######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0028113 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بديع الزمان الهمذاني (المتوفى: 398هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 398 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مقامات بديع الزمان الهمذاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0028113 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-28113 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/28113 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد محيي الدين عبد الحميد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة الأزهرية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1342 هـ - 1923 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقامة القريضية # حدثنا عيسى بن هشام قال: طرحتني النوى مطارحها حتى إذا وطئت جرجان ~~الأقصى. فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة، وأموال وقفتها ~~على التجارة، وحانوت جعلته مثابة، ورفقة اتخذتها صحابة، وجعلت للدار، ~~حاشيتي النهار، وللحانوت بينهما، فجلسنا يوما نتذاكر القريض وأهله، ~~وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد ينصت وكأنه # PageV01P008 # يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجدال فينا ~~ذيله، قال: قد أصبتم عذيقه، ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت وأفضت، ولو قلت ~~لأصدرت وأوردت، ولجلوت الحق في معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم، فقلت: يا ~~فاضل أدن فقد منيت، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سلوني أجبكم، واسمعوا ~~أعجبكم. # PageV01P009 # فقلنا: ما تقول في امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، ~~واغتدى والطير في وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسيا. # PageV01P010 # ولم يجد القول راغبا، ففضل من تفتق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه، ~~قلنا: فما تقول في النابغة؟ قال: يثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا ~~رهب، فلا يرمي إلا صائبا، قلنا: فما تقول في زهير؟ قال يذيب الشعر، والشعر # PageV01P011 # يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه، قلنا: فما تقول في طرفة: قال: هو ماء ~~الأشعار وطينتها، وكنز القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه ولم ~~تفتح أغلاق خزائنه، قلنا: فما تقول في جرير والفرزدق؟ أيهما أسبق؟ فقال: ~~جرير أرق شعرا، وأغزر غزرا # PageV01P012 # والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما والفرزدق ~~أكثر روما، وأكرم قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا مدح أسنى، ~~والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا احتقر أزرى، وإذا وصف أوفى، قلنا: فما تقول ~~في المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم؟ قال: المتقدمون أشرف لفظا، وأكثر ~~من المعاني حظا، والمتأخرون ألطف صنعا، وأرق نسجا، قلنا: فلو أريت من ~~أشعارك، ورويت لنا من أخبارك، قال: خذهما في معرض واحد، وقال: # PageV01P013 # أما تروني أتغشى طمرا ... ممتطيا في الضر أمرا مرا # مضطبنا على الليالي غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا # أقصى ms01 أماني طلوع الشعرى ... فقد عنينا بالأماني دهرا # وكان هذا الحر أعلى قدرا ... وماء هذا الوجه أغلى سعرا # ضربت للسرا قبابا خضرا ... في دار دارا وإوان كسرى # فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندي نكرا # لم يبق من وفرى إلا ذكرا ... ثم إلى اليوم هلم جرا # لولا عجوز لي بسر من را ... وأفرخ دون جبال بصرى # قد جلب الدهر عليهم ضرا ... قتلت يا سادة نفسي صبرا # PageV01P014 # قال عيسى بن هشام، فانلته ما تاح. وأعرض عنا فراح. فجعلت أنفيه وأثبته، ~~وأنكره وكأني أعرفه، ثم دلتني عليه ثناياه، فقلت: الإسكندري والله، فقد كان ~~فارقنا خشفا، ووافانا جلفا، ونهضت على إثره، ثم قبضت على خصره، وقلت: ألست ~~أبا الفتح؟ ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين؟ فأي عجوز لك بسر ~~من را؟ فضحك إلي وقال: # ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرنك الغرور # لا تلتزم حالة، ولكن ... در بالليالي كما تدور. ### | المقامة الأزاذية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت ببغذاذ # PageV01P015 # وقت الازاذ، فخرجت أعتام من أنواعه لابتياعه، فسرت غير بعيد إلى رجل قد ~~أخذ أصناف الفواكه وصنفها وجمع أنواع الرطب وصففها، فقبضت من كل شيء أحسنه، ~~وقرضت من كل نوع أجوده، فحين جمعت حواشي الإزار، على تلك الأوزار أخذت ~~عيناي رجلا قد لف رأسه ببرقع حياء، ونصب جسده، وبسط يده واحتضن عياله، ~~وتأبط أطفاله، وهو يقول بصوت يدفع الضعف في صدره، والحرض في ظهره: # ويلي على كفين من سويق ... أو شحمة تضرب بالدقيق # PageV01P016 # أو قصعة تملأ من خرديق ... يفتأ عنا سطوات الريق # يقيمنا عن منهج الطريق ... يارازق الثروة بعد الضيق # سهل على كف فتى لبيق ... ذي نسب في مجده عريق # يهدي إلينا قدم التوفيق ... ينقذ عيشي من يد الترنيق # قال عيسى بن هشام: فأخذت من الكيس أخذة ونلته إياها، فقال: # يا من عناني بجميل بره ... أفض إلى الله بحسن سره # واستحفظ الله جميل ستره ... إن كان لا طاقة لي بشكره # فالله ربي من ورائي أجره قال عيسى بن هشام: فقلت له: إن ms02 في الكيس فضلا # PageV01P017 # فابرز لي عن باطنك أخرج إليك عن آخره، فأماط لثامه، فإذا والله شيخنا أبو ~~الفتح الإسكندري، فقلت: ويحك أي داهية أنت؟ فقال: # فقض العمر تشبيها ... على الناس وتمويها # أرى الأيام لا تبقى ... على حال فأحكيها # فيوما شرها في ... ؟ ويوما شرتي فيها ### | المقامة البلخية # حدثنا عيسى بن هشام قال: نهضت بي إلى بلخ تجارة البز # PageV01P018 # فوردنها وأنا بعذرة الشباب وبال الفراغ وحلية الثروة، لا يهمني إلا مهرة ~~فكر أستقيدها، أو شرود من الكلم أصيدها، فما استأذن على سمعي مسافة ~~مقامي؟؟، أفصح من كلامي، ولما حنى الفراق بناقوسه أو كاد دخل علي شاب في زي ~~ملء العين، ولحية تشوك الأخدعين، وطرف قد شرب ماء الرافدين، ولقيني من البر ~~في السناء، بما زدته في الثناء، ثم قال: أظعنا تريد؟ فقلت: إي والله، فقال: ~~أخصب رائدك، ولا ضل قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت: غداة غد، فقال: # صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق # PageV01P019 # فأين تريد؟ قلت: الوطن، فقال: بلغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: ~~القابل، فقال: طويت الريط، وثنيت الخيط، فأين أنت من الكرم؟ فقلت: بحيث ~~أردت، فقال: إذا أرجعك الله سالما من هذا الطريق، فاستصحب لي عدوا في بردة ~~صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة العين، يحط ~~ثقل الدين، وينافق بوجهين. # قال عيسى بن هشام: فعلمت أنه يلتمس دينارا، فقلت: لك ذلك نقدا، ومثله ~~وعدا، فأنشأ يقول: # PageV01P020 # رأيك مما خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات أهلا # صلبت عودا، ودمت جودا ... وفقت فرعا، وطبت أصلا # لا أستطيع العطاء حملا ... ولا أطيق السؤال ثقلا # قصرت عن منتهاك ظنا ... وطلت عما ظننت فعلا # يا رجمة الدهر والمعالي ... لا لقى الدهر منك ثكلا # قال عيسى بن هشام: فنلته الدينار، وقلت: أين منبت هذا الفضل؟ فقال: نمتني ~~قريش ومهد لي الشرف في بطائحها، فقال بعض من حضر: ألست بأبي الفتح ~~الإسكندري؟ ألم أرك بالعراق، تطوف في الأسواق، مكديا بالأوراق؟ فأنشأ يقول: # إن لله عبيدا ... أخذوا العمر خليطا # فهم ms03 يمسون أعرا ... با، ويضحون نبيطا # PageV01P021 ### | المقامة السجستانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # حدا بي إلى سجستان أرب، فاقتعدت طيته، وامتطيت مطيته، واستخرت الله في ~~العزم جعلته أمامي، والحزم جعلته إمامي حتى هداني إليها، فوافيت دروبها وقد ~~وافت الشمس غروبها، واتفق المبيت حيث انتهيت، فلما انتضي نصل الصباح، وبرز ~~جيش المصباح، مضيت إلى السوق أختار منزلا، فحين انتهيت من دائرة البلد إلى ~~نقطتها، ومن قلادة السوق إلى واسطتها، خرق سمعي صوت له من كل # PageV01P022 # عرق معنى، فانتحيت وفده حتى وقفت عنده، فإذا رجل على فرسه، مختنق بنفسه، ~~قد ولاني قذاله، وهو يقول: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه ~~بنفسي: أنا با كورة اليمن # PageV01P023 # وأحدوثة الزمن أنا أدعية الرجال، وأحجية ربات الحجال، سلوا عني البلاد ~~وحصونها، والجبال وحزونها، والأودية وبطونها، والبحار وعيونها، والخيل ~~ومتونها، من الذي ملك أسوارها، وعرف أسرارها، ونهج سمتها، وولج حرتها؟ سلوا ~~الملوك وخزائنها، والأغلاق ومعادنها، والأمور وبواطنها، والعلوم ومواطنها، ~~والخطوب ومغالقها، والحروب ومضايقها، من الذي أخذ مختزنها، ولم يؤد ثمنها؟ ~~ومن الذي ملك مفاتحها، وعرف مصالحها؟ # PageV01P024 # أنا والله فعلت ذلك، وسفرت بين الملوك الصيد، وكشفت أستار الخطوب السود، ~~أنا والله شهدت حتى مصارع العشاق، ومرضت حتى لمرض الأحداق، وهصرت الغصون ~~الناعمات، وأجتنيت ورد الخدود الموردات، ونفرت مع ذلك عن الدنيا نفور طبع ~~الكريم عن وجوه اللئام، ونبوت عن المخزيات نبو السمع الشريف عن شنيع الكلام ~~والآن لما أسفر صبح المشيب، # PageV01P025 # وعلتني أبهة الكبر، عمدت لإصلاح أمر المعاد، بإعداد الزاد، فلم أر طريقا ~~أهدى إلى الرشاد مما أنا سالكه، يراني أحدكم راكب فرس، ناثر هوس، يقول: هذا ~~أبو العجب، لا ولكني أبو العجائب، عاينتها وعانيتها، وأم الكبائر قايستها ~~وقاسيتها، وأخو الاغلاق: صعبا وجدتها، وهونا أضعتها، وغاليا # PageV01P026 # اشتريتها، ورخيصا ابتعتها، فقد والله صحبت لها المواكب، وزاحمت المناكب، ~~ورعيت الكواكب، وأنضيت المراكب، دفعت إلى مكاره نذرت معها ألا أدخر عن ~~المسلمين منافعها، ولا بد لي أن أخلع ربقة هذه الأمانة من عنقي إلى ~~أعناقكم، وأعرض دوائي هذا في ms04 أسواقكم، فليشتر مني من لا يتقزز من موقف ~~العبيد، ولا يأنف من كلمة التوحيد، وليصنه من أنجبت جدوده، وسقى بالماء ~~الطاهر عوده. # قال عيسى بن هشام: فدرت إلى وجهه لأعلم علمه فإذا هو والله شيخنا أبو ~~الفتح الإسكندري، وانتظرت إجفال النعامة بين # PageV01P027 # يديه، ثم تعرضت فقلت: كم يحل دواءك هذا؟ فقال: يحل الكيس ما شئت، فتركته ~~وانصرفت. ### | المقامة الكوفية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت وأنا فتى السن أشد رحلي لكل عماية، وأركض طرفي إلى كل غواية، حتى # PageV01P028 # شربت من العمر سائغه، ولبست من الدهر سابغه، فلما انصاح النهار بجانب ~~ليلى، وجمعت للمعاد ذيلي، وطئت ظهر المروضة، لأداء المفروضة، وصحبني في ~~الطريق رفيق لم أنكره من سوء، فلما تجالينا، وخبرنا بحالينا، سفرت القصة عن ~~أصل كوفي، ومذهب صوفي، وسرنا فلما أحلتنا الكوفة ملنا إلى داره، ودخلناها ~~وقد بقل وجه النهار واخضر جانبه ولما اغتمض جفن الليل وطر شاربه، قرع علينا ~~الباب، فقلنا: من # PageV01P029 # القارع المنتاب؟ فقال: وفد الليل وبريده، وفل الجوع وطريده، وحر قاده ~~الضر، والزمن المر، وضيف وطؤه خفيف، وضالته رغيف، وجار يستعدى على الجوع، ~~والجيب المرقوع، وغريب أوقدت النار على سفره، ونبح العواء على أثره، ونبذت ~~خلفه الحصيات، وكنست بعده العرصات، فنضوه # PageV01P030 # طليح، وعيشه تبريح، ومن دون فرخيه مهامه فيح. # قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسي قبضة الليث، وبعثتها إليه وقلت: زدنا ~~سؤالا، نزدك نوالا، فقال: ما عرض عرف العود، على أحر من نار الجود، ولا لقي ~~وفد البر، بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليؤاس، فلن يذهب العرف بين ~~الله والناس، وأما أنت فحقق الله آمالك، وجعل اليد العليا لك. # قال عيسى بن هشام: ففتحنا له الباب وقلنا: ادخل، فإذا هو والله شيخنا أبو ~~الفتح الإسكندري، فقلت: يا أبا الفتح، شد ما بلغت منك الخصاصة. # PageV01P031 # وهذا الزي خاصة، فتبسم وأنشأ يقول: # لا يغرنك الذي ... أنا فيه من الطلب # أنا في ثروة تش ... ق لها بردة الطرب # أنا لو شئت لاتخذ ... ت سقوفا من الذهب ### | المقامة ms05 الأسدية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كان يبلغني من مقامات الإسكندري ومقالاته ما يصغى إليه النفور، وينتفض له ~~العصفور، ويروي لنا من شعره ما يمتزج بأجزاء النفس رقة، ويغمض عن أوهام ~~الكهنة دقة، وأنا أسأل الله بقاءه، حتى أرزق # PageV01P032 # لقاءه، وأتعجب من قعود همته بحالته، مع حسن آلته، وقد ضرب الدهر شؤونه، ~~بأسداد دونه، وهلم جرا، إلى أن اتفقت لي حاجة بحمص فشحذت إليها الحرص، في ~~صحبة أفراد كنجوم الليل، أحلاس لظهور الخيل، وأخذنا الطريق ننتهب مسافته، ~~ونستأصل شأفته، ولم نزل نفري أسنمة النجاد بتلك الجياد، حتى صرن كالعصي، ~~ورجعن كالقسي، وتاخ لنا واد في سفح جبل ذي ألاء وأثل، كالعذارى يسرحن ~~الضفائر، # PageV01P033 # وينشرن الغدائر، ومالت الهاجرة بنا إليها، ونزلنا نغور ونغور، وربطنا ~~الأفراس بالأمراس، وملنا مع النعاس، فما راعنا إلا صهيل الخيل، ونظرت إلى ~~فرسي وقد أرهف أذنيه، وطمح بعينيه، يجذ قوى الحبل بمشافره، ويخد خد الأرض ~~بحوافره، ثم اضطربت الخيل فأرسلت الأبوال، وقطعت الحبال، وأخذت نحو الجبال، ~~وطار كل واحد منا إلى سلاحه؛ فإذا السبع في فروة الموت، قد طلع من غابه، ~~منتفخا في إهابه، كاشرا عن # PageV01P034 # أنيابه، بطرف قد ملئ صلفا، وأنف قد حشى أنفا، وصدر لا يبرحه القلب، ولا ~~يسكنه الرعب، وقلنا خطب ملم، وحادث مهم، وتبادر إليه من سرعان الرفقة فتى: # أخضر الجلدة في بيت العرب ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب # بقلب ساقه قدر، وسيف كله أثر، وملكته سورة # PageV01P035 # الأسد فخانته أرض قدمه، حتى سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مصرعه، إلى من ~~كان معه، ودعا الحين أخاه، بمثل ما دعاه، فصار إليه، وعقل الرعب يديه، فأخذ ~~أرضه، وافترش الليث صدره، ولكني رميته بعمامتي، وشغلت فمه، حتى حقنت دمه، ~~وقام الفتى فوجأ بطنه، حتى هلك الفتى من خوفه، والأسد للوجأة في جوفه، ~~ونهضنا في أثر الخيل فتألفنا منها ما ثبت، وتركنا ما أفلت، وعدنا إلى ~~الرفيق لنجهزه # PageV01P036 # فلما حثونا الترب فوق رفيقناجزعنا ولكن أي ساعة مجزع # وعدنا إلى الفلاة، وهبطنا أرضها، وسرنا حتى إذا ضمرت المزاد، ms06 ونفد الزاد ~~أو كاد يدركه النفاد، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع، وخفنا القاتلين الظمأ ~~والجوع، عن لنا فارس فصمدنا صمده، وقصدنا قصده، ولما بلغنا نزل عن حر فرسه ~~ينقش الأرض بشفتيه، ويلقي التراب بيديه، وعمدني من بين الجماعة، فقبل ~~ركابي، وتحرم بجنابي، ونظرت فإذا هو وجه يبرق برق العارض المتهلل، وقوام ~~متى ما ترق العين فيه تسهل، وعارض قد اخضر، وشارب قد طر، وساعد ملآن، وقضيب # PageV01P037 # ريان، ونجار تركي، وزي ملكي، فقلنا: مالك لا أبالك؟ فقال: أنا عبد بعض ~~الملوك، هم من قتلي بهم، فهمت على وجهي إلى حيث تراني، وشهدت شواهد حاله، ~~على صدق مقاله، ثم قال: أنا اليوم عبدك، ومالي مالك، فقلت: بشرى لك وبك، ~~أداك سيرك إلى فناء رحب، وعيش رطب، وهنأتني الجماعة، وجعل ينظر فتقتلنا ~~ألحاظه، وينطق فتفتننا ألفاظه، فقال: # PageV01P038 # يا سادة إن في سفح الجبل عينا، وقد ركبتم فلاة عوراء، فخذوا من هنالك ~~الماء، فلوينا الأعنة إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، ~~وركب الجنادب العيدان، فقال: ألا تقيلون في الظل الرحب، على هذا الماء ~~العذب؟ فقلنا: أنت وذاك فنزل عن فرسه، وحل منطقته، ونحى قرطقته فما استرعنا ~~إلا بغلالة تنم عن بدنه، فما شككنا أنه خاصم الولدان، ففارق الجنان، وهرب ~~من رضوان، وعمد إلى السروج فحطها، وإلى # PageV01P039 # الأفراس فحشها، وإلى الأمكنة فرشها، وقد حارت البصائر فيه، ووقفت الأبصار ~~عليه، فقلت: يا فتى ما ألطفك في الخدمة، وأحسنك في الجملة، فالويل لمن ~~فارقته، وطوبى لمن رافقته، فكيف شكر الله على النعمة بك؟ فقال: ما سترونه ~~مني أكثر، أتعجبكم خفتي في الخدمة، وحسني في الجملة؟ فكيف لو رأيتموني في ~~الرفقة؟ أريكم من حذقي طرفا، لتزدادوا بي شغفا؟ فقلنا: هات: فعمد إلى قوس ~~أحدنا فأوتره، وفوق سهما فرماه في السماء، وأتبعه # PageV01P040 # بآخر فشقه في الهواء، وقال: سأريكم نوعا آخر، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها، ~~وإلى فرسي فعلاه، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدره، وآخر طيره من ظهره، فقلت ~~ويحك ما تصنع؟ قال: اسكت يا لكع، والله ms07 ليشدن كل منكم يد رفيقه، أو لأغصنه ~~بريقه، فلم ندر ما نصنع وأفراسنا مربوطة، وسروجنا محطوطة، وأسلحتنا بعيدة، ~~وهو راكب ونحن رجالة، والقوس في يده يرشق بها الظهور، ويمشق بها البطون ~~والصدور، وحين # PageV01P041 # رأينا الجد، أخذنا القد، فشد بعضنا بعضا، وبقيت وحدي لا أجد من يشد يدي، ~~فقال: اخرج بإهابك، عن ثيابك، فخرجت ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفع الواحد منا ~~بعد الآخر، وينزع ثيابه وصار إلي وعلي خفان جديدان، فقال: اخلعهما لا أم ~~لك، فقلت: هذا خف لبسته رطبا فليس يمكني نزعه، فقال: علي # خلعه، ثم دنا إلي لينزع الخف، ومددت يدي إلى سكين كان معي في الخف وهو في ~~شغله فأثبته في بطنه، وأبنته من متنه، فما زاد على فم فغره، وألقمه حجره، ~~وقمت إلى أصحابي فخللت أيديهم، وتوزعنا سلب القتيلين، وأدركنا الرفيق وقد ~~جاد بنفسه، وصار لرمسه، وصرنا إلى الطريق، ووردنا حمص بعد ليال خمس، فلما ~~انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنية، بجراب ~~وعصية، وهو يقول: عه، ثم دنا إلي لينزع الخف، ومددت يدي إلى سكين كان معي ~~في الخف وهو في شغله فأثبته في بطنه، وأبنته من متنه، فما زاد على فم فغره، ~~وألقمه حجره، وقمت إلى أصحابي فخللت أيديهم، وتوزعنا سلب القتيلين، وأدركنا ~~الرفيق وقد جاد بنفسه، وصار لرمسه، وصرنا إلى الطريق، ووردنا حمص بعد ليال ~~خمس، فلما انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنية، ~~بجراب وعصية، وهو يقول: # PageV01P042 # رحم الله من حشا ... في جرابي مكارمه # رحم الله من رنا ... لسعيد وفاطمه # إنه خادم لكم ... وهي لا شك خادمه # قال عيسى بن هشام: فقلت إن هذا الرجل هو الإسكندري الذي سمعت به، وسألت ~~عنه، فإذا هو هو، فدلفت إليه، وقلت: احتكم حكمك فقال: درهم، فقلت: # لك درهم في مثله ... ما دام يسعدني النفس # فاحسب حسابك والتمس ... كيما أنيل الملتمس # وقلت له: درهم في اثنين في ثلاثة في أربعة في خمسة، حتى انتهيت ms08 # PageV01P043 # إلى العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفا، فأمرت له بها، وقلت: لا ~~نصر مع الخذلان، ولا حيلة مع الحرمان. ### | المقامة الغيلانية # حدثني عيسى بن هشام قال: # بينا نحن بجرجان، في مجتمع لنا نتحدث، ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ~~ورواية، وهو عصمة بن بدر الفزاري، فأفضى بنا الكلام إلى ذكر من أعرض عن ~~خصمه حلما، ومن أعرض عن خصمه احتقارا، حتى ذكرنا الصلتان العبدي والبيث، ~~وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما، فقال عصمة: سأحدثكم بما شاهدته ~~عيني، ولا أحدثكم عن غيري، بينما أنا أسير في بلاد تميم مرتحلا نجيبة، ~~وقائدا جنيبة، عن لي راكب على أورق جعد اللغام، فحاذاني حتى إذا صك الشبح ~~بالشبح رفع صوته بالسلام عليك، فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، من ~~الراكب الجهير الكلام المحيي بتحية الإسلام؟ فقال: أنا غيلان بن عقبة، ~~فقلت: مرحبا بالكريم حسبه الشهير نسبه، السائر منطقه، فقال: رحب واديك، وعز ~~ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزاري، قال: حياك الله نعم الصديق، ~~والصاحب والرفيق، # PageV01P044 # وسرنا فلما هجرنا قال: ألا نغور ياعصمة فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت ~~وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء كأنهن عذارى متبرجات، قد نشرن غدائرهن، لأثلاث ~~تناوحهن، فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل، ~~وصلينا بعد، وآل كل واحد منا إلى ظل أثلة يريد القائلة، واضطجع ذو الرمة، ~~وأردت أن أصنع مثل صنيعه، فوليت ظهري الأرض، وعيناي لا يملكهما غمض، فنظرت ~~غير بعيد إلى ناقة كوماء قد ضحيت وغبيطها ملقى، وإذا رجل قائم يكلأها كأنه ~~عسيف أو أسيف فلهيت عنهما، وما أنا والسؤال عما لا يعنيني؟ # PageV01P046 # ونام ذو الرمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك في أيام مهاجاته لذلك المري، ~~فرفع عقيرته وأنشد يقول: # أمن مية الطلل الدارس ... ألظ به العاصف الرامس # فلم يبق إلا شجيج القذال ... ومستوقد ما له قابس # وحوض تثلم من جانبيه ... ومحتفل دارس طامس # وعهدي به وبه سكنه ... وميه والإنس والآنس # كأني بمية مستنفر ... غزالا تراءى له عاطس # إذا جئتها ردني ms09 عابس ... رقيب عليها لها حارس # ستأتي امرأ القيس مأثورة ... يغني بها العابر الجالس # PageV01P047 # ألم تر أن امرأ القيس قد ... ألظ به داؤه الناجس # هم القوم لا يألمون الهجاء ... وهل يألم الحجر اليابس # فما لهم في العلا راكب ... ولا لهم في الوغى فارس # ممرطلة في حياض الملام ... كما دعس الادم الداعس # إذا طمح الناس للمكرمات ... فطرفهم المطرق الناعس # تعاف الأكارم إصهارهم ... فكل أياماهم عانس # فلما بلغ هذا البيت تنبه ذلك النائم، وجعل يمسح عينيه، ويقول: أذو ~~الرميمة يمنعني النوم بشعر غير مثقف ولا سائر؟ فقلت يا غيلان، من هذا؟ ~~فقال: الفرزدق، وحمى ذو الرمة فقال: # PageV01P048 # وأما مجاشع الأرذلون ... فلم يسق منبتهم راجس # سيعقلهم عن مساعي الكرام ... عقال، ويحبسهم حابس # فقلت: الآن يشرق فيثور، ويعم هذا وقبيلته بالهجاء، فوالله ما زاد الفرزدق ~~على أن قال: قبحا لك يا ذا الرميمة! أتعرض لمثلي بمقال منتحل؟ ثم عاد في ~~نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرمة وسرت معه، وإني لأرى فيه انكسارا حتى ~~افترقنا. ### | المقامة الأذربيجانية # PageV01P049 # قال عيسى بن هشام: لما نطقني الغنى بفاضل ذيله، اتهمت بمال سلبته، أو كنز ~~أصبته، فحفزني الليل، وسرت بي الخيل، وسلكت في هربي مسالك لم يرضها السير، ~~ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده، وصرت إلى حمى ~~الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلتها المراحل، ولما ~~بلغتها: # نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا # فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها وعصا قد ~~اعتمدها، ودنية قد تقلسها، وفوطة قد تطلسها، فرفع عقيرته وقال: اللهم يا ~~مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيي العظام # PageV01P050 # ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء ~~سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا، وبارئ النسم أزواجا وجاعل الشمس ~~سراجا، والسماء سقفا والأرض فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشئ ~~السحاب ثقالا، ومرسل الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم وما تحت التخوم، ~~أسألك الصلاة على سيد المرسلين، محمد وآله الطاهرين، وأن ms10 تعينني على الغربة ~~أثني حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلها، وأن تسهل لي على يدي من فطرته الفطرة، ~~وأطلعته الطهرة، وسعد بالدين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوى ~~هذا الطريق، وزادا يسعني والرفيق. # قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبي ~~الفتح، والتفت لفتة فإذا # PageV01P051 # هو والله أبو الفتح، فقلت يا أبا الفتح بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى ~~هذا الشعب صيدك؟ فأنشأ يقول: # أنا جوالة البلا ... د وجوابة الأفق # أنا خذروفة الزما ... ن وعمارة الطرق # لا تلمني لك الرشا ... د على كديتي وذق ### | المقامة الجرجانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # بينا نحن بجرجان، في مجمع لنا نتحدث وما فينا إلا منا، إذ وقف علينا رجل ~~ليس بالطويل المتمدد، ولا القصير المتردد، كث العثنون، يتلوه صغار في ~~أطمار، # PageV01P052 # فافتتح الكلام بالسلام، وتحية الإسلام، فولانا جميلا، وأوليناه جزيلا، ~~فقال: يا قوم إني امرؤ من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية نمتني سليم ~~ورحبت بي عبس جبت الآفاق، وتقصيت العراق، وجلت البدو والحضر، وداري ربيعة ~~ومضر، ما هنت، حيث كنت، فلا يزرين بي عندكم ما ترونه من سملي وأطماري، فلقد ~~كنا والله من أهل ثم ورم، نرغي لدى الصباح ونثغى عند الرواح # وفينا مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل. # PageV01P053 # على مكثريهم رزق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذل # ثم إن الدهر يا قوم قلب لي من بينهم ظهر المجن، فاعتضت بالنوم السهر، ~~وبالإقامة السفر، تترامى بي المرامي، وتتهادى بي الموامي، وقلعتني حوادث ~~الزمن قلع الصمغة، فأصبح وأمسي أنقى من الراحة وأعرى من صفحة الوليد، ~~وأصبحت فارغ الفناء، صفر الإناء، مالي إلا كآبة الأسفار، ومعاقرة السفار، ~~أعاني الفقر، وأماني القفر، فراشي المدر، ووسادي الحجر. # PageV01P054 # بآمد مرة وبرأس عين ... وأحيانا بميا فارقينا # ليلة بالشآم ثمت بالأه ... واز رحلي وليلة بالعراق # فما زالت النوى تطرح بي كل مطرح، حتى وطئت بلاد الحجر وأحلتني بلد همذان، ~~فقبلني أحياؤها، وأشرأب إلى أحباؤها، ولكني ملت لإعظمهشم جفنة، وأزهدهم ~~جفوة: # له نار تشب على ms11 يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا # فوطأ لي مضجعا، ومهد لي مهجعا، فإن ونى لي ونية هب لي ابن كأنه سيف يمان، ~~أو هلال بدا في غير قتمان، وأولاني نعما ضاق عنها قدري، واتسع بها صدري، أو ~~لها فرش الدار، وآخرها ألف دينار، فما طيرتني إلا النعم حيث توالت، والديم ~~لما انثالت، فطلعت من همذان طلوع الشارد، ونفرت نفار الآبد، # PageV01P055 # أفري المسالك، وأقتفر المهالك، وأعاني الممالك، على أني خلفت أم مثواي ~~وزغلولا لي. # كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم # وقد هبت بي إليكم ريح الاحتياج، ونسيم الإلفاج، فانظروا رحمكم الله لنقض ~~من الأنقاض مهزول، هدته الحاجة، وكدته الفاقة: # أخا سفر، جواب أرض، تقاذفت ... به فلوات؛ فهو أشعث أغبر # جعل الله للخير عليكم دليلا، ولا جعل للشر إليكم سبيلا. # قال عيسى بن هشام: فرقت والله له القلوب، واغرورقت للطف # PageV01P056 # كلامه العيون، ونلناه ما تاح في ذلك الوقت، وأعرض عنا حامدا لنا، فتبعته، ~~فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري. ### | المقامة الأصفهانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت بأصفهان، أعتزم المسير إلى الري، فحللتها حلول ألفي، أتوقع القافلة ~~كل لمحة، وأترقب الراحلة كل صبحة، فلما حم ما توقعته نودي للصلاة نداء ~~سمعته، وتعين فرص الإجابة، فانسللت من بين الصحابة، أغتنم الجماعة أدركها، ~~وأخشى فوت القافلة # PageV01P057 # أتركها، لكني استعنت ببركات الصلاة، على وعثاء الفلاة، فصرت إلى أول ~~الصفوف، ومثلت للوقوف، وتقدم الإمام إلى المحراب، فقرأ فاتحة الكتاب، ~~بقراءة حمزة، مدة وهمزة، وبي الغم المقيم المقعد في فوت القافلة، والبعد عن ~~الراحلة، واتبع الفاتحة الواقعة، وأنا أتصلى نار الصبر وأتصلب، وأتقلى على ~~جمر الغيظ وأتقلب، وليس إلا السكوت والصبر، أو الكلام والقبر؛ لما عرفت من ~~خشونة القوم في ذلك المقام، أن لو قطعت الصلاة دون السلام، فوقفت بقدم ~~الضرورة، على تلك الصورة إلى انتهاء السورة، وقد قنطت من القافلة، وأيست من ~~الرحل والراحلة، ثم حنى قوسه للركوع، بنوع من الخشوع، وضرب من الخضوع، لم ~~أعهده من قبل، ثم رفع رأسه ms12 ويده، وقال: سمع الله # PageV01P058 # لمن حمده، وقام، حتى ما شككت أنه قد نام، ثم ضرب بيمينه، وأكب لجبينه، ثم ~~انكب لوجهه، ورفعت رأسي أنتهز فرصة، فلم أر بين الصفوف فرجة، فعدت إلى ~~السجود، حتى كبر للقعود، وقام إلى الركعة الثانية، فقرأ الفاتحة والقارعة، ~~قراءة استوفى بها عمر الساعة، واستنزف أرواح الجماعة، فلما فرغ من ركعتيه، ~~وأقبل على التشهد بلحييه، ومال إلى التحية بأخدعيه، وقلت: قد سهل الله ~~المخرج، وقرب الفرج، قام رجل وقال: من كان منكم يحب الصحابة والجماعة، ~~فليعرني سمعه ساعة. # قال عيسى بن هشام: فلزمت أرضي، صيانة لعرصي، فقال: حقيق علي أن لا أقول ~~غير الحق، ولا أشهد إلا بالصدق، قد جئتكم ببشارة من نبيكم، لكني # PageV01P059 # لا أؤديها حتى يطهر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوءته. # قال عيسى بن هشام: فربطني بالقيود، وشدني بالحبال السود، ثم قال: رأيته ~~صلى الله عليه وسلم في المنام، كالشمس تحت الغمام، والبدر ليل التمام، يسير ~~والنجوم تتبعه، ويسحب الذيل والملائكة ترفعه، ثم علمني دعاء أوصاني أن أعلم ~~ذلك أمته، فكتبته على هذه الأوراق بخلوق ومسك، وزعفران وسك، فمن استوهبه ~~مني وهبته، ومن رد علي ثمن القرطاس أخذته. # قال عيسى بن هشام: فلقد انثالت عليه الدراهم حتى حيرته، وخرج فتبعته ~~متعجبا من حذقه بزرقه، وتمحل رزقه، وهممت # PageV01P060 # بمسألته عن حاله فأمسكت، وبمكالمته فسكت، وتأملت فصاحته في وقاحته، ~~وملاحته في استماحته، وربطه الناس بحيلته، وأخذه المال بوسيلته، ونظرت فإذا ~~هو أبو الفتح الإسكندري، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة فتبسم وأنشأ ~~يقول: # الناس حمر فجوز ... وابرز عليهم وبرز # حتى إذا نلت منهم ... ما تشتهيه ففروز # PageV01P061 ### | المقامة الأهوازية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بالأهواز، في رفقة متى ما ترق العين فيهم ~~تسهل، ليس فينا إلا أمرد بكر الآمال، أو مختط حسن الإقبال، مرجو الايام ~~والليال، فأفضنا في العشرة كيف نضع قواعدها، والأخوة كيف نحكم معاقدها، ~~والسرور في أي وقت نتقاضاه، والشرب في أي وقت نتعاطاه، والانس كيف نتهاداه، ~~وفائت الحظ كيف نتلافاه، ms13 والشراب من أين نحصله، والمجلس كيف نزينه. # PageV01P062 # فقال أحدنا: على البيت والنزل، وقال آخر: على الشراب والنقل، ولما أجمعنا ~~على المسير استقبلنا رجل في طمرين في يمناه عكازة، وعلى كتفيه جنازة، ~~فتطيرنا لما رأينا الجنازة وأعرضنا عنها صفحا، وطوينا دونها كشحا، فصاح بنا ~~صيحة كاد ت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، وقال: لترونها صغرا ولتركبنها ~~كرها وقسرا، ما لكم تطيرون من مطية ركبها أسلافكم، وسيركبها أخلافكم، ~~وتتقذرون سريرا وطئه آباؤكم، # PageV01P063 # وسيطؤه أبناؤكم، أما والله لتحملن على هذه العيدان، إلى تلكم الديدان، ~~ولتنقلن بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد، ويحكم تطيرون، كأنكم مخيرون، ~~وتتكرهون، كأنكم منزهون، هل تنفع هذه الطير، يا فجرة؟. # قال عيسى بن هشام: فلقد نقض ما كنا عقدناه، وأبطل ما كنا أردناه، فملنا ~~إليه وقلنا له: ما أحوجنا إلى وعظك، وأعشقنا للفظك، ولو شئت لزدت قال: إن ~~وراءكم موارد أنتم واردوها، وقد سرتم إليها عشرين حجة: # وإن امرأ قد سار عشرين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب # ومن فوقكم من يعلم أسراركم، ولو شاء لهتك أستاركم، # PageV01P064 # يعاملكم في الدنيا بحلم، ويقضي عليكم في الآخرة بعلم، فليكن الموت منكم ~~على ذكر، لئلا تأتوا بنكر، فإنكم إذا استشعرتموه لم تجمحوا، ومتى ذكرتموه ~~لم تمرحوا، وإن نسيتموه فهو ذاكركم، وإن نمتم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتموه ~~فهو زائركم، قلنا: فما حاجتك؟ قال: أطول من أن تحد، وأكثر من أن تعد، قلنا: ~~فسانح الوقت، قال: رد فائت العمر، ودفع نازل الأمر، قلنا: ليس ذلك إلينا، ~~ولكن ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها، قال لا حاجة لي فيها، وإنما حاجتي بعد ~~هذا أن تخدوا أكثر من أن تعوا. # PageV01P065 ### | المقامة البغداذية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ، وليس معي عقد على نقد، فخرجت أنتهز محاله ~~حتى أحلني الكرخ، فإذا أنا بسوادي يسوق بالجهد حماره، ويطرف بالعقد إزاره، ~~فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحياك الله أبا زيد، من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ~~ومتى وافيت؟ وهلم إلى البيت، فقال السوادي: لست بأبي زيد، ولكني أبو ms14 عبيد، ~~فقلت: نعم، لعن الله الشيطان، وأبعد النسيان، أنسانيك طول العهد، واتصال ~~البعد، فكيف حال أبيك؟ أشاب كعهدي، أم شاب # PageV01P066 # بعدي؟ فقال: قد نبت الربيع على دمنته، وأرجو أن يصيره الله إلى جنته، ~~فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~ومددت يد البدار، إلي الصدار، أريد تمزيقه، فقبض السوادي على خصري بجمعه، ~~وقال: نشدتك الله لا مزقته، فقلت: هلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق ~~نشتر شواء، والسوق أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزته حمة القرم، وعطفته عاطفة ~~اللقم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتينا شواء يتقاطر شواؤه عرقا، وتتسايل ~~جوذاباته مرقا، فقلت: افرز لأبي زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك ~~الحلواء، واختر له من تلك الأطباق، وانضد عليها أوراق # PageV01P067 # الرقاق، ورش عليه شيئا من ماء السماق، ليأكله أبو زيد هنيا، فأنخى الشواء ~~بساطوره، على زبدة تنوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحن دقا، ثم جلس وجلست، ~~ولا يئس ولا يئست، حتى استوفينا، وقلت لصاحب الحلوى: زن لأبي زيد من ~~اللوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، وأمضى في العروق، وليكن ليلي العمر، ~~يومي النشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤي الدهن، كوكبي اللون، يذوب ~~كالصمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيا، قال: فوزنه ثم قعد وقعدت، وجرد ~~وجردت، حتى استوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ~~ليقمع هذه الصارة، ويفثأ هذه اللقم الحارة، اجلس # PageV01P068 # يا أبا زيد حتى نأتيك بسقاء، يأتيك بشربة ماء، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ~~ولا يراني أنظر ما يصنع، فلما أبطأت عليه قام السوادي إلى حماره، فاعتلق ~~الشواء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ فقال: أبو زيد: أكلته ضيفا، فلكمه ~~لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشواء: هاك، ومتى دعوناك؟ زن يا أخا القحة ~~عشرين، فجعل السوادي يبكي ويحل عقده بأسنانه ويقول: كم قلت لذاك القريد، ~~أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد، فأنشدت: # أعمل لرزقك كل آله ... لا تقعدن بكل حاله # وانهض ms15 بكل عظيمة ... فالمرء يعجز لا محاله # PageV01P069 ### | المقامة البصرية # حدثني عيسى بن هشام قال: # دخلت البصرة وأنا من سني في فتاء، ومن الزي في حبر ووشاء، ومن الغنى في ~~بقر وشاء، فأتيت المربد في رفقة تأخذهم العيون، ومشينا غير بعيد إلى بعض ~~تلك المتنزهات، في تلك المتوجهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح ~~اللهو فأجلناها، مطرحين للحشمة إذ لم يكن فينا إلا منا، فما كان بأسرع من ~~ارتداد الطرف حتى عن لنا سواد تخفضه وهاد، وترفعه نجاد، وعلمنا أنه يهم ~~بنا، فأتلعنا له، # PageV01P070 # حتى أداه إلينا سيره ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام، ثم ~~أجال فينا طرفه وقال: يا قوم ما منكم إلا من يلحظني شزرا، ويوسعني حزرا، ~~وما ينبئكم عني، أصدق مني، أنا رجل من أهل الإسكندرية من الثغور الأموية، ~~قد وطأ لي الفضل كنفه، ورحب بي عيش، ونماني بيت، ثم جعجع بي الدهرعن ثمه ~~ورمه، وأتلاني زغاليل حمر الحواصل: # كأنهم حيات أرض محلة ... فلو يعضون لذكي سمهم # إذا نزلنا أرسلوني كاسبا ... وإن رحلنا ركبوني كلهم # PageV01P071 # ونشزت علينا البيض، وشمست منا الصفر، وأكلتنا السود، وحطمتنا الحمر، ~~وانتابنا أبو مالك، فما يلقانا أبو جابر إلا عن عفر، وهذه البصرة ماؤها ~~هضوم، وفقيرها مهضوم، والمرء من ضرسه في شغل، ومن نفسه في كل، فكيف بمن: # يطوف ما يطوف ثم يأوي ... إلى زغب محددة العيون # كساهن البلى شعثا فتمسي ... جياع الناب ضامرة البطون # ولقد أصبحن اليوم وسرحن الطرف في حي كميت، وبيت # PageV01P072 # كلا بيت، وقلبن الأكف على ليت، ففضضن عقد الضلوع، وأفضن ماء الدموع، ~~وتداعين باسم الجوع. # والفقر في زمن اللئا ... م لكل ذي كرم علامه # رغب الكرام إلى اللئا ... م، وتلك أشراط القيامه # ولقد اخترتم يا سادة، ودلتني عليكم السعادة، وقلت قسما، إن فيهم لدسما، ~~فهل من فتى يعشيهن، أو يغشيهن؟ وهل من حر يغديهن، أو يرديهن؟ قال عيسى بن ~~هشام: فوالله ما استأذن على حجاب سمعي كلام رائع أبرع، وأرفع وأبدع، مما ~~سمعت منه، لاجرم أنا استمحنا الأوساط، ونفضنا الأكمام، ونحينا ms16 الجيوب، # PageV01P073 # ونلته أنا مطرفي، وأخذت الجماعة إخذي، وقلنا له: الحق بأطفالك، فأعرض عنا ~~بعد شكر وفاه، ونشر ملأ به فاه. ### | المقامة الفزارية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت في بعض بلاد فزارة مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، يسبحان بي سبحا، وأنا ~~أهم بالوطن، فلا الليل يثنيني بوعيده، ولا البعد يلويني ببيده، فظللت أخبط ~~ورق النهار، بعصا التسيار وأخوض بطن # PageV01P074 # الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا في ليلة يضل فيها الغطاط، ولا يبصر فيها ~~الوطواط، أسيح سيحا، ولا سانح إلا السبع، ولا بارح إلا الضيع، إذ عن لي ~~راكب تام الالات، يؤم الأثلات، يطوي إلى منشور الفلوات، فأخذني منه ما يأخذ ~~الأعزل من شاكي السلاح، لكني تجلدت فقلت: أرضك لا أم لك، فدونك شرط الحداد، ~~وخرط القتاد، وخصم ضخم، وحمية أزدية، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن أردت، فقل ~~لي: من أنت؟ فقال: سلما أصبت، فقلت: خيرا أجبت، فمن أنت؟ قال: نصيح إن ~~شاورت فصيح إن حاورت، ودون إسمي لثام، لا تميطه الأعلام، قلت: فما الطعمة؟ ~~قال: أجوب جيوب البلاد، # PageV01P075 # حتى أقع على جفنة جواد، ولي فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان وقصاراي ~~كريم يخفض لي جنيبته، وينفض إلي حقيبته، كابن حرة طلع علي بالأمس، طلوع ~~الشمس، وغرب عني بغروبها، لكنه غاب ولم يغب تذكاره، وودع وشيعتني آثاره، ~~ولا ينبئك عنها، أقرب منها، وأومأ إلى ما كان لبسه، فقلت: شحاذ ورب الكعبة ~~آخاذ، له في الصنعة نفاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بد من أن ترشح له، وتسح ~~عليه، فقلت: يا فتى قد جليت عبارتك، فأين شعرك من كلامك؟ فقال: وأين كلامي ~~من شعري؟ ثم استمد غريزته، ورفع # PageV01P076 # عقيرته، بصوت ملأ الوادي، وأنشأ يقول: # وأروع أهداه لي الليل والفلاوخمس تمس الأرض لكن كلا ولا # عرضت على نار المكارم عوده ... فكان معما في السيادة مخولا # وخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته من بره فتسهلا # ولما تجالينا وأحمد منطقيبلا بي من نظم القريض بما بلا # فما هز إلا صارما حين هزنيولم يلقني إلا إلى السبق أولا ms17 # ولم أره إلا أغر محجلا ... وما تحته إلا أغر محجلا # PageV01P077 # فقلت له: على رسلك يا فتى، ولك فيما يصحبني حكمك، فقال: الحقيبة بما ~~فيها، فقلت: إن وحاملتها، ثم قبضت بجمعي عليه، وقلت: لا والذي ألهمها لمسا، ~~وشقها من واحدة خمسا، لا تزايلني أو أعلم علمك، فحدر لثامه عن وجهه، فإذا ~~هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فما لبثت أن قلت: # توشحت أبا الفتح ... بهذا السيف مختالا # فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا؟ # PageV01P078 # فصغ ما أنت حليت ... به سيفك خلخالا ### | المقامة الجاحظية # حدثنا عيسى بن هشام قال: أثارتني ورفقة وليمة فأجبت إليها، للحديث ~~المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو ~~أهدي إلي ذراع لقبلت " فأفضى بنا السير إلى دار. # تركت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتحب # فانتقت منه طرائفه ... واستزادت بعض ما تهب # قد فرش بساطها، وبسطت أنماطها، ومد سماطها، وقوم قد أخذوا # PageV01P079 # الوقت بين آس مخضود، وورد منضود، ودن مفصود، وناي وعود، فصرنا إليهم ~~وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خوان قد ملئت حياضه، ونورت رياضه، واصطفت ~~جفانه، واختلفت ألوانه فمن حالك بإزائه ناصع، ومن قان تلقاءه فاقع، ومعنا ~~على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتسفر بين الألوان، وتأخذ وجوه ~~الرغفان، وتفقأ عيون الجفان، وترعى أرض الجيران، وتجول في القصعة، # PageV01P080 # كالرخ في الرقعة، يزحم باللقمة اللقمة، ويهزم بالمضغة المضغة، وهو مع ذلك ~~ساكت لا ينبس بحرف، ونحن في الحديث نجري معه، حتى وقف بنا على ذكر الجاحظ ~~وخطابته، ووصف ابن المقفع وذرابته، ووافق أول الحديث آخر الخوان، وزلنا عن ~~ذلك المكان، فقال الرجل: أين أنتم من الحديث الذي كنتم فيه؟ فأخذنا في وصف ~~الجاحظ ولسنه، وحسن سننه في # PageV01P081 # الفصاحة وسننه، فيما عرفناه، فقال: يا قوم لكل عمل رجال، ولكل مقام مقال، ~~ولكل دار سكان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم، فكل كشر له ~~عن ناب الإنكار، وأشم بأنف الإكبار، وضحكت له لأجلب ما عنده، وقلت: أفدنا ~~وزدنا، فقال: إن الجاحظ في ms18 أحد شقي البلاغة يقطف، وفي الآخر يقف، والبليغ ~~من لم يقصر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون للجاحظ شعرا ~~رائعا؟ قلنا: لا، قال: فهلموا إلى كلامه، فهو بعيد الإشارات، # PageV01P082 # قليل الاستعارات، قريب العبارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من ~~معتاصه يهمله، فهل سمعتم له لفظة مصنوعة، أو كلمة غير مسموعة؟ فقلنا: لا، ~~فقال: هل تحب أن تسمع من الكلام ما يخفف عن منكبيك، وينم على ما في يديك؟ ~~فقلت: إي والله، قال: فأطلق لي عن خنصرك، بما يعين على شكرك، فنلته ردائي، ~~فقال: # لعمر الذي ألقى علي ثيابهلقد حشيت تلك الثياب به مجدا # فتى قمرته المكرمات رداءه ... وما ضربت قدحا ولا نصبت نردا # أعد نظرا يا من حباني ثيابه ... ولا تدع الأيام تهدمني هدا # PageV01P083 # وقل للأولى إن أسفروا أسفروا ضحىوإن طلعوا في غمة طلعوا سعدا # صلوا رحم العليا، وبلوا لهانهافخير الندى ما سح وابله نقدا # قال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصلات عليه، وقلت لما ~~تآنسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال: # إسكندرية داري ... لو قر فيها قراري # لكن ليلى بنجد ... وبالحجاز نهاري. # PageV01P084 ### | المقامة المكفوفية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت أجتاز، في بعض بلاد الأهواز، وقصاراي لفظة شرود أصيدها، وكلمة بليغة ~~أستزيدها، فأداني السير إلى رقعة فسيحة من البلد، وإذا هناك قوم مجتمعون ~~على رجل يستمعون إليه، وهو يخبط الأرض بعصا على إيقاع لا يختلف، وعلمت أن ~~مع الإيقاع لحنا، ولم أبعد لأنال من السماع حظا، أو أسمع من الفصيح لفظا، ~~فما زلت بالنظارة أزحم هذا وأدفع ذاك حتى وصلت إلى الرجل، وسرحت الطرف منه ~~إلى حزقة كالقرنبي أعمى مكفوف، في شملة صوف، يدور كالخذروف، متبرنسا بأطول ~~منه، معتمدا على عصا # PageV01P085 # فيها جلاجل يخبط الأرض بها على إيقاع غنج، بلحن هزج، وصوت شج، من صدر ~~حرج، وهو يقول: # يا قوم قد أثقل ديني ظهري ... وطالبتني طلتي بالمهر # أصبحت من بعد غنى ووفر ... ساكن قفر وحليف فقر # يا قوم هل بينكم من حر ... يعينني على ms19 صروف الدهر # يا قوم قد عيل لفقري صبري ... وانكشفت عني ذيول الستر # وفض ذا الدهر بأيدي البتر ... ما كان بي من فضة وتبر # PageV01P086 # آوي إلى بيت كقيد شبر ... خامل قدر وصغير قدر # لو ختم الله بخير أمري ... أعقبني عن عسر بيسر # هل من فتى فيكم كريم النجر ... محتسب في عظيم الأجر # إن لم يكن مغتنما للشكر؟ قال عيسى بن هشام: فرق له والله قلبي، واغرورقت ~~له عيني، فنلته دينارا كان معي، فما لبث أن قال: # يا حسنها فاقعة صفراء ... ممشوقة منقوشة قوراء # يكاد أن يقطر منها الماء ... قد أثمرتها همة علياء # نفس فتى يملكه السخاء ... يصرفه فيه كما يشاء # PageV01P087 # يا ذا الذي يعنيه ذا الثناء ... ما يتقضى قدرك الإطراء # امض إلى الله لك الجزاء ورحم الله من شدها في قرن مثلها، وآنسها بأختها، ~~فناله الناس ما نالوه، ثم فارقهم وتبعته، وعلمت أنه متعام، لسرعة ما عرف ~~الدينار، فلما نظمتنا خلوة، مددت يمناي إلى يسرى عضديه وقلت: والله لتريني ~~سرك، أو لأكشفن سترك، ففتح عن توأمتي لوز، وحدرت لثامه عن وجهه، فإذا والله ~~شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: أنت أبو الفتح؟ فقال: لا # PageV01P088 # أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون # أختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون # زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون # لا تكذبن بعقل ... ما العقل إلا الجنون ### | المقامة البخارية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # أحلني جامع بخارى يوم وقد انتظمت مع رفقة في سمط الثريا، وحين احتفل ~~الجامع بأهله # PageV01P089 # طلع إلينا ذو طمرين قد أرسل صوانا، واستتلى طفلا عريانا، يضيق بالضر ~~وسعه، ويأخذه القر ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يكتفي لحماية رعدة، ~~فوقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلا من الله طفله، ولا يرق لهذا الضر ~~إلا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور ~~المنجدة، والقصور المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، ~~فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا ~~السكباج، وركبنا الهملاج، ولبسنا الديباج، ms20 وافترشنا الحشايا، بالعشايا، فما ~~راعنا إلا هبوب الدهر بغدره، # PageV01P090 # وانقلاب المجن لظهره، فعاد الهملاج قطوفا، وانقلب الديباج صوفا، وهلم جرا ~~إلى ما تشاهدون من حالي وزيي، فها نحن نرنضع من الدهر ثدي عقيم، ونركب من ~~الفقر ظهر بهيم، فلا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا نمد إلا يد العديم، فهل من ~~كريم يجلو غياهب هذه البؤوس، ويفل شبا هذه النحوس؟ # PageV01P091 # ثم قعد مرتفقا وقال للطفل: أنت وشانك، فقال: ما عسى أن أقول وهذا الكلام ~~لو لقي الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء، وقد ~~سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كل منكم بالجود يده، وليذكر ~~غده، واقيا بي ولده، واذكروني أذكركم، وأعطوني أشكركم. # قال عيسى بن هشام: فما آنسني في وحدتي إلا خاتم ختمت به خنصره، فلما ~~تناوله أنشأ يصف الخاتم على الإصبع، وجعل يقول: # وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا # كمتيم لقي الحبي ... ب فضمه شغفا وحزنا # PageV01P092 # متألف من غير أس ... رته على الأيام خدنا # علق سني قدره ... لكن من أهداه أسنى # أقسمت لو كان الورى ... في المجد لفظا كنت معنى # قال عيسى بن هشام: فنلناه ما تاح لنا من الفور، فأعرض عنا، حامدا لنا، ~~فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري، ~~وإذا الطلا زغلوله، فقلت: # أبا الفتح شبت، وشب الغلام ... فأين السلام، وأين الكلام؟ # فقال: # غريبا إذا جمعتنا الطريق أليفا إذا نظمتنا الخيام # PageV01P093 # فعلمت أنه يكره مخاطبتي، فتركته وانصرفت. ### | المقامة القزوينية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # غزوت الثغر بقزوين، سنة خمس وسبعين، فيمن غزاه، فما أجزنا حزنا، إلا ~~هبطنا بطنا، حتى وقف المسير بنا على بعض قراها، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل ~~أثلاث، في حجرتها عين كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، تسيح في الرضراض سيح ~~النضناض، فنلنا من الطعام ما نلنا، ثم ملنا إلى الظل فقلنا، فما ملكنا ~~النوم حتى سمعنا صوتا أنكر # PageV01P094 # من صوت حمار، ورجعا أضعف من رجع الحوار، يشفعهما صوت طبل كأنه ms21 خارج من ما ~~ضغي أسد، فذاد عن القوم، رائد النوم، وفتحت التوأمتين إليه وقد حالت ~~الأشجار دونه، وأصغيت فإذا هو يقول، على إيقاع الطبول: # أدعو إلى الله فهل من مجيب ... إلي ذرا رحب ومرعى خصيب # وجنة عالية ما تنى ... قطوفها دانية ما تغيب # ياقوم إني رجل تائب ... من بلد الكفر وأمري عجيب # PageV01P095 # إن أك آمنت فكم ليلة ... جحدت ربي وأتيت المريب # يا رب خنزير تمششته ... ومسكر أحرزت منه النصيب # ثم هداني الله وانتاشني ... من ذلة الكفر اجتهاد المصيب # فظلت أخفي الدين في أسرتي ... وأعبد الله بقلب منيب # أسجد للات حذار العدى ... ولا أرى الكعبة خوف الرقيب # وأسأل الله إذا جنني ... ليل وأضناني يوم عصيب # رب كما أنك أنقذتني ... فنجني إني فيهم غريب # ثم اتخذت الليل لي مركبا ... وما سوى العزم أمامي جنيب # فقدك من سيري فشي ليلة ... يكاد رأس الطفل فيها يشيب # PageV01P096 # حتى إذا جزت بلاد العدى ... إلى حمى الدين نفضت الوجيب # فقلت: إذ لاح شعار الهدى ... نصر من الله وفتح قريب # فما بلغ هذا البيت قال: يا قوم وطئت داركم بعزم لا العشق شاقه، ولا الفقر ~~ساقه، وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعنابا، وكواعب أترابا، وخيلا مسومة، ~~وقناطير مقنطرة، وعدة وعديدا، ومراكب وعبيدا، وخرجت خروج الحية من جحره، ~~وبرزت بروز الطائر من وكره، مؤثرا ديني على دنياي، جامعا يمناي إلى يسراي، ~~واصلا سيري بسراي، فلو دفعتم النار بشرارها، ورميتم الروم بحجارها، # PageV01P097 # وأعنتموني على غزوها، مساعدة وإسعادا، ومرافدة وإرفادا ولا شطط فكل على ~~قدر قدرته، وحسب ثروته، ولا أستكثر البدرة، وأقبل الذرة، ولا أرد التمرة، ~~ولكل مني سهمان: سهم أذلقه للقاء وآخر أفوقه بالدعاء، وأرشق به أبواب ~~السماء، عن قوس الظلماء. # قال عيسى بن هشام: فاستفزني رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم، وعدوت إلى ~~القوم، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري بسيف قد # PageV01P098 # شهره، وزي قد نكره، فلما رآني غمزني بعينه، وقال: رحم الله من أعاننا ~~بفاضل ذيله، وقسم لنا من نيله، ثم أخذ ما أخذ، وخلوت به فقلت: أأنت من ms22 ~~أولاد النبيط؟ فقال: # أنا حالي من الزما ... ن كحالي مع النسب # نسبي في يد الزما ... ن إذا سامه انقلب # PageV01P099 # أنا أمسي من النبي ... ط وأضحي من العرب ### | المقامة الساسانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلتني دمشق بعض أسفاري، فبينا أنا يوما على باب ~~داري، إذ طلع علي من بني ساسان كتيبة قد لفوا رؤوسهم، وصلوا بالمغرة ~~لبوسهم، وتأبط كل واحد منهم حجرا يدق به صدره، وفيهم زعيم لهم يقول وهم ~~يراسلونه، ويدعو ويجاوبونه، فلما رآني قال: # أريد منك رغيفا ... يعلو خوانا نظيفا # PageV01P100 # أريد ملحا جريشا ... أريد بقلا قطيفا # أريد لحما غريضا ... أريد خلا ثقيفا # أريد جديا رضيعا ... أريد سخلا خروفا # أريد ماء بثلج ... يغشى إناء طريفا # أريد دن مدام ... أقوم عنه نزيفا # وساقيا مستهشا ... على القلوب خفيفا # أريد منك قميصا ... وجبة ونصيفا # أريد نعلا كثيفا ... بها أزور الكنيفا # أريد مشطا وموسى ... أريد سطلا وليفا # يا حبذا أنا ضيفا ... لكم وأنت مضيفا # PageV01P101 # رضيت منك بهذا ... ولم أرد أن أحيفا # قال عيسى بن هشام: فنلته درهما، وقلت له: قد آذنت بالدعوة وسنعد ونستعد، ~~ونجتهد ونجد، ولك علينا الوعد من بعد، وهذا الدرهم تذكرة معك، فخذ المنقود، ~~وانتظر الموعود، فأخذه وصار إلى رجل آخر ظننت أنه يلقاه بمثل ما لقيني، ~~فقال: # يا فاضلا قد تبدى ... كأنه الغصن قدا # قد اشتهى اللحمض ضرسي ... فاجلده بالخبز جلدا # وامنن علي بشيء ... واجعله للوقت نقدا # أطلق من اليد خصرا ... واحلل من الكيس عقدا # واضمم يديك لأجلي ... إلى جناحك عمدا # قال عيسى بن هشام: فلما فتق سمعي منه هذا الكلام، علمت أن وراءه فضلا، ~~فتبعته حتى صار إلى أم مثواه، ووقفت منه بحيث لا يراني وأراه، وأماط السادة ~~لثمهم، فإذا زعيمهم أبو الفتح الإسكندري، فنظرت إليه وقلت: ما هذه الحيلة ~~ويحك؟ فأنشأ يقول: # هذا الزمان مشوم ... كما تراه غشوم # الحمق فيه مليح ... والعقل عيب ولوم # والمال طيف، ولكن ... حول اللئام يحوم # PageV01P102 ### | المقامة القردية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # بينا أنا بمدينة السلام، قافلا من البلد الحرام، أميس ميس ms23 الرجلة، على ~~شاطئ الدجلة، أتأمل تلك الطرائف، وأتقصى تلك الزخارف، إذ انتهيت إلى # PageV01P104 # حلقة رجال مزدحمين يلوي الطرب أعناقهم، ويشق الضحك أشداقهم، فساقني الحرص ~~إلى ما ساقهم، حتى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأي وجهه لشدة الهجمة وفرط ~~الزحمة، فإذا هو قراد يرقص قرده، ويضحك من عنده، فرقصت رقص المحرج، وسرت ~~سير الأعرج، فوق رقاب الناس يلفظني عاتق هذا لسرة ذاك، حتى افترشت لحية ~~رجلين، وقعدت بعد الاين، وقد أشرقني الخجل بريقه، وأرهقني المكان بضيقه، ~~فلما فرغ القراد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الدهش ~~حلته، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو # PageV01P105 # والله أبو الفتح الإسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة ويحك، فأنشأ يقول: # الذنب للأيام لا لي ... فاعتب علي صرف الليالي # بالحمق أدركت المنى ... ورفلت في حلل الجمال ### | المقامة الموصلية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # لما قفلنا من الموصل، وهممنا بالمنزل، وملكت علينا القافلة، وأخذ منا ~~الرحل والراحلة، جرت بي الحشاشة إلى بعض قراها، ومعي الإسكندي أبو الفتح، ~~فقلت: أين نحن من الحيلة؟ فقال: يكفي الله، ودفعنا إلى دار قد مات صاحبها، ~~وقامت نوادبها، واحتفلت بقوم قد كوى الجزع قلوبهم، وشقت الفجيعة جيوبهم، ~~ونساء قد نشرن شعورهن، يضربن صدورهن، وشددن عقودهن، يلطمن خدودهن، فقال ~~الإسكندري: لنا في هذا السواد نخلة، وفي هذا القطيع سخلة، ودخل الدار لينظر ~~إلى الميت وقد شدت عصابته لينقل، وسخن ماؤه ليغسل، وهيئ تابوته ليحمل، ~~وخيطت # PageV01P106 # أثوابه ليكفن، وحفرت حفرته ليدفن، فلما رآه الإسكندري أخذ حلقه، فجس ~~عرقه، فقال: يا قوم اتقوا الله لا تدفنوه فهو حي، وإنما عرته بهتة، وعلته ~~سكتة، وأنا أسلمه مفتوح العينين، بعد يومين، فقالوا: من أين لك ذلك؟ فقال: ~~إن الرجل إذا مات برد استه، وهذا الرجل قد لمسته فعلمت أنه حي، فجعلوا ~~أيديهم في استه، فقالوا: الأمر على ما ذكر، فافعلوا كما أمر، وقام ~~الإسكندري إلى الميت، فنزع ثيابه ثم شد له العمائم، وعلق عليه تمائم، ~~وألعقه # PageV01P108 # الزيت، وأخلى له البيت، وقال: دعوه ولا تروعوه، وإن سمعتم له ms24 أنينا فلا ~~تجيبوه، وخرج من عنده وقد شاع الخبر وانتشر، بأن الميت قد نشر، وأخذتنا ~~المبار، من كل دار، وانثالت علينا الهدايا من كل جار، حتى ورم كيسنا فضة ~~وتبرا وامتلأ رحلنا أقطا وتمرا، وجهدنا أن ننتهز فرصة في الهرب فلم نجدها، ~~حتى حل الأجل المضروب، واستنجز الوعد المكذوب # PageV01P109 # فقال الإسكندري: هل سمعتم لهذا العليل ركزا، أو رأيتم منه رمزا؟ فقالوا: ~~لا، فقال: إن لم يكن صوت مذ فارقته، فلم يجيئ بعد وقته، دعوه إلى غد فإنكم ~~إذا سمعتم صوته، أمنتم موته، ثم عرفوني لأحتال في علاجه، وإصلاح ما فسد من ~~مراجه، فقالوا: لا تؤخر ذلك عن غد، قال: لا، فلما ابتسم ثغر الصبح وانتشر ~~جناح الضو، في أفق الجو، جاءه الرجال أفواجا، والنساء أزواجا، وقالوا: نحب ~~أن تشفي العليل، وتدع القال والقيل، فقال الإسكندري: قوموا بنا إليه، ثم ~~حدر # PageV01P110 # التمائم عن يده، وحل العمائم عن جسده، وقال: أنيموه على وجهه، فأنيم، ثم ~~قال: أقيموه على رجليه، فأقيم، ثم قال: خلوا عن يديه، فسقط رأسا، وطن ~~الإسكندري بفيه وقال: هو ميت كيف أحييه؟ فأخذه الخف، وملكته الأكف، وصار ~~إذا رفعت عنه يد وقعت عليه أخرى، ثم تشاغلوا بتجهيز الميت، فانسللنا هاربين ~~حتى أتينا قرية على شفير واد السيل يطرفها والماء # PageV01P111 # يتحيفها. وأهلها مغتمون لا يملكهم غمض الليل، من خشية السيل، فقال ~~الإسكندري: يا قوم أنا أكفيكم هذا الماء ومعرته، وأرد عن هذه القرية مضرته، ~~فأطيعوني، ولا تبرموا أمرا دوني، فقالوا: وما أمرك؟ فقال: أذبحوا في # مجرى هذا الماء بقرة صفراء، وأتوني بجارية عذراء، وصلوا خلفي ركعتين يثن ~~الله عنكم عنان هذا الماء، إلى هذه الصحراء، فإن لم ينثن الماء فدمي عليكم ~~حلال، قالوا: نفعل ذلك، فذبحوا البقرة، وزوجوه الجارية، وقام إلى الركعتين ~~يصليهما، وقال: يا قوم احفظوا أنفسكم لا يقع منكم في القيام كبو، أو في ~~الركوع هفو، أو في السجود سهو، أو في القعود لغو، فمتى سهونا خرج أملنا ~~عاطلا، وذهب عملنا باطلا، واصبروا على الركعتين فمسافتهما طويلة، وقام ms25 ~~للركعة الأولى فانتصب انتصاب الجذع، حتى شكوا وجع الضلع، وسجد، حتى ظنوا ~~أنه قد هجد ولم يشجعوا لرفع الرؤوس، حتى كبر للجلوس، ثم عاد إلى السجدة ~~الثانية، وأومأ إلي، فأخذنا الوادي وتركنا القوم ساجدين، لا نعلم ما صنع ~~الدهر بهم، فأنشأ أبو الفتح يقول: رى هذا الماء بقرة صفراء، وأتوني بجارية ~~عذراء، وصلوا خلفي ركعتين يثن الله عنكم عنان هذا الماء، إلى هذه الصحراء، ~~فإن لم ينثن الماء فدمي عليكم حلال، قالوا: نفعل ذلك، فذبحوا البقرة، ~~وزوجوه الجارية، وقام إلى الركعتين # PageV01P112 # يصليهما، وقال: يا قوم احفظوا أنفسكم لا يقع منكم في القيام كبو، أو في ~~الركوع هفو، أو في السجود سهو، أو في القعود لغو، فمتى سهونا خرج أملنا ~~عاطلا، وذهب عملنا باطلا، واصبروا على الركعتين فمسافتهما طويلة، وقام ~~للركعة الأولى فانتصب انتصاب الجذع، حتى شكوا وجع الضلع، وسجد، حتى ظنوا ~~أنه قد هجد ولم يشجعوا لرفع الرؤوس، حتى كبر للجلوس، ثم عاد إلى السجدة ~~الثانية، وأومأ إلي، فأخذنا الوادي وتركنا القوم ساجدين، لا نعلم ما صنع ~~الدهر بهم، فأنشأ أبو الفتح يقول: # PageV01P113 # لا يبعد الله مثلي ... وأين مثلي أينا؟ # لله غفلة قوم ... غنمتها بالهوينا! # اكتلت خيرا عليهم ... وكلت زورا ومينا ### | المقامة المضيرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت بالبصرة، ومعي أبو الفتح الإسكندري رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه، ~~والبلاغة يأمرها فتطيعه، وحضرنا معه دعوة بعض التجار، فقدمت إلينا مضيرة، # PageV01P114 # تثني على الحضارة، وتترجرج في الغضارة، وتؤذن بالسلامة، وتشهد لمعاوية ~~رحمه الله بالإمامة، في قصعة يزل عنها الطرف، ويموج فيها الظرف، فلما أخذت ~~من الخوان # PageV01P115 # مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها، ~~ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وظنناه يمزح فإذا الأمر بالضد، وإذا ~~المزاح عين الجد، وتنحى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، ورفعناها فارتفعت ~~معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، وتلمظت لها الشفاه، ~~واتقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد، # PageV01P116 # ولكنا ساعدناه على هجرها، وسألناه عن أمرها، فقال: قصتي معها أطول من ~~مصيبتي فيها، ولو حدثتكم بها ms26 لم آمن المقت، وإضاعة الوقت، قلنا: هات: قال: ~~دعاني بعض التجار إلى مضيرة وأنا ببغداد، ولزمني ملازمة الغريم، والكلب ~~لأصحاب الرقيم، إلى أن أجبته إليها، وقمنا فجعل طول الطريقيثني علي زوجته، ~~ويفديها بمهجته، ويصف حذقها في صنعتها، وتأنقها في طبخها # PageV01P117 # ويقول: يا مولاي لو رأيتها، والخرقة في وسطها، وهي تدور في الدور، من ~~التنور إلى القدور ومن القدور إلى التنور تنفث بفيها النار، وتدق بيديها ~~الأبزار، ولو رأيت الدخان وقد غبر في ذلك الوجه الجميل، وأثر في ذلك الخد ~~الصقيل، لرأيت منظرا تحار فيه العيون: وأنا أعشقها لأنها تعشقني، ومن سعادة ~~المرء أن يرزق المساعدة من حليلته، وأن يسعد بظعينته، ولا سيما إذا كانت من ~~طينته، وهي ابنة عمي لحا، طينتها طينتي، ومدينتها مدينتي، وعمومتها عمومتي، ~~وأرومتها أرومتي، لكنها أوسع مني خلقا، وأحسن خلقا وصدعني بصفات زوجته، حتى ~~انتهينا إلى محلته، ثم قال: يا مولاي ترى هذه المحلة؟ هي أشرف محال بغداد، ~~يتنافس الأخيار في نزولها، ويتغاير # PageV01P118 # الكبار في حلولها، ثم لا يسكنها غير التجار، وإنما المرء بالجار ودارى في ~~السطة من قلادتها، والنقطة من دائرتها، كم تقدر يا مولاي أنفق على كل دار ~~منها؟ قله تخمينا إن لم تعرفه يقينا، قلت: الكثير، فقال: يا سبحان الله! ما ~~أكبر هذا # PageV01P120 # الغلط! تقول الكثير فقط؟ وتنفس الصعداء، وقال: سبحان من يعلم الأشياء، ~~وانتهينا إلى باب داره، فقال: هذه داري، كم تقدر يا مولاي أنفقت على هذه ~~الطاقة؟ أنفقت والله عليها فوق الطاقة، ووراء الفاقة، كيف ترى صنعتها ~~وشكلها؟ أرأيت بالله مثلها؟ انظر إلى دقائق الصنعة فيها، وتأمل حسن ~~تعريجها، فكأنما خط بالبركار # وانظر إلى حذق النجار في صنعة هذا الباب، اتخذه من كم؟ قل: ومن أين أعلم، ~~هو ساج من قطعة واحدة لا مأروض ولا عفن، إذا حرك أن، وإذا نقر طن، من اتخذه ~~يا سيدي؟ اتخذه أبو إسحاق بن محمد # PageV01P121 # البصري، وهو والله رجل نظيف الأثواب، بصير بصنعة الأبواب خفيف اليد في ~~العمل، لله در ذلك الرجل! بحياتي لا استعنت ms27 إلا به على مثله، وهذه الحلقة ~~تراها اشتريتها في سوق الطرائف من عمران الطرائفي بثلاثة دنانير معزية، وكم ~~فيها يا سيدي من الشبه؟ فيها ستة أرطال، وهي تدور بلولب في الباب، بالله ~~دورها، ثم انقرها وأبصرها، وبحياتي عليك لا اشتريت الحلق إلا منه؛ فليس ~~يبيع إلا الأعلاق، ثم قرع الباب ودخلنا الدهليز، وقال: عمرك الله يا دار ~~ولا خربك يا جدار، فما أمتن حيطانك، وأوثق بنيانك، وأقوى أساسك، تأمل بالله ~~معارجها، وتبين دواخلها وخوارجها، وسلني: كيف حصلتها؟ وكم من حيلة احتلتها، ~~حتى عقدتها؟ كان لي جار يكنى أبا سليمان يسكن هذه المحلة، وله من المال ما ~~لا يسعه الخزن، ومن الصامت ما لا يحصره الوزن، مات رحمه الله وخلف خلفا ~~أتلفه بين الخمر والزمر، ومزقه بين النرد والقمر، وأشفقت أن يسوقه قائد ~~الاضطرار، إلى بيع الدار، فيبيعها في أثناء الضجر، أو يجعلها عرضة للخطر، ~~ثم أراها، وقد فاتني شراها، فأتقطع عليها حسرات، إلى يوم الممات، فعمدت إلى ~~أثواب # PageV01P122 # لا تنض تجارتها فحملتها إليه، وعرضتها عليه، وساومته على أن يشتريها ~~نسية، والمدبر يحسب النسية عطية، والمتخلف يعتدها هدية، وسألته وثيقة بأصل ~~المال، ففعل وعقدها لي، ثم تغافلت عن اقتضائه، حتى كادت حاشية حاله ترق، ~~فأتيته فاقتضيته، واستمهلني فأنظرته، والتمس غيرها من الثياب فأحضرته، ~~وسألته أن يجعل داره رهينة لدي، ووثيقة في يدي، ففعل، ثم درجته بالمعاملات ~~إلى بيعها حتى حصلت لي بجد صاعد، # PageV01P124 # وبخت مساعد، وقوة ساعد، ورب ساع لقاعد، وأنا بحمد الله مجدود، وفي مثل ~~هذه الأحوال محمود، وحسبك يا مولاي أني كنت منذ ليال نائما في البيت مع من ~~فيه إذ قرع علينا الباب # فقلت: من الطارق المنتاب، فإذا امرأة معها عقد # PageV01P125 # لآل، في جلدة ماء ورقة آل، تعرضه للبيع، فأخذته منها إخذة خلس، واشتريته ~~بثمن بخس، وسيكون له نفع ظاهر، وربح وافر، بعون الله تعالى ودولتك، وإنما ~~حدثتك بهذا الحديث لتعلم سعادة جدي في التجارة، والسعادة تنبط الماء من ~~الحجارة، الله أكبر لا ينبئك أصدق من نفسك، ولا ms28 أقرب من أمسك، اشتريت هذا ~~الحصير في المنادات، وقد أخرج من دور آل الفرات، وقت المصادرات، وزمن ~~الغارات وكنت أطلب مثله منذ الزمن الأطول فلا أجد، والدهر حبلى ليس يدرى # PageV01P126 # ما يلد، ثم اتفق أني حضرت باب الطاق، وهذا يعرض بالأسواق، فوزنت فيه كذا ~~وكذا دينارا، تأمل بالله دقته ولينه، وصنعته ولونه، فهو عظيم القدر، لا يقع ~~مثله إلا في الندر، وإن كنت سمعت بأبي عمران الحصيري فهو عمله، وله ابن ~~يخلفه الآن # PageV01P127 # في حانوته لا يوجد اعلاق الحصر إلا عنده؛ فبحياتي لا اشتريت الحصر إلا من ~~دكانه، فالمؤمن ناصح لإخوانه، لا سيما من تحرم بخوانه، ونعود إلى حديث ~~المضيرة، فقد حان وقت الظهيرة، يا غلام الطست والماء فقلت: الله أكبر، ربما ~~قرب الفرج، وسهل المخرج، وتقدم الغلام، فقال: ترى هذا الغلام؟ إنه رومي # PageV01P128 # الأصل، عراقي النشء. تقدم يا غلام واحسر عن رأسك، وشمر عن ساقك، وانض عن ~~ذراعك، وافتر عن أسنانك، وأقبل وأدبر، ففعل الغلام ذلك، وقال: التاجر: ~~بالله من اشتراه؟ اشتراه والله أبو العباس، من النخاس، ضع الطست، وهات # PageV01P129 # الإبريق، فوضعه الغلام، وأخذه التاجر وقلبه وأدار فيه النظر ثم نقره، ~~فقال: انظر إلى هذا الشبه كأنه جذوة اللهب، أو قطعة من الذهب، شبه الشام، ~~وصنعة العراق، ليس من خلقان الأعلاق # قد عرف دور الملوك ودارها، تأمل حسنه وسلني متى اشتريته؟ اشتريته والله ~~عام المجاعة، وادخرته لهذه الساعة، يا غلام الإبريق، فقدمه وأخذه التاجر ~~فقلبه ثم قال وأنبوبه منه لا يصلح هذا الإبريق إلا لهذا الطست، ولا يصلح ~~هذا الطست إلا مع هذا الدست، ولا يحسن هذا الدست إلا في هذا البيت، ولا ~~يجمل هذا البيت إلا مع هذا الضيف، أرسل الماء يا غلام، فقد حان وقت الطعام، ~~بالله ترى هذا الماء ما أصفاه، # PageV01P130 # أزرق كعين السنور، وصاف كقضيب البلور، استقى من الفرات، واستعمل بعد ~~البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة، وليس الشان في السقاء، الشان ~~في الإناء، لا يدلك على نظافة أسبابه، أصدق من نظافة شرابه، وهذا ms29 المنديل ~~سلني عن قصته، فهو نسج جرجان، وعمل أرجان، وقع إلي فاشتريته، فاتخذت امرأتي ~~بعضه سراويلا، واتخذت بعضه منديلا، دخل في سراويلها عشرون ذراعا، وانتزعت ~~من يدها هذا القدر انتزاعا، وأسلمته إلى المطرز حتى صنعه كما تراه وطرزه، ~~ثم رددته من السوق، وخزنته في الصندوق، # PageV01P131 # وأدخرته للظراف، من الأضياف لم تذله عرب العامضة بأيديها، ولا النساء ~~لمآقيها، فلكل علق يوم، ولكل آلة قوم، ياغلام الخوان، فقد طال الزمان، ~~والقصاع، فقد طال المصاع، والطعام، فقد كثر الكلام، فأتى الغلام بالخوان، ~~وقلبه التاجر على المكان، ونقره بالبنان، وعجمه بالأسنان، وقال: عمر الله # PageV01P132 # بغداد فما أجود متاعها، وأظرف صناعها، تأمل بالله هذا الخوان، وانظر إلى ~~عرض متنه، وخفة وزنه، وصلابة عوده، وحسن شكله، فقلت: هذا الشكل، فمتى ~~الأكل؟ فقال: الآن، عجل ياغلام الطعام، لكن الخوان قوائمه منه، قال أبو ~~الفتح الإسكندري فجاشت نفسي وقلت قد بقي الخبز وآلاته والخبز وصفاته # PageV01P133 # والحنطة من أين اشتريت أصلا، وكيف اكترى لها حملا، وفي أي رحى طحن، ~~وإجانة عجن، وأي تنور سجر، وخباز استأجر، وبقي الحطب من أين احتطب، ومتى ~~جلب؟ وكيف صفف حتى جفف؟ وحبس، حتى يبس، وبقي الخباز ووصفه، والتلميذ ونعته، ~~والدقيق ومدحه، والخمير وشرحه، والملح وملاحته # وبقيت السكرجات من اتخذها، وكيف # PageV01P134 # انتقذها، ومن استعملها،؟ ومن عملها؟ والخل كيف انتقى عنبه، أو اشتري ~~رطبه، وكيف صهرجت معصرته؟ واستخلص لبه؟ وكيف قير حبه؟ وكم يساوي دنه؟ وبقي ~~البقل كيف احتيل له حتى قطف؟ وفي أي مبقلة رصف؟ وكيف تؤنق حتى نظف؟ وبقيت ~~المضيرة كيف اشتري لحمها؟ ووفي شحمها؟ ونصبت قدرها، وأججت نارها، ودقت ~~أزارها، حتى أجيد طبخها وعقد مرقها؟ وهذا خطب يطم، وأمر لا يتم، فقمت، ~~فقال: أين تريد؟ فقلت: حاجة أقضيها، فقال: # PageV01P135 # يامولاي تريد كنيفا يزري بربيعي الأمير، وخريفي الوزير، قد جصص أعلاه، ~~وصهرج أسفله، وسطح سقفه، وفرشت بالمرمر أرضه، يزل عن حائطه الذر فلا يعلق، ~~ويمشي على أرضه الذباب فينزلق، عليه باب غيرانه من خليطي ساج وعاج، مزدوجين ~~أحسن ازدواج، يتمنى الضيف أن يأكل ms30 فيه، فقلت: كل أنت من هذا الجراب، لم يكن ~~الكنيف في الحساب، وخرجت نحو الباب، وأسرعت في الذهاب، وجعلت # PageV01P136 # أعدو وهو يتبعنشي ويصيح: يا أبا الفتح المضيرة، وظن الصبيان أن المضيرة ~~لقب لي فصاحوا صياحه، فرميت أحدهم بحجر، من فرط الضجر، فلقي رجل الحجر ~~بعمامته، فغاص في هامته، فأخذت من النعال بما قدم وحدث، ومن الصفع بما طاب ~~وخبث، وحشرت إلى الحبس، فأقمت عامين في ذلك النحس، فنذرت أن لا آكل مضيرة ~~ما عشت، فهل أنا في ذا يالهمدان ظالم؟. # قال عيسى بن هشام: فقبلنا عذره، ونذرنا نذره، وقلنا: قديما جنت المضيرة ~~على الأحرار، وقدمت الأراذل على الأخيار. # PageV01P137 ### | المقامة الحرزية # حدثنا عيسى بن هشام قال: لما بلغت بي الغربة باب الأبواب، ورضيت من ~~الغنيمة بالإياب، ودونه من البحر وثاب بغاربه، ومن السفن عساف براكبه، ~~استخرت الله في القفول، وقعدت من الفلك، بمثابة الهلك، ولما ملكنا البحر ~~وجن علينا الليل غشيتنا سحابة تمد من الأمطار حبالا، وتحدو من الغيم جبالا، ~~بريح ترسل الأمواج أزواجا، والأمطار أفواجا، وبقينا في يد الحين، بين ~~البحرين، لا نملك عدة غير الدعاء، ولا حيلة إلا البكاء ولا عصمة غير ~~الرجاء، وطويناها ليلة نابغية، # PageV01P138 # وأصبحنا نتباكى ونتشاكى، وفينا رجل لا يخضل جفنه، ولا تبتل عينه، رخي ~~الصدر منشرحه، نشيط القلب فرخه، فعجبنا والله كل العجب، وقلنا له: ما الذي ~~أمنك من العطب؟ فقال: حرز لا يغرق صاحبه، ولو شئت أن أمنح كلا منكم حرزا ~~لفعلت، فكل رغب إليه، وألح في المسألة # PageV01P140 # عليه، فقال: لن أفعل ذلك حتى يعطيني كل واحد منكم دينارا الآن، ويعدني ~~دينارا إذا سلم. # قال عيسى بن هشام: فنقدناه ما طلب، ووعدناه ما خطب، وآبت يده إلى جيبه، ~~فأخرج قطعة ديباج، فيها حقة عاج، قد ضمن صدرها رقاعا، وحذف كل واحد منا ~~بواحدة منها، فلما سلمت السفينة، # PageV01P141 # وأحلتنا المدينة، افتضى الناس ما وعدوه، فنقدوه، وانتهى الأمر إلي فقال: ~~دعوه، فقلت: لك ذلك بعد أن تعلمني سر حالك، قال: أنا من بلاد الإسكندرية، ~~فقلت: كيف ms31 نصرك الصبر وخذلنا؟ فأنشأ يقول: # ويك لولا الصبر ما كن ... ت ملأت الكيس تبرا # لن ينال المجد من ضا ... ق بما يغشاه صدرا # ثم ما أعقبني السا ... عة ما أعطيت ضرا # PageV01P142 # بل به أشتد أزرا ... وبه أجبر كسرا # ولو أني اليوم في الغر ... قى لما كلفت عذرا ### | المقامة المارستانية # PageV01P143 # حدثنا # PageV01P144 # عيسى بن هشام قال: # دخلت # PageV01P145 # مارستان البصرة ومعي أبو داود المتكلم، فنظرت إلى مجنون تأخذني عينه ~~وتدعني فقال: إن تصدق الطير فأنتم غرباء، فقلنا: كذلك، فقال: من القوم لله ~~أبوهم؟ فقلت: أنا عيسى ابن هشام وهذا أبو داود المتكلم فقال: العسكري؟ قلت: ~~نعم، فقال: شاهت الوجوه وأهلها إن الخيرة لله لا لعبده، والأمور بيد الله ~~لا بيده # PageV01P146 # وأنتم يا مجوس هذه الأمة تعيشون جبرا، وتموتون صبرا وتساقون # PageV01P147 # إلى المقدور قهرا، ولو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم، أفلا تنصفون، إن كان الأمر كما تصفون؟ وتقولون: خالق الظلم ظالم! ~~أفلا تقولون: خالق الهلك هالك؟ # PageV01P148 # أتعلمون يقينا، أنكم أخبث من إبليس دينا؟ قال: رب بما أغويتني، فأقر ~~وأنكرتم وآمن وكفرتم، وتقولون: خير فاختار، وكلا فإن المختار لا يبعج بطنه، ~~ولا يفقأ عينه ولا يرمى من حالق ابنه، فهل الإكراه إلا ما تراه؟ والإكراه ~~مرة بالمرة # PageV01P149 # ومرة بالدرة. فليخزكم أن القرآن بغيضكم، وأن الحديث يغيظكم، إذا سمعتم: " ~~من يضلل الله فلا هادي له " ألحدتم وإذا سمعتم: " زويت لي الأرض فأريت ~~مشارقها ومغاربها " جحدتم وإذا سمعتم: " عرضت علي الجنة حتى هممت أن أقطف ~~ثمارها، # PageV01P150 # وعرضت علي النار حتى اتقيت حرها بيدي " أنغضتم رؤوسكم ولويتم أعناقكم وإن ~~قيل: " عذاب القبر " تطيرتم، وإن قيل: " الصراط " تغامزتم وإن ذكر الميزان ~~قلتم: من الفرغ كفتاه، # PageV01P151 # وإن ذكر الكتاب قلتم: من القد دفتاه، يا أعداء الكتاب والحديث، بماذا ~~تطيرون؟ أبالله وآياته ورسوله تستهزئون؟. إنما مرقت مارقة فكانوا خبث ~~الحديث، ثم مرقتم منها فأنتم خبث الخبيث، يا مخابيث الخوارج، ترون رأيهم ~~إلا القتال! وأنت يا ابن هشام تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض؟ سمعت أنك # PageV01P152 # افترشت منهم ms32 شيطانة! ألم ينهك الله عز وجل أن تتخذ منهم بطانة؟. ويلك ~~هلا؟ تخيرت لنطفتك، ونظرت لعقبك؟ ثم قال: اللهم أبدلني بهؤلاء خيرا منهم، ~~وأشهدني ملائكتك. # قال عيسى بن هشام: فبقيت وبقي أبو داود لا نحير جوابا، ورجعنا عنه بشر ~~وإني لأعرف في أبي داود انكسارا، حتى إذا أردنا الافتراق قال: ياعيسى هذا ~~وأبيك الحديث، فما الذي أراد بالشيطانة؟ قلت: لا والله ما أدري، غير أني ~~هممت أن أخطب إلي أحدهم ولم أحدث بما هممت به أحدا، والله لا أفعل ذلك ~~أبدا، فقال: ما هذا والله إلا # PageV01P153 # شيطان في أشطان، فرجعنا إليه، ووقفنا عليه، فابتدر بالمقال، وبدأنا ~~بالسؤال، فقال: لعلكما آثرتما، أن تعرفا من أمري ما أنكرتما، فقلنا: كنت من ~~قبل مطلعا على أمورنا، ولم تعد الآن ما في صدورنا، ففسر لنا أمرك، واكشف ~~لنا سرك، فقال: # أنا ينبوع العجائب ... في احتيالي ذو مراتب # أنا في الحق سنام ... أنا في الباطل غارب # أنا إسكندر داري ... في بلاد الله سارب # أغتدي في الدير قسيسا، وفي المسجد راهب. # PageV01P154 ### | المقامة المجاعية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت ببغداد عام مجاعة فملت إلى جماعة، قد ضمهم ~~سمط الثريا، أطلب منهم شيا، وفيهم فتى ذو لثغة بلسانه، وفلج بأسنانه، فقال: ~~ما خطبك، قلت: حالان لا يفلح صاحبهما فقير كده الجوع وغريب لايمكنه الرجوع ~~فقال الغلام: أي الثلمتين نقدم سدها؟ قلت: الجوع فقد بلغ مني مبلغا! قال: ~~فما تقول في رغيف، على خوان نظيف، وبقل قطيف إلى خل ثقيف، # PageV01P155 # ولون لطيف، إلى خردل حريف، وشواء صفيف، إلى ملح خفيف، يقدمه إليك الآن من ~~لا يمطلك بوعد ولا يعذبك بصبر، ثم يعلك بعد ذلك بأقداح ذهبية، من راح ~~عنبية؟ # PageV01P156 # أذاك أحب إليك أم أوساط محشوة، وأكواب مملوة، وأنقال معددة، وفرش منضدة، ~~وأنوار مجودة، # PageV01P157 # ومطرب مجيد، له من الغزال عين وجيد؟ فإن لم ترد هذا ولا ذاك، فما قولك في ~~لحم طري، وسمك نهري، # PageV01P158 # وباذنجان مقلي، وراح قطربلي، وتفاح جني، ومضجع وطي، على مكان علي، حذاء ~~نهر جرار، وحوض ms33 ثرثار، وجنة ذات أنهار؟ قال عيسى بن هشام: فقلت: أنا عبد ~~الثلاثة، فقال الغلام: وأنا خادمها لو كانت، فقلت: لا حياك الله، أحييت ~~شهوات قد كان اليأس أماتها، ثم قبضت لهاتها، فمن أي الخرابات أنت؟ فقال: # PageV01P159 # أنا من ذوي الإسكندرية ... من نبعة فيهم زكية # سخف الزمان وأهله ... فركبت من سخفي مطيه ### | المقامة الوعظية # حدثنا عيسى بن هشام: # بينا أنا بالبصرة أميس، حتى أداني السير إلى فرضة قد كثر فيها قوم على ~~قائم يعظهم وهو يقول: أيها الناس إنكم لم تتركوا سدى، وإن مع اليوم غدا، ~~وإنكم واردو هوة، فأعدوا لها ما استطعتم من قوة، وإن بعد المعاش معادا، ~~فأعدوا له زادا، ألا لا عذر فقد بينت لكم المحجة، وأخذت عليكم الحجة، من ~~السماء بالخبر، # PageV01P160 # ومن الأرض بالعبر، ألا وإن الذي بدأ الخلق عليما، يحي العظام رميما، ألا ~~وإن الدنيا دار جهاز، وقنطرة جواز، من عبرها سلم، ومن عمرها ندم، ألا وقد ~~نصبت لكم الفخ ونثرت لكم الحب؛ فمن يرتع، يقع، ومن يلقط، يسقط، ألا وإن ~~الفقر حلية نبيكم فاكتسوها، والغنى حلة الطغيان فلا # PageV01P161 # تلبسوها، كذبت ظنون الملحدين، الذين جحدوا الدين، وجعلوا القرآن عضين إن ~~بعد الحدث جدثا، وإنكم لم تخلقوا عبثا، فحذار حر النار، وبدار عقبى الدار، ~~ألا وإن # PageV01P162 # العلم أحسن على علاته، والجهل أقبح على حالاته وإنكم أشقى من أظلته ~~السماء، إن شقي بكم العلماء، الناس بأئمتهم، فإن انقادوا بأزمتهم، نجوا ~~بذمتهم، والناس رجلان: عالم يرعى، ومتعلم يسعى، والباقون هامل نعام، وراتع ~~أنعام، ويل عال أمر من سافله، وعالم شيء من جاهله، وقد سمعثت أن علي بن ~~الحسين كان قائما يعظ الناس ويقول: يا نفس حتام إلى الحياة ركونك، وإلى ~~الدنيا وعمارتها سكونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، وبمن وارته الأرض من ~~ألافك، ومن فجعت به من # PageV01P163 # إخوانك، ونقل إلى دار البلى من أقرانك؟؟ # فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دواثر # خلت دورهم منهم وأقوت عراصهموساقتهم نحو المنايا المقادر # وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لهاوضمتهم ms34 تحت التراب الحفائر # PageV01P164 # كم اختلست أيدي المنون، من قرون بعد قرون؟ وكم غيرت ببلاها، وغيبت أكثر ~~الرجال في ثراها؟؟؟ # وأنت على الدنيا مكب منافس ... لخطابها فيها حريص مكاثر # على خطر تمشي وتصبح لاهيا ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر # وإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر # انظر إلى الأمم الخالية، والملوك الفانية، كيف انتسفتهم الأيام، # PageV01P165 # وأفناهم الحمام؟ فانمحت آثارهم، وبقيت أخبارهم. # فأضحوا رميما في التراب وأقفرتمجالس منهم عطلت ومقاصر # وخلوا عن الدنيا وما جمعوا بهاوما فاز منهم غير من هو صابر # وحلوا بدار لا تزاور بينهم ... وأنى لسكان القبور التزاور # PageV01P166 # فما إن ترى إلا رموسا ثووا بهامسطحة تسفي عليها الأعاصر # كم عاينت من ذي عزة وسلطان، وجنود وأعوان، قد تمكن من دنياه، ونال منها ~~مناه، فبنى الحصون والدساكر، وجمع الأعلاق والعساكر # فما صرفت كف المنية إذ أتت ... مبادرة تهوى إليه الذخائر # ولا دفعت عنه الحصون التي بنى ... وحفت بها أنهارها والدساكر # ولا قارعت عنه المنية حيلة ... ولا طمعت في الذب عنه العساكر # يا قوم الحذر الحذر، والبدار البدار، من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لكم ~~من مصايدها، وتجلت لكم من زينتها، واستشرفت # PageV01P167 # لكم من بهجتها. # وفي دون ماعاينت من فجعاتها ... إلى رفضها داع وبالزهد آمر # فجد ولا تغفل فعيشك بائد ... وأنت إلى دار المنية صائر # ولا تطلب الدنيا فإن طلابها ... وإن نلت منها رغبة لك ضائر # وكيف يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب، وهو على ثقة من فنائها؟ ألا ~~تعجبون ممن ينام وهو يخشى الموت، ولا يرجو الفوت؟ # PageV01P168 # ألا، لا، ولكنا نغر نفوسنا ... وتشغلها اللذات عما نحاذر # وكيف يلذ العيش من هو موقنبموقف عدل حيث تبلى السرائر # كأنا نرى أن لا نشور، وأنناسدى، ما لنا بعد الفناء مصائر! # كم غرت الدنيا من مخلد إليها وصرعت من مكب عليها؛ فلم تنعشه من عثرته؟ ~~ولم تقله من صرعته، ولم تداوه من سقمه، ولم تشفه من ألمه. # PageV01P169 # بلى أوردته بعد عز ورفعة ... موارد سوء ما لهن مصادر # فلما رأى أن ms35 لا نجاة وأنههو الموت لا ينجيه منه المؤازر # تندم لو أغناه طول ندامة ... عليه وأبكته الذنوب الكبائر # بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، حيث لم ينفعه ~~الاستعبار، ولم ينجه الاعتذار. # PageV01P170 # أحاطت به أحزانه وهمومه ... وأبلس لما أعجزته المعاذر # فليس له من كربة الموت فارج ... وليس له مما يحاذر ناصر # وقد خسئت فوق المنية نفسهترددها منه اللهى والحناجر # فإلى متى ترقع بآخرتك دنياك، وتركب في ذاك هواك؟ إني أراك ضعيف اليقين، ~~يا راقع الدنيا بالدين، أبهذا أمرك الرحمن، أم على هذا دلك القرآن؟ # تخرب ما يبقى، وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور، ولا ذاك عامر # PageV01P171 # فهل لك إن وافاك حتفك بغتةولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر؟؟ # أترضى بأن تقضى الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر؟؟ # قال عيسى بن هشام: فقلت لبعض الحاضرين: من هذا؟ قال: غريب قد طرأ لا أعرف ~~شخصه، فاصبر عليه إلى آخر مقامته، لعله ينبئ بعلامته، فصبرت فقال: زينوا ~~العلم بالعمل، واشكروا القدرة بالعفو، وخذوا الصفو ودعوا الكدر، يغفر الله ~~لي ولكم، # PageV01P172 # ثم أراد الذهاب، فمضيت على أثره، فقلت: من أنت يا شيخ؟ فقال: سبحان الله! ~~لم ترض بالحلية غيرتها، حتى عمدت إلى المعرفة فأنكرتها! أنا أبو الفتح ~~الإسكندري، فقلت: حفظك الله، فما هذا الشيب؟ فقال: # نذير، ولكنه ساكت ... وضعيف، ولكنه شامت # وأشخاص موت، ولكنه ... إلى أن أشيعه ثابت ### | المقامة الأسودية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت أتهم بمال أصبته، فهمت على وجهي هاربا حتى ~~أتيت البادية فآدتني الهيمة، إلى ظل # PageV01P173 # خيمة، فصادفت عند أطنابها فتى، يلعب بالتراب، مع الأتراب، وينشد شعرا ~~يقتضيه حاله، ولا يقتضيه ارتجاله، وأبعدت أن يلحم نسيجه، فقلت: يا فتى ~~العرب أتروي هذا الشعر أم تعزمه؟ فقال: بل أعزمه، وأنشد يقول: # إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبو عني # فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن # حتى يرد عارض التظني ... فامض على رسلك واغرب عني # PageV01P174 # فقلت: يا فتى العرب أدتني إليك خيفة فهل عندك ms36 أمن أو قرى؟ قال: بيت الأمن ~~نزلت، وأرض القرى حللت، وقام فعلق بكمي، فمشيت معه إلى خيمة قد أسبل سترها، ~~ثم نادى: يا فتاة الحي، هذا جار نبت به أوطانه، وظلمه سلطانه، وحداه إلينا ~~صيت سمعه، أو ذكر بلغه، فأجيريه، فقالت الفتاة: اسكن يا حضري. # أيا حضري اسكن ولا تخش خيفة ... فأنت ببيت الأسود بن قنان # PageV01P175 # أعز ابن أنثي من معد ويعرب ... وأوفاهم عهدا بكل مكان # وأضربهم بالسيف من دون جاره ... وأطعنهم من دونه بسنان # كأن المنايا والعطايا بكفه ... سحابان مقرونان مؤتلفان # وأبيض وضاح الجبين إذا انتمى ... تلاقي إلى عيص أغر يماني # فدونكه بيت الجوار وسبعة ... يحلونه شفعتهم بثمان # PageV01P176 # فأخذ الفتى بيدي إلى البيت الذي أومأت إليه، فنظرت فإذا سبعة نفر فيه، ~~فما أخذت عيني إلا أبا الفتح الإسكندري في جملتهم فقلت له: ويحك بأي أرض ~~أنت؟ فقال: # نزلت بالأسود في داره ... أختار من طيب أثمارها # فقلت: إني رجل خائف ... هامت بي الخيفة من ثارها # حيلة أمثالي على مثله ... في هذه الحال وأطوارها # حتى كساني جابرا خلتي ... وماحيا بين آثارها # PageV01P177 # فخذ من الدهر ونل ما صفا ... من قبل أن تنقل عن دارها # إياك أن تبقي أمنية ... أو تكسع الشول بأغبارها # قال عيسى بن هشام: فقلت: يا سبحان الله! أي طريق الكدية لم تسلكها؟ ثم ~~عشنا زمانا في ذلك الجناب حتى أمنا، فراح مشرقا ورحت مغربا. ### | المقامة العراقية # PageV01P178 # حدثنا عيسى بن هشام قال: طفت الآفاق، حتى بلغت العراق، وتصفحت دواوين ~~الشعراء، حتى ظننتني لم أبق في القوس منزع ظفر، وأحلتني بغداد فبينما أنا ~~على الشط إذ عن لي فتى في أطمار، يسأل الناس ويحرمونه، فأعجبتني فصاحته، ~~فقمت إليه أسأله عن أصله وداره، فقال: أنا عبسي الأصل إسكندري الدار، فقلت: ~~ما هذا اللسان؟ ومن أين هذا البيان؟ فقال: من العلم، رضت صعابه؟ وخضت ~~بحاره، # PageV01P179 # فقلت: بأي العلوم تتحلى؟ فقال: لي في كل كنانة سهم فأيها تحسن؟ فقلت: ~~الشعر: فقال: هل قالت العرب بيتا لا يمكن حله؟ وهل نظمت مدحا لم يعرف أهله؟ ms37 ~~وهل لها بيت سمج وضعه، وحسن قطعه؟ وأي بيت لا يرقأ دمعه؟ وأي بيت يثقل ~~وقعه؟ وأي بيت يشج عرضه ويأسو ضربه؟ # PageV01P180 # وأي بيت يعظم وعيده ويصغر خطبه؟ وأي بيت هو أكثر رملا من يبرين؟ وأي بيت ~~هو كأسنان المظلوم، والمنشار المثلوم؟ وأي بيت يسرك أوله ويسوءك آخره؟ وأي ~~بيت يصفعك باطنه، ويخدعك ظاهره؟ وأي بيت لا يخلق سامعه، حتى تذكر جوامعه؟ ~~وأي بيت لا يمكن لمسه؟ وأي بيت يسهل عكسه؟ وأي بيت هو أطول من مثله، وكأنه ~~ليس من أهله؟ # PageV01P181 # وأي بيت هو مهين بحرف، ورهين بحذف؟؟؟ قال عيسى بن هشام: فو الله ما أجلت ~~قدحا في جوابه، ولا اهتديت لوجه صوابه، إلا لا أعلم. فقال: وما لا تعلم ~~أكثر، فقلت: وما لك مع هذا الفضل، ترضى بهذا العيش الرذل؟ فأنشأ يقول: # بؤسا لهذا الزمان من زمن ... كل تصاريف أمره عجب # أصبح حربا لكل ذي أدب ... كأنما ساء أمه الأدب # فأجلت فيه بصري، وكررت في وجهه نظري، فإذا هو أبو الفتح # PageV01P182 # الإسكندري، فقلت: حياك الله وأنعش صرعك إن رأيت أن تمن علي بتفسير ما ~~أنزلت، وتفصيل ما أجملت، فعلت، فقال: تفسيره: أما البيت لا يمكن حله فكثير، ~~ومثاله قول الأعشى. # PageV01P183 # دراهمنا كلها جيد ... فلا تحبسنا بتنقادها # وأما المدح الذي لم يعرف أهله فكثير، ومثاله قول الهذلي: # ولم أدر من ألقى عليه رداءهعلى أنه قد سل عن ماجد محض # وأما البيت الذي سمج وضعه، وحسن قطعه، فقول أبي نواس: # PageV01P184 # فبتنا يرانا الله شر عصابة ... تجرر أذيال الفسوق، ولا فخر # PageV01P185 # وأما البيت الذي لا يرفأ دمعه فقول ذي الرمة: # ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب # فإن جوامعه: إما ماء، أو عين، أو انسكاب، أو بول، أو نشيئة، أو أسفل ~~مزادة، أو شق، أو سيلان. # وأما البيت الذي يثقل وقعه فمثل قول ابن الرومي: # PageV01P186 # إذا من لم يمنن بمن يمنهوقال لنفسي: أيها النفس أمهلي # وأما البيت الذي تشج عروضه ويأسو ضربه فمثل قول الشاعر: # PageV01P187 # دلفت له بأبيض ms38 مشرفي ... كما يدنو المصافح للسلام # وأما البيت الذي يعظم وعيده ويصغر خطبه فمثاله قول عمرو ابن كلثوم: # PageV01P188 # كأن سيوفنا منا ومنهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا # وأما البيت الذي هو أكثر رملا من يبرين فمثل قول ذي الرمة: # معروريا رمض الرضراض يركضهوالشمس حيرى لها في الجو تدويم # وأما البيت الذي هو كأسنان المظلوم، والمنشار المثلوم؛ فكقول الأعشى: # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول # وأما البيت الذي يسرك أوله ويسوؤك آخره فكقول امرئ القيس: # PageV01P189 # مكر مفر مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطه السيل من عل # وأما البيت الذي يصفعك باطنه ويخدعك ظاهره فكقول القائل: # عاتبتها فبكت، وقالت يا فتى ... نجاك رب العرش من عتبي # وأما البيت الذي لا يخلق سامعه، حتى تذكر جوامعه، فكقول طرفة: # وقوفا بها صحبي على مطيتهميقولون: لا تهلك أسى وتجلد # فإن السامع يظن أنك تنشد قول امرئ القيس. # وأما البيت الذي لا يمكن لمسه فكقول الخبزرزي: # PageV01P190 # تقشع غيم الهجر عن قمر الحبوأشرق نور الصلح من ظلمة العتب # وكقول أبي نواس: # نسيم عبير في غلالة ماء ... وتمثال نور في أديم هواء # PageV01P191 # وأما البيت الذي يسهل عكسه فكقول حسان: # PageV01P192 # بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # PageV01P193 # وأما البيت الذي هو أطول من مثله فكحماقة المتنبي: # عش ابق اسم سد جد قد مر أنه اسرفه تسلغظ ارم صب احم اغز اسب رع زع دل ابن ~~نل # وأما البيت الذي هو مهين بحرف، ورهين بحذف، فكقول أبي نواس: # PageV01P194 # لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصه # وكقول الآخر: # إن كلاما تراه مدحا ... كان كلاما عليه ضاء # يعني أنه إذا أنشد " ضاعا " كان هجاء، وإذا أنشد " ضاء " كان # PageV01P195 # مدحا. # قال عيسى بن هشام: فتعجبت والله من مقاله، وأعطيته ما يستعين به على ~~تغيير حاله، وافترقنا. ### | المقامة الحمدانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # حضرنا مجلس سيف الدولة بن حمدان يوما، # PageV01P196 # وقد عرض عليه فرس متى ما ترق العين فيه تسهل، فلحظته # PageV01P197 # الجماعة، وقال سيف الدولة: أيكم أحسن صفته، ms39 جعلته صلته، فكل جهد جهده، ~~وبذل ما عنده، فقال: أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا يطأ ~~الفصاحة # PageV01P198 # بنعليه، وتقف الأبصار عليه، يسأل الناس، ويسقى الياس، ولو أمر الأمير ~~بإحضاره، لفضلهم بحضاره، فقال سيف الدولة: علي به في هيئته، فطار الخدم في ~~طلبه، ثم جاءوا للوقت به، ولم يعلموه لأية حال دعي، ثم قرب واستدنى، وهو في ~~طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب، وحين حضر السماط، لثم البساط، ووقف، فقال: ~~سيف الدولة: بلغتنا عنك عارضة فاعرضها في هذا الفرس ووصفه، فقال: أصلح الله # PageV01P199 # الأمير كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه وغيوبه؟ فقال: اركبه، فركبه ~~وأجراه، ثم قال: أصلح الله الأمير هو طويل الأذنين، قليل الإثنين، واسع ~~المراث، لين الثلاث، # PageV01P200 # غليظ الأكرع، غامض الأربع، شديد النفس، لطيف الخمس، ضيق القلت، رقيق ~~الست، حديد السمع، غليظ السبع، دقيق اللسان، عريض الثمان، مديد الضلع، قصير # PageV01P201 # التسع، واسع الشجر، بعيد العشر، يأخذ بالسابح، ويطلق بالرامح. يطلع بلائح ~~ويضحك عن قارح يجز وجه الجديد، بمداق الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل ~~إذا هاج، فقال سيف الدولة: لك الفرس مباركا فيه، فقال: لازلت تأخذ # PageV01P202 # الأنفاس، وتمنح الأفراس، ثم انصرف وتبعته وقلت لك علي ما يليق بهذا ~~الفرس، ثم انصرف وتبعته وقلت لك علي ما يليق بهذا الفرس من خلعة إن فسرت ما ~~وصفت، فقال: سل عما أحببت، فقلت: ما معنى قولك بعيد العشر، فقال: بعيد ~~النظر والخطو وأعالي اللحيين، وما بين الوقبيين، والجاعرتين، وما بين ~~الغرابين والمنخرين، وما بين الرجلين، وما بين المنقب والصفاق، بعيد الغاية ~~في السباق، فقلت: لا فض فوك فما معنى قولك قصير التسع، قال: قصير الشعرة ~~قصير الأطرة قصير العسيب، # PageV01P203 # قصير العضدين، قصير الرسغينش، قصير النسا، قصير الظهر، قصير الوظيف. ~~فقلت: لله أنت فما معنى قولك: عريض الثمان؟ قال: عريض الجبهة، عريض الورك، ~~عريض الصهوة، عريض الكتف، عريض الجنب، عريض العصب، عريض البلدة، عريض صفحة ~~العنق. # فقلت: أحسنت، فما معنى قولك: غليظ السبع؟ قال: غليظ الذراع، غليظ المحزم، ~~غليظ العكوة، ms40 غليظ الشوى، غليظ الرسغ، غليظ الفخذين، غليظ الحاذ. # قلت: لله درك! فما معنى قولك: رقيق الست؟ قال: # PageV01P204 # رقيق الجفن، رقيق السالفة، رقيق الجحفلة، رقيق الأديم، رقيق أعالي ~~الأذنين، رقيق العرضين. # فقلت: أجدت، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ فقال: لطيف الزور، لطيف النسر، ~~لطيف الجبهة، لطيف الركبة، لطيف العجاية. # فقلت: حياك الله، فما معنى قولك: غامض الأربع؟ # قال: غامض أعالشي الكتفين، غامض المرفقين، غامض الحجاجين، غامض الشظى. ~~قلت: فما معنى قولك لين الثلاث، قال: لين المردغتين لين العرف لين العنان ~~قلت: فما معنى قولك قليل الإثنثن قال: قليل # PageV01P205 # لحم الوجه قليل لحم المتنين، قلت: فمن أين منبت هذا الفضل؟ قال: من ~~الثغور الأموية والبلاد الإسكندرية، فقلت: أنت مع هذا الفضل تعرض وجهك لهذا ~~البذل؟ فأنشأ يقول: # ساخف زمانك جدا ... إن الزمان سخيف # دع الحمية نسيا ... وعش بخير وريف # وقل لعبدك هذا ... يجيئنا برغيف ### | المقامة الرصافية # PageV01P206 # حدثنا عيسى بن هشام قال: # خرجت من الرصافة أريد دار الخلافة، وحمارة القيظ تغلي بصدر الغيظ، فلما ~~نصفت الطريق اشتد الحر وأعوزني الصبر فملت إلى مسجد قد أخذ من كل حسن سره ~~وفيه قوم يتأملون سقوفه ويتذاكرون وقوفه، وأداهم عجز الحديث إلى ذكر اللصوص ~~وحيلهم والطرارين وعملهم، فذكروا أصحاب الفصوص من اللصوص وأهل الكف والقف ~~ومن يعمل بالطف، ومن يحتال في الصف، # PageV01P207 # ومن يخنق بالدف، ومن يكمن في الرف، إلى أن يمكن اللف، ومن يبدل بالمسح، ~~ومن يأخذ بالمزح، ومن يسرق بالنصح، ومن يدعو إلى الصلح، ومن قمش بالصرف، ~~ومن أنعس بالطرف، # PageV01P208 # ومن باهت بالنرد، ومن غالط بالقرد، ومن كابر بالريط، مع الإبرة والخيط، ~~ومن جاءك بالقفل، ومن شق الأرض من سفل، ومن نوم بالبنج، أو احتال بنيرنج، ~~ومن بدل نعليه، ومن شد بحبليه، ومن كابر بالسيف، # PageV01P209 # ومن يصعد في البير ومن سار مع العير، وأصحاب العلامات ومن يأتي المقامات ~~ومن فر من الطوف ومن لاذ من الخوف ومن طير بالطير ومن لاعب بالسير وقال: ~~اجلس ولا ضير ومن يسرق بالبول ومن ينتهز الهول # PageV01P210 # ومن أطعم ms41 في السوق بما ينفخ في البوق ومن جاء ببستوق، وأصحاب البساتين ~~وسراق الروازين ومن ضبر في الصرح ومن سلم في السطح ومن دب بسكين على الحائط ~~من طين ومن جاءك في الحين يحيي بالرياحين وأصحاب الطبرزين كأعوان الدواوين ~~ومن دب بأنين على رسم المجانين وأصحاب المفاتيح # PageV01P211 # وأهل القطن والريح، ومن يقتحم الباب، على زي من انتاب، ومن يدخل في ~~الدار، على صورة من زار، ومن يدخل باللين، على زي المساكين، ومن يسرق في ~~الحوض، إذا أمكن في الخوض، ومن سل بعودين، ومن حلف بالدين، ومن غالط ~~بالرهن، ومن سفتج بالدين، # PageV01P212 # ومن خالف بالكيس، ومن زج بتدليس، ومن أعطى المفاليس، ومن قص من الكم، ~~وقال: انظر واحكم، ومن خاط على الصدر، ومن قال: ألم تدر؟ ومن عض، ومن شد، # PageV01P213 # ومن دس إذا عد، ومن لج مع القوم وقال: ليس ذا نوم ومن غرك بالألف ومن زج ~~إلى خلف ومن يسرق بالقيد ومن يألم للكيد ومن صافع بالنعل # PageV01P214 # ومن خاصم في الحق ومن عالج بالشق ومن يدخل في السرب ومن ينتهز النقب ~~وأصحاب الخطاطيف على الحبل من الليف وانجر الحديث إلى ذكر من ربح عليهم، ~~وأتى بقصة لأبي الفتح الإسكندري حذفناها لعدم الفائدة فيها مع وجود ألفاظ ~~تنافي آداب هذه الأيام وليس فيها شيء يستحق الذكر سوى أن الليلة القمراء ~~يقال فيها ليلة في غير زيها وأنشد يقول: # وطيف سرى والليل في غير زيهووافاه بدر التم فابيض مفرقه ### | المقامة المغزلية # حدثنا عيسى بن هشام قال: دخلت البصرة وأنا متسع # PageV01P215 # الصيت كثير الذكر، فدخل علي فتيان، فقال أحدهما: أيد الله الشيخ، دخل هذا ~~الفتى دارنا، فأخذ فنج سنار. # PageV01P216 # برأسه دوار، بوسطه زنار، وفلك دوار، رخيم الصوت إن صر، سريع الكر إن فر، ~~طويل الذيل إن جر، نحيف المنطق، ضعيف المقرطق، في قدر الجزر، مقيم بالحضر، ~~لا يخلو من السفر، إن أودع شيئا رد، وإن كلف سيرا جد، وإن أجر حبلا مد، ~~هناك عظم وخشب، وفيه مال ونشب، وقبل وبعد، فقال الفتى: نعم أيد ms42 الله الشيخ ~~لأنه غصبني على: # PageV01P217 # مرهف سنانه ... مذلق أسنانه # أولاده أعوانه ... تفريق شمل شانه # مواثب لصاحبه ... معلق بشاربه # مشتبك الأنياب ... في الشيب والشباب # حلو مليح الشكل ... ضاو زهيد الأكل # رام كثير النبل ... حوف اللحى والسبل # فقلت للأول: رد عليه المشط ليرد عليك المغزل. # PageV01P218 ### | المقامة الشيرازية # حدثنا عيسى بن هشام قال: لما قفلت من اليمن، وهممت بالوطن، ضم إلينا رفيق ~~رحله، فترافقنا ثلاثة أيام، حتى جذبني نجد، والتقمه وهد، فصعدت وصوب، وشرقت ~~وغرب، وندمت على مفارقته بعد أن ملكني الجبل وحزنه، وأخذه الغور وبطنه فو ~~الله لقد تركني فراقه وأنا أشتاقه، وغادرني بعده أقاسي بعده، وكنت فارقته ~~ذا شارة وجمال، وهيئة # PageV01P219 # وكمال، وضرب الدهر بنا ضروبه، وأنا أتمثله في كل وقت، وأتذكره في كل ~~لمحة، ولا أظن أن الدهر يسعدني به ويسعفني فيه، حتى أتيت شيراز، فبينا أنا ~~يوما في حجرتي إذ دخل كهل قد غبر في وجهه الفقر، وانتزف ماءه الدهر، وأمال ~~قناته السقم، وقلم أظفاره العدم، بوجه أكسف من # PageV01P220 # باله، وزي أوحش من حاله، ولثة نشفة، وشفة قشفة، ورجل وحلة، ويد محلة، ~~وأنياب قد جرعها الضر والعيش المر، وسلم فازدرته عيني، لكني أجبته، فقال: ~~اللهم اجعلنا خيرا مما يظن بنا، فبسطت له أسرة وجهي، وفتقت له سمعي، وقلت ~~له: إيه، فقال: قد أرضعتك ثدي حرمة، وشاركتك عنان # PageV01P221 # عصمة، والمعرفة عند الكرام حرمة، والمودة لحمة، فقلت: أبلدي أنت أم عشيري ~~فقال ما يجمعنا إلا بلد الغربة ولا ينظمنا إلا رحم القربة فقلت: أي الطريق ~~شدنا في قرن؟ قال: طريق اليمن. # قال عيسى بن هشام: فقلت: أنت أبو الفتح # PageV01P222 # الإسكندري؟ فقال: أنا ذاك، فقلت: شد ما هزلت بعدي! وحلت عن عهدي! فانفض ~~إلى جملة حالك، وسبب اختلالك، فقال: نكحت خضراء دمنة، وشقيت منها بابنة، ~~فأنا منها في محنة، قد أكلت حريبتي، وأراقت ماء شيبتي، فقلت: هلا سرحت ~~واسترحت. # ثم ذكر كلاما يندى له وجه الأدب فتعففنا عن ذكره والخوض فيه. ### | المقامة الحلوانية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # لما قفلت من الحج ms43 فيمن قفل، # PageV01P223 # ونزلت مع من نزل، قلت لغلامي: أجد شعري طويلا، وقد اتسخ بدني قليلا، ~~فاختر لنا حماما ندخله، وحجاما نستعمله، وليكن الحمام واسع الرقعة، نظيف ~~البقعة، # PageV01P224 # طيب الهواء، معتدل الماء، وليكن الحجام خفيف اليد، حديد الموسى، نظيف ~~الثياب، قليل الفضول، فخرج مليا وعاد بطيا، وقال: قد اخترته كما رسمت، ~~فأخذنا إلى الحمام السمت، وأتيناه فلم نر قوامه، لكني دخلته ودخل على أثري ~~رجل وعمد إلى قطعة طين فلطخ بها جبيني، ووضعها على رأسي، ثم خرج ودخل آخر ~~فجعل يدلكني دلكا يكد العظام، ويغمزني غمزا يهد الأوصال # PageV01P225 # ويصفر صفيرا يرش البزاق، ثم عمد إلى رأسي يغسله، وإلى الماء يرسله، وما ~~لبث أن دخل الأول فحيا أخدع الثاني بمضمومة قعقعت أنيابه، وقال: يا لكع ما ~~لك ولهذا الرأس وهو لي؟ ثم عطف الثاني على الأول بمجموعة هتكت حجابه، وقال: ~~بل هذا الرأس حقي وملكي وفي يدي، # PageV01P226 # ثم تلاكما حتى عييا، وتحاكما لما بقيا، فأتيا صاحب الحمام، فقال الأول: ~~أنا صاحب هذا الرأس؛ لأني لطخت جبينه، ووضعت عليه طينه، وقال الثاني: بل ~~أنا مالكه؛ لأنشي دلكت حامله، وغمزت مفاصله، فقال الحمامي: ائتوني بصاحب ~~الرأس أسأله، ألك هذا الرأس أم له، فأتياني وقالا: لنا عندك شهادة فتجشم، ~~فقمت وأتيت، شئت أم أبيت، فقال الحمامي: يا رجل لا تقل غير الصدق، ولا تشهد ~~بغير الحق، وقل لي: هذا الرأس لأيهما، فقلت: يا عافاك الله هذا رأسي، قد ~~صحبني في الطريق، وطاف معي بالبيت العتيق، وما شككت أنه لي، فقال لي: اسكت ~~يا فضولي، ثم مال إلى أحد الخصمين فقال: يا هذا # PageV01P227 # إلى كم هذه المنافسة مع الناس، بهذا الرأس؟ تسل عن قليل خطره، إلى لعنة ~~الله وحر سقره، وهب أن هذا الرأس ليس، وأنا لم نر هذا التيس. # قال عيسى بن هشام: فقمت من ذلك المكان خجلا، ولبست الثياب وجلا، وانسللت ~~من الحمام عجلا، وسببت الغلام بالعض والمص، ودققته دق الجص، وقلت لآخر: ~~اذهب فأتني بحجام يحط عني هذا الثقل، فجاءني برجل لطيف البنية، ms44 مليح ~~الحلية، في صورة الدمية، # PageV01P228 # فارتحت إليه، ودخل فقال: السلام عليك، ومن أي بلد أنت؟ فقلت: من قم، ~~فقال: حياك الله! من أرض النعمة والرفاهة وبلد السنة والجماعة، ولقد حضرت ~~في شهر رمضان جامعها وقد أشعلت فيه المصابيح، وأقيمت التراويح، فما شعرنا ~~إلا بمد النيل، وقد أتى على تلك القناديل، لكن صنع الله لي بخف قد كنت ~~لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمه، وعاد الصبي إلى أمه، بعد أن صليت ~~العتمة واعتدل الظل، ولكن كيف كان حجك؟ هل قضيت مناسكه كما وجب، وصاحوا ~~العجب العجب؟ فنظرت إلى المنارة، وما أهون الحرب على النظارة، ووجدت # PageV01P229 # الهريسة على حالها، وعلمت أن الأمر بقضاء من الله وقدر، وإلى متى هذا ~~الضجر؟ واليوم وغد، والسبت والأحد، ولا أطيل وما هذا القال والقيل؟ ولكن ~~أحببت أن تعلم أن المبرد في النحو حديد الموسى # PageV01P230 # فلا تشتغل بقول العامة؛ # PageV01P231 # فلو كانت الاستطاعة # PageV01P232 # قبل الفعل لكنت قد حلقت رأسك، فهل ترى أن نبتدئ؟. # PageV01P233 # قال عيسى بن هشام: فبقيت متحيرا من بيانه، في هذيانه، وخشيت أن يطول ~~مجلسه، فقلت: إلى غد إن شاء الله، وسألت عنه من حضر، فقالوا: هذا رجل من ~~بلاد الإسكندرية لم يوافقه هذا الماء، فغلبت عليه السوداء، وهو طول النهار ~~يهذي كما ترى، ووراءه فضل كثير، فقلت: قد سمعت به، وعز علي جنونه، وأنشأت ~~أقول: # أنا أعطي الله عهدا ... محكما في النذر عقدا # لا حلقت الرأس ما عش ... ت ولو لاقيت جهدا # PageV01P234 ### | المقامة النهيدية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # ملت مع نفر من أصحابي إلى فناء خيمة ألتمس القرى من أهلها، فخرج إلينا ~~رجل حزقة، فقال: من أنتم؟ فقلنا: أضياف لم يذوقوا منذ ثلاث عدوفا، قال: ~~فتنحنح، ثم قال: فما رأيكم يا فتيان في نهيدة فرق كهامة الأصلع، في جفنة ~~روحاء، مكللة بعجوة خيبر من أكتار جبار # PageV01P235 # ربوض الواحدة منها تملأ الفم، من جماعة خمص عطش خمس، يغيب فيها الضرس، ~~كأن نواها ألسن الطير يجحفون فيها # PageV01P236 # النهيدة مع أقعب قد احتلبن من الجلاد الهزمية ms45 الربلية أتشتهونها يا ~~فتيان؟ فقلنا: إي والله نشتهيها، فقهقه الشيخ وقال: وعمكم أيضا يشتهيها، ثم ~~قال: فما رأيكم يا فتيان في درمك كأنها قطع السبائك تجرثم على سفرة حرتية ~~بها ريح القرظ فيثب # PageV01P237 # إليها منكم فتى رفيف، لبق خفيف، فيعجنه من غير أن يرجفه أو يخشفه، فيزيله ~~دون ملك ناعم، ثم يلته بالسمار أو المذق لتا غزيرا، ثم يعمد إليه فيلويه ~~ويدعه في ناحية الصيداء، حتى إذا تخ من غير أن يتزر عمد إلى قصد الغضا ~~فأشعل فيه النار # PageV01P238 # فلما خبت ناره، مهد لقرموصه، ثم عمد إلى عجينه ففرطحه بعد ما أنعم ~~تلويثه، ثم دحا به عليها، ثم خمره فلمضا قف وقب أحال عليه من الرضف ما ~~يلتقي به الأواران، حتضى إذا غطاهما على الملة المشاكهة بطبق وتفلج شقاقا، ~~وحكى قشرها رقاقا، واحمرارها احمرار بسر الحجاز المشهور بأم الجرذان أو عذق ~~بن طاب شن عليها ضرب بيضاء كالثلج إلى أوان رسوخها في خلال الدهان، ويشرب ~~لب الدرمك ما عليه من الضرب، قدمت إليكم فتلقمونها # PageV01P239 # لقم جوين أو زنكل أفتشتهونها يا فتيان؟ قال: فاشرأب كل منا إلى وصفه، ~~وتحلب ريقه وتلمظ، وتمطق، قلنا: إي والله نشتهيها، قال: فقهقه الشيخ وقال: ~~وعمكم والله لا يبغضها ثم قال: ما رأيكم يا فتيان في عناق نجدية، علوية ~~برية، قد أكلت البرم والشيح النجدي والقيصوم والهشيم، وتبرضت الحميم، ~~وتملات من القصيص فورى مخها، وزهمت كشيتها # PageV01P240 # تشحط معتبطة ثم تنكس في وطيس حتى تنضج من غير امتحاش أو إنهاء، ثم تقدم ~~إليكم وقد عط إهابها عن شحمة بيضاء على خوان منضد بصلائق كأنها القباطي ~~المنشر، أو القوهي الممصر، وقد احتفتها نقرات فيها صناب وأصباغ شتى، فتوضع # PageV01P241 # بينكم تهادر عرقا، وتسايل مرقا، أفتشتهونها يا فتيان؟ قلنا: إي والله ~~نشتهيها، قال: وعمكم والله يرقص لها، فوثب بعضنا إليه بالسيف، وقال: ما ~~يكفي ما بنا من الدقع حتى تسخر بنا؟ فأتتنا ابنته بطبق عليه جلفة وحثالة ~~ولوية # PageV01P242 # وأكرمت مثوانا، فانصرفنا لها حامدين، وله ذامين. ### | المقامة الإبليسية # حدثنا عيسى بن ms46 هشام قال: # أضللت إبلا لي، فخرجت في طلبها، فحللت بواد خضر، فإذا أنهار مصردة، ~~وأشجار باسقة، وأثمار يانعة، وأزهار منورة، وأنماط مبسوطة، وإذا شيخ جالس، ~~فراعني منه ما يروع الوحيد من مثله، فقال: لا بأس عليك، # PageV01P243 # فسلمت عليه، وأمرني بالجلوس فامتثلت، وسألني عن حالي فأخبرت، فقال لي: ~~أصبت دالتك ووجدت ضالتك، فهل تروي من أشعار العرب شيئا؟ قلت: نعم، فأنشدت ~~لامرئ القيس، # PageV01P244 # وعبيد # PageV01P247 # ولبيد # PageV01P248 # وطرفة # PageV01P251 # فلم يطرب # PageV01P252 # لشيئ من ذلك، وقال: أنشدك مشن شعري؟ فقلت له: إيه، فأنشد: # PageV01P253 # بان الخليط ولو طوعت ما باناوقطعوا من حبال الوصل أقرانا # حتى أتى على القصيدة كلها، فقلت: يا شيخ هذه القصيدة لجرير قد حفظتها ~~الصبيان، وعرفها النسوان، وولجت الأخبية. # PageV01P254 # ووردت الأندية، فقال: دعني من هذا، وإن كنت تروي لأبي # PageV01P255 # نواس شعرا # PageV01P256 # فأنشدنيه، فأنشدته: # PageV01P257 # لا أندب الدهر ربعا غير مأنوسولست أصبو إلى الحادين بالعيس # أحق منزلة بالهجر منزلة ... وصل الحبيب عليها غير ملبوس # يا ليلة غبرت ما كان أطيبهاوالكوس تعمل في إخواننا الشوس # وشادن نطقت بالسحر مقلته ... مزنر حلف تسبيح وتقديس # PageV01P258 # نازعته الريق والصهباء صافيةفي زي قاض ونسك الشيخ إبليس # لما ثملنا وكل الناس قد ثملوا ... وخفت صرعته إياي بالكوس # غططت مستنعسا نوما لأنعسهفاستشعرت مقلتاه النوم من كيسي # وامتد فوق سرير كان أرفق بي ... على تشعثه من عرش بلقيس # وزرت مضجعه قبل الصباح وقددلت على الصبح أصوات النواقيس # فقال: من ذا؟ فقلت: القس زار، ولابد لديرك من تشميس قسيس # PageV01P259 # فقال: بئس لعمري أنت من رجلفقلت: كلا فإني لست بإبليس # قال: فطرب الشيخ وشهق وزعق، فقلت: قبحك الله من شيخ لا أدري أبانتحالك، ~~شعر جرير أنت أسخف أم بطربك من شعر أبي نواس وهو فويسق عيار؟؟. فقال: دعني ~~من هذا وامض على وجهك، فإذا لقيت في طريقك رجلا معه نحي صغير يدور في ~~الدور، حول القدور، يزهى بحليته، ويباهي بلحيته، فقل له: دلني على # PageV01P260 # حوت مصرور، في بعض البحور، مخطف الخصور، يلدغ كالزنبور، ويعتم بالنور، ~~أبوه حجر، وأمه ذكر، ورأسه ذهب، واسمه لهب، وباقيه ذنب، ms47 له في الملبوس، عمل ~~السوس، وهو في البيت، آفة الزيت، شريب لا ينقع، أكول لا يشبع، بذول لا ~~يمنع، ينمى إلى الصعود، ولا ينقص ماله من جود، يسوءك ما يسره، وينفعك ما ~~يضره، وكنت أكتمك حديثي، وأعيش معك في رخاء، لكنك أبيت فخذ الآن، فما أحد ~~من الشعراء إلا ومعه معين منا، وأنا أمليت على جرير هذه القصيدة، وأنا ~~الشيخ أبو مرة. # PageV01P261 # قال عيسى بن هشام: ثم غاب ولم أره # PageV01P262 # ومضيت لوجهي، فلقيت رجلا # PageV01P263 # في يده مذبة، فقلت: هذا والله صاحبي، وقلت له ما سمعت منه # PageV01P264 # فناولني مسرجة، وأومأ إلى غار في الجبل مظلم، فقال: دونك الغار، ومعك ~~النار، قال: فدخلته فإذا أنا بإبلي قد أخذت سمتها، فلويت وجوهها ورددتها، ~~وبينا أنا في تلك الحالة في الغياض أدب الخمر، إذ بأبي الفتح الإسكندري ~~تلقاني بالسلامش، فقلت: ما حداك ويحك إلى هذا المقام؟ قال: جور الأيام، في ~~الأحكام، وعدم الكرام، من الأنام، قلت: فاحكم حكمك يا أبا الفتح، فقال: ~~احملني على قعود، وأرق لي ماء في عود، # PageV01P265 # فقلت: لك ذلك، فأنشأ يقول: # نفسي فداء محكم ... كلفته شططا فأسجح # ما حك لحيته، ولا ... مسح المخاط، ولا تنحنح # ثم أخبرته بخبر الشيخ، فأومأ إلى عمامته، وقال: هذه ثمرة بره، فقلت: يا ~~أبا الفتح شحذت على إبليس؟ إنك لشحاذ!! # PageV01P266 ### | المقامة الأرمنية # حدثنا عيسى بن هشام قال: لما قفلنا من تجارة إرمينية أهدتنا الفلاة إلى ~~أطفالها، وعثرنا بهم في أذيالها، وأناخونا بأرض نعامة، حتى استنظفوا ~~حقائبنا، وأراحوا ركائبنا، وبقينا بياض اليوم، وقدء نظمنا القد أحزابا، ~~وربطت خيولنا اغتصابا. # PageV01P267 # حتى أردف الليل أذنابه، ومد النجم أطنابه، ثم انتحوا عجز الفلاة، وأخذنا ~~صدرها، وهلم جرا، حتى طلع حسن الفجر من نقاب الحشمة، # PageV01P268 # وانتضى سيف الصبح من قراب الظلمة، فما طلعت شمس النهار، إلا على الأشعار ~~والأبشار، وما زلنا بالأهوال ندرأ حجبها، وبالفلوات نقطع نجبها، حتى حللنا ~~المراغة، وكل منا انتظم إلى رفيق، وأخذ في طريق، وانضم إلى شاب يعلوه صفار، ~~وتعلوه # PageV01P269 # أطمار، يكنى أبا الفتح الإسكندري، وسرنا ms48 في طلب أبي جابر فوجدناه يطلع من ~~ذات لظي، تسجر بالغضا، فعمد الإسكندري إلى رجل فاستماحه كف ملح، وقال ~~للخباز: أعرني رأس التنور، فإني مقرور، ولما فرع سنامه جعل يحدث القوم ~~بحاله، ويخبرهم باختلاله، وينشر الملح فشي التنور من تحت أذياله، يوهمهم أن ~~أذى بثيابه، فقال الخباز: ما لك لا أبا لك؟! اجمع أذيالك # PageV01P270 # فقد أفسدت الخبز علينا، وقام إلى الرغفان فرماها، وجعل الإسكندري ~~يلتقطها، ويتأبطها، فأعجبتني حيلته فيما فعل، وقال: اصبر علي حتى أحتال على ~~الأدم، فلا حيلة مع العدم، وصار إلى رجل قد صفف أواني نظيفة فيها ألوان ~~الألبان، فسأله عن الأثمان، واستأذن في الذوق، فقال: أفعل، فأدار في الآنية ~~إصبعه، كأنه يطلب شيئا ضيعه، ثم قال: ليس معي ثمنه، وهل # PageV01P271 # لك رغبة في الحجامة؟ فقال: قبحك الله! أنت حجام؟ قال: نعم، فعمد لأعراضه ~~يسبها، وإلى الآنية يصبها، فقال الإسكندري: آثرني على الشيطان، فقال: خذها ~~لا بورك لك فيها، فأخذها وأوينا إلى خلوة، وأكلناها بدفعة، وسرنا حتى أتينا ~~قرية استطعمنا أهلها، فبادر من بين الجماعة فتى إلى منزله، فجاءنا بصفحة قد ~~سد اللبن أنفاسها، حتى بلغ رأسها، فجعلنا نتحساها، حتى استوفيناها، ~~وسألناهم الخبز، فأبوا إلا بالثمن، فقال الإسكندري: ما لكم تجودون باللبن، ~~وتمنعون الخبز إلا بالثمن؟ فقال الغلام: # PageV01P272 # كان هذا اللبن في غضارة، قد وقعت فيه فارة، فنحن نتصدق به على السيارة، ~~فقال الإسكندري: إنا لله! وأخذ الصحفة فكسرها، فصاح الغلام: واحرباه، ~~وامحروباه، فاقشعرت منا الجلدة، وانقلبت علينا المعدة، ونفضنا ما كنا ~~أكلناه، وقلت: هذا جزاء ما بالأمس فعلناه، وأنشأ أبو الفتح الإسكندري يقول: # يا نفس لا تتغثى ... فالشهم لا يتغثا # من يصحب الدهر يأكل ... فيه سمينا وغثا # فالبس لدهر جديدا ... والبس لآخر رثا # PageV01P273 ### | المقامة الناجمية # حدثنا عيسى بن هشام قال: بت ذات ليلة في كتيبة فضل من رفقائي، فتذاكرنا ~~الفصاحة، وما ودعنا الحديث حتى قرع علينا الباب، فقلت: من المنتاب؟ فقال: ~~وفد الليل وبريده، وفل الجوع وطريده، وغريب نضوه طليح وعيشه تبريح، # PageV01P274 # ومن دون فرخيه مهامه فيح، ms49 وضيف ظله خفيف، وضالته رغيف، فهل منكم مضيف؟ ~~فتبادرنا إلى فتح الباب وأنخنا راحلته، وجمعنا رحلته، وقلنا: دارك أتيت، ~~وأهلك وافيت، وهلم البيت، وضحكنا إليه، ورحبنا به، وأريناه ضالته، وساعدناه ~~حتى شبع، وحادثناه حتى أنس، وقلنا: من الطالع بمشرقه، الفاتن بمنطقه؟؟ ~~فقال: لا يعرف العود كالعاجم، وأنا المعروف بالناجم، عاشرت الدهر لأخبره، ~~فعصرت أعصره، وحلبت # PageV01P275 # أشطره، وجربت الناس لأعرفهم، فعرفت منهم غثهم وسمينهم، والغربة لأذوقها، ~~فما لمحتني أرض إلا فقأت عينها، ولا انتظمت رفقة إلا ولجت بينها، فأنا في ~~الشرق أذكر، وفي الغرب لا أنكر، فما ملك إلا وطئت بساطه، ولا خطب إلا خرقت ~~سماطه، وما سكنت حرب إلا وكنت فيها سفيرا، قد جربني الدهر في زمني رخائه ~~وبوسه، ولقيني بوجهي بشره وعبوسه. # PageV01P276 # فما بحت لبوسه إلا بلبوسه: # وإن كان صرف الدهر قدما أضر بيوحملني من ريبه ما يحمل # فقد جاء بالإحسان حيث أحلنيمحلة صدق ليس عنها محول # قلنا: لا فض فوك، والله أنت وأبوك، ما يحرم السكوت إلا عليك، ولا يحل ~~النطق إلا لك، فمن أين طلعت؟ وأي تغرب؟ وما الذي يحدو أملك أمامك، ويسوق ~~غرضك قدامك؟؟ قال: أما الوطن فاليمن، وأما الوطر فالمطر، وأما السائق ~~فالضر، والعيش المر، قلنا: فلو أقمت بهذا المكان لقاسمناك العمر # PageV01P277 # فما دونه، ولصادفت من الأمطار ما يزرع، ومن الأنواء ما يكرع، قال: ما ~~أختار عليكم صحبا، ولقد وجدت فناءكم رحبا، ولكن أمطاركم ماء والماء لا يروي ~~العطاش، قلنا فأي الأمطار يرويك؟ قال: مطر خلفي، وأنشأ يقول: # سجستان أيتها الراحلة ... وبحرا يؤم المنى ساحله # PageV01P278 # ستقصد أرجان إن زرتها ... بواحدة مائة كاملة # وفضل الأمير على ابن العميد ... كفضل قريش على باهلة # PageV01P279 # قال عيسى بن هشام: فخرج وودعناه # PageV01P280 # وأقمنا بعده برهة نشتاقه، # PageV01P281 # ويؤلمنا فراقه، فبينا نحن بيوم غيم في سمط الثريا جلوس إذ # PageV01P282 # المراكب تساق، والجنائب تقاد، وإذا رجل قد هجم علينا، فقلنا: من الهاجم؟ ~~فإذا شيخنا الناجم، يرفل في نيل المنى، وذيل الغنى، فقمنا إليه معانقين، ~~وقلنا: ما وراءك يا عصام، فقال: # PageV01P283 # جمال موقرة، وبغال ms50 مثقلة، وحقائب مقفلة، وأنشأ يقول: # مولاي أي رذيلة لم يأبها ... خلف؟ وأي فضيلة لم يأتها؟ # PageV01P284 # ما يسمع العافين إلا هاكها ... لفظا، وليس يجاب إلا هاتها # PageV01P285 # إن المكارم أسفرت عن أوجه ... بيض، وكان الخال في وجناتها # بأبي شمائله التي تجلو العلا ... ويدا ترى البركات في حركاتها # من عدها حسنات دهر إنني ... ممن يعد الدهر من حسناتها # قال عيسى بن هشام: فسألنا الله بقاءه، وأن يرزقنا لقاءه، وأقام الناجم ~~أياما مقتصرا من لسانه، على شكر إحسانه، ولا يتصرف من كلامه، إلا في مدح ~~أيامه، والتحدث بإنعامه. ### | المقامة الخلفية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # لما وليت أحكام البصرة، وانحدرت إليها عن الحضرة، صحبني في المركب شاب ~~كأنه # PageV01P286 # العافية في البدن، فقال: إني في أعطاف الأرض وأطرافها ضائع، لكني أعد معد ~~ألف، وأقوم مقام صف، وهل لك أن تتخذني صنيعة، ولا تطلب مني ذريعة، فقلت: ~~وأي # PageV01P287 # ذريعة آكد من فضلك؟ وأي وسيلة أعظم من عقلك؟؟ لا بل أخدمك خدمة الرفيق، ~~وأشاركك في السعة والضيق، وسرنا فلما وصلنا البصرة غاب عني أياما، فضقت ~~لغيبته ذرعا، ولم أملك صبرا، فأخذت أفتش جيوب البلد حتى وجدته، فقلت: ما ~~الذي أنكرت؟ ولم هجرت؟ فقال: إن الوحشة تقدح في الصدر اقتداح النار في ~~الزند، فإن أطفئت بادت وتلاشت، # PageV01P288 # وإن عاشت، طارت وطاشت، والقطر إذا تتابع على الإناء امتلأ وفاض، والعتب ~~إذا ترك فرخ وباض، والحر لا يعلقه شرك كالعطاء، ولا يطرده سوط كالجفاء، ~~وعلى كل حال، # PageV01P289 # ننظر من عال، على الكريم نظر إدلال، وعلى اللئيم نظر إذلال، فمن لقينا ~~بأنف طويل، لقيناه بخرطوم فيل، ومن لحظنا بنظر شزر، بعناه بثمن نزر، # PageV01P290 # وأنت لم تغرسني ليقتلعني غلامك، ولا اشتريتني لتبيعني خدامك، والمرء من ~~غلمانه، كالكتاب من عنوانه، فإن كان جفاؤهم شيئا أمرت به فما الذي أوجب؟ ~~وإن لم تكن علمت به كان أعجب!! ثم قال: # PageV01P291 # ظفرت يدا خلف بن أحمد؛ إنه ... سهل الفناء مؤدب الخدام # أو ما رأيت الجود يجتاز الورى ... ويحل من يده بدار مقام # قال عيسى بن هشام: ms51 ثم أعرض وتبعته أستعطفه، وما زلت # PageV01P292 # ألاطفه حتى انصرف، بعد أن حلف أن لا أوردت من أساء عشرته، فوهبت له ~~حرمته. ### | المقامة النيسابورية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت بنيسابور يوم جمعة، فحضرت المفروضة، ولما قضيتها اجتاز بي رجل قد لبس ~~دنية # PageV01P293 # وتحنك سنية، فقلت لمصل بجنبي: من هذا؟ قال: هذا سوس لا يقع إلا في صوف ~~الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على الزرع الحرام # PageV01P294 # ولص لا ينقب إلا خزانة الأوقاف، وكردي لا يغير إلا على الضعاف، وذئب لا ~~يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود، ومحارب لا ينهب مال الله إلا بين ~~العهود والشهود # PageV01P295 # وقد لبس دنيته، وخلع دينيته، وسوى طيلسانه، وحرف يده ولسانه، وقصر سباله، ~~وأطال حباله، وأبدى شقاشقه، وغطي مخارقه # PageV01P296 # وبيض لحيته، وسود صحيفته، وأظهر ورعه، وستر طمعه فقلت لعن الله هذا فمن ~~أنت؟ قال: أنا رجل أعرف بالإسكندري، فقلت: سقي الله أرضا أنبتت هذا الفضل، ~~وأبا خلف هذا النسل، فأين تريد؟ قال: الكعبة، فقلت: بخ بخ بأكلها ولما ~~تطبخ، ونحن إذا رفاق فقال: كيف # PageV01P297 # ذلك وأنا مصعد وأنت مصوب؟! قلت: فكيف تصعد إلى الكعبة؟ قال: أما إني أريد ~~كعبة المحتاج، لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرم، لا مشعر الحرم، وبيت السبي، لا ~~بيت الهدي، # PageV01P298 # وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة، ومنى الضيف، لا منى الخيف، قلت: وأين هذه ~~المكارم؟ فأنشأ يقول: # بحيث الدين والملك المؤيد ... وخد المكرمات به مورد # PageV01P299 # بأرض تنبت الآمال فيها ... لأن سحابها خلف بن أحمد. ### | المقامة العلمية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت في بعض مطارح الغربة مجتازا، فإذا أنا برجل ~~يقول لآخر: بم أدركت العلم؟ وهو يجيبه، قال: طلبته فوجدته بعيد المرام، لا ~~يصطاد بالسهام، ولا يقسم بالأزلام، # PageV01P300 # ولا يرى في المنام، ولا يضبط باللجام، ولا يورث عن الأعمام، ولا يستعار ~~من الكرام، فتوسلت إليه بافتراش المدر، # PageV01P301 # واستناد الحجر، ورد الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، ~~وكثرة النظر، وإعمال الفكر، فوجدته شيئا لا يصلح إلا للغرس، ولا يغرس إلا ~~بالنفس، وصيدا لا يقع ms52 إلا في الندر، ولا ينشب إلا في الصدر، وطائرا لا ~~يخدعه إلا قنص اللفظ، ولا يعلقه إلا شرك الحفظ، فحملته على الروح، وحبسته ~~على العين. # PageV01P302 # وأنفقت من العيش، وخزنت في القلب، وحررت بالدرس، واسترحت من النظر إلى ~~التحقيق، ومن التحقيق إلى التعليق، واستعنت في ذلك بالتوفيق، فسمعت من ~~الكلام ما فتق السمع ووصل إلى القلب وتغلغل في الصدر، فقلت: يا فتى، ومن ~~أين مطلع هذه الشمس؟ فجعل يقول: # إسكندرية داري ... لو قر فيها قراري # لكن بالشام ليلي ... وبالعراق نهاري. # PageV01P303 ### | المقامة الوصية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # لما جهز أبو الفتح الإسكندري ولده للتجارة أقعده يوصيه، فقال بعد ما حمد ~~الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم: يا بني إني وإن وثقت ~~بمتانة عقلك، وطهارة أصلك، فإني شفيق، والشفيق سيئ الظن، ولست آمن عليك ~~النفس وسلطانها، والشهوة وشيطانها، فاستعن عليهما نهارك بالصوم وليلك ~~بالنوم، إنه لبوس ظهارته الجوع، وبطانته # PageV01P304 # الهجوع، وما لبسهما أسد إلا لانت ثورته، أفهمتهما يابن الخبيثة؟ وكما ~~أخشى عليك ذاك، فلا آمن عليك لصين: أحدهما الكرم، واسم الآخر القرم، فإياك ~~وإياهما؛ إن الكرم أسرع # PageV01P305 # في المال من السوس، وإن القرم أشأم من البسوس. # PageV01P306 # ودعني # PageV01P307 # من قولهم # PageV01P308 # " إن الله # PageV01P309 # كريم " # PageV01P310 # إنها خدعة الصبي عن اللبن، بلى إن الله لكريم، ولكن كرم الله يزيدنا ولا ~~ينقصه، وينفعنا ولا يضره، ومن كانت هذه حاله، فلتكرم خصاله، فأما كرم لا ~~يزيدك حتى ينقصني، ولا يريشك حتى يبريني، فخذلان لا أقول عبقري، ولكن بقري. # PageV01P311 # أفهمتهما يا ابن المشؤومة؟ إنما التجارة، تنبط الماء من الحجارة، وبين ~~الأكلة والأكلة ريح البحر، بيد أن لا خطر، والصين غير أن لا سفر، أفتتركه ~~وهو معرض ثم تطلبه وهو معوز؟ # PageV01P312 # أفهمتها لا أم لك؟ # PageV01P313 # إنه المال عافاك الله # PageV01P314 # فلا تنفقن إلا من # PageV01P315 # الربح، وعليك # PageV01P316 # بالخبز والملح، # PageV01P317 # ولك في الخل والبصل رخصة # PageV01P318 # ما لم تذمهما، ولم تجمع بينهما، واللحم لحمك وما أراك تأكله، والحلو طعام ~~من لا يبالي على أي جنبيه يقع، والوجبات عيش الصالحين، والأكل ms53 على الجوع ~~واقية الفوت، وعلى الشبع داعية الموت، ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج: خذ كل # PageV01P319 # ما معهم، واحفظ كل ما معك. # يا بني قد أسمعت وأبلغت، فإن قبلت فالله حسبك، وإن أبيت فالله حسيبك، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ### | المقامة الصيمرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: قال محمد بن إسحاق المعروف بأبي العنبس الصيمري: ~~إن مما نزل بي من إخواني الذين اصطفيتهم وانتخبتهم وادخرتهم للشدائد ما فيه ~~عظة وعبرة وأدب لمن اعتبر واتعظ وتأدب. # PageV01P320 # وذلك أني قدمت من الصيمرة # PageV01P321 # إلى مدينة السلام، ومعي جراب دنانير ومن الخرثي والآلة وغير ذلك ما لا ~~أحتاج معه إلى أحد، فصحبت من أهل البيوتات والكتاب والتجار، ووجوه الثناء ~~من أهل الثروة واليسار، والجدة والعقار، جماعة اخترتهم للصحبة، وادخرتهم ~~للنكبة، فلم نزل في صبوح وغبوق، نتغذى بالجدايا الرضع والطباهجات # PageV01P322 # الفارسية، والمدققات الإبراهيمية، والقلايا المحرقة والكباب الرشيدي ~~والحملان، وشرابنا نبيذ العسل، وسماعنا من المحسنات الحذاق، الموصوفات في ~~الآفاق، ونقلنا اللوز المقشر والسكر والطبرزد، وريحاننا الورد وبخورنا ~~الند، وكنت عندهم # PageV01P323 # أعقل من عبد الله بن عباس. # PageV01P324 # وأظرف من أبي نواس، وأسخى من حاتم، # PageV01P325 # وأشجع من # PageV01P326 # عمرو، # PageV01P331 # وأبلغ من # PageV01P332 # سحبان وائل # PageV01P333 # وأدهى من قصير، وأشعر من جرير، وأعذب من ماء الفرات، وأطيب من العافية، ~~لبذلي ومروءتي، وإتلاف ذخيرتي، فلما # PageV01P335 # خف المتاع، وانحط الشراع وفرغ الجراب، تبادر القوم الباب، لما أحسوا ~~بالقصة، وصارت في قلوبهم غصة، ودعوني # PageV01P336 # برصة، وانبعثوا للفرار كرمية الشرار، وأخذتهم الضجرة، فانسلوا قطرة قطرة، ~~وتفرقوا يمنة ويسرة، وبقيت على الآجرة، قد أورثوني الحسرة، واشتملت منهم ~~على العبرة # PageV01P337 # لا أساوي بعرة، وحيدا فريدا كالبوم، الموسوم بالشوم، أقع وأقوم، كأن الذي ~~كنت فيه لم يكن، وندمت حين لم تنفعني الندامة، فبدلت بالجمال وحشة، وصارت ~~بي طرشة، أقبح من رهطة المنادى، كأني راهب عبادي، وقد ذهب المال وبقي # PageV01P338 # الطنز، وحصل بيدي ذنب العنز، وحصلت في بيتي وحدي متفتتة كبدي، لتعس جدي، ~~قد قرحت دموعي خدي، أعمر منزلا درست طلوله، وعفت معالمه سيوله، فأضحى وأمسى ms54 # PageV01P339 # بربعه الوحوش، تجول وتنوش، وقد ذهب جاهي، ونفدت صحاحي، وقل مراحي، وسلحت ~~في راحي، ورفضني الندماء، والإخوان القدماء، لا يرفع لي رأس، ولا أعد من ~~الناس، أوتح من بزيع الهراس ورزين المراس، أتردد على الشط، كأني راعي البط، ~~أمشي وأنا حافي، وأتبع الفيافي، عيني سخينة، # PageV01P340 # ونفسي رهينة، كأني مجنون قد أفلت من دير، أو عير يدور في الحير، أشد حزنا ~~من الخنساء على صخر. # PageV01P341 # ومن هند # PageV01P342 # على عمرو # PageV01P343 # وقد تاه عقلي، وتلاشت صحتي، وفرغت صرتي، وفر غلامي، وكثرت أحلامي، وجزت ~~في الوسواس المقدار، وصرت بمنزلة العمار، وشيطان الدار، أظهر بالليل وأخفى ~~بالنهار أشأم من حفار وأثقل من كراء الدار وأرعن من طيطىء القصار وأحمق من ~~داود العصار وقد حالفتني القلة وشملتني الذلة، وخرجت من الملة، وأبغضت في ~~الله، وكنت أبا العنبس، فصرت أبا عملس. # PageV01P344 # قد ضللت المحجة، وصارت علي الحجة، لا أجد لي ناصرا، والإفلاس عندي أراه ~~حاضرا، فلما رأيت الأمر قد صعب، والزمان قد كلب، التمست الدرهم فإذا هو مع ~~النسرين، وعند منقطع # البحرين، وأبعد من الفرقدين. # PageV01P345 # فخرجت أسيح كأني المسيح، فجلت خراسان، والخراب منها والعمران، إلى كرمان ~~وسجستان، وجيلان إلى طبرستان وإلى عمان إلى السند، والهند، والنوبة، ~~والقبط، واليمن، والحجاز، ومكة، والطائف، أجول البراري والقفار، وأصطلي ~~بالنار، وآوي مع الحمار، حتى اسودت وجنتاي، وتقلصت خصيتاي، فجمعت من ~~النوادر والأخبار والأسمار، والفوائد والآثار، وأشعار المتطرفين، وسخف ~~الملهين، وأسمار المتيمين، وأحكام المتفلسفين، وحيل المشعوذين، ونواميس ~~المتمخرقين، ونوادر المنادمين، ورزق المنجمين، ولطف المتطببين، وكياد # PageV01P346 # المخنثين، # PageV01P347 # ودخمسة الجرابذة، وشيطنة الأبالسة، وما قصر عنه فتيا الشعبي، وحفظ الضبي. # PageV01P349 # وعلم الكلبي. # PageV01P350 # فاسترفدت واجتديت، وتوسلت وتكديت، ومدحت وهاجيت، حتى كسبت ثروة من المال، ~~واتخذت من الصفائح الهندية، والقضب اليمانية، والدروع السابرية. # PageV01P351 # والدرق التبتية، والرماح الخطية، والحراب البربرية، والخيل العتاق ~~الجردية، والبغال الأرمنية، # PageV01P352 # والحمر المريسية، والديابيج الرومية، والخزوز السوسية، وأنواع الطرف ~~واللطف، والهدايا والتحف، مع حسن الحال، وكثرة المال، فلما قدمت بغداد ووجد ~~القوم خبري، وما رزقته في سفري، سروا بمقدمي، وصاروا بأجمعهم إلي، يشكون ما ms55 ~~عندهم من الوحشة لفقدي، وما نالهم لبعدي، وشكوا شدة الشوق، ورزء التوق # PageV01P353 # وجعل كل واحد منهم يعتذر مما فعل، ويظهر الندم على ما صنع، فأوهمتهم أني ~~قد صفحت عنهم، ولم أظهر لهم أثر الموجدة عليهم بما تقدم، فطابت نفوسهم، ~~وسكنت جوارحهم، وانصرفوا على ذلك، وعادوا إلي في اليوم الثاني، فحبستهم ~~عندي، ووجهت وكيلي إلى السوق فلم يدع شيئا تقدمت بشرائه إلا أتى به، وكانت ~~لنا طباخة حاذقة؛ فاتخذت عشرين لونا من قلايا محرقات، وألوانا من طباهجات، ~~ونوادر معدات، وأكلنا وانتقلنا إلى مجلس # PageV01P354 # الشراب، فأحضرت لهم زهراء خندريسية، ومغنيات حسان محسنات، فأخذوا في ~~شأنهم وشربنا، فمضى لنا أحسن يوم يكون، وقد كنت استعددت لهم بعددهم خمسة ~~عشر صنا من صنان الباذنجان، كل صن بأربعة آذان، واستأجر غلامي لكل واحد ~~منهم حمالا، كل حمال بدرهمين، وعرف الحمالين منازل القوم، وتقدم إليهم ~~بالموافاة بعشاء الآخرة، وتقدمت إلى غلامي وكان داهية أن يدفع # PageV01P355 # إلى القوم بالمن والرطل، ويصرف لهم، وأنا أبخر بين أيديهم الند والعود ~~والعنبر، فما مضت ساعة إلا وهم من السكر أموات لا يعقلون ووافانا غلمانهم ~~عند غروب الشمس كل واحد منهم بدابة أو حمار أو بغلة، فعرفتهم أنهم عندي ~~الليلة بائتون، فانصرفوا، ووجهت إلى بلال المزين فأحضرته، وقدمت إليه طعاما ~~فأكل، وسقيته من # الشراب القطر بلى، فشرب حتى ثمل، وجعلت في فيه دينارين أحمرين، وقلت: ~~شأنك والقوم، فحلق في ساعة واحدة خمس عشرة لحية، فصار القوم جردا مردا، ~~كأهل الجنة، وجعلت لحية كل واحد منهم مصرورة في ثوبه، ومعها رقعة مكتوب ~~فيها: " من أضمر بصديقه الغدر وترك الوفاء، كان هذا مكافأته والجزاء ". ~~وجعلتها في جيبه، وشددناهم في الصنان، ووافى الحمالون عشاء الآخرة، فحملوهم ~~بكرة خاسرة، فحصلوا في منازلهم، فلما أصبحوا رأوا في نفوسهم هما عظيما، لا ~~يخرج منهم تاجر إلى دكانه، ولا كاتب إلى ديوانه، ولا يظهر لإخوانه، فكان كل ~~يوم يأتي خلق كثير من خولهم، ومن نساء وغلمان ورجال يشتمونني ويزنونني، ~~ويستحكمون الله علي، وأنا ساكت لا أرد عليهم جوابا، ms56 ولم أعبأ بمقالهم، وشاع ~~الخبر بمدينة السلام بفعلي معهم، ولم يزل الأمر يزداد حتى بلغ الوزير ~~القاسم بن عبيد الله. وذلك أنه طلب كاتبا له فافتقده، فقيل: إنه في منزله ~~لا يقدر على الخروج، قال: ولم؟ قيل: من أجل ما صنع أبو العنبس؛ لأنه كان ~~امتحن بعشرته ومنادمته، فضحك حتى كاد يبول في سراويله أو بال، والله أعلم. ~~ثم قال: والله لقد أصاب وما أخطأ فيما فعل، ذروه فإنه أعلم الناس بهم، ثم ~~وجه إلي خلعة سنية، وقاد فرسا بمركب، وحمل إلي خمسين ألف درهم، لاستحسانه ~~فعلي، ومكثت في منزلي شهرين أنفق وآكل وأشرب، ثم ظهرت بعد الاستتار، ~~فصالحني بعضهم لعلمه بما صنع الوزير، وحلف بعضهم بالطلاق الثلاث وبعتق ~~غلمانه وجواريه أنه لا يكلمني من رأسه أبدا، فلا والله العظيم شانه، العلي ~~برهانه، ما اكترثت بذلك، ولا باليت، ولا حك أصل أذني، ولا أوجع بطني، ولا ~~صرني، بل سرني، وإنما كانت حاجة في نفس يعقوب قضاها. ر بلى، فشرب حتى ثمل، ~~وجعلت في فيه دينارين أحمرين، وقلت: شأنك والقوم، فحلق في ساعة # PageV01P356 # واحدة خمس عشرة لحية، فصار القوم جردا مردا، كأهل الجنة، وجعلت لحية كل ~~واحد منهم مصرورة في ثوبه، ومعها رقعة مكتوب فيها: " من أضمر بصديقه الغدر ~~وترك الوفاء، كان هذا مكافأته والجزاء ". وجعلتها في جيبه، وشددناهم في ~~الصنان، ووافى الحمالون عشاء الآخرة، فحملوهم بكرة خاسرة، فحصلوا في ~~منازلهم، فلما أصبحوا رأوا في نفوسهم هما عظيما، لا يخرج منهم تاجر إلى ~~دكانه، ولا كاتب إلى ديوانه، ولا يظهر لإخوانه، فكان كل يوم يأتي خلق كثير ~~من خولهم، ومن نساء وغلمان ورجال يشتمونني ويزنونني، ويستحكمون الله علي، ~~وأنا ساكت لا أرد عليهم جوابا، ولم أعبأ بمقالهم، وشاع الخبر بمدينة السلام ~~بفعلي معهم، ولم يزل الأمر يزداد حتى بلغ الوزير القاسم بن عبيد الله. # PageV01P357 # وذلك أنه طلب كاتبا له فافتقده، فقيل: إنه في منزله لا يقدر على الخروج، ~~قال: ولم؟ قيل: من أجل ما صنع أبو العنبس؛ لأنه كان امتحن بعشرته ms57 ومنادمته، ~~فضحك حتى كاد يبول في سراويله أو بال، والله أعلم. ثم قال: والله لقد أصاب ~~وما أخطأ فيما فعل، ذروه فإنه أعلم الناس بهم، ثم وجه إلي خلعة سنية، وقاد ~~فرسا بمركب، وحمل إلي خمسين ألف درهم، لاستحسانه فعلي، ومكثت في منزلي ~~شهرين أنفق وآكل وأشرب، ثم ظهرت بعد الاستتار، فصالحني بعضهم لعلمه بما صنع ~~الوزير، وحلف بعضهم بالطلاق الثلاث وبعتق غلمانه وجواريه أنه لا يكلمني # PageV01P359 # من رأسه أبدا، فلا والله العظيم شانه، العلي برهانه، ما اكترثت بذلك، ولا ~~باليت، ولا حك أصل أذني، ولا أوجع بطني، ولا صرني، بل سرني، وإنما كانت ~~حاجة في نفس يعقوب قضاها. # وإنما ذكرت هذا ونهت عليه ليؤخذ الحذر من أبناء الزمن، وتترك الثقة ~~بالإخوان الأنذال السفل، وبفلان الوراق النمام الزراف الذي ينكر حق ~~الأدباء، ويستخف بهم، ويستعير كتبهم لا يردها عليهم، والله المستعان، وعليه ~~التكلان. ### | المقامة الدينارية # حدثنا عيسى بن هشام قال: اتفق لي نذر نذرته في دينار # PageV01P360 # أتصدق به على أشحذ رجل ببغداد، وسألت عنه، فدللت على أبي الفتح ~~الإسكندري، فمضيت إليه لأتصدق به عليه، فوجدته في رفقة، قد اجتمعت عليه في ~~حلقة، فقلت: يا بني ساسان، أيكم أعرف بسلعته، وأشحذ في صنعته، فأعطيه هذا ~~الدينار؟ فقال # PageV01P361 # الإسكندري: أنا، وقال آخر من الجماعة: لا، بل أنا. ثم تناقشا وتهارشا حتى ~~قلت: ليشتم كل منكما صاحبه، فمن غلب سلب، ومن عز بز، فقال الإسكندري: يا ~~برد العجوز، # PageV01P362 # يا كربة تموز، يا وسخ الكوز، يا درهما لا يجوز، يا حديث المغنين، يا سنة ~~البوس، يا كوكب النحوس، يا وطأ الكابوس، يا تخمة الرؤس، يا أم حبين، # PageV01P363 # يا رمد العين، يا غداة البين، يا فراق المحبين، يا ساعة الحين # PageV01P364 # يا مقتل الحسين يا ثقل الدين يا سمة الشين يا بريد الشوم يا طريد اللوم ~~يا ثريد الثوم يا بادية الزقوم # PageV01P365 # يا منع الماعون يا سنة الطاعون يا بغي العبيد، يا آية الوعيد، يا كلام ~~المعيد، يا أقبح من حتى، في مواضع شتى، يا دودة ms58 الكنيف، يا فروة في المصيف، # PageV01P366 # يا تنحنح المضيف إذا كسر الرغيف، يا جشاء المخمور، يا نكهة الصقور، يا ~~وتد الدور، يا خذروفة القدور، يا أربعاء لا تدور، يا طمع المقمور، يا ضجر ~~اللسان، # PageV01P367 # يا بول الخصيان، يا مؤاكلة العميان، يا شفاعة العريانش، # PageV01P368 # يا سبت الصبيان، يا كتاب التعازي، يا قرارة المخازي، # PageV01P369 # يا بخل الأهوازي، يا فضول الرازي، والله لو وضعت إحدى رجليك على أروند، ~~والأخرى على دنباوند، وأخذت بيدك قوس قزح، # PageV01P370 # وندفت الغيم في جباب الملائكة، ما كنت إلا حلاجا. # وقال الآخر: يا قراد القرود، # PageV01P371 # يا لبود اليهود: يا نكهة الأسود، يا عدما في وجود، يا كلبا في الهراش، يا ~~قردا في الفراش، يا قرءعية بماش، يا أقل من لاش، يا دخان النفط، يا صنان ~~الإبط، يا زوال الملك، # PageV01P372 # يا هلال لهلك، يا أخبث ممن باء بذل الطلاق، ومنع الصداق، يا وحل الطريق، ~~يا ماء على الريق يامحرك العظم يامعجل الهضم يا قلح الأسنان، يا وسخ ~~الآذان، يا أجر من قلس، # PageV01P373 # يا أقل من فلس، يا أفضح من عبرة، يا أبغى من إبرة، يا مهب الخف، يضا ~~مدرجة الأكف، يا كلمة ليت، # PageV01P374 # يا وكف البيت، يا كيت وكيت، والله لو وضعت أستك على النجوم، ودليت رجلك ~~في التخوم، واتخذت الشعرى خفا، والثريا رفا، وجعلت السماء منوالا، وحكت ~~الهواء سربالا، فسديته بالنسر الطائر، وألحمته بالفلك الدائر، ما كنت إلا ~~حائكا. # قال عيسى بن هشام: فو الله ما علمت أي الرجلين أوثر؟! وما منهما إلا بديع ~~الكلام، عجيب المقام، ألد الخصام، فتركتهما، والدينار مشاع بينهما، وانصرفت ~~وما أدري ما صنع الدهر بهما. ### | المقامة الشعرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت ببلاد الشام، وانضم إلى # PageV01P375 # رفقة، فاجتمعنا ذات يوم في حلقة، فجعلنا نتذاكر الشعر فنورد أبيات ~~معانيه، ونتحاجى بمعاميه، وقد وقف علينا فتى يسمع وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه ~~يندم، فقلت: يا فتى قد آذانا وقوفك؛ فإما أن تقعد، وإما أن تبعد، فقال: لا ~~يمكنني القعود، ولكن أذهب فأعود، فالزموا مكانكم هذا، قلنا: نفعل ms59 وكرامة، ~~ثم غاب بشخصه، وما لبث أن عاد لوقته، وقال: أين أنتم من تلك الأبيات؟ وما ~~فعلتم بالمعميات؟ سلوني عنها، فما سألناه عن بيت إلا أجاب، ولا عن معنى إلا ~~أصاب، ولما نفضنا الكنائن، وأفنينا الخزائن، عطف علينا سائلا، وكر مباحثا، ~~فقال: عرفوني أي بيت شطره يرفع وشطره يدفع؟ وأي بيت كله يصفع؟ وأي بيت نصفه ~~يغضب، # PageV01P376 # ونصفه يلعب؟ وأي بيت كله أجرب؟ وأي بيت عروضه يحارب، وضربه يقارب وأي بيت ~~كله عقارب؟ وأي بيت سمج وضعه، وحسن قطعه؟ وأي بيت لا يرقأ دمعه؟ وأي بيت ~~يأبق كله، إلا رجله؟ وأي بيت لا يعرف أهله؟ وأي بيت هو أطول من مثله، كأنه ~~ليس من أهله؟ وأي بيت لا يمكن نبضه، ولا تحتفر أرضه؟ وأي بيت نصفه كامل ~~ونصفه سرابل؟ وأي بيت لا تحصى عدته؟ وأي بيت يريك ما يسر به؟ وأي بيت لا ~~يسعه # PageV01P377 # العالم؟ وأي بيت نصفه يضحك ونصفه يألم؟ وأي بيت إن حرك غصنه، ذهب حسنه؟ ~~وأي بيت إن جمعناه، ذهب معناه؟ وأي بيت إن أفلتناه، أضللناه؟ وأي بيت شهده ~~سم؟ وأي بيت مدحه ذم؟ وأي بيت لفظه حلو وتحته غم؟ وأي بيت حله عقد، وكله ~~نقد؟ وأي بيت نصفه مد، ونصفه رد؟ وأي بيت نصفه رفع، ورفعه صفع؟ وأي بيت ~~طرده مدح؟ وعكسه قدح؟ وأي بيت هو في طوف صلاة الخوف؟ وأي بيت يأكله الشاء ~~متى شاء؟ وأي بيت إذا أصاب الراس هشم الأضراس، وأي بيت طال، حتى بلغ ستة ~~أرطال؟ وأي بيت قام، ثم سقط ونام؟ وأي بيت أراد أن ينقص فزاد؟ وأي بيت كاد ~~يذهب فعاد؟ # PageV01P378 # وأي بيت حرب العراق؟ وأي بيت فتح البصرة؟ وأي بيت ذاب، تحت العذاب؟ وأي ~~بيت شاب، قبل الشباب؟ وأي بيت عاد قبل الميعاد؟ وأي بيت حل، ثم اضمحل؟ وأي ~~بيت أمر، ثم استمر؟ وأي بيت أصلح، حتى صلح؟ وأي بيت اسبق من سهم الطرماح؟ ~~وأي بيت خرج من عينهم؟ وأي بيت ضاق، ووسع الآفاق؟ وأي بيت رجع، فهاج الوجع؟ ms60 ~~وأي بيت نصفه ذهب، وباقيه ذنب؟ وأي بيت بعضه ظلام، وبعضه مدام؟ وأي بيت جعل ~~فاعله مفعولا، وعاقله معقولا؟ وأي بيت كله حرمة؟ وأي بيتين هما كقطار ~~الإبل؟ وأي بيت ينزل من عال؟ وأي بيت طيرته في الفال؟ وأي بيت آخره # PageV01P379 # يهرب، وأوله يطلب؟ وأي بيت أوله يهب، وآخره ينهب؟. # قال عيسى بن هشام: فسمعنا شيئا لم نكن سمعناه، وسألناه التفسير فمنعناه، ~~وحسبناه ألفاظا قد جود نحتها، ولا معاني تحتها، فقال: اختاروا من هذه ~~المسائل خمسا لأفسرها، واجتهدوا في الباقي أياما، فلعل إناءكم يرشح، ولعل ~~خاطركم يسمح، ثم إن عجزتم فاستأنفوا التلاقي، لأفسر الباقي، وكان مما ~~اخترنا البيت الذي سمج وضعه وحسن قطعه، فسألناه عنه فقال: هو قول أبي نواس: # فبتنا يرانا الله شر عصابة ... تجرر أذيال الفسوق ولا فخر # قلنا: فالبيت الذي حله عقد، وكله نقد، فقال: قول الأعشى: # دراهمنا كلها جيد ... فلا تحبسنا بتنقادها # PageV01P380 # وحله أن يقال دراهمنا جيد كلها ولا يخرج بهذا الحل عن وزنه قلنا: فالبيت ~~الذي نصفه مد، ونصفه رد، فقال: قول البكري: # أتاك دينار صدق ... ينقص ستين فلسا # من أكرم الناس إلا ... أصلا وفرعا ونفسا # قلنا: فالبيت الذي يأكله الشاء، متى شاء، قال: بيت القائل # فما للنوى؟ جذ النوى، قطع النوىرأيت النوى فطاعة للقرائن # قلنا فالبيت الذي طال، حتى بلغ ستة أرطال، قال: بيت ابن الرومي: # PageV01P381 # إذا من لم يمنن بمن يمنهوقال لنفسي: أيها النفس أمهلي # قال عيسى بن هشام: فعلمنا أن المسائل، ليست عواطل، واجتهدنا، فبعضها ~~وجدنا، وبعضها استفدنا، فقلت على أثره وهو عاد: # تفاوت الناس فضلا ... وأشبه البعض بعضا # لولاه كنت كرضوى ... طولا وعمقا وعرضا ### | المقامة الملوكية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت في منصرفي من اليمن، وتوجهي إلى نحو الوطن، ~~أسرى ذات ليلة لا سانح بها إلا الضبع، # PageV01P382 # ولا بارح إلا السبع، فلما انتضى نصل الصباح، وبرز جبين المصباح، عن لي في ~~البراح، راكب شاكي السلاح، فأخذني منه ما يأخذ الأعزل، من مثله إذا أقبل، ~~لكني تجلدت فوقفت وقلت: أرضك لا ms61 أم لك، فدوني شرط الحداد، وخرط القتاد، ~~وحمية أزدية، وأنا سلم إن كنت، فمن # PageV01P383 # أنت؟ فقال: سلما أصبت، ورفيقا كما أحببت، فقلت: خيرا أجبت، وسرنا فلما ~~تخالينا، وحين تجالينا، أجلت القصة عن أبي الفتح الإسكندري، وسألني عن أكرم ~~من لقيته من الملوك، فذكرت ملوك الشام، ومن بها من الكرام، وملوك العراق ~~ومن بها من الأشراف، وأمراء الأطراف، وسقت الذكر، إلى ملوك مصر، فرويت ما ~~رأيت، وحدثته، بعوارف ملوك اليمن، ولطائف ملوك الطائف، وختمت الجملة، بذكر ~~سيف الدولة، فأنشأ يقول: # يا ساريا بنجوم الليل يمدحهاولو رأى الشمس لم يعرف لها خطرا # PageV01P384 # وواصفا للسواقي هبك لم تزر ال بحر المحيط ألم تعرف له خبرا # من أبصر الدر لم يعدل به حجراومن رأى خلفا لم يذكر البشرا # زره تزر ملكا يعطي بأربعة لم يحوها أ؟ حد وانظر إليه ترى # أيامه غررا، ووجهه قمرا، ... وعزمه قدرا، وسيبه مطرا # PageV01P385 # ما زلت أمدح أقواما أظنهمصفو الزمان؛ فكانوا عنده كدرا # قال عيسى بن هشام: فقلت: من هذا الملك الر؟ حيم الكريم؟ فقال: كيف يكون، ~~ما لم تبلغه الظنون؟ وكيف أقول، ما لم تقبله العقول؟ ومتى كان ملك يأنف ~~الأكارم، إن بعثت بالدراهم؟ والذ؟ هب، أيسر ما يهب، والالف، لا يعمه إلا ~~الخلف، وهذا جبل الكحل قد أضر به الميل فكيف لا يؤثر # PageV01P386 # ذلك العطاء الجزيل؟ وهل يجوز أن يكون ملك يرجع من البذل إلى سرفه، ومن ~~الخلق إلى شرفه، ومن الدين إلى كلفه ومن الملك إلى كنفه، ومن الأصل إلى ~~سلفه، ومن النسل إلى خلفه: # فليت شعري من هذي مآثرهما ذا الذي ببلوغ النجم ينتظر؟!. # PageV01P387 ### | المقامة الصفرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: لما أردت القفول من الحج، دخل إلي فتى فقال: ~~عندي رجل من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، وقد أدبته ~~الغربة، وأدتني الحسبة إليك، لأمثل حاله لديك، وقد خطب منك جارية صفراء، ~~تعجب الحاضرين، وتسر الناظرين، فإن أحببت ينجب # PageV01P388 # منهما ولد يعم البقاع والأسماع، فإذا طويت هذا الريط، و؟؟ ثنيت هذا ~~الخيط، يكون ms62 قد سبقك إلى بلدك، فرأيك في نشر ما في يدك. # قال عيسى بن هشام: فعجبت من إيراده، ولطفه في سؤاله، وأجبته في مراده، ~~فأنشأ يقول: # المجد يخدع باليد السفلى ... ويد الكريم ورأيه أ؟ على. # PageV01P389 ### | المقامة السارية # حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن بسارية، عند واليها، إذ دخل عليه فتى ~~به ردع صفار، فانتفض المجلس له قياما، وأجلس في صدره إعظاما، ومنعتني ~~الحشمة له من مسألتي إياه عن اسمه، وابتدأ فقال للوالي: ما فعلت في الحديث ~~الأمسي، لعلك جعلته في المنسي؟! فقال: معاذ الله، ولكن عاقني عن بلوغه عذر ~~لا يمكن شرحه، ولا يؤسى جرحه، فقال # PageV01P390 # الداخل: يا هذا قد طال مطال هذا الوعد، فما أجد غدك فيه إلا كيومك، ولا ~~يومك فيه إلا كأمسك، فما أشبهك في الإخلاف، إلا بشجر الخلاف، زهره يملأ ~~العين، ولا ثمر في البين. # قال عيسى بن هشام: فلما بلغ هذا المكان قطعت عليه، فقلت: حرسك الله! ألست ~~الإسكندري؟ فقال: وأدام حراستك، ما أحسن فراستك! فقلت: مرحبا بأمير الكلام، ~~وأهلا بضالة الكرام، لقد نشدتها حتى وجدتها، وطلبتها، حتى أصبتها، # PageV01P391 # ثم ترافقنا حتى اجتذبني نجد، ولقمه وهد، وصعدت وصوب، وشرقت وغرب، فقلت ~~على أثره: # ياليت شعري عن أخ ... ضاقت يداه وطال صيته # قد بات بارحة لدي ... فأين ليلتنا مبيته # لا در در الفقر فه وطريده وبه رزيته # PageV01P392 # لا سلطن عليه من ... خلف بن أحمد من يميته ### | المقامة التميمية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # وليت بعض الولايات من بلاد الشام، ووردها سعد بن بدر أخو فزارة، وقد ولي ~~الوزارة، # PageV01P393 # وأحمد الوليد، # PageV01P394 # على عمل البريد، وخلف بن سالم، على عمل المظالم، # PageV01P395 # وبعض بني ثوابة، وقد ولي الكتابة # PageV01P396 # وجعل عمل الزمام، إلى رجل من أهل الشام، # PageV01P397 # فصارت # PageV01P398 # تحفة الفضلاء، ومحط رحالهم، ولم يزل يرد الواحد بعد الواحد، حتى امتلأت ~~العيون من الحاضرين، وثقلوا على القلوب، وورد فيمن ورد أبو الندى التميمي، ~~فلم تقف عليه العيون، # PageV01P399 # ولا صفت له القلوب، ودخل يوما إلي فقدرته حق قدره، وأقعدته من المجلس في ms63 ~~صدره، وقلت: كيف يرجى الأستاذ عمره؟ وكيف يرى أمره؟ فنظر ذات اليمين وذات ~~اليسار، فقال: بين الخسران والخسار، والذل والصغار وقوم كروث الحمار، يشمهم ~~الإقبال وهم منتنون، ويحسن إليهم فلا يحسنون، أما والله لقد وردت منهم على ~~قوم ما يشبههم من الناس، غير الرأس واللباس، وجعل يقول: # PageV01P400 # فدى لك يا سجستان البلاد ... وللملك الكريم بك العباد # هب الأيام تسعدني وهبني ... تبلغنيه راحلة وزاد # فمن لي بالذي قد مات منه ... وبالعمر الذي لا يستعاد؟. ### | المقامة الخمرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: اتفق لي في عنفوان الشبيبة خلق سجيح، ورأي صحيح، ~~فعدلت ميزان # PageV01P401 # عقلي، وعدلت بين جدي وهزلي، واتخذت إخوانا للمقة، وآخرين للنفقة، وجعلت ~~النهار للناس، والليل للكاس. # قال: واجتمع إلي في بعض ليالي إخوان الخلوة، ذوو المعاني الحلوة، فما ~~زلنا # PageV01P402 # نتعاطى نجوم الأقداح، حتى نفد ما معنا من # PageV01P403 # الراح. # قال: واجتمع رأي الندمان، على فصد الدنان، فأسلنا نفسها، وبقيت كالصدف ~~بلا در، أو المصر بلا حر. # قال: ولما مستنا حالنا # PageV01P404 # تلك دعتنا دواعي الشطارة، إلى حان الخمارة، والليل أخضر الديباج، مغتلم ~~الأمواج، فلما أخذنا في # PageV01P405 # السبح، ثوب منادي الصبح، فخنس شيطان الصبوة، وتبادرنا إلى الدعوة، وقمنا ~~وراء الإمام، قيام البررة الكرام، بوقار وسكينة، وحركات موزونة، فلكل بضاعة ~~وقت، # PageV01P406 # ولكل صناعة سمت، وإمامنا يجد في خفضه ورفعه، ويدعونا بإطالته إلى صفعه، ~~حتى إذا راجع بصيرته، ورفع بالسلام عقيرته، تربع في ركن محرابه، وأقبل ~~بوجهه على أصحابه، وجعل يطيل إطراقه، ويديم استنشاقه، ثم قال: # PageV01P407 # أيها الناس من خلط في سيرته، وابتلي بقاذورته، فليسعه ديماسه، دون أن ~~تنجسنا أنفاسه، إني لأجد منذ اليوم، ريح أم الكبائر من بعض القوم، فما جزاء ~~من بات صريع الطاغوت، ثم ابتكر إلى هذه البيوت، التي أذن الله أن ترفع، ~~وبدابر هؤلاء أن # PageV01P408 # يقطع، وأشار إلينا، فتألبت الجماعة علينا، حتى مزقت الأردية، ودميت ~~الأقفية، وحتى أقسمنا لهم لا عدنا، وأفلتنا من بينهم وما كدنا، وكلنا مغتفر ~~للسلامة، مثل هذه الآفة، وسألنا من مر بنا من الصبية، عن إمام تلك ms64 القرية، ~~فقالوا: الرجل التقي، أبو الفتح الإسكندري، فقلنا: سبحان الله! ربما أبصر ~~عميت، # PageV01P409 # وآمن عفريت، والحمد لله لقد أسرع في أوبته، ولا حرمنا الله مثل توبته، ~~وجعلنا بقية يومنا نعجب من نسكه، مع ما كنا نعلم من فسقه. # قال: ولما حشرج النهار أو كاد، نظرنا فإذا برايات الحانات أمثال النجوم، ~~في الليل # PageV01P410 # البهيم، فتهادينا بها السراء، وتباشرنا بليلة غراء، ووصلنا إلى أفخمها ~~بابا، وأضخمها كلابا، وقد جعلنا الدينار إماما، والاستهتار لزاما، فدفعنا ~~إلى ذات شكل ودل، ووشاح # PageV01P411 # منحل، إذا قتلت ألحاظها، أحيت ألفاظها، فأحسنت تلقينا، # PageV01P412 # وأسرعت تقبل رؤوسنا وأيدينا، وأسرع من معها من العلوج، إلى حط الرحال ~~والسروج، وسألناها عن خمرها، فقالت: # خمر كريقي في العذو ... بة واللذاذة والحلاوة # PageV01P413 # تذر الحليم وما عليه لحلمه أدنى طلاوة # كأنما اعتصرها من خدي، أجداد جدي. # PageV01P414 # وسربلوها من القار، بمثل هجري وصدي، وديعة الدهور، وخبيئة جيب السرور، ~~وما زالت تتوارثها الأخيار، ويأخذ منها الليل والنهار، حتى لم يبق إلا أرج ~~وشعاع، # PageV01P415 # ووهج لذاع، ريحانة النفس، وضرة الشمس، فتاة البرق، # PageV01P416 # عجوز الملق، كاللهب في العروق، وكبرد النسيم في الحلوق، مصباح الفكر، ~~وترياق سم الدهر، بمثلها عزز الميت فانتشر، # PageV01P417 # ودووي الأكمه فأبصر، قلنا: هذه الضالة وأبيك، فمن المطرب في ناديك؟. # PageV01P418 # ولعلها تشعشع للشرب، بريقك العذب، قالت: إن لي شيخا ظريف الطبع، طريف ~~المجون، مر بي يوم الأحد في دير المربد، فسارني حتى سرني، # PageV01P419 # فوقعت الخلطة، وتكررت الغبطة، وذكر لي من وفور عرضه، وشرف قومه في أرضه، ~~ما عطف به ودي، وحظي به عندي، وسيكون لكم به أنس، وعليه حرص، قال: ودعت ~~بشيخها فإذا هو إسكندرينا أبو الفتح، فقلت: يا أبا الفتح، والله كأنما نظر ~~إليك، ونطق عن لسانك الذي يقول: # كان لي فيما مض ... ى عقل ودين واستقامة # PageV01P420 # ثم قد بعنا بحمد ... الله فقها بحجامة # ولئن عشنا قليلا ... نسأل الله السلامة # قال: فنخر نخرة المعجب، وصاح وزمهر، وضحك حتى قهقه. # PageV01P421 # ثم قال: ألمثلي يقال، أو بمثلي تضرب الأمثال؟؟ # دع من اللوم ولكن ... أي دكاك تراني # أنا ms65 من يعرفه كل ... تهام ويماني # أنا من كل غبار ... أنا من كل مكان # ساعة ألزم محرا با، وأخرى بيت حان # PageV01P422 # وكذا يفعل من يعق ... ل في هذا الزمان # قال عيسى بن هشام: فاستعذت بالله من مثل حاله، وعجبت لقعود الرزق عن ~~أمثالهش، وطبنا معه أسبوعنا ذلك، ورحلنا عنه. ### | المقامة المطلبية # حدثنا عيسى بن هشام قال: # اجتمعت يوما بجماعة كأنهم زهر الربيع، أو نجوم الليل بعد هزيع، بوجوه ~~مضية، وأخلاق # PageV01P423 # رضية، قد تناسبوا في الزي والحال، وتشابهوا في حسن الأحوال، فأخذنا ~~نتجاذب أذيال المذاكرة، ونفتح أبواب المحاضرة، وفي وسطنا شاب قصير من بين ~~الرجال، محفوف السبال، لا ينبس بحرف، # PageV01P424 # ولا يخوض معنا في وصف، حتى انتهى بنا الكلام إلى مدح الغنى وأهله، وذكر ~~المال وفضله، وأنه زينة الرجال، وغاية الكمال، فكأنما هب من رقدة، أو حضر ~~بعد غيبة، وفتح ديوانه، وأطلق لسانه، فقال: صه لقد عجزتم عن شيئ عدمتموه، # PageV01P425 # وقصرتم عن طلبه فهجنتموه، وخدعتم عن الباقي بالفاني، وشغلتم عن النائي ~~بالداني، هل الدنيا إلا مناخ راكب، وتعلة ذاهب؟ # PageV01P426 # وهل المال إلا عارية مرتجعة، ووديعة منتزعة؟ ينقل من قوم إلى آخرين، ~~وتخزنه الأوائل للآخرين، هل ترون المال إلا عند البخلاء، دون الكرماء، ~~والجهال دون العلماء؟ إياكم والانخداع فليس الفخر إلا في إحدى الجهتين، ولا ~~التقدم إلا بإحدى القسمتين: إما نسب شريف، أو علم منيف، وأكرم بشيء يحمل ~~على # PageV01P427 # الرؤوس حامله، ولا ييأس منه آمله، والله لولا صيانة النفس والعرض، لكنت ~~أغنى أهل الأرض، لأنني أعرف مطلبين، أحدهما بأرض طرسوس، تشره فيه النفوس، ~~من ذخائر العمالقة، وخبايا البطارقة، فيه مائة ألف مثقال، # PageV01P428 # وأما الآخر فهو ما بين سورا والجامعين، فيه ما يعم أهل الثقلين، من كنوز ~~الأكاسرة، وعدد الجبابرة، أكثره ياقوت أحمر، ودر وجوهر وتيجان مرصعة وبدر ~~مجمعة فلما أن سمعنا ذلك أقبلنا عليه وملنا إليه، وأخذنا نستعجز رأيه، في ~~القنوع بيسير المكاسب، مع أنه عارف بهذه المطالب، فأشار # PageV01P429 # إلى أنه يفزع من السلطان، ولا يثق إلى أحد من الإخوان، فقلنا له: قد ms66 ~~سمعنا حجتك، وقبلنا معذرتك، فإن رأيت أن تحسن إلينا، وتمن علينا، وتعرفنا ~~أحد هذين المطلبين، على أن لك الثلثين؛ فعلت، فأمال إلينا يده، وقال: من ~~قدم شيئا # PageV01P430 # وجده، ومن عرف ما ينال، هان عليه بذل المال، فكل منا حباه بما حضر، وتشوق ~~إلى ما ذكر، فلما ملأنا كفه، رفع إلينا طرفه، وقال: لابد أن يقضي علقا، ~~وننال ما يمسك رمقا، وقد ضاق وقتنا، والموعد غدا هاهنا إن شاء الله # PageV01P431 # تعالى. # قال عيسى بن هشام: فلما تفرقت تلك الجماعة، قعدت بعدهم ساعة، ثم تقدمت ~~إليه، وجلست بين يديه، وقلت وقد رغبت في معرفته، وتاقت نفسي إلى محادثته: ~~كأنني عارف بنسبك، وقد اجتمعت بك! فقال: نعم ضمنا طريق، وأنت لي رفيق، ~~فقلت: قد غيرك علي الزمان، وما أنسانيك إلا الشيطان، فأنشأ يقول: # PageV01P432 # أنا جبار الزمان ... لي من السخف معاني # وأنا المنفق بعد ال ... مال من كيس الأماني # منء أراد القصف والغر ... ف على عزف المثاني # PageV01P433 # واصطفى المردان جهلا ... من فلان وفلان # صار من مال وإقبا ... ل تراه في أمان ### | المقامة البشرية # حدثنا عيسى بن هشام قال: كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكا. # PageV01P434 # فأغار على # PageV01P435 # ركب فيهم # PageV01P436 # امرأة جميلة، # PageV01P437 # فتزوج بها، وقال: ما رأيت كاليوم، فقالت: # أعجب بشرا حور في عيني ... وساعد أبيض كاللجين # PageV01P438 # ودونه مسرح طرف العين ... خمصانة ترفل في حجلين # PageV01P439 # أحسن من يمشي على رجلين ... لو ضم بشر بينها وبيني # PageV01P440 # أدام هجري وأطال بيني ... ولو يقيس زينها بزيني # لأسفر الصبح لذي عينين قال بشر: ويحك من عنيت؟ فقالت: بنت عمك فاطمة، ~~فقال: # PageV01P441 # أهي من الحسن بحيث وصفت؟ قالت: وأزيد وأكثر، فأنشأ يقول: # ويحك يا ذات الثنايا البيض ... ما خلتني منك بمستعيض # فالآن إذ لوحت بالتعريض ... خلوت جوا فاصفري وبيضي # PageV01P442 # لا ضم جفناي على تغميض ... ما لم أشل عرضي من الحضيض # فقالت: # PageV01P443 # كم خاطب في أمرها ألحا ... وهي إليك ابنة عم لحا # ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته، ومنعه العم أمنيته، فآلى ألا يرعى على أحد ~~منهم إن لم يزوجه ابنته، ثم ms67 كثرت مضراته # PageV01P444 # فيهم، واتصلت معراته إليهم؛ فاجتمع رجال الحي إلى عمه، وقالوا: كف عنا ~~مجنونك، فقال: لا تلبسونشي عارا، وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل، فقالوا: ~~أنت وذاك، ثم قال له عمه: # PageV01P445 # إني آليت أن لا أزوج ابنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهرا، ولا ~~أرضاها إلا من نوق خزاعة، وغرض العم كان أن يسلك بشر الطريق بينه وبين ~~خزاعة فيفترسه الأسد؛ لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق، وكان فيه أسد ~~يسمى داذا، وحية تدعى شجاعا، يقول فيهما قائلهم: # PageV01P446 # أفتك من داذ ومن شجاع ... إن يك داذ سيد السباع # فإنها سيدة الأفاعي ثم إن بشرا سلك ذلك الطريق، فما نصفه حتى لقي الأسد، ~~وقمص مهره، فنزل وعقره، ثم اخترط سيفه إلى الأسد، واعترضه، وقطه، ثم كتب ~~بدم الأسد على قميصه إلى ابنة عمه: # PageV01P447 # أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # PageV01P448 # إذا لرأيت ليثا زار ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # PageV01P449 # تبهنس إذ تقاعس عنه مهري ... محاذرة، فقلت: عقرت مهرا # PageV01P450 # أنل قدمي ظهر الأرض؛ إني ... رأيت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا # PageV01P451 # يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب على أخرى # PageV01P452 # يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا # PageV01P453 # وفي يمناي ماضي الحد أبقى ... بمضربه قراع الموت أثرا # PageV01P454 # ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا # PageV01P456 # وقلبي مثل قلبك ليس يخشى ... مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟! # وأنت تروم للأشبال قوتا ... وأطلب لابنة الأعمام مهرا # PageV01P457 # ففيم تسوم مثلي أن يولي ... ويجعل في يديك النفس قسرا؟ # نصحتك فالتمس يا ليث غيري ... طعاما؛ إن لحمي كان مرا # PageV01P458 # فلما ظن أن الغش نصحى ... وخالفني كأني قلت هجرا # مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا # PageV01P459 # هززت له الحسام فخلت أني ... سللت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بجائشة أرته ... بأن كذبته ما منته غدرا # PageV01P460 # وأطلقت المهند من يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا # PageV01P461 # فخر مجدلا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا # وقلت له: يعز ms68 علي أني ... قتلت مناسبي جلدا وفخرا؟ # PageV01P462 # ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك، فلم أطق ياليث صبرا # تحاول أن تعلمني فرارا! ... لعمر أبيك قد حاولت نكرا! # PageV01P463 # فلا تجزع؛ فقد لاقيت حرا ... يحاذر أن يعاب؛ فمت حرا # فإن تك قد قتلت فليس عارا ... فقد لاقيت ذا طرفين حرا # فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها، # PageV01P464 # وخشي أن تغتاله الحية، فقام في أثره، وبلغه وقد ملكته سورة الحية، فلما ~~رأى عمه أخذته حمية الجاهلية، فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها، فقال: # بشر إلى المجد بعيد همه ... لما رآه بالعراء عمه # قد ثكلته نفسه وأمه ... جاشت به جائشة تهمه # قام إلى ابن للفلا يؤمه ... فغاب فيه يده وكمه # PageV01P465 # ونفسه نفسي وسمي سمه # فلما قتل الحية قال عمه: إني عرضتك طمعا في أمر قد ثنى الله عناني عنه، ~~فارجع لأزوجك ابنتي، فلما رجع جعل بشر يملأ فمه فخرا، حتى طلع أمرد كشق ~~القمر على فرسه مدججا في سلاحه، فقال بشر: يا عم إني أسمع حس صيد، وخرج ~~فإذا بغلام على قيد، فقال: ثكلتك أمك يا بشر! أن قتلت دودة وبهيمة تملأ # PageV01P466 # ماضغيك فخرا؟ أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا أم لك قال ~~اليوم الأسود والموت الأحمر، فقال بشر: ثكلتك من سلحتك، فقال: يا بشر ومن ~~سلحتك، وكر كل واحد منهما على صاحبه، فلم يتمكن بشر منه، وأمكن الغلام ~~عشرون طعنة في كلية بشر، كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه، ثم ~~قال: يا بشر كيف ترى؟ أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح؟ ثم ألقى رمحه ~~واستل سيفه فضرب بشرا عشرين # PageV01P467 # ضربة بعرض السيف، ولم يتمكن بشر من واحدة، ثم قال: يا بشر سلم عمك واذهب ~~في أمان، قال: نعم، ولكن بشريطة أن تقول من أنت، فقال: أنا ابنك، فقال: يا ~~سبحان الله ما قارنت عقيلة قط فأنى لي هذه المنحة؟؟ فقال: أنا ابن المرأة ~~التي دلتك على ابنة عمك، فقال بشر: # تلك العصا من ms69 هذه العصية ... هل تلد الحية إلا الحية! # PageV01P468 # وحلف لا ركب حصانا، ولا تزوج حصانا. # PageV01P470 # ثم زوج ابنة عمه لابنه. # والله سبحانه وتعالى أعلى واعلم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل ~~وإمام المتقين، وعلى أله وصحبه وسلم. # وهذا آخر ما تيسر لنا من التعليق على مقامات أبي الفضل بديع الزمان ~~الهمذاني، والله المسئول أن يجعله عملا مقبولا، وأن يحسن جزاءنا عليه، إنه ~~وحده الذي عنده الجزاء، والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين ولا ~~عدوان إلا على الظالمين. PageV01P471 ms70