######OpenITI# #META# المؤلف: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى #META# bkid: 33792 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: مقامات بديع الزمان الهمذاني ¶ المؤلف: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى ¶ دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1426هـ - 2005م ¶ الطبعة: الثالثة ¶ تحقيق: محمد عبده ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: بديع الزمان الهمذاني #META# Lng: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بديع الزمان الهمذاني #META# الطبعة: الثالثة #META# max: 284 #META# دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1426هـ - 2005م #META# bk: مقامات بديع الزمان الهمذاني - العلمية #META# authinf: بديع الزمان (358 - 398 هـ = 969 - 1008 م) ¶ أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني، أبو الفضل: أحد أئمة الكتاب. ¶ له (مقامات - ط) أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها. ¶ وكان شاعرا وطبقته في الشعر دون طبقته في النثر. ¶ ولد في همذان وانتقل إلى هراة سنة 380 هـ فسكنها، ثم ورد نيسابور سنة 382 ه ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق. ¶ ولما مات الخوارزمي خلا له الجو فلم يدع بلدة من بلدان خراسان وسجستان وغزنة إلا دخلها ولا ملكا ولا أميرا إلا فاز بجوائزه. ¶ كان قوي الحافظة يضرب المثل بحفظه. ¶ ويذكر أن أكثر (مقاماته) ارتجال، وأنه كان ربما يكتب الكتاب مبتدئا بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى السطر الاول فيخرجه ولا عيب فيه ! وله (ديوان شعر - ط) صغير. ¶ و (رسائل - ط) عدتها 233 رسالة، ووفاته في هراة مسموما ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ndata: بسم اللهBD69B749ظالمين . #META# bkord: 8013 #META# archive: 25 #META# الكتاب: مقامات بديع الزمان الهمذاني #META# authno: 822 #META# ad: 398 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 398 #META# cat: الأدب والبلاغة #META# iso: مقامات بديع الزمان الهمذاني العلميه #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# تحقيق: محمد عبده #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO الكتاب : مقامات بديع الزمان الهمذاني # المؤلف : أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى # دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1426ه - 2005م # الطبعة : الثالثة # تحقيق : محمد عبده # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P006 ~~"""""" صفحة رقم 7 """""" # المقامة القريضية # حدثنا عيسى بن هشام قال : طرحتني النوى مطارحها حتى إذا وطئت جرجان ~~الأقصى . فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة ، وأموال وقفتها ~~على التجارة ، وحانوت جعلته مثابة ، ورفقة اتخذتها صحابة ، وجعلت للدار ، ~~حاشيتي النهار ، وللحانوت بينهما ، فجلسنا يوما نتذاكر القريض وأهله ، ~~وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد ينصت وكأنه يفهم ، ويسكت وكأنه لا يعلم حتى ~~إذا مال الكلام بنا ميله ، وجر الجدال فينا ذيله ، قال : قد أصبتم PageV01P007 ~~"""""" صفحة رقم 8 """""" # عذيقه ، ووافيتم جذيله ، ولو شئت للفظت وأفضت ، ولو قلت لأصدرت وأوردت ، ~~ولجلوت الحق في معرض بيان يسمع الصم ، وينزل العصم ، فقلت : يا فاضل أدن ~~فقد منيت ، وهات فقد أثنيت ، فدنا وقال : سلوني أجبكم ، واسمعوا أعجبكم . ~~فقلنا : ما تقول في امرىء القيس ? قال : هو أول من وقف بالديار وعرصاتها ، ~~واغتدى والطير في وكناتها ، ووصف الخيل بصفاتها ، ولم يقل الشعر كاسيا . ~~ولم يجد القول راغبا ، ففضل من تفتق للحيلة لسانه ، وانتجع PageV01P008 ~~"""""" صفحة رقم 9 """""" # للرغبة بنانه ، قلنا : فما تقول في النابغة ? قال : يثلب إذا حنق ، ويمدح ~~إذا رغب ، ويعتذر إذا رهب ، فلا يرمي إلا صائبا ، قلنا : فما تقول في زهير ~~? قال يذيب الشعر ، والشعر يذيبه ، ويدعو القول والسحر يجيبه ، قلنا : فما ~~تقول في طرفة : قال : هو ماء الأشعار وطينتها ، وكنز القوافي ومدينتها ، ~~مات ولم تظهر أسرار دفائنه ولم تفتح أغلاق خزائنه ، قلنا : فما تقول في ~~جرير والفرزدق ? أيهما أسبق ? فقال : جرير أرق شعرا ، وأغزر غزرا والفرزدق ~~أمتن صخرا ، وأكثر فخرا وجرير أوجع هجوا ، وأشرف يوما والفرزدق أكثر روما ، ~~وأكرم قوما ، وجرير إذا نسب أشجى ، وإذا ثلب أردى ، وإذا مدح أسنى ، ~~والفرزدق إذا افتخر أجزى ، وإذا احتقر أزرى ، وإذا وصف PageV01P009 ~~"""""" صفحة رقم 10 """""" # أوفى ، قلنا : فما تقول في المحدثين من الشعراء ms01 والمتقدمين منهم ? قال : ~~المتقدمون أشرف لفظا ، وأكثر من المعاني حظا ، والمتأخرون ألطف صنعا ، وأرق ~~نسجا ، قلنا : فلو أريت من أشعارك ، ورويت لنا من أخبارك ، قال : خذهما في ~~معرض واحد ، وقال : # أما تروني أتغشى طمرا ممتطيا في الضر أمرا مرا # مضطبنا على الليالي غمرا ملاقيا منها صروفا حمرا # أقصى أماني طلوع الشعرى فقد عنينا بالأماني دهرا # وكان هذا الحر أعلى قدرا وماء هذا الوجه أغلى سعرا # ضربت للسرا قبابا خضرا في دار دارا وإوان كسرى # فانقلب الدهر لبطن ظهرا وعاد عرف العيش عندي نكرا PageV01P010 ~~"""""" صفحة رقم 11 """""" # لم يبق من وفرى إلا ذكرا ثم إلى اليوم هلم جرا # لولا عجوز لي بسر من را وأفرخ دون جبال بصرى # قد جلب الدهر عليهم ضرا قتلت يا سادة نفسي صبرا # قال عيسى بن هشام ، فانلته ما تاح . وأعرض عنا فراح . فجعلت أنفيه وأثبته ~~، وأنكره وكأني أعرفه ، ثم دلتني عليه ثناياه ، فقلت : الإسكندري والله ، ~~فقد كان فارقنا خشفا ، ووافانا جلفا ، ونهضت على إثره ، ثم قبضت على خصره ، ~~وقلت : ألست أبا الفتح ? ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ? ~~فأي عجوز لك بسر من را ? فضحك إلي وقال : # ويحك هذا الزمان زور فلا يغرنك الغرور # لا تلتزم حالة ، ولكن در بالليالي كما تدور . # . . . PageV01P011 # """""" صفحة رقم 12 """""" # المقامة الأزاذية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت ببغذاذ وقت الازاذ ، فخرجت أعتام من أنواعه ~~لابتياعه ، فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أصناف الفواكه وصنفها وجمع أنواع ~~الرطب وصففها ، فقبضت من كل شيء أحسنه ، وقرضت من كل نوع أجوده ، فحين جمعت ~~حواشي الإزار ، على تلك الأوزار PageV01P012 ~~"""""" صفحة رقم 13 """""" # أخذت عيناي رجلا قد لف رأسه ببرقع حياء ، ونصب جسده ، وبسط يده واحتضن ~~عياله ، وتأبط أطفاله ، وهو يقول بصوت يدفع الضعف في صدره ، والحرض في ظهره : # ويلي على كفين من سويق أو شحمة تضرب بالدقيق # أو قصعة تملأ من خرديق يفتأ عنا سطوات الريق # يقيمنا عن منهج الطريق يارازق الثروة بعد الضيق PageV01P013 ~~"""""" صفحة رقم 14 """""" # سهل على ms02 كف فتى لبيق ذي نسب في مجده عريق # يهدي إلينا قدم التوفيق ينقذ عيشي من يد الترنيق # قال عيسى بن هشام : فأخذت من الكيس أخذة ونلته إياها ، فقال : # يا من عناني بجميل بره أفض إلى الله بحسن سره # واستحفظ الله جميل ستره إن كان لا طاقة لي بشكره # فالله ربي من ورائي أجره قال عيسى بن هشام : فقلت له : إن في الكيس فضلا ~~فابرز لي عن باطنك أخرج إليك عن آخره ، فأماط PageV01P014 ~~"""""" صفحة رقم 15 """""" # لثامه ، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري ، فقلت : ويحك أي داهية ~~أنت ? فقال : # فقض العمر تشبيها على الناس وتمويها # أرى الأيام لا تبقى على حال فأحكيها # فيوما شرها في ? ويوما شرتي فيها PageV01P015 ~~"""""" صفحة رقم 16 """""" # صفحة فارغة . PageV01P016 # """""" صفحة رقم 17 """""" # المقامة البلخية # حدثنا عيسى بن هشام قال : نهضت بي إلى بلخ تجارة البز فوردنها وأنا بعذرة ~~الشباب وبال الفراغ وحلية الثروة ، لا يهمني إلا مهرة فكر أستقيدها ، أو ~~شرود من الكلم أصيدها ، فما استأذن على سمعي مسافة مقامي ? ? ، أفصح PageV01P017 ~~"""""" صفحة رقم 18 """""" # من كلامي ، ولما حنى الفراق بناقوسه أو كاد دخل علي شاب في زي ملء العين ~~، ولحية تشوك الأخدعين ، وطرف قد شرب ماء الرافدين ، ولقيني من البر في ~~السناء ، بما زدته في الثناء ، ثم قال : أظعنا تريد ? فقلت : إي والله ، ~~فقال : أخصب رائدك ، ولا ضل قائدك ، فمتى عزمت ? PageV01P018 ~~"""""" صفحة رقم 19 """""" # فقلت : غداة غد ، فقال : # صباح الله لا صبح انطلاق وطير الوصل لا طير الفراق # فأين تريد ? قلت : الوطن ، فقال : بلغت الوطن ، وقضيت الوطر ، فمتى العود ~~? قلت : القابل ، فقال : طويت الريط ، وثنيت الخيط ، فأين أنت من الكرم ? ~~فقلت : بحيث أردت ، فقال : إذا أرجعك الله سالما من هذا الطريق ، فاستصحب ~~لي عدوا في بردة صديق ، من نجار الصفر ، يدعو إلى الكفر ، ويرقص على الظفر ~~، كدارة العين ، يحط ثقل الدين ، وينافق PageV01P019 ~~"""""" صفحة رقم 20 """""" # بوجهين . # قال عيسى بن هشام : فعلمت أنه يلتمس دينارا ، فقلت : لك ذلك نقدا ، ومثله ~~وعدا ، فأنشأ يقول : # رأيك مما خطبت أعلى لا ms03 زلت للمكرمات أهلا # صلبت عودا ، ودمت جودا وفقت فرعا ، وطبت أصلا # لا أستطيع العطاء حملا ولا أطيق السؤال ثقلا # قصرت عن منتهاك ظنا وطلت عما ظننت فعلا # يا رجمة الدهر والمعالي لا لقى الدهر منك ثكلا # قال عيسى بن هشام : فنلته الدينار ، وقلت : أين منبت هذا الفضل ? PageV01P020 ~~"""""" صفحة رقم 21 """""" # فقال : نمتني قريش ومهد لي الشرف في بطائحها ، فقال بعض من حضر : ألست ~~بأبي الفتح الإسكندري ? ألم أرك بالعراق ، تطوف في الأسواق ، مكديا ~~بالأوراق ? فأنشأ يقول : # إن لله عبيدا أخذوا العمر خليطا # فهم يمسون أعرا با ، ويضحون نبيطا PageV01P021 ~~"""""" صفحة رقم 22 """""" # المقامة السجستانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # حدا بي إلى سجستان أرب ، فاقتعدت طيته ، وامتطيت مطيته ، واستخرت الله في ~~العزم جعلته أمامي ، والحزم جعلته إمامي حتى هداني إليها ، فوافيت دروبها ~~وقد وافت الشمس غروبها ، واتفق PageV01P022 ~~"""""" صفحة رقم 23 """""" # المبيت حيث انتهيت ، فلما انتضي نصل الصباح ، وبرز جيش المصباح ، مضيت ~~إلى السوق أختار منزلا ، فحين انتهيت من دائرة البلد إلى نقطتها ، ومن ~~قلادة السوق إلى واسطتها ، خرق سمعي صوت له من كل عرق معنى ، PageV01P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # فانتحيت وفده حتى وقفت عنده ، فإذا رجل على فرسه ، مختنق بنفسه ، قد ~~ولاني قذاله ، وهو يقول : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه ~~بنفسي : أنا با كورة اليمن وأحدوثة الزمن أنا أدعية الرجال ، وأحجية ربات ~~الحجال ، سلوا عني البلاد وحصونها ، والجبال وحزونها ، والأودية وبطونها ، ~~والبحار وعيونها ، والخيل ومتونها ، من الذي ملك أسوارها ، وعرف أسرارها ، ~~ونهج سمتها ، PageV01P024 ~~"""""" صفحة رقم 25 """""" # وولج حرتها ? سلوا الملوك وخزائنها ، والأغلاق ومعادنها ، والأمور ~~وبواطنها ، والعلوم ومواطنها ، والخطوب ومغالقها ، والحروب ومضايقها ، من ~~الذي أخذ مختزنها ، ولم يؤد ثمنها ? ومن الذي ملك مفاتحها ، وعرف مصالحها ? ~~أنا والله فعلت ذلك ، وسفرت بين الملوك الصيد ، وكشفت أستار الخطوب السود ، ~~أنا والله شهدت حتى مصارع العشاق ، ومرضت حتى PageV01P025 ~~"""""" صفحة رقم 26 """""" # لمرض الأحداق ، وهصرت الغصون الناعمات ، وأجتنيت ورد الخدود الموردات ، ~~ونفرت مع ذلك عن الدنيا نفور طبع الكريم عن وجوه اللئام ، ونبوت ms04 عن ~~المخزيات نبو السمع الشريف عن شنيع الكلام والآن لما أسفر صبح المشيب ، ~~وعلتني أبهة الكبر ، عمدت لإصلاح أمر المعاد ، بإعداد الزاد ، فلم أر طريقا ~~أهدى إلى الرشاد مما أنا سالكه ، يراني أحدكم راكب فرس ، ناثر هوس ، يقول : ~~هذا أبو العجب ، لا ولكني أبو العجائب ، عاينتها PageV01P026 ~~"""""" صفحة رقم 27 """""" # وعانيتها ، وأم الكبائر قايستها وقاسيتها ، وأخو الاغلاق : صعبا وجدتها ، ~~وهونا أضعتها ، وغاليا اشتريتها ، ورخيصا ابتعتها ، فقد والله صحبت لها ~~المواكب ، وزاحمت المناكب ، ورعيت الكواكب ، وأنضيت المراكب ، دفعت إلى ~~مكاره نذرت معها ألا أدخر عن المسلمين منافعها ، ولا بد لي أن أخلع ربقة ~~هذه الأمانة من عنقي إلى أعناقكم ، وأعرض دوائي هذا في أسواقكم ، فليشتر PageV01P027 ~~"""""" صفحة رقم 28 """""" # مني من لا يتقزز من موقف العبيد ، ولا يأنف من كلمة التوحيد ، وليصنه من ~~أنجبت جدوده ، وسقى بالماء الطاهر عوده . # قال عيسى بن هشام : فدرت إلى وجهه لأعلم علمه فإذا هو والله شيخنا أبو ~~الفتح الإسكندري ، وانتظرت إجفال النعامة بين يديه ، ثم تعرضت فقلت : كم ~~يحل دواءك هذا ? فقال : يحل الكيس ما شئت ، فتركته وانصرفت . PageV01P028 # """""" صفحة رقم 29 """""" # المقامة الكوفية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كنت وأنا فتى السن أشد رحلي لكل عماية ، وأركض طرفي إلى كل غواية ، حتى ~~شربت من العمر سائغه ، ولبست من الدهر سابغه ، فلما انصاح PageV01P029 ~~"""""" صفحة رقم 30 """""" # النهار بجانب ليلى ، وجمعت للمعاد ذيلي ، وطئت ظهر المروضة ، لأداء ~~المفروضة ، وصحبني في الطريق رفيق لم أنكره من سوء ، فلما تجالينا ، وخبرنا ~~بحالينا ، سفرت القصة عن أصل كوفي ، ومذهب صوفي ، وسرنا فلما أحلتنا الكوفة ~~ملنا إلى داره ، ودخلناها وقد بقل وجه النهار واخضر جانبه ولما PageV01P030 ~~"""""" صفحة رقم 31 """""" # اغتمض جفن الليل وطر شاربه ، قرع علينا الباب ، فقلنا : من القارع ~~المنتاب ? فقال : وفد الليل وبريده ، وفل الجوع وطريده ، وحر قاده الضر ، ~~والزمن المر ، وضيف وطؤه خفيف ، وضالته رغيف ، وجار يستعدى على الجوع ، ~~والجيب المرقوع ، وغريب أوقدت النار على PageV01P031 ~~"""""" صفحة رقم 32 """""" # سفره ، ونبح العواء على أثره ، ونبذت خلفه الحصيات ، وكنست بعده العرصات ~~، فنضوه ms05 طليح ، وعيشه تبريح ، ومن دون فرخيه مهامه فيح . # قال عيسى بن هشام : فقبضت من كيسي قبضة الليث ، وبعثتها إليه وقلت : زدنا ~~سؤالا ، نزدك نوالا ، فقال : ما عرض عرف العود ، على PageV01P032 ~~"""""" صفحة رقم 33 """""" # أحر من نار الجود ، ولا لقي وفد البر ، بأحسن من بريد الشكر ، ومن ملك ~~الفضل فليؤاس ، فلن يذهب العرف بين الله والناس ، وأما أنت فحقق الله آمالك ~~، وجعل اليد العليا لك . # قال عيسى بن هشام : ففتحنا له الباب وقلنا : ادخل ، فإذا هو والله شيخنا ~~أبو الفتح الإسكندري ، فقلت : يا أبا الفتح ، شد ما بلغت منك الخصاصة . ~~وهذا الزي خاصة ، فتبسم وأنشأ يقول : # لا يغرنك الذي أنا فيه من الطلب # أنا في ثروة تش ق لها بردة الطرب # أنا لو شئت لاتخذ ت سقوفا من الذهب PageV01P033 ~~"""""" صفحة رقم 34 """""" # صفحة فترغة . PageV01P034 # """""" صفحة رقم 35 """""" # المقامة الأسدية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كان يبلغني من مقامات الإسكندري ومقالاته ما يصغى إليه النفور ، وينتفض ~~له العصفور ، ويروي لنا من شعره ما يمتزج بأجزاء النفس رقة ، ويغمض عن ~~أوهام الكهنة دقة ، وأنا أسأل الله بقاءه ، حتى أرزق لقاءه ، وأتعجب من ~~قعود همته بحالته ، مع حسن آلته ، وقد ضرب الدهر شؤونه ، PageV01P035 ~~"""""" صفحة رقم 36 """""" # بأسداد دونه ، وهلم جرا ، إلى أن اتفقت لي حاجة بحمص فشحذت إليها الحرص ، ~~في صحبة أفراد كنجوم الليل ، أحلاس لظهور الخيل ، وأخذنا الطريق ننتهب ~~مسافته ، ونستأصل شأفته ، ولم نزل نفري أسنمة النجاد بتلك الجياد ، حتى صرن ~~كالعصي ، ورجعن كالقسي ، وتاخ لنا واد في سفح جبل ذي ألاء وأثل ، كالعذارى ~~يسرحن الضفائر ، وينشرن الغدائر ، ومالت الهاجرة بنا PageV01P036 ~~"""""" صفحة رقم 37 """""" # إليها ، ونزلنا نغور ونغور ، وربطنا الأفراس بالأمراس ، وملنا مع النعاس ~~، فما راعنا إلا صهيل الخيل ، ونظرت إلى فرسي وقد أرهف أذنيه ، وطمح بعينيه ~~، يجذ قوى الحبل بمشافره ، ويخد خد الأرض بحوافره ، ثم اضطربت الخيل فأرسلت ~~الأبوال ، وقطعت الحبال ، وأخذت نحو الجبال ، وطار كل واحد منا إلى سلاحه ؛ ~~فإذا السبع في فروة الموت ، قد طلع من غابه ، منتفخا في إهابه ms06 ، كاشرا عن ~~أنيابه ، بطرف قد ملئ صلفا ، وأنف قد حشى أنفا ، وصدر لا يبرحه القلب ، ولا ~~يسكنه الرعب ، وقلنا خطب ملم ، وحادث مهم ، وتبادر إليه من سرعان الرفقة فتى : # أخضر الجلدة في بيت العرب يملأ الدلو إلى عقد الكرب PageV01P037 ~~"""""" صفحة رقم 38 """""" # بقلب ساقه قدر ، وسيف كله أثر ، وملكته سورة الأسد فخانته أرض قدمه ، حتى ~~سقط ليده وفمه ، وتجاوز الأسد مصرعه ، إلى من كان معه ، ودعا الحين أخاه ، ~~بمثل ما دعاه ، فصار إليه ، وعقل الرعب يديه ، فأخذ أرضه ، وافترش الليث ~~صدره ، ولكني رميته بعمامتي ، وشغلت فمه ، حتى حقنت دمه ، وقام الفتى فوجأ ~~بطنه ، حتى هلك الفتى من خوفه ، والأسد للوجأة في جوفه ، ونهضنا في أثر ~~الخيل فتألفنا منها ما ثبت ، وتركنا ما أفلت ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزه PageV01P038 ~~"""""" صفحة رقم 39 """""" # فلما حثونا الترب فوق رفيقنا جزعنا ولكن أي ساعة مجزع # وعدنا إلى الفلاة ، وهبطنا أرضها ، وسرنا حتى إذا ضمرت المزاد ، ونفد ~~الزاد أو كاد يدركه النفاد ، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع ، وخفنا القاتلين ~~الظمأ والجوع ، عن لنا فارس فصمدنا صمده ، وقصدنا قصده ، ولما بلغنا نزل عن ~~حر فرسه ينقش الأرض بشفتيه ، ويلقي التراب بيديه ، وعمدني من بين الجماعة ، ~~فقبل ركابي ، وتحرم بجنابي ، ونظرت فإذا هو وجه يبرق برق العارض المتهلل ، ~~وقوام متى ما ترق العين فيه تسهل ، وعارض قد اخضر ، وشارب قد PageV01P039 ~~"""""" صفحة رقم 40 """""" # طر ، وساعد ملآن ، وقضيب ريان ، ونجار تركي ، وزي ملكي ، فقلنا : مالك لا ~~أبالك ? فقال : أنا عبد بعض الملوك ، هم من قتلي بهم ، فهمت على وجهي إلى ~~حيث تراني ، وشهدت شواهد حاله ، على صدق مقاله ، ثم قال : أنا اليوم عبدك ، ~~ومالي مالك ، فقلت : بشرى لك وبك ، أداك سيرك إلى فناء رحب ، وعيش رطب ، ~~وهنأتني الجماعة ، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه ، وينطق فتفتننا ألفاظه ، فقال ~~: يا سادة إن في سفح الجبل عينا ، وقد ركبتم فلاة عوراء ، فخذوا من هنالك ~~الماء ، فلوينا الأعنة إلى حيث أشار ، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة PageV01P040 ~~"""""" صفحة رقم 41 """""" # الأبدان ، وركب الجنادب العيدان ، فقال : ألا ms07 تقيلون في الظل الرحب ، على ~~هذا الماء العذب ? فقلنا : أنت وذاك فنزل عن فرسه ، وحل منطقته ، ونحى ~~قرطقته فما استرعنا إلا بغلالة تنم عن بدنه ، فما شككنا أنه خاصم الولدان ، ~~ففارق الجنان ، وهرب من رضوان ، وعمد إلى السروج فحطها ، وإلى الأفراس ~~فحشها ، وإلى الأمكنة فرشها ، وقد حارت البصائر فيه ، ووقفت الأبصار عليه ، ~~فقلت : يا فتى ما ألطفك في الخدمة ، وأحسنك في الجملة ، فالويل لمن فارقته ~~، وطوبى لمن رافقته ، فكيف شكر الله على النعمة بك ? فقال : ما سترونه مني ~~أكثر ، أتعجبكم خفتي في الخدمة ، وحسني في الجملة ? فكيف لو رأيتموني في ~~الرفقة ? أريكم من حذقي طرفا ، لتزدادوا بي PageV01P041 ~~"""""" صفحة رقم 42 """""" # شغفا ? فقلنا : هات : فعمد إلى قوس أحدنا فأوتره ، وفوق سهما فرماه في ~~السماء ، وأتبعه بآخر فشقه في الهواء ، وقال : سأريكم نوعا آخر ، ثم عمد ~~إلى كنانتي فأخذها ، وإلى فرسي فعلاه ، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدره ، ~~وآخر طيره من ظهره ، فقلت ويحك ما تصنع ? قال : اسكت يا لكع ، والله ليشدن ~~كل منكم يد رفيقه ، أو لأغصنه بريقه ، فلم ندر ما نصنع وأفراسنا مربوطة ، ~~وسروجنا محطوطة ، وأسلحتنا بعيدة ، وهو راكب ونحن رجالة ، والقوس في يده ~~يرشق بها الظهور ، ويمشق بها البطون والصدور ، وحين رأينا الجد ، أخذنا ~~القد ، فشد PageV01P042 ~~"""""" صفحة رقم 43 """""" # بعضنا بعضا ، وبقيت وحدي لا أجد من يشد يدي ، فقال : اخرج بإهابك ، عن ~~ثيابك ، فخرجت ثم نزل عن فرسه ، وجعل يصفع الواحد منا بعد الآخر ، وينزع ~~ثيابه وصار إلي وعلي خفان جديدان ، فقال : اخلعهما لا أم لك ، فقلت : هذا ~~خف لبسته رطبا فليس يمكني نزعه ، فقال : علي خلعه ، ثم دنا إلي لينزع الخف ~~، ومددت يدي إلى سكين كان معي في الخف وهو في شغله فأثبته في بطنه ، وأبنته ~~من متنه ، فما زاد على فم فغره ، وألقمه حجره ، وقمت إلى أصحابي فخللت ~~أيديهم ، وتوزعنا سلب القتيلين ، وأدركنا الرفيق وقد جاد بنفسه ، وصار ~~لرمسه ، وصرنا إلى الطريق ، ووردنا حمص بعد ليال خمس ، فلما انتهينا إلى ~~فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام ms08 على رأس ابن PageV01P043 ~~"""""" صفحة رقم 44 """""" # وبنية ، بجراب وعصية ، وهو يقول : عه ، ثم دنا إلي لينزع الخف ، ومددت ~~يدي إلى سكين كان معي في الخف وهو في شغله فأثبته في بطنه ، وأبنته من متنه ~~، فما زاد على فم فغره ، وألقمه حجره ، وقمت إلى أصحابي فخللت أيديهم ، ~~وتوزعنا سلب القتيلين ، وأدركنا الرفيق وقد جاد بنفسه ، وصار لرمسه ، وصرنا ~~إلى الطريق ، ووردنا حمص بعد ليال خمس ، فلما انتهينا إلى فرضة من سوقها ~~رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنية ، بجراب وعصية ، وهو يقول : # رحم الله من حشا في جرابي مكارمه # رحم الله من رنا لسعيد وفاطمه # إنه خادم لكم وهي لا شك خادمه # قال عيسى بن هشام : فقلت إن هذا الرجل هو الإسكندري الذي سمعت به ، وسألت ~~عنه ، فإذا هو هو ، فدلفت إليه ، وقلت : احتكم حكمك فقال : درهم ، فقلت : # لك درهم في مثله ما دام يسعدني النفس # فاحسب حسابك والتمس كيما أنيل الملتمس # وقلت له : درهم في اثنين في ثلاثة في أربعة في خمسة ، حتى انتهيت إلى PageV01P044 ~~"""""" صفحة رقم 45 """""" # العشرين ، ثم قلت : كم معك ? قال : عشرون رغيفا ، فأمرت له بها ، وقلت : ~~لا نصر مع الخذلان ، ولا حيلة مع الحرمان . PageV01P045 # """""" صفحة رقم 46 """""" # المقامة الغيلانية # حدثني عيسى بن هشام قال : # بينا نحن بجرجان ، في مجتمع لنا نتحدث ، ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ~~ورواية ، وهو عصمة بن بدر الفزاري ، فأفضى بنا الكلام إلى ذكر من أعرض عن ~~خصمه حلما ، ومن أعرض عن خصمه احتقارا ، حتى ذكرنا الصلتان العبدي والبيث ، ~~وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما ، فقال عصمة : سأحدثكم بما شاهدته ~~عيني ، ولا أحدثكم عن غيري ، بينما أنا أسير في بلاد تميم مرتحلا نجيبة ، ~~وقائدا جنيبة ، عن لي راكب على أورق جعد اللغام ، فحاذاني حتى إذا صك الشبح ~~بالشبح رفع صوته بالسلام عليك ، فقلت : PageV01P046 # """""" صفحة رقم 47 """""" # وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، من الراكب الجهير الكلام المحيي بتحية ~~الإسلام ? فقال : أنا غيلان بن عقبة ، فقلت : مرحبا بالكريم حسبه الشهير ~~نسبه ، السائر منطقه ms09 ، فقال : رحب واديك ، وعز ناديك ، فمن أنت ? قلت : ~~عصمة بن بدر الفزاري ، قال : حياك الله نعم الصديق ، والصاحب والرفيق ، ~~وسرنا فلما هجرنا قال : ألا نغور ياعصمة فقد صهرتنا الشمس ? فقلت : أنت ~~وذاك ، فملنا إلى شجرات ألاء كأنهن عذارى متبرجات ، قد نشرن غدائرهن ، ~~لأثلاث تناوحهن ، فحططنا رحالنا ، ونلنا من الطعام ، وكان ذو الرمة زهيد ~~الأكل ، وصلينا بعد ، وآل كل واحد منا إلى ظل أثلة يريد القائلة ، واضطجع ~~ذو الرمة ، وأردت أن أصنع مثل صنيعه ، فوليت ظهري الأرض ، وعيناي لا ~~يملكهما غمض ، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء قد ضحيت وغبيطها ملقى ، وإذا ~~رجل قائم يكلأها كأنه PageV01P047 ~~"""""" صفحة رقم 48 """""" # عسيف أو أسيف فلهيت عنهما ، وما أنا والسؤال عما لا يعنيني ? ونام ذو ~~الرمة غرارا ، ثم انتبه ، وكان ذلك في أيام مهاجاته لذلك المري ، فرفع ~~عقيرته وأنشد يقول : # أمن مية الطلل الدارس ألظ به العاصف الرامس # فلم يبق إلا شجيج القذال ومستوقد ما له قابس # وحوض تثلم من جانبيه ومحتفل دارس طامس PageV01P048 ~~"""""" صفحة رقم 49 """""" # وعهدي به وبه سكنه وميه والإنس والآنس # كأني بمية مستنفر غزالا تراءى له عاطس # إذا جئتها ردني عابس رقيب عليها لها حارس # ستأتي امرأ القيس مأثورة يغني بها العابر الجالس # ألم تر أن امرأ القيس قد ألظ به داؤه الناجس # هم القوم لا يألمون الهجاء وهل يألم الحجر اليابس # فما لهم في العلا راكب ولا لهم في الوغى فارس PageV01P049 ~~"""""" صفحة رقم 50 """""" # ممرطلة في حياض الملام كما دعس الادم الداعس # إذا طمح الناس للمكرمات فطرفهم المطرق الناعس # تعاف الأكارم إصهارهم فكل أياماهم عانس # فلما بلغ هذا البيت تنبه ذلك النائم ، وجعل يمسح عينيه ، ويقول : أذو ~~الرميمة يمنعني النوم بشعر غير مثقف ولا سائر ? فقلت يا غيلان ، من هذا ? ~~فقال : الفرزدق ، وحمى ذو الرمة فقال : # وأما مجاشع الأرذلون فلم يسق منبتهم راجس # سيعقلهم عن مساعي الكرام عقال ، ويحبسهم حابس PageV01P050 ~~"""""" صفحة رقم 51 """""" # فقلت : الآن يشرق فيثور ، ويعم هذا وقبيلته بالهجاء ، فوالله ما زاد ~~الفرزدق على أن قال : قبحا ms10 لك يا ذا الرميمة أتعرض لمثلي بمقال منتحل ? ثم ~~عاد في نومه كأن لم يسمع شيئا ، وسار ذو الرمة وسرت معه ، وإني لأرى فيه ~~انكسارا حتى افترقنا . PageV01P051 # """""" صفحة رقم 52 """""" # المقامة الأذربيجانية # قال عيسى بن هشام : لما نطقني الغنى بفاضل ذيله ، اتهمت بمال سلبته ، أو ~~كنز أصبته ، فحفزني الليل ، وسرت بي الخيل ، وسلكت في هربي مسالك لم يرضها ~~السير ، ولا اهتدت إليها الطير ، حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده ، وصرت ~~إلى حمى الأمن ووجدت برده ، وبلغت أذربيجان وقد حفيت PageV01P052 ~~"""""" صفحة رقم 53 """""" # الرواحل ، وأكلتها المراحل ، ولما بلغتها : # نزلنا على أن المقام ثلاثة فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا # فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها وعصا قد ~~اعتمدها ، ودنية قد تقلسها ، وفوطة قد تطلسها ، فرفع عقيرته وقال : اللهم ~~يا مبدئ الأشياء ومعيدها ، ومحيي العظام ومبيدها ، وخالق المصباح ومديره ، ~~وفالق الإصباح ومنيره ، وموصل الآلاء سابغة إلينا ، وممسك السماء أن تقع ~~علينا ، وبارئ النسم أزواجا وجاعل الشمس سراجا ، والسماء سقفا والأرض فراشا ~~، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا ، ومنشئ السحاب ثقالا ، ومرسل PageV01P053 ~~"""""" صفحة رقم 54 """""" # الصواعق نكالا ، وعالم ما فوق النجوم وما تحت التخوم ، أسألك الصلاة على ~~سيد المرسلين ، محمد وآله الطاهرين ، وأن تعينني على الغربة أثني حبلها ، ~~وعلى العسرة أعدو ظلها ، وأن تسهل لي على يدي من فطرته الفطرة ، وأطلعته ~~الطهرة ، وسعد بالدين المتين ، ولم يعم عن الحق المبين ، راحلة تطوى هذا ~~الطريق ، وزادا يسعني والرفيق . # قال عيسى بن هشام : فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبي ~~الفتح ، والتفت لفتة فإذا هو والله أبو الفتح ، فقلت يا أبا الفتح بلغ هذه ~~الأرض كيدك ، وانتهى إلى هذا الشعب صيدك ? فأنشأ يقول : # أنا جوالة البلا د وجوابة الأفق # أنا خذروفة الزما ن وعمارة الطرق PageV01P054 ~~"""""" صفحة رقم 55 """""" # لا تلمني لك الرشا د على كديتي وذق PageV01P055 ~~"""""" صفحة رقم 56 """""" # المقامة الجرجانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # بينا نحن بجرجان ، في مجمع لنا نتحدث وما فينا إلا منا ، إذ ms11 وقف علينا ~~رجل ليس بالطويل المتمدد ، ولا القصير المتردد ، كث العثنون ، يتلوه صغار ~~في أطمار ، فافتتح الكلام بالسلام ، وتحية الإسلام ، فولانا جميلا ، ~~وأوليناه جزيلا ، فقال : يا قوم إني امرؤ من أهل الإسكندرية ، من الثغور ~~الأموية نمتني سليم ورحبت بي عبس جبت الآفاق ، وتقصيت PageV01P056 ~~"""""" صفحة رقم 57 """""" # العراق ، وجلت البدو والحضر ، وداري ربيعة ومضر ، ما هنت ، حيث كنت ، فلا ~~يزرين بي عندكم ما ترونه من سملي وأطماري ، فلقد كنا والله من أهل ثم ورم ، ~~نرغي لدى الصباح ونثغى عند الرواح # وفينا مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل . # على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل PageV01P057 ~~"""""" صفحة رقم 58 """""" # ثم إن الدهر يا قوم قلب لي من بينهم ظهر المجن ، فاعتضت بالنوم السهر ، ~~وبالإقامة السفر ، تترامى بي المرامي ، وتتهادى بي الموامي ، وقلعتني حوادث ~~الزمن قلع الصمغة ، فأصبح وأمسي أنقى من الراحة وأعرى من صفحة الوليد ، ~~وأصبحت فارغ الفناء ، صفر الإناء ، مالي إلا كآبة الأسفار ، ومعاقرة السفار ~~، أعاني الفقر ، وأماني القفر ، فراشي المدر ، ووسادي الحجر . # بآمد مرة وبرأس عين وأحيانا بميا فارقينا # ليلة بالشآم ثمت بالأه واز رحلي وليلة بالعراق PageV01P058 ~~"""""" صفحة رقم 59 """""" # فما زالت النوى تطرح بي كل مطرح ، حتى وطئت بلاد الحجر وأحلتني بلد همذان ~~، فقبلني أحياؤها ، وأشرأب إلى أحباؤها ، ولكني ملت لإعظمهشم جفنة ، ~~وأزهدهم جفوة : # له نار تشب على يفاع إذا النيران ألبست القناعا # فوطأ لي مضجعا ، ومهد لي مهجعا ، فإن ونى لي ونية هب لي ابن كأنه سيف ~~يمان ، أو هلال بدا في غير قتمان ، وأولاني نعما ضاق عنها PageV01P059 ~~"""""" صفحة رقم 60 """""" # قدري ، واتسع بها صدري ، أو لها فرش الدار ، وآخرها ألف دينار ، فما ~~طيرتني إلا النعم حيث توالت ، والديم لما انثالت ، فطلعت من همذان طلوع ~~الشارد ، ونفرت نفار الآبد ، أفري المسالك ، وأقتفر المهالك ، وأعاني ~~الممالك ، على أني خلفت أم مثواي وزغلولا لي . # كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصوم # وقد هبت بي إليكم ريح الاحتياج ، ونسيم الإلفاج ، فانظروا رحمكم الله ~~لنقض من ms12 الأنقاض مهزول ، هدته الحاجة ، وكدته الفاقة : # أخا سفر ، جواب أرض ، تقاذفت به فلوات ؛ فهو أشعث أغبر PageV01P060 ~~"""""" صفحة رقم 61 """""" # جعل الله للخير عليكم دليلا ، ولا جعل للشر إليكم سبيلا . # قال عيسى بن هشام : فرقت والله له القلوب ، واغرورقت للطف كلامه العيون ، ~~ونلناه ما تاح في ذلك الوقت ، وأعرض عنا حامدا لنا ، فتبعته ، فإذا هو ~~والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري . PageV01P061 # """""" صفحة رقم 62 """""" # المقامة الأصفهانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كنت بأصفهان ، أعتزم المسير إلى الري ، فحللتها حلول ألفي ، أتوقع ~~القافلة كل لمحة ، وأترقب الراحلة كل صبحة ، فلما حم ما توقعته نودي للصلاة ~~نداء سمعته ، وتعين فرص الإجابة ، فانسللت من بين الصحابة ، أغتنم الجماعة ~~أدركها ، وأخشى فوت القافلة أتركها ، لكني استعنت ببركات الصلاة ، على ~~وعثاء الفلاة ، فصرت إلى أول الصفوف ، ومثلت PageV01P062 ~~"""""" صفحة رقم 63 """""" # للوقوف ، وتقدم الإمام إلى المحراب ، فقرأ فاتحة الكتاب ، بقراءة حمزة ، ~~مدة وهمزة ، وبي الغم المقيم المقعد في فوت القافلة ، والبعد عن الراحلة ، ~~واتبع الفاتحة الواقعة ، وأنا أتصلى نار الصبر وأتصلب ، وأتقلى على جمر ~~الغيظ وأتقلب ، وليس إلا السكوت والصبر ، أو الكلام والقبر ؛ لما عرفت من ~~خشونة القوم في ذلك المقام ، أن لو قطعت الصلاة دون السلام ، فوقفت بقدم ~~الضرورة ، على تلك الصورة إلى انتهاء السورة ، وقد قنطت من القافلة ، وأيست ~~من الرحل والراحلة ، ثم حنى قوسه للركوع ، بنوع من الخشوع ، PageV01P063 ~~"""""" صفحة رقم 64 """""" # وضرب من الخضوع ، لم أعهده من قبل ، ثم رفع رأسه ويده ، وقال : سمع الله ~~لمن حمده ، وقام ، حتى ما شككت أنه قد نام ، ثم ضرب بيمينه ، وأكب لجبينه ، ~~ثم انكب لوجهه ، ورفعت رأسي أنتهز فرصة ، فلم أر بين الصفوف فرجة ، فعدت ~~إلى السجود ، حتى كبر للقعود ، وقام إلى الركعة الثانية ، فقرأ الفاتحة ~~والقارعة ، قراءة استوفى بها عمر الساعة ، واستنزف أرواح الجماعة ، فلما ~~فرغ من ركعتيه ، وأقبل على التشهد بلحييه ، ومال إلى التحية بأخدعيه ، وقلت ~~: قد سهل الله المخرج ، وقرب الفرج ، قام رجل وقال : من كان منكم يحب ~~الصحابة والجماعة ، فليعرني سمعه ساعة . # قال عيسى ms13 بن هشام : فلزمت أرضي ، صيانة لعرصي ، فقال : حقيق علي أن لا ~~أقول غير الحق ، ولا أشهد إلا بالصدق ، قد جئتكم ببشارة من PageV01P064 ~~"""""" صفحة رقم 65 """""" # نبيكم ، لكني لا أؤديها حتى يطهر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوءته . # قال عيسى بن هشام : فربطني بالقيود ، وشدني بالحبال السود ، ثم قال : ~~رأيته صلى الله عليه وسلم في المنام ، كالشمس تحت الغمام ، والبدر ليل ~~التمام ، يسير والنجوم تتبعه ، ويسحب الذيل والملائكة ترفعه ، ثم علمني ~~دعاء أوصاني أن أعلم ذلك أمته ، فكتبته على هذه الأوراق بخلوق ومسك ، ~~وزعفران وسك ، فمن استوهبه مني وهبته ، ومن رد علي ثمن القرطاس أخذته . # قال عيسى بن هشام : فلقد انثالت عليه الدراهم حتى حيرته ، وخرج فتبعته ~~متعجبا من حذقه بزرقه ، وتمحل رزقه ، وهممت بمسألته عن حاله فأمسكت ، ~~وبمكالمته فسكت ، وتأملت فصاحته في وقاحته ، وملاحته في استماحته ، وربطه ~~الناس بحيلته ، وأخذه المال بوسيلته ، ونظرت فإذا هو أبو الفتح الإسكندري ، ~~فقلت : كيف PageV01P065 ~~"""""" صفحة رقم 66 """""" # اهتديت إلى هذه الحيلة فتبسم وأنشأ يقول : # الناس حمر فجوز وابرز عليهم وبرز # حتى إذا نلت منهم ما تشتهيه ففروز PageV01P066 ~~"""""" صفحة رقم 67 """""" # المقامة الأهوازية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت بالأهواز ، في رفقة متى ما ترق العين فيهم ~~تسهل ، ليس فينا إلا أمرد بكر الآمال ، أو مختط حسن الإقبال ، مرجو الايام ~~والليال ، فأفضنا في العشرة كيف نضع قواعدها ، والأخوة كيف نحكم معاقدها ، ~~والسرور في أي وقت نتقاضاه ، والشرب في أي وقت نتعاطاه ، والانس كيف ~~نتهاداه ، وفائت الحظ كيف نتلافاه ، والشراب من أين نحصله ، والمجلس كيف ~~نزينه . فقال أحدنا : على البيت PageV01P067 ~~"""""" صفحة رقم 68 """""" # والنزل ، وقال آخر : على الشراب والنقل ، ولما أجمعنا على المسير ~~استقبلنا رجل في طمرين في يمناه عكازة ، وعلى كتفيه جنازة ، فتطيرنا لما ~~رأينا الجنازة وأعرضنا عنها صفحا ، وطوينا دونها كشحا ، فصاح بنا صيحة كاد ~~ت الأرض لها تنفطر ، والنجوم تنكدر ، وقال : لترونها صغرا ولتركبنها كرها ~~وقسرا ، ما لكم تطيرون من مطية ركبها أسلافكم ، وسيركبها أخلافكم ، ~~وتتقذرون سريرا وطئه آباؤكم ، وسيطؤه أبناؤكم ms14 ، أما والله لتحملن على هذه ~~العيدان ، إلى تلكم الديدان ، ولتنقلن بهذه الجياد ، إلى تلكم الوهاد ، ~~ويحكم تطيرون ، كأنكم مخيرون ، وتتكرهون ، كأنكم PageV01P068 ~~"""""" صفحة رقم 69 """""" # منزهون ، هل تنفع هذه الطير ، يا فجرة ? . # قال عيسى بن هشام : فلقد نقض ما كنا عقدناه ، وأبطل ما كنا أردناه ، ~~فملنا إليه وقلنا له : ما أحوجنا إلى وعظك ، وأعشقنا للفظك ، ولو شئت لزدت ~~قال : إن وراءكم موارد أنتم واردوها ، وقد سرتم إليها عشرين حجة : # وإن امرأ قد سار عشرين حجة إلى منهل من ورده لقريب # ومن فوقكم من يعلم أسراركم ، ولو شاء لهتك أستاركم ، يعاملكم في الدنيا ~~بحلم ، ويقضي عليكم في الآخرة بعلم ، فليكن الموت منكم على ذكر ، لئلا ~~تأتوا بنكر ، فإنكم إذا استشعرتموه لم تجمحوا ، ومتى ذكرتموه لم PageV01P069 ~~"""""" صفحة رقم 70 """""" # تمرحوا ، وإن نسيتموه فهو ذاكركم ، وإن نمتم عنه فهو ثائركم ، وإن ~~كرهتموه فهو زائركم ، قلنا : فما حاجتك ? قال : أطول من أن تحد ، وأكثر من ~~أن تعد ، قلنا : فسانح الوقت ، قال : رد فائت العمر ، ودفع نازل الأمر ، ~~قلنا : ليس ذلك إلينا ، ولكن ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها ، قال لا حاجة ~~لي فيها ، وإنما حاجتي بعد هذا أن تخدوا أكثر من أن تعوا . PageV01P070 # """""" صفحة رقم 71 """""" # المقامة البغداذية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # اشتهيت الأزاذ ، وأنا ببغداذ ، وليس معي عقد على نقد ، فخرجت أنتهز محاله ~~حتى أحلني الكرخ ، فإذا أنا بسوادي يسوق بالجهد حماره ، ويطرف بالعقد إزاره ~~، فقلت : ظفرنا والله بصيد ، وحياك الله أبا زيد ، من أين أقبلت ? وأين ~~نزلت ? ومتى وافيت ? وهلم إلى البيت ، فقال السوادي : لست بأبي زيد ، ولكني ~~أبو عبيد ، فقلت : نعم ، لعن الله الشيطان ، وأبعد النسيان ، أنسانيك طول ~~العهد ، واتصال البعد ، فكيف حال أبيك ? أشاب كعهدي ، أم شاب بعدي ? فقال : ~~قد نبت الربيع على PageV01P071 ~~"""""" صفحة رقم 72 """""" # دمنته ، وأرجو أن يصيره الله إلى جنته ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ~~، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ومددت يد البدار ، إلي الصدار ~~، أريد تمزيقه ، فقبض السوادي على خصري بجمعه ، وقال ms15 : نشدتك الله لا مزقته ~~، فقلت : هلم إلى البيت نصب غداء ، أو إلى السوق نشتر شواء ، والسوق أقرب ، ~~وطعامه أطيب ، فاستفزته حمة القرم ، وعطفته عاطفة اللقم ، وطمع ، ولم يعلم ~~أنه وقع ، ثم أتينا شواء يتقاطر شواؤه عرقا ، وتتسايل جوذاباته مرقا ، فقلت ~~: افرز لأبي زيد من هذا الشواء ، ثم زن له من تلك الحلواء ، واختر له من ~~تلك الأطباق ، وانضد عليها أوراق الرقاق ، ورش عليه شيئا من PageV01P072 ~~"""""" صفحة رقم 73 """""" # ماء السماق ، ليأكله أبو زيد هنيا ، فأنخى الشواء بساطوره ، على زبدة ~~تنوره ، فجعلها كالكحل سحقا ، وكالطحن دقا ، ثم جلس وجلست ، ولا يئس ولا ~~يئست ، حتى استوفينا ، وقلت لصاحب الحلوى : زن لأبي زيد من اللوزينج رطلين ~~فهو أجرى في الحلوق ، وأمضى في العروق ، وليكن ليلي العمر ، يومي النشر ، ~~رقيق القشر ، كثيف الحشو ، لؤلؤي الدهن ، كوكبي اللون ، يذوب كالصمغ ، قبل ~~المضغ ، ليأكله أبو زيد هنيا ، قال : فوزنه ثم قعد وقعدت ، وجرد وجردت ، ~~حتى استوفيناه ، ثم قلت : يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج ، ~~ليقمع هذه الصارة ، ويفثأ هذه اللقم الحارة ، اجلس يا أبا زيد حتى نأتيك ~~بسقاء ، PageV01P073 ~~"""""" صفحة رقم 74 """""" # يأتيك بشربة ماء ، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع ، ~~فلما أبطأت عليه قام السوادي إلى حماره ، فاعتلق الشواء بإزاره ، وقال : ~~أين ثمن ما أكلت ? فقال : أبو زيد : أكلته ضيفا ، فلكمه لكمة ، وثنى عليه ~~بلطمة ، ثم قال الشواء : هاك ، ومتى دعوناك ? زن يا أخا القحة عشرين ، فجعل ~~السوادي يبكي ويحل عقده بأسنانه ويقول : كم قلت لذاك القريد ، أنا أبو عبيد ~~، وهو يقول : أنت أبو زيد ، فأنشدت : # أعمل لرزقك كل آله لا تقعدن بكل حاله # وانهض بكل عظيمة فالمرء يعجز لا محاله PageV01P074 ~~"""""" صفحة رقم 75 """""" # المقامة البصرية # حدثني عيسى بن هشام قال : # دخلت البصرة وأنا من سني في فتاء ، ومن الزي في حبر ووشاء ، ومن الغنى في ~~بقر وشاء ، فأتيت المربد في رفقة تأخذهم العيون ، ومشينا غير بعيد إلى بعض ~~تلك المتنزهات ، في تلك المتوجهات ، وملكتنا أرض فحللناها ، وعمدنا لقداح ms16 ~~اللهو فأجلناها ، مطرحين للحشمة إذ لم يكن فينا إلا منا ، فما كان بأسرع من ~~ارتداد الطرف حتى عن لنا سواد تخفضه وهاد ، وترفعه نجاد ، وعلمنا أنه يهم PageV01P075 ~~"""""" صفحة رقم 76 """""" # بنا ، فأتلعنا له ، حتى أداه إلينا سيره ولقينا بتحية الإسلام ، ورددنا ~~عليه مقتضى السلام ، ثم أجال فينا طرفه وقال : يا قوم ما منكم إلا من ~~يلحظني شزرا ، ويوسعني حزرا ، وما ينبئكم عني ، أصدق مني ، أنا رجل من أهل ~~الإسكندرية من الثغور الأموية ، قد وطأ لي الفضل كنفه ، ورحب بي عيش ، ~~ونماني بيت ، ثم جعجع بي الدهرعن ثمه ورمه ، وأتلاني زغاليل حمر الحواصل : PageV01P076 # """""" صفحة رقم 77 """""" # كأنهم حيات أرض محلة فلو يعضون لذكي سمهم # إذا نزلنا أرسلوني كاسبا وإن رحلنا ركبوني كلهم # ونشزت علينا البيض ، وشمست منا الصفر ، وأكلتنا السود ، وحطمتنا الحمر ، ~~وانتابنا أبو مالك ، فما يلقانا أبو جابر إلا عن عفر ، وهذه البصرة ماؤها ~~هضوم ، وفقيرها مهضوم ، والمرء من ضرسه في شغل ، ومن نفسه في كل ، فكيف بمن : PageV01P077 # """""" صفحة رقم 78 """""" # يطوف ما يطوف ثم يأوي إلى زغب محددة العيون # كساهن البلى شعثا فتمسي جياع الناب ضامرة البطون # ولقد أصبحن اليوم وسرحن الطرف في حي كميت ، وبيت كلا بيت ، وقلبن الأكف ~~على ليت ، ففضضن عقد الضلوع ، وأفضن ماء الدموع ، وتداعين باسم الجوع . # والفقر في زمن اللئا م لكل ذي كرم علامه PageV01P078 ~~"""""" صفحة رقم 79 """""" # رغب الكرام إلى اللئا م ، وتلك أشراط القيامه # ولقد اخترتم يا سادة ، ودلتني عليكم السعادة ، وقلت قسما ، إن فيهم لدسما ~~، فهل من فتى يعشيهن ، أو يغشيهن ? وهل من حر يغديهن ، أو يرديهن ? قال ~~عيسى بن هشام : فوالله ما استأذن على حجاب سمعي كلام رائع أبرع ، وأرفع ~~وأبدع ، مما سمعت منه ، لاجرم أنا استمحنا الأوساط ، ونفضنا الأكمام ، ~~ونحينا الجيوب ، ونلته أنا PageV01P079 ~~"""""" صفحة رقم 80 """""" # مطرفي ، وأخذت الجماعة إخذي ، وقلنا له : الحق بأطفالك ، فأعرض عنا بعد ~~شكر وفاه ، ونشر ملأ به فاه . PageV01P080 # """""" صفحة رقم 81 """""" # المقامة الفزارية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كنت في بعض بلاد فزارة مرتحلا ms17 نجيبة ، وقائدا جنيبة ، يسبحان بي سبحا ، ~~وأنا أهم بالوطن ، فلا الليل يثنيني بوعيده ، ولا البعد يلويني ببيده ، ~~فظللت أخبط ورق النهار ، بعصا التسيار وأخوض بطن الليل ، بحوافر الخيل ، ~~فبينا أنا في ليلة يضل فيها الغطاط ، ولا يبصر فيها الوطواط ، أسيح سيحا ، ~~ولا سانح إلا PageV01P081 ~~"""""" صفحة رقم 82 """""" # السبع ، ولا بارح إلا الضيع ، إذ عن لي راكب تام الالات ، يؤم الأثلات ، ~~يطوي إلى منشور الفلوات ، فأخذني منه ما يأخذ الأعزل من شاكي السلاح ، لكني ~~تجلدت فقلت : أرضك لا أم لك ، فدونك شرط الحداد ، وخرط القتاد ، وخصم ضخم ، ~~وحمية أزدية ، وأنا سلم إن شئت ، وحرب إن أردت ، فقل لي : من أنت ? فقال : ~~سلما أصبت ، فقلت : خيرا أجبت ، فمن أنت ? قال : نصيح إن شاورت فصيح إن ~~حاورت ، ودون إسمي لثام ، لا PageV01P082 ~~"""""" صفحة رقم 83 """""" # تميطه الأعلام ، قلت : فما الطعمة ? قال : أجوب جيوب البلاد ، حتى أقع ~~على جفنة جواد ، ولي فؤاد يخدمه لسان ، وبيان يرقمه بنان وقصاراي كريم يخفض ~~لي جنيبته ، وينفض إلي حقيبته ، كابن حرة طلع علي بالأمس ، طلوع الشمس ، ~~وغرب عني بغروبها ، لكنه غاب ولم يغب تذكاره ، وودع وشيعتني آثاره ، ولا ~~ينبئك عنها ، أقرب منها ، وأومأ إلى ما كان لبسه ، فقلت : شحاذ ورب الكعبة ~~آخاذ ، له في الصنعة نفاذ ، بل هو فيها أستاذ ، ولا بد من أن ترشح له ، ~~وتسح عليه ، فقلت : يا فتى قد جليت عبارتك ، فأين شعرك من كلامك ? فقال : ~~وأين كلامي من شعري ? ثم استمد غريزته ، ورفع PageV01P083 ~~"""""" صفحة رقم 84 """""" # عقيرته ، بصوت ملأ الوادي ، وأنشأ يقول : # وأروع أهداه لي الليل والفلا وخمس تمس الأرض لكن كلا ولا # عرضت على نار المكارم عوده فكان معما في السيادة مخولا # وخادعته عن ماله فخدعته وساهلته من بره فتسهلا PageV01P084 ~~"""""" صفحة رقم 85 """""" # ولما تجالينا وأحمد منطقي بلا بي من نظم القريض بما بلا # فما هز إلا صارما حين هزني ولم يلقني إلا إلى السبق أولا # ولم أره إلا أغر محجلا وما تحته إلا أغر محجلا # فقلت له : على رسلك يا فتى ، ولك فيما ms18 يصحبني حكمك ، فقال : الحقيبة بما ~~فيها ، فقلت : إن وحاملتها ، ثم قبضت بجمعي عليه ، وقلت : لا والذي ألهمها ~~لمسا ، وشقها من واحدة خمسا ، لا تزايلني أو أعلم علمك ، PageV01P085 ~~"""""" صفحة رقم 86 """""" # فحدر لثامه عن وجهه ، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري ، فما ~~لبثت أن قلت : # توشحت أبا الفتح بهذا السيف مختالا # فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا ? # فصغ ما أنت حليت به سيفك خلخالا PageV01P086 ~~"""""" صفحة رقم 87 """""" # المقامة الجاحظية # حدثنا عيسى بن هشام قال : أثارتني ورفقة وليمة فأجبت إليها ، للحديث ~~المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو ~~أهدي إلي ذراع لقبلت ) فأفضى بنا السير إلى دار . # تركت والحسن تأخذه تنتقي منه وتنتحب # فانتقت منه طرائفه واستزادت بعض ما تهب # قد فرش بساطها ، وبسطت أنماطها ، ومد سماطها ، وقوم قد أخذوا الوقت PageV01P087 ~~"""""" صفحة رقم 88 """""" # بين آس مخضود ، وورد منضود ، ودن مفصود ، وناي وعود ، فصرنا إليهم وصاروا ~~إلينا ، ثم عكفنا على خوان قد ملئت حياضه ، ونورت رياضه ، واصطفت جفانه ، ~~واختلفت ألوانه فمن حالك بإزائه ناصع ، ومن قان تلقاءه فاقع ، ومعنا على ~~الطعام رجل تسافر يده على الخوان ، وتسفر بين الألوان ، وتأخذ وجوه الرغفان ~~، وتفقأ عيون الجفان ، وترعى أرض الجيران ، وتجول في القصعة ، كالرخ في ~~الرقعة ، يزحم باللقمة اللقمة ، ويهزم بالمضغة المضغة ، وهو PageV01P088 ~~"""""" صفحة رقم 89 """""" # مع ذلك ساكت لا ينبس بحرف ، ونحن في الحديث نجري معه ، حتى وقف بنا على ~~ذكر الجاحظ وخطابته ، ووصف ابن المقفع وذرابته ، ووافق أول الحديث آخر ~~الخوان ، وزلنا عن ذلك المكان ، فقال الرجل : أين أنتم من الحديث الذي كنتم ~~فيه ? فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه ، وحسن سننه في الفصاحة وسننه ، فيما ~~عرفناه ، فقال : يا قوم لكل عمل رجال ، ولكل مقام مقال ، ولكل دار سكان ، ~~ولكل زمان جاحظ ، ولو انتقدتم ، لبطل ما اعتقدتم ، فكل كشر له عن ناب ~~الإنكار ، وأشم بأنف الإكبار ، وضحكت له لأجلب ما عنده ، وقلت : أفدنا ~~وزدنا ، فقال : إن الجاحظ في أحد شقي البلاغة يقطف ، وفي الآخر ms19 يقف ، ~~والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره ، ولم يزر كلامه بشعره ، فهل تروون PageV01P089 ~~"""""" صفحة رقم 90 """""" # للجاحظ شعرا رائعا ? قلنا : لا ، قال : فهلموا إلى كلامه ، فهو بعيد ~~الإشارات ، قليل الاستعارات ، قريب العبارات ، منقاد لعريان الكلام يستعمله ~~، نفور من معتاصه يهمله ، فهل سمعتم له لفظة مصنوعة ، أو كلمة غير مسموعة ? ~~فقلنا : لا ، فقال : هل تحب أن تسمع من الكلام ما يخفف عن منكبيك ، وينم ~~على ما في يديك ? فقلت : إي والله ، قال : فأطلق لي عن خنصرك ، بما يعين ~~على شكرك ، فنلته ردائي ، فقال : PageV01P090 # """""" صفحة رقم 91 """""" # لعمر الذي ألقى علي ثيابهلقد حشيت تلك الثياب به مجدا # فتى قمرته المكرمات رداءه وما ضربت قدحا ولا نصبت نردا # أعد نظرا يا من حباني ثيابه ولا تدع الأيام تهدمني هدا # وقل للأولى إن أسفروا أسفروا ضح ىوإن طلعوا في غمة طلعوا سعدا PageV01P091 ~~"""""" صفحة رقم 92 """""" # صلوا رحم العليا ، وبلوا لهانها فخير الندى ما سح وابله نقدا # قال عيسى بن هشام : فارتاحت الجماعة إليه ، وانثالت الصلات عليه ، وقلت ~~لما تآنسنا : من أين مطلع هذا البدر ? فقال : # إسكندرية داري لو قر فيها قراري # لكن ليلى بنجد وبالحجاز نهاري . PageV01P092 # """""" صفحة رقم 93 """""" # المقامة المكفوفية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كنت أجتاز ، في بعض بلاد الأهواز ، وقصاراي لفظة شرود أصيدها ، وكلمة ~~بليغة أستزيدها ، فأداني السير إلى رقعة فسيحة من البلد ، وإذا هناك قوم ~~مجتمعون على رجل يستمعون إليه ، وهو يخبط الأرض بعصا على إيقاع لا يختلف ، ~~وعلمت أن مع الإيقاع لحنا ، ولم أبعد لأنال من السماع حظا ، أو أسمع من ~~الفصيح لفظا ، فما زلت بالنظارة أزحم هذا وأدفع ذاك حتى وصلت إلى الرجل ، ~~وسرحت الطرف منه إلى حزقة كالقرنبي أعمى مكفوف ، في شملة صوف ، يدور ~~كالخذروف ، متبرنسا بأطول PageV01P093 ~~"""""" صفحة رقم 94 """""" # منه ، معتمدا على عصا فيها جلاجل يخبط الأرض بها على إيقاع غنج ، بلحن ~~هزج ، وصوت شج ، من صدر حرج ، وهو يقول : # يا قوم قد أثقل ديني ظهري وطالبتني طلتي بالمهر # أصبحت من بعد غنى ووفر ساكن ms20 قفر وحليف فقر # يا قوم هل بينكم من حر يعينني على صروف الدهر # يا قوم قد عيل لفقري صبري وانكشفت عني ذيول الستر # وفض ذا الدهر بأيدي البتر ما كان بي من فضة وتبر # آوي إلى بيت كقيد شبر خامل قدر وصغير قدر PageV01P094 ~~"""""" صفحة رقم 95 """""" # لو ختم الله بخير أمري أعقبني عن عسر بيسر # هل من فتى فيكم كريم النجر محتسب في عظيم الأجر # إن لم يكن مغتنما للشكر ? قال عيسى بن هشام : فرق له والله قلبي ، ~~واغرورقت له عيني ، فنلته دينارا كان معي ، فما لبث أن قال : # يا حسنها فاقعة صفراء ممشوقة منقوشة قوراء # يكاد أن يقطر منها الماء قد أثمرتها همة علياء # نفس فتى يملكه السخاء يصرفه فيه كما يشاء PageV01P095 ~~"""""" صفحة رقم 96 """""" # يا ذا الذي يعنيه ذا الثناء ما يتقضى قدرك الإطراء # امض إلى الله لك الجزاء ورحم الله من شدها في قرن مثلها ، وآنسها بأختها ~~، فناله الناس ما نالوه ، ثم فارقهم وتبعته ، وعلمت أنه متعام ، لسرعة ما ~~عرف الدينار ، فلما نظمتنا خلوة ، مددت يمناي إلى يسرى عضديه وقلت : والله ~~لتريني سرك ، أو لأكشفن سترك ، ففتح عن توأمتي لوز ، وحدرت لثامه عن وجهه ، ~~فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري ، فقلت : أنت أبو الفتح ? فقال : لا # أنا أبو قلمون في كل لون أكون # أختر من الكسب دونا فإن دهرك دون # زج الزمان بحمق إن الزمان زبون # لا تكذبن بعقل ما العقل إلا الجنون PageV01P096 ~~"""""" صفحة رقم 97 """""" # المقامة البخارية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # أحلني جامع بخارى يوم وقد انتظمت مع رفقة في سمط الثريا ، وحين احتفل ~~الجامع بأهله طلع إلينا ذو طمرين قد أرسل صوانا ، واستتلى طفلا عريانا ، ~~يضيق بالضر وسعه ، ويأخذه القر ويدعه ، لا يملك غير القشرة بردة ، ولا ~~يكتفي لحماية رعدة ، فوقف الرجل وقال : لا PageV01P097 ~~"""""" صفحة رقم 98 """""" # ينظر لهذا الطفل إلا من الله طفله ، ولا يرق لهذا الضر إلا من لا يأمن ~~مثله ، يا أصحاب الجدود المفروزة ، والأردية المطروزة ، والدور المنجدة ، ~~والقصور المشيدة ، إنكم ms21 لن تأمنوا حادثا ، ولن تعدموا وارثا ، فبادروا ~~الخير ما أمكن ، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن ، فقد والله طعمنا السكباج ، ~~وركبنا الهملاج ، ولبسنا الديباج ، وافترشنا الحشايا ، بالعشايا ، فما ~~راعنا إلا هبوب الدهر بغدره ، وانقلاب المجن لظهره ، فعاد الهملاج قطوفا ، ~~وانقلب الديباج صوفا ، وهلم جرا إلى ما تشاهدون من حالي وزيي ، فها نحن ~~نرنضع من الدهر ثدي عقيم ، ونركب من الفقر ظهر بهيم ، فلا نرنو إلا بعين ~~اليتيم ، ولا نمد إلا يد العديم ، فهل من PageV01P098 ~~"""""" صفحة رقم 99 """""" # كريم يجلو غياهب هذه البؤوس ، ويفل شبا هذه النحوس ? ثم قعد مرتفقا وقال ~~للطفل : أنت وشانك ، فقال : ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشعر لحلقه ~~، أو الصخر لفلقه ، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء ، وقد سمعتم يا قوم ، ما ~~لم تسمعوا قبل اليوم ، فليشغل كل منكم بالجود يده ، وليذكر غده ، واقيا بي ~~ولده ، واذكروني أذكركم ، وأعطوني أشكركم . # قال عيسى بن هشام : فما آنسني في وحدتي إلا خاتم ختمت به خنصره ، فلما ~~تناوله أنشأ يصف الخاتم على الإصبع ، وجعل يقول : # وممنطق من نفسه بقلادة الجوزاء حسنا PageV01P099 ~~"""""" صفحة رقم 100 """""" # كمتيم لقي الحبي ب فضمه شغفا وحزنا # متألف من غير أس رته على الأيام خدنا # علق سني قدره لكن من أهداه أسنى # أقسمت لو كان الورى في المجد لفظا كنت معنى # قال عيسى بن هشام : فنلناه ما تاح لنا من الفور ، فأعرض عنا ، حامدا لنا ~~، فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه ، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح ~~الإسكندري ، وإذا الطلا زغلوله ، فقلت : # أبا الفتح شبت ، وشب الغلام فأين السلام ، وأين الكلام ? PageV01P100 ~~"""""" صفحة رقم 101 """""" # فقال : # غريبا إذا جمعتنا الطريق أليفا إذا نظمتنا الخيام فعلمت أنه يكره مخاطبتي ~~، فتركته وانصرفت . PageV01P101 # """""" صفحة رقم 102 """""" # المقامة القزوينية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # غزوت الثغر بقزوين ، سنة خمس وسبعين ، فيمن غزاه ، فما أجزنا حزنا ، إلا ~~هبطنا بطنا ، حتى وقف المسير بنا على بعض قراها ، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل ~~أثلاث ، في حجرتها عين كلسان الشمعة ، أصفى من ms22 الدمعة ، تسيح في الرضراض ~~سيح النضناض ، فنلنا من الطعام ما نلنا ، ثم ملنا إلى الظل فقلنا ، فما ~~ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكرمن صوت حمار ، ورجعا أضعف من رجع الحوار ، ~~يشفعهما صوت طبل كأنه خارج من PageV01P102 ~~"""""" صفحة رقم 103 """""" # ما ضغي أسد ، فذاد عن القوم ، رائد النوم ، وفتحت التوأمتين إليه وقد ~~حالت الأشجار دونه ، وأصغيت فإذا هو يقول ، على إيقاع الطبول : # أدعو إلى الله فهل من مجيب إلي ذرا رحب ومرعى خصيب # وجنة عالية ما تنى قطوفها دانية ما تغيب # ياقوم إني رجل تائب من بلد الكفر وأمري عجيب # إن أك آمنت فكم ليلة جحدت ربي وأتيت المريبر PageV01P103 ~~"""""" صفحة رقم 104 """""" # يا رب خنزير تمششته ومسكر أحرزت منه النصيب # ثم هداني الله وانتاشني من ذلة الكفر اجتهاد المصيب # فظلت أخفي الدين في أسرتي وأعبد الله بقلب منيب # أسجد للات حذار العدى ولا أرى الكعبة خوف الرقيب # وأسأل الله إذا جنني ليل وأضناني يوم عصيب # رب كما أنك أنقذتني فنجني إني فيهم غريب # ثم اتخذت الليل لي مركبا وما سوى العزم أمامي جنيب PageV01P104 ~~"""""" صفحة رقم 105 """""" # فقدك من سيري فشي ليلة يكاد رأس الطفل فيها يشيب # حتى إذا جزت بلاد العدى إلى حمى الدين نفضت الوجيب # فقلت : إذ لاح شعار الهدى نصر من الله وفتح قريب # فما بلغ هذا البيت قال : يا قوم وطئت داركم بعزم لا العشق شاقه ، ولا ~~الفقر ساقه ، وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعنابا ، وكواعب أترابا ، وخيلا ~~مسومة ، وقناطير مقنطرة ، وعدة وعديدا ، ومراكب وعبيدا ، وخرجت خروج الحية ~~من جحره ، وبرزت بروز الطائر من وكره ، مؤثرا ديني على دنياي ، PageV01P105 ~~"""""" صفحة رقم 106 """""" # جامعا يمناي إلى يسراي ، واصلا سيري بسراي ، فلو دفعتم النار بشرارها ، ~~ورميتم الروم بحجارها ، وأعنتموني على غزوها ، مساعدة وإسعادا ، ومرافدة ~~وإرفادا ولا شطط فكل على قدر قدرته ، وحسب ثروته ، ولا أستكثر البدرة ، ~~وأقبل الذرة ، ولا أرد التمرة ، ولكل مني سهمان : سهم أذلقه للقاء وآخر ~~أفوقه بالدعاء ، وأرشق به أبواب السماء ، عن قوس الظلماء . PageV01P106 # """""" صفحة رقم 107 ms23 """""" # قال عيسى بن هشام : فاستفزني رائع ألفاظه ، وسروت جلباب النوم ، وعدوت ~~إلى القوم ، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري بسيف قد شهره ، وزي قد ~~نكره ، فلما رآني غمزني بعينه ، وقال : رحم الله من أعاننا بفاضل ذيله ، ~~وقسم لنا من نيله ، ثم أخذ ما أخذ ، وخلوت به فقلت : أأنت من أولاد النبيط ~~? فقال : # أنا حالي من الزما ن كحالي مع النسب # نسبي في يد الزما ن إذا سامه انقلب # أنا أمسي من النبي ط وأضحي من العرب PageV01P107 ~~"""""" صفحة رقم 108 """""" # المقامة الساسانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : أحلتني دمشق بعض أسفاري ، فبينا أنا يوما على ~~باب داري ، إذ طلع علي من بني ساسان كتيبة قد لفوا رؤوسهم ، وصلوا بالمغرة ~~لبوسهم ، وتأبط كل واحد منهم حجرا يدق به صدره ، وفيهم زعيم لهم PageV01P108 ~~"""""" صفحة رقم 109 """""" # يقول وهم يراسلونه ، ويدعو ويجاوبونه ، فلما رآني قال : # أريد منك رغيفا يعلو خوانا نظيفا # أريد ملحا جريشا أريد بقلا قطيفا # أريد لحما غريضا أريد خلا ثقيفا # أريد جديا رضيعا أريد سخلا خروفا # أريد ماء بثلج يغشى إناء طريفا # أريد دن مدام أقوم عنه نزيفا # وساقيا مستهشا على القلوب خفيفا # أريد منك قميصا وجبة ونصيفا # أريد نعلا كثيفا بها أزور الكنيفا PageV01P109 ~~"""""" صفحة رقم 110 """""" # أريد مشطا وموسى أريد سطلا وليفا # يا حبذا أنا ضيفا لكم وأنت مضيفا # رضيت منك بهذا ولم أرد أن أحيفا # قال عيسى بن هشام : فنلته درهما ، وقلت له : قد آذنت بالدعوة وسنعد ~~ونستعد ، ونجتهد ونجد ، ولك علينا الوعد من بعد ، وهذا الدرهم تذكرة معك ، ~~فخذ المنقود ، وانتظر الموعود ، فأخذه وصار إلى رجل آخر ظننت أنه يلقاه ~~بمثل ما لقيني ، فقال : # يا فاضلا قد تبدى كأنه الغصن قدا # قد اشتهى اللحمض ضرسي فاجلده بالخبز جلدا PageV01P110 ~~"""""" صفحة رقم 111 """""" # وامنن علي بشيء واجعله للوقت نقدا # أطلق من اليد خصرا واحلل من الكيس عقدا # واضمم يديك لأجلي إلى جناحك عمدا # قال عيسى بن هشام : فلما فتق سمعي منه هذا الكلام ، علمت أن وراءه فضلا ، ~~فتبعته حتى صار ms24 إلى أم مثواه ، ووقفت منه بحيث لا يراني وأراه ، وأماط ~~السادة لثمهم ، فإذا زعيمهم أبو الفتح الإسكندري ، فنظرت إليه وقلت : ما هذه PageV01P111 ~~"""""" صفحة رقم 112 """""" # الحيلة ويحك ? فأنشأ يقول : # هذا الزمان مشوم كما تراه غشوم # الحمق فيه مليح والعقل عيب ولوم # والمال طيف ، ولكن حول اللئام يحوم PageV01P112 ~~"""""" صفحة رقم 113 """""" # المقامة القردية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # بينا أنا بمدينة السلام ، قافلا من البلد الحرام ، أميس ميس الرجلة ، على ~~شاطئ الدجلة ، أتأمل تلك الطرائف ، وأتقصى تلك الزخارف ، إذ انتهيت إلى ~~حلقة رجال مزدحمين يلوي الطرب أعناقهم ، ويشق الضحك أشداقهم ، فساقني الحرص ~~إلى ما ساقهم ، حتى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأي وجهه لشدة الهجمة وفرط ~~الزحمة ، فإذا هو قراد يرقص قرده ، ويضحك من عنده ، فرقصت رقص المحرج ، PageV01P113 ~~"""""" صفحة رقم 114 """""" # وسرت سير الأعرج ، فوق رقاب الناس يلفظني عاتق هذا لسرة ذاك ، حتى افترشت ~~لحية رجلين ، وقعدت بعد الاين ، وقد أشرقني الخجل بريقه ، وأرهقني المكان ~~بضيقه ، فلما فرغ القراد من شغله ، وانتفض المجلس عن أهله ، قمت وقد كساني ~~الدهش حلته ، ووقفت لأرى صورته ، فإذا هو والله أبو الفتح الإسكندري ، فقلت ~~: ما هذه الدناءة ويحك ، فأنشأ يقول : # الذنب للأيام لا لي فاعتب علي صرف الليالي # بالحمق أدركت المنى ورفلت في حلل الجمال PageV01P114 ~~"""""" صفحة رقم 115 """""" # المقامة الموصلية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # لما قفلنا من الموصل ، وهممنا بالمنزل ، وملكت علينا القافلة ، وأخذ منا ~~الرحل والراحلة ، جرت بي الحشاشة إلى بعض قراها ، ومعي الإسكندي أبو الفتح ~~، فقلت : أين نحن من الحيلة ? فقال : يكفي الله ، ودفعنا إلى دار قد مات ~~صاحبها ، وقامت نوادبها ، واحتفلت بقوم قد كوى الجزع قلوبهم ، وشقت الفجيعة ~~جيوبهم ، ونساء قد نشرن شعورهن ، PageV01P115 ~~"""""" صفحة رقم 116 """""" # يضربن صدورهن ، وجددن عقودهن ، يلطمن خدودهن ، فقال الإسكندري : لنا في ~~هذا السواد نخلة ، وفي هذا القطيع سخلة ، ودخل الدار لينظر إلى الميت وقد ~~شدت عصابته لينقل ، وسخن ماؤه ليغسل ، وهيئ تابوته ليحمل ، وخيطت أثوابه ~~ليكفن ، وحفرت حفرته ليدفن ، فلما رآه الإسكندري أخذ حلقه ، فجس عرقه ms25 ، ~~فقال : يا قوم اتقوا الله لا تدفنوه فهو حي ، وإنما عرته بهتة ، وعلته سكتة ~~، وأنا أسلمه مفتوح العينين ، بعد يومين ، فقالوا : من أين لك ذلك ? فقال : ~~إن الرجل إذا مات برد استه ، وهذا الرجل قد لمسته فعلمت أنه حي ، فجعلوا ~~أيديهم في استه ، فقالوا : الأمر على ما ذكر ، فافعلوا كما أمر ، وقام ~~الإسكندري إلى الميت ، فنزع ثيابه ثم شد له العمائم ، وعلق عليه PageV01P116 ~~"""""" صفحة رقم 117 """""" # تمائم ، وألعقه الزيت ، وأخلى له البيت ، وقال : دعوه ولا تروعوه ، وإن ~~سمعتم له أنينا فلا تجيبوه ، وخرج من عنده وقد شاع الخبر وانتشر ، بأن ~~الميت قد نشر ، وأخذتنا المبار ، من كل دار ، وانثالت علينا الهدايا من كل ~~جار ، حتى ورم كيسنا فضة وتبرا وامتلأ رحلنا أقطا وتمرا ، وجهدنا أن ننتهز ~~فرصة في الهرب فلم نجدها ، حتى حل الأجل المضروب ، واستنجز الوعد المكذوب ~~فقال الإسكندري : هل سمعتم لهذا العليل ركزا ، أو رأيتم منه رمزا ? فقالوا ~~: لا ، فقال : إن لم يكن صوت مذ فارقته ، فلم يجيئ بعد وقته ، دعوه إلى غد ~~فإنكم إذا PageV01P117 ~~"""""" صفحة رقم 118 """""" # سمعتم صوته ، أمنتم موته ، ثم عرفوني لأحتال في علاجه ، وإصلاح ما فسد من ~~مراجه ، فقالوا : لا تؤخر ذلك عن غد ، قال : لا ، فلما ابتسم ثغر الصبح ~~وانتشر جناح الضو ، في أفق الجو ، جاءه الرجال أفواجا ، والنساء أزواجا ، ~~وقالوا : نحب أن تشفي العليل ، وتدع القال والقيل ، فقال الإسكندري : قوموا ~~بنا إليه ، ثم حدر التمائم عن يده ، وحل العمائم عن جسده ، وقال : أنيموه ~~على وجهه ، فأنيم ، ثم قال : أقيموه على رجليه ، فأقيم ، ثم قال : خلوا عن ~~يديه ، فسقط رأسا ، وطن الإسكندري بفيه وقال : هو ميت كيف أحييه ? فأخذه ~~الخف ، وملكته الأكف ، وصار إذا رفعت عنه يد وقعت عليه أخرى ، ثم تشاغلوا ~~بتجهيز الميت ، فانسللنا هاربين حتى أتينا قرية على شفير واد السيل يطرفها ~~والماء يتحيفها . PageV01P118 # """""" صفحة رقم 119 """""" # وأهلها مغتمون لا يملكهم غمض الليل ، من خشية السيل ، فقال الإسكندري : ~~يا قوم أنا أكفيكم هذا الماء ومعرته ، وأرد عن هذه القرية مضرته ، فأطيعوني ms26 ~~، ولا تبرموا أمرا دوني ، فقالوا : وما أمرك ? فقال : أذبحوا في # مجرى هذا الماء بقرة صفراء ، وأتوني بجارية عذراء ، وصلوا خلفي ركعتين ~~يثن الله عنكم عنان هذا الماء ، إلى هذه الصحراء ، فإن لم ينثن الماء فدمي ~~عليكم حلال ، قالوا : نفعل ذلك ، فذبحوا البقرة ، وزوجوه الجارية ، وقام ~~إلى الركعتين يصليهما ، وقال : يا قوم احفظوا أنفسكم لا يقع منكم في القيام ~~كبو ، أو في الركوع هفو ، أو في السجود سهو ، أو في القعود لغو ، فمتى ~~سهونا خرج أملنا عاطلا ، وذهب عملنا PageV01P119 ~~"""""" صفحة رقم 120 """""" # باطلا ، واصبروا على الركعتين فمسافتهما طويلة ، وقام للركعة الأولى ~~فانتصب انتصاب الجذع ، حتى شكوا وجع الضلع ، وسجد ، حتى ظنوا أنه قد هجد ~~ولم يشجعوا لرفع الرؤوس ، حتى كبر للجلوس ، ثم عاد إلى السجدة الثانية ، ~~وأومأ إلي ، فأخذنا الوادي وتركنا القوم ساجدين ، لا نعلم ما صنع الدهر بهم ~~، فأنشأ أبو الفتح يقول : رى هذا الماء بقرة صفراء ، وأتوني بجارية عذراء ، ~~وصلوا خلفي ركعتين يثن الله عنكم عنان هذا الماء ، إلى هذه الصحراء ، فإن ~~لم ينثن الماء فدمي عليكم حلال ، قالوا : نفعل ذلك ، فذبحوا البقرة ، ~~وزوجوه الجارية ، وقام إلى الركعتين يصليهما ، وقال : يا قوم احفظوا أنفسكم ~~لا يقع منكم في القيام كبو ، أو في الركوع هفو ، أو في السجود سهو ، أو في ~~القعود لغو ، فمتى سهونا خرج أملنا عاطلا ، وذهب عملنا باطلا ، واصبروا على ~~الركعتين فمسافتهما طويلة ، وقام للركعة الأولى فانتصب انتصاب الجذع ، حتى ~~شكوا وجع الضلع ، وسجد ، حتى ظنوا أنه قد هجد ولم يشجعوا لرفع الرؤوس ، حتى ~~كبر للجلوس ، ثم عاد إلى السجدة الثانية ، وأومأ إلي ، فأخذنا الوادي ~~وتركنا القوم ساجدين ، لا نعلم ما صنع الدهر بهم ، فأنشأ أبو الفتح يقول : # لا يبعد الله مثلي وأين مثلي أينا ? # لله غفلة قوم غنمتها بالهوينا PageV01P120 ~~"""""" صفحة رقم 121 """""" # اكتلت خيرا عليهم وكلت زورا ومينا PageV01P121 ~~"""""" صفحة رقم 122 """""" # المقامة المضيرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # كنت بالبصرة ، ومعي أبو الفتح الإسكندري رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه ، ~~والبلاغة يأمرها فتطيعه ، وحضرنا معه دعوة بعض التجار ms27 ، فقدمت إلينا مضيرة ~~، تثني على الحضارة ، وتترجرج في الغضارة ، وتؤذن بالسلامة ، وتشهد لمعاوية ~~رحمه الله بالإمامة ، في قصعة يزل عنها الطرف ، PageV01P122 ~~"""""" صفحة رقم 123 """""" # ويموج فيها الظرف ، فلما أخذت من الخوان مكانها ، ومن القلوب أوطانها ، ~~قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها ، ويمقتها وآكلها ، ويثلبها ~~وطابخها ، وظنناه يمزح فإذا الأمر بالضد ، وإذا المزاح عين الجد ، وتنحى عن ~~الخوان ، وترك مساعدة الإخوان ، ورفعناها فارتفعت معها القلوب ، وسافرت ~~خلفها العيون ، وتحلبت لها الأفواه ، وتلمظت لها الشفاه ، واتقدت لها ~~الأكباد ، ومضى في إثرها الفؤاد ، ولكنا ساعدناه على هجرها ، وسألناه عن ~~أمرها ، فقال : قصتي معها PageV01P123 ~~"""""" صفحة رقم 124 """""" # أطول من مصيبتي فيها ، ولو حدثتكم بها لم آمن المقت ، وإضاعة الوقت ، ~~قلنا : هات : قال : دعاني بعض التجار إلى مضيرة وأنا ببغداد ، ولزمني ~~ملازمة الغريم ، والكلب لأصحاب الرقيم ، إلى أن أجبته إليها ، وقمنا فجعل ~~طول الطريقيثني علي زوجته ، ويفديها بمهجته ، ويصف حذقها في صنعتها ، ~~وتأنقها في طبخها ويقول : يا مولاي لو رأيتها ، والخرقة في وسطها ، وهي ~~تدور في الدور ، من التنور إلى القدور ومن القدور إلى التنور تنفث بفيها ~~النار ، وتدق بيديها الأبزار ، ولو رأيت الدخان وقد غبر في ذلك الوجه ~~الجميل ، وأثر في PageV01P124 ~~"""""" صفحة رقم 125 """""" # ذلك الخد الصقيل ، لرأيت منظرا تحار فيه العيون : وأنا أعشقها لأنها ~~تعشقني ، ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من حليلته ، وأن يسعد بظعينته ، ~~ولا سيما إذا كانت من طينته ، وهي ابنة عمي لحا ، طينتها طينتي ، ومدينتها ~~مدينتي ، وعمومتها عمومتي ، وأرومتها أرومتي ، لكنها أوسع مني خلقا ، وأحسن ~~خلقا وصدعني بصفات زوجته ، حتى انتهينا إلى محلته ، ثم قال : يا مولاي ترى ~~هذه المحلة ? هي أشرف محال بغداد ، يتنافس الأخيار في نزولها ، ويتغاير ~~الكبار في حلولها ، ثم لا يسكنها غير التجار ، وإنما المرء بالجار ودارى في ~~السطة من قلادتها ، والنقطة من دائرتها ، كم تقدر يا مولاي أنفق على كل دار ~~منها ? قله تخمينا إن لم تعرفه يقينا ، PageV01P125 ~~"""""" صفحة رقم 126 """""" # قلت : الكثير ، فقال : يا سبحان الله ما أكبر هذا الغلط تقول الكثير فقط ms28 ~~? وتنفس الصعداء ، وقال : سبحان من يعلم الأشياء ، وانتهينا إلى باب داره ، ~~فقال : هذه داري ، كم تقدر يا مولاي أنفقت على هذه الطاقة ? أنفقت والله ~~عليها فوق الطاقة ، ووراء الفاقة ، كيف ترى صنعتها وشكلها ? أرأيت بالله ~~مثلها ? انظر إلى دقائق الصنعة فيها ، وتأمل حسن تعريجها ، فكأنما خط ~~بالبركار وانظر إلى حذق النجار في صنعة هذا الباب ، اتخذه من كم ? قل : ومن ~~أين أعلم ، هو ساج من قطعة واحدة لا مأروض ولا عفن ، إذا حرك أن ، وإذا نقر ~~طن ، من اتخذه يا سيدي ? اتخذه أبو إسحاق بن محمد البصري ، وهو والله رجل ~~نظيف الأثواب ، بصير بصنعة الأبواب خفيف اليد في العمل ، لله در ذلك الرجل PageV01P126 ~~"""""" صفحة رقم 127 """""" # بحياتي لا استعنت إلا به على مثله ، وهذه الحلقة تراها اشتريتها في سوق ~~الطرائف من عمران الطرائفي بثلاثة دنانير معزية ، وكم فيها يا سيدي من ~~الشبه ? فيها ستة أرطال ، وهي تدور بلولب في الباب ، بالله دورها ، ثم ~~انقرها وأبصرها ، وبحياتي عليك لا اشتريت الحلق إلا منه ؛ فليس يبيع إلا ~~الأعلاق ، ثم قرع الباب ودخلنا الدهليز ، وقال : عمرك الله يا دار ولا خربك ~~يا جدار ، فما أمتن حيطانك ، وأوثق بنيانك ، وأقوى أساسك ، تأمل بالله ~~معارجها ، وتبين دواخلها وخوارجها ، وسلني : كيف حصلتها ? وكم من حيلة ~~احتلتها ، حتى عقدتها ? كان لي جار يكنى أبا سليمان يسكن هذه المحلة ، وله ~~من المال ما لا يسعه الخزن ، ومن الصامت ما لا يحصره الوزن ، مات رحمه الله ~~وخلف خلفا أتلفه بين الخمر والزمر ، ومزقه بين النرد والقمر ، وأشفقت أن ~~يسوقه قائد PageV01P127 ~~"""""" صفحة رقم 128 """""" # الاضطرار ، إلى بيع الدار ، فيبيعها في أثناء الضجر ، أو يجعلها عرضة ~~للخطر ، ثم أراها ، وقد فاتني شراها ، فأتقطع عليها حسرات ، إلى يوم الممات ~~، فعمدت إلى أثواب لا تنض تجارتها فحملتها إليه ، وعرضتها عليه ، وساومته ~~على أن يشتريها نسية ، والمدبر يحسب النسية عطية ، والمتخلف يعتدها هدية ، ~~وسألته وثيقة بأصل المال ، ففعل وعقدها لي ، ثم تغافلت عن اقتضائه ، حتى ~~كادت حاشية حاله ترق ، فأتيته فاقتضيته ، واستمهلني PageV01P128 ~~"""""" صفحة رقم ms29 129 """""" # فأنظرته ، والتمس غيرها من الثياب فأحضرته ، وسألته أن يجعل داره رهينة ~~لدي ، ووثيقة في يدي ، ففعل ، ثم درجته بالمعاملات إلى بيعها حتى حصلت لي ~~بجد صاعد ، وبخت مساعد ، وقوة ساعد ، ورب ساع لقاعد ، وأنا بحمد الله مجدود ~~، وفي مثل هذه الأحوال محمود ، وحسبك يا مولاي أني كنت منذ ليال نائما في ~~البيت مع من فيه إذ قرع علينا الباب # فقلت : من الطارق المنتاب ، فإذا امرأة معها عقد لآل ، في جلدة ماء ورقة ~~آل ، تعرضه للبيع ، فأخذته منها إخذة خلس ، واشتريته بثمن بخس ، وسيكون له ~~نفع ظاهر ، وربح وافر ، بعون الله تعالى ودولتك ، وإنما حدثتك بهذا الحديث ~~لتعلم سعادة جدي في التجارة ، والسعادة PageV01P129 ~~"""""" صفحة رقم 130 """""" # تنبط الماء من الحجارة ، الله أكبر لا ينبئك أصدق من نفسك ، ولا أقرب من ~~أمسك ، اشتريت هذا الحصير في المنادات ، وقد أخرج من دور آل الفرات ، وقت ~~المصادرات ، وزمن الغارات وكنت أطلب مثله منذ الزمن الأطول فلا أجد ، ~~والدهر حبلى ليس يدرى ما يلد ، ثم اتفق أني حضرت باب الطاق ، وهذا يعرض ~~بالأسواق ، فوزنت فيه كذا وكذا دينارا ، تأمل بالله دقته ولينه ، وصنعته ~~ولونه ، فهو عظيم القدر ، لا يقع مثله إلا في الندر ، وإن كنت سمعت بأبي ~~عمران الحصيري فهو عمله ، وله ابن يخلفه الآن في حانوته لا يوجد اعلاق ~~الحصر إلا عنده ؛ فبحياتي لا اشتريت الحصر إلا من دكانه ، فالمؤمن ناصح PageV01P130 ~~"""""" صفحة رقم 131 """""" # لإخوانه ، لا سيما من تحرم بخوانه ، ونعود إلى حديث المضيرة ، فقد حان ~~وقت الظهيرة ، يا غلام الطست والماء فقلت : الله أكبر ، ربما قرب الفرج ، ~~وسهل المخرج ، وتقدم الغلام ، فقال : ترى هذا الغلام ? إنه رومي الأصل ، ~~عراقي النشء . تقدم يا غلام واحسر عن رأسك ، وشمر عن ساقك ، وانض عن ذراعك ~~، وافتر عن أسنانك ، وأقبل وأدبر ، ففعل الغلام ذلك ، وقال : التاجر : ~~بالله من اشتراه ? اشتراه والله أبو العباس ، من النخاس ، ضع الطست ، وهات ~~الإبريق ، فوضعه الغلام ، وأخذه التاجر وقلبه وأدار فيه النظر ثم نقره ، ~~فقال : انظر إلى هذا الشبه كأنه جذوة ms30 اللهب ، أو قطعة من الذهب ، شبه الشام ~~، وصنعة العراق ، ليس من خلقان الأعلاق قد عرف دور الملوك ودارها ، تأمل ~~حسنه وسلني متى اشتريته ? اشتريته والله عام المجاعة ، وادخرته لهذه الساعة ~~، يا غلام PageV01P131 ~~"""""" صفحة رقم 132 """""" # الإبريق ، فقدمه وأخذه التاجر فقلبه ثم قال وأنبوبه منه لا يصلح هذا ~~الإبريق إلا لهذا الطست ، ولا يصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست ، ولا يحسن ~~هذا الدست إلا في هذا البيت ، ولا يجمل هذا البيت إلا مع هذا الضيف ، أرسل ~~الماء يا غلام ، فقد حان وقت الطعام ، بالله ترى هذا الماء ما أصفاه ، أزرق ~~كعين السنور ، وصاف كقضيب البلور ، استقى من الفرات ، واستعمل بعد البيات ، ~~فجاء كلسان الشمعة ، في صفاء الدمعة ، وليس الشان في السقاء ، الشان في ~~الإناء ، لا يدلك على نظافة أسبابه ، أصدق من نظافة شرابه ، وهذا المنديل ~~سلني عن قصته ، فهو نسج جرجان ، وعمل أرجان ، وقع إلي فاشتريته ، PageV01P132 ~~"""""" صفحة رقم 133 """""" # فاتخذت امرأتي بعضه سراويلا ، واتخذت بعضه منديلا ، دخل في سراويلها ~~عشرون ذراعا ، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعا ، وأسلمته إلى المطرز حتى ~~صنعه كما تراه وطرزه ، ثم رددته من السوق ، وخزنته في الصندوق ، وأدخرته ~~للظراف ، من الأضياف لم تذله عرب العامضة بأيديها ، ولا النساء لمآقيها ، ~~فلكل علق يوم ، ولكل آلة قوم ، ياغلام الخوان ، فقد طال الزمان ، والقصاع ، ~~فقد طال المصاع ، والطعام ، فقد كثر الكلام ، فأتى الغلام بالخوان ، وقلبه ~~التاجر على المكان ، ونقره بالبنان ، وعجمه بالأسنان ، وقال : عمر الله ~~بغداد فما أجود PageV01P133 ~~"""""" صفحة رقم 134 """""" # متاعها ، وأظرف صناعها ، تأمل بالله هذا الخوان ، وانظر إلى عرض متنه ، ~~وخفة وزنه ، وصلابة عوده ، وحسن شكله ، فقلت : هذا الشكل ، فمتى الأكل ? ~~فقال : الآن ، عجل ياغلام الطعام ، لكن الخوان قوائمه منه ، قال أبو الفتح ~~الإسكندري فجاشت نفسي وقلت قد بقي الخبز وآلاته والخبز وصفاته والحنطة من ~~أين اشتريت أصلا ، وكيف اكترى لها حملا ، وفي أي رحى طحن ، وإجانة عجن ، ~~وأي تنور سجر ، وخباز استأجر ، وبقي الحطب من أين احتطب ، ومتى جلب ? وكيف ~~صفف حتى جفف ? وحبس ، حتى ms31 يبس ، وبقي الخباز ووصفه ، والتلميذ ونعته ، ~~والدقيق ومدحه ، والخمير وشرحه ، والملح وملاحته وبقيت السكرجات من اتخذها ~~، وكيف انتقذها ، ومن استعملها ، ? ومن عملها ? PageV01P134 ~~"""""" صفحة رقم 135 """""" # والخل كيف انتقى عنبه ، أو اشتري رطبه ، وكيف صهرجت معصرته ? واستخلص لبه ~~? وكيف قير حبه ? وكم يساوي دنه ? وبقي البقل كيف احتيل له حتى قطف ? وفي ~~أي مبقلة رصف ? وكيف تؤنق حتى نظف ? وبقيت المضيرة كيف اشتري لحمها ? ووفي ~~شحمها ? ونصبت قدرها ، وأججت نارها ، ودقت أزارها ، حتى أجيد طبخها وعقد ~~مرقها ? وهذا خطب يطم ، وأمر لا يتم ، فقمت ، فقال : أين تريد ? فقلت : ~~حاجة أقضيها ، فقال : يامولاي تريد كنيفا يزري بربيعي الأمير ، وخريفي ~~الوزير ، قد جصص أعلاه ، وصهرج أسفله ، وسطح سقفه ، وفرشت بالمرمر أرضه ، ~~يزل عن حائطه الذر فلا يعلق ، ويمشي على أرضه الذباب فينزلق ، عليه باب ~~غيرانه من خليطي ساج وعاج ، مزدوجين PageV01P135 ~~"""""" صفحة رقم 136 """""" # أحسن ازدواج ، يتمنى الضيف أن يأكل فيه ، فقلت : كل أنت من هذا الجراب ، ~~لم يكن الكنيف في الحساب ، وخرجت نحو الباب ، وأسرعت في الذهاب ، وجعلت ~~أعدو وهو يتبعنشي ويصيح : يا أبا الفتح المضيرة ، وظن الصبيان أن المضيرة ~~لقب لي فصاحوا صياحه ، فرميت أحدهم بحجر ، من فرط الضجر ، فلقي رجل الحجر ~~بعمامته ، فغاص في هامته ، فأخذت من النعال بما قدم وحدث ، ومن الصفع بما ~~طاب وخبث ، وحشرت إلى الحبس ، فأقمت عامين في ذلك النحس ، فنذرت أن لا آكل ~~مضيرة ما عشت ، فهل أنا في ذا يالهمدان ظالم ? . # قال عيسى بن هشام : فقبلنا عذره ، ونذرنا نذره ، وقلنا : قديما جنت ~~المضيرة على الأحرار ، وقدمت الأراذل على الأخيار . PageV01P136 # """""" صفحة رقم 137 """""" # المقامة الحرزية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما بلغت بي الغربة باب الأبواب ، ورضيت من ~~الغنيمة بالإياب ، ودونه من البحر وثاب بغاربه ، ومن السفن عساف براكبه ، ~~استخرت الله في القفول ، وقعدت من الفلك ، بمثابة الهلك ، ولما ملكنا البحر ~~وجن علينا الليل غشيتنا سحابة تمد من الأمطار PageV01P137 ~~"""""" صفحة رقم 138 """""" # حبالا ، وتحود من الغيم جبالا ، بريح ترسل الأمواج أزواجا ، والأمطار ~~أفواجا ، وبقينا في يد ms32 الحين ، بين البحرين ، لا نملك عدة غير الدعاء ، ولا ~~حيلة إلا البكاء ولا عصمة غير الرجاء ، وطويناها ليلة نابغية ، وأصبحنا ~~نتباكى ونتشاكى ، وفينا رجل لا يخضل جفنه ، ولا تبتل عينه ، رخي الصدر ~~منشرحه ، نشيط القلب فرخه ، فعجبنا والله كل العجب ، وقلنا له : ما الذي ~~أمنك من العطب ? فقال : حرز لا يغرق صاحبه ، ولو شئت أن أمنح كلا منكم حرزا ~~لفعلت ، فكل رغب إليه ، وألح في المسألة عليه ، فقال : لن أفعل ذلك حتى ~~يعطيني كل واحد منكم دينارا الآن ، ويعدني دينارا إذا سلم . # قال عيسى بن هشام : فنقدناه ما طلب ، PageV01P138 ~~"""""" صفحة رقم 139 """""" # ووعدناه ما خطب ، وآبت يده إلى جيبه ، فأخرج قطعة ديباج ، فيها حقة عاج ، ~~قد ضمن صدرها رقاعا ، وحذف كل واحد منا بواحدة منها ، فلما سلمت السفينة ، ~~وأحلتنا المدينة ، افتضى الناس ما وعدوه ، فنقدوه ، وانتهى الأمر إلي فقال ~~: دعوه ، فقلت : لك ذلك بعد أن تعلمني سر حالك ، قال : أنا من بلاد ~~الإسكندرية ، فقلت : كيف نصرك الصبر وخذلنا ? فأنشأ يقول : # ويك لولا الصبر ما كن ت ملأت الكيس تبرا # لن ينال المجد من ضا ق بما يغشاه صدرا # ثم ما أعقبني السا عة ما أعطيت ضرا PageV01P139 ~~"""""" صفحة رقم 140 """""" # بل به أشتد أزرا وبه أجبر كسرا # ولو أني اليوم في الغر قى لما كلفت عذرا PageV01P140 ~~"""""" صفحة رقم 141 """""" # المقامة المارستانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # دخلت مارستان البصرة ومعي أبو داود المتكلم ، فنظرت إلى مجنون تأخذني ~~عينه وتدعني فقال : إن تصدق الطير فأنتم غرباء ، فقلنا : كذلك ، فقال : من ~~القوم لله أبوهم ? فقلت : أنا عيسى ابن هشام وهذا أبو داود المتكلم فقال : ~~العسكري ? قلت : نعم ، فقال : شاهت الوجوه وأهلها إن الخيرة لله لا لعبده ، ~~والأمور بيد الله لا بيده وأنتم يا مجوس هذه PageV01P141 ~~"""""" صفحة رقم 142 """""" # الأمة تعيشون جبرا ، وتموتون صبرا وتساقون إلى المقدور قهرا ، ولو كنتم ~~في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، أفلا تنصفون ، إن كان ~~الأمر كما تصفون ? وتقولون : خالق الظلم ظالم أفلا تقولون : خالق الهلك ms33 ~~هالك ? أتعلمون يقينا ، أنكم أخبث من إبليس دينا ? قال : رب بما أغويتني ، فأقر PageV01P142 ~~"""""" صفحة رقم 143 """""" # وأنكرتم وآمن وكفرتم ، وتقولون : خير فاختار ، وكلا فإن المختار لا يبعج ~~بطنه ، ولا يفقأ عينه ولا يرمى من حالق ابنه ، فهل الإكراه إلا ما تراه ? ~~والإكراه مرة بالمرة ومرة بالدرة . فليخزكم أن القرآن بغيضكم ، وأن الحديث ~~يغيظكم ، إذا سمعتم : ( من يضلل الله فلا هادي له ) ألحدتم وإذا سمعتم : ( ~~زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ) جحدتم وإذا سمعتم : ( عرضت علي ~~الجنة حتى هممت PageV01P143 ~~"""""" صفحة رقم 144 """""" # أن أقطف ثمارها ، وعرضت علي النار حتى اتقيت حرها بيدي ) أنغضتم رؤوسكم ~~ولويتم أعناقكم وإن قيل : ( عذاب القبر ) تطيرتم ، وإن قيل : ( الصراط ) ~~تغامزتم وإن ذكر الميزان قلتم : من الفرغ كفتاه ، وإن ذكر الكتاب قلتم : من ~~القد دفتاه ، يا أعداء الكتاب والحديث ، بماذا تطيرون ? أبالله وآياته ~~ورسوله تستهزئون ? . إنما مرقت مارقة فكانوا خبث الحديث ، ثم مرقتم منها ~~فأنتم خبث الخبيث ، يا PageV01P144 ~~"""""" صفحة رقم 145 """""" # مخابيث الخوارج ، ترون رأيهم إلا القتال وأنت يا ابن هشام تؤمن ببعض ~~الكتاب وتكفر ببعض ? سمعت أنك افترشت منهم شيطانة ألم ينهك الله عز وجل أن ~~تتخذ منهم بطانة ? . ويلك هلا ? تخيرت لنطفتك ، ونظرت لعقبك ? ثم قال : ~~اللهم أبدلني بهؤلاء خيرا منهم ، وأشهدني ملائكتك . # قال عيسى بن هشام : فبقيت وبقي أبو داود لا نحير جوابا ، ورجعنا عنه بشر ~~وإني لأعرف في أبي داود انكسارا ، PageV01P145 ~~"""""" صفحة رقم 146 """""" # حتى إذا أردنا الافتراق قال : ياعيسى هذا وأبيك الحديث ، فما الذي أراد ~~بالشيطانة ? قلت : لا والله ما أدري ، غير أني هممت أن أخطب إلي أحدهم ولم ~~أحدث بما هممت به أحدا ، والله لا أفعل ذلك أبدا ، فقال : ما هذا والله إلا ~~شيطان في أشطان ، فرجعنا إليه ، ووقفنا عليه ، فابتدر بالمقال ، وبدأنا ~~بالسؤال ، فقال : لعلكما آثرتما ، أن تعرفا من أمري ما أنكرتما ، فقلنا : ~~كنت من قبل مطلعا على أمورنا ، ولم تعد الآن ما في صدورنا ، ففسر لنا أمرك ~~، واكشف لنا سرك ، فقال # أنا ينبوع العجائب في احتيالي ذو مراتب # أنا ms34 في الحق سنام أنا في الباطل غارب # أنا إسكندر داري في بلاد الله سارب # أغتدي في الدير قسيسا ، وفي المسجد راهب PageV01P146 ~~"""""" صفحة رقم 147 """""" # المقامة المجاعية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت ببغداد عام مجاعة فملت إلى جماعة ، قد ضمهم ~~سمط الثريا ، أطلب منهم شيا ، وفيهم فتى ذو لثغة بلسانه ، وفلج بأسنانه ، ~~فقال : ما خطبك ، قلت : حالان لا يفلح صاحبهما فقير كده الجوع وغريب ~~لايمكنه الرجوع فقال الغلام : أي الثلمتين نقدم سدها ? قلت : الجوع فقد بلغ ~~مني مبلغا قال : فما تقول في رغيف ، على خوان نظيف ، وبقل PageV01P147 ~~"""""" صفحة رقم 148 """""" # قطيف إلى خل ثقيف ، ولون لطيف ، إلى خردل حريف ، وشواء صفيف ، إلى ملح ~~خفيف ، يقدمه إليك الآن من لا يمطلك بوعد ولا يعذبك بصبر ، ثم يعلك بعد ذلك ~~بأقداح ذهبية ، من راح عنبية ? أذاك أحب إليك أم أوساط محشوة ، وأكواب ~~مملوة ، وأنقال معددة ، وفرش منضدة ، وأنوار مجودة ، ومطرب PageV01P148 ~~"""""" صفحة رقم 149 """""" # مجيد ، له من الغزال عين وجيد ? فإن لم ترد هذا ولا ذاك ، فما قولك في ~~لحم طري ، وسمك نهري ، وباذنجان مقلي ، وراح قطربلي ، وتفاح جني ، ومضجع ~~وطي ، على مكان علي ، حذاء نهر جرار ، وحوض ثرثار ، وجنة ذات أنهار ? قال ~~عيسى بن هشام : فقلت : أنا عبد الثلاثة ، فقال الغلام : وأنا خادمها لو ~~كانت ، فقلت : لا حياك الله ، أحييت شهوات قد كان اليأس أماتها ، ثم PageV01P149 ~~"""""" صفحة رقم 150 """""" # قبضت لهاتها ، فمن أي الخرابات أنت ? فقال : # أنا من ذوي الإسكندرية من نبعة فيهم زكية # سخف الزمان وأهله فركبت من سخفي مطيه PageV01P150 ~~"""""" صفحة رقم 151 """""" # المقامة الوعظية # حدثنا عيسى بن هشام : # بينا أنا بالبصرة أميس ، حتى أداني السير إلى فرضة قد كثر فيها قوم على ~~قائم يعظهم وهو يقول : أيها الناس إنكم لم تتركوا سدى ، وإن مع اليوم غدا ، ~~وإنكم واردو هوة ، فأعدوا لها ما استطعتم من قوة ، وإن بعد المعاش معادا ، ~~فأعدوا له زادا ، ألا لا عذر فقد بينت لكم المحجة ، وأخذت عليكم الحجة ، من ~~السماء بالخبر ، ومن الأرض PageV01P151 ~~"""""" صفحة رقم 152 ms35 """""" # بالعبر ، ألا وإن الذي بدأ الخلق عليما ، يحي العظام رميما ، ألا وإن ~~الدنيا دار جهاز ، وقنطرة جواز ، من عبرها سلم ، ومن عمرها ندم ، ألا وقد ~~نصبت لكم الفخ ونثرت لكم الحب ؛ فمن يرتع ، يقع ، ومن يلقط ، يسقط ، ألا ~~وإن الفقر حلية نبيكم فاكتسوها ، والغنى حلة الطغيان فلا تلبسوها ، كذبت ~~ظنون الملحدين ، الذين جحدوا الدين ، وجعلوا القرآن عضين إن بعد الحدث جدثا ~~، وإنكم لم تخلقوا عبثا ، فحذار حر النار ، وبدار عقبى الدار ، ألا وإن ~~العلم أحسن على علاته ، والجهل أقبح على حالاته وإنكم أشقى من أظلته السماء ~~، إن شقي بكم PageV01P152 ~~"""""" صفحة رقم 153 """""" # العلماء ، الناس بأئمتهم ، فإن انقادوا بأزمتهم ، نجوا بذمتهم ، والناس ~~رجلان : عالم يرعى ، ومتعلم يسعى ، والباقون هامل نعام ، وراتع أنعام ، ويل ~~عال أمر من سافله ، وعالم شيء من جاهله ، وقد سمعثت أن علي بن الحسين كان ~~قائما يعظ الناس ويقول : يا نفس حتام إلى الحياة ركونك ، وإلى الدنيا ~~وعمارتها سكونك ? أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، وبمن وارته الأرض من ~~ألافك ، ومن فجعت به من إخوانك ، ونقل إلى دار البلى من أقرانك ? ? # فهم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر # خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم وساقتهم نحو المنايا المقادر # وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها وضمتهم تحت التراب الحفائر PageV01P153 ~~"""""" صفحة رقم 154 """""" # كم اختلست أيدي المنون ، من قرون بعد قرون ? وكم غيرت ببلاها ، وغيبت ~~أكثر الرجال في ثراها ? ? ? # وأنت على الدنيا مكب منافس لخطابها فيها حريص مكاثر # على خطر تمشي وتصبح لاهيا أتدري بماذا لو عقلت تخاطر # وإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا ويذهل عن أخراه لا شك خاسر # انظر إلى الأمم الخالية ، والملوك الفانية ، كيف انتسفتهم الأيام ، ~~وأفناهم الحمام ? فانمحت آثارهم ، وبقيت أخبارهم . # فأضحوا رميما في التراب وأقفرت مجالس منهم عطلت ومقاصر # وخلوا عن الدنيا وما جمعوا بها وما فاز منهم غير من هو صابر # وحلوا بدار لا تزاور بينهم وأنى لسكان القبور اتزاور # فما إن ترى إلا رموسا ثووا بها مسطحة تسفي عليها الأعاصر PageV01P154 ~~"""""" صفحة رقم ms36 155 """""" # كم عاينت من ذي عزة وسلطان ، وجنود وأعوان ، قد تمكن من دنياه ، ونال ~~منها مناه ، فبنى الحصون والدساكر ، وجمع الأعلاق والعساكر # فما صرفت كف المنية إذ أتت مبادرة تهوى إليه الذخائر # ولا دفعت عنه الحصون التي بنى وحفت بها أنهارها والدساكر # ولا قارعت عنه المنية حيلة ولا طمعت في الذب عنه العساكر # يا قوم الحذر الحذر ، والبدار البدار ، من الدنيا ومكايدها ، وما نصبت ~~لكم من مصايدها ، وتجلت لكم من زينتها ، واستشرفت لكم من بهجتها . # وفي دون ماعاينت من فجعاتها إلى رفضها داع وبالزهد آمر # فجد ولا تغفل فعيشك بائد وأنت إلى دار المنية صائر # ولا تطلب الدنيا فإن طلابها وإن نلت منها رغبة لك ضائر # وكيف يحرص عليها لبيب ، أو يسر بها أريب ، وهو على ثقة من PageV01P155 ~~"""""" صفحة رقم 156 """""" # فنائها ? ألا تعجبون ممن ينام وهو يخشى الموت ، ولا يرجو الفوت ? # ألا ، لا ، ولكنا نغر نفوسنا وتغلها اللذات عما نحاذر # وكيف يلذ العيش من هو موقن بموقف عدل حيث تبلى السرائر # كأنا نرى أن لا نشور ، وأننا سدى ، ما لنا بعد الفناء مصائر # كم غرت الدنيا من مخلد إليها وصرعت من مكب عليها ؛ فلم تنعشه من عثرته ? ~~ولم تقله من صرعته ، ولم تداوه من سقمه ، ولم تشفه من ألمه . # بلى أوردته بعد عز ورفعة موارد سوء ما لهن مصادر # فلما رأى أن لا نجاة وأنه هو الموت لا ينجيه منه المؤازر # تندم لو أغناه طول ندامة عليه وأبكته الذنوب الكبائر # بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه ، حيث لم ينفعه ~~الاستعبار ، ولم ينجه الاعتذار . # أحاطت به أحزانه وهمومه وأبلس لما أعجزته المعاذر PageV01P156 ~~"""""" صفحة رقم 157 """""" # فليس له من كربة الموت فارج وليس له مما يحاذر ناصر # وقد خسئت فوق المنية نفسه ترددها منه اللهى والحناجر # فإلى متى ترقع بآخرتك دنياك ، وتركب في ذاك هواك ? إني أراك ضعيف اليقين ~~، يا راقع الدنيا بالدين ، أبهذا أمرك الرحمن ، أم على هذا دلك القرآن ? # تخرب ما يبقى ، وتعمر ms37 فانيا فلا ذاك موفور ، ولا ذاك عامر # فهل لك إن وافاك حتفك بغتة ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر ? ? # أترضى بأن تقضى الحياة وتنقضي ودينك منقوص ومالك وافر ? ? # قال عيسى بن هشام : فقلت لبعض الحاضرين : من هذا ? قال : غريب قد طرأ لا ~~أعرف شخصه ، فاصبر عليه إلى آخر مقامته ، لعله ينبئ بعلامته ، فصبرت فقال : ~~زينوا العلم بالعمل ، واشكروا القدرة بالعفو ، وخذوا الصفو ودعوا PageV01P157 ~~"""""" صفحة رقم 158 """""" # الكدر ، يغفر الله لي ولكم ، ثم أراد الذهاب ، فمضيت على أثره ، فقلت : ~~من أنت يا شيخ ? فقال : سبحان الله لم ترض بالحلية غيرتها ، حتى عمدت إلى ~~المعرفة فأنكرتها أنا أبو الفتح الإسكندري ، فقلت : حفظك الله ، فما هذا ~~الشيب ? فقال : # نذير ، ولكنه ساكت وضعيف ، ولكنه شامت # وأشخاص موت ، ولكنه إلى أن أشيعه ثابت PageV01P158 ~~"""""" صفحة رقم 159 """""" # المقامة الأسودية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت أتهم بمال أصبته ، فهمت على وجهي هاربا حتى ~~أتيت البادية فآدتني الهيمة ، إلى ظل خيمة ، فصادفت عند أطنابها فتى ، يلعب ~~بالتراب ، مع الأتراب ، وينشد شعرا يقتضيه حاله ، ولا يقتضيه ارتجاله ، ~~وأبعدت أن يلحم نسيجه ، فقلت : يا فتى العرب أتروي هذا PageV01P159 ~~"""""" صفحة رقم 160 """""" # الشعر أم تعزمه ? فقال : بل أعزمه ، وأنشد يقول : # إني وإن كنت صغير السن وكان في العين نبو عني # فإن شيطاني أمير الجن يذهب بي في الشعر كل فن # حتى يرد عارض التظني فامض على رسلك واغرب عني # فقلت : يا فتى العرب أدتني إليك خيفة فهل عندك أمن أو قرى ? قال : بيت ~~الأمن نزلت ، وأرض القرى حللت ، وقام فعلق بكمي ، فمشيت معه إلى خيمة قد ~~أسبل سترها ، ثم نادى : يا فتاة الحي ، هذا جار نبت به أوطانه ، وظلمه PageV01P160 ~~"""""" صفحة رقم 161 """""" # سلطانه ، وحداه إلينا صيت سمعه ، أو ذكر بلغه ، فأجيريه ، فقالت الفتاة : ~~اسكن يا حضري . # أيا حضري اسكن ولا تخش خيفة فأنت ببيت الأسود بن قنان # أعز ابن أنثي من معد ويعرب وأوفاهم عهدا بكل مكان # وأضربهم بالسيف من دون جاره وأطعنهم من دونه بسنان # كأن المنايا والعطايا بكفه ms38 سحابان مقرونان مؤتلفان # وأبيض وضاح الجبين إذا انتمى تلاقي إلى عيص أغر يماني # فدونكه بيت الجوار وسبعة يحلونه شفعتهم بثمان PageV01P161 ~~"""""" صفحة رقم 162 """""" # فأخذ الفتى بيدي إلى البيت الذي أومأت إليه ، فنظرت فإذا سبعة نفر فيه ، ~~فما أخذت عيني إلا أبا الفتح الإسكندري في جملتهم فقلت له : ويحك بأي أرض ~~أنت ? فقال : # نزلت بالأسود في داره أختار من طيب أثمارها # فقلت : إني رجل خائف هامت بي الخيفة من ثارها # حيلة أمثالي على مثله في هذه الحال وأطوارها # حتى كساني جابرا خلتي وماحيا بين آثارها # فخذ من الدهر ونل ما صفا من قبل أن تنقل عن دارها # إياك أن تبقي أمنية أو تكسع الشول بأغبارها PageV01P162 ~~"""""" صفحة رقم 163 """""" # قال عيسى بن هشام : فقلت : يا سبحان الله أي طريق الكدية لم تسلكها ? ثم ~~عشنا زمانا في ذلك الجناب حتى أمنا ، فراح مشرقا ورحت مغربا . PageV01P163 # """""" صفحة رقم 164 """""" # المقامة العراقية # حدثنا عيسى بن هشام قال : طفت الآفاق ، حتى بلغت العراق ، وتصفحت دواوين ~~الشعراء ، حتى ظننتني لم أبق في القوس منزع ظفر ، وأحلتني بغداد فبينما أنا ~~على الشط إذ عن لي فتى في أطمار ، يسأل الناس ويحرمونه ، فأعجبتني فصاحته ، ~~فقمت إليه أسأله عن أصله وداره ، فقال : أنا عبسي الأصل إسكندري الدار ، ~~فقلت : ما هذا اللسان ? ومن أين هذا البيان ? فقال : من العلم ، رضت PageV01P164 ~~"""""" صفحة رقم 165 """""" # صعابه ? وخضت بحاره ، فقلت : بأي العلوم تتحلى ? فقال : لي في كل كنانة ~~سهم فأيها تحسن ? فقلت : الشعر : فقال : هل قالت العرب بيتا لا يمكن حله ? ~~وهل نظمت مدحا لم يعرف أهله ? وهل لها بيت سمج وضعه ، وحسن قطعه ? وأي بيت ~~لا يرقأ دمعه ? وأي بيت يثقل وقعه ? وأي بيت يشج عرضه ويأسو ضربه ? وأي بيت ~~يعظم وعيده ويصغر خطبه ? وأي بيت هو أكثر رملا من يبرين ? وأي بيت هو ~~كأسنان المظلوم ، والمنشار PageV01P165 ~~"""""" صفحة رقم 166 """""" # المثلوم ? وأي بيت يسرك أوله ويسوءك آخره ? وأي بيت يصفعك باطنه ، ويخدعك ~~ظاهره ? وأي بيت لا يخلق سامعه ، حتى تذكر جوامعه ? وأي بيت ms39 لا يمكن لمسه ? ~~وأي بيت يسهل عكسه ? وأي بيت هو أطول من مثله ، وكأنه ليس من أهله ? وأي ~~بيت هو مهين بحرف ، ورهين PageV01P166 ~~"""""" صفحة رقم 167 """""" # بحذف ? ? ? قال عيسى بن هشام : فو الله ما أجلت قدحا في جوابه ، ولا ~~اهتديت لوجه صوابه ، إلا لا أعلم . فقال : وما لا تعلم أكثر ، فقلت : وما ~~لك مع هذا الفضل ، ترضى بهذا العيش الرذل ? فأنشأ يقول : # بؤسا لهذا الزمان من زمن كل تصاريف أمره عجب # أصبح حربا لكل ذي أدب كأنما ساء أمه الأدب # فأجلت فيه بصري ، وكررت في وجهه نظري ، فإذا هو أبو الفتح الإسكندري ، ~~فقلت : حياك الله وأنعش صرعك إن رأيت أن تمن علي بتفسير ما أنزلت ، PageV01P167 ~~"""""" صفحة رقم 168 """""" # وتفصيل ما أجملت ، فعلت ، فقال : تفسيره : أما البيت لا يمكن حله فكثير ، ~~ومثاله قول الأعشى . # دراهمنا كلها جيد فلا تحبسنا بتنقادها # وأما المدح الذي لم يعرف أهله فكثير ، ومثاله قول الهذلي : # ولم أدر من ألقى عليه رداءه على أنه قد سل عن ماجد محض # وأما البيت الذي سمج وضعه ، وحسن قطعه ، فقول أبي نواس : # فبتنا يرانا الله شر عصابة تجرر أذيال الفسوق ، ولا فخر # وأما البيت الذي لا يرفأ دمعه فقول ذي الرمة : # ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفرية سرب PageV01P168 ~~"""""" صفحة رقم 169 """""" # فإن جوامعه : إما ماء ، أو عين ، أو انسكاب ، أو بول ، أو نشيئة ، أو ~~أسفل مزادة ، أو شق ، أو سيلان . # وأما البيت الذي يثقل وقعه فمثل قول ابن الرومي : # إذا من لم يمنن بمن يمنه وقال لنفسي : أيها النفس أمهلي # وأما البيت الذي تشج عروضه ويأسو ضربه فمثل قول الشاعر : # دلفت له بأبيض مشرفي كما يدنو المصافح للسلام # وأما البيت الذي يعظم وعيده ويصغر خطبه فمثاله قول عمرو ابن كلثوم : # كأن سيوفنا منا ومنهم مخاريق بأيدي لاعبينا PageV01P169 ~~"""""" صفحة رقم 170 """""" # وأما البيت الذي هو أكثر رملا من يبرين فمثل قول ذي الرمة : # معروريا رمض الرضراض يركضه والشمس حيرى لها في الجو تدويم # وأما البيت الذي هو ms40 كأسنان المظلوم ، والمنشار المثلوم ؛ فكقول الأعشى : # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاو مشل شلول شلشل شول # وأما البيت الذي يسرك أوله ويسوؤك آخره فكقول امرئ القيس : # مكر مفر مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطه السيل من عل PageV01P170 ~~"""""" صفحة رقم 171 """""" # وأما البيت الذي يصفعك باطنه ويخدعك ظاهره فكقول القائل : # عاتبتها فبكت ، وقالت يا فتى نجاك رب العرش من عتبي # وأما البيت الذي لا يخلق سامعه ، حتى تذكر جوامعه ، فكقول طرفة : # وقوفا بها صحبي على مطيتهم يقولون : لا تهلك أسى وتجلد # فإن السامع يظن أنك تنشد قول امرئ القيس . # وأما البيت الذي لا يمكن لمسه فكقول الخبزرزي : # تقشع غيم الهجر عن قمر الحب وأشرق نور الصلح من ظلمة العتب PageV01P171 ~~"""""" صفحة رقم 172 """""" # وكقول أبي نواس : # نسيم عبير في غلالة ماء وتمثال نور في أديم هواء # وأما البيت الذي يسهل عكسه فكقول حسان : # بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول # وأما البيت الذي هو أطول من مثله فكحماقة المتنبي : # عش ابق اسم سد جد قد مر أنه اسرفه تسلغظ ارم صب احم اغز اسب رع زع دل ابن نل PageV01P172 ~~"""""" صفحة رقم 173 """""" # وأما البيت الذي هو مهين بحرف ، ورهين بحذف ، فكقول أبي نواس : # لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصه # وكقول الآخر : # إن كلاما تراه مدحا كان كلاما عليه ضاء # يعني أنه إذا أنشد ( ضاعا ) كان هجاء ، وإذا أنشد ( ضاء ) كان مدحا . # قال عيسى بن هشام : فتعجبت والله من مقاله ، وأعطيته ما يستعين به على ~~تغيير حاله ، وافترقنا . PageV01P173 # """""" صفحة رقم 174 """""" # المقامة الحمدانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # حضرنا مجلس سيف الدولة بن حمدان يوما ، وقد عرض عليه فرس متى ما ترق ~~العين فيه تسهل ، فلحظته الجماعة ، وقال سيف الدولة : أيكم أحسن صفته ، ~~جعلته صلته ، فكل جهد جهده ، وبذل ما عنده ، فقال : أحد خدمه : أصلح الله ~~الأمير رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه ، وتقف الأبصار عليه ، يسأل ~~الناس ، ويسقى الياس ، ولو أمر الأمير بإحضاره ، لفضلهم بحضاره ، فقال سيف ms41 ~~الدولة : علي به في هيئته ، فطار الخدم في طلبه ، ثم جاءوا للوقت به ، ولم ~~يعلموه لأية حال دعي ، ثم قرب واستدنى ، وهو في PageV01P174 ~~"""""" صفحة رقم 175 """""" # طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب ، وحين حضر السماط ، لثم البساط ، ووقف ، ~~فقال : سيف الدولة : بلغتنا عنك عارضة فاعرضها في هذا الفرس ووصفه ، فقال : ~~أصلح الله الأمير كيف به قبل ركوبه ووثوبه ، وكشف عيوبه وغيوبه ? فقال : ~~اركبه ، فركبه وأجراه ، ثم قال : أصلح الله الأمير هو طويل الأذنين ، قليل ~~الإثنين ، واسع المراث ، لين الثلاث ، غليظ الأكرع ، غامض الأربع ، شديد ~~النفس ، لطيف الخمس ، ضيق القلت ، رقيق الست ، حديد السمع ، غليظ السبع ، PageV01P175 ~~"""""" صفحة رقم 176 """""" # دقيق اللسان ، عريض الثمان ، مديد الضلع ، قصير التسع ، واسع الشجر ، ~~بعيد العشر ، يأخذ بالسابح ، ويطلق بالرامح . يطلع بلائح ويضحك عن قارح يجز ~~وجه الجديد ، بمداق الحديد ، يحضر كالبحر إذا ماج ، والسيل إذا هاج ، فقال ~~سيف الدولة : لك الفرس مباركا فيه ، فقال : لازلت تأخذ الأنفاس ، وتمنح ~~الأفراس ، ثم انصرف وتبعته وقلت لك علي ما يليق بهذا الفرس ، ثم انصرف ~~وتبعته وقلت لك علي ما يليق بهذا الفرس من PageV01P176 ~~"""""" صفحة رقم 177 """""" # خلعة إن فسرت ما وصفت ، فقال : سل عما أحببت ، فقلت : ما معنى قولك بعيد ~~العشر ، فقال : بعيد النظر والخطو وأعالي اللحيين ، وما بين الوقبيين ، ~~والجاعرتين ، وما بين الغرابين والمنخرين ، وما بين الرجلين ، وما بين ~~المنقب والصفاق ، بعيد الغاية في السباق ، فقلت : لا فض فوك فما معنى قولك ~~قصير التسع ، قال : قصير الشعرة قصير الأطرة قصير العسيب ، قصير العضدين ، ~~قصير الرسغينش ، قصير النسا ، قصير الظهر ، قصير الوظيف . PageV01P177 # """""" صفحة رقم 178 """""" # فقلت : لله أنت فما معنى قولك : عريض الثمان ? قال : عريض الجبهة ، عريض ~~الورك ، عريض الصهوة ، عريض الكتف ، عريض الجنب ، عريض العصب ، عريض البلدة ~~، عريض صفحة العنق . # فقلت : أحسنت ، فما معنى قولك : غليظ السبع ? قال : غليظ الذراع ، غليظ ~~المحزم ، غليظ العكوة ، غليظ الشوى ، غليظ الرسغ ، غليظ الفخذين ، غليظ ~~الحاذ . # قلت : لله درك فما معنى قولك : رقيق الست ? قال : رقيق الجفن ، رقيق ~~السالفة ، رقيق الجحفلة ms42 ، رقيق الأديم ، رقيق أعالي الأذنين ، رقيق العرضين . # فقلت : أجدت ، فما معنى قولك : لطيف الخمس ? فقال : لطيف الزور ، لطيف ~~النسر ، لطيف الجبهة ، لطيف الركبة ، لطيف PageV01P178 ~~"""""" صفحة رقم 179 """""" # العجاية . # فقلت : حياك الله ، فما معنى قولك : غامض الأربع ? # قال : غامض أعالشي الكتفين ، غامض المرفقين ، غامض الحجاجين ، غامض الشظى ~~. قلت : فما معنى قولك لين الثلاث ، قال : لين المردغتين لين العرف لين ~~العنان قلت : فما معنى قولك قليل الإثنثن قال : قليل لحم الوجه قليل لحم ~~المتنين ، قلت : فمن أين منبت هذا الفضل ? قال : من الثغور الأموية والبلاد ~~الإسكندرية ، فقلت : أنت مع هذا الفضل تعرض وجهك لهذا البذل ? فأنشأ يقول : # ساخف زمانك جدا إن الزمان سخيف PageV01P179 ~~"""""" صفحة رقم 180 """""" # دع الحمية نسيا وعش بخير وريف # وقل لعبدك هذا يجيئنا برغيف PageV01P180 ~~"""""" صفحة رقم 181 """""" # المقامة الرصافية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # خرجت من الرصافة أريد دار الخلافة ، وحمارة القيظ تغلي بصدر الغيظ ، فلما ~~نصفت الطريق اشتد الحر وأعوزني الصبر فملت إلى مسجد قد أخذ من كل حسن سره ~~وفيه قوم يتأملون سقوفه ويتذاكرون وقوفه ، وأداهم عجز الحديث إلى ذكر اللصوص PageV01P181 ~~"""""" صفحة رقم 182 """""" # وحيلهم والطرارين وعملهم ، فذكروا أصحاب الفصوص من اللصوص وأهل الكف ~~والقف ومن يعمل بالطف ، ومن يحتال في الصف ، ومن يخنق بالدف ، ومن يكمن في ~~الرف ، إلى أن يمكن اللف ، ومن يبدل بالمسح ، ومن يأخذ بالمزح ، ومن يسرق ~~بالنصح ، ومن يدعو إلى PageV01P182 ~~"""""" صفحة رقم 183 """""" # الصلح ، ومن قمش بالصرف ، ومن أنعس بالطرف ، ومن باهت بالنرد ، ومن غالط ~~بالقرد ، ومن كابر بالريط ، مع الإبرة والخيط ، ومن جاءك بالقفل ، ومن شق ~~الأرض من سفل ، ومن نوم بالبنج ، أو احتال بنيرنج ، PageV01P183 ~~"""""" صفحة رقم 184 """""" # ومن بدل نعليه ، ومن شد بحبليه ، ومن كابر بالسيف ، ومن يصعد في البير ~~ومن سار مع العير ، وأصحاب العلامات ومن يأتي المقامات ومن فر من الطوف ومن ~~لاذ من الخوف ومن طير بالطير ومن لاعب بالسير وقال : اجلس ولا ضير ومن يسرق ~~بالبول ومن ينتهز PageV01P184 ~~"""""" صفحة رقم 185 """""" # الهول ومن أطعم في السوق ms43 بما ينفخ في البوق ومن جاء ببستوق ، وأصحاب ~~البساتين وسراق الروازين ومن ضبر في الصرح ومن سلم في السطح ومن دب بسكين ~~على الحائط من طين ومن جاءك في الحين يحيي بالرياحين وأصحاب الطبرزين ~~كأعوان الدواوين ومن دب PageV01P185 ~~"""""" صفحة رقم 186 """""" # بأنين على رسم المجانين وأصحاب المفاتيح وأهل القطن والريح ، ومن يقتحم ~~الباب ، على زي من انتاب ، ومن يدخل في الدار ، على صورة من زار ، ومن يدخل ~~باللين ، على زي المساكين ، ومن يسرق في الحوض ، إذا أمكن في الخوض ، ومن ~~سل بعودين ، ومن حلف بالدين ، ومن غالط بالرهن ، ومن سفتج بالدين ، ومن خالف PageV01P186 ~~"""""" صفحة رقم 187 """""" # بالكيس ، ومن زج بتدليس ، ومن أعطى المفاليس ، ومن قص من الكم ، وقال : ~~انظر واحكم ، ومن خاط على الصدر ، ومن قال : ألم تدر ? ومن عض ، ومن شد ، ~~ومن دس إذا عد ، ومن لج مع القوم وقال : ليس ذا PageV01P187 ~~"""""" صفحة رقم 188 """""" # نوم ومن غرك بالألف ومن زج إلى خلف ومن يسرق بالقيد ومن يألم للكيد ومن ~~صافع بالنعل ومن خاصم في الحق ومن عالج بالشق ومن يدخل في السرب ومن ينتهز ~~النقب وأصحاب الخطاطيف على الحبل من الليف وانجر الحديث إلى ذكر من ربح ~~عليهم ، PageV01P188 ~~"""""" صفحة رقم 189 """""" # وأتى بقصة لأبي الفتح الإسكندري حذفناها لعدم الفائدة فيها مع وجود ألفاظ ~~تنافي آداب هذه الأيام وليس فيها شيء يستحق الذكر سوى أن الليلة القمراء ~~يقال فيها ليلة في غير زيها وأنشد يقول : # وطيف سرى والليل في غير زيهووافاه بدر التم فابيض مفرقه PageV01P189 ~~"""""" صفحة رقم 190 """""" # المقامة المغزلية # حدثنا عيسى بن هشام قال : دخلت البصرة وأنا متسع الصيت كثير الذكر ، فدخل ~~علي فتيان ، فقال أحدهما : أيد الله الشيخ ، دخل هذا الفتى دارنا ، فأخذ ~~فنج سنار . برأسه دوار ، بوسطه زنار ، وفلك دوار ، رخيم الصوت PageV01P190 ~~"""""" صفحة رقم 191 """""" # إن صر ، سريع الكر إن فر ، طويل الذيل إن جر ، نحيف المنطق ، ضعيف ~~المقرطق ، في قدر الجزر ، مقيم بالحضر ، لا يخلو من السفر ، إن أودع شيئا ~~رد ، وإن كلف سيرا جد ms44 ، وإن أجر حبلا مد ، هناك عظم وخشب ، وفيه مال ونشب ، ~~وقبل وبعد ، فقال الفتى : نعم أيد الله الشيخ لأنه PageV01P191 ~~"""""" صفحة رقم 192 """""" # غصبني على : # مرهف سنانه مذلق أسنانه # أولاده أعوانه تفريق شمل شانه # مواثب لصاحبه معلق بشاربه # مشتبك الأنياب في الشيب والشباب # حلو مليح الشكل ضاو زهيد الأكل # رام كثير النبل حوف اللحى والسبل # فقلت للأول : رد عليه المشط ليرد عليك المغزل . PageV01P192 # """""" صفحة رقم 193 """""" # المقامة الشيرازية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما قفلت من اليمن ، وهممت بالوطن ، ضم إلينا ~~رفيق رحله ، فترافقنا ثلاثة أيام ، حتى جذبني نجد ، والتقمه وهد ، فصعدت ~~وصوب ، وشرقت وغرب ، وندمت على مفارقته بعد أن ملكني الجبل وحزنه ، وأخذه ~~الغور وبطنه فو الله لقد تركني فراقه وأنا أشتاقه ، وغادرني بعده أقاسي ~~بعده ، وكنت فارقته ذا شارة PageV01P193 ~~"""""" صفحة رقم 194 """""" # وجمال ، وهيئة وكمال ، وضرب الدهر بنا ضروبه ، وأنا أتمثله في كل وقت ، ~~وأتذكره في كل لمحة ، ولا أظن أن الدهر يسعدني به ويسعفني فيه ، حتى أتيت ~~شيراز ، فبينا أنا يوما في حجرتي إذ دخل كهل قد غبر في وجهه الفقر ، وانتزف ~~ماءه الدهر ، وأمال قناته السقم ، وقلم أظفاره العدم ، بوجه أكسف من باله ، ~~وزي أوحش من حاله ، ولثة نشفة ، وشفة قشفة ، PageV01P194 ~~"""""" صفحة رقم 195 """""" # ورجل وحلة ، ويد محلة ، وأنياب قد جرعها الضر والعيش المر ، وسلم فازدرته ~~عيني ، لكني أجبته ، فقال : اللهم اجعلنا خيرا مما يظن بنا ، فبسطت له أسرة ~~وجهي ، وفتقت له سمعي ، وقلت له : إيه ، فقال : قد أرضعتك ثدي حرمة ، ~~وشاركتك عنان عصمة ، والمعرفة عند الكرام حرمة ، والمودة PageV01P195 ~~"""""" صفحة رقم 196 """""" # لحمة ، فقلت : أبلدي أنت أم عشيري فقال ما يجمعنا إلا بلد الغربة ولا ~~ينظمنا إلا رحم القربة فقلت : أي الطريق شدنا في قرن ? قال : طريق اليمن . # قال عيسى بن هشام : فقلت : أنت أبو الفتح الإسكندري ? فقال : أنا ذاك ، ~~فقلت : شد ما هزلت بعدي وحلت عن عهدي فانفض إلى جملة حالك ، وسبب اختلالك ، ~~فقال : نكحت خضراء دمنة ، وشقيت منها بابنة ، فأنا منها في محنة ، قد أكلت ms45 ~~حريبتي ، وأراقت ماء شيبتي ، فقلت : هلا سرحت واسترحت . # ثم ذكر كلاما يندى له وجه الأدب فتعففنا عن ذكره والخوض فيه . PageV01P196 # """""" صفحة رقم 197 """""" # المقامة الحلوانية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # لما قفلت من الحج فيمن قفل ، ونزلت مع من نزل ، قلت لغلامي : أجد شعري ~~طويلا ، وقد اتسخ بدني قليلا ، فاختر لنا حماما ندخله ، وحجاما نستعمله ، ~~وليكن الحمام واسع الرقعة ، نظيف البقعة ، طيب الهواء ، معتدل الماء ، ~~وليكن الحجام خفيف اليد ، حديد الموسى ، نظيف الثياب ، قليل الفضول ، فخرج ~~مليا وعاد بطيا ، وقال : قد اخترته كما رسمت ، فأخذنا إلى الحمام السمت ، ~~وأتيناه فلم نر قوامه ، لكني دخلته PageV01P197 ~~"""""" صفحة رقم 198 """""" # ودخل على أثري رجل وعمد إلى قطعة طين فلطخ بها جبيني ، ووضعها على رأسي ، ~~ثم خرج ودخل آخر فجعل يدلكني دلكا يكد العظام ، ويغمزني غمزا يهد الأوصال ~~ويصفر صفيرا يرش البزاق ، ثم عمد إلى رأسي يغسله ، وإلى الماء يرسله ، وما ~~لبث أن دخل الأول فحيا أخدع الثاني بمضمومة قعقعت أنيابه ، وقال : يا لكع ~~ما لك ولهذا الرأس وهو لي ? ثم عطف الثاني على الأول بمجموعة هتكت حجابه ، ~~وقال : بل هذا الرأس حقي وملكي وفي يدي ، ثم تلاكما حتى عييا ، وتحاكما لما ~~بقيا ، فأتيا صاحب الحمام ، فقال الأول : أنا صاحب هذا الرأس ؛ لأني لطخت ~~جبينه ، ووضعت عليه طينه ، وقال الثاني : بل أنا مالكه ؛ لأنشي دلكت حامله ~~، وغمزت مفاصله ، فقال الحمامي : ائتوني بصاحب الرأس أسأله ، ألك هذا الرأس ~~أم له ، فأتياني وقالا : لنا عندك شهادة فتجشم ، فقمت وأتيت ، شئت أم أبيت ~~، فقال الحمامي : يا رجل لا تقل غير الصدق ، ولا تشهد بغير الحق ، وقل لي : ~~هذا الرأس لأيهما ، فقلت : يا عافاك الله هذا رأسي ، قد صحبني في الطريق ، ~~وطاف معي بالبيت العتيق ، وما شككت أنه لي ، فقال لي : PageV01P198 # """""" صفحة رقم 199 """""" # اسكت يا فضولي ، ثم مال إلى أحد الخصمين فقال : يا هذا إلى كم هذه ~~المنافسة مع الناس ، بهذا الرأس ? تسل عن قليل خطره ، إلى لعنة الله وحر ~~سقره ، وهب أن هذا الرأس ليس ، وأنا ms46 لم نر هذا التيس . # قال عيسى بن هشام : فقمت من ذلك المكان خجلا ، ولبست الثياب وجلا ، ~~وانسللت من الحمام عجلا ، وسببت الغلام بالعض والمص ، ودققته دق الجص ، ~~وقلت لآخر : اذهب فأتني بحجام يحط عني هذا الثقل ، فجاءني برجل لطيف البنية ~~، مليح الحلية ، في صورة الدمية ، فارتحت إليه ، ودخل فقال : السلام عليك ، ~~ومن أي بلد أنت ? فقلت : من قم ، فقال : حياك الله من أرض النعمة والرفاهة ~~وبلد السنة والجماعة ، ولقد حضرت في شهر رمضان جامعها وقد أشعلت فيه ~~المصابيح ، PageV01P199 ~~"""""" صفحة رقم 200 """""" # وأقيمت التراويح ، فما شعرنا إلا بمد النيل ، وقد أتى على تلك القناديل ، ~~لكن صنع الله لي بخف قد كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمه ، وعاد ~~الصبي إلى أمه ، بعد أن صليت العتمة واعتدل الظل ، ولكن كيف كان حجك ? هل ~~قضيت مناسكه كما وجب ، وصاحوا العجب العجب ? فنظرت إلى المنارة ، وما أهون ~~الحرب على النظارة ، ووجدت الهريسة على حالها ، وعلمت أن الأمر بقضاء من ~~الله وقدر ، وإلى متى هذا الضجر ? واليوم وغد ، والسبت والأحد ، ولا أطيل ~~وما هذا القال والقيل ? ولكن أحببت أن تعلم أن المبرد في النحو حديد الموسى ~~فلا تشتغل بقول العامة ؛ فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكنت قد حلقت رأسك ، ~~فهل ترى أن نبتدئ ? . # قال عيسى بن هشام : فبقيت متحيرا من بيانه ، في هذيانه ، وخشيت أن يطول ~~مجلسه ، فقلت : إلى غد إن شاء الله ، وسألت عنه من حضر ، فقالوا : هذا رجل ~~من بلاد الإسكندرية لم يوافقه هذا الماء ، فغلبت عليه السوداء ، وهو طول ~~النهار يهذي كما ترى ، ووراءه فضل كثير ، فقلت : قد PageV01P200 ~~"""""" صفحة رقم 201 """""" # سمعت به ، وعز علي جنونه ، وأنشأت أقول : # أنا أعطي الله عهدا محكما في النذر عقدا # لا حلقت الرأس ما عش ت ولو لاقيت جهدا PageV01P201 ~~"""""" صفحة رقم 202 """""" # المقامة النهيدية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # ملت مع نفر من أصحابي إلى فناء خيمة ألتمس القرى من أهلها ، فخرج إلينا ~~رجل حزقة ، فقال : من أنتم ? فقلنا : أضياف لم يذوقوا منذ ثلاث عدوفا ms47 ، قال ~~: فتنحنح ، ثم قال : فما رأيكم يا فتيان في نهيدة فرق كهامة الأصلع ، في ~~جفنة روحاء ، مكللة بعجوة خيبر من أكتار جبار ربوض الواحدة منها تملأ الفم ~~، من جماعة خمص عطش خمس ، يغيب فيها PageV01P202 ~~"""""" صفحة رقم 203 """""" # الضرس ، كأن نواها ألسن الطير يجحفون فيها النهيدة مع أقعب قد احتلبن من ~~الجلاد الهزمية الربلية أتشتهونها يا فتيان ? فقلنا : إي والله نشتهيها ، ~~فقهقه الشيخ وقال : وعمكم أيضا يشتهيها ، ثم قال : فما رأيكم يا فتيان في ~~درمك كأنها قطع السبائك تجرثم على سفرة حرتية بها ريح القرظ فيثب إليها ~~منكم فتى رفيف ، لبق PageV01P203 ~~"""""" صفحة رقم 204 """""" # خفيف ، فيعجنه من غير أن يرجفه أو يخشفه ، فيزيله دون ملك ناعم ، ثم يلته ~~بالسمار أو المذق لتا غزيرا ، ثم يعمد إليه فيلويه ويدعه في ناحية الصيداء ~~، حتى إذا تخ من غير أن يتزر عمد إلى قصد الغضا فأشعل فيه النار فلما خبت ~~ناره ، مهد لقرموصه ، ثم عمد إلى عجينه ففرطحه بعد ما أنعم تلويثه ، ثم دحا ~~به عليها ، ثم خمره فلمضا قف وقب أحال عليه من الرضف ما يلتقي به الأواران ~~، حتضى إذا غطاهما على الملة المشاكهة بطبق وتفلج شقاقا ، وحكى قشرها رقاقا ، PageV01P204 ~~"""""" صفحة رقم 205 """""" # واحمرارها احمرار بسر الحجاز المشهور بأم الجرذان أو عذق بن طاب شن عليها ~~ضرب بيضاء كالثلج إلى أوان رسوخها في خلال الدهان ، ويشرب لب الدرمك ما ~~عليه من الضرب ، قدمت إليكم فتلقمونها لقم جوين أو زنكل أفتشتهونها يا ~~فتيان ? قال : فاشرأب كل منا إلى وصفه ، وتحلب ريقه وتلمظ ، وتمطق ، قلنا : ~~إي والله نشتهيها ، قال : فقهقه الشيخ وقال : وعمكم والله لا يبغضها ثم قال ~~: ما رأيكم يا فتيان في عناق نجدية ، علوية برية ، قد أكلت البرم والشيح ~~النجدي والقيصوم والهشيم ، وتبرضت الحميم ، وتملات من القصيص PageV01P205 ~~"""""" صفحة رقم 206 """""" # فورى مخها ، وزهمت كشيتها تشحط معتبطة ثم تنكس في وطيس حتى تنضج من غير ~~امتحاش أو إنهاء ، ثم تقدم إليكم وقد عط إهابها عن شحمة بيضاء على خوان ~~منضد بصلائق كأنها القباطي المنشر ms48 ، أو القوهي الممصر ، وقد احتفتها نقرات ~~فيها صناب وأصباغ شتى ، فتوضع بينكم تهادر عرقا ، وتسايل مرقا ، أفتشتهونها ~~يا فتيان ? قلنا : إي والله نشتهيها ، قال : وعمكم والله يرقص لها ، فوثب ~~بعضنا إليه بالسيف ، وقال : ما يكفي ما بنا من الدقع حتى تسخر بنا ? فأتتنا PageV01P206 ~~"""""" صفحة رقم 207 """""" # ابنته بطبق عليه جلفة وحثالة ولوية وأكرمت مثوانا ، فانصرفنا لها حامدين ~~، وله ذامين . PageV01P207 # """""" صفحة رقم 208 """""" # المقامة الإبليسية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # أضللت إبلا لي ، فخرجت في طلبها ، فحللت بواد خضر ، فإذا أنهار مصردة ، ~~وأشجار باسقة ، وأثمار يانعة ، وأزهار منورة ، وأنماط مبسوطة ، وإذا شيخ ~~جالس ، فراعني منه ما يروع الوحيد من مثله ، فقال : لا بأس عليك ، فسلمت ~~عليه ، وأمرني بالجلوس فامتثلت ، وسألني عن حالي فأخبرت ، فقال لي : أصبت ~~دالتك ووجدت ضالتك ، فهل تروي من أشعار العرب شيئا ? قلت : نعم ، فأنشدت ~~لامرئ القيس ، وعبيد ولبيد وطرفة فلم يطرب لشيئ من ذلك ، وقال : أنشدك مشن ~~شعري ? فقلت له : إيه ، فأنشد : # بان الخليط ولو طوعت ما بانا وقطعوا من حبال الوصل أقرانا PageV01P208 ~~"""""" صفحة رقم 209 """""" # حتى أتى على القصيدة كلها ، فقلت : يا شيخ هذه القصيدة لجرير قد حفظتها ~~الصبيان ، وعرفها النسوان ، وولجت الأخبية . ووردت الأندية ، فقال : دعني ~~من هذا ، وإن كنت تروي لأبي نواس شعرا فأنشدنيه ، فأنشدته : # لا أندب الدهر ربعا غير مأنوس ولست أصبو إلى الحادين بالعيس # أحق منزلة بالهجر منزلة وصل الحبيب عليها غير ملبوس # يا ليلة غبرت ما كان أطيبها والكوس تعمل في إخواننا الشوس # وشادن نطقت بالسحر مقلته مزنر حلف تسبيح وتقديس PageV01P209 ~~"""""" صفحة رقم 210 """""" # نازعته الريق والصهباء صافية في زي قاض ونسك الشيخ إبليس # لما ثملنا وكل الناس قد ثملوا وخفت صرعته إياي بالكوس # غططت مستنعسا نوما لأنعسه فاستشعرت مقلتاه النوم من كيسي # وامتد فوق سرير كان أرفق بي على تشعثه من عرش بلقيس # وزرت مضجعه قبل الصباح وقد دلت على الصبح أصوات النواقيس # فقال : من ذا ? فقلت : القس زار ، ولابد لديرك من تشميس قسيس # فقال : بئس لعمري أنت من رجل ms49 فقلت : كلا فإني لست بإبليس # قال : فطرب الشيخ وشهق وزعق ، فقلت : قبحك الله من شيخ لا أدري أبانتحالك ~~، شعر جرير أنت أسخف أم بطربك من شعر أبي نواس وهو فويسق عيار ? ? . فقال : PageV01P210 # """""" صفحة رقم 211 """""" # دعني من هذا وامض على وجهك ، فإذا لقيت في طريقك رجلا معه نحي صغير يدور ~~في الدور ، حول القدور ، يزهى بحليته ، ويباهي بلحيته ، فقل له : دلني على ~~حوت مصرور ، في بعض البحور ، مخطف الخصور ، يلدغ كالزنبور ، ويعتم بالنور ، ~~أبوه حجر ، وأمه ذكر ، ورأسه ذهب ، واسمه لهب ، وباقيه ذنب ، له في الملبوس ~~، عمل السوس ، وهو في البيت ، آفة الزيت ، شريب لا ينقع ، أكول لا يشبع ، ~~بذول لا يمنع ، ينمى إلى الصعود ، ولا ينقص ماله من جود ، يسوءك ما يسره ، ~~وينفعك ما يضره ، وكنت أكتمك حديثي ، PageV01P211 ~~"""""" صفحة رقم 212 """""" # وأعيش معك في رخاء ، لكنك أبيت فخذ الآن ، فما أحد من الشعراء إلا ومعه ~~معين منا ، وأنا أمليت على جرير هذه القصيدة ، وأنا الشيخ أبو مرة . # قال عيسى بن هشام : ثم غاب ولم أره ومضيت لوجهي ، فلقيت رجلا في يده مذبة ~~، فقلت : هذا والله صاحبي ، وقلت له ما سمعت منه فناولني مسرجة ، وأومأ إلى ~~غار في الجبل مظلم ، فقال : دونك الغار ، ومعك النار ، قال : فدخلته فإذا ~~أنا بإبلي قد أخذت سمتها ، فلويت وجوهها ورددتها ، وبينا أنا في تلك الحالة ~~في الغياض أدب الخمر ، إذ بأبي الفتح الإسكندري تلقاني بالسلامش ، فقلت : ~~ما حداك ويحك إلى هذا المقام ? قال : جور الأيام ، في الأحكام ، وعدم ~~الكرام ، من الأنام ، قلت : فاحكم حكمك يا أبا الفتح ، فقال : احملني على ~~قعود ، وأرق لي ماء في عود ، فقلت : لك ذلك ، فأنشأ يقول : # نفسي فداء محكم كلفته شططا فأسجح # ما حك لحيته ، ولا مسح المخاط ، ولا تنحنح # ثم أخبرته بخبر الشيخ ، فأومأ إلى عمامته ، وقال : هذه ثمرة بره ، فقلت : ~~يا أبا الفتح شحذت على إبليس ? إنك لشحاذ PageV01P212 ~~"""""" صفحة رقم 213 """""" # المقامة الأرمنية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما قفلنا من تجارة إرمينية أهدتنا الفلاة إلى ~~أطفالها ms50 ، وعثرنا بهم في أذيالها ، وأناخونا بأرض نعامة ، حتى استنظفوا ~~حقائبنا ، وأراحوا ركائبنا ، وبقينا بياض اليوم ، وقدء نظمنا القد أحزابا ، ~~وربطت خيولنا اغتصابا . # حتى أردف الليل أذنابه ، ومد النجم أطنابه ، PageV01P213 ~~"""""" صفحة رقم 214 """""" # ثم انتحوا عجز الفلاة ، وأخذنا صدرها ، وهلم جرا ، حتى طلع حسن الفجر من ~~نقاب الحشمة ، وانتضى سيف الصبح من قراب الظلمة ، فما طلعت شمس النهار ، ~~إلا على الأشعار والأبشار ، وما زلنا بالأهوال ندرأ حجبها ، وبالفلوات نقطع ~~نجبها ، حتى حللنا المراغة ، وكل منا انتظم إلى رفيق ، وأخذ في طريق ، ~~وانضم إلى شاب يعلوه صفار ، وتعلوه أطمار ، يكنى أبا الفتح الإسكندري ، ~~وسرنا في طلب أبي جابر فوجدناه يطلع من ذات لظي ، تسجر بالغضا ، فعمد ~~الإسكندري إلى رجل فاستماحه كف ملح ، وقال للخباز : أعرني رأس التنور ، PageV01P214 ~~"""""" صفحة رقم 215 """""" # فإني مقرور ، ولما فرع سنامه جعل يحدث القوم بحاله ، ويخبرهم باختلاله ، ~~وينشر الملح فشي التنور من تحت أذياله ، يوهمهم أن أذى بثيابه ، فقال ~~الخباز : ما لك لا أبا لك ? اجمع أذيالك فقد أفسدت الخبز علينا ، وقام إلى ~~الرغفان فرماها ، وجعل الإسكندري يلتقطها ، ويتأبطها ، فأعجبتني حيلته فيما ~~فعل ، وقال : اصبر علي حتى أحتال على الأدم ، فلا حيلة مع العدم ، وصار إلى ~~رجل قد صفف أواني نظيفة فيها ألوان الألبان ، فسأله عن الأثمان ، واستأذن ~~في الذوق ، فقال : أفعل ، فأدار في الآنية إصبعه ، كأنه يطلب شيئا ضيعه ، ~~ثم قال : ليس معي ثمنه ، وهل رغبة في الحجامة ? فقال : قبحك الله أنت حجام ~~? قال : نعم ، فعمد لأعراضه يسبها ، وإلى الآنية يصبها ، فقال الإسكندري : ~~آثرني على الشيطان ، فقال : خذها لا بورك لك فيها ، فأخذها وأوينا إلى خلوة ~~، وأكلناها بدفعة ، وسرنا حتى PageV01P215 ~~"""""" صفحة رقم 216 """""" # أتينا قرية استطعمنا أهلها ، فبادر من بين الجماعة فتى إلى منزله ، ~~فجاءنا بصفحة قد سد اللبن أنفاسها ، حتى بلغ رأسها ، فجعلنا نتحساها ، حتى ~~استوفيناها ، وسألناهم الخبز ، فأبوا إلا بالثمن ، فقال الإسكندري : ما لكم ~~تجودون باللبن ، وتمنعون الخبز إلا بالثمن ? فقال الغلام : كان هذا اللبن ~~في غضارة ، قد وقعت فيه فارة ، فنحن نتصدق به على ms51 السيارة ، فقال الإسكندري ~~: إنا لله وأخذ الصحفة فكسرها ، فصاح الغلام : واحرباه ، وامحروباه ، ~~فاقشعرت منا الجلدة ، وانقلبت علينا المعدة ، ونفضنا ما كنا أكلناه ، وقلت ~~: هذا جزاء ما بالأمس فعلناه ، وأنشأ أبو الفتح الإسكندري يقول : # يا نفس لا تتغثى فالشهم لا يتغثا PageV01P216 ~~"""""" صفحة رقم 217 """""" # من يصحب الدهر يأكل فيه سمينا وغثا # فالبس لدهر جديدا والبس لآخر رثا PageV01P217 ~~"""""" صفحة رقم 218 """""" # المقامة الناجمية # حدثنا عيسى بن هشام قال : بت ذات ليلة في كتيبة فضل من رفقائي ، فتذاكرنا ~~الفصاحة ، وما ودعنا الحديث حتى قرع علينا الباب ، فقلت : من المنتاب ? ~~فقال : وفد الليل وبريده ، وفل الجوع وطريده ، وغريب نضوه طليح وعيشه تبريح ~~، ومن دون فرخيه مهامه فيح ، وضيف ظله خفيف ، وضالته رغيف ، فهل منكم مضيف ~~? فتبادرنا إلى فتح الباب وأنخنا راحلته ، PageV01P218 ~~"""""" صفحة رقم 219 """""" # وجمعنا رحلته ، وقلنا : دارك أتيت ، وأهلك وافيت ، وهلم البيت ، وضحكنا ~~إليه ، ورحبنا به ، وأريناه ضالته ، وساعدناه حتى شبع ، وحادثناه حتى أنس ، ~~وقلنا : من الطالع بمشرقه ، الفاتن بمنطقه ? ? فقال : لا يعرف العود ~~كالعاجم ، وأنا المعروف بالناجم ، عاشرت الدهر لأخبره ، فعصرت أعصره ، ~~وحلبت أشطره ، وجربت الناس لأعرفهم ، فعرفت منهم غثهم وسمينهم ، والغربة ~~لأذوقها ، فما PageV01P219 ~~"""""" صفحة رقم 220 """""" # لمحتني أرض إلا فقأت عينها ، ولا انتظمت رفقة إلا ولجت بينها ، فأنا في ~~الشرق أذكر ، وفي الغرب لا أنكر ، فما ملك إلا وطئت بساطه ، ولا خطب إلا ~~خرقت سماطه ، وما سكنت حرب إلا وكنت فيها سفيرا ، قد جربني الدهر في زمني ~~رخائه وبوسه ، ولقيني بوجهي بشره وعبوسه . فما بحت لبوسه إلا بلبوسه : # وإن كان صرف الدهر قدما أضر بي وحملني من ريبه ما يحمل # فقد جاء بالإحسان حيث أحلنيمحلة صدق ليس عنها محول # قلنا : لا فض فوك ، والله أنت وأبوك ، ما يحرم السكوت إلا عليك ، ولا يحل ~~النطق إلا لك ، فمن أين طلعت ? وأي تغرب ? وما الذي يحدو أملك أمامك ، ~~ويسوق غرضك قدامك ? ? قال : أما الوطن فاليمن ، وأما الوطر فالمطر ، وأما PageV01P220 ~~"""""" صفحة رقم 221 """""" # السائق فالضر ، والعيش المر ، قلنا : فلو أقمت بهذا المكان لقاسمناك ~~العمر ms52 فما دونه ، ولصادفت من الأمطار ما يزرع ، ومن الأنواء ما يكرع ، قال ~~: ما أختار عليكم صحبا ، ولقد وجدت فناءكم رحبا ، ولكن أمطاركم ماء والماء ~~لا يروي العطاش ، قلنا فأي الأمطار يرويك ? قال : مطر خلفي ، وأنشأ يقول : # سجستان أيتها الراحلة وبحرا يؤم المنى ساحله # ستقصد أرجان إن زرتها بواحدة مائة كاملة PageV01P221 ~~"""""" صفحة رقم 222 """""" # وفضل الأمير على ابن العميد كفضل قريش على باهلة # قال عيسى بن هشام : فخرج وودعناه وأقمنا بعده برهة نشتاقه ، ويؤلمنا ~~فراقه ، فبينا نحن بيوم غيم في سمط الثريا جلوس إذ المراكب تساق ، والجنائب ~~تقاد ، وإذا رجل قد هجم علينا ، فقلنا : من الهاجم ? فإذا شيخنا الناجم ، ~~يرفل في نيل المنى ، وذيل الغنى ، فقمنا إليه معانقين ، وقلنا : ما وراءك ~~يا عصام ، فقال : جمال موقرة ، وبغال مثقلة ، وحقائب مقفلة ، وأنشأ يقول : # مولاي أي رذيلة لم يأبها خلف ? وأي فضيلة لم يأتها ? PageV01P222 ~~"""""" صفحة رقم 223 """""" # ما يسمع العافين إلا هاكها لفظا ، وليس يجاب إلا هاتها # إن المكارم أسفرت عن أوجه بيض ، وكان الخال في وجناتها # بأبي شمائله التي تجلو العلا ويدا ترى البركات في حركاتها # من عدها حسنات دهر إنني ممن يعد الدهر من حسناتها # قال عيسى بن هشام : فسألنا الله بقاءه ، وأن يرزقنا لقاءه ، وأقام الناجم ~~أياما مقتصرا من لسانه ، على شكر إحسانه ، ولا يتصرف من كلامه ، إلا في مدح ~~أيامه ، والتحدث بإنعامه . PageV01P223 # """""" صفحة رقم 224 """""" # المقامة الخلفية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما وليت أحكام البصرة ، وانحدرت إليها عن ~~الحضرة ، صحبني في المركب شاب كأنه العافية في البدن ، فقال : إني في أعطاف ~~الأرض وأطرافها ضائع ، لكني أعد معد ألف ، وأقوم مقام صف ، وهل لك أن ~~تتخذني صنيعة ، ولا تطلب مني ذريعة ، فقلت : وأي ذريعة آكد من فضلك ? وأي ~~وسيلة أعظم من عقلك ? ? لا بل أخدمك خدمة الرفيق ، وأشاركك في السعة والضيق ~~، وسرنا فلما وصلنا البصرة غاب عني أياما ، فضقت لغيبته ذرعا ، PageV01P224 ~~"""""" صفحة رقم 225 """""" # ولم أملك صبرا ، فأخذت أفتش جيوب البلد حتى وجدته ، فقلت : ما الذي أنكرت ~~? ولم هجرت ms53 ? فقال : إن الوحشة تقدح في الصدر اقتداح النار في الزند ، فإن ~~أطفئت بادت وتلاشت ، وإن عاشت ، طارت وطاشت ، والقطر إذا تتابع على الإناء ~~امتلأ وفاض ، والعتب إذا ترك فرخ وباض ، والحر لا يعلقه شرك كالعطاء ، ولا ~~يطرده سوط كالجفاء ، وعلى كل حال ، ننظر من عال ، على الكريم نظر إدلال ، ~~وعلى اللئيم نظر إذلال ، فمن لقينا بأنف طويل ، لقيناه PageV01P225 ~~"""""" صفحة رقم 226 """""" # بخرطوم فيل ، ومن لحظنا بنظر شزر ، بعناه بثمن نزر ، وأنت لم تغرسني ~~ليقتلعني غلامك ، ولا اشتريتني لتبيعني خدامك ، والمرء من غلمانه ، كالكتاب ~~من عنوانه ، فإن كان جفاؤهم شيئا أمرت به فما الذي أوجب ? وإن لم تكن علمت ~~به كان أعجب ثم قال : # ظفرت يدا خلف بن أحمد ؛ إنه سهل الفناء مؤدب الخدام # أو ما رأيت الجود يجتاز الورى ويحل من يده بدار مقام # قال عيسى بن هشام : ثم أعرض وتبعته أستعطفه ، وما زلت ألاطفه حتى انصرف ، ~~بعد أن حلف أن لا أوردت من أساء عشرته ، فوهبت له حرمته . PageV01P226 # """""" صفحة رقم 227 """""" # المقامة النيسابورية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت بنيسابور يوم جمعة ، فحضرت المفروضة ، ولما ~~قضيتها اجتاز بي رجل قد لبس دنية وتحنك سنية ، فقلت لمصل بجنبي : من هذا ? ~~قال : هذا سوس لا يقع إلا في صوف الأيتام ، وجراد لا يسقط إلا على الزرع ~~الحرام ولص لا ينقب إلا خزانة الأوقاف ، وكردي لا يغير إلا على الضعاف ، ~~وذئب لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود ، PageV01P227 ~~"""""" صفحة رقم 228 """""" # ومحارب لا ينهب مال الله إلا بين العهود والشهود وقد لبس دنيته ، وخلع ~~دينيته ، وسوى طيلسانه ، وحرف يده ولسانه ، وقصر سباله ، وأطال حباله ، ~~وأبدى شقاشقه ، وغطي مخارقه وبيض لحيته ، وسود صحيفته ، وأظهر ورعه ، وستر ~~طمعه فقلت لعن الله هذا فمن أنت ? قال : أنا رجل أعرف بالإسكندري ، فقلت : ~~سقي الله أرضا أنبتت هذا الفضل ، وأبا خلف هذا النسل ، فأين تريد ? قال : ~~الكعبة ، فقلت : بخ بخ بأكلها ولما تطبخ ، ونحن إذا رفاق فقال : كيف ذلك ~~وأنا مصعد وأنت مصوب ? قلت : فكيف تصعد ms54 إلى الكعبة ? قال : أما إني PageV01P228 ~~"""""" صفحة رقم 229 """""" # أريد كعبة المحتاج ، لا كعبة الحجاج ، ومشعر الكرم ، لا مشعر الحرم ، ~~وبيت السبي ، لا بيت الهدي ، وقبلة الصلات ، لا قبلة الصلاة ، ومنى الضيف ، ~~لا منى الخيف ، قلت : وأين هذه المكارم ? فأنشأ يقول : # بحيث الدين والملك المؤيد وخد المكرمات به مورد # بأرض تنبت الآمال فيها لأن سحابها خلف بن أحمد . PageV01P229 # """""" صفحة رقم 230 """""" # المقامة العلمية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت في بعض مطارح الغربة مجتازا ، فإذا أنا ~~برجل يقول لآخر : بم أدركت العلم ? وهو يجيبه ، قال : طلبته فوجدته بعيد ~~المرام ، لا يصطاد بالسهام ، ولا يقسم بالأزلام ، ولا يرى في المنام ، ولا ~~يضبط باللجام ، ولا يورث عن الأعمام ، ولا يستعار من الكرام ، فتوسلت إليه ~~بافتراش المدر ، واستناد الحجر ، ورد الضجر ، وركوب الخطر ، وإدمان PageV01P230 ~~"""""" صفحة رقم 231 """""" # السهر ، واصطحاب السفر ، وكثرة النظر ، وإعمال الفكر ، فوجدته شيئا لا ~~يصلح إلا للغرس ، ولا يغرس إلا بالنفس ، وصيدا لا يقع إلا في الندر ، ولا ~~ينشب إلا في الصدر ، وطائرا لا يخدعه إلا قنص اللفظ ، ولا يعلقه إلا شرك ~~الحفظ ، فحملته على الروح ، وحبسته على العين . وأنفقت من العيش ، وخزنت في ~~القلب ، وحررت بالدرس ، واسترحت من النظر إلى PageV01P231 ~~"""""" صفحة رقم 232 """""" # التحقيق ، ومن التحقيق إلى التعليق ، واستعنت في ذلك بالتوفيق ، فسمعت من ~~الكلام ما فتق السمع ووصل إلى القلب وتغلغل في الصدر ، فقلت : يا فتى ، ومن ~~أين مطلع هذه الشمس ? فجعل يقول : # إسكندرية داري لو قر فيها قراري # لكن بالشام ليلي وبالعراق نهاري . PageV01P232 # """""" صفحة رقم 233 """""" # المقامة الوصية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما جهز أبو الفتح الإسكندري ولده للتجارة ~~أقعده يوصيه ، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم : يا بني إني وإن وثقت بمتانة عقلك ، وطهارة أصلك ، فإني شفيق ، ~~والشفيق سيئ الظن ، ولست آمن عليك النفس وسلطانها ، والشهوة وشيطانها ، ~~فاستعن عليهما نهارك بالصوم وليلك بالنوم ، إنه لبوس ظهارته الجوع ، ~~وبطانته الهجوع ، وما لبسهما أسد إلا لانت ثورته ، أفهمتهما يابن الخبيثة ms55 ? ~~وكما أخشى عليك ذاك ، فلا آمن عليك لصين : أحدهما الكرم ، واسم الآخر القرم ~~، فإياك وإياهما ؛ إن الكرم أسرع في المال من السوس ، وإن القرم أشأم من ~~البسوس . ودعني من قولهم ( إن الله PageV01P233 ~~"""""" صفحة رقم 234 """""" # كريم ) إنها خدعة الصبي عن اللبن ، بلى إن الله لكريم ، ولكن كرم الله ~~يزيدنا ولا ينقصه ، وينفعنا ولا يضره ، ومن كانت هذه حاله ، فلتكرم خصاله ، ~~فأما كرم لا يزيدك حتى ينقصني ، ولا يريشك حتى يبريني ، فخذلان لا أقول ~~عبقري ، ولكن بقري . أفهمتهما يا ابن المشؤومة ? إنما التجارة ، تنبط الماء ~~من الحجارة ، وبين الأكلة والأكلة ريح البحر ، بيد أن لا خطر ، والصين غير ~~أن لا سفر ، أفتتركه وهو PageV01P234 ~~"""""" صفحة رقم 235 """""" # معرض ثم تطلبه وهو معوز ? أفهمتها لا أم لك ? إنه المال عافاك الله فلا ~~تنفقن إلا من الربح ، وعليك بالخبز والملح ، ولك في الخل والبصل رخصة ما لم ~~تذمهما ، ولم تجمع بينهما ، واللحم لحمك وما أراك تأكله ، والحلو طعام من ~~لا يبالي على أي جنبيه يقع ، والوجبات عيش الصالحين ، والأكل على الجوع ~~واقية الفوت ، وعلى الشبع داعية الموت ، ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج : خذ ~~كل ما معهم ، واحفظ كل ما معك . # يا بني قد أسمعت وأبلغت ، فإن قبلت فالله حسبك ، وإن أبيت فالله حسيبك ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . PageV01P235 # """""" صفحة رقم 236 """""" # المقامة الصيمرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : قال محمد بن إسحاق المعروف بأبي العنبس الصيمري ~~: إن مما نزل بي من إخواني الذين اصطفيتهم وانتخبتهم وادخرتهم للشدائد ما ~~فيه عظة وعبرة وأدب لمن اعتبر واتعظ وتأدب . # وذلك أني قدمت من الصيمرة إلى مدينة السلام ، ومعي جراب دنانير ومن ~~الخرثي والآلة وغير ذلك ما لا أحتاج معه إلى أحد ، فصحبت من أهل البيوتات ~~والكتاب والتجار ، ووجوه الثناء من أهل الثروة واليسار ، والجدة والعقار ، ~~جماعة اخترتهم للصحبة ، وادخرتهم للنكبة ، فلم نزل في صبوح وغبوق ، نتغذى ~~بالجدايا PageV01P236 ~~"""""" صفحة رقم 237 """""" # الرضع والطباهجات الفارسية ، والمدققات الإبراهيمية ، والقلايا المحرقة ~~والكباب الرشيدي والحملان ، وشرابنا نبيذ ms56 العسل ، وسماعنا من المحسنات ~~الحذاق ، الموصوفات في الآفاق ، ونقلنا اللوز المقشر والسكر والطبرزد ، ~~وريحاننا الورد وبخورنا الند ، وكنت عندهم أعقل من عبد الله بن عباس . ~~وأظرف من أبي نواس ، وأسخى من حاتم ، وأشجع من عمرو ، وأبلغ من سحبان وائل ~~وأدهى من قصير ، وأشعر من جرير ، وأعذب من ماء الفرات ، وأطيب من العافية ، ~~لبذلي ومروءتي ، وإتلاف ذخيرتي ، فلما خف PageV01P237 ~~"""""" صفحة رقم 238 """""" # المتاع ، وانحط الشراع وفرغ الجراب ، تبادر القوم الباب ، لما أحسوا ~~بالقصة ، وصارت في قلوبهم غصة ، ودعوني برصة ، وانبعثوا للفرار كرمية ~~الشرار ، وأخذتهم الضجرة ، فانسلوا قطرة قطرة ، وتفرقوا يمنة ويسرة ، وبقيت ~~على الآجرة ، قد أورثوني الحسرة ، واشتملت منهم على العبرة لا أساوي بعرة ، ~~وحيدا فريدا كالبوم ، الموسوم بالشوم ، أقع وأقوم ، كأن الذي كنت فيه لم ~~يكن ، وندمت حين لم تنفعني الندامة ، فبدلت بالجمال وحشة ، وصارت بي طرشة ، ~~أقبح من رهطة المنادى ، كأني راهب PageV01P238 ~~"""""" صفحة رقم 239 """""" # عبادي ، وقد ذهب المال وبقي الطنز ، وحصل بيدي ذنب العنز ، وحصلت في بيتي ~~وحدي متفتتة كبدي ، لتعس جدي ، قد قرحت دموعي خدي ، أعمر منزلا درست طلوله ~~، وعفت معالمه سيوله ، فأضحى وأمسى بربعه الوحوش ، تجول وتنوش ، وقد ذهب ~~جاهي ، ونفدت صحاحي ، وقل مراحي ، وسلحت في راحي ، ورفضني الندماء ، ~~والإخوان القدماء ، لا يرفع لي رأس ، ولا أعد من الناس ، أوتح من بزيع ~~الهراس ورزين المراس ، أتردد على الشط ، كأني راعي البط ، أمشي وأنا حافي ، ~~وأتبع الفيافي ، عيني PageV01P239 ~~"""""" صفحة رقم 240 """""" # سخينة ، ونفسي رهينة ، كأني مجنون قد أفلت من دير ، أو عير يدور في الحير ~~، أشد حزنا من الخنساء على صخر . ومن هند على عمرو وقد تاه عقلي ، وتلاشت ~~صحتي ، وفرغت صرتي ، وفر غلامي ، وكثرت أحلامي ، وجزت في الوسواس المقدار ، ~~وصرت بمنزلة العمار ، وشيطان الدار ، أظهر بالليل وأخفى بالنهار أشأم من ~~حفار وأثقل من كراء الدار وأرعن من طيطىء القصار وأحمق من داود العصار وقد ~~حالفتني القلة وشملتني الذلة ، وخرجت من الملة ، وأبغضت في الله ، وكنت أبا ~~العنبس ، فصرت أبا عملس . قد ضللت المحجة ، وصارت علي الحجة ms57 ، لا أجد لي ~~ناصرا ، والإفلاس عندي أراه حاضرا ، فلما رأيت الأمر قد صعب ، والزمان قد ~~كلب ، التمست الدرهم فإذا هو مع النسرين ، PageV01P240 ~~"""""" صفحة رقم 241 """""" # وعند منقطع البحرين ، وأبعد من الفرقدين . فخرجت أسيح كأني المسيح ، فجلت ~~خراسان ، والخراب منها والعمران ، إلى كرمان وسجستان ، وجيلان إلى طبرستان ~~وإلى عمان إلى السند ، والهند ، والنوبة ، والقبط ، واليمن ، والحجاز ، ~~ومكة ، والطائف ، أجول البراري والقفار ، وأصطلي بالنار ، وآوي مع الحمار ، ~~حتى اسودت وجنتاي ، وتقلصت خصيتاي ، فجمعت من النوادر والأخبار والأسمار ، ~~والفوائد والآثار ، وأشعار المتطرفين ، وسخف الملهين ، وأسمار المتيمين ، ~~وأحكام المتفلسفين ، وحيل المشعوذين ، ونواميس المتمخرقين ، ونوادر ~~المنادمين ، ورزق المنجمين ، ولطف المتطببين ، وكياد المخنثين ، ودخمسة ~~الجرابذة ، وشيطنة الأبالسة ، وما قصر عنه فتيا الشعبي ، وحفظ الضبي . وعلم ~~الكلبي . فاسترفدت واجتديت ، وتوسلت وتكديت ، ومدحت وهاجيت ، حتى كسبت ثروة ~~من المال ، واتخذت من الصفائح الهندية ، PageV01P241 ~~"""""" صفحة رقم 242 """""" # والقضب اليمانية ، والدروع السابرية . والدرق التبتية ، والرماح الخطية ، ~~والحراب البربرية ، والخيل العتاق الجردية ، والبغال الأرمنية ، والحمر ~~المريسية ، والديابيج الرومية ، والخزوز السوسية ، وأنواع الطرف واللطف ، ~~والهدايا والتحف ، مع حسن الحال ، وكثرة المال ، فلما قدمت بغداد ووجد ~~القوم خبري ، وما رزقته في سفري ، سروا بمقدمي ، وصاروا بأجمعهم إلي ، ~~يشكون ما عندهم من الوحشة لفقدي ، وما نالهم لبعدي ، وشكوا شدة الشوق ، ~~ورزء التوق وجعل كل واحد منهم يعتذر مما فعل ، ويظهر الندم على ما صنع ، ~~فأوهمتهم أني قد صفحت عنهم ، ولم أظهر لهم أثر الموجدة عليهم بما تقدم ، ~~فطابت نفوسهم ، وسكنت جوارحهم ، وانصرفوا على ذلك ، وعادوا إلي في اليوم ~~الثاني ، فحبستهم عندي ، ووجهت وكيلي إلى السوق فلم يدع شيئا تقدمت بشرائه ~~إلا أتى به ، وكانت لنا طباخة حاذقة ؛ فاتخذت عشرين لونا من قلايا PageV01P242 ~~"""""" صفحة رقم 243 """""" # محرقات ، وألوانا من طباهجات ، ونوادر معدات ، وأكلنا وانتقلنا إلى مجلس ~~الشراب ، فأحضرت لهم زهراء خندريسية ، ومغنيات حسان محسنات ، فأخذوا في ~~شأنهم وشربنا ، فمضى لنا أحسن يوم يكون ، وقد كنت استعددت لهم بعددهم خمسة ~~عشر صنا من صنان الباذنجان ، كل صن بأربعة آذان ، واستأجر غلامي لكل واحد ~~منهم حمالا ، كل ms58 حمال بدرهمين ، وعرف الحمالين منازل القوم ، وتقدم إليهم ~~بالموافاة بعشاء الآخرة ، وتقدمت إلى غلامي وكان داهية أن يدفع إلى القوم ~~بالمن والرطل ، ويصرف لهم ، وأنا أبخر بين أيديهم الند والعود والعنبر ، ~~فما مضت ساعة إلا وهم من السكر أموات لا يعقلون ووافانا غلمانهم عند غروب ~~الشمس كل واحد منهم بدابة أو حمار أو بغلة ، فعرفتهم أنهم عندي الليلة ~~بائتون ، فانصرفوا ، ووجهت إلى بلال المزين فأحضرته ، وقدمت إليه طعاما ~~فأكل ، وسقيته من الشراب القطر بلى ، فشرب حتى ثمل ، وجعلت في فيه دينارين ~~أحمرين ، وقلت : شأنك والقوم ، فحلق في ساعة واحدة خمس عشرة لحية ، فصار ~~القوم جردا مردا ، كأهل الجنة ، وجعلت لحية كل واحد منهم مصرورة في ثوبه ، ~~ومعها رقعة مكتوب فيها : ( من أضمر بصديقه الغدر وترك الوفاء ، كان هذا ~~مكافأته والجزاء ) . وجعلتها في جيبه ، وشددناهم في الصنان ، ووافى ~~الحمالون عشاء الآخرة ، فحملوهم بكرة خاسرة ، فحصلوا في منازلهم ، فلما ~~أصبحوا رأوا في نفوسهم هما عظيما ، لا PageV01P243 ~~"""""" صفحة رقم 244 """""" # يخرج منهم تاجر إلى دكانه ، ولا كاتب إلى ديوانه ، ولا يظهر لإخوانه ، ~~فكان كل يوم يأتي خلق كثير من خولهم ، ومن نساء وغلمان ورجال يشتمونني ~~ويزنونني ، ويستحكمون الله علي ، وأنا ساكت لا أرد عليهم جوابا ، ولم أعبأ ~~بمقالهم ، وشاع الخبر بمدينة السلام بفعلي معهم ، ولم يزل الأمر يزداد حتى ~~بلغ الوزير القاسم بن عبيد الله . وذلك أنه طلب كاتبا له فافتقده ، فقيل : ~~إنه في منزله لا يقدر على الخروج ، قال : ولم ? قيل : من أجل ما صنع أبو ~~العنبس ؛ لأنه كان امتحن بعشرته ومنادمته ، فضحك حتى كاد يبول في سراويله ~~أو بال ، والله أعلم . ثم قال : والله لقد أصاب وما أخطأ فيما فعل ، ذروه ~~فإنه أعلم الناس بهم ، ثم وجه إلي خلعة سنية ، وقاد فرسا بمركب ، وحمل إلي ~~خمسين ألف درهم ، لاستحسانه فعلي ، ومكثت في منزلي شهرين أنفق وآكل وأشرب ، ~~ثم ظهرت بعد الاستتار ، فصالحني بعضهم لعلمه بما صنع الوزير ، وحلف بعضهم ~~بالطلاق الثلاث وبعتق غلمانه وجواريه أنه لا يكلمني من رأسه أبدا ، فلا ms59 ~~والله العظيم شانه ، العلي برهانه ، ما اكترثت بذلك ، ولا باليت ، ولا حك ~~أصل أذني ، ولا أوجع بطني ، ولا صرني ، بل PageV01P244 ~~"""""" صفحة رقم 245 """""" # سرني ، وإنما كانت حاجة في نفس يعقوب قضاها . ر بلى ، فشرب حتى ثمل ، ~~وجعلت في فيه دينارين أحمرين ، وقلت : شأنك والقوم ، فحلق في ساعة واحدة ~~خمس عشرة لحية ، فصار القوم جردا مردا ، كأهل الجنة ، وجعلت لحية كل واحد ~~منهم مصرورة في ثوبه ، ومعها رقعة مكتوب فيها : ( من أضمر بصديقه الغدر ~~وترك الوفاء ، كان هذا مكافأته والجزاء ) . وجعلتها في جيبه ، وشددناهم في ~~الصنان ، ووافى الحمالون عشاء الآخرة ، فحملوهم بكرة خاسرة ، فحصلوا في ~~منازلهم ، فلما أصبحوا رأوا في نفوسهم هما عظيما ، لا يخرج منهم تاجر إلى ~~دكانه ، ولا كاتب إلى ديوانه ، ولا يظهر لإخوانه ، فكان كل يوم يأتي خلق ~~كثير من خولهم ، ومن نساء وغلمان ورجال يشتمونني ويزنونني ، ويستحكمون الله ~~علي ، وأنا ساكت لا أرد عليهم جوابا ، ولم أعبأ بمقالهم ، وشاع الخبر ~~بمدينة السلام بفعلي معهم ، ولم يزل الأمر يزداد حتى بلغ الوزير القاسم بن ~~عبيد الله . وذلك أنه طلب كاتبا له فافتقده ، فقيل : إنه في منزله لا يقدر ~~على الخروج ، قال : ولم ? قيل : من أجل ما صنع أبو العنبس ؛ لأنه كان امتحن ~~بعشرته ومنادمته ، فضحك حتى كاد يبول في سراويله أو بال ، والله أعلم . ثم ~~قال : والله لقد أصاب وما أخطأ فيما فعل ، ذروه فإنه أعلم الناس بهم ، ثم ~~وجه إلي خلعة سنية ، وقاد فرسا بمركب ، وحمل إلي خمسين ألف درهم ، ~~لاستحسانه فعلي ، ومكثت في منزلي شهرين أنفق وآكل وأشرب ، ثم ظهرت بعد ~~الاستتار ، فصالحني بعضهم لعلمه بما صنع الوزير ، وحلف بعضهم بالطلاق ~~الثلاث وبعتق غلمانه وجواريه أنه لا يكلمني من رأسه أبدا ، فلا والله ~~العظيم شانه ، العلي برهانه ، ما اكترثت بذلك ، ولا باليت ، ولا حك أصل ~~أذني ، ولا أوجع بطني ، ولا صرني ، بل سرني ، وإنما كانت حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها . # وإنما ذكرت هذا ونهت عليه ليؤخذ الحذر من أبناء الزمن ، وتترك الثقة ~~بالإخوان الأنذال السفل ، وبفلان ms60 الوراق النمام الزراف الذي ينكر حق ~~الأدباء ، ويستخف بهم ، ويستعير كتبهم لا يردها عليهم ، والله المستعان ، ~~وعليه التكلان . PageV01P245 # """""" صفحة رقم 246 """""" # المقامة الدينارية # حدثنا عيسى بن هشام قال : اتفق لي نذر نذرته في دينار أتصدق به على أشحذ ~~رجل ببغداد ، وسألت عنه ، فدللت على أبي الفتح الإسكندري ، فمضيت إليه ~~لأتصدق به عليه ، فوجدته في رفقة ، قد اجتمعت عليه في حلقة ، فقلت : يا بني ~~ساسان ، أيكم أعرف بسلعته ، وأشحذ في صنعته ، فأعطيه هذا الدينار ? فقال ~~الإسكندري : أنا ، وقال آخر من الجماعة : لا ، بل أنا . ثم تناقشا وتهارشا ~~حتى قلت : ليشتم كل منكما صاحبه ، فمن غلب سلب ، ومن عز بز ، فقال ~~الإسكندري : يا برد العجوز ، يا كربة PageV01P246 ~~"""""" صفحة رقم 247 """""" # تموز ، يا وسخ الكوز ، يا درهما لا يجوز ، يا حديث المغنين ، يا سنة ~~البوس ، يا كوكب النحوس ، يا وطأ الكابوس ، يا تخمة الرؤس ، يا أم حبين ، ~~يا رمد العين ، يا غداة البين ، يا فراق المحبين ، يا ساعة الحين يا مقتل ~~الحسين يا ثقل الدين يا سمة الشين يا بريد الشوم يا طريد اللوم يا ثريد ~~الثوم يا بادية الزقوم يا منع PageV01P247 ~~"""""" صفحة رقم 248 """""" # الماعون يا سنة الطاعون يا بغي العبيد ، يا آية الوعيد ، يا كلام المعيد ~~، يا أقبح من حتى ، في مواضع شتى ، يا دودة الكنيف ، يا فروة في المصيف ، ~~يا تنحنح المضيف إذا كسر الرغيف ، يا جشاء المخمور ، يا نكهة الصقور ، يا ~~وتد الدور ، يا خذروفة القدور ، يا أربعاء لا تدور ، يا طمع المقمور ، يا ~~ضجر اللسان ، يا بول الخصيان ، يا مؤاكلة العميان ، يا شفاعة العريانش ، PageV01P248 ~~"""""" صفحة رقم 249 """""" # يا سبت الصبيان ، يا كتاب التعازي ، يا قرارة المخازي ، يا بخل الأهوازي ~~، يا فضول الرازي ، والله لو وضعت إحدى رجليك على أروند ، والأخرى على ~~دنباوند ، وأخذت بيدك قوس قزح ، وندفت الغيم في جباب الملائكة ، PageV01P249 ~~"""""" صفحة رقم 250 """""" # ما كنت إلا حلاجا . # وقال الآخر : يا قراد القرود ، يا لبود اليهود : يا نكهة الأسود ، يا ~~عدما في وجود ، يا كلبا في الهراش ، يا ms61 قردا في الفراش ، يا قرءعية بماش ، ~~يا أقل من لاش ، يا دخان النفط ، يا صنان الإبط ، يا زوال الملك ، يا هلال ~~لهلك ، يا أخبث ممن باء بذل الطلاق ، ومنع الصداق ، يا وحل الطريق ، يا ماء ~~على الريق يامحرك العظم يامعجل الهضم يا قلح الأسنان ، يا وسخ الآذان ، يا ~~أجر من قلس ، يا أقل من فلس ، يا أفضح من PageV01P250 ~~"""""" صفحة رقم 251 """""" # عبرة ، يا أبغى من إبرة ، يا مهب الخف ، يضا مدرجة الأكف ، يا كلمة ليت ، ~~يا وكف البيت ، يا كيت وكيت ، والله لو وضعت أستك على النجوم ، ودليت رجلك ~~في التخوم ، واتخذت الشعرى خفا ، والثريا رفا ، وجعلت السماء منوالا ، وحكت ~~الهواء سربالا ، فسديته بالنسر الطائر ، وألحمته بالفلك الدائر ، ما كنت ~~إلا حائكا . # قال عيسى بن هشام : فو الله ما علمت أي الرجلين أوثر ? وما منهما إلا ~~بديع الكلام ، عجيب المقام ، ألد الخصام ، فتركتهما ، والدينار مشاع بينهما ~~، وانصرفت وما أدري ما صنع الدهر بهما . PageV01P251 # """""" صفحة رقم 252 """""" # المقامة الشعرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت ببلاد الشام ، وانضم إلى رفقة ، فاجتمعنا ~~ذات يوم في حلقة ، فجعلنا نتذاكر الشعر فنورد أبيات معانيه ، ونتحاجى ~~بمعاميه ، وقد وقف علينا فتى يسمع وكأنه يفهم ، ويسكت وكأنه يندم ، فقلت : ~~يا فتى قد آذانا وقوفك ؛ فإما أن تقعد ، وإما أن تبعد ، فقال : لا يمكنني ~~القعود ، ولكن أذهب فأعود ، فالزموا مكانكم هذا ، قلنا : نفعل وكرامة ، ثم ~~غاب بشخصه ، وما لبث أن عاد لوقته ، وقال : أين أنتم من تلك الأبيات ? وما ~~فعلتم بالمعميات ? سلوني عنها ، فما سألناه عن بيت إلا أجاب ، ولا عن معنى ~~إلا أصاب ، ولما نفضنا الكنائن ، وأفنينا الخزائن ، عطف علينا سائلا ، وكر ~~مباحثا ، فقال : عرفوني أي بيت شطره يرفع وشطره يدفع ? وأي بيت كله يصفع ? ~~وأي بيت نصفه PageV01P252 ~~"""""" صفحة رقم 253 """""" # يغضب ، ونصفه يلعب ? وأي بيت كله أجرب ? وأي بيت عروضه يحارب ، وضربه ~~يقارب وأي بيت كله عقارب ? وأي بيت سمج وضعه ، وحسن قطعه ? PageV01P253 ~~"""""" صفحة رقم 254 """""" # وأي بيت لا يرقأ دمعه ? وأي بيت يأبق كله ms62 ، إلا رجله ? وأي بيت لا يعرف ~~أهله ? وأي بيت هو أطول من مثله ، كأنه ليس من أهله ? وأي بيت لا يمكن نبضه ~~، ولا تحتفر أرضه ? وأي بيت نصفه كامل ونصفه سرابل ? وأي بيت لا تحصى عدته ~~? وأي بيت يريك ما يسر به ? وأي بيت لا يسعه العالم ? وأي بيت نصفه يضحك ~~ونصفه يألم ? وأي بيت إن حرك غصنه ، ذهب حسنه ? وأي بيت إن جمعناه ، ذهب ~~معناه ? وأي بيت إن أفلتناه ، أضللناه ? وأي بيت شهده سم ? وأي بيت مدحه ذم ~~? وأي بيت لفظه حلو وتحته غم ? وأي بيت حله عقد ، وكله نقد ? وأي بيت نصفه ~~مد ، ونصفه رد ? وأي بيت نصفه رفع ، ورفعه صفع ? وأي بيت طرده مدح ? وعكسه ~~قدح ? وأي بيت هو في طوف صلاة الخوف ? وأي بيت يأكله الشاء متى شاء ? وأي ~~بيت إذا أصاب الراس هشم الأضراس ، وأي بيت طال ، حتى بلغ ستة أرطال ? وأي ~~بيت قام ، ثم سقط ونام ? وأي بيت أراد أن ينقص فزاد ? وأي بيت كاد يذهب ~~فعاد ? وأي بيت حرب العراق ? وأي بيت فتح البصرة ? وأي بيت ذاب ، تحت ~~العذاب ? وأي بيت شاب ، قبل الشباب ? وأي بيت عاد قبل الميعاد ? وأي بيت حل ~~، ثم اضمحل ? وأي بيت أمر ، ثم استمر ? وأي بيت أصلح ، حتى صلح ? وأي بيت ~~اسبق من سهم الطرماح ? وأي بيت خرج من عينهم ? وأي بيت ضاق ، ووسع الآفاق ? ~~وأي بيت رجع ، فهاج الوجع ? وأي بيت نصفه ذهب ، وباقيه ذنب ? وأي بيت بعضه ~~ظلام ، وبعضه مدام ? وأي بيت جعل فاعله مفعولا ، وعاقله معقولا ? وأي بيت ~~كله حرمة ? وأي بيتين هما كقطار الإبل ? وأي بيت ينزل من عال ? وأي بيت ~~طيرته في الفال ? وأي بيت آخره يهرب ، وأوله يطلب ? وأي بيت أوله يهب ، ~~وآخره ينهب ? . # قال عيسى بن هشام : فسمعنا شيئا لم نكن سمعناه ، وسألناه التفسير فمنعناه ~~، وحسبناه ألفاظا قد جود نحتها ، ولا معاني تحتها ، فقال : اختاروا من هذه ~~المسائل خمسا لأفسرها ، واجتهدوا في الباقي أياما ، فلعل إناءكم يرشح ، ~~ولعل خاطركم يسمح ، ثم ms63 إن عجزتم فاستأنفوا التلاقي ، PageV01P254 ~~"""""" صفحة رقم 255 """""" # لأفسر الباقي ، وكان مما اخترنا البيت الذي سمج وضعه وحسن قطعه ، فسألناه ~~عنه فقال : هو قول أبي نواس : # فبتنا يرانا الله شر عصابة تجرر أذيال الفسوق ولا فخر # قلنا : فالبيت الذي حله عقد ، وكله نقد ، فقال : قول الأعشى : # دراهمنا كلها جيد فلا تحبسنا بتنقادها # وحله أن يقال دراهمنا جيد كلها ولا يخرج بهذا الحل عن وزنه قلنا : فالبيت ~~الذي نصفه مد ، ونصفه رد ، فقال : قول البكري : # أتاك دينار صدق ينقص ستين فلسا # من أكرم الناس إلا أصلا وفرعا ونفسا # قلنا : فالبيت الذي يأكله الشاء ، متى شاء ، قال : بيت القائل # فما للنوى ? جذ النوى ، قطع النوىرأيت النوى فطاعة للقرائن # قلنا فالبيت الذي طال ، حتى بلغ ستة أرطال ، قال : بيت ابن الرومي : # إذا من لم يمنن بمن يمنهوقال لنفسي : أيها النفس أمهلي PageV01P255 ~~"""""" صفحة رقم 256 """""" # قال عيسى بن هشام : فعلمنا أن المسائل ، ليست عواطل ، واجتهدنا ، فبعضها ~~وجدنا ، وبعضها استفدنا ، فقلت على أثره وهو عاد : # تفاوت الناس فضلا وأشبه البعض بعضا # لولاه كنت كرضوى طولا وعمقا وعرضا PageV01P256 ~~"""""" صفحة رقم 257 """""" # المقامة الملوكية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت في منصرفي من اليمن ، وتوجهي إلى نحو الوطن ~~، أسرى ذات ليلة لا سانح بها إلا الضبع ، ولا بارح إلا السبع ، فلما انتضى ~~نصل الصباح ، وبرز جبين المصباح ، عن لي في البراح ، راكب شاكي السلاح ، ~~فأخذني منه ما يأخذ الأعزل ، من مثله إذا أقبل ، لكني تجلدت فوقفت وقلت : ~~أرضك لا أم لك ، فدوني شرط الحداد ، وخرط القتاد ، وحمية أزدية ، وأنا PageV01P257 ~~"""""" صفحة رقم 258 """""" # سلم إن كنت ، فمن أنت ? فقال : سلما أصبت ، ورفيقا كما أحببت ، فقلت : ~~خيرا أجبت ، وسرنا فلما تخالينا ، وحين تجالينا ، أجلت القصة عن أبي الفتح ~~الإسكندري ، وسألني عن أكرم من لقيته من الملوك ، فذكرت ملوك الشام ، ومن ~~بها من الكرام ، وملوك العراق ومن بها من الأشراف ، وأمراء الأطراف ، وسقت ~~الذكر ، إلى ملوك مصر ، فرويت ما رأيت ، وحدثته ، بعوارف ملوك اليمن ، ~~ولطائف ملوك الطائف ، وختمت الجملة ، بذكر سيف ms64 الدولة ، فأنشأ يقول : # يا ساريا بنجوم الليل يمدحها ولو رأى الشمس لم يعرف لها خطرا # وواصفا للسواقي هبك لم تزر ال بحر المحيط ألم تعرف له خبرا # من أبصر الدر لم يعدل به حجراومن رأى خلفا لم يذكر البشرا # زره تزر ملكا يعطي بأربعةلم يحوها أ? حد وانظر إليه ترى PageV01P258 ~~"""""" صفحة رقم 259 """""" # أيامه غررا ، ووجهه قمرا ، وعزمه قدرا ، وسيبه مطرا # ما زلت أمدح أقواما أظنهم صفو الزمان ؛ فكانوا عنده كدرا # قال عيسى بن هشام : فقلت : من هذا الملك الر ? حيم الكريم ? فقال : كيف ~~يكون ، ما لم تبلغه الظنون ? وكيف أقول ، ما لم تقبله العقول ? ومتى كان ~~ملك يأنف الأكارم ، إن بعثت بالدراهم ? والذ ? هب ، أيسر ما يهب ، والالف ، ~~لا يعمه إلا الخلف ، وهذا جبل الكحل قد أضر به الميل فكيف لا يؤثر ذلك العطاء PageV01P259 ~~"""""" صفحة رقم 260 """""" # الجزيل ? وهل يجوز أن يكون ملك يرجع من البذل إلى سرفه ، ومن الخلق إلى ~~شرفه ، ومن الدين إلى كلفه ومن الملك إلى كنفه ، ومن الأصل إلى سلفه ، ومن ~~النسل إلى خلفه : # فليت شعري من هذي مآثرهماذا الذي ببلوغ النجم ينتظر ? . PageV01P260 # """""" صفحة رقم 261 """""" # المقامة الصفرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : لما أردت القفول من الحج ، دخل إلي فتى فقال : ~~عندي رجل من نجار الصفر ، يدعو إلى الكفر ، ويرقص على الظفر ، وقد أدبته ~~الغربة ، وأدتني الحسبة إليك ، لأمثل حاله لديك ، وقد خطب منك جارية صفراء ~~، تعجب الحاضرين ، وتسر الناظرين ، فإن أحببت ينجب منهما ولد يعم البقاع ~~والأسماع ، فإذا طويت هذا الريط ، و? ? ثنيت هذا PageV01P261 ~~"""""" صفحة رقم 262 """""" # الخيط ، يكون قد سبقك إلى بلدك ، فرأيك في نشر ما في يدك . # قال عيسى بن هشام : فعجبت من إيراده ، ولطفه في سؤاله ، وأجبته في مراده ~~، فأنشأ يقول : # المجد يخدع باليد السفلى ويد الكريم ورأيه أ? على . PageV01P262 # """""" صفحة رقم 263 """""" # المقامة السارية # حدثنا عيسى بن هشام قال : بينا نحن بسارية ، عند واليها ، إذ دخل عليه ~~فتى به ردع صفار ، فانتفض المجلس له قياما ، وأجلس في صدره إعظاما ms65 ، ~~ومنعتني الحشمة له من مسألتي إياه عن اسمه ، وابتدأ فقال للوالي : ما فعلت ~~في الحديث الأمسي ، لعلك جعلته في المنسي ? فقال : معاذ الله ، ولكن عاقني ~~عن بلوغه عذر لا يمكن شرحه ، ولا يؤسى جرحه ، فقال الداخل : يا هذا قد طال ~~مطال هذا الوعد ، فما أجد غدك فيه إلا كيومك ، ولا يومك فيه إلا كأمسك ، ~~فما أشبهك PageV01P263 ~~"""""" صفحة رقم 264 """""" # في الإخلاف ، إلا بشجر الخلاف ، زهره يملأ العين ، ولا ثمر في البين . # قال عيسى بن هشام : فلما بلغ هذا المكان قطعت عليه ، فقلت : حرسك الله ~~ألست الإسكندري ? فقال : وأدام حراستك ، ما أحسن فراستك فقلت : مرحبا بأمير ~~الكلام ، وأهلا بضالة الكرام ، لقد نشدتها حتى وجدتها ، وطلبتها ، حتى ~~أصبتها ، ثم ترافقنا حتى اجتذبني نجد ، ولقمه وهد ، وصعدت وصوب ، وشرقت ~~وغرب ، فقلت على أثره : # ياليت شعري عن أخ ضاقت يداه وطال صيته # قد بات بارحة لدي فأين ليلتنا مبيته PageV01P264 ~~"""""" صفحة رقم 265 """""" # لا در در الفقر فه وطريده وبه رزيته # لا سلطن عليه من خلف بن أحمد من يميته PageV01P265 ~~"""""" صفحة رقم 266 """""" # المقامة التميمية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # وليت بعض الولايات من بلاد الشام ، ووردها سعد بن بدر أخو فزارة ، وقد ~~ولي الوزارة ، وأحمد الوليد ، على عمل البريد ، وخلف بن سالم ، على عمل ~~المظالم ، وبعض بني PageV01P266 ~~"""""" صفحة رقم 267 """""" # ثوابة ، وقد ولي الكتابة وجعل عمل الزمام ، إلى رجل من أهل الشام ، فصارت ~~تحفة الفضلاء ، ومحط رحالهم ، ولم يزل يرد الواحد بعد الواحد ، حتى امتلأت ~~العيون من الحاضرين ، وثقلوا على القلوب ، وورد فيمن ورد أبو الندى التميمي ~~، فلم تقف عليه العيون ، ولا صفت له القلوب ، ودخل يوما إلي فقدرته حق قدره ~~، وأقعدته من المجلس في صدره ، وقلت : كيف يرجى الأستاذ عمره ? وكيف يرى ~~أمره ? فنظر ذات اليمين وذات اليسار ، فقال : بين الخسران والخسار ، والذل ~~والصغار وقوم كروث الحمار ، يشمهم الإقبال وهم PageV01P267 ~~"""""" صفحة رقم 268 """""" # منتنون ، ويحسن إليهم فلا يحسنون ، أما والله لقد وردت منهم على قوم ما ~~يشبههم من الناس ، غير الرأس واللباس ، وجعل ms66 يقول : # فدى لك يا سجستان البلاد وللملك الكريم بك العباد # هب الأيام تسعدني وهبني تبلغنيه راحلة وزاد # فمن لي بالذي قد مات منه وبالعمر الذي لا يستعاد ? . PageV01P268 # """""" صفحة رقم 269 """""" # المقامة الخمرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : اتفق لي في عنفوان الشبيبة خلق سجيح ، ورأي ~~صحيح ، فعدلت ميزان عقلي ، وعدلت بين جدي وهزلي ، واتخذت إخوانا للمقة ، ~~وآخرين للنفقة ، وجعلت النهار للناس ، والليل للكاس . # قال : واجتمع إلي في بعض ليالي إخوان الخلوة ، ذوو المعاني الحلوة ، فما ~~زلنا نتعاطى نجوم الأقداح ، حتى نفد ما معنا من الراح . # قال : واجتمع رأي الندمان ، على فصد الدنان ، فأسلنا نفسها ، وبقيت ~~كالصدف بلا در ، أو المصر PageV01P269 ~~"""""" صفحة رقم 270 """""" # بلا حر . # قال : ولما مستنا حالنا تلك دعتنا دواعي الشطارة ، إلى حان الخمارة ، ~~والليل أخضر الديباج ، مغتلم الأمواج ، فلما أخذنا في السبح ، ثوب منادي ~~الصبح ، فخنس شيطان الصبوة ، وتبادرنا إلى الدعوة ، وقمنا وراء الإمام ، ~~قيام البررة الكرام ، بوقار وسكينة ، وحركات موزونة ، فلكل بضاعة وقت ، ~~ولكل صناعة سمت ، وإمامنا يجد في خفضه ورفعه ، ويدعونا بإطالته إلى صفعه ، ~~حتى إذا راجع بصيرته ، ورفع بالسلام عقيرته ، تربع في ركن PageV01P270 ~~"""""" صفحة رقم 271 """""" # محرابه ، وأقبل بوجهه على أصحابه ، وجعل يطيل إطراقه ، ويديم استنشاقه ، ~~ثم قال : أيها الناس من خلط في سيرته ، وابتلي بقاذورته ، فليسعه ديماسه ، ~~دون أن تنجسنا أنفاسه ، إني لأجد منذ اليوم ، ريح أم الكبائر من بعض القوم ~~، فما جزاء من بات صريع الطاغوت ، ثم ابتكر إلى هذه البيوت ، التي أذن الله ~~أن ترفع ، وبدابر هؤلاء أن يقطع ، وأشار إلينا ، فتألبت الجماعة علينا ، ~~حتى مزقت الأردية ، ودميت الأقفية ، وحتى أقسمنا لهم لا عدنا ، وأفلتنا من ~~بينهم وما كدنا ، وكلنا مغتفر للسلامة ، مثل هذه الآفة ، وسألنا من مر بنا ~~من الصبية ، عن PageV01P271 ~~"""""" صفحة رقم 272 """""" # إمام تلك القرية ، فقالوا : الرجل التقي ، أبو الفتح الإسكندري ، فقلنا : ~~سبحان الله ربما أبصر عميت ، وآمن عفريت ، والحمد لله لقد أسرع في أوبته ، ~~ولا حرمنا الله مثل توبته ، وجعلنا بقية يومنا نعجب من نسكه ، مع ما ms67 كنا ~~نعلم من فسقه . # قال : ولما حشرج النهار أو كاد ، نظرنا فإذا برايات الحانات أمثال النجوم ~~، في الليل البهيم ، فتهادينا بها السراء ، وتباشرنا بليلة غراء ، ووصلنا ~~إلى أفخمها بابا ، وأضخمها كلابا ، وقد جعلنا الدينار إماما ، والاستهتار ~~لزاما ، فدفعنا إلى ذات شكل ودل ، ووشاح منحل ، إذا قتلت ألحاظها ، أحيت PageV01P272 ~~"""""" صفحة رقم 273 """""" # ألفاظها ، فأحسنت تلقينا ، وأسرعت تقبل رؤوسنا وأيدينا ، وأسرع من معها ~~من العلوج ، إلى حط الرحال والسروج ، وسألناها عن خمرها ، فقالت : # خمر كريقي في العذو بة واللذاذة والحلاوة # تذر الحليم وما عليه لحلمه أدنى طلاوة # كأنما اعتصرها من خدي ، أجداد جدي . # وسربلوها من القار ، بمثل هجري وصدي ، وديعة الدهور ، وخبيئة جيب السرور ~~، وما زالت تتوارثها الأخيار ، ويأخذ منها الليل والنهار ، حتى لم يبق إلا ~~أرج وشعاع ، ووهج لذاع ، ريحانة النفس ، وضرة الشمس ، فتاة PageV01P273 ~~"""""" صفحة رقم 274 """""" # البرق ، عجوز الملق ، كاللهب في العروق ، وكبرد النسيم في الحلوق ، مصباح ~~الفكر ، وترياق سم الدهر ، بمثلها عزز الميت فانتشر ، ودووي الأكمه فأبصر ، ~~قلنا : هذه الضالة وأبيك ، فمن المطرب في ناديك ? . # ولعلها تشعشع للشرب ، بريقك العذب ، قالت : إن لي شيخا ظريف الطبع ، طريف ~~المجون ، مر بي يوم الأحد في دير المربد ، فسارني حتى سرني ، فوقعت الخلطة ~~، وتكررت الغبطة ، وذكر لي من وفور عرضه ، وشرف قومه في أرضه ، ما عطف به ~~ودي ، وحظي به عندي ، وسيكون لكم به أنس ، وعليه حرص ، قال : ودعت بشيخها ~~فإذا هو إسكندرينا أبو الفتح ، فقلت : يا أبا الفتح ، والله كأنما نظر إليك ~~، ونطق عن لسانك الذي يقول : # كان لي فيما مض ى عقل ودين واستقامة # ثم قد بعنا بحمد الله فقها بحجامة # ولئن عشنا قليلا نسأل الله السلامة PageV01P274 ~~"""""" صفحة رقم 275 """""" # قال : فنخر نخرة المعجب ، وصاح وزمهر ، وضحك حتى قهقه . # ثم قال : ألمثلي يقال ، أو بمثلي تضرب الأمثال ? ? # دع من اللوم ولكن أي دكاك تراني # أنا من يعرفه كل تهام ويماني # أنا من كل غبار أنا من كل مكان # ساعة ألزم محرا با ، وأخرى بيت حان # وكذا يفعل من يعق ل ms68 في هذا الزمان # قال عيسى بن هشام : فاستعذت بالله من مثل حاله ، وعجبت لقعود الرزق عن ~~أمثالهش ، وطبنا معه أسبوعنا ذلك ، ورحلنا عنه . PageV01P275 # """""" صفحة رقم 276 """""" # المقامة المطلبية # حدثنا عيسى بن هشام قال : # اجتمعت يوما بجماعة كأنهم زهر الربيع ، أو نجوم الليل بعد هزيع ، بوجوه ~~مضية ، وأخلاق رضية ، قد تناسبوا في الزي والحال ، وتشابهوا في حسن الأحوال ~~، فأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة ، ونفتح أبواب المحاضرة ، وفي وسطنا شاب ~~قصير من بين الرجال ، محفوف السبال ، لا ينبس بحرف ، ولا يخوض معنا في وصف ~~، حتى انتهى بنا الكلام إلى مدح الغنى وأهله ، وذكر المال وفضله ، وأنه ~~زينة الرجال ، وغاية الكمال ، فكأنما هب من رقدة ، أو حضر بعد غيبة ، وفتح ~~ديوانه ، وأطلق لسانه ، فقال : صه لقد عجزتم عن شيئ عدمتموه ، وقصرتم عن ~~طلبه فهجنتموه ، وخدعتم عن الباقي PageV01P276 ~~"""""" صفحة رقم 277 """""" # بالفاني ، وشغلتم عن النائي بالداني ، هل الدنيا إلا مناخ راكب ، وتعلة ~~ذاهب ? وهل المال إلا عارية مرتجعة ، ووديعة منتزعة ? ينقل من قوم إلى ~~آخرين ، وتخزنه الأوائل للآخرين ، هل ترون المال إلا عند البخلاء ، دون ~~الكرماء ، والجهال دون العلماء ? إياكم والانخداع فليس الفخر إلا في إحدى ~~الجهتين ، ولا التقدم إلا بإحدى القسمتين : إما نسب شريف ، أو علم منيف ، ~~وأكرم بشيء يحمل على الرؤوس حامله ، ولا ييأس منه آمله ، والله لولا صيانة ~~النفس والعرض ، لكنت أغنى أهل الأرض ، لأنني أعرف مطلبين ، أحدهما بأرض ~~طرسوس ، تشره فيه النفوس ، من ذخائر العمالقة ، وخبايا البطارقة ، فيه مائة ~~ألف مثقال ، وأما الآخر فهو ما بين سورا والجامعين ، فيه ما يعم أهل ~~الثقلين ، من كنوز الأكاسرة ، PageV01P277 ~~"""""" صفحة رقم 278 """""" # وعدد الجبابرة ، أكثره ياقوت أحمر ، ودر وجوهر وتيجان مرصعة وبدر مجمعة ~~فلما أن سمعنا ذلك أقبلنا عليه وملنا إليه ، وأخذنا نستعجز رأيه ، في ~~القنوع بيسير المكاسب ، مع أنه عارف بهذه المطالب ، فأشار إلى أنه يفزع من ~~السلطان ، ولا يثق إلى أحد من الإخوان ، فقلنا له : قد سمعنا حجتك ، وقبلنا ~~معذرتك ، فإن رأيت أن تحسن إلينا ، وتمن علينا ، وتعرفنا أحد هذين المطلبين ~~، على ms69 أن لك الثلثين ؛ فعلت ، فأمال إلينا يده ، وقال : من قدم شيئا وجده ، ~~ومن عرف ما ينال ، هان عليه بذل المال ، فكل منا حباه بما حضر ، وتشوق إلى ~~ما ذكر ، فلما ملأنا كفه ، رفع إلينا طرفه ، وقال : لابد أن يقضي علقا ، ~~وننال ما يمسك رمقا ، وقد ضاق وقتنا ، والموعد غدا هاهنا إن شاء الله تعالى . # قال عيسى بن هشام : فلما تفرقت تلك الجماعة ، قعدت بعدهم ساعة ، ثم تقدمت ~~إليه ، وجلست بين يديه ، وقلت وقد رغبت في معرفته ، وتاقت نفسي إلى محادثته ~~: كأنني عارف بنسبك ، وقد اجتمعت بك فقال : نعم ضمنا طريق ، وأنت لي رفيق ، ~~فقلت : قد غيرك علي الزمان ، وما أنسانيك إلا الشيطان ، فأنشأ يقول : # أنا جبار الزمان لي من السخف معاني PageV01P278 ~~"""""" صفحة رقم 279 """""" # وأنا المنفق بعد ال مال من كيس الأماني # منء أراد القصف والغر ف على عزف المثاني # واصطفى المردان جهلا من فلان وفلان # صار من مال وإقبا ل تراه في أمان PageV01P279 ~~"""""" صفحة رقم 280 """""" # المقامة البشرية # حدثنا عيسى بن هشام قال : كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكا . فأغار على ~~ركب فيهم امرأة جميلة ، فتزوج بها ، وقال : ما رأيت كاليوم ، فقالت : # أعجب بشرا حور في عيني وساعد أبيض كاللجين # ودونه مسرح طرف العين خمصانة ترفل في حجلين # أحسن من يمشي على رجلين لو ضم بشر بينها وبيني # أدام هجري وأطال بيني ولو يقيس زينها بزيني # لأسفر الصبح لذي عينين PageV01P280 ~~"""""" صفحة رقم 281 """""" # قال بشر : ويحك من عنيت ? فقالت : بنت عمك فاطمة ، فقال : أهي من الحسن ~~بحيث وصفت ? قالت : وأزيد وأكثر ، فأنشأ يقول : # ويحك يا ذات الثنايا البيض ما خلتني منك بمستعيض # فالآن إذ لوحت بالتعريض خلوت جوا فاصفري وبيضي # لا ضم جفناي على تغميض ما لم أشل عرضي من الحضيض # فقالت : # كم خاطب في أمرها ألحا وهي إليك ابنة عم لحا # ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته ، ومنعه العم أمنيته ، فآلى ألا يرعى على أحد ~~منهم إن لم يزوجه ابنته ، ثم كثرت مضراته فيهم ، واتصلت معراته PageV01P281 ~~"""""" صفحة رقم ms70 282 """""" # إليهم ؛ فاجتمع رجال الحي إلى عمه ، وقالوا : كف عنا مجنونك ، فقال : لا ~~تلبسونشي عارا ، وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل ، فقالوا : أنت وذاك ، ثم ~~قال له عمه : إني آليت أن لا أزوج ابنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة ~~مهرا ، ولا أرضاها إلا من نوق خزاعة ، وغرض العم كان أن يسلك بشر الطريق ~~بينه وبين خزاعة فيفترسه الأسد ؛ لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق ، ~~وكان فيه أسد يسمى داذا ، وحية تدعى شجاعا ، يقول فيهما قائلهم : # أفتك من داذ ومن شجاع إن يك داذ سيد السباع # فإنها سيدة الأفاعي ثم إن بشرا سلك ذلك الطريق ، فما نصفه حتى لقي الأسد ~~، وقمص مهره ، فنزل وعقره ، ثم اخترط سيفه إلى الأسد ، واعترضه ، وقطه ، ثم ~~كتب بدم الأسد PageV01P282 ~~"""""" صفحة رقم 283 """""" # على قميصه إلى ابنة عمه : # أفاطم لو شهدت ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # إذا لرأيت ليثا زار ليثا هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # تبهنس إذ تقاعس عنه مهري محاذرة ، فقلت : عقرت مهرا # أنل قدمي ظهر الأرض ؛ إني رأيت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا محددة ووجها مكفهرا PageV01P283 ~~"""""" صفحة رقم 284 """""" # يكفكف غيلة إحدى يديه ويبسط للوثوب على أخرى # يدل بمخلب وبحد ناب وباللحظات تحسبهن جمرا # وفي يمناي ماضي الحد أبقى بمضربه قراع الموت أثرا # ألم يبلغك ما فعلت ظباه بكاظمة غداة لقيت عمرا # وقلبي مثل قلبك ليس يخشى مصاولة فكيف يخاف ذعرا ? # وأنت تروم للأشبال قوتا وأطلب لابنة الأعمام مهرا PageV01P284 ~~"""""" صفحة رقم 285 """""" # ففيم تسوم مثلي أن يولي ويجعل في يديك النفس قسرا ? # نصحتك فالتمس يا ليث غيري طعاما ؛ إن لحمي كان مرا # فلما ظن أن الغش نصحى وخالفني كأني قلت هجرا # مشى ومشيت من أسدين راما مراما كان إذ طلباه وعرا # هززت له الحسام فخلت أني سللت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بجائشة أرته بأن كذبته ما منته غدرا PageV01P285 ~~"""""" صفحة رقم 286 """""" # وأطلقت المهند من يميني فقد له من الأضلاع عشرا # فخر مجدلا بدم ms71 كأني هدمت به بناء مشمخرا # وقلت له : يعز علي أني قتلت مناسبي جلدا وفخرا ? # ولكن رمت شيئا لم يرمه سواك ، فلم أطق ياليث صبرا # تحاول أن تعلمني فرارا لعمر أبيك قد حاولت نكرا # فلا تجزع ؛ فقد لاقيت حرا يحاذر أن يعاب ؛ فمت حرا # فإن تك قد قتلت فليس عارا فقد لاقيت ذا طرفين حرا # فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها ، وخشي أن تغتاله الحية ، ~~فقام في أثره ، وبلغه وقد ملكته سورة الحية ، فلما رأى عمه أخذته حمية ~~الجاهلية ، PageV01P286 ~~"""""" صفحة رقم 287 """""" # فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها ، فقال : # بشر إلى المجد بعيد همه لما رآه بالعراء عمه # قد ثكلته نفسه وأمه جاشت به جائشة تهمه # قام إلى ابن للفلا يؤمه فغاب فيه يده وكمه # ونفسه نفسي وسمي سمه # فلما قتل الحية قال عمه : إني عرضتك طمعا في أمر قد ثنى الله عناني عنه ، ~~فارجع لأزوجك ابنتي ، فلما رجع جعل بشر يملأ فمه فخرا ، حتى طلع أمرد كشق ~~القمر على فرسه مدججا في سلاحه ، فقال بشر : يا عم إني أسمع حس صيد ، وخرج ~~فإذا بغلام على قيد ، فقال : ثكلتك أمك يا بشر أن قتلت دودة PageV01P287 ~~"""""" صفحة رقم 288 """""" # وبهيمة تملأ ماضغيك فخرا ? أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا ~~أم لك قال اليوم الأسود والموت الأحمر ، فقال بشر : ثكلتك من سلحتك ، فقال ~~: يا بشر ومن سلحتك ، وكر كل واحد منهما على صاحبه ، فلم يتمكن بشر منه ، ~~وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر ، كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه ~~إبقاء عليه ، ثم قال : يا بشر كيف ترى ? أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح ~~? ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشرا عشرين ضربة بعرض السيف ، ولم يتمكن ~~بشر من واحدة ، ثم قال : يا بشر سلم عمك واذهب في أمان ، قال : نعم ، ولكن ~~بشريطة أن تقول من أنت ، فقال : أنا ابنك ، فقال : يا سبحان الله ما قارنت ~~عقيلة قط فأنى لي هذه المنحة ms72 ? ? فقال : أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة ~~عمك ، فقال بشر : # تلك العصا من هذه العصية هل تلد الحية إلا الحية PageV01P288 ~~"""""" صفحة رقم 289 """""" # وحلف لا ركب حصانا ، ولا تزوج حصانا . ثم زوج ابنة عمه لابنه . # والله سبحانه وتعالى أعلى واعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل ~~وإمام المتقين ، وعلى أله وصحبه وسلم . # وهذا آخر ما تيسر لنا من التعليق على مقامات أبي الفضل بديع الزمان ~~الهمذاني ، والله المسئول أن يجعله عملا مقبولا ، وأن يحسن جزاءنا عليه ، ~~إنه وحده الذي عنده الجزاء ، والحمد لله رب العالمين ، وسلام على المرسلين ~~ولا عدوان إلا على الظالمين . PageV01P289 ms73