي المواضع التي يجتمع المرار المولد للحمى فيها ، وذلك أن الالتهاب العارض في الحمى المحرقة يكون في العروق المجاورة للقلب وبخاصة عروق فم المعدة والكبد والرئة أكثر منه في عروق سائر البدن لأن المادة هناك أكثر كما بينا PageV01P054 آنفا ، وفي حمى الغب الدائمة يكون الالتهاب العارض منها في جملة عروق البدن مثله في الأوعية المجاورة للقلب . وقد يستدل على حمى الغب بثلاثة دلائل: أحدها من الأشياء الطبيعية والثاني من الأشياء التي ليست بطبيعية والثالث من الأشياء الخارجة من الطبيعة . فأما الاستدلال عليها من الأشياء الطبيعية فهو أن أكثر تولدها فيمن كان مزاجه حارا يابسا وسنه من اثنين وعشرين الى خمسة وثلاثين سنة وبخاسة ms10 إذا كان بدنه نحيفا ومسام بدنه متحللا . وأما الاستدلال عليها من الأشياء التي ليست بطبيعية وهو أن أكثر تولدها في زمان الصيف وبحاصة إذا كانت طبيعة الهواء الحاضر حارة يابسة ومزاج البلد أيضا كذلك وتصرف العليل في حال صحته في الكد والتعب والنصب. وأما الاستدلال عليها من الأشياء الخارجة PageV01P055 عن الطبيعة أعني بذلك الأعراض المتولدة عن طبيعة العنصر المولد للحمى التي هي للمريض أعراض وللطبيب دلائل وعلامات وهي أنه لما كان تولد هذه الحمى عن العنصر الحار الصفراوي المجاور للأعضاء الحساسة وجب أن تتقدمها قشعريرة صعبة لها نخس كنخس الإبر والشوك لأن الصفراء بحدتها إذا مرت بالأعضاء الحساسة التي لم تألفها وانصبت عليها لدغتها بحرافتها وأحدثت فيها نخسا وتولد من ذلك قشعريرة ، وإنما يكون هذا إذا كانت المادة خارجة عن العروق. وقد يخص هذه الحمى أيضا ويلزمها القيء المري والإسهال المصبوغ بالمرة وبخاصة في النوبة الثالثة والرابعة وتكون أبوالهم حمراء نارية لطيفة. ومن خاصة هذه الحمى شدة الحرارة والفوران ونخس في الكبد لممازجة المرة الدم . وأكثر ما يمكث دور هذه الحمى إذا كانت خالصة اثنتي عشرة ساعة وسكونها ستة وثلاثين ساعة PageV01P056 وأكثر ما تكون أدوارها إذا كانت خالصة سبعة أدوار وهي أربعة عشر يوما فإن زادت نوبتها على اثنتي عشرة ساعة وأدوارها على سبعة أدوار فليست بخالصة. وإذا لم تكن خالصة وامتزجت بغيرها جازت هذا الحد وطال لبثها حتى أنها ربما ابتدأت في الخريف وتركت في الربيع. وهذه الحمى أعظم صنوف حميات العفن خطرا وأقربها من الخوف، ولذلك يجب على المتطبب أن يحذر فيها من استعمال الأشياء الحارة خوفا من أن ترقى المرة الصفراء بحدتها إلى الدماغ فيحدث فيه ورما ويصير العليل إلى البرسام فيكون ذلك أعظم لخطر الحمى وأشد لخوفها . وذلك أن المرة الصفراء لطيشها وحدتها وخفتها لا تحتمل خطاء العليل ولا جهل الطبيب ولكن ينبغي أن ينظر الطبيب في ابتداء العلة فإن كانت قوة العليل حسنة مساعدة والأخلاط هائجة متحركة فتسهل عند ذلك الطبيعة بمطبوخ متخذ من الإجاص ms11 والتمر الهندي ونوار البنفسج والهليلج الأصفر ويمرس فيه لب خيار شنبر وترنجبين ويسقي منه علي PageV01P057 مقدار القوة والسن . ويسهل أيضا بماء الرمانين المدقوقين بشحمهما مع سكر سليماني أو يسقى من النقوعات أو الأشربة التي ذكرنا في كتابنا هذا أنها تسهل المرة الصفراء وتقمع حدتها وتسكن غليانها . ويحذر استعمال ذلك غاية الحذر في يوم النوبة لئلا يدخل على الطبيعة ما يشغلها عن مصارعة المرض. ويعطى في أيام النوائب ماء الرمانين قدر نصف رطل مع أوقية شراب بنفسج أو شراب إجاص أو يسقي ماء القرع المشوي مع سكر طبرزد . فإن كانت الحرارة قوية والعطش شديد فيقتصرون على البزرقطونا وزن مثقالين مع ماء الرمانين وشراب الجلاب ويحذرون غاية الحذر أن يأخذوا في وقت النوبة شيئا من الغذاء ولا قبل النوبة بثلاث ساعات. فإن كانت نوبة الحمى تأتي بالغداة فيقتصرون على شراب الجلاب أو شراب الرمان أو شراب الإجاص إلى أن تنقضي نوبة الحمى فيأخذوا بعد انقضاء النوبة حسو الشعير المحكم PageV01P058 الصنعة ويتناولون في آخر النهار لباب خبز مغسول بالماء مرات مع شيء من سكر طبرزد مسحوق. وإن كانت الطبيعة متعذرة وفاتهم في ابتداء المرض أخذ الدواء المانع وعاقهم عن ذلك مثل هواء فاسد أو ضعف قوة أو غير ذلك فينبغي أن يعطوا في أيام الترك من الترنجبين الخراساني والبنفسج المربى من كل واحد وزن عشرة دراهم ولب خيار شنبر منقي من حبه وقشره وزن خمسة دراهم، يمرس ذلك في ماء عذب حار مرسا جيدا أو يمرس في ماء القرع المشوي ويصفى ويزاد فيه أوقية من شراب الإجاص الساذج ويشرب بالغداة. ويأخذون في يوم النوبة لعاب البزرقطونا بماء الرمانين وشراب البنفسج أو شراب الإجاص أو سكر سليماني، فإن أجابت الطبيعة واعتدلت بهذا التدبير وإلا فيؤخذ لهم PageV01P059 شياف من نوار بنفسج وسقمونيا ونطرون وسكر أحمر وحضض أو يستعمل لهم حقنة تتخذ من إجاص وعناب ومخيطا ونوار بنفسج وشعير مقشور وماء النخالة وماء السلق ودهن بنفسج وسكر وبورق ويدبر بإحكام ويستعمل بلطافة. ويجعلون تدبيرهم في اليوم ms12 السادس مثل تدبيرهم في أيام النوائب ليأتي اليوم السابع وأبدانهم على غاية الخلاء والنقاء وتنفرد الطبيعة بمصارعة المرض وتلطيف المادة من غير أن يشغلها عن ذلك بأخذ غذاء ولا دواء. فإن شكى العليل في وقت السورة عطشا وجفافا في لهواته وحلقه فيتجرع لعاب البزرقلونا المستخرج بماء القثاء مع شيء من دهن بنفسج ويستخرج اللعاب بماء الدلاع أو بماء الرمانين ويتمضمض بلعاب البزرقطونا ولعاب حب PageV01P060 السفرجل ودهن البنفسج ، ويمزج لهم أيضا الماء بشراب الإجاص أو شراب الجلاب أو شراب البنفسج أو شراب البزرقطونا على ما دبرناه وذكرناه في باب السعال. فإذا زال عن العليل الالتهاب وانكسرت حدة الحمى واشتكى لدغا في معدته فيعطى لباب خبز مغسول مع سكر طبرزد ويغذوا من البقول بالسرمق والبقلة اليمانية والخيار والقرع والخس بطبح لهم بالماش والكزبرة الرطبة ودهن اللوز ويكون هذا بعد زوال الحمى والكرب. فإن عرض لهم صداع فينبغي أن يحملوا على الجبين والأصداغ دهن ورد أودهن بنفسج مضروبا بالخل ويرطبون الخياشيم بدهن النيلوفر أو دهن بنفسج أو دهن حب القرع . فإن غلب اليبس على أدهغتهم وعرض لهم البرسام فيسعطون بأحد هذه الأدهان مع لبن امرأة ترضع PageV01P061 جارية ويحلب على روسهم الألبان ويصب عليها ماء قد طبخ فيه خشخاش وخس أو بزره ونوار بنفسج وورق البزرقطونا وتدخل أرجلهم في ماء حار عذب وتغمز بدهن البنفسج ويجعل بين أيديهم رياحين باردة. فإن جاءهم في اليوم السابع قيء أو إسهال طوعا عن فعل الطباع فينبغي أن يترك ما احتملته القوة ويسقون ما يسكن حر المعدة ويقطع العطش مثل شراب الحصرم أو شراب الرمانين أو شراب التفاحين أو شراب الورد أو الورد المربى أو شراب الكمثرى ، وينقع لهم في الماء طباشير وصندل وبزر رجلة. فأت أفرط الإسهال وخفنا على القوة أن تسقط بادرنا بعلاج ذلك وحبسه برب الآس ورب السفرجل وأقراص الطباشير المعمولة ببزر الحماض وما أشبه ذلك عن الأدوية الباردة القابضة على سبيل ما ذكرنا في باب الإسهال. وكذلك إن عرض لهم سحج أو غشي أو ms13 يرقان فيعالج ذلك من موضعه PageV01P062 الذي أفردناه لذكر ذلك العارض على حسب ما يراه الطبيب في كل واحد من المرضى . ### || الباب الرابع في الحمى المتولدة من الدم وتسمى باليونانية سونوخوس إن الدم لما كان أعدل العناصر طبعا وألذها طعما وأقربها من مزاج الإنسان ألفته الطبيعة لذلك وجعلته مادة لغذاء الأبدان وقوامها وصيرته جوالا معها في جميع البدن لتستمد منه الأعضاء إذا كان منه تغذيتها وبه قوامها وتقويتها. فإن زاد الدم في كميته واستحال وتغير عن كيفيته شنأته الطبيعة وخلت عن تدبيره كما يشنأ المرء PageV01P063 ولده إذا خرج عن طاعته وهو أحظى الناس عنده وأخصهم به فيبقي فجا غير منهضم وخرج عن حد الاعتدال واستحال وعفن وتولدت عن عفونته الحمى التي تسمى باليونانية سونوخوص أي حمى دائمة وهي المطبقة وذلك أن الدم على مجرى الطباع داخل العروق والأوراد وهي سبله وطرقه إلى جميع البدن. وقد أقام جالينوس في كتابه في فصول الحميات البراهين الواضحة في أن أصناف حمى العفونة صنفان : منها ما يكون من عفونة الأخلاط داخل العروق والأوراد و منها ما يكون من عفونة الأخلاط خارج العروق وأن الحمى إنما تكون دائمة إذا كانت العفونة داخلة العروق وإنما يكون PageV01P064 لها فترات إذا كانت العفونة خارجة من العروق. وقد يتولد عن الدم الخالص حمى حارة إذا حمي والتهب داخل العروق والأوراد من غير أن تلحقه عفونة ولا فساد ، ومن خاصة هذه الحمى أن الربو تابع لها دائما في أكثر الحالات لأن تولدهاء عن ما بينا من الدم النقي وهذا الدم أكثر قوته في القلب والرئة ولذلك لقبت الأوائل هذه الحمى بالحرارة الربوية من قعل أن أكثر أسباب الربو إنما يكون عن حرارة الصدر والقلب والرئة. والفرق بين الحمى المتولدة عن عفونة الدم وبين الحمى المتولدة عن غليان الدم وفورانه أن الحمى المتولدة عن عفونة الدم معها نتن في البول ونبض العروق فيها مختلف لأن انقباض العرق إلى داخل أسرع من انبساطه إلى PageV01P065 خارج من قبل مبادرة الطبيعة إلى إخرا ج البخارات ms14 الدخانية المتولدة عن العفونة بسرعة . والحمى المتولدة عن غليان الدم خلية من هذه الأعراض. وقد يتقدم حمى الدم علامات تنذر بحدوثها قبل ظهورها مثل كسل وثقل الأعضاء وامتلائها وحمرة اللون وحرارة سطح البدن . ويتبعها علامات بعد ظهورها مثل الصداع والالتهاب وثقل الرأس وتورم الصدغين وجحظ العينين وقلة العطش وكثرة السبات وخيالات حمر ترى نصبة العينين وقوة النبض وسرعته وحمرة البول الشبيهة بحمرة الأرجوان . وكثيرا ما يعرض مع هذه الحمى PageV01P066 الورشكين والجدري. ولما كانت هذه الحمى متولدة عن عفونة الدم داخل العروق والأوراد كما بينا فينبغي أن نبادر قبل صعود المرض وبلوغه سورته فننظر في صحة القوة ومساعدة السن والمزاج والزمان وطبيعة الهواء الحاضر والعادة . فإن كانت هذه الدلائل ممكنة وبخاصة صحة القوة فصدنا العليل وأخرجنا له من الدم على قدر الكفاية . فإن كان ابتداء المرض بعقب طعام كثير أكله المريض وهو مجتمع في جوفه فينبغي أن يؤخر الفصد إلى اليوم الثاني وما بعده حتى تقوى الطبيعة على هضم الطعام وإنضاجه وإخراج فضله من الأمعاء والبطن. فإن لم تفعل ذلك الطبيعة فعلنا نحن ذلك بالتدبير الملين للبطن. فإن لم يساعدنا من هذه الدلائل التي ذكرنا إلا صحة PageV01P067 القوة فقط أمرنا بإخراج الدم من الحجامة عوضا من الفصد . وإن ساعدتنا كل الدلائل إلا أن القوة ضعيفة وجب أن نحذر إخراج الدم بفصد أو حجامة لأن صحة القوة وثباتها هي المجاهدة للمرض . فينبغي لنا أن نراعي القوة دائما ونتثبت فيها " حسنا ونستعمل استقصاء النظر في صحتها وثباتها على مقاومة المرض قبل أن نتقدم على إخراج الدم. فإن تعذر إخراج الدم في ابتداء العلة لوجه من الوجوه فينبغي أن يحذر ذلك غاية الحذر في صعود المرض ومنتهاه وإن ألفينا القوة صحيحة حسنة لأن في هذين الوقتين من المرض لا يوثق بصحة القوة لشغلها بمجاهدة المرض PageV01P068 ومصمارعته . لكن ينبغي لنا أن نستعمل تطفئة الدم وتسكين حدته بلعاب البزرقطونا ، بماء الرمانين وشراب البنفسج وشراب الإجاص الساذج. فإن كان في الطبيعة امتناع فيؤخذ لذلك تمر هندي منقى ms15 وزن عشرة دراهم وإجاص عشرون عددا ونوار بنفسج وزن ثلاثة مثاقيل، يطبخ ذلك في رطلين ماء حتى يبقى نصف رطل ويصفى من غير مرس ويحل في ذلك الصفو ترنجبين خراساني ولب خيار شنبر منقي من كل واحد وزن عشرة دراهم ويصفى أيضا ويشرب. فإن كان في الصدر علة متقدمة أو عارضة مع الحمى فيؤخذ لذلك عشرون حبة عناب ونوار بنفسج وبزر رجلة من كل واحد وزن خمسة دراهم، فيطبخ مثل الأول ويحل فيه بنفسج مربي وترنجبين خراساني ولب خيار شنبر منقي من كل واحد وزن ستة دراهم ويصفى ويشرب. ويعطون من الغذاء ما كان لطيفا سريع الانهضام محمود الجوهر مثل PageV01P069 حسو الشعير المحكم الصنعة أو فتات مغسول بالماء غسلات . فإن لم يكن الدم حادا فيجب أن تلين الطبيعة في الابتداء بما فيه مع التبريد تلطيف ، بمثل ماء القرع المشوي بعد أن يحل فيه ترنجبين خراساني ولب خيار شنبر ويشرب. فإن أجابت المعلبيعة باستعمال ما قدمنا وإلا فتتخذ لهم شيافات أو حقن لينة متخذة من عناب ومخيطا ونوار بنفسج وشعير مقشور وسكر ودهن بنفسج وما أشبه ذلك. فإن عرض لهم صدا ع فيستعملون ترطيب الخياشيم بدهن بنفسج أو دهن نيلوفر ويؤخذ دهن الورد فيضرب بخل ويحمل على الجبهة والأصداغ . أو يخلط دهن الورد بماء الورد أو بماء الخلاف أو بماء الحصرم أو بماء الرجلة ويحمل على الجبين PageV01P070 والأصداغ. وتنزل اليدان والرجلان في ماء قد طبخ فيه بابونج وبنفسج يابس وتشد الساقان بعصائب. فإن لم يسكن الصمداع وكان الصدر بريئا من النوازل والسعال فيحلب على الرأس ألبان النساء وألبان الأتن ويغسل بماء قد طبخ فيه شعير مقشور ونوار بنفسج وبابونج ويسعطون بدهن بنفسج ودهن نيلوفر ويضمد الرأس بضماد متخذ من ماء الرجلة وجرادة القرع ولعاب البزرقطونا ودقيق الشعير وماء الورد وما أشبه ذلك. فإن عرض لهم غم والتهاب فيسقون لعاب البزرقطونا المستخرج بماء القتاء أو بماء الرمانين ويسقون أيضا ماء الدلاع مع سكر طبرزد أو بالجلاب. فإن عرض لهم سبات يحول بينهم ms16 وبين فتح أعينهم فينبغي أن يمنع من أن يقرب الرأس بشيء مما وصفنا من الأخبصة PageV01P071 والأدهان ويقتصر على غمز القدمين في ماء البابونج ونوار بنفسج ودهن بنفسج وملح جريش ويمسح الجبين والأصداغ بماء البابونج ونوار البنفسج ويطعموا ماء الرمان المر مع فتات الخبز المحكم الصنعة المغسول بالماء مرات. فإن عرض لهم خققات ضمدنا المعدة بضماد متخذ من صندل وورق ورد ودقيق شعير وشيء من كافور معجون بماء الورد أو بماء الرجلة أو بماء القرع ، ويتجرعوا ماء الورد ويسقوا شراب الرمان أو شراب الجلاب. فإن عرض لهم رعاف فينبغي أن يحمل على الجبين والأصداغ الضماد الذي وصفنا للخفقان ويسعطوا بماء البلح الأخضر أو ماء الطلع مع شيء من كافور ودهن PageV01P072 ورد ويعالجون بالتدبير الذي ذكرنا عند نعتنا للرعاف. فإن احتجنا في آخر هذه الحمى إلى ما يسكن ويطفئ بقاياها من البدن فإنا نستعمل عند ذلك أقراصا جربناها في تسكين حمى الدم وتحليل الفضل بلطافة وتزيل الوهج والحر وهذه صفتها: يؤخذ طباشير أبيض وصندل أصفر محكوك وبزر رجلة ورب السوس من كل واحد وزن مثقالين ولب بزر القثاء ولب بزر البطيخ ولب حب القرع من كل واحد وزن درهمين وكثيراء بيضاء وصمغ عربي ونشاستج من كل واحد وزن درهم وكبابة وكافور من كل واحد وزن دانقين، يدق ذلك وينخل ويعجن بلعاب البزرقطونا ويعمل من ذلك أقراص وزن كل قرص مثقال ويجفف في الظل ويسقى منها واحدة بماء القرع المشوي او ببعض الأشربة الباردة. وإن أريد أن يكون معجونا فيزاد فيه وزن أربعة مثاقيل سكر طبرزد ويعجن بالجلاب ويسقى منه وزن مثقالين فإنه بديع عجيب وينفع من الورشكين والحصبة والجدري. PageV01P073 فأما حمى الربع فإنها تتولد عن عفونة المرة السوداء ### || الباب الخامس في حمى الربع فإن كانت المرة السوداء المتعفنة داخل العروق والأوراد أحدثت حمى الربع الدائمة فإن كانت خارجة من العروق والأوراد أحدثت حمى الربع الدائرة ذات النوائب . وإنما سميت حمى الربع لأنها تأخذ في كل أربعة أيام مرة ومقدار نوبتها أربعة وعشرون ms17 ساعة وتركها ثمانية وأربعون ساعة . وقد يستدل على هذه الحمى بالثلاثة دلائل التي يستدل بها على حمى الغب، أعني من الأشياء الطبيعية PageV01P074 والأشياء التي ليست بطبيعية والأشياء الخارجة من الطبيعة . فأما الاستدلال عليها من الأشياء الطبيعية فهو أنها أكثر ما تعرض في من كان مزاجه باردا يابسا وسنه كهلا وبخاصة متى كان البدن نحيفا جافا مدمجا وعروقه ضيقة خفية . وأما الاستدلال عليها من الأشياء التي ليست بطبيعية فإنها يستدل عليها بطبيعة الفصل من السنة إذا كان خريفا ومزاج الهواء الحاضر إذا كان باردا يابسا وطبيعة البلدة إذا كانت كذلك . وأما الاستدلال عليها من لأشياء الخارجة من الطبيعة فهو أن هذه الحمى تعرض لأصحابها في ابتداء كل نوبة من نوائبها عند ابتداء عفونة المادة ببرد شديد متعب للبدن مفتت للعظام وذلك أن PageV01P075 المرة السوداء التي عنها تتولد هذه الحمى لبردها وغلظها إذا انصبت إلى الأعضاء الحساسة أثقلتها وأوهتها ورضتها وتكون ألوان أصحابها مائلة إلى الكمودة وجلودهم قحلة جافة . وهذه الحمى مخصوصة بوجع الطحال وصلابته ويكون البول في ابتداء هذه الحمى أبيض رقيقا مائيا. فإذا انقضت الحمى ولطفت المادة ورقت صار البول أسود. ولا كانت هذه الحمى تتولد عن عفونة مرة سوداء خالصة وهي الباردة اليابسة وتتولد عن مرة سوداء متولدة عن احتراق الأخلاط وتشيطها. أعني بالأخلاط الدم والحرة الصفراء والبلغم ، وجب أن يميز كل واحدة منها PageV01P076 بخاصتها المميزة لها مما سواها ليرطب كل صنف منها ما يلائمه من التدبير والعلاج. وإن تبين لنا بالدلائل التي ذكرنا أن تولد هذه الحمى من عفونة مرة سوداء خالصة فينبغي أن ندبر العليل بالأشياء المنضجة السريعة الانحدار مثل ماء الهندباء وماء الرازيانج وماء الكرفس ، يؤخذ من جميعها نصف رطل بعد أن بغلي ويصفى ويلقى عليه أوقية من شراب سكنجبين عسلي أو شراب العسل المدبر بالأفاويه ، أو يحل فيه ورد مربى عسلي ويشرب أو يسقى مطبوخ الأصول أو شراب الأفسنتين. وتستفرغ المادة بالقيء رويدا رويدا ويستدعى العرق بدهن البابونج أو بدهن الشبث أو بدهن الفوذنج النهري ms18 ولا يستفرغ البدن في ابتداء المرض استفراغا عنيفا . وإذا أخذت الحمى في الانحطاط وظهرت علامات النضج والانهضام استفرغنا عند ذلك المرة السوداء بالحقن PageV01P077 وبالأدوية التي تسهل هذا الخلط ، وسقينا العليل في هذا الوقت أقراص الغافت وأقراص الراوند وأقراص الآنيسون وأقراص اللك على النسخ التي قدمنا ذكرها في المقالة الخامسة من هذا الكتاب. ويستعمل معها من الأشربة مثل شراب الإذخر وشراب الفوذنج ومطبوخ الأصول، وقد يؤخذ في آخر هذه العلة الترياق المعروف بالفاروق والجوارش المعمول بالكمون وينبغي أن يحذر إستعمال هذه الأدوية في الصيف والبلد الحار وسن الشباب وإنما تستعمل في الشتاء وفي البلدان الباردة وفي سن الشيخوخة وفي من الغالب على مزاجه البرد . ويمنع أيضا من استعمال الأشياء المبردة PageV01P078 لأنها تفجج المادة وتمنع من النضج فيصير ذلك سببا لطول مدة المرض . فإن كان قد تقدم هذه الحمى الربعية حمى غب وكان العليل شابا نحيفا ومزاجه صفراويا وبوله أشقر ناريا وعطشه مشديدا وأرقه كثيرا والزمان مع ذلك صيفا وطبيعة الهواء الحاضر حارة يابسة علمنا من هذه الدلائل أن الحمى تولدت عن احتراق مرة صفراء. فينبغي عند ذلك أن بعالج العليل في الابتداء بما يبرد ويلطف مثل ماء الرمانين والسكنجبين السكري وحسو الشعير بماء الرمانين والسكنجبين . فإن كان في الطبيعة امتناع فلينها بماء الإجاص والترنجبين والبنفسج المربى ، أو يؤخذ من ماء الهندباء وماء الرازيانج مغلى مصفي ويمرس فيه لب خيار شنبر منقي PageV01P079 وترنجبين ويشرب، فإن لم تجب الطبيعة بذلك أمرنا العليل باستعمال الحقن المسهلة . فإذا أخذت المادة في النضج وخفت حركتها وانتقالها من مكان إلى مكان فعند ذلك يسقى مطبوخا يسهل المرة الصفراء المحترقة من غير عنف مثل مطبوخ الإجاص والتمر الهندي والترنجبين وما أشبه ذلك. ويحذر ذلك قبل نضج المادة ويمصوا الرمانين والعنب الشتوي ويغذوا بالماش مع البقلة اليمانية أو مع السرمق . وبيصبون على أبدانهم في آخر العلة بعد انكسار الحمى ماء فاترا أو ماء قد طبخ فيه بابونج وإكليل الملك PageV01P080 ونوار بنفسج ويتمرخون بشراب مضروب بدهن بنفسج. فإن تقدم هذه ms19 الحمى بعض أمراض الدم وكان مزاج العليل مع ذلك دمويا وعروقه ممتلئة وبوله أحمر غليظا وطعم فمه حلوا ونومه كثيرا والزمان فصل الربيع علمنا من هذه الدلائل أن الحمى تولدت عن احتراق الدم فينبغي عند ذلك أن نستعمل ما يلطف وينضج المادة من غير إسخان مثل السكنجبين وحسو الشعير المتخذ مع السكنجبين . ويؤخذ الورد المربى والبنفسج المربى فيمرس في ماء الهندباء وهو حار ويصفى ويشرب وتنزل رجلي العليل في ماء حار قد طبخ فيه بابونج ونوار بنفسج. ويستدعى القيء PageV01P081 عند ابتداء النوائب وعند حدوث البرد ويمص ماء الرمانين ويمزج الماء بالسكنجبين ويلطف الغذاء. فإذا نضجت المادة بادرنا بإخراج الدم بالفصد من الباسليق أو من الاكحل ليستفرغ غليظ الدم ومحترقه وأحدرنا بعد ذلك الطبيعة بالمطبوخات التي ترقق الدم وتزيل حدته وتكسر وهجه . فإذا جاوزت هذه الحمى عشرين يوما ألزمنا العليل الصوم في كل يوم نوبة وتخفيف طعامه في غير أيام النوائب. فإن تقدم هذه الحمى بعض الأمراض البلغمانية وكان العليل شيخا مرطوبا ومزاجه باردا ونبضه بطيئا وبوله نيئا غليظا أبيض وعطشه قليلا وكان الزمان شتاء وطبيعة الهواء الحاضر باردة رطبة علمنا من هذه الدلائل أن PageV01P082 الحمى تولدت عن تشيط البلغم واحتراقه فينبغي عند ذلك أن يسقى العليل في الابتداء من ماء الهندباء وماء الرازيانج وماء الكرفس من الجميع نصف رطل مغلى مصفى ويمرس فيه ورد مربى بالعسل وبنفسج مربى بالعسل من كل واحد وزن عشرة دراهم ويصفى ويشرب. فإن تعذرت الطبيعة أحدرناها بماء اللبلاب مع السكر أو بحقنة قوية تحدر المادة إلى أسفل. ويمرخون أبدانهم بأدهان حارة مفتحة للمسام مستجلبة للعرق ويمنعون من الطعام يوم النوبة إلا أن تكون القوة قد ضعفت ، ويتناولون من الطعام الشيء اليسير ويستعملون من الشراب ما كان لطيفا معتدل الحرارة ومن الطير ما كان لحمه لينا رخصا . PageV01P083 ويغذون بماء الحمص بأضلاع السلق وأصوله ويتقون جميع ما يبرد ويرطب ويتناولون بعقب طعامهم الجوارش الكموني والجوارش المتخذ بالثلاثة فلافل وجوارش الآنيسون ولا بأس أن يتقيؤوا إما بورق الفجل ms20 وماء الشبث أو بالسكنجبين العسلي قد أنقع فيه فجل مقطع من الليل إلى الصبح ، ويتعاهدون أخذ ترياق الفاروق ودواء القسط ودواء الراوند ودواء الكبريت وما أشبه ذلك من المعجونات . فإذا جاوزت العلة ثلاثة أسابيع يغذوا بالفراريج PageV01P084 والدراج ، فإذا جاوزت الحمى أربعين يوما يتناولوا لحم الحملان الحولية وبستعملون الأدوية ألتي تفتح السدد وتدر البول وتقوي الأحشاء . فهذا تدبير حمى الربع المتولدة عن عفونة المرة السوداء والمتولدة عن احتراق الأخلاط باختصار وإيجاز وفيه كفاية. ### || الباب السادس في الحمى النائبة كل يوم إن هذه الحمى التي تنوب كل يوم إنما تتولد عن عفونة كيموس البلغم وقد بين أفاضل الأطباء في موضوعاتهم أن كل مادة كانت بلغمانية أو صفراوية أو سوداوية إذا PageV01P085 عفنت اكتسبت غليانا وفورانا وتولد عن الغليان والفوران حرارة وحمى . فكذلك البلغم إذا عفن وكان مبثوثا في البدن وكان داخل العروق والأوراد ولد حمى تسمى باليونانية امفيمارينوس أي الدائمة التي لا تنكسر ولا يحدث معها برد. وإن كانت عفونة البلغم خارج العروق والأوراد ولد الحمى الدائرة ذات النوائب التي تترك وتأخذ في كل يوم ويكون مقدار مدة نوبتها ثماني عشر ساعة وسكونها ست ساعات وبستدل على هذه الحمى بالثلاث دلائل التي يستدل بها على حمى الغب وعلى حمى الربع أعني من الأشياء الطبيعية والأشياء التي ليست بطبيعية والأشياء الخارجة PageV01P086 من الطبيعة. فأما الاستدلال عليها من الأشياء الطبيعية وهو أنها أكثر ما تعرض لمن كان مزاجه باردا رطبا وسنه شيخا أو صبيا لغلبة البلغم على سن المشائح بالطبع وعلى سن الصبيان بالعرض . فأما الاستدلال عليها من الأشياء التي ليست بطبيعية فهو أنها أكثر ما تتولد في زمان الشتاء وإذا كان مزا ج الهواء الحاضر مشاكلا لطبيعة الزمان في البرودة والرطوبة ومزاج البلدة كذلك وبخاصة إذا كان العليل في حال صحته مدمنا على الدعة والسكون كثير الترفة قليل التعب والنصب . وأما الاستدلال عليها من الأشياء الخارجة من الطبيعة فهو أن هذه الحمى تعرض لأصحابها في الابتداء ببرد شديد شبيه بالزمهرير يبرد منه البدن كله ms21 PageV01P087 حتى يصل ذلك إلى أطراف اليدين والرجلين ويمكث ذلك بصاحبه ساعة. فإذا عفن البلغم وحمي تصاعدت حرارته رويدا رويدا وزال البرد وكانت الحمى خفيفة رطبة الحركة إلا أنها متطاولة مخوفة وهذه الحمى مقرونة بألم المعدة وذلك أن أكثر تولد البلغم في أكثر الحالات إنما يكون في فم المعدة ولذلك يتقيؤون قيئا بلغمانيا ويعرض لهم الغثي وتتهبج وجوههم وتصير ألوانهم رصاصية مائلة إلى البياض والكمودة وتكون أفواههم رطبة وأكثر ذلك لا يعطشون. وإنما يصل المتطبب إلى كيفية علاج هذه الحمى وصورتها من طبيعة البلغم وذلك أن من البلغم البارد الرطب وعلى الحقيقة وهو النوع الطبيعي المتولد عن PageV01P088 صفو الدم ومائيته. ومنه ما هو أبرد وأغلظ وأقل رطوبة مثل البلغم الحامض المتولد عن غلبة البرد على صفو الدم ومائيته ، ومنه ما هو أسخن وأجف مثل البلغم المالح المتولد عن غلبة الحرارة على صفو الدم ومائيته. فإذا وجد العليل مع الحمى عطشا وجفاف الفم تبين لنا أن تولد الحمى من بلغم مالح وأمرنا عند ذلك أن يعطى العليل السكنجبين السكري والماء الحار على الريق فإذا جاء وقت النوبة وحدث البرد أنزلوا أرجلهم في ماء قد طبخ فيه بابونج وشبث ونوار بنفسج ويدلك تحت القدمين بملح ودهن بنفسج. فإذا جاء القيء طوعا في ابتداء المرض دل على لطافة PageV01P089 الفضل وخفته وسرعة حركته، فإن لم يأت القيء طوعا فلا تستجلبه كرها لأن امتناع القيء في ابتداء المرض دال على أن الفضل غليظ جامد ممتنع الذوبان بطيء الحركة، ويأكل العليل وردا مربى سكريا ويشرب عليه ماء حارا لأن الماء الحار محمود في هذه الحمى جدا لأنه يذيب المادة ويلطفها ويحللها . ثم يتناول بعد الورد المربى بساعة حسو الشعير مع السكنجبين السكري. فان كانت الطبيعة مجيبة وإلا فيعطون من ماء اللبلاب إلى نصف رطل مع أوقية سكر سليماني أو يحل فيه ترنجبين PageV01P090 خراساني وورد مربى من كل واحد أوقية ويصفى ويشرب. فإن أجابت الطبيعة بذلك وإلا فتتخذ لهم حقنة لطيفة أو فتل مسهلة. فإن ذكر العليل أنه ms22 يحس نفخا وقراقرا في أمعائه أو شكى غثيانا وتقلبا في معدته علمنا عند ذلك أن المادة قد ذابت وسالت وطلبت الخروج. أما بالإسهال إن كان يجد نفخا وقراقرا فيجب أن تعين الطبيعة على إخراج المادة بلطافة ورفق مثل أن يسقى العليل مطبوخا لطيفا مأمونا أو حبوبا على مثل ذلك أو يسقى أقراص الورد المسهلة وما PageV01P091 أشبه ذلك. فإن شكى غثيانا وتقلبا في معدته أمرنا العليل عند ابتداء البرد من كل نوبة أن يشرب السكنجبين السكري وماء الشبث مطبوخا ويستجلب القيء من غير عنف على المعدة. فإن لم يكن في قوة البدن احتمال الأدوية المسهلة فيحتال في تدبيرهم بتلطيف المادة وتنقيتها من غير عنف على الطبيعة ، ويكون ذلك على حسب طبيعة المادة والغالب عليها وطبيعة العضو الذي المادة مائلة إليه . فإن كانت المادة بلغما مالحا وكانت مائلة نحو الكبد سقيناه من الأدوية ما كان مخصوصا بتنظيف الكبد وتلطيف المادة وإخراجها بالبول مثل أقراص الطباشير أو أقراص الكافور أو أقراص PageV01P092 الصندل مع السكنجبين السكري . فإن كان البلغم حامضا فيسقى أقراص الورد أو أقراص البرباريس أو أقراص الآنيسون مع ماء الهندباء وماء الرازيانج وماء الكرفس من جميعها نصف رطل مع أوقية شراب سكنجبين عسلي وقرصة من أحد هذه الأقراص التي ذكرنا ويلزم مثل هذا التدبير أسبوعا . فإن طالت الحمى ولم تذهب بمثل هذا التدبير فيعطون مطبوخ الأصول على ما ذكرنا في المقالة الخامسة من هذا الكتاب أو شراب الإذخر أو شراب الافسنتين ، فإن كانت المادة مائلة نحو المعدة وكان البلغم حامضا فينبغي أن نعالج في ابتداء المرض بشراب العسل وماء حار أو شراب PageV01P093 سكنجبين عمسلي وماء حار ويغذوا بحسو الشعير المطبوخ مع قشور أصول الرازيانج وأصول الكرفس ويلقى عليه بعد تصفيته سكنجبين عسلي. ويسقون في وقت يعرض لهم البرد عند ابتداء نوبة الحمى ماء الشبث وشراب سكنجبين عسلي مع فجل مقطع ويستدعوا القيء وتنزل أرجلهم في ماء قد طبخ فيه بابونج وشبث وإكليل الملك ونمام وقيصوم. فإن جاءهم القيء طوعا فلا يمتنعون منه ms23 وبخاصة في ابتداء المرض ويعطى الورد المربى العسلي بالماء الحار . فإذا نضج الفضل فيسقى عند ذلك نقيع الصبر أو نقيع الإيارج أو مطبوخ الأفسنتين أو حب المصتكى والصبر. فإن كانت قوة العليل تضعف عن احتمال ما وصفنا فيعطى أقراص الغافت أو أقراص الأفسنتين أو أقراص PageV01P094 الراوند مع مياه البقول وشراب سكنجبين عسلي ويستدعوا القيء عند ابتداء النوبة ويمتنعوا من الغذاء إلى أن تنقضي سورة الحمى ولا يقصدوا من التدبير ألطفه لأن هذه الحمى فيها طول مدة وبعد انحلال. فإذا قصدوا من التدبير ألطفه مع طول مدة المرض حارت القوة وضعفت، وإذا ظهر لنا دلائل النضج في البول فينبغي أن نكمد المعدة ونمرخها بأشياء مقوية مزيلة للفضول عنها مثل دهن الناردين أو دهن المصطكى أو دهن الأفسنتين أو دهن الشبث وما أشبه ذلك من الأدهان وتكمد بماء قد طبخ فيه بابونج وسنبل ومصطكى وأفسنتين وما أشبه ذلك. وتضمد بضمادات حارة معتدلة عطرية ويمزجوا الماء PageV01P095 بالشراب الرفيع أو شراب العسل المطبوخ بالأفاويه ويسقوا من الأدوية النافعة لمن به فساد المعدة لأن هذه الحمى مخصوصة بألم المعدة كما بينا وشرحنا. PageV01P096 ms24