######OpenITI# #META# bkid: 14608 #META# bk: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار #META# المؤلف: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي المعروف بابن القصار (المتوفى: 397ه) #META# دراسة وتحقيق: د. عبد الحميد بن سعد بن ناصر السعودي #META# الناشر: مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض - المملكة العربية السعودية #META# عام النشر: 1426 ه - 2006 م #META# عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: #META# auth: ابن القصار #META# authinf: شيخ المالكية. حدث عن: علي بن الفضل الستوري وغيره. روى عنه: أبو ذر الحافظ، وأبو الحسين بن المهتدي بالله. وثقه الخطيب. وكان من كبار تلامذة القاضي أبي بكر الأبهري، يذكر مع أبي القاسم الجلاب. قال أبو إسحاق الشيرازي: له كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعرف لهم كتابا في الخلاف أحسن منه. قال القاضي عياض: كان أصوليا نظارا، ولي قضاء بغداد. وقال أبو ذر: هو أفقه من لقيت من المالكيين، وكان ثقة قليل الحديث. قال ابن أبي الفوارس: مات في ثامن ذي القعدة، سنة سبع وتسعين وثلاث مائة. ويقال: مات سنة ثمان، والأول أصح. نقلا عن «سير أعلام النبلاء» للذهبي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 14608 #META# over: 1 #META# seal: 8D0E5346 #META# oauth: 2696 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: فقه مالكي #META# lng: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي المعروف بابن القصار #META# higrid: 397 #META# ad: 397 #META# aseal: 89512C1D #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/14608 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على محمد وآله # كتاب الطهارة ### | AUTO [1] مسألة # عند مالك - رحمه الله - غسل اليدين قبل الطهارة مندوب إليه وليس بواجب، ~~وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، وو الشافعي سواء كان حدثه من نوم الليل أو ~~النهار، أو أي حدث كان. PageV01P075 # وحكي عن أحمد بن حنبل - رحمه الله - إنه إن كان من نوم الليل دون النهار واجب. # وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب من أي نوم كان: تعبدا لا لنجاسة. # فإن أدخلهما الإناء قبل غسلهما يفسد الماء. # وو قال الحسن البصري: إن أدخلهما الإناء قبل غسلهما نجس PageV01P076 # الماء، تحقق النجاسة على يده أو لا. # والدليل على صحة قولنا هذا: أن الوجوب يحتاج إلى شرع، فلا توجب شيئا إلا ~~بدلالة. # وأيضا فإن الله - تعالى - قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} الآية، فأمرنا بغسل الأربعة الأعضاء، ولم يأمر ~~بغسل اليد قبل ذلك، فلو كان يجب علينا حكم غير ذلك لذكره، فلا توجب غير ما ~~ذكر إلا بدليل. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، ~~وبين PageV01P077 # له الذي أمره الله - تعالى - غسل الأربعة الأعضاء، كاملة فقط وهذا موضع ~~تعليم، فلو كان غسل اليدين قبل ذلك واجبا لبينه له. # وأيضا الحديث الذي قبل فيه: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء كما ~~أمره الله - تعالى - فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فدل [على] ~~أن هذا القدر يجزئه، وان ما دونه لا يجزئه. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم «وإنما لا مرئ ما نوى»، ومن غسل هذه PageV01P078 # الأعضاء الأربعة ونوى بها الطهارة، فله ما نواه. # وأيضا فإن النوم لا يخلو أن يكون حدثا في نفسه أو سببا للحدث، بل هو سبب ~~للحدث كمس الذكر، وملامسة النساء، والقبلة للشهوة، وعلى الأحوال كلها، فلا ~~يجب غسل اليد عند وجود الحدث، ولا عند سببه: كما ذكرنا من اللمس أو الغائط ~~والبول. وجميع ذلك لا يوجب تنجيس اليد، ولا فساد الطهارة ms001 وإن لم يغسل. # وأيضا: فإننا نقول لهم: لا تخلون من أحد أمرين: إما أن تأمروه بغسل اليد، ~~فإن لم يفعل نجس الماء، أو تقولوا: إن طهارته لا تصح إلا بذلك، وفي الأمرين ~~جميعا: لا يجب ذلك بإجماع؛ لأن ما كان متعبدا به لجل الحدث لا لأجل نجاسة ~~فإنه لا يتغير بأي حدث كان، سواء كان بنوم أو غائط أو بول أو لمس. فلما ~~اتفقنا على أنه لو خرجت منه ريح أو غائط لم يجب غسل اليدين، ولا تنجيس ~~الماء، ولا فساد الطهارة - مع يقين الحدث الموجود به - كان في حدث النوم - ~~الذي هو غير متيقن، وهو أخفض مرتبة، وقد سقطت الطهارة PageV01P079 # فيه إذا نام جالسا - أولى أن لا يجب. # وأيضا: فلو كان يفسد الماء لأجل نجاسة في يده: فإن الماء - عندنا - إذا ~~لم يتغير بأحد الوصاف من ريح أو لون أو طعم لم ينجس. وهذا أصل لنا، فإن ~~اخترتم نقل الكلام إليه فذلك إليكم. # ثم مع هذا فاليد على أصل الطهارة: لأنه لو أدخلها في طعام أو شراب لم ~~ينجس، مع أن المائعات لا تدفع النجس ولا تجوز الطهارة بها. فالماء الذي ~~يدفع النجس عن نفسه، وتجوز الطهارة به: أولى ألا ينجس بإدخال يده فيه. # فإن قيل: الدليل على وجوب ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم:» إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه حتى يصب عليها صبة أو صبتين؛ فإنه لا ~~يدري أين باتت يده». وفي بعض الأخبار: «حتى PageV01P080 # يغسلها ثلاثا: فإنه لا يدري أين باتت يده»، وهذا أمر ظاهره الوجوب كقوله: ~~- تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، وذلك على الوجوب له. # قيل له: الحديث يدل على أنه استحباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل ~~ونبه؛ بقوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، فعلمنا أنه على طريق ~~الاحتياط، وأعلمنا بهذا أيضا: أنه ليس لأجل الحدث بالنوم؛ لأنه لو كان ~~لذلك، لم يحتج للاعتلال». # والذي يدل أيضا على أنه على طريق الاحتياط: أن قائلا ms002 لو قال: اسلك هذا ~~الطريق، واترك الطريق الآخر؛ فإنك لا تدري ما فيه، وكذلك لو قال: اغسل ~~ثوبك؛ فإنك لا تدري أي شيء فيه، وهل أصابه نجس أو لا؟ لعلم أن ذلك على طريق ~~الاحتياط، وإن كان لو تجرد قوله: اغسل ثوبك، لدل على الوجوب، غير أن الذي ~~اقتران به دل على أنه على الاحتياط. PageV01P081 # وفي حديث في السنن لأبي داود: «فإن أحدكم لا يدري أين طافت يده»، وهذا ~~يدل على أنه استحباب؛ لن الإنسان لا يأمن أن تطوف يده في المواضع التي إذا ~~لاقتها يده استقذر أن يدخلها في وضوئه، وتعافته نفسه؛ كإبطه ومغابنه ~~الغامضة. # فإن قيل: إن هذا التعليم أل يمنع من وجوب ذلك، كما قال - تعالى -: {إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وكقوله: {إنما الخمر PageV01P082 # والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}، وكقوله: {إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}، ولم يدل ذلك على أن الصلاة ليست ~~بواجبة، وإن اجتناب الخمر ليس بواجب. # قيل له: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن الله - تعالى - أوجب علينا ~~الصلاة، ثم وصفها بأنها تفعل ذلك، فكان هذا مؤكدا لإيجابها، وكذلك ما ذكره ~~مما تفعله الخمر مؤكد لإيجاب اجتنابها، وليس كذلك ههنا، لأنه بين أن الغسل ~~لأجل الشك. # ولو كان ظاهر الخمر معهم لم يمتنع أن نخصه بدلالة القياس، وذلك أننا قد ~~اتفقنا على أنه لو أحدث بغير النوم وادخل يده في الماء لم ينجس، وأجزأته ~~الطهارة، والمعنى في ذلك: أنه لا يتقين نجاسة في يده فكان النوم مثله، أو ~~بعلة أن يده طاهرة وهو منتقض الطهر. # ويجوز أن تلزم من يوجبه من نوم الليل دون نوم النهار القياس على نوم ~~النهار: لعلة أنه قائم من النوم لا يعلم في يده نجاسة، أو بعلة أنه لو ~~أدخلها في طعام أو شارب غير الماء لم يفسده، ولم يجب غسل يده إن أدخلها ~~فيه، وكذلك نوم الليل. # فإن قيل: ms003 فإنه - عليه الصلاة والسلام - غسل يده PageV01P083 # وأفعاله على الوجوب. # قيل: لو تجرد عما قارنه من الاعتلال في الخبر فدل على أنه على الاستحباب. # ويجوز أيضا: أن ننقله من الوجوب إلى الاستحباب بدلالة القياس الذي ~~ذكرناه. أو نحرر علة أخرى فنقول: هذا عضو قد تعبدنا بغسله في جملة الأعضاء ~~ألربعة، فلم يجب غسله مرتين قياسا على الوجه والرجلين. PageV01P084 # فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العينان وكاء السه فإذا نامت ~~العينان استطلق الوكاء»، فأخرجه مخرج الاعتلال، وقد يستطلق PageV01P085 # الوكاء، وقد لا يستطلق ومع هذا فإن الوضوء واجب، وكذلك قوله: «فليغسل يده ~~قبل إدخالها في وضوئه؛ فإنه لا يدري أين باتت يده»، فينبغي أن يكون غسل يده ~~واجبا. PageV01P086 # قيل له: إذا نام فالغالب من أمره خروج الحدث منه، وليس الغالب منه ملاقاة ~~يده النجاسة. # وأيضا: فإن الطرف الواحد لا يستحق تطهيره مرتين في طهر واحد، والدليل على ~~هذا غسل الرجلين. # وأما ما ذهب إلى التفرقة بين نوم الليل والنهار، فلا معنى لقوله: لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده، ~~ولم يفرق بين نوم الليل ونوم النهار، فدل على أنهما مشتركان من طريق ~~المعنى. # فإن قيل: الخبر ورد في نوم الليل؛ لأنه قال: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». # قيل له: فيجمع بينهما بعلة أنه قائم من النوم، لا يتيقن على يده نجاسة. ~~وقد روي في بعض الأخبار: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، واليد تطوف في نوم ~~النهار كما تطوف في نوم الليل. # وقد روى أنس بن السري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه توضأ فاستوكف ~~ثلاثا). PageV01P087 # قال الراوي: معنى استوكف ثلاثا: أي غسل كفه ثلاثا، ولم يبين أي وضوء هو ~~من الليل أو النهار. # ويجوز أن نقول: هي طهارة من حدث فوجب أن لا تتكرر بعض الأعضاء فيها، أصله ~~التيمم. PageV01P088 ### | AUTO [2] مسألة # عند مالك وكافة الفقهاء -رحمهم الله - أن التسمية عند الوضوء ليست ~~بواجبة، إلا عند داوود، وقوم من ms004 أهل الظاهر، فإنهم قالوا: PageV01P089 # إنها واجبة لا يجزئ الوضوء بها، سواء تركها ناسيا أو عامدا. # وقال إسحاق بن راهويه: إن نسيها أجزأته طهارته. # والدليل لقولنا والجماعة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما لأمرئ ما ~~نوى»، ومن توضأ ونوى ولم يسم فقد حصل له ما نواه من الطهارة. # وأيضا قول الله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، الآية، ~~فأوجب علينا عند القيام إلى الصلاة غسل الأربعة الأعضاء، ولم يذكر التسمية، ~~فلا نوجب غير ما أوجبه إلا بدلالة. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، وهذا PageV01P090 # موضع تعليم، فقال له: "اغسل وجهك وامسح برأسك واغسل رجليك"، فلو كانت ~~التسمية واجبة لعلمه ذلك. # وأيضا الحديث الآخر الذي قيل فيه: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء ~~فيغسل وجهه ويديه"، فأعلمنا ما تجزئ به الصلاة ولم يذكر التسمية، فظاهره ~~أنها تجزئ بغيرها. # وأيضا ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه ~~كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا ~~لأعضائه»، فعلمنا بهذا أن ترك التسمية لا يفسد الوضوء وأنه يطهر الأعضاء ~~المأمور بغسلها، غير أنه أنقص حالا منه إذا سمى، وكذلك نقول: إنها أفضل. PageV01P091 # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور»، وهو نكرة، فإذا صلى ~~بما يسمى طهورا أجزأه أي طهور كان، إلا أن تقوم دلالة في إلحاق شيء آخر. # ومن طريق القياس: اتفقنا في الصيام أنه لا يجب في أوله نطق فلم يجب في ~~آخره، فكل عباده عل البدن لا يجب النطق في آخرها لم يجب في أولها، ونجد ~~الحج كذلك لما كان يخرج منه بغير نطق لم يجب في أوله نطق، وإنما التلبية ~~سنة في أوله، ثم نعكس العلة PageV01P092 # فنجدها مستمرة، وذلك أالصلاة لما كان في آخرها نطق واجب - هو السلام - ~~وجب النطق في أولها. # ونقيس عليه: لو سمى وتوضأ: بعلة أنه مكلف غسل الأربعة أعضاء بالماء ~~المطلق، ووجود النية مع ms005 الموالاة. # وأيضا: فقد حكي عنهم أنه لا يجب عند غسل الجنابة والحيض. # فإن كان هذا صحيحا قسنا عليه: لعلة طهارة عن حدث أو تنتقض بالحدث فلم تجب ~~التسمية فيها. # والقياس على غسل النجاسة: بعلة أنها طهارة للصلاة، فكل طهارة للصلاة وجبت ~~لأجل الصلاة أو تستباح بها الصلاة فلا تجب التسمية فيها. PageV01P093 # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا وضوء لمن لم يذكر اسم ~~الله عليه». PageV01P094 # قيل: فقد سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن هذا، فقال: لا أعلم حديثا ~~إسناده جيد. # ونقول أيضا: فقد ذكرنا ما هو أخص من خبرهم، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام -: - «من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع أعضائه»، فعلمنا بهذا ~~أن طهارة أعضائه قد حصلت، وأن الذي ذكره من التسمية للكمال، فكأنه قال: لا ~~وضوء كاملا، كما قال: لا صلاة لجار المسجد إلا ي المسجد»، و «لا إمان لمن ~~لا أمانة له». PageV01P096 # وأيضا: فلو سلم الظاهر لكان بعض القياسات التي تقدمت تخصه. # وأيضا: فإنه عموم فبأي ذكر ذكر اسم الله -تعالى - أجزأه، فإذا ذكره بقلبه ~~أجزاه، لأن الذكر بالقلب يقع كما يقع باللسان، بل لو قلنا إن الحقيقة هو ~~الذكر بالقلب لجاز ذلك، لأنه يقال: ذاكر وناس، وفي القول: ناطق وساكت. # والدليل على أن يكون بالقلب: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يقول الله عز وجل: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منهم». # ففسر ربيعة ذلك، وقال: هو فيمن يتوضأ أو يغتسل ولا ينوي. PageV01P097 # فإن قيل: لو أراد الذكر بالقلب لقال: لا وضوء لمن لا يذكر الله فلما قال: ~~اسم الله، علمنا أنه أراد باللسان. # قيل: لا فرق بين ذلك، فما صح أن يذكره بلسانه، صح ذكره بقلبه، وقد قال ~~-تعالى -: {{وذكر اسم ربه}. # وعلى هذا حمل قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}. # قيل في أحد التأويلات: الذكر بالقلب. # وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه ms006 وسلم نفاه مع عدم التسمية، وأثبته مع ~~وجودها فمن سمى بقلبه وقع عليه اسم ذاكر، فعمومه يقتضي جواز الوضوء، فمن ~~طلب تسمية على صفة دون صفة فعليه الدليل. # فإن قيل: نحن نقول: إنه متعلق بالنطق فمتى وجد النطق صح. # قيل: لا نخالف في هذا، بل نقول: متى وجد ذكر بالقلب صح، وإن وجد ذكر ~~باللسان صح. # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء، وقال: PageV01P098 # «توضؤوا باسم الله». # قيل: هذا دليل لنا؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - وضع يده في الإناء قبل وضوئه. # وأيضا فلم يقل: توضؤوا وسموا، وإنما سمى هو عليه السلام، فلو كانت واجبة ~~لقال لهم: قولوا: بسم الله. ولو ثبت لهم الظاهر لكان مخصوصا بالقياس الذي تقدم. # فإن قاسوا ذلك على الصلاة فقد ذكر الصلاة، وأنه لما وجب النطق في آخرها ~~وجب في أولها. # على أننا قد ذكرنا قياسات أخرى تعارض قياسهم. # ولنا فضل الترجيح باطراد العلة واستمرارها في العكس. PageV01P099 # ولأنها ثبتت عكسيا، وهو إسقاط حكم الطهارة التي عليه إذا أراد الصلاة. # ولنا أن نقيس ذلك عليه إذا نسي التسمية، بعلة أنها عبادة موضوعة على ~~الفعل دون القول. # ولنا أن نقيس ذلك على الاعتكاف؛ بعلة أنها عبادة لا يخرج منها بالكلام ~~فلم يجب الدخول فيها بكلام، ولأنها عبادة يفسدها الجماع، ولا يجب في آخرها ~~نطق فكذلك غي الطهارة، دليله الحج. # وأيضا فالعبادات على ضربين: # ضرب لا يجب في خاتمته نطق، فلا يجب في فاتحته كالصوم. # وضرب يجب في مختتمه نطق، فكذلك في مفتتحه كالصلاة، فلما كان الوضوء ~~بالاتفاق لا يجب في انتهائه نطق، فكذلك لا يجب في ابتدائه اعتبارا بالأصول، ~~وهذا أقوى من كل قياس يوردونه. PageV01P100 # ولك أيضا أن نقول: تعري الطهارة عن التسمية لا يبطلها، الدليل على ذلك ~~أنه لو نسي أو جهل أو تأول تركها: لأن الواجب إذا ترك لم يسقط بالنسيان، ~~ولا بما ذكرناه، وهذا كلام على إسحاق بن راهويه. # قال القاضي: ولي طريقة أنا أعتمد عليها في قوله عليه السلام: ms007 «لا وضوء ~~لمن لم يذكر اسم الله»، وهي: أن قوله: «لا وضوء»، معقول أنه لم يرد وجود ~~الوضوء، لأننا نجده بلا نية ولا تسمية، وإنما أراد الحكم فقصد الظاهر ~~مصروفا عن حقيقته إلى المجاز، إذا الحكم غير مذكور في الفظ، وإنما هو مضمر ~~محذوف من اللفظ، ومثل هذا لا يصلح لاستدلال بظاهره. # فإن قيل: هذا معلوم من فحوى الخطاب أنه أراد الحكم؛ لأن الوجود سقط بدليل العقل. # قيل: فالمراد الحكم، وليس هو مذكور في اللفظ، والحكم يحتمل PageV01P101 # أن يكون هو الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال، ولا يجوز أن يدعي فيه العموم ~~من وجهين. # أحدهما: أن العموم يكون في الألفاظ لا في المضمرات. # والثاني: أنه يتنافى وجود الكمال مع نفي الإجزاء، لأنه إذا انتفى الإجزاء ~~انتفى تالكمال لا محالة، وإذا انتفى الكمال لم ينتف الإجزاء، وإذا كان هذا ~~هكذا لم يكن لكم صرف المضمر المطلوب وهو الحكم إلى الإجزاء دون أن نصرفه ~~نحن إلى الكمال، فيتعارض الاحتمالان ويسقطان، ويحتاجون إلى شيء آخر، وبالله ~~التوفيق. PageV01P102 ### | AUTO [3] مسألة # قال مالك - رحمه الله - لا تجزئ طهارة من غسل ولا وضوء ولا تيمم إلا ~~بنية، فمتى عري شيء من ذلك من النية لم يجزئ، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وأبو ثور. # وقال الأوزاعي: لا يفتقر شيء منها على النية، لا التيمم ولا الطهارة ~~بالماء. PageV01P103 # وذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى نية، ~~والتيمم لا بد من نية، ويقولون: لو قصد بالماء التبرد أو التنظف أو السباحة ~~فيه فأصاب الماء تلك الأعضاء أجزأه. # ولصحة قول مالك -رحمه الله - في هذه المسألة أدلة منها: # أننا اتفقنا على أنه محدث، ثم اختلفنا هل ارتفع حدثه أم لا؟ # فنحن على ما كنا عليه. # فإن قيل: فنحن نقول: ما نعلق على ذمته طهارة إلا على هذه الصفة. # قيل: قد فرضنا المسألة في رفع الحدث، فلا خلاف بيننا أنه إذا قدر على ~~استعمال الماء فإن عليه أن يرفع الحدث، فمن ادعى أنه قد ارتفع فعليه ~~الدليل. PageV01P104 # وأيضا ms008 قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، فتقديره ~~عند أهل اللغة: فاغسلوا للصلاة، فمتى غسل لتنظيف أو تبرد ولم يغسل للصلاة ~~لم يفعل المأمور به، ومثال هذا: قوله -تعالى -: {الزانية والزاني فاجلدوا}، ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، فكل هذا جزاء؛ لأنه جواب الشرط ~~بالفاء، وإنما يقطع لأنه سرق، ويجلد لأنه زنى، وكذلك قوله: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}، وإنما وجبت الطهارة لنه جنب، لا للنظافة والتبرد. # فإن قيل: فنحن نقول: إذا غسل بعد القيام للصلاة، فما الدليل على أنه ~~يحتاج إلى النية؟ ألا ترى إذا قال لعبده: إذا خرج زيد الدار فأعطه درهما، ~~فأعطاه عند دخوله، فليس يحتاج الغلام أن ينوي، فكذلك هذا. # قيل: لم تحصلوا علينا ما قررنا؛ لأنه إذا ثبت أن عليه أن يغسل وجهه ~~للصلاة، فمتى غسل للتبرد أو التنظيف فلم يغسل للصلاة، ووزان هذا من ~~مسألتنا: أن العبد المأمور لو أعطاه درهما من متاجره، أو بنية عن نفسه لم ~~يكن قد فعل المأمور به؛ لأن إعطاءه إياه لم يوجبه دخول الدار. PageV01P105 # فإن قيل: فإن هذه الآية مخالفة لقوله -تعالى - {الزانية والزاني}، ~~ومفارقة لقوله -عليه السلام: «إذا زنى وهو محصن فارجموه»؛ لأن ذلك على طريق ~~الجزاء، ولا خلاف بيننا أن الطهارة ليست جزاء للصلاة. # قيل: إن قولنا: جزاء وجواب للشرط نريد به أن هذا الشيء إنما وجب لأجل كذا ~~وكذا، فنقول: إن الطهارة وجب أن تفعل لأجل الصلاة، وهذا عمدة من الأدلة. # وأيضا قوله -تعالى -: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، ~~والوضوء من الدين، فيجب أن نخلصه، والإخلاص هو القصد. # فإن قيل: نحن نقول: إن هذا مخلص. # يل: هذا غلط، لأن الإخلاص هو أن يكون العامل ذاكرا لمخلص PageV01P106 # له، فأما وهو لا يخطر بقلبه، وهو معتقد اللعب بالماء فلا يقال: إنه مخلص. # فإن قيل: فإنه أراد بالإخلاص نفس الإيمان؛ وهذا (هو) لأن ضد الإخلاص الشرك. # قال شيخ منهم: ويلزم (هذا) على هذا أن يقولوا: إن من لم ينو فهو مشرك، ~~وقال: على أنه قال -تعالى - {حنفاء ms009 ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة}، والوضوء ليس بمفروض في نفسه، فلا نقول: إنه من الدين. # فالجواب: أن قوله: إنه أراد الإيمان، فإن الله -تعالى - قال: {مخلصين له ~~الدين}، فكأنه قال: أخلصوا لله الدين، والوضوء من الدين. PageV01P107 # وقولهم: إن لم ينو فهو مشرك، فنحن نقول: إنه من لم يخلص هذا العمل له ~~-تعالى - فما اتبع ما أمره الله به من الإخلاص، ولا نقول: إنه مشرك، ولكنه ~~لم يعمل شيئا. # على أننا لو قلنا: إنه قد أشرك في العمل غير الله -تعالى - لكان ذلك، ولا ~~يكون كافرا بل يكون له حكم من أحكام المشركين، كما قال عليه السلام: «من ~~ترك الصلاة فقد كفر». # وقد روي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله -تعالى - من عمل ~~عملا أشرك فيه غيري فهو له، وأنال منه بريء، أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، ~~وقد يصلي الإنسان لله -تعالى -، ولأن يراه الناس فيكون PageV01P108 # فيه ضرب من الرياء، ولا يكون كافرا». # وأما قوله: لا نسمي الطهارة من الدين، ولا خلاف بين المسلمين بأن الوضوء ~~واجب، وهو من دين المسلمين، وهذا قبح من قائله جدا. # دليل: وهو قوله -تعالى - {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم}، فأعلمنا - تعالى - أن الأعمال التي أمر بها لا تنفعه ولا ~~تضره، ولا يحصل من ذلك إلا حسن الإخلاص. # دليل: وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الوضوء شطر ~~الإيمان»، ثم اتفقنا على أن الإيمان لا يصح إلا بنية وقصد، وكذلك PageV01P109 # شطره؛ لأن الشيء إذا كان شرطا في شيء فكل جزء منه له قسط من الشرط، وهذا ~~الخبر يدل على أن الوضوء عبادة كالإيمان. # دليل: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه»، ثم قد ثبت - ندنا وعندهم - أن الوضوء يجزئ، وإن لم يذكر ~~اسم الله باللسان، فصح أنه أراد ذكر القلب وهو النية. # فإن قيل: فظاهر هذا يقتضي ذكر الله -تعالى - وليس ms010 هنا موضع الخلاف، وإنما ~~الخلاف في النية. # قيل: الخلاف في القصد، والقصد في الوضوء للصلاة هو ذكر الله -تعالى - ~~ولولا هذا لبطلت فائدة الحديث. # دليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات، وإنما لأمرئ ما نوى». # وفي هذا الحديث دليلان: # أحدهما: قوله: «الأعمال بالنيات»، فيحتمل أحد امرين: إما وجود الأعمال ~~بالنيات، ولا توجد بغير نية، وهذا غير مراد لأنها توجد في المشاهدات بغير ~~نية. PageV01P110 # أو يكون أراد بالأعمال المقرب بها من المجزئة بالنية. # فهذا هو المراد، وظاهر قوله: «الأعمال بالنيات»؛ أي: عمادها بذلك، كما ~~يقال: الطير بجناحيه، والأمير بجيشه؛ أي: عماد ذلك بهذا. # والدلالة الثانية؛ قوله: «وإنما لامرئ ما نوى»، فدل على أن ما لم ينوه لا ~~يكون له. # فإن قيل: فليس في هذا الخبر دلالة: لأنه خرج على سبب وهو قصد المهاجرة، ~~ألا تراه قال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه»، فوجب أن نقصره على الهجرة. # قيل: النبي صلى الله عليه وسلم أخرج هذا خرج العموم، ثم ذكر بعض ما شمله ~~العموم، ولو أراد الهجرة وحدها لقال: إنما الهجرة التي هي عمل واحد، فلما ~~عدل عن ذلك وقال: «الأعمال بالنيات»، لم يجز أن نصرفه إلى عمل واحد. # وعلى أنه عليه السلام نبه على المعنى وهو المقاصد، ولا فرق بين الهجرة ~~وغيرها. # دليل: وهو قوله -تعالى -: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، فمن سعى في ~~اللعب بالماء لم تحصل له عبادة. PageV01P111 # دلائل القياس # اتفقنا أن التيمم لا يصح بغير نية، والمعنى فيه أنها طهارة تجب عن حدث، ~~أو تنقض بالحدث، أو تستباح بها الصلاة لا لنجاسة، فكذلك الوضوء. # فإن قيل: أن التيمم مفارق للوضوء بالماء من وجوه: # أحدها: أن الله -تعالى - قال في الماء: {فاغسلوا وجوهكم}، ولم يذكر نية، ~~وقال في التيمم: {فتيمموا}، والتيمم: القصد، قال الله -تعالى: {ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون}. # وأيضا فإن الوضوء يرفع الحدث وليس التيمم كذلك. ms011 # وأيضا فإن التيمم لا يصلى به إلا صلاة واحدة -عندكم -، مفروضة، والوضوء ~~بخلاف ذلك. PageV01P112 # وأيضا فلا يجوز التيمم قبل الوقت، وليس الوضوء كذلك. # وأيضا فإن النية تدخل لتميز الأفعال المتفقة، فلما كان الوضوء من جميع ~~الأحداث على صفة واحدة لا يختلف لم يحتج إلى نية، فشابه النجاسات، وليس ~~التيمم كذلك؛ فإنه يقع عن حديث الجنابة تارة وله حكم، وعن الغائط وله حكم، ~~وعن البول الذي له حكم آخر، فاحتيج إلى النية فيه. # وأيضا فإن الماء طهور في نفسه، يقوي حكمه فلم يحتج إلى النية، ولما كان ~~التراب بدلا عنه للضرورة، وليس بطهور في نفسه احتيج إلى النية. # فجواب ذلك: أما قولهم: إن الله -تعالى - فرق بين التيمم والغسل، فقال في ~~التيمم: اقصدوا، فنقول في هذا: إنا لو سلمنا لكم أن الله -تعالى - نص على ~~النية في التيمم، وأمسك عنها في الوضوء -لجاز لنا القياس، فنقيس المسكوت ~~عنه على المنصوص عليه. # وأيضا فإن الأمر بخلاف ما ظننتم، ليس في الآية أكثر من القصد إلى التراب، ~~ثم إذا قصدناه هل ننوي المسح منه أو لا؟ ليس في الآية، وقد نقصد إلى ~~الصعيد، ثم يصح أن ننوي به تعليم إنان فلا تكون النية فيه. # فإن قيل: فقد أجمعوا على أن المضي إلى التراب لا يحتاج إلى PageV01P113 # نية، فعلم أنه أراد أن ينوي عند المسح. # قيل: ليس هذا في الظاهر، وقد قلنا: إنه يجوز أن ينوي به تعليم إنسان. # فإن قيل: فقد فرق الله -تعالى - بينهما في اللفظ، فقال في الوضوء: ~~{فاغسلوا}، ولم يقل: فاقصدوا الماء واغسلوا، وقال في التيمم، اقصدوا التراب ~~وامسحوا. # قيل: لا يتأتى الغسل إلا بقصد الماء، ولا يتأتى التيمم إلا بقصد التراب، ~~ولكن لما كان الغسل هو المشهور لم يذكر فيه القصد، فإذا عدم الماء قيل: ~~فاعدلوا إلى الصعيد الذي تستعملونه، وجملة الأمر أنا قد قسناه عليه، ولا ~~يلزم الفرق بالظواهر. # والجواب عما ذكروه من رفع الحدث في الوضوء وان التيمم لا يرفعه، فهذا ~~تأكيد لما ذكرناه؛ لأن الماء لما ms012 كان يرفع الحدث ويعمل ما لا يعمله الصعيد ~~احتيج فيه إلى نية، ولما كان الصعيد أضعف منه خفف فلم يحتج فيه على نية، ~~فلما دخلته النية مع ضعفه كان في الماء أولى أن تدخله النية. # والجواب عما ذكروه من أن التيمم لا يصلى به إلا صلاة واحدة فإنه ينقلب ~~عليهم؛ لأنهم يصلون به صلوات كثيرة. # على أن هذا يدل على صحة قولنا: لأن الوضوء لما كان يعمل أعمالا كثيرة ~~احتيج فيه من النية إلى أكثر مما يحتاج إليه في التيمم. # وعلى أن افتراقهما من هذه الوجوه لا يمنع من اجتماعهما في PageV01P114 # الموضع الذي جمعتهما العلة فيه. # والجواب عن قولهم: إن التيمم لا يجوز -عندنا - قبل الوقت، فكذلك هو على ~~أصولنا، ولكنه يؤكد أمر الوضوء؛ لأنه لما جاز أن يفعل قبل وجوبه كان إلى ~~النية أحوج من التيمم الذي لا يجوز عمله إلا عند وجوبه. # والجواب عن قولهم: إن النية تدخل لتميز بين الأعمال المتفقة، فهذا سؤال ~~ذكره أبو بكر الرازي، وهو عمدة لنا؛ لأن الوضوء لما كان يقع لتبرد وتنظف ~~وتجديد طهارة، ويقع لرفع حدث احتاج إلى النية: لأن الصورة واحدة في جميع ~~ذلك والأحكام مختلفة، ولما كان التيمم يدخل لاستباحة الصلاة صار كالشيء ~~الواحد المستحق فلم يحتج إلى نية. # ثم دعواه إن التيمم يختلف لأجل الجنابة فليس كذلك؛ لأن صفته للجنابة ~~كصفته للحدث، وإنما يختلف ذلك في الماء، فيكون الوضوء من الحدث، والغسل من ~~الجنابة، وإن اراد أن الذي يوجب هذا غير ما يوجب هذا فقد يوجب الحيض عند ~~انقطاعه الغسل وتوجبه الجنابة، وليس هذا هذا، وصفة الغسل فيهما واحدة؛ لأن ~~الحيض له أحكام ليست للجنابة، فينبغي ألا يجزئ إلا بنية تميز بين الغسل ~~الذي أوجبه الحيض والغسل الذي أوجبته الجنابة. # والجواب عن قولهم: إن الماء طهور والتراب ليس بطهور في نفسه -وهذا أيضا ~~ذكر الرازي - فنقول: كلاهما طهور في نفسه، قال PageV01P115 # الله -تعالى - في الماء: {طهورا}. # وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»: # على ms013 أن هذا يوجب العكس؛ لأن الماء لما كان طهورا يستعمل في أشياء مختلفة ~~احتاج إلى النية، ولما كان الصعيد لا ينتقل إليه إلا عند عدم الماء، فحاله ~~حال واحدة، فشابه -عندكم - رمضان بمستحق العين، وشابه الوديعة التي ضعف ~~أمرها في باب النية. # دليل من القياس: اتفقنا في الرقبة في الكفارة أنها لا تصح إلا بنية، ~~والمعنى في ذلك أنها عبادة لا يصح بذلها عند عدمها إلا بنية PageV01P116 # فلم يصح مبدلها إلا بنية، وهذا المعنى موجود في الطهارة؛ لأن التيمم بدل ~~منها ولا يصح إلا بنية، فكذلك مبدله وهو الوضوء. # فإن قيل # : هذا ينتقض بالنكاح، قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بدله الصيام، ~~فقال: «ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء»، ثم الصوم لا يصح إلا بنية، ~~ولم يدل على أن النكاح يحتاج إلى نية. # قيل: إن الصوم ليس ببدل من النكاح، لأن النكاح لمعنى، والصوم لمعنى. # وعلى أننا قيدنا الاعتلال فقلنا: كل بدل لعدم، والصوم يعمل مع عدم النكاح ~~ومع وجوده، ومع هذا فلا يصح - عندنا - النكاح إلا بقصد، ولو كان يصح بغير ~~قصد لصح من المجنون والصبي والمبرسم، ولو علمنا أنه وقت العقد كان ساهيا لم ~~يصح عقده. # قياس آخر: اتفقنا على أن الصلاة لا تصح بغير نية، والمعنى في PageV01P117 # ذلك: أنها عبادة على البدن يفسد أولها بفساد آخرها، وكذلك الطهارة. # وإن شئت قلت: إنها عبادة يسقط شطرها للعذر، وهو يوجد في الطهارة، لأن ~~شطرها يسقط في التيمم عند عدم الماء، كما أن الصلة يسقط شطرها في السفر. # قياس آخر: وهو أننا قد اتفقنا في الصيام أنه لا يجوز بغير نية، لنه عبادة ~~على البدن يفسد أوله بفساد آخره. # استدلال: وجدنا إزالة الأنجاس تزول بشيئين: أحدهما: الماء، والآخر: ~~الأحجاز، ثم قد استوى حكم الأمرين في سقوط النية، وهي طهارة، فوجب أن تكون ~~الطهارة الأخرى يستوي حكم الأمرين فيهما، فلما اتفقنا على أن الطهارة ~~بالتراب من شرطها النية، وجب أن تكون الطهارة بالماء كذلك يستوي الأمران ~~فيها، وهذا ms014 وإن كان قياس الضد PageV01P118 # فربما استدل به شيوخنا، ورجحوا به القياس، وهم أيضا يقولون به. # دليل: وهو أنهم يقولون: إن الرجل إذا تطهر بغير نية حصل طاهرا ولم يصر ~~الماء مستعملا، وإذا تطهر ونوى حصل طاهرا وحصل الماء مستعملا، فدل هذا من ~~مذهبهم على أنه إذا لم يكن ينوي فإن PageV01P119 # الطهارة لم تحصل له، إذ لو حصلت لصار الماء مستعملا. # فإن استدلوا بالظاهر من قوله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}، ولم يذكر النية، فقد جعلنا ذلك دليلا، لأنه لو لم يغسل للصلاة. # وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن ظاهر الآية يوجب غسل الأربعة الأعضاء، ولا ~~نختلف في إيجابها، وإنما كلامنا في أمر آخر وهو النية. # جواب ثالث: لو سلمنا أن في الآية تعلقا لهم لخصصناه بما تقدم ذكره. # فإن قيل: فإن الزيادة -عندنا - نسخ، ولا يجوز بأخبار الآحاد، PageV01P120 # ولا بالقياس والاستدلال، فلا نزيد حكم النية في الآية بهذه الدلالة. # قيل: ليس الأمر -عندنا - كذلك. # وعلى أن الآية تدل على القصد على ما بيناه بالظاهر فليست ههنا زيادة. # وأيضا: فإن الزيادة لو كانت نسخا لكان ذلك حتى استقر الحكم، فأما ونحن ~~نقول: إن إيجاب النية ورد مقترنا مع القول أو مقرونا بوقت الحاجة فلا يكون نسخا. # وأيضا فليس هذا -عندنا - زيادة، وإنما هو بيان. ألا ترى أنه قال -تعالى - ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، ولم يذكر نية، ثم بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن من شرط النية ولم يكن ذلك نسخا. PageV01P121 # فإن قيل: فإن عليا وعثمان وغيرهما حكوا وضوء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يذكروا نية. PageV01P122 # قيل: هؤلاء حكوا ما ظهر من الفعل، وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يريهم إياه، فأما النية فلم يقصد تعريفها إياهم في ذلك الوقت. # وجواب آخر: وهو أن مذهبنا ضم الأخبار بعضها إلى بعض فنقول: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به إذا كانت معه ~~نية، كما لم ms015 نمنع نحن وأنتم في قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث»، أن يضاف إليها رابع وأكثر بدلالة. # وجواب آخر: وهو أنه أشار إلى الوضوء وهو في الحقيقة الغل، ولم يتعد من ~~النية؛ لأنها ليست وضوءا، ومنزلة هذا منزلة قوله: هذه القراءة التي لا يقبل ~~الله الصلاة إلا بها، ثم لا يدل على أن الصلاة كلها هي القراءة. # وجواب آخر: وهو أن قوله: «هذا وضوء»، ولا يحصل عندنا الوضوء في الشرع إلا ~~بنية، فمتى حصلوا لنا وضوءا من جهة الشرع فهو يجزئ. PageV01P123 # وجواب آخر: وهو أن ظاهر قوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، هو ~~ذلك الوضوء الذي وقع منه هو بعينه دون غيره، وهذا غير مراد، فبان أن المراد ~~من الخبر غير ظاهر، فصار محتملا. # فإن قيل: فقد قال الله -تعالى - {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، {وينزل ~~عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، ومعنى هذا، أمه مطهر، فاقتضى أن يكون ~~مطهرا مع عدم النية، ولو لم نجعله مطهرا إلا بانضمام النية إليه، كنا قد ~~سلبنا الحكم الذي قد جعله الله له، ووصفه به. PageV01P124 # قيل: إن الله -تعالى - أخبر أنه يطهرنا بهذا الماء، وأنه طهور على أي صفة ~~تستعمل، وهلي فعل هو الطهارة بنفسه أو باستعمالنا له؟ # مأخوذ من دلالة أخرى. # وجواب آخر: وهو أن الآية من هذه الجهة جملة، لأنه لما قال: {طهورا} ولم ~~يذكر أفعالنا فيه، فظاهره أن نفس الماء يفعل ذلك، وقد علمنا أن المراد شيء ~~آخر، فنقول: إنه طهور إذا استعملناه ونوينا. # وجواب آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا»، ثم يدل هذا -عندكم - على سقوط النية في التيمم، كذلك قوله {طهورا} ~~لا يدل على سقوط النية من الوضوء، وهكذا ما روي من قوله عليه السلام: ~~«التراب طهور المسلم»، ولم يدل على سقوط PageV01P125 # النية، وكذا قوله -تعالى - {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، لم ~~يدل على أن الزكاة لا تحتاج إلى نية. # فإن قيل: فإن ms016 النبي صلى الله عليه وسلم قال في الطهر من الجنابة: «أما ~~أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت»، ولم PageV01P127 # يذكر النية، وهكذا قال لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث ~~حثيات من ماء، فإذ أنت قد طهرت»، وكما قال لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسسه ~~جلدك»، ولم يضف إلى ذلك نية. # قيل: هذه الظواهر كلها لو تجردت من ذكر النية لم يمتنع أن يلحق بها حكم ~~النية بالأدلة التي تقدمت. PageV01P128 # فإن قيل: فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي كيف يتوضأ، ولم يذكر ~~له النية، وهذا موضع تعليم لا يجوز أن يغفل فيه شيء من الواجب عليه. # قيل: إنما علمه النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر، ألا ترى أنه لم يذكر له ~~الماء، ولا الماء المستعمل -عندكم. # وأيضا فقوله: «توضأ كما امرك الله»، فيه دلالة على النية، لأنها مما أمر ~~الله -تعالى - بها في الآية، على ما بيناه. # وجواب آخر: وهو أن هذا قضية في عين، فيجوز أن يكون علم منه أنه يعلم ~~النية فلم يشتغل بها، وليس يجي أن يعلمه كل شيء في حالة واحدة. # وعلى أنه قد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، ولم يدل ذلك على سقوط النية ~~في الصلاة. # وإن قاسوا ذلك على غسل النجاسة؛ بعلة أنها طهارة فلم تحتج إلى نية. # قيل: هذا أصل، وقد رددنا نحن ذلك إلى أصل آخر، وهو التيمم بالعلة التي ~~ذكرنا فليس برد ذلك إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الآخر، فإذا تعارضا ~~كان رد الطهارة التي هي محض العبادة إلى الطهارة التي هي محض العبادة إلى ~~الطهارة التي هي محض التعبد أولى. PageV01P129 # وأيضا فرد طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة حسب إلى طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة أولى. # ,أيضا فرد ما وجب لأجل الحدث إلى ما وجب لأجل الحدث أولى. # وترجيح آخر: وهو أن رد طهارة وجبت لأمر يكون منه في نفسه إلى مثلها أولى ~~من ردها إلى طهارة وجبت لأمر يكون من ms017 غيره؛ مثل البهائم وغيرها؛ لأنه قد ~~يقع عليه دم من بهيمة أو من إنسان غيره. # وأيضا فإنا رددنا ما التفرقة فيه تفسده -عندنا - إلى مثله، وأنتم رددتم ~~ما التفرقة فيه تفسده إلى ما لا تفسده التفرقة فيه؛ لأن النجاسة لو غسل ~~بعضها صلاة الغداة، وأخر الباقي إلى زوال الشمس لجاز، وليس كذلك الطهارة ~~والتيمم. # وأيضا فرد ما لا يصح أني قع من المجنون إلى مثله أولى من رده إلى ما يصح ~~أن يقع من المجنون؛ لأن المجنون لو غسل النجاسة لصح، وليس كذلك الوضوء ~~والتيمم. # وأيضا فإن النجاسة تزال عن النائم فيصح، ولو وضئ أو يمم وهو نائم لم يصح، ~~فرد الوضوء إلى التيمم أولى. # وأيضا فإن شواهد الأصول تدل على ما ذكرناه، وذلك أن الصلاة والزكاة ~~والصيام، والحج عبادات على البدن تخصه، وكلها مفتقرة إلى النية، فكان ردنا ~~الطهارة إلى هذه الأصول أولى. PageV01P130 # وقياسنا أيضا يؤدي إلى الاحتياط فهو أولى. # ثم تفرق بين الوضوء وبين النجاسات فنقول: الفرق بينهما هو أن النجاسة قد ~~انخفض أمرها؛ لأنه قد عفي عن الشيء اليسير منها يكون على الثوب والبدن، مثل ~~الدم، وسمح بموقع الاستنجاء، وليس كذلك الطهارة؛ لأنه لم يسمح فيها بترك ~~شيء من الأعضاء المأخوذ غسلها أو مسحها مع القدرة على ذلك. # قال القاضي: وفي نفسي من هذا شيء. # وأيضا فقد فرقوا -على أصولهم - فجوزوا أن تزال الأنجاس بالمائعات، ولم ~~يجوزوا ذلك في الطهارة. # وفرق آخر: وهو أنهم زعموا أنه قد استوى حكم إزالة النجاسة بالمائع أو ~~بالجامد في أنه لا يحتاج إلى نية، وقالوا: الطهارة بخلاف ذلك؛ لأنها في ~~موضع تحتاج على نية، وهو التيمم. # وفرق آخر: وهو أنهم زعموا أن غسل النجاسة استوى حكم الماء المغسول به، ~~نوى أو لم ينو، ثم كان في الطهارة، إن نو الطهارة حصل الماء مستعملا، وإن ~~لم ينو حصل هو طاهرا، ولم يصر الماء مستعملا. # وفرق آخر: وهو أن الطهارة تجب عن أي حدث كان في موضع واحد، وهو الأربعة ~~الأعضاء، فسواء كان ms018 الحدث بولا أو غائطا، أو غير PageV01P131 # ذلك، وليس كذلك النجاسة، لأنه لو أصاب فخذه نجاسة لم يجب غسل يده ورجله، ~~ولو أصابت يده لم يجب غسل رجله. # وأيضا: فإن إزالة النجاسة طريقها الترك، والطهارة طريقها الفعل؛ لأنه قيل ~~له: صل وأنت تارك للنجاسة، وصل وأنت متطهر، والأفعال تف تقر إلى النية، ~~والترك لا يفتقر إليها؛ لأن الكلام في الصلاة مأمور بتركه، فلم يفتقر إلى ~~نية، والركوع والسجود مأمور بفعلهما فاحتاجا إلى نية تعم جميع أفعال ~~الصلاة. # فإن قيل: لو توضأ لنافلة لجاز أن يصلي به فريضة، فلو كانت النية واجبة لم ~~تجزئه ذلك؛ الا ترى أنه لما كانت النية واجبة في الصلاة فلو نوى أن يصلي ~~نافلة لم يجزئ ذلك عن الفرض، وهكذا لو نوى التيمم صلاة نافلة لم يجز أن ~~يصلي به الفرض، فبطل أن تكون النية واجبة في الطهارة. # قيل: مرادنا بالطهارة رفع الحدث، فلما كانت النافلة إلا تصح إلا برفع ~~الحدث لم يكن فرق لبين أن ينوي برفعه نافلة أو فريضة. # ثم هذا غير منكر في الأصول، ألا ترى أنه لو طاف ينوي تطوعا وعليه فرض من ~~الطواف فإنه ينوب عنه، ولم يدل على أن الطواف في الحج لا يحتاج إلى نية، ~~والتيمم إ نما لم يصح أن ينوي به صلاة نافلة ويصلي به فريضة؛ لأنه لا يرفع ~~الحدث ولا يصلي به إلا صلاة واحدة فريضة، وليس كذلك الوضوء. PageV01P132 # وفرق آخر: وهو أنه لو توضأ ثم رأى الماء لم ينتقض وضوؤه، ولو تيمم، ثم ~~رأى الماء لا ينتقض تيممه. # فإن قيل: وجدنا العبادة فرضت على الرجل في نفسه، فلما اتفقنا على أنه لا ~~يجب عليه أن يتولى ذلك بنفسه، بل يجوز أن يوضئه، ويغسله غيره، كذلك لا ~~يلزمه أن يقصد بقلبه كما لم يقصده بنفسه. # قيل: هذه دعوى، وأيضا فإن النية إذا حصلت من جهته وطابقت عمل غيره فيه ~~فكأنه هو الذي عمل، وليس كذلك النية؛ لأن النية لا تقع فيها نيابة إلا في ~~مواضع مخصوصة، وهي ms019 إذا منع الزكاة فأخذها الإمام أو خرجت عن الصغير أو ~~المجنون. # فإن قاسوا ذلك عليه، إذا توضأ ونوى؛ بعلة أنه غسل الأعضاء بماء طاهر. # قيل: هذا ينتقض إذا كان مجنونا، على أن العلة في ذلك أنه نوى مع الغسل. # على أننا قد ذكرنا أصولا آخر، وقسنا عليها، وذكرنا من الترجيحات ما ينبغي ~~أن يرجح به قياسنا، وبالله التوفيق. # وقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن رجل اغتسل لجنابة ولم ~~ينو. فقال: يعيد الغسل، ولا يعرف له مخالف فصار كالإجماع. PageV01P133 # شفإن قاسوا ذلك على ستر العورة. # قيل: ستر العورة ليس مما تختص به الصلاة؛ لأنه مأخوذ عليه في غيرها، ~~كالإيمان، وليس عليه أن ينوي الإيمان مع دخوله في الصلاة كستر العورة، ~~والله أعلم. PageV01P134 ### | AUTO [4] مسألة # في المضمضة والاستنشاق # للناس في ذلك أقاويل: # فعند مالك - رحمه الله - أنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعا، وهو قول ~~الحسن بن أبي الحسن البصري، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد، والأوزاعي، ~~والشافعي. PageV01P135 # وذهب إسحاق، وابن أبي ليلى إلى أنهما واجبان في الطهارتين جميعا، الوضوء ~~وغسل الجنابة. # وذهب أحمد بن حنبل، وأبو ثور، غلة أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير ~~واجبة فيهما. PageV01P136 # وذهب سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما واجبان في غسل الجنابة، ~~وغير واجبين في الوضوء من الحدث. # فهذه أربعة مذاهب. # والدليل لقولنا إنهما سنتان في الوضوء والجنابة: استصحاب الحال، وأن ~~الوجوب يحتاج إلى شرع. # وأيضا قوله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية، وحقيقة ~~الوجه ما واجه الناظر، وداخل الفم والأنف لا يواجه به. # فإن قيل: يقع عليه اسم وجه؛ بدلالة أنه لو حصل الماء في فمه لما أفطر به، ~~ولو كان فيه نجاسة لوجب غسله كالوجه. # قيل: كلامنا في اسم وقد سلم. # على أن هذا لو كان صحيحا لوجب غسل داخل العينين؛ لأنه لو حصل فيهما نجاسة ~~لوجب غسلهما، ولا يفطر بحصول ما يقع فيهما من الماء. # فإن قيل: فإنا لا نوجب غسل العينين من النجاسة، لأنهما جسم ms020 صقيل لاي قبل ~~النجاسة، وعلى أن من اعتبر قدر الدرهم من أصحاب PageV01P137 # أبي حنيفة لا يلزمه هذا؛ لأن العين تكون مقدار الدرهم واقل. # قيل: أما قولكم: إنها لا تقبل النجاسة، فهذا خلاف المشاهدة فلو جاز أن ~~يقال: إنها جسم صقيل لا ينجس. جاز أن يقال: إن الزجاج والصقر، والعاج، وما ~~أشبهه من الأواني لا ينجس، وكذلك السيف؛ لأنه صقيل. # فإن قيل: فإن الدموع تغسله. # قيل: لا تصح إزالة ذلك إلا بالماء المطلق، على أننا نقول أليس قد نجست ~~وغسلتها الدموع ولم يدل على أنها تغسل مع الوجه، وهذا أيضا يوجب سقوط ~~سؤالهم، لأن الفم يجري فيه الريق أكثر من الدموع. # وما يقوله أصحاب أبي حنيفة من ا، العين مقدار الدرهم، فقد يكون من العيون ~~ما هو اكبر من الدرهم، وعلى أنه لو أصاب خده شيء من النجاسة واتصل بعينه ~~حتى يصير بنجاسة عينه أكثر من الدرهم لوجب غسله، وجعلنا لنجاسة الغير حكما، ~~ومع ذلك فلم يدل PageV01P138 # على أنها في حكم المغسول. # دليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا الذي ~~توضأ ولم يتمضمض ويستنشق قد نوى الطهارة فله ما نواه. # دليل: قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل ~~وجهك ويديك»، لم يذكر له مضمضة وهو موضع تعليم، وكذلك في الحديث الآخر، وهو ~~قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه». # فإن قيل: فنحن نقول: إن الذي أمره الله -عز وجل - به بمضمضة واستنشاق، ~~وقوله: «واغسل وجهك»، قد دخلت فيه المضمضة. # قيل: قد مضى الكلام في الوجه إذا أطلق، وقوله: «كما أمرك الله»، والإشارة ~~وقعت إلى الآية، وفيها غسل الأربعة الأعضاء. # دليل: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك». # فإن قيل: هذا لنا؛ لأن داخل الفم جلد. # قيل: هذا غلط؛ لأن الجلد اسم لما ظهر، فأما داخل الفم فيسمى PageV01P139 # أدمة، ولثة، ولهاة، والعين شحمة. # دليل: القياس على العين؛ لأنها لا يجب غسلها، العلة ms021 أنه عضو مستتر ~~استتارا دائما من نفس الخلقة المعتادة، فلم يجب غسله في الوضوء. # دليل: رأينا العين بادية ظاهرة، وقل ما يطبقها الإنسان، فهي أدخل فيما ~~يواجه به، والفم والأنف ليسا كذلك في غالب أحوالهما، فإذا لم يجب غسل العين ~~فداخل الفم والأنف أولى. # فإن قيل: إن العين لها على أخرى، وهي المشقة؛ لأنها عضو لطيف لو أدمن ~~إدخال الماء فيها أتلفها، وليس كذلك الفم؛ لأن سلو الماء فيه معتاد. # قيل له: فداخل الأنف ليس كذلك، فينبغي أن لا توجب الاستنشاق. # على أن هذا المقدار في وقت الطهارة لا يخشى منه على العين، ولعل كثيرا من ~~الناس يلتذون بدخول الماء فيها ويستنشقون به. PageV01P140 # دليل: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عشر من الفطرة ~~خمس في الرأس، وخمس في البدن»، فذكر المضمضة والاستنشاق في الرأس، وجعلهما ~~سنة؛ لأن الفطرة هي السنة، ولا سيما وقد جمع بينهما وبين السنن. # دللي: اتفقنا أنهما غير واجبتين في المرة الثانية والثالثة؛ بعلة أنهما ~~مضمضة من غير نجاسة. PageV01P141 # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق، وأفعاه على الوجوب ~~إلا أن تقوم دلالة. # قيل: قد عارضه قوله: «وإنما لأمرئ ما نوى»، فينقل وجوبه إلى الاستحباب ~~بهذه الدلالة. # فإن قيل: فإنه عليه السلام توضأ مرة واحدة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله ~~الصلاة إلا به». # قيل: هذا حديث رواه ابن عمر -رحمه الله - ولم يذكر فيه مضمضة ولا ~~استنشاقا، وإنما قال: توضأ مرة مرة. # وعلى إن إطلاق مرة مرة يتوجه على ما يقولن إلى غسل اليدين قبل إدخالهما ~~الإناء، وإلى التيمن، وقد اتفقنا أن ذلك غير واجب، وقد سبق كلامنا على هذا ~~الخبر في المسألة التي قبل هذه. # ويحتمل أن يكون ذلك منسوبا بالدلائل التي تقدمت، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم الأعرابي الوجوب، وقال في الحديث الآخر: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى ~~يسبغ الوضوء فيغسل وجهه». PageV01P142 # وعلى أننا نقول: قصد به الأخبار عن العدد، ألا ترى أنه توضأ ms022 بعد ذلك ~~مرتين وثلاثا، كان يفعل هذا ويذكر عند فراغه منه حكم العدد. # وعلى الخبر الذي قيل فيه: «لن تجزئ عبدا صلاته»، أولى: لأنه بين فيه حكم ~~الإجزاء. # فإن قيل: إنما أرياهم الوضوء الكامل، ألا ترى أنهما ذكرا ثلاثا ثلاثا، ~~وحكم الوجوب، والإجزاء بالقياس أيضا. # على أنه مخصوص بالقياس أيضا. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا ~~البشرة». PageV01P143 # قيل: إنما قصد بذلك ظاهرة البشرة التي يباشر بها، وليس داخل الأنف والفم بشرة. # قال القاضي: وأنا أتقصى الكلام مع أبي حنيفة. # فإن قاسوا ذلك على الخد؛ لعلة أنه عضو من جملة الوضوء، لا يشق إيصال ~~الماء إليه، قالوا: ولا ينتقض هذا بداخل العين، ولا بما تحت الحية الكثيفة، ~~لأن ذلك يشق. # قيل: ليس ذلك مما يشق فهو منتقض. # على أننا قد ذكرنا قياسا آخر، فتقابلا -أعني قياسنا على العين. # ثم نرجح قياسنا فنقول: إذا كانت العينان أظهر من الفم كان بأن يسقط عن ~~الفم أولى، ولما وجدنا ما يجب غسله له حالتان: حالة ظهور وحالة انتسار، ~~وسقط غسله في حال الانتسار كان الفم والأنف اللذان حالهما حالة واحدة في ~~الانتسار أولى بسقوط هذا الفرض منهما. PageV01P144 # فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة في الستنشاق: «بلغ ~~إلا أن تكون صائما»، وهذا أمر ظاهره الوجوب. PageV01P145 # قيل: # هذا دليل لنا؛ لأنه لما امره بالترك عند الصوم علمنا امه مسنون. # وعلى أن الظاهر لو كان معهم لجاز أن نخصه ببعض ما ذكرناه، على أنه قد ~~أمره بالمبالغة، واتفقنا أنها ليست بواجبة. # وعلى أنه قد روي: «من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحس ومن لا فلا حرج». # فأما اصحاب أبي حنيفة فالدليل لنا عليهم: استصحاب الحال، وذلك أننا لا ~~نوجب شيئا إلا بدلالة. # ,أيضا قوله -تعالى - {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، فما وقع عليه اسم طهارة ~~فإنه يجزئه. # فإن قيل: هذه إشارة إلى الجملة. # قيل: لو غسل من نفسه أعضاء لقيل: فلان قد تطهر. # وأيضا قوله صلى ms023 الله عليه وسلم: «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا قد نوى PageV01P146 # غسل الجنابة فله ما نواه. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة إلا بطهور»، فظاهره يقتضي أنه ~~متى حصل منه طهور ما فقد تطهر. # وأيضا ما رواه جبير بن مطعم أنهم تذاكروا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الغسل من الجنابة. فقال صلى الله عليه وسلم «أما أنا فأفيض على رأسي ~~ثلاثا»، وأشار بيديه كلتيهما، فدل على أن هذا القدر يجزئ. # فإن قيل: فقد روي المضمضة والاستنشاق في حديث آخر. # قيل: نقول بهما، فيجوز هذا هذا. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك»، وداخل الفم لا يسمى جلدا، بل يسمى لثات وأدمة. PageV01P147 # وأيضا قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، فمن غسل يديه ~~ولم يمضمض، قالت العرب: قد اغتسل. # وأيضا القياس على داخل العينين: بعلة أنه عضو في الوجه دونه عضو ساتر من ~~نفس الخلقة المعتادة. # فإن قيل: ينتقض بما تحت الآباط. # قيل: ليس ينطبق إلا بتكلف، على أننا قد قيدناه بالوجه. # وأيضا قد اتفقنا أنهما غير واجبين في الوضوء بعلة أنه طهور وجب لأجل ~~الحدث، أو لأنها طهارة تنتقض بالحدث. # وأيضا وجدنا العينين أشد ظهورا من داخل الفم، ثم اتفقنا أنه لا يجب ~~غسلهما، فداخل الفم أولى. # فإن قيل: ههنا المشقة الغليظة في العين. # قيل: الجنابة لا تتكرر كثيرا فلا تشق في الزمان الطويل. # وأيضا اتفقنا في المرة الثانية والثالثة أنها لا تجب؛ بعلة أنها مضمضة ~~مسنونة في الوضوء فلم تجب في الجنابة. # فإن اسندوا باستصحاب الحال، وأنه على جملة الجنابة إلا أن تقوم دلالة على ~~إسقاط حكمها عنه. # قيل: نحن نختلف فيما وجب عليه، فاستصحاب الحال لنا. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر PageV01P148 # وأنقوا البشر». # قيل: هذا حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد ms024 طعن أبو داود على الحارث بن وجيه، وتكلم أصحاب الحديث فيه. # وجواب آخر: وهو أنه ينقلب عليهم في شعر العين؛ لأنه قد ينبت PageV01P149 # فيها، ثم لا يجب إيصال الماء إليه. # فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم تكلم على الغالب. # قيل: قد رضينا بهذا، فالغالب من الشعر غير شعر الأنف». # وجواب آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم على الشعر الذي على ~~البشرة، ألا تراه قال: «وأنقوا البشرة»، فتقديره: البشرة التي تحت الشعر، ~~وما تحت شعر الأنف لا يقال له بشرة، وهذا إذا قلنا على رواية ابن وهب: إنه ~~يجب تخليل اللحية. # وإن قلنا: لا يجب. قلنا: أراد الشعر المتفرق الذي على ظاهر البدن متفرقا. # وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو أعطاهم ماا يريدون لكان عموما يجوز أن يخص ~~بالقياس الذي تقدم. # فإن استدلوا بحديث عائشة -رحمها الله - وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان PageV01P150 # يتوضأ للصلاة، وأنه كان يتمضمض في وضوئه. # قيل: قد ثبت -عندنا وعندكم - أن الوضوء ليست المضمضة فيه واجبة، فإن ~~المضمضة شرعت في الوضوء، فلما سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه. # وإن استدلوا بحديث ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا ~~يغتسل به من الجنابة، إلى أن قالت: ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم ~~صب على رأسه وجسده، فقد تمضمض النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإما أن نقول: ~~أفعاله على الوجوب. أو نقول: خرج مخرج البيان، وهذا ذكره أبو داود. # قيل: يحتمل أن يكون أراد النبي عليه السلام الكمال؛ بدليل ما ذكرناه من ~~قوله «أما أنا فأحثي على رأسي حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت». # فإن قيل: فمن مذهبكم قبول الزيادة. # قيل: إذا كان في خبر واحد، فأما إذا كان في خبرين وأمكن PageV01P151 # الاستعمال فهو أولى، فنجيز المضمضة ونستحبها بهذا الخبر، ونجيز تركها ~~بالخبر الآخر، ولأنه قد تبين في خبرنا ما يجزئ من فعله بقوله: لن تجزئ عبدا ~~صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه». # ولو كان الظاهر معهم ms025 لقابلناه بخبرنا، أو خصصناه بالقياس الذي تقدم. # وإن استدلوا بما روى زاذان عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من ~~النار»، وهذا توعد لا يكون إلا على ترك الواجب، قال علي: فمن ثم PageV01P152 # عاديت رأسي، وكان يجز شعره، وهو كما قال: «ويل للأعقاب من النار». وهذا ~~أيضا ذكره أبو داود. # قيل: هذا يقتضي أن يكون الغاسل يترك مما يجب غسله موضع شعرة، ولا يغسلها ~~قاصدا، وهكذا نقول: هذا متوعد، وهذا يدل على الشعر الذي على ظاهر البدن، ~~ألا ترى أن عليا رضي الله عنه قال: عاديت رأسي، ولم يقل: داخا أنفي، فكأنه ~~أشار الشعر المعهود. # وجواب آخر: وهو أن هذا عموم، ألا ترى أن شعر العين لم يتناوله هذا، فنخص ~~العموم بما ذكرناه من القياس أو نقابله بعموم مثله. PageV01P153 # وإن استدلوا بقوله -تعالى - {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، والطهارة تقتضي ~~جميع البدن. # قيل: قد جعلنا هذا دليلا لنا؛ لأنه إذا غسل ظاهر البدن. قيل: قد تطهر ~~واغتسل، فلو كان عموما لخصصناه ببعض ما ذكرناه. # فإن قيل: الآية مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فمضمض ~~واستنشق واغتسل. # قيل: ليست مجملة؛ لأن أهل اللغة يفهمون الظاهر منها. # ثم نقول: قد رضينا بهذا، أليس قد بين بقوله: «أما أنا فأحثي على راسي ~~ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت»، فقد بين الواجب في خبرنا هذا، أو ~~المسنون في خبركم. # وعلى أن هذا يلزم في الوضوء؛ لأنه عليه السلام بينه، وتمضمض فيه واستنشق، ~~ولم يدل على فرضهما في الوضوء. # فإن قيل: الوضوء كان بينا، ولم تكن المضمضة في الوضوء. # قيل: هذا غلط، لأنه لو كان بينا لما اختلف الناس في الوضوء، هل المضمضة ~~واجبة أو لا؟ فإذا لم يكن بيانا في PageV01P154 # الوضوء لم يكن بيانا في غسل الجنابة. # وإن استدلوا بحديث بركة بن محمد الحلبي، عن يوسف بن أسباط عن سفي أن ~~الثوري عن ms026 خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثا للجنب فريضة، وأسمعهم قد زادوا فيه: ~~المضمضة والاستنشاق فريضتان في الجنابة سنتان في الوضوء. PageV01P155 # قيل: هذا حديث ضعيف، تفرد بروايته بركة بن محمد الحلبي، وقيل عنه: إنه ~~يزيد ألفاظ ولا يضبط نفسه. # وجواب آخر: لو س لمنا لكان ظاهره من لفظ أبي هريرة؛ لأنه قال: جعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يحك لنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~يجوز أن يكون خاطب رجلا سأله كيف أغتسل من الجنابة في الاختيار؟ فقال له: ~~تمضمض ثلاثا، فقال أبو هريرة: جعل النبي صلى الله عليه وسلم المضمضة للجنب ثلاثا. # وهذا قد ألزمهم الناس إياه، ولكن عندي فيه شيء؛ لأن مذهبنا أن الراوي إذا ~~قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ونهى عن كذا، فكأنه قال: جعلت ~~ونهيت، ولكن نقول: حقيقة الفريضة التقدير، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قدر للجنب ثلاثا. PageV01P156 # فإن قيل: فأي شيء الفائدة في هذا، وقد علنا أن الوضوء والجنابة في الثلاث ~~بمنزلة. # قيل: قد كان يجوز أن يقع في أوهامنا أن الجنابة مزية على الوضوء في باب ~~العدد؛ لأنه قد غسل فيها ما كان مسح فيه، وما لم يكن يغسل ولا يمسح، فقدر ~~عليه السلام للجنب ثلاثا. # وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون عليه السلام أراد تأكيدا من الجنابة، ~~وان المضمة فيها أكد منها في الوضوء، وقد يعبر عن السنن المؤكدات بالفرض ~~والواجب، ألا ترى أنه عليه السلام قال: «غسل الجمعة واجب»، فدل على أنه ~~أراد التأكيد، ألا ترى أنهم رووا أنه قال: «هما سنتان في الوضوء»، ولم يذكر العدد. # وجواب آخر: وهو أنه ذكر في الخبر العدد الثلاث، واتفقنا أن الثلاث لا ~~تجب، وليست بفريضة، فإذا جاز لهم أن يعدلوا عن ظاهر الوجوب في الثلاث ~~بدلالة، جاز لنا أن نعدل عن ظاهر الوجوب بدلالة، فنقول: قد عارضه قوله عليه ~~السلام: «أما أنا فأحثي على ms027 رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذ أنا قد طهرت»، أو ~~نخصه بالقياس الذي تقدم. PageV01P157 # وإن استدلوا بقوله لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك». # قيل: قد حكينا عن غيره أنه يسمى لثات وأدمة، وأنهم سموا البشرة لما يباشر به. # ولو كان الظاهر معهم لقابلناه ببعض ما تقدم من الأخبار أو نخصه بالقياس. # فإن قيل: لما نقل مسح الرأس في الوضوء إلى الغسل من الجنابة وجب أن تنقل ~~المضمضة من سنة إلى فرض. # قيل: هذه دعوى لم وجب ذلك؟ على أن هذا منتقض؛ لأنا نجد التثليث مسنونا في ~~الوضوء، وكذلك الترتيب، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والتيمن، فهل دل ~~ذلك على أنه واجب في الجنابة؟ # وعلى أن مسح الرأس عضو وجبت فيه عبادة في الوضوء. # فإن قيل: اتفقنا على أن الجنب ممنوع من قراءة القرآن بلسانه PageV01P158 # ما دم جنبا فوجب أن يمنع من القراءة حتى يغسل لسانه. # قيل: لم وجب ذلك؟ وهذا حديث النفس والتمني. # ومع هذا فيجوز -عندنا - أن يقرأ الآيات اليسيرة، ويقرأ القرآن كله إذا ~~تيمم عند عدم الماء. # ويفسد أيضا بالوضوء لأنه قد منع أن يصلي بجميع بدنه فيجب أن لا يصلي حتى ~~يغسل جميع بدنه. # وأيضا فإن مخارج الحروف نختلف فبعضها حلقية، وبعضها لهوية، وبعضها شف ~~وية، فلما لم يجب غسل أقصى الحلق الذي هو مخرج الحلق لم يجب غسل الباقي. # فإن قيل: الأعضاء التي تستعمل في الصلاة قد غسلت. # قيل: الركبتان تستعملان في الصلاة ولا تغسلان. # وجواب آخر: وهو أننا منعناه من القراءة؛ لأنه جنب، فإذا اغتسل زالت ~~جنابته، فجاز له أن يقرأ. # فإن قلتم: لا نسميه مغتسلا رفع الجنابة. # قيل: قد صار الكلام في جنبة أخرى. # وجواب آخر: وهو أن هذا لو كان صحيحا إذا غسل فمه ولسانه جاز له أن يقرأ ~~وإن لم يغسل سائر جسده، فلما لم يجز ذلك بطل السؤال. PageV01P159 # ثم إنه يفسد أيضا بالتيمم على ما ذكرناه. # وأيضا فإن القراءة لا تقع ببعض اللسان دون بعض، وقد اتفقنا على أنه لا ms028 ~~يجب غسل أصل لسانه، وكذلك باقيه. # فإن قاسوا ذلك على الخد؛ بعلة أنه موضع يلحقه التطهير من النجاسة فيجب ~~غسله من الجنابة من غير مشقة، وهكذا القياس على الأصوات. # قيل: هذا منتقض بداخل العين. # وعلى أننا قد ذكرنا قياسا آخر على الوضوء بعلة أنها طهارة وجبت عن حدث أو ~~تنقض بالحدث، والقياس على العين. # فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يوجب شرعا ويحتاك به. # قيل: وقياسنا يوجب شرعا وينقل، وهو أنه إذا اغتسل ولم يتمضمض وصلى فقد ~~سقط الفرض عن ذمته، وهذا شرع وزيادة حكم. # والاحتياط الذي ذكروه فلا ينبغي أن يثبت بالمحتمل، والأصل براءة الذمة. # ويجوز أن نقول: إن كل عضو لا يجب إيصال الماء إليه في غسل الميت لم يجب ~~غسله في الجنابة كالعين. PageV01P160 # وأيضا فقد روي عن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله: إني امرأة أشد ~~ضفر رأسي أفأنقضه في الغسل من الجنابة؟ فقال: «لا، وإنما يكفيك أن تحثي على ~~رأسك ثلاث حثيات من ماء وتفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت»، وفيه ~~دليلان: # أحدهما: أنه عليه السلام أخبر أن الاكتفاء يقع به من غير مضمضة واستنشاق، ~~فمن قال: لا تقع الكفاية والإجزاء بذلك فقد خالف الظاهر. # والثاني: قوله: «فإذا أنت قد طهرت»؛ أي فعلت الطهارة التي أمر الله بها ~~الجنب في قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}. PageV01P161 ### | AUTO [5] مسألة # عند مالك -رحمه الله - أن مسح جميع الرأس واجب في الوضوء. # وقال محمد بن مسلمة: إن اقتصر على الثلثين وترك الثلث أجزأه. # قال القاضي: ووجدت لأشهب أنه اقتصر على ثلث الرأس أجزأه، وهو أن يمسح ~~مقدمه. والصحيح قول مالك - رحمه الله -. PageV01P162 # وعن أبي حنيفة روايتان: # إحداهما إذا مسح ناصيته أجزأه، وهي ما بين النزعتين، وذلك أقل من ربع الرأس. # والرواية الأخرى -وهي المشهورة - ومذهب أبي وسف أنه لا بد من مسح ربع ~~الرأس بثلاث أصابع، وإن مسح بثلاث أصابع دون ربع الرأس لم يجزئه، وإن مسح ~~بأصبعين ربع الرأس، أو الرأس كله لم يجزئه، فحد المسموح والمسموح ms029 به. PageV01P163 # وقال زفر: الفرض منه الربع، سواء مسحه بثلاث أصابع أو بدونها، فحد ~~المسموح دون ما يمسح به. # وقال الشافعي: يجزئه ما يقع عليه الاسم، وسواء مسح يده أو بخشبة أو وقف ~~تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء، وبه قال الأوزاعي، والنخعي، وسفيان ~~الثوري. PageV01P164 # والدليل لقولنا: قوله -تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى ~~قوله: {وامسحوا برءوسكم}، فألصق المسح بالرأس، فوجب استيفاء المسح فيه؛ ~~لأنه ليس بعضه أولى بالمسح من بعض، وهذا كالعموم الذي ينبغي أن يستوفي ~~عمومه إلا أن تقوم دلالة. # والدلالة على أنه يصلح للعموم: حسن دخول الاستثناء فيه مع دخول الباء؛ ~~لأنه لو قال -تعالى -: {وامسحوا برءوسكم} إلا موضع كذا منه فلا تمسحوه لم ~~يمتنع ذلك، وهذا يسقط قول من يقول: إن دخول الباء ههنا للتبعيض؛ لأنها لو ~~كانت كذلك لم يحسن دخول الاستثناء غيه؛ ولأنه كان يكون تقديره: وامسحوا ~~ببعضه إلا بعضه، فيكون المسموح مجهولا، والاستثناء منه مجهولا. # فإن قيل: إن الباء تدخل للتبعيض فلو قال: امسحوا ببعض رؤوسكم إلا اليسير ~~من ذلك البعض لصح. # قيل: أما قولكم: إن الباء ههنا للتبعيض فخطأ، لأنه لم يقل أحد PageV01P165 # من اهل النحو إن موضعها للتبعيض، وإنما قال بعضهم: هي للإلصاق والتعدية، ~~كقولهم: كتبت بالقلم، فألصقت الكتاب بالقلم، وعدتها إليه. # وقال بعضهم: هي للامتزاج والاختلاط، والامتزاج قولهم: مزجت الماء باللبن، ~~والاختلاط كقولهم: خلطت الدراهم بالدنانير. # وأما أن يكون موضوعها للتبعيض فليس كذلك، وإن دخلت لذلك في موضع فبدلالة. # ثم لو قال: بعض رؤوسكم إلا اليسير منه لكان إطلاق البعض عموما فيه؛ لأنه ~~ذو أجزاء، وليس بعضه بأولى من بعض، فكذلك لما أضاف المسح إلى الرأس -وهو ذو ~~أبعاض وأجزاء - لم يكن بعضه أولى بالمسح من بعض، ثم لو قال: إلا الهامة، أو ~~النقرة، أو جمعها في الاستثناء لصح، فدل ذلك على أنه ينبغي أن يستوفي حكم ~~العموم فيه، كما لو نص على البعض لوجبت هذه البعيضة فيه. PageV01P166 # فإن قيل: فإن دخول الحرف الزائد فيه لا بد له ms030 من فائدة، وإلا كان دخوله ~~وخروجه بمنزلة واحدة، ونحن إذا جعلنا الباء للتبعيض جعلنا لها فائدة، وأنتم ~~تجعلون دخولها لسقوطها. # قيل له: لعمري إن استعمالها على فائدة أولى، وإن كانت تدخل في مواضع ~~زوائد كقولهم: دخلت البيت، وشكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك، غير اننا ~~نجعل لها فائدة صحيحة، وهي التأكيد، ومعنى التأكيد: أنه قد كان يجوز أن يظن ~~ظان أن المسح لمت كان أخف من الغسل أنه يجوز الاقتصار في مسحه على البعض. # فقيل: وإن كان المسح أخف من الغسل فلا بد من استيفاء المسح في جميعه، كما ~~قال -تعالى - {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن}، وهذه فائدة صحيحة، ~~ولا ينبغي أن تقترح علينا كل فائدة. # فإن قيل: فإن الله -تعالى - لما قال: {وامسحوا} كان هذا عموما في المسح، ~~فأي مسح أوقعه جاز، قليلا كان أو كثيرا. # قيل: لو تجرد ذكر المسح من غير أن يلصق بشيء لكان كما تقولون، فأما إذا ~~الصقه بشيء وجب أن يستوفي المسح في ذلك الشيء إلا أن تقوم دلالة، كما قال: ~~اشتر حاجة بدرهم، أو اخدمني بدرهم، لوجب أن يستوفي الدرهم، وإن كان لو تجرد ~~قوله: اخدمني، لوقعت الخدمة على القليل والكثير، فإذا قال: بدرهم، وجب أن ~~يستوفي الخدمة بدرهم لا ببعضه. PageV01P167 # فإن قيل: فقد تقول العرب: مسحت يدي بالمنديل، وبرأس اليتيم ويريدون بعضه. # قيل: هذا يعبم بدلالة، ولو لزم هذا للزم في العموم ألا يكون حقيقة ~~لاستيفاء الجنس؛ لأنه قد يطلق في موضع ويراد به البعض؛ كقولهم: غسلت ثيابي، ~~وانحدر التجار إلى دار الخليفة، فيعلم أن تجار الصين وخراسان خارجون من ~~ذلك، وأن لم يرد غسل كل ثيابه حتى لا يبقى بخرقة على سوأته، وإنما يعلم هذا ~~بدلالة اقترنت إليه، وكذلك ما نحن فيه. # دليل: وهو أن عليه بيقين، فمن زعم أنه إذا مسح ببعض رأسه من غير عذر وصلى ~~فقد سقط عنه حكم الصلاة فعليه الدليل. # فإن قيل: نعارض بمثل هذا فنقول: الأصل براءة الذمة من الطهارة، وقد ~~اتفقنا على ms031 أن الصلاة واجبة بيقين، ولا تجوز بغير طهارة، فمن زعم أن الذي ~~وجب عليه مسح بعض رأسه، وأن هذه القدر يسقط عنه حكم الصلاة التي هي عليه ~~بيقين فعليه الدليل. # دليل: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بجميع رأسه، وأفعاله ~~على الوجوب -عندنا - حتى تقوم الدلالة. # وأيضا فقد قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». # فظاهره أن الصلاة لا تقبل على غير هذه الصفة إلا أن تقوم دلالة. PageV01P168 # فإن قيل: إن سلمنا لكم أن أفعاله على الوجوب فقد فعل عليه السلام ضد ذلك، ~~وهو أنه مسح بناصيته، وفي بعض الأخبار ببعض رأسه، PageV01P169 # فقد حصل منه الفعلان جميعا، فليس لكم أن تحملوا مسحه لجميع الرأس على ~~الوجوب إلا ولنا أن نحمل مسحه ببعضه على الوجوب، وتحصل المعارضة، فنستعملها ~~جميعا، ونقول: مسحه البعض أتى بالوجوب، ومسحه الجميع أتي بالمستحب. # وقوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، يتناول خبرنا كما يتناول ~~خبركما يتناول خبركم. # قيل: أما روي أنه مسح بناصيته، فالناصية اسم مشترك، يحتمل أن يراد بها ~~البعض، ويحتمل أن يراد بها الكل، فلان ناصيته مباركة. وقال تعالى: {فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام}، قيل: الرؤوس والأقدام، فإذا كان من الأسماء المشتركة ~~لم يجز الحجاج به، وصار بمنزلة عين ولسان تقع على عين الإنسان، وعين ~~الميزان وعين الركبة، ويقع اللسان على لسان بني آدم وعلى لسان الميزان ~~ولسان النار. PageV01P170 # وأما ما: إنه مسح ببعض رأسه، فيحتمل أن يكون ذلك لعذر أو تجديد وضوء، ~~فإذا احتمل ذلك، وهو لفظ يقتضي فعل مرة، ولا يجوز فيها ادعاء العموم ويحتمل ~~ما تقولون، فلم يكن أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فإما أن يسقطا أو ~~نستعمله على ما نقول. # فإن قلتم في خبرنا مثل هذا واستعملتموه. # قلنا لكم: استعماله أولى؛ لأنه يسقط حكم الصلاة التي هي عليه بيقين بيقين ~~مثله لا بمحتمل. # وهذا إذا صح حديث الناصية أو سلمناه تسليم نظر؛ لأن الحديث غير صحيح عند ~~أهل النقل؛ لأن الذي رواه معقل بن مسلم ms032 عن أنس. # وحديث المغيرة بن شعبة صحيح مرسل عن المغيرة. PageV01P171 # وعلى أنه لو صح لكانت فيه حجة لنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم ~~يقتصر على مسح الناصية حتى قرن إلى ذلك مسحه على العمامة علم أنه لا يجوز ~~الاقتصار على الناصية، ويصرف مسحه على العمامة إلى العذر. # وأيضا: فإنه إذا كانت لأصحابه بأجمعها أو أكثرها ينقلون وضوء سول الله ~~صلى الله عليه وسلم فعلا ورواية، وأنه نسح جميع رأسه، ثم شذت رواية بأنه ~~مسح بناصيته أو ببعض رأسه، وحكيت منه فعلة وقعت منه في بعض الأوقات، كان ~~حملها على ما ذكرناه من العذر أو التجديد أولى؛ لأنه لو أراد أن يعلم ~~الواجب لكان يبين؛ كما قال لما توضأ مرة مرة «هذا وصيغة الوضوء الذي لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به»، ثم أعلمنا في المرتين والثلاث أنهما استحباب وفضل. # دليل من القياس: اتفقنا على أن مسح الرأس، والمعنى في ذلك: أنه عضو ~~تعبدنا بمباشرته في نفسه بالمسح فيجب أن يستوفي. # فإن قيل: ينتقض بسقوط اليسير من الرأس من حيث لا نقصده. # قيل: الوجه والرأس في ذلك بمنزلة واحدة؛ لأنه معلوم أن تتبع PageV01P172 # كل شعرة في الرأس لا يمكن، كل جزء من الوجه في التيمم لا يمكن؛ لأننا ~~نعلم أن محاجر العين والأجفان وأجزاء يسيرة تسقط، وخاصة التراب - عندكم - ~~يعلم أنه لا يصيب أجفان العين ولا هدبها، ولو كلفوا ذلك لشق المشقة التي لا تخفى. # فإن قيل: مسح الوجه في التيمم بدل منه في الغسل وليس الرأس بدلا لشيء. # قيل: أليس كان الأصل غسل الوجه؛ ثم وقع البدل بما يخالفه من المسح؟ ~~فاجعلوه كالمسح على الخفين الذي كان الأصل فيه غسل القدمين، ثم نقل إلى ~~المسح الذي يخالفه، فإذا لم يجب استيفاء مسح الخفين لم يجب استيفاء مسح ~~الوجه، فلما لم تقتصروا على مسح بعض الوجه كما اقتصرتم على مسح بعض الخفين ~~علمنا أن العلة لم تكن في مسح الوجه في التيمم أنه بدل من الغسل، بل إنما ~~هو ms033 عزيمة وحكم مستأنف عند عدم الماء. # فإن قاسوا مسح الرأس على مسح الخفين بعلة أنه مسح بالماء لا لمرض احترازا ~~من الجبيرة. PageV01P173 # قيل: لا ينجيكم هذا من النقض؛ لأن الإنسان لو كان على يده سلخ أو احتراق ~~نار لا يضره مسح الماء عليه ويضره صبه عليه لوجب ن يستوفي مسحه عليه بالماء ~~فقد انتقضت العلة. # ثم مع هذا فالعلة في الخف أنه رخصة، ومسح الرأس عزيمة فكان رده إلى مسح ~~الوجه في التيمم أولى؛ لأنه عزيمة مثله. # دليل من القياس: اتفقنا ف يغسل الرجلين والعلة في ذلك؛ أنه عضو تعبدنا ~~بمباشرته بالماء، يسقط حكمه في التيمم، فكذلك في الرأس، فيجب استيفاؤه. # فإن رجحوا قياسهم على الخف بأنهم ردوا مسحا بالماء إلى مسح بالماء. # رجحنا نحن بأنه عضو مباشر بالمسح، فرده إلى الوجه المباشر في التيمم ~~بالمسح أولى، ورد عزيمة إلى عزيمة أولى. # فإن زادوا في الكلام في الباء وأنها للتبعيض بأن يقولوا: إن الباء في ~~كلام العرب تدخل لمعنيين؛ تارة للإلصاق، وتارة للتبعيض، فالفعل إذا لم يتعد ~~إلى مفعوله إلا بحرف الباء كانت للإلصاق، كقولهم: مررت بزيد، لما لم يجز ~~أني قال مررت زيدا كان دخول الباء لإلصاق PageV01P174 # الفعل بالمفعول. وإذا تعدى الفعل إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول ~~الباء للتبعيض، فلما تعجل ههنا من غير دخول الباء؛ لأنه لو قال: وامسحوا ~~رؤوسكم صح، علم أن الباء دخلت للتبعيض، وحمله على الإلصاق حمل على ما لا يفيد. # قيل: هذا الذي ذكرتموه دعوى على العرب، وقد حكينا عنهم ما قالوه في ~~موضوعها، فلو وردت في موضع للتبعيض خرجت عن موضوعها بدلالة، ولو أكد بقوله ~~-تعالى -: وامسحوا برؤوسكم كلها لصح، ولو استثنى بقوله: إلا الهامة لصح، ~~فإذا صح دخول الاستثناء، والتأكيد فيه مع دخول الباء، كما حسن مع سقوطها ~~علم أنها لم تدخل للتبعيض، (وإذا حسن التأكيد والاستثناء مع دخولها كما ~~يحسن مع سقوطها علم أنها لم تدخل للتبعيض)، وهذا مما يدل على أن وجوبها ~~كسقوطها؛ مثل قولهم: دخلت البيت ms034 وإلى البيت، وكقوله تعالى: {وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة}. PageV01P175 # على أننا قد جعلنا لدخولها فائدة، وهي التأكيد، على ما تقدم ذكره. # وقد ذكر بعض أصحابنا أن المراد من قوله -تعالى -: {وامسحوا برءوسكم}؛ أي ~~امسحوا رؤوسكم، ثم حذف ذكر الأيدي، وأقيم الرؤوس مقامها، فينبغي أن تكون ~~الباء للإلصاق على ما ذكره المخالف؛ لأن الفعل ههنا لا يتعدى إلا بها. # على ما ذكره باطل بقوله -تعالى - في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم}، فلم تدخل ~~الباء للتبعيض، وإن صح أنقول: فامسحوا وجوهكم، فسقط ما ذكروه وبالله ~~التوفيق. PageV01P176 ### | AUTO [6] مسألة # عند مالط -رحمه الله - أن المسح على الرأس لا يجوز في الطهارة إلا ~~بمباشرة، وأن مسح على العمامة دونه لغير عذر لم يجزئه، وكذلك عند أبي حنيفة ~~والشافعي. # وحكي عن الثوري، وأحمد بن حنبل، PageV01P177 # وغيرهما أنه يجوز المسح على العمامة دون الراس لعذر وغير عذر. # والدليل لقولنا: قوله -تعالى - {وامسحوا برءوسكم}، كما قال: {فاغسلوا ~~وجوهكم}، فأمر بمسح الرأس، كما أمر بغسل الروجه، فمن مسح على العمامة لم ~~يمسح على الرأس حقيقة. # فإن قيل: فإنه رأس وإن كانت عليه العمامة. # قيل: هو رأس حقيقة، ولكن المسح لم يقع عليه، وإنما وقع على العمامة التي ~~هي غير الرأس. # فإن قيل: فقد قال -تعالى -: {وأرجلكم}، فجوزتم المسح على الخفين وليسا ~~برجلين. # قيل: صدقتم إذا مسحنا على الخفين فلم نمسح على الرجلين، كما أن المسح على ~~العمامة ليس مسحا على الرأس، ولكننا جوزنا المسح على الخفين بدلالة، ولا ~~دلالة في العمامة. # فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته. # قيل: هذا حديث رواه قيس عن PageV01P178 # هزيل عن المغيرة بن شعبة، PageV01P179 # ورواه مطرف، عن ابن المغيرة عن المغيرة، PageV01P180 # وهو حديث مضطرب اضطرابا شديدا، ليس بمعتمد عليه. # وقد قيل فيه: مسح بناصيته وعلى عمامته. # وإن صح فلفظه لفظ فعل، وهو لفعلة واحدة لا يجوز أن تقع على وجهين مختلفين ~~في حال واحدة، ولا يدعي فيها العموم. # ويجوز أن يكون ذلك لعذر منعه من كشف ms035 رأسه، أو يكون مجددا لوضوئه، فإذا ~~احتمل هذا واحتمل هذا واحتمل ما تقولون لم يكن صرفه إلى ما تذكرونه أول من ~~صرفه ما نقوله، فتعارضا ونرجع إلى ظاهر الآية. # فإن قيل: لو كان له عذر منع من كشف رأسه لنقل إلينا، والتجديد أيضا إنما ~~يكون مثل المجدد لا ناقصا عنه. ألا ترى أن PageV01P181 # الإنسان إذا جدد ثوبه أتى بمثل ما كان له أولا. # قيل: أنا قولكم: إنه كان هناك عذر لنقل فليس كل عذر لنقل فليس كل عذر ~~ينقل، ولكن إذا كان هناك دليل أن مسح العمامة لا يجوز، وورد أنها مسحت مرة ~~واحدة حمل على ذلك. # على أنه قد نقل، وهو ما رواه ثوبان، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه أمرهم أن يمسحوا على العصائب ~~والتساخين، والعصائب: PageV01P182 # العمائم. والتساخين: الخفاف. # فعلمنا أنه أمرهم بذلك للعذر، وهو البرد الذي وجدوه، فلو كان المسح لغير ~~ذلك جائزا لم يكن في ذلك فائدة؛ لأنه يكون قد أمرهم بشيء علموا أنه جائز في ~~غير البرد، فلما أمرهم به عند هذا العذر علم أن هذا العذر هو السبب في جواز ~~ذلك، وعلى أن عمائم العرب كانت صغارا تسمى العصائب، فهي خفاف لعل المسح ~~بالماء يصل منها إلى الرأس فيصير ممسوحا بالماء. # وأما ما ذكروه من التجديد والمثل الذي ضربوه له بأن فلانا جدد ثوبه إذا ~~لبس ثوبا جديدا مستأنفا، فقد يجوز أن يكون مثل الأول أو PageV01P183 # دونه أو فوقه؛ لأن الأول قد يكون صفيقا، والثاني خفيفا، وإن كان جديدا، ~~فهذا تجديد الوضوء يكون دون الأول؛ آلأنه لو لم يفعله لما احتاج إليه، ونحن ~~نعلم أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه مرة ثم ثم أعاد الثانية أنها دون ~~الأولى لا محالة، وأنه ربما تساهل فيها؛ لأنه لو لم يفعلها لأجزأته الأولى. # فإن قيل: فإذا كنتم تستعملون الأخبار كلها مع الإمكان، وتجعلون لكل خبر ~~فائدة، فقد روي أنه عليه السلام مسح بجميع رأسه، وروي أنه مسح بناصيته، ~~وروي ms036 مسح بناصيته وعمامته، وروي مسح على عمامته، فقولوا كما نقول: إن ذلك ~~كله جائز. # قيل: الصحيح من الأخبار مسح بجميع رأسه، والباقية PageV01P184 # ضعاف، وإنما نستعملها إذا تساوت في الصحة. # على أننا قد استعملنا وقلنا: إذا جاءت هذه الأخبار بفعل وقع شاذا في بعض ~~الأوقات حملناها على مل نقدم ذكره من العذر أو التجديد، ولولاها لأوجبنا ~~على من فعل ذلك مع العذر الإعادة، فهذا ضرب من الاستعمال، وقد كلن يجوز أن ~~يكلف مع العذر الإعادة فاستفدنا بها الجواز وسقوط القضاء، ألا ترى أن الناس ~~قد اختلفوا في المسح على الجبائر فجوزناه عند العذر: للخبر الذي ورد فيه. PageV01P185 # دليل آخر: وهو استصحاب الحال؛ وذلك أن الصلاة عليه بيقين، وكذلك الطهارة، ~~فمن زعم أنه إذا مسح على العمامة وصلى فقد سقط عنه حكم الطهارة والصلاة ~~فعليه الدليل. # فإن قيل: نحن نقول: إنه ما تعلق حكم الطهارة إلا على جواز المسح عليها. # قيل: قد ذكرنا أن الحكم تعلق عليه بالآية، فإذا تنازعنا ذلك لم يسقط ~~اليقين بهذا المحتمل. # دليل من القياس: اتفقنا على أن البرقع والقفازين لا يجوز المسح عليهما من ~~غير علة، والمعنى في ذلك: أنه ماسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، ~~والممسوح ليس بخف. # فإن قا سوا مسح العمامة على الخفين: لعلة أنه عضو يسقط في التيمم فكل عض ~~ويسقط في التيمم جاز أن ي مسح الحائل دونه، وهذا المعنى موجود في الرأس. # قيل: هذا ينتقض في الجنابة؛ لأن الرجل والرأس يسقطان في التيمم عنها، ولا ~~يجوز غسل الحائل دونهما. # وعلى أننا نقول: ليس المعنى ما ذكرتم، ولكن المعنى أنه عضو يلحق في نزع ~~الخف عنه مشقة غالبة؛ لأنه يتكلف نزعه، ولعله ينقطع عن شغله وسفره ورفقته، ~~وليس عليه مش قة غالبة في إدخال يده تحت PageV01P186 # عمامته ن وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم عمامة قطرية، فادخل يده ومسح ~~ما تحتها، ألا ترى أن القفازين أشد ضرورة من العمامة، لأنه قد يشتد البرد ~~على قوم ويكون غسلهم في الشوك ثم ms037 لا يجوز أن يمسح عليهما فبطل ما ذكروه. # وعلى أننا قد ذكرنا قياسا آخر على البرقع والقفازين وليس الرد إلى أحدهما ~~باولى من رده إلى الآخر. # فأما سقوطهما في التيمم؛ فلأن طرح التراب على الرأس ومسحه بعد مس الأرض - ~~التي لا تخلو في غالب الحال من شيء يكون عليها -فربما تطير به الناس، ~~وتجافته نفوسهم، ولعلهم لو كلفوه لم يفعلوه، والرجل فمن عادتها في الغالب ~~ملاقاة التراب فنهوا عن PageV01P187 # مسحها في التيمم لذلك، فكان الجمع بين الفقازين وبين العمامة في اعتبار ~~حكم المشقة الأولى. # وجواب آخر: وهو أن الرأس قد لحقته رخصة، وهي كونه ممسوحا لا مغسولا، فلم ~~ينقل من رخصة إلى بدل، وليس كذلك الرجل؛ لأنها مغسولة فجاز أن تنقل فجاز ~~إلى رخصة، هي المسح على الخف، والله أعلم. PageV01P188 ### | AUTO [7] مسألة # المستحب والمسنون عند مالك -رحمه الله - في الرأس مسحة واحدة. # وهي عندي أن يرد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه؛ لأن مسح جميع الرأس واجب؛ ~~وهو أن بدأ من مقدمه إلى مؤخره فرد يده بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدا ~~بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى ~~المؤخر، وهذا مذهب ابن عمر، ووالحسن البصري، وأحمد بن حنبل. PageV01P189 # وقال أبو حنيفة: المسنون مرة واحدة على الصفة التي ذكرتها من مذهبنا، ~~ولكنه يقول: الفرض مسح الرأس، وتمامه رد اليدين إلى المقدم، وهو المسنون ~~وسمعت بعض أصحابه يقول: ثلاث مسحات بماء واحد. # وقال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات، في كل واحدة يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ~~ثم يردها إلى حيث بدأ، فهذه مسحة واحدة وكذلك الثانية والثالثة. # والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وان المسنون والمستحب يحتاجان إلى شرع ~~كما يحتاج الوجوب إلى دلالة من الشرع. # فإن قيل: قد قامت الدلالة، وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة ~~مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به»، والوضوء عبارة عن غسل ~~جميع أعضائه، ثم توضأ مرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وبين الفضل في ذلك. ms038 PageV01P190 # قيل: الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهذا يتوجه إلى ما يغسل حتى يضء. # فإن قيل: فقد بين ما أردناه في الخبر الآخر، وهو أنه عليه السلام مسح ~~برأسه ثلاثا، كما غسل وجهه ثلاثا. PageV01P191 # قيل: لعمري إنه قد روي هكذا، ولكن الذي داوم على فعله هو الأفضل، وفي عظم ~~الأخبار عن عثمان، وعلي، وابن عباس رضي الله عنه، وعن غيرهم أيضا مثل عبد ~~لله بن زيد، PageV01P192 # والربيع، وأكثر الصحابة أنهم كانوا يحكون وضوءه، ويعلمونه الناس أنه عليه ~~السلام غسل وجهه ويديه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرة واحدة، ففرق بين الغسل ~~والمسح، وقد تقدم العلم بالفرق بينهما من طريق الصورة والهيئة، فلم يكن ~~الفرق بينهما ههنا إلا في العدد، فإذا تبين أن الفضل في غسل اليدين ثلاثا ~~تبين أن الفضل في مسح الرأس مرة واحدة، إذ المداومة لا تكون إلا في الأفضل، ~~ويكون مسحه إياه في بعض الأحوال ثلاثا ليعلم أنه جائز؛ لئلا يظن ظان أنه لا يجوز. # ويحتمل أن يكون الماء الذي مسح به رأسه جف في يده، - PageV01P193 # وعندنا - يجب مسح جميعه فاحتاج أن يجدد الماء حتى يتممه بثلاث مسحات؛ لأن ~~أرض الحجاز حارة، والريح بها يجفف، والمياه قليلة يشفق الإنسان في ~~استعمالها، فإذا كان هذا محتملا مع كون لفظ مسح لفظ فعل لا يقع إلا على ~~فعلة واحدة لم يترك بهذا المحتمل ظواهر الأحاديث، ومداومته عليه السلام على ~~الفر بين الغسل والمسح مثل هذا. # دليل من القياس: اتفقنا في التيمم على المرة الواحدة، والمعنى في ذلك: ~~أنه مسح في طهارة، فكل مسح في طهارة مثله، سواء كان مسحا بماء أو بغير ماء، ~~فإن المستحب فيه مرة واحدة. # وإن شئت قسته على مسح الخفين والجبائر؛ بعلة أنه مسح بالماء. # فإن قيل: لأصحابنا في الخف والجبائر وجهان. # قلت: الصحيح منهما ما قلناه. # فإن قيل: نحن نقيس ذلك على غسل الوجه؛ بعلة أنه عضو تعبدنا بمباشرته ~~بالماء فإذا كان المستحب فيه ثلاثا كان الرأس مثله. # قيل: قد حصل لنا قياس بإزاء هذا القياس، ولنا ms039 فضل الترجيح، وهو أن قياسنا ~~يسند إلى مداومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مسحه الرأس واحدة، وإلى ~~فعل الصحابة رضي الله عنهم الأكثر في أكثر أفعالهم. PageV01P194 # فإن قيل: قلنا الترجيح برد الماء إلى الماء. # قيل: ونحن رددنا مسحا إلى مسح، ومسحا بالماء أيضا إلى مسح بالماء على ما ~~بيناه في أظهر الوجهين في الجبائر والخف. # ولنا ترجيح آخر: وهو أن مسح الرأس أخف من الغسل، فلما خفف بأن جعل فيه ~~المسح في العدد، ولما كان الغسل في الوجه أثقل من المسح أكد بالعدد، ألا ~~ترى أالخلاف قد حصل في مسح جميع الرأس ولم يحصل في جميع الوجه. # وأيضا فلو كررنا المسح في الرأس لصار أشق من الغسل أو حصل في معناه، وكل ~~أحد يعلم أن الوجه في غالب الأحوال مكشوف يلاقي البرد والرياح ويصير من ذلك ~~على ما لا يصير عليه ما يتستر من الإنسان وكذلك اليد يعمل بها ويباشر بها ~~وبالرجل ما لا يحصل في الرأس مثله، ولهذا يتوقى الإنسان من كشف {اسه أو شيء ~~منه وخاصة في الأوقات التي تتخوف فيها النزلات والزكام، فكان المسح فيه على ~~كل حال أخف، وكذلك خفف في العدد، والله أعلم. # فإن قيل: فإن الطهارة تشتمل على مغسول وممسوح، فلما ساوى الممسوح المغسول ~~في الوجوب وجب أن يساويه في المسنون، ألا ترى أن PageV01P195 # الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، ثم لما ساوت الأذكار الأفعال في الوجوب ~~ساوتها في المسنون، فالذكر الواجب فاتحة الكتاب، والمسنون السورة. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن أركان الطهارة قد اختلفت في الممسوح والمغسول في الوجوب - ~~عندكم -، فقيل جميع الوجه واجب، وليس مسح جميع الرأس واجبا، فلما افترقا في ~~الوجوب من هذا الوجه وجب أن يفترقا في المسنون من المسح. # والجواب الآخر: هو أن المسح الواجب في الأصول قد فارق موضع الوجوب في ~~الغسل. ألا ترى أن المسح في التيمم لم يسن فيه التكرار، وإن كان قد سن في ~~غسله بالماء. # وأما الذكر في الصلاة فقد اختلف المسنون ms040 منه والمفروض، فقراءة فاتحة ~~الكتاب في كل ركعة منها، وقراءة السورة في ركعتين من الظهر والعصر والمغرب ~~وعشاء الآخرة، فإن أردتم أن يكون في الطهارة شيء مسنون في المسح فالسنة في ~~مسح الرأس مرة واحدة؛ لخفة المسح من الغسل، وبالله التوفيق. PageV01P196 ### | AUTO [8] مسألة # والأذنان عند مالك -رحمه الله - من الرأس في الطهارة يمسحان معه، ويستحب ~~أن يؤخذ لهما ماء جديد. # ومذهبنا مذهب ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وعطاء، PageV01P197 # والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل. PageV01P198 # وقال الزهري: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما معا، وقال الشعبي: ~~والحسن بن صالح، وإسحاق، ما اقلب منهما من الوجه يغسل معه، وما أدبر منهما ~~من الرأس يمسح معه. # ولا خلاف بين الأمة أنه عن اقتصر على مسح الأذنين لم يجزئه، وقال ~~الشافعي: هما سنة على حيالهما، يمسحان بماء جديد بعد الفراغ من مسح الرأس. PageV01P199 # والدليل لقولنا: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ~~وقد اتفقنا على أن كل عضو في الوجه هو منه. وليست الأذنان منه فثبت أنهما ~~من الرأس؛ لأننا قد تعبدنا فيهما بحكم من الطهارة بلا خلاف، وقد خرج حكمهما ~~في التعبد من الوجه فوجب أن يكون حكمهما في الرأس؛ إذ لم يذكر الله تعالى ~~مما يقارنهما من الأعضاء غيرهما. فإما أن يكونا في العبادة من الوجه أو من ~~الرأس، فمن أثبت لشيء آخر بين الوجه والرأس حكما يخالفهما فعليه الدلالة. # فإن قيل على هذا: أليس الفم والأنف من الوجه وقد سن لهما سنة غير ما في ~~الوجه، وهي المضمضة والاستنشاق، فكذلك إن كانت الأذنان من الرأس كانت لهما ~~سنة في المسح غير ما في الرأس. # قيل: إن الفم والأنف لما بطن داخلهما سنت لهما سنة المضمضة والاستنشاق. ~~ألا ترى أن ظاهرهما مغسول مع الوجه. ولما كان باطن الأذنين ظاهرا لم تسن له ~~سنة تخالف مسح الرأس؛ لأن المسح يأتي على الظاهر والباطن منهما مع الرأس. # والدليل أيضا على ms041 أنهما من الرأس: ما رواه ابن عباس وأبو أمامة PageV01P200 # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأذنان من الرأس»، وإذا قيل: هذا ~~الشيء من PageV01P201 # هذا الشيء، فهو بعضه لا محالة. # فإن قيل: فإنه عليه السلام أراد أنهما تمسحان كما يمسح الرأس، ردا على من ~~قال: إنهما من الوجه. # قيل: إنه إذا قيل لنا: هذا الشيء من هذا الشيء، فهو بعضه، فمسحه داخل في ~~مسح الرأس كدخول بعض من الرأس في باقيه. # ولو أراد ما قلتم لقال: الأذنان تمسحان كمسح الرأس، ولم يجعلهما منه. # فإن قيل: فقد علمنا لأنهما ليسا كالرأس صورة وهيئة، وأن لهما أحكاما ~~كثيرة تنفرد عن الرأس. # قيل: لا يمنع أن يكونا منه في باب المسح، ألا ترى أن ظاهر الأنف والشفتين ~~تغسل مع الوجه، ولهما حكم في الجنايات يخالف باقي أل وجه، فكذلك الأذنان. # دليل آخر: وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسحهما مع رأسه، كما PageV01P203 # غسل مرفقه مع ذراعيه وكعبيه مع رجليه. # وأيضا ما روى الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد ~~المؤمن فغسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا ~~مسح برأسه خرجت من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه». فعلمنا بهذا أنهما PageV01P204 # من الرأس، كما علمنا أن العينين من الوجه. # فإن قيل: ليستا من الرأس؛ لأنهما لا تنبتان الشعر. # قيل: هذا غلط؛ لأن الشعر ينبت فيهما، ولو لم ينبت لما دل ذلك على ما ~~تقولون، لأن الجلخة لا يكون عليها شعر وهي من الرأس، وليس إذا لم ينبت في ~~موضع شعر لم يكن من ذلك الشيء، ونحن نعلم أن في الوجه مواضع يقل الشعر فيها ~~ولا ينبت أيضا، ولا يدل على أنها ليست من الوجه. # فإن قيل: الخط الدائر وراء الأذنين لما لم يكن من الرأس وهو إليه أقرب، ~~والأذنان منه أبعد فهما أولى أن لا يكونا منه. # قيل: الخط الدائر - عندنا - من الرأس فسقط ما قلت. # فإن قيل: عندكم أنهما لو ms042 سقطتا في الطهارة على طريق النسيان لم يكن عليه ~~إعادة الصلاة، ولو سقط موضع من الرأس بيقين لأعاد الصلاة. PageV01P205 # قيل: اليسير من الرأس الذي لا يعرف بعينه قد تركه ناسيا فعليه الإعادة ~~على ظاهر قول مالك، وكذلك يجب في الأذنين بحق القياس، إلا أننا نفرق بينهما ~~بفرق، وهو: أن الأذنين في قد وقع الخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا؟ ولم ~~يقع الخالف في بعض من أبعاض الرأس هل هو منه أو لا؟ فيجوز إذا نسي مسح ~~أذنيه أن لا يعيد الصلاة؛ للخلاف فيما هل هما من الرأس أو لا؟ # وإن قلنا أيضا: إنه إن نسي شيئا يسيرا من موضع بعينه من رأسه لم يعد ~~الصلاة جاز؛ لوقوع الخلاف في مسح جميعه، وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة ومن ~~تابعه في ترك الثلث، ولكن لا يجوز أن يتعمد ذلك. # فإن قيل: لو كانتا من الرأس لأجزأ المحرم حلقهما أو تقصيرهما. # قيل: لو ترك ما لا يختلف فيه أنه من الرأس لم يجزئه؛ لأن عليه استيفاء ~~الحلق أو القصر في جميعه، فكيف يجزئ الاقتصار على الأذنين؟ وإنما يلزم هذا ~~أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يتممون بهما ربع الرأس. PageV01P206 # فإن قيل: فإنه لا يجب على المحرم في تغطيتهما الفدية. # قيل: الدليل على أنهما ليسا من الرأس ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسح برأسه ثم بأذنيه، وثم للتراخي. # وما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديدا. # قيل: هذا لا يدل على ما قلت؛ لأنه يحتمل أن يكون بدأ من مقدم رأسه، فلما ~~فرغ من جميع مسح أذنيه، فأعلمنا أن البداءة وقعت بغير الأذنين؛ لأنه لو ~~قال: غسل كفيه ثم ذراعيه لكان كذلك. # وأيضا: إذا ثبت أنهما من الرأس بما ذكرناه فقوله: مسح برأسهن قد دخلتا ~~فيه، ثم بأذنيه، أعلمنا أنه أخذ لهما ماء جديدا على وجه الاستحباب بعد أن ~~مسحهما مع الرأس لأنها معه. PageV01P207 # فإن قيل: فما الفائدة في تجديد الماء لأذنيه وقد دخلتا في مسح ms043 الرأس؟ ولم ~~اختص الأذنين بذلك؟ # قيل: لما كانت الأذنان منفصلتين منه في الانتشار استحب ذلك فيهما؛ لجواز ~~أن لا يستوعب المسح في المرة الواحدة ظاهرهما وباطنهما. # على أن قوله: مسح. حكاية عن فعلة وقعت، فيحتمل أن يكون فني الماء الذي ~~مسح به رأسه وجف فأخذ للأذنين ماء؛ لأنهما من الرأس، ويجب - عندنا - ~~استيفاء الجميع. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «عشر من الفطرة، خمس منها في الرأس». فذكر ~~من جملتها مسح الأذنين، والفطرة هي السنة، وقد أضاف إلى السنن أيضا المضمضة ~~والاستنشاق. # قيل: معنى ذلك أنهما من فطرة الإسلام، ويكون في فطرة الإسلام الفرض ~~والسنة. ألا ترى أنه قد ... ذكر فيها الختان وهو - عندكم - فرض، فكأنه أراد ~~أن مسح الأذنين - لأنهما من الرأس - PageV01P208 # فرض؛ لئلا يظن ظان كما ظننتم وأنه لو تركهما عامدا لأجزأه كما لو ترك بعض رأسه. # وينبغي أن يحمل قول أبي زيد في كتابه: وسن صلى الله عليه وسلم مسح ~~الأذنين، على تجديد الماء لهما. # فإن قيل: فإن الأصول تشهد بما نقول؛ وذلك أننا وجدنا أعضاء الطهارة كل ~~واحد منها قد استلحق موضعا مسنونا، ثم وجدنا تلك الأعضاء المسنونة اللاحقة ~~بالمواضع المفروضة على ضربين: # ضرب من جنس الموضع وجودا وحكما واجتزئ في أداء السنة بالماء المأخوذ ~~للمفروض، وهما ما وراء المرفقين والكعبين. # وضرب من غير جنس الموضع المفروض وجودا وحكما فأخذ له ماء جديد سوى ماء ~~المفروض، وهو المضمضة والاستنشاق، ووجدنا PageV01P209 # الأذنين من غير جنس الموضع المفروض وجودا وحكما، فونجب أن يؤخذ لهما ماء جديد. # قيل: هذا غلط؛ لأن ما وراء المرفقين واجب غسله، وكذلك ما وراء الكعبين؛ ~~لأنه لما كان مقارنا لما دونه حتى لا ينفك منه، ولا يكن الاقتصار في الغسل ~~على ما دونه جعل في حكمه، وليسا بمسنونين، فلما صارا واجبين كوجوب ما ~~دونهما وجب غسلهما بماء واحد. # على أننا نعلم أن ما وراء الكعبين ليس من جنس الكعبين وما دونهما لا ~~وجودا ولا حكما؛ لأنه في الوجود على هيئة وصورة تخالفانه، وفي الحكم ms044 قد فرق ~~بينهما، وذلك أن الله تعالى لما أوجب قطع رجل المحارب وجب القطع من المفصل، ~~وهو أسفل الكعبين، ولا تدخل الكعبان في القطع، فقد علمنا أيضا أنهما ليسا ~~من جنس الرجل في الحكم. # ثم مع هذا فقد غسل ما وراء الكعبين بماء الرجل وهي المفروضة على ما قلتم، ~~وكذلك يكون للأذنين حكم وصورة تخالفان الرأس ويكون مسحهما بماء الرأس على ~~حسب ما قلتموه فيما وراء الكعبين والمرفقين. # وكذلك أيضا ما وراء المرفقين يخالف جنس ما قبلهما في الهيئة والصورة، ~~والمفصل منه دون المرفقين، ومع هذا فقد غسل بماء الذراعين. PageV01P210 # فإن أردتم أن ام اليد والرجل يتناول الجميع منعناكم منه، وقلنا: حقيقة ~~اليد إلى الكوعين -كما قال الله -تعالى - {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما}، والقطع من الكوع، وكذلك الرجل فيما دون الكعبين، كما قيل في ~~المحاربين: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف}، ثم لو انطلق الاسم على ~~الجميع مع خلافه في الصورة لكان منطلقا في اسم الرأس عليه وعلى الأذنين، ~~وإن كانتا مخالفتين له في الصورة والحكم على ما بينه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: «الأذنان من الرأس»، فينبغي أن تمسح بماء الرأس، كما قلتم فيما ~~وراء الكعبين إلى المرفقين، والمسنون في اليدين التبدئة من أطراف الأصابع ~~إلى المرفقين، وفي الرجلين كذلك؛ لأن ما وراء المرفقين كذلك، لأن ما وراء ~~المرفقين والكعبين من المسنون بل واجب على ما بيناه. # ويجوز أن نقول: إنه أصل ممسوح بالماء في الطهارة فوجب أن يمسح مع الرأس ~~أصله أبعاض الرأس، ولا يلزم عليه الخف؛ لأنه ليس بأصل، وإنما هو بدل. # فإن قيل: إن فعل الوضوء نوعان: غسل ومسح، ثم الغسل منه PageV01P211 # واجب ومنه سنة منفردة هي المضمضة والاستنشاق فكذلك المسح لما كان منه ~~واجب وجب أن يكون منه مسنون منفرد، وليس - عندكم - مسنون منفرد في المسح. # قيل: إنما سنت المضمضة والاستنشاق؛ لأن داخل الأنف والفم باطن، والأذنان ~~ظاهرتان، ولم تسن للرأس سنة منفردة في المسح، ألا ترى أن اليدين والرجلين ~~فرضهما الغسل، ولم تسن ms045 لهما سنة منفردة لظهورهما ولا باطن فيهما، وبالله ~~التوفيق. # واستدل الزهري بقوله عليه السلام في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره ~~وشق سمعه وبصره». فأضاف السمع إلى الوجه، والمعنى - عندنا - سنجد ذاتي، ~~وقوله: «الأذنان من الرأس». أخص من هذا، وكذلك قوله في حديث الصنابحي: «إذا ~~توضأ فغسل وجهه خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أذنيه»، فعلمنا بهذا ~~أنهما من الرأس كما علمنا أن العين من الوجه. # واحتج من قال باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس بقوله تعالى: {فاغسلوا ~~وجوهكم}، وباطن الأذنين يواجه به مع الوجه. # وما ذكرناه يقضي عليه، مع أنهما تغطيهما العمامة وغيرها، والمواجهة لا ~~تقع بهما، والله أعلم. PageV01P212 # وقد روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأذنيه بماء واحد. # وكذلك روي أنه عليه السلام أتي بوضوء فتوضأ فغسل وجهه وكفيه ثلاثا، ثم ~~غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما ~~وباطنهما، وهذا يفيد مسحا واحدا، فلو كان أخذ لهما ماء جديدا لقال: مسحين، ~~أو كان يفرد أحدهما عن الآخر كإفراده سائر الأعضاء. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P213 # سأله رجل فقال: كيف الطهور. فدعا بماء فغسل كفيه وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ~~ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح ~~بإبهاميه ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد أو ~~نقص فقد أساء وظلم»، وهذا PageV01P214 # خارج على وجه التعليم والبيان لصفة الطهارة وأحكامها، وبالله التوفيق ~~والتسديد. PageV01P215 ### | AUTO [9] مسألة # الترتيب في الطهارة ليس بواجب عند مالك، وأبي حنيفة، وهو مذهب علي، وابن ~~مسعود، والزهري، والأوزاعي، وسفيان الثوري. # وقال الشافعي: الترتيب مستحق. PageV01P216 # والدليل لقولنا: قوله - تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق}، فجمع بين الأعضاء بالواو، التي موضوعها للاشتراك ~~والجمع، كقولهم: جاءني زيد وعمرو، وليس عندهم فيه دلالة على أن أحدهم جاء ~~قبل صاحبه. # وقد ذكر سيبويه أن موضوع الواو للجمع ms046 لا للترتيب. # وقد نبه الشرع أيضا على ذلك فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ~~يقول: ما شاء الله وشئت، فقال له: «أمثلان؟ قل ما شاء الله، ثم شئت». فنهاه ~~أن يجمع بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته، فلو PageV01P217 # كانت الواو للترتيب لم يمنعه من ذلك؛ لأنها تكون بمنزلة الفاء وثم. # فإن قيل: فإن الآية حجة لنا: لأن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}، فأمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة؛ لأن الفاء في ~~لغة العرب للتعقيب بلا خلاف، فإذا ثبت أن غسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة ~~واجب ثبت قولنا؛ لأن من قال: PageV01P218 # الترتيب لا يجب في الوضوء، قال: لا يلزمه غسل الوجه عند القيامن وإن غسل ~~رجليه عند القيام إلى الصلاة فقد امتثل الأمر. # قيل له: هذه الدلالة لا تصح من وجهين: # أحدهما: أن الفاء ههنا ليست للتعقيب، وإنما دخلت لتعلق الكلام بالكلام، ~~والجملة بالجملة، وجوابا للشرط بقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}، ~~والفاء التي للتعقيب تكون في الخبر، كقولك: جاء زيد فعمرو، أو في الأمر، ~~كقولك: فعمرا، فأما إذا كانت للجزاء وجواب الشرط فلم تكن للتعقيب. # والفرق بين الفاء التي للتعقيب والفاء التي هي جواب الشرط هو: أن الفاء ~~إذا كانت جوابا للشرط والجزاء لم يصح قطع الكلام عنها؛ مثل: إذا جاء زيد ~~فأكرمه، لو وقفت على قولك: إذا جاء زيد لم يتم الكلام، والفاء التي للتعقيب ~~يصح قطع الكلام عنها، كقولك: جاءني زيد فعمرو، ولو وقفت على قولك: جاءني ~~زيد، صح، وكذلك أعط زيدا درهما فعمرا، لو اقتصرت على قولك: اعط زيدا كان ~~الكلام مفيدا. # والوجه الآخر: هو أننا لو سلمنا أنها للتعقيب لم نسلم ههنا؛ لأنها قرنت ~~بعدها بالواو التي هي للجمع، فلما دخلت الواو في باقي الأعضاء بالواو ن ثبت ~~أن الفاء ليست للتعقيب؛ لأنه لا أحد يمنع من تقديم اليدين على الوجه إذا ~~ثبت جواز تقديم مسح الرأس على اليدين بالواو. PageV01P219 # ثم لو ثبت أنه للتعقيب لكان المراد ms047 أن تقع جملة الطهارة عقيب القيام إلى ~~الصلاة؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها، ومسح الرأس فيها، ولكن ~~لا يصح الابتداء في اللفظ بعد إذا إلا بالفاء، فلو قال: إذا قمتم إلى ~~الصلاة فامسحوا برؤوسكم، لم يكن إلا كقوله: {فاغسلوا وجوهكم}، فإذا كان كل ~~واحد من الأعضاء لا تتم الطهارة إلا به لم يكن بعضه بالتقدمة أولى من بعض. # على أننا نقلب هذا عليهم فنقول: إن كان المراد غسل الوجه عقيب القيام من ~~أجل الفاء التي للعقب، فنحن نقول: إذا قدم غسل الأعضاء وأخر الوجه إلى ~~آخرها وقع غسله عقيب القيام إلى الصلاة فينبغي أن نكون نحن أسعد بهذا منكم؛ ~~لأنه إذا تم لنا هذا في الوجه فليس أحد يفرق بينه وبين سائر الأعضاء. # فإن قيل: إن الواو - عندنا - للترتيب لغة وشرعا. # فأما اللغة فإن الفراء قال: الواو للترتب لا للجمع، وكذلك PageV01P220 # قال أبو عبيد القاسم بن سلام؛ لأنه ذهب إلى أن الترتيب في الوضوء واجب، ~~واستدل بالآية، ,أن الواو فيها تقتضي الترتيب. # فحصل فيها خلاف بين أهل اللغة. PageV01P221 # وأما الشرع فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: من أطاع ~~الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له النبي عليه السلام: «بئس ~~الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». فلما لم يرتب الرجل ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر الله تعالى نهاه عنه، وأمره أن يرتب ذكر ~~النبي عليه السلام على ذكر الله تعالى، فقال: «قل: ومن يعص الله ورسوله فقد ~~غوى». فدل على أن الواو للترتيب؛ إذ لو لم تكن للترتيب لكان معنى الجمع ~~الذي نهاه عنه موجودا في قوله: «ومن يعص الله ورسوله». # وقد روي أنه قيل لابن عباس: إنك تقدم العمرة على الحج، والله تعالى قم ~~الحج على العمرة، فقال: {وأتموا الحج والعمرة لله}. فقال: كما قدمتم الدين ~~على الوصية، والله تعالى قدم الوصية على الدين، فسلم ابن عباس للقوم أن ~~تقديم ذكر الحج على ms048 العمرة PageV01P222 # يقتضي تقديم فعله عليهما، ولكن ذكر أنه تركه لدلالة قامت له، كما تركوا ~~ذلك للدلالة في قوله - تعالى -: {من بعد وصية يوصي بها أو دين}، فدل على أن ~~الواو عند ابن عباس تقتضي الترتيب، وكفى به من اهل اللغة. # فالجواب أن نقول: # لأما قولكم: إن الفراء قال: إن الواو للترتيب، فإنه لم يقل: إن موضوعها ~~لذلك، وإنما أراد أنها قد تكون للترتيب، ونحن لا نمنع من ذلك. # والدليل على أنه أراد ذلك لا الموضوع: هو أنه لو كان موضوعها لذلك كحروف ~~الترتيب لدخلت حروف الترتيب في كل موضع تدخل الواو فيه، كما يدخل كل حرف من ~~حروف الترتيب المدخل الذي يدخله الآخر، فلما كان قول القائل: تشائم زيد ~~وعمرو لا يصح دخول الفاء وثم فيه علمنا أن موضوع ذلك مختلف. # وأما أبو عبيد فيجوز أن يكون استدل بالآية لا من حيث الموضوع. # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للخطيب ما قال، فلا دلالة فيه؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يحب أن يجمع بينه وبين ربه - تعالى - في كتابة ~~واحدة، وأحب أن يقدم ذكر الله - تعالى - على ذكره، ثم إذا قدم ذكر اسم الله ~~- تعالى - عليه فبدلالة العقل يعلم الترتيب ههنا، ونحن لا نمنع أن تدخل ~~الواو في موضع للترتيب بدلالة، والدليل على النبي صلى الله عليه وسلم أراد ~~ما PageV01P223 # قلناه لا الترتيب: هو أن الله تعالى قد جمع بين نفسه وبين رسوله عليه ~~السلام في كتابة واحدة، فقال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه}، وهذا أبلغ من ~~قوله: أن يرضوهما؛ لأن ما يرضي الله تعالى فهو يرضي رسوله، وما يرضي رسوله ~~فهو يرضيه تعالى، وكذلك العصيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو عصيان ~~الله تعالى، وإنما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدم ذكر الله ~~تعالى في اللفظ. # وأما حديث ابن عباس - رحمه الله - فإنه حجة لنا؛ لأنه رأى أن الواو للجمع ~~في الحج والعمرة. # وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ms049 صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل ~~وجهه وذراعيه ثم رجليه ثم مسح برأسه. # فإن قيل: إن الواو التي للجمع تسقط عند الكناية، مثل قول القائل: إذا ~~دخلت الدار فألق زيدا وعمرا وخالدا وبكرا، فإذا لقيتهم فأعطهم كذا وكذا، ~~وهذا المعنى متعذر في هذا الموضع؛ لأنه لا يمكن أن تقول: إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فإذا غسلتموها ~~فصلوا؛ لأنه قد تخلل بينها المسح الذي هو خلاف الغسل، فدل على أن الواو ~~ههنا للترتيب. # قيل: أقل ما في هذا أنه ينقلب عليكم في الترتيب؛ لأن الواو PageV01P224 # تسقط عند الكناية إذا قال: ألق زيدا ثم عمرا ثم خالدا ثم بكرا فإذا ~~لقيتهم فافعل كذا، وفي هذه الآية لا يمكن هذا؛ لأنه لاي صح أني قول: اغسل ~~وجهك ثم يديك، ثم امسح براسك ثم اغسل رجليك، فإذا غسلتها فصل؛ لأجل ما قد ~~تخلل بين اعضاء الغسل من المسح، فسقط السؤال. # وإنما لم يصح في الوجهين جميعا للمخالفة كما قلت في الصفة، فإن أراد ~~الكناية ففي اللفظ الواحد وهو إما الغسل وإما المسح لم يصح. # ولكن: قد يجتمعان في كناية هي غير اللفظ، وهو أن تقول في كناية الجمع ~~والترتيب جميعا، فإذا فعلت ذلك بهم أو بهما فافعل كذا وكذا، فاستوى البابان ~~جميعا في هذه الكناية، وفي الامتناع ممن تلك الكناية، والله أعلم. # فإن قيل: لو كانت الواو للجمع لكان يقول: اغسلوا وجوهكم مع أيديكم، ولكان ~~تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم إلى الكعبين، ~~وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه. # قيل: لو قال - تعالى - فاغسلوا وجوهكم مع أيديكم أو على المرافق لكان يجب ~~علينا أن نغسل وجوهنا مع أيدينا في حال واحدة، بماء واحد، ولكنه أراد منا ~~أن نغسل كل واحد على حدته بماء جديد، غير أننا بأي أعضائنا بدأنا أجزأ، ولو ~~أراد الترتيب على ما تقولون لأتى بحرف من حروف الترتيب. PageV01P225 # فإن قائلا لو قال: خير الناس أبو بكر والنبي لقبح قوله، فعلم أن الواو ms050 ~~للترتيب. # قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أنه لا يحسن أن يبدأ بذكر أحد من أمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل ذكره إذا أريد الخبر عنه وعنهم. ألا ترى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو دخل هو وعلي رضي الله عنه على فاطمة - رضي الله عنها - ~~في حال واحدة لما حسن أن تقول: جاءني علي والنبي. فتقدم ذكر علي على ذكره ~~عليه السلام، ولو بدأت بذكر النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذكر علي رضي الله ~~عنه لما دل ذلك على أن النبي عليه السلام جاءها قبل علي رضي الله عنه؛ ~~لأنهما قد جاءاها معا، ولما كان النبي عليه السلام خير البشر لم يحسن أن ~~يقال: خير الناس أبو بكر والنبي؛ لأنه يكون تسوية بينهما، وهذا كله قد ~~فرغنا منه، وقلنا إننا لا نمنع أن تدخل الواو للترتيب في موضع بدلالة. # فإن قيل: إن الخبر الذي رويتموه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: ~~ما شاء الله ثم شئت». لا دلالة فيه؛ لأن الواو للترتيب، ولكنه عليه السلام ~~أراد من القائل أن تكون بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته مهملة، لا أن ~~تكون مشيئته مقرونة تتلو مشيئة الله تعالى، ولا عقيبها. ألا ترى أن أتى ~~بحرف ثم - التي هي للتراخي والمهلة - فقال له: «قل: ما شاء الله ثم شئت». ~~فهذا هو المقصود؛ لا أن الواو للجمع. PageV01P226 # قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل لما أتى بالواو التي هي للجمع بالغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النكير عليه بأن قال له: «قل: ثم شئت»، كما إذا جلس ~~الدنيء مع الرفيع في مجلس واحد أنكر عليه، وقيل له: تباعد عن قربه. # فإن قيل: إن من عادة العرب في كلامهم أن لا يدخلوا فيه ما لي سمن جنسه ~~إلا لحاجة، ألا ترى أنهم يقولون: ضرب الأمير زيدا وعمرا وبكرا، ولا يقولون: ~~ضرب زيدا وحبس عمرا وضرب بكرا، فإذا كان هذا عادتهم في كلامهم، فقد ذكر ~~الله - تعالى - غسل الوجه واليدين، وأدخل فيه ms051 مسح الرأس الذي هو من غير جنس ~~الغسل، ثم أمر بغسل الرجلين، فعلم أمه ادخل المسح بين ذلك لحاجة الترتيب، ~~وأن يكون مستحقا، إذ لو لم يكن كذلك لكان أشبه أن يذكر المسح بعد فراغه من الغسل. # قيل: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن مسح الرأس بالماء من جنس الغسل، ~~والوضوء لا يتم إلا بغسل الأعضاء، فإذا كانت الطهارة لا تتم إلا بالغسل ~~والمسح لم يكن بعض الأعضاء بالتقديم أولى من الآخر. # وقد يصح في الكلام أن تقول: أكرم زيدا وأدب غلامه، وأكرم خالدا وبكرا، ~~وأن تخلل بين الكرامات أدب الغلام، ولما كان مسح الرأس لا تتم الطهارة إلا ~~به كما لا تتم إلا بغسل الرجلين، ثم قد سقط حكم الرأس والرجلين في التيمم - ~~الذي هو إحدى الطهارتين - جاز أن يجمع بينهما بالواو. # فإن قيل: إن مذهب العرب الحكمة البداءة بالأقرب فالأقرب، PageV01P227 # ووجدنا الوجه أقرب إلى الرأس منه إلى اليدين، فلما أمر الله تعالى بغسل ~~الوجه، ثم بغسل اليدين، وترك الرأس - الذي هو أقرب إلى الوجه - علم أنه لم ~~يتركه إلا لأن البداءة باليدين مستحق قبل الرأس. # قيل: لما بدأ الله تعالى بالوجه الذي لا يسقط في التيمم عطف عليه اليدين؛ ~~لأنهما لا يسقطان في التيمم، ثم أتى بالمسح في الرأس، وعطف عليه غسل ~~الرجلين؛ لأنهما يسقطان في التيمم. # ويجوز أيضا أن يكون تعالى جمع ما في أعلى البدن في اللفظ، ثم أخر ~~الرجلين؛ لأنهما من أسفل البدن. # على أن الواو إذا كانت للجمع لا للترتيب فبأي الأعضاء بدأ في الذكر جاز، ~~وهذا يلزمهم؛ لأنه تعالى لو أراد الترتيب لبدأ بالأقرب فالأقرب، فلما بدأ ~~بالوجه وترك الرأس الذي هو أقرب إليه علم أنه لم يرد الترتيب. # فإن قيل: إن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق. ~~وقعت الأولى ولم تقع الثانية، فلو كانت الواو للجمع للزمه تطليقتان، كما لو ~~قال: أنت طالق تطليقتين. # قيل: تقع عليه تطليقتان - عندنا -، وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة. PageV01P228 # فإن ms052 قيل: فإن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وكرره، وذكر مسحه في التيمم ~~وكرره، فبدأ في كل المواضع قبل اليدين؛ فلولا أنه أراد الترتيب لأشبه أن ~~يذكر تقديم اليدين على الوجه في بعض المواضع ليعلمنا أنه اراد الجمع. # قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا قد دللنا على أن موضوع الواو للجمع، فلو كرر ذكر ~~الوجه في ألف موضع لم يدل ذلك على الترتيب، ولو ثبت أنها للترتيب حتى تغير ~~في بعض المواضع لما دل ذلك على خلاف الترتيب، ألا ترى أنه لما ثبت الترتيب ~~في الصلاة، وأن الركوع مقدم على السجود، وقد كرر في مواضع كذلك، ثم ورد ~~قوله - تعالى - {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}، فقدم ~~السجود على الركوع لم يدل ذلك على أن المراد خلاف الترتيب، وإنما هذا على ~~حسب الأدلة، فإن ثبت أن موضوع الواو للجمع لم يضر ذلك تكرير اللفظ ولا ~~تغييره، وكذلك إن ثبت أنها للترتيب لم يضر ذلك. # ثم إننا نحن أيضا نقول: إنه - تعالى - لما كرر في هذه المواضع بالواو دل ~~أنه أراد الجمع، إذ لو أراد الترتيب لأشبه أن يذكره في بعض المواضع بحرف ~~الترتيب، مثل الفاء أو ثم، فلما لم يذكره كذلك، ولا غيره عن حرف الجمع علم ~~أنه أراد الجمع، والله أعلم. # فإن قيل: فإن الآية محتملة لما نقول: ولما تقولون، ورأينا النبي صلى الله ~~عليه وسلم توضأ ورتب، فكان هذا منه بيانا للمراد بالآية. # وقد يستدلون بهذا الخبر مفردا فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ PageV01P229 # ورتب، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». فكان هذا منه بيانا ~~للمراد بالآية، وأيضا فإن أفعاله على الوجوب. # وأنا أتكلم على الجميع، فالجواب أن نقول: # إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة أخرى. # فروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل ونجهه ~~وذراعيه ثم رجليه ثم مسح برأسه، فليس لكم أن تجعلوا ترتيبه بيانا للآية إلا ~~ولنا أن ms053 نجعل تركه الترتيب بيانا لها، وإن المراد بالواو المجمع، وإذا ~~تساوى ذلك، قلنا: إنما رتب استحبابا، وترك الترتيب ليعلمنا الجواز. # وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ وعكس بملأ من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقال: # أهكذا رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ؟ فقالوا: نعم. فشهدوا له ~~بذلك فيجب استعمال الأخبار كلها ألا يسقط بعضها، ويحصل معنا زيادة حكم، وهو ~~جواز التعكيس الذي تمنعون منه. # وقولة: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». في خبرنا كما هو في ~~خبرهم، فعلمنا أنه قصد بالوضوء ما تحصل فيه الوضاءة، وهو الغسل لا الترتيب ~~ولا تركه، هذا إن صح الحديث هكذا وإنما PageV01P230 # الصحيح أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به». # وقولهم: إن أفعاله على الوجوب، فمثله نقول في أخبارنا، فإذا تعرضنا وجب ~~الاستعمال على ما بينا من الجواز والاستحباب. # ويجوز: أن نستدل نحن بأخبارنا ابتداء فإذا عارضونا بأخبارهم التي فيها ~~الترتيب حملناها على الاستحباب وأخبارنا على الجواز، وهم لا يمكنهم استعمال ~~أخبارنا. # ولنا ما روي عن عمار أنه قال لعمر رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت ولم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ ~~الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان ~~يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ~~ويمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه»، فدل هذا على جواز ترك الترتيب؛ ~~لأنه لا أحد يفرق بين الوضوء والتيمم في وجوب الترتيب أو تركه، فإذا ثبت ~~جوازه في التيمم ثبت جوازه في الوضوء. PageV01P231 # فإن قيل: رأينا في الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض، ورأينا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد رتب، وأجمعت الأمة على أن من توضأ ورتب أجزأه، ولم ~~يجمعوا على أن من ترك الترتيب أجزأه فعلمنا أن المراد من الآية الترتيب؛ إذ ~~لو كان المراد غيره لما أجمعوا ms054 عليه؛ إلا أنهم لا يجمعون على الخطأ الذي هو ~~خلاف المراد. # قال القاضي أبو الحسن: وأول ما سمعت هذا الفصل من القاضي أبي حامد - رحمه ~~الله - بالبصرة وكلمته عليه بما أذكره فقلت له: هذا ينقلب عليك مثله في ~~الموالاة وترك التفرقة، وفي مسح بعض الرأس؛ وذلك أن الله تعالى أمر بغسل ~~هذه الأعضاء، وبمسح الرأس وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ووالى، ومسح ~~بجميع رأسه، وأجمعت الأمة على أن من فعل خلاف ذلك أنه يجزئه، فعلمنا أن ~~المراد بالآية ما أجمعوا عليه؛ لأنهم لا يجمعون على خلاف المراد. وهذا حذر ~~النعل بالنعل. # على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتب تارة , وترك الترتيب تارة، نعلى ~~ما رويناه كما روي عندك أنه مسح جميع رأسه تارة ومسح ببعضه PageV01P232 # تارة ولم يكن إجماعهم على أحد الفعلين أنه يجزئ، واختلافهم في الفعل ~~الآخر أنه لا يجزئ يسقط عندك جواز ما اختلفوا فيه. # دليل آخر: وهو أننا وجدنا الصحابة قد أجازوا ذلك ولا نجد بينهم اختلافا ~~فيه. فمنهم على وعبد لله بن مسعود وابن عباس. # قال علي وابن مسعود: إذا أتممنا وضوءنا فلا نبالي بأي أعضائنا بدأنا. PageV01P233 # وقال ابن عباس: إذا أسبغت وضوءك فسواء بدأت برجليك أو بيديك. PageV01P234 # روى هذا الحديث ابن الجهم في كتابه عن مجاهد عن ابن عباس. PageV01P235 # إذا كان هذا إجماع الصحابة مع روايتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ~~الترتيب، دل على أن ترتيبه حيث رتب استحباب، وأنه أحب أن يطابق لفظ الآية؛ ~~للترتيب حيت ترك ليدل على الجواز. # فإن ذكروا آيات في كتاب الله تدل على الترتيب، ذكرنا الآيات التي يجوز ~~فيها ترك الترتيب، مثل قوله - تعالى - {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}، ~~وأنه لو قدم المساكين على الفقراء جاز. # على أن الواو إذا وقعت للترتيب، فإنما تصير إليه بدلالة، وإلا فالظاهر أن ~~موضوعها للجميع على ما بيناه. # فإن قيل: فقد روي جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طاف وخرج من المسجد ms055 وبدأ بالصفا، وقال: «ابدؤوا بما بدأ PageV01P236 # الله به وقوله «ابدؤوا»، لفظه الفظ أمر يقتضي أن يكون كل موضع بدأ بذكر ~~الوجه فالبداءة به فعل ولجب بظاهر الأمر. # قيل: الجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن الواو لو كانت في لسانهم للترتيب لعقلوا من قوله - تعالى - ~~{إن الصفا والمروة}، أن الصفا مقدم، ولم يحتج أني قول لهم عليه السلام: ~~«ابدؤوا بما بدأ الله»؛ لأن الواو في لسانهم للترتيب على ما تذكرون، فلما ~~قال لهم: بدؤوا بما بدأ الله به»، علم أن الواو للجمع، وإنما أريد في هذا ~~الموضوع المعقول في لسانهم. # والجواب الآخر: هو أن قوله عليه السلام: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، مقرن ~~بسبب، هو الصفا وإذا خرج الخبر مقرونا بسبب حمل عليه، ولم يحمل على عمومه، ~~هذا مذهب مالك - رحمه الله -. PageV01P237 # ثم لو ثبت العموم فيه لحملناه عليه إلا أن تقوم دلالة، وقد ذكرنا في ~~الوضوء دلائل تجوز ترك الترتيب فيه، والبداءة بغير ما بدئ به في اللفظ. # وأيضا من جهة القياس قد اتفقنا على أنه لو قدم غسل اليسار على اليمين في ~~الوضوء أجزأه؛ لعلة أنها طهارة تبيح الصلاة، فجاز تقدمة بعض الأعضاء فيها ~~على بعض. # وأيضا فقد اتفقنا على لطهارة من الحيض والجنابة، وأن الترتيب لا يجب ~~فيها، والعلة في ذلك؛ أنها طهارة تنتقض بالحدث، وكذلك الوضوء. # فإن قيل: قياسكم على تقدمة اليسار على اليمين غير صحيح؛ لأن اليدين في ~~حكم اليد الواحدة، وكذلك الرجلان؛ بدليل أنه لو لبس خفيه على طهارة ومسح ~~عليهما جاز أن يصلي، ولو نزع أحد خفيه انتقص الطهر في قدميه ويصير كأنه نزع ~~خفيه جميعا ولا يجوز أن يمسح عليه ي، كما لو تطهر في الابتداء ولبس أحد ~~خفيه لم يجز أن يمسح عليه، فإذا كانا في حكم العضو الواحد لم يعتبر فيه ~~الترتيب، وليس كذلك الأعضاء في الطهارة؛ لأن حكم كل عضو منفرد عن الآخر ~~فوجب أن يرتب. PageV01P238 # وأما القياس على غسل الحيض والجنابة فلا يصح؛ لأن الغسل لا يتبعض، فجميع ms056 ~~البدن في الجنابة كالعضو الذي لا يتبعض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه ذو أركان ~~فكل عضو فيه كالغسل من الجنابة، وليس في الغسل موضع ترتيب. # قيل: أما قولكم: إن اليدين في حكم العضو الواحد، وكذلك الرجلان فغلط؛ لأن ~~الوضوء لا يصح بغسل أحدهما دون الآخر، كما لا يصح بغسل عضو دون العضو الآخر ~~مع القدرة، فأما المسح على الخفين فإنما هو رخصة، جوز على صفة، هي أن تكون ~~الرجلان مستورتين في الخفين بعد طهارة كاملة، ولم يرخص له أن يمسح على ~~واحدة ويغسل الأخرى؛ لأن الرجلين عضو واحد، ألا ترى أن الرخصة لم تدخل في ~~اليدين بالمسح، وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم رتب فيهما فبدأ باليمين ~~على الشمال، كما بدأ بغسل الوجه عليهما. # وأما الغسل من الحيض والجنابة فقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ~~فغسل يديه، ثم غسل ما به من الأذى، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم خلل أصول شعره ~~بالماء، ثم أفاض على جسده، وهذا كله ترتيب كما رتب في الوضوء، ولو ترك عضوا ~~من جسده لم يغسله لم تتم طهارته، كما لو ترك عضوا من أعضاء الوضوء لم ~~يجزئه، فليس لكم أن تجعلوا اليدين ولا غسل الحيض والجنابة في حكم العضو ~~الواحد إلا ولنا أن نجعل PageV01P239 # الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بالجميع. # دليل لنا لو كان الترتيب فرضا في الطهارة لكان حكمه حكم النية، والماء ~~الطاهر الذي لا يسقط بوجه إلا لضرورة أو نيابة شيء عنه فلما جاز للمحدث ~~بالغائط والبول الغوص في الماء - الذي يسقط معه الترتيب ويكون مختارا - ولا ~~تسقط معه النية والماء الطاهر علمنا بهذا أنه ليس بفرض. # فإن قيل: على هذا الفصل إنه إذا غاص في الماء لم يحصل الوضوء دفعة واحدة ~~- عندنا - بل يترتب من غير فعل، ومعنى هذا: أنه إذا انغسل في الماء فقد عم ~~الماء جميع بدنه، وكل جزء وقع منكسا لم يعتد به، وكل جزء وقع مرتبا، فهو ~~الذي صحح الوضوء، ms057 وهذا معنى الترتيب - عندنا -. # وعلى أن هذا يلزمكم في المصلي منفردا عليه فرض في قراءة فاتحة الكتاب، ~~كالنية وتكبير الإحرام ثم إن القراءة تسقط عنه خلف الإمام، ولا تسقط ولا ~~تكبيرة الإحرام، فينبغي أن لا تكون القراءة على المنفرد فرضا، وكذلك يلزمكم ~~في الموالاة؛ لأنها لو كانت فرضا في الوضوء لكانت كالنية والماء الطاهر، ~~فلا يسقط حكمها بالنسيان كما PageV01P240 # لم يسقط حكم النية والماء الطاهر. # قيل: أما قولكم في الانغماس في الماء يقع مرتبا فهذا دفع المشاهدة؛ لأنه ~~إذا غاص فيه لم يسبق أحد الأعضاء صاحبه في الغسل ولم يتقدم في الفعل بعض ~~الأعضاء على بعض، فإن جعلتموه الرتب حكما فجوزوا تقدمه اليدين على الوجه، ~~واجعلوه مرتبا حككما ونحن نعلم أن المنغمس في الماء دفعة ما حصل غسل أعضائه ~~إلا دفعة، لم يتقدم الفعل في أحد الأعضاء على صاحبه، فقد سقط الترتيب الذي ~~هو الداءة بعضو على عضو فعلا. # فأما المنفرد بالصلاة فعليه القراءة، فإذا صلى مأمونا ناب الإمام منابه ~~في القراءة، وليس ينوب على الترتيب في الانغماس في الماء شيء. # وأما الموالاة فالنسيان لها ضرورة، كما لو قام إلى خامسة ناسيا لم يفسد، ~~وكلك - لو أكل ناسيا في صومه لم يفسد، ولو تعمد لأفسد وإذا انغمس في الماء ~~فقد ترك الترتيب متعمدا مختارا قد سقط السؤال. # ونقول أيضا: إنها طهارة للصلاة فوجب أن لا يستحق الترتيب فيها، أصله ~~إزالة النجاسة. # ونقول أيضا: إن الفرض إذا سقط دفعة واحدة لم يستحق الترتيب فيه، أصله ~~الزكاة؛ وذلك أنه لو كان معه شيء من الزكاة فدفعه PageV01P241 # إلى مستحق أجزأه عن فرضه، ثم الترتيب فيه غير مستحق؛ لأنه لو فرق ذلك ~~القدر من الزكاة جزءا جزأه، فقدم وأخر أجزأه، فكذلك فرض الطهارة في ~~الانغماس في الماء يسقط دفعة واحدة، فلا يستحق الترتيب فيه إذا فرق. # فإن قيل: فإنها عبادة ترجع إلى شطرها حال العذر، فوجب أن يكون الترتيب ~~فيها مستحقا كالصلاة. # وأيضا فإنها عبادة تجمع أفعالا متغايرة نقلا وفرضا فوجب أن يكون فيها ms058 ~~ترتيب مستحق، كالحج لا يجوز تقديم الطواف فيه على الوقوف بعرفة. # وأيضا فإنه فعل معلق أوله على آخره، ويفسد أوله بفساد آخره، فأشبه الصلاة ~~لا يجوز تقديم السجود على الركوع. # قيل: لم يكن المعنى في الصلاة ما ذكرتموه، وإنما المعني فيه: أنها عبادة ~~لا يجوز تعمد تفرقتها على وجه؛ لاتصال نظامها، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه لو ~~فرقه عامدا على وجه أجزأه. # وعلى أنا نقيس ذلك على الصلاة فنقول: إذا جاز أن يسقط فرض الوجه في ~~الوضوء مع بقاء الفرض على اليدين أو غيرهما لم يستحق فيه الترتيب، كالصلاة ~~والزكاة، أو الصوم والزكاة لما جاز أن يسقط فرض الصلاة عنه، وفرض الزكاة ~~والصوم باق عليه، وقد يسقط عنه فرض الصلاة عليه باق لم يستحق بينهما ترتيب، ~~وكذلك PageV01P242 # إذا اجتمعت صلوات كثيرة، وقد ذكر أصحابنا أن في الصلاة موضع ترتيب - وقدم ~~لجاز؛ وذلك أن الصاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فرض وهو بعد ~~قول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فلو قدم قوله: اللهم ~~صل على محمد، على ما قبله أجزأه. # واما قياسهم على الحج؛ فإن أرادوا أن يكون في الوضوء ترتيب مستحق، فنحن ~~نقول فيه بتقديم النية والماء الطاهر، كما نقول: إن النية والإحرام تتقدمان ~~في الحج، وفي الحج مواضع قد رتبت ويجوز تأخير ما قدم فيها، ألا ترى أن ~~السعي - عندنا وعندهم - فرض، وسنته أن يكون عقيب طواف القدوم، فلو أخره حتى ~~يوقفه عقيب طواف الفرض جاز ولم يفسد حجه. PageV01P243 # ولقياساتنا فضل الترجيح من وجوه: # منها: أنها تستند إلى أقوال الصحابة في جواز ترك الترتيب في الطهارة. # ومنها: أن الرد إلى الجنس من الطهارة أولى، ورد ما تجوز التفرقة فيه على ~~وجه إلى مثله أولى، ورد ما يراد لغيره إلى ما يراد لغيره أولى من رده إلى ~~ما يراد لنفسه، ونحن قد رددنا الوضوء إلى الغسل وإلى الغسل إزالة النجاسة، ~~ورد ما يسقط إلى بدل إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يسقط ms059 إلى بدل، ورد ما ~~ينوب عنه فيه غيره إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يجوز ذلك فيه؛ لأن ~~الإنسان يجوز أن يوضئه ويغسله غيره، ويزيل عنه النجس مع القدرة، ولا يجوز ~~ذلك في الصلاة والحج، وبالله التوفيق. # فإن قيل: فإنها عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة فوجب ~~إذا لم يرتبها ألا يعتد بها، أصله الأذان. # قيل: هذا منتقض؛ لأن غسل الجنابة واستقبال القبلة والطهارة، جميع ذلك ~~عبادة تجمع أشياء متغايرة تتقدم على الصلاة PageV01P244 # للصلاة، ومع هذا [أن] لو قدم الطهارة، ثم غسل ثوبه، أو بدنه من النجاسة، ~~ثم استقبل القبلة جاز، وكذلك لو قدم استقبال القبلة، أو قدم غسل النجاسة. # فإن قيل: هذه عبادات لا عبادة واحدة. # قيل: كذلك غسل الأعضاء، كل واحد منها غسله عبادة، والطهارة عبادات، فإن ~~أردتم أن الطهارة لا تتم إلا بجميعها، قلنا لكم: الصلاة لا تتم إلا بإزالة ~~الأنجاس، واستقبال القبلة، والطهارة، كما لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. # فإن جعلتموها عبادة واحدة [فكذلك ما ذكرتموه، وإن جعلتموها]، فكذلك ما ~~ذكرناه. # على أن رد الوضوء إلى غسل الجنابة أولى منه إلى الأذان؛ لأنه لو أسقط ~~الأذان مع القدرة لصحت صلاته ولو أسقط الوضوء مع القدرة لم تصح، وكذلك ما ~~ذكرناه من غسل النجاسة واستقبال القبلة والطهارة، ولو أسقط واحدا منها مع ~~القدرة وعدم العذر لم يصح، وليس كذلك الأذان، والله أعلم. PageV01P245 ### | AUTO [10] مسألة # تخليل اللحية في الطهارة من الجنابة ليس بمفروض. # وروى ابن وهب عن مالك - رحمه الله - أنه في الغسل من الجنابة واجب، غير ~~أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض. # وقال الشافعي: التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة، ~~مثل أن يغلغل الماء في شعره أو يبله في الماء حتى يعلم أنه قد وصل إلى ~~البشرة. PageV01P246 # والدليل لقولنا: قوله -تعالى - {حتى تغتسلوا}، ولاغتسال معقول؛ فإذا غسل ~~ظاهر لحيته مع سائر بدنه فهو كغسله ظاهلا وجهه، ويقال: قد اغتسل، وإن لم ~~يصل الماء إلى ما ms060 تحت شعره. # وقوله -تعالى - {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، مثل ذلك، فإذا اغتسل قيل: قد ~~اغتسل وتطهر. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسسه ~~جلدك»، إنما يتوجه إلى ما ظهر من الجلد، وهو الذي يمكنه إمساسه بالماء الذي ~~يكون في يده، ويسمي به غاسلا ونحن نعلم أن المماسة باليد بالماء لا يمكن ~~الماء تحت الشعر حتى يكون به غاسلا، وإنما تبلغ يده مبلولة إما ماسحا أو ~~ماسا غاسلا، والذي أخذ عليه أن يكون غاسلا بقوله: {حتى تغتسلوا}. # فإن قيل: الخبر حجة لنا؛ لأن النبي عليه السلام قال: «فأمسسه جلدك»، فلم ~~يعقل منه غير المس. # قيل: يحتاج أن يكون ماسا لكل جزء من الجلد بالماء لا بالبلل، ومع الغسل ~~يحصل كل جزء، وداخل اللحية لا يحصل في الغالب مماسا بالماء، وداخل اللحية ~~لا يحصل ف الغالب مماسا بماء، ولكن بالبلل فعلم أن المراد الجلد الظاهر ~~الذي يحصل في الغالب على هذه PageV01P247 # الصفة بفعل اليد فيه بالماء. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعرة جنابة ~~وأنقوا البشرة» , وقد علمنا أن ما تحت الشعر لا يمكن غسله، وأن ما بين ~~الشعر الكثيف لا يباشر به وإنما يباشر بالجلد الذي يبين من الشعر، والإنقاء ~~أيضا مبالغة في الغسل، وهذا لا يكاد أن يتأتى إلا في الظاهر من الجلد الذي ~~يتناوله اسم الغسل على ما نقوله في الدلك بالماء # وأيضا قوله عليه السلام: «الأعمال بالنيات». وهذا إذا اغتسل ونوي فقد حصل ~~العمل بالنية. # وأيضا قوله عليه السلام: «وإنما لامرئ ما نوى». وهذا قد نوى غسل الجنابة ~~بما فعله فله ما نواه. # وأيضا قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور». وهذا قد فعل ما به متطهرا ~~ويسمى فعله طهورا وصلاة. # فإن قيل: إننا لا نسمي هذا الغسل طهورا حتى يصل الماء إلى ما تحت لحيه. # قيل: النبي صلى الله عليه وسلم سماه طهورا بقوله: «أما أنا فأحثي على ~~رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد ms061 طهرت». PageV01P248 # وقيل لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم ~~تفيضي الماء على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت»، وهذان الخبران يصلح أن يستدل ~~بهما ابتداء، ويصلح أن يعارض بهما السؤال الذي تقدم. # وأيضا قوله عليه السلام: اصلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا اغتسل على ~~ما قوله، وصلى بقراءة فاتحة الكتاب فقد حصلت له الصالة بحكم الظاهر. # فإن قيل: فقد روي أنه عليه السلام كان يخلل أصول شعره بالماء في غسل ~~الجنابة. # قيل: ليس في التخليل أكثر من أنه يبل الشعر؛ لأنه ربما لم يبتل، وخاصة ~~الشعر الكثيف المتجعد، فإذا خلله وصل الماء فابتل الشعر الذي يتجمع ويخفي، ~~وقد قال: «بلوا الشعر»، فأما أن يكون في الخبر أن غسل الجلد الذي بين أصول ~~الشعر فليس فيه، ولو صح ذلك لكان مستحبا، كما روي أنه توضأ واغتسل، ليس ~~الوضوء PageV01P249 # واجبا؛ بدليل قوله: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا ~~قد طهرت». وبما قاله لأم سلمة. # فإن قيل: الطهارة عليه بيقين، ولا تسقط إلا بيقين، وهذا إذا لم يوصل ~~الماء إلى ما تحت اللحية فلسنا على يقين من طهارته. # قيل: الذي تعلق عليه ما يسمى به مغتسلا ومتطهرا، فإذا فعل ذلك تناوله ~~الاسم، وحصلت له الصلاة التي لها تراد الطهارة بقول: «لا صلاة إلا بطهور». # فإن قيل: الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بدليل. # قيل: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». ~~وهذا إذا اغتسل ولم يوصل الماء إلى ما تحت لحيته، وصلى وقرأ فقد أتى ~~بالصلاة التي فيها فاتحة الكتاب. # فإن قيل: فقد فال: «لا صلاة إلا بطهور» # قيل: هذا قد فعل ما يسمى طهورا في اللغة والشرع، على ما ذكرناه عنه عليه ~~السلام في فعله، وفي قوله لأم سلمة. # وكل ظاهر يأتون به فلنا من الظواهر ما يعارضه. PageV01P250 # دلائل القياس: # اتفقنا على أنذ لك في الوضوء غير واجب، والمعنى فيه: أنها طهارة تبيح ~~الصلاة، أو تنتقض ms062 بالحدث، أو تجب عن حدث فكذلك غسل الجنابة. # وأيضا قد اتفقنا على على أن داخل العينين لا يجب غسله؛ بعلة أن دونه سائر ~~من نفس الخلقة، أو بعلة أنه باطن بطونا مستداما في الأغلب. # وأيضا فإنا اتفقنا على أن داخل العينين لا يجب غسله، ونذكر العلة التي في ~~العينين. # فإن قيل: هذا منتقض بتخليل أصابع الرجلين. # قيل: إذا كانت متلاصقة لم يجب غسل ما بينها. # فإن قيل: يفسد بالخفين. # قيل: قد احترزنا وقلنا: بطونا مستداما، وقلنا أيضا، دونه ساتر من نفس ~~الخلقة. # فإن قيل: يفسد بما تحت ثدي المرأة، وبالسلعة إذا نزلت فإنه يجب غسل ما ~~تحت ذلك. # قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأن ثدي المرأة إذا كان منكسرا PageV01P251 # على صدرها فليس يحصل ما تحته باطنا بطونا مستتداما؛ لأنها إذا نامت أو ~~مشت أو التوت زال عن موضعه، وليس كذلك ما تغطيه اللحية وداخل الفم والأنف ~~والعين. # فإن قيل: فإن شعر اللحية طار، وليس كذلك داخل الفم والعين فينبغي أن يكون ~~الشعر كالخف. # قيل: أليس الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ~~ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطاه الشعر؟ فينبغي أن يسقط في الجنابة إذا ~~غطاه الشعر، وإن كان طارئا فيهما. # فإن كان المخالف ممن يوجب ذلك في الوضوء والجنابة، قلنا: القياس على داخل ~~العين بما ذكرنا من العلة. # فإن ذكر هذا السؤال في الشعر وأنه طار. نقضنا عليه ذلك بالمسح على ~~العمامة في الوضوء؛ لأنه يجيزه، والعمامة طارئة. # فإن فصل بينهما بأن العمامة لا تثبت دائما مع طريانها. # قيل: فقد صار ثبوت الشعر ودوامه مع طريانه يشبه الشعر الذي يخرج في ~~العين. فإما أن توجب غسل شعر العين وما تحته من العين، PageV01P252 # كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل ~~شعر العين؛ فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلا عما تحته، أو ~~يجب غسل اللحية وما تحتها فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا ms063 يوجبون ذلك، ~~ففسد الاعتلال بأنه طار. # فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها -أعني في داخلها - لو لم ينبت لما ~~وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة. # قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر. # على أننا نحن أيضا نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما وجب غسله، ~~وهو قول الشافعي فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر ~~مترددا بين أصلين: هما: الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي ~~تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر إلى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت ~~بعد طريانه إلى ما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق. PageV01P253 # ونقول أيضا: إنه شعر يستر ما تحته في العادة فوجب أن ينتقل الفرض إليه، ~~أصله الوضوء. هذا على الشافعي. # والمزني يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلي البشرة. PageV01P254 ### | AUTO [11] مسألة # عند مالك، وأبي حنيفة وجميع الفقهاء، أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين ~~في الوضوء. # وذهب زفر بن الهذيل إلى أنه لا يجب غسل المرفقين، قال: لأن الله -تعالى - ~~قال: {وأيديكم إلى المرافق}، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدا، ~~والحد لا يدخل في المحدود، كقوله - تعالى -: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، ~~فجعل الليل حدا للصوم، ثم لم يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقول: دار فلان ~~تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدا لها، ولا تدخل فيها، فكذلك ههنا. PageV01P255 # والدليل لقولنا: قوله تعالى -: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} وأن الله -تعالى - لما أراد منا ~~استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج المرفقين عنه ~~لمقاربته، وأنه لا فصل بينهما أوجب غسل المرفقين. # كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من الليل في حكم ~~الصيام بقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، وكذلك لما لم يكن بين الليل ~~والفجر فصل وجب أن يدخل جزء من الليل في ابتداء الصيام ms064 في باب النية ~~والإمساك، حتى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الفجر؛ لأنه لو ~~تكلف ابتداء الإمساك: حين يطلع الفجر لشق ولم يمكن، فكذلك في المرفقين مع ~~الذراعين. # فإن قيل: فينبغي ان يكون الوجب إدخال جزء منه لا جميعه كما ذكرتم في ~~الليل والنهار. # قيل: المرفق، فتكلف إدخل بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن وإذا لم يمكن، ~~استيفاء الذراع إلا بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في ~~نفسه صار جميعه في حكم الجزء من الليل. PageV01P256 # وقد حكي عم المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود ~~داخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف ~~الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع، وإن كان قد جعله حد؛ لأنه من جنس الثوب، ~~وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله -تعالى - {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل}، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، ~~كذلك أيضا دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود. # قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن إلى إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا ~~فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء الغاية فأما في ~~المواضع التي تكون إلى بمعنى مع، كقوله - تعالى -: {من أنصاري إلى الله}؛ ~~أي: مع الله، فهي في هذا الموضع PageV01P257 # ليست للغاية، ولا تكون حقيقة فيه؛ لخروجها عما وضعت له. # وفي الآية أيضا دليل آخر، وهو أن اسم اليد يتناول جميعها إلى الإبط، ~~بدليل ما روي عن عمار بن ياسر أنه لما تيمم مسح إلى الآباط؛ امتثالا لما ~~اقتضاه الاسم؛ أعني اسم اليد، وعمار من وجوه PageV01P258 # أهل اللغة فإذا تقرر أن اليد اسم لها لها إلى الآباط، ثم أمر الله -تعالى ~~- بغسل اليدين، اقتضى الاسم غسلهما إلى الإبطين، واستثنى مما أوجبه الاسم ~~ونقص منه بقوله: {إلى المرافق}، فبقي المرفق مغسولا مع الذراعين بحق الاسم؛ ~~لأن الاستثناء لم يلحقه ولم ينته إليه، ms065 هذا إن سلمنا أن الحد لا يدخل في ~~المحدود فقد صح ما قلناه. # ثم يقوي ما ذهبنا إليه: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل يديه، ثم ~~أدار الماء على مرفقيه، وقال في الحديث: «هذا وضوء لا يقبل الله PageV01P259 # الصلاة إلا به». لما توضأ مرة مرة، وهذا يمكن أن يجعل دليلا مبتدأ، فإذا ~~أورد عليه الكلام في الحد ذكر فيه ما تقدم. # ويدل على ذلك أيضا: ما روي عن جابر بن عبد الله وأنه قيل له: أرنا كيف ~~كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأراهم ذلك، وفيه: أنه لما بلغ ~~المرفقين أدار الماء عليهما، وهو قول عدد من الصحابة، وظاهر أن فعل النبي ~~عليه السلام واجب إلا أن تقوم دلالة. # ويجوز أن تجعل إلى ههنا بمعنى مع؛ بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أدار الماء على مرفقيه، وبخبر جابر. PageV01P260 ### | AUTO [12] مسألة # والبياض الذي بين شعر اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله معه في ~~الوضوء. # وذكر الطحاوي أنه من الوجه. # وقال الرازي في شرحه إنه كان يجب قبل نبات الشعر غسله؛ لأنه من الوجه، ~~فلا يسقط حكمه بنبات الشعر في غيره. # قال: وكان الكرخي يحكي عن PageV01P261 # البردعي أن حد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن ~~وكذلك قول الاشفعي. # وهذا الذي ذكره أنه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس كذلك، وإنما كان يجب ~~غسل الموضع الذي نبت علي الشعر فأما ما وراء ذلك فلم يجب غسله مع الوجه. # والدليل لقولنا: قوله -تعالى -: {فاغسلوا وجوهكم}، PageV01P262 # والوجه عند العرب ما وقعت المواجهة به، ولا تقع في غالب الحال بذلك ~~الموضع. # يبين ذلك: أن على المرأة المحرمة أن تكشف وجهها في الإحرام ونحن نعلم أن ~~القناع يغطي ذلك الموضع ولا تكون عليها فيه فدية، ولو غطت موضعا من وجهها ~~لكان فيه الفدية، وكذلك الذي يجوز لها أن تظهر في الصلاة وجهها، وهو ما ظهر ~~من القناع، وإذا كشفت هذا ms066 القدر قيل: قد كشفت وجهها حقيقة. # ومن جهة الاستدلال: أن الذي ستره الشعر لما لم يجب غسله، كان الذي وقاه ~~أولى ألا يجب، إما لأنه إلى الرأس أقرب، أو لأن الشعر قد حال بينه وبين الوجه. # فإن قيل: فإن المرأة إذا لبست الوقاية تغطي رأسها، وانكشف الباقي، فينبغي ~~أن يكون من الوجه، قيل: فيلزمك أن تكون الأذنان من الوجه، وليس الأمر كذلك ~~عندك وهما ينكشفان مع الوجه، ولو فعلت PageV01P263 # ذلك في الصلة لم يجز ذلك - عندنا - لأن رقبتها وأذنيها تنكشف. # فإن قيل: فلم تقل في هذا كما قلت في المرفقين مع الذراعين، وأنه لما لم ~~يمكن الفصل بينهما لتقاربهما وجب أن يغسل مع الوجه، كالمرفقين. # قيل: الفصل بينهما أن اسم اليد يقع من أطراف الأصابع إلى المناكب حقيقة، ~~وكل موضع منه يتناوله اسم يد حقيقة وليس كذلك الوجه مع الرأس، بل جعل ~~بينهما فصل، لا هو وجه حقيقة ولا من الرأس حقيقة، أن الله -تعالى - ذكر غسل ~~الوجه وأفرده؛ لأنه المواجه به، ثم عقبه بغسل اليدين، ثم اتى بمسح الرأس ~~بعد ذلك، فعلم بهذا أن هذا مفرد عن هذا وليس كذلك الذراع مع العضد؛ لأن ~~الاسم الواحد يتناولها حقيقة، فبان الفصل بينهما. # فإن قيل: فيلزمك هذا في النهار مع الليل. # قيل: لا يلزم، لأن الذي جعل آخر النهار هو غيبوبة الشمس وهي التي جعلت ~~أول الليل فلا فصل، فكأنه مشترك بينهما، فلم يمكن الفصل بينهما، وبين الوجه ~~والرأس فصل بين فلم يلزم ما ذكرتموه، والله أعلم. PageV01P264 ### | AUTO [13] مسألة # غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك، وأبي حنيفة ~~والشافعي، وجميع الفقهاء، وبه قال أنس بن مالك، وربيعة، والأوزاعي، وأهل ~~الشام، وعبد الله بن الحسن البصري وأهل البصرة وسفيان الثوري، وأبو ثور، ~~وأحمد PageV01P265 # وذهب ابن جرير الطبري إلى أن الغسل يجوز، ومسح جميع القدمين يجوز، ~~الإنسان مخير بين الغسل والمسح على هذه الصفة. PageV01P266 # وذهب الشيعة إلى أن الفرض هو المسح، ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض ~~أجزأه. PageV01P267 # والدليل لقولنا: ms067 قوله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}، فنصب الرجلين، ~~وحدهما إلى الكعبين، كما نصب اليدين وحدهما إلى المرفقين. # فإن قيل: فقد قرئ: {وأرجلكم}، بالخفض، فنسق على المسح بالرأس فينبغي أن ~~يكونا ممسوحين كالرأس، ويكون العطف على ما يليه من الرأس أولى من عطفه على ~~اليدين. # قيل: قد حصلت القراءتان جميعا حجة لنا، فالنصب والتحديد إلى الكعبين ظاهر ~~في العطف على اليدين، ومن قرأ بالجر خفض بالمجاورة لأن من شأن العرب أن ~~تتبع اللفظ اللفظ على المجاورة، كقوله: هذا جحر ضب خرب، ومعناه: خرب لأنه ~~صفة للجحر، PageV01P268 # وكقول الشاعر: # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم # فخفض الثواء على مجاورته الحول. # فإن قيل: حن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ: {وأرجلكم}، بالنصب، إنما ~~عطفه على موضع الرأس؛ لأن موضع المجرور منصوب ألا ترى قول الشاعر: # معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد # فنصب الحديد نسقا على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب. # قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة، ولولا أن الشاعر عمله ههنا لتقطعت ~~قافيته، وإنما اراد اتباع القافية. # ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل ~~أولى من وجوه: PageV01P269 # أحدهما: أن في الآية صريحا يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين ~~بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي ~~استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأن من يعتبر المسح ~~يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن. # ووجه آخر: وهو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، ~~والمخفوضة على المسح على الخفين. # وأيضا فجعلها على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه. # ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحمل غير ما نقول؛ وذلك أنه روي ~~النبي عليه السلام قال للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك ~~وامسح برأسك، واغسل رجلك»، وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به ~~هو الغسل ms068 دون غيره. # وأيضا قوله عليه السلام في الخبر الآخر: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ ~~الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فقوله: «لن يجزئ»، ~~نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل، وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في ~~أصل المسالة، ويصلحان لبيان موضع المراد من الآية. # ووجه آخر: هو أن الوجه إنما أمرنا بغسله؛ لكثرة مباشرته PageV01P270 # الأشياء من الشموس والغبار والرياح وغير ذلك، وأمرنا بغسل اليدين؛ لكثرة ~~العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأس في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن يعمل ~~به شيء ولا يباشر به، فأمرنا بمسحه تخفيفا، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما ~~أكثر من اليدين وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة، ~~والرجلان أظهر منهما، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا ~~مرادتين بالغسل. # فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين ~~بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما ~~هو واجب في الغسل. # قيل: التخيير إحداث قول ثالث؛ لأن أحدا من الصحابة والمتقدمين لم يحمل ~~الآيتين على التخيير. # فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنه روي أن أنس بن PageV01P271 # مالك سمع الحجاج يخطب، ويقول: أمر الله -تعالى - بغسل الوجه وغسل اليدين ~~ومسح الرأس وغسل الرجلين، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج. إنما أمر الله ~~-تعالى - بمسح الرجلين فقال: {وأرجلكم}، بالخفض، فدل على أن القراءة ~~بالخفض. # وأيضا فقد روي عن ابن عباس أنه قال: «غسلتان ومسحتان»، PageV01P272 # وروي عنه أنه قال: كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل، فدل على أن ~~الآية توجب المسح. # وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وأخذ حفنة فصكها على ~~قدميه في نعليه، وبصك الماء على القدم لا يحصل PageV01P273 # الغسل فعلم أنه حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح. # وأيضا فقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم ms069 فبال ~~قائما ومسح على نعليه. PageV01P274 # وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ~~رجليه، فدل على ما ذكرناه. # قيل: أما خبر أنس وقوله للحجاج ما قال: فإنما أنكر على الحجاج قوله: أمر ~~الله بغسل الرجلين، فقال: لم يأمر به، وإنما أمر بالمسح، أي أن الكتاب ~~يقتضي المسح ولكن الفرض فيهما الغسل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أن الفرض الغسل. # وأما حديث ابن عباس: فقد روي عنه أنه قرأ الآية بالنصب فيكون لما قاله ~~تأويلان. # أحدهما: انه كان يذهب إليه قديما ثم رجع عنه فقال: الفرض فيهما الغسل. # أو يكون قاله على حسب ما قاله أنس؛ لأن الآية تقتضي المسح، ولكن بين رسول ~~الله أن المراد به الغسل، فالفرض فيهما الغسل. # وما ذكروه من حديث على أنه أخذ حفنة فصك بها قدميه في PageV01P275 # نعليه، فإننا نقول: إن هذا ليس بمسح؛ لأن هذا صب ماء، والمسح هو أن يبل ~~يديه ويمسح بهما على قدميه. # وحديث حذيفة ففيه أنه مسح على نعليه، وهم لا يجيزون المسح على النعلين. PageV01P276 # وحديث ابن عباس: أنه عليه السلام مسح على رجليه معناه أنه مسح على خفيه؛ ~~بدليل قراءة ابن عباس بالنصب، وبالدلائل التي ذكرناها. # على أن هذا كله حكاية أفعال، والأفعال لا تقع إلا على وجه واحد، فيجوز أن ~~يفعل الشيء في وقت لعذر، وما كان فيها من الأقوال فهي محتملة، وقد روينا ~~بإزاء هذه الأخبار ما هو أقوى منها، وذلك انه روي عن عبد الله بن زياد، ~~قال: مر بنا أبو هريرة ونحن نتوضأ، فقال: أحسنوا الوضوء، قال أبو القاسم ~~صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار». # وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار». # فتواعد على ترك غسل العقب، فلو كان يجوز له تركه لم يكن متواعد عليه؛ لأن ~~الشيعة تقول: إذا مسح ظاهر القدم ولم يمسح على عقبيه جاز. # وروى عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قلت ms070 يا رسول الله: PageV01P277 # كيف الوضوء؟ فقال: «أسبغ وضوءك وخلل بين الأصابع»، وهم يقولون: إذا مسح ~~ظاهر القدم أجزأه. # وهذه الأخبار لا تلزم الطبري؛ لأنه لا يجوز في المسح ترك شيء من القدم ~~حتى يستوفيه كالغسل، ولكن الخبرين اللذين ذكرتهما من قوله صلى الله عليه ~~وسلم للأعرابي: «توضأ كما امرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: ~~«ويغسل رجليه» يلزمان الطائفتين جميعا. # ونحن وإن قلنا: إن الفعل يقع به البيان كما يقع بالقول، فإننا نقول: إن ~~البيان بالقول أبلغ منه بالفعل؛ لأن الأمر إنما يكون لغير الآمر وهو لا ~~يدخل تحت ما يأمر به، وفعله يخصه، ونحن وإن جعلنا أفعاله PageV01P278 # يقع بها البيان لأن القول في باب البيان أبلغ منه لا محالة بلا خلاف بين ~~من تكلم في أصول الفقه، فإذا كان هذا هكذا، فقوله عليه السلام للأعرابي: ~~«توضأ كما أمرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «لن تجزئ عبدا ~~صلاته حتى يسبغ الوضوء»، إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، ابلغ من فعله عليه ~~السلام، هذا لو تجرد ما روي من فعله المسح فكيف وقد روينا عنه فعله الغسل؟ # وعندي أن هذه الطريقة في لزوم هذين الخبرين لا تثبت لهما شيئا من ~~الأخبار. # وأيضا فإنه إجماع الصحابة لأنه روي عن علي وابن عباس وابن مسعود أنهم ~~قرأوا بالنصب، وقال انس: كتاب الله المسح، وبين PageV01P279 # رسوله صلى الله عليه وسلم أنه الغسل، فدل أنه إجماع منهم. # وقد روي عن عثمان وجابر وغيرهما لأنهم كانوا إذا قيل لهم: أرونا وضوء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حكوا وضوءه، وأنه غسل رجليه، وهذه أفعالكما ~~رووا أنه مسح، غير أننا نقول: إنه قد يفعل الشيء تارة يريد به البيان، ~~وتارة يفعله لعذر، وتارة للتعليم إلا PageV01P280 # أن البيان بالقول أبلغ على ما بيناه. # ونقول: هما عضوان تجب فيهما الدية، أمرنا بإيصال الماء إليهما في الوضوء، ~~فوجب أن يكونا مغسولين مع القدرة كاليدين. # أو نقول: هما عضوان تعبدنا بتطهيرهما في الوضوء، مذكوران بحد فيهما، فهما ~~كاليدين. # أو ms071 نقول: الرجل عضو مفروض في أحد طرفي الطهارة، فوجب أن يكون مغسولا ~~كالوجه. # فإن قيل: هو عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس. # وأيضا فإن الخف بدل عن الرجلين فلما كان البدل ممسوحا فكذلك مبدله. # قيل: القياس على الرأس منتقض بالجنب، قد يسقط حكم رأسه ورجليه في التيمم، ~~ثم فرض في ذلك الغسل في الجنابة. # وقولهم: لما كان بدله ممسوحا وكذلك مبدله، باطل بالوجه هو بالتيمم ممسوح، ~~وفي المبدل في الوضوء والجنابة مغسول. # ثم لو صح القياس لرجح قياسنا من وجوه: # أحدها ما ذكرناه من مباشرة الرجلين بالسعي وظهورهما كالوجه واليدين. # ومنها: استناده إلى تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وتفسيره لما أمر الله ~~-تعالى - به. PageV01P281 # ومنها: استنتاده لفعل الصحابة رضي الله عنهم، ومداومتهم على الفعل ~~وحكايتهم لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنها: أن رد المذكور بحد إلى مثله من اليدين أولى. # ومنها: أننا نرى أشياء من البدن يجب غسلها في الجنابة، مثل الرجلين، ولا ~~يجوز المسح فيها مع القدرة، ثم تسقطان مع سائر الجسد في الجنابة عند ~~التيمم. # وأيضا: فقد أجمعوا على أنه إذا توضأ وغسل رجليه فقد فعل المراد، واختلفوا ~~فيه إذا مسح، فالتمسك بموضع الإجماع أولى. # فإن قيل: ما ذكرتموه أن العرب تتبع اللفظ اللفظ للمجاورة، وأن القراءة ~~بالجر في {وأرجلكم}، عطف بها على الرأس للمجاورة، فإنما تعمل العرب ذلك في ~~الموضع الذي لا يلتبس، وها الموضع ملتبس؛ لأنه يجوز مسح الرجلين كما يجوز ~~مسح الرأس. # قيل: قد رأيناهم يفعلون ذلك، وليس علينا تفصيل المواضع. # على أنه لما كان يلتبس قيدت الرجلان بالكعبين كاليدين، فإذا عطف بهما على ~~الرأس للمجاورة لم يلتبس، والله أعلم. PageV01P282 ### | AUTO [14] مسألة # ولا يجوز تفرقة الوضوء وغسل الجنابة إلا اليسير منه، فأما إن فرقه حتى ~~طال مقدار ما يجف فيه الماء على وجهه في هواء معتدل لم يجزئن وهو قول ~~الشافعي في القديم. # وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو قول الشافعي في الجديد. # ونحن نوافقهم إذا كان على وجه النسيان ونخالفهم ms072 في العمد. # ومن أصحاب مالك -رحمه الله - من قال: الموالاة مستحبة. # والظاهر من قول مالك أنها واجبة على الوجه الذي بيناه. PageV01P283 # وبمثل قولنا قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وربيعة، وأحمد. # وروي هذا عن عمر -رحمه الله -. # وقول المخالف هو قول سعيد بن المسيب، PageV01P284 # وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري. # والدليل لقولنا: قوله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، ~~فأمر بغسل الوجه وما معه من الأعضاء والأمر يقتضي المبادرة والفور، وحقيقة ~~الفور: أن يقع الفعل في الزمان الثاني من الأمر، وإذا خرج بعض الأعضاء فقد ~~غسل بعض ما أمر به على الفور لا كله. # وأيضا فإن العضو الثاني مأمور به كالأول، وتقديره: فاغسلوا وجوهكم ~~واغسلوا أيديكم، فإذا ثبت غسل الأول على الفور، فالثاني مثله على الفور، ~~والدليل في هذه المسألة مبني على الأصل. # فإن قيل: فإن الواو للترتيب، فتصير بمنزلة ثم التي هي للمهلة والتراخي. PageV01P285 # قيل: الواو للجمع على ما بيناه في مسألة الترتيب، ثم مع هذا لو ثبت أنها ~~للترتيب لكان أحسن أن يكون بمعنى الفاء، غير أنها توقع الثاني عقب الأول؛ ~~لأنها للعقب، ولو كانت للترتيب لكان قولكم في أول الاية: إنها للعقب في غسل ~~أل وجه يلزمكم التعقيب في باقي الأعضاء للنسق على أل وجه. # وأيضا: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: «هذا ~~وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به»، ونحن نعلم أنه عليه السلام لم يغسل وجهه ~~بالغداة، ويديه ضحوة النهار، بل والى تابع بين غسل الوجه واليدين ثم بين أن ~~الله -تعالى - لا يقبل الصلة إلا بذلك الوضوء. # وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ، ووالى، وقال: «هذا وضوء لاي قبل ~~الله الصاة إلا به»، وفيه دليلان: # أحدهما: أنه فعل ذلك، وفعله على الوجوب. # والثاني: أنه أعلمنا من طريق القول أن الله لا يقبل الصاة إلا بوضوء هذه ~~صفته، إلا أن تقوم دلالة. # فإن قيل: الرواية أنه عليه السلام توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصاة إلا ms073 به»، عليه سؤالان. PageV01P286 # أحدهما: أنه لم ينقل أنه والى وتابع، وإذا لم يكن في الخبر هذا لم يصح ~~الحجاج به؛ لأنه حكاية فعل يجوز أن يكون وقع على الوجه الذي ذكرتموه، ويجوز ~~أن يكون وقع على غير ذلك الوجه، فإذا لم يعلم على أي وجه وقع لم يصح الحجاج به. # على أن لو صح أنه والى لم تكن فيه دلالة، لأن قوله: «هذا وضوء» ن إشارة ~~إلى الأفعال، والموالاة من صفات الفعل، وليست من أفعال الوضوء ن فيقتضي أن ~~لاي قبل الله الصاة إلا بتلك الأفعال، لا بأفعال صفاتها تلك الصفات. # قيل: أما قولكم: ليس في الخبر أنه والى وتاعن فعليه جوابان: أحدهما: أننا ~~قد روينا في خبر أنه توضأ متواليا. # والجواب الآخر: هو أنه لا يجوز أن يظن عليه السلام غير ذلك؛ لأن التفريق ~~لغير عذر يخرج على طريق اللعب في الدين، وهذا مثله لا يظن به، وإنما يظهر ~~لنا ما يفعله ليسن فيتبع، ويقتدى به في فعله، ولا يجوز أن يظن به أنه غسل ~~وجهه بالغداة، وتمم وضوءه عند الظهر، لأن من يرى فعله الثاني يظن أن هذا ~~القدر من الأعضاء يجزئ في الوضوء. # وقولكم: إنه أشار إلى الأفعال، والموالاة من صفة ألفعال فإننا نقول: إنه ~~إذا فعل فعلا على صفة ثم أشار إليه، وقعت الإشارة إلى ذلك الفعل على صفته ~~إلا أن تقوم دلالة. # فإن قيل: يحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك في الوقت المضيق، الذي لو ~~أخر الطهارة أو بعضها حتى خرج الوقت لم يجز، وهذا الوقت لا يمكن فيه إلا ~~الموالاة، فأما إذا كان الوقت متسعا ن أو لم يدخل جازت التفرقة. PageV01P287 # قيل: إنما أراد عليه السلام أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا ~~به، سواء توضأنا قبل الوقت أو في أوله أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، ~~وكما تقولون: إنه على الترتيب، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيق أو اتسع، وكذلك ~~أعلمنا أن الفرض مرة، والفضل في الثا، ولم يتعرض للأوقات، ms074 والتعليم يكون في ~~وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبدا كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، ~~وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة. # ويدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد تعليمنا صفة الوضوء: قوله لنا: ~~«هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ولو كان يختلف لكان يقول: وهذا إذا ~~تضيق الوقت، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أني كون التعليم، وإلا التبس ~~علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه ~~الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبن لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء. PageV01P288 # فإن قيل: إن الله -تعالى - أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها ~~مجتمعة، قيل: قد غسلها وإذا غسلها متفرقة، قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان ~~يسمى غاسلا لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به. # قيل: عنه جوابان. # أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة في جملة الطهارة في كل ~~عضو منها. # والجواب الآخر: هو أنه إذا غسل وجهه وصبر، لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا ~~بد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، وأما إذا غسل وجهه ~~وأخر الباقي، قيل: قد غسل وجهه حسب. وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه ~~يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله ع ز وجل. # فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار ~~للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان ~~الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر ~~أولى بالجواز، وتقدير ذلك: أن يغسل PageV01P289 # وجهه ويديه، ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل ~~وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت ~~الأمر فيهما. # قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث ~~أيوقع غسل كل عضو على ms075 المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة ~~به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني مواليا للأول، فإذا ثبت في الثاني أني كون ~~عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني، فمتى قدمنا الكل لم يتغير ~~حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض ~~وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه. # يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: «صلوا»، ولفظه لفظ الأمر، ~~والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية ~~كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها ومواليه لها، فإذا ثبت فيها هذا ~~الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت. ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها ~~أوقعت كذلك، متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلكن حتى لا يتغير وقت ~~الموالاة فيها ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت ~~فيها من الموالاة، فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال. PageV01P290 # ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحديث حاصلا بيقين فمن زعم أنه يزول ~~بالوضوء المتفرق فعليه الدليل. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان ~~مردودا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ~~مردود»، وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه اراد أن حكمه مردود. # وأيضا فإن الصاة عليه بيقين، فلا تستطيع إلا بيقين. # فإن استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلاب فاتحة الكتاب»، ~~وهذا قد صلى بفاتحة الكتاب. # قيل: وقد قال: «لا صلاة إلاب طهور»، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر. # فإن قيل: فقد قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة. # قيل: قوله: «لا صلاة إلا بطهور»، أخص منه؛ لأنه يتناول اسم الطهارة ~~بالذكر. # على أن معنا القياس فنق ول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في PageV01P291 # حال العذر، فجاز أن ms076 تبطلها التفرقة كالصلاة. # أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة. # أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة، فجاز أن ~~تبطلها التفرقة كالأذان، لو قال: الله أكبر ثم سكت ثم قال: أشهد ألا إله ~~إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز. # وقولنا: تجمع أشياء متغايرة احتراز من الكسوة، فإنه لو غطى عورته ~~بالغداة، وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز. # وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنه لا يراد للصلاة. # فإن قيل: فإنه تفريق طهارة فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق ~~اليسير. PageV01P292 # ولأن الحدود طهارة وكفارة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «الحدود كفارات ~~لأهلها»، ثم يصح تفريق الحد؛ لأنه لو جلد عشرين سوطا بالغداة وعشرين بالعشي ~~جاز، فنقول: هو تفريق تطهير فوجب أن لا يمنع صحته أصله الحدود. # أو نقول: كل ما لا يمنع منه التفريق اليسير لا يمنع من التفريق الكثير، ~~أصله الحج، وعكسه الصلاة؛ لأنه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا ~~تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه أيضا. PageV01P293 # وكذلك لو طاف خمسة أشواط ثم طاف في وقت آخر أجزأه. # قيل: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط؛ لأن الأصول قد جوزت العمل ~~القليل في اصلاة ومنعت من الكثير، ثم ينتقض أيضا بالصلاة، لأنه لو تعمد قتل ~~عقرب أو خطأ ليسد الصف جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو في الصلاة بطلت ~~الصلاة، وقد عفي عن يسير الدماء، ويسير العمل في الصلاة، ويسير الغرر في ~~البياعات، بخلاف الكثيرة، وقد قلنا: إن تعمد التفرقة ضرب من اللعب، ويؤدي ~~إلى التواني الذي هو ممنوع في الدين. # وأما القياس على الحدود فإن الحدود تكون تطهيرا وكفارة بالتوبة، وإن لم ~~يتب فإنها لا تطهره. # على أننا قد رددنا ذلك على الصلاة فهو أولى من رده إلى PageV01P294 # لحدود؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، والحدود لا تراد للصلاة والا للحج، ~~ورددناه إلى الأذان المراد للصلاة، فرد ما يراد للصلاة إلى مثله أولى. # وأما ms077 تفريق الطواف حتى يطول فإنه لا يجوز عندنا. # فإن قيل: فإن كل عبادة جاز تقطيع النية على أبعاضها جز تفريق أبعاضها، ~~أصله الزكاة، بيان ذلك: أنه لو كان عليه خمسة دراهم زكاة، جاز أن يفرقها ~~دانقا دانقا، وينوي مع كل دانق أنه زكاة أجزأه، فقد فرق النية على أبعاضها، ~~وفرق أبعاضها، وكذلك الطهارة لو غسل وجهه ونوى رفع الحدث أجزأه، وكذلك في ~~الرجل فلما جاز أن يفرق النية ويقطعها جاز تفريق أبعاضها، وعكس ذلك الصاة؛ ~~لما لم يجز بالتكبير أنه للظهر لم يجزئه، ولو ركع ونوى به ركوعا عن الظهر ~~لم يجزئه، فلا بد من جملة النية في استفتاح الصلاة فيقول: نويت به صلاة ~~الظهر أو الفرض. PageV01P295 # قيل: إن الطهارة جعلت شروطا تراد لأمر شرطه الموالاة، وهو الصاة، فكان من ~~شرطها الموالاة كالأذان، وليس كذلك الزكاة. # ثم لا فرق -عندنا - بين الطهارة والصلاة في المنع من تقطيع النية؛ لأنه ~~لو نوى بغسل وجهه رفع الحدث ما ارتفع، وإنما يرتفع الحدث بالفراغ من ~~الطهارة، ألا ترى أنه لو بقي عليه غسل عضو لم يصح أن يصلي فلم يرتفع حدثه، ~~وإنما ينوي حين يشرع في الطهارة أنه يرفع الحدث بطهارته التامة، فتفرقة ~~النية لا تجوز كما لا يجوز تفرقة النية في الصلاة. # على أنه فاسد بالشهرين المتتابعين، فإن تفريق النيات في كل ليلة جائز، ~~ولا يجوز تفريق الفعل الذي هو الصيام، فلو أجزنا تفريق النية في أعضاء ~~الطهارة لم يلزم جواز تفريق الأعضاء، كما لا يجوز تفريق النية في ليالي ~~صيام الشهرين ولا يجوز تفريق الصيام، وكذلك شهر رمضان أيضا. # وقولنا هو قول عمر بن الخطاب -رحمه الله - ن ولا مخالف له PageV01P296 # من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع. # وما يحتجون به من خبر ابن عمر أنه توضأ وخرج إلى السوق، فدعي إلى جنازة ~~فمسح على خفيه، فإنه حكاية عن فعلة وقعت، فيجوز أن يكون ناسيا لمح الخف ~~فذكر، ويجوز أن يكون كان بخفه أذى من بول أو غائط أو طين فمسحه عنه بالماء، ms078 ~~وقد كان يتقبل في أفعاله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن عليه ~~السلام يتوضأ على الوجه الذي يجيزونه؛ لأنه يجري مجرى اللعب، ولم يظهر مظهر ~~ابن عمرو في جواز التفرقة، وظهر مذهب عمر رضي الله عنه فهو حجة. # فإن قيل: فإن النسيان إذا حصل في الصلاة حتى طالت التفرقة أعيدت الصلاة ~~من أولها، وليس كذلك الطهارة. PageV01P297 # قيل: هذا لا يضر؛ لأن العمد في الصاة قد خالف حكم النسيان، فلو فرق الصاة ~~على طريق العمد أفسد، مثل أن ينصرف من اثنتينن ولو انصرف ناسيا لم يفسد، ~~فكذلك التفريق في الطهارة على طريق العمد في الطول لا يجوز، وفي النسيان لا ~~يفسد، فلا يمنع أن يكون الأمر في الطهارة أوسع منه في الصلاة. # فإن قيل: لو كانت الموالاة شرطا في صحة الطهارة لم ي فترق الحكم بين ~~العمد والنسيان، كالنية والماء الطاهر. # قيل: هذا غير لازم؛ لأن في الأصول ما هو واجب وقد افترق عمده ونسيانه، ~~ألا ترى أن الإمساك عن القيام إلى خامسة في الصلاة الرباعية واجب، ولو قام ~~إليها ناسيا لم تفسد، وكذلك الإمساك عن الكلام فيها واجب ويفترق عمده ~~ونسيانه، وكذلك الإمساك عهن الأكل في الصوم واجب ويفترق -عندكم - حكم عمده ~~ونسيانه، وكذلك التسمية على الذبيحة، وكذلك في مسألتنا لم يفترق حكم PageV01P298 # النية والماء الطاهر في باب العمد والنسيان، اختلف في الموالاة في ~~الطهارة. PageV01P299 ### | AUTO [15] مسألة # ولا يمس المصحف ولا يحمله إلا طاهر غير محدث ولا جنب. # هذا مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، ~~والشافعي. # وقال حماد، والحكم: يجوز للمحدث والجنب PageV01P300 # مسه، وبه قال داود. # والدليل لقولنا: قوله -تعالى - {في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا ~~المطهرون}، فأخبر -جل ثناؤه - أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون؛ لأن ~~القرآن لا يمس، ولكن المس وترك المس يقعان على الكتاب، ولن الكتاب أيضا ~~أقرب مذكور إليه، فكانت الهاء في {يمسه}، راجعة غليه -أعني إلى الكتاب الذي ~~فيه القرآن -، لأنه قال: {إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون}. # وقوله ms079 -تعالى -: {لا يمسه}، يحتمل معنيين. # أحدهما: أن يكون لفظه نهيا، كما إذا نهيت غائبا قلت: لا يمس فلان هذا، ~~ويحتمل أن يكون لفظه للخبر، والمراد به النهي أو الأمر؛ PageV01P301 # لأنه لو كان خبرا حقيقة لما جاز أني كون بخلاف مخبره، فلما وجدنا أنه ~~يمسه من ليس على صفة الطهارة من جنب وغيره علمنا أن المراد به النهي، فصار ~~تقديره: لا تمسوا المصحف إلا وأنتم مطهرون، ومثل هذا قوله -تعالى - ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، والمراد به ألمر، وصيغته صيغة ~~الخبر، وهذا في القرآن كثير. # فإن قيل: المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ، وبالمطهرين: الملائكة، ~~بدليل أنه سماه محفوظا مكنونا، والمصاحف ليست بمحفوظة. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه قال: {تنزيل من رب العالمين}، ولا يعرف قرآن منزل إلا ما في ~~المصحف. # والجواب الثاني: هو أنه غير جائز أني كون المراد غير المصحف، لأن من لا ~~يتوهم عليه غير الطهارة لا يصح أن يتوجه عليه هذا الخطاب، وليس للملائكة ~~حال غير حال الطهارة، فدل أن المراد به ما ذكرناه. # فإن قيل: لو أراد ما ذكرتم لقال: إلا المطهرون. # قيل: من تطهر بالماء يكون متطهرا ومطهرا، ولأنه قد يصح أيضا PageV01P302 # أن يطهره بالماء غيره فيقال: قد تطهر وهو مطهر. # فإن قيل: إنما اراد الله -تعالى - بالمطهر الذي قد ارتفعت درجته، كقوله ~~في عيسى عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا}،؛ أي ~~مبعدك من هؤلاء الأنجاس، فكذلك أراد الملائكة ههنا، لأنهم مميزون ممن ~~يلحقهم التنجيس والتطهير. # قيل: فينبغي أن يكون هذا فضيلة للقرآن؛ لأنه قال: {تنزيل من رب ~~العالمين}، فلا ينبغي أن يمسه منا إلا طاهر؛ لأن التنبيه على فضيلته يوجب ذلك. # فإن قيل: نحن إذا جعلنا قوله: {لا يمسه}، خبرا لا يجوز أن يوجد بخلاف ~~مخبره حملنا على الحقيقة إذا كان خبرا عن الملائكة في اللوح المحفوظ، وأنتم ~~تجعلونه للنهي بغير دليل. # قيل: نحن جعلناه بدليل؛ لأنه لو كان خبرا لم يفد؛ لأننا قد علمنا أنه ليس ~~في الملائكة غير ms080 طاهر، ولا أحد ممن يمس اللوح المحفوظ غير طاهر، فلا فائدة ~~في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون}، إذا حمل على الملائكة. # وأيضا فإن التنبيه على عظم منزلته يوجب ألا يمسه إلا من عظمت حرمته؛ لأنه ~~تنزيل من رب العالمين، وقد نزل إلينا فلا ينبغي أن نمسه إلا على أكمل ~~أحوالنا. PageV01P303 # ولنا من السنة ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ~~له كتابا إلى اليمن، وذكر فيه: «وأن لا يمس المصحف إلا طاهر». PageV01P304 # وروى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قا: «لا يمس المصحف ~~إلا طاهر». وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمس PageV01P305 # المصحف إلا وأنت طاهر»، وهذا خبر صحيح جيد. # فإن قيل: قوله عليه السلام: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، أراد أن لا يمسه مشرك. # قيل: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدهما: أن خبر ابن عمر يسقط؛ لأن ابن عمر كان مسلما، وقد نهي أن يحمله ~~إلا وهو طاهر. PageV01P306 # ووجه آخر: وهو أنه عام في كل مشرك ومسلم ليس على الطهارة. # وجه آخر: وهو أن المشرك ليس بنجس البدن، وإنما هو معبد لدينه؛ لأن أصل ~~النجس هو المعبد، ألا ترى أنه لو كان نجس في بدنه لم يطهر باعتقاد الإسلام، ~~وإذا حمل للمشرك لم يكن للاستثناء والتخصيص معنى ولاف فائدة؛ إذ ليس للمشرك ~~حالة طهارة، ثم لو أراد المشرك ولا يحمله إلا مؤمن لقال: لا يسمه إلا مؤمن، ~~فلما أتى بذكر طاهر، إلى صفته زائدة على كونه مؤمنا، علمنا أنه أراد المؤمن ~~إذا كان متطهرا؛ لأننا نعلم أنه لا يحكم له بالطهارة إلا بعد تقديم الإيمان ~~منه، كما لو قال: لا يمسه إلا مصل، فلا يكون مصليا صلاة شرعية إلا بعد كونه مؤمنا. # وأيضا فإنه عليه السلام نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن ~~تناله أيدي المشركين، الذي لا يجتنبون الأنجاس، ولا تصح لهم طهارة، ولا ~~يعظمون حرمته، فينبغي أن نعظم حرمته، ولا ms081 نمسه إلا على طهارة. # ,أيضا فلنا إجماع في المسألة؛ لأنه روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن ~~المحدث أيمس المصحف؟ فقال: لا. PageV01P307 # وروي أن عمر رضي الله عنه تسمع على أخته وهي تقرأ سورة طه وزوجها سعيد بن ~~زيد وعندهم خباب بن الأرت، فسألهما عمر أن يخبراه بما قرأته، وان يعطياه ~~لينظر إليه، فقالت له أخته: إنك لا تتوضأ من الحدث، ولا تغتسل من الجنابة، ~~فلا أعطيكه تمسه، وهذا كان قبل إسلام عمر رضي الله عنه. PageV01P308 # وروي أن مصعب بن سعد كان يمسك المصحف لأبيه سعد حتى يقرأ فيه، فحك مصعب ~~بدنه فقال له أبوه سعد: أراك قد حككت ذكرك؟ فقال: نعم. فأمره بوضع المصحف، ~~وقال له: توضأ ثم امسسه. PageV01P309 # وقد روي عن سلمان أنه قيل له، وقد تبرز: لو توضأت فسألناك عن آي من ~~القرآن. فقال: سلوني، فإني لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا ~~صحابي تأول الآية على ما نقول فلم ينكر عليه. # ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس ~~المصحف؛ كالمشرك. # وأيضا فإنه ممنوع من الصالة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مس ~~المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده في نجاسة لا يجوز ~~مسه بها. # وأيضا فإن الجنابة لما منعت نم دخول مكان الصلاة منع الحدث PageV01P310 # من نفس الصلاة. # وأيضا فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثا، كالطواف. # وأيضا فإن الأصول تشهد لقولنا: وذلك أالحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف ~~حرمتان، أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى - وهو الجنابة - عن الحرمة ~~العليا - وهي القراءة -، فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا ~~- وهي حمل المصحف ومسه -، وهذا إذا سلم لنا لأن الجنب لا يقرأ؛ لأنه عندهم ~~- يقرأ. # فإن قيل: فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر كتابا فيه: «بسم ~~الله الرحمن الرحيم، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~أن ms082 لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وكتب إليهم آيتين»، مع علمه PageV01P311 # بأنهم يمسونه ويبتذلونه، وليسوا بمتطهرين، فدل على ما ذكرناه. # قيل عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنه لا يجوز للمشرك مسه. # والجواب الآخر: هو أنه يجوز للجنب أن يقرأ -عندنا - الآية والآيتين، وأن ~~يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير. # على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه. # فإن قيل: فإن المحدث تجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه، كالمتطهر. # ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد ولا للورق والسواد، ~~فلما جاز للمحدث قراءة القرآن؛ فلأن يجوز له مس المصحف أولى. PageV01P312 # وأيضا فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم ~~يمتنع من مس المصحف وإن كان ممنوعا من الصلاة. # وأيضا فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، ~~وكذلك التعاويذ، وهذا كله يدل على صحة قولنا. # والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر ممنوع من ~~الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه. # ثم إنه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاة، يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا ~~يجوز له مس المصحف. # وقولهم: إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن فإننا نقول: ليس من حيث جاز له ~~أن يقرأ القرآن ما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو ~~يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو. PageV01P313 # وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو: أنه لو منع المحدث من قراءة ~~القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن، لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، ~~فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا وليس كذلك مس المصحف؛ لأنه لا يؤدي إلى هذا، لنه ~~يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشية، وبمن يمسكه له؛ ~~ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأن الجنابة تقل، ولا ms083 يؤدي إلى ~~نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده. # وماذ كروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم يجز أن ~~يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالا في جميع أعضائه منع من مسه. # وما ذكروه من مس الصبيان المصاحف والألواح، فإن الصبيان لا عباده عليهم، ~~فطهارتهم ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو غير طهارة، وليس كذلك ~~الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة فمنع من مسه إلا على طهارة. # وأيضا فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدى إلى أن لا يتعلموا ~~القرآن؛ لأنهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن ~~يكونوا غير متطهرين. # وعلى أن قياسنا ترجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفعل الصحابة رضي الله عنه والاحتياط إعظام حرمة المصحف والله أعلم. # وقد روي أن عائشة -رضي الله عنها - كانت تقرأ القرآن وهي PageV01P314 # حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي، فلو كانت قراءتها في المصحف ~~كقراءتها في غير المصحف لما امسك لها غيرها، ولعرفها أحد الصحابة جوازه، ~~وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالفة، وعائشة -رضي الله عنها - مع ~~اختصاصها برسول الله صلى الله عليه وسلم واختصاصها بمعرة أحكام الحيض، لا ~~يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه توقيف، وبالله التوفيق. PageV01P315 ### | AUTO [16] مسألة # والجنب ممنوع عند مالك -رحمه الله - من قراءة القرآن إلا الآية والآيتين. # وعند أبي حنيفة إلا من بعض آية. # وعند الشافعي من قليله وكثيره. # وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله، وكيف شاء. # والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«لا PageV01P316 # يقرأ الجنب شيئا من القرآن»، وهذا نهي عام إلا فيما قامت دلالته. # وما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة، PageV01P317 # وقد قال -تعالى ms084 -: {واتبعوه}. PageV01P318 # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إنك تأكل، وتشرب وأنت ~~جنب، فقال عليه السلام: «آكل وأشرب وأنا جنب، ولا اقرأ وأنا جنب، فأعلمنا ~~الفرق بين الأكل والشرب، والقرآن». # وأيضا ما روي أن عبد الله بن رواحة وطئ أمتهن فقالت له امرأته: إنك وطئت ~~المملوكة. فقال: ما وطئت. فقالت له: إن كنت PageV01P319 # صادقا فاقرأ لي قرآنا. فلبس عليها وقال: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين # وتحمله ثمانية شداد ... ملائكة الإله مسومينا # فقالت: صدق الله وكذب بصري، ثم مر عبد الله بن رواحة، وذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فتبسم وقال: «امرأتك أفقه منك»، PageV01P320 # ففي هذا الخبر دليل من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه كان ظاهرا مكشوفا عند الصحابة حتى عند النساء أن الجنب لا ~~يقرأ القرآن. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له: ما احتجت إلى هذه ~~الحيلة، هلا قرأت القرآن فإنه مباح للجنب. # والثالث: قوله عليه السلام: «امرأتك أفقه منك»، حيث اعتمدت على أن طالبتك ~~بالقرآن الذي لا يقرأه الجنب. # ومن القياس: أن القراءة ركن ثابت في الصلاة في كل ركعة فوجب أن لا يجوز ~~للجنب الإتيان به ودليله الركوع والسجود. # وأيضا فإن حرمة القرآن أعظم من حرمة المسجد، فلما منع الجنب من اللبث في ~~المسجد كان منعه من قراءة القرآن أولى. PageV01P321 # فإن قيل: فقد قال -تعالى: {فاقرءوا ما تيسر}، وهذا عام في الجنب وغيره. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث ~~القرآن»، وهذا عام لم يخص به جنبا من غيره. # قيل: الجواب عن الاستدلال بقوله -تعالى -: {فاقرءوا ما تيسر}، من وجهين: # أحدهما: أنه أراد فصلوا ما تيسر، فعبر عن الصلاة ببعض أركانها؛ بدليل أنه ~~قال: {اأيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه. . .}، الآية على ~~قوله: {آخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه}؛ أي الذي أوجبت ~~عليكم من قيام ms085 الليل قد خففت عنكم منه؛ لأن فيكم المريض والمسافر والمقاتل. PageV01P322 # وجواب آخر: وهو أن لفظ -اقرؤوا - لفظ أمر، يقتضي قراءة مرة واحدة، وهذا ~~قرأ قبل هذا، فلا يتكرر عليه إلا بدليل، ثم لو ثبت التكرار لكان لفظ الآية ~~يدل على اليسير الخفيف، وكذلك نقول: ألا ترى أن القائل يقول: اعطني ما تيسر ~~عليك، يريد به السهل اليسير. # وجواب آخر: وهو انه لو ثبت العموم فيه لكان خبرا أخص منه؛ لأنه في ذكر الجنب. # إن قيل: الخاص والعام -عندنا - سواء. # قيل: هذا في الخبرين إذا تقابلا أحدهما خاص والآخر عام، فإن مذهب داود ~~فيهما كما تقولون، وعنه في الآيتين روايتان، فأما الآية والسنة فلا خلاف ~~بين أصحاب داود أن الخاص مقدم على العام، وفي غير هذا يتعارضان ويسقطان. PageV01P323 # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث ~~القرآن»، وهذا عام لم يخص جنبا من غيره. # وأيضا فقد روي أنه عليه السلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه ~~الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار»، وهذا عام في الجنب وغيره. # قيل: هو على أصلنا مخصوص بما ذكرناه م أالجنب لا يقرا: لأنه أخص منه. # فإن قيل: فقد قال -تعالى -: {وافعلوا الخير}، وهذا عام. # قيل: عنه جوابان: # أن القراءة قول وليست فعلا، فلم يدخل تحت الظاهر. # والجواب الآخر: هو أن قراءة الجنب ليست من فعل الخير، بل هي من فعل الشر، ~~وإن كان القرآن في نفسه خيرا. # فإن قيل: فقد روت عائشة أن النبي عليه السلام كان لا يمتنع من ذكر الله ~~على كل حال. PageV01P324 # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أننا نقول: إن الجنب غير ممنوع من ذكر الله -تعالى -، وليس كل ~~الذكر القرآن. # والجواب الثاني: هو أنه لو كان في الخبر أنه ما كان يمتنع من قراءة ~~القرآن على كل حال لكان خبرنا أخص منه. # فإن قيل: فإنه حدث يمتنع من الصلاة فوجب أن لا يمتنع من القراءة؛ ~~كالطهارة الصغرى. # قيل: المعنى في المحدث ms086 أنه يجوز له دخول المسجد والجلوس فيه، وليس كذلك ~~الجنب، وعلى هذا التعليل لا تقرا الحائض. # وإن شئنا قلنا: الغالب من أمر الناس الحدث فتلحقهم المشقة بالامتناع من ~~القرآن خوف نسيانه. # على أنهم لا يقولون بالقياس فسقط، فإن نقلناه على أصولنا فنقول أيضا: إن ~~المحدث تحل له الصلاة بالطهارة الصغرى فجاز أن يقرأ. # ثم قياسنا أولى؛ لأن السنة تعضده، وفعل الصحابة يؤيده، والاحتياط يطابقه، ~~وإعظام حرمة الدين وإعزاز القرآن يوافقه. PageV01P325 # وأيضا فإن اعتبار الأصول يشهد لما قلناه؛ وذلك أن للمصحف حرمتين: أعلى ~~وأدنى، كما أن للصلاة حرمتين: أعلى وأدنى، فلما منعت الجنابة حرمتي الصلاة، ~~وهما دخول المسجد واللبث فيه وفعلها، وجب أن تمنع حرمتي المصحف، وهما حمله ~~وقراءة ما فيه من القرآن، ولما كان الجنب ممنوعا من اللبث في المسجد تعظيما ~~له، وهو مكان القراءة والصلاة كان بالمنع من نفس القرآن أولى. PageV01P326 ### || AUTO فصل # فأما قراءة الجنب الآية والآيتين فجائز؛ لأن الامتناع من ذلك يشق؛ لأن ~~الناس في أكثر أحوالهم يذكرون الله - تعالى - ويتعوذون، فخفف عنهم وعفي لهم ~~عن ذلك، والأصول تشهد لما قلنا؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ~~يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يبتذله المشركون، ثم كتب إليهم: قل ~~يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. إلى آخر الآيتين. # وكذلك عفي عن العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الامتناع منه يشق، وعفي عن دم ~~البراغيث وعفي للصائم عن غبار الدقيق والطريق، وعن الغرر اليسير في ~~البياعات؛ لأنها لا تخلو منه ولو امتنعوا منه لضاق عليهم، ولحقت فيه ~~المشقة، وقد يباح من الأشياء عند الضروريات ما لا يباح عند عدمها؛ ليخف عن الناس. # من ذلك: دخول الحمام بقطعة لا يعلم الحمامي ولا الداخل كم PageV01P327 # مبلغها، ولا مبلغ ما يستعمل من الماء، وكذلك عبور دجلة مع الملاح بقطعة ~~مجهولة الوزن، وكذلك قطعة الشارب، وما أشبه ذلك، ونحن نعلم أن العمل في ~~الصلاة، وجميع ما ذكرناه ممنوع منه في الدين، ثم قد تجوز عنه تخفيفا ms087 ن ~~فكذلك في ما ذكرناه، وهذا في ألصول كثير، لأنه ليس بمقصود. # فإن استدلوا بقوله عليه السلام: «لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن»، فهاذ ~~عام القليل والكثير. # قيل: نخصه بما ذكرناه فنقول: إلا الآية والآيتين. # وأيضا فقد حصل الاتفاق على جواز قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، والله ~~الرحمن، أو بسم الله، وكذلك يجوز الآية والآيتين، لأنه يسير من القرآن، ~~وهذا على أبي حنيفة والشافعي. # فإن قال العراقي: إن بعض الآية ليس بمعجز. # قيل: كذلك قوله -تعالى -: {ثم نظر}، ليس بمعجز. # فإن قال شافعي: هو ذكر من جملة في جنسها إعجاز، فوجب أن PageV01P328 # لا يجوز له أن يأتي به وهو ممن لا يجوز له فعل الصلاة، أصله الآيات ~~الكثيرة. # قيل: هو متنقض بالمحدث فإنه لا يجوز فعل الصلاة وهو يقرأ. # على أن المعنى الكثير أنه مقصود في نفسه للتلاوة، واليسير يقصد به في ~~الغالب التعوذ والذكر، وقد بينا شهادة الأصول في الفرق بين القليل والكثير، ~~والله أعلم. PageV01P329 ### || AUTO فصل # قد اختلفت الرواية عن مالك - رحمه الله - في قراءة الحائض القرآن. # فروى عنه أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت من القرآن. # وروي عنه منعها كالجنب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. # فوجه قوله أنها تقرأ: هو أنها غير ممنوعة قبل الحيض، أي ما تسهل، وهذه ~~يسهل عليها الكثير من القرآن، فهو عموم في الحائض وغيرها حتى يقوم دليل. PageV01P330 # وأيضا قوله -تعالى -: {اذكروا الله ذكرا كثيرا}، ولم يخص. # وأيضا قوله -تعالى - {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير}، والعبادة عامة، وأفضلها قراءة القرآن، والتلاوة أيضا من ~~فعل الخير فهو عموم في الحائض والطاهر إلا أن تقوم دلالة. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ~~ثلث القرآن»، وهذا حث على قراءتها، ولم يخص حائض، من غيرها؛ لأن من لمن يعقل. # وأيضا فإنها تقرأ إذا كانت طاهرة، فكذلك وهي حائض؛ بعلة أنها مسلمة محدثة ~~بغير الجنابة، أو نقول: هي مسلمة ممنوعة من الصلاة بغير الجنابة. ms088 # فإن استدلوا بما روي أنه قال عليه السلام: «لا يقرأ جنب ولا حائض شيئا من ~~القرآن»، وقيل: نخصه. PageV01P331 # فنقول: لا تقرأ في مصحف تمسكه؛ بدليل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها - ~~أنها كان يمسك لها المصحف وهي حائض فتقرأ القرآن، وتفتي النساء بذلك، ولا ~~يعرف لها مخالف، والصحابي إذا أفتى وانتشر قوله بذلك، ولم يظهر له مخالف، ~~جرى مجرى الإجماع، والظاهر أن عائشة -رضي الله عنها - مع اختصاصها بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وبمعرفة الحيض وأحكامه، لم تفعل ذلك، وتفت به إلا ~~وعندها فيه توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P332 # ويخص خبرهم أيضا بالقياس الذي ذكرناه أو نحمله على الكراهية دون التحريم. # فإن قا سوها على الجنب بعلة أنه ممنوع من الكون في المسجد، وأداء الصلاة ~~بسبب يوجب الطهارة الكبرى. # قيل: المعنى في الجنب أنه لا يطول أمره مع قدرته على رفع الجنابة ~~بالاغتسال، والحائض لا تقدر على ذلك إلا بانقضاء حيضها. # وأيضا فإن الحيض يطول أمره وقدره ومدته وهو طبع في النساء حتى ربما حاضت ~~نصف دهرها كما قال عليه السلام: «إنها تصلي نصف دهرها»، فلو منعت من ~~القراءة لأدى ذلك على أن تنسى ما تحفظه من القرآن، أو لا تتعلم القرآن ~~أصلا. PageV01P333 # وعلى إن بإزاء قياسهم قياسنا عليها لو كانت طاهرة أو محدثة بغير جنابة، ~~ويكون قياسنا أولى؛ لأن ردها إلى حالها فيما تعتاد من الغالب، وكونها محدثة ~~وحائض أولى من ردها إلى الجنابة. # فإن قيل: فإن حدث الجنابة أخف من حدث الحيض، ألا ترى أن الجنابة لا تمنع ~~من الجماع ولا من الصوم، والحيض يمنع من ذلك، فلنا منع اخف الحدثين من ~~قراءة القرآن فلأن يمنعه الحيض أولى واحرى. # ولن كل معنى يمنع منه الجنابة يمنع منه الحيض كالصلاة. # قيل: الحيض الذي يأتي من قبل الله -تعالى - قد اثر في إسقاط الصلاة عنها، ~~فخفف عنها بأن جوز لها القراءة، ومع هذا فإنه ينافي الصوم، فلما لم تقدر ~~على رفعه إلا بانقضاء وقته، سهل لها في ms089 القراءة، كما سهل لها في ترك قضاء ~~الصلاة، وهذا تخفيف عنها لا محالة، ولما كان الجنب مطالبا بقضاء الصلاة، ~~لأنه [لا] يقدر على الاغتسال وأداء الصلاة، غلظ عليه في الامتناع من ~~القراءة حتى يبادر إلى الغسل. # وقولكم: إن كل معنى يمنع الجنابة يمنع من الحيض كالصلاة، فقد ذكرنا أن ~~الحيض لما اسقط الصلاة وقضاءها؛ لأنه يأتيها من قبل الله -تعالى -، لا تقدر ~~على دفعه خفف عنها، وسهل عليها في باب القراءة. # فإن قيل: قولكم: إنها تنسى القرآن ولا تتعلمه، فإننا نقول: أن PageV01P334 # تقرأ بقلبها، وان تنظر في المصحف من غير أن تتلفظ به، ويجوز أن يقرأ عليها. # قيل: هذا يشق من وجهين: # أحدهما: أنه ربما تعذر عليها من تسمع منه، ولعلها أن تتكلف له مؤونة، وهي ~~فلا تمسك المصحف، ويتعذر عليها تصفحه، وربما احتاجت أن تتعلم القرآن فلا ~~ينفعها قراءة غيرها، وكذلك لا تحفظه بالتذكر بقلبها كما تحفظه بالتلاوة. # فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يستند إلى نص السنة والاحتياط وإعزاز القرآن. # قيل: قياسنا اولى؛ لأنه يزيد حكما وهو جواز قراءتها، ونحمل السنة على ~~الكراهية، وأما لاحتياط فإنه معنا؛ لأنه احتياط لحفظ القرآن؛ لئلا تنساه، ~~ولتتعلمه أيضا، وأما إعزازه فإنه في المحافظة حفظه وتعلمه، وقد كان ينبغي ~~أن تمنعوا المحدث بغير الجنابة أن يقرأ، فإنه كان أعز للقرآن على حسابكم. # فإن قيل: لما كان موجب حدثهما متفقا وجب أن يستويا في المنع من القراءة؛ ~~يريدون الحائض والجنب. # قيل: هو متنقض بالمحدث بغير الجنابة والمحدث بالجنابة؛ لأنه قد يتفق ~~تيممها وحدثهما مختلف، ومع هذا فالمحدث يقرأ القرآن، ولا يقرأ الجنب. PageV01P335 # ثم أرادوا أن الموجب فيهما واحد، ويعنون الغسل فإننا نقول: إنهما وإن ~~اتفقا في الغسل فقد اختلفنا في وقته ن فالجنب يقدر على الغسل عقيب الجنابة ~~فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان الغسل عقيب الجنابة فيرفع ~~حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان لهذا الفرق بينهما تأثير. ألا ترى أنه ~~قد أثر في إسقاط قضاء الصلاة عنها، ولم تسقط عن ms090 الجنب، فكذلك خفف عنها، ~~وجوزت لها القراءة ولم تجز للجنب. # ووجه الرواية الأخرى ما ذكرته من الحجاج على الوجه الآخر، وبالله ~~التوفيق. PageV01P336 ### | AUTO [17] مسألة # اختلف الناس في الإنسان إذا قعد لحاجته من غائط أو بول في استقبال القبلة ~~واستدبارها على ثلاثة مذاهب: # فذهب النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واحمد، وأبو ثور، إلى ~~أنه لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها في الصحاري والبنيان جميعا، ~~وروي هذا عن أبي أيوب الأنصاري. # وروي عن عروة، وربيعة، PageV01P337 # وهو مذهب داود أنه يجوز الاستقبال والاستدبار جميعا في الصحارى والبنيان جميعا. # وذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، ولا ~~يجوز في الصحارى والفلوات. # وقد روي عن أبي حنيفة أنه يجوز الاستدبار وحده في الصحارى والبنيان، ~~وإنما الذي لا يجوز عنده الاستقبال في الصحارى والبنيان. # واستدل أصحابه بأربعة أخبار: # أحدها: ما روى الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي PageV01P338 # أيوب الأنصاري أنه قال: أل رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتى أحدكم ~~الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولكن ليشرق أو ليغرب»، قال أبو ~~أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض جعلت إلى القبلة، فكذا ننحرف عنها ~~ونستغفر الله. # قالوا: موضع الدليل منه: أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فهو عام ~~في كل المواضع. # والثاني: أنه أمر بالتشريق والتغريب، وأمره على الوجوب. # والثالث: أن أبا أيوب حيث قدم الشام ن وجدهم يستقبلون القبلة، فانحرف عن ~~مجالسهم ن فدل على أن النهي متوجه إلى البنيان. # والحديث الآخر: هو ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل ~~القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار، PageV01P339 # ونهى عن الروث، والرمة، وأم يستنجي الرجل بيمينه»، فنهى عليه السلام عن ~~الاستقبال والاستدبار، ولم يفرق بين الصحارى والبنيان. # وأيضا ما روي عن سلمان أنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نستقبل القبلة لغائط أو بول. # وروى معقل ms091 بن أبي معقل الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن PageV01P340 # استقبال القبلتين، هي الكعبة وبيت المقدس؛ لأنه إذا استقبل بيت المقدس ~~بالمدينة استدبر الكعبة. # والدليل لقولنا: ما رواه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند ~~عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج. PageV01P341 # فقال عكرمة: قالت عائشة -رضي الله عنها - ذكر عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة وأن يستدبروها، فقال النبي ~~عليه السلام: «أو فعلوا ذلك؟»، وأمر بان تستقبل بمقعدته القبلة، وهذا PageV01P342 # نص في موقع الخلاف؛ لأنه في البنيان، وهذا أمر منه عليه السلام ظاهر منتشر. # فإن قيل: إن خالد بن أبي الصلت لا يعرف. # قيل: هو معروف؛ لأن أحمد بن حنبل قال: خالد بن أبي الصلت حسن. PageV01P343 # وروى سفيان الثوري، وخالد الحذاء عنه، فدل على معرفته. # وقد روى محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر ~~أنه قال: ارتقيت ذات يوم على السطح، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. # وروي عنه أنه قال: ارتقيت سطح حفصة -وهي أخته - إلى أن PageV01P344 # قال: مستقبل القبلة، وكيف ما كان، فإن فعله عليه السلام ذلك يدل على ~~الجواز؛ لأنه إن كان استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة؛ لأن من يستقبل ~~بيت المقدس بالمدينة فهو مستدبر الكعبة، ومن يستقبل الكعبة بها فهو مستدبر ~~لبيت المقدس. # وروى مجاهد عن جابر قال: نهانا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل ~~القبلة للبول، ثم رايته أن يقبض بعام يستقبلها لبول، وقد اتفقنا أنه PageV01P345 # لم يفعل في الصحارى، فدل على أنه فعل في البنيان. # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصد بما فعله من ذلك ~~الاستخفاء والاستتار وإنما يؤخذ الشرع من أفعاله التي يظهرها ليس لنا، فأما ~~ما يقصد كتمانه ولا يظهر، ولا ينتشر عنه فلا يكون شرعا. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أالذي يستسر به النبي ms092 صلى الله عليه وسلم يكون شرعا لنا كالذي ~~يظهره؛ لأنه عليه السلام لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، ~~فسواء فعل النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاستسرار به أو الإظهار فهو ~~ضرع لنا إذا وقفنا عليه. وةقد حكى الله -تعالى - عن شعيب عليه السلام أنه ~~قال: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}. # ويشهد لما قلناه: أن الصحابة لما اختلف في وجوب الغسل من الإيلاج، قالوا: ~~النساء أعرف بهذا. فبعثوا إلى عائشة -رضي الله عنها - فقالت لهم: إذا التقى ~~الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا، وقد حصل العلم بأنه ~~عليه السلام PageV01P346 # فعل ذلك مع عائشة مستسرا. # والجواب الثاني: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك مستسرا به، ~~وقد فعله ظاهرا منتشرا؛ وذلك أننا روينا أنه عليه السلام أمر بأن تستقبل ~~بمقعدته القبلة. # فإن قيل: إن هذه أخبار وردت في النهي بينه ظاهرة منتشرة على رؤوس الملأ، ~~فلو كان المراد بالنهي فيها خصوص الصحارى والفلوات دون البنيان لم يترك ~~النبي صلى الله عليه وسلم البيان والتخصيص، ولكن يظهره على رؤوس الملأ كما ~~اظهر النهي العام. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه يجوز أن يرد الخبر ظاهرا، ويقع التخصيص إلى ألخاص من الواحد ~~والاثنين، ولا يقع ظاهرا للجماعة، كما يكون مخصوصا بالقياس الذي ربما علمه ~~بعضهم، ثم يقع لباقيهم. PageV01P347 # والجواب الآخر: هو أن بيانه قد حكيناه بيننا ظاهرا من قوله صلى الله عليه ~~وسلم «استقبلوا بمقعدتي القبلة». # فإن قيل: فيه جوابان: # أحدهما: أنه يجوز أن تكون حانت منه التفاتة فرآه، ولم يكن قاصدا لذلك، ~~فنقل ما رأى، ومثل هذا يجوز كما لا يتعمد الشهور والنظر إلى الزنا ثم قد ~~يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يحملوا الشهادة بعد ذلك. # والجواب الآخر: هو أنه يجوز أن يكون ابن عر قصد ذلك، ولكنه رأى رأسه عليه ~~السلام دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس على اللبنتين؛ ms093 ~~ليستفيد فعله عليه السلام، فنقل نا شاهد. # فإن قيل: يجوز أن يكون فعل ذلك لضرورة كانت به إلى ذلك. # قيل: هذا غلط؛ لأنه فعل ما كان نهى عنه، ونهيه إنما ينصرف إلى حال ~~الاختيار دون الضرورة؛ إذ لا يجوز أن ينهى عما هو مضطر إليه؛ لأن التكليف ~~لا يتعلق بالاضطرار، وقول الراوي: رأيته عليه السلام قبل موته بعام ~~يستقبلها لبول، معناه أنه استقبلها وهو على الحالة التي وقع النهي عنها، ~~وإنما أراد الراوي أن يفيدنا جوازه على هذه الصفة لغير ضرورة. # وأيضا فإننا رأينا الصحارى والفلوات لا تخلو في الغالب من مصل فيها، فمنع ~~من استقبال القبلة أو استدبارها للحاجة؛ لئلا يرى PageV01P348 # المصلي عورته وفرجه ودبره من خلف، وذكره م قدام، وهذا المعنى معدوم في ~~البنيان؛ لأن البناء يمنع م المشاهدة والنظر إلى العورة. # وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: لا تستقبلوا القبلة في ~~الصحارى؛ فإن الملائكة تشهد الصحارى وتصلي فيها، فيكون قد بدا عورته ~~للملائكة، وهذا يشبه المعنى الذي ذكرناه. # وقد روي: «إن لله -تعالى - ملائكة سياحين يصلون، فيكره أن يروا فرج ~~المستقبل أو دبره إن استدبره». PageV01P349 # فأما الجواب عن الأخبار التي رووها فهو أن هذه الأخبار كلها واردة في ~~الصحارى دون البنيان، ألا ترى لقوله عليه السلام: «إذا أتى أحدكم الغائط»، ~~والغائط هو الفضاء المتسع بين ربوتين. # وروي أيضا في خبر آخر: «إذا أراد ألحدكم البراز لغائط أو بول»، والبراز: ~~هو الصحراء. # ولأن النبي عليه السلام إذا خاطب أهل المدينة، والنهي توجه إليهم، ولم ~~تكن لهم أخلية ولا حشوش، وإنما كانوا يخرجون لحاجتهم إلى الصحراء؛ بدليل ما ~~روي أن عمر رضي الله عنه رأى سودة خرجت إلى الصحراء، فقال لها: قد عرفتك، ~~وإنما قال لها ذلك؛ لأنه غار عليها. PageV01P350 # وجواب آخر: وهو أنه لو كان النهي مطلقا، ولم يكن فيه ما يقتضي الصحارى ~~لكان عاما، وأخبارنا تخصه، لأنها في البنيان فهي أولى. # وأيضا فالذي رويناه متأخرا والمتأخر ينسخ المتقدم، لما روي عن جابر أن ~~نبي ms094 الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن استقبال القبلة لبول، ثم قال: ~~رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها لبول. # فإن قيل: إن أبا أيوب هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي ~~ذهب إلى أن النهي وارد في البنيان، ألا ترى أنه لما رأى مراحيض الشام إلى ~~القبيلة تحرف عنها. # قيل: يجوز أن يكون أبو أيوب إنما ذهب إلى ذلك؛ لأنه لم يعرف أخبار ~~الإباحة. # فإن قيل: فإنه مستقبل بفرجه الكعبة من غير ضرورة فوجب ألا يجوز، دليله ~~الصحراء. # وأيضا فإن ما تعلق بحرمة الكعبة لا يفترق الحكم فيه من البنيان والصحارى، ~~كاستقبال القبلة للصلاة، فإنه يجب فيها جميعا. # وأيا فإنه ليس في البنيان أكثر من حصول حائل بينه وبين الكعبة، وهو ~~الحائط والسترة، وهذا لا يمنع من وجود المنع منه، والنهي عنه، بدليل أن ~~الصحارى تحول فيما بينه وبين الكعبة جبال وأبنية وحيطان وأشجار وغير ذلك، ~~ثم كان المنع من استقبالها PageV01P351 # واستدبارها موجودا ثابتا. # قيل: أما قياسكم على الصحارى والفضاء، فإن المعنى فيهما أنها لا تخلو من ~~مصل في الغالب: فلم يجز خيفة أن تظهر عورته للمصلي، وليس كذلك البناء؛ لأنه ~~يمنع من النظر إليه فلهذا جاز. # وقولكم: إن ما تعلق بحرمة الكعبة يستوي فيه حكم الصحراء والبنيان ~~كاستقبال القبلة للصلاة، فإننا نقول: هذا قياس بحكم مجهول لا يصح، لأنه لا ~~يمكنهم إظهار حكمه؛ لأنكم إن قلتم: يستوي فيه البنيان والصحارى في الوجوب ~~لم تجدوا ذلك في الفرع؛ لأن من الفرع عندكم المنع والترك، وإذا قلتم بالمنع ~~في الفرع لم تجدوه في الأصل، لأن حكمه على الوجوب. # وعلى أنه قياس فاسد في الموضوع، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل ليجعل حكم ~~الفرع حكمه، وإن كان حكمه الوجوب جعل حكم الفرع الوجوب، وإن كان حكم الأصل ~~السقوط كان حكم الفرع مثله، فأما أن يكون حكم الأصل بالضد م حكم الفرع فلا ~~يكون قاسيا صحيحا. # ثم إننا نفرق فيما يقع بحرمة الكعبة بين الصحارى والبنيان، ألا ترى أنه ms095 ~~لا يجوز له في البنيان ترك القبلة في الصلاة أصلا مع القدرة، وإذا كان ~~مسافرا فبان من البيوت جاز له ترك القبلة في النوافل. # وقولكم: إن الحائل بينه وبين القبلة في الصحارى من الجبال PageV01P352 # وغيرها لم يمنع من أن يكون ممنوعا من الاستقبال والاستدبار، فكذلك الحائل ~~في البنيان لا يمنع أن يكون ممنوعا منه؛ إذ لو أباح له هذا لأباحه له في ~~الصحارى. # فجوابه: أننا نحن لم نجوز له الاستقبال والاستدبار في البنيان لوجود ~~الحائل بينه وبين القبلة، ولكن لوجود الحائل بينه وبين مصل يراه في الغالب، ~~ويرى عورته، وهذا المعنى معدوم في الصحارى، فإن وجد هذا المعنى فيها جاز أن ~~يبول مستقبلا. # وجملة الأمر: هو أنه قد روي في هذا الباب أخبار تفيد الحظر على العموم، ~~وأخبار تقتضي الإباحة. فمن قال بالحظر في الصحراء والبنيان أسقط أخبار ~~الإباحة، ومن قال بالإباحة في الموضعين جميعا أسقط أخبار الحظر، ونحن ~~نستعمل الجميع فنحمل عموم الحظر على الصحارى، وعموم الإباحة على البنيان، ~~والاستعمال أولى. # وقد روي أن ابن عمر أناخ راحلته، وجلس يبول إلى القبلة، فقيل له: إن ~~النبي عليه السلام نهى عن الاستقبال. فقال: ذاك في الفضاء الذي ليس بينك ~~وبينها حائل. فأما إذا كان يسترك عن القبلة فلا بأس. PageV01P353 # فإن قيل: فإنا نستعمل الأخبار كما استعلمتم، على الرواية التي رواها أبو ~~يوسف عن أبي حنيفة، من جواز الاستدبار في الصحارى والبنيان، والمنع من ~~الاستقبال في الصحارى والبنيان. # قيل: قد بينا الفرق بين الصحارى والبنيان؛ لأن الصحارى لا تخلو من مصل، ~~فلا ينبغي أن يرى فرج الإنسان ولا دبره، والبنيان ليس كذلك، واستعمال ~~الجميع من الاستقبال والاستدبار يجوز في البنيان لما ذكرناه، ويمتنع في ~~الصحارى لما ذكرناه. # واستعمالنا أولى من وجه آخر؛ وهو أنه يضيق على الناس في الأبنية أن تكون ~~مراحيضهم غير مستقبلة القبلة، ويشق عليهم في الغالب أن يتحرفوا فيها عن ~~الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس في الصحارى أن يتحرفوا فيها عن ~~الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس ms096 في الصحارى ما يمنعهم من الانحراف ن مع ~~ما ذكرناه من أنها لا تخلو م مصل يرى فروجهم وأدبارهم. # ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على جواز الاستدبار في البنيان، فكذلك ~~الاستقبال، بعلة أنه مستقبل بأحد فرجيه القبلة من وراء حائل يخففه. PageV01P354 # فإن قيل: قد اتفقنا على المنع من الاستقبال في الفضاء فكذلك في البنيان؛ ~~بعلة أنه مستقبل بفرجه القبلة مع القدرة على الاستدبار. # قيل: قد ذكرنا الفرق بين الفضاء والبنيان، وأنه لم يمكنه في الغالب ~~الانحراف حتى لا يرى فرجيه جميعا مصل، وأنه في البنيان دونه حائل، ويضيق ~~أيضا عليهم بناء المراحيض غير مستقبلة القبلة، ويشق الانحراف في الغالب، ~~وبالله التوفيق. . PageV01P355 ### | AUTO [18] مسألة # والاستنجاء ليس بفرض عند مالك -رحمه الله - وهو كسائر النجاسات التي تكون ~~على البدن والثوب لا تجوز إزالتها إلا من طريق السنة. # وقال بعض أصحابنا: إزالة النجاسة فرض، فينبغي أن يكون الاستنجاء فرضا. # ولكن الفرق بين الاستنجاء وسائر الأنجاس على قول مالك هو أن الاستنجاء ~~يجوز بالأحجار، ولا تجوز إزالة الأنجاس التي في غير المخرج إلا بالماء، ~~لأنه رخص له في الاستنجاء بإزالة العين دون الأثر، وفي الأنجاس التي في غير ~~المخرج يزيل العين والأثر. # وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض -كقول مالك - وأنه إن صلى ولم يستنج ~~صحت صلاته ولكنه جعل محل الاستنجاء مقدرا يعتبر به سائر النجاسات على سائر ~~المواضع، وحده بالدرهم الأسود البغلي. PageV01P356 # وقال الشافعي: الاستنجاء فرض، فإن صلى ولم يستنج لم تصح صلاته. # وهو وأبو حنيفة يقولان: إن إزالة النجاسة من غير المخرج فرض. # ولنا في هذه المسألة طريقان: # أحدهما: أن ندل على عين مسألة الاستنجاء. # والثاني: أن ندل على أن إزالة الأنجاس ليست بفرض. # والدليل على عين المسألة: قوله -تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة PageV01P357 # فاغسلوا وجوهكم}، الآية، فأجاز -تعالى - فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ~~ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطا آخر هو الاستنجاء، فعليه الدليل. # وأيضا فإنه -تعالى - قال: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، فذكر حكم الأحداث ~~وموجبها، ثم قال: {فلم ms097 تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، والماء المذكور الذي ~~جعل التيمم بدلا منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء فلو كان واجبا ~~لذكرها. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الأعرابي: «لا يقبل الله صلاة امرئ ~~حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه»، إلى أن قال: «ثم يكبر». # ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطا في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير ~~عالم بالحكم، وخرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على وجه تعليم الطهارة، ~~التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجبا مع الوضوء ~~لم يغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل. # وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء ~~فيغسل وجهه»، ولم يذكر استنجاء. # ولنا من الظواهر: قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا PageV01P358 # قد نوى الوضوء وإن لم يستنج. # وقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج. # وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد توضأ، وصلى بفاتحة الكتاب ~~وإن لم يستنج. # وأيضا قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا ~~حرج»، وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر - PageV01P359 # الذي أقله مرة واحدة، فلا حرج عليه في تركه. # وأيضا فإنها نجاسة على البدن قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، ~~فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم. # وأيضا فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة فأشبهت المضمضة والاستنشاق. # وأيضا فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنه قد عفي ~~عن إزالة عينها، أصله الدم اليسير أو دم البراغيث. # وأيضا فإن تخفيفها لو وجب بالأحجار لوجب أن يصير حكم الحادث من جنسها في ~~حكمها؛ بدليل الأصول في سائر النجاسات. # ألا ترى أن الدم يسيل من الجرح، ويحدث مكانه دم آخر، فيجب غسله -عندكم -، ~~وليس كذلك في الاستنجاء؛ لاتفاقهم على أن موضع الاستنجاء لو حصلت عليه ~~نجاسة أخرى من جنسها لم يجب ms098 استعمال الحجر فيها بعد الأحجار الأول PageV01P360 # ونقول أيضا: هي نجاسة فلم يكن استعمال الأحجار في تخفيفها فرضا؛ دليله ~~سائر الأنجاس في غير هذا الموضع. # وأيضا فإنها نجاسة على بدنه فوجب ألا يلزمه استعمال الأحجار فيها، دليله ~~من كان على بدنه نجاسة وهو عادم للماء. # فإن قيل: فقد روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنما أنا لكم مثل الولد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار»، وقوله: «وليستنج»، أمر ظاهر ~~الوجوب، وقد روي أنه قال: «ولا تستدبرها لغائط أو بول، وأمرنا أن نستنجي ~~بثلاثة أحجار». # وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: PageV01P361 # «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا»، والدلالة منه من وجهين: # أحدهما: أنه أوجب عليه الاستنجاء، قالوا: وأنتم تقولون: إنه لو استنجى ~~مرة واحدة زجروه. # والوجه الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الاستنجاء بعدد، وكل ~~نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجب، كولوغ الكلب ودم الحيض؛ لن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه». PageV01P362 # وقد روي أن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والروث، وقال: ~~لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار». # وقوله عليه السلام: «لا يكفي»، قد منع الأجزاء؛ لأن الكفاية هي الإجزاء. # قيل: لو تجردت هذه الأخبار جاز أن نحملها على الندب؛ بدليل ما روي أنه ~~عليه السلام قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن PageV01P363 # لا فلا حرج»، وقوله: «من استجمر فليوتر»، خبر عمن فعل، ليس فيه استجمروا ~~وأوتروا. # وقوله: «فلا حرج»، راجع على الجميع من الاستجمار والإيتار، لأنه لو صرح ~~فقال: «من استجمر فليوتر، من فعل الاستجمار، والإيتار، فقد أحسن، ومن لم ~~يستجمر ويوتر فلا حرج لصح. # فإن قيل: إنما ورد الخبر بهذا اللفظ؛ لأن الغسل هو الأصل فقال: من عدل ~~إلى الاستجمار فليوتر، قوله: «فليوتر»، أمر واجب فإذا عدل إلى الاستجمار ~~وجب ms099 الإيتار. # قيل: فقد صار الكلام في وجوب الإيتار. # وأيضا: فإن الغسل في الأصل لم يثبت وهو الذي زعمتم أنه أصل، ثم لو ثبت ~~لدل هذا الخبر على أنه واجب؛ لأنه لما قال: إن عدل إلى الاستجمار فقد أحسن ~~وإن لم يفعله فلا حرج، فإذا كان لا حرج في تركه مع العدول إليه دل على أن ~~الغسل أيضا ليس بواجب: لأنه لو كان واجبا لكان الذي عذل إليه من الاستجمار ~~واجبا؛ لأنه تخيير بين الغسل والاستجمار، فانتم بين أمرين: إما أن تسقطوا ~~الاستجمار وتوجبوا الغسل وليس هذا مذهبكم، وإذا سقط وجوب الاستجمار سقط حكم ~~الغسل في الوجوب، ويكون التحيير إنما هو - عندنا - في المسنون وهو الغسل أو ~~الاستجمار. PageV01P364 # وأما حديث جابر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا استجمر»، فليس فيه ~~أيضا استجمروا، وإنما هو إذا فعل فليس يدل على وجوب الاستجمار. # وقوله: «فليستجمر ثلاثا»، يصير الكلام في العدد، ونحن نتكلم عليه بعد ذها. # وقولهم: إنه قد قيد فيه النجاسة بالعدد، [ونحن نتكلم عليه بعد هذا]، فصار ~~كالولوغ ودم الحيض، فإنا نقول: ليس غسل الوضوء -عندنا - لنجس، ولا هو واجب ~~أيضا، والكلام يجيء عليه في موضعه. # وأما دم الحيض فليست إزالته -عندنا - فرضا، ولا فيه عدد، ونحن نتكلم في ~~إزالة الأنجاس عند الفراغ من عين هذه المسألة. # لإن قيل: فإنها نجاسة لا تلحقها المشقة في إزالتها غالبا، فوجب أن تجب ~~عليه إزالتها، أصله إذا كانت النجاسة من الدم كثيرة، أو كانت في غير هذا ~~الموضع. # قيل: لا يلزم من وجهين: # أحدهما: أن إزالة النجاسة ليست -عندنا - فرضا في المواضع كلها. PageV01P365 # والوجه الآخر: أنه ينتقض بأثر الاستنجاء، لا تلحقه المشقة في إزالتها في ~~الغالب؛ لأنه إما أن يكون مسافرا أو مقيما، والغالب من عادة المسافر ومن في ~~البرية ألا ماء معه، وإن كان معه فهو يحتاج إليه لشفته، وإن كان مقيما ~~لحقته المشقة في إزالته بالماء، لأن الغالب أنه يتكرر منه في اليوم المرة ~~والمرتان لا سيما العرب؛ لأن أقواتهم التمر فأجوافهم ms100 رقيقة. # قيل: مع وجوده الماء ن وتمكنه منه لا تلحقه المشقة في غسله، فلما لم يجب ~~غسل الأثر لم يجب تخفيفه بالحجر، ألا ترى أن سائر الأنجاس -عنكم - لما وجب ~~إزالتها وجبت بالماء الذي يزيل الأثر. # ثم إن العلة منتقضة بما دون اللمعة من الدم فإن غسلها بالماء لا يشق، ومع ~~هذا فليس تجب إزالتها إجماعا. # فإن قيل: قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا ~~فلا حرج»، عائد إلى الشفع وإلى الغسل فتقديره: فلا حرج في أن يعدل إلا ~~هذين. PageV01P366 # قوله عليه السلام: «فلا حرج»، عائد على ما ذكر من فعل الاستجمار والوتر، ~~فلا حرج في تركهما جميعا، والرجوع إلى الغسل يحتاج إلى دليل؛ لأن الرجوع ~~إليه يدل على أنه أصل، ولم يثبت الأصل. # وعلى أنه لا يجوز صرف الخبر إلى هذا؛ لأن الغسل أحسن، فلا نقول: من عدل ~~عنه إلى المسح أحسن وإن تركه وعاد إلى الغسل فلا حرج. PageV01P367 ### || AUTO فصل # فأما إزالة سائر النجاسات من البدن والثياب وغير ذلك فليست بفرض على ظاهر ~~مذهب مالك. # وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض، وبهذا قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء ~~إذا زاد عن مقدار الدرهم. # وقال الشافعي: إزالتها فرض، ولم يعتبر مقدار الدرهم. # وأنا أتكلم على إزالتها في الجملة ليس بفرض، فإذا ثبت ذلك دخل فيه ~~الاستنجاء. # والدليل على ذلك: هو أن الأصل أن لا يجب شيء إلا بدليل. # وأيضا فإنا نفرض المسألة في رجل صلى وعليه نجاسة، فقلنا: صلاته صحيحة، ~~وقالوا: هي فاسدة، فالدليل لقولنا: قوله عليه السلام: «إنما الأعمال ~~بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد فعل الصلاة، ونوى أن تكون له ~~صلاة، فله ما نواه. # وأيضا قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد PageV01P369 # صلى وقرأ فيها بفاتحة الكتاب. # وأيضا قول الله -تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، ~~إلى آخر الآية، ولم يذكر غسل شيء سوى ما ذكر من الأعضاء، وهذا قد فعل ما ~~أمره به. # وأيضا قول ms101 النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تجزئ عبدا صلته حتى يسبغ الوضوء ~~كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه»، وأعلمنا أن الصلاة تجزئ بهذا الفعل، ولا ~~تجزئ بما دونه. # وكذلك قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، ولم يذكر ~~له شيئا غير ما ذكره، وهو موضع تعليم، وبين له القدر الذي أمره الله به، ~~فمن فعل ذلك فقد امتثل المأمور به، فلا يلزمه غيره إلا بدليل. # ولنا أن نفرض المسألة فيمن اخطأ أو نسي غسل النجاسة حتى صلى، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وهذا عام PageV01P370 # في رفع الحكم والمأثم؛ لأن المراد الحكم؛ لأن الفعل قد وقع فلا يمكن ~~رفعه، بل ينبغي أن يحمل على رفع الحكم في الفساد والقضاء لا على رفع ~~المأثم؛ لأن رفع المأثم معلوم من هذا الخبر، فلا يحمل كلامه إلا على ما ~~يعلم من جهته بهذا الخبر حتى تكون فيه فائدة مستأنفة، وهو الحكم الشرعي. PageV01P371 # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: «تصلي وإن قطر الدم ~~على الحصير»، فلو كانت إزالة النجاسة فرضا لوجب منم هذا أحد أمور: إما أن ~~لا تصلي أصلا لهذه الضرورة، كما لا تصلي إذا كانت حائضا، أو إن كان صلت قضت ~~الصلاة حتى تتمكن من إزالتها، فلما جوز لها الصلاة على حل النجاسة، ~~وأجزأتها صلواتها، دل على أن إزالتها ليست بفرض. # وقد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دما بحضرة الصحابة، وكانت ~~حاله كحالة المستحاضة. PageV01P372 # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة، فخلع نعله فخلع الناس ~~نعالهم، فلما فرغ من صلاته قلا: «ما لكم خلعتم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك قد ~~خلعت فخلعنا. فقال: «إنه أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرا»، فقد علم عليه ~~السلام في الصلاة بالقذر في نعله، وبنى على صلاته، فلو كان إزالة النجاسة ~~فرضا، لكان فرضه من أجل الصلاة، فلم يجز أن يبني عليها، بل كان الواجب أني ~~قطع ويستأنفها، كما يجوز له أن ms102 يبتدئها بالنجاسة. PageV01P373 # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد خلع النعلين، فلم تكن إزالة ~~النجاسة فرضا بها. # خلعهما: ليعلمنا الاستحباب، وبنى على صلاته ليعلمنا أن الإزالة ليست بفرض. # فإن قيل: فقول مالك أنه يجب أني قطع الصلاة إذا رأى في ثوبه نجاسة ويخرج ~~فيغسلهما. # وأيضا فقد قال مالك: إن من تعمد الصلاة بذلك أعاد في الوقت وغيره، وليس ~~الفرض أكثر من هذا، وان الوعيد يلحقه، ولا يقدح في فرضه قوله: إذا صلى ~~ناسيا لنجاسة أنه يعيد في الوقت؛ لأن عنده أن الموالاة واجبة في الوضوء ~~والغسل، ويفرق فيما بين العمد والنسيان، ويكون هذا فرضا بمنزلة من يصلي أن ~~عليه فرضا أن أل ي قوم إلا خامسة، فلو قام إليها ناسيا لم يفسد، وكنا يقول ~~على التسمية على الذكاة، إنها واجبة يفرق بين عمدها ونسيانها. PageV01P374 # قيل: أما ما كان مثل النعل يلقيها عنه، ومثل أن يرى في ثوبه نجسا، وعليه ~~ما يستره غير ذلك الثوب فإنه يلقيه عنه ويمضي على صلاته، كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النعل. # فأما إن كان النجس على بدنه أو في ثوب يستره فإننا نقول: # اقطع صلاتك حتى تأتي بالسنة المؤكدة في صلاتك ولا تعتمد تركها، وقد قال ~~مالك - فيمن نسي الوتر حتى دخل في صلاة الصبح وذكر الوتر -: إنه يقطع الصبح ~~-التي هي فرض - لأجل الوتر - الذي هو سنة - فيصلي الوتر، ثم يعود على صلاة ~~الصبح إلا أن يحاف فواتها، فكذلك نقول له في الصلاة، إنه يقطعها إلا أن ~~يخاف فواتها فيمضي ولا يقطع، كمن لم يجد إلا ثوبا نجسا يستره فإنه يصلي به. # وقوله: إن من تعمد الصلاة بالنجس فإنه يعيد الصلاة في الوقت وغيره؛ يريد ~~من يتعمدها لغير عذر، فإن الإنسان لا يجوز له تعمد ترك سنن النبي عليه ~~السلام لغير تأول أو عذر من نسيان وغيره، وول كانت إزالته فرضا لم تتخلف ~~لضرورة وغير ضرورة، فلما جاز للمستحاضة، ولمن جرحه يثعب دما أن يصلي ولا ~~يعيد، ثبت أن ms103 ذلك ليس بفرض. # وأما الموالاة في الوضوء فقد تقدم ثبوتها بظاهر الآية، ولم يتقدم ثبوت ~~إزالة النجاسة في الوجوب، وقد يكون في السنن ما بعضه PageV01P375 # آكد من بعض، فلما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو ~~مسنون آكد مما اتفقوا فيه على أنه مسنون، فكل ما كان آكد فإن مالكا يشدد فيه. # ولنا في المسألة أيضا: ما روي أن النبي عليه السلام صلى صلاة الصبح، فلما ~~قضى صلاته واقبل على الناس بوجهه، نظر فإذا لمعه من دم الحيض، في ملحفة قد ~~صلى فيها، فصرها في يد بعض أصحابه، ووجه بها عائشة -رضي الله عنها - ~~لتغسلها، ولم يعد الصداة، PageV01P376 # فلو كانت إزالة ذلك فرضا لأعاد الصاة، وهذا لا يلزم أبا حنيفة، لأنه يجوز ~~أني كون أقل من الدرهم، ولكنه يلزم أصحاب الشافعي؛ لأنهم يسوون بين قليله ~~وكثيره. # ولنا أيضا: القياس على المستحاضة إذا صلت، فإن صلاتها مجزئة، فكذلك إذا ~~صلى من به نجاسة، والمعنى فيه: أنه مصل بجميع شرائط الصلاة، غير أن عليه ~~نجاسة لم يتعمد تركها لغير تأويل. # فإن قيل: المستحاضة معذورة بها ضرورة، ولا يمكن زوالها حتى يزول الوقت. # قيل: هذا منتقض بمسألة فرع، وذلك أن رجلا لو اقعد في ماء نجس إلى نصفه أو ~~إلى حلقه، ومع أن يخرج منه أياما، وأوقات الصلاة تحضر، وهو لا يقدر أن ~~يتوضأ إلا بالماء النجس، وهو لا ينفك من النجاسة عليه، وهو مع هذا يخالف ~~المستحاضة -عنكم -؛ لأنكم إما أن تقولوا يصلي ويعيد، أو لا يصلي في الحال ~~ويصلي إذا تخلص، أو لا يصلي أصلا، فأمتا أن يصلي ويجزئه كالمستحاضة فلا ~~نظنه قولكم؛ لأنه كالمحبوس في الحش، وقولكم فيه معروف، وضرورة هذا أشد من ~~ضرورة المستحاضة. PageV01P377 # فإن قيل: فإن الدليل قد قام على وجوب إزالة الأنجاس، وهو قوله -تعالى - ~~{وثيابك فطهر}، والثياب في الإطلاق وما جرى به العرف، والتطهير بما علمناه ~~في الشرع من نجس. # قيل: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن الثياب وإن كانت من العرف على ms104 ما نعلمه من ثيابنا فإن هذه ~~الآية قد وقع التنازع في المراد منها، فقال ابن عباس رضي الله عنه: إن الله ~~-تعالى - أراد وقلبك فطهر، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس: # وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل PageV01P378 # فإذا كان الخلاف بيننا فيما أريد بالثياب في هذه الآية لم تكن لكم فيها ~~حجة، لأننا لا نوجب شيئا ونفرضه بأمر متنازع فيه. # وجواب آخر؛ وهو أن حقيقة قولنا: طهر ثوبك، إنما هو أمر لمن في ثوبه نجس، ~~ولا يقول أحد: إنه كان في ثوب النبي صلى الله عليه وسلم نجس، فيحمل قوله ~~-تعالى -: {وثيابك فطهر}، على معنى بعدها من النجس، وهكذا نقول: وهذا مثل ~~قوله -تعالى - في عيسى عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا}؛ أي مبعدك منهم. # لا إن قيل: يحتمل أن يكون كان في ثيابه شيء من نجس. # قيل: ويحتمل ألا يكون، فلا نوجب شيئا بمحتمل. # وجواب آخر: وهو أن التطهير اسم مشترك، فلا نجعل هذا لنجاسة إلا بدليل، ~~وقد قيل: إنه لنا أمر بتطهير الثياب قبل اجتناب الرجز دل على أن المراد ~~القلب، لأنه محال أن يؤمر بإزالة النجاسة عن ثوبه أو بدنه قبل اجتناب ~~الرجز، وقبل أن تفرض عليه الصلاة التي لأجلها أمر بتطهير الثياب. PageV01P379 # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء على بول الأعرابي، ~~وأمره على الوجوب. # وكذلك في دم الحيض حيث قال لأسماء: «حتيه ثن اقرصيه ثم اغسليه بالماء»، ~~وهذا كله على الوجوب. # قيل: هذا واجب كما ذكرتم وجوب سنة، وخلافنا في الفرض، والفرض كما يفرضه ~~القرآن، أو يكون ذكره مجملا في القرآن فيبينه عليه السلام فأما ما يبتدئ ~~عليه السلام فيبينه فليس بفرض. # قوله: فليس بفرض من عندي، وقد فرق المسلمون بين الفرض والسنة، فالفرض ما ~~كان بالقرآن، والسنة ما كان من النبي عليه السلام وهكذا قولنا، وهذه كان ~~الشيخ أبو بكر -رحمه الله - يختارها. # وقد حكي عن سعيد بن جبير لما قيل ms105 له: إن إزالة النجاسة PageV01P380 # فرض أنه قال: اتل علي بها قرآنا، فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن. # وعلى أن هذا يجوز أن يصرف إلى السنة والندب بالدلالة، وقد ذكرنا في ~~المسألة دلائل من الأخبار والقياس. # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، ~~وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستنزه»، وفي خبر: «لا يستبرئ من ~~البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، وهذا إخبار منه عليه السلام عن ~~تعذيبه بسبب البول، وتوعد وتحذير لمن يسمع ذلك، فثبت بهذا أن الإزالة فرض. # قيل: هذا إخبار عن عين واحدة، واللفظ قد اختلف فيه، فقيل: «لا يستبرئ». ~~وقيل: «لا يستنزه»، فيحتمل أن يكون يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهر؛ ~~لأن الوضوء لاي صح مع وجوده. # ويجوز أن يكون أيضا يفعل ذلك على عمد له لغير عذر، - وعندنا - أن من تعمد ~~ترك سنن النبي عليه السلام لغير عذر ولا تأويل متوعد مأثوم، وكذلك من لا ~~يستنزه ويتعمد استعمال النجس ولا يجتنبه، فأما إذا لم يتعمد ذلك أو ترك ~~إزالته متأولا أو لعذر فصلاته ماضية وقد PageV01P381 # أساء، ألا ترى أننا قدذ كرنا حديث المستحاضة، وحديث عمر رضي الله عنه أنه ~~صلى وجرحه يثعب دما، وكذلك تأول أكثر أصحابنا في الناسي إذا صلى وفي ثوبه ~~نجس أو في بدنه جعله معذورا بالنسيان كالمستحاضة، وقالوا في العمد لغير ~~عذر، لا تجوز الصلاة وتعاد في الوقت غيره، فإن كان هذا هكذا فالمعذور لا ~~يلحقه الوعيد، وإنما يلحق القاصد لغير عذر. # لإإن قيل: فما الفرق بين الفرض والسنة إذا كنتم توجبون الإعادة في ترك ~~الفرض في الوقت وغيره، وتوجبونها في السنة كذلك؟! # قيل: الفرق بينهما هو أنه قد صلى وترك فرضا أعاد الصلاة، سواء تعمد ذلك ~~أو نسي أو لعذر، وإذا صلى وترك السنة لضرورة أو نسيان لم يعد، فأما إذا ~~تعمد لغير عذر أو تأويل أعاد أبدا. # كما لو ترك الفرض. # مثال هذا: لو فاتته صلاة العيد، ونام عن الوتر ms106 حتى طلعت الشمس لم يعد، ~~ولو تعمد ترك ذلك أعاد الوتر، فأما العيد فسنتها الجماعة فإذا فاتت لم تجب ~~إعادتها إذا تركها عمدا، كما لو تعمد ترك الجمعة لم يعدها جمعة. PageV01P382 # فإن قيل: فقد بان بهذا أن الموالاة في الوضوء والغسل مسنون؛ لأنه يمضي مع ~~النسيان، وإن كان يعيد مع العمد إذا صلى. # قيل: قد بينا أن في الفروض مثل ذلك، ألا ترى أن الإمساك عن الأكل والشرب ~~قي رمضان فرض، ثم لو نسي فأكل لم يبطل صومه - عندكم -، ولو تعمد بطل. # وكذلك الإمساك عن القيام إلى خامسة في صلاة الفرض، ويفترق عمده ونسيانه. # فإن قيل: فقد استوت الفرائض والسنن في مواضع فبأي شيء يعلم الفرق بينهما ~~في الابتداء؟ # قيل: ما كان فرضا فأصله في القرآن، إما مفسرا، أو مجملا يبينه النبي عليه ~~السلام، وما كان مسنونا فهو ابتداء من النبي عليه السلام. PageV01P383 # وقد دخل في الحجاج حجة من قال من أصحابنا: إن إزالتها فرض، وبينا حجة ~~ظاهر قول مالك -رحمه الله - إن إزالتها سنة، فمن قال: إنها فرض، لزمه أن ~~يكون الاستنجاء فرضا، وعلى قول مالك يكون الاستنجاء مسنونا، والله أعلم. # ب ل يكون الفرق بين الاستنجاء وبين سائر الأنجاس على قول من يقول: إن ~~الإزالة فرض أو سنة من وجه، وهو: أنه خفف في الاستنجاء بالأحجار دون الماء؛ ~~ليقلع العين دون الأثر، والموالاة داخلة في جملة الفرض، لأن ظاهر القرآن ~~يدل عليها، ولي سفي إزالة النجس ظاهر القرآن، فهو في حيز المسنونات، والله ~~أعلم. PageV01P384 ### | AUTO [19] مسألة # وعدد الأحجار غير مستحق عندنا، وعند أبي حنيفة، فإن اقتصر على دون ثلاثة ~~مع الإنقاء جاز، وبه قال داود. # وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار عن ثلاثة أحجار وإن أنقى. # وهذه المسألة فرع أتى على أن الاستنجاء غير واجب، وقد دللنا عليه، وإذا ~~سقط وجوبه سقط اعتبار صفته ومقداره، لأن أحدا لا يفرق بينهما. # وكان الشيخ أبو بكر -رحمه الله - يقول: إنه لا يعرف عن مالك - رحمه الله ~~- نصا: هل يجوز أن يقتصر ms107 على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى؟ قال: والذي ~~أدركت عليه شيوخنا أنه يجوز الاقتصار عن ثلاثة PageV01P385 # إذا أنقى إلا أبا الفرج المالكي فإنه في كتابه الحاوي: لا يقتصر على ~~ثلاثة أحجار، والذي أقول أنا: وهذا يتخرج على قول أبي الفرج: إن الاستنجاء ~~وإزالة الأنجاس فرض. # وأنا أدل على أن العدد غير واجب فيه؛ لأن أحدا لا يفصل بين الأمرين، ~~فيسقط وجوب الأصل بسقوط وجوب ص فته. # والدليل على أن العدد غير معتبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ليلة الجن طلب للاستنجاء أحجارا من ابن مسعود، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى ~~الروثة وقال: «إنها ركس»، وذكر في بعض الأخبار: أنه أتاه PageV01P386 # بالثالث وروي: أنه لم يأته بشيء، وأي الأمرين كان فالاستدلال به صحيح؛ ~~لأنه عليه السلام، اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار، فحصل لكل واحد منهما ~~أقل من ثلاثة أحجار، ألا ترى أنه لا يقتصر على الاستنجحاء لأحد الموضعين ~~ويتر الآخر. # وأيضا فإن الأصل أن أل يجب شيء، وقد لتفقنا على إ ثبات حجر واحد إذا ~~أنقى، واختلفنا في الزيادة عليه، فنحن على موضع الاتفاق حتى يقوم دليل ~~الاختلاف. # وأيضا فقد روي أنه عليه السلام قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ~~ومن لا فلا حرج»، فقوله: «فليوتر»، يقتضي أن يفعل ما يسمى وترا، وأول الوتر ~~[هو الوتر] هو الواحد، ولو ثبت أنه أراد الثلاث لكان قوله: «فقد أحسن، ومن ~~لا فلا حرج»، يدل على جواز ترك الثلاث، ولا حرج عليه. # فإن قيل: حملكم له على الواحد لا يفيد؛ لأن الواحد لا بد منه. PageV01P387 # قيل: فائدته أنه إذا أنقى بالواحد لا يفعل الشفع الذي هو الاثنان. # فإن قيل: دليل الشفع لا يجوز، ويجوز أن يكون قوله: «فلا حرج»، في العدول ~~إلى الشفع أو إلى الغسل. # قيل: إنما يرجع الكلام إلى ما تقدم ذكره، ولم يجر لغير الإيتار ذكر، ~~فقوله: «فلا حرج» راجع إليه، ولو كان قوله: «فلا حرج»، راجعا إلى أنه يفعل ~~الشفع فأول الشفع بعد أول الوتر ms108 هو الاثنان، وأنتم لا تجيزون الاقتصار على ~~الاثنين. # وعلى أنه أل يصح أن يعود قوله: «فلا حرج»، إلى الغسل؛ لأن الغسل أحسن من ~~الاستنجاء، فلا يكون قوله: «فقد أحسن»، للاستجمار، «فلا حرج»، في الغسل. # فإن قيل: فإنه مجمل يقضي عليه ما رويناه من الأحاديث التي في بعضها: ~~«وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار»، وفي بعضها: «لا يجتزئ»، و «لا يكتفي بدون ~~ثلاثة أحجار». # قيل: هذه الأخبار حجة عليكم؛ لأن الغائط يؤتى للأمرين من الغائط والبول، ~~وقد اقتصر عليه السلام على ثلاثة أحجار فيها، فحصل لكل موضع منهما أقل من ~~ثلاثة أحجار، وليس فيه ذكر أحد الموضعين PageV01P388 # دون الآخر، فيحتمل أن يكون أراد الموضعين جميعا أو أحدهما، فليس أحد ~~الأمرين بأولى من الآخر. # ويحتمل أني كون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، كما ذكر ~~في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثا قبل إدخالها في وضوئه على غير وجه ~~الشرط، وليس في خبرنا إجمال يحتاج إلى تفسير. # وأيضا فإن الثلاثة ليست بحد، ألا ترى أنه لو لم ينق بها لزاد عليها. # ثم إننا نستعمل الأخبار كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على ثلاثة ~~إذا أنقت، ولا يجتزئ عنها إذا لم تنق الاثنان، لأنه لي سفي إيجاب الثلاثة ~~حكم يتقدر حتى لا يتجاوز، لأنه إذا لم ينق لزم الزيادة عليها، فعلم أن ~~الفرض الإنقاء، ويجوز أن نحمل الثلاثة على الاستحباب إذا أنقى بما دونها. # ونقول أيضا: إن الاستنجاء مسح، والممسوحات في الشرع لا يجوز فيها التكرار ~~دليله مسح الرأس، ومسح الخفين. # وأيضا: فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب ألا يجب تكرار المسح فيها، دليله ~~سائر النجاسات. # وأيضا فإن الماء أبلغ في الإزالة؛ بدليل أنه لا يبقي حكم النجاسة، وإنما ~~الاستنجاء يخفف قذرها ولا ينقي أثرها، فإذا سقط التكرار في موضع إزالة ~~الأثر كان سقوطه في الموضع الذي لا يقصد به إزالة الأثر أولى؛ لأنه أخف. PageV01P389 # وأيضا فإنه مقام تطهير، هو أصل، فأشبه التيمم، ومسح الخفين لا يستحق ~~التكرار فيه. # وأيضا فإن ms109 المقصود من المسح الإنقاء، بدليل الاتفاق على أنه إذا لم ينق ~~بثلاثة زاد عليها، وبدليل الاتفاق على جواز الاقتصار على حجر واحد له ثلاثة ~~أحرف، ولو كان العدد معتبرا لاعتبر عدد الأعيان، كأحجار رمي الجمار، فلما ~~سقط اعتبار العدد دل على اعتبار الإنقاء، وقد وجد فبان بما ذكرناه سقوط ~~العدد، وإذا ثبت ذلك، صح أنه في الأصل غير واجب؛ لأن من أوجب الاستنجاء لم ~~يوجبه إلا على هذه الصفة. # وأيضا فإن الاستنجاء اسم لإزالة النحو، ومنه اشتق فإذا زال بالحجر الواحد ~~والحجرين لم يبق هناك نجو يقع الاستنجاء له. # فإن قيل: فإنه نجاسة قرن إزالتها في الشرع بعدد من جنس فوجب أن يكون ~~العدد فيه شرطا كالولوغ. # قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأن غسل الإناء من الولوغ لا لنجاسة، ثم شرط ~~العدد فيه غير مستحق وإنما هو مندوب. PageV01P390 # فإن قيل: قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر»، عام في الوتر الذي هو ~~مرة واحدة، وفي الوتر الذي هو الثلاث والخمس والسبع، وأخبارنا خاصة في وتر ~~بعينه وهو الثاث. # قيل: قوله: «فليوتر»، يتعلق الحكم بأول الوتر، وهو أمر يقتضي فعل مرة، ~~وأول الوتر مرة، ثم قوله: «فقد أحسن»، يدل على أنه لم يرد ما زاد عن الثلاث ~~مع الإنقاء؛ لأنه يكون مسيئا غير محسن. # فإن قيل: إنه وإن أنقى بما دون الثلاث فعليه أن يأتي بالثاث تعبدا مع ~~إزالة النجس وقد يزول حكم النجاسة، ويبقى التعبد، كما نقول: إن العدة ~~لبراءة الرحم، ألا ترى أته إذا طلقها قبل الدخول لا عدة عليها؛ لعلمنا ~~ببراءة رحمها، ثم أوجبنا على الحرة ثلاثة أقراء وإن كانت البراءة تعلم بقرء واحد. # والدليل على أن البراءة تقع بقرء واحد؛ أن الأمة إذا بيعت تستبرأ PageV01P391 # بحيضة واحدة، ثم أوجبنا على الحرة ما زاد على القرء الواحد تعبدا، وإن ~~كان القصد من العدة براءة الرحم، كذلك أيضا وإن كان القصد من الاستنجاء ~~إزالة النجاسة جاز أن توجد الإزالة ويبقى الوجوب للعبد. # قيل: قولكم: إن ما زاد على الحجر الواحد ms110 إذا أنقى يجب تعبدا، فإننا نقول: ~~إن العبادة ما كان واجبا يفعل على طريق القصد إلى القربة، فلو منعناكم من ~~اسم العبادة على إزالة النجس لجاز، على أن الاستنجاء لم يوضع لإزالة النجس ~~وإنما هو لتخفيفها والعدة لم توضع لإزالة المعنى، وإنما وضعت لتبيين أن ~~الحمل ليس بموجود، وأن الرحم غير مشغولة، ويفترق حكم ما به يعلم عدم الشيء، ~~وحكم ما يزيله ويؤثر في رفعه بعد وجوده. # وعلى أن مراعاة العدد لوجب أن يستوي فيه حكم الحرة والأمة وأم الولد؛ لأن ~~عدة أم الولد على -أصولهم - عدة، ولم يعتبر فيها PageV01P392 # العدد وإن روعي في الحرة، وإنما اختلف حكم العدة لاختلاف الحر! م كالحدود ~~وطلاق الحر والعبد، ولم يكن الاستنجاء لأجل الحرم معتبرا؛ لأنه يستوي فيه ~~الحر والعبد، والحرة والأمر، لأن الفرض فيه التخفيف للنجاسة فحيث وجد إلقاء ~~العين وقلعها دون أثرها جاز، ألا ترى أن الحرة والأمة قد اشتركا يف وضع ~~الحمل، واعتبرا فيه جميعا اعتبارا واحدا؛ لاستوائهما في الاستبراء، فكذلك ~~لما استوى الفرض في الاستنجاء وهو خفيف النجاسة بقلع عينها لم يعتبر فيه العدد. # فإن قيل: فإن الاستنجاء بالأحجار كالعدة بالأشهر والإقراء، والاستنجاء ~~بالماء كالعدة بوضع الجمل؛ لأن الماء يزيل العين والأثر على الحقيقة، ووضع ~~الحمل براءة للرحم على اليقين، فوجب ألا يثبت قولكم بالشهور والإقراء، ~~وإنما هي دعوى. # على أننا نقول لكم: أليس قد جاز الاستجمار الذي يقطع العين دون الأثر في ~~أن الاستنجاء يقوم مقام الماء في ترك العدد؟ # قيل: إنكم لم تذكروا معنى تجمعون به بين الاستجمار وبين العدد، فقد صار ~~الغرض منه قلع العين حسب، كما أن الغرض من الماء قلع العين والأثر، فإذا لم ~~يعتبر العدد فيما قصد له من قلع العين والأثر لم يعتبر العدد فيما أريد له ~~من إزالة العين دون الأثر، لأن الغرض زوالها دون أثرها. PageV01P393 # ثم أن الذي يدل على صحة هذا هو: أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها ~~حتى تزول العين دون الأثر، فقد استوى الأمران في ms111 سقوط العدد في قلع العين، ~~بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضوع الذي ~~أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأن ما تعاظم من حكم ~~الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ~~ولم تعتبروه في غيره. # ثم نقول أيضا: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار ~~مع جواز أن يكون ألثر قد زال، ويجوز ألا يزول، فليس ههنا أمر متحقق، فينبغي ~~أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند ~~هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ ~~من النوم قبل إدخالهما في الإناء، لأن هناك أمرا مشكوكا فيه أل يتحقق، ~~فيكون غسل اليدين مستحبا، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبا؛ لأنه ليس هناك ~~أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس ~~كذلك العدة، لأنه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم، ففي الموضع الذي يتحقق ~~فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي أل يتحقق فيه ~~بالإقراء والأشهر فإنما هو لأجل الحرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ~~ترى أن عدة الأمة والزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة ~~من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا وفي الحدود والطلاق الذي ينكمل بكمال ~~الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنه لا يختلف الغض فيه من ~~الإنقاء في الحر والعبد، فحيث وجد أجزأ. # وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتمد بالشهور أو الأقراء، ولا ~~لذات قرء ن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء PageV01P394 # والاستجمار مرتبين، بل هو مخي بينهما، فلم يشبه العدد. # وعلى إننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام ~~الثلاثة الأحجار والنبي عليه السلام نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ~~ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران، وليس الثلاثة إذا حصل قلع العين ~~من النجاسة، وإن جاز ms112 أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ ~~لأنه يكون فيه ثلاث مسحات، جاز أني قوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا ~~قلع عين النجاسة، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى، لجواز الزيادة على الثلاث ~~إذا لم يحصل الإنقاء. # ونقول أيضا: إن الطهارات المتعلقة بالمادات، عينيات كن أو حكميات لا ~~تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ. # وأيضا فقد اتفقنا على أن الثلاثة تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها؛ ~~لوجود قلع عين النجاسة. # فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحج لا أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم ~~يجزئ؛ بعلة قصوره عن الثلاثة. # قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف. PageV01P395 # فإن قيدوه بالمساحات. # قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنه يطرد ~~وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق. # فإن قيل: قولكم: إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر ~~واحد لم يبق هناك نجو خطأ؛ لأننا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ~~ألا ترى أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه ~~بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي بحجر ~~فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار ~~شيء على محل مخصوص. # قيل: إنما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر استنجاء؛ لأنه أخذ ~~عليه قلع أثر النجو مع العين فلم يخص باسم الاستنجاء وإنما يقال له: قد غسل ~~وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون ألثر اختص باسم ~~الاستنجاء قلع عين النجو. # وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي ~~بذلك فإنما هو لمراقبته موضوع النجو. PageV01P396 # فإن قيل: قد سمي استجمارا، ,اخذ من اسم الجمار، واستعمال الأحجار فيها ~~فروعي فيه العدد. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها ولا ~~النقصان منها، وليس كذلك ms113 الاستجمار؛ لأنه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد ~~عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف. # والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر ~~عنه بالاستجمار بالحجر، فلما دخل استعمال الحجر ههنا سمى استجمارا، والغرض ~~مه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق. # ويجوز أن نقول: إن الاستجمار ههنا لم يؤخذ من الجمار بل أخذ من استعمال ~~المجمرة يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلما كان الحجر يقلع العين ~~التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر، والله أعلم. PageV01P397 ### || AUTO فصل # والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر، والخرق والتراب وقطع الخشب ~~جائز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. # وقال داود: لا يجوز بما عدا الأحجار. # والدليل لقولنا: الظواهر من قوله -تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}، وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أمر به. PageV01P399 # وجميع الظواهر مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما لامرئ ما نوى». # ومن قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وما أشبهها. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة ~~أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب». PageV01P400 # ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد خير بين ~~الأحجار والأعواد والتراب. # وروي عن أنس بن مالك أنه كان يستنجي بالحرض، PageV01P401 # ويذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنجي بالحرض. # ,أيضا قوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر»، ولم يخص ما يستجمر به. # وأيضا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة»، والدليل فيه من وجهين: # أحدهما: أنه لما نص على الروث والرمة بالنهي دل على أن ما عداهما ~~بخلافهما، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة. # فإن قيل: إنما نص على الروث والرمة تنبيها على غيرهما، وأن ما عداهما ~~وحكمهما. # قيل: هذا لا يجوز، لأن هذه ms114 التنبيه إنما يفيدنا إذا كان في المنبه عليه ~~معنى المنبه وزيادة عليه، فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يجوز، كقوله ~~-تعالى -: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما}، دخل فيه الضرب؛ لأن الضرب، فيه ~~أف، وما هو أبلغ من أف، ولو نص على الضرب، لم يقع فيه التنبيه على المنع من ~~أف؛ لأنه ليس في أف معنى الضرب، ولا يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنه ~~ليس في أف معنى الضرب، ولا الأذى به. ألا ترى أنه لو قيل: فلان يخفر ~~الأمانة في درهم أو دانق، PageV01P402 # لكان فيه تنبيه على أنه يخفر في الدينار، وما هو أكثر منه؛ لأن في ~~الدينار الدرهم والدانق، ولو قيل: إنه يخفر الأمانة في دينار لم يدل على ~~أنه يخفرها في درهم أو دانق، لأنه ليس في الدرهم والدانق دينار، وقد قال ~~-تعالى -: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك}، فعلم أن من أدى الأمانة في القنطار كان أولى أن ~~يؤديها في الدينار، ومن لم يؤدي الأمانة في الدينار، كان أولى أن لا يؤديها ~~في القنطار، فكذلك أيضا فيما عدا الروث والرمة من الظاهر، إذا ليس في ~~الطهارات معنى الروث والرمة، فلم يقع التنبيه عليها، بل يقع التنبيه على ما ~~في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها أو من الأشياء المبعدات ~~المكرهات. # والوجه الثاني: هو أن قول الراوي: ونهى عن الروث والرمة استثناء من عموم ~~قد تضمنه حكم اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: استنجوا بثلاثة أحجار إلا الروث ~~والرمة فلا تستنجوا بهما، [و] لكان المعنى تقديره كأنه قال: وليستنج بثلاثة ~~أحجار، وبكل شيء جامد مثل الأحجار إلا الروث والرمة. # ولنا أيضا حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى ~~بالروثة PageV01P403 # وقال: «إنه نكس»، فبين أن المعنى في إلقائه أنه ركس، وداود بقول: علة ~~المنع من استعماله كونه غير حجر، فخالف تعليل النبي عليه السلام. # وأيضا فقد روى ms115 الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا»، ولم يفرق بين الحجر وغيره. # وأيضا فإنه جامد طاهر، ينشف رطوبات النجس، منق فوجب أن يجزئ في حكم ~~الاستنجاء به كالحجر. # فإن قيل: ينتقض بشيء من الصحف وبالخبز والدقيق وما يؤكل. # قيل: لم نقل فوجب أن يجوز، وإنما قلنا فوجب أن يجزئ إذا فعل، - وعندنا - ~~أن هذا كله يجزئ وإن كنا نكره فعل ذلك. # فإن قيل: ينتقض بأصبعه؛ لأنه يجوز أن يستنجي بأصبعه. PageV01P404 # قيل: لا يدخل على اعتلالنا؛ لأن أصبعه لا ينشف رطوبات النجس، بل تصقع ~~كالعظم والعاج والصفر، وغير ذلك من الأشياء الصقيلة، ولو ترك على أصبعه ~~ترابا أو حرضا واستنجى به جاز، ولا يدخل على اعتلالنا الخل والماء ورد ~~وسائر المائعات؛ لأننا قلنا جامد طاهر ينشف الرطوبات، وهذه الأشياء لو جمدت ~~لم تنشف. # وأيضا فإن الحجر منصوص عليه، فنقول: هو جامد طاهر منصوص عليه في إزالة ~~النجس فجاز أن يقوم غيره مقامه فيه، أصله الشب والقرظ في الدباغ، فإنه يقوم ~~قشر الرمان وغيره مقام الشب والقرظ. # فإن قيل: فقد روى سلمان أن المشركين قالوا: إن صاحبكم علمكم كل شيء حتى ~~يوشك أن يعلمكم الخراءة. فقال: أجل نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الاستنجاء بالعظام والرجيع. وقال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، فأخبر ~~أنه لا يكفي غير الحجر. PageV01P405 # وأيضا فإنه نص على العدد وعلى نصفه بعيون الأحجار، فلما لم يجز الإخلال ~~بالعدد، كذلك الحجر هو شرط كالعدد. # وأيضا فإنه عدد موصوف لا يجوز الإخلال به، فلا يجوز الإخلال بالصفة، ~~كالشهادة، قال الله -تعالى -: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نص في رمي الجمار على الحصى، فقال: ~~«خذوا مثل حصى الخذف»، ثم لا يجوز رمي الجمار بغير PageV01P406 # الأحجار والحصى فكذلك في الاستنجاء. # قالوا: ونقيس على ذلك فنقول: هو فرض يسقط بالأحجار فوجب أن لا يسقط بغير ~~الأحجار كرمي الجمار. # والجواب: أما الخبر فقد روينا ms116 أنه قال «يكفي دون الثلاثة»، وتكلمنا عليه ~~بقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، ~~وبالنص على ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب. # وأيضا فإن المقصود من الخبر العدد، ألا تراه قال: «يكفي دون ثلاثة»، ولم ~~يقصد الصفة، ثم لو تجرد جاز أن يجمل على الاستحباب. # على أن قولهم: إنه نص على العدد والصفة التي هي الأحجار، PageV01P407 # فإننا نقول: الحجر ليس بصفة، وإنما هو اسم المسمى، وتعلق الحكم بالاسم لا ~~يدل على أن ما عداه بخلاف -عند أكثر أصحابنا - وإنما يدل على أن ما عداه ~~بخلاف إذا علق بالصفة دون الاسم، وأنا أقول بالوجهين جميعا، ولكنا قد قلنا: ~~إن الخبر الذي قيل فيه: نهى عن الروث والرمة، قد تضمن الأحجار وغيرها، فلم ~~يسلم النص على الأحجار، وقد عارضناه بالخبر الآخر الذي فيه: «من فعل فقد ~~أحسن ومن لا فلا حرج»، فصار تقديره: من استجمر بالأحجار فليوتر، من فعل فقد ~~أحسن ومن لا فلا حرج، وهذا راجع إلى العدد والأحجار جميعا. # وقولهم: لا يجوز الإخلال بالعدد والصفة، غلط؛ لأنه يجوز - PageV01P408 # - عندنا - الإخلال بالعدد، وقد دللنا عليها. # وأيضا فقد وافقنا داود في جواز الاقتصار على حجر واحد فسقط السؤال على ~~مذهبهم. # وعلى أن الفرق بين الشهادة وبين الاستجمار هو أن القلب على قول الشاهدين ~~أسكن منه إلى قول الواحد إذا كرر الشهادة مرتين؛ لأن الاثنين إلى الصدق ~~أقرب من الواحد، والمعنى الذي في الاثنين غير موجود في الواحد، وكذا قول ~~العدل؛ إلى الصدق أقرب، والتهمة منه أبعد منها إلى الفاسق فلما لم يوجد في ~~الفاسق معنى العدل لم يجز أن يقوم مقامه، وليس كذلك الأحجار؛ لأن المقصود ~~منها قلع عين النجاسة؛ بدليل أن الثلاث لو لم تقلعها وجبت الزيادة عليها، ~~والخرق والآجر وهذه الأشياء تعمل ما يعمل الحجر وأبلغ، فجاز أن تقوم مقامه ~~لوجود معناها فيها. # وأما الجمار فعند داود أنه لو رماها بعصفورة ميتة جاز، - PageV01P409 # وعندنا - هي عبادة لا يعقل معناها، والعبادة إذا لم ms117 يعقل معناها لم يجز ~~القياس عليها، ثم ما قالوه ينتقض بالرجم في الجمار على أصلهم، وينتقض ~~بالرجم في الزنا. # وأيضا فإن الغرض في الاستنجاء إزالة النجو، لأنه أقيم مقام الماء الذي ~~يزيل النجاسات، فلما أقيم الحجر في الاستنجاء مقام الماء، أقيم مقام الحجر ~~غيره فيما يفعل فعله، وإنما خص النبي الحجر بالذكر؛ لأنه أغلب الموجودات من ~~الجمادات عند أهل الحجاز لا أنه اختصه بالحكم، كما ذكر الله -تعالى - الرهن ~~في السفر؛ لأن الأغلب فيه عدم الكاتب والبينة، والحضر بمنزلته، لأن الغرض ~~منه التوثق، ولو منعنا الاستجمار في كل موضع إلا بالحجر لشق، وتعذر على ~~أكثر أهل البلاد؛ لأنه ليس كل البلاد تكون الأحجار فيها غالبة موجودة كوجود ~~التراب وغيره. # فإن قيل: فإنها طهارة بجامد أقيم مقام مائع كالتراب في التيمم. PageV01P410 # قيل: أنتم لا تقولون بالقياس فسقط. # وعلى أصولنا ليس التراب شرطا في التيمم -عندنا -، والصعيد هو نفس الأرض ~~سواء كان عليها تراب أو لا، أو كان عليها زرنيخ، أو جص أو غيره. # وعلى ا، المعنى في التيمم أنه غير مخير بين الماء والتراب، وليس كذلك ~~الاستنجاء؛ لأنه مخير بين الماء والحجر. # وعلى أننا قد عارضناه بقياسات أخرى أولى؛ لاستنادها إلى ما ذكرناه من نص ~~السنة على الأحجار والأعواد أو الحثيات بالتراب، ولأن الصول يشهد له؛ وذلك ~~أن هذه طهارة موضوعة على الرخصة والترفيه والتوسعة والتخفيف، ألا ترى أنه ~~مخير بين المائع الذي هو الماء وبين الجامد من الأحجار، وقد عفي فيها عن ~~إنقاء الأثر، ويجوز فيها الاقتصار على الجامد مع القدرة على المائع، وهذه ~~المعاني كلها معدومة في الطهارة الحكمية والعينية، فغير منكر أن يكون من ~~أحد رخصها أن تجوز بكل جامد يكون في المعنى الحجر. PageV01P411 # وأيضا فإن استعمال الجامد في هذا الموضع إنما دخل على سبيل الرخصة لكثرة ~~البلوى، وفي أمرنا له باستعمال الماء في كل مرة يلحقه معه المشقة لتكرر ذلك ~~منه، فلو كلف ألا يستعمل غير الأحجار للحقنة المشقة على ما ذكرناه من أن ~~كثيرا من البلدان ms118 تخلو من الحجارة، فكانت تزول الرخصة المعتبرة في الأصل، ~~وعلى هذا بني أمر الإبدال في الأصول، والله أعلم. PageV01P412 ### | AUTO [20] مسألة # قال مالك -رحمه الله -: ولا يستنجي بعظم ولا روث، ويستحب بالحجارة، وذكر ~~بعض أصحابنا أنه يجزئه، وليس ذلك كذلك، وإن كان نفس الإزالة غير فرض إلا ~~أنه إذا وجب من طريق السنة لم ينبغ أن يجزئه هذا الفعل من السنة، كما أن ~~صلاة التطوع ليست بفرض، وإذا فعلت إلا بطهارة بماء طاهر، كما أن الاعتكاف ~~ليس بواجب، فإذا فعل فمن شرطه أن يقع في صوم. # وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه، قال الشافعي: لا ~~يجزئه. PageV01P413 # وهذا الذي نختاره، وإن كنا نختلف في نفس الإزالة. # والدليل لما قلناه: ما روي أن النبي نهى عن الاستجمار بالروث والعظم، ~~وأمر الاستنجاء بالحجر، وظهار النهي إذا تجرد يقضي فساد المنهي عنه أن يقوم ~~دليل، وأمر بالحجر أمر ظاهر الوجوب إلا PageV01P414 # أن يقوم دليل، ودليله أن غير الحجر لا يجزئ حتى يقوم دليل. # وأيضا ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم ~~أمر دينكم». وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، وهذا موضع ~~تعليم فلا ينبغي عنه إلا بدليل، والاستدلال منه أيضا كالاستدلال بما قبله. # وكذلك أيضا قال لابن مسعود: «ائتني بثلاثة أحجار»، فأتيته بحجرين وروثة، ~~فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»، وقيل في بعض الأخبار: ~~«أما العظام فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم» PageV01P415 # ومن طريق المعنى: فإن العظم جسم صقيل، لا يزيل العين في غالب الحال، وقد ~~أخذ علينا إزالتها وإن كان قد عفي عن أثرها، وكلك ينبغي أن يكون ما في ~~معناه من الأجسام الصقيلة، مثل الزجاج والصفر والعاج، هذا لو تحققنا أن ~~العظم ذكي، فكيف وربما كان ميتة؟ فيلاقي النجس فيزداد نجاسة، وليس لشيء من ~~النجاسات في الطهارة مدخل. # وأما الرواية فهي -عندنا - مكروهة، وعند قوم نجسة، فإذا لاقتها النجاسة ~~الرطبة تنجست، ولم تكن لها قوة الطاهرات المتفق عليها ms119 فتدخل مدخلها في هذا ~~الموضع؛ لأنه موضع رخصة قد أخذ علينا فيه إزالة العين، وعفى عن الأثر خوف ~~المشقة، فلا ينبغي أن يدخل على الرخصة ما فيه رخصة أخرى لقول المخالفين إنه نجس. # وأيضا فقد روى سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والرجيع. PageV01P416 # وقد قال أبو عبيد: الرجيع ما رجع عن حالة الطعام، فهو عام في كل ما يسمى ~~رجيعا من جهة اللغة إلا أن يقوم دليل. # وعند أبي حنيفة أن الروث نجس فيقال له: إنه أحد ما يستعمل في إزالة ~~النجاسة فوجب أن لا يجوز استعماله فيها وهو نجس؛ أصله الماء؛ لأن النجاسة ~~تزال بمائع وجامد، ثم إذا كان المائع نجاسا لم يجز، فكذلك إذا كان الجامد - ~~عندك - نجسا. # وأيضا فإن النجاسة تزيد في النجاسة ولا تزيلها، فوجب أن لا يجوز ~~الاستنجاء به على أصلك. # وقد روى رويفع عن النبي أنه قال له: «عسى أن يطول بك العمر بعدي، فأخبر ~~الناس أن من استنجى بالعظم والروث فقد برئت عنه ذمة محمد»، وقد روي: «برئت ~~ذمتي منه»، وهذا توعد، ولا يمتنع أن يكون التوعد في الفرع أشد منه في ترك ~~الأصل، ألا ترى أنه لو ترك صلاة التطوع أصلا لم يتوعد، ولو قام يصليها بغير ~~أصلا PageV01P417 # مع القدرة كان متوعدا، وكذلك حج التطوع لم يتوعد عليه ثم لو دخل فيه ~~وتعمد إفساده كان متوعدا. # فإن قيل: الغرض في الاستنجاء إزالة النجو مع بقاء أثره اللاصق، فمتى ذلك ~~حصل الإجزاء. # قيل: هذا غلط؛ إنما الفرض إزالته بما يزيله من الأشياء الطاهرة الناشفة ~~التي تقلع عينه، ولو كان على ما تقول لجاز أني زيله بالعذرة اليابسة كما ~~يجوز - عندك - بالروث، ويجب أيضا أن يجوز له دلكه بأنه كما يجوز بالعظم. # فإن قيل: فإن النبي علل فقال: «أما العظم فزاد إخوانكم من الجن، وأما ~~الروث فزاد دوابهم»، فينبغي أن يكون زادهم مثل زادنا نحن، وهو -عندكم - ~~يعمل في الاستنجاء ويجزئ. # قيل: لا يمتنع فيه معنى معقول قد عقلناه فلم يحتج إلى ms120 ذكره لنا، ثم ~~بينهما على معنى آخر يزيد على ما عقلناه، فكأنه أعلمنا أن الذي نجتنبه نحن ~~ونرمي به ونبتعد عنه يتزودونه هم، فينبغي ا، نتركه لهم، فهذا يؤكد ما نقول ~~في ألا ينبغي أن نتعرض له، وأما زادنا فليس مقصورا على شيء واحد كاقتصار ~~الجن على العظام. # فإن قيل: ظاهر النهي في ذلك على الكراهية، كما نهى أن يستنجي الرجل ~~بيمينه، PageV01P418 # ويأكل بشماله، بدليل وهو ما ذكرناه من المعنى في الإزالة. # قيل: ظاهر النهي على التحريم، وما ذكرتموه لم يستقم، وهو ساقط. # ورأيت هذا الإنسان من أصحابنا قد ألزم ظاهر النهي، وأنخه للتحريم كالنهي ~~عن الذبح والظفر، فالتزم أن هذا محرم، فرق بينه وبين العظم في الاستنجاء، ~~ولم يكن ينبغي له ذلك؛ لأن الذبح بالسن والظفر إن كان السن مركبا غير منزوع ~~فإنما منع لأنه يقرض الحلقوم، وكذلك الظفر المركب إن كان رقيقا فهو يثقب ~~الحلقوم، فيكون فيه التعذيب للبهائم المنهي عنه. وإن كان السن منزوعا عريضا ~~يشق الحلقوم ويقطع الودجين فإنه يجوز، وكذلك الظهر مثله، وهذا PageV01P419 # لا يكره ولا يراعى فيه أنه صقيل؛ لن السكين أصقل منه، ولا تراعى نجاسته، ~~لأنه لو ذبح بسكين ملطخة بدم أو بغيره من النجاسات لوقعت الذكاة موقعها، ~~والذي رؤي في إزالة النجو أن يكون المزيل طاهرا يقلع العين وينشف رطوبتها ~~فإذا لم يقع بذلك لم يقع موقعه. # وهذا الذي ذكرته في السن والظفر في الذكاة قد ذكره جماعة من شيوخنا منهم ~~أبو بكر وغيره. # فإن قيل: هذه المسألة فرع على أن ألاستنجاء غير واجب، ومتى ثبت ذلك صح ~~جوازه بهذه الأشياء؛ لن أحدا لا يفصل بينهما. # قيل: هذا غلط، وقد بينا أنه قد يكون الأصل غير واجب، ثم إذا فعل كان فعله ~~على صفة تجب لأجل فعله. # فإن قيل: إن الإبقاء الذي ندب الله غليه يحصل بهذا الفعل - عندنا -، وإن ~~كانت الآلة التي حصل بها الإنقاء قد منع من استعمالها، كما أن إزالة الحديث ~~تحصل بالماء المغصوب، وإن كان المستعمل له منهيا ms121 عن استعماله. PageV01P420 # والذي يدل عليه: أن المأمور به الإبقاء، وهذا معنى يرجع إلى المشاهدة وقد ~~حصلت، ,لن النبي بين العلة في الروث أنها علف دوابهم - يعني الجن - والعظم ~~طعامهم، فدل ذلك على أ، المنع لم يثبت فيه لحق الله - تعالى -، وإنما ثبت ~~لحق الغير، فلم يمنع الإبقاء، مثل من غصب حجر غيره فاستنجى به، أو ماء غيره ~~فتطهر به. # وعلى أن النهي فيه غير متعلق لمعنى في نفس المنهي عنه فلا يفيد الفساد، ~~مثل البيع يوم الجمعة عند إتيانها، والصلاة في الدار المغصوبة وقياسا على ~~الحجر بعلة وجود الإنقاء. # قيل له: نظير مسألتنا الماء النجس؛ لأنه لا يزول به الحدث، والماء ~~المغصوب يمنع منه لأجل حق الآدمي، فلما كان النهي عن الماء النجس من اجل حق ~~الله - تعالى - كان العظم والروث مثله. # وقولكم: إن الإبقاء موجود مشاهد، فهو يوجد أيضا بالماء النجس، ومع هذا لا يجوز. # ثم لا نسلم أن الإبقاء بالعظم، يصقله ويلبده في مكانه. # وقولكم: إن النبي علل بأن العظم والروث ممنوع لأجل حق الغير من الجن عنه ~~جوابان: # أحدهما: إنه قد يجوز أن يكون علفهم الأشياء النجسة؛ لأنه لا عبادة عليهم، ~~وليس كل ما تعلق به حكم الغير يجوز أن يتطهر به. PageV01P421 # ألا ترى أن الخمر يتملكها الكفار، ولا يجوز أن يزوال بها الحديث، وكذلك ~~الدهن النجس - عندكم - يجوز بيعه وتملكه، ولا مدخل له في الطهارات، فسقط هذا. # وأما الحجر الغصب فهو كالماء الغصب، فلما جاز الوضوء بالماء الغصب جاز ~~الاستنجاء بالحجر الغصب، ولما لم يجوز رفع الحدث بالماء النجس لم يجز ~~الاستجمار بالنجس، وكذلك لا يجوز الاستنجاء بالماء النجس؛ فالاستجمار مثله ~~لا يجوز بالنجس. # وقولكم: عن النهي غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه غلط؛ لأنه لم يتعلق ~~إلا بمعنى في العظم، لأنه جسم صقيل لا يقلع العين ولا ينشف رطوبتها، وأما ~~البيع يوم الجمعة - فعندنا - أنه يفسخ، فلم يلزم ما ذكرتموه. PageV01P422 ### | AUTO [21] مسألة # عند مالك - رحمه الله - أن الذي يخرج من السبيلين نادرا غير معتاد ms122 لا ~~ينقض الطهارة، مثل سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة والحجر والدود، وبه ~~قال داود. # وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الطهارة تنتقض بجميع ذلك، كما تنقص ~~بالمعتاد. # ووافقنا أبو حنيفة في أن المني إذا خرج لغير شهوة لا يوجب الغسل. # والدليل لقولنا: هو أن الإنسان إذا تطهر قبل أن يحدث شيء من PageV01P423 # هذا، فهو على طهارته، فمن قال: إن طهارته تنقص فعليه الدلالة. # وأيضا فإن إيجاب الوضوء يحتاج على دليل شرعي، والأصل براءة الذمة. # فإن عورضنا باستصحاب حال أخرى، وهي أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بدليل. # قيل: قد اتفقنا على أن الصلاة تسقط بفعل الطهارة مع سائر شروطها، واتفقنا ~~على أن هذا قد تطهر للصلاة، فمن زعم أن الطهارة المتفق عليها - وقد فعلت ~~للصلاة - قد انتقضت فعليه الدليل. # وأيضا قول النبي: «لا وضوء إلا من صوات أو ريح»، فنفى PageV01P424 # إيجاب الوضوء إلا من هذين حتى يقوم الدليل. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصافة، إذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم وصلي»، فأمرها بغسل ~~الدم فحسب، ثم تصلي ولم يأمرها بطهارة. # فإن قيل: غسلها واجب، وهو طهارة. # قيل: «وصلي»، لا يختص صلاة دون صلاة، فقامت الدلالة على غسلها عند انقطاع ~~الحيضة، ولم تقم دلالة على وضوء لكل صلاة. # فإن قيل: قوله لها: «وصلي»، أمر يقتضي ظاهره فعل مرة واحدة. # ولا يقضي التكرار إلا بدليل، وقد اتفقنا على أنها تغتسل لأول صلاة بعد ~~انقطاع الحيضة، فلم يبق في الخبر دليل على موضع الخلاف. # قيل: قد جعل إقبال الحيض دليلا على ترك الصلاة، وجعل انقطاعها دليلا على ~~وجوب الصلاة، فعقل منه أنه اطراد الصالة التي بين الحيضتين كلتيهما، ~~فتقديره: إذا فعل قدرها فصلي حتى تقبل فتتركي الصلاة. PageV01P425 # +وأيضا قوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس في دم الاستحاضة: «إنما هو دم ~~عرق وليس بالحيضة»، فعلل عليه السلام دم الاستحاضة بأنه دم عرق، أو خبر ~~بأنه دم عرق، ودم العرق لا ينقض الوضوء. # وأيضا ms123 فإنه خارج نادر فوجب ألا ينقض الوضوء، كما يخرج من غير مخرج الحدث. # وأيضا فإن الخارج المعتاد إذا خرج من غير مخرج معتاد لم ينقض الوضوء، مثل ~~أن يتقيأ أو يخرج من انفه، فكذلك يجب أيضا إذا خرج ما ليس بمعتاد من مخرج ~~ألا ينقض الوضوء حتى يكون الاعتبار بالعادة. # فإن قيل: هذا يد لعلى أن الاعتبار بالمخرج لا بالخارج. # قيل: الاعتبار بالمخرج وما يخرج منه، فإن خرج منه معتاد وهو معتاد، نقض ~~الطهارة، ألا ترى أن دم الحيض يخرج معتادا ففيه الغسل، ويخرج دم الاستحاضة ~~فلا يجب فيه الغسل لخروجه عن العادة سقط الوضوء لخروجه عن العادة. # ويجوز أن نقول: دم الاستحاضة دم نجس خارج من البدن على غير وجه العادة ~~فلا ينقض الطهارة، قياسا على دم القرح PageV01P426 # والدمل والفصاد. # أو نقول: إذا خرج الدم من فرج الرجل، وهو شيء نجس خارج من بدنه على وجه ~~المرض فلا يجب فيه الوضوء، أصله دم الرعاف، أو القرحة تكون على ظاهر البدن. # وأيضا فإننا رأينا الأحداث التي تفسد الطهارة في غير الصلاة هي في حال ~~الصلاة أغلظ؛ لأنه لأنه قد تفسد الطهارة في الصلاة أشياء لا تفسدها في غير ~~الصلاة عند قوم من أهل العلم، مثل القهقهة في الصلاة، وهذا لغلظ أمر الصلاة ~~فلو كان دم الاستحاضة حدثا يفسد الصلاة لوجب أن يكون في الصلاة أولى أن ~~يوجب طهارة مستأنفة، فلما وجدنا المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، ~~ولا تخرج فتتوضأ، وجب أن يكون في غير الصلاة أولى أن لا تنقض طهارتها، ولا ~~يجب عليها طهارة مستأنفة. # فإن قيل: فإننا لو أوجبنا عليها أن تخرج من الصلاة وتتوضأ ودمها متتابع ~~أدى ذلك إلى أن لا تصلي حتى يخرج الوقت. # قيل: وكذلك لو أوجبنا عليها قبل الصلاة أن تتوضأ كما رأت الدم الذي ينقض ~~الوضوء، وهو يحدث بعد الوضوء، أدى على أن PageV01P427 # لا تدخل في الصلاة، وخرج الوقت. وجرى الكلام بيني وبين أبي الحسن ~~المرزبان - رحمه الله - في هذه المسالة على ms124 هذا الفصل، فقال لي: إذا كان ~~الم متتابعا لا يمكن أن ينفصل يجعلها داخلة في الصلاة، بعد وضوئها إلا ~~بوجود الدم قبل دخولها في الصلاة، فلا فرق - عندنا - بين قبل الصلاة، وبين ~~دخولها في الصلاة، في أنها لا تتوضأ. # وإن كان غير متتابع، وإنما هو المرة بع المرة، فإن حكمها في الصلاة وفي ~~غير الصلاة واحد، في أن الوضوء واجب عليها قبل الصلاة، وإذا طرا في الصلاة ~~خرجت فتوضأت فقلت له: الذي كنا نعرف ويحكيه شيوخنا عنكم الفرق بينهما من ~~أنكم تراعون دخولها في الصلاة، بأن تتوضأ وتدخل فيها إما مع الدم أو قبل أن ~~يحدث، فإذا دخلت ثم حدث PageV01P428 # بها مضت، ونحن نعلم أن المدة التي بين وضوئها وبين دخولها في الصلاة مدة ~~قريبة، فإذا توضأت فإن كانت مستحاضة وكان الدم ينقطع عنها هاذ القدر حتى ~~تدخل في الصالة بالوضوء، فحال الصلاة أطول، فلا يمهلها الدم حتى تخرج من ~~الصلاة، فإذا طرأ عليها في نصف الصلاة، فإن أوجبتم عليها الخروج من الصلاة ~~وأن تتوضأ أدى إلى أن تصلي ويخرج الوقت؛ لأنها تتوضأ فيمهلها الدم حتى تدخل ~~في الصلاة، ولا يمهلها إلى أن تنقضي الصلاة، فمن قال: لا فرق بين الحالين ~~سقط قوله بها، وبان أن الدم الذي هذه صفته ليس بحدث ينقض الطهارة. # فإن قيل: فأوجبوا عليها الطهارة إذا الدم يمهلها بعد الوضوء حتى يتصل ~~وضوؤها بدخولها في الصالة، وإن كان لا يمهلها حتى تنقي الصلاة. # قيل: لا فائدة في هذا؛ لأنه ليس بحدث - عندنا - إذ لو كان حدثا لاستوى ~~فيه حكم الجزء الأول من الصلاة، وحكم الجزء الأخير، والطهارة ترد للصلاة، ~~وإن كان ذلك حدثا معفوا عنه، فينبغي أن يعفي عنه في الجزء الأول من الصلاة، ~~كما يعفي عنه في الجزء الأخير، فثبت بهذا الاعتبار أن العلة في سقوط الوضوء ~~هي: أن هذا الدم خرج عن الصحة إلى حال المرض، فلا فرق بين الحالين قبل ~~الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، وصار في حكم دم الرعاف والدمل الذي ms125 ~~يخرج عن الصحة. PageV01P429 # فإن قيل: ألا جعلتم ها بمنزلة المتيمم الذي يجد الماء قبل الصلاة فيجب ~~عليه استعماله، ولو وجده في الصالة مضى على صلاته. # قيل: إن روية الماء ليس حدثا، وإنما قلنا: إن الأحداث التي تنقض الطهارة ~~لا فرق بين طروها قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، والمتيمم - عندنا ~~- حدثه لم يرتفع قبل الصلاة ولا بعدها، وإنما قلنا يرجع قبل الصلاة إلى ~~الماء حتى يرفع حدثه؛ لأن الطلب لا يسقط حتى يدخل في الصلاة، فيسقط عنه، ~~فيمضي بالتيمم الذي يستبيح به الصلاة، فالعلة ههنا هي الطلب، فإذا لم يسقط ~~الطلب رجع إلى الماء، وإذا سقط الطلب مضى، وإن كان حدثه لم يرتفع، والعلة ~~في دم الاستحاضة خروجه عن الصحة، فأي موضع وجد لم يجب استئناف الطهارة، ~~وإذا عدم وجبت الطهارة. # ولنا أيضا الاعتبار الصحيح بدم الحيض ودم الاستحاضة؛ وذلك أن هذا الدم ~~إذا خرج في زمانه على وجه العادة تعلقت به أحكام منها: ترك الصلاة والصيام ~~وامتناع الوطء والغسل عند انقطاعه، فإذا خرج عن هذا الوجه، وصار دم فساد ~~على ما قاله صاحب الشريعة عليه السلام سقطت عنه هذا الأحكام، ولم يكون هذا ~~إلا لخروجه عن وجهه في العادة، فوجب أن تكون سائر الأحداث التي تتعلق عليها ~~أحكام الطهارة PageV01P430 # إذا خرجت عن وجهها في الصحة والعادة أن تكون كذلك في سقوط الأحكام ~~المتعلقة بها. # فإن قيل: فقد استويا في كونهما نجسين يجب غسلهما عن الثوب والبدن. # قيل: لا يجب غسلهما وقد سبق كلامنا عليه. # وأيضا فقد وافقونا على أن المستحاضة تجمع بين صلاتي نفل بوضوء واحد وفي ~~الحديث المعتاد لا يجوز ذلك مع تخليل الحدث بين الصلاتين، فعلمنا بهذا أن ~~الاستحاضة ليس بحدث، ولا تجب طهارة مستأنفة. # فإن قيل: إنما جوزنا هذا لأجل أن النفل أخف، كما جوزنا وأنتم أن يجمع ~~بينهما بتيمم واحد، ولم يجوز ذلك في صلاتي فرض. # قيل: أمر النافلة وإن كان أسهل من الفريضة فقد اتفقنا على أنه لا يجوز أن ~~يصلي صلاة نافلة ms126 بوضوء، ثم يطرأ عليه حدث معتاد قبل PageV01P431 # دخوله في الثانية فيدخل فيها حتى يزيله، وقد جوزتم أن تدخل في الثانية ~~وقد طرا عليها الدم قبل دخولها فيها، فعلمنا أنه ليس بحدث، وأما المتيمم ~~فقد دخل فيها ببدل من الوضوء وهو التيمم، ولم تدخل المستحاضة بأصل ولا بدل. # فإن قيل: فقد قال الله -تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، ~~فأوجب على كل قائم إلى الصلاة غسل هذا الأعضاء، وهذا عموم في كل صلاة. # قيل: عن هذا أجوبة: # أحدها: أن قوله: {فاغسلوا}، يقتضى فعل مرة لكل الصلوات؛ الألف واللام في ~~{الصلاة}، للنجس، فإذا تطهر عند PageV01P432 # القيام إلى الصلاة فقد غسل اعضاءه لكل الصلوات، ولم يقل: اغسلوا لكل صلاة ~~وأيضا فإن المراد بالآية أحد أمرين: إما أن يكون أراد إذا قمتم من النوم ~~على ما قيل في التفسير، أو أنتم محدثون على ما قيل فيه أيضا، وهذا لم يقم ~~من النوم، ولا هو - عندنا - محدث. # وأيضا فإنه - تعالى - قال في سياق الآية ما يدل على ما نقول: وذلك أنه - ~~تعالى - قال: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، فكنير بالغائط عما ينوب الناس ~~في صحتهم من الحدث الذي اعتادوه، لا عن دم أو حصى أو دود، لأن هذه الأشياء ~~تكون من البول تجب عن غلبة، وليس لها موضع يقصد فلا تدخل تحت الكناية ~~بالغائط. # فإن قيل: فقد روى في حديث صفون بن عسال المرادي PageV01P433 # أنه عليه السلام قال في نزع الخف: «لكن من غائط وبول ونوم»، ولم يفرق بين ~~بول معتاد وبين سلس البول، وأمر بالمسح على الخف من البول عموما. # قيل: هذا أيضا إشارة إلى ما يعتاد الناس من الغائط والبول والنوم؛ لأنه ~~قرن البول بغيره من المعتاد، والكلام أيضا يخرج على الإطلاق، ومن جرت عادته ~~بالبول إذا بال قيل فيه قد بال: وإذا سلس بوله قيل: قد سلس بوله، والنبي ~~عليه السلام لم يقل: لكن من سلس البول، ثم لو ثبت العموم لقضى عليه بعض ما ~~ذكرناه. # فإن قيل: فإنه خارج ms127 من مخرج معتاد للحدث فوجب أن ينقض الوضوء أصله الخارج ~~المعتاد. PageV01P434 # قيل: هو ينقض بالمستحاضة كلما طرأ عليها في الصلاة. # فإن قيل: طهارتها تنتقض، ولكن عفي لها عن الطهارة في الصلاة. # قيل: وكذلك نقول نحن فيها قبل الصلاة، للمعنى الذي تقدم على أن المعنى في ~~الأصل كونه حدثا معتادا خرج من مخرج معتاد. # فإن قيل: فإن حديث فاطمة بنت قيس إنما سألته لاعن حكم الاغتسال، فقال: ~~«إنه دم عرق»، في أنه لا يوجب الغسل. # قيل: ولا الوضوء أيضا؛ لأنه قال لها: هو دم عرق فأحالها على دم العروق ~~الذي يعلم أنه لا ينقض الوضوء، لولا هذا لكان يبين لها، ويقول: هو بخلاف دم ~~العروق؛ لأنه يوجب الوضوء وإن لم يوجب الغسل، فلما شبهه لها بدم العرق الذي ~~لا غسل فيه ولا وضوء علمنا أنه لم يرد الغسل والوضوء جميعا. # فإن قيل: فقد روي أنه قال لها في بعض الأخبار: «وتوضئي لكل صلاة». PageV01P435 # قيل: هذا ليس بصحيح، فإن صح حملناه على طريق الاستحباب بالدلائل التي ~~ذكرناها أو نحمله على الوجوب إذا كان مثل المرة بعد المرة، إذا ندرت وبينها ~~وبين الحيض زمان لا يحكم له بالحيض، فإن PageV01P436 # هذا قد يكون عادة في النساء، ولا يكون مرضا فتتوضأ واجبا، فأما إذا كان ~~يجيئها مثلا ساعة وينقطع ساعة فهو مرض لا يجب عليها فيه الوضوء بل يستحب. # وهذا الذي خرجته يدل عليه قول مالك - رحمه الله -؛ لأن ابن القاسم حكى ~~عنه فقال: ومن اعتراه المذي المرة بعد المرة فليتوضأ إلا أن يستنكحه ذلك ~~فإن الوضوء فيه مستحب. # وهذا يدل من قوله على ما ذكرناه، فإن لم يحمل على هذا فالمسألة وفاق ~~بيننا وبين الشافعي؛ لأنهم يقولون بوجوب الوضوء في المرة بعد المرة، وإن ~~كان متصلا متتابعا لم يجب على ما حكيته فيما تقدم عن ابن المرزبان. # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة علي رضي الله عنه لما ~~قال PageV01P437 # للمقداد: سله لي عن المذي، فقال عليه السلام: «كل فحل ms128 مذاء، فاغسل ذكرك ~~وتوضأ»، ولم يفرق بين المذي لشهوة وعزبة، ولا بين غيرها فثبت بهذا وجوب ~~الوضوء. # قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن الوجه الذي سئل عنه، وهو الذي ~~يعتاد الإنسان، ألا ترى أنه قال: «كل فحل مذاء»، فخرج كلامه على عادة ~~الفحول. أفترى أنه أراد أن كل فحل يسلس مذية، ويخرج على وجه المرض؟ ولعل ~~هذا يكون في خلق عظيم، وهو قضية في عين يحتمل أيضا هاذ الذي ذكرناه فيحمل ~~عليه، ولو ثبت العموم فيه لجاز أن يحمل على وجه الاستحباب، أو على من ~~اعتراه المرة بما تقدام من الاعتبار. PageV01P438 # وأيضا فإن هذه الأشياء لو كانت حدثا لم يرتفع بالوضوء لها، لأنها تطرأ ~~فينقض، فكلما توضأ نقضته، وكذلك في الصلاة فلا معنى لطهارة لا ترفع الحدث، ~~وإن لم يكن حدثا على ما نقول فلا معنى لتكرير الطهارة على من هو متطهر، وقد ~~حصل الاتفاق على أن الطهارة بالماء إنما هي لرفع الحدث. # ويجوز أن نقيس دم الاستحاضة على دم الحجامة والفصاد بعلة أنه دم خارج من ~~البدن لا يجب فيه غسل البدن فلم يجب فيه الوضوء لخروجه عنه العادة. وهذا ~~الكلام إنما يلزم أبا حنيفة في قوله: يتوضأ لوقت كل صلاة. # فإن قيل: فقد اتفقنا على المذي المعتاد أنه ينقض الوضوء ويوجه، فكذلك هذا ~~بعلة أنه خارج من السبيل غير متصل. # قيل: علة الأصل أنه خارج على وجه الصحة والعادة، وليس كذلك الفرع. # على أنه يسقط بما بيناه من مفارقة دم الحيض لدم الاستحاضة، وهو خارج من ~~السبيل على والوجه الذي ذكرناه. # وعلى أنه معارض بالقياس الذي ذكرناه. PageV01P439 # فإن رجحوا قياسهم بأن رد ما خرج من السبيل إلى مثله أولى من رد ما خرج من ~~السبيل إلى غيره. # رجحنا قياسنا بان العلة فيه تطرد وتنعكس في أن كل ما خرج من السبيل على ~~وجه الصحة على حكمه، وما خرج على وجه المرض يتغير حكمه، كدم الاستحاضة ~~ويستوي الحكم فيه في الصالة وغير الصلاة. PageV01P440 ### | AUTO [22] مسألة # اختلفت ms129 الروايات عن مالك - رحمه الله - في مس الذكر. # فالعمل من الروايات على أنه إذا مسه لشهوة بباطن كفه أو ظاهره، من فوق ~~ثوب أو من تحته، وبسائر أعضائه انتقضت طهارته ووجب عليه الوضوء. PageV01P441 # قال القاضي أبو الحسن: قال لي الشيخ أبو بكر - رحمه الله - على هذا كان ~~يعمل شيوخنا كلهم. # ووافقه أحمد بن الحنبل على مسه بيده لشهوة بظاهر يده وباطنها، وهو قول ~~عطاء، والأوزاعي. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينقض الوضوء على أي وجه كان وبه قال PageV01P442 # داود، وبه سفيان الثوري. # وقال الشافعي: إذا مسه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوؤه على كل حال، ~~سواء مسه لشهوة أو غير شهوة. وهو أحد الروايات عن مالك -، وليس عليه العمل ~~-، وبه أن إسحاق، وأبو ثور، وهو مذهب الأوزاعي. # وأنا ابتدئ الكلام على أبي حنيفة، والدليل لنا: كون الصالة في ذمته فلا ~~تسقط إلا بدليل، ولسنا نسلم أن هذا مع مس ذكره ملتذا PageV01P443 # يكون مصليا بطهارته، وأيضا قول الله -تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}، فعلى كل قائم إلى كل صلاة غسل هذه الأعضاء إلا أن يقوم دليل. # فإن قيل: المراد بالآية: إذا قمتم من النوم أو أنتم محدثون، وهذا لم يقم ~~من النوم، ولا نسلم أنه محدث. # قيل: الظاهر يقتضي أن على كل قائم إلى الصلاة غسل ذلك، سواء كان من نوم ~~أو غير ذلك حتى يقوم دليل. # فإن قيل: هذا قد غسل الأعضاء عند قيامه إلى الصلاة، وأنتم تقولون: إذا مس ~~ذكره عند تكبيرة الإحرام أو في الصالة انتقض ما فعله من المأمور به، ~~والظاهر يفيد أن يفعل ذلك، وقد فعله، فمن قال: إن فعله قد فسد فعليه ~~الدلالي. # قيل: المراد أن يدخل في الصالة بيقين طهارة، والصلاة متعلقة في ذمته ~~بيقين، وهاذ لم يدخل الصاة بيقين طهارة، ولم يسقط عن ذمته بيقين. # وأيضا فما رواه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة ~~بن الزبير أنه قال: كنت PageV01P444 # عند ms130 مروان، فتذاكروا الأحداث، فحدثني مروان عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت ~~رؤسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إلا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». # وقد روى هاذ الخبر عروة عن بسرة ولم يروه عن مروان، فروى هشام بن عروة عن ~~أبيه عن بسرة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام PageV01P445 # الخبر، ووري أن قال: حدثني بهذا الحديث مروان فلم اثق به، فبعث بحرس ~~يإليها فحدثني، بمثل ما حدثني به مروان، ثم لقيتها فحدثتني بذلك. PageV01P446 # فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه روي عن رجل حرسي. # قيل: قد ذكرنا أن عروة لقيها فسألها بعد الحرسي. # على آن هذا الحرسي كان قاضيا ولكم يكن شرطيا. # وعلى أن الشرطي في ذلك الوقت لم يكن يلي الشرطة إلا وهو ممن يجوز أن يلي ~~الأحكام، ويروي الحديث ويقبل منه، ولو لم يكن ثقة لم يرض به غيره ومروان. # على أنه روى أن الواسطة كان حرسيا، وروي مطلقا بلا واسطة، ولا سيما حديث ~~مالك عن عبد الله بن آبي بكر عن PageV01P447 # عروة عن مروان. # وقد أثبت هذا الحديث يحيى القطان، وأيوب السختياني، وعبد الحميد بن جعر ~~الأنصاري، وعلي بن المبارك، PageV01P448 # وعبد العزيز بن أبي حازم، وانو علقمة الفروي، وعبد العزيز الدراوردي، ~~فقالوا كلهم: عن هشام عن عروة عن بسرة. PageV01P449 # ورواه الزهري عن عروة عن بسرة، قاله عقيل، والأوزاعي. PageV01P450 # وابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن بسرة. # فقد سقط الحرسي ومروان جميعا. # وقد روي من غير حديث عروة عن بسرة. # فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من مس PageV01P451 # الذكر، ويقول: سمعت بسرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «الوضوء من مس الذكر». # وقد روي من طرق كثيرة عن غير بسرة. # فروى عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P452 # قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس فرجه فليتوضأ». # فإن قيل: هذا حديث مرسل. PageV01P453 # قال يحيى بن معين: مكحول ms131 لم ير عنبسة. # قيل: فنحن وأنتم بالمراسيل. # وقد رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، PageV01P454 # وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ». # وأيضا فقد رواه عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عن أبيه عن سعيد بن أبي ~~سعيد عن آبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P455 # قال: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصلاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، ~~وهذا عام. PageV01P456 # وقد روى ابن أبي ذئب عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ~~ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فضى PageV01P457 # أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ». وزاد ابن نافع فقال: عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P458 # وقد روى مسلم بن خالد عن ابن جابر عن عبد الواحد بن قيس عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». PageV01P459 # وعن عائشة - رحمها الله - موقوف عليها: إذا مست المرأة فرجها توضأت. # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «ويل للذين يمسون فروجهم يوم القيامة ثم يصلون ولا يتوضؤون». ~~قالت: فقلت: يا رسول الله هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ PageV01P460 # قال: «إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ»، وقد روى ابن جريج PageV01P461 # عن يحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنا مس أحدكم ذكره فليتوضأ». # وقد روى الوضوء من مس الذكر أربعة عشر نفسا من بين رجل وامرأة، فروته ~~عائشة وأم حبيبة، و [أم] أروى، PageV01P462 # وبسرة، ومن الرجال مثل: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي هريرة وابن عمر ~~وجابر وغيرهم من الأنصار، وقد روى قيس بن طلق بن علي عن أبيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم توضأ فقيل له: أحدثت؟ قال: PageV01P463 # «لا، بل مسست ذكري»، فالدليل منه أنه عليه السلام ms132 توضأ من مس الذكر، ~~وفعله واجب. # فإن قيل: فقد نفى عليه السلام أن يكون حدثا بقوله: «ما أحدثت»، فهذه حجة عليكم. # قيل: إنما نفى الحدث المعتاد من الريح والبول وغير ذلك. # وقد اعترضوا على جملة هذه الأخبار بأشياء: # أحدها: أن قالوا: قد قال أحمد بن حنبل: الربعة أحاديث لا تصح عن النبي ~~عليه السلام منها: حديث مس الذكر والقهقهة. # وقال يحيى بن معين: لا يصح في الوضوء من مس الذكر حديث. PageV01P464 # قالوا: وأيضا فإن مذهبنا أن ما كانت البلوى به عامة لا تقبل فيه أخبار ~~الآحاد، والإنسان لا يخلو في كل يوم من مس ذكره مرارا، كما لا يخلو من ~~الغائط والبول، فلو كان الوضوء من مس الذكر واجبا لكان نقله مستفيضا، كما ~~هو الغائط والبول. # قالوا: ولو صح الحديث لكان معارضا بحديث طلق بن علي أنه سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمن مس ذكره وهو في الصلاة، فقال: «لا بأس، هل هو إلا ~~كبعض جسده»، وموضع الدليل منه: أنه قال: «لا بأس». PageV01P465 # والحدث في الصلاة لا يقال فيه: لا بأس، ولأنه علل فقال: لأنه كبعض جسده. PageV01P466 # وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: أنا أتوضأ فأمس ذكري؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو منك»، ~~قالوا: وفي بعض الأخبار: «لا وضوء عليك»، وإذا تعارضت الأخبار سقطت وكنا ~~على ما نحن عليه حتى يقوم دليل. # قالوا: ويجوز أن نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد، بدليل حدث ~~طلق، ولأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرقت أيديهم فيمسون ~~فروجهم، فأمروا بغسل أيديهم. # قالوا: وقد روى أن مس ذكره وأنثييه توضأ، وقد اتفقنا على PageV01P467 # أنه لا يجب في مس الانثيين وضوء، فعلم أن ذلك على طريق الاستحباب. # قالوا: وقد اتفقنا أنه لو مسه لغير شهوة لم يجب عليه وضوء فكذلك لشهوة، ~~بعلة أنه مس عضوا منه. # قالوا: ولأنه مس فرجه بجزء من بدنه فوجب أن لا ينتقض ms133 طهره، دليله إذا مسه ~~بغير شهوة. # والجواب: # أما ما ذكروه عن أحمد ويحيى في تضعيف الحديث فعنه جوابان: # أحدهما: أن من أثبته أكثر عددا من هذين وأثبت. # والثاني: أننا لا نرجع في ذلك إلى مذهبهم في تضعيفه؛ لن مذهبهم أن الحديث ~~إذا أرسله قوم ووصله آخرون أن القول قول من PageV01P468 # أرسل، والقول - عندنا - قول من اسند؛ لأنه زائد. # وعلى أننا نقول بل مرسل أيضا، وقد أسند هذا الحديث وأرسل، وكذلك الأخبار ~~التي رويناها، فيها مرسل ومسند. # وعلى أنه ينقلب عليهم في حديث القهقهة؛ لأن أصحاب الحديث قالوا فيه: إنه ~~لا يصح. # وما ذكروه من أخبار الآحاد، وأنها لا تقبل فيما يعم البلوى فغلط، ونحن ~~نخالفهم فيه؛ لأن الله - تعالى - أمر بقبول أخبار الآحاد، ولم يفرق بين ما ~~تقع به البلوى العامة وبين غيرها، ولامتنع أن تكون البلوى عامة، فيعلم ~~الحكم فيها العلماء من أخبار الآحاد، وترجع العامة في PageV01P469 # حكمها على العلماء، وإنما ذلك على ما يراه صاحب الشريعة من المصلحة، ~~فربما راى المصلحة في إلقاء الحكم على الخاصة فينقلونه على العامة فيعلم من ~~جهتهم، وربما أعلمه الأكثر. # وعلى أن النقل قد ورد في هذا مستيقضا؛ لأنه قد روي عن أربعة عشر من ~~الصحابة من بين رجل وامرأة، ويجوز أن يكون أمسك الباقون عن رواية ذلك ~~اكتفاء برواية بعضهم، ومثل هذا يلزمهم في الوتر، هو مما تعم البلوى؛ لأنه ~~في كل ليلة، وقد قبلوا فيه خبر الواحد وجعلوه واجبا بذلك وأكثر من رواه ~~الواحد والاثنان بأن النبي عليه الاسم قال: «إن الله زادكم صلاة، ألا وهي ~~الوتر». # وكذلك قالوا في تكبيرة الافتتاح: لو قال: الله أكبر، أجزأه، ولو قال: ~~الله العظيم، والله الجليل، أجزأه، وما نقل PageV01P470 # هذا أحد، وهو من البلوى العامة. # وكذلك قبلوا أخبارا لآحادهم، ونحن في الأذان والتشهد وغير ذلك مما تعم ~~البلوى به، وقبلوا في القهقهة، وقد قبل ابن عمر من رافع بن خديج خبر ~~المخابرة. # وقبل أبو بكر خبر محمد بن مسلمة والمغيرة، وهذا في المواريث، وفي ms134 غير ~~ذلك، وهذا كله كمما يعم البلوى به. PageV01P471 # وعلى أن هذا وإن كان من البلوى العامة فقد يجوز أن يذهب على قوم إلا أن ~~الله - تعالى - لا يتركهم حتى يعلمهم الواجب، إما بنقل كما يذكرون، أو ~~بالرجوع إلى العلماء إذا احتاجوا إليه وسألوا عنه، وهكذا التقاء الختانين ~~البلوى به عامة وقد ذهب على الأنصار ما استدركه غيرهم. # ثم لو قلنا: إن مس الذكر ليس من البلوى العامة في غير أوقات الوضوء لجاز؛ ~~لأنه من شأن الغالب من الناس مس ذلك في غير أوقات الوضوء والجماع، ولعله ~~يجري أقل من القهقهة في الصاة، وقد قبلوا فيه وفي القيء والرعاف وأنه ينقض ~~الوضوء خبر الواحد. # وأما حديث طلق بن علي فعنه أجوبة: # أحدها: أن له ثلاث طرق: PageV01P472 # محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قلت: يا رسول الله: إني أكون في ~~الصلاة فأمس ذكري بيدي، فقال: «إنما هو بضعة منك». # وقد رواه أيوب عن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه قال: جاء PageV01P473 # رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن مس الذكر، فقال: أيتوضأ ~~أحدنا إلا مس ذكره؟ فقال: «هل هو إلا بضعة منك». # ورواه عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحوه فمدار الحديث على هؤلاء الثلاثة محمد بن جابر وأيوب بن عتبة وعبد ~~الله بن بدر، ولكل واحد منهم علة. # سئل موسى بن هارون عن حديث طلق في مس الذكر فقال: إسناده ضعيف، محمد بن ~~جابر ضعيف، وأيوب بن عتبة ضعيف، وعبد PageV01P474 # الله بن بدر شيح لا يمكننا أن نحكم به. # ومن قال أهل الصنعة فيه هذا لم يكن حجة. # وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون الحديث منسوخا؛ لأن حديث قيس عن طلق ~~قال النبي عليه السلام حين قدم المدينة وهو يبني المسجد، وحديث أبي هريرة ~~متأخر؛ لأن أبا هريرة روى ما قلناه، وإنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أربع سنين. # ويشبه من طريق ms135 آخر أن يكون منسوخا؛ لأنه لو كان قوله: «من مس ذكره ~~فليتوضأ»، متقدما لم يكن لقوله لطلق: هل هو إلا بضعة منك؟»، ثم قال بعد ~~ذلك: عليك الوضوء، وهذا شابه. # وعلى أن الكلام في الأخبار في فصلين: # أحدهما: في تقديم أحدهما على الآخر. PageV01P475 # والثاني: في الاستعمال. # فأما الكلام في التقديم وترك الآخر فإذا لم يكن بد من ترك أحدهما فإننا ~~نقول: إن خبرهم يقتضي أنه لا يجب الوضوء منه، وخبرنا يقتضي وجوب الوضوء ~~منه، فإسقاط خبرهم بخبرنا أولى من وجهين: # أحدهما: أن خبرنا متأخر على ما ذكرناه عن أبي هريرة، وخبرهم متقدم، ~~والمتأخر ينسخ المتقدم. # والوجه الثاني: هو أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد الخبرين فترك ما هو أقل ~~رواة لما هو أكثر رواة أولى، وخبر طلق بن عليي لم يرد إلا من جهته، وخبرنا ~~رواه أربعة عشر نفسا من الرجال والنساء PageV01P476 # مثل أبي هريرة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وغيرهما ومن النساء مثل ~~عائشة وأم حبيبة و [أم] أروى وبسرة. # وأما الكلام في الاستعمال فيحمل خبرهم على أنه مسه لغير شهوة، ألا تراه ~~قال: «هل هو إلا بضعة منك؟»، ولا يكون كسائر بضاعه إلا على هذا الوجه، وإلا ~~فهو يخالف سائر بضاعه، ألا تراه أنه واستمنى منه لأمنى، وله في الإيلاج حكم ~~ليس لسائر البضاع. # والاستعمال الثاني: هو أن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس»؛ أي: ليس ~~بنجس، لأن بعض الناس كان يذهب إلى أنه نجس لأنه مسلك النجاسة. # الدليل على هذا: ما روي أن رجلا سأل سعد بن أبي وقاص فقال: إن كان منك ~~شيء نجسا فقاطعه؛ أي: ليس منك شيء نجس. PageV01P477 # فإن قالوا: نحن أيضا نستعمل فنقول: قول عليه السلام: «فليتوضأ»، استحباب. # قيل: أنتم لا تستحبونه. # على أنا نحن نرجح فنقول: خبرنا يثبت الإيجاب، وخبركم ينفيه، والمثبت أولى ~~من النافي، وعند أبي حنيفة أن النافي يسقط من المثبت. # وأيضا فإنه ناقل عن العادة؛ لأنهم ما كانوا في الأصل يتوضؤون منه، ولأنه ~~يحتاط، ولأن ms136 رواته أكثر. # ويشهد أيضا لاستعمالنا: ما رواه قيس بن طلق عن أبيه عن النبي عليه السلام ~~أنه توضأ وقال: «مسست ذكري». # وما ذكروه من أنه عليه السلام قال: «من توضأ ومس ذكره وأنثيه توضأ». ~~فإننا نقول: لولا قيام الدليل في الأنثيين لأوجبنا في مسهما الوضوء، وليس ~~إذا خص بعض الخبر بدليل يجب أن يخص باقيه بغير دليل. PageV01P478 # وأما القياس الذي ذكروه فعنه جوابان: # أحدهما: أنه لم يجب الوضوء في الأصل لعدم الشهوة. # والثاني: أن بإزائه قياسا هو أولى منه، فنقول: إن مس الذكر سبب يفضي إلى ~~نقض الطهر بمسه، أصله التقاء الختانين، لأنه إذا مس ذكره لشهوة أمذى، وإذا ~~أولجه على هذا الوجه أمذى وأمنى. # وأيضا فإنه مسلك للمني فجاز أن يتعلق بعض الطهر به كالنوم، لأن بمسه قد ~~يخرج منه ما ينقض الطهر، وبالنوم يوجد ما ينقض الطهر. # ونرجح قياسنا بأنه يؤدي إلى استعمال الأخبار كلها، ويستمر فيها على ~~عمومها، فيكون الخبر الذي فيه الوضوء في كل موضع إذا كان لشهوة، وإذ لقي ~~الفرج على كل حال، وفي استعمالنا هذا نقل من براءة الذمة إلى وجوب الوضوء، ~~وفيه احتياط للصلاة، وإسقاط حكمها بيقين. # فإن قيل: لو كان خبركم ثابتا لم يجز أن يذهب على عمر PageV01P479 # وعلي، وابن مسعود، وسعد، وحذيفة، PageV01P480 # وعمار، وعمران بن حصين وابن عباس. # قيل: قد ثبت ما قلناه ببضعة عشر من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن قطعة منهم أن الوضوء واجب، فأقل الأحوال أن يستعمل ما روي PageV01P481 # عنهم كما استعملنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون قول من نفى ~~الوضوء إذا كان لغيرة، ومن أثبت الوضوء إذا كان لشهوة. # على أننا نروي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا مس الرجل ذكره فليتوضأ. # وعن حماد بن سلمة عن قتادة أن ابن عمر وابن عباس كانا PageV01P482 # يتوضآن من مس الذكر. # والذي رووه هم عن ابن عباس إنما هو عن إبراهيم المزني عن صالح - مولى ~~التوأمة - عن ابن PageV01P483 # عباس، وهذا مما لا ms137 ينبغي أن يعتمد عليه، فكيف وقد رويناه عن ابن عباس خلافه؟ # وما حكوه عن سعد فقد روي عن سعد بإسناد أجود من إسنادهم خلافه؛ لأن الذي ~~رووه عن سعد رواه يحيى بن المهلب، عن ابن أبي خالد PageV01P484 # عن قيس عن سعد. # وقد روي مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن مصعب بن سعد قال: كنت أمسك ~~المصحف على أبي - سعد بن أبي وقاص - فاحتككت فقال لي: لعلك مسست ذكرك؟ ~~فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ. فقمت فتوضأت ورجعت. PageV01P485 # فأما الأحاديث عن علي وابن مسعود فكلها ضعاف لا حجة فيها ولو صحت لكنا قد ~~استعملناها على ما ذكرناه. # وقولهم: يجوز أن يكون أراد بالوضوء غسل اليد فإننا نقول: إن الوضوء إذا ~~أطلق في الشرع فهو محمول على الوضوء المعروف الذي هو غسل الأعضاء حتى يقوم دليل. # واستعمالنا أيضا له على الوضوء الشرعي أولى؛ لما ذكرناه من الترجيحات، ~~فنحمله عليه إذا كان لشهوة، ونحمل غسل اليد إذا كان لغير شهوة. # وعلى أنه قد روى عنه صلى الله عليه وسلم: «فليتوضأ وضوءه للصلاة». # وأيضا فإن الناس في المسألة على قولين: فطائفة توجب الوضوء في الأعضاء ~~كلها، وطائفة لا توجبه ولا توجب غسل اليد. # وعلى إنهم أن أسلموا إيجاب غسل اليد سلمت المسألة، وبالله التوفيق. PageV01P486 ### || AUTO فصل # في الكلام على الشافعي إذا مس ذكره لغير شهوة نقض الوضوء. وعندنا لا ينقض. # الدليل لقولنا: هو أن مذهبنا ومذهبه استعمال الأخبار إذا تعارضت وأمكن ~~استعمالها، وقد وردت الأخبار على ما تقدم من وضوء في مسه عموما، وورد الخبر ~~في حديث طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي الوضوء من مسه ~~عموما، فنستعمل خبر الوضوء إذا مسه لشهوة، ونفي الوضوء إذا مسه لغير شهوة. # فإن قيل: نحن نستعمل أيضا فنجعل الوضوء فيه إذا مسه بباطن كفه من غير ~~حائل، ونف بالوضوء إذا مسه بظاهر كفه أو من فوق حائل. # قيل: بقي الترجيح لأحد الاستعمالين، فاستعمالنا أولى من وجوه: # أحدهما: أنه يستمر، فنوجب الوضوء ms138 إذا كان لشهوة، بظاهر اليد وباطنها، ومن ~~فوق الثوب وتحته، وفي ذوات المحارم، والكبار والصغار، وننفي الوضوء في جميع ~~هذه المواضع إذا كان المس لغير شهوة، فرجع استعمالنا؛ لأنه يطابق ألفاظ ~~الأخبار التي هي عموم في إثبات الوضوء ونفيه. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه في حديث طلق بن علي بسائر PageV01P487 # البضاع، ولا يكون كهي إلا في عدم الشهوة، ولا فرق في عدم الشهوة بين باطن ~~اليد وظاهرها، كما لا فرق بين ظاهر اليد وباطنها في مس سائر الأعضاء. # وأيضا فإننا رأينا هذا العضو يلتذ بمسه كما يلتذ بمس النساء، ألا ترى أنه ~~لو استمنى منه لأمنى كما يمني بمماسة النساء، وليس سائر الأعضاء كذلك، ~~فعلمنا اختصاصه من بين سائر الأعضاء بهاذ المعنى، فينبغي أن تكون المراعاة ~~في مسه للذة، وفي عدمها تكون كسائر الأعضاء؛ لنهم خصوا باللمس هذا العضو من ~~بين سائر الأعضاء، فعلم أن المعول على اللذة. # فإن قيل: إننا لا نسلم التعارض في الأخبار في الأخبار، بل نقول: حديثنا ~~في الوضوء من مسه أصح من حديث طلق، ونجعل حديث طلق منسوخا، فلا يجب علينا ~~الاستعمال. # قيل: ليس يسلم لكم حديث الوضوء من المعترضة؛ لأن أهل العراق يحتجون - ~~علينا وعليكم - في صحة حديثهم وفي النسخ. بمثل ما نقول لهم، ولسنا نقطع ~~بصحة ما نقول دون ما يقولون، وإنما هو استدلال وترجيحات، يسوغ فيها ~~الاجتهاد، فلا بد أن نسلم ونستعمل، فإن امتنعنا من ذلك امتنعوا هم أيضا، ~~فأدى هذا إلى إسقاط الخربين إذا كان كل واحد منا يقطع على صحة مذهبه. # فإن قيل: استعمالنا أولى؛ لأن الأصول تشهد لنا، وذلك أننا رأينا الناقض ~~للطهارة الموجب علينا طهارة مستأنفة فقد استوى فعله لشهوة وغير شهوة. ألا ~~ترى أنه لو أولج ملتذا أو غير ملتذ لانتقض وضوءه، ووجب عليه في الموضوعين ~~جميعا الغسل، فكذلك يجب أن PageV01P488 # يستوي في مس الذكر حكم الشهوة وغير الشهوة، وكذلك سائر الأحداث من الغائط ~~والبول والريح لم يفترق الحكم فيها بين الالتذاذ وغيره. # قيل: ms139 هذا لا يلزم؛ لأنه ليس يبلغ أحد في الغالب إلى الإيلاج إلا وقد اخذ ~~غاية من الالتذاذ، إلا رجل به آفة، وإلا فهو في غاية من الالتذاذ، بمنزلة ~~من انزل سواء أنزل في الفرج أو في غيره، ألا ترى أنه يوجب الغسل كما يوجبه ~~الإنزال. # ثم مع هذا فقد تعلق عليه من الأحكام في الإيلاج ما لا يتعلق عليه في مس ~~ذكره، من وجوب الغسل والحد وتحصل به الحصانة وتكملة المهر وغير ذلك من ~~الأحكام، فقد حصل للفرج من الاختصاص في الإيلاج ما ليس لمس الذكر، فلما كان ~~الإيلاج ينقض الطهارة، ويوجب الطهارة العليا لم يفترق الحكم فيه، ولما كان ~~مس الذكر - عندكم - يوجب الطهر الدنيا افترق الحكم فيه بين اللذة وغيرها، ~~وكان أولى من فرقكم بين باطن اليد وظاهرها مع وجود اللذة وعدمها. # فأما الغائط والبول والريح فإن ذلك كله أحداث في نفسها، ومس الذكر سبب ~~للحدث وفي حكمه، وما حكم الشيء وهو سبب له ليس هو نفس الشيء، ألا ترى أنكم ~~قد فرقتم بين مسه بباطن اليد وبين مسه بظاهرها، ولم تفرقوا بين الأحداث ~~أنفسها على أي وجه حصلت، فصار المس كالنوم الذي ليس بحدث في نفسه، ولكنه في PageV01P489 # حكم الحدث، وقد افترق حكم النوم في مواضع، كما افترق حكم المس في موضع، ~~فهو أشبه به. # فإن قيل: إن ظاهر مذهبكم يدل على أنه إن مسه بظاهر كفه أو بذراعه أو فخذه ~~أنه لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك لشهوة أو غيرها. # قيل: قد اختلفت الرواية في مسه أصلا، وقد ذكر ما قلتم، إلا أن المعول على ~~ما بيناه، وما حكي محمول على أن مالكا تكلم على الغالب من أمر الناس، أنهم ~~يقصدون إلى مسه بباطن أيديهم، فأما إذا فصدوا الالتذاذ أو حصل بمسه فلا فرق ~~بين مسه بسائر الأعضاء وبين اليد، كما توافقنا في مس الرجل النساء بباطن ~~يده وبظاهرها وبسائر أعضائه؛ لأن المراد أن تقع ممارسة تحصل معها اللذة، ~~وقد يخرج الكلام على الغالب ويكون النادر ms140 في حكمه إذا حصل المعنى المقصود، ~~كقول الله - تعالى -: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم}، خرج الكلام ~~على الغالب من الربيبة تكون في حجر زوج أمها، وإذا لم تكن عنده، وفي حجره ~~فهي كذلك، فإذا كان المعنى المقصود هو حصول اللذة بالممارسة، فبأي عضو حصلت ~~المماسة مع الشهوة حصل الحكم، وهذا كالطلاق الذي يوجب التحريم، فبأي لفظ ~~حصل وقصد به PageV01P490 # التحريم حصل الحكم - عندنا -. # فإن أوردوا القياس عليه إذا مسه لشهوة، أو أردنا القياس عليه إذا مسه ~~بظاهر اليد أو على مسه عضوا غير الذكر، بعلة أنه مس عضوا من بدنه لم يلتذ ~~بمسه لذة الجماع. # فإن تكلموا على حديث طلق وقالوا: قوله عليه السلام: «هل هو إلا بضعة ~~منك؟»، أفادنا أنه ليس بنجس، وانه لا حرج في مسه، ولا يمنع ذلك من إيجاب ~~الوضوء ومن مسه، كما لا يمنع من إيجاب الغسل في إيلاجه في الفرج، وهو بضعة منه. # قيل: إنما سئل عليه السلام عن الوضوء في مسه فقال: «لا وضوء»، وشبهه ~~بسائر الأعضاء التي لا وضوء في مسها، ولم يسأل هل عليه حرج في مسه أم لا؟ ~~فلا ينبي أن يسقط ما سئل عنه، وخرج الجواب عليه، ويعدل إلى ما لم يذكر في ~~الخبر، ولا خرج الجواب عليه؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز الآخران يقول: إنما سئل ~~هل عليه في إيلاجه غسل أو وضوء؟ فقال: «هل عليه إلا بضعة منك»؛ أي كما لو ~~أولجت بضعة منك غير الذكر لما كان عليك وضوء ولا غسل فيجيء من هذا قول من ~~قال: الماء من الماء، دون الإيلاج المفرد، وإذا كان جوابنا وجوابكم أن هذا ~~لم يسأل عنه في الخبر ولا خرج الجواب عليه فكذلك نقول لكم: إن الذي أولتموه ~~وحملتموه عليه لم يسأل عنه في الخبر، ولا خرج الجواب عليه، فسقط هذا ~~السؤال. # ثم لو احتمل ما ذكرتموه لكان أقل الأحوال أن يكون الجواب خرج على ~~الأمرين، حتى لا يسقط الصريح من السؤال، ويقتصر على PageV01P491 # المحتمل دونه، فنحمله على صريح ms141 السؤال والمحتمل جميعا. # فإن قيل: فإننا قد روينا خبرا يدل على أن المس بباطن اليد من غير حائل ~~يوجب الوضوء، وهو قوله عليه السلام: «إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في ~~الصاة وليس بينهما ستر فليتوضأ»، وفي هذا الخبر أدلة توجب مخالفة مذهبكم. # منها: أن الإفضاء قصر على اليد دون غيرها من الأعضاء. # ومنها: أن حقيقة الإفضاء باليد إنما هو بباطنها. # ومنها: أنه قال: «ليس بينهما ستر». # ومنها: أنه ذكر الفرج، وهو اسم للذكر والدبر جميعا. # فنصه على اليد وباطنها يدل على أن ظاهر اليد، وغي اليد من الأعضاء بخلاف ~~ذلك؛ لأنكم توافقوننا على القول بدليل الخطاب. # ونصه على الفرج يشتمل على الذكر والدبر. # ونصه بقوله: «وليس بينهما ستر»، يدل على أنه إذا كان هناك ستر بخلافه. # فالجواب أن نقول: إن صح الحديث فإن الإفضاء حقيقته مماسة البشرة البشرة ~~بدليل قوله - تعالى -: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}. PageV01P492 # وأما تخصيصه اليد فإن الكلام خرج على الأغلب من أحوال الناس أنهم إذا ~~عبثوا بالفرج فإنما يكون ذلك باليد، ولا يدل على أن النادر ليس في حكمه على ~~ما بيناه قبل هذا الفصل. # وأما الفرج فحقيقته تقع على المقدم؛ لن فرج المرأة هو مقدمها. # وعلى أنه لو وقع على المقدم والمؤخر لكان إضافته بلفظ الواحد إلى الإنسان ~~يدل على فرج واحد؛ لأنه لو أراد الفرجين لقال: إذا أفضى إلى فرجيه أو إلى ~~فرجيه فلما قال: «إلى فرجه»، بلفظ الواحد، - وقد أجمعوا على أن القبل يراد ~~به الفرج - دل على أنه هو المقصود دون غيره. # فإن قيل: قولنا: فرج، نكرة يتناول هذا وهذا فلا يمتنع أن يراد به ~~الاثنان. # قيل: هذا غلط من وجهين: # أحدهما: أن النكرة في الإثبات لا تكون على الجنس وإنما تكون في النفي، ~~وليس في قوله: «إذا أفضى بيده على فرجه». نفي. # والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ~~ألا ترى ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين والرجلين ms142 والعينين والأذنين ~~لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: ~~عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان ~~إلا فرجان لا ثالث PageV01P493 # لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: «إذا أفضى إلى فرجه». # وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجا واحدا، والقبل متفق عليه دون ~~الدبر. PageV01P494 ### || AUTO فصل # قد ذكرت أن أحمد بن حنبل وعطاء والأوزاعي يوافقوننا في مسه لشهوة بظاهر ~~اليد وباطنها غير أن أحمد يقول: لا يتعدى اليد إلى غيرها، والأوزاعي يقول: ~~إن مسه بسائر أعضاء الطهارة نقض الوضوء، وأما غيرها من الأعضاء فلا. # فإن صح ها عنهم قلنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مس أحدكم ذكره ~~فليتوضأ»، وقال: «الوضوء من مس الذكر»، والمس يقع بسائر الأعضاء، لا فرق ~~بين اليد وغيرها، فلا فرق بين أعضاء الطهارى وغيرها. # ومن طريق المعنى: فإن اللذة تحصل بسائر المماسة من الأعضاء كلها، كما ~~تحصل باليد وبأعضاء الطهارة، فإن جاز لإنسان أن يتعدى باطن اليد على ~~ظاهرها، ويتعدى اليد على غيرها من أعضاء الطهارة، جاز لنا أن نتعدى ذلك إلى ~~سائر الأعضاء؛ بعلة أن حصل ما ذكرناه بعضو من بدنه ملتذا بذلك لذة الجماع ~~أو لشهوة الجماع. PageV01P495 ### || AUTO فصل # عند داود إذا مس ذكر نفسه توضأ، ولا شيء عليه في مس ذكر غيره. # والدليل لقولنا: قوله رضي الله عنه: «في مس الذكر الوضوء»، وهذا عام في ~~كل ذكر. # فإن قيل: قوله في الخبر الآخر: «من مس ذكره فليتوضأ». PageV01P497 # دليله إذا مس ذكر غيره فبخلافه، وهذا الدليل يقضي على عموم خبركم في ~~الذكر؛ لأنه أخص منه. # قيل: الذي نعرف من مذهبكم: إن الخبرين إذا تعارضا لم تقضوا بالخاص على ~~العام وإن أمكن استعمالها، بل يسقطان جميعا. # فإن أردتم القضاء بالدليل على العام، قلنا: القياس عليه إذا مس ذكر نفسه؛ ~~بعلة أنه مس ذكر آدمي ملتذا به، أو بعلة أنه مس ذكرا لو والج في فرج لوجب ~~فيه الغسل على وجه ملتذا بمسه. ms143 # وأيضا فإنه إذا مس فرج غيره فقد هتك حرمة الغير، وإذا منس ذكر نفسه لم ~~يهتك الحرمة، فلما نقض الوضوء إذا لم يهتك الحرمة كان بأن ينقض الحرمة ~~أولى. PageV01P498 ### || AUTO فصل # - عندنا - ألا وضوء في مس الدبر، وكذلك عند داود. # وقال الشافعي: فيه الوضوء كمس الذكر. # والدليل لقولنا: الظواهر من براءة الذمة من وجوب شيء. # وقوله - تعالى -: {قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، وهذا قد فعل المأمور ~~به، فمن قال: إن مسه دبره ينقض ما فعله فعليه الدليل. # وأيضا فقد كان طاهرا قبل مسه، فمن قال: انتقضت طهارته فعليه الدليل. # وأيضا: إلا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه عليه الاسم: «فله ما نواه» , PageV01P499 # وأيضا قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا صلى وقرأ ~~بفاتحة الكتاب فقد حصلت له الصلاة بظاهر الخبر. # فإن قيل: فق قال: «لا صلاة إلا بطهور». # قيل: قد تطهر فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل. # فإن قيل: الآية حجة لنا؛ لأن ظاهرها يوجب على كل قائم إلى الصاة أن يغسل ~~أعضاءه. # قيل: ظاهر الآية يقتضي فعل مرة للصلوات كلها؛ لأن الألف واللام في الصلاة ~~للجنس، فإذا غسل أعضاءه لصلوات كثيرة فصلى صلاة، ثم مس دبره فقد أجزأه ~~الغسل الأول للصلوات الباقية. # على أن المراد بالآية أحد أمرين: أمما إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو ~~أنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث. # وأيضا قول النبي عليه السلام: «من مس ذكره فليتوضأ»، وفي خبر: «ومن مس ~~الذكر الوضوء»، فدليله أن غير الذكر لا وضوء فيه؛ لقولنا بدليل الخطاب. # فإن قيل: ليس للاسم دليل يحكم له بخلافه، وإنما يكون في الصفات. # قيل: عن هذا جوابان: PageV01P500 # أحدهما: أننا نقول بدليل الخطاب في الاسم كما نقوله في الصفة. # والثاني: أن الحكم علق على صفة في الاسم وهو المس، فدليله بخلافه. # فإن روي فقد روي: «من مس فرجه فليتوضأ»، وهذا عام في القبل والدبر؛ لأنه فرج. # قيل: اسم الفرج إذا أطلق يتناول القبل كما إذا ms144 أطلق في المرأة تناول ~~قبلها، فلو صح لهما جميعا لكان لكل من الأسماء المشتركة، كقولنا: عين ~~ولسان، وكالشفق والقرء، فلا يعقل من ظاهره المراد إلا بدليل. # وأيضا فلو أرادهما لقال: من مس فرجيه أو مس فرجيه، فلما قال: من مس فرجه ~~بلفظ الواحد، وقد اجمعنا على أن القبل مراد بهذا الخبر، وقفنا في الدبر حتى ~~يقوم الدليل. # فإن قيل: فقد روي: «من مس الفرج»، بالألف واللام التي للجنس. # قيل: الأمر الواحد، فإن كانتا للعهد فهو اسم مشترك كاللون والقرء والشفق ~~فإذا أجمعنا أن الذكر مراد بهذا الخبر وقفنا فيما عداه. PageV01P501 # على أن هذا لو كان من ألفاظ العموم لكان دليل الخطاب من قوله: «من مس ~~ذكره فليتوضأ»، يقضي عليه؛ لأنه اخص منه، فيصير تقديره: من مس فرجه الذي هو ~~قبله فليتوضأ؛ لن دليل الخطاب يقضي على الظاهر. # فإن قيل: القياس يقضي على دليل الخطاب، وقد اتفقنا على مس الذكر على وجه؛ ~~بعلة أنه مس فرجا ذا حرمة، أو مس عضوا مخرجا للحدث، أو أنه موضع خروج ~~الخارج منه ينقض منه الطهر، فوجب أن يكون مسه ينقض الطهر. # قيل: هو منتقض به إذا مسه بظاهر كفه، وينتقض بالمرأة تمس فرج المرأة، لأن ~~المرأة لو مست ذكر الرجل انتقض وضوؤها، ولو مست فرج امرأة لم ينتقض. # ثم لم سلم لكان معارضا بقياس آخر، وهو إذا مس ظاهر أليتيه، أو مسه بظاهر ~~كفه؛ بعلة أنه مس دبره أو مس عضوا من بدنه لغير شهوة. PageV01P502 # ويستند قياسنا إلى تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الذكر: «هل ~~هو إلا بضعة منك؟ ولا وضوء عليك»، وهذا تقدير منه عليه السلام أنه لا وضوء ~~في غير الذكر، ولا يكون التقدير في مثل هذا إلا فيما عند المقدر والمقدر له ~~أنهما بمنزلة واحدة، وهذا كقوله عليه السلام: «أينقض الرطب إذا يبس؟»، فقيل ~~له: نعم. فقدرهم على ما يعلمه ويعلمونه من نقصانه إذا يبس، وهذا يصلح أن ~~يكون دليلا مبتدأ في أصل المسالة. # وإذا قسناه أيضا على ms145 مسه دبره بظاهر يده أو من فوق حائل كان أولى من ~~قياسهم؛ لأن رد الدبر إلى الدبر أولى من رده إلى القبل. # فإن قيل: لا نسلم أنه يكون ماسا بظاهر كفه، ولا من وراء حائل. # قيل: هذا غلط، ليس المس بظاهر اليد بأدنى من مس الرجل، PageV01P503 # وهو لمس المرأة برجله أو بساعده انتقض وضوؤه، فظاهر اليد أولى لأن يكون ~~به ماسا. # وأما من وراء الحائل الرقيق فلا يخرج لا أن يكون ماسا وإن لم يكن مباشرا ~~وليس في مس دبره حال يتلذذ به؛ لأن المذي والمني لا يخرجان منه ولا بمسه ~~أيضا، ألا ترى أن كل جزء من المرأة لما كان يلتذ به إذا مس، ويخرج بمسه ~~المذي، ويجوز أن يخرج به المني، كان مسها بجميع الأعضاء على طريقة واحدة، ~~فلا يخرج ظاهر الكف إذا وقعا للمس به عن سائر الأعضاء، والله أعلم. # ويكون الفرق بين مسه وبين مسه ذكره هو أن مسه ذكره يلتذ به كما يلتذ بمسه ~~النساء. ألا ترى أنه قد يستديم مسه للذة فيخرج منه المني، كما لو استدام مس ~~المرأة للذة جاز أن يخرج منه المني، فينبغي أن تستوي الحالتان فيهما في نقض ~~الوضوء، وفي المس بأي عضو كان من أعضائه، وبالله التوفيق. PageV01P504 ### | AUTO [23] مسألة # اختلف الناس في مس الرجل المرأة على خمسة مذاهب: # فذهب مالك، والشعبي، والنخعي، وسفيان الثوري، إلى أنه إن قبلها أو مسها ~~لشهوة انتقض وضوؤه، وإن كان لغير شهوة لم ينتقض، وعندي أنه مذهب أحمد على ~~ما يقوله في م الذكر. # وذهب أبو حنيفة وانو يوسف: على أنه لا ينتقض الوضوء بالمس إلا أن ينتشر ~~عليه بالمس فينتقض الوضوء بالمس والانتشار جميعا. PageV01P505 # قال الشافعي: ينتقض وضوؤه بكل حال، وبمسها بكل عضو من أعضائه إذا كان ~~بغير حائل، وحكي إنه مذهب زيد بن أسلم، والأوزاعي. # وحكي عن الحسن البصري، ومحمد بن الحسن - صاحب PageV01P506 # أبي حنيفة - أنه لا ينتقض وضوؤه وإن انتشر عليه. # وحكي عن عطاء أنه قال: إن مس امرأة أجنبية لا ms146 تحل له انتقض وضوؤه، وإن ~~كانت تحل له مثل زوجته وأنته لم ينتقض وضوؤه. # وأنا أبدأ الكلام على أبي حنيفة فنقول: # الدليل لقولنا: كون الصاة في ذمته بيقين؛ فلا تسقط إلا بدليل أو بطهرة ~~متيقنة؛ لقوله عز وجل: {فاغسلوا وجوهكم}، إلى قوله: {أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا}، فجعل -تعالى - ظاهر الملامسة حدثا؛ لأنه أمر بالوضوء ~~منها إذا وجد الماء والتيمم إذا لم يجد الماء. # ومنها أنه قرن اللمس بمجيئه من الغائط، الذي يكون فيه الحدث الأدنى، ~~والظاهر منه اللمس باليد، وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين؛ بدللي ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الملامسة في بيع الثوب باللمس، وقد ~~قال - تعالى -: {فلمسوه PageV01P507 # بأيديهم}، وقال: {وأنا لمسنا السماء}. # وقال الشاعر: # وألمست كفي طلب الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # فبان بهذا أن حقيقة اللمس والملامسة هو التقاء البشرتين، وهو اسم يجمع ~~أنواعا كلها ملامسة، ويختص باسم قبله، والمس باليد من الملامسة، وتخصص ~~باسم، واللمس بالرجل وكذلك اللمس بالفرج ويتخصص باسم الوطي والدوس، والجس ~~أيضا وكذلك اللمس بالفرج من الملامسة، ويتخصص باسم الوطء والجماع، فإذا ~~أطلق اللمس تناول الجميع، وقد يقع اللمس والمس على كل جزء من البدن، فإن مس ~~الرأس كان ماسا، وإن مس الفم كان ماسا، وإن مس الفرج كان ماسا وكذلك إن مس ~~الدبر فليس اختصاص المس بكل موضع من المرأة بمخرج له أن يكون جميعه مسا ~~ولمسا إذا أطلق. # فإن قيل: لا دليل لكم في هذا؛ لأنكم حملتم الملامسة على المس باليد وعلى ~~الجماع جميعا، وهذا إحداث قول ثالث؛ لن الصحابة اختلفت على قولين لا ثالث ~~لهما، فقال علي وابن عباس وأبو موسى: PageV01P508 # المراد بالملامسة: الجماع. PageV01P509 # وقال عمر وعمار: المراد به اللمس باليد، ولم يقل أحد منهم: إن المراد به ~~المس والجماع جميعا، فثبت إجماعهم على القولين فلا يقبل قول ثالث. # قالوا: والدليل على أن عمر وعمارا كانا يذهبان إلى أن المراد بالملامسة ~~المس باليد لا الجماع: هو أن عمر - رحمه ms147 الله - ذهب إلى أن الجنب لا يتيمم، ~~والاية تقتضي إباحة التيمم من الجنابة، فلو كان المراد عند عمر بالملامسة ~~الجماع لم يذهب إلى أن الجنب لا يتيمم؛ لن الآية تقتضيه. # وأما عمار فإنه استدل على عمر حيث سمعه يقول: لا يتيمم الجنب بالخبر لا ~~بالآية، فلو كانت الملامسة عند عمار المراد بها الجماع لاستدل على عمر بها ~~لا بالخبر، فلما قال لعمر: أما سمعت أني أجنبت فتمعكت في الصعيد، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: PageV01P510 # «تكفيك ضربة للوجه واليدين». # وقد روي: «ضربة للوجه وضربة لليدين»، فقال له عمر: قد وليتك ما توليت. # فإذا كان هذا مذهب عمر وعمار، ومذهب غيرهما أن المراد بالملامسة الجماع ~~بطل قول من خرج عنهم فجعله للأمرين جميعا. # قيل: قد روينا عن ابن عمر وابن مسعود أن المراد بها الأمران جميعا، ~~الجماع واللمس باليد. PageV01P511 # وذلك أن ابن عمر قال: قبله الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فجعل ~~هذين من جنس الملامسة، ومن للتبعيض والألف واللام في الملامسة للجنس. # وقال ابن مسعود: إذا أقبل الرجل امرأته أو مسها انتقض وضوؤه استدلالا ~~بالآية، فبان بهذا أن قول آخر من الصحابة فلم يخالفهم؛ لأن هذين الصحابيين ~~حملاه على الأمرين جميعا. PageV01P512 # وأيضا فإن الصحابة اختلفت في المراد بالملامسة على ثلاثة مذاهب: # فذهب علي وابن عباس إلى أن المراد به الجماع. # وذهب عمر وعمار إلى أن المراد به اللمس. # وذهب ابن عمر وابن مسعود في آخرين إلى أن المراد الأمران جميعا، فإذا لم ~~يكن بد من الأخذ بأحد المذاهب فالمصير إلى قول من قال: إن المراد بالآية ~~اللمس لا الجماع أولى من وجهين: # أحدهما: أن من حمل الآية على الجماع جعل اللمس كناية عنه، ومن حمله على ~~اللمس حمله على الحقيقة؛ لأن عليا وابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: كنى ~~الله - تعالى - بالملامسة عن الجماع. # والوجه الثاني: هو أنه إذا حمل اللمس على الجماع حمل على التكرار الذي لا ~~فائدة فيه؛ لأن الله - تعالى - ذكر في الآية الجنب بقوله: {وإن كنتم ms148 جنبا ~~فاطهروا}، فوجب أن يحمل اللمس على المس دون الجماع؛ كلا يكون حملا على ~~التكرار، وتكون فيه فائدة أخرى. # فإن قيل: فإن ابن عباس قال: إن اللمس كناية عن الجماع، ومتى حمل اللفظ ~~على الكناية لم يجز حمله على الصريح لاختلافهما. # وأما ابن عمر وقوله: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فإنه حمل ~~ذلك على ما سوى الجماع، فقد بقي مما لم PageV01P513 # يذكره أنواع، مثل المعانقة وغيرها لم يذكرها في قوله، فيصير المكور ~~مقصورا على ما ذكر، ويبقى ما عداه، فليس لأحد حمله على ما يقوله إلا ولغيره ~~حمله على غيره من الجماع. # قيل: قول ابن عباس رضي الله عنه: إن اللمس كناية عن الجماع لا يمنع غيره ~~أن يقول: هو صريح في اللمس، ولكن يكنى به عن الجماع، فيكون حمله على صريحه ~~أولى؛ لأنه الحقيقة، ثم لا يمتنع أيضا أن يحمل صريحه على اللمس إذا وقع، ~~ويجعل كناية عن الجماع إذا حصل. # على أن ابن عمر أيضا من أهل اللغة، فقوله: قبلة الرجل امراته وجسها بيده ~~من الملامسة يدل على أن الملامسة اسم جنس لا يتناول جميع المس، سواء كان ~~باليد أو بالفرج او بغير ذلك، وأعلمنا أن القبلة والجس من هذا الجنس، فأي ~~نوع حصل من الجنس تناوله اسم اللمس، وهذا جواب حديث ابن عمر. # ونقول أيضا: إن الآية قرئت بقراءتين فقرأ بعض القراء: {أو لامستم}، ولا ~~خلاف بين أهل اللغة أن اللمس لا الجماع، وهو فعل من واحد، ليس هو من ~~فاعلتم؛ كقوله: {لامستم}، يكون من اثنين. # فإن قيل: فقد قرئت: {أو لامستم}، وهذا لا يكون إلا من اثنين؛ لنه فاعلتم، ~~فدل أن المراد الجماع الذي يكون من اثنين. # قيل: فأحسن الأحوال أن يستعمل الحكم بالقراءتين، فتحمل القراءة ب ~~{لامستم}، في الجماع، والقراءتان كالخبرين. PageV01P514 # وأيضا فقد روي عن زيد بن أسلم مذهب حسن في الآية فقال: ظاهر قول الله - ~~تعالى -: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط}، يدل ~~بظاهره أن نفس ms149 المرض والسفر والمجيء من الغائط حدث، وبالإجماع ليس نفس ذلك ~~حدثا، وإنما فيه ضمير - وأنتم محدثون - ففي الآية تقديم وتأخير. # وترتيبه: أن الله - تعالى - قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء ~~أحد منكم من الغائط وقد احدث، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم على الكعبين وإن وجدتم الماء، ثم قال: وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا، ثم قال: وإن كنتم مرضى أو على سفر وحالكم ما تقدم من ~~الجنابة أو الحدث فحكمك ما ذكرناه من التيمم عند عدم الماء. # ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل فسأله عن رجل يصيب من امرأة لا تحل ~~له ما يصيب من امرأته إلا الجماع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P515 # يتوضأ وضوء حسنا، وهذا أمر بالوضوء فيما سوى الجماع. # فإن قيل: قد بالغ فيما عمله، فلم يترك شيئا سوى الجماع إلا فعله، فيدل ~~على أنه بالغ في المباشرة بالفرجين المباشرة الفاحشة، وهذه حال يكون فيها ~~المذي لا محالة أو يقاربه؛ لبلوغه الغاية في الشهوة. PageV01P516 # قيل: إذا كان جنس المس تكون منه الشهوة وجب أن يعتبر المس لشهوة، سواء قل ~~نوعه في المس أو أكثر، ألا ترى أن الإيلاج في أوله له هذا الحكم، وكلما ~~بالغ في الإيلاج كان ابلغ في الشهوة، والحكم فيه واحد، فكذلك ينبغي أن يحكم ~~في المس لشهوة، باليد وبغيرها، كما يحكم به في المباشرة الفاحشة، وإن كان ~~لهما فضل في الشهوة، ثم لو كان الحكم يختلف لسأله النبي عليه السلام عن ~~تفصيله، فلما لم يسأله وأوجب الوضوء لم يختلف. # ومما يدل على أن إطلاق اللمس يتناول باليد دون الجماع؛ ما رواه عكرمة عن ~~ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فقيل ~~في بعض الأخبار: إنه عليه السلام قال: «لعلك قبلت PageV01P517 # أو لمست»، فأطلق اللمس، فلو كان للجماع على ما يقول أبو حنيفة ms150 لم يكن في ~~هذا فائدة؛ لأنه يكون قد قال لمن اعترف بالجماع؛ لعلك جامعت، ولا يجوز هذا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين قول ~~الرجل زنيت، وبين قوله عليه السلام: «لمست.، علمنا أن اللمس غير الجماع، ~~والنبي عليه السلام سيد أهل اللغة، وبحضرته سادات في اللغة - يقول: «لعلك ~~لمست»، فلا يقول أحد منهم: يا رسول الله، اللمس: الجماع، فلما سكتوا مع ~~إطلاقه علم أن إطلاق اللمس في لسانهم هو المس دون الجماع. # وكذلك روت عائشة - رضي الله عنها - أنه ما كان من يوم إلا ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطوف علينا فيقبل ويلمس، فإذا جاء إلى من هي في يومها أقام ~~عندها، وعائشة - رضي الله عنها - من المعرفة باللغة واللسان بالمكان الذي ~~لا يخفى، فأطلقت اللمس على ما دون الجماع، فبان بهذا أن إطلاق اللمس لما قلناه. # فإن قيل: يجوز أن يكون صريحا في اللمس إذا أطلق لما ذكرتم، ثم قد يجعل ~~كناية عن الجماع كما قال ابن عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية عن ~~الجماع كما قال ابن عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية فإما أن ~~تحملوه على الصريح من المس فقد أسقطتم قول من قال: إنه في الآية كناية، أو ~~تحملوه عن الكناية فتسقطوا حكم من حملها على الصريح، وهذا لا يسلم لأحد ~~القولين دون الآخر، PageV01P518 # أو تحملوه على الأمرين فإن الصريح والكناية لا يجتمعان في المراد بلفظ واحد. # قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: من مس ولم يجامع قلنا: عليك الوضوء؛ للصريح ~~من اللمس، ومن جامع قلنا: عليك الغسل؛ لن من قال: هي كناية عن الجماع لم ~~يقل: إن من فعل ما يقتضيه الصريح لا يتوجه غليه. # ووجه آخر: وهو أن الجميع - عندنا - صريح على ما بيناه من أن الجنس واحد ~~في المس وإن كان بعضه أبلغ من بعض، فمن قال: هو كناية؛ أراد أنه ليس بالاسم ~~الأخص في الوطء؛ لأن اسم الجماع أخص به وإن ms151 كان لمسا، ألا ترى أن اسم السرق ~~للجنس، ومعناه: أن يسرق الشيء على طريق الاستخفاء سواء كان المسروق سعدا أو ~~لحظا أو ما يقول، وقد اختص في الإطلاق إذا قيل: قد سرق توجه إلى سارق ما ~~يتمول، ولا يمتنع إطلاق العموم عليه إلا أن يقوم دليل يخصه. # ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه: أن الله - تعالى - قال في هذه الآية: ~~{أو لامستم النساء}، وقرئ: {أو لامستم}، وقال في آية أخرى: {وإن طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن}، وقال: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن}، ~~وقال: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن}، وقرئ: PageV01P519 # {تماسوهن}، وقال في الظهار: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}، والمراد في ~~هذه الآيات بالمماسة الجماع، فلو جعلنا اللمس بهذا اللفظ أيضا للجماع ~~أبطلنا فائدة تغيير العبارة؛ لأن لفظ اللمس غير لفظ المس، وإذا جعلنا ~~للفظين المختلفين حكمين كان أكثر في الفائدة من حملها على حكم واحد. , # وأيضا فإنه - تعالى - قال: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء}، والبداية بأولا يصلح إلا بأن يكون لهما مقدمة تعطف بها عليها، ~~وإذا لم يكن بد من مقدمة تعطف بأو عليها نظرنا، فلا يخلو أن تكون المقدمة ~~قوله -تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة}، فيكون تقديره: إذا قمتم من النوم أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم، أو تكون المقدمة ~~قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر}، أو لامستم النساء، أو تكون المقدمة ~~لقوله: {أو لامستم}، هي قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، فيبطل أن تكون ~~المقدمة قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}؛ لأن بعدها: {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط}؛ لأن الجنابة توجب الغسل، والمجيء من الغائط لا يوجبه، وإن جعلنا ~~قوله: {لمستم النساء}، عطفا على قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، لم يكن فيه ~~فائدة إن كان لامستم للجماع، لأن الجنابة قد ذكرت. PageV01P520 # ويبطل أن تكون المقدمة قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر}؛ لأن المرض ~~والسفر ليسا بحدث، ms152 وإنما تقديره: وأنتم محدثون، فإن أراد: وكنتم محدثين ~~الحدث الأصغر فالعطف عليه باللمس الذي هو دون الجماع يصح، وإن أراد وأنتم ~~يا مرضى مسافرين محدثين بالوطء، فلا فائدة بالعطف عليه باللمس المراد به ~~الجماع؛ لأنه يكتفي بقوله: وأنتم محدثون بالجماع، فصح أن قوله - تعالى - ~~{أو لامستم النساء} معطوف على أحد موضعين: غما قوله: إذا قمتم من النوم، أو ~~على قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، وعطف على قوله: {أو جاء أحد منكم ~~من الغائط}، أولى؛ لأنه أقرب المذكور إليه، وهو معطوف عليه، والغائط كناية ~~عما ينوب الناس من الحدث الأصغر، واللمس باليد لا يكون في الغائط، وإنما ~~يفعل خارج الغائط، ولكنه في حكم الحدث الأصغر الذي يكون في الغائط. # هذا يقوي قول زيد بن اسلم في التقديم والتأخير في الآية إن جعلنا اللمس ~~عطفا على قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة}، ونقول أيضا: إن الآية لو احتملت ما ~~ذكروا، واحتملت ما نقول وفرض الاصة بيقين، كان قولنا أولى؛ لأننا نوجب ~~الضوء احتياطا للصلاة حتى يسقط حكمه بيقين، وتعارض التأويلين بهذا الوجه، ~~وفيه أيضا نقل من براءة الذمة إلى إيجاب الطهارة. فإن قيل: لو ثبت لكم ما ~~ذكرتم لكان ظاهر الآية يدل على أن الوضوء يجب على من لمس جميع النساء ~~بقوله: {أو لامستم النساء}، فدليله إذا لمس بعض النساء لم يجب عليه شيء؛ ~~لأنكم تقولون بدليل الخطاب. قيل: إن هذا وإن كان بلفظ الجمع في PageV01P521 # الرجال والنساء فالمراد به كل واحد في نفسه؛ كلأن الأمة قد عقلته، وها ~~كقوله: - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، المراد: أن كل ~~قائل إلى الصلاة يلزمه ذلك؛ لأن الله -تعالى - أوجب على عباده من أمه نبيه ~~عليه السلام ذلك، ولما لم يكن الخطاب لكل شخص في نفسه بما يلزمه من ذلك، لم ~~يكن بد من جمعهم في اللفظ والمراد كل واحد منهم، فإذا ثبت ذلك في كل ملموس ~~على هذا الصفة. # وجواب آخر: وهو أن الناس قائلان: فقائل يقول: المراد بالآية اللمس، فجعله ms153 ~~للجنس، وقائل يقول: المراد: الجماع، فجعله في جنس النساء، فكل واحد من ~~الجماعة يراد بذلك على هذا الوجه وعلى الوجه الآخر. # وجواب آخر: وهو أن ظاهر هذا يوجب أن جماعتنا إذا لمسوا جماعة النساء وجب ~~الوضوء، فإذا حصل لنا هذا فقد سلمت المسألة، وإذا ثبت لنا ذلك فقد حصل لنا ~~استعمالنا الآية على مذهبنا من وجهين: # أحدهما: أن نقوي قول من قال من الصحابة: إن المراد بها اللمس دون الجماع ~~بما ذكرناه من صريح اللمس، وبأنه أحوط، وأنه ناقل، وأنه تكون فيه زيادة ~~فائدة حتى لا يحمل على التكرار إن حمل على الجماع، وقد تقدم قوله - تعالى ~~-: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}. # والوجه الآخر: أن نحملها على الأمرين جميعا بما ذكرناه عن ابن مسعود وابن ~~عمر. PageV01P522 # وقد روى الأعمش عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: القبلة من اللمس وفيها ~~الوضوء. # وسالم عن أبيه أن عمر قال: القبلة من اللمس، وفيها الوضوء. # وهو قول الشعبي، PageV01P523 # وإبراهيم، ومكحول، والحكم، وحماد، والزهري، وربيعة، وعبد الله بن يزيد بن ~~هرمز، وزيد بن اسلم، ويحيى بن سعيد، PageV01P524 # والليث، وعبد العزيز، وهذه الآثار كلها في الفتوى في نفس ما اختلفنا فيه، ~~وفي تفسير اللمس. # ولنا من القياس: أنه لمي يحرم الربيبة فوجب أن ينقض الطهر، أصله التقاء ~~الختانين؛ لأن أبا حنيفة يوافقنا على أنه إذا قبلها للشهوة حرمت عليه ~~ابنتها كما نقول. # وأيضا فإن اللمس لشهوة يفضي في الغالب إلى نقض الطهر؛ لأنه قد يلمسها ~~لشهوة فيمذي، فجاز أن يتعلق نقض الطهر بنفس المس، كالنوم لما أن يفضي في ~~الغالب إلى نقض الوضوء؛ لأنه قد يخرج منه الريح جاز أن يتعلق نقض الوضوء بعينه. # ونقيسه أيضا عليه لو عانقها متجردا؛ بعلة إلصاق بشرته PageV01P525 # ببشرتها لشهوة، ونقيسه عليه لو أمذى باللمس بعلة حصول التقاء البشرتين ملتذا. # ويؤيد ما نقوله: أن الجماع في الحج يوجب الكفارة العليا، والقبلة فيه ~~توجب الكفارة الصغرى، فكذلك لما كان الإيلاج يوجب الطهارة العليا جاز أن ~~توجب القبلة لشهوة الطهارة الصغرى. # فإن استدلوا ms154 باستصحاب الحال في الأصل، وأنه على جملة الطهارة قبل ان يمس. # فلنا أن نعارضهم بما هو أقوى من ذلك فنقول: الصلاة في ذمته بيقين، فمن ~~زعم أنه تسقط بطهارة وقد لمس فعليه الدليل، والطهارة تراد للصلاة. # ثم لو سلمت لهم الحال لكانت الدلائل التي تقدمت تنقل عنها. # وإن استدلوا بقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وبقوله في ~~قصة صفوان: «لكن من غائط وبول ونوم»، إلا أن يقوم دليل. # قلنا: وقال عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، ولا نسلم أن هذا متطهر، ~~والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بدليل. # على أن هذه كلها ظواهر تخص ببعض ما ذكرناه، كما أوجبوا هم PageV01P526 # الوضوء في الرعاف والقيء وغير ذلك مما لم يذكر في الخبر. # فإن قيل: فقد روى عروة عن عائشة أنها قالت: قبل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعض نسائه، ثم خرج ولم يتوضأ، قال عروة: ما هي إلا أنت فضحكت. # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها فقدت PageV01P527 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من فراشه، فوقعت يدها على أخمص قدميه، ~~فلما فرغ قال: «يا عائشة أتتك شياطينك»، ولم يقطع الصلاة بوقوع يدها عليه. # وروي أنه عليه السلام كان يحمل أمامة بنت أبي العاص - وهي بنت بنته PageV01P528 # زينب - في صلاته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا رفع حملها، ونحن لا نعلم أنه ~~كان يصيب بشرتها. # قيل: أما الأخبار عن عائشة - رضي الله عنها - فقد وردت من طرق لا تثبت. # فروى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقبل ولا يتوضأ. PageV01P529 # والصحيح أن عروة روى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها صائما. # وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، وهو لم PageV01P530 # يسمع منها شيئا. # وقال موسى بن هارون: وقد رواه بعض الكوفيين عن الثوري فقال فيه: عن ~~إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة، وهذا وهم على الثوري. PageV01P531 # وقد رواه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ms155 بن مهدي ووكيع عن إبراهيم التيمي عن ~~عائشة مرسلا. # وقد رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت PageV01P532 # عن عروة عن عائشة. # قال موسى بن هارون: حبيب دخل عليه الوهم جدا، وهو حديث منكر. # وقيل: إن حبيبا إنما روى عن عروة المزني، وهو رجل مجهول. # وحكي عن يحيى بن سعيد أنه قال: لم يكن أحد أعلم بحبيب بن أبي ثابت من ~~سفيان الثوري: وقد قال: لم يسمع حبيب من عروة شيئا. PageV01P533 # وروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخرج إلى الصلاة ثم يقبلني ولا يتوضأ. PageV01P534 # وقال موسى بن هارون: وأما حديث سعيد بن بشير عن منصور عن الزهري عن أبي ~~سلمة عن عائشة فإن حديث منكر، وهو والريح اثنان، وإنما رواه الزهري عن أبي ~~سلمة عن عائشة أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم، وابن شهاب يرى في ~~القبلة الوضوء ولو كان عنده عن النبي عليه الاسم إلا وضوء فيه لم يخالفه ~~وقد روى من طرق أخر كلها منكرة. # على أننا لو سلمنا ذلك كله استعملناها عليه إلا مس بغير شهوة، أو نعارضها ~~بالحديث الذي قيل فيه: إني أصبت من المرأة كل شيء غير الجماع، فأمره عليه ~~السلام أن يتوضأ، فإذا تعارضت الأخبار وأمكن الاستعمال فهو واجب، وقد ~~استعملنا الجميع، ففي أخباركم إذا كان لغير شهوة، وفي الأخبار الموجبة ~~للوضوء إذا كان لشهوة؛ لأنها كلها PageV01P535 # قضايا في أعيان مخصوصة محتملة، ويمتنع أن تكون يد عائشة وقعت على أخمص ~~النبي عليه السلام وهو في الصاة، مقبل على ربه - تعالى - مشغول بخشوعه ~~فليتذ بوقوع يدها عليه. # ويحتمل أن يكون عليه السلام كان في دعاء، والدعاء يسمى صلاة، ولا يحتاج ~~إلى وضوء، ولو التذ أيضا لجاز أن يكون مخصوصا بذلك. # وأما حديث أمامة وحمله عليه السلام لها في الصلاة، فهو حجة لنا على ~~الشافعي؛ لأنه عليه السلام لا يمسها لشهوة، ثم لو ثبت العموم في الأخبار ~~كلها جاز أن تخص بالقياس الذي ms156 ذكرناه. # فإن قيل: فإنا نعارض بقياس فنقول: إنه لمس جسما ظاهرا فلم ينتقض وضوؤه، ~~أصله إذا مس الرجل وإذا مس الرجل الرجل وإذا مس لغير شهوة. # وأيضا فإن شعر المرأة بدنها؛ لأنه لو طلق شعرها لطلقت، ومع هذا لو مس ~~شعرها لم ينتقض وضوؤه. # قيل: إذا مس الرجل أو لمس شعر المرأة لشهوة فعليه الوضوء. # وأما القياس على المس لغير شهوة فيه: أنه في الغالب لا يؤدي إلى نقض ~~الطهارة، وليس كذلك إذا كان لشهوة، ألا ترى أنكم قد أوجبتم الوضوء في ~~المباشرة الفاحشة بهذا المعنى، وكذلك تحرم الربيبة بالمس لشهوة، ولا تحرم ~~بالمس لغير شهوة، فثبت ما ذكرناه، وقياسنا أولى؛ لأن فيه احتياطا للصلاة ~~لتسقط بيقين، ولأنه ناقل من براءة الذمة إلى وجوب الطهارة. وبالله التوفيق. # ... # المملكة العربية السعودية # وزارة التعليم العالي # جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # عماد البحث العلمي # سلسلة الرسائل الجامعية: 60 # اسم الكتاب: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين الفقهاء الأمصار كتاب ~~الطهارة # تأليف: أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي المعروف بابن القصار # المتوفي: سنة 397 ه # دراسة وحققه: د: عبد الحميد بن سعد بن ناصر السعودي # الجزء الثاني # سنة: 1426 ه - 2006 # الطبعة: الأولى PageV01P536 ### || AUTO فصل # كلام على الشافعي في الملامسة لغير الشهوة. # قال القاضي: الدليل لقولنا: براءة الذمة من وجوي شيء إلا بدليل. # وأيضا فقد اتفقنا على كونه ظاهرا قبل أن يمس، فمن زعم أن طهارته انتقضت ~~عليه بالدليل. # وإن عارضوا باستصحاب مثله وهو أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط بطهارة فيها ~~لمس إلا بدليل. # قيل: إنما نسلم أن الصلاة عليه حتى يؤديها بطهارة من جهة الشرع، وهذا قد ~~تطهر كما أمر بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى آخر ~~الأية وهذا قد غسل ما أمر به. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلى بطهر). وقد بين لنا ~~كيف الطهارة من الكتاب وفعله، وهذا قد تطهر. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {أو لامستم النساء}، ms157 وقدرئ: {لمستم}، فجعل ~~اللمس كالأحداث المقرونة معه، وأوجب الوضوء، ولم يفرق بين لامس ولمس. # قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين. PageV02P547 # فقال علي وابن عباس وأبو موسى - رضوان الله عليهم -: إن المراد باللم ~~الجماع. # وقال عمر وابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهم -: إن المراد اللمس لشهوة ~~كالقبلة والجسة، ولم يقل أحد منهم: إنه اللم على كل حال، فمن حمله على ~~اللمس لغير شهوة عن القولين فوجبا أن يسقط قوله. # وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا اللمس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن ~~يستدل عليه؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية في بلوغ ~~اللذة، وقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة: لأنهم قالوا: قبلة ~~الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة. أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق ~~التحنن والرحمة إذا هي بكت فقيل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا ~~جسها بيده لمداواة أو غيرها؟ هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس ~~الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها ~~بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة. # وذا أمر إذا راعيناه أطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه ~~معنى من اللذة المقصودة بالجماع، المخالف لا يطرد قوله في كل مس لا يكون ~~لشهوة؛ لأنه ينوعه في ذات المحارم وفي PageV02P548 # الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن ~~تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير ~~الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالجنس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، ~~وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره. # قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه ~~بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة. وقد يقال: هذا الشيء من هذا المكان ~~فيه معنى من معانيه أو يقاربه. كقوله صلى الله عليه وسلم: (مولى القوم ~~منهم)، (والأذنان من الرأس). ms158 # فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق ~~البشرة بالبشرة. # قيل: هذا فاسد بذوات الماحرم والصغار وغيرهم، PageV02P549 # وبظاهر الكف. # ويفسد أيضا؛ لأن للذة العظمى تحصل بالاحتلام، وهو الإنزال، كما تحصل ~~بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، ~~فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاد. # ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر آخر، ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد قرأها ~~في صلاته، وإن مس. # وقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ~~ويديك)، وهذا قد فعل. # وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء)، وفيه: (حتى يضع الوضوء ~~مواضعه فيغسل وجهه ويديه)، وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد ~~أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل. # وأن أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي PageV02P550 # حجة لنا على الشافعي. # فمنها ما روته عائشة - رضي الله عنها - أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك ~~لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان ~~لغير شهوة فلا حكم له. # فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل. # قيل: حقيقة قولها: قبلني المباشرة، وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول ~~على الحقيقة. # فإن قيل: يجوز أن يكون عليه السلام مخصوصا بذلك. # قيل: قد عللته بقولها: وأيكم كان أملك لإربه منه؟. أي إنما ذلك منه لأنه ~~يملك إربه، ولو كنتم انتم تملكون إربكم فلا تلتذون ولكنتم كذلك. # والحديث الذي قالت فيه: فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي، ولم يقطع ~~الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة PageV02P551 # وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفدينا أن ~~ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ms159 ما هو أظم منه. # فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفدينا الدعاء الذي سمعته منه. # قيل: هو للجميع. # فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون عليه السلام مخصوصا بذلك، ~~ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، ~~وخلافنا في الملامس. # قيل: قولكم: إنه مخصوص بالحجة لنا من فعله الذي هو على الوجوب، ولا نخصه ~~إلا بدليل، وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل. # وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه عليه ~~السلام وحكمنا فيها، مثل الغائط والبول والريح وغير ذلك فلا ينبغي أن نجعله ~~مخصوصا بشيء منها بغير دليل. والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه ~~بخلافنا، وأنه في حال صلاته مقبل على ربه - تعلى -، مشغول بخشوعه، بخلاف ~~الغالب منا؛ لأنه لا يتطرق عليه طرو الالتذاذ والشهوة باللمس، ونحن إن اتفق ~~لواحد منا مثل ذلك في نادر الحال فهو في مثل حكم النبي عليه السلام، فلا ~~ينتقض وضوؤه، كما فرقت عائشة بيننا وبينه عليه السلام في القبلة في الصيام، ~~فقالت: وأيكم أملك لإربه منه عليه السلام؟. أي الغالب منكم أنتم بخلافه، ~~فإن قبلا نحن PageV02P552 # لغير شهوة، فنحن وهو في الحكم سواء. # وقولهم يحتمل أن يكون بينهما حائل فلا تقول وقعت يدي على أخمص قدميه ~~ويهما حائل، هذا هو الحقيقة. # وعلى أنه لو كان الحكم يختلف لذكرته، أو ذكره عليه السلام. # وقولهم: إنه في الملموس على أحد القولين، فهذا هو القول الضعيف منهما. # على أنه يفسد في الاعتبار؛ لأن اللذة تحصل تارة بلمسه، وتحصل تارة بأن ~~يلمس، وتحصل الشهوة منهما جميعا، كما لو مكنته من الإيلاج، أو مكنها منه، ~~وهذا تحكم في صرف المعاني عن حقائقها لنصرة المذاهب، وإنما ينبغي أن تبنى ~~المذاهب على ما توجبه الأدلة، وإطراد المعاني فيها، وأن لا يفرق بين ~~حقائقها مع الإمكان. # وأيضا فقد وافقونا على أن استعمال الأخبار واجب، ولا يطرح بعضها إذا أمكن ~~الجمع لكثرة الفوائد. فقد روينا حديث الذي قال للنبي ms160 عليه السلام: إني نلت ~~من امرأة كل ما ينال الرجل من امرأته إلا الجمع، فأمره النبي عليه السلام ~~بالوضوء، فإن قلنا: إن المسألة لم تقع إلا عن شيء التذ به، فهو ودجه صحيح؛ ~~لأن الغالب أنه لا يشكل عليه أنه إن ضربها أو داواها، أو قبل رأسها رحمة ~~لها أن هذا مما لا يقارب حكم الجماع، فيحتاج إلى المسألة عنه، وإنما سأل ~~عما يداعب الرجل PageV02P553 # به امرأته، ويتعرض لها مما يقارب معنى الجماع. آلا ترى أنه قال: إلا أني ~~لم أجامعها. أي قاربت على ذلك. # ولو سلمنا أنه لذلك ولغيره لعارضه ما روي عن عائشة - رضي اله عنها - في ~~وقوع يدها على أخمص قدميه، وحديث حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة، فنستعمل ~~الأحاديث كلها، ونجعل الموضع الذي أوجب فيه الوضوء إذا كان لشهوة، والموضع ~~الذي لا وضوء فيه إذا كان لغير شهوة. # ويكون استعمالنا أولى من استعمالهم؛ لأنه يطرد في وجوب الوضوء في كل ~~ملتذ، ويسقط الوضوء لفي كل من لا يلتذ، سواء كان لامسا أو ملموسا، صغيرا ~~مكان الملموس أو كبيرا، إذا محرم أو غيره، من تحت حائل أو من فوقه، بباطن ~~اليد وظاهرها، وهذا ترجيح قوي لترجيحنا العلة التي هذه سبيلها. # فإن قاسوه على المس بعلة أنه لمس من رجل لامرأته من غير حائل. # قيل: المعنى أنه لغير شهوة. # فإن قيل: هذه علة لا تتعدى، والمتعدية أولى منها. # قيل: هي تتعدى إلى الملموس واللامس، والحائل وغير الحائل، وأنتم لا تعدون ~~علتكم إلى هذه الفروع. # على أننا نستخرج من أصله فنقول: اتفقنا أنه لو مسها من فوق حائل، أو مس ~~شعرها، أو صغيرة ذات محرم على أحد القولين لم يكن PageV02P554 # عليه وضوء، والمعنى فيه أنه لمس لغير شهوة. # فإن عارضوا بعلة أخرى. # قيل: إنها لا تتعدى، وعلتنا متعدية، كما قالوا في معرضتنا لعلتهم في أصلهم. # فإن رجحوا قياسهم بشيء. # فترجيحنا أولى باستمرار العلة في الإطراد والعكس، وفي الصغار والكبار، ~~وذات المحارم وغيرهن، والحائل وغير الحائل، وهذا أقوى ما يكون ms161 من ترجيح العلل. # فإن قيل: إن شعر المرأة من جنس لا يلتذ به، فلاينبغي أن يجعل أصلا. # قيل: هو فيها منزلة عضو منها، ولستم تراعون اللذة، وإنما تراعون مسها في ~~نفسها، وشعرها منها. # وعلى أن الشعر الحسن يلتذ بمسه والنظر إليه، في ثمن المملوكة كما يزيد في ~~ذلك سمنها وغيره، حتى ربما ردت الجارية بالعيب في شعرها كما ترد بعيب في ~~بدنها، ولو قال لها: شعرك طالق لطلقت، كما لو قال لها: يدك طالق. PageV02P555 # ويقوي اعتبارنا في التفريق بين المس والقبلة لشهوة وبين عدم الشهوة: ما ~~نقوله في القبلة لشهوة إنها تحرم الربيبة، ولو كان لغير شهوة لم تحرمها، ~~وهم يوافقوننا على ذلك، فقد صارت القبلة لشهوة تعمل عمل الجماع في التحريم. # ونقول أيضا: هو لمس لم تقصد به الشهوة فلم ينقض الوضوء. أصله مس الرجل ~~للرج، والمرأة للمرأة. # فإن قيل: إن ما ينقض الطهر لا فرق فيه بين أن يوجد على وجه الشهوة أو غير ~~وجه الشهوة، ألا ترى أن خروج المني لما نقض الطهر، لا فرق بين أن يخرج ~~لشهوة، وهو عند الجماع، أو لغير شهوة وهو أن تكون به علة، أو يكون مغمى ~~عليه، وكذلك البول والغائط، لما نقض الطهر لم يفترق الحكم بين خروجه لشهوة ~~أو غيرها؛ لأن الإنسان إذا كان حاقنا بشدة البول التذ بخروجه، وكذلك لو سلس ~~بوله فخرج لغير لذة. # قيل: أما ما ذكرتموه من المني فغلط؛ لأن الغسل لا يجب - عندنا - إلا في ~~المني الذي تقارنه اللذة، فأما إن خرج لعلة ولم تقارنه لذة لم يجب فيه ~~الغسل، فقد افترق الحكم. # وأما المغمى عليه فذلك كالنائم يجد اللذة ولكنه لا يعقل بها. # وأما والغائط فعنه جوابان: PageV02P556 # أحدهما: أنه لا يلتذ به الجماع، ونحن نراعي في القبلة والمس لذة الجماع، ~~كما راعيناه جميعا في تحريم الربيبة. # والجواب الآخر: هو أنه إذا خرج منه البول المعتاد نقض الطهر، وإذا سلس ~~بوله وخرج من المعتاد لم ينقض الوضوء، وقد سبق الكلام على هذا، فسقط السؤال ms162 ~~وبالله التوفيق. # فإن قيل المعنى في مس الرجل والمرأة هو أنه لمس من ليس له في مسه شهوة، ~~ألا ترى أنه لو لمسه لشهوة لم يجب عليه الوضوء، وكذلك المرأة مع المرأة. # قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل يلتذ بمس الغلام، ويجب عليه الوضوء - عندنا - ~~إذا التذ، وكذلك المرأة مع المرأة. PageV02P557 ### | AUTO [24] مسألة # ومن نام منضطجعا أو قائما أو راكعا أو ساجدا فعليه الوضوء، وبه قال ~~الشافعي. وللشافعي قول آخر يفرق فيه بين كونه في الصلاة وغير الصلاة، فإن ~~كان في الصلاة لم ينقض كما لا ينقض نوم القاعد، والقول الآخر مثل قولنا، ~~سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. # وعند المزني أن النوم حدث، فهو ينقض الوضوء، قليله وكثيره على كل حال، ~~وفي القاعد أيضا. # وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إلا في المضطجع حسب. PageV02P558 # واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض الوضوء. # وروي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وعمروا بن دينار وحميد الأعرج أنهم ~~قالوا: لا وضوء من النوم أصلا على أي حال PageV02P559 # كان وإنما ينقض الوضوء ما خرج منه وتيقنه في نومه. # قالوا: لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل على خالتي ميمونة، ونام فغط، حتى سمعنا غطيطه، ثم قام وصلى ولم يتوضأ. # والدليل عليهم: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية. ~~وهذه وردت على سبب، وهو أن أصحاب رسول الله كانوا قد قاموا من النوم، وكان ~~ورودها في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة - رضي الله عنها - عقدها، فأخروا ~~الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء فلم يجدوا، أنزل الله تعالى هذه ~~الماء إلى قوله {فتيمموا}، وإن كان الخطاب خارجا على سبب فلا خلاف PageV02P560 # أن السبب داخل فيه، وهم قاموا من النوم فأوجب الله تعالى غسل هذه الأعضاء ~~عند قيامهم من النوم. # وأيضا ما رواه علي ومعاوية أن النبي عليه السلام قال: (العينان وكاء ~~السه، فمن نام فليتوضأ) فأوجب الوضوء من النوم، وهم لا ms163 يوجبون الوضوء من ~~النوم أصلا. # وروى حذيفة قال: كنت جالسا في المسجد فدخل النبس عليه السلام، ووضع يده ~~على منكبي، فانتبهت فقلت: يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: لا أو تضع ~~جنبك على الأرض، فأخبروه أن الوضوء يجب عليه إذا وضع جنبه إلى الأرض ونام. # فأما ما رووه من الخبر فيجوز أن يكون النبي عليه السلام مخصوصا به؛ لما ~~روته عائشة أن النبي عليه السلام قال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي)، PageV02P561 # وهذه معجزة له. # فإن قيل: كيف يكون هذا هو عليه السلام بقي نائما حتى أيقظهم حر الشمس فلو ~~لم ينم قلبه لعقل ما هو فيه. # قيل: خصوصيته إنما كانت في أنه إذا نام لا يخرج منه الحدث، وكان محروسا ~~من ذلك، ولو خرج منه لعقله، ونحن بخلافه في ذلك، ولم يكن مخصوصا بأن يحسن ~~في نومه. # وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون له عليه السلام نومان: أحدهما: لا ينام ~~فيه قلبه، وهو الذي روته عائشة - رضي الله عنها -، ونوم مثل نوم أمته، ينام ~~قلبه وجميع أعضائه. # فأما الكلام على أبي حنيفة فالديل لقولنا: ما روي أن النبي PageV02P562 # عليه السلام قال: (لا وضوء على الجالس)، دليله غير الجالس بخلافه فعليه ~~الوضوء. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (لا وضوء على من نام قاعدا) دليله أن ~~من نام غير قاعد فعليه الوضوء. # وأيضا قول الله تعالى: {قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية، وقد بينا ~~أنها وردت على سبب، وهو أنهم كانوا قد قاموا من النوم في غزوة المريسيع، ~~ولم يفرق بين نوم PageV02P563 # ونوم، فهو عمود إلا أن يقوم دليل. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه ~~إذا اضطجع استرخت مفاصله) وهذا تعليل منه عليه السلام أو تنبيه، فينبغي أن ~~يكون كل نائم تسترخي مفاصله كذلك، والنائم راكعا أو ساجدا بهذه الصفة. # وأيضا ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية - رضي الله عنهما - ~~أن النبي عليه السلام قال: ms164 العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان PageV02P564 # استطلق الوكاء، فأخبر أن بنوم العينين يستطلق الوكاء، فهو عام في كل نوم ~~إلا أن يقوم دليل. # وفي هذا الخبر: استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ فأمر بالوضوء، والأمر ~~يقتضي الوجوب، نوما من نوم. # وأيضا فإنه نام زائلا عن مستوى الجلوس فوجب أن ينتقض وضوؤه، دليله إذا ~~نام مضطجعا. # وأيضا فإنه لا خلاف بيننا أن النوم في نفسه ليس بحدث، وإنما وجب عليه ~~الوضوء في نومه مضطجعا؛ لجواز خروج الحدث منه في الغالب؛ لأنه إذا كان ~~متربعا قد أفضى بمقعدته إلى الأرض لا وضوء عليه؛ لأن الغالب عدم خروج الريح ~~منه، فإذا كان الوضوء إنما وجب عليه في نومه مضطجعا لهذا المعنى، وهو إمكان ~~خروج الريح منه في الغالب، ففي الراكع والساجد هذا المعنى، وهو أولى بوجوب ~~لوضوء عليه؛ لأن الخارج منه أمكن؛ لأن المضطجع منضم الأطراف، والراكع ~~والساجد بخلاف ذلك؛ لانفراج موضع الحدث، وفي الاضطجاع هو منضم، وهذه نكته ~~جيدة. PageV02P565 # فإن قيل: فقد روى أبو خالد الداراني عند قتادة عن أبي العالية عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فنام ونفخ، ثم قام فصلى. فقيل يا ~~رسول الله، إنك نمت في سجودك وصليت ولم تتوضأ؟. فقال: (إنما الوضوء على من ~~نام مضطجعا)، وأنكر عليهم ظنهم، ففيه نص على النائم مضطجعا في وجوب الوضوء، ~~وفيه نفي الوضوء عن الساجد، لأنه عليه السلام نام ساجدا. # وأيضا ما روي حذيفة بن اليمان قال: كنت في المسجد فدخل النبي عليه ~~السلام، فوضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: أمن هذا وضوء PageV02P566 # يا رسول الله؟ # فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض)، فقوله: لا، نفي لوجوب الوضوء إلا في ~~وضعه جنبه على الأرض مع نومه. # قيل: أما حديث أبي خالد الداراني فإنه حديث منكر، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، ~~وأبو داود، وموسى بن هارون. # قال أحمد: وما لأبي خالد الداراني يدخل نفسه في أصحاب قتادة. # وعلى أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ms165 ليلس هذا منها، ~~ومن مذهب أصحاب الحديث أنهم إذا قالوا: لم يسمع فلان من فلان شيئا فقد نفوا ~~أن يكون أخذ عنه شيئا، ولا يريد بهذا PageV02P567 # أنه قرأ عليه؛ لأن قراءته عليه سماع منه، ولو أرادوا أنه عنده مرسل ~~لذكروه ولم ينكروه؛ لأنهم بأجمعهم - عندنا - يقولون بالمرسل، ولو اختلفوا ~~فيه ذكره من لم يقل بالمرسل، وعلله وبين رده، ومن يقول بالمرسل لا ينكر ~~عليه، وإنما يريدون بقولهم: لم يسمع النفي والرد لما رواه. # فإن قيل: فإن أبا داود قال: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة ~~أحاديث ليس منها. # وهو مرسل من وجه آخر، وهو أن أبا خالد لم يلق قتادة، وأنتم ونحن نقول ~~بالمراسيل. # قيل: قد أجبنا عن هذا، وإنما نقول بالمرسل ما لم يمنع منه مانع، وقد بينا ~~المانع، وهو أن أصحاب الحديث يريدون بذلك انه لا رواية عنده عنه. # على أنه لو صح لكان حجة لنا؛ لأن النبي عليه السلام نص على المضطجع، وعلل ~~تعليلا يدخل فيه المضطجع وغير المضطجع من الراكع والساجد، لأنه قال: (فإذا ~~نام مضطجعا استرخت مفاصله)، كما نص على الأشياء الستة في الربا، PageV02P568 # ونبه على غيرها مما هو في معناها. # فإن قيل: هذه العلة لا توجد في الراكع والساجد من طريق المشاهدة؛ لأنه ~~مجتمع يثبت، ولو استرخت مفاصله لم يثبت وكان يسقط ويزول عن حالته في نومه. # قيل: مفاصله تسترخي لا محالة، فإن زاد عليه سقط، وليس هو بأكثر حالة من ~~القاعدة المتمكن من الأرض، ثم إذا نام القاعد واستثقل سقط. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا التعليل عاما في المضطجع والساجد والراكع؛ ~~لأن عمومه يسقط لفظ الخبر؛ لأن النبي عليه السلام نام وهو ساجد، فلو كان ~~الوضوء واجبا على الساجد بتعليله قوله: PageV02P569 # "إنما الوضوء، على من نام مضطجعا" # قيل: إن تعليله عليه السلام عام فينا، ولا يدخل فيه عليه السلام؛ لأنه ~~محروس من أن تسترخي مفاصله؛ لأنه لا ينام قلبه وإنما تنام عيناه. # على أن هذا لا فائدة فيه ms166 لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه لا ينتقض ~~وضوؤه أيضا في غير الصلاة. # وأما حديث حذيفة فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبي عليه السلام قال: (لا وضوء ~~في نوم القاعد) ونحن لا نوجب في مثله الوضوء، وأوجب عليه السلام الوضوء في ~~النوم مضطجعا، ونحن نوجبه، ولم يذكر في الخبر إلا حالتان: إحداهما: أن ~~حذيفة كان جالسا نائما، فقال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: (لا) فنفي ~~الوضوء عنه لكونه جالسا، وقوله: (إلا أن تضع جنبك) استثناء من كونه جالسا ~~ما كان عليه. # فإن قيل: فإن النائم والقاعد معتمد على غيره، والقائم غير معتمد إلى على ~~أعضائه، فإذا لم يجب الوضوء على القاعدة فلأن لا يجب على الراكع والساجد ~~أولى. PageV02P570 # قيل: القاعد معتمد على غيره، وموضع خروج الحدث منه، وليس كذلك الراكع ~~والساجد؛ لأن موضع خروج الحدث منه غير معتمد على شيء وهو منفرج. # فإن قيل: فإن أعضاءه لم تسترخ أكثر من استرخاء الناعس، ولهذا المعنى بقي ~~على ركوعه لم يسقط. ألا ترى أن المغمى عليه لما استرخت أعضاؤه لم يبق، فصار ~~بقاء الراكع على هذه الحال دلالة على تحفظه وعدم استرخاء مفاصله، فلم يجب ~~عليه الوضوء. # قيل: إن الناعس ليس بنائم، وإنما أسباب النوم قد حصلت به تدعوه إلى ~~النوم، فإذا حصل النوم استرخت مفاصله. وأما المغمى عليه فيزيد على نوم ~~المضطجع. ألا ترى أن النائم المضطجع يحرك فيحس وينتبه، وليس المغمى عليه ~~كذلك، وليس بقاء الراكع على حاله مما يمنع سبق الحدث منه لانفراج مقعدته، ~~ثم إذا تزايد نومه سقط. # فإن قيل: فإنها حال من أحوال الصلاة في حال الاختيار، والاحتراز من ~~المضطجع لأن الاضطجاع من أحوال الصلاة عند الضرورة. # قيل: هذا ينتقض به إذا نام متكئا فإن صلاته مجزئة مع الاختيار، ومع هذا ~~ينتقض وضوؤه إذا نام متكئا. # ثم نقول: المعنى في القاعد أن الخارج لا يتمكن منه في غالب الحال، وقد ~~أفضى بمقعدته إلى الأرض فلهذا لم ينتقض وضوؤه، وليس كذلك الراكع والساجد ~~لانفراج موضع خروج ms167 الريح منه، وخروج ذلك متمكن منه. PageV02P571 # على أنهم ردوا الراكع والساجد إلى القاعد، ونحن رددناه إلى المضطجع، فما ~~ذهبنا إليه أولى لموافقة تعليل النبي عليه السلام ولتمكن الخارج منه في ~~الأمرين جميعا، لأنه أحوط في إسقاط الصلاة عن ذمته بيقين، ولأنه ناقل عن ~~أصل براءة الذمة إلى وجوب الطهارة وبالله التوفيق. PageV02P572 ### || AUTO فصل # فأما الكلام على المزني، وما ذكر أنه أحد قولي الشافعي فالدليل عليه: ما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ. ~~فقيول له في ذلك. فقال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي) ففيه دليلان: # أحدهما: أن النوم نفسه لو كان حدثا لتوضأ عليه السلام منه، كما يتوضأ من ~~قليل الأحداث وكثيرها. # والثاني: إنما خبر أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ما كان منه، ولم يوجب ~~الوضوء لأجل النوم، ونبه على أن الوضوء يجب من لا يعلم ما يكون منه في النوم. # وأيضا ما روي عن حذيفة أنه قال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: (لا)، ~~أو تضع جنبك على الأرض، فنفي إيجاب الوضوء عمن نام جالسا. # وأيضا حديث علي ومعاوية - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P573 # قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) وفي حديث: ~~(أنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، فأعلمنا أن باسترخاء المفاصل يسرع خروج ~~الحدث ولم يجعل النوم حدثا، ولو كان النوم في نفسه حدثا لم يكن في قوله: ~~(استرخت مفاصله) فائدة. # وأيضا فإنه إجماع الصحابة؛ بدليل ما روي أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا ينتظرون عشاء الآخرة، ويناموا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ~~ويصلبون ولا يتوضؤون، والعمدة في المسألة على هذا الخبر، ومحال أن يذهب على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النوم حدث ينقض الوضوء فيصلون ~~بالنوم، ولا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. PageV02P574 # وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا ينامان قاعدين ثم يصليان ولا ~~يتوضآن. # وكذلك ms168 روي عن أبي أمامة وأبي هريرة مثل ذلك. # وإذا روي عن المنفتين بين الصحابة، روي عنهم أجمعين علم أن هذه المسألة ~~مشهورة بينهم. # فإن قيل: القياس يوجب أن كل نوم ينقض الوضوء. # قيل: لو كان حدثا في نفسه لكان كما ذكرت، ثم لو كان كذلك لكان قياسا يمنع ~~منه الإجماع. PageV02P575 # فإن قيل: في خبر صفوان أن النبي عليه السلام أمرنا ألا ننزع خفافنا من ~~نوم. ولم يخص، فاقتضى أن يتوضأ من كل نوم. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن إطلاق النوم لا يفهم منه نوم الجالس، وإنما يعقل منه نوم ~~المضطجع. ثم لو ثبت العموم لكان مخصوصا بالخير وبالإجماع الذي ذكرناه. # فإن قيل: فإن النبي عليه السلام جمع بين النوم وبين الغائط والبول في ~~حديث صفوان. # قيل: إن الاقتران بين الشيئين في اللفظ لا يوجب اجتماعهما في الحكم. # على أنه إنما جمع بينهما إذا كان النوم مضطجعا، فإن الغالب منه خروج ~~الريح، وما هذه صفته من النوم يجب فيه الوضوء. # فإن قيل: فإن حدث البول لم يختلف أحوال البائل في نقض الطهر. # قيل: إن البول يختلف باختلاف الأحوال؛ لأن سلس البول لا ينقض الوضوء، ~~والمعتاد منه ينقض. # وعلى أنه لو لم يختلف حكمه لكان ذلك من أجل أنه لا يختلف في PageV02P576 # نفسه لأننا قد نجد نوما ليس معه استرخاء المفاصل، ولا يمكن الخارج منه، ~~فلما اختلف حال النوم في نفسه جاء اختلاف حكمه؛ لأنه سبب للحدث كمس الذكر ~~الذي يختلف أحواله، فلو مسه بباطن يده نقض الوضوء - عندك - ولو مسه بظاهرها ~~لم ينتقض. # فإن قيل: لو كان نوم الجالس لا ينقض وضوءه لبينه عليه السلام كما بين ~~الأكل في الصوم أن في ما يوجب القضاء مثل أن يأكل عامدا، ومنه ما لا يوجب ~~القضاء كالأكل ناسيا. # قيل: الأكل - عندنا - على كل حال يوقع الفطر، لأنه يضاد الصوم، والنوم لا ~~يضاد الطهارة في جنسه؛ لأن النبي عليه السلام قد بين حكم النوم في حديث ~~حذيفة لما نام جالسا، وقال: يار رسول الله، ms169 أمن هذا وضوء؟. فقال: (لا أو ~~تضع جنبك على الأرض). # فإن قيل: فقد روت عائشة - رضي الله عنها - أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~(من استجمع نوما فعليه الوضوء). PageV02P577 # قيل: كذلك نقول إذا طال نوم الجالس، ورأي المنامات فهو الذي ستجمع نوما، ~~وكذلك المضطجع. # فإن قيل: فإن النوم كالإغمااء يبطل الوضوء على جميع الأحوال فكذلك النوم ~~لزوال العقل. # قيل: الفرق بينهما واضح؛ وذلك أن المغمى عليه لا يحس بشيء، وإن نبه لم ~~ينتبه في جميع أحواله فانتقض في جميع أحواله. والنائم ليس كذلك؛ لأنه ريما ~~أحس بخروج الحدث منه فانتبه ولو حرك لانتبه فجاز أن تختلف أحواله. PageV02P578 ### || AUTO فصل # وإذا طال نوم الجالس ورأى المنامات فعليه الوضوء وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد. # ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال. # والدليل لقولنا: أن الصلاة عليه بيقين، وهذا شاك فيها؛ لأنه إذا طال نومه ~~لم يتقن كونه على طاهرة. # وأيضا ما روته عائشة - رضي الله عنها - أن النبي عليه السلام قال: (من ~~استجمع نوما فعليه الوضوء) ولفظ: عليه للوجوب، واستجماع الإنسان نوما هو أن ~~يغترفه النوم حتى يزول عن أحكام المتيقظ، وإذا طال نومه لم يعقل ما يخرج ~~منه فهو المضطجع، وليس كذلك إذا لم يطل نومه؛ لأنه بتحركه وخفق رأسه يحس ما ~~يخرج منه، PageV02P579 # وإذا كان النوم سببا للحدث أن يرعى الغالب منه، كما يراعي في مس الذكر ~~إذا كان بباطن اليد فهو أقوى منه بظاهرها. فإن قيل: فإن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. # قيل: نحن نقول بموجب ذلك؛ لأن من يخفق رأسه ويتمايل لم يغرق في نومه حتى ~~يطول؛ لأنه قريب من الحس بما يخرج منه، وليس كذلك إذا اغترقه النوم وطال به ~~حتى يرى المنامات؛ لأن النوم تختلف حالاته في قلته وكثرته. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام لحذيفة لما قال له ذلك: أمن هذا وضوء يا ~~رسول الله؟. قال (لا إلا ms170 أن تضع جنبك على الأرض). # قيل: هذه قضية في عين، ويحتمل أن يكون لم يطل نومه، ولا غرق فيه ألا تراه ~~لما وضع عليه السلام يده عليه أحس به وانتبه وفي العقود من ينام ولا ينتبه ~~لو يحرك، وقد بينا أن أسباب الحدث ليست كالحدث نفسه، وأن ما قوى منها بخلاف ~~ما ضعف وقد فرق الشافعي بين مس الذكر وبين مس المرأة، فخص اليد في مس ~~الذكر، ونقض الوضوء المرأة بجميع الأعضاء، وكذلك فرقوا معنا بين القبلة PageV02P580 # لشهوة في تحريم الربيبة وبين القبلة لغير شهوة في أنها لا تحرم من هذا ~~كله؛ لأن ذلك سبب للحدث في نفسه. # ولنا القياس عليه إذا نام مضطجعا واستثقل نوما؛ بعلة أنه نائم مستثقل في نومه. # فإن قاسوا عليه إذا لم يستثقل في نومه بعلة أنه نام جالسا. # قيل: بينا الفرق بين أحكام أسباب الأحداث وأن كل ما قوى منها قوى حكمه، ~~فكان اعتبارنا أولى؛ لأنه أحوط، وتسقط الصلاة بيقين، ونزيد حكما هو إيجاب ~~الطاهرة بعد أن لم تجب وفيه نقل من براءة الذمة وبالله التوفيق. PageV02P581 ### | AUTO [25] مسألة # وما خرج من بدن الإنسان من غير السيلين مثل القئ والرعاف، أو دم فصاد أو ~~دمل فلا وضوء فيه، كما لا وضوء في الجشاء المتغير، والقهقهة. وما أشبه ذلك ~~وبه قال ربيعة والحسن، والشافعي، وداود، وهو قول جماعة من الصحابة. PageV02P582 # وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب. # فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء. والخارج من سائر البدن إن كان ~~غير القيئ فإنه إذا سال نقض الوضوء، فأما ظهوره من غير أن يرسل فلا. # وإن كان قيئا فملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض الوضوء. # ففرق بين اليسير منه والكثير. فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيل، ~~فعنده ينقض الوضوء عندنا وعند الشافعي لا ينقضه. # والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وهو كونه على جملة الطهارة حتى يقوم دليل ~~على نقضها. # وأيضا فإن إيجاب الوضوء بعد الطهارة المتقدمة يحتاج إلى دليل. # وأيضا قول ms171 النبي عليه السلام: (إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا ينصرف PageV02P583 # حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين ~~من الحدث، والنهي يفيد التحريف، إلا أن يقوم دليل. # وأيضا ما رواه أبو داود مسندا عن عقيل بن جابر عن جابر في غزوة ذات ~~الرقاع مع النبي عليه السلام، وأنه قال عليه السلام: هل من رجل PageV02P584 # يكلؤنا؟. فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأصيب أحدهما بثلاثة ~~أسهم وهو في الصلا، وهو ينزعها والدم يسيل ويصلي حتى ركع ثم جاءا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فلم ينكر على المصلي ما فعل، فدل ذلك على أن ~~خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء. # فإن قيل: فليس فيه أنه أمره بغسله، فقولوا: إنه لا يجب غسله. # قيل: إن تروك النبي عليه السلام كالعموم، وكان الظاهر يقتضي ألا PageV02P585 # يغسل لولا دليل قام. # وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون الدم يزرق ولم يصب بدنه ولا ثوبه. # وجواب أخر: وهو أن إزالة الدم وغسله غير فرض - عندنا - على ما نقوله في ~~إزالة الأنجاس، فلم يأمره بغسله، ليعلمنا أن إزالته ليس بفرض. # فإن قيل: فإن تأولتم أن الدم يرزق فلم يلوثه جاز لنا أن نتأول ذلك على أن ~~سد موضع الدم، فلم يسل عن موضع الجرح، ويجوز أن يكون الدم يسيرا لا حكم له ~~- عندنا - وإنما نوجب الوضوء فيما يسيل على ظاهر البدن. # قيل: قولكم: يحتمل أن يكون سد موضع الدم باطل؛ لأنه روي أن الدم كان يسيل. # وعلى أن الحال لو كانت تختلف لكان عليه السلام يسأله عن ذلك حتى يبين له ~~الحكم فيه إذا سال. # وقولكم: يجوز أن يكون يسيرا باطل بما رويناه؛ لأن الراوي لا يخبر بسيلان ~~الدم إلا وقد ظهر على الجرح. # وأيضا ما رواه أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم فلم يزد على أن ~~غسل أثر محاجمه وصلى ولم PageV02P586 # يتوضأ، وهذا نص في موضع الخلاف. # فإن قيل: هذه حكاية ms172 عن فعلة كانت منه عليه السلام فيجوز أن يكون حصل شرط ~~المحاجم ولم يسل الدم. # قيل: هذا باطل بقوله: وغسل أثر المحاجم، وإنما غسل الدم، ولو لم يسل لما ~~احتاج إلى غسله. على أن هذا دفع المشاهدات في الحجامة. # وأيضا: ما رواه ثوبان عن النبي عليه السلام أنه كان صائما في غير رمضان ~~فأصابه غم أذاه، فقاء، ثم عاني بوضوء، فسكبت له وضوءا فتوضأ ثم أفطر، فقلت: ~~يا رسول الله، الوضوء من القيئ واجب؟. فقال: (لو كانواجبا لوجدته في ~~القرآن) قال: ثم صام الغد فسمعته يقول: (هذا مكان إفطاري أمس)، وهذا خبر حسن. # فإن قيل: فقد نجد أشياء واجبة ليست في كتاب الله عز وجل. # قيل: مرادنا من ذلك قوله عليه السلام: ليس بواجب، وعلى أن شيوخنا كانوا ~~يقولون: الفرض ما في كتاب الله نصا أو جملة بينها النبي عليه السلام، PageV02P587 # وما كان من النبي عليه السلام ابتداء فهو سنة. # وقد روي هذا الذي ذهبنا إليه عن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم، عن ابن ~~عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفي. PageV02P588 # وروي أيضا عن أنس، ومعاذ، ولا مخالف لهم في الصحابة. # ومن القياس نقول: هو خارج من غير السبيلين فوجب أن لا ينقض الوضوء، أصله ~~الدود إذا خرج من الجراحة على البدن. # ولنا أن نقيسه على الجشاء المتغير بهذه العلة أيضا. # ونقول أيضا: إن كل ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقضه كثيره، دليله الجشاء ~~المتغير. # ونقول أيضا: إن كل خارج لم ينتقض الطهر بظهوره لم يجب الطهر بجريانه ~~وخروجه، كاللعاب والمخاط. # ونقول أيضا: هو خارج من تجب بالخارج من أحد السبيلين فلم تجب تلك الطهارة ~~بالخارج من سائر البدن غيرهما. أصله الطهارة PageV02P590 # العليا التي هي الغسل. # فإن قيل: إنما لم يجب الاغتسال بالخارج من سائر البدن، لأن موجب الغسل لا ~~يخرج منه. ألا ترى أن المني والحيض يختص خروجهما بالفرج. # قيل: وكذلك البول والمذي والودي لا يخرج من سائر البدن غير السيلين، وقد ~~نقضتم الطهر ms173 بالخارج منه. # فإن قيل: فقد قال تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، فعلى كل ~~قائم إلى الصلاة غسل هذه الأعضاء غلا أن يقوم دليل. # قيل: على هذا أجوبة: # أحدهما: أنكم انتم لا يصح لكم الاستدلال بالآية؛ لأنها - عندكم - غير ~~مستقلة بنفسها؛ لأن المراد منها إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون، وما ~~لم يستقل بنفسه إلا بشرط مضاف إليه فإن في حيز المجمل يفتقر إلى البيان، ~~وهكذا يقولون في قوله تعالى {والسارق والسارقة} # وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة} الألف واللام اللتان ~~في الصلاة للجنس، فتقديره: إذا قمتم إلى الصلوات PageV02P591 # فاغسلوا وجوهكم، وهذا أمر يقتضي فعل مرة واحدة من الغسل، وهذا قد غسل ~~وجهه لصلاة مضت، فمن زعم أن عليه أن يغتسل لصلاة ثانية فعليه الدليل. # وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت لكان قول النبي عليه السلام: لا وضوء إلا من ~~صوت أو ريح وقوله: لو كان الوضوء واجبا لوجدته في القرآن، يخصه ويقضي عليه، ~~وكذلك نخصه بالقياس أيضا. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام للمستحاضة: (أنه دم عرق وليست بحيضة، ~~فتوضئي لكل صلاة) فأمرها بالوضوء منه وعلله بأنه دم عرق، فتعليله يقتضي أن ~~كل موضع يوجد فيه دم عرق أن يكون فيه الوضوء، وهذا عمدة لهم في المسألة. # وأيضا فما رواه ابن جريج عن ابيه عن ابن أبي مليكة عن PageV02P592 # عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قاء أو رعف في صلاته ~~فلينفتل عن صلاته وليتوضأ وبين على صلاته) فأمر بالخروج من الصلاة بالقيئ ~~والرعاف، ثم أمر بالوضوء أمرا يقتضي الوجوب، وبالبناء على صلاته. PageV02P593 # قيل: أما حديث المستحاضة فعنه أجوبة: # أحدهما: أن النبي عليه السلام علل الدم الخارج من مخرج الحيض، ألا ترى ~~أنه قال: (إنه) وهذه الهاء ضمير له. وقال (ليست بالحيضة) والتعليل إذا كان ~~في شيء مخصوص كان تعليلا فيه وفي نظائره من كل دم يخرج من مخرج الحيض، وفي ~~كل امرأة يصيبها ذلك في العرق المخصوص. # وجواب آخر: ms174 وهو أن النبي عليه السلام علل إسقاط الغسل الذي يجب بدم ~~الحيض، ولم يعلل لإيجاب الوضوء؛ بدليل قوله: وليست بالحيضة ولو كان التعليل ~~يوجب الوضوء لم يقل: وليست بالحيضة؛ لأن الحيضة توجب الوضوء. # وجواب آخر: وهو أن الذي حكي أنه عليه السلام قال إنه دم عرق لا تعرف هذه ~~اللفظة في خبر صحيح أصلا، ولم توجد في الكتب، وإنما الخبر الصحيح هو قوله ~~للمستحاضة: توضئي لكل صلاة. # وجواب آخر: وهو أننا نقول: تتوضأ على الاستحباب. PageV02P594 # وقد تكلمنا على أن الأحداث التي تخرج عن العادة لا تنقض الوضوء، وأن ~~استئناف الوضوء لها مستحب، فلم يلزمها هذا. # وأما حديث عائشة وقوله عليه السلام: من قاء أو رعف في صلاته فقد قيل: إن ~~الحديث في كتاب ابن جريج عن أبيه فقط موقوفا عليه. PageV02P595 # وقد قيل: إن الحجاج بن أرطأة أيضا رواه، وهو ضعيف. # فإن صح جاز أن يحمل على الوضوء اللغوي، وهو غسل موضع القيئ والرعاف، كما ~~روي عن معاذ بن جبل أنه قال: ليبس الوضوء من الرعاف والقيئ ومس الذكر وما ~~مسته النار بواجب. فقيل له: إن أناسا يقولون: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: الوضوء مما مسته النار، فقال معاذ: PageV02P596 # إن قوما سمعوا ولم يعو، كما يسمى غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، ~~وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم ~~مما مست النار وليس بواجب، وهذا تفسير منه للوضوء من القيئ والرعاف. # وعلى أن الحديث مطلق، ولم يفرق فيه بين القليل والكثير، فمهما أجبتم به ~~في القليل فهو جوابنا في الكثير. # فإن قيل: إذا قلتم: إنه عليه السلام أراد الوضوء للغوي لزمكم القول به في ~~مس الذكر؛ لأنه مذكور في الخبر. # قيل: نحمله عليه إذا مسه لغير شهوة. وقد روينا في مس الذكر: يتوضأ وضوءه ~~للصلاة. # فإن قيل: فقد روي أن سلمان رعف بحضرة النبي عليه السلام فقال له: يا ~~سلمان، أحدث وضوءا، وهذا أمر يقتضي الوجوب. PageV02P597 # وأيضا فإن هذا القول قد روي عن ms175 علي وابن عباس - رضي الله عنهما -. # فأما علي فكان يرى الوضوء من القلس. # وعن ابن عباس قال: الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك. # قيل: أما قول النبي عليه السلام لسلمان رضي الله عنه: أحدث وضوءا محمول ~~على الوضوء اللغوي، أو على الاستحباب بما ذكرناه. # وما روي عن علي وابن عباس، فقد روي عن ابن عباس خلافه PageV02P598 # فقد عارضناهم بأكثر من ذلك عن الصحابة، وينبغي أن نستعمل أقوالهم حتى لا ~~تتنافى، فقول من قال: فيه الوضوء. محمول على الاستحباب، وقول من خالف محمول ~~على نفي الإيجاب، وهذا يجب في استعمال الأخبار عن النبي عليه السلام إذا ~~تعارضت. # فإن قيل: فلنا قياس بإزاء قياسكم، وهو أن هذا نجس خرج بنفسه من البدن إلى ~~موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب أن يوجب الوضوء، أصله الخارج من السبيلين. # وقولنا بنفسه، احترازا من القيئ القليل. # وأيضا فإن الخارج من البدن ينقض الطهر، كما أن الواصل إلى الجوف ينقض ~~الصوم، ثم قد نقول: إنه لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر ~~البدن في نقص الصوم، فذلك أيضا لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من ~~سائر البدن نقض الطهر. # قيل: أما القياس الأول ففاسد من وجوه. # أحدهما: أنه لا يستمر على أصلنا؛ لأن سلس البول والمذي والمني - عندنا - ~~لا ينقض الطهر. PageV02P599 # والثاني: أنه لا تأثير له أيضا؛ لأن البول سواء خرج بنفسه أو بخارج فإنه ~~ينقض - عندكم -: لأنه إن سلس البول خرج بنفسه، وإن استدعاه خرج وعليه ~~الوضوء. # وقولكم: إنه خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا تأثير له أيضا؛ لأن ~~الوضوء ينتقض بظهور البول وإن لم يخرج إلى موضع يلحقه حم التطهير؛ لأنه قد ~~يزرقه ولا يصيب ما عدا مخرجه. # وعلى أنه منتقض بالقيئ القليل فإن المعنى فيه المعنى فيه موجود، ولا ينقض ~~الوضوء. # فإن قيل: القليل منه لا يخرج بنفسه، وإنما يخرج بالعلاج؛ لأن السيالة ~~طبعها النزول. # قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الكثير منه غنما يخرج بدفع ms176 الطبيعة له ولا يخرج ~~بنفسه، وقد يستدعي الإنسان القيئ فيخرج تارة قليلا، وتارة كثيرا، وقد يخرج ~~بنفسه تارة قليلا، وتارة كثيرا. # وعلى أن المعنى في الخارج من السبيلين هو أن قليله المعتاد ينقض كما ينقض ~~كثيره المعتاد، وخروج الريح أيضا منه ينقض فكذلك غير الريح، وليس كذلك في ~~القيئ؛ لأن خروج الريح المقارنة له لا ينقض فلم ينقض هو أيضا. # وأما ما ذكروه من الصوم فهو قياس الداخل إلى البدن على الخارج PageV02P600 # منه، وهذا قياس الضد، ومن أصحابنا من لا يقول به. # ومع هذا فإنها دعوى لا على أصل بعلة. # ثم لو سلمناه لكان مع ذلك فاسدا بأشياء في الأصل والفرع. # فأما في الفرع، فالبلغم وقليل القئ وقليل الدم وبالدورة اليابسة وبالدواء ~~إذا خرج من الجرح على جهته. # وأما في الأصل فقد زعموا أنه إذا داوى جرحه بدواء يابس لم يفسد صومه ولو ~~احتقن بدواء يابس أفسد صومه. # ثم إننا نتطوع بالفصل بين الصوم والطهارة، فنقول: إن الريح تبطل الطهارة، ~~ولا يبطل بخروج الريح منه، والصوم لا يبطل بالغلبة في القئ، والوضوء يبطل ~~بالغلبة فيه - عندكم -. # على أن المعنى في الناقض للصوم هو أن قليله ينقض الصوم فكذلك كثيره، ولما ~~كان قليل القئ لا ينقض الوضوء لم ينقضه كثيره. # ثم نرجح قياسا بأشياء، منها: أن سائر الأصول تشهد له من استواء حكم ~~القليل والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، ~~والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، من البصاق ~~والبلغم والجشاء المتغير والعرق PageV02P601 # والدموع، ومن الغائط والبول والمني والمذي على غير وجه العادة. # فإن قيل: ليس يخلو من أن يكون الحكم متعلقا بالخارج أو بالمخرج، فيبطل أن ~~يتعلق الحكم بالموضع؛ لأننا وجدنا أحكام الموضع مختلفة، فتارة يخرج البول ~~فيوجب الوضوء، وتارة يخرج المني فيوجب الغسل، والحيض مثل ذلك، فصح أن ~~الاعتبار بالخارج. # قيل: هذا يبطل على مذهبكم؛ لأنكم تقولون: لو احتقن بشيء نجس فخرج على ~~جهته انتقض وضوءه، ولو داوى جرحه بشيء ms177 نجس فخرج على جهته لم ينتقض الوضوء، ~~فقد اعتبرتهم المخرج دون الخارج، وهو أيضا باطل بما ذكرناه من الدودة ~~اليابسة وبقليل القيئ ثم نقول: أليس قد انتقض الوضوء بالتقاء الختانين؟. # على أننا نقول: قد استوت هذه الأشياء كلها في الخروج، واختلفت في ~~الأحكام، فلا ينبغي أن يراعي خروجها حسب. # فإن قيل: قد اتقنا على أنه إذا خرج من البدن وجبت فيه طهارة وهي إزالته ~~عن البدن والثوب، فكذلك يجب فيه الوضوء الذي هو طهارة قياسا على ما يخرج من ~~السبيلين. # قيل: هذا لا يلزمنا من وجهين: # أحدهما: أن الذي يخرج من السبيل على غير العادة لا تجب فيه الطهارة. # والوجه الثاني: هو أن إزالة النجاسة ليست بفرض - عندنا - على ما ذكرناه. PageV02P602 # على أنه لو صح القياس على أصولنا منتقضا بالقليل من القئ الرعاف؛ لأن ~~قليل ما يخرج من السبيل ينقض الوضوء، ويوجب الإزالة، وقليل الدم والقئ يوجب ~~الإزالة ولا ينقض الوضوء. # وعلى أنه يصيب بدن الإنسان وثوبه نجاسه من غيره، مثل الدم والبول فيجب - ~~عندهم - إزالته ولا يجب منه الوضوء على من أصابه. # ويبطل أيضا على مذهبهم؛ لأنه لو كان الخارج أقل من دورهم نقض الوضوء ولم ~~تجب إزالته. # فإن قيل: فقد روي في خبر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دما سائلا، وظاهر هذا ~~يفيد إيجاب الوضوء فيه إذا كان سائلا. # قيل: هذه حجة لنا؛ لأنه نفى الوضوء في القطرة والقطرتين، وأنتم توجبون ~~الوضوء في مثل هذا، فعلم أنه أراد غسل ذلك، وهو اسم وضوء في اللغة. # فإن قيل: فقد روي جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ~~كان الرعاف مما يقطر في الأرض ففيه الوضوء) PageV02P603 # قيل: أراد الوضوء اللغوي من غسله، أو نحمله على الشرعي استحبابا بما ~~ذكرناه من الأخبار المعارضة له، وبالقياس المرجح أيضا. # فإن قيل: فإنه خارج من جنس ما يوجب الإزالة فجاز أن تتعلق بجنسه الطهارة. ~~دليله ms178 الخارج من السبيلين. # قيل: لا نسلم وجوب الإزالة على أصولنا في إزالة الأنجاس فلم تسلم العلة. # على أننا قد عارضناه بقياس آخر، ثم بينا العلة في الخارج من السبيلين، ~~وأن قليله يوجب ما يوجب كثيره، وأن الريح المقارنة تعمل عمله في نقض ~~الوضوء. # وقد رد محمد بن الحسن هذه المسألة على مالك - رحمه الله - وقال: كيف ~~تركتم ما رويتم عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع ~~فبنى على صلاته ولم يتكلم؟، ورويتم أن PageV02P604 # عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيتوضأ ثم يرجع فيبني على ما صلى؟، ~~ورويتم عن عبد الله بن قسيط الليثي أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي ~~فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي عليه السلام فأتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى ~~على صلاته؟. فتركتم هذه الأحاديث اليت رويتموها، وعدلتم إلى أن تقولوا: أن ~~يغسل الدم ويستأنف الصلاة. فتركتم البناء والوضوء، وعدلتم إلى غسل الدم ~~واستئناف الصلاة. # قال: والعجب ممن يقول: إن أهل المدينة يقولون بالآثار، وهم يروونها ثم ~~يتركونها عيانا، ثم يتأولون ذلك، ويشبهون القيئ والرعاف والريق والمخاط، ~~والقيئ والدم نجسان، والريق والمخاط طاهران. PageV02P605 # وأجابه القاضي إسماعيل - رحمه الله - عن ذلك بأن قال: الذي رواه مالك عن ~~عبد الرحمن بن حرملة أنه رأى سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى يختضب ~~أصابعه من الدم يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ. وهذا يدل على أنه لا يرى ~~في ذلك وضوء. PageV02P606 # وأنه إنما انصرف حين رعف في الصلاة، لأنه لم يمكنه أن يصلي وهو يرعف، ~~ولما أصابه ذلك وهو في غير الصلاة نحاه عنه، ثم صلى ولم يتوضأ. # قال: وعلى هذا تأول أمر ابن عمر؛ لما روي عنه أنه كان يخرج منه قيح أو دم ~~فلم يتوضأ، وروي عنه عطاء أنه زاحم على الحجر حتى أدمى أنفه، ثم ذهب فغسله ~~صم عاد. فذكر عنه غسله , ولم يرو عنه توضأ، والطائف بالبيت في صلاته، عليه ~~أن يتوضأ إذا انتقض وضوؤه. ms179 # قال: والوضوء من الدم فيما نوى غسله ليس وضوء الصلاة. # قال: وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتوضأ بالماء لما تحت الإزار. ~~فعلم أنه غسل الأذى، فلو كان الرعاف ينقض الوضوء لا ينتقض الصلاة؛ لأنه ~~يكون فيها وهو على غير وضوء، وإنما جاز أن يغسل ويبني؛ لأنه على غير وضوء. ~~ولو أن رجلا رعف فلم يجد PageV02P607 # الماء إلا بعيدا من مكانه لم ينبغ له أن يبني؛ لأنه جاء عن سعيد أنه غسل ~~الدم في حجرة أم سلمة، وقد رخص للذي ينسى السلام أن يرجع إذا كان قريبا ~~فيتشهد وسلم، وقد قال مالك - رحمه الله -: لو كان الرعاف عند ابن عمر ينقض ~~الوضوء لما بنى على صلاته. # قال القاضي إسماعيل: والوضوء قد عني به التطهير للصلاة وقد يعني به غسل ~~الأذى. فإذا لم يكن الأذى دل اللفظ بالوضوء على وضوء الصلاة الذي يطهر ~~الذنوب. وإذا كان الأذى دل على تطهير النجاسة. وقد روى قتادة عن سعيد بن ~~المسيب أنه قال: من مس لحما نيا فليتوضأ. فقيل لقتادة: فلو مسست دما هل كان ~~إلا أغسل ذلك الدم؟. قال قتادة: لا أدري لعل الوضوء هو ذاك. # وقد روي عن أبي هريرة أنه أدخل أصبعه في أنفه وأخرجها متلطخة بالدم وصلى. # وكان سعيد يختضب أصابعه من الدم من أنفه ثم يصلي. # وروي عن أبي أمامة أنه كان يقول: الوضوء فيما PageV02P608 # خرج من النصف الأسفل. # وقد روي عن خلق من التابعين أنهم قالوا: لا وضوء في الرعاف وخروج الدم من ~~غير السبيل. # وتكلم إسماعيل على محمد بن الحسن في قوله: إن الدم نجس، والريق طاهر، وإن ~~كل خارج من البدن نجس ينقض الطاهرة، وناقضه بالقليل منه تفرقته بين ذلك ~~وبين قليل ما يخرج من السبيل، وبالله التوفيق. PageV02P609 ### | AUTO [26] مسألة # ولس في قهقهة مصل وضوء، وهي - عندنا - كالكلام لغير إصلاح الصلاة، فتبطل ~~الصلاة ولا تبطل الطهارة. # وبه قال من الصحابة أبو موسى الأشعري وجابر، ومن التابعين عطاء والزهدي ~~ومن الفقهاء الشافعي وأحمد وإسحاق ms180 وداود. PageV02P610 # وقال الحسن والنخغي والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: إنها ~~تنقض الصلاة والوضوء جميعا. # وحصل الإجماع في أنها لا تبطل الوضوء في غير الصلاة. # والدليل قولنا: كونه داخلا في الطهارة على الصحة فلا يخرج منها إلا بدليل. # ولنا أيضا قول النبي عليه السلام: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) # وأيضا ما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (المقهقه في صلاته والمتكلم سواء). # فإن قيل: ليس كلامنا في الضحك، وإنما خلافنا في القهقهة. PageV02P611 # قيل: المراد بالضاحك ههنا المققهقة؛ لأنه عليه السلام جعله كالكلام في ~~الصلاة، وما دون القهقهة ليس حكمه حكم الكلام في الصلاة. # وروي أيضا في هذا الحديث أنه عليه السلام قال (الضاحك في الصلاة والمفقع ~~أصابعه، والملتفت بمنزلة واحدة)، فأجراه مجرى من لا ينتقض طهره بفعله. # فإن قيل: قوله عليه السلام: (لا وضوء إلا من صوت الريح) حجة لنا؛ لأن ~~القهقهة صوت. # قيل: إنما أشار إلى صوت على صفة، وقد عقل أن القهقهة لا تدخل فيه. # يبين هذا: ما روي في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لا وضوء إلا من حدث، والحدث أن يفسو أو يضرط). PageV02P612 # ونقول أيضا: إن كل ما لم يكن حدثا في غير الصلاة لم يكن حدثا في الصلاة ~~كالكلام، عكسه البول والغائط، لما كان حدثا في غير الصلاة كان حدثا في ~~الصلاة. # وأيضا فإن كل معنى لا ينقض قليله الوضوء لم ينقض كثيره، كالمشي والتبسم. # ونقول أيضا: إن القهقهة جنس نطق قد أبيح في غير الصلاة فلم ينقض الطهر ~~إذا حدث خارج الصلاة لم ينقضه إذا حدث في الصلاة. دليله الضحك الذي ليس ~~بقهقهة. # ثم الأصول تشهد لما نقول، وذاك أن كشف العورة في غير الصلاة لا ينقض ~~الوضوء، كذلك مس النجاسة، وكذلك في الصلاة. ووجدنا الغائط والبول واللمس ~~للذكر لشهوة كل ذلك ينقض الوضوء في غير الصلاة وينقضه في الصلاة. # فإن قيل: قد فرقتم بين النوم في الصلاة ms181 وغير الصلاة. # فإن قيل: لا فرق بينهما؛ لأن النوم الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه ~~في الصلاة. PageV02P613 # فإن قيل: فرؤية الماء قبل الصلاة للمتيمم بخلافه في الصلاة. # قيل: ليس رؤية الماء حدثا، والمتيمم على غير طهر في الصلاة وفي غير ~~الصلاة، وإنما هو مستبيح للصلاة بالتيمم فعليه الوضوء في غير الصلاة؛ إذ ~~الطلب لم يسقط وإنما علمنا أن الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في ~~الصلاة، وما لا ينقض الوضوء في غير الصلاة لا ينقضه في الصلاة. # وأيضا فإن القهقهة لا تبلغ حد الكلام المبني على حروف مستقيمة، ويمكن ~~الإنسان ضبطه، ولعل الضحك والقهقهة ربما بدر فلم يمكن الإنسان دفعه، فإذا ~~لم ينقض الكلام الوضوء، فالقهقهة أولى أن لا تنقضه. # فإن قيل: إن الردة بالكلام تنقض الوضوء. # قيل: فقد استوى الحكم فيها قبل الصلاة وفي الصلاة. # على أننا قلنا: إن ما لا ينقض في غير الصلاة من الكلام لا ينقضه في ~~الصلاة. ثم إن الردة لم تنقض نفس الوضوء، وإنما عملت في الأصل PageV02P614 # فانجر ذلك إلى إحباط أعماله كلها، ويدخل الوضوء في جملتها. ألا ترى أن ~~قذف المحصنات - الذي هو أغلط الكلام ولا ينحبط معه العمل - لما لم ينقض ~~الوضوء في غير الصلاة لم ينقضه في الصلاة، وهو منهي عنه في غير الصلاة وفي ~~الصلاة، حتى إن الحد يتعلق به، فإذا لم ينقض الطهارة في الصلاة - مع غلط ~~أمره - كان القهقهة أولى لا ينقضها. # ويجوز أن نقول: هو مقهقهة فلم ينقض وضوؤه، أصله إذا قهقه في غير الصلاة. # وأيضا فإنه قهقه في صلاة فلم ينتقض وضوؤه أصله إذا قهقه في صلاة الجنازة. # فإن قيل: ليس من شرط الجنازة - عندنا - الوضوء؛ لأنه يجوز أن يصليها ~~بالتيمم على وجه مع القدرة الماء. # قيل: لابد من الطهارة إما بالماء أو بالتيمم ولو أحدث ببول أو غائط خرج ~~من الصلاة. # فإن قيل: القياس يوجب ما ذكرتم، وإنما صرنا إلى هذا؛ لما روى أبو هريرة ~~وعمران بن حصين أن رسول الله صلى الله ms182 عليه وسلم قال: (من قهقه في صلاته ~~فليعد الصلاة والوضوء) وهذا نص. PageV02P615 # وروى أبو العالية أن النبي عليه السلام كان يصلي بقوم فأقبل رجل ضرير، ~~فتردى في حفرة في المسجد، فضحك طائفة خلف النبي عليه السلام. فلما فرغ أمر ~~الطائفة التي ضحكت بإعادة الصلاة والوضوء. PageV02P616 # قيل: أكثره ما روي في القهقهة ضعيف ومرسل. # وأما أبو العالية فهو ضعيف من وجوه. # أحدها: أنه قيل فيه: أبو العالية الرياحي عندي حديثه كالرياح. # وأيضا فإن علي بن المديني ناظر عبد الرحمن بن مهدي فيه PageV02P617 # وراجعه فيه، فلم يثبت بينهما فيه سند صحيح - وهما إمامان في عصرهما -. # وأيضا فإننا روينا حديث مس الذكر فذكرتم أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ~~قالا: أربعة أحاديث لا تصح، منها مس الذكر والقهقهة. فكيف يجوز أن توردوا ~~هذه الحكاية في القهقهة وقد PageV02P618 # ألزمتموناها في مس الذكر؟. فإن تأولتم أن في حديث مس الذكر يجوز أن يكون ~~أمذى، كما تأوله ابن البلخي جاز لنا أن نتأول حديث القهقهة على أنه يجوز أن ~~يكون كان معها ريح لها صوت، فسمع النبي عليه السلام فأمر بالوضوء. # على أننا روينا ما يعارضه في حديث جابر أن النبي عليه السلام قال: (يعيد ~~صلاته ولا يعيد الوضوء) وخبرنا زائد؛ لأن PageV02P619 # فيه (ولا يعيد الوضوء). # ويجوز أن تكون هذه الزيادة ذهبت على ألئك؛ لأنه يجوز أن ينسوها، وراوينا ~~لم ينسها. # وعلى أننا نحمل خبرهم في الوضوء على الاستحباب، وخبرنا على نفي الإيجاب ~~وجواتز تركه. # وعلى أنه لم يطعن على حديث أبي العالية في الضرير لما صح متنه؛ لأن الله ~~- تعالى وصف الصحابة - رضي الله عنهم - بالرأفة والرحمة فقال: {رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا} فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز أن يضحكوا في مثل هذا؛ لأنه ~~موضع بكاء لا موضع ضحك، وقد جوزنا حمله على الاستحباب. # على أن مذهبكم أن من قهقه في صلاته خرج فتوضأ وبنى. وفي هذا الحديث أنه ~~عليه السلام أمرهم بإعادة الصلاة، فعلم أن للحديث وجها غير ما ذهبتم إليه. # ويجوز ms183 أيضا أن يكون ذلك خصوصا لأولئك الذين ضحكوا خلف النبي عليه السلام ~~من أعمى تردى في بئر؛ لأن لحضور النبي عليه السلام ما ليس لغيرها. وقد روي ~~هذا التأويل عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: ليس على من ضحك في الصلاة ~~وضوء، وإنما كان ذلك لأنهم ضحكوا خلف PageV02P620 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مذهبنا الرجوع إلى تفسير الراوي، ~~وجابر روى حديث الضرير. # ومع ذلك فهذا التأويل غير منكر في الأصول. ألا ترى أن طائفة ذهبت إلى من ~~زنى بحضرة النبي عليه السلام فهو كافر؛ لأنه مستخف بالشرع والدين، ولو زنى ~~بحضرة غيره لم يكن كافرا. # فإن قيل: فينبغي أن يكفر الذين ضحكوا بحضرة النبي عليه السلام. # قيل: إن ذلك يترتب، فإذا فعلوا كبيرة بحضرته متعمدين وجب لهم حكم الكفر، ~~ولو فعلوها بحضرة غيره لوجب تعنيفهم، فإذا فعلوا صغيرة بحضرته عليه السلام ~~انخفضت العقوبة، ولو فعلوها بخضرة غيره لم يجب عليهم شيء. PageV02P621 # فإن قيل قولكم: إنهم رحماء كما ذكر الله - تعالى - فيجوز أن يكونوا فعلوا ~~ذلك بغير علم، ثم شرع النبي عليه السلام لهم يعملون عليه. ألا ترى إلى قول ~~الله - تعالى -: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}، ~~فليس هذا بمستحيل، وقد كان أيضا بحضرته عليه السلام منافقون وأعراب لا علم ~~لهم، مثل الذي بال في المسجد. # قيل: أما التجارة واللهو الذي انفضوا إليه فإن التجارة مما يجوز أن ~~يفعلها الإنسان، وإنما يقبح فعلها مع ترك الصلاة من حيث الشرع، وقد كان ~~جائزا فعل ذلك، ثم ورد النهي عنه، وكذلك اللهو إنما كان بالأصوات والفرح ~~الذي يتابشرون عند ورود تجارتهم من المواضع. وذا شيء تدعو إليه النفس. ثم ~~حظر عليهم، وليس كذلك الضحك من مثل هذا؛ لأنه أمر لا تستحسنه إسلامي ولا ~~جاهلي، ويقبح قبل PageV02P622 # المشرع، وكذلك فعل الأعرابي في المسجد إنما قبح بالشرع. # وقولكم: قد كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم منافقون، فإننا نقول: ~~الظاهر في الصلاة غير ذلك، ولو كان كذلك لم ms184 يجز أن يقول الراوي: إن طوائف ~~من أصحاب النبي عليه السلام ضحكوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من الصحابة والراوي قطع ~~أنهم من الصحابة. # وأيضا فإن من مذهبهم أن أخبار الآحاد إذا وردت عرضت على الأصول، فإن ~~دفعتها لم يقولوا بها. # من ذلك ما قالوا في مس الذكر، وفي اليمين مع الشاهد، وخبر القرعة في حديث ~~عمران بن حصين، وحديث أي هريرة في المصراة، وهذا الحديث إذا عرضوه على ~~الأصول دفعته، فلزمهم أن PageV02P623 # يردوه ويحملوه على وجه الندب، فأحسن أحوالهم أن نسلم لهم ظاهر الحديث ~~ونحمله على الاستحباب، أو على أنه سمع من بعضهم صوت ريح إن لم يدفعه ما ~~رويناه من الأحاديث فنخصه بالقياس الذي ذكرناه. # فإن قيل: إن كان فعل يحدث باختياره تارة، وتارة بغير اختياره فهو حدث، ~~كالبول والريح وغير ذلك. # قيل: هذا باطل بأكثر الأشياء وبالحركة؛ لأن الإنسان يتحرك تارة باختياره، ~~وكل هذا ليس بحدث، وينتقض بها في غير الصلاة فإنها ليست بحدث إجماعا. # وعلى أن المعنى في البول وغيره هو أنه لما أبطل الوضوء في غير الصلاة، ~~ولما لم تبطل الوضوء القهقهة في غير الصلاة لم تبطله في الصلاة. # وعلى أنهم أرادوا أن البول يخرج بغير اختياره، ويعنون إذا سلس PageV02P624 # بوله فإنه - عندنا - لا ينقض الوضوء قبل الصلاة ولا فيها، فسقط ما ذكروه. # ونقول لهم أيضا: قد زعمتم أن لو جلس قدر التشهد في آخر صلاته، ثم قهقه، ~~كانت صلاته ماضية وبطلت طهارته، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في ~~صلاة فيجب - عندكم أن تبطل صلاته وطهارته جميعا، وإن لم يكن في صلاة فلا ~~يجب أن تبطل طهارته؛ لأن من قهقه في غير صلاة لم تبطل طهارته، وهذا من ~~مذهبكم متناقض. # فإن قيل: القياس يوجب أن لا ينقض الوضوء في الصلاة، ولكن لا نعترض ~~بالقياس على الأخبار، كما قلتم في مس الذكر وفي المصراة، كذلك نحن أيضا ~~قلنا هذا الخبر. # قيل: عن هذا أجوبة. # أحدهما: أن القياس - عندنا - مقدم على خبر الواحد إذا نافاه. # وجواب ms185 آخر: وهو أننا نحن قد دللنا على القياس يوجب مبانية PageV02P625 # الذكر لسائر الأعضاء في أحكام منها: إيجاب الحد بإيلاجه، وتكملة المهر، ~~والحصانة، والغسل، وإفساد الصوم والحج، وغير ذلك، ومعنا أيضا في المصراة ~~قياس نذكره في موضعه، وبينا أن الأصول تدفع حديث القهقهة. # وجواب آخر: وهو أننا قد روينا من الأخبار ما يعارض خبركم وذاد عليه، ثم ~~استعملناه على وجه الاستحباب، والقياس يوجب نفي وجوب الوضوء حتى لا يتلاقى ~~القياس والخبر. # فإن قيل: فإنه قهقه في صلاة فرض فانتقض وضوؤه، دليله إذا قهقه وأحدث. # قيل: معناه وجود الحدث؛ بدليل أنه لو قهقه وأحدث في غير صلاة كان كذلك. PageV02P626 ### | CHECK [27] مسألة # [27) مسألة # وما مسته النار مثل الخبز وغيره فإنه لا وضوء بأكله، وهو مذهب أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، PageV02P627 # والفقهاء بأجمعهم - رضي الله عنهم -. # وذهب جماعة من الصحابة إلى وجوب الوضوء بأكله. # وذهب إليه فيما حكي ابن عمر، وأبو طلحة - عم أنس -، وأبو موسى الأشعري، ~~وزيد ابن ثابت وأبو هريرة. PageV02P628 # والدليل لقولنا: كونه على جملة الطهارة، فمن زعم أنها تنتقض بأكل ذلك ~~فعليه الدليل. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح). # وقوله: (فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) # وأيضا قوله عليه السلام: (من مس ذكره فليتوضأ) فدليله أن من لم يمسه فلا ~~وضوء عليه، وهذا لم يمس ذكره. # وأيضا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكل كتف شاه ثم صلى ولم يتوضأ. # وكذلك روى أمية الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل لحما PageV02P629 # فصلى ولم يتوضأ. # وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام أكل لحما فصلى ولم يتوضأ. # وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام توضأ، فقالت له بعض نسائه: قد نضجت ~~القدر، فناولته كتفا، فأكل ثم مسح يديه، ثم صلى ولم يتوضأ. # وعن جابر أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ms186 خبزا PageV02P630 # ولحما، فصلوا ولم يتوضؤوا. # ومحمد بن المنكدب عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. وهذا الحديث هو العمدة في هذه ~~المسألة؛ لأنه حكى أنه آخر الأمرين من فعله فنسخ كل ما مضى؛ لأن ترك الوضوء ~~يكون بعد ما مضى. PageV02P631 # وروي عن ابن عباس مثله. # فإما أن يكون مضى كان واجبا أو مستحبا فقد تركه عليه السلام آخر أمره. # وأيضا فلا نعلم خلافا أن الوضوء لا يجب من شرب الماء الساخن، وهو مما ~~مسته النار. # وأيضا فقد حصل الاتفاق على أنه لو أكل حشيشا، أو شيئا من الفكهة لم يجب ~~عليه الوضوء، والمعنى فيه أنه أكل لشيء حلال، فكل من أكل شيئا حلالا فلا ~~وضوء عليه. # فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (توضؤوا مما غيرت ~~النار). PageV02P632 # وروى عن أم سلمة قالت: في بيتي كان هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل ~~كتفا من لحم ولم يتوضأ، ثم أتي بشيء من أقط فأكل وتوضأ، قلت يا رسول الله، ~~إنك لم تتوضأ في المرة الأولى، فقال: توضؤوا مما مست النار. # قيل: هذا عندنا على أحد وجوه. # إما أن يكون منسوخا؛ بدليل ما روى عن جابر محمد بن PageV02P633 # مسلمة أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحما وصلى ~~ولم يتوضأ، وعن ابن عباس وجابر أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ترك الوضوء مما مسته النار. # أو نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل الفم واليد، وقد ذكرناه عن معاذ ~~أنه قال: ليس الوضوء في هذا واجبا، فقيل له: إن أناسا يقولون: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤوا مما مست النار) فقال معاذ: إن قوما سمعوا ~~ولم يعو، كنا نسمي غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم PageV02P634 # وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب. # ويجوز ms187 أن نحمل ذلك على الاستحباب لما رويناه. # وقد قيل: إن حديث أم سلمة رواه عمر عن حميد عنها، وفي حفظ عمر هذا شيء. # وقد روي عن جابر قال: قرب للنبي صلى الله عليه وسلم خبز ولحم، فأكل ثم ~~دعا بوضوء فتوضأ وصلى الظهر، ثم دعا فضل طعامه فأكل، ثم قام إلى صلاة العصر ~~ولم يتوضأ. # والمعمول على الحديث الذي فيه كان آخر الأمرين منه عليه السلام ترك ~~الوضوء مما مست النار. PageV02P635 ### || AUTO فصل # فأما إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه، وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي. # وقال أحمد: عليه الوضوء، نيا كان أو مطبوخا. # واستدل له بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال PageV02P636 # "توضؤوا منها" وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضؤوا منها) ~~وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: (لا تصولا فيها؛ فإن فيها شياطين) ~~وسئل عن الصلاة في مبارك الغنم فقال: (صلوا فيها؛ فإن فيها بركة)، فأمر ~~بالوضوء من لحم الجزور أمرا ظاهره الوجوب، وأسقط ذلك عن أكل لحوم الغنم. # والدليل لقولنا: الظواهر التي ذكرناها قبل هذا الفصل. # وأيضا فإن الذي ينقض الوضوء هو ما خرج من الجوف على صفة، فأما ما يصل إلى ~~الجوف فلا ينقص؛ لأنه لو حقن ووصلت PageV02P637 # الحقنة إلى جوفه لم ينتقض الوضوء، ولو خرج مثلها من جوفه لا ينتقض ~~الوضوء. # فأما خبرهم فيحمل على الاستحباب، أو على غسل اليد إنما فرق عليه السلام ~~بين لحم الإبل والغنم؛ لأن لحم الإبل له سهوكة ليست للحم الغنم، فاستحب ذلك ~~في لحوم الإبل لقطع السهوكة. # أو نقول أيضا: هو مأكول فلا يؤثر أكله في نقض الطهارة ولا إيجابها، أصله ~~سائر المأكولات. # وأيضا فإن تناول الأشياء النجسة، مثل الخمر والميتة والدم لا يوجب ~~الوضوء، فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة أولى. # وأيضا فإنه لا يخلو أن يحكم لذلك، ولما مسته النار بحكم الأشياء الطاهرة ~~فقياس على نظائرها، أو ms188 بحكم الأشياء النجسة فقياس على ما هو من جنسها، ~~والجميع مما لا يوجب الوضوء، وبالله التوفيق. PageV02P638 ### | CHECK [28] مسألة # [28) مسألة # من يتقين الطهارة وشك في الحدث بعد ذلك فعليه الوضوء، هذا ظاهر قول مالك ~~- رحمه الله -. # وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ. # واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو مستحب. قال بعضهم: هو واجب. # وإلى هذا كان شيخنا أبو بكر - رحمه الله - يذهب. وأنا أختاره. # وقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع ~~الصلاة، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك. # وقد روي هذا عن مالك. PageV02P639 # وروي أيضا أنه قطع الصلاة أيضا ويتوضأ. # وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يبني على يقينه، وهو على وضوئه بيقين. # والدليل لقولنا: هو أن الطهارة لا تراد لنفسها وإنما تراد الصلاة، ~~والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بيقين. # وأيضا فإنه أخذ عليه أن يدخل في الصلاة بيقين طهارة، وقد قدح الشك في ~~يقين طهارته لا محالة، فصار بمنزلة من تيقنالحدث وشك هل تطهر أو لا؟. فإنه ~~يجدب عليه أن يتطهر حتى يدخل في الصلاة بيين طهارة. # فإن قيل: هذا دليل، لأنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة رجع إلى يقينه في ~~الحدث فيجب أن يتطهر، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث ينبغي أن يرجع ~~إلى يقينه في الطهارة فلا يزيلها الشك. PageV02P640 # قيل: إننا لم نأمره بالطهارة إذا شك فيها وقد تيقن الحدث من أجل تيقن ~~الحد، وإنما أوجبنا عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، فكذلك ~~إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث نوجب عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين ~~طهارة؛ إذ الطهارة لا تراد لنفسها، وإما تراد للصلاة. # وأيضا فإن الطهارة قد تتقدم، ثم تطرأ عليها الشك فيبطلها، مثل المتطهر ~~إذا نام مضطجعا، فإن الطهارة عليه واجبة، وليس النوم في نفسه حدثا وإنما هو ~~من أسباب الحدث، الذي ربما كان وربما لم يكن. # فإن قيل: إن النبي عليه السلام شبه النائم بالزق المشدود، إذا حل ms189 وكاؤه ~~خرج ما فيه، ولا يجوز أن يقع الخبر بخلاف مخبره. # قيل: استطلاق الوكاء صحيح، ولم يقل عليه السلام: إنه إذا استطلق الوكاء ~~يخرج ما في الزق لا محالة، وقد يخرج بالاستطلاق وقد لا يخرج؛ لأنه قد يكون ~~في الزق شيء جامد فلا يخرج حين الاستطلاق، ولعله أن يخرج بعد وقت. # وعل كل حال ليس نفس الإطلاق هو الحدث، وإنما الحدث ما يخرج منه، وما في ~~جوف ابن آدم قد يخرج عند الاستطلاق وقد لا يخرد؛ لأننا نجد خلقا لعلهم في ~~بعض الأوقات يجتهدون أن يخرج منهم ريح أو غيرها، وهم يقدون ذلك ويتعمدونه ~~مع الاستطلاق فلا PageV02P641 # يكون منهم شيء من ذلك، وإنما أراد النبي عليه السلام أن الأغلب أن يكون ~~ذلك من النائم، وهذا كله شك لا محالة، وقد وجبت الطهارة حتى يدخل في الصلاة ~~بيقين طهارة، وقد يخرج أيضا من المستيقظ الريح فينسى ذلك وإن كان يتقين ~~قبله طهارة. # ومما يدل على أن نفس استطلاق الوكاء ليس بحدث، وقد يجوز أن يخرج الريح ~~معه ويجوز أن لا يخرج: قول النبي عليه السلام لما نام ونفخ (إنه تنام عيني، ~~ولا ينام قلبي) فيعلم ما يخرج منه. # ولنا من الظواهر قول الله - تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} فالظاهر منه أمر لكل قائم إلى كل صلاة على أي وجه قام إلا أن يقوم دليل. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور)، ولا نسلم أن هذا ~~متطهر في حال دخوله وكونه في الصلاة. # وأيضا فإن إطلاق طهور يفيد طهورا بلا شك، ولم يقل: إلا بطهور مشكوك فيه. # فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: شكي PageV02P642 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه الشيء وهو في الصلاة. ~~فقال: (لا ينفتل من صلاته حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا). # وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا ms190 بين أليتيه فلا ينصرف حتى ~~يسمع صوتا أو يجد ريحا). # وروي أن النبي عليه السلام قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة ~~فينفخ بين أليتيه فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا). PageV02P643 # قيل: على هذه الأحاديث جوابان: # أحدهما: أنها وردت فيمن هو في الصلاة، فنحن نقول بموجبها على أظهر ~~الروايتين عن مالك؛ لأن الصلاة تراد لنفسها، والوضوء لها يراد، فإذا دخل في ~~الصلاة بيقين طهارة فقد حصل المقصود الذي أريدت له الطهارة، وتناهي دخوله ~~فيها فلم يبطل ما دخل فيه، ولو أبطلنا الصلاة أبطلنا بالشك عملين، أحدهما: ~~الصلاة، والآخر: الطهارة التي أريدت للصلاة وقد دخل بها فيها، وإذا كان قبل ~~الصلاة فإنا يبطل عمل واحد وهو الطهارة التي تراد للصلاة لا لنفسها. # الجواب الآخر: على الوجه الذي يبطل الوضوء في الصلاة وقبلها فإننا نقول: ~~نفخ الشيطان بين أليتيه، وما يخيله إليه يشككه هل هذا حدث ينقض الطهارة أو ~~لا؟، ومسألتنا فيه إذا شك هل أحدث الذي يتيقنه عند خروجه ولا يشك فيه أنه ~~حدث؟ مثل الصوت والريح، وهل خرج منه ذلك حتى سمعه أو شمه ثم نسيه أو لا؟. # على أن هذا يجوز أن يخص فيكون تقديره: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا إلا أن تقوم دلالة على شيء آخر، كما لو بال PageV02P644 # فلم يسمع صوتا ولا وجد ريحا أو أمذى، وقد ذكرنا أدلة تخص هذا الظاهر. # ولنا أن نقيسه عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ بعلة أنه لا يمكنه أن ~~يدخل في اصلاة بيقين طهارة في الحال. # فإن قيل: فإنه شك طرأ على يقين فوجب أن لا يزال ذلك اليقين به. وأصله إذا ~~كان محدثا فشك هل تطهر أو لا؟ فيصير الأصل الذي قستم عليه أصلا لنا. # قيل: هذا فاسد بأشياء على مذهب الشافعي وأبي حنيفة. # فأحدهما: إذا كان له عبد فهرب منه وفقد خبره، ولا يعلم موضعه فأعتقه عن ~~كفارة ظهاره لم يجزئه، والأصل يقين حياته، ولم تسقط الكفارة عن ms191 ذمته، فقد ~~دفعتم يقين حياته بالشك في وفاته، لأن سبيل الكفارة أن تسقط عن ذمته بيين ~~العتق. فهذا نقض وهو شاهد لنا؛ لأن الصلاة في ذمته بيقين فلا تسقط بيقين ~~طهارة قد عارضها شك. # فإن قيل: على هذا أنه قد تقابل في الكفارة يقينان: بقاء حياة العبد، ~~وبقاء فرض الكفارة في ذمته، والظاهر يشهد لبقاء الفرض في ذمته، وهو فقد خبر ~~العبد، وعدم العلم بموضعه، وليس كذلك في هذه المسألة. # قيل: الأمران سواء لا فرق بينهما، وذلك أنه قد تقابل في مسألتنا يقينان: ~~أحدهما: يقين الطهارة، والآخر: يقين الصلاة في ذمته، PageV02P645 # والظاهر فقد يقين الطهارة بالشك فيها؛ لأن الحدث ينافيها، ولا يتحقق ~~دخوله في الصلاة بها، ولا يتقين سقوط الصلاة عن ذمته. # والوجه الثاني: الذي يفسد ما ذكروه: هو أن المقيم - عندهم - يمسح على خفه ~~يوما وليله، ثم لو شك هل مسح يوما وليله أو دون اليوم والليلة لم يجز له أن ~~يمسح، وعليه أن يجدد الوضوء. والأصل بقاء وقت المسح، وأن اليوم والليلة لم ~~يمضيا فأزالوا اليقين بالشك. # والوجه الآخر: قالوا: إذا بالت الظبية في ماء هو أكثر من قلتين ووجد ~~الماء متغيرا لم يجز له الوضوء منه. ويجوز أن يكون هذا التغير حصل من بول ~~الظبي فيمنع من الوضوء به، ويجوز أن يكون التغير حصل بنفسه من غير البول ~~فلا يمنع من الوضوء به. فأزالوا طهارة الماء الكثير بالشك. # فإن قيل: لم نزل اليقين ههنا بالشك، وإنا رفعنا اليقين بيقين يشهد له ~~ظاهر؛ وذلك أن طهارة الماء يقين وحصول النجاسة فيه يقين والتغير مشكوك فيه ~~هل حصل من النجاسة أم لا؟، والظاهر أن التغير حصل من النجاسة فرجحنا به ~~يقين النجاسة ورفعنا به طهارة الماء. وفي مسألتنا بخلاف هذا؛ لأنه لا ظاهر ~~يشهد ويرجح به بقاء فرض الصلاة في ذمته فاستصحبنا يقين طهارته. # قيل: الشك في الموضعين حصل لا محالة. شك في نجيس الماء وشك في الحدث، وغن ~~افترق وجها الشك فيهما، فإذا رفع يقين الماء بالشك رفع ms192 يقين الطهارة بالشك؛ ~~حتى يسقط فرض الصلاة عن ذمته. PageV02P646 # بيقين. على أن ظاهر وجود القلتين وأكثر أقوى من ظاهر وزن درهمين من بول ~~غزال فيهما، فإذا تغير الماء فالظاهر أنه لم يتغير من ذلك، فينبغي ألا يرفع ~~حكم طهارته بهذا الشك. # وعلى أننا قد ذكرنا القياس عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، وقياسنا ~~أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط لصلاة فيسقطها بيقين، وهو ناقل عن براءة ~~الذمة، وعن الحال المتقدمة، وموجب. # فإن قيل: فإن الأصول مبنية على اليقين. فمن ذلك ما روي أن النبي عليه ~~السلام قال: (إذا شك احكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليبين على ~~يقينه) وكذلك لو شك هل طلق أولا؟ لم يلزمه الطلاق؛ لأنه على يقين نكاحه، ~~وهذا لو شك هل أصاب بدنه أو ثوبه نجس أو لا؟ فإنه يبني على يقين طهارته. # قيل: عن هذا واجبان: # أحدهما: أننا قد أريناكم في الأصول العمل على الشك، مثل عتق العبد الآبق ~~في الكفارة وغير ذلك. # والجواب الآخر: هو أن الذي ذكرتموه في الصلاة عروضه أن يشك في الطهارة هل ~~غسل الأربعة الأعضاء أو الثلاثة منها؟. فإنه يبني على اليقين، وهذا حجة ~~لنا؛ لأنه يرجه فيغسل عضوا لعله قد غسله، ويصلي ركعة لعله قد صلاها؛ ~~احتياطا للصلاة حتى تسقط بيقين، فلا ننكر أن يعيد طهارة قد تطهرها؛ احتياطا ~~للصلاة حتى تسقط عنه بيقين. PageV02P647 # وأما من شك هل طلق أو لا؟ فقد روي عن مالك أنها تطلق. # ولكن الأظهر أنها لا تطلق، بل يستجب له أن يطلق. والفرق بين الموضعين هو: ~~أن المقصود في النكاح الاستمتاع والوطء نفسه. فلم يعمل الشك في يقينه. # وأيضا فلو أعملنا الشك في يقينه للحقت فيه المشقة العظمى: لأن الشكوك ~~تكثر من الناس، وليس في إعادة الطهارة من المشقة ما في ابتداء التزويج. # وقد فرقت الأصول بين ما تكثر فيه المشقة وما تقل فيه. فمن ذلك: الحائض لم ~~تكلف قضاء الصلاة؛ لتكررها في كل يوم خمس مرات، وكلفت قضاء الصيام؛ لأنه ms193 في ~~السنة مرة واحدة. # وأما إذا شك هل في ثوبه نجس أو لا؟. كان على ما هو عليه، لو صلى به ناسيا ~~لم تبطل صلاته؛ لأن إزالة الأنجاس - عندنا - ليس بفرض، وليس كذلك الوضوء؛ ~~لأنه فرض لأجل الصلاة. PageV02P648 # وأيضا فإن مضيه على صلاته مع شكه في طهارته يوجب إسقاط الفرض عن ذمته بالشك. # فإن قيل: هذا يلزم فيه إذا شك في طهارته وهو في صلاته. # قيل: هو كذلك في القياس، وإليه أذهب وبالله التوفيق. PageV02P649 ### | CHECK [29] مسألة # [29) مسألة # إذا جامع الرجل المرأة والتقى ختانهما فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ~~ينزلا، وهو مذهب جميع الفقهاء غير داود. # ووجوب الغسل مذهب أكثر الصحابة. # وقد ذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، منهم أبي ابن كعب، وسعد ~~بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري وغيرهم. PageV02P650 # والدليل لقولنا: قول الله - تعالى -: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، وقوله: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، والمجانبة في اللغة هي المفارقة، ~~وهي كناية عن الوطء، فهو إذا كان مجامعا ثم فارق فقد حصلت المفارقة، سواء ~~أنزل أو لم ينزل، فهو عام في كل مجامع فارق إلا أن يقوم دليل. # وهذا قول النبي عليه السلام: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه. # فإن قيل: قوله - تعالى -: {فاطهروا} و {حتى تغتسلوا} يفيد طهارة ما، ~~وغسلا ما، لا يدل على غسل جميع البدن، ونحن نوجب عليه غسلا ما وهو الوضوء. # قيل: هذا غلط؛ لأن الله - تعالى - فرق بين الوضوء وبين الغسل والتطهير، ~~فقال في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}، حتى ~~ذكر الأعضاء، ثم لما ذكر الجنابة غير اللفظ، فقال: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}، وقال: {حتى تغتسلوا}، فعلمنا أن الثاني غير الأول. PageV02P651 # ومن جهة اللغة أيضا لا يعقل من قول القائل: قد اغتسل، غسل بعضه، وإنما ~~يعقل منه غسل جميع بدنه. # وكذلك حكت عائشة - رضي اله عنها - أن النبي عليه السلام كان إذا كان جنبا ~~يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يفيض على سائد جسده، ms194 ~~فعبرت عن فعله بلفظ الجنابة التي هي المفارقة ثم وصفت فعله وأن فيه غسل ~~جميع البدن. # ولنا أيضا: ما رواه سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه سأل ~~عائشة - رضي الله عنها - عن التقاء الختانين، فقالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانين فقد وجب الغسل). PageV02P652 # وأيضا: ما رواه الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (إذا قعد أحدكم بين شعبها الأربع وألصق جناحيه بجناحيها فقد وجب ~~الغسل، وأنزل أو لم ينزل)، وهذا نص قد ذكره أبو داود. # وقد روي مثل هذا عن عائشة أنها قالت: إذا قعد بين شعبها الأربع، ومس ~~ختانه ختانها فقد وجب الغسل. PageV02P653 # فإن قيل: فإنه لم يذكر في هذه الأخبار غسل جميع البدن، وإنا فيها ذكر ~~الغسل، فإذا توضأ تناوله اسم الغسل. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن الألف واللام في الغسل للجنس. فقوله (وجب الغسل) يوجب جميع ~~الغسل، قليله وكثيره إلا أن يقوم دليل. # والجواب الآخر: هو أن إطلاق الغسل يقتضي غسل جميع البدن لا غسل أعضائه ~~مخصوصة، وقد فرق بين اسم الوضوء واسم الغسل. # وأيضا ما روي عن عائشة قالت: قال النبي عليه السلام: (إذا التقى الختانان ~~وجب الغسل)، ثم زادت بيانا فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا. وعائشة ~~رائية ومباشرة بذلمك، فقد أخبرت بحقيقة الباطن فيه. # فإن قيل: إن هذا الحديث موقوف عليها. # وأيضا فإن إضافة الفعل إليها لا يلزم لو صح، فنحن نحمله على الوضوء أو ~~على الاستحباب؛ بدليل ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن الذي يجامع ~~أهله فلا ينزل، قال: ليس عليه إلا الوضوء، هكذا سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. PageV02P654 # قيل: أما قولكم: إن الحديث موقوف على عائشة فقد أسندته، وأبو هريرة معها. ~~وأما إضافة الفعل إليها فإنه لم يتجرد حتى أضافته إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والصحابي إذا حكى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا ففعل من ms195 ~~أجله كذا، فهو كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعلت كذا ففعلت لأجله ~~كذا، وهو مثل قول الراوي: سها النبي فسجد، وزنا ماعز فرجمه. # وأما حديث عثمان رضي الله عنه فيمن جامع، فلفظ المجامعة يفيد المباشرة، ~~مأخوذ من الاجتماع، فهو اجتماع البشرة مع البشرة، وليس فيه ذكر الجنابة، ~~ولا ذكر الإيلاج، ونحن نقول بموجبه، والحديث الذي فيه التقاء الختانين بين ~~صريح في موضع الخلاف، فأحسن أحوال حديث عثمان أن يكون عموما في كل مجامع، ~~وخبر الختان أخص من ه فيقتضي عليه. PageV02P655 # فإن قيل: فقد روي أبو سعيد الخدري أن انبي عليه السلام قال: الماء من ~~الماء يعني الاغتسال من الإنزال، فجعل جنس الماء إنما هو من الإنزال، فصار ~~كأنه قال: لا ماء إلا من الماء. # وروي أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جامع أحدكم ~~ولم يمن فلا غسل عليه) # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: (إذا أكسل أحدكم ولم ~~يقحط فلا غسل عليه) لا، فقوله: (أكسل) أي انقطع جماعه، وقوله: (ولم يقحط) ~~أي لم ينزل. PageV02P656 # قيل: أما الخبر الذي فيه: (الماء من الماء)، فقد روى أبو حازم عن سهل بن ~~سعد الساعدي عن أبي بن كعب أنه قال: الماء من الماء رخصة رخصها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال. # وعلى أن دليل الخطاب من قوله (الماء من الماء) عموم تقديره: إن الماء لا ~~يجب من غير الماء إلا أن يقوم دليل، وقد ذكرنا قوله: (إذا التقى PageV02P657 # الختانان وجب الغسل)، فصار تقديره: الماء من الماء ومن التقاء الختانين. # وقوله: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه)، فقد ذكرنا أن ظاهره ~~اجتماع البشرتين بغير إيلاج. # وعلى أن قولنا: إذا التقى الختانان أخص منه فيقضي عليه. # وأما الخبر الذي قيل فيه: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) فعنه أجوبة. # فأحدهما: أنه قد روى أبو الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة - رضي الله ~~عنها ms196 - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع PageV02P658 # أهله ثم يكسل، هل عليه غسل؟. فقال: (نعم، إني لأفعل ذلك فأغتسل)، وهذا ضد ذلك. # وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون جامع البشرة بالبشرة، ثم يكسل فتلحقه ~~الفترة التي في اللذة فلا ينزل، ولم يكن قد أولج. فأما الإكسال مع الإيلاج ~~ففيه الغسل بخبر عائشة أن النبي عليه السلام قال: (إني لأفعل ذلك فأغتسل) # وجواب آخر: وهو أن أخبارهم تقتضي ألا غسل، وأخبارنا تقتضي الغسل، ففيها ~~زيادة حكم فهي أولى. # ونجعل أخبارهم منسوخة أيضا؛ لأن أخبارهم متقدمة، وأخبارنا متأخرة. # والدليل على أن أخبارهم منسوخة متقدمة: ما رواه محمود بن لبيد قال: سألت ~~زيد بن ثابت عمن أولج ولم ينزل. فقال: يغتسل. PageV02P659 # فقلت: إن أبيا كان يقول: لا يغتسل. فقال: إن أبيا - رحمه الله - كان قد ~~نزع عنه قبل أن مات. أي رجع، فدل على أن ما ذكروه متقدم في أول الإسلام. # ولنا أيضا أن نقول: إن طريق الإجماع فيه وجهان: # أحدهما: أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما اختلفت في هذه المسألة، فقال ~~الأكثرون: فيه الغسل. وقالت الأنصار: لا يجب، والماء من الماء، ثم أرسلوا ~~إلى عائشة - رضي الله عنها - بأبي سعيد الخدري حتى سألها عن ذلك، فقالت: ~~قال رسلول الله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل). فعلته أنا ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاغتسلنا. فرجعوا إلى قولها، حتى قال عمر رضي الله عنه: لو ~~خالف أحد بعد ها جعلته نكالا. وقال لزيد ابن ثابت: إن أفتيت بعد هذا بخلافه ~~وتوعده. PageV02P660 # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه ~~صاعا من ماء؟. PageV02P661 # والوجه الثاني: هو أن المسألة متى كانت على وجهين بعد انقراض الصحابة ثم ~~أجمع العصر الثاني من التابعين بعدهم على أحد القولين كان ذلك مسقطا للخلاف ~~قبله، ويصير إجماعا، وإجماع الأعصار عندنا - حجة كإجماع الصحابة. # ثم لو تعارضت الأخبار لكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لاستناده إلى أقاويل ~~الأئمة مثل: عمر ms197 وعلي، والإنكار منهم ولشهادة الأصول باستدلال وقياس. PageV02P662 # فأما الاستدلال فهو أن الحد يسقط بالشبه ويحتاط والغسل يجب على وجه ~~الاحتياط وبالشباهة، فإذا تعلق الحد بهذا الفعل فلأن يتعلق به الغسل أولى. # وأيضا فإن النوم لما كان حالا لا يؤمن معه الحدث جعل المتيقن في وجوب ~~الطهارة، فجاز أن يجب الغسل في مسألتنا؛ لأنه غاية ما تطلب به الشهوة فأشبه ~~الإنزال. # وأيضا: فإن الوطء يتعلق به فساد الحج والصوم والكفارة، وتكملة المهر ~~والحد والحصانة، وتحريم الربيبة والخروج من الإيلاء وبطلان العدة، والتحليل ~~للزوج الأول، ولما استوى في جميع هذه الأشياء والإنزال وغير الإنزال، فكذلك ~~الاغتسال، بل هو آكد. # وأما من جهة القياس فنقول: هو حكم يتعلق بالجماع فلا يعتبر فيه الإنزال ~~كالحد والإحصان. # ونقول أيضا: إن الأحكام التي تجب في الإيلاج مع وجود الإنزال هي في ~~الإيلاج بلا إنزال آكد منها في الإنزال دون الإيلاج؛ وذلك أن الإيلاج يتعلق ~~به جميع الأحكام التي تتعلق به إذا وجد معه الإنزال، من الحصانة والحد وغير ~~ذلك من الأحكام، فيجب أن يتعلق وجوب الغسل عليه كما يتعلق على المولج سائر ~~الأحكام. # ويجوز أن نقول: كل الإيلاج في فرج يتعلق به الحد والحصانة وتكملة المهر ~~يجب فيه الغسل. أصله إذا أولج فأنزل. PageV02P663 # فإن قيل: فإن للإنزال في الغسل مزية ليست للإيلاج والمنفرد؛ لأن الإنزال ~~يوجب الغسل في النوم واليقظة؛ وخارج الفرج وداخله، وليس الإيلاج كذلك؛ لأنه ~~لو أولج في النوم ولم ينزل لم يجب الغسل، ولو أنزل ولم يولج وجب عليه الغسل. # قيل: الإيلاج لقوته في اليقظة وتعلق سائر الأحكام به هو كالإيلاج الذي ~~يقارنه الإنزال، وما أوجب الأحكام التي ذكرناها آكد مما لم يوجب بانفراده ~~إلا الغسل، فيجب أن يكون في وجوب الغسل أولى. # وعلى أن الإيلاج في النوم ليس هو شيئا موجودا حقيقته، والإيلاج في اليقظة ~~هو موجود وحقيقة، فهو كوجود الإنزال حقيقة، فعلى أي وجه وجد الإنزال حقيقة ~~وجب الغسل، وعلى أي وجه وجد الإيلاج حقيقة وجب الغسل، والله أعلم. PageV02P664 ### | AUTO [30] مسألة ms198 # خروج المني غير مقارن للذة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة، سواء ~~كان قبل البول أو بعده. فإذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه مني بعد ذلك لم ~~يجب فيه الغسل. # وقال الأوزاعي: إن كان قد بال ثم خرج منه لم يعد الغسل، وإن خرج منه قبل ~~البول أعاد. # وقد حكي عن أبي حنيفة مثل هذا. PageV02P665 # وعند الشافعي أنه يعيد الغسل سواء خرج قبل البول أو بعده. # والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وكونه على جملة الطهارة قبل خروج هذا ~~منه، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل. # فإن قيل: هو غير متطهر - عندكم -؛ لأن الوضوء واجب. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن من أصحابنا من قال: الوضوء مستحب وإلا فهو طاهر. # والجواب الآخر: هو أننا قلنا: هو على طهارة، وإطلاق هذا على من اغتسل من ~~الجنابة؛ لأن الله - تعالى - قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، ولم نقل: انتقض ~~وضوؤه، وإنما قلنا: هو على جملة الطهارة بغسل الجنابة المتقدم. PageV02P666 # ولنا أن نقول: قد اغتسل، من زعم أن الغسل من هذا الخارج يجب فعليه ~~الدليل. # فإن قيل: الصلاة عليه بيقين، من زعم أنها تسقط عنه بغير غسل من هذا المني ~~عليه الدليل. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن الصلاة واجبة عليه على شرط أن يؤديها بطهارة مأمور بها من جهة ~~الشرع، وقد اغتسل من المني كما أمر، فمن زعم أن طهره بعد ذلك قد انتقض ~~فعليه الدليل. # والجواب الآخر: هو أننا نوافقهم على أن الصلاة واجبة عليه، وأنها تسقط عن ~~ذمته على شرط ما نقوله. فأما على شرطكم فإننا نخالفكم فيه. # ولنا ظواهر آخر: مثل قوله عليه السلام: (لا صلا إلا بطهور)، وهذا قد تطهر ~~بالغسل الأول، فمن زعم أن عليه طهارة احتاج إلى دليل. # وأيضا قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا إذا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه ~~إلا أن يقوم دليل. # وأيضا قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، دليله الصلاة PageV02P667 # تصح بفاتحة الكتاب، وهذا قد صلى وقرأ فاتحة الكتاب، فنفرض المسألة فيه ~~إذا ms199 صلى وقرأ بغير غسل. # ونقول أيضا: إن هذا خارج من غير لذة الجماع، ولا دفق فلا يصير جنبا، أصله المذي. # وأيضا: فإن المذي من أجزاء المني إلا أنه جزء رقيق، وإن كان يوجب الوضوء، ~~المني يوجب الاغتسال، وليس ههنا معنى يفرق بينهما إلا خروج المني مقارن ~~للذة المخصومة، والمزي لغير لذة الجماع، فدل على أن الجنابة تتعلق بالمعنى ~~الذي ذكرناه من خروجه على الشهوة والدفق. # وأيضا فإن أصل هذا الباب ما بيناه في خروج الأحداث على وجه المرض؛ لأن ~~خروج المني موضوع على مقارنة اللذة المخصوصة، فإذا خرج على أصله وعادته فهو ~~مرض كدم الاستحاضة. ألا ترى أن دم الحيض يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط ~~الغسل، فكذلك خروج المني مقارنا للذة يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (الماء من الماء)، فأوجب الغسل من خروج ~~الماء فهو عموم. # وسألته عليه السلام أم سليم عن المرأة ترى الماء في نومها. فقال: (إذا ~~رأت الماء اغتسلت)، ولم يخص ما تقارنه اللذة من غيره. PageV02P668 # قيل: أما قوله: (الماء من الماء) فعنه جوابان: # أحدهما: أنه من قول الأنصار لا من قول النبي عليه السلام؛ بدليل ما روي ~~عن عمر رضي الله عنه أنه سأل الأنصار عن ذلك. قالوا: كنا نقول ذلك في بدء ~~الإسلام. فقال لهم عمر: أسمعتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ~~فرضه من الحكم؟. فقالوا: لا. فقال: فلا إذن. # والجواب الآخر: وهو أن إطلاق اسم الماء لا يتاول المني؛ لأن اسم المني ~~أخص به، وإنما يتناوله اسم الماء مجازا، واللفظ محمول على الحقيقة دون ~~المجاز، فيجب أن يرجع إلى معناه دون الحكم بظاهره، PageV02P669 # ومعنى ما قالت الأنصار: الماء من الماء بمعنى أن الاغتسال من الإنزال، ~~والإنزال لا يطلق فيما خرج على غير وجه اللذة والدفق، وكلام النبي عليه ~~السلام يتوجه إلى ما خرج على العادة، وكذلك خرج كلامه في سائر الأحداث التي ~~هي معتادة، كما حكم في الحيض وغيره، ms200 ثم لما سئل عما خرج عن العادة من دم ~~الاستحاضة فرق بينه وبين دم الحيض. # فإن قيل: فإنه إنزال فوجب أن يتعلق به الغسل، كالإنزال المقارن للذة. # وأيضا: فإن المني يوجب الطهارة العليا، والبول يوجب الطهارة الصغرى، ثم ~~لو بال الرجل بعض البول وبقي البعض ثم توضأ، ثم أرسل باقي البول وجب عليه ~~أن يعيد الوضوء، وإن كان ذلك البول من بقية ذلك البول كالمني. # قيل: أما القياس على المني للذة فالمعنى في الأصل أنه خارج على وجه ~~العادة، فهو كالحيض، وإذا خرج عن وجه العادة لم يجب الغسل كدم الاستحاضة، ~~وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقد قسناه على المذي وهو به أشبه. # وما ذكروه من البول، فعروضه من مسألتنا أن تبقي من المني بقية تخرج ~~مقارنة للذة، كما خرج بقية البول على عادته. وعروض مسألتنا من البول أن ~~يسلس بوله فيخرج عن عادته، فلا يجب عليه الوضوء - عندنا -. # فإن قيل: فإنه خارج من مخرجه، وهو مما يخلق منه الوالد، فأشبه ما خرج منه ~~على وجه اللذة. PageV02P670 # قيل: إنه لا معتبر بكون الماء مما يخلق منه الولد؛ بدليل أن ما الخارم ~~والمجبوب وما العقيم لا يكون منه الولد - عندكم - في العادة، وإن كن خروجه ~~على وجه الدفق واللذة، وهو مع هذا يوجب الغسل، فدل ذلك على أن اعتبار ما ~~ذكرناه هو الصحيح، دون خلق الولد. # فأما الكلام على الأوزاعي، وعلى ما حكي عن أبي حنيفة، فإننا نورد عليه ~~الظواهر التي تقدمت. # وأيضا فلا فرق بين ظهوره قبل البول وبعده؛ لأنه خرج عن عادته وموضوعه من ~~مقارنة اللذة، كما لا فرق بين خروج دم الاستحاضة على أي وجه خرج؛ لخروجه عن ~~العادة. # ونقول: هو ضرب من المني خرج غير مقارن للذة فأشبه خروجه بعد البول. # فإن قاسوه على المني المعتاد انتقض عليهم به إذا خرج بعد البول. # فإن قيل: إنه إذا خرج بعد البول فالظاهر منه أنه لم يحصل من الإنزال ~~الأول، وإنما حصل إنزالا بغير دفق ولا شهوة. ألا ترى أنه ms201 لو كان من الأول ~~لم يجز بقاؤه مع خروج البول، وإذا خرج قبل البول فهو PageV02P671 # من الإنزال الأول، والغسل يجب بظهور ذلك من بدن الإنسان، فإذا ظهر قبل ~~البول حكمنا بوجوب الاغتسال بالسبب المتقدم. # قيل: أما قلوكم: إنه إذا خرج بعد البول لم يكن من المني الأول وليس كذلك ~~قبل البول. فعنه جوابان. # أحدهما: أنه يجوز أن يتولد بعد انقطاعه قبل البول، كما يتولد بعد البول؛ ~~لخروجه عن صفة الأول المقارن للذة. # والجواب الآخر: هو أنه إذا ظهر قبل البول فإنه لا حكم له لعدم اللذة وإن ~~كان الأول قد مضى على صفته، فلو أن هذا بقية الأول لوجب أن يكون فيه شيء من ~~اللذة، فلما عدمت اللذة منه جملة فارق حكمه حكم الأول وإن كان ضربا من ~~المني. ألا ترى أن المذي هو ضرب من المني؛ لأنه يتولد عن الشهوة، فإذا كان ~~المذي هو ضرب من المني يتولد عن الشهوة، مع هذا لا يوجب الغسل، فالمني الذي ~~هذه صفته، وإنما هو ضرب من ذلك المني غير أنه لا شهوة معه، ولم يخرج ملتذا ~~به أولى أن لا يجب فيه الغسل، والله أعلم. # فإن قال قائل ممن لا يفصل بين قبل البول وبعده: وجدنا الصائم ممنوعا ن ~~الأكل وهو يفسد، وكذلك يفسده الإنزال للذة في اليقظة على وجه، ثم لو أكل ~~شيئا غير ملتذ، وأنزل فيه غير ملتذ عند مباشرة لكان مفسدا لصومه وعليه ~~القضاء، ولم يجز أن يقال: إن موضوع ذلك على الانتفاع بما يأكله، وكذلك لو ~~بلع حصاة، فكذلك لا ينبغي أن تراعى في مسألتنا اللذة. PageV02P672 # قيل: إن الصوم هو الإمساك عن الأكل الذي يحصل به ضرب من الغذاء أو ما ~~يقوم مقامه مما يصل إلى الجوف، فعلى أي وجه حصل فهو ضد الإمساك. والصائم ~~أيضا ممنوع من الجماع والمباشرة التي يقارن بها الالتزاز والإنزال، وقد ~~يخرج أيضا منه المني ولا ينقض صومه مثل المحتلم، ومن كانت منه نظرة فأنزل. # وكذلك إن خرج منه المني المتعري من اللذة ms202 لم يفسد صومه، ولم يجب فيه غسل، ~~وإن كان على وجه اللذة وجب فيه الغسل، ولم يفسد صومه في مواضع، فعلم أن ~~الصوم ليس بأصل لمسألتنا، وهذا كدم الحيض والاستحاضة، فإن الصوم يفسد مع ~~وجود الحيض، ولا يفسد مع دم الاستحاضة. # فإن قيل: اتفقنا على أن الغسل يجدب بشيئين: أحدهما: الإنزال والثاني: ~~التقاء الختانين. ثم اتقنا على أن التقاء الختانين قد استوت فيه اللذة ~~وعدمها، فكذلك ينبغي ان يكون الإنزال. # قيل: إن الغالب من أمر الصحيح أنه لا يبلغ إلى الإيلاج إلا وقد PageV02P673 # أخذ غاية من الالتزاز التي هي أبلغ من الجسة والقبلة. ثم إن للإيلاج من ~~الأحكام ما ليس للإنزال المتعري من الإيلاج، فلغلط أمر الإيلاج وتحصين ~~الفرج لزمت فيه تلك الأحكام، فكان الغسل من جملتها، ولما سقطت تلك الأحكام ~~في الإنزال بغير إيلاج افترق الحكم فيه بين خروجه مقارنا للذة وبين عدمها، ~~والله أعلم. PageV02P674 ### | AUTO [31] مسألة # وإمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك - رحمه الله -. # وقال بعض أصحابه: إنه مستحب، مثل أبي الفرج المالكي وغيره. # وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي. # وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه. # والدليل لذلك: قوله - تعالى - في الوضوء {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} PageV02P675 # وكذلك قال النبي عليه السلام للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك) ~~وقال: لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه، وقال - تعالى -: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، فذكر الغسل في الوضوء والجنابة، ~~وقد عقل أهل اللغة الفرق بين الغسل والغمس والمس واللمس، وجعلوا كل اسم ~~منها لمعنى معقول غير معنى صاحبه، لأن الاغتسال افتعال لابد أن يكون فيه ~~الليد فعل يحصل به غاسلا لجميع بدنه وأعضائه في الوضوء حتى يفارق تلك ~~المعاني من الغمس والمس واللمس التي أسماؤها غير اسم الغسل. # فإذا ثبت أن غسل البدن والأعضاء عند الأحداث واجب، فصفة ذلك واجبة؛ لأنه ~~بالأمر وجب، والأمر حصل بفعل يدخل تحت هذا الاسم، فالواجب امتثال ما دخل ~~تحت الاسم، ولا ms203 ينكر أن تتعلق العبادة بمعنى هذا الاسم دون غيره. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا ~~البشرة)، فأمر عليه السلام بالانقاء، والأمر بالانقاء ظاهره واجب، ولا يحصل ~~الإنقاء في غالب الحال إلا بإمرار اليد، فإذا كان الإنقاء من PageV02P676 # فعل إمرار اليد فظاهره الوجوب. وهذا مثل ما يستدل به على وجوب التلبية ~~بقوله عليه السلام: (إن الله يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية)، فإذا أمر ~~برفع الصوت فيها دلى على وجوبها. # وأيضا فإن في البدن مواضع كثيرة تغمض، ومواضع ينبو عنها الماء، وخاصة ~~الأبدان النمشة التي لعلها في أكثر الناس ينفض الماء PageV02P677 # عنها، وقد أخذ عليه تطهير جميعها، فلا يحصل معنى الغسل فيها إلا بإمرار ~~اليد عليها حتى تطهر، ولا ينكر أن يجب في الشريعة شيء لأجل الاحتياط، كمن ~~شك في ركعة فلم يدر أهي رابعة أو ثالثة، كمن شك في صلاة من يوم لا يدري أية ~~صلاة هي، فإنه يصلي خمس صلوات، وهذا كله احتياط حتى يتيقن ما صلى. # فإن قيل: فما تقول في أقطع اليد إذا كان إمرار اليد واجبا عليه، ولم ~~يجزئه الغمس في الماء والصب عليه، كيف يعمل؟. # قيل: قد نص مالك على أن عليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وقال إن لم ينل ~~شيئا من بدنه بل شيئا من ثوبه، وأمره عليه. # فإن قيل: فإن لم يقدر على شيء من ذلك. # قيل: هذه حال ضرورة، يسقط معها الفرض، فيجزئه الانغماس لأجل خلاف الناس ~~فيه، وهذا كالأمي يصلي بالأميين، يصلي لنفسه إذا لم يجد من يصلي خلفه، ~~وكالعاجز عن القيام يصلي جالسا. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، ثم قال: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، وهذا قد اغتسل. # وأيضا ما روي أن أم سلمة قالت: يا رسول اله، إن امرأة PageV02P678 # وأشد ظفر رأسي فأنقضه للغسل؟. قال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث ~~حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء عليك فإذا أنت قد طهرت)، فأخبر بأنه ms204 متى وجد ~~إفاضة الماء أجزأ؛ لأن الطهارة تقتضي طهارة مطلقة. # وقد قال لأبي ذر: (الصعيد الطيب وضوء المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج، ~~فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، ولم يأمر بالدلك. # قيل: أما قوله - تعالى -: {حتى تغتسلوا}، فهو حجة لنا؛ لما بيناه من ~~الفرق بين اسم الغسل والصب والغمس والمس، وإذا أفاض عليه ولم يمر يده لم ~~يقل: قد اغتسل حقيقة، فإن سمي به فهو مجاز. # وأما حدثيث أم سلمة فإنما أعملها أن الفرض في رأسها بل الشعر دون غسل ما ~~تحته، وقوله لها: (ثم تفيضي عليك الماء) فإنه لا ينافي ما قلناه. ألا ترى ~~أن الإفاضة قد تصيب بعض البدن، وقد لا تصيب بعضه، ولا نعلم بوصول الماء إلى ~~تحت الآباط وما غمض بالإضافة دون إمرار اليد، وإنما قصد بالخبر أن لا تنقض ~~شعرها، فأما صفة الغسل فهو مأخوذ من قوله: {حتى تغتسلوا}. # وقوله لأبي ذر: (إذا وجدت الماء أمسسه بشرتك) يدل على صحة قولنا؛ لأن ~~الهاء في (أمسسه) كناية عن الماء، فقال: (أمسسه بشرتك) فيحتاج أن يكون ~~باليد؛ لأن حقيقة المس إنما تكون باليد. PageV02P679 # على أن الآية في الاغتسال، وما رويناه من قول النبي عليه السلام للأعرابي ~~أخص وأبين مما أورده، وليس فيه إجمال فهو مبين لما أورده. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، وإذا فعل ما نقوله ~~قيل: قد تطهر. # قيل: لا يطلق عليه في الشريعة أنه قد تطهر إلا على صفة، وهو أن يغتسل ~~ويمر يده، كما لا يحصل متطهرا إلا بماء طاهر وبالنية. # فإن قيل: عن هذا أجوبة: # أحدهما: أنه أراد أن يعلمنا أنه ليس للماء قدر محدود، وأن هذا القد يكفي. # وجواب آخر: وهو أن هذا القدر من الفعل لا يكفي؛ لأنه معلوم أنه يحثي على ~~أرسه فل يصيب جميع بدنه ولا يصل إلى تحت آباطه، وما يغمض منه مما يجب غسله، ~~فصار مفتقرا إلى بيان، وقوله - تعالى - {حتى تغتسلوا} أخص منه. # وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن تقوم دلالة ms205 تلحق به صفة أخرى، كوجوب النية ~~وغير ذلك، وقد ذكرنا ما هو أخص من هذا من تعليمه PageV02P680 # الأعرابي، وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل)، وقد بينا ~~أن للغسل صفة تختص بها في اللغة، وقد نفى الإجزاء إلا بوجودها. # فإن قيل: قد روت عائشة أنه عليه السلام كان إذا اغتسل من جنابته، بدأ ~~بغسل يديه، ثم تنظف من الأذى، ثم توضأ كما توضأ للصلاة، ثم خلل أصول شعره ~~بالماء، ثم غرف على رأسه ثلاث غرفات من ماء، ثم أفاض الماء على جلده كله، ~~فنقلت غسله عليه السلام مفروضه مسنونه ومستحبه، ولم تذكر الدلك. # قيل: لا يحتاج إلى ذكر الدلك؛ لأن الاغتسال يقتضيه، وهو صفة فيه قد عقل ~~من الآية، وإنما نقلت هذا لتفيد الأفعال التي فعلها قبل غسله. # وقولها: ثم يفيض الماء على جلده كله، قد فهم منه أن المقصود الغسل ~~المطلوب. # فإن قيل: فإنه موضع يلحقه حكم الجنابة فوجب أن لا يلزمه إمرار اليد عليه. ~~أصله الموضع الذي لا تناله يده خلف ظهره لسمنه، وهذا وفاق. # قيل: إن كان ما لا تناله يده شيئا كثيرا فعليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، ~~وإن كان شيئا يسيرا لا بال له فهو خفيف كالعمل القليل في PageV02P681 # الصلاة، والعفو عن دم البراغيث، ولأجل الخلاف في جواز ترك الدلك. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {حتى تغتسلوا}، وقال في التيمم: {فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه}، ففرق بين الأمرين، فوجب اعتبار فائدة الفرق بينهما، ~~ولا يكون إلا بترك إمرار اليد في الغسل وبإمرارها في التيمم. # قيل: إنما ذكر المسح في التيمم؛ لأنه لا غسل فيه، والغسل خلاف المسح، وإن ~~كان لليد فيهما جميعا فعل، فهذا هو الفرق بين الموضعين. # ولنا أن نقيس ذلك على المسح في التيمم، وأن لليد فيه فعلا فنقول: قد ~~اتقنا على إمرار اليد في التيمم، العلة فيه: أنها عبادة تجب للصلاة، وتنقض ~~بالحدث، والتيمم والوضوء وغسل الجنابة كله - عندنا - بمنزلة واحدة في وجوب ~~إمرار اليد. # فإن قيل: فإنه قد أجرى ms206 الماء الطاهر على أعضائه فأشبه إذا تدلك، وبين ~~ذلك: أن حال الجنابة لم توجد هناك عين يحتاج إلى PageV02P682 # إزالتها، وإنما العبادة في إجراء الماء على الأعضاء، وقد جرى بفعله، ~~فاعتبار الدلك لا معنى له. ألا ترى أنه ليس في الأصول إمرار اليد على ~~الأعضاء على وجه العبادة من غير معنى. # وأيضا فإن ذلك غسل واجب فأشبه إزالة الطيب من بدن المحرم، ولأن الدلك ~~مبالغة في الغسل وزيادة صفة فيه فأشبه تكرار الماء في العضو. # قيل: أما إذا تدلك فالمعنى فيه حصول اسم الاغتسال على حقيقته، وتحقيق ~~وصول الماء إلى جميع بشرته الغامض منها والظاهر ومماسته بيده. # وقولكم: إنه لم توجد عين يحتاج إلى إزالتها، وإنما العبادة إجراء الماء ~~على الأعضاء فإننا نقول: لا يمتنع أن يكون العبادة في إجراء الماء على صفة ~~إمرار اليد، ليتحقق وصول الماء؛ لأن في البدن مواضع ينبو الماء عنها. # قولكم: ليس في الأصول إجراء اليد على الأعضاء على وجه العبادة غلط؛ لأنه ~~في المسح في التيمم موجود. والمعنى الذي فيه موجود في الغسل، وهو إجراء ~~اليد على كل موضع وقعت العبادة بتطهيره، ليتحقق وصول الماء إليه، ويجوز أن ~~تتعلق العبادة فيه أيضا بالتنظف، كغسل الجمعة الذي قصد منه التنظف لزوال ~~الروائح التي لا تزول إلا بإمرار اليد في الغالب. PageV02P683 # وأما غسل طيب المحرم فالأجناس أعظم منه، وليس إزالتها بفرض - عندنا -، ~~وغسل الجنابة فرض. # وقولكم: إن إمرار اليد مبالغة فأشبه التكرار، فإننا نقول: صفة الغسل هي ~~إمرار اليد بالماء على الأعضاء كصفة المسح في التيمم، فتكرار الغسل كتكرار ~~التيمم، لا تسقط صفة المسح في الأول. # فإن قيل: فإن النبي عليه السلام أمر بصب ذنوب أو ذنوبين من ماء على بول ~~الأعرابي، ولم يأمر بدلكه، وهو عين نجسة، ففي غسل البدن الذي لا نجس عليه ~~أولى أن لا يجب إمرار اليد فيه. # قيل: إن النبي عليه السلام أمر بصب الماء على البول؛ لأن الغرض إزالته، ~~وهو مائع فإذا لاقى الماء وهو مائع وغلب عليه أزال عينه وأثره؛ ms207 لان الغرض ~~إزالة ذلك، فأما غسل الجنابة فقد اجتمع فيه أمران: # أحدهما: المني الذي هو - عندنا - نجس، فإذا خرج كان له حكمان: أحدهما: ~~غسله في نفسه عن أصاب ثوبا أو بقعة من المسجد أو البدن كالبول. والحكم ~~الآخر: هو الاغتسال منه. فإن أصاب شيئا من الثياب والأبدان احتيج فيه إلى ~~إمرار اليد في غسله، كذلك غسل جميع البدن منه، وما حصل في الأرض من البول ~~إن لم يدلك فقد PageV02P684 # حصل فيه تطهيران من جهة الماء والتراب الذي له مدخل في التطهير، فاستغنى ~~عن الدلك. # على أنه يجوز أن يكون عليه السلام أمر بصب الماء على بول الأعرابي، ~~وعلموا منه أن الفرض الغسل فغسلوا بأيديهم، ونقل الخبر إلينا؛ ليفيدنا أن ~~هذا القدر من الماء يطهره. PageV02P685 ### | AUTO [32] مسألة # ولا بأس بالوضوء من فضل الجنب والحائض، مثل أن يفضل في إنائهما ماء بعد ~~فراغهما من غسلهما، للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها، وهو مذهب ~~الفقهاء كافة. # وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يتوضأ من فضل ماء توضأت من فضل الرجل، ~~والرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة، وكذلك إذا استعملاه جميعا معا ~~جاز أن يتوضأ الرجل منه. # واستدل بخبرين: # أحدهما: ما روي أن النبي عليه السلم نهى أن يغتسل الرجل من فضل وضوء ~~المرأة، ما روي أن النبي عليه السلام نهى أن يغتسل الرجل من فضل PageV02P686 # وضوء المرأة، وأن المرأة من فضل وضوء الرجل، وليغترفا معا. # وروى أنه عليه السلام نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة. # والدليل لقولنا: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي PageV02P687 # طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حانت ~~صلاة العصر، فالتمس القوم الماء فلم يجدوا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإناء فوضع يده فيه، وامر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين ~~أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. فوضع الدليل منه أنهم توضؤوا ~~كلهم من إناء واحد، ومعلوم ms208 أنه كان منهم نساء ورجال؛ لأن هذا كان في الحضر، ~~ولم يفصل بين أن يتقدم النساء أولا أو الرجال، أو بعضهم على بعض، بل كلهم ~~استعملوا، فمن متقدم ومن متأخر. # وأيضا ما رواه ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وعند أحمد أن مثل هذا يجوز، PageV02P688 # وهو مما يسقط مذهبه؛ لأن الرجال والنساء إذا توضؤوا في إناء واحد، فإن ~~الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة. # وقد روي عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله من ~~إناء واحد، فلما غتسل عليه السلام معها من إناء واحد علم أنه لا محالة قد ~~استعمل فضل مائها، فدل على جوازه. # وما روي أنه عليه السلام أرد أن يغتسل من ماء في جفنه اغتسلت منه امرأة، ~~فقالت له بعض نسائه: أغتسل: منه يا رسول الله وقد اغتسلت PageV02P689 # منه من الجنابة؟. فقال: (المؤمن ليس بجنس)، وهذا نص في المسألة بفعله ~~وتعليمه أن المؤمن ليس بنجس. # ولنا من الظواهر: قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، {وينزل ~~عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، وهذا كيف ما كان فهو منزل من السماء. # وقوله عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير PageV02P690 # لونه أو طعمه أو ريحه، وطهور اسم لما يتكرر منه التطهير فهو على عمومه. # ونقول: هو ماء فضل عن استعمال ما سقط به الفرض فجاز أن يسقط به الفرض، ~~أصله فضل الرجل تتوضأ به المرأة. وفضل الرجل PageV02P691 # يتوضأ به الرجل، وفضل المرأة تتوضأ به المرأة. # ونقول أيضا: هو ماء لم يخالطه شيء أثر فيه فجاز أن يتوضأ به، أصله لو لم ~~يتوضأ به، أو ما ذكرناه من فضل الرجل، ولا يلزم على هذا الماء المستعمل؛ ~~لأن التوضؤ يقع به - عندنا -. # فأما أخبارهم فمحمولة على الاستحباب. # وعلى أن أخبارهم النهي أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وقد جاز - عندهم - ~~بدليل فكذلك يجوز - عندنا - وضوء الرجل بفضل المرأة بدليل، وقد ms209 ذكرنا أدلته. # ويجوز أن نقول: إن الماء الذي يقي لم يستعمل في عضو يزول به الحدث، فأشبه ~~حال الابتداء، وإذا فضل عن عضو من الأعضاء قبل كما طهارة المرأة. # وأيضا فإن ما يفضل بعد غسل النجاسة لا ينفي جواز الوضوء فكذلك ما فضل عن ~~غسل الجنابة؛ لأن كل واحد منهما عبادة، فإذا جاز استعمال الفاضل عن أحدهما ~~جاز في الآخر مثله. # وأيضا: فإن إدخال يدها فيه لا يؤثر في حكم الماء؛ لأنه لو كان كذلك لوجب ~~أن تمنع منه المرأة أولا، وكل مستعمل؛ لأن منع المستعمل لا يخص بالمنع منه ~~واحد دون الآخر، ولا يجوز اعتبار أداء الفرض به؛ لأنه يتنقض بفضل الرجل، ~~وبما يبقى بعد إزالة النجاسة، والله أعلم. PageV02P692 ### | AUTO [33] مسألة # عند مالك - رحمه الله - أن المياه كلها طاهرة مطهرة، قليلها وكثيرها، من ~~ماء بحر أجاج، أو عذب، لا يغيره عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه. # فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره وغلب عليه فهو طاهر غير طاهر ولا مطهر، ~~قليلا كان الماء أو كثيرا. # وأجمع فقهاء الأمصار أن مياه البحر عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في ~~الطهارة والتطهير، إلا ما حكى عن قوم أنهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر. # والمروي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وابن عباس PageV02P693 # وغيرهم رضي الله عنهم أنه لا فرق بين مياه البحار وغيرها. # وقد حكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم ~~أنهم قالوا بالتيمم مع وجوده. # وقال عبد الله بن عمرو: والتيمم أحب إلي منه. # وقد حكي عن بعض الناس أنه أجاز التوضؤ به عند الضرورة. PageV02P694 # والدليل لما عليه الجماعة: قول الله - تعالى - {وينزل عليكم من السماء ~~ماءا ليطهركم به}، وطهور اسم للطهارة يطهر غيره. # وأيضا قول النبي عليه السلام في البحر: هو الطهور ماؤه والحل ميتته)، ~~وقال هذا حين قيل له: إننا نحمل معنا القليل من الماء ونحن في البحر، فإن ~~توضأنا ms210 به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟. فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). PageV02P695 # وأيضا ما روي عنه عليه السلم أنه قال: (خلق اله الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) ى. وهذا عام في كل ماء. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: (من لم يطهره البحر فلا طهره الله). # وهذه الآيات والأخبار بعضها عام في جميع المياه لم يخص بها PageV02P696 # ماء بحر من غيره، وبعض الأخبار خصوص في ماء البحر. # فإن قيل: كيف جعلتم طهورا بمعنى مطهر؟، وإنما الطهور هو الطاهر في نفسه، ~~ولا يعقل منه أنه مطهر إلا بدلالة. والدليل أن الطهور بمعنى طاهر: قوله - ~~تعالى -: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا {. بمعنى طاهر؛ لأننا نعلم أنه ليس في ~~الجنة عبادة حتى يكون الطهور مطهرا لغيره. # قيل: قد ذكرنا قوله - تعالى -: {وينزل علكم من السماء ماء ليهركم به}، ~~يبين أن قوله: {طهورا} بمعنى مطهر. # والحدث الذي ذكرناه في ماء البحر يدل على ذلك أيضا، لأنه عليه السلام ~~قال: (توضؤوا فهو الطهور ماؤه الحل ميتته). # وأيضا فإنه صحيح على ما قلناه؛ لأن طهورا عند أهل اللغة اسم لما يتطهر ~~به، كقولهم: سحور اسم لما يتسحر به، وسعوط لما يستعط به، ولو كان بمعنى ~~طاهر لقيل لكل شيء طاهر: فكان يقول للإنسان: طهور، ويستمر هذا في الثوب ~~واللحم والخل وغير ذلك، لا يقوله أحد. PageV02P697 # وأيضا فإنه لا يكون للماء خصيصة من غيره من المائعات لو قيل فيه: ماء ~~طاهر، فخص هذا الاسم الذي هو طهور ليبين به سائر الأشياء، ومن المائعات ~~التي هي طاهرة غير مطهرة، ثم يستفاد به فائدة أخرى تزيد على كونه مطهرا، ~~وهي المبالغة في تطهيره حتى إنه يتكرر من التطهير لغيره، كما قيل: رجل شكور ~~وصبور، وسيف قتول، وهذا اسم موضوع لمن يتكرر منه الفعل، فحصل في طهور ~~فائدتان: إحداهما: كونه مطهرا لغيره، والأخرى: تكرار ذلك منه. # فإن قيل: فقد حصلت في هذه ثلالثة ألفاظ طاهر وطهور ومطهر، فإذا جاز لكم ~~أن تحملوا طهورا ms211 ومطهرا على معنى واحد. # قيل: إنما نحمل طاهرا على العموم في الماء وسائر الأشياء، ونحمل طهورا ~~ومطهرا على أنهما يفعلان الطهارة في الغير، وتكون كل لفظة منها وإن كانت ~~مشاركة لصاحبتها مرجحة على الأخرى. ففي اسم طهور مبالغة فوجب تكرار الفعل، ~~وأنتم إذا حملتم طاهرا وطهورا على معنى واحد أسقطتم فائدة تطهيرة لغيره، ~~وفائدة التكرار، ولم تجعلوا للماء مزية على غيره من الأشياء الطاهرة، ونحن ~~نعلم أن الله - تعالى - قد خص الماء من بين غيره بقوله: {وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به}. # وجواب آخر: وهو أننا قد اتفقنا على أنه يجوز أن نسمي المطهر طهورا، فإذا ~~وقع النزاع في لفظة، فقلتم: المراد طاهر، وقلنا نحن: المراد مطهر. فإنهما ~~لا يتنافيان، فهو طاهر مطهر، وكل مطهر طاهر، PageV02P698 # وليس كل طاهر مطهرا. ثم مع هذا فإن جميع ما أطلق في هذا الباب في الشرع ~~إنما يقتضي المطهر للغير، فمن ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا)، فأرد أن الأرض لي مطهرة ولم يرد أنها لي طاهرة، ولو ~~كان كذلك لم يكن موضع فضيلة. # ومن ذلك: قوله عليه السلام في البحر، وقد سئل عن التوضؤ بمائه: (هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته)، فخرج جوابه عما سئل عنه من الطهر به. # وأما ما ذكروه من قوله - تعالى -: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا}، وأنه ليس ~~في الجنة عبادة، فنقول: إن الآية توجب أن يكون الشراب طاهرا في نفسه مطهرا ~~لغيره، وليس إذا لم تكن على أهل الجنة عبادة ما يجب أن نسلب الماء صفته. # ثم إنه ينقلب عليهم في طاهر إن كان هذا معناه - عندهم -؛ لأنه إنما يقال: ~~طاهر ونجس في موضع العبادة، فإذا لم تكن هناك عبادة وقد ذكر الطاهر جاز أن ~~يخبر عن تطهيره لغيره وإن لم تكن هناك عبادة، وإنما أرد - تعالى - أن ~~يخبرهم أن لهذا الشراب فضيلة تزيد على شراب الدنيا، وهو مما لو تعبدتكم ~~بعبادة لجاز أن تتقربوا إلى باستعماله، كما أني في دار الدنيا جعلت ms212 للماء ~~فضيلة على غيره، وهو أنه يطهركم، فكذلك لسائر أشربة الجنة فضيلة على سائر ~~أشربة الدنيا. PageV02P699 # وجواب آخر: وهو أنه - تعالى - أراد أن يصف لنا شراب الجنة بشيء مما نعرفه ~~بيننا، ووجدنا أشرف الأشربة عندنا هو الماء الذي هو طاهر مطهر، فوصف شراب ~~أهل الجنة بأشرف شيء نعرفه. ألا ترى أنه - تعالى - ذكر الأشياء التي نعرفها ~~في الدنيا ونستلذها من الخمر والعسل واللبن، وقال: {ولحم طير مما تشتهون}، ~~وذكر الحور العين، وقال: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا}، وليس في الجنة بكرة ~~ولا عشي، فكذلك هذا. # فأما ما روي عن عبد الله بن عمروا، وقوله: التيمم أحب إلي من ماء البحر. ~~فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما أنه أراد أنني أركب البر فأعدم الماء فأتيمم ~~أحب إلي من أن أركب البحر فأتوضأ منه؛ وهذا لهو البحر وخطره. # ألا ترى أنه لما قال له عمر رضي الله عنه: صف لي أمر البحر. قال: خلق ~~شديد، يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن سلموا فرقوا. ~~فامتنع عمر رضي الله عنه من أن يركبه أحد. PageV02P700 # والتأويل الثاني: هو أن يكون قوله: التيمم أحب إلي منه لو كان ذلك يجوز، ~~وقد يحب الإنسان شيئا غير ما يجب عليه إلا أن الشرع قد منع منه، وأوجب عليه ~~غيره إذا كان ذلك الشيء الذي قد أحبه مما قد كان يجوز أن يتعبد به، فلا ~~يمتنع أن يقول: قد كان هذا أحب إلي من هذا. # على أنه لو ثبت على ما يذكرونه لقضي عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في البحر وقد سئل: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). # فإن قيل: فقد روي عنه عليه السلام أنه قل في البحر: (هو نار من نار) وقال ~~- تعالى -: {والبحر المسحور}. PageV02P701 # قيل: ليس في هذا دليل يمنع من التوضؤ به؛ لأنه قوله: (هو نار من نار) ~~يحتمل أحد معنيين. # إما أن يكون لهو له وغرره وشدته هو نار من نار، كما قال في الإبل: (إن جن ~~من جن). # والمعنى الآخر: ms213 أي أنه يؤول إلى نار، فكأنه سماه للمقارنة. أي من ركب ~~البحر وخاطر بنفسه وماله آل أمره إلى نار. # ويحتمل أن يكون أراد البحر يكون يوم القيامة نارا، ولهذا قال - تعالى -: ~~{والبحر المسحور}. وجملته أنه ليس في ظاهر ذلك ما يمنع التطهر منه، كما لا ~~يمنع غسل النجاسة به. # ولنا أن نستدل بظواهر فنقول: إذا كان معه ماء البحر هل يستعمله أو ~~يتيمم؟. قال الله - تعلى - {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وهذا واجد لما يقع ~~عليه اسم ماء. # وأيضا فإنه عليه السلام قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ ~~منه، فدليله أنه إذا لم يبل فيه جاز له أن يتوضأ منه، والبحر ماء دائم. PageV02P702 # ولنا أيضا القياس على ماء البئر؛ بعلة أنه ما اكتسب الملوحة من قراره. # وأيضا فإنهم لا يخلون في الامتناع منه إما لأنه ماء بحر أو لأنه ملح أو ~~لركوده، فيبطل ذلك لكونه بحرا؛ لأن ماء البحر العذب يجوز، ويبطل لكونه ملحا ~~بماء الآبار المالحة، ويبطل لكونه راكدا بماء المصانع وغيرها، وقد قال - ~~تعالى - {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض}، قيل: إنه PageV02P703 # ماء البحار، وقال: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به). PageV02P704 ### | AUTO [34] مسألة # والماء المستعمل مكروه عند مالك، مثل أن يجمع وضوءه من الحدث، أو اغسله ~~من الجنابة في إناء فيتوضأ به دفعة أخرى، أو يغتسل به من جنابة. # وقال ابن القاسم في موضع: إنه لا يستعمل، وإن لم يكن غيره تيمم. # فكان الشيخ أبو بجر - رحمه الله - يقول: معناه يتوضأ به ويتيمم ويصلي. # وبعض أصحابنا قال: هذه رواية أخرى في أنه لا يجوز أن يتوضأ به. # وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الماء نجس إذا كان قد استعمل سواء أزال به ~~فرض الطهارة وغسل الجنابة، أو كان مجددا به ذلك. PageV02P705 # وقال محمد بن الحسن: هو طاهر غير مطهر. # وقد كان أصحابنا يحكون هذا عن أبي حنيفة وأنا أبا يوصف قال: هو نجس. # والصحيح أن أبا يوسف وأبا حنيفة يقولان: هو نجس، ms214 ومحمد يقول: هو طاهر غير مطهر. # والظاهر من قول الشافعي أنه طاهر غير مطهر. # واختلف أصحابه، فقال بعضهم: إن له قولا آخر في أنه طاهر مطهر، كقولنا. PageV02P706 # وقال بعضهم: ليس له إلا قول واحد وهو أنه طاهر غير مطهر. # وبمثل قولنا قال الحسن، والنخغي، والزهري، وداود. # والدليل لقولنا إنه طاهر مطهر: قوله - تعالى -: وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}، فوصفه بهذه الصفة، وطهور اسم للطاهر الذي يتكرر منه التطهير، ~~كقولهم: رجل شكور، وسيف قتول، ورجل روب، وما أشبه ذلك، فإذا ثبت هذا فيه في ~~الأصل فمن زعم أنه انتقل عما هو عليه بالاستعمال فعليه الدليل. # فإن قيل: هذا الاستدلال لا يلزم من وجهين. # أحدهما: أن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، ونحن نقول: إن جنس الماء ~~طهور يتكر منه التطهير، والرجل إذا توضأ فليس هذا القدر جنس الماء، وإما هو ~~جزء من الجنس. PageV02P707 # والوجه الآخر: هو أن الطاهر - عندنا - هو الطاهر المطهر، لا ما يتكرر منه ~~الطهارة. # قيل: أما قولكم إن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، وأن هذا جزء من ~~الجنس فإننا نقول: إنه إذا أراد الجنس فكل جزء منه له هذه الصفة، كقولنا: ~~طعام مشبع، وماء مرو، وشراب مسكر، فإن كل جزء منه له هذه الصفة، فاللقمة ~~تشبع الغير من الحيوان، وأكثر منها تشبع ما هو أكبر من ذلك الصغير، وإنما ~~يختلف الشبع في الحيوان، فما يشبع الصغير منه لا يشبع الكبير، ولا يخرج ~~الجنس كله وكل جزء منه على جنس ما يشبع. # وهذا هو جوابنا لأصحاب أبي حنيفة في أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جنس ~~المسكر، وهو قليله وكثيره، لأن قليله يسكر ما صغر من الحيوان كما يسكر ~~كثيره ما كبر من الحيوان. # ومع هذا فقد عقل العلماء أن الله - تعالى - لم يرد أن مياه الدنيا كلها ~~هي الطهارة المطهرة، وأن ماء دجلة لا تكون له هذه الصفة PageV02P708 # دون انضمام ماء البحار إليه فسقط هذا الوجه. # وأما قولهم: إن الطهور هو الطاهر المطهر، لا ما تكرر ms215 منه الطهارة فإننا ~~نقول: إنما سمي بهذا الاسم، ووصف بهذه الصفة للمبالغة فيما يتكرر منه، كما ~~قيل: سيف قتول، ورجل شكور، فإذا وصف بهذه الصفة لهذا المعنى لم تزل صفته ~~باستعماله أول مرة؛ لأن هذه صفة طاهر مطهر، لا صفة طهور. # وأيضا فإن الله - تعالى - قال: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، ~~فهو على عمومه أينما وجد، وليس يخرج باستعماله عن كونه منزلا من السماء. # فإن قيل: إن هذا إخبار عن تطهيره حين ينزله من السماء، ونحن كذلك نقول. # قيل: تأخره بعد نزوله وبعد استعماله لا يخرجه أن يكون منزلا من السماء، ~~فلا نخرجه عن صفته إلا بدليل، وهذا كقوله: ماء دجلة، لو استعملته لم يخرجه ~~أن يكون ماء دجلة، وحيثما نقلته فهو كذلك. # وأيضا قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وهذا واجد لما قد تناوله ~~الاسم، فهو عموم حتى يقوم دليل. والنفي يتناول الجنس إذا كان نفيا في نكرة، ~~فلما قال {فلم تجدوا ماء فتيمموا} دل على أنه إذا وجد ماء لم يتيمم. PageV02P709 # وأيضا وقوله - تعالى - {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، وهذا إذا ~~كان جنبا اغتسل بالماء المستعمل قيل: قد اغتسل. # وأيضا قول النبي عليه السلام لأبي ذر: (إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك)، ~~وهذا واجد للماء. # وكذلك قوله عليه السلام: (أما انا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا ~~أنا قد طهرت) لا، ولم يخص ماء من ماء. ولنا عمومات كثيرة، مثل ما روي أنه ~~عليه السلام قال لأسماء في دم الحيض. # (حتيه ثم اقرصيه بالماء). # ومثل ما روي أنه عليه السلام كاتن عند جنابته يغسل الأذى، ويغسل يديه، ثم ~~يتوضأ ثم يخلل أصول شعره ثم يفيض الماء على جسده، ولم يخص ماء من ماء. # ومثل قوله للمرأة التي سألته فقالت: أنقض شرع رأسي؟ فقال: (إنما يكفيك أن ~~تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على جسد). # ومثل قوله عليه السلام (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير PageV02P710 # طعمه أو ms216 لونه أو ريحه) فخبرنا أن الله - تعالى - خلق الماء على هذه الصفة ~~التي هي كونه طاهرا مطهرا يتكرر ذلك منه فلا يغيره عن صفته إلا ما غير طعمه ~~أو لونه إلا أن يقوم دليل، وإذا كان الله - تعالى - قد خلق الماء على هذه ~~الصفة فكل جزء منه ينطلق عليه اسم الماء على ما بيناه قبل هذا الفصل. # فإن قيل: فإن هذه الظواهر كلها إنما هي فيما يقع عليه اسم ماء مطلق، وإذا ~~صار مقيدا بصفة لازمة له تفارقه، وليست من قراره فلا يتناوله اسم ماء مطلق. ~~فأما إذا قيل: مستعمل. فقد لزمته هذه الصفة فلا يدخل تحت الظواهر. # قيل: إن الصفات في الماء على ضروب. # فما كان منها مضافا إلى قرار، مثل ماء ددلة وماء الفرات، وماء الجب ~~والجرة والماء الكدر لا معتبر به. # وما كان موصوفا بشيء يخالطه ويغلب عليه إما PageV02P711 # طاهر أو نجس فهو معتبر. # وصفات لشيء عمل به أو كان غير أنه لم يؤثر فيه شيئا - أعني في عينه - مثل ~~الماء المشمس والمسخن والمغلي فهذه أوصاف قد وصف بها الماء لازما حيثما ~~نقلته، وفي أي إناء تركته هو موصوف بها، ولم يتغير حكمه فيها، فكذلك الماء ~~المستعمل وإن كان صفته فيه لازمة فهي غير معتبرة، ولا مغيرة لحكمه، لأن ~~الصفة لم تؤثر فيها شيئا. # والدليل: على أن الاستعمال لم يخرجه عن إطلاقه حتى يصثر في صفة ماء الورد ~~والخل وماء الباقلاء: أنه لو شربه من حلف ألا يشرب ماء لحنث، ولو لم يشربه ~~لبر، ولو شرب ماء ورد لم يحنث، فصار كالمسخن والمغلي والمشمس، فثبت أن هذه ~~الصفة لما لم تؤثر فيه لم تخرجه عن إطلاقه. # ولنا أيضا ما روي عن ابن عباس - رحمه الله - أن بعض أزواج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اغتسلت في جفنة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل ~~منها أو يتوضأ، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: (إن الماء لا يجنب). # رواه أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن PageV02P712 # ابن عباس، ms217 وهذا نص في جواز الماء المستعمل؛ لأنها اغتسلت في الجفنة، ~~وقالت: إني كنت جنبا، فاغتسل النبي عليه السلام فيها وقال: (إن الماء لا ~~يجنب) أي هو على ما كان عليه. # فإن قيل: إنما هذا فيما فضل عن غسلها وليس هو فيما استعملته. # قيل: هذا غلط، لأنه قال: اغتسلت فيها، ولم يقل: منها، ولولا ذلك لم يقل: ~~(إن الماء لا يجنب) أي إذا اغتسلت فيه لم تنتقل جنابتك إليه. PageV02P713 # وأيضا فإننا إذا اعتبرنا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه فلا يؤثر ~~في حكمه. ألا ترى أنه (لو) لم يؤثر في طهارته فلا يؤثر في تطهيره. ال1ي ~~يكشف عن هذا: أن الأشياء التي تحدث في الماء فتؤثر في عينه مما ينفك الماء ~~منه، إما من نجس - عندنا -، أو طاهر - عندنا وعندكم - إذا لم يؤثر في عين ~~الماء لم يغيره عن حكمه في طهارته وتطهيره، فإن لم يكن الاستعمال أولى منه ~~فينبغي أن يكون مثله؛ لأننا نعلم أن تلك الأشياء إذا كثرت غلبت على الماء ~~فغيرت حكمه، والاستعمال لو تكرر أبدا لم يغير عينه، فينبغي أن يكون أولى ~~بأن لا يغير حكمه عما كان عليه. # ونقول أيضا: هو ماء طاهر لاقى جسما طاهرا أو جرى على جسم طاهر فجاز أن ~~يسقط به الفرض ثانيا، أصله الماء الذي غسل به ثوب طاهر وبدن طاهر. # ونقول: هو ماء مستعمل لم يؤثر الاستعمال في عينه، فجاز أن يزول به الفرض ~~ثانيا. أصله ما ذكرناه إذا غسل به ثوب طاهر أو بدن طاهر. # وأيضا فإن الماء يستعمل في إسقاط فرض الوضوء كما يستعمل في إسقاط مسنون ~~الوضوء، وهو التوضؤ في المرة الثانية والثالثة، ثم إن المستعمل في إسقاط ~~المسنون لم يمنع إسقاط الفرض به؛ لأنه لو جمع ماء المرة الثانية والثالثة ~~جاز أن يتوضأ به من حدث فكذلك المستعمل في إسقاط الفرض. PageV02P714 # وأيضا: فإن كل ما أسقط به الفرض مرة جاز أن يتكرر في ذلك الشيء ويسقط ~~فرضا آخر، كالسقوط في الحدود، وكالمد في الكفارة، لو ms218 عاد إليه جاز أن يكفر ~~به ثانية، وكالبقعة يتيمم عليها ثم يتيمم ثانية وكالثوب يصلي به صلاة فرض ~~ثم يصلي به صلاة فرضا آخر. # فإن قيل: قياسكم عليه إذا غسل به ثوبا طاهرا المعنى فيه: أنه لم يسقط به ~~فرضا، وليس كذلك إذا وقع به الحدث؛ لأنه يصير كالعتق في الكفارة. # قيل: علتنا أولى؛ لأنها تتعدى وتجلب حكما زائدا، ويشهد لها غير الماء مما ~~يزيل فرضا ثم يجوز أن يزال به فرض آخر كما ذكرنا في السوط، والطعام في ~~الكفارة، والثوب يصلي فيه. وأما العتق في الكفارة فلو جاز أن يعود الرق جاز ~~ذلك فيه، ولكنه يزيل الملك أصلا حتى لا يصح أن يتملك ثانية. ألا ترى أن ~~الطعام والكسوة لما صح عود الملك فيه جاز أن يسقط به فرض آخر. # وعلى أن هذا قد يتأتى في العتق على وجه؛ وذلك أن أبا حنيفة يجوز للمكفر ~~أن يعتق رقبة كافرة في غير القتل، ثم يجوز أن تنقض تلك الرقبة المعتقة ~~العهد، وتلحق بدار الحرب، ثم تسبى وتسلم عند السابي أو لا تسلم، فإن أسلمت ~~جاز - عندنا - أن تعتقد في الكفارة PageV02P715 # بعد تقدم عتقها أولا في كفارة، وإن لم تسلم جاز عتقها عند أبي حنيفة في ~~كفارة ثانية، سواء كان من صارت إليه بالسبي هو الذي كفر بها أو غيره فسقط هذا. # فإن قيل: فإن ما ذكرتموه في الماء الذي يسقط المسنون، في أصحابنا من قال: ~~لا يجوز الوضوء به، وليس بشيء؛ لأن الشافعي يجوزه، ولكن المعنى فيه: أنه لم ~~يسقط به فرض فلهذا جاز أن يسقط به الفرض. # قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يفيد حكما زائدا وهو جواز الوضوء به ثانيا. # فإن قيل: ما ذكرتموه من السوط والتيمم من موضع ثم يتيمم منه هو وغيره فإن ~~التراب - عندنا - شرط، فما حصل على وجه من التراب لا يجوز أن يتيمم به ~~ثانية كالماء، وأما السوط والمد والثوب فليس بإتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، ~~فلهذا جاز أن يسقط به فرض آخر، وليس ms219 كذلك الماء؛ لأنه إتلاف ملك قصد به ~~إسقاط فرض فهو كالعتق. # قيل: أما التراب فليس شرطا في التيمم - عندنا وعند أبي حنيفة - و - عند ~~الشافعي - فنحن نعلم أن التراب الذي يحصل على يديه لا يتحصل في كل العضو، ~~وإنما يصب بعض الوجه، فإلى أن يبلغ الذقن لا يبقى منه شيء وهذا لا يجيء في ~~باب التيمم. PageV02P716 # وقولهم: إن الماء إتلاف قصد به إزالة الفرض، وليس كذلك السوط والمد ~~والثوب يصلي به غلط؛ لأن كلامنا في جميع الماء الذي توضأ به، ولا هو متلفا، ~~ولا نسلم أن من شرط الوضوء إتلاف الماء؛ لأنه يجوز له أن يجمعه لشربه، ~~وللوضوء به على ما شرحناه، فلم نسلم وصف علتهم. # ونقول أيضا: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن ~~الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا ثم يمره على كل جزء ~~بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان التوضؤ بالماء المستعمل لا يجوز لم يجزئه ~~إمراره على باقي العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا. # فإن قيل: إن الماء المستعمل - عندنا - هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما ~~دام على العضو فليس بمستعمل. # ووجه آخر: وهو أنه وإن صار في أول جزء مستعمل فإن الماء ذو طبقات، ~~فالطهارة لباقي العضو تقع بالطبقة التي لم تلاق الجزء الأول. # قيل: قولكم: إنه لا يكون مستعملا حتى يسقط عن العضو يلزمكم أن لا يكو ~~مستعملا حتى يسقط عن الأعضاء كلها؛ لأن حكم الحدث PageV02P717 # لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. ألا ترى أنه لا يصح أن ~~يصلي، ولا يكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة؛ لأن الأعضاء ~~كلها كالعضو الواحد في حكم الوضوء. # وقولكم: إن الماء ذو طبقات، خطأ من جهة المشاهدة؛ لأن الطبقة الأولى يذهب ~~منها جزء، وينحدر باقيها على باقي العضو. فإن كان طبقات الثاني غير الأول، ~~فما يفضل عن العضو هو طبقة أخرى غير مستعملة على حسابكم. # فإن قيل: ms220 فإن الله - تعالى - قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} الآية، فأمر - تعالى - بغسل اليد بما أمر ~~به في غسل الوجه، فلما كان غسل الوجه بماء غير مستعمل كذلك سائر الأعضاء. # هذا استدلال الشافعي. # قيل: المقصود من الآية غسل اليدين كما يغسل الوجه بالماء، ولم يخص ماء من ~~ماء وليس شط الوجه في الابتداء أن يكون بماء غير مستعمل. فإن اتفق في أول ~~وهلة أن يستعمل ماء من دجلة أو الفرات فالوجه يقع بماء مفرد، وباليدان بغير ~~ذلك الماء، فالماء الثاني غير مستعمل كما الوجه. وإن جمع ذلك الماء عن ~~الأعضاء كلها فهو المستعمل، إن غسل منه فهو كماء يغسل منه اليد. PageV02P718 # فإن قيل: فإن النبي عليه السلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وفضل ~~الوضوء حقيقته ما يفضل عن العضو، ويتساقط منه، فدل على أن الماء المستعمل ~~لا يجوز التوضؤ به. # قيل: قوله عليه السلام: (لا يتوضأ الرجل بفضل المرأة) ظاهره ما فضل عنها ~~لا ما تساقط منها، وأصحاب الحديث ذهبوا إلى هذا، وهو - عندنا - منسوخ ~~بالحديث الذي رويناه وأنه عليه السلام توضأ واغتسل في الجفنة التي اغتسلت ~~منها زوجته، وقال: (إن الماء لا ينجب). # ويجوز أن يحمل خبر النهي على الندب إلى تركه وكراهية التوضؤ به، ويدل ~~خبرنا هذا على جوازه، واستعمل الأخبار إذا تعارضت واجب مع الإمكان. # على أنه روى في خبر النهي أنه عليه السلام قال: (وليغترفا معا) فدل على ~~أنه نهى عن فضل مائها لا ما يتساقط منها. # فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم ثم يتوضأ به، ولا يغتسلن فيه من جنابة)، فتقديره: لا PageV02P719 # يبولن في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من جنابة ثم يتوضأ فيه، فمنع من ~~أن يبول في الماء الدائم ويغتسل منه ثم يتوضأ، فعلم أن للاغتسال في تأثيرا ~~في المنع من التوضؤ. # وروي أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام نهى ms221 عن ~~البول في الماء الراكد والاغتسال منه، ووجه الدليل منه كما ذكرناه في الخبر ~~الأول. PageV02P720 # قيل: هذا كله - عندنا - محمول على الكراهية؛ لأنه يصير ماء مختلفا فيه، ~~وليس هذا في الماء الكثير الراكد الذي هو كالغدير الكثير، وأكثر من القلتين ~~فإن البول النجس إذا لم يؤثر فيه جاز استعماله، فالمستعمل أولى بجوازه، ~~فإذا جاز هذا في الكثير مع عدم التأثير في عينه ففي القليل كذلك؛ لعدم ~~التأثير في عينه، وهذا يطرد لنا نحن في قليل الماء وكثيره، كما نقول في ~~النجس الذي لا يغير الماء: لا فرق بين قليله وكثيره، وعكسه أن يؤثر في ~~قليله وكثيره فيتفق الحكم فيه. # فإن قيل: فإن إجماع الصحابة معنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سافر ~~وسافر معه أصحابه، وسافروا بعده عليه السلام وخرجوا إلى الغزوات، وعدموا ~~الماء فيها، فلم ينقل أنهم أو بعضهم توضؤوا بالماء المستعمل، ولا جمعوا ~~الماء بعد استعماله ليتوضؤوا به، فعلم ما ذكرناه، ولو جاز ذلك لوجب عليهم ~~أن يجمعوه ولا يتيمموا؛ لأن الله - تعالى - أباح لهم التيمم عند عدم الماء، ~~وهم - عندك - قادرون عليه بأن يجمعوه ليتوضؤوا به. PageV02P721 # قيل: هذا لا يلزم؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يسافرون، وفي الغالب أن الأواني التي يجمع فيها الماء يتعذر وجودها في ~~السفر، وإنما يكون معهم ما فيه فيتعذر فلم يؤخذ عليهم ذلك. ألا ترى أنهم لم ~~يجمعوه للشرب الذي ضرورته أشد من ضرورة الوضوء؛ لأن للوضوء بدلا هو التيمم، ~~ولا ينوب مناب الماء في شربه شيء، ومع هذا فإننا نقلب ذلك فنقول: لما لم ~~ينقل عنهم أنهم جمعوه للشرب، وحاجتهم إليه أشد وجب أن لا يجوز شربه على قود ~~قولكم، فلما جاز شربه بالإجماع مع أنه لم ينقل عنهم جمعه كان الاستعمال أولى. # وأيضا فقد يجوز أن يكون فيهم من جمعه وتوضأ به، كما يجوز أن يكون فيهم من ~~جمعه ليشربه، ولم ينقل. # وعلى أن استعماله مكروه - عندنا - فعفي لهم عن جمعه واستعماله. # فإن قيل: إنما ل ms222 يجمعوه للشرب؛ لأن أنفسه تعاف شربه. # قيل: هم يشربون في السفر الماء الآجن، والماء الذي تحمله الميتة، والنفوس ~~تعافه أشد من هذا، وأيضا فإن النفوس تعاف ما جددت به الطهارة ولم يؤثر ~~فيعينه، سواء كان وضوؤه من حدث أو تجديدا PageV02P722 # ومع هذا فالوضوء به جائز، وقد كان ابن عمر يجدد الطهارة عند كل صلاة، ولم ~~ينقل عنه أنه جمعه للوضوء به. # فإن قيل: ما أدي به الفرض مرة فوجب أن لا يؤدي به الفرض مرة أخرى. أصله ~~الماء المزال به النجاسة إذا كان متغيرا بالإجماع أنه لا يجوز إسقاط الفرض ~~به. PageV02P723 # قيل هذا خطأ من وجهين: # أحدهما: أن إزالة النجس - عندنا - ليس بفرض، فلا نسلم قولكم: إنه أزال فرضا. # والوجه الآخر: أنه إذا كان الماء متغيرا فلم يزل حكم النجاسة، فكيف يكون ~~مزيلا للفرض وذلك الفرض باق؟ لأن النجاسة لا تزول والماء الذي أزيلت به ~~متغير؛ لأنه ماء نجس. فالنجاسة لم تزل فسقط هذا، ولكنه لو أزال حكم النجس ~~بان غلب الماء عليها فلم يتغير الماء لكان الماء الذي قد زالت به النجاسة ~~طاهرا - عندنا - يجوز الوضوء به، كما يجوز بالماء المستعمل، بل المستعمل ~~أولى بالجواز. # فإن قيل: إن العضو طاهر غير مطهر، والماء طاهر مطهر فلما صار العضو مطهرا ~~بعد الاستعمال علم أنه سلب من الماء حكم التطهير. # قيل: هذا غلط، مع كونه دعوى؛ وذلك أننا حكمنا للمحدث بهذا الحكم لدلالة ~~الشرع، ولم يدل على تغيير حكم الماء بعد تطهيره للمحدث؛ لأن الماء في الأصل ~~يتكرر منه التطهير؛ لقوله - تعالى - {ماء طهورا}. PageV02P724 # على أن هذا فاسد ومنتقض فإن كان استدلالا فهو فاسد بالماء الذي تغسل به ~~اليد إلى المرفقين بعد الحدث. كل جزء من اليد يصير مطهرا بما يلاقيه، ثم ~~ينحدر الماء إلى الجزء الذي يليه فيصير مطهرا، وكذلك في الجزء الثالث إلى ~~المرفق، فكان ينبغي أن لا يجوز إمرار الجزء الأول، وقد صار الجزء الذي ~~لاقاه مطهرا؛ لان ما لاقاه وصار طاهرا قد سلبه حكم تطهيره، فلما كان ms223 انحدار ~~الماء إلى آخر اليد قبل انفصاله عنها طاهرا مطهرا علمنا انه لم يسلب حكم ~~تطهيره، فكذلك إذا انفصل عن آخر العضو. # وإن كان ذلك قياسا فهو منتقض بهذا. # فإن قيل: لا يصير شيء من العضو مطهرا إلا بسقوط الماء على آخره. # قيل: فينبغي أن لا يصير العضو كله مطهرا إلا بغسل آخر الأعضاء؛ لأن ~~الطهارة لا تتم إلا بالفراغ من غسل سائر الأعضاء. # فإن قيل: فإنه ماء الذنوب؛ لأن النبي عليه السلام قال: (إذا توضأ تحاتت ~~الذنوب فيه). # قيل: عن هذا جوابان: PageV02P725 # أحدهما: أنه عليه السلام، أراد ضرب المثل، أي كما ينغسل الدرن من الثوب ~~فكذلك تنحات الذنوب بالغسل، لا أن الذنوب شيء يمناع في الماء ولا يؤثر في ~~حكمه، وإنما يصير المتوضئ كمن لا ذنب له، فهذه الإضافة كما نقول ماء القرآن ~~وماء الختمة. # ثم إننا نعلم أن الذنوب تنحات مع كل جزء منه عند غسل أول جزء مس الوجه أو ~~اليد، ثم كل ما انحدر على جزء آخر هو كذلك، فينبغي أن لا تجزئه ما مر على ~~الجزء الأول؛ لأنه ماء الذنوب. # والجواب الآخر: هو أن ابن عمر كان يجدد وضوءه لكل صلاة، ولولا زيادة ~~الثواب وتحات الذنوب ما فعل ذلك، ومع هذا فإن الماء الذي جدد به وضوءه يجوز ~~الوضوء به. # هذا يلزم أصحاب الشافعي؛ لأن أبا حنيفة وأبا يوسف يمنعون الوضوء بهذا ~~الماء، والذي يلزمهما ما ذكرناه من ملاقاته كل جزء من العضو؛ لأنه - عندهم ~~- نجس، ونحن نعلم أنه لو كان على أول جزء من يده نجاسة فمر عليها الماء ثم ~~وصل إلى جزء آخر من العضو نجسه ذلك الماء، فكذلك ينبغي إذا مر الماء على ~~الجزء الأول وصار نجسا ثم مر على جزء آخر أن ينجسه، فلما حكموا بطهارته ما ~~لم ينفصل عن آخر العضو علم أنه لم ينجس، فكذلك لا يتنجس بانقطاعه عن العضو كله. # وأيضا فإن الأصول ترد هذا، وذلك أن الثوب فيه حكمان: # أحدهما: أنه طاهر، والآخر: كونه ساترا للعورة التي ms224 به نستبيح الصلاة مع ~~القدرة، وفي المصلي حكما: أحدهما أنه طاهر، والآخر: أنه PageV02P726 # ممنوع من الصلاة إلا بالسترة، فإذا صلى زال عنه المنع، فينبغي أن يزول ~~حكم الثوب؛ لأنه قد أباح الصلاة وأسقط حكم الفرض بالمنع، فيجب من هذا أن لا ~~تصلي به صلاة أخرى؛ لأن حكمه قد سلب في أول صلاة، ويجب أن لا بدفعه إلى من ~~يصلي فيها، كما يجب في الماء المستعمل، ومثل هذا يلزم في إطعام المساكين ~~إذا أخرج في الكفارة، ثم عاد إلى المكفر إذا رتب هذا الترتيب، ويلزمهم في ~~الأحجار التي رمى بها الجمار - وهم يجيزون الرمي بها ثانية - وبالله ~~التوفيق. PageV02P727 ### || AUTO فصل # قد دخل في جملة الكلام الرد على أبي حنيفة في قوله: إنه نجس، والمعمول ~~منه على ### || AUTO فصل # ين: # أحدهما: قوله عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما ~~غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم يغيره شيء. # وال ### || AUTO فصل # الآخر: ما ذكرناه نم ملاقاة الماء الأول جزءا من اليد، لو تنجس تنجس ما بعده. # وأيضا فإن الإجماع بخلافه؛ لأنهم أجمعوا أن الإنسان غير مأخوذ عليه أن ~~يوقي ثوبه أو بدنه من شيء يترشش عليه من الماء الذي استعمله، وقد أخذ عليه ~~أن يتحرز من ترش البول عليه، فلو صار الماء المستعمل نجسا لوجب التحرز منه ~~كالبول، ولما لم ينقل عن أحد من السلف والخلف التحرز منه، ولا أنه غسل ما ~~أصابه منه علم أنه طاهر، والله أعلم. # وأيضا فقد روى شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا مريض وألا أعقل فتوضأ وصب علي من PageV02P728 # وضوئه، وهذا نص؛ لأنه لو كان نجسا لم يصبه عليه. # وقد روى أنه أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه. وروي أنه مسح رأسه بفضل ماء يده. # وأيضا فإنه ماء طاهر لم يلاق نجسا أثر فيه فينبغي أن لا يكون نجسا، ~~كالماء الذي يغسل به شيء طاهر. # وأيضا فإن الماء ms225 طاهر مطهر فمن أين تحدث النجاسة؟. # فإن قيل: هذا غير ممتنع. ألا ترى أن العبد يتزوج امرأة على أنها حرة ~~فيستولدها، ثم تظهر أنها أماة، فإن الولد حر، فلما جاز أن يحدث الولد الحر ~~من بين رفيقين جاز أن تحدث النجاسة من بين طاهرين. PageV02P729 # قيل: هذا خطأ على مذهبنا؛ لأن الولد يكون رقيقا لسيد الأمة. # وعلى أن الحرية والرق يتغير بالاعتقاد. ألا ترى أن الحر يتزوج امرأة على ~~أنها أمة فيكون الولد - عندكم - مملوكا، ولو تزوج امرأة على أنها حرة، ~~فكانت امة كان الولد حرا باعتقاد الحرية، وليس كذلك الطهارة والنجاسة؛ لأنه ~~لا يتغير بالاعتقاد. # فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (لا يبولن أحدكم ~~في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسلن فيه من جنابة)، فجمع عليه السلام ~~بين الاغتسال من الجنابة وبين البول في الماء الدائم، فلما كان البول فيه ~~ينجسه كذلك الاغتسال فيه ينجسه. # وأيضا فإنه ماء قد أدي به الفرض فوجب أن يكون نجسا أصله الماء المزال به ~~النجاسة. # قيل: الجواب عن الخبر من وجهين: PageV02P730 # أحدهما: أنه محمول - عندنا - على الكراهية؛ لان البول إذا لم يغير الماء ~~فالماء طاهر مطهر - عندنا - فالماء المستعمل مثله. # وعلى أنه عليه السلام جمع بينهما في المنع لا في النجس. # فإن أرادوا به إذا لم يتغير الماء فهو - عندنا - طاهر فلم نسلم قولهم: ~~إنه نجس، وإن أرادوا إذا تغير الماء فإن الفرض من إزالة النجس لم يزل، وهو ~~باق؛ لأن النجس لا يزول حتى يغلب الماء عليه ولا يتغير الماء، فسقط هذا ~~وبالله التوفيق. # ويجوز أن يكون كل شيء استعماله شرط من شرائط الصلاة لا يبطل حكمه عنه ~~بمجرد الاستعمال، كالثوب يصلي فيه، والأرض يتيمم منها. PageV02P731 ### | AUTO [35] مسألة # الماء الذي يلغ فيه الكلب - عندنا - طاهر؛ لأن الكلب طاهر، وإنما غسل ~~الإناء من ولوغه تعبد، وبه قال الزهري، والأوزاعي، وداود. # وقال الثوري: يتوضأ بذلك الماء ويتمم معه. # وقال أبو حنيفة، PageV02P732 # والشافعي، وأحمد، وإسحاق: الكلب نجس، وولوغه نجس، ويغسل ms226 الإناء منه؛ لأنه نجس. # والدليل على طهارة الكلب: ما نهي عن الانتفاع به مع القدرة وقد قامت ~~الدلالة على الانتفاع بالكلب لا لضرورة من الكتاب والسنة والإجماع. # فأما الكتاب فقوله - تعالى -: {وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما ~~علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم}، فأباح - تعالى - تعليمها والانتفاع بها ~~في الصيد، وأكل ما صاده، لأنه من جملة الجوارح. # ومن السنة قوله عليه السلام لعدي بن حاتم PageV02P733 # وغيره: (إذا أرسلت كلبك المعلم على صيد فقتله فكل ما أمسك عليك كلبك)، ~~ففيه دليل على إباحة اقتناء الكلب، والانتفاع به، وأكل ما صاده، كما هو في ~~البازي والصقر. # وقول النبي عليه السلام: (من اقتنى كلبا إلا صيد أو ماشية أو زرع)، فأباح ~~اقتناءه والصيد به، كما أباح ذلك في غيره من الجوارح، فصار كسائر الطاهرات ~~التي أباح لنا الانتفاع بها نم غير ضرورة. # وأما الإجماع فقد أجمعوا على ما دل عليه الكتاب والسنة من ذلك. PageV02P734 # وأيضا فإن الكلب إذا قتل الصيد، ونيب أنيابه ومخاليبه فيه جاز أكله، ولم ~~ينقل عن أحد أنه غسله في حال اصطياده، ومعلوم أنهم في موضع الصيد يسمطونه ~~تارة، ويشتوونه، وما ينتقف منه نتف بحيث لا يكون معهم الأواني لغسله، ولو ~~غسلوه بالماء لم ينقلع ما يداخل في لحمه. فلما جاز أكله على هذه الحال إما ~~بغير غسل، أو بغسل يعلم أنه لا يقلع شاع فيه من ريق الكلب أو ملاقاة أنيابه ~~ومخالبه للرطوبة التي فيه من دم وغيره علم أنه طاهر. # أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة ~~تردها السباع والكلاب فقال عليه السلام: (لها ما شربت في بطونها ولنا ما ~~بقي شرابا وطهورا). PageV02P735 # وروى ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد ~~معه أبو بكر وعمر على حوض، فخرج أهل الماء فقالوا: يا رسول الله، إن السباع ~~والكلاب تلغ في هذا الحوض. فقال: (لها ما حملت ولكم ما غبر شرابا طهورا). # ورواه ابن وهب ms227 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن PageV02P736 # عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام. فهذا نص على طهارة ~~الكلاب؛ لأنه قال في بقية الماء الذي ولغت فيه: (شراب وطهور)، ولم ينقل قدر ~~الماء الذي ولغت فيه، فلو كان يختلف لبينه النبي عليه السلام ولفصل بين ~~الحياض، فإن فيها الكبير والصغير، وربما كان الحوض الكبير فيه القليل من ~~الماء، والنبي عليه السلام ومن سأله لم يفصلوا. # وكذلك قال عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض لا ~~تخبرنا؛ فإننا نرد على السباع وترد علينا، ولم PageV02P737 # يفرق بين السباع التي كلب من جملتها، ولا فرق بين قدر الماء في قليله ~~وكثيره. # ولنا أيضا ما روي من حديث أبي قتادة أنه حصل في بيت كبشة بنت كعب بن مالك ~~- وهي زوجة ابنه - فقربت له إناء يتوضأ منه، فجاءت الهرة تشرب منه، فأصغى ~~لها الإناء فشربت منه - وكبشة تنظر إليه -، فقال لها أبو قتادة: مالك ~~تنظرين؟، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الهرة ليس بنجس، إنما ~~هي من الطوافين عليكم والطوافات)، ففي هذا الخبر دليلان. PageV02P738 # أحدهما: أنه أثبت طاهرة الهر التي هي سبع من السباع، تفرس الحي ولا ترعى ~~الكلأ. فنبه به على ما هو مثلها؛ لئلا يظن ظان أن السباع التي هذه صفتها ~~بخلاف الهر، فأعلمهم أن الأمر في السباع واحد. # والدليل الثاني: أنه عليه السلام علل لطهارتها بكونها من الطوافين عليهم ~~والطوافات، والكلب أشد طيافة على العرب من الهر، خاصة PageV02P739 # للزرع والضرع والصيد، فينبغي أن تجري العلة في الكلب كهي في الهر. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام في هذا الخبر: (إن الهر ليس بنجس) فدل على ~~أن غير الهر نجس. وقال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) التي لم ينه عن ~~اقتنائها، وقد نهي عن اقتناء الكلب، فدل على أن الكلب نجس من دليل الخطاب، ~~ومن جهة النهي عن اقتنائه، ولم ينه عن اقتناء الهر. # قيل: قد اجتمع في الخبر دليل ms228 خطاب وتعليل والتعليل صريح فقضى على الدليل، ~~فنحمل الدليل على أنه أراد أن الهر ليست بمعبدة؛ لأن النجس في اللغة هو ~~المبعد، كما قال - تعالى -: {إنما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا}، والكافر ليس بنجس العين، فكأنه أراد أن الكلب مبعد، والهر ~~ليست بمبعدة. # والتعليل بكون الهر من الطوافين يدل على طهارتها؛ لكونها من الطوافين، ~~والكلب كذلك يطوف عليهم للانتفاع به في الصيد والزرع والضرع فلا فرق بين أن ~~يطوف عليهم في بيوتهم أو مواضع ماشيتهم وصيدهم وزرعهم. # وأما النهي عن اقتناء ضرب منها لأنها في الحلل تروع المسلم PageV02P740 # لا يدل على تنجيسها، إذ لو كانت نجسة لم يفترق حكمها في كل موضع، فإن دل ~~على كونها نجسة للمنع من اقتنائها في البيوت دل على طهارتها إذا اقتنيت ~~للصيد والضرع والزرع؛ إذ لا أحد يفرق في تطهيرها أو تنجيسها في الموضعين. # وإذا ثبت بالتعليل طهارة الكلاب كلها لم يدل النهي على اقتناء بعضها في ~~حال دون حال على تنجيسها. ألا ترى أن النبي عليه السلام قد نص على تحريم ~~الربا في البر لعلة من العلل، وتلك العلة موجودة في الأرز والدخن، فلو قال: ~~لا تأكلوا البر في هذا الوقت، أو في هذه الدار، أو إذا بيع قبل قبضه، لم ~~يكن هذا مزيلا لعلة الربا، فكذلك نهيه عن اقتناء الكلاب في موضعما، وأن لا ~~يطوف عليهم في الحلة لا يزيل حكم طهارته؛ للعلة التي وردت في الهر ~~واستوائهما فيها. # على أننا قد نهينا أيضا عن اقتناء ما يتأذى بها، ويتأذى بها الناس، وليس ~~في ذلك دليل على زوال طهارتها. # على أنه عليه السلام قد أباح اقتناء الكلب لصيد وزرع وضرع فهو طاهر كالهر. # وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: كنا نتوضأ أنا ورسول الله من إناء قد ~~أصابت منه الهر، وقد علم أنها سبع من السباع ذو PageV02P741 # ناب، تفترس الحي ولا ترعى الكلأ، ولم تنقل إلينا ذلك إلا لتفيدنا أن هذا ~~الجنس طاهر، لا تخصيصا للهر؛ لأن ms229 جميع المعاني التي في السباع موجودة فيها ~~- لم سن بد من أن تبين لأي معنى خصصت، فلما لم تبين علمنا أنها نهبت على ~~جملة السباع التي هي مثلها وأنها بهذه المنزلة. ألا ترى أنها لما قالت: كنت ~~أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد. أرادت أن تعلمنا ~~بأننا كلنا يجوز لنا ذلك، لا انها أرادت تخصيص عينها وعين النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكذلك لم ترد تخصيص عين الهر بذلك. # فإن قيل: إنها لم ترد تخصيص تلك الهر دون غيرها من السنانير، وإنما أرادت ~~جنس السنانير دون سائر السباع، كما أنها لم ترد عينها وعين النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما أرادت ما هو من جنسها دون الحمير والدواب وغير ذلك. # قيل: لا فرق بين الأمرين إذا كان المعنى الهر وسائر السباع واحد إلا أن ~~يبين موضع التخصيص؛ إذ جنس السباع واحد فإن اختلفت صورها وخلقها، كما أن ~~جنس بني آدم واحد وإن اختلف خلقهم وصورهم. PageV02P742 # وعلى أننا عقلنا أنها أرادت بالوضوء جنس بني آدم دون الحمير والدواب؛ ~~لأنها خصصته بذكر الوضوء الذي لا يصح إلا من المتعبدين دون غيرهم. # على أننا لو قلنا: إنها أفادتنا أن كل حي إذا لم تكن عليه نجاسة، وانغمس ~~كله أو بعضه في الماء فإنه طاهر، كما أن النبي عليه السلام وهي غمسا ~~أيديهما في الماء وهما حيان، فالماء طاهر. # ولنا أن نستدل بقوله - تعالى -: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير}، والولوغ من هذه ~~الأشياء، والماء مما يطعم فلا يكون محرما إلا بدليل. # وأيضا فإن الكلب في حياته ذو روح فوجب أن يكون طاهرا، أو فوجب أن لا يكون ~~ولوغه نجسا، دليله سائر الحيوان المتفق عليه. ولا يلزمنا الخنزير؛ لأنه - ~~عندنا - طاهر في حياته. # فإن قيل: هذه العلة فاسدة من وجهين: أحدهما أنه لا تأثير لها؛ PageV02P743 # لأننا نجد الشاة طاهرة في حياتها لكونها ذات روح، ms230 ثم تذكي وقد زالت الروح ~~فتكون طاهرة أيضا، وكذلك السمك حيه وميته بمنزلة واحدة، وإذا لم يكن للعلة ~~تأثير سقطت. # والوجه الآخر: هو أنه لو كانت صحيحة لوجب أن يوجد الحكم بوجودها، ويرتفع ~~بارتفاعها من جهتها، فلما وجدنا السمك الميت والشاة المذكاة طاهرين مع ~~ارتفاع العلة علم فسادها. # قيل: علتنا صحيحة. ألا ترى أن الشاة في حياتها طاهرة، ثم تموت حتف نفسها ~~فتصير نجسة، ولم تكن كذلك إلا لعدم الروح منها فاستمر هذا. ثم لا ننكر أن ~~تخلف علة الحياة علة أخرى تقوم مقامها في الطهارة، فالتذكية تقوم في ~~الطهارة مقام الحياة، وكذلك موت السمك يقوم مقام حياته. # وهذا كما يقول أصحاب الشافعي إن علة نجاسة الخمر كون الشدة المخصوصة ~~فيها، ثم تخلل فتزول الشدة وهي نجسة بالتخليل، فخلفت هذه العلة المتقدمة ~~وهي الشدة. # وكذلك نقول جميعا: إنه لو طرح في الخمر ميتة أو دم، ثم خللت لكانت نجسة ~~باتفاق؛ لأن النجاسة التي وقعت فيها خلفت النجاسة التي هي الشدة بعد ~~زوالها، وهذا في الأصول كثير. PageV02P744 # قياس آخر: اتفقنا على أن الطهر، فكذلك الكلب؛ بعلة أنه سبع من السباع، أو ~~بعلة أنها بهيمة ذات ناب، أو بعلة أنها تفرس الحي ولا ترعى الكلأ. # قياس آخر: اتقنا على أن الصقر والبازي طاهران، فكذلك الكلب؛ بعلة أنه ~~جارح أبيح لنا الاصطياد به. # فإن قيل: العلة في سائر الحيوان أنه لا يجب غسل الإناء من ولوغه، والكلب ~~والخنزير يجب غسل الإناء من ولوغهما. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن علتنا متعدية فهي أولى؛ لأنها تجلب حكما. # والجواب الآخر: هو أن غسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير ليس بفرض - ~~عندنا -، وهو كالهر إذا كانت تأكل الجيف. # وعلى أن غسل ذلك تعبد، كغسل الخلوق والطب من ثوب المحرم. # فإن قيل: العلة في طهارة الشاة في حياتها: كونها مأكولة اللحم وليس كذلك الكلب. # قيل: عن هذا أجوبة: # أحدهما: أن هذه العلة غير متعدية وعلتنا متعدية فهي أولى عند التعارض. PageV02P745 # والوجه الثاني: أن علتنا مستمرة في كل حيوان ms231 في حال حياته من السباع ~~وغيرها مما هو طاهر ولا يؤكل لحمه، مثل بني آدم. # وجواب آخر: وهو أننا قسنا الكلب على الهر؛ بعلة أنه سبه يفرس الحي ولا ~~يرعى الكلأ، وهذا أصل لم يحصل ما يعارضه. # وقسناه أيضا على البازي والصقر فهو أشبه. # وقياسنا أولى أيضا؛ لأننا رأينا سائر الحيوان على ضربين: فضرب منه يجوز ~~أكل لحمه، كالأنعام والصيد المباح وغير ذلك مما يجوز أكله، وضرب آخر لا ~~يجوز أكله، كابن آدم والسباع، ووجدنا هذين الضربين جميعا طاهرين، فوجب أن ~~لا يخرج حكم السبع والكلب والحمار عن ذلك؛ لأنها من جملة الحيوان. # فإن قيل: فقد روي أن النبي عليه السلام حرم الكلب وحريم ثمنه، وحرم ~~الخنزير وحرم ثمنه، فأخبرنا أن الكلم محرم، فيقتضي أن يكون محرما من جميع ~~الوجوه. PageV02P746 # وأيضا فالدليل على نجاسة ولوغه ما رواه أبو هريرة أن النبي عليه السلام ~~قال: (إذا ولغ الكلب في إناء فليرقه وليغسله سبع مرات)، فأمر بإراقة ما ~~فيه، وقد يكون المولوغ لبنا وعسلا وغيرهما، فلولا أنه نجس لم يأمر بإراقته؛ ~~لأنه تضييع المال، وقد نهى عنه. PageV02P747 # وايضا فقد روي أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال (طهور إناء أحدكم إذا ~~ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات)، والطهور إما أن يكون عبارة عن رفع الحدث ~~أو رفع النجاسة، فلما لم يكن بالإناء حدث علم أن فيه نجاسة. # قيل: أما قولكم: إن النبي عليه السلام حرم الكلب وحرم ثمنه فإن عين الكلب ~~ليست محرمة؛ لأن الأعيان لا تحرم، وإنما تحرم أفعالنا فيها، كقوله: {حرمت ~~عليكم أموالكم}، المراد حرم علينا نكاحهن. فإذا كان المراد تحريم أفعالنا ~~في الكلب فهو عموم قد أبيح لنا بعضها من الاقتناء للصيد والزرع والضرع، ولم ~~يدل ذلك على تنجيسها؛ لأن النجس لا يجوز الانتفاع به لغير ضرورة كالبول ~~والخمر. # وأما تحريم ثمنه فإنما هو مكروه - عندنا - لا واجب. # وقد روي أنه عليه السلام نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية. PageV02P748 # ثم لو ثبت تحريم ms232 ثمنه لم يدل على تنجيسه؛ لأن بيع أم الولد لا يجوز وهي طاهرة. # فإن قيل: فإن النهي عن ثمنه لا يخلو من احد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون لحرمته، كالنهي عن ثمن الحر وأم الولد، أو يكون لعدم منفعته، ~~كثمن العقارب والخنافس، وغير ذلك مما لا منفعة فيه، فيكون صرف الثمن فيه من ~~إضاعة المال، أو يكون النهي لأجل نجاسته كالنهي عن ثمن الخمر والخنزير ~~والميتة. فلما بطل أن يكون لحرمته؛ لأنه لا حرمة له، وليست مع هذا حرمته لو ~~كانت له حرمة بأوكد من حرمة البقر والغنم، وقد جاز بيعها. وبطل أيضا أن ~~يكون لعدم منفعته لان فيه منافع كثيرة موجودة، فلم يبق إلا أن يكون النهي ~~لنجاسته. # قيل: قد ذكرنا أن النهي إنما هو تنزيه وكراهية - عندنا -؛ لا لأنه PageV02P749 # محرم، وإنما غلط بذلك عن اقتنائه حيث يروع المسلم وإلا فبيعه جائز. ألا ~~ترى أنه قد روي في الخبر أنه نهى عن بيعه إلا يكون كلب صيد أو ماشية أو زرع. # وللكلاب في جواز بيعه مسألة مفردة تجيء في موضعها. # وليس يمتنع في الأصول أن ينهى عن اقتناء شيء أو عن ثمنه تنزها وكراهية، ~~كالنهي عن كسب الحجام، وثمن الصور. وقد قال عليه السلام: (إن الملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه صورة)، فكذلك النهي عن اقتناء الكلب وبيعه، وليس كذلك الميتة ~~والدم والخنزير الذي لم يبح استعماله واقتناؤه في غير ضرورة. ألا ترى أننا ~~قد أبحنا اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية لغير ضرورة. ولو كان كالميتة ~~والدم لم تجز الوصية به ولا قسمته إذا كان مباحا استعماله، فلما جازت ~~الوصية به وقسمته في المواريث واقتناؤه للصيد وغيره فارق حكم سائر الأجناس. # فإن قيل: لو قتل لم يجب على قاتله قيمة. # قيل: تجب - عندنا -. PageV02P750 # فإن قيل: لو سرقه سارق لم يقطع. # قيل: يقطع - عندنا -. # على أننا لو قلنا: إنه لا تجب قيمته ولا القطع في سرقته لم يدل على ~~نجاسته؛ لأنه لو صال عليه جمل فقتله لم تجب فيه قيمته ولو ms233 سرق حرا لم يجب ~~قطعه إن كان صغيرا - عندكم - وكبيرا - عندنا وعندكم -، ولم يدل ذلك على ~~كونهما نجسين. # وأما قوله عليه السلام: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليقه وليغسله PageV02P751 # سبع مرات)، فإنه لا يلزم؛ لأن الانتفاع بالكلب واقتناؤه قد أبيح لغير ~~ضرورة، فهو كالطاهرات في الشرع. فأما الأمر بإراقته وغسل الإناء من ولوغه ~~فلا يدل على نجاسته، بل هو لأن النفس تعافه، كما لو بصق إنسان في الماء، ~~وامتخط فيه لعافته نفسه وجازت إراقته. ألا ترى أن إنسانا لو اضطر إلى أكل ~~الميتة ثم يشرب من إناء لعافته النفس حتى يراق الماء ويغسل الإناء منه ~~تنظيفا وتنزها، فكذلك الكلب إذا ولغ فيه؛ لأنه لا يجتنب أكل الأنجاس في ~~الغالب، فتعافه النفوس، فيؤمر الإنسان بإراقته وغسل الإناء؛ لأن التنزه من ~~الأقذار مندوب إليه، وليس إراقته - عندنا - فرضا، ولا غسل الإناء منه فرضا. # ويحتمل أن يكون ذلك تغليظا عليهم في الماء؛ لأنهم نهوا عن اقتنائها؛ ~~لأنها تروع الضيف والمجتاز كما قال ابن عمر، والحسن، فلما لم ينتهوا غلط ~~عليهم في الماء؛ لقلة المياه عندهم في البادية حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من ~~اقتنائها، لا لأنها نجسة. # والدليل على أنه على وجه التغليظ: دخول العدد والتراب فيه؛ لأنه مع قلة ~~المياه عندهم يجتمع عليهم إراقة الماء من الإناء، وتكرير الغسل سبع مرات ~~بالماء، ثم بالتراب الذي لم يدخل في سائر الأجناس التي هي أغلظ من ولوغ ~~الكلب؛ لأن الدم والبول والعذرة المتفق على نجاستها أغلظ من ريق الكلب ~~المختلط في طهارته، فلما لم يدخل PageV02P752 # العدد والتراب في الأغلظ، ودخل في الولوغ الذي هو أضعف علم أنه لم يدخل ~~لنجاسة. وقد رأينا العدد في الغسل قد دخل عبادة لا لنجاسة كوضوء الإنسان، ~~ودخل التراب في غسل الإناء أيضا عبادة كما دخل في التيمم لا لنجاسة. # وأما قولهم: إنه قد يكون في الإناء لبن أو غسل فيكون فيه تضييع المال، ~~فإننا نقول: إن الخبر لم يرد إلا في الماء على طريق الاستحباب، والماء يسير ~~القيمة ms234 في الغالب، وقد قال عليه السلام: (إذا وجد أحدكم قذى في إنائه ~~فليرقه ولا ينفخ فيه)، وكله - عندنا - مستحب. # وقد سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن القدر يلغ فيها الكلب. فقالت: يؤكل ~~المرق، ويغسل القدر سبعا. وكانت تفتي به بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم -. PageV02P753 # وما روي أنه عليه السلام قال: (طهور إناء أحدكم)، فإننا نقول: طهور اسم ~~مشترك يصلح لإزالة النجس، ويصلح لتمييز الشيء من الأشياء الدنية، ويصلح ~~للتعبد. # فأما إزالة النجس، كالثوب والبدن والمكان إذا كان عليه نجس طهور بإزالة ~~ذلك بالماء. # وأما التعبد فكغسل الجنابة والوضوء الذي قيل فيه: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}. # وأما تمييز الشيء من الأشياء الدنية فكقولنا في أزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الطاهرات، وكقولنا: فلان طاهر ويكون طاهر مطهر، أي متميز ممن ~~يدخل فيما لا يجوز من الدناءة، ويكون أيضا لرفع درجة كقوله - تعالى - لعيسى ~~عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا}. فإذا كان ~~طهور من الأسماء المشتركة لم يجز الحجاج به حتى يعلم أي ذلك أريد به، ولا ~~يدعي في الاسم المشترك العموم، فإذا احتمل ما يقولونه من إزالة النجاسة ~~احتمل أن يكون للعبادة كغسل الخلوق من ثوب المحرم الذي لا هو لإزالة حدث ~~ولا لرفع نجاسة. # على أن حقيقة الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال في جميع المواضع، فهو ~~نقل مما لا يجوز إلى ما يجوز، فقد نقل امتناع جواز استعمال الإناء إلى جواز ~~استعماله. PageV02P754 # وإراقة الماء فقد ذكرنا أنه على وجه التنزه والتنظف، ويحتمل أن يكون ~~تغليظا ليمتنعوا من اقتناء الكلب. فإن كان للتنظف أو التنفس تعافه فهو كمن ~~كان يجد القذى في إنائه قد أمر بإراقته ولا ينفخه؛ لأنه بالنفخ يتطاير من ~~البصاق في الإناء مع يساره قيمة الماء في الأغلب، وقد ندب الإنسان إلى ~~التنزه والتنظف، كما ندب المتوضئ إلى غسل يده قبل إدخالها في وضوئه. # فإن قيل: فكيف خصت الأواني بذلك دون غسل الصيد إذا نيبه الكلب - عندكم ~~-؟، وخص داخل الإناء ms235 بالغسل كما خص غسل موضع النجاسة، والأواني لا تعبد ~~عليها؟، وخص الماء وحده نم بين غيره من المائعات. # قيل: أما تخصيص الأواني فلأن الكلاب في الحضر وبين الناس تروع المجتاز ~~والضيف، وتلغ في الأواني، وفي الصحاري ومكان الصيد والمواشي والزرع لا ~~ينتشر الناس في الغالب فتروعهم، ولا تكون الأواني هناك. # وأما تخصيص داخل الأواني فإنه موضع الاستعمال، والقذر من الريق هو ~~المستقذر يحصل داخل الإناء وإن لم يكن نجسا. # وأما تخصيص الماء داخل الأواني فإنه موضع الاستعمال، والقذر من الريق هو ~~المستقذر يحصل داخل الإناء وإن لم يكن نجسا. # وأما تخصيص الماء وحده فإنه في الأغلب لا يحفظ كما يحفظ غيره من ~~المائعات، فالكلب في الغالب يشرب الماء دون غيره من المائعات. # وقولهم: لا تعبد على الأواني فإننا نقول: نحن المتعبدون فيها، كما تعبدنا ~~بأن تربص الصغيرة المتعدة، وتعبدنا بغسل الطيب من ثوب PageV02P755 # المحرم، وكما تعبدنا بغسل الميت الذي لا يخلو أن يجب غسله لنجاسة تزول، ~~أو لعابدة. فإن كان الميت نجسا بالموت فإن نجاسته لا تزول بالغسل، وإن ذهب ~~عنه الدرن. وإن كان طاهرا وعليه نجاسة فليس هو متعبدا بإزالتها بعد الموت؛ ~~لأن العبادة قد انقطعت عنه، فصرنا نحن المتعبدين بغسله، فكذلك النجاسات ~~التي على الثياب والبقاع نحن المتعبدون بها، فكذلك نحن المندوبون بغسل ~~الإناء من ولوغ الكلب تنزها وتنظفا، فلا معنى لقولهم: إنه لا عبادة على ~~الأواني. # فإن قيل: إنما وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه فوجب أن يكون عن نجاسة، ~~كالبول وغيره من النجاسات إذا وقعت في الإناء. # وأيضا فإنه مائع ورد الشرع بإراقته فوجب أن يكون نجسا كالخمر. قال ففي ~~الولوغ: (فأريقوه)، وقال في الخمر: (اقلبوها في البطحاء). # وأيضا فإنه غسل بالماء تعلق بموضع الإصابة فوجب أن يكون PageV02P756 # غسل نجاسة لا غسل تعبد، وأصله النجاسة إذا وقعت على ثوبه أو على بدنه. # وأيضا فإن الكلب لم يماس الإناء ولا أصابه، وإنما أصاب الذي في الإناء، ~~فلما وجب غسل الإناء على أنه وجب غسل الإناء لحدوث حادث ms236 فيه، فإننا نقول: ~~ليس غسله فرضا، فلم تسلم علتكم وإنما غسله مسنون، وليس ما كان غسله مسنونا ~~يكون لنجاسة، كالطيب من ثوب المحرم، فلم يسلم القياس على البول، وإنما كان ~~بول ابن آدم نجسا؛ لأنه محرم أكله، وإن كان في حياته طاهرا. فأما الكلب ~~فأكله مكروه فبوله مثله، وكذلك سائر السباع غير الخنزير محرم كابن آدم ~~وبوله مثله. # وعلى أن إزالة النجاسات - عندنا - ليست بفرض، فكيف ولوغ الكلب الذي هو - ~~عندنا - طاهر؟. # وقولهم: إنه مائع ورد الشرع بإراقته، فقد قلنا: إن النبي عليه السلام ~~قال: (إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخه)، فقد ورد الشرع ~~بإراقته لا لنجاسة، وهذا ندب، وكذلك ولوغ الكلب إراقته ليست PageV02P757 # بفرض، وأما الخمر فنجسة محرمة الثمن، كبول ما لا يؤكل لحمه. # وقولهم: إنه غسل بالماء علق بموضع الإصابة فوجب أن يكون غسل نجاسة، ~~فنقول: غسل داخل الإناء مندوب وليس بمفروض، وإنما هو تغليظ أو للنظافة؛ فإن ~~النفس تعاف الشرب من الإناء بعد ولوغ الكلب فيه إن لم يغسل بالماء، فهو - ~~عندنا - مندوب إلى غسل بول ما لا يؤكل لحمه من السباع وهي طاهرة، ومندوب ~~إلى غسل ما يؤكل لحمه من الدواب أيضا وهي طاهرة، وهذا هو الجواب عن قولهم: ~~إن الكلب لم يماس الإناء، وإنما مس ما فيه؛ لأنه إذا ولغ في الماء اختلط ~~ولوغه فقذر الإناء لا لنجاسة، كما لو امتخط في الإناء قذره بلا نجاسة. # على أن قياسنا الكلب في طهارته على سائر الحيوان أولى من هذا. # ويجوز أن نستدل على طهارة الماء الذي ولغ فيه بقوله عليه السلام: (خلق ~~الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه). # فإن قيل: فقد روي أن النبي عليه السلام أراد أن يدخل بين رجل فقيل له: إن ~~فيه هرا. فقال: (الهر ليست بنجس)، فدليله أن الكلب نجس. PageV02P758 # قيل: قد ذكر أن هذين خبران، قد دخل أحدهما في الآخر. # على أننا نقول: إن كان هذا تعليلا في الكلب، وأنه ms237 لم يدخل البيت الذي هو ~~فيه؛ لأنه نجس فينبغي أن تجري العلة في كل موضع فيه نجس، ولو كان كذلك لوجب ~~أن لا يدخل بيتا فيه دم ولا بول، ولا غير ذلك من الأنجاس التي هي أغلظ من ~~الكلب، فلما كان عليه السلام يدخل البيوت التي فيها الأنجاس دل على أن هذا ~~ليس بتعليل، وإنما معناه أن الكلب مبعد والهر ليست مبعدة؛ لأن النجس في ~~اللغة وهو المبعد، PageV02P759 # كقوله - تعالى - {إنما المشركون نجس}، وهذا أولى من تعليل لا يصح، وقد ~~كانت مبولة النبي عليه السلام معه في البيت تحت سريره، ولم يمتنع من دخول البيت. # وعلى أنه عليه السلام لم ينص في الكلب على شيء، وإنما قال في الهر: (إنه ~~ليست بنجس)، فاستدلوا بالتنبيه ودليل الخطاب على الكلب، ونحن ننازعهم في ~~النص على الهر PageV02P760 # وفي دليله، وهل أراد النجس اللغوي أو غيره؟. # فإن قيل: اسم النجس والطاهر إذا أطلقنا في الشريعة عقل منه خلف اللغة، ~~كالصلاة التي هي الدعاء في اللغة، ثم إذا أطلقت في الشرع عقل منها هذه ~~الأفعال المخصوصة. # قيل: إن الأحكام معلقة على الأسماء اللغوية حتى يقوم الدليل على نقلها، ~~وليس إذا نقلت في موضع بدليل ينبغي أن تنقل في كل موضع ولم تقم - عندنا - ~~دلالة في هذا الموضع أنه أريد به غير اللغوي. # ثم لو ثبت الدليل على ما يذكرونه من دليل الخطاب لم يمتنع أن يلحق الكلب ~~بالهر بدليل، وقد ذكرنا دلائل تقدمت تدل على طهارة الكلب، ودليل الخطاب ~~يحض، ويسقط بالدلالة، فإسقاطه ههنا بالدلالة، ويصير تقديره كأنه قال: الهر ~~ليست بنجس ولا الكلب، كما قال - تعالى - في خبر الصيد: {ومن قتله منكم ~~متعمدا}، فالخاطئ بخلافه، ثم قامت دلالة ألحقت الخاطئ بالعامد، وصار ~~تقديره: PageV02P761 # متعمدا أو مخطئا. # وإن كان ذلك تعليلا من النبي عليه السلام جاز أيضا تخصيصه بدليل، فيحمل ~~على النجس اللغوي بدليل. # على أن التعليل إنما ورد في الهر، فكأنه عليه السلام قال: دخلت لأن الهر ~~طاهرة، والعلة لا يكون لها دليل فيما ms238 عداها، ولا إذا حصلت علة في أصل يقع ~~منها تنبيه على علة أخرى تضادها في أصل آخر، وإنما يكون هذا فيما طريقه ~~النطق في الأسماء والأوصاف، فكأنه عليه السلام جعل العلة في دخوله البيت ~~الذي في الكلب لشيء آخر، وهو تغليظ عليهم حتى لا يقتنوه إلا أباحهم منها، ~~فيدخل عليهم في صيدهم وضرعهم وزرعهم، ومكان صيدهم وفيه الكلاب، فلو كان ~~نجسا لم PageV02P762 # يدخل عليه السلام عليهم في هذه المواضع، فلما كان يدخل عليهم فيها علم أن ~~الكلب ليس بنجس؛ إذ لو كان نجسا لامتنع من الدخول عليهم في كل موضع حتى ~~تجري العلة في معلولاتها؛ لأنه لا يجوز أن يعلل فيقول: لا أدخل عليهم؛ لأن ~~الكلب نجس، ثم يدخل عليهم وهو نجس، فلما أباحهم اقتناءها للصيد والزرع ~~والضرع، ودخل عليهم علم أنه ليس بنجس؛ لأنه لو كان نجسا لكانت هذه مناقضة، ~~والنبي عليه السلام لا يناقض. # فإن قيل: فإن العلة المنصوص عليها يجوز أن تخص. # قيل: قد خصصناها لو نص عليها في الكلب بالأدلة، فنحملها على أنه أراد أنه ~~مبعد، وهذا اسم لغوي. # ويجوز أن نقول: قد جعل الله - تعالى - ورسوله عليه السلام الكلب المعلم ~~مذكيا للصيد، ومحال أن يبيحنا تذكية نجس العين؛ لأن كل حي حصلت منه التذكية ~~طاهر العين مثل بني آدم، والخنزير - عند المخالف - نجس العين، فلو كان ~~الكلب مثله لم يجز أكل ما قتله الكلب الصيد، كما لا يجوز أكل ما ذكاه ~~الخنزير، وبالله التوفيق. PageV02P763 ### | AUTO [36] مسألة # ولا يجوز التوضؤ بماء الورد وماء الشجر، وعرق الدواب، وماء العصفر، وماء ~~الكرش. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وكذلك نقول في ماء الزعفران. # والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة إنما هو إذا خالط هذه الأشياء الطاهرة ~~الماء، وكانت أجزاء الماء غالبة عليها إلا أن الماء متغير اللون والطعم ~~والريح، فلا يجوز به الوضوء - عندنا وعند الشافعي -، ويجوز - عنده - الوضوء ~~به، وأما إن كانت أجزاء هذه الأشياء غالبة على أجزاء الماء فإنه لا يجوز به ~~الوضوء - عندنا وعنده وعند الشافعي -. PageV02P764 # وقال ms239 الأصم: يجوز الوضوء بهذه المياه كلها على كل وجه. # واحتج الأصم بان ماء الورد وماء الشجر، والماء الذي من الكرش إذا نحر ~~الجزور فأخرج الماء من كرشه مائع طاهر فهو كالماء. # والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وأنه على حكم الحدث حتى يقوم الدليل على ~~سقوطه عنه. # وأيضا فإن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط عنه إلا بدليل. # وأيضا فإن الكلأ بيننا في إطلاق اسم الماء، والإطلاق يقتضي ماء القراح، ~~فإن نوزعنا في هذا، قلنا: قد ثبت أن حالفا لو حلف لا PageV02P765 # يشرب ماء فشرب ما ورد لم يحنث، ولو شرب ماء الشجر، وماء الخلوق، وحلف أنه ~~لم يشرب ماء لكان صادقا. ولو أمر غلامه أن يشتري له ماء ورد، فاشترى له ماء ~~القراح لعصى وحسن منه تعنيفه وتوبيخه، ولو أمره أن يشتري له ماء، فاشترى ما ~~ورد لكان مخالفا، فلو كان يطلق عليه اسم الماء، كماء القراح لجاز استعماله ~~مع وجود ماء القراح. ولا أظنهم يقولون هذا، فإن قالوه فما قدمنا فيه كفاية. # ولنا أن نستدل بقوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، والطهور ~~هو الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، وقد دللنا عليه قبل هذا فيما مضى من ~~المسائل، فلما خص الماء بهذه الصفة الزائدة وجب أن يكون مخصوصا بالحكم دون غيره. # وأيضا قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، فنقلنا من الماء المطلق ~~إلى التيمم من غير واسطة. # وأيضا فإن النبي عليه السلام والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يسافرون ~~ويتعذر عليهم الماء، ومعهم أنواع من المائعات، مثل ماء الورد والخل وغير ~~ذلك، فلم ينقل عن أحد منهم أنه توضأ بها، فعلم أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنه لا ~~يجوز. PageV02P766 # وأيضا فإن النبي عليه السلام توضأ بماء القراح، وقال: (هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به)، فلا يجوز الوضوء إلا بمثل ما توضأ به إلا أن يقوم بدليل. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟). فقال: لا، ~~ولكن معي نبيذ، فلو كان ينطلق اسم الماء على النبيذ لم يقل: ms240 لا. ولكان ~~النبي عليه السلام ينكر ذلك عليه. # فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخرج على العرف ولم يخرج عن أصله في الماء. # قيل: فإذا كان العرف قد جرى بهذا على ما تقولون فما تريد أكثر منه؟، فما ~~خاطبنا الله - تعالى - على هذا الحساب إلا بما جرى به عرفنا. PageV02P767 # فإن قيل: فإن الله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء}، وقال النبي عليه السلام: ~~(أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت)، ولم يخص ماء ~~من ماء، ومن معه ماء ورد فهو واجد الماء، وليس إضافته إلى الورد بمخرج له ~~عن الاسم، وهذا كما نقول: ماء دجلة وماء الفرات، وماء النهر، وماء الجب، ~~وماء البئرة، وما أشبه ذلك، ومنزلة هذا: منزلة من حلف - عندكم - أن لا يأكل ~~خبزا، فأكل خبزا وجبنا أو خبزا وملحا فإنه يحنث، ولا تكون إضافة الخبز إلى ~~غيره بمخرج له عن اسم الخبر فكذلك هذا. # وأيضا فإننا رأينا الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فتارة يجريه في ~~عين، وتارة في بئر، وتارة ينزله من السماء، وتارة يجريه في الشجر وعروقها، ~~فلا ينبغي أن يخرج عن إطلاقه، وقد قال - تعالى - {وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض}، وقال - تعالى -: {فسلكه ينابيع في الأرض}، فكذلك ~~يسلكه في الشجر وغيرها، فلا يخرج ذلك عن إطلاقه. # قيل: أما قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، وقوله ~~عليه السلام: (أحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء)، فهو حجة لنا؛ لأن إطلاق ~~اسم ماء لا يقع على ماء الورد، ولا يعقل منه ذلك لغة ولا شرعا، وأما إضافة ~~الماء إلى قراره فلا معتبر به؛ لأن الإنسان إذا أخذه PageV02P768 # في يده للوضوء تناوله اسم ماء مطلق، وإذا نقل من قراره إلى قرار آخر ~~انتقلت الإضافة من القرار الأول إلى القرار الثاني، فالماء الذي كان في ~~دجلة هو الماء الذي في الجب، ويقال ماء الجب بعد أن كان يقال فيه ماء دجلة، ~~وهو مع هذا في الجب يقال: ماء دجلة، فإضافته ms241 إلى قراره لا تؤثر فيه، وليس ~~كذلك ماء الورد؛ لأنه مضاف صفة لازمة له مؤثر فيه؛ لمخالطته ما هو من غير ~~جنس قراره، وإنما هو لشيء حل فيه فغلب عليه، فحيثما نقلته وفي أي إناء ~~تركته قيل: ماء ورد. # وأما الذي حلف ألا يأكل خبزا فأكل خبزا وجبنا فإنما حنثناه بأكله الخبز؛ ~~لأن الأيمان تخص بالعرف. # وعلى أننا حنثناه بأكله الخبز، وأكله لشيء آخر معه لا يضر؛ لزن عين الخبز ~~متميزة من الجبن، فاسم الخبز الخبز منطلق عليه، فعروضه لو حلف لا شرب ماء، ~~فشرب ماء فيه ورق الورد لحنث؛ لأنه شرب ماء ووردا والماء مميز عن الورد، ~~وليس كذلك إذا حلف ألا يشرب ماء، فشرب ماء ورد فرنه لا يحنث. # وأما قولهم: إن الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فقد أجراه في الشجر ~~وعيدانه، كما أجراه في الأرض، فإننا نقول: إن الله - تعالى - جعل الأرض ~~قرارا للماء، وهو متميز عنها، فلم يكن للأرض فيه حكم أكثر من استقراره ~~فيها، وهو مشاهد كما يشاهد في الجب PageV02P769 # والجرة وغير ذلك؛ لأنه لا ينفك مع إطلاقه من قرار يحل فيه، فما دام الاسم ~~ينطلق عليه من غير شيء يحل فيه من غير قراره فيؤث فيه فهو المأمور بالوضوء ~~به؛ لأن الأمر ورد بماء هذه صفته وقد بينا أن ماء القراح حيث حل، قيل له: ~~ماء القراح، وماء الورد وماء الشجر حيث حل، قيل: ورد وماء الشجر. # وعلى أن الإضافة على ضربين: إضافة حقيقة - وهي المخالطة، وإضافة سمة ~~وعلامة. فإضافة السمة والعلامة لا تغير الماء؛ لأنها لا تتغير عليه، كما ~~ذكرنا وهو بحاله، فحيثما نقل أضيفت إلى ما نقل إليه سمة وعلامة، وهو بحاله، ~~كما يقال ماء زيد، ثم ينتقل ملكه إلى عمرو فيقال: ماء عمرو، وليس كذلك ماء ~~الورد وماء الشجر للتأثير في عينه، فهي إضافة حقيقة حيثما نقلته لم يتغير ~~اسمه عن الإضافة المؤثرة وإن لحقته إضافة السمة، وهات ماء الورد الذي في ~~القنينة. # وقياسهم على الماء بعلة أنه مائع طاهر ms242 فإننا نقول المعنى في الماء أنه ~~مخصوص بالصفة فكان مخصوصا بالحكم. PageV02P770 ### || AUTO فصل # قد مضى في جملة الكلام على الأصم ما يلزم أبا حنيفة في الماء إذا تغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه من الورد أو الزعفران وإن كانت أجزاء الماء غالبة ~~لأجزاء تلك الطهارات وأنا أفرد الكلام عليه. # فالدليل لقولنا: كون الإنسان على جملة الحدث، وكون الصلاة عليه بيقين فلا ~~تقسط إلا بدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقوله: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا}، وقوله - تعالى - {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، ~~فأطلق - تعالى - اسم الماء في هذه المواضع، وهذا فقد زال عنه إطلاق الماء ~~حتى صار مقيدا بصفة مما حل فيه. # يدل على ذلك: أنه لو أمر غلامه بشراء ذلك، فجاءه بماء القراح عصاه، وحسن ~~تعنيفه له، ولو قال له: اشتر لي ماء، وأسقني ماء، فجاءه بهذا الماء المتغير ~~حسن تعنيفه له، وكان الغلام عاصيا بذلك. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: "هل معك ماء؟ " فقال: ~~لا، ولكن معي ماء نبذت فيه تمرا. فلو كان اسم الماء في الإطلاق يتناوله لم ~~يقل: ليس معي ماء. لكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر عليه، ويقول: هذا ~~ماء، وهو PageV02P771 # أحسن حالا من ماء الزعفران الذي قد تغير طعمه ولونه وريحه. # وأيضا فقد اتفقنا على أن أجزءا الزعفران إذا غلبت على أجزاء الماء خرج ~~الماء عن إطلاقه، ولم يجز الوضوء به، والعلة في ذلك: أنه ماء بان فيه لون ~~الزعفران. # وأيضا فقد وافقونا على أن الماء الباقلاء المطبوخ لا يجوز التوضؤ به، ~~وفيه من غلبة الماء مثل ما في الزعفران. # ولنا القياس على نبيذ الزبيب؛ بعلة أنه ماء خالطه شيء يستغني عنه، وينفك ~~منه غالبا، بان لونه أو طعمه فيه. # وأيضا فإن الدموع والعرق لا يجوز الوضوء به، العلة فيه أنه مائع لا يعد ~~للعطش، فكذلك ماء الزعفران الذي اختلفنا فيه. # فإن قيل: فإن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه، كما أن الأصل هو ms243 ~~التخفيف، والتثقيل داخل عليه، والأصل التذكير، والتأنيث داخل عليه، والأصل ~~الحقيقة، والمجاز داخل عليه؛ لأن واضع اللغة لا يضع التقييد، وإنما يضع ~~الاسم لجملة أشياء، يتقيد في بعضها بقلة الاستعمال، ويصير مطلقا في بعضها ~~لكثرة الاستعمال، فصار التقييد داخلا في الوضع، PageV02P772 # فمدعيه يحتاج إلى دلالة، كمدعي المجاز. # قيل: إنما يرجع في هذا إلى وضع اللغة، فما كان مطلقا منها فهو معروف، وما ~~قيدوه خرج عن الإطلاق، وقد قيدوا في مسألتنا فقالوا: ماء الخلوق، وماء ~~الزعفران، وماء الأشنان، وماء الباقلاء، فعرف من قولهم هذا خلاف ما يعقل من ~~قولهم ماء غير مقيد، وكذلك يعقل من قولهم ماء نجس، وماء مستعمل، وماء مشمس، ~~وماء مغلي ما يعقل من قولهم ماء مطلق، فليس يحتاج في هذا إلى دلالة أكثر من ~~تقييدهم. # ثم إن الشريعة بعد ذلك ميزت أحكام ما قيدوه، فما كان من المقيد بصفة لم ~~ينفك منها، أو لم يؤثر في عينه شيء حل فيه أجرته مجرى المطلق. وما أثر فيه ~~مما حل فيه وليس من قراره. فما كان طاهرا حصل الماء طاهرا غير مطهر، وما ~~كان نجسا حصل الماء غير طاهر ولا مطهر. # فإن قيل: فإن ما تغير لونه بالزعفران يقال: إنه ماء وقع فيه زعفران، ~~فيوصف أنه محل له، وهذا لا يؤثر في إطلاق الاسم، مثل وقولهم: ماء وقع فيه ~~ثوب. ولا يجوز أن يقال له: ماء الزعفران؛ لأن هذا الوصف لما اتخذ من ~~الزعفران، كما يقال: ماء الفاكهة لما اتخذ منها، ولا يقال لما وقع فيه شيء ~~من الفاكهة: إنه ماء الفاكهة، فكذلك إذا وقع ورد فاكتسب به رائحة لا يقال: ~~إنه ماء الورد. وإذا كان إطلاق الاسم بحاله تناوله قوله - تعالى -: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا}، وقوله: PageV02P773 # " التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وهذا واجد له. # قيل: إذا وقع الزعفران في الماء فهو على وجهين: إن لم يؤثر في صفاته قيل: ~~هذا ماء قد وقع فيه زعفران؛ ليعلم من لم يعلم بذلك، وإن أثر فيه علم من ~~طريق ms244 المشاهدة أنه ماء الزعفران، وقيل: ماء الزعفران، وهذا كما يقع فيه نجس ~~ولا يؤثر في طعمه ولا ريحه ولونه فيقال: هذا ماء وقعت فيه نجاسة؛ ليعلم ذلك ~~من لم يعلمه، وإذا تغير بلون أو طعم أو ريح قيل: هذا ماء نجس وإن لم يكن ~~مستخرجا من النجاسة وإنما حلت فيه نجاسة أثرت فيه. # فتأثير الزعفران في الماء كتأثير النجاسة في الماء، وإن كان هذا نجسا ~~وذاك طاهرا. وكذلك الثوب إذا وقع في الماء، فإن طال مكثه فيه حتى غير طعمه ~~ولونه وريحه كان مضافا كماء الزعفران، وإن لم يطل مكثه فيه ولم يتغيره فهو ~~كالزعفران إذا لم يؤثر فيه، وكذلك ماء الفاكهة، وهذا كما الباقلاء ليس هو ~~شيئا استخرج من الباقلاء، وإنما الباقلاء غيره لما حل فيه. # فإن جوزوا الوضوء بماء الباقلاء فالكلام على الجميع واحد، وهم يجوزون ~~الوضوء بماء الباقلاء الني إذا بيتوه فيه، ولا يجيزونه بماء الباقلاء ~~المطبوخ، ولا يختلف أهل اللغة في تسمية ماء الباقلاء بهذا الاسم، وإن كان ~~الباقلاء حل فيه، فكذلك ماء الزعفران إذا أثر فيه، وإذا كان هذا هكذا لم ~~يتناوله قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء PageV02P774 # فتيمموا}؛ لأن هذا ماء مطلق، وذاك ماء مقيد بالزعفران كما الباقلاء. # فإن قيل: فإننا نفرض الكلام في الماء إذا خالطه الأشنان فغير طعمه ولونه، ~~فنقول: هو ماء خالطه ما يحصل به الإنقاء فلا يكون تغيير لونه مانعا من جواز ~~التوضؤ به مثل الطين. # قيل: هو فاسد بماء الصابون وماء الباقلاء: فإن الإنقاء يقع بالباقلاء ~~المطحون ويقع بالصابون. فإن جوزوا هذين قلنا: المعنى في الطين أنه من قرار ~~الماء الذي لا ينفك منه غالبا، وله مدخل في الطهارات عند التيمم، فكأنه من جنسه. # على أن ما ذكروه ينتقض به إذا كانت أجزاء الزعفران غالبة على أجزاء الماء. # فإن قيل: المانع ههنا هو غلبة الأجزاء لا التغيير. # قيل: قوة الأجزاء هي المغيرة، وإنما يزيد في التغيير في الطعم واللون ~~والريح، وأول جزء يصل به التغيير هو المؤثر ولا اعتبار بماء ms245 زاد عليه. ألا ~~ترى أن النجاسة إذا غيرت طعم الماء ولونه وريحه كان الحكم لها ولم يؤثر فيه ~~تزايد النجاسة وقوتها في التأثير، فكذلك في الزعفران. # فإن قيل: إن كل تغيير حاصل في الماء يمنع جواز الوضوء به فإنه لا يختلف ~~حكم المجاورة والمخالطة، يدلك عليه: اعتبار النجاسات، وفي PageV02P775 # اتفاقهم على أن العود متى غير رائحة الماء لم يمنع من استعماله دلالة على ~~أن مخالطته لا تمنع أيضا. # وأيضا فلو تغير الماء بمكثه في بقعة لم يمنع ذلك جواز الوضوء به، فكذلك ~~إذا حصل بحادث، دليله الماء العذب إذا تغير بالملح. # أيضا قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته. أصله ~~الملوحة. # قيل: قولكم: إن كل تغيير يمنع جواز الوضوء لا يختلف حكم المجاورة ~~والمخالفة كالعود يقع في الماء، فإننا نقول: العود إذا نقع في الماء حتى ~~يتغير ريح الماس لم يجز الوضوء به، وإن لم يتغير جاز، وهذا كالنجاسة ~~اليابسة إذا وقعت في الماء، وأخرجت ولم تغيره فهو طاهر مطهر، وإن أثرت في ~~ريحه لم يجز الوضوء به. # على أن صفة المجاورة ليست هي بشيء تحل فيه ولكن الماء لو كان في إناء، ~~مجاورا لشيء طيب، أثر ريح ذلك في الماء لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل فيه ~~من جسم الطيب شيء، وكذلك لو كان الماء في PageV02P776 # إناء، والإناء مجاور لشيء فيه نجس له ريح، فأثر ذلك في ريح الماء المفرد ~~في الإناء المجاور له لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل من جسم النجاسة فيه شيء. # وقولكم: لو تغير الماء بمكثه لم يمنع جواز الوضوء به فكذلك إذا حصل بحادث ~~منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته. # وكذلك قولكم: إن الماء قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث ~~بمنزلته كالملوحة، فإنه أيضا منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته. # على أن الملوحة إن كانت من ملح طرح فيه حتى يغير طعمه فلو قلنا: لا يجوز ~~الوضوء به لم تكن لكم حجة، ثم لو ms246 جوزناه لكان الملح من جنس الأرض؛ لأن ~~التيمم يجوز عليه، فهو كالطين والرمل الذي هو من الأرض، لأن الملح من ~~السباخ. # ويجوز أن يحتج في أصل المسألة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خلق الله ~~الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، والاستدلال به ~~من وجهين. # أحدهما: أن النجس في اللغة هو المبعد، فكأنه قال: الماء لا يبعده إلا ما ~~غير طعمه أو لونه أو ريحه، فينبغي أن يكون هذا الماء مبعدا لما غيره، وما ~~يتوضأ به لا يكون مبعدا. # والوجه الآخر: هو أنه عليه السلام نبه على أن الشيء الذي يحل في الماء ~~فيغيره له تأثير في منع الوضوء به؛ لاتفاقنا على أن أجزاء الطاهرات PageV02P777 # إذا غلبت على أجزاء الماء كان كغلبة أجزاء النجاسة لأجزاء الماء فينبغي ~~أن يكون الحكم فيها إذا غير الماء واحدا، والله أعلم. # فإن قيل: فإنه طاهر غلب على الماء ولم يخرجه عنه طبعه فجاز الوضوء به. ~~أصله الماء إذا تغير بالورق أو الطحلب أو بالطين أو الحمأة. # قيل: المعنى فيه أنه ماء غلب عليه ما ليس بقرار له مما ينفك منه الماء ~~غالبا، وليس كذلك ما حصل فيه طحلب وطين فقد تعارضت العلتان. # ولنا أن نرده بهذه العلة إلى أصل آخر، وهو ماء الباقلاء المطبوخ. # ولا يلزم على علتنا الماء الذي يغريه الطحلب والطين والحمأة وما تساقط ~~فيه من ورق الشجر؛ لأن الماء لا ينفك بهذه الأشياء غالبا، ولا يمنكن التحرز ~~منها، وإذا تعارض القياسان أولى؛ لشهادة الأصول فيه كل شيء يحل في الماء ~~مما ينفك منه غالبا، فلا فرق بين أن يغيره بتزايد أجزائه على أجزاء الماء ~~أو بتزايد الماء عليه ولا فرق بين ماء الباقلاء الني والمطبوخ، كالماء الذي ~~تحل فيه النجاسة فتغيره فلا فرق بين تزايد أجزائها على أجزاء الماء، وبين ~~تزايد أجزاء الماء على أجزائها، وبالله التوفيق. PageV02P778 ### | AUTO [37] مسألة # ولا يجوز الوضوء بالنبيذ، نيه ومطبوخه، مع عدم الماء ووجوده، تمريا كان ~~أو غيره، فإن ms247 كان مع ذلك مشتدا فهو نجس، ولا يجوز شربه ولا الوضوء به، وبه ~~قال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف. # واستدل على أن هذا مذهب عمر وابنه عبد الله لما روي عنهما أنهما قالا: ~~النبيذ نجس لا يجوز شربه. فقد قالا: إن الوضوء لا يجوز به. # وقال الأواعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة، وروي مثل هذا عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. PageV02P779 # وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوضؤ به في حضر ولا سفر مع وجود الماء. فأما ~~مع عدمه فيجوز بمطبوخ التمر إذا أسكر، فأما الني والنقيع يجوز التوضؤ به. PageV02P780 # وذكر بعض أهل العراق أن ابن المبارك ونوح بن دارج رويا عن أبي حنيفة ~~الرجوع عن ذلك. # فعلى الرواية التي يجوزه في المطبوخ فقد اختلفوا في الطبخ. # فقال بعضهم: حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. # وحكيم عن الكرخي أنه شرط الطبخ ولم يوقت. # وحكيم بعضهم أنه ليس عن أبي حنيفة فيه رواية، وإنما اختلفوا هم، فمنهم من ~~يجوز - أعني في مطبوخ التمر الحلو - ومنهم من قال: لا يجوز حتى يسكر. PageV02P781 # وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به كما قال أبو حنيفة ويتيمم معه. # ومعه غرضنا الكلام في تحريم النبيذ المسكر ههنا، وهو يجيء في كتاب ~~الأشربة، وإنما القصد ههنا الكلام على من جوز التوضؤ به. # والدليل لقولنا: كون المحدث على حدث، وأن الطهارة واجبة عليه، فمن زعم أن ~~حدثه يرتفع بالوضوء بالنبيذ فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}. # وأيضا فإن الله - تعالى - قال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقال: ~~{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، وقال النبي عليه السلام: (خلق ~~الله الماء طهورا)، فجعل الماء المطلق هو الطهور دون غيره، فدل على أن غير ~~الماء المطلق لا يكون طهورا. PageV02P782 # فإن قيل: قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، نقلنا من الماء إلى ~~الصعيد، وفي النبيذ، ماء لا محالة، فهو واجد لماء؛ لأنه قوله: {فلم تجدوا ~~ماء} منكر، فلم يخص ماء من ماء، فيجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن فيه ماء. # قيل: إنما ms248 قال - تعالى -: {فلم تجدوا ماء}، وهذا يقتضي الماء المطلق، ولم ~~يقل: تجدوا ماء فيه ماء. والماء الذي في النبيذ ليس بماء مطلق؛ لأن إنسانا ~~لو حلف ألا يشرب ماء فشرب نبيذا لم يحنث، ولو حلف أن يشرب ماء فشرب نبيذا ~~لم يبر، وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري له ماء فاشترى له نبيذا كان مخالفا ~~يجوز تعنيفه، ثم لو انطلق عليه اسم ماء لجاز استعماله مع وجود الماء. # فإن قيل، إن النبيذ وإن لم يقع عليه اسم الماء في اللغة فإنه يقع عليه في ~~الشرع؛ لأن النبي عليه السلام قال للنبيذ الذي كان مع ابن مسعود: (تمرة ~~طيبة وماء طهور). # قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: # أحدهما: أن النبيذ لا ينطلقق عليه اسم الماء لا في اللغة ولا في الشرع، ~~فأما قوله عليه السلام: (تمرة طيبة وماء طهور)، إنما سمي الماء باسمه ولم ~~يسم النبيذ ماء؛ لأنه لم يكن معه نبيذ وإنما كان معه ماء نبذ فيه تمرا ولم ~~يختلط؛ لأن مياه العرب كانت فيها ملوحة، فكانوا PageV02P783 # يستعذبونها بالتمر. ألا ترى أنه عليه السلام أفرد ذكر الماء فقال: (تمرة ~~طيبة) فأرد ذكرها، وقال: (ماء طهور)، فأفرد اسمه، وذكر أنه طهور، فلو كان ~~مختلطا قد امناع في الماء لكان يقول: نبيذ طيب طهور، وليس يجوز أن يقال: إن ~~النبيذ يقع عليه اسم التمر في الشرع، فكذلك لا يقع عليه اسم الماء. # والجواب الثاني: هو أننا لو سلمنا أن اسم الماء يقع على النبيذ في الشرع ~~لم يكن مرادا بالظاهر ولا تناوله اللفظ من وجهين. # أحدهما: أن النبيذ يقع عليه اسم ماء في الشرع، والماء المطلق يسمى ماء ~~باللغة واللفظة الواحدة لا يجوز أن يراد بها ما يسمى في الشرع وما يسمى في ~~اللغة في حالة واحدة بلفظة واحدة، كان المراد باللفظ أحدهما، وقد أجمعوا ~~على أن الماء المطلق مراد بالآية فوجب أن يكون النبيذ غير مارد بها. # والجواب الثالث: هو أنه لو تناول الظاهر النبيذ كما تناول الماء المطلق ~~لوجب أن يستوي ms249 مع الماء المطلق في جواز استعماله، فيكون مخيرا بين استعماله ~~وبين استعمال الماء المطلق، كما يكون مخيرا بين ماءين؛ لأن اللفظ إذا تناول ~~شيئين تناولا واحدا لم يفترقا في الحكم؛ PageV02P784 # لأن الجنس واحد، كألفاظ العموم. مثل قوله - تعالى - {فاقتلوا المشركين}، ~~{والسارق والسارقة}، فلما قالوا: إن النبيذ لا يجوز التوضؤ به مع وجود ~~الماء المطلق علم أنه لم يتناوله اللفظ أصلا، وهذا السؤال أجود أسئلتهم على الآية. # وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال لابن مسعود: (هل ~~معك ماء؟). فقال: لا، ولكن معي نبيذ. فلو كان اسم الماء ينطلق على النبيذ ~~لم يجز لابن مسعود أن يقول ليس معي ماء. وهو من وجوه أهل اللغة، عارف ~~بأسماء الشرع أيضا، وكان النبي عليه السلام أيضا ينكر عليه، ويقول هذا ماء ~~في اللغة وفي شرعي. # فإن قيل: ليس يخلو من الذي كان مع ابن مسعود من أحد أمرين: إما أن يكون ~~نبيذا كما نقول. أو يكون ماء قد طرح فيه تمرا لم يمنع فيه. فإن كان نبيذا ~~فقد أنكر عليه بقوله: لا، وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، أو يكون ماء ولم ~~ينمع فيه التمر، فقول ابن مسعود: ليس معي ماء محال. # قيل: لم يكن معه نبيذ على ما تقولون، وإنما قال: ليس معي ماء مفرد ولا ~~ماء أعد للتوضؤ، وإنما معي ماء استعددته للشرب، ولهذا أفرد النبي عليه ~~السلام ذكر الماء عن ذكر التمر، فقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، ولو جاز ~~لإنسان أن يسمي النبيذ ماء مطلقا؛ لأن النبي عليه السلام قال: (ماء طهور) ~~جاز لآخر أن يسمي النبيذ تمرا؛ لأنه عليه السلام قال: PageV02P785 # "تمرة طيبة"، ولو جاز أن يسمى النبيز ماء؛ لأن فيه ماء جاز أن يسمى الخل ~~ماء؛ لأن فيه ماء. # وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام - وهو إمام في اللغة - يقول: وقد ذكر ~~النبيذ أنه لا يكون طهورا أبدا؛ لأن الله - تعالى - اشترط الطهور بشرطين لم ~~يجعل لهما ثالثا، وهما: الماء والصعيد، وأن النبيذ ليس ms250 واحدا منهما. # ثم نقول: لو أن الأمر على ما ذكرتم، وأنه يسمى ماء لما فيه من الماء فإن ~~العرف جرى بأن لا يطلق عليه الاسم، فسبيلنا أن نرجع إلى عرف اللغة ~~والشريعة؛ لأن الألفاظ إذا أطلقت ووقع التنازع فيها كان الأول فيها أن تحمل ~~على عرف اللغة والشريعة، كما قيل في قوله - تعالى -: {وجعل الشمس سراجا}، ~~{والجبال أوتادا}، ثم إذا أطلق اللفظ من هذا حمل على العرف، والغالب من ~~السراج الذي هو المصباح، والوتد هو الذي يوتد في الحائط، وكذلك قوله - ~~تعالى -: {فضحكت فبشرناها بإسحاق}، وإنما أريد به الحيض، وفيما بيننا PageV02P786 # لو قال قائل لزوجته: إذا ضحكت فأنت طالق. لم يتعلق الحكم إلا بالضحك ~~المعقول في العرف. هذا مذاهب الفقهاء جملة وإن كانوا في مواضع من الإيمان ~~ريما حملوه على كل ما تقتضيه اللغة غير أنهم لا يخرجون به عن اسم الحقيقة. # ثم إننا نقول لهم: قد وجدنا اسم الماء قد ارتفع عن النبيذ بكل وجه حتى لا ~~يسمى ماء مطلقا ولا مقيدا، وقد يسمى غيره من ماء الزعفران وماء الورد ~~والباقلاء ماء بتقييد. # ثم نقول أيضا: أليس قد زعمتم أن الاسم الحقيقي لا ينتفي عن المسمى بوجه؟ ~~فمتى انتفى عنه علمنا أنه ليس بحقيقة له، ولو قيل له: هل معك ماء؟. فقال: ~~لا، ولكن معي نبيذ لم يكن مخطئا، كما قال ابن مسعود للنبي عليه السلام. ~~فعلمنا بهذا أن إطلاق الماء قد بطل عنه. # ولنا أن نبني المسألة على أصلنا في أن النبيذ المشتد حرام نجس. فإن سلموا ~~ذلك فلا قول إلا قولنا، وإن لم يسلموه دللنا على صحته بقول النبي عليه ~~السلام: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وبالأدلة المذكورة في مسألة النبيذ. # دلائل القياس: # نقول: إن النبيذ مائع لا يجوز التوضؤ به مع وجد الماء فلا يجوز PageV02P787 # التوضؤ به مع عدمه. أصله ماء الباقلاء وماء الورد وقولنا: مائع احتراز من ~~الصعيد. # ونقول: هو مائع لا يجوز التوضؤ به في الحضر فكذلك في السفر، أصله جميع ~~الأنبذة. # ونقول: هو ms251 مائع غلب عليه طعم التمر ولونه فلا يجوز الوضوء به، أصله ~~النبيذ الني. # أو نقول: هو اء غلب عليه لون التمر فأشبه الخل. # أو نقول: هو شراب مسكر فلا يجوز التوضؤ به أصله الخمر. # أو نقول هو مائع غلب عليه طعم ما يؤكل فأشبه الماء إذا بل فيه الخبز ~~وإنماع فيه. # ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ وذلك أن الماء في الخل أكثر منه في النبيذ؛ ~~لأنهم يكثرون الماء في طبخ التمر حتى يرق فتسرع إليه الحموضة، فالتمر الذي ~~فيه أقل منه في النبيذ، وماؤه أكثر، فلما لم يجز التوضؤ بما فيه الماء أكثر ~~مع قلة التمر كان في الموضع الذي يقل فيه الماء ويكثر التمر أولى أن لا يجوز. # وأيضا فإننا رأينا الخل من جنس النبيذ؛ لأنه ماء مع تمر، فلما لم يجز ~~التوضؤ بالخل مع الإجماع على طهارته وكونه من جنس النبيذ كان النبيذ أولى ~~أن لا يجوز التوضؤ به. # وأيضا فإننا وجدنا الأصول كلها تدل على أن ما جاز التوضؤ به استوى حكم ~~مطبوخه وغير مطبوخه. ألا ترى أن الماء الطاهر يجوز الوضوء به طبخ أو لم ~~يطبخ، والماء النجس لا يجوز الوضوء به طبخ أو لا. PageV02P788 # فلو جاز الوضوء بالنبيذ لاستوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه، فلما افترق حكم ~~النبيذ - عندهم - في نيه ومطبوخه خرج عن الأصول. # وأيضا فإن الأبدال في الأصول موضوعة على ما هو أسهل وجودا وأهون من ~~المبدلات، كالتراب في الطهارات، والإطعام في الكفارات. # والحكمة أيضا توجب ذلك، لأنه يبعد في الحكمة أن يؤمر من لا يقدر على أسهل ~~الموجود وأهونه بالعدول إلى أصعبها مأخذا وأعزها مطلبا، ونحن نعلم أن ~~النبيذ أشد تعذرا وأعز من الماء، فوجب أن يكون العدول إلى الصعيد عند عدم ~~الماء هو البدل عنه؛ أسهل وأهون وجودا. # وأيضا: فإنه لا تعدو حال النبيذ في جواز التوضؤ به أحد أمرين: إما أن ~~يكون أصلا أو بدلا. فإن كان أصلا فيجب أن يترتب على العدم كالماء، أو يكون ~~بدلا فيجب أن يكون أعم ms252 وجودا من الأصل، وأن يستوي فيه حكم الحدثين الأعلى ~~والأدنى، وأن يختص باسم كالتيمم، فلما لم يوافق الأصل ولا البدل بطل أن كون ~~له مدخل في التطهير. ألا ترى أن الصعيد لما كان بدلا عن الماء استوى حكمه ~~في الطهارتين جميعا الأعلى والأدنى، وهو الاقتصار على العضوين المخصوصين، ~~وهم قالوا: يتوضأ بالنبيذ إن كان محدثا، ويغتسل به إن كان جنبا، فعلم بهذا ~~أنه ليس ببدل عن الماء. # فإن قل: جميع الظواهر والاستدلالات والقياسات على ما قلتم، وإنما عدلنا ~~إلى الخبر الصحيح المشهور الذي يترك لمثله قياس PageV02P789 # الأصول، وهو ارواه أبو فزارة العبسي عن أبي زيد - مولى عمروا حريث عن ابن ~~مسعود أنه قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن، فقال: (يا عبد الله ~~أمعك ماء؟). فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، فتوضأ ~~به، وهذا نص، وهذا استدل به أبو حنيفة وشيوخهم. # والجواب: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا فزارة وأبا زيد مجهولان، ولم ~~يعرفهما أحد من أصحاب الحديث. PageV02P790 # وقال موسى بن هارون: هذا حديث باطل، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن ابن ~~مسعود إلا أبا زيد هذا، وهو رجل مجهول، - وعندنا - أنه إذا لم يعلم إسلام ~~الرجل وعدالته لم يجز قبول خبره. # وقد قيل: إنا أبا فزراة راشد بن كيسان كان نباذا بالكوفة، فروي هذا لنفق سلعته. # فإن قيل: فقد روى سفيان الثوري عن أبي فزارة، فدل على أنه ثقة معروف. # وأما بيعة النبيذ فلا يرد به خبره؛ لأن شرب النبيذ حلال كالماء، وليس هذا ~~إلا كبيعه الخل وغيره من المائعات. PageV02P791 # قيل: نقل الثوري عنه لا يدل على كونه ثقة، كما روى الشعبي عن حارث ~~الأعور، قال: كان والله كذابا. # وأما جواز شربه - عندكم - فإن بيعه من الخاساسات والأكساب الدنيئة، وقد ~~ترد شهادة من يسقط المروءة، وكذلك نقول فيمن يتعاطى شرب المسكر جهارا ويسقط ~~مروئته، ولعل أكثر من يعتقد هذا المذهب لا يستحسن لنفسه الإدمان عليه، فضلا ~~عن بيعه والمجاهرة بشربه، وبيعه على السفهاء ms253 الذين لا خلاق لهم يخونون به. # ثم قد وقع الاضطراب في الحديث أيضا فقيل: أبو زيد، وقيل؛ زيد، وقيل: أبو ~~زياد، وأبو زيد. # وأيضا فلو كان الخبر صحيحا لنقله الثقات الإثبات من أصحاب PageV02P792 # عبد الله بن مسعود مثل علقمة، والأسود؛ لأنه من مفاخر عبد الله انفراده ~~مع النبي عليه السلام لية الجن بحث لم يحضراه أحد من الصحابة غيره، فلما لم ~~ينقل هؤلاء الخبر علم أنه لا أصل له. # وأيضا فإن ابن مسعود سئل عنه فأنكره؛ لأنه روى إبراهيم النخعي عن علقمة ~~قال: قلت لعبد الله: هل كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن؟. فقالا: لا، ~~وددت أني كنت معه. قال: فقلت: إن الناس يقولون إنك كنت معه. فقال: فقدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقلنا: اغتيل أو استطيل - أي PageV02P793 # قتل -، فبتنا بشر ليلة بات بها أهلها، فلما أصبح أقبل من ناحية حراء وذكر ~~أن داعي الجن أتاه، فقرأ لهم القرآن. فكما رووا عنه أنه قال: كنت معه، فقد ~~روي عنه أنه قال: ما كنت معه، فتعارضنا. # فإن قيل: خبرنا مثبت فهو أولى. ثم يجوز أن يكون نسى فقال: ما كنت. # وعلى أنه قد كان للجن غير ليلة، فلعل هذه الليلة التي قال فيها: ما كمنت، ~~هي ليلة منها. # قيل: إن قولكم: إن خبرنا مثبت، فإنا كلانا نثبت؛ لأنه من روى أنه كان مع ~~النبي عليه السلام أثبت كونه معه، ومن روى أنه لم يمكن معه أبت كونه مع ~~الصحابة فهما سواء. # وعلى أن هذا ليس من حيث المثبت والنفي؛ لأن الذي أثبت ههنا هو ابن مسعود، ~~وهو الذي ينفي، ويقول: ما كنت. وليس هو قول الراوي عنه: إنه كان، ويقول ~~آخر: إنه لم يكن. # وقولكم: يجوز أن يكون ابن مسعود نسى، فهذا يبعد؛ لأن ليلة الجن مشهورة ~~معروفة، PageV02P794 # ولا يظن بمثل ابن مسعود حضورها فينسى، كما يبعد أن ينسى رجل امرأة ولدت ~~له أولادا وماتت فورثها. # وقولكم: قد كانت للجن ليال فلعل ابن مسعود لم يحضر ليلة ms254 منها فسئل عنها ~~فقال: ما كنت. فإنا نقول: إن قال نقلة الأخبار والتواريخ إنها كانت ليالي ~~نظرنا فيه. # على أن هذا لا يقع فيه نزاع بين أصحاب عبد اله حتى يسألوه. # فإن قيل: فإننا نستعمل الرواتين فنقول: من روى عنه أنه كان معه، أي في ~~أول الليل، ثم رجع في آخره، ومن روى عنه أنه لم يكن، يعني في آخر الليل ~~ووقت الصبح. # قيل: هذا غلط؛ لأن من روى أنه كان معه أثبت كونه معه في آخر الليل وقت الصبح. # فروى أبو فزارة عن أبي زيد - مولي عمرو بن حريث. PageV02P795 # وقد روى أيضا من طريق آخر عن سعيد عن عمروا بن مرة عن عبد الله بن سلمة ~~عن ابن مسعود أنه كان مع النبي عليه السلام ليلة الجن. PageV02P796 # وعن ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله أن النبي ~~عليه السلام ناداه ليلة الجن. PageV02P797 # وعن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق PageV02P798 # عن أبي عبيدة عن أبيه قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن فقال لي: ~~(التمس ثلاثة أحجار)، فوجدت حجرين وروثة. # وعن معمر عن أي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود أن النبي عليه السلام ~~ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار. فجاء بحجرين وروثة. PageV02P799 # فأما حديث ابن عباس فرواه ابن مصفى عن أبي عمرو بن سعيد عن ابن لهيعة عن ~~قيس بن PageV02P800 # الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود الحديث، وقال فيه: فتوضأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: (هذا شراب وطهور). PageV02P801 # وأما حديث أبي رافع فرواه أبو الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج، ومحمد ~~بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي عن أبي سعيد - مولى PageV02P802 # بني هاشم - عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن ~~النبي عليه السلام قال ليلة الجن (أمعك ماء؟). قال: لا. قال: (معك نبيذ؟). ~~قال: نعم. فتوضأ به. PageV02P803 # وأما ms255 حديث أبي وائل فرواه أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي عن الحسين بن ~~عبد الله PageV02P804 # العجلي عن أبي معاوية محمد بن حازم عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد ~~الله بن مسعود قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم ~~القرآن. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمعك ماء يا بن أم عبد؟) ~~قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ. فقال: (تمرة طيبة وماء ~~طهور). فتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحديث أبي زيد بإسناده معروف. PageV02P805 # وقد روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ولا نعلم أحدا من ~~الصحابة روى عنه خلاف هذا. # والحديث عن علي أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ. # وعن الحسن مثل ذلك. PageV02P806 # والجواب: # أن الناس قد طعنوا على هذه الأحاديث المروية عن أبي زيد، وأنا أذكر ما ~~قيل في كل واحد منها. # فأما حديث أبي رافع، فأبو رافع مجهول، وعلي بن زيد الذي روى عنه ضعيف. # وأما حديث أبي وائل فروايه الحسين بن عبد الله العجلي قيل: إنه يضع ~~الحديث. PageV02P807 # وأما حديث ابن عباس فرواه عنه حنش الصنعاني، وهو ضعيف ورواه عن حنش قيس ~~بن الحجاج، وهو مجهول. # وأما حديث أبي عبيدة عن عبد الله فقد قيل: إنه لا يصح له سماع من أبيه. # والذي ذكروا من أن ابن مسعود قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين ~~وروثة، فإن هذا كان ليلة الجن، فقيل له: إن هذا حديث آخر عن وكيع عن إسرائل ~~عن أبي إسحاق عن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب ~~ثلاثة أحجار وذكر الحديث، فكيف يجوز أن يخلط هذا بليلة الجن؟؛ لأن هذا حديث ~~معروف ليس فيه ذكر ليلة الجن. PageV02P808 # والجواب عما ذكروه من الرواية عن علي وابن عباس وغيرهما، فإنه لا يعرف ~~خلاف هذا، فأول ما يقال فيه: إن حديث علي رواه الحارث الأعور، فلا يلزم ~~القول به، والمحفوظ عن علي رضي ms256 الله عنه خلاف هذا، وهو قوله بحضر الصحابة ~~لا ينكره أحد: لا لا أوتى بشارب خمر أو مسكر إلا حددته، ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة جوازه. # وقال: جماعة من علماء الحديث: إن الحديث المروي عنه في ذلك لم يثبت. # على أنه لو ثبت لم يخل إما أن يستدلوا به إجماعا أو توقيفا. # فإن استدلوا به إجماعا لم يصح؛ لأننا قد نقلنا عن عمر وابنه PageV02P809 # عبد الله أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه، وإذا كان عندهما نجسا لم ~~يجز عندهما التوضؤ به. # وإن استدلوا به من حيث التوفيق أنهم ما قالوا ذلك إلا توقيفا قلنا: يجوز ~~أن يكونوا قالوه نم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، ~~فقالوا: في النبيذ ماء فجاز التوضؤ به. أو يكونوا قالوا بجوازه لحديث عبد ~~الله بن مسعود، وقد بينا فساد الدلالة منه بما بيناه من تركهم ماء البحر ~~بالنبيذ، وأبو حنيفة لا يتركه به. # قيل: لم يرو هذا، وقد روي عن أبي العالية كراهية ذلك، فروي عنه أنه سئل ~~عن رجل أجنب ولي عنده ماء أيغتسل بالنبيذ؟ فكرهه. PageV02P810 # فقيل له: أرأيت ليلة الجن؟. فقال: أنبذتكم هذه؟. إنما كان ذلك زبيبا وماء. # وقد ثبت عن جمهور الصحابة تحريم النبيذ، فأي خلاف يكون أكثر من هذا؟. ~~ولعل النقل في منع التوضؤ بالنبيذ مما يقل لشهرة المنع منه، كما قل النقل ~~في التوضؤ بالخمر والمياه النجسة. # على أننا نقول: لو صح كون عبد الله مع النبي عليه السلام ليلة الجن لكان ~~الجواب عن الخبر من وجوه: # أحدهما: أنه لا دلالة في ظاهره؛ لأن قوله عليه السلام: (تمرة طيبة وماء ~~طهور) يقتضي أن يكون في الحال تمرا وماء، ولا يكون نبيذا، وعلى ما يقولون ~~قوله: (تمرة طيبة وماء طهور) على المجاز، أي: كان تمرا طيبا وماء طهورا. # فإن قيل: قال عبد الله بن مسعود: معي نبيذ. # قيل: له تأويلان: # أحدهما: أن قوله: معي نبيذ. أي: ماء منبوذ. # والثاني: أي يؤول إلى نبيذ، كقوله - تعالى -: {إني أراني ms257 أعصر خمرا}، ~~وكقوله: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد PageV02P811 # رأيتموه}، رأوا أمارته، وكقوله: {حتى إذا حضر أحدهم الموت}. # فإن قيل: فنحن نقول: تمرة طيبة وماء طهور، أي كان لا في الحال؛ بدليل قول ~~عبد اله: معي نبيذ. # قيل: إذا لم يكن بد من تحقيق أحد الكلامين، فتحقيق قول النبي عليه ~~السلام، وتأويل قول عبد الله أولى، فنحمل قول عبد الله على المجاز بالتأويل ~~بقول النبي عليه السلام، وقوله: (تمرة طيبة وماء طهور). # فإن قيل: فقد نفى عبد الله أن يكون معه ماء. ألا ترى لما سأله عليه ~~السلام: (هل معك ماء؟)، قال: لا. فعلم أنه كان نبيذا لا ماء منبوذا، أو نبذ ~~فيه تمر. # قيل: الجواب عنه تأويلين: # أحدهما: وقد ذكرناه أنه قال: لا. يعني الماء للتوضؤ؛ لأن الماء الذي كان ~~معه للشرب؛ لأن مياههم كان فيها ملوحة، فكانوا يستعذبونها بالتمر للشرب، ~~ويتوضؤون بها غير مستعذبة، فلهذا قال: ليس معي ماء لم ينبذ فيه تمر. # والثاني: أن الخبر منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر PageV02P812 # الإسلام، وقوله عز وجل: {فلم تجدوا ماء} متأخر؛ لأنها نزلت في غزوة ~~المريسيع حيث فقدت عائشة - رضي الله عنها - عقدها، فاشتغلوا به حتى فتتهم ~~الصلاة، فأنزل الله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، والمتأخر - عند ~~أبي حنيفة - ينسخ المتقدم، سواء كان المتأخر عاما أو خاصا. # على أننا نقول: لو لم يكن منسوخا لم يسع الحجاج به؛ لأن النبي عليه ~~السلام توضأ بنبيذ التمر التي منه لا المطبوخ؛ لأن العرب لم تكن تطبخ ~~الأنبذة - وعند أبي حنيفة - لا يجوز التوضؤ بالني، وإنما يجوز بالمطبوخ ~~المسكر. # فإن قيل: يجوز - عندنا - أن سنسخ الأصل ويبقى الفرع. # قيل: لا يجوز - عندنا - أن يثبت الفرع ويرتفع الأصل. ألا ترى PageV02P813 # أن القياس في الأرز على البر صحيح، ولا يجوز لأحد الربا في الأرز الذي هو ~~فرع للحنطة ويسقط حكم البر. # فإن قيل: النسخ لا يكون بالاحتمال، سيما إذا أمكن الاستعمال. # وعلى أن هذا يكون نسخا للسنة بالقرآن، وهذا ms258 لا يجوز. # قيل: لم ينسخ بالاحتمال، فإذا ثبت لنا التاريخ لم يبق هناك احتمال. ألا ~~ترى إلى قول الراوي: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل النبي عليه السلام. PageV02P814 # وقولهم: إن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز فإنه يجوز - عندنا -، ولو قلنا: ~~إنه لا يجوز لقلنا: إن إباحة النبيذ بالقرآن في سورة النحل، ثم نسخ بما ~~ذكرناه. # وقولهم: إن الاستعمال ممكن فليس كذلك؛ لأن النبيذ منعوا شربه منعوا ~~التوضؤ به. # وجواب آخر: وهو أن هذه قضية واحدة في عين، فيحتمل أن يكون قول ابن مسعود: ~~توضأ به، أي غسل شيئا كان عليه أراد أن يزيله به لا لصلاة، وهذا يسمى وضوءا. # فإن قيل: روى أنه توضأ وصلى. # قيل: غسل الذي قلناه، وصلى بوضوء متقدم. وإذا احتمل ما قلناه، واحتمل ما ~~قلتموه لم يعترض به على عموم الآية والأخبار. # وأيضا: فليس عند أبي حنيفة أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الوجوب. # وأيضا: فهم أبعد الناس نم هذا؛ لأنهم يزعمون أن الزيادة في النص نسخ، ~~والله - تعالى - نص على الصعيد عند عدم الماء، فإذا قالوا: معناه فلم تجدوا ~~ماء ولا نبيذا فقد زادوا في النص بخبر واحد، وهذا نسخ. PageV02P815 # وهو مع هذا خبر ضعيف على ما بيناه، وقد ألزمونا هذا في الشاهد واليمين. # فإذا قالوا: فإذا فعلتم هذا في اليمين مع الشاهد، وفي التغريب مع الجلد ~~فلم تمتنعون منه ههنا؟. # قيل: إنا أنكرنا عليكم انتم؛ لأنكم لا تجوزونه، ونحن نجوزه. فأما ~~امتناعنا نحن منه ههنا فليس لأنه زيادة في النص، ولكن لما سمعتموه من ~~الدلال. # مع أننا وإن زدنا التغريب مع الجلد فلم نسقط شيئا ورد به القرآن، وأنتم ~~إذا استعملتم النبيذ أسقطتم التيمم مع وجوده لا محالة. وهذا إسقاط لشيء من ~~القرآن في غير موضعه. # فإن قيل: قولكم إن النبيذ كان نيا فقد خالفتم الخبر لا يلزمنا؛ لأن النبي ~~عليه السلام لم يستفسر ابن مسعود عنه، هل هو ني أو مطبوخ؟. فصار كالعموم، ~~ثم قامت الدلالة على تخصيصه، فلم يجز الني ms259 وبقي المطبوخ. وقد يجوز أيضا أن ~~يكون نيا كما زعمتم فكان يجوز هو والمطبوخ، ثم لما خص النبي عليه السلام ~~التي بالمنع بقي الباقي على الجواز على ما دل عليه الخبر؛ لأن النبي عليه ~~السلام لم يبين في وقت قيل له: معي نبيذ. PageV02P816 # قيل: لا يجوز التخصيص بمثل معنى المخصوص منه، ونحن نعلم أن الطبخ لم يغير ~~من حكمنه شيئا؛ لأن الغلبة من التمر للماء والشدة المخصوصة فيه على ما هي ~~عليه في الني، فإذا لم يجز التوضؤ بالأصل الذي نص عليه وارتفع حكمه كان ~~فيما لم يرد النص فيه وعلة الني فيه موجودة أولى أن لا يجوز. # ثم مع هذا فإن النبي عليه السلام كان ينهى عن النبيذ المشتد، وينهى عن ~~الانتباذ في أوعية مخصوصة؛ لئلا يسرع إليها النش والشدة، ويعلم PageV02P817 # أن ابن مسعود لا يكون معه نبيذ مشتد وهو ني طاهر بإجماع. فإذا ثبت عنه ~~المنع بالتوضؤ بمثل هذا كان محالا أن يجوزه فيما قد اشتد وقد نهى عن شربه، ~~وصار مختلفا في نجاسته، ويمنع من جوازه في الحلال بإجماع. # فإن قيل: إنكاركم علينا نسخ الأصل وبقاء الفرع قد قلتم بمثله في القرعة، ~~فزعمتم أن الأصل فيها قصة مريم، وقوله - تعالى - {إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم}، وقوله في قصة يونس: {فساهم فكان من المدحضين}، ثم قلتم إن ~~القرعة لا تصح في الإلقاء في البحر، ولا في الكفالة، فأبطلتموها فيما وردت ~~فيه، وأخذتم بالقرعة منها في القسمة وغيرها. PageV02P818 # قيل: اعترفوا بأنكم قد فعلتم ذلك، وأنه منكر، ثم ننظر فيما عملناه نحن. # على أننا لم نفعل في القرعة ما ذكرتموه، وإنما الأصل - عندنا الأحاديث ~~المروية عن النبي عليه السلام، وأنه استعمل القرعة في شرعه في قسمة الأرض، ~~والقسم PageV02P819 # بين نسائه، وبين العبيد الذين أتقهم الأنصاري عند موته، ولو جعلنا الأصل ~~قصة يونس لكتن كما ذكرتم. # فإن قيل: إن خبر ابن مسعود كان قبل تحريم الخمر. # قيل: فقد جاء من هذا ما يريد، وأن الوضوء بالنبيذ منسوخ، لأن فيه معنى ms260 الخمر. # ثم نقول لهم: أنتم أبعد الناس من الاستدلال بمثل هذا؛ لأنكم تزعمون أن ~~الحديث إذا كان خبر واحد وجاء بما لا يطابق الأصول لم يعمل به، وألزمتمونا ~~ذلك في مس الذكر وغيره، ثم وجدنا خبر النبيذ من أشد شيء منافاة للأصول؛ ~~لأننا نجد الخل أخف حالا، وكذلك ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء من ~~النبيذ، ومع هذا فلم يجز الوضوء بذلك، فالنبيذ أولى. # فإن قيل: إن هذا الخبر لم يعترض على الأصول نفسها، وإنما اعترض على قياس ~~الأصول. # قيل: كل شيء رددتموه من أخبار الآحاد فإنما رددتموه؛ لأنه يزاحم الأصول ~~فأما نفس الأصول فلا يبطلها إلا نفس النطق، مثل أن PageV02P820 # تكون الأصول مبنية على أن القاتل يقتل، فيرد خبر واحد فيه لا يقتل قاتل. # فإن قيل: قد قلتم أنتم بخبر القرعة، وهو ينافي موجبات الأصول؛ لأن العتق ~~إذا توجه إلى جماعة فقد حصل في كل عبد جزء من الحرية، فإن قلتم في ذلك ~~بالقرعة فهو منافاة للأصول بخبر واحد. # قيل: إنما ألزمناكم هذا؛ لأنكم أنتم استدللتم به، وأنتم تنكرونه، فلا ~~يلزمنا نحن. # فأما قصة العتق فلا نقول: إن العتق وقع على كل واحد منهم، وإنما هو مراعى ~~إلى أن تقع القرعة، كما نقول في الذي لا يملك إلا عبدا واحدا فأعتقه في ~~مرضه إنه موقوف. # وأيضا فإنهم يقولون: إن الخبرين إذا وردا وكان أحدهما متفقا على ~~استعماله، والآخر مختلفا في استعماله فالمتفق على استعماله أولى. قالوا ~~ذلك: (فيما سقت السماء العشر)، وليس فيما دون خمسة أو سق صدقة)، وما أشبه ~~ذلك. فقد روينا أخبارا ههنا متفقا PageV02P821 # عليها في الاستعمال في الماء إما من حيث النطق، أو من حيث الدليل، ورووا ~~خبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مختلف في استعماله. فوجب أن لا يقولوا به. # فإن قيل: فقد روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (النبيذ ~~وضوء من لم يجد الماء) لا، ولا يمكن حمل هذا الخبر على شيء إلا بإسقاطه. # قيل: الخبر ضعيف. # على أنه يمكن استعماله ms261 وتأويله فيحتمل أن يكون أراد الماء الذي يسمى ~~نبيذا، وهو الذي طرح فيه التمر ولم يمنع فيه، وإنما سمي بذلك لما يؤول إليه ~~كقوله: {إني أراني أعصر خمرا}. # ويحتمل أيضا أن يكون منسوخا. # ويحتمل أيضا أن يريد الوضوء الذي يغسل به الشيء فإنه يسمى وضوءا. PageV02P822 # ويحتمل أن يكون أراد غسل اليدين الغمر، فإن النبيذ الحلو يقلع ذلك، ويسمى ~~ذلك وضوءا. كما قال معاذ: كنا نسمي ذلك وضوءا، بالدلائل التي ذكرناها. # فإن تعسف منهم متعسف بقياس يذكره فيقول: يجوز الوضوء بالماء الذي فيه تمر ~~قليل، طبخ طبخا لم يتغير فكذلك إذا تغير؛ بعلة أنه ماء طبخ فيه تمر فلم ~~يمنع من استعماله عند عدم الماء. # أو نقول: هو مائع يسمى طهورا في الشريعة، يدل عليه: قوله عليه السلام في ~~حديث ابن مسعود: (هو شراب طهور)، وإذا سمي طهورا في الشريعة أشبه الماء. # قيل: أول ما في هذا: أن صاحب هذه المقالة يعترف بأنه مخالف للقياس في هذه ~~المسألة، وإنما يحتج بالخبر، وقد قال بعض شيوخهم في شرحه مختصر الطحاوي: إن ~~القياس يمنع - عند أبي حنيفة - من جواز التوضؤ بالنبيذ؛ لاتفاق فقهاء ~~الأمصار على الامتناع من جوازه بالخل والمرق. PageV02P823 # وأيضا فهو منتقض به إذا لم يذهب ثلثاه. # وقولهم: هو مائع يسمى طهورا فإننا لا نسلم له ذلك، وقد قلنا إن قول النبي ~~عليه السلام - إن صح ذلك عنه - ينصرف إلى الماء الذي فيه تم لم يمنع فيه ~~ولا غيره، وإلا فطهور - عندنا - لا يسمى به غير الماء المطلق. # ثم قولهم: فأشبه الماء غلط؛ لأنه لا يجوز مع وجود الماء. # ولنا إذا سئلنا ابتداء عن هذه المسألة أن نقول: القياس عليه، فيصير ~~الكلام في هذا الأصل، فإن سلم طرح الخبر إن صح ولم يكن التأويل فيه، وإن ~~قلنا: إن الخبر مقدم فقد ذكرنا ما فيه كفاية، وبالله التوفيق. PageV02P824 ### | AUTO [38] مسألة # لا تجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن وغيرهما إلا بما يجوز التوضؤ به ~~من الماء دون سائر المائعات. وبه قال الشافعي؛ ومحمد ابن ms262 الحسن وزفر. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تزول بكل مائع طاهر. # فأما الدهن والمرق فعنه رواية أنه لا تجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه ~~يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز. وكذلك - عنده - للنار والشمس في إزالتها ~~مدخل، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك يقول: إذا ~~كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة ~~عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب، وكذلك يقول في النار: إنها تزيل ~~النجاسة. PageV02P825 # والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكون ذلك الشيء نجسا، فمن زعم أنه يطهر ~~بالمائع سوى الماء فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، ففي هذا ~~دليلان. # أحدهما: أن الله - تعالى - أخرج هذا مخرج الامتنان والفضيلة للماء، فلو ~~كان غير الماء في إزالة النجاسة في حكم الماء لبطلت فائدة الامتنان بالماء. # والثاني: هو أنه لو نص على الماء لينبه على ما عداه من المائعات لوجب أن ~~ينص على أدون المائعات في الإزالة؛ ليكون فيه تنبيه على أعلاها مثل الماء، ~~فلما نص على الماء نم بين سائر المائعات، وخصه بالذكر - وهو أعلاها - علم ~~أنه خصه بالذكر لتخصيصه بالحكم، ثم إنه - تعالى - أكد ذلك بقوله: {ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان}، قيل: إنه النجاسة، وإذا كان النص ورد بالماء دل على أنه ~~ما عاداه بخلافه. PageV02P826 # وأيضا قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، فدل على أن غير ~~الماء لا يكون طهورا. # وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~دم الحيض يصيب الثوب، فقال عليه السلام: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) ~~لا، فأمر عليه السلام بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط ~~إلا بالإتيان بذلك المعين، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر ~~باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر. ~~ودليله ألا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة: ms263 # أحدها: أن قوله عليه السلام: (اغسليه بالماء)، لفظه لفظ أمر فهو على ~~الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب. # والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء PageV02P827 # يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها. # والثالث: لما نص دل على أن غيره بخلافه. # فإن قيل: الأمر توجه إلى الندم؛ لأن الهاء في قوله: (حتيه ثم اقرصيه ثم ~~اغسليه) هي ضمير الدم؛ وإذا غسل الدم بالخل متى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم ~~يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه. # قيل عنه جوابان: # أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا. وأنتم ~~تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا. ونحن ~~نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، فإذا صح ~~تعيينه بالنص عليه بقوله: (ثم اغسليه بالماء) سقط التخيير. # والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل ~~موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (حتيه ثم اقرصيه)، وليس كل ذلك واجبا. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء. PageV02P828 # والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل، وبقي الباقي ~~من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر. # على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس ~~بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب. # فإن قيل: فإن الأمر بغسله - عندكم - ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس ~~بفرض - عندكم -. # قيل: في رواية عن مالك أنه واجب. # وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج أن تكون صفة غسله المسنون ~~بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره. # ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد فقال النبي عليه السلام: ~~(صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء)، والاستدلال منه كهو من الخبر الأول. # فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من ms264 الدم؛ لامتناع حمل اللفظ على ~~الحقيقة والمجاز في حالة واحدة. # قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء PageV02P829 # لبينه عليه السلام؛ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون ~~والمفروض والمستحب كله بالماء. # ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من ~~المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث. # أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ~~ماء فع الحدث. # فإن قل: الفصل بنهما أن من شرط رفع الحدث - عندكم - النية. # قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع. # على أن هذه علة لا تتعدى فلا تصح - عندكم - أيضا، وتصح - عندنا -، ولكن ~~المتعدية أولى منها عند اجتماعها. # ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا فوجب أن ~~لا تجوز بغير الماء. أصله طهارة الحدث. # ونقول أيضا: إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛ PageV02P830 # لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة، غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله. # فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس ~~النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأن إذا كثر رفع النجس عن نفسه، كما أنه يرفع الحدث. # ونقول أيضا: هي طهارة شرعية فوجب ألا تصح بالخل، وماء الباقلاء، ولا ~~الماء كرفع الحدث. # أو نقول: هو غسل واجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت. # وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك ~~في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب. PageV02P831 # ولنا أن نقيسه على الدهن والمرق، لأنه لا يزيل النجس، بعلة أنه مائع لا ~~يرفع الحدث فوجب ألا يرفع النجس. أصله ما ذكرنا من الدهن. # فإن قيل: - عندنا - أن الدهن والمرق يجوز إزالة النجاسة بهما. # قيل: قد قال أبو حنيفة أيضا: إنه لا يجوز. فقولكم: إنه لا يزيل لا يخلو ~~من تريدوا أنه لا يزيل حكمها أو عينها. فإن ms265 أردتم أنه لا يزيل عينها فهو ~~دفع المشاهدة؛ لأن النجاسة لو كانت على شيء أملس، وصب عليها الدهن والزيت، ~~وغسلت به انقلع عينها حتى لا يبقى منها شيء. # وإن أردتم أنه لا يزيل حكمها فكذلك سائر المائعات - عندنا - لا تزيل حكمها. # فإن سلموا أن النجاسة لا تزال بالدموع والعرق قسنا عليه المائعات كلها؛ ~~بعلة أنه ليس بماء مطلق، أو بعلة أنها لا ترفع الحدث. # ومن طريق الاستدلال نقول: رأسنا جنس الماء إذا كان كثيرا يدفع الأنجاس عن ~~نفسه إذا لم يتغير، وليس كذلك جنس المائع، فإذا لم يدفع النجس عن نفسه فبأن ~~لا يدفعه عن غيره أولى. PageV02P832 # هذا قد ذكره أصحابنا والناس، ولكنهم لا يسلمونه ويقولون: المانع الكثير ~~لا يقبل النجاسة إذا لم تغيره، فيدفعها عن نفسه كالماء، ولكننا إذا اعتبرنا ~~أصولهم كان ما قلناه صحيحا وذلك أن النجاسة أغلظ حكما وأقوى من الحدث أو ~~مثله؛ لأن الماء المزال به النجاسة مسلوب الصفتين - عندهم - من الطهارة ~~والتطهير، فيكون نجسا، أو يسلب التطهير وحده فيكون طاهرا غير مطهر، - ~~وعندهم - أن الماء المستعمل نجس على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف فينبغي أن لا ~~تجوز إزالة النجاسة به. # فإن ركبوا قول محمد بن الحسن في أن الماء المستعمل طاهر. # قيل لهم: فعلى كل حال إزالة النجاسة أكد - عندكم - من رفع الحدث؛ بدليل ~~أن إنسانا لو كان معه ماء لا يكفيه لرفع الحدث وإزالة النجس جميعا، وهو ~~يكفي لأحدهما فإنه يزيل به النجس ويتيمم للصلاة، فإذا كانت إزالة النجس ~~أقوى ولم يرتفع الحدث بالمائع فأولى ألا يزول به النجس. # وأيضا فإن تيمم المحدث يسقط الفرض، وتيمم من عليه نجاسة لا PageV02P833 # يسقط الفرض، فإن صلى وعليه النجاسة كانت عليه الإعادة، فعلم بهذا أن ~~إزالة النجس - عندهم - أغلظ وأقوى من رفع الحدث -، فلما كان الحدث الذي هو ~~دونها لا يرتفع إلا بالماء دون سائر المائعات غيره كانت النجاسة التي هي ~~أقوى أن لا ترتفع بالمائعات غير الماء. # وأما على أصولنا فإن إزالة النجاسة أخفض من إزالة ms266 الحدث لا محالة؛ لأن ~~الناس اختلفوا في وجوب إزالة النجس. فقال بعضهم: فرض، وقال بعضهم مسنون، ~~ولم يختلفوا في فرض إزالة الحدث. # وإزالة النجس لا تفتقر إلى نية، ورفع الحدث يفتقر إلى نية - عندنا - غير ~~أن إزالة النجس طهارة من أجل الصلاة، ورفع الحدث طهارة، وليس قوة إحدى ~~الطهارتين على الأخرى بمخرج لها عن الماء إلى المائع. ألا ترى أن الوضوء من ~~الحدث طهارة، وغسل الجنابة طهارة، وهو أقوى من الوضوء؛ لأن فيه غسل جميع ~~البدن، ومع هذا فقد استوى حكمها في الماء، فكذلك يستوي حم إزالة النجس ~~والوضوء في الماء، وإن كانت إزالة النجاسة أضعف من الوضوء. # فإن قيل: قد قال النبي عليه السلام في المستيقظ من النوم: (لا يغمس يده ~~في الإناء حتى يغسلها ثلاثا)، ولم يخص غسلها بشيء من المائعات، فهو عموم. PageV02P834 # وقال في الولوغ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله). # وقال لعمار: (إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول)، ولم يخص شيئا مما ~~يغسل به، فوجب إجراؤه على عمومه في كل ما يتأتى به الغسل إلا ما خصه ~~الدليل. # قيل: هذه عمومات يقضي عليها نصه على الماء في حديث أسماء، PageV02P835 # وهو قوله: (ثم اغسليه بالماء)، دليله ألا يغسل بغير الماء. # فإن قيل: قد روي عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أطيل ~~ذيلي، فأجره على المكان القذر. فقال صلى الله عليه وسلم: (يطهره ما بعده)، ~~وليس ما بعده إلا الأرض والتراب. PageV02P836 # على أن الغرض من الأخبار الغسل، ثم بماذا يغسل مأخوذ نم قوله: {وأنزلنا ~~من المساء ماء طهورا}، وقوله: {ليطهركم به}، وقوله لأسماء: (ثم اغسليه ~~بالماء)، وغسل الإناء من ولوغ الكلب - عندنا - ليس بنجاسة، وإنما هو عبادة ~~بالماء. # وأيضا قوله عليه السلام: (إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض). وروي: ~~(فليمسه). PageV02P837 # وأيضا فقد روي أن عائشة - رضي الله عنها - أصاب ثوبها الدم، فبلته بريقها ~~ومصته، فدل على أن الريق يزيل النجاسة. # قيل: أما قوله عليه السلام لأم سلمة: (يطهره ما بعده) أراد ms267 به إذا علق به ~~النجس اليابس، وجرته على التراب انقلع؛ بدليل أن النجاسة الطرية إذا أصابت ~~ثوبا أو خفا أو نعلا لم تزل بالدلك وغيره بإجماع. وقد وافقونا على أن ~~التراب لا يزل النجس في غير المخرج، فصال للحديث معنى، وهو ما ذكرناه. PageV02P838 # فإن قيل: فما معنى قوله: (يطهره ما بعده)؟. # قلنا: لو بقي في الثوب لم يجز أن يصلي به حتى يلقيه، كما لا يصلي إنسان ~~وهو حامل للميتة أو غيرها من الأنجاس؛ لأن الثوب نفسه نجس. # ثم نتأول بتأويل آخر فنقول: يجوز أن يصيب ثوبها شيء نجس رطب فيطهره ما ~~بعده إذا كان ماء واقفا في طرق وانجر الثوب فيه؛ لأن الغريبة من النساء تجر ~~الثوب خلفها نحو الذراع وأكثر، وإذا احتمل هذا خصصناه بما ذكرناه من قوله ~~عليه السلام لأسماء في الماء. # وأما قوله عليه السلام في الخف يصيبه الأذى. معناه من أرواث الدواب ~~والبغال والحمير؛ لأن الغالب كونها في الطرقات، وهي - عندنا - مكروهة لا ~~نجسة، وليس الغالب أن الناس يتغوطون ويبولون في الطرقات إلا في الجوانب. # ويجوز أن يريد النجاسة اليابسة أيضا بدليل ما ذكرناه من الآيات، وخبر ~~أسماء في الماء. # وأما حديث عائشة في بل الدم بالريق ومصه، فإنه في دم يسير PageV02P839 # معفو عنه لو لم تزله؛ بدليل أن الكثير لا يمكن بله بالريق ولا إزالته به. # ثم يجوز أن يكحون مصته ثم غسلته بعد ذلك، كما قال عليه السلام لأسماء: ~~(حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء). # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {وثيابك فطهر}، ولم يخص ما يطهر به. # وأيضا فإننا نفرض المسألة في هل يجوز أن تطهر النجاسات بغير الماء؟. فإن ~~سلمتم لنا ذلك سلمت المسألة. # قالوا: ولعاب الهر مائع طاهر، ثم قد اتفقنا على أنها لو أكلت ميتة، ثم ~~ولغت في إناء لم تنجسه، ولم نجد ههنا ما أزال تلك النجاسة إلا لعابها فدل ~~على ما ذكرناه. # قيل: أما قوله - تعالى -: {وثيابك فطهر}، لا نسلم أنها تطهر بغير الماء، ~~ولكنها تطهر بما ذكره ms268 - تعالى - من قوله - تعالى -: {وينزل عليكم من السماء ~~ماء ليطهركم به {، وبما ذكره لأسماء. PageV02P840 # على أن قوله {وثيابك فطهر} معناه - عندنا -: وقلبك فنقه على ما ذكره ابن ~~عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة. # وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه: # أحدهما: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره وهو طاهر كسائر ~~الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟. ولو بقي في فمها شيء من ~~دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا - عندنا -. # ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين: # منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه ~~نجس، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا؛ لجواز أن يكون قد شربت ~~في غيبتها ماء فغسل ما فيها. # ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من ~~الطوافين عليكم، فعفي عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث. PageV02P841 # فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه أطلى ~~بخلوق لأجزاه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل ~~عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث. # ولأنها عين استحق إزالته لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب نم ثوب المحرم. # وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في ~~حال الصلاة فوجب أن يحكم بجوازها. دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع ~~من الثوب. # قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم بالخل فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن ~~مالك رضي الله عنه. # فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال. وإن قلنا: يجوز. فليس ~~الطبيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا؛ لئلا يلتذ ~~بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته، وخلافنا ~~وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية وجبت بحقوله إن علم ms269 به ~~ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط ~~بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس. # وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا ~~محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه. ~~وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن ~~انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول. PageV02P842 # فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء. # وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدن جميعا. ونحن نعلم أن ~~الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، ~~فدل على أن الخل يزيل النجاسة. # وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى. الدليل على ذلك ~~الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على ~~البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن ~~يرتفع المنع منها. # قيل: أما القياس على الماء، فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث، ~~والمائعات سواه لا ترفع الحدث. # وما قالوه من نجاسة الدن وزوالها بالخل، فإننا نقول: إن الدن جامد كان ~~طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من الخمر، ~~فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل باخل أصلا، ~~وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، ~~فتنقلب عينها فتصر طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل. # ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم ~~بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل. ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب ~~عليه الخل حتى ملأ الدن، فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم ~~يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه. ويبين ذلك: أن الدن لو جرد ms270 حتى ~~تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه. PageV02P843 # ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، ~~فكيف بالخل؟. فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل ~~نجسا. ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل. # وقولهم: إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها باطل على مذهبهم بعظم الخنزير ~~أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه، ثم إذا أخرجه منه زالت ~~العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم، وقال بعضهم: ~~قد يبقى في الماء جزء لطيف فلهذا بقيت نجاسة الماء، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ~~ينحل من الشعر شيء. # فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله ولكن تعقبته علة أخرى، ~~فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة. # قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه ~~يصير الخل نجسا فيصير الكل نجسا فلم يزل حكم النجاسة. # على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع. ولو ~~قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان ~~يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار PageV02P844 # الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع. # فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت. # قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول ~~الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله - تعالى -: {فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره}، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز ~~وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، ~~وهي الغسل. # فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد؛ بدليل ~~أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، ms271 فإذا كان المقصد فيها إزالتها حسب كان ~~الخل أبلغ في باب الإزالة، وكان إزالتها به أولى. # وأيضا فقد حصل الإجماع بأن لغير الماء مدخلا في إزالة النجاسة، وهو ~~الاستنجاء بالأحجار. # وأيضا فإن النص ورد في الاستنجاء بالأحجار ثم أقيم غيرها مقامها، كذلك ~~أيضا لا ننكر أن يقوم مقام الماء غيره في إزالة النجاسة. # قيل: قولكم إن المقصود من إزالة النجاسة زوالها لا تعبدا فإننا نقول: إنه ~~لابد من اعتبار معنى آخر مع إزالتها. ألا ترى أنه لو أزالها PageV02P845 # بالدهن والمرق زالت العين ولم يحكم بزوالها. # على أن قولكم: لا تعبد فيها محال؛ لأن الإزالة وجبت من طرق الشرع، ~~وتعبدنا بأن لا نصلي والنجس في ثيابنا وأبداننا. # وقولهم: إن غير الماء يزيل النجاسة كالأحجار في الاستنجاء فإننا نقول: إن ~~الحجر في الاستنجاء لا يزيل النجاسة، وإنما يخففها، والنجاسة باقية سومحنا ~~بذلك. ألا ترى أنه لو عرق بعد المسح بالحجر، نفسه لا يزيل النجاسة الرطبة ~~من غير هذا الموضع، فعلم أن الاستنجاء مخصوص. ألا ترى أن الاستنجاء - عندنا ~~وعندكم - غير واجب، وإزالة النجاسة - عندكم - في غيره واجب. # وقولهم لما أقيم غير الحجر مقام الحجر في الاستنجاء مع ورود النص في ~~الحجر، كذلك في غير الماء من المائعات فإننا نقول: عنه جوابان: # أحدهما: أن النص هو في حكم الحجر. # والثاني: أن النص ورد في الحجر وأقيمت الجامدات الطاهرات مقامه؛ لأنها في ~~معناه؛ لأنها طاهرة، والحجر طاهر، وليس كذلك PageV02P846 # المائعات مع الماء؛ لأنها ليست في معنى الماء الذي هو طاهر مطهر، ~~والمائعات طاهرة غير مطهرة، فلم يجز أن تقوم مقامه. # فإن قيل: قد قلتم إن الأرض إذا وقعت عليها نجاسة، وطلعت عليها الشموس ~~ومضت عليها دهور فإنها تطهر، فقد زالت النجاسة بغير الماء - عندنا وعندكم -. # قل: إن كانت أرضا صلبة لا رمل ولا تراب فإنها لا تطهر، وإن كان عليها رمل ~~أو تراب كثير يعلم أن النجس لم يصل إلى الأرض ثم جاءت الرياح فأزالت ذلك ~~فإن عين النجس وأثره يزول ولم يكن وصل ms272 إلى الأرض، اللهم إلا أن تكون الأرض ~~المكشوفة يعلم أن الأمطار قد جاءت علها فأزالت عين النجاسة وأثرها فإنها ~~تطهر، فلم يلزم ما ذكروه. # فذكرنا ظواهر واستدلالات وقياسات، وذكروا مثل ذلك فما قلنا أولى؛ لأن ~~النصوص وردت في طهارة الماء وتطهيره، ووجد العمل على استعماله في الطهارات ~~إلا الموضع المخصوص من الاستنجاء، ولأنه أحوط لزوال الخلاف، ولأنه موجب ~~للماء وهم يخيرون بين الماء وبين المائع، ولأنه يسقط حكم الصلاة بيقين، وهم ~~يسقطونها بخلاف. PageV02P847 ### | AUTO [39] مسألة # وليس للماء الذي تحله النجاسة، عندنا قدر معلوم، ولكنه إن تغير طعمه أو ~~لونه أو ريحه منها فهو نجس، قليلا كان الماء أو كثيرا، ولا خلاف في التغير. # وإن لم يتغير طعم الماء ولا لونه ولا ريحه فهو - عندنا - طاهر، قليلا كان ~~الماء أو كثيرا. وبه قال الحسن، والنخعي، وداود. # وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالاختلاط، متى اختلطت النجاسة بالماء نجس ~~الماء إلا أن يكون كثيرا، وحد الكثرة - عنده - هو أنه إذا PageV02P849 # حرك أحد جانبيه لم يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت النجاسة في هذا الماء ~~فالجانب الذي لم يتحرك لم ينجس، وأما الجانب الذي تحرك وحلت النجاسة فيه ~~ففيه روايتان. # أصحهما: أنه نجس إلى الموضع الذي تحرك منه، ويعلم انتشار النجاسة إليه. # والرواية الثانية: أن الكل ظاهر، حكاه شيخ من شيوخهم يرجع إليه في مثل ~~هذا، فلا يعتبر أبو حنيفة التغيير. # وقال الشافعي: إنه إن كان الماء دون القلتين نجس وإن لم يتغير، وإن كان ~~قلتين فصاعدا لم ينجس إلا بالتغيير، وبه قال أحمد، وإسحاق. PageV02P850 # والدليل لقولنا: كون الماء طاهرا قبل حلول النجاسة فيه، فمن زعم أن حكمه ~~قد زال فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقد بينا أن ~~الطهور صفة للطاهر المطهر، ولم يخص ماء من ماء، فهو على عمومه حتى يقوم ~~الدليل. # وكذلك قوله - تعالى -: {وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به}، فهو عام ~~في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا حتى يقوم الدليل. # وأيضا فإن الخلاف في رجل معه ms273 ماء دون القلتين، ودون الغدير، فيه نجاسة لم ~~تغيره أراد الوضوء من الحدث، قالوا: يتيمم. وقلنا: يتوضأ به ولا يتيمم؛ لأن ~~الله - تعالى - قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهذا واجد لماء؛ لأن النفي في ~~النكرة يتناول النجس، فدليله أنه إذا وجد ماء أي ماء كان لم يتيمم إلا أن ~~يقوم دليل. # وأيضا ما روى أن النبي عليه السلام قال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه ~~شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) فأخبر أنه لا ينجسه إلا ما غيره، ~~والألف واللام في الماء للجنس. # فإن قيل: هذا يتناول المياه كلها، والجنس كله لا ينجسه إلا ما غيره، وليس ~~بعض الجنس هو الجنس كله. PageV02P851 # قيل: هذا ساقط بالإجماع، وإنما أراد أن هذا الجنس من الماء مخالف لما ~~سواه من المائعات. ألا ترى أن قليله ينطلق عليه اسم الماء، فإن لم تحله ~~نجاسة كان طاهرا مطهرا بإجماع يجوز استعماله، كالكثير منه، وإن لم تغير لم ~~يجز بالإجماع كالكثير منه. كما أن جنسه مرو، وجنس الخبز مشبع، فكل جزء منه ~~له هذا الحكم. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض ترد عليها السباع ~~والكلاب، فقال: (لها ما أخذت في بطونها، ولكم ما غير شراب وطهور). وسؤر ~~الكلب - عند المخالف - نجس، وقد يكون من الحياض ما فيها من الماء قليل دون ~~الغدير، ودون القلتين، وتنتشر في جميعه، فلو كان الحكم يختلف لبينه عليه ~~السلام، فلما لم يخص دل على عمومه إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فإن النبي عليه السلام أمر بصب ذنب أو ذنوبين على بول الأعرابي في ~~المسجد، وقد علمنا أنه عليه السلام أرد تطهير المكان بهذا القدر من الماء، ~~ولا يطهر إلا بزوال النجاسة، (ولم تزل إلا بزوال PageV02P852 # النجاسة)، ولم تزل إلا بغلبة الماء الذي هو دون المقدار الذي يعتبره ~~المخالف، ومعلوم أن هذا القدر من الماء لا يزيل النجس إلا وقد حل فيه النجس ~~أو بعضه، وإذا حصل النجس فيه لم يكن بد من أن يحكم ms274 له بالطهارة؛ لأنه لم ~~لوم يطهر لكان نجسا، ولو كان نجسا لما زال حكم النجاسة عن الموضع؛ لأنه ~~كلما لاقى النجس الماء نجسه، وإذا نجسه لاقى ذلك الماء النجس للنجاسة، فأدى ~~ذلك إلى أن لا تزول النجاسة، ولا يطهر المكان. # فإن قيل: إن الجزء الأخير من صب الماء هو الذي يطهره. # قيل: أليس البقعة نجسة على ما كانت قبل الصبة الأخيرة؟، فإذا لاقاها كل ~~جزء من الصبة الأخيرة تنجس ذلك الجزء من الماء، فلاقى النجس النجس فلم تحصل ~~طهارة البقعة على وجه، فلما كانت البقعة قد طهرت علمنا أنها لم تطهر إلا ~~والماء الذي طهرها طاهر، فبان بهذا الحكم لغلبة الماء على النجاسة. # ولنا أيضا ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي تطرح فيها المحايض ولحوم PageV02P853 # الكلاب وما ينجيه الناس. فقال عليه السلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء) ~~وهذا نص لم يخص فيه القليل من الكثير. وهو شديد على PageV02P854 # أبي حنيفة خاصة؛ لأنه يقول: لو وقعت نقطة نجاسة في بئر عمقها إلى تخوم ~~الأرضين السابعة نجس الماء كله. # فإن قيل: إن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا. قال الواقدي: كانوا يسقون منها ~~البساتين. # قيل: هذا غلط؛ لأن الناس ضبطوا هذه البئر، وذكروها في كتبهم في مكة ~~والمدينة، فلم يقل أحد منهم: إن ماءها كان جاريا. PageV02P855 # قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد الثقفي قال: سألت فيم بئر بضاعة فقلت: ~~كم قدر هذا الماء إذا كثر فيها؟. فقال: إلى العانة. فقلت: وإذا نقص؟. فقال: ~~دون العورة. فقلت: هل غيرت عما كانت عليه أولا؟. فقال: لا قال أبو داود: ~~فجئت إليها بعد ذلك فقدرتها بإزاري فكان فتحتها ستة أذرع. # فضبطوا أمرها هذا الضبط، ولم يذكروا أنها كانت جارية، ولو كانت جارية لم ~~يذهب عليهم ولا على النبي عليه السلام أن النجاسة إذا ألقيت فيها انحدرت مع ~~الماء، ولم تبق فلا يحتاجون إلى السؤال عنها. # ثم لو كانت جارية كانت ms275 نهرا، والمنقول في الخبر البئر. # وقول الواقدي: كانوا يسقون منها البساتين فلا يمتنع أن يسقى منها ~~بالدالاء والنواضج كسائر الآبار. # على أن المارعي نم هذا لفظ النبي عليه السلام لما قال: (الماء طهورا لا ~~ينجسه شيء)، فعم الماء؛ ليعلمنا أن ماء بئر بضاعة وغيره سواء في PageV02P856 # أنه لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه بالخير الذي قال هذا فيه. # وأيضا فإن الماء قد يرد على النجاسة، وترد النجاسة على الماء، ثم قد تقرر ~~أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير، كذلك يجب إذا وردت ~~النجاسة على الماء أن لا ينجس إلا أن يتغير، إذ لا فرق بين الموضعين. # وأيضا فإنه ماء لم تغيره النجاسة فوجب أن يكون طاهرا، أصله الغدير الذي ~~لا يتحرك جوانبه على أبي حنيفة. وإذا كان قلتين على الشافعي. # فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (لا يبولون أحدكم ~~في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من جنابة)، فمنع من البول في ~~الماء الراكد فدل على أنه نجس. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ~~سبعا)، فأمر بإراقة ما في الإناء وغسله، ولم يفرق بين تغيره أو لا، ولا بين ~~إناء صغير وكبير، فعلم أنه نجس. # وأيضا فقد روي أن ابن عباس - رحمه الله - نزح زمزم من زنجي PageV02P857 # مات فيها، ولم يذكر تغير الماء، فعلم أنه نزحها لوقوع الميتة فيها. # وأيضا فإن القدر الذي حصلت فيه النجاسة قد اجتمع فيه حرام ومباح، وقد ~~أجمعنا على أن اجتناب الحرام واجب، والإقدام على المباح ليس بواجب، فوجب ~~الامتناع من استعمال هذا الماء إلا أن يقوم دليل. # ومنزلة هذا منزلة شاة مذبوحة اختلطت بشاة ميتة، فاشتبهتا PageV02P858 # عليه، فإنه يحرم تناولهما، وكالمرأتين إحداهما أجنبية والأخرى اخته من ~~الرضاعة اشتبهتا عليه، فإنه لا يجوز أن يتزوج واحدة منهما، وكالقليل من ~~النجاسة إذا حل في كثير من المائع غير الماء فإنه يجتنب كله، فكذلك ms276 القليل ~~من الماء إذا حلت فيه النجاسة وجب أن يغلب التحريم. # قيل: أما قول النبي عليه السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) فهذا ~~- عندنا - على وجه الكراهية والتنزيه؛ بدليل قوله عليه السلام: (خلق الله ~~الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره)، وبغيره من الدلائل التي تقدمت، ~~وبما بيناه من الصب على بول الأعرابي، وبالقياس. # وقوله عليه السلام: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) فإنما هو مندوب ~~لا لنجس، والكلب - عندنا - طاهر، وريقه طاهر، وإنما هو لأمر آخر، كما قال: ~~(إذا وجد أحدكم قذى في شرابه فليرقه ولا ينفخه). # وأما نزح ابن عباس رضي الله عنه زمزم فيحتمل أن يكون الماء تغير؛ لأنه ~~معلوم أن زنجيا يموت في بئر يسرع التغير إليها. فإن لم يكن تغعير فالمستحب ~~نزحها، وخاصة زمزم من بين الآبار؛ للاستشفاء بها، ونحن نستحب هذا في غيرها ~~فكيف فيها؟. وإذا كانت هذه فعلة من ابن عباس محتملة حملناها على ذلك؛ بدليل ~~قوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره. PageV02P859 # وقد قيل: إن نزح زمزم لا يمكن بحال. # قال ابن الزبير: نزحها فغلبه الماء فلم يقدر عليه. # وعلى أن ابن عباس يقول: إن ابن آدم لا ينجس بالموت، فالماء لا ينجس، فلم ~~ينزحها لنجس. # وقولهم: إنه قد اجتمع في الماء مباح ومحظور، وإن اجتناب المحظور واجب، ~~فإننا نقول: إن النجاسة إذا غلبت على الماء وجب اجتناب المحظور، وإذا غلب ~~الماء على النجاسة جاز استعمال المباح؛ لأن للماء خصيصة ليست لغيره. ألا ~~ترى أنه في الغدير والقلتين على ما قلناه، إن تغير وجب اجتنابه، وإن لم ~~يتغير لم يجب اجتنابه، وقد فرقنا وأنتم بينه وبين سائر المائعات، فوجب أن ~~يكون الحكم للتغير حيث كان، وأن يكون الحكم للماء إن يتغير، وهذا مستمر؛ ~~لأن الاتفاق قد حصل عليه إذا تغير في القليل والكثير، وإذا لم يتغير الماء ~~فرق المخالف بين القليل والكثير، فكان اعتبارنا هو الصحيح. PageV02P860 # ثم إن هذا الاعتبار يسقط مع النص من قوله ms277 عليه السلام: (خلق الله الماء ~~طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره)، وهذا كما ترك أصحاب أبي حنيفة قياس ~~الأصول وأجازوا الوضوء بالنبيذ، وكالقهقة في الصلاة، وكذلك فعلنا نحن ~~والشافعي في المصراة، والمساقاة، PageV02P861 # والمضاربة، وأشياء كثيرة، وهكذا ينبغي أن تتبع السنة التي أوردنا ويترك ~~لها القياس، فكيف والقياس معنا؟. والاعتبار في التغير في القليل والكثير من ~~الماء؟. # فإن قيل: قوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء)، أي جنس الماء لا ~~ينقلب عينه فيصير جنسه جنس النجس إلا أنه قصد به الحكم الذي نحن فيه فكأنه ~~عرفنا أن العين لا تنقلب. PageV02P862 # قيل: هذا لا فائدة فيه، ولا يجوز أن يقصده عليه السلام؛ لأنه معقول أن ~~الجنسين إذا اختلطا لم تنقلب أعيانهما حين تصيرا عينين، هذا عين في الماء ~~لم تغير حكمه عما كان عليه قبل حلولها فيه إلا أن تغلب عليه؛ لدليل اتفاقنا ~~أن الماء إذا تغير بالنجاسة ينجس في قليله وكثيره، من بينها بأن جعله طاهرا ~~مطهرا لغيره، وينبغي أن تحمل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مالا ~~يستفاد إلا من جهته، فأما ما يعلم من غير جهته فلا فائدة في حملها عليه، ~~فإذا ثبت النص في الخبر انتفى معه كل اعتبار وقياس. # على أن الذي ذكروه من تجنب المحظور إذا اجتمع مع المباح وأنه واجب يسقط ~~في أكثر الأصول مع منافاته للنص، وذلك أن النجس يكون محظورا في انفراده، ~~وإذا اجتمع مع الماء يغلب عليه حتى يصير مستهلكا فيه يزول حكم الحظر عنه ~~تخصيصا للماء، وذلك بمنزلة اللبن الذي يحصل بانفراده في جوف الرضيع فتثبت ~~به الحرمة، ولو خلط بماء وغيره من المائعات حتى يغلب ذلك عليه لزال حكمه ~~عما كان عليه، وكذلك قد نهي المحرم عن استعمال الزعفران على انفراده، ثم لو ~~طبخ أو خلط بالمائعات التي تغلب عليه لجاز استعماله، فكذلك لا ننكر حديث ~~النجاسة مع الماء إذا غلبها الماء. # فإن قيل: اللبن والزعفران طاهران يجوز استعمالهما منفردين. # قيل: إنه وإن جاز استعمالهما على ms278 انفرادهما فقد صار لهما حكم في المواضع ~~التي ذكرناها في انفرادهما، ثم يزول ذلك الحكم مع مخالطتهما لغيرهما، فكذلك ~~النجس. PageV02P863 # على أن بعض النجاسة يجوز استعماله على وجه، كأكل الميتة للمضطر، وشرب ~~الخمر والبول في حال ما، ليس لقولنا: نجس، أكثر من أن الحكم فيه أنه لا ~~يستعمل بانفراده، فيجوز أن يزول هذا الحكم في موضع آخر، وهو إذا خالطه غيره ~~فغلب عليه. # وعلى أنه إذا اعتبر مذهب أبي حنيفة في ذلك حق الاعتبار أدى إلى خرق ~~الإجماع، وذلك أن بحار الدنيا لا تخلو من الأنجاس، ولو تحققنا نجسا وقع في ~~موضع منها بعينه، مع علمنا أن عين الماء لا تنقلب، وإنما يتنجس الجزء الذي ~~يجاور النجس بمجاورته، إذا تنجس ذلك الجزء بمجاورته النجس نجس ما يجاور ذلك ~~الجزء الذي يجاور النجس، وكذلك كل جزء مجاور للجزء النجس تنجس، فيؤدي هذا ~~إلى البحار العظيمة المتصلة نجسة لا يجوز استعمال شيء منها. # ومثال هذا: أن كوزا فيه ماء حلت فيه نقطة ما نجس، أو أكثر منها، فإنه ~~يكون نجسا كله، وعلى هذا التقدير بصبه في أكثر منه يتنجس حتى يؤدي ذلك إلى ~~ما لا نهاية له، وهذا شنيع جدا. # وعلى أن هذا المذهب يخالف إجماع المسلمين؛ لأنهم قد أجمعوا على أن نقطة ~~بول أو خمر لو وقعت في غذير كبير لم ينجس وأبو حنيفة يقول: لو وقعت نقطة من ~~ذلك في كوز نجس ماء الكوز بها ولو صب الكوز في الجب وصب ماء الجب في أجباب، ~~ثم قلبت في هذا الغدير العظيم بحيث يتحرك الغدير بوقوع هذا الماء فيه أن ~~الغدير نجس كله، فنجسوا ما اتفق المسلمون عليه أنه لا ينجس، وقد علمنا ~~ضرورة أنه لم تحصل فيه كله إلا النقطة التي حصلت في الكوز، وهذه PageV02P864 # النقطة وقعت في الابتداء في الغدير لم ينجس. # قال أبو حنيفة: إذا وقعت نقطة بول أو خمر في بئر نجس الماء كله، ولم يطهر ~~إلا بنزح جميع ذلك، ولو وقعت في البئر فأرة نجس الماء ms279 كله، ويطهر بنزح ~~عشرين دلوا، والوزغة بأربعين دلوا، والسنور بستين دلوا. # قال: وإذا نزح تسعة عشر دلوا في الفأرة فالماء كله نجس، فإذا خرج الدلو ~~العشرين طهرت كله، فإن انقلبت الدلو فيه نجس الماء كله فإن نزح منه دلوا ~~طهر كله، وهذا كالتلاعب في الشرع. # فإن قال شافعي: فقد روى أبو أسامة عن الوليد PageV02P865 # ابن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ~~أبيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بلغ ~~الماء قلتين لم يحتمل خبثا) PageV02P866 # روى الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله ~~بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بلغ PageV02P867 # الماء قلتين لم يحتمل خبثا). # وروي حماد عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال: كنت مع عبيد الله بن عبد ~~الله بن عمر في بستان فحضرت الصلاة فقام إلى مقراة فيها جلد بعير ليتوضأ. ~~فقلت: أتتوضأ منها وفيها جلد بعير؟. فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس). PageV02P868 # قالوا: وإذا ثبت هذا فدليله ما دون القلتين يحمل الخبث، فتخص قوله عليه ~~السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء)، فيكون تقديره: إلا أن يكون ~~دون القلتين فإنه ينجس وإن لم يتغير. # قيل: حديث القلتين عنه أجوبة: # أحدهما: أنه ليس بثابت عند أهل النقل؛ لأن ابن إسحاق قد رواه، وقد تكلم ~~فيه الأئمة مثل: مالك PageV02P869 # وهشام بن عروة ويحيى القطان. # وقال غير مالك: إنا يؤخذ عنه ما رواه من المغازي دون غيرها، وهو ضعيف عندهم. # وأما الوليد بن كثير فكثير الغلط مضطرب الرواية. طعن عليه أحمد بن حنبل وغيره. # ورواه أيضا ابن جريج عن محمد عن يحيى بن عقيل PageV02P870 # ومحمد مجهول. # وكذلك يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر. # ورواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن الزبير، وتارة ms280 يرويه عن محمد بن ~~عباد بن جعفر. # ومحمد بن جعفر بن الزبير يرويه تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ~~وتارة يرويه عن عبد الله بن عبد الله. PageV02P871 # وجملته: أن الوليد مطعون عليه كثير الغلط. # وقيل: إن الحديث موقوف على ابن عمر. # ثم قد اختلف في متن الحديث أيضا. # فروى محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي عليه السلام: (إذا كان الماء ~~أربعين قلة لم يحمل نجسا). PageV02P872 # وروى أبو هريرة عنه عليه السلام: (إذا كان الماء قلة أو قلتين لم يحمل ~~خبثا) , # وروي عنه عليه السلام: (إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا لم يحمل خبثا). # فإذا اضطرب المتن هذا الاضطراب الشديد لم يثبت منه تحديد يبطل به ظاهر ~~الأحاديث، ولا يخص بمثل هذا؛ لأن الحدود لا تثبت بمثله حتى تصير مقادير في ~~الشريعة لا تتجاوز. PageV02P873 # ولو صح ذلك لكان الأشبه بها أن تكون خرجت على أسئلة سائليها كل سائل يسأل ~~عن شيء فيجاب عنه، لا أنه قصد بذلك الحد؛ لأن الحدود لا تثبت بمثل هذا. # وجواب آخر: وهو أن القلة من الأسماء المشتركة؛ لأنها تقع في اللغة على ~~الكوز؛ وتقع على الجرة، وعلى القربة، وعلى قلة الجبل، وغير ذلك، فصارت ~~كقولنا عين ولسان، وكالأقراء فلا يصح ادعاء العموم في اسم مشترك، ولا صرفه ~~إلى بعض ما يتناوله دون بعض إلا بدليل، ومن صرفه إلى بعضها جاز لآخر أن ~~يصرفه إلى الوجه الآخر، فيجب الوقوف به حتى يثبت المراد منه، ولا يحتج ~~بظاهره. # فإن قيل: فما الفائدة في ذكر القلة إذا كان لا فرق بينها وبين غيرها؟. # قيل: الفائدة في ذلك إن كان ابتداء من النبي صلى الله عليه وسلم هو أن ~~يعلمهم أن للماء خصيصة ليست لغيره من المائعات، فيكون قليله من القلة ~~الصغيرة، وكثيره من القلة الكبيرة بمنزلة واحدة في أنه إذا حلت فيه نجاسة ~~لم تغيره فهو على طريقة واحدة في طهارته، وأن غيره من المائعات بخلافه، إذا ~~حلته نجاسة حمل الخبث سواء تغير أو لا، ms281 وإن كان ذلك من النبي عليه السلام ~~جوابا لسائل سأله فالفائدة فيه أنهم قد عقلوا أن الكثير من الماء إذا حلته ~~نجاسة لم تغيره فإنه طاهر بخلاف المائعات، فأرادوا أن يعلموا أن فضيلته على ~~غيره في قليله كهي في كثيره، PageV02P874 # أو في كثيره حسب، فأعلمهم أن قليله وكثيره بمنزلة واحدة من الفضيلة على ~~غيره نم المائعات. # وهذه فوائد حسان أحسن من استعمال التحديد الذي لا يثبت في الشرع بمثل هذا. # ولأن الاعتبار الصحيح في التغير قد استوى في قليل الماء وكثيره فينبغي أن ~~يتفق الحكم بعدم التغير في قليله وكثيره، فيكون طاهرا كما كان نجسا بالتغير ~~في قليله وكثيره. # ومما يقوي ما قلناه وأن المقادير والتحديد لا تثبت بمثل هذا: أن القلال ~~والقرب تختلف وتتباين في الكبير والصغير، ولا يكاد يوجد في بلد من البلدان ~~على تقدير واحد؛ لأنها تحمل على حسب العاملين لها من شيخ وشاب، وكبير ~~وصغير، لابد من تفاضل ما بينها، ولو اتفقت أو تقاربت في بلد من البلدان ل ~~تتفق في سائر البلدان، والعبادة في تقدير الماء لا يختص بها أهل بلد دون ~~بلد، فعلم بهذا أنه عليه السلام لم يقصد بذكرها التحديد والمقدار. # فإن قيل: فإن المكاييل والأرطال قد تختلف في البلدان، ولم يدل ذلك على ~~أنها لم تجعل مقادير. # قيل: إن هذه وإن اختلفت في البلدان فإن أصلها وما كان في زمن النبي عليه ~~السلام مضبوط متفق عليه غير مختلف فيه، ولم يثبت تقدير القلة ولا ضبط ولا ~~اتفق عليه وقد ضبطت مقادير النصب في الزكاة، وضبط كل ما كان مقدرا ضبطا لا ~~يشكل، وليست القلة كذلك؛ لأنها لم PageV02P875 # تضبط برطل معلوم وقدر معلوم، ولم يفرق بين قلة مع كثرة اختلاف القلل ~~وتقاربها ولابد من تباين ما فيها. # فإن قيل: قد حال جريج بقلال هجر، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقد أحالنا على قلال بلد معلوف، كما أحالنا في مقدار الصاع والوزن على صاعه ~~عليه السلام ووزنه بالمدينة. PageV02P876 # قيل: أما تفسير ms282 الشافعي وابن جريج فهو واحد، فلم يلزمنا تفسيرهما. # وأما رفع ابن جريج ذلك إلى النبي عليه السلام بهذا اللفظ فلا يعرف من ~~طريق صحيح؛ لأن أصل الحديث فيه اضطراب ولين فكيف بهذه الزيادة؟. # على أنها لو ثبتت لم يثبت التحديد بمثلها لما بيناه من اختلاف قلال هجر ~~وتباينها، ولم تحصر بوزن معلوم وكيل معلوم فكان أحسن الأحوال أن تحمل على ~~ما تقدم ذكره من الفوائد التي حملناه إياها. # وقد قال سعيد بن جبير ومسروق: القلة: الجرة. وقال مسروق: PageV02P877 # الرطبة من رطب الجنة مثل القلة. فخشي أن لايفهم عنه فقال: هي الجرة. ~~والجرة لا تسع قربتين وشيئا كما قال الشافعي. # وقد قيل أيضا في حديث ابن جريج: إنه ورد بلفظ آخر، قيل عنه فيه إنه قال: ~~إن القلة تسع فرقين أو فرقين وشيئا، فصحف وإنما هي قربتين. # وقيل: إن القلة تسعة قربتين أو قربتين وشيئا، فجعل الشافعي الشيء نصفا ~~على التقريب والاحتياط، وجعل الجميع خمس قرب، وقدر كل قربة مائة رطل، فتصير ~~القلتين خمسمائة رطل بضرب من الاجتهاد، وهذا لا يمنع أن يخالفه غيره فيقدره ~~بستمائة رطل، أو أربعمائة رطل؛ إذ لا نص في تحديده بخمسمائة رطل من كتاب ~~ولا سنة ولا إجماع ولا قياس محقق، وليس يجوز العدول عن الظواهر من الكتاب ~~والسنة والاعتبار الصحيح بمثل هذا، وقد ثبت ما قلناه بما ذكرناه من ~~الاعتبار الصحيح الذي هو علامة في الطرد والعكس؛ لأن الجميع قد اتفقوا على ~~أن الماء الكثير والقليل إذا تغير أحد أوصافه PageV02P878 # بالنجس فإنه نجس فيجب إذا لم يتغير أن لا يختلف أيضا في قليله وكثيره. # ويحقق هذا: قوله عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما ~~غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وبهذا تنتظم الدلالة على أبي حنيفة والشافعي. # فإن قيل فأنتم قد فصلتم بين قليل الماء وكثيره، وقلتم: لا يبولون في ~~الدائم ثم يتوضأ منه، وقد فرقتم بينه وبين البرك العظام فقلتم: لا بأس به ~~فيها، فحملتم الخبر على الكراهية في القليل، ms283 واستعملتم قوله عليه السلام: ~~(خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) على الكثير منه، فصرتم إلى مثل قولنا ~~في الفصل، فقولنا أحسن؛ لأننا فصلنا بين القليل والكثير بفصل معلوم، وأنتم ~~لم تفعلوا ذلك، فلم ينحصر مذهبكم لعدم الفصل الصحيح بين الماءين. # قيل: إننا لن نفصل بين القليل والكثير في تطهير ولا تنجيس، وجعلناهما ~~سواء في الأمرين جميعا، وإنما فصلنا بينهما في الكراهية؛ لأجل خلف الناس في ~~القليل، فإن مالكا - رحمه الله - لا يقطع على مسائل الاجتهاد أن الحق عند ~~الله - تعالى - فيما يقول دون ما ذهب إليه من خالفه؛ لأنه غلبة ظن يجوز أن ~~يكون مخالفه فيه مصيبا، وهو مخطئ عند الله - تعالى - خطأ يعذر به، فاستعمل ~~خبر البول في الماء والوضوء منه على الكراهية؛ لأن هذا الضرب نم الاجتهاد ~~يجوز. PageV02P879 # فإن قيل: فإن النبي عليه السلام قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس ~~يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده)، فمنعه من ~~إدخال يده فيه احتياطا لنجاسة مسكوك فيها لم يتحقق وجودها، فعلم أنها لو ~~كانت متحققة نجس ذلك الماء. # قيل: إن النبي عليه السلام لم يمنع من ذلك على وجه التحريم، وإنما هو ~~كراهية لأجل نجس، ولكن تنظفا لئلا يتكون يده لاقت موضعا يكره أن يخالط ~~الماء، مثل أن يدخلها في أنفه، أو يلاقيها دنس ووسخ دون النجاسة، ولو لاقت ~~نجسا لم يغير الماء كرهنا له ذلك أيضا. # فإن قيل: فقد روى في خبر أبي قتادة حين أصغى الإناء للهر وقال لكبشة: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الهر ليس بنجس؛ إنها نم ~~الطوافين عليكم والطوافات)، فجعل العلة في جواز شربها طهارتها، فعلم أنها ~~لو كانت نجسة لم يجز أن تشرب منه، ومن اعتبر عدم التغير في جواز شربه أسقط ~~تعليل أبي قتادة. # قيل: قوله عليه السلام: (إنها ليست نجسة) أي بمبعدة؛ لأنها من الطوافين، ~~وإن كانت سبعا من السباع، ودليله: أنها لو كانت مبعدة كرهنا شربها من ~~الإناء؛ ms284 لأن الكلب وغير الهر من السباع التي تأكل الجيف في غالب الحال يمكن ~~التحرز منها وحفظ الماء عنها؛ لأن غير PageV02P880 # الهر يكون نجسا؛ لأه ليس - عندنا - في الدنيا حيوان نجس. # ثم إن النجاسة لو حصلت في الماء ولم تغيره فإن الماء طاهر، فلم يلزمنا ما ~~ذكروه، ولكنه مكروه لأجل خلاف الناس فيه. # فإن قيل: فإنه ماء قليل خالطته نجاسة فوجب أن يكون نجسا، أصله إذا تغير بها. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أنه إذا تغير بها صار الحكم للنجاسة كالكثير من الماء إذا تغير ~~بها؛ لأن الاتفاق قد حصل على أن العلة في الكثير إذا تغير هو غلبة النجاسة ~~على الماء، وهذا موجود في القليل، وإذا لم يتغير الكثير من الماء كان الحكم ~~للماء فكذلك القليل منه، وهذا مستمر. # والجواب الآخر: هو أننا قد قسناه إذا لم يتغير على الكثير إذا لم يتغير، ~~فكان قياسنا أولى؛ لأن الحكم يوجد بوجوده، ويرتفع بارتفاعه حيث كان، ~~والنصوص تؤيده. # فإن قيل: فإن الأصل موضوعه على أن كل نجاسة لا يمكن الاحتراز منها، وتشق ~~إزالتها لم يكمن معفوا عنها. ألا أرى أن دم البراغيث والقليل نم الدم على ~~بدن الإنسان معفو عنه؛ إذ لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك أثر الاستنجاء، ~~والمستحاضة وسلس البول يصلي PageV02P881 # به ولا إعادة عليه؛ لان الاحتراز منه لا يمكن ولو خرج البول منه دفعة أو ~~دم الفصاد كانت عليه الإعادة؛ لأن الاحتراز منه يمكن، كذلك أيضا إذا كان ~~الماء دون القلتين يمكن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه يحفظ من ~~الأواني، فلم تكن هذه النجاسة معفوا عنها، والماء إذا كان قلتين وأكثر لا ~~يمن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه لا يحفظ في العادة في الأواني، ~~فكان معفوا عنها. # قالوا: وهذه نكتة المسألة، وفيها جواب عما قلتموه. ألا ترى أن سائر ~~المائعات من الخل واللبن وغيرهما لما أمكن حفظه من النجاسة لم تكن النجاسة ~~فيها معفوا عنها، سواء كان المائع قليلا أو كثيرا فإنه ينجس؛ لأنه يحفظ في ~~الأواني وإن كان ms285 كثيرا. # قيل: هذا اعتبار فاسد في هذه المسألة. # ثم لو جعلناه دليلا لصح، وذلك أن ما زاد على القلتين بمقدار رطل أو رطلين ~~أو عشرة في معنى ما نقص من القلتين بهذا القدر يمكن حفظ الجميع في الأواني ~~ولا يشق، فينبغي أن يتفقا في الحكم، إما في النجاسة أو الطهارة، وأنتم ~~تفرقون بينهما. # وعلى أنه يلزمكن إذا كان الماء كثيرا لا يمكن التحرز منه بحفظه أن تعفوا ~~عن النجاسة وإن أثرت فيه؛ لأنه حفظه يشق. # ثم إن الماء هو دون القلتين لا يمكن حفظه في العادة من يسير نجاسة تقع ~~فيه، إما من ذباب يموت فيه، أو برغوث، أو وزغة صغيرة تدخل فيه وتموت، أو ما ~~أشبه ذلك فينبغي أن يكون معفوا عنه؛ لأن هذا يسير يشق التحفظ منه فهو في ~~الماء القليل كهو في، ويستوي هذا الحكم فيه في كل موضع سواء أصاب دم PageV02P882 # البراغيث الثوب والبدن أو الماء؛ لأن دم الرعاف معفو عنه إذا كان يسيرا ~~في الثوب كدم البراغيث، وكذلك قليل من الدم إذا لم يكن مسفوحا بخلاف غيره م ~~الأنجاس، فينبغي أن يستوي حكمه سواء حل في الثوب أو الماء؛ إذ لا يمكن ~~التحرز منه، وقد عفي عنه، والبول وما أشبهه إذا خرج على وجه العادة يمكن ~~التحفظ منه، غير أنه إذا أصاب الثوب والبدن تنجس، وليس حكمه في الماء كحكمه ~~في الثياب والمائعات غير الماء؛ لأن الماء يطهر الأنجاس ما دام غالبا ~~عليها، ويدفعها عن نفسه، فسواء كان قليلا أو كثيرا، أمكن حفظه أو لا. ألا ~~ترى أن إزالة الأنجاس والأحداث به لا يفترق الحكم بين قليله وكثيره إذا لم ~~يخالطه نجس، فكذلك إذا خالطته نجاسة لم تؤثر في عينه لم يفترق الحكم فيه ~~بين قليله وكثيره؛ لأن الحكم له لغلبته على النجس. # وأما سائر المائعات غير الماء فإنما تنجست بقليل النجاسة سواء كانت قليلة ~~أو كثيرة، وسواء حفظت في الأواني أو غيرها؛ لأنها لا تدفع النجاسة عن ~~نفسها؛ لأن الأنجاس لا تزال بها، ولا ms286 يرتفع بها الحدث، لا لأنها تحفظ في ~~الأوني؛ لأننا نعلم أن بعضها قد تعمل في غير الأواني مثل الحياض التي تنقع ~~فيها التمور للخل، وعصير العنب الكثير، وما أشبه إنما يكون في الحياض، ثم ~~تنقل إلى الأواني، ومع هذا فيسير النجاسة تنجسه سواء كانت المائعات قليلة ~~أو كثيرة، محفوظة في الأواني أو غيرها؛ لأن جنسها لا تزال به النجاسة، ولا ~~يرتفع به الحدث، والماء بخلافها، فإن لم تؤثر النجاسة فيه فهو PageV02P883 # يدفعها كما تزال به النجاسة من الثوب والبدن، فقد أزالها عن نفسه وهذا ~~موجود في القليل منه والكثير. ألا ترى أن النجاسة على الثوب والبدن إذا ~~غسلناها بماء حتى زالت بذلك القدر من الماء فإن الماء أزالها عن الثوب، ~~وانتقلت النجاسة إلى الماء، والماء طاهر لولا هذا لما زالت النجاسة، فإذا ~~كان قد أزالها عن الثوب ودفعها عنه وهو طاهر فقد دفعها عن نفسه أيضا؛ لأنه ~~إذا دفعها عن غيره كان دفعها عن نفسه أولى، وهذا الذي يكشف أنه لا فرق بين ~~وروده على النجاسة أو ورود النجاسة عليه، وبالله التوفيق. PageV02P884 ### | AUTO [40] مسألة # اختلفت الرواية عن مالك - رحمه الله - في جلود الميتة إذا دبغت. فالظاهر ~~من الروايتين أنها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الأشياء اليابسة وفي الماء ~~خاصة من بين سائر المائعات، فإنه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصة، ولا ~~أضيقه على الناس. # والرواية الأخرى: أنها تطهر طهارة تامة، وهذا في كل جلد ميتة إلا الخنزير ~~وحده؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغة أولى، وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه ~~الذكاة. # وبالرواية الأولى قال أحمد، ولكنه لا يبيح الانتفاع بها في شيء؛ لأنها ~~كلحم الميتة. PageV02P885 # وبالرواية الثانية قال أبو حنيفة إلا في الخنزير كقولنا، وبها قال ~~الشافعي إلا في الكلب والخنزير. # فيحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في الرواية الأخرى، وبيننا ~~وبين الشافعي في الكلب على الرواية الثانية. # وقال داود: يطهر جلد جميع الحيوان بالدباغ حتى الخنزير، وقد حكي عن أبي ~~يوسف مثله. # وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر ms287 جلد ما يؤكل من الحيوان ولا يطهر جلد مالا يؤكل. # قال الزهري: يجوز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة لا ~~أنها طاهرة. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم}، ~~والميتة اسم للجملة، ولكل جزء منها، والجلد منها. PageV02P886 # وأيضا: ما رواه جابر عن النبي عليه السلام أنه قال: (لا تنتفعوا من ~~الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا أن يقوم دليل. # وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلي عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا ~~كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر (ألا تنتفعوا من الميتة ~~بإهاب PageV02P887 # ولا عصب)، وهذا نص في الجلد مع كونه متأخرا. PageV02P888 # ينسخ المتقدم، وهذا عمدة في المسألة. # وأيضا ما روته عائشة - رحمها الله - عن النبي عليه السلام أنه أمر أن ~~يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت، والاستمتاع بالشيء مأخوذ من المتعة PageV02P889 # به، والمتعة به تمنع من بيعه؛ لأنه إذا بيع صار الاستمتاع بالثمن لا ~~بالجلد، فدليله أن غير المتعة به لا يجوز إلا أن يقوم دليل. # وأيضا ما روي أن ابن الأشعث قال لعائشة - رحمها الله -: ألا نعمل لك فروا ~~تلبسينه في اليوم الشاتي. فكرهته؛ لأنها تريد الصلاة فيه، فقال: ألا نعمل ~~لك ذكيا؟ فلا بأس، فلم تمتنع من الذكي وامتنعت من غيره، ولم يكن هذا إلا ~~وقد فهمت نم قصد النبي عليه السلام في الاستمتاع بالجلد المدبوغ في غير ~~الصلاة، وعلى وجه دون وجه، وأنه فرق بين المدبوغ والذكي. PageV02P890 # وأيضا فإن الجلد لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدباغ نجسا ~~لذاته وعينه فوجب أن لا يطهر بالدباغ كاللحم - عندنا وعندكم -، وكجلد ~~الخنزير والكلب - عندكم -. # أو يكون نجسا لأجزاء نجسة جاورته بالموت فينبغي أن يجوز بيعه قبل الدباغ ~~كالثوب النجس، فلما لم يجز بيعه قبل الدباغ علم أنه كاللحم الذي نجست عينه ~~بالموت. # ونقول أيضا: هو جزء من الميتة تلحقه الحياة والموت فأشبه اللحم. # أو نقول: هي نجاسة حدثت بالموت فوجب أن تكون ms288 مؤبدة كاللحم. # وأيضا فإن علة التنجيس هو الموت فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء ~~العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه. # ونقول أيضا: أتسلمون أن الجلد بعد الدباغ لا يجوز أكله؟. فإن سلموا ذلك: ~~قلنا إنما لم يجز أكله لأنه نجس بالموت فصار كاللحم. # وإن لم يسلموا المنع من أكله دللنا عليه بما روي أن النبي عليه السلام مر ~~بشاة ميمونة - وقد طرحت وهي ميتة - فقال: هلا دبغتم إهابها فانتفعتم به). ~~فقالوا: إنها ميتة - وقد علم عليه السلام أنها ميتة - فقال: (إنما حرم ~~أكلها)، ومن المحال أن يكون إنما أعلمهم أن اللحم حرم أكله دون الجلد؛ ~~لأنهم طرحوها وهم يعلمون أن لحم الميتة محرم، ويعتقدون ذلك، وكذلك الجلد ~~فوجب أن تكون الفائدة في إعلامهم PageV02P891 # حكم الجلد الذي أباحهم الانتفاع به، وأنه الذي حرم أكله دون النفع به، أو ~~تكون الفائدة هي أن الذي يتأتى أكله منها محرم أكله، وأن الجلد منه أيضا، ~~وإذا كنا قد اتفقنا على أن الموت يحل في الجلد كما يحل في اللحم، ثم اتفقنا ~~على أن غسل اللحم أقوى من الدباغ، وهو لا يزيل حكم النجاسة الحالة فيه ~~بالموت كانت الدباغة أولى ألا تزيل حكم النجاسة الحالة بالموت في الجلد، أو ~~تكون كالغسل لا يزول به حكم النجاسة. # وفارق حكم هذه النجاسة حكم سائر النجاسات العارضة في الثياب؛ لأنها لو ~~كانت بمنزلتها لزالت بالغسل عن اللحم كما يغسل عنه الدم في الذكاة، ولجاز ~~بيعه وبيع الجلد من الميتة قبل أن يدبغ كما يباع لحم المذكي وعليه دم. # فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخصوص بما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه ~~فانتفعوا به)، فقال: (إنما حرم أكلها)، فأباح عليه السلام الانتفاع بإهاب ~~الميتة إذا دبغ فسقط قول من يقول: لا PageV02P892 # يجوز الانتفاع به، والانتفاع أيضا عام من ms289 كل وجه يتبعه والصلاة عليه وغير ذلك. # وأيضا ما رواه زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة المصري عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر). # ومالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ~~أمه عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستمتع بجلود ~~الميتة إذا دبغت. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (دباغ الأديم ذكاته)، PageV02P893 # فأقام الدباغ مقام الذكاة. # وأيضا ما رواه أنس أن النبي عليه السلام أتى على سقاء أخضر قد برد فيه ~~الماء فاستقى. فقالت صاحبته: إنه لمن جلد كيتة. فقال عليه السلام: (دباغه ~~طهوره). PageV02P894 # وروى سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذكاة كل ~~أديم دباغه). # قالوا: وهذه الأخبار تلزم أحمد بن حنبل في امتناعه نم استعماله بعد ~~الدباغ، وتلزمكم أنتم في طهارته بكل وجه. # قيل: لعمري إنها تلزم أحمد فأما نحن فإنا نستعملها على ما تحتمله فنقول: ~~قوله: (هلا انتفعوا به بالدباغ)، فظاهره يقتضي الانتفاع بالجلد نفسه دون ~~ثمنه، ونحن نجيز الانتفاع به على وجه مخصوصة بالدلائل التي ذكرناها. # وقوله عليه السلام (فقد طهر)، وجميع ما ذكر في الطهارة، فإننا نقول: PageV02P895 # طهارة وطهور اسم مشترك في اللغة والشريعة فتارة يكون لزوال حم النجاسة، ~~ويصلح للعبادة، ولرفع درجة، وللتمييز على ما بيناه في مسألة الكلب، وحقيقة ~~الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال، فقد نقلت الدباغة من منع استعماله ~~فإلى استعماله على وجه دون وجه، ولا ينبغي أن يكون كالذكاة التي تبيحه على ~~كل وجه؛ لأن الذكاة هي الأصل، وهي طهارة فلا ينبغي أن يكون حكم الفرع ~~كحكمها من كل وجه، وإن كانا جميعا يسمان بالطهارة. ألا ترى أن الطهارة ~~بالماء ترفع الحدث فإذا عدم الماء جاز التيمم، وقد سمي طهارة. ثم مع هذا ~~فلم يساو حكم الأصل لضعفه عنه، فلم يجز أن يتيمم قبل الوقت، ولا يرفع ~~الحدث، ms290 ولا يجمع به بين صلاتي فرض - عندنا وعند الشافعي -، فلما كان البدل ~~فيما يسمى طهارة أضعف من المبدل، فكذلك الدباغة أضعف من حكم الذكاة التي هي ~~الأصل، وإن كان اسم الطهارة يتناولها جميعا. # فإن قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن ~~في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة. # قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في ~~الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة. # قيل: قد بينا في مسألة ولوغ الكلب أنها تكون أيضا للتنظف فلا نسلم أنها ~~لا تكون في الشريعة إلا لما ذكرتم، والتيمم أيضا يسمى طهارة، ولم يرفع ~~الحدث، فإذا كان أريد من أجل الحدث وإن لم يرفعه PageV02P896 # جاز أن تراد الدباغة من أجل النجس ولا تدفعه، فتكون إباحة الداباغة دون ~~إباحة الذكاة، كما كان حكم التيمم دون حكم الماء، ثم لو كان طهارة تتناول ~~ما ذكرتموه جاز أن نحملها على ما ذكرناه بما بيناه من حكم الميتة، ومساواة ~~الجلد للحم. # وأما قوله عليه السلام: (دباغ الأديم ذكاته)، فإن جلد الميتة قبل دباغه ~~لا يتناوله اسم أديم، وإنما يسمى أديما بعد الدباغ، فكأنه قال عليه السلام: ~~دباغه ذكاته. أي ذكاته ريحه طيبها فصارت ذكية، وكذلك نقول: إن ذكاته التي ~~هي طيب رائحته إنما تكون بالدباغ الذي يخرج معه السهوكة وتغير الريح، وهذا ~~هو الأصل في الذكاة. والذكي: هو الطيب الريح، وإنما نقل إلى اسم الريح؛ لأن ~~الحيوان إذا ذبح كان طيب الريح بخلاف الميت، فإذا كان أصل الذكاة ما ذكرناه ~~حملنا قول النبي عليه السلام على هذا، ونكون بهذا أولى منكم في اللغة؛ ~~لأنكم تجعلون الدباغة تشبيها بالذكاة، فتقديره: كذكاته، أي: مثل ذكاته، ~~فتضمرون كاف التشبيه، ونحن لا نضمر شيئا، بل نجعل الدباغة بالشب والقرظ هي ~~بعينها ذكاته وطيب ريحه، فتقديره: تقديره قولنا: الله ربنا، فربنا هو الله، ~~والله هو ربنا، وكذلك محمد نبينا، وزيد قائم، زيد هو القائم والقائم هو ~~زيد، وقولكم أنتم بمنزلة ms291 قولهم: شربك شرب الإبل، وليس شربه شرب الإبل، ~~وإنما هو كشرب الإبل أي: مثله. PageV02P897 # وأيضا فإن الدباغة بالشب والقرظ تصير عليه مثل الغشاوة فتزول معه الروائح ~~المتغيرة، وتكتسي ريح الشب والقرظ، ولهذا نستعمله نحن في الأشياء اليابسة؛ ~~لأنه يصر بمنزلة شيء قد غشيه شيء طاهر. # فأما قوله عليه السلام في السقاء الذي استسقى منه: (دباغه طهوره)، أي قد ~~نقله من منع الاستعمال إلى جوازه على ما بيناه، ويجوز ترك الماء فيه؛ لأن ~~الناس مختلفون في تطهيره، والماء في أصله يدفع النجس عن نفسه. ثم مع هذا ~~فإن الميتة إذا لاقت الماء فلم تغيره فإن الماء على أصله في الطهارة - ~~عندنا - قليلا كان الماء أو كثيرا، وليس كذلك المائعات غير الماء، فلهذا ~~جاز استعمال الجلد المدبوغ في الماء ولم يجز في غيره من المائعات. # فإن قيل: فإنه جلد طاهر بنجاسته فجاز أن يحكم بطهارته أصله جلد المذكي ~~إذا تلوث بالدم أو غيره. # أو نقول: نجاسة طرأت على جلد طاهر فجاز أن يطهر، أصله ما ذكرناه. # قيل: الجلد المذكي علته أنه طاهر انتقل إلى طهارة هي التذكية، فأشبه ~~اللحم المذكي، فإذا تلوث بالدم جاز أن يزول عنه كما يزول عن اللحم، وليس ~~كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، فإذا لم تزل نجاسة لحمها لم تزل نجاسة جلدها. # فإن قيل: اللحم يتهوا بالدباغة ولا يثبت مثل الجلد. PageV02P898 # قيل: وأي حاجة بنا إلى دباغ اللحم والجلد إن كانت النجاسة تزول بعد ~~الموت. فالغسل يكفي فيهما. ألا ترى أنهما في الذكاة على طريقة واحدة، لو ~~أصاب اللحم دم زال بالغسل كما يزول من الجلد، ونحن نعلم أن كل نجاسة تكون ~~في لحم المذكي أو الميت لو نقعت في الماء المسخن أو غيره من الماء والملح ~~والخل، وطال مكثه خرجت كل نجاسة فيه، وقد كان يمكن أن ينقع في الماء ~~والأشنان وغيره مما يقلع النجاسات أكثر مما يقلعه الشب والقرظ، ويثبت مع ~~ذلك ولا يفسد، فلما كان هذا كله لا يزيل نجاسة اللحم؛ لأنها بالموت حصلت، ~~كذلك ms292 الجلد لحصول الموت فيه، وعلمنا بهذا أن الشب والقرظ أدخل في الجلد؛ ~~لأنه تصير عليه غشاوة يمكن استعماله معها على وجه ليطول بقاؤه والانتفاع به ~~لا أنه يصيره طاهرا بذلك. # على أنهم يدبغون المذكي أيضا لحاجتهم إليه. # وعلى أن قياسنا إياه على اللحم أولى؛ لأننا رددنا من نجس بالموت إلى ~~مثله، ورددنا جزءا اكتساه جزء مثله؛ لأنه اكتساه جزء منه نجس، وهو اللحم، ~~والجميع يحله الموت. # ولا يلزمنا على هذا الصوف والشعر؛ لأن الحياة والموت لا يحلان فيهما. # ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ لأننا وجدنا الجلد مساويا للحم حيث كان، ~~فهما بمنزلة واحدة لو قطعا من الحي، وبمنزلة واحدة في الذكاة، فكذلك ينبغي ~~أن يكون بمنزلة واحدة بعد الممات؛ لأنهما ميتان إذا قطعا في حال الحياة، ~~ميتان في حال موت الحيوان، فلا ينبغي أن PageV02P899 # يفرق بينهما كما لم يفترق حكمهما في الذكاة، ولا في كونهما في الحياة إذا ~~لم يقطعا من الحي. # فإن قيل: إنها نجاسة طرأت على عين يتأتى غسلها فجاز أن تطهر، دليله الثوب النجس. # وأيضا: فإن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة ~~الحكم، فإن كانت في معنى نجاسة العين فإنها متى كانت طارئة على العين جاز ~~أن تزال مثل سائر النجاسات، وإن كانت نجاسة من جهة الحكم، وكانت طارئة جاز ~~أن تزال دليله الخمر. # وأيضا فلو كان الدباغ لا يطهر جلد الميتة لكان لا يطهر بالذبح، دليله ~~الخنزير. # قيل: أما الثوب النجس فقياسه اللحم المذكي والجلد إذا أصابهما نجس، فإن ~~أعيان الجميع طاهرة، وإنما طرأ على طاهرها ما يزول بالغسل. ألا ترى أن بيع ~~الجميع وعليه الدم يجوز، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها. ألاى ترى أن ~~بيع الجلد قبل الدباغ لا يجوز كما لا يجوز بيع اللحم، فعلم أن عينه نجست ~~بالموت كاللحم، والثوب إنما نجس بمجاورة النجاسة له، وجلد الميتة نجست عينه ~~كاللحم الذي نجست عينه بالموت. # وقولكم: إن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين ms293 أو نجاسة ~~الحم فإننا نقول فيها ما تقولونه في اللحم سواء، فإذا لم تزل نجاسة اللحم ~~لم تزل نجاسة الجلد. وأما الخمر فإنها نجسة العين فإذا تغيرت صارت العين ~~كلها طاهرة فينبغي أن تصير عين الميتة كلها طاهرة لحمها وجلدها. PageV02P900 # وقولكم: إن الدباغة إن لم تطهر الجلد لم تطهره الذكاة يلزمكم في لحم ~~الميتة أيضا إن لم يطهره الغسل لم تطهره الذكاة كالخنزير. # فإن قيل: قولكم: إن علة التنجيس الموت فلا يجوز ارتفاع النجاسة مع بقاء ~~الموت غير مسلم؛ لأننا نقول: إن علة التنجيس الموت وفقد الدباغ، فعلة ~~التنجيس ذات وصفين، فإذا عدم أحد الوصفين وهو فقد الدباغ جاز أن لا يرتفع ~~الوصف الآخر الذي هو الموت فينبغي ألا يطهر على هذا الحساب. # فإن قيل: فإن الموت علة في تنجيسه ابتداء دون الاستدامة، فإذا كان الموت ~~علة في وجود النجاسة دون بقائها واستدامتها جاز أن ترتفع استدامتها وبقاؤها ~~وإن كان علة الوجود في الابتداء لا ترتفع، كما إذا تيمم فإنه يصلي؛ لأنه ~~استباح به الصلاة، ثم لو أحدث لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم قطع الاستدامة ~~وبقاء الاستجابة، والله أعلم. # قيل: هذا بعينه يلزم في لحم الميتة، وأما التيمم فهو شاهد لنا؛ لأنه لم ~~يرفع الحدث فلهذا انقطعت استدامته فينبغي ألا ترتفع نجاسة الجلد بالدباغ ~~ولكن تنقطع استدامة المنع من الانتفاع به، فيصير منتفعا بالدباغ لا كمنفعة ~~الذكاة، كما أباح التيمم الصلاة لا على معنى الوضوء الذي يرفع الحدث، ~~وبالله التوفيق. # ووجه الرواية الأخرى في طهارة الجلد بالدباغ ما ذكرته عن المخالفين وفيه ~~الرد على أحمد في امتناعه من استعماله بكل وجه وإن دبغ. PageV02P901 ### || AUTO فصل # فأما ما قاله الأوزاعي وأبو ثور في أنه يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون مالا ~~يؤكل لحمه فاحتجوا له بما رواه المليح الهزلي عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع، ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو ~~غير مدبوغة. # وبما روي أنه قال عليه السلام: (دباغ ms294 الأديم ذكاته)، فأقام الدباغ مقام ~~الذكاة، وبين أنه يعمل عملها، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم ~~تعمل الدباغة أيضا فيما لا يؤكل لحمه. PageV02P902 # قالوا: ولأنه حيوان لا يؤكل لحمه فوجب أن لا يطهر جلده بالدباغ، أصله ~~الكلب والخنزير. # والدليل لقولنا: قوله عليه السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر). # وما روته عائشة أن النبي عليه السلام أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا ~~دبغت ولم يفرق بين جلد وجلد فهو عام إلا ما خصه الدليل. # وأيضا فإنه حيوان لم يرد نص القرآن بتحريمه، ولا أجمع عليه فجاز أن يطهر ~~بالدباغ، أصله ما يؤكل لحمه بعلة أنه حيوان يجوز بيعه في حياته. # فأما نهيه عليه السلام عن افتراش جلود السباع فإنه عام فيما دبغ وما لم ~~يدبغ فخصصناه بقوله: (إذا دبغ فقد طهر). PageV02P903 # على أنه لا يجوز أن يكون الخبر واردا إلا في جلود السباع التي لم تدبغ؛ ~~لأن المقصود من جلود النمور شعرها، وهي إذا دبغت شعرها، فهي لا تدبغ، وإنما ~~تستعمل غير مدبوغة. # وقولهم إن النبي عليه السلام أقام الدباغة مقام الذكاة، وان الذكاة لا ~~تعمل في السباع غلط علينا؛ لأن الذكاة تعمل في السباع ويستغنيى بها عن ~~الدباغة إلا الخنزير. وأما الخنزير فإنما لم تعمل الدباغة في جلده؛ لأن ~~الذكاة - التي هي أقوى منه، وهي الأصل - لا تعمل فيه، فلم تعمل الدباغة. # وأما قول داود في الانتفاع بجلد الخنزير إذا دبغ، فإنه احتج بقوله عليه ~~السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فعم ولم يخص. # وأيضا فقد قال: (دباغه ذكاته). # فنقول: إن الذكاة في الأصل أقوى من الدباغة والدباغة إما أن تكون بدلا أو ~~فرعا، وإذا لم تعمل الذكاة في جلد الخنزير كانت الدباغة أولى أن لا تعمل. # فإن قيل: فإنه حيوان طاهر - عندكم - ينجس بالموت فينبغي ان تعمل الدباغة ~~فيه كسائر الحيوان الذي ينجس بالموت. PageV02P904 # قيل: أنتم على أصلكم أن الخنزير نجي، فإذا كان نجسا لم تتأت فيه الذكاة ~~فالدباغة أولى. # والفرق - عندنا - بين الخنزير وغيره هو ms295 أن النص ورد بتحريمه، والإجماع ~~حاصل على لمنع من اقتنائه فلهذا لم تعمل الذكاة والدباغة فيه. # وأما الزهري فإنه اعتمد على خبر رواه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، ~~فقال: (ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به)، ولم يذكر فيه فدبغوه، ~~وفي الخبر أنهم قالوا له عليه السلام: إنها ميتة. فقال: (إنما يحرم لحمها)، ~~فلم يذكر فيه الدباغ، فدل على أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ. # ولنا نحن حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام مر بشاة مولاة ميمونة PageV02P905 # فقال: (لا على أهلها لو أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به). فقالوا: إنها ~~ميتة. فقال: (إنما يحرم أكلها)، فإذا كان الزهري الراوي للخبرين أخذنا ~~بالزائد منهما، وهو الذي فيه ذكر الدباغة، وكان أولى أيضا للزيادة ~~ولموافقته الأصول في أن لا تقتني النجاسات ولا ينتفع بها مع الحكم لأعيانها بذلك. # فإن قيل: إذا روى الراوي خبرين، وعمل بأحدهما وترك الآخر وجب أن يرجع ~~إليه فيما عمله فيعمل به ويترك الآخر. # قيل: يجوز أن يكون قد نسي الخبر الآخر الذي فيه الزيادة، أو نسي الزيادة. # ثم إنه يجوز أن يراد به اجتهاده إلى العمل بالخبر الآخر ويترك الزيادة ~~فينبغي أن لا يرجع إلى اجتهاده إذا أمكننا بالزيادة، والله أعلم. # ونقول أيضا: هو جزء من الميتة يتأتى فيه الأكل فأشبه لحمه. PageV02P906 ### | AUTO [41] مسألة # والذكاة تعمل في سائر السباع إلا الخنزير. وإذا ذكي سبع من السباع فجلده ~~طاهر يجوز أن يتوضأ فيه، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ، والكلب منها، وبه قال أبو ~~حنيفة، وأن جميع أجزائه من لحم وجلد طاهر إلا أن اللحم - عنده محرم أكله -، ~~- وعندنا - مكروه. # وقال الشافعي: إن الذكاة لا تعمل في السباع، وإنها إذا ذكيت صارت ميتة لو ~~ماتت. PageV02P907 # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم}، وبين ms296 ~~النبي عليه السلام الذكاة فقال: (الذكاة في الخلق واللبة)، فعم الله - ~~تعالى - PageV02P908 # كل ما ذكي، وبما بين النبي عليه السلام أن الذكاة - التي هي الشق في ~~اللغة - إنما في الشرع في الحلق واللبة لم يخص حيوانا نم حيوان، فهو عام في ~~الأنعام والسباع وغيرها إلا ما خصته الدلالة. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال: (دباغ الأديم ذكاته)، وروي: (ذكاة ~~الأديم دباغه)، فأعلمنا في الخبر الأول أن دباغ الأديم كذكاته، فلولا أن ~~الذكاة تعمل لم يشبه الدباغ بها. وقال: (ذكاة الأديم دباغه)، فأقام الذكاة ~~مقام الدباغ لها، وأنها تعمل عمله، فلما كان الدباغ يعمل في ذلك كانت ~~الذكاة كذلك. # ويدل على ما نقوله: أن الدباغة بدل من الذكاة؛ بدليل أن الشاة الذكية لا ~~يحتاج جلدها إلى دباغ يطهره، وإذا عدمت الذكاة وحل الموت أقيمت الدباغة في ~~تطهير الجلد مقام التذكية، فإذا كانت الدباغة بدلا من الذكاة فهي فرع لها، ~~ومن المحال أن يعمل الفرع ولا يعمل الأصل الذي هو أقوى منه في التطهير. ألا ~~ترى أن التيمم الذي هو بدل الوضوء يبيح الصلاة ويرفع الحدث. PageV02P909 # ولنا أن نقول: هو جلد يطهر بالدباغ فوجب أن يطهر بالذكاة. أصله ما يؤكل لحمه. # فإن قيل: جلد الميتة - عندكم - لا يطهر بالدباغ. # قيل: يطهر ثم صفة الطهارة هي على وجه دون وجه، وعلتنا تنتظم أنه يطهر، ~~وقد صحت، ولنا رواية أخرى أنه يطهر على كل وجه. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة}، وقال عليه السلام: (لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا ميتة؛ لأن الذكاة لا تبيح أكل لحمه فيصير ~~كذبح المجوس والمحرم. # قيل: جميع ذلك دليل لنا؛ لأن الله - تعالى - حرم الميتة واستثنى منها ~~ومما ذكر معها المذكي، فقال: {إلا ما ذكيتم}. معناه: لكن ما ذكيتم؛ لأن هذا ~~من الاستثناء المنقطع، فلما استثنى المذكي صار قوله - تعالى - {إلا ما ~~ذكيتم} خارجا من حكم الميتة، ولو كان ميتة لكان حراما. # وكذلك نقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنتفعوا من الميتة ~~بشيء): ms297 إن PageV02P910 # هذا خارج عن حكم الميتة، داخل في قوله: {إلا ما ذكيتم}، فقد صار لنا من ~~قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة}، ومن قوله عليه السلام دليل الخطاب في ~~أن غير الميتة ليس بمحرم علينا؛ لأن ما عدا المذكور بخلافه. # فإن قيل: الاسم لا دليل له. # قيل: - عندنا - له دليل كدليل الصفة. # فإن قيل: إنها ذكاة لا تفيد جواز الأكل فوجب ألا تفيد الطهارة أصله ذكاة ~~المجوسي، وذكاة الخنزير. وعكسه ذكاة ما يؤكل لحمه لما أفادت جواز الأكل ~~أفادت الطهارة. # قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنها تعمل في لحم السبع، وإنما أكله مكروه، إن ~~أكله إنسان أساء ولم يعص، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة. # وعلى أن أصحاب أبي حنيفة أيضا يقولون لحمها مباح ولكنهه ليس مما يؤكل؛ ~~لأن اللحم - عندهم - طاهر بالذكاة كالجلد. # فأما المجوسي فلا فرق في تذكيته بين ما يؤكل لحمه أو لا يؤكل؛ لأنه ليس ~~من أهل التذكية، ولا تلزمنا ذكاة المحرم للصيد؛ لأنه ممنوع من حال دون حال. ~~ألا ترى أن ذكاته صيدا يؤكل لحمه بمنزلة مالا يؤكل لحمه، وقد اتقنا على أن ~~غير المحرم تعمل ذكاته فيما يؤكل لحمه فجاز أن يعمل في السباع غير الخنزير. # ويجوز أن نقول: السبع والكلب بهيمة يجوز تمليكها بالوصية PageV02P911 # والميراث فأشبها الشاة، ولا يلزم عليها الخنزير؛ لأن تمليكه لا يجوز. # وأيضا فإنه حيوان لا حرمة له أبيح الانتفاع بعينه من غير ضرورة فأشبه الضبع. # ولأنه بهيمة أبيح إمساكه واقتناؤه فأشبه ما يؤكل لحمه. # ولنا أن نفرض المسألة في أن الذكاة تصح في الحمار فنقول: لما جاز أن يطهر ~~جلده بالدباغ أن تعمل فيه الذكاة بالذبح، أصله الشاة والبقرة. # وأيضا فإن الدباغة هي الذكاة الثانبة تقوم مقام الأول في حال الفوات، ~~فإذا جاز أن تؤثر الدباغة في جلد فلأن تؤثر فيه الذكاة أولى. # وأيضا فإن الحمار والبغل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه فأشبه الضبع. # فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود السباع، وهذا ~~عموم، سواء ms298 ذكي أو لا. # قيل: هو محمول على غير المذكي؛ بدليل قوله - تعالى -: {إلا ما ذكيتم}، ~~وبما ذكرناه من القياس. # فإن قيل: فإن الذكاة إخراج روح لا تعمل في إباحة لحمه بحال فوجب أن لا ~~تعمل في تطهيره، مثل ذكاة المجوسي. # قيل: هي تعمل في إباحة لحمه، وإنما نكرهه كما نكره أكل الضبع، وإن كانت ~~الذكة تعمل فيه - عندنا وعندكم -. PageV02P912 # وعلى أنها تعمل في إباحة لحمه أيضا، لأن من اضطر إلى أكل لحم الكلب ~~والحمار جاز له ذبحه وأكله بعد الذبح فقد فسد قولكم. # فأما المجوسي فالمنع في ذكاته لأجل دينه، ولهذا المعنى استوى حكمه فيما ~~يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وفي مسألتنا نرجع إلى المذبوح فالأمر فيه مختلف. ~~ألا ترى أن ذبح ملك الغير بغير إذنه لما كان النهي عنه يعود إلى نفس ~~المذبوح دون غيره لم تمتنع الذكاة فيه، وكذلك النهي متى توجه إلى الآلة، ~~مثل السكين المغصوبة كان أخف منه إذا توجه إلى غيرها، فلم يجز قياس أحد ~~الموضوعين على الآخر، وكذلك المحرم منع من ذكاة الصيد بمعنى فيه من جهة ~~الدين، وفعل غيره أخف من فعله. # فإن قيل: ليست الذكاة من الدباغة في شيء؛ لأن الدباغة تصح ممن لا تصح منه ~~الذكاة، والذكاة تصح في موضع لا تصح فيه الدباغة، والدباغة تصح في موضع لا ~~تصح فيه الذكاة، ويعتبر في الذكاة صفة المذكي والآلة والموضع. # قيل: هذا لا دلالة فيه؛ لأن اختلافهما لا يمنع من تساوي حكم الذكاة ~~والدباغ في حكم جلد ما يؤكل لحمه؛ إذ لا فرق بين أن يذكي ويطهر، وإن مات ~~دبغ وطهر. # ولأن الذكاة على ضربين: أحدهما: في السمك، وهي تحصل بأخذه ولا تعتبر فيه ~~الآلة ولا الموضع ولا صفات الآخذ له، وذلك كله معتبر في الذكاة التي هي ~~الذبح، ولم يكن اختلافهما مانعا من تأثيرهما في إباحة الأكل، فكذلك مخالفة ~~الدباغة للذكاة في هذه الوجوه لا يمنع تساويهما في حكم التطهير، والله ~~أعلم. PageV02P913 ### | AUTO [42] مسألة # شعر الميتة وصوفها ووبرها طاهر - عندنا - وليس ms299 مما يحله الموت، وسواء كان ~~مما لا يؤكل لحمه أو مما يؤكل لحمه، كشعر ابن آدم، وشعر الكلب والخنزير ~~طاهر في الحياة والموت جميعا. # وبه قال أبو حنيفة، ولكنه زاد علينا فقال: القرن والسن والعظم مثل الشعر. ~~قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان. # وقال الحسن البصري والليث بن سعد الأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة، ولكنها ~~تطهر بالغسل. # وعن الشافعي ثلاث روايات: # أحدهما: أن الشعور كلها تنجس بالموت. # والثانية: أنها كلها طاهرة كقولنا. # والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس. PageV02P915 # والدليل لقولنا: كونه طاهرا قبل موت الحيوان، فمن زعم أنه قد انتقل إلى ~~نجاسة فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها بوم ~~ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين}، ~~فمن الله - تعالى - علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم يخص شعر الميتة من ~~الذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. # فإن قيل: لا دلالة لكم في هذه الآية من وجوه. # أحدهما: أنه - تعالى - قرن ذكر الأصواف والأوبار والأشعار بالجلود كقوله: ~~{وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا}، وأنتم لا تجيزون هذا في جلد الميتة، ~~فكذلك في الباقي، فصار المقصود منها إذا ذكيت جاز الانتفاع بالجميع. # ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - قال: {حرمت عليكم الميتة والدم}، اسم للجملة ~~ولكل جزء منها، فوجب أن تكون الجملة وكل جزء منها PageV02P916 # محرما؛ لأنه صريح في الميتة، بل هو عموم فصار ذكر الميتة قاضيا عليها؛ ~~لأنها أخص منها. # وأيضا قوله: {ومتاعا إلى حين}، والحين غير معلوم مدته، فصارت الآية مجملة ~~تفتقر إلى بيان، فلا يصح الاحتجاج بها حتى يثبت تفسيرها. # وأيضا فإن الحين متردد بين زمانين فيكون المراد به حال الحياة إلى حين ~~الممات؛ لأنه يقال: قد حان حينه، إذا جاء الموت، فكأنه قال: ما دامت حياته. # قيل: الجواب عن هذا أيضا من وجوه: # أحدهما: أن قولكم: إنه - تعالى - قرن ذكر الصوف والوبر والشعر بالجلد لا ~~يقدح ms300 في الاستدلال بالعموم، ثم تقوم دلالة على إخراج الجلد. # ثم إنه ينقلب عليكم؛ لأنكم تجوزون الانتفاع بالصوف والشعر في حال الحياة، ~~ولا تجيزونه في الجلد إذا أخذ فيحال الحياة، فنحن وأنتم في هذا سواء. وأما ~~حال الممات فأنتم تدبغون الجلد وتنتفعون به، ولا تنتفعون بالصوف والشعر، ~~فقد فرقتم بين ذلك وبين الجلد في الحياة والممات وإن كان الله - تعالى - قد ~~امتن بهما جميعا، وقد اتفقنا جميعا على جواز الانتفاع بالجميع مع الذكاة، ~~والانتفاع بالصوف والشعر دون الجلد في الحياة، وبقيت حال الممات فأجزتم ~~الانتفاع بالجلد إذا دبغ ومنعتم من الصوف والشعر، وأجزنا نحن الانتفاع ~~بالشعر والجلد في الحال التي امتن الله - تعالى - علينا؛ لأن الجلد PageV02P917 # إذا دبغ جاز أن نتخذ منه بيوتا نستخفها يوم ظعننا ويوم إقامتنا، وإنما ~~تمنع من بيعه على إحدى الروايتين كما تمنعون من أكلة، وننتفع بالصوف والشعر ~~كما كنا ننتفع به في حال الحياة، وصرنا أسعد منكم؛ لأن الامتنان من الله - ~~تعالى - لم يفرق فيه بين الحياة والموت، وصار المباح من الآية الانتفاع ~~بالجلد في حال الذكاة، وبالدباغ في الموت، وحصل الانتفاع بالصوف والشعر على ~~كل حال في الحياة والذكاة والموت، كما جاز الانتفاع به في حال الحياة وإن ~~لم يجز ذلك في الجلد، فيكون هذا أبلغ وأعظم في الامتنان لكثرة المنفعة به. # وقولكم: إن الميتة تتناول الجملة وكل منها، وأنه نص في ذكر الميتة، ولا ~~ذكر للميتة في الآية الأخرى، وأن تخصيص الميتة يقضي عليها فإننا نقول: إن ~~قوله - تعالى -: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} تخصيصا لذكر الصوف ~~والشعر، وليس في ذكر الميتة تخصيص لذلك، فقد حصل معنا خصوص في ذكر الصوف ~~والوبر والشعر، وحصل في الآية التي معكم خصوص ذكر الميتة، فصار خصوص آيتكم ~~يقضي على عموم آيتنا، وخصوص آيتنا يقضي على عموم آيتكم، فننظر أينا أولى. ~~فوجدنا النص ورد بذكر الصوف والوبر والشعر الذي فيه اختلفنا، وليس في آيتكم ~~ذكره صريحا، والخلاف حاصل في الشعر هل يحله الموت أو لا؟، فاستعمالنا أولى. # ويقوي استعمالنا ms301 أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما قطع من حي PageV02P918 # فهو ميت لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وأن الشعر إذا قطع في حال الحياة ~~فليس بميت، ويجوز الانتفاع به، فإذا كان طاهرا في الحال التي لو قطع فيها ~~الجلد كان نجسا فطهارته وجواز الانتفاع به في الحال التي يجوز فيها ~~الانتفاع بالجلد إذا دبغ أولى. PageV02P919 # وقولكم: إن الحين يصير في حيز المجمل ليس كذلك؛ لأن الناس اختلفوا في ~~الحين. فقال بعضهم: هو سنة؛ لقوله - تعالى -: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ~~ربها}، وقال بعضهم: هو عموم في كل زمان، فلا يسقط التعليق به، وإنما أراد ~~الله - تعالى - بقوله: {ومتاعا إلى حين} أي أنكم تنتفعون به مدة من الزمان، ~~ولكنه لم يعينه؛ لأن استعمال الناس له يختلف على حسب حاجتهم إليه، ويختلف ~~فيما له يستعمل أيضا، ولو قال - تعالى -: إني جعلت لكم ذلك لتنتفعوا به ~~كلما احتجتم إليه لما صار هذا في حيز المجمل. ألا تراه قال: {تستخفونها يوم ~~ظعنكم ويوم إقامتكم}، وليس لظعننا ولا إقامتنا وقت معلوم، فليس هذا في حيز ~~المجمل. # وقولكم: إن الحين يتردد بين زماننين فنصرفه إلى حال حياة الأنعام حتى ~~يحين الموت فإنه غلط؛ لأنه الله - تعالى - امتن علينا باستعماله، ولم يفرق ~~بين حياتنا نحن أو حياة الأنعام، فيجوز أن نستعمله إلى أن نموت نحن، كما ~~يجوز استعماله إلى موت الحيوان. # وعلى أنه أيضا من وجه آخر؛ لأن قولكم يدل على أننا إذا جوزناه في حال ~~الحياة فلا نستعمله إلا ما دام الحيوان حيا حتى إذا مات لم نستعمله، وهذا ~~لا يقوله أحد. PageV02P920 # وعلى أننا لا نسلم أن الصوف والشعر يقع عليهما اسم ميتة حقيقة وإن تناول ~~الجملة فإنما يتوجه إلى اللحم والجلد والعظم. # فإن قيل: قد يقول الإنسان: رأيت ميتة، وإنما رأى الشعر الحائل. ويقول: ~~مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر، فدل ذلك على أن الميتة يتناول الجمع. # ويدل على أن الميتة اسم لجميع الجملة: أن الجملة إذا فرقت لا يقال لها ~~ميتة، ms302 وإنما يقال: لحم الميتة، وجلد الميتة، ورجل الميتة، فدل على ما ~~ذكرناه. # قيل: أما قول الإنسان: رأيت الميتة، وإنما رأى الشعر الحائل، ويقول: مسست ~~الميتة، ولم يمس إلا الشعر فإنه لا يدل على حقيقة. ألا ترى أنه لو رآها ~~مسلوخة من الجلد جاز أن يقول: رأيت الميتة، ولو مسها مسلوخة قال: مسست ~~الميتة، وفي الحقيقة لو مس الشعر دون الجلد لقال: مسست شعر الميتة، وإنما ~~الحقيقة تتناول الجملة سواء كان عليها شعر أم لا. # فإن قيل: ما ذكرتموه من المساواة في استعمال الآيتين من قوله - تعالى -: ~~{ومن أصوافها وأوبارها} فلنا نحن الترجيح؛ لأن آيتنا في ذكر الميتة قصد بها ~~بيان الأعيان المحرمة، وآيتكم قصد بها الامتنان وعدد النعمة علينا، ~~والآيتان إذا تقابلتا وقصد بأحدهما تحريم العيان التي وقع فيها الاختلاف ~~وقصد بالأخرى غير ذلك، كان ما قصد به بيان التحريم والتحليل أولى، كما نقول ~~في قوله - تعالى -: PageV02P921 # {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم}، وفي قوله - تعالى -: {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع} كل واحد منها عام من وجه خاص من وجه، فكان ~~تقديم قوله - تعالى -: {حرمت علكم أمهاتكم} أولى؛ لأنه قصد بها بيان ~~الأعيان المحرمة، وقصد بقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} بيان العدد ~~الذي يحل ولا يحل. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة} يفيد تحريم ما يموت، ~~والشعر لا يحله الموت، وإنما ينقطع نماؤه بموت ما يموت فلم نسلم لكم أن ~~الشعر ميتة. ألا ترى - تعالى - استثنى في الميتة فقال: {إلا ما اضطررتم ~~إليه}، والضرورة تدعو إلى أكل الميتة، والشعر لا يؤكل، فثبت أن الميتة اسم ~~لما عدا الصوف والشعر، وحصل النص في الامتنان بالصوف والشعر عاما، فلا يقضي ~~عليه، فلا يخصه ذكر الميتة. # والجواب الآخر: هو أن الامتنان أيضا يقع بالانتفاع بالأعيان كما يقع ~~تحريمها، فما أمكننا أن نحس موضع النعمة والمنة فهو أولى، وقد بينا أن ~~المنة في سعة استعماله أولى، يشهد لما قلناه: التفرقة بينه وبين الميتة في ~~حال ms303 حياة الحيوان فإن الشعر ينتفع به، وجلد الحية لا ينتفع به، وهو ميتة، ~~والمنة في الشعر قد أباحته بخلاف الجلد، ولم يقضوا PageV02P922 # بتحريم الجلد الذي هو ميتة في حياة الحيوان على الشعر الذي حصل به ~~الامتنان، فكذلك لا يقضي بتحريم الميتة في حال الموت على الشعر الذي وقع ~~الامتنان به. # ويدل على صحة قولنا أيضا: ما روي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس ~~بصوفها ووبرها وشعرها إذا غسل بالماء)، وهذا نص، فسقط معه كل ظاهر وقياس، ~~وقوله عليه السلام: (لا بأس) أي لا ضيق ولا حرج. # فإن قيل: هذا الحديث لا يصح، ولو صح لكان السؤال عليه م وجهين. # أحدهما: أن قوله عليه السلام: (لا بأس) لا يفيد الطهارة ورفع النجاسة كما ~~روى البراء بن عازب أن النبي عليه السلام قال: (لا بأس ببول ما أكل لحمه). PageV02P923 # والوجه الآخر: أن النبي عيه السلام إنما حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل. ~~وهذا معنى غير معتبر - عندنا وعندكم - لأنه - عندنا - لا يطهر بالغسل، و - ~~عندكم - لا يفتقر إلى الغسل، وقد جعل عليه السلام من شرطه الغسل. # قيل: أما قولكم: إن الحديث لا يصح دعوى بلا برهان فلا يسمع. # وقوله عليه السلام: (لا بأس ببول ما أكل لحمه) فكذلك نقول أيضا، فلا فرق ~~بين الموضعين. # وقولكم: إن النبي عليه السلام حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل، وأنه PageV02P924 # لا يفتقر إلى الغسل - عندكم - فإننا نقول: إنما ذكر الغسل على طريق الندب ~~تنظفا لما يحدث من الحيوان عند موته، والمقصد إعلامنا جواز استعماله، وأنه ~~طاهر في نفسه، ولا ينجسه الموت. # ويدل على صحة قولنا: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه ~~السلام مر بشاة مولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذها إهابها ~~فدبغوه فانتفعوا به). فقالوا: إنها ميتة. فقال: (إنما حرم أكلها)، وروي: ~~(إنما حرم لحمها)، فلم يحرم منها غير ما يؤكل، والشعر لا ms304 يؤكل، ولو كان في ~~الشعر روح لوجب أن لا يستباح أخذه إلا بالذكاة، كالجلد واللحم وغيرهما، فما ~~أجمعنا على أنه لو أخذ من حيوان يؤكل لحمه في حال حياته كان طاهرا من غير ~~تذكية علم أنه لا روح فيه. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال: (ما قطع من حي - وهو حي - فهو ميتة)، ~~فلو كان الشعر فيه روح لوجب إذا جز مما يؤكل لحمه في حياته أن يكون ميتا ~~نجسا، وهم لا يقولون إنه ميت، بل يقولون مثل قولنا إنه طاهر، فدل على أنه ~~لا روح فيه. # فإن قيل: فإن الصوف والشعر إذا قطع من حي يؤكل لحمه في حال حياته فإن ذلك ~~ميتة، فإن لم يكن نجسا فقوله عليه السلام: (فهو ميت) PageV02P925 # صحيح لا بدل على تنجيسه. ألا ترى أن السمك ميت وليس بنجس. # قيل: فينبغي أن يكون جلد الحي إذا قطع منه ميتا ولا يكون نجسا، وإنما ~~أراد عليه السلام أن الذي يقطع من الحيوان في حياته يكنن ميتا كما لو مات ~~الحيوان؛ بدليل الجلد، فإذا كان الشعر يسمى ميتا كان مثل الجلد. # فأما السمك فلو قطع جلده أو بعض لحمه وهو حي فإنه بمنزلته لو مات لا فرق ~~بين حياته وموته، فلما تقرر أن الجلد من الشاة لو قطع في حياتها لكان ميتا ~~نجسا كان كذلك في موتها، كان الشعر إذا قطع منها في حياتها لم يكن ميتا ~~نجسا كان كذلك في موتها. # فإن قيل: خبر شاة مولاة ميمونة حجة لنا؛ لأنه عليه السلام بين حكم الجلد ~~بأنه إذا دبغ انتفع به، وأعرض عن غيره؛ لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بشيء من ~~هذه الجملة إلا بالجلد حسب دون غيره، لاسيما على مذهب من يقول: إن الشعر ~~طاهر، فهو في الحال مال عنده، ولم يبين حكمه، فدل على ما ذكرناه. # قيل: النبي عليه السلام بين حكم الجلد الذي الشعر والصوف عليه فقال: (هلا ~~أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به)، فعلم أنه أباح الجلد والشعر جميعا، فلما ~~قالوا له: إنه ms305 ميتة، علم أن الجلد ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها) إشارة إلى ~~الجلد الذي يتأتى فيه الأكل، وإلى اللحم PageV02P926 # أيضا وبقي الجلد والشعر الذي عليه على جملة الانتفاع بقوله: (ألا انتفعوا ~~به)، فلم يحتج إلى بيان ثان. # وليس قوله عليه السلام: (إنما حرم أكرها) بيانا لحكم الانتفاع بها؛ لأنه ~~قد تقدم، وإنما هو بيان لحكم الأكل، وأنه محرم دون الانتفاع به. # ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رجلا سأل النبي ~~عليه السلام عن الصلاة في الفرا. فقال: (أين الدباغ؟)، ومعلوم أن الدباغ ~~يؤثر في الجلد حسب، فكان حكم على أصل طهارته # ويجوز أن نقول: هو شعر منفصل من عين يجوز الانتفاع بها على وجه من غير ~~عذر فأشبه الحي منها. # ونقول أيضا: إن الذي ينجس بالموت في حين اتصاله بالحيوان فإن انفصاله منه ~~في حال حياته بمنزلته. دليل ذلك: سائر أبعاضه، PageV02P927 # فلما كان الشعر يفارق سائر أبعاضه في حال حياته فارق سائر أبعاضه في حال ~~مماته. ألا ترى أنه لو قطع عضو منه في حال حياته كان بمنزلته في حال مماته، ~~فعلم مخالفة الشعر لسائر أبعاض الميتة. # وأيضا فإن تأثير الموت في الجلد الذي هو محل الشعر أبلغ من تأثيره في ~~الشعر. ألا ترى أنه في إبطال الحسن منه، ووصول الألم إليه، وتوكد الإجماع ~~في تحريمه. # فإذا لم يوجب نجاسة الشعر في الحال التي فيها ألم الجلد فلأن لا ينجس في ~~حال انقطاع الحس عن الجلد الذي هو محل الشعر أولى. # وأيضا فإن صفة الشعر في نفسه لما لم يتغير بموت الأصل عما كان عليه لم ~~يعتبر نفس انقطاع النماء فيه، دليله: الجنين لما كان باقيا على حالته لم ~~يكن انقطاع النماء موت الأصل مانعا نم طهارته. # فإن قيل: الجنين في وعاء، والشعر على عين نجسة. # قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الشعر على وهاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل انقطع ~~نماؤه من الأصل، والجنين في وعاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل منه انقطع نماؤه ~~من الوعاء فإذا ms306 انفصل من الأصل في حياته فهو كانفصال الشعر منه والنماء ~~منقطع عنهما جميعا من الأصل. # ويجوز أن نجعل الجنين أصلا فنقول: هو عين ينفصل في حال حياة الأصل فيحكم ~~بطهارتها، فكان انفصالها بعد الممات على تلك الصفة وفي حكمها، وهذا المعنى ~~موجود في الشعر. PageV02P928 # وأيضا فإن وقوع الفعل في نفس الجنين لا يؤثر في إيلام الأصل، فأشبه من ~~هذا الوجه الشعر فوجب أن يتفقا في الحكم. # ونقول أيضا: قد اتفقنا على أن صوف الحي من الأنعام وشعره طاهر فكذلك إذا ~~مات؛ بعلة أنه متصل بحيوان لو قطع جلده لكان نجسا. # فإن قيل: فإنه متصل بذي روح ينمو بنمائه فوجب أن يكون فيه روح، أصله ~~الجلد واللحم. أو نقول: فوجب أن ينجس. أو نقول: فوجب أن يموت بموت ذاته. # واحترزوا بقولهم: متصل بذي بوح من الجنين، وهو ينمو بنماء أمه، ولا ينجس ~~بموتها؛ لأنه ليس متصل بذي روح، وإنما هو في وعاء. # وقولهم: ينمو بنمائه احتراز إذا جف بعض بدنه أو أصابه شلل هو متصل بذي ~~روح ثم لا روح فيه، ولا ينجس أيضا بموته؛ لأنه لا ينمو بنمائه؛ لأنه إذا ~~سمن لم يسمن موضع الشلل. # قيل: إن الشعر ليس بجزء من الأصل ولا هو من أبعاضه وإن كان متصلا به، ولو ~~كان في حكم الأجزاء لنجس بقطعه في حياة الأصل مثل سائر أجزائه، ولكان يؤلم ~~أخذه ويحس به كما يوجد ذلك في سائر أبعاضه من غير آفة به. # ولو صح هذا لكان الأولى أن يحكم بنجاسة الولد؛ لأنه متصل بأمه، ويعتق ~~بعتقها ويصير مذكى بتذكيتها - عندنا وعندهم -. # وقولهم: ينمو بنمائه فاسد؛ لأن النماء قد يحصل مع انقطاع نماء الحي، ولا ~~يفسد بموته في العادة الجارية. على أن سائر الأعضاء من اللحم الجلد حجة ~~لنا؛ لأنها لما كانت تنجس بالموت كان كذلك حكمها PageV02P929 # إذا انقطعت في حال الحياة، ولما كان الشعر ينفصل في حال الحياة ولا يحكم ~~بنجاسته كان انفصاله بعد الموت كذلك، مثل الجنين. ولا يلزمنا شعر الكلب ~~والخنزير؛ لأنه ms307 طاهر في الحياة والموت - عندنا -. # فإن قيل: فإن كل ما كان مضمونا من الصيد بالجزاء كأنه فيه روح، أصله ~~اللحم والجلد وتأثيره عندي، وعكسه دمعه وبوله لما لم يكن فيه روح لم يضمن ~~بالجزاء. # قيل: لا جزاء - عندنا - في أبعاض الصيد، وإنما الجزاء في إتلاف الصيد ~~جملة سواء كان عليه شعر أو لا فلا يلزم ما ذكرتموه على أننا قد ذكرنا ~~قياسات هي أولى من كل قياس؛ لاستمرارها في الشعر سواء قطع من حي متفق عليه ~~أو ميت، ويطرد لنا في شعر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه إذا ثبت أنه لا ~~روح فيه لم يختلف حكمه. # فإن قيل: قولكم: إن الشعر لا روح فيه ولا يموت غلط؛ لأنه ينمو بنماء ~~الحياة حتى إذا عدم لم ينم. # قيل: النماء لا يدل على أن في الشعر حياة؛ لأن الذي فيه الحياة من ~~الحيوان يلحقه الألم؛ ويحس إذا قطع ولا آفة به، والشعر إذا قطع لم يؤلم. # فإن قيل: فإن الجلد الغليظ في العقب به آفة فزال الألم منه PageV02P930 # بعد أن كان موجودا فيه، فهو كاليد الشلاء، والشعر على كل حال بمنزلة ~~واحدة لا يتعير، ألا ترى أن عقب الصبي ومن هو مترف يألم كما خلق، وشعر ~~الصغير والكبير والمترف على صفة واحدة. # فإن قيل: فإن الظفر يقص ولا يؤلم كالشعر، ومع هذا فإن الظفر فيه حياة، ~~وينجس بالموت. # قيل: الظفر لا حياة فيه غير أن أصله يسقيه الدم كالريش، فهو ينمس كما ~~ينمي الشعر، ولكن الشعر لا تسقي أصوله الدم. # فإن قيل: فإن الرجل الخدرة، ومن شرب البنج، والجنون لا حس لهم ولا ألم، ~~ولم يدل على أنه لا يحكم لهم بحكم الحي، فكذلك الشعر. # قيل: إن الرجل الخدرة كان الألم فيها مخلوقا موجودا، ثم قد تعود إذا زال ~~الخدر، وليس كذلك الشعر. # وأما المجنون والسكران فبهذه المنزلة، على أنهما يحسان، وإنما تذهب ~~عقولهم فلا يميزون، والشعر ينمي بنماء الحي لاتصاله به، كما ينمي النبات ~~باتصاله بالأرض. # فإن قيل: إن ms308 في الأرض حساة، قال الله - تعالى -: {أحييناها}. # قيل: لا يقال فيها روح، فعلم أن ذكر الحياة فيها مجاز، وإنما شبهت بما ~~فيه الحياة. ألا ترى أن الله - تعالى - قال في الزرع إذا PageV02P931 # هلك: {ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما}، ولم يقل: إنه يموت. وإنما نحن ~~نقول ذلك مجازا، وحقيقة الموت إنما هو فيمن له روح وليس في الأرض ولا في ~~الزرع روح. # فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتفعوا من ~~الميتة بشيء)، وهذا عام في جميعها. # قيل: قد ذكرنا أن حقيقة الميتة لما فيه روح فعدمت منه، وذلك لا ينتفع منه ~~بشيء إلا بدليل. ثم لو تناوله العموم لجاز أن يخص كما خص الجلد بالدباغ، ~~وكما جاز استعمال الشعر في حال الحياة، وقد ذكرنا ما يخص ذلك. # فإن قيل: فإن اللبن يؤخذ في حياة الحيوان فيكون طاهرا، ثم إذا مات ~~الحيوان وهو فيه نجس، فكذلك الشعر. # قيل: إنما نجس اللبن إذا مات الحي؛ لأنه يحصل بالموت في وعاء نجس لا أنه ~~نجس بموت الحي، وليس كذلك الشعر. ونظير البن وحصوله في وعاء نجس أن يتلوث ~~الشعر بالدم أو يحصل فيه فإنه يغسل، واللبن مائع ينجس بكونه في الوعاء ~~النجس، ولا يمكن غسله. # فإن قيل: فإن الشعر والصوف جزء متصل بالبدن مشاهد، له مدخل في الطهارتين ~~الأعلى والأدنى، فيلحقه حكم الحياة والموت كالجلد. # قيل: إن الشعر المتدلي من اللحية والرأس مثل الضفائر لا مدخل PageV02P932 # له في الوضوء فلا يلحقه حكم التطهير. على أن ثمرة هذا القياس ونتيجته أن ~~الشعر إذا مات نجس فلم يجز استعماله، كالجلد واللحم وهذا فاسد؛ لأنه يوجب ~~إذا قطع من الحي أن يكون كذلك فينبغي أن يكون نجسا كالجلد، فلما جاز ~~الانتفاع به إذا أخذ في الحياة - وهو مع هذا طاهر - سقط ما قلتموه مع ~~استواء حكمهما في الطهارتين. # على أن داخل العين لا مدخل له في الطهارتين، وهو يلحقه حكم النجاسة، فعلم ~~أنه لا تعلق لأحدهما بالآخر، وكذلك ما ms309 ستره الشعر لا يلحقه حكم التطهير - ~~عندنا -، وهو ينجس بالموت، فلم يكن أحدهما علة في الآخر. # ثم لنا أن نعكس عليهم فنقول: لما كان الشعر يلحقه حكم الطهارتين وجب أن ~~يتفق حكمه في انفصاله في الحياة والموت، دليله تساوي سائر الأجزاء في ~~الحياة والموت. # فإن قيل: رأينا الجلد له حالتان: إحداهما: تمكن الانتفاع به فيها، وهي ~~الذكاة، والأخرى: يمتنع الانتفاع به فيها، وهو إذا قطع منها في حياتها، ~~فالشعر المضموم إليه مثله بحق القرآن، فينبغي أن يجوز الانتفاع به في ~~حالتين، هما: واحدة في حياة الحيوان، والأخرى في الذكاة. # قيل: هذا فاسد؛ لأنه كان ينبغي أن لا يجوز استعماله إلا في الحال التي ~~يجوز فيها الانتفاع بالجلد، لأنه مضموم إليه، فلما جاز PageV02P933 # الانتفاع به في الحال التي لا يجوز استعمال الجلد فيها، وهو إذا أخذ في ~~حال الحياة، كذلك يجوز الانتفاع به في حال الممات، وهي حال يكون الجلد فيها ~~نجسا كالحياة. # وأيضا فإن الشعر يحدث في الحيوان بعد وجود الحيوان، فهو كالولد يحدث فيه ~~وأجزاء الحيوان موجودة في الخلقة قبل حدوثه، ولا يجوز أن يقال: إن الشعر ~~يجب قطعه الغرم والضمان كالأجزاء؛ وذلك أن وجوب الغرم لا مدخل له في حكم ~~النجاسة والطهارة. ألا ترى أن ما لا قيمة له في الأشياء الطاهرة لا يجب به ~~ضمان، وما له قيمة من النجس يتعلق به الضمان، فصار هذا الكلام لغوا؛ لأن ~~قائلا لو قال: لما جاز أن تكون الأجزاء مغصوبة جاز أن تلحقها النجاسة لكان ~~ذلك لغوا. # وأيضا فإن تساوي الشعر والأجزاء في الضمان لما لم يوجب تساويهما في حال ~~الحياة في النجاسة والطهارة وجب أن يكون كذلك بعد الموت، فكل فرق يفرقون به ~~بين الأمرين فهو فرقنا في السؤال. # فإن قيل: لما كان تحريم الميتة يعم سائر المسلمين غير المضطرين، كما أن ~~تحريم الصيد يعم جميع المحرمين غير المضطرين، ثم لو كان أحد التحريمين ~~يتعلق بجميع أجزائه من الصيد فوجب أن يكون كذلك حكم الأجزاء في الميتة. # قيل: هذه ms310 دعوى لم تجمعوا بينهما بمعنى فلا تقبل إلا بدليل. # وأيضا تعليل بحكم مجهول؛ لأن أحد التحريمين يعود إلى إتلاف، وهو صيد ~~المحرم، والتحريم في الميتة يعود إلى نجاستها، وإلى بطلان PageV02P934 # الصلاة معها، فقولكم: إن أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من غير أن ~~تبينوا حكم التحريم وكيفيته تعليل بمجهول، وهذا غير صحيح. # وعلى أن هذا منتقض بالحيوان في حياته؛ لأن تحريم سائر أجزائه يعم سائر ~~المسلمين غير المضطرين، لأنه ما قطع منه فهو حرام ولم تستو أجزاؤه وما هو ~~متصل به من صوفه وشعره، فكذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق. PageV02P935 ### || AUTO فصل # فأما عظم الميتة وسنها وقرونها وريشها فهو - عندنا - نجس، وكذلك عظم ~~الفيل ونابه، فإن ذكي فهو طاهر بناء على أصلنا في أن الذكاة تعمل في جلود ~~السباع ولحومها. # وقال أبو حنيفة: عظام الميتة وسنها وقرونها وريشها طاهر، وكذلك عظام ~~الفيل، بناء على أصله أنه لا حياة فيها، وأن الذكاة تعمل في السباع وتطهرها ~~وإن كانت نجسة في حياتها، فسواء ذكيت أو ماتت فإن العظام طاهرة؛ لأنه لا ~~روح فيها. # ووافقنا الشافعي على أن عظام الميتة نجسة وقرونها وسنها، وإنما خالفنا في ~~صوفها ووبرها وشعرها، وقد مضى الكلام معه في ذلك، وخالفنا في أن الذكاة لا ~~تعمل فيما لا يؤكل لحمه وقد مضى الكلام عليه. PageV02P937 # والدليل لقولنا وقول الشافعي على أبي حنيفة في أن عظام الميتة نجسة: قول ~~النبي عليه السلام: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء ~~منها إلا ما قام دليله. # فإن قيل: ليس العظم منها فلا يتناوله اسم ميتة. # قيل: عن هذا أجوبة. # أحدهما: أن اسم الميتة يقع على جملتها والسن فيها. # وأيضا: ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن الفيل، وقال: إنه ~~ميتة، وهذا تعليل منه فكأنه قال: لأنه ميتة. PageV02P938 # وأيضا: فإن الله - تعالى - قال: {من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة}، وقال: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما}، وقال: {أءذا كنا ms311 عظما نخرة}، وقال: {فكسونا العظام لحما}، فالأصل هو ~~العظام، والروح والحياة فيها كما هي في اللحم والجلد. # وأيضا: يألم كما يألم اللحم والجلد. # فإن قيل: القرن يقطع فلا يألم، ويتبرد السن فلا يألم، وكذلك الريش. # قيل: يجوز أن يكون الظفر والسن والقرن والريش لا روح فيه غير أن أصله ~~يسقيه الدم، فهو بخلاف الشعر والصوف، وأما العظم الذي تحت اللحم فإنه يؤلم ~~كما يؤلم اللحم. # ولنا أيضا قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة}، وهذا عام فيها وفي كل ~~جزء منها إلا ما قام دليله، وقد بينا أن العظم يموت ويدخله الحياة بقوله - ~~تعالى -: {من يحيي العظام وهي رميم}، وبما تقدم ذكره. PageV02P939 # وأيضا فإن العظم يتأتى أكله كاللحم والجلد، فلما اتفقنا على أنه لا يؤكل ~~مع تأتي الأكل فيه، دل على أنه كاللحم والجلد. # قيل: هذا غلط؛ لأن العظم يؤكل، وخاصة عظم الحمل الرضيع والجدي والفرخ ~~والطير وغير ذلك، وعظم الكبير يشوي ويؤكل، ويتأتى فيه الأكل، وليس كالصوف ~~والشعر. # ويجوز أن نحرز قياسنا فنقول: قد اتفقنا على أن لحم الميتة نجس إذا أخذ في ~~حياتها أو موتها، وكذلك العظم الذي تحت اللحم بعلة أنه لو قطع في حياتها ~~لكان نجسا. # أو نقول: هو جزء متصل بذي روح قد اكتسى جزءا منها، فهو كاللحم الذي اكتسى ~~جزءا منها، وهو الجلد، فكذلك العظم قد اكتسى جزءا من الحيوان وهو اللحم، ~~فوجب أن يكون نسجا كاللحم، ولا يلزم على هذا السن والقرن والريش؛ لأنه لم ~~كتس جزءا من الحيوان، وبالله التوفيق. PageV02P940 ### | AUTO [43] مسألة # قد مضى الكلام في طهارة الكلب وسائر الحيوان، وأن غسل الإناء منه تعبد، ~~ولكنه لا يقتصر في غسله إذا أريد استعماله عن سبع مرات، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: غسله كغسل سائر النجاسات، ويعتبر في إزالته ما يغلب على ~~ظنه، فإن غلب على ظنه أن قد زال بالمرة الواحدة لم يفتقر إلى غيرها، وإن لم ~~يزل بالواحدة فلابد من غسله حتى يغلب على ظنه إزالته، ولو كان عشرين مرة؛ ~~لأنه - عندهم ms312 - نجس. هذا الذي يناظرون عليه في هذا الوقت، وقد كان شيوخهم ~~فيما مضى يختلفون، فيقول بعضهم: الواجب مرة واحدة، وما زاد عليها مستحب. ~~وبعضهم يقول: يغسل ثلاثا. PageV02P941 # وقال أحمد: يغسل ثماني مرات الثامنة بالتراب. # ومن يقول إنه نجس يقول: إن غسله فرض، - وعندنا - أنه طاهر فغسله عبادة ~~مسنونة، والكلام في العدد. # واستدل أصحاب أبي حنيفة بما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا)، وهذا ~~نص؛ لأنه خيره بين ذلك، ولم يوجب السبع. PageV02P942 # وأيضا فقد روى أبو هريرة أنه قال: (يغسل من ولوغه ثلاثا)، ولا مخالف له ~~في الصحابة. # ولأنه إزالة نجاسة فلا يكون من شرطه العدد كسائر النجاسات. # وأيضا فلو كان العدد من شرطه لوجب إذا طرح الإناء في ماء كثير أن لا ~~يطهر؛ لأنه لم يوجد العدد، فلما قلتم: إنه يطهر علم أن العدد ليس من شرطه. # والدليل لقولنا: ما رواه مالك وسفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج ~~عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ~~فليغسله سبعا)، وهذا أمر يقتضي وجوب السبع. PageV02P943 # وروى أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام ~~قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحد فليغسله سبعا أولهن أو آخرهن بالتراب)، ~~فأوجب السبع، على أن يكون أحدهما بالتراب. # وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: (طهور إناء أحكم إذا ولغ فيه ~~الكلب إن يغسله سبعا أولهن وآخرهن بالتراب)، فعلق عليه السلام الطهارة التي ~~تنقله من منع استعماله إلى جواز استعماله بالسبع، وإذا تعلق الحكم بالسبع ~~لم يكف دون السبع، ومن علقه بدون السبع يكون ذلك نسخا؛ لأنه يمنع من تعلقه ~~بالسبع، والنسخ لا يكون بخبر محتمل ولا بقياس. # فإن قيل: على هذا نحن نقول إن السبع واجبة ويتعلق التطهير بها، وهو إذا ~~غلب على ظنه أن الإناء لم يطهر بدون السبع. # قيل: عنه جوابان: # أن ms313 الإناء - عندنا - ليس بنجس فيغلب على ظنه طهارته أولا. PageV02P944 # والجواب الآخر: هو أن هذا لا يظنه عالم؛ لأن الذي يغلب على الظن أنه لم ~~يطهر إنما يكون في مرة واحدة أو مرتين وأكثر الثلاث، فأما أن يغلب على ظن ~~أحد الإناء إذا غسل ست مرات أن النجاسة - التي ليس بعين قائمة - لم تزل ~~فهذا محال. # وأيضا فإنه لو كان تعلقه بذلك - لأنه قد يغلب على ظنه أنه لم يطهر بما ~~دون ذلك - لم يجعله محدودا في الشرع لا يرجع فيه إلى غلبة الظن، وما كان ~~الأمر فيه معلقا على غلبة الظن لم يكن محدودا؛ لأن الحد في المظنون ما يحده ~~الظان لا الشرع، كما نقول والجميع في التقويم: إن الأمر لما كان فيه معلقا ~~على غلبة الظن لم يكن للقيمة حد في الشريعة، وإنما هو على ما يحده الظان. # فإن قيل: إن الراوي إذا روى خبرا وفسره رجع فيه إلى تفسيره، وقد قال أبو ~~هريرة: يغسل ثلاث، فلا يخلو أن يكون علم النسخ لما PageV02P945 # زاد على الثلاث، أو عقل ذلك من لفظ النبي عليه السلام، وقد روى أيضا ~~التخيير بين الثلاث والخمس والسبع. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن قول الراوي حجة عليكم؛ لأنه اعتبر عددا، وأنتم لا تعتبرونه. # والجواب الآخر: أننا لا نقبل قول الراوي في التخصيص والنسخ، كقول ابن ~~عباس: إن بيع الأمة طلاقها، وإنما يقبل قوله في لفظ محتمل يجوز أن يكون ~~المراد به شيئا، ويجوز غيره. فإذا فسر الراوي أن المراد به أحدهما رجحنا ~~قوله، وفي هذا الموضع قول أبي هريرة أفتى رجلا بعينه فيحتاج أن يعرف خبر ~~ذلك الرجل، وكيف كانت حاله، فلعله كان مضطرا إلى استعمال ذلك الإناء لشيء ~~لابد منه، ولم يقدر من الماء إلا على ما يكفيه ثلاث مرات، أو غير ذلك مما ~~تدعو إليه الضرورة، أو لعله أراد أن يعلمه أن غسله ليس بفرض على ما نقوله ~~في طهارة الكلب، وأن الإناء طاهر، وأنه مسنون غسله، ونحن نقول: المسنون ~~غسله بالعدد ms314 الذي هو سبع مرات، فيصير الكلام معتلا PageV02P946 # في هذا الأصل، فلا ينبغي أن يترك ما نص عليه من العدد بمثل هذا المحتمل. # ونقول أيضا: هو عدد شرط في موضع تطهير لم يبين لنا الشرع فضل بعضه على ~~بعض فوجب أن يستوفى العدد فيما ورد، أصله غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء. # أو نقول: هو عدد قد تعبدنا به ورد الأمر به لم يبين لنا فضل بعضه على بعض ~~فوجب أن يستوفى عدد الذي ورد فيه، أصله عدد رمي الجمرة. # ولا يلزم على هذا تكرير الغسل في الوضوء لأن النبي عليه السلام بين فضل ~~المرة الثانية، وأن الأولى هي الفرض. # ولا يلزم عليه أحجار الاستنجاء؛ لأن الفرض منه إزالة عين النجس، وليس في ~~الإناء نجاسة - عندنا -. # ولا يلزم عليه غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم؛ لأنه ليس بواجب فرضا ولا ~~سنة، وإنما هو مستحب. # ونقول أيضا: لما ثبت المنع من اقتناء الكلب على وجه حتى غلظ في إراقة ~~الماء من ولوغه اقتضى زيادة عدد فيما طريقه العبادات يتخصص به، فإذا زاد ~~على الثلاث الذي قد دخلت في الوضوء وغيره فليس إلا الشرع. # وأما ما رواه أبو هريرة من قول النبي عليه السلام: (فليغسله ثلاثا أو PageV02P947 # خمسا أو سبعا) فهو حجة لنا من وجهين. # أحدهما: أنه عليه السلام اعتبر العدد وهم لا يعتبرون العدد. # والثاني: أنه خير بين الثلاث والخمس والسبع، والمخير بين ثلاثة أشياء متى ~~أتى بواحدة منها كان ذلك واجبا كالكفارة، فيقتضي أنه إذا أتى بالسبع كانت ~~السبع هي الواجبة، وهذا مذهبنا، وهو خلاف مذهبهم. # ووجه آخر: هو أننا نقول: إن (أو) إنما تدخل في الكلام للتخيير أو الشك ~~إذا كان في أخبار، وأبو هريرة مخبر، فكانت أو في خبره للشك، فكأنه شك أن ~~النبي عليه السلام قال: يغسل ثلاثا، أو قال: يغسل خمسا، أو سبعا، فلا يصح ~~الاحتجاج به. # أو نقول: يحتمل الشك ويحتمل التخيير فلا ينسخ ما رويناه عنه عليه السلام ~~بالمحتمل. # وعلى أن أصحاب الحديث قد طعنوا في ms315 الحديث، وزعموا أن راويه عن ابن جريج ~~إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الرواية، فلا يعارض به في حديث مالك وغيره من ~~الإثبات. PageV02P948 # وقولهم: إنه مذهب أبي هريرة عنه جوابان: # أحدهما: أنه حجة عليهم؛ لأنه اعتبر العدد، وهم لا يعتبرونه. # والجواب الثاني: أن ابن عباس وابن عمر قد خالفاه، وقالا: يغسل سبعا، وقول ~~بعض الصحابة لا يكون حجة على بعض. # وأما وقوع الإناء في الماء، وسقوط العدد فإننا نقول: إن التغليظ في العدد ~~في غسل داخله قد حصل أكثر منه بحصول جميع الإناء في الماء، فهو أبلغ في ~~مكاثرة الماء عليه، فقد حصل أكثر مما لو غسله سبع غسلات. PageV02P949 ### || AUTO فصل # فأما غسل الإناء من ولوغ الخنزير فليس بواجب. # وروي مطرف عن مالك أنه يغسل سبعا كما قال في ولوغ الكلب، وبهذا قال ~~الشافعي. # وحكى أبو العباس بن القاص أنه قال في القديم: يغسل مرة واحدة. وقد حكينا ~~مذهب أبي حنيفة في PageV02P951 # ولوغ الكلب، والخنزير مثله. # والدليل للرواية الأولى وأنه لا يجب غسله: هو أن وجوب غسل الإناء يحتاج ~~إلى شرع، ولولا أن النص ورد في الكلب لما أوجبناه. # وأيضا فإنه عليه السلام غلظ في الكلب؛ لأنهم كانوا يقتنونه فيؤذي الضيف، ~~ويروع المسلم، فغلط عليهم فيه حتى ينتهوا، وهم فلا يقتنون الخنزير فلا يجب ~~غسل ما ولغ فيه. # وأيضا فإنه ذو ناب يختص باسم يخالف الكلب فأشبه الهر والفهد والنمر. # ووجه ما رواه مطرف: هو أنه غالب حاله يأكل الأنجاس ولا يجتنبها، وقد ورد ~~النص في تحريمه من بين سائر السباع، فإذا غلظ الغسل في الإناء من ولوغ ~~الكلب ففيه أولى. PageV02P952 # وأيضا فإنه أسوأ حالا من الكلب؛ لأنه ساواه في أكله الأنجاس، وزاد عليه ~~بأكله العذرة، وأن النص ورد بتحريم لحمه، وبيعه على كل حال، ولا يجوز ~~اقتناؤه لصيد ولا غيره فوجب أن يكون بالتغليظ في غسل الإناء من ولواغه. PageV02P953 ### || AUTO فصل # فأما غسل الإناء من نجاسة تقع فيه، وسائر الأنجاس فليس فيه عند مؤقت، ~~وبذلك قال أبو حنيفة، والشافعي. # وقال ms316 أحمد: ثماني مرات الثامنة بالتراب، كما قال في ولوغ الكلب والخنزير. PageV02P955 # والدليل لقولنا: أن العدد محتاج إلى شرع. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال لأسماء في دم الحيضة: (حتيه ثم اقرصيه ~~ثم اغسليه بالماء)، ولم يأمرها بعدد، هذا فيما عينه نجسه فكيف ما ليست عين ~~قائمة، وهو مختلف في طهارته؟، وإنما غلظ في الكلب والخنزير لمعنى غير ~~النجاسة. - عندنا -. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء)، ولم ~~يأمر بعدد. # وقال: (يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية)، PageV02P956 # ولم يأمر فيه بعدد. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام صلى ثم وجد في ثوبه لمعة من دم حيض فوجه به ~~إلى عائشة وقال: (اغسليه)، ولم يذكر عددا. # وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم تذكر عددا، فكان غرضها أن تفيدنا غسله، فلو ~~كان شرطه العدد لذكرته. # وأيضا فإن الطهارة ضربان: طهارة نجاسة، وطهارة حدث، فلما كان الفرض في ~~طهارة الحدث مرة واحدة كانت في طهارة النجاسة، ولا يلزمنا غسل الإناء من ~~ولوغ الكلب والخنزير؛ لأنه ليس بطهارة من نجس ولا حدث؛ لأنهما طاهران، ~~والله أعلم. PageV02P957 ### || AUTO فصل # قد تكلمنا على طهارة الكلب وسائر الحيوان، فإذا ثبت ذلك فسؤر جميع ذلك ~~طاهر، لا يفسد الماء. # ورأيت أن أفراد الكلام على أبي حنيفة فإنه يقول: أسآر سائر سباع البهائم ~~نجسة لا يجوز التوضؤ بما ولغت فيه بحال، كالكلب والخنزير فكذلك الأسد ~~والفهد، وأما سباع الطير، وحشرات الأرض مثل الحية والفأرة وغير ذلك فكلها ~~نجسة، ولكن عفي عن نجاستها؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن فيكره التوضؤ بسؤره، ~~ولكنه جائز، كذلك الهر قال: هي نجسة، ولكن عفي عن نجاستها فيكره التوضؤ ~~بسؤرها. وأما البغل والحمار فمشكوك فيه، فإن كان واجدا للماء لم يجز التوضؤ ~~به، وإن كان عادما له توضأ بما فيه سؤره ويتيمم. # ووافقنا الشافعي على طهارة جميع ذلك إلا الكلب والخنزير، PageV02P959 # وقد مضى الكلام على جميع ms317 ما فيه الحياة. # واستدل أصحاب أبي حنيفة ومن نصر قوله بما روي أن النبي عليه السلام سئل ~~عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والدواب فقال: (إذا ولغ الماء ~~قلتين لم يحمل خبثا)، فجعل ذلك نجسا خبيثا إذا كان دون القلتين. # وأيضا فإنه حيوان لا يؤكل، ويمكن حفظ الإناء منه فوجب أن يكون سؤره نجسا ~~كالكلب، أو سبع يمكن الاحتراز منه فهو كالكلب. PageV02P960 # ولنا ما رواه داود بن الحصين عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل فقيل له: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟. فقال: (نعم، وبما أفضلت السباع ~~كلها)، وهذا نص؛ لأنه عليه السلام جوز التوضؤ بسؤر PageV02P961 # الحمار. وهم يمنعون منه، وكذلك سؤر السباع كلها، وأبو حنيفة إما طأن ~~يكرهها أو يمنع من ذلك. # وهذا الخبر يلزم الشافعي أيضا؛ لأن الكلب والخنزير من جملة PageV02P962 # السباع، وقد روي فيه (والكلاب). # فإن قيل: المراد بقوله: (وبما أفضلت) مثل أن يشرب من نهر أو دجلة. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن هذا غير محتمل؛ لأن الفضل هو قليل من كثير، كما يقال: أكل زيد ~~ففضل منه، فعلى هذا لا يجوز حمله عليه بقياس ولا غيره. # والثاني: أنه عام في كل فضل. # وأيضا فإن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن الماء القليل هو إذا حرك أحد جانبيه ~~تحرك الآخر - عندهم - إذا شرب منه السبع نجس الماء كله، وإذا كان كثيرا ~~بحيث لا يتحرك الجانب الآخر فالموضع الذي شرب منه نجس. وبعضهم اليوم يقول: ~~فيه رواية أخرى أنه لا ينجس. # ولنا أيضا حديث كبشة مع أبي قتادة لما أصغى الإناء للهر حتى شربت، وقال: ~~سمعت النبي عليه السلام يقول: (الهر ليست بنجس إنها .....)، وما ليس بنجس ~~لا يكره سؤره. وأبو حنيفة يكره سؤر الهر. PageV02P963 # وأيضا فإن النبي عليه السلام امتنع من دخول دار فيها جرو، ودخل دارا فيها ~~هر. فقيل له: دخلت دار فلان وفيها هر. فقال عليه السلام: (الهر سبع)، فلما ~~علل الهر بأنها سبع علم أن السباع كلها لا تجتنب، ms318 والكلب سبع، وإنما أراد ~~أن يعلمهم أنه امتنع لسبب آخر في الكلب، وهو نهيه لهم عن اقتنائه. # وأيضا فهو إجماع الصحابة. روي أن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وردا على ~~حوض فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا. # وروي أن أبا هريرة سئل عن الماء ترده السباع. فقال: الماء لا ينجسه شيء. # وأيضا فإنه حيوان يجوز بيعه فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله النعم. ولا ~~يلزمنا على هذا الكلب؛ لأنه يجوز بيعه، وإنما يكره. # ونقول: هو حيوان يجوز اقتناؤه بكل حال فوجب أن يكون سؤره طاهرا، أصله ~~النعم. PageV02P964 # ويجوز أن يحتج بالظواهر، نم قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}، {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}، فهو على أصل تطهيره حتى ~~يقوم دليل. # وقول النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير ~~طعمه أو ريحه أو لونه)، ونقول في الحمار: هو حيوان مركوب فأشبه الفرس ~~والبعير. # ثم يقال لأصحاب أبي حنيفة لما شككتم في البغل والحمار وجب أن تتوقفوا فيه ~~فلا تستعملوه أصلا. # قيل: تركتم الاحتياط؛ لأن الاحتياط هو أن يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ منه ~~ويصلي؛ حتى إن كان نجسا فقد مضت السنة بالتيمم، ولم تحصل على بدنه نجاسة ~~يصلي بها. # فأما ما احتجوا به من الخبر فهم لا يعتبرون القلتين. # ثم يجوز أن يكون أراد تقليل الماء؛ لأنا قد بينا أن القلة تقع على الكوز ~~فلا يحمل خبثا لم يغيره. # ثم قد قضي عليه ما رويناه من الحياض تردها السباع فقال: (لها PageV02P965 # ما شربت، وكم ما غبر شراب وطهور)، ولم يفرق بين صغير الحياض وكبيرها. # وبما روينا من النص على الحمار وما أفضلت السباع ولا يقضي على مثل هذا ~~بالمحتمل، وقد بينا أن القلة اسم مشترك. # وقياسهم غير مسلم؛ لأننا نكره أكل الكلب ولا نحرمه. # وقولهم: إن الكلب يمكن التحفظ منه فإننا نقول: هو مثل الهر لا يمكن ~~التحفظ منه، ثم البازي لا يمكن التحفظ منه، ms319 وسؤره - عندهم - نجس ما ذكروه، ~~وبالله التوفيق. PageV02P966 ### | AUTO [44] مسألة # غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، وإن لم يرد استعماله ~~لم يجب غسله، هذا مذهب الفقهاء إلا قوما من المتأخرين فإنه حكي عنهم: أنه ~~يجب غسله سبعا، سواء أريد استعماله أم لا. # والأصل أنه لا يخلو أن يكون غسله إما لنجس أو لطهارة حدث أو لتعبد على ما ~~نقول، وليس في الأصول ما يجب غسله إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب ~~الغسل. ألا ترى أن الوضوء وغسل الجنابة والحيض لا يجب إلا إذا أراد الإنسان ~~الصلاة، وغسل سائر الأنجاس لا يجب إلا إذا أراد الصلاة في ذلك الشيء النجس، ~~إما من بدنه أو غسله، وما كان غسله للعبادة، مثل الخلوق من ثوب المحرم لم ~~يجب مما ليس فيه طيب لم يجب غسل الثوب الذي تركه وفيه الخلوق، فإذا ثبت هذا ~~في الأصول لم يخرج غسل الإناء من ولوغ الكلب عنها. # وأيضا فإن الغسل المفروض في الطهارات التي تراد للصلاة لا تجب إلا إذا ~~أراد الصلاة فالغسل المسنون في الإناء المراد غسله لأجل الصلاة أولى ألا ~~يجب إلا إذا أراد استعماله. PageV02P967 # فإن قيل: فإنه فرض - عندنا -. # قيل: فيكون كسائر الغسل المفروض للصلاة. # ويجوز أن نحرز هذا قياسا فنقول: هو غسل قد تعبدنا به فلا يجب إلا عند ~~إرادة ما يغسل من أجله قياسا على غسل النجاسة نم الثوب أو طهارة الحدث. # ونقول أيضا: إن الأمر ورد بغسل الإناء من ولوغه تغليظا عليهم حتى لا ~~يقتنوا الكلاب، فغلظ عليهم في غسل الأواني إذا أرادوا استعمالها. ألا تراه ~~عليه السلام قال: (طهور إناء أحدكم)، فسماه طهورا، والطهور يقتضي مطهرا، ~~وهو الإناء الذي يطهره الماء، فهو كالإنسان الذي يلزمه أن يتطهر بالماء، ~~ويكون به مطهرا للصلاة، أو يكون كالثوب الذي يطهره الماء من النجس فيصير ~~مطهرا، ولا يجب ذلك إلا إذا أريد للصلاة. # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليغسله سبعا)، ولم يفرق ~~بين أن يريد استعماله ms320 أو لا. # قيل: وكذلك قال الله - تبارك وتعالى -: {وثيابك فطهر}، ولم يقل: إذا أردت ~~الصلاة أو لم ترد، ومع هذا فلم يجب إلا إذا أرد الصلاة، فكذلك دل PageV02P968 # الدليل على وجوب غسل الإناء إذا أريد استعماله، وهو ما ذكروه من ~~الاستدلال والقياس. # فإن قيل: فإذا كان هذا ورد في الكلب تغليظا من بين سائر الأنجاس وجب أن ~~يثبت التغليظ فيه، فسواء أريد استعماله أو لا، حتى يبين من نظيره مما لم ~~يقع التغليظ فيه. # قيل: إن التغليظ ورد في غسله سبعا إذا أريد استعماله، وغيره من الأواني ~~لم يغلظ فيه بعدد، فالتغليظ من هذا الوجه قد حصل، وليس إذا وجب التغليظ من ~~وجه وجب من كل وجه؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب غسل الإناء سبعا، وأن يمنع بعد ~~الغسل من استعماله أصلا حتى يكون أغلظ، فلما سقط هذا، وجاز استعماله بعد ~~غسله علمنا أن التغليظ قصد على الوجه الذي ذكرناه، هذا لو كان غسله لنجاسة، ~~فكيف وقد بينا أنه عبادة؟، فهو كالوضوء الذي يراد للصلاة، أو كغسل الطيب من ~~ثوب المحرم إذا أراد الإحرام فيه. # ثم قد بينا في قوله عليه السلام: (طهور إناء أحدكم) أنه كسائر الأشياء ~~التي يجب تطهيرها إما لأجل الصلاة أو لتكون طاهرة إن جعل فيها ما يؤكل أو ~~يشرب لم ينجس مثل سائر الأواني التي تستعمل فلا يجب غسل جميعها إلا إذا ~~أريد استعمالها. # فإن قيل: يجب غسله سواء أراد صاحبه استعماله أو لا؛ لئلا يستعمله غيره ~~ممن لا يعلم حاله. PageV02P969 # قيل: فيجب أن يغسل ثوبه النجس وإن لم يرد استعماله؛ لئلا يصلي فيه من لا ~~يعلم خبره، ويجب على الإنسان أن يكون على وضوء؛ لئلا ينسى فيصلي بلا طهارة، ~~ويجب على الإنسان أن لا يكون في ثوبه طيب؛ لئلا ينساه فيحرم فيه، وكذلك يجب ~~عليه أن وقت أصاب ثوبه نجس أن يبادر بغسله؛ لئلا ينساه فيصلي به، فلما كان ~~هذا كله ساقطا سقط ما قلتموه، والله أعلم. PageV02P970 ### | AUTO [45] مسألة # وما لا نفس له سائلة ms321 مثل العنكبوت والزنبور والعقرب والخنفساء والجعل ~~والبرغوث وما يتولد من دود الخل والباقلاء والجبن والفواكه وغير ذلك فإنه ~~لا يفسد شيئا من المائعات، الماء وغيره في ذلك سواء عندنا، وعند أبي حنيفة. # وقال أصحاب الشافعي: إن ما يتولد من شيء كالدود الذي ذكرناه فإنه إذا مات ~~في ذلك الشيء الذي تولد فيه فإنه بموته ينجس، ولا PageV02P971 # ينجس ذلك الشيء، بل إن أخرج الدود الميت منه فطرح في شيء نجسه، وما لم ~~يتولد من ذلك الشيء مثل العنكبوت والعقرب والزنبور والذباب والبرغوث إذا ~~مات في شيء من المائعات فإنه على قولين: # أحدهما: أنه ينجسه. # والثاني: أنه لا ينجسه وإن كان في نفسه نجسا. # والدليل لقولنا: هو أن ذلك المائع طاهر قبل وقوع هذه الأشياء فيه، فمن ~~زعم أنه انتقل عن حاله فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقوله: {وينزل ~~عليكم من المساء ماء ليطهركم به}، فوصف الماء عموما بأنه طاهر مطهر لم يخص ~~من جنسه شيئا، فمن زعم أنه انتقل عن طهارته فعليه الدليل. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما ~~غير طعمه أو ريحه أو لونه)، وهذا ماء لم يتغير فهو طاهر. # ولنا أن نفرض المسألة في مائع يؤكل وقع فيه شيء من ذلك PageV02P972 # فنقول: قال الله - تعالى - {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير}، فهو عام في كل شيء لا ~~يكون ميتة، ولم يقل: إلا يكون في ميتة، وإنما حرم الميتة نفسها دون ما وقعت ~~فيه، وهذا المائع ليس ميتة ولا دما ولا لحم خنزير فهو غير محرم. # وأيضا ما رواه سعيد بن المسيب عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو الحلال أكله وشربه ~~ووضوؤه). PageV02P973 # وأيضا ما روي أنه عليه السلام قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم)، وفي ~~حديث: ms322 (في طعام أحدكم فامقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء. وفي الآخر دواء، ~~وأنه يقدم الداء)، وقد يقع الذباب حيا فيموت بالمقل فيه، وقد يقع أيضا فيه ~~ميتا كما يقع فيه حيا، فلو كان ينجس بموته، أو ينجس ذلك الشيء لم يأمر ~~بمقله فيه. PageV02P974 # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}، ~~وهذا ميتة، والذم يقتضي وجوب الاجتناب منه والامتناع. وما تلوتموه من ~~القرآن في طهارة الماء فهو عموم لم يخص بتحريمه الميتة، وقوله: (خلق الله ~~الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيره) محمول على الكثير منه. # قيل: ظاهر قوله - تعالى -: {حرمت عليكم الميتة} يتناول عين الميتة ولا ~~يتناول ما وقعت فيه، وما يكون ميتة محرمة بإجماع تقع في الماء الكثير فلا ~~تغيره هي ميتة محرمة بإجماع، والماء غير محرم فصارت الآية متوجهة إلى نفس ~~الميتة لا إلى ما وقعت فيه. # ثم لو ثبت العموم لكان حديث سلمان عن النبي عليه السلام يقضي عليه، وكذلك ~~حديث الذباب ومقله في الطعام. # فإن قيل: مقل الذباب فيه ليس بقتله فلهذا أباح مقله فيه. # على أنه ليس يمتنع أن يبيح ذلك وإن كان يخاف موته، وتنجس الطعام لغرض ~~صحيح، وهو زوال الداء، كما أباح الكي في الحيوان، وقد يخاف منه الموت، ~~وإتلاف المال، ولكن ما تعلق به غرض صحيح جازت إباحته. PageV02P975 # قيل: إن قولكم: إن مقل الذباب ليس بقتله محال، فهو وإن سلم في شيء فليس ~~يسلم في كل شيء مثل الشيء الحار والعسل والدهن وما أشبهه، والنبي عليه ~~السلام لم يخص شيئا مما وقع فيه. # وقولكم: ليس يمتنع أن يبيح مقله فيه ويتنجس ذلك لغرض صحيح فإننا نقول: ~~غرض فاسد؛ لأنه إذا كان في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء كان الدواء ~~بإزاء الداء فلم يربح من هذا أكثر من فساد المائع حتى لا يصلح لشيء، ففيه ~~إضاعة المال، وقد نهينا عنه، وإنما أعلمنا عليه السلام أن أكل ذلك الشيء لا ~~يضرنا، ولا شربه؛ لأن الداء الذي في أحد جناحيه ms323 قد أزاله الذي الجناح ~~الآخر، فلا يفسد علينا شيء مما وقع فيه. # وأما كي الحيوان فلنا فيه غرض صحيح لا يفسد علينا به شيء، فنظيره أن لا ~~ينجس الماء، ولا يفسد علنيا ما وقع فيه الذباب. # ويؤيد ما قلناه: ما عليه المسلمون خلفهم عن سلفهم من لدن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، فإنهم يستعملون ما وقع فيه البق والذباب ~~والزنبور، ولا يجتنبونه ولا يكرهونه، ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، ولم ينقل ~~عن أحد منهم فيه خلاف، وهذا يدل على أنه موضع إجماع، ولو وقع بينهم فيه ~~خلاف أو حكي عن واحد منهم أنه PageV02P976 # حرمه أو أنكره لم يخل من ينقله، ومن المحال أن يتنجس شيء من ذلك فلا يذكر ~~حكمه عن أحد منهم مع عموم البلوي به. # ثم من المحال أن يموت دود الخل فيه فلا يتنجس، فيؤخذ ذلك الدود فيجعل في ~~خل مثله أو غير الخل فيتنجس؛ لأنه لو تنجس ما ينقل إليه لكان ما هو فيه ~~أولى أن يتنجس؛ لطول مكثه فيه، ونحن نعلم أن الباقلاء المطبوخ بالماء يكون ~~في الباقلاء الدود والذباب الميت، فيتهوى في ماء الباقلاء بالطبخ، ولم يقل ~~أحد من المسلمين: إن ماء الباقلاء نجس، وربما أكل الدود والذباب الذي فيه، ~~خاصة العميان، ومن يفطر بالليل، ولم نسمع عن أحد إنكار ذلك. # ثم كيف يكون ذلك الماء طاهرا فيخرج منه الذباب - وقد تهوى بالطبخ فيه - ~~فيجعل في ماء مثله فينجس ذلك الماء. وإن كان هذا نجسا فالماء الذي كان فيه ~~أولى بالتنجس، فلا يصح لهم الفرق ههنا إلا بأن يقولوا: إذا طبخ الباقلاء ~~فإن ماءه ورد على نجاسة الدود والذباب الذي في الباقلاء، وإذا ورد الماء ~~على النجاسة طهرها وإن كان دود القلتين، وليس كذلك إذا أخرج الدود في ~~الباقلاء وطرح في ماء قليل؛ لأن هذه نجاسة وردت على الماء، وهذا قد تكلمنا ~~عليه. PageV02P977 # ثم نقول: هذا فاسد بالخل والمائعات غير الماء، فإن ورود النجاسة على ~~المائع غير الماء كورود ms324 المائع على النجاسة، وهذا الخل الذي فيه الدود طاهر ~~فينبغي إذا أخذ الدود منه وطرح في خل آخر ألا ينجس. (وأن يتنجس بالخل الذي ~~تولد فيه الدود أولى أن يتنجس). # وإذا أنصف الإنسان نفسه، واتقى ربه علم صحة هذا، ولم يخرج عن الإجماع ~~فيه، ونحن نعلم أن الشافعي - رحمه الله - لم يقل في القول الآخر: إنه لا ~~ينجس شيئا وقع فيه إلا وقد بان له الحق فيه، فينبغي أن يعمل على هذا القول، ~~ونطرح القول الآخر، ولا نتعرض له. # ونقول أيضا: إنه نفس له سائلة فلا ينجس بموته، ولا ما وقع فيه كالجراد. # ويجوز أن نقول: إنه لا يمكن الاحتراز منه، وأن يقع الذباب والبرغوث والبق ~~وما أشبهه في الماء والطعام فوجب أن يكون معفو عنه، كدود الخل والماء ~~والجبن. PageV02P978 # فإن قيل: فإنه ميتة لا يؤكل لا لحرمته فوجب أن يكون نجسا، أصله البهائم. # قيل: إن أردتم أنه لا يؤكل؛ لأنه محرم فليس هو محرما - عندنا -، ويجوز ~~أكله، وإنما تعافه النفس، كالضب الذي لم يأكله النبي عليه السلام. # فإن قيل: فإن الحيوان على ضربين: ماله نفس سائله، وما لا نفس له سائلة، ~~ثم ماله نفس سائلة منه ما ينجس الماء بموته، ومنه مالا ينجسه، مثل السمك ~~والجراد، كذلك ما لا نفس له سائلة يجب أن يتنوع نوعين: نوع منه ينجس الماء ~~بموته، ونوع لا ينجسه مثل دود الماء. # قيل: هذه دعوى بلا برهان، فلم يجب أن يكون إذا تنوع ماله نفس سائلة أن ~~يتنوع مالا نفس له. وأي شيء المعنى الجامع بينهما؟. # على أن الفرق بين السمك وما ذكرتم واضح؛ لأن السمك لما لم ينجس الماء ~~الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فينبغي أن يكون دود PageV02P979 # الخل إذا ل ينجس ما تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فلما فرقتم بينهما ~~كفانا هذا الفرق. # ثم إن السمك الذي مات في الماء الذي تولد فيه طاهر فلم ينجس الماء. وأنتم ~~تقولون: إن الدود الذي تولد في الماء نجس فينبغي ms325 أن ينجس الماء، وإن لم ~~ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه كالسمك. # وكل قياس توردونه فقياسنا أولى منه؛ لأن رد مالا نفس له سائلة إلى مثله ~~من الجراد أولى، ولأنه يستند إلى استعمال المسلمين ذلك على ما بيناه. # فإن قيل: لا يمكن الاحتراز من البق والذباب، وخاصة في عمل الدبس، ووقوعه ~~على التمر مع الزنبور، ولم يتحفظ أحد من ذلك فسقط هذا، وبالله التوفيق. PageV02P980 ### | AUTO [46] مسألة # وليس يعتبر مالك - رحمه الله - في سائر الأنجاس قدر الدرهم، وقليلها ~~وكثيرها سواء في حكم الإزالة إذا كان على وجه الصحة سوى الدم فإن قليله ~~معفو عنه في دم الحيض وسائر الدماء. # وروى ابن وهب عنه أنه فرق بين دم الحيض وبين غيره من الدماء، فجعل دم ~~الحيض قليله ككثيره، كما يقول في المني والمذي وسائر الأنجاس. # واعتبر أبو حنيفة في سائر الأنجاس قدر الدرهم البلخي فمتى كان دونه عفا ~~عنه، وما كان مثله فكذلك، وما زاد على الدرهم لم يعف عنه. # وعند الشافعي أن سائر الأنجاس يستوي قليلها وكثيرها كقولنا، وخالف في ~~الدم فقال: قليله غير معفو عنه ككثيره إلا في الموضع PageV02P981 # الذي لا يمكن التحرز منه مثل دم البراغيث. # والدليل لقولنا: ما روي أن النبي عليه السلام خلع نعله في الصلاة، وقال: ~~(أخبرني جبريل أن فيه قذارا)، ولم يبين هل كان قدر الدرهم أو أكثر، ولو كان ~~يختلف لبينه. # وأيضا ما روي أنه عليه السلام مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما ~~يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في قليل ~~البول وكثيره، ولو كان الحكم فيه يختلف لبينه، ونحن وإن كنا نقول: إن إزالة ~~النجاسة ليست بفرض فإن المسنون في القليل والكثير واحد. # فإن قيل: هذا توعد منه عليه السلام وإخبار عن تعذيب، وأنتم لا توجبونه. # قيل: قد بينا حكمه فثبت منه حكم القليل والكثير، وأنه ممنوع PageV02P982 # منه، ثم قامت دلالة على سقوط حكم التوعد وثبت أنه تغليظ، وصار كقوله: (من ~~قتل عبده ms326 قتلناه)، فإنه تغليظ لمنع القتل. # ولنا أيضا ما روي أنه عليه السلام سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: ~~(حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء)، ولم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها ~~عن مقداره، وهذا دليل للوجه الذي يقوله في دم الحيض، وأن قليله ككثيره. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام انه صلى في ملحفة ثم رأى فيها لمعة من PageV02P983 # دم فأنفذها إلى عائشة - رضي الله عنها - لتغسلها، واللمعة من الدم أقل من ~~قدر الدرهم بكثير. # وأيضا ما رواه المقداد في قصة علي حين سأله عن المذي فقال: (اغسل ذكرك)، ~~وموضع المذي من الذكر أقل من درهم. # وأيضا فقد اتفقنا وأبو حنيفة على الاستنجاء مسنون، إما بالماء أو ~~بالأحجار، ونفس المخرج أقل من قدر الدرهم، فكذلك كل موضع من البدن والثوب ~~إذا أصاب النجس منه هذا القدر. # فإن قيل: إنما وجب في هذا الموضع؛ لأن إزالته منه سنة، وسائر المواضع ~~إزالته - عندنا - فرض. # قيل: الجميع - عندنا - سنة. # على أن هذا أولى أن يعفى عن قليله في الاستنجاء؛ لأن الموضع الذي عفي عنه ~~إزالته سنة، والموضع الذي لم يعف عنه إزالته فرض، والعفو عن المسنون أولى، ~~فلما لم يعف في الاستنجاء عن القليل كان في الفرض أولى أن لا يعفى عنه. PageV02P984 # وأيضا: فإنه لما وجب غسل ما زاد على قدر الدرهم وما دونه في حكمه، لأنه ~~من جنسه في الموضع الذي لا تتعلق بها ضرورة وليس غرضنا في هذه المسألة أن ~~إزالة النجاسة فرض، ولا التفرقة بينها وبين إزالة النجو، وأن ذلك يزال ~~بجامد والباقي مائع، وإنما الغرض الجمع بين القليل والكثير، فهو في النجو ~~وغيره سواء في حكم الإزالة إما فرضا أو سنة فكذلك في سائر البدن إذا لم ~~يتعلق بموضع ضرورة. # ولأن ما يخرج على طريق المرض فقليله وكثيره ربما اتفق وربما اختلف، وفي ~~سائر الدماء سوى دم الحيض فقليله يخالف كثيره لموضع الضرورة، وهو أن ~~الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو ذباب أو ms327 برغوث فعفى عن ~~القليل منه، ولأجل هذا حرم الله - تعالى - المسفوح منه فقال: ({أو دما ~~مسفوحا}، فدل على أن غير المسفوح ليس بمحرم، وأحل - تعالى - من جنسه الكبد ~~والطحال. PageV02P985 # قالت عائشة - رضي الله عنها -) لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في ~~العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم - البرمة تعلوها الصفرة -. # وليس الغالب من أمر الناس كون الغائط والبول وغير ذلك في ثيابهم ~~وأبدانهم، لأن التحرز يمكن منه. PageV02P986 # فإن قيل: قد يكون المخرج وما لا ينفك منه أكثر من قدر الدرهم، ثم قد ~~جوزتم إزالته بالجامد في السنة، وعفوتم عن يسيره في سائر البدن حتى لا تجب ~~إزالته بالنسبة لا بمائع ولا جامد. # فإن قيل: فقد روى يزيد ابن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن ~~خولة أتت النبي عليه السلام فقالت: ليس لي إلا ثوب PageV02P987 # واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟. فقال عليه السلام: (إذا طهرت فاغسليه ~~ثم صلي فيه)، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟. قال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)، ~~فلما أباحها الصلاة مع وجود أثر الدم دل على أنه جعله في حيز المعفو عنه ~~لقتله، قالوا: وهذا يخص ظواهركم التي ذكرتموها، فتحمل ظواهركم على الكثير ~~منه بهذه الدلالة. # قيل: عن هذا أجوبة: # أحدهما: أننا نوافقكم على العفو عن قليل الدماء، ومنها دم PageV02P988 # الحيض على أظهر الروايتين عن مالك، فنقول بموجب هذا الخبر في الدم، وليس ~~في هذا دليل على ما عدا الدم من سائر الأنجاس. # وجواب آخر: وهو أن الخبر حجة لنا على الرواية التي تحرم قليل دم الحيض ~~وكثيره؛ لأنه قال لها: (اغسليه)، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، فأما إذا ~~لم يخرج وبقي أثره فلا شيء عليها فيه؛ لأن سائر الأنجاس إذا غسلت وكان فيها ~~ما يبقى أثره فلا ينقطع، وقد انقلعت عينه وريحه فقد مضى حكمه، ولو كان أثره ~~بمنزلة عينه لم يأمرها بغسله؛ لأنه معفو - عندكم - عن عينه، كما هو معفو عن ~~أثره، فلما أمرها بغسله ولم يفرق بين قليله وكثيره ms328 دل على ما قلناه، وليس ~~في هذا ما يخص الظواهر التي ذكرناها، بل هو يؤكدها. # وجواب آخر: وهو أنهم لا يخلون معنا من أحد أمرين: إما أن يجعلوا هذا ~~الخبر حجة علينا في سائر الدماء، ويحملوه على العفو عن قليله، فنوافقهم على ~~إحدى الروايتين. أو يجعلوه حجة علينا في دم الحيض على الرواية الأخرى، فقد ~~قلنا: إنه عليه السلام قد أمرها بغسله أمرا ظاهره الوجوب، ولم يفرق لها بين ~~قليله وكثيره، ولا يضر أن ينقلع أثره على ما بيناه. ولو كان يختلف لقال ~~لها: اغسليه إن كان كثيرا؛ حتى يعلم الفرق بين قليله وكثيره. # ثم لا ينفك من قدر القليل بدرهم بلخي ممن قدره بدرهم غير البلخي إما أصغر ~~منه وإما أكبر؛ لأنه يقدره اجتهادا لا ينص، وإنما القليل ما يغلب على ظن ~~الإنسان كالعمل القليل في الصلاة. # فإن قيل: فقد ثبت أن الدم نجس فإذا جاز العفو عن قليله جاز في سائر ~~الأنجاس؛ لكونه نجسا قليلا. PageV02P989 # قيل: قد ذكرنا الفصل بين الدم وسائر الأنجاس، وأن الله - تعالى - حرم ~~المسفوح منه فدل أن غير المسفوح بخلافه، وإنما لم يحرم غير السفوح؛ لئلا ~~يلحق فيه المشقة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من أن يصيبه الذباب ~~والبق والبراغيث والبثور وما أشبه ذلك، ومن أكله في اللحم والعروق، وليس ~~كذلك الغائط والبول، فصار يسير البول في التحفظ منه مثل كثير الدم في ~~التحفظ منه إذا لم تكن ضرورة، وكذلك دم الحيض على الرواية التي تحرم قليله؛ ~~لأنه ليس الغالب منه إصابة الثياب، ومع هذا فيختص به النساء، وليس كذلك ~~سائر الدماء، ولان قليله ينقض الطهر ويوجب الغسل، كالمني فلهذا فرق مالك ~~بينه وبين سائر الدماء. # ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى - {وثيابك فطهر}، وهذا المراد به تطهير من ~~نجس، ولم يفرق بين القليل والكثير فهو عموم إلا أن يخصه دليل. PageV02P990 ### | AUTO [47] مسألة # ويغسل بول الصبي والصبية عند مالك وهما سواء في الحكم، وسواء أكلا الطعام أو لا. # وقال أبو حنيفة والشافعي: يرش ms329 على بول الصبي، ويغسل بول الصبية. # واحتج لهما بما روي من حديث أم قيس بنت محصن، وأن النبي عليه السلام ~~أمرها أن ترش على بول الصبي. PageV02P991 # قال مالك: وهذا الحديث ليس بالمتواطأ عليه - عندنا -، ويعني على العمل به. # وهذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم ولا ينبغي أن يعمل عليه؛ لأنه مما يعم ~~البلوى به، فكان سبيله أن ينقل نقلا مستفيضا منتشرا حتى يصير في معنى نقل ~~الصلوات والزكوات وغير ذلك مما تقع البلوى به عامة، ولعل عموم هذا في ~~النساء أكثر منه في الرعاف والقيء في الصلاة، وقد قيل في الجميع الحديث، ~~ولم ينتشر نقله ولا استفاض. # ولا يستقيم أيضا على أصول الشافعي؛ لأنه لا يعدل عن قياس الأصول بقضية في ~~عين تحمل وجودها من التأويل وهذا الخبر يخرج حكم هذا الجنس عن الأصول فيه؛ ~~لأنه كسائر الأبوال النجسة التي لا فرق فيها في الكبار بين الذكر والأنثى. PageV02P992 # وأيضا فإن كان ثفلهما جميعا نجسا فبولهما نجس، فينبغي أن يستويا في الغسل ~~كالثفل، وإن كان بول الصبي وثفله ليسا بنجسين فكذلك في الصبية؛ لأن الأصول ~~تشهد له، فالخبر محتمل إن صح لأمور منها: # أنه أمر بالرش عليه، والرش يكون في معنى الغسل، لأنه إذا كثر حتى تضاعف ~~الماء عليه غلب عليه وأزاله، فيكون رشا هذه صفته، ولم يخصص النبي عليه ~~السلام رشا من رش. # ويحتمل أيضا أن تكون هذه المرأة قد كثر عليها بول الصبي، ولا ثوب عليها ~~غير ذلك الثوب، ويكون الزمان شديد البرد فلو كلفها غسله في كل نقطة تصيبه ~~لحقتها المشقة التي لا تخفى، ونحن نجوز لها هذا وتصير منزلته منزلة العفو ~~عن دم البراغيث، ومنزلة النجو الذي خفف إزالته بالأحجار. # ويحتمل أيضا أن يكون عليه السلام أراد أن يعلمنا أن إزالة النجاسة ليست ~~بفرض حتى يسقط مذهب من يخالفنا في ذلك، وأمر بغسل بول الصبية على الأصل. PageV02P993 # فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين بول الصبي والصبية فقال: ~~(يرش على بول الصبي) فأفادنا ms330 بهذا الفرق بينهما. # قيل: إذا خرج هذا على سؤال سائل احتمل أن يكون عليه السلام عرف حال ~~المرأة مع الصبي على ما ذكرناه، ولم تكن البلوى وقعت ببول الصبية على مثل ~~ما وقعت ببول الصبي. ولو أنه عليه السلام ابتدأ هذا على غير سؤال سائل ~~احتمل أن يكون عليه السلام أراد أن ينبهنا على أن الرش يكون بمعنى الغسل؛ ~~لأننا نعلم أن نقطة بول تصيب ثوب إنسان؛ ويشاهد موضعها، فيصرها في يده ~~ويأخذ ماء فيرشه عليها فإننا نعلم أن هذا رش يغلب على حكم النقطة من البول، ~~فيفهم بذكر الغسل في بول الصبية أن الرش على بول الصبي هذه صفته، ولم يرد ~~عليه السلام الفرق بينهما في الحكم وإنما أتى بالمعنى بلفظين مختلفين، فلو ~~قال فيهما جميعا: يرش عليهما، لاحتمل رشا كثيرا ورشا قليلا، فلما قرن الرش ~~مع الغسل نبه على رش في معنى الغسل؛ لأننا نجد رشا هذه صفته، إذ لو أراد ~~الفرق في الحكم لبين لأي معنى فرق بينهما؛ حتى يزول ما نعلمه من الجميع ~~بينهما؛ لأن بوليهما نجسان كثفلهما، ولا يجوز أن يفترقا، فإما أن يكونا ~~نجسين أو طاهرين، فإذا كان هذا مقدرا لم نزل عنه بخير محتمل. # وقد روى في الخبر أنه عليه السلام أمر بالنضح على بول الصبي، PageV02P994 # والنضج وهو في معنى الغسل، كقوله عليه السلام للمقداد في قصة علي: (انضح ~~فرجك)، وكما قال في دم الحيض: (انضحه)، فجعل النضح عبارة عن الغسل، ولا ~~يمتنع أن يورد عليه السلام لفظين بمعنى واحد، فتستفيد الأشهر منه لمعنى ~~واحد، ولا ينصرف عن قياس الأصول بمثل هذا؛ لأنه إن كان بول الصبي نجسا فبول ~~الصبية مثله، فما وجب في بولها وجب في بوله مثله، كالذكر والأنثى الكبيرين، ~~وكذلك في ثفلهما فيجب تساويهما في الحكم؛ لاجتماعهما في المعنى الذي نم ~~أجله وجب غسل بول الصبية. PageV02P995 # ويجوز أن تقول: هو بول آدمي فأشبه بول الصبية، ويستمر هذا في جميع بني آدم. # وأيضا فإنه مائع خارج من فرج آدمي على وجه ms331 الصحة فأشبه بول الصبية ~~والكبير، وقد ذكرنا أن الفرض في هذه المسألة تساويهما في حكم الإزالة إما ~~فرضا أو إما سنة، والله أعلم. # ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى -: {وثيابك فطهر}، وهذا تطهير نجس لم يفرق ~~فيه بين أن يكون من صبي أو صبية، والتطهير واحد فيهما جميعا فينبغي أن ~~تستوي صفة التطهير فيهما. PageV02P996 ### | AUTO [48] مسألة # إذا نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها فرضا أو نافلة أو قراءة في مصحف أو ~~صلاة على جنازة فإن حدثه يرتفع، ويجوز أن يصلي به سائر الصلوات، وبه قال ~~أبو حنيفة والشافعي. وإن كان أبو حنيفة ليس من شرط صحة الطهارة عنده النية. # وحكي عن داود به استباحة صلاة بعينها دون غيرها من الصلوات فإنه على ~~ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي. # وأجودها: أن حدثه يرتفع، ويستبيح به سائر الصلوات؛ لأنه نوى PageV02P997 # استباحة صلاة، إذا ارتفع لصلاة ارتفع لجميع الصلوات. # والوجه الثاني: أنه لا يرتفع حدثه بهذا الوضوء فلا يصلي به أصلا؛ لأنه ~~نفى أن يستبح به غير هذه الصلاة، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع ~~الصلوات. # والوجه الآخر: منهم من قال: يجوز له أن يصلي به الصلاة التي نواها، ولا ~~يصلي به غيرها؛ لأنه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلي، ولو نوى رفع ~~الحدث مطلقا جاز له أن يصلي، فيجب إذا نوى به استباحة صلاة دون غيرها أن ~~يستبيح به ما نوى استباحته، ولا يستبيح غيرها. وهذا أضعف الوجوه عندهم. # وهذا عندي يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة ~~بعد أن تطهر، فإذا قلنا: لا ترفع الطهارة فإنه يصلي الصلاة التي نوى لها ~~الوضوء، ويصلي الصلاة الثانية؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء لها فلا ~~ترتفع. وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بالوضوء الصلاة التي نواها وبطلت بعد ~~ذلك. فلا يصلي بها هي صلاة أخرى؛ لأنه يصليها وقد رفع من طهارتها النية. # والدليل لنا على داود: قول الله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}، والألف ms332 واللام في الصلاة للجنس، وهذا قد غسل وجهه للقيام إلى جميع ~~الصلوات. PageV02P998 # فإن قيل: هذا لم يغسل وجهه لجميع الصلوات، وإنما غسل وجهه لصلاة واحدة. # قيل: ظاهر الأمر يقتضي غسل وجهه، ولا يتميز نيته، فنحن على ذلك الأمر إلا ~~أن يقوم دليل. # فإن قيل: الظاهر يقتضي غسل وجهه لكل صلاة. # قيل: الظاهر يقتضي أن يغسل وجهه إذا أراد القيام إلى جميع الصلوات، وهذا ~~قد غسله فلا يجب عليه التكرار إلا بدليل؛ لأن الظاهر يقتضي غسل مرة واحدة، ~~وقد غسل. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور)، وهذا نفي في ذكره يعم ~~كل الصلوات إلا بطهور، وقد تطهر. # فإن قيل: لا نسميه عند الصلاة الثانية متطهرا. # قيل: هو على طهارته التي تطهر بها، وقد سمي متطهرا فيستصحب الاسم حتى ~~يمنع منه مانع. # وأيضا قوله عليه السلام: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ~~ويديه)، وقد أسبغ هذا الوضوء لصلاته التي هي للجنس لا تختص بصلاة دون أخرى، ~~فهو على عمومه في كل صلاة PageV02P999 # حتى يمنع منه مانع. # وأيضا تعلميه عليه السلام الأعرابي بقوله: (توضأ كما أمرك الله فاغسل)، ~~وهذا قد غسل، ولم يخص له صلاة من صلاة. # فإن قيل: فقد قال عليه السلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا نوى بوضوئه ~~صلاة بعينها، فدليله أن ما لم ينوه لا يكون له، فلا تكون له الصلاة ~~الثانية. # قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا صلى الثانية بالوضوء الأول، ونوى أن تكون له ~~صلاة فقد نواها صلاة له فله ما نواه. # قيل: ولا رفع النية لها، وإنما نوى ذلك فارتفع حدثه، وإذا ارتفع حدثه جاز ~~أن يصلي سائر الصلوات كما لو أطلق النية. # فإن قيل: قد قلتم: إنه لو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة فكذلك هذا. # قيل: التيمم لا يرفع الحدث، ولا يفعل إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع به ~~بين صلاتي فرض، فلهذا لم يعمل إلا في الصلاة التي PageV02P1000 # قصد به استباحتها؛ لأنه عليه طلب الماء للصلاة ms333 الثانية كالأولى. # فإن قيل: فقد جوزتم إذا تيمم لمكتوبة فصلاها أن يتبعها بنافلة بذلك ~~التيمم. # قيل: تصير تبعا للفريضة. PageV02P1001 ### | AUTO [49] مسألة # لا يدخل الجنب المسجد ولا عابر سبيل، وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: يجوز أن يمر فيه عابر سبيل. # والدليل لقولنا: ما روي أن أفضل البقاع المساجد، وأنها بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر بها اسمه، وأنها بنيت للصلاة والتسبيح، فوجب تعظيم حرمتها بكل ~~وجه، ومن تعظيم حرمتها ألا يدخلها الجنب إلا أن يقوم دليل. PageV02P1003 # وأيضا ما روته جسرة بنت دجاجة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ~~(وجهوا هذه البيوت عن المسجد)، ثم دخل النبي عليه السلام ولم يصنع القوم ~~شيئا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج عليهم بعد فقال: (وجهوا هذه البيوت عن ~~المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، فهذا يقتضي ألا PageV02P1004 # يحله (إلا) على كل وجهه إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فلو جاز دخوله المسجد لجاز أن يستديم الجلوس فيه، كالمتوضئ والمحدث ~~بغير الجنابة والحيض، فلما لم يجز للجنب ذلك صار كالحائض التي لما لم يجز ~~لها استدامة الكون فيه لم يجز لها دخوله. # وتحرر من هذا قياسنا على الحائض فنقول: كل من منع من الاستدامة في المسجد ~~منع من دخوله، أصله الحائض، وكذلك الجنب لما منع من استدامة كونه فيه منع ~~من دخوله. # وأيضا فإن للمسجد حرمتين: إحداهما: للصلاة فيه، والأخرى: تلاوة القرآن ~~فيه، فلما منع الجنب من الصلاة وقراءة القرآن فيه منع من دخوله؛ لأنه ظرف ~~لهما، ولا يلزم على هذا المحدث بغير جنابة؛ لأنه غير ممنوع من القراءة فيه. # والمشرك - عندنا - بمنزلة الجنب والحائض لا يدخل المسجد؛ لأنه ممنوع من ~~استدامة كونه فيه. PageV02P1005 # فإن استدلوا بقوله - تعالى - {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، ~~وأن المراد منه مكان الصلاة؛ لأنه هو الذي يقرب لا ms334 نفس الصلاة، فتقديره: لا ~~تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، والعابر هو المجتاز. # قيل: إذا أمكن أن يحمل الظاهر على حقيقته لم يصرف المجاز، والظاهر ~~المذكور هو نفس الصلاة، فقوله - تعالى - {لا تقربوا الصلاة} أي لا تصلوا، ~~كما قال: {ولا تقربوا الزنا} معناه: لا تزنوا، فتقدير الآية: لا تصلوا ~~وأنتم على حال سكر (وجنابة) حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة، ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل، وهو إذا كنتم متيممين عند عندم الماء أو تعذر استعماله في ~~السفر، وعلى هذا تأوله علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن عابر سبيل هو ~~الغريب المسافر، كما قيل فيه: ابن سبيل، فقد حملنا الظاهر على حقيقته في ~~الصلاة، ولم نحمله على المكان الذي لم يجر له ذكر، وإنما يدعون أنه مضمر، ~~فإذا تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز PageV02P1006 # دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد. # فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: {لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد}، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن ~~نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا مكان الصلاة ~~على هذا الحال إلا عابري سبيل. # قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته ~~المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في حقيقته المجاز بلفظة واحدة. # على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا ~~الصلاة ولا مكانها على هذا الحال إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ~~ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك ~~تأوله علي - وهو إمام هدى -. # وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق ~~قوله: عابر احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى سبيل فهو المسافر أخص، وإن ~~احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء أو تعذر عليه ~~استعماله وخاف فوت الوقت ms335 تيمم ودخل المسجد وصلى، فيكون قوله - تعالى -: ~~{عابري سبيل} مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا ~~الوجه، فيحتمل PageV02P1007 # الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد. # فإن قيل: قوله: {عابري سبيل} مضافا إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا ~~أو غير مسافر. # قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معروف، وهذا بمنزلة قولنا: ابن سبيل ~~منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله: ابن السبيل، فصار تقدير قوله: ~~{عابري سبيل} أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر. # على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر وأيضا إذا عدم الماء وتيمم ~~جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة. # وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص ~~الذي لا يحتمل، وهو قوله عليه السلام: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، ~~ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال من دخول واجتياز واستدامة ~~وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ ى لأن ~~ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة ~~قوله: {حرمت عليكم الميتة}، و {حرمت عليكم أمهاتكم}، وإنما المحرم فعلنا ~~فيهن الذي هو تزوجهن، والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها لا أن نفس الأعيان ~~محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على PageV02P1008 # المحتمل في الآية، لأنه أخص منه. # فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، ~~وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم. # قيل: قوله: {عابري سبيل} حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم ~~قد استعملناه على ما ذكرتم نم الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معناه ذكر ~~المسجد نصا، وليس بإزالة مثله. PageV02P1009 ### | AUTO [50] مسألة # وبول ما يؤكل لحمه طاهر - عندنا - وبه قال محمد بن الحسن. # وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نجس. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {قل لا أجد في ما أوحي ms336 إلا محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير}، فإذا لم يكن ~~محرما لم يكن نجسا. PageV02P1011 # وأيضا قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم}، وهذا يقتضي ~~جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل. # ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى ~~يقوم دليل الحظر. # وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أطكل ~~لحمه فلا بأس ببوله)، والبأس: الشدة والضيق عندنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في ~~الشريعة عبارة عن الإباحة، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس. # وقد روي أن النبي عليه السلام قال: (فلا بأس بسحله). PageV02P1012 # وعن ابن الزبير مثله. # وأيضا ما روي عن أنس أن النبي عليه السلام قال: (ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس). # وأيضا ما روي في حديث العرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحهم شرب ~~ألبان الإبل وأبوالها، فجعل ذلك بمنزلة اللبن، فلو كانت نجسة ما أباحهم ~~ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في ~~الخبر ما يوجب ذلك. # فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض؛ لأنهم لما اجتووا المدنية ~~استوخموها فاصفرت وجوههم وانتفخت بطونهم فأباحهم ذلك. PageV02P1013 # قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، ~~فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما ~~واحدة فينبغي أن يستغنوا اللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما ~~أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض. # وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس؛ لقول النبي عليه السلام: ~~(ما جعل شفاؤكم فيما حرم عليكم). # وأيضا فلو حملناه على الضرورة لكان تأكيدا للآية التي فيها ذكر المضطر ~~إلىالميتة وغيرها مما أبيح للمضطر، هذا لو كانت ضرورة الجوع، وإذا أمكن أن ~~يستعمل الخبر على فائدة مجددة كان أولى ms337 من تكرار آية أو تأكيدها. # وكذلك إن قالوا: استعمل قول النبي عليه السلام: (ما أكل لحمه لا بأس PageV02P1014 # ببوله) في الضرورة. # قيل: لا يخلو أن تحملوه على ضرورة الجوع أو ضرورة المرض، فإن كان في ~~المرض فقد قال عليه السلام: (لا شفاء لكم فيما حرم عليكم)، وإن كان لضرورة ~~الجوع فقد استفدنا ذلك بغير هذا الخبر فلا تكون فيه فائدة. # فإن قيل: فإننا نخص هذه الظواهر كلها بما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان ~~لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في كل بول. # قيل: قد اختلف اللفظ في هذا الخبر، فقيل: (لا يستنزه من بوله)، وقيل: (لا ~~يستبرئ من البول)، والاستبراء هو من بوله، وكذلك ينبغي أن يكون التنزه أيضا ~~من بوله؛ لأن اللفظ إذا كان في خبر واحد واختلف حمل مطلقه على مقيده؛ لأنه ~~قد قيل: (لا يستنزه من بوله)، ولو كان العموم فيه لكان مخصوصا بقوله: (ما ~~أكل لحمه فلا بأس ببوله)؛ لأنه نص في ذكر ما يؤكل لحمه. # فإن قيل: فقد روي عنه عليه السلام أنه قال: (استنزهوا من البول؛ فإن PageV02P1015 # عامة عذاب القبر منه)،فهو عموم في كل بول، فيحمل خبركم على الضرورة. # قيل: قد بينا حكم الضرورة إن كانت بجوع أن مرض فلا فائدة فيه، بل ينبغي ~~أن يقضي على عموم خبركم في ذكر البول؛ لأنه مخصوص بالذكر فيما يؤكل لحمه. PageV02P1016 # فإن قيل: فإننا نخص خبركم بالقياس فنقول:. # هو ما استحال في مالا يؤكل لحمه بالذكاة، وليس كذلك بول الأغنام. # قيل: قد اتفقنا على أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر، والمعنى فيه: أنه ~~مائع مستحيل في حيوان مأكول اللحم ليس بدم ولا فيح فكذلك بوله. # فإن قيل: لا تأثير لهذه العلة - عندكم -؛ لأن ريق كل حيوان وعرقه طاهر، ~~وأبواله مختلف. # قيل: لها تأثير فيما بيننا وبينكم؛ لأنكم تزعمون أن ريق الكلب والخنزير ~~وعرقهما نجس، وعند أبي حنيفة أن سؤر السباع تتنجس الماء ms338 - وعندنا - نحن أن ~~بعض الحيوان الذي يؤكل الجيف مكروه، PageV02P1017 # وريق الأنعام غير مكروه. # فإن عارضوا بعلة أخرى. قلنا لهم: لا تتعدى، فعلتنا أولى. # فإن قيل: إن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الريق والعرق. # قيل: علتنا أولى؛ لأنها تستند إلى السنة المخصوصة بذكر بول ما يؤكل لحمه، ~~وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بسحله)، ولأن رد ما يستحيل في ~~لحم يؤكل بالذكاة إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يؤكل لحمه. # وقد روى زيد بن علي عن آبائه عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P1018 # قال: (لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكل لحمه أصابه أو ~~أصاب الثوب)، ولا فائدة في حمل هذا على الضرورة؛ لأن الضرورة لا تختص ~~بالأنعام دون غيرها فلا يكون في تخصيصها هذا الجنس فائدة، ثم قد كشفه قوله: ~~(وما أصابنه أو أصاب الثوب)، وبالله التوفيق. PageV02P1019 ### | AUTO [51] مسألة # والمني عند مالك - رحمه الله - نجس لا يزيل حكمه إلا الغسل بالماء في ~~رطبه ويابسه. # وقال أبو حنيفة: هو نجس، ويزول اليابس منه بالفرك، والرطب بالغسل. وعند ~~الشافعي أنه طاهر كالبصاق والمخاط. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم، ~~{ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين}، فسماه مهينا لمهانته، وهذا صفة الجنس. PageV02P1021 # فإن قيل: فقد قال - تعالى - {خلق من ماء دافق}، وقال: {وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا}، فسماه ماء مطلقا فظاهره يوجب طهارته. # قيل: أما قوله - تعالى - {من ماء دافق} لم يذكر فيه طاهر، والماء الطاهر ~~هو الذي خبرنا - تعالى - بطهارته بقوله: {ماء طهورا}، وبقوله: {ليطهركم ~~به}، والماء الدافق هو الذي سماه - تعالى - مهينا، والطاهر لا يكون مهينا ~~يمتهن، وقوله - تعالى -: {وهو الذي خلق من الماء بشرا} يعني به آدم عليه ~~السلام؛ لأنه خلق من الماء والطين. # فإن قيل: فلم ذكر الماء وحده؟. # قيل: كما قال: {وبدأ خلق الإنسان من طين}، فذكر الطين مفردا في موضع ~~ليعلمنا أنه خلقه ms339 منهما جميعا. # وعلى أنه لو ثبت العموم فيه، وأن اسم الماء يتناوله لخصه القياس والسنة. # فأما السنة فما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: PageV02P1022 # كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة، ~~وبقع الماء في ثوبه. # فإن قيل: فقد روي عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم يصلي فيه، فكأنها ذكرت ههنا الجائز، وذكرت الغسل ~~المستحب. # قيل: هذا يحتمل وجوها: # منها: أن الفرك لا ينافي الغسل، لأن الغسل لابد فيه من الفرك في غالب ~~الأحوال، فكأنها أرادت بالفرك الغسل؛ لأنه يعبر به عنه، والخبر واحد عنها ~~دون غيرها. # ويحتمل أن تكون تفعل الفرك دون الغسل ولا تعلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك ولم ينقل أنه علم بذلك فأجازه، ولا قال: إن الذي فعلته صواب فلا ~~يلزمنا فعلها، ويحتمل أن تكون فعلت ذلك في بعض الأوقات لتعلمنا أن إزالة ~~النجاسة ليست بفرض - وهذا مذهبنا -، ولا يدل على طهارة المني. # فإن قيل: قولها: كنت أغسل المني من ثوبه عليه السلام ليس في أنه عليه ~~السلام علم بذلك أيضا، فيكون الغسل من فعلها كما قلتم لنا في الفرك. # قيل عنه جوابان: PageV02P1023 # أحدهما: أنها حكت أنها كانت تغسله ويخرج عليه السلام وبقع الماء على ~~ثوبه، وهذا أمر يشاهد النبي عليه السلام في غالب الحال، والفرك ليس بأمر ~~مشاهد كالغسل الذي هو رطب. # والجواب الآخر: أنه روى سليمان بن يسار قال: قالت عائشة: كان النبي عليه ~~السلام يصيب ثوبه المني، فيغسله من ثوبه، ثم يخرج في ثوبه إلى الصلاة، وإني ~~أرى أثر الغسل، فثبت بهذا أن النبي عليه السلام غسله، وأنها غسلت ثوبه كما ~~رأته يغسل. # فإن قيل: قولكم: إنها فركته بغير علمه عليه السلام لا يجوز؛ لأنه لا يقر ~~عليه كما أخبره جبريل عليه السلام أن في نعليه قذرا. # قيل: فقد أقر على بعض الصلاة ولم يخبره بذلك حتى مضى بعضها وبنى عليه، ~~فيجوز أن يقر ms340 عليه ليعلم أن إزالة الأنجاس ليست بفرض. # ولنا أيضا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان في سفر فأجنب، وحضرت صلاة ~~الصبح، ومعه جماعة من الصحابة، فانتظر غسل ثوبه PageV02P1024 # حتى كادت الشمس تطلع. فقال له عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، قد ~~أصبحنا ومعنا ثياب، فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك. فقال: لو فعلت ~~ذلك لكانت سنة، فلو كان المني طاهرا لصلى فيه، ولكان من معه من الصحابة ~~يقولون: إنه طاهر، والتغليس بصلاة الصبح سنة مجتمع عليها من فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفعل أصحابه، فلم PageV02P1025 # يتركها حتى تكاد الشمس تطلع من أجل غسل شيء طاهر. وإن كان غسله مستحبا ~~فليس ينبغي أن يترك التغليس المسنون بالصبح من أجل غسل مستحب، فلما لم يجر ~~في هذا مخالفة ولا نكير دل على أن المني نجس؛ لأنهم سوغوا لعمر تأخير ~~الصلاة لغسل المني، وهذا يجري مجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر الواحد. ~~وإن ثبت أن يترك المستحب في الأصل للمستحب في الفرع؛ لأن إزالة المني ~~بالغسل لأجل الصلاة. # وأما القياس فقد اتفقنا على نجاسة المذي، وكذلك المني؛ بعلة أنه مائع ~~خارج من مجرى الحدث يتولد عن الشهوة. # وأيضا فإن دم الحيض نجس، العلة فيه أنه مائع يخرج من السبيل يوجب انقطاعه ~~الغسل على وجه مخصوص. # ولنا أن نقيسه على البول؛ بعلة أنه مائع ينقض الطهر ويوجبه. # فإن قيل: إننا نعارض قياسكم بقياس آخر فنقول: اتفقنا على مجة البيضة أنها ~~ظاهرة، فكذلك المني؛ بعلة أنه مائع يخلق منه حيوان طاهر. # قيل: لا يخلو أن تريدوا المني الذي يخلق منه الولد فذلك لا يحكم له ~~بتطهير ولا بنجس، وإنما يحكم لما يسقط على ثوب أو بدن أو PageV02P1026 # بقعة طاهرة أو نجس، وهو المني الذي نتنازعه إذا انفصل وسقط على شيء لا ~~يجيء منه الولد. وإن أردتم أنه مائع يخلق من جنسه حيوان طاهر، فإن نازعناكم ~~أن هذا ليس من جنس ذلك لم يبق معكم شيء؛ لأن ذلك المني ms341 الذي لم ينفصل لا ~~يحكم له بتطهير ولا تنجيس، وقد يخلق منه الولد وقد لا يخلق منه شيء أصلا، ~~وليس كذلك هذا المني المنفصل فلا نقول: إنه من جنسه. # ثم لو قلنا: إنه من جنسه فقد يكون الشيء في نفسه طاهرا ويكون متولدا عن ~~نجس، كاللبن فإنه متولد عن الدم، وقد قيل فيه: إنه دم، فما دام الولد في ~~الرحم يتغذى به على ما هو عليه، وهو دم الحيض الذي ينجس على الحمل لغذاء ~~الولد، فإذا سقط الولد أبيض الدم فصار لبنا حتى تعافه النفس، وهذا قد ذكره ~~أهل الصناعة والمعرفة بالفلسفة. # وقد يكون أيضا الشيء في نفسه طاهرا ويستحيل إلى النجس، كالغذاء والماء في ~~جوف ابن آدم، وقد قيل: إن العلقة المتولدة عن المني من دم نجس، وهذا يسقط ~~ما اعتبروه. # فإن قيس على اللبن؛ بعلة أنه مائع تثبت به الحرمة بين المرضع وبين من ~~ارتضع منها، وانتشاره إلى غيرهما فكذلك المني. # قيل: الذي ينشر الحرمة هو الوطء سواء كان معه مني أو لا وقد تنشر الحرمة ~~القبلة والجسة للذة. # وإن أرادوا المني يثبت الحرمة فإنه يخلق منه الولد، ويحرم على نم أنزل ~~المني وينتشر إلى غيره فهذا هو معنى ما ذكروه من أنه يخلق PageV02P1027 # منه حيوان طاهر، وقد تكلمنا عليه، وقلنا: إن المني المنفصل الذي نتنازعه ~~لا يكون منه ولد فسقط ذلك. # على أنه لو صح لهم القياس لكان رد المني إلى المذي أولى؛ لاتفاقهما في ~~المخرج، وأن الشهوة تولدهمها، وأنهما ينقضان الطهر، ويوجبانه على وجه ~~مخصوص، وأنهما لا يكادان يفترقان في غالب الحال، لأن المذي يسبق المني، ~~ويختلط به بعضه، ولأنه يمنع الصلاة، ويمنع حمل المصحف، وكذلك رد المني إلى ~~دم الحيض أولى؛ لاتفاقهما في المخرج وأنهما ينقضان الطهر ويوجبان الغسل، ~~وإذا اجتذبت الأصلانفرعا كان رده إلى ما هو أكطثر شبها به أولى. # فإن قيل: فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي عليه السلام قال: (أمطه عنك ~~بإذخره، فإنما هو كبصاق أو مخاط)، فلما شبهه بالبصاق ms342 PageV02P1028 # والمخاط الطاهرين، وأمر أن يماط بإذخره دل على أنه طاهر. # قيل: إنه دلالة لكم في هذا من وجوه. # أحدهما: أنه يجوز أن يكون ذلك الثوب للنوم لا للصلاة، وعلم ذلك عليه ~~السلام وقوله: (كبصاق ومخاط) شبهه بهما في انعقادهما لا أنه تعرض لنجاسته ~~لعلمه بأنه لا يصلي فيه. على أنه قد أمر بإماطته، وأمره بمقتضى الوجوب ~~فإزالته واجبة، ثم قامت الدلالة في إزالته بشيء مخصوص، وهذه قضية في عين ~~تحمل ما حملته. # ثم لا يمتنع أن يكون قال له: (أمطه عنك بإخرة) فيوافق مذهب أبي حنيفة في ~~أنه نجس يابس يزال بإذخرة، ثم تقوم لنا دلالة الغسل بما قدمناه من الدلائل. # فإن قيل: فقد خلق منه الأنبياء والأولياء ولا يجوز أن يخلقوا من نجس. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أنهم قد يكونون علقة نجسة فلا ينقصهم ذلك، وإنما كرامتهم ألآن ~~يصطفوا ويؤتمنوا على الوحي إن كانوا أنبياء، والإحسان إليهم، والتوفيق لهم، ~~وأن يبجلوا ويعظموا وتمتد النعم لديهم. فأما PageV02P1029 # خلقهم في الابتداء من مني فقد قلنا: إن الذي خلقوا منه لا يحكم له بتطهير ~~ولا تنجيس، والمنفصل المتنازع فيه لم يخلقوا منه، ثم مع كرامتهم وكونهم ~~أنبياء هو ذا يخرج منهم الغائط والبول والدم المتفق على نجاسته ولم ينقصهم ذلك. # والجواب الآخر: هو أنه لو وجب أن يكون طاهرا لأن الأنبياء خلقوا منه لوجب ~~أن يكون نجسا، لأن الفراعنة والطغاة قد خلقوا منه. # فإن قيل: فإن الله - تعالى - خلق آدم من ماء وطين، وهما طاهران فوجب أن ~~يكون ما خلق منه غيره من جنسه مخلوقا من طاهر؛ لمشاركته له في جنسه. # قيل: هذا غير لازم؛ لأنه لما لم يشركه في ابتداء خلقه لم تجب مساواته له ~~فيما ذكرتم. ألا ترى أن آدم لم ينتقل في رحم فيكون نطفة ثم علقة ثم مضغة، ~~والعلقة دم من سائر الدماء إذا انفصلت حكم لها بالنجاسة، فكذلك يجوز أن ~~يخلق ابن آدم من نطفة غير طاهرة. # فإن قيل: العلقة - عندنا - طاهرة. # قيل: هذا خارج عما عليه ms343 المسلمون؛ لأنها تتربى بدم الحيض الذي ينجس عند ~~الحمل، فهو يربي العلقة حتى تصير مضغة، ثم لا يزال ذلك عند الحمل حتى يسقط ~~إلى الأرض. # وقد روى سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر قال: مر بي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا أسقي راحلتين من ركوة بين يدي، PageV02P1030 # إذ تنخمت بأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة. فقال لي (يا ~~عمار ما تخامتك ولا دموع عينك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ~~ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيئ) فأخبر أن الثوب يغسل من المني ~~كما يغسل من سائر الأنجاس، وهذا يدل على نجساته لإضافته إلى سائر الأنجاس ~~في الغسل. # دليل: وجدنا الخارجات من البدن على ضربين: # فضرب مائع طاهر لا ينقض الوضوء ولا يوجبه كاللبن والدموع والعرق والبصاق ~~والمخاط. # والضرب الآخر: نجس ينقض الطهر ويوجبه، ويجب غسله، كالبول والغائط ودم ~~الحيض، ويجب غسل دم الرعاف والحجامة والفصاد إن لم ينقض الطهر - عندنا وعند ~~الشافعي -، ثم ثبت الإجماع على أن المني ينقض الطهر ويوجبه فوجب أن يكون من ~~قبيل البول والمذي ودم الحيض، وهذا ترجيح لقياسنا، ويصلح أن يكون دليلا ~~مبتدأ في المسألة، وبالله التوفيق. PageV02P1031 ### || AUTO فصل # قد تقدم كلامنا في أن المني إذا خرج يغير لذة لا يوجب الغسل، وسواء خرج ~~قبل البول أو بعده، فإذا خرج منه بقية المني بعد أن اغتسل سواء بال قبل ~~الغسل أولم يبل فإن الظاهر من قول مالك - رحمه الله - أن عليه فيه الوضوء واجبا. # وذكر بعض أصحابه أن الوضوء منه مستحب لا واجب. # قال: لأنه مني، والمني على وجهين: # أحدهما: أن تقارنه اللذة فالغسل منه واجب. # والوجه الآخر: إذا لم تقارنه اللذة فهو على وجه المرض فلا يجب PageV02P1033 # به الغسل ولا الوضوء، وهذا مني قد خرج عن حال العادة فينبغي أن لا يكون ~~فيه وضوء واجب كدم الاستحاضة الذي سقط الغسل فيه فسقط الوضوء فيه لخروجه عن أصله. # قال: وأيضا فإن هذا بقية مني قد اغتسل منه، ms344 وإنما منع من خروجها مرض ~~وعلة، لولا ذلك لخرج في جملة المني الذي قد اغتسل منه، وقد قامت الدلالة ~~على أن ما خرج من السبيل على وجه المرض فليس بحدث ينقض الوضوء، ولولا هذا ~~لوجب فيه الغسل كأصله. # والذي - عند أن الوضوء منه واجب على ظاهر قول مالك، وهذا الذي كان الشيخ ~~أبو بكر - رحمه الله - يختاره، وأصول مالك تدل عليه، وقد بينته في مسألة ~~الأحداث إذا خرجت عن وجه العادة واتصلت وتتبعت، والفرق بينها وبين ظهورها ~~المرة بعد المرة فعليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك فإن الوضوء فيه مستحب؛ ~~وذلك أن هذا قد يكون غالبا في الناس، وهو أن يبقى في القضيب من المني الذي ~~تقارنه اللذة بقية تظهر عند البول، وبعد ساعة، وذلك كالمعتاد أيضا، فينبغي ~~أن يكون فيه الوضوء واجبا؛ لأن الغسل قد تقدم في الدافق منه، وقد قارنته ~~اللذة فمضى حكم الغسل وصار كدم الاستحاضة الذي أصله قد اغتسل منه، وهو يجيء ~~مرة بعد مرة، وقد قال مالك: فيه الوضوء، كم اعتراه المذي المرة بعد المرة. # ولا يمتنع أن يجب فيه الوضوء؛ لأنه مائع قد يخرج من السبيل على وجه ~~العادة وإن لم تقارنه اللذة، وصار في حكم دم الاستحاضة على ما بيناه، فإذا ~~سقط فيه حكم الطهارة العليا لم يمتنع أن تجب فيه PageV02P1034 # الطهارة الصغرى؛ لأنه من ذلك الجنس خرج عن أصله إلى عادة فيه، ولا مشقة ~~في الوضوء منه، فإن اتصل وتابع تحققنا أن لمرض؛ لخروجه عن عادة الناس فيه. ~~مع شدة الكلفة في الوضوء منه، وليس إذا لم يكن معتادا لجميع الناس يخرج عن ~~أن يكون معتادا لأكثرهم أو كل لبعضهم، ويحكم له بحكم العادة. كما أن دم ~~الحيض ليس الغالب في كل النساء أن يحضن خمسة عشر يوما، ولكنه قد يكون ~~معتادا في بقية هذا الماء معتادا في أكثر الناس أو في بعضهم فيحكم له بحكم ~~عادته، وكذلك دم الاستحاضة قد يكون خروجه مرة بعد مرة عادة في بعض النساء ~~فيكون الحكم ms345 جاريا عليها على عادتها فيه، فيجب عليها فيه الوضوء منه؛ لأن ~~الدلالة قد أخرجته عن حكم الغسل ولم يتحقق فأحسن أحواله أن يكون بمنزلة ~~سائر الأحداث من البول والمذي والودي. ألا ترى أن من خالف فيه يستحب الوضوء ~~منه ولا يستحب الغسل، فهو كدم الاستحاضة الخارج عن أصله من دم الحيض، والله ~~أعلم. PageV02P1035 ### | AUTO [52] مسألة # حكي عن ابن وهب عن مالك - رحمه الله - أن من جس أو قبل أو فعل فعلا التذ ~~به وأكسل ولحقته الفترة ولم يظهر منه الإنزال حتى توضأ وصلى ثم اندفق منه ~~الماء فإنه يجب عليه الغسل وإعادة الصلاة. # والظاهر من مذهب مالك - رحمه الله - أن هذا المني إذا لم تقارنه اللذة في ~~حال خروجه أنه لا غسل منه ولا تعاد الصلاة التي مضت قبل خروجه. # ومن أصحابنا من قال: يغتسل من هذا المني، ولا يعيد ما صلى. # وهذا معناه - عندي - إن خرج مقارنا للذة أخرى زيادة على التي تقدمت. # والحجة لرواية ابن وهب قوله - تعالى -: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، PageV02P1037 # وقوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، والمجانبة في اللغة ~~المباعدة والمفارقة، فهو عموم في مفارقة الماء موضعه سواء خرج أو لم يخرج، ~~وعموم في مفارقة الرجل المرأة بعد لمسه أو جسه أو إيلاجه؛ لأنه مجامع لها ~~فإذا فارقها فقد جانبها إلا أن يقوم دليل، وهذا كقوله عليه السلام: (الكذب ~~مجانب الإيمان)، أي مفارقه، فكل من فارق شيئا فهو مجانب له. # وأيضا قول النبي عليه السلام: (الماء من الماء)، وهذا ماء قد ظهر فيجب أن ~~يغتسل منه إلا أن يقوم دليل. # فإن قيل: فإنما ووجب الغسل منه إذا خرج ولا يعيد الصلاة الماضية. # قيل: إنا خرج بلذة متقدمة، هي معدومة في حال خروجه، فأنتم بين أمرين: إما ~~أن يجب الغسل لأجل اللذة المتقدمة فقد صحت المسألة، أو يجب لظهوره مع ~~تعريته عن اللذة فهو خلاف مذهب مالك؛ لأن المني - عنده - إذا لم تقارنه لذة ~~لم يجب منه غسل، فإذا ثبت ذلك فإنما يجب بظهوره مع ms346 شيئ آخر، وهو اللذة، وقد ~~تقدمت لهذا الماء فيجب منه الغسل كما يجب بمقارنته، وإذا وجب ذلك وجبت ~~إعادة الصلاة لوجود الشرطين من اللذة والإنزال. PageV02P1038 # ووجه الرواية الأخرى - وهي الصحيحة -: هو أنه طاهر غير جنب قبل ظهوره فلا ~~يحكم له بحكم الجنب إلا بدليل، وما صلاة فلا تجب إعادته؛ لأنه أداه على ما كلف. # وأيضا فإن النبي عليه السلام قال: (لا صلاة إلا بطهور)، و (لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب)، وهذا قد تطهر وصلى وقرأ فصحت له الصلاة. # وأيضا فإن الجنب في الشريعة هو الذي لا يجوز له دخول المسجد مع القدرة ~~على الغسل، ولا الصلاة، ولا قراءة القرآن ولا مس المصحف، وهذا قبل ظهور ~~المني منه تجوز له هذه الأمور كلها إذا توضأ للجسة والقبلة التي قارنتها ~~اللذة، فإذا توضأ فليس بجنب، وقد جاز له فعل جميع ما ذكرناه وصلى، وله أن ~~يصلي وإن لم يغتسل قبل ظهور هذا المني، فلس يتناوله اسم جنب بحق الإطلاق. # وأيضا فقد دللنا على أن وجود المني إذا عري عن اللذة لا يوجب الغسل، ولا ~~يكون به جنبا، فكذلك إذا عريت اللذة عن ظهور المني لم يكن لها حكم، وصار ~~الحكم واجبا بوجودهما جميعا مقترنين في حالة واحدة، وكذلك حكم سائر الأحداث ~~لا تعتبر فيه مفارقة الحدث موضعه، وإنما يعتبر خروجه. ألا ترى أن الطعام ~~ينهضم بعد استحالته فينحدر إلى المعي السفلي، وكذلك يستحيل الماء ثم ينحدر ~~إلى PageV02P1039 # المثانة، ولم تعتبر فيه مفارقة مستقرة، بل اعتبر فيه خروجه على وجه الصحة ~~والعادة، ولم يحكموا له بحكم النجاسة إلا بعد ظهوره. # وأيضا فإن الصحابة اختلفت على وجهين، فقالت الأنصار: الماء من الماء، ~~فحكموا بالغسل عند خروجه، ولم يحك عن أحد أنه رد عليهم ذلك، ولا قالوا ولا ~~قيل لهم: إن الغسل يجب بمفارقة الماء موضعه، وخالفهم الباقون في الوجه ~~الآخر وهو التقاء الختانين، كما قالوا بالغسل من الماء ولم يقولوا ولا واحد ~~منهم: إن اللذة قد تقدمت، وفارق الماء موضعه وقد كان هذا أولى ms347 من أن ~~يستخرجوا إلى الخبر، ويقولوا: قال النبي عليه السلام: (إذا التقى الختانان ~~وجب الغسل)؛ لأن الحجة كانت عليهم أقوى إذا قالوا لهم: الماء من الماء سواء ~~فارق موضعه أو خرج من مخرجه وتأولنا نحن قولهم: الماء من الماء إذا خرج ~~مقارنا للذة. # فإن قيل: فإنه ظهر الماء بعد تقدم الفترة قلنا: إنه كمان جنبا، فانكشف ~~لنا ذلك عند طهور المني. # قيل: هذا يلزم في سائر الأحداث إذا ظهر الحدث بخروجه علمنا أنه كان محدثا ~~لمفارقة الحدث موضعه؛ لأن الإنسان قد يعلم ضرورة إذا لحقه الحقن الشديد، ~~ودافع الأخبثين أن الحدث قد PageV02P1040 # فارق موضعه، ولا يكاد يعلم بوجود الفترة والإكسال أن المني قد فارق ~~موضعه، فإذا لم يحكم للمحتقن بحكم الحدث حتى يظهر كان فيما يشك فيه أولى أن ~~لا يحكم له بحكمه حتى يظهر. # على أننا قد بينا أن الحكم يتعلق بوجود الشرطين معا في حالة واحدة، وهو ~~خروج المني مقارنا للذة، ولا يجب بوجود أحدهما منفردا على الآخر. # ومن جعل من أصحابنا في وجود هذا المني الغسل ولا تعاد الصلاة، وفرق بينه ~~وبين ما يظهر إذا لم تتقدمه لذة أو فترة بأن هذا قد تقدمته فترة وإكسال لم ~~ينفك من رواية ابن وهب؛ لأنه قد جعل الفترة المتقدمة شرطا، كما أن ظهوره ~~شرط، وإن افترقا فلابد أن يكون للفترة المتقدمة قسط في إسقاط حكم الصلاة ~~صلاها فتجب إعادتها، والله أعلم. PageV02P1041 ### | AUTO [53] مسألة # إذا حاضت المرأة الجنب فلا غسل عليها للجنابة حتى تطهر، ثم يجزئها غسل ~~واحد , هذا مذهب جميع الفقهاء إلا أهل الظاهر فإنهم يوجبون عليها غسلين. # والدليل لقولنا: أن هذه المرأة إذا انقطع دمها وكانت جنبا فاغتسلت جاز ~~لزوجها وطؤها لقوله - تعالى -: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأوهن من ~~حيث أمركم الله}، فإذا سميت متطهرة يجوز لزوجها وطؤها وصلت قبل الوطء فقد ~~دخلت تحت قوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور). # فإن قيل: فإنها جنب وقد قال الله - تعالى -: {ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا}، ms348 وقال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، فوجب أن تتطهر وتغتسل ~~للجنابة. PageV02P1043 # قيل عن هذا جوابان: # أحدهما: أن ظاهر الآية يتناول جنبا مفردا، وهذا جنب حائض ولم يرد لها ~~ذكر، فدليله أن الجنب الحائض بخلاف ذلك. # وأيضا إن هذه قد اغتسلت وفعلت ما سميت به طاهرة لقوله - تعالى -: {فإذا ~~تطهرن}، وليس في الظاهر: فاطهروا للجنابة دون الحيض، وكذلك قوله - تعالى -: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، ولم يقل: تغتسلوا للجنابة دون ~~الحيض، وهذا قد اغتسلت. # وأيضا فليس في الظاهر وإن كنتم جنبا، وفيه تنازعنا، فدليله بخلافه. # وعلى أن الظواهر كلها وردت بلفظ يتناول الذكور أو الذكور والإناث، وليس ~~فيها ذكر الإناث منفردات، وقد ذكرنا نحن ما يتناول الإناث منفردات بقوله - ~~تعالى -: {فلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن}، فهذا خاص فيهن فلا ~~يقربن حتى يطهرن بالماء، سواء تطهرن للجنابة أو للحيض؛ لأن المرأة هي التي ~~يجتمع فيها الأمران جميعا الجنابة والحيض. # على أن الأصول كلها تدل على أن الأحداث إذا كان موجبها واحدا واجتمعت ~~تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، كاجتماع البول والغائط والريح ~~والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، وكذلك لو وطئ دفعات كثيرة أجزأه غسل ~~واحد، وكذلك لو حاضت امرأة ثم PageV02P1044 # جنت أو برسمت، والدم ينقطع ثم يعود. أو تعمدت ترك الغسل حتى حاضت دفعات، ~~ثم اغتسلت أجزأها غسل واحد، فقد استوى حكم سائر الأحداث المختلف منها ~~والمتفق إذا اتفق موجبها في أن الوضوء الواحد أو الغسل الواحد ينوب مناب ~~صاحبه، ويدخل حكم بعضها في بعض، وكذلك مثل هذا في الحدود إذا اجتمعت وكان ~~موجبها واحدا سواء اتفقت أنواعها أو اختلفت، مثل أن يسرق مرارا، أو يشرب ~~الخمر مرارا، أو يقذف مرارا، أو يشرب خمرا ويقذف، فإن حدا واحدا ينوب عن ~~الآخر، وكذلك المحرم إذا قتل صيدا في الحرم فإن عليه جزاء واحدا، وإن كان ~~لو انفرد بقتله محرما دون الحرم وجب عليه جزاء واحد، ولو قتل حلال في الحرم ~~وجب عليه جزاء، ثم إذا قتله محرم في ms349 حرم وجب فيه جزاء واحد، فكذلك يجب على ~~الحائض الجنب غسل واحد؛ لأن الموجب واحد، وبالله التوفيق. PageV02P1045 ### | AUTO [54] مسألة # ومن معه إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر، واختلطا عليه فلم يعرف النجس من ~~الطاهر، ولا يقدر على غيرهما، وقد حضر وقت الصلاة - وهو على غير وضوء - ~~فظاهر قول أهل المدينة أن الماء لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه ~~على ما تقدم بيانه في الكلام في الماء. # وقال عبد الملك بن الماجشون: إنه يتوضأ من أحدهما ويصلي ثم يتوضأ من ~~الآخر ويعيد الصلاة. # وقال محمد بن مسلمة: يتوضأ من أحدهما ويصلي، ثم يغسل أعضاءه نم الآخر، ثم ~~يتوضأ منه ويعيد الصلاة. # وقال أبو حنيفة: لا يتحرى في الإناءين ويتركهما ويتيمم، وبه PageV02P1047 # قال المزني. قال أبو حنيفة: يتحرى في ثلاث أوان أو أكثر. # وقال الشافعي: يتحرى أحد الإنائين، فإذا غلب على ظنه طهارة أحدهما تطهر ~~منه وأراق الآخر. # وذهب عبد الملك ومحمد بن مسلمة في هذا إلى التغليظ في الماء القليل إذا ~~حلته نجاسة ولم يتغير، وقد شدد مالك الكراهية فيه، وإن كان الأصل في المياه ~~على ما ذكرناه؛ لقوة الخلاف فيه. # ووجه قول عبد الملك ومحمد: أنه إذا عمل هذا حصل وضوؤه بماء طاهر بإجماع؛ ~~لأنه إن كان الأول هو الطاهر فقد مضت صلاته PageV02P1048 # صحيحة باتفاق، وحصل ما بعدها ملغي، وإن كان الأول هو النجس فاستعماله ~~الثاني يزيل أثر الماء الأول، وتصح الصلاة به، وخاصة إن غسل الأعضاء ثم ~~توضأ، ويكون الأول النجس لغوا. # وكذلك يقولان في الثوبين أحدهما نجس، والآخر طاهر. # وكذلك يقول أبو حنيفة في الثوبين، ويفرق بينهما وبين الإناءين قال: لأنه ~~لو صلى في ثوب نجس أجزأه، ولو توضأ بماء نجس لم يجزئه، وهذا يلزمه في ثلاث ~~أوان وأكثر. # وأيضا فقد ثبت أنه لو نسي صلاة من يوم وليلة لا يدري أي صلاة هي من الخمس ~~الصلوات كلفناه أن يصلي الخمس الصلوات؛ ليكون قد أدى الفرض بيقين، فكذلك ~~ينبغي في الماء. PageV02P1049 # فإن قيل: فإنها عبادة ms350 تؤدى تارة بيقين، وتارة بالظاهر فجاز دخول التحير ~~عليها عند الاشتباه، أصله القبلة، اليقين فيها أن يكون بمكة في المسجد ~~معاينا للكعبة، أو بالمدينة فتصلي في محراب النبي عليه السلام فهذا يقين، ~~وأما الظاهر فهو أن تكون في بعض البلدان أو القرى فتشاهد مسجدا فيه قبلة ~~فيجوز أن تصلي إليها على الظاهر، مع جواز أن تكون القبلة غير تلك الجهة. # وأداء الطهارة بيقين مثل أن تتوضأ من دجلة فتتيقن أن الماء طاهر، وأما ~~الظاهر دون اليقين فمثل أن يجد ماء في إناء على الشط فيجوز له أن يتطهر ~~منه، وهذا الماء في الظاهر طاهر لا بيقين؛ لجواز أن يكون قد حلت فيه نجاسة ~~من ولوغ كلب قد أكل نجاسة هي على فمه أو غير ذلك من بول خنزير أو ترشيش فيه ~~من بول آدمي فيجوز التحري في الإناءين، كالقبلة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، ~~وليس عليه أن يصلي إلى الجهات كلها. # قيل: الفرق بينهما هو أن القبلة قد جوز تركها والصلاة إليها مع القدرة في ~~الصلاة التطوع في السفر , وللمسايف في وجه العدو وغير ذلك، وأما الماء ~~النجس فلا يجوز الوضوء به على وجه، فلهذا PageV02P1050 # طلب اليقين فيه كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات أنه يصلي الصلوات ~~كلها حتى يأتي على اليقين؛ لأن الصلاة لا يجوز تركها مع القدرة ولا مع العذر. # والدليل على أبي حنيفة: هو أن هذا الإنسان معه ماء طاهر بيقين يمكنه ~~الوصول إليه وأداء الصلاة به من الماء النجس فوجب أن يجوز له التحري فيه، ~~أصله الثلاث الأواني. # وأيضا: فإن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاث لوجهين: # أحدهما: أنه بالتحري يطلب الطاهر، ولا يتوصل إلى معرفة الطاهر إلا بمعرفة ~~النجس؛ لأه يطلب العلامة والأثر، والعلامة والأثر قد يكون على الماء النجس ~~من أثر الرجل أو قلة الماء وكثرته وما يشبه ذلك، فصار كأنه لا يطلب إلا ~~النجس، فإذا كان كذلك فتمييز الشيء بين شيئين أمكن وأقرب منه نم الثلاث ~~وأكثر، كما أن ms351 تمييز عبد أشكل أمره من بين عبدين أمكن منه وأسهل من بين ~~مائة عبد. # والوجه الثاني: هو أن التحري أن ينظر في كل إناء على الانفراد، ويضبط ~~صفاته ويحفظها حتى إذا وجد اختلاف الصفة حكم حينئذ إما بنجاسة أو طهارة، ~~فإذا ضبط (ذلك فهو إذا ضبط) صفة الإناء ثم نظر في الآخر كان أقر عهدا ~~بالأول منه أن ينظر في ثالث. # فإن قيل: فأنتم لا تتحرون بل تأمرون باستعمال الجميع. PageV02P1051 # قيل: نحن نقول يتحرى أولا فيتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طاهر ويصلي، ثم ~~يتوضأ بالآخر ويصلي احتياطا؛ لأنه قد يجوز أن يخطئ اجتهاده في الأول فإذا ~~احتاط بالثاني أصاب لا محالة. # فإن قيل: يلزمكم هذا في أكثر من إناءين حتى لو كانت أواني كثيرة وجب أن ~~يستعملها كلها، وهذا يشق. # قيل: إذا خرج إلى المشقة تركنا ذلك وتحرى الواحد. ألا ترى أنه لو اختلط ~~على إنسان أو أشكل أمر امرأتين وثلاث في أن إحداهن أخته من الرضاعة منعناه ~~أن يتزوج إحداهن، وقلنا له: احتط واترك الجميع، ولو اختلطت عليه بأهل بلد ~~جاز أن يتزوج إحداهن؛ لأن منعه من ذلك يشق، وكذلك لو اختلطت عليه شاة ميتة ~~باثنتين وثلاث من المذكاة وجب أن يمتنع من الجميع، ولو اختلطت بشيء كثير ~~جاز له أن يأكل. # فإن قال عراقي: إن هذا يشهد لنا؛ لأننا لا نتحرى في إناءين ونتحرى في ~~أكثر، كما قلتم في المرأتين إحداهما أخته من الرضاعة، وشاتين إحداهما ميتة. # قيل: قد فرقتم أنتم بين الموضعين؛ لأنكم لا تجيزون له أن يتزوج إحدى عشرة ~~فيهن أخته من الرضاعة، كما لا يتزوج واحدة من اثنتين، ولا تعملون في ~~الأواني كذلك؛ لأنكم لا تجيزون التحري في PageV02P1052 # إناءين، وتجيزونه في ثلاث. # فإن قال الشافعي: فقولنا أولى؛ لأنه يستمر في إناءين وثوبين، وفي اجتهاد ~~الحاكم والقبلة في أنه ليس عليه أن يحكم بالاجتهادين، ولا الصلاة إلى جهات ~~القبلة كلها. # قيل: أما الحاكم فإنه ينظر لقطع الخصومات، فإذا غلب على ظنه الحكم ~~لأحدهما حكم، فلو ms352 قلنا له: احكم للآخر أدى ذلك إلى إحكام الخصومة بينهما، ~~ولعل خصومتهما قبل هذا الحكم تكون أسهل، فلا يجوز أن يفعل ذلك، والصلاة حق ~~محضة لله فنعمل بما ذكرناه، وقد ذكرنا الفرق بين الإناءين وبين القبلة بما ~~فيه كفاية. # ويجوز أن نستدل على أبي حنيفة في تركه الإناءين وعدوله إلى التيمم بقوله ~~- تعالى -: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وبقوله: {وينزل عليكم من السماء ~~ما ليطهركم به}، وظاهر هذا طهارته، وبقول النبي عليه السلام: (خلق الله ~~الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم ~~يغيره شيء من ذلك، وقد قال - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، ولم يخص ~~ماء من ماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز العدول عنه إلى التيمم إلا بدليل. PageV02P1053 ### | AUTO [55] مسألة # من التيمم # الصعيد عند مالك - رحمه الله - هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، ~~سواء كانت حجرا لا تراب عليها أو عليها تراب، أو رمل أو زرنيخ أو غير ذلك. # وبه قال أبو حنيفة محمد وأبو يوسف إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف ~~قال: لا يجزئه. # وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا، إذا تيمم فلا بد أن يعلق ~~بيده منه شيء يمسح به وجهة وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب ومن ~~الممسوح به. PageV03P1065 # والدليل على لقولنا: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، ~~والصعيد اسم للأرض. قال - الله تعالى - {فتصبح صعيدا زلقا}، قيل: إنها أرض زلقة. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الخلائق يوم القيامة على ~~صعيد واحد» أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم ~~يخص - تعالى - صعيدا من صعيد. فأي أرض كانت فهي صعيد. وأراد بقوله: {طيبا} ~~أي طاهرا. # وقد قيل: إن الصعيد لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، ~~والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها ~~إلا أن يقوم دليل. # وقد ذكر ms353 ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب، PageV03P1066 # واسم للطريق، واسم للقبر. فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن ~~نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماد المشتركة، كقولهم: عين ~~ولسان لون. فقوله تعالى: {فيتمموا صعيدا طيبا} اسم نكرة في إثبات لا يكون ~~عموما، بل يكون شائعا في الجنس لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع ~~عليه اسم صعيد على طريق البلد، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس أحد، ~~فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، ~~فإنه لا يختص برجل دون رجل فأي رجل ضربه قد امتثل المأمور به، وإن كان ~~الجنس مختلفا فلاسم مشترك لا يمكن ادعاء العموم فيه، لا صرفه إلى وجه دون ~~وجه لا بدليل، فدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها. # وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت لي الأرض مسجدا طهرا، فأينما أدركتني ~~الصلاة فتيممت وصليت»، فذكر الأرض ولم يخص PageV03P1067 # موضعا منها، وجمع بين الصلاة والتيمم عليها، ثم آكد ذلك بقوله: «فأينما ~~أدركتني الصلاة تيممت وصليت». وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، ~~وفي موضع فيه رمل أو جص أو غير ذلك كما تدركه في أرض عليها تراب. # ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر أشياء، إلى أن ~~قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فأخبر أن PageV03P1068 # الطهور من الأرض ه ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من ~~الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره. # وأيضا: ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- فكان في حديثه أن قال: بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فأتاه ~~رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه ms354 حتى قام وضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه، ~~ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه، ومعلوم PageV03P1069 # أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى مسموح به. # وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أنه قال: ~~أجنبت فتمعكت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما كان يكفيك ~~هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه ونفخ فهيا، ثم مسح بها وجهه»، ~~فحكى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ في يديه ومسح بهما وجهه، وهذا نص على ~~أن التراب ليس من شرطه؛ إذ لو كان من شرطه لما نفخهما. PageV03P1070 # ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن قوم ~~جاءوا إلى رسل الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نكون في الرمال فلا ~~نقدر على الماء ثلاثة أشهر وأربعة أشهر، وفينا النفساء والحائض والجنب. ~~فقال: «عليكم بالأرض»، وهذا يدل على جواز PageV03P1071 # التيمم بالرمال؛ لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا ~~يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: ~~«عليكم بالأرض» أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه. # وأيضا فإن أحدا لا يمتنع أن يقول: جلسنا على الأرض، ونزلنا بأرض مصر ~~والبصرة والحجاز وبني فلان، وإن كان موضع الجبال والحجر. # وأيضا فإن التيمم ثبت على وجه الترفيه والرخصة فيما كان مضيقا على من ~~تقدم من الأمم فوجب أن لا يختص بموضع التراب كالصلاة، وهذا الذي دل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». # وأيضا فإن ما جاز أن يكون قرارا لماء جاز أن يتيمم به. أصله موضع التراب، ~~وهذا موجود في موضع الرمل. # وأيضا فإن موضع يجوز السجود عليه فأشبه موضع التراب. # فإن قيل: قوله تعالى -: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه}، فأمر بالمسح من الصعيد، فشرط الممسوح به؛ لأنه لا يقال: مسح منه إلا ~~بأخذه جزءا منه. واقتضى ms355 هذا أيضا أن يكون الصعيد ما يمكن الأخذ منه، وهو ~~اللين الناعم، وهذه صفة التراب، PageV03P1072 # وأنتم تجعلون الجبل صعيدا، وهو لا يمكن الأخذ منه. # وأيضا فإن قوله: {منه} يدل على التبغيض؛ لأن من للتبعيض والهاء في {منه} ~~كناية عن مذكر فهي ضمير التراب لأنه يذكر. # أحدها: أنه يجوز أن يكون {منه} صلة في الكلام، كقوله: {وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة}، والقرآن شفاء. # جواب آخر: وهو أننا لو سلمنا أنه أراد غير الصلة فإنما أراد به {منه} ~~الموضع الطاهر من الصعيد، والهاء كناية عن الصعيد - وهو مذكر - فتقديره من ~~بعض الصعيد، وهو المكان الطاهر الذي يجوز السجود عليه، وقد يذكر بعض أسماء ~~المواضع ويؤنث، مثل بدر وحنين PageV03P1073 # وواسط ودابق، وهذه مواضع من الأرض. # وأيضا فإن كل ما ليس له فرج فإنه يجوز أن يذكر ويؤنث، فيقال: أطفئ نارك، ~~وأطفئت نارك، وهدم دارك، وقد قال تعالى: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة}، {وأخذت ~~الذين ظلموا الصيحة}. # وأيضا فلو أراد - تعالى - بالصعيد الطيب التراب لقال: فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم به، ولم يقل: منه، فلما قال: دل على أنه أراد من الأرض أو مما ~~تصاعد من الأرض، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرجل ~~والجص وغير ذلك. # وأيضا فقد ورد القرآن في هذه الآية بقوله: {منه}، ووردت PageV03P1074 # آية أخرى قيل أخرى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}، وإن تيمم بتراب جاز ~~بقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}. # فإن قيل: يبنى المطلق على المقيد، فالمطلق قوله: {فامسحا بوجوهكم ~~وأيديكم}، والمقيد: {منه}. # قيل: لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل. # يحتمل أيضا أن يكن قوله - تعالى -: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه}. أي من المقصود، ولأن معناه: اقصدوا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم من المقصود الذي هو الصعيد، وقد ذكرنا أن اسم الصعيد حقيقة ~~إما أن يكون لنفس الأرض على ما ذكرناه، أو لما تصاعد منها فهو المقصود، ولا ~~يخص التراب منه دون غيره، وإن كان الصعيد اسما للأرض ولما تصاعد منها فذلك ~~مقصود لا ms356 يختص موضع تراب من موضع غيره. # فإن قيل: فقد روى أبو عوانة عن أبي مالك PageV03P1075 # الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها ~~لنا طهورا». PageV03P1076 # وروى عن سعيد بن مسلمة بهذا الإسناد عن حذيفة أنه عليه السلام قال: «جعل ~~ترابها طهورا»، وهذا نص؛ لأنه عليه السلام خص التراب بالطهور وما عداه فليس ~~بتراب، فدليله أن غير التراب ليس بطهور. # قالوا: وهذه زيادة في الخبر على قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، ~~فكان الزائد أولى. # قالوا: وأيضا فإن قوله عليه السلام: «جعلت الأرض مسجدا وطهورا» مطلق، ~~وقوله «وترابها طهورا»، مقيد، فيبنى المطلق على المقيد، كما علمناه وأنتم ~~في الشهادة في قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} بنيناه على قوله - تعالى ~~-: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، وكذلك أطلق - تعالى - قوله في موضع في الكفارة ~~فقال: {فتحرير رقبة}، PageV03P1077 # وقيدها في موضع بالإيمان، فلا يجوز من الرقاب في الكفارات إلا مؤمنة. # قيل: أما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على التراب فإننا نقول ~~بموجبه. ويجوز التيمم على التراب. # فأما دليله فلا يلزم: لأن الأرض هي غير التراب، والتراب غيرها فلا يخص ~~دليل الخطاب ما ليس من جنسه. ألا ترى أنه لما قال عليه السلام «في سائمة ~~الغنم الزكاة» كان دليله ألا زكاة في عاملة الغنم، ولا في عاملة البقر، ~~فكذلك دليل قوله: «ترابها طهورا» أن غير ترابها مما يضاف إليه ليس بطهور، ~~وكما لو قال: رملها طهور. لكان دليله أن ترابها ليس بطهور، وكذلك لو قال: ~~صوف الغنم طاهر. دل على أن لحمها وجلدها وقرنها ليس بطاهر. فأما أن يكون ~~نفسها ليس بطاهر فلا. # وإن جاز أن يكون في دليل الخطاب ما يعم الجنس وغير الجنس فهو ضعيف، وقضى ~~عليه القياس الذي ذكرناه فيحلق المسكوت عنه بالمنطوق به. # وقولكم: إن في خبركم زيادة هي ذكر التراب فإننا نقول بالزائد وبالمزيد ~~عليه، فنجوز الأمرين جميعا، وهذا ms357 زيادة في الحكم لا محالة فهو أولى من ~~الاقتصار على الزائد حسب. PageV03P1078 # وقولكم: إنما يبنى المطلق على المقيد في هذا فهو غلط من وجهين: # أحدهما: أنه يحتاج إلى دليل. # والوجه الآخر: هو أن الأرض المطلقة ليست هي تراب، والتراب ليس هو الأرض: ~~لأن التراب من الأرض بمنزلة الصوف من الغنم، والصوف ليس هو الغنم، فكذلك ~~التراب ليس هو نفس الأرض. # وأما الشاهد المطلق فهو المقيد بالعدالة، وكذلك الرقبة نفسها مقيدة ~~بالإيمان. # فإن قيل: ما روي عن عمار، وأن النبي عليه السلام ضرب بيديه الأرض ثم ~~نفخهما يجوز أن يكون نفخ حتى ذهب الغبارة وأثره، فيجوز أن يكن نفخ حتى جف ~~الغبار ولم يذهب الأثر، وهذه فعلة واحدة تحتمل، فإذا لم يعلم على أي وجه ~~وقت لم يصح الاحتجاج بها، ولا يدعي في ذلك العموم. # قيل: هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان الحكم فيه ~~يختلف لبين لعمار الحكم فيه، كان عمرا وغيره ممن حضر ينقلون تفصيل ذلك، هل ~~النفخ يزول معه الأثر أولا؟، وقد روي أنه قال لعمار: «أنفخ يديك»، ولم يفصل ~~له صفة PageV03P1079 # النفخ، وروي أنه عليه السلام نفض يديه. # فإن قيل: فقد روي أنه عليه السلام قال لأبي ذر: «التراب كافيك ". # قيل: قد روي: «التيمم كافيك»، وليس في قوله: «التراب كافيك وأن لم تجد ~~الماء عشر حجج» أكثر من أنه أعلمه أن التيمم يكفيه، هذا هو الغرض، ويجوز أن ~~يسمي له الأرض باسم التراب؛ لأن الغالب أنه يكون عليها. # وعلى أننا نقول بموجب الخبر، فيجوز التيمم بالتراب. # فإن قيل: دليله أن غير التراب لا يكفي. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن الحكم علي باسم له لم ين ما عداه بخلافه - عندكم -، وإنما ذلك ~~في الشروط في الأوصاف، والتراب اسم، ثم قد بينا أن الأرض غير التراب، دليل ~~التراب هو الرمل وغيره، فإن اقتضى دليله أن التيمم على الرمل لا يجوز سلمت ~~لنا الأرض التي لا تراب عليها، وإذا جاز التيمم على الأرض التي لا تراب ms358 ~~عليها سلمت المسألة. PageV03P1080 # وعلى أنه لو سلم الدليل لكان القياس الذي ذكرناه يخصه، فيصير تقديره، أن ~~غير التراب من الذهب والفضة والنحاس والحيوان وغير ذلك لا يجوز إلا في ~~الأرض الحجر وغير ذلك ما عدا الأنواع التي ذكرناها. وقد روي: «الصعيد ~~كافيك»، وإذا أمكن استعمال الجميع كان أكثر الفوائد. # فإن قيل: فإنه ممسوح في الطهارة فوجب أن يكون من شرطه ممسوح به. أصله مسح ~~أو الرأس في الطهارة. # وأيضا فإنه معدن في الأرض فوجب أو فلا يجوز التيمم له - يعنون الجص وغيره ~~- أصله سحالة الحديد والذهب والفضة. # وأيضا فإن ذلك يتمول على وجه العادة فوجب أن لا يجوز التطهر PageV03P1081 # به. أصله المائعات كلها من الخل وغيره. # وأيضا فإن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم لما تعلقت الجامد وجب أن تتعلق ~~بأعمها وجودا. # قالوا: وإن شئنا جوزنا فقلنا: هو أحد جنسي ما يقع به التطهر فوجب أن ~~يتعلق بأعمها وجودا. أصلها الماء. # قيل: أما القياس على مسح الرأس في الطهارة فلا نسلم قولكم: ممسوح في ~~طهارة؛ لأن التيمم ليس بطهارة على الإطلاق. # وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أن الحديث يرتفع، لا يتعرف في التيمم. # ألا ترى أن كل عضو من الأعضاء مثل الوجه واليدين لا بد أن يلاقيه الماء ~~في جميع أجزائه، وليس من شرط التيمم ملاقاة التراب لكل جزء من الوجه ~~واليدين. # وأيضا فإذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم أصلا كان سقوط الممسوح به ~~في الوجه واليدين أخف. # وقولكم: إنه معدن في الأرض فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة ~~فإننا نقول: إن الصعيد - عندنا - هو الأرض نفسها، فالتيمم يقع عليها، سواء ~~كانت جصية أو رملية، فأما على الكحل مفردا عن الأرض، وكذلك الجص وبالزرنيخ ~~فلا يجوز التيمم عليه، فلا يلزم ما ذكرتموه. PageV03P1082 # وقولكم: إنه يتمول في العادة، فإنه في حال ما يتمول لا يجوز التيمم به ~~فإما مع كونه مع الأرض فالمقصد الأرض لا هو. # وعلى أن الذهب والفضة كالمودعين في الأرض فليسا من جنسها. # وأما المائعات غير ms359 الماء فلا مدخل لها في شيء من الطهارات. ألا ترى أن ~~الاستنجاء بها لا يجوز، ويجوز بما (من جنس الأرض. # وأما قولكم: إن لطهارة هو لما تعلقت بالمائعات تعلقت بأعمها وجودا، وهو ~~الماء، فإننا نقول: إن الأرض في التيمم أعم وجودا، فهي في أن أحدا لا ينفك ~~منها كانت أعم وجودا من الماد، كما إنها عامة في الصلاة عليها، وشرط التيمم ~~- عندنا - أن يكون على الأرض دون ما ينفصل منها إلا في موضع ضرورة. مثل أن ~~يكون في مركب لا يقدر على الماء ولا على الأرض ومعه فإنه يتيمم به؛ لأجل ~~كون التراب مختصا من بين سائر ما ينفصل من الأرض فجوزناه للضرورة. # وعلى أننا إذا سبرنا قول المخالف في كون التراب شرطا كالماء وجدناه ~~فاسدا: لأن المأخوذ علينا في الطهارة بالماء أن يلاقي كل جزء من الأعضاء ~~جزء من الماء، وهذا غير مأخوذ علينا في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده ~~على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من ~~التراب شيء، وكذلك إذا مسح يده اليمنى بيده اليسرى فإلى أن يبلغ المرفق ~~ويديرها على باطن ذراعه لا يبقى منه شيء أيضا. وإذا كان هذا هكذا جاز في ~~الجزء الأول ما يجوز في الأخير، أو لا يجوز في الجزء الأخير إلا ما يجوز في ~~الأجزاء الأول، فلما لم توجبوا وجود التراب في الجزء الأخير وجب أن يكون PageV03P1083 # الأول مثله، هذا مع قوله - تعالى -: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}، فعم ~~الوجه واليدين في المسح منه، ولم يقل: ببعض وجوهكم وبعض أيديكم. # ومعنى آخر: وهو أن التيمم أخف أمرا من التطهر بالماء، لأن الماء يرفع ~~الحدث، والتيمم لا يرفعه. ألا ترى أن غسل جميع البدن في الجنابة يجب ~~بالماء، ثم مع التيمم يسقط جميع حكم البدن إلا في الوجه واليدين، فإذا سقط ~~ذلك في باقي البدن وهو الممسوح والممسوح به جاز أن يثبت المسح في الوجه ~~واليدين وسقط الممسوح به وهو التراب. # ويجوز إذا ms360 كنا مسئولين أن نبني المسألة على جواز ضربة واحدة في التيمم ~~للوجه واليدين. # فإن سلموا ل صحت المسألة: لأن كل عاقل يعلم أن الضربة الواحدة إذا مسح ~~بها الوجه خلت اليدان من التراب، ومع هذا فيجوز PageV03P1084 # أن يمسح بهما الذرعين، فلو كان التراب شرطا في كل جزء منه لما جاز ذلك. # وإن لم يجوزوا ذلك ولا سلموه لنا نقل الكلام إليه. # والدليل عليه: قوله - تعالى -: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه}. # وأيضا قول النبي عليه السلام لعمار: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ~~ثم تنفضهما ثم تمسح بهما كفيك ووجهك»، هذا موضع تعليم وبيان لا يجوز أن يهمله. # وكذلك روي أن عمارا حكى أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيديه على ~~الأرض، ثم نفشهما، وقيل: نفخهما مسح بهما كفيه ووجهه. # فقد تضمن هذه الخبر أدلة على المخالفين. # منها: أنه عليه السلام قال لعمار: «اضرب بيديك على الأرض» ولم يذكر له ~~التراب، فأكد الأمر فيه: ليعلمنا أن التراب ليس شرطا؛ لقوله: ثم ينفضهما. PageV03P1085 # ومنها: أنه جمع الوجه والكفين في ضربة واحدة. # ومنها: جواز ترك الترتيب؛ لأنه قال: «تمسح كفيك ووجهك»، وفي حديث «ثم وجهك». # ومنها: جواز الاقتصار في المسح على الكفين دون الذراعين، وجميع ذلك ~~مذهبنا. # وقد روى عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التيمم ضربة واحدة ~~للوجه والكفين». PageV03P1086 # وأيضا فقد ذكرنا أنه إذا ضرب بيده على الأرض فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ ~~حد الذقن لا يبقى في يده شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك، ولم ~~يحج أن يعيد ضرب يديه على الأرض لم يحتج أن يضر بيديه ليديه؛ لأنه ليس ~~كالماء الذي من شطره أن يماس كل جز من الأعضاء جزء من الماء. # وأيضا فلما أن التيمم لا يرفع الحدث وقد شرع فيه بإسقاط مسح الرأس ~~والرجلين في الحدث الأدنى، وأكثر البدن في الحدث الأعلى جاز أن يقتصر فيه ~~على ضربة واحدة للوجه والكفين. # فإن قيل في أصل المسألة: إن ms361 التيمم شرط يه المسح من أجل الحدث فيجب أن ~~يكن واقعا بشيء من أجل الحدث؛ قياسا على الخفين والجبائر. # قيل: هذا لا يجب؛ لأن المسح على الخفين جعل بدلا من غسل الرجلين مع ~~القدرة على غسلهما، فهو تابع لأعضاء قد غسلت فارتفع معها الحدث، وكذلك مسح ~~الجبائر هو تابع لما يرتفع معه الحدث، والتيمم لا يرفع الحدث. # ألا ترى أنه يسقط حكم أكثر البدن في الجنابة في غير مسح في التيمم، فلا ~~ننكر أن يجز المسح بغعي شيء أصلا بعد أن يضرب يديه على الأرض. # على أننا قد ذكرنا قياسا يجوز ما قلناه. # فإن قيل: فإن التراب خص بالذكر من بين سائر أنواع ما يخرج من الأرض، فصار ~~بارعا مشارا إليه دون غيره من الأنواع في باب الطهارة، كما خص الماء في ~~الطهارة من بين سائر المائعات، فلا ينبغي PageV03P1087 # أن يقوم مقام ما خص بالذكر غيره مما لم يذكر. # قيل: هذا لا يلزم: لأن الأرض نفسها قد خصت بالذكر، كما خص التراب، ولم ~~يخص في الذكر في الطهارة بغير الماء من المائعات. # على أن الماء قصد في نفسه؛ لأنه يرفع الحدث ويدفع الأنجاس عن نفسه وعن ~~غيره، التراب لم يقصد لذلك؛ لأنه في حكم غيره من سائر الجامدات، كما أن ~~الحجر خص في الاستجمار بالذكر، وقام غيره من الجامدات التي تنشف مقامه. # وقد روي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - لما نزلت آية ~~التيمم ضربا بأكفهم على الأرض، ولم يقبضوا شيئا من التراب، ثم مسحوا ~~أيديهم، فلو كان التراب شرطا لما ذهب لما عليهم مع مشاهدتهم التنزيل، وكون ~~النبي عليه السلام بينهم مبينا لهم أحكام ما ينزل عليهم، فيما ذكرناه من ~~المسألة كفاية وبلاغ، وبالله التوفيق. # وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ اليابسة، وهذه لا غبار عليها ولا تراب ~~يعلق باليد، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليها: لأنه جنس من ~~الأرض تجوز الصلاة عليه، والله أعلم. PageV03P1088 ### | AUTO [56] مسألة # ومن كان جنبا وبه حدث ms362 أصغر فتيمم معتقدا بتيممه أنه عن الحدث الأدنى لم ~~يجزئه، سواء نسي الجنابة أو كان ذكرا لها. # ذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه صلى بهذا التيمم أعاد الصلاة في الوقت، ~~هذا يدل على عن الإعادة مستحبة وأن التيمم مجزئ. # وقد روى ابن وهب والمدنيون عن مالك أن التيمم مجزئ ولا يعيد الصلاة، به ~~قال محمد بن مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. PageV03P1089 # وأظنهما يقولان: إنه يجزئ إذا نسى الجنابة، وأما مع العمد فلا يجزئه. # والدليل لقول مالك إنه لا يجزئه: قول النبي عليه الصلام: «إنما لامرئ ما ~~نوى». فدل أن ما لم ينوه لا يكون له، وها لم ينو بتيممه للجنابة. # فإن قيل: قد نوى الصلاة فينبغي أن يكن له ما نواه. # قيل: الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إما الماء أو التيمم من أجل أنه محدث، ~~وهذا لم يتيمم من أجل حدث الجنابة، ولا نوى استباحة الصلاة مطلقا؛ لأنه لو ~~نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها إلى الحدث الأدنى أجزأه. # وأيضا فد ثبت أنه لو قدر على الماء فتوضأ ونوى به الطهارة الصغرى لم ~~يجزئه عن الجنابة، والوضوء يرفع الحدث، ففي التيمم الذي هو أضعف لا يرفع ~~الحدث أولى ألا ينوب عن الجنابة. PageV03P1090 # وأيضا فقد ثبت أن للنية تأثيرا في التيمم، وذلك أنه لو نوى بتيممه ~~استباحة صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، وإن كان يستبيح الصلاة ~~بتيممه، لم تجعل نيته ها هنا ملغاة حتى يحصل مستبيحا للصلاة فيصلي به أي ~~صلاة شاء، عن كانت صورة التيمم واحدة، فإذا صرفه إلى النافلة لم يجزئه عن ~~الفريضة، فيجب إذا صرفه نيته بالتيمم إلى الحدث الأدنى أولى أن لا يجزئه عن ~~الحدث الأعلى. # وأيضا فإن الجنب يخالف المحدث؛ لأن المحدث يتعلق فرضه بأربعة أعضاء، ~~والجنب فرضه بسائر بدنه متعلق، فإذا كان أحدهما مخالفا للآخر فأخطأ في ~~اعتقاده، ونسي الجنابة واعتقد بتيممه الحدث الأدنى لم يجزئه، كما لو نسي ~~ظهر أمسه، فصلى وعنده أن عليه عصر أمسه لم يجزئه؛ لأن ms363 العصر وإن كانت ~~صورتها صورة الظهر فإنها مخالفة لها في النية، فإذا أخطأ في اعتقاده منع من ~~صحته، وكذلك إذا كان عليه كفارة من ظهار، فأعتق رقبة وعنده أن عليه كفارة ~~قتل لم يجزئه الرقبة عن الظهار. # فإن قيل: فقد روي أن الني عليه قال لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ~~ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسسه بشرته»، فجعل عليه السلام ~~الصعيد وضوء المسلم، فهو على عمومه في الأحوال كلها، أخطأ في الاعتقاد أو ~~لم يخطئ. # قيل: عنه جوابان: PageV03P1091 # أحدهما: أنه نبه بقوله: «وضوء المسلم» على أنه نائب عن الوضوء، والوضوء ~~يرفع الحدث الأصغر، وغسل الجنابة غير الوضوء من جهة الاسم الأخص. # والجواب الثاني: أنه عموم يخصه ما ذكرناه، ألا ترى أن الوضوء بالماء ~~وينوب تطوعه عن فرضه، حتى لو توضأ لصلاة نافلة جاز أن يصلي به فريضة، ولو ~~نوى بتيممه صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، فالتيمم للحدث الأدنى أولى ~~أن لا ينوب عن الحدث الأعلى. # فإن قيل: فإنهما طهارتان نيتهما واحدة فوجب أن يمنع الخطأ في تعيينهما من ~~صحتهما، أصله إذا كان عليها غسل من حيض فاعتقدت أن عليها غسلا من جنابة ~~فاغتسلت للجنابة، أو كان عليها غسل من جنابة فاغتسلت معتقدة أن عليها غسلا ~~من حيض، لا خلاف أنه يجزئها، فكذلك إذا تيممت وأخطأت في الاعتقاد، فأعتقدت ~~عن غسل الجنابة ونسيت الحيض، أو اعتقدت بالتيمم عن الحيض ونسيت الجنابة ~~فإنه يجزئها. # وقولنا: نيتهما واحدة معناه إنها تنوي في التيمم من الجنابة والتيمم من ~~الحدث استباحة الصلاة في الحدث الأصغر والأعلى كما هو في الحيض والجنابة. # قيل: إذا كان عليها غسل من حيض وغسل من جنابة فإن حكمهما واحد في غسل ~~جميع البدن، فهما كالحدثين الأصغرين حكمهما واحد، فصرف النية إلى أحدهما ~~[في الغسل والحكم] في الغسل والوضوء مجزئ، وكذلك في تيمم الحيض والجنابة ~~يجوز صرف النية PageV03P1092 # إلى أحدهما فينوب عن الآخر، وكذلك في الحدثين الأصغرين، وأما الوضوء من ~~الحدث الأدنى والغسل ms364 من الحدث الأعلى فهما مختلفان، فلا تنوب نية الأصغر عن ~~الأعلى في الماء ولا في التيمم. ألا ترى أنه لو توضأ فغسل الأربعة الأعضاء ~~ونوى ها الجنابة لم يجزئه، وكذلك لو اغتسل وهو جنب ونوى بغسله رفع الحدث ~~الأدنى لم يجزئه، فكذلك في التيمم. # وقولكم: إنه ينوي في الأمرين بالتيمم استباحة الصلاة فإننا نقول: إن نوى ~~بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفاه ويعينا عن الحدث الأصغر فإنه يجزئه، ~~وإنما الكلام إذا عين النية وقال: أستبيها من أجل الحدث الأصغر، فهو كما ~~ينوي بتيممه استباحة صلاة نفل، ولا يجزئ أن يصلي به الفرض، فلو أطلق النية ~~فقال: أتيمم لأستبيح الصلاة الفرض جاز أن يصلي به الفرض أو النفل، وكذلك ~~إذا نوى بتيممه استباحة الصلاة من أجل الجنابة التي به، وهو محدث أيضا ~~بالحدث الأصغر سحنون تيممه، ودخل الأدنى في الأعلى، كما لو اغتسل لجنابة ~~وبه حدث آخر، ونوى بغسله الجنابة أجزأه. # فإن قيل: فإن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان ~~لا يختلف بوجه؛ لأن المحدث يتيمم فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، ~~والجنب يتيمم فيسمح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، فإذا كان التيمم عن ~~الحدث كهو عن الجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان صح وإن أخطأ في الاعتقاد ~~ونفي؛ لأنه لو كان ذاكرا لم يفعل أكثر من هذا، فلم يترك من الفرض شيئا؛ ~~لأنه لو ... ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم. PageV03P1093 # ويفارق هذا الظهر الفائتة والعصر الفائتة؛ لأنه إذا فاتته ظهر أمس فعليه ~~أن ينوي ويعين نية الظهر. فإذا ظهر نوى عصر أمسه فلم يأت بالنية التي أخذت ~~عليه، وفي التيمم لو كان ذاكرا للجنابة فإنه يأتي بالنية التي يأتي بها إذا ~~كان ناسيا لها وهو استباحة الصلاة، وكذلك الكفارة إذا كان عليه كفارة من ~~ظهار فعليه أن يعين أن ذلك عن ظهار، وإذا نوى بها عن القتل فقد ترك النية ~~التي أخذ عليه إتيانها فلم يجزئ. # وفرق آخر بين الظهار والصلاة والكفارة، وهو أن الطهارة أوسع ms365 في باب ~~التداخل. ألا ترى أن الطهارات إذا ترادفت تداخلت فعلا، والصلوات الكفارات ~~إذا ترادفت لم تتداخل فعلا، فلا يجوز أيضا أن تتداخل في النية. # قيل: أما قولكم: إن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية فهو غلط، ~~وفيه اختلفنا، وإنما يصح ذلك لو نوى بتيممه استباحة الصلاة حسب، ولم يصرف ~~نيته إلى الحدث الأصغر، فأما إذا صرفها إلى الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ، وقد ~~بينا أن للنية تأثيرا في التيمم؛ بدليل أنه لو صرف نيته في التيمم إلى صلاة ~~نافلة أو نذر لم يصح أن يصلي به فريضة، ولو صرفها إلى صلاة فريضة جاز أن ~~يصلي به نافلة، فإذا كانت صورة التيمم في النفل والفرض واحدة - وقد اختلفتا ~~في النية - فكذلك صورة التيمم للحدث الأصغر والأعلى واحدة PageV03P1094 # ويختلفان في النية. وهذا كما قلناه في صلاة الظهر الفائتة صورتها صورة ~~صلاة العصر، وهو لو صرف النية إلى إحداهما لم تنب عن الأخرى المنسية، وهو ~~لو أطلق النية فقال: هذه قضاء عن الصلاة التي نسيت صح، فإذا صرفها إلى ~~غيرها لم يجزئه. # وقولكم: إن الطهارات أوسع في باب التداخل فإننا نقول: إنما يتداخل ... ~~إذا كان الجنس واحدا، فأما اختلفت لم يتداخل فعلا ولا نية. ألا ترى أنه لو ~~كان محدثا جنبا فتوضأ للحدث ولم ينو الجنابة لم يجزئه، ولو اغتسل ونوى ~~بغسله رفع الحدث الأدنى لم يرتفع حكم الجنابة، فبان بهذا سقوط ما ذكرتموه، ~~وكذ ... لك في كفارة الظهار، ولو أعتق وقال: هذه عن الكفارة التي على ~~أجزأه، ولو نسي فأعتقها عن قتل لم يجزئه عن الظهار، وليس عليه تعيين النية ~~للكفارة أيضا؛ لأنه لو كانت عليه كفارات من ظهار وقتل وكفارة صيام فأعتق ~~رقبة وقال: هذه على إحدى الكفارات التي على أجزأه، ولم يكن عليه أن يعين، ~~حتى لو أعتق ثلاث رقاب وقال: هذه عن الكفارات التي علي، لم يكن عليه أن ~~يعين رقبة دون رقبة عن كفارة دون كفارة، ولكنه إذا كانت عليه كفارة قتل ~~فأعتق رقبة، وقال: هذه عن ms366 الكفارة التي على أجزأه، سوءا ذكر وجه تلك ~~الكفارة أو نسيها، ومثله إذا تيمم وقال: أستبيح الصلاة فإنه يجزئه، فإذا ~~عينه عن الحدث الأصغر لم يجزئه وإن نشي الجنابة، كما لو نسي كفارة الظهار ~~فأعتق عن القتل لم يجزئه، والله أعلم PageV03P1095 ### | AUTO [57] مسألة # اختلف الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم. # فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق. # وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين ~~أعاد الصلاة في الوقت. # وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب. # ووافقنا الشافعي في قوله القديم، وأنه يجزئ إلى الكوعين، وهو قول الشافعي ~~في الجديد. PageV03P1097 # وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وابن جرير الطبري. # وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط. PageV03P1098 # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إلى الكوعين. # وعن ابن عمر وجابر إلى المرفقين. PageV03P1099 # والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين: قوله - تعالى -: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه}، فذكر اليد مطلقة فإذا مسح يده إلى الكوعين، قيل: قدي مسح يده. # وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين؛ بدليل قوله - تعالى ~~-: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، ثم قطع النبي عليه السلام ~~والمسلمون بعده من الكوع مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أخص أسماء اليد ~~هو إلى الكوع. # وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع يتناولها اسم يد حقيقية، ويتناول ما ~~بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول ~~اسميه أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض، ومن ~~مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما، وكذلك الأب يقع على الأب ~~الأدنى ويتناول الحد أيضا، فإذا قال لأبوية كذا، ثبت الحكم لأولهما - وهو ~~الأب الأدنى - حتى يقوم دليل. # وأيضا فإن الله - تعالى - ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى PageV03P1100 # المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز ~~المرفقين، فلم يكن التقييد ms367 في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في ~~موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق ~~بينهما إلا ما نقوله من المسح في التيمم إلى الكوعين؛ إذ لو أراد أن يكون ~~كالغسل لحده في الموضعين أو في أحدهما. # وأيضا ما روه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وهذا يتناولهما إلى ~~الكوعين. # وبهذا الإسناد عن عمار قال: أجنبت فتمعكت، وأخبرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب عمار بيديه على الأرض ونفخ ~~فيهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه. # ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى ~~الكوعين. أصله القطع في السرق. # ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ما سحا لما يسمى يدا على ~~الإطلاق. # وإن شئت أن نقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة - أعني ~~إذا كان إلى المرفقين -، فالاقتصار على المفصل الذي PageV03P1101 # دونه يجوز: لأن الدية تجب إصابته. # وإن شئت حررته على غير هذا اللفظ فقلت: قد اتفقنا أنه ... إذا مسح إلى ~~المرفقين أجزأه فكذلك إلى الكوعين، العلة فيه: أنه ماسح لمفصل من اليد تجب ~~الدية كمالا بإصابته. # فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}، وإطلاق اليد يقتضى إلى المناكب؛ بدليل حديث ~~عمار، وقوله: فمسحنا أيدينا إلى المناكب والآباط، وهم كانوا أهل لسان ولغة، ~~ففهموا من الآية الاستيعاب، وأن إطلاق اليد يتناولها إلى المنكب. # وأيضا ما رواه الأعرج عن ابن الصمة وهو أبو جهيم أن PageV03P1102 # رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه. # وروى نافع قال: مررت مع عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - فكان من حديثه أن قال: بال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه ~~رجل فسلم عليه فام يرد حتى ضرب بيديه ms368 إلى الحائط. PageV03P1103 # ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح ذراعيه. # وروى ربيع بن بدر عن أبيه عن جدة عن أسلع قال: أصابتني جنابة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «يا أسلع قم فارحل». فقلت: إني جنب، فكست ثم نزلت ~~آية التيمم، فقال: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما ومسح ~~بهما وجهه، ثم ضرب بهما PageV03P1104 # الأرض ثانيا ومسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما»، قالوا: وهذا نص. # قيل: أما ظاهر الآية في قوله - تعالى -: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~فإننا نقول: اسم اليد الأخص هو إلى الكوعين ما بعد ذلك مجاز؛ بدليل قوله - ~~تعالى -: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فعقل عليه السلام إلى الكوع، ~~وعقل المسلمون معه ذلك. # وأما حديث عمار وقوله: مسحنا إلى المناكب، فيحتمل أن يكونوا استظهروا ~~فمسحوا ما تناوله الاسم حقيقة وزادوا عليه مسح PageV03P1105 # المجاز. ألا ترى أن عمارا روى أن النبي عليه السلام قال: «يكفيك أن تضرب ~~بيديك الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك»، عبارة عن الإجزاء، فإنه عليه السلام ~~بين له أن المراد هذا دون ما مسحتموه إلى المناكب. ويحتمل أيضا أن يكون اسم ~~اليد حقيقة إلى الكوعين، وما بعده يتناوله السم يد حقيقة، فلما نزلت الآية ~~حملوها على الحقيقة في جميع ذلك، فأعمله النبي عليه السلام أنه يكفيه مسح ~~أدنى الحقائق وهو إلى الكوعين، قد قلنا: إن الحكم - عندنا - إذا أطلق يتعلق ~~بأول الاسمين، وأولهما هو إلى الكوعين كما قلنا في الشفق. # وأما ما روي عنه عليه السلام أنه مسح الذراعين، فنحمله على طريق ~~الاستحباب، ومسح اليدين إلى الكوعين هو الواجب؛ بدليل تعليمه عليه السلام ~~لعمار بدليل قوله: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين»، وروى: «ضربة ~~للوجه والكفين»، وموضع التعليم يفيد افرض والواجب. PageV03P1106 # فإن قيل: فقد قال لأسلع: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما ~~مسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ومسح بذراعيه»، ويكفيك عبارة عن الإجزاء ~~كما ذكرتم في حديث عمار. # قيل: قوله لأسلع: «يكفيك» في الواجب والمستحب، هذا حتى لا تجاوز إلى ms369 ~~المناكب، وقوله لعمار: «يكفيك» في الواجب حسب. # فإن قيل: التيمم رخصة، والرخص لا يطلب فيها الاستحباب والكمال. # قيل: هذا غلط؛ لأن مسح الخفين رخصة، ونحن نستحب فيه الكمال نمسح أعلاه ~~وأسفله، وصلاة التطوع القيام فيها أفضل من الجلوس ولو صلى جالسا أجزأه. # فإن قيل: فإنه بدل يقع في محل مبدله فوجب أن يكون في الاستيعاب كمبدله، ~~أصله الوجه في التيمم. # قيل: الوجه يتناوله الاسم حقيقة على وجه واحد. ألا ترى - تعالى - ذكر غسل ~~الوجه في الوضوء، وذكر مسحه في التيمم على وجه أحد، وليس كذلك اليد؛ لأن ~~اسمها حقيقة يتناول إلى الكوعين. ألا ترى - تعالى - فرق بينهما في الذكر، ~~فقيدهما في الوضوء بالمرفقين، وأطلقهما في التيمم، وكذلك علق النبي عليه ~~السلام وأصحابه معه من أن القطع من الكوعين، وقال عليه السلام عمار في ~~التيمم: «إنما تكفيك PageV03P1107 # ضربة للوجه الكفين» إن كان قد ذكر أيضا الذراعين، فقد فرق بينهما في ~~الخبرين، ولم يفرق بين الوجه في الوضوء والتيمم بوجه. # على أننا قد ذكرنا قياسا بإزاء هذا فهو أولى: لاستناده إلى استعمال ~~الأخبار. وإلى بيان الحقيقة في اليدين. # فإن قاسوا مسح اليدين في التيمم على غسلهما في الوضوء بعلة يذكرونها. # قيل: التيمم مبني على التخفيف. ألا ترى أنه يسقط عن الجنب مسح جميع بدنه ~~ألا وجهه ويديه فالاقتصار في اليدين على الكوعين مع تناول الاسم له [اسم ~~يدله] حقيقة أولى - وقياسنا يستند إلى التخفيف الذي قد حصل في أصل التيمم ~~فهو أولى من قياسهم الذي يؤدي إلى التشديد. # فإن قيل: فإن الله - تعالى - قيد غسل اليدين في الوضوء بالمرفقين، وأطلق ~~في التيمم اكتفاء بتقييده في الوضوء، كما أطلق الشاهدة في موضع اكتفاء بما ~~قيده بالعدالة في موضع آخر، وكذلك قيد الرقبة بالإيمان في القتل، وأطلقها ~~في موضع آخر اكتفاء بما قيده في القتل. # قيل: عنه جوابان " PageV03P1108 # أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل، وإنما علمنا ذلك في ~~الشهادة؛ لأن الغرض مناه التوثق الذي يقع الحكم به، لا يحكم بغير العدل ms370 ~~فلذلك اعتبرت العدالة. وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع ~~التكفير فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا ~~يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن. # ومع هذا فإن المطلق يبني على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة ~~أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل. ألا ترى أن الله - تعالى - ذكر غسل ~~الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب ~~أن يبني حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبني حكم الذراعين في التيمم على ~~تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة ~~عضوين في الوضوء، وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا ~~أربعة وفي غيره اثنان بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، لم بين ~~المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ~~ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعرض العدد الذارع الزائد ~~على الكف، وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان وأطلقت في كفارة الظهار، فبني ~~المطلق على المقيد من صفة الرقبة فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على ~~الأخرى في دخول PageV03P1109 # الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف. # فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون ~~التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء. # قيل: لو وجب هذا لوجب أن يمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما ~~سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم - وإن كان طهارة تنتقض بالحدث - كذلك في ~~مسح الذراعين. # ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ~~ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن ~~يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه. # فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في ms371 العذر وغير العذر ~~مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر ~~وعدمه مع القدرة على الكل، وأن يكنا على صفة واحدة، فكذلك ينبغي أن يستوفي ~~حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم ~~الركعتين في الحضر والسفر وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى ~~شطرهما في حال العذر. # قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة PageV03P1110 # لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين الذين هما دون ~~المرفقين. # وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام، وليس كذلك في التيمم ~~لوجهين: # أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء بين العضوين. # والوجه الآخر: وهو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع ~~والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء ~~مع جوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في ~~الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني ~~على التخفيف. # ونقول أيضا: إن الله - تعالى - ذكر اليد في موضعين هما المحارب والسارق، ~~فكان القطع فيهما من الركوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، ذكر ~~التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير مطلقا ~~وهو القطع في الشرق والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب. PageV03P1111 ### | AUTO [58] مسألة # ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته ولم يخرج منها، ~~وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور. # وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من ~~الصلاة واستعمال الماء ويبطل تيممه، وبه قال المزني. # غيرا أن أبا حنيفة نقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين. PageV03P1113 # ولا في صلاة الجنازة ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار إذا ~~وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة: لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، ~~وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه ms372 قطعها ولا استعمال السؤر: لأن سؤر ~~الحمار مشكوك فيه - عند أبي حنيفة - لا يدري أطاهر هو أو نجس؟. # وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة ~~أخرى إن أن صلى ركعة ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض. # والدليل لقولنا: استصحاب الحال؛ وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في الصلاة ~~وصح عقده لها، فمن زعم إنها تبطل أو يجب عليه الخروج منها فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {أوفوا بالعقود}، فهو عموم في كل عقد، وهذا عقد ~~الصلاة، وخروجه منها بعد عقدها ضد الوفاء. # وأيضا قوله - تعالى -: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم}، ~~فأمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا قد أطاعهما PageV03P1114 # بدخوله في الصلاة التي هي عمل، ثم نهى عن إبطالها بقوله: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم} والخروج منها فيه إبطالها، وهذا عام في كل عمل إلا أن يقوم بدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم أيديكم} إلى ~~قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ~~والمعلق بشرط يزول بزوال الشرط، والشرط هو القيام إلى الصلاة، وقد زال ~~وتقديره: أيها القائمون إلى الصلاة بخلافه؛ لأنه قد زال عنه الشرط الذي هو ~~القيام إلى الصلة. # فإن قيل: فإن الذي دخل في الصلاة مأمور بالقيام إلى باقيها، وهو صلاة، ~~فحكمه حك الابتداء. # قيل: لم يقل: إذا قمتم إلى بضع الصلاة، وإنما قال: {إذا قمتم إلى الصلاة} ~~وهذا حال الابتداء. ثم قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء} يدل على أنه طلب ~~فلم يجد، وهذه حال الابتداء، وبالدخول في الصلاة قد سقط عنه الطلب. # ومن السنة قول النبي عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، فنفى ~~إيجاب الوضوء إلا من هذين، وهذا لم يجد هذين ولا أحدهما. # وأيضا قوله عليه السلام: «من دخل في صلاة فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو ~~يجد ريحا»، وهذا غير واجد لهما ولا لأحدهما، فلا PageV03P1115 # ينصرفن إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فإنه إذا دخل في الصلاة بالتيمم صار مخاطبا ms373 بإتمامها المضي فيها؛ ~~لسقوط طلب الماء منه، وسقوط استعماله، فكل من سقط عنه طلب الماء سقط عنه ~~استعماله، وكل من وجب عليه الطلب وجب عليه الاستعمال إذا وجده؛ بدليل أن من ~~لم يدخل عليه وقت صلاة فإنه غير مخاطب بطلب الماء، فلم يكن مخاطبا ~~باستعماله، فإذا ثبت ذلك ثبت سقوط استعمال الماء لسقوط طلبه، وقد سقط عن ~~هذا الطلب بدخوله في الصلاة فسقط عنه وجوب استعماله إذا وجده. # وأيضا فإنها صلاة لو وجد سؤر الحمار فيها جاز له المضي فيها، ولم يلزمه ~~استعماله فوجب إذا وجد الماء المطلق أن يجوز له المضي فيها. دليله صلاة ~~العيدين والجنازة. # فإن قيل: المعنى في صلاة العيدين والجنازة هو أنه لو خرج منها واشتغل ~~بالماء لفاتته لا إلا بدل فلهذا جاز له المضي فيها مع وجوده، وليس كذلك ~~سائر الصلوات؛ لأن لها بدلا، هو يقضيها فلم يجز له أن يمضي فيها مع وجود الماء. # قيل: هذا باطل بالحدث؛ لأنه إذا أحدث في صلاة العيدين والجنازة لزمه ~~الخروج منها، ومع هذا فهي تفوته لا إلى بدل، وهو باطل أيضا بصلاة الجمعة ~~فإنها تفوت ولا تقضين وليس صلاة الظهر بدلا منا، بل هي بدل من الظهر، ومن ~~أصحابنا من قال: هي فرض مبتدأ. PageV03P1116 # وقولهم: وسائر الصلوات لا تفوت إلى غير بدل فلهذا لزمه استعمال الماء ~~باطل إذا وجد سؤر الحمار في الصلاة لا يلزمه استعماله وإن كانت لا تفوت. # وأيضا فإنه ماء لو وجده المتيمم في صلاة العيد ينجاز له المضي فيها ولم ~~يبطل فوجب إذا وده في غيرها من الصلوات أن لا يبطل تيممه. دليله سؤر ~~الحمار. # أو نقول: التيمم طهارة لاستباحه الصلاة، فرؤية الماء بعد الشروع فيها لا ~~يوجب الرجوع إلى الماء. دليله ... رأى سؤر الحمار لم يجب عليه الخروج من ~~الصلاة إليه. # فإن قيل: سؤر الحمار - عندنا - مشكوك فيه، هل هو طاهر أو نجس؟. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أنه - عندنا - طاهر متيقن غير مشكوك فيه. # والثاني: أنه لما كان كالماء المطلق في أن ms374 المتيمم لا يجوز له أن يستفتح ~~الصلاة إلا بعد استعماله، كذلك أيضا يجب أن يكن كالماء المطلق في خلال ~~الصلاة. # وأيضا فإنه قد عقد تحريمته بصلاة شرعية فوجب أن لا يلزمه الخروج منها عند ~~رؤية الماء وقدرته عليه. أصله كان متطهرا بالماء إلى رآه في خلال الصلاة. # ويجوز أن نقول: رؤية الماء في الصلاة أمر حادث لا يجوب فساد PageV03P1117 # صلاة الجنازة إذا وجد هذا الحادث فيها، ولا الرجوع إلى استعمال الماء فلم ~~تفسد سائر الصلوات، وكذلك سائر ما يوجد منها مما لا ينقض الصلاة والطهارة. ~~دليله الضحك الخفيف لما لم يفسد سائر الصلوات. # فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، فهو عام في كل واجد للماء، وهذا واجد؛ ~~لأن دليله على أن كل واجد للماء فإنه لا يتمم؛ لأن الشرط في جواز تيممه هو ~~عدم الماء. وهذا واجد له. # قيل: قد بينا أن المراد بالآية التيمم قبل الدخول في الصلاة لا بعد ~~الدخول فيها؛ لأنه - تعالى - خاطب القائمين إلى الصلاة إذا لم يجدوا الماء ~~تيمموا، ومن كان في الصلاة لا يقال له: قم إلى الصلاة، وهو قائم فيها. # ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - أمر باستعمال الماء من إذا كان عادما له جاز ~~له أن يتيمم، والمتيمم في الصلاة لعدم الماء لا يجوز له أن يتيمم في خلال ~~الصلاة، فدل على إنها لم تتناول الداخل في الصلاة. # فإن قيل: فقد روي عن أبي ذر أن النبي عليه السلام قال: «الصعيد الطيب ~~وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، ولم ~~يمض من يجده قبل الصلاة أو في خلالها. PageV03P1118 # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أنه لا حجة فيه في موضع الخلاف؛ لاه يقتضي أن الصعيد وضوء المسلم ~~وأنه يقع به التطهير كما يقع بالماء، ونحن كذلك نقول. # ثم وجود الماء يلزمه استعماله في الموضع الذي يجوز له أن يبتدئ التيمم مع ~~عدمه، وفي الصلاة لا يجوز له ms375 ابتداد التيمم، فإنما أراد - تعالى - وجده في ~~الموضع الذي يمكن فيه استعماله، ولم يرد وجود الماء في العالم؛ لأنه لا ~~يفقد في العالم، فإذ كان المراد وجوده الذي يقدر معه على استعماله فلا فرق ~~بين عدم القدرة على استعماله من جهة بلية به، أو من جهة الشرع، وهو غير ~~قادر عليه من جهة الشرع؛ لأن الصلاة المدخول فيها بحكم الشرع تمنعه منه. # والدليل من جهة الشرع: هو إجماع المسلمين على صحة دخوله في الصلاة، ولزوم ~~المضي فيها. # وعلى أنه عام فيه قبل الصلاة وفي الصلاة، وخبرنا في قول النبي عليه ~~السلام في المصلي: «لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» أخص منه؛ لأنه ~~يتناول من هو في الصلاة. # فإن قيل: خبركم هو أورد فيمن يحلقه الشك وهو في الصلاة هل أحدث أو لا؟ ~~لأنه قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة بين أليتيه، فلا ينصرفن ~~حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». PageV03P1119 # قيل: التعلق بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا ينصرفن» إلا ~~السبب. فإن قيل: فإن هذا متيقن للحدث؛ إذ التيمم لا يرفعه. # قيل: ومع وجود الحدث منه أمرا بالتيمم واستباحة الصلاة، ووجب عليه المضي ~~فيها، فلا ينقض عليه ما دخل فيه واستباحه بحدوث الماء في خلالها. # فإن قيل: فإنه قد وجد ماء متيقنا مقدورا على استعماله طاهرا فوجب أن ~~يلزمه استعماله، كما لو وجده قبل الدخول في الصلاة. # وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن ينقطع حكمها بزوال الضرورة كطهارة ~~المستحاضة؛ لأن المستحاضة تتطهر للصلاة، وتصلي ودمها سائل، ثم لو انقطع ~~الدم لما رأت الضرورة لزمها أن تتوضأ وتغسل أثر الدم. # وأيضا فإن كان ماء بقدر عليه قبل التلبس بالصلاة لزمه المصير إليه، فإنه ~~إذا قدر عليه بعد التلبس بها لزمه المصير إليه، كالقدرة على القيام، ~~والقدرة على القراءة، والقدرة على ستر العورة؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة ~~لو كان قادرا على أن يصلي قائما لم يجز أن يصلي قاعدا، ثم لو كان عاجزا عن ~~القيام ms376 فاستفتح الصلاة قاعدا، ثم قدر على القيام لزمه أن يقوم، وكذلك لو ~~كان يحسن أن يقرأ لم يجز له أن يصلي بغير قراءة ثم لو كان لا يحسن القراءة ~~فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميا فيدخل في الصلاة ~~ويلقن آية من PageV03P1120 # القرآن لزمه أن يقرأ، وكذلك لو كان قادرا على ستر عورته لم يجز له أن ~~يدخل في الصلاة مكشوف العورة، ثم لو كان عاجزا عن ذلك فاستفتح الصلاة ثم ~~قدر على سترتها لزمها أن يسترها، كذلك الماء في التيمم مثل ذلك. # قيل: أما قياسكم عليه لو جده قبل الدخول في الصلاة فإنه غير صحيح؛ لأن ~~قولكم: طاهر متيقن لا تأثير له إذا وجده قبل الدخول فيه؛ لأن المتيقن ~~والمشكوك فيه من سؤر الحمار بمنزلة واحدة في أنه يلزمه استعماله، ولا ~~يستفتح الصلاة قبل استعماله. # على أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة. # ثم إن المعنى أن الأصل هو أنه قادر على الماء في وقت الطهارة، ألا ترى ~~أنه تلزمه المسألة والطلب ممن يظن معه ماء وأنه يعطيه، فلهذا لزمه ~~استعماله، وليس كذلك إذا وجده بعد الدخول في الصلاة؛ لأنه وجده بعد فوات ~~وقت الطهارة؛ لأن فرض المسألة قد سقط عنه، وسقط الطلب فلم يلزمه استعماله، ~~مثل ما لو وجده بعد الفراغ من الصلاة. # وأما قياسكم: على المستحاضة فغلط؛ لأن طهارتها قبل الدخول في الصلاة ليست ~~بواجبة - عندنا -، وإذا انقطع دمها في الصلاة مضت على صلاتها ولم تخرج. # على أنه منتقض بصلاة العيدين والجنازة. # على أن الفرق بين الموضعين هو أنه إذا انقطع دمها وهي في PageV03P1121 # الصلاة فإن عليها نجاسة مقدورا على إزالتها، وهو أثر الدم، ولم تأت ببدل ~~على تلك النجاسة، فلهذا لم يجز لها أن تمضي على صلاتها حتى تتطهر، قبل ~~انقطاع الدم فهي نجاسة لا يقدر على إزالتها؛ لأن الدم سائل فعفي لها عنه، ~~وجازت صلاتها، وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه قد أتى ~~بالبدل الذي هو التيمم على الطهارة فجاز ms377 له أن يمضي في صلاته. # وما ذكرتموه من القيام والقراءة وستر العورة فإنه باطل بسؤر الحمار. # وعلى أن المعنى في هذه الأشياء هو أن استعمالها والمصير إليها لا يبطل ~~عليه شيئا قد مضى من صلاته فلم يلزم ما ذكرتموه؛ لأن المتيمم إذا وجد الماء ~~في خلال الصلاة بطل عيه ما مضى من صلاته ولم يبن عليه # فإن قيل: فإن التيمم بدل عن الطهارة كما أن المسح على الخفين بدل عن غسل ~~الرجلين، ثم لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة، ثم انفتق خفه وظهرت رجله لزمه ~~أن يغسلها ويخرج من الصلاة؛ لأن المبدل قد ظهر، كذلك إذا تيمم ثم وجد الماء ~~في الصلاة لزمه أن يعود إلى الأصل وهو المبدل. # قيل: هذا باطل بصلاة العيدين والجنازة؛ لأنه لو مسح على خفيه ودخل في ~~الصلاة - أعني العيدين والجنازة - وانشق خفه وظهر قدمه لزمه أن يغسل رجليه ~~ولم تصح صلاته إلا بذلك، ولو وجد الماء لم يلزمه استعماله ولا الخروج من ~~صلاته. PageV03P1122 # وعلى أن إسقاط فرض الصلاة بالتيمم مع وجود الماء أوسع. ألا ترى أنه إذا ~~كان واجدا للماء واحتاج إلى تبقيته لعطشه فإنه يتيمم ويصلي مع قدرته على ~~استعمال الماء، وسقط عنه الفرض، ولا يسقط فرضه أصلا إذا ظهرت رجله بعد أن ~~مسح على خفيه. # فإن قيل: فإن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء لم يجز لها أن تعتد ~~بالشهور، والشهور بدل من الأقراء، ثم لو كانت من أهل الشهور مثل الصغيرة ~~التي لم تحض فاعتدت بالشهور إلا ي ما، ثم رأت الدم وصارت من ذوات الأقراء ~~لزمها أن ترجع إلى الأقراء وتعتد بها، ولم يجز لها أن تكمل العدة بالشهور؛ ~~لوجود المبدل، فكذلك المتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة لم يجز له أن ~~يكمل الصلاة، بل يلزمه أن يستعمل الماء ويخرج من الصلاة. # وأيضا فإن رؤية الماء بعد التيمم حدث كسائر الأحداث؛ بدليل أن رجلين ~~محدثين لا يجد أحدهما الماء فتيمم، ووجد الآخر الماء فتطهر، ثم لو أحدث ~~المتطهر ms378 منهما قبل الصلاة بطل حكم طهارته، ولم يجز له أن يصلي بها، ولو رأى ~~المتيمم منهما الماء قبل الدخول في الصلاة لم يجز له أن يصلي بالتيمم. فما ~~كانت رؤية الماء كالحدث قبل الصلاة فكذلك في الصلاة. هذا والذي قبله سؤال ~~المزني. # قيل: إن التي اعتدت بالشهور ثم رأت الدم في آخرها فإنها تنتقل إلى ~~الأقراء، ولكن ما مضى لها من الشهور لا تبطل ويحسب لها PageV03P1123 # به قروءا، ولو جنبا على المتيمم في الصلاة الرجوع إلى الماء بطل عليه ما ~~مضى منها؛ لأنه لا شيء عليه ويستأنف الصلاة. فقد بأن الفرق بين الموضعين. # وأما السؤال الثاني فإننا نقول: لو كانت رؤية الماء حدثا لم يفترق حكم ~~طهارة المتيمم المحدث ولا حكم الطهارة الميمم الجنب؛ لأنه حدث واحد، والحدث ~~الواحد لا يوجب الطهارة العليا والطهارة الأدنى جميعا، فلما اتقنا أن ~~المتيمم الجنب إذا وجد الماء اغتسل لجنابته، والمتيمم المحدث إذا ... وجد ~~الماء غسل أربعة أعضائه دون سائر بدنه علمنا أن رؤية الماء ليس بحدث في نفسه. # وعلى أن رؤية الماء في الصلاة لو كان حدثا لوجب إذا رأى الماء وهو محتاج ~~إليه لعطشه أن ينتقض تيممه؛ لأنه لا فرق بين الأحداث PageV03P1124 # إذا وجدت مع الضرورة أو غير الضرورة فإنها تنقض الطهارة، فلما اتفقنا على ~~أنه يصلي بتيممه إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش سقط أن يكون في نفسه ~~حدثا، وهو خلاف الجماع. # ولنا أن نقلو: إن الصلاة هي المقصود بالتيمم، والتيمم لا يراد لنفسه، ~~فحصول المقصود الشروع فيه بالبدل يمنع من إيجاب العد إلى المبدل. دليله: ~~إذا شرع في صوم التمتع فإنه يمنع من العود إلى المبدل الذي هو الهدى ... ~~إذا وجده. # وأيضا فإننا لو أوجبنا عليه الخروج من الصلاة واستعمال الماء لجاز أن ~~يفوته وقت الصلاة المضيق، ومراعاة الوقت بطهارة غير كاملة أولى من أدائها ~~في غير الوقت بطهارة كاملة، الدليل على ذلك: عادم الماء والمريض الذي لا ~~يقدر على استعماله، ومن معه ماء يخاف العطش على نفسه فغنهم ms379 يتيممون لمراعاة ~~الوقت، ولا ينتظرن خروج الوقت حتى يقدروا على استعمال الماء. فصار قياسنا ~~أولى من قياسهم؛ لأنه يؤدي إلى وقوع الصلاة في وقتها بالتيمم الذي لا ~~ينافيه وجود الماء في حال ما. # فإن قيل: اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الصلاة ~~أولى، فتكون العلة في الابتداء والانتهاء واحدة؛ لشهادة الأصول لها. ألا ~~ترى أن وجود الردة بعد عقد النكاح يرفع حكمه، كما لو كان موجودا قبل النكاح ~~لم يجز أن يبتدأ، وكذلك الرضاع وملك أحد الزوجين صاحبه، فيستوي حك ابتدائه ~~وانتهائه، فكذلك المتيمم إذا وجد الماء في الابتداء قبل دخوله في الصلاة ~~منع منه، فكذلك مذ ورد في انتهائها. PageV03P1125 # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة، وبسؤر الحمار. # والجواب الثاني: هو أن العلل على ضربين، فعلة للابتداء دون الانتهاء، ~~وعلة الابتداء والانتهاء. # فأما علة الابتداء دون الانتهاء فهي مثل الإحرام [لم] يمنع ابتداء ~~النكاح، ولو طرأ على النكاح لم يبطله، وكلك في وجود الطول وخوف العنت ~~يمنعان من صحة عقد نكاح الأمة، ولو عقد عند عدم الطول وخوف العنت، ثم وجد ~~الطول وزال العنت لم يؤثر في صحة ذلك، فهذه علل الابتداء لا الانتهاء. # وأما علل الابتداء والانتهار فهي كالرضاع والردة وملك أحد الزوجين صاحبه ~~على ما ذكرتم، فلم يجز اعتبار وجد الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل ~~الدخول فيها بما ذكرتموه دون اعتباره بما ذكرناه. PageV03P1126 ### | AUTO [59] مسألة # ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانت ~~إحداهما فائتة والأخرى في وقتها. # واختلفت الرواية عن مالك في الفوائت، فالظاهر المعمول عليه: أنه يتيمم ~~لكل صلاة. وروى عنه: أنه يكفي لها تيمم واحد وبهذه الرواية قال أبو ثور. # ووافقنا الشافعي في أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا ~~لوقتهما أو كانتا فائتتين، وبه قال الليث، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. PageV03P1127 # وهو مذهب علي، وابن عباس وابن عمر. # ومن التابعين وغيرهم سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، ms380 ~~والشعبي، وربيعة، وابن أبي سلمة. # وقال أبو حنيفة: التيمم كالوضوء بالماء، يصلي به من الحدث PageV03P1128 # إلى الحدث وبه قال الحسن، والثوري. # والدليل لقولنا: قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، وهذا يقتضي أن كل قائم إلى الصلاة ~~تلزمه الطهارة إذا كان واجدا للماء، فإذا عدمه تيمم. # والدليل على أن الظاهر يقتضي ها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~جمع بطهارة واحدة بين صلوات في عام الفتح، قال له عمر رضي الله عنه: فعلت ~~هذا عامدا؟. قال «نعم» فعلم أنهم فهموا من الآية وجوب الطهارة عند كل قيام ~~للصلاة. # فإن قيل: إن هذا لا يلزم من أربعة أوجه. # أحدها: أن الأمر بمجرده لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة واحدة. # قيل: قد اختلف أصحابنا في ذلك، فمن قال: إنه بمجرده [لا] يقتضي التكرار ~~لم يلزمه هذا السؤال. # ومن قال: يقتضي فعل مرة - إليه أذهب - يقول: إنه يقتضي فعل PageV03P1129 # مرة واحدة إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل ها هنا على أن المراد ~~التكرار لا مرة واحدة؛ لأن الإجماع قد حصل على أن الطهارة واحدة لا تكفي ~~الإنسان في طول عمره. # قالوا: فإن الله - تعالى - أمر بالطهارة لجنس الصلوات؛ لأن الألف واللام ~~في الصالة للجنس، وهذا يقتضي أنه إذا تطهر فإنما يتطهر للجنس، فإذا تيمم ~~فإنما يتيمم لجنس الصلوات فيصلي الصلوات كلها بالتيمم إلا أن يقوم دليل. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} قد عقل منه أنه يحتاج إلى القيام ~~عند كل صلاة، وقيام واحد لا يكفي لكل صلاة، فكذلك الوضوء والتيمم؛ لأنه ~~يفعل عند كل قيام إلى الصلاة. # والجواب الآخر: هو أنه - تعالى - أراد التيمم لهذا الجنس الذي هو الصلاة ~~دون غيره من الأجناس التي ليست بصلاة، وإذا تيمم لصلاة فقد تيمم لهذا ~~الجنس؛ لأن الإجماع به قد حصل على أنه لم يرد التيمم لجميع الصلوات في ~~الدنيا وما عاش. # قالوا: فهذا يقتضي أنه إذا قام إلى ms381 الركعة الثانية تيمم لها: لأنه قائم ~~إلى الصلاة. PageV03P1130 # قيل: القيام إلى الصلاة لا يقلا لمن هو في الصلاة، والله - تعالى - أمر ~~بالتيمم إذا قام إلى الصلاة. # قالوا: فإن الله - تعالى - قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، ~~ثم قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وحكم المرتب حكم المرتب عليه، فلما قامت ~~الدلالة على أنه يجوز أن يصلي فرائض كثيرة بطهارة واحدة كان بالتيمم مثله؛ ~~لأنه إذا تغير حكم المرتب عليه تغير حكم المرتب، وهذا خير أسئلتهم. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن التيمم غير مرتب على الطهارات، بل هو حكم مستأنف؛ بدليل أن ~~الله - تعالى - لو نسي الطهارة بالماء لم يبطل حكم التيمم، وإن كان التيمم ~~غير مرتب عليه فتغير حكم الطهارة على ما يقتضيه الظاهر لا يوجب تغر حكم ~~التيمم. # والجواب الثاني: هو أن تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوه ~~فتيمموا، فإذا تطهر بالماء عند القيام إلى الصلاة أخرى لم يلزمه أن يتطهر؛ ~~لأنه ليس بمحدث والله - تعالى - أمر المحدث بالطهارة عند القيام إلى ~~الصلاة، والمتيمم محدث عند القيام إلى لصلاة الثانية فوجب أن يتيمم. # وأيضا فقد روى سعيد بن المسيب قال: مضت السنة أن لا يجمع PageV03P1131 # المتيمم بين صلاتي فرض السنة يقتضي سنة النبي عليه السلام إلا أن يقم دليل. # وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة؛ لأنه روي عن عي وابن عمر وابن عباس ~~وأنهم قالوا: لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض، PageV03P1132 # وانتشر ذلك عنهم، ولم ي ظهر لهم مخالف. # وأيضا فإنه لا يجوز له أن يتيمم للصلاة مع استغنائه عن التيمم لها. ألا ~~ترى أنه لو تيمم مع وجد الماء لمي صح، فإذا ثبت ذلك فإنه إذا تيمم لصلاة ~~الظهر، فهو مستغن عن التيمم للعصر، فلم يجز أن يكون هذا التيمم لصلاة العصر. # وإن شئت غيرت العبارة فقلت: إن الصلاة الثانية لم يدخل وقتها. PageV03P1133 # ولم يفتقر إلى التيمم لها، وكل تيمم مستغنى عنه غير مضطر إليه ms382 لم يجز ~~أداء الفرض به. دليله: التيمم مع وجود الماء. # ونقول أيضا: إن التيمم طهارة بدل قد قصرت عن المبدل، فقصرت عنه في الوقت ~~أيضا؛ لأنها لا ترفع الحدث. # وأيضا فإن عليه طلب الماء وهو محدث للصلاة الأولى: فإذا لم يجد الماء بعد ~~الطلب تيمم، فكذلك عليه في الصلاة الثانية مثل ما في الأولى، فإذا لم يجد ~~الماء وجب عليه التيمم؛ لأنهما قد اشتركا في وجود الطلب لهما من أجل الحدث، ~~والمتيمم محدث عند الصلاة الثانية لا محالة. # فإن قيل: لا نسلم أن عليه طلب الماء. # قيل: حقيقة قول القائل لم أجد كذا: معناه طلبت فلم أجد، وإن وقع ذلك على ~~غير طلب فهو مجاز، ويكون معناه: لم أقدر. # على أننا لا نعلم أحدا من الناس يريد الصلاة وهو محدث إلا وهو يطلب الماء ~~سواء كان الماء في رحله أو أبعد منه إلا أن يكون جالسا في الماء فإنه قادر، ~~أو من يسقط عنه استعمال الماء مع وجوده لعذر فإن هذا ... أو غير مراد ~~بالآية، وإنما الآية في غير المعذورين. # وأيضا فقد حكى عن أبي حنيفة أن المحدث لا يجوز له التيمم لصلاة المغرب ~~قبل وقتها. فإن ثبت هذا من مذهبه فإنه إذا جمع بين صلاة العصر والمغرب ~~بتيمم واحد فقد صار متيمما لصلاة المغرب قبل PageV03P1134 # وقتها، فنقض أصله في ذلك. # ويجوز أن يقال له: كل متيمم قبل وقت الصلاة لا يجوز له ذلك، دليله صلاة ~~المغرب. # وأيضا فإن أبا حنيفة يقول: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فنقول: إذا ~~توضأت لوقت الظهر وصلت الظهر ثم دخل وقت العصر وجب عليها أن تتوضأ أيضا ~~لوقت العصر، ولا يجوز أن تصلي العصر بطهارة الظهر بل المستحاضة - عنده - ~~تصلي الفوائت بطهارة واحدة. وعندي أن المستحاضة إذا لم يكن دمها متصلا، ~~وكانت صلاتها تسلم بالوضوء توضأت. فإذا ثبت إنها لا تجمع بين الصلاتين ~~بوضوء واحد قلنا: هما صلاتا فرض فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما بطهارة ~~ضرورة، فكذلك في التيمم؛ لأنها طهارة ضرورة ms383 فلا يجمع بها بين صلاتي فرض. # ونقول أيضا: إن التيمم بدل عن مبدل فيجب أن لا يجوز قبل وجوبه، ولا يجوز ~~إلا بعد دخول الوقت. دليله سائر الأبدال التي لا تجوز قبل وجوبها. # فإن قيل: فقد روي في حدث أبي ذر أن النبي عليه السلام قال: «الصعيد الطيب ~~بوضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج "، فجعله وضوءا له أبدا. PageV03P1135 # وأيضا فإنه طهارة يؤدي بها النفل فجاز أن يؤدي بها الفرض. # أصله الطهارة بالماء. # قيل: عن الخبر جوابان: # أحدهما: أنه يقتضي أن الصعيد وضوء ومما يتطهر به، نحن نقول بذلك، وهل ~~يفعله عن كل صلاة أم لا؟. ليس فيه. # ولجواب الآخر: هو أن الصعيد اسم للجنس، والوضوء للجنس، فصار جنس الصعيد ~~كجنس الوضوء، فينبغي أن يستوفى جنس التيمم بجنس الصلاة، وإذا تيمم مرة ~~واحدة للصلوات كلها فهو بعض جنس التيمم لا كله. # وكذلك إن استدلوا بقوله: «التيمم طهور المسلم وغم لم يجد الماء عشر حجج»، ~~فإن التيمم اسم لجنس التيمم فينبغي أن يستوفي كل التيمم لكل الصلات فيصير ~~لكل صلاة تيمم، وهو أيضا دليلنا؛ لأن التيمم هو القصد والفعل، ونحن نأمر به ~~عند كل صلاة فريضة حتى يستوفى جنسه لجنس الفرائض. # وأما قياسهم على الطهارة بالماء فإنه فاسد الموضع؛ لأنه لا يجز اعتبار ~~الفرض بالنفل. ألا ترى أنه يجوز أن يترك في النفل ما لا يجوز تركه في ~~الفرض؛ لأن النفل أخفض رتبة من الفرض فيجوز أن يصلي النفل جالسا مع قدرته ~~على القيام، ويجوز ترك القبلة في النفل في السفر مع القدرة، ولا يجوز ذلك ~~في الفرض، فكذلك يجوز أن يجمع في التيمم بين صلاتي نفل، ولا يجوز الجمع به ~~بين صلاتي فرض. PageV03P1136 # وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أنه يرفع الحدث، فلهذا يصلي به ما شاء، ~~وليس كذلك التيمم؛ لاه لا يفع الحدث، وإنما يستباح به فعل الصلاة، ولأنها ~~طهارة ضرورة فلا يجوز أن يستباح بها ما يستباح بالطهارة، كطهارة المستحاضة. # فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن ms384 حكم الأبدال حكم المبدلات، فكل ما ~~يستباح بالمبدل يستباح بالبدل، كالصوم في الكفارة، كذلك أيضا التيمم لما ~~كان بدلا عن الماء وجب أن يستباح به من الصلاة ما يستباح بمبدله. # وأيضا فلو أوجبنا التيمم لكل صلاة لأوجبنا من حدث واحد طهارتين من جنس ~~واحد، وهذا لا يوجد في الأصول. ألا ترى أنه لو أحدث لم يوجب طهارتين من جنس واحد. # قيل: أما قولكم: إن حكم الأبدال حكم المبدلات فإنه باطل على مذهبكم ~~بالمسح على الخفين، هو بدل من غسل الرجلين، ولا يستباح به ما يستباح به إذا ~~غسل الرجلين؛ لأنه إذا غسل رجليه صلى لغير توقيت، وفي مسح الخفين توقيت. # وقولكم: إننا نجب طهارتين من جنس واحد من حدث واحد، فإننا نقول: قد يجوز ~~مثل هذا. ألا ترى أنه ل لم يجد الماء فتيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في ~~الصلاة، ثم انقلب الماء قبل استعماله فإن عليه أن يتيمم دفعة أخرى، وهما ~~تيممان لحدث واحد، فسقط ما قلتموه بمحدث لا يزول حدثه، فإذا تيمم لصلاة ~~وصلاها انتقض حكم PageV03P1137 # تيممه، فهو كما يتوضأ ويصلي ثم يحدث فإنه يتوضأ للصلاة الأخرى. # فإن قيل: هذا يمنع من الجمع بين الصلاتين؛ لأنه إذا صلى صلاة بالتيمم، ~~وأراد أن يجمع بينهما وبين الأخرى، مثل صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر، ~~فتشاغله بطلب الماء للثانية فإن لم يجده تيمم يخرجه عن الجمع بين الصلاتين، ~~وقد أبيح له الجمع بينهما لعذر السفر أو المرض، وصورة الجمع أن تكن الصلاة ~~الثانية تالية للأولى لا فصل. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن صورة الجمع تقديم الثانية إلى وقت الأولى، وإن انفصل ينهما ~~بركعتين تنفل جاز، فلا يمنعه الفصل القريب. # والجواب الثاني: هو أن يمنع من الفصل بينهما إذا كان الفصل لا لأجل أسباب ~~الصلاة، فأما إذا كان بأسباب الصلاة لم يمنع. # ألا ترى أنه قد يفرغ من الصلاة الأولى ثم يجوز أن يؤذن الثانية ويقيم، ~~ولم يمنع هذا من الجمع، لأن الأذان والإقامة من شعار الصلاة، فهو كالشروع ms385 ~~فيها، فكذلك طلب الماء والتيمم من شعار الصلاة فهو كالشروع فيها، وكذلك لو ~~جب عليه صلاتان فائتان على ظهر الروايتين عن مالك - رحمه الله -. # ونقول أيضا: إنه قد صارت الصلاة علة في وجوب الطهارة، كما PageV03P1138 # أن السهو فيها علة في وجب سجده، فكل مصل تجب عليه الطهارة، كما أن كل ساه ~~يجب عليه سجود السهو، فإذا صلى صلوات بوضوء واحد حصل طاهرا في كل صلاة، ~~وإذا صلى صلوات بتيمم واحد لم يحصل طاهرا ارتفع حدثه في كل صلاة، وإنما ~~يحصل مستبيحا للصلاة بالتيمم، وه محدث. # فإن احتجوا بحديث عبد الرحمن بن عوف وأنه ابتغى يوما ماء فلم يجده فتمسح ~~بالتراب ثم صلى، ثم أدركته السبحة فصلاها ولم يتوضأ، وقال: أنا طاهر ولو ~~أدركني وقت صلاة أخرى لم أبال أن أصلي بتمسحي من التراب الذي تمسحت به إلا ~~إن أحدثت شيئا فأتوضأ. PageV03P1139 # وبما رواه هشام بن حسان عن الحسن قال: التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت ~~فأنت على وضوء حتى تحدث. # قيل: أما حديث عبد الرحمن فإن راويه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف جدا. # وأيضا فإن هذا مذهب عبد الرحمن، وقد عارضه ما هو أقوى منه، وه ما ذكرناه ~~عن علي وابن عباس، وابن عمر فإنهم كانوا PageV03P1140 # يتيممون لكل صلاة، وقول الجماعة، وفيهم علي رضي الله عنه - وهو إمام - ~~أولى من قول عبد الرحمن بن عوف. # على أن قول عبد الرحمن ذلك يدل على أنه كان يتيمم مع وجود الماء؛ لأنه ~~قال: إلا أن أحدث شيئا فأتوضأ، ولم يقل: فأتيمم، وهذا لا يجوز. # وما روي عن الحسن فقد عارضه ما رواه حارث العكلي عن إبراهيم النخعي قال: ~~يتمم لكل صلاة، PageV03P1141 # وقد ذكرنا ذلك عن جملة من التابعين. # وعلى أن قول علي وابن عباس وابن عمر أولى: لأنه كإجماع الصحابة. # وقد قيل: إن الوضوء كان واجبا في أول الإسلام على الناس كل صلاة، سواء ~~كانوا محدثين أو متطهرين، فلما صلى النبي عليه السلام صلوات بطهر واحد علم ~~أن ذلك قد نسخ، وبقي على ms386 ذلك علي ابن مسعود وابن عمر إلى أن ماتوا - رضي ~~الله عنهم -، فعلم أنهم كان يستحبون ذلك، وبقي المتيمم على أصله؛ لأنه بدل ~~الوضوء الذي كان واجبا لكل صلاة لم ينسخ، لا يجوز نسخه بقياس خاصة وعلي ~~وابن عباس وابن مسعود وابن عمر على ذلك. # وقد قيل: إن الوضوء لكل صلاة مخصوص بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~جمع الصلوات عام الفتح بوضوء واحد، وهذا كله يدل على أن المفهوم من قوله - ~~تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الوضوء عند كل قيام إلى ~~الصلاة، والله أعلم. PageV03P1142 ### || AUTO فصل # ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتيممين والمتطهرين جميعا، وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي. # وحكي عن ربيعة محمد بن الحسن أنه لا يجوز أن يصلي بالمتطهرين، ويصلي ~~بالمتيممين. # قال: محمد: بلغنا ذلك عن علي - رضوان الله عليه -. PageV03P1143 # والدليل لقولنا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان متيمما جنبا ~~فصلى بعمار وآخرين كانوا معه من الصحابة، وهم متطهرون. # وأيضا ما روي عن عمر بن العاص - حيث كان واليا - قال: فتيممت وصليت ~~بالناس، ولم يفرق. PageV03P1144 # وأيضا فإن كل من جاز له أن يصلي بالمتيممين جاز له أن يصلي بالمتوضئين، ~~أصله المتطهر بالماء. PageV03P1145 # فأما ما ذكروه عن علي فإنه لا يصح عنه، ولو صح لكان قول الأكثر من ~~الصحابة - رضوان الله عليهم - أولى. # ويجوز أن يكون كرهه، ونحن نكرهه، وجوازه بالقياس، وبقول ابن عباس وعمرو ~~بن العاص. PageV03P1146 ### || AUTO فصل # قد مضى الكلام على أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وتضمن أنه لا ~~يجوز قبل الوقت، ورأيت أن أجرد الكلام في أنه لا يجوز التيمم قبل وقت ~~الصلاة، وأن من شرطه دخول الوقت، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت. # قالوا: لأن كل طهارة صح أن يؤتى بها بعد الوقت صح أن يؤتى بها قبله، ~~كالطهارة بالماء. # والدليل لقولنا: ما تقدم ذكره من قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، ms387 فأباح PageV03P1147 # التيمم إذا لم يجد الماء بشرط أن نكون قياما إلى الصلاة، وقبل الدخول ~~الوقت لا نكن قائمين إلى الصلاة. # وأيضا فإنه يكون متيمما للفرض في وقت هو مستغن عن التيمم فيه فوجب أن لا ~~يصح له ذلك، أصله إذا تيمم مع وجود الماء وقدرته على استعماله. ولا يلزم ~~على هذا التيمم للنفل قبل وقته؛ لأنه غير مستغن عنه للنفل؛ إذ لا وقت له معين. # فإن قيل: هو منتقض به إذا تيمم في أول الوقت فإنه يصح أن يصلي به الفرض ~~وإن كان مستغنيا عنه؛ لأنه يجوز له أن صلي به في آخر الوقت. # قيل: إذا ... دخل الوقت فقد لزمه الفرض، ومن لزمه الفرض لا يقال: إنه ~~مستغن عن أداء فرضه. # وأيضا فإن التيمم أبيح الضرورة على وجه الرخصة؛ بدليل أنه لا يتيمم مع ~~قدرته على استعمال الماء، وما أبيح للضرورة والحاجة لا يستباح قبل وقت ~~الحاجة ووجودها، مثل أكل الميتة وغيرها، ومثل طهارة المستحاضة. # فأما قياسهم على الطهارة بالماء فنقول: المعنى في ذلك أنها أبيحت لا ~~لضرورة، ما جاز من غير ضرورة وحاجة جاز أن يؤتى به من غير حاجة، كسائر ~~المآكل المباحة، وما أبيح لحاجة وضرورة فلا بد فيه من وجود الضرورة والحاجة ~~كما ذكرنا في أكل الميتة، والله أعلم. PageV03P1148 ### || AUTO فصل # وطلب الماء من شرط صحة التيمم عندنا، وعند الشافعي. # وقال أبو حنيفة وصاحبناه: لا يفتقر إلى طلب الماء؛ لقوله: - تعالى -: ~~{فلم تجدا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، من عدمه من غير طلبه فهو غير واجد له. # ولأنه إذا كان واجدا للرقبة في الكفارة لزمه أن يعتقها، لم ل لم يجدها لم ~~يلزمه أن يطلبها في المواضع، بل يجوز له الانتقال إلى الصوم، كذلك الماء. # والدليل لقولنا: ما ذكروه من دليلهم من قوله - PageV03P1149 # تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وحقيقة هذا: أنه لا يقال لمن لم يطلب ~~الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عندي، فإذا وجده من غير طلب لا ~~يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن ms388 كان عنده. # وأما عتق الرقبة في الكفارة فإنه لا خلاف أنه لا يجوز له الانتقال إلى ~~الصوم إلا بعد أن يطلب الرقبة أو يطلب ثمنها في كله، فإن وجد الثمن طلب ~~الرقبة للشراء، فأما قبل الطلب في ملكه فلا يجوز له، كذلك الماء يطلبه أو ~~ثمنه ليبتاعه، والعلة فيه: أنه بدل عن مبدل مر بت فوجب أن لا يجوز له ~~الانتقال إليه إلا بعد طلب المبدل في الموضع الذي يطلب مثله فيه، أصله طلب ~~الرقبة أو ثمنها في الملك، وطلب الماء في المواضع، مثل الآبار والحياض ~~والرفقة، ومواضع بيعه. # واحترزنا بقولنا: " مرتب " من مواضع التخيير في جزاء الصيد، وما أشبهه؛ ~~لأنه ليس بمرتب، وبالله التوفيق. PageV03P1150 ### | AUTO [60] مسألة # ويجوز للحاضر إذا تعذر عليه الماء، وخاف فوات الوقت أن يتيمم، مثل أن ~~يعبد منه، أو يكون ي بئر فإلى أن يعالجه تطلع الشمس ولم يكن صلى الصبح فإنه ~~يتيمم يصلي، ولا يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعي. # وقد روي عن مالك أنه يعالجه وإن طلعت الشمس. # وروي عنه أنه يصلي بالتيمم ويعيد الصلاة. # وقال أبو حنيفة، وداود: لا يصلي أصلا، ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر ~~على الماء. # وقال الشافعي: يلزمه أن يتيمم ويصلي، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة، هذا ~~موافق لإحدى الروايات عن مالك. PageV03P1151 # والدليل لقولنا في أنه التيمم ويصلي ولا يعيد: ما روي عن أبي ذر قال: ~~اجتويت المدينة فانتقلت بأهلي إلى الربذة، وكنت أجنب وأعدم الماء خمسة ~~الأيام والستة. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «الصعيد ~~الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج»، والدليل منه على وجهين: # أحدهما: أنه عم بجعل الصعيد الطيب وضوء المسلم فلم يفرق بين حاضر ومسافر. # والثاني: أنه ورد خاصا في المقيم؛ لأن أبا ذر انتقل بأهله إلى الربذة ~~مقيما بها معهم. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأين PageV03P1152 # أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام لم يخص سفرا من حضر، فهو على ~~عمومه إلا أن ms389 يقوم دليل. # يجوز أن نستدل بقوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا}، وهذا عام فيمن لم يجد الماء ~~وعدمه فإنه يتيمم إلا أن تقوم دلالة. # هذا على أبي حنيفة؛ لأن الشافعي يوافقنا على أنه يتيمم. # فإن قيل: هذه الآية حجة لنا: لأنه - تعالى - أباح التيمم بشرط المرض أو ~~السفر، فلو جعلناه عموما في كل محدث حاضر ومسافر لكان ذكر المرض والسفر ~~لغوا لا فائدة فيه، وإن جعلنا نفس المرض والسفر بمنزلة الحدث كان ساقطا، ~~فعلمنا أن المرض والسفر خصا في جواز التيمم عند عدم الماء. # قيل: هذا فاسد، وإنما ذكر السفر والمرض لمعنى، هو أنه لو لم يذكرهما لجاز ~~أن يظن ظان أن المرض لشدته وما قد أبيح للإنسان فيه من الفطر والجمع بين ~~الصلاتين وأنه يثقل عليه ما لا يثقل على الصحيح، وكذلك مشقة السفر وقلة ~~المياه في غالب الحال ما يجوز مع ذلك سقوط الطهارة جملة، كما سقط عن ~~المسافر نصف الصلاة، فقيل: تيمموا مع عدم الماء سواء كنتم حاضرين أو ~~مسافرين ومرضى تلحقكم المشقة، فإن الطهارة بالماء أو التيمم لا بد منه مع ~~القدرة عليه، ويصير تقدير الآية: قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وإن كنتم PageV03P1153 # - خطابا لهم أيضا - يا محدثين على حال مرض وسفر فلم تستطيعوا استعمال ~~الماء فتيمموا، فهو خطاب للمحدثين على اختلاف صفاتهم إذا لم يجدوا الماء ~~تيمموا. # وأيضا فإنه لا يمتنع أن يخرج الخطاب على الغالب، يتعذر معه التمكن من ~~الماء وكذلك المريض إذا اشتد مرضه خاف استعمال الماء، فخرج الكلام على ~~الأغلب ويكون غير المريض والمسافر عند تعذر استعمال الماء ودخول وقت الصلاة ~~بمنزلتهما وفي حكمهما؛ لأن المعنى موجود في الجميع، كما ذكر الرهن بشرط ~~السفر؛ لأن الغالب منه عدم الشهود، ثم قد ثبت جواز الرهن في الحضر كجوازه ~~في السفر؛ ولم يبح التيمم الذي هو بدل الماء إلا لمراعاة وقت الصلاة وخوف ~~فواتها عند تعذر استعمال الماء، وهذا المعنى في الحاضر موجود، كما يوجد ms390 فيه ~~لو كان مريضا أو مسافرا، وقد قال الله - تعالى -: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم} فخرج الكلام على الغالب من أمر الربيبة أنها تكون مع ~~الزوج، ولو لم تكن عنده مع أمها لكانت أيضا محرمة عليه؛ لأن المعنى الموجب ~~للتحريم فيها موجود. # ثم لو ثبت أن المرض والسفر شرطان في إباحة التيمم لم يمتنع أن يلحق بهما ~~غيرهما بالقياس، فنقول: هو غير قادر على استعمال الماء، وقد لزمه فرض ~~الصلاة فوجب أن يلزمها لتيمم، أصله المسافر أو المريض. # أو نقول: المعنى في جواز التيمم للمريض أو المسافر هو توجه PageV03P1154 # الصلاة عليهما، وخوف فوت وقتها مع العجز عن استعمال الماء، هذا موجود في ~~الحاضر. # هذا قياس يلزم من يمنع التيمم أصلا. # وأما من يلزمه التيمم ويوجب الإعادة فنقول: اتفقنا في المريض والمسافر ~~أنهما إذا تيمما وصليا لم تجب عليهما الإعادة؛ لأنهما قد تيمما على ما أمرا ~~به، هذا مجد في الحاضر؛ لأنه مأمور بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع ~~خوف فوت القوت وحضوره، فإذا فعل التيمم على ما أمر به لم تلزمه الإعادة؛ ~~لأن كل واجب مجزئ في السفر والحضر؛ إذ قد أدى ما فرض عليه، ولو لزمته ~~الإعادة مع فعله ما فرض عليه لم يكن فرق بين أن يفعل المأمور به فيطيع، أو ~~يفعل المنعي عنه فيعصي، ولا يجزئه في الأمرين جميعا، وهذا فاسد، بل قد ~~رأينا في الشريعة ضد هذا، وهو أن الإنسان ينهي عن فعل شيء فيفعل فيقع موقع ~~الصحيح، ويجزئ عن الفرض، ولا تجب فيه الإعادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، ~~والتوضؤ بالماء المغصوب، ولا يجوز أن يفعل الطاعة المأمور بها ابتداء، فيقع ~~موقع الفاسد حتى لا يجزئه، فإذا كان الحاضر قد تعذر عليه استعمال الماء، ~~وخاف فوت الصلاة مأمورا بالتيمم، مطيعا فيه فقد صلى على ما أمر به أطاع، ~~فلا ينبغي أن يقع موقع الفاسد الذي لا يجزئ تجب فيه الإعادة. # فإن قيل: فقد رأينا من يفعل ما افترض عليه، وأمر به، ولا تسقط معه ms391 ~~الإعادة، هو موقع موقع الفاسد، مثل من أفسد حجه، وصومه PageV03P1155 # المفترض، فإنه مأمور بالمضي فيه فرضا عليه، ومع هذا فعليه الإعادة. # قيل: هذه غفلة وسهو؛ لأن القضاء عن الحج والصوم الفاسد إنما جب بالفساد ~~الذي تقدم على المضي في باقيه، وعوقب بالمضي فيه، والحاضر إذا تعذر عليه ~~استعمال الماء وخاف فوات الوقت صار مطيعا بالتيمم والصلاة ابتداء، فاعلا ~~لما أمر به، لم يفسد شيئا يجب عليه معه القضاء. فعروضه في الحج والصوم أن ~~يؤمر قبل الدخول فيها فيهما بالدخول، ويكون مطيعا لم تتقدم منه إفساد فدخل ~~فيهما بالأمر الممتثل مطيعا فيه فلا يجب عليه إعادة، فإن أفسد بعد الدخول ~~وجب القضاء بالإفساد، كما لو أفسد الحاضر ما دخل فيه من الصلاة لوجب عليه ~~القضاء، فصار تيمم الحاضر بمنزلة الليل للصائم، فإن أمر بالدخول في التيمم ~~والصلاة، ولم يطرأ عليه الفساد لم يجب القضاء. # وأيضا فإن الماضي في الحج الفاسد والصوم الفاسد مأموران بذلك، فإذا فعلا ~~ما أمر به أجزأهما في المضي ولا يجزئهما في إسقاط القضاء الواجب بالإفساد ~~الذي هو غير المضي. # فإن قيل: هذا فاسد بالمصلوب، والذي تحت الهدم، والمحبوس في الحش فإنهم ~~مأمورون بالصلاة وعليهم بالإعادة. # قيل: هؤلاء لا تجب عليهم الصلاة إذا لم يقدروا على الماء والتيمم، ولا ~~يجب علهم القضاء، كالحائض والمغمى عليه؛ لأن المنع أتاهم بغير اختيارهم حيث ~~لا يمكنهم دفعه. PageV03P1156 # ومن قال من أصحابنا: عليهم الإعادة، فمعناه - عندي -: إذا كانوا على ~~طهارة ولم يصلوا بالإيماء وغيره، ومعهم عقولهم، فتصير منزلتهم منزلة من وجب ~~عليه التيمم فتيمم ولم يصل فعليه الإعادة. # ثم هذا بعينه يلزمهم في المسافر إذا تيمم وصلى ينبغي أن تكون عليه ~~الإعادة، وإن كان قد فعل المأمور به، كما ظنوا أنه يلزمنا فيما أورده. # فإن قيل: المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان، ففعلا المأمور به ~~ولم يسقط عنهما القضاء، فكذلك الحاضر يفعل التيمم والصلاة، ولا يسقط عنه ~~القضاء. # قيل: أيضا هذا سهو؛ لأن الفطر رخصة ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل ms392 ~~الواجب، وفعل الصلاة، فل رخص له في الخروج من الصلاة كما رخص للمسافر في ~~الفطر لوجب عليه القضاء. ألا ترى أن المصلي لو رأى إنسانا يغرق، أو شيئا له ~~يتلف لخرج منها، وكان عليه القضاء؛ لأنه لم يصل، فسقط ما ذكروه. # وعلى أن هذا نفسه يلزم في المسافر والمريض إذا عدما الماء وتيمما ثم صليا. # فإن قيل: فإن الله - تعالى - لما أباح التيمم بشرط المرض والسفر دل على ~~أن ما عداهما بخلافهما PageV03P1157 # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الحكم من نص الآية لم يعلق بشرط المرض والسفر، ~~وإنما خصا بالذكر للمعنى الذي بيناه. # والجواب الثاني: أن لو ثبت حكم دليل الخطاب لم يمتنع أن تقوم دلالة ~~القياس، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، وقد ذكرنا دليل القياس. # ونقول: إن كل من لزمه فرض التيمم فتيمم فإنه يسقط فرضه كالمسافر. # وأيضا فإن القادر على استعمال الماء لا يفترق حكه بين أن يكون مقيما أو ~~مسافرا في سقوط الفرض عنه، فكذلك العادم للماء يجب أن لا يفترق حكمهما. # هذا يحتمل أن يلزم أبا حنيفة والشافعي. # ولنا أن نخص كل واحد منهما بلفظ فنقول: لما كان الواجد للماء، القادر على ~~استعماله، وقد حضر وقت الصلاة يجب عليه استعماله، ولم يفترق حكم الحاضر ~~والمسافر في وجوب استعماله، وجب أن يكون العام للماء الذي لا يقدر على ~~استعماله في جب التيمم عليه والصلاة به لا يفترق حكم المسافر والحاضر فيه؛ ~~لأن وقت الصلاة قد حضر، ويخاف فواته. هذا على أبي حنيفة. # ونقول للشافعي: لما كان واجدا للماء إذا استعمله عل ما أمر به لم يفترق ~~حكم المقيم والمسافر فيه وجب أن يكون لعام له يستوي فيه PageV03P1158 # المقيم والمسافر في أنه إذا فعله لم يجب عليه القضاء، كواجد الماء سواء. # فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، فشرط - ~~تعالى - في جواز التيمم السفر، فلا يخلو أن ms393 يكون شرطا في جواز التيمم، أو ~~شرطا في سقوط الفرض بذلك التيمم، فبطل أن يكون شرطا في جواز التيمم؛ لأن ~~المقيم - عندنا وعندكم - يتيمم، فدل أنه شرط في سقوط الفرض بذلك التيمم، ~~ولم يوجد ها هنا سفر فلم يسقط فرضه. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أننا قد ذكرنا أنه ليس بشرط وإنما خص المرض والسفر بالذكر لما ~~بيناه، على أن يكون شرطا يتعلق بالحكم به لا يجزئ مع عدمه. # والجواب الآخر: هو أن ظاهره شرط في جواز التيمم، ثم قامت دلالة على جواز ~~التيمم ووجوبه مع عدم السفر، فسقط أن يكون شرطا في الجواز، إذا سقط أن يكون ~~شرطا في إباحة التيمم - وقد وجب التيمم - سقط الفرض على ما شرحناه. # ثم لا يمتنع مع هذا أن تقوم دلالة تسقط الفرض [كما أسقطت مع التيمم]، وقد ~~ذكرنا قياسا يوجب ذلك. PageV03P1159 # فإن قيل: فإنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم. أصله إذا كان ~~واجدا للماء. # وأيضا: فإن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم؛ لأن الأوطان والبنيان ~~لا تبنى على غير مياه، والأعذار النادرة لا تسقط الفرض، وإنما يسقطه ~~الأعذار العامة السائدة ألا ترى أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا يصلي ويعيد، ~~وكذلك إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه نجاسه [و] سقط فرضها؛ لأنه عام يدوم، ~~وكذلك سلس البول، وكذلك السفر، وكذلك الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ ~~لأنه لا تحلقها المشقة في قضاء الصوم؛ لأنه في السنة مرة، والصلاة تتكرر في ~~كل يوم وليلة خمس مرات فتلحقها المشقة في قضائها، وكذلك نكتتهم. # والجواب أما قولهم: إنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم، كواجد ~~الماء غلط؛ لأن واجد الماء، القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم ~~لم يجزئ في حضر ولا سفر، وعادم الماء مأمور بالتيمم، حتى إن لم يفعله عصى، ~~فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد ~~المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى ms394 المنهي عن ~~التيمم. # أما قولهم: إن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم إلى آخر الفصل فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن واجد الماء في السفر العام نادر، كما أن عادم الماء في الحضر ~~عذر نادر، فلما ردوا واجد الماء في السفر إلى الغالب من PageV03P1160 # حكم الحضر، لزم أن يرد نادر، وواجد الماء في السفر نادر. # وعلى أن المسافر ربما احتاطوا في جميع الماء خوفا أن يقطع بهم أكثر من ~~احتياطهم في الحضر، ومع هذا فقد جوز لمن عدمه التيمم، فكذلك الحاضر. # على أن هذا يستمر لمن لا يوجب على الحاضر التيمم، فأما من يوجبه عليه كما ~~يوجبه على المسافر فينبغي أن يسقط رضه كالمسافر. # والجواب الآخر: أنه ساقط من " ب ": بمن لم يجد ما يستر عورته، فصلى ~~عريانا فإنه نادر ويسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من عدو وسبع وأفعى ~~وغيره، وهذا كله نادر. # فأما من صلى وعليه نجاسة فلا إعادة عليه؛ لأن إزالتها ليست بفرض - عندنا ~~-، وقد قلنا: إن من لم يجد ترابا ولا ماء فإن الصلاة تسقط عنه، ولو صلى لم ~~تجب عليه الإعادة. # أما من سلس مذيه وبوله فإن طهارته لا تنتقض، وليس عليه أن يتوضأ لكل ~~صلاة، وكذلك المستحاضة ليست بمحدثة - عندنا -. # ثم لو أوجبنا على هؤلاء الطهارة لم يكن هذا عاما بل هو نادر؛ لأن العادة ~~جارية بالحيض لا بالاستحاضة، فهي نادرة، وكذلك سلس PageV03P1161 # البول والمذي نادر، فإذا توضأ أو تيمم وصلى سقط فرضه وإن كان نادرا لولا ~~ذلك لم يجب عليه التيمم. # وقد ثبت أيضا أن التيمم يجب لمراعاة الوقت، والصلاة في وقتها بالتيمم ~~الذي هو طهارة ناقصة أولى من الصلاة في غير وقتها بطهارة تامة، فإذا وجب ~~التيمم لمراعاة الوقت لم تجب الإعادة في غير الوقت بالطهارة الكاملة؛ لأنها ~~قد مضت في وقتها، كما مضت في السفر بالتيمم. # وأما قضاء الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة فهو حجة عليكم؛ لأن الصلاة لما ~~كانت تتكرر ثم سقط قضاؤها فيجب إذا صلى من لزمه التيمم ألا ms395 يكون عليه ~~قضاؤها؛ لأنه قد أداها على ما أمر به، فهو أولى بسقوط القضاء عنه من ~~الحائض، وهو كالمسافر إذا تيمم. ألا ترى أن الحائض غير مخاطبة بالصلاة ولا ~~بالصوم، ولوصلت وصامت لم يصح منها، وعادم الماء في الحضر مخاطب بالتيمم ~~والصلاة، وإن تركهما عصى كالمسافر سواء، فدق استيا ففي وجوب التيمم والصلاة ~~فوجب أن يستويا في سقوط الفرض، كما استويا في فعل الصوم إذا صاما، ~~وافترقهما في أن المسافر مرخص له في الفطر ولم يرخص للحاضر لا يضر في الجمع ~~بينهما في الصلاة؛ لأن كل واحد منهما غير مرخص له في ترك التيمم والصلاة. ~~ألا ترى أنهما قد استويا في الاجتهاد في القبلة، وكلفا طلبها، ووجب عليهما ~~الصلاة إلى حيث يغلب على ظنهما؛ لمراعاة الوقت، وكذلك الخائف مسافرا كان أو ~~حاضرا يجتهد في القبلة، فيصلي إليها مع القدرة ويصلي إلى غير القبلة مع عدم ~~القدرة، وإن كانا يعلمان جهتها إذا لم يتمكنا من الصلاة إليها، وهذا كله ~~لمراعاة وقتها، إذا فعل ذلك على ما أمر به سقط فرضه في PageV03P1162 # الباب كله مستمر - عندنا -؛ لأن الصلاة في وقتها بالتيمم أولى منها في ~~غير وقتها بالوضوء. # فإن قل: فجوزوا للحاضر أن يتمم ويصلي الجمعة إذا خاف فواتها مع الإمام ~~إلى أن يفرغ من الوضوء بالماء؛ لأنه إن تشاغل بطلب الماء فاتته الجمعة مع ~~الإمام، وكذلك يجب أن تجوز له الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فاتها. # قيل: أما الجمعة فليس فيها نلب مالك، قد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب ~~ذلك، فعلى هذا لا يلزم السؤال، وينبغي أن يكن هذا سؤالا لأصحاب الشافعي؛ ~~لأننا ألزمناهم في الموضع الذي يوجبون فيه التيمم والصلاة كما نوجبه فقلنا: ~~كل من وجب عليه التيمم والصلاة سقط فرضه، كالمريض والمسافر، ونحن هم نقل: ~~لا يجب عليهم التيمم للجمعة وإن خافوا فوات الجماعة والماء موجود؛ لأن ~~الظهر هي الأصل، فإن فاته فرض الجماعة فليس يفوته وقت الظهر وهو قادر على ~~استعمال الماء، ووقت الظهر باق، ms396 فمن كان قادرا على الماء وخاف إن تشاغل به ~~فاته الجمعة مع الإمام فإنه لا يتيمم - عندنا وعند الشافعي -. فإن كان ~~عادما للماء ووجب عليه التيمم فلا فرق ين الجمعة وغيرها في أن فرضها يسقط ~~بصلاته بالتيمم إن خاف فوات الوقت المضيق؛ لأن التيمم قد وجب عليه كلف ~~الصلاة، فلما وجب PageV03P1163 # عليه أن يتيمم ويصلي فعل ذلك سقط فرضه، وليس الكلام في هذه المسألة فيمن ~~يقدر على الماء يخاف إن تشاغل به فات الوقت، وإنما الكلام في عادم الماء ~~ولا يعرف له موضعا فيجب عليه التيمم والصلاة، فإذا فعل ذلك قلنا: سقط فرضه. # فأما الذي يجد الماء في الحضر أو السفر فيخاف إن استعمله فات الوقت فإننا ~~نقول: إن خاف فوات الوقت المضيق بتشاغله بالماء فإنه - عندنا - يتيمم ~~ويصلي، والمخالف يقول: لا يتيمم مع جوده إلا أن يخاف على نفسه التلف ~~باستعماله وإن خاف فوات الوقت، وقد قال مالك - رحمه الله -: فيمن جاء ماء ~~وخاف إن عالجه طلعت الشمس وفاتته صلاة الصبح فإنه يتيمم ويصلي. # وقد ذكرت اختلاف الرواية عنه فيه. فعلى هذا ينبغي أن يفصل، فإن كان عادما ~~للماء أصلا فإنه إذا خاف فوات الوقت المختار يتيمم لكل صلاة جمعة كانت أو ~~غيرها، في سفر أو حضر. وإن كان واجدا للماء يخاف بتشاغله أن يفوته الوقت ~~المضيق فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي ويسقط فرضه؛ لأن التيمم جعل لمراعاة ~~الوقت، إما المختار وإما المضيق. # وقد يجوز أن ي فرق بين صلاة الجمعة وغيرها فنقول: إن الحاضر الذي عليه ~~صلاة الجمعة إذا عدم الماء وخاف فوتها مع الإمام فإنه لا يتيمم ويصبر حتى ~~يجد الماء إلا أن يخاف فوات الوقت المضيق، مثل أن لا يصلوا الجمعة حتى بقى ~~من لانهار قدر ثلاث ركعات ثم تغيب PageV03P1164 # الشمس فإنهم يصلون الجمعة، فإن خاف فاتها تيمم وصلى، سواء كان عادما ~~للماء أصلا أو واجدا له يخاف إن اشتغل به فاتته الجمعة، فأما إن صلاها ~~الإمام في الوقت الأول أو الأوسط فإن المأموم لا يصليها بالتيمم؛ ms397 لأن الظهر ~~هي الأصل. ألا ترى إنها تجب على الحاضر والمسافر والعبد والمرأة، والجمعة ~~لا تجب إلا على الحاضر الحر الذكر، فإن فاته الجمعة مع الإمام فإنما تفوته ~~الجماعة، والوقت - الذي هو الظهر - باق لم يفته، وينتظر حتى يأس من الماء ~~إلا أن يخاف أن يفوته الظهر المختار فيتيمم، وكذلك إن صلاها الإمام في آخر ~~الوقت المختار لم يجد المأموم ماء فإنه يتيمم يصلي معه. # فأما صلاة الجنازة فإن كان الحاضر واجدا للماء غير أنه إن توضأ فاتته ~~صلاة الجنازة فإنه لا يصلي بالتيمم؛ لأنه ليس بها مخاطبا في عينه؛ لأن غيره ~~ينوب عنه، وليست الجمعة والظهر كذلك؛ لأن كل إنسان مخاطب بها في نفسه، ~~وليست على الكفاية كصلاة الجنازة، وإن كان عادما للماء أصلا هو ممن يلزمه ~~التيمم لصلاة الفرض جاز له - عندي - أن يصلي على الجنازة كالمسافر. هذا هو ~~القياس. # وفرق مالك - رحمه الله - بين الحضر والسفر في صلاة الجنازة، فقال: ~~المسافر إذا عدم الماء ووجب عليه التيمم للفرض جاز أن يصلي على الجنازة ~~بالتيمم، وأما الحاضر فإنه يتيمم للفرض ولا يصلي على PageV03P1165 # الجنازة؛ لأن الفرض يتعين عليه في الحضر والسفر، وله وقت مخصوص يخاف ~~فواته فهو آكد، وقد دخلت الرخص في السفر بخلاف الحضر، فيجوز أن يصلي على ~~الجنازة في السفر بالتيمم، ولأجل خلاف الناس في صلاة الفرض في الحضر ~~بالتيمم. # فإن قيل: فما تقول إن تعينت عليه الصلاة على الجنازة في الحضر ولم يكن ~~غيره، وخاف التغير على الميت ولا يقدر على الماء؟. # قيل: قد ذكرت أن القياس يوجب الصلاة عليه. # ويحتمل أن لا يصلي عليها؛ لأن من الناس من يجز الصلاة على القبر، وقدر ~~روي ذلك عن مالك، فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر هو أو غيره. # ويحتمل أن يصلي عليه ... إذا لم يكن غيره من يحمل الميت إلا من هو مثله ~~في عدم الماء، وهذا هو القياس كالمسافر إذا عدم الماء. # وقد جمعت في هذه المسألة الكلام على أبي حنيفة ms398 في أن PageV03P1166 # الحاضر إذا عدم الماء فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي الفرض، وعنده - لا ~~يتيمم ولا يصلي، ويكون الفرض في ذمته، والكلام على الشافعي في أنه يجب عليه ~~أن يتيمم ويصلي كما نقول، وأن فره لا يسقط - عنده -، - وعندنا - يسقط. ~~وذكرت الفرق بين الفرض وصلاة الجنازة، والتيمم في الحضر فاستغنيت عن إفراد ~~المسائل في ذلك. # ووجه قول مالك إنه يعالج الماء ويبلغ إليه وإن طلعت الشمس يوافق قول أي ~~حنيفة، والحجة له هي حجة أي حنيفة. # ووجه قوله يصلي بالتيمم ويعيد هو قول الشافعي، فما ذكرته من حجتهم هو حجه ~~لهذه الراية، والله الموفق للصواب. PageV03P1167 ### || AUTO فصل # فإن سئلنا على مذهب أبي حنيفة والثوري في صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر ~~إذا خاف فوتها مع وجود الماء مسألة مبتدأة. قلنا: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد. # والدليل لقولنا: الظاهر من قوله - تعالى -: {وإن كنتم مضى أو على سفر} ~~إلى قوله: {فلم تجدوا ماء}، فعل التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ~~ليس بواحد منهم. # ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم. # فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن PageV03P1169 # ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم. # وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز ~~التيمم للفروض في السفر وللمسنون وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف - عندهم ~~-، ولا يجيزون التيمم للفروض لا للتطوع ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف ~~فواتها. فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة ~~على كل أحد ففي صلاة لجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر. # فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف ~~فيها، فقيل: هي فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة، فإذا خيف عيها الفوات ~~واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها. PageV03P1170 # قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف ~~فوتها، ولم يجز له أن يتيمم - عندكم -، فإذا يجز مع خوف فوات ms399 الأوكد كان في ~~الأضعف أولى أن لا يجوز. # مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت فيجوز أن يصلي على القبر. # فإن قيل: فقد قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت علي الأرض مسجدا ~~وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام فقي جنس الصلوات، وفي ~~الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات فقد تناولها ظاهر الخبر. # قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص عليه السلام بها. ألا تراه ~~قد قال: «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي»، فذكر هذا منها. # على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله عليه السلام: «التراب طهور ~~المسلم ما لم يجد الماء»، هذا واجد له، وعلى قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا}، وهذا واجد للماء. # فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر ~~بالتيمم كرد السلام. ق # قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لا على - قلوكم - بدلين، إما PageV03P1171 # الصلاة عليها أو على قبرها. # ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، ~~فإذا أن قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى بطهارة جاز أن ~~تستوفي بشرطها. على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها. # فإن قيل: فهو دعاء، فجاز أن تصلي بالتيمم. # قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء. # وعلى أنه يلزم أن تجز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير ~~سترة، كما يجوز في الدعاء. # ثم نقلو: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنازة لا ضرورة بالإنسان إليها؛ ~~لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على ~~[غير] وضوء، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسط من غيره. # ونقول أيضا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، ولا وقت لها معين يخاف ~~فواته، وهو واجد للماء لا يخاف استعماله فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف ~~والاستسقاء، وغيرهما. # ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي ms400 غير صلاة الجناة والعيدين لم تجز له ~~صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم PageV03P1172 # وهذه الأدلة تلزم الطبري. # وأيضا فإن النبي عليه السلام صلى علا الجنائز فسميت صلاة، وقد قال: «لا ~~صلاة إلا بطهور». # وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه والتكبير فهي كغيرها. PageV03P1173 ### | AUTO [61] مسألة # كل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه أن يتيمم بلا خلاف من ~~فقهاء الأمصار. # وأما إن خاف زيادة في مرضه أو تأخير برئه، أو حدث مرض وإن لم يخف من ~~التلف فعندنا يجوز له أن يتيمم، وبه قال أبو حنيفة، وداود. # وقال أبو يوسف ومحمد: يتيمم ويصلي وعليه الإعادة إن كان مقيما، وإن كان ~~مسافرا فلا إعادة عليه. # واختلف قول الشافعي، فقال مثل قولنا، وقال: لا يعدل PageV03P1175 # عن الماء إلا أن يخاف التلف. # وقد روي عن مالك - رحمه الله - مثل هذا. # وقال عطاء والحسن البصري: لا يستباح التيمم بالمرض أصلا، وإنما يجوز ~~للمريض التيمم إذا عدم الماء، فإما مع وجوده فلا. # والدليل لجواز التيمم وإن لم يخف التلف: قول الله - تعالى - {وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر} إلى قوله {فتيمموا}، ولم يفرق بين مرض ويخاف من التلف أو ~~مرض يخاف زيادته، فهو عام في كل مرض وكل مريض إلا أن يقوم دليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، أي: PageV03P1176 # ضيق، فنفي الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق. # وأيضا قوله - تعالى -: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، ومن ~~العسر وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته. # وأيضا قوله - تعالى -: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وزيادة الضنى ~~والعلة من التهلكة، فهو ممنوع منه ومن كل سبب يؤدي إليه. # وأيضا قوله - تعالى -: {لا تقلتا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، وزيادة ~~المرض ربما أدى إلى قتلنا. # وأيضا ما روى عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غزاة ذات السلاسل، فاحتملت في ليلة باردة، فقلت: إن اغتسلت هلكت، ms401 ~~فتيممت وصليت بالناس فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «صليت بالناس ~~وأنت جنب». فقلت: سمعت الله - تعالى - يقول {ولا تقتلوا أنفسكم}. فضحك ~~النبي عليه السلام، لم يقل شيئا. PageV03P1177 # ففي هذا الخبر فوائد كثيرة. # أحدها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء، وقد يقول الإنسان: هلكت ولم ~~يمت لم يخف الموت، مثل من يقع في شدة فيقول: هلكت. # والفائدة الثانية: جواز التيمم لجنب خلاف ما روي عن عمر، وابن مسعود. # والثالثة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه عليه السلام قال له: «صليت ~~بالناس وأنت جنبي؟». # والرابعة: جواز التيمم لأجل البرد. PageV03P1178 # والخامسة: أن التيمم يصلي بالمتطهرين. # وأيضا ما ري في حديث جابر قال: خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~وجابر فيهم - في غزوة، فأصاب أحدهم حجر فشجه، فاحتلم، فقال لهم: هل تجدون ~~لي رخصة؟. فقالوا: لا نجد لك رخصة. فاغتسل فمات، فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره به، فقال: «قتله قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلما؛ فإن ~~شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب رأسه ويتيمم، أو يمسح على ~~العصابة ويغسل سائر جسده»، وفي هذا دليل على جواز التيمم للمشجوج إذا خاف ~~ضرر الماء، ولو كان الحكم يختلف فيه لبينه عليه السلام، وقال: إنما كان ~~يكفيه أن PageV03P1179 # يتيمم إن خاف التلف من استعمال الماء، وفي الابتداء لم يعلم له كان يخاف ~~التلف أو الزيادة في العلة؟. # وفي ها الخبر أيضا دليل على جواز المسح على العصائب. # وفيه أيضا دليل على أن الغسل والتيمم لا يجتمعان في وجوبهما عليه في حالة واحدة. # ونقول أيضا: إنه يستنصر باستعمال الماء فيجب له جواز التيمم. أصله إذا ~~خاف التلف. # وأيضا فإنه إذا خاف التلف جاز له التيمم فكذلك إذا خاف زيادة المرض؛ لأن ~~خوف التلف موجود فيه؛ إذ لا تلف إلا من زيادة المرض. # أيضا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر ~~وترك القيام في الصلاة، وما أشبه ذلك، فإن المريض يفطر إذا شق ms402 عليه الصوم، ~~ولا يجوز أن يقال له لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك إذا شق عليه القيام في ~~الصلاة جاز له القعود وإن لم يخف من القيام التلف، كذلك المريض يتيمم ~~للمشقة وخوف المرض أو الزيادة فيه إن استعمل الماء، وكذلك المضطر يأكل ~~الميتة إذا لحقه الجوع الشديد وإن لم يخف التلف، وكذلك خائف اللصوص وقطاع ~~الطريق والخوف من الجراح وأخذ المال قد رخص له في ترك الحج، وحرمة النفس ~~أعظم من حرمة المال، فإذا كانت الرخص على ما قلنا، والأصول تشهد له صح ما قلناه. # فإن قيل: آية التيمم لا حجة لكم فيها من وجهين: PageV03P1180 # أحدهما: إنها تضمنت حكم المريض العادم للماء، نحن نجوز له التيمم، ~~ومسألتنا غير هذه، وهي في المريض الواجد للماء، وليس في الآية حكمه. # والوجه الآخر: هو أن ابن عباس - رحمة الله عليه - فسر الآية فقال: المراد ~~بالمريض القرح المجروح الذي يتلف من مس الماء. # قيل: أما الوجه الأول فساقط باتفاق، وبالظاهر أيضا؛ لأن من لم يجد الماء ~~فالتيمم له جائز لعدمه الماء لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليخص ~~بالحكم، فيكون مرضه في جواز التيمم مخالفا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، ~~وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء مسافرين وغيرهم. PageV03P1181 # وأما تفسير ابن عباس فلا يلزم؛ لأنه لم يذكره عن الله - تعالى -، ولا عن ~~رسوله، والظاهر أولى من التفسير؛ لأنه ليس بمجمل فيحتاج إلى تفسير. # على أن قوله: الذي يتلف من مس الماء لا يعلمه إلا الله، وهذا قطع على أنه ~~يتلف من مسه وإنما يغلب على ظنه أنه يتلف، وقد يغلب على ظنه زيادة في المرض ~~تجر إلى التلف، فأسباب التلف أيضا ممنوع من فعلها كما يمنع من التلف، وما ~~ذكرناه من الرخص وشهادة الرخص أولى. # فإن قيل: قياسكم على الخائف من التلف لا معنى له؛ لأنه يخاف التلف، ومن ~~خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف، وقد يباح عند خوف التلف ما لا يباح عن عدمه. # وقولكم: إن ms403 الخوف من الزيادة في المرض كالخوف من التلف؛ لأن سبب التلف هو ~~الزيادة في المرض فليس من مسألتنا؛ لأن الذي يخاف زيادة في المرض وهي مؤدية ~~إلى التلف يجوز له التيمم - عندنا، وإنما كلامنا فيمن يخاف زيادة في المرض ~~فقط، مثل: أن يكون في رجله قرح إن أصابه الماء زاد في وجعه ومرضه، ولا يخاف ~~التلف من زيادته. # قيل: قولكم: إن من خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف فإنه ليس كذلك؛ لأن ~~كل عليل خائف من التلف يخوفه تزايد علته، وهذا كله اجتهاد، وقد يعلم أن من ~~بدا به المرض يخاف الموت ما لا يخافه وهو صحيح، فكلما تزايد مرضه تزايد ~~خوفه، كله مخافة الموت. # وقولكم: إن كلامنا فيمن يخاف زيادة المرض فقط فإن هذا أمر لا PageV03P1182 # يعلمه إلا الله - تعالى -، كل من خاف زيادة المرض لا يتحقق زيادة تقف دون ~~زيادة تزيد وتقوى فتؤدي إلى التلف، بل الطباع مجبولة على أن أول العلة يخاف ~~معها التزايد الذي يؤدي إلى التلف، والحذر كله من الموت، ومن برجله قرح ~~يخاف تزايده يمس الماء، فليس يخاف تزايده إلا خيفة أن تؤدي إلى التلف. # فإن قيل: هذا يلزم في المحموم والمصدع. # قيل: الغالب من أمر المحموم المصدع أن ينفعه الماء. ألا ترى أن النبي ~~عليه السلام قال: «اكسروها بالماء»، وليس كلامنا فيمن لا يخاف استعمال ~~الماء، ولا فيمن يستشفى بالماء، وإنما كلامنا فيمن يخاف أن يحدث به مرض، أو ~~يخاف زيادة مرضه فقد أرخص الله له - تعالى - أن يعدل إلى الرخص، كما ذكرناه ~~في فطر العليل وتركه القيام في الصلاة المفروضة. # فإن قيل: الفرق بين فطر المريض وتركه القيام في الصلاة وبين PageV03P1183 # تيممه حيث قلنا له: لا تتيمم وأنت واجد للماء إلا أن تخاف الماء من ~~استعماله من وجهين. # أحدهما: أنه إنما جاز له أن يفطر وإن لم يخف التلف على نفسه إذا لحقته ~~المشقة في الصوم؛ لأن للمسافر أن يفطر إذا لحقته في الصوم مشقة وإن لم يخف ~~التلف، ولما لم ms404 يجز للمسافر الواجد للماء أن يتيمم إلا إذا خاف التلف من ~~استعمال الماء، كذلك المريض مثله، فيجعل حكم المريض كحكم المسافر في الفطر ~~والتيمم جميعا؛ لأن الفطر مباح للمريض والمسافر كما يباح التيمم للمريض ~~والمسافر. # الفرق الثاني: وهو الفقهي أن المريض إنما جاز له أن يفطر ويقعد في الصلاة ~~عن لم يخف التلف منه على النفس؛ لأن عذره موجود في الحال متحقق؛ لأن وجود ~~المشقة في الصيام والقيام حاصلة، فكان له أن ينتقل عنه، وليس كذلك في ~~مسألتنا إذا خاف زيادة المرض؛ لأنه لم يتحقق العذر الذي هو زيادة المرض، ~~وإنما يخاف وجوده فيما يأتي، وقد يوجد وقد لا يوجد، فلما لم يتحقق العذر لم ~~يجز له أن يتمم إلا في الموضع الذي هو تعزير بالنفس، وهو أن يخاف التلف؛ ~~لأن التغرير بالنفس ممنوع منه. # قيل: أما الفرق الأول فغلط، ولا فرق بين المسافر والمريض، لأن المسافر إن ~~خاف من استعمال الماء حدوث مرض جاز له أن يتيمم وإن لم يخف التلف، كما يجوز ~~له إن خاف التلف، كالمريض سوءا فسقط هذا الفرق. # وأما الفرق الثاني وقولكم: إن المريض عذره موجد متحقق؛ لأن PageV03P1184 # وجود المشقة في الصيام والقيام في الصلاة حاصلة، وأن الزيادة في المرض لا ~~يتحقق فإن هذا ليس بشيء، وليس فطر المريض إلا لرجاء برئه أو خوف زيادة مرضه. # ألا ترى أن المشقة في الصيام تلحق الصحيح ولا يجوز له الفطر حتى يخاف ~~مرضا يحدث - عندنا -، أو يخاف التلف من الصوم، وإنما الاعتبار مشقة تؤدي ~~إلى المرض أو التلف. # وعل أن المريض الخائف من استعمال الماء عذره في المرض موجود متحقق، وما ~~يخافه من الزيادة هو المراعى، كما أن مرضه موجود وخوفه من الصوم مراعى، فلا ~~فرق بينهما. # فإن قيل: فقد روى في حديث أبي ذر أن النبي عليه السلام قال: «الصعيد ~~الطيب ضوء المسلم ول لم يجد الماء عشر سنين، فإذا جد الماء فليمسه بضرته»، ~~فأمره بإمساس الماء البشرة إذا جده، ولم يفرق بين أن يخاف التلف، ms405 أو ~~الزيادة في المرض، أو كيف ما كان، فهو على عمومه حتى يقوم دليل. PageV03P1185 # قيل: هذه الآية مرتبة على قوله - تعالى -: {ما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} أي من ضيق، واستعمال الماء للمريض الذي يخاف هو من أشد الضيق. # مرتبة أيضا على قوله - تعالى -: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر}، من أشد العسر استعمال الماء الذي تخاف منه زيادة المرض. # ومرتبة على قل النبي عليه السلام في المشجوج: «إنما كان كيفيه أن يتيمم». # ويؤيد هذا: ما ... ذكرناه من الرخص وشهادة الأصول والقياس الذي يخص ~~الظاهر، فيصير تقدير قول النبي عليه السلام: «فليمسسه بشرته»، إذا لم يخف ~~الضنى وزيادة المرض، كما لو خاف التلف. # فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله التلف فوجب أن لا يجوز له ~~التيمم ولا يعتد به. أصله إذا كانت به حمى أو صداع. # قيل: إن كان الصداع يصره الماء البارد الشديد البرد حتى يخاف PageV03P1186 # منه تزايد الصادع فله أن يتيمم، فإما أو كان الصداع من شدة الحمى ينفعه ~~الماء فإنه يستعمله، وكذلك الحمى التي تكسر بالماء، فالمعنى في هذا النوع ~~أنه لا يخاف مرضا ولا زيادة فيه، بل هو ينفعه. # فإن جعلوا العلة في الصحيح. # قيل: إن كان الصحيح يخاف أن تحدث به علة، مثل النزلة من شدة برد الماء إن ~~اغتسل وهو جنب، أو يخاف حمى فإنه يتيمم، وإن لم يخف شيئا من ذلك فالمعنى ~~فيه أنه غير خائف، وليس كذلك المريض الذي يخاف تزايد ما به؛ لأن تزايده من ~~أسباب التلف، وقياسنا أولى بشهادة الأصول له. # فإن قيل: إن الله - تعالى - ما أباح للمريض التيمم إلا وأباح للمسافر ~~التيمم؛ لأنه قال: «{وإن كنتم مضى أو على سفر}، ثم تقرر أن المسافر الواجد ~~للماء لا يجوز له أن يتيمم إلا عند الخف من التلف. # قيل: عن هذا جوابان: # أحداهما: أن المسافر إذا خاف العطش فليس يخاف التلف، وليس كل عطش يخاف ~~منه التلف، وله أن يحبس الماء خوف العطش، والإنسان ms406 لا يعلم مقدار ما يحدث ~~له من العطش، فينبغي أن يكن المرض الخائف من حدوث المرض أو تزايده، كالخائف ~~من العطش أو تزايده. PageV03P1187 # الجواب الآخر: هو أن المسافر لو لم يخف العطش، وخاف استعمال الماء لحدوث ~~مرض فإنه يتيمم، فلم يلزم ما ذكروه. # ووجه قول مالك في الرواية الأخرى أنه لا يتيمم إلا عند خوف التلف ما ~~ذكرته من الحجاج للمخالفين، والله أعلم. # وقد تضمن حجاجنا فيما مضى من الكلام على عطاء والحسن فتؤخذ من خبر عمرو ~~بن العاص حين ولاه النبي عليه السلام الغزاة، وأنه تيمم لما خاف التلف، ~~وأخبر النبي عليه السلام بذلك، فقال له: «أصليت بالناس وأنت جنب؟» فاحتج ~~بالآية، فتيمم مع وجد الماء، ولم ينكر عليه، ولا أمره بالإعادة. # وبما ذكرناه أيضا من تغيير الفروض بلحوق المشقة وإن لم يخف معها التلف، ~~مثل الصائم يفطر وإن لم يخف التلف إذا كان مريضا يخاف الصوم، ومثل صلاته ~~جالسا وإن لم يخف التلف من القيام، ومثل ما ذكرناه من قطاع الطريق وترك ~~الخروج إلى الحج، والسعي إلى الجمعة، ففيه كفاية، والله التوفيق. # وما قاله محمد وأبو يوسف من أنه وإن كان مقيما تيمم وصلى وأعاد تكون ~~الحجاج عليه ما احتججنا به على الشافعي في الحاضر إذا عدم الماء فتيمم ~~وصلى؛ لأنه قد أدى ما كلف ووجب عيه من التيمم والصلاة، وكل من صلى على ما ~~أمر به سقط فرضه ولم تجب عليه الإعادة، والله أعلم. PageV03P1188 ### | AUTO [62] مسألة # عند مالك - رحمه الله - أن من كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسله من ~~الجنابة، مثل أن يكفيه لبعض أعضائه، ولا يكفي الباقي فإنه يتيمم ولا يجب ~~عليه استعماله، وكذلك لو كان معه ما يكفي بعض أعضائه في الوضوء، ولا يكفي ~~جميع أعضائه فإنه يتيمم ويترك الماء الذي لا يكفيه. # وبه قال أبو حنيفة، والمزني، والشافعي في أحد قوليه، وهو القديم. # وقال في الحديد: يستعمل الماء في بعض أعضائه ويتيمم للباقي. PageV03P1189 # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ms407 وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} إلى قوله: {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا}، فأمر - تعالى - بغسل الأعضاء وبطهارة جميع البدن في ~~الجنابة، ولم يذكر بأي شيء يغسل ويتطهر، فلما قال: {فلم تجدوا ماء} علمنا ~~أنه أراد غسل جميع ذلك بالماء، وعلمنا أن بعدم ما كيفي غسل ما تقدم ذكر يجب ~~الغسل، ومن معه ماء كفي لبعض ما أمر بغسله فإنه غير واجد لما يكفي ما تقدم ~~ذكره، فوجب عليه التيمم؛ لأنه بدل الماء المقصود به غسل جميع الأعضاء. # فإن قيل: السؤال عليكم من هذه الآية من وجوه: # أحدها: أن الله - تعالى - لو أراد عدم ما يكفي جميع تلك الأعضاء التي قدم ~~ذكرها لعرفه بالألف اللام، فقال: فلم تجدا الماء؛ لأن إعادة المذكور كذا ~~يكون معرفا، فلما قال: {فلم تجدوا ماء} ونكره كان شائعا في كل ماء، قليلا ~~كان أو كثيرا. # والسؤال الثاني: هو أنا لا نخالفكم في وجوب التيمم، وإنما خلافنا في ~~الماء القليل قبل التيمم. # والثالث: أن الآية حجة لنا، والمعنى فيه: فلم تجدوا ماء أصلا، فإنه غير ~~قادر على استعماله أصلا، فلهذا يكون فرضه PageV03P1190 # التيمم، ليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه واجد الماء قادر على استعماله، فكان ~~فرضه استعماله. # قيل: عن هذا أجوبة. # فأما السؤال الأول فساقط؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر في أول الآية بأي ~~شيء تغسل، بماء أو غيره. فلم يجر الماء ذكر فيحتاج إلى إعادته بالتعريف ~~فردد منكرا، ونبهنا - تعالى - بذكره أنه أراد غسل الأعضاء بماء دون غيره من ~~المائعات، ولكنه ماء يكفي الأعضاء التي تقدمت. ألا ترى أنه لو صرح فقال: ~~فلم تجدوا ماء يكفيكم لتلك الأعضاء فتيمموا لصح. # وعلى أنه لو ذكر - تعالى - في أول الآية ماء منكرا، ثم قال: فلم تجدوا ~~ماء لم يجب أن يعرف بالألف واللام؛ لأنه لو عرف لصار الأمر مقصورا على ماء ~~بعينه من بين سائر المياه، فأعاد بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من ~~المياه يكفينا لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا: قوله - تعالى -: {فإن ms408 ~~مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر ~~الأول، ولها قال ابن عباس رضي الله عنه: لن يغلب عسر يسرين. # ومثل هذا من الكلام لو قال قائل لغلامه: اطلب لي خياطا يخيط PageV03P1191 # لي قميصا وجبة وقلنسية، فإن لم تجد خياطا فجئني بكذا. لكان كلاما صحيحا، ~~ولم يجز أن يقول له: فإن لم تجد الخياط؛ لأنه يصير معرفا في إنسان بعينه. # وأما السؤال الثاني واتفاقنا على التيمم فإن الآية تقتضي أننا إذا عدمنا ~~ماء يكفي جميع الأعضاء التي تقدم ذكرها وجب التيمم، فإذا لم نعدم ماء هذه ~~صفته، وإنما عدمنا وجب أن لا نتيمم، فلما أجمعنا على وجوب التيمم سقط وجوب ~~استعمال الماء الذي لا يكفي. # وأما السؤال الثالث: فإن دليل الخطاب يلزم؛ لأنه قال: فلم تجدوا ماء أصلا ~~فتيمموا، فدليله أنا إذا وجدنا ماء أي ماء كان لا نتيمم، وهذا واجد لماء ~~على ما تذكرون فوجب أن لا يتيمم، فلما قلتم: يتيمم، علمنا أن المراد فلما ~~تجدوا ماء يكفيكم فتيمموا وهذا غير واجد لماء كيفيه فوجب أن يتيمم، ويترك ~~الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية. # فإن قيل: فإن الله - تعالى - قال: {فاغسلوا وجوهكم}، فمن قدر على غسل ~~وجهه توجه الخطاب إليه بالأمر، فينبغي أن يستعمل القدر الذي يتهيأ له من ~~الماء في غسل وجهه فقوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، أباح التيمم بشرط ~~العدم، والوجود يمنع منه. PageV03P1192 # قيل: إن الله - تعالى - لم يقتصر على غسل الوجه دون باقي الأعضاء. ألا ~~ترى أنه لم يذكر الماء حتى ذكر غسل الأعضاء كلها، وفرغ من ذكر حكم طهارة ~~الجنابة، ثم قال: {فلم تجدوا ماء}، فثبت أنه أراد ماء للحكم الذي تقدم ~~ذكره، فلا فرق بين ذكر الوجه وبين غيره من المذكور؛ لأن حكم الجميع حكم ~~واحد في أن الطهارة لا تتم إلا بجميعه، فهي في حكم العضو الواحد، فعلمنا ~~أنه أباح التيمم عند عدم الماء الذي تعلق الحكم به في الطهارتين جميعا. # وقولكم: ms409 إن الوجود يمنع العدم فإننا نقول: إنما الوجود لماء يكفي الطهارة ~~كلها يمنع التيمم، وليس ها هنا ماء هذه صفته، وقد كان أيضا ينبغي على ما ~~تقولون أن لا يجوز التيمم أصلا؛ لأن الوجد الحاصل ينفيه، لما أوجبتم التيمم ~~سقط حكم الماء الموجود. # فإن قيل: إنما أوجبنا التيمم عبد استعمال هذا القدر من الماء في بعض ~~أعضائه، ثم يصير عادما لما يكفي باقي الأعضاء فيجب عليه أن يتيمم. # قيل: هذا لا يلزم من وجهين: # أحدهما: أن الأمر بغسل الأعضاء كلها قد تقدم على فعلنا جملة الطهارة، ~~وذكر كيف الحكم فيها، فلما انقضى ذكرها قال: وإن كنتم يا محدثين مأمورين ~~بالطهارة على غير هذه الصفة في وجود الماء الذي PageV03P1193 # تتطهرون به فاعدلوا إلى التيمم، ولم يقل: فاغسلوا بماء فإن لم تجدوا بعد ~~ذلك ماء لباقي الأعضاء فتيمموا. # والوجه الثاني: هو أنه كان يجب إذا غسلنا وجوهنا أن نمسح أيدينا حسب ~~بالتيمم، فلما قلتم: إنه يتيمم تيمما تاما علمنا سقوط ما ذكرتم، وأن ذلك ~~الماء لم يفد شيئا؛ لأن التيمم الذي هو بدل في عدم الماء الكافي للأعضاء ~~كلها مقصود بحاله. # ولنا أن نستدل بقول النبي عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ~~فأينما أدركتني تيممت وصليت»، وهذا عام، سواء وجد ماء أو لم يجده إلا أن ~~تقوم دلالة. # فإن أوردوا الآية فقد تكلم عليها ما تقدم ذكره. # فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «التيمم طهور ~~المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته»، ففيه دليلان: # أحدهما: يفيد كونه طهورا بشرط عدم الماء. # والثاني: إيجاب إمساس بشرته بالماء عند الوجود، ولم يفرق بين ماء قليل ~~يكفيه أو لا يكفيه. PageV03P1194 # قيل: قوله عليه السلام: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء»، فعرف ~~الماء بالألف واللام: لأنه منكر في آية الوضوء، فالمراد به ما يكفي لجملة ~~الوضوء، فلما عرفه بالخبر علمنا أنه مشار به إلى المعهود، وهو الكافي ~~للوضوء أو لغسل الجنابة. # وقوله: «فليمسه بشرته» ms410 يدل على ما قلناه أيضا؛ لأنه لم يقل: فليمسه بعض ~~بشرته، فالظاهر منه أنه إذا جد ماء يكفيه لإمساس بشرته كلها استعمله، ~~ودليله أنه إذا وجد ماء يكفي بعض بشرته يستعمله، فسقط ما ذكروه. # ونقول أيضا: إنه لا ي قدر على رفع حدثه بها القدر من الماء فوجب أن يكون ~~فرضه التيمم، كما لم يجد الماء أصلا. # وأيضا فإنه لا يلزمه الجمع بين البدل والمبدل منه جميعا. ألا ترى أن ~~الواجد لبعض الرقبة هو عادم للبعض، فصار كالعادم للكل في أن فرضه الصيام، ~~ولا يعيق بعض الرقبة المقدور عليه، كذلك أيضا العادم لبعض الماء كالعادم للكل. # ونقول أيضا: قد اتفقنا على أنه لو عدم جملة الماء وجب عليه التيمم بدلا ~~عن الأعضاء كلها، وكذلك إذا وجد بعض الماء وجب أن يتيمم عن الأعضاء كلها؛ ~~بعلة أنه حدثه غير مرتفع بهذا التيمم. # فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله فوجب أن يلزمه استعماله، ~~أصله إذا وجد ما يكفيه. # وأيضا فإن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن PageV03P1195 # بعضها، أصله البدن في الجنابة، فنقيس جواز التيمم للرجل على جواز التيمم ~~للأعضاء الأربعة؛ لأن الرجل هي بعض الأعضاء الأربعة، كما أن الأعضاء هي بعض ~~جميع البدن؛ لأن الجنب حدثه متعلق بجميع البدن، وهو يتيمم فيمسح وجهه ويديه. # قيل: أما إذا وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل ~~الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا ~~يجد الماء أصلا حج لأن التيمم لا يرفع حدثه. # وقيل قولكم: إن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن بعضها باطل به ~~إذا لم يجد الماء أصلا، فإنه يصح أن يتيمم عن الأربعة الأعضاء ولا يصح أن ~~يتيمم عن بعضها، وكذلك إذا لم يجد الماء أصلا تيمم عن الجنابة، فيمسح وجهه ~~ويديه، ولا يصح تيممه عن وجهه دون يديه، لو مسح وجهه ويده ونوى به عن يديه ~~حسب لم يجزئه، ms411 وإن كان لو نوى به الجميع أجزأه. # فإن قيل: إن حكم كل عضو غير متعلق بعضو آخر، بل لكل عضو حكم نفسه. ألا ~~ترى أنه لو قطع شيء من أعضائه لم ي سقط فرض الطهارة عما لم يقطع من أعضائه، ~~كذلك أيضا العجز عن طهارة بعض الأعضاء لا يكون عجزا عن طهارة جميع الأعضاء. # قيل: عن هذا أجوبة: # أحدها: أن قطع العضو يسقط حكمه في التيمم والطهارة بالماء جميعا، ولم يجز ~~إذا وجد ماء لجميع بدنه أن يجمع بين استعمال الماء PageV03P1196 # وبين التيمم؛ لأن الماء يرفع الحدث، فإذا وجد بعض الماء الذي لا يرتفع ~~معه الحدث صار في حكم من لا يجده أصلا. # والجواب الآخر: هو أن لكل عضو حكما في نفسه في باب الغسل الذي هو الفعل، ~~ولكن الطهارة لا تتم به دون غيره. ألا ترى أنه لو بقي عليه عضو واحد لم ~~يغسله مع قدرته لم تعم الطهارة، وكذلك لو مسح وجهه في التيمم دون يديه مع ~~القدرة لم يستبح الصلاة، ثم لو قطعت إحدى يديه أو رجليه وغسل الباقي ارتفع حدثه. # وكذلك لو قطعت إحدى يديه وعدم الماء فمسح وجهه ويده الباقية لاستباح ~~الصلاة، وهو مع وجود اليد المقطوعة بخلاف ذلك، وإنما كلامنا في أن لا يجتمع ~~الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا ~~يرفع الحدث، ولا بد معه من التيمم، فلم يستفد باستعمال الماء شيئا؛ لأن ~~التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لا بد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع، ~~بمنزلته لو لم يجد الماء أصلا. # والجواب الآخر: هو إذا غسل وجهه بالماء القليل وتيمم ومسح وجهه ويديه فقد ~~حصل وجهه مغسولا ممسوحا عن كان للوجه حكم نفسه، فيكفي فيه غسله، لا يحتاج ~~إلى مسحه بالتراب؛ لأن حكم نفسه بالغسل قد زال ومضى، فينبغي أن يكون المسح ~~فيما لم يغسل، فيكون للمغسول حكم نفسه، وللممسوح حكم نفسه. فلما قلتم: يمسح ~~الوجه بالتراب بعد غسله علمنا أنكم لم تجعلوا له حكما ms412 في نفسه في إحدى ~~الحالين، بل جمعتم له حكمين: أحدهما: الغسل، والآخر: المسح PageV03P1197 # - الذي هو حكم اليدين - ولا يجوز أن يجمع في عضو واحد المبدل والبدل؛ إذ ~~لو جاز في واحد من الأعضاء لجاز في جميعها، ليس جمع الغسل والمسح في الوجه ~~- والحد لا يرتفع - بأولى من أن يجمع في اليدين تيممين والحدث غير مرتفع، ~~فبان سقوط ما ذكروه. # فإن قيل: فإننا ما ألزمناه الجمع ين المبدل البدل، إنما يتيمم عن الرجل ~~التي سقط عنها الغسل، ولا يتيمم عن الذي غسله، كما نقول: إذا كان جنبا تيمم ~~عن جميع البدن بأن يمسح وجهه ويديه، وإن كان محدثا فحدثه متعلق ببعض تلك ~~الجملة - أعني البدن في الجنابة، ثم يتيمم فيمسح وجهه يديه، فجاز له أن ~~يتيمم لبعض جملة البدن، كما جاز لجملة البدن، كذلك لما جاز التيمم للأعضاء ~~الأربعة جاز التيمم لبعضها، وهو الرجل. # قيل: إن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم فمسح وجهه ويديه سقط حكم باقي بدنه ~~فلم يجتمع فيه غسل ومحس، بل سقط جملة، فناب عنه مسح الوجه واليدين. فوزان ~~هذا أن لا يجتمع ي عضو واحد من الأربعة الأعضاء يتيمم فيمسح وجهه ويديه، ~~يسقط حكم رأسه رجليه، ليس كذل إذا غسل وجهه ثم تيمم، يمسح وجهه ويديه، لأنه ~~يجتمع في الوجه الغسل المسح جميعا، وهذا مبدل وبدل في عضو واحد فلم يلزم. PageV03P1198 # ما ذكرتموه من وجد بعض الرقبة في الكفارة وعدم البعض لا يلزمنا؛ لأنه ~~دعوى بلا دليل. # على أن الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن صيام الشهرين - اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة - لما لم ~~يجز أن يكونا عدلا عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، ~~لما جاز التيمم - الذي هو بدل عن جميع البدن - أن يكن بدلا عن بعض البدن، ~~كذلك أيضا جاز أن يقع عن بعض الأعضاء الأربعة، وهو الرجل. # الفرق الثاني: هو أنه لا يستفيد بعتق بعض الرقبة إذا أتى بصوم شهرين ~~شيئا، لا في هذ ... ه الكفارة ولا ms413 كفارة أخرى؛ لأنه إذا وجد تمام الرقبة في ~~كفارة أخرى لم يبن على البعض الذي مضى في الكفارة الأولى، فلهذا لم يلزمه ~~عتق بعض الرقبة، فكان فرضه الصيام أو الإطعام، وليس كذلك في الماء؛ لأنه ~~يستفيد باستعمال الماء الذي وجده، وهو أنه إذا وجد الماء الذي يتمم به غسل ~~باقي الأعضاء غسل به العضو الذي لم يغسله وبني عليه، وارتفع حدثه فلهذا لزمه. # قيل: أما ما ذكرتموه أنه دعوى بلا دليل فمحال؛ لأننا قلنا: إن البدل ~~والمبدل لا يجتمعان، كما أن بعض الرقبة هو مبدل فلا يجتمع معه الصيام، كذلك ~~غسل الوجه بالماء القليل لا يجتمع معه التيمم؛ لأن الماء القليل مبدل، ~~والتيمم بدله. PageV03P1199 # وأما الفرق الأول فليس بشيء؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق هو ~~مبدل، وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلا، وعدل إلى البدل الذي هو ~~الصيام، كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة، يعدل إلى التيمم ~~الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل هو مبدل مع مسح هو بدل، وقد ذكرنا أن ~~التيمم في الجنابة يسقط حكم سائر البدن أصلا فلا يجتمع فيه غسل ومسح، لأن ~~الخلاف فيه واحد، فكذلك يسقط حكم الماء القليل أصلا في الوجه، ويعدل إلى ~~التيمم الذي هو البدل، ولا يجتمع في الوجه غسل في الوضوء ومسح في التيمم. # وأما الفرق الثاني فليس بشيء أيضا؛ لأن الذي استعمل الماء القليل في بعض ~~الأعضاء، ويتيمم لتلك الصلاة لو وجد عند صلاة أخرى ماء قليلا يكفي باقي ~~أعضائه التي لم يغسلها في الصلاة الأولى لم يبن؛ لأن تفرقة الوضوء - عندنا ~~- لا يجوز في صلاة واحدة فكيف في صلاتين، وحدثه قائم في الأولى بالتيمم ~~الذي كان منه، فلا هو يستفيد بالأولى شيئا إذا تيمم، ولا في الثانية، وهو ~~يتيمم، لأن حدثه باق كما كان. # فإن قيل: إن الطهارة شرط من شرائط الصلاة لا تصح دونه، فوجب أن يكون ~~العجز في بعضها لا يسقط الفرض في باقيها كتسر العورة. ms414 PageV03P1200 # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن ستر العورة ليس من شرائط الصلاة التي تختصها، فإنما هو فرض في ~~الجملة يستر عورته عن أعين المخلوقين، والطهارة من فروض الصلاة تختصها. # وأيضا فإنه إذا صلى بعض الصلاة بغير سترة، ثم وجد السترة في خلالها استتر ~~وبنى على صلاته، فعروض هذا أن يتيمم ويصلي بعض الصلاة ثم يجد الماء فينبغي ~~أن يستعمله لباقي صلاته، - ونحن وأنتم - لا نقول هذا. # وإن استعمل الماء وتيمم ثم دخل في الصلاة ثم وجد ماء يكفيه لما بقي من ~~أعضائه يجب أن يستعمله ويبني على صلاته، وأنتم لا تقولون هذا أيضا. # فإن قيل: فإن الطهارة عبادة على البدن، يؤتى بها جزءا فجزءا، لا تجمع ~~أفعالا متغايرة، فوجب أن يكون العدل إلى البدل عن الأصل فيه لا يصح إلا عند ~~العجز عن كمال الأصل. دليل ذلك: الصلاة لا يسقط عنه ما قدر عليه من الركوع ~~والسجود لعجزه عن القيام، ولا يسقط القيام لعجزه عن الركوع. # قيل: ... هذا غلط؛ لأننا قد بينا أن عجزه عن الماء المأمور به لجملة ~~الطهارة يدخل تحت شرط العدم. # وأيضا فإن العاجز في الصلاة عهن ركن من أركانها يأتي بدله حسب مع عجزه ~~عنه، ولا يحتاج إلى بدل لما لم يعجز عنه، وأنتم PageV03P1201 # توجبون على هذا تيمما كاملا مع استعمال الماء في وجهه، فيجتمع في وجهه ~~غسل ومسح، ولم يكن عاجزا عن غسل الوجه وقد غسله، فكان ينبغي أن يبقى عليه ~~بدل غسل يديه حسب، فلما أوجبتم عليه التيمم الكلي الذي هو بدل عن غسل جميع ~~الأعضاء علمنا أن غسل وجهه لم يفده شيئا. # وعلى أن هذا ينعكس عليكم بوجود بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ينبغي أن لا ~~يسقط حكم ما وجده من الرقبة وقدر عليه من أجل مالا يقدر عليه، كما قلتم في ~~الصلاة. # ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الماء، وعدم بعض الأصل كعدم الأصل. دليل ~~ذلك: الرقبة في الكفارة إذا ملك بعضها ولم يقدر على الباقي صار حكم ما قدر ~~عيه ms415 مها في حكم عدم الكل، فوجب العدول إلى البدل وترك استعمال ما يجده منها. # فإن قيل: إنما عدل إلى الصوم في الكفارة مع وجود بعض الرقبة؛ لأن اسم ~~رقبة لا يتناول بعض رقبة، والماء القليل يتناوله اسم ماء كما يتناول ~~الكثير. # قيل: إن أردت اسم ماء يكفي لعضوين يقع على اسم ماء يكفي لأربعة أعضاء، ~~فإن ها محلا، وقد بينا أن المارد بقوله: {فلم تجدوا ماء} يكفي للوضوء ~~وللجنابة، والكلام معكم في الحكم، فالتفرقة بالأسماء لا معنى له. ألا ترى ~~أنه - تعالى - قال في الكفارة: {فمن لم يد فصيام شهرين متتابعين}، فأصناف ~~اسم جنس الصيام PageV03P1202 # إلى الأصل المذكور، فل قال قائل: أنا إذا صمت يوما أو شهرا فإنه يقع عليه ~~اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صن فأجوز بعض الصيام إذا قدر عليه ~~واستعمل الإطعام عن الباقي، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله ~~اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطا؛ لأننا نقول ~~له: إذا ... أضيف اسم الجنس إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف ~~عليه، فكذلك قوله: {فلم تجدوا ماء}، أي ماء يكفي الوضوء فتيمموا، فالمقصود ~~أنه دم ماء هذه صفته. # وعلى أن ذلك الخاطب يقتضي أن لا يتيمم مع وجود الماء القليل، فإن قام ~~دليل جواز التيمم زيادة على الماء جاز على أن يقوم دليل على إسقاط الماء. ~~والاكتفاء بالتيمم؛ إذ حدثه لا يرتفع مع استعمال الماء والتيمم. # فإن قيل: فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي أصابته ~~شجة واحتلم، فسال بعض الصحابة: هلي من رخصة؟. فلم يرخص له في المسح فاغتسل ~~فمات. . الحدث إلى قول النبي عليه السلام: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو ~~يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»، فأخبر النبي عليه ~~السلام عن المع ين التيمم والغسل بالماء لما قدر عليه، والمسح على ما عجز عنه. # قيل: هذا كلام في مسألة أخرى خارجة عن مسألتنا؛ وذلك أنه ms416 إن كان قادرا ~~على غسل أكثر بدنه عاجزا عن غسل أقله، فإنه يمسح PageV03P1203 # على ما يعجز عن غسله، ويغسل الأكثر، ويصير في حكم المغتسل لزوال حدثه، ~~فلا يكن لتيممه معنى؛ لأن لا يرتفع الحدث، وما مسح عليه وغسل الباقي قد ~~ارتفع حدثه بذلك، كما لو مسح على خفيه مع غسل بعض أعضائه لم يحتج معه إلى ~~تيمم؛ لأن حدثه قد ارتفع. ولو كان أكثر بدنه جريحا لا يستطيع غسله، ولم يبق ~~منه إلا يد أو رجل صحيحة فإنه يتيمم حسب لا يلزمه غير ذلك، فثبت أن الحديث ~~لم يرد لما ظننتموه. # على أنه قد روي فيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة، ثم ~~يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، فأفرد التيمم عن المسح والغسل، لا دلالة لكم ~~في الخبر؛ لأننا نقول: إنه لا يجمع بينهما. # فإن قيل: وجدنا الأبدان على ضربين: ضرب منها يتبعض، وضرب لا يتبعض، ~~والماء مما يتبعض في الاستعمال في العرف والدين، والرقبة لا تتبعض، فوجد ~~الجزء من المتبعض في منع بدله كوجود الكل. يدل على ذلك: أن من وجد شيئا من ~~طعام حلال يقع موقعا لكنه لا يشبع، ولا لكل الجوع يدفع، فإنه بالإجماع يبدأ ~~بالحلال فيتناوله، ثم يصله بما قد أبيح للضرورة إن دامت حاجته إليه، كذلك ~~في مسألتنا. # قيل: هذا غير صحيح في التشبيه؛ وذلك أنه قد استوى في سد PageV03P1204 # الرمق الحلال والحرام. ألا ترى أن الماء النجس والماء الطاهر في شربهما ~~للضرورة على منزلة واحدة، وقد اختلف حكمهما في الطهارة حتى جعل بدل الماء ~~النجس التيمم إذا عدم الماء الطاهر، ولم يجز استعمال الماء الطاهر والماء ~~النجس في الطهارة. # ثم إن ها ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعا؛ لأنه مع استعمال الماء ~~الذي يكفي لغسل وجهه لا يتمه بالتيمم الذي هو بلد عند الضرورة، وإنما يأتي ~~بالتيمم الكامل على صفته لو لم يجد ماء أصلا. # وأيضا فإن التراب - عندكم - شرط في التيمم، وهو مما يتبعض، ولو لم يقدر ~~منه على ms417 ما يمسح به وجه فقط، مثل أن يكون في بحر ولا يقدر على ماء، ولا يجد ~~من التراب ولا ما يكفيه لضربة واحدة لوجهه فإنه لا يجب عليه استعمال الضربة ~~لوجهه؛ لأنها لا تفيده شيئا، وهذا هو بدل مما يتبعض وهو عبادة على البدن. # وأيضا فإن ما ذكرتموه على الإطلاق يتبعض في الصوم؛ لأن صوم التتابع في ~~الشهرين هو بدل على البدن، وهو يتبعض في الشهرين؛ لأن صيام يوم ويومين هو ~~بعض الشهرين، كما أن غسل الوجه بماء كيفيه هو بعض ما يكفي الكلم، وهو أيضا ~~بعض الأعضاء، فإذا لم يكن واجد الماء القليل في حكم من عدم الكل لزم الذي ~~يقدر على الكل، فيلزمه صيام ما قدر عيه وأن يتمه بالإطعام، وبكل الإطعام ~~أيضا في كفارة الظهار، فلما لم يجب ذلك فكذلك في مسألتنا. PageV03P1205 # فإن قيل: لما كانت المعتدة متى قاربت حد الإياس، وقد اعتدت بقرء، ثم خرجت ~~بعده من الحيضة إلى الإياس فإنها تعتد بالأشهر، فتكون جامعة بين البدل ~~والمبدل منه فكلك لا يمتنع أن يكون الذي يجد بعض ما يكفيه لوضوئه جامعا بين ~~البدل والمبدل منه. # فإن قيل: هذا مع أنه دعوى منتقض بالذي يقدر على نصف رقبة ولا يقدر على ~~باقيها؛ فإنه لا يلزمه عتق نصف رقبة وصيام شهر، وكذلك لو عجز عن الرقبة ~~وقدر على إطعام ثلاثين مسكينا وعلى صيام شرهي لم يلزمه الجمع بينهما. # ومع هذا فإن العدة بالشهور ليست بدلا، بل هي أصل في نفسها، والحيض أصل في ~~نفسه، والوضع من الحمل أصل في نفسه. فالعدة بالأقراء لمن عادتها الحيض، ~~والعدة ثلاثة أشهر لمن لم تحض واليائسة من الحيض، والوضع للحامل، وأربعة ~~أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها، وليست واحدة من ذلك بدلا عن الأخرى. # وعلى أن التي حاضت حيضة لم تقطع على عدتها في الابتداء، ولو تيقنت عدتها ~~لعملت عليها، فهي تعمل على الظاهر، ولا تقطع على حقيقة ذلك إلا بعد ~~انقضائه. فعروض مسألتنا أن يكون من معه ماء قليل يغلب علة ms418 ظنه أنه يكفيه، ~~ثم لا يكون كذلك فإنه يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولو تحقق من أول أمرة ~~أنه لا يكفيه لم يجب عليه استعماله ووجب التيمم الذي هو بدل. PageV03P1206 # فإن قيل: فيجب استعماله لعله إلى أن يستعمله يقدر على ما يتمم به طهارته ~~فيبني عليه. # قيل: هذا يلزم في واجد بعض الرقبة فإنه يعتقها، ثم يجوز، يملك الباقي ~~فيبني عليه، وكذلك يلزم في الصيام لبعض الشهرين والإطعام، وبالله التوفيق. PageV03P1207 ### || AUTO فصل # إذا كان أكثر بدنه جريحا لا يقدر على استعمال الماء عليه، ولم تبق له إلا ~~يد ورجل فإنه يسقط عنه غسل ذلك ويتيمم، وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم. # والأصل في هذا ال ### || AUTO فصل # ما قدمنا ذكره في المسألة التي تقدمت إذا كان معه ماء قليل لا يكفيه ~~لطهارته فإنه لا يلزمه استعماله ويتيمم؛ لأن استعماله لا يفيده شيئا، إذ لا ~~بد له من التيمم الذي قد جعل بدلا عن الكل، فلا يجمع شيء من المبدل مع البدل. # فإن قيل: فقد قال الله - تعالى - {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~إلى آخر الآية، فلا يسقط فرض ما قدر عليه من أجل ما عجز عنه. PageV03P1209 # قيل: لم يذكر الله - تعالى - في الآية الجمع بين استعمال الماء والتيمم، ~~إنما ذكر الماء إذا قدر عليه أو التيمم مع عدمه وتعذر استعماله، وهذا ممن ~~قد تعذر عليه استعماله في جملة الأعضاء أو أكثرها، فصار من أهل التيمم لا ~~من أهل الماء. # ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الطهارة بالماء، فلا يجوز الجمع بين ~~الأصل والبدل الذي مناب جملته مفردا، كالرقبة في كفارة الظهار. # فإن قيل: هو منتقض بالمسح على الخفين والجبائر مع غسل الباقي. # قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأننا قلنا: لا يجوز جمع الأصل مع البدل ~~الذي ينوب مناب جملته مفردا، والمسح على الخفين والجبيرة ليس هما بدلا ينوب ~~في الإفراد عن جميع الأصل. # وأيضا فإن الخفين بدل من غسل الرجلين اللتين تحتهما، ms419 لا بدلا عن جملة ~~الأعضاء، فالحدث يرتفع وإن مسح على الخفين والجبيرة، وليس كذلك التيمم؛ ~~لأنه بدل عن الجملة، ألا ترى أنه لو لم يجد ماء أصلا كان هذا التيمم هو ~~البدل والحدث غير مرتفع. # وأسئلة هذه المسألة هي أسئلة المسألة التي تقدمت فتنقل الأجوبة هناك إلى ~~الأسئلة ها هنا، وبالله التوفيق. PageV03P1210 ### | AUTO [63] مسألة # ومن نسي الماء في رحله حتى تيمم وصلى أعاد في الوقت. # وروي عن مالك أنه لا يعيد، وإن أعاد فحسن. # وروى المدنيون عنه أنه يعيد أبدا. وبهذا قال الشافعي في قوله الجديد، وبه ~~قال أبو يوسف. # وبالرواية الأولى أنه لا إعادة عليه قال أبو حنيفة محمد، الشافعي في قوله ~~القديم. # والدليل لقوله لا إعادة عليه: قول الله -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وهذا ~~تيمم وهو غير واجد، فدخل تحت الأمر، سواء نسي PageV03P1211 # الماء في رحله أو لم يكن في رحله؛ لأنه قد طلب طلب مثله فلم يجد، ولم ~~يكلف إصابة الماء، وإنما كلف الطلب. # وش قول الني عليه السلام: «جعلت لي الأرض مشدا وطهورا، فأينما أدركتني ~~الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام سواء الماء في رحله أو لم يكن في ملكه. # وأيضا فإن الاعتبار في الماء بالقدرة على استعماله لا بالماء. ألا ترى أن ~~المسافر إذا لم يقدر على الماء جاز له أن يتيمم ويصلي وإن أن الماء في ملكه ~~بحيث لا يقدر عليه، مثل أن يحول بينه وبينه بلد آخر، أو غير ذلك، فإذا ثبت ~~ذلك فالناسي للماء في رحله لا يوصف بأنه قادر عليه وعلى استعماله فلم تلزمه ~~الإعادة. # وأيضا فإنه لو كان في برية، وطلب الماء حوله وبقربه، فلم يجده ولم يقف ~~عليه، فتيمم وصلى ثم ظهر له بقربه بئر فيها ماء فإنه فلا إعادة عليه، كذلك ~~إذ ظهر له الماء في رحله. # وأيضا فقد ذكرنا فيما تقدم أن كل من لزمه فرض التيمم والصلاة، فتيمم وصلى ~~على ما كلف لم تلزمه الإعادة، ولا خلاف أن هذا ممن قد لزمه التيمم والصلاة، ~~وفد فعل ذلك ms420 فلا إعادة عليه. # وش فإنه معر في نسيانه، فهو كمن لم يكن في ملكه، أو كان مريضا يخاف التلف ~~من استعمال الماء، فكل معذور في تيممه إذا صلى PageV03P1212 # لم تلزمه الإعادة قياسا عليه إذا لم يكمن في ملكه أو كان مريضا. # فإن قيل: قوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وقول النبي عليه ~~السلام: «الصعيد وضوء المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه ~~بشرته»، فأباح - تعالى - هو ورسوله عيه السلام التيمم إذا لم يجد الماء، ~~ومنع منه إذا وجده، وإنما يقال: لم يجد إذا طلب فلم يجد، وأما إذا لم يجده ~~من غير طلب فإنه لا يقال له: لم يجده، وإنما يقال: لم يصبه، أو ليس عنده، ~~فإذا ثبت ذلك فالذي نسي الماء في رحله لا يقلا له: لم يجد الماء؛ لأنه لم ~~يطلبه، وأول الطلب يكون من رحله، ثم ما حوله، فلم يعتد بتيممه وصلاته. # قيل: هذا قد طلب طلب مثله، وبدأ برحله، والإنسان قد يعتقد الشيء في رحله ~~فيطلبه وينسى وموضعه، فهو طالب له فلم يجده، فصار عادما له بعد أن طلبه، ~~فهو غير واجد. # على أن الإنسان قد ينسى أن في رحله ماء، فيطلب من حوله فلا يجد، وهذا قد ~~طلب من غير رحله فلم يجد، وأنتم تقولون: إذا نسي الماء في رحله، واجتهد في ~~الطلب من غير رحله فلم يجد وتيمم وصلى فإنه يعيد الصلاة، مع أنه قد اجتهد ~~في الطلب من غير رحله فلم يجد، فصار ظاهر الآية حجة لنا وحجة عليكم. # فإن قيل: فإن التيمم بدل عن مبدل، لو كان عالما قادرا على مبدله لم يعتد ~~به، فوجب إذا كان ناسيا له أن لا يعتد به. أصله إذا نسي أنه قادر على ~~الرقبة فصام لم يعتد بصومه. PageV03P1213 # قيل: الفرق بين الموضعين: هو أنه قد يجوز أن يعدل عن الماء إلى التيمم مع ~~وجود الماء على وجه ماء، ولم يجز العدول عن الرقبة مع وجودها عل وجه ما، ~~فبان بهاذ أن الرخصة قد تدخل ms421 في ترك الماء مع وجوده لعذر، ولا تدخل الرخصة ~~في ترك الرقبة مع وجودها، فبان الفرق. # وأيضا فإن التيمم روعي فيه خوف فوات وقت الصلاة، وليس للرقبة وقت يخاف ~~فواته، فلهذا أعاد عتق الرقبة، ولم يعد الصلاة، والله أعلم. # فإن قيل: فإنه أمر متعلق بالطهارة فوجب أن يكون الناسي منه كالعامد في ~~وجوب الإعادة، كالمتطهر بالماء النجس لا فرق بين أن يستعمله ناسيا أو ~~متعمدا في أن عليه الإعادة. # قيل: عنه جوابان: # أحدهما: أن الماء النجس لم يجز استعماله في الطهارة على وجه، لا مع ~~القدرة ولا مع العجز، قد جاز التيمم مع وجود الماء الطاهر على وجه. # الجواب الآخر: هو أن الماء لا يتنجس - عندنا - إلا بتغير أحد أوصافه، فهو ~~أمر متيقن يبعد أن ينسى صاحبه كنه نجسا، وإن كان يجوز أن يستعمله مستعمل ~~على طريق الجهل. # فإن قيل: قد وجدنا شرائط الصلاة كلها مبينة على أن لا فرق بين PageV03P1214 # أن يتركها ناسيا أو عامدا في إيجاب الإعادة، مثل الاستقبال للقبلة، وستر ~~العورة، وإزالة النجاسة، والتكبير، والقيام، والركوع والسجود وغير ذلك، ~~فكذلك الطهارة بالماء. ألا ترى أنه لو نسي نفس الطهارة لكان كتركها عامدا ي ~~وجوب إعادة الصلاة، فكذلك نسيانه الماء كتركه عمدا في وجوب إعادة الصلاة. # قيل: إن أصل التيمم إنما أبيح لمراعاة الوقت - أعني الصلاة الذي يخاف ~~فواته - فأي موضع يخاف فوت الصلاة فيه مع تعذر الماء عليه لزمه التيمم، ~~والذي نسي الماء في رحله، ولا يجد غيره يخاف فوت وقت الصلاة الحاضرة فلزمه ~~التيمم باتفاق، كالمسافر لا يجد الماء، وكالمريض الخائف من استعمال الماء، ~~وليس كذلك ما ذكرتموه من سائر الأوصاف؛ لأن تلك لازمة، سوءا خاف فوات ~~الصلاة أم لا، فبان الفرق. ألا ترى أن المتمتع إذا لم يحضره يسر، وهو موسر ~~ببلده فإنه يدل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام في الحج خوف فواتها، لا يعيد ~~إذا قدر على الرقبة بعد ذلك. # على أن سرت العورة - عندنا - ليس بفرض، وكذلك إزالة النجاسة، والذي نسي ~~القبلة أيضا ms422 فصلى إلى غيرها إن ذكر بعد PageV03P1215 # خروج الصلاة لم تلزمه الإعادة. # على أن هذه الأشياء إذا نسيها فإنه لم يأت بها لا ببدلها، والذي نسي ~~الماء قد أتى بالبدل الذي هو التيمم، ولا يلزم على هذا من نسي الطهارة ~~بالماء والتيمم جميعا؛ لأنه لم يأت ببدل، وكذلك من نسي القيام والركوع ~~والسجود وغير ذلك، فلم يلزم ما ذكرتموه. # فإن قيل: قولكم: إن الاعتبار في جواز التيمم بعدم القدرة على استعمال ~~الماء لا بعدمه في الملك إلى آخر الفصل فإننا نقول: إنما يعتبر جواز التيمم ~~بعدم القدرة على الماء إذا لم ينسب هو في ترك تلك القدرة إلى التفريط. فأما ~~إذا نسب في ترك تلك القدرة إلى التفريط فلا يكن كعدم القدرة، بل يكن كوجود ~~الدرة عليه، والإنسان إذا كان في ملكه ماء في بلد آخر، ولا ماء معه في ~~موضعه فإنه يتيمم؛ لأنه غير منسوب إلى التفريط في ترك هذه القدرة، فأما من ~~نسي الماء في رحله فهو مفرط في ترك هذه القدرة - وإن كان لا يقدر على ~~استعماله - فلم يكن كعدم القدرة عليه. # وأما ما ذكرتموه من البئر يظهر عليها بعد تيممه وصلاته فإننا نقول: لا ~~فرق بين البئر وبين ناسي الماء في رحله؛ وذلك متى كان مفرطا فيه لزمته ~~الإعادة، ومثل أن يكون قد عرف تلك البئر أصلا، فإننا ننظر فيه، فإن كان ~~مفرطا في طلبها، مثل أن يكون لها أعلام لا تخفى، وعليها أمثال وآثار مثلها ~~تعلم، ففرط في طلب ذلك فإن عليه الإعادة، وإن كانت البئر في موضع خفي مغطى ~~بشيء حيث لا يعثر PageV03P1216 # عليه فلا إعادة عليه، واعتبار طلب الماء في الرحل على هذه الصفة متى كان ~~مفرطا في طلبه فعليه الإعادة، وإن لم يكن مفرطا فلا إعادة عليه، فإذا كان ~~ذلك سقط ما ذكرتموه ولم يلزمنا. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أننا على هذا الوجه متفقون؛ لأننا نقول: إن طلب في رحله طلب مثله ~~فلم يجده، هر أنه قد خبأه في موضع خفي عليه ms423 عند الطلب، فإنه غير مفرط، فلا ~~إعادة عليه، وإن ترك الطلب أصلا في رحله فإنه مفرط وعليه الإعادة. # والجواب الآخر: هو أن يكون نسي أن في رحله ماء أصلا، كان عنده أنه لا ماء ~~عنده، فطلب من غير رحله فلم يجد فإن هذا أيضا لا إلى يكون مفرطا؛ لأن ~~النسيان عذر أتاه من قبل الله - تعالى -، فكان عنده أنه لا ماء في رحله، ~~فلطلب من جهة أخرى، فلم يفرط فيما على من الطلب، فصار بمنزلة من غلب على ~~ظنه أنه لا ماء في هذه الجهة، فطلبه من جهة أخرى فلم يجد، وليس عليه أن ~~يطلب الماء من جميع الجهات، وإنما هو على ما يغلب على ظنه أنه يجده في تلك ~~الجهة، فيكون الخلاف ها هنا واقعا، في الأول اتفاق. # والأولى عندي أنه إن لم يتعرض لطلب الماء في رحله أصلا أن يكون مفرطا ~~عليه الإعادة، ويكون ها وجه قول مالك: إنه يعيد أبدا. # ويكون وجه قوله: لا إعادة إذا طلبه في رحله فلم يجده؛ لأنه خفي موضعه من ~~رحله فلم يفرط، والله الموفق. PageV03P1217 # ويجوز: أن نحرر لموضع الخلاف قياسا فنقول: قد تيمم لعذر هو عجز عن ~~استعمال الماء حين خاف فوات الوقت فلم تجب عليه الإعادة. أصله المريض ~~المسافر إذا لم يجد الماء، ورد المعذور بالتيمم إلى مثله أولى من غير جنسه، ~~وبالله التوفيق. PageV03P1218 ### || AUTO فصل # قد مضى [في] الكلام في الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فوات ~~الكلام على أبي حنيفة، وفي آخر الكلام عن الشعبي الطبري لم أستقصه. # ورأيت أن أفرده ها هنا، وذلك أن الشعبي وابن جرير الطبري يقولان: صلاة ~~الجنازة غر مفتقرة إلى الطهارة أصلا، لا بالماء ولا بالتيمم، وليست عندهما ~~صلاة وإنما هي دعاء. # قالا: هي كالصلاة على الني عليه السلام. ألا ترى إنها لا تفتقر إلى ركوع ~~ولا سجود فلم تفتقر إلى الصلاة. # والوجه أن يدل على أنها تسمى صلاة، والدليل على ذلك: ما روي أن النبي ~~عليه السلام صلى على النجاشة ms424 وكبدا أربعا، وما روي أنه عليه السلام صلى على ~~مسكينة. PageV03P1219 # وروي أنه عليه السلام صلى على شهداء أحد، وروي عنه لم يصل. # وروي أنه صلى على حمزة، فإذا ثبت إنها تسمى صلاة، فقال الله - تعالى -: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}، فأمر بغسل هذه ~~الأربعة الأعضاء لمن قام إلى الصلاة، والألف واللام في الصلاة للجنس، فهو ~~عموم في كل ما يسمى صلاة إلا أن تقوم دلالة. # وأيضا قول النبي عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، فهو عام في كل PageV03P1221 # صلاة ما لم يمنع منه دليل. # وقال: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء». # وأيضا فإن كل عبادة افتقر افتتاحها إلى التوجه إلى القبلة والتكبير فإنها ~~مفتقرة إلى الطهارة، أصله سائر الصلوات. # وفإن صلاة الجنازة مفتقرة إلى التوجه، وستر العورة، وإزالة النجاسة، ~~والتكبير، وقطع الكلام فيها، وكذلك هي في وجوب الطهارة مثل سائر الصلوات. # وأما قولهم: إنها لم تفتقر إلى ركوع وسجود ولم تفتقر إلى طهارة، فإننا ~~نقول: الصلوات تختلف، فمنها أربع ركعات، ومنها ثلاث، ومنها ركعتان، ومنها ~~ركعة - هي الوتر -، ومنها ما فيه ركوعان ومنها ما لا ركوع فيه ولا سجود ~~كالطواف، وقال عليه السلام: «الطواف بالبيت صلاة»، فليس من أجل خلافها ~~للصلوات ما يخرج عن جميع PageV03P1222 # أحكامها. ألا ترى أنها شاركت الصلوات في التوجه والتكبير والسلام فهي ~~مثلها في الطهارة. # فأما إلى الصلاة على النبي عليه السلام فإنها قول لا فعل. ألا ترى أنها ~~لا تفتقر إلى شيء مما في الصلوات من الأفعال فلم تفتقر إلى الطهارة، والله ~~أعلم. PageV03P1223 ### | AUTO [64] مسألة # اختلف أصحاب مالك - رحمه الله وإياهم - في المهدوم عليه والمربوط على ~~خشبة تحضرهم الصلاة. # فذكر ابن القاسم أن عليهم إعادة الصلاة. وهذا يدل أنهم يصلون في الوقت ~~بالإيماء، ويعيدون إذا قدروا؛ لأنه لم يقل يقضون، وإنما قال: يعيدون. # وأيضا يعيد من قد صلى، وظاهر قوله يعيدون واجبا. # وقال أشهب: لا إعادة عليهم:، وظاهر هذا يدل على أنهم يصلون في الوقت، ~~فيحتمل أن يصلوا واجبا، ولا ms425 إعادة، ويحتمل أن يريد يصلون استحبابا ولا ~~إعادة عليهم. # وعندي أنهم إن كانا على طهارة فغنهم يقدرون على الصلاة إيماء، فيجب عليهم ~~أن يصلوا على حسب قدرتهم، كالمريض والمسايف، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول ~~ابن القاسم في الإعادة أنها مستحبة، وإن لم يقدروا على استعمال الماء ولا ~~التيمم لم يصلوا ولا إعادة عليهم. # ويحمل قول أشهب على أنهم يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم، ويحتمل أن ~~يصلوا واجبا ولا إعادة عليهم. # وحكي عن أبي حنيفة أنهم لا يصلون ولا إعادة عليهم، وهذا الذي اختاره. PageV03P1225 # واختلف قول الشافعي في هل يصلون في الوقت على طريق الوجوب أو الاستحباب، ~~ولم يختلف قوله في أن عليهم الإعادة. # وقال المزني: يصلون واجبا ولا إعادة عليهم. # وقد يحتمل قول أشهب مثل هذا. # ووجه القول أنه لا تجب عليهم الصلاة ولا القضاء: لقول النبي عليه السلام: ~~«لا قبل الله صلاة بغير طهور»، وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير ~~طهور، وإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور، PageV03P1226 # وعقله معه، وهو ذاكر غير ناس لم يجب القضاء، كالمراهق والحائض. # وكذلك قوله عليه السلام: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه» ~~وهذا غير قادر على ذلك. # وقوله عليه السلام لعمار: «إنما كان يكفيه هكذا» في التيمم حين لم يقدر ~~على استعمال الماء، فيدل أن غير ذلك لا يكفيه جملة، ولم يقل: إنما كان ~~يكفيك أن تصلي إن لم تقدر على الماء والتيمم. # وأيضا فإنه ممن معه عقله، وقد عجز عن استعمال الماء والتيمم بأمر لا ~~يمكنه دفعه، فأشبه الحائض. # فإن قيل: الحائض مع قدرتها على الماء لا تصلي، وليس كذلك هذا، فالحائض ~~ليست عاجزة. # قيل: عجزها عن استعمال الماء بالشرع، وعجز ذلك بعدم القدرة، ولا يخرجهما ~~أن يكونا عاجزين، وإن افترق وجه عجزهما. # ويجوز أن يستدل باستصحاب الحال، فإن ذمته بريئة من وجوب شيء حتى يقوم دليل. # وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول أن تسقط فرضه، فلما قالوا: لا تسقط ~~فرضه لم يجب عليه كالنوافل. # وأيضا ms426 فلو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي، PageV03P1227 # لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد، في يوم واحد، كظهرين وعصرين، وهذا ~~لا يجوز، فكيف وقد النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ظهرين في يوم» يعني ~~واجبتين. # ووجه قول المزني الذي يحتمله قول أشهب: هو أن كل من أدى الفرض على ما ~~كلفه لم يلزمه قضاؤه، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والعاجز عن أركان ~~الصلاة يصلي على حسب حاله، وكذلك المسايف والمسافر يحبس الماء خوفا على ~~نفسه العطش يتيمم، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم الإعادة. # فإن قيل: الدليل على أنهم تلزمهم الصلاة في وقتها والقضاء إذا PageV03P1228 # قدروا: قوله - تعالى -: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، وهو عام ~~في كل أحد، إلا أن الفرض لا يسقط؛ لقوله عليه السلام: «أو صلاة إلا بطهور». # قيل: هذا الخبر يقضي على الآية، فصار تقدير قوله - تعالى -: {أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس} إذا كنت طاهرا، وقوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور»، أي ~~لا يصلي بغير طهر، وإن أراد لا حكم لصلاة فلا حكم لها في أن تبتدأ ولا تجزئ. # فإن قيل: فإنه مكلف أدرك الوقت فوجب أن تلزمه إقامة فرض الوقت، كالمريض ~~والمعذور ومن عجز عن القيام والقراءة وغيره لمرض # قيل: إن أردتم أنه مكلف لهذه الصلاة على هذا الوجه ففيه اختلفنا، وإن ~~أردتم عن علقه معه، فقولكم: تلزمه إقامة فرض الوقت فإنه لا فرض عليه في هذا ~~الوقت إلا أن يقدر على الضوء أو التيمم، وفي هذا أيضا اختلفنا. فأما المريض ~~العاجز عن القيام وغيرهم فإنما لزمهم أن يصلوا إن كانوا على طهارة، فأما لو ~~لم يقدروا على الوضوء والتيمم فإن حكمهم حكم المربوط الذي تحت الهدم. # فإن قيل: إن المربوط قادر على الركوع والسجود وإنما الحائل منعه منه. PageV03P1229 # قيل: كلامنا فيه إذا لم يقدر على لطهارة أصلا، فإن كان المربوط والذي تحت ~~الهدم على طهارة أو يمكنه الوضوء والتيمم فواجب عليهم أن يصلوا في الوقت ~~ولا إعادة ms427 عليهم كالمسايف. # ووجه قول ابن القاسم على ما خرجناه من وجوب الإعادة: هو أن الله - تعالى ~~- قد أوجب على العاقل البالغ من المسلمين الصلاة لوقتها فلا تسقط عنه إلا ~~بدليل، وعجزه عن الطهارتين جميعا ومعه عقله، وليس ممن يحيض لا يسقط عنه حكم ~~الصلاة؛ لأنه إذا عجز عن فرض الصلاة وعقله معه لم يسقط عنه حكمها، فعجزه عن ~~شرط أخذ عليه الصلاة. # قيل: الدخول فيها أولى أن لا يسقط حكم الصلاة. ألا ترى أن المريض إذا لم ~~يقدر على القيام والمسايف وغيره ممن لا يقدر على الركوع والسجود لا يسقط ~~عنهم أحكام الصلاة. # وأيضا فإن النائم قد غاب عقله حتى خرج وقت الصلاة لم يسقط عنه حكمها، فمن ~~معه عقله وهو ممن يصح منه أداؤها في الحال لو كان على طهر أولى أن لا يسقط ~~عنه حكم الصلاة، والله أعلم. # فإن قيل: على الوجه الأول إن قولكم: لو كان يلزمه الدخول فيها لوجب أن ~~يسقط فرضه باطل بمن أدرك الإمام في السجود، وبمن أفسد حجه يلزمه المضي ولا ~~يسقط فرضه. # قيل: هذا لا يدخل في على ما ذكرناه؛ لأنه لا يجب عليه أن يدخل مع الإمام ~~في السجود، ولو دخل معه لم يكن هذا القدر مما يعتد به لو كان على طهارة؛ ~~والصلاة كلها إذا دخل فيها يعتد بها لو كان طاهرا. PageV03P1230 # والذي أفسد حجه لو كان في الابتداء لم يدخل فيه، وهذا توجبون عليه أن ~~يدخل في الصلاة مع إنها لا تجزئه فلم يشتبها. # فإن قيل: إن قولكم: هذا يؤدي إلى إيجاب ظهرين في يوم فإننا نقول: هذا غير ~~ممتنع، كما إذا فاتته صلاة من خمس صلوات ونسيها فإنه يصلي خمس صلوات. # قيل: هذا يصلي خمس صلوات مختلفة حتى يصيب تلك الصلاة، وفي مسألتنا توجبون ~~عيه أن يصلي الظهر على أنه يعيدها بعينها واجبا، وهذا إيجاب ظهرين في يوم ~~واحد فلا يجب، والله الموفق. PageV03P1231 ### | AUTO [65] مسألة # من كتاب المسح على الخفين # اتفق العلماء - مالك منهم - على جاز المسح على ms428 الخفين. # ورويت عن مالك - رحمه الله - فيه روايات، والذي استقر عليه مذهبه ومذ ... ~~هب أصحابه جوازه. # ومذهب الخوارج أنه لا يجوز أصلا؛ لأن القرآن لم يرد به. # وقالت الشيعة: لا يجوز؛ لأن عليا رضي الله عنه امتنع منه. # والدليل لقول الفقهاء: ما روي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الطرق PageV03P1233 # التي اشتهرت وظهرت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحضر ~~والسفر. # فممن نقل ذلك عنه عليه السلام: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن ~~أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت، PageV03P1234 # والمغيرة بن شعبة، وصفوان بن عسال، وأبو بكر ة، PageV03P1235 # وأبي بن عمارة - رضي الله عنهم - وقد صلى النبي عليه السلام في بيته PageV03P1236 # القبلتين، وبلال - خادم النبي صلى الله عليه وسلم، جرير بن عبد الله، ~~وأنس بن PageV03P1237 # مالك - وهو خادم النبي صلى الله عليه وسلم - قد كان صبيا، وغير هذه ~~الطائفة ممن يكثر عددهم، حتى قال الحسن البصري: إنه روي المسح على الخفين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعون نفسا، فنقلوه فعلا منه عليه السلام، ~~وقولا، وأمرا لغيره في الحضر والسفر، في أحوال مفترقة، وبألفاظ PageV03P1238 # مختلفة. منها ما بدأ هو بفعله، ومنها أجوبة عن أسئلة سائلين، حتى جرى ذلك ~~مجرى التواتر، وخرج عن طريق خبر الواحد. # ثم عملت الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك في حياته وبعد وفاته، وهو قول ~~أبي بكر، وعمر، PageV03P1239 # وعثمان، وعلي، وابن عباس، PageV03P1240 # وعائشة، وسعد، وزيد بن ثابت، والصحابة كلهم، PageV03P1241 # ولم يرد بعضهم على بعض ذلك، بل كان من لم يسافر معه عليه السلام يحيل على ~~من سافر، كقول عائشة للسائل: ائت عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيعلم كيف المسح. # ومنهم من كان يسافر معه عليه السلام، ثم يبعد عنه، فحيل على من قرب منه، ~~مثل علي وبلال وأنس والمغيرة، فإن هؤلاء ممن كان يختصه لفطانته وخدمته، ولم ~~ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك. # فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: {وأرجلكم إلى الكعبين}، فنصبها عطفا ~~على ms429 غسل الوجه واليدين، فوجب أن يكون الفرض فيه الغسل. # وأيضا فإن المسح في ظاهر القرآن ورد في الرجلين حسب دون الخفين بقوله: ~~{وأرجلكم}، بالخفض عطفا على الرأس. # قيل: الجواب عن السؤال الأول في الآية من وجهين: # أحدهما: إنها قرئت بالنصب، وقرئت بالخفض، فيحمل النصب على غسل الرجلين، ~~والخفض على المسح على الخفين؛ لأن الآية تقتضي المسح. # والجواب الثاني: أن قوله: {وأرجلكم} منصوب عام فيمن كان لابسا للخف ومن ~~لا خف له، فنحمله على من ليس بلابس للخف. PageV03P1242 # وأما السؤال الثاني عن كان في الآية ذكر الرجلين إلا ذكر الخفين، فإنه لا ~~يمتنع أن يرد القرآن ذكر شيء، ترد السنة بجواز الشيء آخر. # فيكون بيانا للمراد بظاهر الآية، فيصير تقدير القراءة بالخفض: وامسحوا ~~برؤوسكم وخفافكم، ويجو أن يعبر عن الخف إذا كانت الرجل فيه بالرجل، كقوله - ~~تعالى -: {وقرآن الفجر}، أراد صلاة الفجر، فعبر عن الصلاة بالقرآن؛ لأنه ~~يكون فيها. # ويجوز أن يكون تقدير الآية أيضا: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إن اخترتم ~~مباشرتها بالماء، وإن اخترتم فامسحوا على الفخين؛ بدليل مسح النبي عليه ~~السلام على خفيه، وأمره بذلك. # ومن الدليل على صحة قولنا: ما رواه سفليان عن الأعمش عن إبراهيم النخعي ~~عن همام عن جرير بن عبد الله البجلي أنه توضأ ومسح على الخفين. فقيل له أو ~~تفعل ل؟ فقال كيف قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك؟. فقيل له: ~~قبل المائدة أو بعدها؟. فقال PageV03P1243 # سبحان الله، وهل أسلمت إلا بعد المائدة، هذا نص: لأن سائر أخبارنا ~~يحملونها على أن مسحه كان قبل نزول المائدة، وأن الآية نسخت ذلك، هذا بعد ~~المائدة. # وأيضا فإن حديث المغيرة بن شعبة الثابت الذي لا يتداخله شك أنه كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم - فذهب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، فاتبعه المغيرة بماء، فسكب عليه فتوضأ ~~ومسح على خفيه. PageV03P1244 # رواه الزهري عن عباد ابن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة. # ورواه الزهري أيضا وغيره ms430 عن حمزة بن المغيرة عن المغيرة. PageV03P1245 # ورواه الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة. # ورواه نافع بن جبير بن مطعم عن عروة بن المغيرة عن المغيرة. PageV03P1246 # ورواه الأشعث بن سليمان عن الأسود بن هلال عن المغيرة. # فتفقت الروايات وغيرها مما لم نذكره عن المغيرة عنه عليه السلام بالمسح ~~على الخفين في غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات، فيسقط بهذا قول من يقول: إن آية ~~الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنه متقدم؛ لأن غزوة تبوك آخر غزاة كانت ~~بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذه الغزاة. PageV03P1247 # فإن قيل: إن إجماع الصحابة معنا. # فروي عن علي أنه ابن القاسم: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر عير ~~بالفلاة. # وروي عن أبي هريرة أنه كره ذلك. # وروي عن عائشة - رحمها الله - إنها قلت: لأن تقطع رجلاي PageV03P1248 # أحب إلي من المسح على الخفين. # وروي عن ابن عبسا أنه قال كسبق كتبا الله المسح على الخفين. # وروي أن أبا مسعود البدري: قال مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على PageV03P1249 # الخفين. فقال له علي عليه السلام: قبل المائدة أو بعدها؟ فسكت أبو مسعد، ~~فدل علي أن الخبر منسوخ بقوله: {وأرجلكم إلى الكعبين}؛ لأنه في المائدة، ~~وبين علي أن المسح قبلها. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه لم ينقل عن أحد منهم نقلا صحيحا أنه قال: لا يجوز. # والجواب الآخر: أننا نسلم ما حكي عنهم، ولكنهم رجعوا عنه، لأننا قد روينا ~~فعلهم وفعل الأئمة منهم عبد النبي عليه السلام، والمسح بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يكون، وكيف يمتنعون منه وقد روينا عنهم ذلك، ولكن المسح على ~~الخفين كان بالمدينة قليلا؛ لقلة حاجتهم إليه؛ لأن أرض الحجاز يقل فيها ~~الرد الذي يحتاج معه إلى لبس الخفاف، ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها - ~~للسائل ائت عليا فإنه أن يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أكثر ~~مسحه ومسحهم على الخفاف إنما هو PageV03P1250 # في الأسفار التي يحتاج فيها إلى لبس الخفاف، كما روي أن الطائفة التي ms431 ~~اشتد عليهم البرد في سفرهم فأمرهم عليه السلام بالمسح على العصائب ~~والتساخين. # والعصائب: العمائم، التساخين: الخفاف. # وكذلك أنكر ابن عمر على سعد بالكوفة، فلما عرف ذلك مسح بعد ذلك بالمدينة. # وأيضا فإن السائل لما قالت له عائشة: ائت عليا فاسأله، فقال علي للسائل: ~~قال النبي عليه السلام: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما ~~وليلة». # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان مسح أسفل ~~الخف أولى من أعلاه، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ~~ظاهر الخف. PageV03P1251 # وأما حديث أبي هريرة فقد روي عنه أنه قال: مسح النبي عليه السلام على ~~الخفين. PageV03P1252 # وروي أنه هو مسح على الخفين. # ما ذكروه عن عائشة - رضي الله عنها - فعنه جوابان: # أحدهما: أنه قد روي عنها أنها قالت: مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الخفين إلى أن مات. # وقالت لشريح بن هانئ: PageV03P1253 # سل عليا. # والجواب الثاني: فإنه يجوز أنها كانت تكره المسح على الخفين وتقول: غسل ~~رجلي أسهل في نفسي، والإنسان قد يختار العزائم على الرخص؛ لقوته في الدين، ~~ولم تقل: إنه لا جوز. # وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه، فقد روي عن عطاء قال سألت ابن عباس عن ~~المسح على الخفين فقال: مسح النبي عليه السلام على الخفين. # فقلت له: إن عكرمة روى عنك أنك تقول: سبق القرآن المسح على الخفين. فقال: ~~كذب عكرمة. يعني غلط. # وأما قل علي رضي الله عنه لأبي مسعود، فإنما قال له ذلك؛ لأن أبا مسعود ~~البدري كان قعد عن بيعة علي، فأراد أن يبين للناس ضعف PageV03P1254 # علمه وقلته، أنه لا يعلم الناسخ والمنسوخ، لم يقصد به أن الخبر منسوخ؛ ~~بدليل ما رويناه عن علي رضي الله عنه في المسح. # فإن قيل: فإنها طهارة من حدث فلا يجوز فيها المسح على الخفين كالجنابة. # وأيضا فإنه حائل منفصل عن العضو فوجب أن لا يجوز المسح عليه لغير عذر ~~كالعمامة، وقولهم: منفصل؛ احتراز من الشعر. # قيل: أما القياس ms432 على الجنابة فعنه جوابان: # أحداهما: أن القياس إذا أدى إلى إسقاط السنن سقط، وقد ذكرنا عن النبي ~~عليه السلام جوز المسح. # والجواب الآخر: هو أن الجنابة أغلظ من الوضوء حتى إنه يسقط مسح الرأس ~~بالماء ويصير غسلا، ويجب غسل جميع البدن الذي كان يسقط في الوضوء، فلم يجز ~~المسح فيه على الخفين. وكيف يجوز أن يغتسل ويغسل ساقيه إلى حد الكعبين وهو ~~لابس للخف؟. فبان بهذا مخالفة أمر الجنابة للوضوء المبني على التخفيف، وسقط ~~فيه غسل أكثر البدن، وجوز فيه مسح الرأس دون غسله فلم يشتبها. # وأما القياس على محس العمامة فهو أيضا فاسد؛ لأن فيه إسقاط جواز المسح ~~الثابت بالسنة. # على أننا نفرق بينهما فنقول: لما كانت الرجلان يقع السعي عليهما، ~~وظهورهما أكثر من ظهور الرأس اليدين في غالب الحال، والوجه أكثر صبرا على ~~البرد والحر منهما؛ لكثرة مباشرة ذلك بالوجه PageV03P1255 # وجرى العادة به فجازت الرخصة في الرجلين للمشقة التي تلحق في نزع الخفين ~~عند كل طهارة، والحاجة إليه أكثر؛ لأن نزعه يؤدي إلى التخلف عن رفقته، ~~والانقطاع عن العجلة في السفر، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ~~«إنه قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الأوبة إلى أهله»، ~~والعمامة لا تلحق المشقة في أن يدخل يده تحتها فيمسح رأسه، فكان الفرض فيه ~~مسح الرأس دون العمامة. # فإن استدلوا بأصحاب الحال، وأن الصلاة في ذمته، فمن زعم أنها تسقط بطهارة ~~فيها المسح على الخفين فعليه الدليل. # وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فدليله إنها لا تقبل بالمسح على الخفين. # قيل: أما استصحاب الحال فلنا مثله؛ لأن أصل الذمة بريئة من وجوب الطهارة ~~على الصفة التي تذكرونها دون جواز المسح على الخفين، ولا نسلم لكم أن ~~الصلاة في ذمته إلا على جواز المسح على PageV03P1256 # الخفين في الطهارة. # ثم لو ثبت لكم ذلك لكان مسح النبي عليه السلام على الخفين، والصلاة بذلك ~~تدل على ms433 سقوط الصلاة من ذمته. # وأما احتجاجكم بالخبر فإن الحديث الصحيح روي أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ومن مسح على خفيه فقد توضأ. # ثم لو ثبت الحديث على ما ذكرتم لم يتمنع أن يكون قوله عليه السلام متوجها ~~إلى من أظهر رجليه ولم يلبس الخف، فإما من سترهما بالخف فإنه يجوز له ~~المسح؛ بدليل الأخبار المروية في جواز المسح، حتى نستعمل سنته وأقواله ~~كلها، ولا نسقط بعضها، وبالله التوفيق. PageV03P1257 ### | AUTO [66] مسألة # وليس للمسح على الخفين عند مالك - رحمه الله - حد محدود، لا للمقيم ولا ~~لمسافر، يمسح ما بدا هل ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة. # وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وهو قول الشافعي في القديم. # وعن مالك فيه روايات لا تصح، والصحيح ما حكيناه. # وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد. # هو موقت محدود، فللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة من وقت ~~ما أحدثا، وبه قال الثوري، PageV03P1259 # وأحمد، وإسحاق. # والدليل لقولنا: ما رواه عمر وأنس أن النبي عليه السلام قال: «إذا أدخلت ~~رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك ~~جنابة» فأباح المسح ما لم يحدث أحد هذين إما النزاع أو الجنابة، ولم يخص ~~وقتا من وقت. # وأيضا ما روي عن عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن المسح على الخفين فقلت: أفي كل ساعة يمسح على الخفين؟. PageV03P1260 # فقالت: نعم، ولم تخص مؤقتا من وقت. # أيضا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه غب روابة المغبرة. # وفي حديث حذيفة أتى سباطة قوم فبال قائما ثم توضأ فسمح على خفيه. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لبستهما على طهر فامسح ~~عليهما»، فثبت عنه عليه السلام جواز المسح، ولم يثبت عنه فيه توقيت. # وأيضا ما روي عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يمسح PageV03P1261 # المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما ms434 وليلة». # وروي فيه: والله لو استزدناده لزادنا. # وروي: لو استزاده السائل لزاده، والصحابي لا يجوز أن يقطع على علم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه يزيد السائل إذا استزاد حتى يحلف عليه، ويكون ~~ذلك ظنا منه النبي عليه السلام ل إنما يكون ذلك إذا تحقق بعلم قد تقدم منه، ~~علمه من النبي عليه السلام في جواز الزيادة على ذلك. # وأيضا ما روي عن أبي بن عمارة أنه قال: سألت رسول الله عن المسح فقلت: ~~أمسح على الخفين؟ فقال: «امسح». فقلت: يوما؟. فقال: «ويومين وثلاثة وما شئت». # ورواه سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن PageV03P1262 # أيوب قال: حدثني عبد الرحمن بن زرين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن ~~عبادة بن نسي عن أبي بن عمارة - وصلى رسول PageV03P1263 # الله صلى الله عليه وسلم في بيته القبلتين - أنه قال: يا رسول الله، أمسح ~~على الخفين؟. قال: «نعم ويومين». قلت: وثلاثة يا رسول الله؟. قال: «نعم». ~~حتى بلغ سبعا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم وما بدا لك». # ورواه يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع قال: حدثني يحيى بن أيوب ~~بإسناد مثله. # وقد روي أيضا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. # وروي عن عقبة بن عمر أنه قدم المدينة فدخل على عمر PageV03P1264 # الخطاب رضي الله عنه - وعليه خفان في يوم الجمعة -، فقال عمر: منذ كم ~~لبستهما أو تمسح عليهما؟. قال: منذ الجمعة وهذه الجمعة. فقال: أصبت السنة، ~~والصحابي إذا أطلق السنة فهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: ما استدللتم به من ظواهر الأخبار التي قبل حديث خزيمة وأبي بن ~~عمارة فغناه عموم يخصها ما روي عن شريح بن هانئ قال: أبيت عائشة فسألتها عن ~~المسح على الخفين. فقالت: سل عليا، فإنه كان يسافر مع الني صلى الله عليه ~~وسلم. قال: فأتيت عليا فسألته، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما ms435 وليلة». # وروى صفوان بن عسال الرمادي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«يمسح المسافر ثلاثة أيام لياليهن، والمقيم يوما ليلة». PageV03P1265 # وروى صفوان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا ~~مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن ~~من غائط وبول ونوم. # وروى عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، فأمر المسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة. PageV03P1266 # قالوا: والاستدلال من هذه الأخبار من وجهين: # أحدهما: أن الني عليه السلام فرق في المسح بين المسافر والمقيم، فسقط قول ~~من قال: إنه غير موقت؛ لأنه لا يفرق بينهما. # والوجه الآخر: أن النبي عليه السلام جعل وقت المسح للمسافر محدودا ~~بالثلاثة، وللمقيم يوما وليلة، والحد الوارد في الشرع إما يفيد أحد أمرين: ~~إما المنع من النقصان عنه، أو المنع من مجاوزته، كآخر وقت الظهر، والميقات ~~لما جاز قبله علم أنه للمنع من المجاوزة عنه، فلما تقرر أن للمسافر أن يمسح ~~دون ثلاثة الأيام، وللمقيم دون اليوم والليلة علم أنه حد للمنع من مجاوزته. # ثم دليل الخطاب بخلاف المذكور فلا يجوز خلاف ما حد في أخبارنا. # قيل: عن هذه الأخبار أجوبة: # أحدها: أن عبد الرحمن بن مهدي - إمام في الحديث -، وقد قال: لا يصح عن ~~النبي عليه السلام في التوقيت في المسح على الخفين حديث. # وقال أيضا: حديثان لا أصل لهما، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح ~~على الخفين. # وأما حديث صفوان بن عسال فإنما رواه عاصم PageV03P1267 # عن زر عن صفوان. وعاصم قد تكلم أصحاب الحديث في حفظه. فقال يحيى بن معين ~~على عاصم: روى الحديث فهو ضعيف. # وكذلك طعن على أي عبد الله الجدلي في روايته عن خريمة، فتكلم في دينه ~~فقيل: إنه كان صاحب راية المختار بن أبي عبيد. PageV03P1268 # وإن كان في حديث لو مضى السائل في حديثه لزاده. # وجواب آخر: وهو أن في بعضها أنه خرج من النبي ms436 عليه السلام على سؤال سائل ~~سأل عن جواز المسح ثلاثا، وسأل عن جواز المسح للمقيم يوما وليلة، فقال: ~~نعم، لم يرد بهذا الحد الذي لا يتجاوز. # ولو لم ينقل أنها ردت على سؤال سائل لجاز أن تحمل على ذلك؛ لأنه قد روي ~~عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوقتون في ~~المسح على الخفين. PageV03P1269 # وروى هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في ~~المسح على الخفين. PageV03P1270 # فإذا كان كذلك لم يثبت الحد بثمل هذا؛ لأن الحدود سبيله أن تثبت بما ثبت ~~به المسح، فلو كانت كنفس المسح لوردت مورده، ولم يختلف فيها. ألا ترى أن ~~الحدود والمقادير لم تثبت بمثل هذا. # وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت الحد فيما رويتموه لم يمتنع أن يكون متقدما، ~~ثم يرد ما فيه زيادة حكم، وقد روينا عن أبي بن عمارة ما رواه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من مضيه إلى السبعة، ثم قال: «نعم وما بدا لك»، وقوبل ~~الزيادة في الحكم يجوز، فتستعمل الأخبار كلها، فمن اختار أن يمسح ثلاثا ~~جاز، ومن اختار التجاوز جاز. # وجواب آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم على الغالب من أمر ~~المقيم أنه يمسح يما وليلة؛ لأنه أكثر ما يلبس في الحضر، وأن الغالب من أمر ~~المسافر أن يبقى خفه في رجله ثلاثة أيام وأمر بالاختيار من ذلك، ولم يرد ~~منع من تجاوز ذلك، ولا جعله حدا لا يتجاوز، ولو أراد ذلك لأكده بأن يقول: ~~ولا يجوز تجاوز ذلك؛ حتى لا يختلف فيه، فلما وقع خلاف الصحابة في ذلك علم ~~أنه لم يرد الحد. # فإن قيل: فقد روى عبد الرحمن النبي عليه السلام أبي بكرة عن أبيه أبي ~~بكرة أنه اقل: رخص رسل الله صلى الله عليه وسلم للمسافرين ثلاثة أيام ~~ولياليهن، وللمقيم PageV03P1271 # في يوم وليلة إذا تطهر ولبس الخفين أن يمسح عليهما، وهذا أجود خبر لهم، ~~والاستدلال لهم به ms437 من وجهين. # أحدهما: كما استدلوا به من الأخبار المتقدمة. # ووجه آخر: وهو أن الراوي قال: أرخص في المسح، والرخصة في ورود إباحة على ~~أصل محظور، فعلم أن المسح على الخفين كان محرما محظورا، وإذا كان محظورا ~~فالقدر الذي أبيح جاز فعله، فأما الزائد عليه فمحرم على أصل الحظر. # قيل: قد قلنا: إنه لا يصح في التوقيت حديث. فإن صح هذا جاز أن يكون عليه ~~السلام أرخص في هذا لم يمنع من الزيادة عليه بما ذكرناه، فيكون هذا أيضا ~~جوابا لسائل سأل: هل يرخص له في هذا القدر؟، فخرج جوابه له عنه، لم يرد أن ~~يكون ذلك حدا؛ إذ لو أراد الحد لم يزد على ذلك في حديث أبي بن عمارة. # وأيضا فيحتمل أن تكون الرخصة متوجهة إلى نفس المسجد دون أن يتعرض للتوقيت ~~بالدلائل التي تقدمت. # وأيضا فإنه قد نبه على أنه رخصة للحاجة، وسائر الرخص مباحة ما دامت ~~الحاجة، كالفطر والقصر في السفر، والتيمم للمريض، وشد الجبائر، وأكل ~~الميتة، وما أشبه ذلك، ولم يقع فيها حد ما دامت الحاجة، فكذلك إن احتاج إلى ~~لبس الخف أكثر من ذلك مسح ما دامت حاجته. PageV03P1272 # فإن قيل: المسح على الخفين رخصة كما ذكرتم، غير أنه عليه السلام أرخص ~~للمسافر في ثلاثة أيام، وللمقيم في يوم وليلة، والرخص إنما تستباح على قدر ~~الحاجة، فأما الزيادة على قدر الحاجة فلا، كأكل الميتة لما كان رخصة جاز ~~فيه قدر الحاجة، ووجدنا الحاجة في المسح للمقيم تدعوه في يوم وليلة؛ لأنه ~~إنما يستديم لبس الخف يوما وليلة، فأما استدامته في أكثر من ذلك فعليه فيه ~~مشقة، فالحاجة هي في نزعه بعد اليوم والليلة، وفي المسافر ثلاثة أيام؛ لأنه ~~وإن احتاج إلى المسح على خفيه فإنما يستديمه ثلاثة أيام، والمشقة عليه في ~~نوعه في هذا القدر، فلم يجز أن يمسح في أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن لبسه أكثر ~~من هذا غير محتاج إليه، وعليه في مشقة. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن لبس الخفين قد أبيح مع ms438 زوال المشقة، لولا هذا لما جاز لبسه ~~إلا مع وجود المشقة، فإذا أرخص فيه مع عدم المشقة وجب أن يجوز المسح ما دام ~~الإنسان مختارا للبسه. # والجواب الآخر: هو أنه لو ثبت أرخص فيه للمشقة، فإن الفطر والقصر في ~~السفر أبيح لأجل المشقة التي تلحق، وليس ذلك محدودا، وقد يكون من الملوك ~~الذين يترفهون في سفرهم أكثر من ترفه غيرهم في المقام، ويلبسون خفافهم أكثر ~~من لبس غيرهم، وقد يحتاج المسافر إلى لبس الخف أكثر من ثلاثة أيام أيضا، ~~خاصة في السفر في مواضع الثلوج، والجد في السفر، وغير ذلك، ألا ترى إلى PageV03P1273 # قول عمر رضي الله عنه لعقبة مستحب من الجمعة إلى الجمعة، فقولكم: إن ~~المشقة تلحق في هذا القدر، وأن لبسه في الزيادة عليها فيه المشقة غلط، ونحن ~~نعم أن العسكر في الغزوات قد يشتد خوفهم ليلا ونهارا، ويكون البرد شديد ~~يثقل عليهم نزع خفافهم، ولو أنه بعد خمسة أيام، فلم يثبت ما ذكروه. # فإن قيل: إن لطهارة على ثلاثة أضرب: # فطهارة ترفع الحدث عن جميع الأعضاء، وهي الطهارة بالماء، فيجوز أن يصلي ~~بها غير موقت. # والثاني: طهارة لا ترفع الحدث عن جميع الأعضاء أصلا، وهو التيمم، فيصلي ~~بها موقتا، لا يصلي به إلا صلاة واحدة، لا يجمع فيه بين صلاتي فرض. # والثالث: طهارة فيها المسح على الخفين فلا يرتفع الحدث عن الرجلين، فهو ~~دون الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وفوق التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، ~~فلم يبلغ حكم الطهارة التي فيها المسح على الخفين مرتبة الطهارة بالماء في ~~جميع الأعضاء، وكانت أبلغ من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فجاز أن يصلي ~~بها أكثر من صلاة واحدة، ولم تبلغ مرتبة الطهارة التي ترفع الحدث عن جميع ~~الأعضاء في أنه يصلي بها غير موقت. # قيل: إن هذا التقسيم مليح في ظاهره، فاسد في باطنه؛ وذلك PageV03P1274 # أنه يفسد بالمسح على الجبائر، فإن المسح عيا لا يرفع الحدث عن العضو الذي ~~تحتها، كما لا يرفعه المسح على الخف، وهو ms439 في المسح على الجبائر غير موقت، ~~وليس حكمه حكم الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وهو أعلى رتبة من التيمم ~~الذي لا يرفع الحدث أصلا، فسقط هذا. # وجوب آخر: وهو أن المسح على الخف تابع لنا في الأعضاء المغسولة، فالحدث ~~يرتفع أصلا كما يرتفع بالماء، وكما هو في الجبائر، وليس يجوز أن يجمع في ~~طهارة واحدة تطهير وحدث على ما بيناه فيمن معه ماء قليل لا يكفيه فإنه يتمم ~~ولا يستعمله. # وجواب آخر: وهو أن المسح على الخفين أبيح مع القدرة على نزعهما، والجبائر ~~أبيح المسح عليهما للضرورة، كما أبيح التيمم للضرورة، فصارت الرخصة في ~~المسح على الخفين أبلغ منها في الجبائر، فإذا جاز أن يمسح على الجبائر غير ~~موقت - وهو في معنى التيمم - كان في المسح على الخفين أولى بالجواز، وصار ~~المسح على الخفين بمنزلة الغسل. ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين قد جاز ~~بالمسح كما جاز بالغسل، وإن لم يجز ذلك في التيمم. # وأيضا فإن المسح جميع الرأس في الطهارة أعلى رتبة من مسح بعضه، وجوزتم ~~الاقتصار على البعض مع قدرته على مسح كله، كما جاز مسح الفخين مع قدره على ~~نزعهما وغسل الرجلين، فلما جاز أن PageV03P1275 # يصلي بمسح بعض رأسه غير موقت كان في مسح الخفين كذلك، ولا يلزم على هذا ~~أن بمسح بعض الرأس بالماء يرفع الحدث، وليس كذلك المسح على الخفين؛ لأن هذا ~~يلزم في الجبائر مثله. # وأيضا فقد كان ينبغي على ما وصفتموه أن الحدث عن الرجل وحدها لا يرتفع أن ~~يجعلوا الثلاثة الأعضاء التي ارتفع عنها الحدث تقديرا على الحساب يكون له ~~أن يصلي بها ثلاثة صلوات أو ثلاثة أيام في الحضر والسفر فيكون موقتا على ~~هذا الوجه، فأما أن يكون للحاضر وقت، وللمسافر وقت، وقد اشتركا فيما ارتفع ~~الحدث عنه، وفيما لم يترفع عنه لا معنى للتفرقة. # فإن قيل: ما ذكرتموه من حديث خزيمة عنه جوابان: # أحدهما: أنه (إن) كان ظنا من خزيمة لا تحقيقا؛ لأنه ربما كان عليه السلام ~~يزيد، وربما لم ms440 يزد. كيف وقد نقل في الخبر أنه قال: ظننت أننا لو استزدناه ~~زادنا؟. # والجواب الثاني: هو أنه لو تحقق أن النبي عليه السلام كان يزيدهم أن لو ~~سألوه الزيادة فإنما يكون للزيادة حكم إذا فعله النبي عليه السلام وأمر به، ~~فأما قبل أن يأذن فيه فلا حكم له، وإن تحقق منه أنه كان يزيد. # قيل: قد نقل في خبر خزيمة ما ذكرناه فلا يجوز أن يظن بالصحابي أن ينقل ~~إلينا أن السائل لو استزاده لزاده، ويكون ذلك PageV03P1276 # تخمينا وظنا منه، فيقطع على حكم صاحب الشريعة أنه يفعل ذلك من غير علم ~~منه قد سبق بذلك. فإن صح أنه قال: ظننا، فإنه يجوز أن يكون الظن بمعنى ~~اليقين، كما قال - تعالى -: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه}، وهذا ~~كثير، فيطابق معنى ما قطع عليه في الخبر ولا يتنافى. # وأما الفصل الثاني فإن الصحابي إذا تحقق من النبي عليه السلام أنه كان ~~يزيد السائل لو سأله عنه فقد تحقق جوازه، ولا يحتاج إلى إيجاد الفعل؛ لأننا ~~قد نعلم جواز أشياء، وأنها مباحة في شرعنا فإن لم يفعلها، وقد نعلم إباحة ~~الشيء من جهة النبي عليه السلام بعلم متقدم، وأن المسح أكثر من ثلاث يجوز، ~~فلا يحتاج إلى أن يأمر به في كل وقت، ولو سئل عنه لأجاب بإباحته، فلم يلزم ~~ما ذكروه. # فإن قيل: ما ذكرتموه عن أبي بن عمارة، فإننا نقل: إن الرجل إنما سأله عن ~~جواز المسح لا عن كيفيته ومقداره. ألا ترى أنه قال: يا رسول الله، أمسح؟، ~~ولم يقل: كم أستديم المسح؟. فالنبي عليه السلم بين له جواز المسح، ونحن ~~نقول: إن المسافر يمسح أبدا يومين وثلاثة وسبعة، ولكن على الصفة التي ~~نقولها، وخبرنا قصد به بيان المدة والوقت. PageV03P1277 # قيل: أبي بن عمارة سأل عن جواز لمسح وعن صفته له هو موقت أم لا؟ فقال له ~~عليه السلام حين سأله عن اليومين والثلاثة: " نعم، وسبعا ما بد لك "، ففهم ~~عنه أنه يجوز غير موقت. هذا ظاهر ms441 الخبر، فحمله عليه، وحمل خبر الثلاثة على ~~سؤال سائل أولى؛ لأن في هذا زيادة حكم مستفاد، ويشهد له سائر الرخص؛ لأنها ~~ليست موقتة، وإنما هي على حسب الحاجة. # فإن قيل: خبر عقبة بن عامر مع عمر رضي الله عنه عليه سؤالان: # أحدهما: أننا قد نقلنا عن الصحابة خلافه، فلا يكون قوله حجة. # والآخر: هو أنه قد اختلف فيه، فقيل: قد على أبي بكر، وقيل: إنه قدم على ~~عمر، وفيه ألفاظ مختلفة. # قيل: إن صح نقلكم عن بعض الصحابة في التوقيت فهو متأول على ما تأولنا ~~عليه قول النبي عليه السلام من سؤال سائل، ويكون جوابه لعقبة بأنه أصاب ~~السنة أولى. # وأيضا فإن الإمام من الصحابة إذا قال في الخطبة بحضرة الصحابة مثل هذا ~~كان أولى من قول غيره. PageV03P1278 # وأما اختلاف الرواية فيه عن أبي بكر أو عمر، فإنه يجوز أن يكون في ~~سفرتين، إحداهما أنه قدم فيها على أبي بكر، والأخرى على عمر، ولو نسي ~~الراوي القدوم على من كان منهما، وضبط حديث المسح على الخفين لما ضر ذلك؛ ~~لأن الفائدة من الحكم المقصود جواز المسح المدة التي ذكرناها، وهذا بمنزلة ~~أن يقول النبي عليه السلام قولا يتعلق به حكم، فقال أحد الراويين: أن النبي ~~عليه السلام قاله في وقت، وقال الآخر: إنه قاله في غير ذلك الوقت، وقد ضبط ~~القول الذي يتعلق به الحكم واتفقا عليه ولم يضر ذلك، ولزم العمل بالقول ~~الذي قاله عليه السلام فكذلك ها هنا ... إذا ضبط الراوي القول في المسح ~~ونقله، واختلف الرواة فيه، فقال بعضهم: هذا القول كان من أبي بكر، وقال ~~بعضهم: إنه كان من عمر عمل عليه؛ لأن كل واحد منهما إمام يقتدى به، ويقبل ~~قوله، مع جواز أن يكون القول قد تكرر منهما جميعا. # ويجوز أن نقول: هو ممسوح في الطهارة فوجب أن لا يكون محدودا، أصله مسح ~~الرأس والجبائر. # وأيضا فإن الفرض متعلق بالرجلين إذا كانتا باديتين، فإذا سترهما الخف ~~انتقل الفرض إليه على حسب أصله، كاللحية إذا نبتت ms442 على الوجه، وسترت بشرة ~~الوجه، لما انتقل الفرض ... إليها من بشرة الوجه انتقل إليها على حسب ما أن ~~متعلقا بالبشرة على التأييد من غير توقيت. # وأيضا فإن المسح مسحان: مسح على الجبائر، ومسح على PageV03P1279 # الخفين، فلما تقرر أن المسح على الجبيرة غير موقت فكذلك المسح على الخفين رخصة. # فإن قيل: مسح الرأس واللحية عزيمتان، ومسح الخفين ورخصة. # ألا ترى أنه لو مسح شعر لحيته ورأسه، ثم سقط شعره لم ينتقض حكم مسحه، ولو ~~مسح على خفيه ثم بدت رجله انتقض حكم مسحه. # فأما مسح الجبائر فلا فرق بينهما وبين الخفين؛ لأن مسح الجبيرة ما دامت ~~الحاجة، وقد بينا أن حاجة المسح على الخفين هي ثلاثة أيام للمسافر، ويوم ~~وليلة للمقيم. # قيل: أما قولكم: إن مسح الرأس عزيمة فلهذا لم يتوقت وليس كذلك مسح الخفين ~~فجوابه: أنه لا يتأثر لهذه العلة؛ لأن الجبيرة ليست بعزيمة، وهي غير موقتة ~~مثل العزيمة. على أن العلة المتعدية أولى من غير المتعدية. # وقولكم: إن حاجة المسح على الخفين ما ذكرتموه فقد بينا فساده، وأن الحاجة ~~قد تدعو إلى أكثر من ذلك فسقط أيضا، وصار كالجبائر وسائر الرخص، وبالله ~~التوفيق. PageV03P1280 ### | AUTO [67] مسألة # التيمم لا يرفع الحدث عندنا وعند سائر الفقهاء. # وقال داود: إنه يرفع الحدث. # والدليل لقولنا وقول الجماعة: هو انه محدث قبل التيمم، فمن زعم أن حدثه ~~ارتفع فعليه الدليل. # وأيضا ما روي عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني النبي عليه السلام غزاة ذات ~~السلاسل، فأجنبت فخشيت أن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس، ثم أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: «أصليت بالناس وأنت جنب؟». فقلت: قال ~~الله - تعالى -: {ولا تقتلوا أنفسكم}. # فضحك مني. فموضع الدليل: وهو أنه عليه السلام سوغ له التيمم، PageV03P1281 # وسماه مع ذلك جنبا. # وأيضا فلا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل ~~واجبا، ولولا الجنابة لم يجب عليه الغسل بعد التيمم لا الجنابة مستأنفة، ~~فلما وجب عليه أن يغتسل بعد التيمم، لم تحدث ms443 منه جنابة مستأنفة علم أن ~~الجنابة باقية؛ لأن وجود الماء ليس بجنابة، فلولا أن حدث الجنابة لم يرتفع ~~لم يجب عليه الغسل. # فإن قيل: هذا الغسل عبادة مستأنفة لا الجنابة المتقدمة. # قيل: لولا الجنابة المتقدمة لم تجب هذه العبادة. ألا ترى أنه لو لم يكن ~~جنبا لم يجب عليه هذا الغسل. # وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن لا ترفع الحدث، أصله طهارة المستحاضة. # وأصحابنا يختلفون هل الاستحاضة حدث عفي عن الوضوء بها أو ليست بحدث؟، ~~والله الموفق. PageV03P1282 ### | AUTO [68] مسألة # ومن توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في ~~الخف الآخر، ثم أحدث لم يجز له أن يمسح على الخفين حتى يكون طاهرا الطهارة ~~التامة قبل لبسهما، وليس أحدهما. # والجملة له في جواز المسح: أن ينزع الخف الأول ثم يلبسه، فيحصل لبسه ~~حينئذ بعد كمال طهارته. # وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني: يجوز له المسح عليه، وهو PageV03P1283 # قول مطرف من أصحاب مالك. وأبو حنيفة يخالفنا في أعظم من هذا؛ لأنه يعتبر ~~في جواز المسح ورود الحدث على الوضوء، سواء لبس الخفين وهو محدث أو غير ~~محدث؛ لأنه يقول: لو أن محدثا لبس خفيه، ثم غسل باقي أعضائه، ثم أدخل الماء ~~في خفيه حتى انغسلت رجلاه، أو خاض في الماء، ثم أحدث بعد ذلك جاز له المسح. # والدليل لقولنا: كونه محدثا قبل ذلك، فمن زعم أن حدثه قد ارتفع بهذا ~~الفعل فعليه الدليل. # وأيضا كون الصلاة والطهارة في ذمته بيقين، فمن زعم أنهما يسقطان بالمسح ~~المستأنف بعد الطهارة الأولى فعليه الدليل. # وأيضا قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: ~~{وأرجلكم}، فأمر بغسل الرجلين إذا قام إلى الصلاة ولم يخص صلاة من صلاة، ~~فلا يجوز المسح إلا بدليل. # وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز بغير الغسل حتى يقوم دليل. # وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى ms444 يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» إلى أن ~~قال: «ويغسل رجليه»، فهو عموم لا تقبل صلاة عبد PageV03P1284 # حتى يغسل رجليه في وضوئه إلا أن يقوم دليل. # وأيضا قوله: «ويل للأعقاب من النار». # وأيضا ما رواه المغيرة بن شعبة من قوله: كنا في غزاة تبوك مع النبي عليه ~~السلام فأهويت عند وضوئه أن أنزع خفيه. فقال: «دعهما فإني لبستهما وهما ~~طاهرتان»، فجعل كون العلة في جواز المسح وجود اللبس والرجلان طاهرتان، ولا ~~يكن اللبس وهما طاهرتان إلا بعد غسلهما جميعا، وللبس بعد غسل إحدى الرجلين ~~لا يكون لبسا وهما طاهرتان، وقبول خبر واحد محتمل وقياس على هذا يؤدي إلى ~~إسقاط تعليل النبي عليه السلام، وما أدى إلى ذلك لم يقبل. # وفي رواية أخرى: «فإني لبستهما على طهر»، وفي حديث: «فإني أدخلتهما وهما ~~طاهرتان»، وهذا في معنى قوله: «لبستهما وهما طاهرتان إنه، وهذا يقتضي أن ~~تكونا طاهرتين قبل إدخالهما، ومن غسل أحدهما، ثم أدخلها في الخف فلم يدخلها ~~طاهرة؛ لأنها لا تحصل طاهرة إلا بطهر الأخرى. ألا ترى أنه لا يجوز له أن ~~يصلي قبل غسل الأخرى، فهو في حكم المحدث حتى يفرغ من غسل الأخرى. # فإن قيل: فنحن نجيز له المسح على الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان، فقد ~~قلنا بموجب الخبر. # قيل: لعمري إنكم تجيزون هذا، ولكنكم تجعلون الشرط في جواز PageV03P1285 # المسح ورود الحدث على الطهارة لا وجود اللبس على الطهارة، والنبي عليه ~~السلام جعل شرط جوازه ورود اللبس عليهما بعد كونهما طاهرتين. # وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة أنه قال: أرخص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة ~~إذا تظهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، وموضع الدليل منه: أنه ذكر الرخصة وذكر ~~شرطها، فقال: «إذا تطهر ولبس خفيه»، وقوله: تطهر عبارة عمن تطهر طهارة ~~كاملة. والفاء بعد ذلك للعقب؛ لأنه قال بعد أن ذكر الطهارة: «فلبس خفيه أن ~~يمسح عليهما»، فصار تقديره: أنه إذا تطهر الطهارة التامة ولبس الخف مسح. # وأيضا ms445 ما روي في حديث عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل فيهما ما لم تنزعهما أو ~~تصبك جنابة»، فجوز المسح عليهما متى لبسهما وهو طاهر، فما عدا هذا الشرط ~~بخلاف، ومن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف فقد أدخلها وهو محدث؛ لأنه لا ~~يكون متطهرا وقد بقي عليه عضو مأمور بغسله؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي. # ونقول: إن لبسه أحد الخفين بغسل إحدى الرجلين مقدم على كمال الطهارة، ولم ~~يصادف تمام العبادة، فصار كمن لبس الخفين ولم يغسل إحدى الرجلين. PageV03P1286 # ولك أن تعبر عبارة أخرى فنقول: هو لبس قبل كمال الطهارة فوجب أن لا يجوز ~~له المسح عليه، أصله إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، وأدخل الأخرى ~~الخف الآخر بغير غسل. # فإن قيل: المعنى فيه أنه لم يغسل إحدى رجليه. # قيل: هذه علة لا تتعدى فلا تصح على أصولكم، وعلى أصولنا نحن، والعلة ~~المتعدية أولى منها. # ونقول أيضا: إن ما تعلق صحته بالطهر استدعى كماله قبل المتأخر مما يقتضى ~~أفعاله، دليله الصلاة لم يصح فعلها والدخول فيها إلا بعد كمال الطهارة. # وأيضا فإن ابتداء اللبس وقع على غير كمال الطهارة الحكمية، فأشبه من لبس ~~الخف وهو محدث. # وأيضا فإن اللبس يقتضي الطهر، وكل ما اقتضى ظهرا حكميا اقتضى كماله قبله، ~~كالصلاة. # فإن قيل: قوله عليه السلام: «إذا أدخلت رجليك وهما طاهرتان» حجة لنا؛ ~~لأنه إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما وهما ~~طاهرتان. # قيل: إذا أدخل إحداهما قبل غسل الأخرى أدخلها غير طاهرة، وإذا أدخل ~~الأخرى أدخلها وحدها طاهرة، وبعدهما صارتا طاهرتين، والنبي عليه السلام شرط ~~أن تكون طاهرتين قبل لبسهما ولبس أحدهما. PageV03P1287 # على أن الطهارة حكم شرعي، ولا يكون كذلك إلا بعد كمالها، ولم يقل: ~~أدخلتهما مغسولتين. # على أن الأحاديث الأخر تدل على ما نقول فلا احتمال، مثل قوله: «فإنني ~~لبستهما على طهر، أو وأنا طاهر»، وفي حديث عمر: «إذا لبستهما ms446 وأنت طاهر ~~فامسح عليهما»، وكذلك في حديث أبي بكرة على ما بيناه. # فإن قيل: قوله عليه السلام: «يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم، يوما ~~وليلة» لم يفرق فيه بين أن يكن لبس الخف بعد كمال طهارته أو قبلها، فهو ~~عموم في جواز المسح. # وش ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة أنه قال: فأهويت أن أنزع ~~خفيه عليه السلام فقال: «دعهما فإنني لبستهما وهما طاهرتان»، وإذا فرق ~~الغسل واللبس فقد حصل لابسا لهما على طهر. # قيل: أما الخبر الأول ففيه رخصة المسح لا شرط الرخصة، وأخبارنا تقتضي شرط ~~الرخصة، وهو موضع الخلاف. # وأما الخبر الثاني فقد جعلناه حجتنا؛ لأن قوله: «لبستهما وهما طاهرتان» ~~يقتضي أن يكونا طاهرتين ثم يلبسهما. PageV03P1288 # فإن قيل: فأنتم لا توقتون في المسح فكيف تحتجون بالخير؟. # قيل: لا يمتنع أن يتضمن الخبر شيئين يقوم الدليل على إسقاط أحدهما ويثبت ~~الآخر، وحديث أبي بكرة عن النبي عليه السلام تضمن التوقيت وتضمن شرط الرخصة ~~في المسح، فقام الدليل على إسقاط التوقيت في المسح، ولم يقم دليل على إسقاط ~~شرط الرخصة المسح، وعلى أي وجه يجوز. # فإن قيل: قد قال صفوان بن عسال: أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا ~~من جنابة، لكن من غائط ونوم وبول، وهذا عام سواء لبسه على الوجه الذي ~~تقولون، انو على ما نقول. # قيل: عن هذا أجوبة: # أحدها: أنه عليه السلام أراد أن يعلمهم زمان المسح الذي سألوا عنه، ثم ~~كيف يمسحون، على أي وجه يلبسون معلوم من الأخبار الأخر. # وجه آخر: وهو أن صفوان قال: أمرنا. ولم يذكر من أمرهم حتى نعلم من الآمر، ~~صاحب الشريعة أو غيره، فنلزم قول صاحب PageV03P1289 # الشريعة، وننظر في أمر غيره. # وأيضا فإنهم لا ينزعون خفافهم إذا كانوا قد لبسوا على الوجه الذي بيناه ~~بالأخبار الأخر. # فإن قيل: فإنه حدث ورد على طهر كامل فجاز له المسح. أصله إذا لبسهما بعد ~~غسل رجليه وكمال طهارته. # وأيضا فإن لنزع الخف تأثيرا في منع المسح لا في إباحته وجوازه؛ ms447 بدليل أنه ~~ل تطهر ولبس خفيه، ثم أحدث وهو لابس للخفين جاز له مسحهما، ولو أحدث ونزع ~~الخف لم يجز له المسح عليه، فإذا كان كذلك، وأنتم تقولون: لو نزع الخف من ~~الرجل الأولى ثم لبسه أباح له المسح بعد ذلك، وقد قلنا: إن نزعه يؤثر في ~~منع المسح، وأنتم جعلتموه مؤثرا في إباحة المسح، لعم أن المسح كان جائزا له ~~قبل النزع. # قيل: أما القياس الأول فالمعنى في جواز المسح هو أنه لبسه بعد كال طهارته ~~فلهذا جاز. # فإن قيل: علتنا متعدية فهي أولى. # قيل: قد ذكرنا قياسا يعارض هذا فهو أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط، وسقوط ~~حكم الصلاة والطهارة بيقين بإجماع. # وأما الفصل الثاني وقولكم: إن للنزع تأثيرا في المنع على ما ذكرتم فإننا ~~نقول: لنزعه تأثيرا في المنع من المسح إذا كان بعد الحديث، فأما إذا كان ~~قبل الحدث فلا يمنع أصلا. ألا ترى أنه لو تطهر ثم لبس PageV03P1290 # خفيه ونزعهما قبل أن أحدث، ثم لبسهما أيضا ثم نزعهما ثم لبسهما، ولو مائة ~~مرة وهو على طهارته، ثم أحدث بعد لبسهما في المرة الأخيرة جاز له أن يمسح ~~عليهما. # وجواب آخر: وهو أنا لم ندع أن الشرع أباح المسح إلا بعد وجود اللبس بعد ~~كمال الطهارة. # فإن قيل: (فإن) لا فائدة في أن ينزع الخف الأول ويلبسه في الحال، فلما لم ~~تكن فيه فائدة علم أن عدم نزعه لا يمنع المسح عليه. # قيل: فائدته أنه يحصل لا بسا له بعد كمال طهارته. # على أن هذا يلزمكم إذا اصطاد المحرم صيدا في حلا إحرامه، ثم حل من إحرامه ~~فإنه يلزمه إرساله، ثم له أن يأخذه في الحال فيما الفائدة في إرساله؟ # فإن قيل: فائدته أنه يصير ممسكا للصيد باصطياد مباح، ولو لم يرسله كان ~~ممسكا له باصطياد محظور. # قيل: وكذلك أيضا إذا نزع الخف ولبسه يصير لابسا له بعد كمال طهارته، وقبل ~~نزعه يكون لابسا له قبل كمال طهارته. ومثل هذا قلتم في عبد كافر تحته أربع ~~نسوة، ms448 ثم أسلم وعتق، فإنه يلزمه أن يفارق اثنتين ثم يتزوجهما في الحال، فما ~~الفائدة في تخليتهما ثم يتزوجهما؟. # وعلى أنكم لا تنفصلون ممن يقلب هذا عليكم فيقول: ولبس الخف لا يحدث ~~طهارة، فلا معنى للبسهما على طهارة، وكذلك لا PageV03P1291 # ينفصلون ممن يقول: لا معنى لنزعهما بعد المسح عليهما ثم لبسهما. # فلما كان لهذا كله تأثيرا علم أن حكم الطهارة يتغير باللبس والنزع على ما ~~ورد به الشرع. # فإن قيل: فإن الطهر لما انتقض بظهور إحدى الرجلين بعد المسح على الخفين ~~وجب أن يثبت حكم اللبس بلبس أحد الخفين. # قيل: هذه دعوى، لم وجب هذا؟. # على أنه قياس الضد، ومنا من لا يقول به. # وعلى أنه يلزمكم على هذا أن تقتصروا على طهر رجل واحدة، كما قلتم في جواز ~~المسح وسقوط المسح. # وعلى أن المعنى في الظهور أنه إذا ظهر شيء من رجل واحدة وهو شيء كبير ~~انتقض طهر الرجلين جميعا. وليس كذلك اللبس؛ لأنه لا يصير بلبس بعض الرجل ~~الواحدة لابسا على الرجلين جميعا، ولا يغسل بعض الرجل الواحدة غاسلا ~~للرجلين. # فإن قيل: فإن استدامة اللبس كابتدائه. ألا ترى أنه لو حلف إلا يلبس ثوبا ~~فإنه يحنث إن أدام على لبسه. # قيل هذا باطل؛ لأنه لو أحدث بعد اللبس جاز له أن يمسح عليهما، ولو نزعهما ~~ولبسهما ثم مسح عليهما، وكذلك إذا لبسهما PageV03P1292 # على كمال طهارته فله أن يمسح عيهما، ثم لو انقضت مدة المسح - عندكم - لم ~~يجز له أن يمسح، فعلمنا من هذين الوجهين أن الانتهاء في باب اللبس ليس ~~كالابتداء. # فإن قيل: فإن الحدث طرأ على لبس كامل بعد طهر شامل فجاز له أن يمسح. ~~دليله إذا لبسهما بعد كمال الطهارة. # قيل: قد تكلمنا على هذا، على أننا لا نسلم أنه كان على طهر كامل على ~~الإطلاق؛ لأن اللبس طرأ على طهر غير كامل، فطرأ الحدث على لبس قبل كمال ~~الطهارة. # وعلى أننا قد ذكرنا أن المعنى فيه: أنه ل سه وه ممن تجز له الصلاة، وليس ~~كذلك ms449 إذا لبس أحدهما قبل كمال الطهارة. # وعلى أننا قد عارضنا بقياس مرجح على هذا باستناده إلى الظواهر والنصوص ~~التي ذكرناها، وفيه احتياط للفرض، ولأن قياس الطهارة على الصلاة أولى؛ ~~لأنها أحد أركانها. # وأيضا فإن الأصول مبنية على أن حك الإجازة والمنع إذا التقيا في حكم ~~الرجل كانت الغلبة للمنه. ألا ترى أنه لو نزع أحد الخفين بعد المسح صار إلى ~~حكم الغسل، فكذلك لبس أحدهما والحدث في الأخرى قائم صار إلى حكم المنع. # وأيضا فإننا وجدنا المسح يقتضي لبسا، واللبس يستدعي طهرا، ورأينا الأصول ~~مبنية على أن كل موضع يستدعي صحته طهرا PageV03P1293 # استدعى طهرا كاملا، كالصلاة لما استدعت طهرا استدعته كاملا قبلها، فصار ~~قولنا لهذه الوجوه أولى. # ويجوز أن نعبر بعبارة أخرى فنقول: كل شيء يفتقر الجزء منه إلى الطهارة ~~فإن جميعه يفتقر إليها، كالصلاة والطواف. # وبيان هذا هو أن أبا حنيفة يقول: إذا لبس خفه بالغداة على غير طهارة، ~~واستدامه إلى الزوال وأحدث لم يجز له المسح عليه، ولو تطهر قبل الزوال ~~وأحدث جاز له المسح عليه، فيعتبر أن يصادف الحدث بعض اللبس على طهارة، وهو ~~اللبس الذي يتعقبه الحدث، واعتبرنا نحن جميع لبسه على الطهارة، والله أعلم. PageV03P1294 ### | AUTO [69] مسألة # إذا كان في الخف خرق يسير مما دن الكعبين، يظهر من الرجل شيء يسير جاز ~~المسح عليه، وإن تفاحش لم يجز المسح ووجب نزعه وغسل الرجلين. وبه قال ~~الشافعي في القديم. # وقال في الجديد: لا يجوز المسح سواء كان الخرق يسيرا أو كبيرا، وبه قال أحمد. # وقال الثوري، وأبو ثور، وإسحاق: إنه يجوز المسح عليه ما دام يمكنه المشي فيه. # وقال الأوزاعي: يجوز المسح، ويمسح على ما ظهر من الرجل وعلى باقي الخف. PageV03P1295 # وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق مقدار ثلاث أصابع لم يجز المسح، وأن كان ~~دونها جاز، وذهب إلى جواز التفليق إن كان في فرد خف، وإن كان في الخفين ~~جميعا لم يلفق أحدهما إلى الآخر، فإذا كان في فرد خف خروق في مواضع منه ~~متفرقة قال: ms450 إن بلغ كله إذا ... ضم بعضه إلى بعض ثلاث أصابع لم يجز المسح ~~عليه، وإن كان أقل من ثلاث أصابع مسح عليه، وإن كان في خف واحد قدر أصبع ~~مثلا، وفي الآخر قدر أصبعين لم يلفق، وجاز المسح على الخفين جميعا وإن بلغ ~~الجميع ثلاث أصابع. # فحصل الخلاف في المسح بالخروق على خمسة مذاهب. # والدليل لقولنا في جواز المسح إذا كان الخرق يسيرا، ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في المسح على الخفين، وفي جوازه ~~قولا وفعلا، في السفر والحضر، ولم يفرقوا بين أن يكون الخف صحيحا أو فيه ~~خرق يسيرا أو كثير؛ لأن اسم الخف لا يزول عنه مع كون الخرق فيه، فلو خلينا ~~وهذا الظاهر من فعلهم وقولهم لجوزنا المسح على الخف بأي خرق كان، ولكن قامت ~~دلالة منعت من المسح إذا تفاحش الخرق، ولم تقم دلالة في المنع من الخرق ~~اليسير، فبقي على حكم الظاهر في جواز المسح؛ لأن اسم الخف موجود. # وأيضا فإن خفاف الناس تختلف على حسب أحوالهم وحاجاتهم، وفي الجدة ~~والخلوة، فرخص له في المسح ترفيها لحاجتهم إلى PageV03P1296 # الخفاف، وأنهم يحتاجون إلى لبسها في أسفارهم ومواضع البرد والثلوج، ~~والمشي في طول الطرق، وحيث لا يجدون من يخرزها لهم، فعفي لهم عن الخرق ~~اليسير. كما عفي عن العلم القليل في الصلاة؛ لأنه يشق التحرز منه، فكذلك ~~يشق التحرز من الخرق اليسير في الخف في مثل ما ذكرنا، وليس كل أحوال الناس ~~تتفق؛ لأن منهم من لا يستحسن لبس الخف المخرق، ومنهم من لا يمكنه غير ذلك، ~~ويشق تتبع كل خرق يسير في خف، خاصة للماشة في طرقهم كلها، وقد عفي عن الدم ~~اليسير الذي يشق التحفظ منه في الصلاة كدم البراغيث، وكذلك عفي عن الغرر ~~اليسير في البياعات، وعن أشياء أخرجت عن أصولها؛ للرفق والحاجة إليها. # وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جوز المسح على الخف الصحيح السليم هو أن ~~الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نفسه في ms451 نزعه، وهذا المعنى موجود لا ~~محالة فيمن في خفه خرق يسير. # وأيضا فإن المسح على الخفين رخصة عامة لجميع من يحتاج إلى لبسه فلو قلنا: ~~لا يمسح على خف مخرق صارت الرخصة خاصة لبعض أصحاب الخفاف دون بعض. # فإن قيل: قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه إلى أن غسل ~~رجليه، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الطهارة PageV03P1297 # إلا به»، فهو على عمومه إلا، يقوم دليل المسح. # وكذلك ظاهر القرآن يدل على غسل الرجلين لكل صلاة إلا أن يقوم دليل. # قيل: الآية والخبر وردا فيمن كانت رجلاه باديتين، فإما كانتا في الخف جاز ~~المسح بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في المسح على ~~الخفين لم يخصوا خفا فيه خرق من غيره. # فإن قيل: فإن ظهر من رجله ما يلزمه غسله عند ظهور جميعه، فوجب أن لا يجوز ~~له المسح عليه، أصله إذا كان كبيرا. # قبل: ليس المعنى ما ذكرتم؛ إن الكبير يكون نادرا، وليس هو الغالب، ولأن ~~أكثر القدم يظهر، ليس كذلك اليسير؛ لأن خفاف الناس في الغالب لا تخلو منه، ~~مثل أن يظهر منه ظفر أو رأس أصبع، وقد عفت الشريعة في الرخص عن القليل، كما ~~ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، وكدم البراغيث. # فإن قيل: فإن الرجلين لو كانتا باديتين لكان الفرض فيهما الغسل، وإذا ~~كانتا مستورتين جاز المسح، فإذا تخرق بعض الخف، وظهر بعض الرجل فلا بد من ~~تغليب أحدهما على الآخر، فتغليب حكم الغسل أولى؛ لأنه أصل، والمسح بدل عنه. # قيل: إذا تفاحش ظهور الرجل فهو كما قلتم، يغلب حكم الغسل، PageV03P1298 # فأما إذا كان الخرق يسيرا غلب عليه حكم المسح، كما قلنا في الدم: الأصل ~~كون الثوب طاهرا من الدم، فإن حصل فيه دم البراغيث غلب حكم العفو عنه، وإن ~~كان على غير ذلك غلب حكم الإزالة، وكذلك حكم العمل القليل في الصلاة يخالف ~~الكثير. # على أنه إنما يغلب حك الأصل وهو المبدل على البدل إذا ms452 جد جميع المبدل، ~~وها هنا لم يجد حكم جميع المبدل من ظهور القدمين أو أكثرهما. ألا ترى أن ~~واجد الرقبة في الكفارة يمنع جواز البدل الذي هو الصم؛ لأن القبة - التي هي ~~الأصل - موجودة فمنعت البدل، وليس كذلك إذا وجد بعض الرقبة، لم يقدر على ~~باقيها، فإن الصوم - الذي هو البدل - جائز؛ لأن جميع الأصل معدوم، فكذلك ~~ظهور القليل من القدم لا يمنع المسح الذي هو البدل، ويصير في حكم ما لم يظهر. # فإن فصلوا بين الموضعين بأن واجد بعض الرقبة لا يقدر على باقيها، والذي ~~ظهر اليسير من رجله يقدر على الغسل، الذي هو الأصل. # قيل: هذا الفرق لا ينجي مما ذكرناه؛ لأننا قد رأينا الفصل بين ظهر المبدل ~~مع البدل وبين عدمه، وهو موجود في الموضعين جميعا، وإنما كسرنا ما قلتم بما ~~ذكرناه فلم. PageV03P1299 ### || AUTO فصل # فأما التقديم في الكلام مع أبي حنيفة فيستدل بظاهر قوله - تعالى -: ~~{فاغسلوا وجوهكم}، إلى قوله: {وأرجلكم}، وبالخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غسل الرجلين إلا أن يقوم دليل. وحصل الاتفاق منها ومنه على جواز ~~المسح مع الخرق اليسير، ولم يقم دليل على جوازه مع الخرق الذي هو مقدر. # فإن قيل: الأخبار الواردة في جواز المسح لم يفرق فيها بين القليل ~~والكثير. # قيل: لم يرد فيها حد محدود، فمن قدر بثلاث أصابع فعليه الدليل، والقديرات ~~تحتاج إلى دليل من صاحب الشرع عليه السلام، ولما لم يكن في تقدير الخرق ~~دلالة من كتاب ولا سنة ولا اتفاق ولا قياس لم يثبت حكمه، وقد ثبت في الأصول ~~العفو عما يغلب على الظن قلته، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، ~~والغرر اليسير في البياعات. # وأيضا فإنه لا ينفك في قدر ذلك بثلاث أصابع ممن قدره بأربع أصابع أو ~~أصبعين بغير دليل. # وأيضا فإنهم يقولون: إن التقديرات والحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا، وهذا ~~من التقدير الذي لا أصل له يرجع إليه، فلا ينبغي أن يثبت من جهة القياس لو ~~كان هناك أصل يقاس عليه، ms453 نحن نعلم أن PageV03P1301 # خفاف الصحابة رضي الله عنهم - وأكثرهم عرب - لم تخل من خروق فيها، وكذلك ~~من بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم تحديد وامتناع من المسح إذا كان على حد محدود. # فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون اليسير منه مجوزا، ولا يجوز في الكثير ولا ~~يكون بنيهما حد يفرق بين القليل والكثير حتى نعلمه؟. # قيل: هذا جائز قد ورد الشرع به في مواضع، ووكلنا إلى ما يغلب على الظن من ~~القلة أو الكثرة، كالعمل في الصلاة، وغير ذلك مما لا حد محدودا فيه بين ~~القليل والكثير غير الرجوع إلى غلبة الظن. # فإن قيل: إذا ثبت أن يسير الخرق لا يمنع المسح؛ لأن مواضع الخرق التي ~~يدخلها الغبار لا تمنع جواز المسح، والكثير الذي يظهر معه أكثر الرجل يمنع ~~احتيج إلى حد يفصل بينهما، فوجب أن يكون من طريق الاجتهاد مقدار ثلاثة ~~أصابع من أصابع الرجال؛ لأن الحكم في الأصول يتعلق بذلك، كمسح الرأس ومسح ~~الرجلين. # قيل: إن الحد في ذلك لا يجوز أن يقف على تحكمنا نحن وتقديرنا من غير أصل ~~يرجع إليه من كتاب أو سنة أو اتفاق أو قياس على علة أو تنبيه، فإذا عدم ~~جميع ذلك فليس غير الاجتهاد الذي يختلف بحسب اختلاف المجتهدين؛ لاختلاف حال ~~المجتهدين فيه. # فأما مسح الرأس فليس فيه تقدير، وعليه أن يمسح الجميع - عندنا -، فإن سقط ~~منه اليسير من حيث لا يقصد فليس هو مقدرا ولا محدودا، وأما الرجلان فلا ~~يمسحان. PageV03P1302 # فإن أرادوا مقدار المسح على الخف ين فليس فيه أحد، وإنما يمسح ظاهرهما ~~وباطنهما، فهو على ما تقضيه العادة في مسح أكثره، وقد قال مالك - رحمه الله ~~-: إنه إن مسح أعلاهما أعاد الصلاة في الوقت، ولم يحد في مسح أعلاه ثلاث ~~أصابع ولا غيرها، وبالله التوفيق. PageV03P1303 ### | AUTO [70] مسألة # ولا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين، وبه قال أبو حنيفة، ~~والشافعي. # وقال الثوري، وأبو يوسف ومحمد، وأحمد بن حنبل: يجوز المسح عليه. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى ms454 الصلاة فاغسلوا PageV03P1305 # وجوهكم} إلى قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين}، فأمر كل قائم إلى الصلاة بغسل ~~رجليه عموما. فلا يجوز العدول عن الغسل إلا بدليل. # وما روي أن النبي عليه السلام غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه، ~~وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز غير غسل الرجلين في ~~كل وضوء إلا بدليل. # وأيضا فإن الطهارة والصلاة في ذمته بيقين فلا تسقطان إلا بدليل. # وأيضا فإنه ستر قدميه بما لا يمكنه متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح ~~عليه، أصله إذا لف على رجليه خرقة. # وأيضا فإن المروي عن النبي عليه السلام وعن أصحابه رضي الله عنهم المسح ~~على الخفين، وهذا الاسم لا يختص بالجوربين فما عدا الخفين بخلافه. # وأيضا فإنما جوز المسح على الخفين؛ لأن حاجة الني عامة تدعو إلى لبسة، ~~وتلحق المشقة في نزعه، وبهم حاجة إلى تتابع المشي فيه في الطرق الطلا ~~والثلوج والأسفار، وهذا المعاني لا توجد في الجوربين، ولا يقاس الخف على ~~الخف؛ لأن معنى غيره لا يوجد فيه، لا يوجد معناه في غيره، ولا تقاس العمامة ~~عليه، لأن حاجة الناس تدعو إلى لبسها، ولكن لا تلحق المشقة في نزعها، أو ~~إدخال اليد تحتها بالمسح. # وأيضا فإن المخصوص بالذكر على ثلاثة أضرب: PageV03P1306 # فضرب مخصوص بالذكر لا يعقل معناه، فلا يقاس عليه، مثل الصلوات والطهارات؛ ~~لأنه لم يعلم معناه لم يمكن القياس عليه. # وضرب آخر مخصوص بالذكر عام المعنى فهذا يقاس عليه، كالنص على البر والتمر ~~في الربا يجوز القياس عليه؛ لأن معناه معقول يوجد فيه وفي غيره. # والضرب الثالث مخصوص بالذكر مخصوص المعنى، فلا يقاس عليه، مثل المسح على ~~الخفين. # فإن قيل: قد روي أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة أن النبي عليه ~~السلام مسح على الجوربين. # وأيضا فإنه ساتر لقدميه فجاز المسح عليه كالخف. # قيل: أما الخبر فغير صحيح من وجهين: # أحدهما: أن عبد الرحمن بن مهدي قال: هزيل ضعيف، وهو لم يلحق المغيرة أيضا. # على أنه ل صح لم تكن ms455 فيه حجة؛ لأنه نقل فعله عن النبي عليه السلام PageV03P1307 # لا نعلم صفتها، ولا كيف هي، والفعلة الواحدة لا يدعي فيها العموم، فيحتمل ~~أن يكو [كان] الجورب مجلدا يمكن متابعة الشيء فيه. # وقياسهم باطل به إذا لف على رجليه خرقة. # على أنه لو سلم من النقض لم يجز القياس على الخف؛ لأنه مخصوص المعنى. # ثم إننا قد ذكرنا قياسا على الخرقة فيسقطه، ويرجع عليه بالاحتياط للصلاة، ~~وإسقاط الفرض بيقين، والله أعلم. PageV03P1308 ### | AUTO [71] مسألة # ولا يمسح على جرموقين. الجرموق هو الخف فوق الخف، وبه قال الشافعي في ~~الجديد. # وقد روي عن مالك جوازه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قوله القديم. # وهذا ينبغي أن يكون الخف الأسفل مما [ينبغي] إذا انفرد جاز المسح عليه، ~~ويكون الفوقاني كذلك، فأما إن كان التحتاني مما لا يجز المسح عليه الو ~~انفرد، مثل أن يكون مخرقا خرقا فاحشا أو ضعيفا PageV03P1309 # لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يختلف القول في جواز المسح على الأعلى، ~~ويكون الأسفل كالجورب، وكذلك إن كان الأعلى بهذه الصفة، الأسفل صحيحا لم ~~يجز المسح على الأعلى بلا خلاف على هذا المذهب. # الدليل لقوله لا يجوز المسح على الأعلى على كل حال: كون الطهارة والصلاة ~~في الذمة فلا تسقطان إلا بدليل. # وأيضا قول النبي عليه السلام وقد تطهر وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به»، فه عموم في كل صلاة؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس. # وكذلك قوله عليه السلام: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل ~~وجهه» أن قال: «ويغسل رجليه»، فنفي الإجزاء عن كل عبد إلا على هذه الصفة، ~~فما عداها بخلافها إلا أن يقوم دليل. # فإن قيل: قد اشتهرت الرواية عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله ~~عنهم بجواز المسح على الخفين، فسواء كانا تحت أو فوق. # قيل: إذا أطلق المسح على الخفين اقتضى لابس الخفين؛ لأن من لبس أربعة. PageV03P1310 # على أنه لو كان عاما جاز أن يخص، فنقول: إن رخصة المسح لا تزول بزوال ~~الجرموق ms456 على الشيء الذي هو منفصل عنه، فوجب ألا يجوز المسح. أصله إذا لف ~~على الخف الأسفل خرقة مكان الجرموق. # وقولنا: منفصل عنه؛ احتراز عن طبقتي الخف؛ لأنها غير منفصلة عنه، وعكس ما ~~ذكرناه الخف الواحد لما زالت الرخصة بزواله جاز المسح عليه، وكذلك إذا كان ~~التحتاني مخرقا جاز المسح على الأعلى؛ لأن الرخصة تزول بزواله. # وأيضا فإنما جاز المسح على الخف الواحد للحاجة العامة إلى لبسه، ولحوق ~~المشقة في نزعه، وهذا لا يوجد في الجرموق؛ لأنه لا تدعو عوام الناس إلى ~~لبسه، ولا تلحق المشقة في نزعه فلم يجز المسح عليه. # فإن قيل: فإنه خف يلي الماسح فجاز المسح عليه، أصله إذا كان خفا واحدا، ~~أو كان التحتاني مخرقا خرقا فاحشا بحيث لا يجوز المسح عليه. # وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جاز المسح على الخف هو كون الحاجة إلى لبسه، ~~ولحوق المشقة في نزعه، وهذا موجود في الخف الأعلى. # قيل: أما القياس الأول فالمعنى فيه زال الرخصة في المسح بزواله، فلهذا ~~جاز المسح عليه. # وأما قولهم: إن الحاجة تدع إليه فقد ذكرنا أن الأمر بخلافه، والحاجة إليه ~~لست عامة، هي عامة في الخف الواحد، والمشقة PageV03P1311 # تلحق في نزع الخف الواحد، ولا تلحق في نزع الأعلى؛ لأن الأسفل باق. # ونقول أيضا: إن ما تحت الجرموق يجوز المسح عليه، وهو الخف الأسفل؛ ~~فالمغطي لما يجوز المسح عليه لا يجوز أن يقصد بالمسح عليه. # دليله العمامة لا يجوز المسح عليها؛ لأن ما تحتها مما يمسح. # فإن قيل: فقد روي أن النبي عليه السلام كان يمسح على الموق، وروي: PageV03P1312 # الجرموقين، رواه الحارث بن معاوية عن بلال عنه عليه السلام. # قيل: إن الموق غير لجرموق؛ لأنه خف يلبس وحده، أما مسحه على الجرموق فإن ~~صح فلنا به، ولكننا لا نعرف. # ويحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك؛ لأنه كان على طهر ولم ينتقض، فجدد ~~وضوءه ومسح عليه، ولو كان يجوز على ما تقولون لاشتهرت الرواية فيه وظهرت ~~عنه عليه السلام، أو عن أحد من أصحابه ms457 رضي الله عنهم، وليس يجوز أن ينتقل ~~عن فرض وغسل القدمين إلا بأمر ظاهر، كالمسح على الخف الأسفل. # وأيضا فإن المسح على الخف رخصة وليس بعزيمة، والرخص لا يجوز القياس عليها ~~عند كثير من أصحابنا، ويجوز عند بعضهم إذا عرف معناها، وليس في الخف الأسفل ~~معنى يجمع به بينه وبين PageV03P1313 # الجرموق؛ لأن الحاجة تعم في الخف الأسفل، وتلحق في نزعه المشقة، وقد بينا ~~أيضا أنه ممسوح فلا ينوب عنه ممسوح مع القدرة عليه، فلم يسلم فيه معنى يجمع ~~به بينه وبين الجرموقين. # وأيضا عن مسح الخف بدل من غسل الرجلين فهو كالتيمم بدلا من الوضوء، فلما ~~لم يكن للتيمم بدل مع القدرة عليه لم يكن للمسح على الخف بدل مع القدرة عليه. # فإن قيل: قد يكون للبدل بدل يقوم مقامه. ألا ترى أن من لا يقدر أن يمسح ~~لشجة فيه فإنه جوز له أن يمسح على العمامة والعصابة، وكذلك الوجه في التيمم ~~قد يمسح على الحائل إذا كان هناك مانع من المسح عليه. # قيل: هذا لا يلزم: لأننا لا نجوز ذلك مع القدرة على البدل، وأنتم تجيزون ~~المسح على الجرموق مع القدرة على مسح الخف. # ووجه قول مالك - رحمه الله - إن المسح يجوز: هو ما ذكرناه من الأسئلة على ~~هذه الرواية. # وأيضا فإن الحاجة تدعو إلى لبس الجرموق في المواضع الباردة، ومواضع ~~الثلوج وإن لم يكن ذلك عاما في جميع الناس، كما أن لبس الخف ليس تدعو ~~الحاجة إليه في جميع الناس، والله أعلم. PageV03P1314 ### | AUTO [72] مسألة # إذا نزع خفيه أو أحدهما بعد أن كان قد مسح عليهما غسل رجليه مكانه، فإن ~~أخر غسل رجليه استأنف الطهارة، وبه قال الليث بن سعد. # وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، والمزني: إنه يغسل ~~رجليه سوءا طال ذلك أولا، ليس عليه أن يستأنف الطهارة. # ومن قال من أصحابنا: إن الموالاة مستحبة وليست واجبة كذلك يقول. # وقال الشافعي في القديم: يستأنف الطهارة من أولها على كل PageV03P1315 # حال، وبه قال الأوزاعي، وابن أبي ليلى، ms458 والنخعي، الحسن البصري. # وقال داود: إذا نوع خفيه ثم يحتج إلى شيء لا غسل الرجلين ولا استئناف ~~الطهارة، ويصلي كما هو حتى يحدث حدثا مستأنفا. PageV03P1316 # والدليل على داود: ظاهر قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} إلى قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين}، فهو عموم في كل صلاة إلا أن يقوم دليل. # وأيضا كون الصلاة في ذمته، فمن زعم إنها تسقط عنه إذا صلاها مكشوف ~~الرجلين من غير غسل فعليه الدليل. # وأيضا عن النبي عليه السلام توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به»، فهو عموم في كل صلاة. # وأيضا قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك» إلى أن قال: ~~«واغسل رجليك»، فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين. # وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء موضعه، فيغسل وجهه ~~ويديه» إلى قوله: «ويغسل رجليه»، فنفي الأجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، ~~فهو عموم إلا أن يقوم دليل. # وأيضا قوله لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد ~~الماء فليمسه بشرته»، والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. PageV03P1317 # فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة ~~جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، أن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا ~~فنحن متمسكون بموضع الإجماع. # قيل: إن الإجماع حصل على صفة، وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل ~~الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل. # وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه، لأنه محدث فجوز له الإجماع أن يمسح ~~على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان ~~عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع. # فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق ~~على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخف، فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه ~~الدليل. # قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد ~~بينا لأي معنى حصل ms459 الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف؛ لانستار قدميه في ~~الخف مع وجود المسح عليهما. قد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق ~~الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها. # يدلك على هذا: أن القدمين لو كانا ظاهرين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين ~~في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان ~~على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا ~~تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم ~~التيمم الذي هو PageV03P1318 # بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف ~~على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال ~~المعنى الذي من أجله زال المسح على الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى ~~حكمه الأول من وجوب الغسل بأجل الحدث المتقدم. # وعلى أننا قد إذا ... كرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة ~~في ذمته بيقين. # فإن قيل: إن التيمم لم يرتفع حدثه وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث، ~~وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه ~~الخفين. # قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في ~~الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت ~~صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، ~~فيجب غسل الرجلين. # فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الضوء غسل وجهه ~~ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، ~~فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل ~~والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف. # قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس ms460 الخلقة، وغسله ~~ومسحه عزيمة كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من ~~الخلقة في شيء. ألا ترى أنه لو قال PageV03P1319 # لزوجته: شعرك طالق. طلقت. فلو قال لها: خفكي طالق. ولم تطلق، فصار مسح ~~الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم. # فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له ~~حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأولى فلا يعود حكمه إلى الأول ولا يتغير ~~حكمه عما قد حصل عليه. # من ذلك: عقد التزويج لو وقع في الإحرام لقبح - عندنا وعندكم، وكذلك في ~~العدة، ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه ~~الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على ~~زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في ~~الابتداء لم يصح العقد، وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، ~~وإن كانت الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل. PageV03P1320 # قيل: إن التشبيهة أيضا غير صحيحة، وعروض مسألتنا: أن يكون في الابتداء ~~محرما، محدثا ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه لا إدخالهما ~~في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه ~~وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ماله أن يفعل، ~~والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ماله أن يفعل. فطرق المسح عليه لا يبطل ~~فعله، وطرق الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المتقدم وهو العقد، فإذا نزع ~~هذا خفه بعد الحدث والمسح، فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعد ~~إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه، ~~ورجلاه في الخف بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما ~~كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم ms461 بعد إطلاقه إلى الحال ~~التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج. # وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، ~~كما لو عقد النكاح وه محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من ~~المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح. # وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين: # فضرب الابتداء والانتهاء، وضرب لابتداء دون الانتهاء. # فالضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء. # فالضرب الذي للابتداء حسب، كالإحرام والعدة كما ذكرتموه. # والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع والردة. PageV03P1321 # وملك أحد الزوجين صاحبه. فأدني ما في ذلك ألا تكونوا فيما ذكرتموه من ~~اعتبار ما تنازعناه بأسعد منه باعتباره بما ذكرناه من علل الابتداء ~~الانتهاء؛ لأن العقد مع وجود الردة والرضاع لا يجوز، ولو طرأ بعد العقد ~~لأبطله، كما كان يبطله في الابتداء، ووجب أن يغلب الأقوى من الاعتبارين، ~~فكان اعتبارنا أولى؛ لأن مسح الخفين نائب عن الغسل لا محالة؛ لأنه إحدى ~~الطهارتين، ولا تصح نيابته عنه إلا على صفة، وهي أن يكون العضو الذي هو ~~الأصل غير ظاهر؛ لأنه متى ظهر كان الخف أجنبيا منه لا يكن من المسح بسبيل، ~~فإذا ظهر القدم فقد زال حكم المسح؛ لأن الأصل الذي من أجله صار هذا نائبا ~~عنه قد حضر، فوجب أن يكون على الأصل الذي كان عليه. # يدل على صحة هذا: التيمم على ما تقدم ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في الأصول ~~منها: أن شهود الأصل لو كانوا حضورا غير مرضى ولا مسافرين، أو فسقوا لم يجز ~~لشهود الفرع أو يؤدوا الشهادة التي على شهادتهم؛ لأن شهادتهم تجوز على صفة ~~هي غيبة شهود الأصل، أو تخلفهم لعذر، ولكونهم عدولا. # ومنها: أن الميتة مباحة للمضطر إليها، ثم لو حضر من الحلال ما ينب منه ~~بها ارتفعت الإباحة، وعاد إلى الأصل الذي كان عليه من حضرها لعدم ضرورة. # فإن قيل: فلنا نحن شواهد في ms462 الأصول. منها: إن عدم الطول PageV03P1322 # وخوف العنت يبيح التزويج بالأمة المؤمنة، فإذا تزوج ثم وجد الطول، وزال ~~خوف العنت لم يبطل حكم عقده على الأمة، وإن كان قد صار إلى حالة لو كان ~~عليها في الابتداء لم يجز له العقد، وكذلك ما تنازعناه. # قيل: عروض مسألتنا في نزعه خفيه هو أن يطلق هذا هذه الأمة، فيحصل على ~~الحالة التي لا يجوز معها ابتداء العقد، فيتغير حكنه لا محالة، كما أن نازع ~~الخف قد تغير حكمه، وعاد إلى ما لو أن عليه في الابتدء لم يجز له الصلاة ~~إلا بغسل رجليه. # وأجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن اعتبار مسألة الخلاف أولى؛ لأنه من بابه ~~والمسح إليه أقرب، وله أشبه. # وأيضا فإن عروض ما إذا ... ذكروه الصلاة التي أديت في حال المسح وهي ~~صحيحة، وليس أمرها مراعى أو موقوفا، وكذلك النكاح ليس أمره مراعى، وقد مضى سليما. # وأيضا فإن النكاح لا يبطله مضي زمان من غير فعل مؤثر، والمسح يزول حكمه - ~~عندكم - بمضي مدة المقيم ومدة المسافر. PageV03P1323 # ويقوي ما نقوله في المسألة: أن من عليه رقبة من ظهار أو قتل، إذا كان ~~واجدا لها لم يجز له الصوم، فلو لم يجدها ثم دخل في الصوم، ثم جد الرقبة ~~فإنه يمضي على صيامه ما دام على حاله، فلو أفسد صيام التتابع بغير عذر أو ~~لعذر - وهو واجد للرقبة - عاد إلى حكم الرقبة التي لا يجوز له مع وجودها في ~~الابتداء العدول إلى الصوم، فصارت الأبدال على طريقة واحدة. # ومثل ذلك، هدي القرآن والتمتع وغيرها إذا عدمها حتى دخل في صيام العشرة ~~الأيام، ثم وجد الهدي فإنه يمضي على صيامه، فلو أفسده رجع إلى الهدي الذي ~~في ملكه، فقد استمر هذا في الأصول، وبالله الموفق. # واعتبارنا أولى؛ لاه يؤدي إلى إسقاط الصلاة بيقين. # فأما الكلام في غسل الرجلين عند نوع الخفين دون استئناف الطهارة من ~~أولها، فمبني على جواز تفرقة الوضوء لعذر، فإن أخر غسل رجليه استأنف ~~الطهارة من أولها. # وقد مضى الكلام في ms463 الموالاة في موضعه. # وقد ذكرنا أن أحد قولي الشافعي أنه يستأنف الطهارة من أولها على كل حال. # ويجوز أن ندل على أن عليه غسل رجليه في الحال دون استئناف الطهارة بأن ~~نقول: الأصل ألا شيء عليه قبل نزعهما، ثم قامت دلالة على غسل الرجلين، وبقي ~~الباقي على الأصل. PageV03P1324 # وأيضا فإنه بدل بطل حكمه بظهور مبدله فوجب فوجب أن يلزمه غسل ما كان ~~البدل نائبا عنه. دليله التيمم، وذلك أن الإنسان إذا عدم الماء وتيمم فن ~~التيمم نائب عن غسل جميع الأعضاء، فإذا وجد الماء لزمه غسل جميع الأعضاء ~~التي كان التيمم نائبا عنها، كذلك أيضا مسح الخفين بدل عن غسل الرجلين، ~~ونائب عنهما، فإذا بطل حكمه بالنزع لزمه غسل الرجلين؛ لأن المسح عنهما لا ~~عن غيرهما. # فإن قيل: هذا فاسد به إذا أخر غسلهما. # قيل: لا يلزم؛ لأنه ليس علية الاستئناف هي النزع، وإنما العلة لشيء آخر، ~~وهو تأخير غسل الرجلين، وإلا فالواجب بالنزع وهو غسل الرجلين فقط. # وأيضا فإن مسح الخفين في حكم رفع الحدث؛ لأن الحدث حقيقة يرتفع؛ لأن مسح ~~الخفين ليس كغسل الرجلين الذي يرتفع معه الحدث حقيقة. # والدليل على أنه لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما هو تابع للأعضاء المغسولة: ~~وهو أن كل طهارة ترفع الحدث لم تبطل قبل وجود الحدث، وكل طهارة لا ترفع ~~الحدث يجوز أن تبطل قبل الحدث، كالتيمم، فلما كان المسح على الخفين يبطل ~~حكمه بنزع الخفين، علم أنه لم يرفع الحدث، فإذا لم يرفع الحدث عن الرجلين، ~~وإنما استباح الصلاة بالمسح، فإذا نزع الخف فقد بطلت الاستباحة، وصار كمن ~~غسل PageV03P1325 # الأعضاء الثلاثة وبقي غسل رجليه فيكفيه أن يغسل رجليه. # فإن قيل: قد روى صفوان بن عسال قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا ~~من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، ثم نحدث وضوءا بعد ذلك، فأخبرنا أن النبي ~~عليه السلام أمر بالوضوء عند نزع الخف، وإطلاق الوضوء يقتضي ms464 وضوءا كاملا. # قيل: الخبر يدل على أنه ينزع الخف للجنابة، وإذا كان جنبا أحدث وضوءا ~~كاملا مع غسله، فنقول بموجبه. # فإن قيل: فإنه معنى يبطله الحد فوجب أن يكن انتقاض جزء منه كانتقاض ~~جميعه، أصله الصلاة إذا بطلت ركعة منها بطلت كلها. # وأيضا فإن المسح على الخفين يرفع الحدث؛ بدليل أنها طهارة بالماء، وكل ~~طهارة بالماء فإنها ترفع الحدث كغسل الرجلين. ألا ترى أنه يجمع بالمسح على ~~الخفين بين صلوات كثيرة، وكل طهارة يستباح بها الجمع بين الفرضين فإنها ~~ترفع الحدث، كغسل الأعضاء كلها، عكسه التيمم، فإذا كان يرفع الحدث فالحدث ~~إذا ارتفع لم يبطل إلا بالحدث، فعلم أن نزع الخفين كالحدث، والمتطهر إذا ~~أحدث لم يكفه غسل الرجلين. # قيل: أما القياس على صلاة فليس بصحيح؛ لأن فساد ركعة يفسد الصلاة، فعروضه ~~أن يفسد غسل الرجلين، والرجلان فلم PageV03P1326 # يحصل فيهما غسل، وإنما فسد مسح الخفين، والمسح ليس من جنس المغسول، وإذا ~~فسد رجع الفرض إلى غسل القدمين حتى تساوي الأعضاء التي غسلت. # وقولكم: إن مسح الخفين يرفع الحقد فقد قلنا: إنه يصير في معنى رفع الحدث؛ ~~لأنه تابع للأعضاء المغسولة ليس كالغسل حقيقة، وما هو في حكم المغسول فهو ~~أضعف من المغسول، فلهذا لم يكن نزع الخف حدث، وبالله التوفيق. PageV03P1327 ### | AUTO [73] مسألة # - عندنا - أن الكمال والسنة في مسح أسفل الخفين وأعلاهما وبه قال ~~الشافعي، وهو مذهب ابن عمر، وسعد ابن أبي وقاص. من التابعين الزهري. # وقالت طائفة: إن باطن الخف ليس بمحل للمسح مسننا ولا جائزا. # وحكي أنه قول أنس بن مالك، وهو مذهب الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، ~~والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه. PageV03P1329 # قالوا: لما رواه عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة أن النبي عليه السلام ~~مسح على ظهور خفيه، قالوا: فلا يخلو أن يكن عليه السلام أتى PageV03P1330 # بالجائز أو الكامل، فبطل أن يكون هذا القدر الجائز؛ لأن ما دونه يجوز. أي ~~ما دون جميع ظهر الخفين، فلعم أنه المسح الكامل، فخرج باطن الخفين على ~~الجواز والكمال. # وأيضا فقد روي أن ms465 جابرا مسح ظهور خفيه، وقال: صنعت كما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصنع. PageV03P1331 # وروى عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان ~~باطن الخف بالمسح أولى من ظاهره، ولكنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمسح على ظاهره، فمنع علي أن يجري المسح على الباطن، وأن يكون محلا له. # والدليل لقوله: ما رواه إبراهيم بن يحيى عن ثور بن يزيد عن PageV03P1332 # رجاء بن حيوة عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مسح أعلى الخف وأسفله، وهذا نص في مسح أسفله، PageV03P1333 # فلا بد أن يكون عليه السلام فعل الجائز أو الكامل. # وأيضا فإنه موضع من الخف يحاذي المغسول من القدم، فجاز أن يكون محلا ~~للمسح عليه، أصله ظاهر الخف. # فأما الجب عما ذكروه من خبر المغيرة فإننا نقول بموجبه، ويجوز المسح على ~~ظهور الخفين، ولهذا لا يمنع أن يكون أسفلهما محلا للمسح، وإنما فعل الجائز؛ ~~ليعلمنا جوازه، ولا يجوز الاقتصار - عندنا PageV03P1334 # - بالمسح على بعض أعلاهما. # ولو جوزنا لم يمتنع أن يكون عليه السلام فعل الجائز وبعض الكمال، وأعلمنا ~~أن هذا أيضا يجوز، وإن كان قد ترك باقي الكمال في مسح الباطن، وهكذا الجواب ~~عما ذكروه من حديث جابر. # وما ذكروه عن علي - رضوان الله عليه - لا حجة فيه؛ لأنه لم يقل: ل كان ~~الدين بالقياس لجاز المسح على باطن الخف، وإنما قال: لو كان الدين بالقياس ~~لكان باطن الخف بالمسح أولى، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح ~~على ظاهره، يمنع أن يكون أسفله محلا للمسح، وإنما جعل مسح الظاهر أولى، ولو ~~كان القياس لكان باطنه أولى، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره أولى، وكذلك نقول: ~~إنه أولى إذا أفرده؛ لأنه لو اقتصر على ظاهره أجزأه، ولو اقتصر بالمسح على ~~باطنه لم يجزئه، وكون الظاهر أولى بالمسح لا يدل على أن أسفله ليس بحل ~~للمسح، فظاهر الخف هو الجائز، ومسح الأسفل مع الظاهر هو الكامل. PageV03P1335 # وأيضا ms466 فإنه ممسوح جرى مجرى البدل من المغسول فجاز أن يكون جميعه محلا ~~للمسح الوجه في التيمم. PageV03P1336 ### | AUTO [74] مسألة # وإن مسح أسفل الخف دون أعلاه لم يجزئه، به قال أبو حنيفة، والشافعي، ~~وعامة أصحابه، وهو عندنا إجماع الصحابة. # وقال المروزي في شرحه: يجوز الاقتصار على أسفله. PageV03P1337 # وهو خلاف منصوص الشافعي. # واستدل له: بما رواه المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف ~~وأسفله، قالوا: وإنما مسح أعلاه وأسفله؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح جوازا ~~ومسنونا. # قالوا: ولأن انكشاف جزء مما تحت القدم لما كان كانكشاف الجزء من ظاهر ~~القدم في المنع من المسح، كذلك أيضا استتاره يجب أن يكون كاستتاره في جواز ~~الاقتصار عليه. # والدليل لقولنا: ما روي عن عمر علي - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لو ~~كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكننا رأينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهره، وموضع الدلالة منه: أنهما أخبرا أن ~~المسح على ظاهره أولى، وأن له مزية على باطنه، فإذا جاز الاقتصار على باطنه ~~لم تكن للظاهر مزية عليه، لأنه أراد الكمال فالجمع بينهما كامل مسنون، وإذا ~~أراد الجواز فجعل الباطن جائزا كالظاهر كان الظاهر والباطن في الكمال سواء، ~~وكذلك في المسنون والجائز، ولم يكن للظاهر مزية على الباطن. # وأيضا ما رواه أبو بكرة قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ~~ثلاثة أيام لياليها إذا تطهر فلبس أن يمسح على خفيه، والمسح على PageV03P1338 # الخف يقتضي المسح على ظاهره، فثبت بهذا أن الرخصة توجهت إليه وحده. # ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على أن الحدث حاصل، والصلاة عليه بيقين، فمن ~~زعم أن حدثه ارتفع، وأن صلاته مجزئة فعليه الدليل. # وأيضا: فإنه لما لم يجز تعدي مسح الخف إلى غيره من الجورب وشبهه، لم يجز ~~تعدي موضع المسح المنصوص عليه إلى غيره قياسا. # وفإن أسفل الخف يجري مجرى النعل، وظهر القدم يجري مجرى الخف. ألا ترى أن ~~المحرم إذا لبس الخف كانت عليه الفدية، ولو ms467 لبس نعلا لم تجب عليه الفدية، ~~ثم قد تكرر أنه لو لبس خفا بلا أسفل وله ظهر القدم كانت عليه فدية، ولو لبس ~~خفا لا ظهر له على القدم وله أسفل القدم لم تجب عليه فدية. فإذا لم يكن بد ~~من أن يجعل أحد الموضعين محلا للجواز فلأن يجعل ما هو في حكم الخف ويجري ~~مجراه أولى مما يجري مجرى النعل. # وأيضا فإن أسفل الخف، وباطن الخف لا يكون محلا للمسح. ألا ترى أنه لو ~~أدخل يده في خفه فمسح على باطنه لم يجزئه. # فأما قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله ليبين ~~أنهما جميعا ملح للمسح فه صحيح، ولكنه عليه السلام قصد أن يبين محل المسنون ~~من مسح لا محل الجائز، والمعنى في مسح ظهر الخف: هو كونه ظاهرا من الخف، ~~وليس كذلك أسفله؛ لأنه باطن. PageV03P1339 # وما ذكروه من المعنى في الخبر فهو عكس، ولا يقول به أكثر أصحابنا؛ لأنهم ~~اعتبروا جواز المسح بالمنع منه، وهذا لا يجوز، فسقط ولو اقتصرنا في المسألة ~~على الإجماع لكفى. # فإن قال قائل: فإنه محل للمسح بالماء غير مستوعب فوجب ألا يتعين كمسح ~~الرأس في الوضوء. # قيل: مسح الرأس - عندنا - مستوعب؛ لأنه عزيمة في الوضوء ليس برخصة، ~~والمسح على الخفين رخصة فلا يتعدى به موضع إجازته. # فإن قيل: إن لكل موضع غسل غطاه خف تام فهو موضع للمسح كالظاهر من الخف. # قيل: فينبغي أن يستوعب جميعه على هذا التعليل، أو يقتصر على موضع الرخصة ~~منه ولا يتعدى بقياس. # وما قلناه مرجح بما حكيناه من النص على أعلاه، والمنع من التعدي إلى غير ~~الخف، فكذلك موضع الرخصة من المسح، وبالاحتياط للفرض، وإسقاط حكم الطهارة ~~والصلاة وزوال الحدث بيقين. # وأيضا فإن الأصول تشهد له؛ وذلك أننا وجدنا قد تعلق بظاهر القدم في ~~المحرم إذا لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل الكعبين؛ فكذلك الإباحة ~~يجب أن تتعلق بظاهر القدم دون الباطن، وبالله التوفيق. PageV03P1340 ### | AUTO [75] مسألة # ويمسح على العصائب الجبائر إذا كان ms468 يخاف نزعهما، وسوءا وعضها على طهر تام ~~أو حدث، ولا إعادة عليه إذا كان قد صلى، رهب قال أبو حنيفة. والشافعي يقول: ~~إن وضعها على طهارة تامة ثم برأ من مرضه ففي الإعادة قولان، وإذا شدها على ~~موضع الوضوء والغسل وهو محدث فالإعادة واجبة قول واحد. # والدليل لقولنا: ما روي أن عليا رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي ~~فشددتها، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء، فقال: «امسح عليها»، ~~ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، فلو كان الحكم يختلف لسأله عليه السلام PageV03P1341 # هل شدها على طهر أو هو محدث؟. ثم كان يبين له الحكم في ذلك، فلما لم ~~يسأله، وأطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها هو محدث علم أن الحكم لا يختلف. # وأيضا فإن ضرورة الخف لأنه يسمح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، ~~وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطرا غير مختار، فلم ~~يكلف أن يعصب على الجرح وهو متطهر، مع جواز أن يتفق الجرح والكسر عليه وهو ~~محدث فلا يمكنه الغسل، ليس كذلك الخف. ألا ترى أن الجنب مأخوذ عليه نزع ~~خفه، وليس ذلك على الكسير المجروح. # ولا إعادة عليه، لاه قد صلى على الوجه المأمور به على حسب قدرته، فصار ~~بمنزلة من تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الصلاة فإنه يبج عليه التيمم، ~~ولا إعادة عليه، وكذلك من عجز عن قيام في الصلاة وجب عليه أن يصلي على حسب ~~قدرته وطاقته، ثم لا إعادة عليه، وكذلك من لم يقدر على الرقبة في الظهار ~~وقدر على الصيام جب عليه الصوم ولا إعادة عليه متى قدر على الرقبة، وكذلك ~~من عجز عن كفارة اليمين حتى دخل في الصوم لم يجب عليه الرجوع في الكفارة ~~إذا قدر، وهذا كله لأنه قد أدى الفرض على ما وجب عليه. # فإن قيل: فإن الصحابة رضي الله عنهم قالت: إن من لم يجد ماء، ولم يقدر ~~على التيمم، مثل المصلوب ومن ms469 حبس في الحش إنه يصلي ويعيد الصلاة، ولم ~~يطرحوا الفرض الذي لزمه بالعجز. ومنهم PageV03P1342 # من قال: لا يصلي، ولكنه يقضي، فقد بطل ما قلتم. # قيل: ليس تقدرون أن تعينوا على أحد من الصحابة أنه نص على هذه المسألة - ~~وعندنا - أن المصلوب لا يصلي ولا يقضي، وكذلك المهدوم عليه إذا لم يقدر على ~~ماء ولا تيمم. # وأما المحبوس في الحش فقد قال مال في رواية ابن القاسم عنه: إنه يتيمم ~~على الأرض النجسة، ولكنه يعيد في الوقت استحبابا إن قدر على أرض طاهرة. ~~ويجوز أن يصلي في المكان النجس كالثوب النجس إذا لم يجد غيره. # وقد قال أصحابنا في المصلوب والمهدوم عليه غير ما حكيناه، قد ذكرت قبل ~~هذا اختلافهم فيه، فلو قلنا: إنهما يعيدان الصلاة لما ضر، لأن صاحب الجبائر ~~قد مسح على الجبائر فناب المسح عن الغسل، وكما ناب التيمم عن الغسل، وهؤلاء ~~لم يأتوا بأصل ولا بدل فافترق الحكم. # فإن قيل: فما تقولون فيمن منعه مانع من الماء فصلى؟ # قيل: إن كان تيمم لم تكن عليه إعادة، وإن لم يتيمم مع القدرة فعليه ~~الإعادة، عن لم يقدر على التيمم أيضا فهو كمسألة المصلوب. # فإن قيل: لو لطخه إنسان بنجاسة وهو في الصلاة، ومنعه أن يخرج منها حتى ~~صلاها. PageV03P1343 # قيل: لا إعادة عليه، لأنه لو ابتدأ في الصلاة بنجاسة لعذر النسيان ~~استحببنا له الإعادة في الوقت، وليس بواجب. # وهذا أيضا إنما يلزم المزني، لأنه يقول: لا إعادة على صاحب الجبيرة إذا ~~شد العصائب على طهارة، لأنه عاجز فتلزمه هذه الأسئلة أو يفرق بينهما فلا ~~يلزمه ذلك. # فإن قيل: قد اتفقنا على أنه لو مسح على الخف وقد لبسه على الخف وقد لبسه ~~على غير طهر أن الإعادة واجبة، فكذلك في العصائب، المعنى الجامع بينهما، ~~أنه مسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، وهو محدث قبل غسله. # قيل: هذا غلط فاحش، لأن لابس الخف على غر طهر ممنوع من الصلاة، عاص ~~بفعلها فن مسح الخف، وصاحب الجبائر مأمور بالصلاة، عاص ms470 بتركها على ما هو عليه. # ثم نقول أيضا: ليس المعنى في الخف ما ذكرتم، وإنما المعنى فيه أنه عند كل ~~صلاة قادر على غسل رجليه، وإنما يترك ذلك ترخيصا واختيارا للترفه. # أو نقول: العلة فيه أنه يجب عليه نزع الخف وغسل رجليه عند الجنابة، وليس ~~كذلك صاحب الجبائر. # ثم نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا على أنه لو تكلف المشقة العظمى في نزع ~~العصائب، فغسل أو مسح بعد تكلفة ونزعها، ثم صلى PageV03P1344 # لم تكن عليه الإعادة، والعلة فيه: أنه قد صلى على قدر طاقته وعلى ما كلف ~~وأمر، فكذلك إذا مسح ولم ينزعها. وقد كان وضعها على غير طهر، فيكون هذا ~~القياس أولى؛ لشهادة الأصول له. # وقد روي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا في غزوة فاشتد عليهم البرد، ~~فأمرهم النبي عليه السلام أن يمسحوا على العصائب والتساخين، لم يقل لهم: إن ~~كنتم لبستموها على طهارة، وذلك للضرورة، والعصائب: العمائم. وقد اتفقنا على ~~أنه لا يجوز المسح على العمائم مع القدرة على مسح الرأس. # فإن قيل: ففي الخبر أنه أمرهم بالمسح على التساخين، وهي الخفاف، وقد ~~اتفقنا على أنه لا يجوز المسح عليها إذا ... لبست على غير طهارة، ولم ~~يسألهم عليه السلام هل لبسوها على طهارة؟ كما لم يسألهم عن العمائم. # قيل: لو خلينا والظاهر لم يكن بين الأمرين فرق، ولكن قامت دلالة في الخف ~~صرنا إليه، وبقي مسح العصائب. # على أننا فرقنا بين الأمرين من طريق المعنى فلم يلزم ما ذكرتموه. # يجوز أن نحتج بالظاهر من قوله - تعالى -: {يريد الله بكم اليسر لا يريد ~~بكم العسر}، من العسر تكليف وضعها على طهارة، أو إعادة الصلاة بعد الرخصة ~~في المسح الذي هو يسير. PageV03P1345 # وأيضا قوله - تعالى -: {يريد الله أن يخفف عنكم}، فدليله أنه لا يريد ~~التثقيل علينا، وفي موضع العصائب على طهارة تثقيل علينا، وكذلك الإعادة. # وقوله أيضا: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، أي من ضيق. وهذه عمومات في ~~كل موضع إلا ما خصه الدليل، والله أعلم. # ويجوز ms471 أن نحتج بقوله - تعالى -: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، وهذا واجد ~~للماء فيجب استعماله على الوجه الذي يقدر عليه، ولا يقدر على استعماله إلا ~~المسح على الجبيرة، ولم يفرق بين أن يكون وضعها على طهر أو محدثا، فهو عموم ~~إلا أن يقوم دليل. # ونقول.: هو خائف من نزعها للغسل، فجاز له المسح عليها عند وجوب الوضوء، ~~أصله إذا وضعها على طهارة، فإذا ثبت المسح سقطت الإعادة؛ لأنه قد أدى ~~الصلوات على ما أمر وكلف كما بيناه، وكما لو كان وضعها على طهارة. # وأيضا فقد تدركه العلة وهو غير متوضئ، فيخاف أن يصيبه الماء غسلا أو مسحا ~~فيحتاج إلى تغطية ذلك بالعصائب والخرق، ثم تدركه الطهارة، فكما يخاف من ~~قلعها قد يخاف من الماء قبل شدها، فجاز له المسح وسقطت الإعادة. PageV03P1346 # فإن قيل: هو حائل أحدثه بفعله للمسح عليه فوجب أن يمسح عليه إذا وضعه على ~~غير طهر، كالخفين. # قيل: قد ذكرنا الفرق بين ذلك وبين الخفين مما فيه كفاية. # وفرق آخر: وهو أن مسح الخفين - عندكم - موقت، ومسح الجبائر غير موقت؛ ~~لأنه قادر على نزع الخفين غير خائف، هذا [غير] خائف لا يقدر على نزع ~~الجبائر، فبان الفرق بين الموضعين. # وأيضا فإن العلة تأتيه بغير اختياره، يخاف استعمال الماء، فإذا أتته ~~العلة بغير اختيار، فوضع الجبائر عليها ضرورة بغير اختياره، فجاز المسح ~~عليها عن لم يكن وضعها على الوضوء. ألا ترى أن الله - تعالى - قد جوز المسح ~~على شعر الرأس في الوضوء وإن كان حدث على غير وضوء؛ لأنه حدث بغير اختياره ~~فكذلك يجوز المسح على الجبائر وإن كانت على غير وضوء؛ لأنها حدثت بغير ~~اختياره، فإذا ثبت أن له أن يمسح فمسح وصلى فقد أدى ما كلف على ما كلف، ~~والله الموفق. PageV03P1347 # في غسل الجمعة ### | AUTO [76] مسألة # غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء إنه ليس بفرض. إلا ما روي عن كعب ~~الأحبار أنه قال: لو وجدت ماء بدينار لأشتريته وهذا يدل على أنه يذهب إلى ~~وجوبه، به قال داود. ms472 # واحتج بما رواه ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: «من أتى الجمعة PageV03P1349 # فليغتسل»، وهذا يقتضي الوجوب. # وروي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «غسل الجمعة واجب يوم الجمعة على كل محتلم»، وهذا أشد خبر يحتجون به. # وروت حفصة أنه عليه السلام قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة، فمن ~~راح إلى الجمعة فليغتسل». # والدليل لقولنا: ما رواه الثوري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن PageV03P1350 # مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فبها نعمت، ومن ~~اغتسل فالغسل أفضل»، والدليل منه من وجهين: PageV03P1351 # أحدهما: أنه جوز الاقتصار على الوضوء بقوله: «فبها ونعمت»، فلعم به أن ~~الغسل ليس بفرض. # والوجه الآخر: هو أنه أخرج الاغتسال مخرج الفضيلة. # وأيضا: ما رواه صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط. PageV03P1352 # ونوم وبول فأمر عليه السلام باستدامة لبس الخف، ذكر نزعه عند الجنابة ~~حسب، فمن زعم أن نزعه يجب لغسل الجمعة خالف ظاهر الخبر، وأوجب ما لم يذكر فيه. # ولنا أيضا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما وعائشة - رحمة الله عليها - ~~أن الناس كانا عمال أنفسهم، وكانوا يروحن إلى الجمعة - وعليهم الصوف ~~والمسجد ضيق -، وروي: إن عليهم الجلود، فكانوا يعرقون، ويتأذى بعضهم بروائح ~~بعض، فقال عليه السلام: «لو اغتسلتم»، أي اغتسلتم لتزول الرائح من العرق، ~~فعلل علليه السلام الغسل وبين أنه للتنظيف. # وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة، وذلك ما رواه مالك عن الزهري عن سالم ~~عن عبد الله بن عمر أن عثمان دخل في يوم الجمعة، وعمر رضي الله عنه يخطب، ~~فقال لعثمان: أية ساعة هذه؟. فقال: ما زدت على أن توضأت بعد أن انقلبت من ~~السوق. فقال له: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يأمرنا بالغسل، فترك PageV03P1353 # عثمان الغسل، ولو كان واجبا ما تركه، ثم ms473 إن عمر أقره على ذلك بحضرة ~~الصحابة لم ينكر أحد ذلك، فلو كان واجبا ما أقره على ذلك. # وقول عمر: والوضوء أيضا. يعني أنك تأخرت إلى هذا الوقت ولم تغتسل. وقوله: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل. إنما هو على طريق ~~الاستحباب؛ بدليل ما قاله عليه السلام: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل ~~فالغسل أفضل»، وبهذا الإجماع. # ما روي أنه قال: «غسل الجمعة واجب»، محمول على وجوب سنة، بما ذكرناه من ~~الدلائل. # ونقول أيضا: هو غسل لأمر مستقبل لم يتقدم سببه فوجب أن يكون غير واجب. ~~أصله الغسل للحج، لأن الغسل الواجب هو ما تقدم سببه. # ولنا أن نقول: إن هذا الغسل مأمور به لأجل الجمعة أو لصلاة جماعة لا ~~لحدث، فأشبه الغسل لصلاة العيدين والاستسقاء وغير ذلك من الحج، فلما لم يكن ~~الغسل لجميع ذلك فرض ... أو لما ذكرناه فكذلك للجمعة. PageV03P1354 # فإن قيل كفقد روي أنه عليه السلام قال: «غسل الجمعة»، وروي أنه قال: «غسل ~~الجمعة واجب كغسل الجنابة» وهذا آكد ما يكون في كونه فرضا. # والأخبار التي رويتموها فهي عن أنس وسمرة. # وأما يزيد الرقاشي عن أنس فضعيف الحديث، وقد يرويه بعضهم عن الحسن عن ~~سمرة، وليس بالوجه الواضح. # وما رويتموه عن عثمان مع عمر - رحمه الله عليهما، فإنه لم يأمره بالخروج ~~والغسل؛ لأن الوقت كان قد ضاق فيما ذكرتموه. # قيل: أما الخبر الذي قال فيه: «غسل الجمعة فريضة» فالفرض: هو التقدير في ~~الموضع، كقوله - تعالى -: {سورة أنزلناها وفرضناها}، ومثله يقال: فرض ~~القاضي النفقة، أي قدرها، ولم يرد الفرض الذي هو في الشريعة من تركه فقد ~~عصى؛ بدليل ما روي PageV03P1355 # عنه أنه قال: «غسل الجمعة سنة»، وبدليل الأخبار التي ... ذكرناها. # وقولكم: إن يزيد الرقاشي ضعيف فليس كذلك؛ لأن الأعلام الثقات قد رووا عنه. # وأما حديث سمرة، أنه روى بعضهم عن السحن عن سمرة فلا يضر مثل هذا في ~~الحديث إذا أرسل أو أسند. # وأما حديث عثمان مع عمر - رضي الله عنهما، فإن كان لم ms474 يأمره بالخروج ~~والغسل لضيق في الوقت فذلك أقوى دليل على أنه ليس بفرض؛ إذ لو كان فرضا ~~لكان أولى من استماع الخطبة، ولا يسقط فرض في الجمعة لضيق الوقت، ولم يكن ~~دخل في الصلاة بعد فيقال: تفوته الصلاة. مع أنه لو كان شرطا في صحة الجمعة ~~لم يجز أن يدخل فيها بغير شرطها، والغسل كالخطبة التي يختص بأدائها الإمام ~~وحده؛ لأن الغسل على ما يزعمون مفترض على كل إنسان في نفسه، فلما لم يخرج ~~عثمان، وقد ترك الغسل عامدا، ولم يأمره عمر رضي الله عنه بالخروج والغسل، ~~ولم ينكر أحد من الصحابة، دل ذلك على سقوط فرضه، وعلم أن نكير عمر على ~~عثمان - رضي الله عنهما - بالخروج إنما هو لتركه سنة مؤكدة، ولكن السنن إذا ~~ضاق الوقت وحصل استماع الخطبة الذي هو واجب. خاصة مع استماع الحاضر خطبة ~~الإمام صارت السنن ما قد فات وقتها، فيتشاغل عنها بالأهم. PageV03P1356 # وقوله عليه السلام: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة»، فإنه عليه السلام ~~أراد وجوب سنة، وهو في صفته كغسل الجنابة بالدلائل التي تقدمت، وبالله ~~التوفيق. PageV03P1357 ### || AUTO فصل # وينبغي أن يكون الجمعة متصلا بالرواح، وهذا هو المستحب والمسنون، وبه قال ~~أبو حنيفة، والشافعي. # وقال قوم: إنه إن اغتسل قبل الفجر أجزأه. # قالوا: إنه لا خلاف أنه لو اغتسل للعيد قبل الفجر أجزأه واعتد به، فكذلك ~~الجمعة؛ لأنه غسل عيد. # والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كمم من ~~جاء إلى الجمعة فليغتسل»، وفي خبر: «من راح إلى الجمعة»، «من أتى إلى ~~الجمعة»، فقرن الغسل بالمجيء والرواح، المجيء والرواح قرنا بالغسل أيضا. PageV03P1359 # وكذلك في حديث حفصة أنه عليه السلام قال: «على كل مسلم أن يروح إلى ~~الجمعة فمن راح إلى الجمعة فليغتسل»، فجعل وقته وقت الرواح خلاف التغليس ~~والبكور. # وأيضا قد روى أبو سيعد الخدري أن الني عليه السلام قال: «الغسل واجب على ~~كل محتلم يوم الجمعة»، ففيه دلالة على أنه لا يجزئ قبل الفجر؛ لأنه قال: ~~«يوم الجمعة»، ms475 وقبل الفجر ليس من يوم الجمعة. # فإن قيل: ففي هذا دلالة عليكم؛ لأنه جعل جميع النهار وقتا له. # قيل: كل النهار ليس وقتا للجمعة؛ لأن غسل الجمعة هو قبلها، فعلم أنه أراد ~~قبل الزوال لا قبل الفجر. # فإن قيل: قد علمنا أنه عليه السلام لم يرد الغسل بعد الرواح والمجيء ~~وإنما معناه: من أراد المجيء والرواح فليغتسل، وهذا قبل الفجر وبعده يريد ~~الرواح فيغتسل. # قيل: فينبغي إذا عزم وأراد المجيء إلى الجمعة يوم الخميس أو ليلة الجمعة ~~أن يغتسل، وهذا مثل قوله - تعالى -: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، ~~أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا عند القيام، كذلك هذا يغتسل عند ~~الرواح، ولولا أن دلالة قامت في جواز تقديم الوضوء لما زلنا عن الظاهر وهو ~~وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة. PageV03P1360 # وأيضا فإنه غسل للجمعة قبل يومها فوجب ألا يعتد به، كما لو اغتسل يوم ~~الخميس. # وقال الشافعي: إنه [إن] غسل في يوم الجمة لها قبل فعلها فوجب أن يعتد به، ~~أصله إذا اغتسل قبل الرواح. # قيل: هو معتد به، وإنما الاستحباب ما قلناه. ثم لو قلنا: إنه لا يعتدد به ~~من السنة إذا تأخر مضيه إلى الجمعة؛ لأننا قد عرفنا المعنى الذي من أجله ~~أمروا بالغسل فينبغي أن يكون متصلا بالرواح؛ ليكون رواحه متصلا بالنظافة ~~وقطع الروائح من العرق وغيره؛ لأنه بعد رواحه ينتظر الصلاة، ولعله يعرق، ~~وتفوح له رائحة فكل ما كان غسله متصلا برواحه كان أقطع لما يحدث منه بعد ~~الرواح. # يقوي هذا: أنه لا يجزئه الغسل قبل الفجر؛ لبعده عن المعنى المراعى. # يقوي هذا: ما روي أن الناس كانوا عملا أنفسهن، فكانا يروحون بهيئتهم، ~~فتفوح روائحهم، قيل: «لو اغتسلتم». # ويجوز أن نقول: قد اتفقنا أنه لو اغتسل لها قبل الفجر لم يجز؛ بعلة أنه ~~غسل سن لأجل الاجتماع للجمعة، ولقطع الروائح عنهم، فلما لم يتصل ذلك ~~بالرواح لم يجزئه من غسل الجمعة، كذلك هذا؛ لأن غير متصل بالرواح. PageV03P1361 # ونقول أيضا: لو جاز تقدمة الغسل ويكون ms476 هو المسنون إذا لم يتعقبه المجيء ~~إلى الجمعة عن كان مشترطا بالمجيء ليجوز تقدمة الغسل قبل يوم الجمعة وإن ~~كان مشترطا في الجمعة، فلما لم يجز ذلك؛ لأنه خلاف الشرط المأمور به كذلك ~~في مسألتنا، وبالله التوفيق. PageV03P1362 # ومن كتاب الحيض ### | AUTO [77] مسألة # أقل الحيض عند مالك - رحمه الله - فيما تترك له الصلاة والصيام هو أقل ما ~~يوجد في النساء، وذلك لمعة أو دفعة من دم. # وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام بلياليها. # وبمثل هذا قال محمد بن مسلمة في العدد. # وحكي عن مالك مثله في العدد والاستبراء لا في ترك الصلاة. # وقال الشافعي: أقله يم ليلة. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو PageV03P1363 # أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فسماه أذى وأمر بالاعتزال فيه، ولم يفرق ~~بين قليله وكثيره، فكل دم خارج ممن يجوز أن تحيض في زمان يصلح فيه فهو دم ~~حيض ... إلا أن يقوم دليل. # فإن قيل: المحيض ليس هو الحيض، وإنما هو مكان الحيض الذي هو الرحم، فإذا ~~ثبت أنه محيض صح ما قلتم، ولا نسلم أنه يسمى محيضا بخروج دفعة من دم. # قيل: إنما كني باسم المحيض عن الدم؛ لأنه يخرج منه، ولم يجعله كناية عن ~~دم مخصوص، فمن زعم أنه كناية عن دم كثير دون دم قليل فعليه الدلالة. # وأيضا فقد بين النبي عليه السلام صفة دم الحيض فقال: «هو أسود ثخين له ~~رائحة»، فعلمنا أن المحيض كناية عن الدم الذي هذه صفته، PageV03P1364 # قليلا كان أو كثيرا إلا أن يقوم دلالة. # وأيضا فإذا كان اسم المحيض كناية عن الرحم فهو يستحق الاسم في حال خروج ~~الحيض وفي خلاله، فالظاهر يقتضي أن نعتزل هذا المكان على كل حال، في حال ~~الدم وفي خلاله، كان الدم قليلا أو كثيرا إلا أن تقوم دلالة. # وعلى أنهم لا يخالفوننا في اعتزالها في هذا الدم القليل، ولكنهم يراعون ~~أي وقت ينقطع. # فإن انقطع دون المدة التي جعلوها حدا لأكثر الحيض كان حيضا. # وإن زاد كان حيضا واستحاضة، ويكون الحيض ms477 منه هو المحدود في أقل الحيض - ~~عندهم - على اختلاف بينهم فيه. # وإن انقطع دون يوم وليلة - عند الشافعي - أو ثلاثة أيام - عند أبي حنيفة ~~فهو غير حيض. # ولنا أن نستدل في ابتداء المسألة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دم ~~الحيض أسود ثخين له رائحة»، وهذا إنما ذكره عليه السلام؛ ليعلمنا أن الحكم ~~بتعلق بوجود الدم الذي صفته، ولم يفرق بين قليله وكثيره؛ إذا لو كانت المدة ~~صفة فيه لم يحذفها منه، كما لو يحذف علامات الدم نفه عام إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فما رواه عروة عن عائشة - رضي الله عنها - أن فاطمة بنت PageV03P1365 # أبي حبيشة قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر. فقال: «إذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت وأذهب وقدرها فاغسلي عنك الدم وصلى»، ~~وإقبالها إنما تعرفه بأمارته ولونه، فلولا أن الجزء الأول الذي تعرفه من ~~الحيض، ومحكوم له بحكمه لم يأمرها بترك الصلاة في إقبالها، ولكان يقول لها: ~~إذا عرفت الدم وأقبل فلا تتركي الصلاة حتى يمضي يوم وليلة أو ثلاثة أيام. # وأيضا فإنه لما كان دم النفس تتعلق بالأحكام بوجوده من ترك الصلاة والصوم ~~والامتناع من الوطء، ولم يكن لأقله حد غير وجوده وجب أن يكون دم لحيض مثله؛ ~~لمشاركته إياه في علته. # فإن قيل: فقد روي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لها: «اتركي الصلاة يوم حيضتك يوم محيضك»، فوجب أن يكون PageV03P1366 # اليوم مقدرا فيه. # قيل: هذا دليل لنا؛ وذلك أنه أراد وقت حيضتك، أي في يوم الذي تحيضين فيه، ~~كما تقول: كلم زيدا يوم يقدم فلان، فإنما معناه في اليوم، أي: وقت قدومه ~~منه، ولم يقل: دعي الصلاة بعد يوم حيضتك وبعد ليلته، فصار هذا حجة لنا. # وأيضا فإن أصل دم الحيض والنفاس المرجوع فيه إلى الوجود في النساء؛ لأنه ~~يختلف فيهن بحسب طباعهن، وبحسب أسنانهن، وبحسب اختلاف الأزمنة عليهن، ~~وباختلاف الحرارة فيهن؛ لأنه يقل ويكثر وينتقل، فجعل ذلك معتبرا بوجوده ~~منهن وفيهن، وقد يوجد ms478 من تحيض دفعة، كما يوجد من تحيض أكثر من ذلك، ووجد من ~~تحيض أكثر من صاحبتها، فينبغي أن يحكم في ذلك يقدر ما قد وجد ويوجد. # وأيضا فإن النبي عليه السلام سمى دم الاستحاضة لما خرج من عادة النساء دم ~~عرق وفساد، وهو الزائد على خمسة عشر يوما، أو عشرة أيام، فوجب أن يكون ما ~~دونه دم حيض قليلا أو كثيرا. # والدليل على صحة قولنا أيضا: أننا لا نعلم خلافا أن المرأة المبتدأة ~~بالدم تترك الصلاة لرؤيته، فلولا أن ذلك دم حيض لم يجز PageV03P1367 # لها ترك الصلاة التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه، فثبت بهذا أن رؤية الدم ~~بالمبتدأة دم حيض إلا أن يتبين أنه ليس بحيض بدليل يقارنه، وهو أن يزيد على ~~خمسة عشر يوما. # فإن قيل: قد روي أن النبي عليه السلام قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي ~~الصلاة أيام أقرائك»، وأقل مما يقع عليه اسم أيام ثلاثة. # قيل: هذا إنما هو خطاب لا المرأة بعينها، وفتوى لها، ولا يجب إذا كانت ~~امرأة على صفتها أن يكون حالها كحالها، وخلافنا في امرأة ليست لها أيام، ~~وهي مبتدأة، أو تكون لها أيام فيما مضى ثم تتغير، وقد علمنا اختلاف أحوال ~~النساء، واختلاف أحوال الدم عليهن من زيادة ونقصان، وانتقال من زمان إلى زمان. # وعلى أن هذا أمر منه ألا تزيد على الأيام التي كانت تعتادها، ولم PageV03P1368 # يعترض للنقصان. فإن كنتم تستدلون من دليل الخطاب، وأن دون ما يسمى أياما ~~لا تترك له الصلاة فأنتم لا تقولون بدليل الخطاب، ولو قلتم به لم يمتنع أن ~~يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به بدلالة، قد ذكرنا أدلة. # ونقول أيضا: لما كان دم الحيض دما تزجيه الرحم يمنع الصوم والصلاة جاز أن ~~يكون أقله ساعة، ودفعة من دم، ودليله دم النفاس. # ونقول أيضا: إن الحيض مما يسقط الصوم والصلاة إذا دام ثلاثة أيام، فوجب ~~أن يحكم لما دونه بحكمه إذا وجد على صفته كدم النفاس. # أو نقول: الحيض يتغير به حكم الطهر كالنفاس، فيجب ms479 أن يستوي حكم قليلهما؛ ~~لاشتراكهما في العلة. # وهذه القياسات بعينها تلزم أصحاب الشافعي أيضا في اليوم والليلة. # فإن قيل: فد روي عن عثمان بن أبي العاص، وأنس في الحيض أنهما قالا: أقله ~~ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما بعد ذلك فهو استحاضة. PageV03P1369 # قيل: الراوي لحديث أنس هو: الجلد بن أيوب، وهو مجهول لا يعرف، فإن صح ذلك ~~فيحتمل أن يكون في امرأة بعينها، كان أقل. PageV03P1370 # حيضا ثلاثة أيام وأكثره عشرة؛ حتى يتفق مع ما قدمناه من الدلائل. # فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإنه قد روى عن علي رضي الله عنه أن ما ~~زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة، واقل الحيض يوم وليلة. # قيل: يجوز أن يصرف هذا أيضا في امرأة بعينها بدلالة، يوجز أن يكون هذا في العدة. # على أنه قد روي عنه أنه حضر رجلا خاصم امرأة له طلقها منذ شهر عند شريح، ~~فالت: انقضت عدتي. فقال علي رضي الله عنه لشريح: قل. فقال شريح: إن انقضت ~~عدتها بما يعرفه الناس فقد بانت منه. PageV03P1371 # فقال علي: قالون. أي قد صدقت، فدل هذا على أن ما قل قد يكون حيضا. # فإن قيل: فأنتم لا تجعلون دفعة من دم تعتد بها في العدة. # قيل: القياس هذا. # ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين العدة وغيرها إذا كان الطهر بين الحيضتين ~~تاما، وإنما يستحسن الاستظهار في العدة احتياطا للفرج والنسب حتى يخرج من ~~الخلاف، وهذا سمعته من الشيخ أبي بكر - رحمه الله -. PageV03P1372 # فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقل الحيض. . . . # في غالب الوجود، والعرف الدائم في الغالب، فأما دونه فمحكوم له بحكمه؛ ~~لأنه قد وجد، كما أنه ليس في الغالب من تحيض خمسة عشر يوما، ولها الحكم هو ~~من دون ذلك، ونحمله على ما ذكرناه بالدلائل التي تقدمت أيضا. # فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن}، فاحتمل أن يكون أراد كل دم موجود خارج عن العرف ms480 العام والخاص، ~~واحتمل أن يكون أراد دما موجودا متعلقا بالعرف الخاص أو العام، فلما اتفقوا ~~[على ذلك دل] على أن ما زاد على خمسة عشر يوما أو سبعة عشر لا يكون حيضا عن ~~كان الدم موجودا، علم أنه أراد بذلك الوجود المعتاد لا الوجود النادر الشاذ. # قيل: هذا يلزمك في اليوم والليلة، ويلزم من يقول الثلاث؛ لأنه PageV03P1373 # ليس هذا هو المعتاد، بل هو نادر، والمعتاد في غالب أحوال النساء السبع ~~والثماني إلى العشر، وما نقص عنه أو زاد إلى الخمسة عشر فهو نادر فثبت أنه ~~- تعالى - أراد الموجود المعتاد على حسب اختلافه فيهن. # فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}، فإنما جعل ~~الحيض أذى، ولم يجعل الأذى حيضا، فبينوا أولا أن هذا حيض حتى نسلم لكم ما ~~تقولون. # قيل: قوله - تعالى -: {قل هو أذى}، أي ما تتأذون هب كناية عرفنا صفته، ~~ولم يفرق فيما يتأذى به بين قليله وكثيره. # وعلى أنه قد بينه النبي عليه السلام بقوله: «دم الحيض أسود ثخين له ~~رائحة»، فكأن الله - تعالى - قال: قل هو أذى إذا كانت صفته ما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: فإن قياسكم دم الحيض على دم النفاس لا يستقيم؛ لأن العلة في دم ~~النفاس أنه يجوز أن يزيد على خمسة عشر يوما. # وأيضا فإن أقله قد وجد. # قيل: علتكم هذه لا تتعدى، ولا تصح على أصل أبي حنيفة، وعلى أصحاب الشافعي ~~تصح، ولكن علتنا المتعدية أولى منها. PageV03P1374 # ثم إذا جاز أن يكون أقل النفاس دفعة من كان في الحيض أجوز؛ لن دم النفاس ~~يجتمع في الرحم على الحمل ويكثر، فكان ينبغي أن لا يتعدى بقليله بل يزاد في ~~أقله كما زيد في أكثره، وأن ينقص من قليل الحيض كما نقص في أكثره عن ~~النفاس، فلما اعتدل بالأقل في النفاس كان في الحيض أولى. # وما ذكروه من أن دفعة من دم قد وجد في النفاس، فمثله قد وجد في الحيض، ~~وما حجتنا فيه إلا الوجود. ms481 # فإن قال شافعي: إن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحيض يسقط الصوم والصلاة ~~فوجب أن يكون أقله محيطا بإسقاط هذه الفرائض، وأقل زمان يسقط هذه - عندنا ~~وعندكم - يوم وليلة. # قيل: هذه دعوى. على أن جنس الحيض يسقط جنس الصلاة والصيام، ولما لم يتخصص ~~بصلاة دون صلاة في أكثره لم يتخصص بزمان دون زمان في أكثره ولا في أقله. ~~على أن هذا يلزم في أقل النفاس. # فإن قيل: أكثره مقدر فكذلك أقله. # قيل: دفعة من دم مقدرة فهي كالنفاس سواء، وهذا ينقض ما قالوه، وبالله ~~التوفيق. PageV03P1375 ### | AUTO [78] مسألة # قال مالك - رحمه الله -: ويستمتع من الحائض بما فوق إزارها، ولا يقرب ~~أسلفها، فأما الاستمتاع بما دون الإزار، هو ما بين السرة والركبة إلى الفرج ~~فظاهر قوله أنه محرم، به قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما حكاه الطحاوي عنهم، ~~وهو ظاهر قول الشافعي. # وقال محمد بن الحسن: يجوز فيما دون الفرج، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، ~~وحكى أن الشافعي قد أشار إليه. PageV03P1377 # قالوا: لما روى أيوب عن عكرمة عن بعض زوجات النبي عليه السلام أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يباشر امرأته هي حائض أمرها أن ~~تلقي على فرجها ثوبا، والثوب على الفجر لا يحول بينه وبين ما عداه، فدل على جوازه. # وأيضا: فقد قال عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها -: «ناوليني الخمرة ~~من المسجد»، فقالت: إني حائض. فقال: «ليست الحيضة في يدك»، فبين أن كل موضع ~~لا يكون موضعا للحيض لم يتعلق به حكم الحيض، قالوا: وهذا نص. # قالوا: ولأنه لما منع من الإيلاج في الموضع المكروه - وهو الدبر - لم ~~يمنع مما قاربه، وكذلك الفرج في حال الحيض لما منع منه لم يمنه مما قاربه. # والدليل لقولنا: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الفراش، فحضت، فقال: «مال لعلك قد PageV03P1378 # حضت؟». فقلت: نعم. فقال: «ائتزري وارجعي»، فأمرها أن تأتزر لتحول بينه ~~وبين ذلك الموضع، فعلم أن مباشرة ms482 ذلك الموضع - اعني ما دون الإزار - محرم. # ولنا من الظاهر قوله - تعالى -: {فاعتزلوا النساء في المحيض}، فأمر ~~باعتزالهن جملة في المحيض، لم يقل: فاعتزلوا موضع لحيض. # فإن قيل: قوله: {المحيض} هو موضع الحيض، فكأنه قال: فاعتزلوهن في موضع ~~الحيض، وكذا نقول. # قيل: المحيض كناية عن الحيض، فالمارد زمان الحيض الذي يصح أن يكون ظرفا ~~لما يقع الاعتزال فيه، وهو زمان يطرأ فيه الحيض، قد تقدم، وهو ظرف لنا نحن ~~أيضا فيه نعتزلهن، والرحم ظرفا لنا، فالمقصود الزمان الذي هو ظرف لنا ~~وللنساء وللحيض جميعا، ولو أراد - تعالى - موضع الدم لقال: فاعتزلوا موضع ~~الدم، وقد أكد ذلك - تعالى بقوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}، وهذا يقتضي أن ~~لا نقربهن جملة، ولكن لما سئل النبي عليه السلام فقال له السائل: ماذا يحل ~~لي من امرأتي وهي حائض؟. فقال: «لتشد عليها إزارها، وشأنك PageV03P1379 # بأعلاها، فأعلمنا أن ما فوق الإزار يجوز أن يقرب، وهو حلال، ودل على أن ~~أسفل الإزار حرام؛ لأنه قال له: ماذا يحل لي من امرأتي، فلما أحل له ~~الفوقاني دل على أن السفلاني حرام، وبقوله - تعالى - {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن}. # وهذا الخبر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ في هذه المسألة إذا رتب هذا ~~الترتيب. # ثم مع هذا فنحن نعلم أن النبي عليه السلام كان أملك لإربه من كل أحد عن ~~المحارم، فلو كان الممنوع منه هو موضع الدم لم يقل النبي عليه السلام. PageV03P1380 # لعائشة - رضي الله عنها -: «شدي عليك إزارك»، لأنه لا يخاف منه التعرض ~~لمكان الدم الممنوع منه، ولكنه امتنع مما قارب الموضع؛ لأنه من دواعيه ~~فامتنع منه لذلك، وقد وقع الامتناع في الشريعة من دواعي الشيء المحرم ~~لغلظه، من ذلك: الخطبة في العدة، ونكاح المحرم وتطيبه؛ لأن ذلك يدعو إلى ~~شهوة الجماع المفسد للحج. # وأيضا فقد روي عن علي رضي الله عنه، رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~فقيل له: ما يحرم على الرجل من امرأته وهي حائض؟. فقال: «ما تحت الإزار»، ~~فهذا نص. # فإن قيل: الإزار عبارة ms483 عن المئزر، وعبارة عن الجماع والفرج؛ بدليل حديث ~~سعد فكشفنا عن مؤتزرهم، فمن أنبت قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري. PageV03P1381 # ومما يدل: على أن الإزار كناية عن الجماع قول الشاعر: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء لو كانت بأطهار # أراد يشدون مآزرهم، أي يمتنعون من الجماع. # قيل: قد يقع اسم الغزار على ما ذكرتم على طريق المجاز والكناية، وإنما ~~يحمل الخبر عليه إذا احتمله، والخبر لا يحتمله؛ لأنه لم يقل شدي على فرجك، ~~وإنما قال: «شدي عليك إزارك»، وقال: «سيحرم ما تحت الإزار»، والذي تحته ~~الفرج وما قاربه، ولا يجوز أن يكون أراد به الجماع؛ لأنه لا يكني عنه ~~بقوله: «شدي عليك إزارك». # وأيضا فإن الإيلاج في الفرج في حال الحيض محرم لأجل الأذى، قال الله - ~~تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}، فإذا ~~ثبت المنع من الرج للأذى وجب أن يكون ممنوعا مما قاربه؛ لأنه في الغالب ~~يصيبه الأذى؛ إذ دم الحيض يسيل باختياره ويستمسك باختياره. PageV03P1382 # فإن قيل: علة الفرج دائمة؛ لأن الأذى فيه قائم دائم، والذي يقاربه يجوز ~~أن يصيبه أذى ويجوز أن لا يصيبه. # قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأذى ليس بدائم في الفرج، وإنما ينصب من الرحم ~~إلى الفرج، فتارة يكثر وتارة يقل، وتارة يمسك، فإذا خرج فالغالب منه ملاقاة ~~ما قاربه. # فإن قيل: دم الحيض إنما منع ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه ~~لم يمنه من ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنع من ملاقاة ~~وجهها؛ لأن الدم ليس في محله، كذلك لا يمنع من ملاقاة ما قارب لفرج وإن ~~أصابه دم الحيض. # قيل: وعن ها جوابان: # أحدهما: أنه يمنع من ملاقاة دم الحيض إذا كان جاريا، فكذلك إذا كان على ~~الوجه منع منه؛ لأن مباشرة النجاسة لا تجوز. # والجواب الثاني: أن دم الحيض إنما يمنه من ملاقاته إذا سأل من محله جرى ~~من موضعه، وعلى ما يقارب الفجر يسيل من موضعه، فأما على ms484 وجهها فلا يسيل من ~~موضعه، فلم يثبت حكم المنع من ملاقاته. # وعلى أن ما يقارب الشيء قد يكون في حكمه، ويفارق ما بعد منه. # فأما حديث أيوب عن عكرمة فهو حجة لنا، لأنه عليه السلام أمرها بأن تلقي ~~الثوب على فرجها، وقد علم أن الثوب إذا حصل على الفرج PageV03P1383 # غطاه وغطى غيره مما يقاربه، فصار كالمئزر. # وأما قوله لعائشة - رضي الله عنها -: «ليست الحيضة في يديك»، فنما كان ~~كذلك؛ لأن ما يصيبه من سيلان الجم من الفرج فهو في حكمه. # على أن الذي قال لها هذا هو الذي قال لها: «شدي عليك إزارك وعودي إلى ~~مضجعك»، وقال للرجال: «شأنك بأعلاها»، وقال: «ما تحت الإزار حرام». # فإن قيل: فإنما منه من وطئها من أجل الدم هو الحيض فوجب أن يكون المنع ~~مقصورا على موضعه. # قيل: لو وجب هذا لوجب أن يكون الغسل مقصورا على ذلك الموضع؛ لأن الغسل ~~وجب لأجل الدم، فلما وجب غسل جميع البدن دل على أن الدم قد أحدث في جميع ~~البدن حكما، وأوجب منه الوطء في PageV03P1384 # الموضع ما قاربه خوف الذريعة، كما قال عليه السلام: «ومن رتع حول الحمى ~~يوشك أن يواقعه»، وقال في الفأرة تقع في السمن: «تطرح وما حولها»، فحكم لها ~~قاربه بحكمه. # وقد روى عمير - مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟. فقال: «لك منها ما فوق ~~الإزار، وليس لك ما تحته». PageV03P1385 # فإن قيل: قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي عليه السلام كان ~~يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد. # وروي أنها قالت: كل شيء منها له حلال إلا الجماع. # وعن أنس مثله. PageV03P1386 # قيل: لا دلالة في هذا؛ لأنه عليه السلام كان يقسم لنسائه لا يأتي إحداهن ~~في يوم الأخرى، فإن أرادات أنه كان يباشر كل امرأة في إزار واحد وعليها ~~مئزرها، فليس فيه أنه يستمتع بما دون الإزار، وقد ثبت عنه تحريم ما دون ~~الإزار. ms485 وأما قلها: كل شيء منها حلال إلا الجماع، فهو حجتنا: لأن الجماع ~~يكن في الفرج وخارجه وما قاربه، فكأنها قالت: كلها حلال إلا ما تحت الإزار، ~~وهو موضع الجماع، ويصلح له بدلالة ما ذكرناه، وبالدلائل الأخرى. # وأيضا فقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول الصحابي. # وأيضا فإنه يحظر وخبر الصحابي يبيح، فالحظر أولى، والله الموفق. PageV03P1387 ### | AUTO [79] مسألة # إذا انقطع دم الحائض لم يجز وطؤها حتى تغتسل، سواء انقطع قبل تناهي حيضها ~~أو بعد أكثره، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء. # وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - جاز ~~وطؤها قبل غسلها، وإن انقطع لدون أكثر حيضها في دن العشر لم يجز وطؤها حتى ~~تغتسل، أو يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب - عنده - بآخر الوقت، فإذا ~~مضى آخر الوقت جبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا تجب ~~عليها الصلاة. # وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإن لم تغسله لم PageV03P1389 # يجز وبه قالت طائفة من أصحاب الحديث. # واحتجوا بقوله - تعالى: {ولا تربوهن حتى يطهرن}؛ أي ينقطع دمهن، فمنع - ~~تعالى - من قربان الحائض، وجعل للمنع غاية هي انقطاع الدم، فعلم أن الحكم ~~بعد الغاية بخلافة قبلها. # قالوا: ولأنها أمنت من معاودة دم الحيض فجاز وطؤها، كما لو اغتسلت، أو ~~لأن الصوم قد حل لها فجب أن يحل لها فوجب أن يحل وطؤها، كما لو اغتسلت. # قالوا: وأيضا فإن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها، كذلك ها هنا إنما كان ~~المنع لأجل الحيض - وقد زال - فوجب أن يزول المنع. # قالوا: ولأن الحيض قد زال إنما بقي عليها استحقاق الغسل، استحقاق الغسل ~~لا يمنع من الوطء كالجنابة. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهن من حيث أمركم الله}، والاستدلال من هذه الآية من وجهين. # أحدهما: إنها قد قرئت بقرائتين {حتى يطهرن} مخففة، PageV03P1390 # و {حتى يطهرن} مشددة، أي يتطهرن بالماء، فأراد انقطاع دمهن وتطهرهن ~~بالماء وإلا تناقض. # والدليل الثاني منها: ms486 (أنه - تعالى - قال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله}، أي يفعلن الطهارة، فأضاف فعل التطهر إليهن، وانقطاع الدم ليس ~~إليهن فعله، فعلم أنه أراد التطهر بالماء. ثم إنه - تعالى - أثنى على من ~~فعل هذه الطهارة فقال: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، الثناء لا ~~يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم ليس من جهة المرأة فلا يقع ~~الثناء عليه. قال الله - تعالى -: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}، فإذا ~~تقرر أن المرد به فعل الطهارة بالماء صار كأنه - تعالى - قال: ولا تقربوهن ~~حتى يطرهن، أي ينقطع دمهن، ويتطهرن بالماء، لأنه قال: {فإذا تطهرن فأتوهن} ~~أي تطهرن بالماء، وهذا كقوله: لا تعط زيادا شيئا حتى يدخل الدار فإذا دخل ~~الدار وقعد فأعطه درهما يقتضي آن لا يستحق الدرهم إلا بوجود الشرطين، هما ~~دخول الدار من غير قعود فلا يستحق به شيئا. # فإن قيل: هذا غلط في اللغة، وخلاف موجبها؛ لأن قله: {حتى يطهرن} شرط، ~~وقوله: {فإذا تطهرن} جواب الشرط، وجواب الشرط يتعلق بما يتعلق به الشرط، ~~فقوله - تعالى -: {فإذا تطهرن} PageV03P1391 # أي انقطع دمهن؛ حتى يكونا جوابا لقوله: {حتى يطهرن}؛ إذ لا يصح أن يجعل ~~جوابه فإذا اغتسلن؛ لأنه خلاف اللغة، كقولهم: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار ~~فإنه دخل الدار فأعطه، فقوله: فإذا دخل يقتضي أن يكون الدخول هو الدخول ~~المشرط لا صفة أخرى. # قيل: عن هذا جوابان: # احدهما: أن جواب الشرط يقتضي أن يكون ما تعلق به الشرط لا صفة أخرى ومعنى ~~آخر كما ذكرتم، ولكنه لا يحتمل أن يكن قوله: {فإذا تطهرن} جواب له أصلا؛ ~~لما ذكرناه من الوجهين، وذلك أنه - تعالى - أضاف الفعل إلى النساء، وأثنى ~~على من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل انقطاع الدم، فإذا لم يحتمل أن يكون هذا ~~جوابا له؛ ولا بد للشرط من جواب، علم، جوابه مضمر فكأنه قال: ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، فلا تحل إلا بوجود شرطين. # والجواب الثاني: هو أن الشرط ms487 في الآية الطهارة بالماء بالقراءة التي ~~ذكرناها {حتى يطهرن}، [فقوله: {فإذا تطهرن}، وهذا يسقط كلامهم أصلا. # فإن قيل: قولكم {فإذا تطهرن}، أضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى ~~انقطاع الدم غلط، لأن {يطهرن} بمعنى يفعلن، كما يقال: ينكسر وإن لم يكن هو ~~فعل ذلك فمعنى قوله: {تطهرن} أي طهرن. PageV03P1392 # قيل: هذا غلط، لأن الفعل أضيف إلى الحائض لا إلى الدم. # على أن الحقيقة معنا في ذلك فلا ننقله إلى المجاز. ويفيدنا أيضا منع ~~الوطء إلا بيقين؛ لغلظ أمره. # فإن عادوا أدلتهم من الآية، وأن التحريم تعلق بغاية هي انقطاع الدن، ~~والحكم إذا علق بغاية دل على أن ما عداها بخلافها. # قيل: هذا صحيح إذا كانت الغاية واحدة، فأما إذا علق على غايتين وشرطين ~~فإنما يكون الحكم بخلافه بعد وجود الشرطين جميعا لا بعد أحدهما. # فإن قيل: فإننا نستعمل القراءتين جميعا في قوله - تعالى -: {حتى يطهرن}، ~~و {تطهرن}، فنحمل الخفيفة على انقطاع الدم الذي هو أكثر الحيض، ونحمل ~~{تطهرن} على من انقطع دمها في دون العشر فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن القرائتين جميعا لم يتجردا عن قوله: {فإذا تطهرن فأتوهن} أي ~~تفعلن، فحصلت الإباحة في القرائتين بشرط ثان مصرحا ومستدلا عليه بقوله: ~~{حتى يطهرن}، لم يتجرد قوله - تعالى -: {حتى يطهرن} فخفف من القراءة الأخرى ~~بالتثقيل، ومعناها غير معنى المخففة، وإنما المثقلة للاغتسال، فينبغي أن ~~يجمعا؛ بين قوله: {يطهرن} و {يطهرن}، فلا يجوز الوطء إلا بعدهما جميعا؛ ~~لعلة قوله: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله}، وهذا PageV03P1393 # كقوله - تعالى - {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}، يقتضي عقد ~~النكاح، ثم أضيف إلى العقد الوطء بالدلالة من السنة فإضافة الغسل إلى ~~انقطاع الدم أولى بالدليل المتصل به من القرآن، وهو قوله - تعالى -: {فإذا ~~تطهرن}. # فإن قيل: ما قلناه أولى؛ لأنه يفدي حكمين في حالين مختلفين. # قيل: حكمهما على قلتم. . .، لأنه - تعالى - علق الشرطين في جميع ذوات ~~الحيض إذا انقطع عنهن الجم في القراءتين جميعا، ms488 فاستعمال أحدهما فيهن جميعا ~~ينفي الشرط الآخر فيهن. # فإن قيل: تحمل القراءة الخفيفة فيهن جميعا على الجواز، والثقيلة على ~~الاستحباب، وهو أن يكون الوطء بعد الغسل. # قيل: إنما يجوز ذلك لو تجردت القراءتان من قوله - تعالى -: {فإذا تطهرن ~~فأتوهن}، فأما وقد جعل شرط الإباحة هو الاغتسال بقوله: {فإذا تطهرن فأتوهن} ~~فلا يجوز أن يحمل على غير الوجوب. # ويجوز أن نقول: إن بقاء حكم حدث الحيض يمنه من وطئها حتى PageV03P1394 # تغتسل، كما إذا انقطع دمها قبل العشر، لما تغتسل ولم يمر عليها وقت صلاة. # فإن قيل: هو منتقض بها إذا انقطع دمها ولم تجد الماء فتيممت فإن حكم دم ~~الحيض باق؛ لأن حدثها لا يرتفع وهو باق، ومع هذا فيجوز وطؤها قبل أن تغتسل. # قيل: هذا غلط علينا، لا يجوز له وطؤها بالتيمم؛ لأنه حين يولج ينتقض حكم ~~تيممها فتكون في حكم الحيض كما كانت قبل التيمم. # ويجوز أن نقول: هي ممنوعة من الصلاة بحكم الحيض مع قدرتها على الغسل فلم ~~جز وطؤها، أصله ما ذكرناه من انقطاع الدم قبل العشر وقبل مضى وقت صلاة. PageV03P1395 # فإن قيل: العلة الأولى منتقضة بالكتابية تحت المسلم إذا انقطع دمها ثم ~~اغتسلت فإن حدثها لا يرتفع؛ لأنه لا نية لها صحيحة في العبادة، ومع هذا فإن ~~زوجها يطؤها. # قيل: عن هذا جوابان: # أحدهما: أن حدثها بالحيض قد ارتفع بغسلها، عن كانت ممنوعة من الصلاة؛ ~~لأنه لا يمتنع أن يكون الغسل لمعنيين: أحدهما: استباحة الزوج الوطء، ~~والأخر: للصلاة، فيرتفع منع الزوج وبقى المنع من الصلاة. ألا ترى أن الزوج ~~يطأ الجنب المحدثة بغير الحيض، وهي لا تصلي. # فإن قيل: المعنى في المنع من وطئها قبل العشر إذا انقطع دمها هو: أنها لا ~~تأمن معادة الدم الذي هو حيض فلهذا لا يجوز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها ~~وقت صلاة. # قيل: هذا باطل به إذا اغتسلت أو مر عليها وقت صلاة فإنها لا تأمن معاودة ~~الدم، وقد جاز وطؤها فسقط هذا. # ونقول أيضا: هذه مسلمة يجب الاغتسال ms489 عليها عن حيض سابق فلا يجوز وطؤها ~~حتى تغتسل، دليله إذا انقطع دون العشر. وإنما احترزت بقولي: مسلمة؛ لا ~~اختلاف الراوية عن مالك - رحمه الله - في الكتابية فإنه قال: لا تجبر ~~الذمية على الغسل من الحيض ويطؤها زوجها. PageV03P1396 # ونقول أيضا: كل معنى حرم الوطء وغيره فإن الوطء لا يحل مع بقاء شيء مما ~~حرم معه، أصله الحج والصوم؛ لأن الإحرام بالحج يمنع الوطء القبلة واللباس ~~المطيب والمباشرة، ثم لا يحل الوطء مع بقاء شيء من هذه المحرمات، وكذلك الصوم. # وأيضا فإن كل موضع حرم الوطء وغيره ساوى ما حرم معه فيه في وجوب الكفارة ~~وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد ~~هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما رحم فيه الوطء وغيره من الأكل والشرب ساوى ~~الوطء فيه سائر ما حرم عليه وانفرد الوطء بالكفارة عند بعض الفقهاء، وكذلك ~~من طلق امرأته ثلاثا حرم عليه وطؤها وقبلتها والتلذذ بها، ثم ساوى الوطء ما ~~حرم معه في الحكم، وانفرد الوطء بتحليلها للزوج الأول، فكذلك الحيض لما منع ~~الوطء والصلاة والصوم فإن لم تكن للوطء مزية على غيره مما حرم معه فلا يحل ~~إلا بعد أن تحل الصلاة مع رفع الحد أو يكون مثلها. # فأما ما احتجوا به من الآية فقد جعلناها حجة لنا من الوجه التي ذكرناها. ~~وأما قياسهم فدق عبروا عنه بعبارتين. # إحداهما أن قالوا: يجوز لها أن تصوم فجاز أن توطأ، وهذا ينتقض بها إذا ~~انقطع دمها في دون العشر وقبل الفجر فإنها تصوم إذا طلع الفجر الثاني ثم لا ~~يحل وطؤها حتى تغتسل أو تطلع الشمس؛ لأن وقت الصلاة يمضى ويفوت إذا طلعت الشمس. # والعبارة الأخرى: أنها أمنت معاودة الدم إذا انقطع بعد العشر فنقول: لا ~~تأثير لهذه العلة؛ إذا اغتسلت فسواء أمنت من معادة الدم أو لم تأمن فإن ~~وطأها يجوز. ألا ترى أن الدم إذا انقطع قبل العشر ثم PageV03P1397 # اغتسلت فإنه يطؤها؛ وهي لا تأمن من معاودة الدم. على أن المعنى في ms490 الأصل ~~إنها اغتسلت عند انقطاع دمها، يشهد لذلك غسلها قبل العشر. # وقولهم: إن الحكم إذا وجب العلة زال بزوالها فإننا نقول: العلة قد تزول ~~تخلفها علة أخرى، كما تقولون في النجس يزال بالبول، وكما نقول جميعا: إن ~~الصائمة لا يجوز وطؤها لأجل الصوم، ثم لو حاضت في خلال الصوم زال حكم ~~الصوم، وانتقل منع الوطء بالصوم فصار ممنوعا بالحيض، فكذلك أيضا يكن ممنوعا ~~من وطء الحائض لأجل الحيض، ثم يزول الحيض، وصار المنع باقيا لأجل الغسل. # وجواب آخر: وهو أجود من الأول - هو أن العلة المانعة - عندنا - هي بقاء ~~حكم الحدث الحيض وهذا لا يزول إلا بالغسل له. # وقولهم: إن استحقاق الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة عنه جوابان: # أحدهما: أن الذي يمنع الوطء هو بقاء حكم حدث الحيض. # والجواب الآخر: هو أن الجنابة حجة لنا؛ لأن الوطء لا يمنع الوطء فكذلك ~~أيضا حدثه لا منع الوطء، وحدثه هو الجنابة، ولما كان الحيض يمنع الوطء جاز ~~أن يكون حدثه مانعا من الوطء، والله أعلم. # وعلى أن اعتبارنا أولى؛ لأن رد الوطء إلى الوطء أولى، ولأنه يصح فيه ~~الوجود والسلب، ويرجع إلى الاحتياط في باب الفروج، ويستند إلى ما قبله من ~~استصحاب الحال في المنع من الوطء قبل انقطاع الدم، PageV03P1398 # وإلى ظاهر القرآن. # ثم نقول: إنهم لو اعتبروا الاعتبار الصحيح لكان ينبغي أن يجري الأمر على ~~خلاف ما رتبوه؛ لأنه إذا انقطع دمها فيما دون العشر فلا يخلو أن يون الذي ~~يحل وطأها هو انقطاعه الدم، أو مجيء وقت صلاة يبيح الوطء وإن لم تغتسل؛ لأن ~~مجيء الوقت ليس إليها ولا يمكنها فعله، والله - تعالى - علق إباحة الوطء ~~بشرط أن تفعله هي وهو التطهير بقوله: {فإذا تطهرن}، ولم يقل: فإذا جاء وقت ~~صلاة، ولقد كان ينبغي أن يكون ممنوعا من وطئها إذا جاء وقت صلاة ولم تغتسل ~~أشد من منعه قبل ذلك؛ لأنها قبل مجيء وقت الصلاة لا تكون عاصية بترك الغسل؛ ~~لأن الصلاة لا تلزمها، وإذا حضر وقت صلاة ولم تغتسل ms491 كانت عاصية فكان ينبغي ~~أن تكون بمنع الوطء أولى، فثبت بهذا أن الذي يبيح وطأها هو الغسل بعد ~~انقطاع الدم، سواء انقطع قبل العشر أو بعده، حضر وقت صلاة أو لم يحضر. # وقد قال مجاهد وعكرمة في تفسير قوله - تعالى -: {فإذا تطهرن} قالا: ~~يغتسلن بالماء. وكذلك ابن القاسم سلام ابن عبد الله، وعطاء، وسليمان بن ~~بيسار، PageV03P1399 # والقاسم والليث بن سعد، والزهري، وغيرهم: إنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، ~~وبالله التوفيق. PageV03P1400 ### | AUTO [80] مسألة # وأكثر الحيض عند مالك - رحمه الله - خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: عشرة أيام. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض}، ولم يفرق بين حك الدم في العشرة وبعدها، فهو عموم إلا ~~أن يقم دليل. # فإن قيل: بينوا أن ما بعد العشرة حيض حتى نسلم ما تقولون. PageV03P1401 # قيل: قد تكلمنا على هذا، وبينا أن النبي عليه السلام قال: «دم الحيض أسود ~~ثخين له رائحة»، وبينا أيضا أنه قال - تعالى -: {هو أذى} أي ما تتأذون به، ~~فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل. # ولنا قوله - تعالى -: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}، ~~فأطلق ولم يخص دما من دم. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ميقات حيض النساء ~~وطهرهن شهرا»، فظاهر هذا أنه نصفان نصف للحيض ونصف الطهر. # وما روي أنه قال في المرأة: «إنها ناقصة العقل والدين»، وبين أن نقصن ~~دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها. PageV03P1402 # وأيضا قوله عليه السلام لفاطمة بين أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فعي ~~الصلاة فإنه دم أسود يعرفن وإذا أدربت فا غسلي عنك الدم وصلي»، فأحالها على ~~إقباله وإدباره، ولم يقل إذا مضت عشرة أيام، فهو عام. # وقوله أيضا للأخرى: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن»، ولم ~~يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام. PageV03P1403 # وقوله عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فاعلم أن الحكم ms492 يتعلق ~~بدم هذه صفته، لم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل. # أيضا فإن ل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله ~~حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا ~~لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل ~~الطهر جاز أن تكون كلها حيضا. PageV03P1404 # وأيضا فإن كان شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض، فالاتفاق إذا أضيف ~~إليه نصف صار به وترا جاز أو يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام ~~لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا وهي وتر وتكون حيضا، كذلك العشر تكون حيضا ~~باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا. # وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة، وجبلة وخلقة ~~فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض أصله الستة الأيام والسبعة ~~والثمانية. # فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين فلا تسقط عنها إلا ~~بيقين، قد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعد. # قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تقينا سقوط الصلاة عنها في العشر فلا ~~ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدا شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت ~~عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على ~~يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض، لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر فلا يتحقق ~~الوقت الذي ينقطع فيه فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ~~ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر لأن الخلاف قائم فيها. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {حافظوا على الصلوات}، فتجب عليها المحافظة ~~في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه. PageV03P1405 # حيض، وقد اتفقنا في العشرة أنها حيض. # قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها ~~بالحيض ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة. # على ms493 أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ذكرناه. # فإن قيل: قد قال عليه السلام: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا». PageV03P1406 # فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، قد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى ~~يقوم دليل بالزيادة. # قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ~~ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها. ألا تراه كيف قال ~~لفاطمة بن أبي حبيش - وهي مميزة -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ذهب ~~قدرها فاغتسلي وصلي». # وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة - ~~عندكم - فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يما لما ذكرناه من الأدلة. # فإن قيل: قد روي أنه قال: «اقعدي أيام أقرائك»، وقال «لتنظر عدد الأيام ~~والليالي»، وهذه عبارة عما دون العشرة. PageV03P1407 # قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو ~~أكثر من عشرة بكثير. وقد قال - تعالى -: {فعدة من أيام أخر}، وقال: {وذكرهم ~~بأيام الله} وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناسء، ولم يقل: إلا أن تزيد ~~على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة ~~على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام. # وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتهبت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت ~~أيامها. # فإن قيل: قد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «أكثر الحيض عشرة أيام». # قيل: هذا لم يصح - عندنا -، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية ~~في امرأة بعينها. PageV03P1408 # ولنا أن نقول: إن ها دم ترخيه الرحم يسقط الصلاة والصوم فجاز أن يحكم له ~~بحكم الحيض في الخمسة عشر يوما، دليله دم النفاس. # وأيضا فكل حم استوفى فيه تسعة أيام ولم تبلغ به العشرين اقتصر على خمسة ~~عشر، دليله: أقل الطهر ولم تبلغ بأقل العشرين اقتصر فيه على خمسة عشر يوما. # ونقول أيضا: إنه حك معلق على ms494 الأيام يجوز أن يستوفي به عشرة أيام فيجوز ~~أن يستوفي فيه خمسة عشر، كالطهارة. # وأيضا فإنه زوج من العدد لا يزيد على العقد، نصفه يوتره فجاز أن يكون هو ~~مضموما إليه نصف حيض، دليله الست. # فقد ثبت صحة ما قلناه بالظواهر والاستدلالات والقياسات، ثم الحكم بشهادة ~~الأصول، وذلك أن الله - تعالى - جعل الأشهر الثلاثة بإزاء الأقراء الثلاثة ~~في التي لم تحض التي قد يئست من المحيض، فكان كل شهر بإزاء قرء، فدل على أن ~~الشهر يجمع الحيض الطهر جمعيا، فإذا ثبت أن الشهر بإزاء القرء فلا يخلو من ~~أحد أمور: # إما أن يكون يجمع أقل الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثرهما، وإما أن ~~يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فلا يخلو ~~من هذه الأقسام الأربعة. # فتبطل منها الثلاثة الأول، فيبطل أن يجمع الأقلين؛ لأنهما ينقصان عن ~~الشهر، وهو يزيد عليهما. PageV03P1409 # ويبطل أيضا أن يجمع الأكثرين؛ لأنه ليس لأكثر الطهر حد، فهما يزيدان على الشهر. # ويبطل أيضا أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض؛ لما ذكرناه في أكثر الطهر. # فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أنه يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فإذا ~~كان أقل الطهر خمسة عشري يوما ثبت أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما. # وإن عبرنا عن هذا الترجيح بعبارة أخرى أخصر من ذلك قلنا: إن الشهر في ~~الحكم يجمع طهرا وحيضا، فحصل ظرفا لهما، فوجب أن يحوي أقصى أحد النوعين ~~وأدنى النوع الآخر، ثم قد حصل الاتفاق على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما فوجب ~~أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما؛ ليتم بها الشهر، كما أن الثلاثين شهرا ~~حوت مدة PageV03P1410 # الفصال والحمل، وجلت ظرفا لهما، ثم كان أقصى مدة الفصال حولين بالقرآن ثم ~~كان مدة أدنى الحمل ستة أشهر لتستوفي الثلاثون شهرا المدتين جميعا، وبالله ~~التوفيق. PageV03P1411 ### | AUTO [81] مسألة # والحامل عند مالك تحيض، فإذا رأت الدم تركت الصلاة كالحائل سواء، وهو أحد ~~قولي الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا حكم لدمها في ذلك ms495 وتجعله استحاضة. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد}، قال ابن عباس رضي الله عنهما - وهو ترجمان القرآن -: إنه حيض ~~الحبالى، وكذلك قال عكرمة، ومجاهد. PageV03P1413 # ومع هذا فهو عموم في كل رحم حاملا كانت أو غيره حامل. # وأيضا قوله: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}، ~~فظاهره يوجب أن ما نفصل منه مما يتأذى به فهو حيض إلا أن تقوم دلالة، ولم ~~يفرق بين حامل وحائل. # وقول النبي عليه السلام لفاطمة بين أبي حبيش وقد سألته إني أستحاض فلا ~~أطهر: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة»، فلو كان الحكم يختلف لبين لها، ~~وقال: إلا أن تكني حاملا. # وأيضا ما روي أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأسارير وجهه تبرق فقلت له: أنت أحق بما قال أبو كبير ~~الهذلي: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء معضل PageV03P1414 # معنى مبرأ: أي أمك لم تحملك في حال حيضها، فلم يقل له: كيف تحمل المرأة ~~في حال الحيض. # وقوله عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فأخبر بعلامته ~~فلو كان يختلف لقال: إذا كان على غير حمل ولم يغفل ذلك كما لم يغفل باقي ~~علامته، فهو عام في الحائل والحامل إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فإن كل دم يحرم الوطء ويمنع الصلاة والطواف فإنه يجوز وجوده مع ~~الحمل، أصله دم النفاس إذا كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا وتأخر وضع الآخر ~~وهي ترى الدم بينهما. ولو جعل هذا استدلالا مبتدأ لجاز، وذلك أن يقال: إن ~~النفساء من واحد من اثنين إلى أن تضع الآخر يوجد الدم منها بينهما فحيكم له ~~بحكم الحيض باتفاقنا، وهو حكم موجود مع حمل، فلم يناف الحمل الحيض، PageV03P1415 # فكذلك قبل أن توضع شيئا لا فرق بينهما؛ لأن دم الحيض والنفاس واحد، ولأنه ~~دم يجتمع في الرحم فربما أرخت الرخم بعضه على الحمل، وربما تأخر إلى أن تضع. # وأيضا فإنه دم موجود ms496 منها بصورته في أيام عادتها فوجب أن يكون حيضا ~~كالحائل. # أو نقول: إنها رأت الدم المشبه للحيض في حال الإمكان فيجب أن يكون حيضا ~~كما لورأته وهي حائل. # وأيضا فإنه لا يخلو أن يكون الدم الظاهر من الحمل حيضا أو استحاضة، وقد ~~بطل أن يكون استحاضة، لأن من شرط الاستحاضة أن يكون بعد الحيض، فثبت أنه دم حيض. # وأيضا فإن الأصل في ذلك الوجود، وقد يوجد من الحامل كما يوجد من الحائل، ~~فينبغي أن يجرع فيه إلى الوجود فيحكم به. # وأيضا فإنه لو عقد عليها عقد نكاح، ثم لما تقرر حكم العقد وطئها، ثم حاضت ~~عقيب الوطء فإنها تترك الصلاة ويحرم وطؤها، فلو أنت بعد ذلك بولد لستة أشهر ~~من يوم العقد للحق نسبة بالاتفاق، فعلمنا بهذا أنها حاضت على الحمل. # وكذلك لو عقد عليها حائضا ثم أتت بولد الستة أشهر من يوم العقد للحق به، ~~فثبت أن الحمل طرأ على الحيض، فإذا كان الحيض لا ينافي الحمل كذلك الحمل لا ~~ينافيه. PageV03P1416 # فإن قيل: فإن الحمل يضاد الحيض؛ لإجماع الأمة أن المرأة إذا طلقت وهي من ~~ذوات الأقراء فتكرر الحيض منها انقضضت عدتها به. # وعلم فراع رحمها، فلو كان الحيض يوجد مع الحمل ما كان وجوده دليلا على ~~البراءة؛ لجواز أن تكن حالما مع وجوده، يدل على ذلك: قوله: «لا توطأ حامل ~~حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض إنه، فجعل علامة براءة الرحم الحائل وجود ~~الحيض، وبراءة رحم الحامل الوضع. # قيل: هذا هو الدليل على جواز وجود الحيض مع الحمل؛ لأن براءة رحم الحائض ~~بالأقراء إنما هو عام ظاهر، وغلبة ظن لا يقين وإحاطة علم، ولو أن يقينا ~~لاقتصر على قرء واحد. ألا ترى أن وضع PageV03P1417 # الحمل من حيث أفادنا اليقين لم يضم إليه سواه، ومن حيث اشترط العدد في ~~الأقراء دل على أن ذلك كالعدد من الشهود التي تدل على البراءة من طريق غلبة ~~الظن، ومنزلته منزلة الشهود على الشهود على الحقوق من حيث كان قولهم دلالة ~~ظاهرة لا ms497 متيقنة افتقر فيه إلى العدد، ثم الشهود في الدلالة وإن كانوا ~~كالأقراء فقد يجوز أن تنكشف الحقيقة بخلاف الظاهر فكذلك الأقراء. # وأيضا فمعنى قوله عليه السلام: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى ~~تحيض»، أي أن الحامل وإن حاضت فلا يبرئها الحيض حتى تضع، فلا توطأ وإن رأت ~~الحيض وانقطع عنها حتى تضع فهو بخلاف الحائل، فهذا فائدته. # وأيضا فإن الحامل باثنين إذا وضعت واحدا ورأت الدم ولم تضع الآخر فهي ~~تترك الصلاة لرؤية ذلك الدم فلا تنقضي به العدة. # وأيضا فإن الحيضة الواحدة من الحائل تترك لها الصلاة، ولا تنقضي به العدة ~~وكذلك إذا مات فحاضت في الشهور فإنه حيض لا تنقضي به العدة. # فإن قيل: لو كان محرما لحرم الطلاق فيه. # قيل: الطلاق محرم فيه. # فإن قيل: لما كان الحمل تنقضي بوضعه العدة كما تنقضي PageV03P1418 # بالحيض، ثم لما لم يجز أن تحمل الحامل وجب أن لا تحيض؛ إذا الحيض بمنزلة ~~الحمل في انقضاء العدة. # قيل له: يجوز الحمل مع عدم الحيض، ويجوز الحيض مع عدم الحمل، ويجوز ~~اجتماعهما على ما بيناه، وإنما لم يجز أن تحمل الحمل من أجل شغل الموضع ~~بالحمل، كما لا يجوز كون الجسمين في محل واحد؛ لأن أحدهما قد يشغل المكان، ~~فمنع غيره من الحيز الذي حصل فيه ولم ينتقل عنه، فسبيل الحمل الموجود هذا ~~السبيل، وليس كذلك الحيض؛ لأنه ليس بمستحيل وجوده مع الحمل كما لا يستحيل ~~وجوده من الحائل. # وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا ~~حن أن يتركن الصلاة، الصحابة إذ ذلك متوافرون PageV03P1419 # ولم ينكر أحد منهم عليها، ولو خالفها أحد منهم لكان قولها أولى: ~~لاختصاصها بعلم أحكام الحيض أنه مما يختص به النساء، ولقربها من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع ما يعتادها من الحيض، ولكثرة أسئلة النساء عن ذلك ~~بحيث هي ولا يكون الرجال، فكيف ولم ينقل عن أحد منهم خلافها؟ فصار هذا ~~الإجماع. # ثم نقول أيضا: إن للون الدم من ms498 الدلالة على الحيض ما للحيض من دلالة على ~~براءة الرحم، فلو بطل كون أحدهما دليلا لأنه قد يخلف في حال ما بطل الثاني ~~لأنه قد يخلف في حال ما، والله أعلم. # وفيه إجماع الصحابة؛ لأنه روي أن رجلين تنازعا ولدا فترافعا إلى عمر ~~فعرضه على القافة، فألحقه القائف بهما، فعلاه عمر بالدرة وسأل نسوة من قريش ~~وقال: أبصرن ما شأن هذا الولد. فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على ~~الحمل فاستحشف الولد، PageV03P1420 # فظنت أن عدتها انقضت، فدخل بها الثاني فانتعش المولود بماء الثاني. فقال ~~عمر: الله أكبر، وألحقه بالأول، ولم PageV03P1421 # يقول: إن الحامل لا تحيض. # وأيضا فإنه دم صارع دم الحيض صفة قدرا في أيام العادة فجاز أن يكون حيضا، ~~دليله الحامل. PageV03P1422 ### | AUTO [82] مسألة # وأكثر النفاس عند مالك - رحمه الله - ستون يوما. وقد حكي عنه أن يرجع إلى ~~أكثر الوجود في النساء في غالب أحوالهن. # وعند الشافعي ستون يوما. # وعند أبي حنيفة أربعون يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. # والدليل لقولنا: أن أصل الحيض والنفاس مبني على الموجود في طباع النساء ~~على حسب عادتهن فيه، وهن مختلفات في جوده على حسب اختلاف البلدان، واختلاف ~~الأزمنة عليهن، واختلاف أسنانهن وطباعهن، فالمرأة الواحدة يختلف ذلك عليها ~~بحسب احتداد الحرارة بها والبرودة، ويختلف عليها في الزمانين، وتختلف الحال ~~في صغرها وكبرها، وكذلك يختلف في المرأتين على حسب طباعهما واختلاف PageV03P1423 # أحوالهما وينتقل الحيض عليها من زمان إلى زمان، ويزيد زمان وينقص آخر، ~~وبعضهن ترى الدم في النفاس أربعين يوما، وبعضهن تراه أقل من ذلك، وبعضه ~~تراه أكثر، ولعل المرأة الواحدة يختلف حالها بين نفاسها في الولد الثاني ~~وبين الأول، فإذا كان هذا هكذا صار حكم النفاس في ذلك كحكم الحمل، لأقله حد ~~ولأكثره حد على حسب الوجود في عادتهن، فوجب الحكم بذلك في النادر والمعتاد ~~كما كان في الحيض أيضا، فالرجوع إلى حكم الوجود أولى؛ لأنه قد وجد من ~~نفاسها ستون يوما، ثم ترى بعد طهرا تاما، فيعلم أن ذلك نفاس إذا ms499 الوجود ~~إليه انتهى. # وأيضا فقد حكي عن الأوزاعي أن المرأة كانت ترى الدم عندهم شهرين. # وأيضا فإن العلماء مجمعون على أن أقصى غاية النفاس عادة أربع حيض، فمن ~~يقول: أكثر الحيض خمسة عشر، يقول: أقصى النفاس ستون، ومن يقول: أكثر الحيض ~~عشرة، ويقول: أقصى النفاس أربعون، وقد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر ~~يوما، فيجب أن يكون أكثر النفاس ستون يوما. # وأيضا فإن الأربعين يوما كانت عادة في النساء في النفاس وجب أن يكون ~~أكثره زائدا على العادة، كدم الحيض الذي الست والسبع منه عادة فيهن زادت ~~نهاية أكثره عليه. # ولنا من الظواهر قوله - تعالى -: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق PageV03P1424 # الله في أرحامهن}، فجعلهن مؤتمنات على ذلك ليقبل منهن، فإذا ذكرت ذلك ~~تعلق الحكم عليه إلا أن يقوم دليل. # وأيضا فإننا قد حكمنا لها بحكم النفاس والدم موجود فيما دون الأربعين وفي ~~الأربعين فلا ينقل عنه إلا بدلالة؛ لأن العلم الموجب للحكم موجود. # فإن قيل: فقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «للنفساء أربعون يوما، فإذا مضت اغتسلت وصلت». # وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنتظر النفساء ~~أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي ~~مستحاضة تغسل وتصلي». PageV03P1425 # وروى عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر النفاس ~~أربعون يوما، وما زاد فهو استحاضة». # قالوا: وكذا روي أن أم سلمة قالت: كان النساء يقعدن على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النفاس أربعين يوما». PageV03P1426 # قالوا: ومعلوم أن وجود هذا القدر لا يتعلق بنساء الله زمان واحد، فثبت أن ~~المراد كون مدتهن مقصورات على هذا القدر، وهذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا ~~يكن إلا عن أمر من النبي عليه السلام. # قيل: أما خبر عائشة عنه صلى الله عليه وسلم فيحتمل وجوها منها: # أنه خرج على سؤال قيل له: ما حكم النفساء ترى الدم أربعين ms500 يوما ثم ~~ينقطع؟. فقال: النفساء التي هذه صفتها أربعين يوما، فإذا مضت، أي فإذا مضت ~~الأربعين يوما بالدم اغتسلت وصلت. # ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، وهي امرأة يعرفها النبي عليه السلام ~~هذه صفتها فأفتى فيها بذلك، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس في العرف أن يبتدأ إنسان ~~على غير سؤال فيقول: للنفساء أربعين يوما، وقد اختلف الناس في الألف واللام ~~إذا دخلت على النكرة هل تكون للعهد وتعريفا للنكرة، أو للنجس؟ والأليق في ~~هذا المكان أن تكون للتعريف والعهد لما ذكرناه من حال الابتداء. PageV03P1427 # فإن قيل: فهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «للفرس سهمان، وللفارس سهم». # قيل: هذا أيضا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في ~~المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض ~~أو البلد. # وأيضا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن ~~يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها. # وأما خبر ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: «تنتظر النفساء أربعين ليلة ~~فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل ~~وتصلي»، فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكن في امرأة جرت عادتها بذلك ~~على السنين، وكثيرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في ~~أيام الحيض - عندهم -. # ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا جاوزت الأربعين، وبعدها PageV03P1428 # عشرين؛ لأنها أيضا متجاوزة، ولم يقل: أو ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها. # وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه. # ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام: «أكثر النفاس أربعين يوما، لمن لم يزل ~~عادتها كذلك. # ويحتمل أن يكون وما زاد على عشرين يوما أخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على ~~الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعين وبعدها عشرون لما استحال إذا خلت ~~الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، ~~فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر ms501 من عشرين الدلائل ~~التي أقمناها. # وأما قول أم سلمة: كان النساء يقعدن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أربعين، فهذا يدل على أنهن بعده - وقد تغيرت أحوالهن - فقالت هذا القول، ~~فيحتمل أن يكون أولئك الناس كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية ~~الأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بغير الأزمنة، وإنما خبرت عن ~~حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، ~~وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن. # وقولهم: إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد غلط؛ لأننا قد بينا أنه يختلف ~~عليهن باختلاف الأزمان. PageV03P1429 # وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي عليه ~~السلام فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ما ~~ذكروه اتفاقا وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة. # فإن قيل: فقد روي عن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعامر بن عمير أن ~~أكثر النفاس أربعين يوما، وما زاد فهو استحاضة. PageV03P1430 # قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين: # أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق ~~التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي عليه السلام. # والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم فتصير مسألة إجماع. # ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله - تعالى - على غير وجه الفصل بين ~~القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد ~~حصل الاتفاق على الأربعين، وما فرق ذلك مختلف فيه فلا يصلح إثباته إلا ~~بتوقيف أو اتفاق. # قيل: هذا [هو] الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى. # وأما الوجه الآخر: فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة ~~تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تتأول فلا يجيء منها ~~ما ذكرتم. # على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، ms502 حتى إن بعضكم لا ~~يجعله حجة فكيف يجري مجرى الإجماع. PageV03P1431 # وأما أن المقادير لا توجد إلا عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في ~~الكفارات وغير ذلك من المقدرات. # ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب ~~الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل ثابت ~~لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة. # وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، ~~وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسا جاز أن يضاف إليها مثل ~~نصفها، دليله العشرون. # ولأنه دم لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض. # ولأن دم النفاس هو الحيض أي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ~~ومتى عددنا لك شهر ستا أو سبعا حصل قريبا من ستين يوما فوجب أن يكون ذلك ~~مدة نفاسها. # واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل يذكرها، وفيما ذكرناه كفاية، ~~وبالله التوفيق. PageV03P1432 ### | AUTO [83] مسألة # عند مالك - رحمه الله - أنها إذا ميزت بين الدمين علمت على إقبال الدم ~~وإدباره، فتركت الصلاة عند إقبال الحيضة، وتغتسل وتصلي، وبذلك قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: تعمل على عدد الأيام. # والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد}، فأعلمنا أنه يزيد وينقص، وذلك يعرف بعلامة، وقد بينا ~~أنه يتغير في الأزمان والأحوال والإنسان، وينتقل من وقت إلى وقت فيجب أن ~~يدار معه حيث دار إلا أن تقوم الدلالة. PageV03P1433 # وأيضا قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}، فردهن إلى ~~التمييز، وهو الدم الذي يكون معه أذى. # وقال النبي عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، رواه أبو ~~هريرة، فأعلمناه أن الحكم يتبع هذه الصفة حيث وجدت إلا أن تقوم دلالة. # وأيضا قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عند الدم وصلي»، فردها إلى التمييز ~~عند اشتباه الدم وتجاوزه مدة حيضها، ولا يقول ms503 لمن هذه صفتها: إذا أقبلت ~~الحياضة إلا وهي عارفة بالحيضة، هذا الأشبه والأظهر. # وأيضا فإن الأيام لا حكم لها بمجردها، ولها حكم مع الدم فثبت أن الحكم ~~للدم لا غيره. # وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه الحكم للدلالة لا غيره. # وأيضا فإن الخارج متى اختلف أحكامه عند اختلاف أنواعه وألوانه كان ~~التمييز فيه، دليل ذلك المني والمذي. # وأيضا فإن الوصف إذا أمكن أخذه من ذات الشيء لم يجز تعديه إلى غيره كما ~~إذا أمكن من ذات الحيض ثم تصر فيه إلى عادة النساء. PageV03P1434 # فإن قيل: فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة: «لتنظر عدد ~~الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ~~فتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر»، فردها إلى أيامها. # قيل: إنما كان هذا في امرأة لم يكن لها تمييز، وكان دمها مشتبها، ولها ~~أيام تعريفها قد زاد على أيامها. # ويحتمل أيضا أن تكون المرأة ظنت أنه مع التمييز إذا انقطع عنها دم الحيض ~~بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد في ترك الصلاة، فأعلمها أنه إذا تغير بعد ~~تقضي أيامها التي كانت تحيضها اغتسلت صلت، وأنها تترك الصلاة في تلك الأيام ~~لرؤية الدم الذي تعرفه، تحمل على هذا بدليل ما ذكرناه. # فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة بنت جحش أنه قال لها: «تحيضي في علم الله ~~ستا وسبعا فذلك ميقات حيض النساء وطهرهن». # قيل: إنما هذا وارد في امرأة مبتدأة ولم يكن هلا بعد أيام ولا تمييز، ~~فردها إلى هذا القدر الذي هو الغالب في أسنانها. PageV03P1435 # فإن قيل: فإنه قد روي أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام ~~أقرائك»، فردها إلى الأيام. # قيل: هذا الذي يدل على أنها كانت مميزة، فأحالها على أيام أقرائها التي ~~تعرفها مع وجود الدم الذي تعرفه؛ لأنه لم يقل: أيامك. # وإنما قال: أيام حيضك، فلا بد أن تكون قد عرفت الحيض بلونه أو غير ذلك، ~~وإلا كان مشكلا؛ لأنها سألت عن ms504 الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره؟. فلا ~~يجوز أن يقول لها: اقعدي أيام حيضك؛ لأنها تقول: هذا حيضي أيضا، ولو أراد ~~أيام حيضك فيما مضى لكان أيضا مشكلا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه، فإنما ~~أحالها على حيض تعرفه. # فإن قيل: فإن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم ين حيضا، وإن نقص كان حيضا ~~فعلمنا أن الاعتبار بالأيام لا بالدم. # وأيضا فإنه لما لم يختلف حكم السواد وغيره في الأيام في أنه حيض لم يختلف ~~حكمها في غير الأيام، وعلم أن المعتبر بالأيام لا بالدم. # قيل: قولكم: إن الدم إذا جاوز خمسة عشر يما لم يكن حيضا مع ما ذكرتموه لا ~~يلزم؛ لأننا قد ذكرنا أن بعض أيام العشر لو خلت من الدم لم يعتبر، وإنما ~~يحكم لها بحكم الحض مع وجود الدم فهو المعتبر والمتبع. PageV03P1436 # والفصل الآخر فلا يلزم أيضا؛ لأن الأيام لها حكم - عندهم - قبل العشرة ~~ولا حكم لها بعد العشرة، فكذلك نقول التمييز نفرق بين حكمه بعد أكثر الحيض ~~وبين حكمه قبل ذلك. # وعلى أنه قياس ساذج لم يذكرا معنى يجمع بينهما. # على أننا نقلب ذلك عليهم فنقول: لما لم يكن في غير أيام الحيض للأيام حكم ~~فكذلك مع وجود الدم المشتبه ليس لها حكم. # على أنهم لو صح لهم معنى يعارض ما ذكرناه لكان قولنا أولى؛ لأننا نستعمل ~~الأخبار على كثرة الفوائد؛ لاختلاف أحوال النساء في ذلك فتكون أخباركم لا ~~تنافي ما نقوله: والله أعلم. تحمل الأخبار على التكرار والإعادة، فنحمل ~~قوله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» على امرأة لها تمييز، وكذلك قوله: ~~«دم الحيض أسود ثخين يعرف»، ويحمل قوله: «لتنظر عدد الأيام والليالي» على ~~امرأة لها أيام ولا تمييز معها، أو على التمييز على الوجه الذي ذكرناه، ~~وكذلك قوله: PageV03P1437 # «اقعدي أيام أقرائك»، ويحمل قوله: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا»، على ~~امرأة ليس لها تمييز ولا أيام تقدمت، ويحتمل قوله صلى الله عليه وسلم: «حيض ~~نساء أمتي ما بين الست ms505 والسبع» إما على المبتدأة في الأغلب، أو على أن ~~العادة في الغالب أمرهن، هذا مع وجود الدم الذي صفه لم ينقص لونه فهذا أولى ~~من حمل الأخبار على الإعادة والتكرار. # ويكون قولنا أيضا أولى؛ لما ذكرناه من الاعتبار والاستدلال، وقياس الشيء ~~على نفسه. # فإن قيل: لما كان دم النفاس مشاركا لدم الحيض في وجوب ترك الصلاة معه ~~والصوم ومنع الوطء وجوب الغسل عند زواله ثم لم يعتبر لونه فكذلك لا يعتبر ~~لون دم الحيض. # قيل: دم النفاس لم يعتبر لونه؛ لأنه لا يتكرر دم الحيض الذي يعرف بلونه؛ ~~لأنه دم النفاس احتبس مع الحمل لغذيته لما يتغذى منه PageV03P1438 # فإذا وضعت الحمل ثجت الرحم ما يبقى من ذلك الذي قد اجتمع في طول الحمل ~~فلم يعتبر لونه لذلك، فإذا بلغ أقصى مدته زال حكمه، ثم لم يكن لما بعده حكم ~~أصلا حتى طهر بعده طهرا كاملا، ثم يظهر فيكون لظهوره حكم الحيض. # ثم إننا نقول: الفراش دليل النسب، ثم إنه إنما يدل إذا أمكن، فأما إذا لم ~~يمكن فلا يدل. ألا ترى أن ما عقد للصبي الذي لا يطأ لو أتت بولد لستة أشهر ~~من يوم العقد لم يحلق به، ولو كان هناك إمكان وطء الحق النسب، فكذلك ~~التمييز يدل على الممكن ولا يستدل به فيما لا يمكن. # والأصول تشهد لنا: وذلك أننا وجدنا أحكام الحيض تعتبر تارة بالدم وتارة ~~بالأيام فيجب أن لا تعتبر الأيام ما دام لنا طريق إلى وصول الاعتبار بالدم. ~~الدليل على ذلك: أننا نعتبر العدة مرة بالأيام ومرة بالدم، ثم لما كان الدم ~~مقدما على الأيام فكذلك ها هنا ما دام التمييز موجودا، فلا ينبغي أن نعتبر ~~بالأيام كما كان فيما ذكرنا. # وأيضا فإن الأيام ظرف للدم، والدم هو المقصود، فاعتبار الحكم بالمقصود ~~أولى من الحكم بظرفه. ألا ترى أنها اشتبهت عليها الأيام والتمييز وكانت لها ~~أيام متقدمة معهودة كان المصير إلى ما الأيام - عندكم - أولى من ردها إلى ~~غيرها من النساء، ثم لو تكن لها ms506 أيام متقدمة معروفة وكانت مبتدأة لكان ~~الاعتبار بنساء أهلها وبلدها أولى PageV03P1439 # من الاعتبار بمن يتعذر عليها؛ لأن الحكم بما قرب من المقصود أولى من ~~الحكم مما بعد عنه، فإذا كان ذلك كذلك والدم هو المقصود وجب أن يكون ~~الاعتبار به دون غيره. # وأيضا فإن الخارج من الفرج نوعان: أحدهما يوجب الوضوء، والآخر يوجب ~~الغسل، وهما متباينان في غالب الزمان مع السلامة والاستقامة، ثم قد تعرض ~~علة فتصور المني تصور المذي، ثم لا يمنع من أن يكونا معتبرين في أنفسهما، ~~فكذلك حكم الحيض والاستحاضة ينبغي أن يكون الاعتبار بهما في أنفسهما وإن ~~جاز أن تعترض ذلك شبهة علينا، ويشكل علينا شأنهما وبالله التوفيق. PageV03P1440 ### || AUTO فصل # عند الشافعي أن المستحاضة إذا فاتها التمييز عملت على الأيام وعندنا لا ~~اعتبار بالأيام لما ذكرناه مع أبي حنيفة من أن الحيض ينتقل من زمان إلى ~~زمان، ويقل ويكثر ويختلف، فإذا لم يوجد علامته لم تترك الصلاة التي عليها ~~بيقين بدم مشكوك فيه حتى يتيقن أنه دم حيض. # ولنا أن نستدل باستصحاب الحال، وهو أن الصلاة عليها واجبة بيقين مع وجود ~~الاستحاضة، فمن زعم إنها تسقط عنها فعليه الدليل. # وأيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة»، فإنما يعرف إقبالها بالعلامة، فدليله أنها إذا لم تقبل لا تدع ~~الصلاة، ولم يقل لها: إذا أقبلت مثل الأيام التي كانت تحيضها، وإنما قال: ~~«إذا أقبلت الحيضة» التي هي الدم. PageV03P1441 # وقد قال: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فأعلمنا أن الحكم يتعلق بما هذه ~~صفته، فما لم تره لا يتعلق الحك إلا أن تقوم الدلالة. # وقد قال: «لدم الحيض أمارات وعلامات، فإذا أدبر فاغتسلي وصلي». # كذلك قالت أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا، فدل على أن الاعتبار ~~بالدم لا بالأيام. # وقد قلنا: إن ذلك دلالةل قائمة في نفس الدم فهو بالاعتبار أولى، كما أن ~~حكمها في نفسها أولى من حكم غيرها. # ولأن الأيام لا حكم لها إذا لم يكن دم، لها ms507 حكم مع الدم، فعلم أن الحكم للدم. # فإن قيل: نورد الحكم الأخبار التي ذكرها أصحاب أبي حنيفة في ذكر الأيام، ~~نستعملها على ما يوجب مذهبنا من كثرة الفوائد. # قيل: استعملنا نحن الأخبار بفوائدها، ولم نستعمل استعمالا يؤدي إلى إسقاط ~~الصلاة التي هي بيقين بدم مشكك فيه، مع جاز أن PageV03P1442 # ينتقل الحيض من تلك الأيام: لأننا نجده في غير المستحاضة ينتقل من شهر ~~إلى شهر، من وقت إلى غيره، ويقل في وقت ويكثر في غيره ينبغي أن يجرى فيه ~~على طريقة واحدة، إلا بوجود الدم المحكوم له بحكم الحيض احتياطا للصلاة. # فإن قيل: فإن اعتبار الأصول يدل على ما قلناه، وذلك أننا وجدنا أن الأمور ~~إذا اشتبهت على مجتهديها. وأشكلت على مميزيها، وفاتهم أقرب الوجوه إلى ~~الإصابة فيها وجب الرجوع إلى ما يقاربها ويدانيها لا المقام على العمى ~~الجهل فيها، وهذه الجملة تجدونها كالمشاهدة في كل أمر مجتهد فيه، مختلف فيه ~~اثنان، فاعتبروه في الاجتهاد والنوازل، وطلب الحكم في المسائل، وفيم ~~المتلفات وتقويم النفقات، وطلب المثل في جزاء الصيد، والاجتهاد في القبلة ~~وغير ذلك، فكذلك ما قلناه. # والجواب: أن الذي لا ذكروه لا يشبه ما نحن فيه؛ لأننا لم نقم على العمى ~~والجهل؛ لأن الحكم تعلق في الشريعة بشرط، وهو أن تجد علامة الحيض، فلما لم ~~تجدها لم يتعلق علينا حكم فلسنا على عمى، بل على يقين حتى تحضر العلامة. ~~ألا ترى أن اليائسة عن الحيض قد كان لها زمان وأيام تحيض فيه، فذا لم ترم ~~الدم فليست على عمى، وكذلك التي تحيض لو انقطع عنها الدم أصلا فلم تحيض مدة ~~من الزمان فإنها تصلى حتى يجيئها الدم الذي ذكره صاحب الشرعية أنه حيض، ولو ~~كان طهرها في عادتها خمسة عشر يوما، ثم لم يحضرها الدم حتى مضى لها شهران ~~فإنها تصلي وليس على عمى، لا يجوز أن نقلو لها: إذا جاءك الدم بعد هذا أنك ~~كنت على عمى، فكيف هذا إذا حكمنا لها حكم الاستحاضة؟. فهي على يقين، كمن لم ms508 ~~تر دما أصلا، فهي تصلي بيقين، ولا تنقل حتى يجيئها ما ينقلها عن ذلك، PageV03P1443 # وإنما كان هذا في الحيض والاستحاضة؛ لما ذكرناه من أن دم الحيض ليست له ~~حال يستقر عليها؛ لأنه قد ينتقل من وقت إلى وقت، ويزيد في زمان وينقص في ~~آخر، فه بالحمل أشبه لأنه قد يكون في غالب الحال تسعة، ثم قد يكن في ستة، ~~وفي أكثر من تسعة، وإلى سنتين - عندكم -، وأكثر - عندنا -، ثم لم يجز أن ~~يرجع فيه إلى الغالب ويقال: إننا فيما زاد على تسعة أشهر في عمى. # وأما ما ذكروه من قيم المتلفات فهو عليهم لا لهم؛ لأن المقوم يقومه في ~~زمانه بقيمته، التي ربما زادت على زمان متقدم أو نقضت؛ لأن القيم تختلف ولا ~~تثبت على أصل واحد، وهم لا يعتبرون في قيمة المتلف ما كان يساوي، لا يجعلون ~~ذلك أصلا يرجعون إليه، بل يرجعون إلى القيمة في وقت الإتلاف لأن القيم لا ~~تستقر على حال واحدة، فكذلك يحكم لدم الاستحاضة بحكمه في وقته ولا نرده إلى ~~حال متقدمة لو لم تكن له، وكذلك تقدير النفقات لما كانت تختلف باختلاف ~~الأسعار، واختلاف الشتاء والصيف، لم يرجع فيها إلى المتقدمة، وإنما يحكم ~~لها في وقتها؛ لأنها لا تستقر على حال واحدة. PageV03P1444 # وعروض ما نحن فيه إذا وجد دم الحيض فإننا نحكم بوجوده ومتى يوجد، لا ~~يعتبر به ما تقدم. # وأما طلب المثل في جزاء الصيد فهو أصل ثابت، كالأشياء التي تتلف ولها مثل ~~من الموزونات والمكيلات لا يعمل فيها على اليم التي تختلف. ألا ترى أنه لو ~~حكم عليه الطعام لكانت القيمة في الوقت، وعلى سعر الطعام أيضا في الوقت، ~~ولم نرجع فيه إلى قيمة متقدمة. # وأما الاجتهاد في القبلة فهو لنا احتياط في الصلاة، فهو يجتهد فيخطئ ~~القبلة فيصلي والشك موجود، فكذلك تصلي مع الاستحاضة وإن كان قد يجوز أن ~~يكون حيضا، فلم يكن فيما ذكروه طائل، وبالله التوفيق. PageV03P1445 ### | AUTO [84] مسألة # عند مالك - رحمه الله - أن المبتدأة إذا رأت الدم قعدت ms509 مقدار أسنانها من ~~النساء، فإن زاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام، كذلك من كانت لها أيام ~~معروفة فزاد عليها الدم استظهرت بثلاثة أيام تغتسل وتصلي، وهذا إذا لم يزد ~~مع الاستظهار على خمسة عشر يوما - التي هي عنده أكثر الحيض -. # وقد روي عنه أنهما تقعدان إلى خمسة عشرة يوما - وهو القياس. # وإنما استحسن الأول احتياطا للصلاة؛ لأنها تصلي قبل الخمسة عشرة يوما؛ ~~الجواز أن يكون ذلك دم استحاضة؛ لأن صلاتها مع جواز PageV03P1447 # أن لا يكون عليها صلاة أحوط من ترك صلاتها مع جواز أن يكون عليها صلاة، ~~وهو علة مالك في الاحتياط؛ لأنه قد روي أنها تقعد عدد الليالي والأيام التي ~~كانت تحيضهن، وهو لا يقطع على الإصابة في مسائل الاجتهاد، فرأى أن يحتاط ~~للصلاة؛ لجواز أن يكون الحق في قول مخالفه. # فإن قيل: فينبغي أن يحتاط للصلاة بأن لا يستظهر؛ لجواز أن تكون أيام ~~الاستظهار أيام استحاضة. # قيل: إنما قال بذلك لحديث رواه أهل المدينة عن حرام بن عثمان بن عبد ~~الرحمن ومحمد ابني جابر عن أبيهما جابر بن PageV03P1448 # عبد الله قال: جاءت أسماء بنت مرشدة الحارثية إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت له - وأنا جالس عنده - يا رسول الله، قد حدثت لي حيضة ~~أنكرها، أمكث بعد الطهر ثلاثة أو أربعة ثم تراجعني أفتحرم على الصلاة؟. ~~فقال: «إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثة ثم تطهري اليوم الرابع». # وروي أنها كانت تستحاض فسألته صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال لها: ~~«اقعدي أيامك التي كانت تقعدين واستظهري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي». # فإن قيل: فإن هذا حديث ضعيف. # قيل: بل هذا حديث صحيح، وهو أصح وأقوى من حديث القلتين، وحديث إبراهيم بن ~~أبي يحيى، ومن الثقة PageV03P1449 # عنده ومن قوله: حدثنا ابن جريج بإسناد لا يحضره ذكره، واحتجاج الشافعي ~~بما لا يثبته أصحاب الحديث، وأسانيد أهل العراق في النبيذ والقهقهة وما ~~أشبه ذلك. # فإن قيل: فإن الاستظهار خلاف ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «لتنظر عدد ~~الليالي والأيام التي كانت ms510 تحيضهن من الشهر فتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي». # قيل: لو تركنا وظاهر هذا الحديث، وصح من غير تأويل لم نزد عليه شيئا آخر ~~إلا أننا أوجبنا الاستظهار بثلاثة أيام بالحديث الآخر الذي ذكرناه، فوجب ~~الجمع بين الحديثين والعمل بالزائد. # فإن قيل: فكيف اقتصرتم على ثلاثة أيام دن غيرها مما هو أقل منها أو كثير. # قيل: للحديث الذي ذكرناه، وللنظر أيضا هو أنها تميز بين دم الحيض وبين دم ~~الاستحاضة بالثلاثة؛ لأنه شيء خارج من البدن معتاد PageV03P1450 # ونادر أشكل أمره، كما أن في اللبن معتادا ونادرا، فلما أشكل أمره في ~~المصراة جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الزمان الذي يتوصل به إلى الفصل ~~بين اللبنين ثلاثة أيام، وجب أن يكون هذا القدر فاصلا بين الدمين. # وهذا القول إنما هو اختيار واستحسان. # والحديث الصحيح المتفق عليه الذي يعمل عليه والذي يذهب إليه غير هذين ~~الحديثين، وهو ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر ~~أفادع الصلاة؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، على هذا يعتمد أنها إذا ~~ميزت عملت على إقبال الدم وإدباره، سواء كان ذلك قل تقضي مدة أكثر الحيض أو ~~بعد ذلك، فإن لم تميز فهي قبل تقضي أكثره تقعده إلى أكثره، وبعد ذلك تصلي ~~أبدا حتى ترى دما لا تشك فيه فتعمل على إقباله وإدباره. # والله الموفق. PageV03P1451 ### | AUTO [85] مسألة # قد بينا حكم المبتدأة، ومن لها أيام معروفة وزاد عليها الدم، وبينا وجه ~~الاستظهار، ونحن نذكر وجه قعودها إلى خمسة عشر يوما، ويكون جميع ذلك حيضا، ~~وإن زاد على خمسة عشر يما فإنهما تغتسلان بعد ذلك وتصليان. # وعند أبي حنيفة أن المبتدأة إذا تطايق بها الدم حتى زاد على أكثر الحيض - ~~الذي هو عنده عشرة أيام - فإن العشرة حيض، كما هو - عندنا - في الخمسة عشر. # وعند الشافعي أن ms511 المبتدأة إذا تطاول دمها فهي تترك الصلاة، فإن زاد على ~~خمسة عشر يما أعادت صلاة ما زاد على يوم وليلة في أحد قوليه، وفي القول ~~الآخر: تعيد ما زاد على ست أو سبع؛ لأن الزائد استحاضة. PageV03P1453 # والدليل لقولنا - أن الخمسة عشر كلها حيض -: قوله - تعالى -: {ويسألونك ~~عن المحيض قل هو أذى}، فأعلمنا أن الدم الخارج ممن يجوز منها الحيض هو الذي ~~يتأذى به، فهو أبدا كذلك حتى يقوم دليل الاستحاضة. # وأيضا فإنها حائض محكوم لها به في اليوم الليلة، فهي على ذلك حتى يقوم دليل. # وأيضا فقد حكم عليها بترك الصلاة بإجماع، فمن زعم أن عليها الإعادة فعليه ~~الدليل؛ لأن الإعادة فرض ثان. # وأيضا قوله عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف» فما دامت ~~هذه صفته فالحكم يتبعه حتى يقوم الدليل. # أيضا قوله: «تصلي المارة نصف دهرها»، فهو عم في المبتدأة وغيرها حتى يقوم ~~الدليل. # وأيضا قوله عليه السلام: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما PageV03P1454 # تحيض النساء في كل شهر»، فأخبر عن غالب أحوالهن، ولم يفرق بين المبتدأة ~~وغيرها، ولم يقل: يوما وليلة، فهو عام. وهاذ الخبر يلزم على القول الذي ~~يقول فيه: إن حكم الحي منه يوما وليلة لا على القول الآخر. # فإن قيل: فأنتم لا تقولون بهذا، وتقولون خمسة عشرة يوما. # قيل: مرادنا أن تزيدوا على اليوم والليلة، فإذا تجاوزتم ذلك فقد قام ~~دليلنا على الزيادة على ذلك بشيء ينضم إليه. # فإن قيل: فهو حجتنا على الوجه الآخر. # قيل: هو كذلك، ولكنه حجة عليكم في هذا الوجه. # وأيضا فقد أجمعوا على أنها عند رؤية الدم ترك الصلاة وتمضي مع وجود الدم، ~~ولم يجمعوا على ترك صلاة هي عليها بيقين بدم لا يحكم له بحكم الحيض، ويكون ~~مشكوكا فيه، فلولا أنه دم حيض لم تترك الصلاة الذي هي عليها بيقين بدم لا ~~يحكم له بحكم الحيض. # وأيضا فإن الدم ل لم يزد على مدة الغالب أو على أكثر لم يرد إلى أقل ~~الحيض حلان الدم ms512 قد تمادى إلى أكثره، فكذلك إذا زاد. # فإن قيل: فهذا يلزمكم إذا كانت لها أيام معروفة وزاد عليها. PageV03P1455 # قيل: لأمر - عندنا - واحد لا فرق بينهما. # فإن قيل: فإن الصلاة عليها في الأصل بيقين فلا تسقط إلا بدليل. # قيل: قد أجمعوا على سقوطها عنهما قبل الخمسة عشر في اليوم والليلة، فمن ~~زعم أنها قد وجبت بعد ذلك فعليه الدليل، ونحن مختلفون في الإعادة. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}. # قيل: هذا يتناول حلا الطهر بإجماع، وقد اختلفنا في حكم المبتدأة فيما زاد ~~على يوم وليلة هل هي طاهر أم حائض؟، فلم يتوجه إليها الخطاب. # وأيضا فالألف واللام لتعريف الجنس المقصود في أوقاته بأن لا تضيع وقته، ~~وقد أجمعوا على أن المبتدأة تترك أوقات الصلوات مع وجود الدم، لا تجوز لها ~~المحافظة لعيها، وإنما يقولون تقضي الفوائت قد أمرت بترك أوقاتها فكيف ~~يتوجه الخطاب إليها؟. بل تلزمها في المستأنف إذا طهرت أن تحافظ على الصلوات ~~في أوقاتها. # فإن قيل: فقد قال - تعالى -: {وأقم الصلاة لذكري}. # قيل: لا يخلو أن يكن - تعالى - أراد أقم الصلاة عند ذكري بها، أو PageV03P1456 # إذا ذكرتها، وكلاهما لا يتوجه إلى هذه؛ لأن الذي قال: أقم الصلاة عند ~~ذكري، هو الذي قال لها: لا تصلي مع جود الدم، فكأنه قال لها: اتركي الصلاة ~~ند ذكري؛ لأنها بأمره تركت. # والوجه الآخر يتوجه إلى من نسي وذكر، وليست هي كذلك. # وأيضا فإن لفظة: {وأقم} للمذكر الواحد، وهي لا تدخل فيه. # فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ~~ستا أو سبعا، وذلك ميقات حيضهن وطهرهن». # قيل: وقد قلنا إنه لما قال: «ذلك ميقات حيضهن وطهرهن» عام لم يفرق بين ~~المبتدأة وغيرها، فإن أردتم أنه حجة لقولكم الآخر الذي ترودنها فيه إلى ذلك ~~فقد أقمنا الدلالة من حديث أسماء بنت مرشدة في الاستظهار عليها بثلاثة ~~أيام، على الوجه الذي نقولك تستظهر، وعلى هذا الوجه نحمله على أنها كانت ~~لها أيام معروفة ms513 يتميز معها الدم بدلالة قوله لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة ~~فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، بما ذكرناه من الدلائل. # فإن قيل: فإن دمها إذا زاد على خمسة عشر دخل حيضها في PageV03P1457 # الاستحاضة، فوجب أن يرد أمرها إلى العرف العادة، أصله من لها أيام معهودة ~~فتجاوز حيضها. # ولأنه دم لم ينفصل عما تيقنا فساده ممن لم يصر لها أكثر الحيض عادة فلم ~~يجز أن يحكم فيه بأكثر الحيض، دليله من أيام معروفة تجاوزها الدم ثم استمر بها. # قيل: هذا لا يلزمنا نحن لأنهما عندنا - سواء، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة. # وأيضا فقد بينا أن الدم لا يستقر على عادة واحدة؛ لأنه يزيد ويقل وينقل ~~ويختلف باختلاف الطباع والزمان فينبغي أن نردها إلى أكثر الحيض الذي وجده ~~أكثر من وجود يوم وليلة، وعلامة الدم موجودة فيه بصفته، ويكون قولنا أولى ~~بما ذكرناه من تركها الصلاة التي كانت عليها بيقين بوجود الدم الذي هذه ~~صفته. PageV03P1458 ### | AUTO [86] مسألة # وإذا حاضت المارة يوما أو يومين وطهرت يوما أو يومين، مبتدأة كانت أو ~~كانت لها معروفة فزاد عليها لدم فإنها تلفق أيام الدم إلى الدم، وتصلي في ~~أيام الطهر، فإذا اجتمع في يدها من أيام الدم - وهي مبتدأة - أقصى ما يجلس ~~أسنانها من النساء استظهرت على ذلك بثلاثة أيام من أيام الدم تضيفها إلى ~~أيام الدم الذي قد قعدته، ثم تغتسل وتصلي في أيام الدم وأيام الطهر؛ لأنها ~~مستحاضة، وكذلك التي لها أيام معروفة تستظهر بثلاثة أيام كما ذكرنا. # وقد قال: - وهو القياس - إنهما تلفقان حتى يجتمع في أيديهما من الدم خمسة ~~عشر يوما، ثم تكونان مستحاضتين على ما ذكرنا، تصليان أبدا حتى يأتي دم لا ~~يشك فيه أنه دم حيض فتعملان على إقباله وإدباره على حديث فاطمة PageV03P1459 # بنت أبي حبيش، وهذا قول محمد بن مسلمة، وقول أحمد بن المعذل. # وقال عبد الملك بن الماجشون: إن دمها إذا كان موازيا لطهرها، مثل أن ترى ~~الدم يوما والطهر يومين والدم مثل ذلك، فإنها تغتسل PageV03P1460 # وتصلي ms514 في يوم الطهر وتترك الصلاة في يوم الحيض، تعمل هذا أبدا. # ووجه قول عبد الملك هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تصلي المرأة نصف ~~دهرها، ونصف عمرها»، وإذا استوى الطهر والحيض في امرأة، ولم يتميز لها ~~وعملت بهذا فقد دخلت تحت الظاهر. # وأيضا فإذا وجد هذا في امرأة ولم تدر ما تعمله من ذلك إلى خروجها عن أكثر ~~الحيض ولا عن أقل الطهر، وهذا في أيامه حض على علاماته، وهذا طهر على صفته، ~~فينبغي أن تعمل عليه، فإنه ليس يخرج عن الحد المجعول في الشريعة لأكثر ~~الحيض وأقل الطهر، وهما أصلان في الشريعة، كما لو اتصل الدم خمسة عشر يما، ~~والطهر بعده خمسة عشر يوما؛ لأنهما حدان لأكثر الحيض وأقل الطهر، وهو - ~~عندي - أولى؛ لأن فيه احتياطا لحفظ هذا الأصل مع وجود الدم وعلاماته، وليس ~~يضر أن تختلف الحال في أحكام الحيض، فيكون في امرأة حكم، وفي غيرها بخلافه؛ ~~لوحده مختلفا عليهن وفيهن،، زيادة ونقصان، وكثرة وقلة، فإذا كانت هذه ~~بفعلها ما ذكره عبد الملك لا يخرج عن ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«تصلي نصف دهرها»، ولم تخرج عن أن يكون حيضها موازيا لطهرها، فهو كما يوجد ~~في أن تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر؛ لأن معنى هذا: أنها تصلي نصف PageV03P1461 # دهرها، فلا فرق بين أن تصليه مجتمعا أو مفرقا، وكذلك لا فرق بين أن تحيضه ~~مجتمعا أو مفرقا. # ومن الظاهر لقوله أيضا: قوله - تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض}، ولم يقل: تلفق، بل جعل الشرط مقرونا بوجود ~~الدم الذي يتأذى به. # وقول النبي عليه السلام: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة تعرف»، فأعلمنا أن ~~الحكم يتعلق عليه بوجود هذه الصفة، فحيث قارنها الحكم إلا أن تقوم دلالة. # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا». # قيل: معناه إذا اتصل الدم، وكان أيضا يختلف لونه، وإنما خرج على سؤال من ~~اتصل دمها، فأما من ms515 صورتها ما ذكرناه فلم تدخل تحت ذلك. # وأيضا فإنها قضية في عين لا يتعدى بها إلى غيرها حتى يعرف معناه. # فإن قيل: فإن الرواية الأخرى فيها احتياط للصلاة؛ لأنها لفقت صار الباقي ~~استحاضة فتصلي أبدا. # قيل: إذا كانت علامة دم الحيض باقية على طريقة واحدة، PageV03P1462 # وكذلك حكمنا له بأنه حيض في أيامه فينبغي أن لا يتغير حكمه، وليس ~~الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك الصلاة لا تجب عليها؛ لأنها ~~تحصل عاصية بصلاتها حائضا، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، قد علمت على ما ~~أوجبته الشريعة في الظاهر من اتباع حكم الدم الذي جعلت له علامة، ومن أنها ~~تصلي بإزاء ما ترك. # فإن قيل: قد أجمع أصحابنا على أن أيامها إذا اختلفت فكانت يمين حيضا ~~ويوما طاهرا أو يومين طهرا ويما حيضا فإنها تلفق، والمعنى في ذلك أن ما بين ~~الدمين ليس بطهر كامل، فكذلك إذا اتفقت. # قيل: المعنى في المختلف عدم المساواة فيهما فلما لم يتفق لفقت، وإذا ~~استوى لم تلفق. # فإن قيل: لو كان لهذا الدم حكم نفسه لوجب أن لا يكون عدتها إذا طلقت سنة ~~كالمستحاضة، وهذا موضع لا تختلفون فيه. # قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يحك عن عبد الملك نصا في هذه أنها تعتد سنة، ~~ولعلها أن تجعل الشهر مقسما بين حيضة وطهر؛ لأن الله - تعالى - جعل في التي ~~لا تحيض كل شهر بإزاء قرء، ولو قال: إن عدتها سنة لم يضر؛ لأنه استظهر ~~فيها؛ لأن الحامل تحيض، فجعل PageV03P1463 # عليها تسعة أشهر الغالب من مدة الحمل، وإن كان الدم موجودا، ثم بعدها ~~ثلاثة كل شهر بإزاء قرء، لأنه قد جمع الحيض والطهر. # وأيضا فإن الدم الذي تترك له الصلاة بخلاف الذي تعتد به. ألا ترى أن ~~مالكا قال: تترك الصلاة لدفعة من دم، ولا تعتد بذلك في العدة، فلم يلزم عبد ~~الملك هذا السؤال، وبالله التوفيق. # كمل كتاب الطهارة وهي ست وثمانون مسألة، # والحمد لله كثيرا. ms516